######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000295 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: الدهلوي #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن عبد الرحيم ولي الله الدهلوي #META# 011.AuthorBORN :: 1114 #META# 011.AuthorDIED :: 1176 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب أصول الفقه الإسلامي :: مسائل أصولية :: مسائل فقهية وأصولية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الإنصاف للدهلوي #META# 030.LibURI :: JK_000295 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد الفتاح أبو غدة #META# 041.EdNUMBER :: الثانية #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار النفائس #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1404 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # الانصاف في بيان أسباب الاختلاف لولي الله الدهلوي PageV01P001 # | مقدمة # الحمد لله الذي بعث سيدنا محمدا صلوات الله عليه إلى الناس ليكون هاديا ~~إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ثم ألهم الصحابة والتابعين والفقهاء المجتهدين ~~أن يحفظوا سير نبيهم طبقة بعد طبقة إلى أن تؤذن الدنيا بانقضاء ليتم النعم ~~وكان على ما يشاء قديرا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن ~~سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي لا نبي بعده صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين ~~PageV01P013 # أما بعد فيقول الفقير إلى رحمة الله الكريم ولي الله بن عبد الرحيم أتم ~~الله تعالى عليهما نعمه في الأولى والأخرى إن الله تعالى ألقى في قلبي وقتا ~~من الأوقات ميزانا أعرف به سبب كل اختلاف وقع في الملة المحمدية على صاحبها ~~الصلوات والتسليمات وأعرف به ما هو الحق عند الله وعند رسوله ومكنني من أن ~~أبين ذلك بيانا لا يبقى معه شبهة ولا إشكال # ثم سئلت عن سبب اختلاف الصحابة ومن بعدهم في الأحكام الفقهية خاصة ~~فانتدبت لبيان بعض ما فتح علي به ساعتئذ بقدر ما يسعه الوقت ويحيط به ~~السائل فجاءت رسالة مفيدة في بابها وسميتها الانصاف في بيان أسباب الاختلاف # وحسبي الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ~~PageV01P014 & باب أسباب اختلاف الصحابة والتابعين في الفروع & # إعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن الفقه في زمانه الشريف ~~مدونا ولم يكن البحث في الأحكام يومئذ مثل بحث هؤلاء الفقهاء حيث يبينون ~~بأقصى جهدهم الأركان والشروط والآداب كل شيء ممتازا عن الآخر بدليله ~~ويفرضون الصور من صنائعهم ويتكلمون على تلك الصور المفروضة ويحدون ما يقبل ~~الحد ويحصرون ما يقبل الحصر إلى غير ذلك # أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يتوضأ فيرى أصحابه وضوءه ~~PageV01P015 فيأخذون به من غير أن يبين أن هذا ركن وذلك أدب وكان يصلي ~~فيرون صلاته فيصلون كما رأوه يصلي وحج فرمق الناس حجه ففعلوا كما فعل وهذا ~~كان غالب حاله ms01 صلى الله عليه وسلم ولم يبين أن فروض الوضوء ستة أو أربعة ~~ولم يفرض أنه يحتمل أن يتوضأ إنسان بغير موالاة حتى يحكم عليه بالصحة أو ~~الفساد إلا ما شاء الله وقلما كانوا يسألونه عن هذه الأشياء # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض كلهن في ~~القرآن منهن @QB@ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه @QE@ @QB@ ويسألونك عن ~~المحيض @QE@ قال ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم PageV01P016 # قال ابن عمر رضي الله عنه لا تسأل عما لم يكن فاني سمعت عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه يلعن من سأل عما لم يكن # قال القاسم # إنكم تسألون عن أشياء ما كنا نسأل عنها وتنقرون PageV01P017 عن أشياء ما ~~كنا ننقر عنها وتسألون عن أشياء ما أدري ما هي ولو علمناها ما حل لنا أن ~~نكتمها # وعن عمرو بن إسحاق قال لمن أدركت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أكثر ممن سبقني منهم فما رأيت قوما أيسر سيرة ولا أقل تشديدا منهم # وعن عبادة بن نسي الكندي سئل عن امرأة ماتت مع قوم ليس لها ولي فقال ~~أدركت أقواما ما كانوا يشددون تشديدكم ولا يسألون مسائلكم أخرج هذه الآثار ~~الدارمي # وكان صلى الله عليه وسلم يستفتيه الناس في الوقائع فيفتيهم وترفع إليه ~~القضايا فيقضي فيها ويرى الناس يفعلون معروفا فيمدحه أو منكرا فينكر عليه ~~وما كل ما أفتى به مستفتيا عنه أو قضى به في قضية أو أنكره على فاعله كان ~~في الاجتماعات # ولذلك كان الشيخان أبو بكر وعمر إذا لم يكن لهما علم في المسألة يسألان ~~الناس عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو بكر رضي الله عنه ما ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيها شيئا يعني الجدة وسأل الناس ~~فلما صلى الظهر PageV01P018 قال أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~في الجدة ms02 شيئا فقال المغيرة بن شعبة أنا قال ماذا قال أعطاها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سدسا قال أيعلم ذلك أحد غيرك فقال محمد بن مسلمة صدق ~~فأعطاها أبو بكر السدس # وقصة سؤال عمر الناس في الغرة ثم رجوعه إلى خبر المغيرة وسؤاله إياهم في ~~الوباء ثم رجوعه إلى خبر عبد PageV01P019 الرحمن بن عوف وكذا رجوعه في قصة ~~المجوس إلى خبره وسرور عبد الله بن مسعود بخبر معقل بن يسار PageV01P020 ~~لما وافق رأيه وقصة رجوع أبي موسى عن باب عمر وسؤاله عن الحديث وشهادة أبي ~~سعيد له وأمثال ذلك كثيرة معلومة مروية في الصحيحين والسنن PageV01P021 # وبالجملة فهذه كانت عادته الكريمة صلى الله عليه وسلم فرأى كل صحابي ما ~~يسره الله له من عباداته وفتاواه وأقضيته فحفظها وعقلها وعرف لكل شيء وجها ~~من قبل حفوف القرائن به فحمل بعضها على الإباحة وبعضها على الاستحباب ~~وبعضها على النسخ لأمارات وقرائن كانت كافية عنده ولم يكن العمدة عندهم إلا ~~وجدان الاطمئنان والثلج من غير التفات إلى طرق الاستدلال كما ترى الأعراب ~~يفهمون مقصود الكلام فيما بينهم وتثلج صدورهم بالتصريح والتلويح والإيماء ~~من حيث لا يشعرون # فانقضى عصره الكريم وهم على ذلك ثم إنهم تفرقوا في البلاد وصار كل واحد ~~مقتدى ناحية من النواحي فكثرت الوقائع ودارت المسائل فاستفتوا فيها فأجاب ~~كل واحد حسب ما حفظه أو استنبطه وإن لم يجد فيما حفظه PageV01P022 أو ~~استنبطه ما يصلح للجواب اجتهد برأيه وعرف العلة التي أدار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عليها الحكم في منصوصاته فطرد الحكم حيثما وجدها لا يألو ~~جهدا في موافقة غرضه عليه الصلاة والسلام فعند ذلك وقع الاختلاف بينهم على ~~ضروب # 1 منها أن صحابيا سمع حكما في قضية أو فتوى ولم يسمعه الآخر فاجتهد برأيه ~~في ذلك وهذا على وجوه # أحدها أن يقع اجتهاده موافق الحديث مثاله ما رواه النسائي وغيره أن ابن ~~مسعود رضي الله عنه سئل عن امرأة مات عنها زوجها ولم يفرض لها فقال لم أر ~~رسول ms03 الله صلى الله عليه وسلم يقضي في ذلك فاختلفوا عليه شهرا وألحوا ~~فاجتهد برأيه وقضى بأن لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها ~~الميراث فقال معقل بن يسار فشهد بأنه صلى الله عليه وسلم قضى بمثل ذلك في ~~امرأة منهم ففرح بذلك ابن مسعود فرحة لم يفرح مثلها قط بعد الإسلام # وثانيها أن يقع بينهما المناظرة ويظهر الحديث بالوجه الذي يقع به غالب ~~الظن فيرجع عن اجتهاده إلى المسموع # مثاله ما رواه الأئمة من أن أبا هريرة رضي الله عنه كان PageV01P023 من ~~مذهبه أنه من أصبح جنبا فلا صوم له حتى أخبرته بعض أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم بخلاف مذهبه فرجع # وثالثها أن يبلغه الحديث ولكن لا على الوجه الذي يقع به غالب الظن فلم ~~يترك اجتهاده بل طعن في الحديث # مثاله ما رواه أصحاب الأصول من أن فاطمة بنت قيس شهدت عند عمر بن الخطاب ~~بأنها كانت مطلقة الثلاث فلم يجعل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم نفقة ~~ولا سكنى فرد عمر شهادتها وقال لا نترك كتاب الله بقول امرأة لا ندري أصدقت ~~أم كذبت لها النفقة والسكنى PageV01P024 # وقالت عائشة رضي الله عنها يا فاطمة ألا تتقي الله يعني في قولها لا سكنى ~~ولا نفقة PageV01P025 # ومثال آخر روى الشيخان أنه كان من مذهب عمر ابن الخطاب أن التيمم لا ~~يجزىء الجنب الذي لا يجد الماء فروى عنده عمار أنه كان معه في سفر فأصابته ~~جنابة ولم يجد ماء فتمعك في التراب فذكر ذلك عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقال إنما كان يكفيك أن تفعل هكذا وضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه ~~ويديه فلم يقبل عمر ولم ينهض عنده حجة تقاوم ما رآه فيه حتى استفاض الحديث ~~في الطبقة الثانية من طرق كثيرة واضمحل وهم القادح فأخذوا به # ورابعها أن لا يصل إليه الحديث أصلا # مثاله ما أخرج مسلم أن ابن عمر كان يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن ~~رؤوسهن فسمعت عائشة رضي ms04 الله عنها بذلك فقالت يا عجبا لابن عمر هذا يأمر ~~النساء أن ينقضن رؤوسهن أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن # لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد وما أزيد ~~على أن افرغ على رأسي ثلاث افراغات # مثال آخر ما ذكره الزهري من أن هندا لم تبلغها رخصة PageV01P026 رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في المستحاضة فكانت تبكي لأنها كانت لا تصلي # 2 ومن تلك الضروب ان يروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل فعلا فحمله ~~بعضهم على القربة وبعضهم على الإباحة # مثاله ما رواه أصحاب الأصول في قصة التحصيب أي النزول بالأبطح عند النفر ~~من عرفات نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم به فذهب أبو هريرة وابن عمر إلى ~~أنه على وجه القربة فجعلوه من سنن الحج وذهبت عائشة رضي الله عنها وابن ~~عباس إلى أنه كان على وجه الاتفاق وليس من السنن # ومثال آخر ذهب الجمهور إلى أن الرمل في الطواف سنة وذهب ابن عباس رضي ~~الله عنه إلى أنه إنما فعله النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الاتفاق ~~لعارض عرض وهو قول المشركين PageV01P027 حطمتهم حمى يثرب وليس بسنة # 3 ومنها اختلاف الوهم # مثاله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج فرآه الناس فذهب بعضهم إلى أنه ~~كان متمتعا وبعضهم إلى أنه كان قارنا وبعضهم إلى أنه كان مفردا # مثال آخر أخرج أبو داود عن سعيد بن جبير أنه قال قلت لعبد الله بن عباس ~~يا أبا العباس عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في إهلال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوجب فقال إني لأعلم الناس بذلك إنها ~~إنما كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة واحدة فمن هناك اختلفوا خرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجا فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتين ~~أوجب في مجلسه وأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه فسمع ذلك منه أقوام فحفظوه عنه # ثم ركب فلما ms05 استقلت به ناقته أهل وأدرك ذلك منه أقوام وذلك أن الناس إنما ~~كانوا يأتون أرسالا فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل فقالوا إنما أهل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حين استقلت به ناقته # ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما علا على شرف البيداء أهل ~~PageV01P028 وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا إنما أهل حين علا على شرف البيداء ~~وأيم الله لقد أوجب في مصلاة وأهل حين استقلت به ناقته وأهل حين علا على ~~شرف البيداء # 4 ومنها اختلاف السهو والنسيان # مثاله ما روي أن ابن عمر كان يقول اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عمرة في رجب فسمعت بذلك عائشة فقضت عليه بالسهو # 5 ومنها اختلاف الضبط # مثاله ما روى ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم من أن الميت يعذب ببكاء ~~أهله عليه فقضت عائشة عليه بأنه وهم بأخذ الحديث على هذا مر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على يهودية يبكي عليها أهلها فقال إنهم يبكون عليها وإنها ~~تعذب في قبرها فظن أن العذاب معلول للبكاء وظن الحكم عاما على كل ميت # ومنها اختلافهم في علة الحكم # مثاله القيام للجنازة فقال قائل لتعظيم الملائكة فيعم PageV01P029 المؤمن ~~والكافر وقال قائل لهول الموت فيعمهما وقال قائل مر على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بجنازة يهودي فقام لها كراهة أن تعلو فوق رأسه فيخص الكافر # 7 ومنها اختلافهم في الجمع بين المختلفين # مثاله رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في المتعة عام خيبر ثم نهى عنها ~~ثم رخص فيها عام أوطاس ثم نهى عنها فقال ابن عباس كانت الرخصة للضرورة ~~والنهي لانقضاء الضرورة والحكم باق على ذلك وقال الجمهور كانت الرخصة اباحة ~~والنهي نسخا لها # مثال آخر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن استقبال القبلة في ~~الاستنجاء فذهب