######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_000296 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: الصنعاني #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن إسماعيل الصنعاني #META# 011.AuthorBORN :: 1099 #META# 011.AuthorDIED :: 1182 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب أصول الفقه الإسلامي :: مسائل أصولية :: مسائل فقهية وأصولية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: إرشاد النقاد #META# 030.LibURI :: JK_000296 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: صلاح الدين مقبول أحمد #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: الدار السلفية #META# 044.EdPLACE :: الكويت #META# 045.EdYEAR :: 1405 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله ~~الرحمن الرحيم # # | مقدمة المؤلف # الحمد لله الذي ذلل صعاب علوم الاجتهاد لعلماء الأمة وحفظها بأساطين ~~الحفاظ وجهابذة الأئمة فتتبعوها من الأفواه والصدور وخلدوها للمتأخرين من ~~الأمة في الأوراق والسطور واستنبطوا من القواعد ما لا يزول بمرور الدهور ~~واطلعوا من انوار علم الكتاب والسنة على أنوار البصائر نورا على نور وأشهد ~~أن لا إله إلا الله المتكفل بحفظ علوم الدين وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~الذي يحمل علمه من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين ~~صلى الله عليه وعلى آله قرناء القرآن صلاة وسلاما يدومان ما دارت الأفلاك ~~واختلف الملوان وبعد فإن السيد قاسم بن محمد الكبسي رحمه الله سأل عن ~~المسائل العلمية والأبحاث العملية نزلت علينا نزول الغيث على الرياض بل ~~العافية على الأجسام المراض # سؤال وخلاصة ما اشتمل عليه أنه هل يكون العمل من PageV01P073 المتأخرين ~~بتصحيح الأئمة من أهل الحديث للحديث أو تحسنه أو تضعيفه تقليدا لأولئك ~~الحفاظ من الأئمة والأعيان من الأمة فيما وصفوا به الحديث من تلك الصفات ~~ويكون القائل لذلك والعامل به مقلدا أو يكون فيما قبله من كلامهم في ذلك ~~وعمل به مجتهدا فإنه قال السيد الإمام محمد بن إبراهيم في الروض الباسم إن ~~قول الثقة العارف الذي ليس له قاعدة في التصحيح معلومة الفساد إن الحديث ~~صحيح يجب قبول قوله بالأدلة العقلية والسمعية الدالة على قبول خبر الواحد ~~وليس ذلك بتقليد بل هو عمل بما أوجبه الله تعالى من قبول خبر الثقات هذا ~~كلامه ولكنه خالف كلام القاضي العلامة الحسين بن محمد المغربي في شرح بلوغ ~~المرام فإنه قال PageV01P074 من لم يكن أهلا للنقد والتصحيح فله أن يقلد في ~~ذلك من صحح أو حسن ممن هو أهله فإن لم يكن أحد من الأئمة تكلم بذلك على ~~الحديث وليس هو بأهل للنقد لم يجز له الاحتجاج بالحديث إذ لا يأمن من أن ~~يحتج بما لا يحل الاحتجاج به قال ولهذا أحال جماعة من المتأخرين الاجتهاد ~~المطلق لتعسر التصحيح والتقليد في ms01 التصحيح يخرجه عن القصد وهو الإجتهاد قال ~~ولم يتيسر في الأعصار المتأخرة إلا ترجيح لبعض المذاهب على بعض بالنظر إلى ~~قوة الدلالة أو إلى كثرة من صحح أو جلالته والواجب الرجوع إلى الظن القوى ~~بحسب الإمكان رأيت السائل دامت إفادته جنح إلى ترجيح كلام القاضي قائلا إنه ~~قد يفرق بين التصحيح والتضعيف وبين الرواية فإن تصحيح الحديث وتضعيفه مسألة ~~اجتهادية ونظرية قد يختلف الإمامان العظيمان في الحديث الواحد فأحدهما يذهب ~~إلى صحته أو حسنه والآخر إلى ضعفه أو وضعه باعتبار ما حصل لهما من البحث ~~والنظر وليس حال الرواية كذلك فإن مدارها على الضبط والعدالة ومدار التصحيح ~~والتحسين ونحوهما على قوة اليد في PageV01P075 معرفة الرجال والعلل ~~المتعلقة بالأسانيد والمتون ومعرفة الشواهد والمتابعات والقاضي قد جزم بأن ~~قول الحافظ في التصحيح تقليد وإذا نظرتم إلى تصرف العلامة الحسن بن أحمد ~~الجلال في ضوء النهار لم يجد الإنسان في يده غير ما أشار إليه القاضي من ~~الترجيح بقوة الدلالة أو كثرة من صحح أو جلالته ولم يكن ممن يعرف الأسانيد ~~والعلل مثل المنذري وابن حجر والنووي ومن في طبقتهما من المتأخرين دع عنك ~~الأئمة الكبار مثل الحاكم والدارقطني مع تصريحه في غير موضع من كتبه ~~بالاجتهاد المطلق وكذا العلامة المقبلي سلك هذا المسلك ولم يزل هذا السؤال ~~يخطر بالبال فأفضلوا بالجواب انتهى # الجواب ما حرر السائل لا زال مفيدا ولا برح في أنظاره العلمية سديدا ~~وأقول الجواب يظهر إن شاء الله تعالى بذكر فصول تشتمل على إيضاح المسألة ~~بمشيئة الله تعالى وهدايته PageV01P076 # | فصل في تعريف الحديث الصحيح # رسم الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه نخبة الفكر الحديث الصحيح بأنه ما ~~نقله عدل تام الضبط متصل السند غير معلل ولا شاذ وقال وهو الصحيح لذاته ~~وقريب منه رسم ابن الصلاح وزين الدين بأنه ما اتصل إسناده بنقل عدل ضابط عن ~~مثله من غير شذوذ ولا علة قادحة PageV01P077 إذا عرفت هذا فهذه خمسة قيود ~~ثلاثة وجودية واثنان عدميان وكلها إخبار كأنه قال الثقة ms02 حين قال حديث صحيح ~~هذا الحديث رواته عدول مأمونوا الضبط متصل إسنادهم لم يخالف فيه الثقة ما ~~رواه الناس وليس فيه أسباب خفية طرأت عليه تقدح في صحته وحينئذ قول الثقة ~~صحيح يتضمن الإخبار بهذه الجمل الخمس وقد تقرر بالبرهان الصحيح أن الواجب ~~أو الراجح العمل بخبر العدل والقبول له وتقرر أن قبوله ليس من التقليد ~~لقيام الدليل على قبول خبره فالتصحيح مثلا والرواية للخبر قد اتفقا أنهما ~~إخبار إما بالدلالة المطابقية أو التضمينية أو الإلزامية أما قبول خبره ~~الدال بالمطابقة فلا كلام فيه كقوله زيد قائم أما قبول خبره الدال بالتضمن ~~أو الإلتزام فيدل على قبوله أنهم جعلوا من طرق التعديل حكم مشترط العدالة ~~بالشهادة وعمل العالم المشترط لها رواية من PageV01P078 لا يروي إلا عن عدل ~~فإنهم صرحوا في الأصول وعلوم الحديث أن هذه طرق التعديل ومعلوم أن دلالة ~~هذه الصورة على عدالة الراوي والشاهد التزامية فقول الثقة حديث صحيح يتضمن ~~الإخبار بالقيود الخمسة والرواية لها ولا يقال إن إخباره بأنه صحيح إخبار ~~على ظنه بحصول شرائط الصحة عند ظنه كما يدل له أنه صرح زين الدين وغيره بأن ~~قول المحدثين هذا حديث صحيح فمرادهم فيما ظهر لنا عملا بظاهر الإسناد لا ~~أنه مقطوع بصحته في نفس الأمر لأنا نقول إخبار الثقة بأن زيدا عدل إخبار عن ~~ظنه بأنه آت بالواجبات مجتنب للمقبحات بحسب ما رآه من ذلك وأخبر مع جواز ~~أنه في نفس الأمر غير مسلم لكن هذه التجويزات لا يخاطب بها المكلف # # | من شروط الصحيح السلامة من الشذوذ والعلة # فإن قلت من شروط الصحيح السلامة من الشذوذ والعلة وليس مدرك هذين الأمرين ~~الإخبار بل تتبع الطرق والأسانيد والمتون كما أشار إليه السائل قلت أما ~~أولا فالشذوذ والعلة نادران والحكم للغالب لا للنادر ألا PageV01P079 ترى ~~أن الراجح العمل بالنص وإن جوز أنه منسوخ عملا بالأغلب وهو عدم النسخ ~~وبرهان ندورهما يعرف من تتبع كلام أئمة الحديث على طرق الأحاديث من مثل ~~البدر المنير وتلخيصه فإنهم يتكلمون على ما ms03 قيل في الحديث فتجد القدح ~~بالشذوذ والإعلال نادرا جدا بل قال السيد محمد بن إبراهيم في التنقيح ظاهر ~~الحديث المعل السلامة من العلة حتى تثبت بطريق مقبولة أما ثانيا فقول الثقة ~~هذا صحيح أي غير شاذ ولا معلل إخبار بأنه لم يقع في رواته راو ثقة خالف ~~الناس فيه ولا وجدت فيه علة تقدح في صحته PageV01P080 وهذا إخبار عن حال ~~الرواي بصفة زائدة على مجرد عدالته وحفظه أو حال المتن بأن ألفاظه مصونة عن ~~ذلك وليس هذا خبرا عن اجتهاد بل عن صفات الرواة والمتون فإنه إخبار بأنه ~~تتبع أحوال الرواة حتى علم من أحوالهم صفات زائدة على مجرد العدالة وفي ~~التحقيق هذا عائدة إلى تمام الضبط وتتبع مروياتهم حتى أحاط بألفاظها فالكل ~~عائد إلى الإخبار عن الغير لا عن الاجتهاد الحاصل عن دليل ينقدح له منه رأي # # | تصحيح الأئمة وتضعيفهم للأحاديث اجتهاد أم تقليد # وأنت إذا نظرت إلى الأئمة النقاد من الحفاظ كالحاكم أبي عبدالله وأبي ~~الحسن الدارقطني وابن خزيمة ونحوهم كالمنذري وتصحيحهم لأحاديث وتضعيفهم ~~لأحاديث واحتجاجهم على الأمرين مستندا إلى كلام من تقدمهم كيحيى بن معين ~~وأحمد بن حنبل وأبي عبدالله البخاري ومسلم وغيرهم من أئمة هذا الشأن وأنه ~~ثبت له عنهم أو عن أحدهم أنه قال فلان حجة أو ثبت أو عدل أو نحوها من ~~عبارات التعديل وأنهم قالوا في غيره إنه ضعيف أو كذاب أو لا شيء أو نحوها ~~ثم فرعوا على هذه الروايات صحة الحديث أو ضعفه باعتبار ما قاله من قبلهم ~~فإنه تجنب ابن إسحاق من تجنبه من أهل الصحاح بقول مالك فيه مع أن ابن إسحاق ~~إمام أهل المغازي PageV01P081 وقدحوا أيضا في الحارث الأعور بكلام الشعبي ~~فيه ولم يلقوا ابن إسحاق ولا الحارث بل قبلوا كلام من تقدم فيهم من الأئمة ~~وإذا حققت علمت أن تصحيح البخاري ومسلم وغيرهما مبني على ذلك وكذلك ~~تضعيفهما فإنهما لم يلقيا إلا شيوخهما من الرواة وبينهم وبين الصحابة وسائط ~~كثيرون اعتمدوا في ثقتهم وعدمها على الرواة من ms04 الأئمة قبلهم فلم يعرفوا ~~عدالتهم وضبطهم إلا من أخبار أولئك الأئمة فإذا كان الواقع من مثل البخاري ~~في التصحيح تقليدا لأنه بناه على إخبار غيره عن أحوال من صحح أحاديثهم كان ~~كل قابل لخبر من تقدمه من الثقات مقلدا PageV01P082 وإن كان الواقع من ~~البخاري من التصحيح اجتهادا مع ابتنائه على خبر الثقات فليكن قولنا بالصحة ~~لخبر البخاري المتفرع عن إخبار الثقات اجتهادا فإنه لا فرق بين الإخبار بأن ~~هؤلاء الرواة ثقات حفاظ وبين الإخبار بأن الحديث صحيح إلا بالإجمال ~~والتفصيل وكأنهم عدلوا عن التفصيل إلى الإجمال اختصارا وتقريبا لأنهم لو ~~أعقبوا كل حديث بقولهم رواته عدول حافظون رواه متصلا ولا شذوذ فيه ولا علة ~~لطالت مسافة الكلام وضاق نطاق الكتاب الذي يؤلفونه عن استيفاء أحاديث ~~الأحكام فضلا عما سواها من الأخبار على أن هذا التفصيل لا يخلو عن الإجمال ~~إذ لم يذكر فيه كل راو على انفراده بصفاته بل في التحقيق أن قولهم عدل ~~معدول به عن آت بالواجبات مجتنب للمقبحات محافظ على خصال المروءة متباعد عن ~~أفعال الخسة فعدلوا عن هذه الإطالة إلى قولهم عدل فقولهم عدل خبر انطوت ~~تحته غدة أخبار كما انطوت تحت قولهم صحيح وإذا عرفت هذا تبين لك صحة قول ~~صاحب الروض الباسم وأنه الصواب فيما نقله السائل عنه ومثله قوله في التنقيح ~~إنه إن نص على صحة الحديث أحد الحفاظ المرضيين المأمونين فيقبل ذلك منه ~~للإجماع وغيره من الأدلة الدالة على قبول خبر الآحاد كما ذلك مبين في موضعه ~~ولا يجوز ترك ذلك متى تعلق الحديث بحكم شرعي PageV01P083 # | فصل في جواز تصحيح الحديث وتضعيفه في هذه الأعصار # إذا عرفت ما قررناه فاعلم أنه لا مانع لمن وجد في هذه الأعصار حديثا لم ~~يسبق عليه كلام إمام من الأئمة بتصحيح ولا غيره فتتبع كلام ائمة الرجال في ~~أحوال رواته حتى حصل له من كلامهم ثقة روايته أو عدمها فجزم بأيهما على ~~الحديث كما جزم من قبله من أئمة التصحيح والتضعيف من مثل البخاري وغيره ~~ومستنده ms05 في ذلك مستند من قبله كما أوضحناه غاية الفرق أنه كثر الوسائط في ~~حقه لتأخر عصره فكانوا أكثر من الوسائط في حق من تقدمه لقرب عصرهم وهذا ~~موجب لمشقة البحث عليه لكثرة الرواة الذين يبحث عن أحوالهم ولكن ربما كان ~~ثوابهم أكثر لزيادة مشقة البحث PageV01P084 هذا إن كانت طريق المتأخر هي ~~الرواية وأراد معرفة أحوال شيوخه وتحقيقها حتى يبلغ إلى مؤلف الكتاب الذي ~~قرأه أما إذا كانت طريقة الإيجازة أو الوجادة فإنه لا كثرة للوسائط ~~PageV01P085 أصلا بل هو كالقدماء في ذلك وحينئذ فيكون مجتهدا فيما حكم ~~بصحته مثلا فإنه كما أنه لا محيص عن القول بأن تصحيح الأئمة الأولين اجتهاد ~~فإنه إنما بنوح على ما بلغ إليهم من أحوال الرواة ففرعوا عليه التصحيح ~~وجعلوه عبارة عن ثقة الرواة وضبطهم كذلك لا محيص عن القول بأن ما صححه من ~~بعدهم إلى يومنا هذا أو ضعفوه أو حسنوه حكمه حكم ما قاله الأولون من