######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0001756 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد الحسني، الكحلاني ثم الصنعاني، أبو إبراهيم، عز الدين، المعروف كأسلافه بالأمير (المتوفى: 1182هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1182 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0001756 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-1756 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/1756 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد ناصر الدين الألباني #META# 041.EdNUMBER :: الأولى - 1405 هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المكتب الإسلامي - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | مقدمة المحقق ### | بسم الله الرحمن الرحيم # إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات ~~أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله # أما بعد: فإن الله تبارك وتعالى قد جعل بحكمته لكل شيء سببا ولكل أمر سمى ~~أجلا وقدر كل شيء تقديرا حسنا وكان من ذلك أنني هاجرت بنفسي وأهلي من دمشق ~~الشام إلى عمان في أول شهر رمضان سنة (1400) فبادرت إلى بناء دار لي فيها ~~آوي إليها ما دمت حيا فيسر الله لي ذلك بمنه وفضله وسكنتها بعد كثير من ~~التعب والمرض أصابني من جراء ما بذلت من جهد في البناء والتأسيس ولا زلت ~~أشكو منه شيئا قليلا والحمد لله على كل حال والحمد لله الذي بنعمته تتم ~~الصالحات # ولقد كان أمرا طبيعيا أن يصرفني ذلك عما كنت اعتدته في دمشق من الانكباب ~~على العلم دراسة وتدريسا وتأليفا وتحقيقا لا سيما ومكتبتي الخاصة لا تزال ~~في دمشق لم أتمكن من ترحيلها إلى عمان الصعوبات وعراقيل معروفة فكنت أعلل ~~نفسي كل يوم وأمنيها بأن المياه عما قريب ستعود إلى مجاريها ولكن الرياح ~~كثيرا ما تجري بخلاف ما يشتهي الملاح فإنه ما كاد بعض إخواننا في الأردن ~~يشعرون بأنني استقررت في الدار حتى بدؤوا يطلبون مني أن أستأنف إلقاء ~~الدروس التي كنت ألقيها عليهم في السنين الماضية قبل هجرتي إلى عمان حيث ~~كنت أسافر إليها في كل شهر أو شهرين فألقي عليهم درسا أو درسين في كل # PageV01P005 # سفرة وألحوا علي في الطلب وعلى الرغم من أنني ما كنت عازما على شيء من ~~الإلقاء لأوفر ما بقي لي من نشاط وعمر لإتمام بعض مشاريعي العلمية - وما ~~أكثرها - رأيت أنه لا بد من أحقق طلبتهم ورغبتهم الطيبة فوعدتهم خيرا ~~وأعلنت لهم أنني سألقي عليهم درسا كل يوم خميس بعد صلاة المغرب في دار أحد ~~إخواننا الطيبين هناك قريبا من داري. ms01 وتحقق ذلك بإذن الله تعالى فألقيت ~~الدرس الأول ثم الثاني من كتاب (رياض الصالحين) (1) للإمام النووي بتحقيقي ~~وأجبتهم بعد الدرس عن بعض أسئلتهم الكثيرة المتوفرة لديهم والتي تدل على ~~تعطشهم ورغبتهم البالغة في العلم ومعرفة السنة # وبينما أنا أستعد لإلقاء الدرس الثالث إذا بي أفأجأ بما يضطرني اضطرارا ~~لا خيار لي فيه مطلقا إلى الرجوع إلى دمشق حيث لم يبق لي فيها سكن وذلك ~~أصيل نهار الأربعاء في 19 شوال سنة 1401 ه فوصلتها ليلا وفي حالة كئيبة جدا ~~وأنا أضرع إلى الله تعالى أن يصرف عني شر القضاء وكيد الأعداء فلبثت فيها ~~ليلتين وفي الثالثة سافرت بعد الاستشارة والاستخارة إلى بيروت مع كثير من ~~الحذر والخوف لما هو معروف من كثرة الفتن والهرج والمرج القائم فيها ~~والوصول إلى بيروت محفوف بالخطر ولكن الله تبارك وتعالى سلم ويسر فوصلت ~~بيروت في الثلث الأول من الليل قاصدا دار أخ لي قديم وصديق وفي حميم ~~فاستقبلني بلطفه وأدبه وكرمه المعروف وأنزلني عنده ضيفا معززا مكرما. جزاه ~~الله خيرا # فلما استقر في منزله قراري وارتاح من وعثاء السفر بالي كان من الطبيعي ~~جدا أن أهتبل فرصة هذه الغربة الطارئة فأتوجه بكليتي إلى الدراسة والمطالعة ~~في مكتبته العامرة الزاخرة بالكتب المطبوعة منها والمخطوطة النادرة فرغبت ~~منه أن PageV01P006 # يطلعني على فهرست المخطوطات والمصورات التي في حوزته مسجلة على البطاقات ~~فاستجاب لذلك بكل نفس طيبة وأريحة إسلامية منه معروفة أحسن الله إليه وجزاه ~~خيرا # فأخذت في البطاقات نظرا وتقليبا عما يكون فيها من الكنوز بحثا وتفتيشا ~~حتى وقعت عيني على رسالة الإمام الصنعاني تحت اسم (رفع الأستار لإبطال أدلة ~~القائلين بفناء النار) . في مجموع رقم الرسالة فيه (2619) فطلبته فإذا فيه ~~عدة رسائل هذه الثالثة منها. فدرستها دراسة دقيقة واعية لأن مؤلفها الإمام ~~الصنعاني رحمه الله تعالى رد فيها على شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن ~~القيم ميلهما إلى القول بفناء النار بأسلوب علمي رصين دقيق (من غير عصبية ~~مذهبية. ولا متابعة أشعرية ولا معتزلية) كما قال ms02 هو نفسه رحمه الله تعالى ~~في آخرها. وقد كنت تعرضت لرد قولهما هذا منذ أكثر من عشرين سنة بإيجاز في ~~(سلسلة الأحاديث الضعيفة) في المجلد الثاني منه (ص 71 - 75) بمناسبة تخريجي ~~فيه بعض الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة التي احتجا ببعضها على ما ذهبا ~~إليه من القول بفناء النار وبينت هناك وهاءها وضعفها وأن لابن القيم قولا ~~آخر وهو أن النار لا تفنى أبدا وأن لابن تيمية قاعدة في الرد على من قال ~~بفناء الجنة والنار وكنت توهمت يومئذ أنه يلتقي فيها مع ابن القيم في قوله ~~الآخر فإذا بالمؤلف الصنعاني يبين بما نقله عن ابن القيم أن الرد المشار ~~إليه إنما يعني الرد على من قال بفناء الجنة فقط من الجهمية دون من قال ~~بفناء النار وأنه هو نفسه - أعني ابن تيمية - يقول بفنائها وليس هذا فقط بل ~~وأن أهلها يدخلون بعد ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار وذلك واضح كل الوضوح ~~في الفصول الثلاثة التي عقدها ابن القيم لهذه المسألة الخطيرة في كتابه ~~(حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح) (2 / 167 - 228) وقد حشد فيها (من خيل ~~الأدلة ورجلها وكثيرها وقلها ودقها وجلها وأجرى فيها قلمه ونشر فيها علمه ~~وأتى بكل ما قدر عليه من قال وقيل واستنفر كل قبيل وجيل) كما قال المؤلف ~~رحمه الله ولكنه أضفى # PageV01P007 # بهذا الوصف على ابن تيمية وابن القيم أولى به وأحرى لأننا من طريقه عرفنا ~~رأي ابن تيمية في هذه المسألة وبعض أقواله فيها وأما حشد الأدلة المزعومة ~~وتكثيرها فهي من ابن القيم وصياغته وإن كان ذلك لا ينفي أنه تلقى ذلك كله ~~أو جله من شيخه في بعض مجالسه فما عزاه إليه صراحة فهو الأصل في ذلك وما لم ~~يعزه فلا ولذلك جريت فيما يأتي على التنبيه على ما لم يعزه إليه صراحة لأن ~~من بركة العلم أن يعزى كل قول لقائله. وليس العكس كما هو معروف عند ~~العلماء. وإن مما يؤيد هذا أن ابن القيم رحمه الله تعرض لهذا البحث مطولا ~~أيضا ms03 في كتابه (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة) بنحو ما في (الحادي) ~~كما تراه في (مختصر الصواعق) للشيخ محمد بن الموصلي (ص 218 - 239) فلم يذكر ~~فيه ابن تيمية مطلقا وكذلك رأيته فعل في (شفاء العليل) (ص 252 - 264) إلا ~~أنه قال في آخرها: # (وكنت سألت عنها شيخ الإسلام قدس الله روحه فقال لي: هذه المسألة عظيمة ~~كبيرة ولم يجب فيها بشيء. ومضى على ذلك زمن حتى رأيت في تفسير عبد بن حميد ~~الكشي بعض تلك الآثار (يعني أثر عمر الآتي في أول الكتاب) فأرسلت إليه ~~الكتاب وهو في مجلسه الأخير وعلمت على ذلك الموضع وقلت للرسول: قل له هذا ~~الموضع يشكل عليه ولا يدرى ما هو؟ فكتب فيها مصنفه المشهور رحمة الله عليه) ~~. فهذا مما يدل على أنه من الممكن أن يكون تلقاه كله عنه ولكن لا نقول به ~~إلا في حدود ما نص هو عليه أنه من كلام ابن تيمية نفسه رحمهما الله تعالى ~~في (الحادي) أو في غيره أن وجد # وقد وقفت في مخطوطات المكتب الإسلامي على ثلاث صفحات في ورقتين بخط لعله ~~من خطوط القرن الحادي عشر نقلها كاتبها الذي لم يكشف عن هويته من رسالة ابن ~~تيمية رحمه الله في الرد على من قال بفناء الجنة والنار # وهذه الورقات الثلاث جمعها أخي المحقق زهير الشاويش من دشت مخطوطات عنده. ~~وانظر صورها في الصفحات (53 - 55) وهذا نصها: # PageV01P008 # (قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية - رحمه الله تعالى - في رسالة ~~في الرد على من قال بفناء الجنة والنار ما نصه: # (وأما القول بفناء النار ففيها قولان معروفان عن السلف والخلف والنزاع في ~~ذلك معروف عن التابعين ومن بعدهم وهذا أحد المأخذين في دوام عذاب من يدخلها # فإن الذين يقولون: أن عذابهم له حد ينتهي إليه ليس بدائم كدوام نعيم ~~الجنة قد يقولون: إنها قد تفنى وقد يقولون: إنهم يخرجون منها فلا يبقى فيها ~~أحد # لكن قد يقال: إنهم لم يريدوا بذلك أنهم يخرجون مع بقاء العذاب فيها على ~~غير ms04 أحد # وقد نقل هذا القول عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وغيرهم ~~رضي الله عنهم # وروى عبد بن حميد - وهو من أجل علماء الحديث - في تفسيره المشهور قال: # (أخبرنا سليمان بن حرب أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن الحسن البصري قال: ~~قال عمر: (لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج (1) لكان لهم على ذلك ~~يوم يخرجون فيه) # وقال: أخبرنا حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن: أن عمر بن ~~الخطاب قال: (لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون ~~فيه) . ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: {لابثين فيها} (2) # وهذا يبين أن مثل هذا الشيخ الكبير من علماء الحديث والسنة يروي عن مثل ~~PageV01P009 # هؤلاء الأئمة في الحديث والسنة مثل سليمان بن حرب الذي هو من أجل علماء ~~السنة والحديث ومثل حجاج بن منهال كلاهما عن حماد بن سلمة - مع جلالته في ~~العلم والسنة والدين - يروي من وجهين من طريق ثابت ومن طريق حميد هذا عن ~~الحسن البصري - الذي يقال: أنه أعلم من بقي من التابعين في زمانه - يروى عن ~~عمر بن الخطاب وإنما سمعه الحسن من بعض التابعين سواء كان هذا قد حفظ هذا ~~عن عمر أو لم يحفظه كان مثل هذا الحديث متداولا بين هؤلاء العلماء الأئمة ~~لا ينكرونه وهؤلاء كانوا ينكرون على من خرج عن السنة من الخوارج والمعتزلة ~~والمرجئة والجهمية وكان أحمد بن حنبل يقول: أحاديث حماد بن سلمة هي الشجا ~~(1) في حلوق المبتدعة # فهؤلاء من أعظم أعلام أهل السنة الذي ينكرون من البدع ما هو دون هذا لو ~~كان هذا القول عندهم من البدع المخالفة للكتاب والسنة والإجماع كما يظنه ~~طائفة من الناس وعبد بن حميد ذكر هذا في تفسير قوله تعالى: {لابثين فيها ~~أحقابا} (2) ليبين قول من قال: أن الأحقاب لها أمد تنفد ليست كالرزق الذي ~~ما له من نفاد. ولا ريب أن من قال هذا القول: عمر ومن نقله عنه ms05 إنما (3) ~~أراد بذاك جنس أهل النار الذين هم أهلها # فأما قوم أصيبوا بذنوب فأولئك قد علم هؤلاء وغيرهم بخروجهم منها وأنهم لا ~~يلبثون فيها قدر عدد رمل عالج ولا قريبا من ذلك والحسن كان يروي ~~PageV01P010 # حديث الشفاعة في أهل التوحيد وقد ذكره البخاري ومسلم عنه وكذلك حماد بن ~~سلمة كان يجمعها ويحدث الناس بها وكذلك سليمان بن حرب وأمثاله فهذا عندهم ~~لا يقال فيه مثل هذا ولفظ أهل النار لا يختص بالموحدين بل يختص بمن عداهم ~~كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : # (صحيح) (أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون) ~~(1) # وقوله: (يخرجون فيه) أي يخرجون من جهنم بعد أن يفنى عذابها وينفد وينقطع ~~فهم لا يخرجون منها بل هم خالدون في جهنم كما أخبر الله لكن انقضى أجلها ~~وفنيت كما تفنى الدنيا فلم يبق فيها عذاب وذلك أن العالم لا يعدم وجهنم في ~~الأرض والأرض لا تعدم بالكلية لكن فناؤها بتغير حالها واستحالتها من حال ~~إلى حال قال تعالى: {كل من عليها فان} (2) وهم لا يعدمون بل يموتون ويهلكون ~~وكما قال تعالى {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} (3) فإذا أنفذه الرجل فقد ~~نفد ما عنده وإن كان لم يعدم بل انتقل من حال إلى حال) . انتهى # وقال فيها أيضا: # (والفرق بين بقاء الجنة والنار عقلا وشرعا أما شرعا فمن وجوه: # أحدها: أن الله أخبر ببقاء نعيم الجنة ودوامه وأنه لا نفاد له ولا انقطاع ~~في غير موضع من كتابه كما أخبر أن أهل الجنة لا يخرجون منها وأما أهل النار ~~وعذابها فلم يخبر ببقاء ذلك بل أخبر أن أهلها لا يخرجون منها # الثاني: أنه أخبر بما يدل على أنه ليس بمؤبد في عدة آيات # الثالث: أن النار لم يذكر فيها شيء مما يدل على الدوام PageV01P011 # والرابع: أن النار قيدها بقولها: {لابثين فيها أحقابا} (1) وقوله: ~~{خالدين فيها إلا ما شاء الله} (2) وقوله: {خالدين فيها ما دامت السماوات ~~والأرض إلا ما شاء ربك} (3) فهذه ثلاث ms06 آيات تقتضي قضية مؤقتة أو معلقة على ~~شرط وذاك دائم مطلق ليس بمؤقت ولا معلق # الخامس: قد ثبت أنه يدخل الجنة من ينشئه الله لها ويدخلها من دخل النار ~~أولا ويدخلها الأولاد بعمل الآباء. فثبت أن الجنة يدخلها من لم يعمل خيرا ~~وأما النار فلا يعذب أحد إلا بذنوبه فلا يقاس هذه بهذه # السادس: أن الجنة من مقتضى رحمته ومغفرته والنار من عذابه وقد قال: {نبئ ~~عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم} (4) وقال تعالى: ~~{اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم} (5) وقال تعالى: {إن ربك ~~لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم} (6) # فالنعيم من موجب أسمائه التي هي من لوازم ذاته فيجب دوامه بدوام معاني ~~أسمائه وصفاته # وأما العذاب فإنما هو من مخلوقاته والمخلوق قد يكون له انتهاء مثل الدنيا ~~وغيرها لا سيما مخلوق خلق لحكمة يتعلق بغيره # الوجه السابع: أنه قد أخبر أن رحمته وسعت كل شيء وأنه (كتب على ~~PageV01P012 # نفسه الرحمة) (1) # (صحيح) وقال: (سبقت رحمتي غضبي) (2) # و (غلبت رحمتي غضبي) وهذا عموم وإطلاق فإذا قدر عذاب لا آخر له لم يكن ~~هناك رحمة البتة # الثامن: أنه قد ثبت مع رحمته الواسعة أنه حكيم إنما يخلق لحكمة كما ذر ~~حكمته في غير موضع فإذا قدر أنه يعذب من يعذب لحكمة كان هذا ممكنا كما يوجد ~~في الدنيا العقوبات الشرعية فيها حكمة وكذلك ما يقدره من المصائب فيه حكمة ~~عظيمة فيها تطهير من الذنوب وتزكية للنفوس وزجر لها في المستقبل للفاعل ~~ولغيره يجنبها غيره والجنة طيبة لا يدخلها إلا طيب ولهذا قال في الحديث ~~الصحيح: (إنهم يحبسون بعد خلوصهم من الصراط على قنطرة بين الجنة والنار ~~فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة) (3) . والنفوس الشريرة الظالمة ~~التي لو ردت إلى الدنيا قبل العذاب لعادت لما نهيت عنه لا تصلح أن تسكن دار ~~السلام التي تنافي الكذب والظلم والشر فإذا عذبوا بالنار عذابا يخلص نفوسهم ~~من ذلك الشر كان هذا معقولا في الحكمة كما يوجد في ms07 تعذيب الدنيا وخلق من ~~فيه شر يزول بالتعذيب من تمام الحكمة # أما خلق نفوس تعمل الشر في الدنيا والآخرة لا يكون إلا في العذاب فهذا ~~تناقض يظهر فيه من مناقضة الحكمة والرحمة ما لا يظهر من غيره ولهذا كان من ~~الجهم (4) لما رأى ذلك ينكر أن يكون الله أرحم الراحمين وقال: بل يفعل ما ~~يشاء. والذين سلكوا طريقته كالأشعري وغيره ليس عندهم في الحقيقة له حكمة ~~ورحمة PageV01P013 # لكن له علم وقدرة وإرادة لا ترجح أحد الجانبين. ولهذا لما طلب منهم أن ~~يقروا بكونه حكيما فرده بأنه عليم إذ قد يراد: يريد وليس من الثلاثة ما ~~يقتضيه الحكمة وإذا ثبت أنه حكيم رحيم وعلم بطلان قول الجهم تعين إثبات ما ~~تقتضيه الحكم والرحمة # وما قاله المعتزلة أيضا باطل فقول القدرية المجبرة والنفاة في حكمته ~~ورحمته باطل ومن أعظم ما غلطهم اعتقادهم تأبيد جهنم فإن ذلك يستلزم ما ~~قالوه وفساد اللازم يستلزم فساد الملزوم. انتهى) (1) # وأنت ترى في هذه الصفحات المنقولة عن رسالة ابن تيمية شبها كبيرا فيما ~~جاء فيها من الأمور بكلام ابن القيم في (الحادي) الذي نقل المؤلف خلاصات ~~منه ورد عليها - مع فارق من حيث الإيجاز والبسط من جهة. وعدم تعرضه لكثير ~~من المسائل والأحاديث والأدلة من جهة أخرى وإن كان من الممكن أن يقال: أن ~~من الجائز أن يكون ابن تيمية قد تعرض لذلك أيضا في (رسالته) ولكن كاتب تلك ~~الصفحات اختصرها كما يدل عليه قوله في أولها عن ابن تيمية: (وأما القول ~~بفناء النار) . وقول الكاتب في آخر ثلث الصفحة الثانية من الثلاث: (انتهى) ~~وكذا قال في آخر الثالثة أيضا. والله أعلم # ولقد كان أملي كبيرا في أن أجد رسالة ابن تيمية هذه محفوظة في (مجموع ~~الفتاوى) التي جمعها الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم في خمس وثلاثين ~~مجلدا ولكني - مع الأسف - لم أجد لها أثرا في شيء منها بعد تقليبي لها كلها ~~والاستعانة على ذلك بالفهارس التفصيلية الموضوعة لها وكان أقوى ظني أن ~~يوردها تحت ms08 عنوان (التخليد) الموضوع في (الفهرس) (1 / 139) ولكن دون جدوى ~~أو في (تفسير سورة هود) في آيتي الاستثناء فيها لكني لم أرها مع أنه أشار ~~إليهما في PageV01P014 # فهرس السورة (1 / 291) فلما رجعت إلى المكان الذي أشار إليه (15 / 104) ~~لم أجد فيه سوى إشارة ابن تيمية إلى الآيتين بقوله: (ثم ذكر حال الذين ~~سعدوا والذين شقوا ثم قال ... ) أو في آية (الأنعام 128) من تفسير هذه ~~السورة ولكنها مما لا وجود له فيه مطلقا. أو في تفسير (النبأ) آية {لابثين ~~فيها أحقابا} والقول فيه كالقول في الذي قبله إلا أنه قد أشار في (الفهرس) ~~(1 / 345) أنها في موضعين من (المجموع) الأول في (16 / 194 - 197) والآخر ~~في (18 / 307) ومع ذلك فليس للآية ذكر فيهما مطلقا نعم في الموضع الأول (ص ~~197) ما يدل ظاهر كلامه أنه يقول بخلود الكفار في النار. ذكر ذلك في تفسير ~~قوله تعالى في (سورة الأعلى) : {ثم لا يموت فيها ولا يحيى} . ولكنه لا ~~ينافي قوله بفناء النار لأن له أن يقيده بقوله: ما لم تفن كما فعل بكثير من ~~الآيات الصريحة بالخلود بل والخلود الأبدي كما سترى ذلك مع رد المؤلف عليه ~~في الرسالة إن شاء الله تعالى # لكنه في الموضع الآخر قد صرح بخلاف ذلك وأن النار لا تفنى صراحة فقد جاء ~~في الصفحة المشار إليها منه ما نصه: # (وسئل عن حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (سبعة ~~لا تموت ولا تفنى ولا تذوق الفناء: الناس وسكانها واللوح والقلم والكرسي ~~والعرش) فهل هذا الحديث صحيح أم لا؟ # فأجاب: هذا الخبر بهذا اللفظ ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ~~هو من كلام بعض العلماء. وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة ~~والجماعة على أن من المخلوقات مما لا يعدم ولا يفنى بالكلية كالجنة والنار ~~والعرض وغير ذلك ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكلام ~~المبتدعين ... ) # قلت: والظن بمن هو دون ابن تيمية علما ودينا أن لا يخالف ms09 سلف الأمة ~~وأئمتها ولم لا وهو حامل راية الدعوة إلى أتباعهم والسير على منهجهم ~~والتحذير من # PageV01P015 # مخالفتهم والخروج عن سبيلهم كما لا يخفى ذلك على كل من اطلع على شيء من ~~كتبه وتغذى بطرف من علمه لا سيما والنص في معنى ما ذكره محفوظ عن الإمام ~~أحمد إمام السنة فقد ذكر في آخر كتابه (الرد على الزنادقة) (1) وقد حكى عن ~~الجهمية قولهم بفناء الجنة والنار فرده عليهم بشطريه وذكر آيات كثيرة في ~~بقاء الجنة ودوامها. ثم قال في رد قولهم بفناء النار: # (وذكر الله تعالى أهل النار فقال: # {لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها} . [فاطر / 36] . وقال: # {أولئك يئسوا من رحمتي} . [العنكبوت / 23] . وقال: # {ولا ينالهم الله برحمته} . [الأعراف / 49] . وقال: # {ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون} . [الزخرف / 77] . ~~وقال: # {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص} . [إبراهيم / 21] . وقال: # {خالدين فيها أولئك هم شر البرية} . [البينة / 6] . وقال: # {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب} . [النساء / 56] ~~. وقال: # {كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها} [السجدة / 30] . وقال: # {إنها عليهم مؤصدة} . [الهمزة / 8] ) PageV01P016 # هذا كله مما احتج به الإمام أحمد رحمه الله تعالى على القائلين بفناء ~~النار وعدم دوامه وقد نقل عنه شارح قصيدة الإمام ابن القيم: (الكافية ~~الشافية) (1) (1 / 97) أنه قال: # (والجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء ولم يكتب عليهن الموت فمن قال ~~خلاف ذلك فهو مبتدع) # ونحوه قول ابن حزم في (الملل والنحل) (4 / 83) : # (اتفقت فرق الأمة كلها على: أنه لا فناء للجنة ولا لنعيمها ولا للنار ولا ~~لعذابها إلا جهم بن صفوان ... ) # وفي (العقيدة الطحاوية) (ص 420 - بشرحها طبع المكتب الإسلامي) : # (والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا ولا تبيدان) # ثم رأيت ابن حزم قد أورد المسألة أيضا في كتابه (مراتب الإجماع) فقال (ص ~~173) : # ( ... وأن النار حق وأنها دار عذاب أبدا لا تفنى ولا يفني أهلها أبدا بلا ~~نهاية) # وأقره شيخ الإسلام أحمد بن تيمية خلافا لغيرها من المسائل التي تعقبه ~~فيها # ومن العجيب أن هذا القول ms10 بعدم فنائها هو مما ذهب إليه ابن القيم رحمه ~~الله كما يدل عليه ظاهر كلامه في كتابه (الروح) (ص 34 - طبعة صبيح) بل ذلك ~~ما صرح به في بعضه كتبه PageV01P017 ### | 1 - # قال في (الكافية الشافية) : # ثمانية حكم البقاء يعمها ... من الخلق والباقون في حيز العدم # هي: العرش والكرسي ونار وجنة ... وعجب وأرواح كذا اللوح والقلم (1) ### | 2 - # وأصرح منه ما كنت نقلته عنه في (سلسلة الأحاديث الضعيفة) في كتابه ~~(الوابل الصيب) (ص 26) قال ما نصه: # (وأما النار فإنها دار الخبث في الأقوال والأعمال والمآكل والمشارب ودار ~~الخبيثين فالله تعالى يجمع الخبيث بعضه إلى بعض فيركمه كما يركم الشيء ~~لتراكب بعضه على بعضه ثم يجعله في جهنم مع أهله فليس فيها إلا خبيث. ولما ~~كان الناس على ثلاث طبقات: طيب لا يشوبه خبث. وخبيث لا طيب فيه. وآخرون ~~فيهم خبث وطيب. كانت دورهم ثلاثة: # دار الطيب المحض # ودار الخبث المحض # وهاتان الداران لا تفنيان # ودار لمن معه خبث وطيب وهي الدار التي تفنى وهي دار العصاة فإنه لا يبقى ~~في جهنم من عصاة الموحدين أحد فإنهم إذا عذبوا بقدر جزائهم أخرجوا من النار ~~فأدخلوا الجنة ولا يبقى إلا دار الطيب المحض ودار الخبث المحض ### | 3 - # تصريحه في مقدمة كتابه العظيم: (زاد المعاد في هدى خير العباد) بأن ~~المشرك لا تطهره النار ولو أخرج منها عاد خبيثا كما كان وقد حرم الله عليه ~~الجنة PageV00P000 # وسيذكر المؤلف رحمه الله نص كلامه في ذلك في أول الرسالة (ص 63) # فإن قيل: إن بعض الآيات التي احتج بها الإمام أحمد رحمه الله هي على ~~الأقل قطعية الدلالة في ديمومة عذاب الكفار وعدم فناء النار كقوله تعالى: ~~{لا يخفف عنهم من عذابها} وقوله: {إنكم ماكثون} وقوله: {ما لنا من محيص} ~~وغير ذلك من الآيات التي تأولها ابن القيم وأخرجها عن دلالتها على عدم ~~الفناء مما سيأتي ذكره في الرسالة ورد المصنف عليه. وكذلك بعض الأحاديث ~~الصحيحة تدل دلالة قاطعة على ذلك ولا بأس من أن أذكر الآن بعضها: ms11 # الأول: حديث أنس الطويل في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: # (صحيح) (فأخرجهم فأدخلهم الجنة فما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن. أي ~~وجب عليه الخلود) . رواه الشيخان وغيرهما وهو مخرج في (ظلال الجنة في تخريج ~~السنة لابن أبي عاصم) . (804 - 810) (1) # الثاني: حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : # (صحيح) (أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ~~ولكن ناس (2) أصابتهم النار بذنوبهم أو قال: بخطاياهم فأماتهم الله تعالى ~~إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة ... ) الحديث # أخرجه مسلم (1 / 118) وغيره وهو مخرج في (سلسلة الأحاديث الصحيحة) (1551) ~~. وفي رواية عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فأتى على هذه الآية: ~~{لا يموت فيها ولا يحيى} فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فذكره نحوه إلا ~~أنه قال: (وأما الذين ليسوا من أهل النار فإن النار تميتهم ... .) . ذكرها ~~شيخ الإسلام ابن تيمية # (1) مع كتاب (السنة لأستاذنا الشيخ محمد ناصر الدين الألباني طبع المكتب ~~الإسلامي # (2) وقع هنا في (مختصر مسلم) للمنذري (رقم - 87) زيادة (منكم) فلتحذف ~~فإنها ليست في مسلم # PageV01P019 # من رواية أبي حاتم كما في (مجموع الفتاوى) (16 / 195) # ووجه دلالة الحديث أنه صرح تبعا للقرآن أن الكافر لا يموت في النار ولا ~~يحيى فإذا قيل بأن النار تفنى فإما أن يقال: تفنى بمن فيها كما هو المتبادر ~~إن قيل بفنائها أو تفنى لوحدها دون من فيها وكلاهما باطل لأن معنى الآية ~~كما في (تفسير ابن كثير) : (أن الكافر لا يموت فيستريح ولا يحيى حياة تنفعه ~~بل هي مضرة عليه) . فإن فني الكافر معها فقد مات واستراح. وإن حيي دونها ~~فقد استراح منها أيضا. وكل هذا باطل بداهة فإذا انضم إلى ذلك القول بأنه ~~يدخل الجنة فهو أبطل # الثالث: حديث ذبح الموت بين الجنة والنار وقد جاء عن جمع من الصحابة كابن ~~عمر وأبي هريرة وأبي سعيد وغيرهم في (الصحيحين) وغيرهما فلنذكر حديثين ~~منها: # أحدهما: عن ابن عمر أن النبي صلى ms12 الله عليه وسلم قال: # (صحيح) (يدخل الله أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقوم مؤذن بينهم ~~فيقول: يا أهل الجنة لا موت ويا أهل النار لا موت كل خالد فيما هو فيه) # أخرجه الشيخان # والآخر: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : # (صحيح) (يؤتى بالموت يوم القيامة فيوقف على السراط فيقال: يا أهل الجنة ~~فيطلعون خائفين وجلين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه ثم يقال يا أهل ~~النار فيطلعون مستبشرين فرحين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه فيقال: هل ~~تعرفون هذا؟ قالوا: نعم هذا الموت قال: فيؤمر فيذبح على الصراط ثم يقال ~~للفريقين كلاهما: خلود فيما تجدون لا موت فيها أبدا) # أخرجه ابن ماجه بإسناد جيد كما قال المنذري وصححه ابن حبان (2614) وأحمد ~~(2 / 261) # PageV01P020 # قلت: ففي الحديث دلالة قاطعة على بطلان دعوى فناء النار لأنه جعلها ~~كالجنة من حيث خلود أهلها فيما هم فيه من العذاب إلى الأبد فكما أن الجنة ~~لا تفنى أبدا فكذلك النار لا تفنى أبدا وكل ذلك واضح بين إن شاء الله تعالى # بعد هذا أعود فأقول: عن ما تقدم من الآيات والأحاديث صريحة في الدلالة ~~على بطلان القول بفناء النار فكيف ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وانتصر ~~له تلميذه ابن قيم الجوزية؟ # فأقول: إن أحسن ما أجد في نفسي من الجواب عنهما إنما هو أنه لما توهما أن ~~بعض الصحابة قد ذهبوا إلى ذلك وهم قدوتنا جميعا لو صح ذلك عنهم رواية ~~ودراية ولم يصح كما سيأتي بيانه عند المؤلف الصنعاني رحمه الله واقترن مع ~~ذلك غلبة الخوف عليهما من الله {ولمن خاف مقام ربه جنتان} (1) والشفقة على ~~عباده تعالى من عذابه وغمرهما الشعور بسعة رحمته وشمولها حتى للكفار منهم ~~وساعدهما على ذلك ظواهر بعض النصوص ومفاهيمها فأذهلهما ذلك عن تلك الدلالة ~~القاطعة وقالا ما لم يقل أحد قبلهما وما أرى لهما شبها في هذا إلا ذلك ~~المؤمن الذي أوصى أهله أن يحرقوه بالنار ليضل عن ربه ms13 فلا يقدر على تعذيبه ~~زعم كما قال صلى الله عليه وسلم : # (صحيح) (قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله: إذا مات فحرقوه ثم اذروا نصفه في ~~البر ونصفه في البحر فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا ~~من العالمين فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم به فأمر الله البر فجمع ما فيه ~~وأمر البحر فجمع ما فيه ثم قال: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت ~~أعلم فغفر الله له) # أخرجه الشيخان وغيرهما عن جمع من الصحابة منهم أبو هريرة وهذا لفظه ~~PageV01P021 # عند مسلم (8 / 97) وسيأتي عن ابن يتيمة وغيره أنه متواتر في التعليق (97) # فهذا الرجل أنساه خوفه من ربه قدرته تعالى على إعادة خلقه وهي معلومة ~~يقينا {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم. قل يحيها ~~الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} [يس / 78 79] # فما أشبه ابن تيمية به من حيث أنه غفل عن المعلوم يقينا أيضا وهو أن ~~النار باقية لا تفنى إلا أن الحامل له على ذلك إنما كان ثقته البالغة في ~~رحمة ربه وعوه وأنها وسعت كل شيء دون ما استثناء ووافق ذلك منه خلقا كريما ~~وطبع رحيما جبله الله عليه عرف به بين أصحابه ولا أدل على ذلك مما كتب به ~~إليهم من سجنه الظالم في مصر: # (فلا أحب أن ينتصر من أحد بسبب كذبه علي أو ظلمه وعدوانه فإني قد أحللت ~~كل مسلم وأنا أحب الخير لكل المسلمين وأريد لكل مؤمن من الخير ما أحبه ~~لنفسه والذين كذبوا وظلموا فهم في حل من جهتي ... أسأل الله أن يتوب عليهم ~~وأنتم تعلمون هذا من خلقي ... ) . انظر (مجموع الفتاوى) (28 / 55 - 56) # وساعده على ذلك ظواهر بعض الآيات والأحاديث التي لم يمعن النظر فيها فلم ~~يتبين له خطأ استدلاله بها حتى استقر ذلك القول في نفسه وأخذ بمجامع لبه ~~فصار يدافع عنه ويحتج له بكل دليل يتوهمه ويتكلف في الرد على الأدلة ~~المخالفة له تكلفا ظاهرا ms14 خلاف المعروف عنه وتبعه في ذلك بل وزاد عليه ~~تلميذه وماشطة كتبه - كما يقو ل البعض - ابن قيم الجوزية # حتى ليبدو للباحث المتجرد المنصف أنهما قد سقطا فيما ينكرانه على أهل ~~البدع والأهواء من الغلو في التأويل والابتعاد بالنصوص عن دلالتها الصريحة ~~وحملها على ما يؤيد ويتفق مع أهوائهم كما سترى ذلك مفصلا في (الرسالة) هذه ~~(ص 116 - 122) حتى بلغ الأمر بهما إلى تحكيم العقل فيما لا مجال له فيه كما ~~يفعل # PageV01P022 # المعتزلة تماما وقد تعلمنا من ابن تيمية وابن القيم - جزاهما الله خيرا - ~~الرد عليهم في مثله فزعما أن عذاب النار سبب لإزالة آثار الخبث والنجاسة من ~~الكفار فإذا تطهروا منها عادوا إلى فطرتهم الأولى فيزول العذاب ويبقى مقتضى ~~الرحمة) كما سيأتي (ص 122) # نقلا عن ابن القيم ومضى نحوه من كلام ابن تيمية. فتأمل معي في ذلك تجده ~~كلاما خطابيا خياليا لا حقيقة تحته فإنه يفترض ذهاب تلك الخبائث وتلاشيها ~~وزوال العذاب عن الكفار وهم في الدار الآخرة حيث لا تكليف فيها فإن من ~~المعلوم يقينا أننا لو تخيلنا كافرا تاب إلى ربه وأناب إليه حينما رأى ~~العذاب بأم عينيه أنه لا يفيده ذلك شيئا بالإجماع فكيف ينفعه شيء وهو لم ~~يتب وهو في العذاب محترق؟ تالله إنها لإحدى الكبر أن يخفى مثل هذا على أحد ~~من المسلمين فكيف بشيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم الهمام ونحن دائما نغترف ~~من بحر علومهما ونستضيء بنور أدلتهما في إزالة الشكوك والأوهام في كثير مما ~~اختلف فيه الناس قديما وحديثا وعلى سبيل المثال المناسب للحال أذكر هنا ~~ملخصا فتوى لابن تيمية جاءت في (مجموع الفتاوى) (4 / 324) : # (سئل الشيخ رحمه الله تعالى: هل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله ~~تعالى أحيا له أبويه حتى أسلما على يديه ثم ماتا بعد ذلك؟) # فأجاب: # (لم يصح ذلك عن أحد من أهل الحديث بل أهل الحديث متفقون على أن ذلك كذب ~~مختلف وإن كان قد روي بإسناد فيه مجاهيل وأمثال هذه المواضع فلا نزاع ms15 بين ~~أهل المعرفة أنه من أظهر الموضوعات كذبا كما نص عليه أهل العلم فإن مثل هذا ~~لو وقع لكان مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله فإنه من أعظم الأمور خرقا ~~للعادة من وجهين: ### | 1 - # من جهة إحياء الموتى: # PageV01P023 ### | 2 - # ومن جهة الإيمان بعد الموت # ثم هذا خلاف الكتاب والسنة الصحيحة والإجماع قال الله تعالى: {إنما ~~التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب ~~الله عليهم وكان الله عليما حكيما. وليس التوبة للذين يعملون السيئات حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار} . ~~[النساء / 17 18] # فبين الله تعالى أنه لا توبة لمن مات كافرا. وقال تعالى: {فلم يك ينفعهم ~~لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون} [غافر ~~/ 85] فأخبر أن سنته في عباده أنه لا ينفع الإيمان بعد رؤية البأس فكيف بعد ~~الموت؟) # قلت: فمن يفتي بهذا كيف يعقل أن يقول بنقيضه لولا الذهول الذي نوهت عنه ~~بل إنه زاد على ذلك فقال ابن تيمية فيما تقدم من رسالته (ص 13) : # (ولو قدر عذاب لا آخر له لما يكن هناك رحمة البتة) # ويا سبحان الله أين هو من مثل قوله تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها ~~للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون} [الأعراف / 156] ~~وقوله صلى الله عليه وسلم : # (صحيح) (إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم ~~والهوام فيها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها تعطف الوحش على ولدها وأخر الله ~~تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة) . أخرجه الشيخان وكذا أحمد ~~والحاكم وصححه من طرق عن أبي هريرة بلفظ: (فيكملها مائة رحمة لأوليائه يوم ~~القيامة) # وله بعض الشواهد خرجتها معه في (سلسلة الأحاديث الصحيحة) رقم 1634) # فالآية الكريمة والحديث الشريف صريحان في أن الرحمة إنما هي للذين # PageV00P000 # يستحقونها من المؤمنين كلما كان المؤمن لله أتقى كلما كان بها أحظى وليس ~~الأمر كما يرجو بعض المهابيل من الذين يترنمون بقول شاعرهم البوصيري ms16 # لعل رحمة ربي حين يقسمها تأتي على حسب العصيان في القسم # كيف هذا وربنا يقول: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون ~~بالمعروق وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطعيون الله ~~ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم} [التوبة / 71] ويقول: {إن ~~الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله ~~والله غفور رحيم} . [البقرة / 218] ولذلك كان من دعاء الملائكة الذين ~~يحملون العرش: {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا ~~سبيلك وقهم عذاب الجحيم} [غافر / 7] . فكل من وقاه الله تبارك وتعالى عذاب ~~الجحيم فهو منغمس في رحمة الله يومئذ كما هو صريح قوله عز وجل: {فأما الذين ~~اسودت وجوههم أكفرت بعد إيمانكم فذقوا العذاب بما كنتن تكفرون. وأما الذين ~~ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون} [آل عمران / 106 و107] # فكيف يقول ابن تيمية: # (ولو قدر عذاب لا آخر له لم يكن هناك رحمة البتة) فكأن الرحمة عنده لا ~~تتحقق إلا بشمولها للكفار المعاندين الطاغين أليس هذا من أكبر الأدلة على ~~خطأ ابن تيمية وبعده هو ومن تبعه عن الصواب في هذه المسألة الخطيرة؟ ~~فغفرانك اللهم # ولعل ذلك كان منه إبان طلبه للعم وقبل توسعه في دراسة الكتاب والسنة ~~وتضلعه بمعرفة الأدلة الشرعية في الوقت الذي كان يحسن الظن بابن عربي ~~الصوفي القائل بأن عذاب الكفار في النار لا يستمر بل ينقلب عليهم إلى ~~عذوبته يتلذذون بها كما في (حادي الأرواح) (2 / 168) فلما تبين له حاله رجع ~~عنه كما # PageV01P025 # تحدث بذلك هو نفسه فقال كما في (مجموع الفتاوى) (2 / 464 - 465) : # (وإنما كنت قديما ممن يحسن الظن بابن عربي ويعظمه لما رأيت في كتبه من ~~الفوائد مثل كلامه في كثير من (الفتوحات) (والدرة الفاخرة) و (مطالع ~~النجوم) ونحو ذلك ولم نكن بعد أطلعنا على حقيقة مقصودة ولم نطالع (الفصوص) ~~ونحوه ... ) # ومثله جزمه بحياة الخضر عليه الصلاة والسلام مع إبطاله لحديث (لو كان ~~الخضر حيا لزارني) وقوله: بل المروي في (مسند الشافعي وغيره أنه اجتمع ms17 ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم ومن قال إنه لم يجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~فقد قال ما لا علم له) (1) . ذكر له ذلك في فتوى له تجد نصفها في (المجموع) ~~(4 / 338 - 340) أنظر (10 / 46) # فإن المعروف عنه رحمه الله أنه يقول بموت الخضر عليه السلام كما هو قول ~~كثير من الأئمة كالإمام البخاري وقد صرح بذلك في كثير من رسائله وفتاويه ~~فقال في (زيارة بيت المقدس) (27 / 18) : # (وكذلك الذي يرون الخضر أحيانا هو جني لبس على المسلمين الذي رأوه وإلا ~~فالخضر الذي كان مع موسى عليه السلام مات ولو كان حيا على عهده رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لوجب عليه أن يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويؤمن ~~به ويجاهد معه ... ولم يذكر أحد من الصحابة أنه رأى الخضر ولا أنه أتى إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فإن الصحابة كانوا أعلم وأجل قدرا من أن يلبس ~~الشيطان عليهم ولكن لبس على كثير ممن بعدهم ... ) # وقال في موضع آخر (27 / 100) # (والصواب الذي عليه المحققون أنه ميت وأنه لم يدرك الإسلام ولو كان # (1) يشير إلى حديث وفاة النبي صلى الله عليه وسلم واجتماع الصحابة حوله ~~ومجيء الخضر عليه السلام وتعزيته إياهم وهو حديث موضوع خرجته في (الضعيفة) ~~(5204) # PageV01P026 # موجودا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لوجب أن يؤمن به ويجاهد معه ... ~~وإذا كان الخضر حيا دائما فكيف لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قط ~~ولا أخبر به أمته ولا خلفاؤه الراشدين؟) # قلت: حتى ولا ذكر ذلك لأمين سره حذيفة بن اليمان رضي الله عنه فمن ذا ~~الذي يدعي بعد ذلك أنه علمه ما لم يعلم هؤلاء الأجلة العظماء رضي الله عنهم # وقد صرح ابن تيمية بموت الخضر في مواطن أخرى كثيرة فانظر مثلا (1 / 249) ~~من (المجموع) أليس في ذلك دليل واضح على أن فتواه الأولى بحياة الخضر كانت ~~في أول أمره ولا سيما وقد احتج لها بحديث الشافعي وهو موضوع كما هو مبين في ~~(سلسلة الأحاديث ms18 الضعيفة) برقم (5204) فيه القاسم بن عبد الله العمري قال ~~أحمد: (كان يكذب ويضع الحديث) # ومن ذلك أنه كان يفتي بنجاسة الزيت ونحوه إذا وقعت فيه نجاسة مثل الفأرة ~~الميتة كما هو مذهب الشافعي وغيره اعتمادا منه على حديث أبي داود: (إن كان ~~جامدا فألقوها وما حولها وكلوا سمنكم وإن كان مائعا فلا تقربوه) # فلما تبين له أن قوله فيه: (وإن كان مائعا فلا تقربوه) ضعيف رجع عنه إلى ~~القول: بعدم التفريق بين المائع والجامد وأن العبرة في كل ذلك إنما هو ~~التغير فقال في فتوى له: # (وهذا هو الذي تبين لنا ولغيرنا ونحن جازمون بأن هذه الزيادة ليست من ~~كلام النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك رجعنا عن الإفتاء بها بعد أن كنا نفتي ~~بها أولا فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل) (مجموع الفتاوى 21 ~~/ 515 - 516) (1) # (1) وانظر (المسائل الماردينية) لشيخ الإسلام ابن تيمية تحقيق زهير ~~الشاويش ص 27 طبع المكتب الإسلامي # PageV01P027 # ونحوه رجوع عن بعض أحكام المناسك التي كان قلد فيها من قبله من العلماء ~~كما قال في (منسكه) (المجموع 26 / 98) # ولا غرابة في أن يكون لمثله أكثر من قول واحد في بعض المسائل وأن يخطئ في ~~بعض آخر فإن ذلك من الأمور الطبيعية التي لا يخلو منها أحد من العلماء بعد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإن من المعلوم أن أحدهم كلما طال به الزمن ~~في طلب العلم وتقدم به في ذلك العمر كلما ازداد به معرفة ونضجا وهذا هو ~~السبب في كثرة الأقوال التي تروى في المسألة الواحدة عن بعض الأئمة ~~المتبوعين وبخاصة منهم الإمامين أحمد وأبا حنيفة وتميز الإمام الشافعي من ~~بينهم بمذهبه القديم والجديد. وهذا أبو الحسن الأشعري - إمام الأشاعرة في ~~العقيدة - نشأ في الاعتزال أربعين عاما يناظر عليه ثم رجع عن ذلك وصرح ~~بتضليل المعتزلة وبالغ في الرد عليهم كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ~~(المجموع) (4 / 72) # وقد صرح بهذه الحقيقة الإمام أبو حنيفة رحمه الله حين نهى أبا يوسف ms19 عن ~~تقليده فقال له: # (ويحك يا يعقوب لا تكتب كل ما تسمع مني فإني قد أرى الرأي اليوم وأتركه ~~غدا وأرى الرأي غدا وأتركه بعد غد) # ولذلك تتابعت أقوال الأئمة الأربعة وغيرهم في النهي عن تقليدهم وجرى في ~~ذلك على سننهم كل من جاء بعدهم من العلماء المحققين من أمثال ابن تيمية ~~وابن القيم رحمهما الله تعالى وجريت أنا على هذا الذي خططوه لنا في كل ما ~~تبين من العلم كما تراه موضحا في مقدمة (صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ~~) # وهذا هو السبب الذي يحملني على أن لا أحابي في ذات الله أبا أو أداري في ~~دين الله أحدا فترانا هنا نرد على شيخ الإسلام ابن تيمية قوله بفناء النار ~~ولا نداريه مع عظمته في نفوسنا وجلالته في قلوبنا فضلا عن أننا لا نقلده في ~~ديننا خلافا لما عليه عامة المقلدة الذين يحملهم إجلالهم لإمامهم على ~~تقليده ونبذ # PageV01P028 # قول كل من خالف حتى ولو كان المخالف هو النبي محمدا صلى الله عليه وسلم ~~بديل أن يتخذوه وحده قدوة ولا يشركوا معه في ذلك أحدا كما هو الواجب (1) بل ~~إنهم ليصرحون بخلاف ذلك كما قال أحدهم اليوم في كتيب له: # (أفلا يحق لنا أن نعتبر من واقع غيرنا (يعني السلفيين) فنثبت عند أقوال ~~الإمام الذي يسر الله تعالى لنا الاقتداء به منذ أول نشأتنا) (2) # ونحن نقول بقول رب العالمين في القرآن الكريم: {أتستبدلون الذي هو أدنى ~~بالذي هو خير} ؟ فأين أنت يا هذا من قوله تبارك وتعالى: {لقد كان لكم في ~~رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} ؟ وغير ذلك من النصوص ~~التي توجب على كل مسلم اتباعه صلى الله عليه وسلم دون سواه {قل إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} ولكن {من لم يجعل الله له نورا فما له من ~~نور} # وإذا كان هذا موقف المقلدة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فماذا يكون ~~موقفهم من المحبين له المخلصين في الاقتداء به لا ms20 سيما إذا كان من العلماء ~~العاملين المعروفين بالرد على كل من خالف شرعة رب العالمين كابن عربي وابن ~~الفارض القائلين بوحدة الوجود وأن الخالق هو عين المخلوق وعلى غيرهم من ~~علماء الكلام والمتصوفة والمقلدة وسائر الهالكين من الأنام ألا وهو شيخ ~~الإسلام ابن تيمية رحمه الله فإننا نرى المقلدة في كل عصر ومصر يعادونه أشد ~~العداء لا سيما إذا عثروا له على قول خالف فيه العلماء كمسألتنا هذه فهناك ~~تراهم يصولون ويجولون ومن عرضه ينالون وفي دينه يطعنون بل وبالكفر والضلال ~~يصرحون كما يفعل الكوثري والحبشي وغيرهما اليوم وهم - مع الأسف - ~~PageV01P029 # كثيرون ولكنهم غثاء كغثاء السيل لأنهم بالقرآن لا يعملون بل هن عنه ~~يعدلون إلى تحكيم أهوائهم وإلا فأين هم من قوله تعالى: {ولا يجرمنكم شنآن ~~قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} # فهل من العدل في شيء أن يتخذوا شيخ الإسلام رحمه الله غرضا للتكفير ~~والتضليل لقوله هذا ونحوه من الأقاويل ولا ينبسون ببنت شفة في حق ابن عربي ~~مثلا الذي ملأ الدنيا بالكفريات والأضاليل وهلك بسببه الألوف المؤلفة من ~~خاصة المسلمين فضلا عن عامتهم المهابيل فضلوا جميعا عن سواء السبيل مع ~~البون الشاسع والفرق اللامع بين الرجلين فإن عربي ليس له ذكر ولا أثر في ~~العلوم الإسلامية كالتفسير والحديث والفقه كما لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمة ~~الله عليه الذي شهد بفضله وغزارة علمه القريب والبعيد والحبيب والبغيض فهم ~~جميعا يغترفون من بحر علومه بأوفى نصيب فهو بحق كما قال السيد محمد رشد رضا ~~رحمه الله تعالى: # (رحم الله شيخ الإسلام وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء فوالله إنه ~~ما وصل إلينا من علم أحد منهم ما وصل إلينا من علمه: في بيان حقيقة هذا ~~الدين وحقيقة عقائده وموافقة العقل السليم وعلومه للنقل الصحيح من كتاب ~~وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بل لا نعرف أحدا منهم أوتي مثل ما أوتي من ~~الحجج بين علوم النقل وعلوم العقل بأنواعها مع الاستدلال والتحقيق دون ~~محاكاة أو تقليد) (1) # وما ms21 لنا نذهب بعيدا فهناك بعض الأئمة المتقدمين ممن يقلدهم اليوم جماهير ~~المسلمين ممن ذهب إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص مع مخالفة ذلك لأدلة ~~الكتاب والسنة الصريحة وأقوال سلف هذه الأمة مما هو معروف ومبسوط في ~~PageV01P030 # محله فلماذا مع ذلك يعتذر عنه بعض المقلدين وجمهورهم له يقلدون وعن ابن ~~تيمية يزورن بل وله يعادون والحكم واحد فهلا ساقوهما مساقا واحدا واعتذروا ~~عنهما كليهما بجامع كونهما من أفاضل العلماء الأتقياء أم الأمر كما قال ~~الشاعر: # وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا # ولست بالذي يتبع عثرات العلماء وإنما هي الأمثال نضربها للناس لعلهم ~~يتذكرون فينصفون ابن تيمية ولا يظلمون وإلا فإن من فضائل ابن تيمية التي ~~حرمها المقلدة علما وعملا تحذيره عن تتبع زلات العلماء وعن التكلم فيهم لأن ~~الله عفا عما أخطؤوا فيه فقال في آخر رسالته في تحريم الشطرنج في (المجموع) ~~(32 / 239) ما نصه: # (وليس لأحد أن يتبع زلات العلماء كما ليس له أن يتكلم في أهل العلم ~~والإيمان إلا بما هم له أهل فإن الله تعالى عفا عن المؤمنين عما أخطؤوا كما ~~قال تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} قال الله: قد فعلت (1) . ~~وأمرنا أن نتبع ما أنزل إلينا من ربنا ولا نتع من دونه أولياء وأمرنا أن لا ~~نطيع مخلوقا في معصية الخالق ونستغفر لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ~~فنقول: {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} . (2) # وهذا أمر واجب على المسلمين في كل ما كان يشبه هذا من الأمور ونعظم أمره ~~تعالى بالطاعة لله ورسوله ونرعى حقوق المسلمين لا سيما أهل العلم منهم كما ~~أمر الله ورسوله ومن عدل عن هذه الطريقة فقد عدل عن اتباع الحجة إلى اتباع ~~PageV01P031 # الهوى في التقليد وآذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فهو من ~~الظالمين. ومن عظم حرمات الله وأحسن إلى عباد الله كان من أولياء الله ~~المتقين) # {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} # وإن مما يمنع ms22 توجيه الطعن في ابن تيمية لقوله بفناء النار علاوة على ما ~~ذكرنا آنفا أن له قولا آخر في المسألة وهو عدم فنائها كما سبق بيانه بالنقل ~~عنه. وإذا كنا لا نعلم أي القولين هو المتأخر فمن البدهي أن الطاعن لا بد ~~له من الجزم بأنه هو الأول ودون هذا خرط القتاد وأما نحن فإن حسن الظن الذي ~~أمرنا به يقتضينا بأن نقول: لعله القول الآخر لأنه موافق للإجماع الذي نقله ~~هو نفسه فضلا عن غيره كما تقدم وقد يؤيده هذا أن ابن القيم نقله أيضا كما ~~بق في قصيدته (الكافية الشافية) فالظاهر أنه مات على ذلك لأنها قرئت عليه ~~في آخر حياته فقد ترجمه الحافظ ابن رجب الحنبلي في (طبقاته) وذكر في آخرها ~~ما يشعرنا بذلك فقال: (2 / 448) : # (ولازمت مجالسه قبل موته أزيد من سنة وسمعت عليه قصيدته النونية الطويلة ~~في السنة وأشياء من تصانيفه وغيرها) # أقول فإذا صح ظننا هذا فالحمد لله وإلا فأسوأ ما يمكن أن يقال: إنه خطأ ~~مغفور لهما بإذن الله تعالى لأنه صدر عن اجتهاد صادق منهما ومعلوم أن ~~المجتهد مأجور ولو أخطأ كما جاء في الحديث الصحيح: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ~~فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد) . متفق عليه # وقد تقرر في الأصول أن الخطأ مغفور ولو في المسائل العلمية كما حققه شيخ ~~الإسلام ابن تيمية في كثير من كتبه وفتاويه (1) # هذا بالإضافة إلى ما لهما من الجهاد والبلاء الحسن في الدعوة إلى العمل ~~بالكتاب PageV01P032 # والسنة والرد على المبتدعة والفرق الضالة وتقديم الإسلام إلى المسلمين ~~صافيا نقيا على منهج السلف الصالح وإن ما نراه اليوم في العالم الإسلامي من ~~نهضة فكرية وعلمية ودعوة سنية سلفية فهو ثمرة من ثمار جهادهما وصبرهما ~~جزاهما اله تعالى عن الإسلام والمسلمين خيرا # ولذلك رأينا المصنف رحمه الله تعالى مع أنه لم يقصر في الرد عليهما فإنه ~~لا يذكرهما إلا مقرونا بالإجلال والإكبار وبخاصة الشيخ ابن تيمية فإنه وصفه ~~في أول الكتاب ب (العلامة شيخ الإسلام) ms23 ويذكره بهذا اللقب كثيرا ووصفه في ~~مكان آخر (ص 120) بتبحره في العلوم وسعة اطلاعه على أقوال السلف والخلف) ~~وصدق من قال: (إنما يعرف الفضل لذوي الفضل أهل الفضل) (1) . أقول هذا لأن ~~كثيرا من المقلدة المتعصبة تقزز نفوسهم من إطلاق لقب (شيخ الإسلام) على ابن ~~تيمية رحمه الله تعالى حتى أن العلاء البخاري الحنفي المتعصب كفر من يلقبه ~~به وقد رد عليه أحسن الرد الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي الشافعي في كتابه ~~القيم (الرد الوافر على من زعم بأن من سمى ابن تيمية (شيخ الإسلام) كافر) . ~~ذكر فيه نحو المائة من كبار العلماء المشهورين من مختلف المذاهب وكلهم يلقب ~~ابن تيميه يلقبه: (شيخ الإسلام) . وقد قام بتحقيقه والتعليق عليها أخونا ~~الأستاذ زهير الشاويش صاحب المكتب الإسلامي جزاه الله خير الجزاء على جهده ~~القيم # أقول هذا بيانا للحقيقة وإلا فأنا أعلم أن هذا اللقب وغيره مما هو مستعمل ~~اليوم لم يكن معروفا عند السلف فالخير كله في الاتباع ولا سيما وقد صار ~~مبتذلا في العصور المتأخرة بحيث أنهم يطلقونه نفاقا ورياء على من لا علم ~~عنده بل هو ممن يصدق عليه المثل الشهير: لا في العير ولا في النفير ~~PageV01P033 # ولعل من ألطاف الله تعالى بالشيخين رحمهما الله تعالى أننا لم نر أحدا - ~~فيما أطلعنا - تبعهما على ذلك القول بالفناء فهذا شارح العقيدة الطحاوية ~~مثلا فإنه مع كونه لا يكاد يخرج فيه عما ذهب إليه ابن تيمية رحمه الله ~~تعالى فإنه ههنا ذكر أدلة هذا القول ثم ذكر أدلة القول الآخر وهي ملخصة من ~~كلام ابن القيم ولم يرجح شيئا منهما ذكر ذلك تحت قول الطحاوي المتقدم: ~~(والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدا ولا تبيدان) # وأما العلامة السفاريني فقد رأيته تعرض للموضوع في كتابه (شرح الدرة ~~المضية في عقد الفرق المرضية) ونقل فيه طرفا من بحث ابن القيم ولكنه صرح ~~بمخالفته فإنه ذكر بعض الآيات المستلزمة لدوام العذاب وحديث ذبح الموت ~~المتقدم ثم قال (2 / 234 - 235) : # (فثبت بما ذكرنا من الآيات الصريحة والأخبار ms24 الصحيحة خلود أهل الدارين ~~خلودا مؤبدا كل بما فيه من نعيم وعذاب أليم وعلى هذا إجماع أهل السنة ~~والجماعة فأجمعوا أن عذاب الكفار لا ينقطع كما أن نعيم أهل الجنة لا ينقطع ~~وقد ألف العلامة مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي رسالة سماها (توقيف الفريقين ~~على خلود أهل الدارين) # وهذا ما ذهب إليه الشيخ نعمان الآلوسي فإنه تعرض للمسألة في كتابه (جلاء ~~العينين في محاكمة الأحمدين) (ص 420 - 424) نقل فيه الأقوال السبعة في عذاب ~~أهل النار وقال: # (وأما بداية النار ففيها قولان معروفان عن السلف والخلف والأصح عدم ~~فنائها أيضا) # ثم قال في قول ابن تيمية: # (واعلم أن الإمام ابن القيم قدس الله تعالى روحه انتصر لهذا القول ~~انتصارا عظيما ومال إليه ميلا جسيما وذكر خمسة وعشرين دليلا ثم رجع القهقرى # PageV01P034 # وقال: إن قيل: إلى أين انتهى قدمك في هذه المسألة العظيمة؟ قيل: إلى قوله ~~تعالى {إن ربك فعال لما يريد} وإلى هنا انتهى قدم أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه (1) فيها حيث ذكر دخول أهل الجنة وأهل النار وما يلقاه ~~هؤلاء وهؤلاء قال: ثم يفعل لك بعد ذلك ما يشاء. ثم قال: وما ذكرناه في هذه ~~المسألة من صواب فمن الله سبحانه وهو المنان وما كان من خطأ فهو مني ومن ~~الشيطان والله ورسوله بريئان منه) # قلت: وقوله في ابن القيم: (ثم رجع القهقرى وقال ... ) نظر عندي لأنه ليس ~~صريحا في ذلك وغاية ما يمكن أن يؤخذ منه أنه لم يجزم بما دندن حوله من ~~الانتصار للقول بفناء النار ومناقشة أدلة المخالفين ورده عليها مما سترى ~~الرد عليه فيها في الكتاب أن شاء الله تعالى ولكن ذلك لا ينفي ميله إلى ~~ترجيحه إياه وإلا كانت دندنته {كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا} وهذا ~~مما لا يليق أن يقال في مثله كما لا يخفى ويؤيد هذا أن خاتمته للبحث في ~~(شفاء العليل) التي أشرت إليها آنفا أقوى في الدلالة على ما ذكرت فإنه قال ~~ما خلاصته (ص ms25 264) : # (وأنا في هذه المسألة على قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه فإنه ذكر دخول أهل الجنة ... والقول بأن النار وعذابها دائم بدوام الله ~~خبر عن الله بما يفعله فإن لم يكن مطابقا لخبره عن نفسه بذلك وإلا كان قولا ~~عليه بغير علم والنصوص لا تفهم ذلك. والله أعلم) # قلت: فقوله: (والنصوص لا تفهم ذلك) صريح منه بأنه لا يختار القول ببقاء ~~النار فهو إذن يميل إلى القول بفنائها غير أنه لا يقطع بذلك لأنه يشعر أنه ~~ليس لديه دليل قاطع فيه وإنما هو فهمه واستنباطه ولذلك ترك فيها مجالا ~~PageV01P036 # للأخذ والرد كما هو شأن العلماء المنصفين الذين لا يفرضون رأيهم على ~~الآخرين لا سيما في مثل هذا الفهم الذي أجمع العلماء على خلافه ومما يؤكد ~~ذلك قوله في خاتمة بحثه في (الصواعق) : # ( ... فتأمل هذا الوجه حق التأمل وأعطه حقه من النظر واجمع بين ذلك وبين ~~معاني أسمائه وصفاته وما دل عليه كلام الله وكلام رسوله وما قاله الصحابة ~~ومن بعدهم ولا تبادر إلى القول بلا علم ولا إلى الإنكار فإن أسفر لك صبح ~~الصواب وإلا فرد الحكم إلى ما رده الله إليه بقوله {إن ربك فعال لما يريد} ~~وتمسك بقول علي ابن أبي طالب رضي الله عنه وقد ذكر دخول أهل الجنة الجنة ~~وأهل النار النار ووصف حالهما ثم قال: ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء) # ولكني ألاحظ في هذا النص أنه يأمر فيه من لم يتبين الصواب أن ينهي إلى ~~قوله تعالى: {إن ربك فعال لما يريد} وقول علي المذكور وذلك ما انتهى هو ~~إليه في خاتمة (الحادي) # فهل يعني ذلك أن ابن القيم نفسه بعد تلك المناقشة الطويلة لم يتبين له ~~الصواب فانتهى إلى ما أمر به من لم يتبين له الصواب أم هو التردد في مثل ~~هذه المسألة الخطيرة التي كان الأولى به أن يقف فيها حيث وقف العلماء ولا ~~يدخل نفسه في مضايق لا قبل للعقل البشري أن يدخلها؟ # ويؤسفني والله جدا ms26 قوله المتقدم: (والنصوص لا تفهم ذلك) كيف يتجرأ على ~~مثل هذا القول والنصوص قاطعة في ذلك من الكتاب والسنة كما تقدم فلا جرم ~~أجمعت على مدلولها الأمة. فالحق والحق أقول: لقد أصيب ابن القيم في هذه ~~المسألة مع الأسف الشديد بآفة التأويل التي ابتلي بها أهل البدع والأهواء ~~في مقالتهم التي خرجوا بها عن نصوص الكتاب والسنة فرد عليهم ذلك هو وشيخه ~~ابن تيمية أحسن الرد في كتبهما الكثيرة المعروفة فما باله وقع في مثل ما ~~وقعوا من التأويل # PageV01P036 # ولقد كان أوله في تأويلهما قول عمر على انقطاعه: (لو لبث أهل النار عدد ~~رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه) . فاستدلا به على الفناء المزعوم وهو ~~صريح في الخروج من النار وهما لا يقولان به وهكذا تأولوا كثيرا من الآثار ~~بالفناء وهي في الخروج كما ستراه مفصلا في الكتاب بإذن الله تعالى # ثم قال الشيخ نعمان الآلوسي في (محاكمة الأحمدين) ص (424) : # (ونقل الوالد قدس الله تعالى روحه في (تفسيره) عن الفهامة ابن الجوزي: ~~أنه ضعف بعض الآثار الواردة في ذلك. (ثم ذكر خبر ابن عمرو الآتي (ص 81) ثم ~~قال: وأول البعض أيضا بعضها قال: # (وأنت تعلم أن خلود الكفار مما أجمع عليه المسلمون لا عبرة بالمخالف ~~والقواطع أكثر من أن تحصى ولا يقاوم واحدا منها كثير من هذه الأخبار) # قلت: ولو كان العلم بالتمني لتمنيت أن يكون ما عزاه العلامة الشيخ جمال ~~الدين القاسمي لابن القيم صحيحا ولكنها من أوهام العلماء فقد قال في تفسيره ~~(محاسن التأويل) (6 / 2503 - 2504) : # (وقد بسط البحث وجود الإمام ابن القيم في كتابه (حادي الأرواح) ومع كونه ~~انتصر لهذا القول انتصارا عظيما وذكر له خمسة وعشرين دليلا لم يصححه حيث ~~قال: وأما أبدية النار ففيها قولان معروفان عن السلف والخلف والأصح عدم ~~فنائها. أيضا. انتهى) # فقوله: (وأما أبدية النار ... ) إلخ. إنما هو من كلام الشيخ نعمان ~~الآلوسي كما تقدم نقله عنه توهمه الشيخ القاسمي - على ما كان عليه من الوعي ~~- أنه من كلام ابن القيم ms27 وبناء عليه قال: (لم يصححه) فهو وهم آخر نشأ من ~~الوهم الأول فسبحان من لا يسهو ولا يهم # هذا - ثم أن ابن القيم - عفا الله عنا وعنه لم يقنع بميله إلى القول ~~بفناء نار الكفار وتخلصهم به من العذاب الأبدي في تلك الدار حتى طمع لهم في ~~رحمة الله # PageV01P037 # أن ينزلهم منازل الأبرار جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك ما يظهر لنا من ~~بعض الأدلة التي ساقها تأييدا للقول بفناء النار وهو مما نبه عليه المؤلف ~~رحمه الله معقبا على قول ابن القيم: (ثم تفنى ويزول عذابها) فقال (ص 64) : # (يريد: ويدخل الله من كان فيها من الكفار الجنة كما ستعرفه من الأدلة ~~التي ذكرها) # وأعاد هذا المعنى في مكان آخر (ص 120) # وإن مما لا شك فيه أن هذا الذي استظهرناه هو في الخطورة والإغراق كقوله ~~بالفناء أن لم يكن أخطر منه لأنه كالثمرة له ولأنه لا قائل به مطلقا من ~~المسلمين بل هو من المعلوم من الدين بالضرورة للأدلة القاطعة بأن الجنة ~~محرمة على الكفار كقوله تعالى: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ~~ومأواه النار} [المائدة / 72] وقوله: {إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا ~~عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم ~~الخياط} [الأعراف / 40] وكقوله صلى الله عليه وسلم الذي أمر الذي أمر ~~بالمناداة به يوم حنين: (إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة) . أخرجه البخاري ~~ومسلم (01 / 74) عن أبي هريرة وله مثله عن عمر بلفظ ( ... إلا المؤمنون) ~~وله شواهد فانظر (إرواء الغليل) (963) أن شئت. ويكفي في ذلك قوله تعالى: ~~{إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء / 48] # فإننا نعلم بالضرورة أن من دخل الجنة فقد غفر الله له وعلى العكس # ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بحث له في (المجموع) (14 / 476 - ~~477) # (ولا يدخل الجنة إلا أهل التوحيد وهم أهل {لا إله إلا الله} ) . ثم قال: ~~(ولكن لا يعذب الله أحدا حتى يبعث إليه رسولا ms28 وكما أنه لا يعذبه فلا يدخل ~~الجنة إلا نفس مسلمة مؤمنة ولا يدخلها مشرك ولا مستكبر عن عبادة ربه) # PageV01P038 # قلت: ومثل هذا مما لا يخفى على ابن القيم بل هو ممن صرح بذلك في غير ما ~~موضع من كتبه فهو يقول مثلا في (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي) . ~~(ص 89) : # (إن الله حرم الجنة على كل مشرك) # بل إنه لما حكى في (الحادي) (2 / 169 - 170) قول من يقولك أن أهل النار ~~يعذبون فيها إلى وقت محدود ثم يخرجون منها ويخلفهم آخرون أبطله بعدة آيات ~~ساقها كلها صريحة في عدم خروج أهل النار منها وكان آخرها آية الأعراف ~~المتقدمة: {ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} . قال عقبها: # (وهذا أبلغ ما يكون في الإخبار عن استحالة دخولهم الجنة) # وحينئذ كيف يصح ما سبق من استظهارنا أن ابن القيم يميل إلى القول بأن ~~الكفار يدخلون الجنة بعد العذاب؟ # والذي يدور في ذهني من الجواب على وجهين: # الأول: إما أن يقال: أن صريح كلامه ينافي ما وصل إليه باستنباطه فهو الذي ~~ينبغي الاعتماد عليه ونسبته إليه وهو الأحب إلي # والآخر: أن يجمع بين الصريح والمستنبط فيقال: الصريح يريد به دخول الكافر ~~الجنة بعد خروجه من النار فهذا هو المستحيل وأما المستنبط فإنما يريد به ~~دخول الجنة بعد فناء النار # وهذا الجمع وإن بدا غريبا فليس بأغرب من تفريقه بين انتهاء عذاب الكفار ~~بخروجهم من النار فهذا مستحيل أيضا وفقا لجميع العلماء وبين انتهاء عذابهم ~~بفناء النار فهذا أمر جائز بل واقع عنده ويجادل فيه ويصول ويجول ويتأول ~~النصوص الصريحة المخالفة له مما لا نعرفه عنه وإنما عن أهل البدع والأهواء ~~الذين قضى حياته هو وشيخه في الرد عليهم والكشف عن ضلالتهم # PageV01P039 # وبغير هذا الجمع لا يمكن أن يفهم كلامه في رده على مخالفيه فانظر إلى ~~قوله في (الحادي) (2 / 185) : # (وأما الطريق الثاني وهو دلالة القرآن على بقاء النار وعدم فنائها فإن في ~~القرآن دليل واحد يدل على ذلك؟ نعم الذي ms29 دل عليه القرآن: أن الكفار خالدين ~~في النار إلى الأبد وأنهم غير خارجين منها و ... و ... و ... وليس هذا مورد ~~النزاع وإنما النزاع في أمر آخر وهو أنه هل النار أبدية أو مما كتب عليه ~~الفناء. قال: # (وأما كون الكفار لا يخرجون منها و {لا يفتر عنهم} من عذابها {ولا يقضى ~~عليهم فيموتوا} {ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجميل في سم الخياط} فلم يختلف ~~في ذلك الصحابة والتابعون ولا أهل السنة # فهذه النصوص وأمثالها تقتضي خلودهم في دار العذاب ما دامت باقية ولا ~~يخرجون منها مع بقائها البتة) (1) # فتأمل نقله اتفاق الصحابة ومن بعدهم على أنهم لا يدخلون الجنة كما في ~~الآية الكريمة فإنه لا يتفق مع ميله إلى أنهم يدخلون الجنة يوما ما إلا ~~يحمل الدخول المنفي على دخول مقرون بخروجهم نم النار والدخول المثبت على ~~دخولهم بعد فناء النار كما ذكرنا وهذا المعنى يكاد يكون صريحا في سياق ~~كلامه على هذه الطريق في كتابه (شفاء العليل) فإنه قال بعد الآيات النافية ~~المتقدمة بما فيها الآية النافية لدخولهم الجنة قال (ص 260) : # (وهذه الطريق لا تدل على ما ذكروه وإنما يدل على أنها ما دامت باقية فهم ~~فيها فأين فيها ما يدل على عدم فنائها؟) # قلت: فكأنه يريد أن يقول: وأين الدليل أيضا في الآية المذكورة على نفي ~~PageV01P040 # دخولهم الجنة بعد فناء النار؟ # فيا سبحان الله ما يفعل التأويل بأهله وإلى حضيض سحيق يهوون به فيه وإلا ~~فقل لي بربك: كيف يمكن لابن القيم أن ينكر أبدية النار ببقاء أهلها فيها ~~وعدم دخولهم الجنة مطلقا لولا تشبثه بذاك التأويل البشع وهو المعروف ~~بمحاربته لعلماء الكلام من المعتزلة والأشاعرة لتأولهم كثيرا من آيات ~~وأحاديث الصفات كاستواء الله على عرشه ونزوله إلى السماء ومجيئه يوم ~~القيامة وغير ذلك من التأويل الذي هو أيسر من تأويله فقد قال به كثير من ~~المتأخرين خلافا للسلف وأما تأويله فلم يقل به أحد منهم لا من السلف ولا من ~~الخلف إلا تقليدا لشيخه ولقد كان من ms30 الواجب عليه أن يلتزم بقول إمامه الذي ~~قال ناصحا لكل سلفي: # (إياك أن تتلكم في مسألة ليس لك فيها إمام) # وكان في المحنة يقول: # (كيف أقول ما لم يقل؟) (1) # وإن مما يتنبه له الباحث المتأمل أن يرى موقفين متباينين أشد التباين ~~لابن تيمية رحمه الله تعالى فإنه في الوقت الذي مال إلى القول بفناء النار ~~وانتصر وله ابن القيم ذاك الانتصار الغريب المتكلف نرى ابن القيم نفسه قد ~~عقد في (الحادي) ستة أبواب في مسألة أخرى هي أهون من هذه بكثير من حيث ~~موضوعها ومن حيث اختلاف العلماء فيها ألا وهي: # جنة آدم عليه السلام التي أهبط منها هل هي جنة الخلد التي وعد بها ~~المتقون # وهذاكثير في كلام الإمام أحمد. انظر ما طبعنا من مسائله وهي: مسائل ابنه ~~عبد الله وتلميذه ابن هانئ النيسابوي والخرقي. - زهير - PageV01P041 # أم غيرها؟ على قولين للعلماء أطال النفس فيها جدا (ص 43 - 80) وذكر حجة ~~كل منهما وما له وما عليه وعلى الرغم من أن من القائلين بأنها ليست جنة ~~الخلد أبا حنيفة وأصحابه وابن عيينة كما حكاه ابن القيم ومال إليه هو في ~~آخر الباب الرابع (ص 68 - 69) : على الرغم من ذلك نرى شيخ الإسلام ابن ~~تيمية يرده بكل صراحة وشدة يقول في بعض فتاويه: # (والجنة التي أسكنها آدم وزوجته عند سلف الأمة وأهل السنة والجماعة هي ~~جنة الخلد ومن قال إنها في الأرض بأرض الهند أو بأرض جدة أو غير ذلك فهو من ~~المتفلسفة والملحدين أو من إخوانهم المبتدعين فإن هذا يقوله من يقوله من ~~المتفلسفة والمعتزلة) # فأقول: أليس كان الحق بمثل هذا الرد الأشد من قال بفناء النار أيا كان ~~القائل لأنه لم يقل به أحد حتى ولا المعتزلة ولأن أدلته وهمية لا حقيقة لها ~~كما سيفصل المؤلف القول في ذلك تفصيلا ويبين بطلانها تبيانا بحيث لا يدع ~~شبهة إلا أطاح بها ولا متأثرا بها إلا أعاده إلى الصراط المستقيم يمشي عليه ~~سويا # غير أن هناك شبهة أخرى أوردها ابن القيم رحمه ms31 الله لم أر المؤلف جزاه ~~الله خيرا تعرض لها فلا بد لي أن أذكرها لأرد عليها بما يبدوا لي راجيا منه ~~تعالى أن يلهمني الصواب ويعصمني من الخطأ. قال في (الحادي) (2 / 221) : # (لو جاء الخبر منه سبحانه صريحا بأن عذاب النار لا انتهاء له وأنه أبدي ~~لا انقطاع له لكان ذلك وعيدا منه سبحانه والله تعالى لا يخلف وعده وأما ~~الوعيد فمذهب أهل السنة كلهم: أن إخلافه كرم وعفو وتجاوز بمدح الرب تبارك ~~وتعالى عليه فإنه حق له إن شاء تركه وإن شاء استوفاه والكريم لا يستوفي حقه ~~فيكف بأكرم الأكرمين وقد صرح سبحانه في كتابه في غير موضع بأنه لا يخلف ~~وعده ولم يقل في موضع واحد لا يخلف وعيده وقد روى أبو يعلى ... . عن أنس # PageV01P042 # رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من وعده الله على ~~عمل ثوابا فهو منجزه ومن أوعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار) # وأقول وبالله المستعان: # أولا: قد جاءت الأخبار كتابا وسنة بأبدية النار وعذابها كما تقدم فلا ~~داعي لإعادة وما تشبث به ابن القيم رحمه الله في خلاف ذلك مردود بل باطل ~~كما يأتي شرحه من المؤلف رحمه الله تعالى # ثانيا: ما ذكره: أن مذهب أهل السنة كلهم جواز إخلاف الله لوعيده لا أعلمه ~~بهذا الإطلاق وقد بحث شيخ الإسلام الخلاف المعروف ين المرجئة والمعتزلة في ~~الوعد والوعيد في مناسبات شتى فلم يذكر هذا (1) بل صرح بخلافه في بعض ~~المواطن فإنه بعد أن ذكر حديث الشفاعة وغيره في دخول بعض الموحدين النار ~~وخروجهم منها قال: (16 / 196) : # (وفيه رد على من يقول: (يجوز أن لا يدخل الله من أهل التوحيد أحدا النار) ~~كما يقوله طائفة من المرجئة والشيعة ... ) # فإذا لم يجز هذا الإخلاف في حق الموحدين فكيف يجوز الإخلاف الأكبر الذي ~~هو في حق المشركين؟ # ثالثا: (ولم يقل في موضع واحد: لا يخلف وعيده) # فأقول: قد فاته - عفا الله عنا وعنه - قوله تعالى في (ق: 27 - 29) {قال ~~قرينة ربنا ms32 ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد. قال لا تختصموا لذي وقد قدمت ~~إليكم بالوعيد. ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد} # ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عقبه (14 / 498) : # (وهذا يقتضي أنه صادق في وعيده أيضا وأن وعيده لا يبدل وهذا مما ~~PageV01P043 # احتج به القائلون بأن فساق الملة لا يخرجون من النار وقد تكلمنا عليهم في ~~غير هذا الموضع لكن هذه الآية يضعف جواب من يقول: أن إخلاف الوعيد جائز فإن ~~قوله: {ما يبدل القول لدي} بعد قوله: {وقد قدمت إليكم بالوعيد} دليل على أن ~~وعيده لا يبدل كما لا يبدل وعده) # رابعا: حديث أنس المذكور إسناده ضعيف كما كنت بنيته في (الأحاديث ~~الصحيحة) (2463) وعلى فرض ثبوته فهو بمعنى قوله تعالى: {إن الله لا يفغر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وما في معناها من الأحاديث أي أن ~~الحديث في الموحدين وليس في المشركين فهؤلاء مستثنون من المغفرة بهذه الآية ~~وغيرها # وإلى هذا أشار العلامة المرتضى اليماني بقوله في (إيثار الحق على الخلق) ~~(ص 389) : (والحق أن الله لا يخلف الوعيد إلا أن يكون استثنى فيه) . وهذا ~~مما يشعر به قول ابن تيمية نفسه في (مجموع الفتاوى) (24 / 375) فإنه قال: # (وأحاديث الوعيد يذكر فيها السبب وقد يتخلف موجبه لموانع تدفع ذلك إما ~~بتوبة مقبولة وإما بحسنات ماحية وإما بمصائب مكفرة وإما بشفاعة شفيع مطاع ~~وإما بفضل الله ورحمته ومغفرته فإنه {لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء} # فهذا منه رحمه الله كالتفصيل لكلام ابن القيم وهو يقيده ويبين أن الإخلاف ~~للوعيد إنما يكون لمانع من تلك الموانع وليس منها الشرك بداهة فإن الله لا ~~يغفره # فتأمل في هذا يتبين لك خطأ ابن القيم في بعض مما يدعيه ويعزوه لأهل السنة ~~دون قيد أو شرط فيكون ذلك مثار شبهة عنده تحمله على أن يتأول النصوص ~~القاطعة الدلالة فيخرج بذلك عما عليه أهل السنة والجماعة فيقع في الخطأ من ~~حيث لا يدري ms33 ولا يشعر # PageV01P044 # وإن من العجيب حقا أن ينفرد بالاغترار بكلامه في هذه المسألة الخطيرة ~~العلامة السيد محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى لما تعلم عنه من استقلاله في ~~الفهم وبعده عن الجمود والتقليد فإنه مع ذلك تابعه عليه دون كل من وقفنا ~~على كلامه من المحققين الذين وقفوا عليه ولم يتابعوه أمثال الآلوسي أبا ~~وابنا وغيرهما ممن سبق ذكره فقد نقل السيد رشيد كلام ابن القيم على طوله من ~~(حادي الأرواح) في تفسير سورة (الأنعام) (ج 8 ص 69 - 99) تحت (فصل في ~~الخلاف في أبدية النار وعذابها) وختمه مفصحا عن إعجابه به بقوله: # (وإنما أوردناه بنصه على طوله لما تضمنه من الحقائق التي نوهنا بها ولأمر ~~آخر أهم وهو أننا نعلم أن أقوى شبهات الناس من جميع الأمم على الدين قول ~~أهل كل دين من الأديان المشهورة أنهم هم الناجون وحدهم وأكثر البشر يعذبون ~~عذابا شديدا دائما لا ينتهي أبدا بل تمر ألوف الألوف المكررة من الأحقاب ~~والقرون ولا يزداد إلا شدة وقوة وامتدادا مع قولهم ولا سيما المسلمين منهم: ~~أن الله تعالى أرحم الراحمين وإن رحمة الأم العطوف الرؤوم بولدها الوحيد ~~ليست إلا جزاءا صغيرا من رحمة الله التي وسعت كل شيء # وهذا البحث جدير بأن يزيل شبهة هؤلاء فيرجع المستعدون منهم إلى دين الله ~~تعالى مذعنين لأمره ونهيه راجين رحمته خائفين عقابه الذي تقتضيه حكمته ~~لأنهم لا يعلمون قدره) (1) # قلت هذا الكلام خيال لا حقيقة له في الواقع لأن الأصل في هذه المسألة ~~وغيرها من المسائل الاعتقادية الغيبية إنما هو الإيمان بما جاءنا عن الرحمن ~~الرحيم العليم الحكيم كما قال في القرآن الكريم: {هدى للمتقين. الذين ~~يؤمنون بالغيب} # (1) وقد أشرنا إلى الصواب في التعليق على (مختصر تفسير المنار) ج2 / 541 ~~مع أنه السيد رشيد رضا - رحمه الله - لم يسترسل فيه وهذا يدلك على فوائد ~~مختصر المنار وتعليقات الشيخ محمد كنعان وقد قمت بمراجعته وهو من مطبوعات ~~المكتب الإسلامي # PageV01P045 # وهو الإيمان بكل ما غاب عن عقلك فمن لم يؤمن ms34 بما أخبر به تعالى من خلود ~~الكافرين في النار أبد العابدين لأن عقله لم يقبله فلن يؤمن بعقاب يبلغ ~~مئات السنين أخبر به رب العالمين في مثل آية {لابثين فيها أحقابا} ولو على ~~افتراض أن له أمد منتهيا (لا يعلمون قدره) إذ أن لبثهم هذه المدة الطويلة ~~التي تزيد على مدة عمرهم الذي قضوه كافرين أضعافا مضاعفة فلو أراد أحد أن ~~يقنعهم بها وأنها عدل من الله فلن يصل إلى نتيجة معهم أبدا اللهم إلا من ~~طريق الإيمان بالله ورسوله # وإذا كان الأمر كذلك فمن العبث بل من الضلال أن يحاول أحد إقناع المشركين ~~في أصل الدين ببعض ما جاء فيه من العقائد من طريق العقل المجرد عن الإيمان ~~فإن هذا مع كونه لا يثمر معهم إلا الخسران فإنه ليس من سبيل المؤمنين بل هو ~~سبيل المتأثرين بالفلسفة وعلم الكلام الذي حملهم إلى تأول آيات وأحاديث ~~الصفات وتفسيرها بما يتناسب مع عقولهم وأهواء أمثالهم من ضعفاء الإيمان ~~وربما فعل ذلك بعضهم لإقناع الآخرين وإن كان هو في قرارة نفسه لا يؤمن بذلك ~~التأويل فهل يمكن أن يكون كلام السيد رشيد رضا من هذا القبيل بغية إرشاد من ~~ضل عن سواء السبيل؟ # فقد كنت لقيت رجلا فاضلا في بعض أسفاري إلى المغرب منذ بعض سنين يظهر أنه ~~سلفي العقيدة فزرته في داره # ودار البحث في الدعوة السلفية هناك وإذا به يصرح بأنه لا يرى مانعا في ~~سبيل تقريب الناس إليها من تأويل آيات الصفات وأحاديثها لإقناع المخالفين # فقلت له: عجبا كيف يمكن أن يكون هذا؟ إذ كيف تقدم إليهم معنى للنص أنت ~~تؤمن بخلافه أولا ثم كيف تكون قد دعوته إلى مذهبك السلفي وقد قدمت إليه ~~المعني الخلفي؟ أن أخشى ما أخشاه أن يكون هذا من باب قول من قال: (وداوني ~~بالتي كانت هي الداء # PageV01P046 # وختاما أقول: لقد خرجت من دراستي لهذه الرسالة النافعة للأمير الصنعاني ~~رحمه الله تعالى بالعبر الآتية: # الأولى: أنني ازددت إيمانا ويقينا بالقول المأثور عن جمع من ms35 الأئمة: (ما ~~منا من أحد إلا رد ورد عليه إلا النبي صلى الله عليه وسلم ) (1) . فهذا شيخ ~~الإسلام ابن تيمية زلت به القدم فقال قولا لم يسبق إليه ولا قام الدليل ~~عليه ومن هنا قالوا: (زلة العالم زلة العالم) فلو أننا كنا مبتلين بتقليده ~~كما ابتلي كل مقلد بتقليد إمامه لزللنا بزلته ولذلك قالوا: (الحق لا يعرف ~~بالرجل اعرف الحق تعرف الرجال) # فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله # الثانية: بطلان الخرافة التي يطلقها اليوم كثير من الكتاب الإسلاميين ~~المعاصرين وفيهم بعض من يجلون شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الخلاف في الفروع ~~وليس في الأصول # وقد يسارع بعض الجاحدين لعلم شيخ الإسلام وفضله الحاقدين عليه لرده على ~~أهل الأهواء والمبتدعة المبغضين له لإخلاصه في الدعوة لاتباع الكتاب والسنة ~~فيقول: إنما الخلاف في الأصول من ابن تيمية وأمثاله المخالفين للجمهور ~~والمثال أمامك # فأقول: كذبت والله فإن الخلاف المذموم إنما يكون من المصرين عليه بعدما ~~تبين لهم الحق كما في قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له ~~الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} # والشيخ رحمه الله لم يعرف يوما بالإصرار على الخطأ مهما كان نوعه بدليل ~~رجوعه عن كثير من آرائه التي كان عليها بعدما تبين له الحق وقد ذكرنا فيما ~~سبق PageV01P047 # نماذج منها وأما خلافه في هذه المسألة فهي زلة منه بلا شك يغفرها الله له ~~إن شاء الله تعالى كفاه جهاده في سبيل الله إلى آخر رمق من حياته حتى توفي ~~في سجن دمشق مظلوما بعيدا عن أهله وتلامذته وكتبه ولغير ذلك من الأسباب ~~التي سبق التحدث عنها # والخلاف المذموم حقا: إنما هو من أولئك المقلدين الذين يصرون على التدين ~~بالتقليد والإعراض عن الاهتداء بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة ~~والإخلاص له في اتباعه وحده دون سواه الذي هو من لوازم الشهادة له بأنه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أمرنا بطاعته استقلالا ms36 لا يشاركه في ذلك ~~أحد من البشر في غير ما آية من آيات الله تبارك وتعالى فأي خلاف شر من هذا ~~الذي عليه المقلد هذا الذي يظل {يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا ~~كأن لم يسمعها فبشرها بعذاب أليم} [الجاثية / 8] # فالخلاف حقيقة واقعة - مع الأسف - أصولا وفروعا فلا يجوز تجاهلها أو ~~الرضا بها وإنما يجب على أهل العلم أن يحاولوا في كل قطر ومصر تقليله قدر ~~الاستطاعة ولا سبيل إلى ذلك إلا بشيء واحد وهو تحكيم الكتاب والسنة في كل ~~خلاف كما هو صريح قوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ~~إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} # الثالثة: لقد وجدت في هذه الدراسة مثلا جديدا يضاف إلى الأمثلة العديدة ~~التي كنت ولا أزال أشير إليها في كتابي (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ~~وأثرها الشيء في الأمة) نصحا وتحذيرا لأن من آثارها السيئة أنها تصرف كثيرا ~~من العلماء والفقهاء فضلا عن غيرهم عن تبني الحكم الصحيح فيما هم فيه ~~مختلفون من العقائد والأحكام وقد تكون معارضته لنص أو نصوص في الكتاب ~~والسنة الصحيحة فقد وجدت أن الذي فتح لابن تيمية وابن القيم باب التورط في ~~القول بفناء النار إنما هو بعض الآثار المروية عن بعض الصحابة والأحاديث ~~المرفوعة # PageV01P048 # جلها لا تصح أسانيدها وعمدتها منها وأبرزها أثر عمر رضي الله عنه: (لو ~~لبث أهل النار في النار قدر رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه) وإن حاولا ~~تقوية إسناده بتكلف ظاهر لمخالفة ذلك المقرر في علم مصطلح الحديث وقد بينه ~~المؤلف رحمه الله بيانا شافيا لكنه قد تابع ابن القيم في السكوت عن أسانيد ~~سائرها فاشترك معه في إيهام القراء ثبوتها ولا سيما وفي بعضها ما هو موضوع ~~كحديث أنس وحديث أبي أمامة (ص 82) وحديث جابر (ص 84) وحديث أبي أمامة الآخر ~~(ص 138) # إلى غير ذلك من الروايات الواهية كحديث أبي هريرة (ص 115) وزاد المؤلف ~~عليها أحاديث أخرى لكنها لم تبلغ مرتبة الوضع مع كونها ms37 لا علاقة لها مباشرة ~~بالرد كحديث ابن مسعود وغيره (ص 70) وحديث الجهني (ص 103) وحديث أبي ~~الدرداء (ص 134) وغيرها مما قد يكون فيها ما هو صحيح ثابت لا يتميز عند ~~القارئ بعضها من بعض لدخولها كلها في دائرة المسكوت عنه # من أجل ذلك رأيت من واجبي أن أبين في التعليق مراتب تلك الأحاديث وأميز ~~صحيحها من سقيمها وضعيفها من موضوعها ليكون القراء الكرام على هدى من أمرها ~~راجيا أن يشاركوني في هذه العبرة وأن تكون حافزا لهم على أن يتذكروا معي ~~حقيقة علمية منهجية هامة طالما أهمل القيام بها جماهير العلماء والكتاب ~~قديما وحديثا ولم يقم بحقها سوى أفراد منهم قليلين جدا ألا وهي: # أنه يجب على كل باحث أو كاتب في موضوع شرعي يقوم على الاستدلال بعض ~~الأحاديث المروية عنه صلى الله عليه وسلم # أن يضع تلك الأحاديث بين يديه ويجري عليها تحقيقا دقيقا لمعرفة درجتها ~~صحة وضعفا فما كان منها صحيحا احتفظ به واعتمده # وما كان ضعيفا نظر فإن كان شديد الضعف أهمله مطلقا وتركه وإلا # PageV01P049 # احتفظ به كشاهد مع التنبيه على ذلك ثم يتجه بعد هذه التصفية إلى البحث ~~الذي هو في صدده فيحرره ويستدل له بما صح من الأحاديث ويتفقه فيها # واعلم يا أخي المسلم أن كل من لم ينهج هذا النهج العلمي الصحيح في بحثه ~~فلن يصل إلى الصواب الذي ينشده إلا رمية من غير رام بل هو على الغالب ينتهي ~~الأمر به إلى انحرافات خطيرة لا ينجيه من الوقوع فيها أنهم كانوا غير ~~قاصدين لها ما دام أنهم لا يسلكوا السبيل التي تحفظهم من ذلك وقد قيل: # ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس # ولعله مما لا خفاء به أن من لم ينهج هذا النهج العلمي وأهمله فإنه معرض ~~لأن يؤاخذه ربه لأنه قضى ما لا علم له به وقد قال تعالى في كتابه: {ولا تقف ~~ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} # وقال ms38 صلى الله عليه وسلم في حديث (قاضيان في النار) : ( ... ورجل قضى ~~للناس على جهل فهو في النار) # رواه أصحاب السنن وغيره وهو مخرج في (إرواء الغليل) برقم (2614) # وهذا بخلاف ما لو تبنى هذا المنهج في بحثه وضم إليه - طبعا - مما لا بد ~~من المعرفة باللغة وأصول الفقه وغيره فهو مأجور ولو أخطأ لقوله صلى الله ~~عليه وسلم : # (إذا حكم الحاكم ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر ~~واحد) # أخرجه الشيخان وغيرهما وهو مخرج في (الإرواء) برقم (2598) # وأنا حين أذكر بهذا الواجب أعلم - والأسف يملأ قلبي - أنه لا يستطيع ~~القيامة به إذا القليل جدا من العلماء المستقلين لانصراف الجماهير منهم عن ~~دراسة أصول الحديث وتراجم رواته وتاريخهم الأمر الذي لا بد منه لكل من يريد ~~التمكن # PageV01P050 # من تمييز الحديث الصحيح من الضعيف بنفسه مع التوسع في تتبع طرق الحديث ~~وشواهده من مختلف المصادر الحديثية المطبوعة منها والمخطوطة مقرونا بالصبر ~~والأناة وعدم الاستعجال في إصدار الأحكام كما يفعل بعض الناشئة اليوم # غير أن هذا لا يعني إعفاءهم من واجب الاستعانة على التمييز بأهل العلم ~~بذلك والمتخصصين فيه كما يستعين الجاهل بالفقه مثلا بالفقهاء - ولا أقول ~~المتفقهة - فيسألهم عن كل ما نزل به أو ما كان بحاجة إلى معرفته إعمالا ~~لقول ربه: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} وتجاوبا مع حديث نبيه: ~~(ألا سألوا حين جهلوا فإنما شفاء العي السؤال) # رواه أبو داود وغيره وهو مخرج في (صحيح أبي داود) (364) # وذلك كله يكون إما بسؤالهم مباشرة وجها لوجه إن تيسر وإما بالرجوع إلى ~~كتبهم وهو متيسر والحمد لله وقد كنت ذكرت طائفة من الكتب الحديثية التي ~~تساعد الباحث على القيام بهذا الواجب في مقدمة (سلسلة الأحاديث الضعيفة) ~~فليرجع إليه من شاء # هذا وعلاوة على تخريج أحاديث الرسالة وتمييز صحيحها من ضعيفها فقد قمت ~~بتعليقات أخرى مفيدة إن شاء الله تعالى وترجمت لبعض الأعلام كما خرجت كل ~~الآيات الكريمة الواردة فيها واجتهدت في تصحيح بعض الأخطاء التي وقعت فيها ms39 ~~وإملاء الفراغات التي نتجت من تسلط الأرضة على نسختها حتى ذهب منها بعض ~~الألفاظ إما بالرجوع إلى الأصل الذي نقل عنه المصنف وإما بالنظر في السباق ~~والسياق ونبهت على ذلك غالبا بوضع المستدرك بين معكوفتين [] راجيا من الله ~~تعالى أن ييسر لنا الوقوف على نسخة أخرى نستعين بها على تدارك ذلك على ~~الوجه الأكمل في طبعة أخرى إن شاء الله تعالى # فاللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها # PageV01P051 # واحفظها من شر الفتن ما ظهر منها وما بطن وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا ~~إليك غير مفتونين # والله تعالى أسأل أن يتقبل مني عملي هذا وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم ~~وأن يكشف عني ما أهمني ويرفع عن المسلمين جميعا ما هم فيه من البلاء وتسلط ~~الأعداء إنه سميع مجيب # وسبحانك الله وبحمد أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك # بيروت 21 ذي الحجة سنة 1401 ه # محمد ناصر الدين الألباني # PageV01P052 ### | بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي ليس سواه واجب الوجود الذي وعد الذين سعدوا بدوام النعيم ~~في جنات الخلود وتوعد الذي شقوا بالأبدية في النار ذات الوقود وأخبر أنه ~~مبدلهم جلودا ليذوقوا العذاب كلما نضجت منهم الجلود وأشهد أن لا إله إلا ~~الله شهادة تدافع عن قائلها إذا كانت الأعضاء هي الشهود وأشهد أن محمدا ~~عبده ورسوله صاحب المقام المحمود في يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود صلى ~~الله عليه وعلى آله الركع السجود # وبعد فإن السائل أدام الله له التوفيق وسلك لنا وبه مناهج ذوي التحقيق ~~طلب كشف الأستار عن وجه مسألة فناء النار ودخول المشركين من أهلها مداخل ~~الأبرار. وهذه المسالة من غرائب المسائل ومما خلت عنها أسفار المقالات ~~الحوافل وأشار إليها السيد الإمام محمد بن إبراهيم رحمه الله في (الإيثار) ~~(1) وقال: PageV01P061 # (وقد أفردت في هذه المسألة مصنفات حافلة منها لابن تيمية (2) ومنها ~~لتلميذه شمس الدين ومنها للذهبي (3) ومنها لي) هذا لفظه # ولم أقف على غير ما في (حادي الأرواح) ولعل ms40 الله سبحانه يعين بالوقوف على ~~مؤلف الذهبي والسيد محمد بمنه وفضله # وحيث استكشف السائل عن حقيقتها وما عليها من الدلائل تعين [علينا] (4) أن ~~نكشف عن وجوه أدلتها النقاب ونبرز المطوي تحت لثامها بعيون أذهان أولي ~~الألباب ونستوفي فيها المقال وإن خرجنا عن الإيجاز إلى الإطناب والإسهاب ~~لأنه عز وجود ما ألف فيها فيحال عليه ولا أعرف فيها منازعا لمدعيها فأرشد ~~إليه # وليعتذر السائل (5) عن تأخر الجواب فإنه لم يكن استخفافا PageV01P062 # بالسائل ولا تحقيرا للمسائل بل لما يتواثب على القلوب من الاشتغال. ولم ~~يزل التسويف حتى تقضت أيام وليال فنقول: # اعلم أن هذه المسألة أشار إليها الإمام الرازي في مفاتيح (الغيب) (6) ولم ~~يتكلم عليها بدليل نفي ولا إثبات ولا نسبها إلى قائل معين ولكنه استوفى ~~المقال فيها العلامة ابن القيم في كتابه (حادي الأرواح إلى ديار الأفراح) ~~(7) نقلا عن شيخه العلامة شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية فإنه حامل ~~لوائها ومشيد بنائها وحاشد خيل الأدلة منها ورجلها ودقها وجلها وكثيرها ~~وقليلها (8) وأقر كلامه تلميذه ابن القيم وقال في آخرها: (إنها مسألة أكبر ~~من الدنيا وما فيها بأضعاف مضاعفة) هذا كلامه في آخر المسألة في (حادي ~~الأرواح) وإن كان في (الهدي النبوي) أشار إشارة محتملة لخلاف ذلك حيث قال: # (ولما كان المشرك خبيث العنصر خبيث الذات لم تطهر النار PageV01P063 # خبثه بل لو أخرج منها عاد [خبيثا] وكما كان كالكلب إذا دخل البحر ثم خرج ~~منه وقد حرم الله عليه الجنة) انتهى كلامه (9) # قلت وحيث كانت بهذه المثابة التي ذكرها من أنها أكبر من الدنيا فلا غنى ~~لنا عن نقل أدلتها التي ارتضاها ابن تيمية وتعقب كل دليل بما يفتح الله به ~~من إقراره أو بيان اختلاله فنقول: # قال ابن القيم بعد نقله لأقوال الناس والمعروفة في كتب المقالات: # (السابع: قول من يقول بل يفنيها (أي النار) خالقها تبارك وتعالى فإنه جعل ~~لها أمدا تنتهي إليه ثم تفنى ويزول عذابها) # يريد ويدخل الله من كان فيها من الكفار الجنة كما ستعرفه من الأدلة ms41 التي ~~ذكرنا - ثم قال: # [قال] شيخ الإسلام (يريد به شيخه أبا العباس ابن تيمية) : وقد نقل هذا ~~القول عن عمر وابن مسعود وأبي # هريرة وأبي سعيد وغيرهم) PageV01P064 # ثم ساق بسنده إلى الحسن البصري أنه قال: قال عمر: (لو لبث أهل النار كقدر ~~رمل عالج لكان لهم [على ذلك] يوم يخرجون فيه) . وفي رواية (عدد (10) رمل ~~عالج) (11) قال ابن تيمية: (والحسن وإن لم يسمع من عمر فلو لم يصح عنده عن ~~عمر لم يجزم به) . انتهى كلامه (12) # وأقول فيه شيئان: # الأول: من حيث الرواية فإنه منقطع لنص شيخ الإسلام بأنه لم يسمعه الحسن ~~من عمر واعتذاره بأنه لو لم يصح للحسن عن عمر لما جزم به يلزم أن يجري في ~~كل مقطوع يجزم به راويه (13) ولا يقول هذا أئمة الحديث كما عرفت في قواعد ~~أصول الحديث بل الانقطاع عندهم علة والجزم معه تدليس وهو علة أخرى ولا يقوم ~~بمثل ذلك الاستدلال في مسألة فرعية كيف في مسألة قيل أنها أكبر من الدنيا ~~بأضعاف مضاعفة وهذا البخاري أمير المؤمنين في PageV01P065 # علم الحديث وأشدهم تحريا في الصحيح لم يقل النقادون بأن تعاليقه المجزومة ~~التي أودعها في كتابه الذي سماه (الصحيح) صحيحة بل فيها الضعيف كما نص عليه ~~ابن حجر في مقدمة (الفتح) # والحسن البصري معروف عند أئمة هذا الشأن بأنه لا يؤخذ بمراسيله. قال ~~الدارقطني في (السنن) وقد روى عاصم الأحول عن ابن سيرين (14) وكان عالما ~~بأبي العالية وبالحسن. قال: (لا تأخذوا بمراسيل الحسن ولا أبي العالية ~~فإنهما لا يباليان عمن أخذا عنه) . انتهى (15) # قلت ثم قال ابن تيمية ولو كان كلام عمر هذا غير صحيح PageV01P066 # لما تداولته الأئمة ولوجب إنكارهم له لمخالفته الإجماع والكتاب والسنة) ~~(16) # قلت: يقال: كلام عمر كغيره من الأقوال الدالة على خروج الموحدين من النار ~~وهو قول عليه جماهير الأئمة منهم ابن تيمية وستعرف أنه لا يصح أثر عمر إلا ~~على تقدير أنه أراد به. الموحدين وأنه يتعين حمله على ذلك عند شيخ الإسلام ~~نفسه وعند غيره # والثاني من ms42 حيث الدراية فإنه لو ثبت صحته عن عمر لم يدل على المدعى فإن ~~أصل المدعى هو: فناء النار وأن لها مدة تنتهي إليها. وليس في أثر عمر هذا ~~إلا أنه يخرج أهل النار من النار والخروج لا يكون إلا وهي باقية فإنك لو ~~قلت: لو لبث زيد في الدار كذا وكذا ثم خرج (17) منها لم يدل هذا على فناء ~~الدار لا مطابقة ولا تضمنا ولا التزاما. فإن قيل: بل هو يدل على فنائها ~~التزاما لأنه تعالى إنما خلقها ليعذب بها من عصاه فبعد خروجهم لم يبق لها ~~حاجة فالحكمة تقتضي فناءها # قلت هذا دور فإنه لا يثبت أن الحكمة يقتضي فناءها إلا إذا PageV01P067 # لم يبق فيها أحد ولا يخرج أحد من أهلها إلا بعد فنائها كما تسمع تصريح ~~ابن تيمية بذلك حيث قال: # (وأما [كون] الكفار لا يخرجون منها ولا يخفف عنهم من عذابها ولا يقضي ~~عليهم فيموتوا ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط فلم يختلف في ~~ذلك الصحابة ولا التابعون ولا أهل السنة وهذه النصوص وأمثالها تقتضي خلودهم ~~في دار العذاب ما دامت باقية ولا يخرجون منها مع بقائها البتة) . هذا لفظه ~~(18) # وإذا عرفت مراده عرفت أن أثر عمر لا يدل على مدعاه بشيء من الدلالات ~~الثابتة فإنه قال: (إنهم يخرجون منها) وهذا واضح في الخروج منها وهي باقية ~~فلا بد من حمل أثره على معنى صحيح إذ لا يصح حمله على خروج الكفار عند أحد ~~لا ابن تيمية كما عرفت ولا غيره فإنه لا يقول أحد بخروج الكفار من النار ~~فإن صح أثر عمر حمل على أنه أراد خروج الموحدين الذين استحقوا PageV01P068 # دخول النار بذنوبهم كما دلت عليه الأدلة المعروفة الصحيحة الصريحة التي ~~لا مرية في صحتها # إلا أن ابن تيمية منع من حمل كلام عمر على ذلك وقال: # (إنما أراد عمر بأهل النار الذين هم أهلها (وهم الكفار) : وأما قوم ~~أصيبوا بذنوبهم فقد علم هؤلاء وغيرهم أنهم يخرجون منها ولا يلبثون قدر رمل ~~عالج ms43 ولا قريبا منه) (19) # فأقول: ولا يخفى ضعف هذا الرد لأن كونهم قد علموا ذلك لا يمنع أن يؤدوه ~~لمن لا يعلمه ويخبروا أنه اعتقادهم وقد علم في فن البيان: أن الإخبار يكون ~~بفائدة الحكم أو لازمها فعلم السامعين بالحكم لا يمنع عن التكلم به وإلقائه ~~إليهم وأما كون عصاة الموحدين لا يلبثون قدر رمل عالج ولا قريبا منه فمسلم ~~ولم يقل عمر أنهم يلبثون قدر رمل عالج بل أتى بقضية شرطية فقال: (لو لبث) ~~أي: أنه لو طال لبثهم ذلك القدر لخرجوا ولا دليل في كلامه أنهم يلبثون ذلك ~~القدر فعرفت أيضا (20) غير مانع عن حمل أثر عمر على عصاة الموحدين مع أنه ~~لا يصح حمله على الكفار لأنهم يلبثون أكثر من عدد رمل عالج فقد أخرج ~~الطبراني في (الكبير) من PageV01P069 # حديث ابن مسعود مرفوعا: # (موضوع) (لو قيل لأهل النار إنكم ماكثون في النار عدد كل حصاة في الدنيا ~~لفرحوا ... ) الحديث (21) # ومما سمعت تعين حمل أثر عمر على عصاة الموحدين عند شيخ الإسلام وعند جميع ~~علماء الأنام # وإذا عرفت هذا طال تعجبك من نسبة ابن تيمية القول بفناء النار إلى عمر ~~واستدلاله لذلك بهذا الأثر المنقطع رواية الذي هو بمراحل عن الدلالة من حيث ~~الدراية # تنبيه: وأما مدة لبث عصاة الموحدين فإنها مختلفة فقد أخرج ابن أبي حاتم ~~وابن شاهين في (السنة) من حديث علي يرفعه (إن أصحاب الكبائر من موحدي الأمم ~~كلها الذين ماتوا على كبائرهم غير نادمين ولا تائبين. (وفيه) : أن منهم من ~~يمكث شهرا ثم يخرج منها ومنهم من يمكث سنة ثم يخرج منها وأطولهم فيها مكثا ~~بقدر الدنيا منذ خلقت إلى أن تفنى) (22) # ومثله [ما] أخرج الحكيم في (نوادر الأصول) ولفظه (وأطولهم فيها مكثا مثل ~~الدنيا منذ خلقت إلى أن فنيت وذلك PageV01P070 # سبعة آلاف سنة) (23) # ثم قال شيخ الإسلام مستدلا على فناء النار بما رواه على ابن أبي طلحة في ~~(تفسيره) عن ابن عباس أنه قال: (لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه ~~ولا ms44 ينزلهم جنة ولا نارا) (24) # وأقول: لا يخفى على ناظر أنه لا دلالة في هذا الأثر ولا رائحة دلالة على ~~المدعى من فناء النار بل غاية ما يفيده الإخبار عن أنه لا يجزم للمؤمن أنه ~~من أهل الجنة ولا العاص من عصاة المؤمنين أنه من أهل النار. وهذا المعنى ~~ثابت في الأحاديث النبوية الصحيحة PageV01P071 # فقد أخرج الترمذي (25) من حديث أنس أنه توفي رجل فقال رجل آخر ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وآله وسلم يسمع: أبشر بالجنة. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : (وما يدريك لعله تكلم بما لا يعنيه أو بخل بما لا ينقصه) . بل ~~ورد في الطفل الذي لا تكليف عليه نحو ذلك (26) # وقد صرح ابن القيم في آخر كتابه (حادي الأرواح) في الباب السبعون فيما ~~زعم أنه عقيدة أهل السنة وعقيدة الصحابة وأهل العلم وأصحاب الأثر بأنه لا ~~يشهد لأحد من أهل القبلة أنه من أهل النار لذنب عمله ولا لكبيرة أتاها إلا ~~أن يكون ذلك في حديث وأن لا يشهد لأحد أنه في الجنة بصالح عمله إلا أن يكون ~~ذلك في حديث. انتهى (27) PageV01P072 # فهذا هو الذي أراده ابن عباس ولو لم يحمل كلام ابن عباس على هذا لكان ~~مقتضاه بأنه لا يحكم بأن أهل الشرك يدخلون النار ولا بأن أهل التوحيد ~~يدخلون الجنة إذ الإنزال هو الدخول وهذا رد لصريح القرآن وإثبات لقول لم ~~يقله أحد من أهل الإيمان لا شيخ الإسلام و [لا] سائر علماء الأنام # ثم [إن] حكمنا بأن الفجار في النار والأبرار في جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ليس حكما منا بل الله تعالى هو الذي حكم بذلك وأخبرنا به. فالعجب ~~كله في الاستدلال على فناء النار بهذا الأثر الذي لا يقول أنه يدل على ذلك ~~أحد من النظار وظهور عدم دلالته عليه كالشمس في رابعة النهار وتبين أن ~~مراده لا يحكم على معين أنه من أهل الجنة ولا أنه من أهل النار وكأنه يريد ~~غير من حكم الله ورسوله عليه بأحد الدارين ms45 كإخباره صلى الله عليه وسلم أن ~~العشرة من الصحابة من أهل الجنة وكإخبار الله أنا أبا لهب {سيصلى نارا ذات ~~لهب} ولو فرض دلالته على مدعاه فإنه معارض لما أخرجه ابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال: هاتان من المخبآت (28) قول الله ~~تعالى: {فمنهم شقي وسعيد} (29) وقوله PageV01P073 # تعالى: {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا} ~~[المائدة 109] فأما قوله: {فمنهم شقي وسعيد} فهم قوم من أهل الكبائر من أهل ~~القبلة يعذبهم الله بالنار ما شاء بذنوبهم ثم يأذن بالشفاعة فيشفع لهم ~~المؤمنون فيخرجهم من النار فيدخلهم الجنة فسماهم أشقياء حين عذبهم بالنار) ~~انتهى # فهذه الرواية كما تراها صراحة وكثرة تخريج (30) دالة على أنه كغيره من ~~الجماهير القائلين بخروج الموحدين من النار ولا قول له بفناء النار فإنه ~~وجه الاستثناء إلى الموحدين في قوله تعالى: {إلا ما شاء ربك} # وابن تيمية يقول إنه عائد إلى فناء النار أيضا كما ستسمعه عند ~~PageV01P074 # التكلم على الآية. وظاهر نقل ابن تيمية لأثر ابن عباس أنه قائل بفناء ~~النار # قال شيخ الإسلام: (وأما أثر ابن مسعود فإنه ذكر عنه البغوي أنه قال: ~~(ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد) ثم قال وعن أبي هريرة مثله) (31) # وأقول هذان الأثران بهما متمسك ابن تيمية في جعل القول بفناء النار قولا ~~لابن مسعود وأبي هريرة كما سيرويهما في صدر الاستدلال وهذان الأثران ذكرهما ~~البغوي في تفسير (سورة هود) في قوله تعالى: {إلا ما شاء ربك} ثم قال البغوي ~~عقب ذكرهما ما لفظه: # (ومعناه عند أهل السنة - أن ثبت - أنه لا يبقى فيها أحد من أهل الإيمان ~~وأما مواضع الكفار فممتلئة أبدا) هذا لفظه (32) PageV01P075 # فشكك في الرواية أولا ثم أبان أنها إن ثبتت فهي عند أهل السنة في عصاة من ~~الموحدين. ثم نقول بعد ثبوت هذين الأثرين عن هذين الصحابيين لا دلالة فيهما ~~على فناء النار الذي هو محل النزاع بوجه من الوجوه فإن قوله: (ليس فيها ~~أحد) دال على بقائها ms46 فإنك إذا قلت ليس في الدار أحد فإنه دال على بقاء ~~الدار لا على فنائها ثم عرفت قول البغوي أن أهل السنة حملوه على خروج ~~الموحدين من النار. وهذا الحمل متعين عند ابن تيمية بخصوصه وعند جميع من ~~عداه. أما عنده فإنه لا يقول بخروج الكفار من النار بل يقول بعد فنائها ~~وذهابها لا يتصور فيها بقاء الكفار وهذان الأثران حاكمان بخروج من فيها ~~وليس إلا عصاة الموحدين أما عند غيره من أهل السنة فالأمر واضح في أن ~~الأثرين ليسا إلا في خروج الموحدين. ولفظ أثر ابن مسعود وإن كان عاما فإنه ~~نكرة في سياق النفي إلا أنه معلوم تخصيصه بالأدلة الدالة على أن الكفار ~~ليسوا منها بمخرجين (33) . عند ابن تيمية وغيره كما عرفت PageV01P076 # وبهذا تعرف أنه لا يصح نسبة القول بفناء النار وذهابها إلى ابن مسعود ~~وأبي هريرة كما نسب هذا القول الذي نقل عنهما [إلى عمر] (34) . بل هو ~~الدليل (35) على بقاء النار بعد خروج من يخرج منها من أهل التوحيد. فكيف ~~يقول شيخ الإسلام في صدر المسألة. (إن القول بفناء النار نقل عن ابن مسعود ~~وأبي هريرة) وإنما مستنده في نسبة ذلك إليهما هذان الأثران اللذان هما ~~بمراحل عن الدلالة على فناء النار وذهابها بعد صحتهما # فعرفت بطلان نسبة هذا القول إلى ابن مسعود وأبي هريرة كما عرفت بطلان ~~نسبته إلى عمر # وأما قول شيخ الإسلام في صدر المسألة أن أبا سعيد الخدري نقل عنه القول ~~بفناء النار فإنه استدل (36) لذلك بأنه قال أبو نضرة عن أبى سعيد أو قال ~~جابر أو بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (أتت هذه الآية على القرآن كله ~~{إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد} [هود: 107] PageV01P077 # وأقول: # أولا: هذا الأثر نسبه الحافظ السيوطي في (الدر المنثور) إلى تخريج عبد ~~الرزاق وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في (الأسماء ~~والصفات) ولفظه عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله وأبي سعيد أو رجل من أصحاب ~~النبي صلى الله ms47 عليه وسلم : {إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد} قال: ~~هذه الآية قاضية على القرآن كله يقول حيث كان في القرآن: {خالدين فيها} ~~تأتي عليه. انتهى (37) # وقد نقل ابن تيمية هذه الرواية أيضا ونسبها إلى تخريج ابن جرير أيضا ولا ~~يخفى # أولا انه شك أبو نضرة في قائل هذا القول وردده بين ثلاثة: معلومين ومجهول ~~وهذا الشك وإن كان انتقالا من ثقة إلى ثقة على رأي من يقول كل الصحابة عدول ~~غير ضائر في الرواية إلا أنه لا يصح معه الجزم بنسبة القول بفناء النار إلى ~~أبي PageV01P078 # سعيد حيث أن مستند القول به هو هذا الأثر لأن هذا أثر لم يتم الجزم به في ~~رواية أنه لأبي سعيد فكيف يجزم بنسبة هذا المدلول أعني القول بفناء النار ~~وذهابها إلى أبي سعيد كما فعله شيخ الإسلام ولم يثبت عنه الدليل؟ # وثانيا: وهو على تقدير ثبوته عنه فإنه لا دلالة فيه على مدعاه وهو فناء ~~النار ولا رائحة دلالة بل غاية ما فيه أن كل وعيد في القرآن ذكر فيه الخلود ~~لأهل النار فإن آية الاستثناء حاكمة عليه وهي عبارة مجملة لا تدل على ~~المدعى بنوع من الدلالات الثلاث (38) . بل يحتمل أنه أراد أنها فسرت بآيات ~~الخلود التي وردت في القرآن في خلود أهل النار كما أخرجه البيهقي في (البعث ~~والنشور) عن ابن عباس في قوله تعالى: {إلا ما شاء ربك} [هود: 107] . قال: ~~فقد شاء ربك أن يخلد هؤلاء في النار وهؤلاء في الجنة انتهى # فنقول: من قال من الصحابة هذه الآية أتت على القرآن كله حيث كان في ~~القرآن: {خالدين فيها} تفسير [5 في رواية] ابن عباس هذه ثم هب أن معناه ما ~~قاله ابن تيمية وأن آية {إلا ما شاء ربك} قيدت كل آية فيها {خالدين فيها} ~~إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد فغاية (39) ذلك أن تصير كل آية خلود ~~مثل آية PageV01P079 # (هود) وآية (هود) لا تدل على مدعاه كما ستعرفه قريبا من تحقيق آية ms48 ~~المشيئة وما قيل فيها من الأقوال الصحيحة والسقيمة والمطرحة والقويمة # وإذا عرفت هذا فيا لله العجب كيف ينسب شيخ الإسلام إلى أبي سعيد القول ~~بفناء النار بلفظ لم يتحقق صدوره عنه ولو تحقق صدوره عنه لم يدل على مدعاه ~~فما هذا إلا مجازفة ولا يليق ممن دون ابن تيمية تحقيقا وورعا في نسبة ~~الأقوال وتحرير الاستدلال # هذا وبعد تحقيقك لما أسلفناه وإحاطتك علما بما سقناه تعلم أن هؤلاء ~~الأربعة من الصحابة الذين هم عمر وابن مسعود وأبو هريرة وأبو سعيد الذين ~~عين شيخ الإسلام أسماءهم من الصحابة في صدر المسألة وذكر أنه نقل عنهم ~~القول بفناء النار وذهابها وتلاشيها [هم] بريئون من هذا القول ومن نسبته ~~فناء النار إليهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب واستدل لهم بما ادعاه منسوبا ~~إليهم بما لا مساس له بالدعوى كما عرفت. وحينئذ يعلم انه ليس معه في دعواه ~~فناء النار أحد من الصحابة الذين عينهم وإن كانت عنده أدلة يصح نسبة هذا ~~القول إليهم غير ما ذكره من الآيات فهذا وقتها فإنه قد بذل كل وسعه في هذه ~~المسألة. فقال شيخ الإسلام بعد سرده للأربعة المذكورين من الصحابة: # (والقول بفناء النار نقل عن غير هؤلاء الأربعة من الصحابة) ويريد ~~(بغيرهم) عبد الله بن عمرو بن العاص فإنه نقل ابن تيمية # PageV01P080 # عنه القول بفناء النار مستدلا على أصل مدعاه أنه قال: (ليأتين على جهنم ~~يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيه أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا) (40) # وأقول هذا الأثر لا دلالة فيه على مدعى ابن تيمية لأنه لا يقول: أن جهنم ~~تخلو عن الكفار ما دامت باقية إنما يقول إذا فنيت وذهبت لم يبق فيها كافر. ~~وهذا الأثر ينادي بخلودها وهي باقية على حالها والقول بأنه سماها جهنم ~~باعتبار ما كانت عليه رجوع إلى المجاز في مسألة هي أكثر من الدنيا بأضعاف ~~مضاعفة. فكلام ابن عمرو هذا محمول على ما حمل عليه كلام عمر بن الخطاب ~~وغيره من الآثار في أن مراده خروج الموحدين ms49 وقد قال عبيد الله (41) بن معاذ ~~في أثر ابن عمرو وأبي هريرة كان أصحابنا يقولون يعني من الموحدين # قلت: ويدل له ما قال الحافظ ابن حجر في (تخريج أحاديث الكشاف) أن أثر ابن ~~عمرو أخرجه البزار. ثم ساقه بسنده إلى ابن عمرو ولفظه في آخره (يعني من ~~الموحدين) قال الحافظ: (كذا فيه PageV01P081 # ورجاله (42) ثقات والتفسير لا أدري لمن هو) (43) ثم قال: # (ويؤيده ما رواه ابن عدي عن أنس مرفوعا: (ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه ~~أبوابها وما فيها من أمة محمد أحد) (44) . وفي الباب عن أبي أمامة رفعه: ~~(يأتي على جهنم يوم ما فيها من بني آدم أحد تخفق فيه أبوابها. يعني من ~~الموحدين) انتهى. (45) PageV01P082 # فعرفت أن حديث ابن عمرو في الموحدين وقول الحافظ: (لا يدري لمن التفسير) ~~يريد قوله: (يعني من الموحدين) يقال عليه الأصل أنه من كلام ابن عمرو ثم ~~إنه لا بد من حمل كلامه المطلق على هذا التفسير عند ابن تيمية وغيره. ثم هب ~~أنها لم تثبت تلك الزيادة فيه فالحديث المرفوع مقدم عليه وهو حديث أنس # وبعد هذا تعرف أنه لا دليل له في أثر عمرو على أصل المدعى # هذا: وأما أصحاب (الكشاف) (46) فإنه لما كان وعيدي الاعتقاد قائلا: بأنه ~~لا يخرج من النار من دخلها من عصاة الموحدين وأهل الإلحاد سلك في أثر ابن ~~عمرو مسلكا آخر فإنه لما ذكره قال: # (وأقول: [أما كان] (47) لابن عمرو في بغيه بيده ولسانه ومقاتلته بها علي ~~بن أبي طالب ما شغله عن تسيير هذا الحديث) . انتهى # كأنه يشير إلى القدح في أثر ابن عمرو ببغيه على أمير المؤمنين ~~PageV01P083 # عليه السلام وقد تعقبه في (الكشف) (48) . فقال: لا يلتفت هذا عن المنصف ~~وإيثاره طريقة قدمام المعزلة من نسبته وضع الحديث إليه تلويحا ونسبة ~~مقاتلته أمير المؤمنين عليا بالنص فإن هذا من جلة الصحابة. انتهى # قلت: أما نسبة الوضع إليه فما (49) يظهر من كلام (الكشاف) (50) نعم ~~البغاة مقبولة روايتهم عند المعتزلة كما عرفت من الأصول # ثم استدل شيخ الإسلام ابن ms50 تيمية على مدعاه بما أخرجه ابن مردويه في ~~(تفسيره) من حديث جابر قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ~~{فأما الذين شقوا ففي النار} الآية [هود / 107 - 108] PageV01P084 # قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن شاء الله أن يخرج أناسا ~~من الذين شقوا من النار فيدخلهم الجنة فعل) (51) # وأقول: لا دليل فيه على مدعاه وهو فناء النار وذهابها بل فيه دليل على ~~خلافه لأنه لا ينكر الإخراج من النار ولا يقوله ابن تيمية في حق الكفار. ~~فتعين أنه في عصاة الموحدين وقد سمعت مما نقلناه عن ابن عباس أن الله سمى ~~عصاة الموحدين أشقياء وقد صرح ابن تيمية بهذا هنا فقال بعد سرده للحديث: # (إنما يدل على إخراج بعضهم من النار وهو حق بلا ريب وهو بناء على ~~انقطاعها وفناء عذابها وأكلها لمن فيها وأنهم يعذبون فيها دائما ما دامت ~~كذلك # والحديث دل على أمرين: أحدهما أن بعض الأشقياء إن شاء الله أن يخرجهم من ~~النار وهي نار فعل فيكون معنى الاستثناء {إلا