قوم إلى عموم هذا الحكم وكونه غير منسوخ ورآه جابر يبول قبل ~~أن يتوفى بعام مستقبل القبلة فذهب إلى أنه نسخ للنهي المتقدم ورآه ابن عمر ms06 ~~قضى حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام فرد به قولهم وجمع قوم بين الروايتين ~~فذهب الشعبي وغيره إلى أن النهي مختص بالصحراء فاذا كان في المراحيض فلا ~~بأس بالاستقبال والاستدبار وذهب قوم إلى أن القول عام محكم والفعل يحتمل ~~كونه خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم فلا ينتهض ناسخا ولا مخصصا # وبالجملة فاختلفت مذاهب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ عنهم ~~التابعون كل واحد ما تيسر له فحفظ ما سمع من حديث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ومذاهب الصحابة وعقلها وجمع PageV01P030 المختلف على ما تيسر له ورجح ~~بعض الأقوال على بعض واضمحل في نظرهم بعض الأقوال وان كان مأثورا عن كبار ~~الصحابة كالمذهب المأثور عن عمر وابن مسعود في تيمم الجنب اضمحل عندهم لما ~~استفاض من الأحاديث عن عمار وعمران بن حصين وغيرهما فعند ذلك صار لكل عالم ~~من علماء التابعين مذهب على حياله وانتصب في كل بلد إمام مثل # سعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله بن عمر في المدينة وبعدهما الزهري ~~والقاضي يحيى بن سعيد وربيعة بن عبد الرحمن فيها # وعطاء بن أبي رباح بمكة # وإبراهيم النخعي والشعبي بالكوفة # والحسن البصري بالبصرة # وطاوس بن كيسان باليمن # ومكحول بالشام # فأظمأ الله أكبادا إلى علومهم فرغبوا فيها وأخذوا عنهم الحديث وفتاوى ~~الصحابة وأقاويلهم ومذاهب هؤلاء العلماء وتحقيقاتهم من عند أنفسهم واستفتى ~~منهم المستفتون ودارت المسائل بينهم ورفعت إليهم الأقضية # وكان سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وأمثالهما جمعوا PageV01P031 أبواب ~~الفقه أجمعها وكان لهم في كل باب أصول تلقوها من السلف # وكان سعيد وأصحابه يذهبون إلى أن أهل الحرمين أثبت الناس في الفقه وأصل ~~مذهبهم فتاوى عمر وعثمان وقضاياهما وفتاوى عبد الله بن عمر وعائشة وابن ~~عباس وقضايا قضاة المدينة فجمعوا من ذلك ما يسره الله لهم ثم نظروا فيها ~~نظر اعتبار وتفتيش فما كان منها مجمعا عليه بين علماء المدينة فانهم يأخذون ~~عليه بنواجذهم وما كان فيه اختلاف عندهم فانهم يأخذون بأقواها وأرجحها إما ~~لكثرة من ذهب إليه منهم أو ms07 لموافقته لقياس قوي أو تخريج صريح من الكتاب ~~والسنة أو نحو ذلك وإذا لم يجدوا فيما حفظوا منهم جواب المسألة خرجوا من ~~كلامهم وتتبعوا الإيماء والاقتضاء فحصل لهم مسائل كثيرة في كل باب باب وكان ~~إبراهيم وأصحابه يرون أن عبد الله بن مسعود وأصحابه أثبت الناس في الفقه ~~كما قال علقمة لمسروق هل أحد منهم أثبت من عبد الله وقول أى حنيفة رضي الله ~~2 عنه للأوزاعي إبراهيم أفقه من سالم ولولا فضل الصحبة لقلت إن علقمة أفقه ~~من عبد الله بن عمر وعبد الله هو عبد الله وأصل مذهبه فتاوى عبد الله بن ~~مسعود وقضايا على رضي الله عنه وفتاواه وقضايا شريح وغيره من قضاة الكوفة ~~فجمع من ذلك ما يسره الله ثم صنع في آثارهم كما صنع أهل المدينة في آثار ~~أهل المدينة وخرج كما خرجوا فتلخص له مسائل الفقه في كل باب باب ~~PageV01P032 # وكان سعيد بن المسيب لسان فقهاء المدينة وكان أحفظهم لقضايا عمر ولحديث ~~أبي هريرة وإبراهيم لسان فقهاء الكوفة فإذا تكلما بشيء ولم ينسباه إلى أحد ~~فانه في الأكثر منسوب إلى أحد من السلف صريحا أو إيماء ونحو ذلك فاجتمع ~~عليهما فقهاء بلدهما وأخذوا عنهما وعقلوه وخرجوا عليه والله أعلم ~~PageV01P033 & باب أسباب اختلاف مذاهب الفقهاء & # إعلم أن الله تعالى أنشأ بعد عصر التابعين نشئا من حملة العلم إنجازا لما ~~وعده صلى الله عليه وسلم حيث قال يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله فأخذوا ~~عمن اجتمعوا معه منهم صفة الوضوء والغسل والصلاة والحج والنكاح والبيوع ~~وسائر ما يكثر وقوعه ورووا حديث النبي صلى الله عليه وسلم وسمعوا قضايا ~~قضاة البلدان وفتاوى مفتيها وسألوا عن المسائل واجتهدوا في ذلك كله ثم ~~صاروا كبراء قوم ووسد اليهم الأمر فنسجوا على منوال شيوخهم ولم يألوا في ~~تتبع الإيماءات والاقتضاءات فقضوا وأفتوا ورووا وعلموا PageV01P034 وكان ~~صنيع العلماء في هذه الطبقة متشابها وحاصل صنيعهم # أن يتمسك بالمسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والمرسل جميعا ~~ويستدل بأقوال الصحابة ms08 والتابعين علما منهم أنها إما أحاديث منقولة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم اختصروها فجعلوها موقوفة كما قال إبراهيم وقد روى ~~حديث نهى رسول الله عن المحاقلة والمزابنة فقيل له أما تحفظ عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حديثا غير هذا قال بلى ولكن أقول قال عبد الله قال ~~علقمة أحب إلي # وكما قال الشعبي وقد سئل عن حديث وقيل إنه يرفع إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لا على من دون النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلينا فان كان فيه ~~زيادة أو نقصان كان على من دون النبي صلى الله عليه وسلم أو يكون استنباطا ~~منهم من النصوص أو اجتهادا منهم بآرائهم وهم أحسن صنيعا في كل ذلك ممن يجيء ~~بعدهم وأكثر إصابة وأقدم زمانا وأوعى علما فتعين العمل بها PageV01P035 إلا ~~إذا اختلفوا وكان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يخالف قولهم مخالفة ~~ظاهرة # وأنه إذا اختلفت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة رجعوا إلى ~~أقوال الصحابة فان قالوا بنسخ بعضها أو بصرفه عن ظاهره أو لم يصرحوا بذلك ~~ولكن اتفقوا على تركه وعدم القول بموجبه فإنه كإبداء علة فيه أو الحكم ~~بنسخه أو تأويله اتبعوهم في كل ذلك وهو قول مالك في حديث ولوغ الكلب جاء ~~هذا الحديث ولكن لا أدري ما حقيقته حكاه ابن الحاجب في مختصر الأصول يعني ~~لم أر الفقهاء يعملون به # وإنه إذا اختلفت مذاهب الصحابة والتابعين في مسألة فالمختار عند كل عالم ~~مذهب أهل بلده وشيوخه لأنه أعرف بصحيح أقاويلهم من السقيم وأوعى للأصول ~~المناسبة لها وقلبه أميل إلى فضلهم وتبحرهم فمذهب عمر وعثمان وعائشة وابن ~~عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وأصحابهم مثل سعيد بن المسيب فانه كان أحفظهم ~~لقضايا عمر وحديث أبي هريرة ومثل عروة وسالم وعكرمة وعطاء PageV01P036 ابن ~~يسار وقاسم وعبيد الله بن عبد الله والزهري ويحيى بن سعيد وزيد بن أسلم ~~وربيعة وأمثالهم أحق بالأخذ من غيره عند أهل المدينة لما ms09 بينه النبي صلى ~~الله عليه وسلم في فضائل المدينة ولأنها مأوى الفقهاء ومجمع العلماء في كل ~~عصر ولذلك ترى مالكا يلازم محجتهم وقد اشتهر عن مالك أنه متمسك بإجماع أهل ~~المدينة وعقد البخاري بابا في الأخذ بما اتفق عليه الحرمان # ومذهب عبد الله بن مسعود وأصحابه وقضايا علي وشريح والشعبي وفتاوى ~~إبراهيم أحق بالأخذ عند أهل الكوفة من غيره وهو قول علقمة حين مال مسروق ~~إلى قول زيد بن ثابت في التشريك قال هل أحد منهم أثبت من عبد الله فقال لا ~~ولكن رأيت زيد بن ثابت وأهل المدينة يشركون # فان اتفق أهل البلد على شيء أخذوا عليه بالنواجذ وهو الذي يقول في مثله ~~مالك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا كذا وكذا وإن اختلفوا أخذوا بأقواها ~~وأرجحها إما لكثرة القائلين به أو لموافقته لقياس قوي أو تخريج من الكتاب ~~والسنة وهو الذي يقول في مثله مالك هذا أحسن ما سمعت # فاذا لم يجدوا فيما حفظوا منهم جواب المسألة خرجوا من PageV01P037 كلامهم ~~وتتبعوا الايماء والاقضاء # وألهموا في هذه الطبقة التدوين فدون مالك ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ~~بالمدينة وابن جريج وابن عيينة بمكة والثوري بالكوفة والربيع بن صبيح ~~بالبصرة وكلهم مشوا على هذا النهج الذي ذكرته # ولما حج المنصور قال لمالك قد عزمت أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها فتنسخ ~~ثم أبعث في كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة وآمرهم بأن يعملوا بما فيها ~~ولا يتعدوه إلى غيره فقال يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا فان الناس قد سبقت ~~اليهم أقاويل وسمعوا أحاديث ورووا روايات وأخذ كل قوم بما سبق اليهم ودانوا ~~به من اختلاف الناس فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم # وتحكى نسبة هذه القصة إلى هارون الرشيد وأنه شاور مالكا في أن يعلق ~~الموطأ في الكعبة ويحمل الناس على ما فيه فقال لا تفعل فان أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم اختلفوا في الفروع وتفرقوا في البلدان وكل سنة مضت قال ms10 ~~وفقك الله يا أبا عبد الله حكاه السيوطي رحمه الله تعالى # وكان مالك رضي الله عنه أثبتهم في حديث المدنيين عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأوثقهم إسنادا وأعلمهم بقضايا عمر وأقاويل عبد الله بن عمر ~~وعائشة وأصحابهم من الفقهاء السبعة وبه وبأمثاله قام علم الرواية والفتوى ~~فلما وسد إليه الأمر PageV01P038 حدث وأفتى وأفاد وأجاد وعليه انطبق قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوشك أن يضرب الناس أكباد الابل يطلبون العلم فلا ~~يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة على ما قاله ابن عيينة وعبد الرزاق وناهيك ~~بهما فجمع أصحابه رواياته ومختاراته ولخصوها وحرروها وشرحوها وخرجوا عليها ~~وتكلموا في أصولها ودلائلها وتفرقوا إلى المغرب ونواحي الأرض فنفع الله بهم ~~كثيرا من خلقه وإن شئت أن تعرف حقيقة ما قلناه من أصل مذهبه فانظر في كتاب ~~الموطأ تجده كما ذكرنا # وكان أبو حنيفة رضي الله عنه ألزمهم بمذهب إبراهيم وأقرانه لا يجاوزه إلا ~~ما شاء الله وكان عظيم الشأن في التخريج على مذهبه دقيق النظر في وجوه ~~التخريجات مقبلا على الفروع أتم اقبال وان شئت أن تعلم حقيقة ما قلناه فلخص ~~أقوال إبراهيم من كتاب الآثار لمحمد رحمه الله وجامع عبد الرزاق ومصنف أبي ~~بكر بن أبي شيبة ثم قايسه بمذهبه تجده لا يفارق تلك المحجة إلا في مواضع ~~يسيرة وهو في تلك اليسيرة أيضا لا يخرج عما ذهب إليه فقهاء الكوفة # وكان أشهر أصحابه ذكرا أبو يوسف تولى قضاء القضاة أيام هارون الرشيد فكان ~~سببا لظهور مذهبه والقضاء به في أقطار العراق وخراسان وما وراء النهر وكان ~~أحسنهم تصنيفا وألزمهم درسا محمد بن الحسن فكان من خبره أنه تفقه على أبي ~~حنيفة وأبي يوسف ثم خرج إلى المدينة فقرأ PageV01P039 الموطأ على مالك ثم ~~رجع إلى بلده فطبق مذهب أصحابه على الموطأ مسألة مسألة فان وافق منها وإلا ~~فان رأى طائفة من الصحابة والتابعين ذاهبين إلى مذهب أصحابه فكذلك وإن وجد ~~قياسا ضعيفا أو تخريجا لينا يخالفه حديث صحيح مما عمل ms11 به الفقهاء أو يخالفه ~~عمل أكثر العلماء تركه إلى مذهب من مذاهب السلف مما يراه أرجح ما هناك وهما ~~أي أبو يوسف ومحمد لا يزالان على محجة إبراهيم ما أمكن لهما كما كان أبو ~~حنيفة رحمه الله يفعل ذلك وإنما كان اختلافهم في أحد شيئين # إما أن يكون لشيخهما تخريج على مذهب إبراهيم يزاحمانه فيه أو يكون هناك ~~لابراهيم ونظرائه أقوال مختلفة يخالفان شيخهما في ترجيح بعضهما على بعض ~~فصنف محمد رحمه الله وجمع رأي هؤلاء الثلاثة ونفع كثيرا من الناس فتوجه ~~أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه إلى تلك التصانيف تلخيصا وتقريبا أو شرحا أو ~~تخريجا أو تأسيسا أو استدلالا ثم تفرقوا إلى خراسان وما وراء النهر فسمي ~~ذلك مذهب أبي حنيفة # وإنما عد مذهب أبي حنيفة مع مذهب أبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى واحدا ~~مع أنهما مجتهدان مطلقان مخالفتهما غير قليلة في الأصول والفروع لتوافقهم ~~في هذا الأصل PageV01P040 ولتدوين مذاهبهم جميعا في المبسوط والجامع الكبير # ونشأ الشافعي رضي الله عنه في أوائل ظهور المذهبين وترتيب أصولهما ~~وفروعهما فنظر في صنيع الأوائل فوجد فيه أمورا كبحت عنانه عن الجريان في ~~طريقهم وقد ذكرها في أوائل كتابه الأم # 1 منها أنه وجدهم يأخذون بالمرسل والمنقطع فيدخل فيهما الخلل فانه إذا ~~جمع طرق الحديث يظهر أنه كم من مرسل لا أصل له وكم من مرسل يخالف مسندا ~~فقرر ألا يأخذ بالمرسل إلا عند وجود شروط وهي مذكورة في كتب الأصول # 2 ومنها أنه لم تكن قواعد الجمع بين المختلفات مضبوطة عندهم فكان يتطرق ~~بذلك خلل في مجتهداتهم فوضع لها أصولا ودونها في كتاب وهذا أول تدوين كان ~~في أصول الفقه # مثاله ما بلغنا أنه دخل على محمد بن الحسن وهو يطعن على أهل المدينة في ~~قضائهم بالشاهد الواحد مع اليمين ويقول هذا زيادة على كتاب الله فقال ~~الشافعي أثبت عندك أنه لا PageV01P041 تجوز الزيادة على كتاب الله بخبر ~~الواحد # قال نعم قال فلم قلت إن الوصية للوارث لا تجوز لقوله ms12 صلى الله عليه وسلم ~~ألا لا وصية لوارث # وقد قال الله تعالى @QB@ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت @QE@ الآية وأورد ~~عليه أشياء من هذا القبيل فانقطع كلام محمد بن الحسن # 3 ومنها أن بعض الأحاديث الصحيحة لم تبلغ علماء التابعين ممن وسد إليهم ~~الفتوى فاجتهدوا بآرائهم أو اتبعوا العموميات أو اقتدوا