الأئمة ~~إذ الأصل في الكل واحد وهو قبول إخبار من سلف عن أحوال الرواة وصفاتهم وإلا ~~كان القول بخلاف هذا تحكما لا يقول به عالم وإذا عرفت هذا عرفت ضعف ما قاله ~~ابن الصلاح بل بطلانه من أنه ليس لنا الجزم بالتصحيح في هذه الأعصار وقد ~~خالفه النووي ورجح زين الدين كلام النووي وهو الحق PageV01P086 ولعل القاضي ~~شرف الدين أغتر بكلام ابن الصلاح في هذا الطرف وأما قول القاضي إن القول ~~بتصحيح الأئمة الماضيين والعمل عليه تقليد لهم فلا أعلم فيه سلفا بل الحق ~~ما قدرنا لك من قول الإمام صاحب العواصم رحمه الله PageV01P087 # | فصل في مناقشة القول بإستحالة الإجتهاد # أما قول القاضي رحمه الله إنه أحال جماعة من المتأخرين الإجتهاد المطلق ~~لتعسر التصحيح والأهلية لذلك فكلام لا يليق صدوره عن مثله فإنه علل الإحالة ~~بالتعسر وغير خاف على ناظر أنه لو سلم التعسر لبعض طرق لا يصير محالا غايته ~~أنه يصير متعسرا لا محالا PageV01P088 ولكن قد أطبقت عامة أهل المذاهب ~~الأربعة في هذه الأعصار وما قبلها على ms06 ما قاله القاضي شرف الدين واشتد منهم ~~النكير على مدعي الاجتهاد من علمائهم قائلين إنه قد تعذر ذلك من بعد الأئمة ~~وضاق مجال الاجتهاد ولم يبق فيه لمن بعدهم سعة وأطالوا ذلك بما لا طائل ~~تحته PageV01P089 فإنه غير خاف على من له نباهة أن هذا منهم تهويل ليس عليه ~~تعويل ومجرد استبعاد لا يهول قعاقع الأذكياء النقاد وكأن أولئك المستبعدين ~~لما رأوا كثرة اتباع الأئمة المتقدمين وعظمتم لما وهب الله لهم من العلم ~~والدين في صدور الأعيان من المتأخرين ظنوا أنهم غير مخلوقين من سلالة من ~~طين ولو نظروا بعين الإنصاف وتتبعوا أحوال الأسلاف والأخلاف لعلموا يقينا ~~إن في المتأخرين عن أولئك الأئمة من هو أطول منهم في المعارف باعا وأكثر في ~~علوم الاجتهاد اتساعا قد قيضهم الله لحفظ علوم الاجتهاد من كل ذي همة صادقة ~~ونية صالحة من العباد قد قربوا للمتأخرين منها كل بعيد ومهدوها لهم كل ~~تمهيد PageV01P090 فمنهم من قيضه الله لتتبع علم اللغة من أفواه الرجال ومن ~~ألسنة النساء والصبيان في بطون الأودية ورؤوس الجبال فرحل إلى بواديهم ونزل ~~معهم في موارد مياههم ومراعي مواشيهم وتتبعهم في البوادي والقفار وواصلهم ~~تحت الأشجار والأحجار ولازمهم في الليل والنهار وصاحبهم في الأوطان ورافقهم ~~في الأسفار وقام بإقامتهم في المضارب والخيام وبيوت الشعر والتلول والآكام ~~PageV01P091 يعرف ذلك من رحلة الأصمعي والأزهري وغيرهما من كل ذي همة سري ~~حتى جمعوا فنونها وأناطوا معانيها وأجروا عيونها وأظهروا مخزونها حتى أصبحت ~~بحارا ذاخرة ورياضا ناضرة وأنواعا متكاثرة ومؤلفات فاخرة قد PageV01P092 ~~فاق من عرفها من لاقى قس بن ساعدة وسحبان وصار دونه من اختلط بالعرب ~~العرباء في كل مكان وعلم اللغة بأنواعه هو عمدة علوم الاجتهاد وبالتبحر فيه ~~وعدمه تتفاوت النقاد وألقى الله في قولب أقوام محبة السنة النبوية والآثار ~~السلفية ورزقهم همما تناطح السماك وتطاول الأطلس من الأفلاك فارتحلوا ~~لطلبها من الأقطار وفارقوا الأوطان والأوطار وطووا في حبها الفيافي والقفار ~~وقنعوا من الدنيا بالكفاف وتركوا لغيرهم اللذات والأتراف واتخذوا الزهد ~~شعارا والقناعة ms07 دثار فسهر الأجفان ألذ إليهم وأطيب من المنام والجوع أشهى ~~من الامتلاء من PageV01P093 نفيس الطعام يرتحلون لسماع الحديث الواحد من ~~الأقطار الشاسعة ويطلبون من الأقاليم المتباعدة الواسعة ففي مثلهم يقال % ~~طورا تراهم في الصعيد % وتارة في أرض آمد % % فيبتغون من العلوم % بكل أرض ~~كل شارد % % يدعون أصحاب الحديث % بهم تجملت المشاهد % فهذا أبو عبدالله ~~البخاري رحل بعد إحاطته بحديث شيوخ بلدته إلى الشام والكوفة والبصرة وبلخ ~~وعسقلان وحمص ودمشق وكتب عن ألف شيخ وثمانين شيخا وجمع للمسلمين هذه ~~الأحاديث التي تتبعها من الآفاق وصحب في تطلبها الرفاق بعد الرفاق في كتابه ~~الجامع الصحيح يقرأه المحدث قراءة تحقيق واتقان في شهر من أشهر الزمان ~~وغيره من أئمة هذا الشأن لهم أكمل منة على أهل الإيمان فإنه تعبوا في جمع ~~الأحاديث للمتأخرين ووزعوا أوقاتهم في تحصيل ما فيه نفع المسلمين حتى لم ~~يبق لهم وقت لغير نسخ الحديث أو السماع PageV01P094 ففي سير أعلام النبلاء ~~في ترجمة الإمام الحافظ عبدالرحمن بن أبي حاتم صاحب التفسير والجرح ~~والتعديل والمسند الذي ألفه في ألف جزء قال كنا في مصر سبعة أشهر لم نأكل ~~فيها مرقة كل نهارنا مقسم لمجالس الشيوخ وبالليل النسخ والمقابلة قال ~~فأتينا يوما أنا ورفيق لي شيخا فقالوا هو عليل فرأينا في طريقنا سمكة ~~أعجبتنا فاشتريناها فلما صرنا إلى البيت حضر وقت مجلس فلم يمكنا إصلاحه ~~ومضينا إلى المجلس ولم نزل حتى أتى عليه ثلاثة أيام وكاد أن يتغير فأكلناه ~~نيئا لم يكن لنا فراغ أن نعطيه من يشويه ثم قال لا يستطاع العلم براحة ~~الجسم PageV01P095 وقي مثلهم يقال % إن علم الحديث علم رجال % تركوا ~~الابتداع للاتباع % PageV01P096 % فإذا جن ليلهم كتبوه % وإذا أصبحوا غدوا ~~للسماع % فأئمة الحديث جعل الله غذاءهم ولذتهم قراءة الحديث وكتابته ~~ودراسته وروايته ورزقهم حفظا يبهر العقول ويكاد أن لا يصدقه من يسمع ما حكى ~~عنهم في ذلك من المنقول PageV01P097 حفظ الله تعالى بهم السنة وبهم يتم على ~~عباده كل منة قد حفظوا ألفاظ الأحاديث كحفظ القرآن وأحرزوا كل ms08 لفظ منه ~~بتحقيق وإتقان وألفوا فيها الجوامع النافعة والمسانيد الواسعة ثم تعبوا في ~~أحوال الرواة وصفاتهم ورحلتهم ومواليدهم وبلدانهم ووفاتهم حتى صار من عرف ~~تراجمهم وأحوالهم كأنه شاهدهم وزاحمهم بل صار أعرف بأحوالهم من المشاهد لهم ~~والمعاصر لأنه قد يخفى على من عاصرهم بعض أحوال من عارضه وشاهده وأما من ~~طالع تراجمهم وتلقى عن الثقات أخبارهم فإنه يراهم قد جمعوا من أحوالهم ~~وصنفوا من تعيين آثارهم ورحلهم ويقظتهم ومنامهم وتتبعوا أحوالهم من كل عارف ~~موافق ومخالف حتى اجتمع لمن قرأ أخبارهم ما لم يجتمع لمن شاهدهم من الأوصاف ~~وهذا أمر لا ينكره إلا من حرم الأنصاف PageV01P098 ألا ترى أن من عرف تراجم ~~الأئمة الستة أهل الأمهات من كتب أئمة التأريخ عرف أحوالهم وأوصفاهم كأنه ~~لاقاهم ورآهم لقاء خبرة ورؤية مخاللة وحصل له من الاطمئنان بأقوالهم ويقر ~~في قلبه من إمامتهم في الدين وعظم نصحهم للمسلمين ما لا يحوم حوله قدح قادح ~~ولا جرح جارح حتى لو جاءه من ينازعه في حفظ البخاري وتقواه لما فت ذلك في ~~عضد يقينه بحفظه وهداه وكذلك غيره من الأئمة ومثلهم الرواة فإن الله يسر ~~أقواما جعل هممهم العالية وأفكارهم الصافية مصروفة إلى تتبع أحوال رجال ~~الحديث ورواته في القديم والحديث ثم ألفوا في الرجال ما يطلع الناظر على كل ~~ما يقال من جرح وتعديل قال وقيل ذللوا للمتأخرين ما كان صعبا وصيروا بهمتهم ~~ما كان ضيقا واسعا رحبا وجمعوا ما كان متفرقا ولفقوا ما كان ممزقا قد قربوا ~~العلوم الحديثية أتم تقريب بإكمال وتقريب وتهذيب فاجتمع للمتأخرين من أحوال ~~المتقدمين اجتماعا لم يتم للأولين فإنها اجتمعت لهم معارف العارفين وأقوال ~~المتخالفين وكل من الأئمة ما زال حريصا على تقريب المعارف للمسلمين حتى ~~ألفوا الكتب على حروف المعجم في الرجال والمتون وأتوا بما لم يأت به ~~الأولون فلم PageV01P099 يبق للمتأخرين إلا الاقتطاف لثمرات المعارف ~~والارتشاف بكؤوس قد أترعها لهم كل إمام عارف إبقاء ءلحجة الله على العباد ~~وحفظا لعلوم الدين إلى يوم المعاد PageV01P100 # | فصل في ms09 تقريب الفهم إلى تيسير الاجتهاد بالأمثلة # إذا عرفت هذا فكيف يحال في حق المتأخرين الاجتهاد المطلق لتعسر بعد هذه ~~الأشياء التي ساقها الله إلى أئمة الإجتهاد على أيدي أهل الحفظ والورع ~~والانتقاد ألا ترى أنك لو وجدت حديثا في مسند ابن أبي شيبة أو عبدالرزاق أو ~~غيرهما ولم تجد فيه كلاما لأحد أئمة الحديث بإحدى الصفات الثلاث ورأيت من ~~روياة الحجاج بن أرطأة مثلا فإنك تحكم بضعفه لكلام الأئمة في الحجاج كما ~~يحكم بذلك الدارقطني والمنذري مثلا وما لاقاه الدارقطني ولا رآه بل وقف على ~~ما وقفت عليه من كلام أئمة الجرح غاية الفرق أنها قد تكون طريق الدارقطني ~~في ذلك السماع وطريقك PageV01P101 الوجادة وهذا لا يخرجك عن جواز التكلم ~~بما تكلم به أو وجدت حديثا كذلك ثم نظرت كلام أئمة التعديل في رجاله ~~فوجدتهم موثقين فأي مانع لك عن تصحيحه مثلا كما يفعله الحافظ المنذري وابن ~~حجر فإنهما يتكلمان على عدة من الأحاديث تصحيحا وتحسينا وتضعيفا وطريقهما ~~في ذلك تتبع أقوال أئمة الجرح والتعديل في رجاله كما أنها طريقة الناظر في ~~هذه الأعصار وهما لم يلقيا إلا شيوخهما كما أنك لم تلق إلا من رويت عنه أو ~~قرأت عليه إن كانت طريقك القراءة لا الوجادة أو الإجازة PageV01P102 # | فصل في الحكم بسهولة الاجتهاد في هذه الأعصار # قد علمت مما سقناه أن الله وله الحمد والمنة قد قيض للمتأخرين أئمة من ~~المتقدمين جمعوا لهم العلوم اللغوية والحديثية من الأفواه والصدور وحفظوها ~~لهم في الأوراق والسطور وذللوا لهم صعاب المعارف وقادوها إلى كل ذكي عارف ~~ودونوا الأصول واللغة بأنواعها مع انتشارها واتساعها وأدخلوا علوم الاجتهاد ~~لأهلها من كل باب تارة بإيجاز وتارة بإسهاب وإطناب وهذا شيء لا شك فيه ولا ~~ارتياب ولا يجهله إلا من ليس من أولي الألباب الذين نحوهم يساق هذا الخطاب ~~وبعد هذا فالحق الذي ليس عليه غبار الحكم بسهولة الاجتهاد في هذه الأعصار ~~وأنه أسهل منه في الأعصار الخالية لمن له في الدين همة عالية ورزقه الله ~~فهما ms10 صافيا وفكرا صحيحا ونباهة في علمي السنة والكتاب PageV01P103 فإن ~~الأحاديث في الأعصار الخالية كانت متفرقة في صدور الرجال وعلوم اللغة في ~~أفواه سكان البوادي ورؤوس الجبال حتى جمعت متفرقاتها ونفقت ممزقاتها حتى لا ~~يحتاج طالب العلم في هذه الأعصار إلى الخروج من الوطن وإلى شد الرحل والظعن ~~فيا عجباه حين تفضل الله بجمعها من الأغوار والأنجاد وسهل سياقها للعباد ~~حتى أينعت رياضها وأترعت حياضها وأجريت عيونها وتهدلت بثمراتها غصونها وفاض ~~في ساحات تحقيقها معينها واشتد عضدها وجل ساعدها وكثر معينها تقول تعذر ~~الاجتهاد ما هذا والله إلا كفران النعمة وجحودها والإخلاد إلى ضعف الهمة ~~وركودها إلا أنه لا بد مع ذلك أولا من غسل فكرته عن أدران العصبية وقطع ~~مادة الوساوس المذهبية وسؤال للفتح من الفتاح العليم وتعرض لفضل الله @QB@ ~~وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم @QE@ الحديد 29 ~~فالعجب كل العجب ممن يقول بتعذر الاجتهاد في هذه الأعصار وأنه محال ما هذا ~~إلا منع لما بسطه الله من فضله لفحول الرجال واستبعاد لما خرج من يديه ~~واستصعاب لما لم يكن لديه وكم للأئمة المتأخرين من استنباطات رائقة ~~واستدلالات صادقة ما حام حولها الأولون ولا عرفها منهم الناظرون ولا دارت ~~في بصائر المستبصرين ولا جالت في أفكار المفكرين PageV01P104 # | فصل في بيان أنه لا فرق بين المتقدمين والمتأخرين إلا بكثرة الوسائط ~~وقلتها # ومن هذا تعرف انه لا فرق بين اجتهاد من ذكره السائل من العلامه الجلال ~~والمقبلي واجتهاد من تقدمها من الأئمة الأربعة الذين اتفقت الأمة على ~~اجتهادهم وأن مرجعهما في تصحيح الأحاديث ليس بتقليد لأئمة التصحيح بل قبول ~~رواية هذا الشافعي رضي الله عنه اتفقت الأمة على اجتهاده ومرجعه في صحة ~~الحديث وعدمها إلى أئمة الحديث فإنه يقول في مواضع إذا لم يعمل بالحديث إنه ~~لم يرتض رواية هذا الحديث ونحو هذه العبارة في محلات من تلخيص ابن حجر ~~وتيسير البيان وغيرهما من الكتب المجموعة لسرد الأدلة والتفتيش عن أحوال ~~رجالها كقوله في حديث بهز بن ms11 حكيم في الزكاة وهذا الحديث لا يثبته أهل ~~العلم بالحديث ولو ثبت لقلنا به هذا PageV01P105 هو بعينه ما يقوله الجلال ~~والمقبلي وكل من تقدمها وقدمنا لك أن البخاري نفسه إنما يعتمد ويصرح في ~~التصحيح وغيره على أقوال من تقدمه من الرجال وإنه لم يلق إلا شيوخه والذين ~~روى عنهم وصحح لهم أضعاف أضعاف شيوخه وحينئذ يعرف الناظر أنه لا فرق بين ~~المتقدمين والمتأخرين إلا بكثرة الوسائط وقلتها وسيلان الأذهان وجمودها ~~وحركات الهمم وركودها والفضل بيد الله لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ~~أما قول القاضي رحمه الله إنه لم يتيسر في الأعصار المتأخرة إلا ترجيح بعض ~~المذاهب على بعض باعتبار قوة الدلالة أو كثرة من صحح أو جلالته فجوابه أن ~~هذا الذي سماه ترجيحا هو الإجتهاد المطلق إنما ذنب المتأخر أنه تأخر زمنه ~~عن زمان من قال بالقول الراجح والمرجوح فنظر كنظر من قبله من المجتهدين ~~وجزم بأحد القولين نظرا إلى الدليل فسميتموه ترجيحا لقول غيره وليس كذلك ~~فافرضوا أنه لم يتقدمه أحد فإنه لو كان زمانه سابقا ورأيتم ما أدعاه وما ~~أقامه من البراهين على دعواه لقلتم أنه مجتهد مطلق PageV01P106 ولا يخفى أن ~~تقدم الزمان وتأخره لا أثر له في جمع الأدلة والاستنباط منها قطعا بل قد ~~أوضحنا لك أن الله قد جمع شمل الأدلة للمتأخرين ولكنكم نظرتم إلى تأخر ~~زمانه وإنه قد قال بما جنح إليه قائل قبله فقلتم إن هذا للمجتهد الآخر رجح ~~ما قاله من قبله بقوة الدلالة أو نحوها قلنا هو عين الاجتهاد ولا يضرنا ~~تسميتكم له ترجيحا PageV01P107 # | فصل في سبب اختلاف الأقوال في الجرح والتعديل # أما ما أشار إليه السائل دامت إفادته من أنه قد يختلف كلام إمامين من ~~أئمة الحديث فيضعف هذا حديثا وهذا يصححه ويرمي هذا رجلا من الرواة بالجرح ~~وآخر يعدله فهذا مما يشعر بأن التصحيح ونحوه من مسائل الاجتهاد الذي اختلفت ~~فيه الآراء فجوابه أن الأمر كذلك أي أنه قد تختلف أقوالهم فإنه قال مالك في ~~ابن إسحاق ms12 إنه دجال من الدجاجلة وقال فيه شعبة إنه أمير المؤمنين في الحديث ~~PageV01P108 وشعبة إمام لا كلام في ذلك وإمامة مالك في الدين معلومة لا ~~تحتاج إلى برهان فهذان إمامان كبيران اختلفا في رجل واحد من رواة الأحاديث ~~ويتفرع على هذا الاختلاف في صحة حديث من رواية ابن إسحاق وفي PageV01P109 ~~ضعفه فإنه قد يجد العالم المتأخر عن زمان هذين الإمامين كلام شعبة وتوثيقه ~~لابن إسحاق فيصحح حديثا يكون من رواية ابن إسحاق قائلا قد ثبتت الرواية عن ~~إمام من أئمة الدين وهو شعبة بأن ابن إسحاق حجة في روايته وهذا خبر من شعبة ~~يجب قبوله وقد يجد العالم الآخر كلام مالك وقدحه في ابن اسحاق القدح الذي ~~ليس وراءه ورواء ويرى حديثا من رواية ابن إسحاق فيضعف الحديث لذلك قائلا قد ~~روى لي إمام وهو مالك بأن ابن إسحاق غير مرضي الرواية ولا يساوي فلسا فيجب ~~رد خبر فيه ابن إسحاق فبسبب هذا الاختلاف حصل اختلاف الأئمة في التصحيح ~~والتضعيف المتفرعين عن اختلاف ما بلغهم من حال بعض الرواة وكل ذلك راجع إلى ~~PageV01P110 الرواية لا إلى الدراية فهو ناشىء عن اختلاف الأخبار فمن صحح ~~أو ضعف فليس عن رأي ولا استنباط كما لا يخفى بل عمل بالرواية وكل من المصحح ~~والمضعف مجتهد عامل برواية عدل فعرفت أن الاختلاف في ذلك ليس مداره على ~~الرأي ولا هو من أدلة أن مسألة التصحيح وضده اجتهاد نعم وقد يأتي من له ~~فحولة ونقادة ودراية بحقائق الأمور وحسن وسعة اطلاع على كلام الأئمة فإنه ~~يرجع إلى الترجيح بين التعديل والتجريح فينظر في مثل هذه المسألة إلى كلام ~~الجارح ومخرجه فيجده كلاما خرج مخرج الغضب الذي لا يخلو عنه البشر ولا يحفظ ~~لسانه حال حصوله إلا من عصمه الله PageV01P111 فإنه لما قال ابن إسحاق ~~اعرضوا علي علم مالك فأنا بيطاره فبلغ مالكا فقال تلك الكلمة الجافية التي ~~لولا جلالة من قالها وما نرجوه من عفو الله من فلتات اللسان عند الغضب لكان ~~القدح بها فيمن قالها ms13 أقرب إلى القدح فيمن قيلت فيه فلما وجدناه خرج مخرج ~~الغضب لم نره قادحا في ابن إسحاق فإنه خرج مخرد جزاء السيئة بالسيئة على أن ~~ابن إسحاق لم يقدح في مالك ولا في علمه غاية ما أفاد كلامه أنه أعلم من ~~مالك وأنه بيطار علومه وليس في ذلك قدح على مالك ونظرنا كلام شعبة في ابن ~~إسحاق فقدمنا قوله لأنه خرج مخرج النصح للمسلمين ليس له حامل عليه إلا ذلك ~~وأما الجامد في ذهنه الأبله في نظره فإنه يقول قد تعارض هنا الجرح والتعديل ~~فيقدم الجرح لأن الجارح أولى وإن كثر المعدلون وهذه القاعدة لو أخذت كلية ~~لم يبق لنا عدل إلا الرسل فإنه ما PageV01P112 سلم فاضل من طاعن من ذلك لا ~~من الخلفاء الراشدين ولا أحد من أئمة الدين كما قيل % فما سلم صديق من رافض ~~% ولا نجا من ناصبي علي % PageV01P113 % ما سلم الله من بريته % ولا نبي ~~الهدي فكيف أنا % القاعدة ظاهرية يعمل بها فيما تعارض فيه الجرح والتعديل ~~من المجاهيل على أنه لك أن تقول كلام مالك ليس بقادح في ابن إسحاق لما علمت ~~أنه خرج مخرج الغضب لا مخرج النصح للمسلمين فلم يعارض في ابن إسحاق جرح ~~واعلم أن ذكرنا لابن إسحاق والكلام فيه مثال وطريق يسلك منه إلى نظائره ~~وإذا عرفت هذا فهو الترجيح لايخرج ما ذكرناه عن كونه من باب قبول أخبار ~~العدول بل هو منه إنما لما تعارض الخبران عندنا في حال هذا الراوي تتبعنا ~~حقائق الخبرين ومحل صدورهما والباعث على التكلم بهما فظهر الاعتماد على ~~أحدهما دون الآخر فهو من باب قبول الأخبار فهكذا يلزم الناظر البحث عن ~~حقائق الأحوال وعن الباعث عن صدورها من أفواه الرجال فإنه يكون كلامه بعد ~~ذلك أقوم قيلا وأحسن دليلا وأوفق نظرا وأجل قدرا فمن عمل برواية التعديل ~~والتزكية ومن عمل برواية القدح والتجريح وإن PageV01P114 كان الكل قابلين ~~لأخبار العدول عاملين بما يجب عليهم من قبول خبر المنقول فالكل مجتهدون ~~ولكن تخالفت الآثار وتفاوتت الأنظار ومن ms14 هنا نحوه وقع اختلاف المجتهدين في ~~عدة مسائل من أمهات الدين والكل مأجورون بالنص الثابت منهم من له أجر ومنهم ~~من له أجران ومن هنا علمت أن اختلاف الأئمة في تصحيح خبر من إمام وتضعيفه ~~من إمام آخر ناشىء عما تلقوه من أخبار العدول عن الرواة فهذا لإمام لم ~~يبلغه عن الرواة هذا الخبر الذي حكم بصحته إلا العدالة والضبط فصحح أخبارهم ~~ولهذا تجد من يتعقب بعض الأحاديث التي صححها إمام بقوله كيف تصحيحه وفيه ~~فلان كذاب ونحو هذا ومعلوم أن من صحح هذا الحديث لم يبلغه أن في رجاله ~~كذابا وهذا لإمام بلغه من أحوال رواة ذلك الخبر أو بعضهم عدم العدالة وسوء ~~الحفظ أو انقطاع الخبر أو شذوذه حكم عليه بعدم الصحة وهذا معروف من جبلة ~~العباد وطبائعهم فمن الناس من يغلب عليه حسن الظن في الناس وتلقي أقوالهم ~~بالصدق ومن الناس من له نباهة وفطنة وطول خبرة لأحوال الناس فلا يكتفي ~~بالظاهر بل يفتش عن الحقائق فيقع على الحق والصواب ولذا أطبق النقاد أن ما ~~صححه الشيخان مقدم على ما صححه غيرهما في غير ما انتقد عليهما كما يأتي عند ~~التعارض ثم ما انفرد البخاري بتصحيحه مقدم على ما انفرد به مسلم وما ذاك ~~إلا لحذاقة البخاري ونقادته ومعرفته بأحوال الرواة وغيره ممن صحح يقبلون ~~PageV01P115 تصحيحه ويجعلونه في رتبة أعلى من رتبة ما لم يصححه البخاري ~~فهذا التفاضل نشأ من زيادة الإتقان لأحوال المخبرين ألا ترى أن الشافعي رضي ~~الله عنه مع إمامته يروى عن ابن أبي يحيى ويعبر عنه بالثقة وغيره يقدحون ~~فيه ويتجنبونه في الصحاح PageV01P116 وذلك من الاختلاف في أخبار المخبرين ~~عنه فالشافعي رضي الله عنه ثبت له عدالته وضبطه ويأتي فيه ما أسلفناه من ~~أنه لو عمل برواية أحد الراويين لترجيح قوي عنده عضد ما يعرفه من حال ~~الراوي جاز ذلك فوثقه وغيره ثبت له غير ذلك فتجنبوه والكل عائد إلى اختلاف ~~المخبرين PageV01P117 # | فصل في التفطن لأحوال المخبرين عن الرواة # وإذا تقرر لك ما ms15 حققناه من أن المصححين والمحسنين والمضعفين رواة أحوال ~~رجال الإسناد يعبرون عن ثقتهم وضبطهم واتصال ما رووه وسلامته من الشذوذ ~~والعلة بقولهم صحيح وعن خلافه بضعيف وعما بين الأمرين بحسن كما عرف ذلك ~~بعلم أصول الحديث فهم رواة مخبرون عن أحوال الرواة للحديث فلا بد حينئذ من ~~معرفة أحوالهم كمعرفة أحوال رجال المتن وقد اختلفوا فيما يروونه كاختلاف ~~رواة المتون فمنهم من يصحح الحديث فيأتي من يتتبع رجال ذلك الحديث فيجد في ~~رجاله من ليس بصفة رواية الصحيح ولذا ترى النقاد من ائمة هذا الشأن يقولون ~~في الاعتراض على بعض المصححين كيف يجزم بصحته وفي رواته فلان كذاب وكذا ~~وكذا من التي لا يصح معها تصحيح روايته وهذا كثير جدا فيما يصححه الحاكم ~~ويوجد قليلا فيما يصححه الترمذي وحينئذ لا بد من التفطن لأحوال المخبرين ~~بالصحة وأنه لا بد فيهم من PageV01P118 النباهة وعدم التغفيل وصدق الديانة ~~والنصحية للمسلمين فإن كان المخبر بالصحة مثل أبي عبدالله البخاري ومسلم ~~ومن في طبقتهما ومن خرج على كتابيهما فخبره بالصحة مقبول قد تتبع أئمة هذا ~~الشأن وفرسان هذا الميدان ما صححه الشيخان فوجدوه مبنيا على أساس صحيح ~~وخبرة بالرواية ومعرفة وإتقان وإن وجد الشيء اليسير في رجالهما ممن انتقد ~~الحفاظ من بعدهما كانتقاد الحافظ أبي الحسن الدارقطني على الشيخين فإن ~~مجموع ما انتقده عليهما من الأحاديث مائة حديث وعشرة انفرد البخاري منها ~~بثلاثة وسبعين حديثا واشترك هو ومسلم في اثنين وثلاثين حديثا وقد أجاب عنه ~~غيره من الحفاظ بأجوبة فيها الغث والسمين وجملة من قدح فيه من رجال البخاري ~~ثلاثمائة وثمانية وتسعون وقد دفع الحافظ ابن حجر ما قدح به فيهم بعض فيه ~~تكلف وبعضه واضح لكن إذا عرفت عدة ما اشتمل عليه الكتابان من الأحاديث ~~الصحيحة PageV01P119 والرجال الموثقين علمت أن صحة ما فيها الأغلب هي ~~فالحكم له فيعمل بما فيها ما لم يظن أو يعلم أنه من المغلوب وذلك لأن العمل ~~بالظن والظن يحصل بإخبار من غالب أخباره الصدق ولا يفت فيه تجويز ms16 أنه غير ~~صادق فيما أخبر به من الصحة مثلا وقد صرح أئمة أصول الحديث بأنه لا يترك ~~إلا من كثر خطأه ومعلوم أن خطأ صاحبي الصحيحين في الإخبار بالصحة قليل جدا ~~ومحصور كما ذكرناه فأما أهل أصول الفقه فإنهم قائلون إنه لا يترك إلا من ~~كان خطأه أكثر من صوابه كما عرف وبهذا التحقيق علمت مزية الصحيحين لا بما ~~ادعاه ابن الصلاح من تلقي الأمة لهما بالقبول فإنه قول غير مقبول قد حققنا ~~في ثمرات النظر في علم الأثر بطلانه بما لا مزيد فيه ومثله في البطلان قول ~~العلامة الجلال في ديباجة ضوء النهار إنه يجب العمل بما حسنوه أو صححوه كما ~~يجب العمل بالقرآن فإنه كلام باطل قد بينا وجه بطلانه في منحة الغفار حاشية ~~ضوء النهار مع أن دعواه أعم من دعوى ابن الصلاح PageV01P120 نعم وإن كان ~~المخبر بالصحة مثل أبي عبدالله الحاكم فقد تكلم الناس فيما أخبر به من ~~الصحة واختلفوا فيه اختلافا كثيرا ولهم في الأحاديث التي صححها في مستدركه ~~ثلاثة أقوال إفراط وتفريط وتوسط فأفرط أبو سعد الماليني وقال ليس فيه حديث ~~على شرط الصحيح وفرط الحافظ السيوطي فجعله مثل الصحيح وضمه إليهما في كتاب ~~الجامع الكبير وجعل العزو إليه معلما بالصحة كالعزو إلى الصحيحين وتوسع ~~الحافظ أبو عبدالله الذهبي فقال فيه نحو الثلث صحيح ونحو الربع حسن وبقية ~~ما فيه مناكير وعجائب وإذا عرفت هذا عرفت أن الأحوط الوقف في قبول خبر ~~الحاكم بالصحة لأنه صار كتابة غير غالبة عليه الصحة بل الصحيح فيه مغلوب ~~PageV01P121 وإن كان المخبر بالصحة مثل أبي عيسى الترمذي فقد أثنى عليه ~~الأئمة وقالوا في كتابه ربع مقطوع به وربع على شرط أبي داود والنسائي وفيه ~~غيرهما قد بين علته في كتابه وهذا ذكرناه لك معيارا ومقياسا وتمثيلا لأحوال ~~رواة الصحة وأنهم كرواة المتون فيه الحجة الإمام وفيهم من فيه لين ومسارعة ~~إلى الإخبار بالضعف والوضع كابن الجوزي فإنه يسارع إلى الحكم بالوضع في ~~أحاديث عالية الرتبة عن صفة الوضع ms17 وانتقده الأئمة فابن الجوزي والحاكم أبو ~~عبدالله في طرفي نقيض هذا يسارع إلى الإخبار بالصحة وهذا يسارع إلى الإخبار ~~بالوضع PageV01P122 فمن هنا يتعين على الناظر ذي الهمة الدينية البحث عن ~~أحوال الأئمة كالبحث عن أحوال رواة المتون ويطيل مراجعة التاريخ فإنه بذلك ~~يطلع على حقائق أحوال أئمة هذا الشأن ويرى ما يوجب التوقف تارة والمضي أخرى ~~والرد حينا ما PageV01P123 # | فصل في معرفة الحق من أقوال أئمة