ما شاء ربك} من الأشقياء ~~فإنهم لا يخلدون فيها ويكون الأشقياء PageV01P085 # نوعين: نوعا يخرجون منها ونوعا يخلدون فيها فيكونون من الذين شقوا أولا ~~ثم يصيرون من الذين سعدوا فيجتمع لهم السعادة والشقاوة في وقتين) انتهى. ~~(52) # وهو صحيح وفيه إقرار منه على أنه لا دلالة فيه على فناء النار كما ساقه ~~دليلا لذلك. على أنا نقول: # الحديث ليس نصا في الإخراج بل إخبار مقيد بقضية شرطية وهو إن شاء الله أن ~~يخرج أخرج وليس فيه أنه تعالى شاء ذلك بل هو مثل {ولو شئنا لآتينا كل نفس ~~هداها} [السجدة / 13] # وسيأتي تحقيق ذلك في الكلام على آية المشيئة إن شاء الله # إذا عرفت هذا كله فهؤلاء الستة من الصحابة الذين زعم أنه نقل عنهم القول ~~بفناء النار أي وبدخول أهلها بعد ذلك {جنات تجري من تحتها الأنهار} ~~[التحريم / 8] . وهم الذين أشار إليهم السيد الإمام محمد بن إبراهيم في ~~(الإيثار) حيث قال (53) : # (وطول في الثاني ms51 ابن تيمية فقف (54) # على علمه في كتبه والتراجم PageV01P086 # وأسنده عن ستة نص قولهم # أكابر من صحب (55) . النبي الأكارم # وأراد بالثاني حمل الاستثناء في وعيد أهل النار على فنائها وانقطاع ~~عذابها # هذا بيان مراده # ولكنك إذا تحققت ما أسلفناه عرفت أنه لم يتم لابن تيمية ما نسبه إلى ~~الستة المذكورين من القول بفناء النار وانه ليس بنص قولهم كما قال السيد ~~محمد ولعله يريد نص لفظهم وإن لم يدل على مدعى ابن تيمية أو أنه نص عنده ~~فيما ادعاه وإن كان غير صحيح ويرشد إلى أنه أراد ذلك قوله بعد ذلك (56) ~~البيت: # فلا تعتقد إن لم يصح مقالهم وبان ضعيفا ساقطا كفر عالم # ثم قال ابن تيمية مستدلا لفناء النار وانقطاعها أنه قال الله تعالى: ~~{لابثين فيها أحقابا} إلى قول {كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا} ~~[النبأ / 23 - 28] # وقال: (هذا صريح [في] وعيد الكفار المكذبين بآياته ولا يقدر الأبدي بمدة ~~الأحقاب) (57) PageV01P087 # فأفاد مفهوم {الأحقاب} أنه لا خلود فيها إذ الأبدي لا يقدر بزمان. وأما ~~دلالتها على أن المخبر عنهم باللبث (أحقابا) هم الكفار فلقوله فيهم {إنهم ~~كانوا لا يرجون حسابا. وكذبوا بآياتنا كذابا} # وهذه صفات الكفار # وهذا تقرير مراد شيخ الإسلام # والعجب من استدلاله بصدر الآية وذهوله عما عقب به من قوله {فلن نزيدكم ~~إلا عذابا} فإن المراد لن نزيدكم بعد لبثكم أحقابا إلا عذابا ضرورة أنهم ~~معذبون حين لبثهم {أحقابا لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا} ~~فزيادة العذاب بعد الأحقاب بل خص تعالى الزيادة على العذاب وأنه تعالى لا ~~يزيدهم بعد لبث الأحقاب إلا عذابا فانتفى مفهوم العذاب الذي أفاده الجمع ~~الذي جعله ابن تيمية دليلا على فناء النار وعدم أبديتها مع أنه استدلال ~~بمفهوم العدد وهو من أضعف المفاهيم على هذه المسألة المعظمة الذي لا يعتمد ~~عليه محقق وكيف يجعل أقوى من التأييد المصرح به في عدة آيات من آيات وعيد ~~أهل النار (58) فلو عارض مفهوم العدد منطوق التأبيد لكان الحكم للمنطوق ~~اتفاقا # هذا وذكر ms52 البغوي أنه قال مقاتل بن حيان: هذه الآية منسوخة PageV01P088 # يريد {لابثين فيها أحقابا} نسختها {فلن نزيدكم إلا عذابا} [النبأ 30] ~~يعني أن العدد قد ارتفع والخلود قد حصل هذا لفظه # ومراده بالنسخ أن لا حكم لمفهوم العدد وإلا فإنه لا يجري النسخ المصطلح ~~عليه في الأخبار # وقال الحسن: (ليس للأحقاب عدة إلا الخلود) . وذكره عنه البغوي (59) # وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: ~~(الأحقاب) ما لا انقطاع له كلما مضى حقب جاء بعده حقب # وأخرج عبد بن حميد عن الحسن: {لابثين فيها أحقابا} قال: ليس فيها أجل ~~كلما مضى حقب دخل في الآخر. وبهذا تعرف رواية ودراية ضعف استدلال شيخ ~~الإسلام على فناء النار وانقطاعها بمفهوم الأحقاب # ثم استدل ابن تيمية على فناء النار وذهابها بقوله تعالى في [سورة ~~الأنعام] {قال: النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك ~~PageV01P089 # حكيم عليم} [آية / 128] # وبقوله تعالى في [سورة هود] {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما ~~شاء ربك إن ربك فعال لما يريد} [آية / 107] وقرر كون آية (الأنعام) في ~~المشركين بقوله تعالى في صدرها: {يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال ~~أولياؤهم من الإنس} قال: فإن أولياء الجن من الإنس يدخل فيه الكفار قطعا ~~يريد أنه لا يقال الآية في عصاة الموحدين فقط. ثم أبان أن الاستثناء عائد ~~إلى الفريقين: الكفار وعصاة الموحدين والكفار بفناء النار والعصاة بالخروج ~~منها وقرر هذا التقرير في آية الاستثناء في [سورة هود] (60) # وأقول قد اختلف العلماء من الصحابة ومن بعدهم من أئمة الرواية والدارية ~~في هذا الاستثناء ولنذكر ما وقفنا عليه من ذلك وقد ألم به ابن القيم في هذا ~~الكتاب أعني (حادي الأرواح) وألم به شيخه شيخ الإسلام في كلامه في هذه ~~المسألة وفاتهما بعض ما قيل في الآية قال ابن القيم في (الباب السابع ~~والستين) (61) : # (واختلف السلف في هذا الاستثناء فقال معمر عن الضحاك (هو في الذين يخرجون ~~من النار فيدخلون الجنة) فقوله تعالى PageV01P090 # {خالدين ms53 فيها ما دامت السموات والأرض} إلا مدة مكثهم في النار) # قلت يضعف هذا أن الاستثناء من الخلود يقتضي أن يكون بعد الدخول لا قبله ~~سيما بعد قوله {ففي النار} وقد أشار إلى تضعيف هذا الوجه بما قلناه ابن ~~تيمية في غضون أبحاثه في هذه المسألة قال ابن القيم: # (وقالت فرقة: هو استثناء استثناه الله تعالى ولا يفعله [كما تقول:] والله ~~لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك وأنت لا تراه بل تجزم بضربه) # قلت: هذا الوجه أحد وجهين ذكرهما جار الله في (الكشاف) في آية (الأنعام) ~~فقال: # (أو يكون (يريد الاستثناء) من قوله الموتور الذي ظفر بواتره ولم يزل يحرق ~~عليه أنيابه وقد طلب منه أن ينفس عن خناقه: أهلكني الله إن نفست عنك إلا ~~إذا شئت وقد علم أنه لا يشاء إلا التشفي منه بأقصى ما يقدر عليه من التعنيف ~~والتشديد فيكون قوله (إلا إذا شئت) من أشد الوعيد مع تهكم بالتوعد في خروجه ~~في صورة الاستثناء الذي فيه أطماع انتهى # واختار هذا الوجه صاحب (الإتحاف) (62) (والصفوي) (63) PageV01P091 # وهو مروي عن ابن عباس أخرجه البيهقي في (البعث والنشور) (64) فقال قد شاء ~~ربك أن يجعل هؤلاء في النار وهؤلاء في الجنة قلت إلا أنه يختلف صاحب ~~(الكشاف) وصاحب (الإتحاف) في عصاة الموحدين فصاحب (الكشاف) يجعلهم داخلين ~~في الذين شقوا لأن أصله أنهم لا يخرجون من النار وصاحب (الإتحاف) والصفوى ~~يجعلانهم داخلين في الذين سعدوا لقيام الأدلة عندهم بخروجهم من النار # هذا وقد تعقب ابن الخطيب الرازي في (مفتاح الغيب) هذا الوجه فقال: # (وهذا ضعيف لأن قوله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك معناه لأضربنك إلا إن ~~رأيت أن أترك الضرب. وهذا لا يدل على أن هذه الرؤية حصلت أم لا بخلاف قوله ~~تعالى: {خالدين فيها ما دامت السموات والأرض} فإن معناه الحكم بخلودهم فيها ~~المدة التي PageV01P092 # يشاء ربك فيها فهذا يدل على أن المشيئة قد حصلت جزما فكيف يحسن قياس هذا ~~الكلام وعلى ذلك) انتهى (65) # ولا يخفى أن المشار المفروض واقع على ms54 هيأة القطع والجزم كما هو صريح كلام ~~ابن القيم وصاحب (الكشاف) فقول الرازي: وهذا لا يدل على أن هذه الرؤية قد ~~حصلت أم لا خلاف المفروض وقوله: فهذا يدل على أن المشيئة إلخ إن أراد مشيئة ~~الخلود فهو مراد صاحب هذا القول كما يشعر به المثال وينطبق ويتعلق عليه وإن ~~أراد مشيئة عدم الخلود كما هو مقتضى كلامه فمحل النزاع ولا يتم تضعيف كلام ~~الخصم بإيراده كما لا يخفى # ثم قال ابن القيم: # (وقالت طائفة أخرى: العرب إذا استثنت شيئا كثيرا مع مثله ومع ما هو أكثر ~~منه كان معنى (إلا) في ذلك ومعنى الواو سواء والمعنى على هذا سوى ما شاء ~~الله من الزيادة على مدة السموات والأرض وهذا قول الفراء. وسيبويه يجعل ~~(إلا) بمعنى (لكن) قالوا: ونظير ذلك أن تقول: لي عليك ألف إلا الألفين ~~اللذين قبلهما أي سوى الألفين. قال ابن جرير: هذا أحد الوجهين إلي لأن الله ~~لا خلف لوعده وقد وصل الاستثناء بقوله (عطاء غير مجذوذ) وقالوا نظيره أن ~~تقول أسكنك داري حولا إلا ما شئت. أي سوى ما PageV01P093 # شئت أو لكن ما شئت من الزيادة عليه) (66) # وأقول: هذا مبني على أنه أريد بالسموات والأرض سموات الدنيا وأرضها أي ~~مقدار بقاء دار الدنيا فإنه لو أراد سماء الأخرى وأرضها لما تم أن يقال إلا ~~ما شاء الله من الزيادة على مدتهما فإنهما أبديتان لا يتصور عليهما زيادة ~~والظاهر انه أريد من السموات والأرض سموات الآخرة وأرضها لأن آيات التأبيد ~~في الفريقين قاضية بأبدية أرضها وسمواتها إذ لا بد لهم من شيء يقلهما وشيء ~~فوقهما وهو المراد من سموات الآخرة وأرضها ولأن قوله: (ما دامت السموات ~~والأرض) ظاهر في ذلك إذ [أن] أرض الدنيا وسمواتها قد ذهبت ولو أريد لقيل: ~~ما كانت السموات والأرض ثم قال ابن القيم: # وقالت فرقة أخرى: هذا الاستثناء إنما هو مدة احتباسهم عن الجنة ما بين ~~الموت والبعث وهو البرزخ إلى أن يصيروا إلى الجنة ثم خلود الأبد فلم يغيبوا ~~عن ms55 الجنة إلا بقدر إقامتهم في البرزخ) # وأقول فيه ما سلف في الوجه الأول وهو أن الاستثناء إنما هو بعد دخولهم ~~الجنة. ثم قال ابن القيم: # (وقالت فرقة أخرى: العزيمة قد وقعت لهم من الله بالخلود الدائم إلا أن ~~يشاء الله خلاف ذلك إعلام لهم بأنهم مع خلودهم في PageV01P094 # مشيئته وهذا كما قال تعالى لنبيه {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} ~~[الإسراء: 86] ونظائره يخبر عباده أن الأمور كلها بمشيئته ما شاء الله كان ~~وما لم يشأ لم يكن) (67) # وأقول: إن كان تقيدا على حقيقة لزم بقاء الخوف في دار النعيم والله يقول: ~~{يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون} [الزخرف: 68] ويقول: ~~{ادخلوها بسلام آمنين} [الحجر: 46] والإجماع قائم على أن الجنة لا خوف فيها ~~ثم يلزم أن يبقى لأهل النار طمع في الخروج منها وروح بذلك وليس لهم روح ولا ~~فرج وإن أريد الإخبار بأنه لو شاء تعالى عدم خلود الفريقين لكان له في ذلك ~~حكمة. وان المراد من الاستثناء الإعلام للعباد باتساع نطاق حكمه فهذا قد ~~يقال: إنه وجه وجيه # ثم ذكر ابن القيم وجها قاله لابن قتيبة كالوجه الذي نقله عن الفراء ولم ~~ينقله لأنه هو وإنما اختلفت العبارة. ثم قال: # (وقالت طائفة (ما) بمعنى (من) من قبل قوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من ~~النساء} [النساء: 3] المعنى إلا من شاء ربك أن يدخله النار بذنوبه من ~~السعداء والفرق بين هذا القول وأول الأقوال أن الاستثناء على ذلك من المدة. ~~وعلى هذا القول من الأعيان) (68) PageV01P095 # وأقول: هذا القول يفتقر إلى تقرير يتضح معه مراد قائله وتقريره: أن ~~الاستثناء من الذين سعدوا قبل الحكم عليهم بقوله (ففي الجنة) فيكون المعنى ~~وأما الذين سعدوا إلا من شاء الله ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات ~~والأرض لما تقرر في النحو والأصول: أن إخراج المستثنى من المستثنى منه قبل ~~الحكم عليه بالخبر إلا أنه يلزم على هذا القول أن تكون الأقسام أربعة # قوم سعدوا حكم لهم بالكون في الجنة خالدين فيها ms56 ما دامت السموات والأرض ~~وهم الذين استثنى منهم # وقوم سعدوا أيضا لكن لم يبين من الآية حكمهم وهم الذين أفادهم (إلا من ~~شاء الله) # وقوم شقوا محكوم عليهم بالكون في النار خالدين ما دامت السموات والأرض # وقوم شقوا لم يتبين حكمهم كما عرفت # ومعلوم أن الموجود في الواقع ثلاثة أقسام: موحدون وملحدون وعصاة ~~الموحدين. فيكون المراد من الآية على هذا أن قوما دخلوا في السعداء باعتبار ~~أنهم شاركوهم في التوحيد ولكنهم فارقوهم في الكون في الجنة خالدين فيها ~~ودخلوا في الأشقياء باعتبار أنهم قارفوا ما أغضب الله عليهم من المعاصي ~~ولكنهم فارقوا بعدم الكون في النار خالدين # PageV01P096 # فالقسم الثالث تحته قسمان باعتبار دخولهم تحت (69) # بالسعادة مع الذين سعدوا وبالشقاوة مع الذين شقوا كما عرفت فكانت الأربعة ~~ثلاثة وتكون الآية قد بين فيها حكم الفريقين من الموحدين والملحدين ولم ~~يبين حكم الفريق الثالث منها وقد بينه الله في قوله: {ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء} [النساء / 48 و116] فمآل المعنى في الآية: فأما الذين سعدوا سعادة ~~خالصة ففي الجنة خالدين فيها وأما الذين شقوا شقاوة خالصة ففي النار خالدين ~~فيها وأما الذين اخرجوا من الفريقين فباقون تحت مشيئة الله تعالى. وهذا ~~الوجه بعد التقرير لا يخفى حسنه # ثم ذكر أقوالا راجعة إلى ما سلف ثم قال: # (وهذه الأقوال متقاربة قال: ويمكن الجمع بينها بأن يقال: أخبر الله عن ~~خلودهم في الجنة كل وقت إلا وقتا شاء الله ألا يكونوا فيها وذلك يتناول وقت ~~كونهم في الدنيا وفي البرزخ وفي موقف القيامة على الصراط وكون بعضهم في ~~النار) (70) # قلت: هذه الإطرفة شيء واحد عائد إلى كونه قبل دخولهم الجنة ولكن يبعده ما ~~مر غير مرة قال فإن الاستثناء من خلود الداخلين وحيث كانوا في عين الجنة لا ~~يفيد ذلك الكون بخالدين PageV01P097 # فيها. ثم قال: # (وعلى [كل] تقدير فهذا الأمر من المتشابه وقوله: {عطاء غير مجذوذ} محكم ~~وقوله {أكلها دائم وظلها} ولهذا أكد خلود أهل الجنة في غير موضع من كتابه ~~وأخبر أنهم ms57 لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى وهذا الاستثناء منقطع ~~وإذا ضممته إلى الاستثناء من قوله {إلا ما شاء ربك} تبين لك المراد من ~~الآيتين واستثناء الوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة من مدة الخلود ~~كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية ~~وكذلك مفارقة الجنة تقدم على خلودهم فيها) انتهى كلامه (71) # وأقول: قد أفاد أن الاستثناء من خلود أهل الجنة من المتشابه وأن المحكم ~~أن آية الخلود فيجب برد المتشابه إلى المحكم فالمحكم هو الخلود. وهذا حسن ~~وتخصصه بالاستثناء في أهل الجنة بقوله: {عطاء غير مجذوذ} ولما علم يقين من ~~أنه لا يخرج من الجنة أحد ممن دخلها وسيأتي لنا أنه يمكن (72) . آخر هذا ~~الوجه في الاستثناء في آية العذاب وأما ابن القيم فإنه فيه (73) ابن تيمية ~~من الاستثناء فيها على PageV01P098 # حقيقته وأنه لا خلود في النار لأهلها من الكفار كما عرفته من أدلة دعواه ~~وأما قوله: (إن الاستثناء في الآية كالاستثناء في قوله: {لا يذوقون فيها ~~الموت إلا الموتة الأولى} [الدخان / 56] فإنها موتة تقدمت على الحياة ~~الأبدية وكذلك مفارقة الجنة تقدم على خلودهم فيها) # فأقول: الفرق بين الآيتين واضح فإن آية الموتة الأولى وقع المستثنى منه ~~فيها من أحوال الدنيا الواقعة فيها المعلوم نقضها ولذا كان أحسن الأقوال في ~~هذه الآية أعني آية {إلا الموتة الأولى} أنه من باب التقييد بالمحال من باب ~~قول شعيب: {وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا} [الأعراف: ~~89] # إذا الآية سيقت لبيان أن أهل الجنة لا يذوقون فيها الموت أصلا وأنه أمر ~~محال فعلق بالمحال لتمام التبشير بنعمة الحياة الأبدية وآية الخلود ~~المستثنى منه فيها من أحوال الآخرة والكون في الجنة فكيف يقاس ما لم يمض ~~ولم ينقض بما مضى وانقضى على أنه لا يصح لغة تسمية اللبث في الدنيا وفي ~~البرزخ وفي الموقف خلودا حتى يخرج من مدة الخلود # وبعد هذا رأيت فخر الدين الرازي وقد تعقب هذا في مفتاح الغيب فقال بعد ms58 ~~نقله لفظه: # (وأما حمل الاستثناء على حال عمر الدنيا والبرزخ والموقف فبعيد لأن ~~الاستثناء وقع عن الخلود في النار ومن المعلوم أن الخلود # PageV01P099 # كيفيات من كيفيات الحصول في النار فقبل الحصول في النار يمتنع حصول ~~الخلود وإذا لم يحصل الخلود لم يحصل المستثنى منه وإذا لم يحصل المستثنى ~~منه امتنع حصول الاستثناء) . هذا لفظه (74) # فهذه الوجوه التي ذكرها ابن القيم في الاستثناء على آية الخلود مع ما ~~تراه من الأبحاث التي أوردناها في المقام. وقد بقي فيه وجه ذكره جار الله ~~في (الكشاف) في آية (هود) فقال: # (إن الاستثناء هو استثناء من الخلود من نعيم الجنة وذلك أن أهل النار لا ~~يخلدون في عذاب النار [وحده بل] (75) يعذبون بالزمهرير وبأنواع من العذاب ~~سوى عذاب النار وبما أغلظ منها كلها وهو سخط الله عليهم وخسؤه لهم وإهانته ~~إياهم وكذلك أهل الجنة لهم سوى الجنة ما هو أكثر منها وأجل موقعا وهو رضوان ~~الله كما قال الله: {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة [في جنات عدن] ورضوان من الله أكبر} ولهم ~~[ما] يتفضل الله عليهم سوى ثواب الجنة مما لا يعرف كنهه إلا هو فهو المراد ~~باستثناء) . انتهى # وتعقبه الفخر الرازي في (مفاتيح الغيب) فقال: # (لو كان كذلك لوجب أن لا يحصل العذاب بالزمهرير إلا بعد PageV01P100 # انقضاء مدة السماوات والأرض. والأخبار الصحيحة دالة على أن التنقل من ~~النار وبالعكس يحصل كل يوم مرارا فبطل هذا الوجه) انتهى كلامه (76) # قلت: ولا يخفى ضعف كلامه فإن معنى الآية أن أهل النار في النار خالدين ~~فيها مدة دوام السموات والأرض إلى وقت مشيئة ربك عدم خلودهم فيها فهو إخراج ~~بوقت مشيئة عدم الخلود من القيد بدوام السموات والأرض والإخراج من المقيد ~~إخراج منه ومن قيده بمعنى أن إخراج منه بعد اتصافه بالقيد فالقيد جزء منه ~~ومعناه أن يخرج من النار إليها إلى غيرها مع بقاء السموات والأرض لا بعد ~~انقضاء مدتها # ثم هذا الذي أورده الرازي لازم لما ms59 اختاره في الآية كما ستعرفه # هذا وقد اعترض كلام (الكشاف) صاحب (الإتحاف) فقال (77) : # (لا أدري ما حمله على ما لا تقبله العقول في حمل الاستثناءين على الخروج ~~إلى الهموم والغموم في أهل النار وإلى رضوان الله في PageV01P101 # أهل الجنة ونحو ذلك مما ذكر والغموم لازم أهل النار ورضوان الله ملازم ~~لأهل الجنة ولأجله دخولها. وكذلك سخط الله لأهل النار وكيف الخروج من ~~الأمور الحسية وهي الجنة والنار إلى المعنوية وهي السخط والرضى وسائر ما ~~ذكرناه مما اشتمل عليه دار العقاب ودار النعيم) . انتهى # ثم جنح إلى حمل الاستثناء في آية (هود) على الوجه الذي حمله عليه صاحب ~~(الكشاف) في آية (الأنعام) وقد سبق ذكره هذا إن لم يحمل كلام صاحب (الكشاف) ~~على ما روي عن ابن مسعود وإن حمل عليه لم يتم إيراد صاحب (الإتحاف) كما أنه ~~لا يرد على صاحب (الكشاف) ما أورده عليه الرازي وكلام (الإتحاف) هذا صحيح ~~إلا قوله: (إن رضوان الله لازم لأهل الجنة ولأجله دخولها) . فإنه قد يقال: ~~أنه أخرج أحمد والشيخان والترمذي والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات) ~~(78) من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الله ~~تعالى يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في ~~يديك فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم ~~تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: إني أعطيكم أفضل من ذلك قالوا: يا رب وأي شيء ~~أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا) PageV01P102 # وأخرج ابن أبي حاتم عن [أبي] (79) عبد الملك الجهني قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : (رضوان الله على أهل الجنة نعيمهم بما في الجنان) ~~(80) # وهذا دال على أن رضوان الله تعالى هذا متأخر عن دخول أهل الجنة (81) . ~~والآية التي ساقها في (الكشاف) دالة على ذلك أيضا فإنه جعل رضوانه تعالى ~~الأكبر قسما للجنات ولعله يقال: إن هذا الرضوان الذي يبشرهم به الرب ~~ويخاطبهم به الموصوف بأنه لا ms60 يسخط بعده أبدا. متأخر وهو المراد من الآية ~~والحديثين ومجرد الرضى حاصل لهم من أول الأمر كما يدل له قوله تعالى: {يا ~~أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي ~~جنتي} [الفجر: 27 30] فإنه دال على الرضى من PageV01P103 # أول الأمر قبل دخول الجنة. ويحتمل أنه خاص بصاحب هذه النفس المطمئنة # والحاصل أن هذا الرضى الذي أراده صاحب (الكشاف) واستدل عليه بالآية متأخر ~~وهو المراد من الحديثين ولا ينافيه مجرد الرضى اللازم لأهل الجنة فلا يرد ~~اعتراض صاحب (الإتحاف) عليه وأما قوله: (والهموم والغموم لازمة لأهل النار) ~~فقد أشار إلى جوابه المحقق أبو السعود فقال: (ولك أن تقول إنهم ليسوا ~~مخلدين في العذاب الذي هو عذاب النار بل لهم من أفانين العذاب ما لا يعلمه ~~إلا الله سبحانه وتعالى وهو العقوبات والآلام الروحانية التي لا يقف عليها ~~في الدنيا المنغمسون في أحكام الطبيعة المقصود إدراكهم ما ألفوا به من ~~الأحوال الجسمانية وليس لهم استعداد لتلقي ما وراء ذلك من الأحوال ~~الروحانية وهذه العقوبات وإن كانت تعتريهم وهم في النار لكنهم ينسون بها ~~عذاب النار ولا يحسونها وهذا كاف في تحقيق معنى