بمن مضى من الصحابة ~~فأفتوا حسب ذلك ثم ظهرت بعد ذلك في الطبقة الثالثة فلم يعملوا بها ظنا منهم ~~أنها تخالف عمل أهل مدينتهم وسنتهم التي لا اختلاف لهم فيها وذلك قادح في ~~الحديث أو علة مسقطة له # أو لم تظهر في الثالثة وإنما ظهرت بعد ذلك عندما أمعن أهل الحديث في جمع ~~طرق الحديث ورحلوا إلى أقطار الأرض وبحثوا عن حملة العلم # فكثير من الأحاديث لا يرويه من الصحابة إلا رجل أو PageV01P042 رجلان ولا ~~يرويه عنه أو عنهما إلا رجل أو رجلان وهلم جرا فخفي على أهل الفقه وظهر في ~~عصر الحفاظ الجامعين لطرق الحديث # وكثير من الأحاديث رواه أهل البصرة مثلا وسائر الأقطار في غفلة عنه فبين ~~الشافعي رحمه الله تعالى أن العلماء من الصحابة والتابعين لم يزل شأنهم ~~أنهم يطلبون الحديث في المسألة فاذا لم يجدوا تمسكوا بنوع آخر من الاستدلال ~~ثم إذا ظهر عليهم الحديث بعد رجعوا عن اجتهادهم إلى الحديث فاذا كان الأمر ~~على ذلك لا يكون عدم تمسكهم 2 بالحديث قدحا فيه اللهم إلا إذا بينوا العلة ~~القادحة # مثاله حديث القلتين فانه حديث صحيح روي بطرق كثيرة معظمها ترجع إلى نسخة ~~الوليد أو أبي الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير أو محمد بن عباد ~~بن جعفر عن عبيد الله بن عبد الله وكلاهما عن ابن عمر ثم تشعبت الطرق بعد ~~ذلك # وهذان وإن كانا من الثقات لكنهما ليسا ممن وسد إليهم الفتوى وعول الناس ~~عليهم فلم يظهر الحديث في عصر PageV01P043 سعيد بن المسيب ولا في عصر ~~الزهري ولم يمش عليه المالكية ولا الحنفية فلم يعملوا به وعمل به الشافعي # وحديث ms13 خيار المجلس فانه حديث صحيح روي بطرق كثيرة وعمل به ابن عمر وأبو ~~هريرة من الصحابة # ولم يظهر على الفقهاء السبعة ومعاصريهم فلم يكونوا يقولون به فرأى مالك ~~وأبو حنيفة أن هذه علة قادحة في الحديث وعمل به الشافعي # 4 ومنها أن أقوال الصحابة جمعت في عصر الشافعي فتكثرت واختلفت وتشعبت ~~ورأى كثيرا منها يخالف الحديث الصحيح حيث لم يبلغهم ورأى السلف لم يزالوا ~~يرجعون في مثل ذلك إلى الحديث فترك التمسك بأقوالهم ما لم يتفقوا وقال هم ~~رجال ونحن رجال # 5 ومنها أنه رأى قوما من الفقهاء يخلطون الرأي الذي لم يسوغه الشرع ~~بالقياس الذي أثبته فلا يميزون واحدا منهما من الآخر ويسمونه تارة ~~بالاستحسان وأعني بالرأي PageV01P044 أن ينصب مظنة حرج أو مصلحة علة لحكم ~~وإنما القياس أن تخرج العلة من الحكم المنصوص ويدار عليها الحكم فأبطل هذا ~~النوع أتم إبطال وقال من استحسن فإنه أراد أن يكون شارعا حكاه ابن الحاجب ~~في مختصر الأصول # مثاله رشد اليتيم أمر خفي فأقاموا مظنة الرشد وهو بلوغ خمس وعشرين سنة ~~مقامة وقالوا إذا بلغ اليتيم هذا العمر سلم إليه ماله قالوا هذا استحسان ~~والقياس ألا يسلم إليه # وبالجملة فلما رأى الشافعي في صنيع الأوائل مثل هذه الأمور أخذ الفقه من ~~الرأس فأسس الأصول وفرع الفروع وصنف الكتب فأجاد وأفاد واجتمع عليها ~~الفقهاء وتصرفوا اختصارا وشرحا واستدلالا وتخريجا ثم تفرقوا في البلدان ~~فكان هذا مذهب الشافعي رحمه الله تعالى PageV01P045 & باب أسباب الاختلاف ~~بين أهل الجديث وأصحاب الرأي & # إعلم أنه كان من العلماء في عصر سعيد بن المسيب وإبراهيم والزهري وفي عصر ~~مالك وسفيان وبعد ذلك قوم يكرهون الخوض بالرأي ويهابون الفتيا والاستنباط ~~إلا لضرورة لا يجدون منها بدا وكان أكبر همهم رواية حديث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سئل عبد الله بن مسعود عن شيء فقال إني لأكره أن أحل لك ~~شيئا حرمه الله عليك أو أحرم ما أحله الله لك وقال معاذ بن جبل يا أيها ~~الناس لا تعجلوا بالبلاء ms14 قبل نزوله فانه لا ينفك المسلمون أن يكون فيهم من ~~إذا سئل سدد وروي نحو ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود في كراهة ~~التكلم فيما لم ينزل وقال ابن عمر لجابر بن زيد PageV01P046 إنك من فقهاء ~~البصرة فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية فانك إن فعلت غير ذلك هلكت ~~وأهلكت وقال أبو النضر لما قدم أبو سلمة البصرة أتيته أنا والحسن فقال ~~للحسن أنت الحسن ما كان أحد بالبصرة أحب إلي لقاء منك وذلك أنه بلغني أنك ~~تفتي برأيك فلا تفت برأيك إلا أن يكون سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أو كتاب منزل وقال ابن المنكدر إن العالم يدخل فيما بين الله وبين عباده ~~فليطلب لنفسه المخرج وسئل الشعبي كيف كنتم تصنعون إذا سئلتم قال على الخبير ~~وقعت كان إذا سئل الرجل قال لصاحبه أفتهم فلا يزال حتى يرجع إلى الأول وقال ~~الشعبي ما حدثوك هؤلاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذ به وما قالوه ~~برأيهم فألقه في الحش أخرج هذه الآثار عن آخرها الدارمي # فوقع شيوع تدوين الحديث والأثر في بلدان الإسلام وكتابة الصحف والنسخ حتى ~~قل من يكون من أهل الرواية إلا كان له تدوين أو صحيفة أو نسخة من حاجتهم ~~بموقع عظيم فطاف من أدرك من عظمائهم ذلك الزمان بلاد الحجاز والشام والعراق ~~ومصر واليمن وخراسان وجمعوا الكتب وتتبعوا النسخ وأمعنوا في التفحص عن غريب ~~PageV01P047 الحديث ونوادر الأثر فاجتمع باهتمام أولئك من الحديث والآثار ~~ما لم يجتمع لأحد قبلهم وتيسر لهم ما لم يتيسر لأحد قبلهم وخلص إليهم من ~~طرق الأحاديث شيء كثير حتى كان لكثير من الأحاديث عندهم مائة طريق فما ~~فوقها فكشف بعض الطرق ما استتر في بعضها الآخر وعرفوا محل كل حديث من ~~الغرابة والاستفاضة وأمكن لهم النظر في المتابعات والشواهد وظهر عليهم ~~أحاديث صحيحة كثيرة لم تظهر على أهل الفتوى من قبل قال الشافعي رحمه الله ~~تعالى لأحمد أنتم أعلم بالأخبار الصحيحة منا فاذا ms15 كان خبر صحيح فأعلموني ~~حتى أذهب إليه كوفيا كان أو بصريا أو شاميا حكاه ابن الهمام وذلك لأنه كم ~~من حديث صحيح لا يرويه إلا أهل بلد خاصة كأفراد الشاميين والعراقيين أو أهل ~~بيت خاصة كنسخة بريد عن أبي بردة عن أبي موسى ونسخة عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده أو كان الصحابي مقلا خاملا لم يحمل عنه إلا شرذمة قليلون فمثل هذه ~~الأحاديث يغفل عنها عامة أهل الفتوى واجتمعت عندهم آثار فقهاء كل بلد من ~~الصحابة والتابعين وكان الرجل فيما قبلهم لا يتمكن إلا من جمع حديث بلده ~~وأصحابه وكان من قبلهم يعتمدون في معرفة أسماء الرجال ومراتب عدالتهم على ~~ما يخلص إليهم من مشاهدة الحال وتتبع القرائن وأمعن هذه الطبقة في هذا الفن ~~وجعلوه شيئا مستقلا بالتدوين والبحث وناظروا في الحكم بالصحة وغيرها ~~PageV01P048 فانكشف عليهم بهذا التدوين والمناظرة ما كان خفيا من حال ~~الاتصال والانقطاع وكان سفيان ووكيع وأمثالهما يجتهدون غاية الاجتهاد فلا ~~يتمكنون من الحديث المرفوع المتصل إلا من دون الألف حديث كما ذكره أبو داود ~~السجستاني في رسالته إلى أهل مكة وكان أهل هذه الطبقة يروون أربعين ألف ~~حديث فما يقرب منها بل صح عن البخاري أنه اختصر صحيحه من ستمائة ألف حديث ~~وعن أبي داود أنه اختصر سننه من خمسمائة ألف حديث وجعل أحمد مسنده ميزانا ~~يعرف به حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فما وجد فيه ولو بطريق واحد من ~~طرقه فله أصل وإلا فلا أصل له وكان رؤوس هؤلاء عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن ~~سعيد القطان ويزيد بن هارون وعبد الرزاق وأبو بكر بن أبي شيبة ومسدد وهناد ~~وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه والفضل بن دكين وعلي بن المديني وأقرانهم ~~وهذه الطبقة هي الطراز الأول من طبقات المحدثين فرجع المحققون منهم بعد ~~إحكام فن الرواية ومعرفة مراتب الأحاديث إلى الفقه فلم يكن عندهم من الرأي ~~أن يجمع على تقليد رجل ممن مضى مع ما يرون من الأحاديث والآثار المناقضة ms16 في ~~كل مذهب من تلك المذاهب فأخذوا يتتبعون أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ~~وآثار الصحابة والتابعين والمجتهدين على قواعد أحكموها في نفوسهم وأنا ~~أبينها لك PageV01P049 في كلمات يسيرة كان عندهم إنه إذا وجد في المسألة ~~قرآن ناطق فلا يجوز التحول منه إلى غيره وإذا كان القرآن محتملا لوجوه ~~فالسنة قاضية عليه فاذا لم يجدوا في كتاب الله أخذوا بسنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سواء كان مستفيضا دائرا بين الفقهاء أو يكون مختصا بأهل بلد ~~أو أهل بيت أو بطريق خاصة وسواء عمل به الصحابة والفقهاء أو لم يعملوا به ~~ومتى كان في المسألة حديث فلا يتبع فيها خلافه أثرا من الآثار ولا اجتهاد ~~أحد من المجتهدين وإذا أفرغوا جهدهم في تتبع الأحاديث ولم يجدوا في المسألة ~~حديثا أخذوا بأقوال جماعة من الصحابة والتابعين ولا يتقيدون بقوم دون قوم ~~ولا بلد دون بلد كما كان يفعل من قبلهم فان اتفق جمهور الخلفاء والفقهاء ~~على شيء فهو المتبع وإن اختلفوا أخذوا بحديث أعلمهم علما أو أورعهم ورعا أو ~~أكثرهم ضبطا أو ما اشتهر عنهم فان وجدوا شيئا يستوي فيه قولان فهي مسألة ~~ذات قولين فان عجزوا عن ذلك تأملوا في عمومات الكتاب والسنة وإيماآتهما ~~واقتضاآتهما وحملوا نظير المسألة عليها في الجواب إذ كانتا متقاربتين بادي ~~الرأي لا يعتمدون في ذلك على قواعد من الأصول ولكن على ما يخلص إلى الفهم ~~ويثلج به الصدر كما أنه ليس ميزان التواتر عدد الرواة ولا حالهم ولكن ا ~~ليقين الذي يعقبه في قلوب الناس كما نبهنا على ذلك في بيان حال الصحابة ~~وكانت هذه الأصول مستخرجة من صنيع الأوائل وتصريحاتهم وعن ميمون بن ~~PageV01P050 مهران قال كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله ~~فان وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به وان لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في ذلك الأمر سنة قضى بها فان أعياه خرج فسأل المسلمين ~~وقال أتاني كذا وكذا فهل ms17 علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في ذلك ~~بقضاء فربما اجتمع إليه النفر كلهم بذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيه قضاء فيقول أبو بكر الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ علينا علم نبينا ~~فإن أعياه أن يجد فيه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع رؤوس الناس ~~وخيارهم فاستشارهم فاذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به # وعن شريح أن عمر بن الخطاب كتب إليه إن جاءك شيء في كتاب الله فاقض به ~~ولا يلفتك عنه الرجال فان جاءك ما ليس في كتاب الله فانظر سنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فاقض بها فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن فيه سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به فان جاءك ~~ما ليس في كتاب الله ولم يكن فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ~~يتكلم فيه أحد قبلك فاختر أي الأمرين شئت إن شئت أن تجتهد برأيك ثم تقدم ~~فتقدم وإن شئت أن تتأخر فتأخر ولا أرى التأخر إلا خيرا لك # وعن عبد الله بن مسعود قال أتى علينا زمان لسنا نقضي PageV01P051 ولسنا ~~هنالك وإن الله قد قدر من الأمر أن قد بلغنا ما ترون فمن عرض له قضاء بعد ~~اليوم فليقض فيه بما في كتاب الله عز وجل فان جاءه ما ليس في كتاب الله ~~فليقض بما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن جاءه ما ليس في كتاب ~~الله ولم يقض به رسول الله صلى الله عليه وسلم فليقض فيه بما قضى به ~~الصالحون ولا يقل إني أخاف وإني أرى فان الحرام بين والحلال بين وبين ذلك ~~أمور مشتبهة فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك وكان ابن عباس إذا سئل عن الأمر ~~فإن كان في القرآن أخبر به وإن لم يكن في القرآن وكان عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أخبر به فإن لم ms18 يكن فعن أبي بكر وعمر وإن لم يكن قال فيه ~~برأيه # وعن ابن عباس أما تخافون أن تعذبوا أو يخسف بكم أن تقولوا قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقال فلان # وعن قتادة قال حدث ابن سيرين رجلا بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال الرجل قال فلان كذا وكذا فقال ابن سيرين أحدثك عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وتقول قال فلان كذا وكذا # وعن الأوزاعي قال كتب عمر بن عبد العزيز أنه لا رأي لأحد في كتاب الله ~~وإنما رأي الأئمة فيما لم ينزل فيه كتاب ولم تمض فيه سنة عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولا رأي لأحد في سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم # وعن الأعمش قال كان إبراهيم يقول يقوم عن PageV01P052 يساره فحدثته عن ~~سميع الزيات عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامه عن يمينه فأخذ ~~به # وعن الشعبي جاءه رجل يسأله عن شيء فقال كان ابن مسعود يقول فيه كذا وكذا ~~قال أخبرني أنت برأيك فقال ألا تعجبون من هذا أخبرته عن ابن مسعود ويسألني ~~عن رأيي وديني عندي أثر من ذلك والله لأن أتغنى بأغنية أحب إلي من أن أخبرك ~~برأيي أخرج هذه الآثار كلها الدارمي # وأخرج الترمذي عن أبي السائب قال كنا عند وكيع فقال لرجل ممن ينظر في ~~الرأي أشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول أبو حنيفة هو مثلة قال ~~الرجل فإنه