الجرح والتعديل # قد يصعب على من يريد درك الحقائق وتجنب المهاوي والمزالق معرفة الحق من ~~أقوال أئمة الجرح والتعديل بعد اتباع هذه المذاهب التي طال فيها القال ~~والقيل وفرقت كلمة المسلمين وأنشأت بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم الدين ~~وقدح بعضهم في بعض وانتهى الأمر إلى الطامة الكبرى من التفسيق والتكفير وشب ~~على ذلك من أهل المذاهب الصغير وشاب عليه الكبير كل هذا من آثار هذه ~~الاعتقادات المبتدعة في الإسلام والمجانبة لما جاء به سيد الأنام عليه وعلى ~~آله أفضل الصلاة والسلام فترى إماما من العلماء العاملين يقدح في راو من ~~حفاظ علوم الدين بأنه كان يقول بخلق القرآن وتجد إماما آخر يقدح في راو آخر ~~بأنه كان يقول بقدم القرآن وكذلك يقدحون بأمور ليست عمدة في الدين ولا يخرج ~~المتصف بها عن زمرة المتقين ويقدحون بالقول بالقدر والإرجاء والنصب والتشيع ~~ثم تراهم يصححون أحاديث جماعة من الرواة قد رموهم بتلك القوادح ألا ترى أن ~~البخاري أخرج لجماعة رموهم بالقدر كهشام بن PageV01P124 أبي عبدالله ~~الدستوائي أخرج له البخاري وقد قال فيه محمد بن سعد كان حجة إلا أنه كان ~~يرى القدر وأخرج مالك لجماعة يرون القدر كما قاله ابن البرقي أنه سئل مالك ~~كيف رويت عن داود بن الحصين وثور بن زيد PageV01P125 وذكر له جماعة كيف ~~رويت لهم ولقد كانوا يرون القدر قال كانوا لأن يخروا من السماء على الأرض ~~أسهل من أن يكذبوا وكم في الصحيحين من جماعة صححوا أحاديثهم وهم قدرية ~~وخوارج ومرجئة إذا عرفت هذا فهو من صنيع أئمة الدين قد يعده ms18 الواقف عليه ~~تناقضا ويراه لما قرره معارضا ويفت عنده من عضد أئمة هذا الشأن ويظن ~~التصحيح صادرا عن مجازفة من غير إتقان وليس الأمر كذلك فإنه إذا حقق صنيع ~~القوم وتتبع طرائقهم وقواعدهم نفى عنهم اللوم وعلم أنهم أجل من ذلك قدرا ~~وأدق نظرا وأنصح لأهل الدين من جماعة الثغور المجاهدين وأنهم لا يعتمدون ~~بعد إيمان الراوي إلا على صدق لهجته وضبط روايته وقد أقمنا برهان هذه ~~الدعوى في رسالة ثمرات النظر في علم الأثر برهانا لا يدفعه إلا من ليس من ~~الأذكياء ذوي النباهة والخطر PageV01P126 # | فصل في أن القوادح المذهبية لا يتلفت إليها # إذا عرفت هذا فاعلم أن هذه القوادح المذهبية والابتداعات الاعتقادية ~~ينبغي للناظر أن لا يلتفت إليها ولا يعرج في القدح عليها فإن القول بقدم ~~القرآن مثلا بدعة كما أن القول بخلقه بدعة وقد اختار الحافظ ابن حجر رحمه ~~الله لنفسه وحكاه عن الجماهير غيره أن الابتداع بمفسق لا يقدح به في الراوي ~~إلا أن يكون داعية PageV01P127 وهذه مسألة قبول فساق التأويل وكفار التأويل ~~وقد نقل في العواصم إجماع الصحابة على قبول فساق التأويل من عشر طرق ومثله ~~في كفار التأويل من أربع طرق وإذا عرفت ورأيت أئمة الجرح والتعديل يقولون ~~فلان ثقة حجة إلا أنه قدري أو يرى الإرجاء أو يقول بخلق القرآن أو نحو ذلك ~~أخذت بقولهم ثقة وعملت به وأطرحت قولهم قدري ولا يقدح به في الرواية غاية ~~ذلك أنه مبتدع ولا يضر الثقة بدعته من قبول روايته لما عرفت من كلام ابن ~~حجر ومن كلام مالك PageV01P128 فإن قولهم ثقة قد أفاد الإخبار بأنه صدوق ~~وقولهم يقول بخلق القرآن مثلا إخبار بأنه مبتدع ولا تضرنا بدعته في قبول ~~خبره ومن هنا يتضح لك اختلال رسم العدالة الذي اتفق عليه الأصوليون ~~والفروعيون وأئمة الحديث بأنها ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة ~~وفسروا التقوى باجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة وقد أوضحنا ~~اختلاله في ثمرات النظر وفي المسائل المهمة وفي منحة الغفار بما ms19 يعرف به ~~أنه رسم دارس وقول لا يعول عليه من هو لدقائق العلوم ممارس وإن أطبق عليه ~~الأكابر فكم ترك الأول والآخر وقد ناقضوه مناقضة ظاهرة بقبول فساق التأويل ~~وكفاره والخوارج وغيرهم من أهل البدع المتكاثرة # # | علوم الاجتهاد في هذه الأعصار أقرب تناولا منها فيما سلف # وبعد هذا فقد تقرر لك بما سقناه واتضح لك بما حققناه أن للناظر في هذه ~~الأعصار أن يصحح ويضعف ويحسن كما فعله من قبله من الأئمة الكبار فإن ~~PageV01P129 عطاء ربك لم يكن محظورا وإفضاله الممدود ليس على السابق محصورا ~~وأن علوم الاجتهاد في هذه الأعصار أقرب تناولا منها فيما سلف من أزمنة ~~الأئمة النظار إلا أنه لايخفى أن الاجتهاد موهبة من الله يهبه لمن يشاء من ~~العباد فما كل من أحرز الفنون أجرى من قواعدها العيون ولا كل من عرف ~~القواعد استحضرها عند ورود الحادثة التي يفتقر إلى تطبيقها على الأدلة ~~والشواهد % وما كل من قاد الجياد يسوسها % ولا كل من أجرى يقال له مجرى % ~~لكن على العبد طلب المعارف والتماسه من كل عارف وسهر الجفون في إحراز دقائق ~~الفنون وإخلاص النية وطلب الفتح من بارىء البرية فالخير كله بيده ولا يلتمس ~~إلا من عنده وكم قد رأينا وسمعنا من زكى عارف إمام يضيق عطن بحثه عند ورود ~~حادثة من الأحكام فيتبع أقوال الرجال تقليدا ويعود عندها مقلدا مبلدا كأنه ~~ما غرف من بحار الفنون ولا عرف شيئا من تلك الشئون نسأل الله أن يعلمنا ما ~~جهلناه ويذكرنا ما نسيناه ويرزقنا العمل بما علمنا ويلهمنا إلى العلم بما ~~جهلنا أنه ولي كل خير وإليه تعالى بالعلم والعمل القصد والسير وهو المقصود ~~في النهاية والابتداء وأن إلى ربك المنتهى ومنه نستمد الهداية والتوفيق في ~~كل بداية ونهاية وقد طال المقال وخرج عن مطابقة مقتضى السؤال وإن لم نخرج ~~عن مطابقة مقتضى الحال فالمقام جدير بالإطالة والإسهاب حقيق بالزيادة على ~~هذا الإطناب إذ الكلام في قواعد دينية ومباحث حديثية وخوض فيما هو من ~~PageV01P130 أساس الدين وعليه ms20 دوران فلك الاجتهاد المجتهدين وكما قال % وقد ~~أطال ثنائي طول لابنه % إن البناء على التنبال تنبال % PageV01P131 # # | بيان أن الفضل للمتقدمين ومن خالفهم في المسائل لم يدع الترفع عليهم # إذا عرفت ما قررناه فالعلم أن الذي سهل الاجتهاد وألان منه الصعاب ~~والشداد هو ما قدمنا لك من سعي أئمة الدين في جميع علوم الأولين وجمعها بعد ~~الشتات في نفائس المصنفات فلنكثر لهم الدعاء ولنحسن عليهم الثناء ولا نكن ~~من كفار النعم وأشباه النعم وإنما يعرف الفضل لأولي الفضل من هو منهم وإليه ~~أشار من قال % إذا أفادك إنسان بفائدة % من العلوم فأكثر شكره أبدا % % وقل ~~فلان جزاه الله صالحة % أفادنيها وخل اللؤم والحسدا % وبهذا يبطل تشيع ~~الجهال بأن من خالف الأوائل في بعض المسائل قد ادعى الترفع عليهم وقال إنه ~~أعلم منهم وهذا خيال باطل وسوء ظن حاصل وإلا لزم أن التابعين قد ادعوا ~~الفضل على السابقين الأولين من الأنصار والمهاجرين وأن الأئمة المتأخرين قد ~~ادعوا أن لهم الفضل على المتقدمين وهيهات ما زال الفضل للمتقدم معروفا وما ~~برح السابق بالتفضيل موصوفا % ولو قبل مبكاها بكيت صبابة % بسعدي شفيت ~~النفس بعد التندم PageV01P132 % ولكن بكت قبلي فيهج لي البكا % بكاها فقلت ~~الفضل للمتقدم % # # | شرائط الاجتهاد وكيفية تحصيله لأهل الذكاء من العباد # ثم اعلم أن هنا زيادة إفادة لطالب الرشاد ألحقناها بإرشاد النقاد وهو أنه ~~قد ظهر لك بما قررنا سهولة الاجتهاد وتيسره لأهل الهمة والأمجاد فلنذكر ~~شرائطه وكيفية تحصيله لأهل الذكاء من العباد فنقول قال الإمام الكبير محمد ~~بن إبراهيم الوزير صاحب كتاب العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم ~~في كتابه القواعد ما لفظه اعلم أنه قد كثر استعظام الناس في هذا الزمان ~~الاجتهاد واستبعادهم له حتى صار كالمستحيل فيما بينهم وما كان السلف يشددون ~~هذا التشديد العظيم وليس هو بالهين ولكنه قريب مع الاجتهاد أي في تحصيله ~~وصحة الذوق والسلامة من آفة البلادة ثم ذكر خمسة شروط بعد أن أبطل شرطية ~~معرفته علم الكلام وأنه علم مبتدع لم يعهد ms21 في عصر النبوة ولا عهد الصحابة ~~ثم عد خمسة ولم يرتبها كما نسوقه الأول معرفة علم العربية قال ويكفي فيه ~~قراءة كتاب مثل مقدمة الشيخ ابن الحاجب قراءة فهم وإتقان وهذا على الاحتياط ~~لا على الإيجاب وذلك لأن في العربية ما لا بد من معرفته وفيها ما لا يحتاج ~~إلى PageV01P133 معرفته مثال ما لا يحتاج إلى معرفته كلامهم في عالم ~~المستثنى ما هو ولم ارتفع الفاعل وانتصب المفعول ونحو ذلك مما لم يعرفه ~~العرب بل قد نقل عن أبي الحسين البصري أنه قال ليس الشرط بعد معرفة الكتاب ~~والسنة إلا أصول الفقه وإن أهل أصول الفقه قد نقلوا عن العربية والمعاني ~~والبيان ما يحتاج إليه المجتهد انتهى كلام أبي الحسين الشرط الثاني معرفة ~~أصول الفقه وهو رأسها وعمودها بل أصلها وأساسها بل سمعت عن أبي الحسين ~~البصري صاحب كتاب المعتمد في أصول الفقه أنه لا يشترط سواه بعد معرفة ~~الكتاب والسنة الشرط الثالث معرفة علم المعاني والبيان وقد اختلف فيه هل هو ~~شرط أم لا قال السيد محمد والحق أن فيه ما هو شرط في بعض المسائل كالعربية ~~وفيه ما ليس بشرط البتة وقد نقل أهل الأصول أكثر ما يحتاج إليه وقد تختلف ~~عبارتهم والمعنى واحد الشرط الرابع معرفة الآيات القرآنية الشرعية وقد قيل ~~إنها PageV01P134 خمس مائة آية ما صح ذلك وإنما هي مائتا آية أو قريب من ~~ذلك ولا أعرف أحدا من العلماء أوجب حفظها غيبا بل شرطوا أن يعرف مواضعها ~~حتى يتمكن عند الحاجة من الرجوع إليها فمن نقلها إلى كراسته وأفردها كفاه ~~ذلك الشرط الخامس معرفة جملة من الأخبار النبوية ويكفى فيها معرفة كتاب ~~جامع مثل الترمذي وسنن أبي داود والبخاري ومسلم وفيها ما لا يجب معرفته على ~~مجتهد لأنها جامعة لأخبار النبي صلى الله عليه وسلم ومغازيه وبعوثه ولما ~~ورد من تفسير القرآن الكريم من كلامه ولذكر الرقائق والجنة والنار وأحوال ~~القيامة والفتن والآداب والفضائل وقصص الأنبياء المتقدمين وغير ذلك مما لا ~~يحتاج إليه المجتهد والذي ms22 يدل على أن جملة من الأخبار تكفيه ولا يجب ~~الإحاطة بها أن PageV01P135 الصحابة قد صح اجتهادهم في أحكامهم ولم يحيطوا ~~بها علما وكذلك التابعون وأئمة الإسلام ولم يعلم أن أحدا أحاط بها ولذا قال ~~الشافعي رضي الله عنه علمان لا يحيط بهما أحد الحديث واللغة وهذا صحيح وهو ~~قول الجماهير والخلاف فيه شاذ قال والأولى من مريد الاجتهاد أن يعرف كتابا ~~من كتب الأحكام التي اقتصر أهلها على ذكر أحاديث التحليل والتحريم وجمعوا ~~جميع ما في الكتب الصحاح من ذلك وبينوا الصحيح من السقيم وعد كتبا من ذلك ~~ثم قال وأنفعها كتاب تلخيص المختصر للحافظ ابن حجر فلا شك في كفايته ~~للمجتهد وزيادة الكفاية انتهى كلامه رحمه الله PageV01P136 # | فصل في تعظيم السنن والانقياد إليها وترك الإعتراض عليها # ويأتيك قريبا من أقوال الأئمة الأربعة وغيرهم ما ينادي على أنهم لم ~~يحيطوا بالأحاديث النبوية وأنهم صرحوا بأن قولهم إذا خالف الحديث رددنا ~~قولهم وعملنا بالحديث قلت وقد منع أئمة الدين معارضة سنة سيد المرسلين ~~بأقوال غيره من الأئمة المجتهدين # # | تعظيم الصحابة للسنن # أولهم حبر الأمة وبحر علم الكتاب والسنة عبدالله بن عباس رضي الله عنه ~~فإنه روى الأعمش عن فضيل بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال تمتع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عروة نهى أبو بكر وعمر عن المتعة قال ~~ابن عباس أراهم سيهلكون أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون قال ~~أبو بكر وعمر رضي الله عنهما PageV01P137 وقال عبدالرزاق حدثنا معمر عن ~~أيوب قال عروة لابن عباس رضي الله عنهما ألا تتق الله ترخص في المتعة فقال ~~ابن عباس سل أمك يا عروة فقال عروة أما أبو بكر وعمر فلم يفعلا قال ابن ~~عباس رضي الله عنه ما والله أراكم منتهين حتى يعذبكم الله أحدثكم عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وتحدثونا عن أبي بكر وعمر وفي صحيح مسلم عن ابن ~~أبي مليكة أن عروة بن الزبير قال لرجل من أصحاب النبي ms23 صلى الله عليه وسلم ~~يأمر الناس بالعمرة في هؤلاء الأشهر وليس فيها عمرة فقال ألا تسأل أمك عن ~~ذلك فقال عروة إن أبا بكر وعمر لم يفعلا ذلك قال الرجل من