######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0000773 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن عبد الرحيم بن الشهيد وجيه الدين بن معظم بن منصور المعروف بـ «الشاه ولي الله الدهلوي» (المتوفى: 1176هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1176 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: حجة الله البالغة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: فقه عام #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0000773 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-773 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/773 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: السيد سابق #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، سنة الطبع: 1426 هـ - 2005م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الجيل، بيروت - لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # القسم الأول # في القواعد الكلية التي تستنبط منها المصالح المرعية # في الأحكام الشرعية وهي سبعة مباحث في سبعين بابا # PageV01P039 # المبحث الأول # في أسباب التكليف والمجازاة ### | (باب الإبداع والخلق والتدبير) # اعلم أن الله تعالى بالنسبة إلى إيجاد العالم ثلاث صفات مترتبة: # أحدها: الإبداع وهو إيجاد شيء لا من شيء فيخرج الشيء من كتم العدم بغير ~~مادة: وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول هذا الأمر؟ فقال: كان الله ~~ولم يكن شيء قبله. # والثانية: الخلق وهو إيجاد الشيء من شيء كما خلق آدم من التراب: # {وخلق الجان من مارج من نار} . # وقد دل العقل والنقل على أن الله تعالى خلق العالم أنواعا وأجناسا وجعل ~~لكل نوع وجنس خواص، فنوع الإنسان مثلا خاصته النطق، وظهور البشرة واستواء ~~القامة، وفهم الخطاب، ونوع الفرس خاصته الصهيل، وكون بشرته شعراء، وقامته ~~عوجاء، وألا يفهم الخطاب، # وخاصة السم إهلاك الإنسان الذي يتناوله، وخاصة الزنجبيل الحرارة ~~واليبوسة، وخاصة الكافور البرودة، وعلى هذا القياس جميع الأنواع من المعدن ~~والنبات والحيوان. # وجرت عادة الله تعالى ألا تنفك الخواص عما جعلت خواص لها، وأن تكون ~~مشخصات الأفراد خصوصا في تلك الخواص، وتعينا لبعض محتملاتها، فكذلك مميزات ~~الأنواع خصوصا في خواص أجناسها، وأن تكون معاني هذه الأسامي المترتبة في ~~العموم والخصوص، كالجسم والنامي والحيوان والإنسان وهذا الشخص متمازجة ~~متشابكة في الظاهر، ثم يدرك العقل الفرق بينها، ويضيف كل خاصة إلى ما هي ~~خاصة له، # PageV01P041 # وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم خواص كثير من الأشياء، وأضاف الآثار ~~إليها كقوله صلى الله عليه وسلم: # " التلبينة مجمة لفؤاد المريض ". وقوله في الحبة السوداء: # " شفاء من كل داء إلى السام " وقوله في أبوال الإبل وألبانها: # " شفاء للذربة بطونهم " وقوله في الشبرم: # " حار جار ". # والثالثة تدبير عالم المواليد ومرجعه إلى تصيير حوادثها موافقة للنظام ~~الذي ترتضيه حكمته مفضية إلى المصلحة التي اقتضاها وجوده كما أنزل من ~~السحاب مطرا، وأخرج به نبات الأرض ليأكل منه الناس والأنعام، فيكون سببا ~~لحياتهم إلى أجل معلوم. وكما أن ms001 إبراهيم صلوات الله عليه ألقي في النار # فجعلها الله بردا وسلاما؛ ليبقى حيا، وكما أن أيوب عليه السلام كان اجتمع ~~في بدنه مادة المرض، فأنشأ الله تعالى عينا فيها شفاء مرضه. وكما أن الله ~~تعالى نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم، فأوحى إلى نبيه صلى الله ~~عليه وسلم أن ينذرهم ويجاهدم؛ ليخرج من شاء من الظلمات إلى النور. # وتفصيل ذلك أن القوى المودعة في المواليد التي لا تنفك عنها لما تزاحمت ~~وتصادمت أوجبت حكمة الله حدوث أطوار مختلفة بعضها جواهر وبعضها أعراض ~~والأعراض إما أفعال أو إرادات من ذوات الأنفس أو غيرها، وتلك الأطوار لا شر ~~فيها بمعنى عدم صدور ما يقتضيه سببه أو صدور ضد ما يقتضيه، والشيء الذي ~~اعتبر بسببه المقتضى لوجوده كان حسنا لا محالة كالقطع حسن من حيث أنه ~~يقتضيه جوهر الحديد وإن كان قبيحا من حيث فوت بنية إنسان، لكن فيها شر ~~بمعنى حدوث شيء غيره أوفق بالمصلحة منه باعتبار الآثار أو عدم حدوث شيء ~~آثاره محمودة، وإذا تهيأت أسباب هذا الشر اقتضت رحمة الله بعباده ولطفه بهم ~~وعموم قدرته على الكل وشمول علمه بالكل أن يتصرف في تلك القوى والأمور ~~الحاملة لها بالقبض والبسط والإحالة والإلهام، حتى تفضى تلك الجملة إلى ~~الأمر المطلوب # PageV01P042 # أما القبض فمثاله ما ورد في الحديث أن الدجال يريد أن يقتل العبد المؤمن ~~في المرة الثانية، فلا يقدر الله عليه مع صحة داعية القتل وسلامة أدواته ~~وأما البسط فمثاله أن الله تعالى أنبع عينا لأيوب صلوات الله عليه بركضه ~~الأرض وليس بالعادة أن تقضي الركضة إلى نبوع الماء، وأقدر بعض المخلصين من ~~عباده في الجهاد على ما لا يتصوره العقل من مثل تلك الأبدان ولا من ~~أضعافها، وأما الأحالة ممثالها جعل النار هواء طيبة لإبراهيم عليه السلام، ~~وأما الإلهام فمثاله قصة خرق السفينة وإقامة الجدار وقتل الغلام وإنزال ~~الكتب والشرائع على الأنبياء عليهم السلام. . والإلهام تارة يكون # للمبتلى وتارة يكون لغيره لاجله والقرآن العظيم بين أنواع التدبير بما لا ms002 ~~مزيد عليه. ### | (باب ذكر عالم المثال) # اعلم أنه دلت أحاديث كثيرة على أن في الوجود عالما غير عنصري تتمثل فيه ~~المعاني بأجسام مناسبة لها في الصفة، وتتحقق هنالك الأشياء قبل وجودها في ~~الأرض نحوا من التحقق، فإذا وجدت كانت هي هي بمعنى من معاني هو هو، وإن ~~كثير من الأشياء مما لا جسم لها عند العامة تنتقل وتنزل، ولا يراها جميع ~~الناس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لما خلق الله الرحم قامت فقالت هذا ~~مكان العائذ بك من القطيعة "، وقال: " أن البقرة وآل عمران تأتيان يوم ~~القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن أهلهما ~~"، وقال: " تجيء الأعمال يوم القيامة فتجيء الصلاة ثم تجيء الصدقة، ثم يجيء ~~الصيام " الحديث، وقال: " أن المعروف والمنكر لخليقتان تنصبان للناس يوم ~~القيامة، فأما المعروف فيبشر أهله، وأما المنكر فيقول: إليكم إليكم، ولا ~~يستطيعون له إلا لزوما " وقال: " أن الله تعالى يبعث الأيام يوم القيامة ~~كهيئتها، ويبعث الجمعة زهراء منيرة ". # وقال: " يؤتى بالدنيا يوم القيامة بصورة عجوز شمطاء زرقاء أنيابها، مشوه ~~خلقها " وقال: " هل ترون ما أرى؟ فإني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم # PageV01P043 # كمواقع القطر " وقال في حديث الإسراء: " فإذا أربعة أنهار نهران باطنان ~~ونهران ظاهران، فقلت، ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان ففي الجنة، وأما ~~الظاهران فالنيل والفرات " وقال في حديث صلاة الكسوف: " صورت لي الجنة ~~والنار " وفي لفظ " بيني وبين جدار القبلة " وفيه أنه بسط # يده ليتناول عنقودا من الجنة، وأنه تكعكع من النار، ونفخ في حرها ورأى ~~فيها سارق الحجيج، والمرأة التي ربطة الهرة حتى ماتت، ورأى في الجنة امرأة ~~مومسة سقت الكلب، ومعلوم أن تلك المسافة لا تتسع للجنة والنار بأجسادهما ~~المعلومة عند العامة. وقال: " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات " ثم ~~أمر جبريل أن ينظر إليهما وقال: " ينزل ينزل البلاء فيعالجه الدعاء ". ~~وقال: " خلق الله العقل فقال له: أقبل فأقبل وقال له أدبر فأدبر ". وقال: " ~~هذان كتابان من رب العالمين " الحديث، وقال: " يؤتى بالموت ms003 كأنه كبش، فيذبح ~~بين الجنة والنار "، وقال تعالى: # {فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا} . # واستفاض في الحديث أن جبريل كان يظهر للنبي صلى الله عليه وسلم ويتراءى ~~له فيكلمه، ولا يراه سائر الناس، وأن القبر يفسح سبعين ذراعا في سبعين أو ~~يضم حتى تختلف أضلاع المقبور وأن الملائكة تنزل على المقبور، فتسأله وأن ~~عمله يتمثل له، وأن الملائكة تنزل إلى المحتضر بأيديهم الحرير أو المسح وأن ~~الملائكة تضرب المقبور بمطرقة من حديد، فيصيح صيحة يسمعها ما بين المشرق ~~والمغرب، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ليسلط على الكافر في قبره تسعة ~~وتسعون تنينا تنهسه، وتلدغه حتى تقوم الساعة، وقال: " وإذا أدخل الميت ~~القبر مثلت له الشمس عند غروبها، فيجلس يمسح عينيه، ويقول: " دعوني أصلي " ~~واستفاض في الحديث: أن الله تعالى يتجلى بصور كثيرة لأهل الموقف، وأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم يدخل على ربه وهو على كرسيه وأن الله تعالى يكلم ابن ~~آدم شفاها إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة. # والناظر في هذه الأحاديث بين إحدى ثلاثة: إما أن يقر بظاهرها فيضطر إلى ~~إثبات عالم ذكرنا شأنه وهذه هي التي تقتضيها قاعدة أهل الحديث نبه على ذلك ~~السيوطي رحمه الله تعالى، وبها أقول، وإليها أذهب، # PageV01P044 # أو يقول: أن هذه الوقائع تتراءى لحس الرائي، وتتمثل له في بصره، وإن لم ~~تكن خارج حسه، وقال بنظير ذلك عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: # {يوم تأتي السماء بدخان مبين} . # أنهم أصابهم جدب فكان أحدهم ينظر إلى السماء، فيرى كهيئة الدخان من ~~الجوع، ويذكر عن ابن الماجشون أن كل حديث جاء في التنقل والرؤية في المحشر، ~~فمعناه أنه يغير أبصار خلقه، فيرونه نازلا متجليا ويناجي خلقه، ويخاطبهم ~~وهو غير متغير عن عظمته ولا منتقل ليعلموا أن الله على كل شيء قدير، أو ~~يجعلها تمثيلا لتفهم معان أخرى، ولست أرى المقتصر على الثالثة من أهل الحق، ~~وقد صور الإمام الغزالي في عذاب القبر تلك المقامات الثلاث حين قال: أمثال ~~هذه الأخبار لها ms004 ظواهر صحيحة وأسرار خفية، ولكنها عند أرباب البصائر واضحة، ~~فمن لم ينكشف له حقائقها، فلا ينبغي أن ينكر ظواهرها، بل أقل درجات الإيمان ~~التسليم والتصديق (فإن قلت) فنحن نشاهد الكافر في قبره مدة، ونراقبه، ولا ~~نشاهد شيئا من ذلك، فما وجه التصديق على خلاف المشاهدة # (فاعلم) أن لك ثلاث مقامات في التصديق بأمثال هذا: # أحدها وهو الأظهر والأصلح والأسلم: أن تصدق بأنها موجودة، وهي تلدغ ~~الميت، ولكنك لا تشاهد ذلك فإن هذه العين لا تصلح لمشاهدة الأمور ~~الملكوتية، وكل ما يتعلق في بالآخرة فهو في علم الملكوت. . أما ترى الصحابة ~~رضي الله عنهم كيف كانوا يؤمنون بنزول جبريل عليه السلام، # وما كانوا يشاهدونه، ويؤمنون بأنه عليه السلام يشاهده، فإن كنت لا تؤمن ~~بهذا فتصحيح أصل الإيمان بالملائكة والوحي أهم عليك وإن كنت آمنت به، وجوزت ~~أن يشاهد النبي صلى الله عليه وسلم ما لا تشاهده الأمة، فكيف لا تجوز هذا ~~في الميت، وكما أن الملك لا يشبه الآدميين والحيوانات، فالحياة والعقارب ~~التي تلدغ في القبر ليست من جنس حيات عالمنا، بل هي جنس آخر، وتدرك بحاسة ~~أخرى. # المقام الثاني: أن تتذكر أمر النائم، وأنه قد يرى في نومه حية تلدغه، وهو ~~يتألم بذلك حتى تراه ربما يصيح ويعرق جبينه، وقد ينزعج من مكانه كل ذلك ~~يدركه من نفسه # PageV01P045 # ويتأذى به كما يتأذى اليقظان وهو يشاهده، وأنت ترى ظاهره ساكنا ولا ترى ~~حواليه حية ولا عقربا، والحية موجودة في حقه والعذاب حاصل ولكنه في حقك غير ~~مشاهد، وإذا كان العذاب في ألم اللدغ فلا فرق بين حية تتخلل أو تشاهد. # المقام الثالث: إنك تعلم أن الحية بنفسها لا تؤلم بل الذي يلقاك منها هو ~~ألم السم، ثم السم ليس هو الألم، بل عذابك في الأثر الذي يحصل فيك من السم، ~~فلو حصل مثل ذلك الأثر من غير سم لكان العذاب قد توفر وكان لا يمكن تعريف ~~ذلك النوع من العذاب إلا بأن يضاف إلى السبب الذي يفضى إليه في العادة، ~~فإنه ms005 لو خلق في الإنسان لذة الوقاع مثلا من غير مباشرة صورة الوقاع لم يمكن ~~تعريفها إلا بالإضافة إليه لتكون الإضافة للتعريف بالسبب وتكون ثمرة السبب ~~حاصلة وإن لم تحصل صورة السبب، والسبب يراد لثمرته لا لذاته، وهذه الصفات ~~المهلكات تنقلب مهلكات مؤذيات ومؤلمات في النفس عند الموت فيكون آلامها ~~كآلام لدغ الحيات من غير وجودها. انتهى ### | (باب ذكر الملأ الأعلى) # قال الله تعالى: # {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون ~~للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ~~وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم ~~وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم وقهم السيئات ومن تق السيئات ~~يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم} . # وقال رسول صلى الله عليه وسلم: # " إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا ~~لقوله، كأنه صلصة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ ~~قالوا: الحق وهو العلي الكبير " وفي رواية " إذا قضى أمرا سبح حملة العرش، ~~ثم يسبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ~~ثم قال: الذين يلون حملة العرش، # PageV01P046 # لحملة العرش ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال، فيستخبر بعض أهل السموات ~~بعضا حتى يبلغ الخبر أهل هذه السماء " وقال رسول صلى الله عليه وسلم: # " إني قمت من الليل، فتوضأت، وصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي حتى # استثقلت، فإذا أنا بربي تبارك وتعالى في أحسن صورة فقال: يا محمد قلت: ~~لبيك رب قال فيما يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري قالها ثلاثا. قال: ~~فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله من ثديي، فتجلى لي كل شيء ~~وعرفت. فقال: يا محمد قلت: لبيك رب. قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في ~~الكفارات. قال: وما هن؟ قلت: مشي الأقدام إلى الجماعات والجلوس في المساجد ~~بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء حين الكريهات. قال: ثم فيم؟ قال: قلت: في ~~الدرجات؟ قال: وما ms006 هن؟ قلت: إطعام الطعام ولين الكلام، والصلاة بالليل ~~والناس نيام " وقال رسول صلى الله عليه وسلم: " أن الله إذا أحب عبدا دعا ~~جبرائيل فقال: إني أحب فلانا فأحبه. قال: فيحبه جبرائيل. ثم ينادي في ~~السماء فيقول: أن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له ~~القبول في الأرض. وإذا أبغض عبدا دعا جبرائيل فيقول إني أبغض فلان فأبغضه ~~قال: فيبغضه جبرائيل ثم ينادي في أهل السماء أن الله يبغض فلانا فأبغضوه ~~قال فيبغضونه ثم يوضع له البغضاء في الأرض " وقال رسول صلى الله عليه وسلم: # " الملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون: اللهم ~~ارحمه اللهم اغفر له اللهم تب عليه ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه " وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. " ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ~~ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا ويقول: الآخر اللهم أعط ممسكا ~~تلفا ". # اعلم أنه قد استفاض من الشرع: أن لله تعالى عبادا هم أفاضل الملائكة ~~ومقربو الحضرة لا يزالون يدعون لمن أصلح نفسه، وهذبها، وسعى في إصلاح الناس ~~فيكون دعاؤهم ذلك سبب نزول البركات عليهم، ويلعنون من عصى # الله، وسعى في الفساد، فيكون لعنهم سببا لوجود حسرة وندامة في نفس ~~العامل، وإلهامات في صدور الملأ السافل أن يبغضوا هذا المسيء، ويسيئوا ~~إليه، أما في الدنيا، أو حين يتخفف عنه جلباب بدنه بالموت الطبيعي، وأنهم ~~يكونون سفراء بين الله وبين عباده، وأنهم يلهمون في قلوب بني آدم خيرا أي ~~يكونون أسبابا لحدوث خواطر الخير فيهم بوجه من وجوه السببية، وأن لهم ~~اجتماعات # PageV01P047 # كيف شاء الله وحيث شاء الله يعبر عنهم باعتبار ذلك بالرفيق الأعلى، ~~والندى الأعلى والملأ الأعلى وأن الأرواح أفاضل الآدميين دخولا فيهم ولحوقا ~~بهم كما قال الله تعالى: # {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي ~~وادخلي جنتي} . # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " رأيت جعفر بن أبي طالب ملكا يطير في الجنة ms007 مع الملائكة بجناحين " # وأن هنالك ينزل القضاء، ويتعين الأمر المشار إليه في قوله تعالى: # {فيها يفرق كل أمر حكيم} . # وأن هنالك يتقرر الشرائع بوجه من الوجوه. # واعلم أن الملأ الأعلى ثلاثة أقسام: قسم علم الحق أن نظام الخير يتوقف ~~عليهم، فخلق أجساما نورية بمنزلة نار موسى، فنفخ فيها نفوس كريمة. # وقسم اتفق حدوث مزاج في البخارات اللطيفة من العناصر استوجب فيضان نفوس ~~شاهقة شديدة الرفض للألواث البهيمية. # وقسم هم نفوس إنسانية قريبة المأخذ من الملأ الأعلى ما زالت تعمل # أعمالا منجية تفيد اللحوق بهم حتى طرحت عنهم جلابيب أبدانها، فانسلكت في ~~سلكهم وعدت منهم، والملأ الأعلى شأنها أنها تتوجه إلى بارئها توجها ممعنا ~~لا يصدها عن ذلك التفات إلى شيء وهو معنى قوله تعالى: # {يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به} . # وتتلقى من ربها استحسان النظام الصالح واستهجان خلافه، فيقرع ذلك باب من ~~أبواب الجود الإلهي وهو معنى قوله تعالى: # {ويستغفرون للذين آمنوا} . # وأفضالهم تجتمع أنوارهم، وتتداخل فيما بينها عند الروح الذي وصفه النبي ~~صلى الله عليه وسلم بكثرة الوجوه والألسنة، فتصير هنالك كشيء واحد وتسمى ~~حظيرة القدس، وربما حصل في حظيرة القدس إجماع على إقامة حيلة لنجاة بني آدم ~~من الدواهي المعاشية والمعادية بتكميل أزكى خلق الله يومئذ وتمشية أمره في ~~الناس، فيوجب ذلك إلهامات في قلوب المستعدين من الناس أن يتبعوه، ويكونوا ~~أمة أخرجت للناس، ويوجب تمثل علوم فيها صلاح القوم وهداهم في قلبه وحيا ~~ورؤيا وهتفا، وأن تتراءى له فتكلمه شفاها، ويوجب نصر # PageV01P048 # أحبائه وتقريبهم من كل خير ولعن من صد عن سبيل الله وتقريبهم من كل ألم، ~~وهذا أصل من أصول النبوة، ويسمى إجماعهم المستمر بتأييد روح القدس، ويثمر ~~هنالك بركات لم تعهد في العادة فتسمى بالمعجزات. # ودون هؤلاء نفوس استوجب فيضانها حدوث مزاج معتدل في بخارات لطيفة لم تبلغ ~~بهم السعادة مبلغ الأولين، فصار كما لهم أن تكون # فارغة لانتظار ما يترشح من فوقها، فإذا ترشح شيء بحسب استعداد القابل ~~وتأثير الفاعل انبعثوا إلى تلك الأمور كما ms008 تنبعث الطيور والبهائم بالدواعي ~~الطبيعية، وهم في ذلك فانون عما يرجع إلى أنفسهم، باقون بما ألهموا من ~~فوقهم فيؤثرون في قلوب البشر والبهائم، فتنقلب إرادتها وأحاديث نفوسها إلى ~~ما يناسب الأمر المراد، ويؤثرون في بعض الأشياء الطبيعية في تضاعيف حركاتها ~~وتحولاتها، كما يدحرج حجر، فأثر فيه ملك كريم عند ذلك، فمشى في الأرض أكثر ~~مما يتصور في العادة، وربما ألقى الصياد شبكة في النهر، فجاءت أفواج من ~~الملائكة تلهم في قلب هذه السمكة أن تقتحم، وهذه أن تهرب وتقبض حبلا، وتبسط ~~أخرى، وهي لا تعلم لما تفعل ذلك، ولكن تتبع ما ألهمت وربما تقاتلت فئتان، ~~فجاءت الملائكة تزين في قلوب هذه الشجاعة والثبات بأحاديث وخيالات يقتضيها ~~المقام، وتلهم حيل الغلبة، وتؤيد في الرمى وأشباهه، وفي قلوب تلك أضداد هذه ~~الخصال ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وربما كان المترشح إيلام نفس إنسانية ~~أو تنعيمها، فسعت الملائكة كل سعي، وذهبت كل مذهب ممكن، وبإزاء أولئك آخرون ~~أولو خفة وطيش وأفكار مضادة للخير أوجب حدوثهم تعفن بخارات ظلمانية هم ~~الشياطين لا يزالون يسعون في أضداد ما سعت الملائكة فيه والله أعلم. ### | (باب ذكر سنة الله التي أشير إليها في قوله تعالى {ولن تجد لسنة الله تبديلا} ) # اعلم أن بعض أفعال الله يترتب على القوى المودعة في العالم بوجه من وجوه ~~الترتب، شهد بذلك النقل والعقل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أن الله خلق آدم من قبضة # PageV01P049 # قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر والأبيض ~~والأسود، وبين ذلك، والسهل والحزن، والخبيث والطيب، وسأله عبد الله بن سلام ~~ما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال: # إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل ~~نزعت ". # ولا أرى أحدا يشك في أن الإماتة تستند إلى الضرب بالسيف أو أكل السم، وأن ~~خلق الولد في الرحم يكون عقيب صب المني، وأن خلق الحبوب والأشجار يكون عقيب ~~البذر والغرس والسقي، ولأجل هذه الاستطاعة جاء ms009 التكليف، وأمروا، ونهوا، ~~وجوزوا بما عملوا، فتلك القوى منها خواص العناصر وطبائعها، ومنها الأحكام ~~التي أودعها الله في كل صورة نوعية، ومنها أحوال عالم المثال والوجود ~~المقضي به هنالك قبل الوجود الأرضي، ومنها أدعية الملأ الأعلى بجهد هممهم ~~لمن هذب نفسه، أو سعى في إصلاح الناس، وعلى من خالف ذلك، ومنها الشرائع ~~المكتوبة على بني آدم وتحقق الإيجاب والتحريم فإنها سبب ثواب المطيع وعقاب ~~العاصي، ومنها أن يقضي الله تعالى بشيء، فيجر ذلك الشيء شيئا آخر لأنه ~~لازمه في سنة الله، وخرم نظام اللزوم غير مرضي، والأصل فيه قول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " إذا قضى الله لعبد أن يموت بأرض جعل له إليها حاجة " فكل ذلك نطقت به ~~الأخبار، وأوجبته ضرورة العقل. # واعلم أنه إذا تعارضت الأسباب التي يترتب عليها القضاء بحسب جري العادة، ~~ولم يمكن وجود مقتضياتها أجمع - وكانت الحكمة حينئذ مراعاة أقرب الأشياء ~~إلى الخير المطلق وهذا هو المعبر عنه بالميزان في قوله صلى الله عليه وسلم: # " بيده الميزان يرفع القسط ويخفضه " وبالشأن في قوله تعالى: # {كل يوم هو في شأن} . # PageV01P050 # ثم الترجيح يكون تارة بحال الأسباب أيها أقوى، وتارة بحال الآثار ~~المترتبة أيها أنفع، وبتقديم باب الخلق على باب التدبير ونحو ذلك من ~~الوجوه، فنحن أن قصر علمنا عن إحاطة الأسباب ومعرفة الأحق عن تعارضها نعلم ~~قطعا أنه لا يوجد شيء إلا وهو أحق بأن يوجد، ومن أيقن بما ذكرنا استراح عن ~~اشكالات كثيرة. # أما هيآت الكواكب فمن تأثيرها ما يكون ضروريا كاختلاف الصيف والشتاء وطول ~~النهار وقصره باختلاف أحوال الشمس وكاختلاف الجزر والمد باختلاف أحوال ~~القمر، وجاء في الحديث: # " إذا طلع النجم ارتفعت العاهة " يعني بحسب جري العادة لكن كون الفقر ~~والغنى والجدب والخصب وسائر حوادث البشر بسبب حركات الكواكب فمما لم يثبت ~~في الشرع، قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الخوض في ذلك فقال: " من ~~اقتبس شعبة من النجوم اقتبس شعبة من السحر " وشدد في قول: مطرنا بنوء كذا ~~ولا أقول ms010 نصت الشريعة على أن الله لم يجعل في النجوم خواص تتولد منها ~~الحوادث بواسطة تغير الهواء المكتنف بالناس ونحو ذلك، وأنت خبير بأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم نهى عن الكهانة وهي الأخبار عمن الجن، وبرئ من أتى ~~كاهنا وصدقه، ثم لما سئل عن حال الكهان أخبر أن الملائكة تنزل في العنان ~~فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع، فتوحيه إلى الكهان، ~~فيكذبون معها مائة كذبة وأن الله تعالى قال: # {يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في ~~الأرض أو كانوا غزى ولو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا} . # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لن يدخل أحدكم الجنة عمله " وقال: ~~" إنما أنت رفيق والطبيب الله " وبالجملة فالنهي يدور على مصالح كثيرة ~~والله أعلم. ### | (باب حقيقة الروح) # قال الله تعالى: # {يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} . # PageV01P051 # وقرأ الأعمش عن رواية ابن مسعود (وما أوتوا من العلم إلا قليلا) ويعلم من ~~هنالك أن الخطاب لليهود والسائلين عن الروح وليست الآية نصافي إنه لا يعلم ~~أحد من الأمة المرحومة حقيقة الروح كما يظن، وليس كل ماسكت عنه الشرع لا ~~يمكن معرفته البتة، بل كثيرا ما يسكت عنه لأجل أنه معرفة دقيقة لا يصلح ~~لتعاطيها جمهور الأمة وأن أمكن لبعضهم. # واعلم أن الروح أول ما يدرك من حقيقتها أنها مبدأ الحياة في الحيوان وأنه ~~يكون حيا بنفخ الروح فيه، ويكون ميتا بمفارقتها منه، ثم إذا أمعن في التأمل ~~ينجلي أن في البدن بخارا لطيفا متولدا في القلب من خلاصة الأخلاط يحمل ~~القوى الحساسة والمحركة والمدبرة للغذاء يجري في حكم الطب، وتكشف التجربة ~~أن لكل من أحوال هذا البخار من رقته وغلظه وصفائه وكدرته أثرا خاصا في ~~القوى والأفاعيل المنبجسة من تلك القوى وأن الآفة الطارئة على كل عضو وعلى ~~توليد البخار المناسب له تفسد هذا البخار، وتشوش أفاعيله ويستلزم تكونه ~~الحياة، وتحلله الموت فهو الروح في أول النظر، والطبقة ms011 السفلى من الروح في ~~النظر الممعن، مثله في البدن كمثل ماء # الورد وكمثل النار في الفحم، ثم إذا أمعن في النظر أيضا أنجلى أن هذا ~~الروح مطية للروح الحقيقية ومادة لتعلقها، وذلك أنا نرى الطفل يشب، ويشيب، ~~وتتبدل أخلاط بدنه والروح المتولدة من تلك الأخلاط أكثر من ألف مرة، ويصغر ~~تارة، ويكبر أخرى، ويسود تارة ويبيض أخرى، ويكون جاهلا مرة وعالما أخرى إلى ~~غير ذلك من الأوصاف المتبدلة والشخص هو هو، وإن نوقش في بعض ذلك فلنا أن ~~نفرض تلك التغيرات والطفل هو هو، أو نقول لا نجزم ببقاء تلك الأوصاف ~~بحالها، ونجزم ببقائه فهو غيرها فالشيء الذي هو به هو ليس هذا الروح، ولا ~~هذا البدن، ولا هذه المشخصات التي تعرف، وترى ببادئ الرأي، بل الروح في ~~الحقيقة حقيقة فردانية ونقطة نورانية يجل طورها عن طور هذه الأطوار ~~المتغيرة المتغايرة التي بعضها جواهر وبعضها أعراض وهي مع الصغير كما هي مع ~~الكبير ومع الأسود كما هي مع الأبيض إلى غير ذلك من المتقابلات، ولها تعلق ~~خاص بالروح الهوائي، أولا وبالبدن ثانيا من حيث إن البدن مطية النسمة وهي ~~كوة من عالم القدس ينزل منها على النسمة كل ما استعدت له، فالأمور المتغيرة ~~إنما جاء تغيرها من قبل # PageV01P052 # الاستعدادات الأرضية بمنزلة حر الشمس يبيض الثوب ويسود القصار وقد تحقق ~~عندنا بالوجدان الصحيح أن الموت انفكاك النسمة، عن البدن لفقد استعداد ~~البدن لتوليدها لا انفكاك الروح القدسي عن النسمة، وإذا تحللت النسمة في ~~الأمراض المدنفة وجب في حكمة الله أن يبقى الشيء من النسمة بقدر ما يصح ~~ارتباط الروح الإلهي بها، كما أنك إذا مصصت الهواء من القارورة تخلل الهواء ~~حتى تبلغ إلى حد لا تخلل بعده، فلا تستطيع المص، أو تنفقئ القارورة، وما ~~ذلك إلا لسر ناشئ من طبيعة الهواء، فكذلك سر في النسمة وحد لها لا يجاوزهما ~~الأمر، وإذا مات الإنسان كان للنسمة نشأة أخرى فينشئ فيض الروح الإلهي # فيها قوة فيما بقي من الحس المشترك تكفي كفاية السمع ms012 والبصر والكلام بمدد ~~من عالم المثال أعني القوة المتوسطة بين المجرد والمحسوس المنبثة في ~~الافلاك كشيء واحد، وربما تستعد النسمة حينئذ للباس نوراني أو ظلماني بمدد ~~من عالم المثال، ومن هنالك تتولد عجائب عالم البرزخ، ثم إذا نفخ في الصور ~~أي جاء فيض عام من بارئ الصور بمنزلة الفيض الذي كان منه في بدء الخلق حين ~~نفخت الأرواح في الأجساد، وأسس عالم المواليد أوجب فيض الروح الإلهي أن ~~يكتسي لباسا جسمانيا أو لباسا بين المثال والجسم فيتحقق جميع ما أخبر به ~~الصادق المصدوق عليه أفضل الصلوات وأيمن التحيات، ولما كانت النسمة برزخا ~~متوسطا بين الروح الإلهي والبدن الأرضي وجب أن يكون لهالا وجه إلى هذا، ~~ووجه إلى ذلك، والوجه المائل إلى القدس هو الملكية، والوجه المائل إلى ~~الأرض هو البهيمية، ولنقتصر من حقيقة الروح على هذه المقدمات لتسلم في هذا ~~العلم، وتفرع عليها التفاريع قبل أن ينكشف الحجاب في علم أعلى من هذا العلم ~~والله أعلم. ### | (باب سر التكليف) # قال الله تعالى: # {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن ~~منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ليعذب الله المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا ~~رحيما} # نبه الغزالي والبيضاوي وغيرهما على أن المراد بالأمانة تقلد عهدة # التكليف بأن # PageV01P053 # تتعرض لخطر الثواب والعقاب بالطاعة والمعصية، وبعرضها عليهن اعتبارها ~~بالإضافة إلى استعدادهن، وبإبائهن الآباء الطبيعي الذي هو عدم اللياقة ~~والاستعداد، وبحمل الإنسان قابليته واستعداده لها. # أقول وعلى هذا فقوله تعالى {إنه كان ظلوما جهولا} خرج مخرج التعليل؛ فإن ~~الظلوم من لا يكون عادلا، ومن شأنه أن يعدل، والجهول من لا يكون عالما، ومن ~~شأنه أن يعلم، وغير الآدمي إما عالم عادل لا يتطرق إليه الظلم والجهل ~~كالملائكة، وإما ليس بعادل ولا عالم ولا من شأنه أن يكسبها كالبهائم، وإنما ~~يليق بالتكليف، ويستعد له من كان له كمال بالقوة لا بالفعل، واللام في قوله ~~تعالى {ليعذب} لام العاقبة كأنه قال عاقبة حمل الأمانة التعذيب ms013 والتنعيم، ~~وإن شئت أن تستجلي حقيقة الحال فعليك أن تتصور حال الملائكة في تجردها لا ~~يزعجها حالة ناشئة من تفريط القوة البهيمية كالجوع والعطش والخوف والحزن، ~~أو إفراطها كالشبق والغضب والتيه ولا يهمها التغذية والتنمية ولو أحقهما، ~~وإنما تبقى فارغة لانتظار ما يرد عليها من فوقها، فإذا ترشح عليها أمر من ~~فوقها من إجماع على إقامة نظام مطلوب أو رضا من شيء، أو بغض شيء امتلأت به، ~~وانقادت له، وانبعثت إلى مقتضاه وهي في ذلك فانية عن مراد نفسها باقية ~~بمراد ما فوقها، ثم تتصور حال البهائم في تلطخها بالهيآت الخسيسة لا تزال ~~مشغوفة بمقتضيات الطبيعة فانية فيها لا تنبعث إلى شيء إلا انبعاثا بهيميا ~~يرجع إلى نفع جسدي واندفاع إلى ما تعطيه الطبيعة فقط. # ثم تعلم أن الله تعالى قد أودع الإنسان بحكمته الباهرة قوتين: قوة ملكية ~~تتشعب من فيض الروح المخصوصة بالإنسان على الروح الطبيعية السارية في البدن ~~وقبولها ذلك الفيض وانقهارها له، وقوة بهيمية تتشعب من النفس الحيوانية ~~المشترك فيها كل حيوان المتشبحة بالقوى القائمة بالروح الطبيعية واستقلالها ~~بنفسها وإذعان الروح الإنسانية لها وقبولها الحكم منها، ثم تعلم أن بين ~~القوتين تزاحما وتجاذبا، فهذه تجذب إلى العلو دون تلك إلى # PageV01P054 # السفل وإذا برزت البهيمية، وغلبت آثارها كمنت الملكية، وكذلك العكس، وأن ~~للباري جل شأنه عناية بكل نظام، وجودا بكل ما يسأله الاستعداد الأصلي ~~والكسبي، فإن كسب هيآت بهيمية أمد فيها، ويسر له ما يناسبها، وإن كسب هيآت ~~ملكية أمد فيها، ويسر له ما يناسبها كما قال الله عز وجل. # {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى ~~وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} . وقال: {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ~~وما كان عطاء ربك محظورا} . # وأن لكل قوة لذة وألما، فاللذة أدراك ما يلائمها، والألم إدراك ما ~~يخالفها وما أشبه حال الإنسان بحال من استعمل مخدرا في بدنه، فلم يجد ألم ~~لفح النار حتى إذا ضعف أثره، ورجع إلى ما تعطيه الطبيعة وجد الألم ms014 أشد ما ~~يكون أو بحال الورد على ما ذكره الأطباء أن فيه ثلاث قوى: قوة أرضية تظهر ~~عند السحق والطلاء، وقوة مائية تظهر عند العصر والشرب، وقوة هوائية تظهر ~~عند الشم، فتبين أن التكليف من مقتضيات النوع، وأن الإنسان يسأل ربه بلسان ~~استعداده أن يوجب عليه ما يناسب القوة الملكية، ثم يثيب على ذلك، وأن يحرم ~~عليه الانهماك في البهيمية، ويعاقب على ذلك والله أعلم. # PageV01P055 ### | (باب انشقاق التكليف من التقدير) # اعلم أن لله تعالى آيات في خلقه يهتدي الناظر فيها إلى أن الله له الحجة ~~البالغة في تكليفه لعباده بالشرائع، فانظر إلى الأشجار وأوراقها وأزهارها ~~وثمراتها، وما في كل ذلك من الكيفيات المبصرة والمذوقة وغيرها، فإنه جعل ~~لكل نوع أوراقا بشكل خاص، وأزهارا بلون خاص، وثمارا مختصة بطعوم، وبتلك ~~الأمور يعرف أن هذا الفرد من نوع كذا وكذا، وهذه كلها تابعة للصورة النوعية ~~ملتوية معها إنما تجيء من حيث جاءت الصورة النوعية، وقضاء الله تعالى بأن ~~تكون هذه المادة نخلة مثلا مشتبك مع قضائه التفصيلي بأن تكون ثمرتها كذا ~~وخواصها كذا. # ومن خواص النوع ما يدركه كل من له بال، ومن خواصه ما لا يدركه إلا ~~الألمعي الفطن كتأثير الياقوت في نفس حامله بالتفريح والتشجيع، ومن خواصه ~~ما يعم كل الأفراد، ومن خواصه ما لا يوجد إلا في بعضها حيث تستعد المادة، ~~كالأهليلج الذي يسهل بطن من قبض عليه بيده، وليس لك أن تقول لما كانت ثمرة ~~النخل على هذه الصفة؟ فإنه سؤال باطل لأن وجود لوازم الماهيات معها لا يطلب ~~(بلم، ثم أنظر إلى أصناف الحيوان تجد لكل نوع شكلا وخلقة، كما تجد في ~~الأشجار، وتجد مع ذلك لها حركات اختيارية، وإلهامات طبيعية، وتدبيرات جبلية ~~يمتاز كل نوع بها، فبهيمة الأنعام ترعى الحشيش، وتجتر، والفرس والحمار ~~والبغل ترعى الحشيش، ولا تجتر، والسباع تأكل اللحم، والطير يطير في الهواء، ~~والسمك يسبح في الماء، ولكل نوع من الحيوان صوت غير صوت الآخر، ومسافدة غير ~~مسافدة الآخر، وحضانة للأولاد غير حضانة الآخر، ms015 وشرح هذا يطول، وما ألهم ~~نوعا من الأنواع إلا علوما تناسب مزاجه، وإلا ما يصلح به ذلك النوع. # وكل هذه الإلهامات تترشح عليه من جانب بارئها من كوة الصورة النوعية، ~~ومثلها كمثل تخاطيط الأزهار، وطعوم الثمرات في تشابكها مع الصورة النوعية، ~~ومن أحكام النوع ما يعم الأفراد، ومنها ما لا يوجد إلا في البعض حيث تستعد ~~المادة، وتتفق الأسباب، وإن كان أصل الاستعداد يعم الكل، كاليعسوب من بين ~~النحل، والببغاء يتعلم محاكاة أصوات الناس بعد تعليم وتمرين، ثم أنظر إلى ~~نوع الإنسان تجد له ما وجدت في الأشجار، وما وجدت في أصناف الحيوان كالسعال ~~والتمطي والجشاء ودفع الفضلات ومص الثدي في أول نشأته، وتجد مع ذلك فيه ~~خواص يمتاز بها من سائر الحيوان: منها النطق، وفهم الخطاب، وتوليد العلوم ~~الكسبية من ترتيب المقدمات البديهية، أو من التجربة والاستقراء والحدس ومن ~~الاهتمام بأمور يستحسنها بعقله، ولا يجدها بحسه، ولا وهمه، كتهذيب النفس، ~~وتسخير الأقاليم تحت حكمه، ولذلك يتوارد على أصول هذه الأمور جميع الأمم ~~حتى سكان شواهق الجبال، وما ذلك إلا لسر ناشئ من جذر صورته النوعية، وذلك ~~السر أن مزاج الإنسان يقتضي أن يكون عقله قاهرا على قلبه، وقلبه قاهرا على ~~نفسه. # ثم انظر إلى تدبير الحق لكل نوع، وتربيته إياه، ولطفه به، فلما كان ~~النبات لا يحس، ولا يتحرك جعل له عروقا تمص المادة المجتمعة من الماء ~~والهواء ولطيف التراب، ثم يفرقها في الأغصان وغيرها على تقسيم تعطيه الصورة ~~النوعية، ولما كان الحيوان حساسا # PageV01P056 # متحركا بالإرادة لم يجعل له عروقا تمص المادة من الأرض، بل ألهمه طلب ~~الحبوب والحشيش والماء من مظانها، وألهمه جميع ما يحتاج إليه من ~~الارتفاقات، والنوع الذي لا يتكون من الأرض تكون الديدان منها دبر الله ~~تعالى له بأن أودع فيه قوى التناسل، # وخلق في الأنثى رطوبة يصرفها إلى تربية الجنين، ثم حولها لبنا خالصا، ~~وألهم المتولد مص الثدي وازدراد اللبن، وجعل في الدجاجة رطوبة يصرفها إلى ~~تكون البيض، فإذا باضت أصابها يبس وخلو جوف ms016 يحملانها على جنون يستدعي ترك ~~مخالطة بني نوعها، واستحباب حضانة شيء تسد به جوفها، وجعل من طبع الحمامة ~~الأنس بين ذكرها وأنثاها، وجعل خلو جوفها هو الحامل على حضانة البيض، ثم ~~جعل رطوبتها البالية تتوجه إلى التهوع، وجعل لها رحمة على الفرخ، وجعل ~~رحمتها مع الرطوبة البالية سببا لتهوعها ودفع الحبوب والماء إلى جوف فرخها، ~~وجعل الذكر منها بسبب الأنس يقلد أنثاها، وخلق للفراخ مزاجا رطبا ثم حول ~~رطوبتها ريشا تطير به. # ولما كان الإنسان مع احساسه وقبوله للالهامات الجبلية والعلوم الطبيعية ~~ذا عقل وتوليد للعلوم الكسبية - ألهمه الزرع والغرس والتجارة والمعاملة، ~~وجعل منهم السيد بالطبع والاتفاق، والعبد بالطبع والاتفاق، وجعل منهم ~~الملوك والرعية، وجعل منهم الحكيم المتكلم بالحكمة الإلهية والطبيعية ~~والرياضية والعملية، وجعل منهم الغني الذي لا يهتدي لذلك إلا بضرب من ~~تقليد، ولذلك ترى أمم الناس من أهل البوادي والحضر متواردين على هذه ... ، ~~وهذا كله شرح الخواص والتدبيرات الظاهرة المتعلقة بقوته البهيمية ~~وارتفاقاته المعيشية، ثم انتقل إلى قوته الملكية. # واعلم أن الإنسان ليس كسائر أنواع الحيوان، بل له إدراك أشرف من ~~إدراكاتهم، ومن علومه التي يتوارد عليها أكثر أفراده غير من عصت مادته ~~أحكام نوعه - التفتيش عن سبب إيجاده وتربيته، والتنبيه بإثبات مدبر # في العالم هو أوجده ورزقه، والتضرع بين يدي بارئه ومدبره بهمته وعلمه حسب ~~ما يتضرع إليه هو وجميع أبناء جنسه دائما سر مدا بلسان الحال وهو قوله ~~تعالى: # PageV01P057 # {ألم ترى أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر ~~والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب} . # أليس أن كل جزء من الشجرة من أغصانها وأوراقها وأزهارها متكفف يده إلى ~~النفس النباتية المدبرة في الشجرة دائما سر مدا، فلو كان لكل جزء منها عقل ~~لحمد النفس النباتية حمدا غير حمد الآخر، ولو كان له فهم لا نطبع التكفف ~~الحالي في علمه وصار تكففا بالهمة. # فاعلم من هناك أن الإنسان لما كان ذا عقل ذكي انطبع في نفسه التكفف ~~العلمي ms017 حسب التكفف الحالي، ومن خواصه أيضا أن يكون في نوع الإنسان من له ~~خلوص إلى منبع العلوم العقلية يتلقاها منه وحيا أو حدسا أو رؤيا، وأن يكون ~~آخرون قد تفرسوا من هذا الكامل آثار الرشد والبركة، فانقادوا له فيما يأمر، ~~وينهى، وليس فرد من أفراد الإنسان إلا له قوة للتخلص إلى الغيب برؤيا ~~يراها، أو برأي يبصره، أو هتيف يسمعه، أو حدس يتفطن له، إلا أن منهم ~~الكامل، ومنهم الناقص، والناقص يحتاج إلى الكامل، وله صفات يجل طورها عن ~~طور صفات البهائم كالخشوع والنظافة والعدالة والسماحة، وكظهور بوارق ~~الجبروت والملكوت من استجابة الدعاء وسائر الكرامات والأحوال والمقامات. # والأمور التي يمتاز بها الإنسان من سائر أفراد الحيوان كثيرة جدا لكن ~~جماع الأمر وملاكه خصلتان: # أحدهما زيادة القوة العقلية ولها شعبتان شعبة غائصة في الارتفاقات لمصلحة ~~نظام البشر واستنباط دقائقها، وشعبة مستعدة للعلوم الغيبية الفائضة بطريق ~~الوهب. # وثانيهما براعة القوة العملية، ولها أيضا شعبتان: شعبة هي ابتلاعها ~~للأعمال من طريق بلعوم اختيارها وإرادتها، فالبهائم تفعل أفعالا بالاختيار، ~~ولا تدخل أفعالا في جدر أنفسها، ولا تتلون أنفسها بأرواح تلك الأفعال، ~~وإنما تلتصق بالقوى القائمة بالروح الهوائي فقط، فيسهل عليها صدور أمثالها. # والإنسان يفعل أفعالا، فتفنى الأفعال، وتنزع منها أرواحها، فتبلعها ~~النفس، فيظهر في النفس إما نور وإما ظلم، وقول الشرع شرط المؤاخذة على ~~الأفعال أن يفعلها بالاختيار بمنزلة قول الطبيب شرط الضرر بالسم والانتفاع ~~بالترياق أن يدخلا في البلعوم، وينزلا في الجوف، وأمارة ما قلنا أن النفس ~~الإنسانية تبلع من أرواح الأعمال ما اتفق عليه أمم بني آدم من عمل الرياضات ~~والعبادات ومعرفة أنوار كل ذلك وجدانا، ومن الكف عن المعاصي والمنهيات ~~ورؤية قسوة كل ذلك وجدانا. # PageV01P058 # وشعبة: هي أحوال ومقامات سنية، كمحبة الله والتوكل عليه مما ليس في ~~البهائم جنسها. # واعلم أنه لما كان اعتدال مزاح الإنسان بحسب ما تعطيه الصورة النوعية لا ~~يتم إلا بعلوم لا يتخلص إليها أزكاهم، ثم يقلده الآخرون وبشريعة تشتمل على ~~معارف إلهية وتدبيرات ارتفاقية وقواعد تبحث ms018 عن الأفعال # الاختيارية وتقسمها إلى الأقسام الخمسة من الواجب، والمندوب إليه، ~~والمباح والمكروه، والحرام، ومقدمات تبين مقامات للإحسان وجب في حكمة الله ~~تعالى ورحمته أن يهئ في غيب قدسه رزق قوته العقلية يخلص إليه أزكاهم ~~فيتلقاه من هنالك، وينقاد له سائر الناس بمنزله ما ترى في نوع النحل من ~~يعسوب يدبر لسائر أفرادها لولا هذا التلقي بواسطة، ولا بواسطة لم يكمل ~~كماله المكتوب له، فكما أن المستبصر إذا رأى نوعا من أنواع الحيوان لا ~~يتعيش إلا بالحشيش استيقن أن الله دبر له مرعى فيه حشيش كثير، فكذلك ~~المستبصر في صنع الله يستيقن أن هناك طائفة من العلوم يسد بها العقل خلته ~~فيكمل كما له المكتوب له، وتلك الطائفة منها علم التوحيد والصفات، ويجب أن ~~يكون مشروحا بشرح يناله العقل الإنساني بطبيعته لا مغلقا لا يناله إلا من ~~يندر وجود مثله، فشرح هذا العلم بالمعرفة المشار إليها بقوله سبحان الله ~~وبحمده، فأثبت لنفسه صفات يعرفونها، ويستعملونها، بينهم من الحياة والسمع ~~والبصر والقدرة والإرادة والكلام والغضب والسخط والرحمة والملك والغنى، ~~وأثبت مع ذلك أنه ليس كمثله شيء في هذه الصفات؛ فهو حي لا كحياتنا، وبصير ~~لا كبصرنا، قدير لا كقدرتنا، مريد لا كإرادتنا، متكلم لا ككلامنا، ونحو ~~ذلك، ثم فسر عدم المماثلة بأمور مستبعدة في جنسنا مثل أن يقال يعلم عدد قطر ~~الأمطار، وعدد رمل الفيافي، وعدد أوراق الأشجار، وعدد أنفاس الحيوانات، ~~ويبصر دبيب النمل في الليلة الظلماء، ويسمع ما يتوسوس به تحت اللحف في ~~البيوت المغلقة عليها أبوابها، ونحو ذلك، ومنها علم العبادات، ومنها علم ~~الارتفاقات، ومنها علم المخاصمة. أعني أن النفوس السفلية إذا تولدت بينها ~~شبهات تدافع بها الحق كيف يحل تلك العقد، ومنها علم التذكير بآلاء الله، ~~وبأيام الله # وبوقائع البرزخ والمحشر فنظر الحق تبارك وتعالى في الأزل إلى نوع ~~الإنسان، وإلى استعداده الذي يتوارثه أبناء النوع، ونظر إلى قوته الملكية ~~والتدبير الذي يصلحه من العلوم المشروحة حسب استعداده، فتمثلت تلك العلوم ~~كلها في غيب الغيب # PageV01P059 # محدودة ومحصاة، وهذا ms019 التمثيل هو الذي يعبر عنه الاشاعرة بالكلام النفسي، ~~وهو غير العلم وغير الإرادة والقدرة، ثم لما جاء وقت خلق الملائكة علم الحق ~~أم مصلحة أفراد الإنسان لا تتم إلا بنفوس كريمة، نسبتها إلى نوع الإنسان ~~كنسبة القوى العقلية في الواحد منا إلى نفسه، فأوجدهم بكلمة (كن) بمحض ~~العناية بأفراد الإنسان فأودع في صدورهم ظلا من تلك العلوم المحدودة ~~المحصاة في غيب غيبه، فتصورت بصورة روحية، وإليهم الإشارة في قوله تبارك ~~وتعالى: # {الذين يحملون العرش ومن حوله} . الآية. # ثم لما جاء بعض القرانات المقتفية لتغيير الدول والملل، قضى بوجود روحاني ~~آخر لتلك العلوم، فصارت مشروحة مفصلة بحسب ما يليق بتلك القرانات، وإليها ~~الإشارة في قوله تعالى: # {إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم} . # ثم انتظرت حكمة الله لوجود رجل زكي يستعد للوحي قد قضى بعلو شأنه وارتفاع ~~مكانه حتى إذا وجد اصطنعه لنفسه، واتخذه جارحة لإتمام مراده وأنزل عليه ~~كتابه، وأوجب طاعته على عباده، وهو قوله تعالى لموسى عليه السلام: # {واصطنعتك لنفسي} # فما أوجب تعيين تلك العلوم في غيب الغيب إلا العناية بالنوع، ولا سأل ~~الحق فيضان نفوس الملأ الأعلى إلا استعداد النوع، ولا ألح عند القرانات ~~بسؤال تلك الشريعة الخاصة إلا أحوال النوع، فلله الحجة البالغة. # " فإن قيل " من أين وجب على الإنسان أن يصلي، ومن أين وجب عليه أن ينقاد ~~للرسول، ومن أين حرم عليه الزنا والسرقة؟ " فالجواب " وجب عليه هذا، وحرم ~~عليه ذلك من حيث وجب على البهائم أن ترعى الحشيش، وحرم عليها أكل اللحم، ~~ووجب على السباع أن تأكل اللحم، ولا ترعى الحشيش، ومن حيث وجب على النحل أن ~~يتبع اليعسوب إلا أن الحيوان استوجب تلقي علومها إلهاما جبليا، واستوجب ~~الإنسان تلقي علومه كسبا ونظرا، أو وحيا، أو تقليدا. ### | (باب اقتضاء التكليف المجازاة) # اعلم أن الناس مجزيون بأعمالهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر من أربعة ~~وجوه: # PageV01P060 # أحدها مقتضى الصورة النوعية، فكما أن البهيمة إذا علفت الحشيش، والسبع ~~إذا علف اللحم ms020 - صح مزاجهما، وإذا علفت البهيمة اللحم، والسبع الحشيش - فسد ~~مزاجهما، فكذلك الإنسان إذا باشر أعمالا أرواحها الخشوع بجانب الحق، ~~والطهارة والسماحة والعدالة صلح مزاجه الملكي، وإذا باشر أعمالا أرواحها ~~أضداد هذه الخصال فسد مزاجه الملكي، فإذا تخفف عن ثقل البدن أحس بالملاءمة ~~والمنافرة شبه ما يحس أحدنا من ألم الاحتراق # وثانيها جهة الملأ الأعلى، فكما أن الواحد منها له قوى إدراكية مودعة في ~~الدماغ، يحس بها ما وقعت عليه قدمه من جمرة أو ثلجة، فكذلك بصورة الإنسان ~~المتمثلة من الملكوت خدام من الملائكة أوجدها عناية الحق بنوع الإنسان، لأن ~~نوع الإنسان لا يصلح إلا بهم، كما أن الواحد منا لا يصلح إلا بالقوة ~~الإدراكية، فكلما فعل فرد من أفراد الإنسان فعلا منجيا خرجت من تلك ~~الملائكة أشعة بهجة وسرور، وكلما فعل فعلا مهلكا خرجت منها أشعة نفرة وبغض، ~~فحلت تلك الأشعة في نفس هذا الفرد، فأورثت بهجة، أو وحشة، أو في نفوس بعض ~~الملائكة، أو بعض الناس، فانعقد الإلهام أن يحبوه، ويحسنوا إليه، أو ~~يبغضوه، ويسيئوا إليه شبه ما نرى من أن أحدنا وإذا وقعت رجله على جمرة أحست ~~قواه الإدراكية بألم الاحتراق ثم خرجت منها أشعة تؤثر في القلب، فيحزن، وفي ~~الطبع فيحم وتأثير أولئك الملائكة فينا شبيه بتأثير الإدراكات في أبداننا، ~~فكما أن الواحد منا قد يتوقع ألما أو ذلا فترتعد فرائصه، ويصفر لونه، ويضعف ~~جسده وربما تسقط شهوته، ويحمر بوله، وربما بال أو خرئ من شدة الخوف، فهذا ~~كله تأثير القوة الإدراكية في الطبيعة ووحيها إليها وقهرها عليها، فكذلك ~~الملائكة الموكلة ببني آدم يترشح منها عليهم وعلى نفوس الملائكة السفلية ~~إلهامات جبلية، وحالات طبيعية، وأفراد الإنسان كلها بمنزلة القوى الطبيعية ~~لهذه الملائكة بمنزلة القوى الإدراكية لهم، وكما تهبط تلك الأشعة إلى السفل ~~فكذلك يصعد إلى حظيرة القدس منها لون يعد لفيضان هيئة تسمى، بالرحمة والرضى ~~والغضب واللعن مثل إعداد مجاورة النار الماء لتسخينه، وإعداد المقدمات ~~للنتيجة، وإعداد الدعاء للإجابة، فيتحقق التجدد في الجبروت من هذا الوجه، ~~فيكون ms021 غضب، ثم توبة، ويكون رحمة، ثم نقمة قال الله تعالى: # {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} . # وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة أن الملائكة ترفع ~~أعمال بني آدم إلى الله # PageV01P061 # تعالى، وأن الله يسألهم كيف تركتم عبادي؟ وأن عمل النهار يرفع إليه قبل ~~عمل الليل ينبه صلى الله عليه وسلم على ضرب من توسط الملائكة بين بني آدم ~~وبين نور الله القائم وسط حظيرة القدس. # وثالثها مقتضى الشريعة المكتوبة عليهم، فكما يعرف المنجم أن الكواكب إذا ~~كان لها نظر من النظرات حصلت روحانية ممتزجة من قواها متمثلة في جزء من ~~الفلك، فإذا نقلها إلى الأرض ناقل أحكام الفلكيات - اعني القمر - انقلبت ~~خواطرهم حسب تلك الروحانية، فكذلك يعرف العارف بالله أنه إذا جاء وقت من ~~الأوقات تسمى في الشرع بالليلة المباركة التي فيها يفرق كل أمر حكيم حصلت ~~روحانية في الملكوت ممتزجة من أحكام نوع الإنسان، ومقتضى هذا الوقت يترشح ~~من هنالك إلهامات على أذكى خلق الله يومئذ، وعلى نفوس تليه في الذكاء ~~بواسطته، ثم يلهم سائر الناس قبول تلك الإلهامات واستحسانها، ويؤيد ناصرها، ~~ويخذل معاندها، وتلهم الملائكة السفلية الإحسان لمطيعها، والإساءة إلى ~~عاصيها، ثم يصعد منها لون إلى الملأ الأعلى وحظيرة القدس، فيحصل هنالك رضا ~~وسخط. # ورابعها أن النبي إذا بعث في الناس، وأراد الله تعالى ببعثه لطفا بهم ~~وتقريبا لهم إلى الخير، وأوجب طاعته عليهم صار العلم الذي يوحى إليه متشخصا ~~متمثلا، وامتزج بهمة هذا النبي ودعائه وقضاء الله تعالى بالنصر له، فتأكد ~~وتحقق. # أما المجازاة في الوجهين الأولين ففطرة فطر الله الناس عليها، ولن # تجد لفطرة الله تبديلا، وليس ذلك إلا في أصول البر والاثم، وكلياتها دون ~~فروعها وحدودها، وهذه الفطرة هو الدين الذي لا يختلف باختلاف الاعصار، ~~والأنبياء كلهم مجمعون عليه كما قال تبارك وتعالى. # {إن هذه أمتكم أمة واحدة} . # وقال صلى الله عليه وسلم: " الأنبياء بنو علات، أبوهم واحد، وأمهاتهم شتى ~~" والمؤاخذة على هذا القدر متحققة قبل بعثة ms022 الأنبياء وبعدها سواء. # وأما المجازاه بالوجه الثالث فمختلفة باختلاف الأعصار، وهي الحاملة على ~~بعث الأنبياء والرسل، وإليها الإشارة في قوله صلى الله عليه وسلم: " إنما ~~مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما، فقال يا قوم أني رأيت الجيش ~~بعيني، وأني أنا النذير العريان، فالنجا # PageV01P062 # النجاء، فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا، فانطلقوا على مهلهم، فنجوا، ~~وكذيت طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش، فأهلكهم واجتاحهم، فكذلك ~~مثل من أطاعني، فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني، وكذب ما جئت به من الحق ". # وأما المجازاة بالوجه الرابع، فلا تكون إلا بعد بعثة الأنبياء، وكشف ~~الشبهة وصحة التبليغ. # {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة} . ### | (باب اختلاف الناس في جبلتهم المستوجب لاختلاف أخلاقهم وأعمالهم ومراتب كمالهم) # والأصل فيه ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا سمعتم ~~بجبل زال عن مكانه، فصدقوه، وإذا سمعتم برجل تغير عن خلقه، فلا تصدقوا به، ~~فإنه يصير إلى ما جبل عليه " وقال: " ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى. # فمنهم من يولد مؤمنا " فذكر الحديث بطوله، وذكر طبقاتهم في الغضب تقاضي ~~الدين وقال: " الناس معادن كمعادن الذهب والفضة " وقال الله تعالى: # {قل كل يعمل على شاكلته} . # أي طريقته التي جبل عليها # وأن شئت أن تستجلي ما فتح الله علي في هذا الباب، وفهمني من معاني هذه ~~الأحاديث (فاعلم) أن القوة الملكية تخلق في الناس على وجهين: أحدهما الوجه ~~المناسب بالملأ الأعلى الذي شأنهم الانصباغ بعلوم الأسماء والصفات، ومعرفة ~~دقائق الجبروت، وتلقي النظام على وجه الإحاطة به، واجتماع الهمة على طلب ~~وجوده، والثاني الوجه المناسب بالملأ السافل الذي شأنهم انبعاث بداعية ~~تترشح عليهم من فوقهم من غير إحاطة، ولا اجتماع الهمة، ولا المعرفة ~~ونورانيه، ورفض للالواث البهيمية # وكذلك القوة البهيمة تخلق على وجهين: # PageV01P063 # أحدهما البهيمية الشديدة الصفيقة كهيئة الفحل الفاره الذي نشأ في غذاء ~~عزير، وتدبير مناسب # فكان عظيم الجسم شديده، وجهوري الصوت، قوي البطش، ذا همة نافذة وتيه ms023 ~~عظيم، وغضب وحسد قويين، وشبق وافر، منافسا في الغلبة والظهور، شجاع القلب. # والثاني البهيمية الضعيفة المهلهلة كهيئة الحيوان الخصى المخدج الذي نشأ ~~في جدب وتدبير غير مناسب، فكان حقير الجسم ضعيفه، ركيك الصوت، ضعيف البطش، ~~جبان القلب، غير ذي همة، ولا منافسة في الغلبة والظهور، والقوتان جميعا ~~لهما جبلة تخصص أحد وجهيها، وكسب يؤيده، ويقويه، ويمد فيه # واجتماع القوتين فيهم أيضا يكون على وجهين: فتارة تجتمعان بالتجاذب تكون ~~كل واحدة متوفرة في طلب مقتضياتها، طامحة في أقصى غاياتها مريدة سننها ~~الطبيعي، فلا جرم أن يقع بينهما التجاذب، فإن غلبت هذه اضمحلت آثار تلك، ~~وكذلك العكس، وتارة بالاصطلاح بأن تنزل الملكية عن طلب حكمها الصراح إلى ما ~~يقرب منه من عقل وسخاوة نفس وعفة وطبع، وإيثار النفع العام على انتفاع نفسه ~~خاصة، والنظر إلى الآجل دون الاقتصار على العاجل، وحب النظافة في جميع ما ~~يتعلق به، وتترقي البهيمية من طلب حكمها الصراح إلى ما ليس ببعيد من الرأي ~~الكلي، ولا مضاد له، فتصطلحان ويحصل مزاج لا تخالف فيه، ولكل من مرتبتي ~~الملكية والبهيمية والاجتماع طرفان ووسط وما يقرب من طرف أو وسط، وكذلك ~~تذهب الأقسام إلى غير النهاية إلا أن رءوس الأقسام المنفرزة بأحكامها، ~~والتي يعرف غيرها بمعرفتها ثمانية حاصلة من انقسام الاجتماع بالتجاذب إلى ~~أربعة ملكية عالية تجتمع مع بهيمية شديدة، أو # ضعيفة، # PageV01P064 # أو ملكية سافلة تجتمع مع بهيمية شديدة أو ضعيفة والاجتماع بالاصطلاح أيضا ~~إلى أربعة مثلها، ولكل قسم حكم لا يختلف من وفق لمعرفة أحكامها استراح من ~~تشويشات كثيرة. # ونحن نذكر ههنا من ذلك ما نحتاج إليه في هذا الكتاب فأحوج الناس إلى ~~الرياضات الشاقة من كانت بهيميته شديدة لا سيما صاحب التجاذب، وأحظاها ~~بالكمال من كانت ملكيته عالية لكن صاحب الاصطلاح أحسنهم عملا وآدبهم، وصاحب ~~التجاذب إذا انفلت من أسر البهيمية أكثرهم علما، ولا يبالي بآداب العمل ~~كثير مبالاة، وأزهدهم في الأمور العظام أضعفهم بهيمية، لكن صاحب العالية ~~يترك الكل تفرغا للتوجه إلى الله، وصاحب السافلة إن ms024 انفلت يتركه للآخرة ~~وإلا يتركه كسلا ودعة، وأشدهم اقتحاما في الأمور العظام أشدهم بهيمية لكن ~~صاحب العالية أقومهم بالرياسات ونحوها مما يناسب الرأي الكلي، وصاحب ~~السافلة أشدهم اقتحاما في نحو القتال وحمل الأثقال، وصاحب التجاذب إذا ~~اندفع إلى الأسفل أشتغل بالأمر الدنيوي فقط، وإذا ترقى إلى الأعلى اشتغل ~~بالأمر الديني وتهذيب النفس وتجريدها فقط، وصاحب الاصطلاح يشتغل بهما ~~جميعا، ويقصدهما مرة واحدة، ومن كانت عاليته منهم في غاية العلو ينبعث إلى ~~رياسة الدين والدنيا معا، ويصير باقيا بمراد الحق وبمنزلة الجارحة. له في ~~تمام نظام كلي كالخلافة وإمامة الملة، وأولئك هم الأنبياء وورثتهم، وأساطين ~~الناس وسلاطينهم، وأولو الأمر منهم والذين يجب انقيادهم في دين الله أهل ~~الاصطلاح، العالية ملكيتهم، وأطوعهم لأولئك أهل الاصطلاح السافلة ملكيتهم، ~~فإنهم يتلقون النواميس بأشباحها # وهيئاتها، وأطرفهم منهم أهل التجاذب، لأنهم إما منهمكون في ظلمات ~~الطبيعة، فلا يقيمون السنة الراشدة، أو قاهرون عليها، فإن كانوا أهل علو ~~عضوا على أرواح النواميس، وكانت لهم مسامحة في أشباحها، وكان أكثر همتهم ~~معرفة دقائق الجبروت والانصباغ بصبغها، وإن كانوا دون ذلك اهتموا بالرياضات ~~والأوراد، وأعجبوا ببوارق الملكية من كشف وإشراف واستجابة الدعاء ونحو ذلك، ~~ولم يعضوا من النواميس بجذر قلوبهم إلا على حيل قهر الطبيعة وجلب الأنوار، # PageV01P065 # فهذه أصول أعطانيها ربي من أتقنها استجلى أحوال أهل الله، ومبلغ كمالهم، ~~ومطمح إشارتهم عن أنفسهم، وخرج مراتب سلوكهم: # {ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} . ### | (باب في أسباب الخواطر الباعثة على الأعمال) # اعلم أن الخواطر التي يجدها الإنسان في نفسه، وتبعثه على العمل بموجبها ~~لا جرم أن لها أسبابا كسنة الله تعالى في سائر الحوادث. # والنظر والتجربة يظهران أن منها - وهو أعظمها - جبلة الإنسان التي خلق ~~عليها، كما نبه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رويناه من قبل. # ومنها مزاجه الطبيعي المتغير بسبب التدبير المحيط به من الأكل والشرب ~~ونحو ذلك، كالجائع يطلب الطعام، والظمآن يطلب الماء، والمغتلم يطلب # النساء، ورب إنسان يأكل غذاء ms025 يقوي الباءة، فيميل إلى النساء، ويحدث نفسه ~~بأحاديث تتعلق بهن، وتصير هذه مهيجة له على كثير من الأفعال، ورب إنسان ~~يتغذى غذاء شديدا، فيقسو قلبه، ويجترئ على القتل: ويغضب في كثير مما لا ~~يغضب فيه غيره، ثم إذا ارتاض هذان أنفسهما بالصيام والقيام، أو شابا وكبرا، ~~أو مرضا مرضا مدنفا تغير أكثر ما كان عليه، ورقت قلوبهما، وعفت نفوسهما، ~~ولذلك ترى الاختلاف بين الشيوخ والشباب، ورخص النبي صلى الله عليه وسلم ~~للشيخ في القبلة وهو صائم ولم يرخص للشاب. # ومنها العادات والمألوفات فإن من أكثر ملابسة شيء، وتمكن من لوح نفسه ما ~~يناسبه من الهيئات والأشكال - مال إليه كثير من خواطره. # ومنها أن النفس الناطقة في بعض الأوقات تنفلت من أسر البهيمية، فتختطف من ~~حيز الملأ الأعلى ما ييسر لها من هيئة نورانية، فتكون تارة من باب الأنس ~~والطمأنينة، وتارة من باب العزم على فعل. # PageV01P066 # ومنها أن بعض النفوس الخسيسة تتأثر من الشياطين وتنصبغ ببعض صبغهم، وربما ~~اقتضت تلك الهيئة خواطر وأفعالا. # واعلم أن المنامات أمرها كأمر الخواطر غير أنها تتجرد لها النفس، فتتشبح ~~لها صورها، وهيئاتها. قال محمد بن سرين: الرؤيا ثلاث: حديث النفس، وتخويف ~~الشيطان، وبشرى من الله. ### | (باب لصوق الأعمال بالنفس وأحصائها عليها) # قال الله تعالى: # {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه ~~منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم راويا عن ربه تبارك وتعالى: " إنما هي ~~أعمالكم أحصيها عليكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد ~~غير ذلك، فلا يلومن الا نفسه " وقال صلى الله عليه وسلم: " النفس تتمنى ~~وتشتهي والفرج يصدق ذلك، ويكذبه ". # اعلم أن الأعمال التي يقصدها الإنسان قصدا مؤكدا، والأخلاق التي هي راسخة ~~فيه، تنبعث من أصل النفس الناطقة، ثم تعود إليها، ثم تتشبث بذيلها، وتحصي ~~عليها إما الانبعاث منها، فلما عرفت أن للملكية والبهيمية واجتماعهما ~~أقساما ولكل قسم حكما، وغلبة المزاج الطبيعي والانصباغ من الملائكة ~~والشياطين ونحو ms026 ذلك من الأسباب لا تكون إلا حسب ما تعطيه الجبلة، وتحصل فيه ~~المناسبة، فلذلك كان المرجع إلى أصل النفس بوسط أو بغير وسط. ألست ترى ~~المخنث يخلق في أول مرة على مزاج ركيك، فيستدل به العارف على أنه أن شب على ~~مزاجه وجب أن يعتاد بعادات النساء، ويتزيا بزيهن، وينتحل رسومهن، وكذلك ~~يدرك الطبيب أن الطفل إن شب على مزاجه، ولم يفجأه عارض كان قويا فارها، أو ~~ضعيفا ضارعا، وأما العود إليها فلان الإنسان إذا عمل عملا، فأكثر منه # اعتادته النفس، وسهل صدوره منها، ولم يحتج إلى روية وتجشم داعية، فلا جرم ~~أن النفس تأثرت منه، وقبلت لونه، ولا جرم أن لكل عمل من تلك الأعمال ~~المتجانسة # PageV01P067 # مدخلا في ذلك التأثر، وإن دق، وخفي مكانه، وإليه الإشارة في قوله: صلى ~~الله عليه وسلم " تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشر ~~بها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب، أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تصير ~~على قلبين أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر ~~أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من ~~هواه ". # وأما التشبث بذيلها فلان النفس في أول أمرها تخلق هيولانية فارغة عن جميع ~~ما تنصبغ به، ثم لا تزال تخرج من القوة إلى الفعل يوما فيوما، وكل حالة ~~متأخرة لها معد من قبلها، والمعدات كلها سلسلة مترتبة، لا يتقدم متأخرها ~~على متقدم مستصحب في هيئة النفس الموجودة اليوم حكم كل معد قبلها وإن خفي ~~عليها بسبب اشتغالها بما هو خارج منها اللهم إلا أن يفنى حامل القوة ~~المنبعثة تلك الأعمال منها كما ذكرنا في الشيخ والمريض، أو تهجم عليها هيئة ~~من فوقها نظامها كالتغير المذكور كما قال الله تعالى: # {أن الحسنات يذهبن السيئات} . # وقال: {لئن أشركت ليحبطن عملك} # وأما الإحصاء عليها، فسره على ما وجدته بالذوق أن في الحيز الشاهق تظهر ~~صورة لكل إنسان بما يعطيه النظام الفوقاني والتي ظهرت في قصة الميثاق شعبة ~~منها، ms027 فإذا وجد هذا الشخص انطبقت الصورة عليه، واتحدت معه، فإذا عمل عملا ~~انشرحت هذه الصورة بذلك العمل انشراحا طبيعيا بلا اختيار منه، فربما تظهر ~~في المعاد أن أعمالها محصاة عليها من فوقها، ومنه قراءة الصحف، وربما تظهر ~~أن أعمالها فيها متشبثة بأعضائها، ومنها نطق الأيدي والأرجل. # ثم كل صورة عمل مفصحة عن ثمرته في الدنيا والآخرة، وربما تتوقف الملائكة ~~في تصويره، فيقول الله تعالى اكتبوا العمل كما هو، قال الغزالي: كل ما قدرة ~~الله تعالى من ابتداء خلق العالم إلى آخره مسطور ومثبت # PageV01P068 # في خلق خلقه الله تعالى، يعبر عنه تارة باللوح، وتارة بالكتاب المبين، ~~وتارة بإمام مبين، كما ورد في القرآن، فجميع ما جرى في العالم، وما سيجري ~~مكتوب فيه، ومنقوش عليه نقشا لا يشاهد بهذه العين. ولا تظنن أن ذلك اللوح ~~من خشب أو حديد أو عظم، وأن الكتاب من كاغد أو ورق، بل ينبغي أن تفهم قطعا ~~أن لوح الله لا يشبه لوح الخلق، وكتاب الله لا يشبه كتاب الخلق، كما أن ~~ذاته وصفاته لا تشبه ذات الخلق وصفاتهم، بل أن كنت تطلب له مثالا يقربه إلى ~~فهمك، فاعلم أن ثبوت المقادير في اللوح المحفوظ يضاهي ثبوت كلمات القرآن ~~وحروفه في دماغ حافظ القرآن وقلبه، فإنه مسطور فيه حتى كأنه حيث يقرأ ينظر ~~إليه، ولو فتشت دماغه جزءا جزءا لم تشاهد من ذلك الخط حرفا، فمن هذا النمط ~~ينبغي أن تفهم كون اللوح منقوشا بجميع ما قدره الله تعالى وقضاه انتهى، ثم ~~كثيرا ما تتذكر النفس ما عملته من خير أو شر، وتتوقع جزاءه، فيكون ذلك وجها ~~آخر من وجوه استقرار عمله والله أعلم. ### | (باب ارتباط الأعمال بالهيئات النفسانية) # اعلم أن الأعمال مظاهر الهيئات النفسانية، وشروح لها، وشركات لاقتناصها، ~~ومتحدة معها في العرف الطبيعي أن يتفق جمهور الناس على التعبير بها عنها ~~بسبب طبيعي تعطيه الصورة النوعية، وذلك لأن الداعية إذا انبعثت إلى عمل، ~~فطاوعت له نفسه انبسطت، وانشرحت، وإن امتنعت انقبضت، وتقلصت فإذا باشر ~~العمل استبد ms028 منبعه من ملكية أو بهيمية وقوى وانحرف مقابله وضعف، وإلى هذا ~~الإشارة في قوله صلى الله عليه وسلم: " النفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ~~ذلك، ويكذبه ". # ولن ترى خلقا إلا وله أعمال وهيئات يشار بها إليه، ويعبر بها عنه وتتمثل ~~صورتها مكشافا له، فلو أن إنسانا وصف إنسانا آخر بالشجاعة واستفسر، فبين لم ~~يبين إلا معالجاته الشديد، أو بالسخاوة لم يبين إلا دراهم ودنانير يبذلها، ~~ولو أن إنسانا أراد أن يستحضر صورة الشجاعة والسخاوة اضطر إلى صور تلك ~~الأعمال اللهم إلا أن يكون قد غير فطرة الله التي فطر الناس عليها، ولو أن ~~واحدا أراد أن يحصل خلقا ليس فيه، فلا سبيل له إلى ذلك إلا الوقوع في ~~مظانة، وتجشم الأعمال المتعلقة به، وتذكر وقائع الأقوياء # PageV01P069 # من أهله، ثم الأعمال هي الأمور المضبوطة التي تقصد بالتوقيت، وترى، ~~وتبصر، وتحكي، وتؤثر، وتدخل تحت القدرة والاختيار، ويمكن أن يؤاخذ بها ~~وعليها، ثم النفوس ليست سواء في إحصاء الأعمال والملكات عليها: # فمنها نفوس قوية تتمثل عندها الملكات أكثر من الأعمال، فلا يعد من كمالها ~~بالأصالة إلا الأخلاق، ولكن تتمثل الأعمال لها لأنها قوالبها # وصورها، فيحصى عليها الأعمال إحصاء أضعف من إحصاء الأخلاق بمنزلة ما ~~يتمثل في الرؤيا من أشباح المعنى المراد كالختم على الأفراه والفروج. # ومنها نفوس ضعيفة تحسب أعمالها عين كمالها لعدم استقلال الهيئات ~~النفسانية، فلا تتمثل إلا مضمحلة في الأعمال، فيحصى عليها أنفس الأعمال وهم ~~أكثر الناس وهم المحتاجون جدا إلى التوقيت البالغ ولهذه المعاني عظم ~~الاعتناء بالأعمال في النواميس الإلهية، ثم إن كثيرا من الأعمال يستقر في ~~الملأ الأعلى، ويتوجه إليه استحسانهم أو استهجانهم بالأصالة مع قطع النظر ~~عن الهيئات النفسانية التي تصدر عنها، فيكون أداء الصالح منها بمنزلة قبول ~~إلهام من الملأ الأعلى في التقرب منهم والتشبه بهم واكتساب أنوارهم ويكون ~~اقتراف السيئة منها خلاف لذلك. # وهذا الاستقراء يكون بوجوه: منها أنهم يتلقون من بارئهم أن نظام البشر لا ~~يصلح إلا بأداء أعمال والكف عن أعمال، فتمثل تلك الأعمال عندهم، ms029 ثم تنزل في ~~الشرائع من هنالك. # ومنها أن نفوس البشر التي مارست ولازمت الأعمال إذا انتقلت إلى الملأ ~~الأعلى، وتوجه إليها استحسانهم واستهجانهم، ومضى على ذلك القرون والدهور ~~استقرت صور الأعمال عندهم، وبالجملة فتؤثر الأعمال حينئذ تأثير العزائم ~~والرقى المأثورة عن السلف بهيئتها وصفاتها والله أعلم. # PageV01P070 ### | (باب أسباب المجازاة) # اعلم أن أسباب المجازاة وإن كثرت ترجع إلى أصلين: إحداهما أن تحس النفس ~~من حيث قوتها الملكية بعمل أو خلق اكتسبته أنه غير ملائم لها، # فتتشبح فيها ندامة وحسرة وألم ربما أوجب ذلك تمثل واقعات في المنام أو ~~اليقظة تشتمل على إيلام وإهانة وتهديد، ورب نفس استعدت لإلهام المخالفة، ~~فخوطبت على ألسنة الملائكة بأن تتراءى له كسائر ما تستعد له من العلوم، ~~وإلى هذا الأصل وقعت الإشارة في قوله تعالى: # {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} . # والثاني توجه حظيرة القدس إلى بني آدم، فعند الملأ الأعلى هيئات وأعمال ~~وأخلاق مرضية ومسخوطة، فتطلب من ربها طلبا قويا تنعيم أهل هذه وتعذيب أهل ~~تلك، فيستجاب دعاؤهم، وتحيط ببني آدم هممهم، وتترشح عليهم صورة الرضا ~~واللعنة، كما تترشح سائر العلوم، فتتشبح واقعات إيلامية أو إنعامية، ~~وتتراءى الملأ الأعلى مهددة لهم أو منبسطة إليهم، وربما تأثرت النفس من ~~سخطها، فعرض لها كهيئة الغشى أو كهيئة المرض، وربما ترشح ما عندهم من الهمة ~~المتأكدة على الحوادث الضعيفة كالخواطر ونحوها، فألهمت الملائكة أو بني آدم ~~أن يحسنوا أو يسيئوا إليه، وربما أحيل أمر من ملابساته إلى صلاح أو فساد، ~~وظهرت تقريبات لتنعيمه أو تعذيبه، بل الحق الصراح أن لله تبارك وتعالى ~~عناية بالناس يوم خلق السموات والأرض توجب ألا يهمل أفراد الإنسان سدى، وأن ~~يؤاخذهم على ما يفعلونه، لكن لدقة مدركها جعلنا دعوة الملائكة عنوانا لها ~~والله أعلم، وإلى هذا الأصل وقعت الإشارة في قوله تعالى: # {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله # والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون} ~~. # ويتركب الأصلان، ms030 فيحدث من تركبهما بحسب استعداد النفس والعمل صور كثيرة ~~عجيبة، لكن الأول أقوى في أعمال وأخلاق تصلح النفس، أو تفسدها، وأكثر ~~النفوس له قبولا أزكاها وأقواها، والثاني أقوى في أعمال وأخلاق مناقضة ~~للمصالح الكلية منافرة لما يرجع إلى صلاح نظام بني آدم، وأكثر النفوس له ~~قبولا أضعفها، وأسمجها، ولكل من # PageV01P071 # السببين مانع يصده عن حكمه إلى حين، فالأول يصد عنه ضعف الملكية وقوة ~~البهيمية حتى تصير كأنها نفس بهيمية فقط لا تتألم من آلالم الملكية، فإذا ~~تخففت النفس عن الجلباب البهيمي، وقل مدده، وبرقت بوارق الملكية عذبت، أو ~~نعمت شيئا فشيئا، والثاني يصد عنه تطابق الأسباب على ما يخالف حكمه حتى إذا ~~جاء أجله الذي قدره الله ثج عن ذلك الجزاء ثجا وهو قوله تبارك وتعالى: # {لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} . ### | (المبحث الثاني) ### | (مبحث كيفية المجازاة في الحياة وبعد الممات) ### | (باب الجزاء على الأعمال في الدنيا) # قال الله تعالى: # {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} . # وقال: # {ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من ~~فوقهم ومن تحت أرجلهم} . # وقال الله تعالى في قصة أصحاب الجنة حين منعوا الصدقة ما قال. # قال رسول صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: # {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} . # وقوله تعالى: # {من يعمل سوءا يجز به} . # " هذه معاقبة الله العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة حتى البضاعة يضعها ~~في يد قميصه، فيعقدها، فيفزع لها حتى أن العبد ليخرج من ذنوبه كما يخرج ~~التبر الأحمر من الكير ". # اعلم أن للملكية بروزا بعد كمونها في البهيمية، وانفكاكا بعد اشتباكها ~~بها فتارة بالموت الطبيعي فإنه حينئذ لا يأتي مددها من الغذاء، وتتحلل ~~موادها لا إلى بدل، ولا تهيج النفس أحوال طارئة كجوع وشبع وغضب، فيرتشح لون ~~عالم القدس عليها، # PageV01P072 # وتارة بالموت الاختياري، فلا يزال يكسر بهيميته برياضة واستدامة توجه إلى ~~عالم القدس، فيبرق عليه بعض بوارق الملكية، وإن لكل ms031 شيء انشراحا وانبساطا ~~بما يلائمه من الأعمال والهيئات، وانقباضا وتقلصا بما يخالفه منها، وإن لكل ~~ألم ولذة شبحا يتشبح به، فشبح الخلط اللذاع النخس، وشبح التأذي من حرارة ~~الصفراء الكرب والضجر، وأن يرى في منامه النيران والشعل، وشبح التأذي من ~~البلغم مقاساة البرد، وأن يرى في المنام المياه والثلج، فإذا برزت الملكية ~~ظهر في اليقظة أو المنام أشباح الأنس والسرور إن كان اكتسب النظافة والخشوع ~~وسائر ما يناسب الملكية، ويتشبح أضدادها في صورة كيفيات مضادة للاعتدال، ~~وواقعات تشتمل على إهانة وتهديد، ويظهر الغضب في صورة سبع ينهر والبخل في ~~صورة حية تلدغ. # والضابط في المجازاة الخارجية أنها تكون في تضاعيف أسباب، فمن أحاط بتلك ~~الأسباب، وتمثل عنده النظام المنبعث منها علم قطعا أن الحق لا يدع عاصيا ~~إلا يجازيه في الدنيا مع رعاية ذلك النظام، فيكون إذا هدأت الأسباب عن ~~تنعيمه وتعذيبه. نعم بسبب الأعمال الصالحة، أو عذب بسبب الأعمال الفاجرة، ~~ويكون إذا أجمعت الأسباب على إيلامه وكان صالحا، وكان قبضها لمعارضة صلاحه ~~غير قبيح صرفت أعماله إلى رفع البلاء # أو تخفيفه أو على إنعامه، وكان فاسقا صرفت إلى إزالة نعمته، وكان ~~كالمعارض لأسبابها، أو أجمعت على مناسبة أعماله أمد في ذلك إمدادا بينا. # وربما كان حكم النظام أوجب من حكم الأعمال، فيستدرج بالفاجر ويضيق على ~~الصالح في الظاهر، ويصرف التضييق إلى كسر بهيميته، ويفهم ذلك، فيرضى كالذي ~~يشرب الدواء المر راغبا فيه وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: " مثل ~~المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الرياح تصرعها مرة، وتعدلها أخرى حتى ~~يأتيه أجله، ومثل المنافق كمثل الأرزة المجدبة التي # PageV01P073 # لا يصيبها شيء حتى يكون انجعافها مرة واحدة " وقوله صلى الله عليه وسلم. ~~" ما من مسلم يصيبه أذى من مرض، فما سواه إلا حط الله به سيئاته كما تحط ~~الشجرة ورقها ". # ورب إقليم غلبت عليه طاعة الشيطان، وصار أهله كمثل النفوس البهيمية ~~فتتقلص عنه بعض المجازاة إلى أجل، وذلك قوله تعالى. # {وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا ms032 أهلها بالبأساء والضراء لعلهم ~~يضرعون ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء ~~والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} . # وبالجملة فالأمر ههنا يشبه بحال سيد لا يتفرغ للجزاء، فإذا كان يوم ~~القيامة صار كأنه تفرغ، وإليه الإشارة في قوله تعالى. # {سنفرغ لكم أيها الثقلان} . # ثم المجازاة تارة تكون في نفس العبد بإفاضته البسط والطمأنينة أوالقبض ~~والفزع، وتارة في بدنه بمنزلة الأمراض الطارئة من هجوم غم أو خوف، ومنه ~~وقوع النبي صلى الله عليه وسلم مغشيا عليه قبل نبوته حين كشف عورته، وتارة ~~في ماله وأهله وربما ألهم الناس والملائكة والبهائم أن يحسنوا إليه؛ أو ~~يسيئوا، وربما قرب إلى خير أو شر بالهامات أو إحالات، ومن فهم ما ذكرنا ~~ووضع كل شيء في موضعه استراح من إشكالات كثيرة كمعارضة الأحاديث الدالة على ~~أن البر سبب زيادة الرزق، والفجور سبب نقصانه والأحاديث الدالة على أن ~~الفجار يعجل لهم الحسنات في الدنيا وأن أكثر الناس بلاء الأمثل فالأمثل ~~ونحو ذلك والله أعلم. ### | (باب ذكر حقيقة الموت) # اعلم أن لكل صورة من المعدنية والناموية والحيوانية والإنسانية مطية غير ~~مطية الأخرى، ولها كمالا أوليا غير كمال الأخرى، وإن اشتبه الأمر في ~~الظاهر، # PageV01P074 # فالأركان إذا تصغرت، وامتزجت بأوضاع مختلفة كثرة وقلة حدثت ثنائيات ~~كالبخار والغبار والدخان والثرى # والأرض المثارة والجمرة والسفعة والشعلة، وثلاثيات كالطين المخمر ~~والطحلب، ورباعيات نظائر ما ذكرنا. # وتلك الأشياء لها خواص مركبة من خواص أجزائها، ليس فيها شيء غير ذلك، ~~وتسمى بكائنات الجو، فتأتي المعدنية، فتقتعد، غارب ذلك المزاج، وتتخذه ~~مطية، وتصير ذات خواص نوعية، وتحفظ المزاج، ثم تأتي الناموية، فتتخذ الجسم ~~المحفوظ المزاج مطية، وتصير قوة محولة لأجزاء الأركان والكائنات الجوية إلى ~~مزاج نفسه؛ لتخرج إلى الكمال المتوقع لها بالفعل، ثم تأتي الحيوانية، فتتخذ ~~الروح الهوائية الحاملة لقوى التغذية والتنمية مطية، وتنفذ التصرف في ~~أطرافها بالحس والإرادة انبعاثا للمطلوب، وانخناسا ms033 عن المهروب، ثم تأتي ~~الإنسانية، فتتخذ النسمة المتصرفة في البدن مطية، وتقصد إلى الأخلاق التي ~~هي أمهات الانبعاثات والانخناسات، فتقينها، وتحسن سياستها، وتأخذها منصة ~~لما تتلقاه من فوقها، فالأمر وإن كان مشتبها بادئ الرأي لكن النظر الممعن ~~يلحق كل آثار بمنبعها، ويفرز كل صورة بمطيتها. # وكل صورة لا بد لها من مادة تقوم بها، وإنما تكون المادة ما يناسبها ~~وإنما مثل الصورة كمثل خلقة الإنسان القائمة بالشمعة في التمثال، ولا يمكن ~~أن توجد الخلقة إلا بالشمعة، فمن قال لأن النفس النطقية المخصوصة بالإنسان ~~عند الموت ترفض المادة مطلقا، فقد خرص نعم لها مادة بالذات، وهي النسمة، ~~ومادة بالعرض، وهو الجسم الأرضي، فإذا مات الإنسان لم يضر نفسه زوال المادة ~~الأرضية، وبقيت حالة بمادة النسمية، ويكون كالكاتب المجيد المشغوف بكتابته ~~إذا قطعت يداه، وملكة # الكتابة بحالها، والمستهتر بالمثي إذا قطعت رجلاه، والسميع والبصير إذا ~~جعل أصم وأعمى. # واعلم أن من الأعمال والهيآت ما يباشرها الإنسان بداعية من قلبه، فلو خلى ~~ونفسه لانساق إلى ذلك، ولامتنع من مخالفه. ومنها ما يباشره لموافقة ~~الإخوان، أو لعارض خارجي من جوع وعطش ونحوهما إذا لم يصر عادة لا يستطيع ~~الإقلاع عنها، فإذا انفقأ العارض انحلت الداعية، فرب مستهتر بعشق إنسان أو ~~بالشعر أو بشيء آخر يضطر # PageV01P075 # إلى موافقة قومه في اللباس والزي، فلو خلى ونفسه، وتبدل زيه لم يجد في ~~قلبه بأسا، ورب إنسان يحب الزي بالذات، فلو خلى ونفسه لما سمح بتركه. # وإن من الإنسان اليقظان بالطبع يتفطن بالأمر الجامع بين الكثرات، ويمسك ~~قلبه بالعلة دون المعلولات والملكة دون الأفاعيل، ومنه الوسنان بالطبع يبقى ~~مشغولا بالكثرة عن الوحدة، وبالافاعيل عن الملكات، وبالاشباح عن الأرواح. # واعلم أن الإنسان إذا مات انفسخ جسده الأرضي، وبقيت نفسه النطقية متعلقة ~~بالنسمة متفرغة إلى ما عندها، وطرحت عنها ما كان لضرورة الحياة الدنيا من ~~غير داعية قلبية، وبقي فيها ما كانت تمسكه في جدر جوهرها، وحينئذ تبرز ~~الملكية، وتضعف البهيمية، ويترشح عليها من فوقها يقين بحظيرة القدس وبما ~~أحصى ms034 عليها هنالك، وحينئذ تتألم الملكية، أو تتنعم. # واعلم أن الملكية عند غوصها في البهيمية وامتزاجها بها لا بد أن تذعن لها ~~إذعانا ما، وتتأثر منها أثرا ما، لكن الضار كل الضرر أن تتشبح فيها هيئات ~~منافرة في الغاية، والنافع كل النفع أن تتشبح فيها هيآت مناسبة في الغاية؛ ~~فمن المنافرات أن يكون قوى التعلق بالمال والأهل لا يستيقن أن # وراءهما مطلوبا، قوى الإمساك للهيئات الدنية في جذر جوهرها، ونحو ذلك مما ~~يجمعه أنه على الطرف المقابل للسماحة، وأن يكون متلبسا بالنجاسات متكبرا ~~على الله لم يعرفه ولم يخضع له يوما ونحو ذلك مما يجمعه أنه على الطرف ~~المقابل للإحسان، وأن يكون ناقض توجه حظيرة القدس في نصر الحق، وتنويه ~~أمره، وبعثة الأنبياء، وإقامة النظام المرضى، فأصيب منهم بالبغضاء واللعن، ~~ومن المناسبات مباشرة أعمال تحاكي الطهارة والخضوع للبارئ، وتذكر حال ~~الملائكة وعقائد تنزعها من الاطمئنان بالحياة الدنيا، وأن يكون سمحا سهلا، ~~وأن يعطف عليه أدعيه الملأ الأعلى وتوجهاتهم للنظام المرضى والله أعلم. # PageV01P076 ### | (باب اختلاف أحوال الناس في البرزخ) # اعلم أن الناس في هذا العالم على طبقات شتى لا يرجى إحصاؤها، لكن رءوس ~~الأصناف أربعة. # صنف هم أهل اليقظة، وأولئك يعذبون، وينعمون بأنفس تلك المتافرات ~~والمناسبات، وإلى حال هذا الصنف وقعت الإشارة في قوله تعالى: # {أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين} . # ورأيت طائفة من أهل الله صارت نفوسهم بمنزلة الجوابي الممتلئة ماء راكدا: ~~لا تهيجه الرياح، فضربها ضوء الشمس في الهاجرة، فصارت بمنزلة قطعة من ~~النور، وذلك النور إما نور الأعمال المرضية، أو نور الياد داشت، أو نور ~~الرحمة. # وصنف قريب المأخذ منهم، لكن هم أهل النور الطبيعي، فأولئك تصيبهم رؤيا، ~~والرؤيا فينا حضور علوم مخزونة في الحس المشترك كانت مسكة اليقظة تمنع عن ~~الاستغراق فيها والذهول عن كونها خيالات، فلما نام لم يشك أنها عين ما هي ~~صورها، وربما يرى الصفراوي أنه في غيضة يابسة في يوم صائف وسموم، فبينا هو ~~كذلك ms035 إذ فاجاءته النار من كل جانب، فجعل يهرب، ولا يجد مهربا، ثم أنه لفحته ~~فقاسى ألما شديدا، ويرى البلغمى أنه في ليلة شاتية ونهر بارد وريح ~~زمهريرية، فهاجت بسفينته الأمواج، فصار يهرب، ولا يجد مهربا، ثم إنه غرق، ~~فقاسى ألما شديدا، وإن أنت استقريت الناس لم تجد أحدا إلا وقد جرب من نفسه ~~تشبح الحوادث المجمعة بتنعمات وتوجعات مناسبة لها وللنفس الرائية، فهذا ~~المبتلى في الرؤيا غير أنها رؤيا لا يقظة منها إلا يوم القيامة، وصاحب ~~الرؤيا لا يعرف في رؤياه أنها لم تكن أسماء خارجية، وأن التوجع والتنعم لم ~~يكن في العالم الخارجي، ولولا يقظة لم يتنبه لهذا السر فعسى أن يكون تسمية ~~هذا العالم عالما خارجيا أحق وأفصح من تسميته بالرؤيا، فربما يرى صاحب ~~السبعية أنه يخدشه سبع، وصاحب البخل تنهشه حيات وعقارب، ويتشبح زوال العلوم ~~الفوقانية بملكين يسألانه من ربك، وما دينك، وما قولك في النبي صلى الله ~~عليه وسلم؟ . # PageV01P077 # وصنف بهيميتهم وملكيتهم ضعيفتان يلحقون بالملائكة السافلة لأسباب جبلية ~~بأن كانت ملكيتهم قليلة الانغماس في البهيمية غير مذعنة لها، ولا متأثرة ~~منها، وكسبية بأن لابست الطهارات بداعية قلبية، ومكنت من نفسها الإلهامات ~~وبوارق ملكية، فكما أن الإنسان ربما يخلق في صورة الذكران وفي مزاجه خنوثة، ~~وميل إلى هيآت الإناث، لكنه لا يتميز شهوات الأنوثة # من شهوات الذكورة في الصبا، وإنما المهم حينئذ شهوة الطعام والشراب وحب ~~اللعب، فيجري حسب ما يأمر به من التوسم بسمة الرجال، ويمتنع عنه من اختار ~~زي النساء حتى إذا شب، ورجع إلى طبيعته الماجنة استبد باختيار زيهن والتعود ~~بعاداتهن، وغلبت عليه شهوة الأبنة وفعل ما يفعله النساء، وتكلم بكلامهن، ~~وسمى نفسه تسمية الأنثى، فعند ذلك خرج من حيز الرجال بالكلية، فكذلك ~~الإنسان قد يكون في حياته الدنيا مشغولا بشهوة الطعام والشراب والغلمة ~~وغيرها من مقتضيات الطبيعة والرسم، لكنه قريب المأخذ من الملأ السافل قوى ~~الانجذاب إليهم، فإذا مات انقطعت العلاقات، ورجع إلى مزاجه، فلحق ~~بالملائكة، وصار منهم، وألهم كالهامهم، وسعى فيما يسعون ms036 فيه. # وفي الحديث " رأيت جعفر بن أبي طالب ملكا يطير في الجنة مع الملائكة ~~بجناحين. # وربما اشتغل هؤلاء بإعلاء كلمة الله ونصر حزب الله، وربما كان لهم لمة ~~خير بابن آدم، وربما اشتاق بعضهم إلى صورة جسدية اشتياقا شديدا ناشئا من ~~أصل جبلته، فقرع ذلك باب من المثال واختلطت قوة منه بالنسمة الهوائية، وصار ~~كالجسد النوراني، وربما اشتاق بعضهم إلى مطعوم ونحوه، فأمد فيما اشتهى قضاء ~~لشوقه، وإليه الإشارة في قوله تعالى: # {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ~~فرحين بما آتاهم الله من فضله} الآية. # وبإزاء هؤلاء قوم قريبو المأخذ من الشياطين جبلة، بأن كان مزاجهم فاسدا ~~يستوجب آراء مناقضة للحق، منافرة للرأي الكلي على # طرف شاسع من محاسن الأخلاق، وكسبابان لابست هيئات خسيسة وأفكار فاسدة ~~وانقادت لوسوسة الشياطين، وأحاط بهم اللعن، فإذا ماتوا ألحقوا بالشياطين، ~~وألبسوا لباسا ظلمانيا، وصور لهم ما يقضون به بعض وطرهم من الملاذ الخسيسة، ~~والأول ينعم بحدوث ابتهاج في نفسه، والثاني يعذب بضيق وغم، كالمخنث يعلم أن ~~الخنوثة أسوأ حالات الإنسان، ولكن لا يستطيع الإقلاع عنها. # PageV01P078 # وصنف هم أهل اصطلاح. قوية بهيميتهم. ضعيفة ملكيتهم، وهم أكثر الناس ~~وجودا، يكون غالب أمورهم تابعا للصورة الحيوانية المجبولة على التصرف في ~~البدن والانغماس فيه فلا يكون الموت انفكاكا لنفوسهم عن البدن بالكلية، بل ~~تنفك تدبيرا ولا تنفك وهما، فتعلم علما من كذا بحيث لا يخطر عندها إمكان ~~مخالفة أنها عين الجسد، حتى لو وطئ الجسد، أو قطع لأيقنت أنه فعل ذلك بها، ~~وعلامتهم أنهم يقولون من جذر قلوبهم إن أرواحهم عين أجسادهم، أو عرض طارئ ~~عليها وإن نطقت ألسنتهم لتقليد أو رسم خلاف ذلك فأولئك إذا ماتوا برق عليهم ~~بارق ضعيف، وتراءى لهم خيال ضفيف مثل ما يكون هنا للمرتاضين، وتتشبح الأمور ~~في صور خيالية ومثالية أخرى كما قد تتشبح للمرتاضين، فإن كان لابس أعمالا ~~ملكية دس علم الملايمة في أشباح ملائكة حسان الوجوه بأيديهم الحرير ~~ومخاطبات وهيئآت لطيفة وفتح باب ms037 إلى الجنة تأتي منه روائحها، وإن كان لابس ~~أعمالا منافرة للملكية أو جالية للعن دس علم ذلك في أشباح ملائكة سود ~~الوجوه ومخاطبات وهيآت عنفية، كما قد يدس الغضب في صورة السباع، والجبن في ~~صورة الأرنب. # وهنالك نفوس ملكية استوجب استعدادهم أن يوكلوا بمثل هذه # المواطن، ويؤمر بالتعذيب أو التنعيم، فيراهم المبتلى عيانا. وأن كان أهل ~~الدنيا لا يرونهم عيانا. # واعلم أنه ليس عالم القبر إلا من بقايا هذا العالم، وإنما تترشح هنالك ~~العلوم من وراء حجاب، وإنما تظهر أحكام النفوس المختصة بفرد دون فرد بخلاف ~~الحوادث الحشرية فإنها تظهر عليها وهي فانية وعن أحكامها الخاصة بفرد فرد ~~باقية بأحكام الصورة الإنسانية والله أعلم. ### | (باب ذكر شيء من أسرار الوقائع الحشرية) # اعلم أن للأرواح حضرة تنجذب إليها انجذاب الحديد إلى المغناطيس وتلك ~~الحضرة هي حظيرة القدس محل اجتماع النفوس المتجردة عن جلابيب الأبدان ~~بالروح الأعظم الذي وضفه النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة الوجوه والألسن ~~واللغات، وإنما هو تشبح لصورة نوع الإنسان في عالم المثال، أو في الذكر أيا ~~ما شئت فقل، ومحل فنائها عن المتأكد من أحكامها الناشئة من الخصوصية ~~الفردية، وبقائها بأحكامها الناشئة من النوع أو الغالب عليها جانب النوع. # PageV01P079 # وتفصيله أن أفراد الإنسان لها أحكام يمتاز بها بعضها من بعض، ولها أحكام ~~تشترك فيها جملتها، وتتوارد عليها جميعها، ولا جرم أنها من النوع وإليه في ~~قوله صلى الله عليه وسلم: " كل مولود يولد على الفطرة " الحديث. # وكل نوع يختص به نوعان من الأحكام: أحدهما الظاهر كالخلقة أي اللون ~~والشكل والمقدار، وكالصوت أي فرد وجد منه على هيئة يعطيها لنوع ولم يكن ~~مخدجا من قبل عصيان المادة، فإنه لا بد يتحقق بها، ويتوارد عليها فالإنسان ~~مستوي القامة ناطق بادي البشرة، والفرس معوج القامة صاهل # أشعر إلى غير ذلك مما لا ينفك عن الأفراد عند سلامة مزاجها. وثانيهما ~~الأحكام الباطنة كالإدراك والاهتداء للمعاش والاستعداد لما يهجم عليها من ~~الوقائع، فلكل نوع شريعة، ألا ترى النحل كيف أوحى الله تعالى ms038 إليها أن تتبع ~~الأشجار، فتأكل من ثمراتها، ثم كيف تتخذ بيتا يجتمع فيه بنو نوعها، ثم كيف ~~تجمع العسل هنالك، وأوحى إلى العصفور أن يرغب الذكر في الأنثى، ثم يتخذ ~~عشا، ثم يحضنا البيض، ثم يزقا الفراخ، ثم إذا نهضت الفراخ علمها أين الماء ~~وأين الحبوب، وعلمها ناصحها من عدوها، وعلمها كيف تفر من السنور والصياد، ~~وكيف تنازع بني نوعها عند جلب نفع أو دفع ضر، وهل تظن الطبيعة السليمة بتلك ~~الأحكام أنها لا ترجع إلى اقتضاء الصورة النوعية. # واعلم أن سعادة الأفراد أن تمكن منها أحكام النوع وافرة كاملة وألا تعصى ~~مادتها عليها، ولذلك يختلف أفراد الأنواع، فيما يعد لها من سعادتها أو ~~شقاوتها، ومهما بقيت على ما يعطيه النوع لم يكن لها ألم لكنها قد تغير ~~فطرتها بأسباب طارئة بمنزلة الورم، وإليه وقعت الإشارة بقوله صلى الله عليه ~~وسلم: " ثم أبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه ". # واعلم أن الأرواح البشرية تنجذب إلى هذه الحضرة تارة من جهة البصيرة ~~والهمة، وتارة من جهة تشبح آثارها فيها إيلاما وانعاما، أما الانجذاب ~~بالبصيرة، فليس أحد يتخفف عن ألواث البهيمية إلا وتلحق نفسه بها، وينكشف ~~عليها شيء منها وهو المشار إليه في قوله صلى الله عليه وسلم: " اجتمع آدم ~~وموسى عند ربهما " وروى عنه صلى الله عليه وسلم من طرق شتى أن أرواح ~~الصالحين تجتمع عند الروح الأعظم، أما الانجذاب الآخر فاعلم أن حشر الأجساد ~~وإعادة الأرواح إليها ليست حياة مستأنفة إنما هي تتمة النشأة المتقدمة ~~بمنزلة التخمة لكثرة الأكل. كيف ولولا ذلك لكانوا غير الأولين، ولما أخذوا ~~بما فعلوا. # PageV01P080 # واعلم أن كثيرا من الأشياء المتحققة في الخارج تكون بمنزلة الرؤيا في ~~تشبح المعاني بأجسام مناسبة لها كما ظهرت الملائكة لداود عليه السلام في ~~صورة خصمين ورفعت إليه القضية، فعرف أنه تشبح لما فرط منه في امرأة أوريا ~~فاستغفر وأناب. وكما كان عرض قدمي الخمر واللبن عليه صلى الله عليه وسلم ~~واختياره اللبن تشبحا لعرض الفطرة والشهوات على أمته واختيار الراشدين منهم ms039 ~~الفطرة، وكما كان جلوس النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر مجتمعين على ~~قف البئر، وجلوس عثمان منفردا منهم تشبحا لما قدر الله تعالى من حال قبورهم ~~ومدافنهم على ما أوله سعيد بن المسيب وناهيك به ... ، وأكثر الوقائع ~~الحشرية من هذا القبيل. # واعلم أن تعلق النفس الناطقة بالنسمة أكيد شديد في حق أكثر الناس وإنما ~~مثلها بالنسبة إلى العلوم البعيدة من مألوفها كمثل الأكمة لا يتخيل الألوان ~~والأضواء أصلا ولا مطمع لها في حصول ذلك إلا بعد أحقاب كثيرة ومدد متطاولة ~~في ضمن تشبحات وتمثلات. # والنفوس أول ما تبعث تجازى بالحساب اليسير أو العسير أو بالمرور على ~~الصراط ناجيا ومخدوشا أو بأن يتبع كل أحد متبوعه فينجو، أو يهلك أو تنطق ~~الأيدي والأرجل وقراءة الصحف أو بظهور ما يخل به، وحمله على ظهره أو الكي ~~به؛ وبالجملة فتشبحات وتمثلات لما عندها بما تعطيه أحكام # الصورة النوعية، وأيما رجل كان أوثق نفسا، وأوسع نسمة، فالتشبحات الحشرية ~~في حقه أتم وأوفر، ولذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أكثر عذاب أمته ~~في قبورهم، وهنالك أمور متمثلة تتساوى النفوس في مشاهدتها كالهداية ~~المبسوطة ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P081 # تتشبح حوضا، وتتشبح أعمالهم المحصا عليها وزنا إلى غير ذلك، وتتشبح ~~النعمة بمطعم هنئ، ومشرب مريء، ومنكح شهي، وملبس رضي، ومسكن بهي، # وللخروج من ظلمات التخليط إلى النعمة تدريجات عجيبة كما بينه النبي صلى ~~الله عليه وسلم في حديث الرجل الذي هو آخر أهل النار خروجا منها، وأن ~~للنفوس شهوات تتوارد عليها من تلقاء نوعها تتمثل بها النعمة، وشهوات دون ~~ذلك يتميز بها بعضها من بعض، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: " دخلت ~~الجنة فإذا جارية أدماء لعساء، فقلت ما هذه يا جبريل؟ فقال: أن الله تعالى ~~عرف شهوة جعفر بن أبي طالب للادم اللعس، # فخلق له هذه "، وقوله صلى الله عليه وسلم: " أن الله أدخلك الجنة، فلا ~~تشاء أن تحمل فيها على فرس من ياقوته حمراء تطير بك في الجنة ms040 حيث شئت إلا ~~فعلت " وقوله: " إن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له ألست ~~فيما شئت قال بلى، ولكني أحب أن أزرع، فبذر، فبادر الطرف نباته واستواؤه ~~واستحصاده، فكان أمثال الجبال، فيقول الله تعالى دونك يا ابن آدم، فإنه لا ~~يشبعك شيء "، ثم آخر ذلك رؤية رب العالمين، وظهور سلطان التجليات في جنة ~~الكثيب، ثم كائن بعد ذلك ما أسكت عنه، ولا أذكره اقتداء بالشارع صلى الله ~~عليه وسلم. ### | (المبحث الثالث) ### | (مبحث الارتفاقات) ### | (باب كيفية استنباط الارتفاقات) # اعلم أن الإنسان يوافق أبناء جنسه في الحاجة إلى الأكل والشرب والجماع ~~والاستظلال من الشمس والمطر والاستدفاء في الشتاء وغيرها، وكان من عناية ~~الله تعالى به أن ألهمه كيف يرتفق بأداء هذه الحاجات إلهاما طبيعيا من ~~مقتضى صورته النوعية، فلا جرم يتساوى الأفراد في ذلك الأكل مخدج عصت مادته، ~~كما ألهم النحل كيف تأكل الثمرات، ثم كيف تتخذ بيتا يجتمع فيه أشخاص من بني ~~نوعها، ثم كيف # PageV01P082 # تنقاد ليعسوبها، ثم كيف تعسل، وكما ألهم العصفور كيف يبتغي الحبوب ~~الغاذية، وكيف يرد الماء، وكيف يفر عن السنور والصياد، وكيف يقاتل من صده ~~عما يحتاج إليه، وكيف يسافد ذكره الأنثى عند الشبق، ثم يتخذان عشا عند ~~الجبل، ثم كيف يتعاونان في حضانة البيض، ثم كيف يزقان الفراخ، وكذلك لكل ~~نوع شريعة تنفث في صدور أفراده من طريق الصورة النوعية. # وكذلك ألهم الإنسان كيف يرتفق من هذه الضرورات غير أنه انظم له مع هذا ~~ثلاثة أشياء لمقتضى صورته النوعية الرابية على كل نوع. # أحدها الانبعاث إلى شيء من رأي كلي فالبهيمة إنما تنبعث إلى غرض محسوس أو ~~متوهم من داعية ناشئة من طبيعتها كالجوع والعطش والشبق، والإنسان ربما ~~ينبعث إلى نفع معقول ليس له داعية من طبيعته فيقصد أن # يحصل نظاما صالحا في المدينة أو بكمل خلقه، ويهذب نفسه، أو يتفصى من عذاب ~~الآخرة، أو يمكن جاهه في صدور الناس. # الثاني أنه يضم مع الارتفاق الظرافة، فالبهيمة إنما تبتغي ما تسد به ~~خلتها، ms041 وتدفع حاجتها فقط، والإنسان ربما يريد أن تقر عينه، وتلذ نفسه زيادة ~~على الحاجة، فيطلب زوجة جميلة، وطعاما لذيذا، وملبسا فاخرا ومسكنا شامخا. # والثالث أنه يوجد منهم أهل عقل ودارية يستنبطون الارتفاقات الصالحة، ~~ويوجد منهم من يختلج في صدره ما اختلج في صدور أولئك، ولكن لا يستطيع ~~الاستنباط، فإذا رأى من الحكماء، وسمع ما استنبطوه تلقاه بقلبة، وعض عليه ~~بنواجذه لما وجده موافقا لعلمه الإجمالي، فرب إنسان يجوع، ويظمأ فلا يجد ~~الطعام والشراب، فيقاسي ألما شديدا حتى يجدهما، فيحاول ارتفاقا بإزاء هذه ~~الحاجة، ولا يهتدي سبيلا، ثم يتفق أن يلقى حكيما أصابه ما أصاب ذلك، فتعرف ~~الحبوب الغاذية، واستنبط بذرها وسقيها وحصادها ودياسها وتذريتها، وحفظها ~~إلى وقت الحاجة، واستنبط حفر الآبار للبعيد من العيون والأنهار واصطناع ~~القلال والقرب والقصاع، فيتخذ ذلك بابا من الارتفاق، ثم أنه يقضم الحبوب ~~كما هي، فلا تنهضم في معدته، ويرتع الفواكه نيئة، فلا تنهضم، فيحاول شيئا ~~بإزاء هذه، فلا يهتدي سبيلا، فيلقى حكيما استنبط الطبخ والقلي والطحن ~~والخبز، فيتخذ ذلك بابا آخر، وقس على ذلك حاجاته كلها. # PageV01P083 # والمستبصر يشهد عنده لما ذكرنا حدوث كثير من المرافق في البلدان بعد ما ~~لم تكن، فمضى على ذلك قرون، ولم يزالوا يفعلون ذلك حتى اجتمعت # جملة صالحة من العلوم الإلهامية المؤيدة بالمكتسبة، ونشبت عليها نفوسهم، ~~وعليها كان محياهم ومماتهم، وبالجملة فحال الإلهامات الضرورية مع هذه ~~الأشياء الثلاثة كمثل النفس أصله ضروري بمنزلة حركة النبض، وقد انظم معه ~~الاختيار في صغر الأنفاس وكبرها. # ولما كانت هذه الثلاثة لا توجد في جميع الناس سواء لاختلاف أمزجة الناس ~~وعقولهم الموجبة للانبعاث، من رأي كلي، ولحب الظرافة، ولاستنباط ~~الارتفاقات، والاقتداء فيها، ولاختلافهم في التفرغ للنظر ونحو ذلك من ~~الأسباب كان للارتفاقات حدان. # الأول هو الذي لا يمكن أن ينفك عنه أهل الاجتماعات القاصرة كأهل البدو ~~وسكان شواهق الجبال والنواحي البعيدة من الأقاليم الصالحة، وهو الذي نسميه ~~بالارتفاق الأول. # والثاني ما عليه أهل الحضر والقرى العامرة من الأقاليم الصالحة المستوجبة ~~أن ينشأ فيها ms042 أهل الأخلاق الفاضلة والحكماء، فإنه كثر هنالك الاجتماعات ~~وزدحمت الحاجات، وكثرت التجارب، فاستنبطت سنن جزيلة، وعضوا عليها بالنواجذ. # والطرف الأعلى من هذا الحد ما يتعامله الملوك أهل الرفاهية الكاملة الذين ~~يرد عليهم حكماء الأمم، فينتحلون منهم سننا صالحة، وهو الذي نسميه ~~بالارتفاق الثاني، ولما كمل الارتفاق الثاني أوجب ارتفاقا ثالثا، وذلك أنهم ~~لما دارت بينهم المعاملات وداخلها الشح والحسد والمطل والتجاحد، نشأت بينهم ~~اختلافات ومنازعات وأنهم نشأ فيهم من تغلب عليه الشهوات الرديئة، أو يجبل ~~على الجراءة في القتل والنهب، وأنهم # كانت لهم ارتفاقات مشتركة النفع لا يطيق واحد منهم إقامتها، أو لا تسهل ~~عليه، أو لا تسمح نفسه بها، فاضطروا إلى إقامة ملك يقضي بينهم بالعدل، ~~ويزجر عاصيهم، ويقاوم جريئهم، ويجبي منهم الخراج، ويصرفه في مصرفه، وأوجب ~~الارتفاق الثالث ارتفاقا رابعا، وذلك # PageV01P084 # أنه لما انفرز كل ملك بمدينته، وجبى إليه الأموال، وانظم إليه الأبطال، ~~وداخلهم الشح والحرص والحقد، تشاجروا فيما بينهم، وتقاتلوا، فاضطروا إلى ~~إقامة الخليفة، أو الانقياد لمن تسلط عليهم تسلط الخلافة الكبرى، وأعني ~~بالخليفة من يحصل له من الشوكة ما يرى معه، كالممتنع أن يسلبه رجل آخر ~~ملكه، اللهم إلا بعد اجتماعات كثيرة، وبذل أموال خطيرة لا يتمكن منها إلا ~~واحد في القرون المتطاولة، ويختلف الخليفة باختلاف الأشخاص والعادات، وأي ~~أمة طبائعها أشد وأحد، فهي أحوج إلى الملوك والخلفاء ممن هي دونهما في الشح ~~والشحناء، ونحن نريد أن ننبهك على أصول هذه الارتفاقات وفهارس أبوابها، كما ~~أوجبه عقول الأمم الصالحة ذوي الأخلاق الفاضلة، واتخذوه سنة مسلمة لا يختلف ~~فيها أقاصيهم، ولا أذانيهم، فاستمع لما يتلى عليك. ### | (باب الارتفاق الأول) # منه اللغة المعبرة عما في ضمير الإنسان، والأصل في ذلك أفعال وهيآت ~~وأجسام تلابس صوتا ما بالمجاورة أو التسبب أو غيرهما، فيحكى ذلك الصوت كما ~~هو، ثم يتصرف فيه باشتقاق الصيغ بإزاء اختلاف المعاني، ويشبه أمور مؤثرة في ~~الأبصار، أو محدثة لهيآت وجدانية في النفس، بالقسم الأول، ويتكلف له صوت ~~كمثله، ثم اتسعت اللغات بالتجوز لمشابهة أو مجاورة ms043 والنقل لعلاقة ما # وهنالك أصول أخرى ستجدها في بعض كلامنا، ومنه الزرع والغرس وحفر الآبار ~~وكيفية الطبخ والائتدام، ومنه اصطناع الأواني والقرب، ومنه تسخير البهائم ~~واقتناؤها ليستعان بظهورها ولحومها وجلودها وأشعارها وأوبارها وألبانها ~~وأولادها، ومنه مسكن يؤويه من الحر والبرد من الغيران والعشوش ونحوها، ومنه ~~لباس يقوم مقام الريش من جلود البهائم أو أوراق الأشجار، أو مما عملت ~~أيديهم، ومنه أن اهتدى لتعيين منكوحه لا يزاحمه فيها أحد، يدفع بها شبقه، ~~ويذرأ بها نسله، ويستعين بها في حوائجه # PageV01P085 # المنزلية وفي حضانة الأولاد وتربيتها، وغير الإنسان لا يعينها إلا بنحو ~~من الاتفاق أو بكونهما توأمين أدركا على المرافقة ونحو ذلك، ومنه أن اهتدى ~~لصناعات لا يتم الزرع والغرس والحفر وتسخير البهائم وغير ذلك إلا بها ~~كالمعول والدلو والسكة والحبال ونحوها، ومنه أن اهتدى لمبادلات ومعاونات في ~~بعض الأمر، ومنه أن يقوم أسدهم رأيا وأشدهم بطشا، فيسخر الآخرين، ويرأس ~~ويربع ولو بوجه من الوجوه، ومنه أن تكون فيها سنة مسلمة لفصل خصوماتهم، ~~وكبح ظالمهم، ودفع من يريد أن يغزوهم، ولا بد أن يكون في كل قوم من يستنبط ~~طرق الارتفاق فيما يهمهم شأنه، فيقتدى به سائر الناس، وأن يكون فيهم من يحب ~~الجمال والرفاهية والدعة، ولو بوجه من الوجوه، ومن يباهي بأخلاقه من ~~الشجاعة والسماحة والفصاحة والكيس وغيرها، ومن يحب أن يطير صيته، ويرتفع ~~جاهه، وقد من الله تعالى في كتابه العظيم على عباده بإلهام شعب هذا ~~الارتفاق لعلمه بأن التكليف بالقرآن يعم أصناف الناس وأنه لا يشملهم جميعا ~~إلا هذا النوع من الارتفاق والله أعلم. ### | (باب فن أداب المعاش) # وهي الحكمة الباحثة عن كيفية الارتفاق من الحاجات المبينة من قبل على ~~الحد الثاني، والأصل فيه أن يعرض الارتفاق الأول على التجربة الصحيحة في كل ~~باب، فيختار الهيآت البعيدة من الضرر، القريبة من النفع، ويترك ما سوى ذلك، ~~وعلى الأخلاق الفاضلة التي يجبل عليها أهل الأمزجة الكاملة، فيختار ما ~~توجبه، وتقتضيه، ويترك ما سوى ذلك، وعلى حسن الصحبة بين الناس، وحسن ~~المشاركة ms044 معهم، ونحو ذلك من المقاصد الناشئة من الرأي الكلي. # ومعظم مسائله آداب الأكل والشرب والمشي والقعود والنوم والسفر والخلاء ~~والجماع واللباس والمسكن والنظافة والزينة ومراجعة الكلام والتمسك بالأدوية ~~والرقى في العاهات، وتقدمة المعرفة في الحوادث المجمعة، والولائم عند عروض ~~فرح من ولادة ونكاح وعيد وقدوم مسافر وغيرها، والمآتم عند المصائب وعيادة ~~المرضى ودفن الموتى، فإنه أجمع من يعتد به من أهل الأمزجة الصحيحة سكان ~~البلدان # PageV01P086 # المعمورة على ألا يؤكل الطعام الخبيث كالميت حتف أنفه والمتعفن والحيوان ~~البعيد من اعتدال المزاج وانتظام الأخلاق، ويستحبون أن يوضع الطعام في ~~الأواني، وتوضع هي على السفر ونحوها، وأن ينظف الوجه واليدان عند إرادة ~~الأكل، ويحترز عن هيآت الطيش والشره والتي تورث الضغائن في قلوب المشاركين ~~وألا يشرب الماء الآجن، وأن يحترز من الكرع والعب، وأجمعوا على استحباب ~~النظافة نظافة البدن والثوب والمكان عن شيئين من النجاسات # المنتنة المتقذرة، وعن الأوساخ النابتة على نهج طبيعي كالبخر يزال ~~بالسواك وكشعر الابط والعانة وكتوسخ الثياب واعشيشاب البيت، وعلى استحباب ~~أن يكون الرجل شامة بين الناس قد سوى لباسه وسرح رأسه ولحيته، والمرأة إذا ~~كانت تحت رجل تتزين بخضاب وحلي ونحو ذلك وعلى أن العري شين واللباس زين ~~وظهور السوأتين عار، وأن أتم اللباس ما ستر عامة البدن وكان ساتر العورة ~~غير ساتر البدن، وعلى تقدمة المعرفة بشيء من الأشياء إما بالرؤيا أو ~~بالنجوم أو الطيرة أوالعيافة والكهانة والرمل ونحو ذلك. # وكل من خلق على مزاج صحيح وذوق سليم يختار لا محالة في كلامه من الألفاظ ~~كل لفظ غير وحشي، ولا ثقيل على اللسان، ومن التراكيب كل تركيب، متين جيد، ~~ومن الأساليب كل أسلوب يميل إليه السمع، ويركن إليه القلب وهذا الرجل هو ~~ميزان الفصاحة. # وبالجملة ففي كل باب مسائل إجماعية مسلمة بين أهل البلدان وإن تباعدت، ~~والناس بعدها في تمهيد قواعد الآداب مختلفون، فالطبيعي يمهدها على ~~أستحسانات الطب والمنجم على خواص النجوم، والإلهي على الإحسان كما تجدها في ~~كتبهم مفصلة، ولكل قوم زي وآداب يتميزون بها، يوجبها ms045 اختلاف الأمزجة ~~والعادات ونحو ذلك. # PageV01P087 ### | (باب تدبير المنزل) # وهو الحكمة الباحثة عن كيفية حفظ الربط الواقع بين أهل المنزل على الحد ~~الثاني من الارتفاق وفيه أربع جمل: الزواج، والولاد، والملكة، والصحبة. # والأصل في ذلك أن حاجة الجماع أوجبت ارتباط واصطحابا بين الرجل والمرأة، ~~ثم الشفقة على المولود أوجبت تعاونا منهما في حضانته، وكانت المرأة أهداهما ~~للحضانة بالطبع، وأخفهما عقلا، وأكثرهما انحجاما من المشاق، وأتمهما حياء ~~ولزوما للبيت، وأحذقهما سعيا في محقرات الأمور وأوفرهما انقيادا، وكان ~~الرجل أسدهما عقلا، وأشدهما ذباعن الذمار، وأجزأهما على الاقتحام في ~~المشاق، وأتمهما تيها وتسلطا ومناقشة وغيرة، فكان معاش هذه لا تتم إلا ~~بذاك، وذاك يحتاج إلى هذه. # وأوجبت مزاحمات الرجال على النساء وغيرتهم عليهن ألا يصلح أمرهم إلا ~~بتصحيح اختصاص الرجل بزوجته على رءوس الأشهاد، وأوجبت رغبة الرجل في ~~المرأة، وكرامتها على وليها، وذبه عنها أن يكون مهر وخطبة # PageV01P088 # وتصد من الولي، وكان لو فتح رغبة الأولياء في المحارم أفضى ذلك إلى ضرر ~~عظيم عليها من عضلها عمن ترغب فيه، وألا يكون لها من يطالب عنها بحقوق ~~الزوجية مع شدة احتياجها إلى ذلك وتكدير الرحم بمنازعات الضرات ونحوها مع ~~ما تقتضيه سلامة المزاج من قلة الرغبة في التي نشأ منها، أو نشأت منه، أو ~~كان كعصى دوحة. # وأوجب الحياء عن ذكر الحاجة إلى الجماع أن تجعل مدسوسة في ضمن عروج يتوقع ~~لهما كأنه الغاية التي وجدا لها. # وأوجب التلطف في التشهير، وجعل الملاك المنزلي عروجا أن تجعل وليمة يدعى ~~الناس إليها ودف وطرب. # وبالجملة فلوجوه جمة مما ذكرنا، ومما حذفنا - اعتمادا على ذهن الأذكياء - ~~كان النكاح بالهيئة المعتادة أعني نكاح غير المحارم بمحضر من الناس مع ~~تقديم مهر وخطبة وملاحظة كفاءة وتصد من الأولياء ووليمة، وكون الرجال ~~قوامين على النساء متكفلين معاشهن، وكونهن خادمات حاضنات مطيعات سنة لازمة، ~~وأمرا مسلما عند الكافة، وفطرة فطر الله الناس عليها لا يختلف في ذلك عربهم ~~ولا عجمهم. # ولما لم يكن بذل الجهد منهما في التعاون بحيث يجعل كل ms046 واحد ضرر الآخر، ~~ونفعه كالراجع إلى نفسه إلا بأن يوطنا أنفسهما على إدامة النكاح، ولا بد من ~~إبقاء طريق للخلاص إذا لم يطاوعا، ولم يتراضيا وإن كان من أبغض المباحات ~~وجب في الطلاق ملاحظة قيود وعدة، وكذا في وفاته عنها تعظيما لأمر النكاح في ~~النفوس وأداء لبعض حق الإدامة ووفاء لعهد الصحبة، ولئلا تشتبه الأنساب. # وأوجبت حاجة الأولاد إلى الأباء، وحدبهم عليهم بالطبع أن يكون تمرين ~~الأولاد على ما ينفعهم فطرة، وأوجب تقدم الأباء عليهم، فلم يكبروا إلا ~~والأباء أكثر عقلا وتجربة مع ما يوجبه صحة الأخلاق من مقابلة الإحسان ~~بالإحسان، وقد قاسوا في تربيتهم مالا حاجة إلى شرحه أن يكون بر الوالدين ~~سنة لازمة. # وأوجب اختلاف استعداد بني آدم أن يكون فيهم السيد بالطبع، وهو الأكيس ~~المستقل بمعيشته ذو سياسة ورفاهية جبليتين، والعبد بالطبع وهو الأخرق ~~التابع ينقاد كما يقاد، وكان معاش كل واحد لا يتم إلا بالآخر، ولا يمكن ~~التعاون في المنشط والمكره إلا بأن يوطنا أنفسهما على إدامة هذا الربط، ثم ~~أوجبت اتفاقات أخر أن يأسر بعضهم بعضا، فوقع ذلك منهم بموقع، وانتظمت ~~الملكة، ولا بد من سنة يؤاخذ كل واحد نفسه عليها، ويلام على تركها، ولا بد ~~من إبقاء طريق الخلاص في الجملة بمال أو بدونه، وكان يتفق كثيرا أن تقع على ~~الإنسان حاجات وعاهات من مرض وزمانة وتوجه حق عليه وحوائج يضعف عن إصلاح ~~أمره معها إلا بمعاونة بني جنسه، وكان الناس فيها سواسية، فاحتاجوا إلى ~~إقامة ألفة بينهم وإدامتها، وإن تكون لإغاثة المستغيث وإعانة الملهوف سنة ~~بينهم يطالبون بها ويلامون عليها. # ولما كانت الحاجات على حدين: حد لا يتم إلا بأن يعد كل واحد ضرر الآخر ~~ونفعه راجعا إلى نفسه، ولا يتم إلا ببذل # PageV01P089 # كل واحد الطاقة في موالاة الآخر ووجوب الإنفاق عليه والتوارث، وبالجملة ~~فبأمور تلزمهم من الجانبين ليكون الغنم بالغرم، وكان أليق الناس بهذا الحد ~~الأقارب لأن تحاببهم واصطحابهم كالأمر الطبيعي، وحد يتأتى بأقل من ذلك فوجب ~~أن تكون مواساة أهل العاهات ms047 سنة مسلمة بين الناس، وأن تكون صلة الرحم أوكد، ~~وأشد من ذلك كله. # ومعظم مسائل هذا الفن معرفة الأسباب المقتضية للزواج وتركه وسنة الزواج ~~وصفة الزوج والزوجة، وما على الزوج من حسن المعاشرة وصيانة الحرم عن ~~الفواحش والعار، وما على المرأة من التعفف وطاعة الزوج # وبذل الطاقة في مصالح المنزل وكيفية صلح المتناشزين وسنة الطلاق وإحداد ~~المتوفي عنها زوجها وحضانة الأولاد وبر الولداين وسياسة المماليك والإحسان ~~إليهم وقيام المماليك بخدمة الموالي وسنة الإعتاق وصلة الأرحام والجيران ~~والقيام بمواساة فقراء البلد والتعاون في دفع عاهات طارئة عليهم، وأدب نقيب ~~القبيلة وتعهده حالهم، وقسمة التركات بين الورثة والمحافظة على الأنساب ~~والأحساب، فلن تجد أمة من الناس إلا وهم يعتقدون أصول هذه الأبواب ويجتهدون ~~في إقامتها على اختلاف أديانهم وتباعد بلدانهم والله أعلم. ### | (باب فن المعاملات) # وهو الحكمة الباحثة عن كيفية إقامة المبادلات والمعاونات والإكساب على ~~الارتفاق الثاني. # والأصل في ذلك أنه لما ازدحمت الحاجات، وطلب الإتقان فيها، وأن تكون على ~~وجه تقر به الأعين، وتلذ به الأنفس تعذر إقامتها من كل واحد وكان بعضهم وجد ~~طعاما فاضلا عن حاجته، ولم يجد ماء وبعضهم ماء فاضلا ولم يجد طعاما فرغب كل ~~واحد فيما عند الآخر، فلم يجدوا سبيلا إلا المبادلة، فوقعت تلك المبادلة ~~بموقع من حاجتهم فاصطلحوا بالضرورة على أن يقبل كل واحد على إقامة حاجة ~~واحدة وإتقانها والسعي في جميع أدواتها ويجعلها ذريعة إلى سائر الحوائج ~~بواسطة المبادلات، وصارت تلك سنة مسلمة عندهم، ولما كان كثير من الناس يرغب ~~في شيء وعن شيء، فلا يجد من يعامله في تلك الحالة، اضطروا إلى تقدمة ~~وتهيئة، واندفعوا إلى الاصطلاح على جواهر معدنية تبقى زمانا طويلا أن تكون ~~المعاملة بها أمرا مسلما عندهم، وكان الأليق من بينها، الذهب # PageV01P090 # والفضة لصغر حجمهما، وتماثل أفرادهما، وعظم نفعهما في بدن الإنسان ولتأتي ~~التجمل بهما، فكانا نقدين بالطبع، وكان غيرهما نقدا بالاصطلاح. # وأصول المكاسب الزرع والرعي والتقاط الأموال المباحة من البر والبحر من ~~المعدن والنبات والحيوان والصناعات من نجارة ms048 وحدادة وحياكة # وغيرها مما هو من جعل الجواهر الطبيعية بحيث يتأتى منها الارتفاق المطلوب ~~ثم صارت التجارة كسبا، ثم صار الإقبال على كل ما يحتاج الناس إليه كسبا. # وكلما رقت النفوس وأمعنت في حب اللذة والرفاهية، تفرعت حواشي المكاسب، ~~واختص كل رجل بكسب لأحد شيئين مناسبة القوي فالرجل الشجاع يناسب الغزو، ~~والكيس الحافظ يناسب الحساب، وقوي البطش يناسب حمل الأثقال وشاق الأعمال، ~~واتفاقات توجد فولد الحداد وجاره يتيسر له من صناعة الحدادة ما لا يتيسر له ~~من غيرها ولا لغيره منها، وقاطن ساحل البحر يتأتى منه صيد الحيتان دون غيره ~~ودون غيرها، وبقيت نفوس أعيت بها المذاهب الصالحة، فانحدروا إلى أكساب ضاره ~~بالمدينة كالسرقة والقمار والتكدى. # والمبادلة إما عين بعين، وهو البيع، أو عين بمنفعة، وهي الإجارة، ولما ~~كان انتظام المدينة لا يتم إلا بإنشاء ألفة ومحبة بينهم، وكانت الألفة ~~كثيرا ما تفضي إلى بذل المحتاج إليه بلا بدل أو تتوقف عليه انشعبت الهبة ~~والعارية، ولا تتم أيضا إلا بمواساة الفقراء انشعبت الصدقة وأوجبت المعدات ~~أن يكون منهم الأخرق والكافي والمملق والمثري والمستنكف من الأعمال الخسيسة ~~وغير المستنكف والذي ازدحمت عليه الحاجات والمتفرغ، فكان معاش كل واحد لا ~~يتم إلا بمعاونة آخر، ولا معاونة إلا بعقد وشروط واصطلاح على سنة، فانشعبت ~~المزارعة والمضاربة والإجارة والشركة والتوكيل، ووقعت حاجات تسوق إلى ~~مداينة ووديعة، وجربوا الخيانة والجحود والمطل فاضطروا إلى إشهاد وكتابة ~~وثائق ورهن وكفالة وحوالة، وكلما ترفهت النفوس انشعبت أنوع المعاونات، ولن ~~تجد أمة من الناس إلا ويباشرون هذه المعاملات ويعرفون العدل من الظلم والله ~~أعلم. # PageV01P091 ### | (باب سياسة المدينة) # وهي الحكمة الباحثة عن كيفية حفظ الربط الواقع بين أهل المدينة - وأعني ~~بالمدينة جماعة متقاربة تجري بينهم المعاملات ويكونون أهل منازل شتى. # والأصل في ذلك أن المدينة شخص واحد من جهة ذلك الربط مركب من أجزاء وهيئة ~~اجتماعية، وكل مركب يمكن أن يلحقه خلل في مادته أو صورته ويلحقه مرض أعني ~~حالة غيرها أليق به باعتبار نوعه، وصحة أي حالة تحسنه وتجمله. ms049 # ولما كانت المدينة ذات اجتماع عظيم لا يمكن أن يتفق رأيهم جميعا على حفظ ~~السنة العادلة، ولا أن ينكر بعضهم على بعض من غير أن يمتاز بمنصب إذا يفضي ~~ذلك إلى مقاتلات عريضة لم ينتظم أمرها إلا برجل أصطلح على طاعته جمهور أهل ~~الحل والعقد له أعوان وشوكة، وكل من كان أشح وأحد وأجرا على القتل والغضب، ~~فهو أشد حاجة إلى السياسة # ومن الخلل أن تجتمع أنفس شريرة لهم منعة وشوكة على اتباع الهوى ورفض ~~السنة العادلة، إما طمعا في أموال الناس، وهم قطاع الطرق، أو إضرارا لهم ~~بغضب أو حقد أو رغبة في الملك، فيحتاج في ذلك إلى جمع رجال ونصب قتال. # ومنه إصابة ظالم إنسانا بقتل أو جرح أو ضرب أو في أهله بأن يزاحم على ~~زوجته، أو يطمع في بناته وأخواته لغير حق، أو في ماله من غضب جهرة أو سرقة ~~خفية، أو في عرضه من نسبته إلى أمر قبيح يلام به أو إغلاظ القول عليه. # ومنه أعمال ضارة بالمدينة ضررا خفيا كالسحر ودس السم وتعليم الناس الفساد ~~وتخبيب الرعية على الملك والعبد على مولاه والزوجة على زوجها # ومنه عادات فاسدة فيها إهمال للارتفاقات الواجبة كاللواطة والسحاقة ~~وإتيان البهائم، فإنه تصد عن النكاح أو انسلاخ عن الفطرة السليمة كالرجل ~~يؤنث والمرأة تذكر، أو حدوث لمنازعات عريضة كالمزاحمة على الموطوءة من غير ~~اختصاص بها وكإدمان الخمر. # ومنه معاملات ضارة بالمدينة كالقمار والربا أضعافا مضاعفة والرشوة وتطفيف ~~الكيل والوزن والتدليس في السلع وتلقي الجلب والاحتكار والنجش. # ومنه خصومات مشكلة يتمسك فيها كل بشبهة، ولا تنكشف جلية الحال، فيحتاج ~~إلى # PageV01P092 # التمسك بالبينات والإيمان والوثائق وقرائن الحال ونحوها، وردها إلى سنة ~~مسلمة، وإبداء وجه الترجيح، ومعرفة مكايد المتخاصمين ونحو ذلك. # ومنه أن يبدو أهل المدينة ويكتفوا بالارتفاق الأول، أو يتمدنوا في غير ~~هذه المدينة، أو يكون توزعهم في الإقبال على الاكساب بحيث يضر بالمدينة مثل ~~أن يقبل أكثرهم على التجارة، ويدعو الزراعة، أو يتكسب أكثرهم بالغزو ونحوه، ~~وإنما ينبغي أن يكون ms050 الزراع بمنزلة الطعام والصناع والتجار والحفظة بمنزلة ~~الملح المصلح له. # ومنه انتشار السباع الضارية والهوام المؤذية، فيجب السعي في إفنائها ومن ~~باب كمال الحفظ بناء الأبنية التي يشتركون في الانتفاع بها كالأسوار والربط ~~والحصون والثغور والأسواق والقناطر. # ومنه حفر الآبار واستنباط العيون وتهيئة السفن على سواحل الأنهار. # ومنه حمل التجار على الميرة بتأنيسهم وتأليفهم وتوصية أهل البلد أن ~~يحسنوا المعاملة مع الغرباء، فإن ذلك يفتح باب كثرة ورودهم، وحمل الزراع ~~على ألا يتركوا أرضا مهملة، والصناع أن يحسنوا الصناعات، ويتقنوها، وأهل ~~البلد على اكتساب الفضائل كالخط والحساب والتاريخ والطب والوجوه الصحيحة من ~~تقدمة المعرفة. # ومنه معرفة أخبار البلد ليتميز الداعر من الناصح، وليعلم المحتاج، فيعان ~~وصاحب صنعة مرغوبة، فيستعان به. # وغالب سبب خراب البلدان في هذا الزمان شيئان أحدهما تضييقهم على بيت ~~المال بأن يعتادوا التكسب بالأخذ منه على أنهم من الغزاة، أو من العلماء ~~الذين لهم حق فيه، أو من الذين جرت عادة الملوك بصلتهم كالزهاد والشعراء، ~~أو بوجه من وجوه التكدي، ويكون العمدة عندهم هو التكسب دون القيام ~~بالمصلحة، فيدخل قوم على قوم، فينغصون عليهم، ويصيرون كلا على المدينة. # والثاني ضرب الضرائب الثقيلة على الزراع والتجار والمتحرفة والتشديد ~~عليهم حتى يفضي إلى إجحاف المطاوعين واستئصالهم، وإلى تمنع أولي بأس شديد ~~وبغيهم وإنما تصلح المدينة بالجباية اليسيرة وإقامة الحفظة بقدر الضرورة، ~~قليتنبه أهل الزمان لهذه النكتة والله أعلم. # PageV01P093 ### | (باب سيرة الملوك) # يجب أن يكون الملك متصفا بالأخلاق المرضية، وإلا كان كلا على المدينة، ~~فإن لم يكن شجاعا ضعف عن مقاومة المحاربين، ولم تنظر إليه الرعية # إلا بعين الهوان، وإن لم يكن حليما كاد يهلكهم بسطوته، وإن لم يكن حكيما ~~لم يستنبط التدبير المصلح، وأن يكون عاقلا بالغا حرا ذكرا ذار أي وسمع وبصر ~~ونطق ممن سلم الناس شرفه وشرف قومه، ورأوا منه ومن آبائه المآثر الحميدة، ~~وعرفوا أنه لا يألو جهدا في إصلاح المدينة، هذا كله يدل عليه العقل، وأجمعت ~~عليه أمم بني آدم على تباعد بلداتهم واختلاف أديانهم ms051 لما أحسوا من أن ~~المصلحة المقصودة من نصب الملك لا تتم إلا به، فإن وقع شيء من إهماله رأوه ~~خلاف ما ينبغي، وكرهته قلوبهم، ولو سكتوا سكتوا على غيظ. # ولا بد للملك من إنشاء الجاه في قلوب رعيته، ثم حفظه وتدارك الخادشات له ~~بتدبيرات مناسبة، ومن قصد الجاه فعليه أن يتحلى بالأخلاق الفاضلة مما يناسب ~~رياسته كالشجاعة والحكمة والسخاوة والعفو عمن ظلم وارادة نفع العامة، ويفعل ~~بالناس ما يفعل الصياد بالوحش، فكما أن الصياد يذهب إلى الغيضة، فينظر إلى ~~الظباء، ويتأمل الهيئة المناسبة لطبائعها وعاداتها، فيتهيأ بتلك الهيئة، ثم ~~يبرز لها من بعيد، ويقصر النظر على عيونها وآذانها، فمهما عرف منها تيقظا ~~أقام بمكانه كأنه جماد ليس به حراك، ومهما عرف منها غفلة دب إليها دبيبا، ~~وربما أطر بها بالنغم، وألقى إليها أطيب ما ترومه من العلف على أنه صاحب ~~كرم بالطبع، وأنه لم يقصد بذلك صيدها، والنعم تورث حب المنعم، وقيد المحبة ~~أوثق من قيد الحديد، فكذلك الرجل الذي يبرز إلى الناس ينبغي أن يؤثر هيئة ~~ترغب فيها النفوس من زي ومنطق وأدب. # ثم يتقرب منهم هونا، ويظهر إليهم النصح والمحبة من غير مجازفة ولا ظهور ~~قرينة تدل على أن ذلك لصيدهم، ثم يعلمهم أن نظيره كالممتنع في حقهم حتى يرى ~~أن نفوسهم قد طمأنت بفضله وتقدمه، وصدورهم قد # امتلأت مودة وتعظيما، وجوارحهم تدابت خشوعا وإخباتا، ثم ليحفظ ذلك فيهم، ~~فلا يكن منه ما يختلفون به عليه، فإن فرط شيء من ذلك، فليتداركه بلطف ~~وإحسان وإظهار أن المصلحة حكمت بما فعل، وأنه لهم لا عليهم. # PageV01P094 # والملك مع ذلك يحتاج إلى إيجاب طاعته بالانتقام ممن عصاه، فمهما استشعر ~~من رجل كفاية في حرب أو جباية أو تدبير، فليضاعف عطاءه، وليرفع قدره، ولبسط ~~له بشره، ومهما استشعر منه خيانة وتخلفا وانسلالا، فلينقص من عطائه، وليخفض ~~من قدره، وليطو عنه بشره، وإلى يسار أكمل من يسار الناس، وليكن مما لا يضيق ~~عليهم كموات يحييه وناحية بعيدة يحميها ونحو ذلك وإلى ألا يبطش ms052 بأحد إلا ~~بعد أن يصحح على أهل الحل والعقد أنه يستحقه، وأن المصلحة الكلية حاكمة به. # ولا بد للملك من فراسة يتعرف بها ما أضمرت نفوسهم، ويكون ألمعيا يظن بك ~~الظن كأن قد رأى وقد سمع، ويجب عليه إلا لا يؤخر ما لا بد منه إلى غد، ولا ~~يصبر إن رأى منهم أحدا يضمر عداوته دون فك نظامه وإضعاف قوته والله أعلم. ### | (باب سياسة الأعوان) # لما كان الملك لا يستطيع إقامة هذه المصالح كلها بنفسه وجب أن يكون له ~~بإزاء كل حاجة أعوان، ومن شرط الأعوان الأمانة والقدرة على إقامة ما أمروا ~~به وانقيادهم للملك والنصح له ظاهرا أو باطنا، وكل من خالف هذه الشريطة فقد ~~استحق العزل، فإن أهمل الملك عزله، فقد خان المدينة، وأفسد على نفسه أمره، ~~وينبغي أنه لا يتخذ الأعوان ممن يتعذر عزله، أو ممن له حق على الملك من ~~قرابة أو نحوها، فيقبح عزله، وليميز الملك # بين محبيه، فمنهم من يحبه لرهبة أو لرغبته، فليجره إليه بحيلة، ومنهم من ~~يحبه لذاته، ويكون نفعه نفعا له، وضرره ضررا عليه، فذلك المحب الناصح ولكل ~~إنسان جبلة جبل عليها وعادة اعتادها، ولا ينبغي للملك أن يرجو من أحد أكثر ~~مما عنده. # والأعوان إما حفظه من شر المخالفين بمنزلة اليدين الحاملتين للسلاح من ~~بدن الإنسان، وإما مدبرون للمدينة بمنزلة القوة الطبيعية من الإنسان أو ~~المشاورون للملك بمنزلة العقل والحواس للإنسان. # ويجب على الملك أن يسأل كل يوم ما فيهم من الأخبار، ويعلم ما وقع من ~~الإصلاح وضده. # PageV01P095 # ولما كان الملك وأعوانه عاملين للمدينة عملا نافعا وجب أن يكون رزقهم ~~عليها، ولا بد أن يكون بجباية العشور والخراج سنة عادلة لا تضر بهم، وقد ~~كفت الحاجة، ولا ينبغي أن يضرب على كل أحد وفي كل مال، والأمر ما أجمعت ~~ملوك الأمم من مشارق الأرض ومغاربها أن تكون الجباية من أهل الدثور ~~والقناطير المقنطرة، ومن الأموال النامية كماشية متناسلة وزراعة وتجارة، ~~فإن احتيج إلى أكثر من ذلك، فعلى رءوس الكاسبين: # ولا ms053 بد للملك من سياسة جنوده، وطريق السياسة ما يفعله الرائض الماهر ~~بفرسه حيث يتعرف أصناف الجري من إرفال وهرولة وعدو وغيرها، والعادات ~~الذميمة من حرونة ونحوها، والأمور التي تنبه الفرس تنبيها بليغا كالنخس ~~والزجر والسوط، ثم يراقبه، فكلما فعل ما لا يرتضيه، أو ترك ما يرتضيه ينبهه ~~بما ينقاد له طبعه، وتنكسر به سورته، وليقصد في ذلك ألا يتشوش خاطره، فلا ~~يتفطن لماذا ضربه، ولتكن صورة الأمر الذي يلقيه إليه متمثله في صدره منعقدة ~~في قلبه والخوف من المجازاه مقيما في # خاطره، ثم إذا حصل فعل المطلوب والكف عن المهروب لا ينبغي أن يترك ~~الرياضة حتى يرى أن الطريقة المطلوبة صارت خلقا له وديدنا، وصار بحيث لولا ~~الزجر لما ركن إلى خلافها، فكذلك يجب على رائض الجنود أن يعرف الطريقة ~~المطلوبة فعلا وكفا والأمور التي يقع بها تنبيههم، وليكن من شأنه ألا يهمل ~~شيء من ذلك أبدا. # وليس للأعوان حصر في عدد لكنه يدور على دوران حاجات المدينة، فربما تقع ~~الحاجة إلى اتخاذ عونين في حاجة، وربما كفا عون لحاجتين، غير أن رءوس ~~الأعوان خمسة. # القاضي، وليكن حرا ذكرا بالغا عاقلا كافيا عارفا بسنة المعاملات وبمكايد ~~الخصوم في اختصامهم، وليكن صلبا حليما جامعا للأمرين، ولينظر في مقامين: ~~أحدهما معرفة جلية الحال، وهي إما عقد أو مظلمة أو سابقة بينهما، وثانيهما ~~ما يريد كل واحد من صاحبه أي الإراديتين أصوب وأرجح ولينظر في وجه المعرفة، ~~فهنالك حجة لا يريب فيها الناس تقتضي الحكم الصراح، وحجة ليست بذاك تقتضي ~~حكما دون الحكم الأول. # وأمير الغزاة، وليكن من شأنه معرفة عدة الحرب وتأليف الأبطال والشجعان ~~ومعرفة مبلغ كل رجل في النفع وكيفية تعبية الجيوش ونصب الجواسيس والخبرة في ~~بمكايد الخصوم. # PageV01P096 # وسائس المدينة، وليكن مجربا قد عرف وجوه صلاح المدينة وفسادها صلبا ~~حليما، وليكن من قوم لا يسكتون إذا رأوا خلاف ما يرتضونه، وليتخذ لكل قوم ~~نقيبا منهم عارفا؛ أخبارهم ينتظم به أمرهم ويؤاخذه بما عندهم. # والعامل، وليكن عارفا بكيفية جباية الأموال وتفريقها على ms054 المستحقين. # والوكيل، المتكفل بمعاش الملك فإنه مع ما به من الأشغال لا يمكن أن يتفرغ ~~إلى إصلاح معاشه ### | (باب الارتفاق الرابع) # وهي الحكمة الباحثة عن سياسة حكام المدن وملوكها، وكيفية حفظ الربط ~~الواقع بين أهل الأقاليم، وذلك أنه لما انفرز كل ملك بمدينته، وجبي إليه ~~الأموال، وانظم إليه الأبطال أوجب اختلاف أمزجتهم وتشتت استعداداتهم أن ~~يكون فيهم الجور وترك السنة الراشدة، وأن يطمع بعضهم في مدينة الآخرة، وأن ~~يتحاسدوا، ويتقاتلوا باراء جزئية من نحو رغبة في الأموال والأراضي، أو حسد ~~وحقد، فلما كثر ذلك في الملوك اضطروا إلى الخليفة، وهو من حصل له من ~~العساكر والعدد ما يرى كالممتنع أن يسلب رجل آخر ملكه، فإنه إنما يتصور بعد ~~بلاء عام وجهد كبير واجتماعات كثيرة وبذل أموال خطيرة تتقاصر الأنفس دونها ~~وتحيله العادة، وإذا وجد الخليفة، وأحسن السيرة في الأرض، وخضعت له ~~الجبابرة، وانقاد له الملوك تمت النعمة، واطمأنت البلاد والعباد، واضطر ~~الخليفة إلى إقامة القتال دفعا للضرر اللاحق لهم من أنفس سبعية تنهب ~~أموالهم، وتسبي ذراريهم، وتهتك حرمهم، وهذه الحاجة هي التي دعت بني إسرائيل ~~إلى أن قالوا لنبي لهم. {ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله} # وابتداء إذا أساءت أنفس شهوية أو سبعية السيرة، وأفسدوا في الأرض، فألهم ~~الله سبحانه إما بلا واسطة أو بواسطة الأنبياء أن يسلب شوكتهم، ويقتل منهم ~~من لا سبيل له إلى الإصلاح أصلا، وهم في نوع الإنسان بمنزلة # والعضو المؤف بالاكلة، وهذه الحاجة # PageV01P097 # هي المشار إليها بقوله تعالى: # {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع} الآية # وقوله تعالى: # {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} . # ولا يتصور للخليفة مقاتلة الملوك الجبابرة وإزالة شوكتهم إلا بأموال وجمع ~~رجال، ولا بد في ذلك من معرفة الأسباب المقتضية لكل واحد من القتال ~~والهدنة، وضرب الخراج والجزية، وأن يتأمل أولا ما يقصد بالمقاتلة من دفع ~~مظلمة أو إزهاق أنفس سبعية خبيثة لا يرجي صلاحها، أو كبت أنفس دونها في ~~الخبث بإزالة شوكتها، أو كبت قوم مفسدين في الأرض ms055 بقتل رءوسهم المدبرين لهم ~~أو حبسهم أو حيازة أموالهم وأراضيهم أو صرف وجوه الرعية عنهم. # ولا ينبغي للخليفة أن يقتحم لتحصيل مقصد فيما هو أشد منه، فلا يقصد حيازة ~~الأموال بإفناء جماعة صالحة من الموافقين، ولا بد من استمالة قلوب القوم ~~ومعرفة مبلغ نفع كل واحد، فلا يعتمد على أكثر مما هو فيه، والتنوية بشأن ~~السراة والدهاة والتحريض على القتال ترغيبا وترهيبا وليكن أول نظرة إلى ~~تفريق جمعهم وتكليل حدهم وإخافة قلوبهم حتى يتمثلوا بين يديه # لا يستطيعون لأنفسهم شيئا، فإذا ظفر بذلك فليتحقق فيهم ظنه الذي زوره قبل ~~الحرب، فإن خاف منهم أن يفسدوا تارة أخرى ألزمهم خراجا منهكا وجزية ~~مستأصلة، وهدم صياصيهم، وجعلهم بحيث لا يمكن لهم أن يفعلوا فعلهم ذلك. # ولما كان الخليفة حافظا لصحة مزاج حاصل من أخلاط متشاكسة جدا أوجب أن ~~يكون متيقظا، ويبعث عيونا في كل ناحية، ويستعمل فراسة نافذة، وإذا رأى ~~اجتماعا منعقدا من عساكره، فلا صبر دون أن ينصب اجتماعا آخر مثله ممن تحيل ~~العادة مواطأتهم معهم، وإذا رأى من رجل التماس خلافة، فلا صبر دون اتقاء ~~جرأته وإزالة شوكته وإضعاف قوته ولا بد أن يجعل قبول أمره والارتفاق على ~~مناصحته سنة مسلمة عندهم، ولا يكفي في ذلك مجرد القبول، بل لا بد من أمارة ~~ظاهرة للقبول، بها يؤاخذ الرعية، كالدعاء له # PageV01P098 # والتنويه بشأنه في الاجتماعات العظيمة، وأن يوطنوا أنفسهم على زي وهيئة ~~أمر بها الخليفة، كالاصطلاح على الدنانير المنقوشة باسم الخليفة في زماننا ~~والله أعلم. ### | (باب اتفاق الناس على أصول الارتفاقات) # اعلم أن الارتفاقات لا تخلوا عنها مدينة من الأقاليم المعمورة، ولا أمة ~~من الأمم أهل الأمزجة المعتدلة والأخلاق الفاضلة من لدن آدم عليه السلام ~~إلى يوم القيامة، وأصولها مسلمة عند الكل قرنا بعد قرن وطبقة بعد طبقة لم ~~يزالوا ينكرون على من عصاها أشد نكير، ويرونها أمور بديهية من شدة شهرتها، ~~ولا يصدنك عما ذكرنا اختلافهم في صور الارتفاقات وفروعها، فاتفقوا مثلا على ~~إزالة نتن الموتى وستر سوآتهم، ثم اختلفوا ms056 في الصور، فاختار بعضهم الدفن في ~~الأرض، وبعضهم الحرق بالنار، # واتفقوا على تشهير أمر النكاح وتمييزه عن السفاح على رءوس الأشهاد، ثم ~~اختلفوا في الصور، فاختار بعضهم الشهود والإيجاب والقبول والوليمة، وبعضهم ~~الدف والغناء ولبس ثياب فاخرة لا تلبس إلا في الولائم الكبيرة، واتفقوا على ~~زجر الزنا والسراق ثم اختلفوا، فاختار بعضهم الرجم وقطع اليد، وبعضهم الضرب ~~والأليم والحبس الوجيع والغرامات المنهكة، ولا يصدنك أيضا مخالفة طائفتين، ~~أحدهما البلة الملتحقون بالبهائم ممن لا يشك الجمهور أن أمزجتهم ناقصة ~~وعقولهم مخدجة، وصاروا يستدلون على بلاهتهم بما يرون من عدم تقييدهم أنفسهم ~~بتلك القيود، والثانية الفجار الذين لو نقح ما في قلوبهم ظهر أنهم يعتقدون ~~الارتفاقات لكن تغلب عليهم الشهوات، فيعصونها شاهدين على أنفسهم بالفجور، ~~ويزنون ببنات الناس وأخواتهم، ولو زني ببناتهم وأخواتهم كادوا يتميزون من ~~الغيظ، ويعلمون قطعا أن الناس يصيبهم ما أصاب أولاء، وإن إصابة هذه الأمور ~~مخلة بانتظام المدينة لكن يعميهم الهوى، وكذلك الكلام في السرقة والغصب ~~وغيرهما، ولا ينبغي أن يظن أنهم اتفقوا على ذلك من غير شيء بمنزلة الاتفاق ~~على أن يتغذى بطعام واحد أهل المشارق والمغارب كلهم وهل سفسطه أشد من ذلك؟ ~~بل الفطرة السليمة حاكمة بأن الناس لم يتفقوا عليها مع اختلاف أمزجتهم ~~وتباعد بلدانهم وتشتت مذاهبهم وأديانهم إلا لمناسبة فطرية متشعبة من الصورة ~~النوعية، ومن حاجات كثيرة الوقوع يتوارد عليها أفراد النوع، ومن أخلاق ~~توجبها الصحة النوعية في أمزجة الأفراد، ولو أن إنسانا # PageV01P099 # نشأ ببادية نائية عن البلدان، ولم يتعلم من أحد رسما كان له لا جرم حاجات ~~من الجوع والعطش والغلمة، واشتاق لا محالة إلى امرأة، ولا بد عند صحة ~~مزاجهما أن يتولد بينهما أولاد، ويضم أهل أبيات، وينشأ فيهم معاملات، ~~فينتظم الارتفاق الأول عن آخره، ثم إذا كثروا لا بد # أن يكون فيهم أهل أخلاق فاضلة تقع فيهم وقائع توجب سائر الارتفاقات والله ~~أعلم. ### | (باب الرسوم السائرة في الناس) # اعلم أن الرسوم من الارتفاقات هي بمنزلة القلب من جسد الإنسان، وإياها ~~قصدت ms057 الشرائع أولا وبالذات، وعنها البحث في النواميس الإلهية، وإليها ~~الإشارات، ولها أسباب تنشأ منها كاستنباط الحكماء، وكالهام الحق في قلوب ~~المؤيدين بالنور الملكي، وأسباب تنتشر بها في الناس، مثل كونها سنة ملك ~~كبير دانت له الرقاب، أو كونها تفصيلا لما يجده الناس في صدورهم، فيتلقونها ~~بشهادة قلوبهم، وأسباب يعضون عليها بالنواجذ لأ أجلها من تجربة مجازاة ~~غيبية على إهمالها، أو وقوع فساد في إغفالها، وكإقامة أهل الآراء الراشدة ~~اللائمة على تركها، ونحو ذلك، والمستبصر ربما يوفق لتصديق ذلك من إحياء سنن ~~وإماتتها في كثير من البلدان بنظائر ما ذكرنا. # والسنن السائرة وإن كانت من حق في أصل أمرها لكونها حافظة على الارتفاقات ~~الصالحة، ومفضية بأفراد الإنسان إلى كمالها النظري والعملي، ولولاها لالتحق ~~أكثر الناس بالبهائم، فكم من رجل يباشر النكاح والمعاملات على الوجه ~~المطلوب، وإذا سئل عن سبب تقيده بتلك القيود لم يجد جوابا إلا موافقة ~~القوم، وغاية جهده علم إجمالي لا يعرب عنه لسانه فظلا عن تمهيد ارتفاقه، ~~فهذا لو لم يلتزم سنة كاد يلتحق بالبهائم، لكنها قد ينضم معها باطل، فيلبس ~~على الناس سنتهم، وذلك بأن يترأس قوم يغلب عليهم الآراء الجزئية دون ~~المصالح الكلية، فيخرجون إلى أعمال سبعية كقطع الطريق أو غضب أو شهوية ~~كاللواطة وتأنث الرجال أو أكساب ضارة # كالربا وتطفيف الكيل والوزن أو عادات في الزي والولائم تميل إلى الإسراف، ~~وتحتاج إلى تعمق بليغ في الاكساب، أو # PageV01P100 # الإكثار من المسليات بحيث يفضي إلى إهمال أمر المعاش والمعاد كالمزامير ~~والشطرنج وصيد واقتناء الحمام ونحوها، أو جبايات منهكة لأبناء السبيل وخراج ~~مستأصل للرعية، أو التشاحح والتشاحن فيما بينهم، فيستحسنون أن يفعلوها مع ~~الناس، ولا يستحسنون أن يفعل ذلك معهم، فلا ينكر عليهم أحد لجاههم وصولتهم ~~فيجيء فجرة القوم، فيقتدون بهم، وينصرونهم، ويبذلون السعي في إشاعة ذلك، ~~ويجيء قوم لم يخلق في قلوبهم ميل قوى إلى الأعمال الصالحة، ولا إلى ~~أضدادها، فيحملهم ما يرون من الرؤساء على التمسك بذلك، وربما أعيت بهم ~~المذاهب الصالحة، ويبقى قوم فطرتهم سوية ms058 في أخريات القوم لا يخالطونهم، ~~ويسكتون على غيظ فتنعقد سنة سيئة وتتأكد. # ويجب بذل الجهد على أهل الآراء الكلية في إشاعة الحق وتمشيته وإخمال ~~الباطل، وصده، فربما لم يمكن ذلك إلا بمخاصمات أو مقاتلات، فيعد كل ذلك من ~~أفضل أعمال البر، وإذا انعقدت سنة راشدة، فسلمها القوم عصرا بعد عصر، ~~وعليها كان محياهم ومماتهم، ويبست عليها نفوسهم وعلومهم، فظنوها متلازمة ~~للأصول وجودا وعدما لم تكن إرادة الخروج عنها وعصيانها إلا ممن سمجت نفسه، ~~وطاش عقله، وقويت شهوته، واقتعد غاربه الهوى، فإذا باشر الخروج أضمر في ~~قلبه شهادة على فجوره، وسدل حجاب بينه وبين المصلحة الكلية، فإذا كمل فعله ~~صار ذلك شرحا لمرضه النفساني، وكان ثلمة في دينه، فإذا تقرر ذلك تقررا بينا ~~ارتفعت أدعية الملأ الأعلى وتضرعت منهم لمن وافق تلك السنة وعلى من خالفها، ~~وانعقد في حظيرة القدس رضا وسخط عمن باشرها، أو عليه، وإذا كانت السنن كذلك ~~عدت من الفطرة التي فطر الله الناس عليها والله أعلم. ### | (المبحث الرابع) ### | (مبحث السعادة) ### | (باب حقيقة السعادة) # اعلم أن للإنسان كمالا تقتضيه الصورة النوعية، وكمالا يقتضيه موضوع النوع ~~من الجنس القريب والبعيد، وسعادته التي يضره فقدها، ويقصدها أهل العقول ~~المستقيمة قصدا مؤكدا هو الأول، وذلك أنه قد يمدح في العادة # PageV01P101 # بصفات يشارك فيها الأجسام المعدنية، كالطول وعظم القامة، فإن كانت ~~السعادة هذه، فالجبال أتم سعادة، وصفات يشارك فيها النبات كالنمو المناسب ~~والخروج إلى تخاطيط جميلة وهيآت ناضرة، فإن كانت السعادة هذه فالشقائق ~~والأوراد أتم سعادة، وصفات يشارك فيها الحيوان، كشدة البطش وجهورية الصوت ~~وزيادة الشبق وكثرة الأكل والشرب ووفور الغضب والحسد، فإن كانت السعادة هذه ~~فالحمار أتم سعادة، وصفات يختص بها الإنسان كالأخلاق المهذبة والارتفاقات ~~الصالحة والصنائع الرفيعة والجاه العظيم، فبادئ الرأي أنها سعادة الإنسان، ~~ولذلك ترى كل أمة من أمم الناس يستحب أتمها عقلا وأسدها رأيا أن يكتسب هذه، ~~ويجعل ما سواها كأنها ليس صفات مدح، ولكن الأمر إلى الآن غير منقح لأن أصل ~~هذه موجود في أفراد الحيوان، فالشجاعة ms059 أصلها الغضب وحب الانتقام والثبات في ~~الشدائد والإقدام على المهالك، وهذه كلها موفرة في الفحول من البهائم، لكن ~~لا تسمى شجاعة إلا بعد ما يهذبها فيض النفس النطقية، فتصير منقادة للمصلحة ~~الكلية منبعثة من داعية معقولة، وكذلك أصل الصناعات موجود في الحيوان ~~كالعصفور الذي ينسج العش، بل رب صنعة يصنعها الحيوان بطبيعته لا يتمكن منها ~~الإنسان بتجشم، كلا بل الحق أن هذه سعادة بالعرض وأن السعادة الحقيقة هي ~~انقياد البهيمية للنفس النطقية، واتباع الهوى للعقل، وكون النفس الناطقة ~~قاهرة على البهيمية والعقل غالبا على الهوى وسائر الخصوصيات ملغاة. # واعلم أن الأمور التي تشبك بالسعادة الحقيقية على قسمين: قسم هو من باب ~~ظهور فيض النفس النطقية في المعاش بحكم الجبلة، ولا يمكن أن يحصل الخلق ~~المطلوب بهذا القسم، بل ربما يكون الغوص في تلك الأفعال بزينتها لا سيما ~~بفكر جزئي كما هو شأن الناقص ضد الكمال المطلوب، كالذي يقصد تحصيل الشجاعة ~~بإثارة الغضب والمصارعة ونحو ذلك، أو الفصاحة بمعرفة أشعار العرب وخطبهم، ~~والأخلاق لا تظهر إلى عند مزاحمات من نبي النوع، والارتفاقات لا تقتنص ~~الابحاجات طارئه، والصنائع لا تتم إلا بآلات ومادة، وهذه كلها منقضية ~~بانقضاء الحياة الدنيا، فإن مات الناقص في تلك الحالة، وكان سمجا بقي عاريا ~~عن الكمال وإن لزق بنفسه صور هذه العلاقات كان الضرر عليه أشد من النفع، # PageV01P102 # وقسم إنما روحه هيئة إذعان البهيمية للملكية بأن تتصرف حسب وحيها، وتنصبغ ~~بصبغها، وتمنع الملكية منها بألا تقبل ألوانها الدنية، ولا تنطبع فيها ~~نقوشها الخسيسة، كما تنطبع نقوش الخاتم في الشمعة، ولا سبيل إلى ذلك إلا أن ~~تقتضي الملكية شيئا من ذاتها، وتوحيه إلى البهيمية، وتقترحه عليها، ومتنقاد ~~لها، ولا تبغي عليها، ولا تتمنع منها، ثم تقتضي أيضا، فتنقاد هذه أيضا، ثم، ~~وثم حتى تعتاد ذلك؛ وتتمرن، وهذه الأشياء التي تقتضيها هذه من ذاتها وتقسر ~~عليها تلك على رغم أنفها إنما يكون من جنس ما فيه انشراح لهذه وانقباض ~~لتلك، وذلك كالتشبه بالملكوت، والتطلع للجبروت، فإنها خاصة الملكية بعيدة ms060 ~~عنها البهيمية غاية البعد، أو يترك ما تقتضيه البهيمية، وتستلذه، وتشتاق ~~إليه في غلوائها. # وهذا القسم يسمى بالعبادات والرياضات وهي شركات تحصيل الفائت من الخلق ~~المطلوب، فآل تحقيق المقام إلى أن السعادة الحقيقية لا تقتنص # إلا بالعبادات، ولذلك كانت المصلحة الكلية تنادي أفراد الإنسان من كوة ~~الصورة النوعية، وتأمرها أمرا مؤكدا أن تجعل إصلاح الصفات التي هي كمال ثان ~~بقدر الضرورة، وأن تجعل غاية همتها ومطمح بصرها تهذيب النفس وتحليتها بهيآت ~~تجعلها شبيهة بما فوقها من الملأ الأعلى مستعدة لنزول أكوان الجبروت ~~والملكوت عليها، وأن تجعل البهيمية مذعنة للملكية مطيعة لها منصة لظهور ~~أحكامها. # وأفراد الإنسان عند الصحة النوعية، وتمكين المادة لظهور أحكام النوع ~~كاملة وافرة تشتاق إلى هذه السعادة وتنجذب إليها انجذاب الحديد إلى ~~المغناطيس، وذلك خلق خلق الله الناس عليه، وفطرة فطرهم عليها، ولهذا ما كان ~~في بني آدم أمة من أهل المزاج المعتدل إلا فيها قوم من عظمائهم يهتمون ~~بتكميل هذا الخلق، ويرونه السعادة القصوى، ويراهم الملوك والحكماء فمن ~~دونهم فائزين بما يجل عن سعادات الدنيا كلها، ملتحقين بالملائكة، منخرطين ~~في سلكهم، حتى صاروا يتبركون بهم، ويقبلون أيديهم وأرجلهم، فهل يمكن أن ~~يتفق عرب الناس وعجمهم على اختلاف عاداتهم وأديانهم وتباعد مساكنهم ~~وبلدانهم على شيء، واحد وحدة نوعية إلا لمناسبة فطرية، كيف لا وقد عرفت أن ~~الملكية موجودة في أصل فطرة الإنسان، وعرفت أفاضل الناس وأساطينهم من هم، ~~والله أعلم. # PageV01P103 ### | (باب اختلاف الناس في السعادة) # اعلم أن الشجاعة وسائر الأخلاق كما يختلف أفراد الإنسان فيها، فمنهم ~~الفاقد الذي لا يرجى له حصولها أبدا لقيام هيئة مضادة في أصل جبلته، ~~كالمخنث وضعيف القلب جدا بالنسبة إلى الشجاعة. # ومنهم الفاقد الذي يرجى له ذلك بعد ممارسة أفعال وأقوال وهيآت تناسبها # وتلقي ذلك من أهلها، وتذكر أحاديث أئمتها وما جرى عليهم من الحوادث في ~~الأيام، فثبتوا في الشدائد، وأقدموا على المهالك. # ومنهم الذي خلق فيه أصل الخلق، ولا تزال تنبجس فيه فلتات كل حين، فإن أمر ~~بحبس نفسه عنها ضاق ms061 عليه الأمر، وسكت على غيظ، وأن أمر بما يناسب جبلته كان ~~كالكبريت يتصل به النار، فلا يتراخى احتراقه # ومنهم الذي خلق فيه الخلق كاملا وافرا، ويندفع إلى مقتضياته ضرورة، وإن ~~دعي إلى الجبن أشد دعوة لم يقبل، ويتيسر له الخروج إلى أفعال هذا الخلق ~~والهيآت المناسبة له بالطبع من غير رسم ولا دعوة، وهذا هو الإمام في هذا ~~الخلق لا يحتاج إلى إمام أصلا، ويجب على الذين هم دونه في الخلق أن يتمسكوا ~~بسنته، ويعضوا بنواجذهم على رسومه، ويتكلفوا في محاكاة هيئآته، ويتذكروا ~~وقائعه، ليتحرجوا إلى الكمال المتوقع لهم من الخلق بحسب ما قدر لهم، فكذلك ~~يختلفون في هذا الخلق الذي عليه مدار سعادتهم، فمنهم الفاقد الذي لا يرجى ~~صلاحه كالذي قتله الخضر طبع كافرا وإليه الإشارة في قوله تعالى: # {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} . # ومنهم الفاقد الذي يرجى له ذلك بعد رياضات شاقة وأعمال ديمة يؤاخذ بها ~~نفسه ويحتاج إلى دعوة حثيثة من الأنبياء وسنن مأثورة منهم وهؤلاء أكثر ~~الناس وجودا، وهم المقصودون في البعثة أولا وبالذات. # ومنهم الذي ركب فيه الخلق إجمالا وينبجس منه فلتاته إلا أنه يحتاج في ~~التفصيل وتمهيد الهيآت على ما يناسب الخلق في كثير مما ينبغي إلى إمام وفيه ~~قوله تعالى: # {يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار} # وهم السباق. # PageV01P104 # ومنهم الأنبياء يتأتى لهم الخروج إلى كمال هذا الخلق واختيار هيآت مناسبة ~~له وكيفية تحصيل الفائت وإبقاء الحاضر وإتمام الناقص من غير إمام ولا دعوة، ~~فينتظم من جريانهم في مقتضى جبلتهم سنن يتذكرها الناس، ويتخذونها دستورا، ~~وكيف ولما كانت الحدادة والتجارة وأمثالهما لا تأتي من جمهور الناس إلا ~~بسنن مأثورة عن أسلافهم، فما ظنك بهذه المطالب الشريفة التي لا يهتدي إليها ~~إلا الموفقون " ومن هذا الباب ينبغي أن يعلم شدة الحاجة إلى الأنبياء ووجوب ~~إتباع سنتهم والاشتغال بأحاديثهم والله أعلم. ### | (باب توزع الناس في كيفية تحصيل هذه السعادة) # اعلم أن هذه السعادة تحصل بوجهين، أحدهما ما هو كالانسلاخ عن الطبيعية ~~البهيمية، وذلك أن ms062 يتمسك بالحيل الجالبة لركود أحكام الطبيعة وخمود سورتها، ~~وانطفاء لهب علومها وحالاتها، ويقبل على التوجه التام إلى ما وراء الجهات ~~من الجبروت، وقبول النفس لعلوم مفارقة عن الزمان والمكان بالكلية، ولذات ~~مباينة اللذات المألوفة من كل وجه، حتى يصير لا يخالط الناس، ولا يرغب فيما ~~يرغبون، ولا يرهب مما يرهبون، ويكون منهم على طرف شاسع، وصقع بعيد، وهذا ~~الذي يرومه المتألهون من الحكماء، والمجذبون من الصوفية، فوصل بعضهم غاية ~~مداها، وقليل ما هم وبقي آخرون مشتاقين لها، طامحة أبصارهم إليها، متكلفين ~~لمحاكاة هيآتها. # وثانيهما ما هو كالإصلاح للبهيمية والإقامة لعوجها مع تعلق أصلها، وذلك ~~أن يسعى في محاكاة البهيمية ما عند النفس النطقية بأفعال وهيآت وأذكار ~~ونحوها، كمثل ما يحاكي الأخرس أقوال الناس بإشاراته، والمصور # أحوالا نفسانية من الوجل والخجل بهيآت مبصرة يجدها متعانقة مع تلك ~~الأحوال، والثكلى تفجعها بكلمات وترجيعات لا يسمعها أحد إلا حزن وتمثل عنده ~~صورة التفجع. # ولما كان مبنى التدبير الإلهي في العالم على اختيار الأقرب فالأقرب، ~~والأسهل فالأسهل، والنظر إلى صلاح ما يجري مجرى جملة أفراد النوع دون ~~الشاذة والفاذة، وإقامة مصالح الدارين من غير أن ينخرم نظام شيء منهما ~~اقتضى لطف الله ورحمته أن يبعث الرسل أولا وبالذات لإقامة الطريق الثانية، ~~والدعوة إليها، والحث عليها، ويدل على الأولى بإشارات التزامية، وتلويحات ~~تضمنية لا غير، ولله الحجة البالغة. # PageV01P105 # تفصيل ذلك أن الأولى إنما تأتي من قوم ذوي تجاذب، وقليل ما هم، وبرياضات ~~شاقة، وتفرغ قوى، وقليل من يفعلها، وإنما أئمتها قوم أهملوا معاشهم، ولا ~~دعوة لهم في الدنيا، ولا تتم إلا بتقديم جملة صالحة من الثانية ولا يخلوا ~~من إهمال إحدى السعادتين إصلاح الارتفاقات في الدنيا وإصلاح النفس للآخرة، ~~فلو أخذ بها أكثر الناس خربت الدنيا، ولو كلفوا بها كان كالتكاليف بالمحال، ~~لأن الارتفاقات صارت كالجبلة، والثانية إنما أئمتها المفهمون، وذوو إصلاح، ~~وهم القائمون برياسة الدين والدنيا معا، ودعوتهم هي المقبولة، وسنتهم هي ~~المتبعة، وينحصر فيها كمال المصطلحين من السابقين أصحاب اليمين، وهم أكثر ~~الناس ms063 وجودا، ويتمكن منها الذكي والغبي، والمشتغل والفارغ، ولا حرج فيها ~~وتكفي العبد في استقامة نفسه، ودفع أعوجاجها، ودفع الآلام المتوقعة في ~~المعاد عنها، إذ لكل نفس أفعال ملكية تتنعم بوجودها، وتتألم بفقدها أما ~~أحكام التجرد فسيلقي إليها نشآت القبر والحشر من حيث لا يدري بجبلتها ولو ~~بعد حين. ... ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود ~~... # وبالجملة فالإحاطة واستقصاء وجوه الخير كالمحال في حق الأكثرين، والجهل ~~البسيط غير الضار، والله أعلم. ### | (باب الأصول التي يرجع إليها تحصيل الطريقة الثانية) # اعلم أن طرق تحصيل السعادة على الوجه الثاني كثيرة جدا غير أني فهمني ~~الله تعالى بفضله أن مرجعها إلى خصال أربع تتلبس بها البهيمية متى غطتها ~~النفس النطقية، وقسرتها على ما يناسبها، وهي أشبه حالات الإنسان بصفة الملأ ~~الأعلى معدة للحوقة بهم، وانخراطه في سلكهم، وفهمني أنه إنما بعث الأنبياء ~~للدعوة إليها والحث عليها وأن الشرائع تفصيل لها وراجعة إليها. # أحدها: الطهارة، وحقيقتها أن الإنسان عند سلامة فطرته وصحة مزاجه وتفرع ~~قلبه من الأحوال السلفية الشاغلة له عن التدبير إذا تلطخ بالنجاسات، وكان ~~حاقبا حاقنا قريب العهد من الجماع ودواعيه، انقبضت نفسه، وأصابه ضيق وحزن، ~~ووجد نفسه في غاشية عظيمة، ثم إذا تخفف عن الأخبثين، ودلك بدنه، واغتسل ~~ولبس أحسن ثيابه، وتطيب اندفع عنه ذلك الانقباض، ووجد مكانه انشراحا وسرورا ~~وانبساطا كل ذلك لا لمراءاة الناس والحفظ على رسومه، بل لحكم النفس النطقية ~~فقط، # PageV01P106 # فالحالة الأولى تسمى حدثا، والثانية الطهارة، والذكي من الناس، والذي يرى ~~منه سلامة أحكام النوع وتمكين المادة لأحكام الصورة النوعية يعرف الحالتين ~~متميزة كل واحدة من الأخرى، ويحب إحداهما، ويبغض الأخرى لطبيعته، والغبي ~~منهم إذا أضعف شيئا من البهيمية، ولج بالطهارات والتبتل، وتفرغ لمعرفتها، ~~لا بد يعرفهما ويميز كل واحدة من الأخرى، والطهارة أشبه الصفات النسمية ~~بحالات الملأ الأعلى في تجردها عن الألواث البهيمية، وابتهاجها بما عندها ~~من النور، ولذلك كانت معدة لتلبس النفس # بكمالها بحسب القوة العملية، والحدث إذا تمكن من الإنسان وأحاط ms064 به من بين ~~يديه ومن خلفه أورث له استعدادا لقبول وساوس الشياطين ورؤيتهم بحاسة الحس ~~المشترك، ولمنامات موحشة، ولظهور الظلمة عليه فيما يلي النفس النطقية، ~~وتمثل الحيوانات الملعونة اللئيمة وإذا تمكنت الطهارة منه، وأحاطت به، ~~وتنبه لها، وركن إليها أورثت استعدادا لقبول إلهامات الملائكة ورؤيتها، ~~ولمنامات صالحة، ولظهور الأنوار، وتمثل الطيبات والأشياء المباركة المعظمة. # والثانية: الإخبات لله تعالى، وحقيقته أن الإنسان عند سلامته وتفرغه إذا ~~ذكر بآيات الله تعالى وصفاته، وأمعن في التذكر تنبهت النفس النطقية، وخضعت ~~الحواس والجسد لها، وصارت كالحائرة الكليلة، ووجد ميلا إلى جانب القدس، ~~وكان كمثل الحالة التي تعتري السوقة بحضرة الملوك، وملاحظة عجز أنفسهم، ~~واستبداد أولئك بالمنع والعطاء، وهذه الحالة أقرب الحالات النسمية، وأشبهها ~~بحال الملأ الأعلى في توجهها إلى بارئها، وهيمانها في جلاله، واستغراقها في ~~تقديسه ولذلك كانت معدة لخروج النفس إلى كمالها العلمي أعني انتقاش المعرفة ~~الإلهية في لوح ذهنها، واللحوق بتك الحضرة بوجه من الوجوه وإن كانت العبارة ~~تقصر عنه. # والثالثة: السماحة، وحقيقتها كون النفس بحيث لا تنقاد لدواعي القوة ~~البهيمية، ولا يتشبح فيها نقوشها، ولا يلحق بها ضرر لوثها، وذلك لأن النفس ~~إذا تصرفت في أمر معاشها، وتاقت للنساء، وعاسفت اللذات، أو قرمت لطعام ~~فاجتهدت في تحصيله حتى استوفت منها حاجتها، وكذلك إذا غضبت أو شحت بشيء، ~~فإنها لا بد في تلك الحالة تستغرق ساعة في هذه الكيفية لا ترفع إلى ما ~~ورائها النظر ألبتة، ثم إذا # زايلت تلك الحالة، فإن كانت سمحة خرجت من تلك المضايق كأن لم تكن فيها ~~قط، وإن كانت غير # PageV01P107 # ذلك فإنها تشتبك معها تلك الكيفيات، وتتشبح كما تتشبح نقوش الخاتم في ~~الشمعة فإذا فارقت الجسد، وتخففت عن العلائق الظلمانية المتراكمة، ورجعت ~~إلى ما عندها لم تجد شيئا مما كان في الدنيا من مخلفات الملكية فحصل لها ~~الأنس، وصارت في أرغد عيش. # والشحيحة تتمثل نقوشها عندها، كما ترى بعض الناس يسرق منه مال نفيس فإن ~~كان سخيا لم يجدله بالا، وإن كان ركيك النفس صار كالمجنون، ms065 وتمثلت عنده، ~~والسماحة وضدها لهما ألقاب كثيرة بحسب ما يكونان فيه، فما كان منهما في ~~المال يسمى سخاوة وشحا، وما كان في داعية شهوة الفرج أو البطن يسمى عفة ~~وشرة، وما كان في داعية الرفاهية والنبو عن المشاق يسمى صبرا وهلعا، وما ~~كان في داعية المعاصي الممنوعة عنها في الشرع يسمى تقوى وفجورا، وإذا تمكنت ~~السماحة من الإنسان بقيت نفسه عرية عن شهوات الدنيا، واستعدت للذات العلية ~~المجردة، والسماحة هيئة تمنع الإنسان من أن يتمكن منه ضد الكمال المطلوب ~~علما وعملا. # الرابعة العدالة، وهي ملكة في النفس تصدر عنها الأفعال التي يقام بها ~~نظام المدينة والحي بسهولة، وتكون النفس كالمجبول على تلك الأفاعيل والسر ~~في ذلك أن الملائكة والنفوس المجردة عن العلائق الجسمانية ينطبع فيها ما ~~أراد الله في خلق العالم من إصلاح النظام ونحوه، فتنقلب مرضياتها إلى ما ~~يناسب ذلك النظام، فهذه طبيعة الروح المجردة، فإن فارقت جسدها وفيها شيء من ~~هذه الصفة ابتهجت كل الابتهاج، ووجدت سبيلا إلى اللذة المفارقة عن اللذات ~~الخسيسة، وإن فارقت وفيها ضد هذه الخصلة ضاق # عليها الحال، وتوحشت، وتألمت، فإذا بعث الله نبيا لإقامة الدين، وليخرج ~~الناس من الظلمات إلى النور، ويقوم الناس بالعدل، فمن سعى في إشاعة هذا ~~النور، ووطأ له في الناس كان مرحوما، ومن سعى لردها وإخمالها كان ملعونا ~~مرجوما، وإذا تمكنت العدالة من الإنسان وقع اشتراك بينه وبين حملة العرش ~~ومقربي الحضرة من الملائكة الذين هم وسائط نزول الجود والبركات، وكان ذلك ~~بابا مفتوحا بينه وبينهم، ومعدا لنزول ألوانهم وصبغهم بمنزلة تمكين النفس ~~من إلهام الملائكة والانبعاث حسبها. # فهذه الخصال الأربع إن تحققت حقيقتها، وفهمت كيفية اقتضائها للكمال ~~العلمي والعملي وإعدادها للانسلاك في سلك الملائكة، وفطنت كيفية انشعاب ~~الشرائع الإلهية بحسب كل عصر منها - أوتيت الخير الكثير، وكنت فقيها في ~~الدين ممن أراد الله بهم خيرا، # PageV01P108 # والحالة المركبة منها تسمى بالفطرة، وللفطرة أسباب تحصل بها، بعضها ~~علمية، وبعضها عملية، وحجب تصد الإنسان عنها، وحيل تكسر الحجب، ونحن نريد ~~أن ms066 ننبهك على هذه الأمور، فاستمع لما يتلى عليك بتوفيق الله تعالى والله ~~أعلم. ### | (باب طريق اكتساب هذه الخصال وتكميل ناقصها ورد فائتها) # اعلم أن اكتساب هذه الخصال يكون بتدبيرين: تدبير علمي، وتدبير عملي. # أما التدبير العلمي، فإنما احتيج له لأن الطبيعة منقادة للقوى العلمية، ~~ولذلك ترى سقوط الشهوة والشبق عند خطور ما يورث في النفس كيفية الحياء أو ~~الخوف، فمتى امتلأ علمه بما يناسب الفطرة جر ذلك إلى تحققها في النفس، ~~ولذلك أن يعتقد أن له ربا منزها عن الأدناس البشرية، لا يعزب عنه مثقال ذرة ~~في الأرض ولا في السماء، ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا ~~هو سادسهم، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد لاراد لقضائه، ولا مانع لحكمه، ~~منعم بأصل الوجود وتوابعه من النعم الجسمانية # والنفسانية، مجاز على أعماله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وهو قوله ~~تعالى: " أذنب عبدي ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، قد ~~غفرت لعبدي ". # وبالجملة فيعتقد اعتقادا مؤكدا ما يفيد الهيبة وغاية التعظيم، وما لا ~~يبقى ولا يذر في قلبه جناح بعوضة من إخبات غيره ورهبته، ويعتقد أن كمال ~~الإنسان أن يتوجه إلى ربه، ويعبده، وأن أحسن حالات البشر أن يتشبه ~~بالملائكة، ويدنو منهم، وأن هذه الأمور مقربة له من ربه، وأن الله تعالى ~~ارتضى منهم ذلك، وأنه حق الله عليه لا بد له توفيقه. # وبالجملة فيعلم علما لا يحتمل النقيض أن سعادته في اكتساب هذه، وأن ~~شقاوته في إهمالها، ولا بد له من سوط ينبه البهيمية تنبيها قويا، ويزعجها ~~إزعاجا شديدا، واختلف مسالك الأنبياء في ذلك فكان عمدة ما أنزل الله تعالى ~~على إبراهيم عليه السلام التذكير بآيات الله الباهرة وصفاته العليا ونعمه ~~الآفاقية والنفسانية، حتى يصحح بما لا مزيد عليه أنه حقيق أن يبذلوا له ~~الملاذ، وأن يؤثروا ذكره على ما سواه، وأن يحبوه حبا شديدا، ويعبدوه بأقصى ~~مجهودهم، وضم الله معه لموسى عليه السلام التذكير بأيام الله، وهو بيان ~~مجازاة الله تعالى ms067 للمطيعين والعصاة في الدنيا، وتقليبه النعم والنقم حتى ~~يتمثل في صدورهم الخوف من المعاصي، ورغبة قوية في الطاعات، وضم معهما ل ~~نبينا صلى الله عليه وسلم الإنذار والتبشير بحوادث القبر، وما بعده، وبيان ~~خواص البر والاثم، # PageV01P109 # ولا يفيد أصل العلم بهذه الأمور، بل لا بد من تكرارها وتردادها وملاحظتها ~~كل حين، وجعلها بين عينيه حتى تمتلئ القوى العلمية بها، فتنقاد الجوارح ~~لها، وهذه الثلاثة مع اثنين آخرين أحدهما بيان الأحكام من الواجب والحرام ~~وغيرهما، وثانيهما مخاصمة الكفار - فنون خمسة هي عمدة علوم القرآن العظيم. # أما التدبير العملي، فالعمدة فيه التلبس بهيآت وأفعال وأشياء تذكر النفس ~~الخصلة المطلوبة، وتنبهها لها، وتهيجها إليها، وتحثها عليها إما لتلازم ~~عادة بينها وبين الخصلة، أو لكونها مظنة لها بحكم المناسبة الجبلية، فكما ~~أن الإنسان إذا أراد أن ينبه نفسه للغضب، ويحضره بين عينيه يتخيل الشتم ~~الذي تفوه به المغضوب عليه، والذي يلحقه من العار ونحو ذلك، والنائحة إذا ~~أرادت أن تجدد عهدها بالفجع تذكر نفسها محاسن الميت، وتتخيلها، وتبعث من ~~خواطرها الخيل والرجل إليها، والذي يريد الجماع، يتمسك بداوعيه، ونظائر هذا ~~الباب كثيرة جدا لا تعصى على من يريد الإحاطة بجوانب الكلام، فكذلك لكل ~~واحدة من هذه الخصال أسباب تكتسب بها، والاعتماد في معرفة تلك الأمور على ~~ذوق أهل الأذواق السليمة، فأسباب الحدث امتلاء القلب بحالة سفلية، كقضاء ~~الشهوة من النساء جماعا ومباشرة، وإضماره مخالفة الحق وإحاطة لهن الملأ ~~الأعلى به، وكونه حاقبا حاقنا، وقرب العهد بالبول والغائط والريح، وهذه ~~الثلاثة فضول المعدة، وتوسخ البدن والبخر واجتماع المخاط ونبات الشعر على ~~العانة والابط وتلطخ الثوب والبدن بالنجاسات المستقذرة، وامتلاء الحواس ~~بصورة تذكر الحالة السفلية كالقاذورات والنظر إلى الفرج ومسافدة الحيوانات ~~والنظر الممعن في الجماع والطعن في الملائكة والصالحين والسعي في إيذاء ~~الناس، وأسباب الطهارة إزالة هذه الأشياء واكتساب أضدادها واستعمال ما تقرر ~~في العادات كونه نظافة بالغه كالغسل والوضوء ولبس أحسن الثياب واستعمال ~~الطيب، فإن استعمال هذه الأشياء تنبه النفس على صفة الطهارة، وأسباب ~~الإخبات ms068 مؤاخذة نفسه بما هو أعلى حالات التعظيم عنده من القيام # PageV01P110 # مطرقا والسجود والنطق بألفاظ دالة على المناجاة والتذلل لديه ورفع ~~الحاجات إليه، فإن هذه الأمور تنبه النفس تنبيها قويا على صفة # الخضوع والاخبات، وأسباب السماحة التمرن على السخاوة والبذل والعفو عمن ~~ظلم ومؤاخذة نفسه بالصبر عند المكاره ونحو ذلك، وأسباب العدالة المحافظة ~~على السنة الراشدة بتفاصيلها والله أعلم. ### | (باب الحجب المانعة عن ظهور الفطرة) # اعلم أن معظم الحجب ثلاثة: حجاب الطبع، وحجاب الرسم، وحجاب سوء المعرفة، ~~وذلك لأنه ركب في الإنسان دواعي الأكل والشرب والنكاح، وجعل قلبه مطية ~~للأحوال الطبيعية كالحزن والنشاط والغضب والوجل وغيرها، فلا يزال مشغولا ~~بها، إذ كل حالة يتقدمها توجه النفس إلى أسبابها وانقياد القوى العلمية لما ~~يناسبها، ويجتمع معها استغراق النفس فيها وذهولها عما سواها، ويتخلف عنها ~~بقية ظلها ووضر لونها، فتمر الأيام والليالي، وهو على ذلك لا يتفرغ لتحصيل ~~غيرها من الكمال، ورب إنسان ارتطمت قدماه في هذا الوحل، فلم يخرج منه طول ~~عمره، ورب إنسان غلب عليه حكم الطبع، فخلع رقبته عن رقبة الرسم والعقل، ولم ~~ينزجر بالملامة، وهذا الحجاب يسمى بالنفس، لكن من تم عقله، وتوفر تيقظه ~~يختطف من أوقاته فرصا يركد فيها أحوال الطبيعة، ويتسع نفسه لهذه الأحوال ~~وغيرها، ويستوجب لفيضان علوم أخرى غير استيفاء مقتضيات الطبع، ويشتاق إلى ~~الكمال النوعي بحسب القوتين العاقلة والعاملة؛ فإذا فتح حدقة بصيرته أبصر ~~في أول الأمر قومه في ارتفاقات وزي ومباهات وفضائل من الفصاحات والصناعات، ~~فوقعت من قلبه بموقع عظيم، واستقبلها بعزيمة كاملة وهمة قوية، وهذا حجاب ~~الرسم ويسمى بالدنيا. # ومن الناس من لا يزال مستغرقا في ذلك إلى أن يأتيه الموت، فتزول تلك ~~الفضائل بأسرها، لأنها لا تتم إلا بالبدن والآلات، فتبقى النفس عارية # ليس بها شيء، وصار مثله كمثل ذي جنة أصابها إعصار، أو كرماد اشتدت به ~~الريح في يوم عاصف، فإن كان شديد التنبه عظيم الفطنة استيقن بدليل برهاني ~~أو خطابي أو بتقليد الشرع أن له ربا قاهرا فوق عباده، مدبرا ms069 أمورهم، منعما ~~عليه جميع النعم، ثم خلق في قلبه ميل إليه # PageV01P111 # ومحبه به، وأراد التقرب منه ورفع الحاجات إليه واطرح لديه، فمن مصيب في ~~هذا القصد ومخطئ، ومعظم الخطأ شيآن: أن يعتقد في الواجب صفات المخلوق، أو ~~يعتقد في المخلوق صفات الواجب. فالأول هو التشبيه، ومنشؤه قياس الغائب على ~~الشاهد، والثاني هو الإشراك، ومنشؤه رؤية الآثار الخارقة من المخلوقين، ~~فيظن أنها مضافة إليهم بمعنى الخلق، وأنها ذاتية لهم، وينبغي لك أن تستقرئ ~~أفراد الإنسان هل ترى من تفاوت فيما أخبرتك؟ لا أظنك تجد ذلك بل كل إنسان ~~وإن كان في تشريع ما، لا بد له من أوقات تستغرق في حجاب الطبع قلت أو كثرت، ~~وإن لم يزل مباشرا للأعمال الرسمية، ومن أوقات تستغرق في حجاب الرسم، ويهمه ~~حينئذ التشبه بعاقلي قومه كلاما وزيا وخلقا ومعاشرة، وأوقات يصغي فيها إلى ~~ما كان يسمع، ولا يصغي من أحاديث الجبروت والتدبير الغيبي في العالم. والله ~~أعلم. ### | (باب طريق رفع هذه الحجب) # اعلم أن تدبير حجاب الطبع شيآن: أحدهما يؤمر به، ويرغب فيه، ويحث عليه، ~~والثاني يضرب عليه من فوقه، ويؤاخذ به، أنشاء أم أبى. # فالأول رياضات تضعف البهيمية كالصوم والسهر، ومن الناس من أفرط، واختار ~~تغيير خلق الله مثل قطع الآت التناسل، وجفيف عضو شريف كاليد والرجل، وأولئك ~~جهال العباد، وخير الأمور وسطها، وإنما الصوم والسهر بمنزلة دواء سمى يجب ~~أن يتقدر بقدر ضروري. # والثاني إقامة الإنكار على من اتبع الطبيعة، فخالف السنة الراشدة، وبيان ~~طريق التفصي من كل غلبة طبيعية، وضرب سنة له، ولا ينبغي أن # يضيق على الناس كل الضيق، ولا يكفي في الكل الإنكار القولي، بل لا بد من ~~ضرب وجيع وغرامة منهكة في بعض الأمور، والأليق بذلك إفراطات فيها ضرر متعد ~~كالزنا والقتل. # وتدبير حجاب الرسم شيآن: أحدهما أن يضم مع كل ارتفاق ذكر الله تعالى تارة ~~وحفظ ألفاظ يؤمر بها، وتارة بمراعاة حدود وقيود لا يراعى إلا الله # والثاني أن يجعل أنواع من الطاعات رسما فاشيا، ويسجل على ms070 المحافظة عليها، ~~أشاء أم أبى، ويلام على تركها، ويكبح عن المرغوبات من الجاه وغيره جزاء ~~لتفويتها، # PageV01P112 # فبهذين التدبيرين تندفع غوائل الرسم، وتصير مؤيدة لعبادة الله تعالى، ~~وتصير السنة تدعو إلى الحق. وسوء المعرفة بكلا قسميه ينشأ من سببين: أحدهما ~~لا يستطيع أن يعرف ربه حق معرفته، لتعاليه عن صفات البشر جدا وتنزهه عن سمة ~~المحدثات والمحسوسات وتدبيره ألا يخاطبوا إلا بما تسعه أذهانهم. # والأصل في ذلك أنه ما من موجود، أو معدوم متحيز، أو مجرد إلا يتعلق علم ~~الإنسان به، إما بحضور صورته، أو بنحو التشبيه والمقايسة حتى العدم المطلق ~~والمجهول المطلق، فيعلم العدم من جهة معرفة الوجود وملاحظة عدم الاتصاف به، ~~ويعلم مفهوم المشتق على صيغة المفعول، ويعلم مفهوم المطلق، فيجمع هذه ~~الأشياء، ويضم بعضها إلى بعض، فينتظم صورة تركيبية هي مكشاف البسيط المقصود ~~تصوره الذي لا وجود له في الخارج ولا في الأذهان، كما أنه ربما يتوجه إلى ~~مفهوم نظري، فيعمد إلى ما يحسبه جنسا وإلى ما يحسبه فصلا، فيركبهما فيحصل ~~صورة مركبة هي مكشاف المطلوب تصوره، فيخاط وا مثلا بأن الله تعالى موجود، ~~لا كوجودنا، وبأنه حي، لا كحياتنا، وبالجملة فيعمد إلى صفات هي مورد المدح ~~في الشاهد، # ويلاحظ ثلاثة مفاهيم فيما نشاهد، شيء فيه هذه الصفات، وقد صدرت من ~~آثارها، وشيء ليست فيه وليست من شأنه، وشيء ليست فيه ومن شأنه أن تكون فيه ~~كالحي والجماد والميت، فيثبت هذه بثبوت آثارها، ويجبر هذه التشبيه بأنه ليس ~~كمثلنا. # والثاني تمثل الصورة المحسوسة بزينتها واللذات بجمالها وامتلاء القوى ~~العلمية بالصور الحسية، فينقاد قلبه لذلك، ولا يصفو التوجه إلى الحق وتدبير ~~هذه رياضات وأعمال يستعد بها الإنسان للتجليات الشامخة، ولو في المعاد ~~واعتكافات وإزالة للشاغل بقدر الإمكان، كما هتك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم القرام المصور ونزع خميصه فيها أعلام والله أعلم. # PageV01P113 ### | (المبحث الخامس) ### | (مبحث البر والإثم) ### | (مقدمة في بيان حقيقة البر والإثم) # إذ قد ذكرنا لمية المجازاة وإنيتها، ثم ذكرنا الارتفاقات التي جبل عليها ~~البشر، فهي مستمرة ms071 فيهم لا تنفك عنهم، ثم ذكرنا السعادة وطريق اكتسابها، ~~حان أن نشتغل بتحقيق معنى البر والإثم. # فالبر كل عمل يفعله الإنسان قضية لإنقياد للملأ الأعلى واضمحلاله في تلقي ~~الإلهام من الله وصيرورته فانيا في مراد الحق، وكل عمل يجازى عليه # خيرا في الدنيا أو الآخرة، وكل عمل يصلح الارتفاقات الني بنى عليها نظام ~~الإنسان، وكل عمل يفيد حالة الانقياد، ويدفع الحجب. # والإثم كل عمل يفعله الإنسان قضية لانقياده للشيطان وصيرورته فانيا في ~~مراده، وكل عمل يجازى عليه شرا في الدنيا والآخرة، وكل عمل يفسد الارتفاقات ~~وكل عمل يفيد هيئة مضادة للانقياد، ويؤكد الحجب. # وكما أن الارتفاقات استنبطها أولو الخبرة، فاقتدى بهم الناس بشهادة ~~قلوبهم. واتفق عليه أهل الأرض، أو من يعتد به منهم، فكذلك للبر سننن ألهمها ~~الله تعالى في قلوب المؤيدين في بالنور الملكي الغالب عليهم خلق الفطرة ~~بمنزلة ما ألهم في قلوب النحل ما يصلح به معاشها، فجروا عليها، وأخذوا بها ~~وأرشدوا إليها وحثوا عليها، فاقتدى بهم الناس، واتفق عليها أهل الملل ~~جميعها في أقطار الأرض على تباعد بلدانهم واختلاف أديانهم بحكم مناسبة ~~فطرية واقتضاء نوعي، ولا يضر ذلك اختلاف صور تلك السنن بعد الاتفاق على ~~أصولها، ولا صدود طائفة مخدجة لو تأمل فيهم أصحاب البصائر لم يشكو أن ~~مادتهم عصت الصورة النوعية، ولم تمكن لأحكامها، وهم في الإنسان كالعضو ~~الزائد في الجسد، زواله أجمل له من بقائه. # ولشيوع هذه السنن أسباب جليلة، وتدبيرات محكمة أحكمها المؤيدون بالوحي ~~صلوات الله عليهم، فأثبتوا لهم منة عظيمة في رقاب الناس، ونحن نريد أن ~~ننبهك على أصول هذه السنن مما أجمع عليه جمهور أهل الأقاليم الصالحة من ~~الأمم العظيمة التي # PageV01P114 # يجمع كل واحدة أقواما من المتألهين والملوك والحكماء ذوي الرأي الثاقب من ~~عربهم وعجمهم ويهودهم ومجوسهم وهنودهم ونشرح كيفية توليدها في انقياد ~~البهيمية للقوة الملكية، وبعض فوائدها حسبما جربنا على أنفسنا غير مرة، ~~وأدى إليه العقل السليم، والله أعلم. ### | (باب التوحيد) # أصل أصول البر، وعمدة أنواعه هو التوحيد، وذلك لأنه يتوقف ms072 عليه الإخبات ~~لرب العالمين، الذي هو أعظم الأخلاق الكاسبة للسعادة وهو أصل التدبير ~~العلمي الذي هو أفيد التدبيرين، وبه يحصل للإنسان التوجه التام تلقاء ~~الغيب، ويستعد نفسه للحوق به بالوجه المقدس، وقد نبه النبي صلى الله عليه ~~وسلم على عظم أمره، وكونه من أنواع البر بمنزلة القلب إذا صلح صلح الجميع، ~~وإذا فسد فسد الجميع، حيث أطلق القول فيمن مات لا يشرك بالله شيء شيئا أنه ~~دخل الجنة، أو حرمه الله على النار، أو لا يحجب من الجنة ونحو ذلك من ~~العبارات، وحكى عن ربه تبارك وتعالى " من لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك ~~بالله شيئا لقيته بمثلها مغفرة ". # واعلم أن التوحيد أربع مراتب. # إحداها: حصر وجوب الوجود فيه تعالى، فلا يكون غيره واجبا. # والثانية: حصر خلق العرش والسموات والأرض وسائر الجواهر فيه تعالى، ~~وهاتان المرتبتان لم تبحث الكتب الإلهية عنهما، ولم يخالف فيهما مشركو ~~العرب، ولا اليهود، ولا النصارى، بل القرآن العظيم ناص على أنهما من ~~المقدمات المسلمة عندهم. # والثالثة: حصر تدبير السموات والأرض وما بينهما فيه تعالى. # والرابعة: أنه لا يستحق غيره العبادة، وهما متشابكتان متلازمتان لربط ~~طبيعي بينهما. # وقد اختلف فيهما طوائف من الناس معظمهم ثلاثة فرق: # النجامون ذهبوا إلى أن النجوم تستحق العبادة، وأن عبادتها تنفع في # الدنيا، ورفع الحاجات إليها حق، قالوا: قد تحققنا أن لها أثرا عظيما في ~~الحوادث اليومية وسعادة # PageV01P115 # المرء وشقاوته وصحته وسقمه، وأن لها نفوسا مجردة عاقلة تبعثها على ~~الحركة، ولا تغفل عن عبادها، فبنوا هيا كل على أسمائها وعبدوها # والمشركون وافقوا المسلمين في تدبير الأمور العظام، وفيما أبرم وجزم، ولم ~~يترك لغيره خيرة، ولم يوافقوهم في سائر الأمور، ذهبوا إلى أن الصالحين من ~~قبلهم عبدوا الله وتقربوا إليه فأعطاهم الله الألوهية، فاستحقوا العبادة من ~~سائر خلق الله، كما أن ملك الملوك يخدمه عبده، فيحسن خدمته، فيعطيه خلعة ~~الملك، ويفوض إليه تدبير بلد من بلاده، فيستحق السمع والطاعة من أهل ذلك ~~البلد، وقالوا: لا تقبل عبادة الله إلا مضمومة بعبادتهم بل ms073 الحق في غاية ~~التعالي، فلا تفيد عبادته تقربا منه، بل لا بد من عبادة هؤلاء ليقربوا إلى ~~الله زلفى، وقالوا هؤلاء يسمعون، ويبصرون، ويشفعون لعبادهم، ويدبرون ~~أمورهم، وينصرونهم، فنحتوا على أسمائهم أحجارا، وجعلوها قبلة عند توجههم ~~إلى هؤلاء، فخلف من بعدهم خلف، فلم يفطنوا للفرق بين الأصنام وبين من هي ~~على صورته، فظنوها معبودات بأعيانها، ولذلك رد الله تعالى عليهم تارة ~~بالتنبيه على أن الحكم والملك له خاصة، وتارة ببيان أنها جمادات. # {ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم ~~لهم آذان يسمعون بها} . # والنصارى ذهبوا إلى أن للمسيح عليه السلام قربا من الله، علوا على الخلق، ~~فلا ينبغي أن يسمى عبدا، فيسوى بغيره، لأن هذا سوء أدب معه واهمال لقربه من ~~الله، ثم مال بعضهم عند التعبير عن تلك الخصوصية إلى تسميته ابن الله نظرا ~~إلى أن الأب يرحم الابن، ويربيه على عينيه، وهو # فوق العبيد؛ فهذا الاسم أولى به وبعضهم إلى تسميته بالله نظرا إلى أن ~~الواجب حل فيه، وصار داخله، ولهذا يصدر منه آثار لم تعهد من البشر، مثل ~~إحياء الأموات، وخلق الطين، فكلامه كلام الله، وعبادته هي عبادة الله، فخلف ~~بعدهم خلف لم يفطنوا لوجه التسمية، وكادوا يجعلون النبوة حقيقية، أو يزعمون ~~أنه الواجب من جميع الوجوه، ولذلك رد الله تعالى عليهم تارة. بأنه لا صاحبة ~~له وتارة بأنه بديع السموات والأرض. # {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} . # وهذه الفرف الثلاث لهم دعاوى عريضة وخرافات كثيرة لا تخفى على المتتبع، ~~وعن هاتين المرتبتين بحث القرآن العظيم، ورد على الكافرين شبهتهم ردا ~~مشبعا. # PageV01P116 ### | (باب في حقيقة الشرك) # اعلم أن العبادة هو التذلل الأقصى، وكون تذلل أقصى من غيره لا يخلو إما ~~أن يكون بالصورة مثل كون هذا قياما وذلك سجودا، أو بالنية بأن نوى بهذا ~~الفعل تعظيم العباد لمولاهم، وبذلك تعظيم الرعية للملوك، أو التلاميذه ~~للأستاذ لا ثالث لهما، ولما ثبت سجود التحية من الملائكة لآدم ms074 عليه السلام ~~ومن أخوة يوسف ليوسف عليه السلام، وأن السجود أعلى صور التعظيم، وجب إلا ~~يكون التميز إلا بالنية، لكن الأمر إلى الآن غير منقح؛ إذ المولى مثلا يطلق ~~على معان، والمراد ههنا المعبود لا محالة، فقد أخذ في حد العبادة فالتنقيح ~~أن التذلل يستدعي ملاحظة ضعف في الذليل، وقوة في الآخر، وخسة في الذليل ~~وشرف في الآخر، وانقياد واخبات في الذليل، وتسخير ونفاذ حكم للآخر، ~~والإنسان إذا خلى ونفسه أدرك لا محالة أنه يقدر للقوة والشرف والتسخير وما ~~أشبهها مما يعبر به عن الكمال قدرين قدرا لنفسه ولمن يشبهه بنفسه، وقدرا ~~لمن هو متعال عن وصمة الحدوث والإمكان بالكلية. # ولمن انتقل إليه شيء من خصوصيات هذا المتعالي، فالعلم بالمغيبات يجعله ~~على درجتين: علم برؤية وترتيب ومقدمات، أو حدس، أو منام أو تلقي إلهام مما ~~يجد نفسه لا يباين ذلك بالكلية، وعلم ذاتي هو مقتضى ذات العالم لا يلقاه من ~~غيره، ولا يتجشم كسبه، وكذلك يجعل التأثير والتدبير والتسخير. أي لفظ قلت ~~على درجتين: بمعنى المباشرة واستعمال الجوارح والقوى والاستعانة بالكيفيات ~~المزاجية كالحرارة والبرودة وما أشبه ذلك مما يجد نفسه مستعد له استعدادا ~~قريبا أو بعيدا، وبمعنى التكوين من غير كيفيه جسمانية ولا مباشرة شيء وهو ~~قوله تعالى: # {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} # وكذلك يجعل العظمة والشرف والقوة على درجتين: إحداهما كعظمة الملك ~~بالنسبة إلى رعيته مما يرجع إلى كثرة الأعوان وزيادة الطول، أو عظمة البطل ~~والأستاذ بالنسبة إلى ضعيف البطش والتلميذ مما يجد نفسه يشارك العظم في أصل ~~الشيء، # PageV01P117 # وثانيتهما ما لا يوجد إلا في المتعالي جدا، ولا تن في تفتيش هذا السر حتى ~~تستيقن أن المعترف بانصرام سلسلة الإمكان إلى واجب لا يحتاج إلى غيره يضطر ~~إلى جعل هذه الصفات التي يتمادحون بها على درجتين درجة لما هنالك ودرجة لما ~~يشبهه بنفسه. # ولما كانت الألفاظ المستعملة في الدرجتين متقاربة، فربما يحمل نصوص ~~الشرائع الإلهية على غير محملها، وكثيرا ما يطلع الإنسان على آثر ms075 صادر من ~~بعض أفراد الإنسان أو الملائكة أو غيرهما يستبعده من أبناء جنسه، فيشتبه ~~عليه الأمر، فيثبت له شرفا مقدسا وتسخيرا إلهيا، وليسوا في معرفة الدرجة ~~المتعالية سواء، فمنهم من يحيط بقوى الأنوار المحيطة الغالبة على المواليد، ~~ويعرفها من جنسه، ومنهم من لا يستطيع ذلك، وكل إنسان # مكلف بما عنده من الاستطاعة، وهذا تأويل ما حكاه الصادق المصدوق صلى الله ~~عليه وسلم من نجاة مسرف على نفسه أمر أهله بحرقه، وتذرية رماده حذرا من أن ~~يبعثه، الله، ويقدر عليه فهذا الرجل استيقن بأن الله متصف بالقدرة التامة، ~~لكن القدرة إنما هي من الممكنات، لا في الممتنعات، وكان يظن أن جمع الرماد ~~المتفرق نصفه في البر ونصفه في البحر ممتنع، فلم يجعل ذلك نقصا، فأخذ بقدر ~~ما عنده من العلم، ولم يعد كافرا - كان التشيبه والاشراك بالنجوم وبصالحي ~~العباد الذين ظهر منهم خرق العوائد كالكشف واستجابة الدعاء متوارثا فيهم، ~~وكل نبي يبعث في قومه فإنه لا بد أن يفهمهم حقيقة الاشراك، ويميز كلا من ~~الدرجتين، ويحصر الدرجة المقدسة في الواجب، وإن تقاربت الألفاظ كما قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لطبيب " إنما أنت رفيق والطبيب هو الله " ~~وكما قال " السيد هو الله " يشير إلى بعض المعاني دون بعض، ثم لما انقرض ~~الحواريون من أصحابه وحملة دينه خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة، واتبعوا ~~الشهوات، فحملوا الألفاظ المستعملة المشتبهة على غير محملها، كما حملوا ~~المحبوبية والشفاعة التي أثبتها الله تعالى في قاطبة الشرائع لخواص البشر ~~على غير محملها، وكما حملوا صدور خرق العوائد والاشراقات على انتقال العلم ~~والتسخير الاقصيين إلى هذا الذي يرى منه، والحق أن ذلك كله يرجع إلى قوى ~~ناسوتية، أو روحانية تعد لنزول التدبير الإلهي على وجه، وليس من الإيجاد ~~والأمور المختصة بالواجب في شيء. # والمرضى بهذا المرض على أصناف: منهم من نسي جلال الله بالكلية، فجعل لا ~~يعبد إلا الشركاء، ولا يرفع حاجته إلا # PageV01P118 # إليهم، لا يلتفت إلى الله أصلا، وإن كان يعلم بالنظر البرهاني أن سلسلة ms076 ~~الوجود تنصرم إلى الله، ومنهم من اعتقد أن الله هو السيد وهو المدبر، لكنه ~~قد يخلع على بعض # عبيده لباس الشرف والتأله، ويجعله متصرفا في بعض الأمور الخاصة، ويقبل ~~شفاعته في عباده بمنزلة ملك الملوك يبعث على كل قطر ملكا، ويقلده تدبير تلك ~~المملكة فيما عدا الأمور العظام، فيتلجلج لسانه أن يسميهم عباد الله، ~~فيسويهم وغيرهم، فعدل عن ذلك إلى تسميتهم أبناء الله ومحبوبي الله، وسمى ~~نفسه عبدا لأولئك كعبد المسيح وعبد العزى، وهذا مرض جمهور اليهود والنصارى ~~والمشركين وبعض الغلاة من منافقي دين محمد صلى الله عليه وسلم يومنا هذا. # ولما كان مبنى التشريع على إقامة المظنة مقام الأصل عد أشياء محسوسة هي ~~مظان الاشراك كفرا، كسجدة الأصنام، والذبح لها، والحلف باسمها، وأمثال ذلك، ~~وكان أول فتح هذا العلم على أن رفع لي قوم يسجدون لذباب صغير سمى لا يزال ~~يحرك ذنبه وأطرافه، فنفث في قلبي هل تجد فيهم ظلمة الشرك، وهل أحاطت ~~الخطيئة بأنفسهم كما تجدها في عبدة الأوثان؟ قلت لا أجدها فيهم لأنهم جعلوا ~~الذباب قبلة ولم يخلطوا درجة تذلل بالأخرى قيل فقد هديت إلى السر فيومئذ ~~ملئ قلبي بهذا العلم، وصرت على بصيرة من الأمر، وعرفت حقيقة التوحيد ~~والاشراك، وما نصبه الشرع مظان لهما، وعرفت ارتباط العبادة بالتدبير والله ~~أعلم. ### | (باب أقسام الشرك) # حقيقة الشرك أن يعتقد إنسان في بعض المعظمين من الناس أن الآثار العجيبة ~~الصادرة منه إنما صدرت لكونه متصفا بصفة من صفات الكمال مما لم يعهد في جنس ~~الإنسان، بل يختص بالواجب جل مجده لا يوجد في غيره إلا أن يخلع هو خلعة ~~الألوهية على غيره، أو يغني غيره في ذاته # ويبقى بذاته أو نحو ذلك مما يظنه هذا المعتقد من أنواع الخرافات، كما ورد ~~في الحديث " إن المشركين كانوا يلبون بهذه # PageV01P119 # الصيغة: لبيك لبيك لا شريك لك - إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك " فيتذلل ~~عنده أقصى التذلل، ويعامل معه معاملة العباد مع الله تعالى. # وهذا معنى له أشباح وقوالب، والشرع لا ms077 يبحث إلا عن أشباحه وقوالبه التي ~~باشرها الناس بنية الشرك حتى صارت مظنة للشرك ولازمه له في العادة، كسنة ~~الشرع في إقامة العلل المتلازمة للمصالح والمفاسد مقامها. # ونحن نريد أن ننبهك على أمور جعلها الله تعالى في الشريعة المحمدية، على ~~صاحبها الصلوات والتسليمات مظنات للشرك، فنهى عنها. # فمنها أنهم كانوا يسجدون للأصنام والنجوم، فجاء النهي عن السجدة لغير ~~الله قال الله تعالى: # {لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن} . # والاشراك في السجدة كان متلازما للاشراك في التدبير كما أومأنا إليه، ~~وليس الأمر كما يظن بعض المتكلمين من أن توحيد العبادة حكم من أحكام الله ~~تعالى مما يختلف باختلاف الأديان لا يطلب بدليل برهاني، كيف ولو كان كذلك ~~لم يلزمهم الله تعالى بتفرده بالتخليق والتدبير، كما قال عز من قائل: # {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير} . # إلى آخر خمسى آيات، بل الحمق أنهم اعترفوا بتوحيد الخلق وبتوحيد التدبير ~~في الأمور العظام، وسلموا أن العبادة متلازمه معهما، لما أشرنا إليه في ~~تحقيق معنى التوحيد فلذلك ألزمهم الله بما ألزمهم ولله الحجة البالغة. # ومنها أنهم كانوا يستعينون بغير الله في حوائجهم من شفاء المريض وغناء ~~الفقير، وينذرون لهم، يتوقعون إنجاح مقاصدهم بتلك النذور، ويتلون اسماءهم ~~رجاء بركتها، فأوجب الله تعالى عليهم أن يقولوا في صلاتهم: # PageV01P120 # {إياك نعبد وإياك نستعين} . # وقال تعالى: # {فلا تدعوا مع الله أحدا} . # وليس المراد من الدعاء العبادة كما قاله المفسرون، بل هو الاستعانة لقوله ~~تعالى: # {بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون} . # ومنها أنهم كانوا يسمون بعض شركائهم بنات الله وأبناء الله، فنهو عن ذلك ~~أشد النهي، وقد شرحنا سره من قبل. # ومنها أنهم كانوا يتخذون أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله تعالى ~~بمعنى أنهم كانوا يعتقدون أن ما أحله هؤلاء حلال لا بأس به في نفس الأمر ~~وأن ما حرمه هؤلاء حرام يؤاخذون به في نفس الأمر، ولما نزل قوله تعالى: # {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم} . الآية # سأل عدي بن حاتم رسول الله صلى الله ms078 عليه وسلم عن ذلك فقال: " كانوا ~~يحلون لهم أشياء، فيستحلونها، ويحرمون عليهم أشياء، فيحرمونها. # وسر ذلك أن التحليل والتحريم عبارة عن تكوين نافذ في الملكوت أن الشيء ~~الفلاني يؤاخذ به أو لا يؤاخذ به، فيكون هذا التكوين سببا للمؤاخذة وتركها، ~~وهذا من صفات الله تعالى، وأما نسبة التحليل والتحريم # إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبمعنى أن قوله أمارة قطعية لتحليل الله ~~وتحريمه و، أما نسبتها إلى المجتهدين من أمته فبمعنى روايتهم ذلك عن الشرع ~~من نص الشارع أو استنباط معنى من كلامه. # واعلم أن الله تعالى إذا بعث رسولا وثبت رسالته بالمعجزة، وأحل على لسانه ~~بعض ما كان حراما عندهم، ووجد بعض الناس في نفسه انجحاما عنه، وبقي في نفسه ~~ميل إلى حرمته لما وجد في ملته من تحريمه فهذا على وجهين: إن كان لتردد في ~~ثبوت هذه الشريعة، فهو كافر بالنبي، وإن كان لاعتقاد وقوع التحريم الأول ~~تحريما لا يحتمل النسخ لأجل أنه تبارك وتعالى خلع على عبد خلعة الألوهية، ~~أو صار فانيا في الله باقيا به، فصار نهيه عن فعل أو كراهيته له مستوجبا ~~لحرم في ماله وأهله، فذلك مشرك بالله تعالى، مثبت لغيره غضبا وسخطا مقدسين ~~وتحليلا وتحريما مقدسين. # ومنها أنهم كانوا يتقربون إلى الأصنام والنجوم بالذبح لأجلهم، إما ~~بالاهلال عند الذبائح باسمائهم، وأما بالذبح على الأنصاب المخصوصة لهم، ~~فنهوا عن ذلك، # PageV01P121 # ومنها أنهم كانوا يسيبون السوائب والبحائر تقربا إلى شركائهم فقال الله ~~تعالى: # {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة} . الآية # ومنها أنهم كانوا يعتقدون في آناس أن أسماءهم مباركة معظمة، وكانوا ~~يعتقدون أن الحلف باسمائهم على الكذب يستوجب حرما في ماله وأهله، فلا ~~يقدمون على ذلك، ولذلك كانوا يستحلفون الخصوم بأسماء الشركاء بزعمهم، فنهو ~~عن ذلك وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من حلف بغير الله فقد أشرك " وقد ~~فسره بعض المحدثين على معنى التغليظ والتهديد، ولا أقول # بذلك وإنما المراد عندي اليمين المنعقدة واليمين الغموس باسم غير الله ~~تعالى على اعتقاد ما ذكرنا. ms079 # ومنها الحج لغير الله تعالى، وذلك أن يقصد مواضع متبركة مختصة بشركائهم ~~يكون الحلول بها تقربا من هؤلاء، فنهى الشرع عن ذلك، وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ". # ومنها أنهم كانوا يسمون ابناءهم عبد العزى وعبد شمس ونحو ذلك فقال الله: # {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها} . # وجاء في الحديث أن حواء سمت ولدها عبد الحرث وكان ذلك من وحي الشيطان، ~~وقد ثبت في أحاديث لا تحصى أن النبي صلى الله عليه وسلم غير أسماء أصحابه ~~عبد العزيز وعبد شمس ونحوهما إلى عبد الله وعبد الرحمن وما أشبههما، فهذه ~~أشباح وقوالب للشرك نهى الشارع عنها لكونها قوالب له، والله أعلم. ### | (باب الإيمان بصفات الله تعالى) # اعلم أن من أعظم أنواع البر الإيمان بصفات الله تعالى، واعتقاد اتصافه ~~بها، فإنه يفتح بابا بين هذا العبد وبينه تعالى ويعده لانكشاف ما هنالك من ~~المجد والكبرياء. # واعلم أن الحق تعالى أجل من أن يقاس بمعقول، أو محسوس، أو يحل فيه صفات ~~كحلول الأعراض في محالها أو تعالجه العقول العامية، أو تتناوله الألفاظ ~~العرفية، ولا بد من تعريفه إلى الناس، ليكملوا كمالهم # الممكن لهم، فوجب أن تستعمل الصفات بمعنى وجود غايتها، لا بمعنى وجود ~~مباديها، فمعنى الرحمة إفاضة النعم، لا انعطاف القلب والرقة، وأن تستعار ~~ألفاظ تدل على تسخير الملك لمدينته لتخسيره لجميع الموجودات، إذ لا عبارة ~~في هذا المعنى أفصح من هذه، وأن تستعمل تشبيهات بشرط ألا # PageV01P122 # يقصد إلى أنفسها، بل إلى معان مناسبة لها في العرف، فيراد ببسط اليد ~~الجود مثلا، وبشرط ألا يوهم المخاطبين إيهاما صريحا أنه في ألواث البهيمية ~~وذلك يختلف باختلاف المخاطبين، فيقال يرى، ويسمع، ولا يقال يذوق، ويلمس، ~~وأن يسمي إفاضة كل معان متفقه في أمر باسم، كالرزاق والمصور، وأن يسلب عنه ~~كل ما لا يليق به لا سيما ما لهج به الظالمون في حقه مثل لم يلد ولم يولد، ~~وقد أجمعت الملل السماوية ms080 قاطبتها على بيان الصفات على هذا الوجه، وعلى أن ~~تستعمل تلك العبارات على وجهها، ولا يبحث عنها أكثر من استعمالها، وعلى هذا ~~مضت القرون المشهود لها بالخير، ثم خاض طائفة من المسلمين في البحث عنها، ~~وتحقيق معانيها من غير نص، ولا برهان قاطع، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~" تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق " وقال في قوله تعالى: # {وأن إلى ربك المنتهى} . # " لا فكرة في الرب ". # والصفات ليست بمخلوقات محدثات، والتفكر فيها إنما هو أن الحق كيف اتصف ~~بها، فكان تفكر في الخالق، قال الترمذي في حديث " يد # الله ملأى "، وهذا الحديث قال الأئمة نؤمن كما جاء من غير أن يفسر أو ~~يتوهم هكذا قال غير واحد من الأئمة، منهم سيفان الثوري، ومالك بن أنس، وابن ~~عيينة، وابن المبارك: أنه تروى هذه الأشياء ويؤمن بها، ولا يقال كيف وقال ~~في موضع آخر: إن إجراء هذه الصفات كما هي ليس بتشبيه، وإنما التشبيه أن ~~يقال: سمع كسمع وبصر كبصر، وقال الحافظ ابن حجر: لم ينقل عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة من طريق صحيح التصريح بوجوب تأويل شيء من ~~ذلك يعنى المتشابهات ولا المنع من ذكره ومن المحال أن يأمر الله نبيه ~~بتبليغ ما أنزل إليه من ربه، وينزل عليه: # {اليوم أكملت لكم دينكم} . # ثم يترك هذا الباب فلا يميز ما يجوز نسبته إليه تعالى مما لا يجوز مع حثه ~~على التبليغ عنه بقوله: " ليبلغ الشاهد الغائب " حتى نقلوا أقواله وأفعاله ~~وأحواله وما فعل بحضرته، فدل على أنهم اتفقوا على الإيمان به على الوجه ~~الذي أراد الله تعالى منها، # PageV01P123 # وأوجب تنزيهه عن مشابهات المخلوقات بقوله: # {ليس كمثله شيء} . # فمن أوجب خلاف ذلك بعدهم، فقد خالف سبيلهم. # أقول لا فرق بين السمع والبصر والقدرة والضحك والكلام والاستواء فإن ~~المفهوم عند أهل اللسان من كل ذلك غير ما يليق بجناب القدس، وهل في الضحك ~~استحالة إلا من جهة أنه يستدعي الفم، وكذلك الكلام؟ وهل في البطش ms081 والنزول ~~استحالة إلا من جهة أنهما يستدعيان اليد والرجل؟ وكذلك السمع والبصر ~~يستدعيان الأذن والعين، والله أعلم. # واستطال هؤلاء الخائضون على معشر أهل الحديث، وسموهم مجسمة # ومشبهة، وقالوا هم المتسترون بالبلكفة، وقد وضح علي وضوحا بينا أن ~~استطالتهم هذه ليست بشيء وانهم مخطئون في مقالتهم رواية ودراية وخاطئون في ~~طعنهم أئمة الهدى. # وتفصيل ذلك أن ههنا مقامين: أحدهما أن الله تبارك وتعالى كيف اتصف بهذه ~~الصفات، وهل هي زائدة على ذاته أو عين ذاته؟ وما حقيقة السمع والبصر ~~والكلام وغيرها؟ فإن المفهوم من هذه الألفاظ بادي الرأي غير لائق بجناب ~~القدس. # والحق في هذا المقام أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلم فيه بشيء، بل ~~حجر أمته عن التكلم فيه والبحث عنه فليس لأحد أن يقدم على ما حجره، والثاني ~~أنه أي شيء يجوز في الشرع أن نصفه تعالى به وأي شيء لا يجوز أن نصفه به، ~~والحق أن صفاته وأسماءه توقيفيه بمعنى أنا وإن عرفنا القواعد التي بنى ~~الشرع بيان صفاته تعالى عليها كما حررنا في صدر الباب، لكن كثيرا من الناس ~~لو أبيح لهم الخوض في الصفات لضلوا، وأضلوا، وكثير من الصفات وإن كان الوصف ~~بها جائزا في الأصل، لكن قوما من الكفار حملوا تلك الألفاظ على غير محملها. ~~وشاع ذلك فيما بينهم، فكان حكم الشرع النهي عن استعمالها دفعا لتلك ~~المفسدة، وكثير من الصفات يوهم استعمالها على ظواهرها خلاف المراد، فوجب ~~الاحتراز عنها فلهذه الحكم جعلها الشرع توقيفية، ولم يبح الخوض فيها ~~بالرأي. # PageV01P124 # وبالجملة فالضحك والفرح والتبشبش والغضب والرضا يجوز لنا استعمالها ~~والبكاء والخوف ونحو ذلك لا يجوز لنا استعمالها، وإن كان المأخذان ~~متقاربين، والمسألة على ما حققناه معتضدة بالعقل والنقل لا يحوم الباطل من ~~بين يديها ولا من خلفها، والاطالة في إبطال اقوالهم ومذاهبهم لها موضع آخر ~~غير هذا الموضع. # ولنا أن نفسرها بمعان هي أقرب وأوفق مما قالوا إبانه لأن تلك المعاني لا ~~يتعين القول بها، ولا يضطر الناظر في الدليل العقلي إليها، وأنها ms082 ليست ~~راجحة على غيرها ولا فيها مزية بالنسبة إلى ما عداها، لا حكما بأن مراد ~~الله ما نقول، ولا إجماعا على الاعتقاد بها والإذعان بها هيهات ذلك، فنقول ~~مثلا لما كان بين يديك ثلاثة أنواع حي وميت وجماد، وكان الحي أقرب شبها بما ~~هنالك لكونه عالما مؤثرا في الخلق وجب أن يسمى حيا، ولما كان العلم عندنا ~~هو الانكشاف، وقد انكشفت عليه الأشياء كلها بما هي مندمجة في ذاته، ثم بما ~~هي موجودة تفصيلا وجب أن يسمى عليما، ولما كانت الرؤية والسمع انكشافا تاما ~~للمبصرات والمسموعات، وذلك هناك بوجه أتم وجب أن يسمى بصيرا سميعا، ولما ~~كان قولنا أراد فلان إنما نعني به هاجس عزم على فعل أو ترك، وكان الرحمن ~~يفعل كثيرا من أفعاله عند حدوث شرط أو استعداد في العالم، فيوجب عند ذلك ما ~~لم يكن واجبا، ويحصل في بعض الأحياز الشاهقة إجماع بعد ما لم يكن بإذنه ~~وحكمه وجب أن يسمى مريدا وأيضا فالارادة الواحدة الأزلية الذاتية المفسرة ~~باقتضاء الذات لما تعلقت بالعالم بأسره مرة واحدة، ثم جاءت الحوادث يوما ~~بعد يوم صح أن ينسب إلى كل حادث حادث عن حدته، ويقال أراد كذا وكذا، ولما ~~كان قولنا قدر فلان إنما نعني به أنه يمكن له أن يفعل ولا يصده من ذلك سبب ~~خارج، أما إيثار أحد المقدورين من القادر فإنه لا ينفي اسم القدرة، وكان ~~الرحمن قادرا على كل شيء، وإنما يؤثر بعض الأفعال دون أضداده لعنايته ~~واقتضائه الذاتي وجب أن يسمى قادرا، ولما كان قولنا كلم فلان إنما نعني به ~~إفاضة المعاني المرادة، مقرونة بألفاظ دالة عليها، وكان الرحمن ربما يفيض ~~على عبده علوما، ويفيض معها ألفاظا منعقدة في خياله، دالة عليها ليكون ~~التعليم أصرح ما يكون وجب أن يسمى متكلما # PageV01P125 # قال الله تعالى: # {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا ~~فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم} . # فالوحي هو النفث في الروع برؤيا، أو خلق علم ms083 ضروري عند توجهه إلى الغيب، ~~ومن وراء حجاب أن يسمع كلاما منظوما كأنه سمعه من خارج، ولم ير قائله، أو ~~يرسل رسولا، فيتمثل الملك له، وربما يحصل عند توجهه إلى الغيب وانقهار ~~الحواس صوت صلصة الجرس كما قد يكون عند عروض الغشى من رؤية ألوان حمر وسود. # ولما كان في حظيرة القدس نظام، مطلوبة إقامته في البشر، فإن وافقوه لحقوا ~~بالملأ الأعلى، وأخرجوا من الظلمات إلى نور الله وبسطته، ونعموا في أنفسهم، ~~وألهمت الملائكة بنو آدم أن يحسنوا إليهم، وإن خالفوا باينوا من الملأ ~~الأعلى، وأصيبوا ببغضه منهم، وعذبوا بنحو ما ذكر، وجب أن يقال رضي وشكر، أو ~~سخط ولعن، والكل يرجع إلى جريان العالم حسب مقتضى المصلحة، وربما كان من ~~نظام العالم خلق المدعو إليه فيقال استجاب الدعاء، ولما كانت الرؤيا في ~~استعمالنا انكشاف المرئي أتم ما يكون، وكان الناس إذا انتقلوا إلى بعض ما ~~وعدوا من المعاد اتصلوا بالتجلي القائم وسط عالم المثل، ورأوه رأي عين ~~بأجمعهم، وجب أن يقال إنكم سترونه كما ترون القمر ليلة البدر، والله أعلم. ### | (باب الإيمان بالقدر) # من أعظم أنواع البر الإيمان بالقدر، وذلك أنه به يلاحظ الإنسان التدبير ~~الواحد الذي يجمع العالم ومن اعتقده على وجهه يصير طامح البصر # إلى ما عند الله، يرى الدنيا وما فيها كالظل له، ويرى اختيار العباد من ~~قضاء الله كالصورة المنطبعة في المرآة، وذلك يعد له - لانكشاف ما هنالك من ~~التدبير الوحداني، ولو في المعاد - أتم إعداد، وقد نبه صلى الله عليه وسلم ~~على عظم أمره من بين أنواع البر حيث قال: " من لم يؤمن بالقدر خيره وشره، ~~فأنا برئ منه " وقال صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر ~~خيره وشره، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ~~ليصيبه ". # واعلم أن الله تعالى شمل علمه الأزلي الذاتي كل ما وجد، أو سيوجد من ~~الحوادث، محال أن يتخلف علمه عن شيء أو يتحقق غير ما علم، فيكون جهلا ms084 لا ~~علما، وهذه مسألة شمول العلم، وليست بمسألة القدر ولا يخالف فيها فرقة من ~~الفرق الإسلامية، إنما # PageV01P126 # القدر الذي دلت عليه الأحاديث المستفيضة، ومضى عليه السلف الصالح، ولم ~~يوفق له إلا المحققون، ويتجه عليه السؤال بأنه متدافع مع التكليف، وأنه فيم ~~العمل - هو القدر الملزم الذي يوجب الحوادث قبل وجودها، فيوجد بذلك ~~الإيجاب، لا يدفعه هرب، ولا تنفع منه حيلة، وقد وقع ذلك خمس مرات. # فأولها: أنه أجمع في الأزل أن يوجد العالم على أحسن وجه ممكن مراعيا ~~للمصالح، مؤثرا لما هو الخير النسبي حين وجوده، وكان علم الله ينتهي إلى ~~تعيين صورة واحدة من الصور لا يشاركها غيرها، فكانت الحوادث سلسلة مترتبة، ~~مجتمعا وجودها، لا تصدق على كثيرين، فإرادة إيجاد العالم ممن لا تخفى عليه ~~خافية هو بعينه تخصيص صورة وجوده إلى آخر ما ينجر إليه الأمر. # وثانيها: أنه قدر المقادير، ويروى أنه كتب مقادير الخلائق كلها، والمعنى ~~واحد قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وذلك أنه خلق # الخلائق حسب العناية الأزلية في خيال العرش، فصور هنالك جميع الصور، وهو ~~المعبر عنه بالذكر في الشرائع، فتحقق هنالك مثلا صورة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وبعثه إلى الخلق في وقت كذا، وانذاره لهم وإنكار أبي لهب وإحاطة ~~الخطيئة بنفسه في الدنيا، ثم اشتعال النار عليه في الآخرة، وهذه الصورة سبب ~~لحدوث الحوادث على نحو ما كانت هنالك كتأثير الصورة، المنتقشة في أنفسنا في ~~زلق الرجل على الجذع الموضوع فوق الجدران، ولم تكن لتزلق لو كانت على ~~الأرض. # وثالثها: أنه لما خلق آدم عليه السلام ليكون أبا البشر، وليبدأ منه نوع ~~الإنسان أحدث في عالم المثال صور بنيه ومثل سعادتهم وشقاوتهم بالنور ~~والظلمة، وجعلهم بحيث يكلفون، وخلق فيهم معرفته والاخبات له، وهو أصل ~~الميثاق المدسوس في فطرتهم، فيؤاخذون به، وإن نسوا الواقعة إذا النفوس ~~المخلوقة في الأرض إنما هي ظل الصور الموجودة يومئذ، فمدسوس فيها ما دس ~~يومئذ. # ورابعها حين نفخ الروح في الجنين، فكما أن النواة إذا ألقيت ms085 في الأرض في ~~وقت مخصوص، وأحاط بها تدبير مخصوص علم المطلع على خاصية نوع النخل، وخاصية ~~تلك الأرض وذلك الماء والهواء أنه يحسن نباتها، ويتحقق من شأنه على بعض ~~الأمر، فكذلك تتلقى الملائكة المدبرة يومئذ، وينكشف عليهم الأمر في عمره ~~ورزقه، وهل يعمل عمل من غلبت ملكيته على بهيميته، أو بالعكس، وأي نحو تكون ~~سعادته وشقاوته. # PageV01P127 # وخامسها: قبيل حدوث الحادثة، فينزل الأمر من حظيرة القدس إلى الأرض، ~~وينتقل شيء مثالي، فتنبسط أحكامه في الأرض. # وقد شاهدت ذلك مرارا، منها أن ناسا تشاجروا فيما بينهم، وتحاقدوا، # فالتجأت إلى الله، فرأيت نقطة مثالية نورانية نزلت من حظيرة القدس إلى ~~الأرض فجعلت تنبسط شيئا فشيئا، وكلما انبسطت زال الحقد عنهم فما برحنا ~~المجلس حتى تلاطفوا، ورجع كل واحد منهم إلى ما كان من الالفة، وكان ذلك من ~~عجيب آيات الله عندي. # ومنها أن بعض أولادي كان مريضا وكان خاطري مشغولا به، فبينما أنا أصلي ~~الظهر شاهدت موته نزل، فمات في ليلته. # وقد بينت السنة بيانا واضحا أن الحوادث يخلقها الله تعالى قبل أن تحدث في ~~الأرض خلقا ما، ثم ينزل في هذا العالم فيظهر فيه كما خلق أول مرة سنة من ~~الله تعالى، ثم قد يمحى الثابت، ويثبت المعدوم، بحسب هذا الوجود قال الله ~~تعالى: # {يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} # مثل أن يخلق الله تعالى البلاء خلقا ما، فينزله على المبتلى، ويصعد ~~الدعاء، فيرده، وقد يخلق الموت، فيصعد البر، ويدده والفقه فيه أن المخلوق ~~النازل سبب من الأسباب العادية كالطعام والشراب بالنسبة إلى بقاء الحياة ~~وتناول السم، والضرب بالسيف بالنسبة إلى الموت، وقد دل أحاديث كثيرة على ~~ثبوت عالم تتجسم فيه الأعراض، وتنتقل المعاني، ويخلق الشيء قبل ظهوره في ~~الأرض، مثل كون الرحم معلقا بالعرش، وتزول الفتن كمواقع القطر، وخلق النيل ~~والفرات في أصل السدرة، ثم أنزالهما إلى الأرض، وإنزال الحديد والانعام ~~وإنزال القرآن إلى السماء الدنيا مجموعا، وحضور الجنة والنار بين يدي النبي ~~صلى الله عليه وسلم وبين جدار ms086 المسجد بحيث يمكن تناول العنقود، ويأتي حر ~~النار، وكتعالج البلاء والدعاء، وخلق ذرية آدم، وخلق العقل، # وأنه أقبل وأدبر، وإتيان الزهراوين كأنهما فرقان، ووزن الأعمال، وحفوف ~~الجنة بالمكاره والنار بالشهوات، وأمثال ذلك مما لا يخفى على من له أدنى ~~معرفة بالسنة. # واعلم أن القدر لا يزاحم سببية الأسباب لمسبباتها، لإنه إنما تعلق ~~بالسلسلة المترتبة جملة مرة واحدة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم في الرقى ~~والدواء والتقاة هل ترد شيئا من قدر الله؟ قال: " # PageV01P128 # هي من قدر الله "، وقول عمر رضي الله عنه في قصة سرغ أليس إن رعيتها في ~~الخصب رعيتها بقدر الله؟ الخ وللعباد اختيار أفعالهم، نعم لااختيار لهم في ~~ذلك الاختيار لكونه معلولا بحضور صورة المطلوب ونفعه ونهوض داعيه وعزم بما ~~ليس له علم بها فكيف الاختيار فيها وهو قوله: " إن القلوب بين إصبعين من ~~أصابع الله يقلبها كيف يشاء " والله اعلم. ### | (باب الإيمان بأن العبادة حق الله تعالى على عباده لأنه منعم عليهم مجاز لهم بالارادة) # اعلم أن من أعظم أنواع البر أن يعتقد الإنسان بمجامع قلبه بحيث لا يحتمل ~~نقيض هذا الاعتقاد عنده أن العبادة حق الله تعالى على عباده، وأنهم مطالبون ~~بالعبادة من الله تعالى بمنزلة سائر ما يطلبه ذوو الحقوق من حقوقهم، قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: " يا معاذ هل تدرى ما حق الله على عباده ~~وما حق العباد على الله؟ قال معاذ: الله ورسوله أعلم قال: " فإن # حق الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله ~~تعالى ألا يعذب من لا يشرك به شيئا " وذلك لأن من لم يعتقد ذلك اعتقادا ~~جازما واحتمل عنده أن يكون سدى مهملا لا يطالب بالعبادة، ولا يؤاخذ بها من ~~جهة رب مريد مختار - كان دهريا لا تقع عبادته، وإن باشرها بجوارحه بموقع من ~~قلبه، ولا تفتح بابا بينه وبين ربه، وكانت عادة كسائر عاداته. # والأصل في ذلك أنه قد ثبت في معارف الأنبياء وورثتهم عليهم الصلوات ~~والتسليمات أن موطنا ms087 من مواطن الجبروت فيه إرادة وقصد بمعنى الإجماع على ~~فعل مع صحة الفعل والترك بالنظر إلى هذا الموطن، وإن كانت المصلحة ~~الفوقانية لا تبقي، ولا تذر شيئا إلا أوجب وجوده، أو أوجب عدمه، لا وجود ~~للحالة المنتظرة بحسب ذلك، ولا عبرة بقوم يسمعون الحكماء يزعمون أن الإرادة ~~بهذا المعنى، فقد حفظوا شيئا وغابت عنهم أشياء، وهم محجوبون عن مشاهدة هذا ~~الموطن محجوبون بأدلة الآفاق والأنفس. # PageV01P129 # أما حجابهم فهو أنهم لم يهتدوا إلى موطن بين التجلي الأعظم، وبين الملأ ~~الأعلى شبيه بالشعاع القائم بالجوهرة، ولله المثل الأعلى، ففي هذا الموطن ~~يتمثل إجماع على شيء استوجبه علوم الملأ الأعلى وهيآتهم بعد ما كان يستوى ~~الفعل والترك في هذا الموطن. # وأما الحجة عليهم فهي أن الواحد منا يعلم بداهة أنه يمد يده، ويتناول ~~القلم مثلا، وهو في ذلك مريد قاصد يستوي بالنسبة إليه الفعل والترك بحسب ~~هذا القصد وبحسب هذه القوى المتشبحة في نفسه، وإن كان كل شيء بحسب المصلحة ~~الفوقانية إما واجب الفعل، أو واجب الترك، فكذلك الحال في كل ما يستوجبه ~~استعداد خاص، فينزل من بارئ الصور نزول # الصور على المواد المستعدة لها كالاستجابة عقيب الدعاء مما فيه دخل ~~لمتجدد حادث بوجه من الوجوه، ولذلك تقول هذا جهل بوجوب الشيء بحسب المصلحة ~~الفوقانية، فكيف يكون في موطن من مواطن الحق؟ ! فأقول حاش لله، بل هو علم ~~وإيفاء لحق هذا الموطن، إنما الجهل أن يقال ليس بواجب أصلا، وقد نفت ~~الشرائع الإلهية هذا الجهل حيث أثبتت الإيمان بالقدر، وأن ما أصابك لم يكن ~~ليخطئك، وما أخطاك لم يكن ليصيبك، وأما إذا قيل يصح فعله وتركه بحسب هذا ~~الموطن، فهو علم حق لا محالة، كما أنك إذا رأيت الفحل من البهائم يفعل ~~الأفعال الفحلية، ورأيت الأنثى تفعل الأفعال الأنثوية، فإن حكمت بأن هذه ~~الأفعال صادرة جبرا كحركة الحجر في تدحرجه كذبت، وإن حكمت بأنها صادرة من ~~غير علة موجبه لها، فلا المزاج الفحلي يوجب هذا الباب، ولا المزاج الأنثوي ~~يوجب ذلك كذبت، وإن ms088 حكمت بأن الإرادة المتشبحة في أنفسهما تحكى وجوبا ~~فوقانيا، وتعتمد عليه، وأنها لا تفور فورانا استقلاليا كان ليس وراء ذلك ~~مرمى، فقد كذبت، بل الحق اليقين أمر بين الأمرين وهو أن الاختيار معلول لا ~~يتخلف عن علله، والفعل المراد توجبه العلل، ولا يمكن ألا يكون، ولكن هذا ~~الاختيار من شأنه أن يبتهج بالنظر إلى نفسه، ولا ينظر إلى ما فوق ذلك. فإن ~~أديت حق هذا الموطن، وقلت أجد في نفسي أن الفعل والترك كانا مستويين، وأني ~~اخترت الفعل، فكان الاختيار علة لفعله صدقت، وبررت، فأخبرت الشرائع الإلهية ~~عن هذه الإرادة المتشبحة في هذا الموطن. # وبالجملة فقد ثبتت إرادة يتجدد تعلقها، وثبتت المجازاة في الدنيا ~~والآخرة، وثبت # PageV01P130 # أن مدبر العالم دبر العالم بإيجاب شريعة يسلكونها، لينتفعوا بها، فكأن ~~الأمر شبيها بأن السيد استخدم عبيده، وطلب منهم # ذلك ورضي عمن خدم، وسخط على من لم يخدم، فنزلت الشرائع الإلهية بهذه ~~العبارة لما ذكرنا أن الشرائع تنزل في الصفات وغيرها بعبارة ليس هنالك ~~أفصح، ولا أبين للحق منها أكانت حقيقة لغوية أو مجازا متعارفا، ثم مكنت ~~الشرائع الإلهية هذه المعرفة الغامضة من نفوسهم بثلاثة مقامات مسلمة عندهم ~~جارية مجرى المشهورات البديهية بينهم # أحدها: أنه تعالى منعم، وشكر المنعم واجب، والعبادة شكر له على نعمة. # والثاني: أنه يجازي المعرضين عنه التاركين لعبادته في الدنيا أشد الجزاء. # والثالث: أنه يجازي في الآخرة المطيعين والعاصين، فانبسطت من هنالك ثلاثة ~~علوم، علم التذكير بآلاء الله، وعلم التذكير بأيام الله، وعلم التذكير ~~بالمعاد، فنزل القرآن العظيم شرحا لهذه العلوم. # وإنما عظمت العناية بشرح هذه العلوم لأن الإنسان خلق في أصل فطرته ميل ~~إلى بارئه جل مجده، وذلك الميل أمر دقيق لا يتشبح إلا بخليقته ومظنته، ~~وخليقته ومظنته على ما أثبته الوجدان الصحيح الإيمان بأن العبادة حق الله ~~تعالى على عباده لأنه منعم لهم مجاز على أعمالهم، فمن أنكر الإرادة أو ثبوت ~~حقه على العباد، أو أنكر المجازاة، فهو الدهري الفاقد لسلامة فطرته، لأنه ~~أفسد على نفسه مظنة الميل ms089 الفطري المودع في جبلته ونائبه وخليفته والمأخوذ ~~مكانه. # وإن شئت أن تعلم حقيقة هذا الميل، فاعلم أن في روح الإنسان لطيفة نورانية ~~تميل بطبعها إلى الله عز وجل ميل الحديد إلى المغناطيس، وهذا أمر مدرك ~~بالوجدان، فكل من أمعن في الفحص عن لطائف نفسه، وعرف كل لطيفة بحيالها لا ~~بد أن يدرك هذه اللطيفة النورانية، ويدرك ميلها بطبعها إلى الله تعالى، ~~ويسمى ذلك الميل عند أهل الوجدان بالمحبة الذاتية، مثله كمثل سائر ~~الوجدانيات لا يقتنص بالبراهين كجوع هذا الجائع وعطش هذا العطشان، فإذا كان ~~الإنسان في غاشية من أحكام لطائفه السفلية # كان بمنزلة من استعمل مخدرا في جسده، فلم يحس بالحرارة والبرودة فإذا ~~هدأت لطائفه السفلية عن المزاحمة إما بموت اضطراري يوجب تناثر كثير من ~~أجزاء نسمته ونقصان كثير من خواصها وقواها، أو بموت اختياري وتمسك حيل ~~عجيبة من الرياضات النفسانية والبدنية كان كمن زال المخدر عنه، فأدرك ما ~~كان عنده وهو لا يشعر به، فإذا مات الإنسان وهو غير مقبل على الله تعالى، ~~فإن كان عدم إقباله جهلا بسيطا، وفقدا ساذجا، فهو شقي بحسب # PageV01P131 # الكمال النوعي، وقد يكشف عليه بعض ما هنالك، ولا يتم الانكشاف لفقد ~~استعداده، فبقي حائرا مبهوتا، وإن كان ذلك مع قيام هيئة مضادة في قواه ~~العلمية أو العملية كان فيه تجاذب، فانجذبت النفس الناطقة إلى صقع الجبروت، ~~والنسمة بما كسبت من الهيئة المضادة إلى السفل، فكانت فيه وحشة ساطعة من ~~جوهر النفس منبسطة على جوهرها وربما أوجب ذلك تمثل واقعات هي أشباح الوحشة، ~~كما يرى الصفراوي في منامه النيران والشعل، وهذا أصل توجيه حكمة معرفة ~~النفس، وكان أيضا في تحديق غضب من الملأ الأعلى يوجب إلهامات في قلوب ~~الملائكة وغيرها من ذوات الاختيار أن تعذبه وتؤلمه وهذا أصل توجيه معرفة ~~أسباب الخطرات والدواعي الناشئة في نفوس بني آدم. # وبالجملة فالميل إلى صقيع الجبروت ووجوب العمل بما يفك وثاقه من مزاحمة ~~اللطائف السفلية المؤاخذة على ترك هذا العمل بمنزلة أحكام الصورة النوعية ~~وقواها وآثارها الفائضة في ms090 كل فرد من أفراد النوع من بارئ الصور ومفيض ~~الوجود وفق المصلحة الكلية لا باصطلاح البشر والتزامهم على أنفسهم وجريان ~~رسومهم بذلك فقط، وكل هذه الأعمال في الحقيقة حق هذه اللطيفة النورانية ~~المنجذبة إلى الله وتوفير مقتضاها واصلاح عوجها، ولما كان هذا المعنى دقيقا ~~وهذه اللطيفة لا تدركها إلا شرذمة # قليلة وجب أن ينسب الحق إلى ما إليه مالت وإياه قصدت ونحوه انتحت كان ذلك ~~تعيين لبعض قوى النفس التي مالت من جهته، وكأن ذلك اختصار قولنا حق هذه ~~اللطيفة من جهة ميلها إلى الله، فنزلت الشرائع الإلهية كاشفة عن هذا السر ~~بعبارة سهلة يفهمها البشر بعلومهم الفطرية، ويعطيها سنة الله من إنزال ~~المعاني الدقيقة في صور مناسبة لها بحسب النشأة المثالية، كما يتلقى واحد ~~منا في منامه معنى مجردا في صورة شيء ملازم له في العادة أو نظيره وشبهه، ~~فقيل العبادة حق الله تعالى على عباده، وعلى هذا ينبغي أن يقاس حق القرآن. ~~وحق الرسول، وحق المولى، وحق الوالدين، وحق الأرحام، فكل ذلك حق نفسه على ~~نفسه، لتكمل كمالها، ولا تقترف على نفسها جورا، ولكن نسب الحق إلى من معه ~~هذه المعاملة، ومنه المطالبة، فلا تكن من الواقعين على الظواهر، بل من ~~المحققين للأمر على ما هو عليه. # PageV01P132 ### | (باب تعظيم شعائر الله تعالى) # قال الله تعالى: # {ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} # اعلم أن مبنى الشرائع على تعظيم شعائر الله تعالى، والتقرب بها إليه ~~تعالى، وذلك لما أومأنا إليه من أن الطريقة التي نصبها الله تعالى للناس هي ~~محاكاة ما في صقع التجرد بأشياء يقرب تناولها للبهيمية، وأعني بالشعائر ~~أمورا ظاهرة محسوسة جعلت ليعبد الله بها، واختصت به حتى صار تعظيمها عندهم ~~تعظيما لله، والتفريط في جنبها تفريطا في جنب الله، وركز ذلك في صميم ~~قلوبهم لا يخرج منه إلا أن تقطع قلوبهم، والشعائر إنما تصير شعائر # بنهج طبيعي، وذلك أن تطمئن نفوسهم بعادة وخصلة، وتصير من المشهورات ~~الذائعة التي تلحق بالبديهيات الأولية، ولا تقبل التشكيك، فعند ms091 ذلك تظهر ~~رحمة الله في صورة أشياء تستوجبها نفوسهم وعلومهم الذائعة فيما بينهم، ~~فيقبلونها ويكشف الغطاء عن حقيقتها، وتبلغ الدعوة الأدانى والأقاصى على ~~السواء، فعند ذلك يكتب عليهم تعظيمها، ويكون الأمر بمنزلة الحالف باسم الله ~~يضمر في نفسه التفريط في حق الله إن حنث، فيؤاخذ بما يضمر، وكذلك هؤلاء ~~يشتهر فيما بينهم أمور تنقاد لها علومهم، فيوجب انقياد علومهم، لها ألا ~~تظهر رحمة الله بهم إلا فيما انقادوا له، إذ مبنى التدبير على الأسهل ~~فالأسهل، ويوجب أيضا أن يؤاخذوا أنفسهم بأقصى ما عندهم من التعظيم لأن ~~كمالهم هو التعظيم الذي لا يشوبه إهمال، وما أوجب الله تعالى شيئا على ~~عباده لفائدة ترجع إليه تعالى عن ذلك علوا كبيرا، بل لفائدة ترجع إليهم، ~~وكانوا بحيث لا يكملون إلا بالتعظيم الأقصى، فأخذوا بما عندهم، وأمروا ألا ~~يفرطوا في جنب الله، وليس المقصود بالذات في العناية التشريعية حال فرد بل ~~حال جماعة كأنها كل الناس، ولله الحجة البالغة. # ومعظم شعار الله أربعة: القرآن، والكعبة، والنبي، والصلاة. أما القرآن ~~فكان الناس شاع فيما بينهم رسائل الملوك إلى رعاياهم، وكان تعظيمهم للملوك ~~مساوقا لتعظيمهم للرسائل، وشاع صحف الأنبياء ومصنفات غيرهم، وكان تمذهبهم ~~لمذاهبهم مساوقا لتعظيم تلك الكتب وتلاوتها، وكان الانقياد للعلوم وتلقيها ~~على مر الدهور بدون كتاب يتلى، ويروى، كالمحال بادي الرأي، فاستوجب الناس ~~عند ذلك أن تظهر رحمة الله في صورة كتاب نازل من رب العالمين، ووجب تعظيمه، ~~فمنه أن يستمعوا # PageV01P133 # له، وينصتوا إذا قرئ، ومنه أن يبادروا لأوامره كسجدة التلاوة # وكالتسبيح عند الأمر بذلك، ومنه ألا يمسوا المصحف إلا على وضوء # وأما الكعبة فكان الناس في زمن إبراهيم عليه السلام توغلوا في بناء ~~المعابد والكنائس باسم روحانية الشمس وغيرها من الكواكب، وصار عندهم التوجه ~~إلى المجرد غير المحسوس بدون هيكل يبنى باسمه يكون الحلول فيه والتلبس به ~~تقربا منه أمرا محالا تدفعه عقولهم بادى الرأي، فاستوجب أهل ذلك الزمان أن ~~تظهر رحمة الله بهم في صورة بيت يطوفون به، ويتقربون به إلى الله، ms092 فدعوا ~~إلى البيت وتعظيمه، ثم نشأ قرن بعده قرن على علم أن تعظيمه مساوق لتعظيم ~~الله والتفريط في حقه مساوق للتفريط في حق الله، فعند ذلك وجب حجه، وأمروا ~~بتعظيمه، فمنه ألا يطوفوا إلا متطهرين، ومنه أن يستقبلوها في صلاتهم، ~~وكراهية استقبالها واستدبارها عند الغائط # وأما النبي فلم يسم مرسلا إلا تشبيها برسل الملوك إلى رعاياهم مخبر ين ~~بأمرهم ونهيهم، ولم يوجب عليهم طاعتهم إلا بعد مساوقة تعظيمهم لتعظيم ~~المرسل عندهم، فمن تعظيم النبي وجوب طاعته، والصلاة عليه، وترك الجهر عليه ~~بالقول. # وأما الصلاة فيقصد فيها التشبيه بحال عبيد الملك عند مثولهم بين يديه ~~ومناجاتهم إياه وخضوعهم له، ولذلك وجب تقديم الثناء على الدعاء ومؤاخذة ~~الإنسان نفسه بالهيآت التي يجب مراعاتها عند مناجاة الملوك من ضم الأطراف ~~وترك الالتفات وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا أحدكم صلى فإن الله قبل ~~وجهه " والله أعلم. ### | (باب أسرار الوضوء والغسل) # اعلم أن الإنسان قد يختطف من ظلمات الطبيعة إلى أنوار حظيرة القدس فيغلب ~~عليه تلك الأنوار ويصير ساعة ما بريئا من أحكام الطبيعة بوجه من الوجوه، ~~فينسلك في سلكهم، ويصير فيما يرجع إلى تجريد النفس كأنه منهم، ثم يرد إلى ~~حيث كان، فيشتاق إلى ما يناسب الحالة الأولى، ليغتنمه عند فقدها، ويجعله ~~شركا لاقتناص الفائت منها، فيجد بهذه الصفة حالة من أحواله وهي السرور ~~والانشراح الحاصل من هجر الرجز واستعمال المطهرات، فيعض عليها بنواجذه، ~~ويتلوه إنسان سمع المخبر الصادق يخبر بأن هذه الحالة # PageV01P134 # كمال الإنسان، وأنه ارتضاها منه بارئه وأن فيها فوائد لا تحصى، فصدقه ~~بشهادة قلبه، ففعل ما أمر به، فوجد ما أخبر به حقا، وفتحت عليه أبواب ~~الرحمة وانصبغ بصبغ الملائكة، ويتلوه رجل لا يعلم شيئا من ذلك لكن قاده ~~الأنبياء وألجأوه إلى هيآت تعدله في معاده للإنسلاك في سلك الملائكة، ~~وأولئك قوم جروا بالسلاسل إلى الجنة. # والحدث الذي يحس أثره في النفس بادي الرأي، والذي يليق أن يخاطب به جمهور ~~الناس لانضباط مظانه، والذي يكثر وقوع مثله، وفي إهمال ms093 تعليمه ضرر عظيم ~~بالناس - منحصر استقراء في جنسين: # أحدهما اشتغال النفس بما يجد الإنسان في معدته من الفضول الثلاثة الريح ~~والبول والغائط، فليس من البشر أحد إلا ويعلم من نفسه أنه إذا وجد في بطنه ~~الرياح، أو كان حاقبل حاقنا خبثت نفسه، فأخذت إلى الأرض، وصارت كالحائرة ~~المنقبضة، وكان بينها وبين انشراحها حجاب، فإذا اندفعت عنه الرياح، وتخفف ~~عنه الاخبثان، واستعمل ما ينبه نفسه # للطهارة كالغسل والوضوء، وجد انشراحا وسرورا، وصار كأنه وجد ما فقد. # والثاني اشتغال النفس بشهوة الجماع وغوصها فيها، فإن ذلك يصرف وجه النفس ~~إلى الطبيعة البهيمة بالكلية، حتى إن البهائم إذا ارتضيت، ومرنت على الآداب ~~المطلوبة، والجوارح إذا ذللت بالجوع والسهر، وعلمت إمساك الصيد على صاحبها، ~~والطيور إذا كلفت بمحاكاة كلام الناس، وبالجملة كل حيوان أفرغ الجهد في ~~إزالة ماله من طبيعته واكتساب مالا تقتضيه طبيعته، ثم قضى هذا الحيوان شهوة ~~فرجه وعافس الإناس، وغاص في تلك اللذة أياما لا بد أن تنسى ما اكتسبه، ورجع ~~إلى عمه وجهل وضلال، ومن تأمل في ذلك علم لا محالة أن قضاء هذه الشهوة يؤثر ~~في تلويث النفس مالا يؤثره شيء من كثرة الأكل والمغامرة وسائر ما يميل ~~النفس إلى الطبيعة البهيمية، وليجرب الإنسان ذلك من نفسه، وليرجع إلى ما ~~ذكره الاطباء في تدبير الرهبان المنقطعين إذا أريد إرجاعهم إلى البهيمية. # والطهارة التي يحس أثرها بادي الرأي، والتي يليق أن يخاطب بها جمهور ~~الناس لكثرة وجوج آلتها في الإقاليم المعمورة أعنى الماء وانضباط أمرها، ~~والتي هي أوقع الطهارات في نفوس البشر وكالمسلمات المشهورة بينهم مع كونها ~~كالمذهب الطبيعي - تنحصر بالاستقراء في جنسين: صغرى وكبرى. # PageV01P135 # أما الكبرى فتععيم البدن بالغسل والدك، إذ الماء طهور مزيل للنجاسات قد ~~سلمت الطقد سلمت الطبائغ منه ذلك، فهي آلة صالحة لتنبيه النفس على خلة ~~الطهارة، ورب إنسان شرب الخمر، وثمل، وغلب السكر على طبيعة، ثم فرط منه شيء ~~من قتل بغير حق، أو إضاعة مال في غاية النفاسة، # فتنبهت نفسه دفعة، وعقلت، وكشفت عنها ms094 الثمالة، ورب إنسان ضعيف لا يستطيع ~~أن ينهض، ولا أن يباشر شيئا فاتفقت واقعة تنبه النفس تنبيها قويا من عروض ~~غضب أو حمية أو منافسة، فعالج معالجة شديدة، وسفك سفكا بليغا. # وبالجملة فللنفس انتقال دفعي، وتنبه من خصلة إلى خصلة هو العمدة في ~~المعالجات النفسانية، وإنما يحصل هذا التنبه بماركز في صميم طبائعهم وجذر ~~نفوسهم أنه طهارة بليغة، وما ذلك إلا الماء. # والصغرى الاقتصار على غسل الأطراف، وذلك لأنها مواضع جرت العادة في ~~الأقاليم الصالحة بانكشافها، وخروجها من اللباس لمذهب طبيعى إليه وقعت ~~الإشارة حيث نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اشتمال الصماء، فلا يتحقق حرج ~~في غسلها، وليس ذلك في سائر الأعضاء، وأيضا جرت العادة في أهل الحضر ~~بتنظيفها كل يوم، وعند الدخول على الملوك وأشباههم، وعند قصد الأعمال ~~النظيفة، وفقه ذلك أنها ظاهرة تسرع إليها الأوساخ، وهي التي ترى، وتبصر عند ~~ملاقاة الناس بعضهم لبعض، وأيضا التجربة شاهدة بأن غسل الأطراف، ورش الماء ~~على الوجه والرأس، ينبه النفس من نحو النوم والغشى المثقل تنبيها قويا، ~~وليرجع الإنسان في ذلك إلى ما عنده من التجربة والعلم، وإلى ما أمر به ~~الأطباء في تدبير من غشى عليه أو أفرط به الإسهال والفصد. # والطهارة باب من أبواب الارتفاق الثاني الذي يتوقف كمال الإنسان عليه، ~~وصار من جبلتهم، وفيها قرب من الملائكة، وبعد من الشياطين، وتدفع عذاب ~~القبر، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " أستنزهوا من البول # فإن عامة عذاب القبر منه " ولها مدخل عظيم في قبول النفس لون الإحسان وهو ~~قوله تعالى: # {ويحب المتطهرين} # وإذا استقرت في النفس وتمكنت منها تقررت فيها شعبة من نور الملائكة، ~~وانقهرت شعبة من ظلمة البهيمية وهو معنى كتابة الحسنات وتكفير الخطايا، ~~وإذا جعلت # PageV01P136 # رسما نفعت من غوائل الرسوم، وإذا حافظ صاحبها على ما فيها من هيآت يؤاخذ ~~الناس بها أنفسهم عند الدخول على الملوك وعلى النية المستصحبة والاذكار ~~نفعت من سوء المعرفة، وإذا عقل الإنسان أن هذه كماله، فآداب جوارحه حسبما ~~عقل من غير ms095 داعية حسية وأكثر من ذلك - كانت تمرينا على انقياد الطبيعة ~~للعقل والله أعلم. ### | (باب أسرار الصلاة) # اعلم أن الإنسان قد يختطف إلى الحظيرة المقدسة، فيلتصق بجناب الله تعالى ~~أتم لصوق، وينزل عليه من هنالك التجليات المقدسة، فتغلب على النفس ويشاهد ~~هنالك ما لا يقدر اللسان على وصفه، ثم يرد إلى حيث كان، فلا يقر به القرار، ~~فيعالج نفسه بحالة هي أقرب الحالات السفلية من استغراق النفس في معرفة ~~بارئها، ويتخذها شركا لاقتناص ما فاته منها، وتلك الحالة هي التعظيم ~~والخضوع والمناجاة في ضمن أفعال وأقوال بنيت لذلك، ويتلوه رجل سمع المخبر ~~الصادق يدعوه إلى هذه الحالة، ويرغب فيها، فصدقه بشهادة قلبه ففعل، ووجد ما ~~وعد به حقا، وارتقى إلى ما يرجوه، ثم يتلوه رجل ألجأه الأنبياء إلى ~~الصلوات، وهو لا يعلم بمنزلة الوالد يحبس أولاده على تعليم الصناعات ~~النافعة، وهم كارهون، وربما يسأل الإنسان من # ربه دفع بلاء أو ظهور نعمة، فيكون الأقرب حينئذ الاستغراق في أفعال ~~وأقوال تعظيمية لتؤثر همته التي هي روح السؤال، وذلك ما سن من صلاة ~~الاستسقاء. # وأصل الصلاة ثلاثة أشياء. # أن يخضع القلب عند ملاحظة جلال الله وعظمته، ويعبر اللسان عن تلك العظمة، ~~وذلك الخضوع أفصح عبارة. # وأن يؤدب الجوارح حسب ذلك الخضوع قال القائل. # (أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا) # ومن الأفعال التعظيمية أن يقوم بين يديه مناجيا، ويقبل عليه مواجها، وأشد ~~من ذلك أن يستشعر ذله وعزة ربه، فينكس رأسه إذ من الأمر المجبول في قاطبة ~~البشر والبهائم أن رفع العنق آية التيه والتكبر، وتنكيسه آية الخضوع ~~والاخبات، وهو قوله تعالى: # PageV01P137 # {فظلت أعناقهم لها خاضعين} # وأشد من ذلك أن يعفر وجهه الذي هو أشرف أعضائه ومجمع حواسه بين يديه، ~~فتلك التعظيمات الثلاثة الفعلية شائعة في طوائف البشر لا يزالون يفعلونها ~~في صلواتهم وعند ملوكهم وأمرائهم، وأحسن الصلاة ما كان جامعا بين الأوضاع ~~الثلاثة مترقيا من الأدنى إلى الأعلى؛ ليحصل الترقي في استشعار الخضوع ~~والتذلل، وفي الترقي من الفائدة ما ليس في ms096 أفراد التعظيم الأقصى، ولا في ~~الانحطاط من الأعلى إلى الأدنى. # وإنما جعلت الصلاة أم الأعمال المقربة دون الفكر في عظمة الله، ودون ~~الذكر الدائم؛ لأن الفكر الصحيح فيها لا يتأتى إلا من قوم عالية نفوسهم، ~~وقليل ما هم، وسوى أولئك لو خاضوا فيه تبلدوا، وأبطلوا # رأس مالهم فضلا عن فائدة أخرى، والذكر بدون أن يشرحه ويعضده عمل تعظيمي ~~يعمله بجوارحه، ويعنوا في آدابها. لقلقة خالية عن الفائدة في حق الاكثرين. # أما الصلاة فهي المعجون المركب من الفكر المصروف تلقاء عظمة الله بالقصد ~~الثاني، والالتفات التبعي المتأتي من كل واحد، ولا حجر لصاحب استعداد الخوض ~~في لجة الشهود أن يخوض، بل ذلك منبه له أتم تنبيه، ومن الأدعية المبينة ~~إخلاص عمله لله وتوجيه وجهه تلقاء الله وقصر الاستعانة في الله، ومن أفعال ~~تعظيمية كالسجود والركوع يصير كل واحد عضد الآخر ومكمله والمنبه عليه، ~~فصارت نافعة لعامة الناس وخاصتهم، تريافا قوى الأثر ليكون لكل إنسان منه ما ~~استوجبه أصل استعداده، والصلاة معراج المؤمن معدة للتجليات الأخروية، وهو ~~قوله صلى الله عليه وسلم: " إنكم سترون ربكم فإذا استطعتم ألا تغلبوا على ~~صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا " وسبب عظيم لمحبة الله ورحمته ~~وهو قوله صلى الله عليه وسلم. " أعني على نفسك بكثرة السجود " وحكايته ~~تعالى عن أهل النار # {ولم نك من المصلين} # وإذا تمكنت من العبد اضمحل في نور الله، وكفرت عنه خطاياه # PageV01P138 # {إن الحسنات يذهبن السيئات} # ولا شيء أنفع من سوء المعرفة منها لا سيما إذا فعلت أفعالها وأقوالها على ~~حضور القلب والنية الصالحة، وإذا جعلت رسما مشهورا انفعت من غوائل الرسم ~~نفعا بينا، وصارت شعار للمسلم يتميز به من الكافر، وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم # :: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر " ولا شيء في ~~تمرين النفس على انقياد الطبيعة للعقل وجريانها في حكمة مثل الصلاة والله ~~اعلم. ### | (باب أسرار الزكاة) # اعلم أن المسكين إذا عنت له حاجة، وتضرع إلى الله فيها بلسان المقال أو ~~الحال - قرع ms097 تضرعه باب الجود الالهي، وربما تكون المصلحة أن يلهم في قلب ~~زكي أن يقوم بسد خلته، فاذا تغشاه الالهام، وانبعث، وفقه رضي الله عنه، ~~وأفاض عليه البركات من فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله، وصار مرحوما. # وسألني مسكين ذات يوم في حاجة اضطر فيها، فأوجست في قلبي إلهاما يأمرني ~~بالاعطاء، ويبشرني بأجر جزيل في الدنيا والآخرة، فأعطيت، وشاهدت ما وعدني ~~ربي حقا، وكان قرعه لباب الجود وانبعاث الالهام واختياره لقلبي يومئذ ظهور ~~الأجر كل ذلك " بمرأى مني ". # وربما كان الانفاق في مصرف مظنة لرحمة إلهية، كما إذا انعقدت داعية في ~~الملأ الأعلى بتنويه ملة، فصار كل من يتعرض لتمشيته أمرها مرحوما، وتكون ~~تمشيته يومئذ في الانفاق كغزوة العسرة، وكما إذا كان أيام قحط، وتكون أمة ~~هي أحوج خلق الله، ويكون المراد إحياءهم. # وبالجملة فيأخذ المخبر الصادق من هذه المظنة كلية فيقول: " من تصدق على ~~فقير - كذا وكذا أو في حالة كذا وكذا - تقبل منه عمله " فيسمعه سامع، ~~وينقاد لحكمه بشهاده قلبه، فيجد ما وعد حقا. # وربما تفطنت النفس بأن حب الأموال والشح بها يضره، ويصده عما هو بسبيله، ~~فيتأذى منه أشد تأذ، ولا يتمكن من دفعه إلا بتمرين على إنفاق أحب ما عنده، ~~فصار الانفاق في حقه أنفع شيء، ولولا الانفاق # لبقي الحب والشح كما هو، فيتمثل في المعاد شجاعا أقرع، أو تمثلت الأموال ~~ضارة في حقه وهو # PageV01P139 # حديث " بطح لها بقاع قرقر " وقوله تعالى: # {والذين يكنزون الذهب والفضة} # وربما يكون العبد قد أحيط به، وقضى بهلاكه في عالم المثال، فاندفع إلى ~~بذل أموال خطيرة، وتضرع إلى الله هو وناس من المرحومين، فمحا هلاكه بنفسه ~~باهلاك ماله، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يرد القضاء إلا الدعاء، ~~ولا يزيد في العمر إلا البر ". # وربما يفرط من الإنسان أن يعمل عملا شريرا بحكم غلبة الطبيعة، ثم يطلع ~~على قبحه، فيندم، ثم تغلب عليه الطبيعة، فيعود له، فتكون الحكمة في معالجة ~~هذه النفس أن تلزم بذل مال خطير غرامة على ms098 ما فعل؛ ليكون ذلك بين عينيه، ~~فيردعه عما يقصد. # وربما يكون حسن الخلق والمحافظة على نظام العشيرة منحصرا في إطعام طعام ~~وإفشاء سلام وأنواع من المواساة، فيؤمر بها، وتعد صدقة، والزكاة تزيد في ~~البركة، وتطفئ الغضب بجلبها فيضا من الرحمة، وتدفع عذاب الآخرة المترتب على ~~الشح، وتعطف دعوة الملأ الأعلى المصلحين في الأرض على هذا العبد والله ~~أعلم. ### | (باب أسرار الصوم) # اعلم أنه ربما يتفطن الإنسان من قبل إلهام الحق إياه أن سورة الطبيعة # البهيمية تصده عما هو كماله من انقيادها للملكية، فيبغضها، ويطلب كسر ~~سورتها، فلا يجد ما يغيثه في ذلك، كالجوع والعطش، وترك الجماع والأخذ على ~~لسانه وقلبه وجوارحه، ويتمسك بذلك علاجا لمرضه النفساني، ويتلوه من يأخذ ~~ذلك عن المخبر الصادق بشهادة قلبه، ثم الذي يقوده الأنبياء شفقة عليه، وهو ~~لا يعلم، فيجد فائدة ذلك في المعاد من انكسار السورة # وربما يطلع الإنسان على أن انقياد الطبيعة للعقل كمال له، وتكون طبيعته ~~باغية تنقاد تارة، ولا تنقاد أخرى، فيحتاج إلى تمرين، فيعمد إلى عمل شاق ~~كالصوم، فيكلف طبيعته، ويلتزم وفاء العهد، ثم، وثم حتى يحصل الأمر المطلوب. # وربما يفرط منه ذنب، فيلتزم صوم أيام كثيرة يشق عليه بإزاء الذنب، ليردعه ~~عن العود في مثله. # وربما تاقت نفسه إلى النساء، ولا يجد طولا، ويخاف العنت، فيكسر شهوته # PageV01P140 # بالصوم، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " فإن الصوم له وجاء ". # والصوم حسنة عظيمة يقوى الملكية، ويضعف البهيمية، ولا شيء مثله في صيقلة ~~وجه الروح وقهر الطبيعة، ولذلك قال الله تعالى: " الصوم لي وأنا أجزى به "، ~~ويكفر الخطايا بقدر ما اضمحل من سورة البهيمية، ويحصل به تشبه عظيم ~~بالملائكة، فيحبونه، فيكون متعلق الحب أثر ضعف البهيمية، وهو قوله صلى الله ~~عليه وسلم: " لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " وإذا جعل رسما ~~مشهورا نفع عن غوائل الرسوم وإذا التزمه أمة من الأمم سلسلت شياطينها، ~~وفتحت أبواب جنانها، وغلقت أبواب النيران عنها. # والإنسان إذا سعى في قهر النفس وإزالة رذائلها كانت ms099 لعملة صورة تقديسية ~~في المثال، ومن أزكياء العارفين من يتوجه إلى هذه الصورة، فيمد من الغيب في ~~علمه، فيصل إلى الذات من قبل التنزيه والتقديس، وهو معنى قوله صلى الله ~~عليه وسلم: " الصوم لي وأنا أجزى به ". # وربما يتفطن الإنسان بضرر توغله في معاشه وامتلاء حواسه مما يدخل عليه من ~~خارج، وينفع التفرغ للعبادة في مسجد بني للصلوات، فلا يمكنه إدامة ذلك، وما ~~لا يدرك كله لا يترك كله، فيختطف من أحواله فرصا، فيعتكف ما قدر له، ويتلوه ~~المتلقي له من المخبر الصادق بشهادة قلبه، والعامي المغلوب عليه كما مر. # وربما يصوم ولا يستطيع تنزيه لسانه إلا بالاعتكاف. # وربما يطلب ليلة القدر واللصوق بالملائكة فيها، فلا يتمكن منها إلا ~~بالاعتكاف ويسأتيك معنى ليلة القدر والله أعلم. ### | (باب أسرار الحج) # اعلم أن حقيقة الحج اجتماع جماعة عظيمة من الصالحين في زمان يذكر حال ~~المنعم عليهم من الأنبياء والصديقين، والشهداء والصالحين، ومكان فيه آيات ~~بينات، قد قصده جماعات من أئمة الدين معظمين لشعائر الله ومتضرعين راغبين ~~وراجين من الله الخير وتكفير الخطايا، فإن الهمم إذا اجتمعت بهذه الكيفية ~~لا يتخلف عنها نزول الرحمة والمغفرة، وهو # PageV01P141 # قوله صلى الله عليه وسلم: " ما رؤى الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ~~ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة " الحديث. # وأصل الحج موجود في كل أمة لا بد لهم من موضع يتبركون به لما رأوا من ~~ظهور آيات الله فيه، ومن قرابين وهيآت مأثورة عن أسلافهم يلتزمونها بها؛ ~~لانها تذكر المقربين وما كانوا فيه. # وأحق ما يحج إليه بيت الله، فيه آيات بينات، بناه إبراهيم صلوات الله ~~عليه المشهود له بالخير على ألسنة أكثر الأمم بأمر الله ووحيه بعد أن كانت ~~الأرض قفرا وعرا، إذ ليس غيره محجوج إلا وفيه إشراك أو اختراع ما لا أصل ~~له. # ومن باب الطهارة النفسانية الحلول بموضع لم يزل الصالحون يعظمونه، ويحلون ~~فيه، ويعمرونه بذكر الله، فإن ذلك يجلب تعلق همم الملائكة السفلية، ويعطف ~~عليه دعوة الملأ الأعلى ms100 الكلية لأهل الخير، فإذا حل به غلب ألوانهم على ~~نفسه، " وقد شاهدت ذلك رأي عين ". # ومن باب ذكر الله تعالى رؤية شعائر الله وتعظيمها، فإنها إذا رؤيت ذكر ~~الله كما يذكر الملزوم اللازام لا سيما عند التزام هيآت تعظيمه وقيود وحدود ~~تنبه النفس تنبيها عظيما. # وربما يشتاق الإنسان إلى ربه أشد شوق، فيحتاج إلى شيء يقضي به شوقه فلا ~~يجد إلا الحج. # وكما أن الدولة تحتاج إلى عرضة بعد كل مدة؛ ليتميز الناصح من الغاش ~~والمنقاد من المتمرد، وليرتفع الصيت، وتعلو الكلمة، ويتعارف أهلها فيما ~~بينهم، فكذلك الملة تحتاج إلى حج ليتميز الموفق من المنافق، # وليظهر دخول الناس في دين الله أفواجا، وليرى بعضهم بعضا، فيستفيد كل ~~واحد ما ليس عنده، إذ الرغائب إنما تكتسب بالمصاحبة والترائي. # وإذا جعل الحج رسما مشهورا نفع من غوائل الرسوم، ولا شيء مثله في تذكر ~~الحالة التي كان فيها أئمة الملة والتحضيض على الأخذ بها. # ولما كان الحج سفرا شائعا وعملا شاقا لا يتم إلا بجهد الأنفس كان مباشرته ~~خالصة لله مكفرا للخطايا هادما لما قبله بمنزلة الإيمان. # PageV01P142 ### | (باب أسرار انواع من البر) # منها الذكر فإنه لا حجاب بينه وبين الله تعالى، ولا شيء مثله في علاج سوء ~~المعرفة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " ألا أنبئكم بأفضل أعمالكم " ~~الحديث وفي كسب المحاضرة، وطرد القسوة لا سيما لمن ضعفت بهيميته جبلة أو ~~ضعفت كسبا، ولمن سكت خياله جبلة عن خلط المجرد بأحكام المحسوس. # ومنها الدعاء فإنه يفتح بابا عظيما من المحاضرة، ويجعل الانقياد التام ~~والاحتياج إلى رب العالمين في جميع الحالات بين عينيه، وهو قوله صلى الله ~~عليه وسلم: " الدعاء مخ العبادة " وهو شبح توجه النفس إلى المبدأ بصفة ~~الطلب الذي هو السر في جلب الشيء المدعو إليه. # ومنها تلاوة القرآن واستماع المواعظ، فمن ألقى السمع إلى ذلك، ومكنه من ~~اتصبغ بحالات الخوف والرجاء والحيرة في عظمة الله والاستغراق في منة الله ~~وغيرها، فينفع من خمود الطبيعة نفعا بينا، ويعد النفس لفيضان ألوان ما ms101 ~~فوقها، ولذلك كان أنفع شيء في المعاد، وهو قول الملك للمقبور: # " لا دريت ولا تليت " وفي القرآن تطهير للنفس عن الهيآت السفلية، وهو ~~قوله صلى الله عليه وسلم: " لكل شيء مصقلة ومصقلة القلب تلاوة القرآن " # ومنها صلة الارحام والجيران وحسن المعاشرة مع أهل القرية وأهل الملة وفك ~~العاني بالاعتاق، فإن ذلك يعد لنزول الرحمة والطمأنينة، وبها يتم نظام ~~الارتفاق الثاني والثالث، وبها يستجلب دعوة الملائكة. # ومنها الجهاد وذلك أن يلعن الحق إنسانا فاسقا ضارا بالجمهور، إعدامه أوفق ~~بالمصلحة الكلية من إبقائه، فيظهر الإلهام في قلب رجل زكي؛ ليقتله، فينبجس ~~من قلبه غضب ليس له سبب طبيعي، ويكون فانيا عن مراده باقيا بمراد الحق، ~~ويضمحل في رحمة الله ونوره، وينتفع العباد والبلاد بذلك، ويتلوه أن يقضي ~~الله بزوال دولة مدن جائرة كفروا بالله، وأساءوا السيرة، فيؤمر نبي من ~~أنبياء الله بمجاهدتهم، فينفخ داعية الجهاد في قلوب قومه، ليكون أمة أخرجت ~~للناس، وتشمله الرحمة الإلهية، ويتلوه أن يطلع قوم بالرأي الكلي على حسن أن ~~يذبوا أنفسا سبعية عن المظلومين وإقامة الحدود على العصاة والنهي عن ~~المنكر، فيكون سببا لأمن العباد وطمأنينتهم، فيشكر الله له عمله. # PageV01P143 # ومنها تقريبات ترد على البشر من غير اختياره كالمصائب والأمراض، فتعد من ~~باب البر لمعان: # منها أن الرحمة إذا توجهت إلى عبد بصلاح عمله، واقتضت الأسباب التضيق ~~عليه انصرفت إلى تكميل نفسه، فكفرت خطاياه، وكتبت له # الحسنات، كما إذا صد نبع الماء نبع الماء من فوقه ومن تحته، فينسب ~~الإجراء إلى ذلك التضيق، والسر في المحافظة على الخير النسبي. # ومنها أن المؤمن إذا اشتدت به المصائب ضاقت عليه الأرض بما رحبت، فانكسر ~~حجاب الطبع والرسم، وانقلع قلبه إلا عن الله، أما الكافر، فلا يزال يتذكر ~~الفائت، ويغوص في الحياة الدنيا حتى يصير أخبث منه قبل أن يصيبه ما أصاب. # ومنها أن حامل السيآت المتحجرة إنما هو البهيمية الغليظة الكثيفة، فإذا ~~مرض وضعف، وتحلل منه أكثر مما يدخل فيه اضمحل كثير من الحامل، وانتقص بقدر ~~ذلك المحمول، كما ms102 نرى أن المريض يزول شبقه وغضبه، وتبدل أخلاقه، وينسى ~~كثيرا مما كان فيه كأنه ليس الذي كان. # ومنها أن المؤمن إذا انفكت بهيميته عن ملكيته نوع انفكاك أخذ على سيآته ~~في الدنيا غالبا، وذلك حديث " نصيب المؤمن من العذاب نصب الدنيا " " والله ~~اعلم. ### | (باب طبقات الاثم) # اعلم أنه كما أن لانقياد البهيمية للملكية أعمالا هي أشباحه ومظانه ~~والسنن الكاسبة له، فكذلك للحالة المضادة لإنقياد كل المضادة أعمال ومظان ~~وكواسب، وهي الآثام، وهي على مراتب، # المرتبة الأولى: أن ينسد سبيله إلى الكمال المطلوب رأسا، ومعظم ذلك في ~~نوعين: # أحدهما: ما يرجع إلى المبدأ بألا يعرف أن له ربا، أو يعرف متصفا بصفات ~~المخلوقين، أو يعتقد في مخلوق شيء من صفات الله: فالثاني التشبيه، والثالث ~~الإشراك، فإن النفس لا تقدس أبدا حتى تجعل مطمح بصيرتها # التجرد الفوقاني، والتدبير العام المحيط بالعالم، فإذا فقدت هذه بقيت ~~مشغولة بنفسها، أو بما هو مثل نفسها في التقيد كل الشغل لا يقدح حجاب ~~النكرة، ولا موضع أبرة، فهذا هو البلاء كل البلاء. # PageV01P144 # والثاني أن يعتقد أن ليس للنفس نشأة غير النشأة الجسدية، وأنه ليس لها ~~كمال آخر يجب عليها طلبه، فإن النفس إذا أضمرت ذلك لم يطمح بصرها إلى ~~الكمال أصلا. # ولما كان القول بإثبات كمال غير كمال الجسد لا يتأتى من الجمهور إلا ~~بتصور حالة تباين الحالة الحاضرة من كل وجه، ولولا ذلك لتعارض الكمال ~~المعقول والمحسوس، فمال إلى المحسوس، وأهمل المعقول نصب له مظنة هو الإيمان ~~بلقاء الله واليوم الآخر وهو قوله تعالى: # {فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون} # وبالجملة فإذا كان الإنسان في هذه المرتبة من الإثم، فمات، واضمحلت ~~بهيميته، وشحت عليه المنافرة من فوقه كل المنافرة بحيث لا يجد سبيلا إلى ~~الخلاص أبدا. # والمرتبة الثانية أن يتكبر بكبره البهيمي على ما نصبه الله تعالى لوصول ~~الناس إلى كمالهم، وقصدت الملأ الأعلى بأقصى هممها إشاعة أمره وتنويه شأنه ~~من الرسل والشرائع، فينكرها، ويعاديها، فإذا مات انعطف جميع هممهم منافرة ~~له، ومؤذية ms103 إياه، وأحاطت به خطيئته من حيث لم يجد للخروج منه سبيلا، على ~~أنه لا ينفك هذه الحالة من عدم الوصول إلى كماله، أو الوصل الذي لا يعتد ~~به، وهذه المرتبة تخرج الإنسان من ملة نبيه في جميع الشرائع. # والمرتبة الثالثة ترك ما ينجيه، وفعل ما انعقد في الذكر اللعن على فاعله، ~~من جهة كونه مظنة غالبا لفساد كبير في الأرض، وهيئة مضادة لتهذيب النفس. # فمنها ألا يفعل من الشرائع الكاسبة للانقياد، أو المهيئة له ما يعتد به، ~~ويختلف باختلاف النفوس إلا أن المنغمسة في الهيئات البهيمية الضعيفة أحوج ~~الناس إلى إكثارها، والأمم التي بهيميتها أشد وأغلظ أحوج الناس إلى إكثار ~~الشاق منها. # ومنها أعمال سبعية تستجلب لعنا عظيما كالقتل. # ومنها أعمال شهوية، ومنها مكاسب ضارة كالقمار والربا. # وفي كل شيء من هذه المذكورات ثلمة عظيمة في النفس من جهة الاقدام على ~~خلاف السنة اللازمة كما ذكرنا، ولعن من الملأ الأعلى يحيط به، فبمجموع ~~الأمرين # PageV01P145 # يحصل العذاب، وهذه المرتبة أعظم الكبائر قد انعقد في حظيرة القدس ~~تحريمها، ولعن صاحبها، ولم يزل الأنبياء يترجمون ما انعقد هنالك، وأكثرها ~~مجمع عليه في الشرائع. # المرتبة الرابعة معصية الشرائع والمناهج المختلفة باختلاف الأمم والأعصار ~~وذلك أن الله تعالى إذا بعث نبيا إلى قوم؛ ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ~~وليقيم عوجهم؛ وليسوسهم أحسن السياسة - كان بعثه متضمنا لإيجاب ما لا يمكن ~~إقامة عوجهم وسياستهم إلا به، فلكل مقصد مظنة أكثرية أو دائمة يجب أن ~~يؤاخذوا عليها، ويخاطبوا بها، وللتوقيت قوانين توجبه، ورب أمر يكون داعيا ~~إلى مفسدة أو مصلحة فيؤمرون حسبما يدعون إليه، ومن ذلك ما هو مأمور أو منهي ~~عنه حتما، ومنه ما هو مأمور أو منهي عنه من غير عزم " واقل ذلك ما نزل به ~~الوحي الظاهر، وأكثره مالا يثبته إلا اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم. # المرتبة الخامسة ما لم ينص عليه الشارع ولم ينعقد في الملأ الأعلى حكمه ~~لكن توجه عبد إلى الله بمجامع همته فاعتراه شيء يظنه ممنوعا عنه، أو مأمورا ms104 ~~به من قبل قياس، أو تخريج، أو نحو ذلك، كما يظهر للعوام تأثير بعض الأدوية ~~من قبل تجربة ناقصة أو دوران حكم الطبيب الحاذق على علة، ولا يعلمون وجه ~~التأثير، ولا ينص عليه الطبيب، فلا يخرج مثل هذا الإنسان من العهدة حتى ~~يأخذ بالاحتياط، وإلا كان بينه وبين ربه حجاب فيما يظن فيؤاخذ بظنه. # وأصل المرضى في هذه المرتبة أن يهمل أمرها، ولا يلتفت إليها، غير أن في ~~الوجود أنفا يستوجبون ذلك فيوفر عليهم الجواد ما استوجبوه وفيها قوله ~~تعالى: " أنا عند ظن عبدي بي " وقوله تعالى في القرآن العظيم: # {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله} # وقوله صلى الله عليه وسلم: " لا تشددوا فيشدد الله عليكم " وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: " الإثم ما حاك في صدرك " ويلحق بها معصية حكم مجتهد فيه ~~إذا كان مقلدا مجمعا تقليد من يرى ذلك و، الله أعلم. ### | (باب مفاسد الآثام) # واعلم أن الكبيرة والصغيرة تطلقان باعتبارين: أحدهما بحسب حكمة البر ~~والإثم، وثانيهما بحسب الشرائع والمناهج المختصة بعصر دون عصر. # أما الكبيرة بحسب حكمة البر والإثم، فهي ذنب يوجب العذاب في القبر وفي # PageV01P146 # المحشر إيجابا قويا، ويفسد الارتفاقات الصالحة إفسادا قويا، ويكون من ~~الفطرة على الطرف المخالف جدا. # والصغيرة ما كان مظنة لبعض ذلك، أو مفضيا إليه في الأكثر أو يوجب بعض ذلك ~~من وجه، ولا يوجبه من وجه، كمن ينفق في سبيل الله، وأهله جياع، فيدفع رذيلة ~~البخل، ويفسد تدبير المنزل. # وأما بحسب الشرائع الخاصة، فما نصت الشريعة على تحريمه أو أو عد الشارع ~~عليه بالنار، أو شرع عليه حدا، أو سمى مرتكبة كافرا خارجا من الملة إبانة ~~لقبحه وتغليظا لأمره، فهو كبيرة، وربما يكون شيء صغيرة # بحسب حكمة البر والإثم، كبيرة بحسب الشريعة، وذلك أن الملة الجاهلية ربما ~~ارتكبت شيئا حتى فشا الرسم به فيهم لا يخرج منهم إلا أن تتقطع قلوبهم، ثم ~~جاء الشرع ناهيا عنه، فحصل منهم لجاج ومكابرة، وحصل من الشرع تغليظ وتهديد ~~بحسب ذلك حتى صار ms105 ارتكابها كالمناوأة الشديدة للملة، ولا يتأتى الإقدام علي ~~مثله إلا من كل مارد متمرد لا يستحي من الله ولا من الناس، فكتب كبيرة عند ~~ذلك. # وبالجملة فنحن نؤخر الكلام في الكبائر بحسب الشريعة إلى القسم الثاني من ~~هذا الكتاب لأن ذلك موضعه، وننبه على مفاسد الكبائر بحسب حكمة البر والاثم ~~ههنا كما فعلنا في أنواع البر نحوا من ذلك. # وقد اختلف الناس في الكبيرة إذا مات العاصي عليها، ولم يتب هل يجوز أن ~~يعفو الله عنه أولا؟ وجاء كل فرقة بأدلة من الكتاب والسنة، وحل الاختلاف ~~عندي أن أفعال الله تعالى على وجهين: منها الجارية على العادة المستمرة، ~~ومنها الخارقة للعادة، والقضايا التي يتكلم بها الناس موجهة بجهتين: ~~إحداهما في العادة: والثانية مطلقا، وشرط التناقض اتحاد الجهة مثل ما قرره ~~المنطقيون في القضايا الموجهة، وقد تحذف الجهة فيجب اتباع القرائن، فقولنا ~~كل من تناول السم مات معناه بحسب العادة المستمرة، وقولنا ليس كل من تناول ~~السم مات معناه بحسب خرق العادة، فلا تناقض، # وكما أن لله تعالى في الدنيا أفعالا خارقة وأفعالا جارية على العادة، ~~فكذلك في المعاد أفعال خارقة وعادية، أما العادة المستمرة فإن يعاقب العاصي ~~إذا مات من غير توبة زمانا طويلا، وقد تخرق العادة وكذلك حال حقوق العباد، ~~وأما خلود صاحب الكبيرة في العذاب، فليس بصحيح وليس من حكمة الله أن يفعل ~~بصاحب الكبيرة مثل ما يفعل يا الكافر سواء والله أعلم. # PageV01P147 ### | (باب في المعاصي التي هي فيما بينه وبين نفسه) # اعلم أن القوة الملكية من الإنسان اكتنفت بها القوة البهيمية من جوانبها، ~~وإنما مثلها في ذلك مثل طائر في قفص، سعادته أن يخرج من هذا القفص، فيلحق ~~بحيزه الأصلي من الرياض الأريضة، ويأكل الحبوب الغاذية والفواكه اللذيذة من ~~هنالك، ويدخل في زمرة أبناء نوعه، فيبتهج بهم كل الابتهاج، فأشد شقاوة ~~الإنسان أن يكون دهريا، وحقيقة الدهري أن يكون مناقضا للعلوم الفطرية ~~المخلوقة فيه، وقد بينا أن له ميلا في أصل فطرته إلى المبدأ جل جلاله، ~~وميلا ms106 إلى تعظيمه أشد ما يجد من التعظيم، وإليه الإشارة في قوله تبارك ~~وتعالى: # {وإذ أخذ ربك من بني آدم} الآية # وقوله صلى الله عليه وسلم: " كل مولود يولد على الفطرة " والتعظيم الأقصى ~~لا يتمكن من نفسه إلا باعتقاد تصرف في بارئه بالقصد والاختيار ومجازاة ~~وتكليف لهم وتشريع عليهم، فمن أنكر أن له ربا تنتهي إليه سلسلة الوجود، أو ~~اعتقد ربا معطلا لا يتصرف في العالم أو يتصرف في بالإيجاب من غير إرادة أو ~~لا يجازى عباده على ما يفعلون من خير وشر، أو أعتقد # ربه كمثل سائر الخلق، أو أشرك عباده في صفاته، أو اعتقد أنه لا يكلفهم ~~بشريعة على لسان نبي - فذلك الدهري الذي لم يجمع في نفسه تعظيم ربه، وليس ~~لعلمه نفوذ إلى حيز القدس أصلا، وهو بمنزلة الطائر المحبوس في قفص من حديد ~~ليس فيه منفذ ولا موضع إبرة، فإذا مات شف الحجاب وبرزت الملكية بروزا ما، ~~وتحرك الميل المفطور فيه، وعاقته العوائق في علمه بربه وفي الوصول إلى حيز ~~القدس، فهاجت في نفسه وحشة عظيمة، ونظر إليها بارئها والملأ الأعلى، وهي في ~~تلك الحالة الخبيثة، فأحدقت فيها بنظر السخط والازدراء، وترشحت في نفوس ~~الملائكة إلهامات السخط والعذاب، فعذب في المثال وفي الخارج، أو كافرا تكبر ~~على الشأن الذي تطور به الله تعالى كما قال: # PageV01P148 # {كل يوم هو في شأن} # وأعني بالشأن أن للعالم أدوارا وأطوارا حسب الحكمة الإلهية، فإذا جاء ~~دوره أوحي الله تعالى في كل سماء أمرها، ودبر الملأ الأعلى بما يناسبها، ~~وكتب لهم شريعة ومصلحة. # ثم ألهم الملأ الأعلى أن يجمعوا تمشية هذا الطور في العالم، فيكون ~~إجماعهم سببا لإلهامات في قلوب البشر، فهذا الشأن تلو المرتبة القديمة التي ~~لا يشوبها حدوث، وهذه أيضا شارحة لبعض كمال الواجب جل مجده كالمرتبة الأولى ~~فكل من باين هذا الشأن، وأبغضه وصد عنه أتبع من الملأ الأعلى بلعنة شديدة ~~تحيط بنفسه، فتحبط أعماله، ويقسوا قلبه، ولا يستطيع أن يكسب من أعمال البر ~~ما ينفعه، وإليه الإشارة في ms107 قوله تعالى # {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في ~~الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} # وقوله: # {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم} # فهذا كطير في قفص له منافذ إلا أنه قد غشى من فوقه بغاشية عظيمة وأدنى من ~~ذلك أن يعتقد التوحيد والتعظم على وجههما، ولكن ترك الامتثال لما أمر به في ~~حكمة البر والاثم، ومثله كمثل رجل عرف الشجاعة ما هي وما فائدتها، ولكن لا ~~يستطيع الاتصاف بها لأن حصول نفس الشجاعة غير حصول صورتها في النفس، وهو ~~أحسن حالا ممن لا يعرف معنى الشجاعة أيضا، ومثله كمثل طائر في قفص مشبك يرى ~~الخضرة والفواكه وقد كان فيما هنالك أياما، ثم طرأ عليه الحبس، فيشتاق إلى ~~ما هنالك ويضرب بجناحه، ويدخل في المنافذ مناقيره، ولا يجد طريقا يخرج منه، ~~وهذه هي الكبائر بحسب حكمة البر والاثم. # وأدنى من ذلك أن يفعل هذه الأوامر؛ ولكن لاعلى شريطتها التي تجب لها، ~~فمثله كمثل طائر في قفص مكسور في الخروج منه حرج، ولا يتصور الخروج إلا ~~بخدش في جلده ونتف في ريشه، فهو يستطيع أن يخرج من قفصه، ولكن بجد وكد، ولا ~~يبتهج في أبناء نوعه كل الابتهاج، ولا يتناول من فواكه الرياض كما ينبغي ~~لما أصابه من الخدش والنتف، وهؤلاء هم الذين خلطوا عملا صالحا وأخر سيئا، ~~وعوائقهم هذه هي الصغائر بحسب حكمة البر والاثم وقد أشار النبي صلى الله ~~عليه وسلم # في حديث الصراط إلى هذه الثلاثة حيث قال: " ساقط في النار، ومخردل ناج، ~~ومخدوش ناج " والله أعلم. # PageV01P149 ### | (باب الآثام التي هي فيما بينه وبين الناس) # اعلم أن أنواع الحيوان على مراتب شتى: # منها ما يتكون تكون الديدان من الأرض، ومن حقها أن تلهم من بارئ الصور ~~كيف تتغذى، ولا تلهم كيف تدبر المنازل. # ومنها ما يتناسل ويتعاون الذكر والأنثى منها في حضانة الأولاد، ومن حقها ~~في حكمة الله تعالى أن تلهم تدبير المنازل أيضا، فألهم الطير كيف يتغذى، ~~ويطير، وألهم أيضا كيف ms108 يسافد، وكيف يتخذ عشا، وكيف تزق الفراخ، والإنسان من ~~بينها مدني الطبع لا يتعيش إلا بالتعاون من بني نوعه، فإنه لا يتغذى الحشيش ~~النابت بنفسه ولا بالفواكه نيئة، ولا يتدفأ بالوبر إلى غير ذلك مما شرحناه ~~من قبل، ومن حقه أن يلهم تدبير المعدن مع تدبير المنازل وآداب المعاش، غير ~~أن سائر الأنواع تلهم عند الاحتياج إلهاما جبليا إلا في حصة قليلة من علوم ~~التعيش كمص الثدي عند الارتضاع والسعال عند البحة وفتح الجفون عند إرادة ~~الرؤية ونحو ذلك، وذلك لأن خياله كان صناعا هماما، ففوض له علوم تدبير ~~المنازل وتدبير المدن، إلى الرسم وتقليد المؤيدين بالنور الملكي فيما يوحى ~~إليهم، وإلى تجربة ورصد تدبير غيبي وروية بالاستقراء والقياس والبرهان، ~~ومثله في تلقي الأمر الشائع الواجب فيضانه من بارئ الصور مع الاختلاف ~~الناشئ من قبل استعدادتهم كمثل الواقعات التي يتلقاها في المنام يفاض # عليهم العلوم الفوقانية من حيزها، فتتشبح عندهم بأشباح مناسبة، فتختلف ~~الصور لمعنى في المفاض عليه لا في المفيض. # فمن العلوم الفائضة على أفراد الإنسان جميعا عربهم وعجمهم وحضرهم وبدوهم ~~- وإن اختلق طريق التلقي منهم - حرمة خصال تدمر نظام مدنهم، وهي ثلاثة ~~أصناف: منها أعمال شهوية، ومنها أعمال سبعية، ومنها أعمال ناشئة من سوء ~~الأخذ في المعاملات. # والأصل في ذلك أن الإنسان متوارد أبناء نوعه في الشهوة والغيرة والحرص، ~~والفحول منهم يشبهون الفحول من البهائم في الطموح إلى الإناث وفي عدم تجويز ~~المزاحمة على الموطوءة، غير أن الفحول من البهائم تتحارب حتى يغلب أشدها ~~بطشا # PageV01P150 # وأحدها نفسا، وينهزم ما دون ذلك، أو لا تشعر بالمزاحمة لعدم رؤية ~~المسافدة. # والإنسان ألمعي يظن الظن كأنه يرى ويسمع، وألهم أن التجارب لأجل ذلك مدمر ~~لمدنهم لأنهم لا يتمدنون إلا بتعاون من الرجال، والفحول أدخل في التمدن من ~~الإناث، فألهم إنشاء اختصاص كل واحد بزوجته، وترك المزاحمة فيم اختص به ~~أخوه، وهذا أصل حرمة الزنا، ثم صورة الاختصاص بالزوجات أمر موكول إلى الرسم ~~والشرائع، والفحول منهم أيضا يشبهون الفحول من البهائم من ms109 حيث إن سلامة ~~فطرتهم لا تقتضي إلا الرغبة في الإناث دون الرجال، كما أن البهائم لا تلتفت ~~هذه اللفتة إلا قبل الإناث غير أن رجالا غلبتهم الشهوة الفاسدة بمنزلة من ~~يتلذذ بأكل الطين والحممة فانسلخوا من سلامة الفطرة: يقضي هذا شهوته ~~بالرجال، وذلك صار مأبونا يستلذ ما لا يستلذه الطبع السليم، فأعقب ذلك ~~تغيرا لأمزجتهم # ومرضا في نفوسهم، كان مع ذلك سببا لإهمال النسل من حيث إنهم قضوا حاجتهم ~~التي قيض الله تعالى عليهم منهم ليذرأ بها نسلهم بغير طريقها، فغيروا ~~النظام الذي خلقهم الله تعالى عليه، فصار قبح هذه الفعلة مندمجا في نفوسهم، ~~فلذلك يفعلها الفساق، ولا يعترفون بها، ولو نسبوا إليها لماتوا حياء إلا أن ~~يكون انسلاخا قويا، فيجهرون، ولا يستحيون فلا، يتراخى أن يعاقبوا، كما كان ~~في زمن سيدنا لوط عليه السلام، وهذا أصل حرمة اللواطة. # ومعاش بني آدم وتدبير منازلهم وسياسة مدنهم لا يتم إلا بعقل وتمييز، ~~وإدمان الخمر ترجع إلى نظامهم بخرم قوى، ويورث محاربات وضغائن غير أن أنفسا ~~غلبت شهوتهم الرديئة على عقولهم أقبلوا على هذه الرذيلة، وأفسدوا عليهم ~~ارتفاقاتهم، فلو لم يجر الرسم بمنع عن فعلتهم تلك لهلك الناس وهذا أصل حرمة ~~إدمان الخمر، وأما حرمة قليلها وكثيرها، فلا يبين إلا في مبحث الشرائع. # والفحول منهم يشبهون الفحول من البهائم في الغضب على من يصد عن مطلوب، ~~ويجري عليه مؤلما في نفسه أو في بدنه، لكن الفحول من البهائم لا تتوجه إلا ~~إلى مطلوب محسوس أو متوهم، والإنسان يطلب المتوهم والمعقول، وحرصه أشد من ~~حرص البهائم، وكانت البهائم تتقاتل حتى ينهزم واحد، ثم ينسى الحقد إلا ما ~~كان من مثل الفحول من الإبل والبقر والخيل، والإنسان يحقد ولا ينسى، فلو ~~فتح فيهم باب التقاتل لفسدت مدينتهم، واختلت معايشهم، فألهموا حرمة القتل ~~والضرب إلا لمصلحة عظيمة من قصاص ونحوه، # PageV01P151 # وهاج من الحقد في صدور بعضهم مثل ما هاج في صدور الأولين، وخافوا القصاص ~~فانحدروا إلى أن يدسوا السم، في الطعام # أو يقتلوا بالسحر، وهذا ms110 حالة بمنزلة حال القتل بل أشد منه، فإن القتل ~~ظاهرة يمكن التخلص منه، وهذه لا يمكن التخلص منها، وانحدروا أيضا إلى القذف ~~والمشي به إلى ذي سلطان ليقتل. # والمعايش التي جعلها الله تعالى لعباده إنما هي الالتقاط من الأرض ~~المباحة والرعي والزراعة والصناعة والتجارة وسياسة المدينة والملة وكل كسب ~~تجاوز عنها فإنه لا مدخل له في تمدنهم. # وانحدر بعضهم إلى أكساب ضارة كالسرقة والغصب، وهذه كلها مدمرة للمدينة ~~فألهم أنها محرمة، واجتمع بنو آدم كلهم على ذلك وإن باشرها العصاة منهم في ~~غلواء نفوسهم، وسعى الملوك العادلة في إبطالها ومحقها، واستشعر بعضهم سعي ~~الملوك في إبطالها، فانحدروا إلى الدعاوى والكاذبة واليمين الغموس وشهادة ~~الزور وتطفيف الكيل والوزن والقمار والربا أضعافا مضاعفة، وحكمها حكم تلك ~~الأكساب الضارة، وأخذ العشر النهك بمنزلة قطع الطريق، بل أقبح. # وبالجملة فلهذه الأسباب دخلت في نفوس بني آدم حرمة هذه الأشياء، وقام ~~أقواهم عقلا وأسدهم رأيا وأعلمهم بالمصلحة الكلية يمنع عن ذلك طبقة بعد ~~طبقة حتى صار رسما فاشيا، ودخلت في البديهيات الأولية كسائر المشهورات ~~الذائعة، فعند ذلك رجع إلى الملأ الأعلى لون منهم حسبما كان انحدر إليهم من ~~الإلهام أن هذه محرمة وأنها ضارة أشد الضرر، فصاروا كلما فعل واحد من بني ~~آدم شيئا من تلك الأفعال تأذوا منه، مثل ما يضع أحدنا رجله على الجمرة، ~~فتنتقل إلى القوى الإدراكية في تلك اللمحة، وتتأذى منه، ثم صار لتأذيها ~~خطوط شعاعية تحيط بهذا العاصي، وتدخل في قلوب المستعدين من الملائكة وغيرهم ~~أن يؤذوه إذا أمكن إيذاؤه، # ورخت فيه مصلحته المكتوبة عليه المسماة في الشرع بالهام الملائكة ما رزقه ~~وما أجله، وما عمره، وشقي أو سعيد، وفي النجوم بأحكام الطالع حتى إذا مات ~~وهدأت عنه هذه المصلحة فرغ له بارئه كما قال: # PageV01P152 # {سنفرغ لكم أيها الثقلان} # وجازاه الجزاء الأوفى والله اعلم. ### | (المبحث السادس) ### | (مبحث السياسات الملية) ### | (باب الحاجة إلى هداة السبل ومقيمى الملل) # قال الله تعالى: # {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} # واعلم أن السنن الكاسبة لانقياد ms111 البهيمية للملكية والآثام المباينة لها، ~~وإن كان العقل السليم يدل عليها، ويدرك فوائد هذه ومضار تلك، لكن الناس في ~~غفلة منها، لأنه تغلب عليهم الحجب، فيفسد وجدانهم، كمثل الصفراوي، فلا ~~يتصورون الحالة المقصودة ولا نفعها ولا الحالة المحوفة ولا ضررها، فيحتاجون ~~إلى عالم بالسنة الراشدة يسوسهم، ويأمر بها، ويحض عليها، وينكر على ~~مخالفتها. # ومنهم ذو رأي فاسد لا يقصد بالذات إلا لأضداد الطريقة المطلوبة فيضل ~~ويضل، فلا يستقيم أمر القوم إلا بكبته وإخماله. # ومنهم ذو رأي راشد في الجملة لا يدرك إلا حصة ناقصة من الاهتداء # فيحفظ شيئا، ويغيب عنه أشياء، أو يظن في نفسه أنه الكامل الذي لا يحتاج ~~إلى مكمل، فيحتاج إلى من ينبهه على جهله. # وبالجملة فالناس يحتاجون لا محالة إلى عالم حق العلم تؤمن فلتاته. # ولما كانت المدينة مع استبداد العقل المعاشى الذي يوجد عند كثير من الناس ~~بإدراك النظام المصلح لها تضطر إلى رجل عارف بالمصلحة على وجهها يقوم ~~بسياستها، فما ظنك بأمة عظيمة من الأمم تجمع استعدادات مختلفة جدا في طريقة ~~لا يقبلها بشهادة القلوب إلا الازكياء أهل الفطرة الصافية أو التجريد ~~البالغ، ولا يهدى إليها إلا الذين هم في أعلى درجة من أصناف النفوس - وقليل ~~ما هم. # وكذلك أيضا لما كانت الحدادة والنجارة وأمثالهما لا تتأتى من جمهور الناس ~~بسنن مأثورة عن أسلافهم وأساتذة يهدونهم إليها، ويحضونهم عليها، فما ظنك ~~بهذه المطالب الشريفة التي لا يهتدي إليها إلا الموفقون، ولا يرغب فيها إلا ~~المخلصون. # PageV01P153 # ثم لا بد لهذا العالم أن يثبت على رءوس الاشهاد أنه عالم بالسنة الراشدة، ~~وأنه معصوم فيما يقوله من الخطأ والاضلال، ومن أن يدرك حصة من الاصلاح، ~~ويترك حصة أخرى لا بد منها، وذلك ينحصر في وجهين: إما أن يكون راويا عن رجل ~~قبله انقطع عنده الكلام لكونهم مجمعين على اعتقاد كماله وعصمته وكون ~~الرواية محفوظة عندهم، فيمكن له أن يؤاخذهم بما اعتقدوه، ويحتج عليهم، ~~ويفحمهم، أو يكون هو الذي انقطع عنده الكلام، وأجمعوا عليه. # وبالجملة فلا بد للناس ms112 من رجل معصوم يقع عليه الإجماع يكون فيهم، أو تكون ~~الرواية محفوظة عندهم، وعلمه بحالة الانقياد وتوليد هذه السنن # منها ووجوه منافعها، وعلمه الآثام ووجوه مضارها لا يمكن أن يحصل ~~بالبرهان، ولا بالعقل المتصرف في المعاش، ولا بالحس، بل هي أمور لا يكشف عن ~~حقيقتها إلا الوجدان. فكما أن الجوع والعطش، وتأثير الدواء المسخن أو ~~المبرد لا يدرك إلا بالوجدان، فكذلك معرفة ملاءمة الشيء للروح ومباينته لها ~~لا طريق إليها إلا الذوق السليم. # وكونه مأمونا عن الخطأ في نفسه إنما يكون بخلق الله علما ضروريا فيه بأن ~~جميع ما أدرك وعلم حق مطابق للواقع بمنزلة ما يقع للمبصر عند الابصار، فإنه ~~إذا أبصر شيئا لا يحتمل عنده أن تكون عينه مؤفة، وأن يكون الابصار على خلاف ~~الواقع، وبمنزلة العلم بالموضوعات اللغوية، فإن العربي مثلا لا يشك أن ~~الماء موضوع لهذا العنصر، ولفظ الأرض لذلك مع أنه لم يقم له على ذلك برهان، ~~وليس بينهما ملازمة عقلية، ومع ذلك فإنه يخلق فيه علم ضروري. # وإنما يحصل ذلك في الأكثر بأن يكون لنفسه ملكة جبلية يكون بها تلقي العلم ~~الوجداني على سنن الصواب دائما، وإن يتتابع الوجدان، ويتكرر تجربة صدق ~~وجدانه. .، وعند الناس إنما يكون بأن يصحح عندهم بأدلة كثيرة برهانية أو ~~خطابية أن ما يدعو إليه حق، وأن سيرته صالحة يبعد منها الكذب، وأن يروا منه ~~آثار القرب، كالمعجزات واستجابة الدعوات، حتى لا يشكوا أن له في التدبير ~~العالي منزلة عظيمة، وأن نفسه من النفوس القدسية اللاحقة بالملائكة، وأن ~~مثله حقيق بألا يكذب على الله، ولا يباشر معصية، ثم بعد ذلك تحدث أمور ~~تؤلفهم تأليفا عظيما، وتصيره عندهم أحب من أموالهم وأولادهم والماء الزلال ~~عند العطشان، فهذا كله لا يتحقق انصباغ أمة من الأمم بالحالة المقصودة ~~بدونه، ولذلك لم يزل المشغولون بنظائر هذه العبادات يسندون أمرهم إلى من ~~يعتقدون فيه هذه الأمور أصابوا أم أخطأوا، والله اعلم. # PageV01P154 ### | (باب حقيقة النبوة وخواصها) # اعلم أن أعلى طبقات الناس المفهمون، وهم ناس أهل اصطلاح ms113 ملكيتهم في غاية ~~العلو، يمكن لهم أن ينبعثوا إلى إقامة نظام مطلوب بداعية حقانية، ويترشح ~~عليهم من الملأ الأعلى علوم وأحوال إلهية، ومن سيرة المفهم أن يكون معتدل ~~المزاج سوي الخلق والخلق ليس فيه خبابة مفرطة بحسب الآراء الجزئية، ولا ~~ذكاء مفرط لا يجذبه من الكلى إلى الجزئي، ومن الروح إلى الشبح سبيلا، ولا ~~غباوة مفرطة لا يتخلص بها إلى الكلى، ومن الشبح إلى الروح، ويكون ألزم ~~الناس من بالسنة الراشدة ذا سمت حسن في عباداته، ذا عدالة في معاملته مع ~~الناس، محبا للتدبير الكلي، راغبا في النفع العام، لا يؤذي أحدا إلا بالعرض ~~بأن يتوقف النفع العام عليه أو يلازمه، لا يزال مائلا إلى عالم الغيب، يحس ~~أثر ميله في كلامه ووجه وشأنه كله، يرى أنه مؤيد من الغيب، ينفتح له بأدنى ~~رياضة ما لا ينفتح لغيره من القرب والسكينة. # والمفهون على أصناف كثيرة واستعدادات مختلفة: # فمن كان أكثر حاله أن يتلقى من الحق علوم تهذيب النفس بالعبادات فهو ~~الكامل. # ومن كان أكثر حاله تلقي الأخلاق الفاضلة وعلوم تدبير المنزل ونحو ذلك فهو ~~الحكيم. # ومن كان أكثر حاله تلقي السياسات الكلية، ثم وفق لإقامة العدل في الناس ~~وذب الجور عنهم يسمى خليفة، ومن ألمت به الملأ الأعلى، فعلمته وخاطبته، ~~وتراءت له، وظهرت أنواع من كراماته يسمى بالمؤيد بروح القدس. # ومن جعل منهم في لسانه وقلبه نور، فنفع الناس بصحبته وموعظته، وانتقل منه ~~إلى حواريين من أصحابه سكينة ونور، فبلغوا بواسطته مبالغ الكمال، وكان ~~حثيثا على هدايتهم يسمى هاديا مزكيا. # ومن كان أكثر علمة ومعرفة قواعد الملة ومصالحها، وكان حثيثا على إقامة ~~المندرس منها يسمى إماما. # PageV01P155 # ومن نفث في قلبه أن يخبرهم بالداهية المقدرة عليهم في الدنيا، أو تفطن ~~بلعن الحق قوما، فأخبرهم بذلك، أو جرد من نفسه في بعض أوقاته، فعرف ما ~~سيكون في القبر والحشر، فأخبرهم بتلك الأخبار يسمى منذرا. # وإذا اقتضت الحكمة الالهية أن يبعث إلى الخلق واحد من المفهمين، فيجعله ~~سببا لخروج الناس من الظلمات إلى ms114 النار، وفرض الله على عباده أن يسلموا ~~وجوههم وقلوبهم له، وتأكد في الملأ الأعلى الرضا عمن انقاد له، وانضم إليه، ~~واللعن على من خالفه، وناوأه فأخبر الناس بذلك، وألزمهم طاعته فهو النبي، ~~وأعظم الأنبياء شأنا من له نوع آخر من البعثة أيضا، وذلك أن يكون مراد الله ~~تعالى فيه أن يكون سببا لخروج الناس من الظلمات إلى النور، وأن يكون قومه ~~خير أمة أخرجت للناس، فيكون بعثه يتناول بعثا آخر. # وإلى الأول وقعت الاشارة في قوله تعالى: # {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} الآية # وإلى الثاني في قوله تعالى: # {كنتم خير أمة أخرجت للناس} # وقوله صلى الله عليه وسلم " فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين " ~~ونبينا صلى الله عليه وسلم استوعب جميع فنون المفهمين، واستوجب أتم ~~البعثين، وكان من الأنبياء قبله من يدرك فنا أو فنين ونحو ذلك. # واعلم أن اقتضاء الحكمة الإلهية لبعث الرسل لا يكون إلا لانحصار الخير ~~النسبي المعتبر في التدبير في البعث، ولا يعلم حقيقة ذلك إلا علام الغيوب، ~~إلا أنا نعلم قطعا أن هنالك أسبابا لا يتخلف عنها البعث البتة، وافتراض ~~الطاعة إنما يكون بأن يعلم الله تعالى صلاح أمة من الأمم أن يطيعوا الله، ~~ويعبدوه، ويكونوا بحيث لا تستوجب نفوسهم التلقي من الله، ويكون صلاح أمرهم ~~محصورا يومئذ في اتباع النبي، فيقضي الله في حظيرة القدس بوجوب اتباعه، ~~ويتقرر هنالك الأمر، وذلك إما بأن يكون الوقت وقت ابتداء ظهور دولة، وكبت ~~الدول بها، فيبعث الله تعالى من يقيم دين أصحاب تلك الدولة كبعث سيدنا محمد ~~صلى الله عليه وسلم، أو يقدر الله تعالى بقاء قوم واصطفاءهم على البشر، ~~فيبعث من يقوم عوجهم، ويعلمهم الكتاب كبعث سيدنا موسى عليه السلام، أو يكون ~~نظم ما قضى لقوم من استمرار دولة أو دين يقتضي بعث مجدد كداود وسليمان وجمع ~~من أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام، وهؤلاء الأنبياء قد قضى الله بنصرتهم ~~على أعدائهم كما قال: # PageV01P156 # {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم ms115 ~~الغالبون} # ووراء هؤلاء قوم يبعثون لاتمام الحجة، والله أعلم. # وإذا بعث النبي وجب على المبعوث إليهم أن يتبعوه، وإن كانوا على سنة ~~راشدة، لأن مناوأة هذا المنوه شأنه يورث لعنا من الملأ الأعلى، وإجماعا على ~~خذلانه، فينسد سبيل تقربهم من الله، ولا يفيد كدهم شيئا، # وإذا ماتوا أحاطت اللعنة بنفوسهم، على أن هذه صورة مفروضة غير واقعة، ولك ~~عبرة باليهود: كانوا أحوج خلق الله إلى بعث الرسول لغلوهم في دينهم ~~وتحريفاتهم في كتابهم. # وثبوت حجة الله على عباده ببعثه الرسل إنما هو بأن أكثر الناس خلقوا بحيث ~~لا يمكن لهم تلقي ما لهم وما عليهم بلا واسطة، بل استعدادهم إما ضعيف يتقوى ~~بأخبار الرسل، أو هنالك مفاسد لا تندفع إلا بالقصر، على رغم أنفهم، وكانوا ~~بحيث يؤاخذون في الدنيا والآخرة، فأوجب لطف الله عند اجتماع بعض الأسباب ~~العلوية والسفلية أن يوحى إلى أزكى القوم أن يهديهم إلى الحق، ويدعوهم إلى ~~الصراط المستقيم، فمثله في ذلك كمثل سيد مرض عبيده، فأمر بعض خواصه أن ~~يكلفهم شرب دواء أشاؤا، أم أبو، فلو أنه أكرههم على ذلك كان حقا، ولكن تمام ~~اللطف يقتضي أن يعلمهم أولا أنهم مرضى، وأن الدواء نافع، وأن يعمل أمورا ~~خارقة تطمئن نفوسهم بها على أنه صادق فيما قال، وان يشوب الدواء بحلو، ~~فحينئذ يفعلون ما يؤمرون به على بصيرة منه وبرغبة فيه، فليست المعجزات، ولا ~~استجابة الدعوات، ونحو ذلك إلا أمورا خارجة عن أصل النبوة لازمة لها في ~~الأكثر، وظهور معظم المعجزات يكون من أسباب ثلاثة: # أحدها كونه من المفهمين، فإن ذلك يوجب انكشاف بعض الحوادث عليه، ويكون ~~سببا لاستجابة الدعوات وظهور البركات فيما يبرك عليه. # والبركة إما زيادة نفع الشيء بأن يخيل إليهم مثلا أن الجيش كثير، فيفشلوا ~~أو بصرف الطبيعة الغذاء إلى خلط صالح، فيكون كمن تناول أضعاف ذلك الغداء، ~~أو زيادة عين الشيء بأن تتقلب المادة الهوائية بتلك الصورة لحلول قوة ~~مثالية، ونحو ذلك من الأسباب التي يعسر إحصاؤها. # والثاني أن تكون الملأ الأعلى مجمعة ms116 إلى تمشية أمره، فيوجب ذلك # إلهامات وإحالات وتقريبات لم تكن تعهد من قبل، فينصر الأحباء، ويخذل ~~الأعداء، ويظهر أمر الله ولو كره الكافرون. # PageV01P157 # والثالث أن تحدث حوادث لأسبابها الخارجية من مجازاة العصاة وحدوث الأمور ~~العظام في الجو، فيجعلها الله تعالى معجزة له بوجه من الوجوه، إما لتقدم ~~إخبار بها، أو تربت المجازاة على مخالفة أمره، أو كونها موافقة بما أخبر من ~~سنة المجازاة، أو أمر مما يشبه ذلك. # والعصمة لها أسباب ثلاثة: أن يخلق الإنسان نقيا عن الشهوات الرذيلة سمحا ~~لا سيما فيما يرجع إلى محافظة الحدود الشرعية، وأن يوحي إليه حسن الحسن ~~وقبح القبيح ومالهما، وأن يحول الله بينه وبين ما يريد من الشهوات الرذيلة. # واعلم أن من سيرة الأنبياء عليهم السلام ألا يأمروا بالتفكر في ذات الله ~~تعالى وصفاته، فان ذلك لا يستطيعه جمهور الناس، وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم: " تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله " وقوله في آية. # {وأن إلى ربك المنتهى} # قال: " لا فكرة في الرب " وإنما يأمرون في التفكر في نعم الله تعالى ~~وعظيم قدرته. # ومن سيرتهم ألا يكلموا الناس إلا على قدر عقولهم التي خلقوا عليها ~~وعلومهم التي هي حاصلة عندهم بأصل الخلقة، وذلك لأن نوع الإنسان حيثما وجد ~~فله في أصل الخلقة حد من الإدراك زائد على إدراك سائر الحيوانات إلا إذا ~~عصت المادة جدا، وله علوم لا يخرج إليها إلا بخرق العادة المستمرة كالنفوس ~~القدسية من الأنبياء والأولياء، أو برياضات شاقة تهيئ # نفسه لإدراك ما لم يكن عنده بحساب، أو بممارسة قواعد الحكمة والكلام ~~وأصول الفقه ونحوها مدة طويلة، فالأنبياء لم يخاطبوا الناس إلا على منهاج ~~إدراكهم الساذج المودع فيهم بأصل الخلقة، ولم يلتفتوا إلى ما يكون نادر ~~الأسباب قلما يتفق وجودها، فلذلك لم يكلفوا الناس أن يعرفوا ربهم بالتجليات ~~والمشاهدات، ولا بالبراهين والقياسات، ولا أن يعرفوه منزها عن جميع الجهات، ~~فان ذلك كالممتنع بالإضافة إلى من لم يشتغل بالرياضات، ولم يخالط ~~المعقوليين مدة طويلة، ولم يرشدوهم إلى طريق ms117 الاستنباط والاستدلالات ووجوه ~~الاستحسانات، والفرق بين الأشباه والنظائر بمقدمات دقيقة المأخذ، وسائر ما ~~يتطاول به أصحاب الرأي على أهل الحديث. # ومن سيرتهم ألا يشتغلوا بما لا يتعلق بتهذيب النفس وسياسة الأمة كبيان ~~أسباب حوادث الجو من المطر والكسوف والهالة وعجائب النبات والحيوان ومقادير ~~سير # PageV01P158 # الشمس والقمر وأسباب الحوادث اليومية وقصص الأنبياء والملوك والبلدان ~~ونحوها اللهم إلا كلمات يسيرة ألفها أسماعهم، وقبلها عقولهم يؤتى بها في ~~التذكير بآلاء الله والتذكير بأيام الله على سبيل الاستطراد بكلام إجمالي ~~يسامح في مثله بإيراد الاستعارات وبالمجازات، ولهذا الأصل لما سألوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن لمية نقصان القمر وزيادته أعرض الله تعالى عن ذلك ~~إلى بيان فوائد الشهور فقال: # {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} # وترى كثيرا من الناس فسد ذوقهم بسبب الألفة بهذه الفنون أو غيرها من ~~الأسباب، فحملوا كلام الرسل على غير محمله، والله اعلم. ### | (باب بيان أن أصل الدين واحد والشرائع والمناهج مختلفة) # قال الله تعالى: # {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} # قال مجاهد: أوصيناك يا محمد وإياهم دينا واحدا، وقال تعالى: # {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل ~~حزب بما لديهم فرحون} # يعني ملة الإسلام ملتكم، / فتقطعوا يعني المشركين واليهود والنصارى وقال ~~تعالى: # {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} # قال ابن عباس: سبيلا وسنة وقال الله تعالى: # {لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه} # يعني شريعة هم عاملون بها. # اعلم أن أصل الدين واحد اتفق عليه الأنبياء عليهم السلام، وإنما الاختلاف ~~في الشرائع والمناهج. # تفصيل ذلك أنه أجمع الأنبياء عليهم السلام على توحيد الله تعالى عبادة ~~واستعانة، # PageV01P159 # وتنزيهه عما لا يليق بجنابه، وتحريم الإلحاد في أسمائه، وأن حق الله على ~~عباده أن يعظموه تعظيما لا يشوبه تفريط، وأن يسلموا وجوههم وقلوبهم إليه، ~~وأن يتقربوا بشعائر الله إلى الله، وأنه قدر جميع الحوادث، قبل أن يخلقها، ~~وأن ms118 لله ملائكة لا يعصونه فيما أمر، ويفعلون ما يأمرون، وأنه ينزل الكتاب ~~على من يشاء من عباده، ويفرض طاعته على الناس، وأن القيامة حق، والبعث بعد ~~الموت حق، والجنة، والنار حق، وكذلك أجمعوا على أنواع البر من الطهارة ~~والصلاة والزكاة والصوم والحج والتقرب إلى الله بنوافل الطاعات من الدعاء ~~والذكر وتلاوة الكتاب المنزل من الله، وكذلك أجمعوا على النكاح وتحريم ~~السفاح وإقامة العدل بين الناس وتحريم المظالم وإقامة الحدود على أهل ~~المعاصي والجهاد مع أعداء الله والاجتهاد في إشاعة أمر الله ودينه، فهذا ~~أصل الدين، ولذلك لم يبحث القرآن العظيم عن لمية هذه الأشياء إلا ما شاء ~~الله، فإنها كانت مسلمة فيمن نزل القرآن على ألسنتهم، وإنما الاختلاف في ~~صور هذه الأمور وأشباحها، فكان من شريعة موسى عليه السلام الاستقبال في ~~الصلاة إلى بيت المقدس، وفي شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة، ~~وكان من شريعة موسى عليه السلام الرجم فقط، وجاءت في شريعتنا بالرجم للمحصن ~~والجلد لغيره، وكان في شريعة موسى عليه السلام القصاص فقط، وجاءت شريعتنا ~~بالقصاص والدية جميعا، وعلى ذلك اختلافهم في أوقات الطاعات وآدابها ~~وأركانها. # وبالجملة فالأوضاع الخاصة التي مهدت، وبنيت بها أنواع البر والارتفاقات ~~هي الشرعة والمنهاج # واعلم أن الطاعات التي امر الله تعالى بها في جميع الأديان إنما هي أعمال ~~تنبعث من الهيئات النفسانية التي هي في المعاد للنفوس أو عليها، وتمد فيها # وتشرحها، وهي أشباحها وتماثيلها، ولا جرم أن ميزانها وملاك أمرها تلك ~~الهيئات، فمن لم يعرفها لم يكن من الأعمال على بصيرة، فربما اكتفى بما لا ~~يكفي، وربما صلى بلا قراءة ولا دعاء، يفيد فلا بد من سياسة عارف حق المعرفة ~~يضبط الخفى المشتبه بأمارات واضحة، ويجعلها أمرا محسوسا يميزه الأداني ~~والأقاصي، ولا يشتبه عليهم ليطالبوا به ويؤاخذوا عليه على حجة من الله ~~واستطاعة منهم # والآثام ربما تشتبه بما ليس باثم كقول المشركين: # {إنما البيع مثل الربا} # PageV01P160 # إما لقصور العلم، أو لغرض دنيوي يفسد بصيرته، فمست الحاجة إلى أمارات ~~يتميز بها ms119 الاثم من غيره، ولو لم يؤقت الأوقات لاستكثر بعضهم القليل من ~~الصلاة والصوم، فلم يغن ذلك عنهم شيئا، ولم تمكن المعاقبة على تسللهم ~~واحتيالهم، ولو لم يعين لهم الأركان والشروط لخبطوا خبط عشواء ولولا الحدود ~~لم ينزجر أهل الطغيان. # وبالجملة فجمهور الناس لا يتم تكليفهم إلا بأوقات وأركان وشروط وعقوبات ~~وأحكام كلية، ونحو ذلك، وإذا شئت أن تعرف للتشريع ميزانا، فتأمل حال الطبيب ~~الحاذق عندما يجتهد في سياسة المرضى، ويخبرهم بما لا يعرفون، ويكلفهم بما ~~لا يحيطون بدقائقه علما كيف يعمد إلى مظنات محسوسة، فيقيمها مقام الأمور ~~الخفية كما يقيم حمرة البشرة وخروج الدم من اللثة مقام غلبة الدم، وكيف ~~ينظر إلى قوة المرض وسن المريض وبلده وفصله وإلى قوة الدواء وجميع ما هناك، ~~فيحدس بمقدار خاص من الدواء يلائم الحال، فيكلفه به، وربما اتخذ قاعدة كلية ~~من قبل إقامة المظنة # مقام سبب المرض وإقامة هذا القدر الذي تفطن به من الدواء مقام إزالة ~~المادة المؤذية أو تغيير هيئتها الفاسدة، فيقول مثلا: من احمرت بشرته ودميت ~~لثته وجب عليه بحكم الطب أن يحتسي على الريق شراب العناب أو ماء العسل، ومن ~~لم يفعل ذلك فإنه على شرف الهلاك، ويقول: من تناول من معجون كذا وكذا وزن ~~مثقال زال عنه مرض كذا، وأمن من مرض كذا، فيؤثر عنه تلك الكلية، ويعمل بها، ~~فيجعل الله في ذلك نفعا كثيرا، وتأمل حال الملك الحكيم الناظر في إصلاح ~~المدينة وسياسة الجيوش كيف ينظر إلى الأراضي وريعها، وإلى الزراع ومؤنتهم، ~~وإلى الحراس وكفايتهم، فيضرب العشر والخراج حسب ذلك، وكيف يقيم هيئات ~~محسوسة وقرائن مقام الأخلاق والملكات التي يجب وجودها في الأعوان، فيتخذهم ~~على ذلك القانون وكيف ينظر إلى الحاجات التي لا بد من كفايتها، وإلى ~~الأعوان وكثرتهم، فيوزعهم توزيعا يكفي المقصود، ولا يضيق عليهم، وتأمل حال ~~معلم الصبيان بالنسبة إلى صبيانه، والسيد بالنسبة إلى غلمانه يريد هذا ~~تعليمهم، وذلك كفاية الحاجة المقصودة بأيديهم، وهم لا يعرفون حقيقة ~~المصلحة، ولا يرغبون في إقامتها، ويتسللون، ويعتذرون، يعتذرون، ms120 ويحتالون ~~كيف يعرفان مظنة الثلمة قبل وقوعها، فيسدان الخلل، ولا يخاطبانهم إلا ~~بطريقة ليلها نهارها، ونهارها ليلها، لا يجدون منها حيلة، ولا يتمكنون من ~~التسلل وهي تقضي إلى المقصود من حيث يعلمون أو لا يعلمون. # PageV01P161 # وبالجملة فكل من تولى لإصلاح جم غفير مختلفة استعدادهم، وليسوا من الأمر ~~على بصيرة ولا فيه على رغبة يضطر إلى تقدير وتوقيت وتعيين أوضاع وهيئات ~~يجعلها العمدة في المطالبة والمؤاخذة. # وأعلم أن الله تعالى لما اراد ببعثة الرسل أن يخرج الناس من الظلمات إلى ~~النور، فأوحى إليهم أمره لذلك، وألقى عليهم نوره، ونفث فيهم الرغبة # في إصلاح العالم، وكان اهتداء القوم يومئذ لا يتحقق إلا بأمور ومقدمات ~~وجب في حكمة الله أن يلتوى جميع ذلك في إرادة بعثتهم، وأن يكون افتراض طاعة ~~الرسل وانقيادهم منفسحا إلى افتراض مقدمات الإصلاح، وكل ما لا يتم في العقل ~~أو العادة إلا به فإنه جملة بجر بعضها بعضا، والله لا يخفى عليه خافية، ~~وليس في دين الله جزاف، فلا يعين شيء دون نظائره إلا بحكم وأسباب يعلمها ~~الراسخون في العلم، ونحن نريد ان ننبه على جملة صالحة من تلك الحكم ~~والأسباب، والله أعلم. ### | (باب أسباب نزول الشرائع الخاصة بعصر دون عصر وقوم دون قوم) # والأصل فيه قوله تعالى: # {كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن ~~تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} . # تفسيرها أن يعقوب عليه السلام مرض مرضا شديدا، فنذر لئن عافاه الله ~~ليحرمن على نفسه أحب الطعام والشراب إليه، فلما عوفي حرم على نفسه لحمان ~~الإبل وألبانها، وأقتدى به بنوه في تحريمها، ومضى على ذلك القرون حتى ~~أضمروا في نفوسهم التفريط في حق الأنبياء إن خالفوهم بأكلها، فنزل التوراة ~~بالتحريم، ولما بين النبي صلى اله عليه وسلم أنه على ملة إبراهيم قالت ~~اليهود كيف يكون على ملته وهو يأكل لحوم الإبل وألبانها، فرد الله تعالى ~~عليهم أن كل الطعام كان حلا في الأصل وإنما حرمت الإبل لعارض ms121 لحق باليهود، ~~فلما ظهرت النبوة في بني إسماعيل وهم برآء من ذلك العارض لم يجب رعايته. # وقول النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة التراويح " ما زال بكم الذي رأيت ~~من صنيعكم حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوها أيها ~~الناس في بيوتكم " فكبحهم النبي صلى الله عليه وسلم عن جعلها شائعا ذائعا ~~بينهم لئلا تصير من شعائر الدين، فيعتقدوا تركها تفريطا في جنب الله، فتفرض ~~عليهم. # PageV01P162 # وقوله [صلى الله عليه وسلم] : " أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل ~~عن شيء، فحرم لأجل مسألته ". # وقوله [صلى الله عليه وسلم] : " إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها وإني حرمت ~~المدينة كما حرم إبراهيم مكة ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم ~~لمكة ". # وقوله صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن الحج " أهو في كل عام لو قلت نعم ~~لوجبت، ولو وجبت لم تقوموا بها، ولو لم تقوموا بها عذبتم ". واعلم أنه إنما ~~اختلفت شرائع الأنبياء عليهم السلام لأسباب ومصالح، وذلك أن شعائر الله ~~إنما كانت شعائر لمعدات وأن المقادير يلاحظ في شرعها حال المكلفين ~~وعاداتهم. # فلما كانت أمزجة قوم نوح عليه السلام في غاية القوة والشدة كما نبه عليه ~~الحق تعالى - استوجبوا أن يؤمروا بدوام الصيام؛ ليقاوم سورة بهيميتهم، ولما ~~كانت أمزجة هذه الأمة ضعيفة نهوا عن ذلك، وكذلك لم يجعل الله تعالى الغنائم ~~حلالا للأولين، وأحلها لنا لما رأى ضعفنا، وأن مراد الأنبياء عليهم السلام ~~إصلاح ما عندهم من الارتفاقات، فلا يعدل عنها إلى ما يباين المألوف إلا ما ~~شاء الله، وأن مظان المصالح تختلف باختلاف الأعصار والعادات، ولذلك صح وقوع ~~النسخ، وإنما مثله كمثل الطبيب يعمد إلى حفظ المزاج المعتدل في جميع ~~الأحوال، فتختلف أحكامه باختلاف الأشخاص والزمان، فيأمر الشاب بما لا يأمر ~~به الشائب، ويأمر في الصيف # بالنوم في الجو لما يرى أن الجو مظنة الاعتدال حينئذ، ويأمر في الشتاء ~~بالنوم داخل البيت لما يرى أنه مظنة البرد حينئذ. # فمن عرف أصل ms122 الدين وأسباب اختلاف المناهج لم يكن عنده تغيير ولا تبديل ~~ولذلك نسبت الشرائع إلى أقوامها، ورجعت اللائمة إليهم حين استوجبوا بها بما ~~عندهم من الاستعداد، وسألوها جهد سؤالهم بلسان الحال، وهو قوله تعالى: # {فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون} . # ولذلك ظهر فضل أمة نبينا صلى الله عليه وسلم حين استحقوا تعيين الجمعة ~~لكونهم أميين برآء من العلوم المكتسبة، واستحقت اليهود السبت لاعتقادهم أنه ~~يوم فرغ الله فيه من الخلق وأنه أحسن شيء لأداء العبادة مع أن الكل بأمر ~~الله ووحيه، ومثل الشرائع في ذلك كمثل العزيمة يؤمرون بها أولا، ثم يكون ~~هنالك أعذار وحرج، فتشرع لهم الرخص لمعنى # PageV01P163 # يرجع إليهم فربما توجه بذلك بعض اللائمة إليهم لكونهم استوحبوا ذلك بما ~~عندهم قال الله تعالى: # {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} . # وقال النبي [صلى الله عليه وسلم] : " ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب ~~للب الرجل الحازم من إحداكن " وبين نقصان دينهن بقوله " أرأيت أنها إذا ~~حاضت لم تصل، ولم تصم ". # واعلم أن أسباب نزول المناهج في صورة خاصة كثيرة لكنها ترجع إلى نوعين. # أحدهما كالأمر الطبيعي الموجب لتكليفهم بتلك الأحكام، فكما أن لأفراد ~~الإنسان جميعها طبيعة وأحوالا ورثتها من النوع توجب تكليفهم بأحكام، كما أن ~~الأكمه لا يكون في خزانة خياله الألوان والصور، وإنما هنالك الألفاظ ~~والملموسات ونحو ذلك، فاذا تلقى من الغيب علما في رؤيا أو واقعة أو نحو ~~ذلك، فإنما يتشبح علمه في صورة ما اختزنه خياله دون غيره، وكما أن العربي ~~الذي لا يعرف غير لغة العرب إذا تمثل له علم في نشأة اللفظ، فإنما يتمثل له ~~في لغة العرب دون غيرها، وكما أن البلاد التي يوجد فيها الفيل وغيره من ~~الحيوانات سيئة المنظر يتراءى لأهلها إلمام الجن وتخويف الشياطين في صورة ~~تلك الحيوانات دون غير تلك البلاد، والتي يعظم فيها بعض الأشياء، ويوجد ~~فيها بعض الطيبات من الأطعمة والألبسة - تتراءى لأهلها النعمة وانبساط ~~الملائكة في تيك الصور دون غير ms123 تلك البلاد، وكما أن العربي المتوجه إلى شيء ~~ليفعله أو طريق ليسلكه إذا سمع لفظة راشد أو نجيح كان دليلا على حسن ما ~~يستقبله دون غير العربي وقد جاءت السنة ببعض هذا النوع - فكذلك يعتبر في ~~الشرائع علوم مخزونة في القوم واعتقادات كامنة فيهم وعادات تتجارى فيهم كما ~~يتجارى الكلب. # ولذلك نزل تحريم لحوم الابل وألبانها على بنى إسرائيل دون بني إسماعيل، ~~ولذلك كان الطيب والخبيث في المطاعم مفوضا إلى عادات العرب، ولذلك حرمت ~~بنات الأخت علينا دون اليهود، فانهم كانوا يعدونها من قوم أبيها لا مخالطة ~~بينهم وبينها، ولا ارتباط، ولا اصطحاب، فهي كالأجنبية بخلاف العرب، ولذلك ~~كان طبخ العجل في لبن أمه حراما عليهم دوننا، فان علم كون ذلك تغييرا لخلق ~~الله ومصادمة لتدبير الله حيث صرف # ما خلقه الله لنشء العجل ونموه إلى فك بنيته وحل تركيبه كان راسخا في ~~اليهود متجاريا فيهم، وكان العرب أبعد خلق الله عن هذا العلم حتى لو ألقى ~~عليهم لما فهموه، ولما أدركوا المناط المناسب للحكم، # PageV01P164 # والمعتبر في نزول الشرائع ليس العلوم والحالات والعقائد المتمثلة في ~~صدورهم فقط، بل أعظمها اعتبارا، وأولاها اعتدادا ما نشأوا عليه واندفعت ~~عقولهم إليه من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون، كما ترى ذلك في علاقات تمثل ~~شيء بصورة غيره كتمثل منع الناس عن السحور في صورة الختم على الأفواه، فان ~~الختم شبح المنع عند القوم استحضروه أم لا. # وحق الله على عباده في الأصل أن يعظموه غاية التعظيم، ولا يقدموا على ~~مخالفة أمره بوجه من الوجوه، والواجب فيما بين الناس أن يقيموا مصلحة ~~التأليف والتعاون، ولا يؤذى أحد أحدا إلا إذا أمر به الرأى الكلي ونحو ذلك، ~~ولذلك كان الذي وقع على امرأة يعلم أنها أجنبية - قد أرخى بينه وبين الله ~~حجاب، وكتب ذلك من اجترائه على الله، وإن كانت امرأته في الحقيقة لأنه أقدم ~~على مخالفة أمر الله وحكمه، والذي وقع على أجنبية وهو يعلم أنها امرأته لا ~~يألوا في ذلك معذورا فيما بينه ms124 وبين الله، وكان الذي نذر الصوم ماخوذا ~~بنذره دون من لم ينذر، وكان من تشدد في الدين شدد عليه، وكانت لطمة اليتيم ~~للتاديب حسنة، وللتعذيب سيئة، وكان المخطئ والناسى معفوا عنهما في كثير من ~~الأحكام، فهذا الأصل يتلقاه علوم القوم وعاداتهم الكامنة منها والبارزة، ~~فيتشخص الشرائع في حقهم حسب ذلك. # واعلم أن كثيرا من العادات والعلوم الكامنة يتفق فيها العرب والعجم وجمع ~~سكان الأقاليم المعتدلة وأهل الأمزجة القابلة للأخلاق الفاضلة. كالحزن ~~لميتهم واستحباب الرفق به. وكالفخر بالأحساب والأنساب. # وكالنوم إذا مضى ربع الليل أو ثلثه. أو نحو ذلك. والاستيقاظ في تباشير ~~الصبح إلى غير ذلك مما أو ما نا إليه في الارتفاقات. فتلك العادات والعلوم ~~أحق الأشياء بالاعتبار ثم بعدها عادات وعقائد تختص بالمبعوث إليهم. فتعتبر ~~تلك أيضا وقد جعل الله لكل شيء قدرا. # واعلم أن النبوة كثيرا ما تكون من تحت الملة كما قال الله تعالى: {ملة ~~أبيكم إبراهيم} . # وكما قال: {وإن من شيعته لإبراهيم} . # وسر ذلك أنه تنشأ قرون كثيرة على التدين بدين. وعلى تعظيم شعائره. وتصير ~~أحكامه من المشهورات الذائعة اللاحقة بالبديهيات الأولية التي لا تكاد ~~تنكر. فتجيء نبوة أخرى لإقامة ما اعوج منها: وصلاح ما فسد منها بعد اختلاط ~~رواية نبيها، فتفتش عن الأحكام # PageV01P165 # المشهورة عندهم، فما كان صحيحا موافقا لقواعد السياسة الملية لا تغيره، ~~بل تدعو إليه، وتحث عليه، وما كان سقيما قد دخله التحريف، فإنها تغيره، ~~بقدر الحاجة، وما كان حريا أن يزداد، فإنها تزيده على ما كان عندهم، وكثيرا ~~ما يستدل هذا النبي في مطالبه بما بقي عندهم من الشريعة الأولى، فيقال عند ~~ذلك هذا النبي في ملة فلان النبي أو من شيعته، وكثيرا ما تختلف النبوات ~~لاختلاف الملل النازلة تلك النبوة فيها. # والنوع الثاني بمنزلة طارئ عارض، وذلك أن الله تعالى وإن كان # متعاليا عن الزمان، فله ارتباط بوجه من الوجوه بالزمان والزمانيات، وقد ~~أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يقضي بعد كل مائة بحادثة عظيمة من ~~الحوادث، وأخبر آدم ms125 وغيره من الأنبياء عليهم السلام في حديث الشفاعة بشيء ~~من هذا الباب حيث قال كل واحد منهم: " إن ربي تبارك وتعالى قد غضب اليوم ~~غضبا لم يغضبه قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله " فإذا تهيأ العالم لإفاضة ~~الشرائع وتعيين الحدود، وتجلى الحق منزلا عليهم الدين، وامتلأ الملأ الأعلى ~~بهمة قوية حسب ذلك يكون حينئذ أدنى سبب من الأسباب الطارئة كافيا في قرع ~~باب الجود، ومن دق باب الكريم انفتح، ولك عبرة بفصل الربيع يؤثر في أدنى ~~شيء من الغرس والبذر ما لا يؤثر في غيره أضعاف ذلك، وهمة النبي صلى الله ~~عليه وسلم، واستشرافه للشيء، ودعوته له، واشتياقه إليه، وطلبه إياه سبب قوي ~~لنزول القضاء في ذلك الباب، وإذا كانت دعوته تحيي السنة الشهباء، وتغلب فئة ~~عظيمة من الناس، وتزيد الطعام والشراب زيادة محسوسة، فما ظنك في نزول الحكم ~~الذي هو روح لطيف إنما يتعين بوجود مثالي، وعلى هذا الأصل ينبغي أن يخرج أن ~~حدوث حادثة عظيمة فخيمة في ذلك الزمان يفزع لها النبي صلى الله عليه وسلم، ~~كقصة الإفك، وسؤال سائل يراجع النبي صلى الله عليه وسلم ويحاوره فيهم له ~~صلى الله عليه وسلم كقصة الظهار يكون سببا لنزول الأحكام، وأن يكشف عليه ~~فيها جلية الحال، وأن استبطاء القوم عن الطاعة وتبلدهم عن الانقياد، ~~وإخلادهم عن العصيان، وكذا رغبتهم في شيء، وعضهم عليه بالنواجذ، واعتقادهم ~~التفريط في جنب الله عند تركه - يكون سببا لأن يشدد عليهم بالوجوب الأكيد ~~والتحريم الشديد، ومثل ذلك كله في استمطار الجود كمثل الإنسان الصالح قوي ~~الهمة يتوخى ساعة انتشار # الروحانية وقوة السعادة، فيسأل الله فيها بجهد همته، فلا تتراخى إجابته، ~~وإلى هذه المعاني وقعت الإشارة في قوله تبارك وتعالى: # {يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسئلوا ~~عنها حين ينزل القرآن تبد لكم} . # وأصل المرضى أن يقل هذا النوع من أسباب نزول الشرائع لأنه يعد لنزول ما ~~يغلب # PageV01P166 # فيه حكم المصلحة الخاصة بذلك الوقت، فكثيرا ما كان تضييقا ms126 على الذين ~~يأتون من بعد، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره المسائل، وكان ~~يقول: " ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على ~~أنبيائهم ". وقال: " إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل شيئا فحرم ~~لأجل مسئلته " وجاء في الخبر: " أن بني إسرائيل لو ذبحوا أي بقرة شاءوا كفت ~~عنهم لكن شددوا فشدد عليهم " والله أعلم. ### | (باب أسباب المؤاخذة على المناهج) # لنبحث عن المناهج والشرائع التي ضربها الله تعالى لعباده هل يترتب الثواب ~~والعذاب عليها كما يترتب على أصول البر والاثم، أو لا يترتب إلا على ما ~~جعلت مظنات وأشباحا وقوالب له؟ فمن ترك صلاة وقت من الأوقات، وقلبه مطمئن ~~بالاخبات، هل يعذب بتركها؟ ومن صلى صلاة وأدى الأركان والشروط حسبما يخرج ~~عن العهدة، ولم يرجع بشيء من الاخبات، ولم يدخل ذلك في صميم قلبه هل يثاب ~~على فعلها؟ وليس الكلام في كون معصية المناهج مفسدة عظيمة من جهة كونها ~~قدحا في السنة الراشدة، وفتحا لباب الإثم، وغشا بالنسبة إلى جماعة ~~المسلمين، وضررا للحي والمدينة والإقليم بمنزلة سيل سد مجراه لمصلحة ~~المدينة، فجاء رجل، # ونقب السد، ونجا بنفسه وأهلك أهل مدينته، ولكن الكلام فيما يرجع إلى نفسه ~~من إحاطة السيئات بها أو إحاطة الحسنات. # فذهب أهل الملل قاطبة إلى أنها توجب الثواب والعذاب بنفسها، فالمحققون ~~منهم والراسخون في العلم والحواريون من أصحاب الأنبياء عليهم السلام يدركون ~~مع ذلك وجه المناسبة والارتباط لتلك الأشباح والقوالب بأصولها وأرواحها، ~~وعامة حملة الدين ووعاة الشرائع يكتفون بالأول، وذهب فلاسفة الإسلام إلى أن ~~العذاب والثواب إنما يكونان على الصفات النفسانية والأخلاق المتشبثة بذيل ~~الروح، وإنما ذكر قوالبها وأشباحها في الشرائع تفهيما وتقريبا للمعاني ~~الدقيقة إلى أذهان الناس، هذا تحرير المقام على مشرب القوم. # أقول: والحق ما ذهب إليه المحققون من أهل الملل - بيان ذلك أن الشرائع ~~لها معدات وأسباب تشخصها، وترجح بعض محتملاتها على بعض، والحق يعلم أن ~~القوم لا يستطيعون العمل بالدين إلا بتلك الشرائع والمناهج، ويعلم أن هذه ~~الأوضاع ms127 هي التي يليق أن تكون عليهم، فتندرج في عناية الحق بالقوم أزلا، ثم ~~لما تهيأ العالم لفيضان صور الشرائع وإيجاد شخوصها المثالية، فاوجدها ~~وأفاضها، وتقرر هنالك أمرها - كانت أصلا من الأصول، ثم لما فتح الله على ~~الملأ الأعلى هذا العلم، # PageV01P167 # وألهمهم أن المظنات قائمة مقام الأصول، وأنها أشباحها وتماثيلها، وأنه لا ~~يمكن تكليف القوم إلا بتلك - حصل في حظيرة القدس إجماع ما على أنها هي ~~بمنزلة اللفظ بالنسبة إلى الحقيقة الموضوع لها، والصورة الذهنية بالنسبة ~~إلى الحقيقة الخارجية المنتزعة منها، والصورة التصويرية بالنسبة إلى من ~~انتقشت مكشافا له، والصورة الخطية بالنسبة إلى الألفاظ الموضوعة هي لها، ~~فإنه في كل ذلك لما قويت العلاقة بين الدال والمدلول، وحصل بينهما تلازم ~~وتعانق أجمع في حيز ما من الأحياز أنه هو، ثم ترشح شبح هذا العلم أو حقيقته ~~في مدركات # بني آدم عربهم وعجمهم، فاتفقوا عليه، فلن ترى أحدا إلا ويضمر في نفسه ~~شعبة من ذلك، وربما سميناه وجودا شبيها للمدلول، وربما كان لهذا الوجود ~~آثار عجيبة لا تخفى على المتتبع، وقد روعي في الشرائع بعض ذلك، ولذلك جعلت ~~الصدقة من أوساخ المتصدقين، وسرت شناعة العمل في الأجرة، ثم لما بعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وأيد بروح القدس، ونفث في روعه إصلاح القوم، وفتح ~~لجوهر روحه فج واسع إلى الهمة القوية في باب نزول الشرائع وصدور الشخوص ~~المثالية، فعزم على ذلك أقصى عزيمته، ودعا للموافقين، ولعن على المخالفين ~~بجهد همته، وأن هممهم تخترق السبع الطباق، وأنهم يستسقون، وما هنالك قزعة ~~سحاب، فتنشأ أمثال الجبال في الحال وأنهم يدعون، فيحيى الموتى بدعوتهم - ~~تأكد انعقاد الرضا والسخط في حظيرة القدس، وهو قوله صلى الله عليه وسلم " ~~إن إبراهيم نبيك وعبدك دعا لمكة وأنا أدعو للمدينة " الحديث. # ثم إن هذا العبد إذا علم أن الله تعالى أمره بكذا وكذا، وأن الملأ الأعلى ~~تؤيد النبي صلى الله عليه وسلم فيما يأمر، وينهى، وعلم أن إهمال هذا ~~والإقدام على ذلك اجتراء على الله وتفريط في جنب الله، ms128 ثم أقدم على العمل ~~عن قصد وعمد، وهو يرى ويبصر - فإن ذلك لا يكون إلا لغاشية عظيمة من الحجب ~~وانكسار تام للملكية، وذلك يوجب قيام خطيئة بالنفس، وإذا أقدم على عمل شاق ~~تنجم عنه طبيعته لا لمراءة الناس، بل تقربا من الله وحفظا على مرضياته، فإن ~~ذلك لا يكون إلا لغاشية عظيمة من الإحسان وانكسار تام للبهيمية، وذلك يوجب ~~قيام حسنة بالنفس، أما من ترك صلاة وقت من الأوقات، فيجب أن يبحث عنه لم ~~تركها؟ وأي شيء حمله على ذلك؟ فإن نسيها، أو نام عنها، أو جهل وجوبها، أو ~~شغل عنها بما لا يجد منه بدا، فنص الملة أنه ليس بآثم، وإن تركها وهو يعلم، ~~ويتذكر، # وأمره بيده، فإن ذلك لا يكون لا محالة إلا من حزازة في دينه، وغاشية ~~شيطانية أو نفسانية غشيت بصيرته، وهو يرجع إلى نفسه، وأما من صلى صلاة، ~~وخرج عن عهدة ما وجب عليه، # PageV01P168 # فيجب أن يبحث عنه، أيضا إن فعلها رياء وسمعة أو جريانا على عادة قومه أو ~~عبثا - فنص الملة أنه ليس بمطيع، ولا يعتد بفعله ذلك، وإن فعلها تقربا من ~~الله، وأقدم عليها إيمانا واحتسابا وتصديقا بالموعود، واستحضر النية وأخلص ~~دينه لله - فلا جرم أنه فتح بينه وبين الله باب، ولو كرأس إبرة، وأما من ~~أهلك المدينة، ونجا بنفسه فلا نسلم أنه نجا بنفسه، كيف وهنالك لله ملائكة ~~أقصى همتهم الدعاء لمن يسعى في إصلاح العالم، وعلى من سعى في إفساده، وأن ~~دعوتهم تقرع باب الجود، ويكون سببا لنزول الجزاء بوجه من الوجوه، بل هنالك ~~لله تعالى عناية بالناس توجب ذلك، ولدقة مدركها جعلنا دعوة الملائكة عنوانا ~~لها، والله أعلم. ### | (باب أسرار الحكم والعلة) # اعلم أن للعباد أفعالا يرضى لأجلها رب العالمين عنهم، وأفعالا يسخط ~~لأجلها عليهم، وأفعالا لا تقتضي رضا ولا سخطا، فاقتضت حكمته البالغة ورحمته ~~التامة أن يبعث إليهم الأنبياء، ويخبرهم على ألسنتهم بتعلق الرضا والسخط ~~بتلك الأفعال، ويطلب منهم الفصل الأول، وينهى عن الثاني، ويخيرهم فيما سوى ~~ذلك: {ليهلك ms129 من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة} . # فتعلق الرضا والسخط بالفعل، وكونه غفلا منهما، وكون الشيء بحيث يطلب ~~منهم، وينهون عنه، ويخيرون فيه أيا ما شئت، فقل هو الحكم. # والطلب منه مؤكد يقتضي الرضا والثواب على فعل المطلوب، والسخط # والعقاب على تركه، ومنه غير مؤكد يقتضي الرضا والثواب على فعل المطلوب ~~دون السخط والعقاب على تركه. # وكذلك النهي منه مؤكد يقتضي الرضا والثواب على الكف منه لأجل النهي، ~~ويقتضي السخط والعقاب على فعل المنهي عنه، ومنه غير مؤكد يقتضي الرضا ~~والثواب على الكف عنه لأجل النهي دون السخط والعقاب على فعله واعتبر بما ~~عندك من ألفاظ الطلب والمنع وبمحاورات الناس في ذلك، فإنك ستجد # PageV01P169 # تثنية كل قسم من جهة سريان الرضا والسخط في ضد المنطوق أولا أمرا طبيعيا ~~لا محيص عنه، فالأحكام خمسة: إيجاب، وندب، وإباحة، وكراهية، وتحريم، والذي ~~يؤتى به في مخاطبة الناس لا يمكن أن يكون حال كل فعل على حدته من أفعال ~~المكلفين لعدم انحصارها، ولعدم استطاعة الناس الإحاطة بعلمها، فوجب إذا أن ~~يكون ما يخاطبون به قضايا كلية معنوية بوحدة تنظم كثرة، ليحيطوا بها علما، ~~فيعرفوا منها حال أفعالهم، ولك عبرة بالصناعات الكلية التي جعلت لتكون ~~قانونا في الأمور الخاصة يقول النحوي: الفاعل مرفوع فيعي مقالته السامع، ~~فيعرف بها حال زيد في قولنا قام زيد، وعمر في قولنا قعد عمر، وهلم جرا، ~~وتلك الوحدة التي تنظم كثرة هي العلة التي يدور الحكم على دوراناها وهي ~~قسمان: # قسم يعتبر فيها حالة توجد في المكلفين، ولا يمكن أن تكون حالة دائمة لا ~~تنفك عنهم، فيكون مضمون الخطاب تكليفهم بالأمر دائما إذ لا يستطيعون ذلك ~~اللهم إلا في الإيمان خاصة فلا جرم أن تعتبر حالة مركبة من صفة لازمة في ~~المكلف بها يصح كونه مخاطبا وهيئة طارئة تنوبه مرة بعد مرة، وأكثر ما يكون ~~هذا القسم في العبادات والهيئة إما وقت أو استطاعة ميسرة أو مظنة حرج، أو ~~إرادة شيء، ونحو ذلك كقول الشرع " من أدرك وقت ms130 الصلاة، وهو عاقل بالغ وجب ~~عليه أن يصليها، ومن شهد الشهر، وهو عاقل بالغ مطيق وجب عليه أن يصومه، ومن ~~ملك نصابا، وحال عليه الحول وجب أن يزكيه، ومن كان على سفر جاز له القصر ~~والإفطار، ومن أراد # الصلاة، وكان محدثا وجب عليه الوضوء " وفي مثل هذا ربما تسقط الصفات ~~المعتبرة في أكثر الأوامر، وتخص الصفة التي بها امتاز بعضها من البعض، ~~فيسامح بتسميتها علة، فيقال علة الصلاة إدراك الوقت، وعلة الصوم شهود ~~الشهر، وربما يجعل الشارع لبعض تلك الأوصاف دون بعض أثرا، كما جوز تعجيل ~~الزكاة لسنة أو سنتين لمن ملك النصاب دون من لم يملكه، فيعطى الفقيه كل ذي ~~حق حقه، فيخص بعضها بسبب والآخر بالشرط. # وقسم يعتبر فيه حال ما يقع عليه الفعل أو يلابسه، وهي إما صفة لازمة له ~~كقول الشارع: يحرم شرب الخمر، ويحرم أكل الخنزير، ويحرم أكل كل ذي ناب من ~~السباع وكل ذي مخلب من الطير، ويحرم نكاح الأمهات أو صفة طارئة تنوبه كقوله ~~تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} . # وقوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} . # PageV01P170 # وربما يجمع بين اثنين فصاعدا من أحوال ما يقع عليه الفعل، كقول الشارع: ~~يجب رجم الزاني المحصن، وجلد زان غير محصن، وربما يجمع بين حال المكلف وحال ~~ما يقع عليه الفعل، كقول الشارع: يحرم الذهب والحرير على رجال الأمة دون ~~نسائها. # وليس في دين الله جزاف، فلا يتعلق الرضا والسخط بتلك الأفعال إلا بسبب، ~~وذلك أن ههنا شخوصا يتعلق بها الرضا والسخط في الحقيقة وهي نوعان: أحدهما ~~البر والاثم والارتفاقات وإضاعتها وما يحذو حذو ذلك، وثانيهما ما يتعلق ~~بالشرائع والمناهج من سد باب التحريف والاحتراز # من التسلل ونحو ذلك، ولها محال ولوازم يتعلقان بها بالغرض، وينسبان إليها ~~توسعا، نظيره ما يقال من أن علة الشفاء تناول الدواء، وإنما العلة في ~~الحقيقة نضج الأخلاط أو إخراجها وهو شيء يعقب الدواء في العادة، وليس هو ~~هو، ويقال علة الحمى قد تكون الجلوس في الشمس، وقد تكون ms131 الحركة المنعبة، ~~وقد تكون تناول غذاء حار، والعلة في الحقيقة سخونة الأخلاط، وهي واحدة في ~~ذاتها ولكنها طرق إليها وأشباح لها، وكان الاكتفاء بالأصول وترك اعتبار ~~تعدد الطرق والمحال لسان المتعقمين في الفنون النظرية دون العامة، وإنما ~~نزل الشرع بلسان الجمهور، ويجب أن يكون علة الحكم صفة يعرفها الجمهور ولا ~~تخفى عليهم حقيقتها ولا وجودها من عدمها، ويكون مظنة لأصل من الأصول التي ~~تعلق بها الرضا والسخط إما لكونها مفضية إليه، أو مجاورة له، ونحو ذلك كشرب ~~الخمر فإنه مظنة لمفاسد يتعلق بها السخط من الإعراض عن الإحسان والإخلاد ~~إلى الأرض وإفساد نظام المدينة والمنزل، وكان لازما لها غالبا، فتوجه المنع ~~إلى نوع الخمر. # وإذا كان لشيء لوازم وطرق لم يخص للعلية منها إلا ما تميز من سائر ما ~~هنالك برجحان من جهة الظهور والانضباط أو من جهة لزوم الأصل أو نحو ذلك ~~كرخصة القصر والإفطار - أديرت على السفر والمرض دون سائر مظنات الحرج؛ لأن ~~الأكساب الشاقة كالفلاحة والحدادة وإن كان يلزمها الحرج لكنها مخلة بالطاعة ~~لأن المكتسب بها يداوم عليها، ويتوقف عليها معاشه وأما وجود الحر والبرد ~~فغير منضبط لأن لهما مراتب مختلفة يعسر إحصاؤها وتعيين شيء منها بأمارات ~~وعلامات، وإنما يعتبر عند السبر مظنات كانت في الأمة الأولى أكثرية معروفة، ~~وكان السفر والمرض بحيث لا يشتبه عليهم الأمر فيهما، وإن كان اليوم بعض ~~الاشتباه لانقراض العرب الأول وتعمق الناس في الاحتمالات حتى فسد ذوقهم ~~السليم الذي يجده قح العرب، والله أعلم. # PageV01P171 ### | (باب المصالح المقتضية لتعيين الفرائض والأركان والآداب ونحو ذلك) # اعلم أنه يجب عند سياسة الأمة أن يجعل لكل شيء من الطاعات حدان: أعلى ~~وأدنى فالأعلى هو ما يكون مفضيا إلى المقصود منه على الوجه الأتم، والأدنى ~~هو ما يكون مفضيا إلى جملة من المقصود ليس بعدها شيء يعتد به، وذلك لأنه لا ~~سبيل إلى أن يطلب منهم الشيء، ولا يبين لهم أجزاءه وصورته ومقدار المطلوب ~~منه، فإنه ينافي موضوع الشرع، ولا سبيل إلى أن يكلف الجميع بإقامة ms132 الآداب ~~والمكملات لأنه بمنزلة التكليف بالمحال في حق المشتغلين أو المتعسر، وإنما ~~بناء سياسة الأمة على الاقتصاد دون الاستقصاء، ولا سبيل إلى أن يهمل ~~الأعلى، ويكتفي بالأدنى، فإنه مشرب السابقين وحظ المخلصين، وإهمال مثله لا ~~يلائم اللطف، فلا محيص إذا من أن يبين الأدنى، ويسجل على التكليف به، ويندب ~~إلى ما يزيد عليه من غير إيجاب، والذي يسجل على التكليف به ينقسم إلى مقدار ~~مخصوص من الطاعة كالصلوات الخمس وصيام رمضان، وإلى أبعاض لها لا يعتد بها ~~بدونها كالتكبير وكقراءة فاتحة الكتاب للصلاة وتسمى بالأركان، وأمور خارجة ~~منها لا يعتد بها بدونها وتسمى بالشروط كالوضوء للصلاة. # واعلم أن الشيء قد يجعل ركنا بسبب يشبه المذهب الطبيعي، وقد يجعل بسبب ~~طارئ. # فالأول أن تكون الطاعة لا تتقوم ولا تفيد فائدتها إلا به كالركوع والسجود ~~في الصلاة والإمساك عن الأكل والشرب والجماع في الصوم، أو يكون ضبطا لمبهم ~~خفي لا بد منه فيها كالتكبير، فإنه ضبط للنية واستحضار لها، وكالفاتحة ~~فإنها ضبط للدعاء، وكالسلام فإنه ضبط للخروج من الصلاة بفعل صالح لا ينافي ~~الوقار والتعظيم. # والثاني أن يكون واجبا بسبب آخر من الأسباب، فيجعل ركنا في الصلاة، لأنه ~~يكملها، ويوفر الغرض منها، ويكون التوقيت بها أحسن توقيت # كقراءة سورة من القرآن على مذهب من يجعلها ركنا، فإن القرآن من شعائر ~~الله، يجب تعظيمه، وألا يترك ظهريا، ولا أحسن في التوقيت من أن يؤمروا بها ~~في آكد عباداتهم وأكثرها وجودا وأشملها تكليفا، أو يكون التمييز بين ~~مشتبهين أو التفريق بين مقدمة والشيء المستقل - موقوفا على شيء، # PageV01P172 # فيجعل ركنا، ويؤمر به كالقومة بين الركوع والسجود بها يحصل الفرق بين ~~الإنحناء الذي هو مقدمة السجود، وبين الركوع الذي هو تعظيم برأسه، ~~وكالإيجاب والقبول والشهود وحضور الولي ورضا المرأة في النكاح، فإن التميز ~~بين السفاح والنكاح لا يحصل إلا بذلك، ويمكن أن يخرج بعض الأركان على ~~الوجهين جميعا. # وعلى ما ذكرنا في الركن ينبغي أن يقاس حال الشرط، فربما يكون الشيء واجبا ~~بسبب من الأسباب، فيجعل ms133 شرطا لبعض شعائر الدين تنويها به، ولا يكون ذلك حتى ~~تكون تلك الطاعة كاملة بانضمامه كاستقبال القبلة لما كانت الكعبة من شعائر ~~الله وجب تعظيمها، وكان من أعظم التعظيم أن تستقبل في أحسن حالاتهم، وكان ~~الاستقبال إلى جهة خاصة هنالك بعض شعائر الله، منها للمصلي على صفات ~~الأخبات والخضوع، مذكرا له هيئة قيام العبيد بين أيدي سادتهم جعل استقبال ~~القبلة شرطا في الصلاة. # وربما يكون الشيء لا يفيد فائدة بدون هيئة، فيشترط لصحته كالنية، فإن ~~الأعمال إنما تؤثر لكونها أشباح هيآت نفسانية، والصلاة شبح الاخبات، ولا ~~إخبات بدون النية، وكاستقبال القبلة أيضا على تخريج آخر، فإن توجيه القلب ~~لما كان خفيا نصب توجيه الوجه إلى الكعبة التي من شعائر الله مقامه، ~~وكالوضوء وستر العورة وهجر الرجز، فإنه لما كان التعظيم أمرا خفيا نصبت ~~الهيآت التي يؤاخذ الإنسان بها نفسه عند الملوك وأشباههم، ويعدونها # تعظيما، وصار ذلك كامنا في قلوبهم، وأجمع عليه عربهم وعجمهم مقامه. # وإذا عين شيء من الطاعات للفرضية فلا بد من ملاحظة أصول: منها ألا يكلف ~~إلا بالميسر، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم ~~بالسواك عند كل صلاة " وتفسيره ما جاء في رواية أخرى " لولا أن أشق على ~~أمتي لفرضت عليهم السواك عند كل صلاة كما فرضت عليهم الوضوء ". ومنها أن ~~الأمة إذا اعتقدت في مقدار أن تركه وإهماله تفريط في جنب الله، واطمأنت به ~~نفوسهم إما لكونه مأثورا عن الأنبياء مجمعا عليه من السلف أو نحو ذلك - ~~كانت الحكمة أن يكتب ذلك المقدار عليهم كما استوجبوه، كتحريم لحوم الإبل ~~وألبانها على بني إسرائيل وهو قوله صلى الله عليه وسلم في قيام ليالي رمضان ~~حتى: " خشيت أن يكتب عليكم ". # ومنها إلا يسجل على التكليف بشيء حتى يكون ظاهرا منضبطا لا يخفى عليهم، ~~فلذلك لا يجعل من أركان الإسلام الحياء وسائر الأخلاق، وأن كانت من شعبة. # PageV01P173 # ثم الأدنى قد يختلف باختلاف حالتي الرفاهية والشدة، فيجعل القيام ركنا ~~للصلاة في حق المطيق، ويجعل القعود ms134 مكانه في حق غيره. # وأما الحد الأعلى فيزيد كما وكيفا: أما الكم فنوافل من جنس الفرائض، كسنن ~~الرواتب وصلاة الليل وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وكالصدقات المندوبة ونحو ~~ذلك، وأما الكيف فهيآت وأذكار وكف لا يلائم الطاعة يؤمر بها في الطاعة ~~لتكمل، وتكون مفضية إلى المقصود منها على الوجه الاتم كتعهد المغابن ويؤمر ~~به في الوضوء لتكمل النظافة، وكالابتداء باليمين # يؤمر به لتكون النفس متنبهة على عظم أمر الطاعة، وتقبل عليها حين أخذت ~~نفسها بما يفعل في الأعمال المهمة. # واعلم أن الإنسان إذا أراد أن يحصل خلقا من الأخلاق، وتنصبغ نفسه، ويحيط ~~بها من جميع جوانبها، فحيلة ذلك أن يؤاخذ نفسه بما يناسب ذلك الخلق من فعل ~~وهيآت ولو في الأمور القليلة التي لا يعبأ بها العامة، كالمترن على الشجاعة ~~يؤاخذ نفسه ألا ينحجم عن الخوض في الوحل والمشي في الشمس والسري في الليلة ~~الظلماء ونحو ذلك، وكذلك المتمرن على الاخبات يحافظ على الآداب العظيمة كل ~~حال، فلا يجلس على الغائط إلا مطرقا مستحييا وإذا ذكر الله جمع أطرافه ونحو ~~ذلك وكذلك المتمرن على الاخبات يحافظ على الآداب العظيمة كل حال، فلا يجلس ~~على الغائط إلا مطرقا مستحييا وإذا ذكر الله جمع أطرافه ونحو ذلك، والمتمرن ~~على العدالة يجعل لكل شيء حقا، فيجعل اليمين للأكل والطيبات، واليسار ~~لإزالة النجاسة، وهو سر ما قيل عن للنبي صلى الله عليه وسلم في السواك " ~~كبر كبر " وقوله صلى الله عليه وسلم في قصة حويصة ومحيصة " كبر الكبر " ~~فهذا أصل أبواب من الآداب. # واعلم أن سر قوله صلى الله عليه وسلم: " إن الشيطان يأكل بشماله " ونحو ~~ذلك من نسبة بعض الأفعال إلى الشياطين - على ما فهمني ربي تبارك وتعالى - ~~أن الشياطين قد أقدرهم الله تعالى على أن يتشكلوا في رؤيا الناس ولابصارهم ~~في اليقظة بأشكال تعطيها أمزجتهم وأحوال طارئة عليهم في وقت # التشكل، وقد علم أهل الوجدان السليم أن مزاجهم يعطي # PageV01P174 # التلبس بأفعال شنيعة وأفعال تميل إلى طيش وضجر والتقرب من النجاسات ~~والقسوة ms135 عن ذكر الله والإفساد لكل نظام مستحسن مطلوب. # وأعنى بالأفعال الشنيعة ما إذا فعله الإنسان اشمأزت قلوب الناس عنه ~~واقشعرت جلودهم، وانطلقت ألسنتهم باللعن والطعن، ويكون ذلك، كالمذهب ~~الطبيعي لبني آدم تعطيه الصورة النوعية، ويستوي فيه طوائف الأمم لا ~~للمحافظة على رسم قوم دون قوم أو ملة دون ملة، مثل أن يقبض على ذكره، ويثب، ~~ويرقص، أو يدخل إصبعه في دبره، ويلطخ لحيته بالمخاط، أو يكون أجدع الأنف ~~والأذن مسخم الوجه، أو ينكس لباسه، فيجعل أعلى القميص أسفل، أو يركب دابة، ~~فيجعل وجهه من قبل ذنبها، أو يلبس خف في رجل والرجل الأخرى حافية ونحو ذلك ~~من الأفعال والهيآت المنكرة التي لا يراها أحد إلا لعن، وسب، وشتم وقد ~~شاهدت في بعض الواقعات الشياطين يفعلون بعض ذلك. # وأعنى بأفعال الطيش مثل العبث بثوبه وبالحصى وتحريك الأطراف على وجه ~~منكر. # وبالجملة فقد كشف الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم تلك الأفعال، ~~وأنها تعطيها أمزجة الشياطين، فلا يتمثل الشيطان في رؤيا أحد أو يقظته إلا ~~وهو يتلبس ببعضها، وأن المرضى في حق المؤمن أن يتباعد من الشياطين وهيئاتهم ~~بقدر الاستطاعة، فبين النبي صلى الله عليه وسلم تلك الأفعال والهيآت، ~~وكرهها، وأمر بالاحتراز عنها. # ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: " أن هذه الحشوش محتضرة ". # وقوله صلى الله عليه وسلم: " أن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم " وأنه يضحك ~~إذا قال الإنسان هاه هاه " وقس على ذلك الترغيب في هيآت الملائكة، وهو قوله ~~صلى الله عليه وسلم: " ألا تصفون كما تصف الملائكة " وهذا أصل آخر لأبواب ~~من الآداب. # واعلم أن من أسباب جعل الشيء فرضا بالكفاية أن يكون اجتماع الناس عليه ~~بأجمعهم مفسدا لمعاشهم ومفضيا إلى إهمال ارتفاقاتهم، ولا يمكن تعيين بعض ~~الناس له وتعيين آخرين لغيره، كالجهاد لو اجتمعوا عليه، وتركوا الفلاحة ~~والتجارة والصناعات - لبطل معاشهم، ولا يمكن تعيين بعض الناس للجهاد وآخرين ~~للتجارة وآخرين للفلاحة وآخرين للقضاء وتعليم العلم؛ فإن كل واحد يتيسر له ~~ما لا يتيسر إلى يغيره؛ ms136 ولا يعلم المستعد لشيء من ذلك بالأسامى والأصناف ~~ليدر الحكم عليها. # PageV01P175 # ومنها أن تكون المصلحة المقصودة به وجود نظام، ولا يلحق بتركه فساد حال ~~النفس وغلبة البهيمية، كالقضاء، وتعلم علوم الدين، والقيام بالخلافة، فإنها ~~شرعت للنظام، وتحصل بقيام رجل واحد بها وكعيادة المريض والصلاة على ~~الجنازة، فان المقصود ألا تضيع المرضى والموتى، وتحصل بقيام البعض بها، ~~والله أعلم. ### | (باب أسرار الأوقات) # لا تتم سياسة الأمة إلا بتعيين أوقات طاعاتها، والأصل في التعيين الحدس ~~المعتمد على معرفة حال المكلفين واختيار ما لا يشق عليهم، وهو يكفي من ~~المقصود، ومع ذلك ففيه حكم ومصالح يعلمها الراسخون في العلم، وهي ترجع إلى ~~أصول ثلاث. # أحدها أن الله تعالى وإن كان متعاليا عن الزمان لكن قد تظاهرت # الآيات والأحاديث على أنه في بعض الأوقات يتقرب إلى عباده، وفي بعضها ~~تعرض عليه الأعمال، وفي بعضها يقدر الحوادث إلى غير ذلك من الأحوال ~~المتجددة، وإن كان لا يعلم كنه حقيقتها إلا الله تعالى قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل ~~الآخر " وقال: " إن أعمال العباد تعرض يوم الاثنين ويوم الخميس " وقال في ~~ليلة النصف من شعبان: " إن الله ليطلع فيها " وفي رواية " ينزل فيها إلى ~~السماء الدنيا " والأحاديث في هذا الباب كثيرة معلومة. # وبالجملة فمن ضروريات الدين أن هنالك أوقاتا يحدث فيها شيء من انتشار ~~الروحانية في الأرض وسريان قوة مثالية فيها، وليس وقت أقرب لقبول الطاعات ~~واستجابة الدعوات من تلك الأوقات، ففي أدنى سعي حينئذ يتفتح باب عظيم من ~~انقياد البهيمية للملكية، والملأ الأعلى لا يعرفون انتشار تلك الروحانية ~~وسريان تلك القوة بحساب الدورات الفلكية، بل بالذوق والوجدان، وبأن ينطبع ~~شيء في قلوبهم، فيعلموا أن هنالك قضاء نازلا وانتشارا للروحانية ونحو ذلك، ~~وهذا هو المعبر عنه في الحديث " بمنزلة سلسلة على صفوان ". # والأنبياء عليهم السلام تنطبع تلك العلوم في قلوبهم من الملأ الأعلى، ~~فيدركونها بالوجدان دون حساب الدورات الفلكية، ثم يجتهدون في نصب مظنة ms137 لتلك ~~الساعة، فيأمرون القوم بالمحافظة عليها. # PageV01P176 # فمن تلك الساعات ما يدور بدوران السنين، وذلك بقوله تبارك وتعالى: # {إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا ~~من عندنا إنا كنا مرسلين} # وفيها تعينت روحانية القرآن في السماء الدنيا، واتفق أنها كانت في رمضان. # ومنها ما يدور بدوران الأسبوع، وهي ساعة خفيفة ترجى فيها استجابة الدعاء ~~وقبول الطاعات، وإذا انتقل الناس إلى المعاد كانت تلك هي ساعة تجلى الله ~~عليهم وتقربه منهم، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن مظنتها يوم الجمعة ~~استدل على ذلك بأن الحوادث العظيمة وقعت فيه كخلق آدم عليه السلام، وبأن ~~البهائم ربما تتلقى من الملأ السافل علما بعظم تلك الساعة، فتصير دهشة ~~مرعوبة كالذي هاله صوت عظيم، وأنه شاهد ذلك في يوم الجمعة. ومنها ما يدور ~~بدوران اليوم وتلك روحانية أضعف من الروحانيات الأخرى، وقد أجمعت أذواق من ~~شأنهم التلقي من الملأ الأعلى على أنها أربع ساعات قبيل طلوع الشمس وبعيد ~~استوائها وبعد غروبها وفي نصف الليل إلى السحر، ففي تلك الأوقات وقبلها ~~بقليل وبعدها بقليل تنتشر الروحانية، وتظهر البركة، وليست في الأرض ملة إلا ~~وهي تعلم أن هذه الأوقات أقرب شيء من قبول الطاعات، لكن المجوس كانوا قد ~~حرفوا الدين، فجعلوا يعبدون الشمس من دون الله، فسد النبي صلى الله عليه ~~وسلم مدخل التحريف، فغير تلك الأوقات إلى ما ليس ببعيد منها ولا مفوت لأصل ~~الغرض، ولم يفرض عليهم الصلاة في نصف الليل لما في ذلك من الحرج، وقد صح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن في الليل لساعة لا يوافقها عبد ~~مسلم يسأل الله تعالى فيها خيرا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه " ~~وذلك كل ليلة، وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: " أفضل الصلاة نصف الليل ~~وقليل فاعله " وسئل أي الدعاء أسمع؟ قال " جوف الليل " وقال في ساعة ~~الزوال: " إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، فأحب أن يصعد لي فيها عملا ~~صالح " وقال " ملائكة ms138 النهار تصعد إليه قبل ملائكة الليل ووقال " ملائكة ~~الليل تصعد إليه قبل ملائكة النهار " وقد أشار الله تعالى في محكم كتابه ~~إلى هذه المعاني حيث قال: # PageV01P177 # {فسبحن الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشيا ~~وحين تظهرون} # والنصوص في هذا الباب كثيرة معلومة وقد شاهدت منه أمرا عظيما. # الأصل الثاني أن وقت التوجه إلى الله هو وقت كون الإنسان خاليا عن ~~التشويشات الطبيعية، كالجوع المفرط والشبع المفرط، وغلبة النعاس، وظهور ~~الكلال، وكونه حاقبا حاقنا، والخيالية كامتلاء السمع بالأراجيف واللغط، ~~والبصر بالصور المختلفة والألوان المشوشة، ونحو ذلك من أنواع التشويشات، ~~وذلك مختلف باختلاف العادات، لكن الذي يشبه أن يكون كالمذهب الطبيعي لعربهم ~~وعجمهم ومشارقتهم ومغاربتهم، والذي يليق أن يتخذ دستورا في النواميس ~~الكلية، والذي يعد مخالفة كالشيء النادر - هو الغدوة والدلجة، والإنسان ~~يحتاج إلى مصقلة تزيل عنه الرين بعد تمكنه من نفسه، وذلك إذا أوى إلى ~~فراشه، ومال للنوم؛ ولذلك نهى صلى الله عليه وسلم عن السمر بعد العشاء وعن ~~قرض الشعر بعده. # وسياسة الأمة لا تتم إلا بأن يؤمر بتعهد النفس بعد كل برهة من الزمان حتى ~~يكون انتظاره للصلاة واستعداده لها من قبل أن يفعلها، وبقية لونها وصبابة ~~نورها بعد أن يفعلها في حكم الصلاة، فيتحقق استيعاب اكثر الأوقات إن لم يكن ~~استيعاب كلها، وقد جربنا أن النائم على عزيمة قيام الليل لا يتغلغل في ~~النوم البهيمي، وأن المتوزع خاطره على ارتفاق دنيوي وعلى محافظة وقت صلاة ~~أو ورد ألا يفوته - لا يتجرد للبهيمية، وهذا سر # قوله صلى الله عليه وسلم " من تعار من الليل " الحديث وقوله تعالى: # {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} # ويصلح أن يجعل الفصل بين كل وقتين ربع النهار، فإنه يحتوي على ثلاث ~~ساعات، وهي أول حد كثرة للمقدار المستعمل عندهم في تجزئة الليل والنهار ~~عربهم وعجمهم، وفي الخبر " أن أول من جزأ النهار والليل إلى الساعات نوح ~~عليه السلام وتوارث ذلك بنوه ". # الأصل الثالث أن وقت أداء الطاعة ms139 هو الوقت الذي يكون مذكرا لنعمة من نعم ~~الله تعالى، مثل يوم عاشوراء نصر الله تعالى فيه موسى عليه السلام على ~~فرعون فصامه، وأمر بصيامه، وكرمضان نزل فيه القرآن، وكان ذلك ابتداء ظهور ~~الملة الإسلامية، أو مذكرا لطاعة أنبياء الله تعالى لربهم، وقبوله أياها ~~منهم كيوم الأضحى يذكر قصة ذبح إسماعيل عليه السلام وفدائه بذبح عظيم، # PageV01P178 # أو يكون أداء الطاعة فيه تنويها ببعض شعائر الدين كيوم الفطر في إيقاع ~~الصلاة، والصدقة فيه تنويه برمضان وأداء شكر ما أنعم الله تعالى من توفيق ~~صيامه، وكيوم الأضحى فيه تشبه بالحاج وتعرض لنفحات الله المعدة لهم، أو ~~تكون جرت سنة الصالحين المشهود لهم بالخير على ألسن الأمم أن يطيعوا الله ~~تعالى فيه، مثل أوقات الصلوات الخمس لقول جبرائيل: " هذا وقتك ووقت ~~الأنبياء من قبلك " ومثل رمضان على وجه واحد في تفسير قوله تعالى: # {كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} # وكصوم يوم عاشوراء بالنسبة إلينا، ويشبه أن يكون الأصل الثالث معتبرا في ~~أكثر الأوقات، والأصلان الأولان أصل الأصل، والله أعلم. ### | (باب أسرار الأعداد والمقادير) # اعلم أن الشرع لم يخص عددا ولا مقدارا دون نظيره إلا لحكم ومصالح، وإن ~~كان الاعتماد الكلي على الحدس المعتمد على معرفة حال المكلفين وما يليق بهم ~~عند سياستهم، وهذه الحكم والمصالح ترجع إلى أصول: الأول أن الوتر عدد مبارك ~~لا يجاوز عنه ما كان فيه كفاية، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " إن الله ~~وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن " وسره أنه ما من كثرة إلا مبدؤها ~~وحدة، وأقرب الكثرات من الواحدة ما كان وترا؛ إذ كل مرتبة من العدد فيها ~~وحدة غير حقيقة بها تصير تلك المرتبة، فالعشرة مثلا وحدات مجتمعة اعتبرت ~~واحدا لا خمسة وخمسة، وعلى هذا القياس، وتلك الوحدة نموذج الوحدة الحقيقة ~~في تلك المراتب وميراثها منها، وفي الوتر هذه ومثلها معها وهو الوحدة - ~~بمعنى عدم الانقسام إلى عددين صحيحين متساويين - فهو أقرب إلى الوحدة من ~~الزوج، وقرب كل موجود من مبدئه ms140 يرجع إلى قربه من الحق لأنه مبدأ المبادى، ~~والأتم في الوحدة متخلق بخلق الله. # ثم اعلم أن الوتر على مراتب شتى: وتر يشبه الزوج، ويجنحه كالتسعة والخمسة ~~فإنهما بعد إسقاط الواحد ينقسمان إلى زوجين، والتسعة وإن لم تنقسم إلى ~~عدديين متساويين # PageV01P179 # فإنها تنقسم إلى ثلاثة متساوية، كما أن الزوج أيضا على مراتب زوج يشبه ~~الوتر - كاثنى عشر - فإنه ثلاثة أربعات، # وكالستة فإنها ثلاث اثنينات، وإمام الأوتار وأبعدها من مشابهة الزوج ~~الواحد، ووصيه فيها وخليفته ووارثه ثلاثة وسبعة، وما سوى ذلك فإنه من قوم ~~الواحد وأمته، ولذلك اختار النبي صلى الله عليه وسلم الواحد والثلاثة ~~والسبعة في كثير من المقادير، وحيث اقتضت الحكمة أن يؤمر بأكثر منها اختار ~~عددا يحصل من أحدها بالترفع كالواحد يتدفع إلى عشرة ومائة وألف وأيضا إلى ~~أحد عشر، وكالثلاثة تترفع إلى ثلاثين وثلاثة وثلاثين، وثلاثمائة، وكالسبعة ~~إلى سبعين وسبعمائة، فإن الذي يحصل بالترفع كأنه هو بعينه ولذلك سن النبي ~~صلى الله عليه وسلم مائة كلمة بعد كل صلاة الصلاة، ثم قسمها إلى ثلاثة ~~وثلاثين ثلاث مرات، وأفضل واحد ليصير الأمر كله وترا راجعا إلى الامام أو ~~وصية، وكذلك لكل مقولة من مقولات الجوهر والعرض إمام ووصي كالنقطة إمام، ~~والدائرة والكرة وصياه، وأقرب الأشكال إليه. # وحدثني أبي قدس سره أنه رأى واقعة عظيمة تمثل فيها الحياة والعلم ~~والارادة وسائر الصفات الالهية - أو قال الحي والعليم والمريد وسائر ~~الأسماء - لا أدري أي ذلك قال: بصورة دوائر مضيئة، ثم نبهني على أن تمثل ~~الشيء البسيط في نشأة الأشكال إنما يكون بأقربها إلى النقطة، وهو في السطح ~~الدائرة وفي الجسم الكرة انتهى كلامه. # واعلم أن سنة الله جرت بأن نزول الوحدة إلى الكثرة إنما يكون بارتباطات ~~مثالية، وعلى تلك الارتباطات تتمثل الوقائع وإياها يراعى تراجمة لسان القدم ~~ما أمكنت مراعاتها. # الأصل الثاني في كشف سر ما بين في الترغيب والترهيب ونحو ذلك من العدد. # واعلم أنه ربما يعرض على النبي صلى الله عليه وسلم خصال من البر والاثم، ~~ويكشف عليه ms141 فضائل هذه ومثالب تلك، فيخبر عما علمه الله، ويذكر عدد ما علم # حالة حينئذ، وليس من قصده الحصر قال صلى الله عليه وسلم: " عرضت علي ~~أعمال أمتي: حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ~~ووجدت في مساوى أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن " وقال: " عرضت على ~~أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت علي ذنوب أمتي، فلم أر ~~ذنبا أعظم من سورة من القرآن، أو آية أوتيها رجل، ثم نسيها " وعلى هذا ~~ينبغي أن يخرج قوله صلى الله عليه وسلم: " ثلاثة لهم أجران " الحديث وقوله ~~صلى الله عليه وسلم " ثلاثة لا يكلمهم الله # PageV01P180 # تعالى " الحديث وقوله صلى الله عليه وسلم " أربعون خصلة أعلاهن منحة ~~العنز لا يعمل عبد بخصلة منها رجاء ثوابها أو تصديق موعودها إلا أدخله الله ~~بها الجنة " وربما يكشف عليه فضائل عمل أو أبعاض شيء إجمالا، فيجتهد في ~~إقامة وجه ضبط لها ونصب عدد يحصر فيه ما كثر وقوعه أو عظم شأنه ونحو ذلك، ~~فيخبر بذلك، وعلى هذا ينبغي أن يخرج قوله صلى الله عليه وسلم " صلاة ~~الجماعة تفضل صلاة الغذ بسبع وعشرين درجة " فإن هذا العدد ثلاثة في ثلاثة ~~في ثلاثة، وقد رأى أن منافع الجماعة ترجع إلى ثلاثة أقسام: ما يرجع إلى نفع ~~نفسه من تهذيبها وظهور الملكية وقهر البهيمية، وما يرجع إلى الناس من شيوع ~~السنة الراشدة فيهم وتنافسهم فيها وتهذيبهم بها واجتماع كلمتهم عليها، وما ~~يرجع إلى الملة المصطفوية من بقائها غضة طرية لم يخالطها التحريف ولا ~~التهاون وفي الأول ثلاثة: القرب من الله والملأ الأعلى، وكتابة الحسنات ~~لهم، وتكفير الخطيآت عنهم، وفي الثاني ثلاثة: # انتظام حيهم ومدينتهم، ونزول البركات عليهم في الدنيا، وشفاعة بعضهم لبعض ~~في الآخرة: وفي الثالث ثلاثة: # تمشية إجماع الملأ الأعلى وتمسكهم بحبل الله الممدود، وتعاكس أنوار بعضهم ~~على بعض، وفي كل من هذه التسعة ثلاثة: رضا الله عنهم، وصلوات الملائكة ~~عليهم، وانخناس الشياطين عنهم، وفي رواية أخرى بخمس وعشرين ووجهه أن منافع ms142 ~~الجماعة خمس في خمسة: استقامة نفوسهم، وتألف جماعتهم، وقيام ملتهم، وانبساط ~~الملائكة، وانخناس الشياطين عنهم، وفي كل واحد خمسة: رضا الله عنهم، ونزول ~~البركات في الدنيا عليهم، وكتابة الحسنات لهم، وتكفير الخطيآت عنهم، وشفاعة ~~النبي صلى الله عليه وسلم والملائكة لهم. وسبب اختلاف الروايات في ذلك ~~اختلاف وجوه الضبط، والله أعلم. # PageV01P181 # وربما يؤتى بالعدد إظهارا لعظم الشيء وكبره، فيخرج العدد مخرج المثل، ~~نظيره ما يقال محبة فلان في قلبي مثل الجبل، وقدر فلان يصل إلى عنان ~~السماء، وعلى هذا ينبغي أن يخرج قوله صلى الله عليه وسلم " يفسح في قبره ~~سبعون ذراعا " وقوله " مد البصر " وقوله " إن حوضي ما بين الكعبة وبيت ~~المقدس " وقوله " حوضي لأبعد من أيلة إلى عدن " وفي مثل ذلك ربما يذكر تارة ~~مقدار، وأخرى مقدار آخر، ولا تناقض في ذلك بحسب ما يرجع إلى الغرض. الأصل ~~الثالث أنه لا ينبغي أن يقدر الشيء إلا بمقدار ظاهر معلوم يستعمله ~~المخاطبون في نظام الحكم، وله مناسبة بمدار الحكم وحكمته، فلا # ينبغي أن يقدر الدراهم إلا بالأواق، ولا التمر إلا بالأوساق، ولا ينبغي ~~أن يؤتى بجزء لا يستخرجه إلا المتعمقون في الحساب، كجزء من سبعة عشر، وجزء ~~من تسعة وعشرين، ولذلك ما ذكره الله تعالى في الفرائض إلاكسورا يسهل ~~تنصيفها وتضعيفها ومعرفة مخارجها، وذلك فضلان: أحدهما سدي وثلث وثلثان، ~~وثانيهما ثمن وربع ونصف، وسره أن يظهر فضل ذي الفضل، ونقصان ذي النقصان ~~بادي الرأي، وأن يسهل تخريج المسائل على الأدانى والأقاصي، وحيثما وقعت ~~الحاجة إلى مقدار دون المقدار المعتبر أولا لا تكون النسبة بينهما نسبة ~~الضعف، فلا ينبغي أن يتعدى من الثلثين بين النصف والواحد، ومن الثلث بين ~~الربع والنصف لأن سائر الاجزاء أخفى منهما، وإذا أريد تقدير ما هو كثير في ~~الجملة، فالمناسب أن يقدر بثلاثة، إذا أريد تقدير ما هو أكثر من ذلك، ~~فالمناسب تقديره بعشرة، وإذا كان الشيء قد يكون قليلا، وقد يكون كثيرا، ~~فالمناسب أن يؤخذ أقل حد وأكثر حد، فينصف بينهما، والمعتبر في باب ms143 الزكاة ~~خمس، وعشر، ونصف العشر، وربع العشر؛ لأن زيادة الصدقة تدور على كثرة الريع ~~وقلة المؤنة، وكانت مكاسب جمهور أهل الاقاليم لا تنتظم إلا في أربع مراتب ~~وكان المناسب أن يظهر الفرق بين كل مرتبتين - أصرح ما يكون - وذلك أن تكون ~~الواحدة منها ضعف الآخرى، وسيأتيك تفصيله، وإذا وقعت الحاجة إلى تقدير ~~اليسار مثلا ينبغي أن ينظر إلى ما يعد في العرف يسارا، ويرى فيه ما هو من ~~أحكام اليسار. # وذلك بحسب عادة جمهور المكلفين مشارقتهم ومغاربتهم عربهم وعجمهم، وبحسب ~~ما هو كالمذهب الطبيعي لهم لولا المانع فإن لم يكن بناء الأمر على عادة ~~الجمهور لتشتت حالهم، فالمعتبر حال العرب الأول الذين نزل # PageV01P182 # القرآن بلغتهم، وتعينت الشريعة في عاداتهم، ولذلك قدر الشرع الكنز بخمس # أواق لأنها تكفي أقل أهل بيت سنة كاملة في أكثر أطراف المعمورة - اللهم ~~إلا في الجدب أو البلاد العظيمة جدا أو أعمالها - وقدر الثلة الصغيرة من ~~الغنم بأربعين، والكبير بمائة وعشرين، وقدر الزرع الكثير بخمسة أوساق لأن ~~أقل البيت زوج وزوجة وثالث أما خادم أو ولد بينهما، وأكثر ما يأكله الإنسان ~~في اليوم والليلة مد أو رطل، ويحتاج مع ذلك إلى إدام، وهذا القدر يكفي من ~~ذلك سنة كاملة، وقدر الماء الكثير بقلتين، ولأنه حد لا ينزل منه المعادن ~~ولا يرتقي إليه الاوانى في عادة العرب وقس على ذلك سائر التقديرات والله ~~أعلم. ### | (باب أسرار القضاء والرخصة) # اعلم أن من السياسة أنه إذا أمر بشيء، أو نهي عن شيء، وكان المخاطبون لا ~~يعلمون الغرض من ذلك حق العلم وجب أن يجعل عندهم كالشيء المؤثر بالخاصية، ~~يصدق بتأثيره، ولا يدرك سبب التأثير، وكالرقي لا يدرك سبب تأثيرها ولذلك ~~سكت النبي صلى الله عليه وسلم عن بيان أسرار الأوامر والنواهي تصريحا في ~~الأكثر، وإنما لوح بشيء منه للراسخين في العلم من أمته، ولذلك كان اعتناء ~~حملة الملة من الخلفاء الراشدين وأئمة الدين بإقامة أشباح الملة أكثر من ~~الاعتناء بإقامة أرواحها حتى روى عن عمر رضي الله عنه أنه ms144 قال: أحسب جزية ~~البحرين وأنا في الصلاة، وأجهز الجيش وأنا في الصلاة، ولذلك كان سنة ~~المفتين قديما وحديثا ألا يتعرضوا لدليل المسألة عند الافتاء، ووجب أن يسجل ~~على الأخذ بالمأمور حق التسجيل، ويلام على تركه أشد الملامة، وتجعل أنفسهم ~~ترغب # فيها وتألفها حق الرغبة والألفة حتى تصير داعية الحق محيطة بظواهرهم ~~وبواطنهم، وإذا كان كذلك، ثم منع من المأمور به مانع ضروري - وجب أن يشرع ~~له بدل يقوم مقامه لأن المكلف حينئذ بين أمرين: إما أن يكلف به مع ما فيه ~~من المشقة والحرج، وذلك خلاف موضوع الشرع. قال الله تعالى: # PageV01P183 # {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} # وإما أن ينبذ وراء الظهر بالكلية، فتألف النفس بتركه، وتسترسل مع إهماله، ~~وإنما تمرن النفس تمرين الدابة الصعبة يغتنم منها الألفة والرغبة، ومن ~~اشتغل برياضة نفسه أو تعليم الأطفال أو تمرين الدواب ونحو ذلك يعلم كيف ~~تحصل الألفة بالمداومة، ويسهل بسببها العمل، وكيف تذهب الألفة بالترك ~~والإهمال، فتضيق النفس بالعمل، ويثقل عليها، فإن رام العود إليه احتاج إلى ~~تحصيل الالفة ثانيا، فلا بد إذا من شرع القضاء إذا فات وقت العمل، ومن ~~الرخص في العمل ليتأتي منه، ويتيسر له، والعمدة في ذلك الحدس المعتمد على ~~معرفة حال المكلفين وغرض العمل وأجزائه التي لا بد منها في تحصيل ذلك ~~الغرض، ومع ذلك فله أصول يعلمها الراسخون في العلم، أحدها: أن الركن والشرط ~~فيهما شيئان: # أحدهما الأصلي الذي هو داخل حقيقة الشيء، أو لازمه الذي لا يعتمد به ~~بدونه بالنظر إلى أصل الغرض منه كالدعاء وفعل الانحناء الدال على التعظيم ~~والتنبه لخلتى الطهارة والخشوع، وهذا القسم من شأنه ألا يترك في المكره ~~والمنشط سواء؛ إذ لا يتحقق من العمل شيء عند تركه. # وثانيهما التكميلي الذي إنما شرع لكونه واجبا لمعنى آخر محتاجا إلى ~~التوقيت، ولا وقت له أحسن من هذه الطاعة، أو لأنه آلة صالحة لأداء أصل ~~الغرض كاملا وافرا، وهذا القسم من شأنه أن يرخص فيه عند # المكاره، وعلى هذا الأصل ينبغي ms145 أن تخرج الرخصة في ترك استقبال القبلة إلى ~~التحري في الظلمة ونحوها، وترك ستر العورة لمن لا يجد ثوبا، وترك الوضوء ~~إلى التيمم لمن لا يجد ماء، وترك الفاتحة إلى ذكر من الأذكار لمن لا يقدر ~~عليها، وترك القيام إلى القعود والاضطجاع لمن لا يستطيعه وترك الركوع ~~والسجود إلى الانحناء لمن لا يستطيعها. # الأصل الثاني: أنه ينبغي أن يلتزم في البدل شيء يذكر الأصل ويشعر بأنه ~~نائبة وبدله، وسره تحقيق الغرض المطلوب من شرع الرخص، وهو أن تبقى الألفة ~~بالعمل الأول، وأن تكون النفس كالمنتظرة، ولذلك اشترط في المسح على الخفين ~~الطهارة وقت اللبس وجعل له مدة ينتهي إليها، واشترط التحري في القبلة. # والأصل الثالث: أنه ليس كل حرج يرخص لأجله، فإن وجوه الحرج كثيرة، والرخص ~~في جميع ذلك تفضي إلى إهمال الطاعة، والاستقصاء في ذلك نبغي العناء ومقاساة ~~التعب، وهو المعرف لانقياد الشرع واستقامة النفس، فاقتضت الحكمة ألا يدور # PageV01P184 # الكلام إلا على وجوه وقوعها وعظم الابتلاء بها لا سيما في قوم نزل القرآن ~~بلغتهم، وتعينت الشريعة في عاداتهم ولا ينبغي أن يجاوز من ملاحظة كون ~~الطاعة مؤثرة بالخاصية متى ما أمكن، ولذلك شرع القصر في السفر دون الاكساب ~~الشاقة، ودون الزراع والعمال، وجوز للمسافر المترفه ما جوز لغير المترفه، ~~والقضاء منه قضاء بمثل معقول، ومنه بمثل غير معقول، ولما كان أصل الطاعة ~~انقياد القلب لحكم الله ومؤاخذة النفس بتعظيم الله كان كل من عمل عن غير ~~قصد ولا عزيمة أو هو من جنس من لا يتكامل قصده ولا يتمكن من مؤاخذة نفسه ~~بالتعظيم كما ينبغي - من حقه أن يعذر وألا يضيق عليه كل التضييق # وعلى هذا ينبغي أن يخرج قوله صلى الله عليه وسلم: " رفع القلم عن ثلاثة " ~~الحديث والله أعلم. ### | (باب إقامة الارتفاقات واصلاح الرسوم) # قد ذكرنا فيما سبق تصريحا أو تلويحا أن الارتفاق الثاني والثالث مما جبل ~~عليه البشر، وامتازوا به عن سائر أنواع الحيوان، محال أن يتركوهما، أو ~~يهملوهما، وأنهم يحتاجون في كثير من ذلك إلى ms146 حكيم عالم بالحاجة وطريق ~~الارتفاق منها، منقاد للمصلحة الكلية إما مستنبط بالفكر والروية أو يكون ~~نفسه قد جبلت فيها قوة ملكية، فيكون مهيئا لنزول علوم من الملأ الأعلى، ~~وهذا أتم الأمرين وأوثق الوجهين، وأن الرسوم من الارتفاقات هي بمنزلة القلب ~~من الجسد، وأنه قد يدخل في الرسوم مفاسد من جهة ترأس قوم ليس عندهم مسكة ~~العقل الكلي فيخرجون إلى أعمال سبعية أو شهوية أو شيطانية، فيروجونها، ~~فيقتدي بهم أكثر الناس، ومن جهة أخرى نحو ذلك، فتمس الحاجة إلى رجل قوي ~~مؤيد من الغيب منقاد للمصلحة الكلية، ليغير رسومهم إلى الحق بتدبير لا ~~يهتدي له في الأكثر إلا المؤيدون من روح القدس. # فإن كنت قد أحطت علما بما هنالك فاعلم أن أصل بعثة الأنبياء وإن كان ~~لتعليم وجوه العبادات أولا وبالذات، لكنه قد تنضم مع ذلك إرادة إخمال ~~الرسوم الفاسدة والحث # PageV01P185 # على وجوه من الارتفاقات، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " بعثت لمحق ~~المعازف ". وقوله صلى الله عليه وسلم: " بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ". # واعلم أنه ليس رضا الله تعالى في إهمال الارتفاق الثاني والثالث. ولم ~~يأمر بذلك أحد من الأنبياء عليهم السلام. وليس الأمر كما ظنه قوم فروا إلى ~~الجبال، وتركوا مخالطة الناس رأسا في الخير والشر، وصاروا بمنزلة الوحش، ~~ولذلك رد النبي صلى الله عليه وسلم على من أراد التبتل وقال: " ما بعثت ~~بالرهبانية وإنما بعثت بالملة الحنيفية السمحة " لكن الانبياء عليهم السلام ~~أمروا بتعديل الارتفاقات، وألا يبلغ بها حال المتعمقين في الرفاهية كملوك ~~العجم، ولا ينزل بها إلى - حال سكان شواهق الجبال اللاحقين بالوحش. # وهنا قياسان متعارضان: أحدهما أن الترفه حسن يصح به المزاج، ويستقيم به ~~الأخلاق، ويظهر به المعاني التي امتاز به الآدمي من سائر بني جنسه، ~~والغباوة والعجز ونحوهما تنشأ من سوء التدبير. # وثانيهما أن الترفه قبيح لاحتياجه إلى منازعات ومشاركات وكد وتعب وإعراض ~~عن جانب الغيب وإهمال لتدبير الآخرة، ولذلك كان المرضى التوسط وإبقاء ~~الارتفاقات وضم الأذكار معها والآداب وانتهاز فرص للتوجه إلى الجبروت، ~~والذي أتى ms147 به الأنبياء قاطبة من عند الله تعالى في هذا الباب هو أن ينظر ~~إلى ما عند القوم من آداب الأكل والشرب واللباس والبناء ووجوه الزينة، ومن ~~سنة النكاح وسيرة المتناكحين، ومن طرق البيع والشراء، ومن وجوه المزاجر عن ~~المعاصي وفصل القضايا ونحو ذلك. فإن كان الواجب بحسب الرأي الكلي منطبقا ~~عليه، فلا معنى لتحويل شيء منه من موضعه ولا العدول عنه إلى غيره، بل يجب ~~أن يحث القوم على الأخذ بما عندهم، وأن يصوب رأيهم في ذلك، ويرشدوا إلى ما ~~فيه من المصالح، وإن لم ينطق عليه، ومست الحاجة إلى تحويل شيء أو إخماله ~~لكونه مفضيا إلى تأذي بعضهم من بعض أو تعمقا في لذات الحياة الدنيا وإعراضا ~~عن الإحسان، أو من المسليات التي تؤدي إلى إهمال مصالح الدنيا والآخرة # ونحو ذلك - فلا ينبغي أن يخرج إلى ما يباين مألوفهم بالكلية، بل يحول إلى ~~نظير ما عندهم أو نظير ما اشتهر من الصالحين المشهود لهم بالخير عند القوم، ~~وبالجملة فإلى ما لو ألقي عليهم لم تدفعه عقولهم، بل اطمأنت بأنه حق، ولهذا ~~المعنى اختلفت شرائع الأنبياء عليهم السلام. # PageV01P186 # والراسخ في العلم يعلم أن الشرع لم يجيء في النكاح والطلاق، والمعاملات ~~والزينة واللباس والقضاء والحدود وقسمة الغنيمة بما لم يكن لهم به علم، أو ~~يترددوا فيه إذا كلفوا به، نعم إنما وقع إقامة المعوج وتصحيح السقيم كان قد ~~كثر فيهم الربا، فنهوا عنه، وكانوا يبيعون الثمار قبل أن يبدو صلاحها ~~يختصمون، ويحتجون بعاهات تصيبها فيه عن ذلك البيع، وكانت الدية على عهد عبد ~~المطلب عشرة من الابل، فلما رأى أن القوم لا يرتدعون عن القتل بلغها مائة، ~~فأبقاها النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وأول قسامة وقعت هي التي كانت ~~بحكم أبي طالب، وكان لرئيس القوم مرباع كل غارة، فسن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الخمس من كل غنيمة، وكان قباذ وابنه أنوشروان وضعا عليهم الخراج ~~والعشر، فجاء الشرع بنحو من ذلك، وكان بنو إسرائيل يرجمون الزناة، ويقطعون ~~السراق ms148 ويقتلون النفس بالنفس، فنزل القرآن بذلك ... ، وأمثال هذه كثيرة جدا ~~لا تخفى على المتتبع، بل لو كنت فطنا محيطا بجوانب الأحكام لعلمت أيضا أن ~~الأنبياء عليهم السلام لم يأتوا في العبادات غير ما عندهم هو أو نظيره، ~~لكنهم نفوا تحريفات الجاهلية، وضبطوا بالأوقات والأركان ما كان مبهما ~~وأشاعوا بين الناس ما كان خاملا. # اعلم أن العجم والروم لما توارثوا الخلافة قرونا كثيرة، وخاضوا في لذة ~~الدنيا، ونسوا الدار الآخرة، واستحوذ عليهم الشيطان - تعمقوا # في مرافق المعيشة، وتباهوا بها، وورد عليهم حكماء الآفاق يستنبطون لهم ~~دقائق المعاش ومرافقه، فما زالوا يعملون بها، ويزيد بعضهم على بعض، ~~ويتباهون بها حتى قيل إنهم كانوا يعيرون من كان يلبس من صناديدهم، منطقة أو ~~تاجا قيمتها دون مائة ألف درهم، أولا يكون له قصر شامخ وآبزن وحمام ~~وبساتين، ولا يكون له دواب فارهة وغلمان حسان، ولا يكون له توسع في المطاعم ~~وتجمل في الملابس، وذكر ذلك يطول. .، وما تراه من ملوك بلادك يغنيك عن ~~حكاياتهم، فدخل كل ذلك في أصول معاشهم، وصار لا يخرج من قلوبهم إلا أن تمزع ~~وتولد من ذلك داء عضال دخل في جميع أعضاء المدينة، وآفة عظيمة لم يبق منهم ~~أحد من أسواقهم ورسناقهم وغنيهم وفقيرهم إلا وقد استولت عليه، وأخذت ~~بتلابيبه، وأعجزته في نفسه، وأهاجت عليه غموما وهموما لا أرجاء لها، وذلك ~~أن تلك الأشياء لم تكن # PageV01P187 # لتحصل إلا ببذل أموال خطيرة، ولا تحصل تلك الأموال إلا بتضعيف الضرائب ~~على الفلاحين والتجار وأشباههم والتضييق عليهم، فان امتنعوا قاتلوهم، ~~وعذبوهم، وإن أطاعوا جعلوهم بمنزلة الحمير والبقر يستعمل في النضح والدياس ~~والحصاد، ولا تقتني إلا ليستعان بها في الحاجات، ثم لا تترك ساعة من العناء ~~حتى صاروا لا يرفعون رؤسهم إلى السعادة الأخوية أصلا، ولا يستطيعون ذلك، ~~وربما كان إقليم واسع ليس فيهم أحد يهمه دينه، ولم يكن ليحصل أيضا إلا بقوم ~~يتكسبون بتهيئة تلك المطاعم والملابس والابنية وغيرها، ويتركون أصول ~~المكاسب التي عليها بناء نظام العالم، وصار عامة من يطوف عليهم ms149 يتكلفون ~~محاكاة الصناديد في هذه الأشياء، وإلا لم يجدوا عندهم حظوة، ولا كانوا ~~عندهم على بال، وصار جمهور الناس عيالا على الخليفة يتكففون منه تارة على ~~أنهم من الغزاة والمدبرين للمدينة يترسمون برسومهم ولا يكون المقصود دفع ~~الحاجة ولكن # القيام بسيرة سلفهم، وتارة على أنهم شعراء جرت عادة الملوك بصلتهم، وتارة ~~على أنهم زهاد وفقراء يقبح من الخليفة ألا يتفقد حالهم، فيضيق بعضهم بعضا، ~~وتتوقف مكاسبهم على صحبة الملوك والرفق بهم وحسن المحاورة معهم والتملق ~~منهم، وكان ذلك هو الفن الذي تتعمق أفكارهم فيه، وتضيع أوقاتهم معه، فلما ~~كثرت هذه الأشغال تشبح في نفوس الناس هيآت خسيسة، وأعرضوا عن الأخلاق ~~الصالحة # وإن شئت أن تعرف حقيقة هذا المرض، فانظر إلى قوم ليست فيهم الخلافة، ولا ~~هم متعمقون في لذائذ الأطعمة والألبسة - تجد كل واحد منهم بيده أمره، وليس ~~عليه من الضرائب الثقيلة ما يثقل ظهره، فهم يستطيعون التفرغ لأمر الدين ~~والملة، ثم تصور حالهم لو كان فيهم الخلافة، وملأوها، وسخروا الرعية، ~~وتسلطوا عليهم فلما عظمت المصيبة واشتد هذا المرض - سخط عليهم الله ~~والملائكة المقربون، وكان رضاه تعالى في معالجة هذا المرض بقطع مادته، فبعث ~~نبيا أميا صلى الله عليه وسلم لم يخالط العجم والروم، ولم يترسم برسومهم، ~~وجعله ميزانا يعرف به الهدى الصالح المرضي عند الله من غير المرضي، وأنطقه ~~بذم عادات الأعاجم وقبح الاستغراق في الحياة الدنيا والاطمئنان بها، ونفث ~~في قلبه أن يحرم عليهم رءوس ما اعتاده الأعاجم، وتباهوا بها كلبس الحرير ~~والقسى والأرجوان واستعمال أواني الذهب والفضة وحلي الذهب غير المقطع ~~والثياب المصنوعة فيها الصور وتزويق البيوت وغير ذلك، وقضى بزوال دولتهم ~~بدولته، ورياستهم برياسته، وبأنه هلك كسرى، فلا كسرى بعده وهلك قيصر، فلا ~~قيصر بعده. # واعلم أنه كان في أهل الجاهلية مناقشات ضيقت على القوم وصعبت، ولم يكن ~~زوالها إلا بقطع رءوسهم في ذلك الباب كثأر القتلة كان الإنسان يقتل إنسانا ~~فيقتل ولي المقتول أخا القاتل أو ابنه، ويعود هذا فيقتل واحدا # منهم، ويدور الأمر كذلك ms150 فقال # PageV01P188 # النبي صلى الله عليه وسلم: " كل دم موضوع تحت قدمي هذه، وأول دم أضعه دم ~~ربيعة " وكالمواريث وكان رؤساء القوم يقضون فيها بقضايا مختلفة، وكان الناس ~~لا يمتنعون من نحو غصب وربا، فيمرقون على ذلك، ثم يأتي قرن آخر، فيحتجون ~~بحجج، فقطع النبي صلى الله عليه وسلم المناقشة من بينهم، فقال كل شيء أدركه ~~الاسلام يقسم على حكم القرآن، وكل ما قسم في الجاهلية، أو حازه إنسان في ~~الجاهلية بوجه من الوجوه، فهو على ما كان لا ينقض، وكالربا كان أحدهم يقرض ~~مالا ويشترط زيادة، ثم يضيق عليه، فيجعل المال وما اشترط جميعا أصلا، ~~ويشترط الزيادة عليه وهلم جرا حتى يصير قناطير مقنطرة، فوضع الربا، وقضى ~~برأس المال. # {لا تظلمون ولا تظلمون} # إلى غير ذلك من أمور لم تكن لتترك لولا النبي صلى الله عليه وسلم. # واعلم أنه ربما يشرع للناس رسم قطعا لضغائنهم كالابتداء من اليمين في ~~السقي ونحوه، فإنه قد يكون ناس متشاكسون، ولا يسلم الفضل ليبدأ بصاحبه، فلا ~~تنقطع المناقشة بينهم إلا بمثل ذلك، وكأمامة صاحب البيت، وكتقدم صاحب ~~الدابة على رفيقه إذا ركباها ونحو ذلك، والله أعلم. ### | (باب الأحكام التي يجر بعضها لبعض) # قال الله تعالى: # {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر أن كنتم لا ~~تعلمون بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم لعلهم ~~يتفكرون} # اعلم أن أن الله تعالى بعث نبيه صلى الله عليه وسلم، ليبين للناس ما ~~أوحاه إليه من أبواب العبادات؛ ليأخذوا بها ومن أبواب الآثام، ليجتنبوها، ~~وما ارتضاه لهم من الارتفاقات، ليقتدوا بها ... ، ومن هذا البيان أن يعلمهم ~~ما يقتضيه الوحي، أو يومئ أليه ونحو ذلك. # PageV01P189 # وهذه أصول يخرج عليها جملة عظيمة من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ونذكر ههنا معظمها: منها أن الله تعالى إذا أجرى سنته على نحو بأن رتب ~~الأسباب مفضية إلى مسبباتها، لتنظم المصلحة المقصودة بحكمته البالغة ورحمته ~~التامة - اقتضى ذلك أن يكون تغير خلق الله شرا وسعيا ms151 في الافساد وسببا ~~لترشح النفرة عليه من الملأ الأعلى، فلما خلق الله الإنسان على وجه لا ~~يتكون في أكثر الأوقات والأحيان من الأرض تكون الديدان منها، وكانت حكمته ~~تقضى بقاء نوع الإنسان، بل انتشار أفراده وكثرتهم في العالم - أودع فيهم ~~قوى التناسل، ورغبهم في طلب النسل، وجعل الغلمة مسلطة عليهم منهم؛ ليقضي ~~الله بذلك أمرا أوجبته الحكمة البالغة، فلما أطلع الله النبي صلى الله عليه ~~وسلم على هذا السر، وكشف عليه جلية الحال - اقتضى ذلك أن ينهى عن قطع هذا ~~السبيل وإهمال تلك القوى # المقتضية أو صرفها في غير محلها، ولذلك نهى أشد النهي عن الخصاء واللواطة ~~وكره العزل. # واعلم أن أفراد الإنسان عند سلامة مزاجها وتمكين المادة وأحكام النوع من ~~نفسها - تكون على هيئة معلومة من استواء القامة وظهور البشرة ونحو ذلك وهذا ~~حكم النوع ومقتضاه وأثره في الأفراد، وفي الخير العالي طلب واقتضاء لبقاء ~~الأنواع وظهور اشباحها في الأرض، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم أمر ~~بقتل الكلاب، ثم نهى عن ذلك، وقال: " إنها أمة من الأمم " يعني أن النوع له ~~مقتض عند الله، ونفى أشباحه من الأرض غير مرضى، وهذا الاقتضاء ينجر إلى ~~اقتضاء ظهور أحكام النوع في الأفراد، فمنافضة هذا الاقتضاء والسعي في رد ~~قبيح منافر للمصلحة الكلية، وعلى هذه القاعدة يخرج التصرف في البدن بما لا ~~يقتضيه حكم النوع كالخصاء والتفلج والتنمص ونحو ذلك، أما الكحل والتسريح ~~فان ذلك كالاعانة على ظهور الأحكام المقصودة والموافقة بها، ولما شرع الله ~~تعالى لبني آدم شريعة ينتظم بها شملهم، ويصلح بها حالهم، كان في الملكوت ~~داعية لظهورها كان أمرها كأمرها الأنواع في طلب ظهور الأشباح في الأرض، ~~ولذلك كان السعي في إهمالها مسخوطا عند الملأ الأعلى منافرا لما هو مقتضاهم ~~ومطمح همهم، وكذلك الارتفاقات التي أحمع عليها طوائف الناس من عربهم وعجمهم ~~وأقاصيهم وأدانيهم فإنها كالأمر الطبيعي. # PageV01P190 # فلما شرع الله تعالى الإيمان والبينات موضحة لجلية الحال اقتضى ذلك أن ~~تكون شهادة الزور واليمين الكاذبة مسخوطة عند الله ms152 وملائكته. # ومنها أنه إذا أوحى إليه بحكم من أحكام الشرع، واطلع على حكمته وسببه كان ~~له أن يأخذ تلك المصلحة، وينصب لها علة، ويدير عليها ذلك الحكم، وهذا قياس ~~النبي صلى الله عليه وسلم ... ، وإنما قياس أمته أن يعرفوا علة الحكم ~~المنصوص عليه، فيديروا الحكم حيث دارت، مثاله الأذكار التي وقتها النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالصباح والمساء ووقت النوم، فإنه لما اطلع على حكمة شرع ~~الصلوات اجتهد في ذلك. # ومنها أنه إذا فهم النبي صلى الله عليه وسلم من آية وجه سوق الكلام، وإن ~~لم يكن غيره يفهم منه ذلك لدقة مأخذه أو تزاحم الاحتمالات فيه - كان له أن ~~يحكم حسبما فهم كقوله تعالى: # {إن الصفا والمروة من شعائر الله} # فهم منه النبي صلى الله عليه وسلم أن تقديم الصفا على المروة لأجل موافقة ~~البيان لما هو المشروع لهم كما قد يكون لموافقة السؤال ونحو ذلك، فقال: " ~~ابدءوا ما بدأ الله به " وكقوله تعالى: # {لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن} # وقوله تعالى: # {فلما أفل قال لا أحب الآفلين} # فهم منهما النبي صلى الله عليه وسلم استحباب أن يعبدوا الله تعالى عند ~~الكسوف والخسوف، وكقوله تعالى: # {ولله المشرق والمغرب} الآية # فهم منه أن استقبال القبلة فرض يحتمل السقوط عند العذر، فخرج حكم من تحرى ~~في الليلة الظلماء، فاخطأ جهة القبلة، وصلى لغيرها، وحكم الراكب على الدابة ~~يصلي النافلة خارج البلد. # ومنها أنه إذا أمر الله تعالى أحدا بشيء من معاملة الناس اقتضى ذلك أن ~~يؤمر الناس بالانقياد له فيها، فلما أمر القضاة أن يقيموا الحدود اقتضى ذلك ~~أن يؤمر العصاة بأن ينقادوا لهم فيها، ولما أمر المصدق بأخذ الزكاة من ~~القوم أمروا ألا يصدر عنهم إلا راضيا، ولما أمر النساء أن يسترن أمر الرجال ~~أن يغضوا أبصارهم عنهن. # PageV01P191 # ومنها أنه إذا نهى عن شيء اقتضى ذلك أن يؤمر بضده وجوبا أو ندبا حسب ~~اقتضاء الحال، وإذا أمر بشيء اقتضى ذلك أن ينهى عن ضده فلما أمر بصلاة ms153 ~~الجمعة والسعي إليها وجب أن ينهى عن الاشتغال بالبيع والمكاسب حينئذ. # ومنها أنه إذا أمر بشيء حتما اقتضى ذلك أن يرغب في مقدماته ودواعيه، وإذا ~~نهى عن شيء حتما اقتضى ذلك أن يسدد ذرائعه، ويحمل دواعيه، ولما كانت عبادة ~~الصنم إثما وكانت المخالطة بالصور والأصنام مفضية إليه كما وقع في الأمم ~~السالفة وجب أن يقبض على أيدي المصورين، ولما كان شرب الخمر إثما وجب أن ~~يقبض على أيدي العصارين، وينهى عن الحضور على المائدة التي فيها خمر، ولما ~~كان القتال في الفتنة إثما وجب أن ينهى عن بيع السلاح في وقت الفتنة. # ونظير هذا الباب من سياسة المدينة أنهم لما اطلعوا على مفسدة دس السم في ~~الطعام والشراب أخذوا المواثيق من بائعي الأدوية ألا يبيعوا السم إلا قدرا ~~لا يهلك شاربه غالبا، ولما اطلعوا على خيانة قوم اشترطوا عليهم # ألا يركبوا الخيل، ولا يحملوا السلاح ... ، وكذلك باب العبادات لما كانت ~~الصلاة أعظم أبواب الخير وجب أن يحض على الجماعة فانها إعانة على الأخذ ~~بها، ووجب أن يحض على الأذان، ليحصل الاجتماع في زمان واحد في مكان واحد، ~~ووجب الحث على بناء المساجد وتطييبها وتنظيفها، ولما كانت معرفة أول يوم من ~~رمضان متوقفة عند الغيم ونحوه على عدة شعبان استحب إحصاء هلال شعبان. ~~ونظيره من سياسة المدينة أنهم لما رأوا في الرمي منفعة عظيمة أمروا ~~بالاكثار من اصطناع القسى والنبل والتجارة فيها. # ومنها أنه إذا أمر بشيء، أو نهى عن شيء أقضى ذلك بذلك أن ينوه بشأن ~~المطيعين، ويزدري بالعصاة، ولما كانت قراءة القرآن مطلوبا شيوعها والمواظبة ~~عليها وجب أن يسن ألا يؤمهم إلا أقرؤهم، وأن يوقر القراء في المجالس، ولما ~~كان القذف إثما وجب أن يسقط القاذف من مرتبة قبول الشهادة، وعلى ذلك يخرج ~~ما ورد من النهي عن مفاتحة المبتدع والفاسق بالسلام والكلام ... ، ونظيره ~~من سياسة المدينة زيادة جائزة الرماة وتقديمهم في الاثبات والاعطاء. # ومنها أنه إذا أمر القوم بشيء، أو نهوا عنه كان من حق ذلك أن يؤمروا ms154 ~~بعزيمة الأقدام على هذا والكف عن ذلك وأن يأخذوا قلوبهم باضمار الداعية حسب ~~الفعل، ولذلك ورد التوبيخ عن إضمار أن يقصد عدم الأداء في القرض والمهر. # PageV01P192 # ومنها أنه إذا كان شيء يحتمل مفسدة كان من حقه أن يكره كقوله صلى الله ~~عليه وسلم: " فلا يغمس يده في الاناء، فإنه لا يدري أين باتت يده " ~~وبالجملة علم الله نبيه أحكاما من العبادات والارتفاقات فبينها النبي # صلى الله عليه وسلم بهذا النحو من البيان وخرج منها أحكاما جليلة في كل ~~باب باب، وهذا الباب من البيان مع الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى ~~تلقاهما فقهاء الأمة من بين علوم النبي صلى الله عليه وسلم ووعاهما قلوبهم ~~بتدبر، فانشعب منها ما أودعوه في مصنفاتهم وكتبهم، والله أعلم. ### | (باب ضبط المبهم وتميز المشكل والتخريج من الكلية ونحو ذلك) # اعلم أن كثير من الأشياء التي أديرت الأحكام على أساميها معلوم بالمثال ~~والقسمة، غير معلوم بالحد الجامع المانع الذي يكشف حال كل فرد فرد أنه منه ~~أولا كالسرقة قال الله تعالى: # {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} # أجري الحد على اسم السارق، ومعلوم أن الواقع في قصة بني الأبيرق وطعيمة ~~والمرأة المخزومية هي السرقة ومعلوم أن اخذ مال الغير أقسام: منها السرقة، ~~ومنها قطع الطريق، ومنها الاختلاس، ومنها الخيانة، ومنها الالتقاط، ومنها ~~الغصب، ومنها قلة المبالاة، وفي مثل ذلك ربما يسأل النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن صورة صورة هل هي من السرقة سؤال مقال أو سؤال حال، فيجب عليه أن ~~يبين حقيقة السرقة متميزة عما يشاركها بحيث يتضح حال كل فرد فرد، وطريق ~~التميز أن ينظر إلى ذاتيات هذه الأسامي التي لا توجد في السرقة، ويقع بها ~~التفارق بين القبلتين وإلى ذاتيات السرقة التي يفهمها أهل العرف من تلك ~~اللفظة، ثم يضبط السرقة بأمور معنوية يحصل بها التمييز، فيعلم مثلا أن قطع ~~الطريق والحرابة ونحوهما من الأسامي تنبئ عن اعتماد القوة بالنسبة إلى ~~المظلومين واختيار مكان أو زمان لا يلحق فيه # الغوث من الجماعة، وأن الاختلاس ms155 ينبئ عن اختطاف على أعين الناس، وفي مرأى ~~منهم ومسمع، والخيانة تنبئ عن تقدم شركة أو مباسطة، وحفظ الالتقاط ينبئ عن ~~وجدان شيء في غير حرز، # PageV01P193 # والغصب ينبئ عن غلبة بالنسبة إلى المظلوم جهرة معتمدا على جدل أو ظن ألا ~~ترفع القضية إلى الولاة، أو لا ينكشف عليهم جلية الحال، أو لا يقضوا بحق ~~لنحو رشوة، وقلة المبالاة تقال في الشيء التافه الذي جرى العرف ببذله ~~والمواساة به كالماء والحطب، والسرقة تنبئ عن الأخذ خفية، فضبط النبي صلى ~~الله عليه وسلم السرقة بربع دينار أو ثلاثة دراهم، ليتميز عن التافه وقال: ~~" ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع " وقال " لا قطع في ثمر معلق ولا ~~في حريسة الجبل " يشير إلى اشتراط الحرز و، كالرفاهية البالغة فإنها مفسدة ~~غير مضبوطة، ولا متميز مواقع وجودها بأمارات ظاهرة يؤاخذ بها الأداني ~~والأقاصي، ولا يشتبه على أحد أن الرفاهية متحققة فيها، معلوم أن عادة العجم ~~في اقتناء المراكب الفارهة والأبنية الشامخة والثياب الرفيعة والحلي ~~المترفة ونحو ذلك من الرفاهية البالغة، ومعلوم أن الترفه مختلف باختلاف ~~الناس، فترفه قوم تقشف عند الآخرين، وجيد إقليم تافه في إقليم آخر، ومعلوم ~~أن الارتفاق قد يكون بالجيد وبالرديء والثاني ليس بترفه ... ، والارتفاق ~~بالجيد قد يكون من غير قصد إلى جودته، أو من غير أن يكون ذلك غالبا عليه في ~~أكثر أمره، فلا يسمى في العرف مترفها، فأطلق الشرع التنبه على مفاسد ~~الرفاهية مطلقا، وخص أشياء وجدهم لا يرتفقون بها إلا للترفه، ووجد الترفه ~~بها عادة فاشية فيهم، ورأى أهل العصر من العجم والروم كالمجمعين على ذلك، ~~فنصبها مظنة للرفاهية البالغة، وحرمها، ولم ينظر إلى الارتفاقات النادرة، ~~ولا إلى عادة الأقاليم البعيدة، فتحريم الحرير وأواني الذهب والفضة من هذا ~~الباب، ثم أنه وجد حقيقة الرفاهية اختيار الجيد # من كل الارتفاق والأعراض عن رديئة، والرفاهية البالغة اختيار الجيد وترك ~~الردئ من جنس واحد، ووجد من المعاملات ما لا يقصد فيه إلا اختيار الجيد ~~والإعراض عن الردئ من جنس واحد ms156 اللهم إلا في مواد قليلة لا يعبأ بها في ~~قوانين الشرائع فحرمها لأنها كالشبح لمعنى الرفاهية وكالتمثال لها وتحريمها ~~كالمقتضى الطبيعي لكراهته الرفاهية وإذا كانت مظان الشيء محرمة لأجله وجب ~~أن يحرم شبحه وتمثاله بالأولى، وتحريم بيع النقد والطعام بجنسهما متفاضلا ~~مخرج على هذه القاعدة، ولم يحرم اشتراء الجيد بالثمن الغالي لأن الثمن ~~ينصرف إلى ذات المبيع دون وصفه عند اختلاف الجنس ولم # PageV01P194 # يحرم اشتراء جارية بجاريتين، ولا ثوب بثوبين لأنها من ذوات القيم فتنصرف ~~زيادة الثمن إلى خواص الشخص، وتكون الجودة مغمورة في تلك الخواص، فلا يتحقق ~~اعتبار الجودة بادي الرأي. # ومما مهدنا ينكشف كثير من النكت المتعلقة بهذا الباب كسبب كراهية بيع ~~الحيوان بالحيوان وغير ذلك، فليتدبر، وقد يكون شيآن مشتبهين لا يتميزان ~~لأمر خفي لا يدركه إلا النبي صلى الله عليه وسلم والراسخون في العلم من ~~أمته، فتمس الحاجة إلى معرفة علامة ظاهرة لكل منهما وإدارة حكم البر والإثم ~~على علاماتهما، وأحكام التفريق بينهما (مثاله) النكاح والسفاح فحقيقة ~~النكاح إقامة المصلحة التي يبنى عليها نظام العالم بالتعاون بين الزوج ~~وزوجته وطلب النسل وتحصين الفرج ونحو ذلك، وذلك مرضى عنه مطلوب، وحقيقة ~~السفاح جريان النفس في غلوائها وإمعانها في اتباع شهوتها وخرق جلباب الحياء ~~والتقيد عنها وترك التعريج إلى المصلحة الكلية والنظام الكلي، وذلك مسخوط ~~عليه ممنوع عنه، وهما متشابهان في أكثر الصور، فإنهما يشتركان في قضاء ~~الشهوة وإزالة ألم الغلمة والميل إلى النساء ونحو ذلك، فمست الحاجة إلى ~~تميز كل واحد عن صاحبه بعلامة ظاهرة، وإدارة الطلب والمنع عليها، فحض النبي ~~صلى الله عليه وسلم النكاح بأمور (منها) أن يكون بالنساء دون الرجال، فإن ~~طلب النسل لا يكون # إلا منهن، وأن يكون من عزم ومشورة وإعلان، فشرط حضور الشهود والأولياء ~~ورضا المرأة، ومنها توطين النفس على التعاون، ولا يكون ذلك في الأكثر إلا ~~بأن يكون دائما لازما غير مؤقت، فحرم نكاح السر والمتعة، وحرم اللواطة، ~~وربما يكون فعل من البر مشتبها بما هو من مقدمات الآخر، فتمس ms157 الحاجة إلى ~~التفرقة بينهما كالقومة شرعت فاصلة بين الركوع والانحناء الذي هو من مقدمات ~~السجود، وربما لا يكون الشيء متكثر الارتفاق كالجلوس بين السجدتين، وربما ~~يكون الشرط أو الركن في الحقيقة أمرا خفيا وفعلا من أفعال القلب، فينصب له ~~إمارة من أفعال الجوارح أو الأقوال، ويجعل هو ركنا ضبطا للخفي به كالنية، ~~وإخلاص العمل لله أمر خفي، فنصب استقبال القبلة والتكبير له مظنة، وجعلا ~~أصلا في الصلاة، وإذا ورد النص بصيغة، أو اقتضى الحال إقامة نوع مدارا ~~للحكم، ثم حصل في بعض المواد اشتباه، فمن حقه أن يرجع في تفسير تلك الصيغة ~~أو تحقيق حد جامع مانع لذلك النوع إلى عرف العرب، كما ورد النص في الصوم ~~بشهر # PageV01P195 # رمضان، ثم وقع الاشتباه في صورة الغيم، فكان الحكم ما عند العرب من إكمال ~~عدة شعبان ثلاثين، وأن الشهر قد يكون ثلاثين يوما، وقد يكون تسعة وعشرين، ~~وهو قوله صلى الله عليه وسلم " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر كذا " ~~الحديث. وكما ورد النص في القصر بصيغة السفر، ثم وقع الاشتباه في بعض ~~المواد، فحكم الصحابة أنه خروج من الوطن إلى موضع لا يصل إليه في يومه ذلك ~~ولا أوائل ليلته تلك، ومن ضرورته أن يكون مسيرة يوم وشيء معتد به من اليوم ~~الآخر، فيضبط بأربعة برد. واعلم أن العمدة في تخصيص النبي صلى الله عليه ~~وسلم بحكم من بين أمته أن يكون الحكم راجعا إلى مظنة شيء دون حقيقته، وهو ~~قول طاوس في ركعتين بعد العصر إنما نهى عنهما لئلا يتخذ سلما، والنبي صلى ~~الله عليه وسلم يعرف الحقيقة، فلا اعتبار في حقه للمظنة بعد ما عرف # المثنه كتزوج أكثر من أربعة نسوة هو مظنة ترك الاحسان في العشرة الزوجية ~~وإهمال أمرهن، ويشتبه على سائر الناس، أما النبي صلى الله عليه وسلم، فهو ~~يعرف ما هو المرضى عنه في العشرة الزوجية، فأمر بنفسه دون مظنته، أو يكون ~~راجعا إلى تحقيق الرسم دون معنى تهذيب النفس كنهيه عن بيع وشرط، ms158 ثم ابتاع ~~من جابر بعيرا على أن له ظهره إلى المدينة، أو يكون مفضيا إلى شيء بالنسبة ~~إلى من ليس له مسكة العصمة، وهو قول عائشة رضي الله عنها في قبلة الصائم ~~أيكم يملك أربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك أربه، أو تكون ~~نفسه العالية مقتضية لنوع من البر فيؤمر به لأن هذه النفس تشتاق إلى زيادة ~~التوجه إلى الله، وإلى زيادة خلع جلباب الغفلة، كما يشتاق الرجل القوي إلى ~~أكل طعام كثير كالتهجد والضحى والأضحية على قول، والله أعلم. ### | (باب التيسير) # قال الله تعالى: # PageV01P196 # {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} . # وقال: # {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} . # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي موسى، ومعاذ بن جبل رضي الله ~~تعالى عنهما لما بعثهما إلى اليمن " يسرا، ولا تعسرا، وبشرا # ولا تنفرا، وتطاوعا، ولا تختلفا، وقال صلى الله عليه وسلم " فإنما بعثتم ~~ميسرين، ولم تبعثوا معسرين ". # والتيسير يحصل بوجوه منها ألا يجعل شيء يشق عليهم ركنا أو شرطا لطاعة، ~~والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم ~~بالسواك عند كل صلاة ". # ومنها أن يجعل شيء من الطاعات رسوما يتباهون بها داخلة فيما كانوا ~~يفعلونه بداعية من عند أنفسهم كالعيدين والجمعة وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم. " ليعلم اليهود أن في ديننا فسحة " فإن التجمل في الاجتماعات العظيمة ~~والمنافسة فيما يرجع إلى التباهي ديدن الناس. # ومنها أن يسن لهم في الطاعات ما يرغبون فيه بطبيعتهم لتكون الطبيعة داعية ~~إلى ما يدعو إليه العقل فيتعاضد الرغبتان، ولذلك سن تطييب المساجد وتنظيفها ~~والاغتسال يوم الجمعة والتطيب فيه، واستحب التغني بالقرآن وحسن الصوت ~~بالاذان. # ومنها أن يوضع عنهم الإصر، وما يتنفرون منه بطبيعتهم، ولذلك كره إمامة ~~العبد والأعرابي ومجهول النسب، فإن القوم ينجحمون من الاقتداء بمثل ذلك. # ومنها أن يبقي عليهم شيء مما تقتضيه طبيعة أكثرهم، أو يجدون عند تركه ~~حرجا في أنفسهم ms159 كالسلطان هو أحق بالامامة، وصاحب البيت أحق بالامامة، والذي ~~ينكح امرأة جديدة يجعل لها سبعا أو ثلاثا، ثم يقسم بين أزواجه. # ومنها أن يجعل السنة بينهم تعليم العلم والمواعظة والأمر بالمعروف # والنهي عن المنكر؛ لتمتلئ به أوعية قلوبهم، فينقادوا للنواميس من غير ~~كلفة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالمواعظة. # ومنها أن يفعل النبي صلى الله عليه وسلم أفعالا مما يأمرهم به أو يرخصهم ~~فيه ليعتبروا بفعله. # ومنها أن يدعوا الله تعالى أن يجعل القوم مهذبين كاملين. # ومنها أن تنزل عليهم سكينة من ربهم بواسطة الرسول، فيصيروا بين يديه ~~بمنزلة من على رأسه الطير. # PageV01P197 # ومنها أن يرغم أنف من أراد غير الحق بتأييسه كالقاتل لا يرث، والمكره في ~~الطلاق لا ينفذ طلاقه، فيكون كابحا للجبارين من الاكراه إذ لم يحصل غرضهم. # ومنها ألا يشرع لهم ما فيه مشقة إلا شيئا فشيئا وهو قول عائشة رضي الله ~~عنها إنما أنزل أول نزل منه سور من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ~~ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا ~~الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا ~~أبدا. # ومنها أن لا يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ما تختلف به قلوبهم، فيترك ~~بعض الأمور المستحبة لذلك، وهو قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة " لولا ~~حدثان قومك بالكفر لنقضت الكعبة، وبنيتها على أساس إبراهيم عليه السلام ". # ومنها أن الشارع أمر بأنواع البر من الوضوء والغسل والصلاة والزكاة ~~والصوم والحج وغيرها، ولم يتركها مفوضة إلى عقولهم، بل ضبطها بالأركان ~~والشروط والآداب ونحوها، ثم لم يضبط الأركان والشروط والآداب كثير ضبط، بل ~~تركها مفوضة إلى عقولهم وإلى ما يفهمونه من تلك الألفاظ، وما يعتادونه في ~~ذلك الباب، فبين مثلا أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، ولم يبين مخارج ~~الحروف التي تتوقف عليها صحة قراءة الفاتحة وتشديداتها وحركاتها وسكناتها، ~~وبين أن استقبال القبلة شرط في الصلاة، ولم يبين قانونا نعرف به ms160 استقبالها، ~~وبين أن نصاب الزكاة مائتا درهم، ولم يبين أن الدرهم ما وزنه، وحيث سئل عن ~~مثل ذلك لم يزد على ما عندهم، ولم يأتهم بما لا يجدونه في عاداتهم، فقال في ~~مسألة هلال شهر رمضان " فإذا غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين " وقال في ~~الماء يكون في فلاة من الأرض ترده السباع والبهائم " إذا بلغ الماء قلتين ~~لم يحمل خبثا " وأصله معتاد فيهم كما بينا. # والسر في ذلك أن كل شيء منها لا يمكن أن يبين إلا بحقائق مثلها في الظهور ~~والخفاء وعدم الانضباط، فيحتاج أيضا إلى البيان وهلم جرا، وذلك حرج عظيم من ~~حيث أن كل توقيت تضييق عليهم في الجملة، فإذا كثرت التوقيتات ضاق المجال كل ~~الضيق، ومن حيث أن الشرع يكلف به الأدانى والأقاصي كلهم، وفي حفظ تلك ~~الحدود على # PageV01P198 # تفصيلها حرج شديد، وأيضا والناس إذا اعتنوا باقامة ما ضبط به البر اعتناء ~~شديدا لم يحسوا بفوائد البر، ولم يتوجهوا إلى أرواحها كما ترى كثيرا من ~~المجودين لا يتدبرون معنى القرآن لاشتغال بالهم بالالفاظ، فلا أوفق ~~بالمصلحة من أن يفوض إليهم الأمر بعد أصل الضبط، والله أعلم. # ومنها أن الشارع لم يخاطبهم إلا على ميزان العقل المودع في أصل خلقتهم ~~قبل أن يتعانوا دقائق الحكمة والكلام والأصول، فأثبت لنفسه جهة فقال: # {الرحمن على العرش استوى} . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا مرأة سوداء: " أين الله فأشارت إلى ~~السماء فقال هي مؤمنة " ولم يكلفهم في معرفة استقبال القبلة وأوقات الصلاة ~~والأعياد حفظ مسائل الهيئة والهندسة وأشار بقوله " القبلة ما بين المشرق ~~والمغرب " إذا استقبل الكعبة إلى وجه المسئلة وقال: " الحج يوم تحجون ~~والفطر يوم تفطرون " والله أعلم. ### | (باب أسرار الترغيب والترهيب) # من نعمة الله تبارك وتعالى على عباده أن أوحى إلى أنبيائه صلوات الله ~~عليهم ما يترتب على الأعمال من الثواب والعذاب؛ ليخبروا القوم به، فتمتلئ ~~قلوبهم رغبة ورهبة، ويتقيدوا بالشرائع بداعية منبعثه من أنفسهم كسائر ما ~~فيه دفع ضر أو جلب نفع وهو قوله تعالى: ms161 # {وانها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه ~~راجعون} . # ثم إن ههنا قواعد كلية إليها ترجع جزيئات الترغيب والترهيب، وكان فقهاء ~~الصحابة يعلمونها إجمالا، وإن لم يكونوا أحرزوها تفصيلا، ومما يدل على ما ~~ذكرنا ما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " وفي بضع أحدكم ~~صدقة، فقالوا يأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟ قال # أرأيتم لو وضعها في حرام كان عليه وزر " فما توقفوا في هذه المسألة دون ~~غيرها، وما اشتبه عليهم لميتها إلا لما عندهم من معرفة مناسبة الأعمال ~~لأجزيتها، وأنها ترجع إلى أصل معقول المعنى، ولولا ذلك لم يكن لسؤالهم ولا ~~لجواب النبي صلى الله عليه وسلم - بالاعتبار بأصل واضح - وجه، وقولي هذا ~~نظير ما قاله الفقهاء في حديث، " لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟ قال نعم ~~قال فدين الله أحق أن يقضي " من أنه يدل على أن الأحكام معلقة بأصول # PageV01P199 # كلية # وحاصل السؤال أن الصدقات ترجع إلى تهذيب النفس كالتسبيح والتهليل ~~والتكبير أو إقامة المصلحة في نظام المدينة، وأن السيئات ترجع إلى أضداد ~~هاتين. وقضاء شهوة الفرج اتباع لداعية البهيمية، ولا يعقل فيه مصلحة زائدة ~~على العادات أو نحو ذلك مما يرجع إلى معرفة كلية واستغراب رجوع المسألة ~~إليها. # وحاصل الجواب أن جماع الحليلة يحصن فرجها وفرجه، وفيه خلاص مما يكون قضاء ~~الشهوة في غير محلها اقتحاما فيه. # وللترغيب والترهيب طرق: ولكل طريقه سر، ونحن ننبهك على معظم تلك الطرق. # فمنها بيان الأثر المترتب على العمل الذي تهذب النفس من انكسار إحدى ~~القوتين أو غلبتها وظهورها، ولسان الشارع أن يعبر عن ذلك بكتابه الحسنات ~~ومحو السيئات كقوله صلى الله عليه وسلم: " من قال لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كان له عدل ~~عشر رقاب، وكتب له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من ~~الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد ms162 بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر ~~منه " وقد ذكرنا سره فيما سبق. # ومنها بيان أثره في الحفظ عن الشيطان وغيره كقوله صلى الله عليه وسلم " ~~وكان في حرز من الشيطان حتى يمسي " وقوله صلى الله عليه وسلم " لا يستطيعها ~~البطلة " أو توسيع الرزق وظهور البركة ونحو ذلك، والسر في بعض ذلك أنه طلب ~~من الله السلامة، وهو سبب أن يستجاب دعاؤه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم ~~راويا عن الله تبارك وتعالى: " ولئن استعاذني لأعيذنه، ولئن سألني لأعطينه ~~" وفي البعض الآخر إن الغوص في ذكر الله والتوجه إلى الجبروت والاستمداد من ~~الملكوت يقطع المناسبة بهؤلاء، وإنما التأثير بالمناسبة، وفي البعض الآخر ~~أن الملائكة تدعوا لمن كان على هذه الحالة، فيدخل في شراج كثيرة، فتارة في ~~جلب نفع، وتارة في دفع ضرر. ومنها بيان أثره في المعاد، وسره ينكشف ~~بمقدمتين. # إحداهما أن الشيء لا يحكم عليه بكونه سببا للثواب أو العذاب في المعاد ~~حتى يكون له مناسبة بأحد سببي المجازاة، # PageV01P200 # إما أن يكون له دخل في الأخلاق الأربعة المبنية عليها السعادة وتهذيب ~~النفس إثباتا أو نفيا، وهي النظافة والخشوع لرب العالمين، وسماحة النفس، ~~والسعي في إقامة العدل بين الناس، أو يكون له دخل في تمشية ما أجمع الملأ ~~الأعلى على تمشيته من التمكين للشرائع والنصرة للأنبياء عليهم السلام ~~إثباتا أو نفيا، ومعنى المناسبة أن يكون العمل مظنة لوجود هذا المعنى أو ~~متلازما له في العادة أو طريقا إليه، كما أن كونه يصلي ركعتين لا يحدث ~~فيهما نفسه مظنة الاخبات وتذكر جلال الله والترقي من حضيض البهيمية، وكما ~~أن إسباغ الوضوء طريق إلى النظافة # المؤثرة في النفس، وكما أن بذل المال الخطير الذي يشح به عادة والعفو عمن ~~ظلم وترك المراء فيما هو حق له مظنة لسماحه النفس ومتلازم لها، وكما أن ~~إطعام الجائع وسقي الظمآن والسعي في إطفاء ثائرة الحرب من بين الأحياء مظنة ~~إصلاح العالم وطريق إليه، وكما أن حب العرب طريق إلى التزيى بزيهم، وذلك ~~طريق عطف ms163 إلى الأخذ بالملة الحنيفية، لأنها تشخصت في عاداتهم وتنويه بأمر ~~الشريعة المصطفوية، وكما أن المحافظة على تعجيل الفطر تباعد عن اختلاط ~~الملل وتحريفها، وما زالت طوائف الناس من الحكماء وهل الصناعات والأطباء ~~يديرون الأحكام على مظانها، وما زال العرب جارين على ذلك في خطبهم ~~ومحاوراتهم، وقد ذكرنا بعض ذلك ... ، أو يكون عملا شاقا أو خاملا أو غير ~~موافق للطبيعة لا يقصده، ولا يقدم عليه إلا المخلص حق الإخلاص، فيصير شرحا ~~لإخلاصه كالتضلع من ماء زمزم وكحب علي رضي الله عنه فإنه كان شديدا في أمر ~~الله وكحب الأنصار فإنه لم تزل العرب المعدية واليمينية متباعضين فيما ~~بينهم حتى ألفهم الإسلام، فالتأليف معرف لدخول بشاشة الإسلام في القلب ~~وكالطلوع على الجبل والسهر في حراسة جيوش المسلمين فإنه معرف لصدق عزيمته ~~في إعلاء كلمة الله وحب دينه. # المقدمة الثانية أن الإنسان إذا مات ورجع إلى نفسه وإلى هيآتها التي ~~انصبغت بها، الملائمة لها، والمنافرة إياها - لا بد أن تظهر صورة التألم ~~والتنعم بأقرب ما هنالك، ولا اعتبار في ذلك للملازمة العقلية، بل لنوع آخر ~~من الملازمة لأجلها يجر بعض حديث # PageV01P201 # النفس بعضا، وعلى حسبها يقع تشبح المعاني في المنام كما يظهر منع المؤذن ~~الناس عن الجماع والأكل بصورة الختم على الفروج والأفواه، ثم إن في عالم ~~المثال مناسبات تبنى عليها الأحكام، فما ظهر جبريل في صورة دحية دون غيره ~~إلا لمعنى، ولا ظهرت النار # على موسى عليه السلام إلا لمعنى، فالعارف بتلك المناسبات يعلم أن جزاء ~~هذا العمل في أي صورة يكون، كما أن العارف بتأويل الرؤيا يعرف أنه أي معنى ~~ظهر في صورة ما رآه. # وبالجملة فمن هذا الطريق يعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي يكتم ~~العلم، ويكف نفسه عن التعليم عند الحاجة إليه يعذب بلجام من نار، لأنه ~~تألمت النفس بالكف، واللجام شبح الكف وصورته، والذي يحب المال، ولا يزال ~~يتعلق به خاطره يطوق بشجاع أقرع، والذي يتعانى في حفظ الدراهم والدنانير ~~والأنعام، ويحوط بها عن البذل لله ms164 يعذب بنفس تلك الأشياء على ما تقرر عندهم ~~من وجه التأذي، والذي يعذب نفسه بحديدة أو سم، ويخالف أمر الله بذلك يعذب ~~بتلك الصورة، والذي يكسو الفقير يكسى يوم القيامة من سندس الجنة، والذي ~~يعتق مسلما ويفك رقبته عن آفة الرق المحيط به يعتق بكل عضو منه عضو منه من ~~النار. # ومنها تشبيه ذلك العمل بما تقرر في الأذهان حسنه أو قبحه، أما من جهة ~~الشرع أو العادة وفي ذلك لا بد من أمر جامع بين الشيئين مشترك بينهما ولو ~~بوجه من الوجوه، كما شبه المرابط في المسجد بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس ~~بصاحب حجة وعمرة، وشبه العائد في هبته بالكلب العائد في قيئه، ونسبته إلى ~~المحبوبين أو المبغوضين، والدعاء لفاعله أو عليه، وكل ذلك ينبه على حال ~~العمل إجمالا من غير تعرض لوجه الحسن أو القبح كقول الشارع: تلك صلاة ~~المنافق، وليس منا من فعل كذا، وهذا العمل عمل # الشياطين أو عمل الملائكة، ورحم الله أمرءا فعل كذا وكذا " ونحو هذه ~~العبارات. # ومنها حال العمل في كونه متعلقا لرضا الله أو سخطه وسببا لانعطاف دعوة ~~الملائكة إليه أو عليه كقول الشارع - إن الله يحب كذا وكذا، ويبغض كذا وكذا ~~- وقوله صلى الله عليه وسلم " إن الله تعالى وملائكته يصلون على ميامن ~~الصفوف " وقد ذكرنا سره، والله أعلم. # PageV01P202 ### | (باب طبقات الأمة باعتبار الخروج إلى الكمال المطلوب أو ضده) # والأصل في هذا الباب قوله تعالى في سورة الواقعة: {وكنتم أزواجا ثلاثة ~~فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة ~~والسابقون السابقون أولئك المقربون} . إلى آخر السورة. # وقوله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم ~~لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير} . # قد علمت أن أعلى مراتب النفوس هي نفوس المفهمين وقد ذكرناها، ويتلو ~~المفهمين جماعة تسمى بالسابقين، وهم جنسان: جنس أصحاب اصطلاح وعلو كان ~~استعدادهم كاستعداد المفهمين في تلقي تلك الكمالات إلا أن السعادة لم تبلغ ~~بهم مبلغهم، فكان استعدادهم ms165 كالنائم يحتاج إلى من يوقظه، فلما أيقظه أخبار ~~الرسل أقبلوا على ما يناسب استعدادهم من تلك العلوم مناسبة # خفية في باطن نفوسهم، فصاروا كالمجتهدين في المذهب، وصار إلهامهم أن ~~يتلقوا من الإلهام الجملي الكلي الذي توجه إلى نفوسهم بما يشملهم من ~~الاستعداد في حظيرة القدس، وهو الأمر المشترك في أكثرهم، وترجم عنه الرسل. # وجنس أصحاب تجاذب وعلو، ساقهم سائق التوفيق إلى رياضات وتوجهات قهرت ~~بهيمتهم، فآتاهم الحق كمالا علميا، وصاروا على بصيرة من أمرهم فكانت لهم ~~وقائع إلهية وإرشاد وإشراق مثل أكابر طرق الصوفية، ويجمع السابقين أمران: ~~أحدهما أنهم يستفرغون طاقتهم في التوجه إلى الله والتقرب منه، وثانيهما أن ~~جبلتهم قوية فتمثل الملكات المطلوبة عندهم على وجهها من غير نظر إلى أشباح ~~لها، وإنما يحتاجون إلى الأشباح شرحا لتلك الملكات وتوسلا بها إليها. .، ~~منهم المفردون المتوجهون إلى الغيب طرح الذكر عنهم أثقالهم ... ، والصديقون ~~المتميزون عن سائر الناس بشدة انقياد الحق والتجرد له ... ، والشهداء الذين ~~أخرجوا للناس، وحل فيهم صبغ الملأ الأعلى من لعن الكافرين والرضا عن ~~المؤمنين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإعلاء الملة بواسطة النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فإذا كان يوم القيامة قاموا يخاصمون الكفرة، ويشهدون ~~عليهم، وهم بمنزلة أعضاء النبي صلى الله عليه وسلم في بعثته بهم ليكمل ~~الأمر المراد في البعثة، ولذلك وجب تفضيلهم على غيرهم وتوقيرهم ... ، # PageV01P203 # والراسخون في العلم أولو ذكاء وعقل لما سمعوا من النبي صلى الله عليه ~~وسلم العلم والحكمة صادف ذلك منهم استعدادا فصار يمد لهم في باطنهم فهم ~~معاني كتاب الله على وجهها، وإليه أشار علي رضي الله عنه حيث قال - أو فهم ~~أعطيه رجل مسلم ... ، # والعباد الذين أدركوا فوائد العبادة عيانا، وانصبغت نفوسهم بأنوارها، ~~ودخلت في صميم أفئدتهم فهم يعبدون الله على بصيرة من أمرهم ... ، والزهاد ~~الذين أيقنوا بالمعاد وبما هنالك من اللذة فاستحقروا في جنبها لذة الدنيا ~~وصار الناس عندهم كأباعير الإبل ... ، والمستعدون لخلافة الأنبياء عليهم ~~السلام ممن يعبدون الله تعالى بخلق العدالة، فيصرفونه فيما أمر الله تعالى ~~... ، وأصحاب ms166 الخلق الحسن أعني أهل السماحة من الجود والتواضع والعفو عمن ~~ظلم. .، والمتشبهون بالملائكة والمخالطون بهم، كما يذكر أن بعض الصحابة كان ~~يسلم عليهم الملائكة. # ولكل فرقة من هذه الفرق استعداد جبلي يقتضي كماله بتيقظ بأخبار الأنبياء ~~عليهم السلام واستعداد كسبي يتهيأ بأخذ للشرائع فيهما يحصل كما لهم، ومن ~~كان من المفهمين لم يبعث إلى الخلق فإنه يعد في الشرائع من السابقين، ويتلو ~~السابقين جماعة تسمى بأصحاب اليمين، وهم أجناس: # جنس نفوسهم قريبة المأخذ من السابقين لم يوفقوا لتكميل ما جبلوا له، ~~فاقتصروا على الأشباح دون الأرواح لكنهم ليسوا بأجنبيين منها، # وجنس أصحاب النجاذب نفوسهم ضعيفة الملكية قوية البهيمية وفقوا لرياضات ~~شاقة، فأثمرت فيهم ما للملأ السافل أو ضعيفة البهيمية استهتروا بذكر الله ~~تعالى فترشح عليهم إلهامات جزئية وتعبد وتطهر جزئيان. # وجنس أهل الاصطلاح ضعيفة الملكية جدا عضوا على الرياضات الشاقة إن كانوا ~~قويي البهيمية، أو الأولاد الدائمة إن كانوا ضعيفيها فلم يثمر ذلك لهم شيئا ~~من الانكشاف لكن دخلت الأعمال والهيآت التي هي أشباح الملكات الحسنة في جذر ~~نفوسهم، وكثير منهم لا يشترط في عمله الإخلاص التام والتبري من مقتضى الطبع ~~والعادة # PageV01P204 # بالكلية فيتصدقون بنية ممتزجة من دقة الطبع ورجاء الثواب ويصلون لجريان ~~سنة قومهم على ذلك ولرجاء الثواب، # ويمتنعون من الزنا وشرب الخمر خوفا من الله وخوفا من الناس أو لا ~~يستطيعون اتباع العشيقات ولا بذل الأموال في الملاهي، فيقبل منهم ذلك بشرط ~~أن تضعف قلوبهم عن الإخلاص الصرف، وأن تتمسك نفوسهم بالأعمال أنفسها لا بما ~~هي شروح للملكات. وكان في الحكمة الأولى - إن من الحياء خيرا ومنه ضعفا - ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " الحياء خير كله " ينبه على ما ذكرنا، ~~وكثير منهم يبرق عليهم بارقة ملكية في أوقات يسيرة، فلا يكون ملكة لهم، ولا ~~يكونون أجنبيين عنها كالمستغفرين اللوامين أنفسهم، وكالذي يذكر الله خاليا ~~وفاضت عيناه، وكالذي لا تمسك نفسه الشر لضعف في جبلته إنما قلبه كقلب الطير ~~أو لتحلل طارئ على مزاجه كالمبطون وأهل المصائب كفرت ms167 بلاياهم خطاياهم. # وبالجملة فأصحاب اليمين فقدوا إحدى خصلتي السابقين، وحصلوا الأخرى، ~~وبعدهم جماعة تسمى بأصحاب الأعراف وهم جنسان: # قوم صحت أمزجتهم، وزكت فطرتهم، ولم تبلغهم الدعوة الإسلامية أصلا أو ~~بلغتهم، ولكن بنحو لا تقوم به الحجة، ولا تزول به الشبهة فنشأوا غير ~~منهمكين في الملكات الخسيسة والأعمال المردية ولا ملتفتين إلى جناب الحق لا ~~نفيا، ولا إثباتا، كان أكثر أمرهم الاشتغال بالارتفاقات العاجلة، فأولئك ~~إذا ماتوا رجعوا إلى حالة عمياء لا إلى عذاب، ولا إلى ثواب حتى تنفسخ ~~بهيمتهم، فيبرق عليهم شيء من بوارق الملكية. # وقوم نقصت عقولهم كأكثر الصبيان والمعتوهين والفلاحين والأرقاء، وكثير ~~يزعمهم الناس أنهم لا بأس بهم، وإذا نقح حالهم عن الرسوم بقوا لا عقل لهم، ~~فأولئك يكتفي من إيمانهم بمثل ما اكتفى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الجارية السوداء سألها " أين الله " فأشارت إلى السماء، إنما يراد منهم أن ~~يتشبهوا بالمسلمين لئلا تتفرق الكلمة. # أما الذين نشأوا منهمكين في الرذائل والتفتوا إلى جناب الحق على غير ~~الوجه الذي ينبغي أن يكون، فهم أهل الجاهلية يعذبون بأصناف العذاب ... ، ~~وبعدهم جماعة تسمى بالمنافقين نفاق العمل، وهم أجناس لم تبلغ بهم السعادة ~~إلى وجود الكمال المأمور به على ما هو عليه، إما غلب عليهم حجاب الطبيعة، ~~ففنوا في ملكة رذيلة مثل شره الطعام والنساء والحقد ما وضعت عنهم # PageV01P205 # طاعتهم أوزارهم، أو حجاب الرسم، فلا يكادون يسمحون بترك رسوم الجاهلية ~~ولا بمهاجرة الأخوان والأوطان، أو حجاب سوء المعرفة مثل المتشبهة والذين ~~أشركوا بالله عبادة أو استعانة شركا خفيا زاعمين أن الشرك المبغض غير ما ~~يفعلونه، وذلك فيما لم تنص فيه الملة، ولم يكشف عنه الغطاء، ومنهم أولو ضعف ~~وسماجة وأهل مجون وسخافة، لم ينفع حب الله وحب رسوله فيهم التبري عن ~~المعاصي كقصة من كان يشرب الخمر، وكان يحب الله ورسوله بشهادة النبي صلى ~~الله عليه وسلم ... ، وجماعة تسمى بالفاسقين وهم الذين يغلب عليهم أعمال ~~السوء أكثر من الملكات الرذيلة، منهم أصحاب بهيمية شديدة اندفعوا إلى ~~مقتضيات السبعية ms168 والبهيمية، ومنهم أولو أمزجة فاسدة وآراء كاسدة بمنزلة ~~المريض الذي يحب أكل الطين والخبز المحترق، فصاروا يندفعون إلى الشيطنة ... ~~، وبعدهم الكفار وهم المردة المتمردة أبوا أن يقولوا لا إله إلا الله مع ~~تمام عقلهم وصحة التبليغ إليهم، أو ناقضوا إرادة الحق في تمشية أمر ~~الأنبياء عليهم السلام، فصدوا عن سبيل الله، واطمأنوا بالحياة الدنيا، ولم ~~يلتفتوا إلى ما بعدها، فأولئك يلعنون لعنا مؤبدا، ويسجنون سجنا مخلدا، ~~ومنهم أهل الجاهلية، ومنهم المنافق الذي آمن بلسانه، وقلبه باق على الكفر ~~الخالص، والله أعلم. ### | (باب الحاجة إلى دين ينسخ الأديان) # استقرئ الملل الموجودة على وجه الأرض، هل ترى من تفاوت عما أخبرتك في ~~الأبواب السابقة؟ كلا والله، بل الملل كلها لا تخلو من اعتقاد صدق صاحب ~~الملة وتعظيمه، وأنه كامل منقطع النظير لما رأوا منه من الاستقامة في ~~الطاعات أو ظهور الخوارق واستجابة الدعوات، ومن الحدود والشرائع والمزاجر ~~مما لا تنتظم الملة بغيرها، ثم بعد ذلك أمور تفيد الاستطاعة الميسرة مما ~~ذكرنا ومما يضاهيه، ولكل قوم سنة وشريعة يتبع فيها عادة أوائلهم، ويختار ~~فيها سيرة حملة الملة # PageV01P206 # وأئمتها، ثم أحكم بنيانها، وشدد أركانها حتى صار أهلها ينصرونها، ~~ويتناضلون دونها، ويبذلون الأموال والمهج لأجلها، وما ذلك إلا لتدبيرات ~~محكمة ومصالح متقنة لا تبلغها نفوس العامة. # ولما انفرز كل قوم بملة، وانتحلوا سننا وطرائق، ونافحوا دونها بألسنتهم، ~~وقاتلوا عليها بأسنتهم، ووقع فيهم الجور، إما لقيام من لا يستحق إقامة ~~الملة بها، أو لاختلاط الشرائع الابتداعية، ودسها فيها، أو لتهاون حملة ~~الملة، فأهملوا كثيرا مما ينبغي، فلم تبق إلا دمنة لم تتكلم من أم أوفى، ~~ولا مت كل ملة أختها، وأنكرت عليها، وقاتلها، واختفى الحق - مست الحاجة إلى ~~إمام راشد يعامل مع الملل معاملة الخليفة الراشد مع الملوك الجائرة. # ولك عبرة فيما ذكره ناقل كتاب الكليلة والدمنة من الهندية إلى الفارسية ~~من اختلاط الملل، وأنه أراد أن يتحقق الصواب فلم يقدر إلا على شيء يسير، ~~وفيما ذكره أهل التاريخ من حال الجاهلية واضطراب أديانهم. # وهذا الإمام ms169 الذي يجمع الأمم على ملة واحدة يحتاج إلى أصول أخرى غير ~~الأصول المذكورة فيما سبق. # منها أن يدعو قوما إلى السنة الراشدة، ويزكيهم، ويصلح شأنهم، ثم يتخذهم ~~بمنزلة جوارحه، فيجاهد أهل الأرض، ويفرقهم في الآفاق، وهو قوله تعالى: ~~{كنتم خير أمة أخرجت لناس} . # وذلك لأن هذا الإمام نفسه لا يتأتى منه مجاهدة أمم غير محصورة، وإذا كان ~~كذلك وجب أن تكون مادة شريعته ما هو بمنزلة المذهب الطبيعي لأهل الأقاليم ~~الصالحة عربهم وعجمهم، ثم ما عند قومه من العلم والارتفاقات، ويراعى فيهم ~~حالهم أكثر من غيرهم، ثم يحمل الناس جميعا على اتباع تلك الشريعة لأنه لا ~~سبيل إلى أن يفوض الأمر إلى كل قوم أو إلى أئمة كل عصر، إذ لا يحصل منه ~~فائدة التشريع أصلا، ولا إلى أن ينظر ما عند كل قوم، ويمارس كلا منهم، ~~فيجعل لكل شريعة؛ إذ الإحاطة بعاداتهم وما عندهم على اختلاف بلدانهم وتباين ~~أديانهم كالممتنع، وقد عجز جمهور الرواة عن رواية شريعة واحدة، فما ظنك ~~بشرائع مختلفة، والأكثر أنه لا يكون انقياد الآخرين إلا بعد عدد ومدد لا ~~يطول عمر النبي إليها، كما وقع في الشرائع الموجودة الآن فإن اليهود ~~والنصارى والمسلمين ما آمن من أوائلهم إلا جمع، ثم أصبحوا ظاهرين بعد ذلك ~~فلا أحسن ولا أيسر # PageV01P207 # من أن يعتبر في الشعائر والحدود والارتفاقات عادة قومه المبعوث فيهم، ولا ~~يضيق كل التضييق على الآخرين الذين يأتون بعد، ويبقى عليهم في الجملة، ~~والأولون يتيسر لهم الأخذ بتلك الشريعة بشهادة قلوبهم وعاداتهم، والآخرون ~~يتيسر لهم ذلك بالرغبة في سير أئمة الملة والخلفاء، فإنها كالأمر الطبيعي ~~لكل قوم في كل عصر قديما أو حديثا. # والأقاليم الصالحة لتولد الأمزجة المعتدلة كانت مجموعة تحت ملكين كبيرين ~~يومئذ: # أحدهما كسرى - وكان متسلطا على العراق واليمن وخراسان وماوليهما، وكانت ~~ملوك ما وراء النهر والهند تحت حكمه يجبي إليه منهم الخراج كل سنة، # والثاني قيصر، وكان متسلطا على الشام والروم، وماوليهما، وكان ملوك مصر ~~والمغرب والإفريقية تحت حكمه يجبي إليه منهم الخراج. ms170 # وكان كسر دولة هذين الملكين والتسلط على ملكهما بمنزلة الغلبة على جميع ~~الأرض، وكانت عاداتهم في الترفه سارية في جميع البلاد التي هي تحت حكمهما، ~~وتغير تلك العادات، وصدهم عنها مفضيا في الجملة إلى تنبيه جميع البلاد على ~~ذلك وإن اختلفت أمورهم بعده، وقد ذكر الهرمزان شيئا من ذلك حين استشاره عمر ~~رضي الله عنه في غزاة العجم، أما سائر النواحي البعيدة عن اعتدال المزاج، ~~فليس بها كثير اعتداد في المصلحة الكلية ولذلك قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " اتركوا الترك ما تركوكم، ودعوا الحبشة ما ودعوكم ". # وبالجملة فلما أراد الله تعالى إقامة الملة العوجاء، وأن يخرج للناس أمة ~~تأمرهم بالمعروف، وتنهاهم عن المنكر، وتغير رسومهم الفاسدة كان ذلك موقوفا ~~على زوال دولة هذين متيسرا بالتعرض لحالهما فإن حالهما يسرى في جميع ~~الأقاليم الصالحة أو يكاد يسري فقضى الله بزوال دولتهما، وأخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بأن هلك كسرى، فلا كسرى بعده، وهلك قيصر، فلا قيصر بعده، ~~ونزل الحق الدامغ لباطل جميع الأرض في دمغ باطل العرب بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه، ودمغ باطل هذين الملكين بالعرب، ودمغ سائر البلاد بملتهما، ~~ولله الحجة البالغة. # ومنها أن يكون تعليمه الدين إياهم مضموما إلى القيام بالخلافة العامة، ~~وأن يجعل الخلفاء من بعده أهل بلده وعشيرته الذين نشئوا على تلك العادات ~~والسنن، وليس التكحل في العينين كالكحل، ويكون الحمية الدينية فيهم مقرونة ~~بالحمية النسبية، ويكون علو أمرهم ونباهة شأنهم علوا لأمر صاحب الملة ~~ونباهة لشأنه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " الأئمة من قريش "، ويوصي ~~الخلفاء بإقامة الدين وإشاعته، وهو قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: ~~بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم. # PageV01P208 # ومنها أن يجعل هذا الدين غالبا على الأديان كلها، ولا يترك أحدا إلا قد ~~غليه الدين بعز عزيز أو ذل ذليل، فينقلب الناس ثلاث فرق: منقاد للدين ظاهرا ~~وباطنا، ومنقاد بظاهره على رغم أنفه لا يستطيع التحول عنه، وكافر مهان ~~يسخره في الحصاد والدياس وسائر الصناعات كما تسخر ms171 البهائم في الحرث وحمل ~~الاثقال، ويلزم عليه سنة زاجرة، ويؤتى الجزية عن يد وهو صاغر. # وغلبة الدين على الأديان لها أسباب: # منها إعلان شعائره على شعائر سائر الأديان، وشعائر الدين أمر ظاهر يختص ~~به يمتاز صاحبه به من سائر الأديان كالختان وتعظيم المساجد والأذان والجمعة ~~والجماعات. # ومنها أن يقبض على أيدي الناس ألا يظهروا شعائر سائر الأديان. # ومنها ألا يجعل المسلمين أكفاء للكافرين في القصاص والديات ولا في ~~المناكحات ولا في القيام بالرياسات ليلجئهم ذلك إلى الإيمان الجاء. # ومنها أن يكلف الناس بأشباح البر والاثم، ويلزمهم ذلك إلزاما عظيما، # ولا يلوح لهم بأرواحها كثير تلويح، ولا يخيرهم في شيء من الشرائع، ويجعل ~~علم أسرار الشرائع الذي هو مأخذ الأحكام التفصيلية علما مكنونا لا يناله ~~إلا من ارتسخت قدمه في العلم، وذلك لان أكثر المكلفين لا يعرفون المصالح ~~ولا يستطيعون معرفتها إلا إذا ضبطت بالضوابط، وصارت محسوسة يتعاطاها كل ~~متعاط، فلو رخص لهم في ترك شيء منها، وبين أن المقصود الاصلي غير تلك ~~الأشباح لتوسع لهم مذاهب الخوض، ولا اختلفوا اختلافا فاحشا ولم يحصل ما ~~أراد الله فيهم، والله اعلم. # ومنها أنه لما كانت الغلبة بالسيف فقط لا تدفع رين قلوبهم، فعسى أن ~~يرجعوا إلى الكفر عن قليل - وجب أن يثبت بأمور برهانية أو خطابية نافعة في ~~أذهان الجمهور أن تلك الاديان لا ينبغي أن تتبع، لأنها غير مأثورة عن ~~المعصوم، أو أنها غير منطبقة على قوانين الملة، أو أن فيها تحريفا ووضعا ~~للشيء في غير موضعه، ويصحح ذلك على رءوس الاشهاد، ويبين مرجحات الدين ~~القويم من أنه سهل سمح، وأن حدوده واضحة يعرف العقل حسنها، وأن ليلها ~~نهارها، وأن سننها أنفع للجمهور وأشبه بما بقي عندهم من سيرة الانبياء ~~السابقين عليهم السلام وأمثال ذلك، والله أعلم. # PageV01P209 ### | (باب احكام الدين من التحريف) # لا بد لصاحب السياسة الكبرى الذي يأتي من الله بدين ينسخ الأديان من أن ~~يحكم دينه من أن يتطرف إليه تحريف، وذلك لأنه يجمع أمما كثيرة ذوي ~~استعدادات شتى ms172 وأغراض متفاوتة، فكثيرا ما يحملهم الهوى أو حب الدين الذي ~~كانوا عليه سابقا والفهم الناقص حيث عقلوا شيئا، وغابت مصالح كثيرة أن ~~يهملوا ما نصت الملة عليه، أو يدسوا فيها ما ليس منها، فيختل الدين، كما قد ~~وقع في كثير من الأديان قبلنا، ولما لم يمكن الاستقصاء # في معرفة مداخل الخلل فإنها غير محصورة ولا متعينة، وما لا يدرك كله لا ~~يترك كله - وجب أن ينذرهم من أسباب التحريف إجمالا أشد الانذار، ويخص مسائل ~~قد علم بالحدس أن التهاون والتحريف في مثلها أو بسببها داء مستمر في بني ~~آدم فيسد مدخل الفساد منها بأثم وجه، وأن يشرع شيئا يخالف مألوف الملل ~~الفاسدة فيما هو أشهر الأشياء عندهم كالصلوات مثلا. # ومن أسباب التحريف التهاون وحقيقته أن يخلف بعد الحواريين خلف أضاعوا ~~الصلاة، واتبعوا الشهوات لا يهتمون باشاعة الدين تعلما وتعليما وعملا، ولا ~~يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر، فينعقد عما قريب رسوم خلاف الدين، ~~وتكون رغبة الطباع خلاف رغبة الشرائع، فيجيء خلف آخرون يزيدون في التهاون ~~حتى ينسى معظم العلم ... ، والتهاون من سادة القوم وكبرائهم أضر بهم وأكثر ~~إفسادا. وبهذا السبب ضاعت ملة نوح وإبراهيم عليهما السلام، فلم يكد يوجد ~~منهم من يعرفها على وجهها، ومبدأ التهاون أمور. # منها عدم تحمل الرواية عن صاحب الملة والعمل به، وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم: " ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم ~~من حلال فأحلوه، وما وجدتم منه حرام، فحرموه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم ~~الله " وقوله صلى الله عليه وسلم: " أن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه ~~من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس ~~رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا، وأضلوا ". # ومنها الأغراض الفاسدة الحاملة على التأويل الباطل كطلب مرضاة الملوك في ~~اتباعهم الهوى لقوله تعالى: # PageV01P210 # {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما ~~يأكلون في بطونهم إلا النار} . # ومنها شيوع ms173 المنكرات وترك علمائهم النهي عنها وهو قوله تعالى: # {فلولا كان من القرون من قبلكم ألوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا ~~قليلا مما أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين} . # وقوله صلى الله عليه وسلم لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي: " نهتهم ~~علماؤهم، فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وآكلوهم، وشاربوهم، فضرب الله ~~قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا، وكانوا ~~يعتدون ". # ومن أسباب التحريف التعمق، وحقيقته أن يأمر الشارع بأمر وينهى عن شيء ~~فيسمعه رجل من أمته، ويفهمه حسبما يليق بذهنه، فيعدي الحكم إلى ما يشاكل ~~الشيء بحسب بعض الوجوه أو بعض أجزاء العلة أو إلى أجزاء الشيء ومظانه ~~ودواعيه، وكلما اشتبه عليه الأمر لتعارض الروايات التزم الأشد، ويجعله ~~واجبا، ويحمل كل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم على العبادة، والحق أنه ~~فعل أشياء على العادة، فيظن أن الأمر والنهي شملا في هذه الأمور، فيجهر بأن ~~الله تعالى أمر بكذا، ونهى عن كذا، كما أن الشارع لما شرع الصوم لقهر النفس ~~ومنع عن الجماع فيه ظن قوم أن السحور خلاف المشروع؛ لأنه يناقض قهر النفس، ~~وأنه يحرم على الصائم قبلة امرأته لأنها من دواعي الجماع، ولأنها تشاكل ~~الجماع في قضاء الشهوة، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فساد هذه ~~المقاملة وبين أنه تحريف. # ومنها التشدد وحقيقته اختيار عبادات شاقة لم يأمر بها الشارع كدوام ~~الصيام والقيام التبتل وترك التزوج، وأن يلتزم السنن والآداب كالتزام ~~الواجبات وهو حديث نهي النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو وعثمان ~~ابن مظعون عما قصدا من العبادات الشاقة وهو قوله صلى الله عليه وسلم " لن ~~يشاد الدين أحد إلا غلبه " فإذا صار هذا المتعمق أو المتشدد معلم قوم ~~ورئيسهم ظنوا أن هذا أمر الشرع ورضاه، وهذا داء رهبان اليهود والنصارى. # ومنها الاستحسان وحقيقته أن يرى رجل الشارع يضرب لكل حكمة مظنة مناسبة، ~~ويراه يعقد التشريع، فيختلس بعض ما ذكرنا من ms174 أسرار التشريع، فيشرع للناس ~~حسبما عقل من المصلحة. كما أن اليهود رأوا أن الشارع إنما أمر بالحدود زجرا ~~عن المعاصي للاصلاح، ورأوا أن الرجم يورث اختلافا وتقاتلا بحيث يكون في ذلك ~~اشد الفساد، # PageV01P211 # واستحسنوا تحميم الوجه والجلد، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه تحريف ~~ونبذ لحكم الله المنصوص بالتوراة بآرائهم. عن ابن سيرين قال: أول من قاس ~~إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس. وعن الحسن أنه تلا هذه الآية: # {خلقتني من نار وخلقته من طين} . # قال: قاس إبليس وهو أول من قاس. وعن الشعبي قال: والله لئن أخذتم ~~بالمقاييس لتحر من الحلال، ولتحلن الحرام. وعن معاذ بن جبل: يفتح القرآن ~~على الناس حتى يقرأه المرأة والصبي والرجل، فيقول الرجل قد قرأت القرآن، ~~فلم أتبع، والله لاقومن به فيهم لعلي أتبع، فيقوم به فيهم، فلا يتبع، ~~فيقول: قد قرأت القرآن فلم أتبع، وقد قمت به فيهم، فلم أتبع # لأحتظرن في بيتي مسجدا لعلي أتبع، فيخظر في بيته مسجدا، فلا يتبع، فيقول: ~~قد قرأت القرآن، فلم أتبع، وقمت به فيهم، فلم أتبع، وقد احتظرت في بيتي ~~مسجدا، فلم أتبع، والله لآتينهم بحديث لا يجدونه في كتاب الله ولم يسمعوه ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي أتبع قال معاذ: فاياكم وما جاء به ~~فإن ما جاء به ضلالة، وعن عمر رضي الله عنه قال: يهدم الاسلام زلة العالم ~~وجدال المنافق بالكتاب وحكم الأئمة المضلين، والمراد بهذا كله ما ليس ~~استنباطا من كتاب الله وسنة رسوله. # ومنها اتباع الإجماع وحقيقته أن يتفق قوم من حملة الملة الذين اعتقد ~~العامة فيهم الإصابة غالبا أو دائما على شيء فيظن أن ذلك دليل قاطع عن ثبوت ~~الحكم، وذلك فيما ليس له أصل من الكتاب والسنة، وهذا غير الإجماع الذي ~~اجتمعت الأمة عليه فإنهم اتفقوا على القول بالإجماع الذي مستنده الكتاب ~~والسنة أو الاستنباط من أحدهما ولم يجوزوا القول بالاجماع الذي ليس مستندا ~~إلى أحدهما، وهو قوله تعالى: # {وإذا قيل لهم أمنوا بما أنزل ms175 الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا} ~~الآية # وما تمسكت اليهود في نفي نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام إلا بأن ~~أسلافهم فحصوا عن حالهما، فلم يجدوهما على شرائط الأنبياء، والنصارى، لهم ~~شرائع كثيرة مخالفة للتوراة والأنجيل ليس لهم فيها متمسك إلا إجماع سلفهم. # ومنها تقليد غير المعصوم أعني غير النبي الذي ثبتت عصمته، وحقيقته أن ~~يجتهد واحد من علماء الأمة في مسألة، فيظن متبعوه أنه على الإصابة قطعا أو ~~غالبا، فيردوا به حديثا صحيحا، وهذا التقليد غير ما اتفق عليه # الأمة المرحومة، فإنهم اتفقوا على جواز التقليد للمجتهدين مع العلم بأن ~~المجتهد يخطئ، ويصيب، ومع الاستشراف لنص النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P212 # في المسألة والعزم على أنه إذا ظهر حديث صحيح خلاف ما قلد فيه ترك ~~التقليد، واتبع الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: # {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} . # إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه، وإذا ~~حرموا عليهم شيئا حرموه ". # ومنها خلط ملة بملة حتى لا تتميز واحدة من الأخرى، وذلك أن يكون إنسان في ~~دين من الأديان تعلق بقلبه علوم تلك الطبقة، ثم يدخل في الملة الإسلامية، ~~قيبقى ميل قلبه إلى ما تعلق به من قبل، فيطلب لأجله وجها في هذه الملة ولو ~~ضعيفا أو موضوعا، وربما جوز الوضع ورواية الموضوع لذلك، وهو قوله صلى الله ~~عليه وسلم: " لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلا حتى نشأ فيهم المولدون وأبناء ~~سبايا الأمم، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا " ومما دخل في ديننا علوم بني ~~إسرائيل وتذكير خطباء الجاهلية وحكمة اليونانيين ودعوة البابليين وتاريخ ~~الفارسيين والنجوم والرمل والكلام، وهو سر غضب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حين قرئ بين يديه نسخة من التوراة، وضرب عمر رضي الله عنه من كان يطلب ~~كتب دانيال، والله أعلم. ### | (باب أسباب اختلاف دين نبينا صلى الله عليه وسلم ودين اليهود والنصرانية) # اعلم أن الحق تعالى إذا بعث رسولا في قوم، فأقام الملة ms176 لهم على لسانه، ~~فإنه لا يترك فيها عوجا ولا أمتا، ثم إنه تمضى الرواية عنه، ويحملها # الحواريون من أمته كما ينبغي برهة من الزمان، ثم بعد ذلك يخلف خلف ~~يحرفونها، ويتهاونون فيها، فلا تكون حقا صرفا بل ممزوجا بالباطل، وهو قوله ~~صلى الله عليه وسلم: " ما من نبي بعثه الله في أمته إلا كان له من أمته ~~حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم يخلف من بعدهم خلوف يقولون ~~ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يأمرون " الحديث، وهذا الباطل منه إشراك جلي ~~وتحريف صريح يؤاخذون عليه على كل حال، ومنه إشراك خفي وتحريف مضمر لا يؤاخذ ~~الله بها حتى يبعث الرسول فيهم، فيقيم الحجة، ويكشف الغمة ليحيا من حي عن ~~بينة ويهلك من هلك عن بينة، فإذا بعث فيهم الرسول رد كل شيء إلى أصله، فنظر ~~إلى شرائع الملة الأولى ... # PageV01P213 # فما كان منها من شعائر الله لا يخالطها شرك ومن سنن العبادات أو طرق ~~الارتفاقات التي ينطبق عليها القوانين الملية - أبقاها، ونوه بالخامل منها، ~~ومهد لكل شيء أركانا وأسبابا، وما كان من تحريف وتهاون أبطله، وبين أنه ليس ~~من الدين ... ، وما كان من الأحكام المنوطة بمظان المصالح يومئذ، ثم اختلفت ~~المظان بحسب اختلاف العادات - بدلها، إذا المقصود الأصلي في شرع الأحكام هي ~~المصالح. ويعنون بالمظان، وربما كان شيء مظنة لمصلحة ثم صار ليس مظنة لها، ~~كما أن علة الحمى في الأصل ثوران الأخلاط، فيتخذ الطبيب له مظنة ينسب إليها ~~الحمى كالمشي في الشمس والحركة المتعبة وتناول الغذاء الفلاني، ويمكن أن ~~تزول مظنة هذه الأشياء، فتختلف الأحكام حسب ذلك، وما كان انعقد عليه إجماع ~~الملأ الأعلى فيما يعملون ويعتادون، وفيما يثبت عليه علومهم، ودخل في جذر ~~نفوسهم زاده. # وكان الأنبياء عليهم السلام قبل نبيا صلى الله عليه وسلم يزيدون، ولا ~~ينقصون، ولا يبدلون إلا قليلا، فزاد إبراهيم عليه السلام على ملة نوح عليه ~~السلام أشياء من المناسك وأعمال الفطرة والختان وزاد موسى # عليه السلام على ملة إبراهيم عليه السلام أشياء كتحريم ms177 لحوم الأبل ووجوب ~~السبت ورجم الزناة وغير ذلك، ونبينا صلى الله عليه وسلم زاد، ونقص، وبدل. # والناظر في دقائق الشريعة إذا استقرأ هذه الأمور وجدها على وجوه: # منها أن الملة اليهودية حملها الأحبار والرهبان، فحرفوها بالوجوه ~~المذكورة فيما سبق، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم رد كل شيء إلى أصله، ~~فاختلفت شريعته بالنسبة إلى اليهودية التي هي في أيديهم، فقالوا هذا زيادة ~~ونقص وتبديل وليس تبديلا في الحقيقة. # ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بعثة تتضمن بعثة أخرى فالأولى ~~إنما كانت إلى بني إسمعيل وهو قوله تعالى: # {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم} . # وقوله تعالى: # {لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون} . # وهذه البعثة تستوجب أن يكون مادة شريعته ما عندهم من الشعائر وسنن ~~العبادات # PageV01P214 # ووجوه الارتفاقات إذ الشرع إنما هو إصلاح ما عندهم، لا تكليفهم بما لا ~~يعرفونه أصلا ونظيره قوله تعالى: # {قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} . # وقوله تعالى: # {لو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي} . # وقوله تعالى: # {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} . # والثانية كانت إلى جميع أهل الأرض عامة بالارتفاق الرابع وذلك لأنه لعن ~~في زمانه أقواما، وقضى بزوال دولتهم كالعجم والروم، فأمر بالقيام ~~باللارتفاق الرابع، وجعل شرفه وغلبته تقريبا لأتمام الأمر المراد، وآتاه ~~مفاتيح كنوزهما، فحصل له بحسب هذا الكمال أحكام أخرى غير أحكام التوراة ~~كالخراج والجزية والمجاهدات والاحتياط عن مداخل التحريف. # ومنها أنه بعث في زمان فترة قد اندرست فيه الملل الحقة، وحرفت، وغلب ~~عليها التعصب واللجاج، فكانوا لا يتركون ملتهم الباطلة ولا عادات الجاهلية ~~إلا بتأكيد بالغ في مخالفة تلك العادات، فصار ذلك معدا لكثير من ~~الاختلافات. ### | (باب أسباب النسخ) # والأصل فيه قوله تعالى: # {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} . # اعلم أن النسخ قسمان: # أحدهما أن ينظر النبي صلى الله عليه وسلم في الارتفاقات أو وجوه # الطاعات، فيضبطها بوجوب الضبط على قوانين التشريع، وهو اجتهاد النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ثم لا ms178 يقرره الله عليه، بل يكشف عليه ما قضى الله في ~~المسألة من الحكم، إما بنزول القرآن حسب ذلك، أو تغيير اجتهاده إلى ذلك ~~وتقريره عليه، مثال الأول ما امر النبي صلى الله عليه وسلم من الاستقبال ~~قبل بيت المقدس، ثم نزل القرآن بنسخه، ومثال الثاني أنه صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن الانتباذ إلا في السقاء ثم أباح لهم # PageV01P215 # الانتباذ في كان آنية، وقال: " لا تشربوا مسكرا " وذلك أنه لما رأى أن ~~الإسكار أمر خفي نصب له مظنة ظاهرة، وهي الانتباذ في الأوعية التي لا مسام ~~لها كالمأخوذة من الخزف والخشب والدباء، فإنه يسرع الأسكار فيما ينبذ فيها، ~~ونصب الانتباذ في السقاء مظنة لعدم الإسكار إلى ثلاثة أيام، ثم تغير ~~اجتهاده صلى الله عليه وسلم إلى إدارة الحكم على الإسكار؛ لأنه يعرف ~~بالغليان وقذف الزبد، ونصب ما هو من لوازم السكر أو من صفات الشيء المسكر ~~مظنة أولى من نصب ما هو أمر أجنبي ... ، وعلى تخريج آخر نقول: رأى النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن القوم مولعون بالمسكر، فلو نهوا عنه كان مدخل أن ~~يشربه أحد متعذرا بأنه ظن أنه ليس بمسكر وأنه اشتبه عليه علامات الاسكار، ~~أو كانت أوانيهم ملطخة بالمسكر والاسكار يسرع إلى ما ينبذ في مثل ذلك، فلما ~~قوى الاسلام، واطمأنوا بترك المسكرات، ونفدت تلك الأواني أدار الحكم على ~~نفس الاسكار وعلى هذا التخريج، وهذا مثال لاختلاف الحكم حسب اختلاف المظنات ~~وفي هذا القسم قوله صلى الله عليه وسلم: " كلامي لا ينسخ كلام الله، وكلام ~~الله ينسخ كلامي، وكلام الله ينسخ بعضه بعضا ". والثاني أن يكون شيء مظنة ~~مصلحة أو مفسدة، فيحكم عليه حسب ذلك، ثم يأتي زمان لا يكون فيه مظنة لها، ~~فيتغير الحكم، مثاله لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ~~وانقطعت النصرة بينهم وبين ذوي أرحامهم، # وإنما كانت بالإخاء الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم لمصلحة ضرورية ~~رآها - نزل القرآن بادارة التوارث على الإخاء، وبين الله تعالى فائدة حيث ~~قال: # {إلا ms179 تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} . # ثم لما قوى الإسلام، ولحق بالمهاجرين أولو أرحامهم - رجع الأمر إلى ما ~~كان من التوارث بالنسب ... ، أو لا يكون شيء مصلحة في النبوة التي لم يضم ~~معها الخلافة كما كان قبل النبي صلى الله عليه وسلم، وكما كان في زمانه قبل ~~الهجرة، ويكون مصلحة في النبوة المضمومة بالخلافة، مثاله أن الله تعالى لم ~~يحل الغنائم لمن قبلنا، وأحل لنا. وعلل ذلك في الحديث بوجهين: أحدهما أن ~~الله رأى ضعفنا، فأحلها لنا، وثانيهما أن ذلك من تفضيل الله نبينا صلى الله ~~عليه وسلم على سائر الأنبياء وأمته على سائر الأمم. # PageV01P216 # وتحقيق الوجهين أن الأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يبعثون ~~لي أقوامهم خاصة، وهو محصورون يتأتى الجهاد معهم في سنة أو سنتين ونحو ذلك، ~~وكان أممهم أقوياء يقدرون على الجمع بين الجهاد والتسبب بمثل الفلاحة ~~والتجارة، فلم يكن لهم حاجة إلى الغنائم، فأراد الله تعالى ألا يخلط بعملهم ~~غرض دنيوي، ليكون أتم لأجورهم، وبعث نبينا صلى الله عليه وسلم إلى كافة ~~الناس، وهم غير محصورين، ولا كان زمان الجهاد معهم محصورا، وكانوا لا ~~يستطيعون الجمع بين الجهاد والتسبب بمثل الفلاحة والتجارة، فكان لهم حاجة ~~إلى إباحة الغنائم، وكانت أمته لعموم دعوته تشتمل ناسا ضعفاء في النية، ~~وفيهم ورد " - أن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " لا يجاهد أولئك إلا ~~لغرض عاجل وكانت الرحمة شملتهم في أمر الجهاد شمولا عظيما، وكان الغضب ~~متوجها إلى أعدائهم توجها عظيما، وهو # قوله صلى الله عليه وسلم: " إن الله نظر إلى أهل الأرض، فمقت عربهم ~~وعجمهم " فأوجب ذلك زوال عصمة أموالهم ودمائهم على الوجه الأتم، وأوجب ~~إغاظة قلوبهم بالتصرف في أموالهم، كما أهدى إلى الحرم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعير أبي جهل في أنفه برة فضة يغيظ الكفار، وكما أمر بقطع النخيل ~~وإحراقها إغاظة لأهلها، فلذلك نزل القرآن بإباحة الغنائم لهذه الأمة. # مثال آخر لم يحرم لهذه الأمة قتال الكفار في أول الأمر، ولم يكن ms180 حينئذ ~~هناك جند ولا خلافة، ثم لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم، وثاب المسلمون، ~~وظهرت الخلافة، وتمكنوا من مجاهدة أعداء الله أنزل الله تعالى: # {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير} . # وفي هذا القسم قوله تعالى: # {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} . # فقوله: (بخير منها) فيما تكون النبوة مضمومة بالخلافة وقوله: (أو مثلها) ~~فيما يختلف الحكم باختلاف المظان، والله أعلم. ### | (باب بيان ما كان عليه حال أهل الجاهلية فاصلحه النبي صلى الله عليه وسلم) # إن كنت تريد النظر في معاني شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتحقق ~~أولا حال الأميين الذين بعث فيهم التي هي مادة تشريعه، وثانيا # كيفية إصلاحه لها بالمقاصد المذكورة في باب التشريع والتيسير وأحكام ~~الملة، # PageV01P217 # فاعلم أنه صلى الله عليه وسلم بعث بالملة الحنيفية الإسماعيلية لإقامة ~~عوجها وإزالة تحريفها وإشاعة نورها، وذلك قوله تعالى: # {ملة أبيكم إبراهيم} . # ولما كان الأمر على ذلك وجب أن تكون أصول تلك الملة مسلمة، وسنتها مقررة ~~إذ النبي إذا بعث إلى قوم فيهم بقية سنة راشدة، فلا معنى لتغييرها ~~وتبديلها، بل الواجب تقريرها، لأنه أطوع لنفوسهم وأثبت عند الاحتجاج عليهم، ~~وكان بنو إسماعيل توارثوا منهاج أبيهم إسماعيل، فكانوا على تلك الشريعة إلى ~~أن وجد عمرو بن لحي، فأدخل فيها أشياء برأيه الكاسد، فضل، وأضل، وشرع عبادة ~~الأوثان، وسيب السوائب، وبحر البحائر، فهنالك بطل الدين، واختلط الصحيح ~~بالفاسد، وغلب عليهم الجهل والشرك والكفر، فبعث الله سيدنا محمد صلى الله ~~عليه وسلم مقيما لعوجهم ومصلحا لفسادهم فنظر صلى الله عليه وسلم في ~~شريعتهم، فما كان منها موافقا لمنهاج إسماعيل عليه السلام أو من شعائر الله ~~أبقاه، وما كان منها تحريفا أو افسادا أو من شعائر الشرك والكفر أبطله وسجل ~~على إبطاله، وما كان من باب العادات وغيرها فبين آدابها ومكروهاتها مما ~~يحترز به عن غوائل الرسوم، ونهى عن الرسوم الفاسدة، وأمر بالصالحة، وما كان ~~من مسألة أصلية أو عملية تركت في الفترة أعادها ms181 غضة طرية كما كانت، فتمت ~~بذلك نعمة الله، واستقام دينه، وكان أهل الجاهلية في زمان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يسلمون جواز بعثة الأنبياء، ويقولون بالمجازاة، ويعتقدون أصول ~~أنواع البر، ويتعاملون بالارتفاقات الثاني والثالث. # ولا ينافي ما قلناه وجود فرقتين فيهم وظهورهما وشيوعهما: # إحداهما الفساق، والزنادقة، فالفساق يعملون الأعمال البهيمية أو السبعية ~~بخلاف الملة لغلبة نفوسهم وقلة تدينهم، فأولئك إنما يخرجون عن حكم الملة ~~شاهدين على أنفسهم بالفسق، والزنادقة يجبلون على الفهم الأبتر لا يستطيعون ~~التحقيق التام الذي قصده صاحب الملة، ولا يقلدونه، ولا يسلمونه بما أخبر، ~~فهم على ريبهم يترددون على خوف من ملتهم، والناس ينكرون عليهم، ويونهم ~~خارجين عن الدين خالعين ربقة الملة عن أعناقهم، وإذا كان الأمر على ما ~~ذكرنا من الإنكار وقبح الحال فخروجهم لا يضر. # والثانية الجاهلون الغافلون الذين لم يرفعوا رءوسهم إلى الدين رأسا، ولم ~~يلتفتوا لفتة أصلا، وكان هؤلاء أكثر شيء في قريش وما والاها لبعد عهدهم عن ~~الأنبياء، وهو قوله تبارك وتعالى: # PageV01P218 # {لتنذر قوما ما أتاهم من نذير} . # غير انهم لم يبعدوا عن المحجة كل البعد بحيث لا تثبت عليهم الحجة، ولا ~~يتوجه عليهم الإلزام، ولا يتحقق فيهم الإقحام. # فمن تلك الأصول القول بأن لا شريك لله في خلق السموات والأرض وما فيها من ~~الجواهر، ولا شريك له في تدبير الأمور العظام، وأنه لا راد لحكمه ولا ما نع ~~لقضائه إذا أبرم وجزم وهو قوله تعالى: # {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقون الله} . # وقوله: # {بل إياه تدعون} . # وقوله تعالى: # {ضل ما تدعون إلا إياه} . # ولكن كان من زندقتهم قولهم: أن هناك أشخاص من الملائكة والأرواح تدبر أهل ~~الأرض فيما دون الأمور العظام من إصلاح حال العابد فيما يرجع إلى خصوصية ~~نفسه وأولاده وأمواله، وشبهوهم بحال الملوك بالنسبة إلى ملك الملوك وبالحال ~~الشفعاء والندماء بالنسبة إلى السلطان المتصرف بالجبروت، ومنشأ ذلك ما نطقت ~~به الشرائع من تفويض الأمور إلى الملائكة واستجابة دعاء المقربين من الناس، ~~فظنوا ذلك تصرفا منهم كتصرف الملوك قياسا ms182 للغائب على الشاهد وهو الفساد. # ومنها تنزيهه عما لا يليق بجنابه وتحريم الإلحاد في أسمائه، لكن كان من ~~زندقتهم زعمهم أن الله اتخذ الملائكة بنات، وأن الملائكة إنما جعلوا واسطة، ~~ليكتسب الحق منهم عالما ليس عنده قياسا على الملوك بالنسبة إلى الجواسيس. # ومنها أن الله تعالى قدر جميع الحوادث قبل أن يخلقها، وهو قول الحسن ~~البصري: لم يزل أهل الجاهلية يذكرون القدر وخطبهم وأشهارهم، ولم يزده الشرع ~~إلا تأكيدا. # ومنها أن هناك موطنا يتحقق فيه القضاء بالحوادث شيئا فشيئا، وأن هنالك ~~لأدعية الملائكة المقربين وأفاضل الآدميين تأثيرا بوجه من الوجوه، لكن صار ~~ذلك في أذهانهم متمثلا بشفاعة ندماء الملوك. # ومنها أنه كلف العباد بما شاء، فأحل وحرم، وأنه مجاز على الأعمال إن خيرا ~~فخير، # PageV01P219 # وإن شرا فشر، وأن لله تعالى ملائكة هم مقربو الحضرة # وأكابر المملكة، وأنهم مدبرون في العالم بأذن الله وبأمره، وأنهم: # {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} . # وأنهم لا يأكلون ولا يشربون، ولا يتغوطون ولا ينكحون، وأنهم قد يظهرون ~~لأفاضل الآدميين، فيبشرونهم، وينذرونهم، وأن الله قد يبعث إلى عباده بفضله ~~ولطفه رجلا منهم، فليقى وحيه إليه، وينزل الملك عليه، وأنه يفرض طاعته ~~عليهم، فلا يجدون منها بدا، ولا يستطيعون دونها محيصا، وقد كثر ذكر الملأ ~~الأعلى وحملة العرش في أشعار الجاهلية. ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم صدق أمية ابن أبي الصامت في بيتين من شعره فقال: # (رجل وثور تحت رجل يمينه ... والنسر للأخرى وليث مرصد) # فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدق فقال؛ # (والشمس تطلع كل آخر ليلة ... حمراء يصبح لونها يتورد) # (تأبى فما تطلع لنا في رسلها ... إلا معذبة وإلا تجلد) # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق. # وتحقيق هذا أن أهل الجاهلية كانوا يزعمون أن حملة العرش أربعة أملاك، ~~أحدهم في صورة الإنسان، وهو شفيع بني آدم عند الله، والثاني في صورة الثور، ~~وهو شفيع البهائم، والثالث في صورة النسر، وهو شفيع الطيور، والرابع في ~~صورة الأسد، ms183 وهو شفيع السباع، فقد ورد الشرع # بقريب من ذلك إلا أنه سماهم جميعهم وعولا، وذلك بحسب ما يظهر في عالم ~~المثال من صورهم، فهذا كله كان معلوما عندهم مع ما دخل فيه من قياس الغائب ~~على الشاهد وخلط المألوف بالأمور العلمية ... ، وإن كنت في ريب مما ذكرنا، ~~فانظر فيما قص الله تعالى في القرآن العظيم واحتج عليهم بما عندهم من بقية ~~العلم، وكشف ما أدخلوه فيه من الشبه والشكوك لا سيما قوله تعالى: لما ~~أنكروا نزول القرآن # PageV01P220 # {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} . # ولما قالوا. # {مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق} . # أنزل قوله تعالى: # {قل ما كنت بدعا من الرسل} . # وما يشابه ذلك فتعلم من هنالك أن المشركين وإن كانوا قد تباعدوا عن ~~المحجة المستقيم لكن كانوا بحيث تقوم عليهم الحجة ببقية ما عندهم من العلم، ~~وانظر إلى خطب حكمائهم كقس بن ساعدة. وزيد بن عمرو بن نفيل، وإلى أخبار من ~~كان قبل عمرو بن لحى تجد ذلك مفصلا، بل لو أمعنت في تصفح أخبارهم غاية ~~الأمعان وجدت أفاضلهم وحكماءهم وكانوا يقولون بالمعاد # وبالحفظة وغير ذلك، ويثبتون التوحيد على وجهه حتى قال زيد بن عمرو ابن ~~نفيل في شعره: # (عبادك يخطئون وأنت رب ... بكفيك المنايا والحتوم) # وقال أيضا: # (أربا واحدا أم ألف رب ... أدين إذا تقسمت الأمور) # (تركت اللات والعزى جميعا ... كذلك يفعل الرجل البصير) # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمية بن أبي الصلت: " آمن شعره، ~~ولم يؤمن قلبه " وذلك مما توارثوه من منهاج إسمعيل، ودخل فيهم من أهل ~~الكتاب، وكان من المعلوم عندهم أن كمال الإنسان أن يسلم وجهه لربه، ويغبده ~~أقصى مجهوده. # وإن من أبواب العبادة الطهارة، وما زال الغسل من الجنابة سنة معمولة ~~عندهم، وكذلك الختان وسائر خصال الفطرة، وفي التوراة إن الله تعالى جعل ~~الختان ميسمة على إبراهيم وذريته، وهذا الوضوء يفعله المجوس واليهود ~~وغيرهم، وكانت تفعله حكماء العرب، وكانت فيهم الصلاة، وكان أبو ذر رضي الله ~~عنه يصلي ms184 قبل أن يقدم على النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين، وكان قس بن ~~ساعدة الأيادي يصلي، والمحفوظ من الصلاة في أمم اليهود والمجوس وبقية العرب ~~أفعال تعظيمية لا سيما السجود وأقوال من الدعاء والذكر، # PageV01P221 # وكانت فيهم الزكاة، وكان المعمول عندهم منها قرى الضيف وابن السبيل وحمل ~~الكل والصدقة على المساكين وصلة الأرحام والإعانة في نوائب الحق، وكانوا ~~يمدحون بها، ويعرفون أنها كمال الإنسان وسعادته، قالت خديجة فوالله: لا ~~يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم، وتقرى الضيف، وتحمل # الكل، وتعين على نوائب الحق، وقال ابن الدغنة لأبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه مثل ذلك، وكان فيهم الصوم من الفجر إلى غروب الشمس، وكانت قريش تصوم ~~عاشوراء في الجاهلية وكان الجوار في المسجد، وكان عمر نذر اعتكاف ليلة في ~~الجاهلية، فاستفتى في ذلك رسول صلى الله عليه وسلم، وكان عاص ابن وائل أوصى ~~أن يعتق عنه كذا وكذا من العبيد. # وبالجملة كان أهل الجاهلية يتحنثون بأنواع التحنثات، وأما حج بيت الله ~~وتعظيم شعائر والأشهر الحرم، فأمره أظهر من أن يخفى، وكان لهم أنواع من ~~الرقى والتعوذات، وكانوا أدخلوا فيها الاشراك، ولم تزل سنتهم الذبح في الحق ~~والنحر في اللبة ما كانوا يخنقون، ولا يبعجون، وكانوا على بقية دين إبراهيم ~~عليه السلام في ترك النجوم وترك الخوض في دقائق الطبيعيات غير ما ألجأ إليه ~~البداهة، وكان العمدة عندهم في تقدمة المعرفة الرؤيا وبشارات الأنبياء من ~~قبلهم، ثم دخل فيه الكهانة والاستقسام بالازلام والطيرة، وكانوا يعرفون أن ~~هذه لم تكن في أصل الملة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم حين رأى صورة ~~إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام في أيديهم الازلام: " لقد علموا أنهما لم ~~يستقسما قط " وكان بنو إسمعيل على منهاج أبيهم إلى أن وجد فيهم عمرو بن لحى ~~- وذلك قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم قريبا من سبعمائة سنة، وكانت لهم ~~سنن متأكدة يتلاومون على تركها في مأكلهم ومشربهم ولباسهم وولائمهم ~~وأعيادهم ودفن موتاهم ونكاحهم وطلاقهم وعدتهم وإحدادهم، وبيوعهم ~~ومعاملاتهم، وما زالوا ms185 يحرمون المحارم كالبنات والأمهات والأخوات وغيرها، ~~وكانت # لهم مزاجر في مظالمهم كالقصاص والديات والقسامة وعقوبات على الزنا ~~والسرقة، ودخلت فيهم من الاكاسرة والقياصرة علوم الارتفاق الثالث والرابع، ~~لكن دخلهم الفسوق والتظالم بالسبي والنهب وشيوع الزنا والنكاحات الفاسدة ~~والربا، وكانوا تركوا الصلاة والذكر، وأعرضوا عنهما فبعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم # PageV01P222 # فيهم - وهذا حالهم، فنظر في جميع ما عند القوم، فما كان بقية الملة ~~الصحيحة أبقاه، وسجل على الأخذ به، وضبط لهم العبادات بشرع الأسباب ~~والأوقات والشروط والأركان والآداب والمفسدات والرخصة والعزيمة والأداء ~~والقضاء، وضبط لهم المعاصي ببيان الأركان والشروط، وشرع فيها حدودا ومزاجر ~~وكفارات، ويسر لهم الدين ببيان الترغيب والترهيب، وسد ذرائع الأثم والحث ~~على مكملات الخير إلى غير ذلك مما سبق ذكره، وبالغ في إشاعة الملة الحنيفية ~~وتغليبها على الملل كلها، وما كان من تحريفاتهم نفاه، وبالغ في نفيه، وما ~~كان من الارتفاقات الصحيحة سجل عليه، وأمر به، وما كان في رسومهم الفاسدة ~~منعهم عنه، وقبض على أيديهم، وقام بالخلافة الكبرى، وجاهد بمن معه من دونهم ~~حتى تم أمر الله وهم كارهون، وجاء في بعض الأحاديث أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: " بعثت بالملة السمحة الحنيفية البيضاء " يريد بالسمحة ما ~~ليس فيه مشاق الطاعات كما ابتدعه الرهبان، بل فيها لكل عذر رخصة يتأتى ~~العمل بها للقوي والضعيف والمكتسب والفارغ، وبالحنيفية ما ذكرنا من أنها ~~ملة إبراهيم صلوات الله عليه، فيها إقامة شعائر الله وكبت شعائر الشرك ~~وإبطال التحريف والرسوم الفاسدة، وبالبيضاء أن عللها وحكمها والمقاصد التي ~~بنيت عليها واضحة لا ريب فيها لمن تأمل، وكان سليم العقل غير مكابر، والله ~~أعلم. ### | (المبحث السابع مبحث استنباط الشرائع من حديث النبي صلى الله عليه وسلم) ### | (باب بيان أقسام علوم النبي صلى الله عليه وسلم) # اعلم أن ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ودون في كتب الحديث على ~~قسمين. # أحدهما ما سبيله سبيل تبليغ الرسالة، وفيه قوله تعالى: # {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} # منه علوم ms186 المعادو عجائب الملكوت، وهذا كله مستند إلى الوحي، ومنه شرائع ~~وضبط للعبادات والارتفاقات بوجوه الضبط المذكورة فيما سبق، وهذه بعضها ~~مستند إلى الوحي، وبعضها مستند إلى الاجتهاد، واجتهاده صلى الله عليه وسلم ~~بمنزلة الوحي؛ لأن الله تعالى عصمه من أن يتقرر رأيه على الخطأ، وليس يجب ~~أن يكون اجتهاده استنباطا من # PageV01P223 # المنصوص كما يظن، بل أكثره أن يكون علمه الله تعالى مقاصد الشرع وقانون ~~التشريع والتيسير والأحكام، فبين المقاصد المتلقاة بالوحي بذلك القانون، ~~ومنه حكم مرسلة ومصالح مطلقة لم يوقتها، ولم يبين حدودها كبيان الأخلاق ~~الصالحة وأضدادها، ومستندها غالبا الاجتهاد بمعنى أن الله تعالى علمه ~~قوانين الارتفاقات، فاستنبط منها حكمه، وجعل فيها كلية، ومنه فضائل الأعمال ~~ومناقب العمال، ورأى أن بعضها مستند إلى الوحي وبعضها إلى الاجتهاد، وقد ~~سبق بيان تلك القوانين، وهذا القسم هو الذي نقصد شرحه وبيان معانيه. # وثانيهما ما ليس من باب تبليغ الرسالة، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: " ~~إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من # رأيي، فإنما أنا بشر " وقوله صلى الله عليه وسلم في قصة تأبير النخل: " ~~فانى إنما ظننت ظنا، ولا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا، ~~فخذوا به، فإني لم أكذب على الله " فمنه الطب، ومنه باب قوله صلى الله عليه ~~وسلم " عليكم بالأدهم الأقرح " ومستنده التجربة، ومنه ما فعله النبي صلى ~~الله عليه وسلم على سبيل العادة دون العبادة وبحسب الاتفاق دون القصد، ومنه ~~ما ذكره كما كان يذكره قومه كحديث أم زرع وحديث خرافة وهو قول زيد بن ثابت ~~حيث دخل عليه نفر، فقالوا له حدثنا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: " كنت جاره، فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إلي، فكتبته له، فكان إذا ~~ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ~~ذكره معنا، فكل هذا أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه ما قصد ~~به مصلحة جزئية يومئذ وليس من الأمر ms187 اللازمة لجميع الأمة، وذلك مثل ما يأمر ~~به الخليفة من تعبئة الجيوش وتعيين الشعار، وهو قول عمر رضي الله عنه: ما ~~لنا وللرمل كنا نتراءى به قوما قد أهلكهم الله، ثم خشي أن يكون له سبب آخر، ~~وقد حمل كثير من الأحكام عليه كقوله صلى الله عليه وسلم: " من قتل قتيلا ~~فله سلبة " ومنه حكم وقضاء خاص، وإنما كان يتبع فيه البينات والايمان وهو ~~قوله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: " الشاهد يرى ما لا يراه ~~الغائب ". # PageV01P224 ### | (باب الفرق بين المصالح والشرائع) # اعلم أن الشارع أفادنا نوعين من العلم متمايزين بأحكامهما متباينين في ~~منازلهما. # فأحد النوعين علم المصالح والمفاسد أعني ما بينه من تهذيب النفس باكتساب ~~الأخلاق النافعة في الدنيا أو في الآخرة وإزالة أضدادها، ومن تدبير المنزل ~~وآداب المعاش وسياسة المدينة غير مقدر لذلك بمقادير معينة ولا ضابط مبهمة ~~بحدود مضبوطه ولا مميز لمشكلة بأمارات معلومة، بل رغب في الحمائد، وزهد في ~~الرذائل تاركا كلامه إلى ما يفهم منه أهل اللغة مديرا للطلب أو المنع على ~~أنفس المصالح لا على مظان منصوبة لها وأمارات معرفة إياها كما مدح الكيس ~~والشجاعة، وأمر بالرفق والتودد والقصد في المعيشة ولم يبين أن الكيس مثلا ~~ما حده الذي يدور عليه الطلب، وما مظنته التي يؤاخذ الناس بها، وكل مصلحة ~~حثنا الشرع عليها وكل مفسدة ردعنا عنها فإن ذلك لا يخلو من الرجوع إلى أحد ~~أصول ثلاثة أحدها: تهذيب النفس بالخصال الأربع النافعة في المعاد أو سائر ~~الخصال النافعة في الدنيا، وثانيها إعلاء كلمة الحق وتمكين الشرائع والسعي ~~في إشاعتها وثالثها انتظام أمر الناس وإصلاح ارتفاقاتهم وتهذيب رسومهم، ~~ومعنى رجوعها إليها أن يكون للشيء دخل في تلك الأمور إثباتا لها أو نفيا ~~إياها بأن يكون شعبة من خصلة منها أو ضدا لشعبتها أو مظنة لوجودها أو عدمها ~~أو متلازما معها أو مع ضدها أو طريق إليها أو إلى الإعراض عنها، والرضا في ~~الأصل إنما يتعلق بتلك المصالح، والسخط إنما يناط بتلك المفاسد ms188 قبل بعث ~~الرسل وبعده سواء، ولولا تعلق الرضا والسخط بتينك القبيلتين لم يبعث الرسل، ~~وذلك لأن الشرائع والحدود إنما كانت بعد بعث الرسل، فما كان في # التكليف بها والمؤاخذة عليها ابتداء لطف، ولكن المصالح والمفاسد كانت ~~مؤثرة مقتضية لتهذيب النفس أو تلويثها أو انتظام أمورهم أو فسادها قبل بعث ~~الرسل، فاقتضى لطف الله أن يخبروا بما يهمهم، ويكلفوا بما لا بد لهم منه، ~~ولم يكن يتم ذلك إلا بمقادير وشرائع، فاقتضى اللطف تلك القبيلة بالعرض، ~~وهذا النوع معقول المعنى، فمنه ما تستقل العقول العامية بفهمه، ومنه ما لا ~~يفهمه إلا عقول الأذكياء الفائض عليهم الأنوار من قلوب الأنبياء نبههم ~~الشرع، فتنبهوا، ولوح لهم، فتفطنوا، ومن أتقن الأصول التي ذكرناها لم يتوقف ~~في شيء منها. # والنوع الثاني علم الشرائع والحدود والفرائض: أعني ما بين الشرع من ~~المقادير، # PageV01P225 # فنصب للمصالح مظان وأمارات مضبوطة معلومة، وأدار الحكم عليها، وكلف الناس ~~بها، وضبط أنواع البر بتعيين الأركان والشروط والآداب، وجعل من كل نوع حدا ~~يطلب منهم لا محالة وحدا يندبون إليه من غير إيجاب، واختار من كل بر عددا ~~يوجب عليهم، وآخر يندبون إليه، فصار التكليف متوجها إلى أنفس تلك المظان، ~~وصارت الأحكام دائرة على أنفس تلك الأمارات، وصار مرجع هذا النوع إلى ~~قوانين السياسة الملية، ... وليس كل مظنة لمصلحة توجب عليهم، ولكن ما كان ~~منها مضبوطا أمرا محسوسا أو وصفا ظاهرا يعلمه الخاصة والعامة، وربما يكون ~~للايجاب والتحريم أسباب طارئة يكتب لأجلها في الملأ الأعلى فيتحقق هنالك ~~صورة الإيجاب والتحريم كسؤال سائل ورغبة قوم فيه أو أعراضهم عنه، وكل ذلك ~~غير معقول المعنى بمعنى أنا وإن كنا نعلم قوانين التقدير والتشريع، فلا ~~نعلم وجود كتابته في الملأ الأعلى وتحقق صورة الوجوب في حظيرة القدس إلا ~~بنص الشرع، فإنه من الأمور التي لا سبيل إلا إدراكها إلا الإخبار الإلهي ~~مثل ذلك - كمثل الجمد - نعلم # أن سبب حدوثه برودة تضرب الماء ولا نعلم أن ماء القعب في ساعتنا هذه صار ~~جمدا أو لا إلا بالمشاهدة ms189 أو إخبار من شاهد، فعلى هذا القياس نعلم أنه لا ~~بد من تقدير النصاب في الزكاة، ونعلم أن مائتي درهم وخمسة أو ساق قدر صالح ~~للنصاب، لأنه يحصل بها غني معتد به، وهما أمران مضبوطان مستعملان عند ~~القوم، ولا نعلم أن الله تعالى كتب علينا هذا النصاب، وأدار الرضا، والسخط ~~عليه إلا بنص الشرع، كيف وكم من سبب له لا سبيل إلى معرفته إلا الخبر، وهو ~~قوله صلى الله عليه وسلم: " أعظم المسلمين في المسلمين جرما " الحديث وقوله ~~صلى الله عليه وسلم: " خشيت أن يكتب عليكم ". # وقد اتفق من يعتد به من العلماء على أن القياس لا يجري في باب المقادير، ~~وعلى أن حقيقة القياس تعدية حكم الأصل إلى الفرع لعلة مشتركة لا جعل مظنة ~~مصلحة علة أو جعل شيء مناسب ركنا أو شرطا، وعلى أنه لا يصلح القياس لوجود ~~المصلحة، ولكن لوجود علة مصبوطة أدير عليها الحكم، فلا يقاس مقيم به حرج ~~على المسافر في رخص الصلاة والصوم فان دفع الحرج مصلحة الترخيص لاعلة القصر ~~والأفطار، وإنما العلة هي السفر فهذه المسائل لم يختلف فيها العلماء ~~إجمالا، ولكن يحملها أكثرهم عند التفصيل وذلك لأنه ربما تشتبه المصلحة ~~بالعلة، والتشريع، وبعض الفقهاء عندما خاضوا في القياس تحيروا فلجوا ببعض ~~المقادير، وأنكروا استبدالها بما يقرب منها، وتسامحوا في بعضها، فنصبوا ~~أشياء مقامها، ... مثال ذلك تقديرهم نصاب القطن بخمسة أحمال، ونصبهم ركوب # PageV01P226 # السفينة مظنة لدوران الرأس، وإدارة رخصة العقود في الصلاة عليه، وتقدير ~~الماء بالعشر في العشر وكلما أفهم الشرع المصلحة في موضع، فوجدنا تلك ~~المصلحة في موضع آخر عرفنا أن الرضا يتعلق بها بعينها لا بخصوص ذلك الموضع، ~~بخلاف المقادير # فان الرضا يتعلق هناك بالمقادير أنفسها، ... تفصيل ذلك أن من ترك صلاة ~~وقت كان آثما وإن شغل ذلك الوقت بالذكر وسائر الطاعات، ومن ترك زكاة ~~مفروضة، وصرف أكثر من ذلك المال في وجوه الخير كان آثما، وكذلك إن لبس ~~الحرير والذهب في الخلوة حيث لا يتصور كسر قلوب الفقراء وحمل الناس ms190 على ~~الإكثار من الدنيا ولم يقصد به الترفه - كان آثما وكذلك إن شرب الخمر بنية ~~التداوي، ولم يكن هناك فساد، ولا ترك صلاة كان آثما لأن الرضا والسخط ~~متعلقان فأنفس هذه الأشياء، وإن كان الغرض الأصلي كبحهم عن الفساد وحملهم ~~على المصالح، ولكن الحق علم أن سياسة الأمة لا تمكن في هذا الوقت إلا ~~بايجاب أنفس هذه الأشياء وتحريمها فتوجه الرضا والسخط إلى أنفسها، وكتب ذلك ~~في الملأ الأعلى بخلاف ما إذا لبس الصوف الرفيع الذي هو أعلى وأغلى من ~~الحرير، واستعمل أواني الياقوت فإنه لا يأثم بنفس هذا الفعل، ولكن إن تحقق ~~كسر قلوب الفقراء وحمل الناس على فعل ذلك أو قصد الترفه بعد من الرحمة لأجل ~~تلك المفاسد وإلا فلا، وحيث وجدت الصحابة والتابعين فعلوا ما يشبه التقدير، ~~فانما مرادهم بيان المصلحة والترغيب فيها، والمفسدة والترهيب عنها، وإنما ~~أخرجوا تلك الصورة مخرج المثل لا يقصدون إليها بالخصوص، وإنما يقصدون إلى ~~المعاني وإن اشتبه الأمر بادي الرأي، وحيث جوز الشرع استبدال مقدار بقيمته ~~كبنت المخاص بقيمتها على قول فعلى التسليم هو أيضا نوع من التقدير، وذلك ~~لأن التقدير لا يمكن الاستقصاء فيه بحيث يفضي إلى التضييق، ولكن ربما يقدر ~~بأمر ينطبق على أمور كثيرة كبنت المخاض نفسها فانها ربما كانت بنت مخاض ~~آرفه من بنت مخاض، وربما كان التقدير بالقيمة تقديرا بحد معلوم في الجملة ~~كتقدير نصاب القطع بما يكون قيمته ربع دينار أو ثلاثة دراهم. # واعلم أن التحريم والايجاب والتحريم من التقدير، وذلك لأنه كثيرا ما تعن ~~مصلحة أو مفسدة لها صور كثيرة، فتعين صورة للايجاب أو التحريم، لأنها من ~~الأمور المضبوطة أو لأنها مما عرفوا حالها في الملل السابقة، أو رغبوا فيها ~~أكثر رغبة ولذلك اعتذر النبي صلى الله عليه وسلم وقال: " خشيت أن يكتب ~~عليكم " وقال " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك " وإذا كان الأمر على ~~ذلك لم يجز حمل غير المنصوص حكمه على المنصوص # PageV01P227 # حكمه، أما الندب والكراهة ففيهما تفصيل: فأي مندوب أمر الشارع ms191 بعينه، ~~ونوه بأمره، وسنه للناس - فحاله حال الواجب، وأي مندوب اقتصر الشارع على ~~بيان مصلحته، أو اختار العمل هو به من غير أن يسنه، وينوه بأمره - فهو باق ~~على الحالة التي كانت قبل التشريع، وإنما نصاب الأجر فيه من قبل المصلحة ~~التي وجدت معه لا باعتبار نفسه، وكذلك حال المكروه على هذا التفصيل، وإذا ~~تحققت هذه المقدمة اتضح عندك أن أكثر المقاييس التي يفتخر بها القوم، ~~ويتطاولون لأجلها على معشر أهل الحديث يعود وبالا عليهم من حيث لا يعلمون. ### | (باب كيفية تلقي الأمة الشرع من النبي صلى الله عليه وسلم) # واعلم أن تلقي الأمة منه الشرع على وجهين: أحدهما تلقي الظاهر، ولا بد أن ~~يكون بنقل إما متواترا، أو غير متواتر ... ، والمتواتر منه المتواتر لفظا ~~كالقرآن العظيم، وكنبذ يسير من الأحاديث منها قوله صلى الله عليه وسلم: " ~~إنكم سترون ربكم "، ومنه # المتواتر معنى ككثير من أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج ~~والبيوع والنكاح والغزوات مما لم يختلف فيه فرقة من فرق الإسلام ... ، وغير ~~المتواتر أعلى درجاته المستفيض، وهو ما رواه ثلاثة من الصحابة فصاعدا، ثم ~~لم يزل يزيد الرواة إلى الطبقة الخامسة، وهذا قسم كثير الوجود، وعليه بناء ~~رءوس الفقه. ثم الخبر المقضي له بالصحة أو الحسن على ألسنة حفاظ المحدثين ~~وكبرائهم، ثم أخبار فيها كلام قبلها بعض، ولم يقبلها آخرون، فما اعتضد منها ~~بالشواهد أو قول أكثر أهل العلم أو العقل الصريح وجب إتباعه. # وثانيهما التلقي دلالة، وهي أن يرى الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول، ويفعل، فاستنبطوا من ذلك حكما من الوجوب وغيره، فأخبروا بذلك الحكم، ~~فقالوا. الشيء الفلاني واجب، وذلك الآخر جائز، ثم تلقى التابعون من الصحابة ~~كذلك، فدون الطبقة الثالثة فتاواهم # PageV01P228 # وقضاياهم، وأحكموا الأمر، وأكابر هذا الوجه عمر وعلي وابن مسعود وابن ~~عباس رضي الله عنهم، لكن كان من سيرة عمر رضي الله عنه أنه كان يشاور ~~الصحابة، ويناظرهم حتى تنكشف الغمة، ويأتيه الثلج، فصار غالب قضاياه ~~وفتاواه متبعة في مشارق الأرض ومغاربها، وهو ms192 قول إبراهيم لما مات عمر رضي ~~الله عنه: ذهب تسعة أعشار العلم، وقول ابن مسعود رضي الله عنه: كان عمر إذا ~~سلك طريقا وجدناه سهلا، وكان علي رضي الله عنه لا يشاور غالبا، وكان أغلب ~~قضاياه بالكوفة، فلم يحملها عنه إلا ناس، وكان ابن مسعود رضي الله بالكوفة، ~~فلم يحمل عنه غالبا إلا أهل تلك الناحية، وكان ابن عباس رضي الله عنهما ~~اجتهد بعد عصر الأولين، فناقضهم في كثير من الأحكام، واتبعه في ذلك أصحابه ~~من أهل # مكة، ولم يأخذ بما تفرد به جمهور أهل الإسلام، وأما غير هؤلاء الأربعة ~~فكانوا يروون دلالة، ولكن ما كانوا يميزون الركن والشرط من الآداب والسنن، ~~ولم يكن لهم قول عند تعارض الأخبار وتقابل الدلائل إلا قليلا كابن عمر ~~وعائشة وزيد بن ثابت رضي الله عنهم، وأكابر هذا الوجه من التابعين بالمدينة ~~الفقهاء السبعة لا سيما ابن المسيب بالمدينة، وبمكة عطاء ابن أبي رباح، ~~وبالكوفة إبراهيم وشريح والشعبي، وبالبصرة الحسن. وفي 1 كل من الطريقتين ~~خلل إنما ينجبر بالأخرى، ولا غنى لأحداهما عن صاحبتها. # أما الأولى فمن خللها ما يدخل في الرواية بالمعنى من التبديل، ولا يؤمن ~~من تغيير المعنى، ومنه ما كان الأمر في واقعة خاصة، فظنه الراوي حكما كليا، ~~ومنه ما أخرج فيه الكلام مخرج التأكيد؛ ليعضوا عليه بالنواجذ، فظن الراوي ~~وجوبا أو حرمة، وليس الأمر على ذلك - فمن كان فقيها، وحضر الواقعة استنبط ~~من القرائن حقيقة الحال كقول زيد رضي الله عنه في النهي عن المزارعة وعن ~~بيع الثمار قبل أن يبدوا صلاحها: إن ذلك كان كالمشورة، وأما الثانية فيدخل ~~فيها قياسات الصحابة والتابعين واستنباطهم من الكتاب والسنة، وليس الاجتهاد ~~مصيبا في جميع الأحوال، وربما كان لم يبلغ أحدهم الحديث، أو بلغه بوجه لا ~~ينتهض بمثله الحجة، فلم يعمل به، ثم ظهر جلية الحال على لسان صحابي آخر بعد ~~ذلك كقول عمر وابن مسعود رضي الله عنهما في التيمم عن الجنابة، وكثيرا ما ~~كان اتفاق رءوس الصحابة رضي الله عنهم على ms193 شيء من قبل دلالة العقل على ~~ارتفاق وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ~~من بعدي " وليس من أصول الشرع، فمن كان متبحرا في الأخبار وألفاظ الحديث ~~يتيسر له التفصى عن مزال الأقدام، ولما كان الأمر # PageV01P229 # كذلك وجب على الخائض في الفقه أن يكون متضلعا من كلا المشربين، ومتبحرا ~~في كلا المذهبين، وكان أحسن شعائر الملة ما أجمع عليه جمهور الرواة وحملة ~~العلم، وتطابق فيه الطريقتان جميعا، والله أعلم. ### | (باب طبقات كتب الحديث) # اعلم أنه لا سبيل لنا إلى معرفة الشرائع والأحكام إلا خبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بخلاف المصالح، فإنها قد تدرك بالتجربة والنظر الصادق والحدس ~~ونحو ذلك، ولا سبيل لنا إلى معرفة أخباره صلى الله عليه وسلم إلا تلقي ~~الروايات المنتهية إليه بالاتصال والعنعنة سواء كانت من لفظه صلى الله عليه ~~وسلم، أو كانت أحاديث موقوفة قد صحت الرواية بها عن جماعة من الصحابة ~~والتابعين بحيث يبعد إقدامهم على الجزم بمثله لولا النص أو الاشارة من ~~الشارع، فمثل ذلك رواية عنه صلى الله عليه وسلم دلالة، وتلقي تلك الروايات ~~لا سبيل إليه في يومنا هذا إلا تتبع الكتب المدونة في علم الحديث، فإنه لا ~~يوجد اليوم رواية يعتمد عليها غير مدونة، وكتب الحديث على طبقات مختلفة ~~ومنازل متباينة فوجب الاعتناء بمعرفة طبقات كتب الحديث. # فتقول هي باعتبار الصحة والشهرة على أربع طبقات: وذلك لأن أعلى أقسام ~~الحديث - كما عرفت فيما سبق - ما ثبت بالتواتر، وأجمعت الأمة على قبوله ~~العمل به، ... ثم ما استفاض من طرق متعددة لا يبقى معها شبهة يعتد بها، ~~واتفق على العمل به جمهور فقهاء الأمصار، أو لم يختلف فيه علماء الحرمين ~~خاصة، فإن الحرمين محل الخلفاء الراشدين في القرون الأولى ومحط رحال ~~العلماء طبقة بعد طبقة يبعد أن يسلموا منهم الخطأ الظاهر، أو كان قولا ~~مشهورا معمولا به في قطر عظيم مرويا عن جماعة عظيمة من الصحابة والتابعين، ~~ثم ما صح، أو حسن سنده، وشهد به علماء الحديث، ولم ms194 يكن قولا متروكا لم يذهب ~~إليه أحد من الأمة، أما ما كان ضعيفا موضوعا أو منقطعا أو مقلوبا في سنده ~~أو متنه أو من رواية المجاهيل أو مخالفا لما أجمع عليه السلف طبقة بعد ~~طبقة، فلا سبيل إلى القول به، ... ، فالصحة أن يشترط مؤلف الكتاب على نفسه ~~إيراد ما صح أو حسن غير مقلوب ولا شاذ ولا ضعيف إلا مع بيان حاله، فإن ~~إيراد الضعيف مع بيان حاله لا يقدح في الكتاب. # والشهرة أن تكون الأحاديث المذكورة فيها دائرة على ألسنة المحدثين قبل ~~تدوينها وبعد تدوينها، فيكون أئمة الحديث قبل المؤلف رووها بطرق شتى، ~~وأوردوها في مسانيدهم # PageV01P230 # ومجاميعهم، وبعد المؤلف اشتغلوا برواية الكتاب وحفظه وكشف مشكله وشرح ~~غريبه وبيان إعرابه وتخريج طرق أحاديثه واستنباط فقهها والفحص عن أحوال ~~رواتها طبقة بعد طبقة إلى يومنا هذا حتى لا يبقى شيء مما يتعلق به غير ~~مبحوث عنه إلا ما شاء الله، ويكون نقاد الحديث قبل المصنف وبعده وافقوه في ~~القول بها، وحكموا بصحتها، وارتضوا رأي المصنف فيها، وتلقوا كتابه بالمدح ~~والثناء، ويكون أئمة الفقه لا يزالون يستنبطون عنها، ويعتمدون عليها، ~~ويعتنون بها، ويكون العامة لا يخلون عن اعتقادها وتعظيمها. # وبالجملة فإذا اجتمعت هاتان الخصلتان كملا في كتاب كان من الطبقة الأولى ~~ثم وثم، وإن فقدتا رأسا لم يكن له اعتبار، وما كان أعلى حد في الطبقة ~~الأولى فإنه يصل حد التواتر، وما دون ذلك يصل إلى الاستفاضة، ثم إلى الصحة ~~القطعية أعني القطع المأخوذ في علم الحديث المفيد للعمل، والطبقة الثانية ~~إلى الاستفاضة أو الصحة القطعية أو الظنية وهكذا ينزل الأمر. # فالطبقة الأولى منحصرة بالاستقراء في ثلاثة كتب، الموطأ، وصحيح البخاري، ~~وصحيح مسلم. قال الشافعي: أصح الكتب بعد كتاب الله موطأ مالك، واتفق أهل ~~الحديث على أن جميع ما فيه صحيح على رأي مالك ومن وافقه، وأما على رأي غيره ~~فليس فيه مرسل ولا منقطع إلا قد اتصل السند به من طرق أخرى، فلا جرم أنها ~~صحيحة من هذا الوجه، وقد صنف ms195 في زمان مالك موطآت كثيرة في تخريج أحاديثه ~~ووصل منقطعه، مثل كتاب ابن أبي ذئب وابن عيينة والثوري ومعمر وغيرهم ممن ~~شارك مالكا # في الشيوخ، وقد رواه عن مالك بغير واسطة أكثر من ألف رجل وقد ضرب الناس ~~فيه أكباد الإبل إلى مالك من أقاصي البلاد كما كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذكره في حديثه، فمنهم المبرزون من الفقهاء كالشافعي ومحمد بن الحسن، ~~وابن وهب وابن القاسم، ومنهم نحارير المحدثين كيحيى ابن سعيد القطان وعبد ~~الرحمن بن مهدي وعبد الرزاق، ومنهم الملوك والأمراء كالرشيد وابنيه، وقد ~~اشتهر في عصره حتى بلغ على جميع ديار الإسلام، ثم لم يأت زمان إلا وهو أكثر ~~له شهرة وأقوى به عناية، وعليه بنى فقهاء الأمصار مذاهبهم حتى أهل العراق ~~في بعض أمرهم، ولم يزل العلماء يخرجون أحاديثه، ويذكرون متابعاته وشواهده، ~~ويشرحون غريبه، ويضبطون مشكله ويبحثون عن فقهه، ويفتشون عن رجاله إلى غاية ~~ليس بعدها غاية. وإن شئت الحق الصراح فقس كتاب الموطأ بكتاب الأثار لمحمد ~~والأمالي لأبي يوسف تجد بينه وبينهما بعد المشرقين، فهل سمعت أحدا من ~~المحدثين والفقهاء تعرض لهما واعتنى بهما؟ . # PageV01P231 # أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع ~~صحيح بالقطع، وأنهما متواتران إلى مصنفيهما، وأنه كل من يهون أمرهما فهو ~~مبتدع متبع غير سبيل المؤمنين. وإن شئت الحق الصراح فقسهما بكتاب ابن أبي ~~شيبة وكتاب الطحاوي ومسند الخوارزمي وغيرهما تجد بينها وبينهما بعد ~~المشرقين وقد استدرك الحاكم عليهما أحاديث هي على شرطهما ولم يذكراها، وقد ~~تتبعت ما استدركه، فوجدته قد أصاب من وجه، ولم يصب من وجه، وذلك لأنه وجد ~~أحاديث مروية عن رجال الشيخين بشرطهما في الصحة والاتصال، فاتجه استدراكه ~~عليهما من هذا الوجه، ولكن الشيخين لا يذكران إلا حديثا قد تناظر فيه ~~مشايخهما، وأجمعوا على القول به والتصحيح له، كما أشار مسلم حيث قال: لم ~~أذكر ههنا إلا ما أجمعوا عليه، وجل ما تفرد به المستدرك كالموكا عليه ~~المخفي مكانه في # زمن مشايخهما ms196 وإن اشتهر أمره من بعد، أو ما اختلف المحدثون في رجاله ~~فالشيخان كأساتذتهما كانا يعتنيان بالبحث عن نصوص الأحاديث في الوصل ~~والانقطاع وغير ذلك حتى يتضح الحال، والحاكم يعتمد في الأكثر على قواعد ~~مخرجة من صنائعهم كقوله: زيادة الثقات مقبولة، وإذا اختلف الناس في الوصل ~~والإرسال والوقف والرفع وغير ذلك فالذي حفظ الزيادة حجة على من لم يحفظ، ~~والحق أنه كثيرا ما يدخل الخلل في الحفاظ من قبل الموقوف ووصل المنقطع لا ~~سيما عند رغبتهم في المتصل المرفوع وتنويههم به، فالشيخان لا يقولان بكثير ~~مما يقوله الحاكم، والله أعلم. # وهذه الكتب الثلاثة التي اعتنى القاضي عياض في المشارق بضبط مشكلها ورد ~~تصحيفها. # الطبقة الثانية: كتب لم تبلغ مبلغ الموطأ والصحيحين، ولكنها تتلوها. كان ~~مصنفوها معروفين بالوثوق والعدالة والحفظ والتبحر في فنون الحديث، ولم ~~يرضوا في كتبهم هذه بالتساهل فيما اشترطوا على أنفسهم، فتلقاها من بعدهم ~~بالقبول، واعتنى بها المحدثون والفقهاء طبقة بعد طبقة، واشتهرت فيما بين ~~الناس، وتعلق بها القوم شرحا لغريبها وفحصا عن رجالها واستنباطا لفقهها. ~~وعلى تلك الأحاديث بناء عامة العلوم كسنن أبي داود وجامع الترمذي ومجتبى ~~النسائي، وهذه الكتب مع الطبقة الأولى اعتنى بأحاديثها رزين في تجريد ~~الصحاح وابن الأثير في جامع الأصول وكاد مسند أحمد يكون من جملة هذه ~~الطبقة، فإن الإمام أحمد جعله أصلا يعرف به الصحيح والسقيم قال: ما ليس فيه ~~فلا تقبلوه. # PageV01P232 # والطبقة الثالثة: مسانيد وجوامع ومصنفات صنفت - قبل البخاري ومسلم وفي ~~زمانهما وبعدهما - جمعت بين الصحيح والحسن والضعيف # والمعروف والغريب والشاذ والمنكر والخطأ والصواب والثابت والمقلوب، ولم ~~تشتهر في العلماء ذلك الاشتهار وإن زال عنها اسم النكارة المطلقة، ولم ~~يتداول ما تفردت به الفقهاء كثير تداول، ولم تفحص عن صحتها وسقمها المحدثون ~~كثير فحص، ومنه ما لم يخدمه لغوي لشرح غريب، ولا فقيه بتطبيقه بمذاهب ~~السلف، ولا محدث ببيان مشكله، ولا مؤرخ بذكر أسماء رجاله، ولا أريد ~~المتأخرين المتعمقين، وإنما كلامي في الأئمة المتقدمين من أهل الحديث فهي ~~باقية على استتارها واختفائها ms197 وخمولها كمسند أبي علي ومصنف عبد الرازق ~~ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة ومسند عبد ابن حميد والطيالسي وكتب البيهقي ~~والطحاوي والطبراني وكان قصدهم جمع ما وجدوه لا تلخيصه وتهذيبه وتقريبه من ~~العمل. # والطبقة الرابعة. كتب قصد مصنفوها بعد قرون متطاولة جمع ما لم يوجد في ~~الطبقتين الأوليين وكانت في المجاميع والمسانيد المختفية فنوهوا بأمرها، ~~وكانت على ألسنة من لم يكتب حديثه المحدثون ككثير من الوعاظ المتشدقين وأهل ~~الأهواء والضعفاء، أو كانت من آثار الصحابة والتابعين، أو من أخبار بني ~~إسرائيل، أو من كلام الحكماء والوعاظ خلطها الرواة بحديث النبي صلى الله ~~عليه وسلم سهوا أو عمدا، أو كانت من محتملات القرآن والحديث الصحيح، فرواها ~~بالمعنى قوم صالحون لا يعرفون غوامض الرواية، فجعلوا المعاني أحاديث ~~مرفوعة، أو كانت معاني مفهومة من إشارات الكتاب والسنة جعلوها أحاديث ~~مستبدة برأسها عمدا، أو كانت جملا شتى في أحاديث مختلفة جعلوها حديثا واحدا ~~بنسق واحد، ومظنة هذه الأحاديث كتاب الضعفاء لابن حبان وكامل ابن عدي، وكتب ~~الخطيب وأبي نعيم والجوزقاني وابن عساكر وابن النجار والديلمي، وكاد مسند ~~الخوارزمي يكون من هذه الطبقة، وأصلح هذه الطبقة ما كان ضعيفا # محتملا وأسوؤها ما كان موضوعا أو مقلوبا شديد النكارة. وهذه الطبقة مادة ~~كتاب الموضوعات لابن الجوزي. # ههنا طبقة خامسة منها ما اشتهر على ألسنة الفقهاء والصوفية والمؤرخين ~~ونحوهم، وليس له أصل في هذه الطبقات الأربع، ومنها ما دسه الماجن في دينه ~~العالم بلسانه فأتى بإسناد قوي لا يمكن الجرح فيه، وكلام بليغ لا يبعد ~~صدروه عنه صلى الله عليه وسلم، فأثار في الإسلام مصيبة عظيمة، لكن الجهابذة ~~من أهل الحديث يوردون مثل ذلك على المتابعات والشواهد، فتهتك الأستار ويظهر ~~العوار، # PageV01P233 # أما الطبقة الأولى والثانية فعليهما اعتماد المحدثين، وحوم حماهما مرتعهم ~~ومسرحهم. وأما الثالثة فلا يباشرها للعمل عليها والقول بها إلا النحارير ~~الجهابذة الذين يحفظون أسماء الرجال وعلل الأحاديث، نعم ربما يؤخذ منها ~~المتابعات والشواهد. {قد جعل الله لكل شيء قدرا} . # وأما الرابعة فالاشتغال بجمعها أو الاستنباط ms198 منها نوع تعمق من المتأخرين. ~~وإن شئت الحق فطوائف المبتدعين من الرافضة والمعتزلة وغيرهم يتمكنون بأدنى ~~عناية أن يلخصوا منها شواهد مذاهبهم، فالانتصار بها غير صحيح في معارك ~~العلماء بالحديث، والله أعلم. ### | (باب كيفية فهم المراد من الكلام) # اعلم أن تعبير المتكلم عما في ضميره وفهم السامع إياه يكون على درجات ~~مترتبة في الوضوح والخفاء: أعلاها ما صرح فيه بثبوت الحكم للموضوع له عينا، ~~وسيق الكلام لأجل تلك الإفادة، ولم يحتمل معنى آخر، ويتلوه ما عدم فيه أحد ~~القيود الثلاثة، إما أثبت الحكم لعنوان عام يتناول # جمعا من المسميات شمولا أو بدلا مثل الناس والمسلمون والقوم والرجال، ~~وأسماء الإشارة إذا عمت صلتها والموصوف بوصف عام والمنفي بلا الجنس فإن ~~العام يلحقه التخصيص كثيرا، وإما لم يسبق الكلام لتلك الإفادة إن لزمت مما ~~هنالك، مثل جاءني زيد الفاضل بالنسبة إلى الفضل ويا زيد الفقير بالنسبة إلى ~~ثبوت الفقر له، وإما احتمل معنى آخر أيضا كاللفظ المشترك والذي له حقيقة ~~مستعملة ومجاز متعارف والذي يكون معروفا بالمثال والقسمة غير معروف بالحد ~~الجامع المانع كالسفر معلوم أن من أمثلته الخروج من المدينة قاصدا لمكة، ~~ومعلوم أن من الحركة تفرج، ومنها تردد في الحاجة بحيث يأوي إلى القرية في ~~يومه، ومنها سفر ولا يعرف الحد والدائر بين شخصين كاسم الإشارة والضمير عند ~~تعارض القرائن أو صدق الصلة عليهما، # PageV01P234 # ثم يتلوه ما أفهمه الكلام من غير توسط استعمال اللفظ فيه، ومعظمه ثلاثة، ~~الفحوى وهو يفهم أن الكلام حال المسكوت عنه بواسطة المعنى الحامل على الحكم ~~مثل: {ولا تقل لهما أف} . # يفهم منه حرمة الضرب بطريق الأولى، ومثل " من أكل في نهار رمضان وجب عليه ~~القضاء " يفهم منه أن المراد نقض الصوم، وإنما خص الأكل لأنه صورة تتبادر ~~إلى الذهن، والاقتضاء وهو أن يفهمها بواسطة لزومه للمستعمل فيه عادة أو ~~عقلا أو شرعا، اعتقت، وبعت - يقتضيان سبق ملك، مشى يقتضي سلامة الرجل، صلى ~~يقتضي أنه على الطهارة، والإيماء وهو أن أداء المقصود يكون بعبارات بإزاء ~~الاعتبارات ms199 المناسبة، فيقصد البلغاء مطابقة العبارة للاعتبار المناسب ~~الزائد على أصل المقصود، # فيفهم الكلام الاعتبار المناسب له كالتقييد بالوصف أو الشرط يدلان على ~~عدم الحكم عند عدمهما حيث لم يقصد مشاكلة السؤال ولا بيان الصورة المتبادرة ~~إلى الأذهان ولا بيان فائدة الحكم وكمفهوم الاستثناء والغاية والعدد، وشرط ~~اعتبار الإيماء أن يجري التناقض به في عرف أهل اللسان مثل - على عشرة إلا ~~شيء إنما على واحد - يحكم عليه الجمهور بالتناقض، وأما ما لا يدركه إلا ~~المتعمقون في علم المعاني، فلا عبرة به، ثم يتلوه ما استدل عليه بمضمون ~~الكلام ومعظمه ثلاثة، الدرج في العموم مثل الذئب ذو ناب وكل ذي ناب حرام، ~~وبيانه بالاقتراني وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " وما أنزل علي في الخمر ~~شيء إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره} . # ومنه استدلال ابن عباس بقوله تعالى: {فبهداهم اقتده} . # وقوله تعالى: {وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب} . # حيث قال نبيكم أمر بأن يقتدى به، والاستدلال بالملازمة أو المنافاة مثل ~~لو كان الوتر واجبا لم يؤد على الراحلة لكنه يؤدى كذلك، وبيانه بالشرطي ~~ومنه قوله تعالى: { # PageV01P235 # لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} . # والقياس، وهو تمثيل صورة بصورة في علة جامعة بينهما مثل الحمص ربوى ~~كالحنطة ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: " أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته ~~عنه أكان يجزى عنه؟ قال نعم قال فاحجج عنه " والله أعلم. ### | (باب كيفية فهم المعاني الشرعية من الكتاب والسنة) # واعلم أن الصيغة الدالة على الرضا والسخط هي الحب والبغض، والرحمة ~~واللعنة، والقرب والبعد ونسبة الفعل إلى المرضيين أو المسخوطين كالمؤمنين ~~والمنافقين، والملائكة والشياطين، وأهل الجنة والنار والطلب والمنع، وبيان ~~الجزاء المترتب على الفعل، والتشبيه بمحمود في العرف أو مذموم، واهتمام ~~النبي صلى الله عليه وسلم بفعله أو اجتنابه عنه مع حضور دواعيه. # وأما التمييز بين درجات الرضا والسخط من الوجوب والندب والحرمة ~~والكراهية، فأصرحه ما بين حال مخالفه مثل ms200 " من لم يؤد زكاة ماله مثل له " ~~الحديث وقوله صلى الله عليه وسلم " ومن لا فلا حرج "، ثم اللفظ مثل يجب، ~~ولا يحل، وجعل الشيء ركن الإسلام أو الكفر، والتشديد البالغ على فعله، أو ~~تركه، ومثل - ليس من المروءة، ولا ينبغي -، ثم حكم الصحابة والتابعين في ~~ذلك كقول عمر رضي الله عنه: إن سجدة التلاوة ليست بواجبة، وقول علي رضي ~~الله عنه: إن الوتر ليس بواجب، ثم حال المقصد من كونه تكميلا لطاعة أو سدا ~~لذريعة إثم أو من باب الوقار وحسن الأدب. # وأما معرفة العلة والركن والشرط فأصرحها ما يكون بالنص مثل " كل مسكر ~~حرام " " لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب " " لا تقبل صلاة أحدكم حتى يتوضأ ~~"، ثم بالإشارة والإيماء مثل قول الرجل: " واقعت أهلي في رمضان قال: " أعتق ~~رقبة "، وتسمية الصلاة قياما وركوعا وسجودا يفهم أنها أركانها. # قوله صلى الله عليه وسلم: " دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين " يفهم اشتراط ~~الطهارة عند لبس الخفين، # PageV01P236 # ثم أن يكثر الحكم بوجود الشيء عند وجوده أو عدمه عند عدمه حتى يتقرر في ~~الذهن عليه الشيء أو ركنيته أو شرطيته بمنزلة ما يدب في ذهن الفارسي من ~~معرفة موضوعات اللغة العربية عند ممارسة العرب واستعمالهم إياها في المواضع ~~المقرونة بالقرائن من حيث لا يدري، وإنما ميزانه نفس تلك المعرفة فإذا ~~رأينا الشارع كلما صلى ركع، وسجد، ودفع عنه الزجر، وتكرر ذلك جزمنا ~~بالمقصود، وإن شئت الحق فهذا هو المعتمد في معرفة الأوصاف النفسية مطلقا، ~~فإذا رأينا الناس يجمعون الخشب، ويصنعون منه شيئا يجلس عليه، ويسمونه ~~السرير نزعنا من ذلك أوصافه النفسية، ثم تخريج لمناط اعتمادا على وجدان ~~مناسبة أو على السبر والحذف. # وأما معرفة المقاصد التي بني عليها الأحكام فعلم دقيق لا يخوض فيه إلا من ~~لطف ذهنه، واستقام فهمه، وكان فقهاء الصحابة تلقت أصول الطاعات والآثام من ~~المشهورات التي أجمع عليها الأمم الموجودة يومئذ كمشركي العرب كاليهود ~~والنصارى، فلم تكن لهم حاجة إلى معرفة لمياتها، ولا البحث عما يتعلق بذلك. # أما قوانين ms201 التشريع والتيسير وأحكام الدين فتلقوها من مشاهدة مواقع الأمر ~~والنهي، كما أن جلساء الطبيب يعرفون مقاصد الأدوية التي يأمر بها بطول ~~المخالطة والممارسة، وكانوا في الدرجة العليا من معرفتها، ومنه قول عمر رضي ~~الله عنه لمن أراد أن يصل النافلة بالفريضة: بهذا هلك من قبلكم، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " أصاب الله بك يا ابن الخطاب " وقول ابن عباس رضي ~~الله عنهما في بيان سبب الأمر بغسل يوم الجمعة، وقول عمر رضي الله عنه: ~~وافقت ربي في ثلاث: وقول زيد رضي الله عنه في البيوع # المنهي عنها: إنه كان يصيب الثمار مراض قشام دمان الخ، وقول عائشة رضي ~~الله عنها: " لو أردك النبي صلى الله عليه وسلم ما أحدثه النساء لمنعهن من ~~المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل ". # وأصرح طرقها ما بين في نص الكتاب والسنة مثل. { # PageV01P237 # ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} . # وقوله تعالى: {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم} ~~. # وقوله تعالى: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} . # وقوله تعالى: {إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} . # وقوله تعالى: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} . # وقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يدري أين باتت يده " وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: " إن الشيطان يبيت على خيشومه " ثم ما أشير إليه أو أومئ مثل قوله ~~صلى الله عليه وسلم: " اتقوا اللاعنين " وقوله صلى الله عليه وسلم: " وكاء ~~السه العينان " ثم ما ذكره الصحابي الفقيه، ثم تخريج المناط بوجه يرجع إلى ~~مقصد ظهر اعتباره أو اعتبار نظيره في نظير المسألة، وليس في الأمر جزاف ~~فيجب أن يبحث عن المقادير لم عينت دون نظائرها، وعن مخصصات العموم لم ~~استثنيت لفقد المقصد أو لقيام مانع يرجح عند التعارض والله أعلم. ### | (باب القضاء في الأحاديث المختلفة) # الأصل أن يعمل بكل حديث إلا أن يمتنع العمل بالجميع للتناقض، وأنه ليس في ~~الحقيقة اختلاف، ولكن في نظرنا فقط، فإذا ظهر حديثان مختلفان فإن كانا من ~~باب حكاية الفعل، ms202 فحكى صحابي أنه صلى الله عليه وسلم فعل شيئا، وحكى آخر ~~أنه فعل شيئا آخر، فلا تعارض، ويكونان مباحين إن كانا من باب العادة دون ~~العبادة، أو أحدهما مستحبا والآخر جائزا إن لاح على أحدهما آثار القربة دون ~~الآخر، أو يكونان جميعا مستحبين أو واجبين يكفي أحدهما كفاية الآخر إن كانا ~~جميعا من باب القربة، وقد نص حفاظ الصحابة على مثله في كثير من السنن ~~كالوتر بإحدى عشرة ركعة وبتسع وسبع وكالجهر في التهجد والمخافتة، وعلى هذا ~~الأصل ينبغي أن يقضي في رفع اليدين إلى الأذنين أو المنكبين، وفي تشهد عمر ~~وابن مسعود وابن عباس رضي الله تعالى عنهم، وفي الوتر هل هو ركعة منفردة أو ~~ثلاث ركعات، وفي أدعية الاستفتاح وأدعية الصباح والمساء وسائر الأسباب ~~والأوقات ... أو يكونان مخلصين عن مضيق إن تقدم ما يوجب ذلك كخصال الكفارة ~~وكأجزية المحارب في قول، أو يكون هنالك علة خفية # توجب، أو تحسن أحد الفعلين في وقت والآخر في وقت، أو توجب شيئا وقتا، ~~وترخص وقتا، فيجب أن يفحص عنها، أو يكون أحدهما عزيمة والآخر رخصة إن لاح ~~أثر الأصالة في الأول واعتبار # PageV01P238 # الحرج في الثاني وإن ظهر دليل النسخ قيل به ... ، وإن كان أحدهما حكاية ~~فعل والآخر رفع قول فإن لم يكن القول قطعي الدلالة على تحريم أو وجوب أو ~~قطعي الرفع احتملا وجوها. وإن كان قطعيا حملا على تخصيص الفعل به صلى الله ~~عليه وسلم أو النسخ، فيفحص عن قرائنهما وإن كان قولين فإن كان أحدهما ظاهرا ~~في معنى مؤلا في غيره، وكان التأويل قريبا حمل على أن أحدهما بيان للآخر، ~~وإن كان بعيدا لم يحمل عليه إلا عند قرينة قوية جدا أو نقل التأويل عن ~~صحابي فقيه كقول عبد الله بن سلام في الساعة المرجوة إنها قبيل الغروب، ~~فأورد أبو هريرة أنها ليست وقت صلاة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~لا يسأل الله فيها مسلم قائم يصلي " فقال عبد الله بن سلام المنتظر للصلاة ~~كأنه في الصلاة ms203 فهذا تأويل بعيد لا يقبل مثله لولا ذهاب الصحابي الفقيه ~~إليه، وضابطة البعيد أنه إن عرض على العقول السليمة بدون القرينة أو تجشم ~~الجدل لم يحتمل، وإذا كان مخالفا لايماء ظاهر أو مفهوم واضح أو مورد نص لم ~~يجز أصلا، فمن القريب قصر عام جرت العادة باستعمال بعض أفراده فقط في نظير ~~ذلك الحكم على ذلك البعض، وعام يستعمل في موضع جرت العادة بالتسامح فيه ~~كالمدح والذم، وعام سيق لشرع وضع في حكم بعد إفادة أصل الحكم، فيجعل في قوة ~~القضية المهملة كقوله: " ما سقته السماء ففيه العشر " وقوله: " ليس فيما ~~دون خمسة أوسق صدقة " ومنه تنزيل كل واحد على صورة إن شهد المناط والمناسب، ~~وحملهما على الكراهية وبيان الجواز في الجملة إن أمكن، وحمل التشديد على ~~الزجر إن تقدم لجاج أما قوله # {حرمت عليكم الميتة} . # أي أكلها {حرمت عليكم أمهاتكم} . # أي نكاحهن، وقوله " العين حق " أي تأثيرها ثابت " والرسول حق " أي مبعوث ~~حقا وقوله " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " أي إثم ما وقعا فيه وقوله: " لا ~~صلاة إلا بطهور " " لا نكاح إلى بولي " " إنما الأعمال بالنيات " أي لا ~~يترتب على هذه الأشياء آثارها التي جعلها الشارع لها، { # PageV01P239 # إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} . # أي إن لم تكونوا على الوضوء فظاهر ليس بمؤل؛ لأن العرب يستعملون كل لفظة ~~منها في محل، ويريدون ما يناسب ذلك المحل، وتلك لغتهم التي لا يرون فيها ~~صرفا عن الظاهر، وإن كانا من باب الفتوى في مسألة والقضاء في واقعة، فإن ~~ظهرت علة فارقة قضي على حسبها، مثاله: سأله شاب عن القبلة للصائم، فنهاه، ~~وشيخ، فرخص له، وإن دل السياق في أحدهما دون الآخر على وجود الحاجة أو ~~إلحاح السائل أو كونه إغماضا عن إكمال أوردا للمتعنت المتشدد على نفسه قضى ~~بالعزيمة والرخصة، وإن كانا مخلصين لمبتلى، أو عقوبتين لجان، أو كفارتين من ~~حنث جاز الحمل على صحة الوجهين، واحتمل النسخ، وعلى هذا الأصل يقضى في ~~المستحاضة أفتاها تارة بالغسل لكل صلاتين، وتارة بالتحيض أيام عادتها ms204 أو ~~أيام ظهور الدم الشديد على قول إنه كان خيرها بين أمرين، وأن العادة ولون ~~الدم كلاهما يصلحان مظنة للحيض في الصيام، والإطعام عمن مات وعليه # صوم على قول، والشاك في الصلاة يلغي شكه بأحد أمرين: بتحري الصواب أو أخذ ~~المتيقن على قول، والقضاء في إثبات النسب بالقائف أو القرعة على قول، وإن ~~ظهر دليل النسخ حمل عليه، ويعرف النسخ بنص النبي صلى الله عليه وسلم كقوله: ~~" كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها " وبمعرفة تأخر أحدهما عن الآخر ~~مع عدم إمكان الجمع، وإذا شرع الشارع شرعا، ثم شرع مكانه آخر وسكت عن ~~الأول، عرف فقهاء الصحابة أن ذلك نسخ للأول، أو اختلفت الأحاديث وقضى ~~الصحابي بكون أحدهما ناسخا للآخر، فذلك ظاهر في النسخ غير قطعي، وقول ~~الفقهاء - لما يجدونه خلاف عمل مشايخهم: منسوخ - غير مقنع، والنسخ فيما ~~يبدونها تغير حكم بغيره، وفي الحقيقة انتهاء الحكم لانتهاء علته، أو انتهاء ~~كونه مظنة للمقصد الأصلي، أو لحدوث مانع من العلية، أو ظهور ترجيح حكم آخر ~~على النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي الجلي، أو باجتهاده وهذا إذا كان ~~الأول اجتهاديا، قال الله تعالى في حديث المعراج: {ما يبدل القول لدي} . # وإذا لم يكن للجمع والتأويل مساغ، ولم يعرف النسخ تحقق التعارض فإن ظهر # PageV01P240 # ترجيح أحدهما إما بمعنى في السند من كثرة الرواة وفقه الراوي، وقوة ~~الاتصال، وتصريح صيغة الرفع، وكون الراوي صاحب المعاملة بأن يكون هو ~~المستفتي أو المخاطب أو المباشر، أو بمعنى في المتن من التأكيد والتصريح، ~~أو بمعنى في الحكم وعلته من كونه مناسبا بالأحكام الشرعية، وكونها علة ~~شديدة المناسبة عرف تأثيرها، أو من خارج من كونه متمسك أكثر أهل العلم أخذ ~~بالراجح وإلا تساقطا، وهي صورة مفروضة لا تكاد توجد ... ، وقول الصحابي ~~أمر، ونهى، وقضى، ورخص، ثم قوله: أمرنا، ونهينا، ثم قوله: من السنة كذا، ~~وعصى أبا القاسم من فعل كذا، # ثم قوله: هذا حكم النبي ظاهر في الرفع، ويحتمل طروق اجتهاد في تصوير ~~العلة المدار عليها، أو ms205 تعيين الحكم من الوجوب والاستحباب، أو عمومه ~~وخصوصه، وقوله. كان يفعل كذا ظاهر في تعدد الفعل، ولا ينافيه قول الآخر كان ~~يفعل غيره وقوله: صحبته، فلم أره ينهى، وكنا نفعل في عهده ظاهر في التقرير، ~~وليس نصا. # وقد تختلف صيغ حديث لاختلاف الطرق وذلك من جهة نقل الحديث بالمعنى فإن ~~جاء حديث ولم يختلف الثقات في لفظه كان ذلك لفظه صلى الله عليه وسلم ظاهرا، ~~وأمكن الاستدلال بالتقديم والتأخير والواو والفاء ونحو ذلك من المعاني ~~الزائدة على أصل المراد، وإن اختلفوا اختلافا محتملا وهم متقاربون في الفقه ~~والحفظ والكثرة سقط الظهور، فلا يمكن الاستدلال بذلك إلا على المعنى جاءوا ~~به جميعا، وجمهور الرواة كانوا يعتنون برءوس المعاني لا بحواشيها، وإن ~~اختلفت مراتبهم أخذ بقول الثقة الذي والأكثر والأعرف بالقصة، وأن أشعر قول ~~ثقة بزيادة الضبط مثل قوله: قالت - وثب - وما قالت - قام - وقالت - أفاض ~~على جلده الماء - وما قالت - اغتسل - أخذ به، وإن اختلفوا اختلافا فاحشا ~~وهم متقاربون ولا مرجح سقطت الخصوصيات المختلف فيها. # والمرسل إن اقترن بقرينة مثل أن يعتضد بموقوف صحابي أو مسنده الضعيف أو ~~مرسل غيره. والشيوخ متغايرة، أو قول أكثر أهل العلم، أو قياس صحيح، أو ~~إيماء من نص، أو عرف أنه لا يرسل إلا عن عدل - صح الاحتجاج به وكان نازلا ~~من المسند وإلا لا. # وكذلك الحديث الذي يرويه قاصر الضبط غير متهم أو مجهول الحال - المختار ~~أنه يقبل إن اقترن بقرينة مثل موافقة القياس، أو عمل أكثر أهل العلم، وإلا ~~لا. # وإذا تفرد الثقة بزيادة لا يمتنع سكوت الباقين عنها فهي مقبولة كإسناد # المرسل # PageV01P241 # وزيادة رجل في الإسناد وذكر مورد الحديث وسبب الرواية وإطناب الكلام ~~وإيراد جملة مستقلة لا تغير معنى الكلام، وإن امتنع كالزيادة المغيرة ~~للمعنى، أو نادرة لا يترك ذكرها عادة لم يقبل، وإذا حمل الصحابي حديثا على ~~محمل، فإن كان للاجتهاد فيه مساغ كان ظاهرا في الجملة إلى أن تقوم الحجة ~~بخلافه، وإلا كان قويا، كما إذا كان فيما يعرفه العاقل ms206 العارف باللغة من ~~القرائن الحالية والقالية. أما اختلاف آثار الصحابة والتابعين، فإن تيسر ~~الجمع بينها ببعض الوجوه المذكورة سابقا فذلك، وإلا كانت المسألة على ~~قولين، أو أقوال، فينظر أيها أصوب، ومن العلم المكنون معرفة مأخذ مذاهب ~~الصحابة، فاجتهد تنل منه حظا والله أعلم. # PageV01P242 ### | (تتمة) ### | (باب أسباب اختلاف الصحابة والتابعين في الفروع) # اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن الفقه في زمانه الشريف ~~مدونا، ولم يكن البحث في الأحكام يومئذ مثل البحث من هؤلاء الفقهاء حيث ~~يبنون بأقصى جهدهم الأركان والشروط، وآداب كل شيء ممتازا عن الآخر بدليله، ~~ويفرضون الصور يتكلمون على تلك الصور المفروضة، # ويحدون ما يقبل الحد، ويحصرون ما يقبل الحصر إلى غير ذلك من صنائعهم، أما ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يتوضأ، فيرى الصحابة وضوءه، فيأخذون به ~~من غير أن يبين أن هذا ركن وذلك أدب، وكان يصلي، فيرون صلاته، فيصلون كما ~~رأوه يصلي، وحج، فرمق الناس حجه، ففعلوا كما فعل، فهذا كان غالب حاله صلى ~~الله عليه وسلم، ولم يبين أن فروض الوضوء ستة أو أربعة، ولم يفرض أنه يحتمل ~~أن يتوضأ إنسان بغير موالاة حتى يحكم عليه بالصحة أو الفساد إلا ما شاء ~~الله، وقلما كانوا يسألونه عن هذه الأشياء. عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال: ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~سألوه عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن منهن. {يسألونك عن الشهر ~~الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} . {ويسألونك عن المحيض} . # قال: ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم. قال ابن عمر: لا تسأل عما لم يكن ~~فإني سمعت عمر بن الخطاب يلعن من سأل عما لم يكن. # PageV01P243 # قال القاسم: إنكم تسألون عن أشياء ما كنا نسأل عنها وتنقرون عن أشياء ما ~~كنا ننقر عنها. تسالون عن أشياء ما أدري ما هي، ولو علمناها ما حل لنا أن ~~نكتمها. عن عمر بن إسحاق قال: لمن أدركت من أصحاب ms207 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أكثر ممن سبقني منهم، فما رأيت قوما أيسر سيرة، ولا أقل تشديدا منهم، ~~وعن عبادة بن بسر الكندي، وسئل عن امرأة ماتت مع قوم ليس لها ولي، فقال: ~~أدركت أقواما ما كانوا يشددون تشديدكم، ولا يسألون مسائلكم، # أخرج هذه الآثار الدارمي. وكان صلى الله عليه وسلم يستفتيه الناس في ~~الوقائع، فيفتيهم، وترفع إليه القضايا، فيقضي فيها، ويرى الناس يفعلون ~~معروفا، فيمدحه أو منكرا، فينكر عليه، وكل ما أفتى به مستفتيا، أو قضى به ~~في قضية، أو أنكره على فاعله، كان في الاجتماعات، وكذلك كان الشيخان أبو ~~بكر وعمر إذا لم يكن لهما علم في المسألة يسألون الناس عن حديث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وقال أبو بكر رضي الله عنه: ما سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال فيها شيئا يعني - الجدة - وسأل الناس، فلما صلى الظهر ~~قال: أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الجدة شيئا؟ فقال ~~المغيرة بن شعبة: أنا، قال: ماذا قال؟ قال: أعطاها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سدسا، قال: أيعلم ذاك أحد غيرك؟ فقال محمد بن سلمة: صدق، فأعطاها أبو ~~بكر السدس، وقصة سؤال عمر الناس في الغرة، ثم رجوعه إلى خبر مغيرة، وسؤاله ~~إياهم في الوباء، ثم رجوعه إلى خبر عبد الرحمن بن عوف، وكذا رجوعه في قصة ~~المجوس إلى خبره، وسرور عبد الله بن مسعود بخبر معقل بن يسار لما وافق ~~رأيه، وقصة رجوع أبي موسى عن باب عمر وسؤاله عن الحديث، وشهادة أبي سعيد ~~له، وأمثال ذلك كثيرة معلومة مروية في الصحيحين والسنن: # وبالجملة فهذه كانت عادته الكريمة صلى الله عليه وسلم، فرأى كل صحابي ما ~~يسره الله له من عبادته وفتاواه وأقضيته، فحفظها، وعقلها، وعرف لكل شيء ~~وجها من قبل حفوف القرائن به، فحمل بعضها على الإباحة، وبعضها على النسخ ~~لأمارات وقرائن كانت كافية عنده، ولم يكن العمدة عندهم إلا وجدان الاطمئنان ~~والثلج من غير التفات إلى طرق الاستدلال ms208 كما ترى الأعراب يفهمون مقصود ~~الكلام فيما بينهم، وتثلج صدورهم بالتصريح والتلويح والإيماء من حيث لا ~~يشعرون، فانقضى عصره الكريم وهم على ذلك، ثم إنهم تفرقوا في البلاد وصار كل ~~واحد مقتدى ناحية من النواحي، # فكثرت الوقائع، ودارت المسائل، فاستفتوا فيها، فأجاب كل واحد حسبما حفظه، ~~أو استنبط، وإن لم يجد فيما حفظه أو استنبط ما يصلح للجواب - اجتهد برأيه، ~~وعرف العلة التي أدار رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها الحكم في ~~منصوصاته، فطرد # PageV01P244 # الحكم حيثما وجدها لا يألوا جهدا في موافقة غرضه عليه الصلاة والسلام، ~~فعند ذلك وقع الاختلاف بينهم على ضروب: # منها أن صحابيا سمع حكما في قضية أو فتوى، ولم يسمعه الآخر فاجتهد برأيه ~~في ذلك. وهذا على وجوه: # أحدها أن يقع اجتهاده موافق الحديث. مثاله ما رواه النسائي وغيره أن ابن ~~مسعود رضي الله عنه سئل عن امرأة مات عنها زوجها، ولم يفرض لها فقال: لم أر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي في ذلك، فاختلفوا عليه شهرا، وألحوا، ~~فاجتهد برأيه، وقضى بأن لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها ~~الميراث، فقام معقل بن يسار، # فشهد بأنه صلى الله عليه وسلم قضى بمثل ذلك في امرأة منهم، ففرح بذلك ابن ~~مسعود فرحة لم يفرح مثلها قط بعد الإسلام. # ثانيها أن يقع بينهما المناظرة، ويظهر الحديث بالوجه الذي يقع به غالب ~~الظن، فيرجع عن اجتهاده إلى المسموع. مثاله ما رواه الأئمة من أن أبا هريرة ~~رضي الله عنه كان من مذهبه أنه من أصبح جنبا فلا صوم له حتى أخبرته بعض ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف مذهبه، فرجع. # وثالثها أن يبلغه الحديث ولكن لا على الوجه الذي يقع به غالب الظن، فلم ~~يترك اجتهاده، بل طعن في الحديث، مثاله ما رواه أصحاب الأصول من أن فاطمة ~~بنت قيس شهدت عند عمر بن الخطاب بأنها كانت مطلقة # الثلاث فلم يجعل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم نفقة ولا سكنى، فرد ms209 ~~شهادتها وقال: لا أترك كتاب الله بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت لها ~~النفقة والسكنى، وقالت عائشة رضي الله عنها لفاطمة: ألا تتقي الله - يعني ~~في قولها - لا سكنى ولا نفقة ... # ومثال آخر روى الشيخان أنه كان من مذهب عمر بن الخطاب أن التيمم لا يجزئ ~~للجنب الذي لا يجد ماء، فروى عنده عمار أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في سفر، فأصابته جنابة ولم يجد ماء، فتمعك في التراب فذكر ذلك لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما كان ~~يكفيك أن تفعل هكذا، وضرب بيديه على الأرض، فمسح بهما وجهه ويديه، فلم يقبل ~~عمر، ولم ينهض عنده حجة لقادح خفي رآه فيه حتى استفاض الحديث في الطبقة ~~الثانية من طرق كثيرة، واضمحل وهم القادح فأخذوا به. # PageV01P245 # ورابعها ألا يصل إليه الحديث أصلا، مثاله ما أخرج مسلم أن ابن عمر كان ~~يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن، فسمعت عائشة بذلك، فقالت يا عجبا ~~لابن عمر هذا يأمر النساء أن ينقضن رءوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رءوسهن ~~لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، وما أزيد ~~على أن أفرغ على رأسي ثلاث أفرغات مثال آخر ما ذكره الزهري من أن هندا لم ~~تبلغها رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المستحاضة، فكانت تبكي لأنها ~~لا تصلي. # ومن تلك الضروب أن يروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل فعلا، فحمله ~~بعضهم على القربة، وبعضهم على الإباحة، مثاله ما رواه أصحاب الأصول في قضية ~~التحصيب - أي النزول بالأبطح عند النفر - نزل رسول الله # صلى الله عليه وسلم به، فذهب أبو هريرة وابن عمر إلى أنه على وجه القربة ~~فجعلوه من سنن الحج، وذهبت عائشة وابن عباس إلى أنه وجه الاتفاق وليس من ~~السنن. # ومثال آخر ذهب الجمهور إلى أن الرمل في الطواف سنة، وذهب ابن عباس إلى ~~أنه إنما فعله النبي صلى الله ms210 عليه وسلم على سبيل الارتفاق لعارض عرض، وهو ~~قول المشركين حطمهم حمى يثرب وليس بسنة ... # ومنها اختلاف الوهم، مثاله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج، فرآه ~~الناس، فذهب بعضهم إلى أنه كان متمتعا، وبعضهم إلى أنه كان قارنا، وبعضهم ~~إلى أنه كان مفردا. # مثال آخر أخرج أبو داود عن سعيد بن جبير أنه قال: قلت لعبد الله ابن عباس ~~يا أبا العباس عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوجب ~~فقال: إني لأعلم الناس بذلك، إنها كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجا، فلما ~~صلى في مسجد ذي الحليفة ركعة أوجب في مجلسه وأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، ~~فسمع ذلك من أقوام، فحفظته عنه، ثم ركب، فلما استقلت به ناقته أهل وأدرك ~~ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالا، فسمعوه حين استقلت ~~به ناقته يهل، فقالوا: إنما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استقلت ~~به ناقته، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما علا على شرف البيداء، ~~أهل وأدرك ذلك منه أقوام، فقالوا: إنما أهل حين علا على شرف البيداء وايم ~~الله لقد أوجب في مصلاه، وأهل حين استقلت به ناقته، وأهل حين علا على شرف ~~البيداء. # PageV01P246 # ومنها اختلاف السهو والنسيان، مثاله ما روى أن ابن عمر كان يقول اعتمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة في رجب، فسمعت بذلك عائشة فقضت عليه ~~بالسهو. # ومنها اختلاف الضبط. مثاله ما روى ابن عمر - أو عمر - عنه صلى الله عليه ~~وسلم من أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه. فقضت عائشة عليه بأنه لم يأخذ ~~الحديث على وجهه. مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية يبكي عليها ~~أهلها فقال: " إنهم يبكون عليها وأنها تعذب في قبرها " فظن العذاب معلولا ~~للبكاء، فظن الحكم عاما على كل ميت # ومنها اختلافهم في علة الحكم. مثاله القيام ms211 للجنازة فقال قائل لتعظيم ~~الملائكة فيعم المؤمن والكافر، وقال قائل: لهول الموت، فيعمهما. وقال الحسن ~~بن علي رضي الله عنهما: مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بجنازة يهودي ~~فقام لها كراهية أن تعلوا فوق رأسه، فيخص الكافر. # ومنها اختلافهم في الجمع بين المختلفين. مثاله رخص رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في المتعة عام خيبر، ثم رخص فيها عام أوطاس، ثم نهى عنها، فقال ~~ابن عباس كانت الرخصة للضرورة، والنهي لانقضاء الضرورة والحكم باق على ذلك، ~~وقال الجمهور: كانت الرخصة إباحة والنهي نسخا لها. مثال آخر، نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن استقبال القبلة في الاستنجاء، فذهب قوم إلى عموم هذا ~~الحكم وكونه غير منسوخ، ورآه جابر يبول قبل أن يتوفى بعام مستقبل القبلة ~~فذهب إلى أنه نسخ للنهي المتقدم ورآه ابن عمر قضى حاجته مستدبر القبلة ~~مستقبل الشام، فرد به قولهم، وجمع قوم بين الروايتين، فذهب الشعبي وغيره ~~إلى أن النهي مختص بالصحراء، فإذا كان في المراحيض فلا بأس بالاستقبال ~~والاستدبار، وذهب قوم # إلى أن القول عام محكم، الفعل يحتمل كونه خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~فلا ينتهض ناسخا ولا مخصصا. # وبالجملة فاختلفت مذاهب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ عنهم ~~التابعون كذلك كل واحد ما تيسر له، فحفظ ما سمع من حديث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ومذاهب الصحابة وعقلها، وجمع المختلف على ما تيسر له ورجح بعض ~~الأقوال على بعض، واضمحل في نظرهم بعض الأقوال وإن كان مأثورا عن كبار ~~الصحابة كالمذهب المأثور عن عمر وابن مسعود في تيمم الجنب اضمحل عندهم لما ~~استفاض من الأحاديث عن عمار وعمران ابن الحصين وغيرهما، فعند ذلك صار لكل ~~عالم من العلماء التابعين مذهب على حياله، فانتصب في كل بلد إمام مثل سعيد ~~بن المسيب، وسالم بن عبد الله ابن عمر في المدينة، # PageV01P247 # وبعدها الزهري والقاضي يحيى بن سعيد وربيعة بن عبد الرحمن فيها، وعطاء بن ~~أبي رباح بمكة، وإبراهيم النخعي والشعبي، بالكوفة، ms212 والحسن البصري بالبصرة، ~~وطاوس بن كيسان باليمن، ومكحول بالشام، فأظمأ الله أكبادا إلى علومهم، ~~فرغبوا فيها، وأخذوا عنهم الحديث وفتاوى الصحابة وأقاويلهم، ومذاهب هؤلاء ~~العلماء وتحقيقاتهم من عند أنفسهم، واستفتى منهم المستفتون، ودارت المسائل ~~بينهم، ورفعت إليهم الأقضية، وكان سعيد بن المسيب وإبراهيم وأمثالهما جمعوا ~~أبواب الفقه أجمعها، وكان لهم في كل باب أصول تلقوها من السلف، وكان سعيد ~~وأصحابه يذهبون إلى أن أهل الحرمين أثبت الناس في الفقه، وأصل مذهبهم فتاوى ~~عبد الله بن عمر وعائشة وابن عباس، وقضايا قضاة المدينة، فجمعوا من ذلك ما ~~يسره الله لهم، ثم نظروا فيها نظر اعتبار وتفتيش، فما كان منها مجمعا عليه ~~بين علماء المدينة فإنهم يأخذون عليه بنواجذهم، وما كان فيه اختلاف عندهم، ~~فإنهم يأخذون بأقواها وأرجحها إما بكثرة من ذهب إليه منهم أو لموافقته ~~بقياس قوى أو تخريج صريح، من الكتاب والسنة أو نحو ذلك، وإذا لم يجدوا فيما ~~حفظوا منهم جواب المسألة خرجوا من كلامهم وتتبعوا الإيماء والاقتضاء، # فحصل لهم مسائل كثيرة في كل باب باب، وكان إبراهيم وأصحابه يرون أن عبد ~~الله بن مسعود وأصحابه أثبت الناس في الفقه كما قال علقمة لمسروق: هل أحد ~~منهم أثبت من عبد الله؟ وقول أبي حنيفة رضي الله عنه للأوزاعي إبراهيم أفقه ~~من سالم، ولولا فضل الصحبة لقلت أن علقمة أفقه من عبد الله ابن عمرو وعبد ~~الله - هو عبد الله - وأصل مذهبه فتاوى عبد الله بن مسعود وقضايا علي رضي ~~الله عنهما وفتاواه وقضايا شريح وغيره من قضاة الكوفة، فجمع من ذلك ما يسره ~~الله. ثم صنع في آثارهم كما صنع أهل المدينة في آثار أهل المدينة، وخرج كما ~~خرجوا، فلخص له مسائل الفقه في كل باب باب. وكان سعيد بن المسيب لسان فقهاء ~~المدينة، وكان أحفظهم لقضايا عمر ولحديث أبي هريرة، وإبراهيم لسان فقهاء ~~الكوفة، فإذا تكلما بشيء، ولم ينسباه إلى أحد فإنه في الأكثر منسوب إلى أحد ~~من السلف صريحا أو إيما ونحو ذلك، فاجتمع عليهما فقهاء بلدهما ms213 وأخذوا عنهما ~~وعقلوه وخرجوا عليه والله أعلم. # PageV01P248 ### | (باب أسباب اختلاف مذاهب الفقهاء) # اعلم أن الله تعالى أنشأ بعد عصر التابعين نشئا من حملة العلم إنحازا لما ~~وعده رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: " يحمل هذا العلم من كل خلف ~~عدو له " فأخذوا عمن اجتمعوا معه منهم صفة الوضوء والغسل والصلاة والحج ~~والنكاح والبيوع وسائر ما يكثر وقوعه، ورووا حديث النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وسمعوا قضايا قضاة البلدان وفتاوى مفتيها، وسألوا عن المسائل، ~~واجتهدوا في ذلك كله، ثم صاروا كبراء قوم، ووسد إليهم الأمر، فنسجوا على ~~منوال شيوخهم، ولم يألوا في تتبع الإيماآت # والاقتضاآت، فقضوا، وأفتوا، ورووا، وعلموا. وكان صنيع العلماء في هذه ~~الطبقة متشابها. # وحاصل صنيعهم أن يتمسك بالمسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمرسل جميعا، ويستدل بأقوال الصحابة والتابعين علما منهم أنها إما أحاديث ~~منقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتقروها، فجعلوها موقوفة كما قال ~~إبراهيم، وقد روى حديث نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة ~~والمزابنة فقيل له: أما تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا غير ~~هذا؟ قال: بلى ولكن أقول قال عبد الله قال علقمة: أحب إلي، وكما قال الشعبي ~~- وقد سئل عن حديث - وقيل إنه يرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ~~بأعلى من دون النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلي، فإن كان فيه زيادة ونقصان ~~كان علي من دون النبي صلى الله عليه وسلم، أو يكون استنباطا منهم من ~~المنصوص أو اجتهادا منهم بآرائهم وهم أحسن صنيعا في ذلك ممن يجيء بعدهم ~~وأكثر إصابة وأقدم زمانا وأوعى علما، فتعين العمل بها إلا إذا اختلفوا وكان ~~حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كل يخالف قولهم مخالفة ظاهرة، وأنه إذا ~~اختلفت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة رجعوا إلى أقوال ~~الصحابة، فإن قالوا بنسخ بعضها أو بصرفه عن ظاهره، أو لم يصرحوا بذلك، ولكن ~~اتفقوا على تركه ms214 وعدم القول بموجبه فإنه كابداء على فيه أو الحكم بنسخه أو ~~تأويله - اتبعوهم في كل ذلك، وهو قول مالك في حديث ولغ الكلب جاء هذا ~~الحديث # ولكن لا أدري ما حقيقته يعني حكاه ابن الحاجب في مختصر الأصول لم أر ~~الفقهاء يعملون به ... ، وأنه إذا اختلفت مذاهب الصحابة والتابعين في مسألة ~~فالمختار عند كل عالم مذهب # PageV01P249 # أهل بلده وشيوخه لأنه أعرف بصحيح أقاويلهم عن السقيم وأوعى للاصوال ~~المناسبة لها وقلبه أميل إلى فضلهم وتبحرهم فمذهب عمر وعثمان وابن عمر ~~وعائشة وابن عباس وزيد بن ثابت، وأصحابهم مثل سعيد بن المسيب فإنه كان ~~أحفظهم لقضايا عمر، وحديث أبي هريرة، ومثل عروة وسالم وعطاء بن يسار وقاسم ~~وعبيد الله وابن عبد الله والزهري، ويحيى بن سعيد وزيد بن أسلم وربيعة - ~~أحق بالأخذ من غيره عند أهل المدينة لما بينه النبي صلى الله عليه وسلم في ~~فضائل المدينة، ولأنها مأوى الفقهاء ومجمع العلماء في كل عصر، ولذلك ترى ~~مالكا يلازم محجتهم، ومذهب عبد الله بن مسعود وأصحابه، وقضايا على وشريح ~~والشعبي وفتاوى إبراهيم، - أحق بالأخذ عن أهل الكوفة من غيره وهو قول علقمة ~~حين مال مسروق إلى قول زيد بن ثابت في التشريك قال: هل أحد منكم أثبت من ~~عبد الله؟ فقال لا ولكن رأيت زيد بن ثابت وأهل المدينة يشركون، فإن اتفق ~~أهل البلد على شيء أخذوا بنواجذه، وهو الذي يقول في مثله مالك: السنة التي ~~لا اختلاف فيها عندنا كذا وكذا، وإن اختلفوا أخذوا بأقواها وأرجحها إما ~~بكثرة القائلين به أو لموافقته لقياس قوي، أو تخريج من الكتاب والسنة، وهو ~~الذي يقول في مثله مالك: هذا أحسن ما سمعت، فإذا لم يجدوا فيما حفظوا منهم ~~جواب المسألة خرجوا من كلامهم، وتتبعوا الإيماء والاقتضاء، وألهموا في هذه ~~الطبقة التدوين، فدون مالك ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب بالمدينة، وابن ~~جريج وابن عيينة بمكة، والثوري بالكوفة، وربيع بن صبيح بالبصرة. وكلهم مشوا ~~على هذا المنهج الذي ذكرته، ولما حج المنصور قال لمالك: ms215 قد عزمت أن أمر ~~بكتبك هذه # التي صنفتها، فتنسخ، ثم أبعث في كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، ~~وآمرهم بأن يعملوا بما فيها، ولا يتعدوه إلى غيره، فقال: يا أمير المؤمنين ~~لا تفعل هذا فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، ~~وأخذ كل قوم بما سبق إليهم، وأتوا به من اختلاف الناس، فدع الناس وما اختار ~~أهل كل بلد منهم لأنفسهم، ويحكى نسبة هذه القصة إلى هارون الرشيد، وأنه ~~شاور مالكا في أن يعلق الموطأ في الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه، فقال: لا ~~تفعل فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في الفروع، وتفرقوا ~~في البلدان، وكل سنة مضت قال: وفقك الله يا أبا عبد الله حكاه السيوطي. # وكان مالك من أثبتهم في حديث المدنيين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأوثقهم إسنادا # PageV01P250 # وأعلمهم بقضايا عمر وأقاويل عبد الله بن عمر وعائشة وأصحابهم من الفقهاء ~~السبعة، وبه وبأمثاله قام علم الرواية والفتوى، فلما وسد إليه الأمر حدث، ~~وأفتى، وأفاد، وأجاد، وعليه انطبق قول النبي صلى الله عليه وسلم: " يوشك أن ~~يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة ~~" على ما قاله ابن عيينة وعبد الرزاق - وناهيك بهما - فجمع أصحابه رواياته ~~ومختاراته لخصوها، وحرروها، وشرحوها، وخرجوا عليها، وتكلموا في أصولها ~~ودلائلها، وتفرقوا إلى المغرب ونواحي الأرض، فنفع الله بهم كثيرا من خلقه. # وإن شئت أن تعرف حقيقة ما قلناه، من أصل مذهبه فانظر في كتاب الموطأ تجده ~~كما ذكرنا. # وكان أبو حنيفة رضي الله عنه ألزمهم بمذهب إبراهيم وأقرانه لا يجاوزه إلا ~~ما شاء الله، وكان عظيم الشأن في التخريج على مذهبه دقيق النظر في وجوه ~~التخريجات مقبلا على الفروع أتم إقبال، وإن شئت أن تعلم حقيقة # ما قلنا فلخص أقوال إبراهيم وأقرانه من كتاب الآثار لمحمد رحمه الله ~~وجامع عبد الرزاق ومصنف أبو بكر بن أبي شيبة، ثم قايسه بمذهبه تجده لا ~~يفارق تلك المحجة إلا في ms216 مواضع يسيرة وهو في تلك اليسيرة أيضا لا يخرج عما ~~ذهب إليه فقهاء الكوفة، وكان أشهر أصحابه ذكرا أبو يوسف رحمه الله، فولى ~~قضاء القضاة أيام هارون الرشيد، فكان سببا لظهور مذهبه والقضاء به في أقطار ~~العراق وخراسان وما وراء النهر، وكان أحسنهم تصنيفا وألزمهم درسا محمد بن ~~الحسن، وكان من خبره أنه تفقه على أبي يوسف، ثم خرج، إلى المدينة، فقرأ ~~الموطأ على مالك، ثم رجع إلى نفسه، فطبق مذهب أصحابه على الموطأ مسألة ~~مسألة فإن وافق فيها وإلا فإن رأى طائفة من الصحابة والتابعين ذاهبين إلى ~~مذهب أصحابه فكذلك، وإن وجد قياسا ضعيفا أو تخريجا لينا يخالفه حديث صحيح ~~فيما عمل به الفقهاء أو يخالفه عمل أكثر العلماء - تركه إلى مذهب من مذاهب ~~السلف مما يراه أرجح ما هناك، وهذان لا يزالان على محجة إبراهيم وأقرانه ما ~~أمكن لهما كما كان أبو حنيفة رضي الله عنه يفعل ذلك. # وإنما كان اختلافهم في أحد شيئين: إما أن يكون لشيخهما تخريج على مذهب ~~إبراهيم يزاحمانه فيه، أو يكون هناك لإبراهيم ونظرائه أقوال مختلفة يخالفان ~~شيخهما في ترجيح بعضها على بعض، فصنف محمد رحمه الله وجمع رأي هؤلاء ~~الثلاثة، ونفع كثيرا من الناس، فتوجه أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه إلى تلك ~~التصانيف تلخيصا وتقريبا أو شرحا أو تخريجا أو تأسيسا أو استدلالا، ثم ~~تفرقوا إلى خراسان وما وراء النهر، فيسمى ذلك مذهب أبي حنيفة. # PageV01P251 # ونشأ الشافعي في أوائل ظهور المذهبين وترتيب أصولهما وفروعهما، فنظر في ~~صنيع الأوائل، فوجد فيه أمورا كبحت عنانه عن الجريان في طريقهم، وقد ذكرها ~~في أوائل كتاب الأم. # منها أنه وجدهم يأخذون بالمرسل والمنقطع، فيدخل فيهما الخلل، فإنه إذا ~~جمع طرق الحديث يظهر أنه كم من مرسل لا أصل له، وكم من مرسل يخالف مسندا، ~~فقرر ألا يأخذ بالمرسل إلا عند وجود شروط، وهي مذكورة في كتب الأصول. # ومنها أنه لم تكن قواعد الجمع بين المختلفات مضبوطة عندهم فكان يتطرق ~~بذلك خلل في مجتهداتهم، فوضع لها ms217 أصولا، ودونها في كتاب، وهذا أول تدوين ~~كان في أصول الفقه. مثاله ما بلغنا أنه دخل على محمد ابن الحسن وهو يطعن ~~على أهل المدينة في قضائهم بالشاهد الواحد مع اليمين، ويقول: هذه زيادة على ~~كتاب الله، فقال الشافعي: أثبت عندك أنه لا تجوز الزيادة على كتاب الله ~~بخبر الواحد؟ قال: نعم قال: فلم قلت إن الوصية للوارث لا تجوز لقوله صلى ~~الله عليه وسلم " ألا لا وصية لوارث " وقد قال الله تعالى: # {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت} . وأورد عليه أشياء من هذا القبيل، ~~فانقطع كلام محمد ابن الحسن. # ومنها أن بعض الأحاديث الصحيحة لم يبلغ علماء التابعين ممن وسد إليهم ~~الفتوى، فاجتهدوا بآرائهم، أو اتبعوا العمومات، أو اقتدوا بمن مضى من ~~الصحابة فأفتوا حسب ذلك. ثم ظهرت بعد ذلك في الطبقة الثالثة فلم يعلموا بها ~~ظنا منهم أنها تخالف عمل أهل مدينتهم وسنتهم التي لا اختلاف # لهم فيها، وذلك قادح في الحديث وعلة مسقطة له، أو لم تظهر في الثالثة، ~~وإنما ظهر ت بعد ذلك عندما أمعن أهل الحديث في جمع طرق الحديث، ورحلوا إلى ~~أقطار الأرض، وبحثوا عن حملة العلم، فكثر من الأحاديث ما لا يرويه من ~~الصحابة إلا رجل أو رجلان، ولا يرويه عنه أو عنهما إلا رجل أو رجلان، وهلم ~~جرا، فخفي على أهل الفقه، وظهر في عصر الحفاظ الجامعين لطرق الحديث كثيرة ~~من الأحاديث، رواه أهل البصرة مثلا وسائر الأقطار في غفلة منه، فبين ~~الشافعي أن العلماء من الصحابة والتابعين لم يزل شأنهم أنهم يطلبون الحديث ~~في المسألة، فاذا لم يجدوا تمسكوا بنوع آخر من الاستدلال، ثم إذا ظهر عليهم ~~الحديث بعد رجعوا من اجتهادهم إلى الحديث فاذا كان الأمر على ذلك لا يكون ~~عدم تمسكهم بالحديث قدحا فيه، اللهم إلا # PageV01P252 # إذا بينوا العلة القادحة. مثاله حديث القلتين فإنه حديث صحيح روى بطرق ~~كثيرة معظمها ترجع إلى أبي الوليد بن كثير. عن محمد بن جعفر بن الزبير عن ~~عبد الله - أو محمد بن عباد ms218 بن جعفر - عن عبيد الله بن عبد الله كلاهما عن ~~ابن عمر، ثم تشعبت الطرق بعد ذلك؛ وهذان وإن كانا من الثقات لكنهما ليس ممن ~~وسد إليهم الفتوى، وعول الناس عليهم، فلم يظهر الحديث في عصر سعيد بن ~~المسيب ولا في عصر الزهري، ولم يمش عليه المالكية ولا الحنفية، فلم يعملوا ~~به، وعمل به الشافعي، وكحديث - خيار المجلس - فانه حديث صحيح روي بطرق ~~كثيرة، وعمل به ابن عمر وأبو هريرة من الصحابة، ولم يظهر على الفقهاء ~~السبعة ومعاصريهم، فلم يكونوا يقولون به، فرأى مالك وأبو حنيفة هذه علة ~~قادحة في الحديث، وعمل به الشافعي. # ومنها أن أقوال الصحابة جمعت في عصر الشافعي، فتكثرت، واختلف وتشعبت، ~~ورأى كثيرا منها يخالف الحديث الصحيح حيث لم يبلغهم، ورأى # السلف لم يزالوا يرجعون في مثل ذلك إلى الحديث، فترك التمسك بأقوالهم ما ~~لم يتفقوا، وقال: هم رجال ونحن رجال. # ومنها أنه رأى قوما من الفقهاء يخلطون الرأي الذي لم يسوغه الشرع بالقياس ~~الذي أثبته، فلا يميزون واحد منها من الآخر، ويسمونه تارة بالاستحسان - ~~وأعني بالرأي أن ينصب مظنة حرج أو مصلحة علة لحكم وإنما القياس أن تخرج ~~العلة من الحكم المنصوص، ويدار عليها الحكم - فأبطل هذا النوع أتم إبطال، ~~وقال من أستحسن: فانه أراد أن يكون شارعا، حكاه ابن الحاجب في - مختصر ~~الأصول - مثاله رشد اليتيم أمر خفي، فاقاموا مظنة الرشد وهو بلوغ خمس عشرين ~~سنة مقامه، وقالوا: إذا بلغ اليتيم هذا العمر سلم إليه ماله، قالوا: هذا ~~استحسان، والقياس لا يسلم إليه. وبالجملة لما رأى في صنيع الأوائل مثل هذه ~~الأمور، أخذ الفقه من الرأس، فأسس الأصول، وفرع الفروع، وصنف الكتب فأجاد، ~~وأفاد، واجتمع عليه الفقهاء، وتصرفوا اختصارا وشرحا واستدلالا وتخريجا، ثم ~~تفرقوا في البلدان، فكان هذا مذهبا للشافعي والله أعلم. # PageV01P253 ### | (باب الفرق بين أهل الحديث وأصحاب الرأي) # اعلم أنه كان من العلماء في عصر سعيد بن المسيب وإبراهيم والزهري، وفي ~~عصر مالك وسفيان، وبعد ذلك - قوم يكرهون الخوض بالرأي، ويهابون الفتيا ~~والاستنباط ms219 إلا لضرورة لا يجدون منها بدا، وكان أكبر همهم رواية حديث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، سئل عبد الله بن مسعود عن شيء، فقال: إني لأكره ~~أن أحل لك شيئا حرمه الله عليك، أو أحرم ما أحله الله لك. وقال معاذ بن ~~جبل: يا أيها الناس، لا تعجلوا بالبلاء قبل # نزوله، فإنه لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سرد، وروي نحو ذلك ~~عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود في كراهة التكلم فيما لم ينزل. وقال ابن ~~عمر لجابر بن زيد: إنك من فقهاء البصرة، فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو سنة ~~ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت، وأهلكت وقال أبو النصر - لما قدم أبو ~~سلمة البصرة - أتيته أنا والحسن فقال للحسن: أنت الحسن؟ ما كان أحد بالبصرة ~~أحب إلى لقاء منك، وذلك أنه بلغني أنك تفتي برأيك، فلا تفت برأيك إلا أن ~~يكون سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كتاب منزل. وقال ابن المنكدر: ~~إن العالم يدخل فيما بين الله وبين عباده، فليطلب لنفسه المخرج. وسئل ~~الشعبي. كيف كنتم تصنعون إذا سئلتم؟ قال: على الخبير وقعت كان إذا سئل ~~الرجل قال لصاحبه: أفتهم، فلا يزال حتى يرجع إلى الأول، وقال الشعبي: ما ~~حدثوك هؤلاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذ به، وما قالوه برأيهم، ~~فألقه في الحش أخرج هذه الآثار عن آخرها الدارمي، فوقع شيوع تدوين الحديث ~~والأثر في بلدان الإسلام، وكتابة الصحف والنسخ حتى قل من يكون أهل الرواية ~~إلا كان له تدوين أو صحيفة أو نسخة من حاجتهم لموقع عظيم، فطاف من أدرك من ~~عظمائهم ذلك الزمان بلاد الحجاز والشام والعراق، ومصر واليمن وخراسان، ~~وجمعوا الكتب، وتتبعوا النسخ، وأمعنوا في التفحص عن غريب الحديث ونوادر ~~الأثر، فاجتمع باهتمام أولئك من الحديث والآثار ما لم يجتمع لأحد قبلهم، ~~وتيسر لهم ما لم يتيسر لأحد قبلهم، وخلص إليهم من طرق الأحاديث شيء كثير ~~حتى كان يكثر من الأحاديث عندهم ms220 مائة طريق فما فوقها، فكشف بعض الطرق ما ~~استتر في بعضها الآخر، وعرفوا محل كل حديث من الغرابة والاستفاضة، وأمكن ~~لهم النظر في المتابعات والشواهد، وظهر عليهم أحاديث صحيحة # كثيرة لم تظهر على أهل الفتوى من قبل. قال الشافعي لأحمد: أنتم أعلم ~~بالأخبار الصحيحة منا، فإذا كان خبر صحيح، فأعلموني حتى أذهب إليه كوفيا ~~كان أو بصريا أو شاميا، حكاه ابن الهمام، وذلك لأنه كم من حديث صحيح لا ~~يرويه إلا أهل بلد خاصة كأفراد الشاميين والعراقيين أو أهل بيت خاصة كنسخة ~~بريد عن أبي بردة عن أبي موسى، ونسخة عمرو بن شعيب عن أبيه # PageV01P254 # عن جده، أو كان الصحابي مقلا خاملا لم يحمل عنه إلا شرذمة قليلون، فمثل ~~هذه الأحاديث يغفل عنها عامة أهل الفتوى، واجتمعت عندهم آثار فقهاء كل بلد ~~من الصحابة والتابعين، وكان الرجل فيما قبلهم لا يتمكن إلا من جمع حديث ~~بلده وأصحابه، وكان من قبلهم يعتمدون في معرفة أسماء الرجال ومراتب عدالتهم ~~ما يخلص إليهم من مشاهدة الحال وتتبع القرائن، وأمعن هذه الطبقة في هذا ~~الفن وجعلوه شيئا مستقلا بالتدوين والبحث، وناظروا في الحكم بالصحة وغيرها، ~~فانكشف عليهم بهذا التدوين والمناظرة ما كان خافيا من حال الاتصال ~~والانقطاع، وكان سفيان ووكيع وأمثالهما يجتهدون غاية الاجتهاد، فلا يتمكنون ~~من الحديث المرفوع المتصل إلا من دون ألف حديث كما ذكره أبو داود السجستاني ~~في رسالته إلى أهل مكة. # وكان أهل هذه الطبقة يروون أربعين ألف حديث، فما يقرب منها بل صح عن ~~البخاري أنه اختصر صحيحه من ستة آلاف حديث، وعن أبي داود أنه اختصر سننه من ~~خمسة آلاف حديث، وجعل أحمد مسنده ميزانا يعرف به حديث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فما وجد فيه ولو بطريق واحد منه فله أصل وإلا فلا أصل له، فكان ~~رءوس هؤلاء عبد الرحمن بن مهدي. ويحيى بن سعيد القطان ويزيد بن هارون وعبد ~~الرزاق وأبو بكر بن أبي شيبة ومسدد وهناد وأحمد ين حنبل وإسحق بن راهوية ~~والفضل بن ms221 دكين وعلي المديني وأقرانهم. # وهذه الطبقة هي الطراز الأول من طبقات المحدثين، فرجع المحققون منهم بعد ~~إحكام فن الرواية ومعرفة مراتب الأحاديث إلى الفقه، فلم يكن عندهم من الرأي ~~أن يجمع على تقليد رجل ممن مضى مع ما يرون من الأحاديث والآثار المناقضة في ~~كل مذهب من تلك المذاهب، فأخذوا يتتبعون أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ~~وآثار الصحابة والتابعين والمجتهدين على قواعد أحكموها في نفوسهم - وأنا ~~أبينها لك في كلمات يسيرة -. # كان عندهم أنه إذا وجد في المسألة قرآن ناطق، فلا يجوز التحول منه إلى ~~غيره، وإذا كان القرآن محتملا لوجوه فالسنة قاضية عليه، فإذا لم يجدوا في ~~كتاب الله أخذوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء كان مستفيضا دائرا ~~بين الفقهاء، أو يكون مختصا بأهل بلد أو أهل بيت أو بطريق خاصة، وسواء عمل ~~به الصحابة والفقهاء، أو لم يعملوا به، ومتى كان في المسألة حديث فلا يتبع ~~فيه خلاف أثر من الآثار، ولا اجتهاد أحد من المجتهدين، وإذا فرغوا جهدهم في ~~تتبع الأحاديث، ولم يجدوا في المسألة حديثا - أخذوا بأقوال جماعة من ~~الصحابة والتابعين، ولا يتقيدون بقوم دون قوم، ولا بلد دون بلد، كما كان ~~يفعل من قبلهم، فإن اتفق جمهور الخلفاء والفقهاء على شيء فهو المقنع، وإن ~~اختلفوا أخذوا بحديث أعلمهم علما وأورعهم ورعا أو أكثرهم ضبطا أو ما اشتهر ~~عنهم، فإن وجدوا شيئا يستوي # PageV01P255 # فيه قولان فهي مسألة ذات قولين، فإن عجزوا عن ذلك أيضا تأملوا في عمومات ~~الكتاب والسنة وإيما آتهما واقتضا آتهما، وحملوا نظير المسألة عليها في ~~الجواب إذا كانتا متقاربتين بادى الرأي لا يعتمدون في ذلك على قواعد من ~~الأصول، ولكن على ما يخلص إلى الفهم، ويثلج به الصدر، كما أنه ليس ميزان ~~التواتر عدد الرواة، ولا حالهم، ولكن اليقين الذي يعقبه في قلوب الناس - ~~كما نبهنا على ذلك في بيان حال الصحابة، وكانت هذه الأصول مستخرجة عن صنيع ~~الأوائل وتصريحاتهم، وعن ميمون بن مهران قال كان أبو بكر # إذا ms222 ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، ~~وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الأمر ~~سنة قضى بها، فإن أعياه خرج، فسأل المسلمين وقال: أتاني كذا وكذا، فهل ~~علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه ~~النفر كلهم يذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه قضاء فيقول أبو بكر ~~الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ على نبينا. فإن أعياه أن يجد فيه سنة من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع رءوس الناس وخيارهم، فاستشارهم فإذا ~~اجتمع رأيهم على أمر قضى به. # وعن شريح أن عمر بن الخطاب كتب إليه إن جاءك شيء في كتاب الله فاقض به، ~~ولا يلفتك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله، فانظر سنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله، ولم يكن في ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانظر ما اجتمع عليه الناس، فخذ به، فإن ~~جاءك ما ليس في كتاب الله، ولم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ولم يتكلم فيه أحد قبلك، فاختر أي الأمرين شئت إن شئت أن تجتهد برأيك، ثم ~~تقدم، فتقدم، وإن شئت أن تتأخر، فتأخر ولا أرى التأخر إلا خيرا لك، وعن عبد ~~الله بن مسعود قال: أتى علينا زمان لسنا نقضي ولسنا هنالك، وإن الله قد قدر ~~من الأمر أن قد بلغنا ما ترون، فمن عرض له قضاء بعد اليوم فليقض فيه بما في ~~كتاب الله عز وجل، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله فليقضى بما قضى به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله، ولم يقض به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فليقض بما قضى به الصالحون ولا يقل إني أخاف وأني ~~أرى " فإن الحرام بين، والحلال ms223 بين، وبين ذلك أمور مشتبهة، فدع ما يريبك ~~إلى ما لا يريبك " وكان ابن عباس إذا سئل عن الأمر فإن كان في القرآن أخبر ~~به، وإن لم يكن في القرآن وكان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر به # وإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر، فإن لم يكن قال فيه برأيه. عن ابن عباس أما ~~تخافون أن تعذبوا، أو يخسف بكم أن تقولوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال فلان عن قتادة، قال: حدث ابن سرين رجلا بحديث عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال الرجل: قال فلان: كذا وكذا فقال ابن سرين أحدثك عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وتقول قال فلان كذا وكذا. عن الأوزاعي قال: كتب عمر ابن عبد ~~العزيز أنه لا رأى لأحد في كتاب الله وإنما رأى الأئمة فيما لم ينزل فيه ~~كتاب، ولم # PageV01P256 # تمض فيه سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا رأى لأحد في سنة سنها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. عن الأعمش قال: كان إبراهيم يقول: يقوم عن ~~يساره، فحدثته عن سميع الزيات عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أقامه عن يمينه فأخذ به عن الشعبي، جاءه رجل يسأله عن شيء فقال: كان ابن ~~مسعود يقول فيه كذا وكذا قال: أخبرني أنت برأيك، فقال ألا تعجبون من هذا ~~أخبرته عن ابن مسعود، ويسألني عن رأيي، وديني عندي أثر من ذلك، والله لأن ~~أتغنى بأغنية أحب إلي من أن أخبرك برأيي، أخرج هذه الآثار كلها الدارمي. # وأخرج الترمذي عن أبي السائب قال: كنا عند وكيع، فقال لرجل ممن ينظر في ~~الرأي: أشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول أبو حنيفة: هو مثله؟ قال ~~الرجل، فإنه قد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: الإشعار مثله قال: رأيت ~~وكيعا غضب غضبا شديدا وقال: أقول لك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وتقول: قال إبراهيم، ما أحقك بأن تحبس، ثم لا تخرج حتى تنزع ms224 عن قولك هذا، ~~وعن عبد الله بن عباس وعطاء ومجاهد ومالك بن أنس رضي الله عنهم أنهم كانوا ~~يقولون: ما من أحد إلا وهو مأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # وبالجملة فلما مهدوا الفقه على هذه القواعد، فلم تكن مسألة من المسائل ~~التي تكلم فيها من قبلهم والتي وقعت في زمانهم إلا وجدوا فيها حديثا مرفوعا ~~متصلا أو مرسلا أو موقوفا صحيحا أو حسنا أو صالحا للاعتبار، أو وجدوا أثرا ~~من آثار الشيخين أو سائر الخلفاء وقضاة الأمصار وفقهاء البلدان، أو ~~استنباطا من عموم أو إماء أو اقتضاء، فيسر الله لهم العمل بالسنة على هذا ~~الوجه، وكان أعظمهم شأنا وأوسعهم رواية وأعرفهم للحديث مرتبة واعمقهم فقها ~~أحمد بن محمد حنبل، ثم إسحاق بن رهوية، وكان ترتيب الفقه على هذا الوجه ~~يتوقف على جمع شيء كثير من الأحاديث والآثار حتى سئل أحمد يكفي الرجل مائة ~~ألف حديث حتى يفنى؟ قال: لا حتى قيل خمسمائة ألف حديث قال: أرجو كذا في ~~غاية المنتهى ومراده الافتاء على هذا الأصل. # ثم أنشأ الله تعالى قرنا آخر، فراوا أصحابهم قد كفوا مؤنة جمع الأحاديث ~~وتمهيد الفقه على أصلهم، فتفرغوا للفنون أخرى كتمييز الحديث الصحيح والمجمع ~~عليه بين كبراء أهل الحديث كزيد بن هرون ويحيى بن سعيد القطان وأحمد وإسحق ~~وأضرابهم، # PageV01P257 # وكجمع أحاديث الفقه التي بنى عليها فقهاء الأمصار وعلماء البلدان ~~مذاهبهم، وكالحكم على كل حديث بما يستحقه، وكالشاذة والفاذة من الأحاديث ~~التي لم يروها، أو طرقها التي لم يخرجوا من جهتها الأوائل مما فيه اتصال أو ~~علوا سند أو رواية فقيه عن فقيه أو حافظ عن حافظ، ونحو ذلك من المطالب ~~العلمية، وهؤلاء هم البخاري ومسلم وأبو داود وعبد بن حميد والدارمي وابن ~~ماجه وأبو يعلى والترمذي والنسائي والدارقطني والحاكم والبيهقي والخطيب ~~والديلمي وابن عبد البر وأمثالهم، وكان أوسعهم علما عندي وأنفعهم تصنيفا ~~وأشهرهم ذكرا رجال أربعة متقاربون في العصر. # أولهم أبو عبد الله البخاري وكان غرضه تجريد الأحاديث ms225 الصحاح المستفيضة ~~المتصلة من غيرها، واستنباط الفقه والسيرة والتفسير منها، فصنف جامعه ~~الصحيح، ووفى بما شرط، وبلغنا أن رجل من الصالحين رأى رسول صلى الله عليه ~~وسلم في منامه وهو يقول: مالك اشتغلت بفقه محمد بن إدريس وتركت كتابي، قال: ~~يا رسول الله وما كتابك؟ قال: صحيح البخاري ولعمري أنه نال من الشهرة ~~والقبول درجة لا يرام فوقها. # وثانيهم مسلم النيسابوري، توخى تجريد الصحاح المجمع عليها بين المحدثين ~~المتصلة المرفوعة مما يستنبط منه السنة، وأراد تقريبها إلى الأذهان وتسهيل ~~الاستنباط منها، فرتب ترتيبا جيدا، وجمع طرق كل حديث في موضع واحد، ليتضح ~~اختلاف المتون، وتشعب الاسانيد أصرح ما يكون وجمع بين المختلفات فلم يدع ~~لمن له معرفة لسان العرب عذرا في الأعراض عن السنة إلى غيرها. # وثالثهم أبو داود السجستاني، وكان همته جمع الأحاديث التي استدل بها ~~الفقهاء، ودارت فيهم، وبنى عليها الأحكام علماء الأمصار، فصنف سننه، وجمع ~~فيها الصحاح والحسن واللين والصالح للعمل، قال أبو داود: ما ذكرت في كتابي ~~حديثا أجمع الناس على تركه، وما كان منها ضعيفا صرح بضعفه، وما كان فيه علة ~~بينها بوجه يعرفه الخائض في هذا الشأن، وترجم على كل حدث بما قد استنبط منه ~~عالم، وذهب إليه ذاهب، ولذلك صرح الغزالي وغيره بأن كتابه كاف للمجتهد. # ورابعهم أبو عيسى الترمذي، وكأنه استحسن طريقة الشيخين حيث بينا وما ~~أبهما، وطريقة أبي داود حيث جمع كل ما ذهب إليه ذاهب، مجمع كلتا الطريقتين ~~وزاد عليها بيان مذاهب الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار # فجمع كتابا جامعا واختصر طرق الحديث # PageV01P258 # اختصارا لطيفا، فذكر واحد، وأومأ إلى ما عداه، وبين أمر كل حديث من أنه ~~صحيح أو حسن أو ضعيف، أو منكر، وبين وجه الضعف، ليكون الطالب على بصير من ~~أمره، فيعرف ما يصلح للاعتبار عما دونه، وذكر أنه مستفيض أو غريب، وذكر ~~مذاهب الصحابة وفقهاء الأمصار، وسمى من يحتاج إلى التسمية وكنى من يحتاج ~~إلى الكنية، ولم يدع خفاء لمن هو من رجال العلم، ولذلك يقال: إنه كاف ms226 ~~للمجتهد مغن للمقلد. # وكان بإزاء هؤلاء في عصر مالك وسفيان، وبعدهم قوم لا يكرهون المسائل، ولا ~~يهابون الفتيا ويقولون: على الفقه بناء الدين، فلا بد من إشاعته، ويهابون ~~رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والرفع إليه حتى قال الشعبي: على ~~من دون النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلينا، فإن كان فيه زيادة أو نقصان ~~كان على من دون النبي صلى الله عليه وسلم. وقال إبراهيم أقول: قال عبد ~~الله، وقال علقمة: أحب إلينا، وكان ابن مسعود إذا حدث عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تربد وجهه، وقال: هكذا أو نحو هكذا ونحوه وقال عمر حين بعث ~~رهطا من الأنصار إلى الكوفة: إنكم تأتون الكوفة، فتأتون قوما لهم أزيز ~~بالقرآن فيأتونكم فيقولون: قدم أصحاب محمد قدم أصحاب محمد، فيأتونكم ~~فيسألونكم عن الحديث فأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ~~ابن عون: كان الشعبي إذا جاءه شيء اتقى، وكان إبراهيم يقول ويقول: أخرج هذه ~~الآثار الدرامي. # فوقع تدوين الحديث والفقه والمسائل من حاجتهم بموقع من وجه آخر وذلك أنه ~~لم يكن عندهم من الأحاديث والآثار ما يقدرون به على استنباط الفقه على ~~الأصول التي اختارها أهل الحديث، ولم تنشرح صدورهم للنظر في أقوال علماء ~~البلدان وجمعها والبحث عنها، واتهموا أنفسهم في ذلك # وكانوا اعتقدوا في أئمتهم أنهم في الدرجة العليا من التحقيق، وكان قلوبهم ~~أميل شيء إلى أصاحبهم كما قال علقمة: هل أحد منهم أثبت من عبد الله؟ وقال ~~أبو حنيفة: إبراهيم أفقه من سالم، ولولا فضل الصحبة لقلت: علقمه أفقه من ~~ابن عمر، وكان عندهم من الفطانة والحدس وسرعة انتقال الذهن من شيء إلى شيء ~~ما يقدرون به على تخريج جواب المسائل على أقوال أصحابهم " وكل ميسر لما خلق ~~له ". # {كل حزب بما يهم فرحون} . # فهمدوا الفقه على قاعدة التخريج، وذلك أن يحفظ كل أحد كتاب من هو لسان ~~أصحابه وأعرفهم بأقوال القول وأصحهم نظرا في الترجيح، فيتأمل في كل مسألة ~~وجه الحكم، فكلما ms227 سئل عن شيء، أو احتاج إلى شيء رأى فيما يحفظه من تصريحات ~~أصحابه، # PageV01P259 # فإن وجد الجواب فيها، وإلا نظر إلى عموم كلامهم، فأجراه على هذه الصورة، ~~أو إشارة ضمنية لكلام، فاستنبط منها ... ، وربما كان لبعض الكلام إيماء أو ~~اقتضاء يفهم المقصود، وربما كان للمسألة المصرح بها نظير يحمل عليها، وربما ~~نظروا في علة الحكم المصرح به بالتخريج أو باليسر الحذف، فأداروا حكمه على ~~غير المصرح به، وربما كان له كلامان لو اجتمعا على هيئة القياس الاقتراني ~~أو الشرطي أنتجيا جواب المسألة، وربما كان في كلامهم ما هو معلوم بالمثال ~~والقسمة غير معلومة بالحد الجامع المانع، فيرجعون إلى أهل اللسان، ~~ويتكلفون، في تحصيل ذاتياته، وترتيب حد جامع مانع له، وضبط مبهمه وتمييز ~~مشكلة، وربما كان كلامهم محتملا بوجهين فينظرون في ترجيح أحد المحتملين، ~~وربما يكون تقريب الدلائل خفيا، فيبينون ذلك، وربما استدل بعض المخرجين من ~~فعل أئمتهم وسكوتهم ونحو ذلك، فهذا هو التخريج # ويقال له القول المخرج لفلان كذا، ويقال على مذهب فلان، أو على أصل فلان، ~~أو على قول فلان جواب المسألة كذا وكذا، ويقال لهؤلاء: المجتهدون في ~~المذهب، وعنى هذا الاحتهاد على هذا الأصل من قال من حفظ المبسوط كان ~~مجتهدا، أي وإن لم يكن له علم برواية أصلا، ولا بحديث واحد فوقع التخريج في ~~كل مذهب، وكثر، فأي مذهب كان أصحابه مشهورين وسد إليهم القضاء والافتاء، ~~واشتهر تصانيفهم في الناس، ودرسوا درسا ظاهرا انتشر في أقطار الأرض، ولم ~~يزل ينتشر كل حين، واي مذهب كان أصحابه خاملين، ولم يولوا القضاء والافتاء ~~ولم يرغب فيهم الناس اندرس بعد حين. ### | (باب حكاية حال الناس قبل المائة الرابعة وبعدها) # اعلم أن الناس كانوا قبل المائة الرابعة غير مجمعين على التقليد الخالص ~~لمذهب واحد بعينه، قال أبو طالب المكي في قوت القلوب: إن الكتب والمجموعات ~~محدثة، والقول بمقالات الناس، والفتيا بمذهب الواحد من الناس، واتخاذ قوله، ~~والحكاية له من كل شيء، والتفقه على مذهبه - لم يكن الناس قديما على ذلك في ~~القرنين ms228 الأول والثاني انتهى. # أقول وبعد القرنين حدث فيهم شيء من التخريج غير أن أهل المائة الرابعة لم ~~يكونوا مجتمعين على التقليد الخالص على مذهب واحد والتفقه له والحكاية ~~لقوله كما يظهر من التتبع، بل كان فيهم العلماء والعامة، وكان من خير ~~العامة أنهم كانوا في المسائل الاجماعية التي لا اختلاف فيها بين المسلمين ~~أو جمهور المجتهدين لا يقلدون إلا صاحب الشرع، وكانوا يتعلمون صفة الوضوء ~~والغسل والصلاة والزكاة ونحو ذلك من آبائهم أو معلمي بلدانهم، فيمشون حسب ~~ذلك، وإذا وقعت لهم واقعة استفتوا فيها أي مفت وجدوا من # PageV01P260 # غير تعيين مذهب، وكان من خبر الخاصة أنه كان من أهل الحديث منهم يشتغلون ~~بالحديث، فيخلص إليهم من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وآثار الصحابة ما ~~لا يحتاجون معه شيء آخر في المسألة من حديث مستفيض أو صحيح # قد عمل به بعض الفقهاء، ولا عذر لتارك العمل به، أو أقوال متظاهرة لجمهور ~~الصحابة والتابعين مما لا يحسن مخالفتها فان لم يجد في المسألة ما يطمئن به ~~قلبه لتعارض النقل وعدم وضوح الترجيح ونحو ذلك - رجع إلى كلام بعض من مضى ~~من الفقهاء، فإن وجد قولين اختار أوثقهما سواء كان من أهل المدينة أو من ~~أهل الكوفة، وكان أهل التخريج منهم يخرجون فيما لا يجدونه مصرحا، ويجتهدون ~~في المذهب، وكان هؤلاء ينسبون إلى مذهب أحدهم فيقال: فلان شافعي، وفلان ~~حنفي، وكان صاحب الحديث أيضا قد ينسب إلى أحد المذاهب لكثرة موافقته له، ~~كالنسائي والبيهقي ينسبان إلى الشافعي، فكان لا يتولى القضاء ولا الإفتاء ~~إلا مجتهدا، ولا يسمى الفقيه إلا مجتهدا. # ثم بعد هذه القرون كان ناس آخرون ذهبوا يمينا وشمالا، وحدث فيهم أمور ~~منها الجدل والخلاف في علم الفقه، وتفصيله - على ما ذكره الغزالي - أنه لما ~~انقرض عهد الخلفاء الراشدين المهديين أفضت الخلافة إلى قوم تولوها بغير ~~استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام، فاضطروا إلى الاستعانة ~~بالفقهاء وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم، وقد كان بقي من العلماء من هو ~~مستمر على الطراز ms229 الأول وملازم صفو الدين، فكانوا إذا طلبوا هربوا، وأعرضوا ~~فرأى أهل تلك الأعصار عز العلماء وإقبال الأئمة عليهم مع إعراضهم، فاشر أبو ~~بطلب العلم توصلا إلى نيل العز ودرك الجاه، فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا ~~مطلوبين طالبين، وبعد أن كانوا أعزة الأعراض عن السلاطين أذلة بالاقبال ~~عليهم، إلا من وفقه الله. # وقد كان من قبلهم قد صنف ناس في علم الكلام وأكثروا القال والقيل ~~والإيراد والجواب وتمهيد طريق الجدل، فوقع ذلك منهم بموقع من قبل أن كان من ~~الصدور والملوك من مالت نفسه إلى المناظرة في الفقه وبيان # الأولى من مذهب الشافعي وأبي حنيفة رحمه الله، فترك الناس الكلام وفنون ~~العلم، وأقبلوا على المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة رحمه الله على ~~الخصوص، وتساهلوا في الخلاف مع مالك وسفيان وأحمد بن حنبل وغيرهم، وزعموا ~~أن غرضهم استنباط دقائق الشرع وتقدير علل المذهب وتمهيد أصول الفتاوى، ~~وأكثروا فيها التصانيف والاستنباطات، ورتبوا فيها أنواع المجادلات ~~والتصنيفات وهم مستمرون عليه إلى الآن لسنا ندري ما الذي قدر الله تعالى ~~فيما بعدها من الأعصار انتهى حاصله. # PageV01P261 # ومنها أنهم اطمأنوا بالتقليد، ودب التقليد في صدورهم دبيب النمل وهم لا ~~يشعرون، وكان سبب ذلك تزاحم الفقهاء وتجادلهم فيما بينهم فانهم لما وقعت ~~فيهم المزاحمة في الفتوى كان كل من أفتى بشيء نوقض في فتواه، ورد عليه، فلم ~~ينقطع الكلام إلا بميسر إلى تصريح رجل من المتقدمين في المسألة. # وأيضا جور القضاة فان القضاة لما جار أكثرهم، ولم يكونوا أمناء لم يقبل ~~منهم إلا ما يريب العامة فيه، ويكون شيئا قد قيل من قبل. # وأيضا جهل رءوس الناس واستفتاء الناس من لا علم له بالحديث، ولا بطريق ~~التخريج كما ترى ذلك ظاهرا في أكثر المتأخرين، وقد نبه عليه ابن الهمام ~~وغيره، وفي ذلك الوقت يسمى غير المجتهد فقيها. # ومنها أن أقبل أكثرهم على التعمقات في كل فن، فمنهم من زعم أنه يؤسس علم ~~أسماء الرجال ومعرفة مراتب الجرح والتعديل، ثم خرج من ذلك إلى التاريخ ~~قديمه وحديثه. ms230 .، ومنهم من تفحص عن نوادر الأخبار وغرائبها وإن دخلت في حد ~~الموضوع ... ، ومنهم من كثر القيل والقال في أصول الفقه، واستنبط كل ~~لأصحابة قواعد جدلية، فأورد، فاستقصى، وأجاب، وتفصى، وعرف، وقسم، فحور طول ~~الكلام تارة وتارة أخرى اختصر.، # ومنهم من ذهب إلى هذا بفرض الصور المستبعدة التي من حقها ألا يتعرض لها ~~عاقل وبفحص العمومات والايماآت من كلام المخرجين فمن دونهم مما لا يرتضى ~~استماعه عالم ولا جاهل. # وفتنة هذا الجدل والخلاف والتعمق قريبة من الفتنة الأولى حين تشاجروا في ~~الملك، وانتصر كل رجل لصاحبه، فكما أعقبت تلك ملكا عضوضا ووقائع صماء ~~عمياء، فكذلك أعقبت هذه جهلا واختلاطا وشكوكا ووهما ما لها من أرجاء، فنشأت ~~بعدهم قرون على التقليد الصرف لا يميزون الحق من الباطل ولا الجدل عن ~~الاستنباط. .، فالفقيه يومئذ هو الثرثار المتشدق الذي حفظ أقوال الفقهاء ~~قويها وضعيفها من غير تمييز وسردها بشقشقة شدقية ... ، والمحدث من عد ~~الأحاديث صحيحها وسقيمها وهذها كهذ الأسمار # PageV01P262 # بقوة لحيية، ولا أقول ذلك كليا مطردا فإن لله طائفة من عباده لا يضرهم من ~~خذلهم، وهم حجة الله في أرضه، وإن قلوا، ولم يأت قرن بعد ذلك إلا وهو أكثر ~~فتنة وأوفر تقليدا وأشد انتزاعا للامانة من صدور الرجال حتى اطمأنوا بترك ~~الخوض في أمر الدين وبأن - يقولوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على ~~آثارهم متقدون - وإلى الله المشتكى وهو المستعان وبه الثقة وعليه التكلان. ### | فصل # ومما يناسب هذا المقام التنبيه على مسائل ضلت في بواديها الافهام وزلت ~~الأقدام، وطغت الأقلام. # منها أن هذه المذاهب الأربعة المدونة المحررة قد اجتمعت الأمة - أو من ~~يعتد به منها - على جواز تقليدها إلى يومنا هذا، وفي ذلك من المصالح ما لا ~~يخفى لا سيما في هذه الأيام التي قصرت فيها الهمم جدا، وأشربت النفوس الهوى ~~وأعجب كل ذي رأي برأيه، فما ذهب إليه ابن حزم حيث قال: التقليد حرام لا يحل ~~لأحد أن يأخذ قول أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا برهان لقوله ms231 ~~تعالى: # {واتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء} . # وقوله تعالى: # {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا} ~~. # وقال مادحا لمن لم يقلد: # {فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله ~~وأولئك هم أولوا الألباب} . # وقال تعالى: # {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله ~~وباليوم الآخر} . # فلم يبح الله تعالى الرد عند التنازع إلى أحددون القرآن والسنة، وحرم ~~بذلك الرد عند التنازع إلى قول قائل لأنه غير القرآن والسنة، وقد صح إجماع ~~الصحابة كلهم أولهم عن آخرهم وإجماع التابعين أولهم عن آخرهم على الامتناع ~~والمنع من أن يقصد منهم # PageV01P263 # أحد إلى قول إنسان منهم أو ممن قبلهم، فيأخذه كلهم، فليعلم من أخذ بجميع ~~أقوال أبي حنيفة، أو جميع أقوال مالك، أو جميع أقوال الشافعي، أو جميع ~~أقوال أحمد رضي الله عنهم، ولم يترك قول من اتبع منهم أو من غيرهم إلى قول ~~غيره، ولم يعتمد على ما جاء في القرآن والسنة غير صارف ذلك إلى قول إنسان ~~بعينه - أنه قد خالف إجماع الأمة كلها أولها عن آخرها بيقين لا إشكال فيه ~~وأنه لا يجد لنفسه سلفا، ولا إنسانا في جميع الأعصار المحمودة الثلاثة، فقد ~~اتبع غير سبيل المؤمنين نعوذ بالله من هذه المنزلة. # وأيضا فإن هؤلاء الفقهاء كلهم قد نهوا عن تقليد غيرهم، فقد خالفهم من ~~قلدهم، وأيضا فما الذي جعل رجلا من هؤلاء أو من غيرهم أولى أن يقلد من عمر ~~بن الخطاب أو علي بن أبي طالب أو ابن مسعود أو ابن عمر أو ابن عباس أو ~~عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم، فلو ساغ التقليد لكان كل واحد من ~~هؤلاء أحق بأن يتبع من غيره انتهى، إنما يتم فيمن له ضرب من الاجتهاد ولو ~~في مسألة واحدة، وفيمن ظهر عليه ظهورا بيننا أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمر بكذا، ونهى عن كذا، وأنه ليس بمنسوخ إما بأن ms232 يتتبع الأحاديث وأقوال ~~المخالف والموافق في المسألة، فلا يجد لها نسخا، أو بأن يرى جمعا غفيرا من ~~المتبحرين في العلم يذهبون إليه، ويرى المخالف له لا يحتج إلا بقياس أو ~~استنباط أو نحو ذلك، فحينئذ لا سبب لمخالفة حديث النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلا نفاق خفي، أو حمق جلي. # وهذا هو الذي أشار إليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام حيث قال: # ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث ~~لا يجد لضعفه مدفعا، وهو مع ذلك يقلده فيه، ويترك من شهد الكتاب والسنة ~~والأقيسة الصحيحة لمذهبهم جمودا على تقليد إمامه، بل يتخيل لدفع ظاهر ~~الكتاب والسنة، ويتأولها بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالا عن مقلده. # وقال: لم يزال الناس يسألون من اتفق من العلماء من غير تقييد لمذهب ولا ~~إنكار على أحد من السائلين إلى أن ظهرت هذه المذاهب ومتعصبوها من المقلدين، ~~فإن أحدهم يتبع إمامه مع بعد مذهبه عن الأدلة مقلدا له فيما قال كأنه نبيا ~~أرسل، وهذا نأي عن الحق، وبعد عن الصواب لا يرضى به أحد من أولى الألباب. # وقال الإمام أبو شامة: ينبغي لمن اشتغل بالفقه ألا يقتصر على مذهب إمام، ~~ويعتقد في كل مسألة صحة ما كان أقرب إلى دلالة الكتاب والسنة المحكمة، وذلك ~~سهل عليه إذا كان أتقن معظم العلوم المتقدمة، وليجتنب التعصب والنظر في ~~طرائق الخلاف المتأخرة، # PageV01P264 # فإنها مضيعة للزمان ولصفوة مكدرة، فقد صح عن الشافعي أنه نهى عن تقليده ~~وتقليد غيره. # قال صاحبه المزني في أول مختصره: اختصرت هذا من علم الشافعي ومن معنى ~~قوله: لأقرب به على من أراد مع إعلامية نهيه عن تقليده وتقليد غيره، لينظر ~~فيه لدينه، ويحتاط لنفسه: أي مع إعلامي من أراد علم الشافعي نهى الشافعي عن ~~تقليده وتقليد غيره انتهى. # وفيمن يكون عاميا، ويقلد رجلا من الفقهاء بعينه يرى أنه يمتنع من مثله ~~الخطأ، وأن ما قاله هو الصواب ألبتة، وأضمر في قلبه ألا يترك تقليده # وإن ظهر الدليل على خلافه، ms233 وذلك ما رواه الترمذي عن عدي بن حاتم أنه قال: ~~سمعته - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم _ يقرأ. # {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} . # قال: " إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا ~~استحلوه، وإذا حرموه عليهم شيئا محرما " ... ، وفيمن لا يجوز أن يستفتي ~~الحنفي مثلا فقيها شافعيا وبالعكس، ولا يجوز أن يقتدي الحنفي بإمام شافعي ~~مثلا، فإن هذا قد إجمال القرون الأولى، وناقض الصحابة والتابعين وليس محلة ~~فيمن لا يدين إلا بقول النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يعتقد حلالا إلا ما ~~أحله الله ورسوله، ولا حراما إلا ما حرمه الله ورسوله، لكن لما لم يكن له ~~علم بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ولا بطريق الجمع بين المختلفات من ~~كلامه، ولا بطريق الاستنباط من كلامه اتبع عالما راشدا على أنه مصيب فيما ~~يقول، ويفتي ظاهرا متبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن خالف ما يظنه ~~أقلع من ساعته من غير جدال ولا إصرار، فهذا كيف ينكره أحد مع أن الاستفتاء ~~والافتاء لم يزل بين المسلمين من عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولا فرق ~~بين أن يستفتي هذا دائما، أو يستفتى هذا حينا وذلك حينا بعد أن يكون مجمعا ~~على ما ذكرناه، كيف لا ولم نؤمن بفقيه أيا كان أنه أوحى الله إليه الفقه، ~~وفرض علينا طاعته، وأنه معصومة، فإن اقتدينا بواحد منهم فذلك لعلمنا بأنه ~~عالم بكتاب الله وسنة رسوله، فلا يخلوا قوله إما أن يكون من صريح الكتاب ~~والسنة، أو مستنبطا عنهما بنحو من الاستنباط، أو عرف بالقرائن أن الحكم في ~~صورة ما منوطة بعلة كذا، واطمأن قلبه بتلك المعرفة، فقاس غير المنصوص على ~~المنصوص، فكأنه يقول: ظننت # أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: - كلما وجدت هذه العلة فالحكم ثمة ~~هكذا - والمقيس مندرج في هذا العموم، فهذا أيضا معزى إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ولكن في طريقه ظنون، ولولا ذلك لما قلد مؤمن بمجتهد، فإن ms234 بلغنا ~~حديث عن الرسول المعصوم # PageV01P265 # الذي فرض الله علينا طاعته بسند صالح يدل على خلاف مذهبه، وتركنا حديثه، ~~واتبعنا ذلك التخمين فمن أظلم منا، وما عذرنا يوم يقوم الناس لرب العالمين. # ومنها أن التخريج على كلام الفقهاء وتتبع لفظ الحديث لكل منهما أصل أصيل ~~في الدين، ولم يزل المحققون من العلماء في كل عصر يأخذون بهما، فمنهم من ~~يقل من ذا ويكثر ومن ذاك. .