قد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال الإشعار مثلة قال رأيت وكيعا ~~غضب غضبا شديدا وقال أقول لك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول قال ~~إبراهيم ما أحقك بأن تحبس ثم لا تخرج حتى تنزع عن قولك هذا # وعن عبد الله بن عباس وعطاء ومجاهد ومالك بن أنس رضي الله تعالى عنهم ~~أنهم كانوا يقولون ما من أحد إلا ومأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # وبالجملة فلما مهدوا الفقه على هذه ms19 القواعد فلم تكن PageV01P053 مسأله من ~~المسائل التي تكلم فيها من قبلهم والتي وقعت في زمانهم إلا وجدوا فيها ~~حديثا مرفوعا متصلا أو مرسلا أو موقوفا صحيحا أو حسنا أو صالحا للاعتبار أو ~~وجدوا أثرا من آثار الشيخين أو سائر الخلفاء وقضاة الأمصار وفقهاء البلدان ~~أو استنباطا من عموم أو إيماء أو اقتضاء فيسر الله لهم العمل بالسنة على ~~هذا الوجه وكان أعظمهم شأنا وأوسعهم رواية وأعرفهم للحديث مرتبة وأعمقهم ~~فقها أحمد بن حنبل ثم إسحاق بن راهويه وكان ترتيب الفقه على هذا الوجه ~~يتوقف على جمع شيء كثير من الأحاديث والآثار حتى سئل أحمد يكفي الرجل مائة ~~ألف حديث حتى يفتي قال لا حتى قيل خمسمائة ألف حديث قال أرجو كذا في غاية ~~المنتهى ومراده الإفتاء على هذا الأصل # ثم أنشأ ا لله تعالى قرنا آخر فرأوا أصحابهم قد كفوهم مؤونة جمع الأحاديث ~~وتمهيد الفقه على أصلهم فتفرغوا لفنون أخرى كتمييز الحديث الصحيح المجمع ~~عليه من كبراء أهل الحديث كيزيد بن هارون ويحيى بن سعيد القطان وأحمد وإسحق ~~وأضرابهم وكجمع أحاديث الفقه التي بنى عليها فقهاء الأمصار وعلماء البلدان ~~مذاهبهم وكالحكم على كل حديث بما يستحقه وكالشاذة والفاذة من الأحاديث التي ~~لم يرووها أو طرقها التي لم يخرج من PageV01P054 جهتها الأوائل مما فيه ~~اتصال أو علو سند أو رواية فقيه عن فقيه أو حافظ عن حافظ أو نحو ذلك من ~~المطالب العلمية وهؤلاء هم البخاري ومسلم وأبو داود وعبد بن حميد والدارمي ~~وابن ماجه وأبو يعلى والترمذي والنسائي والدارقطني والحاكم والبيهقي ~~والخطيب والديلمي وابن عبد البر وأمثالهم # وكان أوسعهم علما عندي وأنفعهم تصنيفا وأشهرهم ذكرا رجال أربعة متقاربون ~~في العصر # أولهم أبو عبد الله البخاري وكان غرضه تجريد الأحاديث الصحاح المستفيضة ~~المتصلة من غيرها واستنباط الفقه والسيرة والتفسير منها فصنف جامعه الصحيح ~~ووفى بما شرط وبلغنا أن رجلا من الصالحين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في منامه وهو يقول مالك اشتغلت بفقه محمد بن إدريس وتركت كتابي قال ms20 يا رسول ~~الله وما كتابك قال صحيح البخاري ولعمري إنه نال من الشهرة والقبول درجة لا ~~يرام فوقها # وثانيهم مسلم النيسابوري توخى تجريد الصحاح المجمع عليها بين المحدثين ~~المتصلة المرفوعة مما يستنبط منه السنة وأراد تقريبها إلى الأذهان وتسهيل ~~الاستنباط منها فرتب ترتيبا جيدا وجمع طرق كل حديث في موضع واحد ليتضح ~~اختلاف المتون وتشعب الأسانيد أصرح ما يكون وجمع بين المختلفات فلم يدع لمن ~~له معرفة بلسان PageV01P055 العرب عذرا في الإعراض عن السنة إلى غيرها # وثالثهم أبو داود السجستاني وكان همه جمع الأحاديث التي استدل بها ~~الفقهاء ودارت فيهم وبنى عليها الأحكام علماء الأمصار فصنف سننه وجمع فيها ~~الصحيح والحسن واللين والصالح للعمل قال أبو داود وما ذكرت في كتابي حديثا ~~أجمع الناس على تركه وما كان منها ضعيفا أصرح بضعفه وما كان فيه علة بينتها ~~بوجه يعرفه الخائض في هذا الشأن وترجم على كل حديث بما قد استنبط منه عالم ~~وذهب إليه ذاهب ولذلك صرح الغزالي وغيره بأن كتابه كاف للمجتهد # ورابعهم أبو عيسى الترمذي وكأنه استحسن طريقة للشيخين حيث بينا وما أبهما ~~وطريقة أبي داود حيث جمع كل ما ذهب إليه ذاهب فجمع كلتا الطريقتين وزاد ~~عليهما بيان مذاهب الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار فجمع كتابا جامعا ~~واختصر طرق الحديث اختصارا لطيفا فذكر واحد وأومأ إلى ما عداه وبين أمر كل ~~حديث من أنه صحيح أو حسن أو ضعيف أو منكر وبين وجه الضعف ليكون الطالب على ~~بصيرة من أمره فيعرف ما يصلح للاعتبار مما دونه وذكر أنه مستفيض أو غريب ~~وذكر مذاهب الصحابة وفقهاء الأمصار وسمى من يحتاج إلى التسمية وكنى من ~~يحتاج إلى التكنية فلم يدع خفاء لمن PageV01P056 هو من رجال العلم ولذلك ~~يقال إنه كاف للمجتهد مغن للمقلد # وكان بإزاء هؤلاء في عصر مالك وسفيان وبعدهم قوم لا يكرهون المسائل ولا ~~يهابون الفتيا ويقولون على الفقه بناء الدين فلا بد من إشاعته ويهابون ~~رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والرفع إليه حتى قال ms21 الشعبي على ~~من دون النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلينا فإن كان فيه زيادة أو نقصان كان ~~على من دون النبي صلى الله عليه وسلم وقال إبراهيم أقول قال عبد الله وقال ~~علقمة أحب إلي وكان ابن مسعود إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تربد وجهه وقال هكذا أو نحوه # وقال عمر حين بعث رهطا من الأمصار إلى الكوفة إنكم تأتون الكوفة فتأتون ~~قوما لهم أزيز بالقرآن فيأتونكم فيقولون قدم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~قدم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث فأقلوا ~~الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # وقال ابن عون كان الشعبي إذا جاءه شيء أتقى وكان إبراهيم يقول ويقول أخرج ~~هذه الآثار الدارمي # فوقع تدوين الحديث والفقه والمسائل من حاجتهم بموقع من وجه آخر وذلك أنه ~~لم يكن عندهم من الأحاديث والآثار ما يقدرون به على استنباط الفقه على ~~الأصول التي اختارها أهل الحديث ولم تنشرح صدورهم للنظر في أقوال علماء ~~PageV01P057 البلدان وجمعها والبحث عنها واتهموا أنفسهم في ذلك وكانوا ~~اعتقدوا في أئمتهم أنهم في الدرجة العليا من التحقيق وكانت قلوبهم أميل شيء ~~إلى أصحابهم كما قال علقمة هل أحد منهم أثبت من عبد الله وقال أبو حنيفة ~~رحمه الله تعالى إبراهيم أفقه من سالم ولولا فضل الصحبة لقلت علقمة أفقه من ~~ابن عمر # وكان عندهم من الفطانة والحدس وسرعة انتقال الذهب من شيء إلى شيء ما ~~يقدرون به على تخريج جواب المسائل على أقوال أصحابهم وكل ميسر لما خلق له و ~~@QB@ كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ # فمهدوا الفقه على قاعدة التخريج وذلك أن يحفظ كل أحد كتاب من هو لسان ~~أصحابه وأعرفهم بأقوال القوم وأصحهم نظرا في الترجيح فيتأمل في كل مسألة ~~وحه الحكم فكلما سئل عن شيء أو احتاج إلى شيء رأى أي نظر في فيما يحفظه من ~~تصريحات أصحابه فان وجد الجواب فبها وإلا نظر إلى عموم كلامهم فأجراه على ~~هذه الصورة أو ms22 إلى إشارة ضمنية لكلام فاستنبط منها PageV01P058 # وربما كان لبعض الكلام إيماء أو اقتضاء يفهم المقصود # وربما كان للمسألة المصرح بها نظير يحمل عليها وربما نظروا في علة الحكم ~~المصرح به بالتخريج أو بالسبر والحذف فأداروا حكمه على غير المصرح به وربما ~~كان له كلامان لو اجتمعا على هيئة القياس الاقتراني أو الشرطي أنتجا جواب ~~المسألة PageV01P059 # وربما كان في كلامهم ما هو معلوم بالمثال والقسمة غير معلوم بالحد الجامع ~~المانع فيرجعون إلى أهل اللسان PageV01P060 ويتكلفون تحصيل ذاتياته وترتيب ~~حد جامع مانع له وضبط مبهمه وتمييز مشكله وربما كان كلامهم محتملا لوجهين ~~فينظرون في ترجيح أحد المحتملين # وربما يكون تقريب الدلائل للمسائل خفيا فيبينون ذلك وربما استدل بعض ~~المخرجين من فعل أئمتهم وسكوتهم ونحو ذلك # فهذا هو التخريج ويقال له القول المخرج لفلان كذا ويقال على مذهب فلان أو ~~على أصل فلان أو على قول فلان جواب المسألة كذا وكذا ويقال لهؤلاء ~~المجتهدون في المذهب وعنى هذا الاجتهاد على هذا الأصل من قال من حفظ ~~المبسوط كان مجتهدا أي وإن لم يكن له علم بالرواية أصلا ولا بحديث واحد ~~فوقع التخريج في كل مذهب وكثر فأي مذهب كان أصحابه مشهورين وسد إليهم ~~القضاء والإفتاء واشتهرت تصانيفهم في الناس ودرسوا درسا ظاهرا انتشر في ~~أقطار الأرض ولم يزل ينتشر كل حين وأي مذهب كان أصحابه خاملين ولم يولوا ~~القضاء والإفتاء ولم يرغب فيهم الناس اندرس بعد حين # واعلم أن التخريج على كلام الفقهاء وتتبع لفظ الحديث لكل منهما أصل أصيل ~~في الدين ولم يزل المحققون PageV01P061 من العلماء في كل عصر يأخذون بهما ~~فمنهم من يقل من ذا ويكثر من ذلك ومنهم من يكثر من ذا ويقل من ذاك فلا ~~ينبغي أن يهمل أمر واحد منهما بالمرة كما يفعله عامة الفريقين وإنما الحق ~~البحت أن يطابق أحدهما بالآخر وأن يجبر خلل كل بالآخر وذلك قول الحسن ~~البصري سنتكم والله الذي لا إله إلا هو بينهما بين الغالي والجافي فمن كان ~~من أهل الحديث ينبغي ms23 أن يعرض ما اختاره وذهب إليه على رأي المجتهدين من ~~التابعين ومن بعدهم ومن كان من أهل التخريج ينبغي له أن يحصل من السنن ما ~~يحترز به من مخالفة التصريح الصحيح ومن القول برأيه فيما فيه حديث أو أثر ~~بقدر الطاقة # ولا ينبغي لمحدث أن يتعمق في القواعد التي أحكمها أصحابه وليست مما نص ~~عليه الشارع فيرد به حديثا أو قياسا صحيحا كرد ما فيه أدنى شائبة الارسال ~~والانقطاع كما فعله ابن حزم في حديث تحريم المعازف لشائبة الانقطاع في ~~رواية البخاري على أنه في نفسه متصل صحيح فإن مثله إنما يصار إليه عند ~~التعارض # وكقولهم فلان أحفظ لحديث فلان من غيره فيرجحون حديثه على حديث غيره لذلك ~~وإن كان في الآخر ألف وجه من الرجحان PageV01P062 # وكان اهتمام جمهور الرواة عند الرواية بالمعنى برؤوس المعاني دون ~~الاعتبارات التي يعرفها المتعمقون من أهل العربية فاستدلالهم بنحو الفاء ~~والواو وتقديم كلمة وتأخيرها ونحو ذلك من التعمق وكثيرا ما يعبر الراوي ~~الآخر عن تلك القصة فيأتي مكان ذلك الحرف بحرف آخر والحق أن كل ما يأتي به ~~الراوي فظاهره أنه كلام النبي صلى الله عليه وسلم فإن ظهر حديث آخر أو دليل ~~آخر وجب المصير إليه # ولا ينبغي لمخرج أن يخرج قولا لا يفيده نفس كلام أصحابه ولا يفهمه من أهل ~~العرف والعلماء باللغة ويكون بناء على تخريج مناط أو حمل نظير المسألة ~~عليها مما يختلف فيه أهل الوجوه وتتعارض الآراء ولو أن أصحابه سئلوا عن تلك ~~المسألة ربما لم يحملوا النظير على النظير لمانع وربما ذكروا علة غير ما ~~خرجه هو وإنما جاز التخريج لأنه في الحقيقة من تقليد المجتهد ولا يتم إلا ~~فيما يفهم من كلامه # ولا ينبغي أن يرد حديثا أو أثرا تطابق عليه كلام القوم لقاعدة استخرجها ~~هو أو أصحابه كرد حديث المصراه وكإسقاط سهم ذوي القربى فان رعاية الحديث ~~أوجب من رعاية تلك القاعدة المخرجة وإلى هذا المعنى أشار الشافعي حيث قال ~~مهما قلت من قول أو أصلت ms24 من أصل فبلغكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خلاف ما قلت فالقول ما قاله صلى الله عليه وسلم PageV01P063 # ومن شواهد ما نحن فيه ما صدر به الامام أبو سليمان الخطابي كتابه معالم ~~السنن حيث قال رأيت أهل العلم في زماننا قد حصلوا حزبين وانقسموا إلى ~~فرقتين أصحاب حديث وأثر وأهل فقه ونظر وكل واحدة منهما لا تتميز عن أختها ~~في الحاجة ولا تستغني عنها في درك ما تنحوه من البغية والإرادة لأن الحديث ~~بمنزلة الأساس الذي هو الأصل والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع وكل ~~بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو منهار وكل أساس خلا عن بناء وعمارة فهو ~~قفر وخراب # ووجدت هذين الفريقين على ما بينهم من التداني في المحلين والتقارب في ~~المنزلتين وعموم الحاجة من بعضهم إلى بعض وشمول الفاقة اللازمة لكل منهم ~~إلى صاحبه إخوانا متهاجرين وعلى سبيل الحق بلزوم التناصر والتعاون غير ~~متظاهرين # فأما هذه الطبقة الذين هم أهل الحديث والأثر فان الأكثرين إنما وكدهم ~~الروايات وجمع الطرق وطلب الغريب والشاذ من الحديث الذي أكثره موضوع أو ~~مقلوب لا يراعون المتون ولا يتفهمون المعاني ولا يستنبطون سرها ولا ~~يستخرجون ركازها وفقهها وربما عابوا الفقهاء وتناولوهم بالطعن وادعوا عليهم ~~مخالفة السنن PageV01P064 ولا يعلمون أنهم عن مبلغ ما أوتوه من العلم ~~قاصرون وبسوء القول فيهم آثمون # وأما الطبقة الأخرى وهم أهل الفقه والنظر فان أكثرهم لا يعرجون من الحديث ~~إلا على أقله ولا يكادون يميزون صحيحه من سقيمه ولا يعرفون جيده من رديئه ~~ولا يعبؤون بما بلغهم منه أن يحتجوا به على خصومهم إذا وافق مذاهبهم التي ~~ينتحلونها ووافق آراءهم التي يعتقدونها وقد اصطلحوا على مواضعة بينهم في ~~قبول الخبر الضعيف والحديث المنقطع إذا كان ذلك قد اشتهر عندهم وتعاورته ~~الألسن فيما بينهم من غير ثبت فيه أو يقين علم به فكان ذلك صلة من الرأي ~~وغبنا فيه # وهؤلاء وفقنا الله وإياهم لو حكي لهم عن واحد من رؤساء مذاهبهم وزعماء ~~نحلهم قول يقوله ms25 باجتهاد من قبل نفسه طلبوا فيه الثقة واستبرؤا له العهدة # فنجد أصحاب مالك لا يعتمدون من مذهبه إلا ما كان من رواية ابن القاسم ~~وأشهب وضربائهما من تلاد أصحابه فاذا جاءت رواية عبد الله بن عبد الحكم ~~وأضرابه لم تكن عندهم طائلا # وترى أصحاب أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يقبلون PageV01P065 من