ههنا هلكتم ما ~~أرى الله إلا يعذبكم أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخبروني بأبي ~~بكر وعمر ومراد ابن عباس أن عروة بن الزبير يسأل أمه أسماء بنت أبي بكر ~~فإنها شهدت حجة الوداع وولدت في سفرها ومحل الاستدلال قول ابن عباس لا نقدم ~~على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلام أحد من الناس كائنا من كان ~~وناهيك بالشيخين رضي الله عنهما فإنه لو جاز تقدم كلام أحد على سنته صلى ~~الله عليه وسلم لكان أحق الناس بذلك كلام صاحبيه رضي الله عنهما وليس ~~كلامنا في المتعة إثباتا ولا نفيا فالكلام على ذلك في غير هذا الموضع إنما ~~مرادنا ما ذكرنا PageV01P138 وأخرج الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه ~~سأله سائل عن متعة الحج فقال ابن عمر هي حلال فقال له الرجل إن أباك قد نهى ~~عنها فقال أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أأمر أبي أتبع أم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الرجل بل أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال لقد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ~~صحيح مسلم إن ابن عمر لما حدث أنه صلى الله عليه وسلم أمرنا بالإذن للنساء ~~في الخروج إلى المساجد قال بعض أولاده والله لا نأذن لهن وعلل كلامه بما ~~يخشى من النساء إذا خرجن فأقسم ابن عمر أن لا يكلمه ولما روى أبو هريرة ~~حديث أنه لا يدخل أحدكم يده في الإناء إذا استيقظ حتى يغسلها ثلاثا قال له ~~قائل فكيف تصنع بالمهراس فقال لا تضربوا بحديث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الأمثال وأخرج الترمذي أنه قال أبو السائب كنا عند وكيع فقال رجل ~~PageV01P139 قدري وعن إبراهيم النخعي أن الإشعار مثلة ms24 قال فرأيت وكيعا غضب ~~غضبا شديدا وقال أقول لك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول قال ~~إبراهيم ما أحقك بأن تحبس ثم لا تخرج حتى تنزع عن قولك هذا ولو تتبعنا ~~أقوال الصحابة والتابعين لطال المقال واتسع نطاق الأقوال على أنه معلوم من ~~آرائهم أنهم لا يقدمون على سنته صلى الله عليه وسلم قول أحد من الرجال كيف ~~وهذا عمر رضي الله عنه لما أراد أبو بكر رضي الله عنه قتال مانعي الزكاة لم ~~يساعده أولا على ذلك واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس ~~حتى يقولوا لا إله إلا الله فاستدل عليه أبو بكر بقوله صلى الله عليه وسلم ~~إلا بحقها يريد والزكاة من حقها فانشرح صدر عمر لما أمر به أبو بكر من قتال ~~مانعي الزكاة PageV01P140 فلم يقبل عمر قول أبي بكر حتى أقام الدليل على ~~السنة # # | تعظيم الأئمة للسنن # وأما الأئمة الأربعة فإن كلا منهم مصرح بأنه لايقدم قوله على قول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أما أبو حنيفة رحمه الله فإنه قال الشيخ العلامة ~~محمد حياة السندي نزيل طيبة رحمه الله في رسالته المسماة تحفة الأنام في ~~العمل بحديث النبي عليه الصلاة والسلام ما لفظه في روضة العلماء في فضل ~~الصحابة سئل أبو حنيفة إذا قلت قولا PageV01P141 وكتاب الله يخالفه قال ~~اتركوا قولي لكتاب الله فقيل إذا كان خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يخالطه قال اتركوا قولي لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له إذا كان ~~قول الصحابة يخالفه قال اتركوا قولي لقول الصحابة رضي الله عنهم وقال إنه ~~روى له البيهقي في المدخل بإسناد صحيح إلى عبدالله بن المبارك قال سمعت أبا ~~حنيفة يقول إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين وإذا ~~جاء عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نختار من قولهم وإذا جاء عن ~~التابعين زاحمناهم انتهى أما الشافعي رحمه الله فقال الشيخ محمد بن حياة ~~روى البيهقي ms25 في السنن عند الكلام على القراءة بسنده قال الشافعي إذا قلت ~~قولا وكان عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه فما يصح من حديث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أولى فلا تقلدوني ونقل إمام الحرمين في نهايته عن ~~الشافعي PageV01P142 إذا صح خبر يخالف مذهبي فاتبعوه واعلموا أنه مذهبي ~~وقال مثل الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيه أفعى ~~تلدغه وهو لا يدري ذكره البيهقي أيضا وأما أحمد بن حنبل رحمه الله فقال أبو ~~داود قلت لأحمد الأوزاعي هو أتبع أم مالك كأنه يريد أكثر اتباعا من مالك ~~فقال لا تقلد في دينك أحدا من هؤلاء ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه فخذ به ثم التابعين بعد الرجل فيه مخير وقال أحمد أيضا لا تقلدني ~~ولا تقلد مالكا ولاالثوري ولا الأوزاعي وخذ من حيث أخذوا وقال من قلة فقه ~~الرجل أن يقلد دينه الرجال وقال الشافعي أجمع الناس على أن من استبانت له ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحدا ~~PageV01P143 وقال إذا صح الحديث على خلاف قولي فاضربوا قولي بالحائط ~~واعملوا بحديث الضابط نقل هذا الشيخ محمد بن حياة السندي في رسالته التي ~~تقدم ذكرها وعندما صح لنا هذا عن هؤلاء الأئمة جزاهم الله أفضل الجزاء من ~~الأمة قلنا في أبيات % علام جعلتم أيها الناس ديننا % لأربعة لا شك في ~~فضلهم عندي % % هم علماء الدين شرقا ومغربا % ونور عيون الفضل والحق والزهد ~~% % ولكنهم كالناس ليس كلامهم % دليلا ولاتقليدهم في غد يجدي % % ولا زعموا ~~حاشاهم أن قولهم % دليل فيستهدي به كل من يهدي % % بل صرحوا أنا نقابل ~~قولهم % إذا خالفت المنصوص بالقدح والرد % وهذه نصوصهم رضي الله عنهم كما ~~سمعت وأقوال أئمة العلم في هذه كثيرة جدا على أنه معلوم من صفات العالم أنه ~~لا يرتضي أن يقدم على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صحته أو حسنه ~~قول نفسه ولا قول غيره وإلا ms26 لم يكن عالما متبعا لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قلت وإذا عرفت تصريح الأئمة بأنه إذا صح الحديث بخلاف ما PageV01P144 ~~قالوه فإنه لا يقلدهم أحد في قولهم المخالف للحديث عرفت بأن الآخر بقولهم ~~مع مخالفة الحديث غير مقلد لهم لأن التقليد حقيقة هو الأخذ بقول الغير من ~~غير حجة وهذا القول الذي خالف الحديث ليس قولا لهم لأنهم صرحوا بأنهم لا ~~يتبعون فيما خالف الحديث وأن قولهم هو الحديث ولقد كثرت جنايات المقلدين ~~على أئمتهم في تعصبهم له فمن تبين له شيء من ذلك أي من الأحاديث النبوية ~~فلا يعذر في التقليد فإن أبا حنيفة وأبا يوسف قالا لا يحل لأحد أن يأخذ ~~بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه وإن كان الرجل متبعا لاحد الأئمة الأربعة ~~ورأى في بعض المسائل أن قول غيره أقوى منه فاتبعه كان قد أحسن في ذلك ولا ~~يقدح ذلك في عدالته ولا دينه بلا نزاع بل هذا أولى بالحق وأحب إلى الله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم فمن تعصب لواحد معين غير الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ويرى أن قوله هو الصواب الذي يجب اتباعه دون الأئمة الآخرين فهو ضال ~~جاهل بل قد يكون كافرا يستتاب فإن تاب وإلا قتل فإنه متى اعتقد أنه يجب على ~~الناس اتباع واحد معين من هؤلاء الأئمة رضي الله عنهم دون الآخرين فقد جعله ~~بمنزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك كفر انتهى نقله الشيخ محمد حياة ~~رحمه الله PageV01P145 قلت وقوله من هؤلاء الأربعة بيان للواقع إذ هم في ~~نظره المتبعون وإلا قال بالإطلاق من غير تقييد بالأربعة ثم من هنا يعرف ~~بطلان قولهم وبعد الإلتزام يحرم الإنتقال إلا إلى ترجيح نفسه فإنا نقول بل ~~يحرم الإلتزام إذ معناه تقليد معين من العلماء وعدم الرجوع إلى تقليد غيره ~~فإنا نقول هذا الإلتزام للمعين هل كان إيثار التزام المقلد لمذهب من بين ~~مذاهب العلماء عن نظر واجتهاد قضى له أرجحية مذهبه إلى غيره التزاما أو كان ~~عن ms27 غير نظر بل تقليدا في تعيين التزام مذهبه إن كان الأول فدل على أنه ~~مجتهد عارف بالنظر في الأدلة راجحها ومرجوحها وهذا لا يحل له التقليد فضلا ~~عن الإلتزام وإن كان الثاني وإن تبعه سهوا وخطأ فلا اعتبار بالتزامه فإن ~~شهوته ليس بدليل وما أحسن قول ابن الجوزي في تلبيس إبليس اعلم أن المقلد ~~على غير ثقة فيما قلد فيه وفي التقليد إبطال منفعة العقل لأنه إنما خلق ~~للتأمل والتدبر وقبيح بمن أعطى شمعة يستضيء بها أن يطفئها ويمشي في الظلمة ~~انتهى # # | الأدلة معيار الحق من الباطل # فإن قلت القائلون بجواز التقليد طائفة من العلماء ولهم أدلة على جوازه ~~قلت القائلون بتحريمه طائفة أيضا من الأمة ولهم أدلة على ذلك ولا يهولنك ~~القائلون وكثرتهم من الفريقين بل ارجع إلى الأدلة فهي معيار الحق من الباطل ~~وبها تبين الحال جيده من العاطل PageV01P146 # | فصل في التوقف في تصديق المخبر حتى تقوم البينة # وأقدم لك مقدمة نافعة قبل سرد الأدلة من الجانبين وهو أن لا شك أن لنا ~~أصلا متفقا عليه وهو أنه لا يثبت حكم من الأحكام إلا بدليل يثمر علما أو ~~أمارة تثمر ظنا وهذا أمر متفق عليه بين العلماء قاطبة بل بين كافة العقلاء ~~من أهل الإيمان ومن أهل سائر الملل والأديان وإن هذا عام لأحكام الدنيا ~~والدين شامل للموحدين والملحدين فإنه مغروز في العقول أنه لا يقدم أحد على ~~فعل من الأفعال أو ترك من التروك إلا بعد اعتقاده عن علم أو ظن أن هذا ~~الفعل ترك أو فعل لما يترتب عليه فائدة دينية أو دنيوية من جلب نفع أو دفع ~~ضرر وهذا الإعتقاد ملزوم بعلم أو ظن عن دليل وأمارة وقال ملا على القاري ~~رحمه الله تعالى قال وإن اشتهر بين الحنفية أن الحنفي إذا انتقل إلى مذهب ~~الشافعي يعزر وإذا كان بالعكس فإنه يخلع عليه فهو قول مبتدع ومخترع وقال ~~ملا علي القاري في رسالته في إشارة المسبحة وقد أغرب الكيداني حيث قال ~~العاشر من المحرمات الإشارة ms28 بالسبابة كأهل الحديث أي مثل جماعة يجمعهم ~~العلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P147 فهذا منه خطأ عظيم ~~وجرم جسين منشأه الجهل بقواعد الأصول ومراتب الفروع من المنقول ولولا حسن ~~الظن به وتأويل كلامه حينئذ لكان كفره صريحا وارتداده صحيحا فهل لمؤمن أن ~~يحرم ما ثبت فعله عنه صلى الله عليه وسلم مما كاد نقله أن يكون متواترا ~~ويمنع جواز ما عليه عامة العلماء كابرا عن كابر مكابرا والحال أن الإمام ~~الأعظم والهمام الأقدم قال لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم مأخذه من ~~الكتاب والسنة وإجماع الأمة والقياس الجلي في المسألة فإذا عرفت هذا فاعلم ~~أنه لو لم يكن نص الإمام على المرام لكان من المتعين على أتباعه من العلماء ~~الكرام أن يعملوا بما صح عنه عليه وعلى آله الصلاة والسلام وكذا لو صح عن ~~الإمام فرضا نفي الإشارة وصح إثباتها عن صاحب البشارة فلا شك في ترجيح ~~المثبت المسند إليه صلى الله عليه وسلم كيف وقد وجد نقله الصريح بما ثبت ~~بالإسناد الصحيح فمن أنصف ولم يتعسف عرف أن هذا سبيل أهل التدين من السلف ~~والخلف ومن عدل عن ذلك فهو هالك يوصف بالجهل المعاند المكابر ولو كان عند ~~الناس من الأكابر انتهى فكل عاقل لا يقدم على فعل أو يحجم عنه إلا لاعتقاده ~~نفعا أو دفعا والاعتقاد لا يكون إلا عن علم أو ظن والعلم لا يكون إلا عن ~~دليل والظن لا يكون إلا عن أمارة ثم إن العقول مجبولة على أن لا تقبل قولا ~~من الأقوال إلا لظن صدقه أو العلم به ولا ترده إلا لظن كذبه أو العلم بكذبه ~~وظنهما صدق القول أو كذبه أو PageV01P148 علمهما بهما يتوقفان على الدليل ~~والأمارة وإذا تقرر هذا فالعقلاء قاطبة وأهل الملل والنحل المختلفة متفقون ~~على أنه لا يجب تصديق أحد واتباع قوله حتى يأتي ببرهان على ما قاله من ~~دعواه أو إخباره عن أي أمر ألا ترى أن موسى عليه السلام لما قال لفرعون ~~@QB@ إني ms29 رسول من رب العالمين @QE@ إلى قوله @QB@ قد جئتكم ببينة @QE@ إلى ~~قوله قال فرعون @QB@ فأت بها إن كنت من الصادقين @QE@ الأعراف 104 106 وفي ~~سياق قصصه في القرآن كلها نحو هذا وقال صالح @QB@ قد جاءتكم بينة من ربكم ~~هذه ناقة الله لكم آية @QE@ الأعراف 73 بعد قولهم @QB@ فأت بآية إن كنت من ~~الصادقين @QE@ الشعراء 154 وسائر قصص الأنبياء كذلك وأما قوم هود @QB@ ما ~~جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك @QE@ هود 53 فمن تعنتهم في ~~كفرهم وجعلهم البينة غير البينة # # | بيان أن على المدعي إقامة البينة # وإذا عرفت هذا عرفت أن كل عاقل لا يقبل قول قائل مدعيا ومخبرا ولا ~~PageV01P149 يصدقه حتى يقيم البينة على ما قاله فإن هذا فرعون مع غلوه في ~~كفره وكبريائه طلب من موسى البينة على دعواه أنه رسول من رب العالمين ولم ~~يقابله بالرد لدعواه بصد وإعراض عن ما قاله وادعاه ولم يقل له صدقت ولا ~~كذبت بل طلب منه البرهان كقوم صالح وكل أهل ملة من الملل الكفرية تطالب ~~رسولها بالبينة على دعواه النبوة بل منهم من يعرف دعواه بأن عنده البرهان ~~عليها قبل أن يطالبوه به ألا ترى أن موسى عليه السلام قال لفرعون في بعض ~~محاورته @QB@ حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ~~ربكم @QE@ الآية الأعراف 105 وإذا أقام النبي عليه السلام البينة على دعوى ~~النبوة فمن قومه من يصدقه وينقاد له كما كان من سحرة فرعون فإنهم لما ~~شاهدوا تلقف عصاه لما أتوا به من سحر عظيم كما وصفه الله خروا سجدا @QB@ ~~قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون @QE@ الأعراف 121 122 وتمادى فرعون ~~ومن تبعه على كفرهم وتكذيبهم بعد علمه وعلم من بقي معه على كفره بصدق موسى ~~كما قال تعالى فيهم @QB@ وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا @QE@ ~~النمل 14 فأخبر الصادق في أخباره المطلع على إضمار القلب وإسراره بأنهم ~~جحدوا بآياته المبصرة وأنفسهم بها متيقنة وقال موسى عليه السلام لفرعون ~~@QB@ لقد علمت ما ms30 أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر @QE@ الإسراء ~~102 واعلم أن سر هذه الأخبار منه تعالى بأنهم جحدوا بها عن يقين أن الله ~~تعالى كما جبل العقول على أن لا تقبل دعوى ولا تصدق خبرا إلا عن بينة تقام ~~عليها PageV01P150 كذلك جبلها على قبولها وانقيادها وإذ عانها لقبول القول ~~إذا أقيمت البينة عليه والبرهان وتصديقها للدعوى والخبر في أي شأن كما جعل ~~الشبع عند الأكل فإن لم يقبل بعد إقامته فليس إلا مكابرة وظلما وعلوا ~~وعدوانا ولو بسطنا الاستدلال لطال المقال إلا أن المسألة معلومة بالضرورة ~~عند العقلاء مبسوطة في دواوين الإسلام فلا حاجة إلى الإطالة ويدل لذلك قوله ~~@QB@ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا @QE@ الإسراء 15 وقوله @QB@ لئلا يكون ~~للناس على الله حجة بعد الرسل @QE@ النساء 165 وقوله @QB@ أن تقولوا ما ~~جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير @QE@ المائدة 19 PageV01P151 # | فصل في أن مكابرة المكابرين سبب لهلاكهم # ومعلوم أنه تعالى لم يبعث الرسل إلا لتقوم الحجة على العباد ولا تقوم إلا ~~ببرهان ينقاد إليه عقول من أرسل إليهم وإلا لم يكن ذلك برهانا في حقهم ~~والمفروض أنه برهان فمن أنكره وجحد به فلا يجحد به إلا عنادا وجهلا ومكابرة ~~ولذلك أنه تعالى بعد إرساله رسله وإنبائهم للأمم بالبراهين على صدقهم وهي ~~المعجزات يهلك من لم يتبعهم ويرسل عليهم المصائب السماوية والأرضية كما قال ~~تعالى @QB@ فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون @QE@ العنكبوت 40 فصرح بأنه تعالى لم يظلمهم بإهلاكهم بأنواع ~~العقوبات لأنه قد أقام عليهم براهين خفية ورسله علموا صدقهم ولكنهم عاندوا ~~وجحدوا بآياته ورسله وقد كانت قريش تعلم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما أتى به من البينات ولكنهم جحدوا بآياته وتعنتوا في طلب معجزات اقترحوها ~~بأهوائهم كقولهم @QB@ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك ~~جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار ms31 خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت ~~علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى ~~في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه @QE@ الإسراء 90 93 ~~فهذا تعنت وتشدد في الكفر مع أن لو جاءهم بكتاب من السماء لزادوا طغيانا ~~كما قال تعالى PageV01P152 @QB@ ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه ~~بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين @QE@ الأنعام 7 فاقترحوا ما ~~تراه من أهوائهم وعنادهم وجهلهم ولا يجب على الرسل إلا البرهان الدال على ~~صدقهم من المعجزات التي يعجز عنها قدرهم وقواهم لا أنه يجب عليهم أن يأتوا ~~بمعجزة يقترحونها بتعنتهم ولو أتوا بها لتعنتوا ثانية وثالثة بل لو أدخلوا ~~النار وردوا لعادوا لما نهو عنه ولذا قال تعالى @QB@ ولو اتبع الحق أهواءهم ~~لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن @QE@ المؤمنون 71 بل حكى الله عن عنادهم ~~فقال @QB@ ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما ~~سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون @QE@ الحجر 14 15 فليس على رسل الله بعد ~~دعواهم الرسالة إلا إقامة البرهان على صدقهم كما حكى الله تعالى في كتابه ~~عن كل نبي مع أمته ورسول مع قومه ولو تأمل الناظرون والمناظرون تأديبات ~~القرآن وكيفية إقامة البرهان الذي هو في غاية البيان لاستغنوا به عن تأليف ~~الينونان وتعلم آداب البحث لفلان وفلان والمقصود أن من اتبع الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بعد إقامة البرهان زادهم هدى وآتاهم تقواهم ومن عانده ~~وكابره وجحد ما أتى الله به عاقبة الله بتقليب فؤاده وبصره كما قال تعالى ~~@QB@ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة @QE@ الأنعام 110 ~~وكما قال تعالى @QB@ وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤون كذلك نسلكه ~~في قلوب المجرمين لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين @QE@ PageV01P153 الحجر ~~11 13 أي سلكنا الذكر أدخلناه في قلوب المجرمين الذين قد أجرموا بتكذيب ما ~~علموه حقا من النبوة والكتاب أي أدخلناه مكذبا به مستهزئا به وقوله ms32 @QB@ لا ~~يؤمنون @QE@ بيان لذلك أو حال وهو إخبار أنه عاقبهم بتكذيبهم الذكر فجعلهم ~~مجرمين لأنه قامت عليهم حجة الله ورسوله فكذبوها بغيا وحسدا وعدوانا ~~فعاقبهم الله بأن لا يهتدوا للإيمان بعد ذلك ولا تزيدهم آياته إلا طغيانا ~~كبيرا كما قال تعالى في القرآن @QB@ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى @QE@ فصلت 44 ومراده بالذين لا يؤمنون ~~هم من أنكروا وجحدوا وكابروا الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أتى به في أول ~~دعواه من برهان فالمعنى والذين لا يصدقون بما يجب عليهم تصديقه وكما قال ~~تعالى @QB@ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين ~~إلا خسارا @QE@ الإسراء 82 فالظالمون هم الذين ردوا آيات الرسل بعد علمهم ~~بصدقها فعوقبوا بأن لا يهتدوا بكلام الله الذي هو شفاء ورحمة ولا يزدادون ~~إلا خسارا بخلاف من قبل بما جاءت به الرسل أول مرة زادهم الله هدى @QB@ ~~وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا @QE@ الأنفال 2 فهؤلاء لما قابلوا ~~براهين الرسول بالقبول والتصديق لهم والإذعان زادتهم آياته إيمانا وأولئك ~~لما قابلوها بالجحود والتكذيب والمكابرة والعصيان زادتهم آيات الله خسارا ~~PageV01P154 هذا ومقصودنا إنما هو بيان أن الأصل الأصيل والأساس الذي ينبني ~~عليه التأصيل أنه لا يقبل كلام أحد من دعوى يدعيها أو قصة يرويها إلا ~~بإفاضة الدليل على دعواه والبرهان على صدق ما رواه فإذا قام البرهان وبينه ~~بما تقبله العقول والأذهان وجب قبول قوله وتصديق منقوله # # | التقليد هو قبول قول الغير من دون حجة # وإذا عرفت هذا الأصل الجليل عرفت أن المقلد قبل قول من قلده من غير أمارة ~~ولا دليل فإن حقيقة التقليد قبول قول الغير من دون حجة مقاله أن يقول لك ~~العالم مثلا المنى طاهر ويقول لك عالم آخر بل هو نجس فإن قبلت قوله فهذا ~~قول صدر من العالم ولم يأت لك بدليل عليه وما قبولك عالمان وكلاهما قال لك ~~قولا لازما ما لم يتبين لك دليله وكون القائل بأنه طاهر ms33 من ديار الشافعية ~~وعلمائهم لا يصير أحد القولين أرجح من الآخر عقلا وشرعا فإن الديار ~~والانتساب والاعتزاء إلى أي عالم من علماء الأمة لا يصير به أحد القائلين ~~محقا والآخر مبطلا ضرورة عقلية وشرعية أن الأوطان لا أثر لها في ترجيح ~~الأديان وأن الانتساب والاعتزاء إلى أي عالم من علماء الأمة لا يصير كلام ~~من انتسب إليه حقا وكلام من لم ينسب إليه باطلا فإن قلت العالم إنما روى له ~~معنى الأحاديث النبوية فالقائل إنه نجس روى لنا معنى الأحاديث الواردة ~~بغسله والقائل بأنه 2 PageV01P155 طاهر روى لنا معنى الأحاديث الدالة على ~~الاكتفاء بفركه وقبول رواية الأخبار النبوية قد قام الدليل عليه واتفق ~~الناس عليه وإن اختلفوا في قدر نصاب ما يجب قبوله من الواحد أو الإثنين أو ~~الأربعة قلت نعم نحن قائلون بقيام الدليل على قبول خبر الآحاد بشروطه وأنه ~~تجوز الرواية بالمعنى ولكنك واهم في جعل قول العالم رواية لك بالمعنى فإن ~~القائل لك إنه نجس إنما أخبرك بالذي رجح عنده والقائل إنه طاهر إنما أخبرك ~~بالذي رجح عنده إذ كل من العالمين قد عرف تعارض الأدلة في المسألة ورجح ~~عنده نظر أحد الحكمين والآخر رجح عنده خلافة فهما مخبران لك عن رأيهما إذ ~~الترجيح رأي محض يحصل لكل واحد عند تعارض الأدلة وكل منهما يجب عليه اتباع ~~ما رجح له ولا يجب على غيره أن يتبعه في رأيه لا المجتهد ولا المقلد أما ~~الأول فبالإجماع وأما الثاني فمحل النزاع # # | مبحث في جواز التقليد وعدم جوازه # فأنا الأن في البحث في جواز التقليد للعالم في قوله من غير ذكره لدليله ~~PageV01P156 فإن قلت قد قام الدليل على جواز التقليد قلت لمن قام هل للمقلد ~~فالفرض أنه مقلد لا يعرف الأدلة وكيفية تطبيقها على المدعي ولا شرائط ~~الاستنباط إذ لو كان كذلك لما كان مقلدا وهو خلاف المفروض أو قام دليل جواز ~~التقليد للمجتهد فلا ينفع المقلد قيامه لغيره فإن قلت قام للمجتهد وقلده ~~فيه المقلد قلت يمنع ذلك اتفاقهم ms34 أن مسألة جواز التقليد من مسائل الأصول ~~ولا يجوز التقليد فيها وذلك لأن المطلوب فيها العلم ولا يحصل إلا بالدليل ~~ولا يعرف الدليل إلا المجتهد فإن قلت لا نسلم أنه لا بد في مسائل الأصول من ~~أن يكون عن علم ولا يجوز أن يكون عن ظن قلت إن سلم هذا فالظن بالحكم الشرعي ~~لا يكون إلا عن أمارة شرعية ولا يعرفها إلا المجتهد فإن قلت إذا أمليت أدلة ~~جواز الاجتهاد على المقلد فيهم المراد منها وعرفها واستند إليها وكان من ~~أملاها راويا له قلت فإنك إذا أمليت عليه قوله تعالى @QB@ فاسألوا أهل ~~الذكر إن كنتم لا تعلمون @QE@ النحل 43 فهم منه أنه أمر منه تعالى بسؤال ~~أهل العلم عما لا يعلمه وأخذ هذا الحكم من الآية فإن هذا القدر يفهمه منها ~~كل من له أهلية الفهم ولا يحتاج إلى نحو ولا أصول ولا معان ولا بيان ولا ~~غيرها وصار مجتهدا في وجوب سؤال أهل العلم عما لا يعلم لأن المفهوم عرفا من ~~الأوامر هو الوجوب PageV01P157 ومعلوم عقلا أن الله تعالى إذا أمر بسؤالهم ~~أنه قد أذن بقبول قولهم وإلا لم يكن للأمر بسوء اللهم فائدة قلت إذا قلتم ~~تكلفة هذا في الاجتهاد فما أحسن هذا المراد وهذا هو ما أراده من يقول بوجوب ~~الاجتهاد على جميع الأفراد مما له أهلية في فهم ما يراد وأحد الوجوه في ~~الآية أن المراد فاسترووهم الآيات والأحاديث إن كنتم لا تعلمون فالآية أمر ~~سؤالهم عن الآيات والأحاديث والآية إلى هذا المعنى أقرب لأنه تعالى علق عدم ~~علمهم بالبينات والزبر فالأظهر اسألوهم عن البينات والزبر التي لا تعلمونها ~~لا تسألوهم عن آرائهم وما ترجح لهم حتى تكون الآية دليلا على جواز التقليد ~~وإذا فهم المقلد من هذه الآية هذا المعنى فأي مانع أن يفهم من غيرها ما ~~يعمل به في غيرها من الأحكام ويجتهد # # | منع الاجتهاد كفران لنعمة الله عز وجل على العباد # واعلم أنه ليس مع