، ومنهم من يكثر من ذا ويقل من ذاك، فلا ينبغي ~~أن يهمل أمر وأحد منهما بالمرة كما يفعله عامة الفريقين، وإنما الحق البحت ~~أن يطابق أحدهما بالآخر، وأن يجبر خلل كل بالآخر، وذلك قول الحسن البصري: ~~سنتكم والله الذي لا إله إلا هو، بينهما، بين الغالي والجافي، فمن كان من ~~أهل الحديث ينبغي أن يعرض ما اختاره، وذهب إليه على رأي المجتهدين من ~~التابعين، ومن كان من أهل التخريج ينبغي له أن يجعل من السنن ما يحترز به ~~من مخالفة الصريح الصحيح ومن القول برأيه فيما فيه حديث أو أثر بقدر ~~الطاقة. ولا ينبغي لمحدث أن يتعمق بالقواعد التي أحكمها أصحابه، وليست مما ~~نص عليه الشارع، فيرد به حديثا أو قياسا صحيحا كرد ما فيه أدنى شائبة. ~~الإرسال والانقطاع كما فعله ابن حزم، رد حديث تحريم المعازف لشائبة ~~الانقطاع في رواية البخاري، على أنه في نفسه متصل صحيح، فإن مثله إنما يصار ~~إليه عند التعارض، وكقولهم: فلان أحفظ لحديث فلان من غيره، فيرجحون حديثه ~~على حديث غيره لذلك، وإن كان في الآخر ألف وجه من الرجحان. # وكان اهتمام جمهور الرواة عند الرواية بالمعنى برءوس المعاني دون ~~الاعتبارات التي يعرفها المتعمقون من أهل العربية، فاستدلالهم بنحو الفاء ~~والواو وتقديم كلمة وتأخيرها ونحو ذلك من التعمق، وكثيرا ما يعبر الراوي ~~الآخر عن تلك القصة، فيأتي مكان ذلك الحرف بحرف آخر، والحق أن كل ما يأتي ~~به الراوي فظاهره أنه كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ظهر حديث آخر أو ~~دليل آخر وجب المصير إليه. # ولا ينبغي لمخرج ms235 أن يخرج قولا لا يفيده نفس كلام أصاحب، ولا يفهمه منه ~~أهل العرف والعلماء باللغة، ويكون بناء على تخريج مناط أو حمل نظير المسألة ~~عليها مما يختلف فيه أهل الوجوه وتتعارض الآراء، ولو أن أصحابه سئلوا عن ~~تلك المسألة وربما يحملون النظير على النظير كمانع، وربما ذكروا علة غير ما ~~خرجه هو إنما جاز التخريج لأنه في الحقيقة من تقليد المجتهد، ولا يتم إلا ~~فيما يفهم من كلامه، ولا ينبغي أن يرد حديثا أو أثرا تطابق عليه القوم ~~لقاعدة أستخرجها هو أو أصحابه كرد حديث المصراة وكأسقاط سهم ذوي القربى، ~~فإن رعاية الحديث أوجب من رعاية تلك القاعدة المخرجة # PageV01P266 # وإلى هذا المعنى أشار الشافعي حيث قال: مهما قلت من قول أصلت من أصل فبلغ ~~عن الرسول صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلت فالقول ما قاله صلى الله عليه ~~وسلم. # ومنها أن تتبع الكتاب والآثار لمعرفة الأحكام الشرعية على مراتب. أعلاها ~~أن يحصل له من معرفة الأحكام بالفعل أو بالقوة القريبة من الفعل ما يتمكن ~~به من جواب المستفتين في الوقائع غالبا بحيث يكون جوابه أكثر مما يتوقف ~~فيه، وتخص باسم الاجتهاد، وهذا الاستعداد يحصل تارة # بالإمعان في جميع الروايات وتتبع الشاذة والفاذة منها كما أشار إليه أحمد ~~بن حنبل مع ما لا ينفك من العاقل العارف باللغة من معرفة مواقع الكلام، ~~وصاحب العلم بآثار السلف من طريق الجمع بين المختلفات وترتيب الاستدلالات ~~ونحو ذلك، وتارة بإحكام طرق التخريج على مذهب شيخ من مشايخ الفقه مع معرفة ~~جملة صالحة من السنن والآثار بحيث يعلم أن قوله لا يخالف الاجماع، وهذه ~~طريقة أصحاب التخريج وأوسطها من كلتا الطريقتين أن يحصل له من معرفة القرآن ~~والسنن ما يتمكن به من معرفة رءوس مسائل الفقه المجمع عليها بأدلتها ~~التفصيلية، ويحصل له غاية العلم ببعض المسائل الاجتهادية من أدلتها وترجيح ~~بعض الأقوال على بعض ونقد التخريجات ومعرفة الجيد والزيف، وإن لم يتكامل له ~~الأدوات كما يتكامل للمجتهد المطلق، فيجوز لمثله أن يلفق من المذهبين ms236 إذا ~~عرف دليلهما، وعلم أن قوله ليس مما لا ينفذ فيه اجتهاد المجتهد، ولا يقبل ~~فيه قضاء القاضي، ولا يجري فيه فتوى المفتين، وأن يترك بعض التخريجات التي ~~سبق الناس إليها إذا عرف عدم صحتها، ولهذا لم يزل العلماء ممن لا يدعي ~~الاجتهاد المطلق يصنفون، ويرتبون، ويخرجون، ويرجحون، وإذا كان الاجتهاد ~~يتجزأ عند الجمهور والتخريج يتجزأ، وإنما المقصود تحصيل الظن، وعليه مدار ~~التكليف فما الذي يستبعد من ذلك، وأما دون ذلك من الناس فمذهبه فيما يرد ~~عليه كثيرا ما أخذه عن أصحابه وآبائه وأهل بلده من المذاهب المتبعة، وفي ~~الوقائع النادرة فتاوى مفتيه، وفي القضايا ما يحكم القاضي، وعلى هذا وجدنا ~~محققي العلماء من كل مذهب قديما وحديثا، وهو الذي وصى به أئمة المذاهب ~~أصاحبهم. # PageV01P267 # وفي اليواقيت والجواهر - أنه روى عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه كان ~~يقول: لا ينبغي لمن لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي، وكان رضي الله عنه إذا ~~أفتى يقول هذا رأي النعمان بن ثابت يعني نفسه وهو أحسن ما قدرنا عليه فمن ~~جاء بأحسن منه فهو أولى بالصواب، وكان الإمام مالك # رضي الله عنه يقول: ما من أحد إلا وهو مأخوذ من كلامه ومردودا عليه إلا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وروى الحاكم والبيهقي عن الشافعي رضي الله عنه أنه كان يقول: إذا صح ~~الحديث فهو مذهبي، وفي رواية إذا رأيتم كلامي يخالف الحديث فاعملوا ~~بالحديث، وأضربوا بكلامي الحائط، وقال يوما للمزني: يا إبراهيم لا تقلدني ~~في كل ما أقول، وانظر في ذلك لنفسك فإنه دين، وكان رضي الله عنه يقول: لا ~~حجة في قول أحددون رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كثروا، ولا في قياس ~~ولا في شيء، وما ثم إلا طاعة الله ورسوله بالتسليم، وكان الإمام أحمد رضي ~~الله عنه يقول: ليس لأحد مع الله ورسوله كلام، وقال أيضا لرجل: لا تقلدني ~~ولا تقلدن مالكا، ولا الأوزعي، ولا النخعي، ولا غيرهم، وخذ الأحكام من حيث ~~أخذوا من الكتاب والسنة لا ms237 ينبغي لأحد أن يفتي إلا أن يعرف أقاويل العلماء ~~في الفتاوى الشرعية ويعرف مذاهبهم فإن سئل عن مسألة يعلم أن العلماء الذين ~~يتخذ مذهبهم قد اتفقوا عليه، فلا بأس بأن يقول هذا جائز وهذا لا يجوز ويكون ~~قوله على سبيل الحكاية وإن كانت مسألة قد اختلفوا فيها فلا بأس بأن يقول ~~هذا جائز في قول فلان، وفي قول فلان لا يجوز، وليس له أن يختار فيجيب بقول ~~بعضهم، ما لم يعرف حجته، وعن أبي يوسف وزفر وغيرهما رحمهم الله أنهم قالوا: ~~لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعلم من أين قلنا، قيل لعصام بن يوسف ~~رحمه الله: إنك تكثر الخلاف لأبي حنيفة رحمه الله قال: لأن أبا حنيفة أوتي ~~من الفهم ما لم نؤت، فأدرك بفهمه ما لم ندركه، ولا يسعنا أن نفتي بقوله ما ~~لم نفهم. عن محمد بن الحسن أنه سئل متى يحل للرجل أن يفتي؟ قال محمد: إذا ~~كان صوابه أكثر من خطئه؛ عن أبي بكر الإسكاف البخلى أنه سئل عن عالم في ~~بلده ليس هناك أعلم منه هل يسعه ألا يفتي؟ قال: إن كان من أهل الاجتهاد، ~~فلا يسعه # قيل: كيف يكون من أهل الاجتهاد؟ قال: أن يعرف وجوه المسائل، ويناظر ~~أقرانه إذا خالفوه قيل: أدنى الشروط للاجتهاد حفظ المبسوط انتهى. # PageV01P268 # وفي البحر الرائق عن أبي الليث قال: سئل أبو نصر عن مسألة وردت عليه ما ~~تقول رحمك الله وقعت عندك كتب أربعة، كتاب إبراهيم بن رستم، وأدب القاضي من ~~الخصاف، وكتاب المجرد، وكتاب النوادر من جهة هشام هل يجوز لنا أن نفتي منها ~~أولا، وهذه الكتب محمودة عندك؟ فقال ما صح عن أصحابنا فذلك علم محبوب مرغوب ~~به مرضي عنه، وأما الفتيا فإني لا أرى لأحد أن يفتي بشيء لا يفهمه، ولا ~~يحمل أثقال الناس، فإن كانت مسائل قد اشتهرت، وظهرت، وانجلت عن أصحابنا ~~رجوت أن يسع لي الاعتماد عليها، وفيه أيضا لو احتجتم أو أغتاب فظن أنه ~~يفطره، ثم أكل إن لم ms238 يستفت فقيها ولا بلغة الخبر، فعليه الكفارة لأنه مجرد ~~جهل، وأنه ليس بعذر في دار الإسلام، وإن استفتى فقيها، فأفتاه لا كفارة ~~عليه لأن العامي يجب عليه تقليد العالم إذا كان يعتمد على فتواه، فكان ~~معذورا فيما صنع، وإن كان المفتي مخطئا فيما أفتى، وإن لم يستفت ولكن بلغه ~~الخبر وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " أفطر الحاجم والمحجوم " وقوله عليه ~~السلام: " الغيبة تفطر الصائم " ولم يعرف النسخ، ولا تأويله لا كفارة عليه ~~عندهما لأن ظاهر الحديث واجب العمل به خلافا لأبي يوسف لأنه ليس للعامي ~~العمل بالحديث لعدم علمه بالناسخ والمنسوخ، ولو لمس امرأة أو قبلها بشهوة ~~أو أكتحل " فظن أن ذلك يفطر، ثم أفطر فعليه الكفارة إلا إذا أستفتى فقيها، ~~فأفتاه بالفطر، أو بلغه خبر فيه، ولو نوى الصوم قبل الزوال، ثم أفطر لم ~~يلزمه الكفارة عند أبي حنيفة رضي الله عنه خلافا # لهما كذا في المحيط. وقد علم من هذا أن مذهب العامي فتوى مفتية، وفيه ~~أيضا في باب قضاء الفوائت إن كان عاميا ليس له مذهب معين فمذهبه فتوى مفتية ~~كما صرحوا به، فإن أفتاه حنفي أعاد العصر والمغرب، وإن أفتاه شافعي، فلا ~~يعيدهما ولا عبرة برأيه وإن لم يستفت أحدا، أو صادف الصحة على مذهب مجتهد ~~أجزأه ولا إعادة عليه، قال ابن الصلاح: من وجد من الشافعية حديثا يخالف ~~مذهبه نظر أن كملت له آلة الاجتهاد مطلقا، أو في ذلك الباب، أو المسألة، ~~كان له الاستقلال بالعمل به، وإن لم يكمل وشق مخالفة الحديث بعد أن يبحث، ~~فلم يجد للمخالفة جوابا شافعيا عنه - فله العمل به إن كان عمل به إمام ~~مستقل غير الشافعي، ويكون هذا عذرا له في ترك مذهب أمامه ههنا، وحسنه ~~النووي وقرره. # ومنها أن أكثر صور الاختلاف بين الفقهاء لا سيما في المسائل التي ظهر ~~فيها أقوال الصحابة في الجانبين كتكبيرات التشريق، وتكبيرات العيدين، ونكاح ~~المحرم، وتشهد ابن عباس وابن مسعود، والاخفاء بالبسملة وبآمين والاشفاع ~~والايتار في الاقامة ونحو ذلك إنما ms239 هو في ترجيح أحد القولين. وكان السلف لا ~~يختلفون في أصل المشروعية، وإنما كان خلافهم في أولى الأمرين ونظره اختلاف ~~القراء في وجوه القراءة. # وقد عللوا كثيرا من هذا الباب بأن الصحابة مختلفون وأنهم جميعا على ~~الهدى، # PageV01P269 # ولذلك لم يزل العلماء يجوزون فتاوى المفتين في المسائل الاجتهادية، ~~ويسلمون قضاء القضاة، ويعملون في بعض الأحيان بخلاف مذهبهم، ولا ترى أئمة ~~المذاهب في هذه المواضع إلا وهم يضجعون القول، ويبينون الخلاف، يقول أحدهم، ~~هذا أحوط، وهذا هو المختار، وهذا أحب إلي، ويقول: ما بلغنا إلا ذلك، وهذا ~~كثير في المبسوط. وآثار محمد رحمه الله وكلام الشافعي رحمه الله. ثم خلف من ~~بعدهم قوم اختصروا كلام القوم، فقووا الخلاف، وثبتوا على مختار أئمتهم، ~~والذي يروي من السلف من تأكيد الأخذ # بمذهب أصحابهم، وألا يخرج منها بحال، فإن ذلك إما لأمر جبلي، فإن كل ~~إنسان يحب ما هو مختار أصحابه وقومه حتى في الزي والمطاعم، أو لصولة ناشئة ~~من ملاحظة الدليل، أو لنحو ذلك من الأسباب، فظن البعض تعصبا دينيا حاشاهم ~~من ذلك، وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ البسملة، ومنهم من ~~لا يقرؤها، ومنهم من يجهر بها، ومنهم من لا يجهر بها وكان منهم من يقنت في ~~الفجر، ومنهم من لا يقنت في الفجر، ومنهم من يتوضأ من الحجامة والرعاف ~~والقيء، ومنهم من لا يتوضأ من من ذلك، ومنهم من يتوضأ من مس الذكر ومس ~~النساء بشهوة، ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ مما مسته النار، ~~ومنهم من لا يتوضأ من ذلك، ومنهم من يتوضأ من أكل لحوم الأبل، ومنهم من لا ~~يتوضأ من ذلك. # ومع هذا فكان بعضهم يصلي خلف بعض مثل ما كان أبو حنيفة أو أصحابه ~~والشافعي وغيرهم رضي الله عنهم يصلون خلف أئمة المدينة من المالكية وغيرهم ~~وإن كانوا لا يقرءون البسملة لا سرا ولا جهرا، وصلى الرشيد إماما وقد ~~احتجم، فصلى الأمام أبو يوسف خلفه ولم يعد، وكان الإمام أحمد ين حنبل ms240 يرى ~~الوضوء من الرعاف والحجامة فقيل له: فإن كان الإمام قد خرج منه الدم، ولم ~~يتوضأ هل تصلي خلفه؟ فقال: كيف لا أصلي خلف الإمام مالك وسعيد بن المسيب. ~~وروى أن أبا يوسف ومحمدا كانا يكبران في العيدين تكبير ابن عباس لأن هارون ~~الرشيد كان يحب تكبير جده. وصلى الشافعي رحمه الله الصبح قريبا من مقبرة ~~أبي حنيفة رحمه الله، فلم يقنت تأدبا معه، وقال أيضا: ربما انحدرنا إلى ~~مذهب أهل العراق. وقال مالك رحمه الله للمنصور وهارون الرشيد ما ذكرنا عنه ~~سابقا، وفي البزازية وعن الإمام الثاني - وهو أبو يوسف رحمه الله - أنه صلى ~~يوم الجمعة مغتسلا من الحمام، وصلى بالناس وتفرقوا، ثم أخبر # بوجود فارة ميتة في بئر الحمام فقال: إذا نأخذ بقول أخوانا من أهل ~~المدينة إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا، انتهى. وسئل الإمام الخجندى ~~رحمه الله عن رجل شافعي المذهب ترك صلاة سنة أو سنتين، ثم انتقل إلى مذهب ~~أبي حنيفة رحمه الله، كيف يجب عليه القضاء، أيقضيها # PageV01P270 # على مذهب الشافعي أو على مذهب أبي حنيفة؟ فقال: على أي المذهبين قضى بعد ~~أن يعتقد جوازها جاز، انتهى. وفي جامع الفتاوى أنه أن قال حنفي إن تزوجت ~~فلانه فهي طالق ثلاثا، ثم استفتى شافعيا، فأجاب أنها لا تطلق ويمينه باطل، ~~فلا بأس باقتدائه بالشافعي في هذه المسألة، لأن كثيرا من الصحابة في جانبه. ~~قال محمد رحمة في أماليه: لو أن فقيها قال لامرأته: أنت طالق ألبتة، وهو ~~ممن يراها ثلاثا، ثم قضى عليه قاض بأنها رجعية، وسعه المقام معها، وكذا كل ~~فصل مما يختلف فيه الفقهاء من تحريم أو تحليل أو إعتاق أو أخذ مال أو غيره، ~~ينبغي للفقيه المقضي عليه الأخذ بقضاء القاضي ويدع رأيه، ويلزم نفسه ما ~~ألزم القاضي، ويأخذ ما أعطاه، قال محمد رحمه الله: وكذلك رجل لا علم له، ~~ابتلي ببلية، فسأل عنها الفقهاء، فأفتوه فيها بحلال أو بحرام، وقضى عليه ~~قاضي المسلمين بخلاف ذلك، وهي مما يختلف فيه الفقهاء، فينبغي ms241 له أن يأخذ ~~بقضاء القاضي، ويدع ما أفتاه الفقهاء. انتهى. # ومنها أني وجدت بعضهم يزعم أن جميع ما يوجد في هذه الشروح الطويلة وكتب ~~الفتاوى الضخمة وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه، ولا يفرق بين القول المخرج، ~~وبين ما هو قول الحقيقة، ولا يحصل معنى قولهم على تخريج الكرخي كذا، وعلى ~~تخريج الطحاوي كذا، ولا يميز بين قولهم: قال أبو حنيفة: كذا، وبين قولهم ~~جواب المسألة على مذهب أبي حنيفة أو على أصل أبي حنيفة كذا، ولا يصغي إلى ~~ما قاله المحققون من الحنفيين كابن الهمام وابن النجيم في مسألة العشر في ~~العشر، ومثله مسألة اشتراط البعد من # الماء ميلا في التيمم، وأمثالهما - أن ذلك من تخريجات الأصحاب وليس مذهبا ~~من الحقيقة، وبعضهم يزعم أن بناء المذهب على هذه المحاورات الجدلية ~~المذكورة في مبسوط السرخسي والهداية والتبيين ونحو ذلك، ولا يعلم أن أول من ~~أظهر ذلك فيهم المعتزلة، وليس عليه بناء مذهبهم، ثم استطاب ذلك المتأخرون ~~توسعا وتشحيذا لأذهان الطالبين ولو لغير ذلك والله أعلم، وهذه الشبهات ~~والشكوك يحل كثير منها مما مهدناه في هذا الباب. # ومنها أني وجدت بعضهم يزعم أن بناء الخلاف بن أبي حنيفة والشافعي رحمهما ~~الله على هذه الأصول المذكورة في كتاب البزدوي ونحوه، وإنما الحق أن أكثرها ~~أصول مخرجة على قولهم: وعندي أن المسألة القائلة بأن الخاص مبين، ولا يلحقه ~~بيان، وأن الزيادة نسخ، وأن العام قطعي كالخاص، وأن لا ترجيح بكثرة ~~الرواية، وأنه لا يجب العمل بحديث غير الفقيه إذا انسد باب الرأي، وأن لا ~~عبرة بمفهوم الشرط والوصف # PageV01P271 # أصلا وأن موجب الأمر هو الوجوب ألبتة: وأمثال ذلك أصول مخرجة على كلام ~~الأئمة، وأنه لا تصح بها رواية عن أبي حنيفة وصاحبيه، وأنه ليست المحافظة ~~عليها والتكلف في جواب ما يرد عليه من صنائع المتقدمين في استنباطاتهم كما ~~يفعله البزدوى وغيره أحق من المحافظة على خلافها والجواب عما يرد عليه. ~~مثاله أنهم أصلوا أن الخاص مبين فلا يلحقه البيان، وخرجوه من صنيع الأوائل ~~في قوله ms242 تعالى: # {اركعوا واسجدوا} . # وقوله صلى الله عليه وسلم: " لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع ~~والسجود " حيث لم يقولوا بفريضية الاطمئنان، ولم يجعلوا الحديث بيانا ~~للآية، فورد عليهم صنيعهم في قوله تعالى: # {وامسحوا برءوسكم} . # ومسحه صلى الله عليه وسلم على ناصيته حيث جعلوه بيانا، وقوله تعالى: # {الزانية والزاني فاجلدوا} . # وقوله تعالى: # {السارق والسارقة فاقطعوا} الآية. # وقوله تعالى: # {حتى تنكح زوجا غيره} . # وما لحقه من البيان بعد ذلك، فتكلفوا للجواب كما هو مذكور في كتبهم، ~~وأنهم أصلوا أن العام قطعي كالخاص، وخرجوه من صنيع الأوائل في قوله تعالى: # {فاقرءوا ما تيسر من القرآن} . # وقوله صلى الله عليه وسلم: " لا صلاة إلا بفاتحة القرآن "، حيث لم يجعلوه ~~مخصصا، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: " فيما سقت العيون العشر " الحديث، ~~وقوله صلى الله عليه وسلم: " ليس فيما دون خمسة أواق صدقة "، حيث لم يخصوه ~~به ونحو ذلك من المواد، ثم ورد عليهم قوله تعالى: # {فما استيسر من الهدي} . # وإنما هو الشاة فما فوقه ببيان النبي صلى الله عليه وسلم، فتكلفوا في ~~الجواب، وكذلك أصلوا أن لا عبرة بمفهوم الشرط والوصف وخرجوه من صنيعهم في ~~قوله # PageV01P272 # تعالى: # {ومن لم يستطع منكم طولا} الآية. # ثم ورد عليهم كثير من صنائعهم كقوله صلى الله عليه وسلم " في الإبل ~~السائمة زكاة " فتكلفوا في الجواب، وأصلوا أنه لا يجب العمل بحديث غير ~~الفقه إذا انسد به باب الرأي وخرجوه من صنيعهم في ترك حديث المصراة ثم ورد ~~عليهم حديث القهقهة وحديث عدم فساد الصوم بالأكل ناسيا، فتكلفوا في الجواب، ~~وأمثاله ما ذكرنا كثيرة لا تخفى على المتتبع، ومن لم يتتبع لا تكفيه ~~الإطالة فضلا عن الاشارة، ويكفيك دليلا على هذا قول المحققين في مسألة لا ~~يجب العمل بحديث من اشتهر بالضبط والعدالة دون الفقه إذا انسد باب الرأي ~~كحديث المصراة أن هذا مذهب عيسى بن إبان، واختاره كثير من المتأخرين، وذهب ~~الكرخي وتبعه الكثير من العلماء إلى عدم اشتراط فقه الراوي لتقدم الخبر على ~~القياس، قالوا: ms243 لم ينقل هذا القول عن أصحابنا، بل المنقول عنهم أن خبر ~~الواحد مقدم على القياس، ألا ترى أنهم عملوا بخبر أبي هريرة في الصائم إذا ~~أكل أو شرب ناسيا، وإن كان مخالفا للقياس حتى قال أبو حنيفة رحمه الله: ~~لولا الرواية لقلت # بالقياس. ويرشدك أيضا اختلافهم في كثير من التخريجات أخذا من صنائعهم ورد ~~بعضهم على بعض. # ومنها أني وجدت أن بعضهم يزعم أن هنالك فرقتين لا ثالث لهما، أهل الظاهر، ~~وأهل الرأي، وأن كل من قاس، واستنبط فهو من أهل الرأي - كلا والله - بل ليس ~~المراد بالرأي نفس الفهم والعقل، فإن ذلك لا ينفك من أحد من العلماء، ولا ~~الرأي الذي لا يعتمد على سنة أصلا، فانه لا ينتحله مسلم ألبتة، ولا القدرة ~~على الاستنباط والقياس، فان أحمد وإسحق بل الشافعي أيضا ليسوا من أهل الرأي ~~بالاتفاق، وهم يستنبطون ويقيسون، بل المراد من أهل الرأي قوم توجهوا بعد ~~المسائل المجمع عليها بين المسلمين، أو بين جمهورهم إلى التخريج على أصل ~~رجل من المتقدمين، فكان أكثر أمرهم حمل النظير على النظير، والرد إلى أصل ~~من الأصول دون تتبع الأحاديث والآثار، والظاهري من لا يقول بالقياس، ولا ~~بآثار الصاحبة والتابعين كدواد وابن حزم، وبينهما المحققون من أهل السنة ~~كأحمد وإسحاق، # PageV01P273 # ولقد أطنبنا الكلام في هذا المقام غاية الاطناب حتى خرجنا من الفن الذي ~~وضعنا فيه هذا الكتاب، وليس ذلك لي بخلق وديدن، وإنما كان ذلك بوجهين: # أحدهما أن الله تعالى جعل في قلبي وقتا من الأوقات ميزانا أعرف به سبب كل ~~اختلاف وقع في الملة المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام، وما هو الحق عند ~~الله وعند رسوله، ومكنني من أن أثبت ذلك بالدلائل العقلية والنقلية بحيث لا ~~يبقى فيه شبهة ولا إشكال، فعزمت على تأليف كتاب أسميه ب (غاية الانصاف في ~~بيان أسباب الاختلاف) وأبين فيه هذه المطالب بيانا شافيا، وأكثر فيه من ذكر ~~الشواهد والأمثال والتفريعات مع المحافظة على الاقتصاد بين الإفراط ~~والتفريط في كل مقام والإحاطة بجوانب الكلام وأصول ms244 المقصود والمراد، ثم لم ~~أتفرغ له إلى هذا الحين. # فلما انجر الكلام إلى مأخذ الاختلاف، حملني ما أجد على أن أبين بعض ما ~~تيسر من ذلك. # والثاني شغب أهل الزمان واختلافهم وعمههم في بعض ما ذكرنا حتى كادوا ~~يسطون بالذين يتلون عليهم آيات الله، {وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون} ~~. # وليكن هذا آخر ما أردنا إيراده في القسم الأول من كتاب (حجة الله ~~البالغة. في علم أسرار الحديث) والحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا. ~~ويتلوه إن شاء الله تعالى ### | (القسم الثاني. # في بيان معاني ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم تفصيلا) . # PageV01P274 # (القسم الثاني) ### | (في بيان أسرار ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم تفصيلا) # والمقصود ههنا ذكر جملة صالحة من الأحاديث المعروفة عند أهلها، السائرة ~~بين حملة العلم، المروية في صحيحي البخاري ومسلم وكتابي أبي داود والترمذي، ~~وقلما أوردت عن غيرها إلا استطرادا، ولذلك لم أتعرض لنسبة كل حديث لمخرجه، ~~وربما ذكرت حاصل المعنى أو طائفة من الحديث، فإن هذه الكتب تتيسر مراجعتها ~~وتتبعها على الطالب. # PageV01P275 ### | (من أبواب الإيمان) # أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان مبعوثا إلى الخلق بعثا عاما، ~~ليغلب دينه على الأديان كلها بعز عزيز، أو ذل ذليل - حصل في دينه أنواع من ~~الناس، فوجب التمييز بين الذين يدينون بدين الإسلام، وبين غيرهم، ثم بين ~~الذين اهتدوا بالهداية التي بعث بها، وبين غيرهم ممن لم تدخل بشاشة الإيمان ~~قلوبهم، فجعل الإيمان على ضربين: # أحدهما الإيمان الذي يدور عليه أحكام الدنيا من عصمة الدماء والأموال ~~وضبطه بأمور ظاهرة في الانقياد وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا ~~الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق ~~الإسلام وحسابهم على الله " وقوله صلى الله عليه وسلم: " من صلى صلاتنا، ~~واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، ~~فلا تحفروا الله في ذمته ms245 " وقوله صلى الله عليه وسلم: قلت من أصل الإيمان ~~الكف عمن قال لا إله إلا الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل " ~~الحديث. # وثانيهما الإيمان الذي يدور عليه أحكام الآخرة من النجاة والفوز ~~بالدرجات، وهو متناول لكل اعتقاد حق، وعمل مرضي، وملكة فاضلة، وهو يزيد ~~وينقص، وسنة الشارع أن يسمى كل شيء منها إيمانا ليكون تنبيها بليغا على ~~جزئيته، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين ~~لمن لا عهد له " وقوله صلى الله عليه وسلم: " المسلم من سلم المسلمون من ~~لسانه ويده " الحديث، وله شعب كثيرة، ومثله كمثل الشجرة يقال للدوحة ~~والأغصان والأوراق والثمار والأزهار جميعا: إنها شجرة، فإذا قطع أغصانها، ~~وخبط أوراقها، وخرف ثمارها قيل: شجرة ناقصة، فإذا قلعت الدوحة بطل الأصل ~~وهو قوله تعالى: { # PageV01P277 # إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} الآية. # ولما لم يكن جميع تلك الأشياء على حد واحد جعلها النبي صلى الله عليه ~~وسلم على مرتبتين. # منها الأركان التي هي عمدة أجزائها وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " بني ~~الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان ". # ومنها سائر الشعب وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " الإيمان بضع وسبعون ~~شعبة، أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء ~~شعبة من الإيمان ". # ويسمى مقابل الإيمان الأول بالكفر، وأما مقابل الإيمان الثاني فإن كان ~~تفويتا للتصديق، وإنما يكون الانقياد بغلبة السيف - فهو النفاق الأصلي، ~~والمنافق بهذا المعنى لا فرق بينه وبين الكافر في الآخرة بل المنافقون - في ~~الدرك الأسفل من النار. .، وإن كان مصدقا مفوتا لوظيفة الجوارح سمي فاسقا. ~~.، أو مفوتا لوظيفة الجنان، فهو المنافق بنفاق آخر، وقد سماه بعض السلف ~~نفاق العمل، وذلك أن يغلب عليه حجاب الطبع أو الرسم أو سوء المعرفة، فيكون ~~ممعنا في محبة الدنيا والعشائر والأولاد، فيدب في قلبه استبعاد المجازاة ~~والاجتراء على المعاصي من حيث ms246 لا يدري وإن كان معترفا بالنظر البرهاني بما ~~ينبغي الاعتراف به، أو رأى الشدائد في الإسلام، فكرهه، أو أحب الكفار ~~بأعيانهم، فصد ذلك من إعلاء كلمة الله. # وللإيمان معنيان آخران: # أحدهما تصديق الجنان بما لا بد من تصديقه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم ~~في جواب جبريل: " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته " الحديث، # والثاني السكينة والهيئة الوجدانية التي تحصل للمقربين، وهو قوله صلى ~~الله عليه وسلم: " الطهور شطر الإيمان " وقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا ~~زنى العبد خرج منه الإيمان، فكان فوق رأسه كالظلة، فإذا خرج من ذلك العمل ~~رجع إليه الإيمان " وقول معاذ رضي الله عنه: " تعال نؤمن ساعة ". # فللإيمان أربعة معان مستعملة في الشرع إن حملت كل حديث من الأحاديث ~~المتعارضة في الباب على محمله اندفعت عنك الشكوك والشبهات، والإسلام أوضح ~~من الإيمان في المعنى الأول ولذلك قال الله تعالى: { # PageV01P278 # قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد: " أو مسلما "، والإحسان أوضح منه في ~~المعنى الرابع. # ولما كان نفاق العمل وما يقابله من الإخلاص أمرا خفيا وجب بيان علامات كل ~~واحد منهما، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " أربع من كن فيه كان منافقا ~~خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا ~~ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر " وقوله صلى الله ~~عليه وسلم: " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله ~~أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في ~~الكفر كما يكره أن يقذف في # النار " وقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا رأيتم العبد يلازم المسجد ~~فاشهدوا له بالإيمان " وكذا قوله عليه السلام: " حب على آية الإيمان، وبغض ~~على آية النفاق " والفقه فيه أنه رضي الله عنه كان شديدا في أمر الله، فلا ~~يحتمل شدته إلا من ركدت طبيعته، وغلب عقله على هواه، وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: " حب الأنصار ms247 آية الإيمان " والفقه فيه أن العرب المعدية واليمينة ما ~~زالوا يتنازعون بينهم حتى جمعهم الإيمان، فمن كان جامع الهمة على إعلاء ~~الكلمة زال عنه الحقد، ومن لم يكن جامعا بقي فيه النزاع، وقد بين النبي صلى ~~الله عليه وسلم في حديث " بني الإسلام على خمس " وحديث ضمام ابن ثعلبة، ~~وحديث أعرابي قال - دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة - إن هذه الأشياء ~~الخمسة أركان الإسلام، وأن من فعلها ولم يفعل غيرها من الطاعات قد خلص ~~رقبته من العذاب، واستوجب الجنة، كما بين أن أدنى الصلاة ماذا، وأدنى ~~الوضوء ماذا - وإنما خص الخمسة بالركنية لأنها أشهر عبادات البشر، وليست ~~ملة من الملل إلا قد أخذت بها، والتزمتها كاليهود والنصارى والمجوس وبقية ~~العرب على اختلافهم في أوضاع أدائها، ولأن فيها ما يكفي عن غيرها، وليس في ~~غيرها ما يكفي عنها، وذلك لأن أصل أصول البر التوحيد وتصديق النبي والتسليم ~~للشرائع الإلهية، ولما كانت البعثة عامة، وكان الناس يدخلون في دين الله ~~أفواجا لم يكن بد من علامة ظاهرة بها يميز بين الموافق والمخالف، وعليها ~~يدار حكم الإسلام، وبها يؤاخذ الناس، ولولا ذلك لم يفرق بينهما طول ~~الممارسة إلا تفريقا ظنيا معتمدا على قرائن ولا ختلف الناس # PageV01P279 # في الحكم بالإسلام، وفي ذلك اختلال كثير من الأحكام كما لا يخفى، وليس ~~شيء كالإقرار طوعا ورغبة كاشفا عن حقيقة ما في القلب من الاعتقاد والتصديق. # ولما ذكرنا من قبل من أن مدار السعادة النوعية، وملاك النجاة الأخروية هي ~~الأخلاق الأربعة، فجعلت الصلاة المقرونة بالطهارة سبحا ومظنة لخلقي # الاخبات، والنظافة، وجعلت الزكاة المقرونة بشروطها المصروفة إلى مصارفها ~~مظنة للسماحة والعدالة. # ولما ذكرنا أنه لا بد من طاعة قاهرة على النفس، ليدفع بها الحجب ~~الطبيعية، ولا شيء في ذلك كالصوم. # ولما ذكرنا أيضا من أن أصل أصول الشرائع هو تعظيم شعائر الله وهي أربعة، ~~منها الكعبة، وتعظيمها الحج - وقد ذكرنا فيما سبق من فوائد هذه الطاعات ما ~~يعلم به أنها تكفي عن غيرها وأن غيرها لا يكفي ms248 عنها. # والآثام باعتبار الملة على قسمين صغائر وكبائر # والكبائر مالا يصدر إلا بغاشية عظيمة من البهيمة أو السبعية أو الشيطنة ~~وفيه انسداد سبيل الحق، وهتك حرمة شعائر الله أو مخالفة الارتفاقات ~~الضرورية، والضرر العظيم بالناس، ويكون مع ذلك منابذا للشرع لأن الشرع نهى ~~عنه أشد نهي، وغلظ التهديد على فاعله، وجعله كأنه خروج من الملة. # والصغائر ما كان دون ذلك من دواعي الشر ومفضيات إليه، وقد ظهر نهي الشرع ~~عنه حتما، ولكن لم يغلظ فيه ذلك التغليظ. # والحق أن الكبائر ليست محصورة في عدد، وأنها تعرف بإيعاد النار في الكتاب ~~والسنة الصحيحة وشرع الحد عليه، وتسميته كبيرة، وجعله خروجا عن الدين، وكون ~~الشيء أكثر مفسدة مما نص النبي صلى الله عليه وسلم على كونه كبيرة أو مثلها ~~في المفسدة. # وقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " الحديث ~~معناه أن هذه الأفعال لا تصدر إلا بغاشية عظيمة من البهيمية أو السبعية، ~~فتصير حينئذ الملكية كأن لم تكن والإيمان كأنه زائل - دل بذلك على كونها ~~كبائر. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: " والذي نفس محمد بيده لا يسمع به أحد من ~~هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من ~~أصحاب النار ". أقول: يعني من بلغته الدعوة، ثم أصر على الكفر حتى مات دخل ~~النار، لأنه ناقض تدبير الله تعالى لعباده، ومكن من نفسه لعنة الله ~~والملائكة المقربين، وأخطأ الطريق الكاسب للنجاة. # PageV01P280 # وقال صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده ~~وولده والناس أجمعين " وقال: " حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ". أقول: ~~كمال الإيمان أن يغلب العقل على الطبع بحيث يكون مقتضى الطبع بادي الأمر - ~~وكذلك الحال في حب الرسول - ولعمري هذا مشهود في الكاملين. # قيل يا رسول الله: قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك - وفي ~~رواية - غيرك، قال: " قل آمنت بالله ثم استقم " أقول: معناه أن يحضر ~~الإنسان بين عينيه ms249 حالة الانقياد والإسلام ثم يعمل ما يناسبه، ويترك ما ~~يخالفه، وهذا قول كلي يصير به الإنسان على بصيرة من الشرائع " وإن لم يكن ~~نفضيلا، فلا يخلو من علم إجمالي يجعل الإنسان سابقا. # وقال صلى الله عليه وسلم: " ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار " وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: " وإن زنى وإن سرق " وقوله صلى الله عليه وسلم: " على ما كان من عمل ~~" أقول معناه حرمه الله على النار الشديدة المؤبدة التي أعدها للكافرين وإن ~~عمل الكبائر. # والنكتة في سوق الكلام هذا السياق، أن مراتب الأثم بينها تفاوت بين، وإن ~~كان يجمعها كلها اسم الأثم، فالكبائر إذا قيست بالكفر لم يكن لها قدر ~~محسوس، ولا تأثير يعتد به، ولا سببية لدخول النار تسمى سببية وكذلك الصغائر ~~بالنسبة إلى الكبائر، فبين النبي صلى الله عليه وسلم الفرق بينها على آكد ~~وجه بمنزلة الصحة والسقم، فإن الأعراض البادية كالزكام والنصب إذا قيست إلى ~~سوء المزاج المتمكن كالجذام والسل والاستسقاء يحكم عليها بأنها صحة وأن ~~صاحبها ليس بمريض وأن ليس به قلبة - ورب داهية تنسي داهية - كمن أصابه شوكة ~~ثم وتر أهله وماله، قال: لم يكن بي مصيبة قبل أصلا. # وقوله صلى الله عليه وسلم: " إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث ~~سراياه يفتنون الناس " الحديث # PageV01P281 # اعلم أن الله تعالى خلق الشياطين وجبلهم على الاغواء بمنزلة الدود التي ~~تفعل أفعالا بمقتضى مزاجها - كالجعل يده هده الحرأة - وأن لهم رئيسا يضع ~~عرشه على الماء، ويدعوهم لتكميل ما هم قبله قد استوجب أتم الشقاوة وأوفر ~~الضلال، وهذه سنة الله في كل نوع وفي كل صنف وليس في هذا مجاز، وقد تحققت ~~من ذلك ما يكون بمنزلة الرؤية بالعين. # قوله صلى الله عليه وسلم: " الحمد لله الذي رد أمره إلى الوسوسة " # وقوله صلى الله عليه وسلم: " إن الشيطان قد أيس من أن يعبده المسلمون في ~~جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم ms250 ". # وقوله صلى الله عليه وسلم: " ذاك صريح الإيمان ". # اعلم أن تأثير وسوسة الشياطين يكون مختلفا بحسب استعداد الموسوس إليه، ~~فأعظم تأثيره الكفر والخروج من الملة، فإذا عصم الله من ذلك بقوة اليقين ~~انقلب تأثيره في صورة أخرى، وهي المقاتلات وفساد تدبير المنزل والتحريش بين ~~أهل البيت وأهل المدينة، ثم إذا عصم الله من ذلك أيضا صار خاطرا يجيء، ~~ويذهب، ولا يبعث النفس إلى عمل لضعف أثره - وهذا لا يضر، بل إذا اقترن ~~باعتقاد قبح ذلك كان دليلا على صراحة الإيمان، نعم أصحاب النفوس القدسية لا ~~يجدون شيئا من ذلك، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " إلا أن الله أعانني ~~عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير " وإنما مثل هذه التأثيرات مثل شعاع الشمس ~~يؤثر في الحديد والأجسام الصقيلة ما لا يؤثر في غيرها، ثم وثم. # وقوله صلى الله عليه وسلم: " إن للشيطان لمة وللملك لمة " الحديث # الحاصل أن صورة تأثير الملائكة في نشأة الخواطر الأنس والرغبة في الخير ~~وتأثير الشياطين فيها الوحشة وقلق الخاطر والرغبة في الشر. # PageV01P282 # قوله صلى الله عليه وسلم: " من وجد من ذلك شيئا فليقل آمنت # بالله ورسوله، وقوله صلى الله عليه وسلم: " فليستعذ بالله وليتفل عن ~~يساره " سره أن الالتجاء إلى الله وتذكره وتقبيح حال الشياطين وإهانة أمرهم ~~يصرف وجه النفس عنهم، ويصد عن قبول أثرهم، وهو قوله تعالى: {إن الذين اتقوا ~~إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} . # وقوله صلى الله عليه وسلم: " احتج آدم وموسى عند ربهما ". # أقول معنى قوله: عند ربهما " أن روح موسى عليه السلام انجذبت إلى حظيرة ~~القدس، فوافت هنالك آدم. # وبطن هذه الواقعة وسرها أن الله فتح على موسى علما على لسان آدم عليهما ~~السلام شبه ما يرى النائم في منامه ملكا أو رجلا من الصالحين يسأله، ~~ويراجعه الكلام حتى يفيء عنه بعلم لم يكن عنده. وههنا علم دقيق كان قد خفي ~~على موسى عليه السلام حتى كشفه الله عليه في هذه الواقعة. وهو أنه اجتمع في ~~قصة آدم ms251 عليه السلام وجهان. # أحدهما مما يلي خويصة نفس آدم عليه السلام، وهو أنه كان ما لم يأكل ~~الشجرة لا يظمأ ولا يضحى، ولا يجوع ولا يعرى - وكان بمنزلة الملائكة فلما ~~أكل غلبت البهيمية، وكمنت الملكية، فلا جرم أن أكل الشجرة إثم يجب ~~الاستغفار عنه. # وثانيهما مما يلي التدبير الكلي الذي قصده الله تعالى في خلق العالم # وأوحاه إلى الملائكة قبل أن يخلق آدم وهو أن الله تعالى أراد بخلقه أن ~~يكون نوع الإنسان خليفة في الأرض يذنب، ويستغفر، فيغفر له، ويتحقق فيهم ~~التكليف وبعث الرسل والثواب والعذاب ومراتب الكمال والضلال، وهذه نشأة ~~عظيمة على حدتها، وكان أكل الشجرة حسب مراد الحق ووفق حكمته، وهو قوله صلى ~~الله عليه وسلم: " لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم آخرين يذنبون ~~ويستغفرون فيغفر لهم " وكان آدم أول ما غلبت عليه بهيميته استتر عليه العلم ~~الثاني، وأحاط به الوجه الأول، وعوتب عتابا شديدا في نفسه، ثم سرى عنه، ~~ولمع عليه بارق من العلم الثاني، ثم لما انتقل إلى حظيرة القدس علم الحال ~~أصرح ما يكون، وكان موسى عليه السلام يظن ما كان يظن آدم عليه السلام حتى ~~فتح الله عليه العلم الثاني، وقد ذكرنا أن الوقائع الخارجية يكون لها تعبير ~~كتعبير المنام وأن الأمر والنهي لا يكونان جزافا، بل لهما استعداد يوجبهما. # PageV01P283 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كل مولود يولد على الفطرة، ثم أبواه ~~يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من ~~جدعاء ". # أقول اعلم أن الله تعالى أجرى سنته بأن يخلق كل نوع من الحيوانات ~~والنباتات وغيرهما على شكل خاص به، فخص الإنسان مثلا بكونه بادي البشرة ~~مستوي القامة عريض الأظفار ناطقا ضاحكا، وبتلك الخواص يعرف أنه إنسان اللهم ~~إلا أن تخرق العادة فرد نادر كما ترى أن بعض المولودات يكون له خرطوم أو ~~حافر فكذلك أجرى سنته أن يخلق في كل نوع قسطا من العلم والإدراك محدودا بحد ~~مخصوصا به لا يوجد في غيره مطردا في ms252 أفراده، فخص النحل بإدراك # الأشجار المناسبة لها، ثم اتخاذ الأكنان وجمع العسل فيها، فلن ترى فردا ~~من أفراد النحل إلا وهو يدرك ذلك، وخص الحمام بأنه كيف يهدر وكيف يعشش وكيف ~~يزق فراخه، وكذلك خص الله تعالى الإنسان بإدراك زائد وعقل مستوفي، ودس فيه ~~معرفة بارئه والعبادة له وأنواع ما يرتفقون به في معاشهم وهو الفطرة، فلو ~~أنهم لم يمنعهم مانع لكبروا عليها، لكنه قد تعترض العوارض كاضلال الأبوين، ~~فينقلب العلم جهلا كمثل الرهبان يتمسكون بأنواع الحيل، فيقطعون شهوة النساء ~~والجوع مع أنهما مدسوسان في فطرة الإنسان. # وقوله صلى الله عليه وسلم: " خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم - وقوله صلى ~~الله عليه وسلم - هم من آبائهم " وقوله صلى الله عليه وسلم: " الله أعلم ~~بما كانوا عاملين " وقوله صلى الله عليه وسلم في منامه الطويل: " نسم ذرية ~~بني آدم تكون عند إبراهيم عليه السلام ". اعلم أن الأكثر أن يولد الولد على ~~الفطرة كما مر، لكن قد يخلق بحيث يستوجب اللعن بلا عمل كالذي قتله الخضر ~~طبع كافرا، وأما من آبائهم فمحمول على أحكام الدنيا، وليس أن التوقف في ~~النواميس إنما يكون لعدم العلم، بل قد يكون لعدم انضباط الأحكام بمظنة ~~ظاهرة أو لعدم الحاجة إلى بيانه أو غموض فيه بحيث لا يفهمه المخاطبون. # PageV01P284 # قوله صلى الله عليه وسلم: " بيده الميزان أن يخفض ويرفع " أقول: هذا ~~إشارة إلى التدبير، فإن مبناه على اختيار الأوفق بالمصلحة، فما من حادثة ~~يجتمع فيها أسباب متنازعة إلا ويقضي الله في ذلك ما هو عدل، وهو قوله تعالى ~~{كل يوم هو في شأن} . # قوله صلى الله عليه وسلم: " إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من # من أصابع الرحمن " وقوله صلى الله عليه وسلم: " مثل القلب كريشة بأرض ~~فلاة تقلبها الرياح ظهرا لبطن " أقول: أفعال العباد اختيارية، لكن لا ~~اختيار لهم في ذلك الاختيار، وإنما مثله كمثل رجل أراد أن يرمي حجرا، فلو ~~أنه كان قادرا حكيما خلق في الحجر اختيار الحركة أيضا، ولا يرد عليه أن ms253 ~~الأفعال إذا كانت مخلوقة لله تعالى، وكذلك الاختيار ففيم الجزاء، لأن معنى ~~الجزاء يرجع إلى ترتب بعض أفعال الله تعالى على البعض، بمعنى أن الله تعالى ~~خلق هذه الحالة في العبد فاقتضى ذلك في حكمته أن يخلق فيه حالة أخرى من ~~النعمة أو الألم كما أنه يخلق في الماء حرارة، فيقتضي ذلك أن يكسوه صورة ~~الهواء، وإنما يشترط وجود الاختيار وكسب العبد في الجزاء بالعرض لا بالذات، ~~وذلك لأن النفس الناطقة لا تقبل لون الأعمال التي لا تستند إليها، بل إلى ~~غيرها من جهة الكسب، ولا الأعمال التي لا تستند إلى اختيارها وقصدها، وليس ~~في حكمة الله أن يجازى العبد بما لم تقبل نفسه الناطقة لونه، فإذا كان ~~الأمر على ذلك كفى هذا الاختيار غير المستقل في الشرطية إذا كان مصححا ~~لقبول لون العمل، وهذا الكسب غير المستقل إذا كان مصححا لتخصيص هذا العبد ~~بخلق الحالة المتأخرة فيه دون غيره، وهذا تحقيق شريف مفهوم من كلام الصحابة ~~والتابعين فاحفظه. # قوله صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من ~~نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل " فلذلك أقول: جف القلم ~~على علم الله، معناه أنه قدرهم قبل أن يخلقوا، فكانوا هنالك عراة عن الكمال ~~في حد أنفسهم، فاستوجبوا أن يبعث إليهم، وينزل عليهم، فاهتدى بعض منهم، وضل ~~آخرون وقدر جميع ذلك مرة واحدة، لكن كان لما من أنفسهم تقدم على ما لهم ~~يبعث الرسل، كقوله صلى الله عليه وسلم رواية عن الله تعالى: " كلكم جائع ~~إلا من أطعمته، وكلكم ضال إلا من هديته " أو نقول: هذا إشارة إلى واقعة مثل ~~واقعة إخراج ذرية آدم عليه السلام. # قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا قضى الله لعبد أن يموت بأرض جعل له إليها ~~حاجة " أقول: فيه إشارة إلى أن بعض الحوادث توجد لئلا ينخرم نظام الأسباب، ~~فإن لم يكن استهل من إلهام أو بعث تقريب لا بد أن يظهر ذلك # PageV01P285 # قال صلى الله عليه وسلم: ms254 " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات ~~والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء " أقول: خلق الله تعالى العرش ~~والماء أول ما خلق، ثم خلق جميع ما أراد أن يوجد في قوة من قوى العرش يشبه ~~الخيال من قوانا، وهو المعبر عنه بالذكر على ما بينه الإمام الغزالي - ولا ~~تظنن ذلك مخالفا للسنة - فإنه لم يصح عند أهل المعرفة بالحديث من بيان صورة ~~القلم واللوح على ما يلهج به العامة شيء يعتد به، والذي يروونه هو من ~~الاسرائيليات وليس من الأحاديث المحمدية، وذهاب المتأخرين من أهل الحديث ~~إلى مثله نوع من التعمق وليس للمتقدمين في ذلك كلام. وبالجملة فتحققت هنالك ~~صورة هذه السلسلة بتمامها عبر عنه بالكتابة أخذا من إطلاق الكتابة في ~~السياسة المدنية على التعيين والإيجاب، ومنه قوله تعالى: {كتب عليكم ~~الصيام} . # وقوله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر} . الآية # وقوله صلى الله عليه وسلم: " إن الله كتب على عبده حظه من # من الزنا " الحديث، وقول الصحابي: كتبت في غزوة كذا ولم يكن هناك ديوان ~~كما ذكره كعب بن مالك، ونظير ذلك في أشعار العرب كثير جدا، وذكر - خمسين ~~ألف سنة - يحتمل أن يكون تعيينا ويحتمل أن يكون بيانا لطول المدة. # قوله صلى الله عليه وسلم: " إن الله خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه " ~~الحديث أقول لما خلق الله آدم ليكون أبا للبشر. التف في وجوده حقائق بنيه، ~~فأعطاه الله تعالى وقتا من أوقاته، علم ما تضمنه وجوده بحسب القصد الألهي، ~~فأراه إياهم رأى عين بصورة مثالية، ومثل سعادتهم وشقاوتهم بالنور والظلمة، ~~ومثل ما جبلهم عليه من استعداد التكليف بالسؤال والجواب والالتزام على ~~أنفسهم، فهم يؤاخذون بأصل استعدادهم، وتنسب المؤاخذة إلى شبحه في الظاهر. # PageV01P286 # قوله صلى الله عليه وسلم: " إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه " الحديث أقول: ~~هذا الانتقال تدريجي غير دفعي، وكل حد يباين السابق واللاحق، ويسمى ما لم ~~يتغير من صورة الدم تغيرا فاحشا - نطفة - وما فيه انجماد ضعيف - علقة وما ~~فيه انجماد أشد من ms255 ذلك - مضغة وإن كان فيه عظم رخو، وكما أن النواة إذا ~~ألقيت في الأرض وذلك في وقت معلوم، وأحاط بها تدبير معلوم علم المطلع على ~~خاصية نوع النخل وخاصية تلك الأرض وذلك الماء وذلك الوقت أنه يحسن نباتها ~~ويتحقق من شأنه على بعض الأمر، فكذلك يجلي الله على بعض الملائكة حال ~~المولود بحسب الجبلة التي جبل عليها. # وقوله صلى الله عليه وسلم: " ما منكم من أحد إلا وقد كتب له مقعده من ~~النار ومقعده من الجنة " أقول: كل صنف من أصناف النفس له كمال ونقصان، عذاب ~~وثواب، ويحتمل أن يكون المعنى إما من الجنة وإما من النار، وقوله تعالى: ~~{وإذا أخذ ربك من بني آدم} . الآية # لا يخالف حديث " ثم مسح ظهره بيمينه واستخرج منه ذريته " لأن آدم أخذت ~~عنه ذريته ومن ذريته ذريتهم إلى يوم القيامة على الترتيب الذي يوجدون عليه، ~~فذكر في القرآن بعض القصة وبين الحديث تتمتها، قوله تعالى: {فأما من أعطى ~~واتقى وصدق بالحسنى} . # أي من كان متصفا بهذه الصفات في علمنا وقدرنا (فسنسيره) لتلك الأعمال في ~~الخارج، وبهذا التوجيه ينطبق عليه الحديث. # قوله تعالى: {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها} . # أقول المراد بالإلهام هنا خلق صورة الفجور في النفس كما سبق في حديث ابن ~~مسعود، فالإلهام في الأصل خلق الصورة العلمية التي يصير بها عالما، ثم نقل ~~إلى صورة إجمالية هي مبدأ آثار، وإن لم يصر بها عالما تجوزا، والله أعلم. # PageV01P287 ### | (من أبواب الاعتصام بالكتاب والسنة) # قد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم مداخل التحريف بأقسامها. وغلظ النهي ~~عنها، وأخذ العهود من أمته فيها، فمن أعظم أسباب التهاون ترك الأخذ بالسنة، ~~وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: ما من نبي بعثه الله في أمته قبلي إلا كان ~~له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تختلف من ~~بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده ~~فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ms256 وليس ~~وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " وقوله صلى الله عليه وسلم: " لا ألفين ~~أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، ~~فيقول: لا أدري ما وجدناه في كتاب الله اتبعناه " ورغب في الأخذ بالسنة جدا ~~لا سيما عند اختلاف الناس. # وفي التشدد قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تشددوا على أنفسكم، فيشدد الله ~~عليكم " ورده على عبد الله بن عمرو والرهط الذين تقالوا عبادة النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأرادوا شاق الطاعات. # وفي التعمق قوله صلى الله عليه وسلم: " ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء ~~أصنعه، فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم خشية له " وقوله صلى الله عليه ~~وسلم # : " ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل " وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: " أنتم أعلم بأمور دنياكم ". # وفي الخلط قوله صلى الله عليه وسلم لمن أراد الخوض في علم اليهود " ~~أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصار؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان ~~موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي "، وجعله صلى الله عليه وسلم من أبغض الناس ~~من هو مبتغ في الإسلام سنة الجاهلية. # وفي الاستحسان قوله صلى الله عليه وسلم: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس ~~منه فهو رد " وضرب الملائكة له صلى الله عليه وسلم مثل رجل بنى دارا، وجعل ~~فيها مأدبة، وبعث داعيا أقول هذا إشارة إلى تكليف الناس به وجعله كالأمر ~~المحسوس إكمالا للتعليم. # PageV01P288 # قوله صلى الله عليه وسلم: " مثلي كمثل رجل استوقد نارا، الحديث وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: " إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما فقال ~~يا قوم إني رأيت الجيش بعيني " الحديث # دليل ظاهر على أن هنالك أعمالا تستوجب في أنفسها عذابا قبل البعثة، وقوله ~~صلى الله عليه وسلم: " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث ~~الكثير أصاب أرضا الحديث فيه بيان قبول أهل العلم هدايته صلى الله عليه ~~وسلم بأحد وجهين، الرواية صريحا، والرواية دلالة بأن استنبطوا، ms257 وأخبروا ~~بالمستنبطات، أو عملوا بالشرع، فاهتدى الناس بهديهم، وعدم قبول أهل الجهل ~~رأسا. # قوله صلى الله عليه وسلم في الموعظة البليغة: " فعليكم بسنتي وسنة ~~الخلفاء الراشدين المهديين ". # أقول انتظام الدين يتوقف على اتباع سنن النبي، وانتظام السياسة الكبرى ~~يتوقف على الانقياد للخلفاء فيما يأمرونهم بالاجتهاد في باب الارتفاقات ~~وإقامة الجهاد، وأمثال ذلك ما لم يكن إبداعا لشريعة أو مخالفا لنص. # " خط رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم خطا ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط ~~خطوطا عن يمينه وعن شماله وقال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ~~وقرأ. {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله} . # أقول الفرقة الناجية هم الآخذون في العقيدة والعمل جميعا بما ظهر من ~~الكتاب والسنة، وجرى عليه جمهور الصحابة والتابعين وإن اختلفوا فيما # بينهم فيما لم يشتهر فيه نص، ولا ظهر من الصحابة اتفاق عليه استدلالا ~~منهم ببعض ما هنالك أو تفسيرا لمجمله. # وغير الناجية كل فرقة انتحلت عقيدة خلاف عقيدة السلف أو عملا دون ~~أعمالهم. # قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تجتمع هذه الأمة على الضلالة " وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: " يبعث الله لهذه الأمة على راس كل أمة سنة من يجدد لها ~~دينها " وتفسيره في حديث آخر: يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له ينفون عنه ~~تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ". # اعلم أن الناس لما اختلفوا في الدين، وأفسدوا في الأرض قرع ذلك باب جود ~~الحق # PageV01P289 # فبعث محمد صلى الله عليه وسلم وأراد بذلك إقامة الملة العوجاء، ثم لما ~~توفي النبي صلى الله عليه وسلم صارت تلك العناية بعينها متوجهة إلى حفظ ~~علمه ورشده فيما بينهم، فأورثت فيهم إلهامات وتقريبات، ففي حظيرة القدس ~~داعية لإقامة الهداية فيهم ما لم تقم الساعة، فوجب لذلك أن يكون فيهم لا ~~محالة أمة قائمة بأمر الله، وأن لا يجتمعوا على الضلالة بأسرهم، وأن يحفظ ~~القرآن فيهم، وأوجب اختلاف استعدادهم أن يلحق بما عندهم مع ذلك شيء من ms258 ~~التغير، فانتظرت العناية لناس مستعدين قضى لهم بالتنويه، فأورث في قلوبهم ~~الرغبة في العلم، ونفى تحريف الغالين وهو إشارة إلى التشدد والتعمق، ~~وانتحال المبطلين وهو إشارة إلى الاستحسان وخلط ملة بملة، وتأويل الجاهلين ~~وهو إشارة إلى التهاون، وترك المأمور به بتأويل ضعيف # قوله صلى الله عليه وسلم: " من يرد الله به خير يفقهه في الدين " وقوله ~~صلى الله عليه وسلم: " أن العلماء ورثة الأنبياء " وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: " فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم " وأمثال ذلك، اعلم أن ~~العناية الإلهية إذا حلت بشخص، وصيره الله مظنة لتدبير إلهي لا بد أن يصير ~~مرحوما وأن تؤمر الملائكة بمحبته وتعظيمه لحديث محبة جبرائيل # ووضع القبول في الأرض، ولما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم ونزلت ~~العناية الخاصة به بحسب حفظ ملته إلى حملة العلم ورواته ومشيعيه، فانتج ~~فيهم فوائد لا تحصى # قوله صلى الله عليه وسلم: " نضر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها ووعاها ~~وأداها كما سمعها " أقول: سبب هذا الفضل أنه مظنة لحمل الهداية النبوية إلى ~~الخلق. # قوله صلى الله عليه وسلم: " من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار " ~~قوله صلى الله عليه وسلم: " يكون في آخر الزمان دجالون كذابون ". # أقول لما كان طريق بلوغ الدين إلى الأعصار المتأخرة إنما هي الرواية، ~~وإذا دخل الفساد من وجهه الرواية لم يكن له علاج البتة كان الكذب على النبي ~~صلى الله عليه وسلم كبيرة، ووجب الاحتياط في الرواية لئلا يروى كذبا. # قوله صلى الله عليه وسلم: " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " وقوله صلى ~~الله عليه وسلم " لا تصدقوهم ولا تكذبوهم " أقول: الرواية عن أهل الكتاب ~~تجوز فيما سبيله سبيل الاعتبار، وحيث يكون الآمن عن الاختلاط في شرائع ~~الدين، ولا تجوز فيما سوى ذلك،، ومما ينبغي أن يعلم أن غالب الإسرائيليات ~~المدسوسة في كتب التفسير، والأخبار منقولة عن أخبار أهل الكتاب لا ينبغي أن ~~يبنى عليها حكم واعتقاد فتدبر. # قوله صلى الله عليه وسلم: " من تعلم علما مما ينبغي به وجه ms259 الله لا ~~يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يحد عرف الجنة يوم القيامة " يعني ~~ريحها # PageV01P290 # أقول يحرم طلب العلم الديني لأجل الدنيا ويحرم تعليم من يرى فيه الغرض ~~الفاسد لوجوه: منها أن مثله لا يخلو غالبا من تحريف الدين لأغراض الدنيا ~~بتأويل ضعيف، فوجب سد الذريعة ومنها ترك حرمة القرآن والسنن وعدم الاكتراث ~~بها. # قوله صلى الله عليه وسلم: " من سئل عن علم علمه، ثم كتمه، ألجم يوم ~~القيامة بلجام من نار " أقول يحرم كتم العلم عند الحاجة إليه لأنه أصل ~~التهاون وسبب نسيان الشرائع، وأجزية المعاد تبنى على المناسبات فلما كان ~~الإثم كف لسانه عن النطق جوزي بشبح الكف وهو اللجام من نار. # قوله صلى الله عليه وسلم: " العلم ثلاثة آية محكمة، أو سنة قائمة، أو ~~فريضة عادلة، وما كان سوى ذلك فهو فضل " أقول هذا ضبط وتحديد لما يجب عليهم ~~بالكفاية، فيجب معرفة القرآن لفظا، ومعرفة محكمة بالبحث عن شرح غريبه ~~وأسباب نزوله وتوجيه معضله وناسخه ومنسوخه أما المتشابهة فحكمة التوقف أو ~~الإرجاع إلى المحكم والسنة القائمة ما ثبت في العبادات والارتفاقات من ~~الشرائع والسنن مما يشتمل عليه علم الفقه، والقائمة ما لم ينسخ، ولم يهجر، ~~ولم يشذ راويه، وجرى عليه جمهور الصحابة والتابعين. أعلاها ما اتفق فقهاء ~~المدينة والكوفة عليه، وآيته أن يتفق على ذلك المذاهب الأربعة، ثم ما كان ~~فيه قولان لجمهور الصحابة أو ثلاثة، ذلك كل قد عمل به طائفة من أهل العلم، ~~وآية ذلك أن تظهر في مثل الموطأ وجامع عبد الرزاق ورواياتهم وما سوى ذلك ~~فإنما هو استنباط بعض الفقهاء دون بعض تفسيرا وتخريجا واستدلالا واستنباطا، ~~وليس من القائمة والفريضة العادلة الأنصباء للورثة، ويلحق به أبواب القضاء ~~مما سبيله قطع المنازعة بين المسلمين بالعدل فهذه الثلاثة يحرم خلو البلد ~~عن غالبها لتوقف الدين عليه، وما سوى ذلك من باب الفضل والزيادة. # ونهى صلى الله عليه وسلم عن الأغلوطات، وهي المسائل التي يقع المسئول ~~عنها في الغلط ويمتحن بها أذهان الناس، وإنما ms260 نهى عنها لوجوه. # منها أن فيها إيذاء وإذلالا للمسئول عنه وعجبا وبطرا لنفسه # ومنها أنها تفتح باب التعمق وإنما الصواب ما كان عند الصحابة والتابعين ~~أن يوقف # PageV01P291 # على ظاهر السنة، وما هو بمنزلة الظاهر من الإيماء والاقتضاء والفحوى، ~~وألا يمعن جدا ألا يقتحم في الاجتهاد حتى يضطر إليه، وتقع الحادثة فإن الله ~~يفتح عند ذلك العلم عناية منه بالناس، وأما تهيئته من قبل فمظنة الغلظ. # قوله صلى الله عليه وسلم: " من قال في القرآن برأيه، فليتبوأ مقعده في ~~النار " - أقول: يحرم الخوض في التفسير لمن لا يعرف اللسان الذي نزل القرآن ~~به والمأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين من شرح غريب ~~وسبب نزول وناسخ ومنسوخ. # قوله صلى الله عليه وسلم: " المراء في القرآن كفر " أقول: يحرم الجدال في ~~القرآن وهو أن يرد الحكم المنصوص بشبهة يجدها في نفسه: # قوله صلى الله عليه وسلم: " إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله ~~بعضه ببعض " أقول: يحرم التدارؤ بالقرآن، وهو أن يستدل واحد بآية، فيرده ~~آخر بآية أخرى طلبا لإثبات مذهب نفسه، وهدم وضع صاحبه، أو ذهابا إلى نصرة ~~مذهب بعض الأئمة على مذهب بعض، ولا يكون جامع الهمة على ظهور الصواب ~~والتدارؤ بالسنة مثل ذلك. # قوله صلى الله عليه وسلم: " لكل آية منها ظهر وبطن ولكل حد مطلع " أقول ~~أكثر ما في القرآن بيان صفات الله تعالى وآياته، والأحكام والقصص والاحتجاج ~~على الكفار والموعظة بالجنة والنار - فالظهر - الإحاطة بنفس ما سيق الكلام ~~له والبطن في آيات الصفاء التفكر في آلاء الله والمراقبة، وفي آيات الأحكام ~~الاستنباط بالإيماء والإشارة والفحوى والاقتضاء كاستنباط علي رضي الله عنه ~~من قوله تعالى: # {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} . # إن هذه مدة الحمل قد تكون ستة أشهر لقوله: # {حولين كاملين} # وفي القصص معرفة مناط الثواب والمدح أو العذاب أو الذم، وفي العظة رقة ~~القلب وظهور الخوف والرجاء وأمثال ذلك ومطلع كل حد الاستعداد الذي به يحصل ~~كمعرفة اللسان والآثار وكلطف الذهن واستقامة الفهم. # PageV01P292 # قوله ms261 تعالى: # {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} # أقول الظاهر أن المحكم ما لم يحتمل إلا وجها واحدا مثل: # {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم} # والمتشابه ما احتمل وجوها، وإنما المراد بعضها كقوله تعالى: # {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} # حملها الزائغون على إباحة الخمر ما لم يكن بغي أو إفساد في الأرض، ~~والصحيح حملها على شاربيها قبل التحريم. # قوله صلى الله عليه وسلم " إنما الأعمال بالنيات " أقول: النية القصد ~~والعزيمة، والمراد ههنا العلة الغائبة التي يتصورها الإنسان فيبعثه على ~~العمل مثل طلب ثواب من الله أو طلب رضا الله، والمعنى ليس للأعمال أثر في ~~تهذيب النفس وإصلاح عوجها إلا إذا كانت صادرة من تصور مقصد مما يرجع إلى ~~التهذيب دون العادة وموافقة الناس أو الرياء والسمعة أو قضاء # جبلة، كالقتال من الشجاع الذي لا يستطيع الصبر عن القتال، فلولا مجاهدة ~~الكفار لصرف هذا الخلق في قتال المسلمين، وهو ما سئل النبي صلى الله عليه ~~وسلم " الرجل ويقاتل رياء يقاتل شجاعة فأيها في سبيل الله؟ فقال: من قاتل ~~لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " والفقه في ذلك أن عزيمة ~~القلب روح الأعمال أشباح لها. # قوله صلى الله عليه وسلم: " الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشتبهات، ~~فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه " أقول قد تتعارض الوجوه في ~~المسألة، فتكون السنة حينئذ الاستبراء والاحتياط، فمن التعارض أن تختلف ~~الرواية تصريحا كمس الذكر، هل ينقض الوضوء، أثبته البعض، ونفاه الآخرون، ~~ولكل واحد حديث يشهد له، كالنكاح للمحرم سوغه طائفة، ونفاه آخرون، واختلفت ~~الرواية. # ومنه أن يكون اللفظ المستعمل في هذا الباب غير منضبط المعنى يكون معلوما ~~بالقسمة والمثال، ولا يكون معلوما بالحد الجامع المانع، فيخرج ثلاث مواد، ~~مادة يطلق عليه اللفظ يقينا، ومادة لا يطلق عليها يقينا، ومادة لا يدري هل ~~يصح الإطلاق عليها أم لا. # ومنه أن يكون الحكم منوطا يقينا بعلة هي مظنة لمقصد يقينا، ويكون نوع لا ~~يوجد فيه المقصد، ويوجد فيه العلة ms262 كالأمة المشتراة ممن لا يجامع مثله، هل ~~يجب استبراؤها؟ فهذه وأمثالها يتأكد الاحتياط فيها. # PageV01P293 # قوله صلى الله عليه وسلم: نزل القرآن على خمسة وجوه، حلال، وحرام، ومحكم، ~~ومتشابه، وأمثال. أقول: هذه الوجوه أقسام للكتاب ولو بتقسيمات شتى، فلا جرك ~~ليس فيه تمانع حقيقي، فالحكم يكون تارة حلالا وأخرى حراما، وفي أصول الدين ~~ترك الخوض بالعقل في المتشابهات من # الآيات والأحاديث، ومن ذلك أمور كثيرة لا يدري أأريد حقيقة الكلام أم ~~أقرب مجاز إليها؟ وذلك فيما لم تجمع عليه الأمة، ولم ترتفع فيه الشبهة ~~والله أعلم. ### | (من أبواب الطهارة) # اعلم أن الطهارة على ثلاثة أقسام: طهارة من الحدث، وطهارة من النجاسة ~~المتعلقة بالبدن أو الثوب أو المكان، وطهارة من الأوساخ النابتة من البدن ~~كشعر العانة والأظافر والدرن. # أما الطهارة من الأحداث فمأخوذة من أصول البر، والعمدة في معرفة الحدث، ~~وروح الطهارة وجدان أصحاب النفوس التي ظهرت فيها أنوار ملكية، فأحسست ~~بمنافرتها للحالة التي تسمى حدثا، وسرورها وانشراحها في الحالة التي تسمى ~~طهارة، وفي تعيين هيئات الطهارة وموجباتها ما اشتهر في الملل السابقة من ~~اليهود والنصارى والمجوس وبقايا الملل الإسماعيلية، فكانوا يجعلون الحدث ~~على قسمين، والطهارة على ضربين - كما ذكرنا من قبل - وكان الغسل من الجنابة ~~سنة سائره في العرب فوزع النبي صلى الله عليه وسلم قسمي الطهارة على نوعي ~~الحدث، فجعل الطهارة الكبرى بأزاء الحديث الأكبر لأنه أقل وقوعا وأكثر لوثا ~~وأحوج إلى تنبيه النفس بعمل شاق، قلما يفعل، مثله، والطهارة الصغرى بأزاء ~~الحدث الأصغر لأنه أكثر وقوعا وأقل لوثا ويكفيه التنبيه في الجملة، والأمور ~~التي فيها معنى الحديث كثيرة جدا يعرفها أهل الاذواق السليمة ... لكن الذي ~~يصلح أن يخاطب به الناس كافة ما هو منضبط بأمور محسوسة ظاهرة الأثر في ~~النفس لتمكن المؤاخذة به جهرة، فلذلك تعين ألا يدار الحكم على اشتغال النفس ~~بما يختلج في المعدة، ولكن يدار على خروج شيء من السبيلين فإن الأول غير ~~مضبوط المقدار وإذا تمكن لا يعرفه الوضوء من خارج، والثاني معلوم بالحس، ~~وأيضا ms263 فلمعنى انقباض النفس فيه شبح محسوس وخليقه ظاهرة وهي التلطخ ~~بالنجاسة، # وأيضا إنما يؤثر الوضوء عند زوال اشتغال النفس وذلك بالخروج، وقد نبه ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قوله " لا يصل أحدكم وهو يدافع الأخبثين. " أن ~~نفس الاشتغال فيه معنى من معاني الحدث. # والأمور التي فيها معنى الطهارة كثيرة كالتطيب والأذكار المذكرة لهذه ~~الخلة كقوله صلى الله عليه وسلم: " اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من ~~المتطهرين " وقوله: " اللهم نقني من الخطايا # PageV01P294 # كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس " والحلول بالمواضع المتبركة ونحو ذلك، ~~لكن الذي يصلح أن يخاطب به جماهير الناس ما يكون منضبطا متيسرا لهم كل حين ~~وكل مكان. والذي يحس أثره بادي الرأي، والذي جرى عليه طوائف الأمم. # وأصل الوضوء غسل الأطراف، فضبط الوجه واليدين - إلى المرفقين - لأن دون ~~ذلك لا يحس أثره، والرجلين - إلى الكعبين - لأن دون ذلك ليس بعضو تام، وجعل ~~وظيفه الرأس المسح لأن غسله نوع من الحرج. # وأصل الغسل نعميم البدن بالغسل. # وأصل موجب الوضوء الخارج من السبيلين وما سوى ذلك محمول عليه # وأصل موجب الغسل الجماع والحيض، وكأن هذين الأمرين كانا مسلمين في العرب ~~قبل النبي صلى الله عليه وسلم، وأما القسمان الآخران من الطهارة فمأخوذان ~~من الارتفاقات فإنهما من مقتضى أصل طبيعة الإنسان لا ينفك عنهما قوم ولا ~~ملة، والشارع اعتمد في ذلك على ما عند العرب القح من الرفاهية المتوسطة كما ~~اعتمد عليه في سائر ما ضبط من الارتفاقات فلم يزد النبي صلى الله عليه وسلم ~~على تعيين الآداب وتمييز المشكل وتقدير المبهم. ### | (فصل في الوضوء) # قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الطهور شطر الإيمان ". # أقول: المراد بالإيمان ههنا هيأة نفسانية مركبة من نور الطهارة والإخبات، ~~والإحسان أوضح منه في هذا المعنى، ولا شك أن الطهور شطره. # قوله صلى الله عليه وسلم: " من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده ~~حتى تخرج من أظفاره " أقول: النظافة المؤثرة في جذر النفس، تقدس النفس، ~~وتلحقها بالملائكة، وتنسى كثيرا من الحالات الدنسية فجعلت خاصيتها ms264 خاصية ~~للوضوء الذي هو شبحها ومظنتها وعنوانها. # PageV01P295 # قوله صلى الله عليه وسلم. " إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من ~~آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل " وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: " تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء " أقول لما كان شبح الطهارة ~~ما يتعلق بالأعضاء الخمسة تمثل تنعم النفس بها حلية لتلك الأعضاء وغرة ~~وتحجلا كما يتمثل الجبن وبرا والشجاعة أسدا. # قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن " أقول: لما ~~كانت المحافظة عليه شاقة لا تتأتى إلا ممن كان على بصيرة من أمر الطهارة ~~موقنا بنفعها الجسيم جعلت علامة الإيمان ### | (صفة الوضوء) # صفة الوضوء على ما ذكره عثمان وعلي وعبد الله بن زيد وغيرهم رضى الله ~~عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم بل تواتر عنه صلى الله عليه وسلم وتطابق ~~عليه الأمة أن يغسل يديه قبل إدخالهما الإناء، ويتمضمض، ويستنثر، ويستنشق، ~~فيغسل وجهه فذراعيه إلى المرفقين، فيمسح برأسه، فيغسل رجليه إلى الكعبين، ~~ولا عبرة بقوم تجارت بهم الأهواء، فانكروا غسل الرجلين متمسكين بظاهر ~~الآية، فانه لا فرق عندي بين من قال بهذا القول وبين من انكر غزوة بدر أو ~~أحد مما هو كالشمس في رابعة النهار، نعم من قال بأن الاحتياط الجمع بين ~~الغسل والمسح أو أن أدنى الفرض المسح، وإن كان الغسل مما يلام أشد الملامة ~~على تركه فذلك أمر يمكن أن يتوقف فيه العلماء حتى تنكشف فيه جلية الحال، ~~ولم أجد في رواية صحيحة تصريحا بأن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بغير ~~مضمضة واستنشاق وترتيب، فهى متأكدة في الوضوء غاية الوكادة، وهما طهارتان ~~مستقلتان من خصال الفطرة ضمتا مع الوضوء ليكون ذلك توقيتا لهما، ولإنهما من ~~باب تعهد المغابن، والوصل بينهما أصح من الفصل. # واداب الوضوء ترجع إلى معان (منها) : تعهد المغابن التى لا يصل إليها ~~الماء إلا بعناية كالمضمضة والاستنشاق وتخليل أصابع اليدين والرجلين ~~واللحية وتحريك الخاتم. # PageV01P296 # ومنها إكمال التنظيف كتثليث الغسل وكالاسباغ - وهو إطالة الغرة - ~~والتحجيل ms265 والإنقاء - وهو الدلك - ومسح الأذنين مع الرأس والوضوء على ~~الوضوء. # ومنها موافقة عاداتهم في الأمور المهمة كالبداءة بالإيمان، فإن اليمين ~~أقوى وأولى، فكان أحق بالبداءة فيما كان بهما، واختصاصه بالطيبات، والمحاسن ~~دون أضدادها فيما كان بأحداهما # ومنها ضبط فعل القلب بألفاظ صريحة في المراد، وضم الذكر اللساني مع ~~القلب. # قوله صلى الله عليه وسلم: " لا وضوء لمن لم يذكر الله ". أقول. هذا ~~الحديث لم يجمع أهل المعرفة بالحديث على تصحيحه وعلى تقدير صحته، فهو من ~~المواضع التي اختلف فيها طريق التلقي من النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ~~استمر المسلمون يحكون وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، ويعلمون الناس، ولا ~~يذكرون التسمية حتى ظهر زمان أهل الحديث، وهو نص على أن التسمية ركن أو ~~شرط، ويمكن أن يجمع بين الوجهين بأن المراد هو التذكر بالقلب، فإن العبادات ~~لا تقبل إلا بالنية، وحينئذ يكون صيغة لا وضوء على ظاهرها، نعم التسمية أدب ~~كسائر الآداب لقوله صلى الله عليه وسلم: " كل أمر ذي بال لم يبدأ باسم الله ~~فهو أبتر، وقياسا على مواضع كثيرة، ويحتمل أن يكون المعنى لا يكمل الوضوء ~~لكن لا أرتضي مثل التأويل، فإنه من التأويل البعيد الذي يعود بالمخالفة على ~~اللفظ. # قوله صلى الله عليه وسلم: " فإنه لا يدري أين باتت يده ". # أقول: معناه أن بعد العهد بالتطهر والغفلة عنهما مليا مظنة لوصول النجاسة ~~والأوساخ إليهما، مما يكون إدخال الماء معه تنجيسا له أو تكديرا وشناعة، ~~وهو علة النهي عن النفخ في الشراب. # قوله صلى الله عليه وسلم: " فان الشيطان يبيت على خيشومه " أقول: معناه ~~أن اجتماع المخاط والمواد الغليظة في الخيشوم سبب لتبلد الذهن وفساد الفكر، ~~فيكون أمكن لتأثير الشيطان بالوسوسة وصده عن تدبر الاذكار: # PageV01P297 # قوله صلى الله عليه وسلم: " ما منكم من أحد يتوضأ، فيبلغ الوضوء، ثم ~~يقول: أشهد الخ - وفي رواية - اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من ~~المتطهرين فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها يشاء ". # أقول: روح الطهارة لا يتم إلا بتوجه النفس ms266 إلى عالم الغيب واستفراغ الجهد ~~في طلبها، فضبط لذلك ذكرا ورتب عليه ما هو فائدة الطهارة الداخلة في جذر ~~النفس. # قوله صلى الله عليه وسلم: " لمن لم يستوعب: " ويل للأعقاب من النار " ~~أقول: السر فيه أن الله تعالى لما أوجب غسل هذه الأعضاء، اقتضى ذلك أن يحقق ~~معناه، فإذا غسل بعض العضو، ولم يستوعب كله لا يصح أن يقال: غسل العضو، ~~وأيضا فيه سد باب التهاون وإنما تخللت النار في الأعقاب لأن تراكم الحدث ~~والإصرار على عدم إزالته خصلة موجبة للنار، والطهارة موجبه للنجاة منها ~~وتكفير الخطايا، فإذا لم يحقق معنى الطهارة في عضو، وخالف حكم الله فيه كان ~~ذلك سبب أن يظهر تألم النفس بالخصلة الموجبة لفساد النفس من قبل هذا العضو، ~~والله أعلم. ### | (موجبات الوضوء) # قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ: وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: " لا تقبل صلاة بغير طهور " وقوله صلى الله عليه وسلم: " ~~مفتاح الصلاة الطهور "، أقول: كل ذلك تصريح باشتراط الطهارة، والطهارة طاعة ~~مستقلة وقتت بالصلاة لتوقف فائدة كل واحدة منهما على الأخرى، وفيه تعظيم ~~أمر الصلاة التي هي من شعائر الله. # وموجبات الوضوء في شريعتنا على ثلاث درجات: (إحداها) . ما اجتمع عليه ~~جمهور الصحابة، وتطابق فيه الرواية، والعمل الشائع وهو البول الغائط والريح ~~والمذي والنوم الثقيل وما في معناها. # قوله صلى الله عليه وسلم: " وكاء السه العينان " وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: " فانه إذا اضطجع استرخت مفاصله. أقول: معناه أن النوم الثقيل مظنة ~~لاسترخاء الأعضاء وخروج الحدث، وأرى أن مع ذلك له سبب آخر، هو أن النوم ~~يبلد النفس، ويفعل فعل الأحداث. # قوله صلى الله عليه وسلم في المذي: " يغسل ذكره، ويتوضأ ". أقول. لا شك ~~أن المذي الحاصل من الملاعبة قضاء شهوة دون شهوة الجماع، فكان من حقه أن ~~يستوجب طهارة دون الطهارة الكبرى. # PageV01P298 # قوله صلى الله عليه وسلم في الشاك: " لا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا ~~أو يجد ريحا ". أقول: معناه حتى يستيقن لما أدير ms267 الحكم على الخارج من ~~السبيلين كان ذلك مقتضيا أن يميز بين ما هو في الحقيقة وبين ما هو مشتبه به ~~وليس هو، والمقصود نفي التعمق. # والثانية ما اختلف فيه السلف من فقهاء الصحابة والتابعين وتعارض فيه ~~الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم كمس الذكر لقوله صلى الله عليه وسلم " ~~من مس ذكره فليتوضأ " قال به ابن عمر وسالم وعروة وغيرهم، ورده علي وابن ~~مسعود وفقهاء الكوفة ولهم قوله صلى الله عليه وسلم " هل هو إلا بضعة منه "، ~~ولم يجئ الثلج بكون أحدهما منسوخا. # ولمس المرأة قال به عمر وابن عمر وابن مسعود وإبراهيم لقوله تعالى # {أو لا مستم النساء} . # ولا يشهد له حديث بل يشهد حديث عائشة بخلافه لكن فيه نظر لأن في إسناده ~~انقطاعا، وعندي أن مثل هذه العلة إنما تعتبر في مثل ترجيح أحد الحديثين على ~~الآخر، ولا تعتبر في ترك حديث من غير تعارض والله أعلم. # وكان عمر وابن مسعود لا يريان التيمم عن الجنابة فتعين حمل الآية عندهما ~~على اللمس لكن صح التيمم عنها عن عمران وعمار وعمرو بن العاص، وانعقد عليه ~~الإجماع، وكان ابن عمر يذهب إلى الاحتياط، وكان إبراهيم يقلد ابن مسعود حتى ~~وضع على أبي حنيفة حال الدليل الذي تمسك به ابن مسعود، فترك قوله مع شدة ~~اتباعه مذهب إبراهيم، وبالجملة فجاء الفقهاء من بعدهم في هذين على ثلاث ~~طبقات آخذ به على ظاهره، وتارك له رأسا، وفارق بين الشهوة وغيرها. # وقال إبراهيم بالوضوء من الدم السائل والقيء الكثير، والحسن بالوضوء من ~~القهقهة # PageV01P299 # في الصلاة، ولم يقل بذلك آخرون، وفي كل ذلك حديث لم يجمع أهل المعرفة ~~بالحديث على تصحيحه، والأصح في هذه أن من احتاط فقد - استبرأ لدينه وعرضه - ~~ومن لا فلا سبيل عليه في صراح الشريعة. # ولا شبهة أن لمس المرأة مهيج للشهوة مظنة لقضاء شهوة دون شهوة الجماع وأن ~~مس الذكر فعل شنيع، ولذلك جاء النهي عن مس الذكر بيمينه في الاستنجاء، فإذا ~~كان قبضا عليه كان من أفعال ms268 الشياطين لا محالة، والدم السائل والقيء الكثير ~~ملوثا للبدن ومبلدان للنفس، والقهقهة في الصلاة # خطيئة تحتاج إلى كفارة، فلا عجب أن يأمر الشارع بالوضوء من هذه، ولا عجب ~~ألا يأمر، ولا عجب أن يرغب فيه من غير عزيمة. # والثالثة ما وجد فيه شبهة من لفظ الحديث وقد أجمع الفقهاء من الصحابة ~~والتابعين على تركه كالوضوء مما مسته النار فإنه ظهر عمل النبي صلى الله ~~عليه وسلم والخلفاء وابن عباس وأبي طلحة وغيرهم بخلافه، وبين جابر أنه ~~منسوخ، وكان السبب في الوضوء منه أنه ارتفاق كامل لا يفعل مثله الملائكة، ~~فيكون سببا لانقطاع مشابهتهم، وأيضا فان ما يطبخ بالنار يذكر نار جهنم، ~~ولذلك نهى عن الكي إلا لضرورة فلذلك لا ينبغي للإنسان أن يشغل قلبه به. # أما لحم الإبل - فالأمر فيه أشد - لم يقل به أحد من فقهاء الصحابة ~~والتابعين ولا سبيل إلى الحكم بنسخه، فلذلك لم يقل به من يغلب عليه ~~التخريج، وقال به أحمد واسحق، وعندي أنه ينبغي أن يحتاط فيه الإنسان والله ~~أعلم. # والسر في إيجاب الوضوء من لحوم الإبل على قول من قال به أنها كانت محرمة ~~في التوراة، واتفق جمهور أنبياء بني إسرائيل على تحريمها، فلما أباحها الله ~~لنا شرع الوضوء منها لمعنيين، أحدهما أن يكون الوضوء شكرا لما أنعم الله ~~علينا من إباحتها بعد تحريمها على من قبلنا، وثانيها أن يكون الوضوء علاجا ~~لما عسى أن يختلج في بعض الصدور من إباحتها بعد ما حرمها الأنبياء من بني ~~إسرائيل، فإن النقل من التحريم إلا كونه مباحا يجب منه الوضوء أقرب ~~لاطمئنان نفوسهم، وعندي أنه كان في أول الإسلام ثم نسخ. # PageV01P300 ### | (المسح على الخفين) # لما كان مبنى الوضوء على غسل الأعضاء الظاهرة التي تسرع إليها الأوساخ، ~~وكانت الرجلان تدخلان عند لبس الخفين في الأعضاء الباطنة، وكان لبسهما عادة ~~متعارفة عندهم، ولا يخلو الأمر بخلعهما عند كل صلاة من حرج سقط غسلهما عند ~~لبسهما في الجملة، ولما كان من باب التيسير الاحتيال بما لا يسترسل معه ~~النفس ms269 بترك المطلوب استعمله الشارع ههنا من رجوع ثلاثة. # أحدها التوقيت بيوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام ولياليها للمسافر لأن ~~اليوم بليلة مقدار صالح للتعهد يستعمله الناس في كثير مما يريدون تعهده، ~~وكذلك ثلاثة أيام بلياليها فوزع المقداران على المقيم والمسافر لمكانهما من ~~الحرج. # والثاني اشتراط أن يكون لبسهما على طهارة ليتمثل بين عيني المكلف أنهما ~~كالباقي على الطهارة قياسا على قلة وصول الأوساخ إلى الأعضاء المستورة، ~~وأمثال هذه القياسات مؤثرة فيما يرجع إلى تنبيه النفس. # والثالث أن يمسح على ظاهرهما عوض الغسل إبقاء لمذكر ونموذج. # وقال علي رضي الله عنه: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح ~~من أعلاه. # أقول: لما كان المسح إبقاء لنموذج الغسل لا يراد منه إلا ذلك، وكان ~~الأسفل مظنة لتلويث الخفين عند المشي في الأرض كان المسح على ظاهرهما دون ~~باطنهما معقولا وموافقا بالرأي، وكان رضي الله عنه من أعلم الناس بعلم ~~معاني الشرائع كما يظهر من كلامه وخطبه، لكن أراد أن يسد مدخل الرأي لئلا ~~يفسد العامة على أنفسهم دينهم ### | (صفة الغسل) # على ما روته عائشة وميمونة، وتطابق عليه الأمة أن يغسل يديه قبل إدخالهما ~~الإناء، ثم يغسل ما وجد من نجاسة على بدنه وفرجه، ثم يتوضأ كما يتوضأ ~~للصلاة، ويتعهد رأسه بالتخليل، ثم يصب الماء على جسده، # PageV01P301 # واختلفوا في حرف واحد يؤخر غسل القدمين أولا؟ وقيل بالفرق بين ما إذا كان ~~في مستنقع من الأرض وما إذا لم يكن كذلك. # أما غسل اليدين فلما مر الوضوء. # وأما غسل الفرج فلئلا تتكثر النجاسة بإسالة الماء عليها، فيعسر غسلها ~~ويحتاج إلى ماء كثير، وأيضا لا يصفو الغسل لطهارة الحدث. وأما الوضوء فلأن ~~من حق الطهارة الكبرى أن تشتمل على الطهارة الصغرى وزيادة ليتضاعف تنبه ~~النفس لخلة الطهارة، وأيضا فالوضوء في الغسل من باب تعهد المغابن فإنه إذا ~~أفاض على رأسه الماء لا يستوعب الأطراف إلا بتعهد واعتناء. # وأما تأخير غسل القدمين فلئلا يتكرر غسلهما بلا فائدة اللهم إلا المحافظة ~~على صورة الوضوء، ثم كمل ms270 الغسل بالندب إلى التثليث والدلك وتعهد المغابن ~~وتأكيد الستر. # قوله صلى الله عليه وسلم: " إن الله حيي ستير " تفسيره قوله: " يحب ~~الحياء والستر " والستر من أعين الناس واجب، وكونه بحيث لو هجم إنسان ~~بالوجه المعتاد لم ير عورته مستحب. # قوله صلى الله عليه وسلم: " خذي فرصة من مسك فتطهري بها " يعني تتبعي بها ~~أثر الدم أقول إنما أمر الحائض بالفرصة الممسكة لمعان منها زيادة الطهارة ~~إذ الطيب يفعل فعل الطهارة، وإنما لم يسن في سائر الأوقات احترازا عن ~~الحرج. # ومنها إزالة الرائحة الكريهة التي لا يخلو عنها الحيض. # ومنها انقضاء الحيض والشروع في الطهر وقت ابتغاء الولد والطيب يهيج تلك ~~القوة. # واختار الصاع إلى خمسة أمداد للغسل، والمد للوضوء لأن ذلك مقدار صالح في ~~الأجسام المتوسطة، # قال النبي صلى الله عليه وسلم: " تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وانقوا ~~البشرة: وقوله صلى الله عليه وسلم: " من ترك موضع شعرة من الجنابة لم ~~يغسلها فعل بها كذا وكذا ": سر ذلك مثل ما ذكرناه في استيعاب الوضوء من أنه ~~تحقيق لمعنى الغسل، وأن البقاء # PageV01P302 # على الجنابة والاصرار على ذلك موجبة للنار، وأنه يظهر تألم النفس من قبل ~~العضو الذي جاء منه الخلل. ### | (موجبات الغسل) # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم وجهدها ~~فقد وجب الغسل وإن لم ينزل " وأقول اختلفت الرواية هل يحمل الاكسال أي ~~الجماع من غير إنزال على الجماع الكامل في معنى قضاء الشهوة أعني ما يكون ~~معه الإنزال، والذي صح رواية وعليه جمهور الفقهاء هو أن من جهدها فقد وجب ~~عليها الغسل وإن لم ينزل، واختلفوا في كيفية الجمع # بين هذا الحديث وحديث إنما الماء من الماء " فقال ابن عباس: إنما الماء ~~من الماء للاحتلام وفيه ما فيه، وقال أبي. إنما كان الماء من الماء رخصة ~~أول الإسلام، ثم نهى، وقد روي عن عثمان وعلي وطلحة والزبير وأبي بن كعب ~~وأبي أيوب رضي الله عنهم فيمن جامع امرأته ولم يمن قالوا: يتوضأ كما ms271 يتوضأ ~~للصلاة، ويغسل ذكره، ورفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يبعد عندي ~~أن يحمل ذلك على المباشرة الفاحشة، فانه قد يطلق الجماع عليها. # وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد البلل ولا يذكر الاحتلام قال ~~" يغتسل " وعن الرجل الذي يرى أنه قد احتلم ولا يجد بللا قال. " لا غسل ~~عليه " # أقول إنما أدار الحكم على البلل دون الرؤيا لأن الرؤيا تكون تارة حديث ~~نفس، ولا تأثير له، وتارة تكون قضاء شهوة، ولا تكون بغير بلل، فلا يصلح ~~لإدارة الحكم إلا البلل، وأيضا فان البلل شيء ظاهر يصلح للانضباط، وأما ~~الرؤيا فإنها كثيرا ما تنسى. # ولا شك أن طول مدة الطهر والحيض وقصرها يختلفان باختلاف المزاج والغذاء ~~ونحوهما، ولا يكاد أن يضبطان بشيء مطرد، فلا جرم أن الأصح هو الرجوع إلى ~~عادتهن، فإذا رأين أنه حيض فهو حيض، وإذا رأين أنه استحاضة فهو استحاضة. # PageV01P303 # واختلاف الصحابة والتابعين في ذلك منشؤه الاستقراء والتقريب. # واستفتت حمنة في الاستحاضة فأمرها بالكرسف والتلجم وخيرها بين أمرين الخ. # أقول الأصل في ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما رأى أن الاستحاضة ليست من ~~الأمور الصحية وترك الصلاة فيها يؤدي إلى إهمالها مدة مديدة أراد أن يحملها ~~على الأمر المعروف عندهم فبدا وجهان. # أحدهما أنها عرق أي داء خفي المأخذ - وليست حيضة بمنزلة الرعاف فردها إلى ~~ما كان في الصحة من حيضها وطهرها في كل شهر، ولا بد حينئذ من تميز الحيضة ~~عن غيرها، إما باللون فالأقوى كالأسود للحيض أو بأيامها المعروفة عندها. # والثاني أنها حيضة فاسدة؛ فلكونها حيضة ينبغي أن تؤمر بالغسل عند كل ~~صلاة، وإن تعذر فعند كل صلاتين، ولكونها فاسدة لم تمنع الصلاة - والحكمة في ~~الكرسف والتلجم - أن يلحق الدم بما استقر في مكانه ولا يعدوه، ولئلا يصيب ~~بدنها وثيابها، وأفتى جمهور الفقهاء بالأول إلا عند تعذره ### | (ما يباح للجنب والمحدث وما لا يباح لهما) # لما كان تعظيم شعائر الله واجبا - ومن الشعائر الله الصلاة والكعبة ~~والقرآن - وكان أعظم ms272 التعظيم ألا يقرب منه الإنسان إلا بطهارة كاملة، وتنبه ~~النفس بفعل مستأنف وجب ألا يقربها إلا متطهر، ولم يشترط # الوضوء لقراءة القرآن لأن التزام الوضوء عند كل قراءة يخل في حفظ القرآن ~~وتلقيه، ولا بد من فتح هذا الباب والترغيب فيه والتخفيف على من أراد حفظه، ~~ووجب أن يؤكد الأمر في الحدث الأكبر، فلا يجوز نفس القراءة أيضا - ولا أن ~~يدخل المسجد جنب أو حائض - لأن المسجد مهيأ للصلاة والذكر، وهو من شعائر ~~الإسلام ونموذج الكعبة. # PageV01P304 # ولم يشترط الطهارة في مجالس النبي صلى الله عليه وسلم لأن كل شيء له ~~تعظيم يناسبه وكان بشرا يعروه من الأحداث والجنابة ما يعرو البشر، فكان ~~اشتراط الطهارة في ذلك قلبا للموضوع. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب ~~ولا جنب ". # أقول المراد أن هذه تنفر منها الملائكة، وأنها أضداد ما فيه الملائكة من ~~الطهارة والتنفر من عبدة الأصنام. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيمن تصيبه الجنابة من الليل: " توضأ، ~~واغسل ذكرك، ثم نم " أقول لما كانت الجنابة منافية لهيئات الملائكة كان ~~المرضى في حق المؤمن ألا يسترسل في حوائجه من النوم والأكل مع الجنابة إذا ~~تعذرت الطهارة الكبرى لا ينبغي أن يدع الطهارة الصغرى لأن أمرهما واحد غير ~~أن الشارع وزعهما على الحدثين. ### | (التيمم) # لما كان من سنة الله في شرائعه أن يسهل عليهم كل ما لا يستطيعونه، وكان ~~أحق أنواع التيسير أن يسقط ما فيه حرج إلى بدل لتطمئن نفوسهم، ولا تختلف ~~الخواطر عليهم بإهمال ما التزموه غاية الالتزام مرة واحدة، # ولا يألفوا ترك الطهارات - أسقط الوضوء والغسل في المرض والسفر إلى ~~التيمم، ولما كان ذلك كذلك نزل القضاء في الملأ الأعلى بإقامة التيمم مقام ~~الوضوء والغسل، وحصل له وجود تشبيهي أنه طهارة من الطهارات، وهذا القضاء ~~أحد الأمور العظام التي تميزت بها الملة المصطفوية من سائر الملل، وهو قوله ~~صلى الله عليه وسلم: " جعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء " # أقول: إنما ms273 خص الأرض لأنها لا تكاد تفقد، فهي أحق ما يرفع به الحرج، ~~ولأنها طهور في بعض الأشياء كالخف والسيف بدلا عن الغسل بالماء، ولأن فيه ~~تذللا بمنزلة تعفير الوجه في التراب، وهو يناسب طلب العفو، وإنما لم يفرق ~~بين بدل الغسل والوضوء - ولم يشرع التمرغ - لأن من حق ما لا يعقل معناه ~~بادئ الرأي أن يجعل كالمؤثر بالخاصية دون المقدار، فانه هو الذي اطمأنت ~~نفوسهم به في هذا الباب، ولأن التمرغ فيه بعض الحرج، فلا يصلح رافعا للحرج ~~بالكلية. # وفي معنى المرض البرد الضار - لحديث عمرو بن العاص - والسفر ليس بقيد، ~~إنما هو صورة لعدم وجدان الماء يتبادر إلى الذهن، وإنما لم يؤمر بمسح الرجل ~~بالتراب - لأن الرجل محل الأوساخ - وإنما يؤمر بما ليس حاصلا ليحصل به ~~التنبه. # PageV01P305 # أما صفة التيمم فهو أحد ما اختلف فيه طريق التلقي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فإن أكثر الفقهاء من التابعين وغيرهم قبل أن تمهد طريقة المحدثين على ~~أن التيمم ضربتان، وضربه للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين. # وأما الأحاديث فأصحها حديث عمار " إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ~~ثم تنفخ فيهما، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك " وروي من حديث ابن عمر " التيمم ~~ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين " وقد روى عمل النبي صلى ~~الله عليه وسلم والصحابة على الوجهين، ووجه الجمع # ظاهر يرشد إليه لفظ " إنما يكفيك " فالأول أدنى التيمم والثاني هو السنة ~~وعلى ذلك يمكن أن يحمل اختلافهم في التيمم، ولا يبعد أن يكون تأويل فعله ~~صلى الله عليه وسلم أنه علم عمارا أن المشروع في التيمم إيصال ما لصق ~~باليدين بسبب الضربة - دون التمرغ، ولم يرد بيان قد رالمسموح من أعضاء ~~التيمم ولا عدد الضربة، ولا يبعد أن يكون قوله لعمار أيضا محمولا على هذا ~~المعنى، وإنما معناه الحصر بالنسبة إلى التمرغ، وفي مثل هذه المسألة لا ~~ينبغي أن يأخذ الإنسان إلا بما يخرج به من العهد يقينا، وكان عمر وابن ~~مسعود رضي الله عنهما لا يريان التيمم ms274 على الجنابة، وحملا الآية على اللمس ~~وأنه ينقض الوضوء، لكن حديث عمران وعمار يشهد بخلاف ذلك، ولم أجد في حديث ~~صحيح تصريحا بأنه يجب أن يتيمم لكل فريضة، أو لا يجوز التيمم للآبق ونحوه، ~~وإنما ذلك من التخريجات. # قوله صلى الله عليه وسلم في الرجل المشجوج: " إنما كان يكفيه أن يتيمم ~~ويعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده ": فيه أن التيمم هو ~~البدل عن العضو كتمام البدن لأنه كالشيء المؤثر بالخاصية، وفيه الأمر ~~بالمسح لما ذكرنا في المسح على الخفين. # قوله صلى الله عليه وسلم: " إن الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد ~~الماء عشر سنين " أقول المقصود منه سد باب التعمق، فان مثله يتعمق فيه ~~المتعمقون ويخالفون حكم الله في الترخيص. # PageV01P306 ### | (آداب الخلاء) # هي ترجع إلى معان: # تعظيم القبلة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا أتيتم الغائط فلا ~~تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها. # وفيه حكمه أخرى، وهي أنه لما كان توجه القلب إلى تعظيم الله أمرا خفيا لم ~~يكن بد من إقامة مظنة ظاهرة مقامة؛ وكان الشرائع المتقدمة تجعل تلك المظنة ~~الحلول بالصوامع المبنية لله تعالى التي صارت من شعائر الله ودينه، وجعلت ~~شريعتنا المظنة استقبال القبلة والتكبير، فلما جعل الله تعالى استقبال ~~القبلة قائما مقام توجه القلب إلى تعظيم الله وجمع الخاطر في ذكر الله وكان ~~سبب إقامته أن هذه الهيئة تذكر الله - استنبط النبي صلى الله عليه وسلم من ~~هذا الحكم أنه يجب أن يجعل هيئة الاستقبال مختصة بالتعظيم وذلك بألا يستعمل ~~في الهيأة المباينة للصلاة كل المباينة - ورؤي استقباله واستدباره - فجمع ~~بتنزيل التحريم على الصحراء والاباحة على البنيان، وجمع بحمل النهي على ~~الكراهية وهو الأضهر. # ومنها تحقيق معنى التنظيف، فورد النهي عن الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار ~~- أي ثلاث مسحات - لأنها لا تنقي غالبا واستحباب الجمع بين الحجر والماء. # ومنها الاحتراز عما يضر الناس كالتحلي في ظل الناس وطريقهم ومتحدثهم ~~والماء الدائم والاستنجاء بالعظم لأنه طعام الجن، وكذا سائر ما ينتفع به، ~~وأفهم ms275 قوله صلى الله عليه وسلم: " اتقوا اللاعنين " أن الحكمة الاحتراز عن ~~لعنهم وتأذيهم، أو ما يضر بنفسه كالبول في الجحر، فإنه قد يكون مأوى حية أو ~~مثلها فيخرج ويؤذي. # ومنها اختيار محاسن العادات، فلا يتمسح بيمينه، ولا يأخذ ذكره بيمينه، ~~ولا يستنجي برجيع، ويوتر في الاستجمار. # ومنها رعاية الستر فينبغي أن يبعد لئلا يسمع منه صوت، أو يشم منه ريح، أو ~~يرى منه عورة، ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، # ويستر بمثل حائش نخل مما يواري أسافل بدنه، فمن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا ~~من رمل، فليستدبره فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، وذلك لأن الشيطان جبل ~~على أفكار فاسدة وأعمال شنيعة. # ومنها الاحتراز من أن يصيب بدنه أو ثوبه نجاسة وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم: " إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله " # PageV01P307 # ومنها إزالة الوسواس وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " فلا يبولن أحدكم في ~~مستحمة فإن عامة الوسواس منه "، وقوله صلى الله عليه وسلم " لا تبل قائما ~~". # أقول: إنما أكره البول قائما لأنه يصيبه الرشاش، ولأنه ينافي الوقار ~~ومحاسن العبادات وهو مظنة انكشاف العورة. # قوله صلى الله عليه وسلم: " إن الحشوش محتضرة فإذا أتى أحدكم الخلاء، ~~فليقل أعوذ بالله من الخبث والخبائث وإذا خرج من الخلاء قال غفرانك " أقول: ~~يستحب أن يقول عند الدخول اللهم أني أعوذ بك من الخبث والخبائث لأن الحشوش ~~محتضرة يحضرها الشياطين لأنهم يحبون النجاسة وعند الخروج غفرانك لأنه وقت ~~ترك ذكر الله ومخالطة الشياطين. # قوله صلى الله عليه وسلم: " أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول " # الحديث أقول فيه إن الاستبراء واجب وهو أن يمكث، وينثر حتى يظن أنه لم ~~يبق في قصبة الذكر شيء من البول، وفيه أن مخالطة النجاسة والعمل الذي يؤدي ~~إلى فساد ذات البين يوجب عذاب القبر، أما شق الجريدة والغرز في كل قبر فسره ~~الشفاعة المقيدة إذ لم تمكن المطلقة لكفرهما. ### | (خصال الفطرة ومأ يتصل بها) # قال النبي صلى الله عليه وسلم: " عشر من الفطرة: ms276 قص الشارب، وإعفاء ~~اللحية، والسواك، والاسنتشاق بالماء، وقص الأظافر، وغسل البراجم، ونتف ~~الأبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء - يعني الاستنجاء قال الراوي: ونسيت ~~العاشرة إلا أن تكون المضمضة ". # أقول هذه الطهارة منقولة عن إبراهيم عليه السلام متداولة في طوائف الأمم ~~الحنيفية أشربت في قلوبهم، ودخلت في صميم اعتقادهم، عليها محياهم، وعليها ~~مماتهم # PageV01P308 # عصرا بعد عصر، ولذلك سميت بالفطرة وهذه شعائر الملة الحنيفية، ولا بد لكل ~~ملة من شعائر يعرفون بها، ويؤاخذون عليها، ليكون طاعتها وعصيانها أمرا ~~محسوسا، وإنما ينبغي أن يجعل من الشعائر ما كثر وجوده، وتكرر وقوعه، وكان ~~ظاهرا، وفيه فوائد جمة تقبله أذهان الناس أشد القبول. # والجملة في ذلك أن بعض الشعور النابتة من جسد الإنسان يفعل فعل الأحداث ~~في قبض الخاطر، وكذا شعث الرأس واللحية وليرجع الإنسان في ذلك إلى ما ذكره ~~الأطباء في الشرى والحكة وغيرهما من الأمراض الجلدية أنها تحزن القلب وتذهب ~~النشاط. # واللحية هي الفارقة الصغير والكبير وهي جمال الفحول وتمام هيأتهم فلا بد ~~من إعفائها، وقصها سنة المجوس، وفيه تغيير خلق الله، ولحوق أهل السؤدد ~~والكبرياء بالرعاع، ومن طالت شواربه تعلق الطعام والشراب بها، واجتمع فيها ~~الأوساخ وهو من سنه المجوس، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " خالفوا ~~المشركين قصوا الشوارب واعفوا اللحى ". # وفي المضمضة والاستنشاق والسواك إزالة المخاط والبخر، والغرلة عضو زائد ~~يجتمع فيها الوسخ ويمنع الاستبراء من البول وينقض لذة الجماع، وفي التوراة ~~- إن الختان ميسم الله على إبراهيم وذريته - معناه أن الملوك جرت عادتهم ~~بأن يسموا ما يخصهم من الدواب لتتميز من غيرها والعبيد الذين لا يريدون ~~إعتاقهم، فكذلك جعل الختان ميسما عليهم، وسائر الشعائر يمكن أن يدخلها ~~تغيير وتدليس، والختان لا يتطرق إليه تغيير إلا بجهد، وانتقاص الماء كناية ~~عن الاستنجاء به. # قوله صلى الله عليه وسلم: " أربعة من سنن المرسلين الحياء - ويروى الختان ~~- والتعطر والسواك والنكاح " أقول: أرى أن هذه كلها من الطهارة فالحياء ترك ~~الوقاحة والبذاء والفواحش، وهي تلوث النفس، وتكدرها. والتعطر يهيج سرور ~~النفس وانشراحها وينبه على ms277 الطهارة تنبيها قويا، والنكاح يطهر الباطن من ~~التوقان إلى النساء ودوران أحاديث تميل إلى قضاء هذه الشهوة. # PageV01P309 # قوله صلى الله عليه وسلم: " لولا أن اشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل ~~صلاة " أقول: معناه لولا خوف الحرج لجعلت السواك شرطا # للصلاة كالوضوء، وقد ورد بهذا الأسلوب أحاديث كثيرة جدا وهي دلائل واضحة ~~على أن لاجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم مدخلا في الحدود الشرعية، وأنها ~~منوطة بالمقاصد، وأن رفع الحرج من الأصول التي بنى عليها الشرائع. # قول الراوي في صفة تسوكه صلى الله عليه وسلم يقول: أع أع - كأنه يتهوع ~~أقول: ينبغي للإنسان أن يبلغ بالسواك أقاصى الفم، فيخرج بلاغم الحلق ~~والصدر، والاستقصاء في السواك يذهب بالقلاع، ويصفى الصوت، ويطيب النكهة. # قوله صلى الله عليه وسلم: " حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام ~~يوما، يغسل فيه جسده ورأسه " أقول: هذا يدل على أن الاغتسال في كل سبعة ~~أيام سنة مستقلة شرعت لدفع الأوساخ والأدران وتنبيه النفس لصفة الطهارة، ~~وإنما وقت لصلاة الجمعة لأن كل واحد فمنهما يكمل بالآخر، وفيه تعظم صلاة ~~الجمعة. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل من أربع من الجنابة ويوم الجمعة ومن ~~الحجامة ومن غسل الميت. # أقول: أما الحجامة فلأن الدم كثيرا ما ينتشر على الجسد، ويتعسر غسل كل ~~نقطة على حدتها ولأن المص بالملازم جاذب للدم من كل جانب، فلا يفيد نقص ~~الدم من العضو، والغسل يزيل السيلان، ويمنع انجذابه. # وأما غسل الميت فلأن الرشاش ينتشر في البدن، وجلست عند محتضر، فرأيت أن ~~الملائكة الموكلة بقبض الأرواح لها نكاية عجيبة في أرواح الحاضرين ففهمت ~~أنه لا بد من تغيير الحالة لتتنبه النفس لمخالفها. # أمر صلى الله عليه وسلم من أسلم بأن يغتسل بماء وسدر؛ وقال لآخر: " ألق ~~عنك شعر الكفر ". # أقول سره أن يتمثل عنده الخروج من شيء من أصرح ما يكون، والله أعلم. # PageV01P310 ### | (أحكام المياه) # قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ~~ثم يغتسل ms278 فيه ". # أقول: معناه النهي عن كل واحد من البول في الماء والغسل فيه مثل حديث: " ~~لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان فإن الله يمقت ~~على ذلك " ويبين ذلك رواية النهي عن البول في الماء فقط ورواية أخرى النهي ~~عن الاغتسال فقط والحكمة أن كل واحد منهما لا يخلو من أحد أمرين: إما أن ~~يغير الماء بالفعل، أو يفضي إلى التغيير بأن يراه الناس بفعل، فيتتابعوا، ~~وهو بمنزلة اللاعنين اللهم إلا أن يكون الماء مستبحرا أو جاريا والعفاف ~~أفضل كل حال. # وأما الماء المستعمل فما كان أحد من طوائف الناس يستعمله في الطهارة، ~~وكان كالمهجور المطرود فأبقاه النبي صلى الله عليه وسلم على ما كان عندهم، ~~ولا شك أنه طاهر. # قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا بلغ الماء ملتين لم يحمل خبثا ". # أقول معناه لم يحمل خبثا معنويا إنما يحكم به الشرع دون العرف والعادة، ~~فإذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة، وفحشت النجاسة كما أو كيفا # فليس مما ذكر، وإنما جعل القلتين حدا فاصلا بين الكثير والقليل لأمر ~~ضروري لا بد منه، وليس تحكما ولا جزافا - وكذا سائر المقادير الشرعية - ~~وذلك أن للماء محلين معدن واوان، أما المعدن فالآبار والعيون، ويلحق بها ~~الأودية، أما الأواني فالقرب والقلال والجفان والمخاضب والأداوة، وكان ~~المعدن يتضررون بتنجسه، ويقاسون الحرج في نزحه، وأما الأواني فتملأ في كل ~~يوم ولا حرج في إراقتها، والمعادن ليس لها غطاء، ولا يمكن سترها من روث ~~الدواب وولغ السباع، وأما الأواني فليس في تغطيتها وحفظها كثير حرج اللهم ~~إلا من الطوافين والطوافات، والمعدن كثير غرير لا يؤثر فيه كثير من ~~النجاسات بخلاف الأواني، فوجب أن يكون حكم المعدن غير حكم الأواني، وأن ~~يرخص في المعدن ما لا يرخص في الأواني، ولا يصلح فارقا بين حد المعدن وحد ~~الأواني إلا القلتان لأن ماء البئر والعين لا يكون أقل من القلتين ألبتة ~~وكل ما دون القلتين من الأودية لا يسمى حوضا ولا جوبة، وإنما يقال له حفيرة ~~وإذا كان قدر ms279 قلتين في مستو من الأرض يكون غالبا سبعة أشبار، وذلك أدنى ~~الحوض، وكان أعلى الأواني القلة ولا يعرف أعلى منها عندهم آنية، # PageV01P311 # وليست القلال سوداء: فقلة عندهم تكون قلة ونصفا، وقلة وربعا، وقلة وثلثا، ~~ولا تعرف قلة تكون كقلتين فهذا حد لا تبلغه الأواني، ولا ينزل منه المعدن، ~~فضرب حدا فاصلا بين الكثير والقليل، ومن يقل بالقلتين اضطر إلى مثلهما في ~~ضبط الماء الكثير - كالمالكية - والرخصة في آبار الفلوات من نحو أبعار ~~الإبل فمن هنا ينبغي أن يعرف الإنسان أمر الحدود الشرعية فإنها نازلة على ~~وجه ضروري لا يجدون منه بدا، ولا يجوز العقل غيرها. # قوله صلى الله عليه وسلم: " الماء طهور لا ينجسه شيء " وقوله صلى الله ~~عليه وسلم: " الماء لا يجنب " وقوله صلى الله عليه وسلم: " المؤمن لا ينجس ~~" ومثله ما في الأخبار من أن البدن لا ينجس والأرض لا تنجس. # أقول: معنى ذلك كله يرجع إلى نفي نجاسة خاصة تدل عليه القرائن الحالية ~~والقالية فقوله: " الماء لا ينجس " معناه المعادن لا تنجس بملاقاة النجاسة ~~إذا أخرجت، ورميت، ولم يتغير أحد أوصافه، ولم تفحش، والبدن يغسل، فيطهر، ~~والأرض يصيبها المطر والشمس، وتدلكها الأرجل فتطهر، وهل يمكن أن يظن ببئر ~~بضاعة أنها كانت تستقر فيها النجاسات؟ ! كيف وقد جرت عادة بني آدم ~~بالاجتناب عما هذا شأنه، فكيف يستقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ بل ~~كانت تقع فيها النجاسات من غير أن يقصد إلقاؤها كما تشاهد من آبار زماننا، ~~ثم تخرج تلك النجاسات، فلما جاء الإسلام سألوا عن الطهارة الشرعية الزائدة ~~على ما عندهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الماء طهور لا ينجسه ~~شيء " يعني لا ينجس نجاسة غير ما عندكم، وليس هذا تأويلا ولا صرفا عن ~~الظاهر بل هو كلام العرب فقوله تعالى: # {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم} الآية. # معناه مما اختلفتم فيه، وإذا سئل الطبيب عن شيء فقال لا يجوز استعماله ~~عرف أن المراد نفي الجواز باعتبار صحة البدن، وإذا ms280 سئل فقيه عن شيء فقال لا ~~يجوز عرف أنه يريد نفي الجواز الشرعي، # PageV01P312 # قوله تعالى: # {حرمت عليكم أمهاتكم} . # وقوله تعالى: # {حرمت عليكم الميتة} . # فالأول في النكاح والثاني في الأكل قوله صلى الله عليه وسلم: " لا نكاح # إلا بولي " نفي للجواز الشرعي لا الوجود الخارجي وأمثال هذا كثيرة وليس ~~من التأويل. # وأما الوضوء من الماء المقيد الذي لا ينطلق عليه اسم الماء بلا قيد فأمر ~~تدفعه الملة بادئ الرأي، نعم وإزالة الخبث به محتمل بل هو الراجح، وقد أطال ~~القوم من فروع موت الحيوان في البئر، والعشر في العشر، والماء الجاري وليس ~~في كل ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ألبته، وأما الآثار المنقولة ~~عن الصحابة والتابعين كأثر ابن الزبير في الزنجي، وعلي رضي الله عنه في ~~الفأرة، والنخعي. والشعبي في نحو السنور فليست مما يشهد له المحدثون بالصحة ~~ولا مما اتفق عليه جمهور أهل القرون الأولى،، وعلى تقدير صحتها يمكن أن ~~يكون ذلك تطبيبا للقلوب وتنظيفا للماء لا من جهة الوجوب الشرعي كما ذكر في ~~كتب المالكية، ودون نفي هذا الاحتمال خرط القتاد. # وبالجملة فليس في هذا الباب شيء يعتد به، ويجب العمل عليه، وحديث القلتين ~~أثبت في ذلك كله بغير شبهة، ومن المحال أن يكون الله تعالى شرع في هذه ~~المسائل لعبادة شيئا زيادة على ما لا ينفكون عنه من الارتفاقات وهي مما ~~يكثر وقوعه، وتعم به البلوى، ثم لا ينص عليه النبي صلى الله عليه وسلم نصا ~~جليا، ولا يستفيض في الصحابة ومن بعدهم ولا حديث واحد فيه، والله أعلم. ### | (تطهير النجاسات) # النجاسة كل شيء يستقذره أهل الطبائع السليمة، ويتحفظون عنه ويغسلون ~~الثياب إذا أصابها كالعذرة والبول والدم. # وأما تطهير النجاسات فهو مأخوذ عنهم ومستنبط مما اشتهر فيهم والروث # ركس لحديث ابن مسعود وبول ما يؤكل لحمه لا شبهة في كونه خبثا تستقذره ~~الطبائع السليمة، وإنما يرخص في شربه لضرورة الاستشفاء، وإنما يحكم بطهارته ~~أو بخفة نجاسته لدفع الحرج، وألحق الشارع بها الخمر وهو قوله تعالى: ms281 # {رجس من عمل الشيطان} # لأنه حرمها وأكد تحريمها، فاقتضت الحكمة أن يجعلها بمنزلة البول والعذرة ~~ليتمثل قبحها عندهم، ويكون ذلك أكبح لنفوسهم عنها. # PageV01P313 # قال النبي صلى الله عليه وسلم " إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع ~~مرات " وفي رواية " أولاهن بالتراب " أقول ألحق النبي صلى الله عليه وسلم ~~سؤر الكلب بالنجاسات، وجعله من أشدها لأن الكلب حيوان ملعون تنفر منه ~~الملائكة، وينقص - اقتناؤه والمخالطة معه بلا عذر - من الأجر كل يوم ~~قيراطا، والسر في ذلك أنه يشبه الشيطان بجبلته لأن ديدته لعب وغضب واطراح ~~في النجاسات وإيذاء للناس، ويقبل الإلهام من الشياطين، فرأى منهم صدودا ~~وتهاونا، ولم يكن سبيل إلى النهي عنه بالكلية لضرورة الزرع والماشية ~~والحراسة والصيد، فعالج ذلك باشتراط أتم الطهارات وأوكدها وما فيها بعض ~~الحرج ليكون بمنزلة الكفارة في الردع والمنع، واستشعر بعض حملة الملة بأن ~~ذلك ليس بتشريع بل نوع تأكيد، واختار بعضهم رعاية ظاهر الحديث والاحتياط ~~أفضل. # قوله صلى الله عليه وسلم: " هريقوا على بوله سجلا من ماء " # أقول البول على الأرض يطهره مكاثرة الماء عليه، وهو مأخوذ مما تقرر عند ~~الناس قاطبة أن المطر الكثير يطهر الأرض، وأن المكاثرة تذهب بالرائحة ~~المنتنة وتجعل البول متلاشيا كأن لم يكن. قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا ~~أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة، فلتقرصه، ثم لتنضحه بماء ثم لتصلى فيه " ~~أقول: تحصل الطهارة بزوال عين النجاسة وأثرها وسائر الخصوصيات بيان لصورة ~~صالحة لزوالهما وتنبيه على ذلك لا شرط. # وأما المنى فالأظهر أنه نجس لوجود ما ذكرنا في حد النجاسة، وأن الفرك ~~يطهر يابسة إذا كان له حجم. # PageV01P314 # قوله صلى الله عليه وسلم: " يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام " ~~أقول: هذا أمر كان قد تقرر في الجاهلية، وأبقاه النبي صلى الله عليه وسلم، ~~والحامل على هذا الفرق أمور: # منها أن بول الغلام ينتشر فيعسر إزالته، فيناسبه التخفيف، وبول الجارية ~~يجتمع، فيسهل إزالته: # ومنها أن بول الأنثى أغلظ وأنتن من بول الذكر. # ومنها أن الذكر ترغب ms282 فيه النفوس والأنثى تعافها، وقد أخذ بالحديث أهل ~~المدينة وإبراهيم النخعي، وأضجع فيه القول محمد فلا تغتر بالمشهور بين ~~الناس. # قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا أدبغ الأهاب، فقد طهر " أقول: # استعمال جلود الحيوانات المدبوغة أمر شائع مسلم عند طوائف الناس، والسر ~~فيه أن الدباغ يزيل النتن والرائحة الكريهة. # قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له ~~طهور " أقول النعل والخف يطهر من النجاسة التي لها جرم بالدلك لأنه جسم صلب ~~لا يتخلل فيه النجاسة والظاهر أنه عام في الرطبة واليابسة. # قوله صلى الله عليه وسلم في الهرة " إنها من الطوافين والطوافات ". # أقول: معناه على قول أن الهرة وأن كانت تلغ في النجاسات، وتقتل الفأرة ~~فهنالك ضرورة في الحكم بتطهير سؤرها، ودفع الحرج أصل من أصول الشرع، وعلى ~~قول آخر حث على الإحسان على كل ذات كبد رطبة وشبهها بالسائلين والسائلات، ~~والله أعلم. ### | (من أبواب الصلاة) # اعلم أن الصلاة أعظم العبادات شأنا وأوضحها برهانا وأشهرها في الناس ~~وأنفعها في النفس، ولذلك اعتنى الشارع ببيان فضلها وتعيين أوقاتها وشروطها ~~وأركانها وآدابها ورخصها ونوافلها اعتناء عظيم لم يفعل في سائر أنواع ~~الطاعات، وجعلها من أعظم شعائر الدين، وكانت مسلمة في اليهود والنصارى ~~والمجوس وبقايا الملة الإسماعيلية، فوجب ألا يذهب في توقيتها وسائر ما ~~يتعلق بها إلا إلى ما كان عندهم من الأمور التي اتفقوا عليها، واتفق عليها ~~جمهورهم وأما ما كان من تحريفهم، ككراهية اليهود الصلاة في الخفاف والنعال ~~ونحو ذلك، فمن حقه أن يسجل على تركه، وأن يجعل سنة المسلمين غير سنة # PageV01P315 # هؤلاء، وكذلك كان المجوس حرفوا دينهم، وعبدوا الشمس،؛ فوجب أن تميز ملة ~~الإسلام من ملتهم غاية التمييز، فنهي المسلمون عن الصلاة في أوقات صلواتهم ~~أيضا. # ولاتساع أحكام الصلاة وكثرة أصولها التي تبنى عليها لم تذكر الأصول # في فاتحة كتاب الصلاة كما ذكرنا في سائر الكتب، بل ذكرنا أصل كل فصل في ~~ذلك الفصل. # قوله صلى الله عليه وسلم: " مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع ms283 سنين ~~واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع " أقول: بلوغ ~~الصبي على وجهين: بلوغ في صلاحية السقم والصحة النفسانيتين، ويتحقق بالعقل ~~فقط، وأمارة ظهور العقل سبع، فابن السبع ينتقل فيها لا محالة من حالة إلى ~~حالة انتقالا ظاهرا، وأمارة تمامه العشر فابن العشر عند سلامة المزاج يكون ~~عاقلا يعرف نفعه من ضرره ويحذق في التجارة وما يشبهها. وبلوغ في صلاحية ~~الجهاد والحدود والمؤاخذة عليه، وأن يصير به من الرجال الذين يعانون ~~المكايد، ويعتبر حالهم في السياسات المدنية والملية، ويجبرون قسرا على ~~الصراط المستقيم، ويعتمد على تمام العقل وتمام الجثة وذلك بخمس عشر سنة في ~~الأكثر، ومن علامات هذا البلوغ الاحتلام وإنبات العانة. # والصلاة لها اعتباران: فباعتبار كونها وسيلة فيما بينه وبين مولاه منقذه ~~عن التردي في أسفل السافلين أمر بها عند البلوغ الأول. # وباعتبار كونه من شعائر الإسلام يؤاخذون بها، ويجبرون عليها أشاؤا أم ~~أبوا حكمها حكم سائر الأمور. # ولما كان سن العشر برزخا بين الحدين جامعا بين الجهتين جعل له نصيبا ~~منهما. وإنما أمر بتفريق المضاجع لأن الأيام أيام مراهقة فلا يبعد أن تفضي ~~المضاجعة إلى شهوة المجامعة، فلا بد من سد سبيل الفساد قبل وقوعه. # PageV01P316 ### | (فضل الصلاة) # قوله تعالى: # {إن الحسنات يذهبن السيئات} # وقوله صلى الله عليه وسلم لمن صلى في الجماعة بعد الذنب: " فإن الله قد ~~غفر لك ذنبك " وقوله صلى الله عليه وسلم: " لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل ~~فيه كل يوم خمسا هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا، قال: فذلك مثل الصلوات ~~الخمس يمحوا الله بها الخطايا ". وقوله صلى الله عليه وسلم: " الصلوات ~~الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنب ~~الكبائر ". # أقول: الصلاة جامعة للتنظيف والاخبات، مقدسة للنفس إلى عالم الملكوت، ومن ~~خاصية النفس إنها إذا اتصفت بصفة رفضت ضدها، وتباعدت عنه، وصار ذلك منها ~~كأن لم يكن شيئا مذكورا، فمن أدى الصلوات على وجهها، وأحسن وضوءهن، وصلاهن ~~لوقتهن، وأتم ركوعهن وخشوعهن وأذكارهن وهيآتهن، وقصد بالأشباح ms284 أرواحها، ~~وبالصور معانيها، لا بد أنه يخوض في لجة عظيمة من الرحمة، ويمحو الله عنه ~~الخطايا. # قوله صلى الله عليه وسلم: " بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة ". أقول. ~~الصلاة من أعظم شعائر الإسلام وعلامته التي إذا فقدت ينبغي أن يحكم بفقده ~~لقوة الملابسة بينها وبينه، وأيضا الصلاة هي المحققة لمعنى إسلام الوجه ~~لله، ومن لم يكن له حظ منها فإنه لم يبؤ من الإسلام إلا بما لا يعبأ به. ### | (أوقات الصلاة) # لما كانت فائدة الصلاة وهي الخوض في لجة الشهود، والانسلاك في سلك ~~الملائكة لا تحصل إلا بمداومة عليها وملازمة بها وإكثار منها حتى تطرح عنهم ~~أثقالهم، ولا يمكن أن يؤمروا بما يفضي إلى ترك الارتفاقات الضرورية ~~والانسلاخ عن أحكام الطبيعة بالليلة - أوجبت الحكمة الإلهية أن يؤمروا ~~بالمحافظة عليها والتعهد لها بعد كل برهة من الزمان، ليكون انتظارهم للصلاة ~~وتهيؤهم لها قبل أن يفعلوها وبقية لونها وصبابه نورها بعد أن يفعلوها في ~~حكم الصلاة، وتكون أوقات الغفلة مضمونة بطمح بصر إلى ذكر الله وتعلق خاطر ~~بطاعة الله، فيكون حال المسلم كحال حصان مربوط بآخية يستن شرفا أو شرفين ثم ~~يرجع إلى أخيته ويكون ظلمة الخطايا والغفلة لا تدخل في جذر القلب، وهذا هو ~~الدوام المتيسر عندما امتنع الدوام الحقيقي. ثم لما آل الأمر إلى تعيين ~~أوقات الصلاة لم يكن وقت أحق بها من الساعات الأربع التي تنتشر فيها ~~الروحانية، وتنزل # PageV01P317 # فيها الملائكة، ويعرض فيها على الله أعمالهم، ويستجاب دعاؤهم، وهي كالأمر ~~المسلم عند جمهور أهل التلقي من الملأ الأعلى، لكن وقت نصف الليل لا يمكن ~~تكليف الجمهور به - كما لا يخفى - فكانت أوقات الصلاة في الأصل ثلاثة: ~~الفجر والعشى وغسق الليل، وهو قوله تبارك وتعالى: # {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا} # وإنما قال: (إلى غسق الليل) لأن صلاة العشى ممتدة إليه حكما - لعدم وجود ~~الفصل - ولذلك جاز عند الضرورة الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء ~~- فهذا أصل. # ولا يجوز أن يكون ms285 الفصل بين كل صلاتين كثيرا جدا، فيفوت معنى المحافظة، ~~وينسى ما كسبه أول مرة - ولا قليلا جدا - فلا يتفرغون لابتغاء معاشهم، ولا ~~يجوز أن يضرب في ذلك إلا حدا ظاهرا محسوسا يتبينه الخاصة والعامة، وهو كثرة ~~ما للجزء المستعمل عند العرب والعجم - في باب تقدير الأوقات، وليست بالكثرة ~~المفرطة - ولا يصلح لهذا إلا ربع النهار فإنه ثلاث ساعات، وتجزئه الليل ~~والنهار إلى اثنتي عشرة ساعة أمرأ جمع عليه أهل الأقاليم الصالحة، وكان أهل ~~الزراعة والتجارة والصناعة وغيرهم يعتادون غالبا أن يتفرغوا لأشغالهم من ~~البكرة إلى الهاجرة، فإنه وقت ابتغاء الرزق وهو قوله تعالى: # {وجعلنا النهار معاشا} # وقوله تعالى: # {لتبتغوا من فضله} # واتصاف كثير من الأشغال ينجر إلى مدة طويلة، ويكون التهيؤ للصلاة والتفرغ ~~لها من الناس أجمعهم في أثناء ذلك حرجا عظيما، فلذلك أسقط الشارع الضحى، ~~ورغب فيها ترغيبا عظيما من غير إيجاب، فوجب أن تشتق صلاة العشى إلى صلاتين ~~بينهما نحو ربع النهار وهما الظهر والعصر، وغسق الليل إلى صلاتين بينهما ~~نحو من ذلك وهما المغرب والعشاء، ووجب ألا يرخص في الجمع بين كل من شقي ~~الوقتين إلا عند ضرورة لا يجد منها بدا، وإلا لبطلت المصلحة المعتبرة في ~~تعيين الأوقات - وهذا أصل آخر # وكان جمهور أهل الأقاليم الصالحة والأمزجة المعتدلة الذين هم المقصودون ~~بالذات في الشرائع لا يزالون متيقظين مترددين في حوائجهم من وقت الأسفار ~~إلى غسق الليل، وكان أحق ما يؤدى فيه الصلاة وقت خلو النفس عن ألوان ~~الأشغال المعاشية المنسية ذكر الله، ليصادف قلبا فارغا، فتمكن منه ويكون ~~أشد تأثيرا فيه، وهو قوله تعالى: # PageV01P318 # {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا} # ووقت الشروع في النوم ليكون كفارة لما مضى وتصقيلا للصدأ، وهو قوله صلى ~~الله عليه وسلم: " من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف الليل الأول، ومن ~~صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليله " ووقت اشتغالهم كالضحى ليكون ~~مهونا للانهماك في الدنيا وترياقا له، غير أن هذا لا يجوز أن يخاطب به ~~الناس جميعا ms286 لأنهم حينئذ بين أمرين: إما أن يتركوا هذا أو ذاك - وهذا أصل ~~آخر. # وأيضا لا أحق في باب تعيين الأوقات من أن يذهب إلى المأثور من سنن ~~الأنبياء المقربين من قبل، فإنه كالمنبه للنفس على أداء الطاعة تنبيها ~~عظيما والمهيج لها على منافسة القوم، والباعث على أن يكون للصالحين فيهم ~~ذكر جميل، وهو قول جبريل عليه السلام: " هذا وقت الأنبياء من قبلك ". # لا يقال ورد في حديث معاذ في العشاء " ولم يصلها أحد قبلكم " لأن الحديث ~~رواه جماعة، فقال بعضهم: أن الناس صلوا ورقدوا، وقال بعضهم ولا يصليها أحد ~~إلا بالمدينة ونحو ذلك، فالظاهر أنه من قبل الرواية بالمعنى وهذا أصل آخر. # وبالجملة ففي تعيين الأوقات سر عميق من وجوه كثيرة، فتمثل جبريل عليه ~~السلام وصلى بالنبي صلى الله عليه وسلم وعلمه الأوقات، ولما ذكرنا طهر وجه ~~مشروعية الجمع بين الصلاتين في الجملة، وسبب وجود التهجد والضحى على النبي ~~صلى الله عليه وسلم والأنبياء على ما ذكروا وكونها نافلة للناس وسبب تأكيد ~~أداء الصلوات على أوقاتها، والله أعلم. # ولما كان في التكليف بأن يصلي جميع الناس في ساعة واحدة بعينها لا ~~يتقدمون، ولا يتأخرون غاية الحرج - وسع في الأوقات توسعه ما. # ولما كان لا يصلح للتشريع إلا المظنات الظاهرة عند العرب غير الخفيفة على ~~الأداني والأقاصي - جعل لأوائل الأوقات وأواخرها حدودا مضبوطة محسوسة. # ولتزاحم هذه الأسباب حصل للصلوات أربعة أوقات: وقت الاختيار وهو الوقت ~~الذي يجوز أن يصلي فيه من غير كراهيه، والعمدة فيه حديثان حديث جبريل فإنه ~~صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم يومين، وحديث بريدة ففيه أنه صلى الله عليه ~~وسلم أجاب السائل عنها بأن صلى يومين، والمفسر منهما قاض على المبهم، وما ~~اختلف يتبع في حديث بريدة لأنه مدني متأخر، والأول مكي متقدم، وإنما يتبع ~~الآخر فالآخر وذلك أن آخر وقت المغرب هو ما قبل أن يغيب الشفق، # PageV01P319 # ولا يبعد أن يكون جبر يل أخر المغرب في اليوم الثاني قليلا جدا لقصر وقته ~~فقال الراوي: صلى المغرب ms287 في يومين في وقت واحد إما لخطأ في اجتهاده أو ~~بيانا لغاية القلة والله أعلم. # وكثير من الأحاديث يدل على أن آخر وقت العصر أن تتغير الشمس، وهو الذي ~~أطبق عليه الفقهاء، فلعل المثلين بيان لآخر الوقت المختار، والذي يستحب ~~فيه، أو نقول: لعل الشرع نظر أولا إلى أن المقصود من اشتقاق العصر أن يكون ~~الفصل بين كل صلاتين نحوا من ربع النهار، فجعل الأمد الآخر بلوغ الظل إلى ~~المثلين، ثم ظهر من حوائجهم وأشغالهم ما يوجب الحكم بزيادة الأمد، وأيضا ~~معرفة ذلك الحد تحتاج إلى ضرب من التأمل وحفظ للفيء الأصلي ورصد، وإنما ~~ينبغي أن يخاطب الناس في مثل ذلك بما هو محسوس ظاهر، فنفث الله في روعه صلى ~~الله عليه وسلم أن يجعل الأمد تغير قرص الشمس أو ضوئها، والله أعلم. # ووقت الاستحباب الذي يستحب أن يصلي فيه وهو أوائل الأوقات إلا العشاء ~~فالمستحب الأصلي تأخيرها لما ذكرنا من الوضع الطبيعي، وهو قوله صلى الله ~~عليه وسلم: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء " ولأنه أنفع ~~في تصفية الباطن من الأشغال المنسية ذكر الله وأقطع لمادة السمر بعد العشاء ~~لكن التأخير ربما يفضي إلى تقليل الجماعة وتنفير القوم. وفيه قلب الموضوع. # فلهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كثر الناس عجل، وإذا قلوا أخر - ~~والأظهر الصيف - وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا اشتد الحر فأبردوا ~~بالظهر فان شدة الحر من فيح جهنم " أقول: معناه معدن الجنة والنار هو معدن ~~ما يفاض في هذا العالم من الكيفيات المناسبة والمنافرة وهو تأويل ما ورد في ~~الأخبار في الهندبا وغيره. # قوله صلى الله عليه وسلم " أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر " أقول: هذا ~~الخطاب لقوم خشوا تقليل الجماعة جدا أن ينتظروا إلى الأسفار أو لأهل ~~المساجد الكبيرة التي تجمع الضعفاء والصبيان وغيرهم كقوله صلى الله عليه ~~وسلم: " أيكم صلى بالناس فليخفف فإنه فيهم الضعيف " الحديث أو معناه طولوا ~~الصلاة حتى يقع آخرها في وقت الأسفار لحديث أبي برزة ms288 كان ينفتل في صلاة ~~الغداة حين يعرف الرجل # PageV01P320 # جليسه، ويقرأ بالستين إلى المائة فلا منافاة بينه وبين حديث الغلس. # ووقت الضرورة وهو ما لا يجوز التأخير إليه إلا بعذر. وهو قوله # صلى الله عليه وسلم: " من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك ~~الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " وقوله ~~صلى الله عليه وسلم. " تلك صلاة المنافق يرقب الشمس حتى إذا اصغرت " الحديث ~~وهو حديث ابن عباس في الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء والعذر ~~مثل السفر والمرض والمطر وفي العشاء إلى طلوع الفجر، والله أعلم # ووقت القضاء إذا ذكر، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " من نسي صلاة أو نام ~~عنها فليصلها إذا ذكرها ". # أقول: والجملة في ذلك ألا تسترسل النفس بتركها، وأن يدرك ما فاته من ~~فائدة تلك الصلاة، وألحق القوم التفويت بالفوت نظرا إلى أنه أحق بالكفارة. # ووصى صلى الله عليه وسلم أبا ذر إذا كان عليه أمراء يميتون الصلاة " صل ~~الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلها فإنها لك نافلة ". # أقول: راعي في الصلاة اعتبارين اعتبار كونها وسيلة بينه وبين الله، ~~وكونها من شعائر الله يلام على تركها. # قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تزال أمتي بخير ما لم يؤخروا المغرب إلى ~~أن تشتبك النجوم أقول: هذا إشارة إلى أن التهاون في الحدود الشرعية سبب ~~تحريف الملة. # قال الله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} والمراد بها العصر. # قوله صلى الله عليه وسلم: " من صلى البردين دخل الجنة ". # قوله صلى الله عليه وسلم: " من ترك صلاة العصر حبط عمله ". # وقوله صلى الله عليه وسلم: " الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله ~~وماله " قوله صلى الله عليه وسلم: " ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر ~~والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا " أقول: إنما خص هذه ~~الصلوات الثلاث بزيادة الاهتمام ترغيبا وترهيبا لأنها مظنة # PageV01P321 # التهاون والتكاسل لأن الفجر والعشاء وقت النوم لا ينتهض لله من بين ms289 فراشه ~~ووطائه عند لذيذ نومه ووسنه إلا مؤمن تقي، وأما وقت العصر فكان وقت قيام ~~أسواقهم واشغالهم بالبيوع وأهل الزراعة أتعب حالهم هذه # قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب " ~~وفي حديث آخر: " على اسم صلاة العشاء " أقول: يكره تسمية ما ورد في الكتاب ~~والسنة مسمى شيء اسما آخر بحيث يكون ذريعة لهجر الاسم الأول لأن ذلك دليل ~~يلبس على الناس دينهم ويعجم عليهم كتابهم ### | (الأذان) # لما علمت الصحابة أن الجماعة مطلوبة مؤكدة، ولا يتيسر الاجتماع في زمان ~~واحد ومكان واحد بدون إعلام وتنبيه، تكلموا فيما يحصل به الأعلام، فذكروا ~~النار فردها صلى الله عليه وسلم لمشابهة المجوس، - وذكروا القرن -، فرده ~~لمشابهة اليهود - وذكروا الناقوس، - فرده لمشابهة النصارى، فرجعوا من غير ~~تعيين، فأرى عبد الله بن زيد - الأذان والإقامة في منامه، فذكر ذلك للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: # " رؤيا حق ". .، وهذه القصة دليل واضح على أن الأحكام إنما شرعت لأجل ~~المصالح، وأن للاجتهاد فيها مدخلا، وأن التيسير أصل أصيل، وأن مخالفة أقوام ~~تمادوا في ضلالتهم فيما يكون من شعائر الدين مطلوب، وأن غير النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد يطلع بالمنام أو النفث في الروع على مراد الحق، لكن لا يكلف ~~الناس به ولا تنقطع الشبهة حتى يقرره النبي صلى الله عليه وسلم، واقتضت ~~الحكمة الإلهية إلا يكون الأذان صرف إعلام وتنبيه، بل يضم مع ذلك من شعائر ~~الدين بحيث يكون النداء به على رءوس الخامل والنبيه تنويها بالدين، ويكون ~~قبوله من القوم آية انقيادهم لدين الله، فوجب أن يكون مركبا من ذكر الله ~~ومن الشهادتين والدعوة إلى الصلاة ليكون مصرحا بما أريد به. # وللأذان طرق: أصحها طريقه بلال رضي الله عنه، فكان الأذان على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرتين والإقامة مرة مرة غير أنه كان يقول: ~~قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة. # PageV01P322 # ثم طريقة أبي مجذوره علمه النبي صلى الله عليه وسلم الأذان تسع عشره كلمة ~~والإقامة سبع عشر ms290 كلمة، وعندي أنها كأحرف القرآن، كلها شاف كاف. # قوله صلى الله عليه وسلم: " فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم ~~الصلاة خير من النوم. أقول لما كان الوقت وقت نوم وغفلة، وكانت الحاجة إلى ~~التنبيه القوي شديدة استحب زيادة هذا اللفظة. # قوله صلى الله عليه وسلم: " من أذن فهو يقيم " أقول: سره أنه لما شرع في ~~الأذان وجب على إخوانه ألا يزاحموه فيما أراد من المنافع المباحة # بمنزلة قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يخطب الرجل على خطبة أخيه ". # وفضائل الأذان ترجع إلى أنه من شعائر الإسلام، وبه تصير الدار دار ~~الإسلام، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إن سمع الأذن أمسك، وإلا ~~أغار، وأنه شعبة من شعب النبوة لأنه حث على أعظم الأركان وأم القربات، ولا ~~يرضى الله ولا يغضب الشيطان مثل ما يكون في الخير المتعدى، وإعلاء كلمة ~~الحق، # PageV01P323 # وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد " ~~وقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا نودى للصلاة أدبر الشيطان له ضراط ". # قوله صلى الله عليه وسلم: " المؤذنون أطول الناس أعناقا " وقوله صلى الله ~~عليه وسلم: " المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له الجن والإنس " أقول. أمر ~~المجازاة مبني على مناسبة المعاني بالصور وعلاقة الأرواح وبالأشباح، فوجب ~~أن يظهر نباهة شأن المؤذن من جهة عنقه وصوته، وتتسع رحمة الله عليه أتساع ~~دعوته إلى الحق. # قوله صلى الله عليه وسلم: " من أذن سبع سنين محتسبا كتبت له براءة من ~~النار وذلك لأنه مبين صحة تصديقه لا تتصور المواظبة عليه لله إلا ممن أسلم ~~وجهه لله، ولأنه أمكن من نفسه غاشية عظيمة من الرحمة الإلهية. # قول الله في راعى غنم في رأس شظية " انظروا إلى عبدي هذا يؤذن، ويقيم ~~الصلاة يخاف مني، قد غفرت له وأدخلته الجنة " قوله: " يخاف مني " دليل على ~~أن الأعمال تعتبر بدواعيها المنبعثة هي منها، وأن الأعمال أشباح، وتلك ~~الدواعي أرواح لها، فكان خوفه من الله وإخلاصه له سبب مغفرته. ms291 # ولما كان الأذان من شعائر الدين جعل ليعرف به قبول القوم للهداية # PageV01P324 # الإلهية أمر بالإجابة لتكون مصرحة بما أريد منهم، فيجيب الذكر والشهادتين ~~بهما، ويجيب الدعوة بما فيه توحيد في الحول والقوة دفعا لما عسى أن يتوهم ~~عند إقدامه على الطاعة من العجب من فعل ذلك خالصا من قلبه دخل الجنة لأنه ~~شبح الانقياد وإسلام الوجه لله، وأمر بالدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم ~~تكميلا لمعنى قبول دينه واختيار حبه. # قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة " أقول: ~~ذلك لشمول الرحمة الإلهية ووجود الإنقياد من الداعي. # قوله صلى الله عليه وسلم: " وإن بلالا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ~~ينادي ابن أم مكتوم " أقول: يستحب للإمام إذا رأى الحاجة أن يتخذ مؤذنين ~~يعرفون أصواتهما، ويبين للناس أن فلانا ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ~~ينادي فلان، ليكون الأول منهما للقائم والمتسحر أن يرجعا، وللنائم أن يقوم ~~إلى صلاته، ويتدارك ما فاته من سحوره. # قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها ~~تمشون " أقول: هذا إشارة إلى رد التعمق في التنسك. ### | (المساجد) # فضل بناء المسجد وملازمته وانتظار الصلاة فيه ترجع إلى أنه من شعائر ~~الإسلام، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا رأيتم مسجدا، أو سمعتم مؤذنا، ~~فلا تقتلوا أحدا "، وأنه محل الصلاة معتكف العابدين ومطرح الرحمة ويشبه ~~الكعبة من وجه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " من خرج من بيته متطهرا إلى ~~صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه ~~إلا إياه فأجره كأجر المعتمر " وقوله # صلى الله عليه وسلم: " إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قيل: وما رياض ~~الجنة؟ قال: المساجد ". # وإن التوجه إليه في أوقات الصلاة من بين شغله وأهله لا يقصد إلا الصلاة - ~~معرف لإخلاصه في دينه وانقياده لربه من جذر قلبه، وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم؛ " إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم ~~يخط خطوة إلا رفعت له بها ms292 درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل ~~الملائكة تصلى عليه ما دام في مصلاه، اللهم صل عليه اللهم أرحمه، ولا يزال ~~أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة " وإن بناءه إعانة لا علاء كلمة الحق. # قوله صلى الله عليه وسلم: " من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلة ~~من الجنة كلما غدا أو راح " أقول: هذا إشارة إلى غدوة وروحة تمكن من انقياد ~~البهيمية للملكية. # قوله صلى الله عليه وسلم: " من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة ~~" أقول سره أن المجازاة تكون بصوره العمل، وإنما انقضى ثواب الانتظار ~~بالحدث؛ لأنه لا يبقى متهيئا للصلاة وإنما فضل مسجد النبي صلى الله عليه ~~وسلم والمسجد الحرام بمضاعفة الأجر لمعان: # منها أن هنالك ملائكة موكلة بتلك المواضع يحفون بأهلها، ويدعون لمن حلها # ومنها أن عمارة تلك المواضع في تعظيم شعائر الله وإعلاء كلمة الله. # ومنها أن الحلول بها مذكر لحال أثمة الملة. # قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد ~~الحرام والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا " أقول: كان أهل الجاهلية يقصدون مواضع ~~معظمة بزعمهم يزورونها، ويتبركون بها، وفيه من التحريف والفساد ما لا يخفى، ~~فسد النبي صلى الله عليه وسلم الفساد لئلا يلتحق غير الشعائر بالشعائر، ~~ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله، والحق عندي أن القبر ومحل عبادة ولي من ~~أولياء الله والطور كل ذلك سواء في النهي والله أعلم # وآداب المسجد ترجع إلى معان. # منها تعظيم المسجد ومؤاخذة نفسه أن يجمع الخاطر ولا يسترسل عند دخوله، ~~وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن ~~يجلس ". # ومنها تنظيفه مما يتقذر ويتنفر منه - وهو قول الراوي - أمر يعنى النبي ~~صلى الله عليه وسلم ببناء المسجد، وأن ينظف ويطيب، وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: " عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد "، وقوله ~~صلى الله عليه وسلم: " البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها ". # PageV01P325 # ومنها الاحتراز عن تشويش ms293 العباد وهيشات الأسواق وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم: " أمسك بنصالها ". # قوله صلى الله عليه وسلم: " من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل لا ~~ردها الله إليك فان المساجد لم تبن لهذا " قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا ~~رأيتم من # يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك " ونهى عن تناشد ~~الأشعار في المسجد، وأن يستقاد في المسجد، وأن تقام فيه الحدود. # أقول أما نشد الضالة أي رفع الصوت بطلبها فلأنه صخب ولغط يشوش على ~~المصلين والمعتكفين، ويستحب أن ينكر عليه بالدعاء بخلاف ما يطلبه إرغاما ~~له، وعلله النبي صلى الله عليه وسلم بأن المساجد لم تبن لهذا أي إنما بنيت ~~للذكر والصلاة، وأما الشراء والبيع فلئلا يصير المسجد سوقا يتعامل فيه ~~الناس، فتذهب حرمته ويحصل التشويش على المصلين والمعتكفين، وأما تناشد ~~الأشعار - فلما ذكرنا - ولأن فيه إعراضا عن الذكر وحثا على الأعراض عنه، ~~وأما القود والحدود فلأنها مظنة للألواث والجزع والبكاء والصخب والتشويش ~~على أهل المسجد، ويخص من الأشعار ما كان فيه الذكر ومدح النبي صلى الله ~~عليه وسلم وغيظ الكفار لأنه غرض شرعي، وهو قوله صلى الله عليه وسلم لحسان: ~~" اللهم أيده بروح القدس ". # قوله صلى الله عليه وسلم: " إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب ". # أقول السبب في ذلك تعظيم المسجد فإن أعظم التعظيم ألا يقربه إنسان إلا ~~بطهارة، وكان في منع دخول المحدث حرج عظيم، ولا حرج في الجنب والحائض، ~~ولانهما أبعد الناس عن الصلاة، والمسجد إنما بنى لها. # قوله صلى الله عليه وسلم: " من أكل هذه الشجرة المنتنة، فلا يقربن مسجدنا ~~فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الأنس ". # أقول هي البصل أو الثوم، وفي معناه كل منتن، ومعنى تتأذى تكره وتتنفر ~~لأنها تحب محاسن الأخلاق والطيبات، وتكره أضدادها. # قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا دخل أحدكم المسجد فليقل اللهم افتح لي ~~أبواب رحمتك، فإذا خرج فليقل اللهم إني أسألك من فضلك ". # أقول الحكمة في تخصيص الداخل بالرحمة والخارج بالفضل أن الرحمة في ms294 كتاب # PageV01P326 # الله أريد بها النعم النفسانية والاخروية كالولاية والنبوة قال تعالى: # {ورحمة ربك خير مما يجمعون} . # والفضل على النعم الدنيوية قال تعالى: # {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} # وقال تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} . # ومن دخل المسجد إنما يطلب القرب من الله، والخروج وقت ابتغاء الرزق. # قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن ~~يجلس ". # أقول إنما شرع ذلك لأن ترك الصلاة إذا دخل بالمكان المعد لها ترة وحسرة، ~~وفيه ضبط الرغبة في الصلاة بأمر محسوس، وفيه تعظيم المسجد. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ". # ونهى أن يصلي في سبعة مواطن في المزبلة والمقبرة، والمجزرة، وقارعة ~~الطريق، وفي الحمام وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله، ونهى عن الصلاة في ~~أرض بابل فانها ملعونة. # وأقول الحكمة في النهي عن المزبلة والمجزرة أنهما موضعا النجاسة، ~~والمناسب للصلاة هو التطهر والتنظيف، وفي المقبرة الاحتراز عن أن تتخذ قبور ~~الأحبار والرهبان مساجد بأن يسجد لها كالأوثان، وهو الشرك الجلي، أو يتقرب ~~إلى الله بالصلاة في تلك المقابر، وهو الشرك وهذا مفهوم قوله صلى الله عليه ~~وسلم: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ونظيره ~~نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة وقت الطلوع والاستواء والغروب لأن ~~الكفار يسجدون للشمس حينئذ، وفي الحمام أنه محل انكشاف العورات ومظنة ~~الازدحام، فيشغله ذلك عن المناجاة بحضور القلب، وفي معاطن الإبل أن الإبل ~~لعظم جثتها وشدة بطشها وكثرة جراءتها كادت تؤذي الإنسان، فيشغله ذلك عن ~~الحضور بخلاف الغنم، وفي قارعة الطريق، اشتغال القلب بالمارين وتضييق ~~الطريق عليهم، ولأنها ممر السباع كما ورد صريحا في النهي عن النزول فيها، ~~وفوق بيت الله أن الترقي على سطح البيت من غير حاجة ضرورية مكروه هاتك ~~لحرمته، وللشك في الاستقبال حالتئذ، وفي الأرض الملعونة بنحو خسف أو مطر ~~الحجارة إهانتها والبعد عن مظان الغضب هيبة منه وهو قوله صلى الله عليه ms295 ~~وسلم: " ولا تدخلوه إلا باكين ". # PageV01P327 ### | (ثياب المصلي) # اعلم أن لبس الثياب مما امتاز به الإنسان عن سائر البهائم، وهو أحسن ~~حالات الإنسان، وفيه شعبة من معنى الطهارة، وفيه تعظيم الصلاة وتحقيق # أدب المناجاة بين يدي رب العالمين، وهو واجب أصلي جعل شرطا في الصلاة ~~لتكميله معناها، وجعله الشارع على حدين. # حد لا بد منه وهو شرط صحة الصلاة، وحد هو مندوب إليه فالأول منه السوأتان ~~وهو آكدهما، وألحق بهما الفخذان، وفي المرأة سائر بدنها، لقوله صلى الله ~~عليه وسلم: " لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار " يعني البالغة لأن الفخذ محل ~~الشهوة، وكذا بدن المرأة فكان حكمها حكم السوأتين. # والثاني قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس ~~على عاتقه منه شيء، وقال: " إذا كان واسعا فخالف بين طرفيه " والسر فيه أن ~~العرب والعجم وسائر أهل الأمزجة المعتدلة إنما تمام هيئتهم وكمال زيهم على ~~اختلاف أوضاعهم في لباس القباء والقميص والحلة وغيرها أن يستر العاتقان ~~والظهر، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في ثوب واحد فقال أو ~~لكلهم ثوبان، ثم سئل عمر رضي الله عنه فقال إذا وسع الله فوسعوا جمع رجل ~~الخ. # أقول: الظاهر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الحد الأول وقول ~~عمر رضي الله عنه بيان للحد الثاني ويحتمل أن يكون السؤال في الثاني الذي ~~هو مندوب، فلم يأمر بثوبين لأن جريان التشريع ولو بالحد الثاني باشتراط ~~الثوبين حرج، ولعل من لا يجد ثوبين يجد في نفسه، فلا تكمل صلاته لما يجد في ~~نفسه من التقصير، وعرف عمر رضي الله عنه أن وقت التشريع انقضى، ومضى، وكان ~~قد عرف استحباب إكمال الزي في الصلاة، فحكم على حسب ذلك، والله أعلم. # وقال صلى الله عليه وسلم في الذي يصلي ورأسه معقوص من ورائه: " إنما مثل ~~هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف ". # أقول: نبه على أن سبب الكراهية الإخلال بالتجمل وتمام الهيئة وزي الأدب. # قوله صلى الله عليه وسلم في خميصة ms296 لها أعلام: إنها ألهتنى آنفا عن صلاتي ~~" وفي قرام عائشة أميطي عنا قرامك هذا فإنه لا يزال تصاويره تعرض في صلاتي، ~~وفي فروج الحرير لا ينبغي هذا للمتقين. # PageV01P328 # أقول: ينبغي للمصلي أن يدفع عن نفسه كلما يلهيه عن الصلاة لحسن هيئته أو ~~لعجب النفس به تكميلا لما قصد له الصلاة. # وكان اليهود يكرهون الصلاة في نعالهم وخفافهم لما فيه من ترك التعظيم فإن ~~الناس يخلعون النعال بحضرة الكبراء، وهو قوله تعالى: # {فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى} # وكان هنا وجه آخر وهو أن الخف والنعل تمام زي الرجل، فترك النبي صلى الله ~~عليه وسلم القياس الأول، وأيد الثاني مخالفة لليهود، وهو قوله صلى الله ~~عليه وسلم: " خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم وخفافهم " فالصحيح أن ~~الصلاة متنعلا وحافيا سواء. # ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن السدل في الصلاة، فقيل: هو أن يلتحف ~~بثوبه، ويدخل يديه فيه، وسيجئ أن اشتمال الصماء أقبح لبسة # لأنه مخالفة لما هو أصل طبيعة الإنسان وعادته من إبقاء اليدين مستر ~~سلتين، ولأنه على شرف انكماش العورة فإنه كثيرا ما يحتاج إلى إخراج اليدين ~~للبطش، فتنكشف، وقيل: إرسال الثوب من غير أن يضم جانبيه وهو إخلال بالتجمل ~~وتمام الهيئة، وإنما نعني بتمام الهيئة ما يحكم العرف والعادة أنه غير فاقد ~~ما ينبغي أن يكون له وأوضاع لباسهم مختلفة ولكن في كل لبسة تمام هيئة يعرف ~~بالسير، وقد بنى النبي صلى الله عليه وسلم الأمر على عرف العرب يومئذ. ### | (القبلة) # لما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة صلى إلى بيت المقدس ستة أو سبعة عشر ~~شهرا، ثم أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقر الأمر على ذلك. # أقول: السر في ذلك أنه لما كان تعظيم شعائر الله وبيوته واجبا - لا سيما ~~فيما هو أصل أركان الإسلام. وأم القربات. وأشهر شعائر الدين، وكان التوجه ~~في الصلاة إلى ما هو مختص بالله بطلب رضا الله بالتقرب منه أجمع للخاطر، ~~وأحث على صفة الخشوع، وأقرب لحضور القلب، لأنه يشبه مواجهة الملك ms297 في ~~مناجاته - اقتضت الحكمة الالهية أن يجعل استقبال قبلة ما شرطا في الصلاة في ~~جميع الشرائع. # وكان إبراهيم. وإسمعيل عليهما السلام. ومن تدين بدينهما يستقبلون الكعبة. ~~وكان إسرائيل عليه السلام وبنوه يستقبلون بيت المقدس. هذا هو الأصل المسلم ~~في الشرائع. # PageV01P329 # فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وتوجهت العناية إلى تأليف ~~الأوس، والخزرج، وحلفائهم من اليهود، وصاروا هم القائمين بنصرته، والأمة ~~التي أخرجت للناس، وصارت مضر وما والاها أعدى أعاديه وأبعد الناس عنه - ~~اجتهد، وحكم باستقبال بيت المقدس؛ إذ الأصل أن يراعي في أوضاع القربات حال ~~الأمة التي بعث الرسول فيها، وقامت بنصرته وصارت شهداء على الناس - وهو ~~الأوس. والخرزج - يومئذ، وكانوا أخضع شيء لعلوم اليهود بينه ابن عباس رضي ~~الله عنه في تفسير قوله تعالى: # {فأتوا حرثكم أنى شئتم} # حيث قال: " إنما كان هذا الحي من الأنصار، وهم أهل وثن، مع هذا الحي من ~~اليهود، وهم أهل الكتاب، فكانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم، فكانوا ~~يقتدون بكثير من فعلهم " الحديث، وأيضا الأصل أن تكون الشرائع موافقة لما ~~عليه الملل الحقة ما لم تكن من تحريفات القوم وتعمقاتهم، ليكون أتم لإقامة ~~الحجة عليهم، وأشد لطمأنينة قلوبهم، واليهود هم القائمون برواية الكتاب ~~السماوي والعمل بما فيه، ثم أحكم الله آياته وأطلع نبيه على ما هو أوفق ~~بالمصلحة من هذا وأقعد بقوانين التشريع بالنفث في روعه أولا، فكان يتمنى أن ~~يأمر باستقبال الكعبة، وكان يقلب وجهه في السماء طمعا أن يكون جبرائيل نزل ~~بذلك، وبما أنزل في القرآن العظيم. ثانيا، وذلك لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعث في الأميين الآخذين بالملة الإسماعيلية، وقدر الله في سابق علمه ~~أنهم هم القائمون بنصرة دينه، وهم شهداء الله على الناس من بعده، وهم ~~خلفاؤه في أمته، وأن اليهود لا يؤمن منهم إلا شرذمة قليلة، والكعبة من ~~شعائر الله عند العرب أذعن لها أقاصيهم وأدانيهم، وجرت السنة عندهم ~~باستقبالها شائعا ذائعا، فلا معنى للعدول عن ذلك. # ولما كان استقبال القبلة شرطا - إنما أريد ms298 به تكميل الصلاة، وليس شرطا - ~~لا يتأتى أصل فائدة الصلاة إلا به تلا - رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن ~~تحرى في ليلة مظلمة وصلى لغير القبلة قوله تعالى: # {فأينما تولوا فثم وجه الله} . # يومى إلى أن صلاتهم جائزة للضرورة. # PageV01P330 ### | (السترة) # قوله صلى الله عليه وسلم: " لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان ~~أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه " أقول: السر في ذلك أن الصلاة ~~من شعائر الله يجب تعظيمها، ولما كان المنظور في الصلاة التشبه بقيام ~~العبيد بخدمة مواليهم ومثولهم بين أيديهم كان من تعظيمها ألا يمر المار بين ~~يدي المصلي، فإن المرور بين السيد وعبيده القائمين إليه سوء أدب، وهو قوله ~~صلى الله عليه وسلم: " إن أحدكم إذا قام في الصلاة فإنما يناجي ربه وإن ربه ~~بينه وبين القبلة " الحديث. # وضم مع ذلك أن مروره ربما يؤدي إلى تشويش قلب المصلي، ولذلك كان له حق في ~~درته، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " فليقاتله فإنه شيطان ". # قوله صلى الله عليه وسلم: " تقطع الصلاة المرأة والحمار. والكلب الأسود " ~~اقول: مفهوم هذا الحديث أن من شروط صحة الصلاة خلوص ساحتها عن المرأة. ~~والحمار والكلب، والسر فيه أن المقصود من الصلاة هو المناجاة والمواجهة مع ~~رب العالمين، واختلاط النساء والتقرب منهن والصحبة معهن مظنة الالتفات إلى ~~ما هو ضد هذه الحالة، والكلب شيطان لما ذكرنا لا سيما الأسود فإنه أقرب إلى ~~فساد المزاج وداء الكلب، والحمار أيضا بمنزلة # الشيطان لأنه كثيرا ما يسافد بين ظهرانى بني آدم، وينتشر ذكره فتكون رؤية ~~ذلك مخلة بما هو بصدده لكن لم يعمل به حفاظ الصحابة، وفقهاؤهم. منهم علي. ~~وعائشة. وابن عباس. وأبو سعيد. وغيرهم رضي الله عنهم - ورواه منسوخا - وإن ~~كان في استدلاهم على النسخ كلام، وهذا أحد المواضع التي اختلف فيها طريقا ~~التلقي من النبي صلى الله عليه وسلم: # PageV02P005 # وقوله صلى الله عليه وسلم. " إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل ~~فليصل، ولا يبال بمن وراء ms299 ذلك " أقول: لما كان في ترك المرور حرج ظاهر أمر ~~بنصب السترة لتتميز ساحة الصلاة بادي الرأي، فيلحق بالمرور من بعد. ### | (الأمور التي لا بد منها في الصلاة) # اعلم أن أصل الصلاة ثلاثة أشياء: أن يخضع لله تعالى بقلبه، ويذكر الله ~~بلسانه، ويعظمه غاية التعظيم بجسده، فهذه الثلاثة أجمع الأمم على أنها من ~~الصلاة، وإن اختلفوا فيما سوى ذلك، وقد رخص النبي صلى الله عليه وسلم عند ~~الأعذار في غير هذه الثلاثة، ولم يرخص فيها، وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الوتر: " إن لم تستطع فأوم إيماء ". # وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرع لهم في الصلاة حدين حدا لا يخرج ~~من العهدة بأقل منه. وحدا هو الاتم الأكمل المستوفي لفائدة الصلاة، والحد ~~الأول يشتمل على ما يجب إعادة الصلاة بتركه، وما يحصل فيها نقص بتركه، ولا ~~يجب الإعادة، وما يلام على تركه أشد الملامة من غير جزم بالنقص، والفرق بين ~~هذه المراتب الثلاث صعب جدا، وليس فيه نص صريح، ولا إجماع إلا في شيء يسير، ~~ولذلك قوي الخلاف بين الفقهاء في ذلك، والأصل فيه حديث الرجل المسيء في ~~صلاته حيث قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ارجع فصل فإنك لم تصل - ~~مرتين. أو ثلاثا، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم - إذا قمت إلى الصلاة ~~فاسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثم ~~أركع حتى تطمئن راكعا، ثم أرفع رأسك حتى تستوي قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ~~ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم أرفع حتى ~~تطمئن جالسا، ثم أفعل ذلك في صلاتك كلها " وفي رواية الترمذي " فإذا فعلت ~~ذلك فقد تمت صلاتك وإن انتقصت منها انتقصت من صلاتك " قال: كان هذا أهون ~~عليهم من الأولى أنه من انتقص # من ذلك شيئا انتقص من صلاته، ولم تذهب كلها، # PageV02P006 # وما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الركنية كقوله صلى الله عليه ~~وسلم: " لا ms300 صلاة إلا بفاتحة الكتاب " وقوله صلى الله عليه وسلم: " لا تجزى ~~صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود " وما سمى الشارع الصلاة به ~~فإنه تنبيه بليغ على كونه ركنا في الصلاة كقوله صلى الله عليه وسلم: " من ~~قام رمضان "، وقوله صلى الله عليه وسلم: " فليركع ركعتين "، وقوله تعالى: # {واركعوا مع الراكعين} # ، وقوله تعالى: # {وأدبار السجود} # ، وقوله تعالى: # {وقرآن الفجر} # ، وقوله تعالى: # {وقوموا لله قانتين} # وما ذكره بما يشعر بأنه لا بد منه كقوله صلى الله عليه وسلم: " تحريمها ~~التكبير وتحليلها التسليم " وقوله صلى الله عليه وسلم: " في كل ركعتين ~~التحية "، وقوله صلى الله عليه وسلم في التشهد: " إذا فعلت ذلك تمت # صلاتك " ونحو ذلك، وما لم يختلف فيه المسلمون أنه لا بد منه في الصلاة، ~~وتوارثوه فيما بينهم، وتلاوموا على تركه. # وبالجملة فالصلاة على ما تواتر عنه صلى الله عليه وسلم وتوارثه الأمة أن ~~يتطهر، ويستر عورته، ويقوم، ويستقبل القبلة بوجهه، ويتوجه إلى الله بقلبه، ~~ويخلص له العمل ويقول. الله أكبر بلسانه، ويقرأ فاتحة الكتاب، ويضم معها ~~إلا في ثالثة الفرض ورابعته - سورة من القرآن، ثم يركع، وينحني بحيث يقدر ~~على أن يمسح ركبتيه برءوس أصابعه حتى يطمئن راكعا، ثم يرفع رأسه حتى يطمئن ~~قائما، ثم يسجد على الآراب، السبعة اليدين. والرجلين. والركبتين. والوجه، ~~ثم يرفع رأسه حتى يستوي جالسا، ثم يسجد ثانيا كذلك، فهذه ركعة ثم يقعد على ~~رأس كل ركعتين، ويتشهد فإن كان أخر صلاته صلى على النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ودعا أحب الدعاء إليه، وسلم على من يليه من الملائكة والمسلمين، فهذه ~~صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت أنه ترك # PageV02P007 # شيئا من ذلك قط عمدا من غير عذر في فريضة، وصلاة الصحابة. والتابعين. ومن ~~بعدهم من أئمة المسلمين، وهي التي توارثوا أنها مسمى الصلاة، وهي من ~~ضروريات الملة، نعم اختلف الفقهاء في أحرف منها هل هي أركان الصلاة لا يعتد ~~بها بدونها. أو واجباتها التي تنقص بتركها، أو أبعاض يلام على تركها وتجبر ms301 ~~بسجدة السهو. # والأصل في ذلك أن خضوع القلب لله وتوجهه إليه تعظيما ورغبة ورهبة - أمر ~~خفي لا بد له من ضبط، فضبطه النبي صلى الله عليه وسلم بشيئين: أن يستقبل ~~القبلة بوجهه وبدنه. وأن يقول بلسانه: الله أكبر، وذلك لأن من جبلة الإنسان ~~أنه إذا استقر في قلبه شيء جرى حسب ذلك الأركان واللسان، وهو قوله صلى الله ~~عليه وسلم: " إن في جسد # ابن آدم مضغة " الحديث ففعل اللسان والأركان أقرب مظنة وخليفة لفعل ~~القلب، ولا يصلح للضبط إلا ما يكون كذلك. # ولما كان الحق متعاليا عن الجهة - نصب التوجه إلى بيته، وأعظم شعائره ~~مقام التوجه إليه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " مقبلا إلى الله بوجهه ~~وقلبه ". # ولما كان التكبير أفصح عبارة عن انقياد القلب للتعظيم لم يكن لفظ أحق أن ~~ينصب مقام توجه القلب منه. # وفيها وجوه أخرى: منها أن استقبال القبلة واجب من جهة تعظيم بيت الله وقت ~~الصلاة، ليكمل كل واحد بالآخر. # ومنها أنه أشهر علامات الملة الحنفية التي يتميز بها الناس عن غيرها، فلا ~~بد من أن ينصب مثله علامة للدخول في الاسلام، فوقت بأعظم الطاعات وأشهرها، ~~وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ~~ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله ". # ومنها أن القيام لا يكون تعظيما إلا إذا كان مع استقبال. # ومنها أنه لا بد لكل حال تباين سائر الحالات في الأحكام من أبتداء ~~وانتهاء، وقوله صلى الله عليه وسلم: " تحريمهما التكبير وتحليلها التسليم " # أما التعظيم بجسده فالأصل فيه ثلاث حالات: القيام بين يديه، والركوع، ~~والسجود، وأحسن التعظيم ما جمع بين الثلاث، وكان التدريج من الأدنى إلى ~~الأعلى أنفع في تنبيه النفس للخضوع من غيره، وكان السجود # أعظم التعظيم يظن أنه مقصود بالذات، وأن الباقي طريق إليه، فوجب أن يؤدي ~~حق هذا الشبه وذلك بتكراره. # PageV02P008 # وأما ذكر الله فلا بد من توقيته أيضا، فإن التوقيت أجمع لشملهم. أطوع ~~لقلوبهم. وأبعد من أن يذهب كل أحد إلى ما ms302 يقتضيه رأيه حسنا كان أو قبيحا، ~~وإنما تفوض إليهم الأدعية النافلة التي يخاطب بمثلها السابقون على أنهم ~~أيضا لم يتركها النبي صلى الله عليه وسلم بغير توقيت ولو استجبابا # وإذا تعين التوقيت فلا أحق من الفاتحة لأنها دعاء جامع أنزله الله تعالى ~~على ألسنة عباده، يعلمهم كيف يحمدون الله، ويثنون عليه، ويقرون له بتوحيد ~~العبادة والاستعانة، وكيف يسألونه الطريقة الجامعة لأنواع الخير، ويتعوذون ~~به من طريقة المغضوب عليهم والضالين، وأحسن الدعاء أجمعه. # ولما كان تعظيم القران وتلاوته واجبا في الملة، ولا شيء من التعظيم مثل ~~أن ينوه به في أعظم أركا 00 ن الإسلام وأم القربات وأشهر شعائر الدين، ~~وكانت تلاوته قربة كاملة تكمل الصلاة وتتمها - شرع لهم قراءة سورة من ~~القرآن لأن السورة كلام تام تحدى به النبي صلى الله عليه وسلم ببلاغته ~~المنكرين للنبوة، ولانها منفرزة بمبدئها ومنتهاها، ولكل واحد منها أسلوب ~~أنيق وإذا قد ورد من الشارع قراءة بعض السورة في بعض الأحيان جعلوا في ~~معناها ثلاث آيات قصار أو آية طويلة. # ولما كان القيام لا تستوي أفراده، فمنهم من يقوم مطرقا، ومنهم من يقوم ~~منحنيا، ويعد جميع ذلك من القيام - مست الحاجة إلى تمييز الانحناء المقصود ~~مما يسمى قياما، فضبط بالركوع، وهو الانحناء المفرط الذي تصل به رءوس ~~الأصابع إلى الركبتين. # ولما لم يكن الركوع، ولا السجود تعظيما إلا بأن يلبث على تلك الهيئة ~~زمانا، ويخضع لرب العالمين، ويستشعر التعظيم قلبه في تلك الحالة - جعل ذلك ~~ركنا لازما. # ولما كان السجود والاستلقاء على البطن وسائر الهيآت القريبة منه - مشتركة ~~في وضع الرأس على الأرض والأول تعظيم دون الباقي مست الحاجة إلى أن يضبط ~~الفارق بينهما، فقال: " أمرت أن اسجد على سبعة أراب " الحديث # ولما كان كل من يهوي إلى السجود لا بد له من الانحناء حتى يصل إليه. وليس ~~ذلك ركوعا بل هو طريق إلى السجدة - مست الحاجة إلى التفريق بين الركوع ~~والسجود بفعل أجنبي يتميز به كل من الآخر، ليكون كل واحد طاعة مستقلة ~~يقصدها ms303 مستأنفا، فتنبه النفس لثمرة كل واحد بانفرادها - وهو القومة -. # PageV02P009 # ولما كانت السجدتان لا تصيران اثنين إلا بتخلل فعل أجنبي شرعت الجلسة ~~بينهما. # ولما كانت القومة والسجدة بدون الطمأنينة طيشا ولعبا منافيا للطاعة أمر ~~بطمأنينة فيهما. # ولما كان الخروج من الصلاة ينقض صلطهارة أو غير ذلك من موانع الصلاة ~~ومفسداتها - قبيحا مستنكرا منافيا للتعظيم، ولا بد من فعل ننتهي به الصلاة ~~ويباح به ما حرم في الصلاة ولو لم يضبط لذهب كل واحد إلى هواه - وجب أن لا ~~يكون الخروج إلا بكلام وهو أحسن كلام الناس أعني السلام، وأن يوجب ذلك وهو ~~قوله صلى الله عليه وسلم: " تحليلها التسليم ". # وكان الصحابة استحبوا أن يقدموا على السلام قولهم: السلام على الله قبل ~~عباده، السلام على جبرائيل والسلام على فلان، فغير رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ذلك بالتحيات، وبين سبب التغيير حيث قال: " لا تقولوا السلام على الله ~~فإن الله هو السلام " يعني إنما الدعاء بالسلامة إن يناسب من لا تكون ~~السلامة من العدم ولواحقه ذاتيا له، ثم اختار بعده السلام على النبي تنويها ~~بذكره وإثباتا اللإقرار برسالته أداء لبعض حقوقه، ثم عمم بقوله: السلام ~~علينا وعلى عياد الله الصالحين، قال: فإذا قال ذلك أصاب كل عبد صالح في ~~السماء والأرض " ثم أمر بالتشهد لأنه أعظم الأذكار قال: " ثم ليتخير من ~~الدعاء أعجبه إليه " وذلك لأن وقت الفراغ من الصلاة وقت الدعاء لأنه تغشى ~~بغاشية عظيمة من الرحمة وحينئذ يستجاب الدعاء. # ومن آداب الدعاء تقديم الثناء على الله والتوسل بنبي الله، ليستجاب ~~الدعاء، ثم تقرر الأمر على ذلك، وجعل التشهد ركنا لأن لولا هذه الأمور لكان ~~الفراغ من الصلاة مثل فراغ المعرض أو النادم، وهنالك وجوه كثيرة بعضها خفي ~~المأخذ وبعضها ظاهر لم نذكرها اكتفاء بما ذكرنا. # وبالجملة من تأمل فيما ذكرنا وفي القواعد التي أسلفناها علم قطعا أن ~~الصلاة بهذه الكيفية هي التي ينبغي أن تكون، وأنما لا تتصور العقل أحسن ~~منها ولا أكمل، وأنها هي الغنيمة الكبرى للمغتنم. # ولما كان ms304 القليل من الصلاة لا يفيد فائدة معتدا بها، والكثير جدا يعسر ~~إقامته اقتضت حكمة الله ألا يشرع لهم أقل من ركعتين، فالركعتان أقل الصلاة، ~~ولذلك قال: " في كل ركعتين التحية ". # PageV02P010 # وههنا سر دقيق، وهو أن سنة الله تعالى في خلق الأفراد والأشخاص # من الحيوان والنبات أن يكون هنالك شقان يضم كل واحد بالآخر، ويجعلان شيئا ~~واحدا، وهو قوله تعالى: # {والشفع والوتر} # أما الحيوان فشقاه معلومان، وربما تعرض الآفة شقا دون شق كالفالج، أما ~~النبات فالنواة والحبة فيهما شقان، وإذا نبتت الخامة وإنما تنبت ورقتان كل ~~ورقة ميراث أحد شقي النواة والحبة، ثم يتحقق النمو على ذلك النمط، فانتقلت ~~هذه السنة من باب الخلق إلى باب التشريع في حظيرة القدس، لأن التدبير فرع ~~الخلق، وانعكس من هناك في قلب النبي صلى الله عليه وسلم. # فأصل الصلاة هو ركعة واحدة، ولم يشرع أقل من ركعتين في عامة الصلاة، وضمت ~~كل واحدة بالأخرى وصارتا شيئا واحدا، قالت عائشة رضي الله عنها: " فرض الله ~~الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر وزيد في ~~صلاة الحضر " وفي رواية - إلا المغرب فإنها كانت ثلاثا -. # أقول الأصل في عدد الركعات أن الواجب الذي لا يسقط بحال إنما هو أحدى عشر ~~ركعة، وذلك لأنه اقتضت حكمة الله ألا يشرع في اليوم والليلة إلا عددا ~~مباركا متوسطا لا يكون كثيرا جدا، فيعسر إقامته على المكلفين جميعا، ولا ~~قليلا جدا، فلا يفيد لهم ما أريد من الصلاة، وقد علمت فيما سبق أن الأحد ~~عشر من بين الأعداد أشبهها بالوتر الحقيقي، ثم لما هاجر النبي صلى الله ~~عليه وسلم واستقر الإسلام، وكثر أهله، وتوفرت الرغبات في الطاعة زيدت ست ~~ركعات، وأبقيت صلاة السفر على النمط الأول، وذلك لأن الزيادة لا ينبغي أن ~~تصل إلى مثل الشيء أو أكثره، # وكان المناسب أن يجعل نصف الأصل لكن ليس لأحد عشر نصف بغير كسر، فبدا ~~عددان خمسة وستة، وبالخمسة يصير عدد الركعات شفعا غير وتر، فتعينت الستة، ~~وأما توزيع الركعات ms305 على الأعداد فمبني على آثار الأنبياء السابقين على ما ~~يذكر في الأخبار، وأيضا فالمغرب آخر الصلاة من وجه لأن العرب يعدون الليالي ~~قبل الأيام، فناسب أن يكون الواحد الوتر للركعات فيها ووقتها ضيق فلا تناسب ~~زيادة ما زيد فيها آخرا، ووقت الفجر وقت نوم وكسل فلم يزيد في عدد الركعات، ~~وزاد فيها استحباب طول القراءة لمن أطاقه، وهو قوله تعالى: # PageV02P011 # {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا} # والله أعلم. ### | (أذكار الصلاة وهيأتها المندوب إليها) # اعلم أن الحد الأكمل الذي يستوفي فائدة الصلاة كاملة زائدة على الحد الذي ~~لا بد منه بوجهين: بالكيف والكم. # أما الكيف فأعني به الأذكار، والهيآت، ومؤاخذة الإنسان نفسه بأن يصلي لله ~~كأنه يراه، ولا يحدث فيها نفسه، وأن يحترز من هيآت مكروهة ونحو ذلك. # وأما الكم فصلوات يتنفلون بها، وسيأتيك ذكر النوافل من بعد إن شاء الله ~~تعالى. # والأصل في الأذكار حديث علي رضي الله عنه في الجملة. وأبي هريرة. وعائشة. ~~وجبير بن مطعم. وابن عمر. وعيرهم رضي الله عنهم في الاستفتاح، وحديث عائشة. ~~وابن مسعود. وأبي هريرة. وثوبان. وكعب بن عجرة رضي الله عنهم في سائر ~~المواضع وغير هؤلاء ما نذكره تفصيلا. # والأصل في الهيآت حديث أبي حميد الساعدي الذي حدثه في عشرة من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فسلموا له، وحديث عائشة. ووائل بن حجر رضي الله ~~عنهما في الجملة، وحديث ابن عمر رضي الله عنه في رفع اليدين، وغير هؤلاء ~~مما سنذكره، # والهيآت المندوبة ترجع إلى معان: # منها تحقيق الخضوع، وضم الأطراف، والتنبيه للنفس على مثل الحال التي ~~تعتري السوقة عند مناجاة الملوك من الهيبة والدهش، كصف القدمين. ووضع ~~اليمنى على اليسرى. وقصر النظر. وترك الالتفات. # ومنها محاكاة ذكر الله وإيثاره على من سواه بأصابعه ويده حذو # ما يعلقه بجنانه، ويقوله بلسانه، كرفع اليدين، والإشارة بالمسبحة، ليكون ~~بعض الأمر معاضدا لبعض. # ومنها اختيار هيآت الوقار ومحاسن العادات، والاحتراز عن الطيش والهيآت ~~التي يذمها أهل الرأي، وينسبونها إلى غير ذوي العقول، كنقر الديك، ms306 وإقعاء ~~الكلب، واحتفاز # PageV02P012 # الثعلب، وبروك البعير، وافتراش السبع، والتي تكون للمتخيرين وأهل البلاء ~~كالاختصار. # ومنها أن تكون الطاعة بطمأنينة وسكون، وعلى رسل كجلسة الاستراحة، ونصب ~~اليمنى وافتراش اليسرى في القعدة الأولى لأنه أيسر لقيامه والقعود على ~~الورك في الثانية لأنه أكثر راحة. # وأما الأذكار فترجع إلى معان: منها إيقاظ النفس لتنبه للخضوع الذي وضع له ~~الفعل كأذكار الركوع والسجود. # ومنها الجهر بذكر الله، ليكون تنبيها للقوم بانتقال الامام من ركن إلى ~~ركن كالتكبيرات عند كل خفض ورفع. # ومنها ألا تخلوا حالة في الصلاة من ذكر كالتكبيرات وكأذكار القومة ~~والجلسة، فإذا كبر رفع يديه إيذانا بأنه أعرض عما سوى الله تعالى، ودخل في ~~حيز المناجاة، ويرفع إلى أذنيه أو منكبيه، وكل ذلك سنة، ووضع يده اليمنى ~~على اليسرى وصف القدمين وقصر النظر على محل السجدة تعظيما وجمعا لأطراف ~~البدن حذو جمع الخاطر، ودعا دعاه الاستفتاح تمهيدا لحضور القلب وإزعاجا ~~للخاطر إلى المناجاة. # وقد صح في ذلك صيغ، منها اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين ~~المشرق والمغرب، اللهم نقي من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، ~~اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد. # أقول الغسل بالثلج والبرد كناية عن تكفير الخطايا مع إيجاد الطمأنينة ~~وسكون القلب، والعرب تقول: برد قلبه أي سكن وإطمأن، وأتاه الثلج أي اليقين. # ومنها {وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} . # {إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت ~~وأنا أول المسلمين} . # وفي رواية - وأنا من المسلمين. # ومنها سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك الله ~~أكبر كبيرا ثلاثا. وسبحان الله بكرة وأصيلا ثلاثا، ثم يتعوذ لقوله تعالى: # PageV02P013 # {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} # أقول: السر في ذلك أن من أعظم ضرر الشيطان أن يوسوس له في تأويل كتاب ~~الله ما ليس بمرضي، أو يصده عن التدبير. # وفي التعوذ صيغ: منها أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. # ومنها استعيذ بالله من الشيطان الرجيم. ms307 # ومنها أعوذ بالله من الشيطان من نفخه ونفثه وهمزه. # ثم يبسمل سرا لما شرع الله لنا من تقديم التبرك باسم الله على القراءة ~~ولأن فيه احتياطا إذ قد اختلفت الرواية هل هي آية من الفاتحة أم لا؟ وقد صح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يفتتح الصلاة أي القراءة بالحمد لله ~~رب العالمين، ولا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. أقول: ولا يبعد ان يكون ~~جهر بها في بعض الأحيان ليعلمهم الصلاة # والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم كان يخص يتعلم هذه الأذكار الخواص من ~~أصحابه، ولا يجعلها بحيث يوأخذ بها العامة ويلادمون على تركها، وهذا تأويل ~~ما قاله مالك - رحمه الله - عندي، وهو مفهوم قول أبي هريرة رضي الله عنه: ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة، فقلت: ~~بأبي وأمي إسكاتك بين التكبير والقراءة، ما تقول فيه؟ ثم يرتل سورة الفاتحة ~~وسورة من القرآن ترتيلا يمد الحروف ويقف على رؤوس الآي يخافت في الظهر ~~والعصر ويجهر الإمام في الفجر. وأولي المغرب والعشاء، وإن كان مأموما وجب ~~عليه الانصات والاستماع فإن جهر الإمام لم يقرأ إلا عند الإسكاته، وإن خافت ~~فله الخيره، فإن قرأ فليقرأ الفاتحة قراءة لا يشوش على الإمام، وهذا أولى ~~الأقوال عندي، وبه يجمع بين أحاديث الباب، والسر فيه ما نص عليه من أن ~~القراءة مع الإمام تشوش عليه وتفوت التدبر وتخالف تعظيم القرآن، ولم يعزم ~~عليهم أن يقرءوا سرا لأن العامة متى أردوا أن يصححوا الحروف بأجمعهم كانت ~~لهم لجنة مشوشة، فسجل في النهي عن التشويش، ولم يعزم عليهم ما يؤدي إلى ~~المنهي، وأبقى خيره لمن استطاع، وذلك غاية الرحمة في بالأمة. # PageV02P014 # والسر في مخالفته الظهر والعصر أن النهار مظنة الصخب واللغط في الأسواق ~~والدور، وأما غيرهما فوقت هدوء الأصوات والجهر أقرب إلى تذكر القوم ~~واتعاظهم. # قوله صلى الله عليه وسلم. إذا أمن الإمام، فأمنوا، فإن من وافق تأمينه ~~تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ". # أقول: الملائكة يحضرون ms308 الذكر رغبة منهم فيه، ويؤمنون على أدعيتهم لأجل ما ~~يترشح عليهم من الملأ الأعلى، وفيه إظهار التأسي بالإمام وإقامة لسنة ~~الأقتداء. # ورويت إسكاتتان: إسكاتة بين التكبير والقراءة ليتحرم القوم بأجمعهم فيما ~~بين ذلك، فيقبلوا على استماع القراءة بعزيمة، وإسكاتة بين قراءة الفاتحة ~~والسورة، قيل: ليتيسر لهم القراءة من غير تشويش وترك إنصات. # أقول: الحديث الذي رواه أصحاب السنن ليس بصريح في الإسكاتة التي يفعلها ~~الإمام لقراءة المأمومين، فإن الظاهر أنها للتلفظ بآمين عند من يسر بها، أو ~~سكتة لطيفة تميز بين الفاتحة وآمين لئلا يشتبه غير القرآن بالقرآن، عند من ~~يجهر بها أو سكتة لطيفة ليرد إلى القارئ نفسه وعلى التنزل فاستغراب القرن ~~الأول إياها يدل على أنها ليست سنة مستقرة ولا مما عمل به الجمهور والله ~~أعلم. # ويقرأ في الفجر ستين آية إلى مائة تداركا لقلة ركعاته بطول قراءته، ولأن ~~رين الأشغال المعاشية لم يستحكم بعد، فيغتنم الفرصة لتدبر القرآن. # وفي العشاء: # {سبح اسم ربك الأعلى} # {والليل إذا يغشى} # ومثلها، وقصة معاذ - وما كره النبي صلى الله عليه وسلم من تنقير القوم - ~~مشهورة. # وحمل الظهر على الفجر، والعصر على العشاء في بعض الروايات، والظهر على ~~العشاء والعصر على المغرب في بعضها. # وفي المغرب بقصار المفصل لضيق الوقت، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يطول، ويخفف على ما يرى من المصلحة الخاصة بالوقت، وإنما أمر الناس ~~بالتخفيف فإن فيهم الضعيف. وفيهم السقيم. وفيهم ذا الحاجة وقد اختار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعض السور في بعض الصلوات لفوائد من غير حتم، ولا ~~طلب مؤكد؛ فمن اتبع فقد أحسن، ومن لا فلا حرج. # PageV02P015 # كما اختار في الأضحى. والفطر (ق) و (أقتربت) لبديع أسلوبهما وجمعهما ~~لعامه مقاصد القرآن في اختصار، وإلى ذلك حاجة عند اجتماع الناس، أو (سبح ~~اسم) و (هل أتاك) للتخفيف وأسلوبهما البديع. وفي الجمعة، سورة - الجمعة ~~والمنافقين - للمناسبة والتحذير، فإن الجمعة تجمع من المنافقين وأشباههم من ~~لا يجمعه غير الجمعة # وفي الفجر يوم الجمعة (ألم تنزيل) و ms309 (هل أتى) تذكيرا للساعة وما فيها ~~والجمعة تكون البهائم فيها مسيخة أن تكون الساعة فكذلك ينبغي لبني آدم أن ~~يكونوا فزعين بها. # وإذا مر القارئ على (سبح اسم ربك الأعلى) قال: سبحان ربي الأعلى ومن قرأ ~~(أليس الله بأحكم الحاكمين) فليقل بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، ومن قرأ ~~(أليس ذلك بقادر على أن يحي الموتى) فليقل بلى، ومن قرأ (فبأي حديث بعده ~~يؤمنون) فليقل: آمنا بالله، ولا يخفى ما فيه من الأدب # والمسارعة إلي الخير، فإذا أراد أن يركع رفع يديه حذو منكبيه أو أذنيه، ~~وكذلك إذا رفع رأسه من الركوع ولا يفعل ذلك في السجود. # أقول: السر في ذلك أن رفع اليدين فعل تعظيمي ينبه النفس على ترك الاشغال ~~المنافية للصلاة والدخول في حيز المناجاة، فشرع ابتداء كل فعل من التعظيمات ~~الثلاث به، لتتنبه النفس لثمرة ذلك الفعل مستأنفا، وهو من الهيآت فعله ~~النبي صلى الله عليه وسلم مرة، وتركه مرة، والكل سنة، وأخذ بكل واحد جماعة ~~من الصحابة والتابعين. ومن بعدهم، وهذا أحد المواضع التي اختلف فيها ~~الفريقان أهل المدينة والكوفة، ولكل واحد أصل أصيل، والحق عندي في مثل ذلك ~~أن الكل سنة ونظيره الوتر بركعة واحدة أو بثلاث والذي يرفع أحب إلي ممن لا ~~يرفع، فإن أحاديث الرفع أكثر وأثبت غير أن لا ينبغي لإنسان في مثل هذه ~~الصور أن يثير على نفسه فتنة عوام بلده، وهو قوله صلى الله عليه وسلم " ~~لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت الكعبة " ولا يبعد أن يكون ابن مسعود رضي ~~الله تعالى عنه ظن أن السبة المتقررة آخرا هو تركه، لما تلقن من أن مبنى ~~الصلاة على سكون الأطراف ولم يظهر له # PageV02P016 # أن الرفع فعل تعظيمي، ولذلك ابتدأ به في الصلاة، أو لما تلقن من أنه فعل ~~ينبئ على الترك، فلا يناسب كونه في أثناء الصلاة، ولم يظهر له أن تجديد ~~التنبه لترك ما سوى الله عند كل فعل أصل من الصلاة مطلوب والله أعلم. # قوله " لا يفعل ذلك في السجود ms310 " أقول. القومة شرعت فارقة بين الركوع ~~والسجود، فالرفع معها رفع للسجود فلا معنى للتكرار، ويكبر في كل خفض ورفع ~~للتنبيه المذكور وليسمع الجماعة فيتنبهوا للانتقال. # ومن هيآت الركوع أن يضع راحتيه على ركبتيه، ويجعل أصابعه أسفل # من ذلك كالقابض، ويجافي بمرفقيه، ويعتدل، فلا يصبى رأسه، ولا يقنع # ومن أذكاره: " سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي "، وفيه العمل ~~بقوله تعالى: # {فسبح بحمد ربك واستغفره} # ومنها " سبوح قدوس ربنا ورب الملائكة والروح " ومنها " سبحان ربي العظيم ~~" ثلاثا، ومنها " اللهم لك ركعت، وبك آمنت ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ~~ومخي وعظمي وعصبي ". # ومن هيآت القومة أن يستوي قائما حتى يعود كل فقار مكانه، وأن يرفع يديه. # ومن أذكارها: " سمع الله لمن حمده " ومنها " اللهم ربنا لك الحمد حمدا ~~كثيرا طيبا مباركا فيه " وجاءت زيادة " ملء السموات والأرض وملء ما شئت من ~~شيء بعد " وزاد في رواية: أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد، وكلنا لك ~~عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك ~~الجد " ومنها " اللهم طهرني بالثلج والبرد، والماء البارد، اللهم طهرني من ~~الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ". # واختلفت الأحاديث. ومذاهب الصحابة. والتابعين في قنوت الصبح، وعندي أن ~~القنوت وتركه سيان، ومن لم يقنت إلا عند حادثة عظيمة، أو كلمات يسيرة ~~إخفاءة قبل # PageV02P017 # الركوع أحب إلي، لأن الأحاديث شاهدة على أن الدعاء على رعل وذكوان كان ~~أولا ثم ترك، وهذا وإن لم يدل على # نسخ مطلق القنوت، لكنها تؤمي إلى أن القنوت ليس سنة مستقرة، أو نقول: ليس ~~وظيفة راتبة، وهو قول الصحابي: أن بنى محدث يعني المواظبة عليه، وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم وخلفاءه إذا نابهم أمر دعوا للمسلمين وعلى الكافرين بعد ~~الركوع أو قبله، ولم يتركوه بمعنى عدم القول عند النائبة. # ومن هيآت السجود أن يضع ركبتيه قبل يديه، ولا يبسط ذراعيه انبساط الكلب، ~~ويجافي يديه حتى يبدو بياض إبطيه، ويستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة. # ومن أذكاره: ms311 " سبحان ربي الأعلى ثلاثا " ومنها " سبحانك اللهم ربنا ~~وبحمدك اللهم اغفر لي " ومنها: " اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت، سجد ~~وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين " ~~ومنها: " سبوح قدوس ربنا والملائكة والروح " ومنها: اللهم اغفر لي ذنبي كله ~~دقه وجله وأوله وآخره وعلانيته وسره ومنها: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ~~وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك كما أثنيت على نفسك ~~". # وإنما قال صلى الله عليه وسلم " فأعني على نفسك بكثرة السجود " لأن ~~السجود غاية التعظيم، فهو معراج المؤمن، ووقت خلوص ملكيته من أسر البهيمية، ~~ومن مكن من نفسه للغاشية الالهية فقد أعان مفيض الخير. # وقوله صلى الله عليه وسلم: " أمتي يوم القيامة غر من السجود محجلون من ~~الوضوء ". # أقول: عالم المثال مبناه على مناسبة الأرواح بالأشباح كما ظهر منع ~~الصائمين عن الأكل والجماع بالختم على الأفواه والفروج. # ومن هيآت ما بين السجدتين أن يجلس على رجله اليسرى، وينصب اليمنى، ويضع ~~راحتيه على ركبتيه. # ومن أذكاره: " اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني، وارزقني ". ومن ~~هيآت القعدة أن يجلس على رجله اليسرى، وينصب اليمنى، وروي في # PageV02P018 # الأخيرة قدم رجله، اليسرى ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته، وأن يضع يديه ~~على ركبتيه، وورد يلقم كفه اليسرى ركبته، وأن يعقد ثلاثا وخمسين وأشار ~~بالسبابة، وروي قبض ثنتين، وحلق حلقة، والسر في رفع الأصبع الإشارة إلى ~~التوحيد، ليتعاضد القول والفعل، ويصير المعنى متمثلا متصورا، ومن قال: أن ~~مذهب أبي حنيفة رحمه الله ترك الإشارة بالمسبحة فقد أخطأ، ولا يعضده رواية ~~ولا دراية قاله ابن الهمام، نعم لم يذكره محمد رحمه الله في الأصل، وذكره ~~في الموطأ، ووجدت بعضهم لا يميز بين قولنا ليست الإشارة في ظاهر المذهب، ~~وقولنا ظاهر المذهب أنها ليست، ومفاسد الجهل والتعصب أكثر من أن تحصى. # وجاء في التشهد صيغ: أصحها تشهد ابن مسعود رضي الله عنه، ثم تشهد ابن ~~عباس. وعمر رضي الله عنهما؛ وهي كأحرف القرآن كلها شاف كاف، وأصح ms312 صيغ ~~الصلاة " اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل ~~إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ~~إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد # واللهم صلي على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على ~~محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد ". # وقد ورد في صيغ الدعاء في التشهد: " اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ~~وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من شر المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة ~~المحيا والممات " وورد " اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا: ولا يغفر الذنوب ~~إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني أنك أنت الغفور الرحيم " وورد " ~~اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما ~~أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت. # ومن أذكار ما بعد الصلاة استغفر الله ثلاثا، واللهم أنت السلام ومنك ~~السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له ~~الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي ~~لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، ~~وله النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ~~ولو كره الكافرون، اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من البخل، وأعوذ ~~بك من أرذل # PageV02P019 # العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر وثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث ~~وثلاثون تحميدة. وأربع وثلاثون تكبيرة. وروى من كل ثلاث وثلاثون وتمام ~~المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له الخ، وروي من كل خمس وعشرون، ~~والرابع لا إله إلا الله، ويروى يسبحون في دبر كل صلاة عشرا، ويحمدون عشرا، ~~ويكبرون عشرا؛ وروي من كل مائة، والأدعية كلها بمنزلة أحرف القرآن، من من ~~قرأ منها شيئا فاز بالثواب الموعود. ms313 والأولى أن يأتي بهذه الأذكار قبل ~~الرواتب فإنه جاء في بعض الأذكار # ما يدل على ذلك نصا كقوله: من قال - قبل أن ينصرف، ويثني رجليه من صلاة ~~المغرب والصبح لا إله إلا الله الخ، وكقول الراوي كان إذا سلم من صلاته ~~يقول بصوته الأعلى: لا إله إلا الله الخ، قال ابن عباس: كنت أعرف انقضاء ~~صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكبير، وفي بعضها ما يدل ظاهرا كقوله ~~" دبر كل صلاة "، وأما قول عائشة: كان إذا سلم لا يقعد إلا مقدار ما يقول: ~~اللهم أنت السلام فيتحمل وجوها، منها أنه كان لا يقعد بهيئة الصلاة إلا هذا ~~القدر، ولكنه كان يتيامن، أو يتياسر، أو يقبل على القوم بوجهه، فيأتي ~~بالأذكار؛ لئلا يظن الظان أن الأذكار من الصلاة، ومنها أنه كان حينا بعد ~~حين يترك الأذكار غير هذه الكلمات يعلمهم أنها ليست فريضة، وإنما مقتضى كان ~~وجود هذا الفعل كثير لا مرة ولا مرتين ولا المواظبة. # والأصل في الرواتب أن يأتي بها في بيته، والسر في ذلك كله أن يطع الفصل ~~بين الفرض والنوافل بما ليس من جنسهما، وأن يكون فصلا معتدا به يدرك ببادئ ~~الرأي، وهو قول عمر رضي الله عنه لمن أراد أن يشفع بعد المكتوبة: " اجلس ~~فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلواتهم فصل، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم أصاب الله بك يا ابن الخطاب "، وقوله صلى الله عليه وسلم: " ~~اجعلوها في بيوتكم " والله أعلم. # PageV02P020 ### | (ما لا يجوز في الصلاة # و ### | سجود السهو # والتلاوة) ### | (ما لا يجوز في الصلاة) # واعلم أن مبنى الصلاة على خشوع الأطراف، وحضور القلب، وكف اللسان إلا عن ~~ذكر الله، وقراءة القرآن ... ، فكل هيئة باينت الخشوع، وكل كلمة ليست بذكر ~~الله، فإن ذلك ينافي الصلاة، لا تتم الصلاة إلا بتركه والكف عنه، لكن هذه ~~الأشياء متفاوتة، وما كل نقصان يبطل الصلاة بالكلية، والتمييز بين ما ~~يبطلها بالكلية، وبين ما ينقصها في الجملة - تشريع موكول إلى نص الشارع، ~~وللفقهاء ms314 في ذلك كلام كثير، وتطبيق الأحاديث الصحيحة عليه عسير، وأوفق ~~المذاهب بالحديث في هذا الباب أوسعها. # ولا شك أن الفعل الكثير الذي يتبدل به المجلس، والقول الكثير الذي يستكثر ~~جدا - ناقص. # فمن الثاني قوله صلى الله عليه وسلم: " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء ~~من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن " وتعليله صلى الله ~~عليه وسلم التراب في الرجل يسوي الترتب حيث يسجد،: " إن كنت فاعلا فواحدة ~~"، ونهيه صلى الله عليه وسلم عن الخصر وهو وضع اليد على الخاصرة " فإنه ~~راحة أهل النار " يعني هيئة أهل البلاء المتحيين المدهوشين، وعن الالتفات " ~~فإنه اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد " يعني ينقص الصلاة وينافي ~~كماله. # وقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع ~~فإن الشيطان يدخل في فيه " أقول: يريد أن التثاؤب مظنة لدخول ذباب أو نحوه ~~مما يشوش خاطره، ويصده عما # PageV02P021 # هو بسبيله. # وقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى، ~~فإن الرحمة تواجهه " وقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يزال الله تعالى مقبلا ~~على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت، فإذا ألتفت أعرض عنه " وكذا ما ورد من ~~إجابة الله للعبد في الصلاته، أقول: هذا إشارة إلى أن جود الحق عام فائض، ~~وأنه إنما تتفاوت النفوس فيما بينها باستعدادها الجبلي أوالكسبي، فإذا توجه ~~إلى الله فتح له باب من جوده، وإذا أعرض حرمه، بل استحق العقوبة بأعراضة. # قوله صلى الله عليه وسلم: " العطاس والنعاس والتثاؤب في الصلاة والحيض ~~والقيء والرعاف من الشيطان " أقول: يريد أنها منافية لمعنى الصلاة ومبناها ~~وأما الأول فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعل أشياء في الصلاة بيانا ~~للشرع، وقرر على أشياء، فذلك ما دونه لا يبطل الصلاة. # والحاصل من الاستقراء أن القول اليسير - مثل ألعنك بلعنة الله ثلاثا، ~~ويرحمك الله، ويا ثكل أماه، وما شأنكم تنظرون إلي، والبطش اليسير مثل وضع ~~صبيته من العاتق ورفعها، وغمز الرجل، ومثل فتح الباب، ms315 والمشي اليسير ~~كالنزول من درج المنبر إلى مكان، ليتأتى منه السجود في أصل المنبر، والتأخر ~~من موضع الإمام إلى الصف، والتقدم إلى الباب المقابل؛ ليفتح، والبكاء خوفا ~~من الله، والإشارة المفهمة، وقتل الحية والعقرب، واللحظ يمينا وشمالا من ~~غير لي العنق - لا يفسد، وإن تعلق القذر بجسده أو ثوبه إذا لم يكن بفعله أو ~~كان لا يعلمه، لا يفسد هذا والله أعلم بحقيقة الحال. ### | (سجود السهو) # وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما إذا قصر الإنسان في صلاته أن يسجد ~~سجدتين تداركا لما فرط، ففيه شبه القضاء وشبه الكفارة. # والمواضع التي ظهر فيها النص أربعة: الأول قوله صلى الله عليه وسلم: " ~~إذا شك أحدكم في صلاته، ولم يدر كم صلى ثلاثا أو أربعا، فليطرح الشك، وليبن ~~على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعها بهاتين ~~السجدتين، وإن كان صلى تماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان " أي زيادة في ~~الخير، وفي معناه الشك في الركوع والسجود. # PageV02P022 # الثاني أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمسا فسجد سجدتين بعد ما سلم ~~وفي معنى زيادة الركعة زيادة الركن. # الثالث أنه صلى الله عليه وسلم سلم في ركعتين، فقيل له في ذلك، فصلى ما ~~ترك ثم سجد سجدتين، وأيضا روى أنه سلم وقد بقي عليه ركعة بمثله، وفي معناه ~~أن يفعل سهوا ما يبطل عمده. # الرابع أنه صلى الله عليه وسلم قام في الركعتين لم يجلس حتى إذا قضى ~~الصلاة سجد سجدتين قبل أن يسلم، وفي معناه ترك التشهد في القعود. # قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا قام الإمام في الركعتين فإن ذكر قبل أن ~~يستوي قائما فليجلس، وإن استوى قائما، فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو، أقول: ~~وذلك أنه إذا قام فات موضعه، فإن رجع لا أحكم ببطلان صلاته، وفي الحديث ~~دليل على أن من كان قريب الاستواء ولما يستو فإنه يجلس خلافا لما عليه ~~العامة ### | (سجود التلاوة) # وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن قرأ آية ms316 فيها أمر بالسجود، أو بيان ~~ثواب من سجد، وعقاب من أبى عنه أن يسجد تعظيما لكلام ربه ومسارعة إلى ~~الخير، وليس منها مواضع سجود الملائكة لآدم عليه السلام لأن الكلام في ~~السجود لله تعالى. # والآيات التي ظهر فيها النص أربع عشرة آية أو خمس عشرة، وبين عمر رضي ~~الله عنه أنها مستحبة، وليست بواجبة على رأس المنبر، فلم ينكر السامعون، ~~وسلموا له، وتاويل حديث - سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالنجم، وسجد معه ~~المسلمون، والمشركون. والجن. والأنس - عندي أن في ذلك الوقت ظهر الحق ظهورا ~~بينا، فلم يكن لأحد إلا الخضوع والاستسلام، فلما رجعوا إلى طبيعتهم كفر من ~~كفر، وأسلم من أسلم، ولم يقبل شيخ من قريش تلك الغاشية الإلهية لقوة الختم ~~على قلبه إلا بأن رفع التراب إلى الجبهة، فعجل تعذيبه بأن قتل ببدر، # ومن أذكار سجدة التلاوة: سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره بحوله ~~وقوته، ومنها اللهم اكتب لي بها عندك أجرا، وضع بها عني وزرا، واجعلها لي ~~عندك ذخرا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود. # PageV02P023 ### | (النوافل) # لما كان من الرحمة المرعية في الشرائع - أن يبين لهم ما لا بد منه، وما ~~يحصل به فائدة الطاعة كاملة، ليأخذ كل إنسان حظه، ويتمسك المشغول والمقبل ~~على الارتفاقات بما لا بد منه، ويؤدي الفارغ المقبل على تهذيب نفسه وإصلاح ~~آخرته الكامل - توجهت العناية التشريعية إلى بيان صلوات يتنفلون بها، ~~وتوقيتها بأسباب وأوقات تليق بها، وأن يحث عليها، ويرغب فيها، ويفصح عن ~~فوائدها، وإلى ترغيبهم في الصلاة النافلة غير المؤقتة إجمالا إلا عند مانع ~~كالأوقات المنهية. # فمنها رواتب الفرائض، والأصل فيها أن الأشغال الدنيوية لما كانت منسية ~~ذكر الله صادة عن تدبر الأذكار وتحصيل ثمرة الطاعات فإنها تورث إخلادا إلى ~~الهيئة البهيمية وقسوة ودهشا للملكية - وجب أن يشرع لهم مصقلة يستعملونها ~~قبل الفرائض؛ ليكون الدخول فيها على حين صفاء القلب وجمع الهمة، وكثيرا ما ~~لا يصلي الإنسان بحيث يستوفي فائدة الصلاة، وهو المشار إليه في قوله صلى ~~الله عليه ms317 وسلم " كم من مصل ليس له من صلاته إلا نصفها ثلثها ربعها " فوجب ~~أن يسن بعدها صلاة تكملة للمقصود # وآكدها عشر ركعات، أو اثنتا عشرة ركعة متوزعة على الأوقات وذلك أنه أراد ~~أن يزيد بعدد الركعات الأصلية، وهي إحدى عشرة لكنها أشفاع، فاختار أحد ~~العددين. # قوله صلى الله عليه وسلم: " بنى له بيت في الجنة " أقول هذا إشارة إلى ~~أنه مكن من نفسه لحظ عظيم من الرحمة # قوله صلى الله عليه وسلم: " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها " أقول: ~~إنما كانتا خيرا منها لأن الدنيا فانية، ونعيمها لا يخلو عن كدر النصب ~~والتعب، وثوابها باق غير كدر # وقوله صلى الله عليه وسلم: " من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله ~~حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة " أقول: هذا هو ~~الاعتكاف الذي سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم كل يوم، وقد مر فوائد ~~الاعتكاف # PageV02P024 # وقوله صلى الله عليه وسلم في أربع قبل الظهر: " تفتح لهن أبواب اسماء " ~~وقوله صلى الله عليه وسلم " إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، فأحب أن ~~يصعد لي فيها عمل صالح " وقوله صلى الله عليه وسلم " ما مشيء إلا يسبح في ~~تلك الساعة " أقول: قد ذكرنا من قبل أن المتعالي عن الوقت له تجليات في ~~الأوقات، وأن الروحانية تنتشر في بعض الأوقات، فراجع هذا الفصل # وإنما سن أربع بعد الجمعة لمن صلاها في المسجد، وركعتان بعدها لمن صلاها ~~في بيته لئلا يحصل مثل الصلاة في وقتها ومكانها في اجتماع عظيم من الناس، ~~فإن ذلك يفتح على العوام ظن الإعراض من الجماعة ونحو ذلك من الأوهام، وهو ~~أمره صلى الله عليه وسلم ألا يوصل صلاة بصلاة حتى يتكلم، أو يخرج، وروى ~~أربع قبل العصر وست بعد المغرب ولم يسن بعد الفجر لأن السنة فيه الجلوس في ~~موضع الصلاة إلى صلاة الإشراق، فحصل المقصود، ولأن الصلاة بعده تفتح باب ~~المشابهة بالمجوس، ولا بعد العصر للمشابهة المذكورة # ومنها صلاة الليل اعلم أنه ms318 لما كان آخر الليل - وقت صفاء الخاطر عن ~~الاشغال المشوشة وجمع القلب. وهدء الصوت ونوم الناس. وابعد من # الرياء والسمعة - وأفضل أوقات الطاعة ما كان فيه الفراغ وإقبال الخاطر، ~~وهو قوله صلى الله عليه وسلم " وصلوا بالليل والناس نياما " وقوله تعالى: # {إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوام قيلا إن لك في النهار سحبا طويلا} # وأيضا فذلك الوقت وقت نزول الرحمة الإلهية، وأقرب ما يكون الرب إلى العبد ~~فيه، وقد ذكرناه من قبل، وأيضا فللسهر خاصية عجيبة في إضعاف البهيمية، وهو ~~بمنزلة الترياق، ولذلك جرت عادة طوائف الناس أنهم إذا أرادوا تسخير السباع ~~وتعليمها الصيد لم يستطيعوه إلا من قبل السهر والجوع، وهو قوله صلى الله ~~عليه وسلم: " إن هذا السهر جهد وثقل " الحديث - كانت العناية بصلاة التهجد ~~أكثر فبين النبي صلى الله عليه وسلم فضائلها، وضبط آدابها وأذكارها # PageV02P025 # قوله صلى الله عليه وسلم " يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ~~ثلاث عقد " الحديث أقول: الشيطان يلذذ إليه النوم، ويوسوس إليه أن الليل ~~طويل، ووسوسته تلك أكيدة شديدة لا تنقشع إلا بتدبير بالغ يندفع به النوم، ~~وينفتح به من التوجه إلى الله، فلذلك # سن أن يذكر الله إذا هب وهو يمسح النوم عن وجهه، ثم يتوضأ ويتسوك، ثم ~~يصلي ركعتين خفيفتين، ثم يطول بالآداب والأذكار ما شاء، وإني جربت تلك ~~العقد الثلاث، وشاهدت ضربها وتأثيرها مع علمي حينئذ بأنه من الشيطان، وذكري ~~هذا الحديث. # قوله صلى الله عليه وسلم " رب كاسية في الدنيا - أي بأصناف اللباس - ~~عارية في الآخرة " أي جزاء وفاقا لخلو نفسها عن الفضائل النفسانية. # قوله صلى الله عليه وسلم " ماذا أنزل " الحديث. أقول: هذا دليل واضح على ~~تمثل المعاني ونزولها إلى الأرض قبل وجودها المحسوس. # قوله صلى الله عليه وسلم " ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا " ~~الحديث قالوا هذه كناية عن تهيؤ النفوس لاستنزال رحمة الله من وجهه هدء ~~الأصوات الشاغلة عن الحضور، وصفاء القلب عن الأشغال المشوشة، والبعد من ~~الرياء، وعندي أنه مع ms319 ذلك كناية عن شيء متجدد يستحق أن يعبر عنه بالنزول، ~~وقد أشرنا إلى شيء من هذا، ولهذين السرين قال النبي صلى الله عليه وسلم " ~~أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر " وقال: " أن في الليل ~~لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه " وقال: عليكم ~~بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وهو قربة لكم إلى ربكم، مكفرة ~~للسيئات، منهاة عن الإثم، قد ذكرنا أسرار التكبير والنهي عن الإثم وغيرهما ~~مراجع. # PageV02P026 # قوله صلى الله عليه وسلم: " من أوى إلى فراشه طاهرا يذكر الله حتى يدركه ~~النعاس لم ينقلب ساعة من الليل يسأل الله شيئا من خير الدنيا والآخرة إلا ~~أعطاه ". # أقول معناه من نام على حالة الإحسان الجامع بين التشبه بالملكوت. والتطلع ~~إلى الجبروت لم يزل طول ليلته على تلك الحالة، وكانت نفسه راجعة إلى الله ~~في عبادة المقربين. # ومن سنن التهجد أن يذكر الله إذا قام من النوم قبل أن يتوضأ، وقد ذكر فيه ~~صيغ منها " اللهم لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد ~~أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن ~~فيهن، ولك الحمد أنت الحق وعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، ~~والنار حق والنبيون حق، ومحمد حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، ~~وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت، وما ~~أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت ~~المؤخر، لا إله إلا أنت، ولا إله غيرك ". # ومنها: أن كبر الله عشرا، وحمد الله عشرا، وقال: سبحان الله وبحمده عشرا، ~~وقال: سبحان الملك القدوس عشرا، واستغفر الله عشرا وهلل عشرا، ثم قال: ~~اللهم إني أعوذ بك من ضيق الدنيا، وضيق يوم القيامة عشرا. # ومنعها: " لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك لذنبي، # وأسألك رحمتك، اللهم زدني علما، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من ~~لدنك رحمة إنك أنت ms320 الوهاب. # ومنها تلاوة: # {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} # إلى آخر السورة، ثم يستوك، ويتوضأ، ويصلي إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشر ~~ركعة منها الوتر. # ومن آداب صلاة الليل أن يواظب على الأذكار التي سنها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في أركان الصلاة، وأن يسلم على كل ركعتين، ثم يرفع يديه يقول: يا ~~رب يا رب يبتهل في الدعاء، وكان في دعائه صلى الله عليه وسلم اللهم اجعل في ~~قلبي نورا، وفي بصري نورا، وفي سمعي نورا، وعن يميني نورا، وعن يساري نورا، ~~وفوقي نورا، وتحتي نورا، وأمامي نورا، وخلفي نورا، واجعل لي نورا ". # PageV02P027 # وقد صلاها النبي صلى الله عليه وسلم على وجوه، والكل سنة، والأصل أن صلاة ~~الليل هو الوتر، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم " إن الله أمدكم بصلاة ~~هي الوتر، فصلوها ما بين العشاء والفجر " وإنما شرعها النبي صلى الله عليه ~~وسلم وترا لأن الوتر عدد مبارك، وهو قوله صلى الله عليه وسلم " إن الله وتر ~~يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن " لكن لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن القيام لصلاة الليل جهد لا يطيقه إلا من وفق له # لم يشرعه تشريعا عاما، ورخص في تقديم الوتر أول الليل، ورغب في تأخيره، ~~وهو قوله صلى الله عليه وسلم " من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ~~ومن طمع أن يوتر آخره فليوتر آخره، فإن صلاة الليل مشهودة، وذلك أفضل "، ~~والحق أن الوتر سنة هو أوكد السنن بينه علي وابن عمر. وعبادة بن الصامت رضي ~~الله عنهم. # قوله صلى الله عليه وسلم " أن الله أمدكم بصلاة هي خيرا لكم من حمر النعم ~~". # أقول: هذا إشارة إلى أن الله تعالى لم يفرض عليهم إلا مقدارا يتأتى منهم، ~~ففرض عليهم أولا إحدى عشرة ركعة، ثم أكملها بباقي الركعات في الحضر، ثم ~~أمدها بالوتر للمحسنين لعلمه صلى الله عليه وسلم أن المستعدين للإحسان ~~يحتاجون إلى مقدار زائد، فجعل الزيادة بقدر الأصل ms321 إحدى عشرة ركعة، وهو قول ~~ابن مسعود رضي الله عنه للأعرابي: ليس لك ولأصحابك. # ومن أذكار الوتر كلمات علمها النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي رضي ~~الله عنهما، فكان يقولها في قنوت الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني ~~فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، ~~فإنك تقضي، ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ~~ربنا وتعاليت. # ومنها أن يقول في آخره: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من ~~عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. # ومنها أن يقول إذا سلم: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات يرفع صوته في ~~الثالثة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلاها ثلاثا يقرأ في الأولى: # {سبح اسم ربك الأعلى} # وفي الثانية: # {قل يا أيها الكافرون} # وفي الثالثة: # {قل هو الله أحد} والمعوذتين. # PageV02P028 # ومنها قيام شهر رمضان، والسر في مشروعيته أن المقصود من رمضان أن يلحق ~~المسلمون بالملائكة، ويتشبهون بهم، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك على ~~درجتين: درجة العوام - وهي صوم رمضان والاكتفاء على الفرائض - ودرجة ~~المحسنين - وهي صوم رمضان وقيام لياليه. وتنزيه اللسان مع الاعتكاف وشد ~~المئزر في العشر الأواخر - وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أن جميع الأمة ~~لا يستطيعون الأخذ بالدرجة العليا، ولا بد من أن يفعل كل واحد مجهوده. # قوله صلى الله عليه وسلم " ما زال بكم الذي رأيت من ضيعكم حتى خشيت أن ~~يكتب عليكم ولو كتب عليكم ما قمتم به ". # اعلم أن العبادات لا تؤقت عليهم إلا بما إطمأنت به نفوسهم، فخشي النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يعتاد ذلك أوائل الأمة، فتطمئن به نفوسهم، وسجدوا في ~~نفوسهم عند التقصير فيها التفريط في جنب الله، أو يصير من شعائر الدين، ~~فيفرض عليهم، وينزل القرآن، فيثقل على أواخرهم، وما خشي ذلك حتى تفرس أن ~~الرحمة التشريعية تريد أن تكلفهم بالتشبه بالملكوت، وأن ليس ببعيد أن ms322 ينزل ~~القرآن لأدنى تشهير فيهم واطمئنانهم به وعضهم عليه بالنواجذ ولقد صدق الله ~~عز وجل فراسته، فنفث في قلوب المؤمنين من بعده أن يعضوا عليها بنواجذهم. # قوله صلى الله عليه وسلم " من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم ~~من ذنبه " وذلك لأنه بالأخذ بهذه الدرجة أمكن من نفسه لنفحات ربه المقتضية ~~لظهور الملكية وتكفير السيئات. # وزادت الصحابة ومن بعدهم في قيام رمضان ثلاثة أشياء: الاجتماع له في ~~مساجدهم، وذلك لأنه يفيد التيسير على خاصتهم وعامتهم، وأداؤه في أول الليل ~~مع القول بأن صلاة أخر الليل مشهودة، وهي أفضل كما نبه عمر رضي عنه لهذا ~~التيسير الذي أشرنا إليه، وعدده عشرون ركعة، وذلك لأنهم رأوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم شرع للمحسنين إحدى عشرة ركعة في جميع السنة، فحكموا أنه لا ~~ينبغي أن يكون حظ المسلم في رمضان عند قصده الاقتحام في لجة التشبه ~~بالملكوت أقل من ضعفها. # ومنها الضحى وسرها أن الحكمة الإلهية اقتضت ألا يخلو كل ربع من أرباع ~~النهار من صلاة تذكر له ما ذهل عنه من ذكر الله لأن الربع ثلاث ساعات، وهي ~~أول كثرة للمقدار المستعمل عندهم في أجزاء النهار عربهم وعجمهم، ولذلك كان ~~الضحى سنة الصالحين قبل النبي صلى الله عليه وسلم. # وأيضا فأول النهار وقت ابتغاء الرزق والسعي في المعيشة، فسن في # ذلك الوقت صلاة ليكون ترياقا لسم الغفلة الطارئة فيه بمنزلة ما سن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لداخل في السوق من ذكر لا إله إلا الله وحده لا شريك له # PageV02P029 # الخ ... # وللضحى ثلاث درجات أقلها ركعتان، وفيها أنها تجزئ عن الصدقات الواجبة " ~~على كل سلامى ابن آدم " وذلك أن إبقاء كل مفصل على صحته المناسبة له نعمة ~~عظيمة تستوجب الحد بأداء الحسنات لله والصلاة أعظم الحسنات تتأتي بجميع ~~الأعضاء الظاهرة والقوى الباطنة. # وثانيها أربع ركعات، وفيها عن الله تعالى " يا ابن آدم اركع لي أربع ~~ركعات من أول النهار أكفك أخره " أقول: معناه أنه نصاب صالح من تهذيب النفس ~~وإن ms323 لم يعمل عملا مثله إلى آخر النهار. # وثالثها ما زاد عليها كثماني ركعات وثنتي عشرة. # وأكمل أوقاته حين يترحل النهار وترمض الفصال. # ومنها صلاة الاستخارة، وكان أهل الجاهلية إذا عنت لهم حاجة من سفر أو ~~نكاح أو بيع استقسموا بالأزلام، فنهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه ~~غير معتمد على أصل، وإنما هو محض اتفاق، ولأنه افتراء على الله بقولهم: ~~أمرني ربي، ونهاني ربي، فوضهم من ذلك الاستخارة؛ فإن الإنسان إذا استمطر ~~العلم من ربه، وطلب منه كشف مرضاة الله في ذلك الأمر، ولج في قلبه بالوقوف ~~على بابه - لم يتراخ من ذلك فيضان سر إلهي، وأيضا فمن أعظم فوائدها أن يغنى ~~الإنسان عن # مراد نفسه، ونتقاد بهيميته لملكيته، ويسلم وجهه لله، فإذا فعل ذلك صار ~~بمنزلة الملائكة في انتظارهم لإلهام الله، فإذا ألهموا سعوا في الأمر ~~بداعية إلهية لا داعية نفسانية. # وعندي أن إكثار الاستخارة في الأمور ترياق مجرب لتحصيل شبه الملائكة. # وضبط النبي صلى الله عليه وسلم آدابها ودعاءها، فشرع ركعتين، وعلم " ~~اللهم إني استخيرك بعلمك، واستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك ~~تقدر، ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن ~~هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمري وآجله ~~- فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي ~~في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني، ~~واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به، قال. ويسمي حاجته. # PageV02P030 # ومنها صلاة الحاحة، والأصل فيها أن الابتغاء من الناس وطلب الحاجة منهم ~~مظنة أن يرى إعانة ما من غير الله تعالى، فيخل بتوحيد الاستعانة، فشرع لهم ~~صلاة ودعاء ليدفع عنهم هذا الشر، ويصير وقوع الحاجة مؤيدا له فيما هو ~~بسبيله من الإحسان، فسن لهم أن يركعوا ركعتين، ثم يثنوا على الله، ويصلوا ~~على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يقولوا " لا إله إلا ms324 الله الحليم الكريم ~~سبحان الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك، ~~وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل أثم، لا تدع لي ذنبا إلا ~~غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا حاجة هي لك رضا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين ~~". # ومنها صلاة التوبة، والأصل فيها أنا الرجوع إلى الله لا سيما عقيب الذنب ~~قبل أن يرتسخ في قلبه رين الذنب - مكفر مزيل عنه السوء. # ومنها صلاة الوضوء، وفيها قوله صلى الله عليه وسلم لبلال رضي الله عنه: " ~~إني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة " أقول وسرها أن المواظبة على الطهارة ~~والصلاة عقبيها نصاب صالح من الإحسان لا يتأتى إلا من ذي حظ عظيم. # وقوله صلى الله عليه وسلم: " بم سبقتني إلى الجنة " (أقول) معناه أن ~~السبق في هذه الواقعة شبح التقدم في الإحسان، والسر في تقدم بلال على إمام ~~المحسنين أن للكمل بإزاء كل كمال من شعب الإحسان تدليا هو مكشاف حاله، ومنه ~~يفيض على قلبه معرفة ذلك الكمال ذوقا ووجدانا نظير ذلك من المألوف أن زيدا ~~الشاعر المحاسب ربما يحضر في ذهنه كونه شاعرا، وأنه من أي منزلة من الشعر، ~~فيذهل عن الحساب، وربما يحضر في ذهنه كونه محاسبا، فيستغرق في بهجتها، ~~ويذهل عن الشعر، والأنبياء عليهم السلام أعرف الناس بتدلي الإيمان العامى ~~لأن الله تعالى أراد أن يتبينوا حقيقته بالذوق، فيسنوا للناس سنتهم فيما ~~ينوبهم في تلك المرتبة، وهذا سر ظهور الأنبياء عليهم السلام من استيفاء ~~اللذات الحسية وغيرها في صورة عامة المؤمنين، فرأى رسول صلى الله عليه وسلم ~~تدليه الإيماني بتقدمة بلال، فعرف رسوخ قدمه في الإحسان. # ومنها صلاة التسبيح سرها أنها صلاة ذات حظ جسيم من الذكر بمنزلة الصلاة # PageV02P031 # التامة الكاملة التي سنها رسول صلى الله عليه وسلم بأذكارها # للمحسنين فتلك تكفي عنها لمن لم يحط بها، ولذلك بين النبي صلى الله عليه ~~وسلم عشر خصال في فضلها. # ومنها صلاة الآيات - كالكسوف. والخسوف والظلمة - والأصل فيها أن الآيات ~~إذا ظهرت ms325 انقادت لها النفوس والتجأت إلى الله، وانفكت عن الدنيا نوع ~~انفكاك، فتلك الحالة غنيمة المؤمن ينبغي أن يبتهل في الدعاء والصلاة وسائر ~~أعمال البر، وأيضا فإنها وقت قضاء الله الحوادث في عالم المثال، ولذلك ~~يستشعر فيها العارفون الفزع، وفزع الرسول الله صلى الله عليه وسلم عندها ~~لأجل ذلك، وهي أوقات سريان الروحانية في الأرض، فالمناسب إلى للمحسن أن ~~يتقرب إلى الله في تلك الأوقات، وهو قوله صلى الله عليه وسلم في الكسوف في ~~حديث نعمان بن بشير: " فإذا تجلى الله لشيء من خلقه خشع له "، وأيضا ~~فالكفار يسجدون للشمس والقمر، فكان من حق المؤمن إذا رأى آية عدم استحقاقها ~~العبادة أن يتضرع إلى الله، ويسجد له، وهو قوله تعالى: # {لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن} ليكون شعارا للدين ~~وجوابا مسكتا لمنكر به # وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام قيامين، وركع ركوعين حملا ~~لهم على السجدة في موضع الابتهال، فإنه خضوع مثلها، فينبغي تكرارها، وأنه ~~صلاها جماعة، وأمر إن ينادى بها أن الصلاة جامعة، وجهر بالقراءة، فمن اتبع ~~فقد أحسن، ومن صلى صلاة معتدا بها في الشرع # فقد عمل بقوله عليه السلام: فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا، وصلوا، ~~وتصدقوا ". # ومنها صلاة الاستسقاء، وقد استسقى النبي صلى الله عليه وسلم لأمته مرات ~~على أنحاء كثيرة، لكن الوجه الذي سنه لأمته أن خرج بالناس إلى المصلى ~~مبتذلا متواضعا متضرعا، فصلى بهم ركعتين جهر فيهما بالقراءة، ثم خطب، ~~واستقبل فيها القبلة يدعو، ويرفع يديه، وحول رداءه، وذلك لأن لاجتماع ~~المسلمين في مكان واحد راغبين في شيء واحد بأقصى همهم واستغفارهم وفعلهم ~~الخيرات أثرا عظيما في استجابة الدعاء، والصلاة أقرب أحوال العبد من الله، ~~ورفع اليدين حكاية عن التضرع التام والابتهال العظيم، تنبه النفس على ~~التخشع، وتحويل ردائه حكاية عن تقلب أحوالهم كما يفعل المستغيث بحضرة ~~الملوك. # وكان من دعائه عليه السلام إذا استسقى " اللهم اسق عبادك وبهيمتك، وانشر # PageV02P032 # رحمتك، وأحي بلدك الميت " ومنه أيضا " اللهم اسقنا ms326 غيثا مغيثا مريئا ~~مريعا نافعا غير ضار عاجلا غير آجل ". # ومنها صلاة العيدين، وسيأتيك بيانهما. # ومما يناسبها سجود الشكر عند مجيء أمر يسره أو اندفاع نقمة، أو عند علمه ~~بأحد الأمرين، لأن الشكر فعل القلب، ولا بد له من شبح في الظاهر، ليعتضد ~~به، ولأن للنعم بطرا، فيعالج بالتذلل للمنعم. # فهذه هي الصلوات التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم لستمدي # الإحسان والسبق من أمته زيادة على الواجب المحتوم على خاصتهم وعامتهم. # ثم الصلاة خير موضوع فمن استطاع أن يستكثر منها فليفعل غير أنه نهى عن ~~خمسة أوقات: ثلاثة منها أوكد نهيا عن الباقيين، وحتى الساعات الثلاث إذا ~~طلعت الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تتضيف ~~للغروب حتى تغرب، لأنها أوقات صلاة المجوس، وهم قوم حرفوا الدين جعلوا ~~يعبدون الشمس من دون الله، واستحوذ عليهم الشيطان، وهذا معنى قوله صلى الله ~~عليه وسلم: " فإنها تطلع حين تطلع بين قرني الشيطان " وحينئذ يسجد لها ~~الكفار، فوجب أن يميز ملة الإسلام وملة الكفر في أعظم الطاعات من جهة الوقت ~~أيضا. # وأما الآخران فقوله صلى الله عليه وسلم: " لا صلاة بعد الصبح حتى تبزغ ~~الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب ". # أقول: إنما نهى عنهما لأن الصلاة فيهما تفتح باب الصلاة في الساعات ~~الثلاث، ولذلك صلى فيهما النبي صلى الله عليه وسلم تارة أنه مأمون أن يهجم ~~عليه المكروه، وروى استثناء نصف النهار يوم الجمعة، واستنبط جوازها في ~~الأوقات الثلاث في المسجد الحرام من حديث " يا بني عبد مناف من ولي منكم من ~~أمر الناس شيئا فلا يمنعن أحدا طاف بهذا البيت، وصلى أي ساعة شاء من ليل أو ~~نهار " وعلى هذا فالسر في ذلك أنهما وقت ظهور شعائر الدين ومكانه فعارضا ~~المانع في الصلاة. # PageV02P033 ### | (الاقتصاد في العمل) # اعلم أن أدوأ الداء في الطاعات ملال النفس، فإنها إذا ملت لم تنتبه لصفة ~~الخشوع، وكانت تلك المشاق خالية عن معنى العبادة، وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم: " إن لكل ms327 شيء شرة وإن لكل شرة فترة " ولهذا السر كان أجر الحسنة عند ~~اندراس الرسم بعملها وظهور التهاون فيها مضاعفا أضعافا كثيرة، لأنها ~~والحالة هذه لا تنبجس إلا من تنبه شديد وعزم مؤكد، ولهذا جعل الشارع ~~للطاعات قدرا كمقدار الدواء في حق المريض لا يزاد، ولا ينقص. # وأيضا فالمقصود هو تحصيل صفة الإحسان على وجه لا يفضي إلى إهمال ~~الارتفاقات اللازمة، ولا إلى غمط حق من الحقوق، وهو قول سلمان رضي الله ~~عنه: إن لعينيك عليك حقا وإن لزوجك عليك حقا، فصدقه النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " أنا أصوم وأفطر، وأقوم وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس ~~مني ". # وأيضا فالمقصود من الطاعات هو استقامة النفس ودفع اعوجاجها، لا الإحصاء، ~~فإنه كالمتعذر في حق الجمهور، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " استقيموا، ~~ولن تحصوا، وأتوا من الأعمال ما تطيقون " والاستقامة تحصل بمقدار معين ينبه ~~النفس لالتذاذها بلذات الملكية وتألمها من خسائس البهيمية، ويفطنها بكيفية ~~انقياد البهيمية للملكية، فلو أنه أكثر منها اعتادتها النفس، واستحلتها فلم ~~تتنبه لثمرتها # وأيضا فمن المقاصد الجليلة في التشريع أن يسد باب التعمق في الدين # لئلا يعضوا عليها بنواجذهم، فيأتي من بعدهم قوم، فيظنوا أنها من الطاعات ~~السماوية المفروضة عليهم، ثم تأتي طبقة أخرى، فيصير الظن عندهم يقينا، ~~والمحتمل مطمأنا به، فيظل الدين محرفا، وهو قوله تعالى: # {رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم} # وأيضا فمن ظن من نفسه - وإن أقر بخلاف ذلك من لسانه - أن الله لا يرضى ~~إلا بتلك الطاعات الشاقة، وأنه لو قصر في حقها فقد وقع بينه وبين تهذيب ~~نفسه حجاب عظيم، وأنه فرط في جنب الله، فإنه يؤاخذ بما ظن، ويطالب في ~~بالخروج عن التفريط في جنب الله # PageV02P034 # حسب اعتقاده، فإذا قصر انقلبت علومه عليه ضارة مظلمة، فلم تقبل طاعاته ~~لهنة في نفسه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " إن الدين يسر ولن يشاد الدين ~~أحد إلا غلبه " # فلهذه المعاني عزم النبي صلى الله عليه وسلم على أمته أن يقتصدوا في ~~العمل، ألا ms328 يجاوزوا إلى حد يفضي إلى ملال واشتباه في الدين أو إهمال ~~الارتفاقات، وبين تلك المعاني تصريحا أو تلويحا. # قوله صلى الله عليه وسلم: " أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل " # أقول: وذلك لأن إدامتها والمواظبة عليها آية كونه راغبا فيها، وأيضا ~~فالنفس لا تقبل أثر الطاعة، ولا تتشرب فائدتها إلا بعد مدة ومواظبة ~~واطمئنان بها ووجدان أوقات تصادف من النفس فراغا بمنزلة الفراغ الذي يكون ~~سببا لانطباع العلوم من الملأ الأعلى في رؤياه، وذلك غير معلوم القدر، فلا ~~سبيل إلى تحصيل ذلك إلا الإدامة والإكثار، # وهو قول لقمان عليه السلام: وعود نفسك كثرة الاستغفار، فإن الله ساعة لا ~~يرد فيها سائلا. # قوله صلى الله عليه وسلم: " خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل ~~حتى تملوا " أي لا يترك الإثابة إلا عند ملالهم، فأطلق الملال مشاكلة. # قوله صلى الله عليه وسلم: " إن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله ~~يستغفر، فيسب نفسه ". # أقول: يريد أنه لا يميز بين الطاعة وغيرها من شدة الملال، فكيف يتنبه ~~بحقيقة الطاعة. # قوله صلى الله عليه وسلم: " فسددوا " يعني خذوا طريقة السداد، وهي التوسط ~~الذي يمكن مراعاته والمواظبة عليه " وقاربوا " يعني لا تظنوا أنكم بعداء لا ~~تصلون إلا بالأعمال الشاقة " وأبشروا " يعني حصلوا الرجاء والنشاط " ~~واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة " هذه الأوقات أوقات نزول الرحمة ~~وصفاء لوح القلب من أحاديث النفس، وقد ذكرنا من ذلك فصلا. # قوله صلى الله عليه وسلم: " من نام عن حزبه، أو عن شيء منه فقرأه فيما ~~بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كإنما قرأه من الليل ". # أقول: السبب الأصلي في القضاء شيئان: أحدهما ألا تسترسل النفس بترك ~~الطاعة، فيعتاده، ويحسر عليه إلتزامها من بعد، والثاني أن يخرج عن العهدة، ~~ولا يضمر أنه فرط في جنب الله، فيؤاخذ عليه من حيث يعلم أو لا يعلم. # PageV02P035 ### | (باب صلاة المعذورين) # لما كان من تمام التشريع - أن يبين لهم الرخص عند الأعذار، ليأتي ~~المكلفون من الطاعة بما يستطيعون، ويكون قدر ms329 ذلك مفوضا إلى الشارع، ليراعي ~~فيه التوسط، لا إليهم، فيفرطوا، أو يفرطوا - اعتنى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بضبط الرخص والأعذار. # ومن أصول الرخص أن ينظر إلى اصل الطاعة حسبما تأمر به حكمة البر، فيعض ~~عليها في بالنواجد على كل حال، وينظر إلى حدود وضوابط شرعها الشارع، ليتيسر ~~لهم الأخذ بالبر، فيصرف فيها إسقاطا وإبدالا حسبما تؤدي إليه الضرورة. # فمن الأعذار السفر، وفيه من الحرج ما لا يحتاج إلى بيان، فشرع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم له رخصا. # منها القصر، فأبقى أصل أعداد الركعات - وهي إحدى عشرة ركعة، وأسقط ما زيد ~~بشرط الطمأنينة والحضر، ولما كان هذا العدد فيه شائبة العزيمة لم يكن من ~~حقه أن يقدر بقدر الضرورة، ويضيق في ترخيصه كل التضييق، فلذلك بين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن شرط الخوف في الآية لبيان الفائدة، ولا مفهوم ~~له، فقال: " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقة " والصدقة لا يضيق فيها ~~أهل المروءات، ولذلك أيضا واظب رسول الله صلى الله عليه وسلم على القصر، ~~وإن جوز الاتمام، في الجملة فهو سنة مؤكدة، ولا اختلاف بيم ما روى من جواز ~~الإتمام، # وأن الركعتين في السفر تمام غير قصر لأنه يمكن أن يكون الواجب الأصلي هو ~~ركعتين، ومع ذلك يكون الاتمام مجزئا بالأولى - كالمريض. والعبد - يصليان ~~الجمعة فيسقط عنهم الظهر، أو كالذي وجب عليه بنت مخاض فتصدق بالكل، ولذلك ~~كان من حقه أنه إذا صح على المكلف إطلاق اسم المسافر جاز له القصر إلى أن ~~يزول عنه هذا الاسم بالكلية، لا ينظر في ذلك إلى وجود الحرج، ولا إلى عدم ~~القدرة على الاتمام لأنه وظيفة من هذا شأنه ابتداء وهو قول ابن عمر رضي ~~الله عنه: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة السفر ركعتين، وهما تمام ~~غير قصر. # واعلم أن السفر والإقامة والزنا والسرقة، وسائر ما أدار الشارع عليه ~~الحكم أمور يستعملها أهل العرف في مظانها، ويعرفون معانيها، ولا ينال حده ~~الجامع المانع إلا بضرب ms330 من الاجتهاد والتأمل، ومن المهم معرفة طريق ~~الاجتهاد، فنحن نعلم نموذجا منها في # PageV02P036 # السفر، فنقول: هو معلوم بالقسمة. والمثال: يعلم جميع أهل اللسان أن ~~الخروج من مكة إلى المدينة، ومن المدينة إلى خيبر سفر لا محالة، وقد ظهر من ~~فعل الصحابة وكلامهم، أن الخروج من مكة إلى جدة. وإلى الطائف. وإلى عسفان ~~وسائر ما يكون المقصد فيه على أربعة برد سفر، ويعلمون أيضا أن الخروج من ~~الوطن على أقسام: تردد إلى الزارع والبساتين وهيمان بدون تعيين مقصد سفر، ~~ويعلمون أن اسم احد هذه لا يطلق على الآخر، وسبيل الاجتهاد أن يستقرئ ~~الأمثلة التي يطلق عليها الاسم عرفا وشرعا، وأن يسبر الأوصاف التي بها ~~يفارق أحدها قسيمة، فيجعل أعمها في موضع # الجنس، واخصها في موضع الفصل، فعلمنا أن الانتقال من الوطن جزء نفسي، إذ ~~من كان ثاويا في محل إقامته لا يقال له: مسافر، وأن الانتقال إلى موضع معين ~~جزء نفسي، وإلا كان هيمانا لا سفرا، وأن كون ذلك الموضع بحيث لا يمكن له ~~الرجوع منه إلى محل إقامته في يومه وأوائل ليلته جزء نفسي، وإلا كان مثل ~~التردد إلى البساتين والمزارع، ومن لازمه أن يكون مسيرة يوم تام - وبه قال ~~سالم - لكن مسير أربعة برد متيقن، وما دونه مشكوك وصحة هذا الاسم يكون ~~بالخروج من سور البلد أو حلة القرية أو بيوتها بقصد موضع هو على أربعة برد، ~~وزوال هذا الاسم إنما يكون بنية الإقامة مدة صالحة يعتد بها في بلده أو ~~قربه. # ومنها الجمع بين الظهر. والعصر. والمغرب. والعشاء، والأصل فيه ما أشرنا ~~أن الأوقات الأصلية ثلاثة: الفجر. والظهر. والمغرب، وإنما اشتق العصر من ~~الظهر، والعشاء من المغرب لئلا تكون المدة الطويلة صلة بين الذكرين، ولئلا ~~يكون النوم على صفة الغفلة، فشرع، لهم جمع التقديم والتأخير لكنه لم يواظب ~~عليه ولم يعزم عليه مثل ما فعل في القصر. # ومنها ترك السنن فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأبو بكر. وعمر. ~~وعثمان رضي الله عنهم لا يسبحون إلا سنة ms331 الفجر والوتر. # ومنها الصلاة على الراحلة حيث توجهت به يومئ إيماء وذلك في النوافل وسنة ~~الفجر. والوتر لا الفرائض. # ومن الأعذار الخوف، وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف على ~~أنحاء كثيرة. # PageV02P037 # منها أن رتب القوم صفين، فصلى بهم، فلما سجد سجد معه صف سجدتيه، وحرس صف، ~~فلما قاموا سجد من حرس، ولحقوه، وسجد معه في الثاني من حرس أولا، وحرس ~~الآخرون، فلما جلس سجد من حرس، وتشهد بالصفين، وسلم والحالة التي تقتضي هذا ~~النوع أن يكون العدو في جهة القبلة. # ومنها أن صلى مرتين كل مرة بفرقة، والحالة التي تقتضي هذا النوع أن يكون ~~العدو في غيرها، وأن يكون توزيع الركعتين عليهم مشوشا لهم، ولا يحيطوا ~~بأجمعهم بكيفية الصلاة. # ومنها أن وقفت فرقة في وجهة، وصلى بفرقة ركعة، فلما قام للثانية فارقته، ~~وأتمت، وذهبت وجاه العدو، وجاء الواقفون، فاقتدوا به، فصلى بهم الثانية، ~~فلما جلس للتشهد قاموا، فأتموا ثانيتهم، ولحقوه، وسلم بهم ... ، والحالة ~~المقتضية لهذا النوع أن يكون العدو في بغير القبلة، ولا يكون توزيع ~~الركعتين عليهم مشوشا لهم. # ومنها أنه صلى بطائفة منهم، وأقبلت طائفة من العدو، فركع بهم ركعة، ثم ~~انصرفوا بمكان الطائفة التي لم تصل، وجاء أولئك، فركع بهم ركعة، ثم أتم ~~هؤلاء وهؤلاء. # ومنها أن يصلي كل واحد كيفما أمكن راكبا أو ماشيا لقبلة أو غيرها رواه ~~ابن عمر رضي الله عنهما ... ، والحالة المقتضية لهذا النوع أن يشتد الخوف، ~~أو يلتحم القتال. # وبالجملة فكل نحو روى عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو جائز، ويفعل ~~الإنسان ما هو أخف عليه وأوفق بالمصلحة حالتئذ. # ومن الأعذار المرض وفيه قوله صلى الله عليه وسلم " صل قائما فإن لم ~~تستطع، فقاعدا، فإن لم تستطع، فعلى جنب ". # وقال صلى الله عليه وسلم في: النافلة من صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى ~~قاعدا فله نصف أجر القائم " # PageV02P038 # أقول لما كان من حق الصلاة أن يكثر منها - وأصل الصلاة يتأتى قائما ~~وقاعدا كما بينا، وإنما وجب القيام عند ms332 التشريع، ما لا يدرك كله لا يترك ~~كله - واقتضت الرحمة أن يسوغ لهم الصلاة النافلة قاعدا، وبين لهم ما بين ~~الدرجتين. # وقد وردت صلاة الطالب، وصلاة المطر، وصلاة الوحل: ولم يترخص أحد من ~~الصحابة في الضوابط والحدود من ضرورة لا يجد منها بدا من غير شائبة الإنكار ~~والتهاون إلا وسلمه النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله صلى الله عليه وسلم " ~~فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " كلمة جامعة، والله أعلم. ### | (الجماعة) # اعلم أنه لا شيء أنفع من غائلة الرسوم من أن يجعل شيء من الطاعات رسما ~~فاشيا يؤدي على رءوس الخامل والنبيه، ويستوي فيه الحاضر والباد، ويجرى فيه ~~التفاخر والتباهي، حتى تدخل في الارتفاقات الضرورية التي لا يمكن لهم أن ~~يتركوها، ولا أن يهملوها لتصير مؤيدا لعبادة الله، والسنة تدعو إلى الحق، ~~ويكون الذي يخاف منه الضرر هو الذي يجلبهم إلى الحق. # ولا شيء من الطاعات أتم شأنا ولا أعظم برهانا من الصلاة، فوجب إشاعتها ~~فيما بينهم والاجتماع لها، وموافقة الناس فيها. # وأيضا فالملة تجمع ناسا علماء يقتدى بهم، وناسا يحتاجون في تحصل إحسانهم ~~إلى دعوة حثيثة، وناسا ضعفاء البنية ولو لم يكلفوا أن يؤدوا على أعين الناس ~~تهاونوا فيها. فلا أنفع ولا أوفق بالمصلحة في حق هؤلاء جميعا أن يكلفوا أن ~~يطيعوا الله على أعين الناس ليتميز فاعلها من تاركها، وراغبها من الزاهد ~~فيها، ويقتدي بعالمها، ويعلم جاهلها، وتكون طاعة الله فيهم كسبيكة تعرض على ~~طائف الناس، ينكر منها المنكر، ويعرف منها المعروف، ويرى غشها وخالصها. # وأيضا فلاجتماع المسلمين راغبين في الله، راجين راهبين منه، مسلمين ~~وجوههم إليه - خاصية عجيبة في نزول البركات وتدلي الرحمة كما بينا في ~~الاستسقاء. والحج. # وأيضا فمراد الله من نصب هذه الأمة أن تكون كلمة الله هي العليا، وألا ~~يكون في الأرض دين أعلى من الإسلام، ولا يتصور ذلك إلا بأن يكون سنتهم أن ~~يجتمع خاصتهم وعامتهم، وحاضرهم وباديهم، وصغيرهم وكبيرهم، لما هو أعظم ~~شعائره وأشهر طاعاته. # فلهذه المعاني انصرفت العناية التشريعية إلى ms333 شرع ### | الجمعة # والجماعات، والترغيب فيها وتغليظ النهي عن تركها. # PageV02P039 # والإشاعة إشاعتان: إشاعة في الحي، وإشاعة في المدينة، والإشاعة في الحي ~~تتيسر في كل وقت صلاة والإشاعة في المدينة لا تتيسر إلا غب طائفة من الزمان ~~كالأسبوع، أما الأولى فهي الجماعة، وفيها قوله صلى الله عليه وسلم: صلاة ~~الجماعة تفصل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة " وفي رواية " بخمس وعشرين درجة " ~~وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم، أو لوح أن من المرجحات أنه إذا توضأ، ~~فأحسن وضوءه، ثم توجه إلى المسجد، لا ينهضه إلا الصلاة كان مشيه في حكم ~~الصلاة، وخطواته مكفرات لذنوبه، وأن دعوة المسلمين تحيط بهم من ورائهم، وأن ~~في انتظار الصلوات معنى الرباط والاعتكاف إلى غير ذلك، ثم ما نوه بأحد ~~العددين المذكورين إلا لنكتة بليغة تمثلت عنده صلى الله عليه وسلم، وقد ~~ذكرناها من قبل فراجع، وليس في الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا ~~من خلفه جزاف بوجه من الوجوه. # وفيها قوله صلى الله عليه وسلم " ما من ثلاثة في قرية أو بدو لا تقام ~~فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان " أقول هو إشارة إلى أن تركها ~~يفتح باب التهاون. # وقوله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ~~" الحديث أقول الجماعة سنة مؤكدة تقام اللأئمة على تركها لأنها من شعائر ~~الدين، لكنه صلى الله عليه وسلم رأى من بعض من هنالك تأخرا واستبطاء، وعرف ~~أن سببه ضعف النية في الإسلام، فشدد النكير عليهم، وأخاف قلوبهم. # ثم لما كان في شهود الجماعة حرج للضعيف، والسقيم، وذي الحاجة اقتضت ~~الحكمة أن يرخص في تركها عند ذلك، ليتحقق العدل بين الإفراط والتفريط: # فمن أنواع الحرج ليلة ذات برد ومطر، ويستحب عند ذلك قول المؤذن: ألا صلوا ~~في الرحال. # ومنها حاجة يعسر التربص بها كالعشاء إذا حضر، فإنه ربما تتشوف نفس إليه، ~~وربما يضيع الطعام، وكمدافعة الاخبثين، فإنه بمعزل عن فائدة الصلاة مع ما ~~به من اشتغال النفس، ولا اختلاف بين ms334 حديث لا صلاة بحضرة الطعام " وحديث " ~~لا تؤخروا الصلاة # PageV02P040 # لطعام ولا غيره " إذ يمكن تنزيل كل واحد على صورة أو معنى إذ المراد نفي ~~وجوب الحضور سدا لباب التعمق، وعدم التأخير هو الوظيفة لمن أمن شر التعمق، ~~وذلك كتنزيل فطر الصائم وعدمه على الحالين، أو التأخير إذا كان تشوف إلى ~~الطعام، أو خوف ضياع وعدمه إذا لم يكن، وذلك مأخوذ من حالة العلة. # ومنها ما إذا كان خوف فتنة كامرأة أصابت بخورا، ولا اختلاف بين قوله صلى ~~الله عليه وسلم: " إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها " وبين ~~ما حكم به جمهور الصحابة من منعهن إذ المنهي الغيرة التي تنبعث من الأنفة ~~دون خوف الفتنة، والجائز ما فيه خوف الفتنة، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم ~~الغيرة غيرتان " الحديث، وحديث عائشة " إن النساء أحدثن " الحديث. # ومنها الخوف والمرض، والأمر فيهما الظاهر، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم # للأعمى أتسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب أن سؤاله كان في ~~العزيمة فلم يرخص له. # ثم وقعت الحاجة إلى بيان الأحق بالإمامة، وكيفية الاجتماع، ووصية الإمام ~~أن يخفف بالقوم، والمأمومين أن يحافظوا على اتباعه، وقصة معاذ رضي الله عنه ~~في الإطالة مشهورة، فبين هذه المعاني بأوكد وجه، وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم يؤم القوم أقرؤهم للكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم ~~بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء ~~فأقدمهم سنا، ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ". # وسبب تقديم الأقرأ أنه صلى الله عليه وسلم حد للعلم حدا معلوما كما بينا، ~~وكان أول ما هنالك معرفة كتاب الله لأنه أصل العلم، وأيضا فإنه من شعائر ~~الله، فوجب أن يقدم صاحبه، وينوه بشأنه؛ ليكون ذلك داعيا إلى التنافس فيه، ~~وليس كما يظن أن السبب احتياج المصلي إلى القراءة فقط، ولكن الأصل حملهم ~~على المنافسة فيها، وإنما تدرك الفضائل بالمنافسة، وسبب خصوص الصلاة ~~باعتبار المنافسة احتياجها إلى القراءة فليتدبر. # ثم من بعدها معرفة السنة لأنه ms335 تلو الكتاب، وبها قيام الملة، وهي ميراث ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قومه. # PageV02P041 # ثم بعده اعتبرت الهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي عليه ~~الصلاة والسلام صلى الله عليه وسلم عظم أمر الهجرة، ورغب فيها، ونوه ~~بشأنها، وهذا من تمام الترغيب والتنويه. # ثم زيادة السن إذ السنة الفاشية في الملل جميعها توقير الكبير، ولأنه ~~أكثر تجربة، وأعظم حلما. # وإنما نهى عن التقدم على ذي سلطان في سلطانه لأنه يشق عليه، ويقدح في ~~سلطانه، فشرع ذلك إبقاء عليه. # وقوله صلى الله عليه وسلم إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن فيهم السقيم ~~والضعيف والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء " أقول: الدعوة إلى ~~الحق لا تتم مائدتها إلا بالتيسير، والتنفير يخالف الموضوع، والشيء الذي ~~يكلف به جمهور الناس من حقه التخفيف كما صرح النبي صلى الله عليه وسلم حيث ~~قال إن منكم منفرين ". # قوله صلى الله عليه وسلم إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، ~~فإذا ركع، فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقالوا اللهم ربنا لك ~~الحمد، وإذا سجد، فاسجدوا، وإذا صلى جالسا، فصلوا جلوسا أجمعين " وفي رواية ~~" وإذا قال: (ولا الضالين) فقولوا: أمين " أقول بدء الجماعة ما اجتهده عليه ~~معاذ رضي الله عنه برأيه، فقرره النبي صلى الله عليه وسلم واستصوبه، وإنما ~~اجتهد لأنه به تصير صلاتهم واحدة، ودون ذلك إنما هو اتفاق في المكان دون ~~الصلاة. # وقوله صلى الله عليه وسلم إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا " منسوخ بدليل إمامة ~~النبي صلى الله عليه وسلم في آخر عمره جالسا والناس قيام، والسر في هذا ~~النسخ أن جلوس الإمام وقيام القوم يشبه فعل الأعاجم في إفراط تعظيم ملوكهم ~~كما صرح به في بعض روايات الحديث، فلما استقرت الأصول الإسلامية، وظهرت ~~المخالفة مع الأعاجم في كثير من الشرائع رجح قياس آخر، وهو أن القيام ركن ~~الصلاة، فلا يترك من غير عذر ولا عذر للمقتدي. # قوله صلى الله عليه وسلم ليلنى منكم أو لو الأحلام والنهي، ثم ms336 الذين # يلونهم ثلاثا وإياكم وهيشات الأسواق " أقول: ذلك ليتقرر عندهم توقير ~~الكبير، أو ليتنافسوا في عادة أهل السؤدد، ولئلا يشق على أولى الأحلام ~~تقديم من دونهم عليهم، ونهى عن الهيشات تأدبا، وليتمكنوا من تدبر القرآن، ~~وليتشبهوا بقوم ناجوا الملك. # PageV02P042 # قوله صلى الله عليه وسلم ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها " أقول لكل ~~ملك مقام معلوم، وإنما وجدوا على مقتضى الترتيب العقلي في الاستعدادات، فلا ~~يمكن أن يكون هنالك فرجة، قوله صلى الله عليه وسلم إني لأرى الشيطان يدخل ~~من خلل الصف كأنها الحذف ". أقول: قد جربنا أن التراص في حلق الذكر سبب جمع ~~الخاطر ووجدان الحلاوة في الذكر وسد الخطرات، وتركه ينقص من هذه المعاني، ~~والشيطان يدخل كلما انتقص شيء من هذه المعاني، فرأى ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم متمثلا بهذه الصورة، وإنما رأى في هذه الصورة لأن دخول الحذف ~~أقرب ما يرى في العادة من هجوم شيء في المضايق مع السواد المشعر بقبح ~~السريرة. فتمثل الشيطان بتلك الصورة. # قوله صلى الله عليه وسلم لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم " ~~وقوله صلى الله عليه وسلم أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله ~~رأسه إلى رأس حمار " أقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالتسوية ~~والاتباع، ففرطوا، وسجل عليهم، فلم ينزجروا، فغلظ التهديد، وأخافهم إن ~~أصروا على المخالفة أن يلعنهم الحق؛ إذ منابذة التدليات الإلهية جالبة ~~للعن، واللعن إذا أحاط بأحد يورث المسخ، # أو وقوع الخلاف بينهم، والنكتة في خصوص الحمار أنه بهيمة يضرب به المثل ~~في الحمق والإهانة، كذلك هذا العاصي غلب عليه البهيمية والحمق، وفي خصوص ~~مخالفة الوجوه أنهم أساءوا الأدب في إسلام الوجه لله، فجوزوا في العضو الذي ~~أساءوا به، كما في كي الوجوه، أو اختلفوا صورة بالتقدم والتأخر، فجوزوا ~~بالاختلاف معنى والمناقشة. # قوله صلى الله عليه وسلم إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا، ولا ~~تعدوه شيئا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة " أقول: ذلك لأن الركوع أقرب ~~شبها ms337 بالقيام، فمن أدرك الركوع فكأنه أدركه، وأيضا فالسجدة أصل أصول الصلاة ~~والقيام والركوع تمهيدا له وتوطئة. # PageV02P043 # وقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد ~~جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة " أقول: ذلك لئلا يعتذر وتارك الصلاة ~~بأنه صلى في بيته، فيمتنع بالإنكار عليه، ولئلا تفترق كلمة المسلمين ولو ~~بادئ الرأي. ### | (الجمعة) # الأصل فيها أنه لما كانت إشاعة الصلاة في البلد - بأن يجتمع لها أهلها - ~~متعذره كل يوم وجب أن يعين لها حد لا يسرع دورانه جدا، فيتعسر عليهم، ولا ~~ييطؤ جدا، فيفوتهم المقصود وكان الأسبوع مستعملا في العرب والعجم. وأكثر ~~الملل، وكان صالحا لهذا الحد، فوجب أن يجعل ميقاتها ذلك، ثم اختلف أهل ~~الملل في اليوم الذي يوقت به، فاختار اليهود السبت، والنصارى الأحد لمرجحات ~~ظهرت لهم، وخص الله تعالى هذه الأمة بعلم عظيم نفثه أولا في صدور أصحابه ~~صلى الله عليه وسلم حتى أقاموا الجمعة في المدينة قبل مقدمه صلى الله عليه ~~وسلم وكشفه عليه ثانيا بأن أتاه جبرائيل بمرآة فيها نقطة سوداء، فعرفه ما ~~أريد بهذا المثال، فعرف. # وحاصل هذا العلم أن أحق الأوقات بأداء الطاعات هو الوقت الذي يتقرب فيه ~~الله إلى عباده، ويستجاب فيه أدعيتهم، لأنه أدنى أن تقبل طاعتهم، وتؤثر في ~~صميم النفس، وتنتفع نفع عدد كبير من الطاعات، وأن لله وقتا دائرا بدوران ~~الأسبوع يتقرب فيه إلى عباده، وهو الذي يتجلى فيه لعبادة في جنة الكثيب، ~~وأن أقرب مظنة لهذا الوقت هو يوم الجمعة، فإنه وقع فيه أمور عظام، وهو قوله ~~صلى الله عليه وسلم: " خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، ~~وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا يوم الجمعة، ~~والبهائم تكون فيه مسيخة " يعني فزعة مرعوبة كالذي ماله صوت شديد، وذلك لما ~~يترشح على نفوسهم في الملأ السافل، ويترشح عليهم من الملأ الأعلى حين تفزع ~~أولا لنزول القضاء، وهو قوله صلى الله عليه وسلم كسلسلة على صفوان حتى إذا ~~فزع عن قلوبهم ms338 " # الحديث، وقد حدث النبي صلى الله عليه وسلم بهذه النعمة كما أمره # PageV02P044 # ربه فقال: " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة " يعنى في دخول الجنة أو ~~العرض للحساب " بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم " يعني ~~غير هذه الخصلة فإن اليهود. والنصارى تقدموا فيها " ثم هذا يومهم الذي فرض ~~عليهم " يعني الفرد المنتشر الصادق بالجمعة في حقنا وبالسبت. والأحد في ~~حقهم " فاختلفوا فيه مهدانا الله له " أي لهذا اليوم كما هو عند الله، ~~وبالجملة فتلك فضيلة خص الله بها هذه الأمة، واليهود. والنصارى لم يفتهم ~~أصل ما ينبغي من التشريع، وكذلك الشرائع السماوية لا تخطئ قوانين التشريع ~~وإن امتاز بعضها بفضلية زائدة. # ونوه صلى الله عليه وسلم بهذه الساعة، وعظم شأنها فقال " لا يوافقها مسلم ~~يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه ". ثم اختلفت الرواية في تعيينها فقيل: ~~هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة لأنها ساعة تفتح فيها أبواب ~~السماء، ويكون المؤمنون فيها راغبين إلى الله، فقد أجتمع فيها بركات السماء ~~والأرض. # وقيل بعد العصر ألى غيبوبة الشمس لأنها وقت نزول القضاء، وفي بعض الكتب ~~الإلهية إن فيها خلق آدم، وعندي أن الكل بيان أقرب مظنة، وليس بتعيين. # ثم مست الحاجة إلى بيان وجوبها والتأكيد فيه، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم " لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، # ثم ليكونن من الغافلين ". أقول هذا إشارة إلى أن تركها يفتح باب التهاون، ~~وبه يستحوذ الشيطان. # وقال صلى الله عليه وسلم: " تجب الجمعة على كل مسلم إلا امرأة أو صبي أو ~~مملوك " وقال صلى الله عليه وسلم: " الجمعة على من سمع النداء " أقول: هذا ~~رعاية للعدل بين الإفراط والتفريط، وتخفيف لذوي الاعذار، والذين يشق عليهم ~~الوصول إليها، أو يكون في حضورهم فتنة. # وإلى استحباب التنظيف وبالغسل والسواك والتطيب ولبس الثياب لأنها من ~~مكملات الطهارة، فيتضاعف التنبيه لخلة النظافة، وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم: " لولا أن اشق على أمتي لأمرتهم بالسواك " ولأنه لا بد ms339 لهم من يوم ~~يغتسلون فيه، ويتطيبون لأن ذلك من محاسن ارتفاقات بني آدم، ولما لم يتيسر ~~كل يوم أمر بذلك يوم الجمعة لأن التوقيت يحض عليه، ويكمل الصلاة، وهو قوله ~~صلى الله عليه وسلم: " حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما يغسل ~~فيه # PageV02P045 # رأسه وجسده " ولأنهم كانوا عملة أنفسهم، وكان لهم إذا اجتمعوا ريح كريح ~~الضأن، فأمروا في بالغسل ليكون رافعا لسبب التنفير، وأدعى للاجتماع، بينه ~~ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما. # وإلى الأمر بالإنصات والدنو من الإمام، وترك اللغو والتبكير ليكون أدنى ~~إلى استماع الموعظة والتدبر فيها. وبالمشي وترك الركوب لأنه أقرب إلى ~~التواضع والتذلل لربه، ولأن الجمعة تجمع المملق والمثري، فلعل من لا يجد ~~المركوب يستحي، فاستحب سد هذا الباب. # وإلى استحباب الصلاة قبل الخطبة لما بينا في سنن الرواتب، فإذا جاءو ~~الإمام يخطب فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما رعاية لسنة الراتبة وأدب الخطبة # جميعا بقدر الإمكان، ولا تغتر في هذه المسألة بما يلهج به أهل بلدك فإن ~~الحديث صحيح واجب اتباعه. # وإلى النهي عن التخطي أو التفريق بين اثنين وإقامة أحد ليخالف إلى مقعده ~~لأنها مما يفعله الجهال كثيرا، ويحصل بها فساد ذات البين وهي بذر الحقد. # ثم بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثواب من أدى الجمعة كاملة موفرة ~~بآدابها أنه يغفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وذلك لأنه مقدار صالح ~~للحلول في لجة النور ودعوة المؤمنين وبركات صحبتهم وبركة الموعظة والذكر ~~وغير ذلك. # وبين درجات التكبير ما يترتب عليها من الأجر بما ضرب من مثل - البدنة. ~~والبقرة. والكبش. والدجاجة - وتلك الساعات أزمنة خفيفة من وقت وجوب الجمعة ~~إلى قيام الخطبة. # واعلم أن كل صلاة تجمع الأقاصي والأدانى فإنها شفع واحد لئلا تثقل عليهم ~~وأن فيهم الضعيف والسقيم وذا الحاجة. # ويجهر فيها بالقراءة، وليكون أمكن لتدبرهم في القرآن وأنوه بكتاب الله، ~~ويكون فيها خطبة، ليعلم الجاهل، ويذكر الناسي، وسن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الجمعة خطبتين يجلس بينهما، ليتوفر ms340 المقصد مع استراحة الخطيب ~~وتطرية نشاطه ونشاطهم. # PageV02P046 # وسنة الخطبة أن يحمد الله، ويصلى على نبيه، ويتشهد، ويأتي بكلمة الفصل ~~وهي - أما بعد - ويذكر، ويأمر بالتقوى، ويحذر عذاب الله في الدنيا والآخرة، ~~ويقرأ شيئا من القرآن ويدعو للمسلمين # وسبب ذلك أنه ضم مع التذكير التنويه بذكر الله ونبيه وبكتاب الله لأن ~~الخطبة من شعائر الدين، فلا ينبغي أن يخلوا منها كالأذان. # وفي الحديث " كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء " وقد تلقت الأمة ~~تلقيا معنويا من غير تلقي لفظ أنه يشترط في الجمعة الجماعة ونوع من التمدن، ~~وكان النبى صلى الله عليه وسلم. وخلفاؤه رضي الله عنهم. والأئمة المجتهدون ~~رحمهم الله تعالى يجمعون في البلدان، ولا يؤاخذون أهل البدو، بل ولا يقام ~~في عهدهم في البدو، ففهموا من ذلك قرنا بعد قرن وعصرا بعد عصر أنه يشترط ~~لها الجماعة والتمدن أقول وذلك لأنه لما كان حقيقة الجمعة إشاعة الدين في ~~البلد وجب أن ينظر إلى تمدن وجماعة، والأصح عندي أنه يكفي اقل ما يقال فيه ~~قرية، لما روي من طرق شتى يقوي بعضها بعضا " خمسة لا جمعة عليهم " وعد منهم ~~أهل البادية قال صلى الله عليه وسلم الجمعة على الخمسين رجلا " أقول ~~الخمسون يتقرى بهم قرية، وقال الجمعة واجبة على كل قرية " وأقل ما يقال ~~فيه: جماعة لحديث الانفضاض، والظاهر أنهم لم يرجعوا والله أعلم، فإذا حصل ~~ذلك وجبت الجمعة ومن تخلف عنها فهو الآثم، ولا يشترط أربعون، وأن الأمراء ~~أحق بإقامة الصلاة وهو قول علي كرم الله وجهه: أربع إلى الإمام الخ، وليس ~~وجود الإمام شرطا، والله أعلم بالصواب. ### | العيدان # الأصل فيهما أن كل قوم لهم يوم يتجملون فيه، ويخرجون من بلادهم بزينتهم، ~~وتلك عادة لا ينفك عنها أحد من طوائف العرب. والعجم، وقدم صلى الله عليه ~~وسلم المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: " ما هذان اليومان؟ قالوا: ~~كنا نلعب فيها في الجاهلية، فقال: قد أبدلكم # PageV02P047 # الله بهما خيرا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر " قيل: هما النيروز. ~~والمهرجان، وإنما ms341 بدلا لأنه ما من عيد في الناس إلا وسبب وجوده تنويه ~~بشعائر دين، أو موافقة أئمة مذهب، أو شيء مما يضاهي ذلك، فخشي النبي صلى ~~الله عليه وسلم إن تركهم وعادتهم أن يكون هنالك تنويه بشعائر الجاهلية، أو ~~ترويج لسنة أسلافها، فأبدلهما بيومين فيهما تنويه بشعائر الملة الحنيفية ~~وضم مع التجميل فيهما ذكر الله وأبوابا من الطاعة، لئلا يكون اجتماع ~~المسلمين بمحض اللعب، ولئلا يخلوا اجتماع منهم من إعلاء كلمة الله. # أحدهما يوم فطر صيامهم وأداء نوع من زكاتهم، فاجتمع الفرح الطبيعي من قبل ~~تفرغهم عما يشق عليهم وأخذ الفقير الصدقات، والعقلي من قبل الابتهاج مما ~~أنعم الله عليهم من توفيق أداء ما افترض عليهم، وأسبل عليهم من إبقاء رءوس ~~الأهل والولد إلى سنة أخرى. # والثاني يوم ذبح إبراهيم ولده إسماعيل عليهما السلام وإنعام الله عليهما ~~بأن فداه بذبح عظيم، إذ فيه تذكر حال أئمة الملة الحنيفية والاعتبار بهم في ~~بذل المهج والأموال في طاعة الله وقوة الصبر، وفيه تشبه بالحاج وتنويه بهم ~~وشوق لما هم فيه، ولذلك سن التكبير وهو قوله تعالى: # {ولتكبروا الله على ما هداكم} . # يعني شكرا لما وفقكم للصيام، ولذلك سن الأضحية والجهر في بالتكبير أيام ~~منى، واستحب ترك الحلق لمن قصد التضحية، وسن الصلاة والخطبة لئلا يكون شيء ~~من اجتماعهم بغير ذكر الله وتنويه شعائر الدين. # وضم معه مقصوا آخر من مقاصد الشريعة، وهو أن كل ملة لا بد لها من عرضة ~~يجتمع فيها أهلها؛ لتظهر شوكتهم، وتعلم كثرتهم، ولذلك استحب خروج الجميع ~~حتى الصبيان والنساء وذوات الخدور والحيض ويعتزلن المصلى، ويشهدن دعوة ~~المسلمين - ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يخالف في الطريق ذهابا ~~وإيابا؛ ليطلع أهل كلتا الطريقين على شوكة المسلمين. # ولما كان أصل العيد الزينة استحب حسن اللباس والتقليس ومخالفة الطريق ~~والخروج إلى المصلى. # وسنة صلاة العيدين أن يبدأ بالصلاة من غير أذان ولا إقامة يجهر فيها ~~بالقراءة يقرأ عند إرادة التخفيف - # PageV02P048 # بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك وعند الإتمام (ق، واقتربت ms342 الساعة) يكبر في ~~الأولى سبعا قبل القراءة، والثانية خمسا قبل القراءة، وعمل الكوفيين أن ~~يكبر اربعا كتكبير الجنائز في الأولى قبل القراءة وفي الثانية بعدها، وهما ~~سنتان، وعمل الحرمين أرجح. # ثم يخطب يأمر بتقوى الله، ويعظ، ويذكر. # وفي الفطر خاصة ألا يغدو حتى يأكل تمرات، ويأكلهن وترا، وحتى يؤدي زكاة ~~الفطر إغناء للفقراء في مثل هذا اليوم؛ ليشهدوا الصلاة فارغي القلب، ~~وليتحقق مخالفة عادة الصوم عند إرادة التنويه بانقضاء شهر الصيام # وفي الأضحى خاصة ألا يأكل حتى يرجع، فيأكل من أضحيته اعتناء بالأضحية ~~ورغبة فيها وتبركا بها، ولا يضحي إلا بعد الصلاة؛ لأن الذبح لا يكون قربة ~~إلا بتشبه الحاج، وذلك بالاجتماع للصلاة. # والأضحية مسنة من معز، أو جذع من ضأن في كل أهل بيت وقاسوها على الهدى، ~~فأقاموا البقر عن سبعة، والجزور عن سبعة مقامها. # ولما كانت الأضحية من باب بذل المال لله تعالى، وهو قوله تعالى: # {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} . # كان تسميتها واختيار الجيد منها مستحبا لدلالته على صحة رغبته في الله، ~~فلذلك يتقي من الضحايا أربعا: العرجاء البين ظلعها. والعوراء البين عورها. ~~والمريضة البين مرضها. والعجفاء التي لا تنقى، وينهي عن أعضب القرن والأذن، ~~وسن استشراف العين والأذن، وألا يضحي بمقابلة. ولا مدابرة. ولا شرقاء ولا ~~خرقاء، وسن الفحل الأقرن الذي ينظر في سواد، ويبرك في سواد؛ ويطأ في سواد ~~لأن ذلك تمام شباب العز، ومن أذكار التضحية. # {إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض} . # الخ اللهم منك وإليك ولك من الله، والله أكبر. # PageV02P049 ### | (الجنائز) # اعلم أن عيادات المريض وتمسكه بالرقى المباركة. والرفق بالمحتضر. وتكفين ~~الميت ودفنه، والاحسان إليه والبكا عليه وتعزية أهله. وزيارة القبور أمور ~~تتداولها طوائف العرب، وتتوارد عليها أو على نظائرها أصناف العجم، وتلك ~~عادة لا ينفك عنها أهل الأمزجة السليمة، ولا ينبغي لهم أن ينفكوا، فلما بعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم نظر فيما عندهم من العادات فأصلحها، وصحح السقيم ~~منها. # والمصلحة المرعية إما راجعة إلى نفس ms343 المبتلى من حيث الدنيا، أو من حيث ~~الآخرة، أو إلى أهله من إحدى الحيثيتين، أو في الملة، والمريض يحتاج إلى ~~حياته الدنيا إلى تنفيس كربته بالتسلية والرفق، وإلى أن يتعرض الناس ~~لمعاونته فيما يعجز عنه، ولا يتحقق إلا أن تكون العيادة سنة لازمة في ~~إخوانه وأهل مدينته، وفي آخرته يحتاج إلى الصبر، وأن يتمثل الشدائد عنده ~~بمنزلة الدواء المر يعاف طعمها، ويرجو نفعها لئلا يكون سببا لغوصه في ~~الحياة الدنيا واحتجابه والتنحي عن ربه، بل مؤيدة في حط ذنوبه مع تحلل ~~أجزاء نسمته، ولا يتحقق إلا بأن ينبه على فوائد الصبر ومنافع الآلام ~~والمحتضر في آخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيام الآخرة، فوجب أن يحث ~~على الذكر والتوجه إلى الله لتفارق نفسه - وهي في غاشية من الإيمان - فيجد ~~ثمرتها في معاده، والإنسان عند سلامة مزاجه كما جبل على حب المال والأهل ~~كذلك جبل على حب أن يذكره الناس بخير في حياته وبعد مماته، وألا تظهر سوأته ~~لهم حتى إن أسد الناس رأيا من كل طائفة يجب أن يبذل أموالا خطيرة في بناء ~~شامخ يبقى به ذكره، ويهجم على المهالك؛ # ليقال له من بعده: أنه جرئ، ويوصي أن يجعل قبره شامخا ليقول الناس: هو ذو ~~حظ عظيم في حياته وبعد موته، وحتى قال حكماؤهم: إن من كان ذكره حيا في ~~الناس، فليس بميت، ولما كان ذلك أمرا يخلقون عليه ويموتون معه كان تصديق ~~ظنهم وإيفاء وعدهم نوعا من الإحسان إليهم بعد موتهم. # وأيضا إن الروح إذا فارقت الجسد بقيت حساسة مدركة بالحس المشترك وغيره، ~~وبقيت على علومها وظنونها التي كانت معها في الحياة الدنيا، ويترشح عليها ~~من فوقها علوم يعذب بها أو ينعم، وهمم الصالحين من عباد الله ترتقي إلى ~~حظيرة القدس فإذا ألحوا في الدعاء لميت، أو عانوا صدقة عظيمة لأجله وقع ذلك ~~بتدبير الله نافعا للميت، وصادف الفيض النازل عليه من هذه الحظيرة، فأعد ~~لرفاهية حاله. # PageV02P050 # وأهل الميت قد أصابهم حزن شديد، فمصلحتهم من حيث الدنيا ms344 أن يعزوا؛ ليخفف ~~ذلك عنهم بعض ما يجدونه. وأن يعاونوا على دفن ميتهم، وأن يهيأ لهم ما ~~يشبعهم في يومهم وليلتهم، ومن حيث الآخرة أن يرغبوا في الأجر الجزيل ليكون ~~سدا لغوصهم في القلق، وفتحا لباب التوجه إلى الله، وأن ينهوا عن النياحة ~~وشق الجيوب وسائر ما يذكره الأسف والموجدة، ويتضاعف به الحزن والقلق؛ لأنه ~~حينئذ بمنزلة المريض يحتاج أن يداوى مرضه لا ينبغي أن يمد فيه، وكان أهل ~~الجاهلية ابتدعوا أمورا تقضى إلى الشرك بالله، فمصلحة الملة أن يسد ذلك ~~الباب، إذا علمت هذا حان أن شرع في شرح الأحاديث الواردة في الباب، قوله ~~صلى الله عليه وسلم: ما من مسلم يصيبه أذى من مرض، فما سواه إلا حط الله ~~تعالى به سيأته كما تحط الشجرة ورقها ". # أقول قد ذكرنا المعاني الموجبة لتكفير الخطايا، منها كسر حجاب النفس، ~~وتحلل النسمة البهيمية الحاملة للملكات السيئة، وأن صاحبها يعرض عن ~~الاطمئنان بالحياة الدنيا نوع إعراض. # قوله صلى الله عليه وسلم " مثل المؤمن كمثل الخامة ومثل المنافق كمثل ~~الازره " الحديث أقول: السر في ذلك أن لنفس الإنسان قوتين: قوة بهيمية، ~~وقوة ملكية، وأن من خاصيته أنه قد تكمن بهيميته، وتبرز ملكيته، فيصير في ~~أعداد الملائكة ... ، وقد تكمن ملكيته، وتبرز بهيميته، فيصير كأنه من ~~البهائم لا يعبأ به، وله عند الخروج من سورة البهيمية إلى سلطنة الملكية ~~أحوال تتعالجان فيها، تنال هذه منها وتلك من هذه ... ، وتلك مواطن المجازاة ~~في الدنيا، وقد ذكرنا لمية المجازاة من قبل، فراجع. # قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا مرض العبد، أو سافر كتب له بمثل ما كان ~~يعمل صحيحا مقيما " أقول: الإنسان إذا كان جامع الهمة على الفعل، ولم يمنع ~~عنه إلا مانع خارجي، فقد أتى بوظيفة القلب، وإنما التقوى في القلب، وإنما ~~الأعمال شروح ومؤكدات، يعض عليها عند الاستطاعة، ويمهل عند العجز. # PageV02P051 # قوله صلى الله عليه وسلم: " الشهداء خمسة، أو سبعة " الحديث أقول: ~~المصيبة الشديدة التي ليست بصنعة العبد تعمل عمل الشهادة في تكفير الذنوب، ~~وكونه ms345 مرحوما. # قوله صلى الله عليه وسلم: " إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في ~~خرفة الجنة حتى يرجع " أقول: تآلف أهل المدينة فيما بينهم لا يمكن إلا ~~بمعاونة ذوي الحاجات، والله تعالى يحب ما فيه صلاح مدينتهم، والعيادة سبب ~~صالح لإقامة التألف. # قول الله تعالى يوم القيامة: " يا ابن آدم مرضت فلم تعدني " الخ أقول: ~~هذا التجلي مثله بالنسبة إلى الروح الأعظم المذكور في قوله تعالى: # {الملائكة والروح} . # مثل الصورة الظاهرة في رؤيا الإنسان بالنسبة إلى ذلك الإنسان، فكما أن ~~اعتقاد الإنسان في ربه أو حكمه ورضاه في حق هذا الشخص يتمثل في رؤياه بربه ~~تعالى، ولذلك كان من حق المؤمن الكامل أن يراه في أحسن صورة كما رآه النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وكان تعبير من يراه يلطمه في دهليز بابه أنه فرط في ~~جنب الله في ذلك الدهليز، فكذلك يتمثل حق الله وحكمه ورضاه وتدبيره أو ~~قيوميته لأفراد الإنسان، أو كونه مبدأ تحققهم ومبلغ اعتقاد أفراد الإنسان ~~في ربهم عند صحة مزاجهم واستقامة نفوسهم حسبما تعطيه الصورة النوعية في ~~أفراد الإنسان في المعاد بصور كثيرة كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وهذا التجلي إنما هو للروح الأعظم الذي هو جامع أفراد الإنسان، ومتلقى ~~كثرتهم، ومبلغ رقيهم في الدنيا والآخرة، أعني بذلك أن هنا لك لله تعالى ~~شأنا كليا بحسب قيومته له وحكمه فيه، وهو الذي يراه الناس في المعاد عيانا ~~دائما بقلوبهم وأحيانا إذا تمثل بصورة مناسبة بأبصارهم وبالجملة فلذلك كان ~~هذا التجلي مكشافا بحكم الله وحقه # في أفراد الإنسان من حيث تعطيها الصورة النوعية مثل تألفهم فيما بينهم ~~وتحصيلهم للكمال الإنساني المختص بالنوع وإقامة المصلحة المرضية فيهم، فوجب ~~أن ينسب ما للقوم إلى نفسه لهذه العلاقة. # وأمر النبي صلى الله عليه وسلم برقى تامة كاملة فيها ذكر الله والاستعانة ~~به يريد أن تغشاهم غاشية من رحمة الله، فندفع بلاياهم، وأن يكبحهم عما ~~كانوا يفعلون في الجاهلية من الاستعانة # PageV02P052 # بطواغيتهم، ويعوضهم عن ذلك بأحسن عوض، منها ms346 قول الراقي وهو يمسحه بيمينه: ~~" أذهب الباس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر ~~سقما " وقوله: " بسم الله ارقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد، ~~الله يشفيك باسم الله أرقيك " وقوله " أعيذك بكلمات الله التامة من كل ~~شيطان وهامة ومن كل عين لامة " وقوله سبع مرات: " أسأل الله العظيم رب ~~العرش العظيم أن يشفيك " ومنها النفث بالمعوذات، والمسح، وأن يضع يده على ~~الذي يألم من جسده ويقول. " باسم الله ثلاثا وسبع مرات أعوذ بعزة الله ~~وقدرته من شر ما أجد وأحاذر "، وأقول: " باسم الله الكبير أعوذ بالله ~~العظيم من شر كل عرق نعار ومن شر حر النار " وقوله: " ربنا الله الذي في ~~السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك ~~في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك ~~وشفاء من شفائك على هذا الوجع. # قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يتمنين أحدكم الموت " الحديث. أقول: من ~~أدب الإنسان في جنب ربه ألا يجترئ على طلب سلب نعمة، والحياة # نعمة كبيرة لأنها وسيلة إلى كسب الإحسان، فإنه إذا مات انقطع أكثر عمله، ~~ولا يترقى إلا ترقيا طبيعيا، وأيضا فذلك تهور وتضجر وهما من أقبح الأخلاق. # قوله صلى الله عليه وسلم: " من أحب لقاءه الله أحب الله لقاءه ومن كره ~~لقاء الله كره الله لقائه ". أقول: معنى لقاء الله أن ينتقل من الإيمان ~~بالغيب إلى الإيمان عيانا وشهادة، وذلك أن تنقشع عنه الحجب الغليظة ~~البهيمية فيظهر نور الملكية، فيترتشح عليه اليقين من حظيرة القدس، فيصير ما ~~وعد على ألسنة التراجمة بمرأى منه ومسمع، والعبد المؤمن الذي لم يزل يسعى ~~في ردع بهيميته وتقوية ملكيته يشتاق إلى هذه الحالة اشتياق كل عنصر إلى ~~حيزه وكل ذي حس إلى ما هو لذة ذلك الحس، وإن كان بحسب نظام جسده يتألم، ~~ويتنفر من الموت وأسبابه. والعبد الفاجر الذي لم يزل يسعى في تغليظ ~~البهيمية يشتاق ms347 إلى الحياة الدنيا، ويميل إليها كذلك، وحب الله وكراهيته ~~وردا على المشاكلة، والمراد إعداد ما ينفعه أو يؤذيه وتهيئته وكونه بمرصاد ~~من ذلك. # PageV02P053 # ولما اشتبه على عائشة رضي الله عنها أحد الشيئين بالآخر نبه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على المعنى المراد بذكر أصرح حالات الحب المترشح من ~~فوقه الذي لا يشتبه بالآخر وهي حالة ظهور الملائكة. # وقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن ظنه بربه " ~~اعلم أنه ليس عمل صالح أنفع للإنسان بعد أدنى ما تستقيم به النفس، ويندفع ~~به اعوجاجها، أعني أداء الفرائض والاجتناب من الكبائر من أن يرجو من الله ~~خيرا، فإن التملي من الرجاء بمنزلة الدعاء الحثيث والهمة القوية في كونه ~~معدا لنزول رحمة الله، وإنما الخوف سيف يقاتل به أعداء الله من # الحجب الغليظة الشهوية والسبعية ووساوس الشيطان، وكما أن الرجل الذي ليس ~~بحاذق في القتال قد يسطو بسيفه، فيصيب نفسه كذلك الذي ليس بحاذق في تهذيب ~~النفس وربما يستعمل الخوف في غير محله، فيتهم جميع أعماله الحسنة بالعجب ~~والرياء وسائر الآفات حتى لا يحتسب لشيء منها أجرا عند الله، ويرى جميع ~~صغائره وزلاته واقعة به لا محالة، فإذا مات تمثلت سيئاته عاضة عليه في ظنه، ~~فكان ذلك سببا لفيضان قوة مثالية في تلك المثل الخيالية، فيعذب نوعا من ~~العذاب، ولم ينتفع بحسناته من أجل تلك الشكوك والظنون انتفاعا معتدا به، ~~وهو قوله صلى الله عليه وسلم عن الله تبارك وتعالى أنا عند ظن عبدي بي " ~~ولما كان الإنسان في مرضه وضعفه كثيرا ما لا يتمكن من استعمال سيف الخوف في ~~محله أو يشتبه عليه كانت السنة في حقه أن يكون رجاؤه أكثر من خوفه. # قوله صلى الله عليه وسلم: " أكثروا ذكر هادم اللذات " أقول: لا شيء أنفع ~~في كسر حجاب النفس وردع الطبيعة عن خوضها في لذة الحياة الدنيا من ذكر ~~الموت، فإنه يمثل بين عينيه صورة الانفكاك عن الدنيا وهيئة لقاء الله، ~~ولهذا التمثل أثر عجيب، وقد ذكرنا ms348 شيئا من ذلك فراجع. # وقوله صلى الله عليه وسلم " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ~~" أقول: ذلك لأن مؤاخذته نفسه - وقد أحيط بنفسه - بذكر الله تعالى دليل صحة ~~إيمانه ودخول بشاشته القلب، وأيضا فذكره ذلك مظنة انصباغ نفسه بصبغ ~~الإحسان، فمن مات وهذ، حالته وجبت له الجنة. # PageV02P054 # قوله صلى الله عليه وسلم: لقنوا موتاكم لا إله إلا الله " وقوله صلى الله ~~عليه وسلم أقرءوا على موتاكم (يس) أقول: هذا غاية الإحسان بالمختصر # بحسب صلاح معاده، وإنما خص " لا إله إلا الله " لأنه أفضل الذكر مشتمل ~~على التوحيد ونفي الإشراك، وأنوه أذكار الإسلام، و (يس) لأنه قلب القرآن، ~~وسيأتيك، لأنه مقدار صالح للعظة. # قوله صلى الله عليه وسلم: ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول ما أمر الله: # {إنا لله وإنا إليه راجعون} . # اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا أخلف الله له خيرا منها " ~~أقول: ذلك ليتذكر المصاب ما عند الله من الأجر، وما الله قادر عليه من أن ~~يخلف عليه خيرا لتتخفف موجدته. # قوله صلى الله عليه وسلم " إذا حضرتم الميت، فقولوا خيرا " كقوله صلى ~~الله عليه وسلم: " اللهم اغفر لأبي سلمة ورفع درجته " الحديث أقول: كان من ~~عادة الناس في الجاهلية أن يدعوا على أنفسهم، وعسى أن، يتفق ساعة الإجابة، ~~فيستجاب، فبدل ذلك بما هو أنفع له ولهم، وأيضا فهذه هي الصدمة الأولى، فيسن ~~هذا الدعاء ليكون وسيلة إلى التوجه تلقاء الله. # قال النبي صلى الله عليه وسلم في ابنته: اغسلنها وترا، ثلاثا أو خمسا. أو ~~سبعا بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا، وقال: ابدأن بميامنها ومواضع ~~الوضوء منها أقول: الأصل في غسل الموتى أن يحمل على غسل الأحياء لأنه هو ~~الذي كان يستعمله في حياته وهو الذي يستعمله الغاسلون # في أنفسهم فلا شيء في تكريم الميت مثله، وإنما أمر بالسدر وزيادة الغسلات ~~لأن المرض مظنة الأوساخ والرياح المنتنة، وإنما أمر بالكافور في الآخرة لأن ~~من خاصيته ألا يسرع التغير فيما استعمل، ويقال: ms349 من فوائده أنه لا يقرب منه ~~حيوان مؤذ، وإنما بدئ بالميامن ليكون غسل الموتى بمنزلة غسل الأحياء، ~~وليحصل إكرام هذه الأعضاء، وإنما جرت السنة في الشهيد ألا يغسل، ويدفن في ~~ثيابه ودمائه تنويها بما فعل، وليتمثل صورة بقاء عمله بادى الرأي، ولأن ~~النفوس البشرية إذا فارقت أجسادها بقيت حساسة عالمة بأنفسها ويكون بعضها ~~مدركا لما يفعل بها فإذا أبقي أثر عمل مثل هذه كان إعانة في تذكر العمل ~~وتمثله عندها، وهذا قوله صلى الله عليه وسلم " جروحهم تدمي اللون لون دم ~~والريح ريح مسك " وصح في المحرم أيضا " كفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب، ~~ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا " فوجب المصير إليه. # PageV02P055 # وإلى هذه النكتة أشار النبي صلى الله عليه وسلم: لقوله " الميت يبعث في ~~ثيابه التي يموت فيها " والأصل في التكفين الشبه بحال النائم المسجي بثوبه، ~~أكمله في الرجل إزار وقميص وملحفة أو حلة، وفي المرأة هذه مع زيادة لأنه ~~يناسبها زيادة الستر قوله صلى الله عليه وسلم " لا تغالوا في الكفن فإنه ~~يسلب سلبا سريعا " أراد العدل بين الإفراط والتفريط وألا ينتحلوا عادة ~~الجاهلية في المغالاة. # قوله صلى الله عليه وسلم " أسرعوا في بالجنازة فإنها إن تك صالحة " أقول ~~السبب في ذلك أن الإبطاء مظنة فساد جثة الميت وقلق الأولياء فإنهم متى ما ~~رأوا الميت اشتدت موجدتهم، وإذا غاب عنهم اشتغلوا عنه، وقد # أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى كلا السببين في كلمة واحدة حيث قال " ~~لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحسس بين ظهراني أهله ". # قوله صلى الله عليه وسلم " فإن كانت صالحة " الخ أقول: هذا عندنا محمول ~~على حقيقته، وبعض النفوس إذا فارقت أجسادها تحس بما يفعل بجسدها، وتتكلم ~~بكلام روحاني إنما يفهم من الترشح على النفوس دون المالوف عند الناس من ~~الاستماع بالأذن، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم: إلا الإنسان ". # قوة له صلى الله عليه وسلم: " من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا " الخ ~~أقول: السر في شرع الاتباع إكرام الميت وجبر ms350 قلوب الأولياء ليكون طريقا إلى ~~اجتماع أمة صالحة من المؤمنين للدعاء له تعرضا لمعاونة الأولياء في الدفن؛ ~~ولذلك رغب في الوقوف لها إلى أن يفرغ من الدفن، ونهى عن القعود حتى توضع. # قوله صلى الله عليه وسلم " إن الموت فزع فإذا رأيتم الجنازة فقوموا " ~~أقول لما كان ذكر هاذم اللذات والاتعاظ من انقراض حياة الاخوان مطلوبا وكان ~~أمرا خفيا لا يدري العامل به من التارك له ضبط بالقيام لها، ولكنه النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يعزم عليه ولم يكن سنة قائمة، وقيل: منسوخ، وعلى هذا ~~فالسر في النسخ أنه كان أهل الجاهلية يفعلون أفعالا مشابهة بالقيام، فخشي ~~أن يحمل ذلك على غير محمله، فيفتح باب الممنوعات، # PageV02P056 # والله أعلم. # وإنما شرعت الصلاة على الميت لأن اجتماع أمة من المؤمنين شافعين للميت له ~~تأثير بليغ في نزول الرحمة عليه. # وصفة الصلاة عليه أن يقول الإمام بحيث يكون الميت بينه وبين القبلة ويصطف ~~الناس خلفه ويكبر أربع تكبيرات يدعو فيها للميت ثم يسلم، وهذا ما تقرر في ~~زمان عمر رضي الله عنه، واتفق عليه جماهير الصحابة. ومن بعدهم وإن كانت ~~الأحاديث متخالفة في الباب. ومن السنة قراءة فاتحة الكتاب لأنها خير ~~الأدعية وأجمعها، علمها الله تعالى عباده في محكم كتابه، ومما حفظ من دعاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم على الميت " اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا ~~وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على ~~الإسلام، ومن توفيته منا فقوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا ~~تفتنا بعده " و" اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك وحبل جوارك فقه من فتنة ~~القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحق، اللهم اغفر له وارحمه إنك أنت ~~الغفور الرحيم " و" اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله، ~~ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب ~~الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خير من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا ~~من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب ms351 القبر ومن عذاب النار " وفي رواية " ~~وقه فتنة القبر وعذاب النار " # قوله صلى الله عليه وسلم " إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن ~~الله ينورها لهم بصلاتي " وقوله صلى الله عليه وسلم " ما من مسلم يموت، ~~فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه "، ~~وفي رواية " يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة " أقول: لما كان المؤثر ~~هو الدعاء - ممن له بال عند الله ليخرق دعاؤه الحجب، ويعد لنزوله الرحمة ~~بمنزلة الاستسقاء - وجب أن يرغب في أحد الأمرين أن يكون من نفس عالية تعد ~~أمة من الناس، أو جماعة عظيمة. # قوله صلى الله عليه وسلم " هذا أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة " # الحديث أقول: أنا الله تعالى إذا أحب عبدا أحبه الملأ الأعلى، ثم ينزل ~~القبول في الملأ السافل، ثم إلى الصالحين من الناس، وإذا أبغض عبدا نزل ~~البغض كذلك، فمن شهد له جماعة من الصالحي المسلمين بالخير من صميم قلوبهم ~~من غير رياء ولا موافقة عادة فإنه آية كونه ناجيا، وإذا أثنوا عليه شرا ~~فإنه آية كونه هالكا، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: " أنتم شهداء الله في ~~الأرض " إنهم مورد الإلهام وتراجمة الغيب. # قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما ~~قدموا " # PageV02P057 # أقول: لما كان سبب الأموت سبب غيظ الأحياء وتأذيهم ولا فائدة فيه، وإن ~~كثيرا من الناس لا يعلم حالهم إلا الله نهى عنه، وقد بين النبي صلى الله ~~عليه وسلم هذا السبب في قصة سب جاهلي وغضب العباس لاجله. # وهل يمشي أمام الجنازة أو خلفها، وهل يحملها أربعة أو اثنان، وهل يسل من ~~قبل رجليه أو من القبلة؟ المختار أن الكل واسع، وأنه قد صح في الكل حديث أو ~~أثر. # قوله صلى الله عليه وسلم: " اللحد لنا والشق لغيرنا " أقول ذلك لأن اللحد ~~أقرب من إكرام الميت وإهالة التراب على وجهه من غير ضرورة سوء أدب. # وإنما بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا رضي ms352 الله عنه ألا يدع تمثالا ~~إلا طمثه، ولا قبرا مشرفا إلا سواه، ونهى أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، ~~وأن يقعد عليه، وقال: " لا تصلوا إليها لأن ذلك ذريعة أن يتخذها الناس ~~معبودا، وأن يفرطوا في تعظيمها بما ليس بحق، فيحرفوا دينهم كما فعل أهل ~~الكتاب، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد ومعنى أن يقعد عليه، قيل: أن يلازمه المزورون، وقيل: ~~أن يطأوا القبور، وعلى هذا فالمعنى إكرام الميت، فالحق التوسط بين التعظيم ~~الذي يقارب الشرك، وبين الإهانة وترك الموالاة به. # ولما كان البكا على الميت والحزن عليه طبيعة لا يستطيعون أن ينفكوا عنها ~~لم يجز أن يكلفوا بتركه كيف وهو ناشيء من رقة الجنسية وهي محمودة لتوقف ~~تألف أهل المدينة فيما بينهم عليها، ولأنها مقتضى سلامة مزاج الإنسان، وهو ~~قوله صلى الله عليه وسلم: " إنما يرحم الله من عباده الرحماء ". # قوله صلى الله عليه وسلم: " أنا الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ~~ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم "، قوله صلى الله عليه وسلم: " ~~ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية " السر فيه أن ذلك ~~سبب تهيج الغم، وإنما المصاب بالثكل بمنزلة المريض يعالج ليخفف مرضه، ولا ~~ينبغي أن يسعى في تضاعف وجعه، وكذلك المصاب يشغل عما يجده، ولا ينبغي أن ~~يغوص بقصده، وأيضا فلعل هيجان القلق يكون سببا لعدم الرضا بالقضاء، وأيضا ~~فكان أهل الجاهلية يراءون الناس بإظهار التفجع وتلك عادة خبيثة ضارة، فنهوا ~~عنها. # PageV02P058 # وقوله صلى الله عليه وسلم في النائحة: " تقام يوم القيامة وعليها سربال # من قطران ودرع من جرب " أقول: إنما كان كذلك لأنها أحاطت بها الخطيئة، ~~فجوزيت بتمثل الخطيئة نتنا محيطا بجسدها، وإنما تقام تشهيرا أو لأنها كانت ~~قائمة عند النوحة. # قوله صلى الله عليه وسلم: " أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن " ~~الحديث أقول إنما تفطن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لا يتركون لأن ذلك ~~مقتضى إفراط ms353 الطبيعة البشرية بمنزلة الشبق، فإن النفوس لها تيه يظهر في ~~الأنساب وألفة بالأموات تستدعي النياحة، ورصد يؤدي إلى الاستسقاء بالنجوم، ~~ولذلك لن ترى أمة من البشر من عربهم وعجمهم إلا وهذه سنة فيهم. # وقوله صلى الله عليه وسلم في النساء يتبعن الجنازة: " ارجعن مأزورات غير ~~مأجورات: أقول إنما نهين عن ذلك لأن حضورهن مظنة الصخب والنياحة وعدم الصبر ~~وانكشاف العورات. # قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد، فيلج النار " ~~أقول: ذلك لجاهد نفسه بالاحتساب ولمعان ذكرناها فراجع. # قوله صلى الله عليه وسلم: " من عزى مصابا فله مثل أجره " أقول: ذلك ~~لسببين: أحدهما أن الحاضر يرق رقة المصاب، وثانيهما أن عالم المثال مبناه ~~على ظهور المعاني التضايفية، ففي تعزية الثكلى صورة الثكل، فجوزي شبه ~~جزائه. # قوله صلى الله عليه وسلم: " اصنعوا لآل جعفر طعاما، فقد أتاهم ما يشغلهم ~~". أقول: هذا نهاية الشفقة بأهل المصيبة وحفظهم من أن يتضرروا بالجوع. # قوله صلى الله عليه وسلم: " نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها " أقول: كان ~~نهى عنها لأنها تفتح باب العبادة لها، فلما استقرت الأصول الإسلامية، ~~وإطمأنت نفوسهم على تحريم العبادة لغير الله أذن فيها، وعلل التجويز بأن ~~فائدته عظيمة، وهي أنها تذكر الموت، وأنها سبب صالح للاعتبار بتقلب الدنيا. # ومن دعاء الزائر لأهل القبور: السلام عليكم يا أهل الديار من المؤمنين ~~والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية - وفي ~~رواية - السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم وأنتم سلفنا ونحن ~~بالأثر، والله أعلم. # PageV02P059 ### | (من أبواب الزكاة) # اعلم أن عمدة ما روعي في الزكاة مصلحتان: مصلحة ترجع إلى تهذيب النفس، ~~وهي أنها أحضرت الشح، والشح أقبح الأخلاق ضار بها في المعاد، ومن كان شحيحا ~~فإنه إذا مات بقى قلبه متعلقا بالمال، وعذب بذلك، ومن تمرن بالزكاة، وأزال ~~الشح من نفسه كان ذلك نافعا له، أنفع الأخلاق في المعاد بعد الإخبات لله ~~تعالى هو سخاوة النفس، فكما أن الإخبات يعد للنفس هيئة التطلع إلى الجبروت، ms354 ~~فكذلك السخاوة تعد لها البراءة عن الهيآت الخسيسة الدنيوية، وذلك لأن أصل ~~السخاوة قهر الملكية البهيمية، وأن تكون الملكية هي الغالبة وتكون البهيمية ~~منصبغة بصبغها آخذة حكمها، ومن المنبهات عليها بذل المال مع الحاجة إليه ~~والعفو عمن ظلم والصبر على الشدائد في الكريهات بأن يهون عليه ألم الدنيا ~~لا يقانه بالآخرة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بكل ذلك، وضبط أعظمها وهو ~~بذل المال بحدود، وقرنت بالصلاة والإيمان في مواضع كثيرة من القرآن وقال ~~تعالى عن أهل النار: # {لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين} . # وأيضا فإنه إذا عنت للمسكين حاجة شديدة، واقتضى تدبير الله أن يسد خلته ~~بأن يلهم الإنفاق عليه في قلب رجل، فكان هو بذلك انبسط قلبه اللألهام، ~~وتحقق له بذلك انشراح روحاني، وصار معدا لرحمة الله تعالى # نافعا جدا في تهذيب نفسه، والإلهام الجملى المتوجه إلى الناس في الشرائع ~~تلو الإلهام التفصيلي في فوائده، وأيضا فالمزاج السليم مجبول على رقة ~~الجنسية، وهذه خصلة عليها يتوقف أكثر الأخلاق الراجعة إلى حسن المعاملة مع ~~الناس، فمن فقدها ففيه ثلمة يجب عليه سدها، وأيضا فإن الصدقات تكفر ~~الخطيئات، وتزيد في البركات على ما بينا فيما سبق. # PageV02P060 # ومصلحة ترجع إلى المدينة وهي أنها تجمع لا محالة الضعفاء وذوي الحاجة ~~وتلك الحوادث تغدو على قوم وتروح على آخرين، فلو لم تكن السنة بينهم مواساة ~~الفقراء وأهل الحاجات لهلكوا، وماتوا جوعا، وأيضا فنظام المدينة يتوقف على ~~مال يكون به قوام معيشة الحفظة الذابين عنها والمدبرين السائسين لها، ولما ~~كانوا عاملين للمدينة عملا نافعا - مشغولين به عن اكتساب كفافهم - وجب أن ~~تكون قوام معيشتهم عليها والانفاقات المشتركة لا تسهل على البعض أو لا يقدر ~~عليها البعض، فوجب أن تكون جباية الأموال من الرعية سنة. # ولما لم يكن أسهل ولا أوفق بالمصلحة من أن تجعل إحدى المصلحتين مضمومة ~~بالأخرى أدخل الشرع إحداهما في الأخرى. # ثم مست الحاجة إلى تعيين مقادير الزكاة، إذا لولا التقدير لفرط المفرط، ~~ولاعتدى المعتدي، ويجب ms355 أن تكون غير يسيره لا يجدون بها بالا، ولا تنجع من ~~بخلهم، ولا ثقيلة يعسر عليهم أداؤها، وإلى تعيين المدة التي نجنى فيها ~~الزكوات، ويجب ألا تكون قصيرة يسرع دورانها، فتعسر إقامتها فيها، وألا تكون ~~طويلة لا تنجع من بخلهم، ولا تدر على المحتاجين والحفظة إلا بعد انتظار ~~شديد، ولا أوفق بالمصلحة من أن يجعل القانون في الجباية ما اعتاده الناس في ~~جباية الملوك العادلة في رعاياهم، لأن # التكليف بما اعتاده العرب والعجم، وصار كالضروري الذي لا يجدون في صدورهم ~~حرجا منه، والمسلم الذي أذهبت الألفة عنه الكلفة أقرب من إجابة القوم وأوفق ~~للرحمة بهم. # والأبواب التي اعتادها طوائف الملوك الصالحين من أهل الأقاليم الصالحة ~~وهو غير ثقيل عليهم، وقد تلقتها العقول بالقبول - أربعة: # الأول أن تؤخذ من حواشي الأموال النامية، فإنها أحوج الأموال إلى الذب ~~عنها لأن النمو لا يتم إلا بالتردد خارج البلاد، ولإن إخراج الزكاة أخف ~~عليهم لما يرون من التزايد كل حين، فيكون الغرم بالغنم والاموال النامية ~~ثلاثة أصناف: الماشية المتناسلة السائمة. والزروع. والتجارة. # والثاني: أن تؤخذ من أهل الدثور والكنوز لأنهم أحوج الناس إلى حفظ المال ~~من السراق وقطاع الطريق، وعليهم انفاقات لا يعسر عليهم أن تدخل الزكاة في ~~تضاعيفها. # PageV02P061 # والثالث: أن تؤخذ من الأموال النافعة التي ينالها الناس من غير تعب ~~كدفائن الجاهلية وجواهر العاديين؛ فإنها بمنزلة المجان يخف عليهم الانفاق ~~منه. # والرابع: أن تلزم ضرائب على رءوس الكاسبين فانهم عامة الناس وأكثرهم، إذا ~~جبى من كل منهم شيء يسير كان خفيفا عليهم عظيم الخطر في نفسه. ولما كان ~~دوران التجارات من البلدان النائية وحصاد الزروع وجبي الثمرات في كل سنة، ~~وهي أعظم أنواع الزكاة قدر الحول لها، ولأنها تجمع فصولا مختلفة الطبائع ~~وهي مظنة النماء، وهي مدة صالحة لمثل هذه التقديرات. # والآسهل والأوفق في بالمصلحة ألا تجعل الزكاة إلا من جنس تلك الأموال ~~فتؤخذ من كل صرمة من الإبل ناقة، ومن كل قطيع من البقرة بقرة، # ومن كل ثلة من الغنم شاه مثلا، ms356 ثم وجب أن يعرف كل واحد من هذه بالمثال ~~والقسمة والاستقراء ليتخذ ذلك ذريعة إلى معرفة الحدود الجامعة المانعة، ~~فالماشية في أكثر البلدان الإبل. البقر. الغنم، ويجمعها إسم الأنعام، وأما ~~الخيل فلا تكثر صرمها ولا تناسل نسلا وافرا إلا في أقطار يسيرة كتركستان، ~~والزروع عبارة عن الأقوات، والثمار الباقية سنة كاملة، وما دون ذلك يسمى ~~بالخضروات، والتجارة عبارة عن أن يشتري شيئا يريد أن يربح فيه إذ من ملك ~~بهبه أو ميراث واتفق أن باعه فربح لا يسمى تاجرا، والكنز عبارة عن مقدار ~~كثير من الذهب والفضة محفوظ مدة طويلة، ومثل عشرة دراهم وعشرين درهما لا ~~يسمى كنزا، وإن بقي سنين، وسائر الأمتعة لا تسمى كنزا، وإن كثرت، والذي ~~يغدوا ويروح ولا يكون مستقرا لا يسمى كنزا فهذه المقدمات تجري مجرى الأصول ~~المسلمة في باب الزكاة، ثم أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يضبط المبهم ~~منها بحدود معروفة عند العرب مستعملة عندهم في كل باب. ### | (فضل الإنفاق وكراهية الإمساك) # ثم مست الحاجة إلى بيان فضائل الإنفاق والترغيب فيه، ليكون برغبة وسخاوة ~~نفس، وهي روح الزكاة. وبها قوام المصلحة الراجعة إلى تهذيب النفس، وإلى ~~بيان مساوى الامساك، والتزهيد فيه، وإذا الشح هو مبدأ تضرر مانع الزكاة، ~~وذلك إما في الدنيا، وهو قول الملك: " اللهم أعط منفقا خلفا، والآخر. اللهم ~~اعط ممسكا تلفا. # PageV02P062 # قوله صلى الله عليه وسلم " اتقوا الشح فإن الشح أهلك من قبلكم " الحديث، ~~وقوله صلى الله عليه وسلم " إن الصدقة لتطفي غضب الرب "، وقوله صلى الله ~~عليه وسلم: " إن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار "، وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: " فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها " الحديث ~~أقول: سر ذلك كله أن دعوة الملأ الأعلى إصلاح حال بني آدم والرحمة بمن يسعى ~~في إصلاح المدينة أو في تهذيب نفسه إلى تنصرف هذا المنفق، فتورث تلقي علوم ~~الملأ السافل وبني آدم أن يحسنوا إليه، ويكون سببا لمغفرة خطاياه، ومعنى ~~يتقبلها أن تتمثل صورة العمل في المثال منسوبة ms357 إلى صاحبها فتنسبغ هنالك ~~بدعوات الملأ الأعلى ورحمة الله به، أو في الآخرة، وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة ~~صفحت له صفائح ". # وقوله صلى الله عليه وسلم: " مثل له شجاعا أقرع " وقوله صلى الله عليه ~~وسلم في الإبل والبقر والغنم قريبا من ذلك - أقول: السبب الباعث على كون ~~جزاء مانع الزكاة على هذه الصفة شيآن: أحدهما أصل، الثاني كالمؤكد له، وذلك ~~أنه كما أن الصورة الذهنية تجنب صورة أخرى كسلسلة أحاديث النفس الجالب ~~بعضها بعضا، وكما أن حضور صورة متضايف في الذهن يستدعي حضور صورة متضايف ~~آخر كالبنوة والأبوة، وكما أن امتلاء أوعية المنى به وثوران بخاره في القوى ~~الفكرية يهز النفس لمشاهدة صور النساء في الحلم، وكما أن امتلاء الأوعية ~~ببخار ظلماني يهيج في النفس صور الأشياء المؤذية الهائلة - كالفيل - مثلا، ~~فكذلك المدارك تقتضي بطبيعتها إذا أفيضت قوة مثالية على النفس أن يتمثل ~~بخلها بالأموال ظاهرا سابغا، وأن يجلب ذلك تميل ما بخل به وتعانى في حفظه، ~~وامتلأت قواه الفكرية به أيضا ظاهرا سابغا يتألم منه حسبما جرت سنة الله أن ~~يتألم منها، فمن الذهب والفضة الكى، ومن الإبل الوطء والعض، وعلى هذا ~~القياس. # ولما كان الملأ الأعلى علموا ذلك، وانعقد في وجوب الزكاة عليهم، وتمثل ~~عندهم تأذي النفوس البشرية بها - كان ذلك معدا لفيضان هذه الصورة في موطن ~~الحشر، والفرق بين تمثله شجاعا. وتمثله صفائح، أن الأول فيما يغلب عليه حب ~~المال إجمالا # PageV02P063 # فتتمثل في نفسه صورة المال شيئا واحدا وتتمثل إحاطتها بالنفس تطوقا وتأذي ~~النفس بها بلسع الحية البالغة في السم أقصى الغايات، والثاني فيما يغلب ~~عليه حب الدراهم والدنانير بأعيانها، ويتعانى في حفظها، وتمتلئ قواه ~~الفكرية بصورها فتمثل تلك الصورة كاملة تامة مؤلمة. # قوله صلى الله عليه وسلم: " السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من ~~الناس بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس ms358 ~~قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل " أقول: قربه من الله ~~تعالى كونه مستعدا لمعرفته وكشف الحجاب عنه، وقربه من الجنة أن يكون مستعدا ~~بطرح الهيآت الخسيسة التي تنافي الملكية لتكون البهيمية الحاملة لها بلون ~~الملكية، وقربه من الناس أن يحبوه، ولا يناقشوه لأن أصل المناقشة هو الشح، ~~وهو قوله صلى الله عليه وسلم " إن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن ~~يسفكوا دماءهم ويستحلوا محارمهم " وإنما كان الجاهل السخي أحب من العابد ~~البخيل لأن الطبيعة إذا سمحت بشيء كان أتم وأوفر مما يكون بالقسر. # قوله صلى الله عليه وسلم: " مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جنتان ~~" الحديث أقول: فيه إشارة إلى حقيقة الإنفاق والإمساك وروحهما، وذلك أن ~~الإنسان إذا أحاطت به مقتضيات الإنفاق، وأراد أن يفعله يحصل له _ وإن كان ~~سخي النفس سمحها - انشراح روحاني وصولة على المال، ويتمثل المال بين يديه ~~حقيرا ذليلا يكون نفضه عنه هينا، بل يستريح بذلك، وتلك الخصلة هي العمدة في ~~نفض النفس علاقاتها بالهيآت الخسيسة والبهيمية المنطبعة فيها، وإن كان ~~شحيحا غاصت نفسه في حب المال، وتمثل بين عينيه حسنه، وملك قلبه فلم يستطع ~~منه محيصا، وتلك الخصلة هي العمدة في لجاج النفس بالهيآت الدنية واشتباكها ~~بها، ومن هذا التحقق ينبغي أن تعلم معنى قوله صلى الله عليه وسلم: " لا ~~يدخل الجنة خب ولا بخيل ولا منان ". # وقوله صلى الله عليه وسلم " لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا " ~~وقوله صلى الله عليه وسلم " للجنة أبواب ثمانية فمن كان من أهل الصلاة " ~~الحديث. # PageV02P064 # أقول: أعلم أن الجنة حقيقتها راحة النفس بما يترتشح عليها من فوقها من ~~الرضا والموافقة والطمأنينة، وهو قوله تعالى: # {ففي رحمة من الله هم فيها خالدون} . # وقوله تعالى في ضدها: # {أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها} . # وطريق خروج النفس إليها من ظلمات البهيمية إنما يكون من الخلق الذي جبلت ~~النفس على ظهور الملكية فيه، وانقهار البهيمية، فمن النفوس من تكون ms359 مجبولة ~~على قوة الملكية في خلق الخشوع والطهارة، ومن خاصيتها أن تكون ذات حظ عظيم ~~من الصلاة، أو في خلق السماحة، ومن خاصيتها، أن تكون ذات حظ عظيم من ~~الصدقات والعفو عمن ظلم، وخفض الجناح للمؤمنين مع كبر النفس، أو في خلق ~~الشجاعة، فينفث تدبير الحق لاصلاح عباده فيها، فيكون أول ما يقبل النفث منه ~~هو الشجاعة، فتكون ذات حظ عظيم من الجهاد، أو يكون من الأنفس المتجاذبة، ~~فيهدي لها إلهام أو تجربة على نفسها أن كسر البهيمية بالصوم والاعتكاف منقذ ~~لها من ظلماتها، فيتلقى ذلك بسمع قبول واجتهاد من صميم قلبه، فيجازى جزاء ~~وفاقا بالريان # فهذه هي الأبواب التي صرح بها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، ~~ويشبه أن يكون منها باب العلماء الراسخين، وباب أهل البلايا والمصائب ~~والفقر، وباب العدالة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم في سبعة يظلهم الله في ~~ظله: " إمام عادل ". # وآيته أن يكون عظيم السعي في التأليف بين الناس، وباب التوكل. وترك ~~الطيرة، وفي كل باب من هذه الأبواب أحاديث كثيرة مشهورة، وبالجملة فهذه ~~أعظم أبواب خروج النفس إلى رحمة الله، ويجب في حكمة الله أن يكون للجنة ~~التي خلقها الله لعباده أيضا ثمانية أبواب بازائها، والكمل من السابقين ~~يفتح عليهم الإحسان من بابين وثلاثة وأربعة، فيدعون يوم القيامة منها، وقد ~~وعد بذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم " من ~~أنفق زوجين " الحديث أنه يدعى من بعض أبوابها إنما خصه بالذكر زيادة ~~لاهتمامه. # PageV02P065 ### | (مقادير الزكاة) # قال صلى الله عليه وسلم " ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس ~~فيما دون خمس أواق من الورق صدقة وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة ". # أقول: إنما قدر من الحب والتمر خمسة أوسق لأنها تكفي أقل أهل بيت إلى ~~سنة، وذلك لأن أقل البيت الزوج والزوجة وثالث خادم أو ولد بينهما، وما ~~يضاهي ذلك من أقل البيوت، وغالب قوت الإنسان رطل أو مد من الطعام، فإذا أكل ms360 ~~كل واحد من هؤلاء ذلك المقدار كفاهم لسنة، وبقيت بقية لنوائبهم أو إدامهم، ~~وإنما قدر من الورق خمس أوراق لأنها مقدار يكفي أقل أهل بيت سنة كاملة إذا ~~كانت الأسعار موافقة في أكثر الأقطار، واستقرئ عادات البلاد المعتدلة في ~~الرخص والغلاء وتجد ذلك، وإنما قدر من الإبل خمسة ذود وجعل زكاته شاة، وإن ~~كان الأصل ألا تؤخذ الزكاة إلا من جنس المال وأن يجعل النصاب عددا له بال ~~لأن الأبل أعظم المواشي جثة وأكثرها فائدة يمكن أن تذبح، وتركب، وتحلب، ~~ويطلب منها النسل، ويستدفأ بأوبارها وجلودها، وكان بعضهم يقتني نجائب قليلة ~~تكفي كفاية الصرمة، وكان البعير يسوي في ذلك الزمان بعشر شياه وبثمان شياه. ~~واثتني عشر شاة، كما ورد في كثير من الأحاديث فجعل خمس ذود في حكم أدنى ~~نصاب من من الغنم، وجعل فيها شاة. # قوله صلى الله عليه وسلم: " ليس على المسلم صدقة في عبده ولا في فرسه ". # أقول: ذلك لأنه لم تجر العادة باقتناء الرقيق للتناسل، وكذا الخيل في ~~كثير من الأقاليم، لا تكثر كثرة يعتد بها في جنب الأنعام، فلم يكونا من ~~الأموال النامية اللهم إلا باعتبار التجارة. # وقد استفاض من رواية ابي بكر الصديق. وعمر بن الخطاب. وعلي بن أبي طالب. ~~وابن مسعود. وعمرو بن حزم. وغيرهم رضي الله عنهم، بل صار متواترا بين ~~المسلمين أن زكاة الإبل في كل خمس شاة فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس ~~وثلاثين ففيها بنت مخاض فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت ~~لبون، # PageV02P066 # وإذا بلفت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة، فإذا بلغت واحده وستين إلى ~~خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون. ~~فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان، فإذا زادت على عشرين ~~ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة. # أقول: الأصل في ذلك أنه إذا أراد توزيع النوق على الصرم، فجعل الناقة ~~الصغيرة للصرمة الصغيرة والكبيرة للكبيرة رعاية للأنصاف، ووجد الصرمة لا ~~تنطلق ms361 في عرفهم إلا على أكثر من عشرين، فضبط بخمس وعشرين، ثم جعل في كل ~~عشرة زيادة سن من الأسنان المرغوب فيها عند العرب غاية الرغبة، فجعل ~~زيادتها في كل خمسة عشر. # وقد استفاض من روايتهم أيضا في زكاة الغنم أنه إذا كانت أربعين إلى عشرين ~~ومائة ففيها شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان، فإذا ~~زادت على مائتين إلى ثلثمائة ففيها ثلاث شياه. فإذا زادت على # ثلثمائة ففي كل مائة شاه أقول: الأصل فيه أن ثلة من الشاء تكون كثيرة، ~~وثلة منها تكون قليلة، والاختلاف فيها يتفاحش لأنها يسهل اقتناؤها، وكل ~~يقتني بحسب التيسير، فضبط النبي صلى الله عليه وسلم أقل ثلة بأربعين، وأعظم ~~ثلة بثلاث أربعينات، ثم جعل في كل مائة شاه تيسيرا في الحساب. # وصح من حديث معاذ رضي الله عنه في البقر في كل ثلاثين تبيع، أو تبيعه، ~~وفي كل أربعين مسن، أو مسنة، وذلك لأنها متوسطة بين الأبل والشاء، فروعي ~~فيها شبههما. # واستفاض أيضا أن زكاة الرقة ربع العشر، فإن لم يكن إلا تسعون ومائة فليس ~~فيها شيء، وذلك لأن الكنوز أنفس المال يتضررون بانفاق المقدار الكثير منها، ~~فمن حق زكاته أن تكون أخف الزكوات، والذهب محمول على الفضة، وكان في ذلك ~~الزمان صرف دينار بعشرة دراهم فصار نصابه عشرين مثقالا. # وفيما سقت السماء والعيون - أو كان عشريا - العشر، وما سقى بالنضح نصف ~~العشر، فإن الذي هو أقل تعانيا وأكثر ريعا أحق بزيادة الضريبة، والذي هو ~~أكثر تعانيا وأقل ريعا أحق بتخفيفها. # PageV02P067 # قوله صلى الله عليه وسلم في الخرص " دعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث، ~~فدعوا الربع " أقول: السر في مشروعية الخرص دفع الحرج عن أهل الزراعة، ~~فإنهم يريدون أن يأكلوا بسرا. ورطبا. وعنبا. ونيئا ونضيجا. وعن المصدقين ~~لأنهم لا يطيقون الحفظ عن أهلها إلا بشق # الأنفس، ولما كان الخرص محل الشبهة، والزكاة من حقها التخفيف أمر بترك ~~الثلث أو الربع، والذي يعد للبيع لا يكون له ميزان إلا القيمة، فوجب أن ~~يحمل ms362 على زكاة النقد. # وفي الركاز الخمس لأنه يشبه الغنيمة من وجه ويشبه المجان فجعلت زكاته ~~خمسا. # فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من ~~شعير على العبد. والحر. والذكر. والأنثى. والصغير. والكبير من المسلمين، ~~وفي رواية أو صاعا من أقط أو صاعا من زبيب، وإنما قدر بالصاع لأنه يشبع أهل ~~البيت، ففيه غنية معتد بها للفقير، ولا يتضرر الإنسان بانفاق هذا القدر ~~غالبا، وحمل في بعض الروايات نصف صاع من قمح على صاع من شعير لأنه كان ~~غالبا في ذلك الزمان لا يأكله إلا أهل التنعم، ولم يكن من مأكل المساكين، ~~بينه زيد بن أرقم في قصة السرقة، ثم قال علي رضي الله عنه: إذا وسع الله ~~فوسعوا، وإنما وقت بعيد الفطر لمعان: منها أنها تكمل كونه من شعائر الله، ~~وأن فيها طهرة للصائمين وتكميلا لصومهم بمنزلة سنن الرواتب في الصلاة. # وهل في الحلي زكاة؟ الأحاديث فيه متعارضة، واطلاق الكنز عليه بعيد، ومعنى ~~الكنز حاصل، والخروج من الاختلاف أحوط. ### | المصارف # الأصل في المصارف أن البلاد على نوعين: منها ما خلص للمسلمين لا يشوبهم ~~أحد من سائر الملل، ومن حقها أن يخفف عليها، وهي لا تحتاج إلى جمع رجال ~~ونصب قتال، وكثيرا ما يخرج منها من يباشر الأعمال المشترك نفعها تصديقا لما ~~وعد الله من أجر المحسنين، وله كفاف في خويصة ماله إذ الجماعات الكثيرة من ~~المسلمين لا تخلوا من مثل ذلك. # ومنها ما فيه جماعات من أهل سائر الملل، ومن حقها أن يشدد فيها وذلك قوله ~~تعالى: # {أشداء على الكفار رحماء بينهم} . # وهي تحتاج إلى جنود كثيرة وأعوان قوية، وتحتاج إلى أن يقبض على كل عمل ~~نافع من يباشره، ويكون معيشته في بيت المال، # PageV02P068 # فجعل النبي صلى الله عليه وسلم لكل من هذين سنة، وجعل الجباية بحسب ~~المصارف، وسيأتي مباحث الثاني في كتاب الجهاد. # والبلاد الخاصة بالمسلمين عمدة ما يتلخص فيها من المال نوعان بإزاء نوعين ~~من المصرف: نوع من المال الذي زالت ms363 عنه يد مالكة كتركة الميت لا وارث له، ~~وضوال من البهائم لا مالك لها، ولقطة أخذها أعوان بيت المال، وعرفت، فلم ~~يعرف لمن هي، وأمثال ذلك، من حقه أن يصرف إلى المنافع المشتركة مما ليس ~~فيها تمليك لأحد. ككرى الأنهار. وبناء القناطر. والمساجد. وحفر الآبار. ~~والعيون - وأمثال ذلك؛ ونوع هو صدقات المسلمين جمعت في بيت المال، ومن حقه ~~أن يصرف إلى ما فيه تمليك لأحد. وفي ذلك قوله تعالى: # {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} . الآية # والجملة في ذلك أن الحاجات من هذا النوع وإن كانت كثيرة جدا لكن العمدة ~~فيها ثلاثة: # المحتاجون، وضبطهم الشارع بالفقراء والمساكين وأبناء السبيل والغارمين في ~~مصلحة أنفسهم. # والحفظة، وضبطهم بالغزاة والعاملين على الجبايات. # والثالث مال يصرف إلى دفع الفتن الواقعة بين المسلمين أو المتوقعة عليهم ~~من غيرهم وذلك إما أن يكون بمواطأه ضعيف النية في الإسلام بالكفار أو برد ~~الكافر عما يريد من المكيدة بالمال، ويجمع ذلك اسم المؤلفة قلوبهم، أو ~~المشاجرات بين المسلمين، وهو الغارم في حمالة يتحملها، وكيفية التقسيم ~~عليهم وأنه بمن يبدأ وكم يعطى؟ مفوض إلى رأي الإمام. # وعن ابن عباس يعتق من زكاة ماله ويعطي في الحج، وعن الحسن مثله ثم تلا ~~{إنما الصدقات للفقراء} في أيها أعطيت أجزأت، وعن أبي الآس حملنا النبي صلى ~~الله عليه وسلم على إبل الصدقة للحج. # وفي الصحيح " وأما خالد فأنكم تظلمون خالدا وقد احتبس أدراعه وأعتده في ~~سبيل الله " وفيه شيئآن: # PageV02P069 # جواز أن يعطي مكان شيء شيئا إذا كان أنفع للفقراء، وأن الحبس مجزئ عن ~~الصدقة، قلت: وعلى هذا فالحصر في قوله تعالى: {إنما الصدقات} إضافي بالنسبة ~~إلى ما لما طلبه المنافقون في صرفها فيما يشتهون على ما يقتضيه سياق الآية، ~~والسر في ذلك أن الحاجات # غير محصورة وليس في بيت المال في البلاد الخالصة للمسلمين غير الزكاة ~~كثير مال، فلا بد من توسعه لتكفي نوائب المدينة والله أعلم. # قوله صلى الله عليه وسلم " إن هذه الصدقات إنما هي من أوساخ الناس وأنها ~~لا تحل ms364 لمحمد ولا لآل محمد " أقول: إنما كانت أوساخا لأنها تكفر الخطايا، ~~وتدفع البلاء، وتقع فداء عن العبد في ذلك، فيتمثل في مدارك الملأ الأعلى ~~أنها هي كما يتمثل في الصورة الذهنية واللفظية والخطية أنها وجودات للشيء ~~الخارجي الذي جعلت بإزائه، وهذا يسمى عندنا بالوجود التشبيهي، فتدرك بعض ~~النفوس العالية أن فيها ظلمة، وينزل الأمر إلى بعض الأحياز النازلة. وقد ~~يشاهد أهل المكاشفة تلك الظلمة أيضا، وكان سيدى الوالد قدس سره يحكي ذلك من ~~نفسه كما قد يكره أهل الصلاح ذكر الزنا وذكر الأعضاء الخبيثة، ويحبون ذكر ~~الأشياء الجميلة، ويعظمون اسم الله، وأيضا فإن المال الذي يأخذه الإنسان من ~~غيره مبادلة عين أو نفع ولا يراد به احترام وجهه فيه ذلة ومهانة، ويكون ~~لصاحب المال عليه فضل ومنه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " اليد العليا ~~خير من اليد السفلى " فلا جرم أن التكسب بهذا النوع شر وجوه المكاسب لا ~~يليق بالمظهرين والمنوه بهم في الملة، وفي هذا الحكم سر آخر وهو أنه صلى ~~الله عليه وسلم إن أخذها لنفسه، وجوز أخذها لخاصته والذين يكون نفعهم ~~بمنزلة نفعه - كان مظنة أن يظن الظانون، ويقول القائلون في حقه ما ليس بحق ~~فأراد أن يسد هذا الباب بالكلية، ويجهر بأن منافعها راجعة إليهم، وإنما ~~تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم رحمة بهم وحدبا عليهم وتقريبا لهم من ~~الخير وإنقاذا لهم من الشر. # ولما كانت المسألة تعرضا للذلة وخوضا في الوقاحة وقدحا في المروءة شدد ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيها إلا لضرورة لا يجد منها بدا، وأيضا # إذا جرت العادة بها، لم يستنكف الناس عنها، وصاروا يستكثرون أموالهم بها ~~كان ذلك سببا لإهمال الإكساب التي لا بد منها أو تقليلها وتضييقها على أهل ~~الأموال بغير حق، فاقتضت الحكمة أن يمثل الاستنكاف منها بين أعينهم لئلا ~~يقدم عليها أحد إلا عند الاضطرار. # PageV02P070 # قوله صلى الله عليه وسلم " من سأل الناس ليثرى ماله كان خموشا في وجهه أو ~~رضفا يأكله من جهنم " أقول: السر فيه ms365 أنه يتمثل تألمه مما يأخذ من الناس ~~بصورة ما جرت العادة بأن يحصل الألم بأخذه كالجمر، أو بأكله كالرضف، وتتمثل ~~ذلته في الناس وذهاب ماء وجهه بصورة هي أقرب شبيه له من الخموش. # وجاء في الرجل الذي أصابته جائحة اجتاحت ماله أنه حلت له المسألة حتى يجد ~~قواما من عيش. # وجاء في تقدير الغنية المانعة من السؤال أنها أوقية أو خمسون درهما. # وجاء أيضا أنها ما يغديه أو يعشيه. # وهذه الأحاديث ليست متخالفة عندنا، لأن الناس على منازل شتى، ولكل واحد ~~كسب لا يمكن أن يتحول عنه، أعني الإمكان المأخوذ في العلوم الباحثة عن ~~سياسة المدن لا المأخوذ في علم تهذيب النفس، فمن كان كاسبا بالحرفة فهو ~~معذور حتى يجد آلات الحرفة، ومن كان زارعا حتى يجد آلات الزرع، ومن كان ~~تاجرا حتى يجد البضاعة، ومن كان على الجهاد مسترزقا بما يروح ويغدو من ~~الغنائم. كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالضابط فيه أوقية ~~أو خمسون درهما، ومن كان كاسبا يحمل الأثقال في الأسواق، أو احتطاب الحطب ~~وبيعه وأمثال ذلك فالضابط فهي ما يغديه أو يعشيه. # قوله صلى الله عليه وسلم " لا تلحفوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحد ~~منكم شيئل فتخرج له مسألته مني شيئا، وأنا كاره، فيبارك له فيما أعطيته ". # أقول: سره أن النفوس اللاحقة بالملأ الأعلى تكون الصورة الذهنية فيها من ~~الكراهية والرضا بمنزلة الدعاء المستجاب. # قوله صلى الله عليه وسلم " إن المال حضر حلو فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له ~~فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع ". # أقول: البركة في الشيء على أنواع. أدناها طمأنينة النفس به وثلج الصدر ~~كرجلين عندهما عشرون درهما أحدهما يخش الفقر، والآخر مصروف الخاطر عن ~~الخشية غلب # PageV02P071 # عليه الرجاء ثم زياده النفع كرجلين مقدار مالهما واحد. صرفه أحدهما فيما ~~إلى ما يهمه، وينفعه، وألهم التدبير الصالح في صرفه، والآخر أضاعه، ولم ~~يقتصد في التدبير، وهذه البركة تجلبها هيئة النفس بمنزلة جلب ms366 الدعاء. # قوله صلى الله عليه وسلم " من يستعفف يعفه الله " الحديث أقول: هذا إشارة ~~إلى أن هذه الكيفيات النفسانية في تحصيلها أثر عظيم لجمع الهمة وتأكد ~~العزيمة. ### | (أمور تتعلق بالزكاة) # ثم مست الحاجة إلى وصية الناس أن يؤدوا الصدقة إلى المصدق بسخاوة نفس، ~~وفيها قوله صلى الله عليه وسلم " إذا أتاكم المصدق فليصدر عنكم وهو عنكم ~~راض " وذلك لتحقق المصلحة الراجعة إلى النفس، وأراد أن يسد باب اعتذراهم في ~~المنع بالجور. وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " فإن عدلوا فلأنفسهم، وإن ~~ظلموا فعليها " ولا اختلاف بين هذا الحديث. وبين قوله صلى الله عليه وسلم " ~~فمن سئل فوقها فلا يعط " إذ الجور نوعان: نوع أظهر النص حكمه، وفيه لا يعط، ~~ونوع فيه للاجتهاد مساغ وللظنون تعارض، وفيه سد باب الاعتذار، وإلى وصية ~~المصدق ألا يعتدي في أخذ الصدقة، وأن يتقي كرائم أموالهم وألا يغل ليتحقق ~~الانصاف وتتوفر المقاصد. # وسر قوله صلى الله عليه وسلم " فو الذي نفسي بيده لا يأخذ منه شيئا إلا ~~جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرا له رغاء " يتضح من مراجعة ~~ما بينا في مانع الزكاة، وإلى سد مكايد أهل الأموال وفيها لا يجمع بين ~~متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة. # وقوله صلى الله عليه وسلم: " لأن يتصدق المرء في حياته بدرهم خير له من ~~أن يتصدق بمائة عند موته "، وقال صلى الله عليه وسلم " مثله كمثل الذي يهدي ~~إذا شبع " أقول: سره أن إنفاق ما لا يحتاج إليه، ولا يتوقع الحاجة إليه ~~لنفسه ليس بعتد على سخاوة يعتمد بها. # PageV02P072 # ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم عمد إلى خصال مما يفيد إزالة البخل، # أو تهذيب النفس، أو تألف الجماعة، فجعلها صدقات تنبيها على مشاركتها ~~الصدقات في الثمرات، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " " يعدل بين اثنين صدقة ~~ويعين الرجل على دابته صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يخطوها إلى ~~الصلاة صدقة، وكل تهليلة وتكبير ة وتسبيحة صدقة " وأمثال ذلك. # قوله صلى الله ms367 عليه وسلم " أيما مسلم كسا مسلما ثوبا على عري " الحديث ~~أقول قد ذكرنا مرارا أن الطبيعة المثالية تقتضي ألا يكون تجسد المعاني إلا ~~بصورة هي أقرب شبه من الصور، وأن الاطعام مثلا فيه صورة الطعام، ولك عبرة ~~بالمنامات والواقعات وتمثل المعاني بصورة الأجسام ومن هناك ينبغي أن تعرف ~~لم رأى النبي صلى الله عليه وسلم وباء المدينة بصورة امرأة سوداء. # ثم كان من الناس من يترك أهله وأقاربه، ويتصدق على الأباعد، وفيه إهمال ~~من رعايته أوجب سوء التدبير وترك تألف الجماعة القريبة منه، فمست الحاجة ~~إلى سد هذا الباب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " دينار أنفقته في سبيل ~~الله ودينار أنفقته في رقبة " الحديث ولا اختلاف بين قوله " خير، الصدقة ما ~~كان عن ظهر غني، وابدأ بمن تعول " وحديث: " قيل: أي الصدقة أفضل؟ قال: جهد ~~المقل، وابدأ بمن تعول " لتنزيل كل على معنى أو جهة، فالغنى ليس هو المصطلح ~~عليه، وإنما هو غنى النفس أو كفاية الأهل، أو نقول صدقة الغني أعظم بركة في ~~ماله، وصدقة المقل أكثر إزالة لبخله، وهو أقعد بقوانين الشرع. # قوله صلى الله عليه وسلم " الخازن المسلم الأمين " الحديث أقول: ربما ~~يكون إنفاذ ما وجب إليه وليس له أن يمتنع عنه أيضا معرفا لسخاوة النفس من ~~جهة طيب الخاطر والتوفية وإثلاج الصدر، فلذلك كان متصدقا بعد المتصدق ~~الحقيقي. # ولا اختلاف بين حديث " إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فلها ~~نصف # PageV02P073 # الأجر " وبين قوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: لا تنفق امرأة شيئا ~~من بيت زوجها إلا بإذنه، قيل: ولا الطعام؟ قال: ذلك أفضل أموالنا " وحديث ~~قالت امرأة إنا كل على أبنائنا وآبائنا وأزواجنا فما يحل لنا من أموالهم؟ ~~قال: الرطب تأكلنه وتهدينه " لأن الأول فيما أمره عموما أو دلالة، ولم ~~يأمره خصوصا ولا صريحا، ويكون الزوج لا يبدأ بالصدقة فلما بدأت المرأة سلم ~~ذلك منها، وإنما يجوز التصرف في ماله بما هو معروف عندهم، وفيه إصلاح ماله ~~كالرطب لو لم ms368 يهده لفسد وضاع، ولا يجوز في غير ذلك، وإن كان من الطعام. # قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تعد في صدقتك فان العائد في صدقته كالعائد ~~في قيئه ". أقول سبب ذلك أن المصدق إذا أراد الاشتراء يسامح في حقه أو يطلب ~~هو المسامحة فيكون نقضا للصدقة في ذلك القدر لأن روح الصدقة نفض القلب ~~تعلقه بالمال، وإذ كان في قلبه ميل إلى الرجوع إليها بمسامحة لم يتحقق كمال ~~النفض، وأيضا فتوفير صورة العمل مطلوب، وفي الاسترداد نقض لها، وهو سر ~~كراهية الموت في أرض هاجر منها، والله أعلم. # PageV02P074 ### | (من أبواب الصوم) # ولما كانت البهيمة الشديدة مانعة عن ظهور أحكام الملكية وجب الاعتناء ~~بقهرها. ولما كان سبب شدتها وتراكم طبقاتها وغزارتها هو الأكل، والشرب ~~والانهماك في اللذات الشهوية فإنه يفعل ما لا يفعله الأكل الرغد - وجب أن ~~يكون طريق القهر تقليل هذه الأسباب، ولذلك اتفق جميع من يريدون ظهور أحكام ~~الملكية على تقليلها ونقصها مع اختلاف مذاهبهم وتباعد أقطارهم، وأيضا ~~فالمقصود إذعان البهيمية للملكية بأن تتصرف حسب وحيها، وتنصبغ بصبغها، ~~وتمنع الملكية منها بألا تقبل ألوانها الدنية، ولا تنطبع فيها نقوشها ~~الخسيسة كما تنطبع نقوش الخاتم في الشمعة، ولا سبيل إلى ذلك إلا أن تقتضي ~~الملكية شيئا من ذاتها. وتوحيه إلى البهيمية، وتقترحه عليها، فتنقاد لها، ~~ولا تبغي عليها، ولا تتمنع منها، ثم تقتضي أيضا، وتنقاد هذه أيضا - ثم، وثم ~~- حتى تعتاد ذلك وتتمرن، وهذه الأشياء التي تقتضيها هذه من ذاتها، وتقسر ~~تلك عليهم على رغم أنفها إنما يكون من جنس ما فيه انشراح لهذه وانقباض ~~لتلك، وذلك كالتشبه بالملكوت والتطلع للجبروت، فإنهما خاصية الملكية بعيدة ~~عنهما البهيمية غاية البعد، أو ترك ما تقتضيه البهيمية، وتستلذه وتشتاق ~~إليه في غلوائها - وهذا هو الصوم - ولما لم تكن المواظبة على هذه من جمهور ~~الناس ممكنة مع ما هم فيه من الارتفاقات المهمة ومعافسة الأموال والأزواج، ~~وجب أن يلتزم بعد كل طائفة من الزمان مقدار يعرف حالة ظهور الملكية ~~وابتهاجها بمقتضياتها، # ويكفر ما فرط ms369 منه قبلها، ويكون مثله كمثل حصان طوله مربوطا بآخية يستن ~~يمينا وشمالا، ثم يرجع إلى آخيته، وهذه مداوة بعد مداومة الحقيقية، تم وجب ~~تعيين مقدار لئلا يفرط أحد، فيستعمل منه ما لا ينفعه، وينجع فيه، أو يفرط # PageV02P075 # مفرط، فيستعمل منه ما يوهن أركانه، ويذهب نشاطه، وينفه نفسه، ويزيره ~~القبور، وإنما الصوم ترياق يستعمل لدفع السموم النفسانية مع ما فيه نكاية ~~بمطية اللطيفة الإنسانية ومنصتها فلا بد من أن يتقدر بقدر الضرورة. # ثم إن تقليل الأكل والشرب له طريقان: أحدهما ألا يتناول منهما إلا قدرا ~~يسيرا، والثاني أن تكون المدة المتخللة بين الأكلات زائدة على القدر ~~المعتاد، والمعتبر في الشرائع هو الثاني لأنه يخفف، وينفه، ويذيق بالفعل ~~مذاق الجوع والعطش، ويلحق البهيمية حيرة ودهشة، ويأتي عليها إتيانا محسوسا، ~~والأول إنما يضعف ضعفا يمر به، ولا يجد بالاحتى يدفنه، وأيضا فإن الأول لا ~~يأتي تحت التشريع العام إلا بجهد، فإن الناس على منازل مختلفة جدا يأكل ~~الواحد منهم رطلا والآخر رطلين، والذي يحصل به وفاء الأول هو إجحاف الثاني، ~~أما المدة المتخللة بين الأكلات، فالعرب والعجم وسائر أهل الأمزجة الصحيحة ~~يتفقون فيها، وإنما طعامهم غداء وعشاء، أو أكلة واحدة في اليوم والليلة، ~~ويحصل مذاق الجوع بالكف إلى الليل، ولا يمكن أن يفوض المقدار اليسير إلى ~~المبتلين المكلفين، فيقال مثلا: ليأكل كل واحد منكم ما تنقهر به بهيميته ~~لأنه يخالف موضوع التشريع. # ومن المثل السائر من استرعى الذئب فقد ظلم، وإنما يسوغ مثل ذلك # في الإحسانيات، ثم يجب أن تكون تلك المدة المتخللة غير مجحفة ولا ~~مستأصلة، كثلاثة أيام بلياليها، لأن ذلك خلاف موضوع الشرع، ولا يعمل به ~~جمهور المكلفين، ويحب أن يكون الامساك فيها متكررا، ليحصل التمرن ~~والانقياد، وإلا فجوع واحد أي فائدة يفيد، وإن قوى واشتد، ووجب أن يذهب في ~~ضبط الانقهار الغير المجحف وضبط تكراره إلى مقادير مستعملة عندهم لا تخفى ~~على الخامل والنبيه والحاضر والبادي، وإلى ما يستعمله أو يستعمل نظيره ~~طوائف عظيمة من الناس، لتذهب شهرتها وتسليمها غاية ms370 التعب منهم. # وأوجبت هذه الملاحظات أن يضبط الصوم بالامساك من الطعام والشراب والجماع ~~يوما كاملا إلى شهر كامل فإن ما دون اليوم هو من باب تأخير الغداء، وأمساك ~~الليل معتاد لا يجدون له بالا، والأسبوع والأسبوعان مدة يسيرة لا تؤثر، ~~والشهران تغور فيهما الأعين، وتنفه النفس، وقد شاهدنا ذلك مرات لا تحصى. # ويضبط اليوم بطلوع الفجر إلى غروب الشمس، لأنه هو حساب العرب ومقدار ~~يومهم، والمشهور عندهم في صوم يوم عاشوراء، والشهر برؤية الهلال إلى رؤية ~~الهلال لأنه هو شهر العرب، وليس حسابهم على الشهور الشمسية. # PageV02P076 # وإذا وقع التصدي لتشريع عام وإصلاح جماهير الناس وطوائف العرب والعجم وجب ~~ألا يخير في ذلك الشهر ليختار كل واحد شهرا يسهل عليه صومه، لأن في ذلك ~~فتحا لباب الاعتذار والتسلل، وسدا لباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~وإخمالا لما هو من اعظم طاعات الإسلام، وأيضا فإن اجتماع طوائف عظيمة من ~~المسلمين على شيء واحد في زمان واحد يرى بعضهم بعضا - معونة لهم على الفعل، ~~ميسر عليهم، # ومشجع إياهم، وأيضا فان اجتماعهم هذا لنزول البركات الملكية على خاصتهم ~~وعامتهم وأدنى أن ينعكس أنوار كملهم على من دونهم وتحيط دعوتهم من وراءهم. # وإذا وجب تعيين ذلك الشهر فلا أحق من شهر نزل فيه القرآن، وارتسخت فيه ~~الملة المصطفوية وهو مظنة ليلة القدر على ما سنذكره. # ثم لا بد من بيان المرتبة التي لا بد منها لكل خامل ونبيه وفارغ ومشغول ~~والتي إن أخطأها أخطأ أصل المشروع والمرتبة المكملة التي هي مشرع المحسنين ~~ومورد السابقين، فالأولى صوم رمضان والاكتفاء على الفرائض الخمس، فورد " من ~~صلى العشاء والصبح في جماعة فكانما قام الليل " والثانية زائدة على الأولى ~~كما وكيفا وهي قيام لليالية وتنزيه اللسان والجوارح، وستة من شوال، وثلاثة ~~من كل شهر، وصوم يوم عاشوراء ويوم عرفة، واعتكاف العشر الأواخر، فهذه ~~المقدمات تجري مجرى الأصول في باب الصوم، فإذا تمهدت حان أن نشتغل بشرح ~~أحاديث الباب. ### | (فضل الصوم) # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا دخل ms371 رمضان فتحت أبوب الجنة - وفي ~~رواية - أبواب الرحمة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين " أقول: اعلم أن ~~هذا الفضل إنما هو بالنسبة إلى جماعة المسلمين فإن الكفار في رمضان اشد ~~عمها وأكثر ضلالا منهم في غيره، لتماديهم في هتك شعائر الله، ولكن المسلمين ~~إذا صاموا، وقاموا، وغاص كملهم في لجة الأنوار، وأحاطت دعوتهم من ورائهم، ~~وانعكست أضواؤهم على من دونهم، وشملت بركاتهم جميع فئتهم، وتقرب كل حسب ~~استعداده من المنجيات، وتباعد من المهلكات - صدق أن أبواب الجنة تفتح ~~عليهم، وأن أبواب جهنم تغلق عنهم لأن أصلهما الرحمة واللعنة، ولأن اتفاق ~~أهل الأرض في صفة تجلب ما يناسبها من جود الله كما ذكرنا في الاستسقاء ~~والحج، وصدق أن الشياطين تسلسل عنهم، وأن الملائكة تنتشر فيهم، لأن الشيطان ~~لا يؤثر إلا فيمن استعدت نفسه # PageV02P077 # لأثره، وغنما استعداده له لغلواء البهيمة وقد انقهرت، وأن الملك لا يقرب ~~إلا ممن استعد له، وإنما استعداده بظهور الملكية وقد ظهرت، وأيضا فرمضان ~~مظنة الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فلا جرم أن الأنوار المثالية ~~والملكية تنتشر حينئذ، وأن أضدادها تنقبض. # قوله صلى الله عليه وسلم " من صام شهر رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما ~~تقدم من ذنبه " أقول: وذلك لأنه مظنة غلبة الملكية ومغلوبية البهيمية ونصاب ~~صالح من الخوض في لجة الرضا والرحمة، فلا جرم أن ذلك مغير للنفس من لون إلى ~~لون. # قوله صلى الله عليه وسلم " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما ~~تقدم من ذنبه " أقول: وذلك لأن الطاعة إذا وجدت في وقت انتشار # الروحانية وظهور سلطنة المثال أثرت في صميم النفس ما لا يؤثر إعدادها في ~~غيره. # قوله صلى الله عليه وسلم " كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى ~~سبعمائة ضعف، قال الله تعالى إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع شهوته ~~وطعامه من أجلي " أقول: سر مضاعفة الحسنة أن الإنسان إذا مات، وانقطع عنه ~~مدد بهيميته، وأدبر عن اللذات الملائمة لها - ظهرت الملكية، ولمع أنوارها ~~بالطبيعة ms372 المجازاة وهذا هو سر المجازة، فإن كان العمل خيرا فقليله كثير ~~حينئذ لظهور الملكية ومناسبته بها، وسر استثناء الصوم أن كتابة الأعمال في ~~صحائفها إنما تكون بتصور صورة كل عمل في موطن من المثال مختص بهذا الرجل ~~بوجه يظهر منها صورة جزائه المترتب عليه عند تجرده عن غواشي الحسد، وقد ~~شاهدنا ذلك مرارا وشاهدنا أن الكتبة كثيرا ما تتوقف في إبداء جزاء العمل ~~الذي هو من قبيل مجاهدة شهوات النفس إذ في إبدائه دخل لمعرفة مقدار خلق ~~النفس الصادر هذا العمل منه، وهم لم يذوقوه ذوقا، ولم يعلموه وجدانا، وهو ~~سر اختصامهم في الكفارات والدرجات على ما ورد في الحديث، فيوحي الله إليهم ~~حينئذ أن اكتبوا العمل كما هو، وفوضوا جزاءه إلى، وقوله: " فإنه يدع شهوته ~~وطعامه من أجلي " إشارة إلى أنه من الكفارات التي لها نكاية في نفسه ~~البهيمية، ولهذا الحديث بطن آخر قد أشرنا إليه في أسرار الصوم فراجعه. # قوله صلى الله عليه وسلم " للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ~~ربه " فالأولى طبيعية من قبل وجدان ما تطلبه نفسه، والثانية إلهية من قبل ~~تهيئته لظهور أسرار التنزيه عند تجرده عن غواشي الجسد وترشح اليقين عليه من ~~فوقه، كما أن الصلاة تورث ظهور أسرار التجلي الثبوتي، وهو قوله صلى الله ~~عليه وسلم " فلا تغلبوا على صلاة قبل الطلوع وقبل الغروب " وههنا - أسرار ~~يضيق هذا الكتاب عن كشفها. # PageV02P078 # قوله صلى الله عليه وسلم " لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " ~~وأقول: سره أن أثر الطاعة محبوب لحب الطاعة متمثل في عالم المثال مقام ~~الطاعة، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم انشراح الملائكة بسببه ورضا الله ~~عنه في كفة وانشراح نفوس بني آدم عند استنشاق رائحة المسك في كفه ليريهم ~~السر الغيبي راى العين. # قوله صلى الله عليه وسلم " الصيام جنة " أقول: ذلك لأنه يقي شر الشيطان ~~والنفس، ويباعد الإنسان من تأثيرهما، ويخالفه عليهما، فلذلك كان من حقه ~~تكميل معنى الجنة بتنزيه لسانه عن الأقوال والأفعال الشهوية، ms373 وإليها ~~الإشارة في قوله: " فلا يرفث "، والسبعية، وإليه الإشارة في قوله: " ولا ~~يصخب " وإلى الأقوال بقوله: " سابه " وإلى الأفعال بقوله: " قاتله " قوله ~~صلى الله عليه وسلم: " فليقل إني صائم " قيل: بلسانه، وقيل: بقلبه، وقيل: ~~بالفرق بين الفرض والنفل، والكل واسع. ### | (أحكام الصوم) # قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا ~~حتى تروه فإن غم عليكم، فاقدروا له - وفي رواية - فأكملوا العدة ثلاثين " ~~أقول: لما كان وقت الصوم مضبوطا بالشهر القمري باعتبار رؤية الهلال، وهو ~~تارة ثلاثون يوما، وتارة تسع وعشرون، وجب في صورة الاشتباه أن يرجع إلى هذا ~~الأصل وأيضا مبنى الشرائع على الأمور الظاهرة عند اميين دون التعمق ~~والمحاسبات النجومية، بل الشريعة واردة بإخمال ذكرها، وهو قوله صلى الله ~~عليه وسلم: " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " وقوله صلى الله عليه وسلم " ~~شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة " قيل لا ينقصان معا، وقيل: لا يتفاوت ~~اجر ثلاثين وتسعة وعشرين، وهذا الأخير أقعد بقواعد التشريع كأنه أراد سد أن ~~يخطر في قلب أحد ذلك. # واعلم أن من المقاصد المهمة في باب الصوم سد ذرائع التعمق، ورد ما أحدثه ~~فيه المتعمقون، فإن هذه الطاعة كانت شائعة في اليهود. والنصارى ومتحنثي ~~العرب، ولما رأوا أن أصل الصوم هو قهر النفس تعمقوا، وابتدعوا أشياء فيها ~~زيادة القهر، وفي ذلك تحريف دين الله، وهو إما بزيادة الكم أو الكيف. # PageV02P079 # فمن الكم قوله صلى الله عليه وسلم " لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو ~~يومين إلا أن يكون رجلا كان يصوم يوما فليصم ذلك اليوم " ونهيه عن صوم يوم ~~الفطر. ويوم الشك، وذلك لأنه ليس بين هذه وبين رمضان فصل، فلعله إن أخذ ذلك ~~المتعمقون سنة فيدركه منهم الطبقة الأخرى وهلم جرا يكون تحريفا، وأصل ~~التعمق أن يؤخذ موضع الاحتياط لازما، ومنه يوم الشك. # ومن الكيف النهي عن الوصال والترغيب في السحور، والأمر بتأخيره وتقديم ~~الفطر، فكل ذلك تشدد وتعمق من صنع الجاهلية، ولا اختلاف بين قوله صلى ms374 الله ~~عليه وسلم " إذا انتصف شعبان فلا تصوموه " وحديث أم سلمة رضي الله عنها " ~~ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان " ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل في نفسه ما لا يأمر به القوم، وأكثر ~~ذلك ما هو من باب سد الذرائع وضرب مظنات كلية، فإنه صلى الله عليه وسلم ~~مأمون من أن يستعمل الشيء في غير محله، أو يجاوز الحد الذي أمر به إلى ~~إضعاف المزاج وملال الخاطر، وغيره ليس بمأمون، فيحتاجون إلى ضرب تشريع وسد ~~تعمق، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم ينهاهم أن يجاوزا أربع نسوة، وكان أحل ~~له تسع فما فوقها لأن علة المنع ألا يفضي إلى جور. # ثم الهلال يثبت بشهاده مسلم عدل أو مستور أنه رآه، وقد سن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في كلتا الصورتين، " جاء أعرابي فقال: إني رأيت الهلال، ~~قال: أتشهد؟ " الحديث وأخبر ابن عمر أنه رآه فصام، وكذلك الحكم في كل ما ~~كان من أمور الملة فإنه يشبه الرواية. # وقال صلى الله عليه وسلم: تسحروا فإن في السحور بركة " أقول: فيه بركتان: ~~إحداهما راجعة إلى إصلاح البدن ألا ينفعهولا يضعف إذ الإمساك يوما كاملا ~~نصاب، فلا يضاعف. # والثانية راجعة إلى تدبير الملة ألا يتعمق فيها، ولا يدخلها تحريف أو ~~تغيير. # وقوله صلى الله عليه وسلم " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر " وقوله ~~عليه السلام صلى الله عليه وسلم: " فصل ما بين وما بين صيامنا وصيام أهل ~~الكتاب أكلة السحر " وقال الله تعالى: " أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا " # PageV02P080 # أقول: هذا إشارة إلى أن هذه مسألة دخل فيها التحريف من أهل الكتاب، ~~فبمخالفتهم، ورد تحريفهم قيام الملة. # ونهى صلى الله عليه وسلم عن الوصال " فقيل: إنك تواصل، قال: وأيكم مثلي؟ ~~! إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني " أقول: النهي عن الوصال إنما هو لأمرين: ~~أحدهما ألا يصل إلى حد الإجحاف كما بينا، والثاني ألا تحرف الملة، وقد أشار ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى ms375 أنه لا يأتيه الإجحاف لأنه مؤيد بقوة ملكية ~~نورية وهو مأمون. # ولا اختلاف بين قوله صلى الله عليه وسلم: من لم يجمع الصوم قبل الفجر فلا ~~صيام له " وبين قوله عليه الصلاة والسلام حين لم يجد طعاما " إني إذا صائم ~~" لأن الأول في الفرض. والثاني في النفل. والمراد بالنفي نفي الكمال. # وقوله صلى الله عليه وسلم " إذا سمع النداء أحدكم " ألخ أقول: المراد ~~بالنداء هو نداء خاص أعني نداء بلال، وهذا الحديث مختصر حديث " إن بلالا ~~ينادي بليل ". # وقوله صلى الله عليه وسلم " إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمرة فإنه بركة ~~فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور ". # أقول: الحلو يقبل عليه الطبع لا سيما بعد الجوع، ويحبه الكبد، والعرب ~~يميل طبعهم إلى التمر، وللميل في مثله أثر، فلا جرم أنه يصرفه في المحل ~~المناسب من البدن وهذا نوع من البركة. # قوله صلى الله عليه وسلم " من فطر صائما أو جهز غازيا فله مثل أجره " ~~أقول: من فطر صائما لأنه صائم يستحق التعظيم، فإن ذلك صدقة وتعظيم للصوم ~~وصلة بأهل الطاعات، فإذا تمثلت صورته في الصحف كان متضمنا لمعنى الصوم من ~~وجوه، فجوزي بذلك. # ومن أذكار الإفطار: ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله، ~~وفيه بيان الشكر على الحالات التي يستطيبها الإنسان بطبيعته أو عقله معا، ~~ومنها اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، وفيه تأكيد الإخلاص في العمل والشكر ~~على النعمة. # PageV02P081 # وقوله صلى الله عليه وسلم " لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله ~~أو يصوم بعده "، وقوله صلى الله عليه وسلم " لا تختصوا ليلة الجمعة " ~~الحديث أقول. السر فيه شيئان: أحدهما سد التعمق لأن الشارع لما خصه بطاعات ~~وبين فضله كان مظنة أن يتعمق المتعمقون، فيلحقون بها صوم ذلك اليوم. # وثانيهما تحقيق معنى العيد، فإن العيد يشعر بالفرح واستيفاء اللذة، وفي ~~جعله عيدا أن يتصور عندهم أنها من الاجتماعات التي يرغبون فيها من طبائعهم ~~من غير قصر. # قوله صلى الله عليه وسلم " لا صوم في ms376 يومين الفطر. والأضحى "، وقوله صلى ~~الله عليه وسلم " أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله " # أقول: فيه تحقيق معنى العيد وكبح عنانهم عن التنسك اليابس والتعمق في ~~الدين. # قوله صلى الله عليه وسلم " لا يحل لمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه " ~~أقول: وذلك لأن صومها مفوت لبعض حقه ومنغص عليه بشاشتها وفكاهتها. # ولا اختلاف بين قوله صلى الله عليه وسلم " الصائم المتطوع أمير نفسه إن ~~شاء صام وإن شاء أفطر "، وقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة. وحفصة رضي الله ~~عنهما: " اقضيا يوما آخر مكانه " إذ يمكن أن يكون المعنى إن شاء أفطر مع ~~التزام القضاء، وأمرهما بالقضاء للاستحباب، فإن الوفاء بما التزمه أثلج ~~للصدر، أو كان أمرا لهما خاصة حين رأى في صدرهما حرجا من ذلك كقول عائشة ~~رضي الله عنها: رجعوا بحجة وعمرة ورجعت بحج فأعمرها من التنعيم. # قوله صلى الله عليه وسلم " من نسي وهو صائم، فأكل وشرب فليتم صومه فإنما ~~أطعمه الله وسقاه " أقول إنما عذر بالنسيان في الصوم دون غيره لأن الصوم ~~ليس له هيئة مذكرة بخلاف الصلاة والإحرام فإن لهما هيآت عن استقبال القبلة ~~والتجرد من المخيط، فكان أحق أن يعذر فيه. # قوله صلى الله عليه وسلم لمن وقع على امرأته في نهار رمضان " أعتق رقبة " ~~الحديث أقول لما هجم على هتك حرمة شعائر الله وكان مبدؤه إفراطا طبيعيا وجب ~~أن # PageV02P082 # يقابل بإيجاب طاعة شاقة غاية المشقة ليكون بين يديه مثل تلك فيزجره عن ~~غلواء نفسه، ولا اختلاف بين حديث تسوكه صلى الله عليه وسلم، وبين قوله عليه ~~الصلاة والسلام: " لخلوف # فم الصائم أطيب " الحديث، فإن مثل هذا الكلام إنما يرا به المبالغة كأنه ~~قال: إنه محبوب بحيث لو كان له خلوف لكان محبوبا لحبه. # ولا اختلاف بين قوله صلى الله عليه وسلم " ليس من البر الصيام في السفر ~~ذهب المفطرون بالأجر "، وقوله عليه الصلاة والسلام: " من كانت له حمولة ~~تأوى إلى شبع فليصم رمضان حيثما أدركه " لأن الأول فيما إذا كان شاقا عليه ms377 ~~مغضيا إلى الضعف والغشى، كما هو مقتضي قول الراوي: قد ضلل عليه أو كان ~~بالمسلمين حاجة لا تنجبر إلا بالإفطار وهو قول الراوي: فسقط الصوامون وقام ~~المفطرون، أو كان يرى في نفسه كراهية الترخص في مظانه وأمثال ذلك من ~~الأسباب، والثاني فيما إذا كان السفر خاليا عن المشقة التي يعتد بها، ~~والأسباب التي ذكرناها. # ولا اختلاف بين قوله صلى الله عليه وسلم " من مات وعليه صوم صام عنه وليه ~~"، وقوله عليه الصلاة والسلام فيه أيضا " فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا ~~إذا يجوز أن يكون كل من الأمرين مجزئا، والسر في ذلك شيآن: أحدهما راجع إلى ~~الميت فإن كثيرا من النفوس المفارقة أجسادها تدرك أن وظيفة من الوظائف التي ~~يجب عليها، وتؤاخذ بتركها # فأتت منها، فتتألم، ويفتح ذلك بابا من الوحشة، فكان الحدب على مثله أن ~~يقوم أقرب الناس منه وأولادهم به، فيعمل عمله على قصد أن يقع عنه فإن همته ~~تلك تفيد كما في القرابين، أو يفعل فعلا آخر مثله، وكذلك حال من مات وقد ~~أجمع على صدقة تصدق عنه وليه، وقد ذكرنا في الصلاة على الميت ما إذا عطف ~~على صدقة الأحياء للأموات انعطف، والثاني راجع إلى الملة، وهو التأكيد ~~البالغ، ليعلموا أن الصوم لا يسقط بحال حتى الموت. # PageV02P083 ### | (أمور تتعلق بالصوم) # اعلم أن كمال الصوم إنما هو تنزيهه عن الأفعال والأقوال الشهوية والسبعية ~~والشيطانية، فإنها تذكر النفس في الأخلاق الخسيسة، وتهيجها لهيآت فاسدة، ~~والاحتراز عما يفضي إلى الفطر، ويدعوا إليه، فمن الأول قوله صلى الله عليه ~~وسلم " فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم " وقوله ~~صلى الله عليه وسلم " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن ~~يدع طعامه وشرابه " والمراد بالنفي نفي الكمال، ومن الثاني: " أفطر الحاجم ~~والمحجوم " فإن المحجوم تعرض للأفطار من الضعف، والحاجم لأنه لا يأمن من أن ~~يصل شيء إلى جوفه بمص الملازم، والتقبيل والمباشرة، وكان الناس قد أفرطوا، ~~وتعمقوا، وكادوا أن يجعلوه من ms378 مرتبة الركن، فبين النبي صلى الله عليه وسلم ~~قولا وفعلا أنه ليس مفطرا ولا منقصا للصوم. وأشعر بأنه ترك الأولى في حق ~~غيره بلفظ الرخصة، وأما هو كان مأمورا ببيان الشريعة، فكان هو الأولى في ~~حقه، وكذا سائر ما تنزل فيه عن درجة المحسنين إلى درجة عامة المؤمنين، ~~والله أعلم. # واختلفت سنن الأنبياء عليهم السلام في الصوم، فكان نوح عليه السلام يصوم ~~الدهر، وكان داود عليه السلام يصوم يوما، ويفطر يوما، وكان عيسى عليه ~~السلام يصوم يوما، ويفطر يومين أو أياما، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في ~~خاصة نفسه يصوم حتى يقال لا يفطر، ويفطر حتى يقال لا يصوم، ولم يكن يستكمل ~~صيام شهر إلا رمضان، وذلك أن الصيام ترياق، والترياق لا يستعمل إلا بقدر ~~المرض. # وكان قوم نوح عليه السلام شديدي الأمزجة حتى روى عنهم ما روى، وكان داود ~~عليه السلام ذا قوة ورزانة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: # وكان لا يفر إذا لاقى " وكان عيسى عليه السلام ضعيفا في بدنه فارغا لا ~~أهلك له ولا مال، فاختار كل واحد ما يناسب الأحوال، وكان نبينا صلى الله ~~عليه وسلم عارفا بفوائد الصوم والإفطار مطلعا على مزاجه وما يناسبه، فاختار ~~بحسب مصلحة الوقت ما شاء، واختار لأمته صياما. # منها يوم عاشوراء وسر مشروعيته أنه وقت نصر الله تعالى موسى عليه السلام ~~على فرعون وقومه، وشكر موسى بصوم ذلك اليوم، وصار سنة بين أهل الكتاب ~~والعرب، فأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ومنها صوم عرفة، السر فيه أنه تشبه بالحاج وتشوق إليهم وتعرض للرحمة التي ~~تنزل عليهم، وسر فضله على صوم يوم عاشوراء أنه خوض في لجة الرحمة النازلة ~~ذلك اليوم، والثاني تعرض للرحمة التي مضت، وانقضت، فعمد النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى ثمرة الخوض في لجة # PageV02P084 # الرحمة وهي كفارة الذنوب السابقة والنبو عن الذنوب اللاحقة بألا يقبلها ~~صميم قلبه، فجعلها لصوم عرفة، ولم يصمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~حجته لما ذكرنا في التضحية ms379 وصلاة العيد من أن مبناها كلها على التشبه ~~بالحاج وإنما المتشبهون غيرهم. # ومنها ستة الشوال، قال صلى الله عليه وسلم " من صام رمضان فأتبعه ستا من ~~شوال كان كصيام الدهر كله "، والسر في مشروعيتها أنها بمنزلة السنن الرواتب ~~في الصلاة تكمل فائدتها بالنسبة إلى أمزجة لم تتام فائدتها بهم، وإنما خص ~~في بيان فضيلة التشبه بصوم الدهر لأن من القواعد المقررة أن الحسنة بعشر ~~أمثالها، وبهذه الستة يتم الحساب. # ومنها ثلاث من كل شهر لأنها بحساب كل حسنة بعشرة أمثالها تضاهي # صيام الدهر، ولأن الثلاثة اقل حد الكثرة، وقد اختلفت الرواية في اختيار ~~تلك الأيام، فورد " يا أبا ذر إذا صمت من الشهر الثلاثة فصم ثلاث عشرة ~~وأربع عشرة وخمس عشرة " وورد كان يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن ~~الشهر الآخر الثلاثاء والآربعاء والخميس، وورد من غرة كل شهر ثلاثة أيام، ~~وورد أنه أمر أم سلمة بثلاثة أولها الاثنين والخميس، ولكل وجه، واعلم أن ~~ليلة القدر ليلتان: إحداهما ليلة # {فيها يفرق كل أمر حكيم} . # وفيها نزل القرآن جملة واحدة ثم نزل بعد ذلك نجما نجما، وهي ليلة في ~~السنة، ولا يجب أن تكون في رمضان، نعم رمضان مظنة غالبة لها، واتفق أنها ~~كانت في رمضان عند نزول القرآن، والثانية يكون فيها نوع من انتشار ~~الروحانية ومجيء الملائكة إلى الأرض، فيتفق المسلمون فيها على الطاعات، ~~فتتعاكس أنوارهم فيما بينهم، ويتقرب منهم الملائكة، ويتباعد منهم الشياطين ~~ويستجاب منهم أدعيتهم وطاعاتهم، وهي ليلة في كل رمضان في أوتار العشر ~~الأواخر تتقدم، وتتأخر فيها، ولا تخرج منها، فمن قصد الأولى قال: هي في كل ~~السنة، ومن قصد الثانية قال: هي في العشر الأواخر من رمضان، وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم " أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان ~~متحريها فليتحرها في السبع الأواخر، وقال: أرأيت هذه الليلة ثم أنسيتها وقد ~~رأيتني أسجد في ماء وطين " فكان ذلك في ليلة إحدى وعشرين "، واختلاف # الصحابة فيها مبني # PageV02P085 # على اختلافهم في وجدانها، ومن ms380 أدعية من وجدها. اللهم أنك عفو تحب العفو ~~فاعف عني. # ولما كان الاعتكاف في المسجد سببا لجمع الخاطر وصفاء القلب والتفرغ ~~للطاعة والتشبه بالملائكة والتعرض لوجدان ليلة القدر اختاره النبي صلى الله ~~عليه وسلم في العشر الأواخر وسنه للمحسنين من أمته، قالت عائشة رضي الله ~~عنها: السنة على المعتكف ألا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة ولا يمس المرأة، ~~ولا يباشرها، ولا يخرج إلا لحاجة إلا ما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم ~~ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع أقول وذلك تحقيقا لمعنى الاعتكاف، وليكون ~~الطاعة لها بال ومشقة على النفس ومخالفة للعادة، والله أعلم. # PageV02P086 ### | (من أبواب الحج) # المصالح المرعية في الحج أمور: منها تعظيم البيت، فإنه من شعائر الله، ~~وتعظيمه هو تعظيم الله تعالى. # ومنها تحقيق معنى العرضة، فإن لكل دولة أو ملة اجتماعا يتوارده الأقاصي ~~والأدانى ليعرف فيه بعضهم بعضا، ويستفيدوا أحكام الملة، ويعظموا شعائرها، ~~والحج عرضة المسلمين وظهور شوكتهم واجتماع جنودهم وتنويه ملتهم، وهو قول ~~الله تعالى: # {وإذا جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا} . # ومنها موافقة ما توارث الناس عن سيدنا إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام، ~~فإنهما إماما الملة الحنيفة ومشرعاها للعرب، والنبي صلى الله عليه وسلم بعث ~~لتظهر به الملة الحنيفية وتعلو بها كلمتها، وهو قوله تعالى: # {ملة أبيكم إبراهيم} . # فمن الواجب المحافظة على ما استفاض عن إماميها كخصال الفطرة ومناسك الحج؛ ~~وهو قوله صلى الله عليه وسلم " قفوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث ~~أبيكم إبراهيم ". # ومنها الاصطلاح على حال يتحقق بها الرفق لعامتهم وخاصتهم كنزول منى. ~~والمبيت بمزدلفة، فإنه لو لم يصطلح على مثل هذا لشق عليهم، ولو لم يسجل ~~عليهم لم تجتمع كلمتهم عليه مع كثرتهم وانتشارهم. # ومنها الأعمال التي تعلن بأن صاحبها موحد تابع للحق متدين بالملة ~~الحنيفية شاكر لله على ما أنعم على أوائل هذه الملة كالسعي بين الصفا ~~والمروة. # ومنها أن أهل الجاهلية كانوا يحجون وكان الحج أصل دينهم ولكنهم خلطوا ~~أعمالا ما هي مأثورة عن إبراهيم عليه السلام، وإنما هي ms381 اختلاف منهم وفيها ~~إشراك لغير الله كتعظيم إساف. ونائلة، وكالاهلال لمناة الطاغية، وكقولهم في ~~التلبية: لا شريكا # PageV02P087 # لك إلا شريك هو لك، ومن حق هذه الأعمال أن ينهى عنها ويؤكد في ذلك، ~~وأعمالا انتحلوها فخرا وعجبا كقول حمس: نحن قطان الله، فلا نخرج من حرم ~~الله فنزل: # {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} . # وكذكرهم أباءهم ايام منى فنزل: # {فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا} . # ولما استشعر الأنصار هذا الأصل تحرجوا في السعي بين الصفا والمروا حتى ~~نزل # {إن الصفا والمروة من شعائر الله} . # ومنها أنهم كانوا ابتدعوا قياسات فاسدة هي من باب التعمق في الدين، وفيها ~~حرج للناس، ومن حقها أن تنسخ وتهجر كقولهم: يجتنب المحرم دخول البيوت من ~~أبوابها وكانوا يتسورون من ظهورها ظنا منهم أن الدخول من الباب ارتفاق ~~ينافي هيئة الإحرام فنزل: # {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} . # وككراهيتهم في التجارة موسم الحج ظنا منهم أنها تخل باخلاص العمل لله، ~~فنزل: # {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} . # وكاستحبابهم أن يحجوا بلا زاد، ويقولوا: نحن المتوكلون وكانوا يضيقون على ~~الناس ويعتدون. فنزل: # {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} . # وكقولهم من أفجر الفجور العمرة في أيام الحج، وقولهم # إذا انسلخ صفر، وبرأ الدبر، وعفا الأثر حلت العمرة لمن اعتمر وفي ذلك حرج ~~للآفاقى حيث يحتاجون إلى تجديد السفر للعمرة، فأمرهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم في حجة الوداع أن يخرجوا من الإحرام بعمرة، ويحجوا بعد ذلك، وشدد ~~الأمر في ذلك ينكلهم على عادتهم وما ركز في قلوبهم. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج ~~فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله، فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال: لو ~~قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم " اقول: سره أن الأمر الذي يعد لنزول وحي الله ~~بتوقيت خاص هو إقبال القوم على # PageV02P088 # ذلك وتلقي علومهم وهممهم له بالقبول وكون ذلك القدر هو الذي اشتهر بينهم ~~وتداولوها، ثم عزيمة النبي صلى الله عليه وسلم ms382 وطلبه من الله، فإذا اجتمعا ~~لا بد أن ينزل الوحي على حسبه، ولك عبرة بأن الله ما انزل كتابا إلا بلسان ~~قومه وبما يفهمونه، ولا ألقي عليهم حكما ولا دليلا إلا مما هو قريب من ~~فهمهم، كيف ومبدأ الوحي اللطف، وإنما اللطف اختيار أقرب ما يمكن هناك ~~للإجابة. # وقيل: " أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: ~~الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور، ولا اختلاف بينه وبين ~~قوله صلى الله عليه وسلم في فضل الذكر " ألا أنبئكم بأفضل أعمالكم؟ " لأن ~~الفضل يختلف باختلاف الاعتبار، والمقصود ههنا بيان الفضل باعتبار تنويه دين ~~الله وظهور شعائر الله، وليس بهذا الاعتبار بعد الإيمان كالجهاد والحج. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ~~ولدته أمه " وقال عليه السلام: " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج ~~المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " وقال عليه السلام: " تابعوا بين الحج ~~والعمرة "، أقول: تعظيم شعائر الله والخوض في لجة رحمة الله يكفر الذنوب، ~~ويدخل الجنة، ولما كان الحج المبرور والمتابعة بين الحج والعمرة، والإكثار ~~منها نصابا صالحا لتعرض رحمته أثبت لهما ذلك، وإنما شرط ترك الرفث والفسق؛ ~~ليتحقق ذلك الخوض، فإن من فعلهما عرضت عنه الرحمة، ولم تكمل في حقه. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم " إن عمرة في رمضان تعدل حجة "، أقول: سره ~~أن الحج إنما يفضل العمرة بأنه جامع بين تعظيم شعائر الله واجتماع الناس ~~على استنزال رحمة الله دونها، والعمرة في رمضان تفعل فعله، فإن رمضان وقت ~~تعاكس أضواء المحسنين ونزول الروحانية. # وقال صلى الله عليه وسلم: من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج ~~فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا ". أقول: ترك ركن من أركان الإسلام ~~يشبه بالخروج عن الملة، وإنما شبه تارك الحج باليهودي # والنصراني، وتارك الصلاة بالمشرك، لأن اليهود والنصارى يصلون، ولا يحجون، ~~ومشركو العرب يحجون، ولا يصلون. # PageV02P089 # قيل: " ما الحاج؟ قال: الشعث التفل، ms383 قيل: أي الحج أفضل؟ قال: العج والثج، ~~قيل: ما السبيل؟ قال: زاد وراحلة "، أقول: الحاج من شأنه أن يذلل نفسه لله، ~~والمصلحة المرعية في الحج إعلاء كلمة الله وموافقة سنة إبراهيم عليه ~~السلام، وتذكر نعمة الله عليه، ووقت السبيل بالزاد والراحلة، وإذا بهما ~~يتحقق التيسير الواجب رعايته في أمثال الحج من الطاعات الشاقة، وقد ذكرنا ~~في صلاة الجنازة والصوم عن الميت ما إذا عطف على الحج عن الغير انعطف. ### | (صفة المناسك) # اعلم أن المناسك على ما استفاض من الصحابة والتابعين وسائر المسلمين ~~أربعة: حج مفرد، وعمرة مفردة، وتمتع، وقران. # فالحج لحاضر مكة أن يحرم منها، ويجتنب في الاحرام الجماع ودواعيه، ~~والحلق، وتقليم الأظافر، ولبس المخيط، وتغطية الرأس والتطيب، والصيد، ~~ويجتنب النكاح على قول، ثم يخرج إلى عرفات ويكون فيها عشية عرفة، ثم يرجع ~~منها بعد غروب الشمس، ويبيت بمزدلفة، ويدفع منها قبل شروق الشمس، فيأتي ~~منى، ويرمي العقبة الكبرى، ويهدي إن كان معه، ويحلق أو يقصر، ثم يطوف ~~للافاضة في ايام منى ويسعى بين الصفا والمروة. .، وللآفاقي أن يحرم من ~~الميقات، فإن دخل مكة قبل الوقوف طاف للقدوم، ورمل فيه، وسعى بين الصفا ~~والمروة، ثم بقي على إحرامه حتى يقوم بعرفة، ويرمي، ويحلق، ويطوف، ولا يرهل ~~فيه، ولا سعي حينئذ والعمرة أن يحرم من الحل، فان كان آفاقيا فمن الميقات، ~~فيطوف، ويسعى، ويحلق، أو يقصر والتمتع أن يحرم الآفاقى للعمرة في أشهر ~~الحج، فيدخل مكة، ويتم عمرته، ويخرج من إحرامه، ثم يبقى حلالا حتى يجمع ~~عليه أن يذبح ما استيسر من الهدى القران، أن يحرم الآفاقى بالحج والعمرة ~~معا، ثم يدخل مكة، ويبقى على إحرامه حتى يفرغ من أفعال الحج، وعليه أن يطوف ~~طوافا واحدا ويسعى سعيا واحد في قول، # PageV02P090 # وطوافين وسعيين ثم يذبح ما استيسر من الهدى، فإذا أراد أن ينفر من مكة ~~طاف للوداع. # وأقول اعلم أن الإحرام في الحج والعمرة بمنزلة التكبير في الصلاة، فيه ~~تصوير الإخلاص والتعظيم وضبط عزيمة الحج بفعل ظاهر، وفيه # جعل النفس متذللة ms384 خاشعة لله بترك الملاذ والعادات المألوفة وأنواع ~~التجمل، وفيه تحقيق معاناة التعب والتشعث والتغبر لله، وإنما شرع أن يجتنب ~~المحرم هذه الأشياء تحقيقا لتذلل وترك الزينة والتشعث، وتنويها لاستشعار ~~خوف الله وتعظيمه، ومؤاخذة نفسه ألا تسترسل في هواها، وإنما الصيد تله ~~وتوسع، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم " من اتبع الصيد لها " ولم يثبت ~~فعله عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا كبار أصحابه وإن سوغه في الجملة. ~~والجماع انهماك في الشهوة البهيمية، وإذا لم يجز سد هذا الباب بالكلية لأنه ~~يخالف قانون الشرع، فلا أقل من أن ينهى في بعض الأحوال كالإحرام والاعتكاف ~~والصوم وبعض المواضع كالمساجد سئل ما يلبس المحرم من الثياب؟ " فقال: لا ~~تلبسوا القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف " وقال ~~للأعرابي: " أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات وأما الجبة فانزعها. # الفرق بين المخيط وما في معناه وبين غير ذلك، أن الأول ارتفاق وتجمل ~~وزينة، والثاني ستر عورة، وترك الأول تواضع لله، وترك الثاني سوء أدب. # قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يحطب "، ~~وروى أنه تزوج ميمونة محرما. # أقول: اختار أهل الحجاز من الصحابة والتابعين والفقهاء أن السنة للمحرم ~~ألا ينكح، واختار أهل العراق أنه يجوز له ذلك، ولا يخفى عليك أن الأخذ ~~بالاحتياط أفضل، وعلى الأول السر منه أن النكاح من الارتفاقات المطلوبة ~~أكثر من الصيد، ولا يقاس الانشاء على الابقاء لأن الفرح والطرب إنما يكون ~~في الابتداء، ولذلك يضرب بالعروس المثل في هذا # الباب دون البقاء، ثم لا بد من ضبط الصيد فإن الإنسان قد يقتل ما يريد ~~أكله، وقد يقتل ما لا يريد أكله، وإنما يريد التمرن بالاصطياد، وقد يقتل ~~يريد أن يدفع شره عنه أو عن أبناء نوعه، وقد يذبح بهيمة الأنعام فأيها ~~الصيد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم " خمس لا جناح على من قتلهن في الحرم ~~والإحرام. الفأرة، والغراب، والحدأة، والعقرب، والكلب # PageV02P091 # العقور والجامع المؤذي الصائل على الإنسان أو على ms385 متاعه " فإنه إذا رجع ~~إلى استقراء العرف لا يقال له صيد، وكذلك بهيمة الأنعام والدجاج وأمثالهما ~~مما جرت العادة باقتنائه في البيوت لا تسمى صيدا، وأما الأقسام الأخر، ~~فالظاهر أنها صيد. # ووقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن ~~المنازل، ولأهل اليمن يلملم فهن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان ~~يريد الحج والعمرة فمن كان دونهن فمهله من أهله حتى أهل مكة يهلون منها. ~~أقول: الأصل في المواقيت أنه لما كان الإتيان إلى مكة شعثا تفلا تاركا ~~لغلواء نفسه مطلوبا، وكان في تكليف الإنسان أن يحرم من بلده حرج ظاهر، فإن ~~منهم من يكون قطره على مسيرة شهر وشهرين وأكثر - وجب أن يخص أمكنة معلومة ~~حول مكة يحرمون منها، ولا يؤخرون الإحرام بعدها، ولا بد أن تكون تلك ~~المواضع ظاهرة مشهورة، ولا تخفى على أحد، وعليها مرور أهل الآفاق، فاستقرا ~~ذلك، وحكم بهذه المواضع، واختار لأهل المدينة أبعد المواقيت لأنها مهبط ~~الوحي ومأرز الإيمان ودار الهجرة وأول قرية آمنت بالله ورسوله، فأهلها أحق ~~بأن يبالغوا في إعلاء كلمة الله، وأن يخصوا بزيادة طاعة الله، وأيضا فهي ~~أقرب الأقطار التي آمنت في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخلصت ~~إيمانها بخلاف # جؤاثي. والطائف ويمامة. وغيرها فلا حرج عليها. # والسر في الوقوف بعرفة أن اجتماع المسلمين في زمان واحد ومكان واحد ~~راغبين في رحمة الله تعالى داعين له متضرعين إليه له تأثير عظيم في نزول ~~البركات وانتشار الروحانية، ولذلك كان الشيطان يومئذ أدحر وأحقر ما يكون، ~~وأيضا فاجتماعهم ذلك تحقيق لمعنى العرضة وخصوص هذا اليوم. وهذا المكان ~~متوارث عن الأنبياء عليهم السلام على ما يذكر في الأخبار عن آدم فمن بعده، ~~والأخذ بما جرت به سنة السلف الصالح أصل أصيل في باب التوقيت. # والسر في نزول منى أنها كانت سوقا عظيما من أسواق الجاهلية مثل عكاظ، ~~والمجنة، وذي المجاز، وغيرها، وإنما اصطلحوا عليه لأن الحج يجمع أقواما ~~كثيرة من أقطار متباعدة، ولا أحسن للتجارة ولا ms386 أرفق بها من أن يكون موسمها ~~عند هذا الاجتماع، ولأن مكة تضيق عن تلك الجنود المجندة، فلو لم يصطلح ~~حاضرهم وباديهم وخاملهم ونبيهم # PageV02P092 # على النزول في فضاء مثل منى لحرجوا، وإن اختص بعضهم بالنزول لوجدوا في ~~أنفسهم، ولما جرت العادة بنزولها اقتضى ديدن العرب وحميتهم أن يجتهد كل حي ~~في التفاخر والتكاثر، وذكر مآثر الآباء وإراءة جلدهم وكثرة أعوانهم ليرى ~~ذلك الأقاصي والأداني، ويبعد به الذكر في الأقطار، وكان للإسلام حاجة إلى ~~اجتماع مثله يظهر به شوكة المسلمين وعدتهم وعدتهم، ليظهر دين الله، ويبعد ~~صيته، ويغلب على كل قطر من الأقطار، فأبقاه النبي صلى الله عليه وسلم، وحث ~~عليه وندب إليه، ونسخ التفاخر، وذكر الآباء، # وأبدله بذكر الله بمنزلة ما أبقى من ضيافاتهم وولائمهم. وليمة النكاح. ~~وعقيقة المولود لما رأى فيها من فوائد جليلة في تدبير المنازل. # والسر في المبيت بمزدلفة أنه كان سنة قديمة فيهم، ولعلهم اصطلحوا عليها ~~لما رأوا من أن للناس اجتماعا لم يعهد مثله في غير هذا الموطن، ومثل هذا ~~مظنة أن يزاحم بعضهم بعضا، ويحطم بعضهم بعضا، وإنما براحهم بعد المغرب، ~~وكانوا طول النهار في تعب يأتون من كل فج عميق، فلو تجشموا أن يأتوا منى، ~~والحال هذه لتعبوا، وكان أهل الجاهلية يدفعون من عرفات قبل الغروب، ولما ~~كان ذلك قدرا غير ظاهر، ولا يتعين بالقطع، ولا بد في مثل هذا الاجتماع من ~~تعيين لا يحتمل الإبهام وجب أن يعين بالغروب. # وإنما شرع الوقوف بالمشعر الحرام لأنه كان أهل الجاهلية يتفاخرون، ~~ويتراءون فأبدل من ذلك إكثار ذكر الله ليكون كابحا عن عادتهم، ويكون ~~التنويه بالتوحيد في ذلك الموطن كالمنافسة كأنه قيل: هل يكون ذكركم الله ~~أكثر أو ذكر أهل الجاهلية مفاخرهم أكثر. # والسر في رمي الجمار ما ورد في نفس الحديث من أنه إنما جعل لإقامة ذكر ~~الله عز وجل، وتفصيله أن أحسن أنواع توقيت الذكر وأكملها وأجمعها لوجوه ~~التوقيت أن يوقت بزمان وبمكان ويقام معه ما يكون حافظا لعدده محققا لوجوده ~~على رءوس الأشهاد ms387 حيث لا يخفى شيء، وذكر الله نوعان: نوع يقصد به الإعلان ~~بانقياده لدين الله، والأصل فيه اختيار مجامع الناس دون الإكثار، ومنه ~~الرمي ولذلك لم يؤمر بالإكثار هناك، ونوع يقصد به انصباع النفس بالتطلع ~~للجبروت، وفيه الإكثار، وأيضا ورد في الأخبار ما يقتضي أنه سنة سنها ~~إبراهيم عليه السلام حين طرد الشيطان، ففي حكاية مثل هذا الفعل # PageV02P093 # تنبيه للنفس أي تنبيه. # والسر في الهدى التشبه بفعل سيدنا إبراهيم عليه السلام فيما قصد من ذبح ~~ولده في ذلك المكان طاعة لربه وتوجها إليه، والتذكر لنعمة الله به وبأبيهم ~~إسمعيل عليه السلام وفعل مثل هذا الفعل في هذا الوقت، والزمان ينبه النفس ~~أي تنبه. # إنما وجب على المتمتع والقارن شكرا لنعمة الله حيث وضع عنهم إصر الجاهلية ~~في تلك المسألة. # والسر في الحلق أنه تعيين طريق للخروج من الإحرام بفعل لا ينافي الوقار، ~~فلو تركهم وأنفسهم لذهب كل مذهبا، وأيضا ففيه تحقيق انقضاء التشعث والتغبر ~~بالوجه الأتم، ومثله كمثل السلام من الصلاة، وإنما قدم على طواف الإفاضة ~~ليكون شبيها بحال الداخل على الملوك في مؤاخذته نفسه بإزالة تشعثه وغباره. # وصفة الطواف أن يأتي الحجر، فيستلمه، ثم يمشي على يمينه سبعة أطوفة يقبل ~~فيها الحجر الأسود، أو يشير إليه بشيء في يده كالمحجن، ويكبر، ويستلم الركن ~~اليماني، وليكن في ذلك على طهارة وستر عورة، ولا يتكلم إلا بخير، ثم يأتي ~~مقام إبراهيم فيصلي ركعتين، أما الابتداء بالحجر فلأنه وجب عند التشريع أن ~~يعين محل البداءة وجهة المشي، والحجر أحسن مواضع البيت لأنه نازل من الجنة، ~~واليمين أيمن الجهتين. # وطواف القدوم بمنزلة تحية المسجد، إنما شرع تعظيما للبيت، ولأن الإبطاء ~~بالطواف في مكانه وزمانه عند تهيء أسبابه سوء أدب، وأول طواف بالبيت فيه ~~رمل واضطباع؛ وبعده سعى بين الصفا والمروة؛ وذلك لمعان: منها ما ذكره ابن ~~عباس رضي الله عنهما من إخافة قلوب المشركين. # وإظهار صولة المسلمين، وكان أهل مكة يقولون: وهنتهم حمى يثرب، فهو فعل من ~~أفعال الجهاد، وهذا السبب قد انقضى ومضى، ms388 ومنها تصوير الرغبة في طاعة الله، ~~وأنه لم يزده السفر الشاسع والتعب العظيم إلا شوقا ورغبة كما قال الشاعر: # (إذا اشتكت من كلال السير واعدها ... روح الوصال فتحيا عند ميعاد) # وكان عمر رضي الله عنه أراد أن يترك الرمل والاضطباع لانقضاء سببهما، ثم ~~تفطن # PageV02P094 # إجمالا أن لهما سببا آخر غير منقض فلم يتركهما. # وإنما لم يشرع الوقوف بعرفة في العمرة لأنها ليس لها وقت معين ليتحقق ~~معنى الاجتماع فلا فائدة للوقوف بها، ولو شرع لها وقت معين كانت حجا، وفي ~~الاجتماع مرتين في السنة ما لا يخفى. # وإنما العمدة في العمرة تعظيم بيت الله وشكر نعمة الله. # والسر في السعي بين الصفا والمروة على ما ورد في الحديث أن هاجر أم ~~إسمعيل عليه السلام لما اشتد بها الحال سعت بينهما سعي الإنسان المجهود، ~~فكشف الله عنهما الجهد بابداء زمزم، وإلهام الرغبة في الناس أن يعمروا تلك ~~البقعة، فوجب شكر تلك النعمة على أولاده ومن تبعهم، وتذكر تلك الآية ~~الخارقة لتبهت بهيميتهم، وتدلهم على الله، ولا شيء في هذا مثل أن يعضد عقد ~~القلب بهما بفعل ظاهر منضبط مخالف لمألوف القوم فيه تذلل عند أول دخولهم ~~مكة وهو محاكاة ما كانت فيه من العناء والجهد، وحكاية الحال في مثل هذا ~~أبلغ بكثير من لسان المقال. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده ~~بالبيت وخفف عن الحائض " أقول: السر فيه تعظيم البيت بأن يكون هو الأول وهو ~~الآخر تصويرا لكونه هو المقصود من السفر، وموافقة لعادتهم في توديع الوفود ~~ملوكها عند النفر، والله أعلم. ### | (قصة حجة الوداع) # الأصل فيها حديث جابر. وعائشة. وابن عمر. وغيرهم رضي الله عنهم. اعلم أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث بالمدينة تسع سنين لم يحج، ثم أذن في ~~الناس في العاشرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج، فقدم المدينة بشر ~~كثير، فخرج حتى أتى ذا الحليفة، فاغتسل، وتطيب، وصلى ركعتين في المسجد، ~~ولبس إزارا ورداء، وأحرم، ولبى، ms389 لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن ~~الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. # أقول: اختلف ههنا في موضعين: أحدهما أن نسكه ذلك كان حجا مفردا، أو متعة، ~~بأن حل من العمرة، واستأنف الحج، أو أنه أحرم بالحج، ثم أشار له جبريل عليه ~~السلام أن يدخل العمرة عليه، فبقي على إحرامه حتى فرغ من الحج، ولم يحل ~~لأنه كان ساق الهدى. # PageV02P095 # وثانيهما أنه أهل حين صلى أو حين ركب ناقته أو حين أشرف على البيداء. ~~وبين ابن عباس رضي الله عنهما أن الناس كانوا يأتونه أرسالا، فأخبر كل واحد ~~بما رآه، وقد كان أول إهلاله حين صلى ركعتين، وإنما اغتسل وصلى ركعتين لأن ~~ذلك أقرب لتعظيم شعائر الله، ولأنه ضبط للنية بفعل ظاهر منضبط يدل على ~~الإخلاص لله والاهتمام بطاعة الله، ولأن تغيير اللباس بهذا النحو ينبه ~~النفس، ويوقظها للتواضع لله تعالى، وإنما تطيب لأن الإحرام حال الشعث ~~والتفل، فلا بد من تدارك له قبل ذلك، وإنما اختار هذه الصيغة في التلبية ~~لأنها تعبير عن قيامه بطاعة مولاه وتذكر له ذلك، وكان أهل الجاهلية يعظمون ~~شركاءهم، فأدخل النبي صلى الله عليه وسلم لا شريك لك " ردا على هؤلاء ~~وتمييزا للمسلمين منهم، ويستحب زيادة سؤال الله رضوانه والجنة واستعفاءه ~~برحمته من النار. # وأشار جبريل عليه السلام برفع أصواتهم بالإحرام والتلبية وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # (ما من مسلم يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى ~~تنقطع الأرض من ههنا وههنا) أقول: سره أنه من شعائر الله، وفيه تنويه ذكر ~~الله، وكل ما كان من هذا الباب فإنه يستحب الجهر به، وجعله بحيث يكون على ~~رؤوس الخامل والنبيه، وبحيث تصير الدار دار الإسلام، فإذا كان كذلك كتب في ~~صحيفة عمله صورة تلبية تلك المواضع: # وأشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناقته في صفحة سنامها الأيمن وسلت ~~الدم عنها وقلدها نعلين أقول: السر في الإشعار التنويه بشعائر الله وأحكام ~~الملة الحنيفية ms390 يرى ذلك منه الأقاصي والأداني، وأن يكون فعل القلب منضبطا ~~بفعل ظاهر: # وولدت أسماء بنت عميس بذي الحليفة فقال لها " اغتسلي واستثفري بثوب ~~وأحرمي " أقول: ذلك لتأتي بقدر الميسور من سنة الإحرام. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم حين حاضت عائشة رضي الله عنها بسرف: إن ~~ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت ~~حتى تطهري " أقول: مهد الكلام بأنه شيء يكثر وقوعه، فمثل هذا الشيء يجب في ~~حكمة الشرائع # PageV02P096 # أن يدفع عنه الحرج، وأن يسن له سنة ظاهرة فلذلك سقط عنها طواف القدوم ~~وطواف الوداع. # فلما دنا من مكة نزل بذي طوى، ودخل مكة من أعلاها نهارا، وخرج # من أسفلها، وذلك ليكون دخول مكة في حال اطمئنان القلب دون التعب، لتمكن ~~من استشعار جلال الله وعظمته، وأيضا ليكون طوافه بالبيت على أعين الناس ~~فإنه أنوه بطاعة الله، وأيضا فكان النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يعلمهم ~~سنة المناسك، فأمهلهم حتى يجتمعوا له جامعين متهيئين وإنما خالف في الطريق ~~ليظهر شوكة المسلمين في كلتا الطريقين، ونظيره العيد. # فلما أتى البيت استلم الركن، وطاف سبعا، رمل ثلاثا، ومشى أربعا، وخص ~~الركنين اليمانيين بالاستلام، وقال فيما بينهما: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة ~~وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} . # ثم تقدم إلى مقام إبراهيم، فقرأ: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} . # فصلى ركعيتن، وجعل المقام بينه وبين البيت، وقرأ فيهما: {قل هو الله أحد} ~~. # و {قل يا أيها الكافرون} . # ثم رجع إلى الركن فاستلمه. # أقول أما سر الرمل والاضطباع فقد ذكرناه، وإنما خص الركنين اليمانيين ~~بالاستلام لما ذكره ابن عمر من أنهما باقيان على بناء إبراهيم عليه السلام ~~دون الركنين الآخرين فإنهما من تغييرات أهل الجاهلية، وإنما اشترط له شروط ~~الصلاة لما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما من أن الطواف يشبه الصلاة في ~~تعظيم الحق وشعائره، فحمل عليها، وإنما سن ركعتين بعده # إتماما لتعظيم البيت، فإن تمامه أن يستقبل في صلواتهم، وإنما خص بهما ~~مقام ms391 إبراهيم لأنه أشرف مواضع المسجد، وهو آية من آيات الله ظهرت على سيدنا ~~إبراهيم، وتذكر هذه الأمور هي العمدة في الحج، وإنما استحب أن يقول بين ~~الركنين: {ربنا آتنا في الدنيا في الحسنة وفي الآخرة حسنة} الخ لأنه دعاء ~~جامع نزل به القرآن، وهو قصير اللفظ يناسب تلك الفرصة القليلة. # ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ {إن الصفا والمروة من ~~شعائر الله} أبدأ بما بدأ به، فبدأ بالصفا، ورقي عليه حتى رأى البيت، ~~فاستقبل # PageV02P097 # القبلة، فوحد الله، وكبره، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر ~~عبده وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل، ~~ومشى إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدتا مشى ~~حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا. # أقول: فهم النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الآية أن تقديم الصفا على ~~المروة إنما هو لتوفيق المذكور بالمشروع، وإنما خص من الأذكار ما فيه توحيد ~~وبيان لإنجاز الوعد ونصره على أعدائه تذكيرا لنعمه وإظهارا لبعض معجزاته ~~وقطعا لدابر الشرك وبيانا أن كل ذلك موضوع تحت قدميه وإعلانا لكلمة الله ~~ودينه في مثل هذا الموضع، ثم قال: " لو أنى استقبلت من أمري ما استدبرت لم ~~أسق الهدى وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل، وليجعلها عمرة، ~~قيل: ألعامنا هذا أم للأبد. قال: لا بل لأبد الأبد، فحل الناس كلهم، وقصروا ~~إلا النبي صلى الله عليه وسلم، ومن كان معه هدى. # أقول الذي بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمور: منها أن الناس كانوا ~~قبل النبي صلى الله عليه وسلم يرون العمرة في أيام قبل الحج من أفجر ~~الفجور، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبطل تحريفهم ذلك بأتم وجه. # ومنها أنهم كانوا يجدون في صدورهم حرجا ms392 من قرب عهدهم بالجماع عند إنشاء ~~الحج حتى قالوا: أناتي عرفة ومذا كيرنا تقطر منيا؟ وهذا من التعمق، فأراد ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يسد هذا الباب. # ومنها أن إنشاء الإحرام عند الحج أتم لعظيمهم البيت. # وإنما كان سوق الهدى مانعا من الإحلال لأن سوق الهدى بمنزلة النذر أن ~~يبقى على هيئته تلك حتى يذبح الهدى، والذي يلتزمه الإنسان إذا كان حديث نفس ~~أو نية غير مضبوطة بالفعل لا عبرة به، وإذا اقترن بها فعل وصارت مضبوطة ~~وجبت رعايتها، والضبط مختلف، فأدناه باللسان، وأقواه أن يكون مع القول فعل ~~علانية يختص بالحالة التي أرادها كالسوق. # فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، وركب النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فصلى بها الظهر. والعصر. والمغرب. والعشاء. والفجر، ثم مكث ~~قليلا حتى طلعت الشمس، فسار حتى نزل بنمرة. # PageV02P098 # أقول: إنما توجه يوم التروية ليكون أرفق به وممن معه، فإن الناس مجتمعون ~~في ذلك اليوم اجتماعا عظيما، وفيهم الضعيف والسقيم، فاستحب الرفق بهم، ولم ~~يدخل عرفة قبل وقتها لئلا يتخذها الناس سنة، ويعتقدوا أن دخولها في غير ~~وقتها قربة. # فلما زاغت الشمس بنمرة أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن # الوادي، فخطب الناس، وحفظ من خطبته يومئذ " إن دماءكم حرام " الخ، ثم أذن ~~بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا. # أقول: إنما خطب يومئذ بالأحكام التي يحتاج الناس إليها، ولا يسعهم جهلها ~~لأن اليوم يوم اجتماع، وإنما تنتهز مثل هذه الفرصة لمثل هذه الأحكام التي ~~يراد تبليغها إلى جمهور الناس، وإنما جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب ~~والعشاء لأن للناس يومئذ اجتماعا لم يعهد في غير هذا الموطن، والجماعة ~~الواحدة المطلوبة، ولا بد من إقامتها في مثل هذا الجمع ليراه جميع من هنالك ~~ولا يتيسر اجتماعهم في وقتين، وأيضا فلأن للناس اشتغالا بالذكر والدعاء ~~وهما وظيفة هذا اليوم ورعاية الأوقات وظيفة جميع السنة، وإنما يرجح في مثل ~~هذا الشيء البديع النادر. # ثم ركب حتى أتى الموقف، ms393 واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، ~~وذهبت الصفرة قليلا، ثم دفع. # أقول: إنما دفع بعد الغروب ردا لتحريف الجاهلية فإنهم كانوا لا يدفعون ~~إلا قبل الغروب، ولأن قبل الغروب غير مضبوط وبعد الغروب أمر مضبوط، وإنما ~~يؤمر في مثل ذلك اليوم بالأمر المضبوط. # ثم دفع حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان وإقامتين ولم ~~يسبح بينهما، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان ~~وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله، ~~وكبره، وهلله، ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس ~~حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلا. # أقول: إنما لم يتهجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مزدلفة لأنه ~~كان لا يفعل كثيرا من الأشياء المستحبة في المجامع لئلا يتخذها الناس سنة، ~~وقد ذكرنا سر الوقوف بالمشعر # PageV02P099 # الحرام، وإنما أوضع بمسحر لأنه محل هلاك أصحاب الفيل، فمن شأن من خاف ~~الله وسطوته أن يستشعر الخوف في ذلك الموطن، ويهرب من الغضب، ولما كان ~~استشعاره أمرا خفيا ضبط بفعل ظاهر مذكر له منبه للنفس عليه. # ثم أتى جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى ~~الخذف رمى من بطن الوادي. # أقول: إنما كان رمي الجمار في اليوم الأول غدوة، وفي سائر الأيام عشية، ~~لأن من وظيفة الأول النحر والحلق والإفاضة، وهي كلها بعد الرمي، ففي كونه ~~غدوة توسعة، وأما سائر الأيام فأيام تجارة وقيام أسواق، فالأسهل أن يجعل ~~ذلك بعد ما يفرغ من حوائجه، وأكثر ما كان الفراغ في آخر النهار، وإنما كان ~~رمى الجمار توا، والسعي بين الصفا والمروة توا لما ذكرنا من أن الوتر عدد ~~محبوب، وأن خليفة الواحد الحقيقي هو الثلاثة أو السبعة، فبالحري ألا يتعدى ~~من السبعة إن كان فيها كفاية، وإنما رمي بمثل حصى الخذف لأن دونها غير ~~محسوس، وفوقها ربما يؤذى في مثل هذا الموضع. # ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بدنة ms394 بيده، ثم أعطى عليا رضي الله ~~عنه لينحر ما غبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر، ~~فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها. # أقول: إنما نحر بيده هذا العدد، ليشكر ما أولاه الله في كل سنة من عمره ~~ببدنة، وإنما أكل منها وشرب اعتناء بالهدى وتبركا بما كان لله تعالى. # قال صلى الله عليه وسلم " نحرت ههنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ~~ووقفت ههنا، وعرفة كلها موقف، ووقفت ههنا، وجمع كلها موقف " وزاد في رواية ~~وكل فجاج مكة طريق ومنحر " أقول: فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين ما فعله ~~تشريعا لهم وبين ما فعله بحسب الاتفاق أو لمصلحة خاصة بذلك اليوم أو ~~اختيارا لمحاسن الأمر. # ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، ~~وطاف وشرب من زمزم. # أقول: إنما بادر إلى البيت لتكون الطاعة في أول وقتها، ولأنه لا يأمن ~~الإنسان أن يكون له مانع، وإنما شرب من زمزم تعظيما لشعائر الله وتبركا بما ~~أظهره الله رحمة. # فلما انقضت أيام منى نزل بالأبطح، وطاف للوداع، ونفر. # PageV02P100 # أقول: اختلف في نزول الأبطح هل هو على وجه العبادة أو العادة؟ فقالت ~~عائشة: نزول الأبطح ليس بسنة إنما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه ~~كان أسمح لخروجه، واستنبط من قوله " حيث تقاسموا على الكفر " أنه قصد بذلك ~~تنويها بالدين، والأول أصح. ### | (أمور تتعلق بالحج) # قال النبي صلى الله عليه وسلم " نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا ~~من اللبن، فسودته خطايا بني آدم "، وقال فيه: " والله ليبعثنه الله يوم ~~القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد على من استلمه بحق " وقال: ~~" إن الركن والمقام ياقوتتان " أقول: يحتمل أن يكونا من الجنة في الأصل، ~~فلما جعد في الأرض اقتضت الحكمة أن يراعى فيهما حكم نشأة الأرض، فطمس ~~نورهما، ويحتمل يراد أنه خالطهما قوة مثالية بسبب توجه الملائكة إلى تنويه ~~أمرهما وتعلق همم الملأ الأعلى والصالحين ms395 من بني آدم حتى صارت فيهما قوة ~~ملكية، وهذا وجه التوفيق بين قول ابن عباس رضي الله عنهما: كلما هذا، وقول ~~محمد بن الحنفية رضي الله عنه: حجر من أحجار الأرض. # وقد شاهدنا عيانا أن البيت كالمحشو بقوة ملكية، ولذلك وجب أن يعطى في ~~المثال ما هو خاصية الأحياء من العينين واللسان ولما كان معرفا لإيمان ~~المؤمنين وتعظيم المعظمين لله وجب أن يظهر في اللسان بصورة الشهادة له أو ~~عليه كما ذكرنا من سر نطق الأرجل والأيدي. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من طاف بهذا البيت أسبوعا يحصيه، ~~وصلى ركعتين كان كعتق رقبة، وما وضع رجل قدما، ولا رفعها إلا كتب له الله ~~له بها حسنة، ومحا بها سيئة، ورفع له بها درجة " أقول: السر في هذا الفضل ~~شيآن: أحدهما أنه لما كان شبحا للخوض في رحمة الله وعطف دعوات الملأ الأعلى ~~إليه ومظنة لذلك ذكر له أقرب خاصية لذلك. # وثانيهما أنه إذا فعله الإنسان إيمانا بأمر الله وتصديقا لموعوده كان ~~تبيانا لإيمانه وشرحا له # قال صلى الله عليه وسلم " ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من ~~النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة " # PageV02P101 # أقول ذلك لأن الناس إذا تضرعوا إلى الله بأجمعهم لم يتراخ نزول الرحمة ~~عليهم وانتشار الروحانية فيهم. # وقال صلى الله عليه وسلم " خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا ~~والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له " الخ وذلك لأنه جامع ~~لأكثر أنواع الذكر، ولذلك رغب فيه. وفي سبحان الله. والحمد لله الخ في ~~مواطن كثيرة وأوقات كثيرة كما يأتي في الدعوات. # ومن السنة أن يهدى وإن لم يأت الحج إقامة لاعلاء كلمة الله بقدر الامكان، ~~وإنما دعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة إبانة لفضل الحلق، وذلك لأنه ~~المناسب لزوال الشعث الأقرب لهيئة الداخلين على الملوك وأدنى أن يبقى أثر ~~الطاعة ويرى منه ذلك ليكون أنوه بطاعة الله، ونهى أن تحلق المرأة رأسها ms396 ~~لأنها مثلة وتشبه بالرجال، وأفتى فيمن حلق قبل أن يذبح أو نحر قبل أن يرمي، ~~أو رمى بعد ما أمسى، أو أفاض قبل الحلق أنه لا حرج ولم يأمر بكفاره، ~~والسكوت عند الحاجة بيان، وليت شعرى هل في بيان الاستحباب صيغة أصرح من لا ~~حرج، ولا يتم التشريع إلا ببيان المرخص في وقت الشدائد فمنها أذى لا يستطيع ~~معه الاجتناب عما حرم عليه في الاحرام وفيه قوله تعالى: # {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} . # وقوله صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة: " فاحلق رأسك وأطعم # فرقا " الخ وقد بينا أن أحسن انواع الرخص ما يجعل معه شيء يذكر له الأصل، ~~ويثلج صدر المجمع على عزيمة الأصل عند تركه، وحمل الافراط في وجوب الكفارة ~~على ذلك بالطريق الأولى، ومنها الاحصار، وقد سن فيه حين حال كفار قريش دون ~~البيت، فنحر هدايا، وحلق، وخرج من الإحرام، والسر في حرم مكة والمدينة أن ~~لكل شيء تعظيما وتعظيم البقاع ألا يتعرض لما فيها بسوء، وأصله مأخوذ من حمى ~~الملوك وحلة بلادهم، فانه كان انقياد القوم لهم وتعظيمهم إياهم مساوقا ~~لمؤاخذة أنفسهم ألا يتعرضوا لما فيها من الشجر والدواب، وفي الحديث " إن ~~لكل ملك حمى وإن حمى الله محارمه " فاشتهر ذلك بينهم وركز في صميم قلوبهم ~~وسويداء أفئدتهم، ومن أدب الحرم أن يتأكد وجوب ما يجب في غيره من إقامة ~~العدل وتحريم ما يحرم فيه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم " احتكار الطعام في ~~الحرم إلحاد فيه " # قوله تعالى: # {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} . الآية # أقول: لما كان الصيد في الحرم والاحرام، والجماع في الاحرام إفراطا ناشئا ~~من # PageV02P102 # توغل النفس في شهوتها وجب أن يزجر عن ذلك بكفارة، واختلفوا في جزاء الصيد ~~هل تعتبر المثلية في الخلق أو القيمة والحق أنه ينبغي أن يسأل ذوي عدل، فإن ~~رأيا رأي السلف في تلك الصور فذاك، وإن رأيا القيمة فذاك. # قال النبي صلى ms397 الله عليه وسلم " لا يصبر على لأواء المدينة أحد من أمتي ~~إلا كنت له شفيعا يوم القيامة " أقول: سر هذا الفضل أن عمارة # المدينة إعلاء لشعائر الدين، فهذه فائدة ترجع إلى الملة، وأن حضور تلك ~~المواضع والحلول في ذلك المسجد مذكر له ما كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيه، وهذه فائدة ترجع إلى نفس هذا المكلف. # قال النبي صلى الله عليه وسلم " إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حراما وإني ~~حرمت المدينة " أقول: فيه إشارة إلى أن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بجهد ~~همته وتأكد عزيمته له دخل عظيم في نزول التوقيعات.، والله أعلم # PageV02P103 ### | (من أبواب الإحسان) # اعلم أن ما كلف به الشارع تكليفا أوليا إيجابا أو تحريما هو الأعمال من ~~جهة أنها تنبعث من الهيآت النفسانية التي هي في المعاد في للنفوس أو عليها ~~وأنها تمد فيها، وتشرحها وهي وأشباحها وتماثيلها. # والبحث عن تلك الأعمال من جهتين: إحداهما جهة إلزامها جمهور الناس، ~~والعمدة في ذلك اختيار مظان تلك الهيئات من الأعمال، والطريقة الظاهرة التي ~~ليلها نهارها يؤاخذون بها على أعين الناس، فلا يتمكنون من التسلل ~~والاعتذار، ولا بد أن يكون بناؤها على الاقتصاد. والأمور المضبوطة. # والثانية جهة تهذيب نفوسهم بها وإيصالها إلى الهيآت المطلوبة منها، ~~والعمدة في ذلك معرفة تلك الهيآت ومعرفة الأعمال من جهة إيصالها إليها ~~وبناؤها على الوجدان وتفويض الأمر إلى صاحب الأمر فالباحث عنها من الجهة ~~الأولى هو علم الشرائع وعن الثانية هو علم الإحسان. # فالناظر في مباحث الإحسان يحتاج إلى شيئين: النظر إلى الأعمال من حيث ~~إيصالها إلى هيآت نفسانية لأن العمل ربما يؤدى على وجه الرياء أوالسمعة ~~والعادة، أو يقارنه العجب والمن والأذى، فلا يكون موصلا إلى ما أريد منه، ~~وربما يؤدى على وجه لا تتنبه هذه النفس لإرواحه تنبها يليق بالمحسنين، وإن ~~كان من النفوس من يتنبه بمثله كالمكتفي بأصل الفرض لا يزيد عليه كما ولا ~~كيفا وهو ليس بزكي، والنظر في تلك الهيآت النفسانية ليعرفها حق معرفتها، ~~فيباشر الأعمال على بصيرة ms398 مما أريد منها، فيكون # طبيب نفسه يسوس نفسه كما يسوس الطبيب الطبيعة، فإن من لا يعرف المقصود من ~~الآلات كاد إذا استعملها أن يخبط خبط عشواء، أو يكون كحاطب # PageV02P104 # ليل. # وأصول الأخلاق المبحوث عنها في هذا الفن أربعة: - كما نبهنا على ذلك فيما ~~سبق - الطهارة الكاسبة للتشبه بالملكوت، والإخبات الجالب للتطلع إلى ~~الجبروت، وشرع للأول الوضوء والغسل، وللثاني الصلاة والأذكار والتلاوة، ~~وإذا اجتمعتا سميناه سكينة ووسيلة، وهو قول حذيفة في عبد الله بن مسعود رضي ~~الله عنهما: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أنه ~~أقربهم إلى الله وسيلة، وقد سماها الشارع إيمانا في قوله " الطهور شطر ~~الإيمان " وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم حال الأول حيث قال " إن الله ~~نظيف يحب النظافة " وأشار إلى الثاني حيث قال " الاحسان أن تعبد الله كأنك ~~تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " والعمدة في تحصيلها التلبس بالنواميس ~~المأثورة عن الأنبياء، مع ملاحظة وأرواحها أنوارها والإكثار منها، مع رعاية ~~هيئاتها وأذكارها. # فروح الطهارة هي نور الباطن وحالة الأنس والانشراح وخمود الأفكار الجربزة ~~وركود التشويشات والقلق وتشتت الفكر والضجر والجزع. # وروح الصلاة هي الحضور مع الله والاستشراف للجبروت وتذكر جلال الله مع ~~تعظيم ممزوج بمحبة وطمأنينة، وإليه الإشارة في قوله صلى الله عليه وسلم " ~~الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". # وأشار إلى كيفية تمرين النفس عليها بقوله " قال الله تعالى: قسمت # الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: (الحمد لله ~~رب العالمين) ، قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: (الرحمن الرحيم) قال الله ~~أثنى علي عبدي، وإذا قال: (مالك يوم الدين) قال: مجدني عبدي، وإذا قال: ~~(إياك نعبد وإياك نستعين) ، قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، وإذا ~~قال: (أهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين) ، قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ". # فذلك إشارة إلى الأمر بملاحظة الجواب في كل كلمة. فإنه ينبه للحضور ~~تنبيها ms399 بليغا، وبأدعية سنها النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة وهي مذكورة ~~في حديث على رضي الله عنه وغيره. # وروح تلاوة قراءة القرآن أن يتوجه إلى الله بشوق وتعظيم، ويتدبر في ~~مواعظه، ويستشعر الانقياد في أحكامه، ويعتبر بأمثاله وقصصه، ولا يمر بآية ~~صفات الله وآياته إلا قال: سبحان الله، ولا بآية الجنة والرحمة إلا سأل ~~الله من فضله، ولا بآية النار والغضب إلا تعوذ بالله. # PageV02P105 # فهذا ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمرين النفس بالاتعاظ. # وروح الذكر الحضور والاستغراق في الالتفات إلى الجبروت، وتمرينه أن يقول: ~~لا إله إلا الله والله أكبر، ثم يسمع من الله أنه قال: لا إله إلا أنا وأنا ~~أكبر، ثم بقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثم يسمع من الله لا إله ~~إلا أنا وحدى لا شريك لي، وهكذا حتى يرتفع الحجاب، ويتحقق الاستغراق، وقد ~~أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك. # وروح الدعاء أن يرى كل حول وقوة من الله، ويصير كالميت في يد الغسال، ~~وكالتمثال في يد محرك التماثيل، ويجد لذة المناجاة. # وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو بعد صلاة التهجد في أثناء ~~أشفاعه دعاء طويلا يقنع فيها يديه يقول: يا رب يا رب، يسأل الله خير الدنيا ~~والآخرة، ويتعوذ به من البلايا، ويتضرع، ويلح، ويشترط في ذلك أن يكون بقلب ~~فارغ غير لاه، ولا يكون حاقنا ولا حاقبا ولا جائعا ولا غضبان. # فإذا عرف الإنسان حالة المحاضرة ثم فقدها فليفحص عن سبب الفقد، فإن كان ~~غزارة الطبيعة فعليه بالصوم فإن له وجاء وأكثر ما يكون في الصوم أن يصوم ~~شهرين متتابعين، وإن احتاج إلى استفراغ المني والتفرغ من إصلاح المطعم ~~والمشرب، أو كان ذهب نشاطه، وأراد إعادته يملك فرجا يدفع به سوء منيه من ~~غير انهماك في المفاكهة والاختلاط، وليجعله كالدواء يحصل نفعه، ويتحرز من ~~فساده. # وإن كان الاشتغال بالارتفاقات وصحبة الناس فليعالج بضم العبادات معها. # وإن كان امتلاء أوعية الفكر ms400 بخيالات مشوشة وأفكار جربزة فليعتزل الناس، ~~ويلتزم البيت أو المسجد، وليمنع لسانه إلا من ذكر الله وقلبه إلا من الفكر ~~فيما يهمه، ويتعاهد نفسه عندما يستيقظ، ليكون أول ما يدخل في قلبه ذكر الله ~~وعندما يريد أن ينام، ليتخلى قلبه عن تلك الأشغال. # والثالث سماحة النفس وهي ألا تنقاد الملكية لدواعي البهيمية: من طلب ~~اللذة وحب الانتقام والغضب والبخل والحرص على المال والجاه، فإن هذه الأمور ~~إذا # PageV02P106 # باشر الإنسان أعمالها المناسبة لها تتشبح ألوانها في جوهر النفس ساعة ما، ~~فإن كانت النفس سمحه يسهل عليها رفض الهيآت الخسيسة، فصارت كأنه لم يمكن ~~فيها شيء من ذلك الباب قط، وخلصت إلى رحمة الله، واستغرقت في لجه الأنوار ~~التي تقتضيها جبلة النفوس لولا الموانع، وإن لم تكن سمحة تشبح ألوانها في ~~النفس كما يتشيح نقوش الخاتم في الشمعة ولصق بها وحز الحياة الدنيا، ولم ~~يسهل عليها رفضها فإذا فارقت جسدها أحاطت بها الخطيئات من بين يديها ومن ~~خلفها وعن يمينها وعن شمالها، وسدل بينها وبين الأنوار التي تقتضيها جبلة ~~النفوس حجب كثيرة غليظة، فكان ذلك سبب تأذيها وتألمها. # والسماحة إذا اعتبرت بداعية الشهوتين: شهوة البطن. وشهوة الفرج سميت عفة، ~~أوبداعية الدعة والرفاهية سميت اجتهادا، أو بداعية الضجر والجزع سميت صبرا، ~~أو بداعية حب الانتقام سميت عفوا، أو بداعية حب المال سميت سخاوة وقناعة، ~~أو بداعية مخالفة الشرع سميت تقوى، ويجمعها كلها شيء واحد، وهو أن أصلها ~~عدم انقياد النفس للهواجس البهيمية، والصوفية يسمونها بقطع التعلقات ~~الدنيوية أو بالفناء عن الخسائس البشرية، أو بالحربة، فيعبرون عن تلك ~~الخصلة بأسماء مختلفة، والعمدة في تحصيلها قلة الوقوع في مظان هذه الأشياء، ~~وإيثار القلب ذكر الله تعالى وميل النفس إلى عالم التجرد، وهو قول زيد بن ~~حارثة استوى عندي حجرها ومدرها إلى أن أخبر عن المكاشفة. # والرابع العدالة، وهي ملكة يصدر منها إقامة النظام العادل المصلح # في تدبير المنزل وسياسة المدينة ونحو ذلك بسهولة، وأصلها جبلة نفسانية ~~تنبعث منها الأفكار الكلية والسياسيات المناسبة بما عند الله ms401 وعند ملائكته، ~~وذلك أن الله تعالى أراد في العالم انتظار أمرهم، وأن يعاون بعضهم بعضا، ~~وألا يظلم بعضهم بعضا، وأن يتألف بعضهم ببعض، ويصيروا كجسد رجل واحد، وإذا ~~تألم عضو منه تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر، وأن يكثر نسلهم، وأن ~~يزجر فاسقهم، وينوه بعادلهم، ويخمل فيهم الرسوم الفاسدة، ويشهد فيهم الخير ~~والنواميس الحقة، فلله سبحانه في خلقه قضاء إجمالي كل ذلك شرح له وتفصيل، ~~وملائكته المقربون تلقوا ذلك، وصاروا يدعون لمن سعى في إصلاح الناس، ~~ويلعنون على من سعى في فسادهم، وهو قوله تعالى: # PageV02P107 # {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما ~~استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد ~~خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم ~~الفاسقون} # وقوله تعالى: # {الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به ~~أن يوصل} الآية. # وقوله تعالى: # {والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} ~~الآية. # فمن باشر هذه الأعمال المصلحة شملته رحمة الله وصلوات الملائكة من حيث ~~يحتسب أو لا يحتسب، وكان هنالك رقائق تحيط به كأشعة النيرين تحيط بالإنسان، ~~فتورث الإلهام في قلوب الناس والملائكة أن يحسنوا إليه، ويوضع له القبول في ~~السماء والأرض، وإذا انتقل إلى عالم التجرد أحس بتلك الرقائق المتصلة به، ~~والتذ بها، ووجد سعة وقبولا، وفتح بينه وبين الملائكة باب، ومن باشر ~~الأعمال المفسدة شمله غضب الله ولعنة الملائكة، وكانت هناك رقائق مظلمة ~~ناشئة من الغضب تحيط به، فتورث الإلهام في قلوب الملائكة والناس أن يسيئوا ~~إليه ويوضع له البغضاء في السموات والأرض، وإذا انتقل إلى عالم التجرد أحس ~~بتلك الرقائق الظلمانية عاضة عليه، وتألمت نفسه بها، ووجد ضيقا ونفرة، ~~وأحيط به من جميع جوانبه، فضاقت عليه الأرض بما رحبت. # والعدالة اذا اعتبرت بأوضاع الإنسان في قيامه. وقعوده. ونومه. ويقظته. ~~ومشيه. وكلامه. وزيه. ولباسه. وشعره سميت أدبا، وإذا اعتبرت بالأموال ~~وجمعها وصرفها ms402 سميت كفاية، وإذا اعتبرت بتدبير المنزل سميت حرية، وإذا ~~اعتبرت بتدبير المدينة سميت سياسة. وإذا اعتبرت بتألف الأخوان سميت بحسن ~~المحاضرة أو حسن المعاشرة، والعمدة في تحصيلها الرحمة، والمودة، ورقة القلب ~~وعدم قسوته مع الإنقياد للأفكار الكلية والنظر في عواقب الأمور. # وبين هاتين الخلتين تنافر ومناقضة من وجه، وذلك لأن ميل القلب إلى التجرد ~~وانقياده للرحمة والمودة يتخالفان في حق أكثر الناس لا سيما أهل التجاذب، ~~ولذلك ترى كثيرا من أهل الله تبتلوا، وانقطعوا من الناس وباينوا الأهل ~~والولد، وكانوا من الناس على شق بعيد، وترى العامة قد أحاطت بهم معافسة ~~الأزواج والأولاد حتى أنساهم ذكر الله، والأنبياء # عليهم السلام لا يأمرون إلا برعاية المصلحتين، ولذلك أكثروا الضبط وتمييز ~~المشكل في هاتين الخلتين، فهذه هي الأخلاق المعتبرة في الشرائع، وهنالك ~~أفعال وهيآت تفعل فعل تلك الأخلاق وأضدادها من جهة أنها تعطيها مزاج ~~الملائكة والشياطين، أو تنبعث من ميل # PageV02P108 # النفس إلى إحدى القبيلتين فيؤمر بذلك الباب، وقد ذكرنا بعض ذلك. # ومن هذا الباب قوله عليه السلام إن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله " # وقوله عليه السلام: " الاجدع شيطان " وقوله عليه الصلاة والسلام: " ألا ~~تصفون كما تصف الملائكة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمظان تلك ~~الأخلاق، فأمر بأذكار تفيد دوام الإخبات والتضرع، وأمر بالصبر والانفاق، ~~ورغب في ذكر هاذم اللذات وذكر الآخرة، وهون أمر الدنيا في أعينهم، وحضهم ~~على التفكر في جلال الله وعظم قدرته، ليحصل لهم السماحة، وأمر بعيادة ~~المريض والبر والصلة وإفشاء السلام وإقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر، ليحصل لهم العدالة، وبين تلك الأفعال والهيآت أتم بيان، جزى ~~الله تعالى هذا النبي الكريم كما هو أهله عنا وعن سائر المسلمين أجمعين. # إذا علمت هذه الأصول حان أن نشتغل ببعض التفصيل، والله أعلم ### | (الأذكار وما يتعلق بها) # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم ~~الملائكة وغشيتهم الرحمة " أقول: لا شك أن اجتماع المسلمين راغبين ذاكرين ~~يجلب الرحمة والسكينة، ويقرب من الملائكة. ms403 # وقال صلى الله عليه وسلم سبق المفردون " (أقول) هم قوم من السابقين سموا ~~بالمفردين لأن الذكر خفف عنهم أوزارهم. # قال صلى الله عليه وسلم: قال تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ~~ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير ~~منه " # PageV02P109 # أقول جبلة العبد الناشئ منها أخلاقها وعلومها، والهيئات التي اكتسبتها ~~نفسه هي المخصصة لنزول رحمة خاصة به، فرب عبد سمح الخلق يظن بربه أنه ~~يتجاوز عن ذنوبه، ولا يؤاخذ بكل نقير وقطمير، ويعامل معه معاملة فيكون ~~رجاءه ذلك سببا لنفض خطيآته عن نفسه، ورب عبد شحيح الخلق يظن بربه أنه ~~يؤاخذه بكل نقير وقطمير، ويعامل معه معاملة المتعمقين، السماحة، ولا يتجاوز ~~عن ذنوبه، فهذا بأشد المنزلة بالنسبة إلى هيئات دنيوية تحيط به بعد موته، ~~وهذا الفرق إنما محله الأمور التي لم يتأكد في حظيرة القدس حكمها، وأما ~~الكبائر وما يشابهها فلا يظهر فيه إلا بالإجمال، وقوله " أنا معه " إشارة ~~إلى معية القبول وكونه في حظيرة القدس ببال، فإن ذكر الله في نفسه، وسلك ~~طريق التفكر في آلائه، فجزاؤه أن الله يرفع الحجب في ميسره ذلك حتى يصل إلى ~~التجلي القائم في # حظيرة القدس، وإن ذكر الله في ملأ، وكان همه إشاعة دين الله وإعلاء كلمة ~~الله فجزاؤه أن الله يلهم محبته في قلوب الملأ الأعلى يدعون له، ويبركون ~~عليه، ثم ينزل له القبول في الأرض، وكم من عارف بالله وصل إلى المعرفة وليس ~~له قبول في الأرض ولا ذكر في الملأ الأعلى، وكم من ناصر دين الله له قبول ~~عظيم وبركة جسيمة لم ترفع له الحجب: # قال صلى الله عليه وسلم: " قال تعالى: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ~~وأزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة مثلها، أو أغفر، ومن تقرب مني شبرا ~~تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا ومن أتاني يمشي أتيته ~~هرولة ومن لقيني بقراب الأرض خطيئه لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة ms404 " ~~أقول: الإنسان إذا مات، وأدبر عن الدنيا، وضعفت سورة بهيميته، وتلعلعت ~~أنوار ملكيته، فقليل خيره كثير، وما بالعرض ضعيف بالنسبة إلى ما هو بذات ~~والتدبير الإلهي مبناه على إفاضة الخير، فالخير أقرب إلى الوجود والشر أدق ~~منه، وهو حديث " إن لله مائة رحمة أنزل منها واحدة إلى الأرض " فبين النبي ~~صلى الله عليه وسلم ذلك بمثل الشبر. والذراع. والباع والمشي. والهرولة، ~~وليس شيء أنفع في المعاد من التطلع إلى الجبروت والالتفات تلقاءها، وهو ~~قوله " من لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة "، ~~وقوله تعالى: " أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويؤاخذ به ". # وقال صلى الله عليه وسلم: " قال تعالى: من عادى لي وليا فقد آذنته ~~بالحرب، وما تقرب إلى عبدي إلي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال ~~عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإن أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، ~~وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، # PageV02P110 # وإن سألني لأعطينه، وإن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ~~ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته " أقول إذا أحب الله ~~عبدا، ونزلت محبته في الملأ الأعلى، ثم نزل له القبول في الأرض، فخالف هذا ~~النظام أحد، وعاداه، وسعى في رد أمره وكبت حاله انقلبت رحمة الله بهذا ~~المحبوب لعنة في حق عدوه، ورضاه به سخطا في حقه، وإذا تدلى الحق إلى عباده ~~باظهار شريعة وإقامة دين، وكتب في حظيرة القدس تلك السنن والشرائع كانت هذه ~~السنن والقربات أجلب شيء لرحمة الله وأوفقه برضا الله، وقليل هذه كثير، ولا ~~يزال العبد بتقرب إلى الله بالنوافل زيادة على الفرائض حتى يحبه الله، ~~وتغشاه رحمته، وحينئذ يؤيد جوارحه بنور إلهي، ويبارك فيه. وفي أهله وولده ~~وماله، ويستجاب دعاؤه ويحفظ من الشر، وينصر، وهذا القرب عندنا يسمى بقرب ~~الأعمال، والتردد ههنا كناية عن تعارض العنايات فإن الحق له عناية بكل نظام ~~نوعي وشخصي، وعنايته بالجسد الإنساني تقضي القضاء بموته ومرضه ms405 وتضييق الحال ~~عليه، وعنايته بنفسه المحبوبة تقتضي إفاضة الرفاهية من كل جهة عليه وحفظه ~~من كل سوء. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند ~~مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من انفاق الذهب والورق وخير لكم من ~~أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر ~~الله " أقول: الأفضلية تختلف بالاعتبار ولا أفضل من الذكر باعتبار تطلع ~~النفس إلى الجبروت، ولا سيما في نفوس زكية لا تحتاج إلى الرياضات، وإنما ~~تحتاج إلى مداومة التوجه. # وقال عليه الصلاة والسلام: من قعد مقعدا لم يذكر الله فيه كانت عليه # من الله ترة، ومن اضطجع مضطجعا لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة، ~~وقال: " ما من قوم يقومون من مجلس يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة ~~حمار؛ وكان عليهم حسرة " وقال " لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإن كثرة ~~الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي " ~~أقول: من وجود حلاوة الذكر، وعرف كيف يحصل له الاطمئنان بذكر الله وكيف ~~تنقشع الحجب عن قلبه عند ذلك حتى يصير كأنه يرى الله عيانا ولا شك أنه إذا ~~توجه إلى الدنيا # PageV02P111 # وعافس الأزواج والضيعات ينسى كثيرا، ويبقى كأنه فقد ما كان وجد، ويسدل ~~حجاب بينه وبين ما كان بمرأى منه وهذه الخصلة تدعوا إلى النار وإلى كل شر، ~~وفي كل من ذلك ترة وإذا اجتمعت الترات لم يكن بسبيل إلى النجاة، وقد عالج ~~النبي صلى الله عليه وسلم هذه الترات بأتم علاج، وذلك أن شرع في كل حالة ~~ذكرا مناسبا له ليكون ترياقا دافعا لسم الغفلة، فنبه النبي صلى الله عليه ~~وسلم على فائدة هذه الأذكار وعلى عروض الترات بدونها. # واعلم أنه مست الحاجة إلى ضبط ألفاظ الذكر صونا له من أن يتصرف فيه متصرف ~~بعقله الأبتر، فيلحد في أسماء الله، أو لا يعطى المقام حقه، وعمدة ما سن في ~~هذا الباب عشرة أذكار في كل واحد سر ليس ms406 في غيره، ولذلك سن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في كل موطن أن يجمع بين ألوان منها. # وأيضا فالوقوف على ذكر واحد يجعله لقلقة اللسان في حق عامة المكلفين، ~~والانتقال من بعضها إلى بعض ينبه النفس، ويوقظ الوسنان. # منها سبحان الله، وحقيقته تنزيه عن الأدناس والعيوب والنقائص. # ومنها الحمد لله، وحقيقته إثبات الكمالات والأوصاف التامة له، فإذا ~~اجتمعتا في كلمة واحدة كانت أفصح تعبير عن معرفة الإنسان بربه لأنه لا ~~يستطيع أن يعرفه إلا من جهة إثبات ذات يسلب عنها ما نشاهده فينا من ~~النقائص، ويثبت لها ما نشاهده فينا من جهات الكمال من جهة كونه كمالا، فإذا ~~استقرت صورة هذا الذكر في الصحيفة ظهرت هناك هذه المعرفة تامة كاملة عندما ~~يقضى بسبوغها، فيفتح بابا عظيما من القرب، وإلى هذا المعنى أشار النبي صلى ~~الله عليه وسلم في قوله: التسبيح نصف الميزان والحمد الله يملؤه " ولهذا ~~كانت كلمة سبحان الله وبحمده كلمة خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان حبيبة ~~إلى الرحمن، ومن يقولها: غرست له نخلة، وورد فيمن يقولها مائة حطت عنه ~~خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر، ولم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به ~~إلا أحد قال: مثل ذلك أو وزاد عليه، وهي أفضل الكلام اصطفاه الله لملائكته. # وأما سر قوله عليه السلام: أول من يدعى إلى الجنة الذين يحمدون الله في ~~السراء والضراء " فهو أن عملهم ثبوتي منبعث من القوى الثبوتية، وأهلها أحظى ~~الناس بنعيم الجنان. # وسر قوله عليه السلام: أفضل الدعاء الحمد لله " أن الدعاء على قسمين كما ~~سنذكر، والحمد لله يفيدهما جميعا، فإن الشكر يزيد النعمة ولأنها معرفة ~~ثبوتية. # وسر قوله عليه السلام: الحمد لله رأس الشكر " أن الشكر يتأتى باللسان ~~والجنان والأركان، واللسان أفصح من ذينك. # PageV02P112 # ومنها لا إله إلا الله وله بطون كثيرة: فالبطن الأول طرد الشرك الجلي ~~والثاني طرد الشرك الخفي. والثالث طرد الحجب المانعة عن الوصول إلى # معرفة الله، وإليه الإشارة في قوله صلى الله عليه وسلم: " لا إله إلا ms407 ~~الله ليس لها حجاب دون الله حتى تخلص إليه " وكان موسى عليه السلام يعرف من ~~بطونها البطنين الأولين، فاستبعد أن يكون الذكر الذي يخصه الله به ذاك، ~~فأوحى الله إليه جلية الحال، وكشف عليه أنه طارد كل ما سوى الله تعالى عن ~~مستن الايثار، وعن التمثل بين عينيه وانه لو وضع جميع ما سواه في كفة وهذه ~~في كفة لمالت بهن، فإنه يطردهن، ويحقرهن، والتهليلة مع تفصيل ما للنفي ~~والإثبات وهي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على ~~كل شيء قدير. # وورد من فضل من قالها مائة كانت له عدل عشر رقاب الخ وذلك لأنها جامعة ~~بين المعرفة الثبوتية والسلبية، والسلبية أقرب لمحو الذنوب، والثبوتية أفيد ~~لوجود الحسنات وتمثل الأجزية. # ومنها الله أكبر وفيه ملاحظة عظمته وقدرته وسلطانه، وهو إشارة إلى معرفة ~~ثبوتية، ولذلك ورد في فضله أنه يملأ ما بين السماء والأرض، وهذه الكلمات ~~الأربع أفضل الكلام وأحبه إلى الله، وهي غراس الجنة. # وسر حديث جويرية " لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت ~~منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضاء نفسه وزنة عرشه ومداد ~~كلماته " أن صورة العمل إذا استقرت في الصحيفة كان انفساحها وانشراحها عند ~~الجزاء حسب معنى تلك الكلمة، فإن كانت فيه كلمة مثل عدد خلقه كان انفساحها ~~مثل ذلك. # واعلم أن من كان أكثر ميله إلى تلون النفس بلون معنى الذكر فالمناسب في ~~حقه إكثار الذكر، ومن كان أكثر ميله إلى محافظة صورة العمل في الصحيفة ~~وظهورها يوم الجزاء فالأنفع في حقه اختيار ذكر راب على الأذكار بالكيفية. # وليس لأحد أن يقول: إذا كانت هذه الكلمات ثلاث مرات أفضل من سائر الأذكار # PageV02P113 # يكون الاعتناء بكثرة الأذكار واستيعاب الأوقات فيها ضائعا لأن الفضل إنما ~~هو باعتبار دون اعتبار، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أرشد جويريه رضي ~~الله عنها إلى أقرب الأعمال ورغب في ذلك ترغيبا بليغا، والسر فيما سنة ~~النبي صلى الله عليه ms408 وسلم في الذكر من ضم الله أكبر وسائر الألفاظ مع ~~التهليل أن ينبه النفس للذكر ولا يكون لقلقة لسان. # ومنها سؤال ما ينفعه في بدنه أو نفسه باعتبار خلقه، أو باعتبار حصول ~~السكينة أو تدبير منزله وماله وجاهه وتعوذه عما يضره كذلك، والسر فيه ~~مشاهدة تأثير الحق في العالم ونفي الحول والقوة عن غيره. # ومن أجمع ما سنه النبي صلى الله عليه وسلم في الباب: " اللهم أصلح لي ~~ديني الذي هو عصمة أمري، واصلح لي دنياي التي فيها معاشي، واصلح لي آخرتي ~~التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من ~~كل شر، اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم اهدني وسددني - ~~وقال: أذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد سداد السهم - اللهم اغفر لي ~~وارحمني، واهدني، وعافني، وارزقني، اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، رب اعني، # ولا تعن علي وانصرني، ولا تنصر علي، وامكر لي، ولا تمكر علي، واهدني، ~~ويسر الهدى لي، وانصرني على من بغى علي، رب اجعلني لك شاكرا، لك ناكرا لك ~~راهبا، لك مطواعا لك مخبتا، إليك أواها منيبا رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي ~~وأجب دعوتي، وثبت حجتي وسدد لساني، واهدي قلبي، واسلل سخيمة صدري، اللهم ~~ارزقني حبك وحب من ينفعني حبه عندك، اللهم مما رزقتني ما أحب فاجعله قوة لي ~~فيما تحب، اللهم ما زويت عني مما أحب فاجعله فراغا لي فيما تحب، اللهم اقسم ~~لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ~~ومن اليقين ما تهون به علينا مصبيات الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا ~~وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا ~~على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا ~~مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا ". # PageV02P114 # ومن أجمع ما سنه النبي صلى الله عليه وسلم في الاستعاذة ": أعوذ بالله من ~~جهد البلاء ودرك الشقاء، وسوء ms409 القضاء، وشماتة الأعداء، اللهم إني أعوذ بك ~~من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال، ~~اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم، والمغرم والمأثم، اللهم إني أعوذ بك من ~~عذاب النار وفتنة النار، وفتنة القبر وعذاب القبر، ومن شر فتنة الغنى، ومن ~~شر فتنة الفقر، ومن شر فتنة المسيح # الدجال، اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قابي كما ينقى الثوب ~~الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، ~~اللهم آت نفسي تقواها، وزكها، أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم ~~إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة ~~لا يستجاب لها، اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجأة نقمتك ~~وجميع سخطك، اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة، وأعوذ بك من أن ~~أظلم أو أظلم ". # ومنها التعبير عن الخضوع والإخبات، كقوله صلى الله عليه وسلم: # " سجد وجهي للذي خلقه " الخ. # واعلم أن الدعوات التي أمرنا بها النبي صلى الله عليه وسلم على قسمين: ~~أحدهما ما يكون المقصود منه أن تملأ القوى الفكرية بملاحظة جلال الله ~~وعظمته، أو يحصل حالة الخضوع والإخبات فإن لتعبير اللسان عما يناسب هذه ~~الحالة أثرا عظيما في تنبه النفس لها وإقبالها عليها. # والثاني ما يكون فيه الرغبة في خير الدنيا والآخرة والتعوذ من شرهما لأن ~~همة النفس وتأكد عزيمتها في طلب شيء يقرع باب الجود بمنزلة إعداد مقدمات ~~الدليل لفيضان النتيجة، وتجعل جلال الله حاضرا بين عينيه، وتصرف همته إليه، ~~فتلك الحالة غنيمة المحسن. # وقوله صلى الله عليه وسلم: # " الدعاء هو العبادة " # . أقول: ذلك لأن أصل العبادة هو الاستفغراق في الحضور بوصف التعظيم، ~~والدعاء بقسميه نصاب تام منه. # PageV02P115 # قوله صلى الله عليه وسلم: " أفضل العبادة انتظار الفرج " أقول وذلك لأن ~~الهمة الحثيثة في استنزال الرحمة أشد مما تؤثر العبادة. # وقوله صلى الله عليه وسلم # : " ما من أحد يدعوا بدعاء إلا أتاه الله تعالى ما ms410 سأل، أو كف عنه شر ~~السوء مثله " أقول: ظهور الشيء عالم المثال إلى الأرض له سنن طبيعي يجري ~~ذلك المجرى إن لم يكن مانع من خارج، وله سنن غير طبيعي إن وجد مزاحمة في ~~الأسباب، فمن غير الطبيعي أن تنصرف الرحمة إلى كف السوء أو إلى إناس وحشتهم ~~وإلهام بهجة قلبه، أو ميل الحادثة من بدنه إلى ماله وأمثال ذلك. # قوله صلى الله عليه وسلم: # " إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، وارحمني إن شئت، وارزقني ~~إن شئت، وليعزم المسألة إنه يفعل ما يشاء، ولا مكره له " أقول: روح الدعاء ~~وسره رغبة النفس في الشيء مع تلبسها بتشبهة الملائكة وتطلع الجبروت، والطلب ~~بالشك يشتت العزيمة ويفتر الهمة، أما الموافقة بالمصلحة الكلية فحاصل لأن ~~سببا من الأسباب لا يصد الله عن رعايتها، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: # " إنه يفعل ما يشأ ولا مكره له ". # وقوله صلى الله عليه وسلم: # " لا يرد القضاء إلا الدعاء " أقول: القضاء ههنا الصورة المخلوقة في عالم ~~المثال التي هي سبب وجود الحادثة في الكون وهو بمنزلة سائر المخلوقات يقبل ~~المحو والإثبات. # قال عليه الصلاو والسلام إن هما: " أن الدعاء ينفع بما نزل ومما لم ينزل ~~". أقول: الدعاء إذا عالج ما لم ينزل اضمحل، ولم ينعقد سببا لوجود الحادثة ~~في الأرض، وإن عالج النازل ظهرت رحمة الله هناك في صورة تخفف موجدته وإيناس ~~وحشته. # قال صلى الله عليه وسلم: # " من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد فليكثر الدعاء في الرخاء ". ~~أقول: وذلك أن الدعاء لا يستجاب إلا ممن قويت رغبته، وتأكدت عزيمته، وتمرن ~~بذلك قبل أن يحيط به ما أحاط، وأما رفع اليدين ومسح الوجه بهما فتصوير ~~للرغبة، ومظاهرة بين الهيئة النفسانية وما يناسبها من الهيئة البدنية ~~وتنبيه للنفس على تلك الحال. # قال صلى الله عليه وسلم: " # من فتح له باب من الدعاء فتحت له أبواب الرحمة ". أقول: من علم كيف يدعو ~~من برغبة ناشئة من صميم قلبه، وعلم في أي الصورة ms411 تظهر # PageV02P116 # الإجابة، وتمرن بصفة الحضور فتح له باب الرحمة في الدنيا، ونصر في كل ~~داهية، وإذا مات، وأحاطت به خطيئته، وغشيته غاشية من الهيآت الدنيوية توجه ~~إلى الله توجها حثيثا كما كان تمرن به، فيستجاب له ويخرج نقيا منها كما تسل ~~الشعره من العجين. # واعلم أن أقرب الدعوات من الاستجابة ما اقترن بحاله هي مظنة نزول الرحمة ~~إما لكونها كما لا للنفس الإنسانية كدعاء عقيب الصلوات. ودعوة الصائم حين ~~يفطر، أو معدة لا لاستنزال جود الله كالدعاء يوم عرفة، أو لكونها سببا ~~لموافقة عناية الله في نظام العالم كدعوة المظلوم - فإن لله عناية بانتقام ~~الظالم - وهذا موافقة منه لتلك العناية، وفيه " فإنه ليس بينها وبين الله ~~حجاب " أو سببا لازورار راحة الدنيا عنه، فتنقلب رحمة الله في حقه متوجهة ~~في صورة أخرى كدعاء المريض والمبتلى، أو سببا لإخلاص الدعاء مثل دعاء ~~الغائب لأخيه أو دعاء الوالد للولد، أو كانت في ساعة تنتشر فيها الروحانية ~~وتدلى فيه الرحمة كليلة القدر والساعة المرجوة يوم الجمعة، أو كانت في مكان ~~تحضره الملائكة كمواضع بمكة أو تتنبه النفس عند الحلول بها لحالة الحضور ~~والخضوع كمآثر الأنبياء عليهم السلام. # ويعلم من مقايسة ما قلنا سر قوله صلى الله عليه وسلم: " يستجاب للعبد ما ~~لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل ". # قوله صلى الله عليه وسلم: # " لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة ~~لأمتي إلى يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك ~~بالله شيئا ". أقول: للأنبياء عليهم السلام دعوات كثيرة مستجابة، وكذا ~~استجيب لنبينا صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة، لكن لكل نبي دعوة واحدة ~~منبجسة من الرحمة التي هي مبدأ نبوته، فإنها إن آمنوا كانت بركات عليهم، ~~وانبجس من قلبه في قلب النبي أن يدعو لهم، وإن أعرضوا صارت نقمات عليهم، ~~وانبجس في قلبه ان يدعو عليهم، واستشعر نبينا صلى الله عليه وسلم أن أعظم ~~مقاصد بعثته أن يكون شفيعا للناس، ms412 واسطة لنزول رحمة خاصة يوم الحشر فاختبأ ~~دعوته العظمى المنبجسة من أصل نبوته لذلك اليوم. # وقوله صلى الله عليه وسلم: " اللهم إني اتخذت عندك عهدا " الخ أقول: ~~اقتضت رحمته عليه الصلاة والسلام بأمته وحدبه عليهم أن يقدم عند الله عهدا، ~~ويمثل في حظيرة القدس همته لا يزال يصدر منها أحكامها، وذلك أن يعتبر في # PageV02P117 # قومه همته الضمنية المكنونة لا الهمة البارزة، وذلك لأن قصده في تعزيز ~~المسلمين قولا أو فعلا إقامة الدين الذي ارتضى الله لهم فيهم، وأن ~~يستقيموا، ويذهب عنهم اعوجاجهم، وقصده في التغليظ على المقضي عليهم بالكفر ~~موافقة الحق في غضبة على هؤلاء فاختلف المشرعان وإن اتحدت الصورة. # ومنها التوكل، وروحه. توجه النفس إلى الله بوجه الاعتماد عليه # ورؤية التدبير منه، ومشاهدة الناس مقهورين في تدبيره وهو مشهد قوله ~~تعالى: # {وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة} . # وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه أذكارا، منها: لا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم، وفيه أنه كنز من كنوز الجنة، وذلك لأنه يعد النفس ~~لمعرفة جليلة ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " بك أصول وبك أحول " وما ورد على هذا الأسلوب، ومنه قوله عليه الصلاة ~~والسلام: " # توكلت على الله " وقوله عليه الصلاة والسلام: # " اعلم أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما " ونحو ~~ذلك. # ومنها الاستغفار، وروحه ملاحظة ذنوبه التي أحاطت بنفسه ونفضها عنها بمدد ~~روحاني وفيض ملكي، وله أسباب. # منها شمول رحمة الله إياه بعمل يصرف إليه دعوات الملأ الأعلى، أو يكون هو ~~فيه جارحة من جوارح التدبير الإلهي في إظهار نافعة للمجهود أو سد خلة ~~للمحتاج أو ما يضاهي ذلك. # ومنها التشبه في بالملائكة في هيئاتهم ولمعان أنوار الملكية وخمود شرور ~~البهيمية باضمحلال أجزائها وكسر سورتها. # ومنها التطلع إلى الجبروت ومعرفة الحق واليقين به، وهو قوله صلى الله ~~عليه وسلم: " قال الله تعالى: أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به ~~غفرت لعبدي " فإذا استعمل العبد هذه الأمداد ms413 الروحانية في نفض ذنوبه عن ~~نفسه اضمحلت عنها. # ومن أجمع صيغ الاستغفار: " اللهم أغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، ~~وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي، وعمدي، وكل ذلك عندي ~~اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أنت أعلم به ~~مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير " وسيد الاستغفار: ~~اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك # PageV02P118 # ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء ~~بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ". # قال صلى الله عليه وسلم: # " إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله تعالى في اليوم مائة مرة " ~~أقول: حقيقة هذا الغين أنه صلى الله عليه وسلم مأمور أن يصبر نفسه مع عامة ~~المؤمنين في هيئة امتزاجية بين الملكية والبهيمية ليكون قدوة للناس فيما سن ~~لهم على وجه الذوق والوجدان دون القياس والتخمين، وكان من لوازمها الغين ~~والله أعلم. # ومنها التبرك باسم الله تعالى، وسره أن الحق له تدل في كل نشأة ومن تدليه ~~في النشأة الحرفية الأسماء الإلهية النازلة على ألسنة التراجمه والمتداولة ~~في الملأ الأعلى، فإذا توجه العبد إليه وجد رحمة الله قريبة. # قال صلى الله عليه وسلم: # " إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة " أقول: ~~من أسباب هذا الفضل أنها نصاب صالح لمعرفة ما يثبت للحق، ويسلب عنه، وأن ~~لها بركة وتمكنها في حظيرة القدس، وأن صورتها إذا استقرت في صحيفة عمله وجب ~~أن يكون انفساحها إلى رحمة عظيمة. # واعلم أن الاسم الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب هو الاسم ~~الذي يدل على أجمع تدل من تدليات الحق، والذي تداوله الملأ الأعلى أكثر ~~تداول، ونطقت به التراجمة في كل عصر، وقد ذكرنا أن زيدا الشاعر الكاتب له ~~صورة أنه شاعر وصورة أنه كاتب، وكذلك للحق تدليات في موطن من المثال وهذا ms414 ~~معنى يصدق على أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد، ولم يولد، ~~ولم يكن له كفوا أحد، وعلى لك الحمد، لا إله إلا أنت الحنان المنان بديع ~~السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم. ويصدق على أسماء ~~تضاهي ذلك. # ومنها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم " من ~~صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا "، وقال عليه السلام: # " إن أولى الناس في يوم القيامة أكثرهم علي صلاة ". أقول السر في هذا أن ~~النفوس البشرية لا بد لها من التعرض لنفحات الله ولا شيء في التعرض لها ~~كالتوجه إلى أنوار التدليات وإلى شعائر الله في أرضه والتكفف لديها ~~والامعان فيها والوقوف عليها لا سيما أرواح المقربين الذين هم أفاضل الملأ ~~الأعلى # PageV02P119 # ووسائط جود الله على أهل الأرض بالوجه الذي سبق ذكره، وذكر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالتعظيم، وطلب الخير من الله تعالى في حقه - آلة صالحة ~~للتوجه إليه مع ما فيه من سد مدخل التحريف حيث لم يذكره إلا بطلب الرحمة له ~~من الله تعالى، وأرواح الكمل إذا فارقت أجسادها صارت كالموج المكفوف لا ~~يهزها إرادة متجددة وداعية سانحة، ولكن النفوس التي هي دونها تلتصق منها ~~بالهمة فيجلب بها نورا وهيئة مناسبة بالأرواح، وهي المكنى عنه بقوله عليه ~~السلام: # " ما من أحد يسلم علي إلا رد الله على روحي حتى أرد عليه السلام " وقد ~~شاهدت ذلك ما لا أحصى في مجاورتي المدينة سنة ألف ومائة وأربع وأربعين. # قال صلى الله عليه وسلم: # " لا تجعلوا زيارة قبري عيدا " أقول: هذا إشارة إلى سد مدخل التحريف كما ~~فعل اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم، وجعلوها عيدا وموسما بمنزلة الحج. # واعلم أنه مست الحاجة إلى توقيت الأذكار ولو بوجه أسمح من توقيت النواميس ~~إذ لو لم تؤقت لتساهل المتساهل، وذلك إيما بأوقات أو أسباب، وقد ذكرنا ~~تصريحا أو تلويحا أن المخصص لبعض الأوقات دون بعض، إما ظهور الروحانية فيه ~~كالصباح والمساء، أو خلو ms415 النفس عن الهيئات الرذيلة كحالة التيقظ من النوم، ~~أو فراغها من الارتفاقات وأحاديث الدنيا ليكون كالمصقلة كخالة إرادة النوم، ~~وأن المخصص للسببيه أن يكون سببا لنسيان ذكر الله وذهول النفس عن الالتفات ~~تلقاء جناب الله، فيجب في مثل ذلك أن يعالج بالذكر، ليكون ترياقا لسمها ~~وجابرا لخللها، أو طاعة لا يتم نفعها، ولا تكمل فائدتها إلا بمزج ذكر معها ~~كالأذكار المسنونة في الصلوات، أو حالة تنبه النفس على ملاحظة خوف الله ~~وعظيم سلطانه، فإن هذه الحالة سائقة لها إلى الخير من حيث يدري ومن حيث لا ~~يدري، كأذكار الآيات من الريح والظلمة والكسوف، أو حالة يخشى فيها الضرر، ~~فيجب أن يسأل الله من فضله، ويتعوذ منه في أولها كالسفر والركوب، أو حالة ~~كان أهل الجاهلية يسترقون فيها لاعتقادات تميل إلى اشراك بالله أو طيرة أو ~~نحو ذلك كما كانوا يعوذون بالجن وعند رؤية الهلال، وقد بين النبي صلى الله ~~عليه وسلم فضائل هذه الأذكار وآثارها في الدنيا والآخرة إتماما للفائدة ~~وإكمالا للترغيب. # والعمدة في ذلك أمور: # PageV02P120 # منها كون الذكر مظنة لتهذيب النفس، فأدار عليه ما يترتب على التهذيب ~~كقوله صلى الله عليه وسلم: # " من قالهن، ثم مات مات على الفطرة " أو دخل الجنة، أو غفر له ونحو ذلك # ومنها بيان أن صاحب الذكر لا يضره شيء أو حفظ من كل سوء وذلك لشمول ~~الرحمة الآلهية وإحاطة دعوة الملائكة به. # ومنها بيان محو الذنوب وكتابة الحسنات، وذلك لما ذكرنا أن التوجه إلى ~~الله والتلفع بغاشية الرحمة يزيل الذنوب، ويمد الملكية. # ومنها بعد الشياطين منه لهذا السر بعينه. # وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذكر في ثلاثة أوقات عند الصباح. ~~والمساء. والمنام. وإنما لم يوقت اليقظة في اكثر الأذكار لأنه هو وقت طلوع ~~الصبح أو إسفاره غالبا. # فمن أذكار الصباح والمساء: اللهم عالم الغيب والشهادة، فاطر السموات ~~والأرض، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي ومن ~~شر الشيطان وشركه أمسينا، وامسى الملك لله، ms416 والحمد لله، ولا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم إني ~~أسألك من خير هذه الليلة وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها. ~~اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم وسوء الكبر وفتنة الدنيا وعذاب القبر، ~~وفي الصباح يبدل أمسينا بأصبحنا وامسى بأصبح، وهذه الليلة بهذا اليوم، بك ~~أصبحنا وبك أمسينا، وبك نحيا، وبك نموت وإليك النشور، باسم الله الذي لا ~~يضر مع اسم شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم ثلاث مرات سبحان ~~الله وبحمده، ولا قوة إلا بالله ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. # اعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما. # {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشيا ~~وحين تظهرون - إلى - تخرجون} . # اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو ~~والعافية في ديني ودنياي واهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعائي اللهم ~~احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك ~~أن اغتال من تحتي، رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه ~~وسلم نبيا - ثلاث مرات - أعوذ بكلمات # PageV02P121 # الله التامات من شر ما خلق، اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك ~~فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، وسيد الاستغفار، ومن أذكار وقت ~~النوم إذا أوى إلى فراشه باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي ~~فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين، واللهم أسلمت ~~نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة ~~إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك آمنت بكتابك، الذي أنزلت، ونبيك الذي ~~أرسلت الحمد الله الذي أطعمنا، وسقانا، وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ~~ولا مؤوى له ويسبح الله ثلاثا وثلاثين، ويحمد الله ثلاثا وثلاثين، ويكبر ~~الله أربعا وثلاثين، ms417 اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك ثلاثا، أعوذ بوجهك # الكريم وكلماتك التامات من شر ما أنت آخذ بناصيته اللهم أنت تكشف المغرم ~~والمأثم، اللهم لا يهزم جندك، ولا يخلف وعدك ولا ينفع ذا الجد منك الجد ~~سبحانك وبحمدك، اللهم رب السموات والأرض ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل ~~التوراة والإنجيل والقرآن أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، أنت ~~الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك ~~شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عني الدين، وأعذني من الفقر، باسم الله ~~وضعت جنبي، اللهم اغفر لي ذنبي واخسأ شيطاني وفك رهاني، واجعلني في الندى ~~الأعلى الحمد لله الذي كفاني، وآواني، وأطعمني، وسقاني، والذي من على ~~فأفضل، والذي أعطاني فأجزل الحمد لله على كل حال اللهم رب كل شيء ومليكه، ~~وإله كل شيء أعوذ بك من النار - وجمع كفيه - فقرأ فيهما # {قل هو الله أحد} . # ^ و (قل أعوذ برب الفلق} . # ^ و (قل أعوذ برب الناس} . # ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، وقرأ آية الكرسي # وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن تزوج امرأة أو اشترى خادما اللهم ~~أني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، # PageV02P122 # وأعوذ بك من شرها وشر # ما جبلتها عليه، وإذا رفأ إنسانا بارك الله لك، وبارك عليكما، وجمع ~~بينكما في خير، وإذا أراد أن يأتي أهله: باسم الله اللهم جنبنا الشيطان ~~وجنب الشيطان ما رزقتنا، ولمن أراد أن يدخل الخلاء: أعوذ بالله من الخبث ~~والخبائث وللخارج منه: غفرانك، وعند الكرب: لا إله إلا الله الحليم العظيم ~~لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ~~ورب العرش الكريم، وعند الغضب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وعند صياح ~~الديكه السؤال من فضل الله، وعند نهيق الحمار التعوذ، وإذا ركب كبر ثلاثا، ~~ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، ~~الحمد لله (ثلاثا) الله أكبر (ثلاثا) ms418 سبحانك اللهم ظلمت نفسي، فاغفر لي، ~~إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، وإذا أنشأ سفرا: اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا ~~البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو لنا ~~بعده. # اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من ~~وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في المال والأهل، وإذا نزل منزلا: ~~أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق يا أرض ربي وربك الله أعوذ بالله من ~~شرك ومن شر ما خلق فيك ومن شر ما يدب عليك وأعوذ بالله من أن أسد أو أسود ~~ومن الحية والعقرب ومن شر ساكن البلد ومن والد # وما ولد، وإذا أسحر في سفر: سمع سامع بحمد الله وحسن بلائه علينا، ربنا ~~صاحبنا وأفضل علينا عائذا بالله من النار، # PageV02P123 # وإذا قفل يكبر على كل شرف من الأرض (ثلاث) تكبيرات ثم يقول، لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون ~~تائبون عابدون ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده وهزم ~~الأحزاب وحده، وإذا دعا على الكافرين اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اللهم ~~اهزم الأحزاب اللهم اهزمهم، وزلزلهم اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك ~~من شرورهم، اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أصول، وبك أحول، وبك أقاتل، وإذا ~~أضاف قوما: اللهم بارك لهم فيما رزقتهم واغفر لهم وراحمهم، وإذا رأى ~~الهلال: اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك ~~الله، وإذا رأى مبتلى الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك، به وفضلني على ~~كثير ممن خلق تفضيلا، وإذا دخل في سوق جامع: لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له، له الملك، وله الحمد، يحي، ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على ~~كل شيء قدير، وإذا أراد أن يقوم من مجلس كثر فيه لغطه: سبحانك اللهم ~~وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، استغفرك، وأتوب إليك، وإذا ودع رجلا: ~~استودع الله دينك وأمانتك وآخر ms419 عملك، وزودك الله التقوى، وغفر ذنبك، ويسر ~~لك الخير حيثما كنت، اللهم أطو له البعد، وهون عليه السفر، وإذا خرج من # بيته باسم الله، توكلت على الله، اللهم إنا نعوذ بك من أن نزل، أو نضل أو ~~نظلم أو نجهل، أو يجهل علينا، باسم الله توكلت على الله، لا حول ولا قوة ~~إلا بالله، وإذا ولج بيته: اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج، باسم ~~الله ولجنا وباسم الله خرجنا، وعلى الله ربنا توكلنا، وإذ لزمته ديون وهموم ~~قال إذا أصبح وإذا أمسى: اللهم إني أعوذ بك من الهم # PageV02P124 # والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من البخل والجبن، وأعوذ بك ~~من غلبة الدين وقهر الرجال، واللهم اكفني بحلالك عن حرامك، واغنني بفضلك ~~عمن سواك، وإذا استجد ثوبا: اللهم لك الحمد أنت كسوتني هذا ويسميه باسمه ~~أسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له، الحمد الله ~~الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي، وإذا أكل أو شرب: الحمد ~~الله الذي أطعمنا، وسقانا، وجعلنا من المسلمين، الحمد لله الذي أطعمني هذا ~~الطعام من غير حول مني ولا قوة، الحمد لله الذي أطعم، وسقى، وسوغه، وجعل له ~~مخرجا، وإذا رفع مائدته: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفى ~~ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا، وإذا مشى إلى المسجد: اللهم اجعل في قلبي ~~نورا الخ وإذا أراد أن يدخل المسجد أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، ~~وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج ~~منه: اللهم إني أسألك من فضلك، وإذا سمع صوت الرعد والصواعق: اللهم لا ~~تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك، اللهم إني أعوذ بك من # شرها، وإذا عصفت الريح: اللهم إني أسألك خيرها وخيرما فيها وما أرسلت به، ~~وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به، وإذا عطس: الحمد الله حمدا ~~كثيرا طيبا مباركا وليقل صاحبه: يرحمك الله. وليقل هو: ms420 يهديكم الله، ويصلح ~~بالكم، وإذا نام: اللهم باسمك أموت وأحيا وإذا استيقظ، الحمد الله الذي ~~أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور. # وشرع عند الأذان خمسة أشياء: أن يقول مثل ما يقول المؤذن غير حي على ~~الصلاة وحي على الفلاح فإنه يقول مكانه لا حول ولا قوة إلا باالله، ويقول: # PageV02P125 # رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا ويصلي على النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمد ~~الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته إنك لا ~~تخلف الميعاد، ويسأل الله لآخرته ودنياه. # وأمر في عشر ذي الحجة باكثار الذكر، وقد استفاض من الصحابة. والتابعين. ~~وأئمة المجتهدين تكبير يوم عرفة وأيام التشريق على وجوه أقربها أن يكبر دبر ~~كل صلاة من فجر عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق الله أكبر، الله أكبر، لا ~~إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، وقد مر أدعية الصلاة ~~وغيرها فيما سبق فراجع. # وبالجملة فمن صبر نفسه على هذه الأذكار، وداوم عليها في هذه الحالات ~~وتدبر فيها كانت له بمنزلة الذكر الدائم وشمله قوله تعالى: # {والذاكرين الله كثيرا والذاكرات} . # والله أعلم. ### | (بقية مباحث الاحسان) # اعلم أن لهذه الأخلاق الأربعة أسبابا تكتسب بها، وموانع تمنع عنها، ~~وعلامات يعرف تحققها بها فالاخبات لله تعالى، والاستشراف تلقاء صقع ~~الكبرياء، والانصباغ بصبغ الملأ الأعلى، والتجرد عن الرذائل البشرية، وعدم ~~قبول النفس نقوش الحياة الدنيا، وعدم اطمئنانها بها لا شيء في ذلك كله ~~كالتفكر، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: # " فكر ساعة خير من عبادة ستين سنة " وهو على أنواع: # منها التفكر في ذات الله تعالى وقد نهى الأنبياء صلوات الله عليهم عنه ~~فإن العامة لا يطيقونه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " تفكروا في آلاء ~~الله، ولا تفكروا في الله، ويروى " تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات ~~الله " ومنها التفكير في صفات الله تعالى كالعلم والقدرة والرحمة والاحاطة، ~~وهو المعبر عنه عند أهل السلوك بالمراقبة، والأصل فيه قوله ms421 صلى الله عليه ~~وسلم: # " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " وقوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " احفظ الله تجده تجاهك ". # PageV02P126 # وصفته لمن أطاق ذلك أن يقرأ # {وهو معكم أين ما إنما كنتم} . # أو قوله تعالى: # {وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم ~~شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ~~ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين} . # أو قوله تعالى: # {ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وما يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا وهو رابعهم ولا خمسة إلا وهو سادسهم ولا أدني من ذلك ولا أكثر إلا هو ~~معهم أين ما كانوا} . # أو قوله تعالى: # {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} . # أو قوله تعالى: # {وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط ~~من ورقة إلا ويعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب ~~مبين} . # أو قوله تعالى: # {ألا إنه بكل شيء محيط} . # أو قوله تعالى: # {وهو القاهر فوق عباده} . # أو قوله تعالى # {وهو على كل شيء قدير} . # أو قوله صلى الله عليه وسلم: # " اعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد ~~كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه ~~الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف " أو قوله صلى الله عليه وسلم: # " إن لله مائة رحمة أنزل منها واحدة في الأرض " الحديث، ثم يتصور معنى ~~هذه الآيات من غير تشبيه ولا جهة، بل يستحضر اتصافه تعالى بتلك الأوصاف ~~فقط، فإذا ضعف عن تصوره أعاد الآية وتصورها أيضا، وليختر لذلك وقتا لا يكون ~~فيه حاقبا ولا حاقنا ولا جائعا ولا غضبان ولا وسنان، وبالجملة فارغ القلب ~~عن التشويش. # ومنها التفكر في أفعال الله تعالى الباهرة، والأصل في قوله تعالى: # {ويتفكرون ms422 في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا} . # وصفته أن يلاحظ إنزال المطر وانبات العشب ونحو ذلك، ويستغرق في منة الله ~~تعالى. # ومنها التفكر في أيام الله تعالى وهو تذكر رفعه قوما وخفضه آخرين والأصل ~~في قوله تعالى لموسى عليه السلام: # {وذكرهم بأيام الله} # فإن ذلك يجعل النفس مجردة عن الدنيا. # PageV02P127 # ومنها التفكر في الموت وما بعده، والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم: # " واذكروا هاذم اللذات ". # وصفته أن يتصور انقطاع النفس عن الدنيا وانفرادها بما اكتسبت من خير وشر، ~~وما يرد عليها من المجازاة، وهذان القسمان أفيد الأشياء لعدم قبول النفس ~~نقوش الدنيا، فالإنسان إذا تفرغ من أشغال الدنيا للفكر الممعن في هذه ~~الأشياء، أحضرها بين عينيه انقهرت بهيميته، وغلبت ملكيته ولما لم يكن سهلا ~~على العامة أن يتفرغوا للفكر الممعن وإحضارها بين أعينهم وجب أن يجعل أشباح ~~يعبي فيها أنواع الفكر، وهيا كل ينفخ فيها روحها ليقصدها العامة ويتلى ~~عليهم، ويستفيدوا حسبما قدر لهم، وقد أوتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~والقرآن جامعا لهذه الأنواع ومثله معه. # وأرى أنه جمع له صلى الله عليه وسلم في هذين جميع ما كان له في الأمم ~~السابقة والله أعلم، فاقتضت الحكمة أن يرغب في تلاوة القرآن، ويبين فضلها ~~وفضل سوره وآيات منه، فشبه النبي صلى الله عليه وسلم الفائدة # المعنوية الحاصلة من الآية بفائدة محسوسة لا أنفع منها عند العرب وهي - ~~ناقة كوماء وخلفة سمينة - تصويرا للمعنى وتمثيلا له، وشبه صاحبها ~~بالملائكة، وأخبر بأجرها بكل حرف، وبين درجات الناس بما ضرب من قبل بمثل ~~الاترجة والتمرة والحنظلة والريحان، وبين أن سور القرآن تتمثل يوم القيامة ~~أجسادا ترى، وتلمس، فتحاج عن أصحابها، وذلك انكشاف لتعارض أسباب عذابه ~~ونجاته ورجحان تلاوة القرآن على الأسباب الأخرى، وبين أن السور فيما بينها ~~تتفاضل. # أقول: وإنما تتفاضل لمعان: منها إفادتها التفكر في صفات الله، وكونها ~~أجمع شيء فيه كآية الكرسي وآخر الحشر و {قل هو الله أحد} بمنزلة الاسم ~~الأعظم من بين الأسماء. # ومنها أن ms423 يكون # PageV02P128 # نزولها على ألسنة العباد، ليعلموا كيف يتقربوا إلى ربهم كالفاتحة، ونسبته ~~من السور كنسبة الفرائض من العبادات. # ومنها أنها أجمع السور كالزهراوين، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~يس: # " إنه قلب القرآن " لأن القلب يومئ إلى التوسط، وهذه من المثاني دون ~~المئين فما فوقها، وفوق المفصل، وفيها آيات التوكل والتفويض، والتوحيد على ~~لسان محدث أنطاكية. # {وما لي لا أعبد الذي فطرني} الآيات. # وفيها الفنون المذكورة تامة كاملة، وفي تبارك الذي شفعت لرجل حتى غفر له ~~وهذه قصة رجل رآه النبي صلى الله عليه وسلم في بعض مكاشفاته، وأن يرغب في ~~تعاهده واستذكاره ويضرب له مثل تفصى الإبل وفي الترتيل به وتلاوته عند ~~ائتلاف القلوب وجمع الخاطر ووفور النشاط ليكون أقرب إلى التدبر وحسن الصوت ~~به والبكاء والتباكي عنده تقريبا من المراد وهو التفكر؛ ويحرم نسيانه، ~~وينهى عن ختمه في أقل من ثلاث لأنه لا يفقه معناه حينئذ، وجاءت الرخصة في ~~قراءاته على لغات العرب تسهيلا عليهم لأن فيهم الأمي والشيخ الكبير والصبي. # ومما أوتي صلى الله عليه وسلم من في غير القرآن عنه عز وجل " يا عبادي ~~إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ~~ضال إلا من هديته " الحديث " كان في بني إسرائيل رجل قتل تسع وتسعين إنسانا ~~" الحديث " لله أشد فرحا بتوبة عبده " الحديث " إن عبدا أذنب ذنبا " الحديث ~~" إن لله مائة رحمة أنزل منها واحدة " الحديث " إذا أسلم العبد فحسن إسلامه ~~" الحديث، وأحاديث تشبيه الدنيا بما يلحق الأصبع من اليم وبجدى أسك ميت # PageV02P129 # واعلم أن النية روح، والعبادة جسد، ولا حياة للجسد بدون روح، والروح لها ~~حياة بعد مفارقة البدن، ولكن لا يظهر آثار الحياة كاملة بدونه، ولذلك قال ~~الله تعالى: # {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} . # وقال رسول صلى الله عليه وسلم: # " إنما الأعمال بالنيات " وشبه النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من ~~المواضع من صدقت نيته - ولم يتمكن من العمل لمانع - بمن ms424 عمل ذلك العمل ~~كالمسافر والمريض لا يستطيعان وردا واظبا عليه؛ فيكتب لهما وكصادق العزم في ~~الانفاق، وهو مملق يكتب كأنه أنفق وأعني بالنية المعنى الباعث على العمل من ~~التصديق بما أخبر به الله على ألسنة الرسل من ثواب المطيع وعقاب العاصي، أو ~~حب امتثال حكم الله فيما أمر، ونهى، ولذلك وجب أن ينهى الشارع عن الرياء ~~والسمعة، ويبين مساويهما أصرح ما يكون، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: # " إن أول الناس يقضى عليهم يوم القيامة ثلاثة: رجل قتل في الجهاد ليقال ~~له: وهو رجل جريء، ورجل تعلم العلم وعلمه ليقال: هو عالم. ورجل أنفق في ~~وجوه الخير ليقال هو جواد، فيؤمر بهم، فيسحبون على وجوههم إلى النار "، ~~قوله صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من ~~عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه ". # أما حديث أبي ذر رضي الله عنه " قيل: يا رسول الله أرأيت الرجل يعمل ~~العمل من الخير ويحمده الناس عليه؟ قال: تلك عاجل بشرى المؤمن " فمعناه أن ~~يعمل العمل لا يقصد به إلا وجه الله، فينزل القبول # إلى الأرض، فيحبه الناس، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه " قلت: يا رسول ~~الله بينا أنا في بيتي في مصلاي إذ دخل علي رجل، فأعجبتني الحال التي رآني ~~عليها، قال: رحمك الله يا أبا هريرة، لك أجران، أجر السر، ووأجر العلانية " ~~ممعناه أن يكون الإعجاب مغلوبا لا يبعث بمجرده على العمل، و" أجر السر " ~~أجر الاخلاص الذي يتحقق في السر، و" أجر العلانية " أجر إعلاء دين الله ~~وإشاعة السنة الراشدة. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " خياركم أحاسنكم أخلاقا " اقول: لما كان بين السماحة والعدالة نوع من ~~التعارض كما نبهنا عليه، وكان بناء علوم الأنبياء عليهم السلام على رعاية ~~المصلحتين وإقامة نظام الدارين، وأن يجمع بين المصالح ما أمكن وجب ألا يعين ~~في النواميس للسماحة إلا أشياء تشتبك مع العدالة، وتؤيدها وتنبه عليها، ~~فنزل الأمر إلى حسن الخلق وهو عبارة عن مجموع أمور ms425 من باب السماحة ~~والعدالة، فإنه يتناول الجود والعفو عمن ظلم والتواضع وترك الحسد والحقد ~~والغضب، وكل ذلك من السماحة، ويتناول التودد إلى الناس وصلة الرحم وحسن ~~الصحبة مع الناس ومواساة المحاويج، وهي من باب العدالة، والفصل الأول يعتمد ~~على الثاني، والثاني لا يتم إلا بالأول، وذلك في الرحمة المرعية من ~~النواميس الإلهية. # PageV02P130 # ولما كان اللسان أسبق الجوارح إلى الخير والشر، وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم: " وهل يكب الناس على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم "، وأيضا فإن آفاته ~~تخل الإخبات والعدالة والسماحة جميعا لأن إكثار الكلام ينسي ذكر الله، ~~والغيبة والبذاء ونحوهما تفسد ذات البين، والقلب ينصبغ بصبغ ما يتكلم به ~~فإذا ذكر كلمة الغضب لا بد أن ينصبغ القلب بالغضب وعلى هذا القياس، ~~والانصباغ يفضي إلى التشبح - يجب أن يبحث الشرع عن آفات اللسان أكثر من ~~آفات غيره، وآفات اللسان على أنواع: # منها أن يخوض في كل واد فتجتمع في الحس المشترك صور تلك الأشياء، # فإذا توجه إلى الله لم يجد حلاوة الذكر، ولم يستطع تدبر الأذكار، ولهذا ~~المعنى نهى عما لا يعنى. # ومنها أن يثير فتنة بين الناس كالغيبة والجدال والمراء. # ومنها أن يكون مقتضى تفشى النفس بغاشية عظيمة من السبعية والشهوية كالشتم ~~وذكر محاسن النساء. # ومنها أن يكون سبب حدوثه نسيان جلال الله والغفلة عما عند الله كقوله ~~للملك: ملك الملوك. # ومنها أن يكون مناقضا لمصالح الملة بأن يكون مرغبا لما أمرت الملة بهجره ~~كمدح الخمر وتسمية العنب كرما أو يعجم كتاب الله كتسمية المغرب عشاء ~~والعشاء عتمة. # ومنها أن يكون كاملا شنيعا مثلا كمثل الأفعال الشنيعة المنسوبة إلى ~~الشياطين كالفحش وذكر الجماع والأعضاء المستورة بصريح ما وضع لها، وكذكر ما ~~يتطير به كقوله: ليس بالدار نجاح ولا يسار. # ثم لا بد من بيان ما كثر وقوعه من مظان السماحة وتميز ما اعتبره الشرع ~~بما لم يعتبره، فمنها الزهد فإن النفس ربما تميل إلى شره الطعام واللباس ~~والنساء حتى تكتسب من ذلك لونا فاسدا يدخل في جوهرها، فإذا ms426 نفضه الإنسان عن ~~نفسه فذلك الزهد في الدنيا، وليس ترك هذه الأشياء مطلوبا بعينه بل إنما ~~يطلب تحقيقا لهذه الخصلة، ولذلك # PageV02P131 # قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن # الزهادة في الدنيا ألا تكون بما في يديك أوثق مما في يدي الله وأن تكون ~~في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب فيها لو أنها أبقيت لك " وقال: " ~~ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال بيت يسكنه وثوب يواري عورته وجلف الخبز ~~والماء ". # وقال: " بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه " وقال: " طعام الاثنين كافي ~~الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة " يعني أن الطعام الذي يشبع الاثنين ~~كل الإشباع إذا أكله ثلاثة كاهم على التوسط، يريد الترغيب في المواساة ~~وكراهية شره الشبع. # ومنها القناعة وذلك أن الحرص على المال ربما يغلب على النفس حتى يدخل في ~~جوهرها، فإذا نفضه من قلبه، وسهل عليه تركه فذلك القناعة، وليست القانعة ~~ترك ما رزقه الله تعالى من غير إشراف النفس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس " وقال: " يا حكيم إن ~~هذا المال خضر حلو فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس ~~لم يبارك له فيه، وكان كالذي ياكل، ولا يشبع، واليد العليا خيرا من اليد ~~السفلى " وقال عليه السلام: " إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا ~~سائل فخذه؛ فتموله، وما لا فلا تتبعه نفسك ". # ومنها الجود وذلك لأن حب المال وحب إمساكه ربما يملك القلب، ويحيط به من ~~جوانبه، فإذا قدر على إنفاقه ولم يجد له بالا فهو الجود، وليس الجود إضاعة ~~المال، وليس المال مغيضا لعينه؛ فإنه نعمة كبيرة، قال # صلى الله عليه وسلم: " اتقوا الشح فإن الشح أهلك من قبلكم حملهم على أن ~~سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم "، وقال عليه الصلاة والسلام: # " لا حسد إلا في اثنين " الحديث، " وقيل: أو يأتي الخير بالشر؟ فقال: إنه ~~لا يأتي الخير بالشر، ms427 وإنما مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم " وقال ~~صلى الله عليه وسلم: # " من كان معه فضل # PageV02P132 # ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا ~~زاد له، فذكر من أصناف المال حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل " وإنما ~~رغب في ذلك أشد الترغيب لأنهم كانوا في الجهاد، وكانت بالمسلمين حاجة، ~~واجتمع فيه السماحة وإقامة نظام الملة وإبقاء مهج المسلمين. # ومنها قصر الأمل وذلك لأن الإنسان يغلب عليه حب الحياة حتى يكره ذكر ~~الموت، وحتى يرجو من طول الحياة شيئا لا يبلغه. فإن مات في هذه الحالة عذب ~~بنزوعه إلى ما اشتاق إليه، ولا يجده، وليس العمر في نفسه مبغضا، بل هو نعمة ~~عظيمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وخط خطا مربعا، وخط في الوسط ~~خارجا منه، وخط خططا صغارا إلى هذا الذي في الوسط # من جانبه الذي في الوسط فقال: هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به، وهذا الذي ~~هو خارج أمله، وهذا الخطط الصغار الأعراض فإن أخطأه هذا نهسه هذا، وإن ~~أخطأه هذا نهسه هذا "، وقد عالج النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بذكر هاذم ~~اللذات وزيارة القبور والاعتبار بموت الأقران، وقال صلى الله عليه وسلم " # لا يتمنين أحدكم الموت، ولا يدع به قبل أن يأته إنه إذا مات انقطع عمله ~~". # ومنها التواضع وهو ألا تتبع النفس داعية الكبر والاعجاب حتى يزدري ~~بالناس، فإن ذلك يفسد نفسه، ويثير على ظلم الناس والازدراء، قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال الرجل: أن الرجل ~~يحب أن يكون ثوبه حسنة، ونعله حسنا، فقال إن الله جميل يحب الجمال، والكبر ~~بطر الحق وغمط الناس " وقال # PageV02P133 # عليه السلام: " # ألا أخبركم بأهل النار، كل عتل مستكبر " وقال عليه السلام: # " بينما رجل يمشي في حلة، تعجبه نفسه، مرجل برأسه، يختال في مشيه إذا ms428 خسف ~~الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة ". # ومنها الحلم والأناة والرفق، وحاصلها ألا يتبع داعية الغضب حتى يروى، ~~ويرى في مصلحة، وليس الغضب مذموما في جميع الأحوال قال صلى الله عليه وسلم: # " من يحرم الرفق يحرم الخير كله " وقال رجل للنبي # صلى الله عليه وسلم: " أوصني قال: لا تغضب، فردد مرارا، فقال: لا تغضب "، ~~وقال صلى الله عليه وسلم: # " ألا أخبركم بمن يحرم على النار؟ كل قريب هين لين سهل " وقال عليه ~~السلام: # " ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ". # ومنها الصبر، وهو عدم انقياد النفس لداعية الدعة والهلع. والشهوة. ~~والبطر. وإظهار السر. وصرم المودة وغير ذلك. فيسمى باسام حسب تلك الداعية، ~~وقال الله تعالى: # {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} . # وقال صلى الله عليه وسلم: # " وما أوتي أحد عطاء أفضل وأوسع من الصبر " وقد أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بمظان العدالة، ونبه على معظم أبوابها، وبين محاسن الرحمة بخلق الله، ~~ورغب فيها، وذكر أقسامها من تألف أهل المنزل ومعاشرة أهل الحي وأهل المدينة ~~وتوفير عظماء الملة وتنزيل كل واحد منزلة. # ونذكر من ذلك أحاديث تكون أنموذجا لهذا الباب؛ قال صلى الله عليه وسلم: # " اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة " وقال عليه السلام: " إن ~~الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا " " المسلم ~~من سلم المسلمون من لسانه ويده " " والله لا يأخذ أحدكم شيئا بغير حقه إلا ~~لقي الله يحمله يوم القيامة فلا عرفن أحدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له ~~رغاء. أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر " وقال: " من ظلم قيد شبر من الأرض # طوقه من سبع أرضين " وقد ذكر سره في الزكاة، " والمؤمن للمؤمن كالبنيان ~~يشد بعضه بعضا " " # PageV02P134 # ومثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو ~~تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " " من لا يرحم الناس لا يرحمه الله " " ~~المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يسلمه " " من كان في حاجة أخيه كان ms429 الله ~~في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ~~ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة، اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان ~~نبيه ما يحب " وقال: " تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته، فتحمله، ~~أو ترفع له متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة " وقال في ضعفاء المهاجرين: " ~~لئن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك " وقال: " أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، ~~وأشار بالسبابة والوسطى " " الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل ~~الله " من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترا من النار " " ~~استوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع، وأن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ~~ذهبت تقيمه كسرته "؛ # وقال في حق الزوجة: " أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب ~~الوجه، ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت " " إذا دعا الرجل امرأته إلى ~~الفراش، فلم تأته، فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح " " لا يحل ~~لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بأذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه، ولو ~~كنت أمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها " " أيما امرأة ~~ماتت، وزوجها عنها راض دخلت الجنة " " دينار أنفقته في سبيل الله ودينار ~~أنفقته في رقبة، ودينار أنفقه على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، وأعظمها ~~أجرا الذي أنفقته على أهلك " إذا أنفق # الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهو له صدقة " " # PageV02P135 # ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " " يا أبا ذر إذا طبخت ~~مرقا فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك " " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ~~يؤذي جاره " " والله لا يؤمن الذي لا يأمن جاره بوائقه " قال الله تعالى ~~للرحم: " ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك " " من أحب أن يبسط له في ~~رزقه، وينسأ في أثره فليصل رحمه " " من الكبائر عقوق الوالدين " ومن البائر ~~شتم الرجل والديه، يسب أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمه " " سئل ~~هل بقى من بر أبوي شيء أبرهما ms430 به بعد موتهما فقال نعم: الصلاة عليهما، ~~والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا ~~بهما، وإكرام صديقهما " " وإن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل ~~القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط " " ليس منا ~~من لم يرحم صغيرنا، ولم يعرف شرف كبيرنا " " أنزلوا الناس منازلهم " " من ~~عاد مريضا أو زار أخا له في الله ناداه مناد بأن طبت، وطاب ممشاك، وبوئت من ~~الجنة منزلا " فهذه الأحايث وأمثالها كلها تنبه على خلق العدالة وحسن ~~المشاركة. ### | (المقامات والأحوال) # اعلم أن للإحسان ثمرات تحصل بعد حصوله، وهي المقامات والأحوال، وشرح ~~الأحاديث المتعلقة بهذا الباب يتوقف على تمهيد مقدمتين: الأولى في إثبات ~~العقل، والقلب، والنفس، وبيان حقائقها، والثانية في بيان كيفية تولد ~~المقامات والأحوال منها. # PageV02P136 # المقدمة الأولى أعلم أن في الإنسان ثلاث لطائف تسمى بالعقل، والقلب، ~~والنفس، دل على ذلك النقل، والعقل، والتجربة، واتفاق العقلاء. # أما النقل فقد ورد في القرآن العظيم: # {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} . # وورد حكاية عن أهل النار: # {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا من أصحاب السعير} . # وورد في الحديث: # " أول ما خلق الله تعالى العقل وقال له: أقبل فأقبل، وقال: أدبر فأدبر، ~~فقال: بك أؤاخذ "، وقال صلى الله عليه وسلم: # " دين المرء عقله، ومن لا عقل له لا دين له " وقال: # " أفلح من رزق لبا " وهذه الأحاديث أن كان لأهل الحديث في ثبوتها مقال ~~فإن لها أسانيد يقوي بعضها بعضا، وورد في القرآن العظيم: # {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} . # وورد: # {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} . # وفي الحديث # " ألا أن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد وإذا فسدت فسد الجسد ألا وهي ~~القلب " وورد " مثل القلب كريشة في فلاة تقلبها الرياح ظهرا لبطن " وورد في ~~الحديث " النفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك ويكذبه ". # ويعلم من تتبع مواضع الاستعمال أن العقل هو الشيء الذي يدرك به الإنسان ~~ما لا ms431 يدرك بالحواس، وأن القلب هو الشيء الذي به يحب الإنسان، ويبغض، ~~ويختار، ويعزم، وأن النفس هو الشيء الذي به يشتهي الإنسان ما يستلذه من ~~المطاعم والمشارب والمناكح. # وأما العقل فقد ثبت في موضعه أن في بدن الإنسان ثلاث أعضاء رئيسية بها ~~تتم القوى، والأفاعيل التي تقتضيها صورة نوع الإنسان، فالقوى الإدراكية من ~~التخيل والتوهم والتصرف في المتخيلات والمتوهمات، والحكاية للمجردات بوجه ~~من الوجوه محلها الدماغ. والغضب. الجرأة. والشح. والرضا. والسخط وما يشبهها ~~محلها القلب، وطلب ما لا يقوم البدن إلا به أو بجنسه محله الكبد، وقد يدل ~~فتور بعض القوى إذا حدثت آفة في بعض هذه الأعضاء على اختصاصها بها، ثم إن ~~فعل كل واحد من هذه الثلاثة لا يتم إلا بمعونة من الآخرين، فلولا إدراك ما ~~في الشتم أو الكلام الحسن من القبح والحسن وتوهم النفع والضر ما هاج غضب ~~ولا حب، ولولا متانة القلب لم يصر المتصور مصدقا به، ولولا معرفة المطاعم ~~والمناكح # PageV02P137 # وتوهم المنافع فيها لم يمل إليها الطبع، ولولا تنفيذ القلب حكمه في أعماق ~~البدن لم يسع الإنسان في تحصيل مستلذاته، ولولا خدمة # الحواس للعقل ما أدركنا شيئا، فإن الكسبيات فرع البديهيات والبديهيات فرع ~~المحسوسات، ولولا صحة كل عضو من الأعضاء التي يتوقف عليها صحة القلب ~~والدماغ لما كان لها صحة ولا تم لهما فعل، ولكن كل واحد منهما بمنزلة ملك ~~اهتم بأمر عظيم من فتح قلعة صعبة أو نحوه، فاستمد من إخوانه بجيوش ودروع ~~ومدافع وهو المدبر في فتح القلعة وإليه الحكم ومنه الرأي، وإنما هم خدم ~~يمشون على رأيه، فجاءت صور الحوادث على حسب الصفات الغالبة في الملك من ~~جراءته وجبنه وسخائه وبخله وعدالته وظلمه، فكما يختلف الحال باختلاف الملوك ~~وآرائهم وصفاتهم - وإن كانت الجيوش والآلات متشابهة - فكذلك يختلف حكم كل ~~رئيس من الرؤساء الثلاثة في مملكة بدن الإنسان. # وبالجملة الأفاعيل المنبجسة من كل واحد من هذه الثلاثة تكون متقاربة فيما ~~بينها، إما مائلة إلى الإفراط والتفريط، أو قارة فيما بين هذا وذاك، فإذا ms432 ~~اعتبرنا هذه الهياكل الثلاثة مع أفاعيلها المتقاربة وأمزجتها التي تقتضي ~~تلك الأفاعيل المتقاربة دائما فهي اللطائف الثلاث التي يبحث عنها، لا تلك ~~القوى بذواتها من غير اعتبار شيء معها. # فالقلب من صفاته وأفعاله الغضب، والجراءة، والحب، والجبن، والرضا، ~~والسخط، والوفاء بالمحبة القديمة، والتلون في الحب والبغض، وحب الجاه ~~والجود، والبخل، والرخاء، والخوف. # والعقل من صفاته وأفعاله اليقين. والشك. والتوهم. وطلب الأسباب لكل حادث ~~والتفكر في حيل جلب المنافع ودفع المصار. # والنفس منتهى صفاتها الشره في المطاعم والمشارب اللذيذة وعشق النساء ونحو ~~ذلك. # وأما التجربة فكل من استقرأ أفراد الإنسان علم لا محالة أنهم # مختلفون بحسب جبلتهم في هذه الأمور: منهم من يكون قلبه هو الحاكم على ~~نفسه، ومنهم من يكون النفس هي القاهرة على القلب # أما الأول فإذا أصابه غضب، أو هاج في قلبه طلب منصب عظيم يستهين في جنبه ~~اللذات العظيمة. ويصبر على تركها، ويجاهد نفسه مجاهدة عظيمة في تركها. # PageV02P138 # وأما الآخر فإنه إذا عرضت له شهوة اقتحم فيها وأن كان هناك ألف عار، ولا ~~يلتفت إلى ما يرغب فيه من المناصب العالية، أو يرهب منه من الذل والهوان، ~~وربما يبدو للرجل الغيور منكح شهي، وتدعو إليه نفسه أشد دعوة، فلا يركن ~~إليها لخاطر هجس من قلبه من قبيل الغيرة، وربما يصبر على الجوع والعري، ولا ~~يسأل أحدا شيء لما جبل فيه من الأنفة، وربما يبدو للرجل الحريص منكح شهي أو ~~مطعم هني، ويعلم فيهما ضررا عظيما، إما من جهة الطب، أو من جهة الحكمة ~~العملية، أو من جهة سطوة بعض بني آدم فيخاف، ويرتعش، ويرعوى، ثم يعميه ~~الهوى، فيقتحم في الورطة على علم، وربما يدرك الإنسان من نفسه نزوعا إلى ~~جهتين متخالفتين، ثم يغلب داعية على داعية، ويتكرر منه أفعال متشابهة على ~~هذا النسق حتى يضرب به المثل، إما في اتباع الهوى وقله الحفاظ، وإما في ضبط ~~الهوى وقوة المسكة، ورجل ثالث يغلب عقله على القلب والنفس كالرجل المؤمن حق ~~الإيمان انقلب حبه وبغضه وشهوته إلى ما يأمر ms433 به الشرع وإلى ما عرف من الشرع ~~جوازه بل استحبابه، فلا يبتغي أبدا عن حكم الشرع حولا، ورجل رابع يغلب عليه ~~الرسم وطلب الجاه ونفي العار عن نفسه، فهو يكظم الغيظ، ويصبر على مرارة ~~الشتم مع قوة غضبه وشدة # جرأته، ويترك شهواته مع قوة طبيعته، ولئلا يقال فيه ما لا يحبه، لئلا ~~ينسب إلى الشيء القبيح، أو ليجد ما يطلبه من رفعة الجاه وغيره، فالرجل ~~الأول يشبه بالسباع، والثاني بالبهائم، والثالث بالملائكة. والرابع يقال ~~له: صاحب المروءة وصاحب معالي الهمم، لم يجد من عرض الناس أفراد يغلب فيها ~~قوتان معا على الثلاثة، ويكون أمرهما فيما بينهما متشابها ينال هذا من ذلك ~~من هذا أخرى، فإذا أراد المستبصر ضبط أحوالهم والتعبير عما هم فيه اضطر إلى ~~إثبات اللطائف الثلاث. # وأما اتفاق العقلاء فاعلم أن جميع من اعتنى بتهذيب النفس الناطقة من أهل ~~الملل والنحل اتفقوا على إثبات هذه الثلاث أو على بيان مقامات وأحوال تتعلق ~~بالثلاث، فالفيلسوف في حكمته العملية يسميها نفسا ملكية، ونفسا سبعية، ~~ونفسا بهيمية، وفي هذه التسمية نوع من التسامح، فسمى العقل بالنفس الملكية ~~تسمية بأفضل أفرادها، وسمى القلب بالنفس السبعية تسمية له بأشهر صافه. # PageV02P139 # وطوائف الصوفية ذكروا هذه اللطائف، واعتنوا بتهذيب كل واحدة إلا أنهم ~~أثبتوا لطيفتين أخريين أيضا، واهتموا بهما اهتماما عظيما: وهما الروح، ~~والسر، وتحقيقهما أن القلب له وجهان: وجه يميل إلى البدن والجوارح، ووجه ~~يميل إلى التجرد والصرافة، وكذلك العقل له وجهان: وجه يميل إلى البدن ~~والحواس، ووجه يميل إلى التجرد والصرافة، فسموا ما يلي جانب السفل قلبا ~~وعقلا، وما يلي جانب الفوق روحا وسرا، فصفة القلب الشوق المزعج والوجد، ~~وصفة الروح الأنس والانجذاب، وصفة العقل اليقين بما يقرب مأخذه من مأخذ ~~العلوم العادية كالأيمان بالغيب، والتوحيد الأفعالي، وصفة السر شهود ما بحل ~~عن العلوم العادية، وإنما # هو حكاية ما عن المجرد الصرف الذي ليس في زمان ولا مكان، ولا يوصف بوصف ~~ولا يشار إليه بإشارة، والشرع لما كان نازلا على ميزان الصورة الإنسانية ms434 ~~دون الخصوصيات الفردية لم يبحث عن التفصيل كثير بحث، وترك مباحثها في مخدع ~~الإجمال، وسائر الملل والنحل أيضا عندهم علم من ذلك يعرف بالاستقراء مع نوع ~~من التفطن. # المقدمة الثانية: اعلم أن الرجل العتيك الذي مكنت مادته لظهور أحكام ~~النوع فيها كاملا وافرا وهو رئيس أفراد الإنسان بالطبع، والدستور الذي يعرف ~~جميع الأفراد قربا من الحد الأعلى، وبعدا منه بالنظر إليه هو الذي غلب عقله ~~على قلبه مع قوة قلبه وسوغ قواه وقهر قلبه عل نفسه ووفور مقتضياتها فهذا هو ~~الذي تمت أخلاقه، وقويت فطرته، ودونه أصناف كثيرة متفاوتة تظهر التأمل ~~الصحيح. # وأما الحيوان الأعجم ففيه القوى الثلاث أيضا إلا أن عقله مغلوب قلبه ~~ونفسه في الغاية فلم يستحق التكليف، ولا لحق بالملا الأعلى، وهو قوله تبارك ~~وتعالى. # {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات ~~وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} . # وهذا الرجل العتيك إن كان عقله منقادا للعقائد الحقة المأخوذة من ~~الصادقين الأخذين عن الملأ الأعلى صلوات الله عليهم فهو المؤمن حقا، وإن ~~كان له مع ذلك سبيل إلى الملأ الأعلى يأخذ عنهم بغير واسطة ففيه شعبة من ~~النبوة وميراث منها، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " الرؤيا # الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، وإن كان عقله منقادا لعقائد ~~زائغة مأخوذة من المضلين المبطلين فهو الملحد الضال، وإن كان عقله منقادا ~~لرسم قومه ولما أدركه بالتجربة والحكمة العملية فهو الجاهل لدين الله، # PageV02P140 # ولما كان الأمر على ذلك وجب في حكمه الله تعالى أن ينزل كتابا على أزكى ~~خلق الله وأعتكهم وأشبههم بالملأ الأعلى، ثم يجمع إليه الآراء حتى تصير ~~أحكامه من المشهورات الذائعة. # {ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيا عن بينة} . # وأن يبين لهم هذا النبي صلوات الله وسلامه عليه طرق الإحسان والمقامات ~~التي هي ثمراته أتم بيان. # وبالجملة إذا آمن الرجل بكتاب الله تعالى، أو بما جاء به نبيه صلوات الله ~~عليه وسلامه من بيانه إيمانا يستتبع جميع قواة القلبية ms435 والنفسية، ثم اشتغل ~~بالعبودية حق الاشتغال ذكرا باللسان وتفكرا بالجنان وادبا بالجوارح، ودام ~~على ذلك مدة مديدة شرب كل واحد من هذه اللطائف الثلاث حظه من العبودية، ~~وكان الأمر شبيها بالدوحة اليابسة تسقى الماء الغزير، فيدخل الري كل غصن من ~~أغصانها وكل ورقة من أوراقها، ثم ينبت منها الأزهار والثمار، فكذلك تدخل ~~العبودية في هذه اللطائف الثلاث وتغير صفاتها الطبيعية الخسيسة إلى الصفات ~~الملكية الفاضلة. # فتلك الصفات إن كانت ملكات راسخة تستمر أفاعيلها على نهج واحد وأنهاج ~~متقاربة، فهي المقامات، وإن كانت بوارق تبدو تارة، وتنمحي أخرى، ولما تستقر ~~بعد، أو هي أمور ليس من شأنها الاستقرار كالرؤيا والهواتف والغلبة تسمى ~~أحوالا وأوقاتا. # ولما كان مقتضى العقل في غلواء الطبيعة البشرية التصديق بأمور ترد عليه ~~مناسباتها صار من مقتضاه بعد تهذيبه اليقين بما جاء به الشرع كأنه يشاهد كل ~~ذلك عيانا كما أخبر زيد بن حارثة حين قال له صلى الله عليه وسلم " لكل حق ~~حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ فقال كأني أنظر إلى عرش الرحمن بارزا ". # ولما كان مقتضاه أيضا معرفة الأسباب لما يحدث من نعمة ونقمة صار من ~~مقتضاه بعد تهذيبه التوكل، والشكر، والرضا، والتوحيد # ولما كان من مقتضى القلب في أصل الطبيعة محبة المنعم المربى وبغض المنافر ~~الشانئ. والخوف عما يؤذيه. والرجاء لما ينفعه كان مقتضاه بعد التهذيب محبة ~~الله تعالى والخوف من عذابه ورجاء ثوابه، ولما كان من مقتضى النفس في غلواء ~~طبيعتها والانهماك في الشهوات والدعة كان صفتها عند تهذيبها التوبة والزهد ~~والاجتهاد، # PageV02P141 # وهذا الكلام إنما أردنا به ضرب المثال. والمقامات ليست محصورة فيما ~~ذكرنا، فقس غير المذكور على المذكور، والأحوال كالسكر والغلبة والعزوف عن ~~الطعام والشراب مدة مديدة، وكالرؤيا والهاتف على المقامات. # وإذا قد فرغنا مما يتوقف عليه شرح أحاديث الباب حان أن نشرع في المقصود، ~~فنقول. # أصل المقامات والأحوال المتعلقة بالعقل هو اليقين، وينشعب من اليقين: ~~التوحيد، والإخلاص والتوكل، والشكر، والأنس. والهيبة، والتفريد، والصديقية، ~~والمحدثية وغير ذلك مما يطول عده، وقال عبد الله بن ms436 # مسعود: اليقين الإيمان كله ويروي رفعه، وقال صلى الله عليه وسلم: " واقسم ~~لنا من القين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ". # أقول: معنى اليقين أن يؤمن المؤمن بما جاء به الشرع من مسألة القدر ~~ومسألة المعاد، ويغلب الإيمان على عقله، ويترشح من عقله رشحات على قلبه ~~ونفسه حتى يصير المتيقن به كالمعاين المحسوس، وإنما كان اليقين هو الإيمان ~~كله لأنه العمدة في تهذيب العقل، وتهذيب العقل هو السبب في تهذيب القلب ~~والنفس، وذلك لأن اليقين إذا غلب على القلب انشعب منه شعب كثيرة فلا يخاف ~~مما يخاف منه الناس في العادة علما منه بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما ~~أخطأه لم يكن ليصيبه، ويهون عليه مصائب الدنيا اطمئنانا بما وعد في الآخرة، ~~وتزدري نفسه بالأسباب المتكثرة علما منه بأن القدرة الوجوبية هي المؤثرة في ~~العالم بالاختيار والإرادة، وبأن الأسباب عادية فيغتر سعيه فيما يسعى الناس ~~فيه، ويكدون، ويكدحون، فيستوي عنده ذهب الدنيا وحجرها. # وبالجملة فإذا تم اليقين، وقوي، واستمر حتى ما يغيره فقر ولا غنى ولا عز ~~ولا ذل - انشعب منه شعب كثيرة: # ومنها الشكر وهو أن يرى جميع ما عنده من النعم الظاهرة والباطنة فائضة من ~~بارئه جل مجده، فيرتفع بعدد كل نعمة محبة منه إلى بارئه، ويرى عجزه عن ~~القيام بشكره، فيضمحل، ويتلاشى في ذلك. # قال صلى الله عليه وسلم: " أول من يدعى إلى الجنة الحامدون الذين يحمدون ~~الله تعالى في السراء والضراء ". # أقول: وذلك لأنه آية انقياد عقله وقلبه لليقين ببارئه، ولأن معرفة النعم ~~ورؤية فيضانها من بارئها أورثت فيهم قوة فعالة في عالم المثال تنفعل منها # القوى المثالية والهياكل # PageV02P142 # الأخروية، فلا ينزل معرفة تفاصيل النعم ورؤية فيضانها من المنعم جل مجده ~~من الدعاء المستجاب في قرع باب الجود، ولا يتم الشكر حتى يتنبه بعجيب صنع ~~الله به فيما مضى من عمره كما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال في انصرافه ~~من حجته التي لم يحج بعدها: الحمد لله، ولا إله إلا الله، يعطي ms437 من شاء ما ~~يشاء لقد كنت بهذا الوادي - يعني ضجنان - أرعى إبلا للخطاب، وكان فظا غليظا ~~يتعبني إذا عملت ويضربني إذا قصرت، وقد أصبحت، وأمسيت، وليس بيني وبين الله ~~أحد أخشاه. # ومنها التوكل، وهو أن يغلب عليه اليقين حتى يفتر سعيه في جلب المنافع ~~ودفع المضار من قبل الأسباب ولكن يمشي في ما سنه الله تعالى على عباده من ~~الاكساب من غير اعتماد عليها. # قال صلى الله عليه وسلم: " يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب هم ~~الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون ". # أقول إنما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا إعلاما بأن أثر التوكل ~~ترك الأسباب التي نهى الشرع عنها لا ترك الأسباب التي سنها الله تعالى ~~بعباده، وإنما دخولوا الجنة من غير حساب لأنه لما استقر في نفوسهم معنى ~~التوكل أورث ذلك معنى ينفض عنها سببية الأعمال العاضة عليها من حيث إنهم ~~أيقنوا بأن لا مؤثر في الوجود إلا القدرة والوجوبية. # ومنها الهيبة وهي أن يستيقن بعظم جلال الله حتى يتلاشى في جنبه كما قال ~~الصديق إذ رأى طيرا واقعا على شجرة فقال: طوبى لك يا طير يا طير، والله ~~لوددت أني كنت مثلك تقع على الشجر، وتأكل من الثمر، ثم تطير، # وليس عليك حساب ولا عذاب، والله لوددت أني كنت شجرة إلى جانب الطريق مر ~~علي جمل، فأخذني، فأدخلني فاه، فلا كنى ثم ازدردني، ثم أخرجني بعرا، ولم ~~أكن بشرا. # ومنها حسن الظن وهو معبر عنه في لسان الصوفية بالأنس، وينشأ من ملاحظة ~~نعم الحق وألطافه، كما أن الهيبة تنشأ من ملاحظة نقم الحق وسطواته. والمؤمن ~~وإن كان بنظره الاعتقادي يجمع الخوف والرجاء لكن بحالة ومقاومة ربما يغلب ~~عليه الهيبة، وربما يغلب عليه حسن الظن، كمثل رجل قائم على شفا البئر ~~العميقة ترتعد فرائصه وإن كان عقله لا يوجب خوفا، وكما أن حديث النفس ~~بالنعم الهنيئة يفرح الإنسان وإن كان عقله لا يوجب فرحا، ولكن تشرب الوهم ~~في هاتين الحالتين خوفا ms438 وفرحا. # PageV02P143 # قال صلى الله عليه وسلم: " حسن الظن بالله من حسن العبادة " وقال عن ربه ~~تبارك وتعالى: (أنا عند ظن عبدي بي) أقول: وذلك لأن حسن الظن يهيئ نفسه ~~لفيضان اللطف من بارئه. # ومنها التفريد وهو أن يستولي الذكر على قواه الإدراكية حتى يصير كأنه يرى ~~الله تعالى عيانا، فتضمحل أحاديث نفسه " وينطفئ كثير من لهبها، قال صلى ~~الله عليه وسلم: (سيروا، سبق المفردون هم الذين وضع عنهم الذكر أثقالهم) ~~أقول: إذا خلص نور الذكر إلى عقولهم، وتشبح التطلع إلى الجبروت في نفوسهم ~~انزجرت البهيمية، وانطفأ لهبها، وذهبت أثقالها. # ومنها الإخلاص وهو أن يتمثل في عقله نفع العبادة لله تعالى من جهة قرب ~~نفسه من الحق كما قال تبارك وتعالى. # {إن رحمة الله قريب من المحسنين} . # أو من جهة تصديق ما وعد الله تعالى على ألسنة رسله من ثواب الآخرة، فينشأ ~~منه الأعمال بداعيه عظيمة لا يشوبها رياء ولا سمعة ولا موافقة عادة، وينسحب ~~هذا الحال على جميع أعماله حتى الأعمال المباحة العادية، قال الله تعالى: # {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} . # وقال صلى الله عليه وسلم: " إنما الأعمال بالنيات ". # ومنها التوحيد وله ثلاث مراتب: إحداها توحيد العبادة، فلا يعبد الطواغيت، ~~ويكره عبادتها كما يكره أن يقذف في النار. # والثانية ألا يرى الحول القوة ويرى أن لا مؤثر في العالم إلا القدرة ~~الوجوبية بلا واسطة، ويرى الأسباب عادية إنما تنسب المسببات إليها مجازا، ~~ويرى القدر غالبا على إرادة الخلق. # والثالثة أن يعتقد تنزيه الحق عن مشاكله المحدثين ويرى أوصافه لا تماثل ~~أوصاف الخلق، ويصير الخبر في ذلك كالعيان، ويطمئن قلبه بأن ليس كمثله شيء ~~من جذر نفسه، ويتلقى أخبار الشرع بذلك على بينة من ربه ناشئة من ذاته على ~~ذاته. # PageV02P144 # ومنها الصديقية، والمحدثية، وحقيقتها أن من الأمة من يكون في أصل فطرته ~~شبيها بالأنبياء بمنزلة التلميذ الفطن للشيخ المحقق، فتشبهه إن كان بحسب ~~القوى العقلية فهو الصديق أو المحدث، وإن كان تشبهه بحسب القود العملية فهو ~~الشهيد والحواري، ms439 وإلى هاتين القبيلتين وقعت الإشارة في قوله تعالى: # {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء} . # والفرق بين الصديق. والمحدث أن الصديق نفسه قريبة المأخذ من نفس النبي، ~~كالكبريت بالنسبة إلى النار، فكلما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم خبرا ~~وقع في نفسه بموقع عظيم، ويتلقاه بشهادة نفسه حتى صار كأنه علم هاج في نفسه ~~من غير تقليد، وإلى هذا المعنى الإشارة فيما ورد من أن أبا ابا بكر الصديق ~~كان سمع دوي صوت جبريل حين كان ينزل بالوحي على النبي صلى الله عليه وسلم، ~~والصديق تنبعث من نفسه لا محالة محبة الرسول صلى الله عليه وسلم أشد ما ~~يمكن من الحب، فيندفع إلى المواساة معه بنفسه وماله والموافقة له في كل حال ~~حتى يخبر النبي صلى الله عليه وسلم من حاله أنه " أمن الناس عليه في ماله ~~وصحبته " وحتى يشهد له النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لو أمكن أن يتخذ ~~خليلا من الناس لكان هو ذلك الخليل، وذلك لتعاقب ورود أنوار الوحي من نفس ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى نفس الصديق، وفكلما تكرر التأثير والتأثر ~~والفعل والانفعال حصل الفناء والفداء، ولما كان كماله الذي هو غاية مقصوده ~~بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم وباستماع كلامه لا جرم كان أكثرهم له صحبة. # ومن علامه الصديق أن يكون أعبر الناس للرؤيا، وذلك لما جبل عليه من تلقي ~~الأمور الغيبية بأدنى سبب، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يطلب ~~التعبير من الصديق في واقعات كثيرة، ومن علامة الصديق أن يكون أول الناس ~~إيمانا وأن يؤمن بغير معجزة. # والمحدث تبادر نفسه إلى بعض معادن العلم في الملكوت، فتأخذ منه علوما مما ~~هيأه الحق هناك؛ ليكون شريعة للنبي صلى الله عليه وسلم، وليكون إصلاحا ~~لنظام بني آدم وإن لم ينزل الوحي بعد على النبي صلى الله عليه وسلم، كمثل ~~رجل يرى في منامه كثيرا من الحوادث التي أجمع في الملكوت على إيجادها. # ومن خاصة المحدث أن ينزل القرآن على وفق ms440 رأيه في كثير من الحوادث، وأن ~~يرى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه أنه أعطاه اللبن بعد ريه. # والصديق أولى الناس بالخلافة لأن نفس الصديق تصير وكرا لعناية الله ~~بالنبي ونصرته له وتأييده إياه حتى يصير كأن روح النبي صلى الله عليه وسلم ~~ينطق بلسان الصديق، وهو قول عمر حين دعا الناس إلى بيعة الصديق، فإن يك ~~محمد صلى الله عليه وسلم قد مات فإن الله قد جعل بين # PageV02P145 # أظهركم نورا تهتدون به، هدى الله محمدا صلى الله عليه وسلم إن أبا بكر ~~صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وثاني اثنين وأنه أولى الناس بأموركم، ~~فقوموا، فبايعوه. # ثم المحدث بعد ذلك أولى الناس بالخلافة، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " ~~اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر، وعمر "، وقوله تعالى: # {والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون} . # وقال صلى الله عليه وسلم: " لقد كان فيمن قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي ~~أحد فعمر ". # ومن الأحوال المتعلقة بالعقل التجلي قال سهل: التجلي على ثلاثة أحوال: ~~تجلي ذات وهي المكاشفة، وتجلي صفات الذات، وهي مواضع النور، وتجلي حكم ~~الذات وهي الآخرة وما فيها. # فمعنى المكاشفة غلبة اليقين حتى يصير كأنه يراه، ويبصره، ويبقى ذاهلا عما ~~عداه كما قال صلى الله عليه وسلم: " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه " أما ~~مشاهدة العيان وهو في الآخرة لا في الدنيا. # وقوله: تجلي صفات الذات يحتمل وجهين: أحدهما أن يراقب أفعاله في الخلق، ~~ويستحضر صفاته، فيغلب يقين قدرة الله عليه، فيغيب عن الأسباب، ويسقط عنه ~~الخوف والتسبب، ويغلب عليه علمه تعالى به، # فيبقى خاضعا مرعوبا مدهوشا كما قال صلى الله عليه وسلم: " فإن لم تكن ~~تراه فإنه يراك " وهي مواضع النور بمعنى أن النفس تتنور بأنوار متعددة ~~تتقلب من نور إلى نور ومن مراقبة إلى مراقبة بخلاف تجلي الذات إذ لا تعدد ~~هنالك ولا تحول. # وثانيهما أن يرى صفة الذات بمعنى فعلها وخلقها بأمر كن من غير توسط ~~الأسباب الخارجية، ومواضع النور هي الأشباح ms441 المثالية النورية التي تتراءى ~~للعارف عند غيبة حواسه عن الدنيا. # ومعنى تجلي الآخرة أن يعاين كمجازاه ببصر بصيرته في الدنيا والآخرة، ويجد ~~ذلك من نفسه كما يجد الجائع ألم جوعه والظمآن ألم عطشه، فمثال الأول قول ~~عبد الله بن عمر حين سلم عليه إنسان وهو في الطواف، فلم يرد عليه السلام، ~~فشكا إلى بعض أصحابه، فقال ابن عمر: كنا نترايا لله في ذلك المكان، وهذه ~~الحالة نوع من الغيبة ونوع من الفناء، وذلك لأن كل لطيفة من اللطائف الثلاث ~~لها غيبة وفناء، فغيبة العقل وفناؤه سقوط معرفة الأشياء شغلا بربه، وغيبة ~~القلب وفناؤه سقوط محبة الغير والخوف منه، وغيبة النفس وفناؤها سقوط شهوات ~~النفس وانحجامها # PageV02P146 # عن الالتذاذ بالشهوات، ومثال الثاني ما قال الصديق. وغيره من أجلاء ~~الصحابة: الطبيب أمر ضنى، ومثال الثالث رؤية الأنصار ضلة فيها أمثال ~~المصابيح، وما روي أنه خرج رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة ومعهما مثل المصباحين بين أيديهما، ~~فلما افترقا صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله، وما روى في الحديث أن ~~النجاشي كان يرى عند قبره نور # ومثال الرابع قول حنظلة الأسيدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم: تذكرنا ~~بالنار والجنة، عن حنظلة الربيع الأسيدي قال: لقيني أبو بكر، فقال: # كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة قال: سبحان الله ما تقول؟ ! قلت: نكون ~~عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذكرنا بالجنة والنار كانا رأى عين، ~~فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد ~~والضيعات نسينا كثيرا، قال أبو بكر فو الله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا ~~وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: نافق حنظلة يا ~~رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وما ذاك؟ قلت: يا رسول ~~الله تكون عندك تذكرنا بالجنة والنار كانا رأى عين، فإذا خرجنا من عندك ~~عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات ms442 نسينا كثيرا، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر ~~لصافحتكم الملائكة على كرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة " ثلاث ~~مرات، فأشار صلى الله عليه وسلم إلى أن الأحوال لا تدوم، ومثاله أيضا ما ~~رأى عبد الله بن عمر في رؤياه من الجنة والنار # ومنها الفراسة الصادقة. والخاطر المطابق للواقع، قال ابن عمر: ما سمعت ~~عمر يقول لشيء قط إني لأظنه كذا إلا كان كما يظن. # ومنها الرؤيا الصالحة، وكان صلى الله عليه وسلم يعتني بتعبير رؤيا ~~السالكين، حتى روى أنه كان يجلس بعد صلاة الصبح، ويقول: " من رأى منكم رؤيا ~~" # فان قصها أحد عبر ما شاء الله، وأعني بالرؤيا الصالحة رؤية النبي صلى ~~الله عليه وسلم في المنام، أو رؤية الجنة والنار. أو رؤيا الصالحين ~~والأنبياء عليهم السلام. أو رؤية المشاهد المتبركة كبيت الله. ورؤية ~~الوقائع الآتية فتقع # PageV02P147 # كما يرى، أو الماضية على ما هي عليه، أو رؤية ما ينبهه على تقصيره بأن ~~يرى غضبه في صورة كلب يعضه، أو رؤية الأنوار والطيبات من الرزق كشرب اللبن ~~والعسل والسمن، أو رؤية الملائكة، والله أعلم. # ومنها وجدان حلاوة المناجاة وانقطاع حديث النفس، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه ". # ومنها المحاسبة وهي تتولد من بين العقل المتنور بنور الإيمان والجمع الذي ~~هو أول مقامات القلب، قال صلى الله عليه وسلم: # " الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت " وقال عمر رضي الله عنه في ~~خطبته: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا وتتزينوا للعرض ~~الأكبر على الله تعالى، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية. # ومنها الحياء وهو غير الحياء الذي هو من مقامات النفس، ويتولد من رؤية ~~عزة الله تعالى وجلاله، ومع ملاحظة عجزه عن القيام بحقه وتلبسه بالأدناس ~~البشرية، قال عثمان رضي الله عنه: إني لاغتسل في البيت المظلم، فأنطوي حياء ~~من ms443 الله تعالى. # وأما المقامات المتعلقة في القلب فأولها الجمع، وهو أن يكون أمر الآخرة ~~هو المقصود الذي يهتم به، ويكون أمر الدنيا هينا عنده لا يقصده، ولا لتفت ~~إليه إلا بالعرض من جهة أن يكون بلغة له إلى ما هو سبيله، والجمع هو الذي ~~يسميه الصوفية في بالإرادة. # قال صلى الله عليه وسلم: # من جعل همه هما واحدا هم الآخرة كفاه الله همه، ومن تشعبت به الهموم لم ~~يبال الله في أي أودية هلك ". # أقول: همة الإنسان لها خاصية مثل خاصية الدعاء في قرع باب الجود، بل هي ~~مخ الدعاء وخلاصته، فإذا تجردت همته لمرضيات الحق كفاه الله تعالى، فإذا ~~حصل جمع الهمة، وواظب على العبودية ظاهرا وباطنا أنتج ذلك في قلبه محبة ~~الله ومحبة رسوله، ولا يزيد بالمحبة الإيمان بأن الله تعالى مالك الملك، ~~وأن الرسول صادق مبعوث من قبله إلى الخلق فقط، بل هي حاله شبيهة بحالة ~~الظمآن بالنسبة إلى الماء والجائع بالنسبة إلى الطعام، وتنشأ المحبة من ~~امتلاء العقل بذكر الله والتفكر في جلاله وترشح نور الإيمان من العقل إلى ~~القلب وتلقي القلب ذلك النور بقوة مجبولة فيه. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، ~~من كان الله ورسوله أحب إليه ما سواهما " الحديث، وقال صلى الله عليه وسلم ~~في دعائه: # " اللهم اجعل حبك احب إلي من نفسي # PageV02P148 # وسمعي وبصري وأهلي ومالي ومن الماء البارد "، وقال لعمر: " لا تكون مؤمنا ~~حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال عمر: والذي أنزل عليك الكتاب لأنت أحب إلي ~~من نفسي التي بين جنبي، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم # : الآن يا عمر تم إيمانك "، عن أنس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين. # أقول: أشار إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن حقيقة الحب غلبة لذة اليقين ~~على العقل ثم على القلب والنفس حتى يقوم مقام مشتهى القلب ms444 في مجرى # العادة حب الأهل والولد والمال، حتى يقوم مقام مشتهى النفس من الماء ~~البارد بالنسبة إلى العطشان، فإذا كان كذلك فهو الحب الخاص الذي يعد من ~~مقامات القلب. # وقال صلى الله عليه وسلم: " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه " أقول: جعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم ميل المسلم إلى جانب الحق وتعطشه إلى مقام التجرد ~~من جلباب البدن وطلبة التخلص من مضايق الطبيعة إلى فضاء القدس حيث يتصل إلى ~~ما لا يوصف بالوصف علامة لصدق محبته لربع. # قال الصديق رضي الله عنه: من ذاق خالص محبة الله تعالى شغله ذلك عن طلب ~~الدنيا، وأوحشه من جميع البشر أقول. قوله هذا غاية في الكشف عن آثار ~~المحبة، فإذا تمت محبة المؤمن لربه أدى ذلك إلى محبة الله له، وليس حقيقة ~~محبة الله من العبد انفعاله من العبد - تعالى عن ذلك علو كبيرا، ولكن ~~حقيقتها المعاملة معه بما استعد له، فكما أن الشمس تسخن الجسم الصقيل أكثر ~~من تسخينها لغيره وفعل الشمس واحد في الحقيقة، ولكنه يتعدد بتعدد استعداد ~~القوابل، كذلك لله تعالى عناية نفوس عباده من جهة صفاتهم وأفعالهم، فمن ~~اتصف منهم بالصفات الخسيسة التي يدخل بها في أعداد البهائم فعل ضوء شمس ~~الأحدية فيه ما يناسب استعداده، ومن اتصف بالصفات الفاضلة التي يدخل بسببها ~~في أعداد الملأ الأعلى فعل ضوء شمس الأحدية فيه نورا وضياء حتى يصير جوهرا ~~من جواهر حظيرة القدس، وانسحب عليه أحكام الملأ الأعلى، فعند ذلك يقال: ~~أحبه الله لأن الله تعالى فعل معه فعل المحب بحبيبه، ويسمى العبد حينئذ ~~وليا، ثم محبة الله لهذا العبد تحدث فيه أحوالا بينها النبي صلى الله عليه ~~وسلم أتم بيان: # فمنها نزول القبول له من الملأ الأعلى، ثم في الأرض. # قال صلى الله عليه وسلم: # " إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إني أحب فلانا، فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ~~ينادي جبريل في السموات إن الله # تعالى أحب فلان، فأحبوه، فيحبه أهل السموات، ثم يوضع له القبول في الأرض ~~" # PageV02P149 # أقول: ms445 إذا توجهت العناية آلالهية إلى محبة هذا العبد انعكست محبته إلى ~~الملأ الأعلى بمنزلة انعكاس ضوء الشمس في المرايا الصقيلة، ثم ألهم الملأ ~~السافل محبته، ثم من استعد لذلك من أهل الأرض كما تتشرب الأرض الرخوة الندى ~~من بركة الماء. # ومنها خذلان أعدائه، قال صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى: " من ~~عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب ". أقول: إذا انعكست محبته في مرايا نفوس ~~الملأ الأعلى، ثم خالفها مخالف في من اهل الأرض أحست الملأ الأعلى بتلك ~~المخالفة كما يحس أحدنا حرارة الجمرة إذا وقعت قدمه عليها، فخرجت من نفوسهم ~~أشعة تحيط بهذا المخالف من قبيل النفرة والشنآن فعند ذلك يخذل، ويضيق عليه، ~~ويلهم الملأ السافل وأهل الأرض أن يسيئوا إليه، وذلك حربه تعالى إياه. # ومنها إجابة وسؤاله وإعاذته مما استعاذ منه قال صلى الله عليه وسلم عن ~~ربه تبارك وتعالى: " وإن سألني لأعطينه، وإن استعاذني لأعيذنه ". أقول: ~~وذلك لدخوله في حظيرة القدس حيث يقضي بالحوادث، فدعاؤه واستعاذته يرتقي ~~هناك، ويكون سببا لنزول القضاء، وفي آثار الصحابة شيء كثير من باب استجابه ~~الدعاء، ومن جملة ذلك ما وقع لسعد حين دعا على أبي سعدة: اللهم إن كان عبدك ~~هذا كاذبا قام رياء، وسمعة، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه للفتن فكان كما ~~قال، وما وقع لسعيد حين دعا على أروى بنت أوس: اللهم إن كانت كاذبة فاعم ~~بصرها، واقتلها في أرضها، فكان كما قال. # ومنها فناؤه عن نفسه وبقاؤه بالحق؛ وهو المعبر عنه عند الصوفية بغلبة # كون الحق على كون العبد، قال صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى. " ~~وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع ~~به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها " أقول: إذا غشى نور الله نفس ~~هذا العبد من جهة قوته العملية المنبثة في بدنه دخلت شعبة من هذا النور في ~~جميع قوامه، فحدثت هنالك بركات لم تكن تعهد في مجرى العادة، فعند ذلك ينسب ~~الفعل ms446 إلى الحق بمعنى من معاني النسبة كما قال تعالى: # {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} . # ومنها تنبيه الله تعالى إياه بالمؤاخذة من على ترك بعض الآداب وبقبول ~~الرجوع منه # PageV02P150 # إلى الأدب كما وقع للصديق حين غاضب أضيافه، ثم علم أن ذلك من الشيطان، ~~فراجع الأمر المعروف، فبورك في طعامه. # ومن مقامات القلب مقامان يختصان بالنفوس المتشبهة بالأنبياء عليهم ~~الصلوات والتسليمات ينعكسان عليها كما ينعكس ضوء القمر بإزاء مرآة موضوعة ~~على كوة مفتوحة، ثم ينعكس ضوؤها على الجدران والسقف والأرض وهما بمنزلة ~~الصديقية والمحدثية، إلا أن ذينك تستقران في القوة العقلية من في نفوسهم. ~~وهذا في القوة العملية المنبجسة من القلب، وهما مقاما الشهيد، والحواري، ~~والفرق بينهما أن الشهيد تقبل نفسه غضبا وشدة على الكفار ونصرة للدين من ~~مواطن من موطن الملكوت هيأ الحق فيه إرادة الانتقام من العصاة ينزل من ~~هنالك على الرسول، ليكون الرسول جارحة من جوارح الحق في ذلك، فتقبل نفوسهم ~~من هناك كما ذكرنا في المحدثية، والحواري من خلصت محبته للرسول، وطالت ~~صحبته معه، واتصلت # قرابته به، فأوجب ذلك انعكاس نصر دين الله من قلب النبي على قلبه، قال ~~الله تعالى: # {يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين ~~من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة} . # وقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم الزبير بأنه حواري. # والشهيد. والحواري أنواع وشعب، منهم الأمين، ومنهم الرفيق، ومنهم النجباء ~~والنقباء وقد نوه النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل الصحابة بشيء كثير من ~~هذه المعاني، عن علي رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن لكل نبي سبعة نجباء رقباء، وأعطيت أنا أربعة عشر قلنا: من هم؟ قال: ~~أنا، وابناي، وجعفر، وحمزة، وأبو بكر، وعمر، ومصعب بن عمير، وبلال، وسلمان، ~~وعمار، وعبد الله بن مسعود، وأبو ذر، والمقداد " وقال الله: # {لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} . # وقال صلى الله عليه ms447 وسلم: # " اثبت أحد فإنما عليك نبي أو صديق أو شهيد. # ومن أحوال القلب السكر، وهو أن يتشبح نور الإيمان في العقل، ثم في القلب ~~حتى تفوته مصالح الدنيا، وحتى يجب ما لا يحبه الإنسان في مجرى # طبيعته، فيكون شبيها في بالسكران المتغير عن سنن عقله وعاداته كما قال ~~أبو الدرداء: أحب الموت اشتياقا إلى ربي، وأحب المرض مكفرا لخطيئتي، وأحب ~~الفقر تواضعا لربي، وكما يؤثر عن أبي ذر # PageV02P151 # كراهيته للمال بطبعه وشنآنه الغنى والثروة مثل كراهية الأمور المستقذرة، ~~وليس في مجرى العادة البشرية حب هذا القبيل وكراهيته، ذلك القبيل ولكنهما ~~غلب عليهما اليقين حتى خرجا من مجرى العادة. # ومن أحوال القلب الغلبة، والغلبة غلبتان: غلبة داعية منبجسة من قلب ~~المؤمن حين خالطه نور الإيمان، فطفح طفاحة متولدة من ذلك النور ومن جبلة ~~القلب، فصارت داعيه وخاطرا لا يستطيع الإمساك عن موجبها وافقت مقصود الشرع ~~أو لا، وذلك لأن الشرع يحيط بمقاصد كثيرة لا يحيط بها قلب هذا المؤمن فربما ~~ينقاد قلبه إلى للرحمة مثلا، وقد نهى الشرع عنها في بعض المواضع، قال ~~تعالى: # {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} . # وربما ينقاد قلبه للبغض. # وقد قصد الشرع اللطف مثل أهل الذمة، ومثال هذه الغلبة ما جاء في الحديث ~~عن أبي لبابة بن المنذر حين استشاره بنو قريظة لما استنزلهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم على حكم سعد بن معاذ، فأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح، ثم ندم على ~~ذلك، وعلم أنه قد خان الله ورسوله، مانطلق على وجهه حتى ارتبط نفسه في ~~المسجد على عمد من عمده، وقال. لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله تعالى على ~~مما صنعت، وعن عمر أنه غلبت عليه حمية الإسلام حين # اعترض على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أن أراد أن يصالح المشركين ~~عام الحديبية فوثب حتى أتى أبا بكر رضي الله تعالى عنه، قال: أليس برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى، قال ألسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: ~~أليسوا بالمشركين؟ ms448 قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في دنينا؟ فقال أبو ~~بكر: يا عمر الزم غزوه فإني أشهد أنه رسول الله، ثم غلب عليه ما يجد حتى ~~أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له مثل ما قال لأبي بكر، وأجابه ~~النبي صلى الله عليه وسلم كما أجابه أبو بكر رضي الله عنه حتى قال: أنا عبد ~~الله ورسوله لن أخالف أمره، ولن يضيعني، قال: وكان عمر يقول: فما زلت أصوم، ~~وأتصدق وأعتق، وأصلي من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت به حتى ~~رجوت أن يكون خيرا، وعن أبي طيبة الجراح حين حجم النبي صلى الله عليه وسلم ~~فشرب دمه وذلك محظور في الشريعة ولكنه فعله في حال الغلبة، فعذره النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقال له: # " قد احتظرت بحظائر من النار ". # وغلبة أخرى أجل من هذه وأتم، وهي غلبة داعية إلهية تنزل على قلبه، فلا ~~يستطيع # PageV02P152 # الإمساك عن موجبها، وحقيقة هذه الغلبة فيضان علم إلهي من بعض المعادن ~~القدسية على قوته العملية دون القوة العقلية. # تفصيل ذلك أن النفس المتشبهة بنفوس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا ~~استعدت لفيضان علم إلهي إن سبقت القوة العقلية منها على القوة العملية كان ~~ذلك العلم المفاض فراسة وإلهاما، وإن سبقت القوة العملية منها على القوة ~~العقلية كان ذلك العلم المفاض عزما وإقبالا أو نفرة وانجحاما، مثاله ما روى ~~في قصة بدر من أن النبي صلى الله عليه وسلم ألح في الدعاء حتى قال: # " إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد، فأخذ أبو بكر # بيده، فقال: حسبك، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: # {سيهزم الجمع ويولون الدبر} . # معناه أن الصديق ألقى في قلبه داعية الإلهية تزهده في الإلحاح، وترغيه في ~~الكف عنه فعرف النبي صلى الله عليه وسلم بفراسته أنها داعية حق، فخرج ~~مستظهرا بنصرة الله تاليا هذه الآية. # ومثاله أيضا ما روى في قصة موت عبد الله بن أبى حين أراد النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن ms449 يصلي على جنازته قال عمر: فتحولت حتى قمت في صدره، قلت: يا ~~رسول الله أتصلي على هذا، وقد قال: يوم كذا كذا وكذا أعد أيامه؟ حتى قال: ~~تأخر عني يا عمر إني خيرت، فاخترت، وصلى عليه، ثم نزلت هذه الآية: # {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا} . # قال عمر: فعجبت لي وجرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أعلم. # وقد بين عمر الفرق بين الغلبتين أفصح بيان، فقال في الغلبة الأولى: فما ~~زلت أصوم وأتصدق وأعتق الخ، وقال في الثانية: فعجبت لي وجرأتي، فانظر الفرق ~~بين هاتين الكلمتين. # ومنها إيثار طاعة الله تعالى على ما سواه وطرد موانعها والنفرة عما يشغله ~~عنها كما فعل أبو طلحة الأنصاري كان يصلي في حائط له، فطار دبسى وطفق ~~يتردد، ولم يجد مخرجا من كثرة الأغصان والأورق، فأعجبه ذلك، فصار لا يدري ~~كم صلى، فتصدق بحائطه. # ومنها غلبة الخوف حتى يظهر البكاء وارتعاد الفرائض، وكان له صلى الله ~~عليه وسلم إذا صلى بالليل أزيز كأزيز المرجل، قال صلى الله عليه وسلم في ~~سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله: " # PageV02P153 # ورجل ذكر الله خاليا، ففاضت عيناه " وقال: " لا يلج النار رجل بكى من ~~خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع " وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه ~~حين يقرأ القرآن، وقال جبير بن مطعم: سمعت النبي الله صلى الله عليه وسلم ~~يقرأ: # {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} فكأنما طار قلبي. # وأما المقامات الحاصلة للنفس من جهة تسلط نور الإيمان عليها وقهره إياها ~~وتغيير صفاتها الخسيسة إلى الصفات الفاضلة، فأولها أن ينزل نور الإيمان من ~~العقل المتنور وبالعقائد الحقة إلى القلب، فيزدوج بجبلة القلب، فيتولد ~~بينهما زاجر يقهر النفس، ويزجرها عن المخالفات، ثم يتولد بينهما ندم يقهر ~~النفس، ويأتي عليها، ويأخذ بتلابيبها، ثم يتولد بينها العزم على ترك ~~المعاصي في المستقبل من الزمان، فيقهر النفس، ويجعلها مطمئنة بأوامر الشرع ~~ونواهيه، قال ms450 الله تبارك وتعالى: # {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى} . # أقول: أما قوله: (من خاف) فبيان لاستنارة العقل بنور الإيمان ونزول النور ~~منه إلى القلب وذلك لأن الخوف له مبتدأ ومنتهى، فمبتدؤه # معرفة الخوف منه وسطوته، وهذا محله العقل ومنتهاه فزع وقلق ودهش، وهذا ~~محلة القلب، وأما قوله: (ونهى النفس) فبيان لنزول النور المخالط لوكاعة ~~القلب إلى النفس وقهره إياها وزجره لها، ثم انقهارها وانزجارها تحت حكمه، ~~ثم ينزل من العقل نور الإيمان مرة أخرى، ويزدوج بجبلة القلب، فيتولد بينهما ~~اللجأ إلى الله، ويفضي ذلك إلى الاستغفار والإنابة، والاستغفار يفضي إلى ~~الصقالة. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء ~~في قلبه فإن تاب واستغفر صقل قلبه، فإن زاد زادت حتى يعلو قلبه فذلكم الران ~~الذي ذكر الله تعالى: # {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} . # أقول: أما النكتة السوداء فظهور ظلمة من الظلمات البهيمية واستنارة نور ~~من الأنوار الملكية، وأما الصقالة فضوء يفاض على النفس من نور الإيمان، ~~وأما الران فغلبة البهيمية، وكمون الملكية رأسا، ثم يتكرر نزول نور ~~الإيمان، ودفعه الهاجس النفساني، فكلما هجس خاطر المعصية من النفس نزل ~~بإزائه نور، فدمغ الباطل ومحاه. # PageV02P154 # قال صلى الله عليه وسلم: # " ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعن جنبي الصراط سوران، فيهما أبواب ~~مفتحة، وعلى الأبواب الستور مرخاة وعند رأس الصراط داع يقول: استقيموا على ~~الصراط، ولا تعوجوا، وفوق ذلك داع يدعو، كلما هم عبد أن يفتح شيئا من تلك # الأبواب قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه، ثم فسره فأخبر أن الصراط ~~هو الإسلام، وأن الأبواب المفتحة محارم الله، وأن الستور المرخاة حدود ~~الله، وأن الداعي على رأس الصراط هو القرآن، وأن الذي من فوقه هو واعظ الله ~~في كل مؤمن ". # أقول: بين النبي صلى الله عليه وسلم أن هنالك داعيين: داعيا على الصراط، ~~وهو القرآن والشريعة. لا يزال يدعو العبد إلى الصراط المستقيم بنسق واحد، ms451 ~~وداعيا فوق رأس السالك يراقبه كل حين، كلما هم بمعصية صاح عليه؛ وهو الخاطر ~~المنبجس من القلب المتولد من بين جبلة القلب، والنور الفائض عليه من العقل ~~المتنور بنور القرآن، وإنما هو بمنزلة شرر ينقدح من الحجر دفعة بعد دفعة، ~~وربما يكون من الله تعالى لطف ببعض عباده بأحداث لطيفة غيبية تحول بينه ~~وبين المعصية، وهو البرهان المشار إليه في قوله تبارك وتعالى. # {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه} . # وهذا كله مقام التوبة وإذا تم مقام التوبة، وصار ملكة راسخة في النفس ~~تثمر اضمحلالا عند إحضار جلال الله لا يغيرها مغير سميت حياء، والحياء في ~~اللغة انحجام النفس عما يعيبه الناس في العادة، فنقله الشرع إلى ملكة راسخة ~~في النفس تنماع بها بين يدي الله كما ينماع الملح في الماء، ولا يتقاد ~~بسببها للخواطر المائلة إلى المخالفات. # قال صلى الله عليه وسلم: # " الحياء من الإيمان " ثم فسر الحياء، فقال: " من استحيا من الله حق ~~الحياء فليحفظ الرأس وما وعى وليحفظ البطن # وما حوى، وليذكر الموت والبلى، من أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، ومن فعل ~~ذلك استحيا من الله حق الحياء " أقول: قد يقال في العرف للإنسان المنحجم عن ~~بعض الأفعال لضعف في جبلته إنه حي، وقد يقال للرجل صاحب المروءة لا يرتكب ~~ما يفشو لأجله القالة: إنه حي، # PageV02P155 # وليسا من الحياء المعدود من المقامات في شيء، فعرف النبي صلى الله عليه ~~وسلم المعنى المراد بتعيين أفعال تنبعث منه، والسبب الذي يجبله ومجاورة ~~الذي يلزمه في العادة، فقوله، " فليحفظ الرأس " الخ بيان للأفعال المنبجسة ~~من ملكه الحياء المراد مما هو من جنس ترك المخالفات، وقوله: " وليذكر الموت ~~" بيان لسبب استقراره في النفس، وقوله " من أراد الآخرة " بيان لمجاورة ~~الذي هو الزهد، فإن الحياء لا يخلو عن الزهد، فإذا تمكن الحياء من الإنسان ~~نزل نور الإيمان أيضا وخالطه جبلة القلب، ثم انحدر إلى النفس، فصدها عن ~~الشبهات، وهذا هو الورع. # قال صلى الله عليه وسلم: # " الحلال بين، والحرام ms452 بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من ~~الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه " ومن وقع في المشتبهات وقع في ~~الحرام " وقال: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، وإن ~~الكذب ريبة " وقال: " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس ~~به حذرا لما به بأس " أقول: قد يتعارض في المسألة وجهان: وجه إباحة، ووجه ~~تحريم. إما في أصل مأخذ المسألة من الشريعة كحديثين متعارضين وقياسين ~~متخالفين، وإما في تطبيق صورة الحادثة بما تقرر في الشريعة من حكمي الإباحة ~~والتحريم، فلا يصفو ما بين العبد وبين الله إلا بتركه، والأخذ (بما - لا) ~~اشتباه فيه، فإذا تحقق الورع نزل نور الإيمان أيضا، وخالطه جبلة القلب، ~~فانكشف قبح الاشتغال بما يزيد # على الحاجة لأنه يصده عما هو بسبيله، فانحدر إلى النفس، فكفها عن طلبه. # قال صلى الله عليه وسلم: # " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " أقول: كل شغل بما سوى الله نكتة ~~سوداء في مرآة النفس إلا أن (ما - لا) بد له منه في حياته إذا كان بنية ~~البلاغ معفو عنه، وأما سوى ذلك فواعظ الله في قلب المؤمن يأمر بالكف عنه، ~~وقال صلى الله عليه وسلم: " الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا ~~إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا ألا تكون بما في يدك أوثق منك بما في ~~يدي الله، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب منك فيها لو ~~أنها أبقيت لك ". # أقول: قد يحصل للزاهد في الدنيا غلبة تحمله على عقائد وأفعال ما هي ~~محمودة في الشرع مما ليس بمحمود، فبين النبي صلى الله عليه وسلم من محال ~~الزهد ما هو محمود في الشرع مما ليس بمحمود، فالرجل إذا انكشف عليه قبح ~~الاشتغال بالزائد على الحاجة، فكرهه كما يكره الأشياء الضارة بالطبع ربما ~~يؤديه ذلك إلى التعمق فيه، فيعتقد مؤاخذة الله عليه في صراح # PageV02P156 # الشريعة، وهذه عقيدة باطلة لأن الشرع نازل على دستور الطبائع البشرية، ~~والزهد ms453 نوع انسلاخ عن الطبيعة البشرية وإنما ذلك أمر الله في خاصة نفسه ~~تكميلا لمقامه، وليس بتكليف شرعي، وربما يؤديه إلى إضاعة المال الرمي به في ~~البحار والجبال، وهذه غلبة لم يصححها الشرع، ولم يعتبرها منصة لظهور أحكام ~~الزهد بل الذي اعتبره الشرع منصة شيئان: أحدهما الزائد الذي لم يحصل بعد، ~~فلا يتكلف في طلبه اعتمادا على ما وعده الله من البلاء في الدنيا والثواب ~~في الآخرة، وثانيهما الشيء الذي فات من يده، فلا يتبعه نفسه، ولا يتأسف ~~عليه، إيمانا بما وعد الله الصابرين والفقراء. # واعلم أن النفس مجبولة على اتباع الشهوات، لا تزال على ذلك إلا أن يبهرها ~~نور الإيمان، وهو قول يوسف عليه السلام. # {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي} . # فلا يزال المؤمن طول عمره في مجاهدة نفسه باستنزال نور الله، فكلما هاجت ~~داعية نفسية لجأ إلى الله، وتذكر جلال الله وعظمته، وما أعد للمطيعين من ~~الثواب وللعصاة من العذاب، فانقدح من قلبه وعقله خاطر حتى يدمغ خاطر ~~الباطل، فيصير كأن لم يكن شيئا مذكورا، إلا أن الفرق بين العارف والمستأنف ~~غير قليل، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم المدافعة بين الخاطرين وغلبة ~~خاطر الحق على خاطر الباطل وانقياد النفس للحق إذا كانت مطمئنة متأدبة ~~بآداب العقل المتنور بنور الإيمان وبغيها عليه وإبائها منه إذا كانت عصية ~~أبيه بما ضرب في مسألة البخل والجود من مثل جنتين من حديد إحداهما سابغة ~~والأخرى ضيقة، قال صلى الله عليه وسلم: # " مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد، وقد اضطرت ~~أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه، ~~وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت، وأخذت كل حلقة بمكانها. أقول الرجل الذي ~~اطمأنت نفسه جبلة أو كسبا، فخاطر الحق يملك نفسه، ويقهرها أول ما يبدو، ~~والرجل الذي عصت نفسه، وأبت فخاطر الحق لا يؤثر فيها، بل ينبو. # وقد بين الله تعالى في القرآن العظيم تنور العقل بنور الإيمان وفيضان ~~نوره على النفس ms454 حيث قال: # PageV02P157 # {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} . # أقول: الشيطان يشرف على باطن الإنسان من قبل كوة شهوة النفس، فيدخل عليه ~~داعية المعصية، فإن تذكر جلال ربه، وخشع له تولد منه نور في العقل، وهو ~~الإبصار، ثم ينحدر إلى القلب والنفس، فيدفع الداعية، ويطرد الشيطان. # قال الله تبارك وتعالى: # {وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ~~أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} . # أقول: قوله تعالى: (إنا لله) إشارة إلى نزول خاطر الحق، وقوله: (صلوات من ~~ربهم ورحمة) إشارة إلى بركات يثمرها الصبر من نورانية النفس وتشبهها في ~~بالملكوت. # وقال تعالى. # {وما أصاب من مصيبة إلا بأذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه} . الآية # أقول قوله: (باذن الله) إشارة إلى معرفة القدر، وقوله: # (ومن يؤمن بالله) إشارة إلى نزول الخاطر من العقل إلى القلب والنفس # ومن أحوال النفس الغيبة هي أن تغيب عن شهواتها كما قال عامر ابن عبد ~~الله: ما أبالي امرأة رأيت أم حائطا، وقيل: للأوزاعي رأينا جاريتك الزرقاء ~~في السوق، فقال: أفزرقاء هي؟ ، ومن أحوالها المحق، وهو أن تغيب من الأكل ~~والشرب مدة لا تغيب فيها عادة لميل نفسها إلى جانب العقل وامتلاء القلب ~~بنور الله تعالى، وأجل من هذا وأتم أن ينزل نور الله إلى النفس، فيقوم مقام ~~الأكل والشرب، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: # " إني لست كهيئتكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ". # واعلم أن القلب متوسط بين العقل والنفس، فقد يتسامح، وينسب جميع المقامات ~~وأكثرها إليه، وقد ورد على هذا الاستعمال آيات وأحاديث كثيرة، فلا تغفل عن ~~هذه النكتة. # واعلم أن مدافعة نور الإيمان لكل نوع من دواعي النفس البهيمية والقلب ~~السبعي يسمى باسم، وقد نوه النبي صلى الله عليه وسلم باسم كل ذلك ووصفه، ~~فإذا حصل للعقل ملكة في انقداح خواطر الحق منه، وللنفس ملكة في قبول تلك ~~الخواطر كان ذلك مقاما، فملكة مدافعة داعية الجزع تسمى صبرا على ms455 المصيبة، ~~وهذا مستقره القلب. وملكة مدافعة الدعة الفراغ تسمى # PageV02P158 # اجتهادا وصبرا على الطاعة، وملكه مدافعة داعية مخالفة الحدود الشرعية ~~تهاونا لها أو ميلا إلى أضدادها تسمى تقوى وقد تطلق التقوى على جميع مقامات ~~اللطائف الثلاث بل على أعمال تنبعث منها أيضا، وعلى هذا الاستعمال الأخير ~~قوله تعالى: # {هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب} . # وملكة مدافعة داعية الحرص تسمى قناعة، وملكة مدافعة داعية العجلة تسمى ~~تأنيا، وملكة مدافعة داعية الغضب تسمى حلما، وهذه مستقرها القلب، وملكة ~~مدافعة داعية شهوة الفرج تسمى عفة، وملكة مدافعة داعية التشدق والبذاء تسمى ~~صمتا وعيا، وملكة مدافعة داعية الغلبة والظهور تسمى خمولا، وملكة مدافعة ~~داعية التلون في الحب والبغض وغيرهما تسمى استقامة ووراء ذلك دواع كثيرة ~~لمدافعتها أسام، ومبحث كل ذلك في الأخلاق من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. # PageV02P159 ### | (من أبواب ابتغاء الرزق) # اعلم أن الله تعالى لما خلق الخلق، وجعل معايشهم في الأرض، وأباح لهم ~~الانتفاع بما فيها وقعت بينهم المشاحة والمشاجرة. فكان حكم الله عند ذلك ~~تحريم أن يزاحم الإنسان صاحبه فيما اختص به لسبق يده إليه. أو يد مورثه. أو ~~لوجه من الوجوه المعتبرة عندهم إلا بمبادلة أو تراض معتمد على علم من غير ~~تدليس وركوب غرر، وأيضا لما كان الناس مدنيين بالطبع لا تستقيم معايشهم إلا ~~بتعاون بينهم نزل القضاء بإيجاب التعاون، وألا يخلو أحد منهم مما له دخل في ~~التمدن إلا عند حاجة لا يجد منها بدا، وأيضا فأصل التسبب حيازة الأموال ~~المباحة أو استنماء ما اختص به مما يستمد من الأموال المباحة كالتناسل ~~بالرعي، والزراعة بإصلاح الأرض وسقي الماء، ويشترط في ذلك ألا يضيق بعضهم ~~على بعض بحيث يفضي إلى فساد التمدن، ثم الاستنماء في أموال الناس بمعونة في ~~المعاش يتعذر أو يتعسر اسقامة حال المدينة بدونها كالذي يجلب التجارة من ~~بلد إلى بلد، ويعتني إلى حفظ الجلب إلى أجل معلوم أو يسمسر بسعي وعمل، أو ~~يصلح مال الناس بإيجاد صفة مرضية فيه وأمثال ذلك، فإن كان الاستنماء فيها ~~بما ms456 ليس له دخل في التعاون كالميسر، أو بما هو تراض يشبه الاقتضاب كالربا، ~~فإن المفلس يضطر إلى التزام ما لا يقدر على إيفائه، وليس رضاه رضا في ~~الحقيقة، فليس من العقود المرضية ولا الأسباب الصالحة، وإنما هو باطل وسحت ~~بأصل الحكمة المدنية. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من أحيا أرضا ميتة فهي له ". أقول الأصل فيه ما أو مأنا أن الكل مال ~~الله، وليس فيه حق لأحد في الحقيقة، لكن الله تعالى لما أباح لهم الانتفاع ~~بالأرض وما فيها وقعت # المشاحة، فكان الحكم حينئذ ألا يهيج أحد مما سبق إليه من غير مضارة، ~~فالأرض الميتة التي ليست في البلاد ولا في فنائها إذا عمرها رجل فقد سبقت ~~يده إليها من غير مضارة، فمن حكمه إلا يهيج عنها، والأرض كلها في الحقيقة ~~بمنزلة مسجد أو رباط جعل وقفا على ابناء السبيل، وهم # PageV02P160 # شركاء فيه، فيقدم الأسبق فالأسبق، ومعنى الملك في حق الآدمي كونه أحق ~~بالانتفاع من غيره. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " عادى الأرض لله ورسوله، ثم هي لكم مني ". اعلم: أن عادى الأرض هي التي ~~باد عنها أهلها، ولم يبقى من يدعيها، ويخاصم فيها، ويحتج بسبق يد مورثه ~~عليها فإذا كانت الأرض على هذه الصفة انقطع عنها ملك الآدميين، وخلصت لملك ~~الله، وحكمها حكم ما لم يحيى قط لما ذكرناه من معنى الملك. # قال صلى الله عليه وسلم: # " لا حمى إلا لله ورسوله ". أقول: لما كان الحمى تضييقا على الناس وظلما ~~عليهم واضطرارا نهى عنه، وإنما استثنى الرسول لأنه أعطاه الله الميزان، ~~وعصمه من أن يفرط منه ما لا يجوز، وقد ذكرنا أن الأمور التي مبناها على ~~المظان الغالبة يستثنى منها النبي صلى الله عليه وسلم، وأن والأمور التي ~~مبناها على تهذيب النفس وما يشبه ذلك فالأمر لازم فيها النبي وغيره سواء. # وقضى صلى الله عليه وسلم في سيل المهزور أن يمسك حتى يبلغ # الكعبين ثم يرسل الأعلى على الأسفل، وفي قصة مخاصمة الزبير رضي الله ms457 عنه ~~" اسق يا زبير، ثم احبس حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك ". أقو ~~ل: الأصل فيه أنه لما توجه للناس في شيء مباح حقوق مترتبة وجب أن يراعي ~~الترتيب في قدر ما يحصل لكل واحد فائدة هي أدنى ما يعتد بها فإنه لو لم ~~يقدم الأقرب كان فيه التحكم والمضارة، ولو لم يستوف الأول ثم الأول الفائدة ~~لم يحصل الحق، فعلى هذا الأصل قضى أن يمسك حتى يبلغ الكعبين، وهو قريب من ~~قوله: " إلى الجدر " لأنه أول حد بلوغ الجدر، وإنما يكون قبله امتصاص الأرض ~~من غير أن يصادم الجدار. # PageV02P161 # وأقطع صلى الله عليه وسلم الأبيض بن حمال المأربي الملح الذي بمأرب فقيل: ~~إنما أقطعت له الماء العد قال: فرجعه منه. أقول: لا شك أن المعدن الظاهر ~~الذي لا يحتاج إلى كثير عمل إقطاعه لواحد من المسلمين إضرار بهم وتضييق ~~عليهم. # وسئل صلى الله عليه وسلم عن اللقطة فقال: " اعرف عفاصها ووكاءها، ثم ~~عرفها سنة، فإن جاء صاحبها، وإلا فشأنك بها، قال فضالة: الغنم؟ # فقال: هي لك أو لأخيك أو للذئب، قال فضالة: الإبل قال: مالك ولها معها ~~سقاؤها وحذلؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها " وقال جابر رضي ~~الله عنه: رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصا والسوط والحبل ~~وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به أقول اعلم أن حكم اللقطة مستنبط من تلك ~~الكلية التي ذكرناها فما استغنى عنه صاحبه، ولا يرجع إليه بعد ما فارقه، ~~وهو التافه يجوز تملكه إذا ظن أن المالك غاب، ولم يرجع، وامتنع عوده إليه، ~~لأنه رجع إلى مال الله وصار مباحا، وأما ما كان له بال يطلب، ويرجع له ~~الغائب، فيجب تعريفه على ما جرت العادة بتعريف مثله حتى يظن أن مالكه لم ~~يرجع، ويستحب التقاط مثل الغنم لأنه يضيع إن لم يلتقط، ويكره التقاط مثل ~~الإبل. # واعلم أنه يجب في كل مبادلة من أشياء عاقدين وعوضين، والشيء الذي يكون ~~مظنة ظاهرة لرضا العاقدين بالمبادلة، وشيء يكون ms458 قاطعا لمنازعتهما موجبا ~~للعقد عليهما. # ويشترط في العاقدين كونهما حرين، عاقلين، يعرفان النفع والضرر، ويباشران ~~العقد على بصيرة وتثبت. .، وفي العوضين كونهما ما لا ينتفع به، ويرغب فيه، ~~ويشح به، غير مباح، ولاما لا فائدة معتدا بها فيه، وإلا لم يكن مما شرع ~~الله لخلقه وكان عبثا أو مرعيا في فائدة ضمنية لا يذكرها في الظاهر، وهذا ~~إحدى المفاسد لأن صاحبها على شرف ألا يجد ما يريده، فيسكت على خيبة، أو ~~يخاصم بغير حق، توجه له عند الناس. .، # PageV02P162 # وفيما يعرف به رضا العاقدين أن يكون أمرا واضحا يؤاخذ به على عيون الناس، ~~ولا يستطيع أن يحيف إلا بحجة عليه، وأوضح الأشياء في مثل ذلك العبارة ~~باللسان، ثم التعاطي بوجه لا يبقى فيه ريب. # قال صلى الله عليه وسلم: # " المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع ~~الخيار " أقول اعلم أنه لا بد من قاطع يميز حق كل واحد من صاحبه، ويرفع ~~خيارهما في رد البيع، ولولا ذلك لأضر أحدهما بصاحبه، ولتوقف كل عن التصرف ~~فيما بيده خوفا أن يستقيلها الآخر، وههنا شيء آخر، وهو اللفظ المعبر عن رضا ~~العاقدين بالعقد وعزمهما عليه، ولا جائز أن يجعل القاطع ذلك لأن مثل هذه ~~الألفاظ يستعمل عند التراوض والمساومة، إذ لا يمكن أن يتراوضا إلا بإظهار ~~الجزم بهذا القدر، وأيضا فلسان العامة في مثل هذا تمثال الرغبة من قلوبهم، ~~والفرق بين لفظ دون لفظ حرج عظيم، وكذلك التعاطي فإنه لا بد لكل واحد أن ~~يأخذ ما يطلبه على أنه يشتريه، لينظر فيه، ويتأمله، والفرق بين أخذ وأخذ ~~غير يسير، ولا جائز أن يكون القاطع شيئا غير ظاهر، ولا أجلا بعيدا يوما فما ~~فوقه؛ إذ كثير من السلع إنما يطلب، لينتفع به في يومه، فوجب أن يجعل ذلك ~~التفرق من مجلس العقد، لأن العادة جارية بأن العاقدين يجتمعان للعقد، ~~ويتفرقان بعد تمامه، ولو تفحصت طبقات الناس من العرب والعجم رأيت أكثرهم ~~يرون رد البيع بعد التفرق جورا وظلما، لا قبله، ms459 اللهم إلا من غير فطرته، ~~وكذلك الشرائع الإلهية لا تنزل إلا بما تقبله نفوس العامة قبولا أوليا، ~~ولما كان من الناس من يتسلل بعد العقد يرى أنه قد ربح، ويكره أن يستقيله ~~صاحبه، وفي ذلك قلب الموضوع - سجل النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن ذلك ~~فقال: # " ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله، فوظيفتهما أن يكونا على ~~رسلهما، ويتفرق كل واحد على عين صاحبه. # واعلم أنه إذا اجتمع عشرة آلاف إنسان مثلا في بلدة فالسياسة المدنية تبحث ~~عن مكاسبهم، فإنهم إن كان أكثرهم مكتسبين بالصناعات وسياسة # البلدة، والقليل منهم مكتسبين بالرعي والزراعة فسد حالهم في الدنيا، وإن ~~تكسبوا بعصارة الخمر وصناعة الأصنام كان ترغيبا للناس في استعمالها على ~~الوجه الذي شاع بينهم فكان سببا لهلاكهم في الدين، فان وزعت المكاسب ~~وأصحابها على الوجه المعروف الذي تعطيه الحكمة، وقبض على أيدي المتكسبين ~~بالاكساب القبيحة صلح حالهم. # وكذلك من مفاسد المدن أن ترغب عظماؤهم في دقائق الحلي واللباس والبناء # PageV02P163 # والمطاعم وغيد النساء ونحو ذلك زيادة على ما تعطيه الارتفاقات الضرورية ~~التي لا بد للناس منها، واجتمع عليها عرب الناس وعجمهم، فيكتسب الناس ~~بالتصرف في الأمور الطبيعية، لتتأتى منها شهواتهم، فينتصب قوم إلى تعليم ~~الجواري للغناء والرقص والحركات المتناسبة اللذيذة، وآخرون إلى الألوان ~~المضطربة في الثياب وتصوير صور الحيوانات والأشجار العجيبة والتخاطيط ~~الغريبة فيها وآخرون إلى الصناعات البديعة في الذهب والجواهر الرفيعة، ~~وآخرون إلى الأبنية الشامخة وتخطيطها وتصويرها فإذا أقبل جم غفير منهم إلى ~~هذه الأكساب أهملوا مثلها من في الزراعات والتجارات، وإذا انفق عظماء ~~المدينة فيها الأموال أهملوا مثلها من مصالح المدينة، وجر ذلك إلى على ~~التضييق على القائمين بالاكساب الضرورية والزراع والتجار والصناع وتضاعف ~~الضرائب عليهم، وذلك ضرر بهذه المدينة يتعدى من عضوا منها إلى عضو حتى يعم ~~الكل، ويتجارى فيها كما يتجارى الكلب في بدن المكلوب، وهذا شرح تضررهم في ~~الدنيا، وأما تضررهم بحسب الخروج إلى الكمال الأخروى. ففنى عن البيان، وكان ~~هذا المرض قد استولى على ms460 مدن العجم، فنفث الله في قلب نبيه صلى الله عليه ~~وسلم أن يداوي هذا المرض بقطع مادته، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى مظان غالبية لهذه الأشياء كالقينات والحرير والقسي وبيع الذهب بالذهب ~~متفاضلا لأجل الصياغات أو طبقات أصنافه ونحو ذلك، فنهى عنها ### | (البيوع المنهي عنها) # اعلم أن الميسر سحت باطل؛ لأنه اختطاف لأموال الناس عنهم. معتمد على ~~اتباع جهل وحرص وأمنية باطلة وركوب غرر تبعثه هذه على الشرط، وليس له دخل ~~في التمدن والتعاون، فان سكت المغبون سكت على غيظ وخيبة، وإن خاصم خاصم ~~فيما التزمه بنفسه، واقتحم فيه بقصده، والغابن يستلذه، ويدعوه قليله إلى ~~كثيره، ولا يدعه حرصه أن يقلع عنه، وعما قليل تكون الترة عليه، وفي ~~الاعتياد بذلك إفساد للأموال ومناقشات طويلة وإهمال للارتفاقات المطلوبة ~~وإعراض عن التعاون المبني عليه التمدن، والمعاينة تغنيك عن الخبر، هل رأيت ~~من أهل القمار إلا ما ذكرناه. # وكذلك الربا، وهو القرض على أن يؤدي إليه أكثر أو أفضل مما أخذ سحت باطل ~~فإن عامة المقترضين بهذا النوع هم المفاليس المضطرون، وكثيرا ما لا يجدون ~~الوفاء عند الأجل، فيصير أضعافا مضاعفة لا يمكن التخلص منه أبدا، وهو مظنة ~~لمناقشات # PageV02P164 # عظيمة وخصومات مستطيرة، وإذا جرى الرسم باستنماء المال بهذا الوجه أفضى ~~إلى ترك الزراعات والصناعات التي هي أصول المكاسب، ولا شيء في العقود أشد ~~تدقيقا واعتناء بالقليل وخصومة من الربا، وهذان الكسبان بمنزلة السكر ~~مناقضان لأصل ما شرع الله لعباده من المكاسب، وفيهما قبح ومناقشة، والأمر ~~في مثل ذلك إلى الشارع، إما أن يضرب له حدا يرخص فيما دونه ويغلظ النهي عما ~~فوقه أو يصد عنه رأسا. # وكان الميسر والربا شائعين في العرب، وكان قد حدث بسببهما مناقشات # عظيمة لا انتهاء لها ومحاربات، وكان قليلهما يدعوا إلى كثيرهما، فلم يكن ~~أصوب ولا أحق من أن يراعى حكم القبح والفساد موفرا، فينهى عنهما بالكلية. # واعلم أن الربا على الوجهين: حقيقي. ومحمول عليه. # أما الحقيقي فهو في الديون، وقد ذكرنا أن فيه قلبا ms461 لموضوع المعاملات، وأن ~~الناس كانوا منهمكين فيه في الجاهلية اشد انهماك، وكان حدث لأجله محاربات ~~مستطيرة، وكان قليله يدعوا إلى كثيره، فوجب أن يسد بابه بالكلية، ولذلك نزل ~~في القرآن في شأنه ما نزل. # والثاني ربا الفضل، والأصل فيه الحديث المستفيض " الذهب بالذهب. والفضة ~~بالفضة. والبر بالبر. والشعير بالشعير. والتمر بالنمر. والملح بالملح، مثلا ~~بمثل، وسواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا ~~كان يدا بيد " وهو مسمى بربا تغليظا وتشبيها له بالربا الحقيقي على حد قوله ~~عليه السلام: # " المنجم كاهن " وبه يفهم معنى قوله صلى الله عليه وسلم: # " لا ربا إلا في النسيئة " ثم كثر في الشرع استعمال الربا في هذا المعنى ~~حتى صار حقيقة شرعية فيه أيضا والله أعلم. # وسر التحريم أن الله تعالى يكره الرفاهية البالغة كالحرير والارتفاقات ~~المحوجة إلى الإمعان في طلب الدنيا كآنية الذهب الفضة، وحلي غير مقطع من ~~الذهب وكالسوار والخلخال والطوق والتدقيق في المعيشة والتعمق فيها لأن ذلك ~~مراد لهم في أسفل السافلين صارف لأفكارهم إلى ألوان مظلمة، # وحقيقة الرفاهية طلب الجيد من كل ارتفاق، والاعراض عن رديئه، والرفاهية ~~البالغة اعتبار الجودة والرداءة في الجنس الواحد. # PageV02P165 # وتفصيل ذلك أنه لا بد من التعيش بقوت ما من الأقوات، والتمسك بنقد ما من ~~النقود، والحاجة إلى الأقوات جميعها واحدة، والحاجة إلى النقود جميعها ~~واحدة، ومبادلة إحدى القبيلتين بالأخرى من أصول الارتفاقات التي لا بد ~~للناس منها، ولا ضرورة في مبادلة شيء بشيء يكفي كفايته، ومع ذلك، فأوجب ~~اختلاف أمزجتهم وعاداتهم أن تتفاوت مراتبهم في التعيش، وهو قوله تعالى: # {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ~~ليتخذ بعضهم بعضا سخريا} . # فيكون منهم من يأكل الأرز والحنطة، ومنهم من يأكل الشعير والذرة، ويكون ~~منهم من يتحلى بالفضة. # وأما تميز الناس فيما بينهم بأقسام الأرز والحنطة مثلا واعتبار فضل بعضها ~~على بعض، وكذلك اعتبار الصناعات الدقيقة في الذهب وطبقات عياره، فمن عادة ~~المسرفين والأعاجم، والامعان في ذلك تعمق في ms462 الدنيا، فالمصلحة حاكمة بسد ~~هذا الباب، وتفطن الفقهاء أن الربا المحرم يجري في غير الأعيان الستة ~~المنصوص عليها، وأن الحكم متعد منها إلى كل ملحق بشيء منها، ثم اختلفوا في ~~العلة. # والأوفق بقوانين الشرع أن تكون في النقدين الثمينة، وتختص بهما، وفي ~~الأربعة المقتات المدخر، وأن الملح لا يقاس عليه الدواء والتوابل # لأن للطعام إليه حاجة ليست إلى غيره، ولا عشر تلك الحاجة، فهو جزء مقوت ~~وبمنزلة نفسه دون سائر الأشياء، وإنما ذهبنا إلى ذلك لأن الشرع اعتبر ~~الثمينة في كثير من الاحكام كوجوب التقابض في المجلس، ولان الحديث ورد بلفظ ~~الطعام، والطعام يطلق في العرف على معنيين: أحدهما البر وليس بمراد، ~~والثاني المقتات المدخر، ولذلك يجعل قسيما للفاكهة والتوابل، وإنما أوجب ~~التقابض في المجلس لمعنيين، أحمدهما الطعام والنقد الحاجة إليهما أشد ~~الحاجات وأكثرهما وقوعا، والانتفاع بهما لا يتحقق إلا بالإفناء والإخراج من ~~الملك، وربما ظهرت خصومة عند القبض ويكون البدل قد فنى، وذلك أقبح ~~المناقشة، فوجب أن يسد هذا الباب بألا يتفرقا إلا عن قبض، ولا يبقى بينهما ~~شيء، وقد اعتبر الشرع هذه العلة في النهي عن بيع الطعام قبل أن يستوفى، ~~وحيث قال في اقتضاء الذهب من الورق: " ما لم تتفرقا وبينكما شيء "، والثاني ~~إنه إذا كان النقد في جانب والطعام أو غيره في جانب، فالنقد وسيلة لطلب ~~الشيء كما هو مقتضى النقدية، فكان حقيقا بأن يبذل قبل الشيء، وإذا # PageV02P166 # كان في كلا الجانبين النقد أو الطعام كان الحكم يبذل أحدهما تحكما، ولو ~~لم يبذل من الجانبين كان بيع الكالئ بالكالئ وربما يشح بتقديم البذل، ~~فاقتضى العدل أن يقطع الخلاف بينهما، ويؤمرا جميعا ألا يتفرقا إلا عن قيض، ~~وإنما خص الطعام والنقد لأنهما أصلا الأموال وأكثرها تعاورا، ولا ينتفع ~~بهما إلا بعد إهلاكهما، فلذلك كان الحرج في التفرق عن بيعهما قبل القبض ~~أكثر وأفضى إلى المنازعة، والمنع فيهما أردع من تدقيق المعاملة. # واعلم أن مثل هذا الحكم إنما يراد به ألا يجري الرسم به، وألا يعتاد تكسب ~~ذلك ms463 الناس لا ألا يفعل شيء منه أصلا، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام لبلال: ~~" بع التمر ببيع آخر، ثم اشتر به ". # واعلم أن من البيوع ما يجري فيه معنى الميسر، وكان أهل الجاهلية يتعاملون ~~بها فيما بينهم، فنهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم. # منها المزابنة أن يبيع الرجل الثمر في رءوس النخل بمائة فرق من التمر ~~مثلا. # والمحاقلة أن يبيع الزرع بمائة فرق حنطة، ورخص في العرايا بخرصها من ~~التمر فيما دون خمسة أوسق لأنه عرف أنهم لا يقصدون في ذلك القدر الميسر، ~~وإنما يقصدون أكلها رطبا، وخمسة أوسق هو نصاب الزكاة وهي مقدار ما يتفكه به ~~أهل البيت. # ومنها بيع الصبرة من الثمر لا يعلم مكيلتها بالكيل المسمى من التمر. # والملامسة أن يكون لمس الرجل ثوب الآخر بيده بيعا. # والمنابذة أن يكون نبذ الرجل بثوبه بيعا من غير نظر. # وبيع الحصاة أن يكون وقوع الحصاة بيعا. # فهذه البيوع فيها معنى الميسر، وفيها قلب موضوع المعاملة، وهو استيفاء ~~حاجته بترو وتثبت. # ونهى عن بيع العربان أن يقدم إليه شيء من الثمن، فإن اشترى حسب من الثمن، ~~وإلا فهو له مجانا وفيه معنى الميسر. # PageV02P167 # وسئل صلى الله عليه وسلم عن اشتراء التمر بالرطب، فقال: أينقص إذا # يبس؟ فقال. نعم، فنهاه عن ذلك " أقول: وذلك لأنه أحد وجوه الميسر؛ وفيه ~~احتمال ربا الفضل، فإن المعتبر حتى تمام الشيء. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " قلادة فيها ذهب وخرز: " لا تباع حتى تفصل " أقول: وذلك لأنه أحد وجوه ~~الميسر ومظنة أن يغبن أحدهما، فيسكت على غيظ، أو يخاصم في غير حق. # واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث في العرب، ولهم معاملات وبيوع، ~~فأوحى الله إليه كراهية بعضها وجواز بعضها، والكراهية تدور على معان: منها ~~أن يكون شيء قد جرت العادة بأن يقتنى لمعصية، أو يكون الانتفاع المقصود به ~~عند الناس نوعا من المعصية كالخمر، والأصنام، والطنبور، ففي جريان الرسم ~~ببيعها واتخاذها تنويه بتلك المعاصي وحمل الناس عليها وتقريب لهم منها، وفي ~~تحريم ms464 بيعها واقتنائها إخمال لها وتقريب لهم من ألا يباشروها، قال رسول ~~الله إنا: " أن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه " يعني إذا كان وجه الاستمتاع بالشيء ~~متعينا كالخمر يتخذ للشرب. والصنم للعبادة، فحرمه الله - اقتضى ذلك في حكمة ~~الله تحريم بيعها. # قال صلى الله عليه وسلم: " مهر البغي خبيث " نهى صلى الله عليه وسلم عن ~~حلوان الكاهن - ونهى عن كسب الزمارة. # أقول: المال الذي يحصل من مخامرة المعصية لا يحل الاستمتاع به لمعنيين: ~~أحدهما أن تحريم هذا المال وترك الانتفاع به زاجر عن تلك المعصية. وجريان ~~الرسم بتلك المعاملة جالب للفساد حامل لهم عليه، وثانيهما # أن الثمن ناشئ من المبيع في مدارك الناس وعلومهم، فكان عند الملأ الأعلى ~~للثمن وجود تشبيهي أنه المبيع، وللأجرة وجود تشبيهي أنه العمل، فانجر الخبث ~~إليه في علومهم، فكان لتلك الصورة العلمية أثر في نفوس الناس. # ولعن رسول الله في الخمر عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، # PageV02P168 # والمحمولة إليه. # أقول: الإعانة في المعصية وترويجها وتقريب الناس إليها معصية وفساد في ~~الأرض، ومنها أن مخالطة النجاسة كالميتة والدم والسرقين والعذرة فيها شناعة ~~وسخط، ويحصل بها مشابهة الشياطين، والنظافة وهجر الرجز من أصول ما بعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم لإقامته وبه تحصل مشابهة الملائكة والله يحب ~~المتطهرين. # ولما لم يكن بد من إباحة بعض المخالطة إذ في سد الباب في بالكلية حرج وجب ~~أن ينهى عن التكسب بمعالجته والتجارة فيه، وفي معنى النجاسة الرفث الذي ~~يستحيا منه كالفساد ولذلك حرم بيع الميتة ونهى عن كسب الحجام، وقال عند ~~الضرورة " أطعمه ناضجك " وعن عسب الفحل، ويروى وضراب الجمل ورخص في ~~الكرامة، وهي ما يعطى من غير شرط. # ومنها ألا تنقطع المنازعة بين العاقدين لابهام في العوضين، أو يكون العقد ~~بيعة بين ببعتين أو لا يمكن تحقق الرضا إلا برؤية المبيع ولم يره أو يكون ~~في البيع شرط يحتج به من بعد. # ونهى رسول الله عن ms465 بيع المضامين. والملاقيح، فالمضامين ما في أصلاب ~~الفحول، والملاقيح ما في البطون، وعن بيع حبل # الحبلة، وعن بيع الكالئ بالكالئ، وعن ببعتين في ببعة أن يكون البيع بألف ~~نقدا وألفين نسيئة لأنه لا يتعين أحد الأمرين عند العقد، وقيل: أن يقول ~~بعنى هذا بألف على أن تبيعني ذاك بكذا، وهذا شرط يحتج به الشارط من بعد ~~فيخاصم، ومنه أن يبيع بشرط إن أراد البيع فهو أحق به، وقال فيه عمر رضي ~~الله عنه: لا تحل لك وفيها شرط لأحد. # ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الثنيا حتى يعلم، مثل أن يبيع عشرة ~~أفراق إلا شيئا لأن فيه جهالة مفضية إلى المنازعة، وما كل جهالة تفسد ~~البيع، فإن كثيرا من الأمور يترك مهملا في البيع، واشتراط الاستقصاء ضرر ~~ولكن المفسد هو المفضي إلى المنازعة، ومنها أن يقصد بهذا البيع معاملة أخرى ~~يترقبها في ضمنه أو معه لأنه إن فقد المطلوب لم يكن له أن يطالب، ولا أن ~~يسكت، ومثل هذا حقيق بأن يكون سببا للخصومة بغير حق، ولا يقضي فيها بشيء ~~فصل. # PageV02P169 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يحل بيع وسلف ولا شرطان في بيع " مثل أن يقول بعت هذا على أن تقرضني ~~كذا، ومعنى الشرطين أن يشترط حقوق البيع، ويشترط شيئا خارجا منها مثل أن ~~يهبه كذا، أو يشفع له إلى فلان، أو إن احتاج إلى بيعه لم يبع إلا منه، ونحو ~~ذلك، فهذا شرطان في صفقة واحدة. # ومنها ألا يكون التسليم بيد العاقد، كمبيع ليس بيد البائع، وإنما هو حق ~~توجه له على غيره، وشيء لا يجده إلا برفع قضية أو إقامة بينة أو سعى ~~واحتيال أو استيفاء واكتيال أو نحو ذلك فإنه مظنة أن يكون قضية في قضية أو ~~يحصل غرر وتخبيب، وكل ما ليس عندك فلا تأمن أن تجده إلا بجهد # النفس وربما يطالبه المشتري بالقبض، فلا يكون عنده فيطالب الذي توجه عليه ~~حقه، أو يذهب ليصطاد من البرية، أو يشتري من السوق، أو ms466 يستوهب من صديقه، ~~وهذا أسد المناقشات. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تبع ما ليس عندك ". # ونهى عن بيع الغرر، وهو الذي لا يتيقن أنه موجود أو لا. # قال صلى الله عليه وسلم: # " من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه " قيل: مخصوص بالطعام لأنه أكثر ~~الأموال تعاورا وحاجة " ولا ينتفع به إلا باهلاكه، فإذا لم يستوفه فربما ~~تصرف فيه البائع، فيكون قضية في قضية وقيل: يجري في المنقول لأنه مظنة أن ~~يتغير، ويتعيب، فتحصل الخصومة وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ولا أحسب كل ~~شيء إلامثله وهو الأقيس بما ذكرنا من العلة. # ومنها ما هو مظنة لمناقشات وقعت في زمانه صلى الله عليه وسلم وعرف أنه ~~حقيق بأن تكون فيه المناقشات كما ذكر زيد بن ثابت رضي الله عنه أنهم كانوا ~~يحتجون بعاهات تصيب الثمار يقولون: أصابها قشام دمان فنهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن بيع الثمارحتى يبدو صلاحها، اللهم إلا أن يشترط القطع في ~~الحال، وعن السبيل حتى يبيض، ويأمن العاهة، وقال: " أرأيت إذا منع الله ~~الثمر بم يأخذ أحدكم مال أخيه " يعني أنه غرر، لأنه على خطر أن يهلك، فلا ~~يجد المعقود عليه وقد لزمه الثمن، وكذا في بيع السنين. # PageV02P170 # ومنها ما يكون سببا لسوء انتظام المدينة وإضرار بعضها بعضا، فيجب # إخمالها والصد عنها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تلقوا الركبان لبيع، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا يسم الرجل على ~~سوم أخيه ولا تناجشوا، ولا يبع حاضر لباد ". # أقول: أما تلقي الركبان فهو أن يقدم ركب بتجارة فيتلقاه رجل قبل أن ~~يدخلوا البلد، ويعرفوا السعر، فيشتري منهم بأرخص من سعر البلد، وهذا مظنة ~~ضرر بالبائع، لأنه إن نزل بالسوق كان أغلى له ولذلك كان له الخيار إذا عثر ~~على الضرر، وضرر بالعامة لأنه توجد في تلك التجارة حق أهل البلد جميعا، ~~والمصلحة المدنية تقتضي أن يقدم الأحوج فالأحوج، فإن استووا سوى بينهم أو ~~أقرع، فاستئثار واحد منهم بالتلقي نوع من ms467 الظلم، وليس لهم الخيار لأنه لم ~~يفسد عليهم مالهم، وإنما منع ما كانوا يرجونه. # وأما البيع على البيع فهو تضييق على أصحابه من التجار وسوء معاملة معهم، ~~وقد توجه حق البائع الأول وظهر وجه لرزقه فافساده عليه ومزاجته فيه نوع من ~~ظلم. # وكذا السوم على سوم أخيه في التضييق على المشترين والإساءة معهم، وكثير ~~من المناقشات والأحقاد تنبعث فيهم من أجل هذين. # والنجش في زيادة الثمن بلا رغبة في المبيع تغريرا للمشترين، وفيه من ~~الضرر ما لا يخفى. # وبيع الحاضر للبادى أن يحمل البدوي متاعه إلى البلد يريد أن يبيعه بسعر ~~يومه، فيأتيه الحاضر، فيقول: خل متاعك عندي حتى أبيعه على المهلة بثمن غال، ~~ولو باع البادى بنفسه لأرخص، ونفع البلديين، وانتفع هو أيضا، فإن انتفاع ~~التجار يكون بوجهين: أن يبيعوا بثمن غال بالمهلة على من يحتاج إلى الشيء ~~أشد حاجة. فيستقل في جنبها ما يبذل، وأن يبيعوا بربح يسير، # ثم يأتوا بتجارة أخرى عن قريب، فيربحوا أيضا وهلم جرا، وهذا الانتفاع ~~أوفق بمصلحة المدينه وأكثر بركة، وقال صلى الله عليه وسلم: " من احتكر فهو ~~خاطئ ". # وقال عليه السلام: " الجالب مرزوق والمحتكر ملعون ". # أقول: وذلك لأن حبس المناع مع حاجة أهل البلد إليه لمجرد طلب الغلاء ~~وزيادة الثمن إضرار بهم يتوقع نفع ما هو سوء انتظام المدينة. # PageV02P171 # ومنها أن يكون فيه التدليس على المشتري، قال رسول الله: # " لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن ~~يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر - ويروى صاعا من ~~طعام - لا سمراء ". # أقول: التصرية جمع اللبن في الضرع ليتخيل المشتري غزارته، فيغتر، ولما ~~كان أقرب شبهه بخيار المجلس أو الشرط لأن عقد البيع كأنه مشروط بغزارة ~~اللبن لم يجعل من باب الضمان بالخراج، ثم لما كان قدر اللبن وقيمته بعد ~~إهلاكه وإتلافه متعذر المعرفة جدا لا سيما عند تشاكس الشركاء وفي مثل البدو ~~وجب أن يضرب له حد معتدل بحسب المظنة الغالبية يقطع به النزاع، ولبن ms468 النوق ~~فيه زهومة ويوجد رخيصا، ولبن الغنم طيب، ويوجد غالبا، فجعل حكمها واحدا، ~~فتعين أن يكون صاعا من أدنى جنس يقتاتون به كالتمر في الحجاز. والشعير. ~~والذرة عندنا لا من الحنطة والأرز فانهما أغلى الأقوات وأعلاها، واعتذر بعض ~~من لم يوفق للعمل بهذا # الحديث بضرب قاعدة من عند نفسه، فقال. كل حديث لا يرويه إلا غير فقيه إذا ~~إنسد باب الرأي فيه يترك العمل به، وهذه القاعدة على ما فيها لا تنطبق على ~~صورتنا هذه لأنه أخرجه البخاري عن ابن مسعود أيضا، وناهيك به، ولأنه بمنزلة ~~سائر المقادير الشرعية يدرك العقل حسن تقدير ما فيه، ولا يستقل بمعرفة حكمة ~~هذا القدر خاصة اللهم إلا عقول الراسخين في العلم. # وقال صلى الله عليه وسلم في صبرة طعام داخلها بلل: # " أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس، فمن غش فليس مني ". # ومنها أن يكون الشيء مباح الأصل كالماء العد فيتغلب ظالم عليه، فيبيعه ~~وذلك تصرف في مال الله من غير حق وإضرار بالناس ولذلك نهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن بيع فضل الماء ليباع به الكلأ أقول: هو أن يتغلب رجل على عين ~~أو واد، فلا يدع أحد يسقي منه ماشية إلا بأجر، فإنه يفضي إلى بيع الكلأ ~~المباح يعني يصير الرعي من ذلك بإزاء مال، وهذا باطل لأن الماء والكلأ ~~مباحان، وهو وقوله عليه السلام: " فيقول الله اليوم أمنعك فضلي كما منعت ~~فضل ما لم تعمل يداك ". # وقيل: يحرم بيع الماء الفاضل عن حاجته لمن أراد الشرب أو سقي الدواب، قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " المسلمون شركاء في ثلاث في الماء والكلأ والنار " # PageV02P172 # أقول: يتأكد استحباب المواساة في هذه فيما كان مملوكا وما ليس بمملوك ~~أمره ظاهر. ### | (أحكام البيع) # قال صلى الله عليه وسلم: # " رحم الله رجلا سمحا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى " أقول: السماحة ~~من أصول الأخلاق التي تتهذب بها النفس، وتتخلص بها عن إحاطة الخطيئة، وأيضا ~~فيها نظام المدينة، وعليها بناء التعاون، وكانت المعاملة بالبيع والشراء ~~والاقتضاء ms469 مظنة لضد السماحة، فسجل النبي صلى الله عليه وسلم على استحبابها. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة " أقول: يكره إكثار الحلف في البيع ~~لشيئين: كونه مظنة لتغرير المتعاملين، وكونه سببا لزوال تعظيم اسم الله من ~~القلب، والحلف الكاذب منفقة للسلعة لأن مبنى الانفاق في تدليس المشتري، ~~وممحقة للبركة لأن مبنى البركة على توجه دعاء الملائكة إليه، وقد تباعدت ~~بالمعصية بل دعت عليه. # وقال عليه السلام: # " يا معشر التجار إن البيع يحضره اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة " أقول: ~~فيه تكفير الخطيئة وجبر ما فرط من غلواء النفس. # وقال عليه الصلاة والسلام، فيمن باع بالدنانير وأخذ مكانها الدراهم: " لا ~~بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء ". # أقول. لأنهما إن افترقا وبينهما شيء مثل أن يجعلا تمام صرف الدينار ~~بالدراهم موقوفا على ما يأمر به الصيرفيون، أو على أن يزنه الوزان أو مثل ~~ذلك كان مظنة أن يحتج به المحتج، ويناقش فيه المناقش، ولا تصفوا المعاملة. # قال صلى الله عليه وسلم: # " من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع " ~~أقول: ذلك لأنه عمل زائد عن أصل الشجرة، وقد ظهرت الثمرة على ملكه وهو يشبه ~~الشيء الموضوع في البيت فيجب أن يوفى له حقه إلا أن يصرح بخلافه. # PageV02P173 # وقال صلى الله عليه وسلم: # " ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ". أقول: المراد كل شرط ظهر ~~النهي عنه، وذكر في حكم الله نفيه لا النفي البسيط. # ونهى عليه السلام عن بيع الولاء. وعن هبته لأن الولاء ليس بمال حاضر ~~مضبوط، إنما هو حق تابع للنسب، فكما لا يباع النسب لا ينبغي أن يباع ~~الولاء. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " الخراج بالضمان ". أقول: لا تنقطع المنازعة إلا بأن يجعل الغنم بالغرم، ~~فمن رد المبيع بالعيب إن طولب بخراجه كان في إثبات مقدار الخراج حرج عظيم، ~~فقطع المنازعه بهذا الحكم كما قطع المنازع في القضاء بأن ميراث الجاهلية ~~على ما قسم. # وقال صلى الله ms470 عليه وسلم البيعان: إذا اختلفا والمبيع قائم ليس بينهما ~~بينة فالقول ما قال البائع أو يترادان. أقول: وإنما قطع به المنازعة لأن ~~الأصل ألا يخرج شيء من ملك أحد إلا بعقد صحيح وتراض، فإذا وقعت المشاحة وجب ~~الرد إلى الأصل والمبيع ما له يقينا وهو صاحب اليد بالفعل أو قبل العقد ~~الذي لم تتقر صحته، والقول قول صاحب المال لكن المبتاع بالخيار لأن البيع ~~مبناه على التراضي. # وقال صلى الله عليه وسلم: " الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت ~~الطريق فلا شفعة " وقال عليه السلام: # " الجار أحق بعقبه ". # أقول: الأصل في الشفعة دفع الضرر من الجيران والشركاء، وأرى أن الشفعة ~~شفعتان: شفعة يجب للمالك أن يعرضها على الشفيع فيما بينه وبين الله، وأن ~~يؤثره على غيره، ولا يجبر عليها في القضاء، وهي للجار الذي ليس بشريك، ~~وشفعة يجبر عليها في القضاء وهي للجار الشريك فقط، وهذا وجه الجمع بين ~~الأحاديث المختلفة في الباب. # وقال صلى الله عليه وسلم: " من أقال أخاه المسلم صفقة كرهها أقال الله ~~عثرته يوم القيامة " أقول: يستجب إقالة النادم في صفقته دفعا للضرر عنه، ~~ولا يجب لأن المرء مأخوذ باقراره لازم عليه ما التزمه. # PageV02P174 # وحديث جابر رضي الله عنه بعته، واستثنيت حملانه إلى أهلى أقول: فيه جواز ~~الاستثناء فيما لم يكن محل المناقشة وكانا متبرعين متباذلين لأن المنع إنما ~~هو لكونه مظنة المناقشة. # قال صلى الله عليه وسلم: # " من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة " وقال ~~لعلي رضي الله عنه حين باع أحد الأخوين: " رده ". # أقول: التفريق بين والده وولدهما يهيجهما على الوحشة والبكاء، ومثل ذلك ~~حال الأخوين، فوجب أن يجتنب الإنسان ذلك. # قال الله تعالى: {إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ~~وذرا البيع} # أقول: يتعلق الحكم بالنداء الذي هو عند خروج الإمام، ولما كان الاشتغال ~~بالبيع ونحوه كثيرا ما يكون مفضيا إلى ترك الصلاة وترك استماع الخطبة نهى ~~عن ذلك. # وقيل: قد غلا السعر فسعر ms471 لنا فقال عليه السلام: # " إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق وإني لأرجو أن ألقى الله وليس ~~أحد يطلبني بمظلمة "، # أقول: لما كان الحكم العدل بين المشترين وأصحاب السلع الذي لا يتضرر به ~~أحدهما، أو يكون تضررهما سواء في غاية الصعوبة تورع منه النبي صلى الله ~~عليه وسلم لئلا يتخذها الأمراء من بعده سنة، ومع ذلك فان رؤى منهم جور ظاهر ~~لا يشك فيه الناس جاز تغييره فانه من الافساد في الأرض. # قال الله تعالى: # {يا أيها الذين آمنوا إذ تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} # اعلم أن الدين أعظم المعاملات مناقشة وبأكثرها جدلا، ولا بد منه للحاجة، ~~فلذلك أكد الله تعالى في الكتابة والاستشهاد، وشرع الرهن والكفالة، وبين ~~إثم كتمان الشهادة، وأوجب بالكفاية القيام بالكتابة والشهادة، وهو من ~~العقود الضرورية. # وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة ~~والسنتين والثلاث، فقال: # " من أسلف في شيء، فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم " # PageV02P175 # أقول: ذلك لترتفع المناقشة بقدر # الإمكان، وقاسوا عليها الأوصاف التي يبين بها الشيء من غير تضييق، ومبنى ~~القرض على التبرع من أول الأمر، وفيه معنى الإعارة؛ فلذلك جازت النسيئة، ~~وحرم الفضل، ومبنى الرهن على الاستيثاق، وهو بالقبض، فلذلك اشترط فيه، ولا ~~اختلاف عندي بين حديث " لا يغلق الرهن الرهت من صاحبه الذي رهنه له غنمه ~~وعليه غرمه " وحديث " الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب ~~بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة "؛ لأن الأول هو ~~الوظيفة، لكن إذا امتنع الراهن من النفقة عليه، وخيف الهلاك، وأحياه ~~المرتهن، فعند ذلك ينتفع به بقدر ما يراه الناس عدلا. # وقال صلى الله عليه وسلم لأصحاب الكيل والميزان: # " إنكم قد وليتم أمرين هلكت فيها الأمم السابقة قبلكم " أقول: يحرم ~~التطفيف لأنه خيانة وسوء معاملة، وقد سبق في قوم شعيب عليه السلام ما اقص ~~الله تعالى في كتابه. # وقال: " أيما رجل أفلس، فأدرك رجل ماله بعينه، فهو أحق به " أقول: وذلك ms472 ~~لأنه كان في الأصل ماله من غير مزاحمة، ثم باعه، ولم يرض في بيعه بخروجه من ~~يده إلا بالثمن، فكان البيع إنما هو بشرط إيفاء الثمن، فلما لم يؤد كان له ~~نقضه ما دام المبيع قائما بعينه، فإذا فات المبيع لم يمكن أن يرد المبيع، ~~فيصير دينه كسائر الديون. # وقال صلى الله عليه وسلم: " من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة ~~فلينفس عن معسر أو يضع عنه ". # أقول: هذا ندب إلى السماحة التي هي من أصول ما ينفع في المعاد والمعاش، ~~وقد # PageV02P176 # ذكرناه. # وقال عليه السلام: # " مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على ملئ فليتبع " أقول: هذا أمر ~~استحباب لأن فيه قطع المناقشة. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " لى الواجد يحل عرضه وعقوبته "، أقول: هو هذا أن يغلظ له في القول، ~~ويحبس، ويجبر على البيع إن لم يكن له مال غيره. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا، أو أحل حراما، والمسلمون ~~على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا، أو أحل حراما " فمنه وضع جزء من الدين كقصة ~~ابن أبي حدرد، وهذا الحديث أحد الأصول في باب المعاملات ### | (التبرع والتعاون) # التبرع أقسام: صدقة إن أريد به وجه الله، ويجب أن يكون مصرفة ما ذكر الله ~~تعالى في قوله: # {إنما الصدقات للفقراء} الآية # وهدية إن قصد به وجه المهدي له، قال صلى الله عليه وسلم: " من أعطى عطاء ~~فوجد فليجز به، ومن لم يجد فليثن، فإن من أثنى فقد شكر، ومن كتم فقد كفر، ~~ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور " # اعلم أن الهدية إنما يبتغي بها إقامة الألفة فيما بين الناس، ولا يتم هذا ~~المقصود إلا بأن يرد إليه مثله، فإن الهدية تحبب المهدي إلى المهدى له من ~~غير عكس، وأيضا فإن اليد العليا خير من اليد السفلى، ولمن أعطي الطول على ~~من أخذ، فإن عجز فليشكره، وليظهر نعمته فإن الثناء أول اعتداد بنعمته ~~وإضمار لمحبته، وأنه يفعل في إيراث الحب ms473 ما تفعل الهدية، ومن كتم فقد خالف ~~عليه ما أراده، وناقض مصلحة الائتلاف، وغمط حقه، # PageV02P177 # ومن أظهر ما ليس في الحقيقة فذلك كذب، وقوله عليه السلام: # " كلابس ثوبي زور " معناه كمن تردى أو اتزر بالزور وشمل الزور جميع بدنه. # قال صلى الله عليه وسلم: " من صنع إليه معروف، فقال لفاعله: # جزاك الله خيرا، فقد أبلغ في الثناء " أقول: إنما عين النبي صلى الله ~~عليه وسلم هذه اللفظة لأن الكلام الزائد في مثل هذا المقام إطراء وإلحاح، ~~والناقص، كتمان وغمط "، وأحسن ما يحيي به بعض المسلمين به بعضا ما يذكر ~~المعاد، ويحيل الأمر على الله، وهذه اللفظة نصاب صالح بجميع ما ذكرنا. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " تهادوا، فإن الهدية تذهب الضغائن " وفي رواية " تذهب وحر الصدر " أقول: ~~الهدية وإن قلت تدل على تعظيم المهدى له، وكونه منه على بال، وأنه يحبه، ~~ويرغب فيه، وإليه الإشارة في حديث " # لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاه " فلذلك كان طريقا صالحا لدفع ~~الضغينة، ويدفعها تمام الألفة في المدينة والحي. # قال صلى الله عليه وسلم: # " من عرض عليه ريحان فلا يرده، فإنه خفيف المحمل طيب الريح " أقول: إنما ~~كره رد الريحان، وما يشبهه لخفة مؤنته، وتعامل الناس بإهدائه، فلا يلحق هذا ~~كثير عار في قبوله، ولا في ذلك كثير حرج في إهدائه، وفي التعامل بذلك ~~إئتلاف، وفي رده فساد ذات البين، وإضمار على وحر. # قال صلى الله عليه وسلم: # " العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه، ليس لنا مثل السوء " أقول: إنما ~~كره الرجوع في الهبة لأن منشأ العود فيما أفرزه عن ماله، وقطع الطمع عنه ~~إما شح بما أعطى، أو تضجر منه، أو إضرار له، وكل ذلك من الأخلاق المذمومة، ~~وأيضا نفي نقض الهبة بعد ما أحكم، وأمضى وحر وضغينة، بخلاف ما لم يعط من ~~أول الأمر، فشبه النبي صلى الله عليه وسلم العود فيما أفرزه من ملكه بعود ~~الكلب في قيئه، يمثل لهم المعنى بادئ الرأي وبين لهم قبح تلك الحالة بأبلغ ms474 ~~وجه اللهم إلا # إذا كان بينهما مباسطة ترفع المناقشة ك الوالد والولد، وهو قوله عليه ~~السلام: # " إلا الوالد من ولده ". # وقال صلى الله عليه وسلم فيمن ينحل بعض أولاده ما لم ينحل الآخر. # " أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟ قال: بلى. قال: فلا إذا ". # PageV02P178 # أقول: إنما كره تفضيل بعض الأولاد على بعض في العطية لأنه يورث الحقد ~~فيما بينهم والضغينة بالنسبة إلى الوالد، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى أن تفضيل بعضهم إلى بعض سبب أن يضمر المنقوص له على ضغينة، ويطوي على ~~غل، فيقصر في البر، وفي ذلك فساد المنزل. # ووصية إن كان موقنا بالموت، وإنما جرت بها السنة لأن الملك في بني آدم ~~عارض لمعنى المشاحة، فإذا قارب أن يستغني عنه بالموت استحب أن يتدارك ما ~~قصر فيه، ويواسي من وجب حقه عليه في مثل هذه الساعة. # قال صلى الله عليه وسلم: # " أوص بالثلث والثلث كثير ". واعلم أن مال الميت ينتقل إلى ورثته عند ~~طوائف العرب والعجم، وهو كالجبلة عندهم والأمر اللازم فيما بينهم لمصالح لا ~~تحصى، فلما مرض، وأشرف على الموت توجه طريق لحصول ملكهم، فيكون تأييسهم عما ~~يتوقعون غمطا لحقهم وتفريطا في جنبهم، وأيضا فالحكمة أن يأخذ ماله من بعده ~~أقرب الناس منه، وأولادهم، به وأنصرهم له، وأكثرهم مواساة، وليس أحد في ذلك ~~بمنزلة الوالد والولد، وغيرهما من الأرحام. وهو وقوله تعالى: # {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} # ومع ذلك فكثيرا ما تقع أمور توجب مواساة غيرهم، وكثيرا ما يوجب خصوص ~~الحال أن يختار غيرهم، فلا بد من ضرب حد لا يتجاوزه الناس وهو الثلث لأنه ~~لا بد من ترجيح الورثة، وذلك بأن يكون لهم أكثر من النصف، فضرب لهم ~~الثلثين، ولغيرهم الثلث. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله أعطى لكل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث. أقول: لما كان الناس في ~~الجاهلية يضارون في الوصية، ولا يتبعون في ذلك الحكمة الواجبة، فمنهم من ~~ترك الحق والأوجب سواساته، واختار الأبعد برأيه ms475 الأبتر. وجب أن يسد هذا ~~الباب، ووجب عند ذلك أن يعتبر المظان الكلية بحسب القرابات دون الخصوصيات ~~الطارئة بحسب الأشخاص، فلما تقرر أمر المواريث قطعا لمنازعتهم وسدا ~~لضغائنهم كان من حكمه ألا يسوغ الوصية لوارث؛ إذ في ذلك مناقضة للحد ~~المضروب. # PageV02P179 # وقال صلى الله عليه وسلم. # " ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلا إلا ووصيته مكتوبة عنده ". ~~أقول: استحب تعجيل الوصية احترازا من أن يهجمه الموت، أو يحدث حادث بغتة، ~~فتفوته المصلحة التي يجب إقامتها عنده، فيتحسر، قال صلى الله عليه وسلم: # " أيما رجل أعمر عمري " الحديث. أقول: كان في زمان النبي صلى الله عليه ~~وسلم مناقشات لا تكاد تنقطع، فكان قطعها إحدى المصالح التي بعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم لها كالربا والثارات وغيرها، وكان قوم أعمروا لقوم، ثم ~~انقرض هؤلاء # وهؤلاء، فجاء القرن الآخر، فاشتبه عليهم الحال، فتخاصموا، فبين النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه إن كان نص الواجب هي لك ولعقبك فهي هبة؛ لأنه بين الأمر ~~بما يكون من خواص الهبة الخالصة، وإن قال: هي لك ما عشت فهي إعارة إلى مدة ~~لمدة حياته؛ لأنه قيده بقيد ينافي الهبة. # ومن التبرعات الوقف وكان أهل الجاهلية لا يعرفونه، فاستنبطه النبي صلى ~~الله عليه وسلم لمصالح لا توجد في سائر الصدقات، فإن الإنسان ربما يصرف في ~~سبيل الله مالا كثيرا، ثم يفنى، فيحتاج أولئك الفقراء تارة أخرى، ويجيء ~~أقوام آخرون من الفقراء، فيبقون محرومين، فلا أحسن ولا أنفع للعامة من أن ~~يكون شيء حبسا للفقراء وأبناء السبيل تصرف عليهم منافعة، ويبقى أصله على ~~ملك الواقف، وهو قوله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: # " إن شئت حبست أصلها؛ وتصدقت بها " فتصدق بها عمر أنه لا يباع أصلها، ولا ~~يوهب، ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل ~~الله، وابن السبيل، والضعيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، ~~ويطعم غير متمول. # أما المعاونة فهي أنواع أيضا: منها المضاربة، وهي ms476 أن يكون المال لإنسان، ~~والعمل في التجارة من الآخر ليكون الربح بينها على ما يبينانه. # والمفاوضة أن يعقد رجلان ما لهما سواء الشركة في جميع ما يشتريانه ~~ويبيعانه، والربح بينهما، وكل واحد كفيل الآخر ووكيله. # والعنان أن يعقدا الشركة في مال معين كذلك، ويكون كل واحد وكيلا للآخر ~~فيه ولا يكون كفيلا يطالب بما على الآخر. # وشركة الصنائع كخياطين أو صباغين اشتركا على أن يتقبل كل واحد، ويكون ~~الكسب بينهما. # PageV02P180 # وشركة الوجوه أن يشتركا ولا مال بينهما على أن يشتريا بوجوههما، ويبيعا، ~~الربح بينهما. # والوكالة أن يكون أحدهما يعقد العقود لصاحبه. # والمساقاة أن تكون أصول الشجر لرجل فيكفي مؤنتها الآخر على أن يكون الثمر ~~بينهما. # والمزارعة أن تكون الأرض والبذر لواحد، والعمل، والبقر من الآخر # والمخابرة أن تكون الأرض لواحد، والبذر، والبقر، والعمل من الآخر، ونوع ~~آخر يكون العمل من أحدهما والباقي من الآخر. # والإجارة وفيها معنى العبادة. ومعنى المعاونة فإن كان المطلوب نفس ~~المنفعة فالمبادلة غالبة، وإن كان خصوص العامل مطلوبا فمعنى المعاونة غالب، ~~وهذه عقود كان الناس يتعاملون بها قبل النبي صلى الله عليه وسلم، فما لم ~~يكن منها محلا لمناقشة غالبا، ولم بنه عنه النبي صلى الله عليه وسلم فهو ~~باق على إباحته داخل في قوله صلى الله عليه وسلم: # " المسلمون على شروطهم ". # وقد اختلف الرواة في حديث رافع بن خديج اختلافا فاحشا، وكان وجوه ~~التابعين يتعاملون بالمزراعة، ويدل على الجواز حديث معاملة أهل خيبر، ~~وأحاديث النهي عنها محمولة على الإجارة بما على الماذيانات أو قطعة معينة، ~~وهو قوله رافع رضي الله عنه، أو على التنزيه والإرشاد وهو قول ابن عباس رضي ~~الله عنهما، أو على مصلحة خاصة بذلك الوقت من جهة كثرة مناقشتهم في هذه ~~المعاملة حينئذ، وهو قول زيد رضي الله عنه والله أعلم. ### | (الفرائض) # اعلم أنه أوجبت الحكمة أن تكون السنة بينهم أن يتعاون أهل الحي فيما ~~بينهم، ويتناصروا، ويتواسوا، وأن يجعل كل واحد ضرر الآخر ونفعه بمنزلة ضرر ~~نفسه ونفعه، # PageV02P181 # ولا يمكن إقامة ms477 ذلك إلا بجبلة تؤكدها أسباب طارئة، ويسجل عليها سنة ~~متوارثه بينهم فالجبلة هي ما بين الوالد، والولد، والأخوة، وغير ذلك من ~~المرادة. # والأسباب الطارئة هي التألف، والزيارة، والمهاداة، والمواساة فإن كل ذلك ~~يحبب الواحد إلى الآخر، ويشجع على النصر والمعاونة في الكريهات. # وأما السنة فهي ما نطقت به الشرائع من وجوب صلة الأرحام وإقامة اللأئمة ~~على إهمالها، ثم لما كان من الناس من يتبع فكرا فاسدا، ولا يقيم صلة الرحم ~~كما ينبغي، ويعد ما دون الواجب كثيرا مست الحاجة إلى إيجاب بعض ذلك عليهم، ~~أشاءوا، أم أبوا مثل عيادة المريض، وفك العاني، والعقل، وإعتاق ما ملكه من ~~ذي حم وغير ذلك، وأحق هذا الصنف ما استغنى عنه بالإشراف على الموت، فإنه ~~يجب في مثل ذلك أن يصرف ماله على عينه فيما هو نافع في المعاونات المنزلية، ~~أو يصرف ماله من بعده في أقاربه. # واعلم أن الأصل في الفرائض أن الناس جميعهم عربهم وعجمهم اتفقوا على أن ~~أحق الناس بمال الميت أقاربه وأرحامه، ثم كان لهم بعد ذلك اختلاف شديد، ~~وكان أهل الجاهلية يورثون الرجال دون النساء يرون أن الرجال هم القائمون ~~بالبيضة، وهم الذابون عن الذمار، فهم أحق بما يكون شبه # المجان، وكان أول ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم وجوب الوصية ~~للاقربين من غير تعيين ولا توقيت؛ لأن الناس أحوالهم مختلفة: فمنهم من ~~ينصره أحد أخويه دون الآخر، ومنهم من ينصره والده، وعلى هذا القياس فكانت ~~المصلحة أن يفوض الأمر إليهم، ليحكم كل واحد ما يرى من مصلحة، ثم إذا ظهر ~~من موص جنف أو إثم كان للقضاة أن يصلحوا وصيته، ويغيروا، فكان الحكم على ~~ذلك مدة، ثم أنه لما ظهرت أحكام الخلافة الكبرى، وزوى للنبي صلى الله عليه ~~وسلم مشارق الأرض ومغاربها؛ وتشعشعت أنوار البعثة العامة أوجبت المصلحة ألا ~~يجعل أمرهم إليهم ولا إلى القضاة من بعدهم، بل يجعل على المظان الغالبية في ~~علم الله من عادات العرب والعجم وغيرهم مما يكون كالأمر الطبيعي، ويكون ~~مخالفة ms478 كالشاذ النادر وكالبهيمية المخدجة التي تولد جدعاء أو عرجاء خرقا ~~للعادة المستمرة، وهو قوله تعالى: # {لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا} # ومسائل المواريث تبتنى على أصول: منها أن المعتبر في هذا الباب هو ~~المصاحبة الطبيعية؛ والمناصرة؛ والموادة التي هي # PageV02P182 # كمذهب جبلي، دون الاتفاقات الطارئة؛ فإنها غير مضبوطة، ولا يمكن أن يبنى ~~عليها النواميس الكلية؛ وهو قوله تعالى: # {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} # فلذلك لم يجعل الميراث إلا لأولي الأرحام غير الزوجين؛ فإنهما لاحقان ~~بأولى الأرحام داخلان في تضاعيفهم لوجوه: منها تأكيد التعاون في تدبير # المنزل، والحث على أن يعرف كل واحد منهما ضرر الآخر ونفعه راجعا إلى ~~نفسه، ومنها أن الزوج ينفق عليها، ويستودع منها ماله؛ ويأمنها على ذات يده؛ ~~حتى يتخيل أن جميع ما تركته أو بعض ذلك حقه في الحقيقة، وتلك خصومة لا تكاد ~~تنصرم؛ فعالج الشرع هذا الداء بأن جعل له الربع أو النصف، ليكون جابرا ~~لقلبه وكاسرا لسورة خصومته، ومنها أن الزوجة ربما تلد من زوجها أولادا هم ~~من قوم الرجل لا محالة وأهل نسبه ومنصبه، واتصال الإنسان بأمه لا ينقطع ~~أبدا، فمن هذا الجهة تدخل الزوجة في تضاعيف من لا ينفك عن قومه، وتصير ~~بمنزلة ذوي الأرحام، ومنها أنه يجب عليها يعده أن تعتد في بيته لمصالح لا ~~تخفى ولا متكفل لمعيشتها من قومه، فوجب أن تجعل كفايتها في مال الزوج، ولا ~~يمكن أن يجعل قدرا معلوما لأنه لا يدري كم يترك، فوجب جزء شائع كالثمن، ~~والربع. # ومنها أن القرابة نوعان: أحدهما ما يقتضي المشاركة في الحسب، والمنصب، ~~وأن يكونا من قوم واحد وفي منزله واحدة، وثانيهما ما لا يقتضي المشاركة في ~~الحسب، والنسب، والمنزلة، ولكنه مظنة الود والرفق، وأنه لو كان أمر قسمة ~~التركة إلى الميت لما جاوز تلك القرابة، ويجب أن يفضل النوع الأول على ~~الثاني، لأن الناس عربهم وعجمهم يرون إخراج منصب الرجل وثروته من قومه إلى ~~قوم آخرين جورا وهضما، ويسخطون على ذلك، وإذا أعطي مال الرجل ومنصبه ms479 لمن ~~يقوم مقامه من قومه رأوا ذلك عدلا، ورضوا به وذلك كالجبلة التي لا تنفك ~~منهم إلا أن تقطع قلوبهم اللهم إلا في زماننا حين اختلت الانساب، ولم يكن ~~تناصرهم بنسبهم، ولا يجوز أن يهمل حق النوع الثاني أيضا بعد ذلك ولذلك كان ~~نصيب الأم مع أن برها أوجب وصلتها أوكد أقل من نصيب البنت. والأخت فإنها ~~ليست من قوم ابنها ولا من أهل حسبه ونسبه ومنصبه وشرفه، ولا ممن يقوم ~~مقامه، ألا ترى أن الابن ربما يكون هاشميا، والأم حبشية، والابن # قرشيا، والأم عجمية، والابن من بيت الخلافة، والأم مغموصا عليها بعهر ~~ودناءة، أما البنت والأخت فهما من قوم المرء وأهل منصبه، وكذلك أولاد الأم ~~لم يرثوا حين ورثوا إلا ثلثا لا يزاد لهم عليه # PageV02P183 # ألبتة، ألا ترى أن الرجل يكون من قريش وأخوه لأمه من تميم، وقد يكون بين ~~القبيلتين خصومة، فينصر كل رجل قومه على قوم الآخر، ولا يرى الناس قيامه ~~مقام أخيه عدلا، وكذلك الزوجة التي هي لاحقة بذوي الأرحام داخلة في ~~تضاعيفها لم تجد إلا أوكس الانصباء، وإذا اجتمعت جماعة منهن اشتركن في ذلك ~~النصيب، ولم يرز أن سائر الورثة ألبتة، ألا ترى أنها تتزوج بعد بعلها زوجا ~~غيره، فتنقطع العلاقة بالكلية. # وبالجملة فالتوارث يدورعلى معان ثلاثة: القيام مقام الميت في شرفه ومنصبه ~~وما هو من هذا الباب، فإن الإنسان يسعى كل السعي، ليبقي له خلف يقوم مقامه، ~~والخدمة. والمواساة. والرفق. والحدب عليه من هذا الباب، الثالث القرابة ~~المتضمنة لهذين المعنيين جميعا، والأقدم بالاعتبار هو الثالث، ومظنتها ~~جميعا على وجه الكمال من يدخل في عمود النسب كالأب. والجد. والابن. وابن ~~الابن فهؤلاء أحق الورثة بالميراث، غير أن قيام الابن مقام أبيه هو الوضع ~~الطبيعي الذي عليه بناء العالم من انقراض قرن وقيام القرن الثاني مقامهم، ~~وهو الذي يرجونه، ويتوقعونه، ويحصلون الأولاد والأحفاد لأجله، أما قيام ~~الأب بعد ابنه فكأنه ليس بوضع طبيعي، ولا ما يطلبونه، ويتوقعونه، ولو أن ~~الرجل خير في ماله لكانت مواساة ولده ms480 أملك لقلبه من مواساة والده، فلذلك ~~كانت السنة الفاشية في طوائف الناس تقديم الأولاد على الأباء، أما القيام ~~مقامه فمظنته بعد ما ذكرنا الأخوة ومن في معناه ممن هم كالعضد وكالصنو ومن ~~قوم # المرء وأهل نسبه وشرفه، وأما الخدمة والرفق فمظنة القرابة القريبة، ~~فالأحق به الأم والبنت ومن في معناهما ممن يدخل في عمود النسب، ولا تخلو ~~البت من قيام ما مقامه، ثم الأخت ولا تخلو أيضا من قيام ما مقامه، ثم من به ~~علاقة التزوج، ثم أولاد الأم، والنساء لا يوجد فيهن معنى الحماية والقيام ~~مقامه كيف والنساء ربما تزوجن في قوم آخرين، ويدخلن فيهم اللهم إلا البنت ~~والأخت على ضعف فيهما، ويوجد في النساء معنى الرفق والحدب كاملا موفرا، ~~وإنما مظنة القرابة القريبة جدا كالأم والبنت ثم الأخت دون البعيدة كالعمة ~~وعمة الأب، والباب الأول يوجد في الأب والابن كاملا، ثم الأخوة، ثم ~~الأعمام، والمعنى الثاني يوجد في الأب كاملا، ثم الابن، ثم الأخ لأب # PageV02P184 # وأم أو لأم، وإنما مظنة القرابة القريبة دون البعيدة، فمن ثم لم يجعل ~~للعمة شيء مما للعم لأنها لا تذب عنه كما يذب العم وليست كالاخت في القرب. # ومنها أن الذكر يفضل على الأنثى إذا كانا في منزلة واحدة أبدا لاختصاص ~~الذكور بحماية البيضة والذب عن الذمار، ولأن الرجال عليهم انفاقات كثيرة، ~~فهم أحق ما يكون شبه المجان، بخلاف النساء فإنهن كل على أزواجهن أو آبائهن ~~أو أبنائهن، وهو قوله تعالى: # {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا} # وقال ابن مسعود رضي الله عنه في مسألة ثلث الباقي: ما كان الله ليريني أن ~~أفضل أما على أب، غير أن الوالد لما اعتبر فضله مرة بجمعه بين العصوبة ~~والفرض ولم يعتبر ثانيا بتضاعف نصيبه أيضا، فإنه غمط لحق سائر الورثة، ~~وأولاد الأم ليس للذكر منهم حماية للبيضة ولا ذب عن الذمار، فإنهم من # قوم آخرين، فلم يفضل على الأنثى، وأيضا فإن قرابتهم منشعبة من قرابة الأم ~~فكأنهم جميعا إناث. ms481 # ومنها أنه إذا اجتمع جماعة من الورثة فإن كانوا في مرتبة واحدة وجب أن ~~يوزع عليهم لعدم تقدم واحد منهم على الآخر وإن كانوا في منازل شتى فذلك على ~~وجهين: إما أن يعمهم اسم واحد أو جهة واحدة والأصل فيه أن الأقرب يحجب ~~الأبعد حرمانا لأن التوارث إنما شرع حثا على التعاون ولكل قرابة وتعاون ~~كالرفق فيمن يعمهم اسم الأم والقيام مقام الرجل فيمن يعمهم اسم الابن والذب ~~عنه فيمن يعمهم اسم العصوبة. ولا تتحقق هذه المصلحة إلا بأن يتعين من يؤاخذ ~~نفسه بذلك، ويلام على تركه، ويتميز من سائر من هنالك بالنبل اما فضل سهم ~~على سهم، فلا يجدون له كثير بال أو تكون أسماؤهم وجهاتهم مختلفة، والأصل ~~فيه أن الأقرب والأنفع فيما عند الله من علم المظان الغالبية يحجب الأبعد ~~نقصانا. # ومنها أن السهام التي تعين بها الأنصباء يجب أن تكون أجزاؤها ظاهرة ~~يتميزها بادئ الرأي المحاسب وغيره، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم في ~~قوله: # " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " إلى أن الذي يليق أن يخاطب به جمهور ~~المكلفين هو ما لا يحتاج إلى تعمق في الحساب ويجب أن يكون بحيث يظهر فيها ~~ترتيب الفضل والنقصان بادئ الرأي، فآثر الشرع من السهام فصلين: الأول ~~الثلثان، والثلث، والسدس، والثاني النصف، والربع، والثمن، فإن مخرجهما ~~الأصلي أولا الأعداد، ويتحقق فيهما ثلاث مراتب بين كل منها نسبة # PageV02P185 # الشيء إلى ضعفه ترفعا ونصفه تنزلا، وذلك أدنى أن يظهر فيه الفضل والنقصان ~~محسوسا متبينا، ثم إذا اعتبر فضل ظهرت نسب أخرى لا بد منها في الباب كالشيء ~~الذي زيد على النصف، فلا يبلغ التمام وهو الثلثان، والشيء الذي ينقص عن ~~النصف، ولا يبلغ الربع وهو الثلث، ولم يعتبر الخمس، والسبع لأن تخريج ~~مخرجهما أدق، والترفع والتنزل فيهما يحتاج إلى تعمق في الحساب، وقال الله ~~تعالى: # {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين ~~فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف} # أقول: يضعف ms482 نصيب الذكر على الأنثى، وهو قوله تعالى: # {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله} # وللبنت المنفردة النصف لأنه إن كان ابن واحد لأحاط المال، فمن حق البنت ~~الواحدة أن تأخذ نصفه قضية للتضعيف، والبنتان حكمهما حكم الثلاث بالأجماع، ~~وإنما أعطيتا الثلثين لأنه لو كان مع البنت ابن لوجدت الثلث،، فالبنت ~~الأخرى أولى ألا ترزأ نصيبها من الثلث، وإنما أفضل للعصبة الثلث لأن للبنات ~~معونة وللعصبات معونة، فلم يسقط إحداهما الأخرى، لكن كانت الحكمة أن يفضل ~~من في عمود النسب على من يحيط به من جوانبه، وذلك نسبة الثلثين من الثلث، ~~وكذلك حال الوالدين مع البنين والبنات، وقال الله تعالى: # {ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد ~~وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس} الآية. # أقول: قد علمت أن الأولاد أحق بالميراث من الوالدين، وذلك بأن يكون لهم ~~الثلثان، ولهما الثلث، وإنما لم يجعل نصيب الوالد أكثر من نصيب # الأم لأنه اعتبر فضله من جهة قيامه مقام الولد وذبه عنه مرة واحدة ~~بالعصوبة، فلا يعتبر ذلك الفضل بعينه في حق التضعيف أيضا، وعند عدم الولد ~~لا أحق من الوالدين، فأحاط تمام الميراث، وفضل الأب على الأم، وقد علمت أن ~~الفضل المعتبر في أكثر هذه المسائل فضل التضعيف، ثم إن كان الميراث للأم ~~والأخوة وهم أكثر من واحد وجب أن ينقص سهمها إلى السدس لأنه إن لم تكن ~~الأخوة عصبة، وكانت العصبات أبعد من ذلك فالعصوبة، والرفق، والمودة على ~~السواء، فجعل النصف لهؤلاء، والنصف لهؤلاء ثم قسم النصف على الأم وأولادها، ~~فجعل السدس لها ألبتة لا ينقص سهمها منه، والباقي لهم جميعا، وإن كانت ~~الأخوة # PageV02P186 # عصبات فقد اجتمع فيهم القرابة القريبة والحماية، وكثيرا ما يكون مع ذلك ~~ورثة آخرون كالبنت والبنين والزوج فلو لم يجعل لها السدس حصل التفسيق ~~عليهم. وقال تعالى: # {ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع ~~مما تركن ms483 من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ~~ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين} . # أقول: الزوج يأخذ الميراث لأنه ذو اليد عليها وعلى مالها، فاخراج المال ~~من يده يسوؤه، ولأنه يودع منها، ويأمنها في ذات يده حتى يتخيل أن له حقا ~~قويا فيما في يدها أو الزوجة تأخذ حق الخدمة والمواساة والرفق ففضل الزوج ~~على الزوجة، وهو قوله تعالى: # {الرجال قوامون على النساء} # ثم اعتبر ألا يضيقا على الأولاد، وقد علمت أن الفضل المعتبر في أكثر ~~المسائل فضل التضعيف قال تعالى: # {وإن كان رجل يورث كللة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس ~~فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث} . # أقول: هذه الآية في أولاد الأم للاجماع، ولما لم يكن له والد ولا ولد جعل ~~لحق الرفق - إذا كانت فيهم الأم - النصف، ولحق النصرة والحماية النصف، فان ~~لم تكن أم جعل لهم الثلثان، ولهؤلاء الثلث، قال الله تعالى: # {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكللة إن امرؤا هلك ليس له ولد وله أخت ~~فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما ~~الثلثان مما ترك وإن كانوا أخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين} ~~الآية. # أقول: هذه الآية في أولاد الأب بني الأعيان وبني العلات بالاجماع، ~~والكلالة من لا والد له ولا ولد، وقوله (ليس له ولد) كشف لبعض حقيقة ~~الكلالة، والجملة في ذلك أنه إذا لم يوجد من يدخل في عمود النسب حمل أقرب ~~من يشبه الأولاد وهم الأخوة والأخوات على الأولاد. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو ~~لأولى، رجل ذكر ". # أقول: قد علمت أن الأصل في التوارث معنيان، وقد ذكرناهما وأن المودة، ~~والرفق لا يعتبر إلا في القرابة القريبة جدا كالأم والأخوة دون ما سوى ذلك، ~~فإذا جاوزهم # PageV02P187 # الأمر تعين التوارث بمعنى القيام مقام ms484 الميت والنصرة له، وذلك قوم الميت ~~وأهل نسبه وشرفه الأقرب فالأقرب. # قال صلى الله عليه وسلم: # " لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ". أقول: إنما شرع ذلك ليكون ~~طريقا إلى قطع المواساة بينهما، فان اختلاط المسلم بالكافر يفسد عليه دينه، ~~وهو قوله تعالى في حكم النكاح: # {أولئك يدعون إلى النار} # وقال صلى الله عليه وسلم: # " القاتل لا يرث " أقول إنما شرع ذلك لأن من الحوادث الكثيرة الوقوع أن ~~يقتل الوارث مورثه، ليحرز ماله لا سيما في أبناء العم ونحوهم، فيجب أن تكون ~~السنة بينهم تأييس من فعل ذلك عما أراده، لتقطع عنهم تلك المفسدة، وجرت ~~السنة ألا برث العبد، ولا يورث، وذلك لأن ماله لسيده والسيد أجنبي. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات " أقول وذلك لما ذكرنا من ~~أن القيام مقام الميت مبناه على الاختصاص وحجب الأقرب والأبعد بالحرمان، ~~وأجمعت الصحابة رضي الله عنهم في زوج وأبوين وامرأة وأبوين أن للأم ثلث ~~الباقي، وقد بين ابن مسعود رضي الله عنه ذلك. بما لا مزيد عليه حديث قال: ~~ما كان الله ليريني أن أفضل أما على # أب، وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بنت وابنة ابن وأخت لأب وأم ~~للابنة النصف ولابنة الابن السدس وما بقي فللاخت. # أقول: وذلك لأن الأبعد لا يزاحم الأقرب فيما يجوزه، فما بقي فان الأبعد ~~أحق به حتى يستوفى ما جعل الله لذلك النصف، فالابنة تأخذ النصف كملا وابنة ~~الابن في حكم البنات، فلم تزاحم البنت الحقيقية، واستوفت ما بقي من نصيب ~~البنات، ثم كانت الأخت عصبة لأن فيها معنى من القيام مقام البنت وهي من أهل ~~شرفه. # وقال عمر رضي الله عنه في زوج وأم، وأخوة لأب وأم، وأخوة لأم: لم يزدهم ~~الأب إلا قربا، وتابع عليه ابن مسعود، وزيد، وشريح، رضي الله عنهم، وخلائق، ~~وهذا القول أوفق الأقوال بقوانين الشرع، وقضى للجدة بالسدس إقامة لها مقام ~~الأم عند عدمها. وكان أبو بكر، وعثمان، وابن عباس ms485 رضي الله عنهم يجعلون ~~الجد ابا، وهو أولى الأقوال عندي. # وأما الولاء فالسر فيه النصرة وحماية البيضة، فالأحق بها مولى النعمة، ثم ~~بعده الذكور من قومه الأقرب فالأقرب، والله أعلم. # PageV02P188 ### | (من أبواب تدبير المنزل) # اعلم أن أصول فن تدبير المنازل مسلمة عند طوائف العرب والعجم لهم اختلاف ~~في أشباحها وصورها، وبعث النبي صلى الله عليه وسلم في العرب، واقتضت الحكمة ~~أن يكون طريق ظهور كلمة الله في الأرض غلبتهم على الأديان، ونسخ عادات ~~أولئك بعاداتهم، ورياسة أولئك برياساتهم، فأوجب ذلك ألا يتعين تدبير ~~المنازل إلا في العادات للعرب، وأن تعتبر تلك الصور والأشباح بأعيانها، وقد ~~ذكرنا أكثر ما يجب ذكره في مقدمة الباب في الارتفاقات وغيرها فراجع. ### | (الخطبة وما يتعلق بها) # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فانه أغض للبصر وأحصن ~~للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء " اعلم أن المني إذا كثر ~~توالده في البدن صعد بخاره إلى الدماغ، فحبب إليه النظر إلى المرأة ~~الجميلة، وشغف قلبه حبها، ونزل قسط منه إلى الفرج، فحصل الشبق، واشتدت ~~الغلمة، وأكثر ما يكون ذلك في وقت الشباب، وهذا حجاب عظيم من حجب الطبيعة ~~يمنعه من الإمعان في الإحسان، ويهيجه إلى الزنا، ويفسد عليه الأخلاق، ~~ويوقعه في مهالك عظيمة من فساد ذات البين، فوجب إماطة هذا الحجاب، فمن ~~استطاع الجماع، وقدر عليه بأن تيسرت له امرأة على ما تأمر به الحكمة، وقدر ~~على نفقتها فلا أحسن له من أن يتزوج، فان التزوج أغض للبصر وأحصن للفرج من ~~حيث إنه سبب لكثر استفراغ المني، ومن لم يستطع ذلك فعليه بالصوم، فان سرد ~~الصوم له من خاصية في كسر سورة الطبيعة، وكبحها عن غلوائها؛ لما فيه من ~~تقليل مادتها، فيتغير به كل خلق فاسد نشأ من كثرة # PageV02P189 # الاختلاط. # ورد صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مطعون التبتل، فقال: " أما والله ~~إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم، وأفطر، وأصلي، وأرقد، وأتزوج ~~النساء، فمن ms486 رغب عن سنتي فليس مني ". # اعلم أنه كانت المانوية والمترهبة من النصارى يتقربون إلى الله بترك # النكاح، وهذا باطل، لأن طريقة الأنبياء عليهم السلام التي ارتضاها الله ~~للناس هي إصلاح الطبيعة ودفع اعوجاجها، لا سلخها عن مقتضياتها، وقد ذكرنا ~~ذلك مستوعبا، فراجع، ثم لا بد من الإرشاد إلى المرأة التي يكون نكاحها ~~موافقا للحكمة موفرا عليه مقاصد تدبير المنزل؛ لأن الصحبة بين الزوجين ~~لازمة، والحاجات من الجانبين متأكدة، فلو كان لها جبلة سوء، وفي خلقها ~~وعادتها فظاظة، وفي لسانها بذاء - ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وانقلبت عليه ~~المصلحة مفسدة، ولو كانت صالحة صلح المنزل كل الصلاح، وتهيأ له أسباب الخير ~~من كل جانب، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: # " الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة "، قال صلى الله عليه ~~وسلم: " تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات ~~الدين تربت يداك " واعلم أن المقاصد التي يقصدها الناس في اختيار المرأة ~~أربع خصال غالبا: تنكح لمالها بأن يرغب في المال، ويرجو مواساتها معه في ~~مالها، أو يكون أولاده أغنياء لما يجدون من قبل أمهم، ولحسبها يعنى مفاخر ~~آباء المرأة فان التزوج في الأشراف شرف وجاه، ولجمالها فإن الطبيعة البشرية ~~راغبة في الجمال، وكثير من الناس تغلب عليهم الطبيعة، ولدينها أي لعفتها عن ~~المعاصي وبعدها عن الريب وتقربها إلى بارئها بالطاعات ... فالمال، والجاه ~~مقصد من غلب عليه حجاب الرسم ... ؛ والجمال، وما يشبهه من الشباب مقصد من ~~غلب عليه حجاب الطبيعة ... ، والدين مقصد من تهذب بالفطرة، فأحب أن تعاونه ~~امرأته في دينه ورغب في صحبة أهل الخير. # قال صلى الله عليه وسلم: # " خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج ~~في ذات يده " # PageV02P190 # أقول: يستحب أن تكون المرأة من كورة وقبلة عادات نسائها صالحه " فإن ~~الناس معادن # كمعادن الذهب والفضة وعادات القوم ورسومهم غالبة على الإنسان، وبمنزلة ~~الأمر المجبول هو عليه، وبين أن نساء قريش خير النساء من جهة أنهن أحنى ~~إنسان على الولد في ms487 صغره، وأرعاه على الزوج في ماله ورقيقه، ونحو ذلك، ~~وهذان من أعظم مقاصد النكاح، وبهما انتظام تدبير المنزل، وإن أنت فتشت حال ~~الناس اليوم في بلادنا ما وراء النهر وغيرها لم تجد أرسخ قدما في الأخلاق ~~الصالحة ولا أشد لزوما لها من نساء قريش. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأمم ". # أقول: تواد الزوجين به تتم المصلحة المنزلية، وكثرة النسل بها تتم ~~المصلحة المدنية والملية، وود المرأة لزوجها دال على صحة مزاجها، وقوة ~~طبيعتها مانع لها من أن يطمح بصرها إلى غيره، باعث على تجملها بالامتشاط ~~وغير ذلك، وفيه تحصين فرجه ونظره. # قال صلى الله عليه وسلم: # " إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إن لا تفعلوا تكن فتنة في ~~الأرض وفساد عريض " أقول. ليس في هذا الحديث أن الكفاءة غير معتبرة، كيف ~~وهي مما جبل عليه طوائف الناس، وكاد يكون القدح فيها اشد من القتل، والناس ~~على مراتبهم والشرائع لا تهمل مثل ذلك ولذلك قال عمر رضي الله عنه: لأمنعن ~~النساء إلا من أكفائهن، ولكنه أراد ألا يتبع أحد محقرات الأمور نحو قلة ~~المال ورثاثة الحال ودمامة الجمال، أو يكون ابن أم ولد ونحو ذلك من الأسباب ~~بعد أن يرضى دينه وخلقه، فإن اعظم مقاصد تدبير المنزل الاصطحاب # في خلق حسن، وأن يكون ذلك الاصطحاب سببا لصلاح الدين. قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " الشؤم في المرأة والدار والفرس " أقول: التفسير الصحيح الذي يوجبه مورد ~~الحديث أن هنالك سببا خفيا غالبيا يكون به أكثر من يتزوج المرأة مثلا ~~محارفا غير مبارك، ويستحب للرجل إذا دلت التجربة على شؤم امرأة أن يريح ~~نفسه بترك تزوجها إن كانت جميلة أو ذات مال. # والحكمة تحكم بايثار البكر بعد أن تكون عاقلة بالغة، فإنها أرضى باليسير ~~لقلة # PageV02P191 # خبابتها، وانتق رحما لقوة شبابها وأقرب للتأدب بما تأمر به الحكمة ويلزم ~~عليها، وأحصن للفرج والنظر بخلاف الثيبات فأنهن أهل خبابة وصعوبة الأخلاق ~~وقلة الأولاد وهن كالألواح المنقوشة لا يكاد يؤثر ms488 فيهن التأديب اللهم إلا ~~إذا كان تدبير المنزل لا ينتظم إلا بذات التجربة كما ذكره جابر بن عبد الله ~~رضي الله عنهما. # قال صلى الله عليه وسلم: # " إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها ~~فليفعل " وقال: " فإنه أحرى أن يؤدم بينكما " وقال " هل رأيتها فإن في أعين ~~الأنصار شيئا " أقول: السبب في استحباب النظر إلى المخطوبة أن يكون التزوج ~~على روية، وأن يكون أبعد من الندم الذي يلزمه إن اقتحم في النكاح ولم ~~يوافقه فلم يرده، وأسهل للتلافي إن رد، وأن يكون تزوجها على شوق ونشاط إن ~~وافقه، والرجل الحكيم لا يلح مولجا حتى يتبين خيره وشره قبل ولوجه. # وقال صلى الله عليه وسلم # " إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر # في صورة شيطان إذا أحدكم أعجبته امرأة، فوقعت في قلبه فليعمد إلى امرأته، ~~فليواقعها؛ فإن ذلك يرد ما في نفسه ". # اعلم أن شهوة الفرج أعظم الشهوات وأرهقها للقلب موقعة في مهالك كثيرة، ~~والنظر إلى النساء يهيجها، وهو قوله عليه السلام: # " المرأة تقبل في صورة شيطان " الخ فمن نظر إلى امرأة، ووقعت في قلبه، ~~واشتاق إليها وتوله لها فالحكمة ألا يهمل ذلك، فإنه يزداد حينا فحينا في ~~قلبه حتى يملكه، ويتصرف فيه، ولكل شيء مدد يتقوى به، وتدبير ينتقص به، فمدد ~~التوله للنساء امتلأ أوعية المني به وصعود بخاره إلى الدماغ، وتدبير ~~انتقاصه استفراغ تلك الأوعية، وأيضا فإن الجماع يشغل قلبه، ويسلبه عما ~~يجده، ويصرف قلبه عما هو متوجه إليه، والشيء إذا عولج قبل تمكنه زال بأدنى ~~سعى. # قال صلى الله عليه وسلم: # " لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح، أو يترك ". # أقول: سبب ذلك أن الرجل إذا خطب امرأة، وركنت إليه ظهر وجه لصلاح منزله، ~~فيكون تأييسه عما هو لسبيله وتخبيته عما يتوقعه إساءة معه وظلما عليه ~~وتضييقا به. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها، ولتنكح فإن لها ما قدر # PageV02P192 # لها " أقول السرفية أن طلب طلاقها ms489 اقتضاب عليها وسعى في إبطال معيشتها، ~~ومن أعظم أسباب فساد المدينة أن يقتضب واحد على الآخر وجه معيشته، وإنما ~~المرضى عند الله أن يطلب كل واحد معيشته بما يسر الله له من غير أن يسعى في ~~إزالة معيشة الآخر. ### | ذكر العورات # اعلم أنه لما كان الرجال يهيجهم النظر إلى النساء على عشقهن والتوله بهن، ~~ويفعل بالنساء مثل ذلك، وكان كثيرا ما يكون ذلك سببا لأن يبتغي قضاء الشهوة ~~منهن على غير السنة الراشدة، كإتباع من هي في عصمة غيره، أو بلا نكاح، أو ~~غير اعتبار كفاءة - والذي شوهد في هذا الباب يغني عما سطر في الدفاتر - ~~اقتضت الحكمة أن يسد هذا الباب، ولما كانت الحاجات متنازعة محوجة إلى ~~المخالطة وجب أن يجعل ذلك على مراتب بحسب الحاجات فشرع النبي صلى الله عليه ~~وسلم وجوها من السنن. # أحدها ألا تخرج المرأة من بيتها إلا لحاجة لا تجد منها بدا. # قال صلى الله عليه وسلم: " # المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان ". # أقول: معناه استشرف حزبه، أو هو كناية عن تهيئ أسباب الفتنة، وقال الله ~~تعالى: # {وقرن في بيوتكن} # وكان عمر رضي الله عنه - لما أوتي من علم أسرار الدين - حريصا على أن ~~ينزل هذا الحجاب حتى نادى: يا سودة إنك لا تخفين علينا لكنه صلى الله عليه ~~وسلم رأى أن سد هذا الباب بالكلية حرج عظيم فندب إلى ذلك من غير إيجاب، ~~وقال: # {أذن لكن أن تخرجن إلى حوائجكن} # الثاني أن تلقي عليها جلبابها، ولا تظهر مواضع الزينة منها إلا لزوجها أو ~~لذي رحم محرم، قال تعالى: # PageV02P193 # {وقل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله ~~خبير بما يصنعون} # {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ~~ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو ~~آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن} إلى قوله: ~~(تفلحون) # فرخص فيما يقع به المعرفة من الوجه، وفيما يقع به البطش في ms490 غالب الأمر ~~وهو اليدان، وأوجب ستر ما سوى ذلك إلا من بعولتهن والمحارم وما ملكت ~~أيمانهن من العبيد، ورخص للقواعد من النساء أن يضعن ثيابهن. # الثالث ألا يخلو رجل مع امرأة في بيت ليس معهما من يهابانه، قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " ألا لا يبيتن رجل عند امرأة ثيب إلا أن يكون ناكحا أو ذا رحم "، وقال ~~صلى الله عليه وسلم: # " لا يخلون رجل بامرأة فان الشيطان ثالثهما ". # قال صلى الله عليه وسلم: # " لا تجلوا على المغيبات فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ". # الرابع ألا ينظر أحد امرأة كان أو رجلا إلى عورة الآخر امرأة كان أو رجلا ~~إلا الزوجان، قال صلى الله عليه وسلم: # " لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة ". # أقول: ذلك لأن النظر إلى العورة يهيج الشهوة، والنساء ربما يتعاشقن # فيما بينهن، وكذلك الرجال فيما بينهم، ولا حرج في ترك النظر إلى السوءة، ~~وأيضا فستر العورة من أصول الارتفاقات لا بد منها. # الخامس أن لا يكامع أحد أحدا في ثوب واحد، وفي معناه أن يبيتا على سرير ~~واحد مثلا، قال صلى الله عليه وسلم: # " لا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ~~ثوب واحد ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " لا تباشر المرأة المرأة لتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها " أقول: السبب ~~أنه أشد شيء في تهيج الشهوة والرغبة، ويورث شهوة السحاق واللواطة، وقوله: ~~كأنه ينظر إليها معناه أن مباشرة المرأة ربما كانت سببا لاضمار حبها، فيجري ~~على لسانها ذكر ما وجدت فيه من اللذة عند زوجها أو ذي رحم منها، فيكون سببا ~~لتولههم، وأعم المفاسد أن تنعت امرأة عبد رجل ليس زوجا لها، وهو سبب إخراج ~~هيت المخنث من البيوت. # PageV02P194 # واعلم أن ستر العورة أعني الأعضاء التي يحصل العار بانكشافها بين الناس ~~في العادات المتوسطة كالتي كانت في قريش مثلا يومئذ - من أصل الارتفاقات ~~المسلمة عند كل من يسمى بشرا، وهو مما امتاز به الإنسان من ms491 سائر أنواع ~~الحيوانات، فلذلك أوجبه الشرع، والسوأتان، والخصيتان، والعانة، وما وليها ~~من أصول الفخذين من أجلى بديهيات الدين أنها من العورة، لا حاجة إلى ~~الاستدلال في ذلك، ودل قوله صلى الله عليه وسلم: # " إذا زوج # أحدكم عبده أمته فلا ينظر إلى، عورتها " وفي رواية " فلا ينظر إلى مادون ~~السرة وفوق الركبة "، وقوله عليه السلام: " أما علمت أن الفخذ عورة " على ~~أن الفخذين عورة، وقد تعارضت الأحاديث في المسألة لكن الأخذ بهذا أحوط ~~وأقرب من قوانين الشرع. # وقال صلى الله عليه وسلم # " إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل ~~إلى أهله فاستحيوهم وأكرموهم " وقال: " فالله أحق أن تستحيا منه " أقول: ~~التعري لا يجوز إن كان خاليا إلا عند ضرورة لا تجد منها بدا؛ فإنه كثيرا ما ~~يهجم الإنسان عليه، والأعمال إنما تعتبر بالأخلاق التي تنشأ منها، ومنشأ ~~الستر الحياء، وأن يغلب على النفس هيئة التحفظ والتقيد، وأن يترك الوقاحة، ~~وألا يسترسل، وإذا أمر الشارع أحدا بشيء اقتضى ذلك أن يؤمر الآخر أن يفعل ~~معه حسب ذلك، فلما أمرت النساء بالتستر وجب أن يرغب الرجال في غض البصر، ~~وأيضا فإن فتهذيب نفوس الرجال لا يتحقق إلا بغض الأبصار ومؤاخذة أنفسهم ~~بذلك ... قال صلى الله عليه وسلم: # " الأولى لك وليست لك الآخرة ". # أقول: يشير أن حالة البقاء بمنزلة الإنشاء، وحين دخل أعمى، وقيل: " أليس ~~هو أعمى لا يبصرنا؟ قال صلى الله عليه وسلم: أفعميان أنتما ألستما تبصرانه ~~" أقول: السر في ذلك أن النساء يرغبن في الرجال كما يرغب الرجال فيهن. # وقال صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها: # " إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك " أقول: إنما كان العبد بمنزلة ~~المحارم لأنه لا رغبة له في سيدته لجلالتها في عنيه، ولا لسيدته فيه ~~لحقارته عندها، ويعسر التستر بينهما، وهذه الصفات كلها معتبرة في المحارم ~~فان القرابة القريبة المحرمة مظنة قلة الرغبة، واليأس أحد أسباب قطع الطمع، # PageV02P195 # وطول الصحبة يكون سبب قلة النشاط وعسر التستر وعدم ms492 الالتفات، فلذلك جرت ~~السنة أن الستر عن المحارم دون الستر عن غيرهم: ### | (صفة النكاح) # قال صلى الله عليه وسلم: # لا نكاح إلا بولي " اعلم أنه لا يجوز أن يحكم في النكاح النساء خاصة ~~لنقصان عقلهن وسوء فكرهن، فكثيرا ما لا يهتدين المصلحة، ولعدم حماية الحسب ~~منهن غالبا، فربما رغبن في غير الكفء وفي ذلك عار على قومها، فوجب أن يجعل ~~للأولياء شيء من هذا الباب لتسد المفسدة، وأيضا فإن السنة الفاشية في الناس ~~من قبل ضروره جبلية أن يكونوا الرجال قوامين على النساء، ويكون بيدهم الحل ~~والعقد وعليهم النفقات وإنما النساء عوان بأيديهم، وهو قوله تعالى: # {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم} . الآية، # وفي اشتراط الولي في النكاح تنويه أمرهم، واستبداد النساء بالنكاح وقاحة ~~منهن، منشؤها قلة الحياء واقتضاب على الأولياء وعدم اكتراث لهم، وأيضا يجب ~~أن يميز النكاح من السفاح بالتشهير، وأحق التشهير أن يحضره أولياؤها. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " لا تنكح الثيب حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن، وإذنها الصموت " وفي ~~رواية " البكر يستأذنها أبوها " أقول: # لا يجوز أيضا أن يحكم الأولياء فقط لأنهم لا يعرفون ما تعرف المرأة من ~~نفسها ولأن حار العقد وقاره راجعان إليها، والاستثمار طلب أن تكون هي ~~الآمره صريحا، والاستئذان طلب أن تأذن، ولا تمنع، وأدناه السكوت، وإنما ~~المراد استئذان البكر البالغة دون الصغيرة كيف ولا رأي لها، وقد زوج أبو ~~بكر الصديق رضي الله عنه عائشة رضي الله عنها من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهي بنت ست سنين. # قال صلى الله عليه وسلم: # " إيما عبد تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر " أقول: لما كان العبد مشغولا ~~بخدمة مولاه، والنكاح وما يتفرع عليه من المواساة معها والتخلي بها ربما ~~ينقص من خدمته وحب أن تكون السنة أن يتوقف نكاح العبد على إذن مولاه، وأما ~~حال الأمة فأولى أن يتوقف نكاحها على إذن مولاها، وهو قوله تعالى: # PageV02P196 # {فانكحوهن بإذن أهلهن} . # قال ابن مسعود رضي الله عنه: علمنا رسول الله ms493 صلى الله عليه وسلم التشهد ~~في الحاجة أن الحمد لله، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ~~من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ويقرأ ثلاث آيات. # {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} . # {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} . # {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ~~ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} . # أقول كان أهل الجاهلية يخطبون قبل العقد بما يرونه من ذكر ومفاخر قومهم ~~ونحو ذلك يتوسلون بذلك إلى ذكر المقصود والتنويه به، وكان جريان الرسم بذلك ~~مصلحة، فإن الخطبة مبناها على التشهير وجعل الشيء بمسمع ومرآى من الجمهور، ~~والتشهير بما يراد وجوده في النكاح ليتميز من السفاح، وأيضا فالخطبة لا ~~تستعمل إلا في الأمور المهمة، والاهتمام بالنكاح وجعله أمرا عظيما بينهم من ~~أعظم المقاصد، فأبقى النبي صلى الله عليه وسلم أصلها، وغير وصفها، وذلك أنه ~~ضم مع هذه المصالح مصلحة ملية، وهي أنه ينبغي أن يضم مع كل ارتفاق ذكر ~~مناسب له، وينوه في كل محل بشعائر الله، ليكون الدين الحق منشورا أعلامه ~~وراياتة، ظاهرا شعاره وأماراته، فسن فيها أنواعا من الذكر كالحمد، ~~والاستعانة، والاستغفار، والتعوذ، والتوكل، والتشهد، وآيات من القرآن، ~~وأشار إلى هذه المصلحة بقوله: " كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء " ~~وقوله: # " كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم " # وقال صلى الله عليه وسلم: " فصل ما بين الحلال والحرام الصوت # والدف في النكاح " وقال صلى الله عليه وسلم: # " أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه الدفوف ". # أقول: كانوا يستعملون الدف والصوت في النكاح، وكانت تلك عادة فاشية فيهم ~~لا يكادون يتركونها في النكاح الصحيح الذي أبقاه النبي صلى الله عليه وسلم ~~من الأنكحة الأربعة على ما # PageV02P197 # بينته عائشة رضي الله عنها، وفي ذلك مصلحة وهي ms494 أن النكاح والسفاح لما ~~اتفقا في قضاء الشهوة ورضا الرجل والمرأة وجب أن يؤمر بشيء يتحقق به الفرق ~~بينهما بادى الرأي بحيث لا يبقى لأحد فيه كلام ولا خفاء، وكان صلى الله ~~عليه وسلم قد رخص في المتعة أياما، ثم نهى عنها، أما الترخيص أولا فلمكان ~~حاجة تدعو إليه كما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما فيمن يقدم بلدة ليس بها ~~أهله، وأشار ابن عباس رضي الله عنهما أنها لم تكن يومئذ استئجارا على مجرد ~~البضع، بل كان ذلك مغمورا في ضمن حاجات من باب تدبير المنزل، كيف ~~والاستئجار على مجرد البضع انسلاخ عن الطبيعة الإنسانية، ووقاحة يمجها ~~الباطن السليم وأما النهي عنها فلارتفاع تلك الحاجة في غالب الأوقات، وأيضا ~~ففي جريان الرسم به اختلاط الأنساب لأنها عند انقضاء تلك المدة تخرج من ~~حيزه، ويكون الأمر بيدها، فلا يدري ماذا تصنع، وضبط العدة في النكاح الصحيح ~~الذي بناؤه على التأييد في غاية العسر فما ظنك في بالمتعة وإهمال النكاح ~~الصحيح المعتبر في الشرع؟ فان أكثر الراغبين في النكاح إنما غالب داعيتهم ~~قضاء # شهوة الفرج وأيضا فان من الأمر الذي يتميز به النكاح من السفاح التوطين ~~على المعاونة الدائمة وإن كان الأصل فيه قطع المنازعة فيها على أعين الناس. # وكانوا لا يناكحون إلا بصدق لأمور بعثتهم على ذلك، وكان فيه مصالح منها ~~أن النكاح لا تتم فائدته إلا بأن يوطن كل واحد نفسه على المعاونة الدائمة، ~~ويتحقق ذلك من جانب المرأة بزوال أمرها من يدها، ولا جائز أن يشرع زوال ~~أمره أيضا من يده وإلا انسد باب الطلاق، وكان أسيرا في يدها كما أنها عانية ~~بيده وكان الأصل أن يكونوا قوامين على النساء، ولا جائز أن يجعل أمرهما إلى ~~القضاء. فان مراجعة القضية إليهم فيها حرج وهم لا يعرفون ما يعرف هو من ~~خاصة أمره، فتعين أن يكون بين عينيه خسارة مال إن أراد فك النظم لئلا يجترئ ~~على ذلك إلا عند حاجة لا يجد منها بدا، فكان هذا نوعا من ms495 التوطين. # وأيضا لا يظهر الاهتمام بالنكاح إلا بمال يكون عوض البضع، فإن الناس لما ~~تشاحوا بالأموال شحا لم يتشاحوا به في غيرها كان الاهتمام لا يتم إلا ~~ببذلها، وبالاهتمام # PageV02P198 # تقر أعين الأولياء حين يتملك هو فلذة أكبادهم وبه يتحقق التمييز بين ~~النكاح والسفاح، وهو قوله تعالى: # {أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين} . # فلذلك أبقى النبي صلى الله عليه وسلم وجوب المهر كما كان، ولم يضبطه ~~للنبي صلى الله عليه وسلم بحد لا يزيد ولا ينقص، إذ العادات في إظهار ~~الاهتمام مختلفة، والرغبات لها مراتب شتى، ولهم في المشاحة طبقات، فلا يمكن ~~تحديده عليهم كما لا يمكن أن يضبط ثمن الأشياء المرغوبة بحد مخصوص، ولذلك ~~قال: التمس ولو خاتما من حديد " وقال صلى الله عليه وسلم # : " من أعطى في صداق امرأته ملء كفه سويقا أو تمرا فقد استحل " غير أنه ~~سن في صداق أزواجه وبناته ثنتي عشرة أوقيات ونشا، وقال عمر رضي الله عنه: ~~لا تغالوا في صدقات النساء فإنها إن كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله ~~لكان أولاكم بها نبي الله صلى الله عليه وسلم الحديث. # أقول: والسر فيما سن أنه ينبغي أن يكون المهر مما يتشاح به، ويكون له بال ~~ينبغي ألا يكون مما يتعذر أداؤه عادة بحسب ما عليه قومه، وهذا القدر نصاب ~~صالح حسبما كان عليه الناس في زمانه صلى الله عليه وسلم، وكذلك أكثر الناس ~~بعده اللهم إلا ناس أغنياؤهم بمنزلة الملوك على الأسرة وكان أهل الجاهلية ~~يظلمون النساء في صدقاتهن بمطل أو نقص فأنزل الله تعالى: # {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم} الآية. # وقال الله تعالى: # {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} . ~~الآية # أقول: الأصل في ذلك أن النكاح سبب الملك والدخول بها أثره، والشيء إنما ~~يراد به أثره، وإنما يترتب الحكم على سببه فلذلك كان من حقهما أن يوزع ~~الصداق عليهما، وبالموت يتقرر الأمر، ويثبت حيث لم يرده حتى مات، وما انخنس ~~عنه حتى ms496 حال بينه وبينه الموت، وبالطلاق يرتفع الأمر، وينفسخ، وهو شبه الرد ~~والإقالة، # PageV02P199 # إذا تمهد هذا فنقول: # كانت في الجاهلية مناقشات في باب المهر، وكانوا يتشاحون بالمال، ويحتجون ~~بأمور، فقضى الله تعالى فيها بالحكم العدل على هذا الأصل، فإن سمى لها ~~شيئا، ودخل بها فلها المهر كاملا سواء مات عنها أو طلقها لأنه قد تم له سبب ~~الملك وأثره، وأفضى الزوج إليها وهو قوله تعالى: # {وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا} . # وإن سمى لها، ولم يدخل بها، ومات عنها فلها المهر كاملا، لأنه بالموت ~~تقرر الأمر وعدم الدخول غير ضار والحالة هذه لأنه بسبب سماوي، فان طلقها ~~فلها نصف المهر على هذه الآية، لتحقق أحد الأمرين دون الآخر، فحصل شبهان: ~~شبه بالخطبة من غير نكاح، وشبه بالنكاح التام، وإن لم يسم لها شيئا ودخل ~~بها فلها مثل صداق نسائها، لا وكس، ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث، ~~لأنه تم لها العقد بسببه وأثره، فوجب أن يكون لها مهر، وإنما يقدر الشيء ~~بنظيره وشبهه، وصداق نسائها أقرب ما يقدر به في ذلك، وإن لم يسم لها شيئا، ~~ولم يدخل بها فلها المتعة لأنه لا يجوز أن يكون عقد نكاح خاليا عن المال، ~~وهو قوله تعالى: # {أن تبتغوا بأموالكم} . # ولا سبيل إلى إيجاب المهر لعدم تقرر الملك ولا التسمية، فقدر دون ذلك ~~بالمتعة، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم مرة سورا من القرآن مهرا، لأن ~~تعليمها أمر ذو بال يرغب فيه، ويطلب كما ترغب وتطلب الأموال، فجاز أن يقوم ~~مقامها، وكان الناس يعتادون الوليمة قبل الدخول بها، وفي ذلك مصالح كثيرة. # منها التلطف بإشاعة النكاح، وأنه على شرف الدخول بها إذ لا بد من الإشاعة ~~لئلا يبقى محل لوهم الواهم في النسب؛ وليتميز النكاح عن السفاح بادى الرأي، ~~ويتحقق اختصاصه بها على أعين الناس. # ومنها شكره ما أولاه الله تعالى من انتظام تدبير المنزل بما يصرفه الآيه ~~عباده، وينفعهم به. # ومنها البر بالمرأة وقومها فإن صرف المال لها، وجمع الناس ms497 في أمرها يدل ~~على كراماتها عليه وكونها ذات بال عنده، ومثل هذه الأمور لا بد منها في ~~إقامة التأليف فيما بين أهل المنزل لا سيما في أول اجتماعهم. # PageV02P200 # ومنها: أن تجدد النعمة حيث ملك ما لم يكن مالكا له يورث الفرح والنشاط ~~والسرور، ويهيج على صرف المال، وفي اتباع تلك الداعية التمرن على السخاوة، ~~وعصيان داعية الشح إلى غير ذلك من الفوائد والمصالح فلما كان فيها جملة ~~صالحة من فوائد السياسة المدنية والمنزلية وتهذيب النفس والاحسان وجب أن، ~~يبقيها النبي صلى الله عليه وسلم، ويرغب فيها، ويحث عليها، ويعمل هو بها، ~~ولم يضبطه النبي صلى الله عليه وسلم بحد بمثل ما ذكرنا في المهر، والحد ~~الوسط الشاة، لم صلى الله عليه وسلم على صفية رضي الله عنها بحيس وأولم على ~~بعض نسائه بمدين من شعير. # قال: " إذا دعى أحدكم إلى الوليمة فليأتها " وفي رواية " فإن شاء طعم وإن ~~شاء ترك " أقول: لما كان من الأصول التشريعية أنه إذا أمر واحد أن يصنع ~~بالناس شيئا لمصلحة فمن موجب ذلك أن يحث الناس على أن ينقادوا له فيما ~~يريد، ويتمثلوا له، ويطاوعوه، وإلا لما تحققت المصلحة المقصودة بالأمر، ~~فلما أمر هذا أن يشيع أمر النكاح بوليمة تصنع للناس وجب أن يؤمر أولئك أن ~~يجيبوه إلى طعامه، فإن كان صائما ولم يطعم # فلا بأس بذلك فإنه حصلت الإشاعة المقصودة، وأيضا فمن الصلة أن يجيبه إذا ~~دعى، وفي جريان السنة بذلك انتظام أمر المدينة والحي. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إنه ليس لي أو لنبي أن يدخل بيتا مزوقا " أقول: لما كانت الصور يحرم ~~صنعها، ويحرم استعمال الثوب المصنوعة هي فيه كان من مقتضى ذلك أن يهجر ~~البيت الذي فيه تلك الصورة، وأن تقام اللأئمة في ذلك لا سيما للأنبياء ~~عليهم السلام، فإنهم بعثوا أمرين بالمعروف وناهين عن المنكر، وأيضا فلما ~~كان استحباب التجمل البالغ سببا لشدة خوضهم في طلب الدنيا - وقد وقع ذلك في ~~الأعاجم حتى أنساهم ذكر الآخرة - وجب أن يكون في ms498 الشرع ناهية عن ذلك وإظهار ~~نفرة عنه. # ونهى صلى الله عليه وسلم عن طعام المتبارين أن يؤكل. أقول: كان أهل ~~الجاهلية يتفاخرون يريد كل واحد أن يغلب الآخر، فيصرف المال لذلك الغرض دون ~~سائر النيات، وفيه الحقد وفساد ذات البين وإضاعة المال من غير مصلحة دينية ~~أو مدنية، وإنما هو اتباع داعيه نفسانية، فلذلك وجب أن يهجر أمره، ويهان، ~~ويسد هذا الباب، وأحسن ما ينهى به ألا يؤكل طعامه. # PageV02P201 # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إذا اجتمع داعيان فأجب أقربهما بابا، وإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق ". ~~أقول: لما تعارضا طلب الترجيح وذلك بالسبق أو بقربه. ### | (المحرمات) # الأصل فيها قوله تعالى: # {ولا تنكحوا ما نكح آبائكم} # إلى قوله: # {والله غفور رحيم} . # وقوله صلى الله عليه وسلم: # " أمسك أربعا وفارق سائرهن " وقوله صلى الله عليه وسلم: # " لا تنكح المرأة على عمتها " الحديث، وقوله تعالى: # {الزاني لا ينكح إلا زانية} . الآية # اعلم أن تحريم المحرمات المذكورة في هذه الآيات كان أمرا شائعا في أهل ~~الجاهلية مسلما عندهم، لا يكادون يتركونه، اللهم إلا أشياء يسيرة كانوا ~~ابتدعوها من عند أنفسهم بغيا وعدوانا كنكاح ما نكح آباؤهم والجمع بين ~~الأختين، وكانوا توارثوا تحريمها طبقة عن طبقة حتى صار لا يخرج من قلوبهم ~~إلا أن تمزع وكان في تحريمها مصالح جليلة، فأبقى الله تعالى عز وجل أمر ~~المحرمات على ما كان، وسجل عليهم فيما كانوا تهاونوا فيه. # والأصل في التحريم أمور: # منها جريان العادة بالاصطحاب والارتباط وعدم إمكان لزوم الستر فيما بينهم ~~وارتباط الحاجات من الجانبين على الوجه الطبيعي دون الصناعي فإنه لو لم تجر ~~السنة بقطع الطمع عنهن والإعراض عن الرغبة فيهن لهاحت مفاسد لا تحصى وأنت ~~ترى الرجل يقع بصره على محاسن امرأة أجنبية، فيتوله بها، ويقتحم في المهالك ~~لأجلها، فما ظنك فيمن يخلو معها، وينظر إلى محاسنها ليلا ونهارا؟ وأيضا لو ~~فتح باب الرغبة فيهن ولم يسد، ولم # PageV02P202 # تقم اللائمة عليهم فيه أفضى ذلك إلى ضرر عظيم عليهن، فإنه سبب عضهن إياهن # عمن ms499 يرغبن فيه لأنفسهم، فإنه بيدهم أمرهن، وإليهم إنكاحهن أولا يكون لهن ~~أن نكحوهن من يطالبهم عنهن حقوق الزوجية مع شدة احتياجهن إلى من يخاصم ~~عنهن. # ونظيره ما وقع في اليتامى كان الأولياء يرغبون في مالهن وجمالهن ولا ~~يوفون حقوق الزوجية فنزل: # {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} . الآية # بينت ذلك عائشة رضي الله عنها وهذا الارتباط على الوجه الطبيعي واقع بين ~~الرجال، والأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، ~~وبنات الأخت. # ومنها الرضاعة فإن التي أرضعت تشبه الأم من حيث إنها سبب اجتماع أمشاج ~~بنيته وقيام هيكله، غير أن الأم جمعت خلقته في بطنها، وهذه درت عليه سد ~~رمقه في أول نشأته، فهي أم بعد الأم وأولادها أخوة بعد الأخوة. وقد قاست في ~~حضانته ما قاست، وقد ثبت في ذمته من حقوقها ما ثبت، وقد رأت في صغره ما ~~رأت، فيكون تملكها والوثوب عليها ما تمجه الفطرة السليمة، وكم من بهيمة ~~عجماء لا تلتفت إلى أمها أو مرضعتها هذه اللفتة فما ظنك بالرجال؟ وأيضا فإن ~~العرب كانوا يسترضعون أولادهم في حي من الأحياء، فيشب فيهم الوليد، ~~ويخالطهم كمخالطة المحارم، ويكون عندهم للرضاعة لحمة كلحمة النسب، فوجب أن ~~يحمل على النسب، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: # " يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة ". # ولما كان الرضاع إنما صار سببا للتحريم لمعنى المشابهة بالأم في كونها ~~سببا لقيام بنية المولود وتركيب هيكله وجب أن يعتبر في الأرضاع شيآن: # أحدهما القدر الذي يتحقق به هذا المعنى، فكان فيما أنزل من القرآن عشر ~~رضعات معلومات (يحر - من -، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهن مما يقرأ في القرآن. أما التقدير فلأنه لما كان المعنى ~~موجودا في الكثير دون القليل وجب عند التشريع أن يضرب بينهما حد يرجع إليه ~~عند الاشتباه، وأما التقدير بعشر فلأن العشر أول حد مجاوزة العدد من الآحاد ~~وتدربه في العشرات، وأول حد يستعمل فيه جمع الكثرة ولا يستعمل ms500 فيه جمع ~~القلة، فكان نصابا صالحا لضبط الكثرة المعتد بها المؤثرة في بدن # PageV02P203 # الإنسان أما النسخ بخمس فللاحتياط لأن الطفل إذا أرضع خمس رضعات غزيرات ~~يظهر الرونق والنضارة على وجهه وبدنه، وإذا أصابه عوز اللبن في هذه الرضعات ~~وكانت المرضع غير ذات در ظهر على بدنه القحول والهزال وهذه آية أنها سبب ~~التنمية وقيام الهيكل وما دون ذلك لا يظهر أثره. # قال صلى الله عليه وسلم: " لا تحرم الرضعة والرضعتان، ولا تحرم المصة ~~والمصتان، لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان " وأما على قول من قال يحرم ~~الكثير والقليل فالسبب تعظيم أمر الرضاع وجعله كالمؤثر بالخاصية كسنة الله ~~تعالى في سائر ما لا يدرك مناط حكمه. # والثاني أن يكون الرضاع في أول قيام الهيكل وتشبح صورة الولد، وإلا فهو ~~غذاء بمنزلة سائر الأغذية الكائنة بعد التشبح وقيام الهيكل كالشاب يأكل ~~الخبز، قال صلى الله عليه وسلم: # " إن الرضاعة من المجاعة " وقال صلى الله عليه وسلم: # " لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام ". # ومنها الاحتراز عن قطع الرحم بين الأقارب؛ فإن الضرتين تتحاسدان، وينجر ~~البعض إلى أقرب الناس منهما، والحسد بين الأقارب أخنع وأشنع، وقد كره ~~جماعان من السلف ابنتي عم لذلك، فما ظنك بامرأتين أيهما فرض ذكرا حرمت عليه ~~الأخرى كالأختين، والمرأة، وعمتها، والمرأة، وخالتها، وقد اعتبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم هذا الأصل في تحريم الجمع بين بنت النبي صلى الله عليه وسلم ~~وبنت غيره؛ فإن الحسد من الضره واستئثارها من الزوج كثيرا ما ينجران إلى ~~بغضها وبغض أهلها، وبغض النبي صلى الله عليه وسلم ولو بحسب الأمور المعاشية ~~يفضي إلى الكفر، والأصل في هذا الأختان، ونبه النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقولة: " لا يجمع بين المرأة وعمتها " الحديث على وجه المسألة. # ومنها المصاهرة فإنه لو جرت السنة رغبة بين الناس أن يكون للأم رغبة في ~~زوج بنتها وللرجال في حلائل الأبناء وبنات نسائهم لأفضى إلى السعي في فك ~~ذلك الربط أو قتل من يشح ms501 به، وإن أنت تسمعت إلى قصص قدماء الفارسيين ~~واستقرأت حال أهل زمانك من الذين لم يتقيدوا بهذه السنة الراشدة وجدت أمروا ~~عظاما ومهالك ومظالم لا تحصى، # PageV02P204 # وأيضا فإن الاصطحاب في هذه القرابة لازم، والستر متعذر، والتحاسد شنيع، ~~والحاجات من الجانبين متنازعة، فكان أمرها بمنزلة الأمهات والبنات أو ~~بمنزلة الأختين. # ومنها العدد الذي لا يمكن الإحسان إليه من العشرة الزوجية فإن الناس ~~كثيرا ما يرغبون في جمال النساء، ويتزوجون منهن ذوات عدد، ويستأثرون منها ~~حظية، ويتركون الأخر كالمعلقة، فلا هي مزوجة حظية تقر عينها، ولا هي أيم ~~يكون أمرها بيدها، ولا يمكن أن يضيق في ذلك كل تضييق، فإن من الناس من لا ~~يحصنه فرج واحد، وأعظم المقاصد التناسل، والرجل # يكفي لتلقيح عدد كثير من النساء، وأيضا فالاكثار من النساء شيمة الرجال ~~وربما يحصل به المباهاة، فقدر الشارع بأربع، وذلك أن الأربع عدد يمكن ~~لصاحبة أن يرجع إلى كل واحدة بعد ثلاثة ليال، وما دون ليلة لا يفيد فائدة ~~القسم، ولا يقال في ذلك: بات عندها، وثلاث أول حد كثرة وما فوقها زيادة ~~الكثرة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أن ينكح ما شاء وذلك لأن ضرب هذا ~~الحد إنما هو لدفع مفسدة غالبية دائرة على مظنة لا لدفع مفسدة عينية ~~حقيقيه، والنبي صلى الله عليه وسلم قد عرف المئة فلا حاجة له في المظنة وهو ~~مامون في طاعة الله وامتثال أمره دون سائر الناس. # ومنها اختلاف الدين؛ وهو قوله تعالى: # {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} . الآية # وقد بين في هذه الآية أن المصلحة المرعية في هذا الحكم هو أن صحبة ~~المسلمين مع الكفار وجريان المواساة فيما بين المسلمين وبينهم لا سيما على ~~وجه الازدواج مفسدة للدين سبب لآن يدب في قلبه الكفر من حيث يشعر ومن حيث ~~لا يشعر، وأن اليهود. والنصارى يتقيدون بشريعة سماوية قائلون بأصول قوانين ~~التشريع وكلياته دون المجوس والمشركين فمفسدة صحبتهم خفيفة بالنسبة إلى ~~غيرهم، فإن الزوج قاهر على الزوجة قيم عليها وإنما الزوجات عوان بأيديهم، ms502 ~~فإذا تزوج المسلم الكتابية خف الفساد، فمن حق هذا أن يرخص فيه، ولا يشدد ~~كتشديد سائر أخوات المسألة. # ومنها كون المرأة أمة لآخر، فإنه لا يمكن تحصين فرجها بالنسبة إلى سيدها، ~~ولا اختصاصه بها بالنسبة إليه إلا من جهة التفويض إلى دينه # وأمانته، ولا جائز أن يسد سيدها عن استخدامها والتخلي بها فإن ذلك ترجيح ~~أضعف الملكين على أقواهما فإن هنالك ملكين: ملك الرقبة. وملك البضع، والأول ~~هو الأقوى المشتمل على الآخر المستتبع له، والثاني هو الضعيف المندرج، وفي ~~اقتضاب الأدنى للأعلى قلب الموضوع وعدم الاختصاص بها، وعدم إمكان ذب الطامع ~~فيها هو أصل الزنا، وقد اعتبر انبي صلى الله عليه وسلم هذا # PageV02P205 # الأصل في تحريم الأنكحة التي كان أهل الجاهلية يتعاملونها، كالاستبضاع ~~وغيره على ما بينته عائشة رضي الله عنها، فإذا كانت فتاة مؤمنة بالله محصنة ~~فرجها، واشتدت الحاجة إلى نكاحها لمخافة العنت وعدم طول الحر خف الفساد ~~وكانت الضروره والضرورات تبيح المحظورات. # ومنها كون المرأة مشغولة بنكاح مسلم أو كافر، فإن أصل الزنا هو الازدحام ~~على الموطوءه من غير اختصاص أحدهما بها وغير قطع طمع الآخر فيها، ولذلك قال ~~الزهري رحمة الله عليه: ويرجع ذلك إلى أن الله تعالى حرم الزنا، وأصاب ~~الصحابه رضي الله عنهم سبايا، وتحرجوا من غشيانها من أجل أزواجهن من ~~المشركين، فأنزل الله تعالى: # {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} . # أي فهن حلال من جهة أن السبي قاطع لطعمه، واختلاف الدار مانع من الازدحام ~~عليها، ووقوعها في سهمه مخصص لها به. # ومنها كون المرأة زانية مكتسبة بالزنا، فلا يجوز نكاحها حتى تتوب، وتقلع ~~عن فعلها ذلك، وهو قوله تعالى: # {والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك} . # والسر فيه أن كون الزانية في عصمته وتحت يده وهي باقية على عادتها من ~~الزنا ديوسية وانسلاخ عن الفطرة السليمة، وأيضا فانه لا يأمن من أن تلحق به ~~ولد غيره. # ولما كانت المصلحة من تحريم المحرمات لا تتم إلا بجعل التحريم أمرا لازما ~~وخلقا جبليا بمنزلة الأشياء ms503 التي يستنكف منها طبعا، وجب أن يؤكد شهرتها ~~وشيوعها وقبول الناس لها باقامة لائمة شديدة على إهمال تحريمها، وذلك أن ~~تكون السنة قتل من وقع على ذات، ورحم محرم منه بنكاح أو غيره، ولذلك بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من تزوج بامرأه أبيه أن يؤتى برأسه. ### | (آداب المباشرة) # اعلم أن الله تعالى لما خلق الإنسان مدنيا بالطبع، وتعلقت إرادته ببقاء ~~النوع بالتناسل وجب أن يرغب الشرع في التناسل أشد رغبة، وينهى عن قطع النسل ~~والأسباب المفضية إليه أشد نهي، وكان أعظم أسباب النسل وأكثرها وجودا ~~وأفضاها إليه وأحثها عليه هو شهوة الفرج، فانها كالمسلط عليهم منهم يقهرهم ~~على ابتغاء النسل، أشاءوا أم أبوا، # PageV02P206 # وفي جريان الرسم باتيان الغلمان ووطء النساء في أدبارهن تغيير خلق الله ~~حيث منع المسلط على شيء من إفضائه إلى ما قصد له وأشد ذلك كله وطء الغلمان ~~فانه تغيير لخق الله من الجانبين وتأنث الرجال أقبح الخصال، وكذلك جريان ~~الرسم بقطع أعضاء النسل واستعمال الادوية القامعة للباءة والتبتل وغيرها ~~تغيير لخلق الله عز وجل وإهمال لطلب النسل، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن كل ذلك قال: " لا تأتوا النساء في أدبارهن، ملعون من أتى امرأة في دبرها ~~" وكذلك نهى عن الخصاء والتبتل في أحاديث كثيرة قال الله تعالى: # {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} . # اقول: كان اليهود يضيقون في هيئة المباشرة من غير حكم سماوي، وكان ~~الأنصار ومن وليهم يأخذون سنتهم، وكانوا يقولون: إذا أتى الرجل امرأته من ~~دبرها في قبلها كان الولد أحول فنزلت هذه الآية: أقبل، وأدبر ما كان في ~~صمام واحد، وذلك لأنه شيء لا يتعلق به المصلحة المدنية والملية " والإنسان ~~أعرف بمصلحة خاصة نفسه، وإنما كان ذلك من تعمقات اليهود فكان من حقه أن ~~ينسخ. # وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل؟ فقال: # " ما عليكم ألا تفعلوا ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة " ~~أقول: يشير إلى كراهية العزل من غير تحريم، ms504 والسبب في ذلك أن المصالح ~~متعارضة، فالمصلحة الخاصة بنفسه في السبي مثلا أن يعزل، والمصلحة النوعية ~~ألا يعزل، ليتحقق كثرة الأولاد وقيام النسل، والنظر إلى المصلحة النوعية ~~أرجح من النظر إلى المصلحة الشخصية في عامة أحكام الله تعالى التشريعية ~~والتكوينية، على أن العزل ليس فيه ما إتيان الدبر من تغيير خلق الله ولا ~~الأعراض من التعرض للنسل، ونبه صلى الله عليه وسلم بقوله: " ما عليكم أن ~~ألا تفعلوا " على أن الحوادث مقدرة قبل وجودها. وأن الشيء إذا قدر ولم يكن ~~له في الأرض إلا سبب ضعيف فمن سنة الله عز وجل أن يبسط ذلك السبب الضعيف ~~حتى يفيد الفائدة التامة، فالإنسان إذا قارب الإنزال وأراد أن ينزع ذكره ~~كثيرا ما يتقاطر في إحليله قطرات تكفي من مادة ولده وهو لا يدري، وهو سر ~~قول عمر رضي الله عنه بالحاق الولد بمن أقر أنه مسها لا يمنع من ذلك العزل. # PageV02P207 # وقال صلى الله عليه وسلم: " لقد هممت أن أنهي عن الغيلة فنظرت في الروم ~~فارس فإذا هم يغيلون أولادهم فلا تضر أولادهم " وقال: # " لا تقتلوا أولادكم سرا فان الغيل يدرك الفارس، فيدعثره ". # أقول: هذا إشارة إلى كراهية الغيلة من غير تحريم، وسببه أن جماع المرضع ~~يفسد لبنها، وينفه الولد، وضعفه في أول نمائه يدخل في جذر مزاجه، وبين ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه أراد التحريم لكونه مظنة الغالب للضرر، ثم ~~أنها لما استقرأ وجد أن الضرر غير مطرد وأنه لا يصلح للمظنة حتى يدار عليه ~~التحريم، وهذا الحديث أحد دلائل ما أثبتناه من أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يجتهد وأن اجتهاده معرفة المصالح والمظان وإدارة التحريم والكراهية ~~عليها. # قال صلى الله عليه وسلم: " إن من أشر الناس عند الله منزلة الرجل يفضي ~~إلى امرأته، وتفضي هي إليه ثم ينشر سرها " أقول: لما كان الستر واجبا ~~وإظهار ما أسبل عليه الستر قلبا لموضوعه ومناقضا لغرضه كان من مقتضاه أن ~~ينهى عنه، وأيضا فاظهار مثل هذه مجانة ووقاحة، واتباع مثل ms505 هذه الدواعي يعد ~~النفس لتشبح الألوان الظلمانية فيها. # وكانت الملل مختلفه فيما يفعل في بالحائض، فمن متعمق كاليهود يمنع ~~مؤاكلتها ومضاجعتها، ومن متهاون كالمجوس يجوز الجماع وغيره، ولا يجد للحيض ~~بالا وكل ذلك إفراط وتفريط، فراعت الملة المصطفوية التوسط فقال: " اصنعوا ~~كل شيء إلا النكاح " وذلك لمعان # منها أن جماع الحائض لا سيما في فور حيضتها ضار اتفق الأطباء على ذلك، ~~ومنها أن مخالطة النجاسة خلق فاسد تمجه الطبيعة السليمة، ويقرب # من الشياطين وفي مثل الاستنجاء حاجة، وإنما المقصود من ذلك إزالتها، وفي ~~جماع الحائض الغمس في النجاسة، وهو قوله تعالى: # {قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} . # واختلفت الرواية فيما دون الجماع، فقيل: يتقي شعار الدم، وقيل: يتقي ما ~~تحت الإزار، وعلى الوجهين هو الدواعي، وجاء الأمر لمن عصى الله، فجامع ~~الحائض أن يتصدق بدينار أو نصف دينار وهذا ليس بمجمع عليه، وسر الكفارة ما ~~ذكرنا مرارا. # PageV02P208 ### | (حقوق الزوجية) # اعلم أن الارتباط الواقع بين الزوجين أعظم الارتباطات المنزلية بأشرها، ~~وأكثرها نفعا، وأتمها حاجة؛ إذ السنة عند طوائف الناس عربهم وعجمهم أن ~~تعاونه المرأة في استيفاء الارتفاقات، وأن تتكفل له بتهيئة المطعم والمشرب ~~والملبس، وأن تخزن ماله، وتحضن ولده، وتقوم في بيته مقامه عند غيبته إلى ~~غير ذلك مما لا حاجة إلى شرحه وبيانه، فلذلك كان أكثر توجه الشرائع إلى ~~إبقائه ما أمكن وتوفير مقاصده وكراهية تنغيصه وإبطاله، وكل ارتباط لا يمكن ~~استيفاء مقاصده إلا بإقامة الألفة، ولا ألفة إلا بخصال يقيدان أنفسهما ~~عليها، كالمواساة وعفو ما يفرط من سوء الأدب والاحتراز عما يكون سببا ~~للضغائن ووحر الصدر وإقامة المفاكهة وطلاقة الوجه ونحو ذلك، فاقتضت الحكمة ~~أن يرغب في هذه الخصال ويحث عليها. # قال صلى الله عليه وسلم: # " استوصوا بالنساء خيرا فإنهن خلقن من ضلع، فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن ~~تركته لم يزل أعوج " أقول: معناه اقبلوا وصيتي، واعملوا بها في النساء، وان ~~في خلقهن عوجا وسوءا، وهو # كالأمر اللازم بمنزلة ما يتوارثه الشيء من مادته، وأن الإنسان إذا أراد ms506 ~~استيفاء مقاصد المنزل منها لا بد أن يجاوز عن محقرات الأمور، ويكظم الغيظ ~~فيما يجده خلاف هواه إلا ما يكون من باب الغيرة المحمودة وتداركا لجور ~~ونحوه ذلك. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " لا يفرك مؤمن مؤمنة، ان كره منها خلقا رضي منها الآخر " أقول: الإنسان ~~إذا كره منها خلقا ينبغي ألا يبادر إلى ### | الطلاق، # فإنه كثيرا ما يكون فيها خلق آخر يستطاب منها، ويتحمل سوء عشرتها لذلك. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن ~~بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن، فاضربوهن ~~ضربا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ". # اعلم أن الواجب الأصلي هو المعاشرة بالمعروف، وهو قوله تعالى: # PageV02P209 # {وعاشروهن بالمعروف} . # فبينها النبي صلى الله عليه وسلم بالرزق والكسوة وحسن المعاملة، ولا يمكن ~~في الشرائع المستندة إلى الوحي أن يعين جنس القوت وقدره مثلا، فإنه لا يكاد ~~يتفق أهل الأرض على شيء واحد، ولذلك إنما أمر أمرا مطلقا. # قال صلى الله عليه وسلم: # " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبت، فبات غضبان لعنتها الملائكة حتى ~~تصبح ". أقول لما كانت المصلحة المرعية في النكاح تحصين فرجه وجب أن تحقق ~~تلك المصلحة، فإن من أصول الشرائع أنها إذا ضربت مظنة لشيء سجل بما يحقق ~~وجود المصلحة عند المظنة وذلك أن تؤمر المرأة بمطاوعته إذأ أراد منها ذلك، ~~ولولا هذا لم يتحقق تحصين فرجه، فإن أبت، فقد سعت في رد المصلحة التي ~~أقامها الله في عباده، فتوجه إليها لعن الملائكة على كل من سعى في فسادها. # قال صلى الله عليه وسلم: # " إن من الغيرة ما يحب الله ومنها ما يبغض الله، فأما التي يحبها الله ~~فالغيرة في الريبة، وأما التي يبغضها الله فالغيرة في غير ريبة ". أقول: ~~فرق بين اقامة المصلحة والسياسة التي لا بد له منها وبين سوء الخلق والضجر ~~والضيق من غير موجب. # قال الله تعالى: # {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله} إلى قوله. {إن الله ms507 كان عليما ~~خبيرا} . # أقول: يجب أن يجعل الزوج قواما على امرأته، وأن يكون له الطول عليها ~~بالجبلة فإن الزوج أتم عقلا وأوفر سياسة وآكد حماية وذبا للعار، بالمال حيث ~~أنفق عليها رزقها وكسوتها، وكون السياسة بيده يقتضي أن يكون له تعزيرها ~~وتأديبها أن بغت، وليأخذ بالأسهل فالأسهل، فالأول بالوعظ، ثم الهجر بالضجع ~~يعني ترك مضاجعتها، ولا يخرجها من بيته، ثم الضرب غير المبرح أي الشديد، ~~فإن اشتد الشقاق، وادعى كل نشوز الآخر وظلمه لم يكن قطع المنازعة إلا ~~بحكمين: حكم من أهله، وحكم من أهلها يحكمان عليهما من النفقة وغيرها ما ~~يريان من المصلحة وذلك لأن # إقامة البينة على ما يجري في الزوجين ممتنعة؛ فلا أحق من أن يجعل الأمر ~~إلى أقرب الناس إليهما وأشفقهم # PageV02P210 # عليهما. # قال رسول الله: # " ليس منا من خبب امرأة على زوجها أو عبدا على سيده،. أقول: أحد أسباب ~~فساد تدبير المنزل أن يخبب إنسان المرأة أو العبد وذلك سعي في تنغيص هذا ~~النظم وفكه ومناقضة المصلحة الواجب إقامتها. # واعلم أن باب فساد تدبير المنزل خصالا فاشية في الناس، كثيرا المبتلون ~~بها، فلا بد أن يتعرض الشرع لها، ويبحث عنها، منها أن يجتمع عند رجل عدد من ~~النسوة، فيفضل إحداهن في القسم وغيره، ويظلم الآخرى ويتركها كالمعلقة قال ~~الله تعالى: # {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل ~~فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما} . # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا كان عند الرجل امرأتان، فلم ~~يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط ". أقول: قد مر أن المجازاة إنما ~~تظهر في صورة العمل فلا نعيده. # ومنها أن يعضلهن الأولياء عما يرغبن فيه من الأكفاء أتباعا لداعية ~~نفسانية من حق وغضب ونحوهما، وفي ذلك من المفسدة ما لا يخفى فنزل قوله ~~تعالى: # {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} . # ومنها أن يتزوج اليتامى اللاتي في حجره إن كن ذوات مال وجمال، ولا يفي ~~بحقوقهن مثل ms508 ما يصنع بذوات الآباء، ويتركهن إن كن على غير ذلك، قال الله ~~تعالى: # {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ~~ورباع فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم} . # فنهى الإنسان إن خشي الجور أن ينكح اليتامى، أو ينكح ذوات عدد من النساء. # ومن السنة إذا تزوج البكر على امرأة أقام عندها سبعا، ثم قسم، وإذا تزوج ~~الثيب أقام عندها ثلاثا، ثم قسم. # أقول: السر في هذا أنه لا يجوز أن يضيق في هذا الباب كل التضييق، فإنه لا ~~يطيقه أكثر أفراد الإنسان وهو قوله تعالى: # {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم} # نبه على أنه لما لم يكن إقامة العدل الصراح وجب أن يدار الحكم على ترك ~~الجور # PageV02P211 # الصريح، فإذا رغب رجل في امرأة، وأعجبه حسنها، وشغف قلبه جمالها، وكان له ~~رغبة وافره إليها لم يكن أن يصد عن ذلك بالكلية؛ لأنه كالتكليف بالممتنع، ~~فقدر له مقدار استئثاره لها، لئلا يزيد، فيقتحم # في الجور، وأيضا فمن المصلحة المعتبرة تأليف قلب الجديدة وإكرامها، ولا ~~يحصل إلا بأن يستأثر وهو إيماء قوله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة رضي الله ~~عنها: # " ليس لك على أهلك هوان إن شئت سبعت " الحديث وأما كسر قلب القديمة فقد ~~عولج في الجريان السنة بالزيادة للجديدة، فإنه إذا جرت السنة بشيء، ولم يكن ~~مما قصد به إيذاء أحد أو مما خص به هان وقعه عليه، وهو إيماء قوله تعالى: # {ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن} . # يعني نزول القرآن بالخيرة في حقهن سبب زوال السخطة بالنسبة إليه صلى الله ~~عليه وسلم، والبكر الرغبة فيهاا أتم، والحاجة إلى تأليف قلبها أكثر، فجعل ~~قدرها السبع، وقدر الثيب الثلاث. # وكان صلى الله عليه وسلم يقسم بهن، وإذا أراد سفرا أقرع بين نسائه. أقول: ~~وذلك دفعا لوحر الصدر، والظاهر أن ذلك منه صلى الله عليه وسلم كان تبرعا ~~وإحسانا من غير وجوب عليه لقوله تعالى: # {ترجي ms509 من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} . # وأما في غيره فموضع تأمل واجتهاد، ولكن جمهور الفقهاء أوجبوا # القسم، واختلفوا في القرعة. أقول: وفيه أن قوله: فلم يعدل مجمل لا يدري ~~أي عدل أريد به، وقوله تعالى: # {فتذروها كالمعلقة} . # مبين أن المراد نفي الجور الفاحش وإهمال أمرها بالكلية سوء العشرة معها. # وأعتقت بربرة، وكان زوجها عبدا، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~فاختارت نفسها. أقول: السبب في ذلك ان كون الحرة فراشا للعبد عار عليها، ~~فوجب دفع ذلك العار عنها إلا أن ترضى به، وأيضا فالأمة تحت يد مولاها ليس ~~رضاها رضا حقيقة، وإنما النكاح بالتراضي، فلما أن كان أمرها بيدها وجب ~~ملاحظة رضاها، # PageV02P212 # وفي رواية إن قربك، فلا خيار لك، وذلك لأنه لا بد من ضرب حد ينتهي إليه ~~الخيار، وإلا كان لها الخيار طول عمرها، وفي ذلك قلب موضوع النكاح، ولا ~~يصلح اختيارها إياه بالكلام حتى ينتهي إليه، لأنها ربما تشاور أهلها، وتقلب ~~الأمر في نفسها وكثيرا ما يجري عند ذلك صيغة الاختيار وإن لم تجزم به، وفي ~~إلجائها ألا تتكلم بمثلها حرج، فلا أحق من القربان إذ هو فائدة الملك ~~والشيء الذي يقصد منه والأمر الذي يتم به، والله أعلم. ### | (الطلاق) # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أيما امرأة سألت زوجها طلاقا من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة " # ، وقال صلى الله عليه وسلم: " أبغض الحلال إلى الله الطلاق " اعلم أن في ~~الأكثار من الطلاق وجريان الرسم بعدم المبالاة به مفاسد كثيرة، وذلك أن ~~ناسا ينقادون إلى لشهوة الفرج، # ولا يقصدون إقامة تدبير المنزل ولا التعاون في الارتفاقات ولا تحصين ~~الفرج، وإنما مطمح أبصارهم التلذذ بالنساء وذوق لذة كل امرأة، فيهيجهم ذلك ~~إلى أن يكثروا الطلاق والنكاح، ولا فرق بينهم ويبين الزناة من جهة ما يرجع ~~إلى نفوسهم، وإن تميزوا عنهم بإقامة سنة النكاح والموافقة لسياسة المدينة، ~~وهو قوله صلى الله عليه وسلم: # " لعن الله الذواقين والذواقات " وأيضا ففي جريان الرسم لذلك إهمال ~~لتوطين النفس على ms510 المعاونة الدائمة أو شبه الدائمة، وعسى إن فتح هذه الباب ~~أن يضيق صدره أو صدرها في شيء من محقرات الأمور، فيندفعان إلى الفراق، وأين ~~ذلك من احتمال أعباء الصحبة، والإجماع على إدامة هذا النظم؟ وأيضا فإن ~~اعتيادهن بذلك وعدم مبالاة الناس به وعدم حزنهم عليه يفتح باب الوقاحة، ~~وألا يجعل كل منهما ضرر الآخر ضرر نفسه، وأن تخون كل واحد الآخر يمهد لنفسه ~~إن وقع الافتراق، وفي ذلك ما لا يخفى، ومع ذلك لا يمكن سد هذا الباب ~~والتضيق، فيه فانه قد يصير الزوجان متناشزين إما لسوء خلقهما أو لطموح غين ~~أحدهما إلى حسن إنسان آخر أو لضيق معيشتهما أو # PageV02P213 # لخرق واحد منهما، ونحو ذلك من الأسباب، فيكون إدامة هذا النظم مع ذلك ~~بلاء عظيما وحرجا. # قال صلى الله عليه وسلم: # " رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن ~~المعتوه حتى يعقل " أقول: السر في ذلك أن مبنى جواز الطلاق بل العقود كلها ~~على المصالح المقتضية لها، والنائم والصبي والمعتوه بمعزل عن معرفة تلك ~~المصالح. # قال صلى الله عليه وسلم: # " لا طلاق ولا إعتاق في إغلاق " معناه: في إكراه، اعلم أن السبب في هدر ~~طلاق المكره شيئان: # أحدهما أنه لم يرض به، ولم يرد فيه مصلحة منزلية، وإنما هو لحادثة لم يجد ~~منها بدا، فصار بمنزلة النائم. # وثانيهما أنه لو اعتبر طلاقه طلاقا لكان ذلك فتحا لباب الاكراه، فعسى أن ~~يختطف الجبار الضعيف من حيث لا يعلم الناس، ويخيفه بالسيف، ويكرهه على ~~الطلاق إذا رغب في امرأته، فلو خيبنا رجاءه، وقلبنا عليه مراده كان ذلك ~~سببا لترك تظالم الناس فيما بينهم بالاكراه، ونظيره ما ذكرنا في قوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " القاتل لا يرث ". # وقال صلى الله عليه وسلم: " لا طلاق فيما لا لا يملك " وقال عليه السلام: ~~" لا طلاق قبل النكاح ". أقول: الظاهر أنه يعم الطلاق المنجر والمعلق بنكاح ~~وغيره، والسبب في ذلك أن الطلاق إنما يجوز في للمصلحة، والمصلحة لا تتمثل ~~عنده قبل ms511 أن يملكها، ويرى منها سيرتها، فكان طلاقها قبل ذلك بمنزلة نية ~~المسافر الإقامة في المفازة أو الغازى في دار الحرب مما تكذبه دلائل الحال، ~~وكان أهل الجاهلية يطلقون ويراجعون إلى متى شاءوا وكان في ذلك من الأضرار ~~ما لا يخفى، فنزل قوله تعالى: # {الطلاق مرتان} . الآية # معناه: أن الطلاق المعقب للرجعة مرتان، فإن طلقها الثالثة، فلا تحل له من ~~بعد حتى تنكح زوجا غيره، وألحقت السنة ذوق العسيلة بالنكاح. # PageV02P214 # والسر في جعل الطلاق ثلاثا لا يزيد عليها أنها أول حد كثرة، ولأنه لا بد ~~من ترو، ومن الناس لا يتبين له المصلحة حتى يذوق فقدا، وأصل التجربة واحدة، ~~ويكملها ثنتان. # وأما اشتراط النكاح بعد الثالثة فلتحقيق معنى التحديد والإنهاء، وذلك أنه ~~لو جاز رجوعها إليه من غير تخلل نكاح الآخر كان ذلك بمنزلة الرجعة، # فإن نكاح المطلقة إحدى الرجعتين، وأن المرأة ما دامت في بيته وتحت يده ~~وبين أظهر أقاربه يمكن أن يغلب على رأيها، وتضطر إلى رضا ما يسولون لها ~~فإذا فارقتهم، ذاقت الحر والقر، ثم رضيت بعد ذلك فهو حقيقية الرضا، وأيضا ~~ففيه إذاقة الفقد ومعاقبة على اتباع داعية الضجر من غيرتروي مصلحة مهمة ~~أيضا: ففيه إعظام المطلقات الثلاث بين أعينهم وجعلها بحيث لا يبادر إليها ~~إلا من وطن نفسه على ترك الطمع فيها إلا بعد ذل وإرغام أنف لا مزيد عليه. # وقال صلى الله عليه وسلم لامرأة رفاعة حين طلقها، فبت طلاقها، فنكحت زوجا ~~غيره: أتريدين أن ترجعى إلى رفاعة؟ قالت: نعم، قال: لا حتى تذوقي عسيلته ~~ويذوق عسيلتك ". أقول: إنما شرط تمام النكاح بذوق العسيلة ليتحقق معنى ~~التحديد الذي ضرب عليهم فإنه لولا ذلك لاحتمال رجل باجراء صيغة النكاح على ~~اللسان، ثم يطلق في المجلس، وهذا مناقضة لفائدة التحديد. # ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له. أقول: لما كان من ~~الناس من ينكح لمجرد التحليل من غير أن يقصد منها تعاونا في المعيشة، ولا ~~يتم بذلك المصلحة المقصودة، وأيضا ففيه وقاحة وإهمال غيرة ms512 وتسويغ إزدحام ~~على الموطوأة من غير أن يدخل في تضاعيف المعاونة نهى عنه. # وطلق عبد الله بن عمر رضي الله عنه امرأته وهي حائض. وذكر ذلك للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، فتغيظ، وقال: ليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم ~~تطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها ". أقول: السر في ~~ذلك أن الرجل قد يبغض المرأة بغضة طبيعية، ولا طاعة لها مثل كونها حائضا، ~~وفي هيئة رثة وقد، يبغضها لمصلحة يحكم بإقامتها # العقل السليم مع وجود # PageV02P215 # الرغبة الطبيعية، وهذه هي المتبعة وأكثر ما يكون الندم في الأول وفيه يقع ~~التراجع، وهذا داعية يتوقف تهذيب النفس على إهمالها وترك اتباعها، وقد ~~يشتبه الأمران على كثير من الناس، فلا بد من ضرب حد يتحقق به الفرق، فجعل ~~الطهر مظنة للرغبة الطبيعية، والحيض مظنة للبغضة الطبيعية، والأقدام على ~~الطلاق على حين رغبة فيها مظنة للمصلحة العقلية،، والبقاء مدة طويلة على ~~هذا الخاطر مع تحول الأحول من حيض إلى طهر، ومن رثاثة إلى زينة، ومن انقباض ~~إلى انبساط مظنة للعقل الصراح والتدبير الخالص، فلذلك كره الطلاق في الحيض، ~~وأمر بالمراجعة وتخلل حيض جديد، وأيضا فإن طلقها في الحيض فإن عدت هذه ~~الحيضة في ### | العدة # انتقصت مدة العدة، وإن لم تعد تضررت المرأة بطول العدة سواء كان المراد ~~بالقروء الإطهار أو الحيض، ففي كل ذلك مناقضة للحد الذي ضربه الله في محكم ~~كتابه من ثلاثة قروء. # وإنما أمر أن يكون الطلاق في الطهر قبل أن يمسها لمعنيين: أحدهما بقاء ~~الرغبة الطبيعية فيها، فإنه في بالجماع تفتر سورة الرغبة. # وثانيهما أن يكون ذلك أبعد من اشتباه الإنساب. # وإنما أمر الله تعالى بإشهاد شاهدين على الطلاق لمعنيين: أحدهما الاهتمام ~~بأمر الفروج؛ لئلا يكون نظم تدبير المنزل، ولا فكه إلا على أعين الناس، # والثاني ألا تشتبه الانساب وألا يتواضع الزوجان من بعد، فيهملا الطلاق، ~~والله أعلم. # وكره أيضا جمع الطلقات الثلاث في طهر واحد، وذلك لأنه إهمال للحكمة ~~المرعية في شرع تفريقها، فإنها ms513 شرعت ليتدارك المفرط، ولأنه تضييق على نفسه ~~وتعرضه للندامة، وأما الطلقات الثلاث في ثلاثة أطهار فأيضا تضييق # ومظنة ندامة غير أنها أخف من الأول من جهة وجود التروي والمدة التي تتحول ~~فيها الأحوال، ورب إنسان تكون مصلحته في تحريم المغلظ. ### | (الخلع. والظهار. واللعان. والايلآء) # اعلم أن الخلع فيه شناعة ما؛ لأن الذي أعطاه من المال قد وقع في مقابله ~~المسيس وهو قوله تعالى: # PageV02P216 # {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا} . # واعتبر النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في اللعان حيث قال: # " إن صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها " ومع ذلك فربما تقع الحاجة ~~إلى ذلك فذلك قوله تعالى: # {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} # وكان أهل الجاهلية يحرمون أزواجهم، ويجعلونهن كظهر الأم، فلا يقربونهن ~~بعد ذلك أبدا، وفي ذلك من المفسدة ما لا يخفى، فلا هي حظية تتمتع منه كما ~~تتمتع النساء من أزواجهن، ولا هي أيم يكون أمرها بيدها، فلما وقعت هذه ~~الواقعة في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، واستفتي فيها أنزل الله عز وجل. # {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} . # إلى قوله {عذاب أليم} . # والسر فيه أن الله تعالى لم يجعل قولهم ذلك هدرا بالكلية؛ لأنه أمر ألزمه ~~على نفسه، وأكد فيه القول بمنزلة سائر الايمان، ولم يجعله مؤبدا كما كان في ~~الجاهلية دفعا للحرج الذي كان عندهم، وجعله مؤقتا إلى كفارة لأن الكفارة ~~شرعت دافعة للآثام منهية لما يجده المكلف في صدره، أما كون هذا القول زورا ~~فلأن الزوجة ليست بأم حقيقة ولا بينهما مشابهة أو مجاورة تصحح إطلاق اسم ~~أحداهما على الأخرى إن كان خبرا، وهو عقد ضار، غير موافق للمصلحة، ولا مما ~~أوحاه الله في شرائعه، ولا مما استنبطه ذوو الرأي في أقطار الأرض إن كان ~~إنشاء، وأما كونه منكرا فلأنه ظلم وجور وتضييق على من أمر بالإحسان إليه. # وإنما جعلت الكفارة عتق رقبة أو إطعام ستين مسكينا أو صيام شهرين ~~متتابعين لأن مقاصد الكفارة أن ms514 يكون بين عيني المكلف ما يكبحه عن الاقتحام ~~في الفعل خشية أن يلزمه ذلك، ولا يمكن ذلك إلا بكونها طاعة شاقة تغلب على ~~النفس إما من جهة كونها بذل مال يشح به، أو من جهة مقاساة جوع وعطش مفرطين. # PageV02P217 # {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} الآية. # اعلم أن أهل الجاهلية كانوا يحلفون ألا يطأوا أزواجهم أبدا أو مدة طويلة، ~~وفي ذلك جور وضرر، فقضى الله تعالى بالتربص أربعة أشهر. # قال الله تعالى: # {فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم} . # واختلف العلماء في الفيء، فقيل: يوقف المولي بعد مضي أربعة أشهر ثم يجبر ~~على التسريح بالاحسان أو الامساك بالمعروف، وقيل: يقع الطلاق، # ولا يوقف أما السر في تعيين هذه المدة فإنها مدة تتوق النفس فيها للجماع ~~لا محالة، ويتضرر بتركه إلا أن يكون مؤفا، ولأن هذه المدة ثلث السنة، ~~والثلث يضبط به أقل من النصف، والنصف يعد مدة كثيرة. # قال الله تعالى: # {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء} الآية. # واستفاض حديث عويمر العجلاني. وهلال بن أمية. # اعلم أن أهل الجاهلية كانوا إذا قذف الرجل امرأته، وكان بينهما في ذلك ~~مشاقة رجعوا إلى الكهان كما كان في قصة هند بنت عتبة فلما جاء الإسلام ~~امتنع أن يسوغ لهم الرجوع إلى الكهان؛ ولأن في مبنى الملة الحنيفية على ~~تركها وإخمالها، لأن الرجوع إليهم من غير أن يعرف صدقهم من كذبهم ضررا ~~عظيما، وامتنع أن يكلف الزوج بأربعة شهداء وإلا ضرب الحد؛ لأن الزنا إنما ~~يكون في الخلوة، ويعرف الزوج ما في بيته ويقوم عنده من المخايل ما لا يمكن ~~أن يعرفه غيره، وامتنع أن يجعل الزوج بمنزلة سائر الناس يضربون الحد لأنه ~~مأمور شرعا وعقلا بحفظ ما في حيزه من العار والشنار، مجبول على غيره أن ~~يزدحم على ما في عصمته، ولأن الزوج أقصى ما يقطع به الريبة ويطلب به تحصين ~~فرجها، فلو كان هو فيما يؤاخذها به بمنزلة سائر الناس ارتفع الأمان، ~~وانقلبت المصلحة مفسدة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ms515 لما وقعت الواقعة ~~مترددا تارة لا يقضي بشيء # لأجل # PageV02P218 # هذه المعارضات، وتارة يستنبط حكمه مما أنزل الله عليه من القواعد الكلية، ~~فيقول: " البينة أو حدا في ظهرك حتى قال، المبتلى: والذي بعثك بالحق إني ~~لصادق، ولينزل الله ما يبرئ ظهرى من الحد، ثم أنزل الله تعالى آية اللعان ~~"، والأصل فيه أنه أيمان مؤكدة تبرئ الزوج من حد القذف، وتثبت اللوث عليها ~~تحبس لأجله، ويضيق عليها به؛ فإن نكل ضرب الحد وأيمان مؤكدة منها تبرئها، ~~فإن نكلت ضربت الحد. # وبالجملة فلا أحسن فيما ليس فيه بينة، وليس مما يهدر، ولا يسمع من ~~الإيمان المؤكده، وجرت السنة أن تذكره المرأة تحقيقا للمقصود من الإيمان، ~~وجرت السنة ألا تعود إليه أبدا فإنهما بعدما حصل بينهما هذا التشاجر، ~~وانطوت صدورهما على اشد الوحر، وأشاع عليها الفاحشة لا يتوافقان، ولا ~~يتوادان غالبا، والنكاح إنما شرع لأجل المصالح المبينة على التواد ~~والتوافق، وأيضا ففي هذه زجر عليهما من الإقدام على مثل هذه المعاملة. ### | (العدة) # قال الله تعالى: # {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} إلى أخر الآيات. # أعلم أن العدة كانت من المشهورات المسلمة في الجاهلية، وكانت مما لا ~~يكادون يتركونه، وكان فيها مصالح كثيرة: # منها معرفة براءة رحمها من مائه، لئلا تختلط الأنساب، فان النسب أحد ما ~~يتشاح به، # PageV02P219 # ويطلبه العقلاء، وهو من خواص نوع الانسان، ومما امتاز به من سائر ~~الحيوان، وهي المصلحة المرعية من باب الاستبراء. # ومنها التنويه بفخامة أمر النكاح حيث لم يكن أمرا ينتظم إلا بجمع # رجال، ولا ينفك إلا بانتظار طويل، ولولا ذلك لكان بمنزلة لعب الصبيان ~~ينتظم، ثم يفك في الساعة. # ومنها أن مصالح النكاح لا تتم حتى يوطنا أنفسهما على إدامة هذا العقد ~~ظاهرا، فان حدث حادث يوجب فك النظام لم يكن بد من تحقيق صورة الإدامة في ~~الجملة بأن تتربص مدة تجد لتربصها بالا، وتقاسي لها عناء. # وعدة المطلقة ثلاثة قروء، فقيل: هي الإطهار، وقيل: هي الحيض، وعلى أنها ~~طهر، فالسر فيه أن الطهر محل رغبة كما ذكرنا، فجعل ms516 تكرارها عدة لازمة ~~ليتروى المتروي، وهو قوله صلى الله عليه وسلم في صفة الطلاق: " # فتلك العدة التي أمر الله بالطلاق فيها " وعلى أنها حيض فالحيض هو الأصل ~~في معرفة عدم الحمل. # فإن لم تكن من ذوات الحيض لصغر أو كبر، فتقوم ثلاثة اشهر مقام ثلاثة قروء ~~لأنها مظنتها ولأن براءة الرحم ظاهرة، وسائر المصالح تحقق بهذه المدة. # وفي الحامل انقضاء الحمل لأنه معرف براءة رحمها. # والمتوفى عنها زوجها تتربص أربعة أشهر وعشرا، ويجب عليها الإحداد في هذه ~~المدة، وذلك لوجوه: # أحدها أنها لما وجب عليها أن تتربص، ولا تنكح، ولا تخطب في هذه المدة ~~حفظا لنسب المتوفى عنها اقضى ذلك في حكمه السياسة أن تؤمر بترك الزينة لأن ~~الزينة تهيج الشهوة من الجابيين، وهيجانها في مثل هذه الحالة مفسدة عظيمة. # وأيضا فان من حسن الوفاء أن تحزن على فقده، وتصير تفلة شعثة، وأن تحد ~~عليه، فذلك من حسن وفائها، وتحقيق معنى قصر بصرها عليه ظاهرا. # ولم تؤمر المطلقة بذلك لأنها تحتاج إلى أن تتزين، فيرغب زوجها فيها، ~~ويكون ذلك معونة في جمع ما افترق من شملها، وكذلك اختلف العلماء في المطلقة ~~ثلاثا هل تتزين أم لا؟ فمن ناظر إلى الحكمة، ومن ناظر إلى عموم لفظ ~~المطلقة. # وإنما عين في عدتها أربع أشهر وعشرا لأن الأربعة أشهر هي ثلاث أربعينات، ~~وهي # PageV02P220 # مدة تنفخ فيها الروح في الجنين، ولا يتأخر عنها تحرك الجنين غالبا، وزيد ~~عشر لظهور تلك الحركة. # وأيضا فإن هذه المدة نصف مدة الحمل المعتاد وفيه يظهر الحمل بادى الرأي ~~بحيث يعرف كل من يرى. # وإنما شرع عدة المطلقة قروءا، وعدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا ~~لأن هنالك صاحب الحق قائم بأمره ينظر إلى مصلحة النسب، ويعرف بالمخايل ~~والقرائن، فجاز أن تؤمر بما تختص به، وتؤمن عليه، ولا يمكن للناس أن يعلموا ~~منها إلا من جهة خبرها، وههنا ليس صاحب الحق موجودا وغيره لا يعرف باطن ~~أمرها، ولا يعرف مكايدها كما يعرف هو، فوجب أن يجعل عدتها أمرا ظاهرا ms517 ~~يتساوى في تحقيقه القريب والبعيد، ويحقق الحيض لأنه لا يمتد إليه الطهر ~~غالبا أو دائما. # قال صلى الله عليه وسلم: # " لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة "، وقال صلى الله ~~عليه وسلم: # " كيف يستخدمه # وهو لا يحل له، أم كيف يورثه، وهو لا يحل له " أقول: السر في الاستبراء ~~معرفة براءة الرحم وألا تختلط الأنساب، فإذا كانت حاملا فقد دلت التجربة ~~على أن الولد في هذه الصورة يأخذ شبهين: شبه من خلق من مائه. وشبه من جامع ~~في أيام حمله، بين ذلك أثر عمر رضي الله عنه وهو إيماء قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقى ماءه لزرع غيره " وقوله ~~عليه السلام: " كيف يستخدمه " الخ معناه أن الولد الحاصل بعد جماع الحبلى ~~فيه شبهان لكل شبه حكم يناقض حكم الشبه الآخر، فشبه الأول يجعل الولد عبدا، ~~وشبه الثاني يجعله ابنا، وحكم الأول الرق ووجوب الخدمة عليه لمولاه، وحكم ~~الثاني الحرية واستحقاق الميراث، فلما كان الجماع سبب التباس أحكام الشرع ~~في الولد نهى عنه، والله أعلم. # PageV02P221 ### | (تربية الأولاد والمماليك) # اعلم أن النسب أحد الأمور التي جبل على محافظتها البشر، فلن ترى إنسانا ~~في إقليم من الأقاليم الصالحة لنشء الناس إلا وهو يحب أن ينسب إلى أبيه ~~وجده، ويكره أن يقدح في نسبته إليهما، اللهم إلا لعارض من دناءة النسب أو ~~غرض من دفع ضر أو جلب نفع ونحو ذلك، ويجب أيضا أن يكون له أولاد ينسبون ~~إليه ويقومون بعده مقامه، فربما اجتهدوا اشد الاجتهاد، وبذلوا طاقاتهم في ~~طلب الولد، فما اتفق طوائف الناس على هذه الخصلة إلا لمعنى في جبلتهم، ~~ومبنى شرائع الله على إبقاء هذه المقاصد التي تجري بجري الجبلة، وتجري فيها ~~المناقشة والمشاحة والاستيفاء لكل ذي حق حقه منها والنهي عن التظالم فيها، ~~فلذلك وجب أن يبحث الشارع عن النسب، قال صلى الله عليه وسلم: # " الولد للفراش وللعاهر الحجر " # فقيل: معناه الرجم، وقيل: الخيبة. # أقول: كان أهل ms518 الجاهلية يبتغون الولد بوجوه كثيرة لا تصححها قوانين ~~الشرع، وقد بينت بعض ذلك عائشة رضي الله عنها، فلما بعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم سد هذا الباب، وخيب العاهر، وذلك لأن من المصالح الضرورية التي ~~لا يمكن بقاء نوع الإنسان إلا بها اختصاص الرجل بامرأته حتى يسد باب ~~الازدحام على الموطوأة رأسا، ومن مقتضى ذلك أن يخيب من عصى هذه السنة ~~الراشدة، وابتغى الولد من غير اختصاص؛ إرغامه لأنفه وازدراء بأمره وزجرا له ~~أن يقصد مثل ذلك، وإلى هذا الإشارة في قوله عليه السلام للعاهر الحجر: " ~~العاهر للحجر " إن أريد معنى الخيبة كما يقال: بيده التراب، وبيده الحجر، ~~وأيضا فإذا تزاحمت الحقوق، وادعى كل لنفسه وجب أن يرجح من يتمسك بالحجة ~~الظاهرة المسموعة عند جماهير الناس والذي يتمسك بما يزيد اللأئمة عليه، ~~ويفتح باب ضرب الحد، أو يعترف فيه بأنه عصى الله، وكان مع ذلك أمر خفيا لا ~~يعلم إلا فمن جهة قوله: من حق ذلك أن يهجر ويخمل، وقد اعتبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم مثل هذا المعنى حديث قال في قصة اللعان: # " إن كذبت عليه فهو أبعد لك " وإليه الإشارة في قوله: " وللعاهر الحجر " ~~إن أريد معنى الرجم بالحجارة. # قال صلى الله عليه وسلم: # " من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام ". # أقول: من الناس من يقصد مقاصد دنية، فيرغب عن أبيه، وينتسب إلى غيره، وهو # PageV02P222 # ظلم وعقوق لأنه تخييب أبيه، فانه طلب بقاء نسله المنسوب اليه المتفرغ ~~عليه، وترك شكر نعمته وإساءة معه، وأيضا فإن النصرة والمعاونة لا بد منها ~~في نظام الحي والمدينة، ولو فتح باب الانتفاء من الاب # لأهملت هذه المصلحة، ولاختلطت أنساب القبائل، وقال صلى الله عليه وسلم: " ~~أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها ~~الله الجنة، وأيما رجل جحدو ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه " وفضحه على ~~رءوس الخلائق ". # أقول: لما كانت المرأة مؤتمنة في العدة ونحوها مأمورة ألا ms519 تلبس عليهم ~~أنسابهم وجب أن ترهب في ذلك وإنما عوقبت على هذا لأنه سعي في إبطال مصلحة ~~العالم ومناقضة لما في جبلة النوع، وذلك جالب بغض الملأ الأعلى حيث أمروا ~~بالدعاء لصلاح النوع، وأيضا ففي ذلك تخييب لولده وتضييق وحمل لنقل الولد ~~على آخرين، والرجل إذا أنكر ولده فقد عرضه للذل الدائم والعار الذي لا ~~ينتهي حيث لا نسب له، وأضاع نسمته حيث ى منفق عليه، وهو يشبه قتل أولاد من ~~جهة، وعرض والدته للذل الدائم والعار الباقي طول العمر. ### | (العقيقة) # واعلم أن العرب كانوا يعقون عن أولادهم، وكانت العقيقة أمرا لازما عندهم ~~وسنة مؤكدة، وكان فيها مصالح كثيرة راجعة إلى المصلحة الملية والمدينة فيمن ~~تلك المصالح التلطف بإشاعة نسب الولد، إذ لا بد من إشاعته لئلا يقال ما لا ~~يحبه، ولا يحسن أن يدور في السكك، فينادي أنه ولد لي ولد. فتعين التلطف ~~بمثل ذلك، ومنها اتباع داعية السخاوة وعصيان داعية الشح، ومنها أن النصارى ~~كان إذا ولد لهم ولدا صبغوه بماء اصفر يسمونه المعمودية، وكانوا يقولون: ~~يصير الولد به نصرانيا، وفي مشاكلة هذا الاسم نزل قوله تعالى: # {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة} . # فاستحب أن يكون للحنفيين فعل بإزاء فعلهم ذ لك يشعر بكون الولد حنيفيا ~~تابعا لملة إبراهيم واسماعيل عليهما السلام والنفسانية، فأبقاها النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعمل بها، ورغب الناس فيها من الإجماع على ذبح ولده، ثم ~~نعمة الله عليه أن فداه بذبح عظيم، وأشهر شرائعهما الحج الذي فيه الحلق ~~والذبح، فيكون التشبه بهما في هذا تنويها بالملة الحنيفية ونداء أن الولد ~~قد فعل به ما يكون من أعمال هذه الملة، # PageV02P223 # ومنها أن هذا الفعل في بدء ولادته يخيل إليه أنه بذل ولده في سبيل الله ~~كما فعل إبراهيم عليه السلام، وفي ذلك تحريك سلسلة الاحسان والانقياد كما ~~ذكرنا في السعي بين الصفا والمروة. # قال صلى الله عليه وسلم: # " مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى " وقال صلى الله ~~عليه وسلم " # الغلام ms520 مرتهن بعقيقته يذبح عنه يوم السابع ويسمى ويحلق ". # أقول: أما سبب الأمر في بالعقيقة فقد ذكرنا، وأما تخصيص اليوم السابع ~~فلأنه لا بد من فصل بين الولادة والعقيقة، فإن أهله مشغولون باصلاح الوالدة ~~والولد في أول الأمر، فلا يكلفون حينئذ بما يضاعف شغلهم، وأيضا فرب إنسان ~~لا يجد شاة إلا بسعي، فلو سن كونها في أول يوم لضاق الأمر عليهم، والسبعة ~~أيام مدة صالحة للفصل المعتد به غير الكثير، وأما إماطة الأذى فللتشبه ~~بالحاج، وقد ذكرنا، وأما التسمية فلأن الطفل قبل ذلك لا يحتاج أن يسمى. # وعق رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسن بشاة، وقال: " يا فاطمة احلقي ~~رأسه، وتصدقي بزنة شعره فضة " أقول السبب في التصدق بالفضة أن الولد لما ~~انتقل من الجنينية إلى الطفلية كان ذلك نعمة يجب شكرها، وأحسن ما يقع به ~~الشكر ما يؤذن أنه عوضه، فلما كان شعر الجنين # بقية النشأة الجنسية وإزالته أمارة للاستقلال بالنشأة الطفلية وجب أن ~~يؤمر بوزن الشعر فضة، وأما تخصيص الفضة فلأن الذهب أغلى، ولا يجده إلا غني، ~~وسائر المتاع ليس له بال أن يزنه شعر المولود. # وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة ~~بالصلاة. أقول: السر في ذلك ما ذكرنا في العقيقة من المصلحة الملية، فإن ~~الأذان من شعائر الإسلام، وإعلام الدين المحمدي، ثم لا بد من تخصيص المولود ~~بذلك الأذان، ولا يكون إلا بأن بصوت به في أذنه، وأيضا فقد علمت أن من ~~خاصية الأذان أن يفر منه الشيطان، والشيطان يؤذي الولد في أول نشأته حتى ~~ورد في الحديث " إن استهلاله لذلك ". # قال صلى الله عليه وسلم: # " عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة ". # PageV02P224 # أقول: يستحب لمن وجد الشاتين أن ينسك بهما عن الغلام وذلك لما عندهم أن ~~الذكر أنفع لهم من الإناث، فناسب في زيادة الشكر وزيادة التنويه به. # قال صلى الله عليه وسلم: " أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن " ~~اعلم أن أعظم المقاصد الشرعية أن ms521 يدخل ذكر الله في تضاعيف ارتفاقاتهم ~~الضرورية ليكون كل ذلك ألسنة تدعوا إلى الحق، وفي تسمية المولود بذلك إشعار ~~بالتوحيد، وأيضا فكان العرب وغيرهم يسمون الأولاد بمن يعبدونه ولما بعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم مقيما لمراسم التوحيد وجب أن يسن في التسمية أيضا ~~مثل ذلك، وإنما كان هذان الاسمان أحب من سائر ما يضاف فيه العبد إلى اسم من ~~أسماء الله تعالى لأنهما أشهر الأسماء، ولا يطلقان على غيره تعالى بخلاف ~~غيرهما، وأنت تستطيع أن تعلم من هذا سر استحباب تسمية المولود بمحمد وأحمد، ~~فإن طوائف الناس أولعوا بتسمية أولادهم # بأسماء أسلافهم المعظمين عندهم، وكاد يكون ذلك تنويها بالدين وبمنزلة ~~الإقرار بأنه من أهله. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " اخنى الأسماء يوم القيامة عند الله رجل يسمى ملك الأملاك ". # أقول: السبب فيه أن أصل أصول الدين هو تعظيم الله وألا يسوى به غيره ~~وتعظيم الشيء مساوق لتعظيم اسمه، ولذلك وجب ألا يسمى باسمه لا سيما هذا ~~الاسم الدال على أعظم التعظيم، قال الله تعالى: # {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} الآية. # أقول: لما توجهت إرادة الله تعالى إلى إبقاء نوع الإنسان بالتناسل، وجرى ~~بذلك قضاؤه وكان الولد لا يعيش في العادة إلا بتعاون من الوالد والوالدة في ~~أسباب حياته، وذلك أمر جبلي خلق الناس عليه بحيث يكون عصيانه ومخالفته ~~تغييرا لخلق الله وسعيا في نقض ما أوجبته الحكمة الإلهية - وجب أن يبحث ~~الشرع عن ذلك، ويوزع عليهما ما يتيسر، ويتأتى منهما، والمتيسر من الوالدة ~~أن ترضع. وتحضن. فيجب عليها ذلك، والمتيسر من الوالد أن ينفق عليه من طوله، ~~وينفق عليها، لأنه حبسها عن المكاسب، وشغلها بحضانة ولده، ومعاناة التعب ~~فيها. فكان العدل أن تكون كفايتها عليه، ولما كان من الناس من يستعجل ~~الفطام، وربما يكون ذلك ضارا بالولد حد الله له حدا تغلب السلامة عنده وهو ~~حولان # PageV02P225 # كاملان، ورخص فيما دون ذلك بشرط تشاور منهما، إذ كثيرا ما يكون الولد ~~بحيث يقدر على التغذى قبلها، ولكنه يحتاج إلى اجتهاد وتحر ms522 وهما أرفق الناس ~~به وأعلمهم بسريرته، ثم حرم المضادة من الجانبين لأنه # تضييق يفضي إلى نقصان التعاون فإن احتاجوا إلى الاسترضاع لضعف الوالدة أو ~~مرضها، أو تكون قد وقعت بينهما فرقة لا تلائمه ونحو ذلك من الأسباب فلا ~~جناح فيه، ويجب عند ذلك إيفاء الحق من الجانبين. # " قيل يا رسول الله ما يذهب عني مذمة الرضاع؟ قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " غرة عبد أو أمة ". اعلم أن المرضع أم بعد الأم الحقيقية، وبرها واجب ~~بعد بر الأم حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم بسط رداءه لمرضعة إكراما لها، ~~وربما لا ترضى بما يهديه إليها وإن كثر، وربما يستكثر الذي رضع القليل الذي ~~يمنحها، ويكون في ذلك الاشتباه، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن حد يضر ~~به، فضرب الغرة حدا، وذلك أن المرضع إنما أثبتت حقا في ذمته لأجل إقامة ~~بنيته وتصييرها إياه إنسانا كاملا ولأجل حضانته ومقاساة التعب فيه، فيكون ~~الجزاء الوفاق أن يمنحها إنسانا يكون بمنزلة جوارحه فيما يريد من ~~ارتفاقاته، ويتحمل عنها مؤنة عملها، وهو حد استحبابي لا ضروري. # وقالت هند: " إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني إلا أن آخذ من ماله بغير ~~إذنه، فقال صلى الله عليه وسلم: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " أقول: لما ~~كانت نفقة الولد والزوجة يعسر ضبطها فوضها النبي صلى الله عليه وسلم إليها، ~~وأكد اشتراط أخذها بالمعروف، وأهمل الرجوع إلى القضاة مثلا لأنه عسير عند ~~ذلك. # قال صلى الله عليه وسلم: # " مروا أولادكم بالصلاة " الحديث. وقد مر أسراره فيما سبق. # واختلفت قضاياه صلى الله عليه وسلم في الأحق بالحضانة عند المشاجرة # منهما، لأنه إنما ينظر إلى الأرفق بالولد والديه، ولا ينظر إلى من يريد ~~المضارة، ولا يلتفت إلى المصلحة، فإن الحسد والضرار غير متبع، فجاءته مرة ~~امرأة، وقالت: يا رسول الله إن أبني هذا كان بطني له وعاء وثدي له سقاء، ~~وحجري له حواء، وان أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني، قال صلى الله عليه ~~وسلم. " أنت أحق ms523 به ما لم تنكحي ". # أقول: وذلك لأن الأم أهدى للحضانة وأرفق به، فإذا نكحت كانت كالمملوكة ~~تحته، وإنما هو أجنبي لا يحسن إليه، # PageV02P226 # وخير غلاما بين أبيه وأمه وذلك إذا كان مميزا. # اعلم أن الإنسان مدني بالطبع لا يستقيم معاشه إلا بتعاون بينهم، ولا ~~تعاون إلا بالألفة والرحمة فيما بينهم، ولا ألفة إلا بالمواساة ومراعاة ~~الخواطر من الجانبين، وليس التعاون على مرتبة واحدة، بل له مراتب يختلف ~~باختلافها البر والصلة، فأدناها الارتباط الواقع بين المسلمين، وحد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم البر فيما بينهم بخمس، فقال: " حق المسلم على ~~المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة ~~وتشميت العاطس " وفي رواية ستة السادسة " إذا استنصحك فانصح له: وقال صلى ~~الله عليه وسلم: " أطعموا الجائع، وفكوا العاني " يعني الأسير. # والسر في ذلك أن هذه الخمس أو الست خفيفة المؤنه مورثة للألفة، ثم ~~الارتباط الواقع بين أهل الحي والجيران والأرحام، فتتأكد هذه الأشياء فيما ~~بينهم، وتتأكد التعزية والتهنئة والزيارة والمهاداة، وأوجب النبي صلى الله ~~عليه وسلم أمورا يتقيدون بها شاءوا أم أبوا كقوله صلى الله عليه وسلم: # " من ملك ذا رحم محرم فهو حر وكباب الديات ". # ثم الارتباط الواقع بين أهل المنزل من الزوجة وما ملكت يمينه أما الزوجة ~~فقد ذكرنا البر معها، وأما ما ملكت اليمين فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~بره على مرتبتين: إحداهما واجبه يلزمهم أشاءوا أم أبو، والثانية ندب إليها، ~~وحث عليها من غير إيجاب. # أما الأولى فقال صلى الله عليه وسلم: # " للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق " وذلك أنه مشغول ~~بخدمته عن الاكتساب، فوجب أن تكون كفايته عليه، وقال صلى الله عليه وسلم: # " من قذف مملوكه، وهو برئ مما قال جلد يوم القيامة " وقال عليه الصلاة ~~والسلام: " من جدع عبده فالعبد حر عليه ". # أقول: وذلك أن إفساد ملكه عليه مزجرة عن أن يفعل ما فعل. # وقال صلى الله عليه وسلم لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من ms524 حدود الله " ~~أقول: وذلك سد لباب الظلم والامعان في التعزيز زيادة بالحد على الحد، أو ~~المراد النهي عن أن يعاقب في حق نفسه أكثر من عشر جلدات كترك ما أمر به ~~ونحو ذلك، والمراد بالحد الذنب المنهي عنه لحق الشرع، وهو قول القائل أصبت ~~حدا، وأرى ان هذا الوجه أقرب، فان الخلفاء لم يزالوا يعزرون أكثر من عشر في ~~حقوق الشرع. # وأما الثانية فقوله صلى الله عليه وسلم: # " إذا صنع لأحدكم خادمه طعامه، ثم جاء به، وقد ولى حره ودخانه، # PageV02P227 # فليقعده معه فليأكل، فان كان الطعام مشفوها قليلا فليضع في يده منه أكلة ~~أو أكلتين " وقوله صلى الله عليه وسلم: # " من ضرب غلاما له حدا لم يأته أو لطمه، فان كفارته أن يعتقه "، وقوله # " إذا ضرب أحدكم خادمه، فذكر اسم الله فليمسك. # قال صلى الله عليه وسلم: # " من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منها عضوا فيه من النار ". # أقول: العتق فيه جمع شمل المسلمين، وفك عانيهم، فجوزي جزاء وفاقا. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " من أعتق شقصا في عبد اعتق كله إن كان له مال "، أقول: سببه ما وقع ~~التصريح به في نفس الحديث حيث قال صلى الله عليه وسلم: # " ليس لله شريك " يريد أن العتق جعله لله، وليس من الأدب أن يبقى معه ملك ~~لأحد. # قال صلى الله عليه وسلم: # " من ملك ذا رحم محرم فهو حر "، أقول: السبب فيه صلة الرحم، فأوجب الله ~~تعالى نوعا منها عليهم، أشاءوا أم أبوا، وإنما حض هذا لأن ملكة والتصرف فيه ~~واستخدامه بمنزلة العبيد حفاء عظيم. # قال صلى الله عليه وسلم: # " إذا ولدت أمة الرجل منه فهي معتقة عن دبر منه ". # أقول: السر في الإحسان إلى الولد لئلا يملك أمه غير أبيه، فيكون عليه عار ~~من هذه الجهة. # وأوجب على العبد خدمة المولى وحرم عليه الاباق، قال صلى الله عليه وسلم: # " إيما عبد أبق فقد برئ من الذمة حتى يرجع " وحرم على المعتق أن يوالي ~~غير مواليه. # وأعظم ذلك كله ms525 حرمة حق الوالدين، قال صلى الله عليه وسلم: # " من أكبر الكبائر عقوق الوالدين " وبرهما يتم بأمور: الإطعام والكسوة ~~والخدمة إن احتاجا. وإذا دعاه الوالد أجاب. وإذا أمره أطاع ما لم يأمر ~~بمعصية، ويكثر زيارته، ويتكلم معه بالكلام اللين، ولا يقل أف، ولا يدعوه ~~باسمه، ويمشي خلفه، ويذب عنه من اغتابه وآذاه، ويوقره في مجلسه، ويدعو له ~~بالمغفرة، والله أعلم. # PageV02P228 ### | (من أبواب سياسة المدن) # اعلم أنه يجب أن يكون في جماعة المسلمين خليفة لمصالح لا تتم إلا بوجوده، ~~وهي كثيرة جدا يجمعها صنفان: # أحدهما ما يرجع إلى سياسة المدينة من ذب الجنود التي تغزوهم وتقهرهم، وكف ~~الظالم عن المظلوم، وفصل القضايا، وغير ذلك، وقد شرحنا هذه الحاجات من قبل. # وثانيهما ما يرجع إلى الملة، وذلك أن تنويه دين الإسلام على سائر الأديان ~~لا يتصور إلا بأن يكون في المسلمين خليفة ينكر على من خرج من الملة، وارتكب ~~ما نصت على تحريمه أو ترك ما نصت على افتراضه أشد الانكار، ويذل أهل سائر ~~الأديان ويأخذ منهم الجزية عن يد وهم صاغرون، وإلا كانوا متساوين في ~~المرتبة لا يظهر فيهم رجحان إحدى الفزقتين على الأخرى، ولم يكن كابح يكبحم ~~عن عدوانهم. # والنبي صلى الله عليه وسلم جمع تلك الحاجات في أبواب أربعة: باب المظالم. ~~وباب الحدود. وباب القضاء. وباب الجهاد، ثم وقعت الحاجة إلى ضبط كليات هذه ~~الأبواب وترك الجزئيات إلى رأى الأئمة ووصيتهم بالمجاعة " خيرا، وذلك ~~لوجوه: # منها أن متولي ### | الخلافة # كثيرا ما يكون جائرا ظالما يتبع هواه، ولا يئبع الحق، فيفسدهم، وتكون ~~مفسدته عليهم أشد مما يرجى من مصلحتهم، ويحتج فيما يفعل أنه تابع للحق، ~~وأنه رأى المصلحة في ذلك، فلا بد من كليات ينكر على من خالفها، ويؤاخذ بها، ~~ويرجع احتجاجهم عليها إليها. # ومنها أن الخليفة يجب أن يصحح على الناس ظلم الظالم، وأن العقوبة ليست ~~زائدة على قدر الحاجة، ويصحح في فصل القضايا أنه قضى بالحق، وإلا كان سببا ~~لاختلافهم عليه، وأن يجد الذي كان الضرر عليه وأوليائه في ms526 أنفسهم وحرا ~~راجعا إلى غدر، ويضمروا عليه حقدا يرون فيه أن الحق بأيديهم وذلك مفسدة ~~شديدة. # ومنها أن كثيرا من الناس لا يدركون ما هو الحق في سياسة المدينة، ~~فيجتهدون، فيخطئون يمينا وشمالا، فمن صلب شديد يرى البالغ في المزجرة ~~قليلا، ومن سهل لين # PageV02P229 # يرى القليل كثيرا، ومن أذن إمعة يرى كل ما أنهى إليه المدعى حقا، ومن ~~متمنع كؤود يظن بالناس ظنونا فاسدة، ولا يمكن الاستقصاء، فانه كالتكليف ~~بالمحال، فيجب أن تكون الأصول مضبوطة، فان اختلافهم في الفروع أخف من ~~اختلافهم في الأصول. # ومنها أن القوانين إذا كانت ناشئة من الشرع كانت بمنزلة الصلاة والصيام ~~في كونها قربة إلى الحق، والسنة تذكر الحق عند القوم، وبالجملة فلا يمكن أن ~~يفوض الأمر بالكلية إلى أولي أنفس شهوية أو سبعية، ولا يمكن معرفة العصمة ~~والحفظ عن الجواز في الخلفاء والمصالح التي ذكرناها في التشريع وضبط ~~المقادير كلها متأتيه ههنا، والله أعلم. ### | (الخلافة) # اعلم أنه يشترط في الخليفة أن يكون عاقلا بالغا حرا ذكرا شجاعا ذا رأي ~~وسمع وبصر ونطق، وممن سلم الناس شرفه وشرف قومه، ولا يستنكفون عن طاعته، قد ~~عرف منه أنه يتبع الحق في سياسة المدينة، هذا كله يدل عليه العقل، واجتمعت ~~أمم بني آدم على تباعد بلدانهم واختلاف أديانهم على اشتراطها، ولما رأوا أن ~~هذه الأمور لا تتم المصلحة المقصودة من نصب الخليفة إلا بها، وإذا وقع شيء ~~من إهمال هذه رأوه خلاف ما ينبغي، وكرهه قلوبهم، وسكتوا على غيظ، وهو قوله ~~صلى الله عليه وسلم في فارس لما ولوا عليه امرأة. " لن يفلح قوم ولوا عليهم ~~امرأة ". # والمملة المصطفوية اعتبرت في خلافة النبوة أمورا أخرى: # منها الإسلام، والعلم، والعدالة، وذلك لأن المصالح الملية لا تتم بدونها ~~ضرورة اجمع المسلمون عليه، والأصل في ذلك قوله تعالى: # {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما ~~استخلف الذين من قبلهم} إلى قوله تعالى: {فأولئك هم الفاسقون} . # ومنها كونه من قريش، قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " الأئمة ms527 من قريش " # PageV02P230 # والسبب المقتضي لهذا أن الحق الذي أظهره الله على لسان نبيه صلى الله ~~عليه وسلم إنما جاء بلسان قريش وفي عاداتهم، وكان أكثر ما تعين من المقادير ~~والحدود ما هو عندهم، وكان المعد لكثير من الأحكام ما هو فيهم، فهم أقوم به ~~وأكثر الناس تمسكا بذلك، وأيضا فإن قريشا قوم النبي صلى الله عليه وسلم ~~وحزبه، ولا فخر لهم إلا بعلو دين محمد صلى الله عليه وسلم، وقد اجتمع فيهم ~~حمية دينيه وحمية نسبيه، فكانوا مظنة القيام # بالشرائع والتمسك بها، وأيضا فإنه يجب أن يكون الخليفة ممن لا يستنكف ~~الناس من طاعته لجلالة نسبه وحسبه، فإن من نسب له يراه الناس حقيرا ذليلا، ~~وان يكون ممن عرف منهم الرياسات والشرف، ومارس قومه جمع الرجال ونصب ~~القتال، وأن يكون قومه أقوياء يحمونه، وينصرونه، ويبذلون دونه الأنفس، ولم ~~تجتمع هذه الأمور إلا في قريش لا سيما بعد ما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~ونبه به أمر قريش. # وقد أشار أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى هذه فقال: ولن يعرف هذا الأمر ~~إلا بقريش هم أوسط العرب دارا الخ. # وإنما لم يشترط كونه هاشميا مثلا لوجهين: أحدهما ألا يقع الناس في الشك، ~~فيقولوا إنما أراد ملك أهل بيته كسائر الملوك فيكون سببا للارتداد ولهذه ~~العلة لم يعط النبي صلى الله عليه وسلم المفتاح لعباس بن عبد المطلب رضي ~~الله عنه. # والثاني أن المهم في الخلافة رضا الناس به واجتماعهم عليه وتوقيرهم إياه ~~وأن يقيم الحدود، ويناضل دون الملة، وينفذ الأحكم، واجتماع هذه الأمور لا ~~يكون إلا في واحد بعد واحد، وفي اشتراط أن تكون من قبيلة خاصة تضييق وحرج ~~فربما لم يكن في هذه القبيلة من تجتمع فيه الشروط، وكان في غيرها، ولهذه ~~العلة ذهب الفقهاء إلى المنع عن اشتراط كون المسلم فيه من قرية صغيرة ~~وجوزوا كونه من قرية كبيرة. # وتنعقد الخلافة بوجوه: بيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء وأمراء ~~الأجناد ممن يكون له رأى ونصيحة للمسلمين، ms528 كما انعقدت خلافة أبي بكر رضي ~~الله عنه. # وبأن يوصي الخليفة الناس به، كما انعقدت خلافة عمر رضي الله عنه # أو يجعل شورى بين قوم، كما كان انعقاد خلافة عثمان، بل علي أيضا رضي الله ~~عنهما، # PageV02P231 # أو استيلاء رجل جامع للشروط على الناس وتسلطه عليهم، كسائر الخلفاء بعد ~~خلافة النبوة، ثم إن إستوى من لم يجمع الشروط لا ينبغي أن يبادر إلى ~~المخالفة. لأن خلعه لا يتصور غالبا إلا بحروب ومضايقات، وفيها من المفسدة ~~اشد مما يرجى من المصلحة، وسئل رسول صلى الله عليه وسلم عنهم فقيل: أفلا ~~ننابذهم؟ قال: " لا ما أقاموا فيكم الصلاة " وقال: " إلا أن تروا كفرا ~~بواحا عندكم من الله فيه برهان " # وبالجملة فإذا كفر الخليفة بانكار ضرورى من ضروريات الدين حل قتاله بل ~~وجب وإلا لا، وذلك لأنه حينئذ فاتت مصلحة نصبه، يل يخاف مفسدته على القوم، ~~فصار قتاله من الجهاد في سبيل الله. # قال صلى الله عليه وسلم: # " السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب، وكره، ما لم يؤمو بمعصية، ~~فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " # أقول لما كان الإمام منصوبا لنوعين من المصالح اللذين بهما انتظام الملة ~~والمدن. وإنما بعث النبي صلى الله عليه وسلم لأجلهما والامام نائبه ومنفذ ~~أمره - كانت طاعته طاعة رسول الله، ومعصيته معصية رسول الله إلا أن يأمر ~~بالمعصية، فحينئذ ظهر أن طاعته ليس بطاعة الله، وأنه ليس نائب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال عليه السلام. " ومن يطع الأمير فقد أطاعني ~~ومن عصى الأمير فقد عصاني ". # قال صلى الله عليه وسلم: # " إنما الامام جنة يقاتل من ورائه، ويتقي به، فان أمر بتقوى الله، وهدى ~~فان له بذلك أجرا، وإن قال بغيره فان عليه منه ". # أقول إنما جعله بمنزلة الجنة لأنه سبب اجتماع كلمة المسلمين والذب عنهم. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصير، فانه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا ~~فيموت إلا مات ميتة جاهلية ". # أقول وذلك لأن الإسلام إنما امتاز ms529 من الجاهلية بهذين النوعين من المصالح، ~~والخليفة نائب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما، فإذا فارق منفذهما ~~ومقيمهما أشبه الجاهلية. # PageV02P232 # قال صلى الله عليه وسلم: # " ما من عبد يسترعيه الله رعية، فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة ~~" أقول لما كان نصب الخليفة لمصالح وجب أن يؤمر الخليفة بايفاء هذه ~~المصالح، كما أمر الناس أن ينقادوا له، لتتم المصالح من الجانبين. # ثم إن الامام لما كان لا يستطيع بنفسه أن يباشر جباية الصدقات وأخذ ~~العشور وفصل القضاء في كل ناحية وجب بعث العمال والقضاة، ولما كان أولئك ~~مشغولين بأمر من مصالح العامة وجب أن تكون كفايتهم في بيت المال، وإليه ~~الإشارة في قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه لما استخلف # لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي وشغلت بأمر المسلمين، ~~فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، ويحترف للمسلمين فيه. # ثم وجب أن يؤمر العامل بالتيسير، وينهى عن الغلول والرشوة، وأن يؤمر ~~القوم بالانقياد له لتتم المصلحة المقصودة، وهذا قوله صلى الله عليه وسلم: ~~إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة وقال صلى ~~الله عليه وسلم " من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد ذلك فهو ~~غلول " ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي، والسر في ذلك ~~أنه ينافي المصلحة المقصودة ويفتح باب المفاسد. # وقال صلى الله عليه وسلم: " لا تستعمل من طلب العمل " أقول وذلك لأنه ~~قلما يخلوا طلبه من داعية نفسانية، وقال صلى الله عليه وسلم. إذ جاءكم ~~العامل فليصدر وهو عنكم راض " # ثم وجب أن يقدر القدر الذي يعطى العمال في عملهم لئلا يجاوزه الامام، ~~فيفرد، أو يفرط، ولا يعدوه العامل بنفسه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " ~~من كان لنا عاملا فليكتسب زوجة، فان لم يكن له خادم فليكتسب خادما , فإن لم ~~يكن له مسكن فليكتسب مسكنا. # فاذا بعث الامام العامل في صدقات سنة فليجعل له فيها ما يكفي مؤنته، ~~ويفضل ms530 فضل بقدر به على حاجة من هذه الحوائج، فان الزائد لا حد له، والمؤنة ~~بدون زيادة لا يتعانى لها العامل، ولا يرغب فيها # PageV02P233 # (المظالم) # اعلم أن من أعظم المقاصد التي قصدت ببعثة الأنبياء عليهم السلام دفع ~~المظالم من بين للناس، فان تظالمهم يفسد حالهم، ويضيق عليهم، ولا حاجة إلى ~~شرح ذلك، # و ### | المظالم # على ثلاثة أقسام: تعد على النفس، وتعد على أعضاء الناس، وتعد على أموال ~~الناس، فاقتضت حكمة من الله أن يزجر عن كل نوع من هذه الأنواع بزواجر قوية ~~تردع الناس عن أن يفعلوا ذلك مرة أخرى، ولا ينبغي أن تجعل هذه الزواجر على ~~مرتبة واحدة فان القتل ليس كقطع الطرف؛ ولا قطع الطرف كاستهلاك المال. # وأن الدواعي التي تنبعث منها هذه المظالم لها مراتب؛ فمن البديهي أن تعمد ~~القتل ليس كالتساهل المنجر إلى الخطأ: فأعظم المظالم القتل، وهو أكبر ~~الكبائر، أجمع عليه أهل الملل قاطبتهم، وذلك لأنه طاعة النفس في داعية ~~لغضب، وهو أعظم وجوه الفساد فيما بين الناس، وهو تغيير خلق الله وهدم بنيان ~~الله ومناقضة ما أراد الحق في عباده من انتشار نوع الإنسان # والقتل على ثلاثة أقسام: عمد، وخطأ، وشبه عمد، فالعمد هو القتل الذي يقصد ~~فيه إزهاق روحه بما يقتل غالبا جارحا أو مثقلا، # والخطأ ما لا يقصد فيه إصابته، فيصيبه فيقتله كما إذا وقع على إنسان فمات ~~أو رمى شجرة، فأصابه، فمات. # وشبه العمد أن يقصد الشخص بما لا يقتل غالبا، فيقتله كما إذا ضرب بسوط أو ~~عصا فمات، # وإنما جعل على ثلاثة أقسام لما أشرنا من قبل أن الزاجر ينبغي أن يكون ~~بحيث يقاوم الداعية والمفسدة، ولهما مراتب، فلما كان العمد أكثر فسادا وأشد ~~داعية وجب أن يغلظ فيه بما يحصل زيادة الزجر، ولما كان الخطأ أقل فسادا ~~وأخف داعية وجب أن يخفف من جزائه، واستنبط النبي صلى الله عليه وسلم بين ~~العمد والخطأ نوعا آخر لمناسبة منهما وكونه برزخا بينهما، فلا ينبغي أن ~~يدخل في أحدهما. # فالعمد فيه قوله تعالى: ms531 # PageV02P234 # {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه ~~وأعد له عذابا عظيما} . # ظاهره أنه لا يغفر له، وإليه ذهب ابن عباس رضي الله عنهما، لكن الجمهور ~~وظاهر السنة على أنه بمنزلة سائر الذنوب، وأن هذه التشديدات للزجر وأنها ~~تشبيه لطول مكثه بالخلود واختلفوا في الكفارة فان الله تعالى لم ينص عليها ~~في مسألة العمد قال الله تعالى: # {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد ~~بالعبد والأنثى بالأنثى} . # نزلت في حيين من أحياء العرب: أحدهما أشرف من الآخر، فقتل الأوضع من ~~الأشرف قتلى فقال الأشرف لنقتلن الحر بالعبد والذكر بالأنثى، ولنضاعفن ~~الجراح. # ومعنى الآية - والله أعلم أن خصوص الصفات لا يعتبر في القتلى كالعقل، ~~والجمال، والصغر، والكبر وكونه شريفا أو ذا مال ونحو ذلك، # وإنما تعتبر الأسامي والمظان الكلية، فكل امرأة مكافئة لكل امرأة، ولذلك ~~كانت ديات النساء واحدة وإن تفاوتت الأوصاف، وكذلك الحر يكافئ الحر، والعبد ~~يكافئ العبد، فمعنى القصاص التكافؤ وأن يجعل اثنان في درجة واحدة من الحكم ~~لا يفضل أحدهما على الآخر لا القتل مكانه ألبتة، ثم أثبتت السنة أن المسلم ~~لا يقتل بالكافر، وأن الحر لا يقتل بالعبد. والذكر يقتل بالأنثى لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قتل اليهودي بجارية وفي كتاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى أقيال همدان " ويقتل الذكر بالأنثى " وسره أن القياس فيه مختلف، ~~ففضل الذكور على الإناث، وكونهم قوامين عليهن يقتضي ألا يقاد بها وأن الجنس ~~واحد، وإنما الفرق بمنزلة الفرق الصغير والكبير وعظيم الجثة وحقيرها، ~~ورعاية مثل ذلك عسيرة جدا، ورب امرأة هي أتم من الرجال في محاسن الخصال ~~تقتضي أن يقاد، فوجب أن يعمل على القياسين، وصورة العمل بهما أنه اعتبر ~~المقاصة في القود وعدم المقاصة في الدية، وإنما فعل ذلك لأن صاحب العمد ~~قصدها وقصد التعدي عليها، والمتعمد المتعدى ينبغي أن يذب عنها أتم ذب، ~~فإنها ليست بذات شوكة، وقتلها ليس فيه حرج بخلاف قتل # PageV02P235 # الرجال فإن الرجل يقاتل ms532 الرجل، فكانت هذه الصورة أحق بإيجاب القود؛ ليكون ~~ردعا وزجرا عن مثله. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " لا يقتل مسلم لكافر ". أقول: والسر في ذلك أن المقصود الأعظم في الشرع ~~تنويه الملة الحنيفية، ولا يحصل إلا بأن يفضل المسلم على الكافر، ولا يسوي ~~بينهما. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " لا يقاد الوالد بالولد " أقول: السبب في # ذلك أن الوالد شفقته وافرة، وحبه عظيم، فاقدامه على القتل مظنة أنه لم ~~يتعمده. وإن ظهرت مخايل العمد أو كان لمعنى أباح قتله، وليست دلالة هذه اقل ~~من دلالة استعمال ما لا يقتل غالبا على أنه لم يقصد إزهاق الروح. # وأما القتل شبه العمد، فقال فيه صلى الله عليه وسلم: # " من قتل في عمية في رمي يكون فيهم بالحجارة أو جلد بالسياط أو ضرب بعصا ~~فهو خطأ وعقله عقل الخطأ ". # أقول: معناه أنه يشبه الخطأ وأنه ليس من العمد وأن عقله مثل عقله في ~~الأصل، وإنما يتمايزا في الصفة، أو أنه لا فرق بينه وبينه في الذهب والفضة ~~واختلفت الرواية في الدية المغلظة. فقول ابن مسعود رضي الله عنه: إنها تكون ~~أرباعا خمسا وعشرين جذعة. وخمسا وعشرين حقة، وخمسا وعشرين بنت لبون، وخمسا ~~وعشرين بنت مخاض، وعنه صلى الله عليه وسلم " ألا إن في قتل العمد الخطأ ~~بالسوط أو العصا مائة من الإبل منها أربعون خلفة في بطونها الأولادها، وفي ~~رواية " ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفه " وما صولحوا عليه فهو لهم ~~". # وأما القتل الخطأ ففيه الدية المخففة المخمسة عشرون بن مخاض. وعشرون ابن ~~مخاض. وعشرون بنت لبون. وعشرون حقة وعشرون جذعة، وفي هذين القسمين إنما تجب ~~الدية على العاقلة في ثلاث سنين. # ولما كانت هذه الأنواع مختلفة المراتب روعي في ذلك التخفيف والتغليظ من ~~وجوه: # منها أن سفك دم القاتل لم يحكم به إلا في العمد. ولم يجعل في الباقيين ~~إلا الدية، وكان في شريعة اليهود القصاص لا غير: فخفف الله على هذه الأمة، # فجعل جزاء القتل # PageV02P236 # العمد عليها أحد الأمرين القتل. والمال، ms533 فلربما كان المال أنفع للأولياء ~~من الثأر، وفيه إبقاء نسمة مسلمة. # ومنها أن كانت الدية في العمد واجبة على نفس القاتل وفي غيره تؤخذ من ~~عاقلته؛ لتكون مزجرة شديدة وابتلاء عظيما للقاتل ينهك ماله أشد إنهاك، ~~وإنما تؤخذ في غير العمد من العاقلة لأن هدر الدم مفسدة عظيمة، وجبر قلوب ~~المصابين مقصود، والتساهل من القاتل في مثل هذا الأمر العظيم ذنب يستحق ~~التضييق عليه، ثم لما كانت الصلة واجبة على ذوي الأرحام اقتضت الحكمة ~~الإلهية أن يوجب شيء من ذلك عليهم أشاءوا أم أبوا، وإنما تعين هذا لمعنيين. # أحدهما أن الخطأ وإن كان مأخوذا به لمعنى التساهل فلا ينبغي أن يبلغ به ~~أقصى المبالغ، فكان أحق ما يوجب عليهم عن ذوي رحمهم ما يكون الواجب في ~~التخفيف عليه. # والثاني أن العرب كانوا يقومون بنصرة صاحبهم بالنفس والمال عندما يضيق ~~عليه الحال، ويرون ذلك صلة واجبة وحقا مؤكدا، ويرون تركه عقوقا وقطع رحم، ~~فاستوجبت عاداتهم تلك أن يغين لهم ذلك. # ومنها أن جعل دية العمد معجلة في سنة واحدة، ودية غيره مؤجلة في ثلاث ~~سنين لما ذكرنا من معنى التخفيف. # والأصل في الدية أنها يجب أن تكون مالا عظيما يغلبهم، وينقص من مالهم، ~~ويجدون له بالا عندهم ويكون بحيث يؤدونه بعد مقلساة الضيق؛ ليحصل الزجر ~~وهذا القدر يختلف باختلاف الأشخاص، وكان أهل الجاهلية قدروها بعشرة من ~~الإبل، فلما رأى عبد المطلب أنهم لا ينزجرون بها بلغها إلى مائة، وأبقاها ~~النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك لأن العرب يومئذ كانوا أهل إبل، غير أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم عرف أن شرعه # لازم للعرب والعجم وسائر الناس، وليسوا كلهم أهل إبل، فقدر من الذهب ألف ~~دينار، ومن الفضة اثني عشر ألف درهم، ومن البقر مائتي بقرة، ومن الشاء ألفي ~~شاة. # والسبب في هذا إذا مائة رجل إن وزع عليهم ألف دينار في ثلاث سنين أصاب كل ~~واحد منهم في سنة ثلاثة دنانير وشيء، ومن الدراهم ثلاثون درهما وشيء، وهذا ~~شيء لا ms534 يجدون لأقل منه بالا، والقبائل تتفاوت فيما بينها، يكون منها ~~الكبيرة، ومنها الصغيرة، وضبط الصغيرة بخمسين، فإنهم أدنى ما تتقرى بهم ~~القرية، ولذلك جعل القسامة خمسين يمينا متوزعة على خمسين رجلا، والكبيرة ~~ضعف الخمسين فجعلت الدية مائة ليصيب كل واحد بعيرا أو بعيران أو بعير وشيء ~~في أكثر القبائل عند استواء حالهم. # PageV02P237 # والأحاديث التي تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رخصت الإبل ~~خفض من الدية، وإذا غلت رفع منها، فمعناها عندي أنه كان يقضي بذلك على أهل ~~الإبل خاصة، وأنت إن فتشت عامة البلاد وجدتهم ينقسمون إلى أهل تجارات ~~وأموال وهم أهل الحضر، وأهل رعي، وهم أهل البدو لا يجاوزهم حال الأكثرين. # قال الله تعالى: # {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} . الآية # أقول. إنما وجب في الكفارة تحرير رقبة مؤمنة أو إطعام ستين مسكينا ليكون ~~طاعة مكفرة له فيما بينه وبين الله فإن الدية مزجرة تورث فيه الندم بحسب ~~تضييق الناس عليه، والكفارة فيما بينه وبين الله تعالى. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. # " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ~~ثلاث. النفس بالنفس. # والثيب الزاني. والمفارق لدينه التارك للجماعة. " أقول. الأصل المجمع ~~عليه في جميع الأديان أنه إنما يجوز القتل لمصلحة كلية لا تتأتى بدونه، ~~ويكون تركها اشد إفسادا منه، وهو قوله تعالى. # {والفتنة أشد من القتل} . # وعندما تصدى النبي صلى الله عليه وسلم للتشريع وضرب الحدود وجب أن يضبط ~~المصلحة الكلية المسوغة للقتل ولو لم يضبط، وترك سدى لقتل منهم قاتل من ليس ~~قتله من المصلحة الكلية ظنا أنه منها فضبط بثلاث: # القصاص فإنه مزجرة، وفيه مصالح كثيرة قد أشار الله تعالى إليها بقوله. # {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} . # والثيب الزاني لأن الزنا من أكبر الكبائر في جميع الأديان، وهو من أصل ما ~~تقتضيه الجبلة الإنسانية، فإن الإنسان عند سلامة مزاجه يخلق على الغيرة أن ~~يزاحمه أحد على موطوأته كسائر البهائم، ms535 إلا أن الإنسان استوجب أن يعلم ما ~~به إصلاح النظام فيما بينهم، فوجب عليهم ذلك. # والمرتد اجترأ على الله ودينه، وناقض المصلحة المرعية في نصب الدين وبعث ~~الرسل. # وأما ما سوى هؤلاء الثلاث مما ذهبت إليه الأمة مثل الصائل. ومثل المحارب ~~من غير أن يقتل أحدا عند من يقول بالتخيير بين أجزية المحارب فيمكن إرجاعه ~~إلى أحد هذه الأصول. # PageV02P238 # واعلم أنه كان أهل الجاهلية يحكمون بالقسامة وكان أول من قضى بها أبو ~~طالب كما بين ذلك ابن عباس رضي الله عنهما وكان فيها مصلحة عظيمة، فإن ~~القتل ربما يكون في المواضع الخفية والليالي المظلمة حيث لا تكون البينة # فلو جعل مثل هذا القتل هدرا لاجترأ الناس عليه ولعم الفساد، ولو أخذ ~~بدعوى أولياء المقتول بلا حجة لادعى الناس على كل من يعادونه، فوجب أن يؤخذ ~~بأيمان جماعة عظيم تتقرى بها قرية، وهم خمسون رجلا، فقضى بها النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وأثبتها. # واختلف الفقهاء في العلة التي تدار عليها، فقيل. وجود قتيل به أثر جراحة ~~من ضرب أو خنق في موضع هو في حفظ قوم كمحلة، ومسجد، ودار، وهذا مأخوذ من ~~قصة عبد الله بن سهل وجد قتيلا بخيبر يتشحب في دمه، وقيل. وجود قتيل وقيام ~~لوث على أحد أنه القاتل باخبار المقتول أو شهادة دون النصاب ونحوه، وهذا ~~مأخوذ من قصة القسامة التي قضى بها أبو طالب. # قال صلى الله عليه وسلم. # " دية الكافر نصف دية المسلم " أقول. السبب في ذلك ما ذكرنا قبل أنه يجب ~~أن ينوه بالملة الإسلامية، وأن يفضل المسلم على الكافر، ولأن قتل الكافر ~~أقل إفسادا بين المسلمين؛ وأقل معصية؛ فإنه كافر مباح الأصل يندفع بقتله ~~شعبة من الكفر، وهو مع ذلك ذنب وخطيئة وإفساد في الأرض، فناسب أن تخفف ~~ديته. # وقضى صلى الله عليه وسلم في الاملاص بغرة عبد أو أمة اعلم أن الجنين فيه ~~وجهان: كونه نفسا من النفوس البشرية، ومقتضاه أن يقع في عوضه النفس، وكونه ~~طرفا وعضوا من أمة لا يستقل ms536 بدونها ومقتضاه أن يجعل بمنزلة سائر الجروح في ~~الحكم بالمال، فروعي الوجهان فجعل ديته مالا هو أدمي وذلك غاية العدل. # وأما التعدي على أطراف الإنسان فحكمه مبني على أصول: أحدها أن ما كان ~~منها عمدا ففيه القصاص إلا أن يكون القصاص فيه مفضيا إلى الهلاك فذلك مانع ~~من القصاص، وفيه قوله تعال ى: # PageV02P239 # {النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن ~~والجروح قصاص} . # فالعين بمرآة محماة والسن بالمبرد ولا تقلع لأن في القلع خوف زيادة ~~الأدى. وفي الجروح إذا كان كالموضحة القصاص يقبض على السكين بقدر عمق ~~الموضحة فان كان كسر العظم فلا قصاص لأنه يخاف منه الهلاك. # وجاء عن بعض التابعين لطمة بلطمة. وقرصة بقرصة. # والثاني أن ما كان إزالة لقوة نافعة في الإنسان كالبطش. والمشي والبصر. ~~والسمع. والعقل. والباءة، ويكون بحيث يصير الإنسان به كلا على الناس، ولا ~~يقدر على الاستقلال بأمر معيشته، ويلحق به عار فيما بين الناس، ويكون مثله ~~يتغير بها خلق الله، ويبقى أثرها في بدنه طول الدهر فانه يجب فيها الدية ~~كاملة، وذلك لأنه ظلم عظيم وتغيير لخلقه ومثله به وإلحاق عار به وكان الناس ~~لا يقومون بنصرة المظلوم بأمثال ذلك كما يقومون في باب القتل، ويحقر أمرهم ~~الظالم والحاكم. وعصبة الظالم وعصبة المظلوم فاستوجب ذلك أن يؤكد الأمر فيه ~~ويبلغ مزجرته أقصى المبالغ. # والأصل في قوله صلى الله عليه وسلم في كتابه إلى أهل اليمن: " في الأنف ~~إذا أوعب جدعة الدية، وفي الاسنان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين ~~الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية " وقال عليه ~~السلام. # " في العقل الدية ". # ثم ما كان إتلافا لنصف هذه المنفعة ففيه نصف الدية، في الرجل الواحده نصف ~~الدية، وفي اليد الواحدة نصف الدية، وما كان إتلافا لعشرها كأصبع # من أصابع اليدين والرجلين ففيه عشر الدية، وفي كل سن نصف عشر الدية، وذلك ~~لأن الأسنان تكون ثمانية وعشرين. وستة وعشرين، والكسر الذي يكون بإزاء نسبة ~~الواحد إلى ذلك العدد خفي ms537 محتاج إلى التعمق في الحساب، فأخذنا العشرين، ~~وأوجبنا نصف عشر الدية. # والثالث أن الجروح التي لا تكون إبطالا لقوة مستقلة ولا لنصفها، ولا تكون ~~مثله، وإنما هي تبرأ، وتندمل لا ينبغي أن تجعل بمنزلة النفس ولا بمنزلة ~~اليد والرجل، فيحكم بنصف الدية، ولا ينبغي أن يهدر ولا يجعل بإزائه شيء، ~~فأقلها الموضحة إذ ما كان دونها يقال له خدش وخمش لا جرح، والموضحة ما يوضح ~~العظم ففيه نصف العشر لآن نصف العشر أقل حصة يعرف من غير إمعان في الحساب، ~~وإنما يبنى الأمر في # PageV02P240 # الشرائع على السهام المعلوم مقدارها عند الحاسب وغيره، والمنقلة فيها ~~خمسة عشر بعيرا لأنها إيضاح وكسر ونقل فصار بمنزلة ثلاثة إيضاحات والجائفة ~~والآمة أعظما الجراحات فمن حقهما أن يجعل في كل واحدة منهما ثلث الدية لأن ~~الثلث يقدر به ما دون النصف. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " هذه وهذه سواء " يعني الحنصر والابهام، وقال " الثنية والضرس سواء ". # أقول والسبب أن المنافع الخاصة بكل عضو عضو لما صعب ضبطها وجب أن يدار ~~الحكم على الأسامي والنوع. # واعلم أن من القتل والجرح ما يكون هدرا وذلك لأحد وجهين: إما أن يكون ~~دفعا لشر يلحق به، والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم في جواب من قال: # " يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك، ~~قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، ~~قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار ". # وعض إنسان إنسانا، فانتزع المعضوض يده من فمه، فأندر ثنيته، فأهدرها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # فالحاصل أن الصائل على نفس الإنسان أو طرفه أو ماله يجوز ذبه بما أمكن، ~~فان انجر الأمر إلى القتل لا إثم فيه، فان الأنفس السبعية كثيرا ما يتغلبون ~~في الأرض، فلو لم يدفعوا لضاق الحال وقال صلى الله عليه وسلم: # " لو اطلع في بيتك أحد، ولم تأذن له، فحذفته بحصاة، ففقأت عينه ما كان ~~عليك من جناح ". # وأما ms538 أن يكون بسبب ليس فيه تعد لأحد، وإنما هو بمنزلة الآفات السماوية، ~~والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم: # " العجماء جبار، والمعدن جبار، والبئر جبار ". # أقول: وذلك لأن البهائم تسرح للمرعى، فاذا أصابت أحدا لم يكن ذلك من صنع ~~مالكها، وكذلك إذا وقع في البئر أو انطبق عليه المعدن، ثم إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم سجل عليهم أن يحتاطوا لئلا يصاب أحد منهم بخطأ، فان من ~~القرف والتلف. # PageV02P241 # ومنه نهيه صلى الله عليه وسلم عن الحذف قال: " إنه لا يصاد به صيد، ولا ~~ينكأ به عدو، ولكنه قد يكسر السن، ويفقأ العين ". # وقال صلى الله عليه وسلم: " إذا مر أحدكم في مسجدنا أو في سوقنا ومعه نبل ~~فليمسك على نصالها أن تصيب أحدا من المسلمين منها شيء ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع من يده، ~~فيقع في حفرة من النار ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " من حمل علينا السلاح فليس منا ". # ونهى عليه السلام أن يتعاطى السيف مسلولا، ونهى أن يقدر السير بين ~~أصبعين. # وأما التعدي على أموال الناس فأقسام: غصب. وإتلاف. وسرقة. ونهب ... # أما السرقة. والنهب فستعرفهما، وأما الغصب فاغا هو تسلط على مال الغير ~~معتمدا على شبهة واهية لا يثبتها الشرع، أو اعتمادا على ألا يظهر على ~~الحكام جلية الحال، ونحو ذلك، فكان حريا أن يعد من المعاملات، ولا يبتنى ~~عليه الحدود، ولذلك كان غصب ألف درهم لا يوجب القطع، وسرقة ثلاثة دراهم ~~توجبه. # وأما الاتلاف فيكون عمدا. وشبه عمد. وخطأ، لكن الأموال لما كانت دون ~~الأنفس لم يجعل لكل واحد منها حكما وكفى الضمان عن جميعها زاجرا. # قال رسولى الله صلى الله عليه وسلم: " من أخذ شبرا من الأرض ظلما طوقه ~~يوم القيامة من سبع أرضين ". # أقول لقد علمت مرارا أن الفعل الذي ينقض المصلحة المدنية، ويحصل به ~~الإيذاء والتعدي يستوجب لعن الملأ الأعلى، ويتصور العذاب بصورة العمل أو ~~مجاروه. # وقال صلى الله عليه وسلم: ms539 # " على اليد ما أخذت ". # أقول: هذا هو الأصل في باب الغصب والعارية يجب رد عينه، فان تعذر فرد ~~مثله. # ودفع عليه السلام صحفة في موضع صحفة كسرت، وأمسك المكسورة # أقول: هذا هو الأصل في باب الاتلاف، والظاهر من السنة أنه يجوز أن يغرم ~~في المتقومات بما يحكم به العامة والخاصة أنه مثلها كالصحفة مكان الصحفة، ~~وقضى عثمان # PageV02P242 # رضي الله عنه بمحضر من الصحابه رضي الله عنهم على المغرور أن يفدى بمثل ~~أولاده. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به، ويتبع البيع من باعه " أقول السبب ~~المقتضي لهذا الحكم أنه إذا وقعت هذه الصورة فيحتمل أن يكون في كل جانب ~~الضرر والجور، فإذا وجد متاعه عند رجل. فان كانت السنة أن يهمله حتى يجد ~~بائعه ففيه ضرر عظيم لصاحب المتاع، فان الغاصب أو السارق إذا عثر على ~~خيانته ربما يحتج بأنه اشتري من إنسان يذب بذلك عن نفسه، وربما يكون السارق ~~والغاصب وكل بعض الناس بالبيع لئلا يؤاخذ هو ولا البائع، وفي ذلك فتح باب ~~ضياع حقوق الناس، وربما لا يجد البائع إلا عند غيبة هذا المشتري فيؤاخذه ~~فلا يجد عنده شيء فيسكت على خيبة، وإن كانت السنة أن يقبضه في الحال ففيه ~~ضرر للمشتري لأنه ربما يبتاع من السوق لا يدري من البائع وأين محله ثم ~~يستحق ماله ولا يجد البائع فيسكت على خيبة وربما يكون له حاجة إلى المتاع ~~ويكون في قبض # المستحق إياه حوالته على البائع فوت حاجته فلما دار الأمر بين ضررين ولم ~~يكن بد من وجود أحدهما وجب أن يرجع إلى الأمر الظاهر الذي تقبله أفهام ~~الناس من غير ريبة وهو هنا أن الحق تعلق بهذه العين والعين تحبس في العين ~~المتعلق به إذا قامت البينة وارتفع الأشكال، وعلى هذا القياس ينبغي أن ~~تعتبر القضايا. # وقضى صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأن ما أفسدت ~~المواشي فهو ضامن على أهلها أقول: السبب المقتضي لهذا القضاء ms540 أنه إذا أفسدت ~~المواشي حوائط الناس كان الجور والعذر مع كل واحد، فصاحب الماشية يحتج بأنه ~~لا بد أن يسرح ماشيته في المرعى وإلا هلكت جوعا، واتباع كل بهيمة وحفظها ~~يفسد عليهم الارتفاقات المقصودة، وأنه ليس له اختيار فيما أتلفته بهيمته، ~~وأن صاحب الحائط هو الذي قصر في حفظ ماله وتركه في بمضيعة، وصاحب الحائط ~~يحتج بأن الحائط لا تكون إلا خارج البلاد فحفظها والذب عنها والاقامة عليها ~~يفسد حاله، وأن صاحب الماشية هو الذي سرحها في الحائط أو قصر في حفظها، ~~فلما دار الأمر بينهما وكان لكل واحد جور وعذر، وجب أن يرجع إلى العادة ~~المألوفة الفاشية بينهم فيبنى، الجور على مجاوزتها، والعادة أن يكون في كل ~~حائط في النهار من يعمل فيه، ويصلح أمره، ويحفظه. وأما في الليل فيتركونه، ~~ويبيتون في القرى والبلاد، وأن أهل الماشية يجمعون ماشيتهم بالليل في ~~بيوتهم، ثم يسرحونها في النهار للرعي، فاعتبر الجور أن يجاوز العادة ~~الفاشية بينهم. # PageV02P243 # وسئل صلى الله عليه وسلم عن الثمر المعلق، فقال: # " من أصابه بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنه فلا شيء عليه " # اعلم أن دفع التظالم بين الناس إنما هو أن يقبض على يد من يضر # بالناس ويتعدى عليهم، لا أن يتبع شحهم وغمر نفوسهم، ففي صورة الأكل من ~~الثمر المعلق غير المحرز الكثير الذي لا يشح منه بشبع إنسان محتاج إذا لم ~~يكن هناك مجاوزة حد العرف. ولا اتخاذ خبنة، ولا رمي الأشجار بالحجارة، فان ~~العرف يوجب المسامحة في مثله، فمن ادعى في مثل ذلك فانه اتبع الشح، وقصد ~~الضرار. فلا يتبع، وأما ما كان من ثمر مشفوة أو اتخاذ خبنة أو رمى الأشجار ~~أو مجاوزة الحد في الاتلاف بوجه من الوجوه ففيه التعرير والغرامة. # وأما لبن الماشية فالافية فيه متعارضة، وقد بينها النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقاسها تارة على المتاع المخزون في البيوت، فنهى عن حلبه. وتارة على ~~الثمر المعلق والأشياء غير المحرزة، فأباح منه بقدر الحاجة لمن لم يجد صاحب ~~المال ليستأذنه، ms541 والأصل فيما اختلف فيه الاحاديث وأظهرت العلل أن يجمع ~~باعتبار تلك العلل، فحينما جرت العادة ببذل مثله وليس هناك شح وتضييق وكانت ~~حاجة جاز وإلا فلا، وعلى مثل ذلك ينبغي أن يعتبر تصرف الزوجة في مال الزوج ~~والعبد في مال سيده ### | (الحدود) # اعلم أن من المعاصي ما شرع الله فيه الحد، وذلك كل معصية جمعت وجوها من ~~المفسده، بأن كانت فسادا في الأرض واقتضابا على طمأنينة المسلمين، وكانت ~~لها داعية في نفوس بني آدم لا تزال تهيج فيها، ولها ضراوة لا يستطيعون ~~الاقلاع منها بعد أن أشربت قلوبهم بها، وكان فيه ضرر لا يستطيع المظلوم ~~دفعه عن نفسه في كثير من الأحيان، وكان كثير الوقوع فيما بين الناس، فمثل ~~هذه المعاصي لا يكفي فيها الترهيب بعذاب الآخرة، بل لا بد من إقامة ملامة ~~شديدة عليها وإيلام، ليكون بين أعينهم ذلك، فيردعهم عما يريدونه. # كالزنا فإنها تهيج من الشبق والرغبة في جمال النساء، ولها شرة وفيها عار ~~شديد # PageV02P244 # على أهلها، وفي مزاحمة الناس على موطوأة تغيير الجبلة الإنسانية، وهي ~~مظنة المقاتلات والمحاربات فيما بينهم، ولا يكون غالبا إلا برضا الزانية ~~والزاني، وفي الخلوات حيث لا يطلع عليها إلا البعض، فلو لم يشرع فيها حد ~~وجيع لم يحصل الردع. # كالسرقة فإن الإنسان كثيرا ما لا يجد كسبا صالحا، فينحدر إلى السرقة ولها ~~ضراوة في نفوسهم، ولا يكون الاختفاء بحيث لا يراه الناس بخلاف الغصب، فانه ~~يكون باحتجاج وشبهة لا يثبتها الشرع، وفي تضاعيف معاملات بينهما وعلى أعين ~~الناس فصار معاملة من المعاملات. # وكقطع الطريق فانه لا يستطيع المظلوم ذبه عن نفسه وماله، ولا يكون في ~~بلاد المسلمين وتحت شوكتهم فيدفعوا، فلا بد لمثله أن يزاد في الجزاء ~~والعقوبة، وكشرب الخمر فان لها شرها وفيها فسادا في الأرض وزوالا لمسكة ~~عقولهم التي بها صلاح معادهم ومعاشهم، # وكالقذف فان المقذوف يتأذى أذى شديدا، ولا يقدر على دفعه بالقتل ونحوه ~~لأنه إن قتل قتل به، وإن ضرب ضرب به، فوجب في مثله زاجر عظيم. # ثم ms542 الحد إما قتل وهو زجر لا زجر فوقه، وإما قطع وهو إيلام شديد وتفويت ~~قوة لا يتم الاستقلال بالمعيشة دونها طول عمره ومثو عار ظاهر أثره بمرأى ~~الناس لا ينقضي، فان النفس إنما تتأثر من وجهين؛ النفس الواغلة في البهيمية ~~يمنعها الايلام كالبقر. والجمل والتي فيها حب الجاه يردعه العار اللازم له ~~اشد من الايلام، فوجب جمع هذين الوجهين في الحدود # ودون ذلك إيلام بضرب يضم معه ما فيه عار، ظهر أثره كالتغريب وعدم قبول ~~الشهادة والتبكيت # واعلم أنه كان من شريعة من قبلنا القصاص في القتل، والرجم في الزنا ~~والقطع في السرقة، فهذه الثلاث كانت متوارثة في الشرائع السماوية وأطبق ~~عليها جماهير الأنبياء والأمم، ومثل هذا يجب أن يؤخذ عليه بالنواجذ، ولا ~~يترك، ولكن الشريعة المصطفوية تصرفت فيها بنحو آخر، فجعلت مزجرة كل واحد ~~على طبقتين: إحداهما الشديدة البالغة أقصى المبالغ، ومن حقها أن تجعل في ~~المعصية الشديدة، والثانية دونها، ومن حقها أن تجعل فيما كانت المعصية ~~دونها. # PageV02P245 # ففي القتل القود والدية والأصل فيه قوله تعالى: # {ذلك تخفيف من ربكم} # قال: ابن عباس رضي الله عنهما: كان فيهم القصاص ولم يكن فيهم الدية. # وفي الزنا الجلد، وكان اليهود لما ذهبت شوكتهم، ولم يقدروا على الرجم ~~ابتدعوا التجبيه. والتشحيم فصار ذلك تحريفا لشريعتهم، فجمعت لنا بين شريعتي ~~من قبلنا السماوية والابتداعية، وذلك غاية رحمة الله بالنسبة إلينا # وفي السرقة العقوبة وغرامة مثليه على ما جاء في الحديث. # وإن حملت أنواع من الظلم عليها كالقذف. والخمر فجعلت لها حدا فإن هذه ~~أيضا بمنزلة تلك المعاصي وإن زادت في عقوبة قطع الطريق. # واعلم أن الناس على طبقتين - ولسياسة كل طبقة وجه خاص _ طبقة هم مستقلون، ~~أمرهم بأيدهم، وسياسة هؤلاء أن يؤخذوا على أعين الناس، ويوجعوا، ويلزم ~~عليهم عار شديد، ويهانوا، ويحقروا. # وطبقة هم بأيدي ناس آخرين أسراء عندهم، وسياسة هؤلاء أن يؤمر سادتهم أن ~~يحفظوهم عن الشر، فإنه يظهر لهم وجه في حبسهم عن فعلهم ذلك، وهو قوله صلى ~~الله عليه ms543 وسلم: # " إذا زنت أمة أحدكم فليضرب " الحديث، وقوله عليه السلام: # " إذا سرق عبد أحدكم فبيعوه ولو بنش " فضبطت الطبقتان بوصف ظاهر، فالأولى ~~الأحرار والثانية الارقاء. # ثم كان من السادة من يتعدى على عبيده، ويحتج بأنه زنى، أو سرق، ونحو ذلك، ~~فكان الواجب في مثله أن يشرع على الأرقاء دون ما على الأحرار ليقطع هذا ~~النوع، وألا يخيروا في القتل والقطع، وأن يخيروا فيما دون ذلك. # والحد يكون كفارة لأحد وجهين، لأن العاصي إما أن يكون منقادا لأمر الله ~~وحكمه، مسلما وجهه لله فالكفارة في حقه توبة عظيمة، ودليله حديث # " لقد تاب توبة لو قسمت على أمة محمد لوسعتهم ". # PageV02P246 # وإما أن يكون إيلاما له وقسرا عليه، وسر ذلك أن العمل يقتضي في حكمة الله ~~أن يجازى في نفسه أوماله، فصار مقيم الحد خليفة الله في المجازاة فتدبر. # قال الله تعالى: # {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} . # وقال عمر رضي الله عنه: إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، ~~وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، رجم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ورجمنا بعده، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من ~~الرجال والنساء. # أقول: إنما جعل حد المحصن الرجم، وحد غير المحصن الجلد؛ لأنه كما يتم ~~التكليف ببلوغ خمس عشر سنة أو نحوه، ولا يتم دون ذلك لعدم تمام العقل وتمام ~~الجثة وكونه من الرجال فلذلك ينبغي أن تتفاوت العقوبة المترتبة على التكليف ~~بأتمية العقل وصيرورته رجلا كاملا مستقلا بأمره مستبدا برأيه، ولأن المحصن ~~كامل وغير المحصن ناقص، فصار واسطة بين الأحرار الكاملين وبين العبيد، ولم ~~يعتبر ذلك إلا في الرجم خاصة لأنه أشد عقوبة شرعت في حق الله. # وأما القصاص فحق الناس وهم محتاجون، فلا يضيع حقوقهم. # وأما حد السرقة وغيرها فليس بمنزلة الرجم ولأن المعصية ممن أنعم الله ~~عليه وفضله على كثير من خلقه أقبح وأشنع لأنها اشد الكفران، فكان من حقها ~~أن يزاد في العقوبة لها، وإنما جعل ms544 حد البكر مائة جلدة لأنها عدد كثير ~~مضبوط يحصل به الزجر والإيلام، وإنما عوقب بالتغريب لأن العقوبة المأثرة ~~تكون على وجهين: إيلام في البدن وإلحاق حياء وخجالة وعار وفقد مألوف في ~~النفس، والأول عقوبة جسمانية، والثاني عقوبة نفسانية، ولا تتم العقوبة إلا ~~بأن تجمع الوجهين: قال الله تعالى: # {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} . # أقول السر في تصنيف العقوبة على الارقاء أنهم يفوض أمرهم إلى # مواليهم، فلو شرع فيهم مزجرة بالغة أقصى المبالغ لفتح ذلك باب العدوان ~~بأن يقتل المولى عبده، ويحتج بأنه زان، ولا يكون سبيل المؤاخذة عليه، فنقص ~~من حدهم، وجعل ما لا يفضي إلى الهلاك، والذي ذكرناه في الفرق بين المحصن ~~وغيره يتأتى هنا. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله ~~لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة، وتغريب عام، والثيب بالثيب، جلد مائة، ~~والرجم " وعمل به علي رضي الله عنه # PageV02P247 # أقول: اشتبه هذا على الناس وظنوا مناقضا مع رجمه الثيب وعدم جلده، وعندي ~~أنه ليس مناقضا له، وأن الآية عامة لكن يسن الإمام الاقتصار على الرجم عند ~~وجوبهما، وإنما مثله مثل القصر في السفر، فإنه لو أتم جاز، لكن يسن له ~~القصر، وإنما شرع ذلك لأن الرجم عقوبة عظيمة، فتضمنت ما دونها، وبهذا يجمع ~~بين قوله صلى الله عليه وسلم هذا، وعمل علي رضي الله عنه. وبين عمله صلى ~~الله عليه وسلم، وأكثر خلفائه في الاقتصار على الرجم، وحديث جابر أمر ~~بالجلد، ثم اخبر أنه محصن، فأمر به، فرجم يدل عليه، فإنه ما أقدم على الجلد ~~إلا لجواز مثله مع كل زان. # وعندي أن الترغيب يحتمل العفو، وبه بجمع بين الآثار. # لما قال ماعز بن مالك زنيت فطهرني، قال صلى الله عليه وسلم: " لعلك قبلت ~~أو غمزت أو نظرت؟ قال: لا يا رسول الله قال: أنكتها؟ قال: نعم فعند ذلك أمر ~~برجمه ". # أقول الحد موضع الاحيتاط، وقد يطلق الزنا على ما دون الفرج كقوله ms545 صلى ~~الله عليه وسلم: " فزنا اللسان كذا وزنا الرجل كذا " فوجب التثبت والتحقق ~~في مثل ذلك. # واعلم أن المقر على نفسه بالزنا المسلم نفسه لإقامة الحد تائب، والتائب ~~كمن لا ذنب له، فمن حقه ألا يحد، لكن هنا وجوه مقتضية لإقامة الحد عليه: # منها أنه لو كان إظهار التوبة والإقرار درءا للحد لم يعجز كل زان أن ~~يحتال إذا استشعر بمؤاخذة الإمام بأن يعترف، فيندرئ عنه الحد، وذلك مناقضة ~~للمصلحة. # ومنها أن التوبة لا تتم إلا أن يعتضد بفعل شاق عظيم لا يتأتى إلا من ~~مخلص، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في ماعز لما أسلم نفسه للرجم: " ~~لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة محمد لوسعتهم " وقال عليه السلام، في ~~الغامدية " لقد تابت توبة تابها صاحب مكس لغفر له ". # ومع ذلك فيستحب الستر عليه، وهو وقوله صلى الله عليه وسلم لهزال " لو ~~كسرته بثوبك لكان خيرا لك "، وأن يؤمر هو أن يتوب فيما بينه وبين الله، وأن ~~يحتال في درء الحد. # PageV02P248 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. " إذا زنت أمة أحدكم، فتبين زناها ~~فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها "، ثم إن زنت فليجلدها # الحد، ولا يثرب عليها " أقول: السر في ذلك أن الإنسان مأمور شرعا أن يذب ~~عن حريمه المعاصي ومجبول على ذلك خلقه، ولو لم يشرع الحد إلا عند الإمام ~~لما استطاع السيد إقامته في كثير من الصور، ولم يتحقق الذب عن الذمار، ولو ~~لم يحد مقدار معين للحد لتجاوز المتجاوز إلى حد الإهلاك أو الايلام الزائد ~~عن الحد، فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يثرب ". # قال صلى الله عليه وسلم: " أقيلوا ذوى الهيآت عثراتهم إلا الحدود " أقول: ~~المراد بذوي الهيآت أهل المروءات، أما أن يعلم من رجل صلاح في الدين، وكانت ~~العثرة أمرا فرط منه على خلاف عادته، ثم ندم، فمثل هذا ينبغي أن يجاوز عنه، ~~أو يكونوا أهل نجدة وسياسة وكبر في الناس، فلو أقيمت العقوبة عليه في كل ~~ذنب قليل أو كبير ms546 لكان في ذلك فتح باب التشاحن واختلاف على الامام وبغى ~~عليه فان النفوس كثيرا مالا تحتمل ذلك. # وأما الحدود فلا ينبغي لها أن تهمل إلا إذا وجد لها سبب شرعي تندرئ به، ~~ولو أهملت لتناقضت المصلحة وبطلت فائدة الحدود. # وقال صلى الله عليه وسلم في مخدج يزني " خذوا له عثكالا فيه مائة شمراخ ~~فاضربوا به ". # اعلم أن من لا يستطيع أن يقام عليه الحدود لضعف في جبلته، فان ترك سدى ~~كان مناقضا لتأكد الحدود فانما اللائق بالشرائع اللازمة التي جعلها الله ~~تعالى بمنزلة الأمور الجبلية أن يجعل كالمؤثر بالخاصية، ويعض عليه ~~بالنواجذ، وأيضا فان فيه بعض الألم الميسور لا ضرورة في تركه. # واختلف في حد اللواطة، وقيل. هي من الزنا، وقيل: يقتل لحديث " من وجدتموه ~~يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ". # قال الله تعالى: # {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ~~ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} . # وفي حكم المحصنات المحصنون بالاجماع، والمحصن حر مكلف مسلم عفيف من وطء ~~يحد به. # PageV02P249 # واعلم أن ههنا وجهين متعارضين، وذلك أن الزنا معصية كبيرة يجب إخمالها ~~وإقامة الحد عليها والمؤاخذة بها، وكذلك القذف معصية كبيرة، وفيه إلحاق عار ~~عظيم يجب إقامة الحد عليها، ويشتبه القذف بالشهادة على الزنا، فلو أخذنا ~~القاذف لنقيم عليه الحد يقول: أنا شاهد على الزنا، وفيه بطلان لحد القذف ~~والذي هو شاهد على الزنا يذبه عن نفسه المشهود عليه بأنه قاذف يستحق الحد، ~~فلما تعارض الحدان في هذه الجملة عن سياسة الأمة وجب أن يفرق بينهما بأمر ~~ظاهر وذلك كثرة المخبرين، فإنهم إذا كثروا قوى ظن الشهادة والصدق، وضعف ظن ~~القذف، فان القذف يستدعى جمع صفتين: ضعيف في الدين، وغل بالنسبة إلى ~~المقذوف، ويبعد أن يجتمعا في جماعة من المسلمين وإنما لم يكتف بعدالة ~~الشاهدين لأن العدالة مأخوذة في جميع الحقوق، فلا يظهر للتعارض أثر، وضبطت ~~الكثرة بضعف نصاب الشهادة. ms547 # وإنما جعل حد القذف ثمانين لأنه ينبغي أن يكون أقل من الزنا، فان # إشاعة فاحشة ليست بمنزلة فعلها، وضبط النقصان بمقدار ظاهر وهو عشرون، ~~فإنه خمس المائة وإنما جعل من تمام حده عدم قبول الشهادة لما ذكرنا أن ~~الايلام قسمان: جسماني. ونفساني. وقد اعتبر الشرع جمعهما في جميع الحدود ~~لكن جمع مع حد الزنا التغريب لأن الزنا عند سياسة ولاة الأمور وغيره ~~الأؤلياء لا يتصور إلا بعد مخالطة وممازجة وطول صحبة وائتلاف، فجزاؤه ~~المناسب له أن يجلى عن محل الفتنة، وجمع مع حد القذف عدم قبول الشهادة، ~~لأنه إخبار، والشهادة إخبار، فجوزي بعار من جنس المعصية فان عدم قبول ~~الشهادة من القاذف عقوبة، وعدم قبولها من سائر العصاة لفوات العدالة ~~والرضا، وأيضا فقد ذكرنا أن القاذف لا يعجز أن يقول: أنا شاهد فيكون سد هذا ~~الباب أن يعاقب بمثل ما احتج به، وجمع في حد الخمر التبكيت. # واختلفوا في قوله تعالى: # {إلا الذين} . # هل الاستثناء راجع إلى عدم قبول الشهادة أم لا؟ والظاهر مما مهدنا أن ~~الفسق لما انتهى وجب أن ينتهي أثره وعقوبته، وقد اعتبره الخلفاء لحد الزنا ~~في تنصيف العقوبة على الأرقاء. # قال تعالى: # {السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله ~~عزيز حكيم} . # اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث مبينا لما أنزل إليه، وهو قوله ~~تعالى: # PageV02P250 # {لتبين للناس} . # وكان أخذ مال الغير أقساما: منه السرقة، ومنه قطع الطريق، ومنه الاختلاس، ~~ومنه الخيانة، ومنه الالتقاط، ومنه الغصب، ومنه ما يقال له قلة المبالاة ~~والورع، فوجب أن يبين النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة السرقة متميزة عن هذه ~~الأمور. # وطريق التميز أن ينظر إلى ذاتيان هذه الأسامي التي لا توجد في السرقة، ~~ويقع بها التفارق في عرف الناس، ثم تضبط السرقة بأمور مضبوطة معلومة يحصل ~~بها التمييز منها والاحتراز عنها، فقطع الطريق. والنهب. والحرابة أسماء ~~تنبئ عن اعتماد القوة بالنسبة إلى المظلومين، واختيار مكان أو زمان لا تحلق ~~فيه الغوث من جماعة المسلمين، والاختلاس ms548 ينبئ عن اختطاف على أعين الناس وفي ~~مرأى منهم ومسمع، والخيانة تنبئ عن تقديم شركة أو مباسطة وإذن بالتصرف فيه ~~ونحو ذلك، والالتقاط ينبئ عن وجدان شيء في غير حرز، والغصب ينبئ عن غلبة ~~بالنسبة إلى المظلوم لا معتمدا على الحرب والهرب ولكن على الجدل وظن ألا ~~يرفع قضيته إلى الولاة ولا ينكشف عليهم جبلة الحال وقلة المبالاة، والورع ~~يقال في الشيء التافه الذي جرى العرف ببذله والمواساة به بين الناس كالماء. ~~والحطب، فضبط النبي صلى الله عليه وسلم الاحتراز على ذاتيات هذه الأسامي. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار " وروى القطع فيما بلغ ثمن المجن، ~~وروى أنه قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم، وقطع عثمان رضي الله عنه في أترجة ~~ثمنها ثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهما. # والحاصل أن هذه التقديرات الثلاث كانت منطبقة على شيء واحد في زمانه صلى ~~الله عليه وسلم، ثم اختلفت بعده، ولم يصلح المجن للاعتبار لعدم انضباطه، ~~فاختلف المسلمون في الحديثين الآخرين: فقيل: ربع دينار، # وقيل: ثلاثة دراهم قيل: بلوغ المال إلى حد القدرين وهو الأظهر عندي، وهذه ~~شرعة النبي صلى الله عليه وسلم فرقا بين التافه وغيره لأنه لا يصلح للتقدير ~~جنس دون جنس لاختلاف الأسعار في البلدان، واختلاف الأجناس نفاسة وخساسة ~~بحسب اختلاف البلاد، فمباح قوم وتافههم مال عزيز عند آخرين، فوجب أن يعتبر ~~التقدير في الثمن، وقيل: يعتبر فيهما، وأن الحطب وإن كان قيمته عشرة دراهم ~~لا يقطع فيه. # PageV02P251 # وقال صلى الله عليه وسلم: # " لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة الجبل فإذا آواه المراح والجرين ~~فالقطع فيما بلغ ثمن المجن " وسئل عن الثمر المعلق، فقال عليه السلام: " من ~~سرق منه شيئا بعد ان يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع ". # أقول: أفهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الحرز شرط القطع وسبب ذلك أن غير ~~المحرز يقال فيه الالتقاط فيجب الاحتراز عنه. # قال صلى الله عليه وسلم: # " ليس على ms549 خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع ". # أقول. أفهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا بد في السرقة من أخذ المال ~~مختفيا وإلا كان نهبة أو خطفة وألا يتقدمها شركة ولزوم حق، وإلا كان خيانة ~~أو استيفاء لحقه. # وفي الآثار في العبد يسرق مال سيده إنما هو ملك بعضه في بعض. # وقال صلى الله عليه وسلم في اسارق: # " اقطعوه ثم احسموه " أقول: إنما أمر بالحسم لئلا يسري فيهلك، فان الحسم ~~سبب عدم السراية، وأمر عليه السلام باليد فعلقت في عنق السارق أقول. إنما ~~فعل هذا للتشهير، وليعلم الناس أنه سارق وفرقا بين ما يقطع اليد ظلما وبين ~~ما يقطع حدا. # وقال صلى الله عليه وسلم في سرقة ما دون النصاب: " عليه العقوبة وغرامة ~~مثيلة ". # أقول: إنما أمر بغرامة المثلين لأنه لا بد من ردع وعقوبة مالية وبدنية، ~~فإن الإنسان ربما يرتدع بالمال أكثر من ألم الجسد. وربما يكون الأمر بالعكس ~~فجمع بين ذلك، ثم غرامة مثله يجعل كأن لم لكن يسرق وليس فيه عقوبة، ولذلك ~~زيدت غرامة أخرى لتكون مناقضة لقصده في السرقة. # وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلص قد اعترف اعترافا ولم يوجد معه ~~متاع، فقال: ما إخالك سرقت قال: بلى فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا فأمر به ~~فقطع، وجئ به فقال. قل استغفر الله وأتوب إليه، فقال. استغفر الله وأتوب ~~إليه قال. اللهم تب عليه ثلاثا ". # أقول: السبب في ذلك أن العاصي المعترف بذنبه النادم عليه يستحق أن يحتال ~~في درء الحد عنه، وقد ذكرنا قوله الله تعالى: # PageV02P252 # {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} الآية. # أقول: الحرابة لا تكون إلا معتمدة على القتال بالنسبة إلى الجماعة التي ~~وقع العدوان عليها، والسبب في مشروعية هذا الحد أشد من حد السرقة أن ~~الاجتماع الكثير من بني آدم لا يخلو من أنفس تغلب عليهم الخصلة السبعية لهم ~~جزاءه شديده وقتال واجتماع فلا يبالون بالقتل والنهب، وفي ذلك مفسدة اعظم ~~من السرقة لأنه يتمكن أهل الأموال من حفظ أموالهم من ms550 السراق، ولا يتمكن أهل ~~الطريق من التمنع من قطاع الطريق، ولا يتيسر # لولاة الأمور وجماعة المسلمين نصرتهم في ذلك المكان والزمان، ولأن داعية ~~الفعل من قطاع الطريق أشد وأغلظ، فإن القاطع لا يكون إلا جرئ القلب قوي ~~الجنان، ويكون فيما هنالك اجتماع واتفاق بخلاف السراق، فوجب أن تكون عقوبته ~~أغلظ من عقوبته # والأكثرون على أن الجزاء على الترتيب وهو الموافق لقوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا يقتل المؤمن إلا لأحدى ثلاث " الحديث، وقيل: على التخيير وهو ~~الموافق لكلمة " أو " وعندي أن قوله صلى الله عليه وسلم: # " المفارق للجماعة " يحتمل أن يكون قد جمع العلتين والمراد أن كل علة ~~تفيد الحكم كما جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين العلتين، فقال: # " لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عودتهما يتحدثان " فكشف ~~العورة سبب اللعن والتحديث في مثل تلك الحالة أيضا سبب اللعن. # قال الله تعالى: # {يا أيها الذين آمنوا أنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلواة فهل أنتم ~~منتهون} . # أقول: بين الله تعالى أن في الخمر مفسدتين: مفسدة في الناس، فان شاربها ~~يلاحي القوم يعدوا عليهم، ومفسدة فيما يرجع إلى تهذيب نفسه، فان شاربها ~~يغوص في حالة بهيمية، ويزول عقله الذي به قوام الاحسان # ولما كان قليل الخمر يدعو إلى كثيره وجب عند سياسة الأمة أن يدار التحريم ~~على كونها مسكرة، لا على وجود السكر في الحال. # ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الخمر ما هي، فقال: # " كل مسكر خمر وكل مسكر حرام " وقال: " # PageV02P253 # الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة " وتخصيصهما بالذكر لما كان حال ~~تلك البلاد، وسئل عليه السلام عن المزر والبتع، فقال: " كل مسكر حرام " ~~وقال صلى الله عليه وسلم: # " ما أسكر كثيره فقليله حرام " أقول: هذه الأحاديث مستفيضة، ولا أدري أي ~~فرق بين العنبى وغيره لأن التحريم ما نزل إلا للمفاسد التي نص القرآن ms551 عليها ~~وهي موجودة فيهما، وفيما سواهما سواء # قال صلى الله عليه وسلم: " من شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم ~~يتب لم يشربها في الآخرة " أقول: وسبب ذلك أن الغائص في الحالة البهيمية ~~المدبرة عن الإحسان ليس له في لذات الجنان نصيب، فجعل شرب الخمر وإدمانها ~~وعدم التوبة منها مظنة للغوص، وأدير الحكم عليها، وخص من لذات الجنان ~~الخمر، ليظهر تخالف اللذتين بادئ الرأي، وأيضا أن النفس إذا انهمكت في ~~اللذة البهيمية في ضمن فعل تمثل هذا الفعل عندها شبحا لتلك اللذة يتذكرها ~~بتذكرها، فلا يستحق أن تتمثل اللذة الاحسانية بصورتها، وأيضا فأمر الجزاء ~~على المناسبة، فمن عصى بالاقدام على شيء فجزاؤه أن يؤلم يفقد مثل تلك اللذة ~~عند طلبه لها واستشرافه عليها # قال صلى الله عليه وسلم: # " إن على الله عهدا لمن شرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال وطينة عصارة ~~أهل النار ". # أقول: السر في ذلك أن القيح والدم أقبح الأشياء السيالة عندنا وأحقرها # واشدها نعزة بالنسبة للطبائع السليمة، والخمر شيء سيال فناسب أن يتمثل ~~مقرونا بصفة القبح في صورة طينة الخبال وذلك كما قالوا في المنكر والنكير: ~~إنهما إنما كانوا أزرقين لأن العرب يكرهون الزرقة، وقد ذكرنا أن بعض ~~الوقائع الخارجة بمنزلة المنام في ذلك # وقال صلى الله عليه وسلم: " من شرب الخمر لم يقبل الله له صلاة أربعين ~~صباحا فان تاب تاب الله عليه ". # أقول: السر في عدم قبول صلاته أن ظهور صفة البهيمة وغلبتها على الملكية ~~بالإقدام على المعصية اجتراء على الله وغوص نفسه في حالة رذيلة تنافي ~~الإحسان وتضاده، ويكون سببا لفقد استحقاق أن تنفع الصلاة في نفسه نفع ~~الإحسان وأن تنقاد نفسه للحالة الإحسانية. # PageV02P254 # وكان الشارب يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيأمر بضربه فيضرب ~~بالنعال والأردية واليد حتى يبلغ أربعين ضربة، ثم قال: " بكتوه " فأقبلوا ~~عليه يقولون: ما اتقيت الله، ما خشيت الله، ما استحييت من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ ! وروى أنه صلى الله عليه وسلم أخذ ms552 ترابا من الأرض فرمى ~~بها وجهه. # أقول: السبب في نقصان هذا الحد بالنسبة إلى سائر الحدود أن سائر الحدود ~~لوجود مفسدة بالفعل أن يكون سرق متاعا أو قطع طريق أو زنى قذف، وأما هذا ~~فقد أتى بمظنة الفساد دون الفساد فلذلك نقص عن المائة وإنما كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يضرب أربعين لأنه مظنة القذف والمظنة ينبغي أن تكون أقل من ~~نفس الشيء بمنزلة نصفه. # ثم لما كثر الفساد جعل الصحابة رضي الله عنهم حده ثمانين إما لأنه أخف # حد في كتاب الله فلا يجاوز غير المنصوص عن أقل الحدود، وإما لأن الشارب ~~يقذف غالبا إن لم يكن زنى أو قتل، والغالب حكمه حكم المتيقن وأما سر ~~التبكيت فقد ذكرنا من قبل. # قال النبي أينما صلى الله عليه وسلم: " إن أهلك الذين من قبلكم أنهم ~~كانوا إذا سرق منهم الشريف تركوه وإذا سرق منهم الضعيف أقاموا عليه الحد، ~~وايم والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها " وقال صلى الله عليه ~~وسلم: " من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله " أقول: علم ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن حفظ جاه الشرفاء والمسامحة معهم والذب عنهم ~~والشفاعة في أمرهم أمر توارد عليه الأمم وانقاد لها طوائف الناس من الأولين ~~والآخرين، فأكد في ذلك وسجل، فان الشفاعة والمسامحة بالشرفاء مناقضة لشرع ~~الله الحدود. # ونهى رسول صلى الله عليه وسلم عن لعن المحمود أو الوقوع فيه لئلا يكون ~~سببا لامتناع الناس عن إقامة الحد، ولأن الحد كفارة، والشيء إذا تدورك ~~بالكفارة صار كأن لم يكن، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده ~~إنه لفي انهار الجنة منغمس بها ". # ويلحق بالحدود مزجرتان أخريان: إحداهما عقوبة هتك حرمة الملة، والثانية ~~الذب عن الأمامة، والأصل في الأولى قوله صلى الله عليه وسلم: " من بدل دينه ~~فاقتلوه " وذلك لأنه يجب أن يقام اللائمة الشديدة على الخروج من الملة وإلا ~~لانفتح باب هتك حرمة الملة، ومرضى الله تعالى أن تجعل الملة ms553 السماوية ~~بمنزلة الأمر المجبول عليه الذي لا ينفك عنه، وتثبت الردة بقول يدل على ~~نعني الصانع أو الرسل أو تكذيب رسول أو فعل تعمد به استهزاء صريحا بالدين، ~~وكذا إنكار ضروريات الدين، قال الله تعالى: # PageV02P255 # {وطعنوا في دينكم} . # وكانت يهودية تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه فخنقها رجل حتى ~~ماتت فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم دمها، وذلك لانقطاع ذمة الذمي بالطعن ~~في دين المسلمين والشتم والإيذاء الظاهر. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا برئ من كل مسلم مقيم بين أظهر ~~المشركين، لا يتراءى ناراهما ". # أقول: السبب في ذلك أن الاختلاط معم وتكثير سوادهم إحدى النصرتين لهم، ثم ~~ضبط النبي صلى الله عليه وسلم البعد من أحياء الكفار بأن يكون منهم بحيث لو ~~أوقدت نارا على أرفع مكان في بلدهم أو حلتهم لم تظهر للآخرين، والأصل في ~~الثانية قوله تعالى: # {فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله} . # وقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما " # أقول: السبب في ذلك أن الامامة مرغوب فيها طبعا، ولا يخلوا اجتماع الناس ~~في الأقاليم من رجل يجترئ لأجلها على القتال، ويجتمع لنصرته الرجال، فلو ~~ترك ولم يقتل لقتل الخليفة ثم قاتله آخر وهلم جرا، وفيه فساد عظيم ~~للمسلمين، ولا ينسد باب هذه المفاسد إلا بأن تكون السنة بين المسلمين أن ~~الخليفة إذا انعقدت خلافته، ثم خرج آخر ينازعه حل قتله ووجب على المسلمين ~~نصرة الخليفة عليه، ثم الذي خرج بتأويل لمظلمة يريد دفعها عن نفسه وعشيرته ~~أو لنقيصة يثبتها في الخليفة ويحتج عليها بدليل شرعي بعد ألا يكون مسلما ~~عند جمهور المسلمين ولا يكون أمرا من الله فيه عندهم # برهان لا يستطيعون إنكاره فأمره دون الأمر الذي خرج يفسد في الأرض ويحكم ~~السيف دون الشرع، فلا ينبغي أن يجعلا بمنزلة واحدة، فلذلك كان الأول أن ~~يبعث الإمام إليهم فطنا ناصحا عالما يكشف شبهتهم أو يدفع عنهم مظلتهم كما ~~بعث أمر المؤمنين ms554 علي رضي الله عنه عبد الله بن وابن عباس رضي الله عنه إلى ~~الحرورية، فإن رجعوا إلى جماعة المسلمين فيها وإلا قاتلهم ولا يقتل مدبرهم ~~ولا أسيرهم ولا يجهز على جريحهم لأن المقصود إنما هو دفع شرهم وتفريق ~~جماعتهم وقد حصل، وأما الثاني فهو من المحاربين وحكمه حكم المحارب. ### | (القضاء) # اعلم أن من الحاجات التي يكثر وقوعها وتشتد مفسدتها المناقشات في الناس؛ ~~فانها # PageV02P256 # تكون باعثة على العداوة والبغضاء وفساد ذات البين، وتهيج الشح على غمط ~~الحق وألا ينقاد للدليل فوجب أن يبعث في كل ناحية من يفصل قضاياهم بالحق، ~~ويقهرهم على العمل به أشاءوا أم أبوا، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يعتني ببعث قضاة اعتناء شديدا، ثم لم يزل المسلمون على ذلك، ثم لما كان ~~القضاء بين الناس مظنة الجور والحيف وجب أن يدهب الناس عن الجور في القضاء ~~وأن يضبط الكليات التي يرجع إليها الأحكام. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من جعل قاضيا بين الناس فقد ذبح بغير سكين ". # أقول: هذا بيان أن القضاء حمل ثقيل وإن الإقدام عليه مظنة الهلاك إلا أن ~~يشاء الله. # وقال صلى الله عليه وسلم: " من ابتغى القضاء وسأله وكل إلى نفسه ومن أكره ~~عليه أنزل الله ملكا يسدده ". # أقول: السر فيه أن الطالب لا يخلو غالبا من داعية نفسانية من مال أو جاه ~~أو التمكن من انتقام عدو نحو ذلك فلا يتحقق منه خلوص النية الذي هو سبب ~~نزول البركات. # قال صلى الله عليه وسلم: # " القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار فأما الذي في الجنة فرجل ~~عرف الحق وقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى ~~للناس على جهل فهو في النار ". # أقول: في هذا الحديث أنه لا يستوجب القضاء إلا من كان عدلا بريئا من ~~الجور والميل قد عرف منه ذلك. وعالما يعرف الحق لا سيما في مسائل القضاء، ~~والسر في ذلك واضح فإنه لا يتصور وجود المصلحة المقصودة إلا بها. ms555 # قال صلى الله عليه وسلم: # " لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان ". # أقول: السبب المقتضي لذلك أن الذي اشتغل قلبه بالغضب لا يتمكن من التأمل ~~في الدلائل والقرائن ومعرفة الحق. # قال صلى الله عليه وسلم: # " إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر ~~واحد " اجتهد يعني بذل طاقته في انباع الدليل؛ وذلك لأن التكليف بقدر الوسع ~~وإنما وسع الإنسان أن يجتهد وليس في وسعه أن يصيب الحق ألبتة. # PageV02P257 # وقال صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: " إذا تقاضى إليك رجلان فلا ~~تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء أقول: وذلك ~~لأنه عند ملاحظة الحجتين يظهر الترجيح ". # وأعلم أن القضاء فيه مقامان: أحدهما أن يعرف جلية الحال التي تشاجرا فيه، ~~والثاني الحكم العدل في تلك الحالة، والقاضي قد يحتاج إليهما وقد يحتاج إلى ~~أحدهما فقط فإذا ادعى كل واحد أن هذا الحيوان مثلا ملكه قد ولد في يده، ~~وهذا الحجر التقطه من جبل ارتفع الإشكال لمعرفة جلية الحال. # والقضية التي وقعت بين علي، وزيد، وجعفر رضي الله عنهم في حضانة بنت حمزة ~~رضي الله عنه كانت جلية الحال معلومة وإنما كان المطلوب الحكم. # وإذا ادعى واحد على الآخر الغصب والمال متغير صفته وأنكر الآخر # وقعت الحاجة أولا إلى معرفة جلية الحال هل كان هناك غصب أولا، وثانيا إلى ~~الحكم هل يحكم بردعين المغصوب أو قيمته، وقد ضبط النبي صلى الله عليه وسلم ~~كلا المقامين بضوابط كلية، أما المقام الأول فلا أحق فيه من الشهادات ~~والأيمان فإنه لا يمكن معرفة الحال إلا باخبار من حضرها أو بإخبار صاحب ~~الحال مؤكدا بما يظن أنه لا يكذب معه، قال صلى الله عليه وسلم: # " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن البينة على ~~المدعي واليمين على المدعي عليه " فالمدعي هو الذي يدعي خلاف الظاهر ويثبت ~~الزيادة، والمدعى عليه هو مستصحب الأصل والمتمسك بالظاهر ولا عدل ثم من أن ~~يعتبر فيمن يدعي ms556 بينة وفيمن يتمسك بالظاهر ويدرأ عن نفسه اليمين إذا لم تقم ~~حجة الآخر. # وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى سبب مشروعية هذا الأصل حيث قال: " ~~لو يعطى الناس " الخ يعني كان سببا للتظالم فلا بد من حجة، ثم أنه يعتبر في ~~الشاهد صفة كونه مرضيا عنه لقوله تعالى: # {ممن ترضون من الشهداء} . # وذلك بالعقل. والبلوغ. والضبط. والنطق. والإسلام. والعدالة. والمروءة. ~~وعدم التهمة. # قال صلى الله عليه وسلم: # " لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية، ولا ذي غمر على # PageV02P258 # أخيه وترد شهادة القانع لأهل البيت " وقال الله تعالى في القذفة: # {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا} الآية. # وفي حكم القذف. والزنا سائر الكبائر، وذلك لأن الخبر يحتمل في نفسه الصدق ~~والكذب وإنما يترجح أحد المحتملين بالقرينة، وهي إما في المخبر أو المخبر ~~عنه أو غيرهما، وليس شيء من ذلك مضبوطا يحق أن يدار عليه الحكم التشريعي ~~إلا صفات المخبر غير ما ذكرنا من الظاهر والاستصحاب، وقد اعتبر مرة حيث شرع ~~للمدعي البينة والمدعى عليه اليمين ثم اعتبر عدد الشهود على أطوار وزعها ~~على أنواع الحقوق، فالزنا لا يثبت إلا بأربعة شهداء. والأصل فيه قوله ~~تعالى: # {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} الآية. # وقد ذكر سبب مشروعية هذا من قبل. # ولا يعتبر في القصاص والحدود إلا شهادة رجلين، والأصل فيه قول الزهري ~~رحمه الله تعالى: جرت السنة من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تقبل ~~شهادة النساء في الحدود، ويعتبر في الحقوق المالية شهادة رجل وامرأتين، ~~والأصل فيه قوله تعالى: # {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} . # وقد نبه الله تعالى على سبب مشروعية الكثرة في جانب النساء " فقال: # {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} . # يعني هن ناقصات العقل، فلا بد من جبر هذا النقصان بزيادة العدد. # وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاهد ويمين وذلك لأن الشاهد العدل ~~إذا لحق معه اليمين تأكد الأمر، وأمر الشهادات لا ms557 بد فيه توسعة، وجرت السنة ~~أنه إذا كان ريب زكى الشاهدان، وذلك لأن شهادتهما إنما # اعتبرت من جهة صفاتهما المرجحة للصدق على الكذب فلا بد من تبينها. # وجرت السنة أنه إذا كان ريب غلظت الأيمان بالزمان والمكان واللفظ، وذلك ~~لأن الأيمان إنما صارت دليلا على صدق الخبر من جهة اقتران قرينة تدل على ~~أنه لا يقدم على الكذب معها فكان حقها إذا كان زيادة ريب طلب قوة القرائن، ~~في اللفظ زياده الأسماء والصفات، والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم: " ~~احلف بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة " ونحو ذلك، # PageV02P259 # والزمان أن يحلف بعد العصر لقوله تعالى: # {تحبسونهما من بعد الصلاة} . # والمكان أن يقام بين الركن والمقام إن كان بمكة. وعند منبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إن كان بالمدينة. وعند المنبر في سائر البلدان لورود فضل ~~هذه الأمكنة وتغليظ الكذب عندها. # ثم وقعت الحاجة أن يرهب الناس أشد ترهيب من أن يجترئوا على خلاف ما شرع ~~الله لهم لفصل القضايا ومعرفة جلية الحال. # والأصل في تلك الترهيبات ثلاثة أشياء: أحدها أن الإقدام على فعل نهى الله ~~تعالى عنه وغلظ في النهي دليل قلة الورع والاجتراء على الله فأدير حكم ~~الاجتراء على هذه الأشياء، وأثبت لها أثره مثل وجوب دخول النار وتحريم ~~الجنة ونحو ذلك. # والثاني أن ذلك سعى في الظلم وبمنزلة السرقة وقطع الطريق، أو بمنزلة ~~دلالة السارق على المال ليسرق أوردء القاطع فتوجهت لعنة الله والملائكة ~~والناس على السعادة في الأرض بالفساد إلى هذا العاصي فاستحق النار. # والثالث أنه مخالفه لما شرع الله لعباده وسعى في سد جريانه على ما أراد ~~الله في شرائعه فان اليمين إنما شرعت معرفة للحق، والبينة إنما شرعت مبينة ~~لجلية الحال فان جرت السنة بزور الشهادة والإيمان انسد باب المصلحة ~~المرعية. # فمن ذلك كتمان الشهادة لقوله تعالى. # PageV02P260 # {ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} . # ومنها شهادة الزور لعده عليه السلام من الكبائر شهادة الزور. # ومنها اليمين الكاذبة لقوله صلى الله عليه وسلم: ms558 # " من حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر ليقتطع بها حق امرئ مسلم لقي الله ~~تعالى يوم القيامة وهو عليه غضبان ". # ومنها الدعوى الكاذبة لقوله صلى الله عليه وسلم: # " من ادعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار ". # ومنها الاخذ لقضاء القاضي وليس له الحق لقوله صلى الله عليه وسلم # " إنما أنا بشر مثلكم وأنكم تختصمون " الحديث. # ومنها الاعتياد بالمجادلة ورفع القضية فان ذلك لا يخلو من إفساد ذات ~~البين لقوله صلى الله عليه وسلم: # " إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم ". # ورغب لمن ترك المخاصمة في الحق والباطل جميعا فإن ذلك مطاوعة لداعية ~~السماحة، وأيضا كثيرا ما لا يكون الحق له، ويظن أن الحق له فلا يخرج # عن العهدة باليقين إلا إذا وطن نفسه على ترك الخصومة في الحق والباطل ~~جميعا، وفي الحديث " إن رجلين تداعيا دابة فأقام كل واحد منهما البينة أنها ~~دابته نتجها فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي في يده. # أقول: والسر في ذلك أن الحجتين لما تعارضتا تساقطتا فبقي المتاع في يد ~~صاحب القبض لعدم ما يقتضي رده، أو نقول اعتضدت إحدى البينتين بالدليل ~~الظاهر وهو القبض فرجحت. # وأما المقام الثاني فشرع النبي صلى الله عليه وسلم فيه أصولا يرجع إليها: ~~والجملة في ذلك أن جلية الحال إذا كانت معلومة فالنزاع يكون إما في طلب كل ~~واحد شيئا وهو مباح في الأصل وحكمه أبدا الترجيح إما بزيادة صفة يكون فيها ~~نفع للمسلمين ولذلك الشيء أو سبعة أحدهما إليه أو بالقرعة مثاله فقضية زيد. ~~وعلي. وجعفر رضي الله عنهم في حضانة بنت حمزة رضي الله عنه فقضى بها لجعفر ~~رضي الله عنه، وقال: " الخالة أم "، وقوله صلى الله عليه وسلم في الأذان: " ~~لا ستهموا " وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، وأما ~~أن يكون هناك سابقة من عقد أو غصب يدعي كل واحد أنه أحق، ويكون لكل واحد ~~شبهة وحكمة اتباع العرف والعادة المسلمة عند جمهور الناس ms559 يفسر الأقارير ~~وألفاظ العقود بما عند جمهورهم من المعنى ويعرف الأضرار وغيرها بما عندهم، ~~مثاله قضية البراء ابن عازب دخلت ناقته حائطا فأفسدت فيه، وأدعى كل واحد ~~أنه معذور فقضى بما # PageV02P261 # هو المعروف من عادتهم من حفظ أهل الحوائط أموالهم بالنهار وحفظ أهل ~~المواشي مواشيهم بالليل. # ومن القواعد المبنية عليها كثير من الأحكام أن الغنم بالغرم، وأصله # ما قضى النبي صلى الله عليه وسلم أن الخراج بالضمان وذلك لعسر ضبط ~~المنافع، وإن قسم الجاهلية ودمائها وما كان فيها لا يتعرض بها، وأن الأمر ~~مستأنف بعدها، وأن اليد لا تنقص إلا بدليل آخر وهو أصل الاستصحاب وأنه إن ~~انسد باب التفتيش فالحكم أن يكون ما يريده صاحب المال أو يترادا، والأصل ~~فيه قوله صلى الله عليه وسلم: # " البيعان إذا اختلفا بينهما والسلعة قائمة " الحديث وأن الأصل في كل عقد ~~أن يوفي لكل أحد وعلى كل أحد ما التزمه بعقده إلا أن يكون عقدا نهى الشرع ~~عنه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل ~~حراما أو حرم حلال " فهذه نبذ مما شرع النبي صلى الله عليه وسلم في المقام ~~الثاني. # ومن القضايا التي قضى فيها رسول الله قضية صلى الله عليه وسلم قضيت بنت ~~حمزة رضي الله عنه في الحضانة حيث قال علي رضي الله عنه. بنت عمي وأنا ~~أخذتها، وقال جعفر رضي الله عنه: بنت عمي وخالتها تحتي، وقال زيد رضي الله ~~عنه: بنت أخي فقضى بها لجعفر رضي الله عنه، وقال: الخالة بمنزلة الأم ". # وقضية ابن وليدة زمعة في الدعوة حيث قال سعد: إن أخي قد عهد إلي فيه، ~~وقال عبد بن زمعة ابن وليدة أبي ولد على فراشه، فقال صلى الله عليه وسلم ": ~~هو لك يا عبد ابن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر ". # وقضية زيد رضي الله عنه. والأنصاري في شراج الحرة فأشار صلى الله عليه ~~وسلم إلى أمر لهما في سعة " اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك فغضب الأنصاري، ~~فاستوعى لزبير حقه ms560 قال: احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ". # وقضية ناقة براء بن عازب رضي الله عنه دخلت حائطا لرجل من الأنصار فأفسدت ~~فيه فقضى صلى الله عليه وسلم أن على أهل الأموال حفظها بالنهار وعلى أهل ~~المواشي حفظها بالليل. # وقضى صلى الله عليه وسلم بالشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت ~~الطرق فلا شفعة، وقد ذكرنا فيما سبق وجوه هذه القضايا. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إذا اختلفتم في الطريق جعل عرضه سبعة أذرع ". # PageV02P262 # أقول: وذلك أن الناس إذا عمروا أرضا مباحة فقصروا بها واختلفوا في ~~الطريق، فأراد بعضهم أن يضيق الطريق ويبني فيها، وأبى الآخرون ذلك، وقالوا: ~~لا بد للناس من طريق واسعة قضى بأن يجعل عرضه سبعة أذرع وذلك لأنه لا بد من ~~مرور قطارين من الإبل يمشي أحدهما إلى جانب، وثانيهما إلى الآخر، وإذا جاءت ~~زاملة من ههنا وزاملة من هنالك فلا بد من طريق تسعهما وإلا كان الحرج ~~ومقدار ذلك سبعة أذرع. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته " أقول: ~~جعله بمنزلة أجير عمل له عملا نافعا، والله أعلم. ### | (الجهاد) # اعلم أن أتم الشرائع وأكمل النواميس هو الشرع الذي يؤمر فيه بالجهاد، ~~وذلك لأن تكليف الله عباده بما أمر ونهى - مثله كمثل رجل مرض عبيده، فأمر ~~رجلا من خاصته أن يقيهم دواء، فلو أنه قهرهم على شرب الدواء، وأوجره في ~~أفواههم لكان حقا، لكن الرحمة اقتضت أن يبين لهم فوائد الدواء؛ ليشربوه على ~~رغبة فيه، وأن يخلط معه العسل؛ ليتعاضد فيه الرغبة الطبيعية والعقلية. # ثم إن كثيرا من الناس يغلب عليهم الشهوات الدنية والأخلاق السبعية ووساوس ~~الشطان في حب الرياسات، ويلصق بقلوبهم رسوم آبائهم، فلا يسمعون تلك ~~الفوائد، ولا يذعنون لما يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يتأملون في ~~حسنة، فليست الرحمة في حق أولئك أن يقتصر على إثبات الحجة عليهم، بل الرحمة ~~في حقهم أن يقهروا؛ ليدخل الإيمان عليهم على رغم ms561 أنفهم بمنزلة إيجاد الدواء ~~المر، ولا قهر إلا بقتل من له منهم بكناية شديدة وتمنع قوى، أو تفريق ~~منعتهم وسلب أموالهم حتى يصيروا لا يقدرون على شيء، فعند ذلك يدخل أتباعهم ~~وذراريهم في الإيمان برغبة وطوع، ولذلك كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى قيصر " كان عليك إثم الأريسيين. # وربما كان أسرهم وقهرهم يؤدي إلى إيمانهم، وإلى هذا أشار النبي صلى الله ~~عليه وسلم حيث قال: # " عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل ". # وأيضا فالرحمة التامة الكاملة بالنسبة إلى البشر أن يهديهم الله إلى ~~الاحسان، # وأن يكبح ظالمهم عن الظلم، وأن يصلح ارتفاقاتهم وتدبير منزلهم وسياسة ~~مدينتهم، فالمدن # PageV02P263 # الفاسدة التي يغلب عليها نفوس السبعية، ويكون لهم تمنع شديد إنما هو ~~بمنزلة الأكلة في بدن الإنسان لا يصح الإنسان إلا بقطعه، والذي يتوجه إلى ~~إصلاح مزاجه وإقامة طبيعته لا بد له من القطع، والشر القليل إذا كان مفضيا ~~إلى الخير الكثير واجب فعله، ولك عبدة بقريش ومن حولهم من العرب كانوا بعد ~~خلق الله عن الاحسان وأظلمهم على الضعفاء، وكانت بينهم مقاتلات شديدة، وكان ~~بعضهم يأسر بعضا، وما كان أكثرهم متأملين في الحجة ناظرين في الدليل ~~فجاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم " وقتل أشدهم بطشا وأحدهم نفسا حتى ظهر ~~أمر الله، وانقادوا له، فصاروا بعد ذلك من أهل الإحسان، واستقامت أمورهم، ~~فلو لم يكن في الشريعة جهاد أولئك لم يحصل اللطف في حقهم. # وأيضا فإن الله تعالى غضب على العرب والعجم، وقضى بزوال دولتهم وكبت ~~ملكهم، فنفث في روع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبواسطته في قلوب أصحابه ~~رضي الله عنهم أن يقاتلوا في سبيل الله؛ ليحصل الأمر المطلوب، فصاروا في ~~ذلك بمنزلة الملائكة تسعى في إتمام ما أمر الله تعالى، غير أن الملائكة ~~تسعى من غير أن يعقد فيهم قاعدة كلية، والمسلمون يقاتلون لأجل قاعدة كلية ~~علمهم الله تعالى، وكان علمهم ذلك أعظم الأعمال، وصار القتل لا يسند إليهم ~~إنما يسند إلى الآمر، كما يسند قتل العاصي ms562 إلى الأمير دون السياف، وهو قوله ~~تعالى: # {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم} . # وإلى هذا السر أشار النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: # " مقت عربهم وعجمهم " الحديث، وقال عليه السلام: " لا كسرى ولا قيصر " ~~يعني المتدينين بدين الجاهلية. # وفضائل الجهاد راجعة إلى أصول: منها أنه موافقة تدبير الحق وإلهامه، فكان ~~السعي في إتمامه سببا لشمول الرحمة، والسعي في إبطاله سببا لشمول اللعنة، ~~والتقاعد عنه في مثل هذا الزمان تفويتا لخير كثير. # ومنها أن الجهاد عمل شاق يحتاج إلى تعب وبذل مال ومهجة وترك الأوطان ~~والأوطار، فلا يقدم عليه إلا من أخلص دينه لله وآثر الآخرة على الدنيا، وصح ~~اعتماده على الله. # ومنها أن نفث مثل هذه الداعية في القلب لا يكون إلا بتشبه الملائكة، ~~وأحظاهم بهذا الكمال أبعدهم عن شرور البهيمية وأطرفهم من رسوخ الدين في ~~قلبه، فيكون معرفا لسلامة صدره. # PageV02P264 # هذا كله إن كان الجهاد على شرطه، وهو ما سئل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " إن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: من ~~قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ". # ومنها أن الجزاء يتحقق بصورة العمل يوم القيامة، وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا يكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم ي سبيله إلا جاء يوم ~~القيامة وجرحه يثغب دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك ". # ومنها أن الجهاد لما كان أمرا مرضيا عند الله تعالى وهو لا يتم في العادة ~~إلا بأشياء من النفقات ورباط الخيل والرمي ونحوها وجب أن يتعدى الرضا إلى ~~هذه الأشياء من جهة إفضائها إلى المطلوب. # ومنها أن بالجهاد تكميل الملة وتنويه أمرها وجعله في الناس كالأمر ~~اللازم، فإذا حفظت هذه الأصول انكشفت لك حقيقة الأحاديث الواردة في فضائل ~~الجهاد. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين " الحديث. # أقول: سره أن ارتفاع المكان في دار الجزاء تمثال لارتفاع المكانة عند ~~الله، وذلك بأن تسكب ms563 النفس سعادتها من التطلع للجبروت وغير ذلك، وبأن يكون ~~سببا لاشتهار شعائر الله ودينه وسائر ما يرضي الله باشتهاره، ولذلك كانت ~~الأعمال التي هي مظنة هاتين الخصلتين جزاؤها الدرجات في الجنة، فورد في ~~تالي القرآن أنه يقال له " اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا " وورد ~~في الجهاد أنه سبب رفع الدرجات فإن عمله يفيد ارتفاع الدين، فيجازى بمثل ما ~~تضمنه عمله، ثم إن ارتفاع المكانة يتحقق بوجوه كثيرة، فكل وجه يتمثل درجة ~~في الجنة، وإنما كان كل درجة كما بين السماء والأرض لأنه غاية ما تمكن في ~~علوم البشر من البعد الفوقانى فيتمثل في دار الجزاء كما تمكن في علومهم. # قال صلى الله عليه وسلم: " مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القانت الصائم ~~". # أقول: سره أن الصائم القانت إنما فضل على غيره بأنه عمل عملا شاقا لمرضاة ~~الله، وأنه صار بمنزلة الملائكة ومتشبها بهم، والمجاهد إذا كان جهاده على ~~ما أمر الشرع به يشبهه في كل ذلك غير أن الاجتهاد في الطاعات # يسلم فضلة الناس، وهذا لا يفهمه إلا الخاصة، فشبه به لينكشف الحال. # PageV02P265 # ثم مست الحاجة إلى الترغيب في مقدمات الجهاد التي لا يتأتى الجهاد في ~~العادة إلا بها كالرباط والرعي وغيرهما لأن الله تعالى إذا أمر بشيء ورضي ~~به وعلم أنه لا يتم إلا بتلك المقدمات كان من موجبة الأمر بها والرضا عنها. # ورد في الرباط أنه " خير من الدنيا وما فيها " وأنه " خير من صيام شهر ~~وقيامه وإن مات أجرى عليه عمله الذي كان عمله وأجرى عليه رزقه وأمن الفتان ~~". # أقول: أما سر كونه خيرا من الدنيا وما فيها فلأن له ثمرة باقية في ~~المعاد، وكل نعيم من نعيم الدنيا لا محالة زائل ... # وأما كونه خيرا من صيام شهر وقيامه فلأنه عمل شاق يأتي على البهيمية لله ~~وفي سبيل الله كما يفعل ذلك الصيام والقيام. . # وسر إجراء عمله أن الجهاد بعضه مبنى على بعض بمنزلة البناء ويقوم الجدار ~~على الأساس وياقوم السقف على الجدار، وذلك ms564 لأن الأولين من المهاجرين ~~والأنصار كانوا سبب دخول قريش ومن حولهم في الإسلام ثم فتح الله على أيدي ~~هؤلاء العراق والشام، ثم فتح الله على أيدي هؤلاء الفرس والروم، ثم فتح ~~الله على أيدي هؤلاء الهند والترك والسودان، فالنفع الذي يترتب على الجهاد ~~يتزايد حينا فحينا وصار بمنزلة الأوقاف # والرباطات والصدقات الجارية. # وأما الأمن من الفتان يعني المنكر والنكير فإن المهلكة منهما على من لم ~~يطمئن قلبه بدين محمد صلى الله عليه وسلم ولم ينهض لنصرته، أما المرابط على ~~شرطه فهو جامع الهمة على تصديق ناهض العزيمة على تمشية نور الله. # قال صلى الله عليه وسلم: # " من جهز غازيا في سيل الله فقد غزا ومن خلف غازيا في أهله فقد غزا " ~~وقال صلى الله عليه وسلم: # " أفضل الصدقة ظل فسطاط في سبيل الله " ونحو ذلك. # أقول: السر في ذلك أنه عمل نافع للمسلمين يترتب عليه نصرتهم، وهو المعنى ~~في الغزو أو الصدقة. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا حاء يوم ~~القيامة وجرحه يثغب دما اللون لون الدم والريح ريح المسك ". # أقول: العمل يلتصق بالنفس بهيئته وصورته ويجر ما فيه معنى التضاعف ~~بالنسبة إلى العمل والمجازاة مبناها على تمثل النعمة والراحة بصورة اقرب ما ~~هناك، فإذا جاء الشهيد يوم القيامة ظهر عليه عمله وتنعم به بصورة ما في ~~العمل. # PageV02P266 # وقال عليه السلام صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: # {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} . ~~الآية # " أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالفرش تسرح في الجنة حيث ~~شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل ". # أقول: الذي يقتل في سبيل الله يجتمع فيه خصلتان: إحداهما أنه تبقى # نسمته وافرة كاملة لم تضمحل علومها التي كانت منغمسة فيها في حياتها ~~الدنيا وإنما هو بمنزلة رجل مشغول بأمر معاشه ينام نومة بخلاف الميت الذي ~~ابتلي بأمراض شديدة تغير مزاجه وتنسيه كثيرا مما ms565 كان فيه. # والثانية أنه شملته الرحمة الإلهية المتوجهة إلى نظام العالم الممتلئ ~~منها حظيرة القدس والملائكة المقربون، فلما زهقت نفسه وهي ممتلئة من السعي ~~في إقامة دين الله فتح بينه وبين حظيرة القدس فيح واسع، ونزل من هناك الأنس ~~والنعمة والراحة، وتنفست إليه حظيرة القدس نفسا مثاليا، فيتمثل الجزاء ~~حسبما عنده، فتركبت من اجتماع هاتين الخصلتين أمور عجيبة: # منها أنه تتمثل نفسه معلقة بالعرش بنحوما، وذلك لدخوله في حملة العرش ~~وطموح همته إلى ما هناك. # ومنها أنه تمثل له بدن طير أخضر، فكونه طيرا لأنه من الملائكة بمنزلة ~~الطير من دواب الأرض في ظهور أحكام الجنس إجمالا وكونه أخضر لحسن منظره. # ومنها أنه تتمثل نعمته وراحته بصورة الرزق كما كان يتمثل النعمة في ~~الدنيا بالفواكه والشواء. # ثم مست الحاجة إلى تمييز ما يفيد تهذيب النفس مما لا يفيده وهو مشتبه به ~~فإن الشرع أتى بأمرين: بانتظام الحي والمدينة. والملة؛ وبتكميل النفوس. # قيل: الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر. والرجل يقاتل # ليرى مكانه، فمن يقاتل في سبيل الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: # " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " أقول: وذلك لما ~~ذكرنا من أن الأعمال أجساد، وأن النيات أرواح لها، وإنما # PageV02P267 # الأعمال بالنيات، ولا عبرة بالجسد إلا بالروح، وربما تفيد النية فائدة ~~العمل وإن لم يقترن بها إذا كان فوته لمانع سماوي دون تفريط منه، وهو قوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم ~~حبسهم العذر " وإن كان من تفريط فإن النية لم تتم حتى يترتب عليها الأجر # قال صلى الله عليه وسلم: # " البركة في نواصي الخيل " وقال عليه السلام: # " الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والغنيمة ". # اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بالخلافة العامة، وغلبة دينه على ~~سائر الأديان لا يتحقق إلا بالجهاد وإعداد آلاته، فإذا تركوا الجهاد، ~~واتبعوا أذناب البقر أحاط بهم الذل؛ وغلب عليهم أهل سائر الأديان. # قال ms566 صلى الله عليه وسلم: " من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله ~~وتصديقا بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة ". أقول: ~~ذلك لأنه يتعانى في علفه وشرابه وفي روثه وبوله، فصار عمله ذلك متصورا ~~بصورة ما تعانى فيه، فيظهر يوم القيامة كل ذلك بصورته وهيئته، قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة، صانعه يحتسب في صنعه ~~والرامي به ومنبله " # وقال عليه السلام: " من رمى بسهم في سبيل الله فهو له عدل محرر " أقول: ~~لما علم الله تعالى أن كبت الكفار لا يتم إلا بهذه الأشياء انتقل رضا الحق ~~بإزالة الكفر والظلم إلى هذه. # قال الله تعالى: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض ~~حرج} . # وقال الله تعالى: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا ~~يجدون ما ينفقون حرج} . # وقال صلى الله عليه وسلم لرجل: # " ألك والدان؟ قال. نعم، قال ففيهما فجاهد ". # أقول: لما كان إقبالهم بأجمعهم على الجهاد يفسد أرتفاقاتهم وجب ألا يقوم ~~به إلا البعض، وإنما تعين غير المعلول بهذه العلل لأن على أصحابها حرجا ~~وليس فيهم غنية معتد بها للإسلام بل ربما يخاف الضرر منهم # PageV02P268 # قال الله تعالى: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} . # أقول: إعلاء كلمة الله لا يتحقق إلا بأن يوطنوا أنفسهم بالثبات والنجدة ~~والصبر على مشاق القتال ولو جرت العادة بأن يفروا إذا عثروا على مشقة لم ~~يتحقق المقصود بل ربما أفضى إلى الخذلان. # وأيضا فالفرار جبن وضعف وهو أسوأ الأخلاق # ثم لا بد من بيان حد يتحقق به الفرق بين الواجب وغيره ولا تتحقق النجدة ~~والشجاعة إلا إذا كان أسباب الهزيمة أكثر من أسباب الغلبة فقدر أولا بعشرة ~~أمثال لأن الكفر يومئذ كان أكثر ولم يكن المسلمون إلا أقل شيء فلو رخص لهم ~~الفرار لم يتحقق الجهاد أصلا، ثم خفف إلى مثلين لأنه لا تتحقق النجدة ~~والثبات فيما دون ذلك. # ثم لما وجب الجهاد لإعلاء كلمة ms567 الله وجب ما لا يكون الإعلاء إلا به، ~~ولذلك كان سد الثغور وعرض المقاتلة ونصب الأمراء على كل ناحية وثغر واجبا ~~على الإمام وسنة متوارثة، وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه رضي ~~الله عنهم في هذا الباب سننا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر ~~أميرا على جيش أو على سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين ~~خيرا، ثم قال: " اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ~~ولا تغلوا " الحديث. # وإنما نهى عن الغلول لما فيه من كسر قلوب المسلمين واختلاف كلمتهم ~~واختيارهم النهي على القتال، وكثيرا ما يفضي ذلك إلى الهزيمة، وعن الغدر ~~لئلا يرتفع الأمان من عهدهم وذمتهم ولو ارتفع ذهب أعظم الفتوح وأقربها وهي ~~الذمة، وعن المثلة لأنه تغيير خلق الله، وعن قتل الوليد لأنه تضييق على ~~المسلمين وإضرار بهم فإنه لو بقي حيا لصار رقيقا لهم واتبع السابي في ~~الإسلام. # وأيضا فإنه لا ينكأ عدوا ولا ينصر فئة. # والدعوة إلى ثلاث خصال مترتبة: الأولى الإسلام مع الهجرة والجهاد وحينئذ ~~له ما للمجاهدين من الحق في الفيء والمغانم. # الثانية الإسلام من غير هجرة ولا جهاد إلا في النفير العام وحينئذ ليس له ~~نصيب في المغانم والفيء، وذلك لأن الفيء إنما يصرف إلا الأهم فالأهم، ~~والعادة قاضية بألا # PageV02P269 # يسع بيت المال الصرف إلى المتوطنين في بلادهم غير المجاهدين فلا اختلاف ~~بين هذا وبين قول عمر رضي الله عنه: فأين عشت فليأتين الراعي وهو بسرو حمير ~~نصيبه منها لم يعرق فيها جبينه يعني إذا فتح كنوز الملوك وجيء من الخراج ~~شيء كثير فيبقى بعد حظ المقاتلة وغيرهم # الثالثة أن يكونوا من أهل الذمة، ويؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون # فبالأولى تحصل المصلحتان من نظام العالم ورفع التظالم من بينهم ومن تهذيب ~~نفوسهم بأن يحصل نجاتهم من النار ويكونوا ساعين في تمشية أمر الله. # وبالثانية النجاة من النار من غير أن ينالوا درجات المجاهدين. # وبالثالثة زوال شوكة الكفار ms568 وظهور شوكة المسلمين، وقد بعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم لهذه المصالح. # ويجب على الإمام أن ينظر في أسباب ظهور شوكة المسلمين وقطع أيدي الكفار ~~عنهم، ويجتهد، ويتأمل في ذلك فيفعل ما أدى إليه اجتهاده مما عرف هو أو ~~نظيره عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه رضي الله عنهم؛ لأن الأمام إنما ~~جعل لمصالح، ولا تتم إلا بذلك، والأصل في هذا الباب سير النبي صلى الله ~~عليه وسلم. # ونحن نذكر حاصل أحاديث الباب: # فنقول. يجب أن يشحن ثغور المسلمين بجيوش يكفون من يليهم، ويؤمر عليهم ~~رجلا شجاعا ذا رأي ناصحا للمسلمين وإن احتاج إلى حفر خندق أو بناء حصن فعله ~~كما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، وإذا بعث سرية أمر ~~عليهم أفضلهم أو أنفعهم للمسلمين، وأوصاه في نفسه وبجماعة المسلمين خيرا ~~كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، وإذا أراد الخروج للغزو عرض ~~جيشه، ويتعاهد الخيل والرجال فلا يقبل من دون خمس عشرة سنة كما كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، ولا مخذلا وهو الذي يقعد الناس عن ~~الغزو، ولا مرجفا وهو الذي يحدث بقوة الكفار، والأصل فيه قوله تعالى. {كره ~~الله انبعائهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا ~~خبالا} . # ولا مشركا لقوله صلى الله عليه وسلم: # " إنا لا نستعين بمشرك إلا عند ضرورة ووثوق به " ولا امرأة شابة يخاف ~~عليها، ويأذن للطاعنة في السن لأنه صلى الله عليه وسلم كان يغزو بأم سليم ~~ونسوة من # PageV02P270 # الأنصار يسقين الماء ويداوين الجرحى، ويعبي الجيش ميمنة وميسرة، ويجعل ~~لكل قوم راية، ولكل طائفة أميرا وعريفا كما فعل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم الفتح لأنه أكثر إرهابا وأقرب ضبطا، ويعين لهم شعارا يتكلمونه في ~~البيات لئلا يقتل بعضهم بعضا كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، ~~ويخرج يوم الخميس أو الاثنين فإنهما يومان يعرض فيهما الأعمال، وقد ذكرنا ~~من قبل، " ويكلفهم من السير ما ms569 يطيقه الضعيف # إلا عند الضرورة، ويتخير لهم من المنازل أصلحها وأوفرها ماء، وينصب الحرس ~~والطلائع إذا خاف العدو، ويخفى من أمره ما استطاع، ويورى إلا من ذوي الرأي ~~والنصيحة. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تقطع الأيدي في الغزو " وسره ما بينه عمر رضي الله عنه ألا تلحقه ~~حمية الشيطان فيلحق بالكفار، ولأنه كثيرا ما يفضي إلى اختلاف بين الناس، ~~وذلك يخل بمصلحتهم، ويقاتل أهل الكتاب والمجوس حتى يسلموا أو يعطوا الجزية ~~عن يد وهم صاغرون، ولا يقتل وليدا. ولا امرأة، ولا شيخا فانيا إلا عند ~~ضرورة كالبيات، ولا يقطع الشجر، ولا يحرق، ولا يعقر الدواب إلا إذا تعينت ~~المصلحة في ذلك كالبويرة قرية بني النضير، ولا يخيس بالعهد، ولا يحبس البرد ~~لأنه سبب انقطاع المراسلة بينهم، ويخدع فإن الحرب خدعة، ويهجم عليهم غارين ~~ويرميهم بالمنجنيق، ويحاصرهم، ويضيق عليهم ثبت عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كل ذلك، ولأن القتال لا يتحقق إلا به كما لا حاجة إلى شرحه، ويجوز ~~المبارزة بإذن الإمام لمن وثق بنفسه كما فعل علي. وحمزة رضي الله عنهما. ~~وللمسلمين أن يتصرفوا فيما يجدونه هنالك من العلف والطعام من غير أن يخمس ~~لأنه لو لم يرخص فيه لضاق الحال فإذا أسروا أسراء خير الإمام بين أربع ~~خصال، القتل، والفداء، والمن، والارقاق يفعل من ذلك الأحظ وللإمام أن ~~يعطيهم الأمان ولآحادهم. # والأصل فيه قوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره} . # وذلك لأن دخولهم في الإسلام لا يتحقق إلا بمخالطة المسلمين ومعرفة حجتهم ~~وسيرتهم. # وأيضا فكثيرا ما تقع الحاجة إلى تردد التجار وأشباههم، ويصالحهم بمال ~~وبغير مال فإن المسلمين ربما يضعفون عن مقاتلة الكفار فيحتاجون إلى الصلح ~~وربما يحتاجون إلى المال يتقوون به، أو إلى أن يأمنوا من شر قوم فيجاهدوا ~~آخرين. # PageV02P271 # قال صلى الله عليه وسلم: # " لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول ~~الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئا قد بلغتك " ونحو ذلك قوله صلى ms570 الله عليه ~~وسلم: # " على رقبته فرس له حمحمة وشاة لها يعار ونفس لها صياح ورقاع تخفق ". # أقول الأصل في ذلك أن المعصية تتصور بصورة ما وقعت فيه، وأما حمله فثقله ~~والتأذي به، وأما صوته فعقوبته بإشاعة فاحشته على رءوس الناس. # قال صلى الله عليه وسلم: # " إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه كله واضربوه " وعمل به أبو بكر. ~~وعمر رضي الله عنهما. # أقول سره الزجر وكبح الناس أن يفعلوا مثل ذلك # واعلم أن الأموال المأخوذة من الكفار على قسمين: ما حصل منهم بإيجاف ~~الخيل والركاب واحتمال أعباء القتال وهو الغنيمة. # وما حصل منهم بغير قتال كالجزية والخراج والعشور المأخوذة من تجارهم وما ~~بذلوا صلحا أو هربوا عنه فزعا. # فالغنيمة تخمس ويصرف الخمس إلى ما ذكر الله تعالى في كتابه حيث قال: ~~{واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل} . # فيوضع سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده في مصالح المسلمين الأهم ~~فالأهم، وسهم ذوي القربى في بني هاشم وبني المطلب الفقير منهم والغني ~~والذكر والأنثى، وعندي أنه يخير الإمام في تعيين المقادير، وكان عمر رضي ~~الله عنه يزيد في فرض آل النبي صلى الله عليه وسلم من بيت المال ويعين ~~المدين منهم والناكح وذا الحاجة، وسهم اليتامى لصغير فقير لا أب له، وسهم ~~الفقراء والمساكين لهم يفوض كل ذلك إلى الإمام يجتهد في الفرض وتقديم الأهم ~~فالأهم ويفعل ما أدى إليه اجتهاده ويقسم أربعة أخماسه في الغانمين يجتهد ~~الإمام أولا في حال الجيش فمن كان نفله أوفق بمصلحة المسلمين نفل له، وذلك ~~بإحدى ثلاث. # أن يكون الإمام دخل دار الحرب فبعث سرية تغير على قرية مثلا فيجعل لها ~~الربع بعد الخمس أو الثلث بعد الخمس فما قدمت به السرية رفع خمسه ثم أعطي ~~السرية ربع ما غبر أو ثلثه وجعل الباقي في المغانم. # PageV02P272 # وثانيتها أن يجعل الإمام جعلا لمن يعمل عملا فيه غناء عن المسلمين، مثلا ~~أن يقول: من طلع هذا الحصن ms571 فله كذا. ومن جاء بأسير فله كذا. من قتل قتيلا ~~فله سلبه، فإن شرط من مال المسلمين أعطي منه، وإن شرط من الغنيمة أعطي من ~~أربعة أخماس. # وثالثتها أن يخص الإمام بعض الغانمين بشيء لغنائه وبأسه كما أعطي # رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمة بن الأكوع في غزوة ذي قرد سهم الفارس ~~والراجل حيث ظهر منه نفع عظيم للمسلمين. # والأصح عندي أن السلب إنما يستحقه القاتل بجعل الإمام قبل القتل أو ~~تنفيله بعده. # ويرفع ما ينبغي أن يرضخ دون السهم للنساء يداوين المرضى، ويطبخن الطعام، ~~ويصلحن شأن الغزاة وللعبيد والصبيان وأهل الذمة الذين أذن لهم الإمام إن ~~حصل منهم نفع للغزاة وإن عثر على أن شيئا من الغنيمة كان مال مسلم ظفر به ~~العدو رد عليه بلا شيء، ثم يقسم الباقي على من حضر الوقعة للفارس ثلاثة ~~أسهم. وللراجل سهم. # وعندي أنه إن رأى الإمام أن يزيد لركبان الإبل أو للرماة شيئا أو يفضل ~~العراب على البراذين بشيء دون السهم فله ذلك بعد أن يشاور أهل الرأي ويكون ~~أمرا لا يختلف عليه لأجله وبه يجمع اختلاف سير النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه رضي الله عنهم في الباب. # ومن بعثه الأمير لمصلحة الجيش كالبريد والطليعة والجاسوس يسهم له وإن لم ~~يحضر الوقعة كما كان لعثمان يوم بدر. # وأما الفيء فمصرفه ما بين الله تعالى حيث قال: {ما أفاء الله على رسوله ~~من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القريى واليتامى والمساكين وابن السبيل} . # إلى قوله " {رءوف رحيم} ولما قرأها عمر رضي الله عنه قال: هذه استوعبت ~~المسلمين فيصرفه إلى الأهم فالأهم، وينظر في ذلك إلى مصالح المسلمين لا ~~مصلحته الخاصة به. # PageV02P273 # واختلفت السنن في كيفية قسمة الفيء، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا أتاه الفيء قسمه في يومه، فأعطى الأهل حظين، وأعطى الأعزب حظا، وكان ~~أبو بكر رضي الله عنه يقسم للحر وللعبد. ويتوخى كفاية الحاجة، ووضع عمر رضي ~~الله عنه الديوان على السوابق والحاجات، فالرجل وقدمه، والرجل ms572 وبلاؤه، ~~والرجل وعياله، والرجل وحاجته، والأصل في كل ما كان مثل هذا من الاختلاف أن ~~يحمل على أنه إنما فعل ذلك على الاجتهاد فتوخى كل المصلحة بحسب ما رأى في ~~وقته، والأراضي التي غلب عليها المسلمون للإمام فيها الخيار. إن شاء قسمها ~~في الغانمين، وإن شاء أوقفها على الغزاة كما فعل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بخيبر. قسم نصفها ووقف نصفها، ووقف عمر رضي الله عنه أرض السواد، وإن ~~شاء أسكنها الكفار ذمة لنا. # وأمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذا رضي الله عنه أن يأخذ من كل حالم ~~دينارا أو عدله معافر، وفرض عمر رضي الله عنه على الموسر ثمانية وأربعين ~~درهما، وعلى المتوسط أربعة وعشرين، وعلى الفقير المعتمل اثني عشر. # ومن هنا يعلم أن قدره مفوض إلى الإمام يفعل ما يرى من المصلحة، ولذلك ~~اختلفت سيرهم، وكذلك الحكم عندي في مقادير الخراج وجميع ما اختلفت فيه سير ~~النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه رضي الله عنهم. # وإنما أباح الله لنا الغنيمة والفيء لما بينه النبي صلى الله عليه وسلم ~~حيث قال: " لم تحل الغنائم لأحد من قبلنا. . ذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا ~~فأحلها لنا " وقال صلى الله عليه وسلم: " إن الله فضل أمتي على الأمم وأحل ~~لنا الغنائم " وقد شرحنا هذا في القسم الأول فلا نعيده. # والأصل في المصارف أن أمهات المقاصد أمور: # منها إبقاء ناس لا يقدرون على شيء لزمانه أو لاحتياج مالهم أو بعده منهم. # ومنها حفظ المدينة عن شر الكفار بسد الثغور ونفقات المقاتلة والسلاح ~~والكراع. # ومنها تدبير المدينة وسياستها من الحراسة والقضاء وإقامة الحدود والحسبة. # ومنها حفظ الملة بنصب الخطباء والأئمة والوعاظ والمدرسين. # ومنها منافع مشتركة ككرى الأنها وبناء القناطر ونحو ذلك. # وأن البلاد على قسمين. قسم تجرد لأهل الإسلام كالحجاز، أو غلب عليه ~~المسلمون، وقسم أكثر أهله الكفار فغلب عليهم المسلمون بعنوة أو صلح. # PageV02P274 # والقسم الثاني يحتاج إلى شيء كثير من جمع الرجال وإعداد آلات القتال ونصب ~~القضاة والحرس والعمال، # والأول ms573 لا يحتاج إلى هذه الأشياء كاملة وافرة. # وأراد الشرع أن يوزع بيت المال المجتمع في كل بلاد على ما يلائمها فجعل ~~مصرف الزكاة والعشر ما يكون فيه كفاية المحتاجين أكثر من غيرها، ومصرف ~~الغنيمة والفيء ما يكون فيه إعداد المقاتلة وحفظ الملة وتدبير المدينة ~~أكثر، ولذلك جعل سهم اليتامى والمساكين والفقراء من الغنيمة والفيء أقل من ~~سهمهم من الصدقات وسهم الغزاة منهما أكثر من سهمهم منها. # ثم الغنيمة إنما تحصل بمعاناة وإيجاف خيل وركاب فلا تطيب قلوبهم إلا بأن ~~يعطوا منها. والنواميس الكلية المضروبة على كافة الناس لا بد فيها من النظر # إلى حال عامة الناس. ومن ضم الرغبة الطبيعية إلى الرغبة العقلية ولا ~~يرغبون إلا بأن يكون هناك ما يجدونه بالقتال، فلذلك كان أربعة أخماسها ~~للغانمين والفيء إنما يحصل بالرعب دون مباشرة القتال فلا يجب أن يصرف على ~~ناس مخصوصين فكان حقه أن يقدم فيه الأهم فالأهم. # والأصل في الخمس أنه كان المرباع عادة مستمرة في الجاهلية يأخذه رئيس ~~القوم وعصبته فتمكن ذلك في علومهم وما كادوا يجدون في أنفسهم حرجا منه، ~~وفيه قال القائل: # (وإن لنا المرباع من كل غارة ... تكون بنجد أو بأرض التهائم) # فشرع الله تعالى الخمس لحوائج المدينة والملة نحوا مما كان عندهم كما ~~أنزل الآيات على الأنبياء عليهم السلام نحوا مما كان شائعا ذائعا فيهم، ~~وكان المرباع لرئيس القوم وعصبته تنويها بشأنهم ولأنهم مشغولون بأمر العامة ~~محتاجون إلى نفقات كثيرة، فجعل الله الخمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأنه عليه السلام مشغول بأمر الناس لا يتفرغ أن يكتسب لأهله، فوجب أن تكون ~~نفقته في مال المسلمين، ولأن النصرة حصلت بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم ~~والرعب الذي أعطاه الله إياه، فكان كحاضر الوقعة، ولذوي القربى لأنهم أكثر ~~الناس حمية للإسلام حيث اجتمع فيهم الحمية الدينية إلى الحمية النسبية فإنه ~~لا فخر لهم إلا بعلو دين محمد صلى الله عليه وسلم، ولأن في ذلك تنويه أهل ~~بيت النبي صلى الله عليه وسلم وتلك مصلحة ms574 راجعة إلى الملة، وإذا كان ~~العلماء والقراء يكون توقيرهم تنويها بالملة يجب أن يكون توقير ذوي القربى ~~كذلك بالأولى، وللمحتاجين وضبطهم بالمساكين والفقراء واليتامى، وقد ثبت أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس. # وعلى هذا فتخصيص هذه الخمسة بالذكر للاهتمام بشأنها، والتوكيد ألا # يتخذ الخمس # PageV02P275 # والفيء أغنياؤهم دولة فيهملوا جانب المحتاجين، ولسد باب الظن السيئ ~~بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقرابته. # وإنما شرعت الأنفال والأرضاخ لأن الإنسان كثيرا ما يقدم على مهلكة إلا ~~لشيء لا يطمع فيه، وذلك ديدن وخلق للناس لا بد من رعايته. # وإنما جعل للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم لأن غناء الفارس عن المسلمين ~~أعظم ومؤنته أكثر وإن رأيت حال الجيوش لم تشك أن الفارس لا يطيب قلبه ولا ~~تكفي ومؤنته إذا جعلت جائزته دون ثلاثة أضعاف سهم الراجل لا يختلف فيه ~~طوائف العرب والعجم على اختلاف أحوالهم وعاداتهم. # قال صلى الله عليه وسلم: # " لئن عشت إن شاء الله لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب " وأوصى ~~بإخراج المشركين منها. أقول: عرف النبي صلى الله عليه وسلم أن الزمان دول ~~وسجال فربما ضعف الإسلام وانتشر شمله فإن كان العدو في مثل هذا الوقت في ~~بيضة الإسلام ومحتده أفضى ذلك إلى هتك حرمات الله وقطعها فأمر بإخراجهم من ~~حوالي دار العلم ومحل بيت الله. # وأيضا المخالطة مع الكفار تفسد على الناس دينهم وتغير نفوسهم، ولما لم ~~يكن بد من المخالطة في الأقطار أمر بتنقية الحرمين منهم، وأيضا انكشف عليه ~~صلى الله عليه وسلم ما يكون في آخر الزمان فقال: " إن الدين ليأرز إلى ~~المدينة " الحديث ولا يتم ذلك إلا بألا يكون هناك من أهل سائر الأديان، ~~والله أعلم. # PageV02P276 ### | (من أبواب المعيشة) # اعلم أن جميع سكان الأقاليم الصالحة اتفقوا على مراعاة آدابهم في مطعمهم. ~~ومشربهم. وملبسهم. وقيامهم. وقعودهم. وغير ذلك من الهيئات والأحوال، وكان ~~ذلك كالأمر المفطور عليه الإنسان عند سلامة مزاجه وظهور مقتضيات نوعه عند ~~اجتماع أفراد منه، وتراءى بعضها لبعض وكانت ms575 لهم مذاهب في ذلك. # فكان منهم من يسويها على قواعد الحكمة الطبيعية فيختار في كل ذلك ما يرجى ~~نفعه ولا يخشى ضرره بحكم الطب والتجربة، ومنهم من يسويها على قوانين ~~الإحسان حسبما تعطيه ملته، ومنهم من يريد محاكاة ملوكهم وحكمائهم ورهبانهم، ~~ومنهم من يسويها على غير ذلك، وكان في بعض ذلك منافع يجب التنبيه عليها ~~والأمر به لأجلها، وفي البعض الآخر مفاسد يجب أن ينهي عنها لأجلها وينبه ~~عليها، والبعض الآخر غفل من المعنيين يجب أن يبقى على الأباحة ويرخص فيه ~~فكان تنقيحها والتفتيش عنها إحدى المصالح التي بعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم لها. # والعمدة في ذلك أمور: # فمنها أن الاشتغال بهذه الأشغال ينسي ذكر الله ويكدر صفاء القلب فيجب أن ~~يعالج هذا السم بترياق، وهو أن يسن قبلها وبعدها ومعها أذكار تردع النفس عن ~~اطمئنانها بها بأن يكون فيها ما يذكر المنعم الحقيقي ويميل الفكر إلى جانب ~~القدس. # ومنها أن بعض الأفعال والهيآت تناسب أمزجة الشياطين من حيث إنهم لو ~~تمثلوا في منام أحد أو يقظته لتلبسوا ببعضها لا محالة، فتلبس الإنسان # بها معد للتقرب منهم وانطباع ألوانها الخسيسة في نفوسهم فيجب أن يمنع ~~عنها كراهة أو تحريما حسبما تحكم به المصلحة كالمشي في نعل واحدة والأكل ~~باليد اليسرى، وبعضها مطردة للشياطين مقربة من الملائكة كالذكر عند ولوج ~~البيت والخروج منه، ويجب أن يحض عليها. # PageV02P277 # ومنها الاحتراز عن هيآت يتحقق فيها التأذي بحكم التجربة كالنوم على سطح ~~غير محجوز وترك المصابيح عند النوم، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: # " فإن الفويسقة تضرم على أهلها ". # ومنها مخالفة الأعاجم فيما اعتادوه من الترفه البالغ والتعمق في ~~الاطمئنان بالحياة الدنيا فأنساهم ذكر الله وأوجب الإكثار من طلب الدنيا ~~وتشبح اللذات في نفوسهم فيجب أن يخص رءوس تعمقاتهم بالتحريم كالحرير. ~~والقسى. والمياثر. والأرجوان. والثياب المصنوعة فيها الصور. وأواني الذهب. ~~والفضة. والمعصفر. والخلوق ونحو ذلك، وأن يعم سائر عاداتهم بالكراهية، ~~ويستحب ترك كثير من الإرفاه. # ومنها الاحتراز عن هيآت تنافي الوقار وتلحق الإنسان ms576 بأهل البادية ممن لم ~~يتفرغوا لأحكام النوع ليحصل التوسط بين الإفراط والتفريط. ### | (الأطعمة والأشربة) # اعلم أنه لما كانت سعادة الإنسان في الأخلاق الأربعة التي ذكرناها ~~وشقاوته في أضدادها أوجب حفظ الصحة النفسانية وطرد المرض النفساني أن يفحص ~~عن أسباب تغير مزاجه إلى إحدى الوجهتين. # فمنها أفعال تتلبس بها النفس وتدخل في جذر جوهرها، وقد بحثنا عن جملة ~~صالحة من هذا الباب. # ومنها أمور تولد في النفس هيآت دنية توجب مشابهة الشياطين والتبعد من ~~الملائكة وتحقق أضداد الأخلاق الصالحة من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون، ~~فتلقت النفوس اللاحقة بالملأ الأعلى التاركة للألواث البهيمية من حظيرة ~~القدس بشاعة تلك الأمور كما تلقى الطبيعة كراهية المر والبشع، وأوجب لطف ~~الله ورحمته بالناس أن يكلفهم برءوس تلك الأمور، والذي هو منضبط منها ~~وأثرها جلي غير خاف فيهم. # ولما كان أقوى أسباب تغير البدن والأخلاق المأكول وجب أن يكون رؤوسها من ~~هذا الباب، فمن أشد ذلك أثرا تناول الحيوان الذي مسخ قوم بصورته، وذلك أن ~~الله تعالى إذا لعن الإنسان وغضب عليه أورث غضبه ولعنه فيه وجود مزاج هو من ~~سلامة الإنسان على طرف شاسع وصقيع بعيد حتى يخرج من الصورة النوعية بالكلية ~~فذلك أحد وجوه # PageV02P278 # التعذيب في بدن الإنسان ويكون خروج مزاجه عند ذلك إلى مشابهة حيوان خبيث ~~يتنفر منه الطبع السليم فيقال في مثل ذلك مسخ الله قردة وخنازير فكان في ~~حظيرة القدس علم متمثل أن بين هذا النوع من الحيوان وبين كون الإنسان ~~مغضوبا عليه بعيدا من الرحمة مناسبة خفية وأن بينه وبين الطبع السليم ~~الباقي على فطرته بونا بائنا فلا جرم أن تناول هذا الحيوان وجعله جزء بدنه ~~أشد من مخامرة النجاسات والأفعال المهيجة للغضب ولذلك لم يزل تراجمة حظيرة ~~القدس نوح فمن بعده من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يحرمون الخنزير ~~ويأمرون بالتبعد منه إلى أن يتنزل عيسى عليه السلام فيقتله، ويشبه أن ~~الخنزير كان يأكله قوم فنطقت الشرائع بالنهي عنه وهجر أمره أشد ما يكون، ~~والقردة. والفأرة لم تكن ms577 تؤكل قط فكفى ذلك عن التأكيد الشديد، وهو قوله صلى ~~الله عليه وسلم في الضب. " إن الله غضب على سبط من # بني إسرائيل فمسخهم دواب يدبون في الأرض فلا أدري لعل هذا منها "، وقال ~~الله تعالى: {جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت} . # ونظيره ما ورد من كراهية المكث بأرض وقع فيها الخسف أو العذاب، وكراهية ~~هيآت المغضوب عليهم فإن مخامرة هذه الأشياء ليست أدنى من مخامرة النجاسات، ~~والتلبس بها ليس أقل تأثيرا من التلبس بالهيآت التي يقتضيها مزاج الشيطان. # ويتلوه تناول حيوان جبل على الأخلاق المضادة للأخلاق المطلوبة من الإنسان ~~حتى صار كالمندفع إليها بضرورة، وصار يضرب به المثل، وصارت الطبائع السليمة ~~تستخبثه وتأبى تناوله اللهم إلا قوم لا يعبأ بهم، والذي تكامل فيه هذا ~~المعنى وظهر ظهورا بينا وانقاد له العرب والعجم جميعا أشياء: # منها السباع المخلوقة على الخدش. والجرح. والصولة. وقسوة القلب، ولذلك ~~قال عليه السلام في الذئب: " أو يأكله أحد "؟ # ومنها الحيوانات المجبولة على إيذاء الناس والاختطاف منهم وانتهاز الفرص ~~للإغارة عليهم وقبول إلهام الشياطين في ذلك كالغراب. والحديات. والوزغ. ~~والذباب. والحية والعقرب ونحو ذلك. # PageV02P279 # ومنها حيوانات جبلت على الصغار والهوان والتستر في الاخدود كالفأرة وخشاش ~~الأرض. # ومنها حيوانات تتعيش بالنجاسات أو الجيفة ومخامرتها وتناولها حتى امتلأت ~~أبدانها بالنتن. # ومنها الحمار فإنه يضرب به المثل في الحمق والهوان وكان كثير من أهل # الطبائع السليمة من العرب يحرمونه ويشبه الشياطين، وهو قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان فإنه رأى شيطانا " # وأيضا قد اتفق الأطباء أن هذه الحيوانات كلها مخالفة لمزاج نوع الإنسان ~~لا يسوغ تناولها طبا. # واعلم أن ههنا أمورا مبهمة تحتاج إلى ضبط الحدود وتمييز المشكل. # منها أن المشركين كانوا يذبحون لطواغيتهم يتقربون به إليها وهذا نوع من ~~الإشراك فاقتضت الحكمة الالهية أن ينهى عن هذا الإشراك، ثم يؤكد التحريم ~~بالنهي عن تناول ما ذبح لها ليكون كابحا عن ذلك الفعل، وأيضا فإن قبح الذبح ~~يسري في المذبوح لما ذكرنا ms578 في الصدقة ثم المذبوح للطواغيت أمر مبهم ضبط بما ~~أهل لغير الله به، وبما ذبح على النصب، وبما ذبحه غير المتدين بتحريم الذبح ~~بغير اسم الله وهم المسلمون وأهل الكتاب، وجر ذلك أن يوجب ذكر اسم الله عند ~~الذبح لأنه لا يتحقق الفرقان بين الحلال والحرام بادي الرأي إلا عند ذلك، ~~وأيضا فإن الحكمة الالهية لما أباحت لهم الحيوانات التي هي مثلهم في الحياة ~~وجعل لهم الطول عليهم أوجبت ألا يغفلوا عن هذه النعمة عند إزهاق أرواحها، ~~وذلك أن يذكروا اسم الله عليها، وهو قوله تعالى. {ليذكروا اسم الله على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام} . # ومنها أن الميتة حرام في جميع الملل والنحل، أما الملل فاتفقت عليها لما ~~تلقى من حظيرة القدس أنها من الخبائث، وأما النحل فلما أدركوا أن كثيرا ~~منها يكون بمنزلة السم من أجل انتشار أخلاط سمية تنافي المزاج الإنساني عند ~~النزع، ثم لا بد من تمييز الميتة من غيرها فضبط بما قصد إزهاق روحه للأكل ~~فجر ذلك إلى تحريم المتردية والنطيحة وما أكل السبع فإنها كلها خبائث ~~مؤذية. # ومنها أن العرب واليهود كانوا يذبحون وينحرون وكان المجوس يخنقون ويبعجون ~~والذبح والنحر سنة الأنبياء عليهم السلام توارثوهما، وفيهما مصالح. # PageV02P280 # منها إراحة الذبيحة فإنه أقرب طريق لازهاق الروح، وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " فليرح ذبيحته " وهو سر النهي عن شريطة الشيطان. # ومنها أن الدم أحد النجاسات التي يغسلون الثياب إذا أصابها ويتحفظون منها ~~والذبح تطهير للذبيحة منها، والخنق والبعج تنجيس لها به. # ومنها أنه صار ذلك أحد شعائر الملة الحنيفة يعرف به الحنيفي من غيره فكان ~~بمنزلة الختان وخصال الفطرة، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم مقيما ~~للملة الحنيفية وجب الحفظ عليه، ثم لا بد من تمييز الخنق والبعج من غيرهما، ~~ولا يتحقق إلا بأن يوجب المحدد وأن يوجب الحلق واللبة فهذا ما نهى عنه لأجل ~~حفظ الصحة النفسانية والمصلحة الملية، وأما الذي ينهى عنه لأجل الصحة ~~البدنية كالسموم والمفترات فحالها ظاهر. # وإذا تمهدت هذه الأصول ms579 حان أن نشتغل بالتفصيل، فنقول: ما نهى الله عنه من ~~المأكول صنفان: صنف نهى عنه لمعنى في نوع الحيوان. وصنف نهى عنه لفقد شرط ~~الذبح، فالحيوان على أقسام: أهلي يباح منه الإبل والبقر والغنم. وهو قوله ~~تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} . # وذلك لأنها طيبة معتدلة المزاج موافقة لنوع الإنسان، وأذن يوم خيبر في ~~الخيل ونهى عن الحمر، وذلك لأن الخيل يستطيبه العرب والعجم وهو # أفضل الدواب عندهم ويشبه الإنسان، والحمار يضرب به المثل في الحمق ~~والهوان وهو يرى الشيطان فينهق وقد حرمه من العرب أذكاهم فطرة وأطيبهم ~~نفسا، واكل صلى الله عليه وسلم لحم الدجاج، وفي معناها الأوز والبط لأنها ~~من الطيبات والديك يرى الملك فيصقع، ويحرم الكلب والسنور لأنهما من السباع ~~ويأكلان الجيف، والكلب شيطان. # ووحشي يحل منه ما يشبه بهيمة الأنعام في اسمها ووصفها كالظباء والبقر ~~الوحشي والنعامة، وأهدي له صلى الله عليه وسلم لحم الحمار الوحشي فأكله ~~والأرنب فقبله، وأكل الضب على مائدته لأن العرب يستطيبون هذه الأشياء، ~~واعتذر في الضب تارة بأنه " لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه " وتارة باحتمال ~~المسخ والنهي عنه تارة وليس فيها عندي تناقض لأنه كان فيها وجهان جميعا كل ~~واحد كاف في العذر لكن ترك ما فيه الاحتمال ورع من غير تحريم، وأراد بالنهي ~~الكراهة التنزيهية، # PageV02P281 # ونهى عن كل ذي ناب من السباع لخروج طبيعتها من الاعتدال ولشكاسة أخلاقها ~~وقسوة قلوبها. # وطير يباح منه الحمام والعصفور لأنهما من المستطاب، ونهى عن كل ذي مخلب ~~وسمى بعضها فاسقا فلا يجوز تناوله ويكره ما يأكل الجيف والنجاسة وكل ما ~~يستخبثه العرب لقوله تعالى: # {يحرم عليهم الخبائث} . # وأكل الجرادفي عهده صلى الله عليه وسلم لأن العرب يستطيبونه وبحري يباح ~~منه ما يستطيبه العرب كالسمك والعنبر وأما ما يستخبثه # العرب ويسميه باسم حيوان محرم كالخنزير ففيه تعارض الدلائل والتعفف أفضل. # وسئل صلى الله عليه وسلم عن السمن ماتت فيه الفأرة: فقال " ألقوها وما ~~حولها وكلوه " وفي رواية " إذا وقعت الفأرة في السمن فان كان جامدا ms580 فألقوها ~~وما حولها وإن كان مائعا فلا تقربوه ". # أقول: الجيفة وما تأثر من منهاني جميع الأمم والملل فإذا تميز الخبيث من ~~غيره ألقى الخبيث وأكل الطيب وإن لم يمكن التميز حرم كله. ودل الحديث على ~~حرمة كل نجس ومتنجس. # ونهى عليه السلام عن أكل الجلالة وألبانها، أقول ذلك لأنها لما شربت ~~أعضائها النجاسة وانتشرت في جميع أجزائها كان حكمها حكم النجاسات أو حكم من ~~يتعيش بالنجاسات. # قال صلى الله عليه وسلم: # " أحلت لنا ميتتان ودمان أما الميتتان الحوت والجراد والدمان الكبد ~~والطحال "، أقول: الكبد والطحال عضوان من أعضاء بدن البهيمة لكنهما يشبهان ~~الدم فأزاح النبي صلى الله عليه وسلم الشبه فيهما وليس في الحوت والجراد دم ~~مسفوح فلذلك لم يشرع فيهما الذبح، وأمر صلى الله عليه وسلم بقتل الوزغ ~~وسماه فاسقا وقال: " كان ينفخ على إبراهيم " وقال: " من قتل وزغا في أول ~~ضربة كتب له كذا وكذا وفي الثانية دون ذلك وفي الثالثة دون ذلك ". # أقول: بعض الحيوان جبل بحيث يصدر منه أفعال وهيآت شيطانية وهو أقرب ~~الحيوان شبها بالشيطان وأطوعه لوسوسته، وقد علم النبي # صلى الله عليه وسلم أن منه الوزغ ونبه على ذلك بأنه كان ينفخ على إبراهيم ~~لانقياده بحسب الطبيعة لوسوسة الشيطان وإن لم ينفع نفخه في # PageV02P282 # النار شيئا، وإنما رغب في قتله لمعنيين: أحدهما أن فيه دفع ما يؤذي نوع ~~الإنسان فمثله كمثل قطع أشجار السموم من البلدان ونحو ذلك مما فيه جمع ~~شملهم. # والثاني أن فيه كسر جند الشيطان ونقص وكر وسوسته، وذلك محبوب عند الله ~~وملائكته المقربين، وإنما كان القتل في أول ضربة أفضل من قتله في الثانية ~~لما فيه من الحذاقة والسرعة إلى الخير، والله أعلم. # قال الله تعالى: # {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة ~~والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح عن النصب ~~وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق} . # أقول: فالميتة والدم لأنهما نجسان، والخنزير لأنه حيوان مسخ بصورته قوم ~~(وما أهل لغير ms581 الله به) (وما ذبح على النصب) يعني الأصنام قطعا لدابر ~~الشرك، ولأن قبح الفعل يسري في المفعول به و (المنخنقة) وهي التي تخنق ~~فتموت (والمتردية) وهي التي تقع من الأعلى إلى الأسفل (والنطيحة) وهي التي ~~قتلت نطحا بالقرون (وما أكل السبع) فبقي منه لأنه ضبط المذبوح الطيب بما ~~قصد إزهاق الروح باستعمال المحدد في حلقه أو لبته فجر ذلك إلى تحريم هذه ~~الأشياء. # وأيضا فإن الدم المسفوح ينتشر فيه ويتنجس جميع البدن (إلا ما ذكيتم) أي ~~وجدتموه قد أصيب ببعض هذه الأشياء، وفيه حياة مستقرة فذبحتموه فكان إزهاق ~~روحه بالذبح (وأن تستقسموا بالأزلام) أي تطلبوا علم ما قسم لكم من الخير ~~والشر بالقداح التي كان أهل الجاهلية يجيلونها، في أحدها افعل، والثاني لا ~~تفعل، والثالث غفل فإن ذلك افتراء على الله واعتماد على جهل. # ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تصبر بهيمة وعن أكل المصبورة أقول ~~كان أهل الجاهلية يصبرون البهائم ويرمونها بالنبل، وفي ذلك إيلام غير محتاج ~~إليه ولأنه لم يصر قربانا إلى الله ولا شكر به نعم الله. # قال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله كتب الاحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم ~~فأحسنوا الذبحة وليحد احدكم شفرته وليرح ذبيحته ". # PageV02P283 # أقول: في اختيار أقرب طريق لازهاق الروح اتباع داعية الرحمة وهي خلة يرضى ~~بها رب العالمين ويتوقف عليها اكثر المصالح المنزلية والمدنية. # وقال صلى الله عليه وسلم " ما يقطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة " أقول: # " كانوا يجبون أسنمة الابل ويقطعون إليات الغنم وفي ذلك تعذيب ومناقضة ~~لما شرع الله من الذبح، فنهى عنه. # قال صلى الله عليه وسلم: # " من قتل عصفورا فما فوقه بغير حقه سأله الله عز وجل عن قتله، قيل: يا ~~رسول الله وما حقه؟ قال. أن يذبحه فيأكله # ولا يقطع رأسه فيرمى به " أقول: ههنا شيآن متشابهان لا بد من التمييز ~~بينهما: أحدهما الذبح للحاجة واتباع داعية إقامة مصلحة نوع الإنسان. # والثاني السعي في الأرض بفساد نوع الحيوان واتباع ms582 داعية قسوة القلب. # واعلم أنه كان الاصطياد ديدنا للعرب وسيرة فاشية فيهم حتى كان ذلك أحد ~~المكاسب التي عليها معاشهم فأباحه النبي صلى الله عليه وسلم وبين ما في ~~إكثاره بقوله: # " من اتبع الصيد لها ". # وأحكام الصيد تبنى على أنه محمول على الذبح في جميع الشروط إلا فيما يعسر ~~الحفظ عليه ويكون أكثر سعيهم أن اشترط باطلا فيشترط التسمية على إرسال ~~الجارح أو الرمي ونحوها ويشترط أهلية الصائد ولا يشترط الذبح ولا الحلق ~~واللبة وعلى تحقيق ذاتيات الاصطياد كارسال الجارح المعلم قصدا وإلا كان ~~ظفرا بالصيد اتفاقا لا اصطيادا، وكون الجارح لم يأكل منه فإن أكل فأدرك حيا ~~وذكى حل وإلا لا، وذلك تحقيقا لمعنى المعلم وتميزا له مما أكل السبع. # وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أحكام الصيد والذبائح فأجاب ~~بالتخريج على هذه الأصول. # قيل: إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأ كل في آنيتهم؟ وبأرض صيد أصيد بقوسي ~~وبكلبي الذي ليس بمعلم ولكلبي المعلم فما يصلح لي؟ قال صلى الله عليه وسلم: ~~" أما ما ذكرت من آنية أهل الكتاب فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها وإن لم ~~تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله فكل وما صدت بكلبك ~~المعلم فذكرت اسم الله فكل وما صدت بكلبك غير المعلم وأدركت ذكاته فكل ". # قوله صلى الله عليه وسلم: # " فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها ". # PageV02P284 # أقول: ذلك تحريا للمختار وراحة للقلب من الوساوس وقيل: يا رسول الله إنا ~~نرسل الكلاب المعلمة قال صلى الله عليه وسلم: " إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم ~~الله فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه ~~فكله فإن أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه وإن وجدت مع كلبك كلبا غيره وقد ~~قتل فلا تأكل فإنك لا تدري أيهما قتله، قيل: يا رسول الله ارمي الصيد فإني ~~فأجد فيه من الغد سهمي قال صلى الله عليه وسلم: " وإذا رميت سهمك فاذكر اسم ~~الله فإن غاب عنك يوما فلم ms583 تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت وإن وجدته ~~غريقا في الماء فلا تأكل " قيل: " إنا نرمي بالمعراض قال صلى الله عليه ~~وسلم: كل ما خزق وما أصاب بعرضه فقتل فانه وقيذ فلا تأكل، قيل: " يا رسول ~~الله إن هنا أقواما حديث عهدهم بشرك يأتوننا بلحمان لا ندري يذكرون اسم ~~الله عليها أم لا، قال صلى الله عليه وسلم: " اذكروا أنتم اسم الله وكلوا " ~~أقول: أصله أن الحكم على الظاهر، قيل: " إنا لاقوا العدو غدا وليست معنا ~~مدى أفنذبح بالقصب؟ قال صلى الله عليه وسلم: ما أنهر الدم وذكر اسم الله ~~فكل ليس السن والظفر وسأحدثك عنه أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبش " ~~وند بعير فرماه رجل بسهم فحبسه فقال صلى الله عليه وسلم: " إن لهذه الإبل ~~أوابد كأوابد الوحش فإذا غلبكم منها شيء فافعلوا به هكذا " أقول: لأنه صار ~~وحشيا فكان حكمه حكم الصيد. # وسئل صلى الله عليه وسلم عن شاة أبصرت جارية بها موتا فكسرت حجرا فذبحتها ~~فأمر بأكلها. # قيل: " إن من الطعام طعاما أتحرج منه؟ قال لا يختلجن في صدرك شيء، ضارعت ~~فيه النصرانية ". # قيل: " يا رسول ننحر الناقة ونذبح البقر والشاة فنجد في بطنها الجنين ~~أنلقيه أم نأكله؟ قال صلى الله عليه وسلم. كلوه إن شئتم فإن ذكاته زكاة أمه ~~". # PageV02P285 ### | (آداب الطعام) # واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم علم آدابا يتأدبون فيها في الطعام. # قال صلى الله عليه وسلم: " بركة الطعام والضوء قبله والوضوء بعده " وقال ~~صلى الله عليه وسلم: # " كيلوا طعامكم يبارك لكم " وقال عليه السلام: " إذا أكل أحدكم طعاما فلا ~~يأكل من أعلى الصحفة ولكن ليأكل من أسفلها فان البركة تنزل من أعلاها ". # أقول: من البركة أن تشبع النفس، وتقر العين، وينجمع الخاطر، ولا يكون ~~هاعا لاعا كالذي يأكل ولا يشبع. # تفصيل ذلك أنه ربما يكون رجلان عند كل منهما مائة درهم، وأحدهما يخشى ~~العيلة ويطمع في أموال الناس ولا يهتدي لصرف ماله فيما ينفعه في دينه ~~ودنياه، والآخر متعفف يحسبه ms584 الجاهل غنيا مقتصدا في معيشته منجمعا في نفسه. # فالثاني بورك له في ماله، والأول لم يبارك له، ومن البركة أن يصرف الشيء ~~في الحاجة ويكفي عن أمثاله. # تفصيله أنه ربما يكون رجلان يأكل كل واحد رطلا يصرف طبيعة أحدهما إلى ~~تغذية البدن ويحدث في معدة الآخر آفة فلا ينفعه ما أكل بل ربما صار ضارا، ~~وربما يكون لكل منهما مال فيصرف أحدهما في مثل ضيعة كثيرة الريف ويهتدي ~~لتدبير المعاش، والثاني يبذر تبذيرا فلا يقع من حاجته في شيء. # وإن لهيآت النفس وعقائدها مدخلا في ظهور البركة، وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم # : " فمن اخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي لا يأكل ولا يشبع " ~~ولذلك تزلق رجل الماشي على الجذع في الجو دون الأرض فإذا أقبل على شيء ~~بالهمة وأراد به أن يقع كفاية عن حاجته وجمع نفسه في ذلك كان سبب قوه عينه ~~وانجماع خاطره وتعفف نفسه، وربما يسري ذلك إلى الطبيعة فصرفت فيما لا بد ~~منه، فإذا عسل يديه قبل الطعام ونزع النعلين واطمأن في مجلسه وأخذه اعتدادا ~~به وذكر اسم الله أفيضت عليه البركة، وإذا كال الطعام وعرف مقداره واقتصد ~~في صرفه وصرفه على عينه كان أدنى أن يكفيه اقل مما لا يكفي الآخرين، وإذا ~~جعل الطعام بهيئة منكرة تعافها الأنفس ولا تعتد به لأجلها كان أدنى ألا ~~يكفى أكثر مما يكفي الآخرين كيف ولا أظن أن أحدا يخفى عليه أن الإنسان ربما ~~يأكل الرغيف # PageV02P286 # كهيئة المتفكه أو يأكله وهو يمشي ويحدث فلا يجد له بالا ولا يرى نفسه قد ~~اغتدت ولا تشبع به نفسه وإن امتلأت المعدة وربما يأخذ مقدار الرطل جزافا ~~فيكون الزائد يستوي وجوده وعدمه ولا يقع من الحاجة في شيء ويجد الطعام بعد ~~حين وقد ظهر فيه النقصان. # وبالجملة لوجود البركة وعدمها أسباب طبيعية يمد في ضمنها ملك كريم أو ~~شيطان رجيم، وينفخ في هيكلها روح ملكي أو شيطاني، والله أعلم. # أما غسل اليد قبل الطعام ففيه إزالة الوسخ، وأما ms585 غسلها بعده ففيه إزالة ~~الغمر وكراهية ان يفسد عليه ثيابه، أو يخدشه سبع أو تلدغه هامة، وهو قوله ~~صلى الله عليه وسلم: " من بات وفي يده غمر لم يغسله فأصابه شيء فلا يلومن ~~إلا نفسه ". # قال صلى الله عليه وسلم: # " إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه "، وقال صلى الله ~~عليه وسلم: " لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله فإن الشيطان يأكل ~~بشماله ويشرب بشماله ". # وقال صلى الله عليه وسلم: " إن الشيطان يستحل الطعام إلا يذكر اسم الله ~~عليه:. # وقال صلى الله عليه وسلم: " إذا أكل أحدكم فنسي أن يذكر اسم الله على ~~طعامه فليقل بسم الله أوله وآخره " وقال فيمن فعل ذلك: " ما زال الشيطان ~~يأكل معه فلما ذكر اسم الله استقاء ما في بطنه " وقال عليه السلام: " إن ~~الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضر عند طعامه فإذا سقطت من ~~أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى ثم ليأكلها ولا يدعها للشيطان ". # أقول من العلم الذي أعطاه الله نبيه حال الملائكة والشياطين وانتشارهم في ~~الأرض يتلقى هؤلاء من الملأ الأعلى إلهامات خير فيوحونه إلى بني آدم، ~~وينبجس من مزاج الشياطين آراء فاسدة تميل إلى فساد النظامات الفاضلة ومعصية ~~حكم الوقار وما تقتضيه الطبيعة السليمة فيفعلون ذلك ويوحونه إلى أوليائهم ~~من الأنس. # فمن حال الشياطين أنهم إذا تمثلوا في المنام أو اليقظة تمثلوا في بهيآت ~~منكرة تنفر منها الطبائع السليمة كالأكل بالشمال، وكصورة الأجدع ونحو ذلك. # ومنها أنه قد تنطبع في نفوسهم هيآت دنية تنبجس في بني آدم من البهيمية ~~كالجوع والشبق، فإذا حدثت فيهم اندفعوا إلى اختلاط بتلك الحاجات وتلفع بها ~~ومحاكاة ما يفعله الأنس عندها ويتخيلون في ذلك # قضاء تلك الشهوة يقضون بذلك أوطارهم، فيصير # PageV02P287 # الولد الذي حصل من جماع اشترك فيه الشياطين وقضوا عنده وطرهم قليل البركة ~~مائلا إلى الشيطنة، والطعام الذي باشروه وقضوا به وطرهم قليل البركة لا ~~ينفع الناس بل ربما يضرهم وذكر اسم الله والتعوذ بالله مضاد ms586 بالطبع لهم، ~~ولذلك ينخنسون عمن ذكر الله وتعوذ به # وقد اتفق لنا أنه زارنا ذات يوم رجل من أصحابنا فقربنا إليه شيئا، فبينا ~~يأكل إذا سقطت كسرة من يده وتدهدهت في الأرض فجعل يتبعها وجعلت تتباعد عنه ~~حتى تعجب الحاضرون بعض العجب وكابد هو في تتبعها بعض الجهد، ثم إنه أخذها ~~فأكلها فلما كان بعد أيام تخبط الشيطان إنسانا وتكلم على لسانه فكان فيما ~~تكلم أني مررت بفلان وهو يأكل فأعجبني ذلك الطعام فلم يطعمني شيئا فخطفته ~~من يده فنازعني حتى أخذه مني. # وبينا يأكل أهل بيتنا أصول الجزر إذا تدهده بعضها فوثب عليه إنسان فأخذه ~~وأكله فأصابه وجع في صدره ومعدته ثم تخبطه الشيطان فأخبر على لسانه أنه كان ~~أخذ ذلك المتدهدة، وقد قرع أسماعنا شيء كثير من هذا النوع حتى علمنا أن هذه ~~الأحاديث ليست من باب إرادة المجاز وإنما أريد بها حقيقتها، والله أعلم. # قال صلى الله عليه وسلم: " إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ~~ليطرحه فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء " وفي رواية " وإنه يتقى ~~بجناحيه الذي فيه الداء " وأعلم أن الله تعالى خلق الطبيعة في الحيوان ~~مدبرة لبدنه فربما دفعت المواد المؤذية التي لا تصلح أن تصير جزء البدن من ~~أعماق البدن إلى أطرافه ولذلك نهى الأطباء عن أكل أذناب الدواب # فالذباب كثيرا ما يتناول أغذية فاسدة لا تصلح جزءا للبدن فتدفعها الطبيعة ~~إلى أخس عضو منه كالجناح، ثم إن ذلك العضو لما فيه من المادة السمية يندفع ~~إلى الحك ويكون أقدم أعضائه عند الهجوم في المضايق، ومن حكمة الله تعالى ~~أنه لم يجعل في شيء سما إلا جعل فيه ترياقيه لتحفظ بها بينه الحيوان، ولو ~~ذكرنا هذا المبحث من الطب لطال الكلام. وبالجملة فسم لسع الذباب في بعض ~~الأزمنة وعند تناول بعض الأغذية محسوس معلوم وتحرك العضو الذي تندفع إليه ~~المادة اللذاعة معلوم، وأن الطبيعة يختفي فيها ما يقاوم مثل هذه المواد ~~المؤذية معلوم فما الذي يستبعد من هذا ms587 المبحث. # وما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان ولا في سكرجة ولا خبز له ~~مرقق ولا رأى # PageV02P288 # شاة سميطا بعينه قط. ولا أكل متكئا. وما رأى منخلا كانوا يأكلون الشعير ~~غير منخول. # اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث في العرب وعاداتهم أوسط العادات ~~ولم يكونوا يتكلفون تكلف العجم والأخذ بها أحسن وأدنى ألا يتعمقوا في ~~الدنيا ولا يعرضوا عن ذكر الله، وأيضا أحسن لأصحاب الملة من أن يتبعوا ~~إمامها في كل نقير وقطمير. # قال صلى الله عليه وسلم: إن المؤمن يأكل في معى واحد والكافر يأكل في ~~سبعة أمعاء ". # أقول: معناه أن الكافر همه بطنه والمؤمن همه آخرته وأن الحرى # بالمؤمن أن يقلل الطعام وأن تقليله خصلة من خصال الإيمان وأن شرة الأكل ~~خصلة من خصال الكفر. # ونهى صلى الله عليه وسلم أن يقرن الرجل بين تمرتين. # أقول: النهي عن القران يحتمل وجوها: منها أنه لا يحسن المضع عند جمع ~~تمرتين وأنه أدنى أن تؤذيه إحدى النواتين لنقصان ضبطهما بخلاف النواة ~~الواحدة. # ومنها أن ذلك هيئة من هيآت الشره والحرص. # ومنها أنه استئثار على أصحابه ومظنة أن يكرهه أصحابه ويزول هذا المعنى ~~بالاذن. # قال صلى الله عليه وسلم: " لا يجوع أهل بيت عندهم تمر "، وقال عليه ~~السلام: " بيت لا تمر فيه جياع أهله " وقال عليه الصلاة والسلام: " نعم ~~الادام الخل ". # أقول من تدبير المنزل أن يدخر في بيته شيئا تافها يجده رخيصا في السوق ~~كالتمر في المدينة وأصول الجزر ونحوها في سواد بلادنا فإن وجد طعاما يشتهيه ~~فيها إلا كان الذي عنده كفافا لهم وسترا فان لم يفعلوا ذلك كانوا على شرف ~~الجوع وكذلك حال الادام. # قال صلى الله عليه وسلم: " من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا " وأتى بقدر ~~فيه خضرات لها رائحة فقال، لبعض اصحابة: " كل فاني أناجي من لا تناجي ". # أقول: الملائكة تحب من الناس النظافة والطيب وكل شيء يهيج خلق # التنظيف وتتنفر من أضداد ذلك، وفرق النبي صلى الله عليه وسلم بين ms588 ما كان ~~هو شريعة المحسنين المتلعلع فيهم أنوار الملكية وبين غيرهم. # PageV02P289 # قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله يرضى من العبد أن يأكل الأكلة فيحمده ~~عليها ويشرب الشربة ويحمده عليها " قد مر سره. # وقد روى عن الحمد صيغ أيها فعل فقد أدى السنة: منها الحمد لله حمدا كثيرا ~~طيبا مباركا فيه غير مكفى ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا ". # ومنها الحمد الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين. # ومنها الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجا. # ولما كانت الضيافة بابا من أبواب السماحة وسببا لجمع شمل المدينة والملة ~~مؤديا إلى تودد الناس وألا يتضرر أبناء السبيل وجب أن تعد من الزكاة ويرغب ~~فيها ويحث عليها، وقال صلى الله عليه وسلم: " من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فليكرم ضيفه " ثم مست الحاجة إلى تقدير مدة الضيافة لئلا يحرج الضيف ~~أو يعد القليل منها كثيرا فقدر الاكرام بيوم وليلة وهو الجائزه وجعل آخر ~~الضيافة ثلاثة أيام ثم بعد ذلك صدقة. ### | المسكرات # واعلم أن إزالة العقل بتناول المسكر يحكم العقل بقبحه لا محالة إذ فيه ~~تردى النفس في ورطة البهيمية والتبعد من الملكية في الغاية وتغيير خلق الله ~~حيث أفسد عقله الذي خص الله به نوع الإنسان ومن به عليهم وإفساد المصلحة ~~المنزلية والمدنية وإضاعة المال والتعرض لهيآت منكرة يضحك منها الصبيان. # وقد جمع الله تعالى كل هذه المعاني تصريحا أو تلويحا في هذه الآية # {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة} الآية. # ولذلك اتفق جميع الملل والنحل على قبحه بالمرة، وليس الأمر كما يظنه من ~~لا بصيرة له من أنه حسن بالنظر إلى الحكمة العملية لما فيه من تقوية ~~الطبيعة فإن هذا الظن من باب اشتباه الحكمة الطيبة بالحكمة العملية، والحق ~~أنهما متغايرتان وكثيرا ما يقع بينهما تجاذب وتنازع كالقتال يحرمه الطب لما ~~فيه من التعرض لفك البنية الإنسانية الواجب حفظها في الطب، وربما أوجبته ~~الحكمة العملية إذا كان فيه صلاح المدينة أو دفع عار شديد، وكالجماع يوجبه ~~الطب عند التوقان وخوف ms589 التأذي من تركه، وربما حرمته الحكمة العملية إذا كان ~~فيه عار أو منابذة سنة راشدة. # PageV02P290 # وأهل الرأي من كل أمة وكل قرن يذهبون إلى ترجيح المصلحة على الطب ويرون ~~من لا يتحراها ولا يتقيد بها ميلا إلى صحة الجسم فاسقا ماجنا مذموما مقبوحا ~~لا اختلاف لهم في ذلك، وقد علمنا الله تعالى ذلك حيث قال: # {فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} # نعم تناول المسكر إذا لم يبلغ حد الاسكار ولم تترتب عليه المفاسد يختلف ~~فيه أهل الرأي، والشريعة القومية المحمدية - التي هي الغاية في سياسة ~~الأمة. وسد الذرائع. وقطع احتمال التحريف - نظرت إلى أن قليل الخمر يدعوا ~~إلى كثيرها، وأن النهي على المفاسد من غير أن ينهى عن ذات الخمر لا ينجع ~~فيهم، وكفى شاهدا على ذلك ما كان في المجوس وغيرهم وأنه أن فتح باب الرخصة ~~في بعضها لم تنظيم السياسة الملية أصلا فنزل التحريم إلى نوع الخمر قليلها ~~وكثيرها. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومتباعها وعاصرها ومعتصرها ~~وحاملها والمحمولة إليه ". # أقول: لما تعينت المصلحة في تحريم شيء وإخماله ونزل القضاء بذلك وجب أن ~~ينهى عن كل ما ينوه أمره ويروجه في الناس ويحملهم عليه فإن ذلك مناقضة ~~للمصلحة ومناوأة بالشرع. # وقد استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أحاديث ~~كثيرة من طرق لا تحصى وعبارات مختلفة، فقال: الخمر من هاتين الشجرتين ~~النخلة والعنبه " وأجاب صلى الله عليه وسلم من سأل عن البتع والمزر ~~وغيرهما، فقال: " كل شراب أسكر فهو حرام " وقال عليه الصلاة والسلام: # " كل مسكر خمر وكل مسكر حرام وما أسكر كثيره فقليله حرام وما أسكر منه ~~الفرق فملء الكف منه حرام "، وقال: " من شاهد # نزول الآية إنه قد نزل تحريم الخمر وهي من خمسة أشياء العنب. والتمر. ~~والحنطة. والشعير. والعسل والخمر ما خامر العقل " وقال: " لقد حرمت الخمر ~~حين حرمت " وما نجد خمر الأعناب إلا قليل وعامة خمرنا البسر والتمر وكسروا ms590 ~~دنان الفضيخ حين نزلت وهو الذي يقتضيه قوانين # PageV02P291 # التشريع فإنه لا معنى من للخصوصية العنب وإنما المؤثر في التحريم كونه ~~مزيلا للعقل يدعو قليله إلى كثيره فيجب به القول، ولا يجوز لأحد اليوم أن ~~يذهب إلى تحليل ما اتخذ من غير العنب، واستعمل أقل من حد الإسكار. # نعم كان ناس من الصحابة والتابعين لم يبلغهم الحديث في أول الأمر فكانوا ~~معذورين، ولما استفاض الحديث وظهر الأمر - ولا كرابعة النهار - وصح حديث " ~~ليشر بن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها " لم يبقى عذر " أعاذنا الله ~~تعالى والمسلمين من ذلك. # وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر تتخذ خلا؟ قال: " لا وقيل ~~إنما أصنعها للدواء فقال: " إنه ليس بدواء ولكنه داء ". # أقول: لما كان الناس مولعين بالخمر وكانوا يتحيلون لها حيلا لم تتم ~~المصلحة إلا بالنهي عنها على كل حال لئلا يبقى عذر لأحد ولا حيلة. # ونهى صلى الله عليه وسلم عن خليط التمر والبسر، وعن خليط الزبيب والتمر، ~~وعن خليط الزهو والرطب أقول: السر في ذلك أن الإسكار يسرع إليه بسبب الخلط ~~قبل أن يتغير طعمه فيظن الشارب أنه ليس بمسكر ويكون مسكرا. # وكان صلى الله عليه وسلم يتنفس في الشراب ثلاثا ويقول: " إنه أروى وأبرأ ~~وأمرأ " أقول: ذلك لأن المعدة إذا وصل إليها الماء قليلا قليلا صرفته ~~الطبيعة إلى ما يهمها وإذا هجم عليها الماء الكثير تحيرت في تصريفه ~~والمبرود إذا لفى في معدته الماء أصابته البرودة لضعف قوته من مزاحمة القدر ~~الكثير بخلاف ما إذا تدرج، والمحرور إذا ألقى على معدته ماء دفعة حصلت ~~بينهما المدافعة ولم تتم البرودة، وإذا ألقى شيئا فشيئا وقعت المزاحمة أولا ~~ثم ترجحت البرودة. # ونهى صلى الله عليه وسلم عن الشارب من في السقاء وعن اختناث الأسقية ~~أقول: وذلك لأنه إذا ثنى فم القربة فشرب منه فإن الماء يتدفق وينصب في في ~~حلقه # PageV02P292 # حقله دفعة، وهو يورث الكباد، ويضر بالمعدة ولا يتميز عنده في دفق الماء ~~وانصبابه القذاه ونحوها. # ويحكى أن ms591 إنسان شرب من في السقا فدخلت حية في جوفه. # ونهى عليه السلام أن يشرب الرجل قائما، وروى أنه صلى الله عليه وسلم شرب ~~قائما أقول: هذا النهي نهي إرشاد وتأديب فإن الشرب قاعدا من الهيآت الفاضلة ~~وأقرب لجموع النفس والري وأن تصرف الطبيعة الماء في محله أما الفعل فلبيان ~~الجواز. # وقال عليه السلام: # " الأيمن فالأيمن " أقول أراد بذلك قطع المنازعة فإنه لو كانت السنة ~~تقديم الأفضل ربما لم يكن الفضل مسلما بينهم وربما يجدون في أنفسهم من ~~تقديم غيرهم حاجة. # ونهى صلى الله عليه وسلم أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه أقول. ذلك لئلا ~~يقع في الماء من فمه أو أنفه ما يكرهه فيحدث هيئة منكرة. # قال صلى الله عليه وسلم: " سموا إذا أنتم شربتم واحمدوا إذا أنتم رفعتم " ~~قد مر سره. ### | (اللباس. والزينة. والأواني ونحوها) # اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى عادات العجم وتعمقاتهم في ~~الاطمئنان بلذات الدنيا فحرم رءوسها وأصولها، وكره ما دون ذلك، لأنه علم أن ~~ذلك مفض إلى نسيان الدار الآخرة مستلزم للإكثار من طلب الدنيا. # فمن تلك الرءوس اللباس الفاخر فإن ذلك أكبر همهم وأعظم فخرهم، والبحث عنه ~~من وجوه. # منها الاسبال في القيص والسراويلات فإنه لا يقصد بذلك الستر والتجمل ~~اللذين هما المقصودان في اللباس، وإنما يقصد به الفخر وإراءة الغني نحو ~~ذلك، والتجمل ليس إلا في القدر الذي يساوي البدن، قال صلى الله عليه وسلم: ~~" لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا، وقال صلى الله عليه وسلم ~~إزاره المؤمن إلى أنصاف ساقيه لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين وما ~~أسفل من ذلك ففي النار ". # PageV02P293 # ومنها الجنس المستغرب الناعم من الثياب. # قال صلى الله عليه وسلم: " من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه يوم القيامة ~~" وسره مثل ما ذكرنا في الخمر # ونهى صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير والديباج وعن لبس القسى # والمياثر والأرجوان، ورخص في موضع إصبعين أو ثلاثة لأنه ليس من باب ~~اللباس ms592 وربما تقع الحاجة إلى ذلك، ورخص للزبير. وعبد الرحمن بن عوف في لبس ~~الحرير لحكمة بهما لأنه لم يقصد حينئذ به الإرفاه وإنما قصد الاستشفاء. # ومنها الثوب المصبوغ بلون مطرب يحصل به الفخر والمراءاة؛ فنهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن المعصفر والمزعفر، وقال: " إن هذه من ثياب أهل النار ~~" وقال صلى الله عليه وسلم: " ألا طيب الرجال ريح لا لون له وطيب النساء ~~لون لا ريح له " ولا اختلاف بين قوله صلى الله عليه وسلم: # " إن البذاذة من الإيمان " وقال صلى الله عليه وسلم: # " من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة "، وقال ~~صلى الله عليه وسلم: " من ترك لبس ثوب جمال تواضعا كساه الله حلة الكرامة " ~~وبين قوله صلى الله عليه وسلم: " أن الله يحب أن يرى اثر نعمته على عبده " ~~ورأى رجلا شعثا، فقال: " ما كان يجد هذا ما يسكن به رأسه " ورأى رجلا عليه ~~ثياب وسخة فقال: " ما كان يجد هذا ما يغسل به ثوبه ". # وقال صلى الله عليه وسلم: " إذا أتاك الله ما لا فأثر نعمة الله وكرامته ~~عليك " لأن هنالك شيئين مختلفين في الحقيقة قد يشتبهان بادئ الرأي: أحدهما ~~مطلوب، والآخر مذموم، فالمطلوب ترك الشح، ويختلف باختلاف طبقات الناس، ~~فالذي هو في الملوك شح ربما يكون إسرافا في حق الفقير، وترك عادات البدو ~~واللاحقين بالبهائم واختيار النظافة ومحاسن العادات، والمذموم الامعان في ~~التكلف والمراءاة والتفاخر بالثياب وكسر قلوب الفقراء ونحو ذلك، وفي ألفاظ ~~الحديث إشارات إشارة إلى هذه المعاني كما لا يخفى على المتأمل، ومناط الأجر ~~ردع النفس عن اتباع داعية الغمط والفخر. # وكان صلى الله عليه وسلم إذا استجد ثوبا سماه باسمه عماقة أو قميصا أو ~~رداء ثم يقول: " اللهم لك الحمد كما كسوتنيه أسألك خيره وخير ما صنع له ~~وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له " وقد مر سره من قبل. # PageV02P294 # ومن تلك الرءوس الحلي المترفة، وههنا أصلان: أحدهما أن الذهب هو الذي ~~يفاخر به العجم ms593 ويفضي جريان الرسم بالتحلي به إلى الإكثار من طلب الدنيا ~~دون الفضة ولذلك شدد النبي صلى الله عليه وسلم في الذهب، وقال: " ولكن ~~عليكم بالفضة فالعبوا بها ". # والثاني أن النساء أحوج إلى تزين ليرغب فيهن أزواجهن، ولذلك جرت عاده ~~العرب والعجم جميعا بأن يكون تزينهن أكثر من تزينهم فوجب أن يرخص لهن أكثر ~~مما يرخص لهم، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم. # " أحل الذهب والحرير للأناث من أمتي وحرم على ذكورها ". # وقال صلى الله عليه وسلم. في خاتم ذهب في يد رجل. " يعمد أحدكم إلى جمر ~~من نار فيجعله في يده " ورخص عليه السلام في خاتم الفضة لا سيما لذي سلطان، ~~قال. " ولا تتمه مثقالا " ونهى صلى الله عليه وسلم النساء عن غير المقطع من ~~الذهب وهو ما كان قطعة واحدة كبيرة، قال صلى الله عليه وسلم. # " من أحب أن يحلق حبيبه حلقة من النار فليحلقه حلقة من ذهب " وذكر على ~~هذا الأسلوب الطوق السوار. وكذا جاء التصريح بقلادة من ذهب، وخرص من ذهب. ~~وسلسلة من ذهب، وبين المعنى في هذا الحكم حيث قال: " أما إنه ليس منكن ~~امرأة تحلي ذهبا تظهره إلا عذبت به " وكان لأم سلمة رضي الله عنها أوضاع من ~~ذهب، والظاهر # أنها كانت مقطعة، وقال صلى الله عليه وسلم: # " حل الذهب للاناث " معناه الحل في الجملة. # هذا ما يوجبه مفهوم هذه الأحديث ولم أجد لها معارضا، ومذهب الفقهاء في ~~ذلك معلوم مشهور والله أعلم بحقيقة الحال. # ومنها التزين بالشعور فان الناس كانوا مختلفين في أمرها، فالمجوس كانوا ~~يقصون اللحى ويوفرون الشوارب، وكانت سنة الأنبياء عليهم السلام خلاف ذلك، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: # " خالفوا المشركين، وفروا اللحى واحفوا الشوارب ". # وكان ناس يحبون التشعث والتمهن والهيئة البذة ويكرهون التجمل والتزين. ~~وناس # PageV02P295 # يتعمقون في التجمل ويجعلون ذلك أحد وجوه الفخر وغمط الناس، فكان إخمال ~~مذهبهم جميعا ورد طريقهم أحد المقاصد الشرعية، فان مبنى الشرائع على التوسط ~~بين المنزلتين، والجمع بين المصلحتين. # وقال رسول الله: # " الفطرة خمس: الختان. والاستحداد. ms594 وقص الشارب. وتقليم الأظافر. ونتف ~~الابط " ثم مست الحاجة إلى توقيت ذلك ليمكن الإنكار على من خالف السنة ~~ولئلا يصل المتورع إلى الحلق والنتف كل يوم، والمتهاون إلى تركها سنة فوقت ~~قص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الابط وحلق العانة ألا يترك أكثر من أربعين ~~ليلة. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن اليهود والنصارى لا يصبغون " وكان أهل الكتاب يسدلون، والمشركون ~~يفرقون، فسدل النبي صلى الله عليه وسلم # ناصيته ثم فرق بعد، فالسدل أن يرخي ناصيته على وجهه، وهي هيئة بذة، ~~والفرق أن يجعله ضفيرتين يرسل كل ضفيرة إلى صدغ. # ونهى صلى الله عليه وسلم عن القزع. # أقول: السر فيه أنه من هيآت الشياطين، وهو نوع من المثلة تعافها الأنفس ~~إلا القلوب المؤفة باعتيادها، وقال صلى الله عليه وسلم: # " من كان له شعر فليكرمه، ونهى عن الترجل إلا غبا يريد التوسط بين ~~الافراط والتفريط. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات ~~خلق الله " ولعن صلى الله عليه وسلم # المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال، أقول: الأصل ~~في ذلك ان الله خلق كل نوع وصنف متقيضيا لظهور أحكام في البدن كالرجال ~~تلتحي وكالنساء يصغين إلى نوع من الطرب والخفة، فاقتضاؤها للأحكام لمعنى في ~~المبدأ هو بعينه كراهية أضدادها، ولذلك كان المرضي بقاء كل نوع # PageV02P296 # وصنف على ما تقتضيه فطرته وكان تغيير الخلق سببا للعن، ولذلك كره النبي ~~صلى الله عليه وسلم إنزاء الحمير لتحصيل البغال. # فمن الزينة ما يكون كالتقوية لفعل الطبيعة والتوطئة له والتمشية إياه ~~كالكحل والترجل وهو محبوب، ومنها ما يكون كالمباين لفعلها كاختيار الإنسان ~~هيئة الدواب وما يكون تعمقا في إبداع ما لا تقتضيه الطبيعة، وهو غير محبوب ~~إذا خلى الانسان وفطرته عدة مثله. # ومنها صناعة التصاوير في الثياب والجدران والأنماط، فنهى عنها النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ومدار النهي شيآن: أحدهما أنها أحد وجوه الإرفاه والزينة ~~فانهم كانوا يتفاخرون بها ويبذلون أموالا خطيرة فيها فكانت كالحرير وهذا ~~المعنى موجود في ms595 صورة الشجر وغيرها. # وثانيهما أن المخامرة بالصور واتخاذها وجريان الرسم بالرغبة فيها يفتح ~~باب عبادة الأصنام وينوه أمرها ويذكرها لأهلها، وما نشأت عبادة الأصنام في ~~أكثر الطوائف إلا من هذه، وهذا المعنى يختص بصورة الحيوان ولذلك أمر بقطع ~~راس التماثيل لتصير كهيئة الشجر، وخف فساد صناعة صور الأشجار، قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة " وقال صلى الله عليه وسلم: ~~" كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفسا يعذبه في جهنم " وقال صلى ~~الله عليه وسلم: # " من صور صورة عذب وكلف أن ينفخ فيها وليس بنافخ ". # أقول: لما كانت التصاوير فيها معنى الأصنام وقد تحقق في الملأ الأعلى ~~داعية غضب ولعن على الأصنام وعبدتها وجب أن يتنفر منها الملائكة، وإذا حشر ~~الناس يوم القيامة بأعمالهم تمثل عمل المصور بالنفوس التي تصورها في نفسه ~~وأراد محاكاتها في عمله لأنها أقرب ما هنالك وظهر إقدامه على المحاكاة، ~~وسعيه أن يبلغ فيها غاية المدى في صورة التكليف بأن ينفخ فيها الروح وليس ~~بنافخ. # ومنها الاشتغال بالمسليات وهي ما يسلي النفس عن هم آخرته ودنياه ويضيع ~~الأوقات كالمعازف والشطرنج واللعب بالحمام واللعب بتحريش البهائم ونحوها؛ ~~فان الانسان إذا اشتغل بهذه الأشياء لها عن طعامه وشرابه وحاجته، وربما كان ~~حاقنا لا يقوم للبول فان جرى الرسم بالاشتغال بها صار الناس كلا على ~~المدينة، ولم يتوجهوا إلى إصلاح نفوسهم. # واعلم أن الغناء والدف في الوليمة ونحوها عادة العرب والعجم وديدنهم، # وذلك لما يقتضيه الحال من الفرح والسرور فليس ذلك من المسليات إنما ميزان ~~المسليات ما كان في زمانه صلى الله عليه وسلم في الحجاز وفي القرى العامرة، ~~لا مكان الاشتغال به زائدا على الفرح والسرور المطلوبين كالمزامير. # PageV02P297 # قال صلى الله عليه وسلم: # " من لعب بالنردشير فقد عصى الله ورسوله " وقال صلى الله عليه وسلم # : من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه " وقال صلى الله ~~عليه وسلم: # " ليكونن أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف " وقال ms596 صلى ~~الله عليه وسلم: # " أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف " فالملاهي نوعان. محرم وهي الآلات ~~المطربة كالمزامير، ومباح وهو الدف والغناء في الوليمة ونحوهما من حادث ~~سرور. # وأما الحداء فهو في الأصل ما يقصد به تهيج الابل، لكن المراد هنا مطلق ~~النشيد مع تأليف الألحان والإيقاع فهو مباح فإنه من المباسطات دون ~~المسليات. # وأما اللعب بآلات كالمناضلة. وتأديب الفرس. واللعب بالرماح فليس من اللعب ~~في الحقيقة لما فيه من مقصود شرعي، وقد لعبت الحبشة بالحراب والدرق بين يدي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده ". # وقال صلى الله عليه وسلم لرجل يتبع حمامة: # " شيطان يتبع شيطانه " ونهى عليه السلام صلى الله عليه وسلم عن التحريش ~~بين البهائم. # ومنها اقتناء عدد كثير من الدواب والفرش لا يقصد بذلك كفاية الحاجة بل ~~مراءاة الناس والفخر عليهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " فراش للرجل. وفراش لامرأته. والثالث للضيف. والرابع للشيطان " وقال صلى ~~الله عليه وسلم: # " يكون إبل للشياطين وبيوت للشياطين، قال أبو هريرة # رضي الله عنه: أما أبل الشياطين فقد رأيتها يخرج أحدكم بنجيبات معه قد ~~أسمنها ولا يعلوا بعيرا آمنها ويمر بأخيه قد انقطع به فلا يحمله ". # وكان أهل الجاهلية مولعين باقتناء الكلاب - جمع كلب - وهو حيوان ملعون ~~تتأذى منه الملائكة فإن له مناسبة بالشياطين كما قلنا في الوزغ، فحرم النبي ~~صلى الله عليه وسلم اقتناءها، وقال: # " من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو صيدا أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط ~~" وفي رواية قيراطان " وفي حكم الكلاب القردة والخنازير. # أقول: السر في انتقاص أجره أنه يمد البهيمية ويقهر الملكية، والقيراط خرج ~~مخرج المثل، يريد به الجزاء القليل ولذلك لم يكن بين قوله صلى الله عليه ~~وسلم. قيراطان. وقوله قيراط مناقضة. # ومنها استعمال أواني الذهب والفضة، قال صلى الله عليه وسلم: " الذي يشرب ~~في إناء الفضة إنما # PageV02P298 # يجر جر في بطنه نار جهنم ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فانها ms597 لهم في ~~الدنيا ولكم في الآخرة " وقد ذكرنا من قبل ما ينكشف به سره. # وقال صلى الله عليه وسلم خمروا الآنية وأوكلوا الأسقية وأجيفوا الأبواب ~~واكفتوا صبيانكم عند المساء فان للجن انتشارا وخطفة وأطفئوا المصابيح عند ~~الرقاد فان الفويسقة ربما اجترت الفتيلة فأحرقت أهل البيت " وفي رواية فان ~~الشيطان " لا يحل سقا ولا يفتح باب ولا يكشف إناء " وفي رواية " فان في ~~السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه ~~وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء ". # أقول: أما انتشار الجن عند المساء فلكونهم ظلمانيين في أصل الفطرة فيحصل ~~لهم عن انتشار الظلمة ابتهاج وسرور فينتشرون، وأما إن الشيطان لا يحل وكاء ~~فلأن اكثر تأثيراتها على ما أدركنا في ضمن الأفعال الطبيعية كما أن الهواء ~~إذا دخل في البيت دخل الجني معه وإذا تدهده الحجر وأمد في تدهده تدهده أكثر ~~مما تقتضيه العادة ونحو ذلك، وأما إن في السنة ليلة ينزل فيها الوباء، ~~فمعناه أنه يجيء بعد زمان طويل وقت يفسد فيه الهواء. # وقد شاهدت ذلك مرة أحسست بهواء خبيث أصابني صداع في ساعة ما وصل إلي ثم ~~رأيت كثيرا من الناس قد مرضوا واستعدوا لحدث ومرض في تلك الليلة. # ومنها التطاول في البنيان وتزويق البيوت وزخرفتها فكانوا يتكلفون في ذلك ~~غاية التكلف ويبذلون أموالا خطيرة فعالجه النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالتغليظ الشديد، فقال: # " ما أنفق المؤمن من نفقة إلا أجر فيها إلا نفقته في هذا التراب "، وقال ~~صلى الله عليه وسلم: " إن كل بناء وبال على صاحبه إلا ما لا إلا ما لا " ~~يعني إلا ما لا بد منه، وقال صلى الله عليه وسلم: " ليس لولي - أو ليس لنبي ~~- أن يدخل بيتا مزوقا "، وقال عليه الصلاة والسلام: " إن الله لم يأمرنا أن ~~نكسوا الحجارة والطين ". # وكان الناس قبل النبي صلى الله عليه وسلم يتمسكون في أمراضهم وعاهاتهم ~~بالطب والرقى، وفي تقدمة المعرفة بالفأل. والطيرة، والحظ - وهو الرمل - ~~والكهانة. والنجوم. وتعبير الرؤيا، ms598 وكان في بعض ذلك ما لا ينبغي، فنهى عنه ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأباح الباقي. # فالطب حقيقته التمسك بطبائع الأدوية الحيوانية أو والنباتية أوالمعدنية. ~~والتصرف # PageV02P299 # في الأخلاط نقصا وزيادة، والقواعد الملية تصحح إذ ليس فيه شائبة شرك ولا ~~فساد في الدين والدنيا بل فيه نفع كبير، وجمع لشمل # الناس إلا المداداة بالخمر إذ للخمر ضراوة لا تنقطع، والمداواة بالخبيث ~~أي السم ما أمكن العلاج بغيره فانه ربما أفضى إلى القتل، والمداواة بالكي ~~ما أمكن بغيره لأن الحرق بالنار أحد الأسباب التي تنفر منها الملائكة، ~~والأصل فيما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من المعالجات التجربة التي ~~كانت عند العرب. # وأما الرقي فحقيقتها التمسك بكلمات لها تحقق في المثل وأثر، والقواعد ~~الملية لا تدفعها ما لم يكن فيها شرك لا سيما إذا كان من القرآن أو السنة ~~أو مما يشبههما من التضرعات إلى الله. # والعين حق وحقيقتها تأثير إلمام نفس العائن وصدمة تحصل من إلمامها ~~بالمعين، وكذا نظرة الجن وكل حديث فيه نهي عن الرقى والتمائم والتولة ~~محمولة على ما فيه شرك أو انهماك في التسبب بحيث يغفل عن البارى جل شأنه. # وأمال الفأل والطيرة فحقيقتهما أن الأمر إذا قضى به في الملأ الأعلى ربما ~~تلونت بلونه وقائع جبلت على سرعة الانعكاس، فمنها الخواطر، ومنها الألفاظ ~~التي يتفوه بها من غير قصد متعد به وهي أشباح الخواطر الخفية التي يقصد ~~إليها بالذات، ومنها الوقائع الجوية فإن أسبابها في الأكثر من الطبيعة ~~ضعيفة وإنما تختص بصورة دون صورة بأسباب فلكية أو انعقاد أمر في الملأ ~~الأعلى وكان العرب يستدلون بها على ما يأتي وكان فيه تخمين وإثارة وسواس بل ~~ربما كانت مظنة للكفر بالله وإن لم كطمح الهمة إلى الحق فنهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن الطيرة، وقال: # " خيرها الفأل " يعنى كلمة صالحة يتكلم بها إنسان صالح فإنها أبعد من تلك ~~القبائح، ونفي العدوى لا بمعنى نفي أصلها لكن العرب يظنونها سببا مستقلا ~~وينسبون التوكل رأسا، والحق # أن سببية ms599 هذه الأسباب إنما تتم إذا لم ينعقد قضاء الله على خلافه لأنه ~~إذا انعقد أئمه الله من غير أن ينخرم النظام، والتعبير عن هذه النكتة بلسان ~~الشرع أنها أسباب عادية لا عقلية، والهامة تفتح باب الشرك غالبا، وكذلك ~~الغول فهذا عن الاشتغال بهذه الأمور لأن هذه ليست حقيقة ألبتة، كيف ~~والأحاديث متظاهرة على ثبوت الجن وتردده في العالم. # PageV02P300 # وعلى ثبوت اصل العدوى. وعلى ثبوت اصل الشؤم في المرأة والفرس والدار، فلا ~~جرم أن المراد نفيها من حيث جواز الاشتغال بها ومن حيث أنه لا يجوز ~~المخاصمة في ذلك فلا يسمع خصومة من ادعى على أحد على أنه قتل إبله وأمرضها ~~بادخال الابل المريضة عليها ونحو ذلك كيف وأنت خبير بأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نهى عن الكهانة وهي الاخبار عن الجن أشد نهي وبرئ ممن أتى كاهنا، ~~ثم لما سئل عن حال الكهان أخبر. أن الملائكة تنزل في العنان فتذكر الأمر قد ~~قضي في السماء فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهان فيكذبون ~~معها مائة كذبة، يعني أن الأمر إذا تقرر في الملأ الأعلى ترشح منه رشحات ~~على الملائكة السافلة التي استعدت للإلهام فربما أخذ منهم بعض أذكياء الجن، ~~ثم تتلقى الكهان منهم بحسب مناسبات جبلية وكسبية فلا [تشكن أن النهي ليس ~~معتمدا على عدمها في الخارج بل على كونها مظنة للخطأ والشرك والفساد] كما ~~قال عز من قائل: # {قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} . # أما الأنواء والنجوم فلا يبعد أن يكون لهما حقيقة ما فإن الشرع إنما # أتى بالنهي عن الاشتغال به لانفى الحقيقة ألبتة وإنما توارث السلف الصالح ~~ترك الأشتغال به وذم المشتغلين وعدم القبول بتلك التأثيرات لا القول بالعدم ~~أصلا، وإن منها ما يلحق البديهيات الأولية كاختلاف الفصول باختلاف أحوال ~~الشمس والقمر ونحو ذلك. # ومنها ما يدل عليه الحدس والتجربة والرصد كمثل ما تدل هذه على حرارة ~~الزنجبيل وبرودة الكافور، ولا يبعد أن يكون تأثيرها على وجهين: وجه يشبه ~~الطبائع فكما أن ms600 لكل نوع طبائع مختصة به من الحر والبرد واليبوسة والرطوبة ~~بها يتمسك في دفع الأمراض فكذلك للأفلاك والكواكب طبائع وخواص كحر الشمس ~~ورطوبة القمر فإذا جاء ذلك الكوكب في محله ظهرت قوة في الأرض ألا تعلم أن ~~المرأة إنما اختصت بعادات النساء وأخلاقهن الشيء يرجع إلى طبيعتها وإن خفي ~~إدراكها، والرجل إنما اختص بالجراءة والجهورية ونحوهما لمعنى في من مزاجه " ~~فلا تنكر أن يكون لحلول قوى الزهرة والمريخ وبالأرض أثر كأثر هذه الطبائع ~~الخفية ". # وثانيهما وجه يشبه قوة روحانية متركبة مع الطبيعة وذلك مثل قوة نفسانية ~~في الجنين من قبل أمه وأبيه، والمواليد بالنسبة إلى السموات والأرضيين ~~كالجنين بالنسبة إلى أبيه وأمه فتلك القوة تهيئ العالم لفيضان صورة حيوانية ~~ثم إنسانية. # ولحلول تلك القوى بحسب الاتصالات الفلكية أنواع ولكل نوع خواص فأمعن # PageV02P301 # قوم في هذا العلم فحصل لهم علم النجوم يتعرفون له الوقائع الآتية غير أن ~~القضاء إذا انعقد على خلافه جعل قوة الكوكب متصورة بصورة أخرى قريبة من تلك ~~الصورة وأتم الله قضاءه من غير أن ينخرم نظام الكواكب في خواصها ويعبر عن ~~هذه النكتة بأن الكواكب خواصها يجري عادة الله لا باللزوم العقلي، ويشبه ~~بالأمارات والعلامات، ولكن # الناس جميعا توغلوا في هذا العلم توغلا شديدا حتى صار مظنة لكفر الله ~~وعدم الإيمان فعسى ألا يقول صاحب توغل هذا العلم: مطرنا بفضل الله ورحمته ~~من صميم قلبه بل يقول: مطرنا بنو كذا وكذا فيكون ذلك صادا عن تحققه الإيمان ~~الذي هو الأصل في النجاة. # وأما علم النجوم فإنه لا يضر جهله إذ الله مدبر للعالم على حسب حكمته على ~~علم أحد أو لم يعلم فلذلك وجب في الملة أن يخمل ذكره وينهى عن تعلمه ويجهر ~~بأن " من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد " ومثل ذلك ~~مثل التوراة والإنجيل شدد النبي صلى الله عليه وسلم على من من أراد أن ينظر ~~فيهما لكونهما محرفين ومظنة لعدم الانقياد للقرآن العظيم ولذلك نهوا عنه. # هذا ما أدى ms601 إليه رأينا وتفحصنا فإن ثبت من السنة ما يدل على خلاف ذلك ~~فالأمر على ما في السنة. # وأما الرؤيا فهي على خمس أقسام: بشرى من الله. وتمثل نوراني من للحمائد ~~والرذائل المندرجة من النفس على وجه ملكي وتخويف من الشيطان. وحديث نفس من ~~قبل العادة التي اعتادتها النفس في اليقظة تحفها المتخيلة ويظهر في الحس ~~المشترك ما اختزن فيها. وخيالات طبيعية لغلبة الاخلاط وتنبه النفس بأذاها ~~في البدن # أما البشرى من الله فحقيقتها أن النفس الناطقة إذا انتهزت فرصة عن # غواشي البدن بأسباب خفية إلا يكاد يتفطن لها لآ بعد تأمل واف استعدت لأن ~~يفيض عليها من منبع الخير والجود كمال علمي فأفيض عليه شيء على حسب ~~استعداده ومادته العلوم المخزونة عنده. # وهذه الرؤيا تعليم إلهي كالمعراج المنامي الذي رأى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيه ربه في أحسن صورة فعلمه الكفارات والدرجات وكالمعراج المنامي الذي ~~انكشف فيه صلى الله عليه وسلم أحوال # PageV02P302 # الموتى بعد انفكاكهم عن الحياة الدنيا كما رواه جابر بن سمرة رضي الله ~~عنه وكعلم ما سيكون من الوقائع الآتية في الدنيا. # وأما الروؤيا الملكية فيحققها أن في الإنسان ملكمات حسنة وملكات قبيحة ~~ولكن لا يعرف حسنها وقبحها إلا المتجرد إلى الصورة الملكية فمن تجرد إليها ~~تظهر حسناته وسيآته في صورة مثالية فصاحب هذا يرى الله تعالى، وأصله ~~الانقياد للبارى، ويرى الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصله الانقياد للرسول ~~المركوز في صدره، ويرى الأنوار وأصلها الطاعات المكتسبة في صدره وجوارحه ~~تظهر في صورة الأنوار والطيبات كالعسل والسمن واللبن، فمن رأى الله أو ~~الرسول أو الملائكة في صورة قبيحة أو في صورة الغضب فليعرف أن في اعتقاده ~~خللا وضعفا وأن نفسه لم تتكمل، وكذلك الأنوار التي حصلت بسبب الطهارة تظهر ~~في صورة الشمس والقمر. # وأما التخويف من الشيطان فوحشه وخوف من الحيوانات الملعونة كالقرد، ~~والفيل. والكلاب. والسودان من الناس فإذا رأى ذلك فليتعوذ بالله وليتفل ~~ثلاثا على يساره وليتحول عن جنبه الذي كان عليه. # وأما البشرى فلها تعبير ms602 والعمدة فيه معرفة الخيال أي شيء مظنة لأي معنى ~~فقد ينتقل الذهن من المسمى إلى الاسم كرؤية النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~كان في دار عقبة بن رافع فأتى برطب ابن طاب " قال # عليه الصلاة والسلام: " فأولت أن الرفعة لنا في الدنيا والعافية في ~~الآخرة وأن ديننا قد طاب. # وقد ينتقل الذهن من الملابس إلى ما يلابسه كالسيف للقتال، وقد ينتقل ~~الذهن من الوصف إلى جوهر مناسب له كمن غلب عليه حب المال رآه النبي صلى ~~الله عليه وسلم في صورة سوار من ذهب. # وبالجملة فللانتقال من شيء إلى شيء صور شتى، وهذه الرؤيا شعبة من النبوة ~~لأنها ضرب من إفاضة غيبية وتدل من الحق إلى الخلق وهو أصل النبوة، وأما ~~سائر أنواع الرؤيا فلا تعبير لها. # PageV02P303 ### | (آداب الصحبة) # اعلم أنه مما أوجبت سلامة الفطر ووقوع الحاجات في أشخاص الإنسان ~~والارتفاق منها آداب يتأدبون بها فيما بينهم، وأكثرها أمور اجتمعت طرائف ~~العرب والعجم على أصولها وإن اختلفوا في الصور والأشباح، فكان البحث عنها ~~وتميز الصالح من الفاسد منها إحدى المصالح التي بعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم لها. # فمنها التحية التي يحيي بها بعضهم بعضا؛ فإن الناس يحتاجون إلى إظهار ~~التبشيش فيما بينهم. وأن يلاطف بعضهم بعضا. ويرى الصغير فضل الكبير ويرحم ~~الكبير الصغير. ويواخى الأقران بعضهم بعضا؛ فإنه لولا هذه لم تثمر الصحبة ~~فائدتها ولا أنتجت جدولها ولو لم تضبط بلفظ لكانت من الأمور الباطنة لا ~~يعلم إلا استنباطا من القرائن، ولذلك جرت سنة السلف في كل طائفة بتحية ~~حسبما أدى إليه رأيهم ثم صارت شعارا لملتهم وإمارة لكون الرجل منهم. # فكان المشركون يقولون: أنعم الله بك علينا وأنعم الله بك صبحا # وكان المجوس يقولون: هز إرسال برزي. # وكان قانون الشرع يقتضي أن يذهب في ذلك إلى ما جرت به سنة الأنبياء عليهم ~~السلام وتلقوها عن الملائكة. # وكان من قبيل الدعاء والذكر دون الاطمئنان بالحياة الدنيا كتمني طول ~~الحياة وزيادة الثروة ودون الافراط في التعظيم حتى يتاخم الشرك ms603 # كالسجدة ولئم الأرض وذلك هو السلام، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لما خلق الله آدم قال: اذهب فسلم على أولئك النفر وهم نفر من الملائكة ~~جلوس فاستمع ما يحينوك يحيونك لله فإنها تحيتك وتحية ذريتك فذهب فقال: ~~السلام عليكم فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، قال: فزادوه ورحمة لله. # قوله: " فسلم على أولئك " معناه - والله أعلم - حيهم حسبما يؤدي إليه ~~اجتهادك فأصاب الحق، فقال: " السلام عليكم " وقوله: " فانها تحيتك " يعنى ~~حتما من حيث إنه عرف أن ذلك مترشح من حظيرة القدس. # PageV02P304 # وقال الله تعالى في قصة الجنة: {سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء ~~إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم ". # أقول: بين النبي صلى الله عليه وسلم فائدة السلام وسبب مشروعيته فإن ~~التحابب في الناس خصلة يرضاها الله تعالى وإفشاء السلام آلة صالحة لإنشاء ~~المحبة. وكذلك المصافحة. وتقبيل اليد ونحو ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: # " يسلم الصغير على الكبير والمار على القاعد والقليل على الكثير " وقال ~~صلى الله عليه وسلم # : " يسلم الراكب على الماشي ". # أقول: الفاشي في طوائف الناس أن يحي الداخل صاحب البيت والحقير العظيم ~~فأبقاه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك غير أنه مر عليه السلام على غلمان ~~فسلم عليهم. ومر على نسوة فسلم عليهن علما منه أن في رؤية الإنسان فضل من ~~هو أعظم منه واشرف جمعا لشمل المدينة، وأن في ذلك نوعا من الاعجاب بنفسه ~~فجعل وظيفة الكبار التواضع ووظيفة # الصغار توقير الكبار، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: # " من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا فليس منا ". # وإنما جعل وظيفة الراكب السلام على الماشي لأنه أهيب عند الناس وأعظم في ~~نفسه فتأكد له التواضع. # قال صلى الله عليه وسلم " # : لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في الطريق ~~فاضطروه إلى أضيفة، أقول: سره أن إحدى المصالح التي بعث النبي صلى الله ~~عليه ms604 وسلم لها التنويه بالملة الإسلامية وجعلها أعلى الملل وأعظمها لا ~~يتحقق إلا بأن يكون لهم طول على سواهم. # وقال صلى الله عليه وسلم فيمن قال. " السلام عليكم عشر، وفيمن زاد ورحمة ~~الله عشرون، وفيمن زائد أيضا وبركاته ثلاثون، وأيضا ومغفرته أربعون، وقال: ~~هكذا تكون الفضائل ". # أقول: سر الفضل ومناطه أنه تتميم لما شرع الله له السلام من التبشيش. ~~والتألف. والموادة. والدعاء والذكر. وإحالة الأمر على الله. # PageV02P305 # وقال صلى الله عليه وسلم: # " يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم ~~" أقول: وذلك لأن الجماعة واحدة في المعنى وتسليم واحد منهم يدفع الوحشة ~~ويودد بعضهم بعضا. # قال صلى الله عليه وسلم: # " إذا انتهى أحدكم إلى مجلس فليسلم فإن بدا له أن يجلس فليجلس ثم إذا قام ~~فليسلم فليست الأولى بأحق من الآخرة " # أقول: سلام الوداع فيه فوائد؛ منها التمييز بين قيام المتاركة والكراهية، ~~وقيام الحاجة على نية العود لمثل تلك الصحبة، ومنها أن يتدارك المتدارك بعض ~~ما كان يقصده ويهمه من الحديث ونحو ذلك، ومنها ألا يكون ذهابه من التسلل، ~~والسر في المصافحة، وقوله: مرحبا بفلان ومعانقة القادم ونحوها أنها زيادة ~~في المودة والتبشيش ورفع الوحشة والتدابر. # قال صلى الله عليه وسلم: # " إذا التقى المسلمان فتصافحا حمدا لله واستغفراه غفر لهما " أقول: وذلك ~~لأن التبشيش فيما بين المسلمين توادهم وتلاطفهم وإشاعة ذكر الله فيما بينهم ~~يرضى بها رب العالمين. # وأما القيام فاختلفت فيه الأحاديث، فقال صلى الله عليه وسلم: # " من سره أن يتمثل له الرجل قياما فليتبوأ مقعده من النار # " وقال صلى الله عليه وسلم: " لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم ~~بعضا " وقال صلى الله عليه وسلم في قصة سعد: # " قوموا إلى سيدكم " وكانت فاطمة رضي الله عنها إذا دخلت على النبي صلى ~~الله عليه وسلم قام إليها فأخذ بيدها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وإذا دخل ~~صلى الله عليه وسلم عليها قامت وأخذت بيده فقبلته وأجلسته في مجلسها. # أقول: وعندي أنه لا اختلاف فيها في ms605 الحقيقة فإن المعاني التي يدور عليها ~~الأمر والنهي مختلفة فإن العجم كان من أمرهم أن تقوم الخدم بين أيدي سادتهم ~~والرعية بين أيدي ملوكهم وهو من إفراطهم في التعظيم حتى كاد يتاخم الشرك ~~فنهوا عنه، وإلى هذا وقعت الإشارة في قوله عليه السلام: " كما يقوم الأعاجم ~~". # وقوله عليه السلام: # " من سره أن يتمثل " يقال: مثل بين يديه مثولا إذا انتصب قائما للخدمة، ~~أما إذا كان تبشيشا له واهتزازا اليه وإكراما وتطبيبا لقلبه من غير أن ~~يتمثل بين يده فلا بأس فانه لا يتاخم الشرك. # وقيل " يا رسول الله الرجل منا يلقى أخاه أينحني له؟ قال: لا " # PageV02P306 # وسببه أنه يشبه الركوع في الصلاة فكان بمنزلة سجدة التحية. # قال الله تعالى: # {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا ~~على أهلها} # وقال تعالى الله: # {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا ~~الحلم منكم ثلاث مرات} # إلى قوله تعالى {كما استأذن الذين من قبلكم} فقوله (تستأنسوا) أي ~~تستأذنوا أقول: إنما شرع الاستئذان لكراهية أن يهجم الإنسان على عورات ~~الناس وان ينظر منهم ما يكرهون، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في بعض ~~حديثه: " إنما جعل الاستئذان لاجل البصر " فكان من حقه أن يختلف باختلاف ~~الناس. # فمنهم الأجنبي الذي لا مخالطة بينهم وبينه، ومن حقه ألا يدخل حتى يصرح ~~بالاستئذان ويصرح له بالأذن، ولذلك علم النبي صلى الله عليه وسلم كلدة ابن ~~الحنبل رجلا من بني عامر أن يقول: " السلام عليكم أأدخل، قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " الاستئذان ثلاث فاذا اذن لك وإلا فارجع. # ومنهم ناس أحرار ليسوا بالمحارم لكن بينهم خلطة وصحبة فاستئذانهم دون ~~استئذان الأولين، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود: " إذنك ~~على أن ترفع الحجاب وأن تستمع سوادى حتى أنهاك " # ومنهم صبيان ومماليك لا يجب الستر منهم فلا استئذان لهم إلا في أوقات جرت ~~العادة فيها بوضع الثياب، وإنما خص الله تعالى هذه الأوقات الثلاث لأنها ~~وقت ولوج الصبيان ms606 والمماليك بخلاف نصف الليل مثلا. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " رسول الرجل إلى الرجل إذنه " وذلك لأنه عرف بدخوله لما أرسل إليه. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من ~~تلقاء وجهه لكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، فيقول: " السلام عليكم السلام ~~عليم " وذلك لأن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور. # ومنها آداب الجلوس. والنوم. والسفر. ونحوها، قال صلى الله عليه وسلم: " ~~لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن يقول: تفسحوا وتوسعوا " # PageV02P307 # أقول: وذلك لأنه يصدر من كبر وإعجاب بنفسه ويجد به الآخر وحرا وضغينة ~~وقال صلى الله عليه وسلم: من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به " أقول: ~~سبق إلى مجلس أبيح له من مسجد أو رباط أوبيت فقد تعلق حقه به فلا يهيج حتى ~~يستغني عنه كالموات " وقد مر هنالك. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " لا يحل للرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما ". # أقول: وذلك لأنهما ربما يجتمعان لمسارة ومناجاة فيكون الدخول بينهما ~~تنغيصا عليهما، وربما يتآنسان فيكون الجلوس بينهما إيحاشا لهما. # قال صلى الله عليه وسلم: " لا يستلقين أحدكم ثم يضع إحدى رجليه على ~~الأخرى " ورؤى صلى الله عليه وسلم في المسجد مستلقيا واضعا إحدى # قدميه على الأخرى أقول. كان القوم يأتزرون والمؤتزر إذا رفع إحدى رجليه ~~على الأخرى لا يأمن أن تنكشف عورته فإن كان لابس سراويل أو يأمن انكشاف ~~عورته فلا بأس في ذلك. # وقال صلى الله عليه وسلم للمضطجع على بطنه: " أن هذه ضجعة يبغضها الله ". ~~أقول وذلك لأنها من الهيآت المنكرة القبيحة. # وقال صلى الله عليه وسلم: " من بات على ظهر بيت ليس عليه حجاب فقد برئت ~~منه الذمة " أقول. وذلك لأنه تعرض لاهلاك نفسه وألقى نفسه إلى التهلكة، وقد ~~قال الله تعالى: # {ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة} # وقال صلى الله عليه وسلم: # " ملعون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم من قعد وسط الحلقة " قيل: ~~المراد منه الماجن الذي ms607 يقيم نفسه مقام السخرية ليكون ضحكة وهو عمل من ~~أعمال الشيطان، ويحتمل أن يكون المعنى أن يدبر على طائفة ويقبل على ناحية ~~فيجد بعضهم في نفسه من ذلك كراهية. # واختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال صلى الله عليه وسلم: # " للنساء استأخرن فانه ليس لكن أن تحققن الطريق عليكن بحافات الطريق ~~فكانت المرأة تلصق بالجدار ". # ونهى صلى الله عليه وسلم أن يمشي الرجل بين امرأتين. # أقول وذلك خوفا من أن يمس الرجل امرأة ليست بمحرم أو ينظر إليها. # PageV02P308 # قال صلى الله عليه وسلم # : إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله وليقل أخوه أو صاحبه يرحمك الله فليقل: ~~يهديكم الله ويصلح بالكم " وفي رواية " وإن لم يحمد الله فلا تشمتوه " وقال ~~صلى الله عليه وسلم: # " شمت أخاك ثلاثا فما زاد فهو زكام " أقول: إنما شرع الحمد عند العطسه ~~لمعنيين: أحدهما أنه من الشفاء وخروج الأبخرة الغليظة من الدماغ، وثانيهما ~~أنه سنة آدم عليه السلام وهو معرف لكونه تابعا لسنن الأنبياء عليهم السلام ~~جامع العزيمة على ملتهم وكذلك وجب التشميت وكان من حقوق الإسلام، وإنما سن ~~جواب التشميت لأنه من مقابلة الإحسان بالإحسان. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إنما التثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليردده ما استطاع فان أحدكم ~~إذا تثاءب ضحك منه الشيطان ". # أقول: وذلك لأن التثاؤب ناشئ عن كسل الطبيعة وغلبة الملال والشيطان يجد ~~في ضمن ذلك فرصة وفتح الفم وصوت هاه يضحك منه الشيطان لأنه من الهيآت ~~المنكرة. # قال صلى الله عليه وسلم: # " إذا تثاءب أحكم فليمسك بيده على فمه فإن الشيطان يدخله " أقول: الشيطان ~~يهيج ذبابا أو بقة فيدخل في فمه وربما تشنج أعصاب وجهه وقد راينا ذلك. # قال صلى الله عليه وسلم: # " لو يعلم الناس ما في الوحده ما أعلم ما سار راكب بليل وحده " أقول. ~~أراد عليه السلام كراهية التهور والاقتحام في المهالك من غير ضرورة أما بعث ~~الزبير رضي الله عنه وحده طليعة فلمكان ضروري. # قال صلى الله عليه وسلم: # " لا تصحب الملائكة رفقة فيها ms608 كلب ولا جرس " وقال صلى الله عليه وسلم. # " الجرس مزامير الشيطان ". # أقول. الصوت الحديد الشديد يوافق الشيطان وحزبه ويكرهه الملائكة لمعنى ~~يعطيه مزاجهم. # وقال صلى الله عليه وسلم: " إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حقها من ~~الأرض. # وإذا سافرتم في السنة فأسرعوا عليها السير. وإذا عرستم بالليل فاجتنبوا ~~الطريق فانها طريق الدواب ومأوى الهوام في بالليل ". # أقول: هذا كله ظاهر. # قال صلى الله عليه وسلم: # " السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه فإذا قضى # PageV02P309 # نهمته من وجهه فليعجل إلى أهله " أقول. يريد عليه السلام كراهية أن يتبع ~~محقرات الأمور فيطيل مكثه لأجلها. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلا ". أقول: كثيرا ما يتنفر ~~الإنسان نفرة طبيعية من أجل التشعث ونحوه فيكون سببا لتنغيص حالهم. # ومنها آداب الكلام قال رسول الله: " أخنى الأسماء يوم القيامة عند الله ~~رجل يسمى ملك الأملاك " وقال: " لا ملك إلا الله " وقال صلى الله عليه وسلم ~~في التكنية بأبي الحكم: " إن الله هو الحكم وإليه الحكم ". أقول: إنما نهى ~~عن ذلك لأنه إفراط في التعظيم يتاخم الشرك. # قال صلى الله عليه وسلم: # " لا تسمين غلامك يسارا ولا رباحا ولا نجيحا ولا أفلح فإنك نقول: أثم هو؟ ~~فلا يكون، فيقول: لا ". # وقال جابر رضي الله عنه: أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينهى أن يسمى ~~بيعلي. وببركة. وبأفلح. وبيسار. وبنافع. ونحو ذلك، ثم رأيته سكت بعد أن ~~عنها ثم قبض ولم ينه عن ذلك أقول: سبب كراهية التسمية بهذه الأسماء أنها ~~تفضي إلى هيئة منكرة هي في الأقوال بمنزلة الأجدع ونحوه في الأفعال، وهو ~~قوله عليه السلام: # " الأجدع شيطان ". # ووجه الجمع بين الحديثين أنه لم يعزم في النهي ولم يؤكد ولكنه نهى نهي ~~إرشاد بمنزلة المشورة، أو ظهرت مخايل النهي، فقال الراوي نهى اجتهادا منه، ~~ومن حفظ حجة على من لم بحفظ. # وأرى أن هذا الوجه أوفق لفعل الصحابة رضي الله عنهم فإنهم لم يزالوا ~~يسمون بهذه الأسماء. ms609 # قال صلى الله عليه وسلم: # " سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي فإني إنما جعلت قاسما أقسم بينكم " أقول: ~~لو كان أحد يسمى باسم النبي صلى الله عليه وسلم: لكان مظنة أن تشتبه ~~الأحكام ويدلس في # PageV02P310 # نسبتها ورفعها، فإذا قيل: قال أبو القاسم ظن أن الآمر هو النبي صلى الله ~~عليه وسلم وربما كان المراد غيره. # وأيضا ربما يسب الرجل باسمه أو يذم بقلبه في الملاحاة فإن كان مسمى باسم ~~النبي كان في ذلك هيئة منكرة. # ثم هذا المعنى أكثر تحققا في الكنية منه في العلم لوجهين: أحدهما أن ~~الناس كانوا ممنوعين شرعا وممتنعين ديدنا من أن ينادوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم باسمه وكان المسلمون ينادون يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل ~~الذمة يقولون: يا أبا القاسم. # وثانيهما أن العرب كانوا لا يقصدون بالاسم التشريف ولا التحقير، وأما ~~الكنى فكانوا يقصدون بها أحد الأمرين كأبي الحكم. وأبي جهل ونحو ذلك. # وإنما كنى النبي صلى الله عليه وسلم بأبي القاسم لأنه قاسم فكان تكنية ~~غيره بها كالتسوية معه. # وإنما رخص النبي صلى الله عليه وسلم لعلي أن يسمي ولده باسمه بعده ويكنيه ~~بكنيته لارتفاع الالتباس والتدليس بانقراض القرن. # قال الرسول صلى الله عليه وسلم: " لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي كلكم عبيد ~~الله وكل نسائكم إماء الله ولكن ليقل غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي ولا يقل ~~العبد ربي ولكن ليقل سيدي ". # أقول: التطاول في الكلام والازدراء بالناس منشؤه الإعجاب والكبر وفيه كسر ~~قلوب الناس، وأيضا فلما عبر في الكتب الإلهية عن النسبة التي هي للخلق إلى ~~الخالق بالعبيده والربية كان إطلاقها فيما بينهم سوءأدب # قال صلى الله عليه وسلم: " لا تقولوا الكرم ولكن قالوا العنب والحبلة ولا ~~تقولوا يا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر، وقال الله تعالى: " يؤذيني ابن ~~آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار ". # أقول: لما نهى الله تعالى عن الخمر ووضع أمرها اقتضى ذلك أن يمنع عن كل ~~ما ينوه أمرها ويخيل حسنها إليهم والعنب ms610 مادة الخمر وأصلها، وكان العرب ~~كثيرا ما يسمونها بنت كرم ويروجونها بذلك. # وكان أهل الجاهلية ينسبون الوقائع إلى الدهر وهذا نوع من الشرك، # وأيضا ربما يريدون بالدهر مقلب الدهر، فالسخط راجع إلى الله وأن أخطأوا ~~في العنوان. # PageV02P311 # قال صلى الله عليه وسلم: " لا يقولن أحدكم خبثت نفسي ولكن ليقل لقست نفسي ~~" أقول: الخبث كثير ما يستعمل في الكتب الإلهية بمعنى خبث الباطن وسوء ~~السريرة فهذه الكلمة بمنزلة الهيآت الشيطانية. # وقال صلى الله عليه وسلم في زعموا: " بئس مطية الرجل " أقول: يريد كراهية ~~أن يذكر الأقاويل من غير تثبت. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان وقولوا ما شاء الله ثم شاء فلان " ~~أقول: التسوية في الذكر توهم التسوية في المنزلة فكان إطلاق مثل هذه اللفظة ~~سوء أدب. # واعلم أن التنطع والتشدق. والتقعر في الكلام. والإكثار من الشعر. ~~والمزاح. وتزجية الوقت بأسمار ونحوها إحدى المسليات التي تشغل عن الدين ~~والدنيا وما يقع به التفاخر والمراءة فكان حالها كحال عادات العجم فكرهها ~~النبي صلى الله عليه وسلم وبين ما في ذلك من الآفات، ورخص فيما لا يتحقق ~~فيه معنى الكراهية وإن أشتبه بادى الرأي. # قال صلى الله عليه وسلم: # " هلك المتنطعون قالها ثلاثا " وقال صلى الله عليه وسلم # : " الحياء والعي شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق " ~~أقول: يريد ترك البذاء. والتقعر. والتطاول في الكلام. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن أحبكم إلي وأقربكم مني يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا وإن أبغضكم إلي ~~وأبعدكم مني أساوئكم أخلاقا الثرثارون المتشدقون المتفيهقون "، وقال صلى ~~الله عليه وسلم: # " بقد رأيت - أو أمرت - أن أتجوز في القول وفإن الجواز هو خير " وقال صلى ~~الله عليه وسلم: " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا يريه خيرا من أن يمتلئ شعرا " ~~وقال صلى الله عليه وسلم لحسان: # " إن روح القدس ما لا يزال يؤيدك ما # PageV02P312 # نافحت عن الله ورسوله " وقال عليه السلام: " إن المؤمن يجاهد بسيفه ~~ولسانه والذي نفسي بيده فكأنما ترمونهم به نضح النبل ms611 ". # وقد ذكرنا في الاحسان من أصول آفات اللسان ما يتضح به أحاديث حفظ اللسان ~~كقوله صلى الله عليه وسلم: # " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت " وقوله عليه ~~الصلاة والسلام. " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " أتدرون ما الغيبة؟ ذكر أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما ~~أقول؟ قال. إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته ". # وقال العلماء يستثنى من تحريم الغيبة أمور ستة: التظلم لقوله تعالى: # {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} . # والاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب كاخبار زيد ابن أرقم ~~بقول عبد الله بن أبي. وإخبار ابن مسعود بقول الأنصار في مغانم حنين. ~~والاستفتاء كقول هند: إن أبا سفيان رجل شحيح، وتحذير المسلمين من الشر ~~كقوله صلى الله عليه وسلم: # " بئس أخو العشيرة " وكجرح المجروحين وكقوله صلى الله عليه وسلم: # " أما معاوية فصعلوك، وأما أبو الجهم فلا يضع العصا عن عاتقه " والتنفير ~~من مجاهر بالفسق كقوله صلى الله عليه وسلم: # " لا أظن فلانا وفلانا يعرفان من أمرنا شيئا " والتعريف كالأعمش. ~~والأعرج.، وقالوا: الكذب يجوز إذا كان تحصيل المقصود لا يمكن إلا به، وهو ~~قوله صلى الله عليه وسلم # " ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا ". ### | (ومما يتعلق بهذا المبحث أحكام النذور والايمان) # والجملة في ذلك أنها من ديدن الناس وعادتهم عربهم وعجمهم إلا تجد واحدة ~~من الأمم لا تستعملها في مظانها فوجب البحث عنها. # PageV02P313 # وليس النذر من أصول البر ولا الإيمان، ولكن إذا أوجب الإنسان على نفسه ~~وذكر اسم الله عليه وجب ألا يفرط في جنب الله وفيما ذكر عليه اسم الله، ~~ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: # " لا تنذروا فإن النذر لا يغني من القدر شيئا وإنما يستخرج به من البخيل ~~" يعني أن الإنسان إذا أحيط به ربما يسهل عليه إنفاق شيء فإذا أنقذه الله ~~من تلك المهلكة كان كأن ms612 لم يمسه ضر قط، فلا بد من شيء يستخرج به ما التزمه ~~على نفسه مما يؤكد عزيمته وينوه نيته. # والحلف على أربعة أضرب: يمين منعقدة وهي اليمين على مستقبل متصور عاقدا ~~عليه قلبه، وفيها قوله تعالى: # {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} . # ولغو اليمن قول الرجل: لا والله. وبلى والله من غير قصد، وأن يحلف على ~~شيء يظنه كما حلف متبين بخلافه، وفيها قوله تعالى. # {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} . # واليمين الغموس وهي التي يحلفها كاذبا عاملا ليقتطع بها مال امرئ مسلم ~~وهي من الكبائر. # واليمين على مستحيل عقلا كصوم أمس، والجمع بين الضدين، أو عادة كإحياء ~~الميت وقلب الأعيان. # واختلف في الضربين اللذين ليس فيهما نص هل فيهما كفارة؟ قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " لا تحلفوا بآبائكم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت " وقال صلى الله ~~عليه وسلم: # " من حلف بغير الله فقد أشرك ". # أقول: الحلف باسم شيء لا يتحقق حتى يعتقد فيه عظمة وفي اسمه بركة، ~~والتفريط في جنبه وإهمال ما ذكر اسمه عليه إثما. # قال صلى الله عليه وسلم: # " من حلف فقال في حلفه: باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال ~~لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق " # أقول: اللسان ترجمان القلب ومقدمته ولا يتحقق تهذيب القلب حتى يؤاخذ بحفظ ~~اللسان. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو ~~خير ". # PageV02P314 # وقال عليه الصلاة والسلام لأن بلج: " إن يلاج أحدكم بيمينه في أهله آثم ~~له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه " أقول: كثيرا ما يحلف ~~الإنسان على شيء فيضيق على نفسه وعلى الناس وليست تلك من المصلحة، وإنما ~~شرعت الكفارة منهية لما يجده المكلف على نفسه. # وقال صلى الله عليه وسلم: " يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك " أقول: قد ~~يحتال لاقتطاع مال امرئ المسلم بأن يتأول في اليمين فيقول مثلا والله ليس ~~في يدي من مالك شيء يريد ليس في يدي ms613 شيء وإن كان في تصرفي وقبضي، وهذا محله ~~الظالم. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " من حلف فقال: إن شاء الله لم يحنث ". # أقول: حينئذ لم يتحقق عقد القلب ولا جزم النية وهو المعنى في الكفارة، ~~قال الله تعالى: # {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ~~فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير ~~رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} . # أقول: قد مر سر وجوب الكفارة من قبل فراجع. # والنذر على أقسام: النذر المبهم، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: # " كفارة النذر إن لم يسم كفارة اليمين ". # والنذر المباح، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: أوف بنذرك " بلا وجوب لما ~~يأتي من قصة أبي إسرائيل. # ونذر طاعة في موضع بعينه أو بهيئة بعينها، وفيه قصة أبي إسرائيل نذر أن ~~يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه " وقصة من نذر أن ينحر إبلا ~~ببوانة ليس بها وثن ولا عيد لأهل الجاهلية. قال: # " أوف بنذرك ". # ونذر المعصية، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: # " من نذر نذرا في معصية فكفارته كفارة يمين ". # ونذر مستحيل، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: # " من نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين " والأصل في هذا الباب أن ~~الكفارة شرعت منهية للاثم مزيلة لما حاك في صدره فمن نذر بطاعة فليفعل ومن ~~نذر غير ذلك ووجد في صدره حرجا وجبت الكفارة، والله أعلم. # PageV02P315 ### | (من أبواب شتى) # قد فرغنا والحمد لله رب العالمين عما أردنا إيراده في هذا الكتاب وشرطناه ~~على أنفسنا، ولا استوعب المذكور جميع ما هو مكنون في صدورنا من أسرار ~~الشريعة فليس كل وقت يسمح القلب بمضمونات السرائر وينفع اللسان بمكنونات ~~الضمائر، ولا كل حديث يثنى للعامة ولا كل شيء يحسن ذكره بغير تمهيد ~~مقدماته، ولا استوعب ما جمع الله في صدورنا جميع ما أنزل على قلب النبي ms614 صلى ~~الله عليه وسلم وكيف يكون لمورد الوحي ومنزل القرآن نسبة مع رجل من أمته ~~هيهات ذلك، ولا استوعب ما جمع الله في صدره صلى الله عليه وسلم جميع ما عند ~~الله تعالى من الحكم والمصالح المرعية في أحكامه تعالى، وقد أوضح عن ذلك ~~الخضر عليه السلام حيث قال، ما نقص علمي وعلمك إلا كما نقص هذا العصفور من ~~البحر. فمن هذا الوجه ينبغي أن يعرف فخامة أمر المصالح المرعية في الأحكام ~~الشرعية وأنها لا منتهى لها، وأن جميع ما يذكر فيها غير واف بواجب حقها. ~~ولا كاف بحقيقة شأنها ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله، ونحن الآن نشتغل ~~بشيء من اليسر. و ### | الفتن # . والمناقب على التيسير دون الاستيعاب، والله الموفق والمعين، وإليه ~~المرجع والمآب. ### | (سير النبي صلى الله عليه وسلم) # نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد ~~مناف بن قصي، نشأ من أفضل العرب نسبا وأقواهم شجاعة وأوفرهم سخاوة وأفصحهم ~~لسان وأذكاهم جنانا، وكذلك الأنبياء عليهم السلام لا تبعث إلا في نسب ~~قومها، فإن الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، وجودة الأخلاق يرثها الرجل من ~~آبائه ولا يستحق النبوة إلا الكاملون في الأخلاق. # PageV02P316 # وقد أراد الله ببعثهم أن يظهر الحق ويقيم بهم الأمة العوجاء ويجعلهم ~~أئمة، والأقرب لذلك أهل النسب الرفيع واللطف مرعى في أمر الله، وهو قوله ~~تعالى: # {الله أعلم حيث يجعل رسالته} . # ونشأ معتدلا في الخلق والخلق، كان ربعة ليس بالطويل ولا بالقصير. ولا ~~الجعد القطط. ولا البسط كان جعدا رجلا، ولم يكن بالمطهم. ولا بالمكلثم، ~~وكان في وجهه تدوير، ضخم الرأس واللحية شئن الكفين والقدمين مشربا حمرة. ~~ضخم الكراديس. قوي البطش والباءة. أصدق الناس لهجة # وألينهم عريكة من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، أشد الناس ~~تواضعا مع كبر النفس وأرفقهم بأهل بيته وخدمه، خدمه أنس رضي الله عنه عشر ~~سنين فما قال له أف ولا لم صنعت؟ ولا ألا صنعت؟ وإن كانت الأمة من ms615 إماء أهل ~~المدينة لتأخذ بيده فتنطلق به حيث شاءت. # وكان يكون في مهنة أهله ولم يكن فاحشا ولا لعانا ولا سبابا. # وكان يخصف نعله ويخيط ثوبه ويحلب شاته مع كونه ذا عزيمة نافذة قيله القيل ~~لا يغلبه أمر ولا تفوته مصلحة. # وكان أجود الناس وأصبرهم على الأذى وأكثرهم رحمة بالناس لا يصل إلى أحد ~~منه شر لا من يده ولا من لسانه إلا أن يجاهد في سبيل الله. # وكان الزمهم باصلاح تدبير المنزل ورعاية الأصحاب وسياسة المدينة بحيث لا ~~يتصور فوقه يعرف لكل شيء قدره. # PageV02P317 # وكان دائم النظر إلى الملكوت مستهترا بذكر الله يحس ذلك من فلتات لسانه ~~وجميع حالاته مؤيدا من الغيب مباركا يستجاب دعاؤه وتفتح عليه العلوم من ~~حظيرة القدس ويظهر منه المعجزات من وجوه استجابة الدعوات وانكشاف خبر ~~المستقبل وظهور البركة فيما يبرك عليه. # وكذلك الأنبياء صلوات الله عليهم يجبلون على هذه الصفات ويندفعون إليها ~~فطرة فطرهم الله عليها. # ذكره إبراهيم عليه السلام في دعائه وبشر بفخامة أمره، وبشر به موسى وعيسى ~~عليهما السلام وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم. # ورأت أمه كأن نورا خرج منها فأضاء الأرض فعبرت بوجود ولد مبارك يظهر دينه ~~شرقا وغربا وهتفت الجن وأخبرت الكهان والمنجمون بوجوده وعلو أمره ودلت ~~الواقعات الجوية كانكسار شرفات كسرى على شرفه وأحاطت به دلائل النبوة كما ~~أخبر هرقل قيصر الروم ورأوا آثار البركة عند مولده وإرضاعه وظهرت الملائكة ~~فشقت عن قلبه فملأنه إيمانا وحكمة، وذلك بين عالم المثال والشهادة فلذلك لم ~~يكن الشق عن القلب إهلاكا وقد بقي منه أثر المخيط وكذلك كل ما اختلط فيه ~~عالم المثال والشهادة. # ولما خرج به أبو طالب إلى الشام فرآه الراهب شهد بنبوته لآيات رآها فيه، ~~ولما شب ظهرت مناسبة الملائكة بالهتف به والتمثل له. # وسد الله خلته برغبة خديجة رضي الله عنها فيه ومواساتها به وكانت من ~~مياسير نساء قريش، وكذلك من أحبه الله يدبر له في عباده. # ولما بنى الكعبة فيمن بنى ألقى إزاره على عاتقه كعادة العرب ms616 فانكشفت ~~عورته فأسقط مغشيا عليه، ونهى عن كشف عورته في غشيته وذلك شعبة من النبوة ~~ونوع من المؤاخذة في النفس. # ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بحراء الليالي ذوات العدد، ثم يأتي أهله ~~ويتزود لمثلها لعزوفه عن الدنيا وتجرده إلى الفطرة التي فطره الله عليها. # وكان أول ما بدئ به الرؤيا الصالحة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق ~~الصبح وهذه شعبة من شعب النبوة. # PageV02P318 # ثم نزل الحق عليه وهو بحراء ففزع بطبيعته بأن تشوشت البهيمة # من سننها لغلبة الملكية فذهبت به خديجة إلى ورقة، فقال: هو الناموس الذي ~~نزل على موسى، ثم فتر الوحي وذلك لأن الإنسان يجمع جهتين: جهة البشرية. ~~وجهة الملكية فيكون عند الخروج من الظلمات إلى النور مزاحمات ومصادمات حتى ~~يتم أمر الله، وكان يرى الملك تارة جالسا بين السماء والأرض. وتارة واقفا ~~في الحرم تصل حجزته إلى الكعبة ونحو ذلك، وسره أن الملكوت تلم بالنفوس ~~المستعدة للنبوة فكلما انفلتت برق عليها بارق ملكي حسبما يقتضيه الوقت كما ~~تنفلت نفوس العامة فتطلع في الرؤيا على بعض الأمر. # قيل: " يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال: أحيانا يأتيني مثل صلصلة ~~الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال: وأحيانا يتمثل لي الملك ~~رجلا فيكلمني فأعي ما يقول ". # أقول: أما الصلصلة فحقيقتها أن الحواس إذا صادمها تأثير قوي تشوشت، ~~فتشويش قوة البصر أن يرى ألوانا الحمرة والصفرة والخضرة ونحو ذلك، وتشويش ~~قوة السمع أن يسمع أصواتا مبهمة كالطنين والصلصلة والهمهمة فإذا تم الأثر ~~حصل العلم. # وأما التمثيل فهو في موطن يجمع بعض أحكام المثال والشهادة، ولذلك كان يرى ~~الملك بعضهم دون البعض. # ثم أمر بالدعوة فاشتغل بها إخفاء فآمنت خديجة وأبو بكر الصديق. وبلال. ~~وأمثالهم رضي الله عنهم. # ثم قيل له: # {فاصدع بما تؤمر} . # وقيل: # {وأنذر عشيرتك الأقربين} . # فجهر بالدعوة وإبطال وجوه الشرك فتعصب عليه الناس وآذوه بألسنتهم وأيديهم ~~كقصة إلقاء سلى جزور والخنق وهو صابر في كل ذلك يبشر المؤمنين بالنصر وينذر # PageV02P319 # الكافرين بالانهزام ms617 كما قال الله تعالى: # {سيهزم الجمع ويولون الدبر} . # وقال الله تعالى: # {جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب} . # ثم ازدادوا في التعصب فتقاسموا على إيذاء المسلمين ومن وليهم من بني هاشم ~~وبني المطلب فهدوا إلى الهجرة قبل الحبشة فوجدوا سعة قبل السعة الكبرى. # ولما ماتت خديجة رضي الله عنها ومات أبو طالب عمه وتفرقت كلمة بني هاشم ~~فزع لذلك وكان قد نفث في صدره أن علو كلمته في الهجرة نفثا # إجماليا فتلقاه برويته وفكره فذهب وهله إلى الطائف. وإلى هجر. وإلى ~~اليمامة. وإلى كل مذهب، فاستعجل وذهب إلى الطائف فلقي عناء شديدا، ثم إلى ~~بني كنانة فلم ير منهم ما يسره فعاد إلى مكة بعهد زمعة ونزل # {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في ~~أمنيته} . # قال: أمنيته أن يتمنى إنجاز الوعد فيما يتفكره من قبل نفسه وإلقاء ~~الشيطان أن يكون خلاف ما أراد الله ونسخه كشف حقيقة الحال وإزالته من قلبه. # وأسرى به إلى المسجد الأقصى، ثم إلى سدرة المنتهى، وإلى ما شاء الله، # وكل ذلك لجسده صلى الله عليه وسلم في اليقظة ولكن ذلك في موطن هو برزخ ~~بين المثال والشهادة جامع لأحكامهما فظهر على الجسد أحكام الروح وتمثل ~~الروح والمعاني الروحية أجسادا، ولذلك بان لكل واقعة من تلك الوقائع تعبير، ~~وقد ظهر لحزقيل. وموسى. وغيرهما عليهما السلام نحو من تلك الوقائع وكذلك ~~لأولياء الأمة ليكون علو درجاتهم عند الله كحالهم في الرؤيا والله أعلم. # أما شق الصدر وملؤه إيمانا فحقيقته غلبة أنوار الملكية وانطفاء لهب ~~الطبيعة وخضوعها لما يفيض عليها من حظيرة القدس. # وأما ركوبه على البراق فحقيقته استواء نفسه النطقية على نسمته التي هي ~~الكمال الحيواني فاستوى راكبا على البراق كما غلبت أحكام نفسه النطقية على ~~البهيمية وتسلطت عليها. # وأما إسراؤه إلى المسجد الأقصى فلأنه محل ظهور شعائر الله ومتعلق همم ~~الملأ الأعلى ومطمح أنظار الأنبياء عليهم السلام فكأنه كوة إلى الملكوت. # وأما ملاقاته مع الأنبياء صلوات الله عليهم ومفاخرته معهم ms618 فحقيقتها ~~اجتماعهم من حيث ارتباطهم بحظيرة القدس وظهور ما اختص به من بينهم من وجوه ~~الكمال. # PageV02P320 # وأما رقيه إلى السماوات سماء بعد سماء فحقيقته الانسلاخ إلى مستوى الرحمن ~~منزلة بعد منزلة ومعرفة حال الملائكة الموكلة بها ومن لحق بهم من أفاضل ~~البشر والتدبير الذي أوحاه الله فيها والاختصام الذي يحصل في ملئها # وأما بكاء موسى فليس بحسد ولكنه مثال لفقده عموم الدعوة وبقاء كمال لم ~~يحصله مما هو في وجهه. # وأما سدرة المنتهى فشجرة الكون وترتب بعضها على بعض وانجماعها في تدبير ~~واحد كانجماع الشجرة في الغاذية والنامية ونحوهما ولم تتمثل حيوانا لأن ~~التدبير الجملي الإجمالي الشبيه للسياسة الكلي أفراده، وإنما أشبه الأشياء ~~به الشجرة دون الحيوان فإن الحيوان فيه قوى تفصيلية والإرادة فيه أصرح من ~~سنن الطبيعة. # وأما الأنهار في أصلها فرحمة فائضة في الملكوت حذو الشهادة وحياة وإنماء، ~~فلذلك تعين هنالك بعض الأمور النافعة في الشهادة كالنيل والفرات. # وأما الأنوار التي غشيتها فتدليات إلهية وتدبيرات رحمانية تلعلعت في ~~الشهادة حيثما استعدت لها. # وأما البيت المعمور فحقيقته التجلي الإلهي الذي يتوجه إليه سجدات البشر ~~وتضرعاتها يتمثل بيتا على حذو ما عندهم من الكعبة وبيت المقدس. # ثم أتي بإناء من لبن. وإناء من خمر فاختار اللبن، فقال جبرائيل: هديت # للفطرة ولو أخذت الخمر لغوت أمتك فكان هو صلى الله عليه وسلم جامع أمته ~~ومنشأ ظهورهم وكان اللبن اختيارهم الفطرة والخمر اختيارهم لذات الدنيا # وأمر بخمس صلوات بلسان التجوز لأنها خمسون باعتبار الثواب، ثم أوضح الله ~~مراده تدريجا ليعلم أن الحرج مدفوع وأن النعمة كاملة وتمثل هذا المعنى ~~مستندا إلى موسى عليه السلام فإنه أكثر الأنبياء معالجة للامة ومعرفة ~~بسياستها. # ثم كان النبي صلى الله عليه وسلم يستنجد من أحياء العرب فوفق الأنصار ~~لذلك فبايعوه بيعة العقبة الأولى. والثانية ودخل الإسلام كل دار من دور ~~المدينة. # وأوضح الله على نبيه أن ارتفاع دينه الهجرة إلى المدينة فأجمع عليها ~~وازداد غيظ قريش فمكروا به ليقتلوه أو يثبتوه أو يخرجوه فظهرت آيات لكونه ms619 ~~محبوبا مباركا مقضيا له بالغلبة فلما دخل هو وأبو بكر الصديق رضي الله عنه ~~الغار لدغ أبو بكر رضي الله عنه فبرك عليه النبي صلى الله عليه وسلم فشفي ~~من ساعته، ولما وقف الكفار على رأس الغار أعمى الله # PageV02P321 # أبصارهم وصرف عنه أفكارهم ولما أدركهما سراقة بن مالك دعا عليه فارتطمت ~~فرسه إلى بطنها في جلد من الأرض بأن انخسفت الأرض بتقريب من الله فتكفل ~~بالرد عنهما، ولما مروا بخيمة أم معبد درت له شاة لم تكن من شياه الدر. # فلما قدما المدينة جاءه عبد الله بن سلام فسأله عن ثلاث لا يعلمهن # إلا نبي " فما أول أشراط الساعة، وما أول طعام أهل الجنة، وما ينزع الولد ~~إلى أبيه أو إلى أمه قال صلى الله عليه وسلم: # " أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول ~~طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع ~~الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت " فأسلم عبد الله وكان إفحاما لأحبار ~~اليهود. # ثم عاهد النبي صلى الله عليه وسلم اليهود وأمن شرهم واشتغل ببناء المسجد ~~وعلم المسلمين الصلاة وأوقاتها وشاور فيما يحصل به الأعلام بالصلاة. فأرى ~~عبد الله بن زيد في منامه الأذان وكان مطمح الافاضة الغيبية رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وإن كان السفير عبد الله، وحرضهم على الجماعة. والجمعة. ~~والصوم وأمر بالزكاة وعلمهم حدودها وجهر بدعوة الخلق إلى الإسلام ورغبهم في ~~الهجرة من أوطانهم لأنها يومئذ دار الكفر ولا يستطيعون إقامة الإسلام هنالك ~~وشد المسلمين بعضهم ببعض بالمواخاة وإيجاب الصلة والإنفاق والتوارث بتلك ~~المؤاخاة لتتفق كلمتهم فيتأتى الجهاد ويتمعنوا من أعدائهم، وكان القوم ~~ألفوا التناصر بالقبائل. # ثم لما رأى الله فيهم اجتماعا ونجدة أوحى إلى نبيه أن يجاهد ويقعد لهم كل ~~مرصد، ولما وقعت واقعة بدر لم يكونوا على ماء فأمطر الله مطرا، واستشار ~~الناس هل يختار العير أن النفير؟ فبورك في رأيهم حسب رأيه فأجمعوا على ~~النفير بعد ما لم يكد ms620 يكون ذلك، ولما رأى صلى الله عليه وسلم كثرة العدو ~~تضرع إلى الله فبشر بالفتح وأوحى إليه مصارع القوم. # فقال: " هذا مصرع فلان. وهذا مصرع فلان يضع يده ههنا وههنا فما ماط أحدهم ~~عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم " وظهرت # الملائكة يومئذ بحيث يراهم الناس لتثبت قلوب الموحدين وترعب قلوب ~~المشركين فكان ذلك فتحا عظيما أغناهم الله به وأشبعهم وقطع حبل الشرك وأهلك ~~أفلاذ كبد قريش، ولذا سمي فرقانا. # PageV02P322 # وكان ميلهم للافتداء مخالفا لما أحبه من الله قطع دابر الشرك فعوتبوا ثم ~~عفى عنهم. # ثم أهاج الله تقريبا لاجلاء اليهود فانه لم يكن يصفو دين الله بالمدينة ~~وهم مجاوروها فكان منهم نقض العهد فأجلى بني النضير. وبني قينقاع، وقتل كعب ~~بن الاشرف، وألقى الله في قلوبهم الرعب فلم يعرجوا لمن وعدهم النصر وشجع ~~قلوبهم فأفاء الله أموالهم على نبيه وكان أول توسع عليهم. # وكان أبو رافع تاجر الحجاز يؤذي المسلمين فبعث إليه عبد الله بن عتيك ~~فيسر الله له قتله، فلما خرج من بيته انكسرت ساقه فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # " ابسط رجلك فمسحها فكأنها لم يشتكها قط ". # ولما اجتمعت الأسباب السماوية على هزيمة المسلمين يوم أحد ظهرت رحمه الله ~~ثم من وجوه كثيرة فجعل الواقعة استبصارا في دينهم وعبرة فلم يجعل سببه إلا ~~مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمر من القيام على الشعب، وعلم ~~الله نبيه بالانهزام إجمالا فأراه سيفا انقطع وبقرة ذبحت فكانت الهزيمة ~~وشهادة الصحابة، وجعلها بمنزلة نهر طالوت ميز الله بها المخلصين من غيرهم ~~لئلا يعتمد على أحد أكثر مما ينبغي. # ولما استشهد عاصم وأصحابه حمتهم الزنابير من الأعادي فلم يبلغوا منهم ما ~~أرادوا. # ولما استشهد القراء في بئر معونة جعل النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ~~عليهم في صلاته وكان فيه نوع من استعجال البشرية فنبه على ذلك ليكون كل ~~أمره في الله وبالله ولله، ونزل في القرآن مقالتهم - بلغوا قومنا أنا قد ~~ليقينا ربنا فرضي عنا ms621 ورضينا عنه لتتسلى قلوبهم - ثم نسخ بعد. # ولما أحاطت بهم الأحزاب وحفر الخدق ظهرت رحمة الله بهم من وجوه كثيرة رد ~~الله كيدهم في نحورهم ولم يضروا المسلمين شيئا، وبورك في طعام جابر رضي ~~الله عنه فكفى صاع من شعير وبهمة نحو ألف رجل، وانكشفت قصور كسرى وقيصر في ~~قدحة الحجر وبشر بفتحها وهبت ريح شديدة في ليلة مظلمة، وألقى الرعب في ~~قلوبهم فانهزموا، وحاصر قريضة فنزلوا على حكم سعد رضي الله عنه فأمر بقتل ~~مقاتلتهم وسبي ذريتهم فأصاب الحق، وكانت للنبي صلى الله عليه وسلم رغبة ~~طبيعية لزينب رضي الله عنها فوفر الله له ذلك حيث كانت فيه مصلحة دينية ~~ليعلموا أن حلائل الأدعياء تحل لهم فطلقها زوجها فأنكحها الله نبيه صلى ~~الله عليه وسلم. # PageV02P323 # وبينا هو يخطب يوم الجمعة إذ قام أعرابي فقال: " يا رسول الله هلك المال ~~وجاع العيال فاستسقي وما في السماء قزعة فما وضع يده حتى ثار السماء كأمثال ~~الجبال فمطروا حتى خافوا الضرر، فقال: حوالينا ولا علينا لا يشير إلى ناحية ~~إلا انفرجت. # وتكرر ظهور البركة فيما برك عليه كبيدر جابر وأقراص أم سليم ونحوها. # ولما غزا بني المصطلق ظهرت الملائكة متمثله فخاف العدو. # واتهمت عائشة في تلك الغزوة فظهرت رحمة الله بتبرئتها وإقامة الحد على من ~~أشاع الفاحشة عليها. # ولما انكشف الشمس تضرع إلى الله فإنه آية من آيات الله يترشح عندها خوف ~~في قلوب المصطفين، ورأى في ذلك الجنة والنار بينه وبين جدار القبلة وهو من ~~ظهور حكم المثال في مكان خاص. # وأراه الله رؤياه ما يقع بعد الفتح من دخولهم مكة محلقين ومقصرين لا ~~يخافون فرغبوا في العمرة ولما يأن وقتها، وكان ذلك تقريبا من الله للصلح ~~الذي هو سبب فتوح كثيرة وهم لا يشعرون، نظير ذلك ما قالته عائشة رضي الله ~~عنها في معارضة أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما عند موت النبي صلى الله عليه ~~وسلم، إن في كل قول فائدة فرد الله المنافقين بقول عمر رضي الله عنه ms622 وبين ~~الحق بقول أبي بكر رضي الله عنه فآل الأمر إلى أن اجتمع رأي هؤلاء وهؤلاء ~~أن يصطلحوا وإن كرهه الفئتان. # وظهرت هنالك آيات، عطشوا ولم يكن عندهم ماء إلا في ركوة فوضع عليه السلام ~~يده فيها فجعل الماء يفور من بين أصابعه، ونزحوا ماء الحديبية فلم يتركوا ~~فيها قطرة فبرك عليها فسقوا واستقوا، ووقعت بيعة الرضوان معرفة لإخلاص ~~المخلصين، ثم فتح الله عليهم خيبر فأفاء منه على النبي صلى الله عليه وسلم # والمسلمين ما يتقوون به على الجهاد، وكان ابتداء انتظام الخلافة فصار ~~عليه السلام خليفة الله في الأرض. # PageV02P324 # وظهرت آيات دسوا السم في طعامه صلى الله عليه وسلم فنبأه الله، وأصابت ~~سلمة ابن الأكوع ضربة فنفث فيها نفثات فما اشتكاها بعد، وأراد أن يقضي ~~حاجته فلم لا يجد شيئا يستر به فدعا شجرتين فانقاديا كالبعير المخشوش حتى ~~إذا فرغ ردهما إلى موضعهما، ولما أراد المحاربى أن يسطو بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم ألقى الله عليه الرعب فربط يده. # ثم نفث الله في روعه ما انعقد في الملأ الأعلى من لعن الجبابرة وإزالة ~~شوكتهم وإبطال رسومهم فتقرب في الله بالسعي إلى ذلك فكتب إلى قيصر وكسرى ~~وكل جبار عنيد، فأساء كسرى الأدب فدعا عليه فمزقه الله كل ممزق. # وبعث صلى الله عليه وسلم زيدا. وجعفرا. وابن رواحة إلى مؤتة فانكشف عليه ~~حالهم فنعاهم عليه السلام قبل أن يأتي الخبر. # ثم بعث الله تقريبا بفتح مكة بعد ما فرغ من جهاد أحياء العرب فنقضت قريش ~~عهودها وتعاموا وأراد حاطب أن يخبرهم فنبأ الله بذلك رسوله وفتح مكة ولو ~~كره الكافرون وأدخل عليهم الإسلام من حيث لم يحتسبوا. # ولما التقى المسلمون والكفار يوم حنين وكانت لهم جولة استقام رسول الله ~~وأهل بيته اشد استقامة ورماهم بتراب فبورك في رميه فما خلق الله منهم ~~إنسانا إلا ملأ الله عينه ترابا فولوا مدبرين، ثم ألقى الله سكينته على ~~المسلمين فاجتمعوا واجتهدوا حتى كان الفتح، وقال لرجل يدعى الإسلام # وقاتل أشد القتال: هو من ms623 أهل النار فكاد بعض الناس يرتاب ثم ظهر أنه قتل ~~نفسه. # وسحر النبي صلى الله عليه وسلم فدعا الله أن يكشف عليه جلية الحال فجاءه ~~فيما يراه رجلان وأخبراه عن السحر والساحر. # PageV02P325 # وأتاه ذو الخويصرة فقال: " يا رسول الله اعدل فانكشف عليه حاله وحال قومه ~~فقال صلى الله عليه وسلم: " يقاتلون خير فرقة من الناس آيتهم رجل أسود أحد ~~عضديه مثل ثدي المرأة " فقاتلهم علي رضي الله عنه ووجد الوصف كما قال. # ودعا لأم أبي هريرة فآمن في يومها. # وقال: عليه السلام " يوما لم يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم ~~يجمعه إلى صدره فينسى من مقالته شيء أبدا فبسط أبو هرير فما نسي منها شيئا ~~". # وضرب عليه السلام بيده على صدر جرير، وقال: " اللهم ثبته فما سقط عن فرسه ~~بعد " وكان لا يثبت على الخيل. # وارتد رجل عن دينه فلم تقبله الأرض. # وكان عليه السلام يخطب مستندا إلى جزع فلما صنع له المنبر واستوى # عليه صاح حتى أخذه وضمه، وركب فرسا بطيئة، وقال: " وجدنا فرسكم هذا بحرا ~~" فكان بعد ذلك لا يجارى. # ثم أحكم الله دينه وتواردت الوفود وتوارت الفتوح وبعث العمال على القبائل ~~ونصب القضاة في البلاد وتمت الخلافة فنفث في روعه صلى الله عليه وسلم أن ~~يخرج إلى تبوك ليظهر شوكته على الروم فينقاد له أهل تلك الناحية، وكانت تلك ~~غزوة في وقت الحر والعسرة فجعلها الله تمييزا بين المؤمنين حقا والمنافقين. # ومر عليه السلام على حديقة لامرأة في وادي القرى فخرصها وخرصها الصحابة ~~رضي الله عنهم فكان كما قال عليه السلام، ولما وصل إلى ديار حجر نهاهم عن ~~مياهه تنفيرا عن محل اللعن، ونهاهم ليلة أن يخرج أحد فخرج رجل فألقته الريح ~~بجبلي طيئ وضل له صلى الله عليه وسلم بعيرا فقال بعض المنافقين؛ لو كان ~~نبيا لعلم أين بعيره فنبأه الله بقول المنافق وبمكان البعير، # وتخلف ناس من المخلصين زلة منهم ثم ضاقت عليهم الأرض بما رحبت فعفا الله # PageV02P326 # عنهم. # وألقي ملك أيلة ms624 في أسر خالد من حيث لم يحتسب. # فلما قوي الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجا أوحى الله إلى نبيه أن ~~ينبذ عهد كل معاهد من المشركين، ونزلت سورة براءة. # وأراد المباهلة من نصارى نجران فعجزوا واختاروا الجزية، # ثم خرج إلى الحج وحضر معه نحو من مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا فأراهم ~~مناسك الحج ورد تحريفات الشرك. # ولما تم أمر الإرشاد واقترب أجله بعث الله جبرائيل في صورة رجل يراه ~~الناس فسأل النبي عليه السلام عن الإيمان. والإسلام. والاحسان والساعة فبين ~~النبي صلى الله عليه وسلم وصدقه جبرائيل ليكون ذلك كالفذلكة لدينه، # ولما مرض لم يزل يذكر الرفيق الأعلى ويحن إليهم حتى توفاه الله ثم تكفل ~~أمر ملته فنصب قوما لا يخافون لومة لائم فقاتلوا المتنبئين والروم والعجم ~~حتى تم أمر الله ووقع وعده صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وسلم. ### | (الفتن) # اعلم أن الفتنة على أقسام: فتنة الرجل في نفسه بأن يقسوا قلبه فلا يجد ~~حلاوة الطاعة ولا لذة المناجاة، وإنما الإنسان ثلاث شعب. # قلب هو مبدأ الأحوال كالغضب. والجراءة. والحياء. والمحبة. والخوف، ~~والقبض. والبسط ونحوها. # وعقل هو مبدأ العلوم الذي ينتهي إليه الحواس كالأحكام البديهية من ~~التجربة والحدس ونحوهما والنظرية من البرهان والخطابية ونحوهما. # وطبع هو مبدأ اقتضاء النفس ما لا بد منه أو لا بد من جنسه في بقاء البينة ~~كالداعية المنبجسة من شهوة الطعام. والشراب. والنوم. والجماع. ونحوها. # فالقلب مهما غلبت عليه خصال البهيمية فكان قبضه وبسطه نحو قبض البهائم ~~وبسطها الحاصلين من طبيعة ووهم كان قلبا بهيميا، ومهما قبل من الشياطين ~~وسوستهم في النوم واليقظة يسمى الإنسان شيطان الأنس، ومهما غلب عليه خصال ~~الملكية يسمى قلبا إنسانيا فيكون خوفه ومحبته وما يشبههما مائلة إلى ~~اعتقادات حقة حصلها، ومهما قوى صفاؤها وعظم نوره كان روحا فيكون بسطا بلا ~~قبض وألفة بلا قلق؛ وكانت أحواله أنفاسا، وكانت الخواص الملكية كالديدن له ~~دون الأمور المكتسبة بسعي. # PageV02P327 # ومهما غلبت خصال البهيمية على العقل صار جربزة وأحاديث نفس تميل ms625 إلى بعض ~~الدواعي الطبيعية فيحدث نفسه بالجماع إن كان فيه شبق، وبأنواع الطعام إن ~~كان فيه جوع ونحو ذلك، أو وحي الشيطان فيكون أحاديث النفس تميل إلى فك ~~النظامات الفاضلة وشك في المعتقدات الحقة وإلى الهيآت # منكرة تعافها النفوس السليمة، ومهما غلبت عليه خصال الملكية في الجملة ~~كان عقلا من فعله التصديق بما يجب تصديقه من العلوم الارتفاقية أو ~~الاحسانية بديهية أو نظرا، ومهما قوى نوره وصفاؤه كان سر من فعله قبول علوم ~~فائضة من الغيب رؤيا وفراسة وكشفا وهتفا ونحو ذلك، ومهما مال إلى المجردات ~~البرية من الزمان والمكان كان خفيا. # ومهما انحدر الطبع إلى الخصال البهيمية كان نفسا أمارة بالسوء، مهما كان ~~مترددا بين البهيمية والملكية وكان الأمر سجالا ونوبا كان نفسا لوامة، ~~ومهما تقيدت بالشرع ولم تبغ عليه ولم تنبجس إلا فيما موافقه كانت نفسا ~~مطمئنة. # هذا ما عندي من معرفة لطائف الإنسان والله أعلم. # وفتنة الرجل في أهله وهي فساد تدبير المنزل، وإليها الإشارة في قوله صلى ~~الله عليه وسلم: " إن أبليس يضع عرشه - إلى أن قال - ثم يجئ أحدهم فيقول: ~~ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته فيدنيه منه ويقول: نعم أنت ". # وفتنة تموج كموج البحر وهي فساد تدبير المدينة وطمع الناس في الخلافة من ~~غير حق، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: # " إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون من جزيرة العرب " ولكن في التحريش ~~بينهم. # وفتنة ملية وهي أن يموت الحواريون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويستند الأمر إلى غير أهله فيتعمق رهبانهم وأحبارهم ويتهاون ملوكهم وجهالهم ~~ولا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر فيصير الزمان زمان الجاهلية، وهو قوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " ما من نبي إلا كان له حواريون " الحديث. # وفتنة مستطيرة وهي تغير الناس من الإنسانية ومقتضاها فأزكارهم # وأزهدهم إلى الانسلاخ من مقتضيات الطبع رأسا دون إصلاحها والتشبه ~~بالمجردات والتحنن إليهم بوجه من الوجوه ونحو ذلك، وعامتهم إلى البهيمية ~~الخالصة ويكون ناس بين الفريقين لا إلى هؤلاء ولا ms626 إلى هؤلاء. # وفتنة الوقائع الجوية المنذرة بالإهلاك العام كالطوفانات العظيمة من ~~الوباء والخسف والنار المنتشرة في الأقطار ونحو ذلك. # وقد بين النبي عليه السلام أكثر الفتن قال: " لتتبعن سنن من كان قبلكم ~~شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم " وقال صلى الله عليه ~~وسلم: " يذهب الصالحون الأول # PageV02P328 # فالأول ويبقى حفالة كحفالة الشعير لا يباليهم الله بالة ". # أقول: علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا بعد العهد من النبي وانقرض ~~الحواريون من أصحابه ووسد الأمر إلى غير أهله لا بد أن تجرى الرسوم حسب ~~الدواعي النفسانية والشيطانية وتعمهم جميعا إلا ما شاء الله منهم. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن هذا الأمر بدأ نبوة ورحمة ثم يكون خلافة ورحمة، ثم ملكا عضوضا ثم ~~كائن جبرية وعتوا وفسادا في الأرض يستحلون الحرير والفروج والخمور يرزقون ~~على ذلك وينصرون حتى يلقوا الله ". # أقول: فالنبوة انقضت بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم، والخلافة التي لا ~~سيف فيها بمقتل عثمان، والخلافة بشهادة علي كرم الله وجهه وخلع الحسن رضي ~~الله عنه، والملك العضوض ومشاجرات الصحابة بني أمية ومظالمهم إلى أن استقر ~~أمر معاوية، والجبرية، والعتو خلافة بني العباس فإنهم مهدوها على رسوم كسرى ~~وقيصر. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " تعرض الفتن على القلوب والحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة ~~سوداء وأي قلب أنكرها نكتت # فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت ~~السموات والأرض والآخرة أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر ~~منكرا إلا ما أشرب من هواه " # أقول الهواجس والنفسانية الشيطانية تنبعث في القلوب والأعمال الفاسدة ~~تكتنفها ولا تكون حينئذ دعوة حثيثة إلى الحق فلا ينكرها إلا من جهل في قلبه ~~هيئة مضادة للفتن، وتعم من سوى ذلك وتأخذ بتلابيبه # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن الأمانة نزلت في جذر قلاب الناس ثم علموا من القرآن ثم علموا من ~~السنة وحدث عليه السلامعن رفعها فقال: " ينام الرجل النومة ms627 فتقبض الأمانة ~~من قلبه فيظل أثرها مثل أثر الوكت ثم ينام النومة فتقبض الأمانة فيبقى ~~أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرا " # PageV02P329 # اقول لما أراد الله ظهور ملة الإسلام اختار قوما ومرنهم لانقياد والاذعان ~~وجمع الهمة على موافقة حكم الله ثم كانت الأحكام المفصلة في الكتاب والسنة ~~تفصيلا لذلك الاذعان الاجمالي. ثم إنها تخرج من صدورهم على غفلة منها وذهول ~~شيئا فشيئا فيرى الإنسان أظرف ما يكون وأعقله وليس في قلبه مقدار شيء من ~~الامانة لا بالنسبة إلى دين الله ولا بالنسبة إلى معاملات الناس، # وقال حذيفة رضي الله عنه: " قلت يا رسول الله أيكون بعد هذا الخير # شر كما كان قبله شر؟ قال: نعم قلت: فما العصمة؟ قال: السيف، قلت وهل بعد ~~السيف بقية؟ قال: نعم يكون إمارة على أقذاء وهدنة على دخن: قلت: ماذا؟ قال: ~~ثم ينشأ دعاة الضلال فان كان لله في الأرض خليفة جلد ظهرك وأخذ مالك فأطمعه ~~وإلا فمت وأنت عاض على جذل شجرة " # أقول: الفتنة التي يكون العصمة فيها السيف ارتداد العرب في أيام أبي بكر ~~رضي الله عنه، وأما أمارة على أقذاء فالمشاجرات التي وقعت في ايام عثمان ~~وعلي رضي الله عنهما، ودعاة الضلال يزيد بالشام ومختار بالعراق، ونحو ذلك ~~حتى استقر الأمر على عبد الملك. # وذكر صلى الله عليه وسلم فتنة الاحلاس قيل: وما فتنة الاحلاس؟ قال: هي ~~هرب وحرب " قال: " ثم فتنة السراء دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي يزعم ~~أنه مني وليس مني إنما أوليائي المتقون، ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ~~ضلع " ثم فتنة الدهيماء لا تدع أحدا من هذه الأمة إلا لطمته لطمة، فاذا ~~قيل: انقضت تمادت. # أقول: يشبه والله أعلم أن تكون فتنة الأحلاس قتال أهل الشام عبد الله ابن ~~الزبير بعد # PageV02P330 # هربه من المدينة، وفتنة السراء إما تغلب المختار وإفراطه في القتل والنهب ~~يدعو ثأر أهل البيت، فقوله عليه السلام: " يزعم أنه مني " معناه من حزب أهل ~~البيت وناصريهم، ms628 ثم اصطلحوا على مروان وأولاده، أو خروج أبي مسلم الخراساني ~~لبني العباس يزعم أنه يسعى في خلافة أهل البيت، ثم اصطلحوا على السفاح، ~~والفتنة الدهيماء تغلب الجنكيزية على المسلمين ونهبهم بلاد الإسلام. # وبين النبي صلى الله عليه وسلم أشراط الساعة وهي ترجع إلى أنواع: الفتن ~~التي مر ذكرها وشيوعها وكثرتها فإن التلف من القرف، وإنما يجيء النقصان من ~~حيث يجيء الهلاك، وشرح هذا يطول. # قال صلى الله عليه وسلم: # " إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويكثر الجهل، ويكثر الزنا، ويكثر ~~شرب الخمر. ويقل الرجال. ويكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد ~~". والحشر في لسان الشريعة مقول على معنيين: حشر الناس إلى الشام، وهو ~~واقعة قبل القيامة حين يقل الناس على وجه الأرض يحشر بعضهم بتقريبات وبعضهم ~~بنار تسوقهم. وحشر هو البعث بعد الموت، وقد ذكرنا من قبل أسرار المعاد، ~~والله أعلم. # الفتن العظيمة التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم أربع: الأولى: ~~فتنة أمارة على أقذاء، وذلك صادق بمشاجرات الصحابة بعد مقتل عثمان رضي الله ~~عنه إلى أن استقرت خلافة معاوية، وهي التي أشير إليها بقوله: " هدنة عل دخن ~~" وهو الذي يعرف أمره وينكر لأنه كان على سيرة الملوك لا على سيرة الخلفاء ~~قبله. # الثانية فتنة الأحلاس. وفتنة الدعاة إلى أبواب جهنم، وذلك صادق باختلاف ~~الناس وخروجهم طالبين الخلافة بعد موت معاوية إلى أن استقرت خلافة عبد ~~الملك. # الثالثة فتنة السراء. والجبرية. والعتو، وذلك صادق بخروج بني العباس على ~~بني أمية إلى أن استقرت خلافة العباسية ومهدوها على رسوم الأكاسرة وأخذوا ~~بجبرية وعتو. # الرابعة فتنة تلطم جميع الناس إذا قيل: انقضت تمادت حتى رجع الناس إلى ~~فسطاطتين وذلك صادق بخروج الأتراك الجنكيزية وإبطالهم خلافة بني العباس ~~ومزقهم على وجهها الفتن. # PageV02P331 # والأحاديث الواردة في الفتن أكثرها مرت من قبل، وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " تدور رحى الإسلام بخمس وثلاثين أو ست وثلاثين فإن يهلكوا فسبيل من هلك ~~وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما قلت: ms629 أمما بقي أو مما مضى؟ قال: مما ~~مضى ". # فمعنى قوله: " تدور رحى الإسلام " أي يقوم أمر الإسلام بإقامة الحدود ~~والجهاد في هذه الأمة وذلك صادق من ابتداء وقت الجهاد وأوائل الهجرة إلى ~~مقتل سيدنا عثمان رضي الله عنه، والشك في خمسة وثلاثين وأخواتها لأن الله ~~تعالى أوحى إليه مجملا. # وقوله: " فإن يهلكوا بيان لصعوبة الأمر وأن الأمر يصير إلى حالة لو نظر ~~فيها الناظر يشك في هلاك الأمة وبطلان أمورهم. # قوله. سبعين عاما ابتداؤها من البعثة وتمامها موت معاوية رضي الله عنه ~~وبعده قامت فتنة دعاة الضلال. # وقوله سبعين عاما معناه تهويل الأمر وأنه يكون تحت بطن الباطن فيه، وأنه ~~لا يكون بعد هذه استقامة الأمر، والله أعلم. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقاتلكم قوم صغار الأعين - يعني ~~الترك - تسوقونهم ثلاث مرات " الحديث معناه أن العرب يجاهدونهم ويغلبونهم ~~فيصير ذلك سببا لأحقاد وضغائن حتى يؤول الأمر إلى أن يذبوا العرب من بلادهم ~~ثم لا يقتصرون على ذلك بل يدخلون بلاد العرب، وهذا هو المراد من قوله: " ~~حتى تلحقوهم بجزيرة العرب " أما في السياقة الأولى فينجو من العرب من هرب ~~من قتالهم بأن يفر من بين أيديهم، وذلك صادق بقتال الجنكيزية فهلك العباسية ~~الذين كانوا ببغداد ونجا العباسية الذين فروا إلى مصر، وأما في السياقة ~~الثانية فينجو بعض ويهلك بعض، وذلك صادق بوطء تيمور ديار الشام وإهلاك أمر ~~العباسية " وأما في الثالثة فيصطلمون " وذلك صادق بغلبة العثمانية على جميع ~~العمل، والله أعلم. ### | المناقب # الأصل في مناقب الصحابة رضي الله عنهم أمور: # PageV02P332 # منها أن يطلع النبي صلى الله عليه وسلم على هيئة نفسانية تعد الإنسان ~~لدخول الجنان كما اطلع على أبي بكر رضي الله عنه أنه ليس فيه خيلاء وأنه ~~ممن أكمل الخصال التي تكون أبواب الجنة تمثالا لها فقال: " أرجو أن تكون ~~منهم " يعني الذين يدعون من الأبواب جميعا. # وقال صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: " ما لقيك الشيطان سالكا فجا ~~قط إلا سلك فجا غير فجك ms630 ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن يك من أمتي أحد من المحدثين فإنه عمر ". # ومنها: أن يرى في المنام أو ينفث في روعة ما يدل على رسوخ قدمه في الدين ~~كما رأى بلالا رضي الله عنه يتقدمه في الجنة، ورأى قصرا لعمر رضي الله عنه ~~في الجنة ورآه قمص بقميص سابغ، وأنه صلى الله عليه وسلم أعطاه سؤره من ~~اللبن فعبر بالدين والعلم. # ومنها حب النبي صلى الله عليه وسلم إياهم وتوقيرهم ومواساته معهم ~~وسوابقهم في الإسلام، فذلك كله ظاهره أنه لم يكن إلا لامتلاء القلب من ~~الإيمان. # واعلم أن فضل بعض القرون على بعض لا يمكن أن يكون من جهة كل فضيلة، وهو ~~قوله صلى الله عليه وسلم: # " مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله خير أم آخره " وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " أنتم أصحابي، وإخواني الذين يأتون بعد " # وذلك أن الاعتبارات متعارضة والوجوه متجاذبة، ولا يمكن أم يكون تفضيل كل ~~أحد من القرن الفاضل على كل أحد من القرن المفضول كيف ومن القرون الفاضلة ~~اتفاقا من هو منافق أو فاسق ومنها الحجاج. ويزيد بن معاوية. ومختار. وغلمة ~~من قريش الذين يهلكون الناس وغيرهم ممن بين النبي صلى الله عليه وسلم سوء ~~حالهم، ولكن الحق أن جمهور القرن الأول أفضل من جمهور القرن الثاني ونحو ~~ذلك. # والملة إنما تثبت بالنقل والتوارث ولا توارث إلا بأن يعظم الذين شاهدوا ~~مواقع الوحي وعرفوا تأويله وشاهدوا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ولم ~~يخلطوا معها تعمقا ولا تهاونا ولا ملة أخرى. # وقد أجمع من يعتد به من الأمة على أن أفضل الأمة أبو بكر الصديق، ثم عمر ~~رضي الله عنهما، وذلك لأن أمر النبوة له جناحان: تلقى العلم عن الله تعالى. ~~وبثه في الناس، أما التلقي عن الله فلا يشرك النبي صلى الله عليه وسلم في ~~ذلك أحد، وأما بثه فإنما تحقق بسياسة وتأليف ونحو ذلك، ولا شك أن الشيخين ~~رضي الله عنهما أكثر الأمة في هذه الأمور في زمان النبي صلى ms631 الله عليه وسلم ~~وبعده، والله أعلم. # وليكن هذا آخر ما أردنا إيراده في كتاب حجة الله البالغة، والحمد لله ~~تعالى أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله ~~وأصحابه أجمعين. PageV02P333 ms632