الرواية ~~عنه إلا ما حكاه أبو يوسف ومحمد بن الحسن والعلية من أصحابه والأجلة من ~~تلامذته فان جاءهم عن الحسن بن زياد اللؤلؤي وذويه رواية قول بخلافه لم ~~يقبلوه ولم يعتمدوه # وكذلك تجد أصحاب الشافعي إنما يعولون في مذهبه على رواية المزني والربيع ~~بن سليمان المرادي فاذا جاءت رواية حرملة والجيزي وأمثالهما لم يلتفتوا ~~إليها ولم يعتدوا بها في أقاويله # وعلى هذا عادة كل فرقة من العلماء في أحكام مذاهب أئمتهم وأساتذتهم # فإذا كان هذا دأبهم وكانوا لا يقنعون في أمر هذه الفروع ورواياتها عن ~~هؤلاء الشيوخ إلا بالوثيقة والثبت فكيف يجوز لهم أن يتساهلوا في الأمر ~~الأهم والخطب الأعظم وأن يتواكلوا الرواية والنقل عن إمام الأئمة ورسول رب ~~العزة الواجب حكمه اللازمة طاعته الذي يجب علينا التسليم لحكمه والانقياد ~~لأمره من حيث لا نجد في أنفسنا حرجا مما قضاه ولا في صدورنا غلا من شيء ~~أبرمه وأمضاه # أرأيتم إذا كان الرجل يتساهل في أمر نفسه ويسامح غرماءه في حقه فيأخذ ~~منهم الزيف ويغضي لهم عن العيب هل يجوز له أن يفعل ذلك في حق غيره إذا كان ~~PageV01P066 نائبا عنه كولي الضعيف ووصي اليتيم ووكيل الغائب وهل يكون ذلك ~~منه إذا فعله إلا خيانة للعهد وإخفارا للذمة فهذا هو ذاك إما عيان حس وإما ~~عيان مثل # ولكن أقواما عساهم استوعروا طريق الحق واستطالوا المدة في درك الخط ~~وأحبوا عجالة النيل فاختصروا طريق العلم واقتصروا على نتف وحروف منتزعة من ~~معاني أصول الفقه سموها عللا وجعلوها شعارا لأنفسهم في الترسم برسم العلم ~~واتخذوها جنة عند لقاء خصومهم ونصبوها دريئة للخوض والجدال يتناظرون بها ~~ويتلاطمون عليها وعند التصادر عنها قد ms26 حكم للغالب بالحذق والتبريز فهو ~~الفقيه المذكور في عصره والرئيس المعظم في بلده ومصره # هذا وقد دس لهم الشيطان حيلة لطيفة وبلغ منهم مكيدة بليغة فقال لهم هذا ~~الذي في أيديكم علم قصير وبضاعة مزجاة لا تفي بمبلغ الحاجة والكفاية ~~فاستعينوا عليه بالكلام وصلوه بمقطعات منه واستظهروا بأصول المتكلمين يتسع ~~لكم مذهب الخوض ومجال النظر فصدق عليهم إبليس ظنه وأطاعه كثير منهم واتبعوه ~~إلا فريقا من المؤمنين فيا للرجال والعقول أين يذهب وأنى يخدعهم الشيطان عن ~~حظهم وموضع رشدهم والله المستعان انتهى كلام الخطابي PageV01P067 & باب ~~حكاية حال الناس قبل المائة الرابعة وبيان سبب الاختلاف بين الأوائل ~~والأواخر في الانتساب إلى مذهب من المذاهب وعدمه وبيان سبب الاختلاف بين ~~العلماء في كونهم من أهل الاجتهاد المطلق أو أهل الاجتهاد في المذهب والفرق ~~بين هاتين المنزلتين & # إعلم أن الناس كانوا في المائة الأولى والثانية غير مجمعين على التقليد ~~لمذهب واحد بعينه قال أبو طالب المكي في قوت القلوب إن الكتب والمجموعات ~~محدثة والقول بمقالات الناس والفتيا بمذهب الواحد من الناس واتخاذ قوله ~~والحكاية له في كل شيء والتفقه على مذهبه لم يكن الناس قديما على ذلك في ~~القرنين الأول والثاني انتهى # أقول وبعد القرنين حدث فيهم شيء من التخريج غير أن أهل المئة الرابعة لم ~~يكونوا مجتمعين على التقليد الخالص PageV01P068 على مذهب واحد والتفقه له ~~والحكاية لقوله كما يظهر من التتبع بل كان الناس على درجتين العلماء ~~والعامة وكان من خبر العامة أنهم كانوا في المسائل الإجماعية التي لا ~~اختلاف فيها بين المسلمين أو بين جمهور المجتهدين لا يقلدون إلا صاحب الشرع ~~وكانوا يتعلمون صفة الوضوء والغسل وأحكام الصلاة والزكاة ونحو ذلك من ~~آبائهم أو علماء بلدانهم فيمشون على ذلك وإذا وقعت لهم واقعة نادرة استفتوا ~~فيها أي مفت وجدوا من غير تعيين مذهب قال ابن الهمام في آخر التحرير كانوا ~~يستفتون مرة واحدا ومرة غيره غير ملتزمين مفتيا واحدا انتهى # وأما الخاصة العلماء # فكانوا على مرتبتين # 1 منهم من أمعن في ms27 تتبع الكتاب والسنة والآثار حتى حصل له بالقوة القريبة ~~من الفعل ملكة أن يتصف بفتيا في الناس يجيبهم في الوقائع غالبا بحيث يكون ~~جوابه أكثر مما يتوقف فيه ويخص باسم المجتهد وهذا الاستعداد يحصل تارة ~~باستفراغ الجهد في جمع الروايات فانه ورد كثير من الأحكام في الأحاديث ~~وكثير منها في آثار الصحابة والتابعين وتبع التابعين مع مالا ينفك عنه ~~العاقل العارف باللغة من معرفة مواقع الكلام وصاحب العلم بالآثار من معرفة ~~طرق الجمع بين المختلفات وترتيب الدلائل ونحو ذلك كحال القدوتين أحمد بن ~~محمد بن حنبل PageV01P069 وإسحق بن راهويه # وتارة بإحكام طرق التخريج وضبط الأصول المروية في كل باب باب عن مشايخ ~~الفقه من الضوابط والقواعد مع جملة صالحة من السنن والآثار كحال الإمامين ~~القدوتين أبي يوسف ومحمد بن الحسن # 2 ومنهم من حصل له من معرفة القرآن والسنن ما يتمكن به من معرفة رؤوس ~~الفقه وأمهات مسائله بأدلتها التفصيلية وحصل له غالب الرأي ببعض المسائل ~~الأخرى من أدلتها وتوقف في بعضها واحتاج في ذلك إلى مشاورة العلماء لأنه لم ~~تتكامل له الأدوات كما تتكامل للمجتهد المطلق فهو مجتهد في البعض غير مجتهد ~~في البعض وقد تواتر عن الصحابة والتابعين أنهم كانوا إذا بلغهم الحديث ~~يعملون به من غير أن يلاحظوا شرطا # وبعد المئتين ظهر فيهم التمذهب للمجتهدين بأعيانهم وقل من كان لا يعتمد ~~على مذهب مجتهد بعينه وكان هذا هو الواجب في ذلك الزمان وسبب ذلك أن ~~المشتغل بالفقه لا يخلو من حالتين # إحداهما أن يكون أكبر همه معرفة المسائل التي قد أجاب فيها المجتهدون من ~~قبل من أدلتها التفصيلية ونقدها وتنقيح أخذها وترجيح بعضها على بعض وهذا ~~أمر جليل لا يتم له إلا بإمام يتأسى به قد كفي معرفة فرش المسائل ~~PageV01P070 وإيراد الدلائل في كل باب باب فيستعين به في ذلك ثم يستقل ~~بالنقد والترجيح ولولا هذا الإمام صعب عليه ولا معنى لارتكاب أمر صعب مع ~~إمكان الأمر اسهل # ولابد لهذا المقتدي أن يستحسن شيئا مما سبق إليه ms28 إمامه ويستدرك عليه شيئا ~~فان كان استدراكه أقل من موافقته عد من أصحاب الوجوه في المذهب وإن كان ~~أكثر لم يعد تفرده وجها في المذهب وكان مع ذلك منتسبا إلى صاحب المذهب في ~~الجملة ممتازا عمن يتأسى بإمام آخر في كثير من أصول مذهبه وفروعه # ويوجد لمثل هذا بعض مجتهدات لم يسبق بالجواب فيها إذ الوقائع متتالية ~~والباب مفتوح فيأخذها من الكتاب والسنة وآثار السلف من غير اعتماد على ~~إمامه ولكنها قليلة بالنسبة إلى ما سبق بالجواب فيه وهذا هو المجتهد المطلق ~~المنتسب # وثانيهما أن يكون أكبر همه معرفة المسائل التي يستفتيه فيها المستفتون ~~مما لم يتكلم فيه المتقدمون وحاجته إلى إمام يأتسي به في الأصول الممهدة في ~~كل باب أشد من حاجة الأول لأن مسائل الفقه متعانقة متشابكة فروعها تتعلق ~~بأمهاتها فلو ابتدأ هذا بنقد مذاهبهم وتنقيح أقوالهم لكان ملتزما لما لا ~~يطيقه ولا يتفرع منه طول عمره فلا سبيل له إلى باب إلا أن يجمل النظر فيما ~~سبق فيه PageV01P071 ويتفرغ للتفاريع وقد يوجد لمثل هذا استدراكات على ~~إمامه بالكتاب والسنة وآثار السلف والقياس لكنها قليلة بالنسبة إلى ~~موافقتها وهذا هو المجتهد في المذهب # وأما الحالة الثالثة وهي أن يستفرغ جهده أولا في معرفة أولية ما سبق إليه ~~ثم يستفرغ جهده ثانيا في التفريع على ما اختاره واستحسنه فهي حالة بعيدة ~~غير واقعة لبعد العهد عن زمان الوحي واحتياج كل عالم في كثير مما لا بد له ~~في علمه إلى ما مضى من روايات الأحاديث على تشعب متونها وطرقها ومعرفة ~~مراتب الرجال ومراتب صحة الحديث وضعفه وجمع ما اختلف من الأحاديث والآثار ~~والتنبه لما يأخذ الفقيه منها ومن معرفة غريب اللغة وأصول الفقه ومن رواية ~~المسائل التي سبق التكلم فيها من المتقدمين مع كثرتها جدا وتباينها ~~واختلافها ومن توجيه أفكاره في تمييز تلك الروايات وعرضها على الأدلة فاذا ~~أنفذ عمره في ذلك كيف يوفي حق التفاريع بعد ذلك والنفس الإنسانية وإن كانت ~~زكية لها حد معلوم تعجز عما وراءه ms29 وإنما كان هذا ميسر للطراز الأول من ~~المجتهدين حين كان العهد قريبا والعلوم غير متشعبة على أنه لم يتيسر ذلك ~~أيضا إلا لنفوس قليلة وهم مع ذلك كانوا مقيدين بمشايخهم معتمدين عليهم ولكن ~~لكثرة تصرفاتهم في العلم صاروا مستقلين PageV01P072 # وبالجملة فالتمذهب للمجتهدين سر ألهمه الله تعالى العلماء وتبعهم عليه من ~~حيث يشعرون أو لا يشعرون # ومن شواهد ما ذكرناه كلام الفقيه ابن زياد الشافعي اليمني في فتاواه حيث ~~سئل عن مسألتين أجاب فيهما البلقيني بخلاف مذهب الشافعي فقال في الجواب إنك ~~لا تعرف توجيه كلام البلقيني ما لم تعرف درجته في العلم فانه إمام مجتهد ~~مطلق منتسب غير مستقل من أهل التخريج والترجيح وأعني بالمنتسب من له اختيار ~~وترجيح يخالف الراجح في مذهب الإمام الذي ينتسب إليه وهذا حال كثير من ~~جهابذة أكابر أصحاب الشافعي من المتقدمين والمتأخرين وسيأتي ذكرهم وترتيب ~~درجاتهم وممن نظم البلقيني في سلك المجتهدين المطلقين المنتسبين تلميذه ~~الولي أبو زرعة فقال قلت مرة لشيخنا الإمام البلقيني ما تقصير الشيخ تقي ~~الدين السبكي عن الاجتهاد وقد استكمل إليه وكيف يقلد قال ولم أذكره هو أي ~~شيخه البلقيني استحياء منه لما أردت أن أرتب على ذلك فسكت فقلت فما عندي أن ~~الامتناع من ذلك إلا للوظائف التي قدرت للفقهاء على المذاهب الأربعة وأن من ~~خرج عن ذلك واجتهد لم ينله شيء من ذلك وحرم ولاية القضاء وامتنع الناس من ~~استفتائه ونسب إليه البدعة فتبسم ووافقني على ذلك انتهى قلت أما أنا فلا ~~أعتقد PageV01P073 أن المانع لهم من الاجتهاد ما أشار إليه حاشا منصبهم ~~العلي على ذلك وأن يتركوا الاجتهاد مع قدرتهم عليه لغرض القضاء أو الأسباب ~~هذا ما لا يجوز لأحد أن يعتقده فيهم وقد تقدم أن الراجح عند الجمهور وجوب ~~الاجتهاد في مثل ذلك كيف ساغ للولي نسبتهم إلى ذلك ونسبة البلقيني إلى ~~موافقته على ذلك وقد قال الجلال السيوطي في شرح التنبيه في باب الطلاق ما ~~لفظه وما وقع للأئمة من الاختلاف من تغير الاجتهاد فيصححون ms30 في كل موضع ما ~~أدى إليه اجتهادهم في ذلك الوقت وقد كان المصنف يعني صاحب التنبيه من ~~الاجتهاد بالمحل الذي لا ينكر وصرح غير واحد من الأئمة بأنه وابن الصباغ ~~وإمام الحرمين والغزالي بلغوا رتبة الاجتهاد المطلق وما وقع في فتاوى ابن ~~الصلاح من أنهم بلغوا رتبة الاجتهاد في المذهب دون المطلق فمراده أنهم كانت ~~لهم درجة الاجتهاد المنتسب دون المستقل وأن المطلق كما قرره هو في كتابه ~~آداب الفتيا والنووي في شرح المهذب نوعان مستقل وقد فقد من رأس الأربعمائة ~~فلم يمكن وجوده ومنتسب وهو باق إلى أن تأتي أشراط الساعة الكبرى ولا يجوز ~~انقطاعه شرعا لأنه فرض كفاية ومتى قصر أهل عصر حتى تركوه أثموا كلهم وعصوا ~~بأسرهم كما صرح به الأصحاب منهم الماوردي والروياني في البحر والبغوي في ~~التهذيب وغيرهم ولا ينادى هذا الفرض بالاجتهاد المقيد كما صرح به ابن اصلاح ~~والنووي في PageV01P074 شرح المهذب والمسألة مبسوطة في كتابنا المسمى بالرد ~~على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض ولا يخرج هولاء عن ~~الاجتهاد المطلق المنتسب من كونه شافعية كما صرح به النووي وابن الصلاح في ~~الطبقات وتبعه ابن السبكي ولهذا صنفوا في المذهب كتبا وأفتوا وتداولوا ~~وولوا وظائف الشافعية كما ولي المصنف وابن الصباغ تدريس النظامية ببغداد ~~وولي إمام الحرمين والغزالي تدريس النظامية بنيسابور وولي ابن عبد السلام ~~الجابية والظاهرية بالقاهرة وولي ابن دقيق العيد الصلاحية المجاورة لمشهد ~~إمامنا الشافعي رضي الله عنه والفاضلية والكاملية وغير ذلك # أما من بلغ رتبة الاجتهاد المستقل فانه يخرج بذلك عن كونه شافعيا ولا ~~تنقل أقواله في كتب المذهب ولا أعلم أحدا بلغ هذه الربتة من الأصحاب إلا ~~أبا جعفر بن جرير الطبري فانه كان شافعيا ثم استقل بمذهب ولهذا قال الرافعي ~~وغيره ولا يعد تفرده وجها في المذهب انتهى وهي عندي أحسن مما سلك الولي أبو ~~زرعة رضي الله عنه إلا أن كلامه يقتضي أن ابن جرير لا يعد شافعيا وهو ~~PageV01P075 مردود فقد قال الرافعي ms31 في أول كتاب الزكاة من الشرح تفرد ابن ~~جرير لا يعد وجها في مذهبنا وان كان معدودا في طبقات أصحاب الشافعي قال ~~النووي في التهذيب ذكره أبو عاصم العبادي في الفقهاء الشافعية فقال هو من ~~أفراد علمائنا وأخذ فقه الشافعي على الربيع المرادي والحسن الزعفراني انتهى ~~ومعنى انتسابه إلى الشافعي أنه جرى على طريقته في الاجتهاد واستقراء الأدلة ~~وترتيب بعضها على بعض ووافق اجتهاده وإذا خالف أحيانا لم يبال بالمخالفة ~~ولم يخرج عن طريقه إلا في مسائل وذلك لا يقدح في دخوله في مذهب الشافعي # ومن هذا القبيل محمد بن إسماعيل البخاري فانه معدود في طبقات الشافعية ~~وممن ذكره في طبقات الشافعية الشيخ تاج الدين السبكي وقال إنه تفقه ~~بالحميدي والحميدي تفقه بالشافعي واستدل شيخنا العلامة على ادخال البخاري ~~في الشافعية بذكره في طبقاتهم وكلام النووي الذي ذكرناه شاهد له وذكر الشيخ ~~تاج الدين السبكي في طبقاته ما لفظه كل تخريج أطلقه المخرج إطلاقا فظهر أن ~~ذلك المخرج إن كان ممن يغلب عليه المذهب والتقليد كالشيخ أبي حامد والقفال ~~عد من المذهب وان كان ممن يكثر خروجه كالمحمدين الأربعة يعني محمد بن جرير ~~ومحمد بن خزيمة ومحمد بن نصر المروزي