المانعين لذلك إلا مجرد الاستبعاد واستعظام من وارته ms35 ~~اللحود من العلماء الأمجاد وأنه لا يكون إلا لهم الاجتهاد وليس للمتأخرين ~~إلا جعل أقوال القدماء لأذهانهم كالأصفاد لا يخرجون عنها وإن ناطحت علومهم ~~الأفلاك وجاوزت معارفهم أهل الكمال والإدراك وما أرى هذا والله إلا من ~~كفران النعمة وجحود المنة فإن الله سبحانه PageV01P158 كمل عقول العباد ~~ورزقهم فهم كلامه وما أراد وفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظ تعالى ~~كتابه وسنة رسوله إلى يوم التناد بأن كثيرا من الآيات القرآنية والأحاديث ~~النبوية لا يحتاج في معناها إلى علم النحو وإلى علم الأصول بل في الأفهام ~~والطباع والعقول ما سارع به إلى معرفة المراد منها عند قرعها الأسماع من ~~دون نظر إلى شيء من تلك القواعد الأصولية والأصول النحوية فإن من قرع سمعه ~~قوله تعالى @QB@ وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله @QE@ البقرة 110 ~~يفهم معناه من دون أن يعرف أن ما كلمة شرط وتقدموا مجزوم بها لأنه شرطها ~~وتجدوه مجزوم بها لأنه جزاؤه ومثلها @QB@ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير ~~محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا @QE@ آل عمران 30 ~~ومثلها @QB@ إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن ~~الفحشاء والمنكر والبغي @QE@ النحل 90 يفهم من الكل ما أريد منها من غير أن ~~يعرف أسرار العلوم العربية ودقائق القواعد الأصولية ولذا ترى العامة ~~يستفتون العالم ويفهمون كلامه وجوابه وهو كلام غير معرب في الأغلب بل تراهم ~~يسمعون القرآن فيفهمون معناه ويبكون لقوارعه وما حواه ولا يعرفون إعرابا ~~ولا غيره مما سقناه بل ربما كان موقع ما يسمعون في قلوبهم أعظم من موقعه في ~~قلوب من حقق قواعد الاجتهاد وبلغ غاية الذكاء والانتقاد وهؤلاء العامة ~~يحضرون الخطب في الجمع والأعياد ويذوقون الوعظ ويفهمونه ويفتت منه الأكباد ~~وتدمع منه العيون ويدركون من ذلك ما لا يدركه العلماء المحققون ويسمعون ~~أحاديث الترغيب والترهيب فيكثر منهم البكاء والنحيب PageV01P159 وأنت تراهم ~~يقرؤون كتبا مؤلفة من الفروع الفهية كالأزهار للهادوية والمنهاج للشافعية ~~والكبير للحنفية ومختصر ms36 خليل للمالكية ويفهمون ما فيها ويعرفون معانيها ~~ويعتمدون عليها ويرجعون في الفتوى والخصومات إليها فليت شعري ما الذي خص ~~الكتاب والسنة بالمنع عن معرفة معانيها وفهم تراكيبها ومبانيها والإعراض عن ~~استخراج ما فيها حتى جعلت معانيها كالمقصورات في الخيام قد ضربت دونها ~~السجوف ولم يبق لنا إليها إلا ترديد ألفاظها والحروف وإن استنباط معانهيا ~~قد صار حجرا محجورا وحرما محرما محصورا # # | حديث اجتهاد الحاكم وبيان أن كلام الله وكلام رسوله أقرب إلى الأفهام # وقال بعض العلماء المتأخرين في شرح بلوغ المرام في شرح حديث إن الحاكم ~~إذا اجتهد فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر ما لفظه إنه استدل ~~بالحديث على اشتراط أن يكون الحاكم مجتهدا قال وهو المتمكن من أخذ الاحكام ~~من الأدلة الشرعية قال ولكنه يعز وجوده بل كاد يعدم بالكلية PageV01P160 ~~ومع تعذره فمن شرطه أي الحاكم أن يكون مقلدا مجتهدا في مذهب إمامه ومن شرطه ~~أن يحقق أصول إمامه وأدلته وينزل أحكامه عليها فيما لا يجده منصوصا في مذهب ~~إمامه اه وقد نقلناه في شرحنا سبل السلام وتعقباه بقولنا قلت ولا يخفى ما ~~في هذا الكلام من البطلان وإن تتابع عليه الأعيان وما أرى هذه الدعوى التي ~~تطابق عليها الأنظار إلا من كفران نعمة الله عليهم فإنهم أعني المدعين لهذه ~~الدعوى والمقررين لها وهي دعوى عزة وجود المجتهدين في الاحكام بالكلية أو ~~كيدودة عدمه مجتهدون يعرف أحدهم من القواعد التي يمكنه بها الاستنباط ~~واستخراج الأحكام الشرعية من الأدلة النبوية ما لم يكن قد عرفه عتاب بن ~~أسيد قاضي رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكة ولا أبو موسى الأشعري قاضي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليمن ولا معاذ بن جبل قاضيه فيها وعامله ~~عليها ولا شريح قاضي عمر وعلي رضي الله عنهم في الكوفة من هذه الشرائط التي ~~أفادها قول ذلك الشارح رحمه الله إن من شرط الحاكم أن يكون مجتهدا في مذهب ~~إمامه وأن يحقق أصوله وأدلته إلى آخره هي شرائط المجتهد ms37 في الكتاب والسنة ~~فإن هذا هو الاجتهاد الذي قال بعزة وجوده أو كيدودة عدمه بالكلية وسماه ~~متعذرا هلا جعل هذا المقلد المجتهد أمامه كتاب الله وسنة نبيه صلى الله ~~عليه وسلم عوضا عن كلام إمامه وتتبع نصوص الكتاب والسنة عوضا عن تتبع نصوص ~~إمامه PageV01P161 والعبارات كلها ألفاظ دالة على معانيها فهلا استبدل ~~بألفاظ إمامه ومعانيها ألفاظ الشارع ومعانيها ونزل الأحكام عليها إذا لم ~~يجده نصا شرعيا عوضا عن تنزيلها على مذهب إمامه فيما لم يجده منصوصا تالله ~~لقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير من معرفة السنة والكتاب إلى معرفة ~~كلام الشيوخ والأصحاب وتفهم مرامهم والتفتيش عن كلامهم ومن المعلوم يقينا ~~أن كلام الله وكلام رسوله أقرب إلى الأفهام وأدنى إلى إصابة بلوغ المرام ~~فإنه أبلغ الكلام بالإجماع وأعذبه في الأفواه والأسماع وأقربه إلى الفهم ~~والانتفاع ولا ينكر هذا إلا جلمود الطباع ومن لا حظ له في النفع والانتفاع ~~والأفهام التي فهم بها الصحابة الكلام الإلهي والخطاب النبوي هي كأفهامنا ~~وأحلامهم كأحلامنا إذ لو كانت الأفهام متفاوتة تفاوتا يسقط معه فهم ~~العبارات الإلهية والأحاديث النبوية لما كنا مكلفين ولا مأمورين ولا منهيين ~~لا اجتهادا ولا تقليدا أما الأول فلاستحالته وأما الثاني فلأنا لا نقلد حتى ~~نفهم جوازه وأدلته ولا يفهم ذلك إلا من أدلة الكتاب والسنة وقد تعذر ذلك ~~كما قلتم وقد سبق بسط هذا PageV01P162 على أنا لا نشرط في هذا ما سلف من ~~الشرائط في المجتهد التي ذكرناها عن مؤلف العواصم والقواصم إنما نقول إنه ~~يستروي عن العالم الآية والحديث في الحكم الذي يتعلق به في الحالة الراهنة ~~ثم يعمل به بعد فهمه إنما يشترط أن تؤخذ الرواية عمن يوثق بصدقه ودينه ~~وورعه وشهرته بالعلم النافع من الكتاب والسنة وألا يسأله عن مذهب فلان ولا ~~فلان وكيف وفي كتب الأصول نقل الإجماع على تحريم تقليد الأموات # # | تحريف معنى الأحاديث ليوافق المذهب جناية على أئمة المذاهب # ولقد عظمت جنايات المقلدين على أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى ms38 ~~أئمة مذاهبهم الذين تبرءوا عن إثبات مقال لهم يخالف نصا نبويا فإنها إذا ~~وردت بخلاف ما قرره من قلدوه حرفوها عن مواضعها وحملوها على غير ما أراده ~~صلى الله عليه وسلم كما قال بعض المعتزلة في حديث شفاعتي لأهل الكبائر من ~~أمتي وقد اعتقد ذلك المعتزلي أنه لا شفاعة للعصاة فقال مراده صلى الله عليه ~~وسلم بأهل الكبائر المؤمنون أهل الصلاة لأن الصلاة كبيرة قال الله عز وجل ~~@QB@ وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين @QE@ البقرة 45 فانظر أي تحريف أعجب من ~~هذا الذي قاده إليه مذهبه واعتقاده أن لا شفاعة لأهل الكبائر وكونه تحريفا ~~لا يحتاج إلى دليل ومثل قول بعض من اعتقد ندب صوم يوم الشك لأنه مذهب إمامه ~~في حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم صلى ~~الله عليه وسلم أنه مراده PageV01P163 بأبي القاسم عمار نفسه قال فقد عصاني ~~وإنما وضع الظاهر موضع المضمر ولا يخفى ما في هذا الحمل من تحريف مع اتفاق ~~الناس على كنية عمار أبو اليقطان ومثله قول ابن القيم في الهدى النبوي إن ~~مراد عمار بيوم الشك آخر يوم من شعبان ولفظه والمنقول عن عمر وعلي وعمار ~~وحذيفة وابن مسعود النهي عن صوم آخر يوم من شعبان تطوعا وهو الذي قال فيه ~~عمار من صام اليوم الذي شك فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم فأما ~~الصوم يوم الغيم احتياطا على أنه إن كان من رمضان فهو فرضه وإلا فهو تطوع ~~PageV01P164 قلت هذا من التحريف رعاية للمذهب لأن أحمد بن حنبل قائل بصوم ~~يوم الشك فحمله رعاية المذهب على حمل حديث عمار على آخر يوم من شعبان تطوعا ~~وهذا اليوم لا شك فيه قطعا بل هو يوم يقين من شعبان وكقدح بعض الحنفية في ~~أبي هريرة رضي الله عنه كما ذكره الحافظ في فتح الباري لما روى حديث ~~المصراة على خلاف يعتقدونه مذهبا PageV01P165 والحاصل أن من اعتقد مذهبا من ~~المذاهب فإنه يؤدي ذلك إلى المحاماة ms39 عليه وإلى إخراج الآيات والأحاديث عن ~~معانيها التي أرادها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فإن من قال بتحريم أكل ~~طعام أهل الذمة وتحريم ذبائحهم حمل قوله PageV01P166 تعالى @QB@ وطعام ~~الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم @QE@ المائدة 5 على حل أخذ ~~الحبوب منهم كالحنطة والشعير فليحذر المؤمن المؤثر للحق على الخلق عن هذه ~~الاعتقادات ورد الأحاديث والآيات إلى مثل تأويل الفرقة الباطنية وكل هذا من ~~قبائح الاعتقادات المذهبية PageV01P167 وإني لأخاف ممن حرف الآيات ~~والأحاديث ليوافق اعتقاده أن يقلب فؤاده وقلبه فلا يوفق لمعرفة الحق عقوبة ~~كما فعله الله فيمن رد براهين النبوة وكذب بها كما أسلفناه في قوله @QB@ ~~ونقلب أفئدتهم @QE@ الأنعام 110 ولو تتبعت ما وقع لأهل التقليد من التحريف ~~لجاء منه مجلد وسيع ولكن مرادنا النصيحة لا التشنيع وهي تحصل بأقل مما ~~سقناه وأيسر مما رقمناه # # | رد الأئمة على أدلة جواز التقليد # فإن قلت قد ذكر العلماء أدلة لجواز التقليد واسعة وطرائق نافعة قلت نعم ~~وقد ردها أئمة الإعتقاد وأوضحوا ما فيها من الفساد ولنذكر خلاصة كلام ~~الفريقين فالدليل الأول قوله تعالى @QB@ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون @QE@ النحل 43 قال فأمر سبحانه من لا يعلم أن يسأل من هو أعلم منه ~~فالجواب أنا نقول أولا أن التزام مذهب إمام معين في جميع أقواله بحيث لا ~~يحل الخروج عنه بحال بدعة وكل بدعة ضلالة فما معنى الاستدلال على البدعة ~~أما كونه بدعة فلأنكم يا أسراء التقليد وغيركم لا يمكنكم أن تدعوا أنه كان ~~في عصر الصحابة رجل واحد اتخذ رجلا من الصحابة يقلده في كل أقواله ولم يترك ~~منها شيئا وأسقط أقوال غيره البتة فلم يأخذ منها شيئا ويتأول ما ورد من ~~PageV01P168 الآيات والأحاديث ليوافق مذهب من قلده وهذا معلوم بالضرورة أنه ~~لم يكن في الصحابة ولا في تابعيهم ولا تابع التابعين وهذه هي القرون ~~الثلاثة التي خيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله خير القرون قرني ثم ~~الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب ms40 الحديث وما حدثت بدعة التقليد ~~إلا في القرن الرابع الذي ذمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أما الآية التي ~~ذكرتم فإن الله تعالى أمر فيها من لا يعلم أن يسأل أهل الذكر والذكر هو ~~القرآن والسنة كما ذكره الله في قوله مخاطبا لنساء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم @QB@ واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة @QE@ الأحزاب 34 ~~وآياته القرآن والحكمة السنة وكما قال تعالى @QB@ هو الذي بعث في الأميين ~~رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة @QE@ الجمعة 2 ~~فالأمر في الآية للجاهل أن يسأل أهل القرآن والحديث عنهما ليخبروه فإذا ~~أخبروه وجب عليه اتباع ما أخبروه به PageV01P169 وهذا على أظهر الوجوه في ~~تفسير الآية لمن له أدنى إلمام بالتفسير فكيف يستدل على أعظم قواعد الأصول ~~بوجه مرجوح ويؤيد هذا الوجه الراجح معنا أن هذا كان شأن أهل العلم في ~~الصحابة والتابعين يسأل الجاهل العالم أي عالم عن الآيات والسنة وليس لهم ~~مقلد معين يتبعونه في أقواله فكان ابن عباس رضي الله عنهما يسأل الصحابة ~~عما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فعله لا يسأله عن غير ذلك وكذلك ~~الصحابة كانوا يسألون نساءه صلى الله عليه وسلم عما يخفى عليهم من سننه ~~سيما عائشة رضي الله عنها وكذلك التابعون كانوا يسألون