الاستثناء) انتهى كلامه ~~(82) # وهذا وجه حسن محتمل على أنه الذي أراد صاحب (الكشاف) ويندفع به اعتراض ~~صاحب (الإتحاف) PageV01P104 # هذا وفي (الكشف على الكشاف) ما لفظه (83) # (هذا في أهل النار ظاهر لأنهم ينقلون من حر النار إلى برد الزمهري والرد ~~بأن النار عبارة عن دار العقاب غير وارد لأنا لا ننكر استعمال النار فيها ~~تغليبا أما دعوى الغلبة حتى هجر الأصل فلا ألا ترى إلى قوله: {نارا تلظى} ~~[الليل: 14] وقوله: {وقودها الناس والحجارة} [البقرة: 24 والتحريم: 6] وكم. ~~وكم # وأما رضوان الله عن أهل الجنة وهم فيها فيأبى (الاستثناء) كيف وقوله: ~~{خالدين فيها} لا يدل بظاهره على أنهم منعمون بها فضلا عن انفرادها بنعيمهم ~~بها. ثم قال: ولعل الوجه - والله أعلم - أن يكون من باب {حتى يلج الجمل في ~~سم الخياط} [الأعراف: 40] {لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة ms61 الأولى} ~~[الدخان: 56] وأشار إليه سلمه الله (يريد الفاضل الطيبي) (84) # وذكر أنه وقف بعد ذلك على نص من قبل الزجاج) انتهى PageV01P105 # يريد أنه تقيد بالمحال في الآيتين وعصاة الموحدين داخلون في السعادة ~~فإنهم خالدون في الجنة وإن تأخر دخولهم إياها فإنه من المعلوم أن الداخلين ~~إلى الجنة لا يدخلون دفعة واحدة بل يدخلون أرسالا بل فيها من يسبق إليها ~~بمقدار خمسمائة عام كما ثبت ذلك في فقراء المهاجرين (85) . والذي رجحه ~~الفخر الرازي بعد سرده للأقوال وتعقبه لها أن عصاة الموحدين داخلون في ~~الأشقياء محكوم عليهم بهذا الحكم وقوله: {إلا ما شاء ربك} يوجب أن لا يبقى ~~حكم الخلود لبعض الأشقياء ولما ثبت أن الخلود واجب للكفار وجب أن يقال ~~الذين زال حكم الخلود عنهم هم الفساق من أهل الصلاة وهذا الكلام قوي في هذا ~~الباب انتهى PageV01P106 # وأقول يرد عليه في هذا الوجه (الذين استقوا) إلى ما أورده هو على من قال: ~~أن معنى الاستثناء في آية أهل النار أنهم ينقلون من عذابها إلى الزمهرير ~~فإنه أورد عليه ما أسلفناه من أنه يقتفي أن لا يحصل العذاب بالزمهرير إلا ~~بعد انقضاء مدة السموات والأرض. فيقال عليه: هذا عين ما قاله هناك: أنه ~~يلزم أن لا يخرج عصاة من الموحدين عن النار إلا بعد انقضاء مدة السموات ~~والأرض ولا دليل عليه بل الأدلة قائمة على خلافه كما قدمناه في التثنية مما ~~سبق فالحق ما قدمناه لك من أن إيراده غير وارد على من أورده ولا لازم له ~~لبطلانه في نفسه # هذا وكلام الفخر الرازي هذا هو كلام المفسرين من أئمة السنة وذكره سعد ~~الدين في (شرحه على التلخيص) (86) . لأنه جعل الاستثناء في الآيتين معا ~~لإخراج عصاة الموحدين وآن المراد بعدم خلودهم في الجنة فراقهم لها أيام ~~عذابهم وأنهم داخلون في السعداء باعتبار الإيمان وفي الأشقياء بسبب المعاصي ~~ولكن فيه ما PageV01P107 # عرفت من أن الاستثناء إنما هو من المحكوم عليهم بدخول الجنة خالدين فيها ~~وعصاة الموحدين قبل دخولهم لا يصح في حقهم الاستثناء كما ms62 عرفته وقد نبه على ~~هذا المحقق الشريف (87) . في (حواشيه على المطول) حيث قال: # (أقول: الخلود إنما هو بعد دخول الجنة فكيف ينقضي بما سبق على الدخول؟) ~~فالصواب أن يقال: الاستثناء الأول محمول على ما تقدم من أن فساق المؤمنين ~~لا يخلدون في النار # وأما الثاني: (فهو) محمول على أن أهل الجنة لهم سوى نعيمها ما هو أجل ~~وأكبر وهو رضوان الله عز وجل وبقاؤه لا على أن فيهم بعضا يخرج انتهى # ولا يخفى أن كلامه في الاستثناء الثاني هو كلام صاحب (الكشاف) بعينه وأنه ~~يرد عليه ما أورده صاحب (الإتحاف) وقد سبق لنا رده كما عرفت وهكذا يرد عليه ~~ما أورده صاحب (الكشاف) كما سبق قريبا أيضا فالأحسن أن يقال: أن الاستثناء ~~في آية الجنة من باب (88) {حتى يلج الجمل في سم الخياط} تقييد بالمحال وأن ~~من دخل الجنة لا يخرج منها أبدا بدليل الاجتماع المعلوم ضرورة من الدين ~~وبدليل قوله تعالى: {عطاء غير PageV01P108 # مجذوذ} وفي آية أهل النار محمول على ما ذكر من خروج الموحدين ولا يقال: ~~أن هذا يوجب اختلاف في نظم الكلام حيث عدل بالاستثناء الثاني عما حمل عليه ~~الاستثناء الأول مع أنهما سيقا مساقا واحدا لأنا نقول: قد دفع الشريف هذا ~~الإيراد لأنه ورد ما وينهي إليه بقوله: الأول محمول على الظاهر وقد عدل ~~بالثاني عنه بقرينة واضحة مما ذكرنا فلا إشكال ولا اختلاف # إذا عرفت حقيقة هذه الأقوال التي حققها الاستدلال وأساطين المفسرين وعيون ~~العيون من المحققين عرفت أن آية الاستثناء كما قال صاحب (الكشاف) من ~~المعضلات وقد اختلفت فيه كما رأيت أذهان المحققين الأثبات وقد سبق قول ابن ~~القيم في آية الاستثناء في أهل الجنة أنه على كل تقدير أن الاستثناء فيه من ~~المتشابه وأن المحكم قوله تعالى: {عطاء غير مجذوذ} [هود: 108] و {ظلها ~~دائم} (89) وآيات الخلود التي وردت في الكتاب العزيز (90) فلك أن تقول بغير ~~هذا القول في آية الاستثناء في أهل النار أنه من المتشابه وأن المحكم ~~{خالدين فيها} {وما هم منها ms63 بمخرجين} [الحجر: 48] (91) والآيات المصرحة ~~بخلود PageV01P109 # أهل النار في القرآن كثيرة جدا وسيأتي عد بعضها فيرد المتشابه وهي آية ~~الاستثناء إلى المحكم وقد حكم الله بخلود أهل النار في النار وتواترت ~~الأحاديث بإخراج عصاة الموحدين وقد ورد الاستثناء فلا ندري ما أراد الله هل ~~بإخراج (92) العصاة من الموحدين كما قال جماهير أهل السنة وهو المروي عن ~~ابن عباس كما أسلفناه عنه أو هو قريب أو هو عين المراد. أو أراد به أمرا ~~استأثر الله بعلمه فنقول: {آمنا بالله كل من عند ربنا} [آل عمران: 76] وقد ~~أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله تعالى: {إلا ما ~~شاء ربك} فإن الله أعلم ثنيته (93) على ما وقعت وأخرج ابن جرير عن (94) ابن ~~زيد قال: قد أخبرنا الله بالذي شاء لأهل الجنة فقال: {عطاء غير مجذوذ} ولم ~~يخبرنا بالذي شاء لأهل النار وأخرج ابن المنذر عن أبي وائل أنه كان إذا سئل ~~عن الشيء في القرآن قال قد أصاب الله به الذي أراده # هذا وإذا عرفت ما ألقينا عليك عرفت أنه لم يتم ما ادعاه ابن PageV01P110 # تيمية في الآية. وأنه أريد بالاستثناء فناء أهل النار فإنه قول في الآية ~~بلا دليل ولا قال به من السلف أحد ولا من الخلف وأنه ليس في يد شيخ الإسلام ~~شيء لا من كتاب ولا من سنة ولا من صحابي كما قررناه فليس في يديه إلا دعوى ~~بغير برهان لا يقول فيها دون دق الشأن (95) ولا يعتمد عليها أهل الإتقان ~~وعرفت أنه ما صفا قول قائل في الاستثناء في آية أهل النار عن كدر الإشكال ~~وأن الأقوال فيه كلها أراء محضة إلا القول بأنه أريد به عصاة الموحدين فإنه ~~قول قويم قد قاله بحر الأئمة وحبرها المدعو له بتعليم التأويل ابن عباس كما ~~أسلفناه ودلت عليه أدلة أثرية وقرائن قرآنية فالقول به قويم ولا يدخل تحت ~~التفسير بالرأي الذي ورد الوعيد على (من قال في القرآن برأيه) (96) . فلا ~~يقال إنه يتعين الوقف عن ذلك ms64 الخوض والإيمان بما أراده الله ورد علمه إليه # ثم استدل شيخ الإسلام على سعة رحمة الله تعالى أنها أدركت أقواما ما ~~فعلوا خيرا وساق أحاديث دالة على أن الرحمة أدركت من كان من عصاة الموحدين ~~كما ستعرفه وليس من محل النزاع # فمن الأدلة التي ساقها على مدعاه قصة الذي أمر أهله أن يحرقوه ويذروه في ~~الرياح في البر والبحر خشية أن يعذبه الله قال: (فقد PageV01P111 # شك في المعاد فأحياه الله تعالى قال فهذا لم يعمل خيرا قط وأدركته رحمة ~~الله تعالى) (97) PageV01P112 # وأقول هذا ليس من محل النزاع فهذا مؤمن بالله عالم بأن الله يعذب من عصاه ~~وقد وقع من خوفه وخشية أمره بتحريقه ففي قلبه خير. وإن لم يعمل خيرا قط. ~~ولذلك الخير أدركته رحمة الله # واستدل أيضا على مدعاه بما أخرجه أحمد في (مسنده) من حديث الأسود بن سريع ~~مرفوعا ( [يأتي] أربعة يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئا ورجل أحمق ورجل ~~هرم ورجل مات في فترة أما الأصم فيقول: رب قد جاء الإسلام وما أسمع شيئا ~~وأما الأحمق فيقول: رب جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر وأما الهرم ~~فيقول: رب جاء الإسلام وما أعقل شيئا وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما ~~أتاني من رسول فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل عليهم ليدخلوا النار قال: ~~فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما) (98) PageV01P113 # وأقول ليس الحديث أيضا في محل النزاع إذ هو في فناء النار ودخول أهلها ~~الجنة وهؤلاء الثلاثة الأولون ليسوا بمشركين فإنهم كانوا في دار الدنيا غير ~~مكلفين فلم يتحقق منهم أنهم كانوا مشركين وليسوا ممن دخل النار ثم فنيت وهم ~~فيها: والرابع الذي مات في الفترة مخاطب بشرع من قبله بنص قوله تعالى: {وإن ~~من أمة إلا خلا فيها نذير} [فاطر: 24] والحديث لم يذكره شيخ الإسلام بتمامه ~~وهو حديث مشكل ولا حاجة لنا إلى الكلام عليه بعد بيان أنه ليس من محل ~~النزاع # ثم استدل شيخ الإسلام بحديث رواه ابن المبارك من حديث أبي # قلت: لم ms65 يتبين لي وجه الإشكال إلا أن يكون بدا له التعارض بين الآية {. . ~~إلا خلا فيها نذير} وبين قوله الذي مات في الفترة: (ما أتاني من نذير) . ~~فإن كان هذاهو المشكل فلا إشكال عندي لأنه ليس من الضروري أن تبلغ النذارة ~~كل فرد من أفراد كل أمة بل يمكن أن يكون في كل أمة من لم تبلغهم الدعوة. ~~حتى في هذه الأمة المحمدية فمن الذي يستطيع أن يقول بأن سكان القطب الشمالي ~~والقطب الجنوبي قد بلغتهم دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لا سيما قبل عصرنا ~~هذا الذي تيسرت فيه طرق التبليغ كالراديو وغيره. ولكن أين المبلغون للدعوة ~~إليهم وإلى أمثالهم على وجه الأرض وبلغاتهم؟ بل أين المبلغون للدعوة الحق ~~التي نزلت على قلب محمد صلى الله عليه وسلم للمسلمين أنفسهم حين انحرف ~~الكثيرون منهم عنها بل وحاربوها هذا أولا # وثانيا: فإن قول المؤلف: أن الذي مات في الفترة مخاطب بشرع من قبله. . لا ~~يدل عليه قوله تعالى: {وإن من أمة} لأن المعنى: (ما من أمة من الأمم ~~الماضية إلا مضى فيها نذير من الأنبياء ينذرها) كما قال الشوكاني في (فتح ~~القدير) . وأما أنها تدل على أن من مات فيها نذير من الأنبياء ينذرها) كما ~~قال الشوكاني في (فتح شيء لا تدل عليه الآية لا من قريب ولا من بعيد بل لا ~~بد له من دليل خاص. فكيف والثابت خلافه وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ~~(وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة) . رواه الشيخان وهو ~~مخرج في (الإرواء) (285) # PageV01P114 # هريرة مرفوعا: أن رجلين (99) دخلا النار واشتد صياحهما فقال الرب جل ~~جلاله أخرجوهما فقال لأي شيء اشتد صياحكما فقالا: فعلنا ذلك لترحمنا. فقال: ~~رحمتي لكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما في النار. فيلقي أحدهما نفسه فيجعلها ~~عليه بردا وسلاما ويقوم الآخر فلا يلقي فيقول له الرب: ما منعك أن تلقي ~~نفسك] كما ألقى صاحبك؟ فيقول: رب إني أرجو أنك لا تعيدني فيها بعد أن ~~أخرجتني منها. فيقول: لك رجاؤك فيدخلان ms66 جميعا الجنة برحمة الله) # وأقول: هذا كما تراه في إخراج العصاة من الموحدين فإنه لا يقول ابن تيمية ~~أن يخرج الكفار من النار كما يقول غيره PageV01P115 # ثم ساق حديثا ثالثا مثل هذا الحديث ليس من محل النزاع # ثم تعرض لأدلة القائلين بعدم فناء النار (100) فقال: (لهم ست طرق أحدها ~~الإجماع على عدم فنائها) قال: (والإجماع غير معلوم إنما يظنه في هذه ~~المسألة من لم يعرف النزاع فيها وقد عرفت النزاع قديما وحديثا قال: (ولو ~~كلف مدعي الإجماع أن ينقل عن عشرة من الصحابة فما دونهم أنه قال النار لا ~~تفنى لم يجد إلى ذلك سبيلا) ونحن قد نقلنا عنهم التصريح بخلاف ذلك فما ~~وجدنا عن واحد منهم خلاف ذلك # وأقول: قد عرفت أنه نقل عن ستة من الصحابة عبارات لا تدل على مدعاه وهو ~~فناء النار بنوع من الدلالات كما أوضحناه ولا يصح نسبته لتلك الدعوى إلى ~~واحد من أولئك الستة فلم يوجد لأحد مما وجدنا عن واحد من الصحابة أنه يقول ~~بفناء النار كما أنه لا يوجد قائل من الصحابة أنه يقول بعدم فناء النار فإن ~~هذه المسألة وهي فناء النار لا تعرف في عصر الصحابة ولا دارت بينهم فليس ~~نفي ولا إثبات بل الذي عرفوه فيها هو ما في الكتاب والسنة من خلود أهل ~~النار أبدا وأن أهلها ليسوا منها بمخرجين وعرفوا ما ثبت من خروج عصاة ~~الموحدين PageV01P116 # إذا عرفت هذا عرفت أن دعوى فناء النار أو عدم فنائها قول للصحابة دعوى ~~باطلة إذ هذه الدعوى لا توجد في عصرهم حتى يجمعوا عليها نفيا أو إثباتا نعم ~~القول الذي دل عليه القرآن من خلود النار أهلها فيها أبدا يتضمن القول عنهم ~~بما تضمنه القرآن ودل عليه الأصل فيما أخبر الله به عن الدارين الأخروين ~~البقاء فلا يحتاج مدعي عدم الفناء إلى الدليل على ذلك الأصل ثم قال: # (الثاني (أي من الستة الأدلة للقائلين بعدم الفناء) أن القرآن دل على ذلك ~~دلالة قاطعة فإنه تعالى أخبر أنه {عذاب مقيم} ms67 [المائدة: 37] وأنه {لا يفتر ~~عنهم} [الزخرف: 75] وأنه لا يزيدهم إلا عذابا (101) وأنهم {خالدين فيها ~~أبدا} (102) وأنهم {وما هم بخارجين (103) من النار} [البقرة: 167] {وما هم ~~منها PageV01P117 # بمخرجين} (104) وإن الله حرم الجنة على الكافرين (105) وأنهم {لن يدخلوا ~~الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} (106) و {أن عذابها كان غراما} ~~[الفرقان: 65] . قال: والجواب أن هذا كله مسلم وأنهم لا يخرجون منها وأنه ~~لا يفتر عنهم العذاب ما دامت باقية وليس محل النزاع إنما محل النزاع لا ~~تفنى النار قال: وهذه النصوص تقضي بخلودهم في النار ما دامت باقية) (107) ~~هذا جوابه # وأقول: قد عرفت أنه لا يتم هذا الجواب ما لم يؤخذ بأدلة ناهضة على فناء ~~النار ولم يقم دليل على ذلك قال: # (الطريق الثالث (من أدلة القائلين بعدم فناء النار) : أن السنة ~~PageV01P118 # المستفيضة أخبرت بخروج من في قلبه أدنى ذرة من إيمان دون الكفار فأحاديث ~~الشفاعة كلها صريحة في خروج الموحدين دون الكافرين قال: # الجواب: أن هذا لا شك فيه وهو إنما يدل (108) على ما قلناه من خروج ~~الموحدين فيها وهي باقية ويبقى المشركون ما دامت باقية) # وأقول: الجواب ما سلف. ثم قال: # (الطريق الرابعة (للقائلين بعدم فناء النار) : أوقفنا الرسول على ذلك ~~وعلمناه من دينه ضرورة كما علمنا دوام الجنة (109) . وأجاب بأنه لا ريب أن ~~الكفار باقون فيها ما دامت باقية هذا هو المعلوم من دينه ضرورة وأما كونها ~~أبدية لا تفنى كالجنة. فمن أين في القرآن والسنة دليل واحد على ذلك؟) # وأقول: الدليل يتوجه على من ادعى الفناء ولم يأت شيخ الإسلام بشيء واحد ~~والأصل هو خلود النار وأبديتها كما دل عليه الكتاب والسنة فلا يحتاج مدعي ~~عدم الفناء إلى دليل آخر بعد هذا الأصل. قال: # (والدليل الخامس (من أدلة القائلين بفناء النار) : أن في عقائد ~~PageV01P119 # أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان لا يفنيان أبدا والقول بفنائها من ~~أقوال أهل البدع. قال: # والجواب: أنه لا ريب أن القول بفنائها قول أهل البدع وأما القول بفناء ~~النار وحدها فقد أوجدناكم من قال ms68 به من الصحابة وتفريقهم بين الجنة والنار ~~فكيف تقولون: إنه من قول أهل البدع؟) (110) # وأقول لأنه يصدق عليه رسم البدع ففي (القاموس) : (البدعة بالكسر الحدث في ~~الدين بعد الإكمال أو ما أحدث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأهواء ~~والأعمال) انتهى # والمعلوم أنه لم يقع في ذلك العصر قول بفناء النار ودخول الكفار جنات ~~تجري من تحتها الأنهار ولا أوجدنا شيخ الإسلام مع تبحره في العلوم وسعة ~~اطلاعه على أقوال السلف والخلف على قول واحد من الصحابة بفناء النار ودخول ~~الكفار الجنات. وإن كان كذلك فالقول به بدعة قطعا. قال (111) : # (والدليل السادس (للقائلين بعدم فناء النار) : أن العقل يقضى بخلود ~~PageV01P120 # الكفار: ثم قرر وجه الاستدلال بما حاصله أنه مبني على أن المعاد وإثابة ~~النفوس المطيعة وعقوبة النفوس العاصية مما يعلم بالعقل كما يعلم بالسمع ~~(قال) كما دل عليه القرآن في غير موضع كإنكاره تعالى على من زعم أنه يخلق ~~خلقه عبثا وأنهم إليه لا يرجعون وأنه يتركهم سدى لا يثيبهم ولا يعاقبهم وأن ~~ذلك يقدح في حكمته وكماله وأنه ينسبه إلى ما لا يليق ثم قرره تقريرا آخر. ~~وأجاب عنه بقوله: # وأما حكم العقل بتخليد أهل النار فيها فإخبار عن العقل بما ليس عنده فإن ~~المسألة من المسائل التي لا تعلم إلا بخبر الصادق ثم أن العقل دل على ~~المعاد والثواب والعقاب إجمالا وأما تفصيلا فلا يعلم إلا بالسمع وقد دل ~~السمع على دوام ثواب المطيعين وأما عقاب العصاة فدل دلالة قاطعة على ~~انقطاعه في حق الموحدين وأما دوامه وانقطاعه في حق الكفار فهو من معترك ~~النزال فمن كان السمع في جانبه فهو أعلم بالصواب) (112) # قلت: وهو تحقيق حسن إلا أني لا أدري من الذين قالوا أن العقل حكم بخلود ~~العصاة في النار فإن أشد الناس بهم الوعيدية والمعتزلة إلا القليل وأكثرهم ~~قائلون بأن العقل يقضي بحسن العفو # (1) الحادي (2 / 188 - 189) # PageV01P121 # عن الكفار لولا ورود السمع بان الله لا يغفر أن يشرك به # هذا وقد انتهت المناظرة التي ms69 ساقها ابن القيم عن شيخه شيخ الإسلام بين ~~الفريقين. ومن له نباهة وهو من أولي الألباب لا يخفى عليه بعدما قررناه وجه ~~الصواب # ثم ساق شيخ الإسلام من الأدلة على مدعاه فقال مستدلا: # (إن الله خلق عباده على الفطرة وخلقهم حنفاء فلو خلوا وفطرهم لما نشئوا ~~إلا على التوحيد. (قال) : والأشقياء غيروا الفطرة إلى ضدها واستمروا على ~~ذلك التغيير ولم تغن عنهم الآيات والنذر في هذه الدار فأتاح الله لهم آيات ~~أخر وأقضية وعقوبات فوق التي كانت في الدنيا يستخرج الخبث والنجاسة التي لا ~~تزول بغير النار فإذا زال موجب العقاب وسببه زال العذاب وبقي مقتضى الرحمة ~~لا معارض له) (113) . وأراد (بمقتضى الرحمة) الميثاق الذي أخذ عليهم ~~بالإيمان وهم في عالم الذر (114) # وأقول: لا شك أنه يدخل النار من كفار الجن والشياطين أمم لا PageV01P122 # يحصون بل ربما يدعى أنهم أكثر من كفار بني آدم وما ذكره شيخ الإسلام من ~~عود أهل النار بعد زوال خبيث الكفر إلى الفطرة والإقرار الذي كان في عالم ~~الذر إن ساعدناه عليه ثم له في من أقر في عالم الذر بالربوبية من بني آدم ~~لا غير ودعواه فناء النار وأن سكانها وأهلها يدخلون الجنة وهو حكم عام لكل ~~من دخل النار والدليل خاص ببعض بني آدم وإنما قلناه: (إن ساعدناه) لأنه قد ~~ثبت في الأحاديث أن الكفار لم تشملهم الفطرة. والإقرار بالربوبية في عالم ~~الذر [لم يكن] إلا كرها فليس لهم حظ من فطرة الله التي فطر الناس عليها كما ~~أخرجه أحمد والبخاري ومسلم من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : # (يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ما في الأرض أكنت ~~مفتديا به؟ فيقول: نعم. فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك قد أخذت عليك في ~~ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي) (115) والتعقيب ~~بالفاء يشعر بأن الإباء كان عند أخذ الميثاق عليه وهو في ظهر أبيه [أن] لا ~~يشرك ms70 في الدنيا ويوضح ذلك ما أخرج ابن عبد البر في (التمهيد) من طريق السدي ~~عن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وناس من الصحابة في ~~الآية: أن الله مسح صفحة ظهر آدم فأخرج فيها ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة ~~الذر ومسح صفحة PageV01P123 # ظهره اليسرى فأخرج منها ذرية سوداء كهيئة الذر فذلك قوله: {أصحاب اليمين ~~ما أصحاب اليمين} [الواقعة: 27] و {أصحاب الشمال ما أصحاب الشمال} ~~[الواقعة: 41] ثم أخذ الميثاق فقال: {ألست بربكم قالوا بلى} [الأعراف: 172] ~~فأعطاها طائفة طائعين وطائفة كارهين على وجه التقية (إلى أن قال: وذلك قوله ~~تعالى: {وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها} [آل عمران: 83] وهذا ~~المعنى كثير في الأحاديث ومنه حديث الغلام الذي قتله الخضر أخرج مسلم وأبو ~~داود والترمذي (116) وعبد الله بن أحمد في (زوائد المسند) وابن مردويه عن ~~[أبي] بن كعب عنه صلى الله عليه وسلم قال: (الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم ~~طبع كافرا ولو أدرك لأرهق أبويه طغيانا وكفرا) (117) وأخرج سعيد بن منصور ~~وابن مردويه عن ابن عباس مثله (118) . نعم أحاديث كل مولود يولد على الفطرة ~~وإنما أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه أحاديث ثابتة في الصحيحين وغيرهما ~~(119) وتفسير الفطرة بالدين منصوص عليه فلا PageV01P124 # بد من الجمع بين الأحاديث بتخصيص أحاديث الفطرة ونحوها وهي أحاديث كثيرة ~~من الجانبين وهي كلها في بني آدم ثم لك أن تجمع بين أحاديث عموم الفطرة ~~وحديث أنس الذي عند أحمد والشيخين الذي أسلفناه بأن نقول: الكل على الفطرة ~~أي فطرة الإقرار بالتوحيد من أقر تقية كرها ومن أقر طوعا حقيقة كذلك فيتم ~~العموم ثم إن المقرين تقية اجتالتهم الشياطين كما في لفظ الحديث (120) ~~وهودهم الآباء ونصروهم ومجسوهم واقتادوهم وانقادوا لهم وللشياطين لما في ~~طبائعهم الخبيثة من أول وهلة حين أقروا تقية تجتمع الأحاديث والله أعلم # ثم قال شيخ الإسلام: # (فإذا أخذت النار مأخذها منهم وحصلت الحكمة المطلوبة من عذابهم فإن ~~العذاب لم يكن سدا وإنما كان لحكمة مطلوبة فإذا PageV01P125 # حصلت تلك الحكمة لم ms71 يبق في التعذيب أمر يطلب) (121) # وأقول لم يقم شيخ الإسلام دليلا على أن الحكمة المطلوبة لله في تعذيب ~~الكفار هي زوال النجاسة الكفرية وخبثه الذي لا يزول إلا بعذاب النار وإنما ~~قال ذلك تظننا منه وتحسبا تفرع عن اعتقاده فناء النار وقد أورد على نفسه ~~سؤالا فقال: # (إن قيل: سبب التعذيب لا يزول إلا إذا كان عارضا كمعاصي الموحدين أما ما ~~كان لازما كالكفر والشرك فإن أثره لا يزول كما لا يزول السبب وقد أشار الله ~~تعالى إلى ذلك فقال: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} [الأنعام 28] إخبارا ~~بأن نفوسهم وطبائعهم لا تقبل (122) غير الشرك وإنها غير قابلة للإيمان أصلا ~~قال [تعالى] : {ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا} ~~[الإسراء: 72] فأخبر أن ضلالهم عن الهدى دائم لا يزول PageV01P126 # مع معاينتهم الحقائق التي أخبرت بها الرسل وقال: {لو علم الله فيهم خيرا ~~لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} [الأنفال: 23] فهذا يدلك على أنه ~~ليس فيهم خير يقتضي الرحمة ولو كان فيهم خير لما ضيع [عليهم] أثر وهو يدل ~~على أنه لا خير فيهم هنالك أيضا) (123) # وأجاب بقوله: (لعمر الله إن هذا أقوى ما يتمسك به في هذه المسألة ولكن هل ~~هذا الكفر والخبث والتكذيب أمر ذاتي [لهم] زواله مستحيل أم هو أمر عارض ~~طارئ على الفطرة قابل للزوال؟ وليس بأيديكم ما يدل على استحالة زواله وأنه ~~أمر ذاتي قد أخبر الله أنه فطر عباده على الحنفية وأن الشياطين اجتالتهم ~~عنها فلم يفطرهم على الكفر والتكذيب وإنما فطرهم على الإقرار بخالقهم ~~ومحبته وتوحيده (124) وإذا كان هذا الحق الذي فطروا عليه قد أمكن زواله ~~بالكفر والشرك كان زوال الكفر والشرك بضده أولى وأحرى ولا ريب [أنهم] لو ~~ردوا على تلك الحال لعادوا لما نهوا عنه لكن من أين لكم أن تلك الحال لا ~~تزول ولا تبدل بنشأة أخرى ينشؤهم عليها تبارك وتعالى (125) PageV01P127 # أقول: قد دار جواب هذا الإيراد والذي أقر أنه من أقوى ما يتمسك به ~~المخالف على أن ms72 الكفار مخلوقون على الفطرة أي فطرة الدين الحنيف وهو ~~التوحيد وقد سمعت من حديث ابن عباس وابن مسعود وغيرهم أنها لم تشملهم ~~الفطرة ولا وقع منهم الإقرار بالوحدانية في عالم الذر إلا تقية # ثم هب أن الفطرة شاملة لبني آدم كما قال تعالى: {لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين} [هود: 119] والفطرة إنما هي للناس كما في الآية والحديث: ~~(إنهم خلقوا حنفاء فاجتالتهم الشياطين) (126) . فإن ساعدناه على أن الناس ~~مفطورون على التوحيد فيما يصنع بالجن والشياطين وهم من جملة من تفنى عنهم ~~النار ويدخلون الجنة؟ أيزعم أنهم مفطورون على التوحيد مخلوقون حنفاء؟ فمن ~~اجتالهم فإنهم هم الذين اجتالوا العباد. فهذا وارد على عمومهم الفطرة مع ~~التسليم والمماشاة. وأما قوله: (فمن أين لكم أنه لا يزول) ؟ # قلنا: من إخبار الله في الآيات التي ساقها في صدر السؤال ولعدم الدليل ~~على زوال ما كانوا عليه. وكفى دليلا (127) على عدم زوال نجاسة الكفر وخبث ~~الشرك ودرن التكذيب بالنار قوله تعالى: PageV01P128 # {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه} إلا أنه قال شيخ الإسلام: # (إن هذا الإخبار منه تعالى عنهم قبل دخولهم النار فإنه تعالى قال: {ولو ~~ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب ... } إلى قوله: {ولو ~~ردوا لعادوا لما نهوا عنه} (128) # أي لو ردوا من شفير جهنم قبل دخولها لعادوا لما نهوا عنه من التكذيب ~~والكفر وذلك لازم لهم لم يزل عنهم خبث الشرك فإنه لا يزول إلا بدخول النار # قلت: قد حكى الله عنهم أنهم يقولون وهم بين أطباقها يصلونها: {ربنا ~~أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} [المؤمنون: 107] وأنه يقول في جوابهم: ~~{اخسئوا فيها ولا تكلمون} [المؤمنون: 108] فلم يجبهم تعالى وقد ذاقوا ~~العذاب واعترفوا بالظلم إلا بقوله: {اخسئوا فيها ولا تكلمون} ولم يقل ابقوا ~~حتى تطهروا من خبث الكفر ولعل شيخ الإسلام يقول لم يكن عند هذا الاعتراف قد ~~طهرت تلك النفوس من خبث الشرك # وجوابه: أن هذه الدعوى [من] العنت وتقريره أن زوال خبث الشرك والكفر ~~بالنار من عيب تفرع ms73 عن دعوى الفناء للنار والأصل بقاؤه ما لم يقم عليه دليل ~~كما عرفت PageV01P129 # ثم استدل على ذلك المدعى بأحاديث الشفاعة الثابتة في (الصحيحين) وغيرها ~~وفيها (أن الله يقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط) ~~قال: # فهذا يدل على إخراج قوم لم يكن في قلوبهم خير قط كما يدل له السياق فإن ~~لفظ الحديث هكذا: (أخرجوا من في قلبه مثقال ذرة من خير فيخرجون خلقا كثيرا ~~ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرا فيقول الله: شفعت الملائكة وشفعت النبيون ~~وشفعت المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة ... ) الحديث (129) ~~قال: # (فهذا السياق يدل على أن هؤلاء لم يكن في قلوبهم مثقال ذرة من خير ومع ~~هذا فأخرجتهم الرحمة) PageV01P130 # أقول: الحديث ليس من محل النزاع فإنه في إخراج أقوام من النار وهي باقية ~~وقد قرر شيخ الإسلام فيما سلف أنه لا يخرج منها الكفار وهي باقية وإن كان ~~إنما استدل به عليه بعموم الرحمة # ثم يقال: الحديث دل على أن الملائكة أخرجت من علمت في قلبه مثقال ذرة من ~~خير ولا دليل أنهم يعلمون كل من في قلبه مثقال ذرة من خير فإنهم لا يعلمون ~~من أحوال القلوب إلا ما أعلمهم الله كما قال تعالى: {يعلمون ما تفعلون} ~~[الانفطار: 12] فهم يعلمون أفعالنا لا ما انطوت عليه قلوبنا ولهذا وردت ~~الأحاديث أنهم يصعدون بالعمل يرونه حسنا ويرد فيقول الله أن فاعله أراد به ~~كذا وكذا أي من الرياء ونحوه فأخرج البزار والطبراني في (الأوسط) ~~والدارقطني والأصبهاني في (الترغيب والترهيب) من حديث أنس قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : (يؤتى يوم القيامة بصحف مختمة فتنتصب بين يدي ~~الله فيقول: ألقوا هذه واقبلوا هذه. فتقول الملائكة وعزتك ما كتبنا إلا ما ~~عمل. فيقول الله أن هذا كان لغير وجهي وأنا لا أقبل اليوم إلا ما ابتغي به ~~وجهي) (130) PageV01P131 # وهذا الحديث فيه الإخبار بأن الملائكة قالت: (لم نذر فيها خيرا) أي: أحدا ~~فيه خير والمراد ما علموه بإعلام الله. ويجوز ms74 أن يقال لم يعلمهم بكل من في ~~قلبه خير وأنه بقي من أخرجهم بقبضته ويدل له أن لفظ الحديث (أنه أخرج ~~بالقبضة من لم يعملوا خيرا قط) فنفى العمل ولم ينف الاعتقاد وفي حديث ~~الشفاعة تصريح بإخراج قوم لم يعملوا خيرا قط ويفيد مفهومه أن في قلوبهم ~~خيرا. ثم سياق الحديث يدل على أنه أريد بهم أهل التوحيد لأنه تعالى ذكر ~~الشفاعة للملائكة والأنبياء والمؤمنين ومعلوم أن هؤلاء يشفعون بعصاة أهل ~~التوحيد. فإنه لا يقول ابن تيمية ولا غيره أنه يشفع للكفار بقرائن القبض ~~التي قبضها الرب في عصاة الموحدين والأليق بالسياق أنها أيضا فيهم (131) ~~وقد أخرج البيهقي في PageV01P132 # الشفاعة (132) من حديث جابر مرفوعا وفيه: (اذهبوا فمن وجدتم في قلبه ~~مثقال حبة من خردل من إيمان فاخرجوا (إلى أن قال) ثم يقول الله تعالى: الآن ~~أخرجوا بعلمي وحلمي فيخرج أضعاف ما أخرجوا وأضعافه) . فقوله تعالى: (بعلمي) ~~يدل على أنه علم قوما في قلوبهم الخير لم تعلمهم الملائكة. وهب أنا ساعدناه ~~وأن تعالى أخرج قوما من الكفار من النار أين هذا من محل النزاع وهو فناء ~~النار وإدخال من كان فيها من الكفار الجنة؟ # ثم قال شيخ الإسلام مستدلا أيضا: # (إن العبد إذا اعترف بذنوبه حقيقة الاعتراف المتضمن لنسبة السوء والظلم ~~واللوم إليه والحمد والرحمة والكمال المطلق لربه وفي كل وقت يستعطف ربه ~~ويستدعي رحمته وإذا أراد الله أن يرحم عبده ألقى ذلك في قلبه لا سيما إذا ~~اقترن بذلك عزم العبد على ترك المعاودة وعلم الله ذلك من داخل قلبه ~~وسويدائه فإنه لا يختلف عن الرحمة فإذا علمت تلك النفوس الخبيثة أن العذاب ~~أولى لها وأنه لا يليق بها سواه ولا تصلح إلا له فقد ذابت تلك الخبائث ~~وتلاشت وتبدلت وبذل وانكسار وثناء على رب العالمين تبارك وتعالى - لم يكن ~~في حكمته أن يستمر العذاب بعد ذلك إذ قد تبدل شرها PageV01P133 # بخيرها وشركها بتوحيدها وكبرها بخضوعها وذلها) (133) # وأقول: قال الله تعالى مخبرا عن المشركين واعترافهم المذكور: {وقالوا لو ~~كنا نسمع ms75 أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب ~~السعير} [الملك: 10 و11] فهذا نص في اعترافهم الاعتراف الحقيقي فإنه لا ~~يطلق تعالى على ما ليس باعتراف أنه اعتراف ثم قال: {فسحقا لأصحاب السعير} ~~أي: بعدا لهم عن الرحمة والإغاثة والغفران فهذا نص في وجه هذا القول الذي ~~قاله تظننا. وقال تعالى لما قالوا وهم في دركات النار: {أخرجنا منها فإن ~~عدنا فإنا ظالمون} [المؤمنون: 107] فاعترفوا بظلمهم وأخبروا عن عزيمتهم ~~أنهم لا يعودون أي إن عدنا إلى ما كنا فيه من الكفر والتكذيب كما يفيده لفظ ~~العود ولم يجب عليهم تعالى إلا بقوله: {اخسئوا فيها ولا تكلمون} [المؤمنون: ~~108] # وأخرج الترمذي (134) والبيهقي من حديث أبي الدرداء مرفوعا وفيه: (أن أهل ~~النار ينادون خزنة جهنم ثم يدعون مالكا ثم يقولون PageV01P134 # ادعوا ربكم فلا أحد خير من ربكم فيقولون: {ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا ~~قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} [المؤمنون: 106 و107] ~~فيجيب عليهم الرب: {اخسئوا فيها ولا تكلمون} [المؤمنون: 108] . (فعند ذلك ~~يئسوا من كل خير وعند ذلك أخذوا في الزفير والشهيق والويل) # ثم يقال: وقد قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء} في آيتين من سورة (النساء) [48 116] وهو غير مقيد بزمان ولا ~~حال فيجب الوقوف والتسليم في هذا المقام والاعتراف بالعجز عن إدراك حكمة ~~الحكيم العلام فكيف يقول شيخ الإسلام لم يكن في حكمته أن يستمر بها العذاب؟ ~~وأين للعقول الاطلاع على أسرار حكمته وكيف لها # PageV01P135 # الوصول إلى معرفة عجائب ملكوته وجبروته # ثم أخذ شيخ الإسلام يستدل بأحاديث (آخر الناس خروجا من النار) وأحاديث ~~(أدنى الناس منزلة في الجنة) وهي أحاديث واضحة في عصاة الموحدين ولا حاجة ~~إلى سردها فهي معروفة في محالها (135) # ثم قال مستدلا على مدعاه: أنه تعالى يخبر عن العذاب أنه {عذاب يوم عقيم} ~~و {وعذاب يوم عظيم} و {عذاب يوم أليم} [الزخرف: 65] ولا يخبر عن النعيم أنه ~~نعيم يوم ولا في موضع ms76 واحد (136) # وأقول: ورد {عذاب يوم عظيم} في قصة صالح في قوله لقومه: {ولا تمسوها بسوء ~~فيأخذكم عذاب يوم عظيم} [الشعراء: 156] والمراد به اليوم الذي أخذهم فيه ~~العذاب بالدنيا وهو العقاب # ومن قول شيخ الإسلام في فصل له في إثبات حكمة أحكم الحاكمين وأن السلف من ~~الصحابة والتابعين والأئمة المشهورين يقرون بها لله في خلقه وأمره قال: ~~(لكن قد يعرف أحدهم وقد لا يعرفها ويقرون بما جعله من الأسباب وما في خلقه ~~وأمره من المصالح التي جعلها رحمة بعباده ... وأن كل ما وقع من خلفه وأمره ~~فعدل وحكمة سواء عرف العبد ذلك أو لم يعرفه) . انظر (مجموع الفتاوى) (17 / ~~198 - 205) PageV01P136 # القريب الذي أوعدهم به في قوله: {ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب} ~~[هود: 64] (137) قال تعالى: {فلما جاء أمرنا نجينا صالحا} إلى قوله: {ومن ~~خزي يومئذ} [هود: 66] أي: يوم أخذهم العذاب العظيم القريب فهو يوم من أيام ~~الدنيا. وورد {عذاب يوم عظيم} في قصة شعيب: {فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة ~~إنه كان عذاب يوم عظيم} [الشعراء: 189] وورد {عذاب يوم عقيم} في قوله ~~تعالى: {ولا يزال الذين كفروا في مرية منه ... .} الآية إلى قوله: {أو ~~يأتيهم عذاب يوم عقيم} [الحج: 55] وفسر بيوم بدر كما أخرجه ابن مردويه ~~والضياء في (المختارة) عن ابن عباس وأخرجه أيضا ابن مردويه عن أبي بن كعب. ~~وأخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير وأخرجه ابن ~~أبي حاتم عن عكرمة. فهذه كلها من أيام الدنيا وهب أنه ورد ذلك في صفة عذاب ~~الآخرة فإنه قد ثبت بنص القرآن أنهم لابثون فيها أحقابا والحقب - كما ذكره ~~ابن تيمية في هذه المسألة - خمسون ألف سنة قال: أخرجه الطبراني من ~~PageV01P137 # حديث أبي أمامة مرفوعا (138) . والأحقاب جمع (139) وأقله ثلاثة يعني ~~(140) مائة ألف سنة وخمسين ألف سنة # هذا وقد ورد في أهل الجنة {أن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهين} [يس: 55] ~~وهذا تقييد لنعيمهم وكونهم فاكهين والفاكه المتنعم المتلذذ ومعلوم أنهم في ~~شغل فاكهون أبد الآباد وقال تعالى: ms77 {يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم ~~تحزنون} [الزخرف: 68] فإن قيل أراد به مبدء زوال الخوف والحزن # قلنا كذلك {عذاب يوم} أريد به مبدأه وحينئذ فلا دليل بالتقييد مطلق ~~الزمان فمن أيام الآخرة ليس لها قيد به من نعيم ولا عذاب (140) . بل أريد ~~به مطلق الزمان فإن أيام الآخرة ليس لها مقدار فمتى [أطلق اليوم] أطلقه على ~~مطلق المدة {هذا يوم لا PageV01P138 # ينطقون} [المرسلات: 35] {هذا يوم الفصل} [الصافات: 21] {هذا يومكم الذي ~~كنتم توعدون} [الأنبياء: 103] {اليوم نختم على أفواههم} [يس: 65] # {إني جزيتهم اليوم بما صبروا} [المؤمنون: 111] {وإن يوما عند ربك كألف ~~سنة مما تعدون} [الحج: 47] {في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة} [المعارج: 4] ~~فليس المراد من الجميع اليوم المعروف للمقدار المذكور قطعا ومن إطلاقه على ~~مطلق المدة قوله في قصة عاد: {إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} [الشعراء: ~~135] ثم يبينه في (الحاقة) بقوله: {وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية} إلى ~~قوله: {ثمانية أيام حسوما} [6 و7] . فهذا تفسير لليوم العظيم بأيام وليالي. ~~وبهذا يعلم ضرورة أنه إذا أطلق اليوم في تقييد الأمور الأخروية علم يقينا ~~أنه مطلق الزمان ولا تحديد له ولا تعيين ولا نهاية إلا بدليل. وقد كان ~~أعجبني استدلاله بما ذكر من تقييد عذاب الآخرة باليوم في آيات وعدم تقييد ~~نعيم الجنة ولا في آية فلما حققته وجدته لا شيء نفيا وإثباتا # أما إثباتا فإنه ما ثم دليل على مدعاه وأما نفيا فإنك قد سمعت ما سقناه ~~من تقييد نعيم أهل الجنة فاليوم كما قال الله في الجنة {ادخلوها بسلام ذلك ~~يوم الخلود} [ق: 34] انتهى # PageV01P139 # وقد انتهى (142) إلى هنا ما اجلب إليه شيخ الإسلام من خيل الأدلة ورجلها ~~وكثيرها وقلها ودقها وجلها وأجرى فيها قلمه ونشر فيها علمه وأتى بكل ما قدر ~~عليه من قال وقيل واستنفر كل قبيل وجيل وسردها تلميذه ابن قيم الجوزية وقال ~~في آخرها # هذه نهاية أقدام الفريقين في هذه المسألة ولعلك لا تظفر بها في غير هذا ~~الكتاب) (143) # قلت وقد سقنا أدلته النظرية ms78 والأثرية ولم نترك منها إلا ما كان مكررا ~~وتكلمنا على تفصيلها وتجميلها بما هدانا الله إليه وله الحمد من غير عصبية ~~مذهبية ولا متابعة أشعرية ولا معتزلية بل [بما أشهدتنا أنوار الأدلة] # واعلم أن هذه المسألة التي أتى بها شيخ الإسلام هي فرع عن مسألة خلق ~~الأشقياء التي حار فيها أرباب النوى وتحير فيها فرسان الأذكياء وترددت ~~حولها أذهان الفطانا وتفرع عنها أقوال اقشعرت منها جلود الأمة الفضلاء # فطائفة أوهم الجهل بذلك إلى الإقدام على نفي حكمة الله في أقواله وهم ~~غلاة الأشعرية وأخطأوا في ذلك ورد عليهم الأئمة الأعلام من أهل مذهبهم ~~وغيرهم من علماء الأنام وآخر من بين ما PageV01P140 # في كلامهم من الاختلال وما في نفيهم الحكمة من الداء العضال المحقق ~~العلامة نزيل حرم الله صالح بن مهدي المقبلي في كتابه (العلم الشامخ) ~~ولواحقه (144) وفي أبحاثه المسددة ونقلت كلامه ورددت عليه في (إيقاظ ~~الفكرة) وطائفة أقدموا على أن الله ليس بقادر على هداية الكافر لأنه خلق ~~على هيئة لا يقبل اللطف معهما وهم غلاة المعتزلة # وقد رد عليهم الأئمة من أهل التحقيق وأبانوا أنه قول بالقبول غير حقيق ~~وأن فيه من الشناعة والبشاعة ما لا يليق وأما ابن تيمية ومن تابعه فأثبتوا ~~الحكمة وعموم قدرة الله على كل شيء وقال: بما سمعت من فناء النار وأنه ~~تعالى خلق الأشقياء ليتفضل عليهم بعفوه ورحمته ولقد أصاب بإثبات الأمرين ~~الذين نفاهما غيره ولكنه غير وجه الحكم وحكم بفناء النار ولم ينهض له دليل ~~على ذلك كما عرفته # وقد أشار السيد العلامة الكبير محمد بن إبراهيم الوزير إلى هذه الثلاثة ~~الأقوال وإلى ما تفرع عليها من الدعاوى في إثبات الإجادة في الإرادة حيث ~~قال: PageV01P141 # ولما أتى ذكر الخلود بناره على جوده في ذكره والجوازم # تعاظم شأن الخلد في النار كل من تفكر في أسماء رب العوالم (145) # يشير إلى ما قاله ابن تيمية من: # (أن صفاته تعالى من الرضا والرحمة صفتان ذاتيتان) (146) . فلا منتهى ~~لرضاه وأن سخطه وعذابه ليسا من صفات ذاته ms79 التي يستحيل انعكافه عنها كعلمه ~~وحياته والعفو أحب إليه من الانتقام والرحمة أحب إليه من العقوبة والرضى ~~أحب إليه من الغضب والفضل أحب إليه من العدل ثم إن النعيم والثواب من مقتضى ~~رحمته ومغفرته وبره وكرمه ولذلك يضيف ما ذكر إلى نفسه وأما العذاب والعقاب ~~فإنهما من مخلوقاته ولذلك لا يسمى بالمعذب والمعاقب بل يفرق بينهما فيجعل ~~هذا من أوصافه وهذا من مفعولاته من الآية الواحدة كقوله تعالى: {نبئ عبادي ~~أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم} [الحجر: 49 و50] وقال: ~~{إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم} [الأعراف: 167] ومثلها في آخر ~~(الأنعام) فما كان من مقتضى أسمائه وصفاته فإنه يدوم بدوامها ولا سيما إذا ~~كان محبوبا له في أسمائه وصفاته [وأما الشر وهو العذاب فلا يدخل في أسمائه ~~PageV01P142 # وصفاته] وإن دخل في مفعولاته لحكمة إذا حصلت زال وفني بخلاف الخير فإنه ~~سبحانه دائم المعروف ولا ينقطع معروفه أبدا على الدوام وليس من موجب أسمائه ~~وصفاته أنه لم يزل معاقبا على الدوام غضبان على الدوام فتأمل هذا تأمل فقيه ~~في أسماء الله فإنه يتضح لك باب من أبواب معرفته ومحبته (147) # ثم أشار السيد محمد إلى ما تفرع من معارضته ما يفيده صفات جوده وفضله وما ~~صرح به من خلود الكفار فأشار إلى الوعيد بقوله: # فمن قائل بالخلد من أجل كثرة ال # وعيد به في المنزلات القواصم # وذلك لأنهم حكموا بعموم الخلود لمن دخل النار من عصاة الموحدين والكفار # والمسألة مبسوطة في علم الكلام وما لها وعليها مما أثاره المحققون ~~الأعلام. وأشار إلى من قال بالتخصيص لآيات الخلود بقوله: # ومن قائل أن الخصوص (148) مقدم وساعده أسماء أحكم حاكم PageV01P143 # فإنه أشار إلى من قال: أن الأحاديث الواردة في سعة رحمة الله وصفاته ~~تعالى من أنه أرحم الراحمين وورود آية الاستثناء تخصص آيات الوعيد: وأراد ~~بهذا البيت ما تشتمل عليه مقالة ابن تيمية إذ هي عائدة إلى القول بتخصيص ~~آيات الوعيد بالخلود. ويبعد فناء النار (149) كما دل عليه قوله: # وثالثها المنصور ms80 يرجى لمسلم ومن عاند الإسلام ليس بسالم # فإنه أراد أن ثالث الأقوال في المسألة التفصيل وهو أن التخصيص من الوعيد ~~يرجى للمسلم ومن عاند الإسلام وهم الكفار فلا يشمله التخصيص من الوعيد وإن ~~قصرت عبارته عن هذا الحكم لعدم مساعدة النظم فهو مراده فجعل الأقوال ثلاثة ~~بقاء الوعيد على عمومه من غير تخصيص عصاة الموحدين والكفار # تخصيص الموحدين لا غير. وهذا هو الذي سبق عن ابن عباس في تفسير آية (هود) ~~ثم قال مشيرا إلى منشأ مقالة كل من القائلين وأن الحاصل له المحافظة على ~~قاعدة تعود إلى تعظيم الله جل وعلا قوله: # فمن قاصد تعظيمه (150) لو رعى له من الجبروت الحق عز التعاظم PageV01P144 # فهذه إشارة إلى الوعيدية وأنهم قصدوا بالقول بالتخليد في النار لكل من ~~دخلها تنزيه الله عن خلف الوعد الذي أفاده قوله: {ما يبدل القول لدي} [ق: ~~29] ونحوه وأشار إلى منشأ ما ذهب إليه غلاة نفاة الحكمة بقوله: # ومن قاصد تعظيمه لو رعى له ... محامد ممدوح بأحكم حاكم # انتهى والله سبحانه أعلم # وصلى الله على خير خلقه محمد # وآله وصحبه وسلم PageV01P145 ms81