ومحمد بن المنذر فلا يعد أما المزني ~~وبعده ابن شريح فبين الدرجتين لم يخرجوا خروج المحمدين PageV01P076 ولم ~~يتقيدوا بقيد العراقيين والخراسانيين انتهى # وممن ذكره السبكي في طبقاته الشيخ أبا الحسن الأشعري إمام أهل السنة ~~والجماعة وقال إنه معدود من الشافعية فانه تفقه بالشيخ أبي إسحاق المروزي ~~انتهى قول ابن زياد # ومن شواهد ما ذكره أيضا ما في كتاب الأنوار حيث قال والمنتسبون إلى مذهب ~~الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد أصناف # أحدها العوام وتقليدهم للشافعي متفرع على تقليد المنتسب # الثاني البالغون إلى رتبة الاجتهاد والمجتهد لا يقلد مجتهدا وإنما ينسبون ~~إليه لجريهم على طريقه في الاجتهاد واستعمال الأدلة وترتيب بعضها على بعض # الثالث المتوسطون وهم الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد لكنهم وقفوا على ~~أصول الإمام وحكوا من قياس ما لم يجدوه ms32 منصوصا على ما نص عليه وهؤلاء ~~مقلدون له وكذا من يأخذه بقولهم من العوام والمشهور أنهم لا يقلدون في ~~أنفسهم لأنهم مقلدون انتهى كلام الأنوار فان قلت كيف يكون شيء واحد غير ~~واجب في زمان واجبا في زمان آخر مع أن الشرع واحد فليس قولك لم يكن ~~الاقتداء PageV01P077 بالمجتهد المستقل واجبا ثم صار واجبا إلا قولا ~~متناقضا متنافيا # قلت الواجب الأصل هو أن يكون في الأمة من يعرف الأحكام الفرعية من أدلتها ~~التفصيلية أجمع على ذلك أهل الحق ومقدمة الواجب واجبة فإذا كان للواجب طرق ~~متعددة وجب تحصيل طريق من تلك الطرق من غير تعيين وإذا تعين له طريق واحد ~~وجب ذلك الطريق بخصوصه كما إذا كان الرجل في مخمصة شديدة يخاف منها الهلاك ~~وكان لدفع مخمصته طرق من شراء الطعام والتقاط الفواكه من الصحراء واصطياد ~~ما يتقوت به وجب تحصيل شيء من هذه الطرق لا على التعين فاذا وقع في مكان ~~ليس هناك صيد ولا فواكه وحب عليه بذل المال في شراء الطعام وكذلك كان للسلف ~~طرق في تحصيل هذا الواجب وكان الواجب تحصيل طريق من تلك الطرق لا على ~~التعين ثم انسدت تلك الطرق إلا طريقا واحدا فوجب ذلك الطريق بخصوصه وكان ~~السلف لا يكتبون الحديث ثم صار يومنا هذا كتابة الحديث واجبة لأن رواية ~~الحديث لا سبيل لها اليوم إلا بمعرفة هذه الكتب # وكان السلف لا يشتغلون بالنحو واللغة وكان لسانهم عربيا لا يحتاجون إلى ~~هذه الفنون ثم صار يومنا هذا معرفة اللغة العربية واجبة لبعد العهد عن ~~العرب الأول وشواهد PageV01P078 ما نحن فيه كثيرة جدا وعلى هذا ينبغي أن ~~القياس وجوب التقليد لإمام بعينه فانه قد يكون واجبا وقد لا يكون واجبا ~~فاذا كان إنسان جاهل في بلاد الهند أو في بلاد ما وراء النهر وليس هناك ~~عالم شافعي ولا مالكي ولا حنبلي ولا كتاب من كتب هذه المذاهب وجب عليه أن ~~يقلد لمذهب أبي حنيفة ويحرم عليه أن يخرج من مذهبه لأنه حينئذ يخلع ربقة ms33 ~~الشريعة ويبقى سدى مهملا بخلاف ما إذا كان في الحرمين فانه متيسر له هناك ~~معرفة جميع المذاهب ولا يكفيه أن يأخذ بالظن من غير ثقة ولا أن يأخذ من ~~ألسنة العوام ولا أن يأخذ من كتاب غير مشهور كما ذكر كل ذلك في النهر ~~الفائق شرح كنز الدقائق # واعلم أن المجتهد المطلق من جمع خمسة من العلوم قال النووي في المنهاج ~~وشرط القاضي مسلم مكلف حر عدل سميع بصير ناطق كاف مجتهد وهو أن يعرف من ~~القرآن والسنه ما يتعلق بالأحكام وخاصه وعامه ومجمله ومبينه وناسخه ومنسوخه ~~ومتواتر السنة وغيره والمتصل والمرسل وحال الرواة قوة وضعفا ولسان العرب ~~لغة ونحوا وأقوال العلماء من الصحابة فمن PageV01P079 بعدهم اجتماعا ~~واختلافا والقياس بأنواعه # ثم اعلم أن هذا المجتهد قد يكون مستقلا وقد يكون منتسبا إلى المستقل ~~والمستقل من امتاز عن سائر المجتهدين بثلاث خصال كما ترى ذلك في الشافعي ~~ظاهرا # أحدها أن يتصرف في الأصول والقواعد التي يستنبط منها الفقه كما ذكر ذلك ~~في أوائل الأم حيث عد صنيع الأوائل في استنباطهم واستدرك عليهم وكما أخبرنا ~~شيخنا أبو طاهر محمد بن إبراهيم المدني عن مشايخه المكيين الشيخ حسن بن علي ~~العجمي والشيخ أحمد النخلي عن الشيخ محمد بن العلاء الباهلي عن إبراهيم بن ~~إبراهيم اللقاني وعبد الرؤوف الطبلاوي عن الجلال أبي فضل السيوطي عن أبي ~~الفضل المرجاني إجازة عن أبي الفرج الغزي عن يونس بن إبراهيم الدبوسي عن ~~أبي الحسن بن البقر عن الفضل بن سهل الإسفرائيني عن الحافظ الحجة أبي بكر ~~أحمد بن علي الخطيب أخبرنا أبو نعيم الحافظ حدثنا أبو محمد عبد الله بن ~~محمد بن جعفر بن حبان حدثنا عبد الله بن محمد بن يعقوب حدثنا أبو حاتم يعني ~~الرازي حدثني يونس بن عبد الأعلى قال قال محمد بن إدريس الشافعي الأصل قرآن ~~وسنة فان لم يكن فقياس عليهما وإذا اتصل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وصح الإسناد منه فهو سنة والاجماع أكبر من الخبر المفرد والحديث ms34 ~~PageV01P080 على ظاهره وإذا احتمل المعاني فما أشبه منها ظاهره أولاها به ~~وإذا تكافأت الأحاديث فأصحها إسنادا أولاها وليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع ~~ابن المسيب ولا يقاس أصل على أصل ولا يقال للأصل لم وكيف وإنما يقال للفرع ~~لم فاذا صح قياسه على الأصل صح وقامت به الحجة انتهى # وثانيها أن يجمع الأحاديث والآثار فيحصل أحكامها وينبه لأخذ الفقه منها ~~ويجمع مختلفها ويرجح بعضها على بعض ويعين بعض محتملها وذلك قريب من ثلثي ~~علم الشافعي فيما نرى والله أعلم # وثالثها أن يفرع التفاريع التي ترد عليه مما لم يسبق بالجواب فيه من ~~القرون المشهود لها بالخبر # وبالجملة فيكون كثير التصرفات في هذه الخصال فائقا على أقرانه سابقا في ~~حلبة رهانه مبرزا في ميدانه # وخصلة رابعة نتلوها وهي أن ينزل له القبول من السماء فأقبل إلى علمه ~~جماعات من العلماء من المفسرين والمحدثين والأصوليين وحفاظ كتب الفقه ويمضي ~~على ذلك القبول والإقبال قرون متطاولة حتى يدخل ذلك في صميم القلوب ~~والمجتهد المطلق المنتسب هو المقتدي المسلم في الخصلة الأولى الجاري في ~~مجراه في الخصلة الثانية # والمجتهد في المذهب هو الذي مسلم منه الأولى والثانية PageV01P081 وجرى ~~مجراه في التفريع على منهاج تفاريعه # ولنضرب لذلك مثلا فنقول كل من تطيب في هذه الأزمنة المتأخرة إما أن يكون ~~يقتدي بأطباء اليونان أو بأطباء الهند فهو بمنزلة المجتهد المستقل ثم إن ~~كان هذا المتطبب قد عرف خواص الأدوية وأنواع الأمراض وكيفية ترتيب الأشربة ~~والمعاجين بعقله بأن تنبه لذلك من تنبيههم حتى صار على يقين من أمره من غير ~~تقليد واقتدر على أن يفعل كما فعلوا فيعرف خواص العقاقير التي لم يسبق ~~بالتكلم فيها وبيان أسباب الأمراض وعلاماتها ومعالجاتها مما لم يرصده ~~السابقون وزاحم الأوائل في بعض ما تكلم قل في ذلك منه أو كثر فهو بمنزلة ~~المجتهد المطلق المنتسب وان سلم ذلك منهم من غير يقين كامل وكان أكثرهم ~~توليدا للأشربة والمعاجين من تلك القواعد الممهدة كأكثر متطببي هذه الأزمنة ~~المتأخرة فهو بمنزلة المجتهد في ms35 المذهب # وكذلك كل من نظم الشعر في هذه الأزمنة أما أن يقتدي في ذلك بأشعار العرب ~~ويختار أوزانهم وقوافيهم وأساليب قصائدهم أو بأشعار العجم فهو بمنزلة ~~المجتهد المستقل ثم إن كان هذا الشاعر مخترعا لأنواع من الغزل والتشبيب ~~والمدح والهجو والوعظ وأتى بالعجب العجاب في الاستعارات والبديع ونحوها مما ~~لم يسبق إلى مثله بل تنبه لذلك من بعض صنائعهم فأخذ النظير وقايس الشيء ~~بالشيء واقتدر على أن PageV01P082 يخترع بحرا لم يتكلم فيه من قبله وأسلوبا ~~جديدا كنظم المثنوي والرباعي ورعاية الرديف أعني كلمة تامة يعيدها في كل ~~بيت بعد القافية يفعل كل ذلك في الشعر العربي فهو بمنزلة المجتهد المطلق ~~وإن لم يكن مخترعا وإنما يتبع طرقهم فقط فهو بمنزلة المجتهد في المذهب # وهكذا الحال في علم التفسير والتصوف وغيرهما من العلوم # فان قلت ما السبب في أن الأوائل لم يتكلموا في أصول الفقه كثير كلام فلما ~~نشأ الشافعي تكلم فيها كلاما شافيا وأفاد وأجاد # قلت سببه أن الأوائل كان يجتمع عند كل واحد منهم أحاديث بلده وآثاره ولا ~~يجتمع أحاديث البلاد فاذا تعارضت عليه الأدلة في أحاديث بلده حكم في ذلك ~~التعارض بنوع من الفراسة بحسب ما تيسر له # ثم اجتمع في عصر الشافعي أحاديث البلاد جميعها فوقع التعارض في أحاديث ~~البلاد ومختارات فقهائها مرتين مرة فيما بين أحاديث بلد وأحاديث بلد آخر ~~ومرة في أحايث بلد واحد فيما بينها وانقصر كل رجل بشيخه فيما رأى من ~~الفراسة فاتسع الخرق وكثر الشغب وهجم على الناس من PageV01P083 كل جانب من ~~الاختلافات ما لم يكن بحساب فبقوا متحيرين مدهوشين لا يستطيعون سبيلا حتى ~~جاءهم تأييد من ربهم فألهم الشافعي قواعد جمع هذه المختلفات وفتح لمن بعده ~~بابا وأي باب وانقرض المجتهد المطلق المنتسب في مذهب الإمام أبي حنيفة بعد ~~المائة الثالثة وذلك لأنه لا يكون إلا محدثا جهبذا واشتغالهم بعلم الحديث ~~قليل قديما وحديثا وإنما كان فيه المجتهدون في المذهب وهذا الاجتهاد أراد ~~من قال أدنى الشروط للمجتهد حفظ المبسوط # وقل ms36 المجتهد المنتسب في مذهب مالك وكل من كان منهم بهذه المنزلة فانه لا ~~يعد تفرده وجها في المذهب كأبي عمر المعروف بابن عبد البر والقاضي أبي بكر ~~بن العربي # وأما مذهب أحمد فكان قليلا قديما وحديثا وكان فيه المجتهدون طبقة بعد ~~طبقة إلى أن انقرض في المائة التاسعة واضمحل المذهب في أكثر البلاد اللهم ~~إلا ناس قليلون بمصر وبغداد # ومنزلة مذهب أحمد من مذهب الشافعي منزلة مذهب أبي يوسف ومحمد من مذهب أبي ~~حنيفة إلا أن مذهبه لم يجمع في التدوين مع مذهب الشافعي كما دون مذهبهما مع ~~مذهب أبي حنيفة فلذلك لم يعدا مذهبا واحدا فيما ترى والله أعلم PageV01P084 ~~وليس تدوينه مع مذهبه تميزا على من تلقاهما على وجههما # وأما مذهب الشافعي فأكثر المذاهب مجتهدا مطلقا ومجتهدا في المذهب وأكثر ~~المذاهب أصوليا ومتكلما وأوفرها مفسرا للقرآن وشارحا للحديث وأشدها إسنادا ~~ورواية وأقواها ضبطا لنصوص الإمام وأشدها تميزا بين أقوال الإمام ووجوه ~~الأصحاب وأكثرها اعتناء بترجيح بعض الأقوال والوجوه على بعض # وكل ذلك لا يخفى على من مارس المذاهب واشتغل بها وكان أوائل أصحابه ~~مجتهدين بالاجتهاد المطلق ليس فيهم من يقلده في جميع مجتهداته حتى نشأ ابن ~~سريج فأسس قواعد التقليد والتخريج ثم جاء أصحابه يمشون في سبيله وينسجون ~~على منواله ولذلك يعد من المجددين على رأس المائتين والله أعلم # ولا يخفى عليه أيضا أن مادة مذهب الشافعي من الأحاديث والآثار مدونة ~~مشهورة مخدومة ولم يتفق مثل ذلك في مذهب غيره فمن مادة مذهبه كتاب الموطأ ~~وهو وان كان متقدما على الشافعي فان الشافعي بنى عليه مذهبه وصحيح ~~PageV01P085 البخاري وصحيح مسلم وكتب أبي داود والترمذي وابن ماجه والدارمي ~~ثم مسند الشافعي وسنن النسائي وسنن الدارقطني وسنن البيهقي وشرح السنة ~~للبغوي # أما البخاري فانه وان كان منتسبا إلى الشافعي موافقا له في كثير من الفقه ~~فقد خالفه أيضا في كثير ولذلك لايعد ما تفرد به من مذهب الشافعي # وأما أبو داود والترمذي فهما مجتهدان منتسبان إلى أحمد وإسحاق وكذلك ابن ~~ماجة ms37 والدرامي فيما نرى والله أعلم # وأما مسلم والعباس الأصم جامع مسند الشافعي والذين ذكرناهم بعده فهم ~~متفردون لمذهب الشافعي يناضلون دونه # وإذا أحطت بما ذكرناه اتضح عندك أن من حاد مذهب الشافعي يكون محروما عن ~~مذهب الاجتهاد المطلق وإن علم الحديث وقد أبى أن يناصح من يتطفل على ~~الشافعي وأصحابه رضي الله عنهم % وكن طفيليهم على أدب % فلا أرى شافعا سوى ~~الأدب % PageV01P086 & باب حكاية ما حدث في الناس بعد المائة الرابعة & ثم ~~بعد هذه القرون كان ناس آخرون ذهبوا يمينا وشمالا وحدث فيهم أمور منها # 1 الجدل والخلاف في علم الفقه وتفصيله على ما ذكره الغزالي أنه لما انقرض ~~عهد الخلفاء الراشدين المهديين أفضت الخلافة إلى قوم تولوها بغير استحقاق ~~ولا استقلال بعلم الفتاوي والأحكام فاضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء وإلى ~~استصحابهم في جميع أحوالهم وقد كان بقي من العلماء من هو مستمر على الطراز ~~الأول وملازم صف الدين فكانوا إذا طلبوا هربوا وأعرضوا فرأى أهل تلك ~~الأعصار عز العلماء وإقبال الأئمة عليهم مع إعراضهم فأشرأبوا لطلب العلم ~~توصلا إلى نيل العز ودرك الجاه PageV01P087 فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا ~~مطلوبين طالبين وبعد أن كانوا أعزة بالإعراض عن السلاطين أذلة بالإقبال ~~عليهم إلا من وفقه الله # وقد كان من قبلهم قد صنف ناس في علم الكلام وأكثروا القال والقيل ~~والإيراد والجواب وتمهيد طرق الجدل فوقع ذلك منهم بموقع من قبل أن كان من ~~الصدور والملوك من مالت نفسه إلى المناظرة في الفقه وبيان الأولى من مذهب ~~الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله فترك الناس الكلام وفنون العلم وأقبلوا على ~~المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله على الخصوص وتساهلوا ~~في الخلاف مع مالك وسفيان وأحمد بن حنبل وغيرهم وزعموا أن غرضهم استنباط ~~دقائق الشرع وتقرير علل المذاهب وتمهيد أصول الفتاوي وأكثروا فيها التصانيف ~~والاستنباطات ورتبوا فيها أنواع المجادلات