الصحابة عن أقوال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وسننه وكذلك أئمة الفقه قال الشافعي ~~رضي الله عنه لأحمد بن حنبل يا أبا عبدالله أنت أعلم بالحديث مني فإذا صح ~~الحديث فأعلمني حتى أذهب إليه شاميا كان أو كوفيا أو بصريا ولم يكن أحد قط ~~من أهل العلم يسأل الرجل عن رأي رجل بعينه فيأخذ به ويطرح ما سواه ~~PageV01P170 الثاني من أدلة جواز التقليد أنه صلى الله عليه وسلم قال في ~~قصة صاحب الشجة ألا تسألوا إذا لم تعلموا إنما شفاء العي السوال فأرشدهم ~~إلى السوال والجواب أنه صلى الله عليه وسلم إنما أرشد المفتين لصاحب الشيجة ~~إلى السؤال عن حكمه ms41 صلى الله عليه وسلم وسنته فقال قتلوه قتلهم الله يدعو ~~عليهم لما أفتوا بغير علم وفي هذا تحريم الافتاء بالتقليد فإن الإفتاء به ~~ليس علما باتفاق الأمة وما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاعله ~~فإنه حرام وهو أحد أدلة التحريم فالحديث حجة على تحريم التقليد لا على ~~جوازه الثالث من أدلتهم قالوا قال أبو العسيف الذي زنا بامرأة مستأجرة وإني ~~سألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة ~~هذا الرجم أخرجه البخاري قالوا فلم ينكر صلى الله عليه وسلم تقليد من هو ~~أعلم منه PageV01P171 والجواب أن هذا سأل أهل العلم فأفتوه بسنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وعنها سأل فهو يصلح عاضدا للآية وأن المراد سؤال أهل ~~الذكر عن الكتاب والسنة لا عن رأيهم الرابع من أدلتهم قوله تعالى @QB@ ~~والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه @QE@ التوبة 100 ومقلدهم تابع لهم فهو ممن رضي الله عنه ~~والجواب صدق المقدمة الأولى وكذب الثانية فإن الأولى ضرورية الصدق وأما كذب ~~الثانية فإن تفسير اتباعهم بالتقليد من تحريف الكلم عن مواضعه كيف وهذا ~~التقليد الذي يريدونه بدعة حادثة لا يفسر بها كلام الله واتباعهم إنما هو ~~سلوك طريقهم ومنهاجهم وقد نهوا عن التقليد فلم يكن في السابقين الأولين من ~~المهاجرين والأنصار يقلد بالاتفاق فكيف يقال من اتباعهم تقليدهم بل ~~التابعون لهم بإحسان هم أهل العلم أئمة الكتاب والسنة الذين لا يقدمون على ~~كتاب الله رأيا ولا قياسا ولا يجعلون كلام أحد عيارا على القرآن والسنن ~~فالذي اتبعهم هو من اتبع الحجة وانقاد بالدليل ولم يتخذ رجلا بعينه إماما ~~يقتدي بأقواله وسننه سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى @QB@ ~~اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء @QE@ الأعراف 3 ~~PageV01P172 فأمر تعالى باتباع المنزل خاصة والمنزل هو الكتاب والسنة قال ~~الله تعالى @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا @QE@ الحشر ~~7 فالتقليد ms42 لا يكون اتباعا فإن الاتباع سلوك طريقة المتبع والإتيان بمثل ما ~~أتى به وقد عقد أبو عمر بن عبدالبر بابا في الفرق بين الاتباع والتقليد ~~وقال قال عبدالله بن خويز منداد البصري المالكي التقليد معناه في الشرع ~~الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه وذلك ممنوع منه في الشريعة والاتباع ما ~~ثبت عليه حجة الخامس من أدلة المقلدين الحديث المشهور أصحابي كالنجوم ~~فبأيهم اقتديتم اهتديتم PageV01P173 والجواب أن الحديث قد روي عن عمر من ~~طرق لا يصح منها شيء وقال البزار وأما ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم فهذا الكلام لا يصح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم وإن صح فالاتباع غير التقليد فإن الاقتداء فعلك مثل فعل ~~الغير على الوجه الذي فعله بالدليل الذي PageV01P174 فعله فلذلك قلنا من ~~أبيات % وشتان ما بين المقلد في الهدى % ومن يقتدي فالضد يعرف بالضد % % ~~فمن قلد النعمان أصبح شاربا % نبيذا وفيه القول للبعض بالحد % % ومن يقتدي ~~أضحى إمام معارف % وكان أويسا في العبادة والزهد % % فمقتديا في الحق كن لا ~~مقلدا % وخل أخا التقليد في الأسر بالقد % PageV01P175 فالمقلد لأبي حنيفة ~~وهو المراد بالنعمان يجوز عنده شرب النبيذ وأبو حنيفة لم يشربه فالاقتداء ~~به أن لا يشربه بل المقتدي به يكون إماما في العلم والزهد كأبي حنيفة ومثله ~~قول الإمام الكبير محمد بن إبراهيم الوزير مؤلف العواصم والقواصم في الذب ~~عن أبي القاسم من أبيات % هم قلدوهم فاقتديت بهم وكم % بين المقلد في الهدى ~~والمقتدي % % من قلد النعمان أصبح شاربا % لمثلث رجس خبيث مزبد % % ولو ~~اقتدى بأبي حنيفة لم يكن % إلا إماما راكعا في المسجد % وقال الله تعالى ~~مخاطبا لرسوله صلى الله عليه وسلم بعد أن عد من الأنبياء عليهم السلام نحوا ~~من بعضة عشر نبيا @QB@ فبهداهم اقتده @QE@ الأنعام 90 قال في الكشاف المراد ~~بهداهم طريقتهم في الإيمان بالله وتوحيده وأصول الدين اه ومعلوم يقينا أن ~~الله تعالى لم يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بتقليد رسله في أديانهم ms43 فعرفت ~~أن الاقتداء والاتباع ليسا من التقليد في ورود ولا صدر PageV01P176 السادس ~~من أدلة المقلدين قالوا حديث عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ~~أبو بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن أم معبد الجواب أن ~~الاهتداء بهم اتباع الكتاب والسنة والقبول لما فيهما والدعاء إليهما وتحريم ~~التقليد إذ لم يؤثر عنهم وقد صح عن ابن مسعود وهو ابن أم معبد النهي عن ~~التقليد وقال لا يكون الرجل إمعة لا بصيرة له ثم من المعلوم أن أحدا منهم ~~لم يكن يدع السنة بقول أي قائل ثم إن سنة الخلفاء الراشدين وطريقتهم اتباع ~~الكتاب والسنة فالأخذ بسنتهما اتباع السنة النبوية والقرآن PageV01P177 ثم ~~يقال لكم أيها المقلدون إنكم لا تقلدون أبا بكر وعمر ولا تجعلون قولهما حجة ~~بل قلدتم أئمة من اتباع الأئمة وحرمتم تقليد غيرهم فأين أنتم من العمل بهذا ~~الحديث لو كان مسوقا للتقليد فأنتم أول تارك له السابع من أدلة التقليد أن ~~في كتاب عمر رضي الله عنه إلى شريح أنه يقضي بما قضى به الصالحون إن لم يجد ~~في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما يقضي به والجواب إن كتاب ~~عمر رضي الله عنه فيه دليل على عدم التقليد بل أمره باتباع الكتاب والسنة ~~والمقلدون لا يقولون بذلك بل لا ينظرون في كتاب الله ولا سنة إنما ينظرون ~~في كتب شيوخهم وأقوالهم ثم إنه قال إذا لم يجد فيها قضى بما قضى به ~~الصالحون فأباح له عند تعذر وجدان الدليل من الأمرين الرجوع إلى ما قضى به ~~الصالحون الذين لا يقضون إلا عن دليل من كتاب أو سنة أو قياس جلى ~~PageV01P178 فأجاز له هنا الأخذ في القضاء برأي الصالحين في الحالة ~~الراهنية لا أنه يجعل رأيه مقدما على الكتاب والسنة كما جعل المقلدون ثم ~~هذا كلام عمر رضي الله عنه وليس بحجة الثامن قالوا كان الصحابة يفتون في ~~عصره صلى الله عليه وسلم باطلاعه وهذا تقليد للمتقين الجواب أن فتواهم كان ~~تبليغا عن الله ms44 وعن رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يكن إفتاء بآرائهم ولذلك ~~لما أفتوا صاحب الشجة بخلاف سنته قال قتلهم الله كما عرفت التاسع من أدلتهم ~~قالوا قال الله تعالى @QB@ فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في ~~الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم @QE@ التوبة 112 فأوجب قبول إنذارهم ~~وذلك تقليد لهم والجواب أن هذا جهل للفظ الإنذار إنما يقوم بالحجة فمن لم ~~تقم عليه الحجة لم يكن قد أنذر كما أن النذير من أقام الحجة فمن لم يأت ~~بالحجة لم يكن نذيرا وحينئذ فالمراد @QB@ ولينذروا قومهم @QE@ بإخبارهم ~~إياهم بالحجج والبراهين على ما يفقهونهم به من الأحكام ألا ترى أن خزنة ~~النار من الملائكة يقولون لمن فيها @QB@ ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا ~~نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير وقالوا لو ~~كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير @QE@ PageV01P179 الملك 8 10 قال ~~الله تعالى @QB@ فاعترفوا بذنبهم @QE@ الملك 11 فإنهم أقروا أنه أتاهم ~~النذير ولا يكون إلا لحجة فكذبوا ضلالا وعنادا وقالوا متأسفين @QB@ لو كنا ~~نسمع @QE@ أي نعمل بما سمعناه @QB@ أو نعقل @QE@ أي نعمل بما عقلناه وإلا ~~فمن المعلوم أنهم سمعوا وعقلوا ولكن ما عملوا فكأنهم لا سمع لهم ولا عقل ~~فهم الذين يقولون سمعنا وعصينا ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا خيرا لهم وأقوم ~~فعرفت أنه لا دليل في الآية للمقلدين العاشر من أدلتهم قالوا قد أمر الله ~~تعالى بقبول شهادة الشاهد وذلك تقليد له الجواب أن هذا من أبطل الأدلة فإنا ~~ما قبلنا قولهم إلا بنص ربنا وقول نبينا وإجماع أمة فلم يقبل قول الشاهد ~~بمجرد كونه شهد به بل قبلناه لأن الله أمر بقبول شهادته كما أمرنا باتباع ~~رسوله صلى الله عليه وسلم فإن سميتم ذلك تقليدا فلا يضرنا وأما أنتم قبلتم ~~قول من قلدتموه وتركتم قول من عداه ولو كان آية من PageV01P180 الله أو ~~حديثا نبويا لتأولتموها وأرجعتموها ناكصين على أعقابكم إلى قول إمامكم ~~وكذلك قبولنا إقرار ms45 من أقر على نفسه بشيء وحكما به عليه لا يسمى تقليدا بل ~~اتباعا لقول الله تعالى @QB@ بل الإنسان على نفسه بصيرة @QE@ القيامة 14 ~~وإجماع الأمة وعمله صلى الله عليه وسلم في قبول إقرار ماعز والغامدية ~~ورجمهما بإقرارهما ولا يقول أحد إنه صلى الله عليه وسلم قلدهما الحادي عشر ~~من أدلتهم قالوا قد جعل الله في فطر العباد تقليد المتعلمين للعالمين ~~والأستاذين في العلوم والصنائع ولا تقوم مصالح الخلق إلا بهذا وذاك عام في ~~كل علم وصناعة وقد فاوت الله بين الأذهان كما فاوت بين القوى في الأبدان ~~فلا يحسن في حكمته وعدله ورحمته أن يفرض على جميع خلقه معرفة الحق بدليله ~~والجواب أن هذا حق لا ينكر ولا ينكر أخذ العلم عن العلماء وينكر أخذه من ~~الصحف والقراطيس بغير تعلم ولكنا نقتدي بالعالم ونهتدي بتعليمه ونستعين ~~بفهمه ونستضيء بأنوار علومه وفرق بين تقليد العالم في جميع ما قاله وبين ~~الاستعانة بفهمه وهو الثاني بمنزلة الدليل في الطريق والخريت الماهر لابن ~~السبيل فهو دليل إلى دليل فإذا وصل إليه استغنى بدلالته عن الاستدلال بغيره ~~ونظيره من استدل بالنجم على القبلة فإذا شاهد القبلة لم يبق لاستدلاله ~~بالنجم معنى PageV01P181 أما قوله إنه تعالى فاوت بين الأذهان فهذا مسلم ~~وكلا منا فيمن له أهلية الخطاب وفهم أدلة ما يحتاجه من أدلة السنة والكتاب ~~وهو بحمد الله الواحد الوهاب أمر ليس بالخفي ولا بالألغاز الذي لا يعرفه ~~إلا الذكي بل قدمنا لك أن ألفاظهما أقرب تناولا وأسهل أخذا وأوضح معنى ولا ~~بد للمكلف من تفهم معاني ما كلف به إما من كلام شيوخه أو من كلام ربه ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم ضرورة إنه لا يتم له التكليف إلا بالفهم وإلا ~~معذورا غير مخاطب بشيء من الشرعيات فالفهم الذي يصرفه في حل عبارات شيوخه ~~وبيان معانيها يصرفه في تفهم كلام ربه ورسوله صلى الله عليه وسلم والقدر ~~الذي كلف الله به عباده وقد سهله @QB@ وما جعل عليكم في الدين من حرج @QE@ ~~الحج 78 لا ms46 في فهم المراد ولا في الأفعال التي خاطب العباد وقد قدمنا أن ~~الواجب على كل عبد ما يخصه من الأحكام وما يدعوه إليه حاجة وهو أمر سهل ~~يسير فإن أكثر العلوم فضول كما قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه العلم ~~نقطة كثرها الجهال فهذه زبدة أدلة مجوزي التقليد وأجوبتها ومن له فهم أو ~~ألقى السمع وهو شهيد لا يخفاه بعد ذلك إذا كان له مطلبا وإياه يريد وقد ~~ذكروا أدلة سماعها شغل الأسماع بغير فائدة تعود على سامعها ولا انتفاع ~~تركناها لا نشغل بها الاوقات ويستغني بها عما هو أولى بالنظر بالاتفاق ~~والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وعليه في كل فعل التعويل ومنه PageV01P182 ~~ومنه نستمد الهداية في البكرة والأصيل إلى ما يقر بنا إلى جانبه وينزلنا في ~~ظل رحمته الظليل وصلى الله على سيدنا محمد وآله خير آل وصحابته خير صحاب ~~وقبيل PageV01P183 ms47