والتصنيفات وهم مستمرون عليه إلى ~~الآن ولسنا ندري ما الذي قدر الله تعالى أي أزلا فيما بعدها من الأعصار ~~انتهى حاصله # واعلم أني وجدت ms38 أكثرهم يزعمون أن بناء الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي ~~رحمهما الله على هذه الأصول المذكورة في كتاب البزدوي ونحوه وإنما الحق أن ~~أكثرهما أصول مخرجة على قولهم # وعندي أن المسألة القائلة بأن الخاص مبين ولا يلحقه PageV01P088 البيان ~~وأن الزيادة نسخ وأن العام قطعي كالخاص وأن لا ترجيح بكثرة الرواة وأنه لا ~~يجب العلم بحديث غير الفقيه إذا انسد به باب الرأي وأن لا عبرة بمفهوم ~~الشرط والوصف أصلا وأن موجب الأمر هو الوجوب البتة وأمثال ذلك أصول مخرجة ~~على كلام الأئمة وأنه لا تصح بها رواية عن أبي حنيفة وصاحبيه وأنه ليست ~~المحافظة عليها والتكلف في جواب ما يرد عليها من صنائع المتقدمين في ~~استنباطهم كما يفعله البزدوي وغيره أحق من المحافظة على خلافها والجواب عما ~~يرد عليه # مثاله أنهم أصلوا أن الخاص مبين فلا يلحقه البيان وخرجوه من صنيع الأوائل ~~في قوله تعالى واسجدوا واركعوا وقوله صلى الله عليه وسلم لا تجزيء صلاة ~~الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود حيث لم يقولوا بفرضية الاطمئنان ولم ~~يجعلوا الحديث بيانا للآية فورد عليهم صنيعهم # في قوله تعالى @QB@ وامسحوا برؤوسكم @QE@ ومسحه صلى الله عليه وسلم على ~~ناصيته حيث جعلوه بيانا # وقوله تعالى @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا @QE@ # وقوله جل شأنه @QB@ والسارق والسارقة فاقطعوا @QE@ PageV01P089 الآية ~~وقوله تعالى @QB@ حتى تنكح زوجا غيره @QE@ # وما لحقه من البيان بعد ذلك # فتكلفوا للجواب كما هو مذكور في كتبهم # وأنهم أصلوا أن العام قطعي كالخاص وخرجوه من صنيع الأوائل # في قوله تعالى @QB@ فاقرؤوا ما تيسر من القرآن @QE@ وقوله صلى الله عليه ~~وسلم لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب حيث لم يجعلوه مخصصا # وفي قوله صلى الله عليه وسلم فيما سقت العيون العشر الحديث وقوله صلى ~~الله عليه وسلم ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة حيث لم يخصوه به ونحو ذلك من ~~المواد # ثم ورد عليهم قوله تعالى @QB@ فما استيسر من الهدي @QE@ وإنما هو الشاة ~~فما فوقه ببيان النبي صلى الله عليه وسلم فتكلفوا في الجواب # وكذلك أصلوا أن لا عبرة ms39 بمفهوم الشرط والوصف PageV01P090 وخرجوه من ~~صنيعهم في قوله تعالى @QB@ ومن لم يستطع منكم طولا @QE@ الآية # ثم ورد عليهم كثير من صنائعهم كقوله صلى الله عليه وسلم في الإبل السائمة ~~زكاة فتكلفوا في الجواب وأصلوا أنه لا يجب العمل بحديث غير الفقيه إذا انسد ~~به باب الرأي وخرجوه من صنيعهم في ترك حديث المصراة # ثم ورد عليهم حديث القهقهة وحديث عدم فساد الصوم بالأكل ناسيا فتكلفوا في ~~الجواب # وأمثال ما ذكرنا كثير لا يخفى على المتتبع ومن لم يتتبع لا تكفيه الإطالة ~~فضلا عن الإشارة ويكفيك دليلا على هذا قول المحققين في مسألة لا يجب العمل ~~بحديث من اشتهر بالضبط والعدالة دون الفقه اذا انسد باب الرأي كحديث ~~المصراة إن هذا مذهب عيسى بن أبان واختاره كثير من المتأخرين وذهب الكرخي ~~وتبعه كثير من العلماء إلى عدم اشتراط فقه الراوي لتقدم الخبر على القياس ~~وقالوا لم ينقل هذا القول عن أصحابنا بل المنقول عنهم أن خبر الواحد مقدم ~~على القياس ألا ترى أنهم عملوا بخبر أبي هريرة في الصائم إذا أكل أو شرب ~~ناسيا وإن كان مخالفا للقياس حتى قال PageV01P091 أبو حنيفة رحمه الله لولا ~~الرواية لقلت بالقياس ويرشدك أيضا اختلافهم في كثير من التخريجات أخذا من ~~صنعائهم ورد بعضهم على بعض # ووجدت بعضهم يزعم أن جميع ما يوجد في هذه الشروح الطويلة وكتب الفتاوى ~~الضخمة هو قول أبي حنيفة وصاحبيه ولا يفرق بين القول المخرج وبين ما هو قول ~~في الحقيقة ولا يحصل معنى قولهم على تخريج الكرخي كذا وعلى تخريج الطحاوي ~~كذا ولا يميز بين قولهم قال أبو حنيفة كذا وبين قولهم جواب المسألة على قول ~~أبي حنيفة وعلى أصل أبي حنيفة كذا ولا يصغي إلى ما قاله المحققون من ~~الحنفيين كابن الهمام وابن النجيم في مسألة العشر في العشر ومسألة اشتراط ~~البعد من الماء ميلا في التيمم وأمثالهما إن ذلك من تخريجات الأصحاب وليس ~~مذهبا في الحقيقة # ووجدت بعضهم يزعم أن بناء المذهب على هذه المحاورات الجدلية المبسوطة ms40 في ~~مبسوط السرخسي والهداية والتبيين ونحو ذلك ولا يعلم أن أول من أظهر ذلك ~~فيهم المعتزلة وليس عليه بناء مذهبهم ثم استطاب ذلك المتأخرون توسعا ~~وتشحيذا لأذهان الطالبين أو لغير ذلك والله أعلم وهذه الشبهات والشكوك ينحل ~~كثير منها بما مهدناه في هذا الكتاب PageV01P092 # ووجدت بعضهم يزعم أن هناك فرقتين لا ثالث لهما الظاهرية وأهل الرأي وأن ~~كل من قاس واستنبط فهو من أهل الرأي كلا بل ليس المراد بالرأي نفس الفهم ~~والعقل فان ذلك لا ينفك من أحد من العلماء ولا الرأي الذي يعتمد على سنة ~~أصلا فإنه لا ينتحله مسلم البتة ولا القدرة على الاستنباط والقياس فان أحمد ~~وإسحق بل الشافعي أيضا ليسوا من أهل الرأي بالاتفاق وهم يستنبطون ويقيسون ~~بل المراد من أهل الرأي قوم توجهوا بعد المسائل المجمع عليها بين المسلمين ~~أو بين جمهورهم إلى التخريج على أصل رجل من المتقدمين وكان أكثر أمرهم حمل ~~النظير على النظير والرد إلى أصل من الأصول دون تتبع الأحاديث والآثار ~~والظاهري من لا يقول بالقياس ولا بآثار الصحابة كداود وابن حزم وبينهما ~~المحققون من أهل السنة كأحمد وإسحق # 2 ومنها أنهم اطمأنوا بالتقليد ودب التقليد في صدورهم دبيب النمل وهم لا ~~يشعرون وكان سبب ذلك تزاحم الفقهاء وتجادلهم فيما بينهم فانهم لما وقعت ~~فيهم المزاحمة في الفتوى كان كل من أفتى بشيء نوقض في فتواه ورد عليه فلم ~~ينقطع الكلام إلا بالمصير إلى تصريح رجل من المتقدمين في المسألة ~~PageV01P093 # وأيضا جور القضاة فان القضاة لما جار أكثرهم ولم يكونوا أمناء لم يقبل ~~منهم إلا ما لا يريب العامة فيه ويكون شيئا قد قيل من قبل # وأيضا جهل رؤوس الناس واستفتاء الناس من لا علم له بالحديث ولا بطريق ~~التخريج كما ترى ذلك ظاهرا في أكثر المتأخرين وقد نبه عنه ابن الهمام وغيره ~~وفي ذلك الوقت يسمى غير المجتهد فقيها # وفي ذلك الوقت ثبتوا على التعصب # والحق أن أكثر صور الخلاف بين الفقهاء لا سيما في المسائل التي ظهر فيها ms41 ~~أقوال الصحابة في الجانبين كتكبيرات التشريق وتكبيرات العيدين ونكاح المحرم ~~وتشهد ابن عباس وابن مسعود والاخفاء بالبسملة وبآمين الاشفاع والايتار في ~~الاقامة ونحو ذلك انما هو في ترجيح أحد القولين # 3 ومنها أن أقبل أكثرهم على التعمقات في كل فن # فمنهم من زغم أنه يؤسس علم أسماء الرجال ومعرفة مراتب الجرح والتعديل ثم ~~خرج من ذلك إلى التاريخ قديمه وحديثه PageV01P094 # ومنهم من تفحص عن نوادر الأخبار وغرائبها وإن دخلت في حد الموضوع # ومنهم من أكثر القيل والقال في أصول الفقه واستنبط كل لأصحابه قواعد ~~جدلية وأورد فاستقصى وأجاب فتفصى وعرف وقسم فحرر وطول الكلام تارة وتارة ~~أخرى اختصر # ومنهم من ذهب إلى هذا بفرض الصور المستبعدة التي من حقها أن لا يتعرض لها ~~عاقل وبسحب العمومات والإيماءات من كلام المخرجين فمن دونهم مما لا يرضى ~~استماعه عالم ولا جاهل # وفتنة هذا الجدال والخلاف والتعمق قريبة من الفتنة الأولى حين تشاجروا في ~~الملك وانتصر كل رجل لصاحبه فكما أعقبت تلك ملكا عضوضا ووقائع صماء عمياء ~~فكذلك أعقبت هذه جهلا واختلاطا وشكوكا ووهما ما لها من أرجاء فنشأت بعدهم ~~قرون على التقليد الصرف لا يميزون الحق من الباطل ولا الجدل من الاستنباط ~~فالفقيه يومئد هو الثرثار المتشدق الذي حفظ أقوال الفقهاء قويها وضعيفها من ~~غير تمييز وسردها بشقشقة شدقيه والمحدث من عد الأحاديث صحيحها وسقيمها ~~وهذها بقوة PageV01P095 لحييه ولا أقول ذلك كليا مطردا فان لله طائفة من ~~عباده لا يضرهم من خذلهم وهم حجة الله في أرضه وان قلوا # ولم يأت قرن بعد ذلك إلا وهو أكثر فتنة وأوفر تقليدا وأشد انتزاعا ~~للأمانة من صدور الرجال حتى اطمأنوا بترك الخوض في أمر الدين وبأن يقولوا ~~@QB@ إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون @QE@ وإلى الله ~~المشتكى وهو المستعان وبه الثقة وعليه التكلان PageV01P096 & التقليد في ~~المذاهب الأربعة & # مما يناسب هذا المقام التنبيه على مسائل ضلت في بواديها الأفهام وزلت ~~الأقدام وطغت الأقلام منها # 1 أن هذه المذاهب الأربعة المدونة قد اجتمعت الأمة ms42 أو من يعتد به منها ~~على جواز تقليدها إلى بومنا هذا وفي ذلك من المصالح ما لا يخفى لا سيما في ~~هذه الأيام التي قصرت فيها الهمم وأشربت النفوس الهوى وأعجب كل ذي رأي ~~برأيه فما ذهب اليه ابن حزم حيث قال التقليد حرام ولا يحل لأحد أن يأخذ قول ~~أحد غير قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا برهان لقوله تعالى @QB@ ~~اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء @QE@ وقوله تعالى ~~@QB@ وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه ~~آباءنا @QE@ PageV01P097 وقال مادحا من لم يقلد @QB@ فبشر عباد الذين ~~يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا ~~الألباب @QE@ وقال الله تعالى @QB@ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر @QE@ فلم يبح الله تعالى الرد ~~عند التنازع إلى أحد دون القرآن والسنة وحرم بذلك الرد عند التنازع إلى قول ~~قائل لأنه غير القرآن والسنة وقد صح إجماع الصحابة كلهم أولهم عن آخرهم ~~واجماع التابعين أولهم عن آخرهم وإجماع تابعي التابعين إلى آخرهم على ~~الامتناع والمنع من أن يقصد منهم أحد إلى قول إنسان منهم أو ممن قبلهم ~~فيأخذه كله # فليعلم من أخذ جميع أقوال أبي حنيفة أو جميع أقوال مالك أو جميع أقوال ~~الشافعي أو جميع أقوال أحمد رضي الله عنهم ولم يترك قول من اتبع منهم أو من ~~غيرهم إلى قول غيره ولم يعتمد على ما جاء في القرآن والسنة غير صارف ذلك ~~إلى قول انسان بعينه أنه قد خالف إجماع الأمة كلها من أولها إلى آخرها ~~بيقين لا إشكال فيه ولا يجد لنفسه سلفا ولا إنسانا في جميع الأعصار ~~المحمودة الثلاثة فقد اتبع غير سبيل المؤمنين PageV01P098 فنعوذ بالله من ~~هذه المنزلة وأيضا فان هؤلاء الفقهاء كلهم قد نهوا عن تقليد غيرهم وقد ~~خالفهم من قلدهم # وأيضا فما الذي جعل رجلا من هؤلاء أو من غيرهم أولى أن يقلد من عمر بن ms43 ~~الخطاب أو علي بن أبي طالب أو ابن مسعود أو ابن عمر أو ابن عباس أو عائشة ~~أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم فلو ساغ التقليد لكان كل واحد من هؤلاء ~~أحق بأن يتبع من غيره انتهى # إنما يتم فيمن له ضرب من الاجتهاد ولو في مسألة واحدة وفيمن ظهر عليه ~~ظهورا بينا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بكذا ونهى عن كذا وأنه ليس ~~بمنسوخ إما بأن يتتبع الأحاديث وأقوال المخالف والموافق في المسألة فلا يجد ~~له نسخا أو بأن يرى جمعا غفيرا من المتبحرين في العلم يذهبون إليه ويرى ~~المخالف له لا يحتج الا بقياس أو استنباط أو نحو ذلك فحينئذ لا سبب لمخالفة ~~حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلا نفاق خفي أو حمق جلي # وهذا الذي أشار اليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام حيث قال ومن العجب ~~العجاب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد ~~لضعفه مدفعا وهو مع ذلك يقلده فيه ويترك من شهد الكتاب والسنة والأقيسة ~~الصحيحة لمذهبهم جمودا على تقليد إمامه بل يتخيل لدفع ظاهر الكتاب والسنة ~~ويتأولهما بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالا عن مقلده وقال لم يزل الناس ~~يسألون من اتفق من العلماء من غير PageV01P099 تقليد لمذهب ولا إنكار على ~~أحد من السائلين إلى أن ظهرت هذه المذاهب ومتعصبوها من المقلدين فان أحدهم ~~يتبع إمامه مع بعد مذهبه عن الأدلة مقلدا له فيما قال كأنه نبي أرسل وهذا ~~نأي عن الحق وبعد عن الصواب لا يرضى به أحد من أولي الألباب # وقال الامام أبو شامة ينبغي لمن اشتغل بالفقه أن لا يقتصر على مذهب امام ~~ويعتقد في كل مسألة صحة ما كان أقرب إلى الكتاب والسنة المحكمة وذلك سهل ~~عليه اذا كان اتقن العلوم المتقدمة وليجتنب التعصب والنظر في طرائق الخلاف ~~المتأخرة فانها مضيعة للزمان ولصفوه مكدرا فقد صح عن الشافعي أنه نهى عن ~~تقليده وتقليد غيره # قال صاحبه المزني في أول مختصره اختصرت هذا من ms44 علم الشافعي ومن معنى قوله ~~لأقربه على من أراد مع إعلامي نهيه عن تقليده وتقليد غيره لينظر فيه لدينه ~~ويحتاط لنفسه أي مع إعلامي من أراد علم الشافعي نهي الشافعي عن تقليده ~~وتقليد غيره # وفيمن يكون عاميا ويقلد رجلا من الفقهاء بعينه يرى أن يمتنع من مثله ~~الخطأ وأن ما قاله هو الصواب البتة وأضمر في قلبه ألا يترك تقليده وان ظهر ~~الدليل على PageV01P100 خلافه وذلك ما رواه الترمذي عن عدي بن حاتم أنه قال ~~سمعته يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ @QB@ اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله @QE@ قال انهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم ~~كانوا اذا أحلوا شيئا استحلوه واذا حرموا عليهم شيئا حرموه # وفيمن لا يجوز أن يستفتي الحنفي مثلا فقيها شافعيا وبالعكس ولا يجوز أن ~~يقتدي الحنفي بامام شافعي مثلا فان هذا قد خالف إجماع القرون الأولى وناقض ~~الصحابة والتابعين # وليس محله فيمن لا يدين الا بقول النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعتقد ~~حلالا الا ما أحله الله ورسوله ولا حراما الا ما حرمه الله ورسوله # لكن لما لم يكن له علم بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ولا بطريق ~~الجمع بين المختلفات من كلامه ولا بطريق الاستنباط من كلامه اتبع عالما ~~راشدا على أنه مصيب فيما يقول ويفتي ظاهرا متبع سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فان خالف ما يظنه أقلع من ساعته من غير جدال ولا إصرار فهذا كيف ~~ينكره أحد مع أن الاستفتاء PageV01P101 والافتاء لم يزل بين المسلمين من ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم # ولا فرق بين أن يستفتي هذا دائما أو أن يستفتي هذا حينا وذلك حينا بعد أن ~~يكون مجمعا على ما ذكرناه كيف لا ولم نؤمن بفقيه أيا كان أنه أوحى الله ~~إليه الفقه وفرض علينا طاعته وأنه معصوم فان اقتدينا بواحد منهم فذلك ~~لعلمنا بأنه عالم بكتاب الله وسنة رسوله فلا يخلو قوله إما أن يكون من صريح ~~الكتاب والسنة أو مستنبطا عنهما بنحو ms45 من الاستنباط أو عرف بالقرائن أن ~~الحكم في صورة ما منوط بعلة كذا واطمأن قلبه بتلك المعرفة فقاس غير المنصوص ~~على المنصوص فكأنه يقول ظننت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كلما ~~وجدت هذه العلة فالحكم ثمة هكذا والمقيس مندرج في هذا العموم فهذا أيضا ~~معزي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولكن في طريقه ظنون ولولا ذلك ما قلد ~~مؤمن بمجتهد فان بلغنا حديث من رسول الله المعصوم صلى الله عليه وسلم الذي ~~فرض علينا طاعته بسند صالح يدل على خلاف مذهبه وتركنا حديثه واتبعنا ذلك ~~التخمين فمن أظلم منا وما عذرنا يوم يقوم الناس لرب العالمين # 2 ومنها أن تتبع الكتاب والآثار لمعرفة الأحكام الشرعية على مراتب أعلاها ~~أن يحصل له من معرفة الأحكام PageV01P102 بالفعل أو بالقوة القريبة من ~~الفعل ما يتمكن به من جواب المستفتين في الوقائع غالبا بحيث يكون جوابه ~~أكثر مما يتوقف فيه وتخص باسم الاجتهاد # وهذا الاستعداد يحصل # تارة بالإمعان في جمع الروايات وتتبع الشاذة والفاذة منها كما أشار إليه ~~أحمد بن حنبل مع ما لا ينفك منه العاقل العارف باللغة من معرفة مواقع ~~الكلام وصاحب العلم بآثار السلف من طريق الجمع بين المختلفات وترتيب ~~الاستدلالات ونحو ذلك # وتارة بإحكام طرق التخريج على مذهب شيخ من مشايخ الفقه مع معرفة جملة ~~صالحة من السنن والآثار بحيث يعلم أن قوله لا يخالف الإجماع وهذه طريقة ~~أصحاب التخريج # وأوسطها من كلتا الطريقتين أن يحصل له من معرفة القرآن والسنن ما يتمكن ~~به من عرفة رؤوس مسائل الفقه المجمع عليها بأدلتها التفصيلية ويحصل له غاية ~~العلم ببعض المسائل الاجتهادية من أدلتها وترجيح بعض الأقوال على بعض ونقد ~~التخريجات ومعرفة الجيد من الزيف وان لم يتكامل له الأدوات كما يتكامل ~~للمجتهد المطلق فيجوز لمثله أن يلفق من المذهبين اذا عرف دليلهما وعلم أن ~~قوله مما لا ينفذ فيه اجتهاد المجتهد ولا يقبل فيه قضاء القاضي ولا يجري ~~فيه PageV01P103 فتوى المفتين أن يترك بعض التخريجات التي سبق ms46 الناس اليها ~~اذا عرف عدم صحتها # ولهذا لم يزل العلماء ممن لا يدعي الاجتهاد المطلق يصنفون ويرتبون ~~ويخرجون ويرجحون وإذا كان الاجتهاد يتجزأ عند الجمهور والتخريج يتجزأ وإنما ~~المقصود تحصيل الظن وعليه مدار التكليف فما الذي يستبعد من ذلك # وأما دون ذلك من الناس فمذهبه فيما يرد عليه كثيرا ما أخذه عن أصحابه ~~وآبائه وأهل بلده من المذاهب المتبعة وفي الوقائع النادرة فتاوى مفتية وفي ~~القضايا ما يحكم القاضي # وعلى هذا وجدنا محققي العلماء من كل مذهب قديما وحديثا وهو الذي وصى به ~~أئمة المذاهب أصحابهم وفي اليواقيت والجواهر أنه روى عن أبي حنيفة رضي الله ~~عنه أنه كان يقول لا ينبغي لمن لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي وكان رضي الله ~~عنه اذا أفتى يقول هذا رأى النعمان بن ثابت يعني نفسه وهو أحسن ما قدرنا ~~عليه فمن جاء بأحسن منه فهو أولى بالصواب وكان الامام مالك رضي الله عنه ~~يقول ما من أحد الا وهو مأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # وروى الحاكم والبيهقي عن الشافعي رضي الله عنه أنه كان يقول اذا صح ~~الحديث فهو مذهبي وفي رواية اذا رأيتم كلامي يخالف الحديث فاعملوا بالحديث ~~واضربوا بكلامي PageV01P104 الحائط وقال يوما للمزني يا أبا إبراهيم لا ~~تقلدني في كل ما أقول وانظر في ذلك لنفسك فانه دين وكان رضي الله عنه يقول ~~لا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وان كثروا ولا في قياس ~~ولا في شيء وما ثم الا طاعة الله ورسوله بالتسليم # وكان الإمام أحمد رضي الله عنه يقول ليس لأحد مع الله ورسوله كلام وقال ~~أيضا لرجل لا تقلدني ولا تقلدن مالكا ولا الأوزاعي ولا النخعي ولا غيرهم ~~وخذ الأحكام من حيث أخذوا من الكتاب والسنة لا ينبغي لأحد أن يفتي الا أن ~~يعرف أقاويل العلماء في الفتاوى الشرعية ويعرف مذهبهم فان سئل عن مسألة ~~يعلم أن العلماء الذين يتخذ مذهبهم قد اتفقوا عليها ms47 فلا بأس بأن يقول هذا ~~جائز وهذا لا يجوز ويكون قوله على سبيل الحكاية وان كانت مسألة قد اختلفوا ~~فيها فلا بأس بأن يقول هذا جائز في قول فلان وفي قول فلان لا يجوز وليس له ~~أن يختار فيجيب بقول بعضهم ما لم يعرف حجته # وعن أبي يوسف وزفر وغيرهما رحمهم الله أنهم قالوا لا يحل لأحد أن يفتي ~~بقولنا ما لم يعلم من أين قلنا # قيل لعصام بن يوسف رحمه الله إنك تكثر الخلاف لأبي حنيفة رحمه الله قال ~~لأن أبا حنيفة رحمه الله أوتي من الفهم لما لم نؤت فأدرك بفهمه ما لم ندرك ~~ولا يسعنا أن نفتي بقوله ما لم نفهم PageV01P105 # عن محمد بن الحسن أنه سئل متى يحل للرجل أن يفتي قال إن كان من أهل ~~الاجتهاد فلا يسعه قيل كيف يكون من أهل الاجتهاد قال أن يعرف وجوه المسائل ~~ويناظر أقرانه اذا خالفوه قيل أدنى الشروط للاجتهاد حفط المبسوط # وفي البحر الرائق عن أبي الليث قال سئل أبو نصر عن مسألة وردت عليه ما ~~تقول رحمك الله وقعت عنك كتب أربعة كتاب إبراهيم بن رستم وأدب القاضي عن ~~الخصاف وكتاب المجرد وكتاب النوادر من جهة هشام هل يجوز لنا أن نفتي منها ~~أو لا وهل هذه الكتب محمودة عندك فقال ما صح عن أصحابنا فذلك علم محبوب ~~مرغوب فيه مرضي به وأما الفتيا فاني لا أرى لأحد أن يفتي بشيء لا يفهمه ولا ~~يحمل أثقال الناس فإن كانت مسائل قد اشتهرت وظهرت وانجلت عن أصحابنا رجوت ~~أن يسع لي الاعتماد عليها # وفيه أيضا لو احتجم أو اغتاب فظن أنه يفطره ثم أكل إن لم يستفت فقيها ولا ~~بلغه الخبر فعليه الكفارة لأنه مجرد جهل وانه ليس بعذر في دار الاسلام وإن ~~استفتى فقيها فأفتاه لا كفارة عليه لأن العامي يجب عليه تقليد العالم اذا ~~كان يعتمد على فتواه فكان معذورا فيما صنع وان كان المفتي مخطئا فيما أفتى ~~وان لم يستفت ولكن بلغه الخبر وهو ms48 قوله PageV01P106 صلى الله عليه وسلم ~~افطر الحاجم والمحجوم وقوله عليه الصلاة والسلام الغيبة تفطر الصائم ولم ~~يعرف النسخ ولا تأويله لا كفارة عليه عندهما لأن ظاهر الحديث واجب العمل به ~~خلافا لأبي يوسف لأنه ليس للعامي العمل بالحديث لعدم علمه بالناسخ والمنسوخ # ولو لمس امرأة أو قبلها بشهوة أو اكتحل بشهوة فظن أن ذلك يفطر فأفطر ~~فعليه الكفارة الا اذا استفتى فقيها فأفتاه بالفطر أو بلغه خبر فيه ولو نوى ~~الصوم قبل الزوال ثم أفطر لم تلزمه الكفارة عند أبي حنيفة رضي الله عنه ~~خلافا لهما كذا في المحيط وقد علم من هذا أن مذهب العامي فتوى مفتية # وفيه أيضا في باب قضاء الفوائت إن كان عاميا ليس له مذهب معين فمذهبه ~~فتوى مفتية كما صرحوا به فان أفتاه حنفي أعاد العصر والمغرب وان أفتاه ~~شافعي فلا يعيدهما ولا عبرة برأيه وان لم يستفت أحدا أو صادف الصحة على ~~مذهب مجتهد أجزأه ولا إعادة عليه # قال ابن الصلاح من وجد من الشافعية حديثا يخالف مذهبه نظر إن كملت له آلة ~~الاجتهاد مطلقا أو في ذلك الباب أو المسألة كان له الاستقلال بالعمل وان لم ~~يكمل PageV01P107 وشق مخالفة الحديث بعد أن يبحث فلم يجد للمخالفة جوابا ~~شافيا عنه فله العمل به إن كان عمل به إمام مستقل غير الشافعي ويكون هذا ~~عذرا له في ترك مذهب إمامه ههنا وحسنه النووي وقرره # 3 ومنها أن أكثر صورالخلاف بين الفقهاء لا سيما في المسائل التي ظهر فيها ~~أقوال الصحابة في الجانبين كتكبيرات التشريق وتكبيرات العيدين ونكاح المحرم ~~وتشهد ابن عباس وابن مسعود والإخفاء بالبسملة وبآمين والاشفاع والايثار في ~~الإقامة ونحو ذلك انما هو في ترجيح أحد القولين # وكان السلف لا يختلفون في أصل المشروعية وانما كان خلافهم في أولى ~~الأمرين ونظيره اختلاف القراء في وجوه القراءات وقد عللوا كثيرا من هذا ~~الباب بأن الصحابة مختلفون وأنهم جميعا على الهدى ولذلك لم يزل العلماء ~~يجوزون فتاوى المفتين في المسائل الاجتهادية ويسلمون قضاء القضاة ويعملون ms49 ~~في بعض الأحيان بخلاف مذهبهم ولا ترى أئمة المذاهب في هذه المواضع إلا وهم ~~يصححون القول ويبينون الخلاف يقول أحدهم هذا أحوط وهذا هو المختار وهذا أحب ~~إلي ويقول ما بلغنا الا ذلك وهذا كثير في المبسوط وآثار محمد رحمه الله ~~وكلام الشافعي رحمه الله # ثم خلف من بعدهم خلف اختصروا كلام القوم فتأولوا PageV01P108 الخلاف ~~وثبتوا على مختار أئمتهم والذي يروى عن السلف من تأكيد الأخذ بمذهب أصحابهم ~~وألا يخرج عنها بحال فان ذلك إما لأمر جبلي فان كل إنسان يحب ما هو مختار ~~أصحابه وقومه حتى في الزي والمطاعم أو لصولة ناشئة من ملاحظة الدليل أو ~~لنحو ذلك من الأسباب فظنه البعض تعصبا دينيا حاشاهم من ذلك # وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ البسملة ومنهم من لا ~~يقرؤها ومنهم من يجهر بها ومنهم من لا يجهر بها وكان منهم من يقنت في الفجر ~~ومنهم من لا يقنت في الفجر ومنهم من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء ومنهم ~~من لا يتوضأ من ذلك ومنهم من يتوضأ من مس الذكر ومس النساء بشهوة ومنهم من ~~لا يتوضأ من ذلك ومنهم من يتوضأ مما مسته النار ومنهم من لا يتوضأ من ذلك ~~ومنهم من يتوضأ من أكل لحم الابل ومنهم من لا يتوضأ من ذلك # مع هذا فكان فعضهم يصلي خلف بعض مثل ما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي ~~وغيرهم رضي الله عنهم يصلون خلف أئمة المدينة من المالكية وغيرهم وان كانوا ~~لا يقرؤون البسملة لا سرا ولا جهرا وصلى الرشيد إماما وقد احتجم فصلى ~~الإمام أبو يوسف خلفه ولم يعد وكان أفتاه الامام مالك بأنه لا وضوء عليه # وكان الإمام أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الرعاف PageV01P109 والحجامة ~~فقيل له فان كان الامام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ هل تصلي خلفه فقال كيف ~~لا أصلي خلف الامام مالك وسعيد بن المسيب # وروي أن أبا يوسف ومحمد كانا يكبران في العيدين تكبير ابن عباس لأن هارون ~~الرشيد كان ms50 يحب تكبير جده # وصلى الشافعي رحمه الله الصبح قريبا من مقبرة أبي حنيفة رحمه الله فلم ~~يقنت تأدبا معه وقال أيضا ربما انحدرنا إلى مذهب أهل العراق # وقال مالك رحمه الله للمنصور وهارون الرشيد ما ذكرنا عنه سابقا # وفي البزازية عن الامام الثاني وهو أبو يوسف رحمه الله أنه صلى يوم ~~الجمعة مغتسلا من الحمام وصلى بالناس وتفرقوا ثم أخبر بوجود فأرة ميتة في ~~بئر الحمام فقال إذا تأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة اذا بلغ الماء قلتين ~~لم يحمل خبثا انتهى # وسئل الامام الخجندي رحمه الله عن رجل شافعي المذهب ترك صلاة سنة أو ~~سنتين ثم انتقل إلى مذهب أبي حنيفة رحمه الله كيف يجب عليه القضاء أيقضيها ~~على مذهب الشافعي أو على مذهب أبي حنيفة فقال على أي المذهبين قضى بعد أن ~~يعتقد جوازها جاز PageV01P110 # وفي جامع الفتاوى أنه إن قال حنفي إن تزوجت فلانة فهي طالق ثلاثا ثم ~~استفتى شافعيا فأجاب إنها لا تطلق ويمينه باطل فلا بأس باقتدائه بالشافعي ~~في هذه المسألة لأن كثيرا من الصحابة في جانبه # قال محمد رحمه الله في أماليه لو أن فقيها قال لامرأته أنت طالق البتة ~~وهو ممن يراها ثلاثا ثم قضى عليه قاض بأنها رجعية وسعه المقام معها وكذا كل ~~فصل مما يختلف فيه الفقهاء من تحريم أو تحليل أو إعتاق أو أخذ مال أو غيره ~~ينبغي للفقيه المقضي عليه الأخذ بقضاء القاضي ويدع رأيه ويلزم نفسه ما ألزم ~~القاضي ويأخذ ما أعطاه # قال محمد رحمه الله وكذلك رجل لا علم له ابتلى ببلية فسأل عنها الفقهاء ~~فأفتوه فيها بحلال أو بحرام وقضى عليه قاضي المسلمين بخلاف ذلك وهي مما ~~يختلف فيه الفقهاء فينبغي له أن يأخذ بقضاء القاضي ويدع ما أفتاه الفقهاء ~~انتهى # وقد أطنبنا الكلام في هذا المقام غاية الأطناب والله وحده أعلم بالصواب # وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون PageV01P111 ms51