######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_001055Vols #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن اسماعيل الكحلاني #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1182 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: سبل السلام #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر فقهية مستقلة #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_001055Vols #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/1055_سبل-السلام-محمد-بن-اسماعيل-الكحلاني-ج-1 #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: مراجعة وتعليق : الشيخ محمد عبد العزيز الخولي #META# 041.EdNUMBER :: الرابعة #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1379 - 1960 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # سبل السلام تأليف السيد الإمام محمد بن إسماعيل الكحلاني ثم الصنعاني ~~المعروف بالأمير شرح بلوغ المرام، من جمع أدلة الاحكام للحافظ شهاب الدين ~~أبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن حجر الكناني العسقلاني القاهري (773 - ~~852) ويليه متن نخبة الفكر، في مصطلح أهل الأثر مع تعليقات مختارة للإمام ~~ابن حجر الجزء الأول ملتزم الطبع والنشر شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي ~~الحلبي وأولاده بمصره محمود نصار الحلبي وشركاء خلفاء PageV01P001 # جمعه وعلق عليه المرحوم الشيخ محمد عبد العزيز الخولي الأستاذ بدار ~~العلوم بالقاهرة الطبعة الرابعة 1379 ه - 1960 م PageV01P002 # التعريف ببلوغ المرام وشرحه سبل السلام بسم الله الرحمن الرحيم بلوغ ~~المرام كتاب جمع فيه الحافظ ابن حجر (انظر ترجمته عقب التعريف) كل الأحاديث ~~التي استنبط الفقهاء منها الاحكام الفقهية مبينا عقب كل منها من أخرجه من ~~أئمة الحديث كالبخاري ومسلم ومالك وأبى داود وغيرهم موضحا درجة الحديث من ~~صحة أو حسن أو ضعف، مرتبا له على أبواب الفقه، وضم إلى ذلك في آخر الكتاب ~~قسما مهما في الآداب والأخلاق والذكر والدعاء. # فجاء محمد بن إسماعيل الأمير اليمنى الصنعاني (انظر ترجمته بعد ترجمة ابن ~~حجر) وشرح ذلك الكتاب فبين لغته وسبب الضعف فيما ضعفه الحافظ ابن حجر أو ~~أنكره أن وهمه أو أغله الخ. # وذكر ما يدل عليه الحدين من الاحكام الفقهية ومن قال بها من كبار ~~المجتهدين صحابة وتابعين وأئمة المذاهب رضوان الله عليهم أجمعين، ومن ~~خالفها مبينا نوع المخالفة ودليلها، ثم يقضى بينهم بالحق الذي يؤيده الكتاب ~~والسنة غير متحيز إلى مذهب من المذاهب عملا بقوله تعالى (فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما) وقوله (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ~~أن يكون لهم الحيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) ~~فمقتضى الايمان أن نحكم رسول الله (ص) في كل خلاف بين المسلمين وخاصة ~~الفقهاء المشرعين الذين يرسمون لنا احكام العبادات ms0001 والمعاملات، ولا يكفي ~~مجرد التحكيم بل لابد معه من الاذعان النفسي تنفيذ الحكم كما أمر العليم ~~الحكيم الذي صرح في الآية الثانية بأن من قدم حكم غيره على حكمه وحكم رسوله ~~فقد عصى الله ورسول وضل ضلالا مبينا وكان واجبا على علماء المسلمين وأولى ~~المكانة فيهم في العالم الاسلامي كله وخصوصا مصر التي هي مركز دائرة البلاد ~~الاسلامية والتي فيها الأزهر كعبة الرواد للعلوم الاسلامية. كان الواجب ~~عليهم أن يعرضوا آراء الفقهاء على كتاب الله وسنة رسوله، فما كان قريبا ~~مهما أو يوافق صريحهما أخذ وما كان بخلاف ذلك ترك وليس في ذلك غمط للمذاهب ~~جزى الله أهلها خير الجزاء، ولكن في ذلك إحقاق الحق وترك التقدم بين يدي ~~الله ورسوله امتثالا لقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بنى يدي ~~الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم) إنهم إن فعلوا ذلك وحدوا بنى ~~المسلمين في العبادات، فكان مظهرهم فيما واحدا ووحدوا بينهم في المعاملات، ~~فاستطاع المشرعون أن يضعوا القوانين المدنية والجنائية من هذه الشريعة ~~الحكيمة الصادرة عن علم الله المحيط بأمراض النفوس PageV01P003 # والجماعات وما تداوى به. وعن حكمته التي كل حكمة أمامها عدم، ولا عجب ~~فعقول الناس قاصرة تتنازعها لأهواء والشهوات في ميدان الحق، فكان ما يصدر ~~عنها مظنة النقص. # إن العلماء والمفكرين من المسلمين إن سلكوا هذه الخطة، ولعلهم سالكون، ~~ربطوا بين المسلمين برباط وثيق وقربوا ما بينهم من الخلاف في الآراء ~~والنزعات بل قضوا على ذلك ورجعوا إلى كتاب الله الذي كأني بالرسول (ص) يقول ~~فيه الآن لربه (يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا) والرجوع إلى كتاب ~~الله هو أساس كل فلاح وسعادة (إن هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم) ولا يمكن ~~أن يعود للمسلمين عزهم القديم وملكهم المسلوب ألا إذا اعتصموا بالكتاب ~~والسنة (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) الدين الآن ليس له وجود إلا ~~بين المشتغلين به، فلا هو في النفوس ولا هو في النفوس ولا هو في المحاكم، ~~اللهم إلا ms0002 بقايا يلتهمها الزمان شيئا فشيئا، فجدير بالعلماء أن يفكروا طويل ~~التفكير في السبيل الذي يصلون منه إلى إحلال الدين في القلوب والعمل به في ~~محاكم المسلمين. وإن هذا الكتاب (سبل السلام) الذي محض صحيح الآراء من ~~سقيمها ووزنها بميزان الكتاب والسنة خطوة في هذا السبيل نتقدم به إلى كل ~~مسلم غيور على دينه محب أن تكون له الكلمة. والكتاب لم يخل من عثرات لكلها ~~قليلة. ولكل جواد كبوة، ولكل صارم نبوة، والعصمة لله وحده، وكل انسان يؤخذ ~~من قوله ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر، ذلك قول مالك يعنى به نبينا (ص)، ~~ومع ذلك لم تفتنا هذه العثرات، بل نبهنا عليها وبينا صريح الحق فيها، فجاء ~~الكتاب بحمد الله فيما نعتقد من خيرة كتب الاحكام التي ينبغي العكوف على ~~تعلمها وتعرف ما فيها. # الكتب المؤلفة في أحاديث الاحكام وشرحها كثيرة وكتابنا هذا وسط فيها خيار ~~منها، فإنه يقصد المحز ويطبق المفصل فيأتي بالمسمين دون الغث ويعرض عن ذكر ~~الخلافات التي لا ترتكز على دليل ويقتصد في بيان الطعون التي في الأسانيد ~~فيجاء من أجل هذا كتابا وسطا في أربع مجلدات ولقد عانينا في تصحيحه مشقات ~~كبيرة، فان النسخة التي طبعنا منها فيها خطأ كثير اضطرنا إلى الرجوع إلى ~~الأصول التي منها اسمتد الكتاب وأصله، وكنا نراجع الأصل أيضا على كتاب (فتح ~~العلام) الذي طبع المطبعة الأميرية والذي هو نسخة ثانية من سبل السلام سميت ~~باسم جديد، ولم تخل من التحريف والخطأ كأصلها سبل السلام، وإن من حسنات ~~مدرسة القضاء الشرعي أن قررت دراسة هذا الكتاب في أحاديث الاحكام لطلبة ~~التخصص فيها، فكانت تلك حسنة في الدين إلى حسناتها في خدمة القضاء. # وفى الختام ندعو المكفرين من المسلمين إلى أن يقوموا بواجبهم نحو الدين ~~وكتاب الله المبين وسنة رسوله الأمين (قد جاء كم من الله نور وكتاب مبين ~~يهدى به الله من اتبع رضوانه : سبل السلام: ويخرجهم من الظلمات إلى النور ~~باذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم). # القاهرة في صباح الجمعة 26 ms0003 رمضان سنة 1344 ه - 9 إبريل سنة 1926 م محمد ~~عبد العزيز الخولي المدرس بمدرسة دار العلوم PageV01P004 # ترجمة الحافظ ابن حجر مؤلف بلوغ المرام هو أحمد بن علي بن محمد أبو الفضل ~~الكناني الشافعي المعروف بابن حجر العسقلاني حامل لواء السنة قاضي أوحد ~~الحفاظ والرواة. ولد بمصر في شعبان سنة 773 وبها نشأ، وحفظ القرآن والحاوي ~~ومختصر ابن الحاجب وغيرها، وسافر صحبة أحد أوصيائه إلى مكة المكرمة فسمع ~~بها، ثم حبب إليه الحديث فاشتغل بطلبه من كبار شيوخه في البلاد الحجازية ~~والشامية والمصرية، ولا سيما الحافظ العراقي، وتفقه بالبلقيني وابن الملقن ~~وغيرهما وأذنوا له بالتدريس والافتاء. وأخذ الأصلين وغيرهما عن العز بن ~~جماعة، واللغة عن المجد الفيروزآبادي، والعربية عن المعماري، والأدب ~~والعروض عن البدر البشتكي، والكتابة عن جماعة. وقرأ بعض القرآن بالسبع على ~~التنوخي، وجد في الفنون حي بلغ فيها الغاية، وتصدى لنشر الحديث وعكف عليه ~~مطالعة وقراءة وإقراء وتصنيفا وإفتاء. وباشر القضاء بالديار المصرية ~~استقلالا مدة تزيد على إحدى وعشرين سنة بأشهر تخللها ولاية جماعة. ودرس ~~التفسير والحديث والفقه والوعظ بعدة أماكن. وخطب بالأزهر وجامع عمرو ~~وغيرهما، وأملى من حفظه الكثير. ولقد توافد إليه الفضلاء ورؤوس العلماء ~~ليغترفوا من فيضه ويرووا من علمه. # وقد بلغت تصانيفه مائة وخمسين، وقل أن تجد فنا من فنون الحديث إلا له ~~مؤلفات حافلة فيه، ولقد انتشرت هذه التصانيف في حياته وتهاداها الملوك ~~والأمراء. ومن تلك المؤلفات الإصابة في أسماء الصحابة. وتهذيب. والتقريب، ~~وتعجيل المنفعة برجال الأربعة. # ومشتبه النسبة. وتلخيص الخبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير. وتخرج ~~المصابيح. # وابن الحاجب. وتخرج الكشاف، وإتحاف المهرة. والمقدمة. وبذل الماعون. ~~ونخبة الفكر وشرحها. والخصال المفكرة. والقول المسدد في الذب عن مسند ~~الإمام أحمد. وبلوغ المرام. # وديوان خطبه. وديوان شعره. ومخلص ما يقال في الصباح والمساء. والدرر ~~الكامنة في أعيان المائة الثامنة. وغير ذلك من كتبه القيمة. ولو لم يكن له ~~إلا كتابه: فتح الباري: في شرح صحيح البخاري: لكفى في الإشادة بذكره ~~والوقوف على جلاة قدره، فان ms0004 هذا الكتاب بحق هو قاموس السنة، وقد بدأ تأليفه ~~في مفتتح سنة 817 بعد أن أكمل مقدمته في سنة 813، وانتهى منه في غرة رجب ~~سنة 842، وقد أولم عند ختمه وليمة حضرها وجوه المسلمين أنفق فيها 500 ~~دينار: أي 250 جنيها مصريا، وقد طلبه الملوك، واشترى بثلاثمائة دينار: أي ~~خمسين ومائة جنيه، فجزاه الله عن السنة خير الجزاء. هذا إلى تواضعه وحمله ~~واحتماله وصبره وبهائه وظرفه وقيامه وصومه واحتياطه وورعه وبذله وكرمه ~~وهضمه لنفسه وميله إلى النكت اللطيفة والنوادر الظريفة، وفريد أدبه مع ~~الأئمة المتقدمين والمتأخرين ومع كل من يجالسه من صغير وكبير. # وقد اختاره الله لجواره بعد عشاء ليلة السبت ثامن عشر ذي الحجة سنة 852 ~~ه‍، أجزل الله له الثواب وجزاه خير الجزاء. PageV01P005 # ترجمة محمد بن إسماعيل الصنعاني صاحب سبل السلام هو السيد محمد بن ~~إسماعيل بن صلاح الأمير الكحلاني ثم الصنعاني، ولد سنة 1059 بكحلان، ثم ~~انتقل مع والده إلى مدينة صنعاء عاصمة اليمن فأخذ عن علمائها ثم رحل إلى ~~مكة، وقرأ الحديث على أكابر علمائها وعلماء المدينة، وبرع في العلوم ~~المختلفة حتى بز أقرانه، وتفرد بالرئاسة العلمية في صنعاء، وأظهر الاجتهاد ~~والوقوف مع الأدلة ونفر من التقليد، وزيف ما لا دليل عليه من الآراء ~~الفهية، وجرت له مع أهل عصره محن وخطوب شأن كل مصلح يدعو إلى الحق ويجاهر ~~به في عصور الظلمات، وقد حفظه الله من كيدهم وكفاه شرهم، وقد ولاه الامام ~~المنصور من أئمة اليمن الخطابة بجامع صنعاء، واستمر ناشرا للعلم تدريسا ~~وإفتاء وتصنيفا، وكان لا يخشى في الحق لومة لائم، ولا يبالي بما يصيبه في ~~سبيله شأن الذين أخلصوا دينهم لله، وآثروا مرضاة الناس. ولقد التف حوله ~~كثيرون من الخاصة والعامة، وقرأوا عليه كتب الحديث وعملوا باجتهاداته، ~~وأعلنوا ذلك في الناس، فكانت فتن أظهرهم الله عليها (وله مصنفات) حافلة. ~~منها: سبل السلام: # هذا الذي اختصره من البدر التمام للمغربي، وأصناف إليه زيادات قيمة أكبرت ~~شأن الكتاب ومنها: منحة الغفار: جعلها حاشية على ضوء النهار ms0005 للجلال. ومنها: ~~العدة: حشى بها شرح العمدة لابن العيد. ومنها: شرح التنقيح في علوم الحديث: ~~وله مصنفات أخرى وقد أفرد كثيرا من المسائل بالتصنيف مما لو جمع كان ~~مجلدات. وله شعر فصيح منسجم أكثره في المباحث العلمية، والتوجع من أبناء ~~عصره والرد عليهم. وبالجملة فهو من الأئمة المجددين لمعالم هذا الدين، ~~الصادعين فيه بصريح الحق. توفى ثالث شعبان سنة 1182 ه‍ عن مائة وثلاث ~~وعشرين سنة رحمة الله واسعة، وجزاه عن نصره السنة خير الجزاء. PageV01P006 # الحمد لله الذي من علينا ببلوغ المرام من خدمة السنة النبوية، وتفضل ~~علينا بتيسير الوصول إلى مطالبها العلية، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة ~~تنزل قائلها الغرف الأخروية، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي باتباعه يرجى ~~الفوز بالمواهب اللدنية، (ص) وعلى آله الذين جهم ذخائر العقبى وهم خير ~~البرية. # وبعد: فهذا شرح لطيف على بلوغ المرام، تأليف الشيخ العلامة شيخ الاسلام: ~~أحمد ابن علي بن حجر: أحله الله دار السلام، اختصرته عن شرح القاضي العلامة ~~شرف الدين : الحسين بن محمد المغربي: أعلى الله درجاته في عليين، مقتصرا ~~على حل ألفاظه وبيان معانيه قاصدا بذلك وجه الله. ثم التقريب للطالبين فيه ~~والناظرين، معرضا عن ذكر الخلافات والأقاويل، إلا أن يدعو إليه ما يرتبط به ~~الدليل، متجنبا للإيجاز المخل والاطناب الممل. # وقد صممت إليه زيادات جمة على ما في الأصل من الفوائد. وأسأل الله أن ~~يجعله في المعاد من خير العوائد، فهو حسبي ونعم الوكيل، وعليه في البداية ~~والنهاية التعويل. # (الحمد لله) افتتح كلامه بالثناء على الله تعالى امتثالا لما ورد في ~~البداءة به من الآثار، ورجاء لبركة تأليفه، لان كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ~~بحمد الله منزوع البركة كما وردت بذلك الاخبار، واقتداء بكتاب الله المبين، ~~وسلوك مسلك العلماء المؤلفين. قال المناوي في التعريفات في حقيقة الحمد: إن ~~الحمد اللغوي الوصف بفضيلة على فضيلة على جهة التعظيم باللسان. والحمد ~~العرفي فعل يشعر بتعظيم المنعم لكونه منعما. والحمد القولي حمد اللسان ~~وثناؤه على الحق ms0006 بما أثنى به على نفسه على لسان أنبيائه ورسله. والحمد ~~الفعلي الاتيان بالاعمال البدنية ابتغاء وجه الله تعالى. وذكر الشارح ~~التعريف المعروف للحمد بأنه لغة: الوصف بالجميل على الجميل الاختياري، ~~واصطلاحا: الفعل الدال على تعظيم المنعم من حيث إنه منعم واصلة تلك المنعمة ~~أو غير واصلة. والله هو الذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد (على ~~نعمه) جمع نعمة. قال الرازي: النعمة المنفعة المفعولة على جهة الاحسان إلى ~~الغير. # وقال الراغب: النعمة ما قصدت به الاحسان في النفع. والانعام: إيصال ~~الاحسان الظاهر إلى الغير (الظاهرة والباطنة) مأخوذ من قوله تعالى - وأسبغ ~~عليكم نعمه ظاهرة وباطنة - وقد PageV01P007 # أخرج البيهقي في شعب الايمان عن عطاء قال: سألت ابن عباس عن قول تعالى - ~~وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة - قال: هذا من كنوز علمي سألت رسول الله (ص) ~~فقال: أما الظاهرة فما سوى من خلقك، وأما الباطنة فما ستر من عورتك، ولو ~~أبداها لقلاك أهلك فمن سواهم: وأخرج أيضا عنه والديلمي وابن النجار: سألت ~~رسول الله (ص) عن هذه الآية فقال: أما الظاهرة فالاسلام وما سوى من خلقك ~~وما أسبغ عليك من رزقه، وأما الباطنة فما ستر من عملك: وفى رواية عنه ~~موقوفة: النعمة الظاهرة الاسلام، والباطنة ما ستر عليك من الذنوب والعيوب ~~والحدود: أخرجها ابن مردويه عنه. وفى رواية عنه موقوفة أيضا: النعمة ~~الظاهرة والباطنة هي لا إله إلا الله: أخرجها عنه ابن جرير وغيره. ~~وتفسيرهما ما قاله مجاهد: نعمة ظاهرة هي لا إله إلا الله على اللسان، ~~وباطنة قال في القلب. أخرجها سعيد بن منصور وابن جرير، وفسرهما الشارح بما ~~هو معروف، ورأينا التفسير المرفوع وتفسير السلف أولى بالاعتماد (قديما ~~وحديثا) منصوبان على أنهما حالان من نعمه ولم يؤنث لان الجمع لما أضيف صار ~~للجنس فكأنه قال على جنس نعمه، ويحتمل النصب على الظرفية، وأنهما صفة لزمان ~~محذوف، أي زمانا قديما وزمانا حديثا. والقديم على عبده من حين نفخ الروح ~~فيه ثم في كل آن من آنات زمانه فهي مسبغة عليه في قديم ms0007 زمانه وحديثه وحال ~~تكلمه، ويحتمل أن يراد بقديم: النعم التي أنعم بها على الاباء فإنها نعم ~~على الأبناء، كما أمر الله بني إسرائيل بذكر نعمته التي أنعم بها على ~~آبائهم فقال - يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم - الآيات في ~~مواضع من القرآن، أشار إليه الشارح رحمه الله إلا أنه قال - يا بني إسرائيل ~~اذكروا نعمة الله - الآية والتلاوة نعمتي فكأنه سبق قلم، ويراد بالحديث ما ~~أنعم الله به تعالى على عبده من حين نفخ الروح فيه، فهي حادثة نظرا إلى ~~النعمة على الاباء (والصلاة) عطف اسمية على أسميته وهل هما خبريتان أو ~~انشائيتان فيه خلاف بين المحققين، والحق أنهما خبريتان لفظا يراد بهما ~~الانشاء. ولما كانت الكمالات الدينية والدنيوية وما فيه صلاح المعاش ~~والمعاد فائضة من الجناب الأقدس على العباد بواسطة هذا الرسول الكريم ناسب ~~أرداف الحمد لله بالصلاة عليه والتسليم لذلك وامتثالا لآية - يا أيها الذين ~~آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما - ولحديث: كل كلام لا يذكر الله فيه ولا ~~يصلى فيه على فهو أقطع أكتع ممحوق البركة: ذكره في الشرح ولم يخرجه، وفى ~~الجامع الكبير أنه أخرجه الديلمي والحافظ عبد القادر بن عبد الله الرهاوي ~~في الأربعين عن أبي هريرة، قال الرهاوي: غريب تفرد بذكر الصلاة فيه إسماعيل ~~بن أبي زياد الشامي وهو ضعيف جدا لا يعتد بروايته ولا بزيادته انهى. ~~والصلاة من الله لرسوله تشريفه وزيادة تكرمته، فالقائل. اللهم صل على محمد ~~طالب له زيادة التشريف والتكرمة، وقيل المراد منها آية الوسيلة وهي لي طلب ~~صلى الله عليه وسلم من العباد أن يسألوها له كما يأتي في الأذان (والسلام) ~~قال الراغب: السلام والسلامة التعري من الآفات الباطنة والظاهرة. الحقيقية ~~لا تكون إلا في الجنة لان فيها PageV01P008 # بقاء بلا فناء، وغناء بلا فقر، وعز بلا ذل، وصحة بلا سقم (على نبيه) ~~يتنازع فيه المصدران قبله. والنبي من النبوة وهي الرفعة فعيل بمعنى مفعل: ~~أي المنى عن الله بما تسكن إليه العقول الزاكية. والنبوة سفارة بين الله ~~وبين ms0008 ذوي العقول من عباده لإزاحة عللهم في معاشهم ومعادهم (ورسوله) في ~~الشرح النبوي في لسان الشرع عبارة عن انسان أنزل عليه شريعة من عند الله ~~بطريق الوحي، فإذا أمر بتبليغها إلى الغير سمى رسولا. وفى أنوار التنزيل: ~~الرسول من بعثه الله بشريعة مجددة يدعو الناس إليها والنبي أعم منه، ~~والإضافة إلى ضميره تعالى في رسول وما قبله عهدية، إذا المعهود هو محمد (ص) ~~وزاده بيانا قوله (محمد) فإنه عطف بيان على نبيه وهو علم مشتق من حمد مجهول ~~مشدد العين أي كثير الخصال التي يحمد عليها أكثر مما يحمد غيره من البشر، ~~فهو أبلغ من محمود لان هذا مأخوذ من المزيد وذاك من الثلاثي، وأبلغ من أحمد ~~لأنه أفعل تفضيل مشتق من الحمد. وفيه قولان: هل هو أكثر حامدية لله تعالى ~~فهو أحمد الحامدين لله؟ أو هو بمعنى أكثر محمودية فيكون كمحمد في معناه؟ # وفى المسألة خلاف وجدال والمختار ما ذكرناه أولا وقرره المحققون وأطال ~~فيه ابن القيم في أوائل زاد المعاد (وآله) والدعاء للآل بعد الدعاء له (ص) ~~امتثالا الحديث التعليم وسيأتي في الصلاة وللوجه الذي سنذكره قريبا (وصحبه) ~~اسم جمع لصاحب. وفى المراد بهم أقوال اختار المصنف في نخبة الفكر أن ~~الصحابي من لقي النبي (ص) وكان مؤمنا ومات على الاسلام. ووجه الثناء عليهم ~~وعلى الال بالدعاء لهم هو الوجه في الثناء عليه (ص) بعد الثناء على الرب ~~لأنهم الواسطة في إبلاغ الشرائع إلى العباد فاستحقوا الاحسان إليهم بالدعاء ~~لهم (الذين ساروا في نصرة دينه) هو صفة للفريقين الال والأصحاب. والسير ~~مراد به هنا الجد والاجتهاد والنصر. والنصرة العون. والدين وضع إلهي يدعو ~~أصحاب العقول إلى القبول لما جاء به الرسول، والمراد أنهم أعانوا صاحب ~~الدين المبلغ وهو الرسول. وفى وصفهم بهذا إشارة إلى أنهم استحقوا الذكر ~~والدعاء بذلك (سيرا) مصدر نوعي لوصفه بقوله (حثيثا) فان المصدر إذا أضيف أو ~~وصف كان للنوع والحثيث السريع كما في القاموس وفى نسخة (في صحبته) وهو عوض ~~من قوله في نصرة ms0009 دينه (وعلى أتباعهم) أتباع: الآل والأصحاب (الذين ورثوا ~~علمهم) وهو علم الكتاب والسنة (والعلماء ورثة الأنبياء) وهو اقتباس من حديث ~~العلماء ورثة الأنبياء أخرجه أبو داود وقد ضعف وإليه أشار بعض علماء الآل ~~بقوله: # العلم ميراث النبي كذا أتى * في النص والعلماء هم وراثه ما خلف المختار ~~غير حديثه * فينا فذاك متاعه وأثاثه (أكرم) فعل تعجب (بهم) فاعله والباء ~~زائدة أو مفعول به وفيه ضمير فاعله (وارثا) نصب على التمييز وهو ناظر إلى ~~الاتباع، ثم قال (ومورثا) ناظر إلى من تقدمهم. وفيه من البديع اللف والنشر ~~مشوشا ويحتمل عود الصفتين إلى الكل من الآل والأصحاب والاتباع، فان الآل ~~والأصحاب ورثوا علم رسول الله (ص) وورثوه الاتباع فهم وارثون وموروثون ~~PageV01P009 # وكذلك الاتباع ورثوا علوم من تقدمهم وورثوا أيضا أتباع الاتباع ولعل هذا ~~أولى لعمومه (اما) هي حرف شرطه وقوله (بعد) قائم مقام شرطها، وبعد ظرف له ~~ثلاث حالات إضافته فيعرب كقوله تعالى - قد خلت قبلكم أمم - وقطعه عن ~~الإضافة مع نية المضاف إليه فيبنى على الضم نحو - لله الامر من قبل ومن بعد ~~- وقطعه مع عدم نية المضاف إليه فيعرب منونا كقوله: # فساغ لي الشراب وكنت قبلا أكاد أغص بالماء الفرات (فهذا) الفاء جواب ~~الشرط، واسم الإشارة لما في الذهن من الألفاظ والمعاني (مختصر) وفى ~~القاموس: اختصر الكلام أو جزه (يشتمل) يحتوى (على أصول) جمع أصل وهو أسفل ~~الشئ كما في القاموس، وفسره في الشرح بما هو معروف: بما ينبئ عليه غيره ~~(الأدلة) جمع دليل وهو في اللغة المرشد إلى المطلوب، وعند الأصوليين ما ~~يمكن التوصل بالنظر الصحيح فيه إلى مطلوب خبري، وعند أهل الميزان: ما يلزم ~~من العلم به العلم بشئ آخر. وإضافة الأصول إلى الأدلة بيانية: أي أصول هي ~~الأدلة وهي أربعة: الكتاب والسنة والاجماع والقياس (الحديثية) صفة للأصول ~~مخصصة عن غير الحديثية وهي نسبة إلى حديث رسول الله (ص) (للأحكام) جمع حكم. ~~وهو عند أهل الأصول خطاب الله المتعلق بأفعال المكلف من حيث أنه مكلف وهي ~~خمسة: الوجوب ms0010 والتحريم والندب والكراهة والإباحة (الشرعية) وصف للأحكام ~~يخصصها أيضا عن العقلية، والشرع ما شرعه الله لعباده كما في القاموس. وفى ~~غيره نهج الطريق الواضح، واستعير للطريقة الإلهية من الدين (حررته) ~~بالمهملات والضمير للمختصر، وفى القاموس تحرير الكلام وغيره تقويمه، وهو ~~يناسب قول الشارح تهذيب الكلام وتنقيحه (تحريرا) مصدر نوعي لوصفه بقوله ~~(بالغا) بالغين المعجمة. وفى القاموس: # البالغ الجيد (ليصير) علة لحررته (من يحفظه من بين أقرانه) جمع قرن بكسر ~~القاف وسكون الراء وهو الكفء والمثل (نابغا) بالنون وموحدة ومعجمة من نبغ. ~~قال في القاموس: النابغة الرجل العظيم الشأن (ويستعين) عطف على ليصير (به ~~الطالب) لأدلة الأحكام الشرعية الحديثية (المبتدئ) فإنه قد قرب له الأدلة ~~وهذبها (ولا يستغنى عنه الراغب) في العلوم (المنهى) البالغ نهاية مطلوبه ~~لان رغبته تبعثه على أن لا يستغنى عن شئ فيه سيما ما قد هذب وقرب (وقد بينت ~~عقب) من عقبه إذا خلفه كما في القاموس أي في آخر (كل حديث من أخرجه من ~~الأئمة) من ذكر إسناده وسياق طرقه (لإرادة نصح الأمة) علة لذكره من خرج ~~الحديث. وذلك أن في ذكر من أخرجه عدة نصائح للأمة منها: بيان أن الحديث ~~ثابت في دواوين الاسلام، ومنها أنه قد تداولته الأئمة الاعلام، ومنها أنه ~~قد تتبع طرقه وبين ما فيها من مقال من تصحيح وتحسين واعلال، ومنها إرشاد ~~المنهى أن يراجع أصولها التي منها انتقى هذا المختصر. وكان يحسن أن يقول ~~المصنف بعد قوله من أخرجه من الأئمة وما قبل في الحديث من تصحيح وتحسين ~~وتضعيف فإنه يذكر ذلك بعد ذكر من خرج الحديث في غالب الأحاديث كما ستعرفه ~~(فالمراد) أي مرادي (بالسبعة) لأنه ليس مراد الكل مصنف PageV01P010 # ولا هو جنس المراد بل اللام عوض عن الإضافة والفاء جواب شرط محذوف: أي ~~إذا عرفت ما ذكرته فالمراد بالسبعة حيث يقول عقيب الحديث: أخرجه السبعة هم ~~الذين بينهم بالابدال من لفظ العدد (أحمد) هو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن ~~حنبل، وقد وسع الشارح وسع الله عليه ms0011 في تراجم السبعة فنقتصر على قدر يعرف ~~به شريف صفاتهم، وأزمنة ولادتهم ووفاتهم، فنقول: ولد أحمد بن محمد بن حنبل ~~في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة. وطلب هذا الشأن صغيرا ورحل لطلبه ~~إلى الشام والحجاز واليمن وغيرها حتى أجمع على إمامته وتقواه وورعه ~~وزهادته. قال أبو زرعة: كانت كتبه اثنى عشر جملا وكان يحفظها عن ظهر قبله، ~~وكان يحفظ ألف ألف حديث. وقال الشافعي: خرجت من بغداد وما خلفت بها أتقى ~~ولا أزهد ولا أورع ولا أعلم منه، وألف المسند الكبير أعظم المسانيد وأحسنها ~~وضعا وانتقادا فإنه لم يدخل فيه إلا ما يحتج به مع كون انتفاه من أكثر من ~~سبعمائة ألف حديث وخمسين ألف حديث. وكانت وفاته سنة إحدى وأربعين ومائتين ~~على الصحيح ببغداد مدينة السلام وقبره بها معروف مزور. وقد ألفت في ترجمة ~~كتب مستقلة بسيطة (والبخاري) هو الامام القدوة في هذا الشأن أبو عبد الله ~~محمد بن إسماعيل البخاري، مولده في شوال سنة أربع وتسعين ومائة طلب هذا ~~الشأن صغيرا، ورد على بعض مشايخه غلطا وهو في إحدى عشرة سنة فأصلح كتابه من ~~حفظه. سمع الحديث ببلدة بخارى ثم رحل إلى عدة أماكن وسمع الكثير وألف ~~الصحيح منه من زهاء ستمائة ألف حديث، ألفه بمكة وقال: ما أدخلت فيه إلا ~~صحيحا وأحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حدث غير صحيح، وقد ذكر تأويل ~~هذه العدة في الشرح، وقد أفردت ترجمة بالتأليف وذكر المصنف منها شطرا صالحا ~~في مقدمة فتح الباري. وكانت وفاته بقرية سمرقند وقت العشاء ليلة السبت ليلة ~~عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين عن اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يوما، ~~ولم يخلف ولدا (ومسلم) هو الامام الشهير مسلم بن الحجاج القشيري أحد أئمة ~~هذا الشأن. ولد سنة أربع ومائتين، وطلب علم الحديث صغيرا، وسمع من مشايخ ~~الباري وغيرهم، وروى عنه أئمة من كبار عصره وحفاظه، وألف المؤلفات النافعة، ~~وأنفعها صحيحه، الذي فاق بحسن ترتيبه وحسن سياقه وبديع طريقته، وحاز نفائس ~~التحقيق، ms0012 وللعلماء في المفاضلة بينه وبين صحيح البخاري، خلاف، وأنصف بعض ~~العلماء في قوله تشاجر قوم في البخاري ومسلم * لدى وقالوا: أي ذين تقدم ~~قلت: لقد فاق البخاري صحة * كما فاق في حسن الصناعة مسلم وكانت وفاته عشية ~~الأحد الأربع بقين من شهر رجب سنة إحدى وستين ومائتين، ودفن يوم الاثنين ~~بنيسابور وقبره بها مشهور مزور (وأبو داود) هو سليمان بن الأشعث السجستاني ~~مولده سنة اثنتين ومائتين، سمع الحديث من أحمد والقعنبي وسليمان بن حرب ~~وغيرهم، وعنه خلائق كالترمذي والنسائي. وقال: كتبت عن النبي (ص) خمسمائة ~~ألف PageV01P011 # حديث انتخبت منها ما تضمنه كتا السنن وأحاديثه أربعة آلاف حديث وثمانمائة ~~ليس فيها حديث، أجمع الناس على تركه روى سننه ببغداد وأخذها أهلها عنه، ~~وعرضها على أحمد فاستجادها واستحسنها. قال الخطابي: هي أحسن وضعا وأكثر ~~فقها من الصحيحين. وقال ابن الاعرابي: من عنده كتاب الله وسنن أبي داود لم ~~يحتج إلى شئ معهما من العلم، ومن ثم صرح الغزالي بأنها تكفى المجتهد في ~~أحاديث الاحكام وتبعه أئمة على ذلك. وكانت وفاة أبى داود سنة خمس وسبعين ~~ومائتين بالبصرة (والترمذي) هو أبو عيسى محمد بن عيسى ابن سورة الترمذي ~~مثلث الفوقية والميم مصمومة ومكسورة نسبة إلى مدينة قديمة على طرف جيحون ~~نهر بلخ، لم يذكر الشارح ولادته ولا الذهبي ولا ابن الأثير، وسمع الحديث عن ~~البخاري وغيره من مشايخ الباري، وكان أماما ثبتا حجة، وألف كتاب السنن ~~وكتاب العلل وكان ضريرا. قال: عرضت كتابي هذا: أي كتاب السنن المسمى ~~بالجامع على علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوا به. ومن كان في بيته ~~فكأنما في بيته نبي يتكلم. قال الحاكم: # سمعت عمر بن علك يقول: مات البخاري ولم يخلف بخراسان مثل أبى عيسى في ~~العلم والحفظ والورع والزهد، وكانت وفاته بترمذ أواخر رجب سنة سبع وستين ~~ومائتين (والنسائي) هو أحمد بن شعيب الخراساني، ذكر الذهبي أن مولده سنة ~~خمس عشرة ومائتين، وسمع من سعيد وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة هذا الشأن ~~بخراسان والحجاز والعراق ومصر ms0013 والشام والجزيرة، وبرع في هذا الشأن وتفرد ~~بالمعرفة والاتقان وعلو الاسناد واستوطن مصر. قال أئمة الحديث: إنه كان ~~أحفظ من مسلم صاحب الصحيح. وسننه أقل السنن بعد الصحيحين حديثا ضعيفا. ~~واختار من سننه كتاب المجتبى لما طلب منه أن يفرد الصحيح من السنن. # وكانت وفاته يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من شهر صفر سنة ثلاث وثلاثمائة ~~بالرملة ودفن بيت المقدس، ونسبته إلى نساء بفتح النون وفتح السين المهملة ~~بعدها همزة وهي مدينة بخراسان خرج منها جماعة من الأعيان (وابن ماجة) هو ~~أبو عبد الله محمد بن يزيد بن عبد الله ابن ماجة القزويني. مولده سنة سبع ~~ومائتين، وطلب هذا الشأن ورحل في طلبه وطاف البلاد حتى سمع أصحاب مالك ~~والليث، وروى عنه خلائق، وكان أحد الاعلام وألف السنن وليست لها رتبة ما ~~ألف من قبله، لان فيها أحاديث ضعيفة بل منكرة، ونقل عن الحافظ المزي أن ~~غالب ما انفرد به الضعف، ولذا جرى كثير من القدماء على إضافة الموطأ إلى ~~الخمسة. قال المصنف: وأول من أضاف ابن ماجة إلى الخمسة أبو الفضل ابن طاهر ~~في الأطراف، كذا في شروط أئمة السنة، ثم الحافظ عبد الغنى في كتابه أسماء ~~الرجال. وكانت وفاته يوم الثلاثاء لثمان بقين من رمضان سنة ثلاث أو خمس ~~وسبعين ومائتين (وبالستة) أي والمراد بالستة إذا قال: أخرجه الستة (من عدا ~~أحمد) وهم المعروفون بأهل الأمهات الست (وبالخمسة من عدا البخاري ومسلما. ~~وقد أقول) عوضا عن قوله الخمسة (الأربعة) وهم أصحاب السنن إذا قيل أصحاب ~~السنن (وأحمد و) المراد (بالأربعة) عند PageV01P012 # اطلاقه لهم (من عدا الثلاثة الأول) الشيخين وأحمد (و) المراد (بالثلاثة) ~~عند إطلاقه لهم (من عداهم) أي من عدا الشيخين وأحمد، والذي عداهم هم ~~الأربعة أصحاب السنن (وعدا الأخير) وهو ابن ماجة، فيراد بالثلاثة أبو داود ~~والترمذي والنسائي (و) المراد (بالمتفق) إذا قال متفق عليه (البخاري ومسلم) ~~فإنهما إذا أخرجا الحديث جميعا من طريق صحابي واحد قيل له متفق عليه: أي ~~بين الشيخين (وقد لا أذكر معهما) ms0014 أي الشيخين (غيرهما) كأنه يريد أنه قد ~~يخرج الحديث السبعة أو أقل فيكتفى بنسبته إلى الشيخين (وما عدا ذلك) أي ما ~~أخرجه غير من ذكر كأب خزيمة والبيهقي والدارقطني (فهو مبين) بذكره صريحا. # (وسميته) أي المختصر (بلوغ المرام) هو من بلغ المكان بلوغا وصل إليه كما ~~في القاموس، والمرام الطلب، والمعنى الإضافي وصول الطلب بمعنى المطلوب: أي ~~فالمراد وصولي إلى مطلوبي (من جمع أدلة الاحكام) ثم جعله اسما المختصرة، ~~ويحتمل أنه إضافة إلى مفعول المصدر: أي بلوغ الطالب مطلوبه من أدلة الاحكام ~~(والله) بالنصب مفعول (أسأله) قدم عليه الإفادة الحصر: أي لا أسأل غيره (أن ~~لا يجعل ما علمناه علينا وبالا) بفتح الواو: هو الشدة والثقل كما في ~~القاموس: أي لا يجعله شدة في الحساب وثقلا من جملة الأوزار، إذ الأعمال ~~الصالحة إذا لم تخلص لوجه الله انقلبت أوزارا وآثاما (وأن يرزقنا للعمل بما ~~يرضيه سبحانه وتعالى) أنزهه عن كل قبيح، وأثبت له العلو على كل عال في جميع ~~صفاته، وكثيرا ما قرن التسبيح بصفة العلو كسبحان ربى الأعلى. وسبح اسم ربك ~~الأعلى. PageV01P013 # كتاب الطهارة الكتاب والطهارة في الأصل: مصدران أضيفا اسما لمسائل الفقه، ~~تشتمل على مسائل خاصة. وبدأ بالطهارة اتباعا لسنة المصنفين فذلك، وتقديما ~~للأمور الدينية على غيرها، واهتماما بأهمها وهي الصلاة. ولما كانت الطهارة ~~شرطا من شروطها بدأ بها، وهي اسم مصدر: أي: طهر تطهيرا وطهارة، مثل: كلم ~~تكليما وكلاما. وحقيقتها: استعمال المطهرين: أي الماء والتراب، أو أحدهما، ~~على الصفة المشروعة في إزالة النجس، والحدث ، لان الفقيه إنما يبحث عن ~~أحوال أفعال المكلفين من الوجوب وغيره. ثم لما كان الماء هو المأمور ~~بالتطهر به أصالة قدمه فقال: # باب المياه الباب لغة: ما يدخل ويخرج منه. قال تعالى - ادخلوا عليهم ~~الباب - وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون) *. وهو هنا ~~مجاز، شبه الدخول إلى الخوض في مسائل مخصوصة بالدخول في الأماكن المحسوسة، ~~ثم أثبت لها الباب. والمياه: جمع ماء، وأصله: موه ولذا ظهرت الهاء في جمعه، ~~وهو جنس ms0015 يقع على القليل والكثير، إلا أنه جمع لاختلاف أنواعه باعتبار حكم ~~الشرع، فإن فيه ما ينهى عنه وفيه ما يكره. وباعتبار الخلاف أيضا في بعض ~~المياه كماء البحر، فإنه نقل الشارح الخلاف في التطهر به عن ابن عمر، وابن ~~عمرو. وفي النهاية: أن في كون ماء البحر مطهرا خلافا لبعض أهل الصدر الأول، ~~وكأنه لقدم الخلاف فيه بدأ المصنف بحديث يفيد طهوريته، وهو حجة الجماهير. # (عن أبي هريرة رضي الله عنه) الجار والمجرور متعلق بمقدر كأنه قال: باب ~~المياه أروي فيه، أو أذكر، أو نحو ذلك حديثا عن أبي هريرة. وهو الأول من ~~أحاديث الباب. # وأبو هريرة هو الصحابي الجليل الحافظ المكثر، واختلف في اسمه واسم أبيه ~~على نحو من ثلاثين قولا. قال ابن عبد البر: الذي تسكن النفس إليه من ~~الأقوال: أنه عبد الرحمن بن صخر، وبه قال محمد بن إسحاق. وقال الحاكم أبو ~~أحمد: ذكر لأبي هريرة في مسند بقي بن مخلد خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة ~~وسبعون حديثا. وهو أكثر الصحابة حديثا، فليس لأحد من الصحابة هذا القدر، ~~ولا ما يقاربه. قلت: كذا في الشرح. والذي رأيته في الاستيعاب، لابن عبد ~~البر بلفظ: إلا أن عبد الله أو عبد الرحمن هو الذي يسكن إليه القلب في اسمه ~~في الاسلام ثم قال فيه - أي الاستيعاب -: مات في المدينة سنة تسع وخمسين ~~وهو ابن ثمان وسبعين سنة، ودفن بالبقيع. وقيل: مات بالعقيق، وصلى عليه ~~الوليد بن عقبة بن أبي سفيان، وكان يومئذ أميرا على المدينة، كما قاله ابن ~~عبد البر. (قال: قال رسول الله (ص) في البحر) أي: في حكمه، والبحر: الماء ~~الكثير، أو المالح فقط كما في القاموس، وهذا اللفظ ليس من PageV01P014 # مقوله (ص)، بل مقوله: (هو الطهور) بفتح الطاء، هو المصدر واسم ما يتطهر ~~به أو: الطاهر المطهر كما في القاموس. وفي الشرع: يطلق على المطهر، بالضم ~~مصدر. وقال سيبويه: إنه بالفتح لهما، ولم يذكره في القاموس بالضم (ماؤه) هو ~~فاعل المصدر، وضمير ماؤه يقتضي أنه أريد ms0016 بالضمير في قوله: هو الطهور: البحر ~~يعني مكانه، إذ لو أريد به الماء لما احتيج إلى قوله: ماؤه، إذ يصير في ~~معنى الماء طهور ماؤه، (الحل) هو مصدر حل الشئ ضد حرم، ولفظ الدارقطني ~~الحلال (ميتته) هو فاعله أيضا (أخرجه الأربعة، وابن أبي شيبة) هو أبو بكر. ~~قال الذهبي في حقه: الحافظ العديم النظير الثبت النحرير، عبد الله بن محمد ~~بن أبي شيبة، صاحب المسند والمصنف وغير ذلك، وهو من شيوخ البخاري ، ومسلم، ~~وأبي داود، وابن ماجة (واللفظ له) أي: لفظ الحديث السابق سرده لابن أبي ~~شيبة، وغيره ممن ذكر أخرجوه بمعناه. (وصححه ابن خزيمة) بضم الخاء المعجمة ~~فزاي بعدها مثناة تحتية فتاء تأنيث. قال الذهبي: الحافظ الكبير إمام الأئمة ~~شيخ الاسلام، أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، انتهت إليه الإمامة والحفظ ~~في عصره بخراسان (و) صححه (الترمذي) أيضا فقال عقب سرده: هذا حديث صحيح. ~~هذا لفظ الترمذي، كما في مختصر السنن للحافظ المنذري. # وحقيقة الصحيح عند المحدثين ما نقله عدل تام الضبط، عن مثله، متصل السند، ~~غير معل ، ولا شاذ. هذا، وقد أخرج المصنف هذا الحديث في التلخيص من تسع طرق ~~عن تسعة من الصحابة، ولم تخل طريق منها عن مقال، إلا أنه قد جزم بصحته من ~~سمعت، وصححه ابن عبد البر، وصححه ابن منده، وابن المنذر، وأبو محمد البغوي. ~~قال المصنف: وقد حكم بصحة جملة من الأحاديث لا تبلغ درجة هذا ولا تقاربه. ~~قال الزرقاني في شرح الموطأ: وهذا الحديث أصل من أصول الاسلام، تلقته الأمة ~~بالقبول، وتداوله فقهاء الأمصار في سائر الأعصار في جميع الأقطار، ورواه ~~الأئمة الكبار. ثم عد من رواه، ومن صححه. والحديث وقع جوابا عن سؤال كما في ~~الموطأ: أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل وفي مسند أحمد : من بني ~~مدلج وعند الطبراني اسمه عبد الله، إلى رسول الله (ص)، فقال: # يا رسول الله إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به ~~عطشنا، أفنتوضأ به؟ # وفي لفظ ms0017 أبي داود: بماء البحر فقال رسول الله (ص): هو الطهور ماؤه الحل ~~ميتته. فأفاد (ص) أن ماء البحر طاهر مطهر، لا يخرج عن الطهورية بحال، إلا ~~ما سيأتي من تخصيصه بما إذا تغير أحد أوصافه، ولم يجب (ص) بقوله : نعم، مع ~~إفادتها الغرض، بل أجاب بهذا اللفظ ليقرن الحكم بعلته، وهي الطهورية ~~المتناهية في بابها ، وكأن السائل لما رأى ماء البحر خالف المياه بملوحة ~~طعمه، ونتن ريحه، توهم أنه غير مراد من قوله تعالى: * () * أي بالماء ~~المعلوم إرادته من قوله: * () * أو أنه لما عرف من قوله تعالى: * (ع 49 س ~~25 ش 48 <وهو الذي أرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ~~ماء طهورا) * ظن اختصاصه، فسأل عنه، فأفاده (ص) PageV01P015 # الحكم، وزاده حكما لم يسأل عنه، وهو حل ميتته. قال الرافعي: لما عرف (ص) ~~اشتباه الامر على السائل في ماء البحر، أشفق أن يشتبه عليه حكم ميتته. وقد ~~يبتلى بها راكب البحر، فعقب الجواب عن سؤاله ببيان حكم الميتة. قال ابن ~~العربي: وذلك من محاسن الفتوى، أن يجاء في الجواب بأكثر مما سئل عنه، ~~تتميما للفائدة، وإفادة لعلم غير المسؤول عنه. ويتأكد ذلك عند ظهور الحاجة ~~إلى الحكم، كما هنا، لان من توقف في طهورية ماء البحر، فهو عن العلم بحل ~~ميتته مع تقدم تحريم الميتة أشد توقفا. ثم المراد بميتته: ما مات فيه من ~~دوابه: مما لا يعيش إلا فيه. لا ما مات فيه مطلقا، فإنه وإن صدق عليه لغة ~~أنه ميتة بحر ، فمعلوم أنه لا يراد إلا ما ذكرنا وظاهره حل ما مات فيه، ولو ~~كان كالكلب والخنزير ، ويأتي الكلام في ذلك فبابه إن شاء الله تعالى. # وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إن الماء طهور ~~لا ينجسه شئ أخرجه الثلاثة، وصححه أحمد. (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله ~~عنه) اسمه سعد بن مالك بن سنان الخزرجي الأنصاري الخدري. بضم الخاء المعجمة ~~ودال مهملة ساكنة نسبة إلى خدرة حي من ms0018 الأنصار كما في القاموس. قال الذهبي: ~~كان من علماء الصحابة، وممن شهد بيعة الشجرة، وروى حديثا كثيرا، وأفتى مدة. ~~عاش أبو سعيد ستا وثمانين سنة، ومات في أول سنة أربع وسبعين، وحديثه كثير ~~وحدث عنه جماعة من الصحابة، وله في الصحيحين أربعة وثمانون حديثا. (قال: ~~قال رسول الله (ص): إن الماء طهور لا ينجسه شئ. # أخرجه الثلاثة) هم أصحاب السنن، ما عدا ابن ماجة، كما عرفت (وصححه أحمد) ~~قال الحافظ المنذري في مختصر السنن: - إنه تكلم فيه بعضهم، لكن قال: حكي عن ~~الإمام أحمد أنه قال: # حديث بئر بضاعة صحيح. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقد جود أبو أسامة هذا ~~الحديث ، ولم يرو حديث أبي سعيد في بئر بضاعة بأحسن مما روى أبو أسامة. وقد ~~روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد. والحديث له سبب وهو: أنه قيل لرسول ~~الله (ص): أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يطرح فيها الحيض ولحم الكلأ ب ~~والنتن؟ # فقال: الماء طهور الحديث، هكذا في سنن أبي داود، وفي لفظ فيه: إن الماء ~~كما ساقه المصنف. واعلم أنه قد أطال هنا في الشرح المقال، واستوفى ما قيل ~~في حكم المياه من الأقوال، ولنقتصر في الخوض في المياه على قدر يجتمع به ~~شمل الأحاديث، ويعرف به مأخذ الأقوال ووجوه الاستدلال فنقول: قد وردت ~~أحاديث يؤخذ منها أحكام المياه، فمنها: حديث: الماء طهور لا ينجسه شئ. ~~وحديث: إذ بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث. وحديث : الامر بصب ذنوب من ماء ~~على بول الاعرابي في المسجد. وحديث: إذا استيقظ أحدكم فلا يدخل يده في ~~الاناء حتى يغسلها ثلاثا. وحديث: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل ~~فيه. وحديث: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم الحديث . وفيه الامر بإراقة الماء ~~الذي ولغ فيه. وهي أحاديث ثابتة ستأتي جميعها في كلام PageV01P016 # المصنف. إذا عرفت هذا، فإنه اختلفت آراء العلماء رحمهم الله تعالى، في ~~الماء إذا خالطته نجاسة ، ولم تغير أحد أوصافه: فذهب القاسم، ويحيى بن ~~حمزة، وجماعة ms0019 من الآل، ومالك، والظاهرية وأحمد في أحد قوليه، وجماعة من ~~أصحابه إلى: أنه طهور، قليلا كان أو كثيرا، عملا بحديث: الماء طهور وإنما ~~حكموا بعدم طهورية ما غيرت النجاسة أحد أوصافه، للاجماع على ذلك، كما يأتي ~~الكلام عليه قريبا. وذهب الهادوية، والحنفية، والشافعية إلى قسمة الماء إلى ~~قليل تضره النجاسة مطلقا، وكثير لا تضره، إلا إذا غيرت بعض أوصافه، ثم ~~اختلفوا بعد ذلك في تحديد القليل والكثير. فذهب الهادوية إلى تحديد القليل ~~بأنه: ما ظن المستعمل للماء الواقعة فيه النجاسة استعمالها باستعماله، وما ~~عدا ذلك فهو الكثير. وذهب الحنفية إلى تحديد الكثير من الماء: # بما إذا حرك أحد طرفيه آدمي، لم تسر الحركة إلى الطرف الآخر، وهذا رأي ~~الامام، وأما رأي صاحبيه، فعشرة في عشرة، وما عداه فهو القليل. وذهب ~~الشافعية إلى تحديد الكثير من الماء بما بلغ قلتين من قلال هجر وذلك نحو ~~خمسمائة رطل، عملا بحديث القلتين، وما عداه فهو القليل. ووجه هذا الاختلاف ~~تعارض الأحاديث التي أسلفناها: فإن حديث الاستيقاظ، وحديث الماء الدائم ~~يقضيان: أن قليل النجاسة ينجس قليل الماء، وكذلك حديث الولوغ ، والامر ~~بإراقة ماء ولغ الكلب فيه. وعارضها حديث بول الاعرابي، والامر بصب ذنوب من ~~ماء عليه، فإنه يقتضي أن قليل النجاسة لا ينجس قليل الماء. ومن المعلوم أنه ~~قد طهر ذلك الموضع الذي وقع عليه بول الاعرابي بذلك الذنوب، وكذلك قوله: ~~الماء طهور لا ينجسه شئ فقال الأولون وهم القائلون: لا ينجسه شئ، إلا ما ~~غير أحد أوصافه: يجمع بين الأحاديث بالقول بأنه لا ينجسه شئ، كما دل له هذا ~~اللفظ، ودل عليه حديث بول الاعرابي. وأحاديث الاستيقاظ، والماء الدائم، ~~والولوغ ليست واردة لبيان حكم نجاسة الماء، بل الامر باجتنابها تعبدي، لا ~~لأجل النجاسة، وإنما هو لمعنى لا نعرفه، كعدم معرفتنا لحكمة أعداد الصلوات ~~ونحوها . وقيل: بل النهي في هذه الأحاديث للكراهة فقط، وهي طاهرة مطهرة. ~~وجمع الشافعية بين الأحاديث بأن حديث لا ينجسه شئ محمول على ما بلغ القلتين ~~فما فوقهما وهو كثير، ms0020 وحديث الاستيقاظ، وحديث الماء الدائم محمول على ~~القليل. وعند الهادوية: أن حديث الاستيقاظ محمول على الندب فلا يجب غسلهما ~~له. وقالت الحنفية: المراد بلا ينجسه شئ: الكثير الذي سبق تحديده. وقد ~~أعلوا حديث القلتين بالاضطراب، وكذلك أعله الإمام المهدي في البحر. وبعضهم ~~تأوله، وبقية الأحاديث في القليل، ولكنه ورد عليهم حديث بول الاعرابي، فإنه ~~كما عرفت دل على أنه لا يضر قليل النجاسة قليل الماء، فدفعته الشافعية: ~~بالفرق بين ورود الماء على النجاسة، وورودها عليه فقالوا: إذا وردت على ~~الماء نجسته، كما في حديث الاستيقاظ، وإذا ورد عليها الماء لا تضره، كما في ~~خبر بول الاعرابي. وفيه بحث حققناه في حواشي شرح العمدة، وحواشي ضوء ~~النهار. وحاصله: أنهم حكموا: أنه إذا وردت النجاسة على الماء القليل نجسته، ~~وإذا ورد عليها الماء القليل لم ينجس، فجعلوا علة عدم تنجس الماء الورود ~~على النجاسة وليس كذلك بل التحقيق أنه حين يرد الماء على النجاسة يرد عليها ~~PageV01P017 # شيئا فشيئا حتى يفني عينها وتذهب قبل فنائه، فلا يأتي اخر من الماء ~~الوارد على النجاسة إلا وقد طهر المحل الذي اتصلت به، أو بقي فيه جزء منها ~~يفنى ويتلاشى، عند ملاقاة آخر جزء منها يرد عليه الماء، كما تفنى النجاسة ~~وتتلاشى إذا وردت على الماء الكثير بالاجماع، فلا فرق بين هذا وبين الكثير ~~في إفناء الكل للنجاسة، فإن الجزء الأخير الوارد على النجاسة يحيل عينها ~~لكثرته بالنسبة إلى ما بقي من النجاسة، فالعلة في عدم تنجسه بوروده عليها: ~~هي كثرته بالنسبة إليها، لا الورود، فإنه لا يعقل التفرقة بين الورودين: ~~بأن أحدهما ينجسه دون الاخر. وإذا عرفت ما أسلفناه، وأن تحديد الكثير ~~والقليل لم ينهض على أحدهما دليل. فأقرب الأقاويل بالنظر إلى الدليل: قول ~~القاسم بن إبراهيم، ومن معه، وهو قول جماعة من الصحابة، كما هو في البحر، ~~وعليه عدة من أئمة الال المتأخرين، واختاره منهم الامام شرف الدين. وقال ~~ابن دقيق العيد: إنه قول لأحمد، ونصره بعض المتأخرين من أتباعه، ورجحه أيضا ~~من أتباع ms0021 الشافعي: القاضي أبو الحسن الروياني ، صاحب بحر المذهب قاله في ~~الامام. وقال ابن حزم في المحلى: إنه روي عن عائشة أم المؤمنين، وعمر بن ~~الخطاب، و عبد الله بن مسعود، وابن عباس، والحسن بن علي بن أبي طالب، ~~وميمونة أم المؤمنين، وأبي هريرة، وحذيفة بن اليمان، والأسود بن يزيد، و ~~عبد الرحمن أخيه، وابن أبي ليلى، وسعيد بن جبير، وابن المسيب، ومجاهد، ~~وعكرمة، والقاسم بن محمد، والحسن البصري، وغير هؤلاء. # وعن أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله (ص): إن ~~الماء لا ينجسه شئ إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه أخرجه ابن ماجة، وضعفه ~~أبو حاتم. وللبيهقي: الماء طهور إلا إن تغير ريحه، أو طعمه، أو لونه بنجاسة ~~تحدث فيه. # (وعن أبي أمامة) بضم الهمزة، واسمه صدي بمهملتين الأولى مضمومة والثانية ~~مفتوحة ومثناة تحتية مشددة (الباهلي) بموحدة نسبة إلى باهلة، في القاموس: ~~باهلة: قوم، واسم أبيه عجلان. # قال ابن عبد البر: لم يختلفوا في ذلك، يعني في اسمه واسم أبيه. سكن أبو ~~أمامة مصر، ثم انتقل عنها وسكن حمص، ومات بها سنة إحدى. وقيل: سنة ست ~~وثمانين وقيل: هو اخر من مات من الصحابة بالشام. كان من المكثرين في ~~الرواية عنه (ص) (رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إن الماء لا ينجسه ~~شئ إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه) المراد: أحدها كما يفسره حديث البيهقي ~~(أخرجه ابن ماجة وضعفه أبو حاتم) قال الذهبي في حقه: أبو حاتم هو الرازي ~~الامام الحافظ الكبير، محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، أحد الاعلام، ولد ~~سنة خمس وتسعين ومائة، وأثنى عليه إلى أن قال: قال النسائي: ثقة. توفي أبو ~~حاتم في شعبان سنة سبع وسبعين ومائتين، وله اثنتان وثمانون سنة. وإنما ضعف ~~الحديث، لأنه من رواية رشدين بن سعد بكسر الراء وسكون المعجمة، قال أبو ~~يوسف: كان رشدين رجلا صالحا في دينه، فأدركته غفلة الصالحين، فخلط في ~~الحديث، وهو متروك. وحقيقة الحديث الضعيف: هو ما اختل فيه ms0022 أحد شروط الصحيح، ~~والحسن، وله ستة أسباب معروفة، سردها في الشرح. [والبيهقي] هو: الحافظ ~~العلامة شيخ خراسان، أبو بكر أحمد بن الحسين، له التصانيف التي لم يسبق إلى ~~مثلها: كان زاهدا ورعا تقيا، ارتحل إلى الحجاز والعراق. قال الذهبي: تأليفه ~~تقارب ألف جزء، وبيهق بموحدة مفتوحة ومثناة تحتية ساكنة وهاء مفتوحة فقاف: ~~بلد قرب نيسابور، أي رواه بلفظ: (الماء طهور إلا إن تغير ريحه أطعمه أو ~~لونه) عطف عليه (بنجاسة) الباء سببية: أي بسبب نجاسة (تحدث PageV01P018 # فيه) قال المصنف: قال الدارقطني: ولا يثبت هذا الحديث. وقال الشافعي: ما ~~قلت من أنه إذا تغير طعم الماء، أو ريحه، أو كونه كان نجسا، يروى عن النبي ~~(ص) من وجه لا يثبت أهل الحديث مثله. وقال النووي: اتفق المحدثون على ~~تضعيفه، والمراد تضعيف رواية الاستثناء، لا أصل الحديث، فإنه قد ثبت في ~~حديث بئر بضاعة، ولكن هذه الزيادة قد أجمع العلماء على القول بحكمها. قال ~~ابن المنذر: قد أجمع العلماء: على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه ~~نجاسة فغيرت له طعما، أو لونا، أو ريحا فهو نجس، فالاجماع هو الدليل على ~~نجاسة ما تغير أحد أوصافه، لا هذه الزيادة. # وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): إذا كان ~~الماء قلتين لم يحمل الخبث وفي لفظ: لم ينجس أخرجه الأربعة، وصححه ابن ~~خزيمة والحاكم وابن حبان. (وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما) هو ابن عمر ~~بن الخطاب أسلم عبد الله صغيرا بمكة، وأول مشاهده الخندق وعمر: وروى عنه ~~خلائق، كان من أوعية العلم، وكانت وفاته بمكة سنة ثلاث وسبعين، ودفن بها ~~بذي طوى، في مقبرة المهاجرين. (قال: قال رسول الله (ص): # إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) بفتح المعجمة الموحدة، (وفي لفظ لم ~~ينجس) هو بفتح الجيم وضمها، كما في القاموس (أخرجه الأربعة، وصححه ابن ~~خزيمة) تقدم ذكره في أول حديث. (والحاكم) هو الامام الكبير إمام المحققين، ~~أبو عبد الله محمد بن عبد الله ms0023 النيسابوري المعروف بابن البيع، صاحب ~~التصانيف. ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وطلب هذا الشأن، ورحل إلى ~~العراق، وهو ابن عشرين، وحج، ثم جال في خراسان وما وراء النهر، وسمع من ~~ألفي شيخ أو نحو ذلك، حدث عنه الدارقطني، وأبو يعلى الخليلي، والبيهقي، ~~وخلائق. وله التصانيف الفائقة مع التقوى والديانة. ألف المستدرك، وتاريخ ~~نيسابور، وغير ذلك. توفي في شهر صفر سنة خمس وأربعمائة. (وابن حبان) بكسر ~~الحاء المهملة وتشديد الموحدة. قال الذهبي: هو الحافظ العلامة، أبو حاتم ~~محمد بن حبان بن أحمد بن حبان البستي، صاحب التصانيف. سمع أمما لا يحصون من ~~مصر إلى خراسان. حدث عنه الحاكم، وغيره. وكان ابن حبان من فقهاء الدين ~~وحفاظ الآثار، عالما بالطب والنجوم وفنون العلم. # صنف المسند الصحيح، والتاريخ، وكتاب الضعفاء. وفقه الناس بسمرقند، قال ~~الحاكم: # كان ابن حبان من أوعية العلم والفقه واللغة والوعظ، من عقلاء الرجال. ~~توفي في شوال سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وهو في عشر الثمانين. وقد سبقت ~~الإشارة إلى أن هذا الحديث هو: # دليل الشافعية في جعلهم الكثير ما بلغ قلتين، وسبق اعتذار الهادوية ~~والحنفية عن العمل به بالاضطراب في متنه. إذ في رواية: إذا بلغ ثلاث قلال ~~وفي رواية: قلة، وبجهالة قدر القلة، وباحتمال معناه، فإن قوله: لم يحمل ~~الخبث يحتمل أنه لا يقدر على حمله، بل يضره الخبث، ويحتمل أنه يتلاشى فيه ~~الخبث، وقد أجاب الشافعية عن هذا كله، وقد بسطه في الشرح، إلا الأخير فلم ~~يذكره، كأنه تركه لضعفه، لان رواية لم ينجس صريحة في عدم احتماله المعنى ~~الأول. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): لا يغتسل أحدكم في ~~الماء الدائم) وهو: الراكد الساكن، ويأتي وصفه بأنه الذي لا يجري (وهو جنب ~~أخرجه) بهذا اللفظ (مسلم. وللبخاري) رواية بلفظ (لا يبولن أحدكم في الماء ~~الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل) روي برفع اللام على أنه خبر PageV01P019 # لمبتدأ محذوف: أي ثم هو يغتسل، وقد جوز جزمه على عطفه على موضع يبولن، ~~ونصبه بتقدير ms0024 أن على إلحاق ثم بالواو في ذلك، وإن أفاد أن النهي إنما هو عن ~~الجمع بين البول والاغتسال، دون إفراد أحدهما، مع أنه ينهى عن البول فيه ~~مطلقا، فإنه لا يخل بجواز النصب، لأنه يستفاد من هذا النهي عن الجمع، ومن ~~غيره النهي عن إفراد البول وإفراد الاغتسال. هذا بناء على أن ثم قد صارت ~~بمعنى الواو تفيد الجمع، وهذا قاله النووي معترضا به على ابن مالك، حيث جوز ~~النصب، وأقره ابن دقيق العيد في غير شرح العمدة، إلا أنه أجاب عن النووي ~~بما أفاده قولنا: فإنه لا يخل بجواز النصب إلى اخره. قلت: والذي تقتضيه ~~قواعد العربية أن النهي في الحديث إنما هو عن الجمع بين البول ثم الاغتسال ~~منه، سواء رفعت اللام أو نصبت، وذلك لان ثم تفيد ما تفيده الواو العاطفة في ~~أنها للجمع، وإنما اختصت ثم بالترتيب، فالجميع واهمون فيما قرروه. ولا ~~يستفاد النهي عن كل واحد على انفراده من رواية البخاري، لأنها إنما تفيد ~~النهي عن الجمع، ورواية مسلم تفيد النهي عن الاغتسال فقط إذا لم تقيد ~~برواية البخاري. ثم رواية أبي داود بلفظ: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ~~ولا يغتسل فيه تفيد النهي عن كل واحد على انفراده (فيه. ولمسلم) في روايته ~~(منه) بدلا عن قوله فيه، والأولى تفيد أنه لا يغتسل فيه بالانغماس مثلا، ~~والثانية تفيد أن لا يتناول منه ويغتسل خارجه. # (ولأبي داود) بلفظ: (ولا يغتسل فيه) عوضا عن ثم يغتسل (من الجنابة) عوضا ~~عن قوله: # وهو جنب، وقوله هنا: ولا يغتسل دال على أن النهي عن كل واحد من الامرين ~~على انفراده، كما هو أحد الاحتمالين الأولين في رواية ثم يغتسل منه. قال في ~~الشرح: وهذا النهي في الماء الكثير للكراهة. وفي الماء القليل للتحريم. قيل ~~عليه: إنه يؤدي إلى استعمال لفظ النهي في حقيقته ومجازه، فالأحسن أن يكون ~~من عموم المجاز، والنهي مستعمل في عدم الفعل الشامل للتحريم، وكراهة ~~التنزيه. فأما حكم الماء الراكد وتنجسه بالبول، أو منعه من ms0025 التطهير ~~بالاغتسال فيه للجنابة، فعند القائلين: - بأنه لا ينجس إلا ما تغير أحد ~~أوصافه - النهي عنه للتعبد وهو طاهر في نفسه، وهذا عند المالكية فإنه يجوز ~~التطهر به، لان النهي عندهم للكراهة، وعند الظاهرية: # أنه للتحريم. وإن كان النهي تعبدا، لا لأجل التنجيس لكن الأصل في النهي ~~التحريم. وأما عند من فرق بين القليل والكثير فقالوا: إن كان الماء كثيرا - ~~وكل على أصله في حده - ولم يتغير أحد أوصافه، فهو الطاهر. والدليل على ~~طهوريته: تخصيص هذا العموم، إلا أنه قد يقال: # إذا قلتم: النهي للكراهة في الكثير، فلا تخصيص لعموم حديث الباب، وإن كان ~~الماء قليلا - وكل في حده على أصله - فالنهي عنه للتحريم، إذ هو غير طاهر ~~ولا مطهر، وهذا على أصلهم في كون النهي للنجاسة. وذكر في الشرح الأقوال في ~~البول في الماء وأنه لا يحرم في الكثير الجاري كما يقتضيه مفهوم هذا ~~الحديث، والأولى اجتنابه. أما القليل الجاري فقيل يكره، وقيل: يحرم وهو ~~الأولى. قلت: بل الأولى خلافه إذ الحديث في النهي عن البول فيما لا يجري، ~~فلا يشمل الجاري قليلا كان أم كثيرا. نعم، لو قيل بالكراهة لكان قريبا. وإن ~~كان كثيرا راكدا فقيل: يكره مطلقا، وقيل: إن كان قاصدا إلا إذا عرض وهو فيه ~~فلا كرهة. قال في الشرح: ولو قيل بالتحريم لكان أظهر وأوفق، لظاهر النهي، ~~لان فيه إفسادا له على غيره ومضارة PageV01P020 # للمسلمين. وإن كان راكدا قليلا فالصحيح: التحريم للحديث. ثم هل يلحق غير ~~البول كالغائط به في تحريم ذلك في هذا الماء القليل؟ فالجمهور على أنه يلحق ~~به بالأولى. وعند أحمد بن حنبل: لا يلحق به غيره، بل يختص الحكم بالبول. ~~وقوله: في الماء صريح في النهي عن البول فيه، وأنه يجتنب إذا كان كذلك. ~~فإذا بال في إناء وصبه في الماء الدائم فالحكم واحد، وعن داود لا ينجسه ولا ~~يكون منهيا عنه إلا في الصورة الأولى لا غير. وحكم الوضوء في الماء الدائم ~~الذي بال فيه من يريد الوضوء: حكم الغسل ms0026 إذ الحكم واحد. وقد ورد في رواية : ~~لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه ذكرها في الشرح ولم ينسبها ~~إلى أحد، وقد أخرجها عبد الرزاق، وأحمد، وابن أبي شيبة، والترمذي، وقال: ~~حديث حسن صحيح، وابن حبان من حديث أبي هريرة مرفوعا، وأخرجه الطحاوي، وابن ~~حبان، والبيهقي بزيادة: أو يشرب. # وعن رجل صحب النبي (ص) قال: نهى رسول الله (ص): # أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو الرجل بفضل المرأة، وليغترفا جميعا أخرجه ~~أبو داود والنسائي، وإسناده صحيح) إشارة إلى رد قول البيهقي حيث قال: إنه ~~في معنى المرسل، أو إلى قول ابن حزم حيث قال: إن أحد رواته ضعيف. أما الأول ~~وهو كونه في معنى المرسل، فلان إبهام الصحابي لا يضر، لان الصحابة كلهم ~~عدول عند المحدثين. وأما الثاني فلانه أراد ابن حزم بالضعيف: داود بن عبد ~~الله الأودي، وهو ثقة، وكأنه في البحر اغتر بقول ابن حزم، فقال بعد ذكر ~~الحديث: إن راويه ضعيف وأسنده إلى مجهول. وقال المصنف في فتح الباري: # إن رجاله ثقات ولم نقف له على علة، فلهذا قال هنا: وهو صحيح، نعم هو ~~معارض بما يأتي من قوله في الحديث الآتي: # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما) هو حيث أطلق بحر الأمة وحبرها عبد الله بن ~~العباس. ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وشهرة إمامته في العلم ببركات الدعوة ~~النبوية بالحكمة والفقه في الدين والتأويل تغني عن التعريف به. كانت وفاته ~~بالطائف سنة ثمان وستين في اخر أيام ابن الزبير بعد أن كف بصره (أن النبي ~~(ص) كان يغتسل بفضل ميمونة. # أخرجه مسلم) من رواية عمرو بن دينار بلفظ قال: وعلمي، والذي يخطر على ~~بالي أن أبا الشعثاء أخبرني. الحديث. وأعله قوم بهذا التردد. ولكنه قد ثبت ~~عند الشيخين بلفظ : أن النبي (ص)، وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد، ولا ~~يخفى أنه لا تعارض، لأنه يحتمل أنهما كانا يغترفان معا فلا تعارض. نعم ~~المعارض قوله: (ولأصحاب السنن) أي من حديث ابن عباس، كما أخرجه البيهقي ms0027 في ~~السنن، ونسبه إلى أبي داود: (اغتسل بعض أزواج النبي (ص) في جفنة فجاء) أي ~~النبي (ص) (ليغتسل منها فقالت) له: (إني كنت جنبا) أي وقد اغتسلت منها ~~(فقال: إن الماء لا يجنب) في القاموس جنب أي كفرح وجنب أي ككرم، فيجوز فتح ~~النون وضمها هنا، هذا إن جعلته من الثلاثي، ويصح من أجنب يجنب، وأما اجتنب ~~فلم يأت بهذا المعنى وهو إصابة الجنابة (وصححه PageV01P021 # الترمذي. وابن خزيمة). ومعنى الحديث قد ورد من طرق سردها في الشرح، وقد ~~أفادت معارضة الحديث الماضي، وأنه يجوز غسل الرجل بفضل المرأة، ويقاس عليه ~~العكس لمساواته له، وفي الامرين خلاف، والأظهر جواز الامرين، وأن النهي ~~محمول على التنزيه. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): طهور إناء أحدكم إذا ~~ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب أخرجه مسلم. وفي لفظ له: ~~فليرقه. وللترمذي: أخراهن، أو أولاهن بالتراب. (وعن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله (ص): طهور) قال في الشرح: الأظهر فيه ضم الطاء ويقال ~~بفتحها لغتان (إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب) في القاموس: ولغ الكلب في ~~الاناء وفي الشراب يلغ (كيهب) ويالغ وولغ كورث ووجل: شرب ما فيه بأطراف ~~لسانه، أو أدخل لسانه فيه فحركه (أن يغسله) أي الاناء (سبع مرات أولاهن ~~بالتراب أخرجه مسلم، وفي لفظ له فليرقه) أي الماء الذي ولغ فيه، (وللترمذي ~~أخراهن) أي السبع (أو أولاهن بالتراب). دل الحديث على أحكام: أولها: نجاسة ~~فم الكلب من حيث الامر بالغسل لما ولغ فيه، والإراقة للماء، وقوله: طهور ~~إناء أحدكم، فإنه لا غسل إلا من حدث أو نجس، وليس هنا حدث فتعين النجس، ~~والإراقة إضاعة ماله، فلو كان طاهرا لما أمر بإضاعته، إذ قد نهى عن إضاعة ~~المال، وهو ظاهر في نجاسة فمه، وألحق به سائر بدنه قياسا عليه، وذلك لأنه ~~إذا ثبت نجاسة لعابه، ولعابه جزء من فمه، إذ هو عرق فمه، ففمه نجس، إذ ~~العرق جزء متحلب من البدن فكذلك ms0028 بقية بدنه، إلا أن من قال: إن الامر بالغسل ~~ليس لنجاسة الكلب قال: يحتمل أن النجاسة في فمه ولعابه، إذ هو محل استعماله ~~للنجاسة بحسب الأغلب، وعلق الحكم بالنظر إلى غالب أحواله من أكله النجاسات ~~بفمه ومباشرته لها، فلا يدل على نجاسة عينه، والقول بنجاسة عينه قول ~~الجماهير، والخلاف لمالك وداود والزهري، وأدلة الأولين ما سمعت. وأدلة ~~غيرهم وهم القائلون: إن الامر بالغسل للتعبد لا للنجاسة، أنه لو كان ~~للنجاسة لاكتفى بما دون السبع، إذ نجاسته لا تزيد على العذرة. # وأجيب عنه: بأن أصل الحكم الذي هو الامر بالغسل معقول المعنى ممكن ~~التعليل، أي بأنه للنجاسة. والأصل في الاحكام التعليل فيحمل على الأغلب، ~~والتعبد إنما هو في العدد فقط. # كذا في الشرح وهو مأخوذ من شرح العمدة وقد حققنا في حواشيه خلاف ما قرره ~~من أغلبية تعليل الاحكام وطولنا هنالك الكلام. الحكم الثاني: أنه دل الحديث ~~على وجوب سبع غسلات للاناء وهو واضح. ومن قال: لا تجب السبع بل ولوغ الكلب ~~كغيره من النجاسات والتسبيع ندب، استدل على ذلك: بأن راوي الحديث وهو أبو ~~هريرة قال: يغسل من ولوغه ثلاث مرات، كما أخرجه الطحاوي، والدارقطني. وأجيب ~~عن هذا: بأن العمل بما رواه عن النبي (ص)، لا بما رآه، وأفتى به، وبأنه ~~معارض بما روى عنه أيضا: أنه أفتى بالغسل سبعا وهي أرجح سندا، وترجح أيضا ~~بأنها توافق الرواية المرفوعة. وبما روى عنه (ص) أنه قال في الكلب يلغ في ~~الاناء: يغسل ثلاثا أو خمسا أو سبعا قالوا: فالحديث دل على عدم تعيين السبع ~~وأنه مخير، ولا تخيير في معين، وأجيب عنه، بأنه حديث ضعيف لا تقوم به حجة. ~~الحكم الثالث: وجوب التتريب للاناء لثبوته في الحديث، ثم الحديث يدل على ~~تعيين التراب، وأنه في الغسلة الأولى. ومن أوجبه قال: لا فرق بين أن يخلط ~~الماء بالتراب حتى PageV01P022 # يتكدر، أو يطرح الماء على التراب، أو يطرح التراب على الماء. وبعض من ~~قال: بإيجاب التسبيع قال: لا تجب غسلة التراب لعدم ثبوتها ms0029 عنده، ورد: بأنها ~~قد ثبتت في الرواية الصحيحة بلا ريب، والزيادة من الثقة مقبولة. وأورد على ~~رواية التراب بأنها قد اضطربت فيها الرواية، فروى أولاهن، أو أخراهن، أو ~~إحداهن، أو السابعة، أو الثامنة، والاضطراب قادح، فيجب الاطراح لها. وأجيب ~~عنه: بأنه لا يكون الاضطراب قادحا إلا مع استواء الروايات، وليس ذلك هنا ~~كذلك، فإن رواية أولاهن أرجح لكثرة رواتها، وبإخراج الشيخين لها. وذلك من ~~وجوه الترجيح عند التعارض. وألفاظ الروايات التي عورضت بها أولاهن لا ~~تقاومها وبيان ذلك: أن رواية أخراهن منفردة لا توجد في شئ من كتب الحديث ~~مسندة. ورواية السابعة بالتراب اختلف فيها، فلا تقاوم رواية أولاهن ~~بالتراب، ورواية إحداهن بالحاء والدال المهملتين ليست في الأمهات، بل رواها ~~البزار، فعلى صحتها، فهي مطلقة يجب حملها على المقيدة، ورواية أولاهن أو ~~أخراهن بالتخيير، إن كان ذلك من الراوي فهو شك منه فيرجع إلى الترجيح، ~~ورواية أولاهن أرجح، وإن كان كلامه (ص) فهو تخيير منه (ص)، ويرجع إلى ترجيح ~~أولاهن لثبوتها فقط عن الشيخين كما عرفت. وقوله: إناء أحدكم الإضافة ملغاة ~~هنا لان حكم الطهارة والنجاسة لا يتوقف على ملكه الاناء، وكذا قوله: ~~(فليغسله) لا يتوقف على أن يكون مالك الاناء هو الغاسل. وقوله: وفي لفظ ~~فليرقه هي من ألفاظ رواية مسلم، وهي أمر بإراقة الماء الذي ولغ فيه الكلب ~~أو الطعام، وهي من أقوى الأدلة على النجاسة، إذ المراق أعم من أن يكون ماءا ~~أو طعاما، فلو كان طاهرا لم يأمر بإراقته كما عرفت. إلا أنه نقل المصنف في ~~فتح الباري: عدم صحة هذه اللفظة عن الحفاظ. # وقال ابن عبد البر: لم ينقلها أحد من الحفاظ من أصحاب الأعمش. وقال ابن ~~منده: # لا تعرف عن النبي (ص) بوجه من الوجوه. نعم. أهمل المصنف ذكر الغسلة ~~الثامنة، وقد ثبت عند مسلم وعفروه الثامنة بالتراب. قال ابن دقيق العيد: ~~إنه قال بها الحسن البصري، ولم يقل بها غيره، ولعل المراد بذلك من ~~المتقدمين. والحديث قوي فيها، ومن لم يقل به احتاج ms0030 إلى تأويله بوجه فيه ~~استكراه اه‍. قلت: والوجه أي المستكره في تأويله ذكره النووي فقال: المراد: ~~اغسلوه سبعا واحدة منهن بالتراب مع الماء، فكأن التراب قائم مقام غسلة ~~فسميت ثامنة، ومثله قال الدميري في شرح المنهاج، وزاد: أنه أطلق الغسل على ~~التعفير مجازا. قلت: لا يخفى أن إهمال المصنف لذكرها وتأويل من قال ~~بإخراجها من الحقيقة إلى المجاز كل ذلك محاماة عن المذهب. والحق مع الحسن ~~البصري. هذا، وإن الامر بقتل الكلاب ثم النهي عنه وذكر ما يباح اتخاذه منها ~~يأتي الكلام عليه في باب الصيد إن شاء الله تعالى. # (وعن أبي قتادة رضي الله عنه) بفتح القاف فمثناة فوقية بعد الألف دال ~~مهملة اسمه في أكثر الأقوال الحارث بن ربعي بكسر الراء فموحدة ساكنة فمهملة ~~مكسورة ومثناة تحتية مشددة الأنصاري، فارس رسول الله (ص). شهد أحدا وما ~~بعدها، وكانت وفاته سنة أربع وخمسين بالمدينة، وقيل مات بالكوفة في خلافة ~~أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، PageV01P023 # وشهد معه حروبه كلها (أن رسول الله (ص) قال في الهرة). والحديث له سبب، ~~وهو: أن أبا قتادة سكب له وضوءا فجاءت هرة تشرب منه، فأصغى لها الاناء حتى ~~شربت، فقيل له في ذلك. فقال: قال رسول الله (ص): (إنها ليست بنجس) أي فلا ~~ينجس ما لامسته إنما هي من الطوافين) جمع طواف (عليكم) قال ابن الأثير: ~~الطائف الخادم الذي يخدمك برفق وعناية، والطواف فعال منه، شبهها بالخادم ~~الذي يطوف على مولاه ويدور حوله أخذا من قوله تعالى: * (طوافون عليكم) * ~~وفي رواية مالك وأحمد وابن حبان والحاكم وغيرهم. زيادة لفظ: والطوافات جمع ~~الأول مذكرا سالما نظرا إلى ذكور الهر. والثاني مؤنثا سالما نظرا إلى ~~إناثها. فإن قلت: قد فات في جمع المذكر السالم شرط كونه يعقل وهو شرط لجمعه ~~علما وصفة. قلت: لما نزل منزلة من يعقل بوصفه بصفته وهو الخادم أجراه مجراه ~~في جمعه صفة. وفي التعليل إشارة إلى أنه تعالى لما جعلها بمنزلة الخادم في ~~كثرة اتصالها بأهل المنزل وملابستها لهم، ولما ms0031 في منزلهم، خفف الله تعالى ~~على عباده بجعلها غير نجس رفعا للحرج (أخرجه الأربعة، وصححه الترمذي وابن ~~خزيمة) وصححه أيضا البخاري والعقيلي والدارقطني. والحديث دليل على طهارة ~~الهرة وسؤرها، وإن باشرت نجسا، وأنه لا تقييد لطهارة فمها بزمان، وقيل: لا ~~يطهر فمها إلا بمضي زمان من ليلة أو يوم أو ساعة، أو شربها الماء، أو ~~غيبتها حتى يحصل ظن بذلك، أو بزوال عين النجاسة من فمها، وهذا الأخير أوضح ~~الأقوال، لأنه مع بقاء عين النجاسة في فمها فالحكم بالنجاسة لتلك العين لا ~~لفمها، فإن زالت العين فقد حكم الشارع بأنها ليست بنجس. # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، ~~فزجره الناس، فنهاهم النبي (ص)، فلما قضى بوله أمر النبي (ص) بذنوب من ماء، ~~فأهريق عليه متفق عليه. (وعن أنس بن مالك رضي الله عنه) هو أبو حمزة بالحاء ~~المهملة والزاي الأنصاري النجاري الخزرجي. خدم رسول الله (ص) منذ قدم ~~المدينة إلى وفاته (ص)، وقدم (ص) المدينة وهو ابن عشر سنين، أو ثمان، أو ~~تسع. أقوال. سكن البصرة من خلافة عمر ليفقه الناس وطال عمره إلى مائة وثلاث ~~وستين، وقيل: أقل من ذلك. # قال ابن عبد البر: أصح ما قيل تسع وتسعون سنة. وهو آخر من مات بالبصرة من ~~الصحابة سنة إحدى أو اثنتين، أو ثلاث وتسعين. (قال: جاء أعرابي) بفتح ~~الهمزة نسبة إلى الاعراب وهم: # سكان البادية سواء أكانوا عربا أو عجما. وقد ورد تسميته: أنه ذو الخويصرة ~~اليماني وكان رجلا جافيا (فبال في طائفة المسجد) أي في ناحيته، والطائفة: ~~القطعة من الشئ (فزجره الناس) بالزاي فجيم فراء أي نهروه، وفي لفظ: فقام ~~إليه الناس ليقعوا به، وفي أخرى: فقال أصحاب رسول الله (ص): مه، مه، ~~(فنهاهم رسول الله (ص)) بقوله لهم : دعوه، وفي لفظ: لا تزرموه (فلما قضى ~~بوله أمر النبي (ص) بذنوب) بفتح الذال المعجمة فنون آخره موحدة وهي الدلو ~~الملآن ماء، وقيل: العظيمة (من ماء) تأكيد، وإلا فقد أفاده لفظ ms0032 الذنوب، فهو ~~من باب كتبت بيدي، وفي رواية: سجلا بفتح السين المهملة وسكون الجيم، وهو ~~بمعنى الذنوب (فأهريق عليه) أصله: فأريق عليه، ثم أبدلت الهاء من الهمزة ~~فصار فهريق عليه، وهو رواية، ثم زيدت همزة أخرى بعد إبدال الأولى ~~PageV01P024 # فقيل: فأهريق (متفق عليه) عند الشيخين كما عرفت. والحديث فيه دلالة: على ~~نجاسة بول الآدمي، وهو إجماع، وعلى أن الأرض إذا تنجست طهرت بالماء كسائر ~~المتنجسات، وهل يجزئ في طهارتها غير الماء؟ قيل: تطهرها الشمس والريح، فإن ~~تأثيرهما في إزالة النجاسة أعظم إزالة من الماء، ولحديث: زكاة الأرض يبسها، ~~ذكره ابن أبي شيبة. وأجيب: بأنه ذكره موقوفا، وليس من كلامه (ص)، كما ذكر ~~عبد الرزاق: حديث أبي قلابة موقوفا عليه بلفظ: جفوف الأرض طهورها فلا تقوم ~~بهما حجة. والحديث ظاهر في أن صب الماء يطهر الأرض رخوة كانت أو صلبة، ~~وقيل: لا بد من غسل الصلبة كغيرها من المتنجسات، وأرض مسجده (ص)، كانت ~~رخوة، فكفى فيها الصب. وكذلك الحديث ظاهر في أنه لا تتوقف الطهارة على نضوب ~~الماء، لأنه (ص) لم يشترط في الصب على بول الاعرابي شيئا، وهو الذي اختاره ~~المهدي في البحر، وفي أنه لا يشترط حفرها وإلقاء التراب، وقيل: إذا كانت ~~صلبة فلا بد من حفرها وإلقاء التراب، لأن الماء لم يعم أعلاها وأسفلها، ~~ولأنه ورد في بعض طرق الحديث: أنه قال (ص): خذوا ما بال عليه من التراب ~~وألقوه وأهريقوا على مكانه ماء. قال المصنف في التلخيص: له إسنادان ~~موصولان. أحدهما عن ابن مسعود، والاخر عن واثلة بن الأسقع، وفيهما مقال: ~~ولو ثبتت هذه الزيادة لبطل قول من قال: إن أرض مسجده (ص) رخوة، فإنه يقول: ~~لا يحفر ويلقى التراب إلا من الأرض الصلبة. وفي الحديث فوائد: منها: احترام ~~المساجد، فإنه (ص) لما فرغ الاعرابي من بوله دعاه ثم قال له: إن هذه ~~المساجد لا تصلح لشئ من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله عز وجل ~~وقراءة القرآن. ولان الصحابة لما تبادروا إلى الانكار أقرهم ms0033 (ص)، وإنما ~~أمرهم بالرفق، كما في رواية الجماعة للحديث إلا مسلما أنه قال: إنما بعثتم ~~ميسرين ولم تبعثوا معسرين. ولو كان الانكار غير جائز لقال إنه لم يأت ~~الاعرابي ما يوجب نهيكم له. ومنها: الرفق بالجاهل وعدم التعنيف، ومنها حسن ~~خلقه (ص) ولطفه بالمتعلم، ومنها أن الابعاد عند قضاء الحاجة إنما هو لمن ~~يريد الغائط لا البول، فإنه كان عرف العرب عدم ذلك وأقره الشارع، وقد بال ~~(ص) وجعل رجلا عند عقبه يستره، ومنها دفع أعظم المضرتين بأخفهما، لأنه لو ~~قطع عليه بوله لأضر به، وكان يحصل من تقويمه من محله، مع ما قد حصل من ~~تنجيس المسجد، تنجيس بدنه وثيابه ومواضع من المسجد غير الذي قد وقع فيه ~~البول أولا. # [رح 11] - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): أحلت لنا ~~ميتتان ودمان. فأما الميتتان: فالجراد والحوت، وأما الدمان: فالكبد والطحال ~~أخرجه أحمد، وابن ماجة، وفيه ضعف. (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال ~~رسول الله (ص): أحلت لنا ميتتان) أي بعد تحريمهما الذي دلت عليه الآيات ~~(ودمان) كذلك (فأما الميتتان فالجراد) أي ميتة (والحوت) أي ميتة (وأما ~~الدمان. فالكبد والطحال) بزنة كتاب (أخرجه أحمد وابن ماجة وفيه ضعف) لأنه ~~رواه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر. قال أحمد: حديثه منكر، ~~وصح أنه موقوف كما قال أبو زرعة وأبو حاتم، وإذا ثبت أنه موقوف فله حكم ~~المرفوع، لان قول الصحابي: أحل لنا كذا وحرم علينا كذا مثل قوله: أمرنا ~~PageV01P025 # ونهينا، فيتم به الاحتجاج. ويدل على حل ميتة الجراد على أي حال وجدت، فلا ~~يعتبر في الجراد شئ سواء مات حتف أنفه أو بسبب. والحديث حجة على من اشترط ~~موتها بسبب عادي، أو بقطع رأسها، وإلا حرمت. وكذلك يدل على حل ميتة الحوت ~~على أي صفة وجد، طافيا كان أو غيره لهذا الحديث، وحديث الحل ميتته. وقيل: ~~لا يحل منه إلا ما كان موته بسبب آدمي، أو جزر الماء، أو قذفه، ms0034 أو نضوبه، ~~ولا يحل الطافي لحديث: ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوا. وما مات فيه فطفا ~~فلا تأكلوه أخرجه أحمد وأبو داود من حديث جابر، وهو خاص فيخص به عموم ~~الحديثين. وأجيب عنه: بأنه حديث ضعيف باتفاق أئمة الحديث. قال النووي: حديث ~~جابر لا يجوز الاحتجاج به لو لم يعارضه شئ كيف وهو معارض اه‍. فلا يخص به ~~العام، ولأنه (ص) أكل من العنبرة التي قذفها البحر لأصحاب السرية، ولم يسأل ~~بأي سبب كان موتها، كما هو معروف في كتب الحديث والسيرة. # والكبد حلال بالاجماع، وكذلك مثلها الطحال فإنه حلال، إلا أنه في البحر ~~قال: يكره لحديث علي رضي الله عنه: إنه لقمه الشيطان أي إنه يسر بأكله، إلا ~~أنه حديث لا يعرف من أخرجه. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): إذا وقع الذباب في شراب أحدكم ~~فليغمسه، ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء، وفي الاخر شفاء أخرجه البخاري ~~وأبو داود، وزاد: وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء. # (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): إذا وقع الذباب في شراب أحدكم) ~~وهو كما أسلفناه من أن الإضافة ملغاة كما في قوله: إذا ولغ الكلب في إناء ~~أحدكم وفي لفظ في طعام أحدكم (فليغمسه) زاد في رواية البخاري كله)، تأكيدا. ~~وفي لفظ أبي داود فامقلوه، وفي لفظ ابن السكن فليمقله (ثم لينزعه) فيه: أنه ~~يمهل في نزعه بعد غمسه (فإن في أحد جناحيه داء وفي الاخر شفاء) هذا تعليل ~~للامر بغمسه. وفي لفظ البخاري ثم ليطرحه فإن في أحد جناية شفاء وفي الاخر ~~داء، وفي لفظ سما (أخرجه البخاري وأبو داود. وزاد: وإنه يتقي بجناحه الذي ~~PageV01P026 # فيه الداء). وعند أحمد وابن ماجة: أنه يقدم السم ويؤخر الشفاء. والحديث ~~دليل ظاهر على PageV01P027 # جواز قتله دفعا لضرره، وأنه يطر ولا يؤكل، وأن الذباب إذا مات في مائع ~~فإنه لا ينجسه، لأنه (ص) أمر بغمسه، ومعلوم أنه يموت من ذلك، ولا سيما إذا ~~كان الطعام حارا، فلو كان ينجسه ms0035 لكان أمرا بإفساد الطعام، وهو (ص) إنما أمر ~~بإصلاحه. ثم عدى هذا الحكم إلى كل ما لا نفس له سائلة كالنحلة والزنبور ~~والعنكبوت وأشباه ذلك، إذ الحكم يعم بعموم علته، وينتفي بانتفاء سببه، فلما ~~كان سبب التنجيس هو الدم المحتقن في الحيوان بموته، وكان ذلك مفقودا فيما ~~لا دم له سائل، انتفى الحكم بالتنجيس لانتفاء علته، والامر بغمسه ليخرج ~~الشفاء منه كما خرج الداء منه. وقد علم أن في الذباب قوة سمية كما يدل ~~عليها الورم والحكة الحاصلة من لسعه وهي بمنزلة السلاح، فإذا وقع فيما ~~يؤذيه اتقاه بسلاحه، كما قال (ص): فإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء أمر صلى ~~الله عليه وسلم أن تقابل تلك السمية بما أودعه الله سبحانه وتعالى فيه من ~~الشفاء في جناحه الآخر بغمسه كله. فتقابل المادة السمية المادة النافعة ~~فيزول ضررها، وقد ذكر غير واحد من الأطباء: أن لسعة العقرب والزنبور إذا ~~دلك موضعها بالذباب نفع منه نفعا بينا ويسكنها، وما ذلك إلا للمادة التي ~~فيه من الشفاء. # وعن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): ما قطع من ~~البهيمة - وهي حية - فهو ميت. أخرجه أبو داود والترمذي، وحسنه، واللفظ له. ~~(وعن أبي واقد) بقاف مكسورة ودال مهملة اسمه الحارث بن عوف من أقوال. # قيل: إنه شهد بدرا، وقيل: إنه من مسلمة الفتح، والأول أصح. مات سنة ثمان ~~أو خمس وستين بمكة (الليثي) بمثناة تحتية نسبة إلى ليث لأنه من بني عامر بن ~~ليث (رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): ما قطع من البهيمة) في القاموس: ~~البهيمة: كل ذات أربع قوائم ولو في الماء، وكل حي لا يميز. والبهيمة أولاد ~~الضأن والمعز، ولعل المراد هنا الأخير أو الأول لما يأتي بيانه إن شاء الله ~~تعالى (وهي حية فهو) أي المقطوع (ميت أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه واللفظ ~~له)، أي قال: إنه حسن، وقد عرف معنى الحسن في تعريف الصحيح فيما سلف واللفظ ~~للترمذي. والحديث قد روي من أربع ms0036 طرق عن أربعة من الصحابة: # عن أبي سعيد، وأبي واقد، وابن عمر، وتميم الداري. وحديث أبي واقد هذا ~~رواه أيضا أحمد PageV01P028 # والحاكم بلفظ: قدم رسول الله (ص) المدينة، وبها ناس يعمدون إلى أليات ~~الغنم وأسنمة الإبل فقال: ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت. والحديث دليل ~~على أن ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت. وسبب الحديث دال على أنه أريد ~~بالبهيمة ذات الأربع وهو المعنى الأول لذكره الإبل فيه، لا المعنى الأخير ~~الذي ذكره القاموس، لكنه مخصوص بما أبين من السمك ولو كانت ذات أربع، أو ~~يراد به المعنى الأوسط وهو كل حي لا يميز، فيخص منه الجراد، والسمك، وما ~~أبين مما لا دم له. وقد أفاد قوله فهو ميت أنه لا بد أن يحل المقطوع ~~الحياة، لان الميت هو ما من شأنه أن يكون حيا. # باب الآنية الآنية جمع إناء وهو معروف، وإنما بوب لها، لان الشارع قد نهى ~~عن بعضها، فقد تعلقت بها أحكام. # عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): لا تشربوا في ~~انية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في ~~الآخرة، متفق عليه. # (عن حذيفة) أي: أروي، أو أذكر، كما سلف، وحذيفة بضم الحاء المهملة فذال ~~معجمة فمثناة تحتية ساكنة ففاء، هو أبو عبد الله حذيفة (بن اليمان) بفتح ~~المثناة التحتية وتخفيف الميم اخره نون، وحذيفة وأبوه صحابيان جليلان شهدا ~~أحدا، وحذيفة صاحب سر رسول الله (ص)، وروى عنه جماعة من الصحابة، ~~والتابعين. ومات بالمدائن سنة خمس، أو ست وثلاثين بعد قتل عثمان بأربعين ~~ليلة (قال: قال رسول الله (ص): # لا تشربوا في انية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما) جمع صحفة. قال ~~الكشاف والكسائي: الصحفة هي ما تشبع الخمسة (فإنها) أي انية الذهب والفضة ~~وصحافهما (لهم) أي: للمشركين، وإن لم يذكروا فهم معلومون (في الدنيا) إخبار ~~عما هم عليه، لا إخبار بحلها لهم، (ولكم في الآخرة، متفق عليه) بين ~~الشيخين. والحديث دليل ms0037 على تحريم الأكل والشرب في انية الذهب والفضة، ~~وصحافهما، سواء كان الاناء خالصا ذهبا أو مخلوطا بالفضة، إذ هو بما يشمله ~~أنه إناء ذهب وفضة. قال النووي: إنه انعقد الاجماع على تحريم الأكل والشرب ~~فيهما. واختلف في العلة: فقيل: للخيلاء. وقيل: بل لكونه ذهبا وفضة. ~~واختلفوا في الاناء المطلي بهما: هل يلحق بهما في التحريم، أم لا؟ فقيل: إن ~~كان يمكن فصلهما حرم إجماعا، لأنه مستعمل للذهب والفضة، وإن كان لا يمكن ~~فصلهما لا يحرم. وأما الاناء المضبب بهما، فإنه يجوز الأكل والشرب فيه ~~إجماعا. وهذا في الأكل والشرب فيما ذكر لا خلاف فيه، فأما غيرهما من سائر ~~الاستعمالات، ففيه الخلاف: قيل: لا يحرم: لان النص لم يرد إلا في الأكل ~~والشرب. # وقيل: يحرم سائر الاستعمالات إجماعا. ونازع في الأخير بعض المتأخرين ~~وقال: النص ورد في الأكل والشرب لا غير، وإلحاق سائر الاستعمالات بها قياسا ~~لا تتم فيه شرائط القياس. # والحق ما ذهب إليه القائل: بعدم تحريم غير الأكل والشرب فيهما، إذ هو ~~الثابت بالنص، ودعوى الاجماع غير صحيحة، وهذا من شؤم تبديل اللفظ النبوي ~~بغيره، فإن ورد بتحريم الأكل والشرب فقط، فعدلوا عن عبارته إلى الاستعمال، ~~وهجروا العبارة النبوية، وجاءوا بلفظ PageV01P029 # عام من تلقاء أنفسهم، ولها نظائر في عباراتهم. ولهذا ذكر المصنف هذا ~~الحديث هنا، لإفادة تحريم الوضوء في انية الذهب والفضة لأنه استعمال لهما ~~على مذهبه في تحريم ذلك، وإلا فباب هذا الحديث باب الأطعمة والأشربة. ثم هل ~~يلحق بالذهب والفضة نفائس الأحجار كالياقوت والجواهر؟ فيه خلاف، والأظهر ~~عدم إلحاقه، وجوازه على أصل الإباحة، لعدم الدليل الناقل عنها. # وعن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله (ص): الذي يشرب في إناء ~~الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم متفق عليه. (وعن أم سلمة رضي الله عنها) ~~هي أم المؤمنين زوج النبي (ص)، اسمها هند بنت أبي أمية، كانت تحت أبي سلمة ~~بن عبد الأسد، هاجرت إلى أرض الحبشة مع زوجها، وتوفي عنها في المدينة بعد ~~عودتهما ms0038 من الحبشة، وتزوجها النبي (ص) في المدينة سنة أربع من الهجرة، ~~وتوفيت سنة تسع وخمسين، وقيل: اثنتين وستين، ودفنت بالبقيع، وعمرها أربع ~~وثمانون سنة (قالت: قال رسول الله (ص): الذي يشرب في إناء الفضة) هكذا عند ~~الشيخين. وانفرد مسلم في رواية أخرى بقوله: في إناء الفضة والذهب (إنما ~~يجرجر) بضم المثناة التحتية وجيم فراء وجيم مكسورة. والجرجرة: صوت وقوع ~~الماء في الجوف، وصوت البعير عند الجرة، وجعل الشرب والجرع جرجرة (في بطنه ~~نار جهنم. متفق عليه) بين الشيخين. قال الزمخشري: يروى برفع النار أي: على ~~أنها فاعل مجازا، وإلا فنار جهنم على الحقيقة لا تجرجر في بطنه، إنما جعل ~~جرع الانسان للماء في هذه الأواني المنهي عنها، واستحقاق العقاب على ~~استعمالها: كجرجرة نار جهنم في جوفه مجازا، هكذا على رواية الرفع. وذكر ~~الفعل يعني يجرجر وإن كان فاعله النار وهي مؤنثة للفصل بينها وبين فعلها، ~~ولان تأنيثها غير حقيقي، والأكثر على نصب جهنم، وفاعل الجرجرة هو الشارب ~~والنار مفعوله، والمعنى: كأنما يجرع نار جهنم من باب: * (إن الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) *. قال ~~النووي: # والنصب هو الصحيح المشهور الذي عليه الشارحون وأهل العرف واللغة، وجزم به ~~الأزهري. # وجهنم عجمية لا تنصرف للتأنيث والعلمية، إذ هي علم لطبقة من طبقات النار، ~~أعاذنا الله منها، سميت بذلك لبعد قعرها، وقيل: لغلظ أمرها في العذاب. ~~والحديث يدل على ما دل عليه حديث حذيفة الأول. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله (ص): إذا دبغ الإهاب ~~فقد طهر أخرجه مسلم. وعند الأربعة أيما إهاب دبغ. (وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما، قال: قال رسول الله (ص): (إذا دبغ الإهاب) بزنة كتاب هو الجلد، أو ~~ما لم يدبغ كما في القاموس، ومثله في النهاية (فقد طهر) بفتح الطاء والهاء ~~ويجوز ضمها كما يفيده القاموس (أخرجه مسلم) بهذا اللفظ (وعند الأربعة) وهم ~~أهل السنن: (أيما إهاب دبغ) تمامه فقد طهر. والحديث أخرجه الخمسة، إنما ~~اختلف لفظه، ms0039 وقد روى بألفاظ، وذكر له سبب، وهو: أنه (ص) مر بشاة ميتة ~~لميمونة فقال: ألا استمتعتم بإهابها فإن دباغ الأديم طهور، وروى البخاري: ~~من حديث سودة قالت: ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها ثم ما زلنا ننتبذ فيه حتى ~~صار شنا. والحديث دليل على أن الدباغ، مطهر لجلد ميتة كل حيوان، كما يفيده ~~عموم كلمة أيما، وأنه يطهر باطنه وظاهره. وفي المسألة سبعة أقوال: الأول: ~~أن الدباغ يطهر جلد الميتة PageV01P030 # باطنه وظاهره، ولا يخص منه شئ، عملا بظاهر حديث ابن عباس وما في معناه. ~~وهذا مروي عن علي عليه السلام، وابن مسعود. والثاني من الأقوال: أنه لا ~~يطهر الدباغ شيئا، وهو مذهب جماهير الهادوية، ويروى عن جماعة من الصحابة ~~مستدلين بحديث الشافعي الذي أخرجه أحمد، والبخاري في تاريخه، والأربعة، ~~والدارقطني، والبيهقي، وابن حبان: عن عبد الله بن عكيم قال: أتانا كتاب ~~رسول الله (ص) قبل موته: أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب وفي رواية ~~الشافعي وأحمد وأبي داود: قبل موته بشهر، وفي رواية: بشهر، أو شهرين. قال ~~الترمذي: حسن. وكان أحمد يذهب إليه ويقول: هذا آخر الامرين، ثم تركه، قالوا ~~- أي: الهادوية: وهذا الحديث ناسخ لحديث ابن عباس لدلالته على تحريم ~~الانتفاع من الميتة بإهابها وعصبها. # وأجيب عنه بأجوبة. الأول: أنه حديث مضطرب في سنده، فإنه روى تارة عن كتاب ~~النبي (ص) ، وتارة عن مشايخ من جهينة عمن قرأ كتاب النبي (ص). ومضطرب أيضا ~~في متنه، فروى من غير تقييد في رواية الأكثر، وروى بالتقييد بشهر، أو ~~شهرين، أو أربعين يوما، أو ثلاثة أيام، ثم إنه معل أيضا بالارسال، فإنه لم ~~يسمعه عبد الله بن عكيم منه (ص)، ومعل بالانقطاع، لأنه لم يسمعه عبد الرحمن ~~بن أبي ليلى من ابن عكيم، ولذلك ترك أحمد بن حنبل القول به آخرا، وكان يذهب ~~إليه أولا، كما قال عنه الترمذي. وثانيا: بأنه لا يقوى على النسخ، لان حديث ~~الدباغ أصح، فإنه مما اتفق عليه الشيخان. وأخرج مسلم، وروى من طرق متعددة ~~في ms0040 معناه عدة أحاديث عن جماعة من الصحابة، فعن ابن عباس حديثان، وعن أم ~~سلمة ثلاثة، وعن أنس حديثان، وعن سلمة بن المحبق، وعائشة، والمغيرة، وأبي ~~أمامة، وابن مسعود. ولان الناسخ لا بد من تحقيق تأخره، ولا دليل على تأخر ~~حديث ابن عكيم، ورواية التاريخ فيه بشهر أو شهرين معلة، فلا تقوم بها حجة ~~على النسخ. # على أنها لو كانت رواية التاريخ صحيحة، ما دلت على أنه آخر الامرين جزما. ~~ولا يقال: فإذا لم يتم النسخ تعارض الحديثان، حديث عبد الله بن عكيم وحديث ~~ابن عباس ومن معه، ومع التعارض يرجع إلى الترجيح أو الوقف، لأنا نقول: لا ~~تعارض إلا مع الاستواء وهو مفقود، كما عرفت من صحة حديث ابن عباس، وكثرة من ~~معه من الرواة، وعدم ذلك في حديث ابن عكيم. # وثالثا: بأن الإهاب كما عرفت عن القاموس والنهاية: اسم لما لم يدبغ في ~~أحد القولين. وقال النضر بن شميل: - الإهاب لما لم يدبغ، وبعد الدبغ يقال ~~له: شن وقربة، وبه جزم الجوهري قيل: # فلما احتمل الامرين، وورد الحديثان في صورة المتعارضين، جمعنا بينهما: ~~بأنه نهى عن الانتفاع بالإهاب ما لم يدبغ، فإذا دبغ لم يسم إهابا، فلا يدخل ~~تحت النهي، وهو حسن. الثالث: يطهر جلد ميتة المأكول لا غيره، لكن يرده عموم ~~أيما إهاب. الرابع: يطهر الجميع إلا الخنزير، فإنه لا جلد له وهو مذهب أبي ~~حنيفة. الخامس: يطهر إلا الخنزير لكن، لا لكونه لا جلد له، بل لكونه رجسا ~~لقوله تعالى: * (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن ~~يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به ~~فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم) * والضمير للخنزير، فقد حكم ~~برجسيته كله، والكلب مقيس عليه بجامع النجاسة، وهو قول الشافعي. السادس: ~~يطهر الجميع، لكن ظاهره دون باطنه، فيستعمل في اليابسات دون المائعات، ~~ويصلى عليه ولا يصلى فيه، وهو مروي عن مالك جمعا منه بين ms0041 الأحاديث ~~PageV01P031 # لما تعارضت. السابع: ينتفع بجلود الميتة، وإن لم تدبغ ظاهرا وباطنا، لما ~~أخرجه البخاري من رواية ابن عباس أنه (ص) مر بشاة ميتة، فقال: هلا انتفعتم ~~بإهابه؟ قالوا: إنها ميتة، قال: إنما حرم أكلها وهو رأي الزهري. وأجيب عنه: ~~بأنه مطلق قيدته أحاديث الدباغ التي سلفت. # وعن سلمة بن المحبق رضي الله عنه، قال: قال رسول الله (ص): دباغ جلود ~~الميتة طهورها، صححه ابن حبان. (وعن سلمة بن المحبق رضي الله عنه) هو بضم ~~الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة المكسورة والقاف. وسلمة صحابي يعد ~~في البصريين، روى عنه ابنه سنان. ولسنان أيضا صحبة (قال: قال رسول الله ~~(ص): دباغ جلود الميتة طهورها صححه ابن حبان) أي أخرجه وصححه، وقد أخرج غير ~~ابن حبان هذا الحديث، لكن بألفاظ: # عند أحمد، وأبي داود، والنسائي، والبيهقي عن سلمة بلفظ: دباغ الأديم: # ذكاته، وفي لفظ: دباغها، ذكاتها، وفي اخر: دباغها: طهورها وفي لفظ: ~~ذكاتها: دباغها، وفي لفظ اخر: ذكاة الأديم: دباغه. وفي الباب أحاديث ~~بمعناه، وهو يدل على ما دل عليه حديث ابن عباس. # وفي تشبيه الدباغ بالذكاة: إعلام بأن الدباغ في التطهير بمنزلة تذكية ~~الشاة في الاحلال، لان الذبح يطهرها ويحل أكلها. # وعن ميمونة رضي الله عنها، قالت: مر النبي (ص) بشاة يجرونها، فقال: لو ~~أخذتم إهابها؟ فقالوا: إنها ميتة، فقال: يطهرها الماء والقرظ أخرجه أبو ~~داود والنسائي. (وعن ميمونة رضي الله عنه) هي أم المؤمنين ميمونة بنت ~~الحارث الهلالية، كان اسمها برة، فسماها رسول الله (ص) ميمونة، تزوجها (ص) ~~في شهر ذي القعدة سنة سبع في عمرة القضية، وكانت وفاتها سنة إحدى وستين، ~~وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: ست وستين، وقيل: غير ذلك، وهي خالة ابن عباس، ولم ~~يتزوج صلى الله عليه وسلم بعدها (قالت: مر رسول الله (ص) بشاة يجرونها ~~فقال: لو أخذتم إهابها؟ # فقالوا: إنها ميتة، فقال: يطهرها الماء والقرظ أخرجه أبو داود والنسائي)، ~~وفي لفظ عند الدارقطني عن ابن عباس: أليس في الماء والقرظ ما يطهرها، وأما ~~رواية: ms0042 أليس في الشث والقرظ ما يطهرها، فقال النووي: إنه بهذا اللفظ باطل ~~لا أصل له. وقال في شرح مسلم: # يجوز الدباغ بكل شئ ينشف فضلات الجلد ويطيبه، ويمنع من ورود الفساد عليه، ~~كالشث، والقرظ، وقشور الرمان، وغير ذلك من الأدوية الطاهرة، ولا يحصل ~~بالشمس إلا عند الحنفية، ولا بالتراب، والرماد، والملح على الأصح. # وعن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله، إنا بأرض ~~قوم أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ قال: لا تأكلوا فيها، إلا أن لا تجدوا ~~غيرها، فاغسلوها، وكلوا فيها متفق عليه. (وعن أبي ثعلبة) بفتح المثلثة ~~بعدها عين مهملة ساكنة فلام مفتوحة فموحدة (الخشني رضي الله عنه) بضم الخاء ~~المعجمة فشين معجمة مفتوحة فنون، نسبة إلى خشين بن النمر من قضاعة حذفت ~~ياؤه عند النسبة، واسمه جرهم بضم الجيم بعدها راء ساكنة فهاء مضمومة، ابن ~~ناشب بالنون وبعد الألف شين معجمة اخره موحدة، اشتهر بلقبه، بايع النبي ~~PageV01P032 # (ص) بيعة الرضوان، وضرب له بسهم يوم خيبر، وأرسله إلى قومه فأسلموا، نزل ~~بالشام ومات بها سنة خمس وسبعين، وقيل: غير ذلك (قال: قلت: يا رسول الله ~~إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم؟ قال: لا تأكلوا فيها إلا أن لا ~~تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها. متفق عليه) بين الشيخين. استدل به على نجاسة ~~انية أهل الكتاب، وهل هو لنجاسة رطوبتهم، أو لجواز أكلهم الخنزير، وشربهم ~~الخمر، أو للكراهة؟ ذهب إلى الأول القائلون بنجاسة رطوبة الكفار، وهم ~~الهادوية، والقاسمية. واستدلوا أيضا بظاهر قوله تعالى: - إنما المشركون نجس ~~- والكتابي يسمى مشركا، إذ قالوا: المسيح ابن الله، وعزير ابن الله. # وذهب غيرهم من أهل البيت كالمؤيد بالله وغيره، وكذلك الشافعي: إلى طهارة ~~رطوبتهم، وهو الحق، لقوله تعالى: * (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين ~~أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا ~~متخذي أخدان ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من ms0043 الخاسرين) * ~~ولأنه (ص) توضأ من مزادة مشركة، ولحديث جابر عند أحمد، وأبي داود كنا نغزو ~~مع رسول الله (ص)، فنصيب من انية المشركين وأسقيتهم، ولا يعيب ذلك علينا. ~~قلنا: في غيره من الأدلة غنية عنه. فمنها ما أخرجه أحمد من حديث أنس: أنه ~~(ص) دعاه يهودي إلى خبز شعير وإهالة سنخة فأكل منها بفتح السين وسكون النون ~~المعجمة فخاء مفتوحة أي متغيرة. قال في البحر: لو حرمت رطوبتهم لاستفاض بين ~~الصحابة نقل توقيهم لها لقلة المسلمين حينئذ، مع كثرة استعمالاتهم التي لا ~~يخلو منها ملبوس ومطعوم، والعادة في مثل ذلك تقضي بالاستفاضة. قال: وحديث ~~أبي ثعلبة: إما محمول على كراهة الأكل في آنيتهم للاستقذار، لا لكونها ~~نجسة، إذ لو كانت نجسة لم يجعله مشروطا بعدم وجدان غيرها، إذ الاناء ~~المتنجس بعد إزالة نجاسته هو وما لم يتنجس على سواء، أو لسد ذريعة المحرم، ~~أو لأنها نجسة لما يطبخ فيها، لا لرطوبتهم كما تفيده رواية أبي داود وأحمد ~~بلفظ: إنا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في ~~آنيتهم الخمر، فقال رسول الله (ص): إن وجدتم غيرها الحديث، وحديثه الأول ~~مطلق، وهذا مقيد بانية يطبخ فيها ما ذكر ويشرب، فيحمل المطلق على المقيد. ~~وأما الآية: فالنجس لغة المستقذر، فهو أعم من المعنى الشرعي، وقيل: معناه ~~ذو نجس، لان معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس، ولأنهم لا يتطهرون، ولا ~~يغتسلون، ولا يتجنبون النجاسات فهي ملابسة لهم، وبهذا يتم الجمع بين هذا، ~~وبين اية المائدة، والأحاديث الموافقة لحكمها، وآية المائدة أصرح في ~~المراد. # وعن عمران بن حصين رضي الله عنه: أن النبي (ص) وأصحابه توضئوا من مزادة ~~امرأة مشركة. متفق عليه. في حديث طويل. (وعن عمران بن حصين) بالمهملتين ~~تصغير حصن، وعمران هو أبو نجيد بالجيم تصغير نجد الخزاعي الكعبي، أسلم عام ~~خيبر، وسكن البصرة إلى أن مات بها سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين، وكان من ~~فضلاء الصحابة، وفقهائهم (رضي الله عنه: أن النبي (ص) وأصحابه توضئوا من ~~مزادة) بفتح الميم ms0044 بعدها زاي ثم ألف وبعد الألف مهملة وهي الراوية، ولا ~~تكون إلا من جلدتين تقام بثالث بينهما لتتسع، كما في القاموس (امرأة مشركة. ~~متفق عليه) بين الشيخين (في حديث طويل) أخرجه البخاري بألفاظ فيها: أنه (ص) ~~بعث عليا، PageV01P033 # واخر معه في بعض أسفاره (ص)، وقد فقدوا الماء، فقال: اذهبا فابتغيا ~~الماء. فانطلقا، فتلقيا امرأة بين مزادتين أو سطيحتين من ماء على بعير لها. ~~فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة، قالا: انطلقي إلى ~~رسول الله (ص) إلى أن قال: ودعا النبي (ص) بإناء، ففرغ فيه من أفواه ~~المزادتين أو السطيحتين، ونودي في الناس اسقوا، واستسقوا، فسقى من سقى، ~~واستقى من شاء الحديث، وفيه زيادة ومعجزات نبوية. والمراد أنه (ص) توضأ من ~~مزادة المشركة، وهو دليل لما سلف في شرح حديث أبي ثعلبة من طهارة انية ~~المشركين، ويدل أيضا على طهور جلد الميت بالدباغ، لان المزادتين من جلود ~~ذبائح المشركين وذبائحهم ميتة، ويدل على طهارة رطوبة المشرك، فإن المرأة ~~المشركة قد باشرت الماء وهو دون القلتين، فإنهم صرحوا بأنه لا يحمل الجمل ~~قدر القلتين. ومن يقول: إن رطوبتهم نجسة، ويقول: لا ينجس الماء إلا ما ~~غيره، فالحديث يدل على ذلك. # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن قدح النبي (ص) انكسر، فاتخذ مكان الشعب ~~سلسلة من فضة. أخرجه البخاري. (وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن قدح النبي ~~(ص) انكسر، فاتخذ مكان الشعب) بفتح الشين المعجمة وسكون المهملة لفظ مشترك ~~بين معان. والمراد منها هنا: # الصدع والشق (سلسلة من فضة) في القاموس سلسلة بفتح أوله وسكون اللام وفتح ~~السين الثانية منها: إيصال الشئ بالشئ، أو سلسلة بكسر أوله: دائر من حديد ~~ونحوه، والظاهر أن المراد الأول، فيقرأ بفتح أوله (أخرجه البخاري). وهو ~~دليل على جواز تضبيب الاناء بالفضة، ولا خلاف في جوازه كما سلف. إلا أنه ~~هنا قد اختلف في واضع السلسلة، فحكى البيهقي عن بعضهم: أن الذي جعل السلسلة ~~هو أنس بن مالك، وجزم به ms0045 ابن الصلاح، وقال أيضا: فيه نظر، لان في البخاري ~~من حديث عاصم الأحول: رأيت قدح النبي (ص) عند أنس بن مالك، فكان قد انصدع، ~~فسلسله بفضة. وقال ابن سيرين: إنه كان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يجعل ~~مكانها حلقة من ذهب أو فضة، فقال له أبو طلحة: لا تغيرن شيئا صنعه رسول ~~الله (ص)، فتركه هذا لفظ البخاري. وهو يحتمل أن يكون الضمير في قوله فسلسله ~~بفضة عائد إلى رسول الله (ص)، ويحتمل أن يكون عائدا إلى أنس كما قال ~~البيهقي، إلا أن اخر الحديث يدل للأول، وأن القدح لم يتغير عما كان عليه ~~على عهد رسول الله (ص). قلت: والسلسلة غير الحلقة التي أراد أنس تغييرها، ~~فالظاهر: أن قوله فسلسله هو النبي (ص)، وهو حجة لما ذكره. # باب إزالة النجاسة وبيانها. # أي بيان النجاسة ومطهراتها عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سئل رسول ~~الله (ص) عن الخمر) أي بعد تحريمها (تتخذ خلا. فقال: لا. أخرجه مسلم ~~والترمذي وقال: حسن صحيح) فسر الاتخاذ: بالعلاج لها، وقد صارت خمرا، ومثله ~~حديث أبي طلحة، فإنها لما حرمت الخمر سأل أبو طلحة النبي (ص) عن خمر عنده ~~لأيتام: هل يخللها؟ فأمره بإراقتها. أخرجه PageV01P034 # أبو داود والترمذي. والعمل بالحديث هو رأي الهادوية والشافعي لدلالة ~~الحديث على ذلك، فلو خللها لم تحل، ولم تطهر، وظاهره بأي علاج كان، ولو ~~بنقلها من الظل إلى الشمس أو عكسه، وقيل: تطهر وتحل. وأما إذا تخللت بنفسها ~~من دون علاج فإنها طاهرة حلال. إلا أنه قال في البحر: إن أكثر أصحابنا ~~يقولون: إنها لا تطهر، وإن تخللت بنفسها من غير علاج. واعلم أن للعلماء في ~~خل الخمر ثلاثة أقوال: الأول: أنها إذا تخللت الخمر بغير قصد حل خلها، وإذا ~~خللت بالقصد حرم خلها. الثاني: يحرم كل خل تولد عن خمر مطلقا. الثالث: أن ~~الخل حلال مع تولده من الخمر سواء قصد أم لا، إلا أن فاعلها اثم إن تركها ~~بعد أن صارت خمرا، عاص لله ms0046 مجروح العدالة، لعدم إراقته لها حال خمريتها، ~~فإنه واجب كما دل له حديث أبي طلحة. لكن قال في الشرح: يحل الخل الكائن عن ~~الخمر، فإنه خل لغة وشرعا. وقيل: وجعل التخلل أيضا من دون تخمر في صور. ~~منها: إذا صب في إناء معتق بالخل عصير عنب فإنه يتخلل ولا يصير خمرا. ~~ومنها: إذا جردت حبات العنب من عناقيدها، وملئ منها الاناء، وختم رأس ~~الاناء بطين أو نحوه فإنه يتخلل ولا يصير خمرا. ومنها: إذا عصر أصل العنب، ~~ثم ألقي عليه قبل أن يتخلل مثلاه خلا صادقا، فإنه يتخلل، ولا يصير خمرا ~~أصلا. وعنه رضي الله عنه قال: لما كان يوم خيبر، أمر رسول الله (ص) أبا ~~طلحة، فنادى: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فإنها رجس ~~متفق عليه. (وعنه) أي: عن أنس بن مالك (قال: لما كان يوم خيبر أمر رسول ~~الله (ص) أبا طلحة فنادى: إن الله ورسوله ينهيانكم) بتثنية الضمير لله ~~تعالى ولرسوله. وقد ثبت أنه (ص) قال للخطيب الذي قال في خطبته: من يطع الله ~~ورسوله فقد رشد ومن يعصهما الحديث: بئس خطيب القوم أنت لجمعه بين ضمير الله ~~تعالى وضمير رسوله (ص)، وقال: قل: ومن يعص الله ورسوله. فالواقع هنا ~~يعارضه، وقد وقع أيضا في كلامه (ص) التثنية بلفظ أن يكون الله ورسوله أحب ~~إليه مما سواهما. وأجيب بأنه (ص) نهى الخطيب، لان مقام الخطابة يقتضي البسط ~~والايضاح، فأرشده إلى أنه يأتي بالاسم الظاهر، لا بالضمير، وأنه ليس العتب ~~عليه من حيث جمعه بين ضميره تعالى وضمير رسوله (ص). الثاني أنه (ص) له أن ~~يجمع بين الضميرين وليس لغيره لعلمه بجلال ربه وعظمة الله. (عن لحوم الحمر ~~الأهلية) كما يأتي (فإنها رجس. متفق عليه) وحديث أنس في البخاري: أن رسول ~~الله (ص) جاءه جاء فقال: أكلت الحمر، ثم جاءه جاء فقال: أكلت الحمر، ثم ~~جاءه جاء فقال: أفنيت الحمر، فأمر مناديا ينادي: إن الله ورسوله ينهيانكم ~~عن لحوم الحمر الأهلية، فإنها رجس، فأكفئت القدور، ms0047 وإنها لتفور بالحمر. ~~والنهي عن لحوم الحمر الأهلية ثابت في حديث علي عليه السلام، وابن عمر، ~~وجابر بن عبد الله، وابن أبي أوفى، والبراء، وأبي ثعلبة، وأبي هريرة، ~~والعرباض بن سارية، وخالد بن الوليد، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ~~والمقدام بن معديكرب، وابن عباس، وكلها ثابتة في دواوين الاسلام، وقد ذكر ~~من أخرجها في الشرح. # وهي دالة على تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية، وتحريمها هو قول الجماهير من ~~الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، لهذه الأدلة. وذهب ابن عباس إلى عدم تحريم ~~الحمر الأهلية، وفي PageV01P035 # البخاري عنه: لا أدري أنهي عنها من أجل أنها كانت حمولة الناس، أو حرمت؟ ~~ولا يخفى ضعف هذا القول، لان الأصل في النهي التحريم وإن جهلنا علته، ~~واستدل ابن عباس بعموم قوله تعالى: * (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على ~~طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا ~~أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم) * الآية، ~~فإنه تلاها جوابا لمن سأله عن تحريمها، ولحديث أبي داود: أنه جاء إلى رسول ~~الله (ص) غالب بن أبجر فقال: يا رسول الله (ص) أصابتنا سنة، ولم يكن في ~~مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر، وإنك حرمت لحوم الحمر الأهلية، فقال: أطعم ~~أهلك من سمين حمرك، فإنما حرمتها من أجل جوال القرية يريد التي تأكل الجلة ~~وهي العذرة. وأجيب: بأن الآية خصت عمومها الأحاديث الصحيحة المتقدمة، وبأن ~~حديث أبي داود مضطرب مختلف فيه اختلافا كثيرا، وإن صح حمل على الأكل منها ~~عند الضرورة، كما دل عليه قوله: أصابتنا سنة، أي شدة وحاجة. وذكر المصنف ~~لهذين الحديثين في باب النجاسات وتعدادها مبني على أن التحريم من لازمه ~~التنجيس، وهو قول الأكثر، وفيه خلاف. # والحق: أن الأصل في الأعيان الطهارة، وأن التحريم لا يلزم النجاسة، فإن ~~الحشيشة محرمة طاهرة، وكذا المخدرات والسموم القاتلة لا دليل على نجاستها. ~~وأما النجاسة فيلازمها التحريم، فكل نجس ms0048 محرم ولا عكس، وذلك لان الحكم في ~~النجاسة هو المنع عن ملابستها على كل حال، فالحكم بنجاسة العين حكم ~~بتحريمها، بخلاف الحكم بالتحريم، فإنه يحرم لبس الحرير والذهب، وهما طاهران ~~ضرورة شرعية وإجماعا. فإذا عرفت هذا فتحريم الحمر والخمر الذي دلت عليه ~~النصوص لا يلزم منه نجاستهما، بل لا بد من دليل اخر عليه، وإلا بقيتا على ~~الأصل المتفق عليه من الطهارة. فمن ادعى خلافه فالدليل عليه، ولذا نقول: لا ~~حاجة إلى إتيان المصنف بحديث عمرو بن خارجة الآتي قريبا مستدلا به على ~~طهارة لعاب الراحلة. وأما الميتة فلولا أنه ورد: دباغ الأديم طهوره وأيما ~~إهاب دبغ فقد طهر لقلنا بطهارتها، إذ الوارد في القران تحريم أكلها، لكن ~~حكمنا بالنجاسة لما قام عليها دليل غير دليل تحريمها. # وعن عمرو بن خارجة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله (ص) بمنى، وهو على ~~راحلته، ولعابها يسيل على كتفي. أخرجه أحمد والترمذي وصححه. (وعن عمرو بن ~~خارجة) هو صحابي أنصاري عداده في أهل الشام، وكان حليفا لأبي سفيان بن حرب، ~~وهو الذي روى عنه عبد الرحمن بن غنم: أنه سمع رسول الله (ص) يقول في خطبته: ~~إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث (قال: خطبنا رسول الله (ص) ~~بمنى وهو على راحلته) بالحاء المهملة وهي من الإبل الصالحة لان ترحل ~~(ولعابها) بضم اللام وعين مهملة وبعد الألف موحدة، هو: ما سال من الفم ~~(يسيل على كتفي. أخرجه أحمد، والترمذي وصححه). والحديث: دليل على أن لعاب ~~ما يؤكل لحمه طاهر، قيل: وهو إجماع، وهو أيضا الأصل، فذكر الحديث بيان ~~للأصل، ثم هذا مبني على أنه (ص) علم سيلان اللعاب عليه ليكون تقريرا. # وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله (ص) يغسل المني، ثم يخرج ~~إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسل. متفق عليه. ولمسلم: لقد ~~كنت أفركه من ثوب رسول الله (ص) فركا، فيصلي فيه. وفي لفظ له: لقد كنت أحكه ~~يابسا بظفري من ms0049 ثوبه. (وعن عائشة رضي الله عنها) هي أم المؤمنين عائشة بنت ~~أبي بكر الصديق. أمها أم رومان ابنة عامر. خطبها النبي (ص) بمكة، وتزوجها ~~في شوال سنة عشرة من النبوة، وهي بنت ست سنين، وعرس بها أي دخل بها في ~~المدينة في شوال سنة ثنتين من الهجرة وقيل: غير ذلك، وهي بنت تسع سنين من ~~غير اعتبار الكسر ومات عنها ولها ثماني عشرة PageV01P036 # سنة، ولم يتزوج بكرا غيرها، واستأذنت النبي (ص) في الكنية، فقال لها: ~~تكني بابن أختك عبد الله بن الزبير. وكانت فقيهة عالمة فصيحة فاضلة، كثيرة ~~الحديث عن رسول الله (ص)، عارفة بأيام العرب وأشعارها. روى عنها جماعة من ~~الصحابة والتابعين، نزلت براءتها من السماء في عشر آيات في سورة النور. ~~توفي رسول الله (ص) في بيتها، ودفن فيه، وماتت بالمدينة سنة سبع وخمسين، ~~وقيل: سنة ثمان وخمسين، ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان، ودفنت ~~بالبقيع، وصلى عليها أبو هريرة، وكان خليفة مروان في المدينة. (قالت: كان ~~رسول الله (ص) يغسل المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى ~~أثر الغسل فيه. متفق عليه) وأخرجه البخاري أيضا من حديث عائشة بألفاظ ~~مختلفة: وأنها كانت تغسل المني من ثوبه (ص)، وفي بعضها: وأثر الغسل في ثوبه ~~بقع الماء وفي لفظ: فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه وفي لفظ: وأثر ~~الغسل فيه بقع الماء وفي لفظ: ثم أراه فيه بقعة أو بقعا. إلا أنه قد قال ~~البزار: إن حديث عائشة هذا مداره على سليمان بن يسار، ولم يسمع من عائشة، ~~وسبقه إلى هذا الشافعي في الأم حكاية عن غيره. ورد ما قاله البزار بأن ~~تصحيح البخاري له، وموافقة مسلم له على تصحيحه مفيد لصحة سماع سليمان من ~~عائشة، وأن رفعه صحيح. وبهذا الحديث استدل من قال: بنجاسة المني وهم ~~الهادوية، والحنفية، ومالك، ورواية عن أحمد قالوا: لان الغسل لا يكون إلا ~~عن نجس، وقياسا على غيره من فضلات البدن المستقذرة من البول والغائط، ~~لانصباب ms0050 جميعها إلى مقر وانحلالها عن الغذاء، ولان الاحداث الموجبة للطهارة ~~نجسة والمني منها، ولأنه يجري من مجرى البول، فتعين غسله بالماء كغيره من ~~النجاسات، وتأولوا ما يأتي مما يفيده قوله: (ولمسلم) أي عن عائشة رواية ~~انفرد بلفظها عن البخاري وهي قولها: (لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله (ص) ~~فركا) مصدر تأكيدي يقرر أنها كانت تفركه وتحكه، والفرك: الدلك، يقال: فرك ~~الثوب، إذا دلكه (فيصلي فيه، وفي لفظ له) أي لمسلم عن عائشة: (لقد كنت ~~أحكه) أي المني حال كونه (يابسا بظفري من ثوبه). # اختص مسلم باخراج رواية الفرك، ولم يخرجها البخاري. وقد روى الحت والفرك ~~أيضا البيهقي، والدارقطني، وابن خزيمة، وابن الجوزي، من حديث عائشة، ولفظ ~~البيهقي: ربما حتته من ثوب رسول الله (ص) وهو يصلي ولفظ الدارقطني، وابن ~~خزيمة: أنها كانت تحت المني من ثوب رسول الله (ص) وهو يصلي، ولفظ ابن حبان: ~~لقد رأيتني أفرك المني من ثوب رسول الله (ص) وهو يصلي رجاله رجال الصحيح، ~~وقريب من هذا الحديث: حديث ابن عباس عند الدارقطني. والبيهقي، وقال البيهقي ~~بعد اخراجه: # ورواه وكيع، وابن أبي ليلى موقوفا على ابن عباس، وهو الصحيح اه‍. سئل ~~رسول الله (ص) عن المني يصيب الثوب فقال: إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق ~~والبزاق وقال: إنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو إذخرة. فالقائلون بنجاسة ~~المني: تأولوا أحاديث الفرك هذه: بأن المراد به الفرك مع غسله بالماء وهو ~~بعيد. وقالت الشافعية: المني طاهر، واستدلوا على طهارته PageV01P037 # بهذه الأحاديث قالوا: وأحاديث غسله محمولة على الندب، وليس الغسل دليل ~~النجاسة، فقد يكون لأجل النظافة، وإزالة الدرن، ونحوه. قالوا: وتشبيهه ~~بالبزاق والمخاط دليل على طهارته أيضا، والامر بمسحه بخرقة، أو إذخرة لأجل ~~إزالة الدرن المستكره بقاؤه في ثوب المصلى، ولو كان نجسا لما أجزأ مسحه. ~~وأما التشبيه للمني بالفضلات المستقذرة من البول والغائط، كما قاله من قال ~~بنجاسته، فلا قياس مع النص. قال الأولون: هذه الأحاديث في فركه وحته إنما ~~هي في منيه (ص)، وفضلاته (ص) طاهرة فلا ms0051 يلحق به غيره. وأجيب عنه: بأن عائشة ~~أخبرت عن فرك المني من ثوبه، فيحتمل أنه عن جماع، وقد خالطه مني المرأة، ~~فلم يتعين أنه منيه (ص) وحده، والاحتلام على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~غير جائز، لأنه من تلاعب الشيطان، ولا سلطان له عليهم ولأنه قيل إنه منيه ~~(ص)، وأنه من فيض الشهوة بعد تقدم أسباب خروجه من ملاعبة ونحوها، وأنه لم ~~يخالطه غيره، فهو محتمل، ولا دليل مع الاحتمال. وذهبت الحنفية إلى نجاسة ~~المني كغيرهم، ولكن قالوا: يطهره الغسل، أو الفرك، أو الإزالة بالإذخر، أو ~~الخرقة عملا بالحديثين. وبين الفريقين القائلين بالنجاسة، والقائلين ~~بالطهارة مجادلات، ومناظرات، واستدلالات طويلة استوفيناها في حواشي شرح ~~العمدة. # وعن أبي السمح رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): يغسل من بول ~~الجارية، ويرش من بول الغلام أخرجه أبو داود والنسائي، وصححه الحاكم. (وعن ~~أبي السمح) بفتح السين المهملة وسكون الميم فحاء مهملة، واسمه إياد بكسر ~~الهمزة ومثناة تحتية مخففة بعد الألف دال مهملة، وهو خادم رسول الله (ص) له ~~حديث واحد (قال: قال رسول الله (ص): يغسل من بول الجارية) في القاموس: أن ~~الجارية فتية النساء (ويرش من بول الغلام أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه ~~الحاكم). وأخرج الحديث أيضا البزار، وابن ماجة، وابن خزيمة من حديث أبي ~~السمح قال: كنت أخدم النبي (ص)، فأتي بحسن أو حسين، فبال على صدره فجئت ~~أغسله، فقال: يغسل من بول الجارية، الحديث. وقد رواه أيضا أحمد، وأبو داود ~~وابن خزيمة، وابن ماجة، والحاكم من حديث لبابة بنت الحارث قالت: كان الحسين ~~وذكرت الحديث وفي لفظه: يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر ورواه ~~المذكورون، وابن حبان من حديث علي عليه السلام قال: قال رسول الله (ص) في ~~بول الرضيع: # ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية قال قتادة راويه: هذا ما لم يطعما ~~فإذا طعما غسلا. # وفي الباب أحاديث مرفوعة، وهي كما قال الحافظ البيهقي: إذا ضم بعضها إلى ~~بعض قويت. والحديث دليل على الفرق بين بول الغلام ms0052 وبول الجارية في الحكم، ~~وذلك قبل أن يأكلا الطعام، كما قيده به الراوي، وقد روي مرفوعا أي بالتقييد ~~بالطعم لهما. وفي صحيح ابن حبان، والمصنف لابن أبي شيبة عن ابن شهاب: مضت ~~السنة أن يرش بول من لم يأكل الطعام من الصبيان، والمراد ما لم يحصل لهم ~~الاغتذاء بغير اللبن على الاستقلال، وقيل: غير ذلك. وللعلماء في ذلك ثلاثة ~~مذاهب: الأول: للهادوية، والحنفية، والمالكية، أنه يجب غسلها كسائر ~~النجاسات قياسا لبولهما على سائر النجاسات، وتأولوا الأحاديث، وهو تقديم ~~للقياس على النص. الثاني: # وجه للشافعية، وهو أصح الأوجه عندهم: أنه يكفي النضح في بول الغلام، لا ~~الجارية، فكغيرها من PageV01P038 # النجاسات، عملا بالأحاديث الواردة بالتفرقة بينهما، وهو قول علي عليه ~~السلام، وعطاء، والحسن، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم. والثالث: يكفي النضح فيهما ~~وهو كلام الأوزاعي. وأما هل بول الصبي طاهر أو نجس؟ فالأكثر: على أنه نجس، ~~وإنما خفف الشارع تطهيره. واعلم أن النضح كما قاله النووي في شرح مسلم: هو ~~أن الشئ الذي أصابه البول يغمر، ويكاثر بالماء مكاثرة لا تبلغ جريان الماء، ~~وتردده، وتقاطره، بخلاف المكاثرة في غيره، فإنه يشترط أن تكون بحيث يجري ~~عليها بعض الماء، ويتقاطر من المحل، وإن لم يشترط عصره، وهذا هو الصحيح ~~المختار، وهو قول إمام الحرمين، والمحققين. # وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: أن النبي (ص) قال - في دم الحيض ~~يصيب الثوب -: تحته، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه متفق عليه. ~~(وعن أسماء) بفتح الهمزة وسين مهملة فميم فهمزة ممدودة (بنت أبي بكر رضي ~~الله عنهما) وهي أم عبد الله بن الزبير. أسلمت بمكة قديما، وبايعت النبي ~~(ص)، وهي أكبر من عائشة بعشر سنين، وماتت بمكة بعد أن قتل ابنها بأقل من ~~شهر، ولها من العمر مائة سنة، وذلك سنة ثلاث وسبعين، ولم تسقط لها سن، ولا ~~تغير لها عقل، وكانت قد عميت. (أن النبي (ص) قال في دم الحيض يصيب الثوب: ~~تحته) بالفتح للمثناة الفوقية وضم الحاء المهملة وتشديد المثناة الفوقية، ~~أي ms0053 تحكه، والمراد بذلك إزالة عينه (ثم تقرصه بالماء) أي الثوب، وهو بفتح ~~المثناة الفوقية وإسكان القاف وضم الراء والصاد المهملتين: أي تدلك ذلك ~~الدم بأطراف أصابعها ليتحلل بذلك ويخرج ما شربه الثوب منه (ثم تنضحه) بفتح ~~الضاد المعجمة: أي تغسله بالماء (ثم تصلي فيه متفق عليه). ورواه ابن ماجة ~~بلفظ: # اقرصيه بالماء واغسليه ولابن أبي شيبة بلفظ: اقرصيه بالماء، واغسليه، ~~وصلي فيه. وروى أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، وابن خزيمة، وابن ~~حبان من حديث أم قيس بنت محصن: أنها سألت رسول الله (ص) عن دم الحيض يصيب ~~الثوب فقال: حكيه بصلع، واغسليه بماء وسدر قال ابن القطان: إسناده في غاية ~~الصحة، ولا أعلم له علة، وقوله: بصلع بصاد مهملة مفتوحة فلام ساكنة وعين ~~مهملة: الحجر. والحديث دليل على نجاسة دم الحيض، وعلى وجوب غسله، والمبالغة ~~في إزالته بما ذكر من الحت، والقرص، والنضح لاذهاب أثره، وظاهره: أنه لا ~~يجب غير ذلك، وإن بقي من العين بقية، فلا يجب الحاد لاذهابها، لعدم ذكره في ~~الحديث أي حديث أسماء، وهو محل البيان، ولأنه قد ورد في غيره: ولا يضرك ~~أثره. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالت خولة: يا رسول الله، فإن لم يذهب ~~الدم؟ قال: يكفيك الماء، ولا يضرك أثره أخرجه الترمذي. وسنده ضعيف. (وعن ~~أبي هريرة قال: قالت خولة) بالخاء المعجمة مفتوحة وسكون الواو وهي بنت ~~يسار، كما أفاده ابن عبد البر في الاستيعاب حيث قال: خولة بنت يسار (يا ~~رسول الله فإن لم يذهب الدم قال: يكفيك الماء ولا يضرك أثره. أخرجه الترمذي ~~وسنده ضعيف)، وكذلك أخرجه البيهقي، لان فيه ابن لهيعة. وقال إبراهيم ~~الحربي: لم نسمع بخولة بنت يسار إلا في هذا الحديث. ورواه الطبراني في ~~الكبير من حديث خولة بنت حكيم بإسناد أضعف من الأول. وأخرجه الدارمي من ~~حديث عائشة موقوفا عليها: إذا غسلت المرأة الدم، فلم يذهب فلتغيره بصفرة أو ~~زعفران رواه أبو داود عنها موقوفا أيضا، وتغييره بالصفرة والزعفران ليس ~~لقلع عينه، بل ms0054 لتغطية لونه تنزها عنه. والحديث دليل لما أشرنا: من أنه لا ~~يجب استعمال الحاد PageV01P039 # لقطع أثر النجاسة وإزالة عينها. وبه أخذ جماعة من أهل البيت، ومن ~~الحنفية، والشافعية. واستدل من أوجب الحاد وهم الهادوية: بأن المقصود من ~~الطهارة أن يكون المصلى على أكمل هيئة وأحسن زينة. ولحديث: اقرصيه وأميطيه ~~عنك بإذخرة. قال في الشرح: - وقد عرفت أن ما ذكره يفيد المطلوب، وأن القول ~~الأول أظهر، هذا كلامه. وقد يقال - قد ورد الامر بالغسل لدم الحيض بالماء ~~والسدر، والسدر من الحواد، والحديث الوارد به في غاية الصحة كما عرفت، ~~فيقيد به ما أطلق في غيره، ويخص استعمال الحاد بدم الحيض، ولا يقاس عليه ~~غيره من النجاسات، وذلك لعدم تحقق شروط القياس، ويحمل حديث: ولا يضرك أثره ~~وحديث عائشة، وقولها: فلم يذهب، أي بعد الحاد. فهذه الأحاديث في هذا الباب ~~اشتملت من النجاسات على: الخمر، ولحوم الحمر الأهلية، والمني، وبول ~~الجارية، والغلام، ودم الحيض. ولو أدخل المصنف بول الاعرابي في المسجد، ~~ودباغ الأديم، ونحوه في هذا الباب، لكان أوجه. # باب الوضوء في القاموس: الوضوء يأتي بالضم: الفعل، وبالفتح: ماؤه، ومصدر ~~أيضا، أو لغتان، ويعني بهما المصدر، وقد يعنى بهما الماء، يقال: توضأت ~~للصلاة، وتوضيت لغية، أو لثغة اه‍. واعلم أن الوضوء من أعظم شروط الصلاة، ~~وقد ثبت عند الشيخين من حديث أبي هريرة مرفوعا: إن الله لا يقبل صلاة أحدكم ~~إذا أحدث حتى يتوضأ وثبت حديث: الوضوء شطر الايمان، وأنزل الله فريضته من ~~السماء في قوله: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم ~~جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ~~منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ~~لعلكم تشكرون) * الآية، وهي مدنية، واختلف العلماء: هل كان فرض الوضوء ~~بالمدينة أو بمكة؟ فالمحققون على ms0055 أنه فرض بالمدينة لعدم النص الناهض على ~~خلافه. ورد في الوضوء فضائل كثيرة، منها حديث أبي هريرة عند مالك وغيره ~~مرفوعا: إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة ~~نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع اخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرجت من ~~يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع اخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه ~~خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع اخر قطر الماء، حتى يخرج نقيا من ~~الذنوب. وأشمل منه ما أخرجه مالك أيضا من حديث عبد الله الصنابحي بضم الصاد ~~المهملة وفتح النون وكسر الموحدة اخره مهملة، نسبة إلى صنابح بطن من مراد، ~~وهو صحابي. قال: إن رسول الله (ص) قال: إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض خرجت ~~الخطايا من فيه، وإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت ~~الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا ~~من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه ~~حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من ~~أظفار رجليه، ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة له، وفي معناهما عدة ~~أحاديث. ثم هل الوضوء من خصائص هذه الأمة؟ فيه خلاف. المحققون على أنه ليس ~~من خصائصها إنما الذي من خصائصها الغرة والتحجيل. PageV01P040 # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله (ص) أنه قال: لولا أن أشق على ~~أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء أخرجه مالك وأحمد، والنسائي، وصححه ابن ~~خزيمة وذكره البخاري تعليقا. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله (ص) ~~أنه قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء أخرجه مالك ~~وأحمد، والنسائي، وصححه ابن خزيمة وذكره البخاري تعليقا. المعلق هو ما يسقط ~~من أول إسناده راو فأكثر. قال في الشرح: الحديث متفق عليه عند الشيخين من ~~حديث أبي هريرة وهذا لفظه. قال ms0056 ابن منده: إسناده مجمع على صحته. قال ~~النووي: غلط بعض الكبار فزعم: أن البخاري لم يخرجه. قلت: وظاهر صنيع المصنف ~~هنا يقضي بأنه لم يخرجه واحد من الشيخين، وهو من أحاديث عمدة الاحكام التي ~~لا يذكر فيها إلا ما أخرجه الشيخان، إلا أنه بلفظ عند كل صلاة. وفي معناه ~~عدة أحاديث عن عدة من الصحابة منها: عن علي عليه السلام عند أحمد، وعن زيد ~~بن خالد عند الترمذي، وعن أم حبيبة عند أحمد، وعن عبد الله بن عمر، وسهل بن ~~سعد، وجابر، وأنس عند أبي نعيم، وأبي أيوب عند أحمد والترمذي، ومن حديث ابن ~~عباس، وعائشة عند مسلم وأبي داود، وورد الامر به من حديث: تسوكوا فإن ~~السواك مطهرة للفم أخرجه ابن ماجة، وفيه ضعف، ولكن له شواهد عديدة دالة على ~~أن للامر به أصلا. وورد في أحاديث: أن السواك من سنن المرسلين، وأنه من ~~خصال الفطرة، وأنه من الطهارات، وأن فضل الصلاة التي يستاك لها على الصلاة ~~التي لا يستاك لها سبعون ضعفا أخرجها أحمد، وابن خزيمة والحاكم، ~~والدارقطني، وغيرهم. قال في البدر المنير: قد ذكر في السواك زيادة على مائة ~~حديث، فواعجبا لسنة تأتي فيها الأحاديث الكثيرة، ثم يهملها كثير من الناس، ~~بل كثير من الفقهاء، فهذه خيبة عظيمة. هذا. ولفظ السواك بكسر السين في ~~اللغة يطلق على الفعل، وعلى الآلة، ويذكر، ويؤنث، وجمعه سوك ككتاب وكتب، ~~ويراد به في الاصطلاح استعمال عود، أو نحوه في الأسنان، لتذهب الصفرة ~~وغيرها، قلت: - وعند ذهاب الأسنان أيضا يشرع لحديث عائشة: قلت: يا رسول ~~الله الرجل يذهب فوه، ويستاك؟ قال: نعم. قلت: وكيف يصنع؟ قال: يدخل أصبعه ~~في فيه، أخرجه الطبراني في الأوسط، وفيه ضعف. وأما حكمه فهو سنة عند جماهير ~~العلماء، وقيل: # بوجوبه، وحديث الباب دليل على عدم وجوبه لقوله في الحديث: لأمرتهم أي أمر ~~إيجاب، فإنه ترك الامر به لأجل المشقة، لا أمر الندب، فإنه قد ثبت بلا ~~مرية. والحديث دل على تعيين وقته، وهو عند كل وضوء، وفي ms0057 الشرح: أنه يستحب ~~في جميع الأوقات، ويشتد استحبابه في خمسة أوقات: أحدها: عند الصلاة، سواء ~~كان متطهرا بماء أو تراب، أو غير متطهر كمن لم يجد ماء، ولا ترابا. الثاني ~~عند الوضوء. الثالث: عند قراءة القرآن. الرابع: عند الاستيقاظ من النوم. # الخامس: عند تغير الفم. قال ابن دقيق العيد: السر فيه - أي في السواك عند ~~الصلاة: أنا مأمورون في كل حال من أحوال التقرب إلى الله أن نكون في حالة ~~كمال ونظافة إظهارا لشرف العبادة، وقد قيل: إن ذلك الامر يتعلق بالملك، وهو ~~أنه يضع فاه على فم القارئ ويتأذى بالرائحة الكريهة، فسن السواك لأجل ذلك، ~~وهو وجه حسن. ثم ظاهر الحديث أنه لا يخص صلاة في استحباب السواك لها في ~~إفطار ولا صيام. والشافعي يقول: لا يسن بعد الزوال في الصوم لئلا يذهب به ~~خلوف الفم المحبوب إلى الله تعالى. وأجيب: بأن السواك لا يذهب به الخلوف، ~~PageV01P041 # فإنه صادر من خلو المعدة، ولا يذهب بالسواك. ثم هل يسن ذلك للمصلي، وإن ~~كان متوضئا كما يدل له حديث: عند كل صلاة؟ قيل: نعم يسن ذلك، وقيل: لا يسن ~~إلا عند الوضوء، لحديث مع كل وضوء، وأنه يقيد إطلاق عند كل صلاة بأن المراد ~~عند وضوء كل صلاة. # ولو قيل: إنه يلاحظ المعنى الذي لأجله شرع السواك، فإن كان قد مضى وقت ~~طويل يتغير فيه الفم بأحد المغيرات التي ذكرت، وهي أكل ما له رائحة كريهة، ~~وطول السكوت، وكثرة الكلام، وترك الأكل والشرب: شرع السواك، وإن لم يتوضأ، ~~وإلا، فلا، لكان وجها. وقوله في رسم السواك اصطلاحا: أو نحوه: أي نحو ~~العود، ويريدون به كل ما يزيل التغير كالخرقة الخشنة، والإصبع الخشنة، ~~والأشنان. والأحسن أن يكون السواك عود أراك متوسطا، لا شديد اليبس فيجرح ~~اللثة، ولا شديد الرطوبة، فلا يزيل ما يراد إزالته. # وعن حمران أن عثمان دعا بوضوء. # فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم تمضمض، واستنشق، واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث ~~مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق، ثلاث مرات، ثم ms0058 اليسرى مثل ذلك، ثم مسح ~~برأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين، ثلاث مرات، ثم اليسرى مثل ذلك، ثم ~~قال: رأيت رسول الله (ص) توضأ نحو وضوئي هذا. متفق عليه. # (وعن حمران رضي الله عنه) بضم الحاء المهملة وسكون الميم وبالراء، هو ابن ~~أبان بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة، وهو مولى عثمان بن عفان، أرسله له خالد ~~بن الوليد من بعض من سباه في مغازيه، فأعتقه عثمان: (أن عثمان) هو ابن عفان ~~تأتي ترجمته قريبا (دعا بوضوء) أي بماء يتوضأ به (فغسل كفيه ثلاث مرات) هذا ~~من سنن الوضوء باتفاق العلماء وليس هو غسلهما عند الاستيقاظ الذي سيأتي ~~حديثه، بل هذا سنة الوضوء، فلو استيقظ، وأراد الوضوء، فظاهر الحديثين: أنه ~~يغسلهما للاستيقاظ ثلاث مرات، ثم للوضوء كذلك، ويحتمل تداخلهما. (ثم تمضمض) ~~المضمضة: - أن يجعل الماء في الفم، ثم يمجه، وكمالها: أن يجعل الماء في ~~فيه، ثم يديره، ثم يمجه، كذا في الشرح، وفي القاموس: المضمضة: تحريك الماء ~~في الفم، فجعل مسماها التحريك ولم يجعل منه المج، ولم يذكر في حديث عثمان ~~هل فعل ذلك مرة أو ثلاثا؟ لكن في حديث علي عليه السلام أنه مضمض، واستنشق، ~~ونثر بيده اليسرى، فعل هذا ثلاثا، ثم قال: هذا طهور نبي الله (ص) (واستنشق) ~~الاستنشاق: # إيصال الماء إلى داخل الانف، وجذبه بالنفس إلى أقصاه (واستنثر) الاستنثار ~~عند جمهور أهل اللغة، والمحدثين والفقهاء، اخراج الماء من الانف بعد ~~الاستنشاق (ثم غسل وجهه ثلاث مرات ثم غسل يده اليمنى) فيه بيان لما أجمل في ~~الآية من قوله: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم ~~النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما ~~يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم ~~تشكرون) * الآية. وأنه يقدم اليمنى (إلى المرفق) بكسر ميمه ms0059 وفتح فائه ~~وبفتحها وكسر فائه. وكلمة: إلى في الأصل للانتهاء، وقد تستعمل بمعنى مع، ~~وبينت الأحاديث أنه المراد، كما في حديث جابر: # كان يدير الماء على مرفقيه أي النبي (ص). أخرجه الدارقطني بسند ضعيف، ~~وأخرج بسند حسن في صفة وضوء عثمان: أنه غسل يديه إلى المرفقين حتى مسح ~~أطراف العضدين وهو عند البزار والطبراني من حديث وائل بن حجر في صفة ~~الوضوء: وغسل ذراعيه حتى جاوز المرافق. وفي الطحاوي والطبراني من حديث ~~ثعلبة بن عباد عن أبيه: ثم غسل ذراعيه حتى سال الماء على مرفقيه. فهذه ~~الأحاديث يقوي بعضها بعضا. قال إسحاق بن راهويه: # إلى في الآية يحتمل أن تكون بمعنى الغاية، وأن تكون. بمعنى مع، فبينت ~~السنة أنها بمعنى مع. # قال الشافعي: لا أعلم خلافا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء. وبهذا ~~عرفت أن الدليل قد PageV01P042 # قام على دخول المرافق. قال الزمخشري: لفظ إلى يفيد معنى الغاية مطلقا، ~~فأما دخولها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل، ثم ذكر أمثلة لذلك، وقد ~~عرفت أنه قد قام ها هنا الدليل على دخولها (ثلاث مرات ثم اليسرى مثل ذلك) ~~أي إلى المرافق ثلاث مرات. # (ثم مسح برأسه) هو موافق للآية في الاتيان بالباء، ومسح يتعدى بها ~~وبنفسه. قال القرطبي: إن الباء هنا للتعدية يجوز حذفها وإثباتها، وقيل: ~~دخلت الباء ها هنا لمعنى تفيده وهو: أن الغسل لغة يقتضي مغسولا به، والمسح ~~لغة لا يقتضي ممسوحا به، فلو قال: امسحوا رؤوسكم - لأجزأ المسح باليد بغير ~~ماء، وكأنه قال فامسحوا برؤوسكم الماء، وهو من باب القلب، والأصل فيه: ~~فامسحوا بالماء رؤوسكم. ثم اختلف العلماء: هل يجب مسح الرأس أو بعضه؟ # قالوا: والآية لا تقتضي أحد الامرين بعينه إذ قوله: * (وامسحوا برءوسكم) ~~* يحتمل جميع الرأس أو بعضه، ولا دلالة في الآية عل استيعابه، ولا عدم ~~استيعابه، لكن من قال: يجزئ مسح بعضه، قال: # إن السنة وردت مبينة لاحد احتمالي الآية، وهو ما رواه الشافعي من حديث ~~عطاء: أن رسول الله (ص) توضأ، فحسر العمامة ms0060 عن رأسه، ومسح مقدم رأسه وهو ~~وإن كان مرسلا، فقد اعتضد بمجيئه مرفوعا من حديث أنس، وهو وإن كان في سنده ~~مجهول فقد عضد بما أخرجه سعيد بن منصور من حديث عثمان في صفة الوضوء: أنه ~~مسح مقدم رأسه، وفيه راو مختلف فيه. وثبت عن ابن عمر: الاكتفاء بمسح بعض ~~الرأس قاله ابن المنذر وغيره، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة. ومن العلماء ~~من يقول: لا بد من مسح البعض مع التكميل على العمامة، لحديث المغيرة، وجابر ~~بن مسلم. ولم يذكر في هذه الرواية تكرار مسح الرأس كما ذكره في غيرها، وإن ~~كان قد طوى ذكر التكرار أيضا في المضمضة كما عرفت، وعدم الذكر لا دليل فيه، ~~ويأتي الكلام في ذلك. (ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات) الكلام ~~في ذلك كما تقدم في يده اليمنى إلى المرفق. إلا أن المرافق قد اتفق على ~~مسماها، بخلاف الكعبين، فوقع في المراد بهما خلاف. المشهور: أنه العظم ~~الناشز عند ملتقى الساق، وهو قول الأكثر، وحكى عن أبي حنيفة والامامية أنه ~~العظم الذي في ظهر القدم عند معقد الشراك: وفي المسألة مناظرات ومقاولات ~~طويلة. قال في الشرح: ومن أوضح الأدلة أي على ما قاله الجمهور: # حديث النعمان بن بشير في صفة الصف في الصلاة: فرأيت الرجل منا يلزق كعبه ~~بكعب صاحبه. قلت: - ولا يخفى أنه لا ينهض فيه، لان المخالف يقول: أنا أسميه ~~كعبا ولا أخالفكم فيه، لكني أقول: إنه غير المراد في اية الوضوء، إذ الكعب ~~يطلق على الناشز، وعلى ما في ظهر القدم، وغاية ما في حديث النعمان: أنه سمي ~~الناشز كعبا، ولا خلاف في تسميته، وقد أيدنا في حواشي ضوء النهار أرجحية ~~مذهب الجمهور بأدلة هنالك (ثم اليسرى مثل ذلك:) أي الكعبين ثلاث مرات (ثم ~~قال) أي عثمان: (رأيت رسول الله (ص) توضأ نحو وضوئي هذا) متفق عليه. وتمام ~~الحديث فقال - أي رسول (ص): # من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما ms0061 ~~تقدم من ذنبه: أي لا يحدث نفسه فيهما بأمور الدنيا، وما لا تعلق له ~~بالصلاة، ولو عرض له حديث، PageV01P043 # فأعرض عنه بمجرد عروضه عفى عنه، ولا يعد محدثا لنفسه. واعلم أن الحديث قد ~~أفاد الترتيب بين الأعضاء المعطوفة بثم، وأفاد التثليث، ولم يدل على ~~الوجوب، لأنه إنما هو صفة فعل ترتبت عليه فضيلة، ولم يترتب عليه عدم إجزاء ~~الصلاة إلا إذا كان بصفته، ولا ورد بلفظ يدل على إيجاب صفاته. فأما الترتيب ~~فخالفت فيه الحنفية وقالوا: لا يجب. وأما التثليث فغير واجب بالاجماع، وفيه ~~خلاف شاذ. ودليل عدم وجوبه: تصريح الأحاديث بأنه (ص) توضأ مرتين مرتين، ~~ومرة مرة، وبعض الأعضاء ثلثها، وبعضها بخلاف ذلك، وصرح في وضوء مرة مرة: ~~أنه لا يقبل الله الصلاة إلا به. وأما المضمضة والاستنشاق فقد اختلف في ~~وجوبهما. فقيل: يجبان، لثبوت الامر بهما في حديث أبي داود بإسناد صحيح. ~~وفيه: وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما ولأنه واظب عليهما في جميع ~~وضوئه. وقيل: إنهما سنة، بدليل حديث أبي داود والدارقطني وفيه: إنه لا تتم ~~صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء، كما أمر الله تعالى، فيغسل وجهه، ويديه إلى ~~المرفقين، ويمسح برأسه، ورجليه إلى الكعبين، فلم يذكر المضمضة والاستنشاق، ~~فإنه اقتصر فيه على الواجب الذي لا يقبل الله الصلاة إلا به، وحينئذ فيؤول ~~حديث الامر بأنه أمر ندب. # [رح 3] - وعن علي رضي الله عنه - في صفة وضوء النبي (ص) - قال: ومسح ~~برأسه واحدة. أخرجه أبو داود: وأخرجه الترمذي والنسائي بإسناد صحيح. بل قال ~~الترمذي: إنه أصح شئ في الباب. (وعن علي عليه السلام) هو أمير المؤمنين أبو ~~الحسن علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله (ص)، أول من أسلم من الذكور في ~~أكثر الأقوال، على خلاف في سنه، كم كان وقت إسلامه؟ وليس في الأقوال: أنه ~~بلغ ثماني عشرة، بل مترددة بين ست عشرة إلى سبع سنين، شهد المشاهد كلها إلا ~~تبوك، فأقامه (ص) في المدينة خليفة عنه، وقال له: أما ترضى أن تكون مني ms0062 ~~بمنزلة هارون من موسى. استخلف يوم قتل عثمان يوم الجمعة لثمان عشر خلت من ~~شهر ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، واستشهد صبح الجمعة بالكوفة لسبع عشرة ليلة ~~خلت من شهر رمضان سنة أربعين، ومات بعد ثلاث من ضربة الشقي ابن ملجم له، ~~وقيل: غير ذلك. وخلافته أربع سنين وسبعة أشهر وأيام، وقد ألفت في صفاته ~~وبيان أحواله كتب جمة، واستوفينا شطرا صالحا من ذلك في الروضة الندية شرح ~~التحفة العلوية. (في صفة وضوء النبي (ص) قال: ومسح برأسه واحدة. # أخرجه أبو داود) هو قطعة من حديث طويل استوفى فيه صفة الوضوء من أوله إلى ~~اخره، وهو يفيد ما أفاد حديث عثمان، وإنما أتى المصنف بما فيه التصريح بما ~~لم يصرح به في حديث عثمان، وهو مسح الرأس مرة، فإنه نص أنه واحدة مع تصريحه ~~بتثليث ما عداه من الأعضاء. وقد اختلف العلماء في ذلك، فقال قوم: بتثليث ~~مسحه كما يثلث غيره من الأعضاء، إذ هو من جملتها، وقد ثبت في الحديث ~~تثليثه، وإن لم يذكر في كل حديث ذكر فيه تثليث الأعضاء، فإنه قد أخرج أبو ~~داود من حديث عثمان في تثليث المسح، أخرجه من وجهين صحح أحدهما ابن خزيمة، ~~وذلك كاف في ثبوت هذه السنة. وقيل: لا يشرع تثليثه، لان أحاديث عثمان ~~الصحاح كلها - كما قال أبو داود - تدل على مسح الرأس مرة واحدة، وبأن المسح ~~مبني على التخفيف، فلا يقاس على الغسل، وبأن العدد لو اعتبر في المسح لصار ~~في صورة الغسل. PageV01P044 # وأجيب: بأن كلام أبي داود ينقضه ما رواه هو وصححه ابن خزيمة كما ذكرناه. ~~والقول: بأن المسح مبني على التخفيف قياس في مقابلة النص فلا يسمع. فالقول: ~~بأنه يصير في صورة الغسل لا يبالي به بعد ثبوته عن الشارع، ثم رواية الترك ~~لا تعارض رواية الفعل، وإن كثرت رواية الترك، إذ الكلام في أنه غير واجب، ~~بل سنة من شأنها أن تفعل أحيانا وتترك أحيانا. (وأخرجه) أي حديث علي عليه ~~السلام (النسائي والترمذي بإسناد صحيح بل ms0063 قال الترمذي: إنه أصح شئ في ~~الباب) وأخرجه أبو داود من ست طرق وفي بعض طرقه لم يذكر المضمضة والاستنشاق ~~وفي بعض: ومسح على رأسه حتى لم يقطر. # (وعن عبد الله بن زيد بن عاصم) هو الأنصاري المازني من مازن بن النجار. # شهد أحدا، وهو الذي قتل مسيلمة الكذاب، وشاركه وحشي، وقتل عبد الله يوم ~~الحرة سنة ثلاث وستين. وهو غير عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي يأتي حديثه ~~في الأذان، وقد غلط فيه بعض أئمة الحديث فلذا نبهنا عليه (في صفة الوضوء ~~قال: ومسح رسول الله (ص) برأسه، فأقبل بيديه وأدبر، متفق عليه) فسر الاقبال ~~بهما بأنه بدأ من مؤخر رأسه، فإن الاقبال باليد إذا كان مقدما يكون من مؤخر ~~الرأس، إلا أنه قد ورد في البخاري بلفظ: وأدبر بيديه وأقبل واللفظ الآخر في ~~قوله: (وفي لفظ لهما) أي للشيخين (بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما) أي اليدين ~~(إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه). الحديث يفيد صفة المسح ~~للرأس، وهو أن يأخذ الماء ليديه فيقبل بهما ويدبر. # وللعلماء ثلاثة أقوال: الأول: يبدأ بمقدم رأسه الذي يلي الوجه فيذهب إلى ~~القفا، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه، وهو مبتدأ الشعر من حد الوجه، ~~وهذا هو الذي يعطيه ظاهر قوله: # بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي ~~بدأ منه. إلا أنه أورد على هذه الصفة: أنه أدبر بهما وأقبل، لان ذهابه إلى ~~جهة القفا إدبار، ورجوعه إلى الوجه إقبال. وأجيب: بأن الواو لا تقتضي ~~الترتيب فالتقدير: أدبر وأقبل. والثاني: أن يبدأ بمؤخر رأسه ويمر إلى جهة ~~الوجه، ثم يرجع إلى المؤخر محافظة على ظاهر لفظ: أقبل وأدبر، فالاقبال إلى ~~مقدم الوجه، والادبار إلى ناحية المؤخر، وقد وردت هذه الصفة في الحديث ~~الصحيح: # بدأ بمؤخر رأسه. ويحمل الاختلاف في لفظ الأحاديث على والثالث: أن يبدأ ~~بالناصية ويذهب إلى ناحية الوجه، ثم يذهب تعدد الحالات إلى جهة مؤخر الرأس، ms0064 ~~ثم يعود إلى ما بدأ منه وهو الناصية. ولعل قائل هذا قصد المحافظة على قوله ~~بدأ بمقدم رأسه مع المحافظة على ظاهر لفظ أقبل وأدبر، لأنه إذا بدأ ~~بالناصية صدق أنه بدأ بمقدم رأسه، وصدق أنه أقبل أيضا، فإنه ذهب إلى ناحية ~~الوجه وهو القبل، وقد أخرج أبو داود من حديث المقدام: أنه (ص) لما بلغ مسح ~~رأسه وضع كفيه على مقدم رأسه، فأمرهما حتى بلغ القفا ثم ردهما إلى المكان ~~الذي بدأ منه وهي عبارة واضحة في المراد. والظاهر أن هذا من العمل المخير ~~فيه، وأن المقصود من ذلك تعميم الرأس بالمسح. # وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما - في صفة الوضوء - قال: ثم مسح ~~برأسه، وأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيه. أخرجه ~~أبو داود والنسائي، وصححه ابن خزيمة. (وعن عبد الله بن عمرو) بفتح العين ~~المهملة، وهو أبو عبد الرحمن، أو أبو محمد، PageV01P045 # عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي. يلتقي مع النبي (ص) في ~~كعب بن لؤي. أسلم عبد الله قبل أبيه، وكان أبوه أكبر منه بثلاث عشرة سنة، ~~وكان عبد الله عالما حافظا عابدا. وكانت وفاته سنة ثلاث وستين، وقيل: ~~وسبعين، وقيل: غير ذلك. # واختلف في موضع وفاته، فقيل: بمكة، أو الطائف، أو مصر، أو غير ذلك. (في ~~صفة الوضوء قال: # ثم مسح) أي رسول الله (ص) (برأسه وأدخل إصبعيه السباحتين) بالمهملة ~~فموحدة فألف بعدها مهملة تثنية سباحة. وأراد بهما: مسبحتي اليد اليمنى ~~واليسرى، وسميت سباحة، لأنه يشار بها عند التسبيح (في أذنيه ومسح بإبهاميه) ~~إبهامي يديه (ظاهر أذنيه. أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن خزيمة). ~~والحديث كالأحاديث الأول في صفة الوضوء، إلا أنه أتى به المصنف لما ذكر من ~~إفادة مسح الاذنين الذي لم تفده الأحاديث التي سلفت، ولذا اقتصر على ذلك من ~~الحديث. ومسح الاذنين قد ورد في عدة من الأحاديث: من حديث المقدام بن ~~معديكرب عند أبي داود، والطحاوي بإسناد حسن. ومن حديث الربيع أخرجه أبو ms0065 ~~داود أيضا، ومن حديث أنس عند الدارقطني، والحاكم. ومن حديث عبد الله بن زيد ~~وفيه: أنه (ص) مسح أذنيه بماء غير الماء الذي مسح به رأسه. # وسيأتي، وقال فيه البيهقي: هذا إسناد صحيح، وإن كان قد تعقبه ابن دقيق ~~العيد، وقال: الذي في ذلك الحديث: ومسح رأسه بماء غير فضل يديه، ولم يذكر ~~الاذنين، وأيده المصنف بأنه عند ابن حبان، والترمذي كذلك. واختلف العلماء: ~~هل يؤخذ للأذنين ماء جديد أو يمسحان ببقية ما مسح به الرأس؟ والأحاديث قد ~~وردت بهذا وهذا. وسيأتي الكلام عليه قريبا. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إذا استيقظ أحدكم من ~~منامه فليستنثر ثلاثا، فإن الشيطان يبيت على خيشومه متفق عليه. (وعن أبي ~~هريرة رضي الله عنه) قال: (قال رسول الله (ص): إذا استيقظ أحدكم من منامه) ~~ظاهره ليلا أو نهارا (فليستنثر ثلاثا) في القاموس: # استنثر: استنشق الماء، ثم استخرج ذلك بنفس الانف اه‍، وقد جمع بينهما في ~~بعض الأحاديث، فمع الجمع يراد من الاستنثار: دفع الماء من الانف، ومن ~~الاستنشاق: جذبه إلى الانف (فإن الشيطان يبيت على خيشومه) هو أعلى الانف. ~~وقيل: الانف كله. وقيل: عظام رقاق لينة في أقصى الانف بينه وبين الدماغ. ~~وقيل: غير ذلك (متفق عليه). الحديث دليل على وجوب الاستنثار عند القيام من ~~النوم مطلقا. إلا أن في رواية للبخاري: إذا استيقظ أحدكم من منامه، فتوضأ، ~~فليستنثر ثلاثا، فإن الشيطان. الحديث، فيقيد الامر المطلق به هنا: بإرادة ~~الوضوء، ويقيد النوم: بمنام الليل، كما يفيده لفظ يبيت، إذ البيتوتة فيه. ~~وقد يقال: إنه خرج على الغالب، فلا فرق بين نوم الليل ونوم النهار. والحديث ~~من أدلة القائلين بوجوب الاستنثار دون المضمضة، وهو مذهب أحمد وجماعة. وقال ~~الجمهور: لا يجب، بل الامر للندب، واستدلوا بقوله (ص) للأعرابي: توضأ كما ~~أمرك الله، وعين له ذلك في قوله: لا تتم صلاة أحد حتى يسبغ الوضوء كما أمره ~~الله، فيغسل وجهه، ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه، ورجليه إلى الكعبين، ~~كما أخرجه ms0066 أبو داود من حديث رفاعة، ولأنه قد ثبت من روايات صفة وضوئه (ص) ~~من حديث عبد الله بن زيد، وعثمان، PageV01P046 # وابن عمرو بن العاص: عدم ذكرهما مع استيفاء صفة وضوئه، وثبت ذكرهما أيضا، ~~وذلك من أدلة الندب. وقوله: يبيت الشيطان، قال القاضي عياض: يحتمل أن يكون ~~على حقيقته، فإن الانف أحد منافذ الجسم التي يتوصل إلى القلب منها ~~بالاشتمام، وليس من منافذ الجسم ما ليس عليه غلق سواه، وسوى الاذنين. وفي ~~الحديث: إن الشيطان لا يفتح غلقا وجاء في التثاؤب: # الامر بكظمه من أجل دخول الشيطان حينئذ في الفم. ويحتمل الاستعارة، فإن ~~الذي ينعقد من الغبار من رطوبة الخياشيم قذارة توافق الشيطان. قلت: والأول ~~أظهر. # وعنه إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الاناء حتى يغسلها ثلاثا، ~~فإنه لا يدري أين باتت يده. متفق عليه، وهذا لفظ مسلم. (وعنه) أي: أبي ~~هريرة عند الشيخين أيضا: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده) خرج ما ~~إذا أدخل يده بالمغرفة ليستخرج الماء، فإنه جائز إذ لا غمس فيه لليد، وقد ~~ورد بلفظ لا يدخل، لكن يراد به إدخالها للغمس، لا للاخذ (في الاناء) يخرج ~~البرك والحياض (حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده. متفق عليه ~~وهذا لفظ مسلم). الحديث يدل على إيجاب غسل اليد لمن قام من نومه ليلا أو ~~نهارا، وقال بذلك من نوم الليل أحمد لقوله: باتت فإنه قرينة إرادة النوم ~~بالليل كما سلف إلا أنه قد ورد بلفظ: إذا قام أحدكم من الليل عند أبي داود، ~~والترمذي من وجه اخر صحيح، إلا أنه يرد عليه أن التعليل يقتضي إلحاق نوم ~~النهار بنوم الليل. وذهب غيره وهو الشافعي ومالك وغيرهما: إلى أن الامر في ~~رواية فليغسل للندب، والنهي الذي في هذه الرواية للكراهة، والقرينة عليه ~~ذكر العدد، فإن ذكره في غير النجاسة العينية دليل الندب، ولأنه علل بأمر ~~يقتضي الشك، والشك لا يقتضي الوجوب في هذا الحكم استصحابا لأصل الطهارة، ~~ولا تزول الكراهة إلا بالثلاث ms0067 الغسلات، وهذا في المستيقظ من النوم. وأما من ~~يريد الوضوء من غير نوم، فيستحب له لما مر في صفة الوضوء، ولا يكره الترك ~~لعدم ورود النهي فيه. والجمهور: على أن النهي والامر لاحتمال النجاسة في ~~اليد، وأنه لو درى أين باتت يده كمن لف عليها فاستيقظ وهي على حالها، فلا ~~يكره له أن يغمس يده، وإن كان غسلهما مستحبا، كما في المستيقظ. وغيرهم ~~يقولون: الامر بالغسل تعبد، فلا فرق بين الشاك، والمتيقن، وقولهم أظهر كما ~~سلف. # وعن لقيط بن صبرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله (ص): أسبغ الوضوء، ~~وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائما أخرجه الأربعة، ~~وصححه ابن خزيمة. ولأبي داود في رواية: إذا توضأت فمضمض. (وعن لقيط) بفتح ~~اللام وكسر القاف ابن عامر (ابن صبرة) بفتح الصاد المهملة وكسر الموحدة، ~~كنيته أبو رزين كما قاله ابن عبد البر، صحابي مشهور، عداده في أهل الطائف ~~(قال: قال رسول الله (ص): أسبغ الوضوء) الاسباغ: الاتمام، واستكمال الأعضاء ~~(وخلل بين الأصابع) ظاهر في إرادة أصابع اليدين والرجلين، وقد صرح بهما في ~~حديث ابن عباس: إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك يأتي من أخرجه قريبا ~~(وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما أخرجه الأربعة، وصححه ابن خزيمة، ~~ولأبي داود في رواية: إذا توضأت فمضمض، وأخرجه أحمد، والشافعي، وابن ~~الجارود، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، وصححه الترمذي، والبغوي، وابن ~~القطان. والحديث: دليل على وجوب إسباغ الوضوء، وهو إتمامه واستكمال ~~الأعضاء، وفي القاموس: أسبغ الوضوء: أبلغه PageV01P047 # مواضعه، ووفى كل عضو حقه. وفي غيره مثله. فليس التثليث للأعضاء من مسماه، ~~ولكن التثليث مندوب، ولا يزيد على الثلاث، فإن شك هل غسل العضو مرتين، أو ~~ثلاثا جعلها مرتين. # وقال الجويني: يجعل ذلك ثلاثا، ولا يزيد عليها مخافة من ارتكاب البدعة. ~~وأما ما روي عن ابن عمر: أنه كان يغسل رجليه سبعا، ففعل صحابي لا حجة فيه، ~~ومحمول على أنه كان يغسل الأربع من نجاسة لا تزول إلا بذلك. ودليل: على ~~إيجاب تخليل ms0068 الأصابع، وقد ثبت من حديث ابن عباس أيضا كما أشرنا إليه، وهو ~~الذي أخرجه الترمذي، وأحمد، وابن ماجة، والحاكم، وحسنه البخاري. وكيفيته أن ~~يخلل بيده اليسرى بالخنصر منها، ويبدأ بأسفل الأصابع. وأما كون التخليل ~~باليد اليسرى، فليس في النص، وإنما قال الغزالي: إنه يكون بها قياسا على ~~الاستنجاء. # وقد روى أبو داود، والترمذي من حديث المستورد بن شداد: رأيت رسول الله ~~(ص) إذا توضأ يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه وفي لفظ لابن ماجة: يخلل بدل: ~~يدلك. # والحديث: دليل على المبالغة في الاستنشاق لغير الصائم، وإنما لم يكن في ~~حقه المبالغة لئلا ينزل إلى حلقه ما يفطره، ودل على ذلك أن المبالغة ليست ~~بواجبة، إذ لو كانت واجبة لوجب عليه التحري، ولم يجز له تركها. وقوله في ~~رواية أبو داود: إذا توضأت فمضمض يستدل به على وجوب المضمضة، ومن قال: لا ~~تجب جعل الامر للندب، لقرينة ما سلف من حديث رفاعة بن رافع، في أمره (ص) ~~للأعرابي بصفة الوضوء الذي لا تجزئ الصلاة إلا به، ولم يذكر فيه المضمضة ~~والاستنشاق. # وعن عثمان رضي الله تعالى عنه: أن النبي (ص) كان يخلل لحيته في الوضوء. ~~أخرجه الترمذي، وصححه ابن خزيمة. (وعن عثمان رضي الله عنه) هو أبو عبد الله ~~عثمان بن عفان الأموي القرشي، أحد الخلفاء، وأحد العشرة، أسلم في أول ~~الاسلام، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، وتزوج بنتي النبي (ص): رقية أولا، ثم ~~لما توفيت زوجه النبي (ص) بأم كلثوم. # استخلف في أول يوم من المحرم سنة أربع وعشرين. وقتل يوم الجمعة لثمان ~~عشرة خلت من ذي الحجة الحرام سنة خمس وثلاثين، ودفن ليلة السبت بالبقيع، ~~وعمره اثنتان وثمانون سنة وقيل غير ذلك. (أن النبي (ص) كان يخلل لحيته في ~~الوضوء. أخرجه الترمذي، وصححه ابن خزيمة). والحديث أخرجه الحاكم، ~~والدارقطني، وابن حبان من رواية عامر بن شقيق، عن أبي وائل. قال البخاري: ~~حديثه حسن. وقال الحاكم: لا نعلم فيه ضعفا بوجه من الوجوه. هذا كلامه، وقد ~~ضعفه ابن معين، وقد روى ms0069 الحاكم للحديث شواهد عن أنس، وعائشة، وعلي، وعمار. ~~قال المصنف: وفيه أيضا عن أم سلمة، وأبي أيوب، وأبي أمامة، وابن عمر، ~~وجابر، وابن عباس، وأبي الدرداء، وقد تكلم على جميعها بالتضعيف إلا حديث ~~عائشة، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس في تخليل اللحية شئ. وحديث ~~عثمان هذا دال على مشروعية تخليل اللحية. # وأما وجوبه: فاختلف فيه، فعند الهادوية يجب كقبل نباتها، لأحاديث وردت ~~بالأمر بالتخليل، إلا أنها أحاديث ما سلمت عن الاعلال، والتضعيف، فلم تنتهض ~~على الايجاب. # وعن عبد الله بن زيد، قال: أن النبي (ص) أتي بثلثي مد، فجعل يدلك ذراعيه. ~~أخرجه أحمد وصححه ابن خزيمة. (وعن عبد الله بن زيد رضي الله عنه: أن النبي ~~(ص) أتي بثلثي مد) بضم الميم وتشديد الدال المهملة، في القاموس: مكيال، وهو ~~رطلان، أو: رطل وثلث، أو: ملء PageV01P048 # كفي الانسان المعتدل إذا ملأهما ومد يده بهما، ومنه سمي مدا، وقد جربت ~~ذلك فوجدته صحيحا اه‍. (فجعل يدلك ذراعيه. أخرجه أحمد وصححه ابن خزيمة). ~~وقد أخرج أبو داود من حديث أم عمارة الأنصارية بإسناد حسن: أنه (ص) توضأ ~~بإناء فيه قدر ثلثي مد. ورواه البيهقي من حديث عبد الله بن زيد، فثلثا المد ~~هو أقل ما روي أنه توضأ به (ص). وأما حديث أنه توضأ بثلث مد، فلا أصل له، ~~وقد صحح أبو زرعة من حديث عائشة وجابر: أنه (ص) كان يغتسل بالصاع، ويتوضأ ~~بالمد وأخرج مسلم نحوه من حديث سفينة، وأبو داود من حديث أنس: توضأ من إناء ~~يسع رطلين والترمذي بلفظ: يجزئ في الوضوء رطلان. وهي كلها قاضية بالتخفيف ~~في ماء الوضوء، وقد علم نهيه (ص) عن الاسراف في الماء، وإخباره أنه سيأتي ~~قوم يعتدون في الوضوء، فمن جاوز ما قال الشارع أنه يجزئ، فقد أسرف، فيحرم، ~~وقول من قال: إن هذا تقريب، لا تحديد، ما هو ببعيد، لكن الأحسن بالمتشرع ~~محاكاة أخلاقه (ص)، والاقتداء به في كمية ذلك. وفيه دليل على مشروعية الدلك ~~لأعضاء الوضوء، وفيه خلاف: فمن ms0070 قال بوجوبه استدل بهذا، ومن قال: لا يجب، ~~قال: لان المأمور به في الآية الغسل، وليس الدلك من مسماه، ولعله يأتي ذكر ~~ذلك. # وعنه: أنه رأى النبي (ص) يأخذ لاذنيه ماء غير الماء الذي أخذه لرأسه. ~~أخرجه البيهقي، وهو عند مسلم من هذا الوجه بلفظ: ومسح برأسه بماء غير فضل ~~يديه، وهو المحفوظ. (وعنه) أي عن عبد الله بن زيد: (أنه رأى النبي (ص) يأخذ ~~لاذنيه ماء غير الماء الذي أخذه لرأسه. أخرجه البيهقي وهو) أي هذا الحديث ( ~~عند مسلم من هذا الوجه بلفظ: ومسح برأسه بماء غير فضل يديه. وهو المحفوظ). # وذلك أنه ذكر المصنف في التلخيص عن ابن دقيق العيد: أن الذي رآه في ~~الرواية هو بهذا اللفظ الذي قال المصنف: إنه المحفوظ. وقال المصنف أيضا: ~~إنه الذي في صحيح ابن حبان، وفي رواية الترمذي، ولم يذكر في التلخيص: أنه ~~أخرجه مسلم، ولا رأيناه في مسلم. إذا كان كذلك: فأخذ ماء جديد للرأس هو أمر ~~لا بد منه، وهو الذي دلت عليه الأحاديث، وحديث البيهقي هذا هو دليل أحمد، ~~والشافعي: أنه يؤخذ للأذنين ماء جديد، وهو دليل ظاهر. وتلك الأحاديث التي ~~سلفت غاية ما فيها أنه لم يذكر أحد أنه (ص) أخذ ماء جديدا، وعدم الذكر ليس ~~دليلا على عدم الفعل، إلا أن قول الرواة من الصحابة ومسح رأسه وأذنيه مرة ~~واحدة ظاهر انه بماء واحد. وحديث: الأذنان من الرأس: وإن كان في أسانيده ~~مقال الا ان كثرة طرقه يشد بعضه بعضا، ويشهد لها أحاديث مسحهما مع الرأس ~~مرة واحدة، وهي أحاديث كثيرة عن علي، وابن عباس، والربيع، وعثمان، وكلهم ~~متفقون على أنه مسح رأسه وأذنيه مرة واحدة، وإن احتمل أن المراد أنه لم ~~يكرر مسحهما، وأنه أخذ لهما ماء جديدا، فهو احتمال بعيد، وتأويل حديث إنه ~~أخذ لهم ماء خلاف الذي مسح به رأسه: أقرب ما يقال فيه: إنه لم يبق في يده ~~بلة تكفي لمسح الاذنين، فأخذ لهما ماء جديدا. PageV01P049 # وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول ms0071 الله (ص) يقول: إن أمتي يأتون يوم القيامة ~~غرا محجلين، من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل متفق ~~عليه، واللفظ لمسلم. (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (ص) ~~يقول : إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا) بضم الغين المعجمة وتشديد الراء جمع ~~أغر أي ذي غرة، وأصلها: لمعة بيضاء تكون في جبهة الفرس. وفي النهاية: يريد: ~~بياض وجوههم بنور الوضوء يوم القيامة، ونصبه على أنه حال من فاعل يأتون، ~~وعلى رواية يدعون يحتمل المفعولية (محجلين) بالمهملة والجيم من التحجيل. في ~~النهاية: أي: بيض مواضع الوضوء من الأيدي والاقدام. استعار أثر الوضوء في ~~الوجه واليدين والرجلين للانسان من البياض الذي يكون في وجه الفرس ويديه ~~ورجليه (من أثر الوضوء) بفتح الواو، لأنه الماء، ويجوز الضم عند البعض كما ~~تقدم (فمن استطاع منكم أن يطيل غرته) أي: وتحجيله، وإنما اقتصر على أحدهما ~~لدلالته على الاخر، وأثر الغرة - وهي مؤنثة - على التحجيل - وهو مذكر - ~~لشرف موضعها، وفي رواية لمسلم فليطل غرته وتحجيله (فليفعل، متفق عليه، ~~واللفظ لمسلم). وظاهر السياق: أن قوله: فمن استطاع إلى اخره من الحديث، وهو ~~يدل على عدم الوجوب، إذ هو في قوة من شاء منكم، فلو كان واجبا ما قيده بها، ~~إذ الاستطاعة لذلك متحققة قطعا، وقال نعيم أحد رواته: # لا أدري قوله: فمن استطاع إلخ من قول النبي (ص)، أو من قول أبي هريرة؟ # وفي الفتح: لم أر هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من ~~الصحابة، وهم عشرة، ولا ممن رواه عن أبي هريرة غير رواية نعيم هذه. والحديث ~~دليل على مشروعية إطالة الغرة، والتحجيل. واختلف العلماء في القدر المستحب ~~من ذلك. فقيل: في اليدين إلى المنكب، وفي الرجلين إلى الركبة. وقد ثبت هذا ~~عن أبي هريرة رواية ورأيا، وثبت من فعل ابن عمر، أخرجه ابن أبي شيبة، وأبو ~~عبيد بإسناد حسن. وقيل: إلى نصف العضد والساق. والغرة في الوجه: أن يغسل ~~إلى صفحتي العنق. والقول بعدم مشروعيتهما، وتأويل ms0072 حديث أبي هريرة بأن ~~المراد به المداومة على الوضوء خلاف الظاهر، ورد بأن الراوي أعرف بما روى. ~~كيف؟ وقد رفع معناه، ولا وجه لنفيه. وقد استدل على أن الوضوء من خصائص هذه ~~الأمة بهذا الحديث، وبحديث مسلم مرفوعا: سيما ليست لاحد غيركم والسيماء: ~~بكسر السين المهملة العلامة. ورد هذا: بأنه قد ثبت الوضوء لمن قبل هذه ~~الأمة. قيل: فالذي اختصت به هذه الأمة هو الغرة والتحجيل. # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي (ص) يعجبه التيمن في تنعله، ~~وترجله، وظهوره، وفي شأنه كله. متفق عليه. (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ~~كان النبي (ص) يعجبه التيمن) أي تقديم الأيمن (في تنعله) لبس نعله (وترجله) ~~بالجيم، أي مشط شعره (وطهوره، وفي شأنه كله) تعميم بعد التخصيص (متفق ~~عليه). قال ابن دقيق العيد: # هو عام مخصوص يعني قوله: كله: بدخول الخلاء، والخروج من المسجد، ونحوهما، ~~فإنه يبدأ فيهما باليسار. قيل: والتأكيد بكله يدل على بقاء التعميم، ودفع ~~التجوز عن البعض، فيحتمل أن يقال: # حقيقة الشأن ما كان فعلا مقصودا، وما يستحب فيه التياسر ليس من الأفعال ~~المقصودة، بل هي إما تروك، وإما غير مقصودة. والحديث دليل على استحباب ~~البداءة بشق الرأس الأيمن PageV01P050 # في الترجل، والغسل والحلق، وبالميامن في الوضوء، والغسل، والأكل، والشرب، ~~وغير ذلك. قال النووي: قاعدة الشرع المستمرة البداءة باليمين مع كل ما كان ~~من باب التكريم، والتزيين. وما كان بضدها استحب فيه التياسر، ويأتي الحديث ~~في الوضوء قريبا، وهذه الدلالة للحديث مبنية على أن لفظ يعجبه يدل على ~~استحباب ذلك شرعا، وقد ذكرنا تحقيقه في حواشي شرح العمدة عند الكلام على ~~هذا الحديث. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): إذا توضأتم فابدأوا بميامنكم ~~أخرجه الأربعة، وصححه ابن خزيمة. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): ~~إذا توضأتم فابدأوا بميامنكم أخرجه الأربعة، وصححه ابن خزيمة. وأخرجه أحمد، ~~وابن حبان، والبيهقي، وزاد فيه وإذا لبستم قال ابن دقيق العيد: هو حقيق بأن ~~يصحح. والحديث دليل على البداءة بالميامن ms0073 عند الوضوء في غسل اليدين ~~والرجلين، وأما غيرهما كالوجه والرأس، فظاهر أيضا شمولهما، إلا أنه لم يقل ~~أحد به فيهما، ولا ورد في أحاديث التعليم بخلاف اليدين والرجلين، فأحاديث ~~التعليم وردت بتقديم اليمنى فيهما على اليسرى في حديث عثمان الذي مضى، ~~وغيره. والآية مجملة بينتها السنة. واختلف في وجوب ذلك، ولا كلام في أنه ~~الأولى. فعند الهادوية: يجب، لحديث الكتاب، وهو بلفظ الامر، وهو للوجوب في ~~أصله، وباستمرار فعله (ص) له، فإنه ما روي أنه توضأ مرة واحدة بخلافه، إلا ~~ما يأتي من حديث ابن عباس، ولأنه فعله بيانا للواجب فيجب. ولحديث ابن عمر، ~~وزيد بن ثابت، وأبي هريرة: أنه (ص) توضأ على الولاء، ثم قال: هذا وضوء لا ~~يقبل الله الصلاة إلا به، وله طرق يشد بعضها بعضا. وقالت الحنفية وجماعة: ~~لا يجب الترتيب بين أعضاء الوضوء، ولا بين اليمنى واليسرى من اليدين ~~والرجلين. قالوا: الواو في الآية لا تقتضي الترتيب، وبأنه قد روى عن علي ~~عليه السلام: أنه بدأ بمياسره، وبأنه قال: ما أبالي بشمالي بدأت أم بيميني ~~إذا أتممت الوضوء. # وأجيب عنه: بأنهما أثران غير ثابتين: فلا تقوم بهما حجة، ولا يقاومان ما ~~سلف، وإن كان الدارقطني قد أخرج حديث علي، ولم يضعفه، وأخرجه من طرق ~~بألفاظ، لكنها موقوفة كلها. # وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: أن النبي (ص) توضأ. فمسح بناصيته، ~~وعلى العمامة والخفين أخرجه مسلم. (وعن المغيرة) بضم الميم فغين معجمة ~~مكسورة فياء وراء. يكنى أبا عبد الله، أو أبا عيسى، أسلم عام الخندق، وقدم ~~مهاجرا، وأول مشاهده الحديبية. وفاته سنة خمسين من الهجرة بالكوفة، وكان ~~عاملا عليها من قبل معاوية. وهو (ابن شعبة) بضم الشين المعجمة وسكون العين ~~المهملة فموحدة مفتوحة: (أن النبي (ص) توضأ فمسح بناصيته) في القاموس: ~~الناصية والناصاة: قصاص الشعر (وعلى العمامة والخفين) تثنية خف بالخاء ~~المعجمة مضمومة، أي ومسح عليهما (أخرجه مسلم) ولم يخرجه البخاري ووهم من ~~نسبه إليهما. # والحديث: دليل على عدم جواز الاقتصار على مسح الناصية. وقال ms0074 زيد بن علي ~~عليه السلام، وأبو حنيفة: يجوز الاقتصار. وقال ابن القيم: ولم يصح عنه (ص) ~~في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة، لكن كان إذا مسح بناصيته ~~كمل على العمامة كما في حديث المغيرة هذا. وقد ذكر الدارقطني: أنه رواه عن ~~ستين رجلا. وأما الاقتصار على العمامة بالمسح فلم يقل به الجمهور. وقال ابن ~~القيم: إنه (ص) كان PageV01P051 # يمسح على رأسه تارة، وعلى العمامة تارة، وعلى الناصية والعمامة تارة. ~~والمسح على الخفين يأتي له باب مستقل، ويأتي حديث المسح على العصائب. # وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما - في صفة حج النبي (ص) - قال (ص): ~~ابدأوا بما بدأ الله به أخرجه النسائي هكذا بلفظ الامر، وهو عند مسلم بلفظ ~~الخبر. (وعن جابر) هو: أبو عبد الله جابر (بن عبد الله) بن عمرو بن حرام ~~بالحاء والراء المهملتين، الأنصاري السلمي، من مشاهير الصحابة، ذكر ~~البخاري: أنه شهد بدرا، وكان ينقل الماء يومئذ. ثم شهد بعدها مع النبي (ص) ~~ثماني عشرة غزوة، ذكر ذلك الحاكم أبو أحمد، وشهد صفين مع علي عليه السلام، ~~وكان من المكثرين الحفاظ، وكف بصره في اخر عمره، وتوفي سنة أربع أو سبع ~~وسبعين بالمدينة، وعمره أربع وتسعون سنة، وهو اخر من مات بالمدينة من ~~الصحابة. (في صفة حج النبي (ص)) يشير إلى حديث جليل شريف سيأتي إن شاء الله ~~تعالى في الحج (قال) أي النبي ((ص): ابدأوا بما بدأ الله به: أخرجه النسائي ~~هكذا بلفظ الامر، وهو عند مسلم بلفظ الخبر) أي بلفظ نبدأ، ولفظ الحديث: ~~قال: ثم خرج أي النبي (ص) من الباب: أي باب الحرم إلى الصفا، فلما دنا من ~~الصفا قرأ: * (إن الصفا والمروة من شعائر الله) *. نبدأ بما بدأ الله به ~~بلفظ الخبر فعلا مضارعا، فبدأ بالصفا لبداءة الله به في الآية. وذكر المصنف ~~هذه القطعة من حديث جابر هنا، لأنه أفاد أن ما بدأ الله به ذكرا نبتدئ به ~~فعلا فإن كلامه كلام حكيم، لا يبدأ ذكرا ms0075 إلا بما يستحق البداءة به فعلا، ~~فإنه مقتضى البلاغة، ولذا قال سيبويه: # إنهم أي: العرب يقدمون ما هم بشأنه أهم، وهم به أعني، فإن اللفظ عام، ~~والعام لا يقتصر على سببه، أعني بما بدأ الله به، لان كلمة ما موصولة، ~~والموصولات من ألفاظ العموم، وآية الوضوء وهي قوله تعالى - فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إي الكعبين داخلة تحت الامر ~~بقوله صلى لله عليه سلم ابدأوا بما بدا الله به فيجب البدائة بغسل الوجه ثم ~~ما بعده على الترتيب وإن كانت الآية لم تفد تقديم اليمنى على اليسرى من ~~اليدين والرجلين وتقدم القول فيه قريبا وذهبت الحنفية وآخرون إلى أن ~~الترتيب بين أعضاء الوضوء غير واجب وتقدم القول فيه قريبا. وذهبت الحنفية ~~وآخرون إلى أن التريب بين أعضاء الوضوء غير واجب واستدل لهم بحديث ابن عباس ~~أنه صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل وجهه ويديه ثم رجليه ثم مسح رأسه بفضل ~~وضوئه وأجيب بأنه لا تعرف له طريق صحيحة حتى يتم به الاستدلال. ثم لا يخفى ~~أنه كان الأولى تقديم حديث جابر هذا على حديث المغيرة وجعله متصلا بحديث ~~أبي هريرة لتقاربهما في الدلالة. # (وعنه) أي جابر بن عبد الله رضي الله عنه (قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه. أخرجه الدارقطني) هو الحافظ ~~الكبير الامام العديم النظير في حفظه. قال الذهبي في حقه: هو حافظ الزمان ~~أبو الحسين علي بن عمر ابن أحمد البغدادي الحافظ الشهير صاحب السنن. مولده ~~سنة ست وثلاثمائة سمع من عوالم وبرع في هذا الشأن. قال الحاكم: صار ~~الدارقطني أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع وإماما في القراءة والنحو وله ~~مصنفات يطول ذكرها وأشهد أنه لم يخلق على أديم الأرض مثله وقال الخطيب: كان ~~فريد عصره وإمام وقته وانتهى إليه علم الأثر والمعرفة بالعلل وأسماء ~~PageV01P052 # للرجال مع الصدق والثقة وصحة الاعتقاد وقد أطال أئمة الحديث الثناء على ~~هذا الرجال وكانت وفاته في ثامن ذي القعدة سنة ms0076 خمس وثمانين وثلاثمائة ~~(باسناد ضعيف) وأخرجه البيهقي أيضا باسناد الدارقطني وفى الاسنادين معا ~~القاسم بن محمد بن عقيل وهو متروك وضعه أحمد وابن معين وغيرهما، وعده ابن ~~حبان في الثقات لكن الجارح أولى وإن كثر المعدل وهنا الجارح أكثر وصرح بضعف ~~الحديث جماعة من الحفاظ كالمندري وابن الصلاح والنووي وغيرهم. قال المصنف: ~~ويغني عنه حديث أبي هريرة عند مسلم أنه توضأ حتى أشرع في العضد وقال هكذا ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ قلت ولو أتي به هنا لكان أولى (وعن ~~أبي هريرة رضى ا لله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا وضوء ~~لمن لم يذكر اسم الله عليه أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة باسناد ضعيف هذا ~~قطعة من الحديث الذي أخرجه المذكورون فإنهم أخرجوه بلفظ لا صلاة لمن لا ~~وضوء له ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه والحديث مروى من طريق يعقوب بن ~~سلمة عن أبيه عن أبي هريرة وهو يعقوب بن سلمة الليثي. قال البخاري: لا يعرف ~~له سماع من أبيه ولا لأبيه من أبي هريرة وله طرق أخرى عند الدارقطني ~~والبيهقي ولكنها ضعيفة أيضا وعند الطبراني من حديث أبي هريرة بلفظ الامر ~~إذا توضأت فقل بسم الله والحمد لله فان حفظتك لا تزال تكتب لك الحسنات حتى ~~تحدث من ذلك الوضوء ولكن سنده واه (والترمذي) لم يقل والترمذي (عن سعيد بن ~~زيد) وزيد هو ابن عمرو بن نفيل أحد العشرة المشهود لهم بالجنة صحابي جليل ~~القدر لأنه لم يروه في السنن بل رواه في العلل فغاير المصنف في العبارة ~~لهذه الإشارة ولأنه لم يروه عن أبي هريرة (وأبي سعيد نحوه وقال أحمد لا ~~يثبت فيه شئ) وأخرجه البزار وأحمد وابن ماجة والدار قطني وغيرهم. قال ~~الترمذي: قال محمد يعنى البخاري إنه أحسن شئ في هذا الكتاب لكنه ضعيف لان ~~في رواته مجهولين. # ورواية أبي سعيد الخدري التي أخرجها الترمذي وغيره من رواية كثير بن زيد ~~عن ربيح عن ms0077 عبد الرحمن عن أبي سعيد ولكنه قدح في كثير بن زيد وفى ربيح ~~أيضا. وقد روى الحديث في التسمية من حديث عائشة وسهل بن سعد وابن سبرة وأم ~~سبرة وعلى وأنس. # وفي الجميع مقال إلا أن هذه الروايات يقوى بعضها بعضا فلا تخلو عن قوة ~~ولذا قال ابن أبي شيبة: ثبت لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله. وإذا ~~عرفت هذا فالحديث قد دل على مشروعية التسمية في الوضوء وظاهر قوله (لا ~~وضوء) أنه يصح ولا يوجد من دونها إذ الأصل في النفي الحقيقة. وقد اختلف ~~العلماء في ذلك فذهبت الهادوية إلى أنها فرض على الذاكر. # وقال أحمد بن حنبل: والظاهرية بل وعلى الناس وفى أحد قولي الهادي إنها ~~سنة وإليه ذهبت الحنفية والشافعية لحديث أبي هريرة من ذكر الله أول وضوء ~~أخرجه جسده كله وإذا لم يذكر اسم الله لم يذكر اسم الله لم يطهر منه إلا ~~موضع الوضوء أخرجه الدارقطني وغيره وهو ضعيف وبه استدل من فرق بين الذاكر ~~والناسي قائلا: إن الأول PageV01P053 # في حق العامد وهذا في حق الناس. وحديث أبي هريرة هذا الأخير وإن كان ~~ضعيفا فقد عضده في الدلالة على / عدم الفرضية حديث توضأ كما امرك الله وقد ~~تقدم وهو الدليل على تأويل النفي من حديث الباب بأن المراد لا وضوء كامل، ~~على أنه قد روى هذا الحديث بلفظ لا وضوء كامل إلا أنه قال المصنف لم يروه ~~بهذا اللفظ قاله البيهقي في السنن بعد اخراجه هذا أيضا ضعيف، أبو بكر ~~الداهري - يريد أحد رواته - أنه غير ثقة عند أهل العلم بالحديث. # وأما القول بأن هذا مثبت ودال على الايجاب فيرجح ففيه أنه لم يثبت ثبوتا ~~يقضى بالايجاب بل طرقه كما عرفت. وقد دل على السنية حديث كل أمر ذي بال ~~فيتعاضد هو وحديث الباب على مطلق الشرعية وأقلها الندبية. # (وعن طلحة) هو أبو محمد أو أبو عبد الله طلحة (بن مصرف) بضم الميم وفتح ~~الصاد وكسر الراء المشددة وفاء. وطلحة أحد الاعلام الاثبات ms0078 من التابعين. ~~مات سنة ثنتي عشرة ومائة (عن أبيه) مصرف (عن جده) كعب بن عمرو الهمداني. ~~ومنهم من يقول ابن عمر بضم العين المهملة. قال ابن عبد البر: والأشهر ابن ~~عمرو له صحبة، ومنهم من ينكرها ولا وجه لانكار من أنكر ذلك، ثم ذكر هذا ~~الحديث (قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفصل بين المضمضة ~~والاستنشاق. أخرجه أبو داود باسناد ضعيف) لأنه من رواية ليث بن أبي سليم ~~وهو ضعيف. قال النووي: أتفق العلماء على ضعفه ولان مصرفا والد طلحة مجهول ~~الحال. قال أبو داود: وسمعت أحمد يقول: زعموا أن ابن عيينة كان ينكره يقول ~~إيش هذا طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده. والحديث دليل على الفصل بين المضمضة ~~والاستنشاق بأن يؤخذ لكل واحد ماء جديد. وقد دل له أيضا حديث علي عليه ~~السلام وعثمان أنهما أفراد المضمضة والاستنشاق ثم قالا هكذا رأينا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم توضأ. أخرجه أبو علي بن السكن في صحاحه وذهب إلى ~~هذا جماعة، وذهبت الهادوية إلى أن السنة الجمع بينهما بغرفة لما أخرجه ابن ~~ماجة من حديث علي عليه السلام أنه تمضمض فاستنشق ثلاثا من كف واحدة وأخرجه ~~أبو داود والجمع بينهما ورد من حديث على من ست طرق وتأتي أحداهما قريبا، ~~وكذلك من حديث عثمان عند أبي داود وغيره. # وفي لفظ لابن حبان ثلاث مرات من ثلاث حفنات وفي لفظ للبخاري ثلاث مرات ~~غرفة واحدة ومع ورود الروايتين الجمع وعدمه فالأقرب التخيير وأن الكل سنة ~~وإن كانت رواية الجمع أكثر وأصح. وقد اختار في الشرح التخيير وقال إنه قول ~~الإمام يحيى. واعلم أن الجمع قد يكون بغرفة واحدة وبثلاث منها كما أرشد ~~إليه ظاهر قوله في الحديث من كف واحد من غرفة واحدة وقد يكون الجمع بثلاث ~~غرفات لكل واحدة من الثلاث المرات غرفة كما هو صريح ثلاث مرات من ثلاث ~~حفنات. قال البيهقي في السنن بعد ذكره الحديث: يعني والله أعلم أنه تمضمض ~~واستنثر كل مرة غرفة ms0079 واحدة ثم فعل ذلك ثلاثا من ثلاث غرفات قال ويدل له ~~حديث عبد الله بن زيد، ثم ساقه بسنده وفيه ثم أدخل يده في الاناء ~~PageV01P054 # فمضمض واستنشق واستنثر ثلاث مرات من ثلاث غرفات من ماء ثم قال رواه ~~البخاري في الصحيح، وبه يتضح أنه يتعين هذا الاحتمال. # (وعن علي رضي الله عنه في صفة الوضوء: ثم تمضمض) صلى الله عليه وسلم ~~(واستنثر ثلاثا يمضمض وينثر من الكف الذي يأخذ منه الماء. أخرجه أبو داود ~~والنسائي) هذا من أدلة الجمع، ويحتمل أنه من غرفة واحدة أو من ثلاث غرفات. # (وعن عبد الله بن زيد رضي الله عنه في صفة الوضوء) أي وضوئه صلى الله ~~عليه وسلم (ثم أدخل صلى الله عليه وسلم يده) أي في الماء (فمضمض واستنشق) ~~لم يذكر الاستنثار لان المراد إنما هو ذكر اكتفائه بكف واحدة من الماء لما ~~يدخل في الفم والأنف، وأما دفع الماء فليس من مقصود الحديث (من كف واحدة) ~~الكف يذكر ويؤنث (يفعل ذلك ثلاثا. متفق عليه) هو ظاهر في أنه كفاه كف واحد ~~للثلاث. # والحديث كالأول من أدلة الجمع. وهذا الحديث والأول مقتطعان من الحديثين ~~الطولين في صفة الوضوء وقد تقدم مثل هذا إلا أن المصنف أنما يقتصر على موضع ~~الحجة الذي يريده كالجمع هنا (وعن أنس رضي الله عنه قال: رأى النبي صلى ~~الله عليه وسلم رجلا وفي قدمه مثل الظفر) بضم الظاء المعجمة والفاء، فيه ~~لغات أخر أجودها ما ذكر وجمعه أظفار وجمع الجمع أظافير (لم يصبه الماء) أي ~~ماء وضوئه (فقال له ارجع فأحسن وضوءك أخرجه أبو داود والنسائي) وقد أخرج ~~مثله مسلم من حديث جابر عن عمر إلا أنه قيل إنه موقوف على عمر. وقد أخرج ~~أبو داود من طريق خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم ~~يصبها الماء، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء والصلاة. ms0080 قال ~~أحمد بن حنبل لما سئل عن إسناده جيد. نعم. وهو دليل على وجوب استيعاب أعضاء ~~الوضوء بالماء نصا في الرجل وقياسا في غيرهما. وقد ثبت حديث ويل للأعقاب من ~~النار قاله صلى الله عليه وسلم في جماعة. لم يمس أعقابهم الماء. وإلى هذا ~~ذهب الجمهور. وروى عن أبي حنيفة قال: إنه يعفى عن نصف العضو أو ربعه أو أقل ~~من الدرهم روايات حكيت عنه. وقد استدل بالحديث أيضا على وجوب الموالاة حيث ~~أمره أن يعيد الوضوء ولم يقتصر على أمره بغسل ما تركه. قيل ولا دليل فيه ~~لأنه أراد التشديد عليه في الانكار والإشارة إلى أن من ترك شيئا فكأنه ترك ~~الكل ولا يخفى ضعف هذا القول، فالأحسن أن يقال إن قول الراوي أمره أن يعيد ~~الوضوء: أي غسل ما تركه وسماه إعادة باعتبار ظن المتوضئ فإنه صلى ظانا بأنه ~~قد توضأ وضوءا مجزئا وسماه وضوءا في قوله يعيد الوضوء لأنه وضوء لغة. وفي ~~الحديث دليل على أن الجاهل والناسي حكمهما في الترك حكم العامد. # (وعنه) أي أنس بن مالك (قال: كان رسول الله (ص) يتوضأ بالمد) تقدم تحقيق ~~قدره (ويغتسل بالصاع) وهو أربعة أمداد، ولذا قال (إلى خمسة PageV01P055 # أمداد)، كأنه قال: بأربعة أمداد إلى خمسة (متفق عليه). وتقدم: أنه (ص) ~~توضأ بثلثي مد، وقدمنا أنه أقل ما قدر به ماء وضوئه، ولو أخر المصنف ذلك ~~الحديث إلى هنا، أو قدم هذا لكان أوفق لحسن الترتيب. ظاهر هذا الحديث أن ~~هذا غاية ما كان ينتهي إليه وضوءه (ص)، وغسله، ولا ينافيه حديث عائشة الذي ~~أخرجه البخاري: أنه (ص) توضأ من إناء واحد يقال له الفرق بفتح الفاء ~~والراء، وهو إناء يسع تسعة عشر رطلا، لأنه ليس في حديثها أنه كان ملآنا ~~ماء، بل قولها: من إناء يدل على تبعيض ما توضأ منه. # وحديث أنس هذا، والحديث الذي سلف عن عبد الله بن زيد: يرشدان إلى تقليل ~~ماء الوضوء، والاكتفاء باليسير منه. وقد قال البخاري: وكره أهل العلم فيه: ~~أي ms0081 ماء الوضوء أن يتجاوز فعل النبي (ص). # (وعن عمر) بضم العين المهملة منقول من جمع عمرة، وهو: أبو حفص عمر بن ~~الخطاب القرشي، يجتمع مع النبي (ص) في كعب بن لؤي، أسلم سنة ست من النبوة، ~~وقيل: سنة خمس بعد أربعين رجلا. وشهد المشاهد كلها مع النبي (ص): # وله مشاهد في الاسلام، وفتوحات في العراق والشام. وتوفي في غرة المحرم ~~سنة أربع وعشرين، طعنه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، وخلافته عشر سنين ~~ونصف. (قال: قال رسول الله (ص): ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء) تقدم ~~أنه إتمامه (ثم يقول) بعد إتمامه: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية) هو من ~~باب: ونفخ في الصور. عبر عن الآتي بالماضي لتحقق وقوعه، والمراد: تفتح له ~~يوم القيامة يدخل من أيها شاء (أخرجه مسلم)، وأبو داود، وابن ماجة، ~~(والترمذي، وزاد: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. # جمع بينهما إلماما بقوله تعالى: * (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى ~~فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث ~~أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) *. ولما كانت التوبة ~~طهارة الباطن من أدران الذنوب، والوضوء طهارة الظاهر عن الاحداث المانعة عن ~~التقرب إليه تعالى، ناسب الجمع بينهما: أي طلب ذلك من الله تعالى غاية ~~المناسبة: في طلب أن يكون السائل محبوبا لله، وفي زمرة المحبوبين له. وهذه ~~الرواية، وإن قال الترمذي بعد اخراجه الحديث: في إسناده اضطراب، فصدر ~~الحديث ثابت في مسلم، وهذه الزيادة قد رواها البزار، والطبراني في الأوسط ~~من طريق ثوبان بلفظ: من دعا بوضوء فتوضأ فساعة فرغ من وضوئه يقول: أشهد أن ~~لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، ~~واجعلني من المتطهرين ورواه ابن ماجة من حديث أنس، وابن السني في عمل اليوم ~~والليلة، والحاكم في المستدرك من حديث أبي سعيد بلفظ: من توضأ فقال: ms0082 سبحانك ~~اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، كتب في رق، ثم ~~طبع بطابع، فلا يكسر إلى يوم القيامة. # وصحح النسائي: أنه موقوف، وهذا الذكر عقيب الوضوء. قال النووي: قال ~~أصحابنا: ويستحب أيضا عقيب الغسل. وإلى هنا انتهى باب الوضوء، ولم يذكر ~~المصنف من الأذكار فيه إلا حديث التسمية في أوله، وهذا الذكر في اخره. وأما ~~حديث الذكر مع غسل كل عضو فلم PageV01P056 # يذكره للاتفاق على ضعفه. قال النووي: الأدعية في أثناء الوضوء لا أصل ~~لها، ولم يذكرها المتقدمون. وقال ابن الصلاح: لم يصح فيه حديث. هذا، ولا ~~يخفى حسن ختم المصنف باب الوضوء بهذا الدعاء الذي يقال عند تمام الوضوء ~~فعلا، فقاله عند تمام أدلته تأليفا، وعقب الوضوء بالمسح على الخفين، لأنه ~~من أحكام الوضوء فقال: # باب المسح على الخفين أي باب ذكر أدلة شرعية ذلك. والخف: نعل من أدم يغطي ~~الكعبين. والجرموق: # خف كبير يلبس فوق خف صغير. والجورب فوق الجرموق يغطي الكعبين بعض التغطية ~~دون النعل، وهي تكون دون الكعاب. # (عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: كنت مع النبي (ص) أي: في سفر، كما ~~صرح به البخاري. وعند مالك وأبي داود تعيين السفر: أنه في غزوة تبوك، ~~وتعيين الصلاة: أنها صلاة الفجر (فتوضأ) أي أخذ في الوضوء، كما صرحت به ~~الأحاديث، ففي لفظ: تمضمض واستنشق ثلاث مرات وفي أخرى: فمسح برأسه، فالمراد ~~بقوله: توضأ أخذ فيه، لا أنه استكمله، كما هو ظاهر اللفظ (فأهويت) أي مددت ~~يدي، أو قصدت الهوى من القيام إلى القعود (لأنزع خفيه) كأنه لم يكن قد علم ~~برخصة المسح، أو علمها وظن أنه (ص) سيفعل الأفضل، بناء على أن الغسل أفضل، ~~ويأتي فيه الخلاف، أو جوز أنه لم يحصل شرط المسح، وهذا الأخير أقرب لقوله: ~~(فقال: دعهما) أي الخفين (فإني أدخلتهما طاهرتين) حال من القدمين، كما ~~تبينه رواية أبي داود: فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان (فمسح ~~عليهما. متفق عليه) بين الشيخين. ولفظه هنا للبخاري. # وذكر البزار: ms0083 أنه روى عن المغيرة من ستين طريقا، وذكر منها ابن منده: ~~خمسة وأربعين طريقا. # والحديث دليل على جواز المسح على الخفين في السفر، لان هذا الحديث ظاهر ~~فيه كما عرفت وأما في الحضر، فيأتي الكلام عليه في الحديث الثالث. وقد ~~اختلف العلماء في جواز ذلك، فالأكثر على جوازه سفرا، لهذا الحديث وحضرا ~~لغيره من الأحاديث. قال أحمد بن حنبل: فيه أربعون حديثا عن الصحابة مرفوعة. ~~وقال ابن أبي حاتم: فيه عن أحد وأربعين صحابيا، وقال ابن عبد البر في ~~الاستذكار: روى عن النبي (ص) المسح على الخفين نحو من أربعين من الصحابة. ~~ونقل ابن المنذر عن الحسن البصري قال: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله (ص): ~~أنه كان يمسح على الخفين. وذكر أبو القاسم بن منده: أسماء من رواه من ~~تذكرته فبلغوا ثمانين صحابيا. والقول بالمسح: قول أمير المؤمنين علي عليه ~~السلام، وسعد بن أبي وقاص، وبلال، وحذيفة، وبريدة، وخزيمة بن ثابت، وسلمان، ~~وجرير البجلي، وغيرهم. # قال ابن المبارك: ليس في المسح على الخفين بين الصحابة اختلاف، لان كل من ~~روى عنه إنكاره، فقد روى عنه إثباته. وقال ابن عبد البر: لا أعلم أنه روى ~~عن أحد من السلف إنكاره، إلا عن مالك، مع أن الرواية الصحيحة عنه مصرحة ~~بإثباته. قال المصنف: قد صرح جمع من PageV01P057 # الحفاظ بأن المسح متواتر، وقال به أبو حنيفة، والشافعي، وغيرهما مستدلين ~~بما سمعت. وروى عن الهادوية والامامية والخوارج: القول بعدم جوازه، ~~واستدلوا بقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم ~~جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ~~منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ~~لعلكم تشكرون) * ، قالوا: فعينت الآية مباشرة الرجلين بالماء، واستدلوا ~~أيضا: بما سلف في باب الوضوء من أحاديث التعليم، وكلها عينت ms0084 غسل الرجلين. ~~قالوا: والأحاديث التي ذكرتم في المسح منسوخة باية المائدة، والدليل على ~~النسخ قول علي عليه السلام: سبق الكتاب الخفين. وقول ابن عباس: # ما مسح رسول الله (ص) بعد المائدة. وأجيب: أولا: بأن اية الوضوء نزلت في ~~غزوة المريسيع، ومسحه (ص) في غزوة تبوك، كما عرفت، فكيف ينسخ المتقدم ~~المتأخر. # وثانيا: بأنه لو سلم تأخر اية المائدة، فلا منافاة بين المسح والآية، لان ~~قوله تعالى: وأرجلكم. # مطلق، وقيدته أحاديث المسح على الخف، أو عام وخصصته تلك الأحاديث. وأما ~~ما روي عن علي عليه السلام، فهو حديث منقطع، وكذا ما روي عن ابن عباس، مع ~~أنه يخالف ما ثبت عنهما من القول بالمسح. وقد عارض حديثهما ما هو أصح ~~منهما، وهو حديث جرير البجلي، فإنه لما روى: أنه رأى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يمسح على خفيه، قيل له: هل كان ذلك قبل المائدة أو بعدها؟ قال: ~~وهل أسلمت إلا بعد المائدة؟ وهو حديث صحيح. وأما أحاديث التعليم، فليس فيها ~~ما ينافي جواز المسح على الخفين: فإنها كلها فيمن ليس عليه خفان. # فأي دلالة على نفي ذلك، على أنه قد يقال: قد ثبت في اية المائدة القراءة ~~بالجر لأرجلكم عطفا على الممسوح وهو الرأس، فيحمل على مسح الخفين، كما ~~بينته السنة، ويتم ثبوت المسح بالسنة والكتاب، وهو أحسن الوجوه التي توجه ~~به قراءة الجر. إذا عرفت هذا فللمسح عند القائلين به شرطان: الأول: ما أشار ~~إليه الحديث، وهو لبس الخفين مع كمال طهارة القدمين، وذلك بأن يلبسهما وهو ~~على طهارة تامة، بأن يتوضأ حتى يكمل وضوءه ثم يلبسهما، فإذا أحدث بعد ذلك ~~حدثا أصغر، جاز المسح عليهما، بناء على أنه أريد بطاهرتين الطهارة الكاملة، ~~وقد قيل: بل يحتمل أنهما طاهرتان عن النجاسة، يروى عن داود، ويأتي من ~~الأحاديث ما يقوي القول الأول. # والثاني مستفاد من مسمى الخف، فإن المراد به الكامل، لأنه المتبادر عند ~~الاطلاق، وذلك بأن يكون ساترا قويا مانعا نفوذ الماء غير مخرق، فلا يمسح ~~على ما ms0085 لا يستر العقبين، ولا على مخرق يبدو منه محل الفرض، ولا على منسوج، ~~إذ لا يمنع نفوذ الماء، ولا مغصوب لوجوب نزعه. هذا وحديث المغيرة لم يبين ~~كيفية المسح، ولا كميته، ولا محله، ولكن الذي أفاده قول المصنف. # وللأربعة عنه إلا النسائي: أن النبي (ص) مسح أعلى الخف وأسفله. وفي ~~إسناده ضعف. بين أن محل المسح أعلى الخف وأسفله، ويأتي من ذهب إليه، ولكنه ~~قد أشار إلى ضعفه، وبين وجه ضعفه في التلخيص، وأن أئمة الحديث ضعفوه بكاتب ~~المغيرة هذا. وكذلك بين محل المسح وعارض حديث المغيرة هذا. # وعن علي رضي الله عنه أنه قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى ~~بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله (ص) يمسح على ظاهر خفيه، أخرجه أبو ~~داود بإسناد حسن. قوله: (وعن علي عليه السلام، أنه قال: - لو كان الدين ~~بالرأي) أي بالقياس وملاحظة المعاني (لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه) ~~أي ما تحت القدمين أولى بالمسح من الذي هو على أعلاهما، لأنه الذي يباشر ~~المشي، ويقع على ما ينبغي إزالته، PageV01P058 # بخلاف أعلاه، وهو ما على ظهر القدم (وقد رأيت رسول الله (ص) يمسح على ~~ظاهر خفيه، أخرجه أبو داود بإسناد حسن) وقال المصنف في التلخيص: إنه حديث ~~صحيح. والحديث فيه إبانة لمحل المسح على الخفين، وأنه ظاهرهما لا غير، ولا ~~يمسح أسفلهما. # وللعلماء في ذلك قولان: أحدهما أن يغمس يديه في الماء، ثم يضع باطن كفه ~~اليسرى تحت عقب الخف، وكفه اليمنى على أطراف أصابعه، ثم يمر اليمنى إلى ~~ساقه، واليسرى إلى أطراف أصابعه. # وهذا للشافعي. واستدل لهذه الكيفية بما ورد في حديث المغيرة: أنه (ص) مسح ~~على خفيه، ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم ~~مسح أعلاهما مسحة واحدة، كأني أنظر أصابعه على الخفين رواه البيهقي، وهو ~~منقطع، على أنه لا يفي بتلك الصفة. وثانيهما: مسح أعلى الخف دون أسفله، وهي ~~التي أفادها حديث علي عليه السلام هذا. وأما القدر المجزئ من ms0086 ذلك: فقيل: لا ~~يجزئ إلا قدر ثلاث أصابع، وقيل: ولو بأصبع، وقيل: لا يجزئ إلا إذا مسح ~~أكثره، وحديث علي، وحديث المغيرة المذكوران في الأصل ليس فيهما تعرض لذلك. ~~نعم قد روى عن علي عليه السلام: أنه رأى رسول الله (ص) يمسح على ظهر الخف ~~خطوطا بالأصابع. قال النووي: إنه حديث ضعيف. وروى عن جابر: أنه (ص) أرى بعض ~~من علمه المسح، أن يمسح بيده من مقدم الخفين إلى أصل الساق مرة، وفرج بين ~~أصابعه. قال المصنف: إسناده ضعيف جدا. فعرفت أنه لم يرد في الكيفية، ولا ~~الكمية حديث يعتمد عليه إلا حديث علي في بيان المسح. والظاهر أنه إذا فعل ~~المكلف ما يسمى مسحا على الخف لغة أجزأه. وأما مقدار زمان جواز المسح فقد ~~أفاده الحديث. # وعن صفوان بن عسال قال: كان النبي (ص) يأمرنا إذا كنا سفرا أن لا ننزع ~~خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم أخرجه ~~النسائي والترمذي، واللفظ له، وابن خزيمة وصححاه. (وعن صفوان) بفتح الصاد ~~المهملة وسكون الفاء (بن عسال) بفتح المهملة وتشديد السين المهملة وباللام ~~المرادي سكن الكوفة (قال: كان النبي (ص) يأمرنا إذا كنا سفرا) جمع سافر ~~كتجر جمع تاجر (ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة) أي ~~فننزعها ولو قبل مرور الثلاث (ولكن) لا ننزعهن (من غائط وبول ونوم) أي لأجل ~~هذه الاحداث إلا إذا مرت المدة المقدرة (أخرجه النسائي، والترمذي، واللفظ ~~له، وابن خزيمة، وصححاه) أي الترمذي، وابن خزيمة، ورواه الشافعي، وابن ~~ماجة، وابن حبان، والدارقطني، والبيهقي، وقال الترمذي عن البخاري: إنه حديث ~~حسن. بل قال البخاري: ليس في التوقيت شئ أصح من حديث صفوان بن عسال ~~المرادي، وصححه الترمذي، والخطابي. والحديث دليل على توقيت إباحة المسح على ~~الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وفيه دلالة على اختصاصه بالوضوء دون ~~الغسل وهو مجمع عليه. وظاهر قوله: يأمرنا الوجوب، ولكن الاجماع صرفه عن ~~ظاهره فبقي للإباحة والندب. وقد اختلف العلماء: هل الأفضل المسح على ~~الخفين، ms0087 أو خلعهما وغسل القدمين. قال المصنف عن ابن المنذر: والذي اختاره ~~أن المسح أفضل. وقال النووي: صرح أصحابنا: بأن الغسل أفضل، بشرط أن لا يترك ~~المسح رغبة عن السنة، كما قالوا في تفضيل القصر على الاتمام. # وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: جعل رسول الله (ص) ثلاثة أيام ~~ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم - يعني في المسح على الخفين - أخرجه ~~مسلم. (وعن علي عليه السلام قال: جعل رسول الله (ص) ثلاثة أيام PageV01P059 # ولياليهن للمسافر ويوما للمقيم يعني في المسح على الخفين) هذا مدرج من ~~كلام علي، أو من غيره من الرواة (أخرجه مسلم)، وكذلك أخرجه أبو داود، ~~والترمذي، وابن حبان. # والحديث دليل على توقيت المسح على الخفين للمسافر، كما سلف في الحديث ~~قبله، ودليل على مشروعية المسح للمقيم أيضا، وعلى تقدير زمان إباحته بيوم ~~وليلة للمقيم. وإنما زاد في المدة للمسافر، لأنه أحق بالرخصة من المقيم، ~~لمشقة السفر. # وعن ثوبان رضي الله عنه قال: بعث رسول الله (ص) سرية، فأمرهم أن يمسحوا ~~على العصائب - يعني العمائم - والتساخين يعني الخفاف. رواه أحمد، وأبو ~~داود، وصححه الحاكم. (وعن ثوبان) بفتح المثلثة تثنية ثوب، وهو أبو عبد ~~الله، أو أبو عبد الرحمن. قال ابن عبد البر: والأول أصح. ابن بجدد بضم ~~الموحدة وسكون الجيم وضم الدال المهملة الأولى. # وقيل: ابن جحدر بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة فدال مهملة فراء، وهو من ~~أهل السراة موضع بين مكة والمدينة، وقيل: من حمير أصابه سبي، فشراه رسول ~~الله (ص) فأعتقه، ولم يزل ملازما لرسول الله (ص) سفرا وحضرا، إلى أن توفي ~~(ص)، فنزل الشام، ثم انتقل إلى حمص، فتوفي بها سنة أربع وخمسين. (قال: بعث ~~رسول الله (ص) سرية، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب، يعني العمائم) سميت ~~عصابة لأنه يعصب بها الرأس (والتساخين) بفتح المثناة بعدها سين مهملة وبعد ~~الألف خاء معجمة فمثناة تحتية فنون جمع تسخان. قال في القاموس: التساخين: ~~المراجل الخفاف، وفسرها الراوي بقوله: (يعني الخفاف) جمع خف. والظاهر أنه ~~وما قبله ms0088 في قوله: يعني العمائم مدرج في الحديث من كلام الراوي (رواه أحمد، ~~وأبو داود، وصححه الحاكم). ظاهر الحديث: أنه يجوز المسح على العمائم كالمسح ~~على الخفين، وهل يشترط فيها الطهارة للرأس، والتوقيت كالخفين؟ لم نجد فيه ~~كلاما للعلماء، ثم رأيت بعد ذلك في حواشي القاضي عبد الرحمن على بلوغ ~~المرام: أنه يشترط في جواز المسح على العمائم أن يعتم الماسح بعد كمال ~~الطهارة، كما يفعل الماسح على الخف. # وقال: وذهب إلى المسح على العمائم بعض العلماء، ولم يذكر لما ادعاه ~~دليلا. وظاهره أيضا أنه لا يشترط للمسح عليها عذر، وأنه يجزئ مسحها، وإن لم ~~يمس الرأس ماء أصلا. وقال ابن القيم: # إنه (ص) مسح على العمامة فقط، ومسح على الناصية، وكمل على العمامة، وقيل: # لا يكون ذلك إلا للعذر، لان في الحديث عند أبي داود: أنه (ص) بعث سرية ~~فأصابهم البرد. فلما قدموا على رسول الله (ص)، أمرهم أن يمسحوا على العصائب ~~والتساخين، فيحمل ذلك على العذر، وفي هذا الحمل بعد، وإن جنح إلى القول به ~~في الشرح، لأنه قد ثبت المسح على الخفين، والعمامة من غير عذر في غير هذا. # وعن عمر رضي الله عنه - موقوفا - وعن أنس - مرفوعا -: إذا توضأ أحدكم ~~فلبس خفيه فليمسح عليهما، وليصل فيهما، ولا يخلعهما إن شاء إلا من الجنابة ~~أخرجه الدارقطني والحاكم وصححه. (وعن عمر موقوفا) الموقوف: هو ما كان من ~~كلام الصحابي، ولم ينسبه إلى النبي (ص) (وعن أنس مرفوعا) إليه (ص) (إذا ~~توضأ أحدكم فلبس خفيه فليمسح عليهما) تقييد اللبس، والمسح ببعد الوضوء: ~~دليل: على أنه أريد بطاهرتين في حديث المغيرة، وما في معناه: الطهارة ~~المحققة من الحدث الأصغر (وليصل فيهما ولا يخلعها إن شاء) قيدهما بالمشيئة: ~~دفعا لما يفيده ظاهر الامر من الوجوب، وظاهر النهي من التحريم (إلا من ~~جنابة) فقد عرفت أنه يجب خلعهما (أخرجه الدارقطني والحاكم PageV01P060 # وصححه). والحديث قد أفاد شرطية الطهارة، وأطلقه عن التوقيت، فهو مقيد به، ~~كما يفيده حديث صفوان، وحديث علي عليه السلام. # (وعن أبي ms0089 بكرة) بفتح الموحدة وسكون الكاف وراء، اسمه نفيع بضم النون وفتح ~~الفاء وسكون المثناة التحتية اخره عين مهملة، ابن مسروح، وقيل: ابن الحارث، ~~وكان أبو بكر يقول: إنه مولى رسول الله (ص)، ويأبى أن ينتسب. وكان نزل من ~~حصن الطائف عند حصاره (ص) له في جماعة من غلمان أهل الطائف، وأسلم وأعتقه ~~(ص)، وكان من فضلاء الصحابة، قال ابن عبد البر: كان مثل النضر بن عبادة، ~~مات بالبصرة سنة إحدى، أو اثنتين وخمسين وكان أولاده أشرافا بالبصرة بالعلم ~~والولايات، وله عقب كثير: (عن النبي (ص): أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ~~ولياليهن) أي في المسح على الخفين (وللمقيم يوما وليلة إذا تطهر) أي كل من ~~المقيم والمسافر إذا تطهر من الحدث الأصغر (فلبس خفيه) ليس المراد من الفاء ~~التعقيب، بل مجرد العطف، لأنه معلوم أنه ليس شرطا في المسح (أن يمسح ~~عليهما. أخرجه الدارقطني، وصححه ابن خزيمة)، وصححه الخطابي أيضا، ونقل ~~البيهقي: أن الشافعي صححه، وأخرجه ابن حبان، وابن الجارود، وابن أبي شيبة، ~~والبيهقي، والترمذي في العلل. والحديث مثل حديث علي عليه السلام في إفادة ~~مقدار المدة للمسافر والمقيم. ومثل حديث عمر وأنس في شرطية الطهارة، وفيه ~~إبانة أن المسح رخصة لتسمية الصحابي له بذلك. # وعن أبي بن عمارة رضي الله عنه، أنه قال: يا رسول الله أمسح على الخفين؟ ~~قال: # نعم قال: يوما؟ قال: نعم قال: ويومين؟ قال: نعم قال: وثلاثة أيام؟ # قال: نعم وما شئت، أخرجه أبو داود، وقال: ليس بالقوي. (وعن أبي) بضم ~~الهمزة وتشديد المثناة التحتية (ابن عمارة) بكسر العين المهملة، وهو ~~المشهور وقد تضم. قال المصنف في التقريب: مدني سكن مصر، له صحبة، في إسناد ~~حديثه اضطراب، يريد هذا الحديث، ومثله قال ابن عبد البر في الاستيعاب: (أنه ~~قال: # يا رسول الله أمسح على الخفين؟ قال: نعم، قال: يوما؟ قال: نعم، قال: ~~ويومين قال: نعم، قال: وثلاثة أيام؟ قال: نعم، وما شئت. أخرجه أبو داود ~~وقال: ليس بالقوي). قال الحافظ المنذري في مختصر السنن: وبمعناه: أي ms0090 بمعنى ~~ما قال أبو داود قال البخاري. # وقال الإمام أحمد: رجاله لا يعرفون. وقال الدارقطني: هذا إسناد لا يثبت ~~اه‍. وقال ابن حبان: # لست أعتمد على إسناد خبره. وقال ابن عبد البر: لا يثبت، وليس له إسناد ~~قائم، وبالغ ابن الجوزي، فعده في الموضوعات. وهو دليل على عدم توقيت المسح ~~في حضر ولا سفر، وهو مروي عن مالك، وقديم قولي الشافعي، ولكن الحديث لا ~~يقاوم مفاهيم الأحاديث التي سلفت، ولا يدانيها، ولو ثبت لكان إطلاقه مقيدا ~~بتلك الأحاديث، كما يقيد بشرطية الطهارة التي أفادتها. هذا وأحاديث باب ~~المسح تسعة وعدها في الشرح ثمانية ولا وجه له. # باب نواقض الوضوء النواقض: جمع ناقض، والنقض في الأصل: حل المبرم، ثم ~~استعمل في إبطال الوضوء بما عينه الشارع مبطلا مجازا، ثم صار حقيقة عرفية. ~~وناقض الوضوء ناقض للتيمم، فإنه بدل عنه. PageV01P061 # عن أنس بن مالك قال: كان أصحاب رسول الله (ص) على عهده ينتظرون العشاء ~~حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضأون. أخرجه أبو داود، وصححه الدارقطني، ~~وأصله في مسلم. (عن أنس بن مالك قال: كان أصحاب رسول الله (ص) على عهده ~~ينتظرون العشاء حتى تخفق) من باب ضرب يضرب: أي: تميل (رؤوسهم) أي من النوم ~~(ثم يصلون ولا يتوضأون. أخرجه أبو داود، وصححه الدارقطني، وأصله في مسلم) ~~وأخرجه الترمذي، وفيه يوقظون للصلاة، وفيه حتى إني لأسمع لأحدهم غطيطا، ثم ~~يقومون فيصلون ولا يتوضأون. وحمله جماعة من العلماء على نوم الجالس، ودفع ~~هذا التأويل: # بأن في رواية عن أنس: يضعون جنوبهم رواها يحيى القطان. قال ابن دقيق ~~العيد: يحمل على النوم الخفيف. ورد: بأنه لا يناسبه ذكر الغطيط، والايقاظ، ~~فإنهما لا يكونان إلا في نوم مستغرق. وإذا عرفت هذا فالأحاديث قد اشتملت ~~على خفقة الرأس، وعلى الغطيط، وعلى الايقاظ، وعلى وضع الجنوب، وكلها وصفت ~~بأنهم كانوا لا يتوضأون من ذلك، فاختلف العلماء في ذلك على أقوال ثمانية: ~~الأول: أن النوم ناقض مطلقا على كل حال، بدليل إطلاقه في حديث صفوان بن ~~عسال الذي ms0091 سلف في مسح الخفين، وفيه: من بول، أو غائط، أو نوم. # قالوا: فجعل مطلق النوم كالغائط، والبول في النقض، وحديث أنس - بأي عبارة ~~روي - ليس في بيان أنه قررهم رسول الله (ص) على ذلك، ولا رآهم، فهو فعل ~~صحابي لا يدري كيف وقع، والحجة إنما هي في أفعاله، وأقواله، وتقريراته (ص). ~~القول الثاني: أنه لا ينقض مطلقا، لما سلف من حديث أنس، وحكاية نوم الصحابة ~~على تلك الصفات، ولو كان ناقضا لما أقرهم الله عليه، وأوحى إلى رسوله (ص) ~~في ذلك، كما أوحي إليه في شأن نجاسة نعله، وبالأولى صحة صلاة من خلفه، ~~ولكنه يرد عليهم بحديث صفوان بن عسال. القول الثالث: أن النوم ناقض كله، ~~إنما يعفى عن خفقتين ولو توالتا، وعن الخفقات المتفرقات، وهو مذهب ~~الهادوية، والخفقة: هي ميلان الرأس من النعاس، وحد الخفقة أن لا يستقر رأسه ~~من الميل حتى يستيقظ، ومن لم يمل رأسه عفي له عن قدر خفقة، وهي ميل الرأس ~~فقط حتى يصل ذقنه صدره، قياسا على نوم الخفقة، ويحملون أحاديث أنس على ~~النعاس الذي لا يزول معه التمييز. ولا يخفى بعده. القول الرابع: أن النوم ~~ليس بناقض بنفسه بل هو مظنة للنقض لا غير، فإذا نام جالسا ممكنا مقعدته من ~~الأرض لم ينتقض، وإلا انتقض، وهو مذهب الشافعي، واستدل بحديث علي عليه ~~السلام: العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ حسنه الترمذي، إلا أن فيه من لا ~~تقوم به حجة، وهو بقية بن الوليد، وقد عنعنه، وحمل أحاديث أنس على من نام ~~ممكنا مقعدته، جمعا بين الأحاديث، وقيد حديث صفوان بحديث علي عليه السلام ~~هذا. الخامس: أنه إذا نام على هيئة من هيئات المصلي راكعا، أو ساجدا، أو ~~قائما، فإنه لا ينتقض وضوؤه سواء كان في الصلاة، أو خارجها، فإن نام مضجعا، ~~أو على قفاه نقض، واستدل له بحديث: إذا نام العبد في سجوده باهى الله به ~~الملائكة. يقول: عبدي روحه عندي وجسده ساجد بين يدي رواه البيهقي وغيره، ~~وقد ضعف. قالوا: فسماه ساجدا ms0092 وهو نائم، ولا سجود إلا بطهارة. وأجيب: بأنه ~~سماه باعتبار أول أمره، أو باعتبار هيئته. السادس: أنه ينتقض إلا نوم ~~الراكع والساجد، للحديث الذي سبق، وإن كان خاصا بالسجود، فقد قاس عليه ~~الركوع، كما قاس الذي قبله سائر هيئات المصلى. السابع: PageV01P062 # أنه لا ينقض النوم في الصلاة على أي حال، وينقض خارجها، وحجته الحديث ~~المذكور، لأنه حجة هذه الأقوال الثلاثة. الثامن: أن كثير النوم ينقض على كل ~~حال، ولا ينقض قليله، وهؤلاء يقولون: إن النوم ليس بناقض بنفسه، بل مظنة ~~النقض، والكثير مظنة، بخلاف القليل، وحملوا أحاديث أنس على القليل، إلا ~~أنهم لم يذكروا قدر القليل، ولا الكثير حتى يعلم كلامهم بحقيقته، وهل هو ~~داخل تحت أحد الأقوال، أم لا؟. فهذه أقوال العلماء في النوم اختلفت أنظارهم ~~فيه، لاختلاف الأحاديث التي ذكرناها. وفي الباب أحاديث لا تخلو عن قدح ~~أعرضنا عنها. والأقرب القول: # بأن النوم ناقض لحديث صفوان، وقد عرفت أنه صححه ابن خزيمة، والترمذي، ~~والخطابي، ولكن لفظ النوم في حديثه مطلق ودلالة الاقتران ضعيفة، فلا يقال: ~~قد قرن بالبول والغائط، وهما ناقضان على كل حال. ولما كان مطلق ورود حديث ~~أنس بنوم الصحابة، وأنهم كانوا لا يتوضأون ولو غطوا غطيطا، وبأنهم كانوا ~~يضعون جنوبهم، وبأنهم كانوا يوقظون، والأصل جلالة قدرهم، وأنهم لا يجهلون ~~ما ينقض الوضوء، سيما وقد حكاه أنس عن الصحابة مطلقا، ومعلوم أن فيهم ~~العلماء العارفون بأمور الدين خصوصا الصلاة التي هي أعظم أركان الاسلام، ~~ولا سيما الذين كانوا منهم ينتظرون الصلاة معه صلى الله عليه وسلم، فإنهم ~~أعيان الصحابة، وإذا كانوا كذلك فيقيد مطلق حديث صفوان بالنوم المستغرق ~~الذي لا يبقى معه إدراك، ويؤول ما ذكره أنس من الغطيط ووضع الجنوب والايقاظ ~~بعدم الاستغراق، فقد يغط من هو في مبادئ نومه قبل استغراقه. ووضع الجنب لا ~~يستلزم الاستغراق، فقد كان صلى الله عليه وسلم يضع جنبه بعد ركعتي الفجر ~~ولا ينام، فإنه كان يقوم لصلاة الفجر بعد وضع جنبه. وإن كان قيل: إنه من ~~خصائصه (ص): ms0093 أنه لا ينقض نومه وضوءه، فعدم ملازمة النوم لوضع الجنب معلومة، ~~والايقاظ قد يكون لمن هو في مبادئ النوم، فينبه، لئلا يستغرقه النوم. هذا ~~وقد ألحق بالنوم الاغماء، والجنون، والسكر بأي مسكر، بجامع زوال العقل. ~~وذكر في الشرح أنهم اتفقوا على أن هذه الأمور ناقضة، فإن صح كان الدليل ~~الاجماع. # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي (ص)، ~~فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: لا، ~~إنما ذلك عرق وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي ~~عنك الدم ثم صلي متفق عليه. # وللبخاري: ثم توضأي لكل صلاة وأشار مسلم إلى أنه حذفها عمدا. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش) حبيش بضم الحاء ~~المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون المثناة التحتية فشين معجمة. وفاطمة ~~قرشية أسدية، وهي زوج عبد الله بن جحش (إلى النبي (ص) فقالت: يا رسول الله ~~إني امرأة أستحاض) من الاستحاضة وهي: جريان الدم من فرج المرأة في غير ~~أوانه (فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال: لا إنما ذلك) بكسر الكاف خطاب للمؤنث ~~(عرق) بكسر العين المهملة وسكون الراء فقاف، وفي فتح الباري: أن هذا العرق ~~يسمى العاذل بعين مهملة وذال معجمة، ويقال: عاذر: بالراء بدلا عن اللام، ~~كما في القاموس (وليس بحيض) فإن الحيض يخرج من قعر رحم المرأة، فهو إخبار ~~باختلاف المخرجين، وهو رد لقولها: لا أطهر، لأنها اعتقدت أن طهارة الحائض ~~لا تعرف إلا بانقطاع الدم، فكنت بعدم الطهر عن اتصاله، وكانت قد علمت: أن ~~الحائض لا تصلي، فظنت أن ذلك الحكم مقترن بجريان الدم، فأبان لها (ص): أنه ~~ليس بحيض، وأنها طاهرة يلزمها الصلاة (فإذا أقبلت حيضتك) PageV01P063 # بفتح الحاء ويجوز كسرها، والمراد بالاقبال: ابتداء دم الحيض (فدعي ~~الصلاة) يتضمن: # نهي الحائض عن الصلاة، وتحريم ذلك عليها، وفساد صلاتها، وهو إجماع (وإذا ~~أدبرت) هو ابتداء انقطاعها (فاغسلي عنك الدم) أي: واغتسلي، وهو مستفاد من ~~أدلة أخرى (ثم صلي. ms0094 متفق عليه). الحديث دليل على وقوع الاستحاضة، وعلى أن ~~لها حكما يخالف حكم الحيض، وقد بينه (ص أكمل بيان، فإنه أفتاها بأنها لا ~~تدع الصلاة مع جريان الدم، وبأنها تنتظر وقت إقبال حيضها، فتترك الصلاة ~~فيها، وإذا أدبرت غسلت الدم، واغتسلت كما ورد في بعض طرق البخاري: واغتسلي. ~~وفي بعضها كرواية المصنف هنا: الاقتصار على غسل الدم. والحاصل: أنه قد ذكر ~~الأمران في الأحاديث الصحيحة غسل الدم، والاغتسال. # وإنما بعض الرواة اقتصر على أحد الامرين، والاخر على الاخر. ثم أمرها ~~بالصلاة بعد ذلك. # نعم، وإنما بقي الكلام في معرفتها لاقبال الحيض مع استمرار الدم بماذا ~~يكون؟ فإنه قد أعلم الشارع المستحاضة بأحكام إقبال الحيضة، وإدبارها، فدل ~~على أنها تميز ذلك بعلامة. وللعلماء في ذلك قولان: أحدهما: أنها تميز ذلك ~~بالرجوع إلى عادتها، فاقبالها وجود الدم في أول أيام العادة، وإدبارها ~~انقضاء أيام العادة، وورد الرد إلى أيام العادة في حديث فاطمة في بعض ~~الروايات بلفظ: دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، وسيأتي في باب ~~الحيض تحقيق الكلام على ذلك. الثاني: ترجع إلى صفة الدم، كما يأتي في حديث ~~عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش هذه بلفظ: إن دم الحيض أسود يعرف، فإذا ~~كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الاخر فتوضئي، وصلي، ويأتي في باب ~~الحيض إن شاء الله تعالى، فيكون إقبال الحيض إقبال الصفة، وإدباره إدبارها، ~~ويأتي أيضا الامر بالرد إلى عادة النساء، ويأتي تحقيق ذلك جميعا، ويأتي ~~بيان اختلاف العلماء، وأن كلا ذهب إلى القول بالعمل بعلامة من العلامات. ~~(وللبخاري) أي: من حديث عائشة هذا زيادة: (ثم توضئي لكل صلاة، وأشار مسلم ~~إلى أنه حذفها عمدا) فإنه قال في صحيحه بعد سياق الحديث: وفي حديث حماد حرف ~~تركنا ذكره. قال البيهقي: هو قوله: توضئي، لأنها زيادة غير محفوظة، وأنه ~~تفرد بها بعض الرواة عن غيره ممن روى الحديث. وقد قرر المصنف في الفتح: ~~أنها ثابتة من طرق ينتفي معها تفرد من قاله مسلم. واعلم أن ms0095 المصنف ساق حديث ~~المستحاضة في باب النواقض، وليس المناسب للباب إلا هذه الزيادة، لا أصل ~~الحديث، فإنه من أحكام باب الاستحاضة والحيض، وسيعيده هنالك، فهذه الزيادة ~~هي الحجة على أن دم الاستحاضة حدث، من جملة الاحداث، ناقض للوضوء، ولهذا ~~أمر الشارع بالوضوء منه لكل صلاة، لأنه إنما رفع الوضوء حكمه لأجل الصلاة، ~~فإذا فرغت من الصلاة نقض وضوؤها، وهذا قول الجمهور: أنها تتوضأ لكل صلاة. ~~وذهبت الهادوية والحنفية: إلى أنها تتوضأ لوقت كل صلاة، وأن الوضوء متعلق ~~بالوقت، وأنها تصلي به الفريضة الحاضرة، وما شاءت من النوافل، وتجمع بين ~~الفريضتين على وجه الجواز عند من: يجيز ذلك، أو لعذر، وقالوا: الحديث فيه ~~مضاف مقدر وهو: لوقت كل صلاة فهو من مجاز الحذف، ولكنه لا بد من قرينة توجب ~~التقدير، وقد تكلف في الشرح: إلى ذكر ما لعله يقال: إنه قرينة للحذف، ~~وضعفه. وذهبت المالكية: PageV01P064 # إلى أنه يستحب الوضوء ولا يجب إلا لحدث اخر. وسيأتي تحقيق ما في ذلك في ~~حديث حمنة بنت جحش في باب الحيض إن شاء الله تعالى، وتأتي أحكام المستحاضة ~~التي تجوز لها، وتفارق بها الحائض هنالك فهو محل الكلام عليها، وفي الشرح ~~سرده هناك، وأما هنا فما ذكر حديثهما إلا باعتبار نقض الاستحاضة للوضوء. # وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنت رجلا مذاء فأمرت المقداد أن ~~يسأل رسول الله (ص)، فسأله، فقال: فيه الوضوء متفق عليه، واللفظ للبخاري. ~~(وعن علي عليه السلام قال: كنت رجلا مذاء) بزنة ضراب صيغة مبالغة من المذي ~~بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وتخفيف الياء، وفيه لغات، وهو ماء أبيض لزج ~~رقيق يخرج عند الملاعبة، أو تذكر الجماع، أو إرادته، يقال: مذى زيد يمذي، ~~مثل: مضى يمضي، وأمذى يمذي، مثل: أعطى يعطي (فأمرت المقداد) وهو ابن الأسود ~~الكندي (أن يسأل رسول الله (ص)) أي: عما يجب على من أمذى، فسأله (فقال: فيه ~~الوضوء. # متفق عليه واللفظ للبخاري). وفي بعض ألفاظه عند البخاري بعد هذا: ~~فاستحييت أن أسأل رسول الله ms0096 (ص). وفي لفظ: لمكان ابنته مني وفي لفظ لمسلم: ~~لمكان فاطمة. # ووقع عند أبي داود، والنسائي، وابن خزيمة عن علي عليه السلام بلفظ: كنت ~~رجلا مذاء فجعلت أغتسل منه في الشتاء حتى تشقق ظهري. وزاد في لفظ للبخاري ~~فقال: توضأ واغسل ذكرك، وفي مسلم: اغسل ذكرك وتوضأ، وقد وقع اختلاف في ~~السائل هل هو المقداد كما في هذه الرواية، أو عمار كما في رواية أخرى؟ وفي ~~رواية أخرى: أن عليا رضي الله عنه هو السائل. # وجمع ابن حبان بين ذلك: بأن عليا عليه السلام أمر المقداد أن يسأل، ثم ~~سأل بنفسه، إلا أنه تعقب: # بأن قوله: فاستحييت أن أسأل لمكان ابنته مني: دال على أنه رضي الله عنه ~~لم يباشر السؤال، فنسبة السؤال إليه في رواية من قال: إن عليا سأل: مجاز، ~~لكونه الامر بالسؤال. والحديث دليل على أن المذي ينقض الوضوء، ولأجله ذكره ~~المصنف في هذا الباب، ودليل على أنه لا يوجب غسلا، وهو إجماع، ورواية توضأ ~~واغسل ذكرك لا تقتضي تقديم الوضوء، لان الواو لا تقتضي الترتيب، ولان لفظ ~~رواية مسلم تبين المراد، وأما إطلاق لفظ (ذكرك) فهو ظاهر في غسل الذكر كله، ~~وليس كذلك، إذ الواجب غسل محل الخارج، وإنما هو من إطلاق اسم الكل على ~~البعض، والقرينة ما علم من قواعد الشرع. وذهب البعض إلى أنه يغسله كله عملا ~~بلفظ الحديث، وأيده رواية أبي داود: يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ، وعنده أيضا: ~~فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك وتوضأ للصلاة إلا أن رواية غسل الأنثيين قد طعن ~~فيها، وأوضحناه في حواشي ضوء النهار، وذلك أنها من رواية عروة، عن علي، ~~وعروة لم يسمع من علي، إلا أنه رواه أبو عوانة في صحيحه من طريق عبيدة، عن ~~علي بالزيادة. قال المصنف في التلخيص: وإسناده لا مطعن فيه، فمع صحتها فلا ~~عذر عن القول بها. وقيل: الحكمة فيه: أنه إذا غسله كله تقلص فبطل خروج ~~المذي، واستدل بالحديث عن نجاسة المذي. # وعن عائشة: أن النبي (ص) قبل بعض نسائه، ثم ms0097 خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ ~~أخرجه أحمد، وضعفه البخاري. وعن عائشة: أن النبي (ص) قبل بعض نسائه، ثم خرج ~~إلى الصلاة ولم يتوضأ. أخرجه أحمد، وضعفه البخاري. وأخرجه أبو داود، ~~والترمذي، والنسائي، وابن ماجة. قال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يضعف ~~هذا الحديث، وأبو داود PageV01P065 # أخرجه من طريق إبراهيم التيمي عن عائشة، ولم يسمع منها شيئا، فهو مرسل. ~~وقال النسائي: # ليس في هذا الباب حديث أحسن منه، ولكنه مرسل. قال المصنف: روى من عشرة ~~أوجه عن عائشة، أوردها البيهقي في الخلافيات وضعفها. وقال ابن حزم: لا يصح ~~في هذا الباب شئ، وإن صح فهو محمول على ما كان عليه الامر قبل نزول الوضوء ~~من اللمس. إذا عرفت هذا، فالحديث دليل على أن لمس المرأة، وتقبيلها لا ينقض ~~الوضوء، وهذا هو الأصل، والحديث مقرر للأصل، وعليه الهادوية جميعا، ومن ~~الصحابة علي عليه السلام. وذهبت الشافعية: إلى أن لمس من لا يحرم نكاحها ~~ناقض للوضوء مستدلين بقوله تعالى - أو لامستم النساء - فلزم الوضوء من ~~اللمس. قالوا: واللمس حقيقة في اليد، ويؤيد بقاءه على معناه قراءة: أو ~~لمستم النساء. فإنها ظاهرة في مجرد لمس الرجل من دون أن يكون من المرأة ~~فعل، وهذا يحقق بقاء اللفظ على معناه الحقيقي، فقراءة: أو لامستم النساء ~~كذلك، إذ الأصل اتفاق معنى القراءتين. وأجيب عن ذلك: # بصرف النظر عن معناه الحقيقي للقرينة فيحمل على المجاز، وهو هنا: حمل ~~الملامسة على الجماع، واللمس كذلك، والقرينة حديث عائشة المذكور، وهو وإن ~~قدح فيه بما سمعت، فطرقه يقوي بعضها بعضا. وحديث عائشة في البخاري: في أنها ~~كانت تعترض في قبلته (ص)، فإذا قام يصلي غمزها فقبضت رجليها - أي عند سجوده ~~- وإذا قام بسطتهما، فإنه يؤيد حديث الكتاب المذكور، ويؤيد بقاء الأصل، ~~ويدل على أنه ليس اللمس بناقض. وأما اعتذار المصنف في فتح الباري عن حديثها ~~هذا: بأنه يحتمل أنه كان بحائل أو أنه خاص به، فإنه بعيد مخالف للظاهر. وقد ~~فسر علي عليه السلام الملامسة بالجماع. وفسرها حبر الأمة ابن ms0098 عباس بذلك، ~~وهو المدعو له بأن يعلمه الله التأويل، فأخرج عنه عبد بن حميد أنه فسر ~~الملامسة بعد أن وضع أصبعيه في أذنيه: ألا وهو النيك، وأخرج عنه الطستي أنه ~~سأله نافع بن الأزرق عن الملامسة، ففسرها بالجماع، مع أن تركيب الآية ~~الشريفة وأسلوبها يقتضي أن المراد بالملامسة الجماع، فإنه تعالى عد من ~~مقتضيات التيمم المجئ من الغائط تنبيها على الحدث الأصغر، وعد الملامسة ~~تنبيها على الحدث الأكبر، وهو مقابل لقوله تعالى في الامر بالغسل بالماء - ~~وإن كنتم جنبا فاطهروا - ولو حملت الملامسة على اللمس الناقض للوضوء لفات ~~التنبيه على أن التراب يقوم مقام الماء في رفعه للحدث الأكبر، وخالف صدر ~~الآية. وللحنفية تفاصيل لا ينهض عليها دليل. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: إذا وجد أحدكم في بطنه ~~شيئا، فأشكل عليه: أخرج منه شئ، أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا ~~أو يجد ريحا أخرجه مسلم. (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~(ص): إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا، فأشكل عليه أخرج منه شئ أم لا؟ فلا يخرجن ~~من المسجد) إذا كان فيه لإعادة الوضوء (حتى يسمع صوتا) للخارج (أو يجد ~~ريحا) له (أخرجه مسلم) وليس السمع، أو وجدان الريح شرطا في ذلك، بل المراد ~~حصول اليقين. # وهذا الحديث الجليل أصل من أصول الاسلام، وقاعدة جليلة من قواعد الفقه، ~~وهو أنه دل على أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها، حتى يتيقن خلاف ذلك. ~~وأنه لا أثر للشك الطارئ عقبها، فمن حصل له ظن، أو شك بأنه أحدث وهو على ~~يقين من طهارته، لم يضره ذلك حتى يحصل له اليقين، كما أفاده قوله: حتى يسمع ~~صوتا، أو يجد ريحا، فإنه علقه بحصول ما يحسه، PageV01P066 # وذكرهما تمثيل، وإلا فكذلك سائر النواقض كالمذي والودي. ويأتي حديث ابن ~~عباس: إن الشيطان يأتي أحدكم، فينفخ في مقعدته، فيخيل إليه أنه أحدث، ولم ~~يحدث، فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا والحديث عام لمن ms0099 كان في ~~الصلاة، أو خارجها، وهو قول الجماهير. # وللمالكية تفاصيل وفروق بين من كان داخل الصلاة، أو خارجها، لا ينتهض ~~عليها دليل. # وعن طلق بن علي رضي الله عنه قال: قال رجل مسست ذكري، أو قال: الرجل يمس ~~ذكره في الصلاة، أعليه الوضوء؟ فقال النبي (ص): لا، إنما هو بضعة منك أخرجه ~~الخمسة، وصححه ابن حبان، وقال ابن المديني: هو أحسن من حديث بسرة. # (وعن طلق) بفتح الطاء وسكون اللام (بن علي) اليمامي الحنفي. قال ابن عبد ~~البر: إنه من أهل اليمامة (قال: قال رجل: مسست ذكري، أو قال: الرجل يمس ~~ذكره في الصلاة أعليه وضوء؟ فقال النبي (ص): لا)، أي: لا وضوء عليه (إنما ~~هو) أي: الذكر (بضعة) بفتح الموحدة وسكون الضاد المعجمة (منك) أي: كاليد ~~والرجل ونحوهما، وقد علم أنه لا وضوء من مس البضعة منه (أخرجه الخمسة وصححه ~~ابن حبان). (وقال ابن المديني) بفتح الميم فدال مهملة فمثناة تحتية فنون ~~نسبة إلى جده، وإلا فهو علي بن عبد الله المديني. قال الذهبي: هو حافظ ~~العصر وقدوة أهل هذا الشأن، أبو الحسن علي بن عبد الله صاحب التصانيف، ولد ~~سنة إحدى وستين ومائة. من تلاميذه البخاري، وأبو داود، وقال ابن مهدي: علي ~~بن المديني أعلم الناس بحديث رسول الله (ص). قال النسائي: # كأن علي بن المديني خلق لهذا الشأن قال العلامة محيي الدين النووي: لابن ~~المديني نحو مائة مصنف: (هو أحسن من حديث بسرة) بضم الموحدة وسكون السين ~~المهملة فراء، ويأتي حديثها قريبا، وهذا الحديث رواه، أحمد والدارقطني. ~~وقال الطحاوي: إسناده مستقيم غير مضطرب، وصححه الطبراني، وابن حزم، وضعفه ~~الشافعي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والدارقطني، والبيهقي، وابن الجوزي. ~~والحديث دليل على ما هو الأصل من عدم نقض مس الذكر للوضوء، وهو مروي عن علي ~~عليه السلام، وعن الهادوية، والحنفية. وذهب: إلى أن مسه ينقض الوضوء جماعة ~~من الصحابة، والتابعين، ومن أئمة المذاهب أحمد، والشافعي مستدلين بقوله. # وعن بسرة بنت صفوان رضي الله عنها: أن رسول الله (ص) قال: ms0100 من مس ذكره ~~فليتوضأ أخرجه الخمسة، وصححه الترمذي وابن حبان، وقال البخاري: هو أصح شئ ~~في هذا الباب. (وعن بسرة) تقدم ضبط لفظها، وهي (بنت صفوان) بن نوفل القرشية ~~الأسدية، كانت من المبايعات له (ص)، روى عنها عبد الله بن عمر، وغيره: (أن ~~رسول الله (ص) قال: من مس ذكره فليتوضأ. أخرجه الخمسة، وصححه الترمذي، وابن ~~حبان، وقال البخاري: هو أصح شئ في هذا الباب)، وأخرجه أيضا الشافعي، وأحمد، ~~وابن خزيمة، والحاكم، وابن الجارود. وقال الدارقطني: صحيح ثابت. وصححه يحيى ~~بن معين، والبيهقي، والحازمي. والقدح فيه: بأنه رواه عروة عن مروان، أو عن ~~رجل مجهول: غير صحيح، فقد ثبت: أن عروة سمعه من بسرة من غير واسطة، كما جزم ~~به ابن خزيمة، وغيره من أئمة الحديث. # وكذلك القدح فيه: بأن هشام بن عروة الراوي له عن أبيه لم يسمعه من أبيه: ~~غير صحيح، فقد ثبت: # أنه سمعه من أبيه، فاندفع القدح وصح الحديث. وبه استدل من سمعت من ~~الصحابة، والتابعين، وأحمد، والشافعي: على نقض مس الذكر للوضوء، والمراد ~~مسه من غير حائل، لأنه أخرج ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة: إذا أفضى ~~أحدكم بيده إلى فرجه، ليس دونها حجاب ولا ستر، فقد وجب عليه الوضوء وصححه ~~الحاكم، وابن عبد البر. قال ابن السكن: هو أجود PageV01P067 # ما روي في هذا الباب. وزعمت الشافعية أن الافضاء لا يكون إلا بباطن الكف، ~~وأنه لا نقض إذا مس الذكر بظاهر كفه. ورد عليهم المحققون بأن الافضاء لغة: ~~الوصول: أعم من أن يكون بباطن الكف، أو ظهرها. قال ابن حزم: لا دليل على ما ~~قالوه لا من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قول صاحب، ولا قياس، ولا رأي ~~صحيح. وأيدت أحاديث بسرة أحاديث أخر، عن سبعة عشر صحابيا مخرجة في كتب ~~الحديث، ومنهم طلق بن علي راوي حديث عدم النقض، وتأول من ذكر حديثه في عدم ~~النقض. بأنه كان في أول الأمر، فإنه قدم في أول الهجرة قبل عمارته (ص) ~~مسجده، فحديثه ms0101 منسوخ بحديث بسرة، فإنها متأخرة في الاسلام. وأحسن من القول ~~بالنسخ القول بالترجيح، فإن حديث بسرة أرجح، لكثرة من صححه من الأئمة، ~~ولكثرة شواهده، ولان بسرة حدثت به في دار المهاجرين والأنصار، وهم ~~متوافرون، ولم يدفعه أحد، بل علمنا أن بعضهم صار إليه، وصار إليه عروة عن ~~روايتها، فإنه رجع إلى قولها، وكان قبل ذلك يدفعه، وكان ابن عمر يحدث به ~~عنها، ولم يزل يتوضأ من مس الذكر إلى أن مات. قال البيهقي: يكفي في ترجيح ~~حديث بسرة على حديث طلق بن علي: أنه لم يخرجه صاحبا الصحيح، ولم يحتج بأحد ~~من رواته، وقد احتج بجميع رواة حديث بسرة، ثم إن حديث طلق من رواية قيس بن ~~طلق. قال الشافعي: قد سألنا عن قيس بن طلق فلم نجد من يعرفه، فما يكون لنا ~~قبول خبره. وقال أبو حاتم، وأبو زرعة: قيس بن طلق ليس فيمن تقوم به حجة، ~~ووهياه. وأما مالك، فلما تعارض الحديثان قال بالوضوء من مس الذكر ندبا لا ~~وجوبا. # وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله (ص) قال: من أصابه قئ أو رعاف، أو ~~قلس، أو مذي فلينصرف فليتوضأ، ثم ليبن على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم. ~~أخرجه ابن ماجة، وضعفه أحمد وغيره. وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ~~(ص) قال: من أصابه قئ أو رعاف أو قلس) بفتح القاف وسكون اللام وفتحها وسين ~~مهملة، (أو مذي) أي من أصابه ذلك في صلاته (فلينصرف) منها (فليتوضأ، ثم ~~ليبن على صلاته وهو في ذلك) أي: في حال انصرافه، ووضوئه (لا يتكلم. أخرجه ~~ابن ماجة وضعفه أحمد، وغيره) وحاصل ما ضعفوه به: رفعه إلى النبي (ص) غلط، ~~والصحيح أنه مرسل. # قال أحمد والبيهقي: المرسل الصواب. فمن يقول: إن المرسل حجة قال: ينقض ما ~~ذكر فيه. والنقض بالقئ مذهب الهادوية، والحنفية، وشرطت الهادوية أن يكون من ~~المعدة، إذ لا يسمى قيئا إلا ما كان منها، وأن يكون ملء الفم دفعة، لورود ~~ما يقيد المطلق هنا، وهو ms0102 قئ ذارع ودسعة - دفعة - تملأ الفم كما في حديث ~~عمار، وإن كان قد ضعف. وعند زيد بن علي أنه ينقض مطلقا عملا بمطلق هذا ~~الحديث، وكأنه لم يثبت عنده حديث عمار. وذهب جماعة من أهل البيت، والشافعي، ~~ومالك إلى أن القئ غير ناقض، لعدم ثبوت حديث عائشة هذا مرفوعا، والأصل عدم ~~النقض، فلا يخرج عنه إلا بدليل قوي. وأما الرعاف ففي نقضه الخلاف أيضا، فمن ~~قال بنقضه فهو عمل بهذا الحديث، ومن قال بعدم نقضه فإنه عمل بالأصل، ولم ~~يرفع هذا الحديث. وأما الدم الخارج من أي موضع من البدن من غير السبيلين، ~~فيأتي الكلام عليه في حديث أنس: أنه (ص) احتجم، وصلى، ولم يتوضأ. وأما ~~القلس وهو ما خرج من الحلق ملء الفم، أو دونه وليس بقئ، فإن عاد فهو القئ، ~~فالأكثر على أنه غير ناقض، لعدم نهوض الدليل، فلا يخرج من PageV01P068 # الأصل. وأما المذي فتقدم الكلام عليه، وأنه ناقض إجماعا. وأما ما أفاده ~~الحديث من البناء على الصلاة بعد الخروج منها، وإعادة الوضوء حيث لم يتكلم ~~ففيه خلاف، فروى عن زيد بن علي، والحنفية، ومالك، وقديم قولي الشافعي أنه ~~يبنى، ولا تفسد صلاته بشرط ألا يفعل مفسدا، كما أشار إليه الحديث بقوله: لا ~~يتكلم. وقالت الهادوية، والناصر، والشافعي في اخر قوليه: إن الحدث يفسد ~~الصلاة، لما سيأتي من حديث طلق بن علي: إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف، ~~وليتوضأ، وليعد الصلاة رواه أبو داود ويأتي الكلام عليه. # وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه أن رجلا سأل النبي (ص): أتوضأ من لحوم ~~الغنم؟ قال: إن شئت قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم أخرجه مسلم. (وعن ~~جابر بن سمرة رضي الله عنه) بفتح السين المهملة وضم الميم فراء، أبو عبد ~~الله، وأبو خالد، جابر بن سمرة العامري، نزل الكوفة، ومات بها سنة أربع ~~وسبعين، وقيل: ست وستين: # (أن رجلا سأل النبي (ص): أتوضأ من لحوم الغنم؟) أي: من أكلها (قال إن شئ، ~~قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: ms0103 نعم أخرجه مسلم)، وروى نحوه أبو داود، ~~والترمذي، وابن ماجة، وغيرهم من حديث البراء بن عازب قال: قال رسول الله ~~(ص): # توضأوا من لحوم الإبل ولا توضأوا من لحوم الغنم. قال ابن خزيمة: لم أر ~~خلافا بين علماء الحديث: أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه. ~~والحديثان دليلان على نقض لحوم الإبل للوضوء، وأن من أكلها انتقض وضوؤه. ~~وقال بهذا أحمد،، وإسحاق،، وابن المنذر،، وابن خزيمة، واختاره البيهقي، ~~وحكاه عن أصحاب الحديث مطلقا. وحكي عن الشافعي أنه قال: # إن صح الحديث في لحوم الإبل قلت به. قال البيهقي: قد صح فيه حديثان حديث ~~جابر، وحديث البراء. وذهب إلى خلافة جماعة من الصحابة، والتابعين، ~~والهادوية، ويروى عن الشافعي، وأبي حنيفة. قالوا: والحديثان إما منسوخان ~~بحديث: إنه كان اخر الامرين منه (ص) عدم الوضوء مما مست النار أخرجه ~~الأربعة، وابن حبان من حديث جابر. قال النووي: # دعوى النسخ باطلة، لان هذا الأخير عام وذلك خاص، والخاص مقدم على العام. ~~وكلامه هذا مبني على تقديم الخاص على العام مطلقا، تقدم الخاص أو تأخر، وهي ~~مسألة خلافية في الأصول بين الأصوليين، أو أن المراد بالوضوء التنظيف، وهو ~~غسل اليد، لأجل الزهومة، كما جاء في الوضوء من اللبن، وأن له دسما، والوارد ~~في اللبن التمضمض من شربه. وذهب البعض إلى أن الامر في الوضوء من لحوم ~~الإبل للاستحباب، لا للإيجاب، وهو خلاف ظاهر الامر. أما لحوم الغنم فلا نقض ~~بأكلها بالاتفاق. كذا قيل، ولكن حكى في شرح السنة: وجوب الوضوء مما مست ~~النار. وعن عمر بن عبد العزيز أنه كان يتوضأ من أكل السكر. قلت: وفي الحديث ~~مأخذ لتجديد الوضوء على الوضوء، فإنه حكم بعدم نقض الأكل من لحوم الغنم، ~~وأجاز له الوضوء، وهو تجديد الوضوء على الوضوء. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من غسل ميتا ~~فليغتسل. ومن حمله فليتوضأ أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه، وقال أحمد: ~~لا يصح في هذا الباب شئ. وعن أبي هريرة رضي ms0104 الله عنه قال: قال رسول الله ~~(ص): من غسل ميتا فليغتسل. ومن حمله فليتوضأ أخرجه أحمد والنسائي والترمذي ~~وحسنه، وقال أحمد: لا يصح في هذا الباب شئ. وذلك لأنه أخرجه أحمد من طريق ~~فيها ضعيف، ولكنه قد حسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، لوروده من طرق ليس فيها ~~ضعف، وذكر الماوردي: PageV01P069 # أن بعض أصحاب الحديث خرج له مائة وعشرين طريقا وقال أحمد: إنه منسوخ، بما ~~رواه البيهقي عن ابن عباس: أنه (ص) قال: ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا ~~غسلتموه، إن ميتكم يموت طاهرا، وليس بنجس فحسبكم أن تغسلوا أيديكم، ولكنه ~~ضعفه البيهقي، وتعقبه المصنف، لأنه قال البيهقي: هذا ضعيف، والحمل فيه على ~~أبي شيبة. قال المصنف: أبو شيبة هو إبراهيم بن أبي بكر بن شيبة، احتج به ~~النسائي، ووثقه الناس، ومن فوقه احتج بهم البخاري إلى أن قال: فالحديث حسن. ~~ثم قال في الجمع بينه، وبين الامر في حديث أبي هريرة: إن الامر للندب. قلت: ~~وقرينته حديث ابن عباس هذا، وحديث ابن عمر عند عبد الله بن أحمد: كنا نغسل ~~الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل. قال المصنف: # إسناده صحيح، وهو أحسن ما جمع به بين هذه الأحاديث. وأما قوله: ومن حمله ~~فليتوضأ فلا أعلم قائلا يقول: بأنه يجب الوضوء من حمل الميت، ولا يندب. ~~قلت: ولكنه مع نهوض الحديث لا عذر عن العمل به. ويفسر الوضوء بغسل اليدين، ~~كما يفيده التعليل بقوله: إن ميتكم يموت طاهرا، فإن لمس الطاهر لا يوجب غسل ~~اليدين منه، فيكون في حمل الميت غسل اليدين ندبا تعبدا، إذ المراد إذا حمله ~~مباشرا لبدنه، بقرينة السياق، ولقوله: يموت طاهرا فإنه لا يناسب ذلك إلا من ~~يباشر بدنه بالحمل. # وعن عبد الله بن أبي بكر - رضي الله عنه -: أن في الكتاب الذي كتبه رسول ~~الله (ص) لعمرو بن حزم: أن لا يمس القران إلا طاهر. رواه مالك مرسلا، ووصله ~~النسائي وابن حبان، وهو معلول. (وعن عبد الله بن أبي بكر) هو ابن أبي ms0105 بكر ~~الصدق، أمه وأم أسماء واحدة، أسلم قديما، وشهد مع رسول الله (ص) الطائف، ~~وأصابه سهم انقض عليه بعد سنين فمات منه في شوال سنة إحدى عشرة، وصلى عليه ~~أبوه: (إن في الكتاب الذي كتبه رسول الله (ص) لعمرو بن حزم) هو عمرو بن حزم ~~بن زيد الخزرجي النجاري، يكنى أبا الضحاك، أول مشاهده الخندق، واستعمله (ص) ~~على نجران، وهو ابن سبع عشرة سنة ليفقههم في الدين، ويعلمهم القران، ويأخذ ~~صدقاتهم، وكتب له كتابا فيه الفرائض، والسنن، والصدقات، والديات. وتوفي ~~عمرو بن حزم في خلافة عمر بالمدينة، ذكر هذا ابن عبد البر في الاستيعاب: ~~(أن لا يمس القران إلا طاهر رواه مالك مرسلا، ووصله النسائي، وابن حبان، ~~وهو معلول). حقيقة المعلول: الحديث الذي يطلع على الوهم فيه بالقرائن، وجمع ~~الطرق فيقال له: معلل ومعلول، والأجود أن يقال فيه المعل: من أعله. والعلة ~~عبارة عن أسباب خفية غامضة طرأت على الحديث، فأثرت فيه، وقدحت. وهو من أغمض ~~أنواع علوم الحديث، وأدقها، ولا يقوم بذلك إلا من رزقه الله فهما ثاقبا، ~~وحفظا واسعا، ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وملكة قوية بالأسانيد، والمتون. ~~وإنما قال المصنف: إن هذا الحديث معلول، لان من رواية سليمان بن داود، وهو ~~متفق على تركه، كما قال ابن حزم، ووهم في ذلك، فإنه ظن أنه سليمان بن داود ~~اليماني، وليس كذلك بل هو سليمان بن داود الخولاني، وهو ثقة، أثنى عليه أبو ~~زرعة، وأبو حاتم، وعثمان بن سعيد، وجماعة من الحفاظ، واليماني هو المتفق ~~على ضعفه. وكتاب عمرو بن حزم تلقاه الناس بالقبول. قال ابن عبد البر: إنه ~~أشبه المتواتر لتلقي الناس له بالقبول. # وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم كتابا أصح من هذا الكتاب، فإن أصحاب رسول ~~الله (ص)، PageV01P070 # والتابعين يرجعون إليه، ويدعون رأيهم. قال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد ~~العزيز، وإمام عصره الزهري بالصحة لهذا الكتاب. وفي الباب من حديث حكيم بن ~~حزام: لا يمس القران إلا طاهر، وإن كان في إسناده مقال، إلا أنه ذكره ms0106 ~~الهيثمي في مجمع الزوائد من حديث عبد الله بن عمر: أنه قال رسول الله (ص): ~~لا يمس القرآن إلا طاهر قال الهيثمي: # رجاله موثقون، وذكر له شاهدين، ولكنه يبقي النظر في المراد من الطاهر، ~~فإنه لفظ مشترك يطلق عليه الطاهر من الحدث الأكبر، والطاهر من الحدث ~~الأصغر، ويطلق على المؤمن، وعلى من ليس على بدنه نجاسة، ولا بد لحمله على ~~معين من قرينة، وأما قوله تعالى: * (لا يمسه إلا المطهرون) * س. والمصنف ~~ذكر الحديث لئلا يتوهم أن نواقض الوضوء مانعة من ذكر الله تعالى. # فالأوضح أن الضمير للكتاب المكنون الذي سبق ذكره في صدر الآية وأن ~~المطهرون هم الملائكة. # [رح 7] - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول (وعن عائشة رضي الله ~~عنها قالت: كان رسول الله (ص) يذكر الله على كل أحيانه رواه مسلم وعلقه ~~البخاري)، والحديث مقرر للأصل وهو ذكر الله على كل حال من الأحوال وهو ظاهر ~~في عموم الذكر، فتدخل تلاوة القرآن ولو كان جنبا إلا أنه قد خصصه حديث علي ~~عليه السلام الذي في باب الغسل كان رسول الله (ص) يقرئنا القرآن ما لم يكن ~~جنبا، وأحاديث آخر في معناه تأتي، وكذلك هو مخصص بحالة الغائط والبول ~~والجماع. والمراد بكل أحيانه معظمها كما قال الله تعالى: * (يذكرون الله ~~قياما وقعودا وعلى جنوبهم) والمصنف ذكر الحديث لئلا يتوهم أن نواقض الوضوء ~~مانعه من ذكر الله تعالى (وعن معاوية) هو ابن أبي سفيان صخر بن حرب، هو ~~وأبوه من مسلمة الفتح، ومن المؤلفة قلوبهم، ولاه عمر الشام بعد موت يزيد بن ~~أبي سفيان، ولم يزل بها متوليا أربعين سنة، إلى أن مات سنة ستين في شهر رجب ~~بدمشق، وله ثمان وسبعون سنة (قال: قال رسول الله (ص): العين) أراد الجنس، ~~والمراد: العينان من كل انسان (وكاء) بكسر الواو والمد (السه) بفتح السين ~~المهملة وكسرها هي: الدبر، والوكاء ما تربط به الخريطة، أو نحوها (فإذا ~~نامت العينان استطلق الوكاء) أي: انحل (رواه أحمد، والطبراني، وزاد ~~الطبراني: ومن نام ms0107 فليتوضأ، وهذه الزيادة في الحديث) وهي قوله: ومن نام ~~فليتوضأ (عند أبي داود من حديث علي عليه السلام) ولفظه: العين وكاء السه ~~فمن نام فليتوضأ (دون قوله: استطلق الوكاء، وفي كلا الاسنادين ضعف) إسناد ~~حديث معاوية، وإسناد حديث علي، فإن في إسناد حديث معاوية: بقية، عن أبي بكر ~~بن أبي مريم، وهو ضعيف، وفي حديث علي أيضا بقية، عن الوضين بن عطاء. قال ~~ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هذين الحديثين فقال : ليسا بقويين. وقال أحمد: ~~حديث علي أثبت من حديث معاوية. وحسن المنذري، والنووي، وابن الصلاح: حديث ~~علي. والحديثان يدلان على أن النوم ليس بناقض بنفسه، وإنما هو مظنة النقض، ~~فهما من أدلة القائلين بذلك، ودليل على أنه لا ينقض إلا النوم المستغرق، ~~PageV01P071 # وتقدم الكلام في ذلك. وكان الأولى بحسن الترتيب أن يذكر المصنف هذا ~~الحديث عقب حديث أنس في أول باب النواقض كما لا يخفى. # ولأبي داود أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا: إنما الوضوء على من ~~نام مضطجعا وفي إسناده ضعف أيضا. لأنه قال أبو داود: إنه حديث منكر، وبين ~~وجه نكارته، وفيه القصر على أنه لا ينقض إلا نوم المضطجع، لا غير، ولو ~~استغرقه النوم، فالجمع بينه وبين ما مضى من الأحاديث: أنه خرج على الأغلب، ~~فإن الأغلب على من أراد النوم الاضطجاع، فلا معارضة. # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي (ص) احتجم وصلى، ولم يتوضأ، ~~أخرجه الدارقطني، ولينه. أي: قال: هو لين، وذلك لان في إسناده صالح بن ~~مقاتل، وليس بالقوي، وذكره النووي في فصل الضعيف. والحديث مقرر للأصل، دليل ~~على أن خروج الدم من البدن غير الفرجين لا ينقض الوضوء. وفي الباب أحاديث ~~تفيد عدم نقضه عن ابن عمر، وابن عباس، وابن أبي أوفى. وقد اختلف العلماء في ~~ذلك. الهادوية: على أن ناقض بشرط أنه يكون سائلا يقطر، أو يكون قدر الشعيرة ~~يسيل في وقت واحد من موضع واحد إلى ما يمكن تطهيره. وقال زيد بن علي، ~~والشافعي، ومالك، ms0108 والناصر، وجماعة من الصحابة، والتابعين: # إن خروج الدم من البدن من غير السبيلين ليس بناقض، لحديث أنس هذا، وما ~~أيده من الآثار عمن ذكرناه، ولقوله (ص): لا وضوء إلا من صوت، أو ريح أخرجه ~~أحمد، والترمذي، وصححه. وأحمد، والطبراني بلفظ: لا وضوء إلا من ريح، أو ~~سماع، لان الأصل عدم النقض حتى يقوم ما يرفع الأصل، ولم يقم دليل على ذلك. # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله (ص) قال: يأتي أحدكم الشيطان ~~في صلاته) حال كونه فيها (فينفخ في مقعدته فيخيل إليه) يحتمل أنه مبني ~~للفاعل، وفيه ضمير للشيطان، وأنه الذي يخيل: أي يوقع في خيال المصلي أنه ~~أحدث، ويحتمل أنه مبني للمفعول ونائبه (أنه أحدث ولم يحدث، فإذا وجد ذلك، ~~فلا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا. أخرجه البزار) بفتح الموحدة وتشديد ~~الزاي بعد الألف راء، وهو الحافظ العلامة أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد ~~الخالق البصري صاحب المسند الكبير المعلل أخذ عن الطبراني وغيره، وذكره ~~الدارقطني، وأثنى عليه، ولم يذكر الذهبي ولادته، ولا وفاته. والحديث تقدم ~~ما يفيد معناه، وهو إعلان من الشارع بتسليط الشيطان على العباد حتى في أشرف ~~العبادات ليفسدها عليهم، وأنه لا يضرهم ذلك، ولا يخرجون عن الطهارة إلا ~~بيقين (وأصله في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد). # (ولمسلم عن أبي هريرة نحوه) تقدم حديث أبي هريرة في هذا الباب. # (وللحاكم عن أبي سعيد) هو الخدري، تقدم (مرفوعا: إذا جاء أحدكم الشيطان ~~فقال) أي: وسوس له قائلا (إنك أحدثت فليقل: كذبت) يحتمل أنه يقوله لفظا، أو ~~في نفسه: ولكن قوله: (وأخرجه ابن حبان بلفظ: فليقل في نفسه) بين أن المراد ~~الاخر منه. وقد روى حديث الحاكم بزيادة بعد قوله: كذبت: إلا من وجد ريحا، ~~PageV01P072 # أو سمع صوتا بأذنه، وتقدم ما تفيده هذه الأحاديث. ولو ضم المصنف هذه ~~الروايات إلى حديث أبي هريرة الذي قدمه، وأشار إليه هنا لكان أولى بحسن ~~الترتيب، كما عرفت. وهذه الأحاديث دالة على حرص الشيطان ms0109 على إفساد عبادة ~~بني ادم، خصوصا الصلاة، وما يتعلق بها، وأنه لا يأتيهم غالبا إلا من باب ~~التشكيك في الطهارة، تارة بالقول، وتارة بالفعل، ومن هنا تعرف أن أهل ~~الوسواس في الطهارات امتثلوا ما فعله، وقاله. # باب آداب قضاء الحاجة الحاجة كناية عن خروج البول والغائط، وهو مأخوذ من ~~قوله (ص): إذا قعد أحدكم لحاجته، ويعبر عنه الفقهاء بباب الاستطابة لحديث: ~~ولا يستطيب بيمينه، والمحدثون بباب التخلي مأخوذ من قوله (ص): إذا دخل ~~أحدكم الخلاء، والتبرز من قوله: البراز في الموارد، وكما سيأتي، فالكل من ~~العبارات صحيح. # (عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله (ص) إذا دخل الخلا) ~~بالخاء المعجمة ممدودة المكان الخالي، كانوا يقصدونه لقضاء الحاجة (وضع ~~خاتمه. أخرجه الأربعة وهو معلول)، وذلك لأنه من رواية همام، عن ابن جريج، ~~عن الزهري، عن أنس، ورواته ثقات، لكن ابن جريج لم يسمعه من الزهري، بل سمعه ~~من زياد بن سعد، عن الزهري، ولكن بلفظ اخر: وهو أنه (ص) اتخذ خاتما من ورق، ~~ثم ألقاه، والوهم فيه من همام، كما قاله أبو داود، وهمام ثقة، كما قاله ابن ~~معين. وقال أحمد: ثبت في كل المشايخ، وقد روى الحديث مرفوعا، وموقوفا عن ~~أنس من غير طريق همام، وأورد له البيهقي شاهدا، ورواه الحاكم أيضا بلفظ: أن ~~رسول الله (ص) لبس خاتما نقشه: محمد رسول الله، وكان إذا دخل الخلاء وضعه. ~~والحديث دليل على الابعاد عند قضاء الحاجة، كما يرشد إليه لفظ الخلاء، فإنه ~~يطلق على المكان الخالي، وعلى المكان المعد لقضاء الحاجة، ويأتي في حديث ~~المغيرة ما هو أصرح من هذا بلفظ: فانطلق حتى توارى، وعند أبي داود: وكان ~~إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد. ودليل على تبعيد ما فيه ذكر الله ~~عند قضاء الحاجة. # وقال بعضهم: يحرم إدخال المصحف الخلاء لغير ضرورة، وقيل: فلو غفل عن ~~تنحية ما فيه ذكر الله حتى اشتغل بقضاء حاجته غيبه في فيه، أو في عمامته، ~~أو نحوه، وهذا فعل ms0110 منه (ص)، وقد عرف وجهه، وهو صيانة ما فيه ذكر الله عز ~~وجل عن المحلات المستخبثة، فدل على ندبه، وليس خاصا بالخاتم، بل في كل ~~ملبوس فيه ذكر الله. # (وعنه) أي: عن أنس رضي الله عنه (قال: كان رسول الله (ص) إذا دخل الخلاء: ~~أي: أراد الخلاء) دخوله (قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث) بضم الخاء ~~المعجمة وضم الموحدة ويجوز إسكانها جمع خبيث (والخبائث) جمع خبيثة يريد ~~بالأول ذكور الشياطين، وبالثاني إناثهم (أخرجه السبعة) ولسعيد بن منصور كان ~~يقول: بسم الله اللهم الحديث. قال المصنف في الفتح: ورواه العمري وإسناده ~~على شرط مسلم، وفيه زيادة التسمية، PageV01P073 # ولم أرها في غيره. وإنما قلنا: إذا أراد دخوله، لقوله: دخل، لأنه بعد ~~دخول اخلاء لا يقول ذلك، وقد صرح بما قرر البخاري في الأدب المفرد من حديث ~~أنس قال: كان رسول الله (ص) إذا أراد أيدخل الخلاء الحديث. وهذا في الأمكنة ~~المعدة لذلك، بقرينة الدخول، ولذا قال ابن بطال: رواية إذا أتى أعم ~~لشمولها. ويشرع هذا الذكر في غير الأماكن المعدة لقضاء الحاجة، وإن كان ~~الحديث ورد في الحشوش، وأنها تحضرها الشياطين. ويشرع القول بهذا في غير ~~الأماكن المعدة عند إرادة رفع ثيابه، وفيها قبل دخولها، وظاهر حديث أنس أنه ~~(ص) كان يجهر بهذا الذكر، فيحسن الجهر به. # (وعن أنس) كأنه ترك الاضمار فلم يقل: وعنه لبعد الاسم الظاهر، بخلافه في ~~الحديث الثاني، وفي بعض النسخ من بلوغ المرام وعنه بالاضمار أيضا (قال: كان ~~رسول الله (ص) يدخل الخلا فأحمل أنا وغلام) الغلام هو المترعرع قيل: إلى حد ~~السبع سنين. # وقيل: إلى الالتحاء، ويطلق على غيره مجازا (نحوي إداوة) بكسر الهمزة إناء ~~صغير من جلد يتخذ للماء (من ماء وعنزة) بفتح العين المهملة وفتح النون فزاي ~~هي عصا طويلة في أسفلها زج، ويقال: رمح قصير (فيستنجي بالماء. متفق عليه) ~~المراد بالخلاء هنا: الفضاء بقرينة العنزة، لأنه كان إذا توضأ صلى إليها في ~~الفضاء، أو يستتر بها: بأن يضع عليها ثوبا، أو لغير ms0111 ذلك من قضاء الحاجات ~~التي تعرض له، ولان خدمته في البيوت تختص بأهله، والغلام الاخر اختلف فيه، ~~فقيل: ابن مسعود، وأطلق عليه ذلك مجازا، ويبعده قوله: نحوي، فإن ابن مسعود ~~كان كبيرا، فليس نحو أنس في سنه، ويحتمل أنه أراد نحوي: في كونه كان يخدم ~~النبي (ص) فيصح، فإن ابن مسعود كان صاحب سواد رسول الله (ص)، يحمل نعله، ~~وسواكه، أو لأنه مجاز، كما في الشرح. وقيل: هو أبو هريرة، وقيل: جابر بن ~~عبد الله. الحديث دليل على جواز الاستخدام للصغير، وعلى الاستنجاء بالماء. ~~ونقل عن مالك أنه أنكر استنجا النبي (ص) بالماء، والأحاديث قد أثبتت ذلك ~~فلا سماع لانكار مالك. قيل: # وعلى أنه أرجح من الاستنجاء بالحجارة، وكأنه أخذه من زيادة التكلف بحمل ~~الماء بيد الغلام، ولو كان يساوي الحجارة، أو هي أرجح منه، لما احتاج إلى ~~ذلك. والجمهور من العلماء على أن الأفضل الجمع بين الحجارة والماء: فإن ~~اقتصر على أحدهما، فالأفضل الماء حيث لم يرد الصلاة، فإن أرادها فخلاف، فمن ~~يقول: تجزئ الحجارة، لا يوجبه، ومن يقول: لا تجزئ، يوجبه. # ومن آداب الاستنجاء بالماء مسح اليد بالتراب بعده كما أخرجه أبو داود من ~~حديث أبي هريرة: كان رسول الله (ص) إذا أتى الخلاء أتيت بماء في تور، أو ~~ركوة فاستنجى منه، ثم مسح يده على الأرض. وأخرج النسائي من حديث جرير، قال: ~~كنت مع النبي (ص)، فأتى الخلاء، فقضى حاجته ثم قال: يا جرير هات طهورا، ~~فأتيته بماء فاستنجى، وقال بيده، فدلك بها الأرض ويأتي مثله في الغسل. # (وعن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله (ص): خذ الإداوة: # فانطلق) أي: النبي (ص) (حتى توارى عني فقضى حاجته، متفق عليه). الحديث ~~PageV01P074 # دليل على التواري عند قضاء الحاجة، ولا يجب، إذ الدليل فعل، ولا يقتضي ~~الوجوب، لكنه يجب بأدلة ستر العورات عن الأعين. وورد الامر بالاستتار من ~~حديث أبي هريرة عند أحمد، وأبي داود، وابن ماجة: أنه (ص) قال: من أتى ~~الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن ms0112 يجمع كثيبا من رمل فليستدبره، فإن ~~الشيطان يلعب بمقاعد بني ادم، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج فدل على ~~استحباب الاستتار، كما دل على رفع الحرج، ولكن هذا غير التواري عن الناس، ~~بل هو خاص، بقرينة: فإن الشيطان، فلو كان في فضاء ليس فيه انسان، استحب له ~~أن يستتر بشئ، ولو بجمع كثيب من رمل. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): اتقوا اللاعنين) ~~بصيغة التثنية، وفي رواية مسلم قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: ~~(الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم: رواه مسلم). قال الخطابي: يريد ~~باللاعنين: # الامرين الجالبين للعن الحاملين للناس عليه، والداعيين إليه، وذلك أن من ~~فعلهما لعن وشتم، يعني: أن عادة الناس لعنة، فهو سبب، فانتساب اللعن إليهما ~~من المجاز العقلي، قالوا: وقد يكون اللاعن بمعنى الملعون، فاعل بمعنى ~~مفعول، فهو كذلك من المجاز العقلي. والمراد بالذي يتخلى في طريق الناس: أي: ~~يتغوط فيما يمر به الناس، فإنه يؤذيهم بنتنه واستقذاره، ويؤدي إلى لعنه، ~~فإن كان لعنه جائزا، فقد تسبب إلى الدعاء عليه بإبعاده عن الرحمة، وإن كان ~~غير جائز، فقد تسبب إلى تأثيم غيره بلعنه. فإن قلت: فأي الامرين أريد هنا؟ ~~قلت: أخرج الطبراني في الكبير بإسناد حسنه الحافظ المنذري عن حذيفة بن ~~أسيد: أن النبي (ص) قال: من اذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم. وأخرج ~~في الأوسط، والبيهقي، وغيرهما برجال ثقات إلا محمد بن عمرو الأنصاري، وقد ~~وثقه ابن معين من حديث أبي هريرة: سمعت رسول الله (ص) يقول: من سل سخيمته ~~على طريق من طرق الناس المسلمين فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس ~~أجمعين. والسخيمة بالسين المفتوحة المهملة والخاء المعجمة فمثناة تحتية: ~~العذرة. فهذه الأحاديث دالة على استحقاقه اللعنة. والمراد بالظل هنا مستظل ~~الناس الذي اتخذوه مقيلا ومناخا ينزلونه ويقعدون فيه، إذ ليس كل ظل يحرم ~~القعود لقضاء الحاجة تحته، فقد قعد النبي (ص) تحت حائش النخل لحاجته، وله ~~ظل بلا شك. # قلت: يدل له ms0113 حديث أحمد: أو ظل يستظل به. # (وزاد أبو داود عن معاذ: والموارد، ولفظه: اتقوا الملاعن الثلاثة البراز) ~~بفتح الموحدة فراء مفتوحة اخره زاي، وهو: المتسع من الأرض يكنى به عن ~~الغائط، وبالكسر المبارزة في الحرب (في الموارد) جمع مورد وهو الموضع الذي ~~يأتيه الناس من رأس عين، أو نهر لشرب الماء، أو للتوضؤ (وقارعة الطريق) ~~المراد الطريق الواسع الذي يقرعه الناس بأرجلهم، أي يدقونه ويمرون عليه ~~(والظل) تقدم المراد به. # (ولأحمد عن ابن عباس: أو نقع ماء) بفتح النون وسكون القاف فعين مهملة. ~~PageV01P075 # ولفظه بعد قوله: اتقوا الملاعن الثلاث: أن يقعد أحدكم في ظل يستظل به، أو ~~في طريق، أو نقع ماء. ونقع الماء المراد به الماء المجتمع، كما في النهاية ~~(وفيهما ضعف) أي: في حديث أحمد وأبي داود. أما حديث أبي داود فلانه قال أبو ~~داود عقبه: وهو مرسل، وذلك لأنه من رواية أبي سعيد الحميري، ولم يدرك معاذا ~~فيكون منقطعا، وقد أخرجه ابن ماجة من هذه الطريق. # وأما حديث أحمد، فلان فيه ابن لهيعة، والراوي عن ابن عباس مبهم. # (وأخرج الطبراني) قال الذهبي: هو الإمام الحجة أبو القاسم سليمان بن أحمد ~~الطبراني مسند الدنيا، ولد سنة ستين ومائتين، وسمع سنة ثلاث وسبعين، وهاجر ~~بمدائن الشام، والحرمين واليمن، ومصر، وبغداد، والكوفة، والبصرة، وأصبهان، ~~والجزيرة، وغير ذلك. وحدث عن ألف شيخ، أو يزيدون، وكان من فرسان هذا الشأن ~~مع الصدق والأمانة، وأثنى عليه الأئمة (النهي عن قضاء الحاجة تحت الأشجار ~~المثمرة) وإن لم تكن ظلا لاحد (وضفة) بفتح الضاد المعجمة وكسرها جانب ~~(النهر الجاري من حديث ابن عمر بسند ضعيف)، لان في رواته متروكا، وهو فرات ~~بن السائب، ذكره المصنف في التلخيص. فإذا عرفت هذا، فالذي تحصل من الأحاديث ~~ستة مواضع، منهي عن التبرز فيها: قارعة الطريق، ويقيد مطلق الطريق ~~بالقارعة، والظل، والموارد، ونقع الماء. والأشجار المثمرة، وجانب النهر. ~~وزاد أبو داود في مراسيله من حديث مكحول: نهى رسول الله (ص) عن أن يبال ~~بأبواب المساجد. # (وعن جابر رضي الله ms0114 عنه قال: قال رسول الله (ص): إذا تغوط الرجلان ~~فليتوار) أي يستتر وهو من المهموز جزم بحذف الهمزة: أي المنقلبة ألفا (كل ~~واحد منهما عن صاحبه) والامر للإيجاب (ولا يتحدثا) حال تغوطهما (فإن الله ~~يمقت على ذلك) والمقت أشد البغض (رواه أحمد وصححه ابن السكن) بفتح السين ~~المهملة وفتح الكاف، وهو الحافظ الحجة أبو علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن ~~السكن البغدادي، نزل مصر، وولد سنة أربع وتسعين ومائتين، وعني بهذا الشأن، ~~وجمع وصنف وبعد صيته. روى عنه أئمة من أهل الحديث، توفي سنة ثلاث وخمسين ~~وثلاثمائة. (وابن القطان) بفتح القاف وتشديد الطاء، هو الحافظ العلامة، أبو ~~الحسن علي بن محمد بن عبد الملك الفارسي الشهير بابن القطان. # كان من أبصر الناس بصناعة الحديث، وأحفظهم لأسماء رجاله، وأشدهم عناية ~~بالرواية، وله تأليف. # حدث ودرس، وله كتاب الوهم والايهام الذي وضعه على الاحكام الكبرى لعبد ~~الحق، وهو يدل على حفظه وقوة فهمه، لكنه تعنت في أحوال الرجال، توفي في ~~ربيع الأول سنة ثمان وعشرين وستمائة (وهو معلول) ولم يذكر في الشرح العلة، ~~وهي ما قاله أبو داود: لم يسنده إلا عكرمة بن عمار العجلي اليماني، وقد ~~احتج به مسلم في صحيحه، وضعف بعض الحفاظ حديث عكرمة هذا عن يحيى بن أبي ~~كثير. وقد أخرج مسلم حديثه عن يحيى بن أبي كثير، واستشهد البخاري بحديثه ~~عنه. وقد روى حديث النهي عن الكلام حال قضاء الحاجة أبو داود، وابن ماجة من ~~حديث أبي سعيد، وابن خزيمة في صحيحه، إلا أنهم رووه كلهم من رواية عياض ~~PageV01P076 # بن هلال، أو هلال بن عياض. قال الحافظ المنذري: لا أعرفه بجرح ولا عدالة، ~~وهو في عداد المجهولين. والحديث دليل على وجوب ستر العورة، والنهي عن ~~التحدث حال قضاء الحاجة، والأصل فيه التحريم، وتعليله بمقت الله عليه، أي: ~~شدة بغضه لفاعل ذلك زيادة في بيان التحريم، ولكنه ادعى في البحر: أنه لا ~~يحرم إجماعا، وأن النهي للكراهة، فإن صح الاجماع، وإلا فإن الأصل هو ~~التحريم، وقد ترك ms0115 (ص) رد السلام الذي هو واجب عند ذلك، فأخرج الجماعة، إلا ~~البخاري عن ابن عمر: أن رجلا مر على النبي (ص)، وهو يبول فسلم عليه، فلم ~~يرد عليه. # (وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه) كناية ~~عن الغائط، كما عرفت أنه أحد ما يطلق عليه (ولا يتنفس) يخرج نفسه (في ~~الاناء) عند شربه منه (متفق عليه واللفظ لمسلم). فيه دليل على تحريم مس ~~الذكر باليمين حال البول: # لأنه الأصل في النهي، وتحريم التمسح بها من الغائط، وكذلك من البول لما ~~يأتي من حديث سلمان، وتحريم التنفس في الاناء حال الشرب. وإلى التحريم ذهب ~~أهل الظاهر في الكل عملا به، كما عرفت، وكذلك جماعة من الشافعية في ~~الاستنجاء. وذهب الجمهور: إلى أنه للتنزيه، وأجمل البخاري في الترجمة فقال: ~~باب النهي عن الاستنجاء باليمين وذكر حديث الكتاب، قال المصنف في الفتح: ~~عبر بالنهي إشارة إلى أنه لم يظهر له هل هو للتحريم، أو للتنزيه؟ أو أن ~~القرينة الصارفة للنهي عن التحريم لم تظهر، وهذا حيث استنجى بالة كالماء ~~والأحجار، أما لو باشر بيده، فإنه حرام إجماعا. وهذا تنبيه على شرف اليمين ~~وصيانتها عن الأقذار. والنهي عن التنفس في الاناء لئلا يقذره على غيره، أو ~~يسقط من فمه، أو أنفه ما يفسده على الغير، وظاهره أنه للتحريم، وحمله ~~الجماهير على الأدب. # (وعن سلمان) هو أبو عبد الله سلمان الفارسي، ويقال له: سلمان الخير، مولى ~~رسول الله (ص)، أصله من فارس، سافر لطلب الدين، وتنصر، وقرأ الكتب، وله ~~أخبار طويلة نفيسة، ثم تنقل حتى انتهى إلى رسول الله (ص)، فآمن به وحسن ~~إسلامه، وكان رأسا في أهل الاسلام، وقال فيه رسول الله (ص): سلمان منا أهل ~~البيت، وولاه عمر المدائن، وكان من المعمرين، قيل: عاش مائتين وخمسين سنة. ~~وقيل: ثلاثمائة وخمسين، وكان يأكل من عمل يده، ويتصدق بعطائه. مات بالمدينة ~~سنة خمسين، وقيل: اثنتين وثلاثين. (قال: # لقد نهانا ms0116 رسول الله (ص) أن نستقبل القبلة بغائط أو بول) المراد أن ~~نستقبل بفروجنا عند خروج الغائط أو البول (أو أن نستنجي باليمين) وهذا غير ~~النهي عن مس الذكر باليمين عند البول الذي مر (أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة ~~أحجار) الاستنجاء: إزالة النجو بالماء، أو الحجارة (أو أن نستنجي برجيع) ~~وهو الروث (أو عظم. رواه مسلم). الحديث فيه النهي عن استقبال القبلة، وهي ~~الكعبة، كما فسرها حديث أبي أيوب في قوله: فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو ~~الكعبة، فننحرف ونستغفر الله، وسيأتي، PageV01P077 # ثم قد ورد النهي عن استدبارها أيضا، كما في حديث أبي هريرة عند مسلم ~~مرفوعا: إذا جلس أحدكم لحاجته، فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها وغيره من ~~الأحاديث. واختلف العلماء هل هذا النهي للتحريم، أو لا؟ على خمسة أقوال: ~~الأول: أنه للتنزيه بلا فرق بين الفضاء والعمران، فيكون مكروها، وأحاديث ~~النهي محمولة على ذلك بقرينة حديث جابر: رأيته قبل موته بعام مستقبل القبلة ~~أخرجه أحمد، وابن حبان، وغيرهما، وحديث ابن عمر: أنه رأى النبي (ص) يقضي ~~حاجته مستقبلا لبيت المقدس مستدبرا للكعبة متفق عليه. وحديث عائشة: # فحولوا مقعدتي إلى القبلة المراد بمقعدته ما كان يقعد عليه حال قضاء ~~حاجته إلى القبلة: رواه أحمد، وابن ماجة، وإسناده حسن. وأول الحديث: أنه ~~ذكر عند رسول الله (ص) قوم يكرهون أن يستقبلوا بفرجهم القبلة قال: أراهم قد ~~فعلوا استقبلوا بمقعدتي القبلة هذا لفظ ابن ماجة: وقال الذهبي في الميزان: ~~في ترجمة خالد بن أبي الصلت: هذا الحديث منكر. الثاني: أنه محرم فيهما، ~~لظاهر أحاديث النهي، والأحاديث التي جعلت قرينة على أن للتنزيه محمولة على ~~أنها كانت لعذر، ولأنها حكاية فعل، عموم لها. الثالث: أنه مباح فيهما ~~قالوا: # وأحاديث النهي منسوخة بأحاديث الإباحة، لان فيها التقييد بقبل عام ونحوه، ~~واستقواه في الشرح. # الرابع: يحرم في الصحارى دون العمران، لان أحاديث الإباحة وردت في ~~العمران فحملت عليه، وأحاديث النهي عامة، وبعد تخصيص العمران بأحاديث فعله ~~التي سلفت بقيت الصحارى على التحريم. وقد قال ابن عمر: ms0117 إنما نهى عن ذلك في ~~الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شئ يسترك، فلا بأس به رواه أبو داود ~~وغيره، وهذا القول ليس بالبعيد، لبقاء أحاديث النهي على بابها، وأحاديث ~~الإباحة كذلك. الخامس: الفرق بين الاستقبال فيحرم فيهما، ويجوز الاستدبار ~~فيهما، وهو مردود بورود النهي فيهما على سواء. فهذه خمسة أقوال. أقربها ~~الرابع. # وقد ذكر عن الشعبي: أن سبب النهي في الصحراء: أنها لا تخلو عن مصل من ملك ~~أو آدمي أو جني فربما وقع بصره على عورته، رواه البيهقي. وقد سئل: أي ~~الشعبي، عن اختلاف الحديثين حديث ابن عمر أنه رآه يستدبر القبلة، وحديث أبي ~~هريرة في النهي، فقال: صدقا جميعا. # أما قول أبي هريرة فهو في الصحراء، فإن لله عبادا ملائكة وجنا يصلون، فلا ~~يستقبلهم أحد ببول ولا غائط، ولا يستدبرهم. وأما كنفكم فإنما هي بيوت بنيت ~~لا قبلة فيها، وهذا خاص بالكعبة. # وقد ألحق بها بيت المقدس لحديث أبي داود نهى رسول الله (ص) عن استقبال ~~القبلتين بغائط أو بول، وهو حديث ضعيف، لا يقوى على رفع الأصل، وأضعف منه ~~القول بكراهة استقبال القمرين، لما يأتي في الحديث الثاني عشر. والاستنجاء ~~باليمنى تقدم الكلام عليه. وقوله أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار يدل على ~~أنه لا يجزئ أقل من ثلاثة أحجار، وقد ورد كيفية استعمال الثلاث في حديث ابن ~~عباس: حجران للصفحتين وحجر للمسربة وهي بسين مهملة وراء مضمومة أو مفتوحة ~~مجرى الحدث من الدبر. # وللعلماء خلاف في الاستنجاء بالحجارة: فالهادوية على أنه لا يجب ~~الاستنجاء إلا على المتيمم، أو من خشي تعدي الرطوبة ولم تزل النجاسة ~~بالماء، وفي غير هذه الحالة مندوب لا واجب، PageV01P078 # وإنما يجب الاستنجاء بالماء للصلاة. وذهب الشافعي إلى أنه مخير بين ~~الماء، والحجارة، أيهما فعل أجزأه. وإذا اكتفى بالحجارة، فلا بد عنده من ~~الثلاث المسحات، ولو زالت العين بدونها، وقيل: إذا حصل الانقاء بدون الثلاث ~~أجزأ، وإذا لم يحصل بثلاث، فلا بد من الزيادة، ويندب الايتار. ويستحب ~~التثليث في القبل والدبر ms0118 فتكون ستة أحجار، وورد ذلك في حديث. قلت: # إلا أن الأحاديث لم تأت في طلبه (ص) لابن مسعود، وأبي هريرة، وغيرها إلا ~~بثلاثة أحجار، وجاء بيان كيفية استعمالها في الدبر، ولم يأت في القبل، ولو ~~كانت الست مرادة لطلبها (ص) عند إرادته التبرز، ولو في بعض الحالات، فلو ~~كان حجر له ستة أحرف أجزأ المسح به. ويقوم غير الحجارة مما ينقي مقامها: ~~خلافا للظاهرية فقالوا: بوجوب الأحجار تمسكا بظاهر الحديث. وأجيب: بأنه خرج ~~على الغالب، لان المتيسر، ويدل على ذلك نهيه أن يستنجى برجيع أو عظم. ولو ~~تعينت الحجارة لنهى عما سواها، وكذلك نهى عن الحمم، فعند أبي داود: مر أمتك ~~أن لا يستنجوا بروثة أو حممة، فإن الله تعالى جعل لنا فيها رزقا فنهى (ص) ~~عن ذلك. وكذلك ورد في العظم: أنها من طعام الجن، كما أخرجه مسلم من حديث ~~ابن مسعود، وفيه: أنه قال (ص) للجن لما سألوه الزاد: لكم كل عظم ذكر اسم ~~الله عليه أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة علف لدوابكم. ولا ينافيه تعليل ~~الروثة بأنها ركس في حديث ابن مسعود، لما طلب منه رسول الله (ص) أن يأتيه ~~بثلاثة أحجار، فأتاه بحجرين وروثة، فألقى الروثة، وقال: إنها ركس فقد يعلل ~~الامر الواحد بعلل كثيرة ولا مانع أيضا أن تكون رجسا، وتجعل لدواب الجن ~~طعاما. ومما يدل على عدم النهي عن استقبال القمرين الحديث الآتي: # وهو قوله (وللسبعة من حديث أبي أيوب) واسمه خالد بن زيد بن كليب الأنصاري ~~من أكابر الصحابة شهد بدرا، ونزل النبي (ص) حال قدومه المدينة عليه. مات ~~غازيا سنة خمسين بالروم، وقيل: بعدها. والحديث مرفوع أوله: أنه قال (ص): # إذا أتيتم الغائط الحديث، وفي آخره من كلام أبي أيوب قال: فقدمنا الشام ~~فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة الحديث تقدم، فقوله: (فلا تستقبلوا ~~القبلة ولا تستدبروها ببول أو غائط ولكن شرقوا أو غربوا) صريح في جواز ~~استقبال القمرين، واستدبار هما، إذ لا بد أن يكونا في الشرق أو الغرب ~~غالبا. ms0119 # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: إن النبي (ص) قال: من أتى الغائط فليستتر ~~رواه أبو داود. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: إن النبي (ص) قال: من أتى ~~الغائط فليستتر رواه أبو داود. هذا الحديث في السنن نسبه إلى أبي هريرة، ~~وكذلك في التلخيص، وقال: مداره على أبي سعيد الحبراني الحمصي وفيه اختلاف. ~~قيل: إنه صحابي، ولا يصح، والراوي عنه مختلف فيه. والحديث كالذي سلف: دال ~~على وجوب الاستتار، وقد قدمنا شطره، ولفظه في السنن عن أبي هريرة عن النبي ~~(ص): من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن، PageV01P079 # ومن لا فلا حرج، ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، ~~ومن أكل فما تخلل فليلفظ، وما لاك بلسانه فليبتلع، من فعل فقد أحسن، ومن لا ~~فلا حرج، ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل ~~فليستتر به، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني ادم، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا ~~حرج فهذا الحديث الذي أخرجه أبو داود عن أبي هريرة، وليس له هنا عن عائشة ~~رواية، ثم هو مضعف بمن سمعت، فكان على المصنف أن يعزوه إلى أبي هريرة، وأن ~~يشير إلى ما فيه على عادته في الإشارة إلى ما قيل في الحديث، وكأنه ترك، ~~ذلك لأنه قال في فتح الباري: إن إسناده حسن، وفي البدر المنير: أنه حديث ~~صحيح صححه جماعة، منهم ابن حبان، والحاكم، والنووي. # (وعنها) أي عائشة رضي الله عنها: (أن النبي (ص) كان إذا خرج من الغائط ~~قال: غفرانك) بالنصب على أنه مفعول فعل محذوف: أي: أطلب غفرانك (أخرجه ~~الخمسة وصححه الحاكم وأبو حاتم). ولفظة خرج تشعر بالخروج من المكان كما سلف ~~في لفظ دخل، ولكن المراد أعم منه، ولو كان في الصحراء. قيل: واستغفاره (ص) ~~من تركه لذكر الله وقت قضاء الحاجة، لأنه كان يذكر الله على كل أحيانه، ~~فجعل تركه لذكر الله في تلك الحال تقصيرا، وعده على نفسه ذنبا، فتداركه ~~بالاستغفار. وقيل: معناه التوبة ms0120 من تقصيره في شكر نعمته التي أنعم بها ~~عليه، فأطعمه، ثم هضمه، ثم سهل خروج الأذى منه، فرأى شكره قاصرا عن بلوغ حق ~~هذه النعمة، ففزع إلى الاستغفار منه، وهذا أنسب ليوافق حديث أنس قال: كان ~~رسول الله (ص) إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى ~~وعافاني. رواه ابن ماجة. وورد في وصف نوح عليه السلام: أنه كان يقول من ~~جملة شكره بعد الغائط: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى ولو شاء حبسه في. # وقد وصفه (ص) بأنه كان عبدا شكورا. قلت: ويحتمل أن استغفاره للامرين معا، ~~ولما لا نعلمه، على أنه يقال: إنه (ص)، وإن ترك الذكر بلسانه حال التبرز لم ~~يتركه بقلبه. وفي الباب من حديث أنس: كان (ص) يقول: الحمد لله الذي أحسن ~~إلي في أوله وآخره. وحديث ابن عمر: أنه كان يقول إذا خرج: الحمد لله الذي ~~أذاقني لذته وأبقى في قوته وأذهب عني أذاه. وكل أسانيدها ضعيفة. وقال أبو ~~حاتم: أصح ما فيه حديث عائشة. قلت: لكنه لا بأس في الاتيان بها جميعا شكرا ~~على النعمة، ولا يشترط الصحة للحديث في مثل هذا. # (وعن ابن مسعود) هو عبد الله بن مسعود. قال الذهبي: هو الامام الرباني ~~أبو عبد الرحمن، عبد الله بن أم عبد الهذلي، صاحب رسول الله (ص)، وخادمه، ~~وأحد السابقين الأولين، من كبار البدريين، ومن نبلاء الفقهاء والمقربين. ~~أسلم قديما، وحفظ من في رسول الله (ص) سبعين سورة، وقال (ص): من أحب أن ~~يقرأ القران غضا، كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد، وفضائله جمة ~~عديدة. توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وله نحو من ستين سنة (قال: أتى ~~النبي (ص) الغائط فأمرني PageV01P080 # أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين ولم أجد ثالثا، فأتيته بروثة، فأخذهما ~~وألقى الروثة) زاد ابن خزيمة: أنها كانت روثة حمار (وقال: إنها ركس) بكسر ~~الراء وسكون الكاف، في القاموس: إنه الرجس (أخرجه البخاري، وزاد أحمد ~~والدارقطني: ائتني بغير ها). أخذ بهذا الحديث الشافعي، وأحمد، وأصحاب ms0121 ~~الحديث، فاشترطوا أن لا تنقص الأحجار عن الثلاث مع مراعاة الانقاء. وإذا لم ~~يحصل بها زاد حتى ينقى. ويستحب الايتار، وتقدمت الإشارة إلى ذلك. ولا يجب ~~الايتار لحديث أبي داود: ومن لا فلا حرج تقدم. قال الخطابي: لو كان القصد ~~الانقاء فقط لخلا ذكر اشتراط العدد عن الفائدة، فلما اشترط العدد لفظا، ~~وعلم الانقاء معنى دل على إيجاب الامرين، وأما قول الطحاوي: لو كان الثلاث ~~شرطا لطلب (ص) ثالثا. فجوابه أنه قد طلب (ص) الثالث، كما في رواية أحمد، ~~والدارقطني المذكورة في كلام المصنف، وقد قال في الفتح: إن رجاله ثقات، على ~~أنه لو لم تثبت الزيادة هذه، فالجواب على الطحاوي: أنه (ص) اكتفى بالأمر ~~الأول في طلب الثلاث، وحين ألقى الروثة علم ابن مسعود أنه لم يتم امتثاله ~~الامر حتى يأتي بثالثة. ثم يحتمل أنه (ص) اكتفى بأحد أطراف الحجرين، فمسح ~~به المسحة الثالثة، إذ المطلوب تثليث المسح ولو بأطراف حجر واحد. وهذه ~~الثلاث لاحد السبيلين. ويشترط للآخر ثلاثة أيضا فتكون ستة، لحديث ورد بذلك ~~في مسند أحمد، على أن في النفس من إثبات ستة أحجار شيئا، فإنه (ص) ما علم ~~أنه طلب ستة أحجار مع تكرر ذلك منه مع أبي هريرة، وابن مسعود، وغيرهما. ~~والأحاديث بلفظ: من أتى الغائط، كحديث عائشة: إذا ذهب أحدكم إلى الغائط ~~فليستطب بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه عند أحمد، والنسائي، وأبي داود، ~~والدارقطني، وقال: إسناده حسن صحيح، مع أن الغائط - إذا أطلق - ظاهر في ~~خارج الدبر، وخارج القبل يلازمه. وفي حديث خزيمة بن ثابت: أنه (ص) سئل عن ~~الاستطابة فقال: # بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع أخرجه أبو داود، والسؤال عام للمخرجين معا، ~~أو أحدهما، والمحل محل البيان. وحديث سلمان بلفظ: أمرنا أن لا نكتفي بدون ~~ثلاثة أحجار وهو مطلق في المخرجين. ومن اشترط الستة، فلحديث أخرجه أحمد، ~~ولا أدري ما صحته، فيبحث عنه، ثم تتبعت الأحاديث الواردة في الامر بثلاثة ~~أحجار، والنهي عن أقل منها فإذا هي كلها في خارج الدبر، فإنها بلفظ ms0122 النهي ~~عن الاستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار، وبلفظ الاستجمار: إذا استجمر أحدكم ~~فليستجمر ثلاثا، وبلفظ التمسح: نهى (ص) أن يتمسح بعظم. # إذا عرفت هذا: فالاستنجاء لغة: إزالة النجو، وهو الغائط، والغائط كناية ~~عن العذرة، والعذرة خارج الدبر، كما يفيد ذلك كلام أهل اللغة، ففي القاموس: ~~النجو: ما يخرج من البطن من ريح أو غائط، واستنجى: اغتسل بالماء، أو تمسح ~~بالحجر، وفيه استطاب استنجى، واستجمر: استنجى، وفيه التمسح: إمرار اليد ~~لإزالة الشئ السائل، المتلطخ اه‍. فعرفت من هذا كله أن الثلاثة الأحجار لم ~~يرد الامر بها والنهي عن أقل منها إلا في إزالة خارج الدبر، لا غير، ولم ~~يأت بها دليل في خارج القبل، والأصل عدم التقدير بعدد، بل المطلوب الإزالة ~~لاثر PageV01P081 # البول من الذكر، فيكفي فيه واحدة، مع أنه قد ورد بيان استعمال الثلاث في ~~الدبر: بأن واحدة للمسربة واثنتين للصفحتين، ما ذاك إلا لاختصاصه بها. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله (ص) نهى أن يستنجى بعظم، ~~أو روث وقال: إنهما لا يطهران رواه الدارقطني وصححه. # وأخرجه ابن خزيمة بلفظ هذا، والبخاري بقريب منه، وزاد فيه أنه قال له أبو ~~هريرة لما فرغ: ما بال العظم والروث؟ قال: هي من طعام الجن وأخرجه البيهقي ~~مطولا كذا في الشرح، ولفظه في سنن البيهقي: أنه (ص) قال لأبي هريرة رضي ~~الله عنه: ابغني أحجارا أستنفض بها، ولا تأتيني بعظم ولا روث، فأتيته ~~بأحجار في ثوبي، فوضعتها إلى جنبه، حتى إذا فرغ وقام تبعته، فقلت: يا رسول ~~الله ما بال العظم والروث؟ فقال: أتاني وفد نصيبين، فسألوني الزاد، فدعوت ~~الله لهم ألا يمروا بروثة، ولا عظم إلا وجدوا عليه طعاما، والنهي في الباب ~~عن الزبير، وجابر، وسهل بن حنيف، وغيرهم بأسانيد فيها ما فيه مقال، ~~والمجموع يشهد بعضها لبعض. وعلل هنا بأنهما لا يطهران. وعلل بأنهما طعام ~~الجن، وعللت الروثة بأنها ركس، والتعليل بعدم التطهير فيها عائد إلى كونها ~~ركسا. وأما عدم تطهير العظم، فلانه لزج لا يكاد يتماسك ms0123 فلا ينشف النجاسة ~~ولا يقطع البلة. ولما علل (ص) بأن العظم والروثة طعام الجن، قال له ابن ~~مسعود: وما يغني عنهم ذلك يا رسول الله؟ قال: إنهم لا يجدون عظما، إلا ~~وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أخذ، ولا وجدوا روثا، إلا وجدوا فيه حبه ~~الذي كان يوم أكل رواه أبو عبد الله الحاكم في الدلائل، ولا ينافيه ما ورد: ~~أن الروث علف وفيه دليل على أن الاستنجاء بالأحجار طهارة لا يلزم معها ~~الماء، وإن استحب، لأنه علل بأنهما لا يطهران، فأفاد أن غيرهما يطهر. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # استنزهوا) من التنزه وهو البعد بمعنى: تنزهوا، أو بمعنى اطلبوا النزاهة ~~(من البول فإن عامة عذاب القبر) أي أكثر من يعذب فيه (منه) أي بسبب ملابسته ~~وعدم التنزه عنه (رواه الدارقطني). والحديث أمر بالبعد عن البول، وأن عقوبة ~~عدم التنزه منه تعجل في القبر، وقد ثبت حديث الصحيحين: أنه (ص) مر بقبرين ~~يعذبان، ثم أخبر: أن عذاب أحدهما، لأنه كان لا يستنزه من البول، أو لأنه ~~يستتر من بوله من الاستتار: أي لا يجعل بينه وبين بوله ساترا يمنعه عن ~~الملامسة له، أو: لأنه لا يستبرئ من الاستبراء، أو: لأنه لا يتوقاه، وكلها ~~ألفاظ واردة في الروايات، والكل مفيد لتحريم ملامسة البول وعدم التحرز منه. # وقد اختلف الفقهاء هل إزالة النجاسة فرض أو لا؟ فقال مالك: إزالتها ليست ~~بفرض. وقال الشافعي: إزالتها فرض ما عدا ما يعفى عنه منها. واستدل على ~~الفرضية بحديث التعذيب على عدم التنزه من البول، وهو وعيد لا يكون إلا على ~~ترك فرض. واعتذر لمالك عن الحديث: بأنه يحتمل أنه عذب، لأنه كان يترك البول ~~يسيل عليه، فيصلي بغير طهور، لان الوضوء لا يصح مع وجوده، ولا يخفى أن ~~أحاديث الامر بالذهاب إلى المخرج بالأحجار، والامر بالاستطابة دالة على ~~PageV01P082 # وجوب إزالة النجاسة، وفيه دلالة على نجاسة البول. والحديث نص في بول ~~الانسان، لان الألف واللام في البول في حديث ms0124 الباب عوض عن المضاف إليه، أي: ~~عن بوله، بدليل لفظ البخاري في صاحب القبرين، فإنها بلفظ: كان لا يستنزه عن ~~بوله، ومن حمله في جميع الأبوال، وأدخل فيه أبوال الإبل، كالمصنف في فتح ~~الباري، فقد تعسف، وقد بينا وجه التعسف في هوامش فتح الباري. # (وللحاكم) أي: من حديث أبي هريرة (أكثر عذاب القبر من البول، وهو صحيح ~~الاسناد). هذا كلامه هنا، وفي التلخيص ما لفظه: وللحاكم، وأحمد، وابن ماجة ~~أكثر عذاب القبر من البول، وأعله أبو حاتم، وقال: إن رفعه باطل اه‍. ولم ~~يتعقبه بحرف، وهنا جزم بصحته، فاختلف كلامه كما ترى، ولم يتنبه الشارح رحمه ~~الله لذلك، فأقر كلامه هنا. # والحديث يفيد ما أفاده الأول. واختلف في عدم الاستنزاه: هل هو من ~~الكبائر، أو من الصغائر؟ # وسبب الاختلاف حديث صاحبي القبرين، فإن فيه وما يعذبان في كبير، بلى إنه ~~لكبير بعد أن ذكر: أن أحدهما عذب بسبب عدم الاستبراء من البول. فقيل: إن ~~نفيه (ص) كبر ما يعذبان فيه يدل على أنه من الصغائر. ورد هذا بأن قوله: بلى ~~إنه لكبير يرد هذا. وقيل: بل أراد أنه ليس بكبير في اعتقادهما، أو في ~~اعتقاد المخاطبين، وهو عند الله كبير. # وقيل: ليس بكبير في مشقة الاحتراز، وجزم بهذا البغوي، ورجحه ابن دقيق ~~العيد. وقيل: غير ذلك، وعلى هذا فهو من الكبائر. # (وعن سراقة) رضي الله عنه بضم السين المهملة وبعد الراء قاف، وهو أبو ~~سفيان سراقة (بن مالك) بن جعشم بضم الجيم وسكون المهملة وضم الشين المعجمة، ~~وهو الذي ساخت قوائم فرسه، لما لحق برسول الله (ص) حين خرج فارا من مكة، ~~والقصة مشهورة، قال سراقة في ذلك يخاطب أبا جهل: # أبا حكم والله لو كنت شاهد الامر جوادي حين ساخت قوائمه علمت ولم تشكك ~~بأن محمدا رسول ببرهان فمن ذا يقاومه من أبيات. توفي سراقة سنة أربع وعشرين ~~في صدر خلافة عثمان. (قال: علمنا رسول الله (ص) في الخلاء أن نقعد على ~~اليسرى) من الرجلين (وننصب اليمنى. رواه البيهقي ms0125 بسند ضعيف) وأخرجه ~~الطبراني. قال الحازمي: في سنده من لا نعرفه، ولا نعلم في الباب غيره. قيل: ~~والحكمة في ذلك: أنه يكون أعون على خروج الخارج، لان المعدة في الجانب ~~الأيسر. وقيل: ليكون معتمدا على اليسرى، ويقل مع ذلك استعمال اليمنى لشرفها ~~(وعن عيسى بن يزداد رضي الله عنه) قيل بباء موحدة وراء مهملة ودالين ~~مهملتين بينهما ألف، وضبط بمثناة تحتية وزاي معجمة وبقيته كالأول (عن أبيه ~~قال: قال رسول الله (ص): إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات رواه ابن ~~ماجة بسند ضعيف) ورواه أحمد في مسنده، والبيهقي، وابن قانع، وأبو نعيم في ~~المعرفة، وأبو داود في المراسيل، والعقيلي في الضعفاء، كلهم من رواية عيسى ~~المذكور. قال ابن معين: لا يعرف عيسى، ولا أبوه. وقال العقيلي: لا يتابع ~~عليه ولا يعرف إلا به. وقال النووي في شرح المهذب: اتفقوا PageV01P083 # على أنه ضعيف، إلا أن معناه في الصحيحين في رواية صاحبي القبرين على ~~رواية ابن عساكر كان لا يستبرئ من بوله بموحدة ساكنة أي: لا يستفرغ البول ~~جهده بعد فراغه منه، فيخرج بعد وضوئه. والحكمة في ذلك حصول الظن بأنه لم ~~يبق في المخرج ما يخاف من خروجه، وقد أوجب بعضهم الاستبراء، لحديث أحد ~~صاحبي القبرين هذا، وهو شاهد لحديث الباب. # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي (ص) سأل أهل قباء) بضم القاف ~~ممدود مذكر مصروف، وفيه لغة بالقصر وعدم الصرف (فقال: إن الله يثني عليكم ~~فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء. رواه البزار بسند ضعيف). # قال البزار: لا نعلم أحدا رواه عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز، ولا ~~عنه إلا ابنه. ومحمد ضعيف، وراويه عنه عبد الله بن شبيب ضعيف، (وأصله في ~~أبي داود) والترمذي في السنن عن أبي هريرة عن النبي (ص) قال: نزلت هذه ~~الآية في أهل قباء * (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) * قال: كانوا يستنجون ~~بالماء فنزلت فيهم هذه الآية. قال المنذري: زاد الترمذي: غريب، وأخرجه ابن ~~ماجة (وصححه ابن خزيمة من حديث أبي ms0126 هريرة بدون ذكر الحجارة). قال النووي في ~~شرح المهذب: المعروف في طرق الحديث أنهم كانوا يستنجون بالماء، وليس فيه ~~أنهم كانوا يجمعون بين الماء والأحجار. وتبعه ابن الرفعة فقال: لا يوجد هذا ~~في كتب الحديث. وكذا قال المحب الطبري نحوه. قال المصنف: ورواية البزار ~~واردة عليهم، وإن كانت ضعيفة. قلت: يحتمل أنهم يريدون لا يوجد في كتب ~~الحديث بسند صحيح، ولكن الأولى الرد بما في الالمام، فإنه صحح ذلك. قال في ~~البدر: والنووي معذور، فإن رواية ذلك غريبة في زوايا وخبايا، لو قطعت إليها ~~أكباد الإبل لكان قليلا. قلت: يتحصل من هذا كله: أن الاستنجاء بالماء أفضل ~~من الحجارة، والجمع بينهما أفضل من الكل بعد صحة ما في الالمام، ولم نجد ~~عنه (ص) أنه جمع بينهما. وعدة أحاديث باب قضاء الحاجة أحد وعشرون. وقال في ~~الشرح: خمسة عشر: وكأنه عد أحاديث الملاعن حديثا واحدا، ولا وجه له، فإنها ~~أربعة أحاديث عن أبي هريرة عند مسلم، وعن معاذ عند أبي داود، وعن ابن عباس ~~عند أحمد. وعن ابن عمر عند الطبراني، فقد اختلفت صحابة ومخرجين، وعد حديثي ~~النهي عن استقبال القبلة واحدا وهما حديثان: عن سلمان عند مسلم، وعن أبي ~~أيوب عند السبعة. # باب الغسل وحكم الجنب الغسل بضم الغين المعجمة: اسم للاغتسال. وقيل: إذا ~~أريد به الماء فهو مضموم، وأما المصدر فيجوز فيه الضم والفتح. وقيل: المصدر ~~بالفتح، والاغتسال بالضم. وقيل: إنه بالفتح فعل المغتسل، وبالضم الذي يغتسل ~~به. وبالكسر ما يجعل مع الماء كالأشنان (وحكم الجنب) أي: الأحكام المتعلقة ~~بمن أصابته جنابة. # (عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله (ص): ~~PageV01P084 # الماء من الماء رواه مسلم، وأصله في البخاري) أي: الاغتسال من الانزال، ~~فالماء الأول المعروف، والثاني المني، وفيه من البديع الجناس التام. وحقيقة ~~الاغتسال إفاضة الماء على الأعضاء. واختلف في وجوب الدلك: فقيل: يجب. وقيل: ~~لا يجب. والتحقيق أن المسألة لغوية فإن الوارد في القران الغسل في أعضاء ~~الوضوء، فيتوقف إثبات الدلك فيه على ms0127 أنه من مسماه. وأما الغسل فورد بلفظ: * ~~(وإن كنتم جنبا فاطهروا) * وهذا اللفظ فيه زيادة على مسمى الغسل، وأقلها ~~الدلك. وما عدل عز وجل في العبارة إلا لإفادة التفرقة بين الامرين. فأما ~~الغسل فالظاهر أنه ليس من مسماه الدلك، إذ يقال: غسله العرق، وغسله المطر، ~~فلا بد من دليل خارجي على شريطة الدلك في غسل أعضاء الوضوء، بخلاف غسل ~~الجنابة والحيض، فقد ورد فيه بلفظ التطهير كما سمعت، وفي الحيض: * (فإذا ~~تطهرن) * إلا أنه سيأتي في حديث عائشة وميمونة ما يدل على أنه (ص) اكتفى في ~~إزالة الجنابة بمجرد الغسل، وإفاضة الماء من دون ذلك، فالله أعلم بالنكتة ~~التي لأجلها عبر في التنزيل عن غسل أعضاء الوضوء بالغسل، وعن إزالة الجنابة ~~بالتطهير، مع الاتحاد في الكيفية. وأما المسح، فإنه الامرار على الشئ ~~باليد، يصيب ما أصاب، ويخطئ ما أخطأ، فلا يقال: لا يبقى فرق بين الغسل ~~والمسح إذا لم يشترط الدلك. وحديث الكتاب ذكره مسلم، كما نسبه المصنف إليه ~~في قصة عتبان بن مالك، ورواه أبو داود، وابن خزيمة، وابن حبان بلفظ الكتاب، ~~وروى البخاري القصة ولم يذكر الحديث. ولذا قال المصنف وأصله في البخاري ~~وهو: أنه (ص) قال لعتبان بن مالك: إذا أعجلت أو أقحطت فعليك الوضوء. ~~والحديث له طرق عن جماعة من الصحابة عن أبي أيوب، وعن رافع بن خديج، وعن ~~عتبان بن مالك، وعن أبي هريرة، وعن أنس. والحديث دال بمفهوم الحصر المستفاد ~~من تعريف المسند إليه. وقد ورد عند مسلم بلفظ: إنما الماء من الماء على أنه ~~لا غسل إلا من الانزال، ولا غسل من التقاء الختانين، وإليه ذهب داود، وقليل ~~من الصحابة، والتابعين. وفي البخاري: أنه سئل عثمان عمن يجامع امرأته، ولم ~~يمن، فقال: يتوضأ، كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره. # وقال عثمان: سمعته من رسول الله (ص). وبمثله قال علي، والزبير، وطلحة، ~~وأبي ابن كعب، وأبو أيوب، ورفعه إلى رسول الله (ص)، ثم قال البخاري: الغسل ~~أحوط. وقال الجمهور: هذا المفهوم منسوخ بحديث أبي هريرة ms0128 الآتي. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إذا جلس) أي: الرجل ~~المعلوم من السياق (بين شعبها) أي: المرأة (الأربع) بضم الشين المعجمة وفتح ~~العين المهملة فموحدة جمع شعبة (ثم جهدها) بفتح الجيم والهاء، معناه: كدها. # بحركته، أي: بلغ جهده في العمل بها (فقد وجب الغسل) وفي رواية مسلم: ثم ~~اجتهد وعند أبي داود وألزق الختان بالختان ثم جهدها. قال المصنف في الفتح: ~~وهذا يدل على أن الجهد هنا: كناية عن معالجة الايلاج (متفق عليه. زاد مسلم: ~~وإن لم ينزل) والشعب الأربع، وقيل: يداها ورجلاها، وقيل رجلاها وفخذاها، ~~وقيل: ساقاها وفخذاها، وقيل: غير ذلك، والكل كناية عن الجماع. فهذا الحديث ~~استدل به الجمهور على نسخ مفهوم حديث الماء من PageV01P085 # الماء، واستدلوا على أن هذا اخر الامرين: بما رواه أحمد وغيره من طريق ~~الزهري، عن أبي بن كعب أنه قال: إن الفتيا التي كانوا يقولون: إن الماء من ~~الماء رخصة، كان رسول الله (ص) رخص بها في أول الاسلام، ثم أمر بالاغتسال ~~بعد صححه ابن خزيمة، وابن حبان، وقال الإسماعيلي: إنه صحيح على شرط ~~البخاري، وهو صريح في النسخ. على أن حديث الغسل وإن لم ينزل أرجح لو ثلم ~~يثبت النسخ، منطوق في إيجاب الغسل، وذلك مفهوم، والمنطوق مقدم على العمل ~~بالمفهوم، وإن كان المفهوم موافقا للبراءة الأصلية، والآية تعضد المنطوق في ~~إيجاب الغسل، إنه قال تعالى: * (وإن كنتم جنبا فاطهروا) *. قال الشافعي: إن ~~كلام العرب يقتضي: أن الجنابة تطلق بالحقيقة على الجماع، وإن لم يكن فيه ~~إنزال، قال: فإن كل من خوطب بأن فلانا أجنب عن فلانة، عقل: أنه أصابها، وإن ~~لم ينزل. قال: ولم يختلف أن الزنا الذي يجب به الجلد هو الجماع، ولو لم يكن ~~منه إنزال اه‍. فتعاضد الكتاب والسنة على إيجاب الغسل من الايلاج. # (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص) في المرأة ترى في منامها ~~ما يرى الرجل قال: تغتسل. متفق عليه، زاد مسلم فقالت أم سلمة: وهل ms0129 يكون ~~هذا؟ قال: نعم، فمن أين يكون الشبه) بكسر الشين المعجمة وسكون الموحدة ~~وبفتحهما لغتان، اتفق الشيخان على اخراجه من طرق عن أم سلمة، وعائشة، وأنس، ~~ووقعت هذه المسألة لنساء من الصحابيات: لخولة بنت حكيم عند أحمد، والنسائي، ~~وابن ماجة، ولسهلة بنت سهيل عند الطبراني، ولبسرة بنت صفوان عند ابن أبي ~~شيبة. والحديث دليل على أ المرأة ترى ما يراه الرجل في منامه، والمراد إذا ~~أنزلت الماء، كما في البخاري: قال: نعم إذا رأت الماء. # أي المني بعد الاستيقاظ، وفي رواية: هن شقائق الرجال. وفيه: ما يدل على ~~أن ذلك غالب من حال النساء كالرجال. ورد على من زعم أن مني المرأة لا يبرز. ~~وقوله: فمن أين يكون الشبه استفهام إنكار، وتقرير أن الولد تارة يشبه أباه، ~~وتارة يشبه أمه وأخواله، فأي الماءين غلب كان الشبه للغالب. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله (ص) يغتسل من أربع: من ~~الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت. رواه أبو داود، وصححه ~~ابن خزيمة) ورواه أحمد والبيهقي، وفي إسناده مصعب بن شيبة، وفيه مقال. ~~والحديث دليل على مشروعية الغسل في هذه الأربعة الأحوال. فأما الجنابة ~~فالوجوب ظاهر. وأما الجمعة: ففي حكمه ووقته خلاف. أما حكمه فالجمهور على ~~أنه مسنون لحديث سمرة: من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل ~~أفضل. يأتي قريبا. وقال داود، وجماعة: إنه واجب، لحديث: غسل الجمعة واجب ~~على كل محتلم يأتي قريبا، أخرجه السبعة من حديث أبي سعيد وأجيب: بأنه يحمل ~~الوجوب على تأكد السنية. وأما وقته: ففيه خلاف أيضا. # فعند الهادوية: أنه من فجر الجمعة إلى عصرها، وعند غيرهم: أنه للصلاة، ~~فلا يشرع بعدها ما لم يدخل وقت العصر. وحديث من أتى الجمعة فليغتسل دليل ~~الثاني، وحديث عائشة هذا يناسب الأول. أما الغسل من الحجامة: فقيل: هو سنة، ~~وتقدم حديث أنس: أنه (ص) PageV01P086 # احتجم، وصلى، ولم يتوضأ فدل على أنه سنة: يفعل تارة، كما أفاده حديث ~~عائشة هذا، ويترك أخرى، كما في حديث ms0130 أنس، ويروى عن علي عليه السلام: الغسل ~~من الحجامة سنة، وإن تطهرت أجزأك. وأما الغسل من غسل الميت فتقدم الكلام ~~فيه. وللعلماء فيه ثلاثة أقوال. أنه سنة وهو أقربها، وأنه واجب، وأنه لا ~~يستحب. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه) أنه قال: (في قصة ثمامة) بضم المثلثة ~~وتخفيف الميم (ابن أثال) بضم الهمزة فمثلثة مفتوحة وهو الحنفي سيد أهل ~~اليمامة (عندما أسلم) أي عند إسلامه: (وأمره النبي (ص) أن يغتسل. رواه عبد ~~الرزاق). وهو الحافظ الكبير: عبد الرزاق بن همام الصنعاني صاحب التصانيف، ~~روى عن عبيد الله بن عمر، وعن خلائق. وعنه أحمد، وإسحاق، وابن معين، ~~والذهلي. قال الذهبي: وثقه غير واحد، وحديثه مخرج في الصحاح، كان من أوعية ~~العلم. مات في شوال سنة إحدى عشرة ومائتين. (وأصله متفق عليه) بين الشيخين. ~~الحديث: دليل على شرعية الغسل بعد الاسلام، وقوله: أمره يدل على الايجاب. ~~وقد اختلف العلماء في ذلك: فعند الهادوية: أنه إذا كان قد أجنب حال كفره، ~~وجب عليه الغسل للجنابة، وإن كان قد اغتسل حال كفره، فلا حكم له، وحديث: ~~الاسلام يجب ما قبله لا يوافق هذا القول. وعند الحنفية: أنه إن كان قد ~~اغتسل حال كفره فلا غسل عليه. وعند الشافعية، وغيرهم: لا يجب عليه الغسل ~~بعد إسلامه للجنابة، للحديث المذكور، وهو إن الاسلام يجب ما قبله، وأما إذا ~~لم يكن أجنب حال كفره، فإنه يستحب له الاغتسال، لا غيره. أما عند أحمد ~~فقال: يجب عليه مطلقا، لظاهر حديث الكتاب، ولما أخرجه أبو داود من حديث قيس ~~بن عاصم قال: أتيت رسول الله (ص) أريد الاسلام، فأمرني أن أغتسل بماء وسدر ~~وأخرجه الترمذي، والنسائي بنحوه. # (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله (ص) قال: غسل الجمعة ~~واجب على كل محتلم أخرجه السبعة) هذا دليل داود في إيجابه غسل الجمعة، ~~والجمهور يتأولونه بما عرفت قريبا، وقد قيل: إنه كان للإيجاب أول الأمر ~~بالغسل، لما كانوا فيه من ضيق الحال، وغالب لباسهم الصوف، وهم في أرض ms0131 حارة ~~الهواء، فكانوا يعرقون عند الاجتماع لصلاة الجمعة، فأمرهم صلى الله عليه ~~وسلم - بالغسل، فلما وسع الله عليهم، ولبسوا القطن، رخص لهم في ذلك. # (وعن سمرة) تقدم ضبطه (ابن جندب) بضم الجيم وسكون النون وفتح الدال ~~المهملة بعدها موحدة، هو أبو سعيد في أكثر الأقوال. سمرة بن جندب الفزاري ~~حليف الأنصار، نزل الكوفة، وولي البصرة، وعداده في البصريين، كان من الحفاظ ~~المكثرين بالبصرة. مات اخر سنة تسع وخمسين (قال: قال رسول الله (ص): من ~~توضأ يوم الجمعة فبها) أي بالسنة أخذ (ونعمت) السنة، أو بالرخصة أخذ ونعمت، ~~لان السنة الغسل. أو بالفريضة أخذ، ونعمت الفريضة، فإن الوضوء هو الفريضة ~~(ومن اغتسل فالغسل أفضل رواه الخمسة، وحسنه الترمذي)، ومن صحح سماع الحسن ~~من سمرة قال: الحديث PageV01P087 # صحيح، وفي سماعه منه خلاف. والحديث: دليل على عدم وجوب الغسل، وهو كما ~~عرفت دليل الجمهور على ذلك، وعلى تأويل حديث الايجاب، إلا أن فيه سؤالا، ~~وهو: أنه كيف يفضل الغسل - وهو سنة - على الوضوء - وهو فريضة - والفريضة ~~أفضل إجماعا. والجواب: أنه ليس التفضيل على الوضوء نفسه، بل على الوضوء ~~الذي لا غسل معه، كأنه قال: من توضأ، واغتسل، فهو أفضل ممن توضأ فقط. ودل ~~لعدم الفرضية أيضا حديث مسلم: من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، ~~فاستمع، وأنصت غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام. ولداود ~~أن يقول: هو مقيد بحديث الايجاب. فالدليل الناهض حديث سمرة فلم يخرجه ~~الشيخان، فالأحوط للمؤمن أن لا يترك غسل الجمعة. وفي الهدي النبوي: الامر ~~بالغسل يوم الجمعة مؤكد جدا، ووجوبه أقوى من وجوب الوتر، وقراءة البسملة في ~~الصلاة، ووجوب الوضوء من مس النساء، ووجوبه من مس الذكر، ووجوبه من القهقهة ~~في الصلاة، ومن الرعاف، ومن الحجامة، والقئ. # (وعن علي رضي الله عنه قال: كان رسول الله (ص) يقرئنا القران ما لم يكن ~~جنبا. رواه أحمد والخمسة). هكذا في نسخ بلوغ المرام. والأولى: والأربعة وقد ~~وجد في بعضها. كذلك (وهذا لفظ الترمذي وحسنه، وصححه ابن حبان)، ms0132 وذكر المصنف ~~في التلخيص: أنه حكم بصحته الترمذي، وابن السكن، وعبد الحق، والبغوي، وروى ~~ابن خزيمة بإسناده عن شعبة أنه قال: هذا الحديث ثلث رأس مالي، وما أحدث ~~بحديث أحسن منه. # وأما قول النووي: خالف الترمذي الأكثرون فضعفوا هذا الحديث، فقد قال ~~المصنف: إن تخصيصه للترمذي بأنه صححه: دليل على أنه لم ير تصحيحه لغيره، ~~وقد قدمنا من صححه غير الترمذي، وروى الدارقطني عن علي موقوفا: اقرأوا ~~القران ما لم تصب أحدكم جنابة، فإن أصابته فلا، ولا حرفا، وهذا يعضد حديث ~~الباب. إلا أنه قال ابن خزيمة: لا حجة في الحديث لمن منع الجنب من القراءة، ~~لأنه ليس فيه نهي، وإنما هي حكاية فعل، ولم يبين (ص) أنه إنما امتنع عن ذلك ~~لأجل الجنابة. وروى البخاري عن ابن عباس: أنه لم ير بالقراءة للجنب بأسا، ~~والقول به رواية: لم يكن يحجب النبي (ص) أو يحجزه عن القران شئ سوى الجنابة ~~أخرجه أحمد، وأصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبزار والدارقطني ~~والبيهقي: # أصرح في الدليل على تحريم القراءة على الجنب من حديث الباب: غير ظاهر، ~~فإن الألفاظ كلها إخبار عن تركه (ص) القران حال الجنابة، ولا دليل في الترك ~~على حكم معين. # وتقدم حديث عائشة: أنه (ص) كان يذكر الله على كل أحيانه، وقدمنا أنه مخصص ~~بحديث علي عليه السلام هذا، ولكن الحق أنه لا ينهض على التحريم، بل يحتمل ~~أنه ترك ذلك حال الجنابة للكراهة، أو نحوها، إلا أنه أخرج أبو يعلى من حديث ~~علي عليه السلام قال: رأيت رسول الله (ص) توضأ، ثم قرأ شيئا من القران، ثم ~~قال هكذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا، ولا اية. قال الهيثمي: رجاله ~~موثقون، وهو يدل على التحريم، لأنه نهي، وأصله ذلك، ويعاضد ما سلف. وأما ~~حديث ابن عباس مرفوعا: لو أن أحدكم إذا أتى أهله فقال: بسم الله الحديث، ~~فلا دلالة فيه على جواز القراءة للجنب، لأنه يأتي بهذا اللفظ غير ~~PageV01P088 # قاصد للتلاوة، ولأنه قبل غشيانه أهله وصيرورته جنبا. ms0133 وحديث ابن أبي شيبة: ~~أنه (ص) كان إذا غشى أهله فأنزل قال: اللهم لا تجعل للشيطان فيما رزقتني ~~نصيبا ليس فيه تسمية، فلا يرد به إشكال. # (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود) إلى إتيانها (فليتوضأ بينهما وضوءا) ~~كأنه أكده، لأنه قد يطلق على غسل بعض الأعضاء، فأبان التأكيد أنه أراد به ~~الشرعي، وقد ورد في رواية ابن خزيمة، والبيهقي: وضوءه للصلاة. رواه مسلم، ~~زاد الحاكم (عن أبي سعيد) فإنه أنشط للعود. فيه دلالة على شرعية الوضوء لمن ~~أراد معاودة أهله، وقد ثبت أنه (ص) غشي نساءه، ولم يحدث وضوءا بين الفعلين. ~~وثبت أنه اغتسل بعد غشيانه عند كل واحدة، فالكل جائز. # (وللأربعة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله (ص) ينام وهو جنب، ~~من غير أن يمس ماء. وهو معلول) بين المصنف العلة: أنه من رواية أبي إسحاق، ~~عن الأسود، عن عائشة. قال أحمد: على أنه ليس بصحيح. وقال أبو داود: وهم. # ووجهه: أن أبا إسحاق لم يسمعه من الأسود، وقد صححه البيهقي، وقال: إن أبا ~~إسحاق سمعه من الأسود فبطل القول بأنه أجمع المحدثون: أنه خطأ من أبي ~~إسحاق. قال الترمذي: وعلى تقدير صحته فيحتمل أن المراد لا يمس ماء الغسل. ~~قلت: فيوافق أحاديث الصحيحين، فإنها مصرحة بأنه يتوضأ، ويغسل فرجه لأجل ~~النوم، والأكل، والشرب، والجماع. وقد اختلف العلماء: هل هو واجب أو غير ~~واجب؟ فالجمهور قالوا: بالثاني، لحديث الباب هذا، فإنه صريح أنه لا يمس ~~ماء، وحديث طوافه على نسائه بغسل واحد. كذا قيل. ولا يخفى أنه ليس فيه على ~~المدعي هنا دليل. وذهب داود، وجماعة: إلى وجوبه لورود الامر بالغسل عند ~~مسلم: ليتوضأ ثم لينم. وفي البخاري: اغسل فرجك ثم توضأ وأصله الايجاب ~~وتأوله الجمهور: أنه للاستحباب جمعا بين الأدلة، ولما رواه ابن خزيمة، وابن ~~حبان في صحيحيهما من حديث ابن عمر: أنه سأل النبي (ص) أينام أحدنا وهو جنب؟ ~~قال: ms0134 نعم، ويتوضأ إن شاء. وأصله في الصحيحين، دون قوله إن شاء إلا أن تصحيح ~~من ذكرها، وإخراجها في الصحيح من كتابه كاف في العمل، ويؤيد حديث ولا يمس ~~ماء، ولا يحتاج إلى تأويل الترمذي، ويعضد الأصل، وهو عدم وجوب الوضوء على ~~من أراد النوم جنبا، كما قاله الجمهور. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله (ص) إذا اغتسل من الجنابة) ~~أي: أراد ذلك (يبدأ فيغسل يديه) في حديث ميمونة مرتين أو ثلاثا (ثم يفرغ) ~~أي: الماء (بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ) في حديث ميمونة: وضوءه ~~للصلاة (ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر) أي: شعر رأسه، وفي ~~رواية البيهقي: يخلل بها شق رأسه الأيمن فيتتبع بها أصول الشعر، ثم يفعل ~~بشق رأسه الأيسر كذلك، (ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات) PageV01P089 # الحفنة: بالمهملة فنون: ملء الكف، كما في النهاية، وبكسر الحاء، وفتحها ~~كما في القاموس، وفي حديث ميمونة: ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفيه، ~~إلا أن أكثر روايات مسلم: ملء كفه بالافراد ثم أفاض) أي: الماء (على سائر ~~جسده) أي بقيته. ولفظ حديث ميمونة ثم غسل بدل أفاض (ثم غسل رجليه. متفق ~~عليه واللفظ لمسلم). # (ولهما) أي: الشيخين (من حديث ميمونة) في صفة الغسل من ابتدائه إلى ~~انتهائه، إلا أن المصنف اقتصر على ما لم يذكر في حديث عائشة فقط: (ثم أفرغ ~~على فرجه وغسله بشماله ثم ضرب بها الأرض وفي رواية: فمسحها بالتراب وفي ~~اخره ثم أتيته بالمنديل) بكسر الميم وهو معروف (فرده - وفيه: وجعل ينفض ~~الماء بيده) وقيل هذا اللفظ في حديثهما: ثم تنحى عن مقامه ذلك، فغسل رجليه، ~~ثم أتيته إلى اخره وهذان الحديثان مشتملان على بيان كيفية الغسل من ابتدائه ~~إلى انتهائه، فابتداؤه غسل اليدين قبل إدخالهما في الاناء إذا كان مستيقظا ~~من النوم، كما ورد صريحا، وكان الغسل من الاناء، وقد قيده في حديث ميمونة ~~مرتين، أو ثلاثا، ثم غسل الفرج. وفي الشرح: أن ظاهره مطلق الغسل، فيكفي مرة ms0135 ~~واحدة. ودلك الأرض لأجل إزالة الرائحة من اليد، ولم يذكر أنه أعاد غسل ~~الفرج بعد ذلك، مع أنها إذا كانت الرائحة في اليد، فهي باقية في الفرج، هذا ~~ما يفهم من الحديث. ويدل على أن الماء الذي يطهر به محل النجاسة طاهر مطهر، ~~وعلى تشريك النية للغسل الذي يزيل النجاسة برفعها الحدث. واستدل به على أن ~~بقاء الرائحة بعد غسل المحل لا يضر. ويدل على أن غسل الجنابة مرة واحدة، ~~هذا كلامه، ويحتمل أنها لم تبق رائحة، بل ضرب الأرض، لإزالة لزوجة اليد، إن ~~سلم أنها تفارق الرائحة. وأما وضوءه قبل الغسل فإنه يحتمل أنه وضوءه ~~للصلاة، وأنه يصح قبل رفع الحدث الأكبر، وأن يكون غسل هذه الأعضاء كافيا عن ~~غسل الجنابة، وأنه تتداخل الطهارتان، وهو رأي زيد بن علي والشافعي وجماعة، ~~ونقل ابن بطال الاجماع على ذلك، ويحتمل أنه غسل أعضاء الوضوء للجنابة، ~~وقدمها تشريفا لها، ثم وضأها للصلاة، لكن هذا لم ينقل أصلا، ويحتمل أنه ~~وضأها للصلاة، ثم أفاض عليها الماء مع بقية الجسد للجنابة، ولكن عبارة: ~~أفاض الماء على سائر جسده لا تناسب هذا إذ هي ظاهرة: أنه أفاضه على ما بقي ~~من جسده مما لم يمسه الماء، فإن السائر: الباقي، لا الجميع قال في القاموس: ~~والسائر: الباقي، لا الجميع، كما توهم جماعات. فالحديثان ظاهران في كفاية ~~غسل أعضاء الوضوء مرة واحدة عن الجنابة: وأنه لا يشترط في صحة الوضوء رفع ~~الحدث الأكبر. # ومن قال: لا يتداخلان، وأنه يتوضأ بعد كمال الغسل، لم ينهض له على ذلك ~~دليل. وقد ثبت في سنن أبي داود: أنه (ص) كان يغتسل ويصلي الركعتين، وصلاة ~~الغداة، ولا يمس ماء، فبطل القول بأنه ليس في حديث ميمونة، وعائشة: أنه صلى ~~بعد ذلك الغسل، ولا يتم الاستدلال بالتداخل، إلا إذا ثبت: أنه صلى بعده. ~~قلنا: قد ثبت في حديث السنن صلاته به. نعم لم يذكر المصنف في وضوء الغسل: ~~أنه مسح رأسه، إلا أن يقال: قد شمله قول ميمونة: وضوءه للصلاة. # وقولها: ثم ms0136 أفاض الماء الإفاضة الإسالة. وقد استدل به على عدم وجوب ~~الدلك، وعلى أن PageV01P090 # مسمى الغسل لا يدخل فيه الدلك لأنها عبرت ميمونة بالغسل، وعبرت عائشة ~~بالإفاضة، والمعنى واحد، والإفاضة لا دلك فيها، فكذلك الغسل. وقال ~~الماوردي: لا يتم الاستدلال بذلك، لان أفاض: بمعنى غسل، والخلاف في الغسل ~~قائم. هذا. وأما هل يكرر غسل الأعضاء ثلاثا عند وضوء الغسل؟ فلم يذكر ذلك ~~في حديث عائشة، وميمونة. قال القاضي عياض: إنه لم يأت في شئ من الروايات ~~ذلك. قال المصنف: بل قد ورد ذلك في رواية صحيحة عن عائشة، وفي قول ميمونة: ~~أنه (ص) أخر غسل الرجلين، ولم يرد في رواية عائشة. قيل: # يحتمل أنه أعاد غسل رجليه بعد أن غسلهما أولا للوضوء لظاهر قولها: توضأ ~~وضوءه للصلاة، فإنه ظاهر في دخول الرجلين في ذلك: وقد اختلف العلماء في ~~ذلك: فمنهم من اختار غسلهما أولا، ومنهم من اختار تأخير ذلك. وقد أخذ منه ~~جواز تفريق أعضاء الوضوء، وقول ميمونة ثم أتيته بالمنديل فرده. فيه دليل ~~على عدم شرعية التنشيف للأعضاء. وفيه أقوال: الأشهر أنه يستحب تركه. وقيل: ~~مباح. وقيل: غير ذلك. وفيه دلالة على أن نفض اليد من ماء الوضوء لا بأس به، ~~وقد عارضه حديث: لا تنفضوا أيديكم، فإنها مراوح الشيطان إلا أنه حديث ضعيف ~~لا يقاوم حديث الباب. # (وعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: قلت: يا رسول الله، إني امرأة ~~أشد شعر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ وفي رواية: والحيضة؟ قال: لا، إنما ~~يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات رواه مسلم) لكن لفظه: أشد ضفر رأسي بدل: ~~شعره رأسي وكأنه رواه المصنف بالمعنى، وضفر بفتح الضاد وإسكان الفاء هو ~~المشهور. والحديث: دليل على أنه لا يجب نقض الشعر على المرأة في غسلها من ~~جنابة، أو حيض، وأنه لا يشترط وصول الماء إلى أصوله، وهي مسألة خلاف: فعند ~~الهادوية: لا يجب النقض في غسل الجنابة، ويجب في الحيض والنفاس لقوله (ص) ~~لعائشة: انقضي شعرك واغتسلي. وأجيب: بأنه معارض بهذا ms0137 الحديث. # ويجمع بينهما: بأن الامر بالنقض للندب، ويجاب: بأن شعر أم سلمة كان ~~خفيفا، فعلم (ص) أنه يصل الماء إلى أصوله. وقيل: يجب النقض إن لم يصل الماء ~~إلى أصول الشعر، وإن وصل لخفة الشعر لم يجب نقضه، أو بأنه إن كان مشدودا ~~نقض، وإلا لم يجب نقضه، لأنه يبلغ الماء أصوله. وأما حديث: بلوا الشعر ~~وأنقوا البشر فلا يقوى على معارضة حديث أم سلمة. وأما فعله (ص)، وإدخال ~~أصابعه، كما سلف في غسل الجنابة، ففعله لا يدل على الوجوب، ثم هو في حق ~~الرجال، وحديث أم سلمة في غسل النساء، هكذا حاصل ما في الشرح. إلا أنه لا ~~يخفى: أن حديث عائشة كان في الحج، فإنها أحرمت بعمرة، ثم حاضت قبل دخول ~~مكة، فأمرها (ص) أن تنقض رأسها، وتمشط، وتغتسل، وتهل بالحج، وهي حينئذ لم ~~تطهر من حيضها، فليس إلا غسل تنظيف، لا حيض، فلا يعارض حديث أم سلمة أصلا، ~~فلا حاجة إلى هذه التأويل التي في غاية الركة، فإن خفة شعر هذه دون هذه ~~يفتقر إلى دليل. والقول: بأن هذا مشدود، وهذا خلافه - والعبارة عنهما من ~~الراوي بلفظ النقض - دعوى بغير دليل. نعم في المسألة حديث واضح: فإنه أخرج ~~الدارقطني في الافراد والطبراني PageV01P091 # والخطيب في التلخيص، والضياء المقدسي من حديث أنس مرفوعا: إذا اغتسلت ~~المرأة من حيضها نقضت شعر ها نقضا، وغسلته بخطمي وأشنان، وإن اغتسلت من ~~جنابة صبت الماء على رأسها صبا وعصرته فهذا الحديث مع اخراج الضياء له، وهو ~~يشترط الصحة فيما يخرجه يثمر الظن في العمل به. ويحمل هذا على الندب لذكر ~~الخطمي والأشنان، إذ لا قائل بوجوبهما، فهو قرينة على الندب، وحديث أم سلمة ~~محمول على الايجاب، كما قال: إنما يكفيك، فإذا زادت نقض الشعر كان ندبا. ~~ويدل لعدم وجوب النقض ما أخرجه مسلم، وأحمد: أنه بلغ عائشة: أن ابن عمر كان ~~يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن. فقالت: يا عجبا لابن عمر: هو يأمر ~~النساء أن ينقضن شعرهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن ms0138 رؤوسهن، لقد كنت أغتسل أنا ~~ورسول الله (ص) من إناء واحد، فما أزيد أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات وإن ~~كان حديثها في غسلها من الجنابة. وظاهر ما نقل عن ابن عمر: أنه كان يأمر ~~النساء بالنقض في حيض وجنابة. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله (ص): إني لا أحل المسجد) ~~أي دخوله، والبقاء فيه (لحائض ولا جنب. رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة). ~~ولا سماع لقول ابن الرفعة: إن في رواته متروكا، لأنه قد رد قوله بعض ~~الأئمة. # والحديث دليل على أنه لا يجوز للحائض والجنب دخول المسجد، وهو قول ~~الجمهور، وقال داود وغيره: يجوز، وكأنه بني على البراءة الأصلية، وأن هذا ~~الحديث لا يرفعها. وأما عبورهما المسجد فقيل يجوز لقوله تعالى: * (إلا ~~عابري سبيلا) * في الجنب، وتقاس الحائض عليه، والمراد به: مواضع الصلاة. ~~وأجيب: بأن الآية فيمن أجنب في المسجد فإنه يخرج منه للغسل، وهو خلاف ~~الظاهر وفيها تأويل اخر. # (وعنها) أي: عائشة (قالت كنت أغتسل أنا ورسول الله (ص) من إناء واحد ~~تختلف أيدينا فيه) أي: في الاغتراف منه (من الجنابة) بيان لنغتسل (متفق ~~عليه، وزاد ابن حبان: وتلتقي) أي: تلتقي (أيدينا) فيه. وهو دليل على جواز ~~اغتسال الرجل والمرأة، من ماء واحد، في إناء واحد، والجواز هو الأصل، وقد ~~سلف الكلام في هذا في باب المياه. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إن تحت كل شعرة ~~جنابة، فاغسلوا الشعر)، لأنه إذا كان تحته جنابة، فبالأولى أنها فيه ففرع ~~غسل الشعر على الحكم بأن تحت كل شعرة جنابة (وانقوا البشر. رواه أبو داود ~~والترمذي، وضعفاه). لأنه عندهما من رواية الحارث بن وجيه: بفتح الواو فجيم ~~فمثناة تحتية. قال أبو داود: وحديثه منكر، وهو ضعيف، وقال الترمذي: غريب لا ~~نعرفه إلا من حديث الحارث وهو شيخ ليس بذاك. وقال الشافعي: هذا الحديث ليس ~~بثابت. وقال البيهقي: أنكره أهل العلم بالحديث: البخاري وأبو داود وغيرهما. ~~ولكن في الباب من حديث علي ms0139 عليه السلام مرفوعا من ترك موضع شعرة من جنابة ~~لم يغسلها فعل به كذا وكذا، فمن ثم عاديت رأسي، فمن ثم PageV01P092 # عاديت رأسي ثلاثا، وكان يجزه. وإسناده صحيح، كما قال المصنف، ولكن قال ~~ابن كثير في الارشاد: إن حديث علي هذا من رواية عطاء بن السائب، وهو سيئ ~~الحفظ، وقال النووي إنه حديث ضعيف. قلت: وسبب اختلاف الأئمة في تصحيحه ~~وتضعيفه: أن عطاء بن السائب اختلط في اخر عمره، فمن روى عنه قبل اختلاطه، ~~فروايته عنه صحيحة. ومن روى عنه بعد اختلاطه، فروايته عنه ضعيفة، وحديث علي ~~هذا، اختلفوا: هل رواه قبل الاختلاط، أو بعده؟ فلذا اختلفوا في تصحيحه، ~~وتضعيفه، حتى يتبين الحال فيه. وقيل: الصواب وقفه على علي عليه السلام. # والحديث دليل على أنه يجب غسل جميع البدن في الجنابة، ولا يعفى عن شئ ~~منه. قيل: وهو إجماع، إلا المضمضة والاستنشاق ففيهما خلاف. قيل: يجبان، ~~لهذا الحديث وقيل: لا يجبان، لحديث عائشة الذي تقدم وميمونة. وحديث ~~إيجابهما هذا غير صحيح، ولا يقاوم ذلك. وأما أنه (ص) توضأ وضوءه للصلاة، ~~ففعل لا ينهض على الايجاب. إلا أن يقال: إنه بيان لمجمل فإن الغسل مجمل في ~~القران، يبينه الفعل. # (ولأحمد عن عائشة رضي الله عنها نحوه، وفيه راو مجهول) لم يذكر المصنف ~~الحديث في التلخيص ولا عين من فيه، وإذا كان فيه مجهول، فلا تقوم به حجة. ~~وأحاديث الباب عدتها سبعة عشر. # باب التيمم التيمم هو اللغة: القصد. وفي الشرع: القصد إلى الصعيد لمسح ~~الوجه واليدين، بنية استباحة الصلاة ونحوها. واختلف العلماء: هل التيمم ~~رخصة أو عزيمة؟ وقيل: هو لعدم الماء عزيمة، وللعذر رخصة. # (عن جابر) هو إذا أطلق جابر بن عبد الله (أن النبي (ص) قال) متحدثا بنعمة ~~الله، ومبينا لاحكام شريعته: (أعطيت) حذف الفاعل للعلم به (خمسا) أي خصالا، ~~أو فضائل، أو خصائص، والاخر يناسبه قوله: (لم يعطهن أحد قبلي) ومعلوم أنه ~~لا يعطاهن أحد بعده، فتكون خصائص له، إذ الخاصة ما توجد في الشئ ولا توجد ~~في غيره. ms0140 ومفهوم العدد غير مراد، لأنه قد ثبت أنه أعطى أكثر من الخمس، وقد ~~عدها السيوطي في الخصائص فبلغت الخصائص زيادة على المائتين، وهذا إجمال ~~فصله (نصرت بالرعب) وهو: الخوف (مسيرة شهر) أي: بيني وبين العدو مسافة شهر، ~~وأخرج الطبراني: نصرت بالرعب على عدوي مسيرة شهرين. وأخرج أيضا تفسير ذلك ~~عن السائب بن يزيد: بأنه شهر خلفي وشهر أمامي. قيل: وإنما جعل مسافة شهر، ~~لأنه لم يكن بينه (ص) وبين أحد من أعدائه أكثر من هذه المسافة، وهي حاصلة ~~له، وإن كان وحده. وفي كونها حاصلة لامته خلاف (وجعلت لي الأرض مسجدا) موضع ~~سجود، ولا يختص به موضع دون غيره وهذه لم تكن لغيره (ص)، كما صرح به في ~~رواية: وكان من قبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم، وفي أخرى: ولم يكن أحد ~~من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه وهو نص على أنها لم تكن هذه الخاصية لاحد ~~من الأنبياء قبله (وطهورا) بفتح الطاء: أي: مطهرة تستباح PageV01P093 # بها الصلاة. وفيه دليل، أن التراب يرفع الحدث كالماء، لاشتراكهما في ~~الطهورية، وقد يمنع ذلك ويقال: الذي له من الطهورية استباحة الصلاة به، ~~كالماء. ويدل على جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض. وفي رواية: وجعلت لي ~~الأرض كلها ولأمتي مسجدا وطهورا وهو من حديث أبي أمامة عند أحمد، وغيره. ~~وأما قول من منع من ذلك مستدلا بقوله في بعض روايات الصحيح وجعلت تربتها ~~طهورا أخرجه مسلم، فلا دليل فيه على اشتراط التراب، لما عرفت في الأصول من ~~أن ذكر بعض أفراد العام لا يخصص به، ثم هو مفهوم لقب لا يعمل به عند ~~المحققين. نعم في قوله تعالى في اية المائدة في التيمم: * (فتيمموا صعيدا ~~طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) *. # دليل على أن المراد التراب، وذلك أن كلمة من للتبعيض كما قال في الكشاف ~~حيث قال: # إنه لا يفهم أحد من العرب قول القائل: مسحت برأسه من الدهن، ومن التراب ~~إلا معنى التبعيض، انتهى. والتبعيض لا يتحقق إلا في المسح من التراب، لا من ~~الحجارة ms0141 ونحوها (فأيما رجل) هو للعموم في قوة: فكل رجل (أدركته الصلاة ~~فليصل) أي: على كل حال، وإن لم يجد مسجدا، ولا ماء: أي: بالتيمم كما بينته ~~رواية أبي أمامة: فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة، فلم يجد ماء: وجد الأرض ~~طهورا، ومسجدا. وفي لفظ: فعنده طهوره ومسجده وفيه أنه لا يجب على فاقد ~~الماء تطلبه وذكر الحديث) أي: ذكر جابر بقية الحديث، فالمذكور في الأصل ~~اثنتان. ولنذكر بقية الخمس، فالثالثة قوله: وأحلت لي الغنائم، وفي رواية: ~~المغانم. قال الخطابي: كان من تقدم، أي: من الأنبياء على ضربين: منهم من لم ~~يؤذن له في الجهاد، فلم تكن لهم مغانم، ومنهم من أذن لهم فيه، ولكن إذا ~~غنموا شيئا لم يحل لهم أن يأكلوه، وجاءت نار فأحرقته. وقيل: أجيز لي التصرف ~~فيها بالتنفيل، والاصطفاء، والصرف في الغانمين، كما قال الله تعالى: * (قل ~~الأنفال لله والرسول) *. والرابعة قوله: وأعطيت الشفاعة قد عد في الشرح ~~الشفاعات اثنتي عشرة شفاعة، واختار أن الكل من حيث هو: مختص به، وإن كان ~~بعض أنواعها يكون لغيره. ويحتمل أنه (ص) أراد بها الشفاعة العظمى، في إراحة ~~الناس من الموقف، لأنها الفرد الكامل، ولذلك يظهر شرفها لكل من في الموقف. ~~والخامسة قوله: وكان النبي يبعث في قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة فعموم ~~الرسالة خاص به صلى الله عليه وسلم، فأما نوح فإنه بعث إلى قومه خاصة. نعم ~~صار بعد إغراق من كذب به مبعوثا إلى الأرض، لأنه لم يبق إلا من كان مؤمنا ~~به، ولكن ليس العموم في أصل البعثة. # وقيل: غير ذلك. وبهذا عرفت أنه صلى الله عليه وسلم مختص بكل واحدة من هذه ~~الخمس، لا أنه مختص بالمجموع. وأما الافراد فقد شاركه غيره فيها، كما قيل، ~~فإنه قول مردود، وفي الحديث فوائد جليلة مبينة في الكتب المطولة. وكان ~~ينبغي للمصنف أن يقول بعد قوله: # وذكر الحديث. متفق عليه: ثم يعطف عليه قوله: وفي حديث حذيفة إلى اخره، ~~لأنه بقي حديث جابر غير منسوب إلى مخرج، وإن ms0142 كان قد فهم أنه متفق عليه بعطف ~~قوله. وفي: # (وفي حديث حذيفة رضي الله عنه، عند مسلم وجعلت تربتها لنا طهورا، إذا لم ~~نجد الماء) . هذا القيد قراني معتبر في الحديث الأول، كما بيناه. ~~PageV01P094 # (وعن علي رضي الله عنه عند أحمد: وجعل التراب لي طهورا. هو وما قبله دليل ~~من قال: إنه لا يجزئ إلا التراب، وقد أجيب بما سلف: من أن التنصيص على بعض ~~أفراد العام لا يكون مخصصا، مع أنه من العمل بمفهوم اللقب، ولا يقوله جمهور ~~أئمة الأصول. # (عن عمار) بفتح العين المهملة وتشديد الميم اخره راء، هو أبو اليقظان ~~عمار (بن ياسر) بمثناة تحتية وبعد الألف سين مهملة فراء. أسلم عمار قديما ~~وعذب في مكة على الاسلام وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وسماه (ص) الطيب ~~والمطيب، وهو من المهاجرين الأولين، شهد بدرا، والمشاهد كلها، وقتل بصفين ~~مع علي عليه السلام، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وهو الذي قال له (ص): تقتلك ~~الفئة الباغية. (قال: بعثني رسول الله (ص) في حاجة فأجنبت) أي: صرت جنبا، ~~وقدمنا أنه يقال: أجنب الرجل صار جنبا. ولا يقال: اجتنب، وإن كثر في لسان ~~الفقهاء (فلم أجد الماء فتمرغت) بفتح المثناة الفوقية والميم وتشديد الراء ~~فغين معجمة، وفي لفظ فتمعكت ومعناه: تقلبت (في الصعيد، كما تتمرغ الدابة، ~~ثم أتيت النبي (ص) فذكرت له ذلك فقال: إنما كان يكفيك أن تقول) أي: تفعل، ~~والقول يطلق على الفعل، كقولهم: قال بيده: هكذا (بيديك هكذا) بينه بقوله: ~~(ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ~~ووجهه. متفق عليه) بين الشيخين (واللفظ لمسلم). استعمل عمار القياس، فرأى ~~أنه لما كان التراب نائبا عن الغسل، فلا بد من عمومه للبدن. فأبان له (ص) ~~الكيفية التي تجزئه، وأراه الصفة المشروعة، وأعلمه أنها التي فرضت عليه. ~~ودل على أنه يكفي ضربة واحدة، ويكفي في اليدين مسح الكفين، وأن الآية ~~مجملة، بينها (ص) بالاقتصار على الكفين. وأفاد أن الترتيب بين الوجه ~~والكفين غير واجب، ms0143 وإن كانت الواو لا تفيد الترتيب، إلا أنه قد ورد العطف ~~في رواية للبخاري للوجه على الكفين بثم، وفي لفظ لأبي داود: ثم ضرب بشماله ~~على يمينه، وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه، وفي لفظ: ~~للإسماعيلي، ما هو أوضح من هذا: إنما يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض، ثم ~~تنفضهما، ثم تمسح بيمينك على شمالك وبشمالك على يمينك، ثم تمسح على وجهك، ~~ودل على أن التيمم فرض من أجنب ولم يجد الماء. وقد اختلف في كمية الضربات، ~~وقدر التيمم في اليدين: فذهب جماعة من السلف، ومن بعدهم إلى أنها تكفي ~~الضربة الواحدة، وذهب إلى أنها لا تكفي الضربة الواحدة جماعة من الصحابة، ~~ومن بعدهم، وقالوا: لا بد من ضربتين، للحديث الآتي قريبا، والذاهبون إلى ~~كفاية الضربة: جمهور العلماء، وأهل الحديث، عملا بحديث عمار، فإنه أصح حديث ~~في الباب، وحديث الضربتين يأتي: أنه لا يقوى على معارضته. قالوا: وكل ما ~~عدا حديث عمار فهو ضعيف، أو موقوف، كما يأتي. وأما قدر ذلك في اليدين: فقال ~~جماعة من العلماء، وأهل الحديث: # إنه يكفي في اليدين الراحتان، وظاهر الكفين، لحديث عمار هذا. وقد رويت عن ~~عمار روايات بخلاف هذا، لكن الأصح ما في الصحيحين. وقد كان يفتي به عمار ~~بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم -: # وقال آخرون: إنها تجب ضربتان، ومسح اليدين مع المرفقين، لحديث ابن عمر ~~PageV01P095 # الآتي، ويأتي أن الأصح فيه أنه موقوف، فلا يقاوم حديث عمار المرفوع ~~الوارد للتعليم. ومن ذلك اختلافهم في الترتيب بين الوجه واليدين، وحديث ~~عمار كما عرفت قاض بأنه لا يجب، وإليه ذهب من قال: تكفي ضربة واحدة قالوا: ~~والعطف في الآية بالواو لا ينافي ذلك وذهب من قال: بالضربتين: إلى أنه لا ~~بد من الترتيب بتقديم الوجه على اليدين، واليمنى على اليسرى. # وفي حديث عمار: دلالة على أن المشروع هو ضرب التراب. وقال بعدم إجزاء ~~غيره: الهادوية، وغير هم: لحديث عمار هذا، وحديث ابن عمر الآتي. وقال ~~الشافعي: يجزئ وضع يده في التراب، ms0144 لان في إحدى روايتي تيممه (ص) من الجدار: ~~أنه وضع يده، (وفي رواية) أي من حديث عمار. (للبخاري، وضرب بكفيه الأرض ~~ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه) أي: ظاهرهما كما سلف، وهو كاللفظ ~~الأول، إلا أنه خالفه بالترتيب، وزيادة النفخ. فأما نفخ التراب: فهو مندوب. ~~وقيل: لا يندب، وسلف الكلام في الترتيب. وهذا التيمم وارد فكفاية التراب ~~للجنب الفاقد للماء، وقد قاسوا عليه الحائض، والنفساء، وخالف فيه ابن عمر، ~~وابن مسعود. وأما كون التراب يرفع الجنابة، أو لا، فسيأتي في شرح حديث أبي ~~هريرة، وهو الحديث السادس. (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ~~(ص): التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين: رواه ~~الدارقطني). وقال في سننه عقب روايته: وقفه يحيى القطان، وهشيم، وغيرهما، ~~وهو الصواب اه‍، ولذا قال المصنف: # (وصحح الأئمة وقفه) على ابن عمر. قالوا: وإنه من كلامه، وللاجتهاد مسرح ~~في ذلك، وفي معناه عدة روايات كلها غير صحيحة، بل إما موقوفة، أو ضعيفة، ~~فالعمدة حديث عمار، وبه جزم البخاري في صحيحه فقال: باب التيمم للوجه ~~والكفين. قال المصنف في الفتح: أي: هو الواجب المجزئ، وأتى بصيغة الجزم في ~~ذلك، مع شهرة الخلاف فيه، لقوة دليله، فإن الأحاديث الواردة في صفة التيمم ~~لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم، وعمار. وما عداهما فضعيف، أو مختلف في ~~رفعه، ووقفه، والراجح عنده رفعه. فأما حديث أبي جهيم، فورد بذكر اليدين ~~مجملا. وأما حديث عمار، فورد بلفظ الكفين في الصحيحين، وبلفظ المرفقين في ~~السنن. وفي رواية: إلى نصف الذراع، وفي رواية، إلى الآباط. فأما رواية ~~المرفقين، وكذا نصف الذراع ففيهما مقال. # وأما رواية الآباط، فقال الشافعي، وغيره: إن كان وقع بأمر النبي (ص)، ~~فبكل تيمم صح عن النبي (ص) بعده، فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره، ~~فالحجة فيما أمر به. ويؤيد رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين: ~~أن عمارا كان يفتي بعد النبي (ص) بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من ~~غيره، ولا ms0145 سيما الصحابي المجتهد. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): الصعيد) هو عند ~~الأكثرين التراب. وعن بعض أئمة اللغة: أنه وجه الأرض، ترابا كان، أو غيره، ~~وإن كان صخرا لا تراب عليه. وتقدم الكلام في ذلك. (وضوء المسلم وإن لم يجد ~~الماء عشر سنين) PageV01P096 # فيه: دليل على تسمية التيمم وضوءا (فإذا وجد) أي المسلم (الماء فليتق ~~الله وليمسه بشرته. رواه البزار، وصححه ابن القطان). تقدم الكلام على ضبط ~~ألفاظهما والتعريف بحالهما (لكن صوب الدارقطني إرساله) قال الدارقطني في ~~كتاب العلل: إرساله أصح. وفي قوله: إذا وجد الماء دليل على أنه إن وجد ~~الماء وجب إمساسه بشرته، وتمسك به من قال: إن التراب لا يرفع الحدث، وإن ~~المراد: أن يمسه بشرته لما سلف من جنابة، فإنها باقية عليه، وإنما أباح له ~~التراب الصلاة، لا غير، وإذا فرغ منها عاد عليه حكم الجنابة، ولذا قالوا: # لا بد لكل صلاة من تيمم. واستدلوا بحديث عمرو بن العاص، وقوله (ص) له: ~~أصليت بأصحابك وأنت جنب؟، وقول الصحابة له (ص): إن عمرا صلى بهم وهو جنب، ~~فأقرهم على تسميته جنبا. ومنهم من قال: إن التراب حكمه حكم الماء يرفع ~~الجنابة، ويصلي به ما شاء، وإذا وجد الماء لم يجب عليه أن يمسه إلا ~~للمستقبل من الصلاة، واستدلوا: بأنه تعالى جعله بدلا من الماء، فحكمه حكمه، ~~وبأنه (ص) سماه طهورا، وسماه وضوءا، كما سلف قريبا. والحق أن التيمم يقوم ~~مقام الماء، ويرفع الجنابة رفعا مؤقتا إلى حال وجدان الماء، أما أنه قائم ~~مقام الماء، فلانه تعالى جعله عوضا عنه عند عدمه، والأصل أنه قائم مقامه في ~~جميع أحكامه، فلا يخرج عن ذلك إلا بدليل. وأما أنه إذا وجد الماء اغتسل، ~~فلتسميته (ص) عمرا جنبا، ولقوله (ص): فإذا وجد الماء فليتق الله، فإن ~~الأظهر أنه أمر بامساسه الماء لسبب قد تقدم على وجدان الماء، إذ إمساسه لما ~~يأتي من أسباب وجوب الغسل، أو الوضوء، معلوم من الكتاب والسنة، والتأسيس ~~خير من التأكيد. # (وللترمذي ms0146 عن أبي ذر) بذال معجمة مفتوحة فراء، اسمه جندب بضم الجيم وسكون ~~النون وضم الدال المهملة وفتحها أيضا، ابن جنادة بضم الجيم وتخفيف النون ~~بعد الألف دال مهملة. وأبو ذر من أعيان الصحابة، وزهادهم، والمهاجرين، وهو ~~أول من حيا النبي (ص) بتحية الاسلام، وأسلم قديما بمكة يقال: كان خامسا في ~~الاسلام، ثم انصرف إلى قومه: إلى أن قدم المدينة على النبي (ص) بعد الخندق، ~~ثم سكن بعد وفاته (ص) الربذة، إلى أن مات بها سنة اثنتين وثلاثين، في خلافة ~~عثمان، وصلى عليه ابن مسعود، ويقال: إنه مات بعده بعشرة أيام (نحوه) أي: ~~نحو حديث أبي هريرة، ولفظه: قال أبو ذر: # اجتويت المدينة، فأمر لي رسول الله (ص) بإبل، فكنت فيها، فأتيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقلت: هلك أبو ذر، قال ما حالك؟ قلت: كنت أتعرض ~~للجنابة، وليس قربي ماء. قال: الصعيد طهور لمن لم يجد الماء ولو عشر سنين ~~(وصححه) أي: # حديث أبي ذر الترمذي، قال المصنف في الفتح: إنه صححه أيضا ابن حبان، ~~والدارقطني. # (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج رجلان في سفر وليس معهما ماء ~~فحضرت الصلاة فتيمما صعيدا طيبا) هو الطاهر الحلال، وقد قيد الله الصعيد به ~~في الآيتين في القران، فإطلاقه في حديث أبي هريرة مقيد بالآيات، والأحاديث ~~(فصليا ثم وجدا الماء في الوقت) أي: وقت الصلاة التي صليا (فأعاد أحدهما ~~الصلاة والوضوء) سماه إعادة تغليبا، PageV01P097 # وإلا فلم يكن قد توضأ، أو سمي التيمم وضوءا مجازا (ولم يعد الاخر، ثم ~~أتيا رسول الله (ص)، فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: أصبت السنة) أي ~~الطريقة الشرعية (وأجزأتك صلاتك) لأنها وقعت في وقتها، والماء مفقود، ~~فالواجب التراب (وقال للاخر) الذي أعاد: (لك الاجر مرتين) أجر الصلاة ~~بالتراب، وأجر الصلاة بالماء (رواه أبو داود، والنسائي). وفي مختصر السنن ~~للمنذري: أنه أخرجه النسائي مسندا، ومرسلا. وقال أبو داود: # إنه مرسل عن عطاء بن يسار. لكن قال المصنف: هذه الرواية رواها ابن السكن ~~في صحيحه، ms0147 وله شاهد من حديث ابن عباس، رواه إسحاق في مسنده: أنه (ص) بال، ~~ثم تيمم، فقيل له: إن الماء قريب منك، قال: فلعلي لا أبلغه. والحديث دليل ~~على جواز الاجتهاد في عصره (ص)، وعلى أنه لا يجب الطلب والتلوم له: أي ~~الانتظار، ودل على أنه لا تجب الإعادة على من صلى بالتراب، ثم وجد الماء في ~~الوقت بعد الفراغ من الصلاة. وقيل: # بل يعيد الواجد في الوقت، لقوله (ص): فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه ~~بشرته. # وهذا قد وجد الماء. وأجيب: بأنه مطلق فيمن وجد الماء بعد الوقت، وقبل ~~خروجه، وحال الصلاة، وبعدها. وحديث أبي سعيد هذا فيمن لم يجد الماء في ~~الوقت حال الصلاة، فهو مقيد فيحمل عليه المطلق، فيكون معناه: فإذا وجدت ~~الماء قبل الصلاة في الوقت فأمسه بشرتك، أي: إذا وجدته، وعليك جنابة ~~متقدمة، فيقيد به، كما قدمنا. واستدل القائل بالإعادة في الوقت: # بقوله تعالى: * (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) * والخطاب متوجه مع بقاء ~~الوقت. وأجيب: بأنه بعد فعل الصلاة لم يبق للخطاب توجه إلى فاعلها، كيف؟ ~~وقد قال (ص): # وأجزأتك صلاتك للذي لم يعد، إذ الاجزاء: عبارة عن كون الفعل مسقطا لوجوب ~~إعادة العبادة، والحق أنه قد أجزأه. (وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ~~عز وجل: * (وإن كنتم مرضى أو على سفر) * قال: إذا كانت بالرجل الجراحة في ~~سبيل الله) أي: الجهاد (والقروح) جمع قرح، وهي: البثور التي تخرج من ~~الأبدان، كالجدري، ونحوه (فيجنب) تصيبه الجنابة (فيخاف) يظن (أن يموت إن ~~اغتسل تيمم، رواه الدارقطني موقوفا) على ابن عباس (ورفعه) إلى النبي (ص) ~~(البزار، وصححه ابن خزيمة، والحاكم). وقال أبو زرعة، وأبو حاتم: أخطأ فيه ~~علي بن عاصم. وقال البزار: لا نعلم من رفعه عن عطاء من الثقات إلا جريرا. ~~وقد قال ابن معين: # إنه سمع من عطاء بعد الاختلاط، وحينئذ فلا يتم رفعه. وفيه دليل على شرعية ~~التيمم في حق الجنب إن خاف الموت. فأما لو لم يخف إلا الضرر، فالآية وهي ~~قوله ms0148 تعالى: * (وإن كنتم مرضى) * دالة على إباحة المرض للتيمم، سواء خاف ~~تلفه، أو دونه، والتنصيص في كلام ابن عباس على الجراحة، والقروح، إنما هو ~~مجرد مثال. وإلا فكل مرض كذلك. ويحتمل أن ابن عباس يخص هذين من بين ~~الأمراض، وكذلك كونها في سبيل الله مثال. فلو كانت الجراحة من سقطة، فالحكم ~~واحد، وإذا كان مثالا، فلا ينفي جواز التيمم لخشية الضرر، إلا أن قوله: أن ~~يموت يدل على أنه لا يجزئ التيمم إلا مخافة الموت، وهو قول أحمد، وأحد قولي ~~الشافعي. وأما الهادوية، PageV01P098 # ومالك، وأحد قولي الشافعي، والحنفية، فأجازوا التيمم، لخشية الضرر، ~~قالوا: لاطلاق الآية. وذهب داود، والمنصور: إلى إباحته للمرض، وإن لم يخف ~~ضررا، وهو ظاهر الآية. # (وعن علي عليه السلام قال: انكسرت إحدى زندي) بتشديد المثناة التحتية ~~تثنية زند، وهو مفصل طرف الذراع في الكف (فسألت رسول الله (ص))، أي: # عن الواجب من الوضوء في ذلك (فأمرني أن أمسح على الجبائر) هي ما يجبر به ~~العظم المكسور ويلف عليه (رواه ابن ماجة بسند واه جدا) بكسر الجيم وتشديد ~~الدال المهملة، وهو منصوب على المصدر، أي أجد ضعفه جدا. الجد: التحقيق، كما ~~في القاموس، فالمراد أحقق ضعفه تحقيقا. والحديث أنكره يحيى بن معين، وأحمد، ~~وغيرهما، قالوا: وذلك أنه من رواية عمرو بن خالد الواسطي، وهو كذاب. ورواه ~~الدارقطني، والبيهقي من طريقين أوهى منه. قال النووي: اتفق الحفاظ على ضعف ~~هذا الحديث. وقال الشافعي: لو عرفت إسناده بالصحة لقلت به، وهذا مما أستخير ~~الله فيه. وفي معناه أحاديث أخر. قال البيهقي: إنه لا يصح منها شئ، إلا أنه ~~يقويه قوله: # (وعن جابر رضي الله عنه في الرجل الذي شج) بضم الشين المعجمة وجيم، من ~~شجه يشجه بكسر الشين وضمها: كسره، كما في القاموس (فاغتسل فمات: إنما كان ~~يكفيه أن يتيمم، ويعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده، ~~رواه أبو داود بسند ضعيف). لأنه تفرد به الزبير بن خريق: بضم الخاء المعجمة ~~فراء مفتوحة ومثناة تحتية ساكنة وقاف. ms0149 قال الدارقطني: ليس بالقوي. قلت: ~~وقال الذهبي: # إنه صدوق (وفيه اختلاف على راويه) وهو: عطاء، فإنه رواه عنه الزبير بن ~~خريق، عن جابر. # ورواه عنه الأوزاعي بلاغا عن عطاء، عن ابن عباس. فالاختلاف وقع في رواية ~~عطاء، هل عن جابر، أو عن ابن عباس؟ وفي إحدى الروايتين ما ليس في الأخرى. ~~وهذا الحديث، وحديث علي الأول: قد تعاضدا على وجوب المسح على الجبائر ~~بالماء، وفيه خلاف بين العلماء. منهم من قال: يمسح لهذين الحديثين، وإن كان ~~فيهما ضعف، فقد تعاضدا، ولأنه عضو تعذر غسله بالماء، فمسح ما فوقه كشعر ~~الرأس، وقياسا على مسح أعلى الخفين، وعلى العمامة، وهذا القياس يقوي النص. ~~قلت: من قال بالمسح عليهما قوي عنده المسح على الجبائر، وهو الظاهر. ثم في ~~حديث جابر دليل على أنه يجمع بين التيمم، والمسح، والغسل، وهو مشكل، حيث ~~جمع بين التيمم والغسل. قيل: فيحمل على أن أعضاء الوضوء كانت جريحة، فتعذر ~~امساسها بالماء، فعدل إلى التيمم، ثم أفاض الماء على بقية جسده. وأما ~~الشجة: فقد كانت في الرأس، والواجب فيه الغسل، لكن تعذر لأجل الشجة، فكان ~~الواجب عليه عصبها، والمسح عليها، إلا أنه قال المصنف في التلخيص: إنه لم ~~يقع في رواية عطاء عن ابن عباس ذكر التيمم، فثبت: أن الزبير بن خريق تفرد ~~به، نبه على ذلك ابن القطان، ثم قال: ولم يقع في رواية عطاء ذكر المسح على ~~الجبيرة، فهو من إفراد الزبير. قال: ثم سياق المصنف لحديث جابر يدل على أن ~~قوله: إنما كان يكفيه، غير مرفوع، وهو مرفوع، وإنما لما اختصره المصنف ~~فاتته العبارة PageV01P099 # الدالة على رفعه، وهو حديث فيه قصة. ولفظها عند أبي داود عن جابر قال: ~~خرجنا في سفر، فأصاب رجلا منا حجر، فشجه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه ~~فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على ~~الماء، فاغتسل، فمات فلما قدمنا على رسول الله (ص)، أخبر بذلك، فقال: قتلوه ~~قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم ms0150 يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان ~~يكفيه أن يتيمم ويعصب، أو يعصب - شك موسى - على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ~~ويغسل سائر جسده إلى اخره. # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من السنة) أي: سنة النبي (ص)، ~~والمراد: طريقته وشرعه (أن لا يصلي الرجل) والمرأة أيضا (بالتيمم إلا صلاة ~~واحدة ثم يتيمم للصلاة الأخرى. رواه الدارقطني بإسناد ضعيف) لأنه من رواية ~~الحسن بن عمارة وهو ضعيف (جدا) نصب على المصدر، كما عرفت. وفي الباب عن علي ~~رضي الله عنه، وابن عمر حديثان ضعيفان. وإن قيل: إن أثر ابن عمر أصح، فهو ~~موقوف، فلا تقوم بالجميع حجة. والأصل: أنه تعالى قد جعل التراب قائما مقام ~~الماء. وقد علم أنه لا يجب الوضوء بالماء إلا من الحدث، فالتيمم مثله، وإلى ~~هذا ذهب جماعة من أئمة الحديث، وغيرهم، وهو الأقوم دليلا. # باب الحيض الحيض: مصدر حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا فهي حائض، ولما كانت ~~له أحكام شرعية، من أفعال، وتروك: عقد له المصنف بابا ساق فيه ما ورد فيه ~~من أحكامه. # (عن عائشة رضي الله عنها: أن فاطمة بنت أبي حبيش) تقدم ضبطه في أول باب ~~النواقض (كانت تستحاض) تقدم أن الاستحاضة: جريان الدم من فرج المرأة في غير ~~أوانه، وتقدم فيه: أن فاطمة جاءت النبي (ص)، فقالت: إني امرأة أستحاض، فلا ~~أطهر، أفأدع الصلاة؟ (فقال لها رسول الله (ص): إن دم الحيض دم أسود يعرف) ~~بضم حرف المضارعة وكسر الراء: أي له عرف ورائحة، وقيل: بفتح الراء: # أي تعرفه النساء (فإذا كان ذلك) بكسر الكاف (فأمسكي عن الصلاة. فإذا كان ~~الاخر) أي: الذي ليس بتلك الصفة (فتوضئي وصلي رواه أبو داود، والنسائي، ~~وصححه ابن حبان، والحاكم، واستنكره أبو حاتم)، لأنه من حديث عدي بن ثابت، ~~عن أبيه، عن جده، وجده: لا يعرف، وقد ضعف الحديث أبو داود. وهذا الحديث فيه ~~رد المستحاضة إلى صفة الدم: بأنه إذا كان بتلك الصفة فهو حيض، وإلا فهو ~~استحاضة، وقد قال به الشافعي في ms0151 حق المبتدأة. وقد تقدم في النواقض أنه (ص) ~~قال لها: إنما ذلك عرق، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي ~~عنك الدم وصلي، ولا ينافيه هذا الحديث، PageV01P100 # فإنه يكون قوله: إن دم الحيض أسود يعرف، بيانا لوقت إقبال الحيضة ~~وإدبارها. فالمستحاضة إذا ميزت أيام حيضها: إما بصفة الدم، أو بإتيانه في ~~وقت عادتها إن كانت معتادة، وعلمت بعادتها، ففاطمة هذه يحتمل أنها كانت ~~معتادة، فيكون قوله: فإذا أقبلت حيضتك أي: بالعادة، أو غير معتادة، فيراد ~~بإقبال حيضتها بالصفة، ولا مانع من اجتماع المعرفين في حقها، وحق غيرها. # هذا، وللمستحاضة أحكام خمسة، قد سلفت إشارة إلى الوعد بها. منها: جواز ~~وطئها في حال جريان دم الاستحاضة عند جماهير العلماء، لأنها كالطاهر في ~~الصلاة والصوم وغيرهما، وكذا في الجماع، ولأنه لا يحرم إلا عن دليل، ولم ~~يأت دليل بتحريم جماعها. قال ابن عباس: المستحاضة يأتيها زوجها إذا صلت، ~~الصلاة أعظم. يريد: إذا جازت لها الصلاة ودمها جار، وهي أعظم ما يشترط له ~~الطهارة، جاز جماعها. ومنها: أنها تؤمر بالاحتياط في طهارة الحدث والنجس، ~~فتغسل فرجها قبل الوضوء، وقبل التيمم، وتحشو فرجها بقطنة أو خرقة، دفعا ~~للنجاسة وتقليلا لها، فإن لم يندفع الدم بذلك شدت مع ذلك على فرجها، ~~وتلجمت، واستثفرت، كما هو معروف في الكتب المطولة، وليس بواجب عليها، وإنما ~~هو الأولى، تقليلا للنجاسة بحسب القدرة، ثم تتوضأ بعد ذلك. ومنها: # أنه ليس لها الوضوء قبل دخول وقت الصلاة عند الجمهور، إذ طهارتها ضرورية، ~~فليس لها تقديمها قبل وقت الحاجة. # (وفي حديث أسماء بنت عميس) بضم المهملة وفتح الميم وسكون المثناة التحتية ~~فسين مهملة. هي امرأة جعفر، هاجرت معه إلى أرض الحبشة، وولدت له هناك ~~أولادا. منهم عبد الله، ثم لما قتل جعفر تزوجها أبو بكر الصديق، فولدت له ~~محمدا، ولما مات أبو بكر تزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فولدت له ~~يحيى (عند أبي داود: ولتجلس) هو عطف على ما قبله في الحديث، لان المصنف ~~إنما ساق شطر ms0152 حديث أسماء، لكن في لفظ أبي داود عنها هكذا: سبحان الله هذا ~~من الشيطان لتجلس إلى اخره بدون واو. وفي نسخة في بلوغ المرام: (في مركن) ~~بكسر الميم: الإجانة التي تغسل فيها الثياب (فإذا رأت صفرة فوق الماء) الذي ~~تقعد فيه، فتصب عليها الماء، فإنها تظهر الصفرة فوق الماء (فلتغتسل للظهر ~~والعصر غسلا واحدا وتغتسل للمغرب والعشاء غسلا واحدا، وتغتسل للفجر غسلا ~~واحدا، وتتوضأ فيما بين ذلك). هذا الحديث، وحديث حمنة الآتي فيه الامر ~~بالاغتسال في اليوم والليلة ثلاث مرات. وقد بين في حديث حمنة، أن المراد: ~~إذا أخرت الظهر والمغرب، ومفهومه: أنها إذا وقتت اغتسلت لكل فريضة، وقد ~~اختلف العلماء: فروي عن جماعة من الصحابة والتابعين: # أنه يجب عليها الاغتسال لكل صلاة. وذهب الجمهور إلى أنها لا يجب عليها ~~ذلك. وقالوا: # رواية: أنه (ص) أمرها بالغسل لكل صلاة ضعيفة، وبين البيهقي ضعفها. وقيل: # بل هو حديث منسوخ: بحديث فاطمة بنت أبي حبيش: أنها توضأت لكل صلاة. قلت: ~~إلا أن النسخ يحتاج إلى معرفة المتأخر، ثم إنه قال المنذري: إن حديث أسماء ~~بنت عميس حسن، فالجمع بين حديثها وحديث فاطمة بنت أبي حبيش أن يقال: إن ~~الغسل مندوب بقرينة عدم أمر فاطمة به، واقتصاره على أمرها بالوضوء، فالوضوء ~~هو الواجب، وقد جنح الشافعي إلى هذا. PageV01P101 # (وعن حمنة) بفتح الحاء المهملة وسكون الميم فنون (بنت جحش) بفتح الجيم ~~وسكون الحاء المهملة فشين معجمة، هي أخت زينب أم المؤمنين، وامرأة طلحة بن ~~عبد الله (قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة). في سنن أبي داود: بيان ~~لكثرتها قالت: إنما أثج ثجا، (فأتيت النبي (ص) أستفتيه فقال: إنما هي ركضة ~~من الشيطان)، معناه: أن الشيطان قد وجد سبيلا إلى التلبيس عليها في أمر ~~دينها وطهرها وصلاتها، حتى أنساها عادتها، وصارت في التقدير كأنها ركضه ~~منه، ولا ينافي ما تقدم: من أنه: عرق يقال له: العاذل، لأنه يحمل على أن ~~الشيطان ركضة حتى انفجر، والأظهر: أنها ركضة منه حقيقة، إذ لا مانع من ~~حملها عليه ms0153 (فتحيضي ستة أيام أو سبعة ثم اغتسلي، فإذا استنقأت فصلي أربعة ~~وعشرين) إن كانت أيام الحيض ستة (أو ثلاثة وعشرين) إن كانت أيام الحيض سبعة ~~(وصومي وصلي) أي ما شئت من فريضة، وتطوع (فإن ذلك يجزئك وكذلك فافعلي) فيما ~~يستقبل من الشهور، ولفظ أبي داود: فافعلي كل شهر (كما تحيض النساء) في سنن ~~أبي داود زيادة: وكما يطهرن: ميقات حيضتهن وطهرهن. فيه الرد لها إلى غالب ~~أحوال النساء (فإن قويت) أي قدرت (على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر) هذا ~~لفظ أبي داود وقوله وتعجلي العصر يريد أن تؤخري الظهر: أي فتأتي بها في اخر ~~وقتها قبل خروجه، وتعجلي العصر فتأتي به في أول وقته، فتكون قد أتت بكل ~~صلاة في وقتها وجمعت بينهما جمعا صوريا (ثم تغتسلي حين تطهرين). هذا اللفظ ~~ليس في سنن أبي داود، بل لفظه هكذا: فتغتسلين فتجمعين بين الصلاتين الظهر ~~والعصر أي جمعا صوريا، كما عرفت (وتصلي الظهر والعصر جميعا) هذا غير لفظ ~~أبي داود، كما عرفت (ثم تؤخرين المغرب والعشاء) لفظ أبي داود: وتؤخرين ~~المغرب وتعجلين العشاء وما كان يحسن من المصنف حذف ذلك كما عرفت (ثم ~~تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي وتغتسلين مع الصبح وتصلين، قال) أي ~~النبي (ص) (وهو أعجب الامرين إلي) ظاهره: أنه من كلامه (ص). إلا أنه قال ~~أبو داود: # رواه عمر بن ثابت عن ابن عقيل قال: فقالت حمنة: هذا أعجب الامرين إلي لم ~~يجعله من قول النبي (ص) (رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذي، وحسنه ~~البخاري). قال المنذري في مختصر سنن أبي داود، قال الخطابي: قد ترك بعض ~~العلماء القول بهذا الحديث، لان ابن عقيل راويه ليس بذاك، وقال أبو بكر ~~البيهقي: تفرد به عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو مختلف في الاحتجاج به، هذا ~~اخر كلامه. وقد أخرجه الترمذي، وابن ماجة. وقال الترمذي، هذا حديث حسن ~~صحيح: وقال أيضا: وسألت محمدا يعني: البخاري عن هذا الحديث، فقال: # هو حديث حسن. وقال أحمد: هو حديث حسن صحيح اه‍. ms0154 فعرفت أن القول: بأنه ~~حديث غير صحيح: غير صحيح، بل قد صححه الأئمة. وقد عرفت مما سقناه من لفظ ~~رواية أبي داود: أن المصنف نقل غير لفظ أبي داود من ألفاظ أحد الخمسة، ولكن ~~لا بد من تقييد ما أطلقته PageV01P102 # الروايات بقوله: وتعجلين العشاء، كما قال: وتعجلين العصر، لأنه أرشدها ~~(ص) إلى ذلك، لملاحظة الاتيان بكل صلاة في وقتها، هذه في اخر وقتها، وهذه ~~في أول وقتها. # وقوله في الحديث: ستة أو سبعة أيام ليست فيه كلمة أو شكا من الراوي، ولا ~~للتخيير، بل للاعلام: # بأن للنساء أحد العددين، فمنهن من تحيض ستا، ومنهن من تحيض سبعا، فترجع ~~إلى من هي في سنها، وأقرب إلى مزاجها، ثم قوله: فإن قويت يشعر بأنه ليس ~~بواجب عليها، وإنما هو مندوب لها، وإلا، فإن الواجب إنما هو الوضوء لكل ~~صلاة بعد الاغتسال عن الحيض: بمرور الستة أو السبعة الأيام، وهو الأمر ~~الأول الذي أرشدها (ص) إليه، فإن في صدر الحديث امرك بأمرين أيهما فعلت ~~أجزأ عنك من الاخر، وإن قويت عليهما فأنت أعلم. ثم ذكر لها الأمر الأول: ~~أنها تحيض ستا أو سبعا، ثم تغتسل وتصلي، كما ذكره المصنف، وقد علم أنها ~~تتوضأ لكل صلاة، لان استمرار الدم ناقض، فلم يذكره في هذه الرواية، وقد ~~ذكره في غيرها، ثم ذكر الأمر الثاني في جمع الصلاتين، والاغتسال كما عرفت. ~~وفي الحديث دليل على أنه لا يباح جمع الصلاتين في وقت أحدهما للعذر، إذ لو ~~أبيح لعذر لكانت المستحاضة أول من يباح لها ذلك، ولم يبح لها ذلك، بل أمرها ~~بالتوقيت، كما عرفت. # (وعن عائشة رضي الله عنها: أن أم حبيبة) بالحاء المهملة المفتوحة (بنت ~~جحش) قيل: الأصح أن اسمها حبيبة وكنيتها أم حبيب بغير هاء وهي أخت حمنة ~~التي تقدم حديثها (شكت إلى رسول الله (ص) الدم فقال: امكثي قدر ما كانت ~~تحبسك حيضتك) أي قبل استمرار جريان الدم (ثم اغتسلي) أي غسل الخروج عن ~~الحيض (فكانت تغتسل لكل صلاة) من غير أمر منه ms0155 (ص) لها بذلك (رواه مسلم. # وفي رواية للبخاري: وتوضئي لكل صلاة وهي) أي هذه الرواية (لأبي داود ~~وغيره من وجه اخر). أم حبيبة: كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وبنات جحش ثلاث: ~~زينب أم المؤمنين، وحمنة، وأم حبيبة، قيل: إنهن كن مستحاضات كلهن. وقد ذكر ~~البخاري ما يدل على أن بعض أمهات المؤمنين كانت مستحاضة، فإن صح أن الثلاث ~~مستحاضات فهي زينب، وقد عد العلماء المستحاضات في عصره (ص)، فبلغن عشر ~~نسوة. والحديث دليل على إرجاع المستحاضة إلى أحد المعرفات، وهي أيام ~~عادتها، وعرفت أن المعرفات: إما العادة التي كانت لها قبل الاستحاضة، أو ~~صفة الدم بكونه أسود يعرف، أو العادة التي للنساء من الستة الأيام، أو ~~السبعة، أو إقبال الحيضة وإدبارها. كل هذه قد تقدمت في أحاديث المستحاضة. # فبأيها وقع معرفة الحيض - والمراد حصول الظن لا اليقين - عملت به سواء ~~كانت ذات عادة، أو لا، كما يفيده إطلاق الأحاديث، بل ليس المراد إلا ما ~~يحصل لها ظن أنه حيض، وإن تعددت الامارات كان أقوى في حقها، ثم متى حصل ظن ~~زوال الحيض وجب عليها الغسل، ثم تتوضأ لكل صلاة أو تجمع جمعا صوريا بالغسل. ~~وهل لها أن تجمع الجمع الصوري بالوضوء؟ # هذا لم يرد به نص في حقها، إلا أنه معلوم جوازه لكل أحد من غيره، وأما هل ~~لها أن تصلي النوافل بوضوء الفريضة؟ فهذا مسكوت عنه أيضا، والعلماء مختلفون ~~في ذلك كله. PageV01P103 # (وعن أم عطية) اسمها نسيبة بضم النون وفتح السين المهملة وسكون المثناة ~~التحتية وفتح الموحدة بنت كعب، وقيل بنت الحارث الأنصارية، بايعت النبي ~~(ص)، كانت من كبار الصحابيات، وكانت تغزو مع رسول الله (ص)، تمرض المرضى، ~~وتداوي الجرحى (قالت: كنا لا نعد الكدرة) أي ما هو بلون الماء الوسخ الكدر ~~(والصفرة) هو الماء الذي تراه المرأة كالصديد يعلوه اصفرار (بعد الطهر) أي ~~بعد رؤية القصة البيضاء، والجفوف (شيئا) أي لا نعده حيضا (رواه البخاري ~~وأبو داود واللفظ له). وقولها: كنا قد اختلف فيه العلماء، فقيل: له ms0156 حكم ~~الرفع إلى النبي (ص)، لان المراد: كنا في زمانه (ص) مع علمه، فيكون تقريرا ~~منه، وهذا رأي البخاري، وغيره من علماء الحديث، فيكون حجة، وهو دليل على ~~أنه لا حكم لما ليس بدم غليظ أسود يعرف، فلا يعد حيضا بعد أن ترى القصة ~~بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة، قيل: إنه شئ كالخيط الأبيض يخرج من الرحم ~~بعد انقطاع الدم، أو بعد الجفوف، وهو أن يخرج ما يحشى به الرحم جافا، ~~ومفهوم قولها: بعد الطهر، أي بأحد الامرين: أن قبله تعد الكدرة والصفرة ~~شيئا: أي حيضا، وفيه خلاف بين العلماء معروف في الفروع. # (وعن أنس رضي الله عنه، أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم ~~يؤاكلوها، فقال النبي (ص): اصنعوا كل شئ إلا النكاح. رواه مسلم. الحديث قد ~~بين المراد من قوله تعالى: * (قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا ~~تقربوهن حتى يطهرن) * أن المأمور به من الاعتزال والمنهي عنه من القربان هو ~~النكاح: أي اعتزلوا نكاحهن ولا تقربوهن له، وما عدا ذلك من المؤاكلة، ~~والمجالسة، والمضاجعة، وغير ذلك جائز، وقد كان اليهود لا يساكنون الحائض في ~~بيت واحد، ولا يجامعونها، ولا يؤاكلونها، كما صرحت به رواية مسلم. # وأما الاستمتاع منهن، فقد أباحه هذا الحديث، وكما يفيده أيضا. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله (ص) يأمرني فأتزر، ~~فيباشرني وأنا حائض. متفق عليه. أي يلصق بشرته ببشرتي فيما دون الإزار، ~~وليس بصريح بأنه يستمتع منها، إنما هو إلصاق البشرة بالبشرة، والاستمتاع ~~فيما بين الركبة والسرة في غير الفرج أجازه البعض، وحجته: اصنعوا كل شئ إلا ~~النكاح، ومفهوم هذا الحديث، وقال بعض بكراهته، واخر: بتحريمه، فالأول أولى، ~~للدليل. فأما لو جامع وهي حائض فإنه يأثم إجماعا، ولا يجب عليه شئ. وقيل: ~~تجب عليه الصدقة لما يفيده. # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله (ص) - في الذي يأتي امرأته ~~وهي حائض - قال: يتصدق بدينار، أو بنصف دينار رواه الخمسة، وصححه الحاكم ~~وابن القطان، ورجح غيرهما وقفه. ms0157 على ابن عباس. الحديث فيه روايات هذه ~~إحداها، وهي التي خرج لرجالها في الصحيح، وروايته مع ذلك مضطربة. وقد قال ~~الشافعي: لو كان هذا الحديث ثابتا لاخذنا به. قال المصنف: الاضطراب في ~~إسناد هذا الحديث، ومتنه كثير جدا، وقد ذهب إلى إيجاب الصدقة الحسن، وسعيد، ~~لكن قالا: يعتق رقبة قياسا على من جامع PageV01P104 # في رمضان. وقال غيرهما: بل يتصدق بدينار أو بنصف دينار. وقال الخطابي: - ~~قال أكثر أهل العلم لا شئ عليه، وزعموا: أن هذا مرسل، أو موقوف. وقال ابن ~~عبد البر: حجة من لم يوجب اضطراب هذا الحديث، وأن الذمة على البراءة، ولا ~~يجب أن يثبت فيها شئ لمسكين، ولا غيره إلا بدليل، لا مدفع فيه، ولا مطعن ~~عليه، وذلك معدوم في هذه المسألة. قلت: أما من صح عنده، كابن القطان، فإنه ~~أمعن النظر في تصحيحه، وأجاب عن طرق الطعن فيه، وأقره ابن دقيق العيد، ~~وقواه في كتابه الالمام، فلا عذر له عن العمل به. وأما من لم يصح عنده ~~كالشافعي، وابن عبد البر، فالأصل براءة الذمة، فلا تقوم به الحجة. # (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله (ص): # أليس إذا حاضت المرأة لم تصل ولم تصم؟ متفق عليه، في حديث طويل. تمامه: # فذلك من نقصان دينها. رواه مسلم من حديث ابن عمر بلفظ: تمكث الليالي ما ~~تصلي، وتفطر في شهر رمضان، فهذا نقصان دينها وهو إخبار يفيد تقريرها على ~~ترك الصوم والصلاة، وكونهما لا يجبان عليها، وهو إجماع في أنهما لا يجبان ~~حال الحيض، ويجب قضاء الصيام، لأدلة أخر. وأما كونها لا تدخل المسجد، ~~فلحديث: لا أحل المسجد لحائض ولا جنب وتقدم. وأما أنها لا تقرأ القرآن، ~~فلحديث ابن عمر: ولا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القران، وإن كان فيه ~~مقال، وكذلك لا تمس المصحف لحديث عمرو بن حزم، تقدم وتقدمت شواهده، ~~والأحاديث لا تقصر عن الكراهة لكل ما ذكر، وإن لم تبلغ درجة التحريم، إذ لا ~~تخلو عن مقال في طرقها، ودلالة ms0158 ألفاظها غير صريحة في التحريم. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما جئنا) أي عام حجة الوداع، وكانت قد ~~أحرمت معه (ص) (سرف) بالسين المهملة مفتوحة وكسر الراء ففاء: اسم محل منعه ~~من الصرف للعلمية والتأنيث، وهو محل بين مكة والمدينة (حضت، فقال النبي ~~(ص): # افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري. متفق عليه في ~~حديث طويل). فيه صفة حجه (ص)، وفيه دليل على أن الحائض يصح منها جميع أفعال ~~الحج غير الطواف بالبيت، وهو مجمع عليه. واختلف في علته، فقيل: لان من شرط ~~الطواف الطهارة، وقيل: لكونها ممنوعة من دخول المسجد. وأما ركعتا الطواف، ~~فقد علم أنهما لا يصحان منها، إذ هما مرتبتان على الطواف والطهارة. # (وعن معاذ) بضم الميم فعين مهملة خفيفة اخره ذال معجمة، وهو أبو عبد ~~الرحمن معاذ بن جبل، الأنصاري الخزرجي، أحد من شهد العقبة من الأنصار، وشهد ~~بدرا، وغيرها من المشاهد، وبعثه (ص) إلى اليمن قاضيا، ومعلما، وجعل إليه ~~قبض الصدقات من العمال باليمن، وكان من أجلاء الصحابة، وعلمائهم. استعمله ~~عمر على الشام بعد أبي عبيدة، فمات في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة، وقيل: ~~سبع عشرة، وله ثمان وثلاثون سنة (أنه سأل النبي (ص): ما يحل للرجل من ~~امرأته، وهي حائض؟ قال: ما فوق الإزار، رواه أبو داود وضعفه) وقال: ليس ~~بالقوي. والحديث دليل على تحريم مباشرة محل الإزار، وهو PageV01P105 # ما بين السرة والركبة. والحديث قد عارضه حديث: اصنعوا كل شئ إلا النكاح ~~تقدم، وهو أصح من هذا، فهو أرجح منه، ولو ضمه المصنف إليه لكان أولى، وتقدم ~~الكلام فيه. وفي حديث عائشة: كان يأمرني فأتزر. # (وعن أم سلمة رضي عنها كانت النفساء تقعد على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعد نفاسها أربعين يوما. رواه الخمسة إلا النسائي واللفظ لأبي ~~داود ، وفي لفظ له: ولم يأمرها النبي (ص) بقضاء صلاة النفاس، وصححه الحاكم. ~~وضعفه جماعة، لكن قال النووي: قول جماعة من مصنفي الفقهاء: إن هذا الحديث ~~ضعيف: مردود ms0159 عليهم، وله شاهد عند ابن ماجة من حديث أنس: أن رسول الله (ص) ~~وقت للنفساء أربعين يوما، إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، وللحاكم من حديث عثمان ~~بن أبي العاص: # وقت رسول الله (ص) للنساء في نفاسهن أربعين يوما. فهذه الأحاديث يعضد ~~بعضها بعضا، وتدل على أن الدم الخارج عقيب الولادة حكمه يستمر أربعين يوما ~~تقعد فيه المرأة عن الصلاة، وعن الصوم، وإن لم يصرح به الحديث. فقد أفيد من ~~غيره، وأفاد حديث أنس: أنها إذا رأت الطهر قبل ذلك طهرت، وأنه لا حد لأقله. # كتاب الصلاة باب المواقيت الصلاة لغة: الدعاء، سميت هذه العبادة الشرعية ~~باسم الدعاء، لاشتمالها عليه. والمواقيت: جمع ميقات، والمراد به: الوقت ~~الذي عينه الله لأداء هذه العبادة، وهو القدر المحدود للفعل من الزمان. # (عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~- وقت الظهر إذا زالت الشمس) أي مالت إلى جهة المغرب، وهو: الدلوك الذي ~~أراده تعالى بقوله: # * (أقم الصلاة لدولوك الشمس) *، (وكان ظل الرجل كطوله) أي ويستمر وقتها ~~حتى يصير ظل كل شئ مثله، فهذا تعريف لأول وقت الظهر وآخره. فقوله وكان عطف ~~على زالت، كما قررناه: أي ويستمر وقت الظهر إلى صيرورة ظل الرجل مثله (ما ~~لم يحضر وقت العصر) وحضوره بمصير ظل كل شئ مثله، كما يفيده مفهوم هذا، ~~وصريح غيره (ووقت) العصر يستمر (ما لم تصفر الشمس) وقد عين اخره في غيره: ~~بمصير ظل الشئ مثليه (ووقت صلاة المغرب) من عند سقوط قرص الشمس، ويستمر (ما ~~لم يغب الشفق) الأحمر، وتفسيره بالحمرة سيأتي نصا. (ووقت صلاة العشاء) من ~~غيبوبة الشفق، ويستمر (لي نصف الليل الأوسط) المراد به الأول، (ووقت صلاة ~~الصبح) أوله (من طلوع الفجر)، ويستمر ما لم تطلع الشمس. رواه مسلم) تمامه ~~في مسلم: فإذا طلعت الشمس، فأمسك عن الصلاة، فإنها تطلع بين قرني الشيطان. ~~الحديث أفاد تعيين أكثر الأوقات الخمسة أولا، واخرا، فأول الظهر زوال الشمس ~~وآخره مصير ظل الشئ PageV01P106 # مثله، وذكر الرجل ms0160 في الحديث تمثيلا، وإذا صار كذلك فهو أول العصر، ولكنه ~~يشاركه الظهر في قدر يتسع لأربع ركعات فإنه يكون وقتا لهما، كما يفيده حديث ~~جبريل فإنه صلى بالنبي (ص) الظهر في اليوم الأول بعد الزوال، وصلى به العصر ~~عند مصير ظل الشئ مثله، وفي اليوم الثاني صلى به الظهر عند مصير ظل الشئ ~~مثله في الوقت الذي صلى فيه العصر اليوم الأول، فدل ذلك على أن ذلك وقت ~~يشترك فيه الظهر والعصر، وهذا هو الوقت المشترك، وفيه خلاف، فمن أثبته، ~~فحجته ما سمعته، ومن نفاه تأول قوله: وصلى به الظهر في اليوم الثاني حين ~~صار ظل الشئ مثله. بأن معناه فرغ من صلاة الظهر في ذلك الوقت، وهو بعيد. ثم ~~يستمر وقت العصر إلى اصفرار الشمس، وبعد الاصفرار ليس بوقت للأداء، بل وقت ~~قضاء، كما قاله أبو حنيفة. وقيل: بل أداء إلى بقية تسع ركعة، لحديث: من ~~أدرك ركعة من العصر قبل أن تغيب الشمس فقد أدرك العصر. وأول وقت المغرب إذا ~~وجبت الشمس: أي غربت، كما ورد عند الشيخين، وغيرهما، وفي لفظ: إذا غربت، ~~وآخره ما لم يغب الشفق، وفيه دليل على اتساع وقت الغروب، وعارضه حديث ~~جبريل، فإنه صلى به (ص) المغرب في وقت واحد في اليومين، وذلك بعد غروب ~~الشمس، والجمع بينهما: أنه ليس في حديث جبريل حصر لوقتها في ذلك، ولان ~~أحاديث تأخير المغرب إلى غروب الشفق متأخرة، فإنها في المدينة، وإمامة ~~جبريل في مكة، فهي زيادة تفضل الله بها. وقيل: إن حديث جبريل دال على أنه ~~لا وقت لها إلا الذي صلى فيه. وأول العشاء غيبوبة الشفق، ويستمر إلى نصف ~~الليل، وقد ثبت في الحديث التحديد لآخره بثلث الليل، لكن أحاديث النصف ~~صحيحة، فيجب العمل بها. وأول وقت صلاة الصبح طلوع الفجر، ويستمر إلى طلوع ~~الشمس. فهذا الحديث الذي في مسلم قد أفاد أول كل وقت من الخمسة وآخره، وفيه ~~دليل على أن لوقت كل صلاة أولا واخرا، وهل يكون بعد الاصفرار وبعد نصف ~~الليل ms0161 وقت لأداء العصر والعشاء، أو لا؟ هذا الحديث يدل على أنه ليس بوقت ~~لهما، ولكن حديث من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس فقد أدرك العصر فإنه ~~يدل على أن بعد الاصفرار وقتا للعصر، وإن كان في لفظ أدرك ما يشعر بأنه إذا ~~كان تراخيه عن الوقت المعروف لعذر أو نحوه، وورد في الفجر مثله وسيأتي، ولم ~~يرد مثله في العشاء، ولكنه ورد في مسلم: وليس في النوم تفريط على من لم يصل ~~الصلاة حتى يجئ وقت الصلاة الأخرى فإنه دليل على امتداد وقت كل صلاة إلى ~~دخول وقت الأخرى، إلا أنه مخصوص بالفجر، فإن اخر وقتها طلوع الشمس، وليس ~~بوقت للتي بعدها، وبصلاة العشاء فإن اخره ننصف الليل وليس وقتا للتي بعدها. ~~وقد قسم الوقت إلى اختياري واضطراري، ولم يقم دليل ناهض على غير ما سمعت، ~~وقد استوفينا الكلام على المواقيت في رسالة بسيطة، سميناها اليواقيت في ~~المواقيت. # (وله) أي لمسلم (من حديث بريدة) بضم الموحدة فراء فمثناة تحتية فدال ~~مهملة فتاء تأنيث، هو أبو عبد الله، أو أبو سهل، أو أبو الحصيب، بريدة بن ~~الحصيب بضم الحاء المهملة فصاد PageV01P107 # مهملة مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة فموحدة، الأسلمي، أسلم قبل بدر، ولم ~~يشهدها، وبايع بيعة الرضوان سكن المدينة، ثم تحول إلى البصرة، ثم خرج إلى ~~خراسان غازيا فمات بمرو زمن يزيد بن معاوية سنة اثنتين، أو ثلاث وستين (في ~~العصر) أي في بيان وقتها: (والشمس بيضاء نقية) بالنون والقاف ومثناة تحتية ~~مشددة، أي: لم يدخلها شئ من الصفرة. # (ومن حديث أبي موسى) أي ولمسلم من حديث أبي موسى، وهو عبد الله بن قيس ~~الأشعري، أسلم قديما بمكة، وهاجر إلى الحبشة، وقيل: رجع إلى أرضه، ثم وصل ~~إلى المدينة مع وصول مهاجري الحبشة، ولاه عمر بن الخطاب البصرة بعد عزل ~~المغيرة سنة عشرين، فافتتح أبو موسى الأهواز، ولم يزل على البصرة إلى صدر ~~خلافة عثمان، فعزله، فانتقل إلى الكوفة وأقام بها، ثم أقره عثمان عاملا على ~~الكوفة، إلى أن قتل ms0162 عثمان، ثم انتقل بعد أمر التحكيم إلى مكة، ولم يزل بها ~~حتى مات سنة خمسين، وقيل: بعدها، وله نيف وستون سنة (والشمس مرتفعة) أي ~~وصلى العصر، وهي مرتفعة لم تمل إلى الغروب. وفي الأحاديث ما يدل على ~~المسارعة بالعصر وأصرح الأحاديث في تحديد أول وقتها حديث جبريل: أنه صلاها ~~بالنبي (ص) وظل الرجل مثله وغيره من الأحاديث: كحديث بريدة، وحديث أبي ~~موسى، محمولة عليه. # (وعن أبي برزة) بفتح الموحدة وسكون الراء فزاي فهاء، اسمه: نضلة بفتح ~~النون فضاد ساكنة معجمة، ابن عبيد، وقيل: ابن عبد الله، أسلم قديما، وشهد ~~الفتح، ولم يزل يغزو مع رسول الله (ص) حتى توفي (ص)، فنزل البصرة، ثم غزا ~~خراسان، وتوفي بمرو، وقيل: بغيرها سنة ستين (الأسلمي قال: كان رسول الله ~~(ص) يصلي العصر ثم يرجع أحدنا) بعد صلاته (إلى رحله) بفتح الراء وسكون ~~الحاء المهملة، وهو مسكنه (في أقصى المدينة حال من رحله، وقيل: صفة له ~~(والشمس حية) أي يصل إلى رحله حال كون الشمس حية: أي بيضاء قوية الأثر ~~حرارة ولونا وإنارة. (وكان يستحب أن يؤخر من العشاء) لم يبين إلى متى، ~~وكأنه يريد مطلق التأخير، وقد بينه غيره من الأحاديث (وكان يكره النوم ~~قبلها) لئلا يستغرق النائم فيه حتى يخرج اختيار وقتها (والحديث) التحادث مع ~~الناس (بعدها)، فينام عقب تكفير الخطيئة بالصلاة، فتكون خاتمة عمله، ولئلا ~~يشتغل بالحديث عن قيام اخر الليل، إلا أنه قد ثبت: أنه (ص) كان يسمر مع أبي ~~بكر في أمر المسلمين. (وكان ينفتل) بالفاء فمثناة بعدها فوقية مكسورة أي: ~~يلتفت إلى من خلفه، أو ينصرف (من صلاة الغداة) الفجر (حين يعرف الرجل ~~جليسه) أي بضوء الفجر، لأنه كان مسجده (ص) ليس فيه مصابيح، وهو يدل على أنه ~~كان يدخل فيها والرجل لا يعرف جليسه، وهو دليل التبكير بها (وكان يقرأ ~~بالستين إلى المائة) يريد: أنه إذا اختصر قرأ بالستين في صلاته في الفجر، ~~وإذا طول فإلى المائة من الآيات (متفق عليه). فيه ذكر وقت صلاة العصر ~~والعشاء، ms0163 والفجر من دون تحديد للأوقات، وقد سبق في الذي مضى ما هو أصرح ~~وأشمل. PageV01P108 # (وعندهما) أي: الشيخين المدلول عليهما بقوله: متفق عليه (من حديث جابر: ~~والعشاء أحيانا يقدمها) أول وقتها وأحيانا يؤخرها) عنه، كما فصله قوله (إذا ~~رآهم) أي الصحابة (اجتمعوا) في أول وقتها (عجل) رفقا بهم (وإذا رآهم ~~أبطأوا) عن أوله (أخر) مراعاة لما هو الأرفق بهم، وقد ثبت عنه: أنه لولا ~~خوف المشقة عليهم لاخر بهم (والصبح كان النبي (ص) يصليها بغلس) الغلس ~~محركة: ظلمة اخر الليل، كما في القاموس، وهو أول الفجر، ويأتي ما يعارضه: ~~في حديث رافع بن خديج. # (ولمسلم) وحده (من حديث أبي موسى: فأقام الفجر حين انشق الفجر والناس لا ~~يكاد يعرف بعضهم بعضا) وهو كما أفاده الحديث الأول. # (وعن رافع بن خديج) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة، فمثناة تحتية ~~فجيم، ورافع هو أبو عبد الله، ويقال: أبو خديج الخزرجي الأنصاري الأوسي من ~~أهل المدينة. تأخر عن بدر لصغر سنه، وشهد أحدا وما بعدها، أصابه سهم يوم ~~أحد، فقال له النبي (ص) أنا أشهد لك يوم القيامة، وعاش إلى زمان عبد الملك ~~بن مروان، ثم انتقضت جراحته فمات سنة ثلاث، أو أربع وسبعين، وله ست وثمانون ~~سنة، وقيل: زمن يزيد بن معاوية (قال: كنا نصلي المغرب مع النبي (ص) فينصرف ~~أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله) بفتح النون وسكون الموحدة، وهي: السهام ~~العربية، واحد لها من لفظها، وقيل: واحدها نبلة كتمر وتمرة (متفق عليه). ~~والحديث فيه دليل على المبادرة بصلاة المغرب، بحيث ينصرف منها والضوء باق، ~~وقد كثر الحث على المسارعة بها. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أعتم) بفتح الهمزة وسكون العين المهملة ~~فمثناة فوقية مفتوحة، يقال: أعتم إذا دخل في العتمة، والعتمة محركة: ثلث ~~الليل الأول بعد غيبوبة الشفق، كما في القاموس (رسول الله (ص) ذات ليلة ~~بالعشاء) أي أخر صلاتها (حتى ذهب عامة الليل) كثير منه، لا أكثره (ثم خرج ~~فصلى، وقال: إنه لوقتها) أي: المختار والأفضل (لولا أن أشق على ms0164 أمتي) أي ~~لاخرتها إليه (رواه مسلم). # وهو دليل على أن وقت العشاء ممتد، وأن آخره أفضله، وأنه (ص) كان يراعي ~~الأخف على الأمة، وأنه ترك الأفضل وقتا. وهي بخلاف المغرب. فأفضله أوله، ~~وكذلك غيره إلا الظهر أيام الحر، كما يفيد قوله. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إذا اشتد الحر ~~فأبردوا) بهمزة مفتوحة مقطوعة وكسر الراء (بالصلاة) أي: صلاة الظهر (فإن ~~شدة الحر من فيح جهنم) بفتح الفاء وسكون المثناة التحتية فحاء مهملة، أي: ~~سعة انتشارها وتنفسها (متفق عليه). يقال: أبرد إذا دخل في الظهر، كما يقال ~~أنجد وأتهم إذا بلغ نجدا وتهامة، ذلك في الزمان، وهذا في المكان. والحديث ~~دليل على وجوب الابراد بالظهر عند شدة الحر، لأنه الأصل في الامر، وقيل: ~~إنه للاستحباب PageV01P109 # وإليه ذهب الجمهور، وظاهره عام للمنفرد، والجماعة، والبلد الحار، وغيره، ~~وفيه أقوال غير هذه. وقيل: الابراد سنة، والتعجيل أفضل، لعموم أدلة فضيلة ~~الوقت. وأجيب: بأنها عامة مخصوصة، بأحاديث الابراد. وعورض حديث الابراد: ~~بحديث خباب شكونا إلى رسول الله (ص) حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا، فلم ~~يشكنا أي: لم يزل شكوانا، وهو حديث صحيح رواه مسلم. وأجيب عنه بأجوبة: ~~أحسنها: أن الذي شكوه شدة الرمضاء في الأكف والجباه، وهذه لا تذهب عن الأرض ~~إلا اخر الوقت، أو بعد اخره، ولذا قال لهم (ص) صلوا الصلاة لوقتها كما هو ~~ثابت في رواية خباب هذه بلفظ: فلم يشكنا. وقال: صلوا الصلاة لوقتها رواها ~~ابن المنذر، فإنه دال على أنهم طلبوا تأخيرا زائدا عن وقت الابراد، فلا ~~يعارض حديث الامر بالابراد. وتعليل الابراد بأن شدة الحر من فيح جهنم: ~~يعني: وعند شدته يذهب الخشوع الذي هو روح الصلاة وأعظم المطلوب منها. قيل: ~~وإذا كان العلة ذلك، فلا يشرع الابراد في البلاد الباردة، وقال ابن العربي ~~في القبس: ليس في الابراد تحديد إلا ما ورد في حديث ابن مسعود: يعني الذي ~~أخرجه أبو داود، والحاكم من طريق الأسود عنه: كان قدر صلاة رسول الله (ص) ms0165 ~~الظهر في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام، وفي الشتاء خمسة أقدام، إلى ~~سبعة أقدام ذكره المصنف في التلخيص، وقد بينا ما فيه، وأنه لا يتم به ~~الاستدلال في المواقيت، وقد عرفت أن حديث الابراد يخصص فضيلة صلاة الظهر في ~~أول وقتها بزمان شدة الحر كما قيل: إنه مخصص بالفجر. # (وعن رافع بن خديج قال: قال رسول الله (ص): أصبحوا بالصبح) وفي رواية: ~~أسفروا (فإنه أعظم لأجوركم. رواه الخمسة، وصححه الترمذي وابن حبان)، وهذا ~~لفظ أبي داود. وبه احتجت الحنفية على تأخير الفجر إلى الاسفار. وأجيب عنه: ~~بأن استمرار صلاته (ص) بغلس، وبما أخرج أبو داود من حديث أنس: أنه (ص) أسفر ~~بالصبح مرة، ثم كانت صلاته بعد بغلس، حتى مات، يشعر بأن المراد: بأصبحوا ~~غير ظاهره، فقيل: المراد به تحقق طلوع الفجر، وأن أعظم ليس للتفضيل، وقيل ~~المراد به إطالة القراءة في صلاة الصبح، حتى يخرج منها مسفرا. وقيل: المراد ~~به الليالي المقمرة، فإنه لا يتضح أول الفجر معها، لغلبة نور القمر لنوره، ~~أو أنه (ص) فعله مرة واحدة لعذر، ثم استمر على خلافه، كما يفيده حديث أنس. ~~وأما الرد على حديث الاسفار بحديث عائشة عند ابن أبي شيبة، وغيره بلفظ: ما ~~صلى النبي (ص) الصلاة لوقتها الآخر حتى قبضه الله فليس بتام، لان الاسفار ~~ليس اخره وقت صلاة الفجر، بل اخر ما يفيده. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: من أدرك من الصبح ~~ركعة قبل أن تطلع الشمس) أي: وأضاف إليها أخرى بعد طلوعها، (فقد أدرك ~~الصبح) ضرورة أنه ليس المراد: من صلى ركعة فقد. والمراد فقط أدرك صلاته ~~أداء، لوقوع ركعة في الوقت (ومن أدرك ركعة من العصر) ففعلها (قبل ~~PageV01P110 # أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)، وإن فعل الثلاث بعد الغروب (متفق عليه). # وإنما حملنا الحديث على ما ذكرنا من أن المراد: الاتيان بالركعة بعد ~~الطلوع، وبالثلاث بعد الغروب، للاجماع على أنه ليس المراد: من أتى بركعة ~~فقط من الصلاتين صار مدركا ms0166 لهما. # وقد ورد في الفجر صريحا في رواية البيهقي بلفظ: من أدرك من الصبح ركعة ~~قبل أن تطلع الشمس، وركعة بعد أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصلاة، وفي رواية: ~~من أدرك في الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، فليصل إليها أخرى، وفي العصر من ~~حديث أبي هريرة 9 بلفظ من صلى من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس، ثم صلى ما ~~بقي بعد غروبها لم يفته العصر، والمراد من الركعة: الاتيان بواجباتها من ~~الفاتحة واستكمال الركوع والسجود. وظاهر الأحاديث أن الكل أداء، وأن ~~الاتيان بعضها قبل خروج الوقت ينسحب حكمه على ما بعد خروجه فضلا من الله. ~~ثم مفهوم ما ذكر: أنه من أدرك دون ركعة، لا يكون مدركا للصلاة، إلا أن ~~قوله: # (ولمسلم عن عائشة رضي الله عنها نحوه، وقال: سجدة بدل ركعة) فإنه ظاهر أن ~~من أدرك سجدة صار مدركا للصلاة، إلا أن قوله: (ثم قال) أي الراوي، ويحتمل ~~أنه النبي (ص) : (والسجدة إنما هي الركعة): يدفع أن يراد بالسجدة نفسها، ~~لان هذا التفسير: إن كان من كلامه (ص)، فلا إشكال، وإن كان من كلام الراوي، ~~فهو أعرف بما روى. وقال الخطابي: المراد بالسجدة: الركعة بسجودها وركوعها، ~~والركعة إنما تكون تامة بسجودها، فسميت على هذا المعنى سجدة اه‍، ولو بقيت ~~السجدة على بابها لأفادت أن من أدرك ركعة بإحدى سجدتيها صار مدركا، وليس ~~بمراد، لورود سائر الأحاديث بلفظ الركعة، فتحمل رواية السجدة عليها، فيبقى ~~مفهوم من أدرك ركعة سالما عما يعارضه. ويحتمل: أن من أدرك سجدة فقط، صار ~~مدركا للصلاة، كمن أدرك ركعة، ولا ينافي ذلك ورود من أدرك ركعة: لان مفهومه ~~غير مراد بدليل: من أدرك سجدة ويكون الله تعالى قد تفضل، فجعل من أدرك سجدة ~~مدركا، كمن أدرك ركعة، ويكون اخباره (ص) بإدراك الركعة قبل أن يعلمه الله ~~جعل من أدرك السجدة مدركا للصلاة، فلا يرد: أنه قد علم أن من أدرك الركعة ~~فقد أدرك الصلاة بطريق الأولى. وأما قوله: والسجدة إنما هي الركعة، فهو ~~محتمل ms0167 أنه من كلام الراوي، وليس بحجة، وقولهم تفسير الراوي مقدم: كلام ~~أغلبي، وإلا فحديث: فرب مبلغ أوعى من سامع، وفي لفظ: أفقه يدل على أنه يأتي ~~بعد السلف من هو أفقه منهم. ثم ظاهر الحديث: أن من أدرك الركعة من صلاة ~~الفجر، أو العصر: لا تكره الصلاة في حقه عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وإن ~~كانا وقتي كراهة، ولكن في حق المتنفل فقط، وهو الذي أفاده قوله: # (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: لا ~~صلاة) أي نافلة (بعد الصبح) أي صلاته، أو زمانه (حتى تطلع الشمس ولا صلاة ~~بعد العصر) أي صلاته، أو وقته (حتى تغيب الشمس. متفق عليه. ولفظ ~~PageV01P111 # مسلم: لا صلاة بعد صلاة الفجر) فعينت المراد من قوله بعد الفجر، فإنه ~~يحتمل ما ذكرناه، كمورد في رواية: - لا صلاة بعد العصر نسبها ابن الأثير ~~إلى الشيخين، وفي رواية: صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر ستأتي فالنفي ~~قد توجه إلى ما بعد فعل صلاة الفجر، وفعل صلاة العصر، ولكنه بعد طلوع الفجر ~~لا صلاة إلا نافلته فقط، وأما بعد دخول العصر فالظاهر إباحة النافلة مطلقا ~~ما لم يصل العصر، وهذا نفي للصلاة الشرعية، وهو في معنى النهي، والأصل فيه ~~التحريم. فدل على تحريم النفل في هذين الوقتين مطلقا. والقول: بأن ذات ~~السبب تجوز، كتحية المسجد مثلا، وما لا سبب لها لا تجوز، قد بينا أنه لا ~~دليل عليه في حواشي شرح العمدة: وأما صلاته (ص) ركعتين بعد صلاة العصر في ~~منزله، كما أخرجه البخاري من حديث عائشة: ما ترك السجدتين بعد العصر عندي ~~قط: وفي لفظ: لم يكن يدعهما سرا ولا علانية. فقد أجيب عنه: بأنه (ص) صلاهما ~~قضاء لنافلة الظهر لما فاتته، ثم استمر عليهما، لأنه كان إذا عمل عملا ~~أثبته، فدل على جواز قضاء الفائتة في وقت الكراهة، وبأنه من خصائصه جواز ~~النفل في ذلك الوقت، كما دل له حديث أبي داود عن عائشة: أنه كان يصلي بعد ~~العصر، ms0168 وينهي عنها، وكان يواصل، وينهي عن الوصال. وقد ذهب طائفة من ~~العلماء: إلى أنه لا كراهة للنفل بعد صلاتي الفجر والعصر، لصلاته (ص) هذه ~~بعد العصر، ولتقريره (ص) لمن رآه يصلي بعد صلاة الفجر نافلة الفجر، ولكنه ~~يقال هذان دليلان على جواز قضاء النافلة في وقت الكراهة، لا أنهما دليلان ~~على أنه لا يكره النفل مطلقا إذ الأخص لا يدل على رفع الأعم، بل يخصصه، وهو ~~من تخصيص الأقوال بالأفعال، على أنه يأتي النص على أن من فاتته نافلة ~~الظهر، فلا يقضيها بعد العصر، ولأنه لو تعارض القول، والفعل، كان القول ~~مقدما عليه. فالصواب أن هذين الوقتين يحرم فيهما إذن النوافل، كما تحرم في ~~الأوقات الثلاثة التي أفادها. # (وله) أي لمسلم (عن عقبة) بضم العين المهملة وسكون القاف فموحدة مفتوحة ~~(ابن عامر) هو أبو حماد، أو أبو عامر، عقبة بن عامر الجهني. كان عاملا ~~لمعاوية على مصر، وتوفي بها سنة ثمان وخمسين، وذكر خليفة: أنه قتل يوم ~~النهروان مع علي عليه السلام، وغلطه ابن عبد البر. (ثلاث ساعات كان رسول ~~الله (ص) ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر) بضم الباء وكسرها (فيهن موتانا: ~~حتى تطلع الشمس بازغة حتى ترفع) بين قدر ارتفاعها الذي عنده تزول الكراهة: ~~حديث عمرو بن عبسة بلفظ: وترتفع قيس رمح أو رمحين وقيس بكسر القاف وسكون ~~المثناة التحتية فسين مهملة: أي قدر، أخرجه أبو داود، والنسائي (وحين يقوم ~~قائم الظهيرة) في حديث ابن عبسة: حتى يعدل الرمح ظله (حتى تزول الشمس) أي ~~تميل عن كبد السماء (وحين تتضيف) بفتح المثناة الفوقية فمثناة بعدها وفتح ~~الضاد المعجمة وتشديد الياء وفاء: أي تميل (الشمس للغروب). # فهذه ثلاثة أوقات، إن انضافت إلى الأولين كانت خمسة، إلا أن الثلاثة تختص ~~بكراهة أمرين: # دفن الموتى، والصلاة، والوقتان الأولان يختصان بالنهي عن الثاني منهما، ~~وقد ورد تعليل النهي PageV01P112 # عن هذه الثلاثة في حديث ابن عبسة عند من ذكر: بأن الشمس عند طلوعها تطلع ~~بين قرني شيطان، فيصلي لها الكفار، وبأنه عند قيام ms0169 قائم الظهيرة تسجر جهنم، ~~وتفتح أبوابها، وبأنها تغرب بين قرني شيطان، ويصلي لها الكفار: ومعنى قوله: ~~قائم الظهيرة قيام الشمس وقت الزوال، من قولهم: قامت به دابته: وقفت. ~~والشمس إذا بلغت وسط السماء أبطأت حركة الظل إلى أن تزول، فيتخيل الناظر ~~المتأمل أنها وقفت وهي سائرة. والنهي عن هذه الأوقات الثلاثة: # عام بلفظه لفرض الصلاة ونفلها. والنهي للتحريم، كما عرفت من أنه أصله. ~~وكذا يحرم قبر الموتى فيها. ولكن فرض الصلاة أخرجه حديث: من نام عن صلاته ~~الحديث، وفيه: # فوقتها حين يذكرها، ففي أي وقت ذكرها، أو استيقظ من نومه أتى بها. وكذا ~~من أدرك ركعة قبل غروب الشمس، وقبل طلوعها لا يحرم عليه، بل يجب عليه ~~أداؤها في ذلك الوقت، فيخص النهي بالنوافل دون الفرائض. وقيل: بل يعمها ~~بدليل: أنه (ص) لما نام في الوادي عن صلاة الفجر، ثم استيقظ لم يأت بالصلاة ~~في ذلك الوقت، بل أخرها إلى أن خرج الوقت المكروه. وأجيب عنه، أولا: بأنه ~~(ص) لم يستيقظ هو وأصحابه إلا حين أصابهم حر الشمس، كما ثبت في الحديث، ولم ~~يوقظهم حرها، إلا وقد ارتفعت وزال وقت الكراهة. وثانيا: بأنه قد بين (ص) ~~تأخير أدائها عند الاستيقاظ: بأنهم في واد حضر فيه الشيطان، فخرج (ص) عنه ~~وصلى في غيره، وهذا التعليل يشعر بأنه ليس التأخير لأجل وقت الكراهة: لو ~~سلم أنهم استيقظوا ولم يكن قد خرج الوقت. فتحصل من الأحاديث: أنها تحرم ~~النوافل في الأوقات الخمسة، وأنه يجوز أن تقضي النوافل بعد صلاة الفجر، ~~وصلاة العصر. أما صلاة العصر، فلما سلف من صلاته (ص) قاضيا لنافلة الظهر ~~بعد العصر، إن لم نقل: إنه خاص به. وأما صلاة الفجر، فلتقريره لمن صلى ~~نافلة الفجر بعد صلاته، وأنها تصلى الفرائض في أي الأوقات الخمسة لنائم، ~~وناس، ومؤخر عمدا، وإن كان اثما بالتأخير. والصلاة أداء في الكل، ما لم ~~يخرج وقت العامد، فهي قضاء في حقه. # ويدل على تخصيص وقت الزوال يوم الجمعة من هذه الأوقات بجواز النفل فيه: ~~الحديث ms0170 الآتي. # وهو قوله: # (والحكم الثاني) وهو النهي عن الصلاة وقت الزوال، والحكم الأول النهي ~~عنها عند طلوع الشمس، إلا أنه تسامح المصنف في تسميته حكما، فإن الحكم في ~~الثلاثة الأوقات واحد، وهو النهي عن الصلاة فيها، وإنما هذا الثاني أحد ~~محلات الحكم، لا أنه حكم ثان. # وفسر الشارح الحكم الثاني: بالنهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة، كما ~~أفاده حديث أبي سعيد، وحديث عقبة، لكن فيه أنه الحكم الأول، لان الثاني هو ~~النهي عن قبر الأموات، فإنه الثاني في حديث عقبة، وفيه: أنه يلزم أن زيادة ~~استثناء يوم الجمعة يعم الثلاثة الأوقات في عدم الكراهة، وليس كذلك اتفاقا، ~~إنما الخلاف في ساعة الزوال يوم الجمعة (عند الشافعي من حديث أبي هريرة ~~بسند ضعيف وزاد) فيه: (إلا يوم الجمعة). والحديث المشار إليه أخرجه البيهقي ~~في المعرفة: من حديث عطاء بن عجلان عن أبي نضرة عن أبي سعيد، وأبي هريرة ~~قالا: PageV01P113 # كان رسول الله (ص) ينهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال: # إنما كان ضعيفا، لان فيه إبراهيم بن يحيى، وإسحاق بن عبد الله بن أبي ~~فروة، وهما ضعيفان، ولكنه يشهد له قوله: # . (وكذا لأبي داود عن أبي قتادة نحوه). ولفظه: وكره النبي (ص) الصلاة نصف ~~النهار إلا يوم الجمعة، وقال: إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة. قال أبو داود: # إنه مرسل، وفيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف. إلا أنه أيده فعل أصحاب النبي ~~(ص)، فإنهم كانوا يصلون نصف النهار يوم الجمعة. ولأنه (ص) حث على التبكير ~~إليها ثم رغب في الصلاة إلى خروج الامام من غير تخصيص، ولا استثناء. ثم ~~أحاديث النهي عامة لكل محل يصلي فيه، إلا أنه خصها بغير مكة قوله: # (وعن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة وسكون المثناة التحتية فراء (ابن ~~مطعم) بضم الميم وسكون الطاء وكسر العين المهملة، وهو أبو محمد: جبير بن ~~مطعم بن عدي بن نوفل: # القرشي النوفلي، كنيته أبو أمية. أسلم قبل الفتح، ونزل المدينة، ومات بها ~~سنة أربع، أو سبع، أو ms0171 تسع وخمسين. وكان جبير عالما بأنساب قريش، قيل: إنه ~~أخذ ذلك من أبي بكر. (قال: قال رسول الله (ص): يا بني عبد مناف لا تمنعوا ~~أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار رواه الخمسة، وصححه ~~الترمذي وابن حبان)، وأخرجه الشافعي، وأحمد، والدارقطني، وابن خزيمة، ~~والحاكم من حديث جبير أيضا. وأخرجه الدارقطني من حديث ابن عبا س. وأخرجه ~~غيرهم. وهو دال على أنه لا يكره الطواف بالبيت، ولا الصلاة فيه، في أي ساعة ~~من ساعات الليل والنهار، وقد عارض ما سلف. فالجمهور: عملوا بأحاديث النهي، ~~ترجيحا لجانب الكراهة، ولان أحاديث النهي ثابتة في الصحيحين، وغيرهما، وهي ~~أرجح من غيرها. وذهب الشافعي وغيره: إلى العمل بهذا الحديث، قالوا: لان ~~أحاديث النهي قد دخلها التخصيص بالفائتة والنوم عنها، والنافلة التي تقضى، ~~فضعفوا جانب عمومها، فتخصص أيضا بهذا الحديث. ولا تكره النافلة بمكة في أي ~~ساعة من الساعات. وليس هذا خاصا بركعتي الطواف، بل يعم كل نافلة لرواية ابن ~~حبان في صحيحه: يا بني عبد المطلب: # إن كان لكم من الامر شئ، فلا أعرفن أحدا منكم يمنع من يصلي عند البيت، أي ~~ساعة شاء من ليل أو نهار. قال في النجم الوهاج: وإذا قلنا: بجواز النفل، ~~يعني في المسجد الحرام في أوقا ت الكراهة، فهل يختص ذلك بالمسجد الحرام، أو ~~يجوز في جميع بيوت حرم مكة؟ فيه وجهان، والصواب: أنه يعم جميع الحرم. # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما: عن النبي (ص) قال: الشفق الحمرة رواه ~~الدارقطني، وصححه ابن خزيمة. وغيره وقفه على ابن عمر). وتمام الحديث: # فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه من حديث ابن عمر ~~مرفوعا: # ووقت صلاة المغرب: إلى أن تذهب حمرة الشفق، وقال البيهقي: روى هذا الحديث ~~عن علي، وعمر، وابن عباس، وعبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، وأبي هريرة، ولا ~~يصح منها شئ: قلت: PageV01P114 # البحث لغوي، والمرجع فيه إلى أهل اللغة وقح الغرب، فكلامه حجة وإن كان ~~موقوفا عليه. # وفي ms0172 القاموس: الشفق محركة: الحمرة في الأفق من الغروب إلى العشاء، وإلى ~~قريبها، أو إلى قريب العتمة اه‍. والشافعي يرى. أن وقت المغرب عقيب غروب ~~الشمس بما يتسع لخمس ركعات، ومضى قدر الطهارة، وستر العورة، وأذان، وإقامة، ~~لا غير، وحجته حديث جبريل: أنه صلى به (ص) المغرب في اليومين معا، في وقت ~~واحد عقيب غروب الشمس. قال: فلو كان للمغرب وقت ممتد لاخره إليه، كما أخر ~~الظهر إلى مصير ظل الشئ مثله في اليوم الثاني. # وأجيب عنه: بأن حديث جبريل متقدم في أول فرض الصلاة بمكة اتفاقا، ~~وأحاديث: أن اخر وقت المغرب الشفق: متأخرة واقعة في المدينة أقوالا ~~وأفعالا، فالحكم لها، وبأنها أصح إسنادا من حديث توقيت جبريل، فهي مقدمة ~~عند التعارض. وأما الجواب بأنها أقوال وخبر جبريل فعل فغير ناهض، فإن خبر ~~جبريل فعل وقول، فإنه قال له (ص) بعد أن صلى به الأوقات الخمسة: ما بين ~~هذين الوقتين وقت لك ولامتك نعم، لا بينية بين المغرب والعشاء على صلاة ~~جبريل، فيتم الجواب: بأنه فعل بالنظر إلى وقت المغرب، والأقوال مقدمة على ~~الأفعال عند التعارض على الأصح. وأما هنا، فما ثم تعارض، إنما الأقوال ~~أفادت زيادة في الوقت للمغرب، من الله بها. قلت: لا يخفى أنه كان الأولى ~~تقديم هذا الحديث في أول باب الأوقات عقب أول حديث فيه، وهو حديث عبد الله ~~بن عمر رضي الله عنه. واعلم أن هذا القول هو قول الشافعي في الجديد، وقوله ~~القديم: إن لها وقتين: أحدهما هذا، والثاني يمتد إلى مغيب الشفق، وصححه ~~أئمة من أصحابه، كابن خزيمة، والخطابي، والبيهقي، وغيرهم. وقد ساق النووي ~~في شرح المهذب الأدلة على امتداده إلى الشفق، فإذا عرفت الأحاديث الصحيحة ~~تعين القول به جزما، لان الشافعي نص عليه في القديم، وعلق القول به في ~~الاملاء على ثبوته، وقد ثبت الحديث، بل أحاديث. # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): # الفجر) أي لغة (فجران: فجر يحرم الطعام) يريد على الصائم (وتحل فيه ~~الصلاة) أي ms0173 يدخل وقت وجوب صلاة الفجر (وفجر تحرم فيه الصلاة - أي صلاة ~~الصبح)، فسره بها، لئلا يتوهم أنها تحرم فيه مطلق الصلاة، والتفسير يحتمل ~~أنه منه (ص)، وهو الأصل، ويحتمل أنه من الراوي (ويحل فيه الطعام. رواه ابن ~~خزيمة، والحاكم، وصححاه). لما كان الفجر لغة مشتركا بين الوقتين، وقد أطلق ~~في بعض أحاديث الأوقات: # أن أول صلاة الصبح الفجر، بين (ص) المراد به، وأنه: الذي له علامة ظاهرة ~~واضحة، وهي التي أفاده قوله: # (وللحاكم من حديث جابر: نحوه) نحو حديث ابن عباس ولفظه في المستدرك: # الفجر فجران: فأما الفجر الذي يكون كذنب السرحان، فلا يحل الصلاة، ويحل ~~الطعام، وأما الذي يذهب مستطيلا في الأفق، فإنه يحل الصلاة، ويحرم الطعام، ~~وقد عرفت معنى قول المصنف: # (وزاد في الذي يحرم الطعام أنه يذهب مستطيلا) أي ممتدا (في الأفق) وفي ~~رواية PageV01P115 # للبخاري: أنه (ص) مد يده عن يمينه ويساره، (وفي الآخر) وهو الذي لا تحل ~~فيه الصلاة ولا يحرم فيه الطعام: أي وقال في الاخر: (إنه) في صفته (كذنب ~~السرحان) بكسر السين المهملة وسكون الراء فحاء مهملة وهو الذئب: والمراد ~~أنه لا يذهب مستطيلا ممتدا، بل يرتفع في السماء كالعمود، وبينهما ساعة، ~~فإنه يظهر الأول، وبعد ظهوره يظهر الثاني ظهورا بينا. فهذا فيه بيان وقت ~~الفجر: وهو أول وقته، وآخره ما يتسع لركعة، كما عرفت. # ولما كان لكل وقت أول واخر، بين (ص) الأفضل منهما في الحديث الآتي وهو: # (وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله (ص): أفضل الأعمال ~~الصلاة في أول وقتها رواه الترمذي، والحاكم، وصححاه، وأصله في الصحيحين). # أخرجه البخاري عن ابن مسعود بلفظ: سألت النبي (ص) أي العمل أحب إلى الله؟ ~~قال: الصلاة لوقتها وليس فيه لفظ أول. فالحديث دل على أفضلية الصلاة في أول ~~وقتها، على كل عمل من الأعمال، كما هو ظاهر التعريف للأعمال باللام. وقد ~~عورض بحديث: أفضل الأعمال إيمان بالله، ولا يخفى أنه معلوم: أن المراد من ~~الأعمال في حديث ابن مسعود: ما ms0174 عدا الايمان، فإنه إنما سأل عن أفضل أعمال ~~أهل الايمان. فمراده: غير الايمان، قال ابن دقيق العيد: الأعمال هنا. أي في ~~حديث ابن مسعود محمولة على البدنية، فلا تتناول أعمال القلوب، فلا تعارض ~~حديث أبي هريرة: أفضل الأعمال: الايمان بالله عز وجل. ولكنها قد وردت ~~أحاديث أخر في أنواع من أعمال البر، بأنها أفضل الأعمال، فهي التي تعارض ~~حديث الباب ظاهرا. وقد أجيب: بأنه (ص) أخبر كل مخاطب بما هو أليق به، وهو ~~به أقوم، وإليه أرغب، ونفعه فيه أكثر. فالشجاع أفضل الأعمال في حقه: ~~الجهاد، فإنه أفضل من تخليه للعبادة. والغني أفضل الأعمال في حقه: الصدقة، ~~وغير ذلك، أو أن كلمة من مقدرة، والمراد من أفضل الأعمال، أو كلمة أفضل لم ~~يرد بها الزيادة، بل الفضل المطلق. وعورض تفضيل الصلاة في أول وقتها، على ~~ما كان منها في غيره بحديث العشاء، فإنه قال (ص): لولا أن أشق على أمتي ~~لاخرتها يعني: إلى النصف، أو قريب منه. وبحديث الاصباح، أو الاسفار بالفجر، ~~وبأحاديث الابراد بالظهر. والجواب: أن ذلك تخصيص لعموم أول الوقت، ولا ~~معارضة بين عام وخاص. وأما القول: بأن ذكر أول وقتها تفرد به علي بن حفص من ~~بين أصحاب شعبة، وأنهم كلهم رووه بلفظ: على وقتها من دون ذكر أول. فقد أجيب ~~عنه من حيث الرواية: بأن تفرده لا يضر، فإنه شيخ صدوق من رجال مسلم، ثم قد ~~صحح هذه الرواية الترمذي، والحاكم، وأخرجها ابن خزيمة في صحيحه، ومن حيث ~~الدراية أن رواية لفظ: على وقتها تفيد: معنى لفظ: أول، لان كلمة على تقتضي ~~الاستعلاء على جميع الوقت، ورواية: لوقتها باللام تفيد ذلك، لان المراد ~~استقبال وقتها، ومعلوم ضرورة شرعية: أنها لا تصح قبل دخوله، فتعين أن ~~المراد لاستقبالكم الأكثر من وقتها، وذلك بالاتيان بها أول وقتها، ولقوله ~~تعالى: * (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات) *، ولأنه (ص) كان دأبه دائما ~~الاتيان بالصلاة في أول وقتها، ولا يفعل إلا الأفضل. # إلا لما ذكرناه كالأسفار، ونحوه كالعشاء. ولحديث علي عند أبي ms0175 داود: ثلاث ~~لا تؤخر، ثم PageV01P116 # ذكر منها الصلاة إذا حضر وقتها والمراد: أذلك الأفضل، وإلا فإن تأخيرها ~~بعد حضور وقتها جائز، ويدل له أيضا قوله. # (وعن أبي محذورة) بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وضم الذال المعجمة بعد ~~الواو راء. واختلفوا في اسمه على أقوال: أصحها أنه سمرة بن معين بكسر الميم ~~وسكون العين المهملة وفتح المثناة التحتية، وقال ابن عبد البر: إنه اتفق ~~العالمون بطريق أنساب قريش: أن اسم أبي محذورة: أوس، وأبو محذورة مؤذن ~~النبي (ص). أسلم عام الفتح، وأقام بمكة إلى أن مات وهو يؤذن بها للصلاة، ~~مات سنة تسع وخمسين. (أن النبي (ص) قال: # أول الوقت) أي للصلاة المفروضة (رضوان الله) أي: يحصل بأدائها فيه رضوان ~~الله تعالى عن فاعلها. (وأوسطه رحمة الله) أي يحصل لفاعل الصلاة في رحمته، ~~ومعلوم أن رتبة الرضوان أبلغ (وآخره عفو الله) ولا عفو إلا عن ذنب (أخرجه ~~الدارقطني بسند ضعيف)، لأنه من رواية يعقوب بن الوليد المدني. قال أحمد: ~~كان من الكذابين الكبار، وكذبه ابن معين، وتركه النسائي، ونسبه ابن حبان ~~إلى الوضع، كذا في حواشي القاضي. وفي الشرح: أن في إسناده: # إبراهيم بن زكريا البجلي، وهو متهم، ولذا قال المصنف (جدا) مؤكدا لضعفه، ~~وقدمنا إعراب جدا، ولا يقال: إنه يشهد له قوله: # (وللترمذي من حديث ابن عمر نحوه) في ذكر أول الوقت وآخره (دون الأوسط وهو ~~ضعيف أيضا)، لان فيه يعقوب بن الوليد أيضا، وفيه ما سمعت، وإنما قلنا لا ~~يصح شاهدا، لان الشاهد والمشهود له فيهما، من قال الأئمة فيه: إنه كذاب، ~~فكيف يكون شاهدا ومشهودا له؟ # وفي الباب عن جابر، وابن عباس، وأنس، وكلها ضعيفة. وفيه عن علي عليه ~~السلام: من رواية موسى بن محمد عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده عن علي. ~~قال البيهقي: إسناده فيما أظن أصح ما روي في هذا الباب، مع أنه معلول، فإن ~~المحفوظ روايته عن جعفر بن محمد عن أبيه موقوفا. قال الحاكم. لا أعرف فيه ~~حديثا، يصح عن النبي ms0176 (ص)، ولا عن أحد من الصحابة، وإنما الرواية فيه عن ~~جعفر بن محمد عن أبيه موقوفا. قلت: إذا صح هذا الموقوف، فله حكم الرفع، ~~لأنه لا يقال في الفضائل بالرأي، وفيه احتمال. ولكن هذه الأحاديث، وإن لم ~~تصح، فالمحافظة منه (ص) على الصلاة أول الوقت: دالة على أفضليته، وغير ذلك ~~من الشواهد التي قدمناها. # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما: - أن رسول الله (ص) قال: لا صلاة بعد الفجر ~~إلا سجدتين) أي ركعتي الفجر، كما يفسره ما بعده (أخرجه الخمسة إلا النسائي) ~~وأخرجه أحمد، والدارقطني، قال الترمذي: غريب، لا يعرف، إلا من حديث قدامة ~~بن موسى. والحديث: دليل على تحريم النافلة بعد طلوع الفجر قبل صلاته، إلا ~~سنة الفجر. PageV01P117 # وذلك أنه، وإن كان لفظه نفيا، فهو في معنى النهي، وأصل النهي التحريم. ~~قال الترمذي: # أجمع أهل العلم على كراهة أن يصلي الرجل بعد الفجر إلا ركعتي الفجر. قال ~~المصنف: # دعوى الترمذي الاجماع عجيب. فإن الخلاف فيه مشهور، حكاه ابن المنذر، ~~وغيره، وقال الحسن البصري: لا بأس بها، وكان مالك يرى: أن يفعل من فاتته ~~الصلاة في الليل. والمراد ببعد الفجر: بعد طلوعه كما دل له قوله: (وفي ~~رواية عبد الرزاق) أي عن ابن عمر: (لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي ~~الفجر)، وكما يدل له قوله. # (ومثله للدارقطني عن عمرو بن العاص)، رضي الله عنه. فإنهما فسرا المراد ~~ببعد الفجر، وهذا وقت سادس من الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها، وقد عرفت ~~الخمسة الأوقات مما مضى، إلا أنه قد عارض النهي عن الصلاة بعد العصر الذي ~~هو أحد الستة الأوقات الحديث (وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: صلى رسول ~~الله (ص) العصر ثم دخل بيتي فصلى ركعتين فسألته) في سؤالها: ما يدل على أنه ~~(ص) لم يصلهما قبل ذلك عندها، أو أنها قد كانت علمت بالنهي، فاستنكرت ~~مخالفة الفعل له (فقال شغلت عن ركعتين بعد الظهر) قد بين الشاغل له (ص): ~~أنه أتاه ناس من عبد القيس، وفي رواية ms0177 عن ابن عباس عند الترمذي: أنه (ص) ~~وسلم أتاه ما شغله عن الركعتين بعد الظهر (فصليتهما الآن) أي: قضاء عن ذلك، ~~وقد فهمت أم سلمة أنهما قضاء، فلذا قالت: (قلت: أفنقضيهما إذا فاتتا؟) أي ~~كما قضيتهما في هذا الوقت (قال: لا) أي لا تقضوهما في هذا الوقت، بقرينة ~~السياق، وإن كان النفي غير مقيد (أخرجه أحمد) إلا أنه سكت عليه المصنف هنا. ~~وقال بعد سياقه له في فتح الباري: إنها رواية ضعيفة لا تقوم بها حجة، ولم ~~يبين هنالك وجه ضعفها، وما كان يحسن منه أن يسكت هنا عما قيل فيه. # والحديث: دليل على ما سلف من أن القضاء في ذلك الوقت كان من خصائصه (ص). # وقد دل على هذا حديث عائشة: أنه (ص)، كان يصلي بعد العصر، وينهى عنها، ~~ويواصل، وينهى عن الوصال أخرجه أبو داود، ولكن قال البيهقي: الذي اختص به ~~(ص): المداومة على الركعتين بعد العصر، لا أصل القضاء اه‍. ولا يخفى أن ~~حديث أم سلمة المذكور: يرد هذا القول، ويدل على أن القضاء خاص به أيضا، ~~وهذا الذي أخرجه أبو داود، هو الذي أشار إليه المصنف بقوله: # (ولأبي داود عن عائشة رضي الله عنها بمعناه). تقدم الكلام فيه. # باب الأذان الأذان لغة: الاعلام، قال وأذان من الله ورسوله وشرعا: ~~الاعلام بوقت الصلاة: بألفاظ مخصوصة، وكان فرضه بالمدينة في السنة الأولى ~~من الهجرة، ووردت أحاديث تدل على أنه شرع بمكة. والصحيح الأول. # (عن عبد الله بن زيد) هو أبو محمد عبد الله بن زيد (بن عبد ربه) الأنصاري ~~PageV01P118 # الخزرجي. شهد عبد الله العقبة وبدرا والمشاهد بعدها، مات بالمدينة سنة ~~اثنتين وثلاثين. # (قال: طاف بي وأنا نائم رجل). وللحديث سبب، هو ما في الروايات: أنه لما ~~كثر الناس، ذكروا: أن يعلموا وقت الصلاة بشئ يجمعهم لها، فقالوا: لو اتخذنا ~~ناقوسا؟ فقال رسول الله (ص): ذلك للنصارى، فقالوا: لو اتخذنا بوقا؟ قال: ~~ذلك لليهود، فقالوا: لو رفعنا نارا؟ قال: ذلك للمجوس، فافترقوا، فرأى عبد ~~الله بن زيد، فجاء إلى ms0178 النبي (ص)، فقال: طاف بي الحديث، وفي سنن أبي داود: ~~فطاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده، فقلت: يا عبد الله، أتبيع ~~الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة. قال أفلا أدلك على ما ~~هو خير من ذلك قلت: بلى (فقال: تقول: الله أكبر الله أكبر، فذكر الأذان) أي ~~إلى اخره (بتربيع التكبير) تكريره أربعا، ويأتي ما عاضده، وما عارضه (بغير ~~ترجيع) أي في الشهادتين. قال في شرح مسلم: هو العود إلى الشهادتين برفع ~~الصوت بعد قولهما مرتين بخفض الصوت، ويأتي قريبا (والإقامة فرادى) لا تكرير ~~في شئ من ألفاظها (إلا قد قامت الصلاة) فإنها تكرر (قال: فلما أصبحت أتيت ~~رسول الله (ص) فقال: إنها لرؤيا حق. الحديث. أخرجه أحمد، وأبو داود، وصححه ~~الترمذي، وابن خزيمة). الحديث دليل على مشروعية الأذان للصلاة، دعاء ~~للغائبين ليحضروا إليها، ولذا اهتم (ص) في النظر في أمر يجمعهم للصلاة، وهو ~~إعلام بدخول وقتها أيضا، واختلف العلماء في وجوبه، ولا شك أنه من شعار أهل ~~الاسلام، ومن محاسن ما شرعه الله. وأما وجوبه، فالأدلة فيه محتملة، وتأتي. ~~وكمية ألفاظه قد اختلف فيها. وهذا الحديث دل على أنه يكبر في أوله أربع ~~مرات، وقد اختلفت الرواية، فوردت بالتثنية في حديث أبي محذورة في بعض ~~رواياته، وفي بعضها بالتربيع أيضا. فذهب الأكثر: إن العمل بالتربيع، لشهرة ~~روايته، ولأنها زيادة عدل فهي مقبولة، ودل الحديث على عدم مشروعية الترجيع، ~~وقد اختلف في ذلك، فمن قال إنه غير مشروع عمل بهذه الرواية، ومن قال: إنه ~~مشروع: عمل بحديث أبي محذورة وسيأتي. # ودل على أن الإقامة تفرد ألفاظها، إلا لفظ الإقامة فإنه يكررها. وظاهر ~~الحديث أنه يفرد التكبير في أولها، ولكن الجمهور على أن التكبير في أولها ~~يكرر مرتين، قالوا: ولكنه بالنظر إلى تكريره في الأذان أربعا، كأنه غير ~~مكرر فيها، وكذلك يكرر في اخرها، ويكرر لفظ الإقامة، وتفرد بقية الألفاظ. ~~وقد أخرج البخاري حديث: أمر بلال: أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا ~~الإقامة وسيأتي، ms0179 وقد استدل به من قال: الأذان في كل كلماته مثنى مثنى، ~~والإقامة ألفاظها مفردة، إلا قد قامت الصلاة، وقد أجاب أهل التربيع: بأن ~~هذه الرواية صحيحة دالة على ما ذكر، لكن رواية التربيع قد صحت بلا مرية، ~~وهي زيادة من عدل مقبولة، فالقائل بتربيع التكبير أول الأذان قد عمل ~~بالحديثين، ويأتي أن رواية: يشفع الأذان لا تدل على عدم التربيع للتكبير. ~~هذا، ولا يخفى أن لفظ: كلمة التوحيد في اخر الأذان، والإقامة مفردة ~~بالاتفاق، فهو خارج عن الحكم بالأمر بشفع الأذان. قال العلماء: والحكمة في ~~تكرير الأذان وإفراد ألفاظ الإقامة هي: أن الأذان لاعلام الغائبين، فاحتيج ~~إلى التكرير، ولذا يشرع فيه رفع الصوت PageV01P119 # وأن يكون على محل مرتفع، بخلاف الإقامة، فإنها لاعلام الحاضرين، فلا حاجة ~~إلى تكرير ألفاظها، ولذا شرع فيها خفض الصوت والحدر، وإنما كررت جملة قد ~~قامت الصلاة لأنها مقصود الإقامة (وزاد أحمد في اخره) ظاهره في حديث عبد ~~الله بن زيد: (قصة قول بلال في أذان الفجر الصلاة خير من النوم) روى ~~الترمذي، وابن ماجة، وأحمد من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال قال: ~~قال لي رسول الله (ص): لا تثوبن في شئ من الصلاة، إلا في صلاة الفجر إلا أن ~~فيه ضعيفا، وفيه انقطاع أيضا. وكان على المصنف أن يذكر ذلك على عادته، ~~ويقال التثويب مرتين كما في سنن أبي داود، وليس الصلاة خير من النوم في ~~حديث عبد الله بن زيد، كما ربما توهمه عبارة المصنف حيث قال في اخره، وإنما ~~يريد أن أحمد ساق رواية عبد الله بن زيد، ثم وصل بها رواية بلال (ولابن ~~خزيمة عن أنس رضي الله عنه قال: من السنة) أي طريقة النبي (ص) (إذا قال ~~المؤذن في الفجر: حي على الفلاح) الفلاح: هو الفوز والبقاء. أي هلموا إلى ~~سبب ذلك (قال: الصلاة خير من النوم) وصححه ابن السكن، وفي رواية النسائي: ~~الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم في الأذان الأول من الصبح وفي ~~هذا تقييد ms0180 لما أطلقته الروايات. قال ابن رسلان: وصحح هذه الرواية ابن ~~خزيمة. قال: فشرعية التثويب إنما هي في الأذان الأول للفجر، لأنه لايقاظ ~~النائم، وأما الأذان الثاني فإنه إعلام بدخول الوقت، ودعاء إلى الصلاة. ~~ولفظ النسائي في سننه الكبرى: من جهة سفيان عن أبي جعفر عن أبي سليمان عن ~~أبي محذورة. قال: كنت أؤذن لرسول الله (ص)، فكنت أقول في أذان الفجر الأول: ~~حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم ~~قال ابن حزم: وإسناده صحيح اه‍ من تخريج الزركشي لأحاديث الرافعي. ومثل ذلك ~~في سنن البيهقي الكبرى: من حديث أبي محذورة: أنه كان يثوب في الأذان الأول ~~من الصبح، بأمره (ص). قلت: وعلى هذا، ليس الصلاة خير من النوم من ألفاظ ~~الأذان المشروع للدعاء إلى الصلاة، والاخبار بدخول وقتها، بل هو من الألفاظ ~~التي شرعت لايقاظ النائم، فهو كألفاظ التسبيح الأخير الذي اعتاده الناس في ~~هذه الأعصار المتأخرة عوضا عن الأذان الأول. وإذا عرفت هذا: هان عليك ما ~~اعتاده الفقهاء من الجدال في التثويب هل هو من ألفاظ الأذان، أو لا؟ وهل هو ~~بدعة، أو لا؟ ثم المراد من معناه: اليقظة للصلاة خير من النوم. أي من ~~الراحة التي يعتاضونها في الآجل خير من النوم. ولنا كلام في هذه الكلمة ~~أودعناه رسالة لطيفة. # (وعن أبي محذورة) تقدم ضبطه وبيان حاله (أن النبي (ص) علمه الأذان) أي ~~ألقاه (ص) بنفسه، في قصة حاصلها: أنه خرج أبو محذورة بعد الفتح إلى حنين، ~~هو وتسعة من أهل مكة، فلما سمعوا الأذان، أذنوا استهزاء بالمؤمنين، فقال ~~(ص): قد سمعت في هؤلاء تأذين انسان حسن الصوت، فأرسل إلينا فأذنا رجلا ~~رجلا، وكنت اخرهم، فقال حين أذنت: تعال، فأجلسني بين يديه، فمسح على ~~ناصيتي، وبرك PageV01P120 # علي ثلاث مرات. ثم قال: اذهب فأذن عند المسجد الحرام، فقلت: يا رسول ~~الله، فعلمني. # الحديث (فذكر فيه الترجيع) أي في الشهادتين ولفظه عند أبي داود: ثم تقول ~~أشهد أن لا إله إلا الله أشهد ms0181 أن محمدا رسول الله تخفض بها صوتك قيل: ~~المراد أن يسمع من بقربه. قيل: # والحكمة في ذلك: أن يأتي بهما أولا بتدبير وإخلاص، ولا يتأتى كمال ذلك ~~إلا مع خفض الصوت. # قال: ثم ترفع صوتك بالشهادة: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا ~~الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله. فهذا هو الترجيع، ~~الذي ذهب جمهور العلماء: إلى أنه مشروع، لهذا الحديث الصحيح، وهو زيادة على ~~حديث عبد الله بن زيد، وزيادة العدل مقبولة. وإلى عدم القول به ذهب الهادي ~~وأبو حنيفة، وآخرون، عملا منهم بحديث عبد الله بن زيد الذي تقدم (أخرجه ~~مسلم، ولكن ذكر التكبير في أوله مرتين فقط) لا كما ذكره عبد الله بن زيد ~~آنفا. وبهذه الرواية عملت الهادوية، ومالك، وغيرهم (ورواه) أي حديث أبي ~~محذورة هذا (الخمسة) هم أهل السنن الأربعة، وأحمد (فذكروه) أي التكبير في ~~أول الأذان (مربعا) كروايات حديث عبد الله بن زيد. قال ابن عبد البر في ~~الاستذكار: التكبير أربع مرات في أول الأذان محفوظ من رواية الثقات: من ~~حديث أبي محذورة، ومن حديث عبد الله بن زيد، وهي زيادة يجب قبولها. واعلم ~~أن ابن تيمية في المنتقى نسب التربيع في حديث أبي محذورة إلى رواية مسلم، ~~والمصنف لم ينسبه إليه، بل نسبه إلى رواية الخمسة، فراجعت صحيح مسلم وشرحه ~~فقال النووي: إن أكثر أصوله فيها التكبير مرتين في أوله. وقال القاضي عياض: # إن في بعض طرق الفارسي لصحيح مسلم: ذكر التكبير أربع مرات في أوله، وبه ~~تعرف أن المصنف اعتبر أكثر الروايات، وابن تيمية اعتمد بعض طرقه، فلا يتوهم ~~المنافاة بين كلام المصنف، وابن تيمية. # (وعن أنس رضي الله عنه قال: أمر) بضم الهمزة مبني لما لم يسم: بنى كذلك ~~للعلم بالفاعل، فإنه لا يأمر في الأصول الشرعية إلا النبي (ص)، ويدل له ~~الحديث الآتي قريبا (بلال) نائب الفاعل (أن يشفع) بفتح أوله (الأذان) يأتي ~~بكلماته شفعا (أي مثنى مثنى أو أربعا أربعا)، ms0182 فالكل يصدق عليه أنه شفع، ~~وهذا إجمال، بينه حديث عبد الله بن زيد، وأبي محذورة، فشفع التكبير: أن ~~يأتي به أربعا أربعا، وشفع غيره: أن يأتي به مرتين مرتين، وهذا بالنظر إلى ~~الأكثر، وإلا، فإن كلمة التهليل في اخره مرة واحدة اتفاقا. # (ويوتر الإقامة) يفرد ألفاظها (إلا الإقامة) بين المراد بها بقوله: ~~(يعني: قد قامت الصلاة) فإنه يشرع أن يأتي بها مرتين، ولا يوترها (متفق ~~عليه ولم يذكر مسلم الاستثناء) أعني قوله: إلا الإقامة. فاختلف العلماء في ~~هذا على ثلاثة أقوال: الأول، للهادوية فقالوا تشرع تثنية ألفاظ الإقامة ~~كلها، لحديث: إن بلالا كان يثني الأذان والإقامة رواه عبد الرزاق ~~والدارقطني، والطحاوي، إلا أنه قد ادعى فيه الحاكم الانقطاع، وله طرق فيها ~~ضعف. # وبالجملة لا تعارض رواية التربيع في التكبير رواية الافراد في الإقامة، ~~لصحتها. فلا يقال: إن التثنية في ألفاظ الإقامة زيادة عدل، فيجب قبولها، ~~لأنك قد عرفت أنها لم تصح. الثاني PageV01P121 # لمالك، فقال: تفرد ألفاظ الإقامة حتى: قد قامت الصلاة. والثالث: للجمهور: ~~أنها تفرد ألفاظها إلا قد قامت الصلاة، فتكرر، عملا بالأحاديث الثابتة ~~بذلك. # (وللنسائي) أي عن أنس: (أمر) بالبناء للفاعل، وهو (النبي (ص) بلالا)، ~~وإنما أتى به المصنف ليفيد: أن الحديث الأول: متفق عليه، مرفوع، وإن ورد ~~بصيغة البناء للمجهول. قال الخطابي: إسناد تثنية الأذان، وإفراد الإقامة ~~أصحها. أي الروايات، وعليه أكثر علماء الأمصار، وجرى العمل به في الحرمين، ~~والحجاز، والشام، واليمن، وديار مصر ونواحي الغرب، إلى أقصى حجر من بلاد ~~الاسلام، ثم عد من قاله من الأئمة. قلت وكأنه أراد باليمن من كان فيها ~~شافعي المذهب. وإلا، فقد عرفت مذهب الهادوية وهم سكان غالب اليمن. وما أحسن ~~ما قاله بعض المتأخرين - وقد ذكر الخلاف في ألفاظ الأذان. هل هو مثنى، أو ~~أربع؟ أي التكبير في أوله - وهل فيه ترجيع الشهادتين، أو لا؟ والخلاف في ~~الإقامة - ما لفظه: هذه المسألة من غرائب الواقعات، يقل نظيرها في الشريعة، ~~بل وفي العادات، وذلك أن هذه الألفاظ في الأذان، والإقامة: قليلة ms0183 محصورة ~~معينة، يصاح بها في كل يوم دليلة خمس مرات، في أعلى مكان، وقد أمر كل سامع ~~أن يقول كما يقول المؤذن، وهم خير القرون في غرة الاسلام، شديدو المحافظة ~~على الفضائل، مع هذا كله، لم يذكر خوض الصحابة، ولا التابعين، واختلافهم ~~فيها، ثم جاء الخلاف الشديد في المتأخرين، ثم كل من المتفرقين أدلى بشئ ~~صالح في الجملة، وإن تفاوت، وليس بين الروايات تناف، لعدم المانع من أن ~~يكون كل سنة، كما نقوله، وقد قيل: في أمثاله، كألفاظ التشهد، وصورة صلاة ~~الخوف. # (وعن أبي جحيفة) بضم الجيم وفتح الحاء المهملة فمثناة تحتية ساكنة ففاء، ~~هو وهب بن عبد الله، وقيل: ابن مسلم: السوائي بضم السين المهملة وتخفيف ~~الواو وهمزة بعد الألف العامري. نزل الكوفة وكان من صغار الصحابة، توفي ~~رسول الله (ص) ولم يبلغ الحلم، ولكنه سمع منه. جعله علي على بيت المال، ~~وشهد معه المشاهد كلها، توفي بالكوفة سنة أربع وسبعين. (قال: رأيت بلالا ~~يؤذن، وأتتبع فاه) أي أنظر إلى فيه متتبعا (ههنا) أي يمنة (وههنا) أي يسرة ~~(وأصبعاه) أي إبهاماه، ولم يرد تعيين الإصبعين، وقال النووي: هما المسبحتان ~~(في أذنيه. رواه أحمد، والترمذي، وصححه، ولابن ماجة) أي من حديث أبي جحيفة ~~أيضا: (وجعل أصبعيه في أذنيه. ولأبي داود) من حديثه أيضا: (لوى عنقه لما ~~بلغ حي على الصلاة يمينا وشمالا) هو بيان لقوله: ههنا وههنا (ولم يستدر) ~~بجملة بدنه (وأصله في الصحيحين). الحديث دل على آداب للمؤذن وهي: الالتفات ~~إلى جهة اليمين، وإلى جهة الشمال، وقد بين محل ذلك لفظ أبي داود حيث قال: ~~لوى عنقه لما بلغ حي على الصلاة: وأصرح منه حديث مسلم بلفظ: (فجعلت أتتبع ~~فاه ههنا وههنا يمينا وشمالا، يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح)، ففيه ~~بيان أن الالتفات عند الحيعلتين، وبوب عليه ابن خزيمة بقوله: انحراف المؤذن ~~عند قوله حي على الصلاة حي على الفلاح بفمه، PageV01P122 # لا ببدنه كله قال: وإنما يمكن الانحراف بالفم بانحراف الوجه، ثم ساق من ~~طريق وكيع فجعل ms0184 يقول في أذانه: هكذا، وحرف رأسه يمينا وشمالا وأما رواية: ~~إن بلالا استدار في أذانه، فليست بصحيحة، وكذلك رواية: أنه (ص) أمره أن ~~يجعل أصبعيه في أذنيه رواية ضعيفة. وعن أحمد بن حنبل: لا يدور إلا إذا كان ~~على منارة قصدا لاسماع أهل الجهتين. # وذكر العلماء: أن فائدة التفاته أمران: أحدهما أنه أرفع لصوته. وثانيهما: ~~أنه علامة للمؤذن، ليعرف من يراه على بعد، أو من كان به صمم أنه يؤذن، وهذا ~~في الأذان. وأما الإقامة فقال الترمذي: إنه استحسنه الأوزاعي. # (وعن أبي محذورة رضي الله عنه أن النبي (ص) أعجبه صوته، فعلمه الأذان، ~~رواه ابن خزيمة. وصححه، وقد قدمنا القصة، واستحسانه (ص) لصوته، وأمره له ~~بالأذان بمكة. وفيه دلالة على أنه يستحب أن يكون صوت المؤذن حسنا. # (وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: صليت مع رسول الله (ص) العيدين غير ~~مرة ولا مرتين) أي: بل مرات كثيرة (بغير أذان، ولا إقامة) أي حال كون ~~الصلاة غير مصحوبة بأذان، ولا إقامة (رواه مسلم). فيه دليل: على أنه لا ~~يشرع لصلاة العيدين أذان، ولا إقامة، وهو كالاجماع. وقد روى خلاف هذا عن ~~ابن الزبير، ومعاوية، وعمر بن عبد العزيز، قياسا منهم للعيدين على الجمعة، ~~وهو قياس غير صحيح، بل فعل ذلك بدعة، إذ لم يؤثر عن الشارع، ولا عن خلفائه ~~الراشدين، ويزيده تأكيدا قوله: # (ونحوه) أي نحو حديث جابر بن سمرة (في المتفق عليه) أي الذي اتفق على ~~اخراجه الشيخان (عن ابن عباس رضي الله عنهما، وغيره) من الصحابة. وأما ~~القول بأنه يقال في العيد عوضا عن الأذان: الصلاة جامعة فلم ترد به سنة في ~~صلاة العيدين. قال في الهدي النبوي: وكان (ص) إذا انتهى إلى المصلى أخذ في ~~الصلاة: أي صلاة العيد من غير أذان، ولا إقامة، ولا قول: الصلاة جامعة، ~~والسنة: أن لا يفعل شئ من ذلك، وبه يعرف أن قوله في الشرح: ويستحب في ~~الدعاء إلى الصلاة في العيدين، وغيرهما، مما لا يشرع فيه أذان، كالجنازة: ~~الصلاة ms0185 جامعة: غير صحيح، إذ لا دليل على الاستحباب، ولو كان مستحبا لما ~~تركه (ص)، والخلفاء الراشدون من بعده، نعم، ثبت ذلك في صلاة الكسوف لا غير، ~~ولا يصح فيه القياس، لان ما وجد سببه في عصره، ولم يفعله، ففعله بعد عصره ~~بدعة، فلا يصح إثباته بقياس، ولا غيره. # (وعن أبي قتادة: في الحديث الطويل في نومهم عن الصلاة) أي عن صلاة الفجر، ~~وكان عند قفولهم من غزوة خيبر. قال ابن عبد البر: هو الصحيح: (ثم أذن بلال) ~~أي بأمره (ص)، كما في سنن أبي داود: ثم أمر بلالا أن ينادي بالصلاة فنادى ~~بها، (فصلى رسول الله (ص) كما كان يصنع كل يوم. رواه مسلم). فيه دلالة على ~~شرعية التأذين للصلاة الفائتة بنوم، ويلحق به المنسية، لأنه (ص) ~~PageV01P123 # جمعهما في الحكم، حيث قال: من نام عن صلاته، أو نسيها الحديث. وقد روى ~~مسلم من حديث أبي هريرة: أنه (ص) أمر بلالا بالإقامة، ولم يذكر الأذان، ~~وبأنه (ص) لما فاتته الصلاة يوم الخندق، أمر لها بالإقامة، ولم يذكر الأذان ~~كما في حديث أبي سعيد عند الشافعي، وهذه لا تعارض رواية أبي قتادة، لأنه ~~مثبت، وخبر أبي هريرة، وأبي سعيد ليس فيهما ذكر الأذان بنفي، ولا إثبات، ~~فلا معارضة، إذ عدم الذكر لا يعارض الذكر. # (وله) أي لمسلم (عن جابر: أن النبي (ص) أتى المزدلفة) أي منصرفا من عرفات ~~(فصلى بها المغرب والعشاء) جمع بينهما (بأذان واحد وإقامتين). # وقد روى البخاري من حديث ابن مسعود: أنه صلى أي: بالمزدلفة المغرب بأذان، ~~وإقامة، والعشاء بأذان، وإقامة، وقال: رأيت رسول الله (ص) يفعله، ويعارضهما ~~معا قوله: # (وله) أي لمسلم (عن ابن عمر رضي الله عنهما، جمع النبي (ص) بين المغرب ~~والعشاء بإقامة واحدة) وظاهره أنه لا أذان فيهما، وهو صريح في مسلم: أن ذلك ~~بالمزدلفة، فإن فيه، قال سعيد بن جبير: أفضنا مع ابن عمر، حتى أتينا جمعا. ~~أي المزدلفة، فإنه اسم لها وهو بفتح الجيم وسكون الميم، فصلى بها المغرب ~~والعشاء بإقامة واحدة، ثم ms0186 انصرف وقال: هكذا صلى بنا رسول الله (ص) في هذا ~~المكان. وقد دل: على أنه لا أذان بهما، وأنه لا إقامة إلا واحدة للصلاتين، ~~وقد دل قوله: (وزاد أبو داود) أي من حديث ابن عمر (لكل صلاة) أي: أنه أقام ~~لكل صلاة، لأنه زاد بعد قوله بإقامة واحدة: لكل صلاة، فدل على أن لكل صلاة ~~إقامة، فرواية مسلم تقيد برواية أبي داود هذه. (وفي رواية له) أي لأبي داود ~~عن ابن عمر: (ولم يناد في واحدة منهما وهو صريح في نفي الأذان، وقد تعارضت ~~هذه الروايات، فجابر أثبت أذانا واحدا، وإقامتين، وابن عمر نفى الأذان، ~~وأثبت الإقامتين، وحديث ابن مسعود الذي ذكرناه: أثبت الأذانين، والإقامتين. ~~فإن قلنا المثبت مقدم على النافي عملنا بخبر ابن مسعود. والشارح رحمه الله ~~قال: يقدم خبر جابر. أي: لأنه مثبت للأذان على خبر ابن عمر، لأنه ناف له، ~~ولكن نقول: بل نقدم خبر ابن مسعود، لأنه أكثر إثباتا. # (وعن ابن عمر، وعائشة رضي الله عنهم قالا: قال رسول الله (ص) : إن بلالا ~~يؤذن بليل). قد بينت رواية البخاري: أن المراد به: قبيل الفجر، فإن فيها: ~~ولم يكن بينهما إلا أن يرقى ذا، وينزل ذا وعند الطحاوي بلفظ: إلا أن يصعد ~~هذا: وينزل هذا (فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم) واسمه عمرو (وكان) ~~أي: ابن أم مكتوم (رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت) أي دخلت ~~في الصباح (متفق عليه، وفي اخره إدراج) أي كلام، ليس من كلامه (ص)، يريد به ~~قوله: وكان رجلا أعمى إلى اخره، ولفظ البخاري هكذا: قال: وكان رجلا أعمى ~~بزيادة لفظ قال، وبين الشارح فاعل قال أنه: ابن عمر، وقيل: الزهري، فهو ~~كلام مدرج من كلام أحد الرجلين. # وفي الحديث: شرعية الأذان قبل الفجر، لا لما شرع له الأذان، فإن الأذان ~~شرع، كما سلف PageV01P124 # للاعلام بدخول الوقت، ولدعاء السامعين لحضور الصلاة. وهذا الأذان الذي ~~قبل الفجر، قد أخبر (ص) بوجه شرعيته بقوله: ليوقظ نائمكم، ويرجع قائمكم ~~رواه الجماعة ms0187 إلا الترمذي. والقائم: هو الذي يصلي صلاة الليل، ورجوعه عوده ~~إلى نومه، أو قعوده عن صلاته إذا سمع الأذان، فليس للاعلام بدخول وقت، ولا ~~لحضور الصلاة. إنما هو كالتسبيحة الأخيرة التي تفعل في هذه الاعصار، غايته ~~أنه كان بألفاظ الأذان، وهو مثل النداء الذي أحدثه عثمان في يوم الجمعة ~~لصلاتها، فإنه كان يأمر بالنداء لها في محل، يقال له: الزوراء، ليجتمع ~~الناس للصلاة، وكان ينادي لها بألفاظ الأذان المشروع، ثم جعله الناس من ~~بعده تسبيحا بالآية، والصلاة على النبي (ص). فذكر الخلاف في المسألة، ~~والاستدلال للمانع والمجيز، لا يلتفت إليه من همه العمل بما ثبت. وفي قوله: ~~كلوا واشربوا أي أيها: المريدون للصيام حتى يؤذن ابن أم مكتوم: ما يدل على ~~إباحة ذلك إلى أذانه. وفي قوله: إنه كان لا يؤذن أي ابن أم مكتوم حتى يقال ~~له: أصبحت أصبحت: ما يدل على جواز الأكل والشرب بعد دخول الفجر. وقال به ~~جماعة. ومن منع من ذلك قال: معنى قوله: أصبحت أصبحت قاربت الصباح، وأنهم ~~يقولون له ذلك، عند اخر جزء من أجزاء الليل، وأذانه يقع في أول جزء من طلوع ~~الفجر. وفي الحديث دليل على جواز اتخاذ مؤذنين، في مسجد واحد، ويؤذن واحد ~~بعد واحد. وأما أذان اثنين معا، فمنعه قوم، وقالوا: أول من أحدثه بنو أمية، ~~وقيل: لا يكره، إلا أن يحصل بذلك تشويش. قلت: في هذا المأخذ نظر، لان بلالا ~~لم يكن يؤذن للفريضة، كما عرفت، بل المؤذن لها واحد: هو ابن أم مكتوم. ~~واستدل بالحديث على جواز تقليد المؤذن الأعمى، والبصير، وعلى جواز تقليد ~~الواحد، وعلى جواز الأكل والشرب مع الشك في طلوع الفجر، إذ الأصل بقاء ~~الليل. وعلى جواز الاعتماد على الصوت في الرواية إذا عرفه، وإن لم يشاهد ~~الراوي، وعلى جواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة، إذا كان القصد التعريف به ~~ونحوه، وجواز نسبته إلى أمه إذا اشتهر بذلك. # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن بلالا أذن قبل الفجر، فأمره النبي (ص) أن ms0188 ~~يرجع، فينادي ألا إن العبد نام رواه أبو داود، وضعفه.) فإنه قال عقب ~~اخراجه: هذا حديث لم يروه عن أيوب إلا حماد بن سلمة. وقال المنذري: قال ~~الترمذي: # هذا حديث غير محفوظ. وقال علي بن المديني: حديث حماد بن سلمة: هو غير ~~محفوظ، وأخطأ فيه حماد بن سلمة. وقد استدل به من قال: لا يشرع الأذان قبل ~~الفجر، ولا يخفى أنه لا يقاوم الحديث الذي اتفق عليه الشيخان، ولو ثبت أنه ~~صحيح لتؤول على: أنه قبل شرعية الأذان الأول، فإنه كان بلال هو المؤذن ~~الأول، الذي أمر (ص) عبد الله بن زيد أن يلقي عليه ألفاظ الأذان، ثم اتخذ ~~ابن أم مكتوم بعد ذلك مؤذنا مع بلال، فكان بلال يؤذن الأذان الأول، لما ~~ذكره (ص) من فائدة أذانه، ثم إذا طلع الفجر أذن ابن أم مكتوم. # وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص) PageV01P125 # إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن متفق عليه. فيه شرعية القول ~~لمن سمع المؤذن. # أن يقول، كما يقول على أي حال كان من طهارة وغيرها ولو جنبا أو حائضا، ~~إلا حال الجماع، وحال التخلي، لكراهة الذكر فيهما، وأما إذا كان السامع في ~~حال الصلاة، ففيه أقوال: الأقرب أنه يؤخر الإجابة إلى بعد خروجه منها. ~~والامر يدل على الوجوب على السامع، لا على من رآه فوق المنارة ولم يسمعه، ~~أو كان أصم. وقد اختلف في وجوب الإجابة، فقال به الحنفية، وأهل الظاهر، ~~وآخرون. وقال الجمهور: لا يجب، واستدلوا: بأنه (ص) سمع مؤذنا، فلما كبر ~~قال: على الفطرة، فلما تشهد قال: (خرجت من النار أخرجه مسلم. قالوا: فلو ~~كانت الإجابة واجبة، لقال (ص)، كما قال المؤذن. فلما لم يقل: دل على أن ~~الامر في حديث أبي سعيد للاستحباب. وتعقب: بأنه ليس في كلام الراوي ما يدل ~~على أنه (ص) لم يقل، كما قال. فيجوز أنه (ص) قال مثل قوله، ولم ينقله ~~الراوي، اكتفاء بالعادة، ونقل الزائد، وقوله: مثل ما يقول يدل على ms0189 أنه يتبع ~~كل كلمة يسمعها، فيقول مثلها. وقد روت أم سلمة: أنه (ص): كان يقول، كما ~~يقول المؤذن حتى يسكت أخرجه النسائي، فلو لم يجاوبه حتى فرغ من الأذان، ~~استحب له التدارك إن لم يطل الفصل. # وظاهر قوله في النداء أنه يجيب كل مؤذن أذن بعد الأول، وإجابة الأول ~~أفضل. قال في الشرح: إلا في الفجر، والجمعة، فهما سواء، لأنهما مشروعان. ~~قلت: يريد الأذان قبل الفجر، والأذان قبل حضور الجمعة، ولا يخفى أن الذي ~~قبل الفجر قد صحت مشروعيته، وسماه النبي (ص) أذانا في قوله: إن بلالا يؤذن ~~بليل، فيدخل تحت حديث أبي سعيد. # وأما الأذان قبل الجمعة، فهو محدث بعد وفاته (ص)، ولا يسمى أذانا شرعيا. ~~وليس المراد من المماثلة: أن يرفع صوته كالمؤذن، لان رفعه لصوته لقصد ~~الاعلام، بخلاف المجيب، ولا يكفي إمراره الإجابة، على خاطره فإنه ليس بقول: ~~وظاهر حديث أبي سعيد والحديث الآتي وهو: # (وللبخاري عن معاوية مثله) أي مثل حديث أبي سعيد: أن السامع يقول كقوله ~~المؤذن في جميع ألفاظه، إلا في الحيعلتين، فيقول: ما أفاده قوله: # (ولمسلم عن عمر في فضل القول، كما يقول المؤذن كلمة كلمة، سوى الحيعلتين) ~~حي على الصلاة، حي على الفلاح، فإنه يخصص ما قبله (فيقول) أي السامع: (لا ~~حول ولا قوة إلا بالله) عند كل واحدة منهما. وهذا المتن هو الذي رواه ~~معاوية، كما في البخاري، وعمر كما في مسلم، وإنما اختصر المصنف فقال: ~~وللبخاري عن معاوية. أي القول، كما يقول المؤذن إلى اخر ما ساقه في رواية ~~مسلم عن عمر. إذا عرفت هذا فيقولها أربع مرات، ولفظه عند مسلم: إذا قال ~~المؤذن، الله أكبر الله أكبر. فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، إلى أن ~~قال: # فإذا قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على ~~الفلاح، قال: # لا حول ولا قوة إلا بالله، فيحتمل أنه يريد إذا قال: حي على الصلاة حوقل، ~~وإذا قالها ثانيا حوقل، ومثله حي على الفلاح، فيكن أربعا. ms0190 ويحتمل أنها تكفي ~~حوقلة واحدة عند الأولى من الحيعلتين، وقد أخرج النسائي، وابن خزيمة حديث ~~معاوية، وفيه يقول ذلك، وقول المصنف: PageV01P126 # في فضل القول لان اخر الحديث أنه قال: إذا قال السامع: ذلك من قلبه دخل ~~الجنة والمصنف لم يأت بلفظ الحديث، بمعناه. هذا، والحول: هو الحركة: أي لا ~~حركة، ولا استطاعة إلا بمشيئة الله، وقيل: لا حول في دفع شر، ولا قوة في ~~تحصيل خير إلا بالله، وقيل: # لا حول عن معصية الله إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته، وحكى ~~هذا عن ابن مسعود مرفوعا. واعلم أن هذا الحديث مقيد لاطلاق حديث أبي سعيد ~~الذي فيه: فقولوا مثل ما يقول أي فيما عدا الحيعلة، وقيل: يجمع السامع بين ~~الحيعلة والحوقلة، عملا بالحديثين والأول أولى، لأنه تخصيص للحديث العام أو ~~تقييد لمطلقه، ولان المعنى مناسب لإجابة الحيعلة من السامع بالحوقلة، فإنه ~~لما دعي إلى ما فيه الفوز، والفلاح، والنجاة، وإصابة الخير، ناسب أن يقول: ~~هذا أمر عظيم، لا أستطيع مع ضعفي القيام به، إلا إذا وفقني الله بحوله ~~وقوته، ولان ألفاظ الأذان ذكر الله، فناسب أن يجيب بها، إذ هو ذكر له ~~تعالى. وأما الحيعلة: فإنما هي دعاء إلى الصلاة والذي يدعو إليها هو ~~المؤذن، وأما السامع، فإنما عليه الامتثال والاقبال على ما دعي إليه، ~~وإجابته في ذكر الله لا فيما عداه. والعمل بالحديثين، كما ذكرنا هو الطريقة ~~المعروفة في حمل المطلق على المقيد، أو تقديم الخاص على العام، فهي أولى ~~بالاتباع، وهل يجيب عند الترجيع أو لا يجيب؟ وعند التثويب؟ فيه خلاف. وقيل: ~~يقول في جواب التثويب صدقت وبررت، وهذا استحسان من قائله، وإلا فليس فيه ~~سنة تعتمد. # فائدة: أخرج أبو داود عن بعض أصحاب النبي (ص): أن بلالا أخذ في الإقامة، ~~فلما أن قال: قد قامت الصلاة، قال النبي (ص): أقامها الله و أدامها وقال في ~~سائر الإقامة: بنحو حديث عمر في الأذان. يريد بحديث عمر: ما ذكره المصنف، ~~وسقناه في الشرح: من متابعة المقيم في ms0191 ألفاظ الإقامة كلها. # (وعن عثمان بن أبي العاص) هو أبو عبد الله عثمان بن أبي العاص بن بشر ~~الثقفي، استعمله النبي (ص) على الطائف، فلم يزل عليها مدة حياته (ص)، ~~وخلافة أبي بكر وسنين من خلافة عمر، ثم عزله، وولاه عمان، والبحرين، وكان ~~من الوافدين عليه (ص) في وفد ثقيف، وكان أصغرهم سنا، له سبع وعشرون سنة، ~~ولما توفي رسول الله (ص) عزمت ثقيف على الردة، فقال لهم: يا ثقيف كنتم اخر ~~الناس إسلاما، فلا تكونوا أولهم ردة، فامتنعوا من الردة، مات بالبصرة سنة ~~إحدى وخمسين (أنه قال: يا رسول الله اجعلني إمام قومي، فقال: أنت إمامهم، ~~واقتد بأضعفهم) أي اجعل أضعفهم بمرض، أو زمانه، أو نحوهما قدوة لك، تصلي ~~بصلاته تخفيفا (واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا. أخرجه الخمسة، وحسنه ~~الترمذي، وصححه الحاكم). الحديث يدل على جواز طلب الإمامة في الخير. وقد ~~ورد في أدعية عباد الرحمن الذين وصفهم الله بتلك الأوصاف أنهم يقولون: * ~~(واجعلنا للمتقين إماما) *، وليس من طلب الرياسة المكروهة، فإن ذلك فيما ~~يتعلق برياسة الدنيا، التي لا يعان من طلبها، ولا يستحق أن يعطاها، كما ~~يأتي بيانه. وأنه يجب على إمام PageV01P127 # الصلاة أن يلاحظ حال المصلي خلفه، فيجعل أضعفهم كأنه المقتدي به، فيخفف ~~لأجله، ويأتي في أبواب الإمامة في الصلاة تخفيفه. وأنه يتخذ المتبوع مؤذنا ~~ليجمع الناس للصلاة، وأن من صفة المؤذن المأمور باتخاذه: أن لا يأخذ على ~~أذانه أجرا: أي أجرة، وهو دليل على أن من أخذ على أذانه أجرا، ليس مأمورا ~~باتخاذه، وهل يجوز له أخذ الأجرة؟ فذهب الشافعية. # إلى جواز أخذه الأجرة مع الكراهة. وذهبت الهادوية، والحنفية: إلى أنها ~~تحرم عليه الأجرة، لهذا الحديث. قلت: ولا يخفى أنه لا يدل على التحريم، ~~وقيل: يجوز أخذها على التأذين في محل مخصوص، إذ ليست على الأذان حينئذ، بل ~~على ملازمة المكان، كأجرة الرصد. # (وعن مالك بن الحويرث) بضم الحاء المهملة وفتح الواو وسكون المثناة ~~التحتية وكسر الراء وثاء مثلثة، وهو: أبو سليمان مالك بن ms0192 الحويرث الليثي ~~وفد على النبي (ص)، وأقام عنده عشرين ليلة، وسكن البصرة، ومات سنة أربع ~~وتسعين بها (قال: قال لنا النبي (ص): إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، ~~الحديث أخرجه السبعة). هو مختصر من حديث طويل أخرجه البخاري بألفاظ: أحدها: ~~قال مالك: # أتيت النبي (ص) في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيما ~~رفيقا، فلما رأى شوقنا إلى أهلينا قال: ارجعوا فكونوا فيهم، وعلموهم، ~~وصلوا، فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم زاد في رواية: ~~وصلوا كما رأيتموني أصلي، فساق المصنف قطعة منه، هي موضع ما يريده من ~~الدلالة على الحث على الأذان، ودليل إيجابه الامر به، وفيه أنه لا يشترط في ~~المؤذن غير الايمان لقوله: أحدكم. # (وعن جابر رضي الله عنه: أن رسول الله (ص) قال لبلال: إذا أذنت فترسل) أي ~~رتل ألفاظه، ولا تعجل، ولا تسرع في سردها (وإذا أقمت فاحدر) بالحاء والدال ~~المهملتين والدال مضمومة فراء. والحدر: الاسراع (واجعل بين أذانك، وإقامتك ~~مقدار ما يفرغ الأكل من أكله) أي تمهل وقتا يقدر فيه فراغ الأكل من أكله ~~(الحديث) بالنصب على أنه مفعول فعل محذوف: أي: اقرأ الحديث، أو أتم، أو ~~نحوه، ويجوز رفعه على خبرية مبتدأ محذوف. وإنما يأتون بهذه العبارة، إذا لم ~~يستوفوا لفظ الحديث، ومثله قولهم: الآية، والبيت، وهذا الحديث لم يستوفه ~~المصنف، وتمامه والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل لقضاء الحاجة، ولا ~~تقوموا حتى تروني (رواه الترمذي وضعفه). قال: لا نعرفه إلا من حديث عبد ~~المنعم، وإسناده مجهول. وأخرجه الحاكم أيضا، وله شاهد من حديث أبي هريرة، ~~ومن حديث سليمان، أخرجه أبو الشيخ. ومن حديث أبي بن كعب، أخرجه عبد الله بن ~~أحمد، وكلها واهية. إلا أنه يقويها المعنى الذي شرع له الأذان، فإنه نداء ~~لغير الحاضرين، ليحضروا الصلاة، فلا بد من تقدير وقت يتسع للذاهب للصلاة ~~وحضورها، وإلا لضاعت فائدة النداء. وقد ترجم البخاري: (باب كم بين الأذان ~~والإقامة) ولكن لم يثبت التقدير. قال ابن بطال: لا حد لذلك غير ms0193 تمكن دخول ~~الوقت، واجتماع المصلين. وفيه دليل على شرعية PageV01P128 # الترسل في الأذان، لان المراد من الاعلام للبعيد، وهو مع الترسل أكثر ~~إبلاغا. وعلى شرعية الحدر، والاسراع في الإقامة، لان المراد منها إعلام ~~الحاضرين، فكان الاسراع بها أنسب، ليفرغ منها بسرعة، فيأتي بالمقصود، وهو ~~الصلاة. # (وله) أي الترمذي (عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي (ص) قال: لا يؤذن ~~إلا متوضئ. وضعفه أيضا) أي كما ضعف الأول، فإنه ضعف هذا بالانقطاع، إذ هو ~~عن الزهري عن أبي هريرة. قال الترمذي: والزهري لم يسمع من أبي هريرة، ~~والراوي عن الزهري ضعيف، ورواية الترمذي من رواية يونس عن الزهري عنه ~~موقوفا، إلا أنه بلفظ لا ينادي وهذا أصح، ورواه أبو الشيخ في كتاب الأذان ~~من حديث ابن عباس بلفظ: إن الأذان متصل بالصلاة فلا يؤذن أحدكم إلا وهو ~~طاهر، وهو دليل على اشتراط الطهارة للأذان من الحدث الأصغر، ومن الحدث ~~الأكبر بالأولى. وقالت الهادوية يشترط فيه الطهارة من الحدث الأكبر، فلا ~~يصح أذان الجنب، ويصح من غير المتوضئ، عملا بهذا الحديث، كما قاله في ~~الشرح. قلت: ولا يخفى أن الحديث دال على شرطية كون المؤذن متوضئا، فلا وجه ~~لما قالوه من التفرقة بين الحديثين. وأما استدلالهم لصحته من المحدث حدثا ~~أصغر بالقياس على جواز قراءة القرآن، فقياس في مقابلة النص، لا يعمل به ~~عندهم في الأصول. وقد ذهب أحمد، وآخرون إلى: أنه لا يصح أذان المحدث حدثا ~~أصغر، عملا بهذا الحديث، وإن كان فيه ما عرفت. والترمذي صحح وقفه على أبي ~~هريرة. وأما الإقامة فالأكثر على شرطية الوضوء لها. قالوا: # لأنه لم يرد أنها وقعت على خلا ف ذلك في عهد رسول الله (ص)، ولا يخفى ما ~~فيه، وقال قوم: تجوز على غير وضوء، وإن كان مكروها، وقال آخرون: تجوز بلا ~~كراهة. # (وله) أي الترمذي (عن زياد بن الحارث) هو زياد بن الحارث الصدائي: بايع ~~النبي (ص)، وأذن بين يديه، يعد في البصريين، وصداء بضم الصاد المهملة ~~وتخفيف الدال المهملة وبعد الألف ms0194 همزة: اسم قبيلة (قال: قال رسول الله (ص): ~~ومن أذن) عطف على ما قبله. وهو قوله (ص): إن أخا صداء قد أذن (فهو يقيم، ~~وضعفه أيضا) أي: كما ضعف ما قبله. قال الترمذي: إنما يعرف من حديث زياد ابن ~~أنعم الإفريقي، وقد ضعفه ابن القطان، وغيره، وقال البخاري: هو مقارب لحديث ~~ضعفه أبو حاتم، وابن حبان. وقال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل ~~العلم: أن من أذن فهو يقيم. والحديث دليل على أن الإقامة حق لمن أذن، فلا ~~تصح من غيره، وعليه الهادوية، وعضد حديث الباب حديث ابن عمر بلفظ: مهلا يا ~~بلال، فإنما يقيم من أذن أخرجه الطبراني، والعقيلي، وأبو الشيخ، وإن كان قد ~~ضعفه أبو حاتم، وابن حبان. وقال الحنفية وغيرهم: # تجزئ إقامة غير من أذن، لعدم نهوض الدليل على ذلك، ولما يدل له قوله: # (ولأبي داود من حديث عبد الله بن زيد) أي: ابن عبد ربه، الذي تقدم حديثه ~~أول الباب: (أنه قال): أي النبي (ص) لما أمره أن يلقيه على بلال: (أنا ~~رأيته يعني الأذان) في المنام (وأنا كنت أريده قال: فأقم أنت. وفيه ضعف ~~أيضا). لم يتعرض PageV01P129 # الشارح رحمه الله لبيان وجهه، ولا بينه أبو داود، بل سكت عليه، لكن قال ~~الحافظ المنذري: # إنه ذكر البيهقي: أن في إسناده، ومتنه اختلافا. وقال أبو بكر الحازمي: في ~~إسناده مقال، وحينئذ، فلا يتم به الاستدلال، نعم الأصل جواز كون المقيم غير ~~المؤذن، والحديث يقوي ذلك الأصل. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # المؤذن أملك بالأذان) أي: وقته موكول إليه، لأنه أمين عليه (والامام أملك ~~بالإقامة) فلا يقيم إلا بعد إشارته (رواه ابن عدي) هو الحافظ الكبير الامام ~~الشهير، أبو أحمد: عبد الله بن عدي الجرجاني، ويعرف أيضا بابن القصار، صاحب ~~كتاب الكامل في الجرح والتعديل، كان أحد الاعلام، ولد سنة تسع وسبعين ~~ومائتين، وسمع على خلائق، وعنه أمم. قال ابن عساكر: كان ثقة على لحن فيه. ~~قال حمزة السهمي: كان ابن ms0195 عدي حافظا متفننا، لم يكن في زمانه أحد مثله. قال ~~الخليلي: كان عديم النظر حفظا وجلالة، سألت عبد الله بن محمد الحافظ فقال: ~~زر قميص ابن عدي أحفظ من عبد الباقي بن قانع. توفي في جمادى الآخرة سنة خمس ~~وستين وثلاثمائة (وضعفه)، لأنه أخرجه في ترجمة شريك القاضي، وتفرد به شريك. # وقال البيهقي: ليس بمحفوظ، ورواه أبو الشيخ، وفيه ضعف والحديث دليل على ~~أن المؤذن أملك بالأذان: أي أن: ابتداء وقت الأذان إليه، لأنه الأمين على ~~الوقت، والموكول بارتقابه، وعلى أن الامام أملك بالإقامة، فلا يقيم إلا بعد ~~إشارة الامام بذلك، وقد أخرج البخاري. إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى ~~تروني، فدل على أن المقيم يقيم، وإن لم يحضر الامام، فإقامته غير متوقفة ~~على إذنه، كذا في الشرح، ولكن قد ورد: أنه كان بلال قبل أن يقيم يأتي إلى ~~منزله (ص) يؤذنه، بالصلاة والايذان لها بعد الأذان: استئذان في الإقامة. ~~وقال المصنف: إن حديث البخاري معارض بحديث جابر بن سمرة: إن بلالا كان لا ~~يقيم حتى يخرج رسول الله (ص) قال: ويجمع بينهما: بأن بلالا كان يراقب وقت ~~خروج رسول الله (ص)، فإذا رآه يشرع في الإقامة، قبل أن يراه غالب الناس، ثم ~~إذا رأوه قاموا. اه‍. وأما تعيين وقت قيام المؤتمين إلى الصلاة، فقال مالك ~~في الموطأ: لم أسمع في قيام الناس حين تقام الصلاة حدا محدودا، إلا أني أرى ~~ذلك على طاقة الناس، فإن منهم الثقيل، والخفيف، وذهب الأكثرون إلى أن ~~الامام إن كان معهم في المسجد لم يقوموا حتى تفرغ الإقامة. وعن أنس: أنه ~~كان يقوم إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة. رواه ابن المنذر، وغيره، وعن ابن ~~المسيب: إذا قال المؤذن: الله أكبر، وجب القيام، وإذا قال: حي على الصلاة ~~عدلت الصفوف، وإذا قال: لا إله إلا الله، كبر الامام، ولكن هذا رأي منه، لم ~~يذكر فيه سنة. # (وللبيهقي نحوه) أي نحو حديث أبي هريرة (عن علي عليه السلام من قوله): # (وعن أنس قال: قال رسول ms0196 الله (ص): لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة ~~رواه النسائي، وصححه ابن خزيمة) والحديث مرفوع في سنن أبي داود أيضا، ولفظه ~~هكذا: عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (ص): لا يرد الدعاء PageV01P130 # بين الأذان والإقامة اه‍. قال المنذري: وأخرجه الترمذي، والنسائي في عمل ~~اليوم والليلة اه‍. # والحديث دليل على قبول الدعاء في هذه المواطن، إذ عدم الرد يراد به: ~~القبول والإجابة: ثم هو عام لكل دعاء، ولا بد من تقييده بما في الأحاديث ~~غيره: من أنه ما لم يكن دعاء بإثم، أو قطيعة رحم. # هذا، وقد ورد تعيين أدعية تقال بعد الأذان، وهو ما بين الأول: أن يقول ~~رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد الأذان والإقامة رسولا. قال (ص): إن ~~من قال ذلك غفر له ذنبه. الثاني: أن يصلي على النبي (ص) بعد فراغه من إجابة ~~المؤذن، قال ابن القيم في الهدى: أكمل ما يصلي به، ويصل إليه، كما علم ~~أمته: أن يصلوا عليه، فلا صلاة عليه أكمل منها. قلت: وستأتي صفتها في كتاب ~~الصلاة إن شاء الله تعالى. الثالث: # أن يقول بعد صلاته عليه: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة آت ~~محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته وهذا في صحيح ~~البخاري، وزاد غيره: إنك لا تخلف الميعاد. الرابع: أن يدعو لنفسه بعد ذلك، ~~ويسأل الله من فضله، كما في السنن عنه (ص): قل مثل ما يقول أي المؤذن فإذا ~~انتهيت فسل تعطه، وروى أحمد بن حنبل عنه (ص): أنه قال: من قال حين ينادي ~~المنادي: اللهم رب هذه الدعوة القائمة، والصلاة النافعة، صل على محمد، وارض ~~عنه رضا، لا سخط بعده استجاب الله دعوته، وأخرج الترمذي من حديث أم سلمة ~~رضي الله عنها قالت: علمني رسول الله (ص) أن أقول عند أذان المغرب: اللهم ~~هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك، وأصوات دعاتك، فاغفر لي، وأخرج الحاكم عن أبي ~~أمامة يرفعه قال: كان إذا سمع المؤذن قال: # اللهم رب هذه الدعوة المستجابة المستجاب لها، دعوة الحق، ms0197 وكلمة التقوى، ~~توفني عليها، وأحيني عليها، واجعلني من صالحي أهلها عملا يوم القيامة وقد ~~عين (ص) ما يدعي به أيضا لما قال: الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد. ~~قالوا: فما نقول يا رسول الله؟ قال: سلوا الله العفو والعافية في الدنيا ~~والآخرة. قال ابن القيم: إنه حديث صحيح. وذكر البيهقي: أنه (ص) كان يقول ~~عند كلمة الإقامة: أقامها الله وأدامها، وفي المقام أدعية أخر. # باب شروط الصلاة الشرط لغة: العلامة، ومنه قوله تعالى: * (تظن أن يفعل ~~بها فاقرة) * - أي علامات الساعة - وفي لسان الفقهاء: ما يلزم من عدمه ~~العدم . (عن علي بن طلق) تقدم طلق بن علي في نواقض الوضوء. قال ابن عبد ~~البر: # أظنه والد طلق بن علي الحنفي. ومال أحمد والبخاري: إلى أن علي بن طلق، ~~وطلق بن علي اسم لذات واحدة (قال: قال رسول الله (ص): إذا فسا أحدكم في ~~الصلاة فلينصرف وليتوضأ، وليعد الصلاة، رواه الخمسة، وصححه ابن حبان) كأنه ~~عبر بهذه العبارة اختصارا، وإلا فأصلها: وأخرجه ابن حبان، وصححه وقد تقدمت ~~له هذه العبارة مرارا، PageV01P131 # ويحتمل: أن ابن حبان صحح أحاديث أخرجها غيره، ولم يخرجها هو، وهو بعيد. ~~وقد أعل الحديث ابن القطان بمسلم بن سلام الحنفي، فإنه لا يعرف، وقال ~~الترمذي: قال البخاري: # لا أعلم لعلي بن طلق غير هذا الحديث الواحد. والحديث دليل على أن الفساء ~~ناقض للوضوء، وهو مجمع عليه، ويقاس عليه غيره من النواقض، وأنه تبطل به ~~الصلاة، وقد تقدم حديث عائشة فيمن أصابه قئ في صلاته، أو رعاف، فإنه ينصرف، ~~ويبني على صلاته، حيث لم يتكلم. وهو معارض لهذا، وكل منهما فيه مقال، ~~والشارح جنح إلى ترجيح هذا، قال: لأنه مثبت لاستئناف الصلاة، وذلك ناف. وقد ~~يقال: هذا ناف لصحة الصلاة، وذلك مثبت لها، فالأولى الترجيح: بأن هذا: قال ~~بصحته ابن حبان، وذلك: لم يقل أحد بصحته، فهذا أرجح من حيث الصحة. # (وعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي (ص) قال: لا يقبل الله صلاة حائض) ~~المراد بها المكلفة، وإن ms0198 تكلفت بالاحتلام مثلا، وإنما عبر بالحيض نظرا إلى ~~الأغلب (إلا بخمار) بكسر الخاء المعجمة اخره راء، هو هنا: ما يغطي به الرأس ~~والعنق (رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه ابن خزيمة)، وأخرجه أحمد، والحاكم، ~~وأعله الدارقطني، وقال: # إن وقفه أشبه، وأعله الحاكم بالارسال. ورواه الطبراني في الصغير، والأوسط ~~من حديث أبي قتادة بلفظ: لا يقبل الله من امرأة صلاة حتى توارى زينتها، ولا ~~من جارية بلغت المحيض حتى تختمر. ونفى القبول المراد به هنا: نفي الصحة ~~والاجزاء، وقد يطلق القبول، ويراد به: كون العبادة بحيث يترتب عليها ~~الثواب، فإذا نفى: كان نفيا لما يترتب عليها من الثواب، لا نفيا للصحة، كما ~~ورد: إن الله لا يقبل صلاة الآبق، ولا من في جوفه خمر كذا قيل. وقد بينا في ~~رسالة الاسبال وحواشي شرح العمدة: أن نفي القبول يلازم نفي الصحة، وفي ~~قوله: إلا بخمار ما يدل على أنه يجب على المرأة ستر رأسها، وعنقها، ونحوه ~~مما يقع عليه الخمار. ويأتي في حديث أبي داود: من حديث أم سلمة في صلاة ~~المرأة في درع وخمار، ليس عليها إزار، وأنه قال (ص): إذا كان الدرع سابغا ~~يغطي ظهور قدميها فيدل على أنها لا بد في صلاتها من تغطية رأسها، ورقبتها، ~~كما أفاده حديث الخمار، ومن تغطية بقية بدنها حتى ظهر قدميها، كما أفاده ~~حديث أم سلمة، ويباح كشف وجهها حيث لم يأت دليل بتغطيته، والمراد: كشفه عند ~~صلاتها بحيث لا يراها أجنبي، فهذه عورتها في الصلاة. وأما عورتها بالنظر ~~إلى نظر الأجنبي إليها فكلها عورة، كما يأتي تحقيقه. وذكره هنا، وجعل ~~عورتها في الصلاة هي عورتها بالنظر إلى نظر الأجنبي، وذكر الخلاف في ذلك ~~ليس محله هنا، إذ لها عورة في الصلاة، وعورة في نظر الأجانب، والكلام الآن ~~في الأول. والثاني يأتي في محله. # (وعن جابر رضي الله عنه: أن النبي (ص) قال: إذا كان الثوب واسعا فالتحف ~~به: يعني في الصلاة. ولمسلم: فخالف بين طرفيه) وذلك: بأن يجعل شيئا منه على ~~عاتقه (وإن ms0199 كان ضيقا فاتزر به. متفق عليه) الالتحاف في معنى الارتداء، وهو ~~أن يتزر بأحد طرفي الثوب، ويرتدي بالطرف الاخر، وقوله: يعني في الصلاة، ~~الظاهر: PageV01P132 # أنه مدرج من كلام أحد الرواة، قيد به أخذا من القصة، فإن فيها: أنه قال ~~جابر: جئت إليه (ص)، وهو يصلي، وعلي ثوب، فاشتملت به، وصليت إلى جانبه، ~~فلما انصرف. # قال لي (ص): ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟ قلت: كان ثوب، قال: فإن كان ~~واسعا فالتحف به، وإذا كان ضيقا فاتزر به. فالحديث قد أفاد: أنه إذا كان ~~الثوب واسعا التحف به بعد اتزاره بطرفيه، وإذا كان ضيقا اتزر به لستر ~~عورته. فعورة الرجل من تحت السرة إلى الركبة، على أشهر الأقوال. # (ولهما) أي الشيخين (من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: لا يصلي أحدكم في ~~الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شئ). أي إذا كان واسعا، كما دل له الحديث ~~الأول. والمراد: ألا يتزر في وسطه، ويشد طرفي الثوب في حقويه، بل يتوشح به ~~على عاتقه، فيحصل الستر لأعالي البدن، وحمل الجمهور هذا النهي: على ~~التنزيه، كما حملوا الامر في قوله: # فالتحف به على الندب. وحمله أحمد على الوجوب، وأنها لا تصح صلاة من قدر ~~على ذلك، فتركه، وفي رواية عنه: تصح الصلاة، ويأثم، فجعله على الرواية ~~الأولى من الشرائط، وعلى الثانية من الواجبات واستدل الخطابي للجمهور: ~~بصلاته (ص) في ثوب واحد، كان أحد طرفيه على بعض نسائه وهي نائمة قال: ~~ومعلوم أن الطرف الذي هو لابسه من الثوب غير متسع لان يتزر به، ويفضل منه ~~ما كان لعاتقه. قلت: وقد يجاب عنه بأن مراد أحمد: مع القدرة على الالتحاف، ~~لا أنه لا تصح صلاته، أو يأثم مطلقا. كما صرح به قوله: لا تصح صلاة من قدر ~~على ذلك. ويحتمل أنه في تلك الحالة لا يقدر على غير ذلك الثوب، بل صلاته ~~فيه، والحال أن بعضه على النائم: أكبر دليل على أنه لا يجد غيره. # (وعن أم سلمة: أنها سألت النبي (ص): أتصلي المرأة في ms0200 درع وخمار بغير ~~إزار؟ قال: إذا كان الدرع سابغا) بسين مهملة فموحدة بعد الألف فغين معجمة: ~~أي واسعا (يغطي ظهور قدميها. أخرجه أبو داود، وصحح الأئمة وقفه) وقد تقدم ~~بيان معناه، وله حكم الرفع، وإن كان موقوفا، إذ الأقرب أنه لا مسرح ~~للاجتهاد في ذلك، وقد أخرجه مالك، وأبو داود موقوفا، ولفظه عن محمد بن زيد ~~بن قنفذ عن أمه أنها سألت أم سلمة: ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟ قالت: ~~تصلي في الخمار والدرع السابغ، إذا غيب ظهور قدميها. # (وعن عامر بن ربيعة رضي الله عنه) هو أبو عبد الله عامر بن ربيعة بن مالك ~~العنزي بفتح العين المهملة وسكون النون وقيل بفتحها، والزاي نسبة إلى عنز ~~بن وائل ويقال له العدوي. أسلم قديما وهاجر الهجرتين وشهد المشاهد كلها. ~~مات سنة اثنين أو ثلاث أو خمس وثلاثين (قال: كنا مع النبي (ص) في ليلة ~~مظلمة فأشكلت علينا القبلة فصلينا) ظاهره من غير نظر في الامارات (فلما ~~طلعت الشمس إذا نحن صلينا إلى غير القبلة فنزلت: * (فأينما تولوا فثم وجه ~~الله) * أخرجه الترمذي وضعفه) PageV01P133 # لان فيه أشعث بن سعيد السمان وهو ضعيف الحديث: والحديث دليل على أن من ~~صلى إلى غير القبلة لظلمة أو غيم إنها تجزئه صلاته، سواء كان مع النظر في ~~الامارات والتحري أولا وسواء انكشف له الخطأ في الوقت أو بعده. ويدل له ما ~~رواه الطبراني من حديث معاذ ابن جبل قال صلينا مع رسول الله (ص) في يوم غيم ~~في السفر إلى غير القبلة، فلما قضى صلاته تجلت الشمس، فقلنا يا رسول الله ~~صلينا إلى غير القبلة، قال: قد رفعت صلاتكم بحقها إلى الله وفيه أبو عيلة ~~وقد وثقه ابن حبان. وقد اختلف العلماء في هذا الحكم، فالقول بالاجزاء مذهب ~~الشعبي والحنيفية والكوفيين فيما عدا من صلى بغير تحري وتيقن الخطأ، فإنه ~~حكى في البحر الاجماع على وجوب الإعادة، فأن تم الاجماع خص به عموم الحديث ~~وذهب آخرون إلى أنه لا تجب عليه الإعادة إذا صلى ms0201 بتحر وانكشف له الخطأ وقد ~~خرج الوقت. وأما إذا تيقن الخطأ والوقت باق وجبت عليه الإعادة لتوجه الخطاب ~~مع بقاء الوقت، فأن لم يتيقن فلا يأمن من الخطأ في الاخر، فأن خرج الوقت ~~فلا إعادة للحديث. واشترط التحري إذ الواجب عليه تيقن الاستقبال، فأن تعذر ~~اليقين فعل ما أمكنه من التحري، فأن قصر فهو غير معذور الا إذا تيقن ~~الإصابة. وقال الشافعي: تجب الإعادة عليه في الوقت وبعده لان الاستقبال ~~واجب قطعا وحديث السرية فيه ضعف. قلت الأظهر العمل يخبر السرية لتقوية ~~بحديث معاذ بل هو حجة وحده والاجماع قد عرف كثرت دعواهم له ولا يصح. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): ما بين المشرق ~~والمغرب قبل. رواه الترمذي وقواه البخاري) وفي التخليص حديث ما بين المشرق ~~والمغرب قبلة رواه الترمذي عن أبي هريرة مرفوعا، وقال حسن صحيح، فكان عليه ~~هنا أن يذكر تصحيح الترمذي له على قاعدته، ورأيناه في الترمذي بعد سياقه له ~~بسنده من طريقين حسن أحدهما وصححها ثم قال: وقد روى عن غير واحد من أصحاب ~~النبي (ص) ما بين المشرق والمغرب قبلة منهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ~~وابن عباس. وقال ابن عمر: إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما ~~بينهما قبلة إذا استقبلت القبلة وقال ابن المبارك: ما بين المشرق والمغرب ~~قبلة لأهل المشرق اه‍. والحديث دليل على أن الواجب استقبال الجهة لا العين ~~في حق من تعذرت عليه العين، وقد ذهب جماعة من العلماء لهذا الحديث. ووجه ~~الاستدلال به على ذلك أن المراد أن بين الجهتين قبلة لغير المعاين ومن في ~~حكمه، لان المعاين لا تنحصر قبلته بين الجهتين المشرق والمغرب بل كل الجهات ~~في حقه سواء متى قابل العين أو شطرها فالحديث دليل على أن ما بين الجهتين ~~قبلة وأن الجهة كافية في الاستقبال وليس فيه دليل على أن المعاين يتعين ~~عليه العين بل لا بد من الدليل على ذلك وقوله تعالى: * (فول وجهك ms0202 شطر ~~المسجد الحرام) * خطاب له (ص) وهو في المدينة واستقبال العين فيها متعسر أو ~~متعذر الا ما قيل في محرابه (ص) لكن الامر بتوليته وجهه شطر المسجد الحرام ~~عام لصلاته في محرابه وغيره، وقوله: * (وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) دال ~~على كفاية الجهة، إذ العين في كل محل تتعذر على كل مصل، وقولهم: يقسم ~~الجهات حتى يحصل له أنه توجه PageV01P134 # إلى العين تعمق، لم يرد به دليل، ولا فعله الصحابة وهم خير قبيل. فالحق ~~أن الجهة كافية، ولو لمن كان في مكة وما يليها. # (وعن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله (ص) يصلي على ~~راحلته حيث توجهت به. متفق عليه). هو في البخاري عن عامر بن ربيعة بلفظ: ~~كان يسبح على الراحلة وأخرجه عن ابن عمر بلفظ: كان يسبح على ظهر راحلته ~~وأخرج الشافعي نحوه من حديث جابر بلفظ: رأيت رسول الله (ص) يصلي وهو على ~~راحلته النوافل وقوله: (زاد البخاري: يومئ برأسه) أي في سجوده وركوعه. # زاد ابن خزيمة: ولكنه يخفض السجدتين من الركعة (ولم يكن يصنعه)، أي: هذا ~~الفعل، وهو الصلاة على ظهر الراحلة (في المكتوبة) أي الفريضة. الحديث دليل ~~على صحة صلاة النافلة على الراحلة، وإن فاته استقبال القبلة، وظاهره سواء ~~كان على محمل أو لا، وسواء كان السفر طويلا أو قصيرا، إلا أن في رواية رزين ~~في حديث جابر زيادة: في سفر القصر. وذهب إلى شرطية هذا جماعة من العلماء، ~~وقيل: لا يشترط، بل يجوز في الحضر، وهو مروي عن أنس من قوله، وفعله. ~~والراحلة: هي الناقة. والحديث ظاهر في جواز ذلك للراكب، وأما الماشي فمسكوت ~~عنه. وقد ذهب إلى جوازه جماعة من العلماء، قياسا على الراكب بجامع التيسير ~~للمتطوع، إلا أنه قيل: لا يعفى له عدم الاستقبال في ركوعه وسجوده، ~~وإتمامهما، وأنه لا يمشي إلا في قيامه وتشهده. ولهم في جواز مشيه عند ~~الاعتدال من الركوع قولان: وأما اعتداله بين السجدتين فلا يمشي فيه، إذ لا ~~يمشي إلا مع القيام، وهو ms0203 يجب عليه القعود بينهما وظاهر قوله حيث توجهت أنه ~~لا يعتدل لأجل الاستقبال، لا في حال صلاته، ولا في أولها، إلا أن في قوله: # (ولأبي داود من حديث أنس رضي لله عنه: وكان إذا سافر فأراد أن يتطوع ~~استقبل بناقته القبلة، فكبر ثم صلى حيث كان وجه ركابه، وإسناده حسن) ما يدل ~~على أنه عند تكبيرة الاحرام يستقبل القبلة، وهي زيادة مقبولة، وحديثه حسن، ~~فيعمل بها. وقوله: # ناقته، وفي الأول: راحلته: هما بمعنى واحد، وليس بشرط أن يكون ركوبه على ~~ناقة، بل قد صح في رواية مسلم: أنه (ص) صلى على حماره وقوله: إذا سافر تقدم ~~أن السفر شرط عند بعض العلماء، وكأنه يأخذه من هذا، وليس بظاهر في الشرطية. ~~وفي هذا الحديث، والذي قبله: أن ذلك في النفل، لا الفرض، بل صرح البخاري: ~~أنه لا يصنعه في المكتوبة، إلا أنه قد ورد في رواية الترمذي والنسائي: أنه ~~(ص) أتى إلى مضيق هو وأصحابه، والسماء من فوقهم، والبلة من أسفل منهم، ~~فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن، فأذن، وأقام. ثم تقدم رسول الله (ص) على ~~راحلته، فصلى بهم يومئ إيماء، فيجعل السجود أخفض من الركوع. قال الترمذي: ~~حديث غريب، وثبت ذلك عن أنس من فعله، وصححه عبد الحق، وحسنه الثوري، وضعفه ~~البيهقي، وذهب البعض: إلى أن الفريضة تصح على الراحلة إذا كان مستقبل ~~القبلة في هودج، ولو كانت سائرة كالسفينة، فإن الصلاة تصح فيها إجماعا. قلت ~~PageV01P135 # وقد يفرق: بأنه قد يتعذر في البحر وجدان الأرض فعفي عنه، بخلاف راكب ~~الهودج. وأما إذا كانت الراحلة واقفة، فعند الشافعي تصح الصلاة للفريضة، ~~كما تصح عندهم في الأرجوحة المشدودة بالحبال، وعلى السرير المحمول على ~~الرجال إذا كانوا واقفين. والمراد من المكتوبة التي كتبت على جميع ~~المكلفين، فلا يرد عليه: أنه صلى الله عليه وسلم كان يوتر على راحلته، ~~والوتر واجب عليه. # (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي (ص) قال: # الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام رواه الترمذي وله علة) وهي الاختلاف ~~في ms0204 وصله، وإرساله، فرواه حماد موصولا عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد، ~~ورواه الثوري مرسلا عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ورواية الثوري أصح، وأثبت. وقال الدارقطني: المحفوظ المرسل، ورجحه البيهقي. ~~والحديث دليل على أن الأرض كلها تصح فيها الصلاة، ما عدا المقبرة وهي: التي ~~تدفن فيها الموتى، فلا تصح فيها الصلاة، وظاهره سواء كان على القبر، أو بين ~~القبور، وسواء كان قبر مؤمن، أو كافر، فالمؤمن تكرمة له، والكافر بعدا من ~~خبثه. وهذا الحديث يخصص جعلت لي الأرض كلها مسجدا الحديث. وكذلك الحمام، ~~فإنه لا تصح فيه الصلاة فقيل: للنجاسة فيختص بما فيه النجاسة منه، وقيل: ~~تكره لا غير. وقال أحمد بن حنبل: لا تصح فيه الصلاة، ولو على سطحه عملا ~~بالحديث، وذهب الجمهور: إلى صحتها، ولكن مع كراهته، وقد ورد النهي معللا ~~بأنه محل الشياطين، والقول الأظهر مع أحمد. ثم ليس التخصيص لعموم حديث: ~~جعلت لي الأرض مسجدا بهذين المحلين فقط، بل بما يفيده الحديث الآتي وهو ~~قوله: # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي (ص) نهى أن يصلي في سبع: المزبلة) ~~هي مجتمع إلقاء الزبل (والمجزرة) محل جزر الانعام (والمقبرة) وهما بزنة ~~مفعلة بفتح العين ولحوق التاء بهما شاذ (وقارعة الطريق) ما تقرعه الاقدام ~~بالمرور عليها (الإبل) وهو مبرك الإبل حول الماء (وفوق ظهر بيت الله تعالى، ~~رواه الترمذي، وضعفه) فإنه قال بعد اخراجه ما لفظه: وحديث ابن عمر ليس بذاك ~~القوي، وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه، وجبيرة بفتح الجيم وكسر ~~الموحدة فمثناة تحتية فراء. وقال البخاري فيه متروك. وقد تكلف استخراج علل ~~للنهي عن هذه المحلات، فقيل: المقبرة والمجزرة للنجاسة، وقارعة الطريق ~~كذلك، وقيل: لان فيها حقا للغير، فلا تصح فيها الصلاة، واسعة كانت، أو ~~ضيقة، لعموم النهي. ومعاطن الإبل ورد التعليل فيها منصوصا: بأنها مأوى ~~الشياطين. PageV01P136 # أخرجه أبو داود، وورد بلفظ: مبارك الإبل، وفي لفظ: مزابل الإبل، وفي ~~أخرى: مناخ الإبل وهي ms0205 أعم من معاطن الإبل. وعللوا النهي عن الصلاة على ظهر ~~بيت الله، وقيدوه بأنه إذا كان على طرف بحيث يخرج عن هوائها لم تصح صلاته، ~~وإلا صحت، إلا أنه لا يخفى أن هذا التعليل أبطل معنى الحديث، فإنه إذا لم ~~يستقبل بطلت الصلاة لعدم الشرط، لا لكونها على ظهر الكعبة، فلو صح هذا ~~الحديث لكان بقاء النهي على ظاهره في جميع ما ذكر هو الواجب، وكان مخصصا ~~لعموم، جعلت لي الأرض مسجدا، لكن قد عرفت ما فيه، إلا أن الحديث في القبور ~~من بين هذه المذكورات قد صح، كما يفيده. # (وعن أبي مرثد) بفتح الميم وسكون الراء وفتح المثلثة (الغنوي) بفتح الغين ~~المعجمة والنون، وهو مرثد بن أبي مرثد. أسلم هو وأبوه، وشهد بدرا، وقتل ~~مرثد يوم غزوة الرجيع شهيدا في حياته (ص). (قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: ~~لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها. رواه مسلم). وفيه دليل على النهي ~~عن الصلاة إلى القبر، كما نهى عن الصلاة على القبر، والأصل التحريم، ولم ~~يذكر المقدار الذي يكون به النهي عن الصلاة إلى القبر، والظاهر: أنه ما يعد ~~مستقبلا له عرفا. ودل على تحريم الجلو س على القبر، وقد وردت به أحاديث، ~~كحديث جابر في وطئ القبر، وحديث أبي هريرة: لان يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ~~ثيابه، فتخلص إلى جلده: خير له من أن يجلس على قبر أخرجه مسلم، وقد ذهب إلى ~~تحريم ذلك جماعة من العلماء. وعن مالك: أنه لا يكره القعود عليها ونحوه، ~~وإنما النهي عن القعود لقضاء الحاجة. وفي الموطأ: عن علي عليه السلام: أنه ~~كان يتوسد القبر ويضطجع عليه، ومثله في البخاري: عن ابن عمر، وعن غيره. ~~والأصل في النهي التحريم، كما عرفت غير مرة، وفعل الصحابي لا يعارض الحديث ~~المرفوع، إلا أن يقال: إن فعل الصحابي دليل لحمل النهي على الكراهة، ولا ~~يخفى بعده. # (وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إذا جاء أحدكم إلى ~~المسجد فلينظر) أي نعليه، كما ms0206 دل له قوله: (فإن رأى في نعليه أذى أو قذرا) ~~شك من الراوي (فليمسحه وليصل فيهما. أخرجه أبو داود، وصححه ابن خزيمة) ~~اختلف في وصله، وإرساله، ورجح أبو حاتم وصله، ورواه الحاكم من حديث أنس، ~~وابن مسعود، ورواه الدارقطني من حديث ابن عباس، وعبد الله بن الشخير، ~~وإسنادهما ضعيف. وفي الحديث دلالة على شرعية الصلاة في النعال، وعلى أن مسح ~~النعل من النجاسة مطهر لمن القذر والأذى، والظاهر فيهما عند الاطلاق ~~النجاسة رطبة أو جافة، ويدل له سبب الحديث، وهو إخبار جبريل له (ص): أن في ~~نعله أذى، فخلعه في صلاته، واستمر فيها، فإنه سبب هذا. وأن المصلي إذا دخل ~~في الصلاة وهو متلبس بنجاسة، غير عالم بها، أو ناسيا لها، ثم عرف بها في ~~أثناء صلاته، أنه يجب عليه إزالتها، ثم يستمر في صلاته، ويبني على ما صلى، ~~وفي الكل خلاف، إلا أنه لا دليل للمخالف، يقاوم الحديث، فلا نطيل بذكره. # ويؤيد طهورية النعال بالمسح بالتراب الحديث الآتي وهو: PageV01P137 # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إذا وطئ أحدكم ~~الأذى بخفيه) أي مثلا، أو نعليه، أو أي ملبوس لقدميه (فطهورهما) أي الخفين ~~(التراب، أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان)، وأخرجه ابن السكن، والحاكم، ~~والبيهقي: من حديث أبي هريرة، وسنده ضعيف. وأخرجه أبو داود: من حديث عائشة، ~~وفي الباب غير هذه بأسانيد، لا تخلو من ضعف، إلا أنه يشد بعضها بعضا. وقد ~~ذهب الأوزاعي: # إلى العمل بهذه الأحاديث، وكذا النخعي وقالا: يجزيه أن يمسح خفيه إذا كان ~~فيهما نجاسة بالتراب، ويصلي فيهما، ويشهد له: أن أم سلمة سألت النبي (ص) ~~فقالت: إني امرأة أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذر، فقال: يطهره ما بعده. ~~أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة. # ونحوه: أن امرأة من بني عبد الأشهل قالت: قلت: يا رسول الله إن لنا طريقا ~~إلى المسجد منتنة، فكيف نفعل إذا مطرنا؟ فقال: أليس من بعدها طريق هي أطيب ~~منها؟ قلت: بلى، قال: فهذه بهذه أخرجه أبو ms0207 داود، وابن ماجة. قال الخطابي: ~~وفي إسناد الحديثين مقال، وتأوله الشافعي: بأنه إنما هو فيما جرى على ما ~~كان يابسا، لا يعلق بالثوب منه شئ، قلت: ولا يناسبه قولها: إذا مطرنا. وقال ~~مالك، معنى كون الأرض يطهر بعضها بعضا: أن يطأ الأرض القذرة، ثم يصل للأرض ~~الطيبة اليابسة، فإن بعضها يطهر بعضا. أما النجاسة تصيب الثوب أو الجسد، ~~فلا يطهرها إلا الماء، قال: وهو إجماع. قيل: ومما يدل لحديث الباب، وأنه ~~على ظاهره: # ما أخرجه البيهقي عن أبي المعلى عن أبيه عن جده قال: أقبلت مع علي بن أبي ~~طالب عليه السلام إلى الجمعة، وهو ماش، فحال بينه وبين المسجد حوض من ماء ~~وطين، فخلع نعليه وسراويله، قال: قلت: هات يا أمير المؤمنين أحمله عنك. ~~قال: لا، فخاض، فلما جاوزه لبس نعليه وسراويله، ثم صلى بالناس، ولم يغسل ~~رجليه. أي ومن المعلوم: أن الماء المجتمع في القرى لا يخلو عن النجاسة. # (وعن معاوية بن الحكم) هو معاوية بن الحكم السلمي كان ينزل المدينة، ~~وعداده في أهل الحجاز (قال: قال رسول الله (ص): إن هذه الصلاة لا يصلح فيها ~~شئ من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن. رواه مسلم) ~~وللحديث سبب حاصله: أنه عطس في الصلاة رجل، فشمته معاوية، وهو في الصلاة، ~~فأنكر عليه من لديه من الصحابة بما أفهمه ذلك، ثم قال له النبي (ص) بعد ~~ذلك: إن هذه الصلاة. الحديث وله عدة ألفاظ. والمراد من عدم الصلاحية: عدم ~~صحتها، ومن الكلام مكالمة الناس ومخاطبتهم، كما هو صريح السبب. فدل على أن ~~المخاطبة في الصلاة تبطلها، سواء كانت لاصلاح الصلاة، أو غيرها، وإذا احتيج ~~إلى تنبيه الداخل فيأتي حكمه، وبماذا يثبت. ودل الحديث: على أن الكلام من ~~الجاهل في الصلاة لا يبطلها، وأنه معذور لجهله، فإنه (ص) لم يأمر معاوية ~~بالإعادة. وقوله: إنما هو: أي الكلام المأذون فيه في الصلاة، أو الذي يصلح ~~فيها: التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن: أي إنما يشرع فيها ذلك، وما انضم ~~إليه من الأدعية، ms0208 ونحوها، لدليله الآتي وهو: PageV01P138 # (وعن زيد بن أرقم قال: إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد رسول الله (ص) ~~والمراد: ما لا بد منه من الكلام، كرد السلام ونحوه، لا أنهم كانوا ~~يتحادثون فيها تحادث المتجالسين، كما يدل قوله: (يكلم أحدنا صاحبه بحاجته، ~~حتى نزلت: * (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) * وهي ~~صلاة العصر على أكثر الأقوال. وقد ادعى فيه الاجماع * (وقوموا لله قانتين) ~~* قال النووي في شرح مسلم: فيه دليل على تحريم جميع أنواع كلام الآدميين. ~~وأجمع العلماء: على أن المتكلم فيها عامدا عالما بتحريمه، لغير مصلحتها، ~~ولغير إنقاذ هالك، وشبهه: مبطل للصلاة، وذكر الخلاف في الكلام لمصلحتها، ~~ويأتي في شرح حديث ذي اليدين في أبواب السهو. وفهم الصحابة الامر بالسكوت ~~من قوله: قانتين، لأنه أحد معاني القنوت، وله أحد عشر معنى معروفة، وكأنهم ~~أخذوا خصوص هذا المعنى من القرائن، أو من تفسيره (ص) لهم ذلك. والحديث فيه ~~أبحاث قد سقناها في حواشي شرح العمدة، فاضطر المصلي إلى تنبيه غيره، فقد ~~أباح له الشارع نوعا من الألفاظ كما يفيده الحديث. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # التسبيح للرجال) وفي رواية: إذا نابكم أمر فالتسبيح للرجال (والتصفيق ~~للنساء متفق عليه. زاد مسلم: في الصلاة) وهو المراد من السياق، وإن لم يأت ~~بلفظه. والحديث دليل على أنه يشرع لمن نابه في الصلاة أمر من الأمور، كأن ~~يريد: تنبيه الامام على أمر سها عنه، وتنبيه المار، أو من يريد منه أمرا، ~~وهو لا يدري أنه يصلي، فينبهه على أنه في صلاة، فإن كان المصلي رجلا قال: ~~سبحان الله، وقد ورد في البخاري بهذا اللفظ، وأطلق فيما عداه، وإن كانت ~~المصلية امرأة نبهت بالتصفيق. وكيفيته، كما قال عيسى بن أيوب: أن تضرب ~~بأصبعين من يمينها على كفها اليسرى. وقد ذهب إلى القول بهذا الحديث جمهور ~~العلماء، وبعضهم فصل بلا دليل ناهض، فقال: إن كان ذلك للاعلام: بأنه في ~~صلاة فلا يبطلها، وإن كان لغير ذلك فإنه ms0209 يبطلها، ولو كان فتحا على الامام. ~~قالوا: لما أخرجه أبو داود من قوله (ص) يا علي لا تفتح على الامام في ~~الصلاة. وأجيب: بأن أبا داود ضعفه بعد سياقه له. فحديث الباب باق على ~~إطلاقه، لا تخرج منه صورة إلا بدليل. ثم الحديث لا يدل على وجوب التسبيح ~~تنبيها، أو التصفيق، إذ ليس فيه أمر، إلا أنه قد ورد بلفظ الامر في رواية: ~~إذا نابكم أمر فليسبح الرجال وليصفق النساء. وقد اختلف في ذلك العلماء. قال ~~شارح التقريب: الذي ذكره أصحابنا: ومنهم: الرافعي، والنووي: أنه سنة، وحكاه ~~عن الأصحاب، ثم قال بعد كلام: والحق انقسام التنبيه في الصلاة إلى: ما هو ~~واجب، ومندوب، ومباح، بحسب ما يقتضيه الحال. # (وعن مطرف) بضم الميم وفتح الطاء المهملة وتشديد الراء المكسورة وبالفاء ~~(ابن عبد الله بن الشخير) بكسر الشين المعجمة وكسر الخاء المشددة، ومطرف ~~تابعي جليل PageV01P139 # (عن أبيه) عبد الله بن الشخير، وهو ممن وفد إلى النبي (ص) في بني عامر، ~~يعد في البصريين. (قال رأيت رسول الله (ص) يصلي وفي صدره أزيز) بفتح الهمزة ~~فزاي مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فزاي، وهو: صوت القدر في غليانها (كأزيز ~~المرجل) بكسر الميم وسكون الراء وفتح الجيم هو القدر (من البكاء) بيان ~~للأزيز (أخرجه الخمسة) هم عنده على ما ذكره في الخطبة: من عدا الشيخين، فهم ~~أصحاب السنن، وأحمد، إلا أنه هنا أراد بهم غير ذلك، وهم أهل السنن الثلاثة ~~وأحمد، كما بينه قوله: إلا ابن ماجة، وصححه ابن حبان)، وصححه أيضا ابن ~~خزيمة، والحاكم، ووهم من قال: إن مسلما أخرجه، ومثله ما روى: أن عمر صلى ~~صلاة الصبح، وقرأ سورة يوسف حتى بلغ إلى قوله: * (إنما أشكو بشئ وحزني إلى ~~الله). فسمع نشيجه، أخرجه البخاري مقطوعا، ووصله سعيد بن منصور، وأخرجه ابن ~~المنذر. والحديث دليل على أن مثل ذلك لا يبطل الصلاة، وقيس عليه الأنين. # (وعن علي رضي الله عنه قال: كان لي من رسول الله (ص) مدخلان) بفتح الميم ~~ودال مهملة وخاء معجمة تثنية ms0210 مدخل بزنة مقتل: أي وقتان أدخل عليه فيهما ~~(فكنت إذا أتيته وهو يصلي تنحنح لي، رواه النسائي، وابن ماجة) وصححه ابن ~~السكن، وقد روى بلفظ: سبح مكان تنحنح: من طريق أخرى ضعيفة. والحديث دليل: # على أن التنحنح غير مبطل للصلاة، وقد ذهب إليه الناصر، والشافعي، عملا ~~بهذا الحديث، وعند الهادوية: أنه مفسد إذا كان بحرفين فصاعدا، إلحاقا له ~~بالكلام المفسد، قالوا: وهذا الحديث فيه اضطراب، ولكن قد سمعت: أن رواية: ~~تنحنح صححها ابن السكن، ورواية سبح ضعيفة، فلا تتم دعوى الاضطراب، ولو ثبت ~~الحديثان معا، لكان الجمع بينهما - بأنه (ص) كان تارة يسبح، وتارة يتنحنح ~~صحيحا. # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قلت لبلال: كيف رأيت النبي (ص) يرد ~~عليهم) أي على الأنصار، كما دل له السياق (حين يسلمون عليه وهو يصلي؟ # قال: يقول: هكذا وبسط كفه. أخرجه أبو داود والترمذي، وصححه)، وأخرجه أيضا ~~أحمد، والنسائي، وابن ماجة، وأصل الحديث: أنه خرج رسول الله (ص) إلى قباء ~~يصلي فيه، فجاءت الأنصار، وسلموا عليه، فقلت لبلال: كيف رأيت؟ الحديث، ~~ورواه أحمد، وابن حبان، والحاكم أيضا من حديث ابن عمر: أنه سأل صهيبا عن ~~ذلك بدل بلال، وذكر الترمذي: أن الحديثين صحيحان جميعا. والحديث دليل على ~~أن إذا سلم أحد على المصلي رد عليه السلام، بالإشارة دون النطق. وقد أخرج ~~مسلم عن جابر: أن رسول الله (ص) بعثه لحاجة. قال: ثم أدركته وهو يصلي، ~~فسلمت عليه، فأشار إلي، فلما فرغ دعاني وقال: # إنك سلمت علي، فاعتذر إليه بعد الرد بالإشارة. وأما حديث ابن مسعود: أنه ~~سلم عليه وهو يصلي، فلم يرد عليه (ص)، ولا ذكر الإشارة، بل قال له بعد ~~فراغه من الصلاة إن في الصلاة شغلا، إلا أنه قد ذكر البيهقي في حديثه: أنه ~~(ص) أومأ له PageV01P140 # برأسه. وقد اختلف العلماء في رد السلام في الصلاة على من سلم على المصلي. ~~فذهب جماعة إلى أنه يرد باللفظ. وقال جماعة: يرد بعد السلام من الصلاة. ~~وقال قوم: يرد في نفسه. وقال ms0211 قوم: يرد بالإشارة، كما أفاده هذا الحديث، ~~وهذا هو أقرب الأقوال للدليل، وما عداه لم يأت به دليل. قيل: وهذا الرد ~~بالإشارة استحباب، بدليل: أنه لم يرد (ص) به على ابن مسعود، بل قاله: إن في ~~الصلاة شغلا. قد عرفت من رواية البيهقي، أنه (ص) رد عليه بالإشارة برأسه، ~~ثم اعتذر إليه عن الرد باللفظ، لأنه الذي كان يرد به عليهم في الصلاة، فلما ~~حرم الكلام، رد عليه (ص) بالإشارة، ثم أخبره: أن الله أحدث من أمره أن لا ~~يتكلموا في الصلاة فالعجب من قول من قال: يرد باللفظ مع أنه (ص) قال هذا أي ~~أن الله أحدث من أمره في الاعتذار عن رده على ابن مسعود السلام باللفظ، ~~وجعل رده السلام في الصلاة كلاما، وأن الله نهى عنه. والقول: بأنه من سلم ~~على المصلي لا يستحق جوابا. يعني بالإشارة لا باللفظ، يرده: رده (ص) على ~~الأنصار، وعلى جابر بالإشارة، ولو كانوا لا يستحقون لأخبرهم بذلك، ولم يرد ~~عليهم. وأما كيفية الإشارة، ففي المسند من حديث صهيب قال: مررت برسول الله ~~(ص)، وهو يصلي، فسلمت، فرد علي إشارة قال الراوي: لا أعلمه إلا قال إشارة ~~بأصبعه وفي حديث ابن عمر: # في وصفه لرده (ص) على الأنصار: أنه (ص) قال: هكذا، وبسط جعفر بن عون - ~~الراوي عن ابن عمر - كفه، وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق. # فتحصل من هذا: أنه يجيب المصلي بالإشارة إما برأسه، أو بيده، أو بأصبعه. ~~والظاهر: أنه واجب، لان الرد بالقول واجب، وقد تعذر في الصلاة، فبقي الرد ~~بأي ممكن، وقد أمكن بالإشارة، وجعله الشارع ردا، وسماه الصحابة ردا ودخل ~~تحت قوله تعالى: * (ولهديناهم صراطا مستقيما) * وأما حديث أبي هريرة: أنه ~~قال (ص): من أشار في الصلاة إشارة تفهم عنه فليعد صلاته ذكره الدارقطني، ~~فهو حديث باطل، لأنه من رواية أبي غطفان عن أبي هريرة، وهو رجل مجهول. # (وعن أبي قتادة قال: كان رسول الله (ص) يصلي وهو حامل أمامة) بضم الهمزة ~~(بنت زينب) هي أمها، ms0212 وهي زينب: بنت رسول الله (ص). # وأبوها: أبو العاص بن الربيع (فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها متفق عليه) ~~ولمسلم زيادة (وهو يؤم الناس في المسجد) في قوله: كان يصلي ما يدل على أن ~~هذه العبارة لا تدل على التكرار مطلقا، لان هذا الحمل لامامة وقع منه (ص) ~~مرة واحدة، لا غير. والحديث دليل على أن حمل المصلي في الصلاة حيوانا ~~آدميا، أو غيره لا يضر صلاته، سواء كان ذلك لضرورة، أو غيرها، وسواء كان في ~~صلاة فريضة أو غيرها، وسواء كان إماما أو منفردا، وقد صرح في رواية مسلم: ~~أنه (ص) كان إماما، فإذا جاز في حال الإمامة جاز في حال الانفراد. وإذا جاز ~~في الفريضة جاز في النافلة بالأولى. وفيه دلالة على طهارة ثياب الصبيان ~~وأبدانهم، وأنه الأصل ما لم تظهر النجاسة. وأن الأفعال التي مثل هذه لا ~~تبطل الصلاة، فإنه (ص) كان يحملها ويضعها، وقد ذهب إليه PageV01P141 # الشافعي، ومنع غيره من ذلك، وتأولوا الحديث بتأويلات بعيدة: منها: أنه ~~خاص به (ص). # ومنهم: أن أمامة كان تعلق به من دون فعل منه. ومنها: أنه للضرورة، ومنهم ~~من قال: إنه منسوخ، وكلها دعاوى بغير برهان واضح، وقد أطال ابن دقيق العيد ~~في شرح العمدة القول في هذا، وزدناه إيضاحا في حواشيها. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # اقتلوا الأسودين في الصلاة: الحية، والعقرب أخرجه الأربعة، وصححه ابن ~~حبان) وله شواهد كثيرة، والأسودان اسم يطلق على الحية والعقرب، على أي لون ~~كانا، كما يفيده كلام أئمة اللغة، فلا يتوهم أنه خاص بذي اللون الأسود ~~فيهما. وهو دليل على وجوب قتل الحية والعقرب في الصلاة إذ هو الأصل في ~~الامر، وقيل: إنه للندب، وهو دليل على أن الفعل الذي لا يتم قتلهما إلا به ~~لا يبطل الصلاة، سواء كان بفعل قليل، أو كثير، وإلى هذا ذهب جماعة من ~~العلماء. وذهبت الهادوية: إلى أن ذلك يفسد الصلاة، وتأولوا الحديث بالخروج ~~من الصلاة، قياسا على سائر الأفعال الكثيرة ms0213 التي تدعو إليها الحاجة، وتعرض ~~وهو يصلي، كإنقاذ الغريق ونحوه، فإنه يخرج لذلك من صلاته، وفيه لغيرهم ~~تفاصيل أخر، لا يقوم عليها دليل. # والحديث حجة للقول الأول. وأحاديث الباب اثنان وعشرون، وفي الشرح ستة ~~وعشرون. # باب سترة المصلي (عن أبي جهيم) بضم الجيم مصغر جهم، وهو عبد الله بن ~~جهيم. وقيل: هو عبد الله بن الحارث بن الصمة بكسر المهملة وتشديد الميم، ~~الأنصاري، له حديثان، هذا أحدهما، والاخر في السلام على من يبول. وقال فيه ~~أبو داود: أبو الجهيم بن الحارث بن الصمة. # وقد قيل: إن راوي حديث البول: رجل اخر، هو عبد الله بن الحارث، والذي هنا ~~عبد الله بن جهيم وأنهما اثنان. (قال: قال رسول الله (ص): لو يعلم المار ~~بين يدي المصلي ماذا عليه من الاثم) لفظ من الاثم ليس من ألفاظ البخاري، ~~ولا مسلم، بل قال المصنف في فتح الباري: إنها لا توجد في البخاري إلا عند ~~بعض رواته، وقدح فيه: بأنه ليس من أهل العلم. قال: وقد عيب على الطبري ~~نسبتها إلى البخاري في كتابه الاحكام، وكذا عيب على صاحب العمدة نسبتها إلى ~~الشيخين معا اه‍. فالعجب من نسبة المصنف لها هنا إلى الشيخين، فقد وقع له ~~من الوهم ما وقع لصاحب العمدة (لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين ~~يديه. متفق عليه واللفظ للبخاري) وليس فيه ذكر مميز PageV01P142 # الأربعين (ووقع في البزار) أي من حديث أبي جهيم (من وجه) أي من طريق ~~رجالها غير رجل المتفق عليه (أربعين خريفا) أعاما، أطلق الخريف على العام، ~~من إطلاق الجزء على الكل. والحديث دليل على تحريم المرور بين يدي المصلي: ~~أي ما بين موضع جبهته في سجوده، وقدميه، وقيل: غير هذا، وهو عام في كل مصل ~~فرضا، أو نفلا، سواء كان إماما، أو منفردا، وقيل: يختص بالامام والمنفرد، ~~إلا المأموم، فإنه لا يضره من مر بين يديه، لان ستر الامام سترة له، وإمامه ~~سترة له، إلا أنه قد رد هذا القول: بأن السترة إنما ms0214 ترفع الحرج عن المصلي، ~~لا عن المار. ثم ظاهر الوعيد يختص بالمار، لا بمن وقف عامدا مثلا بين يدي ~~المصلي، أو قعد، أو رقد، ولكن إذا كان العلة فيه التشويش على المصلي، فهو ~~في معنى المار. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سئل رسول الله (ص) في غزوة تبوك: عن سترة ~~المصلي فقال: مثل مؤخرة) بضم الميم وهمزة ساكنة وكسر الخاء المعجمة وفيها ~~لغات أخر (الرحل) هو العود الذي في اخر الرحل (أخرجه مسلم). وفي الحديث ندب ~~للمصلي إلى اتخاذ سترة، وأنه يكفيه مثل مؤخرة الرحل، وهي قدر ثلثي ذراع، ~~وتحصل بأي شئ أقامه بين يديه. قال العلماء: والحكمة في السترة كف البصر عما ~~وراءها، ومنع من يجتاز بقربه. وأخذ من هذا. أنه لا يكفي الخط بين يدي ~~المصلي، وإن كان قد جاء به حديث، أخرجه أبو داود، إلا أنه ضعيف مضطرب، وقد ~~أخذ به أحمد بن حنبل فقال: يكفي الخط، وينبغي له أن يدنو من السترة، ولا ~~يزيد ما بينه وبينها على ثلاثة أذرع، فإن لم يجد عصا، أو نحوها جمع أحجارا، ~~أو ترابا، أو متاعه، قال النووي: استحب أهل العلم الدنو من السترة: بحيث ~~يكون بينه وبينها قدر مكان السجود، وكذلك بين الصفوف. وقد ورد الامر بالدنو ~~منها، وبيان الحكمة في اتخاذها، وهو ما رواه أبو داود وغيره من حديث سهل بن ~~أبي حثمة مرفوعا: إذا صلى أحدكم إلى سترة، فليدن منها، لا يقطع الشيطان ~~عليه صلاته، ويأتي في الحديث الرابع: ما يفيد ذلك، والقول بأن أقل السترة ~~مثل مؤخرة الرحل يرده الحديث الآتي: # (وعن سبرة) بفتح السين المهملة وسكون الموحدة، وهو أبو ثرية بضم المثلثة ~~وفتح الراء وتشديد المثناة التحتية وهو سبرة (ابن معبد الجهني) سكن ~~المدينة، وعداده في البصريين (قال: قال رسول الله (ص): ليستتر أحدكم في ~~الصلاة، ولو بسهم. أخرجه الحاكم). فيه الامر بالسترة، وحمله الجماهير على ~~الندب، وعرفت أن فائدة اتخاذها: أنه مع اتخاذها لا يقطع الصلاة شئ، ومع عدم ~~اتخاذها: يقطعها ما يأتي، ms0215 وفي قوله: لو بسهم ما يفيد: أنها تجزئ السترة، ~~غلظت أو دقت، وأنه ليس أقلها مثل مؤخرة الرحل، كما قيل: قالوا: والمختار أن ~~يجعل السترة عن يمينه، أو شماله، ولا يصمد إليها. # (وعن أبي ذر) بفتح الذال المعجمة وقد تقدمت ترجمته (قال: قال رسول الله ~~(ص): يقطع صلاة المرء المسلم) أي يفسدها، أو يقلل ثوابها (إذا لم يكن بين ~~يديه مثل مؤخرة الرحل) أي مثلا، وإلا فقد أجزأ السهم كما عرفت PageV01P143 # (المرأة) هو فاعل يقطع: أي مرور المرأة (والحمار والكلب الأسود. الحديث) ~~أي أتم الحديث، وتمامه قلت فما بال الأسود من الأحمر من الأصفر من الأبيض؟ ~~قال: يا ابن أخي سألت رسول الله (ص) عما سألتني فقال: الكلب الأسود شيطان ~~(وفيه الكلب الأسود شيطان) الجار يتعلق بمقدر: أي وقال: (أخرجه مسلم)، ~~وأخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجة مختصرا، ومطولا. الحديث دليل: على أنه ~~يقطع صلاة من لا سترة له مرور هذه المذكورات، وظاهر القطع الابطال. وقد ~~اختلف العلماء في العمل بذلك، فقال قوم: # يقطعها المرأة، والكلب الأسود، دون الحمار، لحديث ورد في ذلك عن ابن ~~عباس: أنه مر بين يدي الصف على حمار، والنبي (ص) يصلي، ولم يعد الصلاة، ولا ~~أمر أصحابه بإعادتها أخرجه الشيخان فجعلوه مخصصا لما هنا. وقال أحمد: ~~يقطعها الكلب الأسود. قال: وفي نفسي من المرأة، والحمار. أما الحمار، ~~فلحديث ابن عباس. وأما المرأة، فلحديث عائشة عند البخاري أنها قالت: كان ~~رسول الله (ص) يصلي من الليل، وهي معترضة بين يديه، فإذا سجد غمز رجليها ~~فكفتهما، فإذا قام بسطتهما فلو كانت الصلاة يقطعها مرور المرأة لقطعها ~~اضطجاعها بين يديه. وذهب الجمهور إلى أنه لا يقطعها شئ، وتأولوا الحديث بأن ~~المراد بالقطع: نقص الاجر، لا الابطال. قالوا: لشغل القلب بهذه الأشياء. ~~ومنهم من قال: هذا الحديث منسوخ بحديث أبي سعيد الآتي: لا يقطع الصلاة شئ ~~ويأتي الكلام عليه، وقد ورد: أنه يقطع الصلاة: اليهودي والنصراني، ~~والمجوسي، والخنزير وهو ضعيف، أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس، وضعفه. # (وله) أي ms0216 لمسلم (عن أبي هريرة نحوه) أي نحو حديث أبي ذر (دون الكلب) كذا ~~في نسخ بلوغ المرام، ويريد: أن لفظ الكلب لم يذكر في حديث أبي هريرة، ولكن ~~راجعت الحديث، فرأيت لفظه في مسلم عنه قال: قال رسول الله (ص): يقطع ~~الصلاة: المرأة، والحمار، والكلب، ويقي من ذلك مثل مؤخرة الرحل. # (ولأبي داود والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما نحوه، دون آخره. وقيد ~~المرأة بالحائض). # في أبي داود عن شعبة قال: حدثنا قتادة قال: سمعت جابر بن زيد: يحدث عن ~~ابن عباس، رفعه شعبة. قال: يقطع الصلاة المرأة الحائض، والكلب، وأخرجه ~~النسائي وابن ماجة وقوله دون اخره يريد: أنه ليس في حديث ابن عباس: اخر ~~حديث أبي هريرة الذي في مسلم، وهو قوله: ويقي من ذلك مثل مؤخرة الرحل ~~فالضمير في اخره في عبارة المصنف: لاخر حديث أبي هريرة، مع أنه لم يأت ~~بلفظه، كما عرفت، ولا يصح أنه يريد: دون اخر حديث أبي ذر، كما لا يخفى، من ~~أن حق الضمير عوده إلى الأقرب. ثم راجعت سنن أبي داود، وإذا لفظه يقطع ~~الصلاة المرأة الحائض، والكلب فاحتملت عبارة المصنف: أن مراده: دون اخر ~~حديث أبي ذر وهو قوله: الكلب الأسود شيطان، أو دون اخر حديث أبي هريرة، ~~وهو: ما ذكرناه في الشرح، والأول أقرب، لأنه ذكر لفظ أبي ذر، دون لفظ حديث ~~أبي هريرة، وإن صح أن يعيد إليه الضمير، وإن لم يذكره: إحالة على الناظر. ~~تقييد المرأة PageV01P144 # بالحائض يقتضي مع صحة الحديث حمل المطلق على المقيد، فلا تقطع إلا ~~الحائض، كما أنه أطلق الكلب عن وصفه بالأسود في بعض الأحاديث. وقيد في ~~بعضها به، فحملوا المطلق على المقيد، وقالوا: لا يقطع إلا الأسود، فتعين في ~~المرأة الحائض: حمل المطلق على المقيد. # (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # إذا صلى أحدكم إلى شئ يستره من الناس) مما سلف تعيينه من السترة، وقدرها، ~~وقدر كم يكون بينها وبين المصلي (فأراد أحد أن يجتاز) ms0217 أي يمضي (بين يديه ~~فليدفعه) ظاهره وجوبا (فإن أبى) أي عن الاندفاع (فليقاتله) ظاهره كذلك ~~(فإنما هو شيطان) تعليل للامر بقتاله، أو لعدم اندفاعه، أو لهما (متفق ~~عليه. وفي رواية) أي لمسلم: من حديث أبي هريرة (فإن معه القرين) في ~~القاموس: القرين: الشيطان المقرون بالإنسان لا يفارقه، وظاهر كلام المصنف ~~أن رواية: (فإن معه القرين) متفق عليها بين الشيخين من حديث أبي سعيد، ولم ~~أجدها في البخاري، ووجدتها في صحيح مسلم، لكن من حديث أبي هريرة. والحديث ~~دال بمفهومه: على أنه إذا لم يكن للمصلي سترة، فليس له دفع المار بين يديه، ~~وإن كان له سترة دفعه. قال القرطبي: بالإشارة، ولطيف المنع، فإن لم يمتنع ~~عن الاندفاع قاتله: أي دفعه دفعا أشد من الأول، قال: وأجمعوا: أنه لا يلزمه ~~أن يقاتله بالسلاح، لمخالفة ذلك قاعدة الصلاة: من الاقبال عليها والاشتغال ~~بها، والخشوع. هذا كلامه. # وأطلق جماعة: أن له قتاله حقيقة، وهو ظاهر اللفظ. والقول بأنه يدفعه ~~بلعنه وسبه يرده: لفظ هذا الحديث، ويؤيده: فعل أبي سعيد راوي الحديث مع ~~الشاب الذي أراد أن يجتاز بين يديه وهو يصلي. أخرجه البخاري عن أبي صالح ~~السمان قال: رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى شئ يستره من الناس، ~~فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه، فدفعه أبو سعيد في صدره، ~~فنظر الشاب، فلم يجد مساغا إلا بين يديه، فعاد ليجتاز، فدفعه أبو سعيد أشد ~~من الأول. الحديث وقيل: يرده بأسهل الوجود، فإذا أبى، فبأشد، ولو أدى إلى ~~قتله فإن قتله فلا شئ عليه، لان الشارع أباح قتله. والامر في الحديث، وإن ~~كان ظاهره الايجاب، لكن قال النووي: لا أعلم أحدا من الفقهاء قال بوجوب هذا ~~الدفع، بل صرح أصحابنا: بأنه مندوب، ولكن قال المصنف: قد صرح بوجوبه أهل ~~الظاهر. وفي قوله: فإنما هو شيطان: تعليل بأن فعله فعل الشيطان: في إرادة ~~التشويش على المصلي، وفيه دلالة على جواز إطلاق لفظ الشيطان على الانسان ~~الذي يريد إفساد صلاة ms0218 المصلي، وفتنته فدينه، كما قال تعالى: * (شياطين ~~الإنس والجن ) * وقيل: المراد بأن الحامل له على ذلك شيطان، ويدل له رواية ~~مسلم: فإن معه القرين. # وقد اختلف في الحكمة المقتضية للامر بالدفع، فقيل: لدفع الاثم عن المار، ~~وقيل: لدفع الخلل الواقع بالمرور في الصلاة، وهذا الأرجح، لان عناية المصلي ~~بصيانة صلاته أهم من دفعه الاثم عن غيره، قلت: ولو قيل: إنه لهما معا، لما ~~بعد، فيكون لدفع الاثم عن المار، الذي أفاده حديث: لو يعلم المار، ولصيانة ~~الصلاة عن النقصان من أجرها، فقد أخرج أبو نعيم عن PageV01P145 # عمر: لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه، ما صلى إلا إلى ~~شئ يستره من الناس، وأخرج ابن أبي شيبة: عن ابن مسعود: إن المرور بين يدي ~~المصلي يقطع نصف صلاته، ولهما حكم الرفع، وإن كانا موقوفين، إلا أن الأول ~~فيمن لم يتخذ سترة. والثاني مطلق، فيحمل عليه. وأما من اتخذ السترة فلا نقص ~~في صلاته بمرور المار، لأنه قد صرح الحديث أنه مع اتخاذ السترة لا يضره ~~مرور من مر، فأمره بدفعه للمار، لعل وجهه: إنكار المنكر على المار، لتعديه ~~ما نهاه عنه الشارع، ولذا يقدم الأخف على الأغلظ. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله (ص) قال: إذا صلى أحدكم ~~فليجعل تلقاء وجهه شيئا، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن فليخط خطا، ثم ~~لا يضره من مر بين يديه. أخرجه أحمد، وابن ماجة، وصححه ابن حبان، ولم يصب ~~من زعم) وهو ابن الصلاح (أنه مضطرب) فإنه أورده مثالا للمضطرب فيه (بل هو ~~حسن) ونازعه المصنف في النكت، وقد صححه أحمد، وابن المديني، وفي مختصر ~~السنن، قال سفيان بن عيينة: لم نجد شيئا نشد به هذا الحديث، ولم يجئ إلا من ~~هذا الوجه، وكان إسماعيل بن أمية إذا حدث بهذا الحديث يقول: هل عندكم شئ ~~تشدونه به؟ وقد أشار الشافعي: إلى ضعفه، وقال البيهقي: لا بأس به في مثل ~~هذا الحكم، إن شاء الله تعالى. والحديث ms0219 دليل على أن السترة تجزئ بأي شئ ~~كانت. وفي مختصر السنن: قال سفيان بن عيينة: # رأيت شريكا صلى بنا في جنازة العصر، فوضع قلنسوته بين يديه. وفي الصحيحين ~~من رواية ابن عمر: أنه (ص): كان يعرض راحلته فيصلي إليها، وقد تقدم: أنه ~~أي: المصلي إذا لم يجد: جمع ترابا، أو أحجارا، واختار أحمد بن حنبل: أن ~~يكون الخط كالهلال. وفي قوله: # ثم لا يضره شئ ما يدل: أنه يضره إذا لم يفعل: إما بنقصان من صلاته، أو ~~بإبطالها على ما ذكر أنه يقطع الصلاة، إذ في المراد بالقطع: الخلاف، كما ~~تقدم. وهذا فيما إذا كان المصلي إماما، أو منفردا، لا إذا كان مؤتما، فإن ~~الامام سترة له، أو سترته سترة له، وقد سبق قريبا، وقد بوب له البخاري، ~~وأبو داود، وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث أنس مرفوعا: سترة الامام لمن ~~خلفه، وإن كان فيه ضعف. # واعلم أن الحديث عام: في الامر باتخاذ السترة في الفضاء وغيره، فقد ثبت: ~~أنه (ص) كان إذا صلى إلى جدار جعل بينه وبينه قدر ممر الشاة، ولم يكن ~~يتباعد منه، بل أمر بالقرب من السترة، وكان إذا صلى إلى عود، أو عمود، أو ~~شجرة: جعله على جانبه الأيمن، أو الأيسر، ولم يصمد له صمدا، وكان يركز ~~الحربة في السفر، أو العنزة، فيصلي إليها، فتكون سترته، وكان يعرض راحلته ~~فيصلي إليها. وقال الشافعية على ذلك: بسط المصلي لنحو سجادة، بجامع إشعار ~~المار أنه في الصلاة، وهو صحيح. # (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # لا يقطع الصلاة شئ، وادرأوا ما استطعتم أخرجه أبو داود، وفي سنده ضعف). ~~PageV01P146 # في مختصر المنذري: في إسناده مجالد، وهو أبو سعيد بن عمير الهمداني ~~الكوفي. وقد تكلم فيه غير واحد، وأخرج له مسلم حديثا مقرونا بغيره من أصحاب ~~الشعبي، وأخرج نحوه أيضا الدارقطني: من حديث أنس، وأبي أمامة، والطبراني: ~~من حديث جابر، وفي إسنادهما ضعف. # وهذا الحديث معارض لحديث أبي ذر، وفيه: أنه يقطع صلاة ms0220 من ليس له سترة: ~~المرأة، والحمار، والكلب الأسود. ولما تعارض الحديثان اختلف نظر العلماء ~~فيهما، فقيل: المراد بالقطع في حديث أبي ذر: نقص الصلاة بشغل القلب: بمرور ~~المذكورات، وبعدم القطع في حديث أبي سعيد: عدم البطلان، أي أنه لا يبطلها ~~شئ، وإن نقص ثوابها بمرور ما ذكر: في حديث أبي ذر. # وقيل: حديث أبي سعيد هذا: ناسخ لحديث أبي ذر، وهذا ضعيف، لأنه لا نسخ مع ~~إمكان الجمع، لما عرفت، ولأنه لا يتم النسخ إلا بمعرفة التاريخ، ولا يعلم ~~هنا المتقدم من المتأخر، على أنه لو تعذر الجمع بينهما لرجع إلى الترجيح، ~~وحديث أبي ذر أرجح، لأنه أخرجه مسلم في صحيحه، وحديث أبي سعيد في سنده ضعف، ~~كما عرفت. # باب الحث على الخشوع في الصلاة في القاموس: الخشوع: الخضوع، أو قريب من ~~الخضوع، أو هو في البدن، والخشوع في الصوت والبصر والسكون والتذلل. وفي ~~الشرع الخضوع تارة يكون في القلب، وتارة يكون من قبل البدن، كالسكوت، وقيل ~~لا بد من اعتبارهما، حكاه الفخر الرازي في تفسيره. ويدل على أنه من عمل ~~القلب: حديث علي عليه السلام: الخشوع في القلب أخرجه الحاكم. # قلت: ويدل له حديث: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه، وحديث الدعاء في ~~الاستعاذة وأعوذ بك من قلب لا يخشع. وقد اختلف في وجوب الخشوع في الصلاة. ~~فالجمهور على عدم وجوبه، وقد أطال الغزالي في الاحياء: الكلام في ذلك، وذكر ~~أدلة وجوبه، وادعى النووي: الاجماع إلى عدم وجوبه. # (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله (ص) هذا إخبار من أبي ~~هريرة: عن نهيه (ص)، ولم يأت بلفظه الذي أفاد النهي، لكن هذا: له حكم الرفع ~~(أن يصلي الرجل) ومثله المرأة (مختصرا) بضم الميم وسكون الخاء المعجمة، ~~وفتح المثناة الفوقية فصاد مهملة مكسورة فراء، وهو منتصب على الحال، وعامله ~~يصلي، وصاحبه الرجل. (متفق عليه واللفظ لمسلم)، وفسره المصنف أيضا بقوله: ~~(ومعناه أن يجعل يده) اليمنى أو اليسرى (على خاصرته) كذلك: أي الخاصرة ~~اليمنى، أو اليسرى، أو هما ms0221 معا عليهما، إلا أن تفسيره بما ذكر يعارضه: ما ~~في القاموس من قوله: وفي الحديث: المختصرون يوم القيامة على وجوههم النور ~~أي: المصلون بالليل، فإذا تعبوا وضعوا أيديهم على خواصرهم. اه‍، إلا أني لم ~~أجد الحديث مخرجا، فإن صح، فالجمع بينه وبين حديث الكتاب أن يتوجه النهي ~~إلى من PageV01P147 # فعل ذلك بغير تعب، كما يفيده قوله في تفسيره فإذا تعبوا، إلا أنه يخالفه ~~تفسير النهاية فإنه يقول: # أراد أنهم يأتون، ومعهم أعمال صالح يتكئون عليها. وفي القاموس: الخاصرة: ~~الشاكلة وما بين الحرقفة، والقصيري، وفسر الحرقفة بعظم الحجبة: أي: رأس ~~الورك، وهذا التفسير الذي ذكره المصنف عليه الأكثر، وقيل: الاختصار في ~~الصلاة هو: أن يأخذ بيده عصا يتوكأ عليها، وقيل: أن يختصر السورة، ويقرأ من ~~اخرها اية أو آيتين، وقيل: أن يحذف من الصلاة، فلا يمد قيامها وركوعها ~~وسجودها وحدودها. والحكمة في النهي عنه بينها قوله: # (وفي البخاري عن عائشة أن ذلك) أي الاختصار في الصلاة (فعل اليهود في ~~صلاتهم). وقد نهينا عن التشبه بهم في جميع أحوالهم، فهذا وجه حكمة النهي، ~~لا ما قيل: إنه فعل الشيطان، أو أن إبليس أهبط من الجنة كذلك، أو إنه فعل ~~المتكبرين، لأن هذه علل تخمينية، وما ورد منصوصا: أي عن الصحابي هو العمدة، ~~لأنه أعرف بسبب الحديث، ويحتمل أنه مرفوع، وما ورد في الصحيح مقدم على ~~غيره، لورود هذه الأشياء أثرا. وفي ذكر المصنف للحديث في باب الخشوع ما ~~يشعر بأن العلة في النهي عن الاختصار: أنه ينافي الخشوع. # (وعن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله (ص) قال: إذا قدم العشاء) ممدود، ~~كسماء طعام العشى، كما في القاموس (فابدأوا به) أي بأكله (قبل أن تصلوا ~~المغرب، متفق عليه) وقد ورد بإطلاق لفظ الصلاة، قال ابن دقيق العيد: # فيحمل المطلق على المقيد، وورد بلفظ: إذا وضع العشاء، وأحدكم صائم فلا ~~يقيد به، لما عرف في الأصول: من أن ذكر حكم الخاص الموافق: لا يقتضي ~~تقييدا، ولا تخصيصا. والحديث دال على إيجاب تقديم أكل ms0222 العشاء إذا حضر على ~~صلاة المغرب، والجمهور حملوه على الندب، وقالت الظاهرية: بل يجب تقديم أكل ~~العشاء، فلو قدم الصلاة لبطلت، عملا بظاهر الامر. ثم الحديث ظاهر في أنه ~~يقدم العشاء مطلقا، سواء كان محتاجا إلى الطعام، أو لا، وسواء خشي فساد ~~الطعام، أو لا، وسواء كان خفيفا، أو لا. وفي معنى الحديث تفاصيل أخر بغير ~~دليل، بل تتبعوا علة الامر بتقديم الطعام، فقالوا: هو تشويش الخاطر بحضور ~~الطعام، وهو يفضي إلى ترك الخشوع في الصلاة، وهي علة ليس عليها دليل، إلا ~~ما يفهم من كلام بعض الصحابة، فإنه أخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة، وابن ~~عباس: أنهما كانا يأكلان طعاما، وفي التنور شواء، فأراد المؤذن أن يقيم ~~الصلاة، فقال له ابن عباس: لا تعجل: لا نقوم وفي أنفسنا منه شئ، وفي رواية ~~لئلا يعرض لنا في صلاتنا، وله عن الحسن بن علي عليهما السلام أنه قال ~~العشاء قبل الصلاة يذهب النفس اللوامة. ففي هذه الآثار: إشارة إلى التعليل ~~بما ذكر. # ثم هذا إذا كان الوقت موسعا. واختلف إذا تضيق: بحيث لو قدم أكل العشاء ~~خرج الوقت، فقيل: يقدم الأكل، وإن خرج الوقت، محافظة على تحصيل الخشوع في ~~الصلاة. قيل: وهذا على قول من يقول بوجوب الخشوع في الصلاة، وقيل: بل يبدأ ~~بالصلاة، محافظة على حرمة الوقت، وهو قول الجمهور من العلماء. وفيه أن حضور ~~الطعام عذر في ترك الجماعة: عند من أوجبها، وعند غيره. قيل: وفي قوله: ~~فابدأوا ما يشعر: بأنه إذا كان حضور الصلاة وهو PageV01P148 # يأكل. فلا يتمادى فيه. وقد ثبت عن ابن عمر: أنه كان إذا حضر عشاؤه، وسمع ~~قراءة الإمام في الصلاة، لم يقم حتى يفرغ من طعامه. وقد قيس على الطعام ~~غيره: مما يحصل بتأخيره تشويش الخاطر، فالأولى البداءة به. # (وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص) إذا قام أحدكم في ~~الصلاة) أي دخل فيها (فلا يمسح الحصى) أي من جبهته أو من محل سجوده، (فإن ~~الرحمة تواجهه. رواه الخمسة ms0223 بإسناد صحيح وزاد أحمد) في روايته (واحدة أو ~~دع) في هذا النقل قلق، لأنهم يفهم أنه زاد أحمد على هذا اللفظ الذي ساقه ~~المصنف، ومعناه: على هذا فلا يمسح واحدة، أو دع، وهو غير مراد. ولفظه عند ~~أحمد عن أبي ذر سألت النبي (ص) عن كل شئ، حتى سألته عن مسح الحصاة، فقال ~~واحدة، أو دع أي امسح واحدة، أو اترك المسح، فاختصار المصنف أخل بالمعنى، ~~وكأنه اتكل في بيان معناه على لفظه لمن عرفه، ولو قال: وفي رواية لأحمد: ~~الاذن بمسحة واحدة، لكان واضحا. والحديث دليل على النهي عن مسح الحصاة بعد ~~الدخول في الصلاة، لا قبله، فالأولى له أن يفعل ذلك، لئلا يشغل باله وهو في ~~الصلاة، والتقييد بالحصى، أو التراب، كما في رواية للغالب، ولا يدل على ~~نفيه عما عداه. قيل والعلة في النهي: المحافظة على الخشوع، كما يفيده سياق ~~المصنف للحديث في هذا الباب، أو لئلا يكثر العمل في الصلاة. وقد نص الشارع ~~على العلة بقوله: فإن الرحمة تواجهه: أي تكون تلقاء وجهه، فلا يغير ما تعلق ~~بوجهه من التراب والحصى، ولا ما يسجد عليه، إلا أن يؤلمه، فله ذلك، ثم ~~النهي ظاهر في التحريم. # (وفي الصحيح) أي المتفق عليه (عن معيقيب) بضم الميم وفتح العين المهملة ~~والمثناة التحتية، وكسر القاف بعدها تحتية ساكنة بعدها موحدة. هو معيقيب بن ~~أبي فاطمة الدوسي، شهد بدرا، وكان قد أسلم قديما بمكة، وهاجر إلى الحبشة: ~~الهجرة الثانية، وأقام بها حتى قدم النبي (ص) المدينة، وكان على خاتم النبي ~~(ص)، واستعمله أبو بكر، وعمر رضي الله عنهما على بيت المال. مات سنة ست ~~وأربعين، وقيل: في اخر خلافة عثمان (نحوه) أي: نحو حديث أبي ذر، ولفظه: لا ~~تمسح الحصى وأنت تصلي، فإن كنت لا بد فاعلا فواحدة لتسوية الحصى (بغير ~~تعليل) أي ليس فيه: أن الرحمة تواجهه. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله (ص) عن الالتفات في ~~الصلاة، فقال: هو اختلاس) بالخاء المعجمة فمثناة فوقية اخره سين ms0224 مهملة، هو ~~الاخذ للشئ على غفلة (يختلسه الشيطان من صلاة العبد. رواه البخاري) قال ~~الطيبي: سماه اختلاسا، لان المصلي يقبل على ربه تعالى، ويترصد الشيطان فوات ~~ذلك عليه، فإذا التفت استلبه ذلك، وهو دليل على كراهة الالتفات في الصلاة، ~~وحمله الجمهور على ذلك، إذا كان التفاتا لا يبلغ إلى استدبار القبلة بصدره، ~~أو عنقه كله، وإلا كان مبطلا للصلاة. # وسبب الكراهة: نقصان الخشوع، كما أفاده إيراد المنصف للحديث في هذا ~~الباب، أو ترك PageV01P149 # استقبال القبلة ببعض البدن، أو لما فيه من الاعراض عن التوجه إلى الله ~~تعالى، كما أفاده ما أخرجه أحمد وابن ماجة من حديث أبي ذر: لا يزال الله ~~مقبلا على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه انصرف أخرجه أبو ~~داود، والنسائي. (وللترمذي) أي عن عائشة (وصححه: إياك) بكسر الكاف، لأنه ~~خطاب المؤنث (والالتفات) بالنصب لأنه محذر منه (في الصلاة فإنه هلكة)، ~~لاخلاله بأفضل العبادات، وأي هلكة أعظم من هلكة الدين (فإن كان لا بد) من ~~الالتفات (ففي التطوع) قيل: والنهي عن الالتفات إذا كان لغير حاجة، وإلا ~~فقد ثبت: أن أبا بكر رضي الله عنه التفت لمجئ النبي (ص) في صلاة الظهر، ~~والتفت الناس. لخروجه (ص) في مرض موته، حيث أشار إليهم، ولو لم يلتفتوا ما ~~علموا بخروجه، ولا إشارته، وأقرهم على ذلك. (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله (ص): إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه) وفي رواية في ~~البخاري: فإن ربه بينه وبين القبلة والمراد من المناجاة: إقباله تعالى عليه ~~بالرحمة والرضوان (فلا يبصقن بين يديه ولا عن يمينه) قد علل في حديثه أبي ~~هريرة: بأن عن يمينه ملكا (ولكن عن شماله تحت قدميه متفق عليه. وفي رواية: ~~أو تحت قدمه). الحديث نهى عن البصاق إلى جهة القبلة، أو جهة اليمين إذا كان ~~العبد في الصلاة. وقد ورد النهي مطلقا عن أبي هريرة، وأبي سعيد: أن رسول ~~الله (ص) رأى نخامة في جدار المسجد، فتناول حصاة، فحتها وقال: ms0225 إذا تنخم ~~أحدكم، فلا يتنخمن قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصقن عن يساره، أو تحت قدمه ~~اليسرى متفق عليه. وقد جزم النووي: بالمنع في كل حالة: داخل الصلاة ~~وخارجها: سواء كان في المسجد أو غيره، وقد أفاده حديث أنس في حق المصلي، ~~إلا أن غيره من الأحاديث قد أفادت تحريم البصاق إلى القبلة مطلقا، في ~~المسجد وفي غيره، وعلى المصلي وغيره. ففي صحيح ابن خزيمة وابن حبان: من ~~حديث حذيفة مرفوعا: من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفلته بين عينيه ~~ولابن خزيمة: من حديث ابن عمر مرفوعا: يبعث صاحب النخامة في القبلة يوم ~~القيامة وهي في وجهه، وأخرج أبو داود وابن حبان من حديث السائب بن خلاد: أن ~~رجلا أم قوما فبصق في القبلة، فلما فرغ، قال رسول الله (ص): لا يصلي لكم. ~~ومثل البصاق إلى القبلة: البصاق عن اليمين، فإنه منهي عنه مطلقا أيضا. ~~وأخرج عبد الرزاق عن ابن مسعود: أنه كره أن يبصق عن يمينه وليس في الصلاة، ~~وعن معاذ بن جبل: ما بصقت عن يميني منذ أسلمت، وعن عمر بن عبد العزيز أنه ~~نهى عنه أيضا. وقد أرشد (ص) إلى أي جهة يبصق فقال: عن شماله تحت قدمه، فبين ~~الجهة: أنها جهة الشمال، والمحل أنه تحت القدم. # وورد في حديث أنس عند أحمد، ومسلم بعد قوله: ولكن عن يساره أو تحت قدمه ~~زيادة ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ورد بعضه على بعض فقال: أو يفعل هكذا، ~~وقوله: أو تحت قدمه خاص بمن ليس في المسجد، وأما إذا كان فيه، ففي ثوبه، ~~لحديث البصاق في المسجد PageV01P150 # خطيئة، إلا أنه قد يقال: المراد البصاق إلى جهة القبلة، أو جهة اليمين ~~خطيئة، لا تحت القدم، أو عن شماله، لأنه قد أذن فيه الشارع، ولا يأذن في ~~خطيئة. هذا وقد سمعت: أنه علل (ص) النهي عن البصاق على اليمين بأن عن يمينه ~~ملكا، فأورد سؤال، وهو أن على الشمال أيضا ملكا، وهو كاتب السيئات، وأجيب: ~~بأنه اختص بذلك ملك ms0226 اليمين: تخصيصا له وتشريفا وإكراما، وأجاب بعض ~~المتأخرين بأن الصلاة أم الحسنات البدنية، فلا دخل لكاتب السيئات فيها. ~~واستشهد لذلك بما أخرجه ابن أبي شيبة: من حديث حذيفة موقوفا في هذا الحديث ~~ولا عن يمينه، فإن عن يمينه كاتب الحسنات، وفي الطبراني من حديث أمامة: في ~~هذا الحديث: فإنه يقوم بين يدي الله، وملك عن يمينه، وقرينه عن يساره، وإذا ~~ثبت هذا فالتفل يقع على القرين، وهو الشيطان، ولعل ملك اليسار حينئذ بحيث ~~لا يصيبه شئ من ذلك، أو أنه يتحول في الصلاة إلى جهة اليمين. # (وعنه) أي أنس رضي الله عنه (قال: كان قرام) بكسر القاف وتخفيف الراء ~~الستر الرقيق، وقيل: الصفيق من صوف ذي ألوان (لعائشة سترت به جانب بيتها، ~~فقال لها النبي (ص): أميطي عنا) أي أزيلي (قرامك هذا، فإنه لا تزال تصاويره ~~تعرض) بفتح المثناة الفوقية وكسر الراء (لي في صلاتي، رواه البخاري). في ~~الحديث دلالة: على إزالة ما يشوش على المصلي صلاته: مما في منزله أو في محل ~~صلاته، ولا دليل فيه على بطلان الصلاة، لأنه لم يرو أنه (ص) أعادها، ومثله: # (واتفقا) أي الشيخان (على حديثها) أي عائشة (في قصة أنبجانية) بفتح ~~الهمزة وسكون النون وكسر الموحدة وتخفيف الجيم، وبعد النون ياء النسبة: ~~كساء غليظ لا علم فيه (أبي جهم) بفتح الجيم وسكون الهاء هو عامر بن حذيفة ~~(وفيه: # فإنها) أي: الخميصة وكانت ذات أعلام أهداها له (ص) أبو جهم، فالضمير لها، ~~وإن لم يتقدم في كلام المصنف ذكرها. ولفظ الحديث عن عائشة: أن النبي (ص) ~~صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: اذهبوا ~~بخميصتي هذه إلى أبي جهم وأتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفا عن ~~صلاتي هذا لفظ البخاري، وعبارة المصنف تفهم: أن ضمير فإنها: للأنبجانية، ~~وكذا ضمير (ألهتني عن صلاتي). وذلك أن أبا جهم أهدى للنبي (ص) خميصة لها ~~أعلام، كما روى مالك في الموطأ: عن عائشة قالت: أهدى أبو جهم بن حذيفة إلى ~~رسول الله ms0227 (ص) خميصة لها علم، فشهد فيها الصلاة، فلما انصرف قال: ردي هذه ~~الخميصة إلى أبي جهم وفي رواية عنها: كنت أنظر إلى علمها وأنا في الصلاة، ~~فأخاف أن يفتنني قال ابن بطال: # إنما طلب منه ثوبا غيرها، ليعلمه أنه لم يرد عليه هديته استخفافا به. وفي ~~الحديث: دليل على كراهة ما يشغل عن الصلاة من النقوش، ونحوها: مما يشغل ~~القلب، وفيه مبادرته (ص) إلى صيانة الصلاة عما يلهي، وإزالة ما يشغل عن ~~الاقبال عليها. قال الطيبي: فيه إيذان بأن للصور، والأشياء الظاهرة تأثيرا ~~في القلوب الطاهرة، والنفوس الزكية، فضلا عما دونها. وفيه PageV01P151 # كراهة الصلاة على المفارش، والسجاجيد المنقوشة، وكراهة نقش المساجد، ~~ونحوه. # (وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص) لينتهين) بفتح ~~اللام وفتح المثناة التحتية وسكون النون وفتح المثناة الفوقية وكسر الهاء ~~(أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة) أي إلى ما فوقهم مطلقا (أو لا ~~ترجع إليهم. # رواه مسلم) قال النووي في شرح مسلم: فيه النهي الأكيد، والوعيد الشديد في ~~ذلك، وقد نقل الاجماع على ذلك، والنهي يفيد تحريمه. وقال ابن حزم: تبطل به ~~الصلاة. قال القاضي عياض: واختلفوا في غير الصلاة في الدعاء، فكرهه قوم، ~~وجوزه الأكثرون. # (وله) أي لمسلم (عن عائشة قالت: سمعت رسول الله (ص) يقول: # لا صلاة بحضرة طعام) تقدم الكلام في ذلك، إلا أن هذا يفيد: أنها لا تقام ~~الصلاة في موضع حضر فيه الطعام، وهو عام للنفل، والفرض، وللجائع، وغيره. ~~والذي تقدم أخص من هذا (ولا) أي: لا صلاة (وهو) أي المصلي يدافعه ~~(الأخبثان) البول والغائط. ويلحق بهما مدافعة الريح، فهذا مع المدافعة، ~~وأما إذا كان يجد في نفسه ثقل ذلك، وليس هناك مدافعة، فلا نهي عن الصلاة ~~معه، ومع المدافعة فهي مكروهة، قيل: تنزيها لنقصان الخشوع، فلو خشي خروج ~~الوقت إن قدم التبرز وإخراج الأخبثين: قدم الصلاة، وهي صحيحة مكروهة، كذا ~~قال النووي: ويستحب إعادتها. وعن الظاهرية: أنها باطلة. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي ms0228 (ص) قال: التثاؤب من الشيطان)، ~~لأنه يصدر عن الامتلاء والكسل، وهما مما يحبه الشيطان، فكأن التثاؤب منه ~~(فإذا تثاءب أحدكم فليكظم) أي: يمنعه ويمسكه (ما استطاع. رواه مسلم، ~~والترمذي، وزاد) أي الترمذي (في الصلاة) فقيد الامر بالكظم بكونه في ~~الصلاة، ولا ينافي النهي عن تلك الحالة مطلقا، لموافقة المقيد، والمطلق في ~~الحكم، وهذه الزيادة هي في البخاري أيضا، وفيه بعدها: ولا يقل: ها، فإنما ~~ذلك من الشيطان يضحك منه، وكل هذا مما ينافي الخشوع، وينبغي أن يضع يده على ~~فيه لحديث: إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه، فإن الشيطان يدخل مع ~~التثاؤب وأخرجه أحمد، والشيخان، وغيرهم. باب المساجد المساجد: جمع مسجد ~~بفتح الجيم وكسرها، فإن أريد به المكان المخصوص، فهو بكسر الجيم، لا غير، ~~وإن أريد به موضع السجود، وهو موضع وقوع الجبهة في الأرض، فإنه بالفتح، لا ~~غير. # وفي فضائل المساجد أحاديث واسعة، وأنها أحب البقاع إلى الله، وأن من بنى ~~لله مسجدا من مال حلال بنى الله له بيتا في الجنة، وأحاديثها في مجمع ~~الزوائد وغيره. # (عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمر رسول الله (ص) ببناء المساجد في ~~الدور) يحتمل أن المراد بها: البيوت، ويحتمل أن المراد: المحال التي تبنى ~~فيها PageV01P152 # الدور (وأن تنظف) عن الأقذار (وتطيب رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصحح ~~إرساله) والتطييب بالبخور، ونحوه. والامر بالبناء للندب لقوله: أينما ~~أدركتك الصلاة فصل أخرجه مسلم، ونحوه عند غيره. قيل: وعلى إرادة المعنى ~~الأول في الدور، ففي الحديث دليل على أن المساجد شرطها قصد التسبيل، إذ لو ~~كان يتم مسجدا بالتسمية: لخرجت تلك الأماكن التي اتخذت في المساكن عن ملك ~~أهلها. وفي شرح السنة أن المراد: المحال التي فيها الدور. ومنه * (ومثل ~~كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار) * لأنهم كانوا ~~يسمون المحال التي اجتمعت فيها القبيلة دارا. قال سفيان: # بناء المساجد في الدور يعني: القبائل. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): قاتل الله اليهود) ms0229 ~~أي: لعن، كما جاء في رواية، وقيل: معناه: قتلهم وأهلكهم (اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد. متفق عليه)، وفي مسلم عن عائشة: قالت: إن أم حبيبة، وأم ~~سلمة ذكرتا لرسول الله (ص) كنيسة رأتاها بالحبشة، فيها تصاوير، فقال: إن ~~أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا، وصوروا تلك ~~التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة واتخاذ القبور مساجد: أعم ~~من أن يكون بمعنى الصلاة إليها، أو بمعنى الصلاة عليها. وفي مسلم: لا ~~تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها، ولا عليها. قال البيضاوي: لما كانت ~~اليهود والنصارى يسجدون لقبور أنبيائهم، تعظيما لشأنهم، ويجعلونها قبلة ~~يتوجهون في الصلاة نحوها، اتخذوها أوثانا: لعنهم، ومنع المسلمين من ذلك ~~قال: وأما من اتخذ مسجدا في جوار صالح، وقصد التبرك بالقرب منه، لا لتعظيم ~~له، ولا لتوجه نحوه، فلا يدخل في ذلك الوعيد. قلت: قوله: لا لتعظيم له. ~~يقال اتخاذ المساجد بقربه وقصد التبرك به: تعظيم له. ثم أحاديث النهي، ~~مطلقة، ولا دليل على التعليل بما ذكر. والظاهر أن العلة سد الذريعة والبعد ~~عن التشبه بعبدة الأوثان: الذين يعظمون الجمادات، التي لا تسمع ولا تنفع ~~ولا تضر، ولما في اتفاق المال في ذلك من العبث والتبذير الخالي عن النفع ~~بالكلية، ولأنه سبب لا يقاد السرج عليها الملعون فاعله. ومفاسد ما يبنى على ~~القبور من المشاهد والقباب لا تحصر. وقد أخرج أبو داود، والترمذي، ~~والنسائي، وابن ماجة: عن ابن عباس قال: لعن رسول الله (ص) زائرات القبور، ~~والمتخذين عليها المساجد والسرج (وزاد مسلم: والنصارى) زاد في حديث أبي ~~هريرة هذا بعد قوله: اليهود. وقد استشكل ذلك، لان النصارى ليس لهم نبي إلا ~~عيسى عليه السلام، إذ لا نبي بينه وبين محمد (ص)، وهو حي في السماء، وأجيب: ~~بأنه كان فيهم أنبياء غير المرسلين، كالحواريين، ومريم في قول، وأن المراد ~~من قوله: أنبيائهم المجموع من اليهود والنصارى، أو المراد الأنبياء، وكبار ~~أتباعهم، واكتفى بذكر الأنبياء، ويؤيد ذلك قوله في رواية مسلم: كانوا ~~يتخذون قبور أنبيائهم ms0230 وصالحيهم مساجد ولهذا، لما أفرد النصارى كما في: # (ولهما) أي البخاري ومسلم (من حديث عائشة: كانوا إذا مات فيهم) أي ~~النصارى. قال: (الرجل الصالح)، ولما أفرد اليهود، كما في حديث أبي هريرة ~~قال: أنبيائهم. # وأحسن من هذا أن يقال: أنبياء اليهود: أنبياء النصارى، لان النصارى ~~مأمورون بالايمان PageV01P153 # بكل رسول، فرسل بني إسرائيل يسمون أنبياء في حق الفريقين (بنوا على قبره ~~مسجدا، وفيه أولئك شرار الخلق) اسم الإشارة عائد إلى الفريقين، وكفى به ~~ذما. والمراد من الاتخاذ: أعم من أن يكون ابتداعا، أو اتباعا، فاليهود ~~ابتدعت والنصارى اتبعت. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث النبي (ص) خيلا، فجاءت برجل، ~~فربطوه بسارية من سواري المسجد. الحديث متفق عليه). الرجل هو: ثمامة بن ~~أسال، صرح بذلك في الصحيحين، وغيرهما، وليس فيه: أن الربط عن أمره (ص )، ~~ولكنه (ص) قرر ذلك، لان في القصة: أنه كان يمر به ثلاثة أيام ويقول: ما ~~عندك يا ثمامة. الحديث. وفيه دليل: على جواز ربط الأسير بالمسجد، وإن كان ~~كافرا، وأن هذا تخصيص لقوله (ص): إن المسجد لذكر الله والطاعة، وقد أنزل ~~(ص) وفد ثقيف في المسجد. قال الخطابي: فيه جواز دخول المشرك المسجد، إذا ~~كان له فيه حاجة مثل: أن يكون له غريم في المسجد لا يخرج إليه، ومثل أن ~~يحاكم إلى قاض هو في المسجد، وقد كان الكفار يدخلون مسجده (ص)، ويطيلون فيه ~~الجلوس، وقد أخرج أبو داود من حديث أبي هريرة: أن اليهود أتوا النبي (ص) ~~وهو في المسجد. وأما قوله تعالى: * (فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما ~~كانوا يكسبون) * فالمراد به: لا يمكنون من حج، ولا عمرة، كما ورد في القصة ~~التي بعث لأجلها (ص) بآيات براءة إلى مكة، وقوله: # فيحجن بعد هذا العام مشرك، وكذلك قوله تعالى: * (ما كان لهم أن يدخلوها ~~إلا خائفين) * لا يتم بها دليل على تحريم المساجد على المشركين، لأنها نزلت ~~في حق من استولى عليها، وكانت له الحكمة والمنعة، كما وقع في سبب نزول ~~الآية الكريمة، ms0231 فإنها نزلت في شأن النصارى، واستيلائهم على بيت المقدس، ~~وإلقاء الأذى فيه والأزبال، أو أنها نزلت في شأن قريش، ومنعهم له (ص) عام ~~الحديبية عن العمرة، وأما دخوله من غير استيلاء ومنع وتخريب، فلم تفده ~~الآية الكريمة، و كأن المصنف ساقه لبيان جواز دخول المشرك المسجد، وهو مذهب ~~إمامه، فيما عدا المسجد الحرام. # (وعنه) أي أبي هريرة: (أن عمر رضي الله عنه مر بحسان) بالحاء المهملة ~~مفتوحة فسين مهملة مشددة. هو ابن ثابت، شاعر رسول الله (ص)، يكنى أبا عبد ~~الرحمن. أطال ابن عبد البر في ترجمته في الاستيعاب قال: وتوفي حسان قبل ~~الأربعين في خلافة علي عليه السلام، وقيل: بل مات سنة خمسين، وهو ابن مائة ~~وعشرين سنة (ينشد) بضم حرف المضارعة وسكون النون وكسر الشين المعجمة (في ~~المسجد فلحظ إليه) أي نظر إليه، وكأن حسانا فهم منه نظر الانكار (فقال: قد ~~كنت أنشد فيه، وفيه) أي المسجد (من هو خير منك) يعني: رسول الله (ص) (متفق ~~عليه) وقد أشار البخاري في باب بدء الخلق في هذه القصة: أن حسانا أنشد في ~~المسجد: ما أجاب به المشركين عنه (ص). ففي الحديث دلالة على جواز إنشاد ~~الشعر في المسجد. PageV01P154 # وقد عارضه أحاديث. أخرج ابن خزيمة، وصححه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله (ص) عن تناشد الاشعار في المسجد وله ~~شواهد، وجمع بينها وبين حديث الباب: بأن النهي محمول على تناشد أشعار ~~الجاهلية وأهل البطالة، وما لم يكفيه غرض صحيح، والمأذون فيه ما سلم من ~~ذلك، وقيل: المأذون فيه مشروط: بأن لا يكون ذلك مما يشغل من في المسجد. # (وعنه) أي أبي هريرة (قال: قال رسول الله (ص): من سمع رجلا ينشد) بفتح ~~المثناة التحتية وسكون النون وضم الشين المعجمة، من نشد الدابة: إذا طلبها ~~(ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك) عقوبة له، لارتكابه في المسجد ~~ما لا يجوز. وظاهره أنه يقول: جهرا، وأنه واجب (فإن المساجد لم تبن لهذا. ~~رواه ms0232 مسلم) أي: بل بنيت لذكر الله، والصلاة، والعلم، والمذاكرة في الخير، ~~ونحوه. والحديث دليل: على تحريم السؤال عن ضالة الحيوان في المسجد، وهل ~~يلحق به السؤال عن غيرها من المتاع، ولو ذهب في المسجد؟ قيل: يلحق للعلة، ~~وهي قوله: فإن المساجد لم تبن لهذا، وأن من ذهب له متاع فيه، أو في غيره ~~قعد في باب المسجد: يسأل الخارجين والداخلين إليه. واختلف أيضا في تعليم ~~الصبيان القران في المسجد، وكأن المانع يمنعه لما فيه من رفع الأصوات ~~المنهي عنه في حديث واثلة: جنبوا مساجدكم مجانينكم وصبيانكم ورفع أصواتكم ~~أخرجه عبد الرزاق، والطبراني في الكبير، وابن ماجة. # (وعنه) أي أبي هريرة: (أن رسول الله (ص) قال: إذا رأيتم من يبيع أو ~~يبتاع) يشتري (في المسجد فقولوا له: لا أربح الله تجارتك. رواه الترمذي، ~~والنسائي، وحسنه). فيه دلالة على تحريم البيع والشراء في المساجد، وأنه يجب ~~على من رأى ذلك فيه أن يقول لكل من البائع والمشتري: لا أربح الله تجارتك، ~~جهرا: زجرا للفاعل لذلك يقول ، والعلة: هي قوله فيما سلف: فإن المساجد لم ~~تبن لذلك وهل ينعقد البيع؟ قال الماوردي: إنه ينعقد اتفاقا. # (وعن حكيم بن حزام) بالحاء المهملة المكسورة والزاي. وحكيم صحابي كان من ~~أشراف قريش في الجاهلية والإسلام: أسلم عام الفتح، عاش مائة وعشرين سنة، ~~ستين في الجاهلية، وستين في الاسلام. وتوفي بالمدينة سنة أربع وخمسين، وله ~~أربعة أولاد صحابيون كلهم: عبد الله، وخالد، ويحيى، وهشام (قال: قال رسول ~~الله (ص): لا تقام الحدود في المساجد ولا يستقاد فيها) أي يقام القود فيها ~~(رواه أحمد، وأبو داود بسند ضعيف)، ورواه الحاكم، وابن السكن، وأحمد بن ~~حنبل، والدارقطني، والبيهقي. وقال المصنف في التلخيص: لا بأس بإسناده. ~~والحديث دليل: على تحريم إقامة الحدود في المساجد، وعلى تحريم الاستفادة ~~فيها. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أصيب سعد) هو ابن معاذ بضم الميم ~~PageV01P155 # فعين مهملة بعد الألف ذال معجمة، هو أبو عمرو، سعد بن معاذ الأوسي، أسلم ~~بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية، ms0233 وأسلم بإسلامه بنو عبد الأشهل، وسماه ~~رسول الله (ص) سيد الأنصار، وكان مقداما مطاعا، شريفا في قومه، من كبار ~~الصحابة، شهد بدرا وأحدا، وأصيب يوم الخندق في أكحله، فلم يرقأ دمه حتى مات ~~بعد شهر. توفي في شهر ذي القعدة سنة خمس من الهجرة (يوم الخندق فضرب عليه ~~رسول الله (ص)) أي نصب عليه (خيمة في المسجد ليعوده من قريب) أي ليكون ~~مكانه قريبا منه (ص)، فيعوده (متفق عليه). فيه دلالة على جواز النوم في ~~المسجد، وبقاء المريض فيه، وإن كان جريحا، وضرب الخيمة، وإن منعت من ~~الصلاة. # (وعنها) أي عن عائشة (قالت: رأيت رسول الله (ص) يسترني، وأنا أنظر إلى ~~الحبشة يلعبون في المسجد. الحديث. متفق عليه) قد بين في رواية للبخاري: أن ~~لعبهم كان بالدرق والحراب. وفي رواية لمسلم: يلعبون في المسجد بالحراب وفي ~~رواية للبخاري: وكان يوم عيد. فهذا يدل على جواز مثل ذلك في المسجد في يوم ~~مسرة، وقيل: إنه منسوخ بالقران والسنة. أما القران: فقوله تعالى: * (في ~~بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وأما السنة فبحديث: جنبوا مساجدكم ~~صبيانكم الحديث، وتعقب بأنه حديث ضعيف، وليس فيه ولا في الآية تصريح بما ~~ادعاه ولا عرف التاريخ فيتم النسخ. وقد حكى أن لعبهم كان خارج المسجد، ~~وعائشة كانت في المسجد. وهذا مرود بما ثبت في بعض طرق الحديث هذا أن عمر ~~أنكر عليهم لعبهم في المسجد، فقال له النبي (ص): دعهم. # وفي ألفاظه أنه (ص) قال لعمر: لتعلم اليهود أن في ديننا فسحة وأني بعثت ~~بحنيفية سمحة. وكأن عمر بنى على الأصل في تنزيه المساجد فبين له (ص) أن ~~التعمق والتشدد ينافي قاعدة شريعته (ص) من التسهيل والتيسير. وهذا يدفع قول ~~الطبري: إنه يغتفر للحبش ما لا يغتفر لغيرهم فيقر حيث ورد، ويدفع قول من ~~قال: إن اللعب بالحراب ليس لعبا مجردا، بل فيه تدريب الشجعان على مواضع ~~الحروب والاستعداد للعدو، ففي ذلك من المصلحة التي تجمع عامة المسلمين، ~~ويحتاج إليها في إقامة الدين، فأجيز ms0234 فعلها في المسجد. وهذا وأما نظر عائشة ~~إليهم وهم يلعبون وهي أجنبية، ففيه دلالة على الجواز نظر المرأة إلى جملة ~~الناس من دون تفصيل لافرادهم، كما تنظرهم إذا خرجت للصلاة في المسجد وعند ~~الملاقاة في الطرقات، ويأتي تحقيق هذه المسألة في محلها. # (وعنها) أي عائشة (أن وليدة) الوليدة الأمة (سوداء فكان لها خباء) بكسر ~~الخاء المعجمة وموحدة فهمزة ممدودة الخيمة من وبر أو غيره، وقيل: لا تكون ~~إلا من شعر (في المسجد فكانت تأتيني فتحدث عندي - الحديث متفق عليه). ~~والحديث برمته في البخاري عن عائشة: أو وليدة سوداء كان لحي من العرب ~~فأعتقوها فكانت معهم فخرجت صبية لهم عليها وشاح أحمر من سيور قال: فوضعته ~~أو وقع منها فمرت حدأة وهو PageV01P156 # ملقي فحسبته لحما فخطفته، قالت فالتمسوه فلم يجدوه، فاتهموني به فجعلوا ~~يفتشوني حتى فتشوا قبلها، قالت: والله إني لقائمة معهم، إذ مرت الحدأة ~~فألقته قالت: # فوقع بينهم، فجاءت إلى رسول الله (ص) فأسلمت، قالت عائشة: فكان لها خباء ~~في المسجد أو حفش، فكانت تأتيني فتحدث عندي، قالت: فلا تجلس إلا قالت: # ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا ألا إنه من دارة الكفر نجاني قالت عائشة: قلت ~~لها: ما شأنك لا تقعدين إلا قلت هذا، فحدثتني بهذا الحديث، فهذا الذي أشار ~~إليه المصنف بقوله: الحديث. وفي الحديث دلالة على إباحة المبيت والمقيل في ~~المسجد لمن ليس له مسكن من المسلمين رجلا كان أو امرأة عند أمن الفتنة، ~~وجواز ضرب الخيمة له ونحوها. # (وعن أنس رضي الله عنه، قال رسول الله (ص): البصاق) في القاموس البصاق ~~كغراب والبساق والبزاق ماء الفم إذا خرج منه، وما دام فيه فهو ريق، وفي لفظ ~~للبخاري: البزاق، ولمسلم: التفل. (في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها متفق ~~عليه). الحديث دليل على أن البصاق في المسجد خطيئة والدفن يكفرها، وقد ~~عارضه ما تقدم من حديث: فليبصق عن يساره أو تحت قدمه. فإن ظاهره سواء كان ~~في المسجد أو غيره. # قال النووي: عما عمومان، لكن الثاني مخصوص بما إذا لم ms0235 يكن في المسجد ~~ويبقى عموم الخطيئة إذا كان في المسجد من دون تخصيص، وقال القاضي عياض: ~~إنما يكون البصاق في المسجد خطيئة إذا لم يدفنه، وأما إذا أراد دفنه فلا. ~~وذهب إلى هذا أئمة من أهل الحديث، ويدل له حديث أحمد، والطبراني بإسناد ~~حسن، من حديث أبي أمامة مرفوعا: من تنخع في المسجد فلم يدفنه فسيئة فإن ~~دفنه فحسنه. فلم يجعله سيئة إلا بقيد عدم الدفن، ونحوه حديث أبي ذر عند ~~مسلم مرفوعا: وجدت في مساوئ أمتي النخاعة تكون في المسجد لا تدفن، وهكذا ~~فهم السلف، ففي سنن سعيد بن منصور، وعن أبي عبيد بن الجراح: أنه تنخم في ~~المسجد ليلة فنسى أن يدفنها حتى رجع إلى منزله، فأخذ شعلة من نار ثم جاء ~~فطلبها حتى دفنها، وقال: الحمد لله، حيث لم تكتب على خطيئة الليلة. فدل على ~~أنه فهم أن الخطيئة مختصة بمن تركها وقدمنا وجها من الجمع، وهو أن الخطيئة ~~حيث كان التفل عن اليمين أو إلى جهة القبلة لا إذا كان عن الشمال وتحت ~~القدم، فالحديث هذا مخصص بذلك ومقيد به، قال الجمهور: والمراد: # أي من دفنها في تراب المسجد ورمله وحصاه، وقول من قال: المراد من دفنها ~~اخراجها من المسجد بعيد. # (وعنه) أي أنس، (قال رسول الله: لا تقوم الساعة حتى يتباهى) يتفاخر، ~~(الناس في المساجد) بأن يقول واحد في مسجدي أحسن من مسجدك علوا وزينة وغير ~~ذلك. (أخرجه الخمسة إلا الترمذي وصححه ابن خزيمة). الحديث من أعلام ~~PageV01P157 # النبوة وقوله: لا تقوم الساعة قد يؤخذ منه أنه من أشراطها والتباهي، إما ~~بالقول كما عرفت، أو بالفعل كأن يبالغ كل واحد في تزيين مسجده ورفع بنائه ~~وغير ذلك. وفيه دلالة مفهمة بكراهة ذلك، وأنه من أشراط الساعة، وأن الله لا ~~يحب تشييد المساجد ولا عمارتها إلا بالطاعة. # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): # ما أمرت بتشييد المساجد أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان) وتمام الحديث قال ~~ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفتها اليهود ms0236 والنصارى. وهذا مدرج من كلام ابن ~~عباس، كأنه فهمه من الاخبار النبوية من أن هذه الأمة تحذو حذو بني إسرائيل. ~~والتشييد رفع البناء وتزيينه بالشيد، وهو الجص كذا في الشرح. والذي في ~~القاموس: شاد الحائط يشيده طلاه بالشيد وهو ما يطلى به الحائط من جص ونحوه ~~وانتهى. فلم يجعل رفع البناء من مسماه. # والحديث ظاهر في الكراهة أو التحريم لقوله ابن عباس كما زخرفت اليهود ~~والنصارى فإن التشبه بهم محرم، وذلك أنه ليس المقصود من بناء المساجد إلا ~~أن تكن الناس من الحر والبرد وتزيينها يشغل القلوب عن الخشوع الذي هو روح ~~جسم العبادة. والقول بأنه يجوز تزيين المحراب باطل. قال المهدي في البحر: ~~إن تزيين الحرمين لم يكن برأي ذي حل وعقد ولا سكوت رضا أي من العلماء، ~~وإنما فعله أهل الدول الجبابرة من غير مؤاذنة لاحد من أهل الفضل وسكت ~~المسلمون والعلماء من غير رضا، وهو كلام حسن وفي قوله (ص): # ما أمرت، إشعار بأنه لا يحسن ذلك فإنه لو كان حسنا لامره الله به (ص). # وأخرج البخاري، من حديث ابن عمر: أن مسجده (ص) كان على عهده (ص) مبنيا ~~باللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا، وزاد فيه ~~عمر وبناه على بنائه في عهد رسول الله (ص) باللبن والجريد وأعاد عمده خشبا، ~~ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كبيرة وبنى جدرانه بالأحجار المنقوشة والجص ~~وجعل عمدة من حجارة منقوشة وسقفه بالساج. قال ابن بطال: وهذا يدل على أن ~~السنة في بنيان المساجد القصد وترك الغلو في تحسينها، فقد كان عمر مع كثرة ~~الفتوحات في أيامه وكثرة المال عنده لم يغير المسجد عما كان عليه، وإنما ~~احتاج إلى تجديده لان جريد النخل كان قد نخر في أيامه، ثم عند عمارته: أكن ~~الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس، ثم كان عثمان والمال في ~~زمنه أكثر فحسنه بما لا يقتضي الزخرفة، ومع ذلك أنكر بعض الصحابة عليه، ~~وأول من زخرف المساجد ms0237 الوليد بن عبد الملك، وذلك في أواخر عصر الصحابة وسكت ~~كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك خوفا من الفتنة (وعن أنس رضي الله عنه قال: ~~قال رسول الله (ص): عرضت على أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد ~~رواه أبو داود والترمذي واستغربه وصححه ابن خزيمة) القذاة بزنة حصاة هي ~~مستعملة في كل شئ يقع في البيت وغيره إذا كان يسيرا، وهذا إجبار بأن ما ~~يخرجه الرجل من المسجد وإن قل وحقر مأجور PageV01P158 # فيه لان فيه تنظيف بيت الله وإزالة ما يؤذي المؤمنين ويفيد بمفهومه أن من ~~الأوزار إدخال القذاة إلى المسجد. # (وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إذا دخل أحدكم ~~المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين متفق عليه). الحديث نهى عن جلوس الداخل ~~إلى المسجد إلا بعد صلاته ركعتين وهما تحية المسجد. وظاهره وجوب ذلك، وذهب ~~الجمهور إلى أنه ندب واستدلوا بقوله (ص) للذي رآه يتخطى: # اجلس فقد آذيت، ولم يأمره بصلاتهما وبأنه قال (ص) لمن علمه الأركان ~~الخمسة فقال: لا أزيد عليها: أفلح إن صدق. الأول: مردود بأنه لا دليل على ~~أنه لم يصلهما فإنه يجوز أنه صلاهما في طرف المسجد، ثم جاء يتخطى الرقاب. ~~والثاني: بأنه قد وجب غير ما ذكر كصلاة الجنائز ونحوها ولا مانع من أنه وجب ~~بعد قوله: لا أزيد واجبات وأعلمه (ص) بها. ثم ظاهر الحديث أنه يصليهما في ~~أي وقت شاء ووقت الكراهة، وفيه خلاف وقررناه في حواشي شرح العمدة أنه لا ~~يصليهما من دخل المسجد في أوقات الكراهة، وقررنا أيضا أن وجوبهما هو الظاهر ~~لكثرة الأوامر الواردة به وظاهره أنه إذا جلس ولم يصلهما لا يشرع له أن ~~يقوم فيصليهما، وقال جماعة: يشرع له التدارك، لما رواه ابن حبان في صحيحه ~~من حديث أبي ذر أنه دخل المسجد، فقال له النبي (ص): # ركعت ركعتين قال: لا قال: قم فاركعهما. وترجم عليه ابن حبان تحية المسجد ~~لا تفوت بالجلوس، وكذلك ما يأتي من قصة سليك ms0238 الغطفاني وقوله: ركعتين لا ~~مفهوم له في جانب الزيادة، بل في جانب القلة فلا تتأدى سنة التحية بركعة ~~واحدة. قال في الشرح: # وقد أخرج من عموم المسجد المسجد الحرام فتحيته الطواف، وذلك لان النبي ~~(ص) بدأ فيه بالطواف. قلت: هكذا ذكره ابن القيم في الهدى. وقد يقال: إنه لم ~~يجلس فلا تحية للمسجد الحرام إذ التحية إنما تشرع لمن جلس، والداخل المسجد ~~الحرام يبدأ بالطواف ثم يصلي صلاة المقام فلا يجلس إلا وقد صلى نعم لو دخل ~~المسجد الحرام وأراد القعود قبل الطواف، فإنه يشرع له صلاة التحية كغيره من ~~المساجد، وكذلك قد استثنوا صلاة العيد لأنه (ص) لم يصل قبلها ولا بعدها، ~~ويجاب عنه بأنه (ص) ما جلس حتى يتحقق في حقه أنه ترك التحية، بل وصل إلى ~~الجبانة أو إلى المسجد فإنه صلى العيد في مسجده مرة واحدة، ولم يقعد بل وصل ~~إلى المسجد ودخل في صلاة العيد، وأما الجنابة فلا تحية لها إذ ليست بمسجد ~~إذا، وأما إذا اشتغل الداخل بالصلاة كأن يدخل وقد أقيمت الفريضة فيدخل فيها ~~فإنها تجزئه عن ركعتي التحية، بل هو منهي عنها بحديث: إذا أقيمت الصلاة فلا ~~صلاة إلا المكتوبة. # باب صفة الصلاة (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي (ص) قال): مخاطبا ~~للمسئ في صلاته وهو خلاد بن رافع، (إذا قمت إلى الصلاة فاسبغ الوضوء) تقدم ~~أن إسباغ PageV01P159 # الوضوء إتمامه، (ثم استقبل القبلة فكبر) تكبيرة الاحرام، (ثم اقرأ ما ~~تيسر معك من القرآن) فيه أنه لا يجب دعاء الاستفتاح، إذ لو وجب لامره به، ~~وظاهره أنه يجزئه من القرآن غير الفاتحة ويأتي تحقيقه، (ثم اركع حتى تطمئن ~~راكعا) فيه إيجاب الرجوع والاطمئنان فيه، (ثم ارفع) من الركوع، (حتى تعتدل ~~قائما) من الركوع، (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا) فيه أيضا وجوب السجود ووجوب ~~الاطمئنان فيه، (ثم ارفع) من السجود، (حتى تطمئن جالسا) بعد السجدة الأولى، ~~(ثم اسجد) الثانية، (حتى تطمئن ساجدا) كالأولى فهذه صفة ركعة من ركعات ~~الصلاة قياما وتلاوة وركوعا ms0239 واعتدالا منه وسجودا وطمأنينة وجلوسا بين ~~السجدتين ثم سجدة باطمئنان كالأولى، فهذه صفة ركعة كاملة، (ثم افعل ذلك) أي ~~جميع ما ذكر من الأقوال والأفعال إلا تكبيرة الاحرام، فإنها مخصوصة بالركعة ~~الأولى لما علم شرعا من عدم تكرارها (في صلاتك) في ركعات صلاتك، (كلها. ~~أخرجه السبعة) بألفاظ متقاربة، (و) هذا (اللفظ) الذي ساقه هنا (للبخاري) ~~وحده، (ولابن ماجة) أي من حديث أبي هريرة، (بإسناد مسلم) أي بإسناد رجاله ~~رجال مسلم، (حتى تطمئن قائما) عوضا من قوله في لفظ البخاري حتى تعتدل، فدل ~~على إيجاب الاطمئنان عند الاعتدال من الركوع، (ومثله) أي مثل ما أخرجه ابن ~~ماجة ما في قوله. (في حديث رفاعة) بكسر الراء هو ابن رافع صحابي أنصاري شهد ~~بدرا وأحدا وسائر المشاهد مع رسول الله (ص)، وشهد مع علي عليه السلام الجمل ~~وصفين وتوفي أول إمارة معاوية، (عند أحمد وابن حبان) فإنه عندهما بلفظ (حتى ~~تطمئن قائما، وفي لفظ لأحمد: فأقم صلبك حتى ترجع العظام) أي التي انخفضت ~~حال الركوع ترجع إلى ما كانت عليه حال القيام للقراءة، وذلك بكمال ~~الاعتدال، (وللنسائي) وأبي داود من حديث (رفاعة بن رافع) أي مرفوعا، (إنها ~~لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله) في آية المائدة، (ثم ~~يكبر الله) تكبيرة الاحرام (ويحمده) بقراءة الفاتحة إلا أن قوله: (فإن كان ~~معك قرآن) يشعر بأن المراد بقوله يحمده غير القراءة وهو دعاء الافتتاح ~~فيؤخذ منه وجوب مطلق الحمد والثناء بعد تكبيرة الاحرام، ويأتي الكلام في ~~ذلك، (ويثني عليه) بها (وفيه) أي في رواية النسائي وأبي داود عن رفاعة، ~~(فإن كان معك قرآن فاقرأ وإلا) أي وإن لم يكن معك قرآن، (فاحمد الله) أي ~~ألفاظ الحمد الله والأظهر أن يقول الحمد لله، (وكبره) بلفظ الله أكبر ~~(وهلله) بقول لا إله إلا الله، فدل على أن هذه عوض القراءة لمن ليس له قرآن ~~يحفظه، (ولأبي داود) أي من رواية رفاعة، (ثم اقرأ بأم الكتاب وبما شاء ~~ولابن حبان ثم بما شئت). هذ حديث ms0240 جليل يعرف بحديث المسئ صلاته، وقد اشتمل ~~على تعليم ما يجب في الصلاة، وما لا تتم به فدل على وجوب الوضوء لكل قائم ~~إلى الصلاة، وهو كما عليه الآية * (إذا قمتم إلى الصلاة) PageV01P160 # والمراد لمن كان محدثا كما عرف من غيره، وقد فصل ما أجملته رواية ~~البخاري: رواية النسائي بلفظ: حتى يسبغ الوضوء، كما أمره الله، فيغسل وجهه، ~~ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه، ورجليه إلى الكعبين وهذا التفصيل دل: على ~~عدم وجوب المضمضة والاستنشاق، ويكون هذا قرينة على حمل الامر بهما - حيث ~~ورد - على الندب، ودل على إيجاب استقبال القبلة قبل تكبيرة الاحرام، وقد ~~تقدم وجوبه، وبيان عفو الاستقبال للمتنفل الراكب. ودل على وجوب تكبيرة ~~الاحرام، وعلى تعيين ألفاظها رواية الطبراني لحديث رفاعة بلفظ: ثم يقول ~~الله أكبر ورواية ابن ماجة التي صححها ابن خزيمة، وابن حبان: من حديث أبي ~~حميد: من فعله (ص): إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائما ورفع يديه ثم قال الله ~~أكبر، ومثله: أخرجه البزار من حديث علي عليه السلام، بإسناد صحيح على شرط ~~مسلم: أنه (ص) كان إذا قام إلى الصلاة قال: # الله أكبر، فهذا يبين أن المراد من تكبيرة الاحرام: هذا اللفظ. ودل على ~~وجوب قراءة القرآن في الصلاة، سواء كان الفاتحة أو غيرها لقوله: ما تيسر ~~معك من القران وقوله: فإن كان معك قران، ولكن رواية أبي داود بلفظ: فاقرأ ~~بأم الكتاب، وعند أحمد، وابن حبان: ثم اقرأ بأم القران ثم اقرأ بما شئت، ~~وترجم له ابن حبان: باب فرض المصلي فاتحة الكتاب في كل ركعة، فمع تصريح ~~الرواية بأم القران، يحمل قوله: ما تيسر معك على الفاتحة، لأنها كانت ~~المتيسرة لحفظ المسلمين لها، أو يحمل أنه (ص) عرف من حال المخاطب: أنه لا ~~يحفظ الفاتحة، ومن كان كذلك، وهو يحفظ غيرها، فله أن يقرأه، أو أنه منسوخ ~~بحديث تعيين الفاتحة، أو أن المراد: ما تيسر فيما زاد على الفاتحة، ويؤيده ~~رواية أحمد، وابن حبان، فإنها عينت الفاتحة، وجعلت ما تيسر لما عداها، ms0241 ~~فيحتمل أن الراوي حيث قال: ما تيسر، ولم يذكر الفاتحة، ذهل عنها. ودل على ~~إيجاب غير الفاتحة معها: لقوله: بأم الكتاب، وبما شاء الله، أو شئت. ودل ~~على أن من لم يحفظ القران يجزئه الحمد والتكبير والتهليل، وأنه لا يتعين ~~عليه منه قدر مخصوص، ولا لفظ مخصوص. وقد ورد تعيين الألفاظ بأن يقول: سبحان ~~الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم. ودل على وجوب الركوع، ووجوب الاطمئنان فيه. وفي لفظ ~~لأحمد بيان كيفيته فقال: فإذا ركعت، فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك، ~~ومكن ركوعك، وفي رواية: ثم تكبر، وتركع حتى تطمئن مفاصلك وتسترخي. ودل على ~~وجوب الرفع من الركوع، وعلى وجوب الانتصاب قائما، وعلى وجوب الاطمئنان ~~لقوله: حتى تطمئن قائما. وقد قال المصنف: إنها بإسناد مسلم، وقد أخرجها ~~السراج أيضا بإسناد على شرط البخاري، فهي على شرط الشيخين. ودل على وجوب ~~السجود والطمأنينة فيه. وقد فصلتها رواية النسائي عن إسحاق بن أبي طلحة ~~بلفظ: ثم يكبر ويسجد حتى يمكن وجهه وجبهته حتى تطمئن مفاصله وتسترخي. ودل ~~على وجوب القعود بين السجدتين. وفي رواية النسائي: ثم يكبر، فيرفع رأسه حتى ~~يستوي قاعدا على مقعدته ويقيم صلبه، وفي رواية: فإذا رفعت رأسك، فاجلس على ~~فخذك اليسرى، فدل على أن هيئة القعود بين السجدتين بافتراش اليسرى. # ودل على أنه يجب أن يفعل كل ما ذكر في بقية ركعات صلاته، إلا تكبيرة ~~الاحرام، فإنه PageV01P161 # معلوم: أن وجوبها خاص بالدخول في الصلاة أول ركعة. ودل على إيجاب القراءة ~~في كل ركعة، وعلى ما عرفت من تفسير ما تيسر بالفاتحة، فتجب الفاتحة في كل ~~ركعة، وتجب قراءة ما شاء معها في كل ركعة، ويأتي الكلام على إيجاب ما عدا ~~الفاتحة في الاخرتين، والثالثة من المغرب. # واعلم أن هذا حديث جليل، تكرر من العلماء الاستدلال به على وجوب كل ما ~~ذكر فيه، وعدم وجوب كل ما لم يذكر فيه. أما الاستدلال على أن كل ما ذكر فيه ms0242 ~~واجب، فلانه ساقه (ص) بلفظ الامر بعد قوله: لن تتم الصلاة إلا بما ذكر فيه. ~~وأما الاستدلال بأن كل ما لم يذكر فيه لا يجب، فلان المقام مقام تعليم ~~الواجبات في الصلاة. فلو ترك ذكر بعض ما يجب: لكان فيه تأخير البيان عن وقت ~~الحاجة، وهو لا يجوز بالاجماع. فإذا حصرت ألفاظ هذا الحديث الصحيح أخذ منها ~~بالزائد، ثم إن عارض الوجوب الدال عليه ألفاظ هذا الحديث، أو عدم الوجوب: ~~دليل أقوى منه عمل به، وإن جاءت صيغة أمر بشئ لم يذكر في هذا الحديث، احتمل ~~أن يكون هذا الحديث قرينة على حمل الصيغة على الندب، واحتمل البقاء على ~~الظاهر، فيحتاج إلى مرجح للعمل به. ومن الواجبات المتفق عليها، ولم تذكر في ~~هذا الحديث: النية. قلت: كذا في الشرح. ولقائل أن يقول: قوله: إذا قمت إلى ~~الصلاة دال على إيجابها إذ ليس النية إلا القصد إلى فعل الشئ. وقوله: ~~فتوضأ: أي قاصدا له. ثم قال: # والقعود الأخير: أي من الواجب المتفق عليه ولم يذكره في الحديث، ثم قال: ~~ومن المختلف فيه التشهد الأخير، والصلاة على النبي (ص) فيه، والسلام في اخر ~~الصلاة. # (وعن أبي حميد) بصيغة التصغير (الساعدي) هو أبو حميد بن عبد الرحمن بن ~~سعد الأنصاري الخزرجي، الساعدي منسوب إلى ساعدة، وهو أبو الخزرج المدني، ~~غلب عليه كنيته، مات اخر ولاية معاوية. (قال: رأيت رسول الله (ص) إذا كبر) ~~أي للاحرام (جعل يديه) أي كفيه (حذو:) بفتح الحاء المهملة وسكون الذال ~~المعجمة (منكبيه) وهذا هو رفع اليدين عند تكبيرة الاحرام (وإذا ركع أمكن ~~يديه من ركبتيه) تقدم بيانه: في رواية أحمد لحديث المسئ صلاته: فإذا ركعت ~~فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك، ومكن ركوعك (ثم هصر) بفتح الهاء فصاد ~~مهملة مفتوحة فراء (ظهره) قال الخطابي: أي ثناه في استواء من غير تقويس، ~~وفي رواية للبخاري: # ثم حنى بالحاء المهملة والنون وهو بمعناه، وفي رواية: غير مقنع رأسه ولا ~~مصوبه، وفي رواية: وفرج بين أصابعه (فإذا رفع رأسه) أي من ms0243 الركوع (استوى) ~~زاد أبو داود: - فقال: سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد ورفع يديه، ~~وفي رواية لعبد الحميد زيادة: حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلا (حتى يعود كل ~~فقار) بفتح الفاء والقاف اخره راء جمع فقارة، وهي عظام الظهر، وفيها رواية ~~بتقديم القاف على الفاء (مكانه) وهي التي عبر عنها في حديث رفاعة بقوله: ~~حتى ترجع العظام (فإذا سجد وضع يديه غير مفترش PageV01P162 # أي لهما. وعند ابن حبان: غير مفترش ذراعيه، (ولا قابضهما) بأن يضمهما ~~إليه (واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة) ويأتي بيانه في شرح حديث: أمرت ~~أن أسجد على سبعة أعظم (وإذا جلس في الركعتين) جلوس التشهد الأوسط (جلس على ~~رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الأخيرة) للتشهد الأخير (قدم ~~رجله اليسرى ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته. أخرجه البخاري). حديث أبي حميد ~~هذا روى عنه قولا، وروى عنه فعلا، واصفا فيهما صلاته (ص). وفيه بيان صلاته ~~(ص). # وأنه كان عند تكبيرة الاحرام يرفع يديه حذو منكبيه، ففيه دليل على أن ذلك ~~من أفعال الصلاة، وأن رفع اليدين مقارن للتكبير، وهو الذي دل عليه حديث ~~وائل بن حجر عند أبي داود، وقد ورد تقديم الرفع على التكبير وعكسه، فورد ~~بلفظ: رفع يديه ثم كبر، وبلفظ كبر ثم رفع يديه. وللعلماء قولان: الأول: ~~مقارنة الرفع للتكبير. والثاني: تقديم الرفع على التكبير، ولم يقل أحد ~~بتقديم التكبير على الرفع، فهذه صفته. وفي المنهاج وشرحه النجم الوهاج: ~~الأول: رفعه وهو الأصح مع ابتدائه، لما رواه الشيخان عن ابن عمر: أن النبي ~~(ص ) كان يرفع يديه حذو منكبيه حين يكبر فيكون ابتداؤه مع ابتدائه، ولا ~~استصحاب في انتهائه، فإن فرغ من التكبير قبل تمام الرفع، أو بالعكس أتم ~~الاخر، فإن فرغ منهما حط يديه، ولم يستدم الرفع. والثاني: يرفع غير مكبر ثم ~~يكبر، ويداه قارتان، فإذا فرغ أرسلهما، لان أبا داود رواه كذلك بإسناد حسن، ~~وصحح هذا البغوي، واختاره الشيخ، ودليله في مسلم في رواية ابن عمر. ~~والثالث: يرفع مع ابتداء ms0244 التكبير ويكون انتهاؤه مع انتهائه، ويحطهما بعد ~~فراغ التكبير، لا قبل فراغه، لان الرفع للتكبير، فكان معه، وصححه المصنف، ~~ونسبه إلى الجمهور. انتهى بلفظه، وفيه تحقيق الأقوال، وأدلتها، ودلت الأدلة ~~أنه من العمل المخير فيه، فلا يتعين شئ بحكمه. وأما حكمه فقال داود، ~~والأوزاعي، والحميدي شيخ البخاري، وجماعة: # إنه واجب، لثبوته من فعله (ص)، فإنه قال المصنف: إنه روى رفع اليدين في ~~أول الصلاة خمسون صحابيا، منهم العشرة المشهود لهم الجنة. وروى البيهقي عن ~~الحاكم قال: لا تعلم سنة اتفق على روايتها عن رسول الله (ص) الخلفاء ~~الأربعة، ثم العشرة المشهود لهم بالجنة، فمن بعدهم من الصحابة، مع تفرقهم ~~في البلاد الشاسعة: غير هذه السنة. قال البيهقي: هو كما قال أستاذنا أبو ~~عبد الله. قال الموجبون: قد ثبت الرفع عند تكبيرة الاحرام هذا الثبوت، وقد ~~قال (ص): صلوا كما رأيتموني أصلي فلذا قلنا بالوجوب. وقال غيرهم: # إنه سنة من سنن الصلاة وعليه الجمهور، وزيد بن علي، والقاسم، والناصر، ~~والامام يحيى. وبه قالت الأئمة الأربعة من أهل المذاهب، ولم يخالف فيه، ~~ويقول: إنه ليس سنة، إلا الهادي، وبهذا تعرف: أن من روى عن الزيدية: أنهم ~~لا يقولون به، فقد عمم النقل بلا علم. هذا. وأما إلى أي محل يكون الرفع، ~~فرواية أبي حميد هذه تفيد: أنه إلى مقابل المنكبين، والمنكب مجمع رأس عظم ~~الكتف والعضد، وبه أخذت الشافعية، وقيل: إنه يرفع حتى يحاذي بهما فروع ~~أذنيه، PageV01P163 # لحديث وائل بن حجر بلفظ: حتى حاذى أذنيه وجمع بين الحديثين: بأن المراد ~~أنه يحاذي بظهر كفيه المنكبين، وبأطراف أنامله الاذنين، كما تدل له رواية ~~لوائل عند أبي داود بلفظ: حتى كانت حيال منكبيه ويحاذي بإبهاميه أذنيه. ~~وقوله: أمكن يديه من ركبتيه قد فسر هذا الامكان رواية أبي داود: كأنه قابض ~~عليهما، وقوله: هصر ظهره تقدم قول الخطابي فيه، وتقدم في رواية: ثم حنى ~~بالحاء المهملة والنون، وهو بمعناه، وفي رواية غير مقنع رأسه ولا مصوبه في ~~رواية وفرج بين أصابعه وقد سبق. وقوله: حتى ms0245 يعود كل فقار المراد منه: كمال ~~الاعتدال، وتفسره رواية: ثم يمكث قائما حتى يقع كل عضو موضعه. وفي ذكره ~~كيفية الجلوسين الجلوس الأوسط، والأخير: دليل على تغايرهما، وأنه في الجلسة ~~الأخيرة يتورك: أي يفضي بوركه إلى الأرض، وينصب رجله اليمنى، وفيه خلاف بين ~~العلماء سيأتي، وبهذا الحديث عمل الشافعي، ومن تابعه. # (وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: عن رسول الله (ص): أنه كان إذا قام ~~إلى الصلاة قال: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات) أي قصدت بعبادتي (إلى قوله: ~~من المسلمين) وفيه روايتان: أن يقول: * (اهدنا الصراط المستقيم) * بلفظ ~~الآية، ورواية: وأنا من المسلمين، وإليها أشار المصنف (اللهم أنت الملك لا ~~إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك إلى اخره. رواه مسلم) تمامه: ظلمت نفسي، ~~واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني ~~لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها، لا يصرف عني ~~سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك ~~وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك. وقوله: فطر السماوات والأرض أي ~~ابتدأ خلقهما من غير مثال سبق. وقوله: حنيفا أي مائلا إلى الدين الحق، وهو ~~الاسلام، وزيادة: # وما أنا من المشركين بيان للحنيف، وأيضا لمعناه، النسك: العبادة، وكل ما ~~يتقرب به إلى الله، وعطفه على الصلاة من عطف العام على الخاص. وقوله: ~~ومحياي ومماتي أي حياتي وموتي لله: أي هو المالك لهما والمختص بهما. وقوله: ~~رب العالمين الرب: الملك، والعالمين جمع عالم مشتق من العلم، وهو اسم لجميع ~~المخلوقات، كذا قيل. وفي القاموس العالم: الخلق كله، أو ما حواه بطن الفلك، ~~ولا يجمع فاعل بالواو والنون غيره، وغير ياسم وقوله: لا شريك له تأكيد ~~لقوله: رب العالمين المفهوم منه الاختصاص. وقوله: اللهم أنت الملك أي ~~المالك لجميع المخلوقات. وقوله: ظلمت نفسي اعتراف بظلم نفسه، قدمه على سؤال ~~المغفرة. ومعنى (لبيك) أقيم على طاعتك، وامتثال أمرك إقامة متكررة وسعديك ~~أي أسعد أمرك، وأتبعه إسعادا متكررا. ms0246 ومعنى الخير كله في يديك الاقرار بأن ~~كل خير واصل إلى العباد، ومرجو وصوله، فهو في يديه تعالى. ومعنى والشر ليس ~~إليك أي ليس مما يتقرب إليك به: أي يضاف إليك فلا يقال يا رب الشر، أو لا ~~يصعد إليك، فإنه إنما يصعد إليه الكلم الطيب، ومعنى أنا بك وإليك أي: ~~التجائي وانتهائي إليك، وتوفيقي بك، ومعنى تباركت PageV01P164 # استحققت الثناء، أو ثبت الخير عندك، فهذا ما يقال في الاستفتاح مطلقا. ~~(وفي رواية له) أي لمسلم: (أن ذلك) كان يقوله (ص) (في صلاة الليل)، ونقل ~~المصنف في التلخيص عن الشافعي، وابن خزيمة: أنه يقال في المكتوبة، وأن حديث ~~علي عليه السلام ورد فيها، فعلي كلامه هنا يحتمل أنه مختص بها هذا الذكر، ~~ويحتمل أنه عام، وأنه يخير العبد بين قوله عقيب التكبير، أو قول ما أفاده. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله (ص) إذا كبر في الصلاة) ~~أي تكبيرة الاحرام (سكت هنيهة) بضم الهاء فنون فمثناة تحتية فهاء مفتوحة ~~فتاء: أي ساعة لطيفة (قبل أن يقرأ فسألته) أي عن سكوته ما يقول فيه: (فقال: # أقول: اللهم باعد ببين وبين خطاياي) المباعدة المراد بها: محو ما حصل ~~منها، أو العصمة عما يأتي منها (كما باعدت بين المشرق والمغرب) فكما لا ~~يجتمع المشرق والمغرب، لا يجتمع هو وخطاياه (اللهم نقني من خطاياي، كما ~~ينقى الثوب الأبيض من الدنس) بفتح الدال المهملة والنون فسين مهملة. في ~~القاموس: أنه: الوسخ، والمراد: أزل عني الخطايا بهذه الإزالة (اللهم اغسلني ~~من خطاياي بالماء والثلج والبرد) بالتحريك جمع بردة قال الخطابي: ذكر الثلج ~~والبرد تأكيد، أو لأنهما ماءان لم تستعملها الأيدي. وقال ابن دقيق العيد: ~~عبر بذلك عن غاية المحو، فإن الثوب الذي تكرر عليه ثلاثة أشياء منقية يكون ~~في غاية النقاء، وفيه أقوال أخر (متفق عليه). وفي الحديث دليل: على أنه ~~يقول هذا الذكر بين التكبيرة، والقراءة سرا، وأنه يخير العبد بين هذا ~~الدعاء، والدعاء الذي في حديث علي عليه السلام، أو يجمع ms0247 بينهما. # (وعن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول:) أي بعد تكبيرة الاحرام (سبحانك ~~اللهم وبحمدك) أي أسبحك حال كوني متلبسا بحمدك (تبارك اسمك، وتعالى جدك، ~~ولا إله غيرك. رواه مسلم بسند منقطع). قال الحاكم: قد صح عن عمر. وقال في ~~الهدي النبوي: إنه قد صح عن عمر: أنه كان يستفتح به في مقام النبي (ص)، ~~ويجهر به، ويعلمه الناس، وهو بهذا الوجه في حكم المرفوع، ولذا قال الإمام ~~أحمد: أما أنا فأذهب إلى ما روي عن عمر، ولو أن رجلا استفتح ببعض ما روي ~~لكان حسنا، وقد ورد في التوجه بألفاظ كثيرة، والقول: بأنه يخير العبد ~~بينها: قول حسن. وأما الجمع بين هذا وبين وجهت وجهي الذي تقدم، فقد ورد في ~~حديث ابن عمر رواه الطبراني في الكبير وفي رواته ضعف (والدارقطني) عطف على ~~مسلم: أي ورواه الدارقطني (موصولا وموقوفا) على عمر، وأخرجه أبو داود، ~~والحاكم من حديث عائشة مرفوعا: كان رسول الله (ص) إذا استفتح الصلاة قال: ~~سبحانك الحديث. ورجال إسناده ثقات، وفيه انقطاع، وأعله أبو داود. # وقال الدارقطني: ليس بالقوي. # (ونحوه) أي نحو حديث عمر (عن أبي سعيد مرفوعا عند الخمسة، وفيه: وكان ~~PageV01P165 # يقول بعد التكبير: أعوذ بالله السميع) لأقوالهم (العليم) بأقوالهم، ~~وأفعالهم، وضمائرهم (من الشيطان الرجيم) المرجوم (من همزه) المراد به ~~الجنون (ونفخه) بالنون فالفاء فالخاء المعجمة، والمراد به الكبر (ونفثه) ~~بالنون والفاء والمثلثة المراد به: الشعر وكأنه أراد به الهجاء. # والحديث دليل: على الاستعاذة، وأنها بعد التكبيرة، والظاهر أنها أيضا بعد ~~التوجه بالأدعية، لأنها تعوذ القراءة، وهو قبلها. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله (ص) يستفتح) أي يفتتح ~~(الصلاة بالتكبير) أي يقول: الله أكبر، كما ورد بهذا اللفظ في الحلية لأبي ~~نعيم، والمراد: تكبيرة الاحرام، ويقال لها تكبيرة الافتتاح (والقراءة) ~~منصوب عطف على الصلاة: # أي ويستفتح القراءة (بالحمد) بضم الدال على الحكاية (لله رب العالمين، ~~وكان إذا ركع لم يشخص) بضم المثناة التحتية فشين فخاء معجمتان فصاد مهملة ~~(رأسه) أي لم يرفعه ms0248 (ولم يصوبه) بضمها أيضا وفتح الصاد المهملة وكسر الواو ~~المشددة (أي لم يخفضه خفضا بليغا، بل بين الخفض والرفع، وهو التسوية، كما ~~دل له قوله: (ولكن بين ذلك) أي بين المذكور من الخفض والرفع (وكان إذا رفع) ~~أي رأسه (من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما) تقدم في حديث أبي هريرة في ~~أول الباب ثم ارفع حتى تعتدل قائما (وكان إذا رفع رأسه من السجود): أي ~~الأول (لم يسجد) الثانية (حتى يستوي) بينهما (جالسا) وتقدم: ثم ارفع حتى ~~تطمئن جالسا (وكان يقول: في كل ركعتين) أي بعدهما (التحية) أي يتشهد ~~بالتحيات لله، كما يأتي. ففي الثلاثية والرباعية، المراد به: الأوسط، وفي ~~الثنائية: الأخير (وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى) ظاهره: أن هذا ~~جلوسه في جميع الجلسات بين السجودين، وحال التشهدين. وتقدم في حديث أبي ~~حميد: وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى (وكان ينهى عن ~~عقبة الشيطان) بضم العين المهملة وسكون القاف فموحدة، ويأتي تفسيرها (وينهى ~~أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع) بأن يبسطهما في سجوده، وفسر السبع: ~~بالكلب، وورد في رواية: بلفظه، (وكان يختم الصلاة بالتسليم. أخرجه مسلم، ~~وله علة) وهي: أنه أخرجه مسلم من رواية أبي الجوزاء بالجيم والزاي عن ~~عائشة. قال ابن عبد البر: هو مرسل، أبو الجوزاء لم يسمع من عائشة. وأعل ~~أيضا: بأنه أخرجه مسلم من طريق الأوزاعي مكاتبة. والحديث فيه دلالة: على ~~تعيين التكبير عند الدخول في الصلاة، وتقدم الكلام فيه: في حديث أبي هريرة ~~أول الباب: واستدل بقولها: والقراءة بالحمد: على أن البسملة ليست من ~~الفاتحة، وهو قول أنس، وأبي من الصحابة، وقال به مالك، وأبو حنيفة، وآخرون، ~~وحجتهم هذا الحديث. وقد أجيب عنه: بأن مرادها بالحمد لله رب العالمين: ~~السورة نفسها، لا هذا اللفظ، فإن الفاتحة تسمى بالحمد لله رب العالمين، كما ~~ثبت ذلك في صحيح البخاري، فلا حجة فيه على أن البسملة ليست من الفاتحة، ~~ويأتي الكلام عليه مستوفى في حديث أنس قريبا. وتقدم PageV01P166 # الكلام على أنه في ms0249 ركوعه لا يرفع رأسه، ولا يخفضه، كما تقدم على قوله ~~وكان إذا رفع رأسه إلى قوله: وكان يقول: التحية والمراد بها: الثناء ~~المعروف بالتحيات لله: الآتي لفظه في حديث ابن مسعود إن شاء الله تعالى، ~~ففيه شرعية التشهد الأوسط، والأخير. ولا يدل على الوجوب، لأنه فعل، إلا أن ~~يقال: إنه بيان لاجمال الصلاة في القران: المأمور بها وجوبا، والأفعال ~~لبيان الواجب واجبة، أو يقال: بإيجاب أفعال الصلاة لقوله (ص): صلوا كما ~~رأيتموني أصلي وقد اختلف في التشهدين، فقيل: واجبان، وقيل: سنتان، وقيل: ~~الأول سنة، والأخير واجب، ويأتي الكلام في حديث ابن مسعود إن شاء الله ~~تعالى: على التشهد الأخير. # وأما الأوسط، فإنه استدل من قال بالوجوب بهذا الحديث كما قررناه، وبقوله ~~(ص): # إذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله الحديث. ومن قال: بأنها سنة، استدل ~~بأنه (ص) لما سها عنه، لم يعد لأدائه، وجبره بسجود السهو، ولو وجب لم يجبره ~~سجود السهو، كالركوع وغيره من الأركان، وقد رد هذا الاستدلال: بأنه يجوز أن ~~يكون الوجوب مع الذكر، فإن نسي حتى دخل في فرض اخر: جبره سجود السهو. وفي ~~قولها: وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى ما يدل على أنه كان جلوسه (ص) ~~بين السجدتين، وحال التشهد، وقد ذهب إليها الهادوية، والحنفية، ولكن حديث ~~أبي حميد الذي تقدم فرق بين الجلوسين، فجعل هذا صفة الجلوس بعد الركعتين، ~~وجعل صفة الجلوس الأخير: تقديم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، والقعود على ~~مقعدته. وللعلماء خلاف في ذلك، والظاهر: أنه من الأفعال المخير فيها. وفي ~~قولها: ينهى عن عقبة الشيطان أي في القعود، وفسرت بتفسيرين: أحدهما أنه ~~يفترش قدميه ويجلس بأليتيه على عقبيه، ولكن هذه القعدة اختارها العبادلة في ~~القعود غير الأخير، وهذه تسمى إقعاء، وجعلوا المنهي عنه هو الهيئة الثانية، ~~وتسمى أيضا إقعاء وهي أن يلصق الرجل أليتيه في الأرض، وينصب ساقيه وفخذيه، ~~ويضع يديه على الأرض، كما يقعى الكلب. وافتراش الذراعين تقدم أنه: بسطهما ~~على الأرض حال السجود، وقد نهى (ص) عن التشبه بالحيوانات، نهى ms0250 عن بروك: ~~كبروك البعير، والتفات: كالتفات الثعلب، وافتراش: كافتراش السبع، واقعاء: ~~كإقعاء الكلب، ونقر: كنقر الغراب، ورفع الأيدي وقت السلام كأذناب خيل شمس. ~~وفي قولها: وكان يختم الصلاة بالتسليم دلالة على شرعية التسليم، وأما ~~إيجابه فيستدل له بما قدمناه سابقا. # (وعن ابن عمر: أن النبي (ص) كان يرفع يديه حذو) بفتح الحاء المهملة وسكون ~~الذال المعجمة: أي مقابل (منكبيه إذا افتتح الصلاة) تقدم في حديث أبي حميد ~~الساعدي (وإذا كبر للركوع) رفعهما (وإذا رفع رأسه) أي أراد أن يرفعه (من ~~الركوع. متفق عليه). فيه شرعية رفع اليدين في هذه الثلاثة المواضع. أما عند ~~تكبيرة الاحرام، فتقدم فيه الكلام. وأما عند الركوع والرفع منه، فهذا ~~الحديث دل على مشروعية ذلك. قال محمد بن نصر المروزي: أجمع علماء الأمصار ~~على ذلك، إلا أهل الكوفة. PageV01P167 # قلت: والخلاف فيه للهادوية مطلقا في المواضع الثلاثة. واستدل للهادي في ~~البحر بقوله (ص) مالي أراكم. الحديث. قلت: وهو إشارة إلى حديث جابر بن ~~سمرة، أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، ولفظه عنه قال: كنا إذا صلينا مع ~~رسول الله (ص)، قلنا بأيدينا: السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيديه إلى ~~الجانبين، فقال رسول الله (ص ): علام تومئون بأيديكم. مالي أرى أيديكم، ~~كأذناب خيل شمس، اسكنوا في الصلاة، وإنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ~~ثم يسلم على أخيه: عن يمينه وشماله انتهى بلفظه، وهو حديث صريح في أنه كان ~~ذلك في إيمائهم بأيديهم عند السلام، والخروج من الصلاة، وسببه صريح في ذلك. ~~وأما قوله: اسكنوا في الصلاة فهو عائد إلى ما أنكره عليهم: من الايماء إلى ~~كل حركة في الصلاة: فإنه معلوم أن الصلاة مركبة من حركات، وسكون، وذكر ~~الله. # قال المقبلي في المنار على كلام الإمام المهدي: إن كان هذا غفلة من ~~الامام إلى هذا الحد، فقد أبعد، وإن كان مع معرفته حقيقة الامر فهو أورع ~~وأرفع من ذلك. والاكثار في هذا لجاج مجرد، وأمر الرفع أوضح من أن تورد له ~~الأحاديث المفردات، وقد كثرت كثرة لا ms0251 توازى، وصحت صحة لا تمنع، ولذا لم يقع ~~الخلاف المحقق فيه إلا للهادي فقط، فهي من النوادر التي تقع لافراد ~~العلماء، مثل مالك، والشافعي، وغيرهما، ما أحد منهم إلا له نادرة، ينبغي أن ~~تغمر في جنب فضله، وتجتنب، انتهى. وخالفت الحنفية فيما عدا الرفع عند ~~تكبيرة الاحرام، واحتجوا برواية مجاهد: أنه صلى خلف ابن عمر فلم يره يفعل ~~ذلك، وبما أخرجه أبو داود من حديث ابن مسعود: بأنه رأى النبي (ص) يرفع يديه ~~عند الافتتاح، ثم لا يعود، وأجيب بأن الأول فيه أبو بكر بن عياش، وقد ساء ~~حفظه، ولأنه معارض برواية نافع، وسالم ابن عمر لذلك، وهما مثبتان، ومجاهد ~~ناف، والمثبت مقدم، وبأن تركه لذلك إذا ثبت، كما رواه مجاهد، يكون مبينا ~~لجوازه، وأنه لا يراه واجبا، وبأن الثاني وهو حديث ابن مسعود لم يثبت كما ~~قال الشافعي، ولو ثبت لكانت رواية ابن عمر مقدمة عليه، لأنها إثبات، وذلك ~~نفي، والاثبات مقدم. وقد نقل البخاري عن الحسن، وحميد بن هلال: أن الصحابة ~~كانوا يفعلون ذلك. قال البخاري: ولم يستثن الحسن أحدا، ونقل عن شيخه علي بن ~~المديني أنه قال: حق على المسلمين أن يرفعوا أيديهم عند الركوع، والرفع ~~منه، لحديث ابن عمر، هذا. وزاد البخاري في موضع اخر بعد كلام ابن المديني: ~~وكان علي أهم أهل زمانه، قال: ومن زعم أنه بدعة فقد طعن في الصحابة، ويدل ~~له قوله: # (وفي حديث أبي حميد، عند أبي داود: يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه. # ثم يكبر). تقدم حديث أبي حميد من رواية البخاري، لكن ليس فيه ذكر الرفع ~~إلا عند تكبيرة الاحرام، بخلاف حديثه عند أبي داود، ففيه إثبات الرفع في ~~الثلاثة المواضع، كما أفاده حديث ابن عمر، ولفظه عند أبي داود: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائما، ورفع يديه حتى ~~يحاذي بهما منكبيه، فإذا أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ~~الحديث، تمامه: ثم قال الله أكبر، وركع، ثم اعتدل، فلم ms0252 يصوب رأسه ~~PageV01P168 # ولم يقنع، ووضع يديه على ركبتيه، ثم قال: سمع الله لمن حمد، ورفع يديه، ~~واعتدل حتى رجع كل عظم إلى موضعه معتدلا. الحديث. فأفاد رفعه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يديه في الثلاثة المواضع. وكان على المصنف أن يقول بعد قوله ~~ثم يكبر: الحديث، ليفيد: أن الاستدلال به جميعه، فإنه قد يتوهم أن حديث أبي ~~حميد ليس فيه إلا الرفع عند تكبيرة الاحرام، كما أن قوله: # (ولمسلم عن مالك بن الحويرث: نحو حديث ابن عمر) أي الرفع في الثلاثة ~~المواضع (لكن قال: حتى يحاذي بهما) أي اليدين (فروع أذنيه) أطرافهما. فخالف ~~رواية ابن عمر، وأبي حميد في هذا اللفظ. فذهب البعض إلى ترجيح رواية ابن ~~عمر، لكونها متفقا عليها، وجمع آخرون بينهما فقالوا: يحاذي بظهر كفيه ~~المنكبين، وبأطراف أنامله الاذنين، وأيدوا ذلك برواية أبي داود عن وائل ~~بلفظ: حتى كانت حيال منكبيه، وحاذى بإبهاميه أذنيه، وهذا جمع حسن. # (وعن وائل) بفتح الواو وألف فهمزة، هو أبو هنيد بضم الهاء وفتح النون ~~(ابن حجر) بن ربيعة الحضرمي، كان أبوه من ملوك حضرموت، وفد وائل على النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فأسلم، ويقال: إنه صلى الله عليه وسلم بشر أصحابه قبل ~~قدومه فقال يقدم عليكم وائل بن حجر من أرض بعيدة، طائعا، راغبا في الله عز ~~وجل وفي رسوله، وهو بقية أبناء الملوك، فلما دخل عليه صلى الله عليه وسلم ~~رحب به وأدناه من نفسه، وبسط له رداءه فأجلسه عليه وقال: اللهم بارك على ~~وائل وولده، واستعمله على الأقيال من حضرموت، روى له الجماعة، إلا البخاري، ~~وعاش إلى زمن معاوية، وبايع له. (قال: صليت مع رسول الله: # صلى الله عليه وسلم، فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره: أخرجه ابن ~~خزيمة)، وأخرج أبو داود والنسائي بلفظ: ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه ~~اليسرى والرسغ والساعد، الرسغ: بضم الراء وسكون السين المهملة بعدها معجمة: ~~هو المفصل بين الساعد والكف. # والحديث: دليل على مشروعية الوضع المذكور في الصلاة، ومحله ms0253 على الصدر، ~~كما أفاد هذا الحديث، وقال النووي في المنهاج ويجعل يديه تحت صدره. قال في ~~شرح النجم الوهاج عبارة الأصحاب تحت صدره يريد، والحديث بلفظ: على صدره ~~قال: وكأنهم جعلوا التفاوت بينهما يسيرا، وقد ذهب إلى مشروعيته زيد بن علي، ~~وأحمد بن عيسى. وروى أحمد بن عيسى حديث وائل هذا في كتابه الأمالي، وإليه ~~ذهبت الشافعية، والحنفية. وذهبت الهادوية إلى عدم مشروعيته، وأنه يبطل ~~الصلاة لكونه فعلا كثيرا. قال ابن عبد البر: لم يأت عن النبي (ص) فيه خلاف، ~~وهو قول جمهور الصحابة والتابعين. قال: وهو الذي ذكره مالك في الموطأ، ولم ~~يحك ابن المنذر، وغيره عن مالك غيره، وروى عن مالك الارسال، وصار إليه أكثر ~~أصحابه. # (وعن عبادة) بضم العين المهملة وتخفيف الموحدة وبعد الألف دال مهملة، وهو ~~أبو الوليد عبادة (بن الصامت) بن قيس الخزرجي الأنصاري السالمي، كان من ~~نقباء الأنصار، وشهد العقبة الأولى، والثانية، والثالثة، وشهد بدرا، ~~والمشاهد كلها، وجهه عمر إلى PageV01P169 # الشام قاضيا، ومعلما، فأقام بحمص، ثم انتقل إلى فلسطين، ومات بها في ~~الرملة، وقيل: في بيت المقدس سنة أربع وثلاثين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. ~~(قال قال رسول الله (ص ): لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القران. متفق عليه) هو ~~دليل على نفي الصلاة الشرعية إذا لم يقرأ فيها المصلي بالفاتحة، لان الصلاة ~~مركبة من أقوال وأفعال، والمركب ينتفي بانتفاء جميع أجزائه، وبانتفاء ~~البعض، ولا حاجة إلى تقدير نفي الكمال، لان التقدير إنما يكون عند تعذر صدق ~~نفي الذات، إلا أن الحديث الذي أفاده قوله: (وفي رواية لابن حبان، ~~والدارقطني: لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب) فيه دلالة: على أن ~~النفي متوجه إلى الاجزاء، وهو كالنفي للذات في المال، لان ما لا يجزئ، فليس ~~بصلاة شرعية. والحديث دليل على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة، ولا يدل على ~~إيجابها في كل ركعة، بل في الصلاة جملة، وفيه احتمال أنه في كل ركعة، لان ~~الركعة تسمى صلاة، وحديث المسئ صلاته قد دل على أن ms0254 كل ركعة تسمى صلاة، ~~لقوله (ص) بعد أن علمه ما يفعله في ركعة: # وافعل ذلك في صلاتك كلها فدل على إيجابها في كل ركعة، لأنه أمر أن يقرأ ~~فيها بفاتحة الكتاب، وإلى وجوبها في كل ركعة ذهبت الشافعية، وغيرهم. وعند ~~الهادوية، وآخرين: أنها لا تجب قراءتها في كل ركعة، بل في جملة الصلاة. ~~والدليل ظاهر مع أهل القول الأول. وبيانه من وجهين: الأول: أن في بعض ~~ألفاظه بعد تعليمه صلى الله عليه وسلم له ما ذكره: من القراءة، والركوع، ~~والسجود، والاطمئنان إلى اخره، أنه قال الراوي: # فوصف أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة هكذا أربع ركعات، حتى فرغ، ~~ثم قال: لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك ومعلوم أن المراد من قوله يفعل ~~ذلك، أي كل ما ذكره من القراءة بأم الكتاب، وغيرها في كل ركعة لقوله: فوصف ~~الصلاة هكذا أربع ركعات. والثاني: أن ما ذكره صلى الله عليه وسلم مع ~~القراءة: من صفات الركوع، والسجود، والاعتدال، ونحوه: مأمور به في كل ركعة، ~~كما يفيده هذا الحديث. والمخالف في قراءة الفاتحة في كل ركعة، لا يقول - ~~إنه يكفي الركوع والسجود والاطمئنان في ركعة واحدة من صلاته، أو يفرقها في ~~ركعاتها، فكيف يقول: إن القراءة بالفاتحة تنفرد من بين هذه المأمورات بأنها ~~لا تجب إلا في ركعة واحدة، أو يفرق بين الركعات؟ وهذا تفريق بين أجزاء ~~الدليل بلا دليل فتعين حينئذ أن المراد من قوله: ثم افعل ذلك في صلاتك ~~كلها: في ركعاتها، ثم رأيت بعد كتبه أنه أخرج أحمد، والبيهقي، وابن حبان ~~بسند صحيح، أنه صلى الله عليه وسلم قال لخلاد بن رافع وهو المسئ صلاته: ثم ~~اصنع ذلك في كل ركعة، ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بها في كل ركعة، ~~كما رواه مسلم، وقال: صلوا كما رأيتموني أصلي. ثم ظاهر الحديث وجوب قراءتها ~~في سرية وجهرية: للمنفرد، والمؤتم. أما المنفرد فظاهر، وأما المؤتم فدخوله ~~في ذلك واضح، وزاده إيضاحا في قوله: (وفي أخرى) من رواية ms0255 عبادة (لأحمد، ~~وأبي داود، والترمذي، وابن حبان: # لعلكم تقرأون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم، قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، ~~فإنه PageV01P170 # لا صلاة لمن لم يقرأ بها)، فإنه دليل على إيجاب قراءة الفاتحة خلف الامام ~~تخصيصا، كما دل اللفظ الذي عند الشيخين بعمومه، وهو أيضا ظاهر في عموم ~~الصلاة: الجهرية، والسرية، وفي كل ركعة أيضا، وإلى هذا مذهب الشافعية. ~~وذهبت الهادوية: إلى أنه لا يقرؤها المؤتم خلف إمامه في الجهرية إذا كان ~~يسمع قراءته، ويقرؤها في السرية، وحيث لا يسمع في الجهرية. # وقالت الحنفية: لا يقرؤها المأموم في سرية ولا جهرية، وحديث عبادة: حجة ~~على الجميع. # واستدلالهم بحديث: من صلى خلف الامام فقراءة الامام قراءة له مع كونه ~~ضعيفا. قال المصنف في التلخيص: بأنه مشهور من حديث جابر، وله طرق عن جماعة ~~من الصحابة، كلها معلولة انتهى، وفي المنتهى: رواه الدارقطني من طرق كلها ~~ضعاف، والصحيح أنه مرسل، لا يتم به الاستدلال، لأنه عام. لان لفظ قراءة ~~الإمام اسم جنس مضاف يعم كل ما يقرؤه الامام، وكذلك قوله تعالى: * (وإذا ~~قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) *، وحديث: إذا قرأ فأنصتوا، ~~فإن هذه عمومات في الفاتحة وغيرها، وحديث عبادة خاص بالفاتحة فيخص به ~~العام. ثم اختلف القائلون بوجوب قراءتها خلف الامام، فقيل، في محل سكتاته ~~بين الآيات، وقيل: # في سكوته بعد تمام قراءة الفاتحة، ولا دليل على هذين القولين في الحديث، ~~بل حديث عبادة دال أنها تقرأ عند قراءة الإمام الفاتحة، ويزيده إيضاحا ما ~~أخرجه أبو داود من حديث عبادة أنه صلى خلف أبي نعيم، وأبو نعيم يجهر ~~بالقراءة، فجعل عبادة يقرأ بأم القران، فلما انصرفوا من الصلاة، قال لعبادة ~~بعض من سمعه يقرأ سمعتك تقرأ بأم القران وأبو نعيم يجهر، قال: أجل، صلى بنا ~~رسول الله (ص) بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة. قال: فالتبست عليه ~~القراءة، فلما فرغ أقبل علينا بوجهه فقال: هل تقرأون إذا جهرت بالقراءة؟ ~~فقال بعضنا: نعم، إنا نصنع ذلك، قال: فلا، وأنا أقول: مالي ينازعني ms0256 القران، ~~فلا تقرأوا بشئ إذا جهرت إلا بأم القران. فهذا عبادة راوي الحديث قرأ بها ~~جهرا خلف الامام، لأنه فهم من كلامه (ص): أنه يقرأ بها خلف الامام جهرا، ~~وإن نازعه. وأما أبو هريرة، فإنه أخرج عنه أبو داود: أنه لما حدث بقوله ~~(ص): من صلى صلاة لا يقرأ فيها بأم القران، فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج، ~~غير تمام. قال له الراوي عنه، وهو أبو السائب مولى هشام بن زهرة يا أبا ~~هريرة إني أكون أحيانا وراء الامام، فغمز ذراعه، وقال: اقرأ بها يا فارسي ~~في نفسك. الحديث. وأخرج عن مكحول: أنه كان يقول: اقرأ في المغرب، والعشاء، ~~والصبح بفاتحة الكتاب، وفي كل ركعة سرا، ثم قال مكحول: اقرأ بها فيما جهر ~~به الامام إذا قرأ بفاتحة الكتاب وسكت سرا، فإن لم يسكت قرأتها قبله، ومعه، ~~وبعده، لا تتركها على حال. وقد أخرج أبو داود من حديث أبي هريرة أنه أمره ~~(ص): أن ينادي في المدينة: أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، فما زاد، ~~وفي لفظ: إلا بقران، ولو بفاتحة الكتاب، فما زاد، إلا أنه يحمل على ~~المنفرد، جمعا بينه وبين حديث عبادة: الدال على أنه لا يقرأ خلف الامام إلا ~~بفاتحة الكتاب. # (وعن أنس رضي الله عنه، أن النبي (ص)، وأبا بكر، وعمر PageV01P171 # كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العض المين) أي: القراءة في الصلاة ~~بهذا اللفظ (متفق عليه). ولا يتم هنا أن يقال: ما قلناه في حديث عائشة: أن ~~المراد بالحمد لله رب العالمين السورة، فلا يدل على حذف البسملة، بل يكون ~~دليلا عليها، إذ هي من مسمى السورة لقوله: (زاد مسلم: # لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم، في أول قراءة، ولا في اخرها) زيادة في ~~المبالغة في النفي، وإلا فإنه ليس في اخرها بسملة، ويحتمل أن يريد بآخرها: ~~السورة الثانية التي تقرأ بعد الفاتحة. # والحديث دليل: على أن الثلاثة كانوا لا يسمعون من خلفهم لفظ البسملة عند ~~قراءة الفاتحة جهرا، مع احتمال أنهم يقرءون البسملة ms0257 سرا، ولا يقرأونها ~~أصلا، إلا أن قوله: (وفي رواية) أي عن أنس (لأحمد، والنسائي، وابن خزيمة لا ~~يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم) يدل بمفهومه أنهم يقرأونها سرا، ودل قوله: ~~(وفي أخرى) أي رواية أخرى عن أنس (لابن خزيمة: كانوا يسرون) فمنطوقه أنهم ~~كانوا يقرءون بها سرا، ولذا قال المصنف: (وعلى هذا) أي على قراءة النبي ~~(ص)، وأبي بكر، وعمر البسملة سرا (يحمل النفي في رواية مسلم) حيث قال: لا ~~يذكرون: أي: لا يذكرونها جهرا (خلافا لمن أعلها) أي أبدى علة لما زاده ~~مسلم، والعلة هي: أن الأوزاعي روى هذه الزيادة عن قتادة مكاتبة، وقد ردت ~~هذه العلة: بأن الأوزاعي لم ينفرد بها، بل قد رواها غيره رواية صحيحة. ~~والحديث قد استدل به من يقول: إن البسملة لا يجهر بها في الفاتحة، ولا في ~~غيرها، بناء على أن قوله: وفي اخرها مراد به أول السورة الثانية، ومن ~~أثبتها قال: المراد: أنه لم يجهر بها الثلاثة حال جهرهم بالفاتحة، بل ~~يقرأونها سرا، كما قرره المصنف. وقد أطال العلماء في هذه المسألة الكلام، ~~وألف فيها بعض الاعلام، وبين أن حديث أنس مضطرب. قال ابن عبد البر في ~~الاستذكار: بعد سرده روايات حديث أنس هذه ما لفظه: هذا الاضطراب لا تقوم ~~معه حجة لاحد من الفقهاء الذين يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم، والذين لا ~~يقرؤونها. وقد سئل عن ذلك أنس فقال: كبرت سني ونسيت انتهى، فلا حجة فيه. ~~والأصل: أن البسملة من القران. وطال الجدال بين العلماء من الطوائف، ~~لاختلاف المذاهب، والأقرب أنه (ص) كان يقرأ بها تارة جهرا وتارة خفيا وقد ~~استوفينا البحث في حواشي شرح العمدة بما لا زيادة عليه. واختار جماعة من ~~المحققين: أنها مثل سائر آيات القران، يجهر بها فيما يجهر فيه، ويسر بها ~~فيما يسر فيه. وأما الاستدلال بكونه (ص) لم يقرأ بها في الفاتحة، ولا في ~~غيرها في صلاته، على أنها ليست باية، والقراءة بها تدل على أنها اية، فلا ~~ينهض، لان ترك القراءة بها في الصلاة لو ms0258 ثبت لا يدل على نفي قرآنيتها، فإنه ~~ليس الدليل على القرآنية الجهر بالقراءة بالآية في الصلاة، بل الدليل أعم ~~من ذلك، وإذا انتفى الدليل الخاص، لم ينتف الدليل العام. # (وعن نعيم) بضم النون وفتح العين المهملة مصغر (المجمر) بضم الميم وسكون ~~الجيم وكسر الميم وبالراء، ويقال: وتشديد الميم الثانية، ذكره الحلبي في ~~شرح العمدة، هو أبو عبد الله مولى عمر بن الخطاب، سمع من أبي هريرة، وغيره، ~~وسمى مجمرا، لأنه أمر أن يجمر مسجد المدينة كل جمعة حين ينتصف النهار (قال: ~~صليت وراء أبي هريرة، فقرأ بسم الله PageV01P172 # الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم القران، حتى إذا بلغ ولا الضالين قال: امين ~~ويقول كلما سجد، وإذا قام من الجلوس) أي: التشهد الأوسط، وكذلك إذا قام من ~~السجدة الأولى، والثانية (الله أكبر) وهو تكبير النقل (ثم يقول) أي أبو ~~هريرة: (إذا سلم والذي نفسي بيده) أي: روحي في تصرفه (إني لأشبهكم صلاة ~~برسول الله (ص). رواه النسائي وابن خزيمة). وذكره البخاري تعليقا وأخرجه ~~السراج، وابن حبان، وغيرهم، وبوب عليه النسائي: الجهر ببسم الله الرحمن ~~الرحيم، وهو أصح حديث ورد في ذلك، فهو مؤيد للأصل، وهو كون البسملة حكمها: ~~حكم الفاتحة في القراءة: جهرا، وإسرارا، إذ هو ظاهر في أنه كان (ص) يقرأ ~~بالبسملة، لقول أبي هريرة: إني لأشبهكم صلاة برسول الله (ص)، وإن كان ~~محتملا: أنه يريد: في أكثر أفعال الصلاة، وأقوالها، إلا أنه خلاف الظاهر، ~~ويبعد من الصحابي: أن يبتدع في صلاته شيئا: لم يفعله رسول الله (ص) فيها، ~~ثم يقول: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم. وفيه دليل: على شرعية التأمين ~~للامام، وقد أخرج الدارقطني في السنن من حديث وائل بن حجر: سمعت رسول الله ~~(ص) إذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين. قال: امين يمد بها صوته وقال: ~~إنه حديث وعن صحيح، ودليل على تكبير النقل، ويأتي ما فيه مستوفى، في حديث ~~أبي هريرة (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إذا قرأتم ~~الفاتحة فاقرءوا: بسم ms0259 الله الرحمن الرحيم، فإنها إحدى آياتها رواه ~~الدارقطني، وصوب وقفه). لا يدل الحديث هذا على الجهر بها، ولا الاسرار، بل ~~يدل على الامر بمطلق قراءتها، وقد ساق الدارقطني في السنن له أحاديث: في ~~الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة واسعة مرفوعة عن علي عليه السلام، ~~وعن عمار، وعن ابن عباس، وعن ابن عمرو وعن أبي هريرة، وعن أم سلمة، وعن ~~جابر، وعن أنس بن مالك، ثم قال بعد سرد أحاديث هؤلاء، وغيرهم ما لفظه: وروى ~~الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم: عن النبي (ص): من أصحابه، ومن أزواجه غير ~~من سمينا، كتبنا أحاديثهم بذلك في كتاب الجهر بها مفردا، واقتصرنا على ما ~~ذكرنا هنا، طلبا للاختصار، والتخفيف، انتهى لفظه. والحديث دليل: على قراءة ~~البسملة، وأنها إحدى آيات الفاتحة، وتقدم الكلام في ذلك. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله (ص) إذا فرغ من قراءة أم ~~القران رفع صوته وقال: امين. رواه الدارقطني وحسنه، والحاكم، وصححه) قال ~~الحاكم: إسناده صحيح على شرطهما، وقال البيهقي: حسن صحيح. والحديث دليل على ~~أنه يشرع للامام التأمين بعد قراءة الفاتحة جهرا، وظاهره في الجهرية وفي ~~السرية، وبشرعيته قالت الشافعية. وذهبت الهادوية: إلى عدم شرعيته، لما ~~يأتي. وقالت الحنفية: يسر بها في الجهرية. ولمالك قولان: الأول: كالحنفية، ~~والثاني: أن لا يقولها. والحديث حجة بينة للشافعية. وليس في الحديث تعرض ~~لتأمين المأموم، والمنفرد. وقد أخرج البخاري في شرعية التأمين للمأموم من ~~حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): إذا أمن PageV01P173 # الامام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر الله ما تقدم من ~~ذنبه وأخرج أيضا من حديثه قال: قال رسول الله (ص): إذا قال الامام ولا ~~الضالين فقولوا: امين الحديث، وأخرج أيضا من حديثه مرفوعا: إذا قال أحدكم: ~~امين، وقالت الملائكة في السماء: امين، فوافق أحدهما الاخر غفر الله له ما ~~تقدم من ذنبه، فدلت الأحاديث على شرعيته للمأموم، والأخير يعم المنفرد، وقد ~~حمله الجمهور من القائلين به على الندب، وعن بعض ms0260 أهل الظاهر: أنه للوجوب، ~~عملا بظاهر الامر، فأوجبوه على كل مصل. واستدلت الهادوية: # على أنه بدعة مفسدة للصلاة بحديث: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام ~~الناس، الحديث، ولا يتم به الاستدلال، لان هذا قام الدليل على أنه من أذكار ~~الصلاة، كالتسبيح، ونحوه، وكلام الناس المراد به: مكالمتهم، ومخاطبتهم، كما ~~عرفت. # (ولأبي داود والترمذي من حديث وائل بن حجر نحوه). أي نحو حديث أبي هريرة ~~ولفظه في السنن: إذا قرأ الامام ولا الضالين قال: امين، ورفع بها صوته، وفي ~~لفظ له عنه: # أنه صلى خلف رسول الله (ص)، فجهر بآمين وآمين بالمد والتخفيف في جميع ~~الروايات، وعن جميع القراء، وحكى فيها لغات، ومعناها: اللهم استجب، وقيل: ~~غير ذلك (وعن عبد الله بن أبي أوفى ) هو أبو إبراهيم، أو محمد، أو معاوية، ~~واسم أبي أوفى، علقمة بن قيس بن الحرث الأسلمي، شهد الحديبية، وخيبر وما ~~بعدهما، ولم يزل في المدينة حتى قبض (ص)، فتحول إلى الكوفة، ومات بها، وهو ~~اخر من مات بالكوفة من الصحابة. # (قال: جاء رجل إلى النبي (ص) فقال: إني لا أستطيع أن اخذ من القران شيئا، ~~فعلمني ما يجزئني عنه، فقال: قل: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله ~~والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. الحديث) بالنصب: أي ~~أتم الحديث. # وتمامه في سنن أبي داود: قال: أي الرجل: يا رسول الله هذا لله فما لي؟ ~~قال: قل: اللهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني، فلما قام، قال هكذا بيديه، ~~فقال رسول الله (ص): # أما هذا فقد ملا يديه من الخير انتهى. إلا أنه ليس في سنن أبي داود العلي ~~العظيم. # (رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان، والدارقطني، والحاكم). ~~الحديث دليل على أن هذه الأذكار قائمة مقام القراءة للفاتحة، وغيرها، لمن ~~لا يحسن ذلك، وظاهره: أنه لا يجب عليه تعلم القران ليقرأ به في الصلاة، فإن ~~معنى لا أستطيع: لا أحفظ الآن منه شيئا، فلم يأمره بحفظه، وأمره بهذه ~~الألفاظ، مع ms0261 أنه يمكنه حفظ الفاتحة، كما يحفظ هذه. وقد تقدم في حديث المسئ ~~صلاته. # (وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ~~بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين) بياءين تثنية أولى ~~(بفاتحة الكتاب) أي في كل ركعة منهما (وسورتين) أي: يقرؤهما في كل ركعة ~~سورة (ويسمعنا الآية أحيانا) وكأنه من هنا علموا مقدار قراءته (ويطول ~~الركعة الأولى) يجعل السورة فيها أطول من التي في الثانية (ويقرأ في ~~الأخريين) تثنية أخرى (بفاتحة الكتاب)، من غير زيادة عليها (متفق عليه). ~~فيه دليل: على شرعية قراءة الفاتحة في الأربع الركعات PageV01P174 # في كل واحدة، وقراءة سورة معها في كل ركعة من الأوليين، وأن هذا كان ~~عادته عليه الصلاة والسلام، كما يدل له: كان يصلي، إذ هي عبارة تفيد ~~الاستمرار غالبا. وإسماعهم الآية أحيانا دليل على أنه لا يجب الاسرار في ~~السرية، وأن ذلك لا يقتضي سجود السهو، وفي قوله أحيانا ما يدل على أنه تكرر ~~ذلك منه (ص). وقد أخرج النسائي من حديث البراء قال: كنا نصلي خلف النبي (ص) ~~الظهر، ونسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان، والذاريات وأخرج ابن ~~خزيمة من حديث أنس نحوه، ولكن قال: سبح لله اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث ~~الغاشية. وفي الحديث دليل على تطويل الركعة الأولى، ووجهه: ما أخرجه عبد ~~الرزاق في اخر حديث أبي قتادة هذا: وظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس ~~الركعة الأولى، وأخرج أبو داود من حديث عبد الرزاق عن عطاء: أني لأحب أن ~~يطول الامام الركعة الأولى. وقد ادعى ابن حبان أن التطويل إنما هو بترتيل ~~القراءة فيها مع استواء المقروء. # وقد روى مسلم من حديث حفصة: كان يرتل السورة، حتى تكون أطول من أطول منها ~~وقيل: إنما طالت الأولى بدعاء الافتتاح والتعوذ، وأما القراءة فيها فهما ~~سواء. وفي حديث أبي سعيد الآتي: ما يرشد إلى ذلك، وقال البيهقي: يطول في ~~الأولى إن كان ينتظر أحدا، وإلا فيسوى بين الأوليين. وفيه دليل: ms0262 على أنه لا ~~يزاد في الأخريين على الفاتحة، وكذلك الثالثة في المغرب، وإن كان مالك قد ~~أخرج في الموطأ من طريق الصنابحي أنه سمع أبا بكر يقرأ فيها * (ربنا لا تزغ ~~قلوبنا بعد إذ هديتنا) *. الآية وللشافعي: قولان في استحباب قراءة السورة ~~في الأخريين. وفيه دليل على جواز أن يخبر الانسان بالظن، وإلا فمعرفة ~~القراءة بالسورة لا طريق فيه إلى اليقين، وإسماع الآية أحيانا لا يدل على ~~قراءة كل السورة، وحديث أبي سعيد الآتي يدل على الاخبار عن ذلك بالظن. وكذا ~~حديث خباب حين سئل: بم كنتم تعرفون قراءة النبي (ص) في الظهر والعصر؟ قال: ~~باضطراب لحيته ولو كانوا يعلمون قراءته فيهما بخبر عنه (ص) لذكروه. # (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنا نحزر) بفتح النون وسكون ~~الحاء المهملة وضم الزاي نخرص ونقدر، وفي قوله: كنا نحزر: ما يدل على أن ~~المقدرين لذلك جماعة. وقد أخرج ابن ماجة رواية: أن الحازرين ثلاثون رجلا من ~~الصحابة (قيام رسول الله (ص) في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين ~~الأوليين من الظهر قدر ألم تنزيل السجدة) أي في كل ركعة بعد قراءة الفاتحة ~~(وفي الأخريين قدر النصف من ذلك) فيه دلالة على قراءة غير الفاتحة معها في ~~الأخريين، ويزيده دلالة على ذلك قوله (وفي الأوليين من العصر على قدر ~~الأخريين من الظهر)، ومعلوم أنه كان يقرأ في الأوليين من العصر سورة غير ~~الفاتحة (والأخريين) أي من العصر (على النصف من ذلك) أي من الأوليين منه ~~(رواه مسلم). الأحاديث في هذا قد اختلفت، فقد ورد أنها: كانت صلاة الظهر ~~تقام، فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يأتي إلى أهله، فيتوضأ، ~~ويدرك النبي (ص) في الركعة الأولى، مما يطيلها أخرجه مسلم، PageV01P175 # والنسائي عن أبي سعيد. وأخرج أحمد، ومسلم من حديث أبي سعيد أيضا: أن ~~النبي (ص) كان يقرأ في صلاة الظهر، في الركعتين الأوليين، في كل ركعة، قدر ~~ثلاثين اية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة اية، أو قال: نصف ذلك، وفي العصر: ms0263 ~~في الركعتين الأوليين: في كل ركعة قدر خمس عشرة اية، وفي الأخريين قدر نصف ~~ذلك هذا لفظ مسلم. وفيه دليل على أنه لا يقرأ في الأخريين من العصر إلا ~~الفاتحة، وأنه يقرأ في الأخريين من الظهر غيرها معها. وتقدم حديث أبي ~~قتادة: أنه (ص) كان يقرأ في الأخريين من الظهر بأم الكتاب، ويسمعنا الآية ~~أحيانا. وظاهره أنه لا يزيد على أم الكتاب فيهما، ولعله أرجح من حديث أبي ~~سعيد، من حيث الرواية، لأنه اتفق عليه الشيخان من حيث الرواية، ومن حيث ~~الدراية، لأنه إخبار مجزوم به، وخبر أبي سعيد انفرد به مسلم، ولأنه خبر عن ~~حزر وتقدير وتظنن، ويحتمل أن يجمع بينهما: بأنه (ص) كان يصنع هذا تارة، ~~فيقرأ في الأخريين غير الفاتحة معها ويقتصر فيهما أحيانا، فتكون الزيادة ~~عليها فيهما سنة، تفعل أحيانا، وتترك أحيانا. # (وعن سليمان بن يسار) هو أبو أيوب سليمان بن يسار بفتح المثناة التحتية ~~وتخفيف السين المهملة، وهو مولى ميمونة: أم المؤمنين، وأخو عطاء بن يسار من ~~أهل المدينة، وكبار التابعين. كان فقيها فاضلا، ثقة عابدا، ورعا حجة، وهو ~~أحد الفقهاء السبعة (قال: # كان فلان) في شرح السنة للبغوي: أن فلانا يريد به: أميرا كان على ~~المدينة. قيل: اسمه عمرو بن سلمة، وليس هو عمر بن عبد العزيز، كما قيل، لان ~~ولادة عمر بن عبد العزيز كانت بعد وفاة أبي هريرة والحديث مصرح: بأن أبا ~~هريرة صلى خلف فلان هذا (يطيل الأوليين في الظهر ويخفف العصر، ويقرأ في ~~المغرب بقصار المفصل). اختلف في أول المفصل. فقيل: إنها من الصافات، أو ~~الجاثية، أو القتال، أو الفتح، أو الحجرات، أو الصف، أو تبارك، أو سبح، أو ~~الضحى، واتفق أن منتهاه اخر القران (وفي العشاء بوسطه، وفي الصبح بطواله، ~~فقال أبو هريرة: ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله (ص) من هذا. أخرجه ~~النسائي بإسناد صحيح). قال العلماء: السنة أن يقرأ في الصبح والظهر بطوال ~~المفصل، ويكون الصبح أطول، وفي العشاء والعصر بأوسطه، وفي المغرب بقصاره. ~~قالوا: ms0264 والحكمة في تطويل الصبح والظهر: أنهما وقتا غفلة بالنوم في اخر ~~الليل، والقائلة، فطولهما ليدركهما المتأخرون لغفلة، أو نوم، ونحوهما، وفي ~~العصر ليست كذلك، بل هي في وقت الأعمال فخفت لذلك، وفي المغرب: لضيق الوقت، ~~فاحتيج إلى زيادة تخفيفها، ولحاجة الناس إلى عشاء صائمهم وضيفهم، وفي ~~العشاء لغلبة النوم، ولكن وقتها واسع، فأشبهت العصر، هكذا قالوه، وستعرف ~~اختلاف أحوال صلاته (ص) مما يأتي، بما لا يتم به هذا التفصيل. # (وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه) تقدم ضبطهما، وبيان حال جبير (قال: # سمعت رسول الله (ص): يقرأ في المغرب بالطور. متفق عليه). قد بين في فتح ~~الباري: أن سماعه لذلك كان قبل إسلامه، وهو دليل على أن المغرب لا يختص ~~بقصار المفصل، PageV01P176 # وقد ورد: أنه (ص) قرأ في المغرب بالمص، وأنه قرأ فيها بالصافات، وأنه قرأ ~~فيها بحم الدخان، وأنه قرأ فيها سبح اسم ربك الأعلى، وأنه قرأ فيها والتين ~~والزيتون، وأنه قرأ فيها بالمعوذتين، وأنه قرأ فيها بالمرسلات، وأنه كان ~~يقرأ فيها بقصار المفصل، وكلها أحاديث صحيحة. وأما المداومة في المغرب على ~~قصار المفصل، فإنما هو فعل مروان بن الحكم، وقد أنكر عليه زيد بن ثابت، ~~وقال له: مالك تقرأ بقصار المفصل، وقد رأيت رسول الله (ص) يقرأ في المغرب ~~بطولى الطوليين تثنية طولى، والمراد بهما: الأعراف، والانعام، والأعراف ~~أطول من الانعام، إلى هنا أخرجه البخاري: وهي الأعراف. وقد أخرج النسائي: # أنه (ص) فرق الأعراف في ركعتي المغرب. وقد قرأ في العشاء بالتين ~~والزيتون، ووقت لمعاذ فيها بالشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، وسبح اسم ربك ~~الأعلى ونحوه والجمع بين هذه الروايات: أنه وقع ذلك منه (ص) باختلاف ~~الحالات، والأوقات، والاشغال، عدما ووجودا. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله (ص) يقرأ في صلاة الفجر ~~يوم الجمعة ألم تنزيل السجدة) أي في الركعة الأولى (وهل أتى على الانسان) ~~أي في الثانية (متفق عليه). فيه دليل على أن ذلك كان دأبه (ص) في تلك ~~الصلاة، وزاد استمراره على ms0265 ذلك بيانا قوله: # (وللطبراني من حديث ابن مسعود يديم ذلك). أي يجعله عادة دائمة له. # قال شيخ الاسلام ابن تيمية: السر في قراءتهما في صلاة فجر يوم الجمعة: ~~أنهما تضمنتا ما كان، وما يكون في يومهما، فإنهما اشتملتا على خلق ادم، ~~وعلى ذكر المعاد، وحشر العباد، وذلك يكون في يوم الجمعة، ففي قراءتهما ~~تذكير للعباد بما كان فيه، ويكون. قلت: ليعتبروا بذكر ما كان، ويستعدوا لما ~~يكون. # (وعن حذيفة رضي الله عنه قال: صليت مع النبي (ص) فما مرت به اية رحمة إلا ~~وقف عندها يسأل) أي يطلب من الله رحمته (ولا اية عذاب إلا تعوذ منها) مما ~~ذكر فيها (أخرجه، وحسنه الترمذي). في الحديث دليل على أنه ينبغي للقارئ في ~~الصلاة تدبر ما يقرؤه، وسؤال رحمته، والاستعاذة من عذابه، ولعل هذا كان في ~~صلاة الليل، وإنما قلنا ذلك، لان حديث حذيفة مطلق، وورد تقييده بحديث عبد ~~الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه قال: سمعت رسول الله (ص) يقرأ في صلاة ليست ~~بفريضة، فمر بذكر الجنة والنار فقال: أعوذ بالله من النار ويل لأهل النار ~~رواه أحمد، وابن ماجة بمعناه، وأخرج أحمد عن عائشة: قمت مع رسول الله (ص) ~~ليلة التمام، فكان يقرأ بالبقرة، والنساء، وال عمران، ولا يمر باية فيها ~~تخويف إلا دعا الله عز وجل، واستعاذ، ولا يمر باية فيها استبشار إلا دعا ~~الله عز وجل، ورغب إليه. وأخرج النسائي، وأبو داود، من حديث عوف بن مالك: ~~قمت مع رسول الله (ص)، فبدأ، فاستاك، وتوضأ، ثم قام فصلى، فاستفتح البقرة، ~~لا يمر باية رحمة إلا وقف، فسأل، ولا يمر باية عذاب إلا PageV01P177 # وقف، وتعوذ الحديث، وليس لأبي داود ذكر السواك، والوضوء. فهذا كله في ~~النافلة، كما هو صريح الأول، وفي قيام الليل، كما يفيده الحديثان الآخران، ~~فإنه لم يأت عنه (ص) في رواية قط: أنه أم الناس بالبقرة، وال عمران: في ~~فريضة أصلا. ولفظ: قمت يشعر أنه في الليل، فتم ما ترجينا بقولنا: ولعل هذا ~~في صلاة الليل ms0266 باعتبار ما ورد، فلو فعله أحد في الفريضة، فلعله لا بأس فيه، ~~ولا يخل بصلاته، سيما إذا كان منفردا، لئلا يشق على غيره إذا كان إماما، ~~وقولها: ليلة التمام في القاموس: ليلة التمام ككتاب، وليل تمام: أطول ليالي ~~الشتاء، أو هي ثلا ث لا يستبان نقصانها، أو هي إذا بلغت اثنتي عشرة ساعة ~~فصاعدا. انتهى. # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): ألا وإني نهيت أن ~~أقرأ القران راكعا أو ساجدا) فكأنه قيل: فماذا تقول فيهما؟ فقال: (فأما ~~الركوع فعظموا فيه الرب) قد بين كيفية هذا التعظيم حديث مسلم عن حذيفة: ~~فجعل يقول، أي: رسول الله (ص): سبحان ربي العظيم (وأما السجود فاجتهدوا في ~~الدعاء فقمن) بفتح القاف وكسر الميم، ومعناه: حقيق (أن يستجاب لكم. رواه ~~مسلم). الحديث دليل على تحريم قراءة القرآن حال الركوع والسجود، لان الأصل ~~في النهي التحريم، وظاهره وجو ب تسبيح الركوع، ووجوب الدعاء في السجود، ~~للامر بهما. وقد ذهب إلى ذلك أحمد بن حنبل، وطائفة من المحدثين. وقال ~~الجمهور: أنه مستحب، لحديث المسئ صلاته، فإنه لم يعلمه (ص) ذلك، ولو كان ~~واجبا لامره به، ثم ظاهر قوله: فعظموا فيه الرب: أنها تجزئ المرة الواحدة، ~~ويكون بها ممتثلا ما أمر به. وقد أخرج أبو داود من حديث ابن مسعود: إذا ركع ~~أحدكم فليقل ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم، وذلك أدناه ورواه الترمذي، وابن ~~ماجة، إلا أنه قال أبو داود: فيه إرسال، وكذا قال البخاري، والترمذي، وفي ~~قوله: ذلك أدناه: ما يدل على أنها لا تجزئ المرة الواحدة. والحديث دليل على ~~مشروعية الدعاء حال السجود، بأي دعاء كان: من طلب خيري الدنيا والآخرة، ~~والاستعاذة من شرهما، وأنه محل الإجابة، وقد بين بعض الأدعية ما أفاده ~~قوله: # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله (ص) يقول في ركوعه وسجوده: ~~سبحانك اللهم ربنا وبحمدك) الواو للعطف والمعطوف عليه ما يفيده ما قبله، ~~والمعطوف متعلق بحمدك، والمعنى: أنزهك وأتلبس بحمدك، ويحتمل أن تكون للحال، ms0267 ~~والمراد: أسبحك، وأنا متلبس بحمدك: أي حال كوني متلبسا به (اللهم اغفر لي. ~~متفق عليه). الحديث ورد بألفاظ منها: أنها قالت عائشة: (ما صلى النبي (ص) ~~بعد أن أنزلت عليه إذا جاء نصر الله والفتح إلا يقول: سبحانك ربنا وبحمدك، ~~اللهم اغفر لي). والحديث دليل: على أن هذا من أذكار الركوع والسجود، ولا ~~ينافيه حديث: # أما الركوع فعظموا في الرب، لان هذا الذكر زيادة على ذلك التعظيم، الذي ~~كان يقوله (ص)، فيجمع بينه وبين هذا. وقوله: اللهم اغفر لي امتثال لقوله ~~تعالى: فسبح بحمد ربك واستغفره، وفيه مسارعته (ص) إلى امتثال ما أمره الله ~~به، قياما بحق PageV01P178 # العبودية، وتعظيما لشأن الربوية، زاده الله شرفا وفضلا، وقد غفر له ما ~~تقدم من ذنبه، وما تأخر. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله (ص) إذا قام إلى الصلاة) ~~أي إذا قام فيها (يكبر) أي: تكبيرة الاحرام (حين يقوم) فيه دليل: على أنه ~~لا يتوجه ولا يصنع قبل التكبيرة شيئا (ثم يكبر حين يركع) تكبيرة النقل (ثم ~~يقول سمع الله لمن حمده) أي أجاب الله من حمده، فإن من حمد الله تعالى ~~متعرضا لثوابه، استجاب الله له، وأعطاه ما تعرض له، فناسب بعده أن يقول: ~~ربنا ولك الحمد (حين يرفع صلبه من الركوع) فهذا في حال أخذه في رفع صلبه من ~~هويه للقيام (ثم يقول: # وهو قائم ربنا ولك الحمد) بإثبات الواو للعطف على مقدر: أي ربنا أطعناك ~~وحمدناك، أو للحال، أو زائدة، وورد في رواية: بحذفها، وهي نسخة في بلوغ ~~المرام (ثم يكبر حين يهوى ساجدا) تكبير النقل (ثم يكبر حين يرفع رأسه) أي ~~من السجود الأول (ثم يكبر حين يسجد) أي السجدة الثانية (ثم يكبر حين يرفع) ~~أي من السجدة الثانية . هذا كله تكبير النقل (ثم يفعل ذلك) أي ما ذكر، ما ~~عدا التكبيرة الأولى التي للاحرام (في الصلاة) أي: ركعاتها (كلها، ويكبر ~~حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس (للتشهد) الأوسط (متفق عليه). الحديث دليل ~~على شرعية ما ms0268 ذكر فيه من الأذكار. فأما أول التكبير فهي تكبيرة الاحرام، ~~وقد تقدم الدليل على وجوبها من غير هذا الحديث. وأما ما عداها من التكبير ~~الذي وصفه، فقد كان وقع من بعض أمراء بني أمية تركه تساهلا، ولكنه استقر ~~العمل من الأمة على فعله: في كل خفض، ورفع: في كل ركعة خمس تكبيرات، كما ~~عرفته من لفظ هذا الحديث، ويزيد في الرباعية، والثلاثية: تكبير النهوض من ~~التشهد الأوسط، فيتحصل في المكتوبات الخمس بتكبيرة الاحرام أربع وتسعون ~~تكبيرة، ومن دونها تسع وثمانون تكبيرة. واختلف العلماء في حكم تكبير النقل ~~فقيل: إنه واجب، وروي قولا لأحمد بن حنبل، وذلك لأنه (ص) داوم عليه، وقد ~~قال: صلوا كما رأيتموني أصلي. # وذهب الجمهور: إلى ندبه، لأنه (ص) لم يعلمه المسئ صلاته، وإنما علمه ~~تكبيرة الاحرام، وهو موضع البيان للواجب، ولا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة. ~~وأجيب عنه بأنه قد أخرج تكبيرة النقل في حديث المسئ أبو داود من حديث رفاعة ~~بن رافع، فإنه ساقه، وفيه ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع وذكر فيه قول: سمع ~~الله لمن حمده وبقية تكبيرات النقل، وأخرجها الترمذي، والنسائي، ولذا ذهب ~~أحمد، وداود إلى وجوب تكبير النقل. وظاهر قوله: # يكبر حين كذا، وحين كذا: أن التكبير يقارن هذه الحركات، فيشرع في التكبير ~~عند ابتدائه للركن. وأما القول: بأنه يمد التكبير حتى يمد الحركة، كما في ~~الشرح وغيره، فلا وجه له، بل يأتي باللفظ من غير زيادة على أدائه، ولا ~~نقصان منه. وظاهر قوله: ثم يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد: أنه ~~يشرع ذلك لكل مصل: من إمام ومأموم، إذ هو حكاية لمطلق صلاته (ص)، وإن كان ~~يحتمل أنه حكاية لصلاته (ص) إماما، إذ المتبادر PageV01P179 # من الصلاة عند إطلاقها: الواجبة، وكانت صلاته (ص) الواجبة جماعة، وهو ~~الامام فيها، إلا أنه لو فرض هذا، فإن قوله (ص): صلوا كما رأيتموني أصلي: # أمر لكل مصل أن يصلي، كصلاته (ص): من إمام ومنفرد. وذهبت الشافعية ، ~~والهادوية، وغيرهم إلى: أن التسميع مطلقا: لمتنفل، ms0269 أو مفترض: وللامام، ~~والمنفرد، والحمد للمؤتم، لحديث إذا قال الامام سمع الله لمن حمده، فقولوا: ~~ربنا لك الحمد أخرجه أبو داود. وأجيب بأن قوله إذا قال الامام سمع الله لمن ~~حمده فقولوا: ربنا لك الحمد لا ينفي قول المؤتم: سمع الله لمن حمده، وإنما ~~يدل على أنه يقول المؤتم: ربنا لك الحمد عقب قول الإمام: سمع الله لمن ~~حمده، والواقع هو ذلك، لان الامام يقول: سمع الله لمن حمده في حال انتقاله، ~~والمأموم يقول التحميد في حال اعتداله، واستفيد الجمع بينهما من الحديث ~~الأول. قلت: لكن أخرج أبو داود عن الشعبي: لا يقول المؤتم خلف الامام: سمع ~~الله لمن حمده، ولكن يقول: ربنا لك الحمد، ولكنه موقوف على الشعبي، فلا ~~تقوم به حجة. وقد ادعى الطحاوي، وابن عبد البر الاجماع على كون المنفرد ~~يجمع بينهما، وذهب آخرون إلى أنه يجمع بينهما الامام والمنفرد، ويحمد ~~المؤتم. قالوا: والحجة جمع الامام بينهما، لاتحاد حكم الامام والمنفرد. # (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله (ص) إذا رفع رأسه ~~من الركوع قال: اللهم) لم أجد لفظ اللهم في مسلم في رواية أبي سعيد، ~~ووجدتها في رواية ابن عباس (ربنا لك الحمد ملء) بنصب الهمزة على المصدرية، ~~ويجوز رفعه خبر مبتدأ محذوف (السماوات والأرض) وفي سنن أبي داود وغيره وملء ~~الأرض وهي في رواية ابن عباس عند مسلم، فهذه الرواية كلها ليست لفظ أبي ~~سعيد، لعدم وجود اللهم في أوله، ولا لفظ ابن عباس لوجود ملء الأرض فيها ~~(وملء ما شئت من شئ بعد) بضم الدال على البناء للقطع عن الإضافة، ونية ~~المضاف إليه (أهل) بنصبه على النداء، أو رفعه: أي أنت أهل الثناء والمجد. ~~أحق ما قال العبد) بالرفع خبر مبتدأ محذوف، وما مصدرية، تقديره هذا: أي ~~قوله: اللهم لك الحمد، أحق قول العبد وإنما لم يجعل : لا مانع لما أعطيت ~~خبرا وأحق مبتدأ، لأنه محذوف في بعض الروايات، فجعلناه جملة استئنافية، إذا ~~حذف تم الكلام من دون ذكره. وفي ms0270 الشرح: جعل أحق مبتدأ وخبره لا مانع لما ~~أعطيت. وفي شرح المهذب نقلا عن ابن الصلاح معناه: أحق ما قال العبد قوله: ~~لا مانع لما أعطيت إلى اخره، وقوله: وكلنا لك عبد اعتراض بين المبتدأ ~~والخبر. قال: أو يكون قوله: أحق ما قال العبد خبرا لما قبله: أي قوله: ربنا ~~لك الحمد إلى اخره أحق ما قال العبد. # قال: والأول أولى. قال النووي: لما فيه من كمال التفويض إلى الله تعالى، ~~والاعتراف بكمال قدرته وعظمته وقهره وسلطانه، وانفراده بالوحدانية، وتدبير ~~مخلوقاته انتهى (ما قال العبد وكلنا لك عبد) ثم استأنف فقال: (اللهم لا ~~مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد. رواه مسلم). ~~الحديث دليل على مشروعية هذا الذكر في هذا الركن لكل مصل، وقد جعل الحمد ~~كالأجسام، وجعله سادا لما ذكره PageV01P180 # من الظروف، مبالغة في كثرة الحمد، وزاد مبالغة بذكر ما يشاؤه تعالى، مما ~~لا يعلمه العبد، والثناء: # الوصف بالجميل والمدح والمجد والعظمة ونهاية الشرف، والجد بفتح الجيم ~~معناه الحظ: أي لا ينفع ذا الحظ من عقوبتك حظه، بل ينفعه العمل الصالح، ~~وروى بالكسر للجيم، أي لا ينفعه جده واجتهاده، وقد ضعفت رواية الكسر. # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): # أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة - وأشار بيده إلى أنفه - ~~واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين متفق عليه). وفي رواية: أمرنا أي: أيها ~~الأمة، وفي رواية: أمر النبي (ص) والثلاث الروايات: للبخاري، وقوله: وأشار ~~بيده إلى أنفه فسرتها رواية النسائي. قال ابن طاوس: وضع يده على جبهته، ~~وأمرها على أنفه، وقال: هذا واحد قال القرطبي: هذا يدل على أن الجبهة الأصل ~~في السجود، والأنف تبع لها. قال ابن دقيق العيد: معناه: أنه جعلهما كأنهما ~~عضو واحد، وإلا لكانت الأعضاء ثمانية. # والمراد من اليدين: الكفان، وقد وقع بلفظهما في رواية، والمراد من قوله: ~~وأطراف القدمين: # أن يجعل قدميه قائمتين على بطون أصابعهما: وعقباه مرتفعتان، فيستقبل ~~بظهور قدميه القبلة. # وقد ورد ms0271 هذا في حديث أبي حميد في صفة السجود، وقيل: يندب ضم أصابع ~~اليدين، لأنها لو انفرجت انحرفت رؤوس بعضها عن القبلة، وأما أصابع الرجلين، ~~فقد تقدم في حديث أبي حميد الساعدي في باب صفة الصلاة بلفظ: واستقبل بأصابع ~~رجليه القبلة. هذا. والحديث دليل على وجوب السجود على ما ذكر، لأنه ذكر (ص) ~~بلفظ الاخبار عن أمر الله له، ولأمته، والامر لا يرد إلا بنحو صيغة أفعل، ~~وهي تفيد الوجوب. وقد اختلف في ذلك، فالهادوية وأحد قولي الشافعي: أنه ~~للوجوب: لهذا الحديث، وذهب أبو حنيفة: إلى أنه يجزئ السجود على الانف فقط، ~~مستدلا بقوله: وأشار بيده إلى أنفه. قال المصنف في فتح الباري: # وقد احتج لأبي حنيفة بهذا: في السجود على الانف، قال ابن دقيق العيد: ~~والحق أن مثل هذا لا يعارض: التصريح بالجبهة، وإن أمكن أن يعتقد أنهما كعضو ~~واحد، فذلك في التسمية والعبارة، لا في الحكم الذي دل عليه. انتهى. # واعلم أنه وقع هنا في الشرح: أنه ذهب أبو حنيفة، وأحد قولي الشافعي، ~~وأكثر الفقهاء إلى: أن الواجب الجبهة فقط، لقوله: (ص) في حديث المسئ صلاته، ~~ومكن جبهتك، فكان قرينة على حمل الامر هنا على غير الوجوب. وأجيب عنه: بأن ~~هذا لا يتم إلا بعد معرفة تقدم هذا على حديث المسئ صلاته، ليكون قرينة على ~~حمل الامر على الندب، وأما لو فرض تأخره لكان في هذا زيادة شرع، ويمكن أن ~~تتأخر شرعيته، ومع جهل التاريخ: يرجح العمل بالموجب لزيادة الاحتياط، كذا ~~قاله الشارح، وجعل السجود على الجبهة والأنف مذهبا للعترة، فحولنا عبارته ~~إلى الهادوية، مع أنه ليس مذهبهم إلا السجود على الجبهة فقط، كما في البحر ~~وغيره. ولفظ الشرح هنا: والحديث فيه دلالة على وجوب السجود على ما ذكر فيه، ~~وقد ذهب إلى هذا العترة، وأحد قولي الشافعي: انتهى. وعرفت أنه وهم في قوله: ~~إن PageV01P181 # أبا حنيفة يوجبه على الجبهة، فإنه يجيزه عليها، أو على الانف، وأنه مخير ~~في ذلك: ثم ظاهره وجوب السجود على العضو جميعه، ولا يكفي ms0272 بعض ذلك، والجبهة ~~يضع منها على الأرض ما أمكنه بدليل وتمكن جبهتك. وظاهره أنه لا يجب كشف شئ ~~من هذه الأعضاء، لان مسمى السجود عليها يصدق بوضعها من دون كشفها، ولا خلاف ~~أن كشف الركبتين غير واجب، لما يخاف من كشف العورة. واختلف في الجبهة. ~~فقيل: يجب كشفها، لما أخرجه أبو داود في المراسيل: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: رأى رجلا يسجد على جنبه، وقد اعتم على جبهته، فحسر عن جبهته، ~~إلا أنه قد علق البخاري عن الحسن: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يسجدون وأيديهم في ثيابهم، ويسجد الرجل منهم على عمامته، ووصله البيهقي، ~~وقال: هذا أصح ما في السجود موقوفا على الصحابة، وقد وردت أحاديث : أنه (ص) ~~كان يسجد على كور عمامته من حديث ابن عباس: أخرجه أبو نعيم في الحلية، وفي ~~إسناده ضعف، ومن حديث ابن أبي أوفى: أخرجه الطبراني في الأوسط، وفيه ضعف، ~~ومن حديث جابر: عند ابن عدي، وفيه متروكان، ومن حديث أنس: عند ابن أبي حاتم ~~في العلل، وفيه ضعف. وذكر هذه الأحاديث وغيرها البيهقي ثم قال: أحاديث كان ~~يسجد على كور عمامته لا يثبت فيها شئ يعني: مرفوعا. والأحاديث من الجانبين ~~غير ناهضة على الايجاب، وقوله: سجد على جبهته يصدق على الامرين وإن كان مع ~~عدم الحائل أظهر، فالأصل جواز الامرين. وأما حديث خباب: شكونا إلى رسول ~~الله (ص) حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا، فلم يشكنا الحديث. فلا دلالة فيه ~~على كشف هذه الأعضاء، ولا عدمه، وفي حديث أنس عند مسلم: أنه كان أحدهم يبسط ~~ثوبه من شدة الحر، ثم يسجد عليه، ولعل هذا مما لا خلاف فيه، والخلاف في ~~السجود على محموله، فهو محل النزاع، وحديث أنس محتمل. # (وعن ابن بحينة) هو عبد الله بن مالك بن بحينة بضم الباء الموحدة وفتح ~~الحاء المهملة، وسكون المثناة التحتية وبعدها نون، وهو اسم لام عبد الله، ~~واسم أبيه: مالك بن القشب بكسر القاف وسكون الشين المعجمة فموحدة الأزدي. ~~مات عبد ms0273 الله في ولاية معاوية بين سنة أربع وخمسين وثمان وخمسين: (أن النبي ~~(ص) كان إذا صلى وسجد فرج) بفتح الفاء وتشديد الراء اخره جيم (بين يديه) أي ~~باعد بينهما: أي نحى كل يد عن الجنب الذي يليها (حتى يبدو بياض إبطيه، متفق ~~عليه). الحديث دليل على فعل هذه الهيئة في الصلاة. قيل: والحكمة في ذلك: أن ~~يظهر كل عضو بنفسه ويتميز، حتى يكون الانسان الواحد في سجوده، كأنه عدد. ~~ومقتضى هذا أن يستقل كل عضو بنفسه، ولا يعتمد بعض الأعضاء على بعض. وقد ورد ~~هذا المعنى مصرحا به فيما أخرجه الطبراني، وغيره: من حديث ابن عمر بإسناد ~~ضعيف أنه قال: لا تفترش افتراش السبع، واعتمد على راحتيك، وأبد ضبعيك، فإذا ~~فعلت ذلك سجد كل عضو منك. وعند مسلم من حديث ميمونة: كان النبي (ص) ~~PageV01P182 # يجافي بيديه، فلو أن بهيمة أرادت أن تمر مرت. وظاهر الحديث الأول، وهذا، ~~مع قوله (ص): صلوا كما رأيتموني أصلي يقتضي الوجوب، ولكنه قد أخرج أبو داود ~~من حديث أبي هريرة: ما يدل على أن ذلك غير واجب بلفظ: شكا أصحاب النبي (ص) ~~له مشقة السجود عليهم إذا تفرجوا، فقال: استعينوا بالركب " وترجم له : ~~(الرخصة في ترك التفريج) قال ابن عجلان أحد رواته وذلك أن يضع مرفقيه على ~~ركبتيه إذا أطال السجود، وقوله: حتى يرى بياض إبطيه ليس فيه، كما قيل ~~دلالة: على أنه لم يكن (ص) لابسا القميص، لأنه وإن كان لابسا فإنه قد يبدو ~~منه أطراف إبطيه، لأنها كانت أكمام قمصان أهل ذلك العصر غير طويلة، فيمكن ~~أن يرى الإبط من كمها، ولا دلالة فيه: على أنه لم يكن على إبطيه شعر، كما ~~قيل، لأنه يمكن أن المراد يرى أطراف إبطيه، لا باطنهما حيث الشعر، فإنه لا ~~يرى إلا بتكلف، وإن صح ما قيل: إن من خواصه أنه ليس على إبطيه شعر، فلا ~~إشكال. # (وعن البراء) بفتح الموحدة فراء، وقيل: بالقصر ثم همزة ممدودة، هو أبو ~~عمارة في الأشهر، وهو (ابن عازب) بعين مهملة ms0274 فزاي بعد الألف مكسورة فموحدة: ~~ابن الحرث الأوسي الأنصاري الحارثي، أول مشهد شهده الخندق، نزل الكوفة، ~~وافتتح الري سنة أربع وعشرين في قول، وشهد مع أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب عليه السلام الجمل، وصفين، والنهروان. مات بالكوفة أيام مصعب بن ~~الزبير (قال: قال رسول الله (ص): # إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك. رواه مسلم). الحديث دليل على وجوب هذه ~~الهيئة للامر بها، وحمله العلماء على الاستحباب، قالوا: والحكمة فيه: أنه ~~أشبه بالتواضع، وأتم في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، وأبعد من هيئة ~~الكسالى، فإن المنبسط يشبه الكلب، ويشعر حاله بالتهاون بالصلاة، وقلة ~~الاعتناء بها، والاقبال عليها. وهذا في حق الرجل، لا المرأة، فإنها تخالفه ~~في ذلك، لما أخرجه أبو داود في مراسيله عن زيد بن أبي حبيب: أن النبي (ص) ~~مر على امرأتين تصليان، فقال: إذا سجدتما فضما بعض اللحم إلى الأرض، فإن ~~المرأة في ذلك ليست كالرجل قال البيهقي: وهذا المرسل أحسن من موصولين فيه: # يعني: من حديثين موصولين، ذكرهما البيهقي في سننه، وضعفهما. ومن السنة: ~~تفريج الأصابع في الركوع، لما رواه أبو داود من حديث أبي حميد الساعدي: أنه ~~كان (ص) يمسك يديه على ركبتيه كالقابض عليهما ويفرج بين أصابعه ومن السنة ~~في الركوع: أن يوتر يديه، فيجافي عن جنبيه، كما في حديث أبي حميد عند أبي ~~داود بهذا اللفظ، ورواه ابن خزيمة: ونحى يديه عن جنبيه وتقدم قريبا، وذكر ~~المصنف: حديث ابن بحينة هذا الذي ذكره في بلوغ المرام: في التلخيص مرتين. ~~أولا: في وصف ركوعه، وثانيا: في وصف سجوده، دليلا على التفريج في الركوع، ~~وهو صحيح، فإنه قال: إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بيا ض إبطيه، فإنه يصدق ~~على حالة الركوع والسجود. # (وعن وائل بن حجر: أن النبي (ص) كان إذا ركع فرج بين PageV01P183 # أصابعه) أي أصابع يديه (وإذا سجد ضم أصابعه، رواه الحاكم) قال العلماء: # الحكمة في ضمه أصابعه عند سجوده: لتكون متوجهة إلى سمت القبلة. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ms0275 رأيت رسول الله (ص) يصلي متربعا. # رواه النسائي، وصححه ابن خزيمة.) وروى البيهقي من حديث عبد الله بن ~~الزبير عن أبيه: رأيت رسول الله (ص) يدعو هكذا، ووضع يديه على ركبتيه، وهو ~~متربع جالس، ورواه البيهقي عن حميد: رأيت أنسا يصلي متربعا على فراشه وعلقه ~~البخاري. قال العلماء: # وصفة التربع: أن يجعل باطن قدمه اليمنى تحت الفخذ اليسرى، وباطن اليسرى ~~تحت اليمنى: مطمئنا، وكفيه على ركبتيه مفرقا أنامله، كالراكع. والحديث دليل ~~على كيفية قعود العليل إذا صلى من قعود، إذ الحديث وارد في ذلك، وهو في صفة ~~صلاته (ص)، لما سقط عن فرسه، فانفكت قدمه، فصلى متربعا. وهذه القعدة ~~اختارها الهادوية في قعود المريض لصلاته. # ولغيرهم اختيار اخر، والدليل مع الهادوية، وهو هذا الحديث. # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي (ص) كان يقول بين السجدتين: ~~اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني وعافني، وارزقني. رواه الأربعة إلا ~~النسائي، واللفظ لأبي داود، وصححه الحاكم). ولفظ الترمذي: واجبرني بدل ~~وارحمني، ولم يقل، وعافني. وجمع ابن ماجة في لفظ روايته بين: ارحمني، ~~واجبرني، ولم يقل: # اهدني، ولا عافني، وجمع الحاكم بينهما، إلا أنه لم يقل: وعافني. والحديث ~~دليل: على شرعية الدعاء في القعود بين السجدتين، وظاهره أنه كان (ص) يقوله ~~جهرا. # (وعن مالك بن الحويرث رضي الله عنه: أنه رأى النبي (ص) يصلي، فإذا كان في ~~وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا. رواه البخاري). # وفي لفظ له: فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس، واعتمد على الأرض، ثم ~~قام وأخرج أبو داود من حديث أبي حميد في صفة صلاته (ص)، وفيه: ثم أهوى ~~ساجدا، ثم ثنى رجليه، وقعد حتى رجع كل عضو في موضعه، ثم نهض وقد ذكرت هذه ~~القعدة في بعض ألفاظ رواية حديث المسئ صلاته. وفي الحديث دليل: على شرعية ~~هذه القعدة بعد السجدة الثانية من الركعة الأولى، والركعة الثالثة، ثم ينهض ~~لأداء الركعة الثانية، أو الرابعة، وتسمى جلسة الاستراحة. وقد ذهب إلى ~~القول بشرعيتها: الشافعي في أحد قوليه، ms0276 وهو غير المشهور عنه. # والمشهور عنه، وهو رأي الهادوية، والحنفية، ومالك، وأحمد، وإسحاق: أنه لا ~~يشرع القعود، مستدلين: بحديث وائل بن حجر في صفة صلاته (ص): بلفظ: فكان إذا ~~رفع رأسه من السجدتين استوى قائما أخرجه البزار في مسنده، إلا أنه ضعفه ~~النووي، وبما رواه ابن المنذر من حديث النعمان ابن أبي عياش: أدركت غير ~~واحد من أصحاب رسول الله (ص)، فكان إذا رفع رأسه من السجدة في أول ركعة وفي ~~الثالثة قام كما هو ولم يجلس. ويجاب عن الكل: بأنه لا منافاة، إذ من فعلها ~~فلأنها سنة، ومن تركها فكذلك، وإن كان ذكرها في حديث المسئ يشعر بوجوبها، ~~لكن لم يقل به أحد فيما أعلم. PageV01P184 # (وعن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله (ص) قنت شهرا بعد الركوع يدعو على ~~أحياء من العرب) وورد تعيينهم: أنهم، رعل، وعصية وبنو لحيان. # (ثم تركه. متفق عليه) لفظه في البخاري مطولا عن عاصم الأحول قال: سألت ~~أنس بن مالك عن القنوت فقال: قد كان القنوت، قلت: قبل الركوع أو بعده؟ قال: ~~قبله، قلت: # فإن فلانا أخبرني عنك أنك قلت: بعد الركوع، قال: كذب، إنما قنت رسول الله ~~(ص) بعد الركوع شهرا، أراه، كان بعث قوما يقال لهم: القراء، زهاء سبعين ~~رجلا إلى قوم من المشركين، فغدروا، وقتلوا القراء، دون أولئك، وكان بينهم ~~وبين رسول الله (ص) عهد، فقنت رسول الله (ص) شهرا يدعو عليهم. (ولأحمد، ~~والدارقطني: نحوه) أي من حديث أنس: (من وجه اخر، وزاد: فأما في الصبح، فلم ~~يزل يقنت حتى فارق الدنيا)، فقوله في الحديث الأول: ثم تركه أي فيما عدا ~~الفجر، ويدل على أنه أراده: قوله: فلم يزل يقنت في كل صلاته. هذا، ~~والأحاديث عن أنس في القنوت قد اضطربت، وتعارضت في صلاة الغداة. وقد جمع ~~بينها في الهدى النبوي فقال: أحاديث أنس كلها صحاح، يصدق بعضها بعضا، ولا ~~تناقض فيها، والقنوت الذي ذكره قبل الركوع غير الذي ذكره بعده، والذي وقته ~~غير الذي أطلقه، فالذي ذكره قبل الركوع ms0277 هو إطالة القيام للقراءة، الذي قال ~~فيه النبي (ص): أفضل الصلاة طول القيام، والذي ذكره بعد، هو: إطالة القيام ~~للدعاء، ففعله شهرا يدعو إلى قوم، ويدعو لقوم، ثم استمر تطويل هذا الركن ~~للدعاء والثناء إلى أن فارق الدنيا، كما دل له الحديث: أن أنسا كان إذا رفع ~~رأسه من الركوع انتصب قائما حتى يقول القائل قد نسي، وأخبرهم أن هذه صفة ~~صلاته (ص) أخرجه عنه في الصحيحين، فهذا هو القنوت الذي قال فيه أنس: إنه ما ~~زال (ص) حتى فارق الدنيا، والذي تركه هو الدعاء على أقوام من العرب وكان ~~بعد الركوع، فمراد أنس بالقنوت: قبل الركوع، وبعده، الذي أخبر أنه ما زال ~~عليه: هو إطالة القيام في هذين المحلين بقراءة القران، وبالدعاء. هذا مضمون ~~كلامه. ولا يخفى أنه لا يوافق قوله: فأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق ~~الدنيا. وأنه دل على أن ذلك خاص بالفجر، وإطالة القيام بعد الركوع عام ~~للصلوات جميعها. وأما حديث أبي هريرة الذي أخرجه الحاكم، وصححه: بأنه كان ~~رسول الله (ص) إذا رفع رأسه من الركوع من صلاة الصبح الركعة الثانية، يرفع ~~يديه، فيدعو بهذا الدعاء: اللهم اهدني فيمن هديت إلى اخره. ففيه عبد الله ~~بن سعيد المقبري ولا تقوم به حجة. وقد ذهب: إلى أن الدعاء عقيب اخر ركوع من ~~الفجر سنة جماعة من السلف، ومن الخلف: الهادي، والقاسم، وزيد بن علي ~~والشافعي. وإن اختلفوا في ألفاظه، فعند الهادي: بدعاء من القران، وعند ~~الشافعي: بحديث: اللهم اهدني فيمن هديت إلى اخره. # (وعنه) أي أنس: (أن النبي (ص) كان لا يقنت إلا إذا دعا PageV01P185 # لقوم أو دعا على قوم. صححه ابن خزيمة). أما دعاؤه لقوم فكما ثبت: أنه كان ~~يدعو للمستضعفين من أهل مكة. وأما دعاؤه على قوم، فكما عرفته قريبا. ومن ~~هنا قال بعض العلماء: يسن القنوت في النوازل، فيدعو بما يناسب الحادثة. ~~وإذا عرفت هذا فالقول: بأنه يسن في النوازل: قول حسن، تأسيا بما فعله (ص): ~~في دعائه على أولئك الاحياء ms0278 من العرب، إلا أنه قد يقال: قد نزل به (ص) ~~حوادث، كحصار الخندق، وغيره، ولم يرو أنه قنت فيه، ولعله يقال: الترك لبيان ~~الجواز. وقد ذهب أبو حنيفة: وأبو يوسف: إلى أنه منهي عن القنوت في الفجر ~~وكأنهم استدلوا بقوله: # (وعن سعيد) كذا في نسخ البلوغ سعيد وهو سعد بغير مثناة تحتية (بن طارق ~~الأشجعي قال: قلت لأبي:) وهو طارق بن أشيم بفتح الهمزة فشين معجمة فمثناة ~~تحتية مفتوحة بزنة أحمر، قال ابن عبد البر: يعد في الكوفيين. روى عنه ابنه ~~أبو مالك سعد بن طارق (يا أبت إنك صليت خلف رسول الله (ص)، وأبي بكر، وعمر، ~~وعثمان، وعلي، أفكانوا يقنتون في الفجر؟ فقال: أي بني: محدث. رواه الخمسة ~~إلا أبا داود). وقد روى خلافه عمن ذكر. والجمع بينهما. أنه وقت القنوت لهم ~~تارة، وتركوه أخرى، وأما أبو حنيفة، ومن ذكر معه، فإنهم جعلوه منهيا عنه، ~~لهذا الحديث، لأنه إذا كان محدثا فهو بدعة، والبدعة منهي عنها. # (وعن الحسن بن علي عليهما السلام) هو أبو محمد الحسن بن علي، سبط رسول ~~الله (ص). ولد في النصف من شهر رمضان: سنة ثلاث من الهجرة. قال ابن عبد ~~البر: إنه أصح ما قيل في ذلك. وقال أيضا: كان الحسن حليما ورعا فاضلا، ~~ودعاه ورعه وفضله إلى أنه ترك الدنيا والملك: رغبة فيما عند الله، بايعوه ~~بعد أبيه عليه السلام، فبقي نحوا من سبعة أشهر خليفة بالعراق، وما وراءهما ~~من خراسان، وفضائله لا تحصى، وقد ذكرنا منها شطرا صالحا في الروضة الندية. ~~وفاته سنة إحدى وخمسين بالمدينة النبوية، ودفن في البقيع، وقد أطال ابن عبد ~~البر في الاستيعاب: في عده لفضائله. (قال: علمني رسول الله (ص) كلمات ~~أقولهن في قنوت الوتر) أي في دعائه وليس فيه بيان لمحله (اللهم اهدني فيمن ~~هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما ~~قضيت فإنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت، ~~رواه الخمسة، وزاد الطبراني، ms0279 والبيهقي) بعد قوله: ولا يذل من واليت (ولا ~~يعز من عاديت. زاد النسائي في وجه آخر في آخره: # وصلى الله على النبي إلخ). إلا أنه قال المصنف في تخريج أحاديث الأذكار: ~~إن هذه الزيادة غريبة لا تثبت، لان فيها عبد الله بن علي، لا يعرف، وعلى ~~القول: بأنه عبد الله بن علي بن الحسين بن علي، فالسند منقطع، فإنه لم يسمع ~~من عمه الحسن، ثم قال: فتبين أن هذا الحديث ليس من شرط الحسن، لانقطاعه، أو ~~جهالة رواته. انتهى. فكان عليه أن يقول: ولا تثبت PageV01P186 # هذه الزيادة. والحديث دليل على مشروعية القنوت في صلاة الوتر، وهو مجمع ~~عليه في النصف الأخير من رمضان، وذهب الهادوية وغيرهم: إلى أنه يشرع أيضا ~~في غيره، إلا أن الهادوية لا يجيزونه بالدعاء من غير القران. والشافعية ~~يقولون: إنه يقنت بهذا الدعاء في صلاة الفجر، ومستندهم في ذلك قوله: # (وللبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله (ص) يعلمنا ~~دعاء ندعو به في القنوت من صلاة الصبح) قلت: أجمله هنا، وذكره في تخريج ~~الأذكار من رواية البيهقي وقال: اللهم اهدني. الحديث إلى اخره، رواه ~~البيهقي من طرق أحدها عن بريد: بالموحدة والراء تصغير برد، وهو ثقبة بن أبي ~~مريم. سمعت ابن الحنفية، وابن عباس يقولان: كان النبي (ص) يقنت في صلاة ~~الصبح، ووتر الليل بهؤلاء الكلمات، وفي إسناده مجهول، وروى من طريق أخرى، ~~وهي التي ساق المصنف لفظها عن ابن جريج بلفظ: يعلمنا دعاء ندعو به في ~~القنوت من صلاة الصبح وفيه عبد الرحمن بن هرمز ضعيف، ولذا قال المصنف: (وفي ~~سنده ضعف). # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إذا سجد أحدكم، فلا ~~يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه. أخرجه الثلاثة). هذا الحديث ~~أخرجه أهل السنن، وعلله البخاري والترمذي، والدارقطني. قال البخاري: # محمد بن عبد الله بن الحسن لا يتابع عليه. وقال: لا أدري: سمع من أبي ~~الزناد أم لا. وقال الترمذي: غريب لا نعرفه ms0280 من حديث أبي الزناد. وقد أخرجه ~~النسائي من حديث أبي هريرة أيضا عنه: أن النبي (ص) ولم يذكر فيه: وليضع ~~يديه قبل ركبتيه، وقد أخرج ابن أبي داود من حديث أبي هريرة: أن النبي (ص) ~~كان إذا سجد بدأ بيديه قبل ركبتيه، ومثله أخرج الدراوردي من حديث ابن عمر، ~~وهو الشاهد الذي سيشير المصنف إليه. # وقد أخرج ابن خزيمة في صحيحه من حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه ~~قال: كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بوضع الركبتين قبل اليدين. ~~والحديث دليل على أنه يقدم المصلي يديه قبل ركبتيه عند الانحطاط إلى ~~السجود، وظاهر الحديث الوجوب، لقوله: لا يبركن وهو نهي، وللأمر بقوله: ~~وليضع قيل: ولم يقل أحد بوجوبه، فتعين أنه مندوب. وقد اختلف العلماء في ~~ذلك، فذهب الهادوية، ورواية عن مالك، والأوزاعي: إلى العمل بهذا الحديث، ~~حتى قال الأوزاعي: أدركنا الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم. وقال ابن أبي ~~داود: وهو قول أصحاب الحديث، وذهبت الشافعية، والحنفية، ورواية عن مالك، ~~إلى العمل بحديث وائل وهو قوله (وهو) أي حديث أبي هريرة هذا (أقوى) في سنده ~~(من حديث وائل) وهو أنه قال: # رأيت النبي (ص): إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، رأيت النبي (ص) إذا سجد ~~وضع ركبتيه قبل يديه أخرجه الأربعة، فإن للأول) أي حديث أبي هريرة (شاهدا ~~من حديث ابن عمر، صححه ابن خزيمة) تقدم ذكر الشاهد هذا قريبا (وذكره) أي: ~~الشاهد (البخاري معلقا موقوفا) قال: قال نافع: كان ابن عمر يضع يديه قبل ~~ركبتيه، وحديث وائل أخرجه أصحاب السنن PageV01P187 # الأربعة، وابن خزيمة، وابن السكن في صحيحيهما: من طريق شريك عن عاصم بن ~~كليب عن أبيه. # قال البخاري، والترمذي، وأبو داود، البيهقي: تفرد به شريك. ولكن له شاهد ~~عن عاصم الأحول عن أنس قال: رأيت رسول الله (ص) انحط بالتكبير حتى سبقت ~~ركبتاه يديه. # أخرجه الدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وقال الحاكم: هو على شرطهما. وقال ~~البيهقي: تفرد به العلاء بن العطار، والعلاء مجهول. هذا، وحديث وائل هو ~~دليل ms0281 الحنفية، والشافعية، وهو مروي عن عمر، أخرجه عبد الرزاق، وعن ابن ~~مسعود: أخرجه الطحاوي، وقال به أحمد، وإسحاق، وجماعة من العلماء، وظاهر ~~كلام المصنف ترجيح حديث أبي هريرة، وهو خلاف مذهب إمامه الشافعي. وقال ~~النووي: لا يظهر ترجيح أحد المذهبين على الاخر، ولكن أهل هذا المذهب رجحوا ~~حديث وائل، وقالوا في أبي هريرة إنه مضطرب، إذ قد روى عنه الأمران. # وحقق ابن القيم المسألة، وأطال فيها وقال: إن في حديث أبي هريرة قلبا من ~~الراوي حيث قال وليضع يديه قبل ركبتيه، وإن أصله: وليضع ركبتيه قبل يديه. ~~قال: ويدل عليه أول الحديث وهو قوله: فلا يبرك، كما يبرك البعير فإن ~~المعروف من بروك البعير هو تقديم اليدين على الرجلين، وقد ثبت عن النبي ~~(ص): الامر بمخالفة سائر الحيوانات في هيئات الصلاة، فنهى عن التفات ~~كالتفات الثعلب، وعن افتراش كافتراش السبع، واقعاء كإقعاء الكلب، ونقر كنقر ~~الغراب، ورفع الأيدي كأذناب خيل شمس: أي حال السلام، وقد تقدم ويجمعها ~~قولنا: # إذا نحن قمنا في الصلاة فإننا * نهينا عن الاتيان فيها بستة بروك بعير ~~والتفات كثعلب * ونقر غراب في سجود الفريضة واقعاء كلب أو كبسط ذراعه * ~~وأذناب خيل عند فعل التحية وزدنا على ما ذكره في الشرح قولنا: # وزدنا كتدبيح الحمار بمده * لعنق وتصويب لرأس بركعة هذا السابع، وهو ~~بالدال بعدها موحدة ومثناة تحتية وحاء مهملة، وروي بالذال المعجمة. # قيل: وهو تصحيف. قال في النهاية: هو أن يطأطئ المصلي رأسه حتى يكون أخفض ~~من ظهره. انتهى. إلا أنه قال النووي: حديث التدبيح ضعيف. وقيل: كان وضع ~~اليدين قبل الركبتين، ثم أمروا بوضع الركبتين قبل اليدين، وحديث ابن خزيمة ~~الذي أخرجه عن سعد بن أبي وقاص - وقد قدمناه قريبا - يشعر بذلك، وقول ~~المصنف: إن لحديث أبي هريرة شاهدا يقوى به - معارض: بأن لحديث وائل أيضا ~~شاهدا، قد قدمناه. وقال الحاكم: إنه على شرطهما. # وغايته - وإن لم يتم كلام الحاكم - فهو مثل شاهد أبي هريرة، الذي تفرد به ~~شريك، فقد اتفق حديث وائل، وحديث أبي ms0282 هريرة في القوة. وعلى تحقيق ابن ~~القيم، فحديث أبي هريرة عائد إلى حديث وائل، وإنما وقع فيه قلب، ولا ينكر ~~ذلك، فقد وقع القلب في ألفاظ الحديث. # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما. أن رسول الله (ص) كان إذا قعد للتشهد وضع ~~يده اليسرى على ركبته اليسرى واليمنى على اليمنى وعقد PageV01P188 # ثلاثا وخمسين وأشار بأصبعه السبابة) قال العلماء: خصت السبابة بالإشارة ~~لاتصالها بنياط القلب، فتحريكها سبب لحضوره (رواه مسلم. وفي رواية له: وقبض ~~أصابعه كلها وأشار بالتي تلي الابهام). ووضع اليدين على الركبتين مجمع على ~~استحبابه. وقوله: وعقد ثلاثا وخمسين. قال المصنف في التلخيص: صورتها أنه ~~يجعل الابهام مفتوحة تحت المسبحة، وقوله: وقبض أصابعه كلها أي: أصابع يده ~~اليمنى قبضها على الراحة وأشار بالسبابة. وفي رواية وائل بن حجر: (حلق بين ~~الابهام والوسطى) أخرجه ابن ماجة، فهذه ثلاث هيئات: # جعل الابهام تحت المسبحة مفتوحة، وسكت في هذه عن بقية الأصابع. هل تضم ~~إلى الراحة أو تبقى منشورة على الركبة؟ الثانية: ضم الأصابع كلها على ~~الراحة والإشارة بالمسبحة. الثالثة: # التحليق بين الابهام والوسطى ثم الإشارة بالسبابة. وورد بلفظ الإشارة، ~~كما هنا، وكما في حديث ابن الزبير: أنه (ص) كان يشير بالسبابة ولا يحركها ~~أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان في صحيحه. وعن ابن خزيمة، ~~والبيهقي من حديث وائل: أنه (ص) رفع إصبعه، فرأيته يحركها، يدعو بها قال ~~البيهقي: يحتمل أن يكون مراده بالتحريك: # الإشارة، لا تكرير تحريكها، حتى لا يعارض حديث ابن الزبير، وموضع الإشارة ~~عند قوله: # لا إله إلا الله، لما رواه البيهقي من فعل النبي (ص). وينوي بالإشارة: ~~التوحيد والاخلاص فيه، فيكون جامعا في التوحيد بين الفعل، والقول، ~~والاعتقاد، ولذلك نهى النبي (ص) عن الإشارة بالإصبعين، وقال: أحد أحد لمن ~~رآه يشير بأصبعيه. ثم الظاهر أنه مخير بين هذه الهيئات. ووجه الحكمة شغل كل ~~عضو بعبادة، وورد في اليد اليسرى عند الدارقطني من حديث ابن عمر: أنه (ص) ~~ألقم كفه اليسرى ركبته. # وفسر الالقام. بعطف الأصابع على الركبة، ms0283 وذهب إلى هذا بعضهم: عملا بهذه ~~الرواية، قال: # وكأن الحكمة فيه: منع اليد عن العبث. # واعلم أن قوله في حديث ابن عمر: وعقد ثلاثا وخمسين إشارة إلى طريقة ~~معروفة، تواطأت عليها العرب في عقود الحساب، وهي أنواع من الآحاد، ~~والعشرات، والمئين، والألوف. أما الآحاد، فللواحد: عقد الخنصر إلى أقرب ما ~~يليه من باطن الكف. وللاثنين: عقد البنصر معها كذلك. وللثلاثة: عقد الوسطى ~~معها كذلك. وللأربعة: حل الخنصر. وللخمسة: حل البنصر معها دون الوسطى. ~~وللستة: عقد البنصر وحل جميع الأنامل. وللسبعة: بسط البنصر إلى أصل الابهام ~~مما يلي الكف. وللثمانية: بسط البنصر فوقها كذلك. وللتسعة بسط الوسطى فوقها ~~كذلك. وأما العشرات: فلها الابهام والسبابة. فللعشرة الأولى عقد رأس ~~الابهام على طرف السبابة وللعشرين: إدخال الابهام بين السبابة والوسطى. ~~وللثلاثين: عقد رأس السبابة على رأس الابهام، عكس العشرة. وللأربعين: تركيب ~~الابهام على العقد الأوسط من السبابة، وعطف الابهام على أصلها. وللخمسين: ~~عطف الابهام إلى أصلها. وللستين: تركيب السبابة على ظهر الابهام، عكس ~~الأربعين. وللسبعين: إلقاء رأس الابهام على العقد الأوسط من السبابة، ورد ~~طرف السبابة إلى الابهام. وللثمانين: رد طرف السبابة إلى أصلها، وبسط ~~الابهام على جنب PageV01P189 # السبابة من ناحية الابهام. وللتسعين: عطف السبابة إلى أصل الابهام، وضمها ~~بالابهام. وأما المئين فكالآحاد إلى تسعمائة في اليد اليسرى، والألوف ~~كالعشرات في اليسرى. # (وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: التفت إلينا رسول الله (ص) ~~فقال: إذا صلى أحدكم فليقل التحيات) جمع تحية، ومعناها: البقاء والدوام، أو ~~العظمة، أو السلامة من الآفات، أو كل أنواع التعظيم (لله والصلوات) قيل ~~الخمس، أو ما هو أعم من الفرض والنفل، أو العبادات كلها، أو الدعوات، أو ~~الرحمة، وقيل: التحيات: # العبادات القولية، والصلوات: العبادات الفعلية (والطيبات) أي: ما طاب من ~~كلام وحسن أن يثني به على الله، أو ذكر الله، أو الأقوال الصالحة، أو ~~الأعمال الصالحة، أو ما هو أعم من ذلك، وطيبها كونها كاملة خالصة عن ~~الشوائب، والتحيات مبتدأ خبرها لله، والصلوات والطيبات عطف عليه، ms0284 وخبرهما ~~محذوف، وفيه تقادير أخر. (السلام) أي السلام الذي يعرفه كل أحد (عليك أيها ~~النبي ورحمة الله وبركاته) خصوه (ص) أولا بالسلام عليه لعظم حقه عليهم، ~~وقدموه على التسليم على أنفسهم، لذلك، ثم أتبعوه بالسلام عليهم في قولهم: # (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) وقد ورد: أنه يشمل كل عبد صالح ~~في السماء والأرض، وفسر الصالح: بأنه القائم بحقوق الله، وحقوق عباده، ~~ودرجاتهم متفاوتة. (أشهد أن لا إله إلا الله) لا مستحق للعبادة بحق غيره، ~~فهو قصر إفراد: لان المشركين كانوا يعبدونه، ويشركون معه غيره (وأشهد أن ~~محمدا عبده ورسوله) هكذا هو بلفظ عبده ورسوله في جميع روايات الأمهات الست، ~~ووهم ابن الأثير في جامع الأصول، فساق حديث ابن مسعود بلفظ: (وأن محمدا ~~رسول الله) ونسبه إلى الشيخين، وغيرهما، وتبعه على وهمه صاحب تيسير الوصول، ~~وتبعهما على الوهم: الجلال في ضوء النهار، وزاد: أنه لفظ البخاري، ولفظ ~~البخاري كما قاله المصنف، فتنبه. (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو. ~~متفق عليه واللفظ للبخاري) قال البزار: أصح حديث عندي في التشهد حديث ابن ~~مسعود، يروى عنه من نيف وعشرين طريقا، ولا نعلم روى عن النبي (ص) في التشهد ~~أثبت منه، ولا أصح إسنادا، ولا أثبت رجالا، ولا أشد تظافرا بكثرة الأسانيد ~~والطرق. وقال مسلم: # إنما أجمع الناس على تشهد ابن مسعود، لان أصحابه لا يخالف بعضهم بعضا، ~~وغيره قد اختلف عنه أصحابه. وقال محمد بن يحيى الذهلي: هو أصح ما روى في ~~التشهد. وقد روى حديث التشهد أربعة وعشرون صحابيا، بألفاظ مختلفة، اختار ~~الجماهير منها حديث ابن مسعود. # والحديث فيه دلالة على وجوب التشهد لقوله: فليقل، وقد ذهب إلى وجوبه أئمة ~~الال، وغيرهم من العلماء، وقالت طائفة: إنه غير واجب لعدم تعليمه المسئ ~~صلاته. ثم اختلفوا في الألفاظ التي تجب عند من أوجبه، أو عند من قال: إنه ~~سنة. وقد سمعت أرجحية حديث ابن مسعود، وقد اختاره الأكثر، فهو الأرجح. وقد ~~رجح جماعة غيره من ألفاظ التشهد الواردة عن الصحابة، وزاد ms0285 ابن أبي شيبة ~~قول: وحده لا شريك له في حديث ابن مسعود PageV01P190 # من رواية أبي عبيدة عن أبيه، وسنده ضعيف، لكن ثبتت هذه الزيادة من حديث ~~أبي موسى عند مسلم، وفي حديث عائشة الموقوف في الموطأ، وفي حديث ابن عمر ~~عند الدارقطني، إلا أنه بسند ضعيف، وفي سنن أبي داود: قال ابن عمر: زدت ~~فيه: وحده لا شريك له. # وظاهره: أنه موقوف على ابن عمر. وقوله: ثم ليتخير من الدعاء أعجبه. زاد ~~أبو داود: فيدعو به ونحوه للنسائي من وجه اخر بلفظ: فليدع. وظاهره الوجوب ~~أيضا للامر به، وأنه يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة. وقد ذهب إلى ~~وجوب الاستعاذة الآتية: طاوس، فإنه أمر ابنه بالإعادة للصلاة، لما لم يتعوذ ~~من الأربع الآتي ذكرها، وبه قال بعض الظاهرية. # وقال ابن حزم: ويجب أيضا في التشهد الأول، والظاهر مع القائل بالوجوب، ~~وذهب الحنفية، والنخعي، وطاوس إلى أنه لا يدعو في الصلاة إلا بما يوجد في ~~القران. وقال بعضهم: لا يدعو إلا بما كان مأثورا، ويرد القولين: قوله (ص): ~~ثم ليتخير من الدعاء أعجبه وفي لفظ: ما أحب، وفي لفظ للبخاري: من الثناء ما ~~شاء فهو إطلاق للداعي أن يدعو بما أراد. وقال ابن سيرين: لا يدعو في الصلاة ~~إلا بأمر الآخرة. وقد أخرج سعيد بن منصور من حديث ابن مسعود: فعلمنا التشهد ~~في الصلاة: أي النبي (ص) ثم يقول: إذا فرغ أحدكم من التشهد فليقل: اللهم ~~إني أسألك من الخير ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله ما علمت ~~منه وما لم أعلم، اللهم إني أسألك من خير ما سألك منه عبادك الصالحون، ~~وأعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبادك الصالحون، ربنا آتنا في الدنيا حسنه ~~الآية. ومن أدلة وجوب التشهد ما أفاده قوله: (وللنسائي) أي من حديث ابن ~~مسعود: (كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد) حذف المصنف تمامه وهو: السلام ~~على الله، السلام على جبريل، وميكائيل، فقال رسول الله (ص): لا تقولوا هذا، ms0286 ~~ولكن قولوا: التحيات. إلى اخره. ففي قوله: يفرض عليه دليل الايجاب، إلا أنه ~~أخرج النسائي هذا الحديث من طريق ابن عيينة. قال ابن عبد البر في ~~الاستذكار: تفرد ابن عيينة بذلك، وأخرج مثله: الدارقطني، والبيهقي، وصححاه. ~~(ولأحمد) أي من حديث ابن مسعود وهو من أدلة الوجوب أيضا: (أن النبي (ص) ~~علمه التشهد، وأمره أن يعلمه الناس) أخرجه أحمد عن ابن عبيدة عن عبد الله ~~قال: علمه رسول الله (ص) التشهد، وأمره أن يعلمه الناس التحيات وذكره إلخ. # (ولمسلم عن ابن عباس قال: كان رسول الله (ص) يعلمنا التشهد: التحيات ~~المباركات الصلوات الطيبات لله - إلى اخره). تمامه: السلام عليك أيها النبي ~~ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله ~~إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله هذا لفظ مسلم، وأبي داود، ورواه ~~الترمذي، وصححه كذلك، لكنه ذكر السلام منكرا، ورواه ابن ماجة كمسلم، لكنه ~~قال: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ورواه الشافعي، وأحمد: بتنكير السلام ~~أيضا، وقالا فيه: وأن محمدا، ولم يذكرا: أشهد، وفيه زيادة: المباركات، وحذف ~~الواو من: الصلوات ومن الطيبات. وقد اختار الشافعي: تشهد PageV01P191 # ابن عباس هذا. قال المصنف: إنه قال الشافعي لما قيل له: كيف صرت إلى حديث ~~ابن عباس في التشهد؟ قال: لما رأيته واسعا، وسمعته عن ابن عباس صحيحا، كان ~~عندي أجمع وأكثر لفظا من غيره، فأخذت به، غير معنف لمن يأخذ بغيره مما صح. # (وعن فضالة) بفتح الفاء بزنة سحابة، هو أبو محمد: فضالة (بن عبيد) بصيغة ~~التصغير لعبد، أنصاري أوسي. أول مشاهده أحد، ثم شهد ما بعدها، وبايع تحت ~~الشجرة، ثم انتقل إلى الشام، وسكن دمشق، وتولى القضاء بها، ومات بها، وقيل ~~غير ذلك. (قال: سمع رسول الله (ص) رجلا يدعو في صلاته، ولم يحمد الله، ولم ~~يصل على النبي (ص) فقال: عجل هذا) أي: بدعائه قبل تقديم الامرين (ثم دعاه، ~~فقال: # إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه) هو عطف تفسيري، ويحتمل أن ~~يراد بالتحميد: نفسه، وبالثناء: ms0287 ما هو أعم) أي: عبارة، فيكون من عطف العام ~~على الخاص (ثم يصلي) هو خبر محذوف: أي ثم يصلي عطف جملة على جملة، فلذا لم ~~تجزم (على النبي (ص)، ثم يدعو بما شاء) من خير الدنيا والآخرة (رواه أحمد، ~~والثلاثة، وصححه الترمذي، وابن حبان، والحاكم). الحديث دليل: على وجوب ما ~~ذكر من التحميد والثناء، والصلاة عليه (ص)، والدعاء بما شاء، وهو موافق في ~~المعنى: لحديث ابن مسعود وغيره، فإن أحاديث التشهد تتضمن ما ذكر من الحمد ~~والثناء، وهي مبينة لما أجمله هذا. # ويأتي الكلام في الصلاة عليه (ص)، وهذا إذا ثبت: أن هذا الدعاء الذي سمعه ~~النبي (ص) من ذلك الرجل، كان في قعدة التشهد، وإلا فليس في هذا الحديث دليل ~~على أنه كان ذلك حال قعدة التشهد، إلا أن ذكر المصنف له هنا يدل على أنه ~~كان في قعود التشهد، وكأنه عرف ذلك من سياقه. وفيه دليل على تقديم الوسائل ~~بين يدي المسائل وهي نظير * (إياك نعبد وإياك نستعين) * حيث قدم الوسيلة ~~وهي العبادة على طلب الاستعانة، (وعن أبي مسعود) الأنصاري. أبو مسعود اسمه ~~عقبة بن عامر بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي البدري، شهد العقبة الثانية وهو ~~صغير ولم يشهد بدرا، وإنما نزل به فنسب إليه سكن الكوفة ومات بها في خلافة ~~أمير المؤمنين علي عليه السلام (قال: قال بشير بن سعد) هو أبو النعمان بشير ~~بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي والد النعمان بن بشير، شهد العقبة وما بعدها (يا ~~رسول أمرنا الله أن نصلي عليك) يريد في قوله تعالى صلوا عليه وسلموا تسليما ~~(فكيف نصلي عليك؟ فسكت) أي رسول الله (ص)، وعند أحمد، ومسلم زيادة: حتى ~~تمنينا أنه لم يسأله (ثم قال: قولوا: اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد، كما ~~صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم في ~~العالمين إنك حميد مجيد). الحميد: صيغة مبالغة فعيل بمعنى مفعول، يستوي فيه ~~المذكر والمؤنث. أي إنك محمود بمحامدك اللائقة بعظمة شأنك، وهو تعليل لطلب ~~الصلاة، ms0288 أي: لأنك محمود، ومن محامدك: إفاضتك أنواع العنايات، وزيادة ~~PageV01P192 # البركات على نبيك، الذي تقرب إليك بامتثال ما أهلته له من أداء الرسالة، ~~ويحتمل أن حميدا بمعنى: حامد: أي أنك حامد من يستحق أن يحمد، ومحمد من أحق ~~عبادك بحمدك، وقبول دعاء من يدعو له، ولآله، وهذا أنسب بالمقام، مجيد ~~مبالغة ماجد، والمجد: الشرف. # (والسلام كما علمتم) بالبناء للمجهول وتشديد اللام، وفيه رواية بالبناء ~~للمعلوم وتخفيف اللام (رواه مسلم. وزاد ابن خزيمة: فكيف نصلي عليك إذا نحن ~~صلينا عليك في صلاتنا). وهذه الزيادة رواها أيضا ابن حبان، والدارقطني، ~~والحاكم، وأخرجها أبو حاتم ، وابن خزيمة في صحيحيهما، وحديث الصلاة أخرجه ~~الشيخان: عن كعب بن عجرة عن أبي حميد الساعدي، وأخرجه البخاري: عن أبي ~~سعيد، والنسائي: عن طلحة، والطبراني: عن سهل بن سعد، وأحمد والنسائي: عن ~~زيد بن خارجة. والحديث دليل على وجوب الصلاة عليه (ص) في الصلاة، لظاهر ~~الامر، أعني: قولوا وإلى هذا ذهب جماعة من السلف، والأئمة، والشافعي، ~~وإسحق، ودليلهم: الحديث مع زيادته الثابتة، ويقتضي أيضا وجوب الصلاة على ~~الال، وهو قول الهادي، والقاسم، وأحمد بن حنبل، ولا عذر لمن قال: بوجوب ~~الصلاة عليه (ص) مستدلا بهذا الحديث من القول: بوجوبها على الال، إذ ~~المأمور به واحد، ودعوى النووي، وغير الاجماع على أن الصلاة على الال ~~مندوبة: غير مسلمة، بل نقول: # الصلاة عليه (ص) لا تتم، ويكون العبد ممتثلا بها، حتى يأتي بهذا اللفظ ~~النبوي الذي فيه ذكر الال، لأنه قال السائل: كيف نصلي عليك فأجابه ~~بالكيفية: أنها الصلاة عليه وعلى آله، فمن ليأت بالآل، فما صلى عليه ~~بالكيفية التي أمر بها، فلا يكون ممتثلا للامر، فلا يكون مصليا عليه (ص). ~~وكذلك بقية الحديث: من قوله: كما صليت إلى اخره يجب، إذ هو من الكيفية ~~المأمور بها، ومن فرق بين ألفاظ هذه الكيفية، بإيجاب بعضها وندب بعضها، فلا ~~دليل له على ذلك. وأما استدلال المهدي في البحر على: أن الصلاة على الال ~~سنة: بالقياس على الأذان، فإنهم لم يذكروا معه (ص) ms0289 فيه، فكلام باطل، فإنه ~~كما قيل: لا قياس مع النص، لأنه لا يذكر الال في تشهد الأذان لا ندبا ولا ~~وجوبا، ولأنه ليس في الأذان دعاء له (ص)، بل شهادة بأنه رسول الله، والآل ~~لم يأت تعبد بالشهادة بأنهم اله. ومن هنا تعلم: أن حذف لفظ الال من الصلاة، ~~كما يقع في كتب الحديث ليس على ما ينبغي. وكنت سئلت عنه قديما فأجبت: أنه ~~قد صح عند أهل الحديث بلا ريب كيفية الصلاة على النبي (ص)، وهم رواتها، ~~وكأنهم حذفوها خطأ، تقية لما كان في الدولة الأموية من يكره ذكرهم. ثم ~~استمر عليه عمل الناس متابعة من الاخر للأول، فلا وجه له، وبسطت هذا الجواب ~~فحواشي شرح العمدة بسطا شافيا. وأما من هم الال، ففي ذلك أقوال: الأصح: ~~أنهم من حرمت عليهم الزكاة، فإنه بذلك فسرهم زيد بن أرقم، والصحابي أعرف ~~بمراده (ص)، فتفسيره قرينة على تعيين المراد من اللفظ المشترك، وقد فسرهم: ~~بآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل العباس. فإن قيل: يحتمل أن يراد بقوله: ~~إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا أي إذا نحن دعونا لك في دعائنا، فلا يدل ~~PageV01P193 # على إيجاب الصلاة عليه في الصلاة. قلت: الجواب من وجهين: الأول: المتبادر ~~في لسان الصحابة من الصلاة في قوله: صلاتنا: الشرعية، لا اللغوية، والحقيقة ~~العرفية مقدمة إذا ترددت بين المعنيين. الثاني: أنه قد ثبت وجوب الدعاء في ~~اخر التشهد، كما عرفت من الامر به، والصلاة عليه (ص) قبل الدعاء واجبة، لما ~~عرفت من حديث فضالة، وبهذا يتم إيجاب الصلاة عليه (ص) بعد التشهد: قبل ~~الدعاء الدال على وجوبه. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إذا تشهد أحدكم) ~~مطلق في التشهد الأوسط، والأخير (فليستعذ بالله من أربع) بينها بقوله: ~~(يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا ~~والممات، ومن فتنة المسيح الدجال. متفق عليه. وفي رواية لمسلم: إذا فرغ ~~أحدكم من التشهد الأخير) هذه الرواية قيدت إطلاق الأولى، ms0290 وأبانت أن ~~الاستعاذة المأمور بها بعد التشهد الأخير. ويدل التعقيب بالفاء أنها تكون ~~قبل الدعاء المخير فيه بما شاء. والحديث: دليل على وجوب الاستعاذة مما ذكر، ~~وهو مذهب الظاهرية. وقال ابن حزم منهم: ويجب أيضا في التشهد الأول عملا منه ~~بإطلاق اللفظ المتفق عليه، وأمر طاوس ابنه بإعادة الصلاة لما لم يستعذ ~~فيها، فإنه يقول بالوجوب، وبطلان صلاة من تركها، والجمهور حملوه على الندب. ~~وفيه: دلالة على ثبوت عذاب القبر. والمراد من فتنة المحيا: ما يعرض للانسان ~~مدة حياته من الافتتان بالدنيا، والشهوات، والجهالات. وأعظمها - والعياذ ~~بالله - أمر الخاتمة عند الموت. وقيل: هي: الابتلاء مع عدم الصبر. وفتنة ~~الممات، قيل: المراد بها الفتنة عند الموت، أضيفت إليه لقربها منه، ويجوز ~~أن يراد بها فتنة القبر، وقيل: أراد بها السؤال مع الحيرة، وقد أخرج ~~البخاري: إنكم تفتنون في قبوركم مثل، أو قريبا من فتنة الدجال ولا يكون هذا ~~تكريرا لعذاب القبر، لان عذاب القبر متفرع على ذلك. وقوله: فتنة المسيح ~~الدجال قال العلماء أهل اللغة: الفتنة: الامتحان، والاختبار، وقد يطلق على: ~~القتل والاحراق والتهمة وغير ذلك، والمسيح بفتح الميم وتخفيف السين ~~المهملة، وآخره حاء مهملة، وفيه ضبط اخر، وهذا الأصح، ويطلق على الدجال، ~~وعلى عيسى، ولكن إذا أريد به الدجال: قيد باسمه. سمي المسيح، لمسحه الأرض، ~~وقيل: لأنه ممسوح العين. وأما عيسى فقيل له: المسيح، لأنه خرج من بطن أمه ~~ممسوحا بالدهن، وقيل: لان زكريا مسحه. وقيل: لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا ~~برأ. # وذكر صاحب القاموس: أنه جمع في وجه تسميته بذلك خمسين قولا. # (وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أنه قال لرسول الله (ص): # علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا) ~~يروى بالمثلثة وبالموحدة فيخير الداعي بين اللفظين، ولا يجمع بينهما، لأنه ~~لم يرد إلا أحدهما (ولا يغفر الذنوب إلا أنت) إقرار بالوحدانية (فاغفر لي) ~~استجلاب للمغفرة (مغفرة) نكرها للتعظيم: أي مغفرة عظيمة، وزادها تعظيما ~~بوصفها بقوله: (من عندك)، PageV01P194 # لان ms0291 ما يكون من عنده تعالى لا تحيط بوصفه عبارة (وارحمني إنك أنت الغفور ~~الرحيم) توسل إلى نيل مغفرة الله ورحمته بصفتي غفرانه، ورحمته (متفق عليه). ~~الحديث دليل على شرعية الدعاء في الصلاة على الاطلاق من غير تعيين محل له، ~~ومن محلاته بعد التشهد، والصلاة عليه (ص)، والاستعاذة لقوله: فليتخير من ~~الدعاء ما شاء والاقرار بظلم نفسه: اعتراف بأنه لا يخلو أحد من البشر عن ~~ظلم نفسه: بارتكابه ما نهى عنه، أو تقصيره عن أداء ما أمر به. # وفيه: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه عند طلب الحاجات، واستدفاع ~~المكروهات، وأنه يأتي من صفاته في كل مقام ما يناسبه، كلفظ الغفور الرحيم ~~عند طلب المغفرة، ونحو: * (وارزقنا وأنت خير الرازقين) * عند طلب الرزق. ~~والقران، والأدعية النبوية: مملوءة بذلك. وفي الحديث دليل على طلب التعليم ~~من العالم، سيما في الدعوات المطلوب فيها جوامع الكلم. # واعلم أنه قد ورد في الدعاء بعد التشهد ألفاظ غير ما ذكر. أخرج النسائي ~~عن جابر: أنه (ص) كان يقول في صلاته بعد التشهد: أحسن الكلام كلام الله، ~~وأحسن الهدي هدى محمد، وأخرج أبو داود عن ابن مسعود: أنه (ص) كان يعلمهم من ~~الدعاء بعد التشهد: اللهم ألف على الخير بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، ~~واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش والفتن: ما ~~ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا، وأبصارنا، وقلوبنا، وأزواجنا، ~~وذرياتنا، وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين ~~بها، قابليها، وأتمها علينا أخرجه أبو داود. وأخرج أبو داود أيضا، عن بعض ~~الصحابة: أنه (ص) قال لرجل: كيف تقول في الصلاة؟ قال: أتشهد، ثم أقول: ~~اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك، ولا ~~دندنة معاذ، فقال (ص): حول ذلك ندندن أنا، ومعاذ ففيه أنه يدعو الانسان بأي ~~لفظ شاء: من مأثور، وغيره. # (وعن وائل بن حجر رضي الله عنه قال: صليت مع النبي (ص)، فكان يسلم عن ~~يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ms0292 وعن شماله: السلام عليكم ورحمة ~~الله وبركاته رواه أبو داود بإسناد صحيح). هذا الحديث أخرجه أبو داود من ~~حديث علقمة بن وائل عن أبيه، ونسبه المصنف في التلخيص إلى عبد الجبار بن ~~وائل، وقال: لم يسمع من أبيه، فأعله بالانقطاع، وهنا قال: صحيح، وراجعنا ~~سنن أبي داود، فرأيناه رواه عن علقمة بن وائل عن أبيه، وقد صح سماع علقمة ~~عن أبيه، فالحديث سالم عن الانقطاع، فتصحيحه هنا هو الأولى، وإن خالف ما في ~~التلخيص. وحديث التسليمتين رواه خمسة عشر من الصحابة بأحاديث مختلفة، ففيها ~~صحيح، وحسن، وضعيف، ومتروك، وكلها بدون زيادة: وبركاته إلا في رواية وائل ~~هذه، ورواية عن ابن مسعود. وعند ابن ماجة، وعند ابن حبان، ومع صحة إسناد ~~حديث وائل، كما قال المصنف هنا: يتعين قبول زيادته، إذ هي زيادة عدل، وعدم ~~ذكرها في رواية غيره ليست رواية لعدمها. قال الشارح: إنه لم ير من قال وجوب ~~زيادة وبركاته، إلا أنه قال: قال الامام يحيى: إذا زاد وبركاته ورضوانه ~~وكرامته PageV01P195 # أجزأ، إذ هو زيادة فضيلة، وقد عرفت أن الوارد زيادة وبركاته، وقد صحت ولا ~~عذر عن القول بها، وقال به السرخسي، والامام، والروياني في الحلية. وقول ~~ابن الصلاح: إنها لم تثبت قد تعجب منه المصنف وقال: هي ثابتة عند ابن حبان ~~قال المصنف: إلا أنه قال ابن رسلان في شرح السنن: لم نجدها في ابن ماجة. ~~قلت: راجعنا سنن ابن ماجة من نسخة صحيحة مقروءة فوجدنا فيه ما لفظه: باب ~~التسليم حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا عمر بن عبيد عن ابن إسحاق عن ~~الأحوص عن عبد الله أن رسول الله (ص) كان يسلم عن يمينه، وعن شماله، حتى ~~يرى بياض خده: # السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، انتهى بلفظه: وفي تلقيح الأفكار تخريج ~~الأذكار للحافظ ابن حجر: لما ذكر النووي: أن زيادة وبركاته زيادة فردة ساق ~~الحافظ طرقا عدة لزيادة وبركاته ثم قال: فهذه عدة طرق ثبتت بها: وبركاته ~~بخلاف ما يوهمه كلام الشيخ أنها رواية ms0293 فردة، انتهى كلامه. وحيث ثبت أن ~~التسليمتين من فعله (ص) في الصلاة، وقد ثبت قوله: صلوا كما رأيتموني أصلي، ~~وثبت حديث: تحريمها التكبير وتحليلها السلام أخرجه أصحاب السنن بإسناد ~~صحيح، فيجب التسليم لذلك. وقد ذهب إلى القول بوجوبه الهادوية، والشافعية. ~~وقال النووي: إنه قول جمهور العلماء من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم. # وذهب الحنفية، وآخرون إلى: أنه سنة، مستدلين على ذلك بقوله (ص) في حديث ~~ابن عمر: إذا رفع الامام رأسه من السجدة وقعد ثم أحدث قبل التسليم، فقد تمت ~~صلاته فدل على أن التسليم ليس بركن واجب، وإلا لوجبت الإعادة، ولحديث المسئ ~~صلاته، فإنه (ص) لم يأمره بالسلام. وأجيب عنه بأن حديث ابن عمر ضعيف باتفاق ~~الحفاظ، فإنه أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث إسناده ليس بذاك القوي، وقد ~~اضطربوا في إسناده. وحديث المسئ صلاته لا ينافي الوجوب، فإن هذه الزيادة، ~~وهي مقبولة، والاستدلال بقوله تعالى: * (اركعوا واسجدوا) * على عدم وجوب ~~السلام: استدلال غير تام، لان الآية مجملة بين المطلوب منها فعله (ص)، ولو ~~عمل بها وحدها لما وجبت القراءة، ولا غيرها. # ودل الحديث: على وجوب التسليم على اليمين واليسار، وإليه ذهبت الهادوية، ~~وجماعة، وذهب الشافعي: إلى أن الواجب تسليمة واحدة، والثانية مسنونة. قال ~~النووي: أجمع العلماء الذين يعتد بهم: أنه لا يجب إلا تسليمة واحدة، فإن ~~اقتصر عليها استحب له أن يسلم تلقاء وجهه، فإن سلم تسليمتين، جعل الأولى عن ~~يمينه، والثانية عن يساره، ولعل حجة الشافعي حديث عائشة أنه (ص) كان إذا ~~أوتر بتسع ركعات، لم يقعد إلا في الثامنة، فيحمد الله، ويذكره، ويدعو، ثم ~~ينهض، ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة، فيجلس ويذكر الله ويدعو، ثم يسلم تسليمة ~~أخرجه ابن حبان، وإسناده على شرط مسلم. وأجيب عنه: بأنه لا يعارض حديث ~~الزيادة، كما عرفت من قبول الزيادة إذا كانت من عدل. وعند مالك: أن المسنون ~~تسليمة واحدة. # وقد بين ابن عبد البر: ضعف أدلة هذا القول من الأحاديث. واستدل المالكية: ~~على كفاية PageV01P196 # التسليمة الواحدة: بعمل أهل المدينة، وهو عمل ms0294 توارثوه كابرا عن كابر. ~~وأجيب عنه: بأنه قد تقرر في الأصول: أن عملهم ليس بحجة، وقوله: عن يمينه ~~وعن شماله أي منحرفا إلى الجهتين بحيث يرى بياض خده، كما ورد في رواية سعد: ~~رأيت رسول الله (ص) سلم عن يمينه وعن شماله، حتى كأني أنظر إلى صفحة خده ~~وفي لفظ: حتى أرى بياض خده. # أخرجه مسلم والنسائي. # (وعن المغيرة بن شعبة: أن النبي (ص) كان يقول في دبر) قال في القاموس: ~~الدبر بضم الدال وبضمتين: نقيض القبل من كل شئ، عقبه ومؤخره، وقال في الدبر ~~محركة الدال والباء بالفتح: الصلاة في اخر وقتها، وتسكن الباء ولا يقال ~~بضمتين، فإنه من لحن المحدثين (كل صلاة مكتوبة: لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، اللهم لا مانع لما ~~أعطيت، ولا معطي لما منعت) ووقع عند عبد بن حميد بعده: ولا راد لما قضيت ~~(ولا ينفع ذا الجد منك الجد. متفق عليه). زاد الطبراني من طريق أخرى عن ~~المغيرة بعد قوله: # له الملك وله الحمد - يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير ورواته ~~موثوقون، وثبت مثله عند البزار: من حديث عبد الرحمن بن عوف بسند صحيح، لكنه ~~في القول: إذا أصبح وإذا أمسى. ومعنى: # لا مانع لما أعطيت أن من قضيت له بقضاء من رزق، أو غيره، لا يمنعه أحد ~~عنه، ومعنى: # لا معطي لما منعت: أنه من قضيت له بحرمان، لا معطى له. والجد بفتح الجيم ~~كما سلف. # قال البخاري: معناه الغنى، والمراد: لا ينفعه ولا ينجيه حظه في الدنيا ~~بالمال والولد والعظمة والسلطان، وإنما ينجيه فضلك ورحمتك. والحديث دليل ~~على استحباب هذا الدعاء عقب الصلوات، لما اشتمل على توحيد الله، ونسبة ~~الامر كله إليه، والمنع، والاعطاء، وتمام القدرة. # (وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أن رسول الله (ص) كان يتعوذ بهن دبر ~~كل صلاة اللهم إني أعوذ بك) أي: ألتجئ إليك (من البخل) بضم الموحدة وسكون ~~الخاء المعجمة. ms0295 وفيه لغات (وأعوذ بك من الجبن) بزنة البخل (وأعوذ بك من أن ~~أراد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر. ~~رواه البخاري). قوله: دبر الصلاة هنا، وفي الأول، يحتمل، أنه قبل الخروج، ~~لان دبر الحيوان منه، وعليه بعض أئمة الحديث، ويحتمل: أنه بعدها، وهو أقرب. # والمراد بالصلاة عند الاطلاق المفروضة. والتعوذ من البخل قد كثر في ~~الأحاديث قيل: # والمقصود منه منع ما يجب بذله من المال شرعا، أو عادة. والجبن: هو ~~المهابة للأشياء، والتأخر عن فعلها يقال منه: جبان، كسحاب: لمن قام به، ~~والمتعوذ منه هو: التأخر عن الاقدام بالنفس إلى الجهاد الواجب، والتأخر: عن ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحو ذلك. والمراد من الرد إلى أرذل ~~العمر: هو بلوغ الهرم والخرف حتى يعود، كهيئته الأولى في أوان الطفولية، ~~ضعيف البنية، سخيف العقل، قليل الفهم. وأما فتنة الدنيا، فهي: الافتتان ~~بشهواتها وزخارفها، حتى تلهيه PageV01P197 # عن القيام بالواجبات، التي خلق لها العبد، وهي عبادة بارئه وخالقه، وهو ~~المراد من قوله تعالى: * (أنما أموالكم وأولادكم فتنة) * وتقدم الكلام على ~~عذاب القبر. # (وعن ثوبان رضي الله عنه قال: كان رسول الله (ص) إذا انصرف من صلاته أي ~~سلم منها (استغفر الله ثلاثا) بلفظ: أستغفر الله. وفي الأذكار للنووي: قيل ~~للأوزاعي، وهو أحد رواة هذا الحديث: كيف الاستغفار؟ قال: تقول: أستغفر الله ~~أستغفر الله (وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال ~~والاكرام، رواه مسلم). والاستغفار: إشارة إلى أن العبد لا يقوم بحق عبادة ~~مولاه، لما يعرض له من الوساوس والخواطر، فشرع له الاستغفار تداركا لذلك. ~~وشرع له أن يصف ربه بالسلام، كما وصف به نفسه، والمراد: ذو السلامة من كل ~~نقص وآفة، مصدر وصف به للمبالغة ومنك السلام أي منك نطلب السلامة من شرور ~~الدنيا والآخرة، والمراد بقوله: يا ذا الجلال والاكرام: يا ذا الغنى المطلق ~~والفضل التام، وقيل: الذي عنده الجلال والاكرام لعباده المخلصين، وهو من ~~عظائم صفاته تعالى، ولذا قال (ص): ألظوا بياذا ms0296 الجلال والاكرام ومر برجل ~~يصلي وهو يقول: يا ذا الجلال والاكرام، فقال: قد استجيب لك. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله (ص) قال: من سبح الله دبر كل ~~صلاة ثلاثا وثلاثين) يقول: سبحان الله (وحمد الله ثلاثا وثلاثين) يقول: ~~الحمد لله (وكبر الله ثلاثا وثلاثين) يقول: الله أكبر (فتلك تسع وتسعون) ~~عدد أسماء الله الحسنى (وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، غفرت خطاياه، ولو كانت مثل ~~زبد البحر) وهو ما يعلو عليه عند اضطرابه (رواه مسلم، وفي رواية أخرى) ~~لمسلم، عن أبي هريرة: (أن التكبير أربع وثلاثون) وبه تتم المائة، فينبغي ~~العمل بهذا تارة، وبالتهليل أخرى، ليكون قد عمل بالروايتين. وأما الجمع ~~بينهما، كما قال الشارح، وسبقه غيره، فليس بوجه، لأنه لم يرد الجمع بينهما، ~~ولأنه يخرج العدد عن المائة، هذا. وللحديث سبب، وهو: أن فقراء المهاجرين ~~أتوا رسول الله (ص)، وقالوا: يا رسول الله، قد ذهب أهل الدثور بالدرجات ~~العلى، والنعيم المقيم، فقال: وما ذلك؟ قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما ~~نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله (ص): أفلا ~~أعلمكم شيئا، تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل ~~منكم، إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا بلى: قال: سبحوا الله. الحديث وكيفية ~~التسبيح وأخويه كما ذكرناه. # وقيل: يقول: سبحان الله والحمد لله، والله أكبر ثلاثا وثلاثين. وقد ورد ~~في البخاري من حديث أبي هريرة أيضا: يسبحون عشرا، يحمدون عشرا، ويكبرون ~~عشرا. وفي صفة أخرى يسبحون خمسا وعشرين تسبيحة، ومثلها تحميدا، ومثلها ~~تكبيرا، ومثله لا إله إلا الله وحده PageV01P198 # لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، فتتم المائة. ~~وأخرج أبو داود من حديث زيد بن أرقم: كان رسول الله (ص) يقول دبر كل صلاة: ~~اللهم ربنا ورب كل شئ، أنا شهيد: أنك أنت الرب وحدك لا شريك لك، اللهم ms0297 ربنا ~~ورب كل شئ، أنا شهيد: أن محمدا (ص) عبدك ورسولك، اللهم ربنا ورب كل شئ، أنا ~~شهيد: أن العباد كلهم إخوة، اللهم ربنا ورب كل شئ، اجعلني مخلصا لك وأهلي ~~في كل ساعة من الدنيا والآخرة، يا ذا الجلال والاكرام، استمع واستجب، الله ~~أكبر الله أكبر، الله نور السماوات والأرض، الله أكبر الأكبر، حسبي الله ~~ونعم الوكيل، الله أكبر الأكبر. وأخرج أبو داود من حديث علي عليه السلام: ~~وكان رسول الله (ص) إذا سلم من الصلاة قال: # اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما ~~أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت وأخرج أبو داود، ~~والنسائي: من حديث عقبة بن عامر أمرني رسول الله (ص) أن أقرأ بالمعوذات دبر ~~كل صلاة، وأخرج مسلم من حديث البراء: أنه (ص) كان يقول بعد الصلاة: رب قني ~~عذابك يوم تبعث عبادك. وورد بعد صلاة المغرب، وبعد صلاة الفجر، بخصوصهما: ~~قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شئ ~~قدير عشر مرات أخرجه أحمد، وهو زيادة على ما ذكر في غيرهما، وأخرج الترمذي ~~عن أبي ذر: أن رسول الله (ص) قال: من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثان رجليه ~~قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ~~ويميت، وهو على كل شئ قدير عشر مرات، كتب الله له عشر حسنات، ومحا عنه عشر ~~سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان يومه ذلك في حرز من كل مكروه، وحرز من ~~الشيطان، ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم، إلا الشرك بالله عز وجل، ~~وقال الترمذي: غريب حسن صحيح. وأخرجه النسائي من حديث معاذ، وزاد فيه: بيده ~~الخير وزاد فيه أيضا: وكان له بكل واحدة قالها: عتق رقبة. وأخرج الترمذي ~~والنسائي من حديث عمارة بن شبيب قال: قال رسول الله (ص): من قال: لا إله ~~إلا الله ms0298 وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شئ ~~قدير عشر مرات، على إثر المغرب، بعث الله له ملائكة يحفظونه من الشيطان ~~الرجيم حتى يصبح، وكتب له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات موبقات، وكانت ~~له بعدل عشر رقبات مؤمنات قال الترمذي: حسن لا نعرفه إلا من حديث ليث بن ~~سعد، ولا نعرف لعمارة سماعا من النبي (ص). وأما قراءة الفاتحة بنية كذا، ~~وبنية كذا، كما يفعل الآن، فلم يرد بها دليل، بل هي بدعة. وأما الصلاة على ~~النبي (ص) بعد تمام التسبيح وأخويه من الثناء، فالدعاء بعد الذكر سنة، ~~والصلاة على النبي (ص) أمام الدعاء كذلك سنة، إنما الاعتياد لذلك، وجعله في ~~حكم السنن الراتبة، ودعاء الامام مستقبل القبلة مستدبرا للمأمومين، فلم يأت ~~به سنة، بل الذي ورد: أنه (ص) كان يستقبل المأمومين إذا سلم، قال البخاري ~~باب يستقبل الامام الناس إذا سلم، وورد في حديث سمرة بن جندب، وحديث زيد بن ~~خالد كان إذا صلى أقبل علينا بوجهه، وظاهره المداومة على ذلك. PageV01P199 # (وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه: أن رسول الله (ص) قال له: # أوصيك يا معاذ لا تدعن) هو نهي من ودعه، إلا أنه هجر ماضيه في الأكثر، ~~استغناء عنه بترك، وقد ورد قليلا وقرئ: ما ودعك ربك (دبر كل صلاة أن تقول: # اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي ~~بسند قوي) النهي أصله: التحريم، فيدل على إيجاب هذه الكلمات دبر الصلاة، ~~وقيل إنه نهى إرشاد، ولا بد من قرينة على ذلك. وقيل: يحتمل أنها في حق معاذ ~~نهي تحريم، وفيه بعد. وهذه الكلمات عامة لخير الدنيا والآخرة. # (وعن أبي أمامة) هو إياس على الأصح، كما قاله ابن عبد البر، ابن ثعلبة، ~~الحارثي الأنصاري الخزرجي، لم يشهد بدرا، إلا أنه عذره (ص) عن الخروج، ~~لعلته بمرض والدته. وأبو أمامة الباهلي، تقدم في أول الكتاب، فإذا أطلق ~~فالمراد به: هذا، وإذا أريد الباهلي، قيد به. (قال: ms0299 قال رسول الله (ص): من ~~قرأ اية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة) أي مفروضة (لم يمنعه من دخول الجنة إلا ~~الموت. رواه النسائي، وصححه ابن حبان، وزاد فيه الطبراني: وقل هو الله أحد) ~~وقد ورد نحوه من حديث علي عليه السلام بزيادة: من قرأها حين يأخذ مضجعه، ~~أمنه الله على داره، ودار جاره، وأهل دويرات حوله، رواه البيهقي في شعب ~~الايمان، وضعف إسناده. وقوله: لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت هو على ~~مضاف: أي: لا يمنعه إلا عدم موته، حذف لدلالة المعنى عليه. واختصت اية ~~الكرسي بذلك، لما اشتملت عليه من أصول الأسماء، والصفات الإلهية، ~~والوحدانية، والحياة، والقيومية، والعلم، والملك، والقدرة، والإرادة. وقل ~~هو الله أحد: متمحضة لذكر صفات الله تعالى. # (وعن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # صلوا كما رأيتموني أصلي رواه البخاري). هذا الحديث: أصل عظيم في دلالته ~~على أن أفعاله (ص) في الصلاة، وأقواله: بيان لما أجمل من الامر بالصلاة في ~~القران وفي الأحاديث، وفيه دلالة: على وجوب التأسي به (ص) فيما فعله في ~~الصلاة فكل ما حافظ عليه من أفعالها، وأقوالها، وجب على الأمة، إلا لدليل ~~يخصص شيئا من ذلك، وقد أطال العلماء الكلام في الحديث، واستوفاه ابن دقيق ~~العيد في شرح العمدة، وزدناه تحقيقا في حواشيها. # (وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص) صل قائما، فإن ~~لم تستطع) أي الصلاة قائما (فقاعدا فإن لم تستطع) أي وإن لم تستطع الصلاة ~~قاعدا (فعلى جنب، وإلا) أي: وإن لم تستطع الصلاة على جنب (فأوم) لم نجده في ~~نسخ بلوغ المرام منسوبا، وقد أخرج البخاري دون قوله: وإلا فأوم والنسائي، ~~وزاد: فإن لم تستطع فمستلق لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وقد رواه الدارقطني ~~PageV01P200 # من حديث علي عليه السلام بلفظ: فإن لم تستطع أن تسجد أوم، واجعل سجودك ~~أخفض من ركوعك، فإن لم يستطع أن يصلي قاعدا صلى على جنبه الأيمن مستقبل ~~القبلة، فإن لم يستطع أن ms0300 يصلي على جنبه الأيمن، صلى مستلقيا رجلاه مما يلي ~~القبلة وفي إسناده ضعف، وفيه متروك. # وقال المصنف: لم يقع في الحديث ذكر الايماء وإنما أورده الرافعي. قال: ~~ولكنه ورد في حديث جابر: إن استطعت، وإلا فأوم إيماء، واجعل سجودك أخفض من ~~ركوعك أخرجه البزار، والبيهقي في المعرفة. قال البزار: وقد سئل عنه أبو ~~حاتم، فقال: الصواب عن جابر موقوفا، ورفعه خطأ، وقد روي أيضا من حديث ابن ~~عمر، وابن عباس، وفي إسناديهما ضعف. والحديث دليل: على أنه لا يصلي الفريضة ~~قاعدا إلا لعذر، وهو عدم الاستطاعة، ويلحق به ما إذا خشي ضررا لقوله تعالى: ~~* (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * وكذا قوله: فإن لم تستطع فعلى جنب وفي ~~قوله في حديث الطبراني: فإن نالته مشقة فجالسا، فإن نالته مشقة فنائما أي ~~مضجعا، وفيه حجة على من قال: إن العاجز عن القعود تسقط عنه الصلاة، وهو يدل ~~على أن من نالته مشقة، ولو بالتألم، يباح له الصلاة من قعود، وفيه خلاف. ~~والحديث مع من قال: إن التألم يبيح ذلك. ومن المشقة: صلاة من يخاف دوران ~~رأسه، إذا صلى قائما في السفينة، أو يخاف الغرق: # أبيح له القعود، هذا. ولم يبين الحديث هيئة القعود على أي صفة، ومقتضى ~~إطلاقه صحته على أي هيئة شاءها المصلي، وإليه ذهب جماعة من العلماء. وقال ~~الهادي وغيره: إنه يتربع واضعا يده على ركبتيه، ومثله عند الحنفية، وذهب ~~زيد بن علي، وجماعة إلى: أنه مثل قعود التشهد. # قيل: والخلاف في الأفضل. قال المصنف في فتح الباري: اختلف في الأفضل، ~~فعند الأئمة الثلاثة: التربع، وقيل: مفترشا، وقيل متوركا، وفي كل منها ~~أحاديث. وقوله في الحديث على جنب الكلام في الاستطاعة هنا، كما مر، وهو هنا ~~مطلق. وقيده في حديث علي عليه السلام عند الدارقطني، على جنبه الأيمن، ~~مستقبل القبلة بوجهه، وهو حجة الجمهور. وأنه يكون على هذه الصفة، كتوجه ~~الميت في القبر. ويؤخذ من الحديث: أنه لا يجب شئ بعد تعذر الايماء على ~~الجنب. وعن الشافعي، والمؤيد: ms0301 يجب الايماء بالعينين والحاجبين. وعن زفر: ~~الايماء بالقلب. وقيل: يجب إمرار القران، والذكر على اللسان، ثم على القلب، ~~إلا أن هذه الكلمة لم تأت في الأحاديث، وفي الآية * (فاذكروا الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبكم) * وإن كان عدم الذكر لا ينفي الوجوب بدليل اخر. وقد ~~وجبت الصلاة على الاطلاق، وثبت: إذا أمرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم فإذا ~~استطاع شيئا مما يفعل في الصلاة وجب عليه، لأنه مستطيع له. # (وعن جابر رضي الله عنه أن النبي (ص) قال لمريض - صلى على وسادة، فرمى ~~بها - وقال: صل على الأرض إن استطعت، وإلا فأوم إيماء، واجعل سجودك أخفض من ~~ركوعك رواه البيهقي بسند قوي، ولكن صحح أبو حاتم وقفه). الحديث أخرجه ~~البيهقي في المعرفة من طريق سفيان الثوري. وفي الحديث: فرمى بها وأخذ عودا ~~ليصلي عليه، فأخذه ورمى به وذكر الحديث. وقال البزار لا يعرف أحد رواه عن ~~الثوري غير أبي بكر الحنفي. وقد سئل عنه أبو حاتم فقال: الصواب عن جابر ~~موقوفا ورفعه خطأ. وقد PageV01P201 # روى الطبراني من حديث طارق بن شهاب عن ابن عمر قال: عاد رسول الله (ص) ~~مريضا فذكره، وفي إسناده ضعف. والحديث دليل على أنه لا يتخذ المريض ما يسجد ~~عليه، حيث تعذر سجوده على الأرض، وقد أرشده إلى أنه يفصل بين ركوعه وسجوده، ~~ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن تعذر عليه القيام والركوع، فإنه يومئ من ~~قعود لهما، جاعلا الايماء بالسجود أخفض من الركوع، أو لم يتعذر عليه ~~القيام، فإنه يومئ للركوع من قيام، ثم يقعد ويومئ للسجود من قعود، وقيل في ~~هذه الصورة: يومئ لهما من قيام ويقعد للتشهد، وقيل: يومئ لهما كليهما من ~~القعود، ويقوم للقراءة، وقيل: يسقط عنه القيام ويصلي قاعدا، فإن صلى قائما ~~جاز، وإن تعذر عليه القعود أومأ لهما من قيام. # باب سجود السهو وغيره من سجود التلاوة والشكر (وعن عبد الله بن بحينة رضي ~~الله عنه) تقدم ضبطه وترجمته، وتكرر على الشارح ترجمته فأعادها هنا (أن ~~النبي (ص) صلى بهم الظهر ms0302 فقام في الركعتين الأوليين) بالمثناتين التحتيتين ~~(ولم يجلس) هو تأكيد لقام من باب: أقول له: ارحل لا تقيمن عندنا (فقام ~~الناس معه حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه، كبر وهو جالس وسجد ~~سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم. أخرجه السبعة وهذا لفظ البخاري). الحديث: دليل ~~على أن ترك التشهد الأول سهوا يجبره سجود السهو، وقوله (ص) : صلوا كما ~~رأيتموني أصلي يدل على وجوب التشهد الأول، وجبرانه هنا عند تركه: دل على ~~أنه وإن كان واجبا، فإنه يجبر بسجود السهو، والاستدلال على عدم وجوبه: بأنه ~~لو كان واجبا لما جبره السجود، إذ حق الواجب أن يفعل بنفسه - لا يتم، إذ ~~يمكن أنه كما قال أحمد بن حنبل: واجب، ولكنه إن ترك سهوا جبره سجود السهو. ~~وحاصله أنه لا يتم الاستدلال على عدم وجوبه، حتى يقوم الدليل على أن كل ~~واجب لا يجزئ عنه سجود السهو إن ترك سهوا. # وقوله: كبر دليل على شرعية تكبيرة الاحرام لسجود السهو، وأنها غير مختصة ~~بالدخول في الصلاة، وأنه يكبرها، وإن كان لم يخرج من صلاته بالسلام منها. ~~وأما تكبيرة النقل فلم تذكر هنا، ولكنها ذكرت في قوله: (وفي رواية لمسلم) ~~أي عند عبد الله بن بحينة: (يكبر في كل سجدة وهو جالس ويسجد، ويسجد معه ~~الناس) فيه دليل على شرعية تكبير النقل، كما سلف في الصلاة، وقوله: (مكان ~~ما نسي من الجلوس) كأنه عرف الصحابي ذلك من قرينة الحال، فهذا لفظ مدرج من ~~كلام الراوي، ليس حكاية لفعله (ص) الذي شاهده، ولا لقوله (ص). ثم فيه دليل: ~~على أن محل مثل هذا السجود قبل السلام، ويأتي ما يخالفه والكلام عليه. وفي ~~رواية مسلم دلالة: على وجوب متابعة الامام. وفي الحديث دلالة أيضا: على ~~وجوب متابعته، وإن ترك ما هذا حاله، فإنه (ص) أقرهم على PageV01P202 # متابعته، مع تركهم للتشهد عمدا، وفيه تأمل، لاحتمال أنه ما ذكر أنه ترك ~~وتركوا إلا بعد تلبسه وتلبسهم بواجب اخر. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: صلى النبي (ص) ms0303 إحدى صلاتي العشي) هو ~~بفتح العين المهملة وكسر الشين المعجمة وتشديد المثناة التحتية. قال ~~الأزهري: # هو ما بين زوال الشمس وغروبها، وقد عينها أبو هريرة في رواية لمسلم: أنها ~~الظهر، وفي أخرى أنها العصر، ويأتي، وقد جمع بينهما بأنها تعددت القصة ~~(ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها، وفي ~~القوم) المصلين (أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه) أي بأنه سلم على ركعتين ~~(وخرج) من المسجد (سرعان الناس) بفتح السين المهملة وفتح الراء هو المشهور، ~~ويروى بإسكان الراء، هم المسرعون إلى الخروج، قيل وبضمها وسكون الراء على ~~أنه جمع سريع كقفيز وقفزان (فقالوا قصرت) بضم القاف وكسر الصاد (الصلاة) ~~وروى بفتح القاف وضم الصاد، وكلاهما صحيح، والأول أشهر (ورجل يدعوه) أي ~~يسميه (النبي (ص) ذا اليدين) وفي رواية: رجل يقال له: الخرباق بن عمرو بكسر ~~الخاء المعجمة وسكون الراء فباء موحدة، آخره قاف، لقب ذي اليدين، لطول كان ~~في يديه، وفي الصحابة رجل اخر يقال له: ذو الشمالين هو غير ذي اليدين، ووهم ~~الزهري فجعل ذا اليدين وذا الشمالين واحدا، وقد بين العلماء وهمه. (فقال: ~~يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟) أي شرع الله قصر الرباعية إلى اثنتين ~~(فقال: لم أنس ولم تقصر) أي في ظني (فقال: بلى قد نسيت، فصلى ركعتين ثم ~~سلم، ثم كبر، ثم سجد مثل سجود أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم وضع رأسه ~~فكبر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر. متفق عليه، واللفظ ~~للبخاري). # هذا الحديث قد أطال العلماء الكلام عليه، وتعرضوا لمباحث أصولية، وغيرها، ~~وأكثرهم استيفاء لذلك، القاضي عياض، ثم المحقق: ابن دقيق العيد في شرح ~~العمدة، وقد وفينا المقام حقه في حواشيها، والمهم هنا: الحكم الفرعي ~~المأخوذ منه، وهو: أن الحديث دليل على أن نية الخروج من الصلاة، وقطعها إذا ~~كانت بناء على ظن التمام، لا يوجب بطلانها، ولو سلم التسليمتين، وأن كلام ~~الناسي لا يبطل الصلاة، وكذا كلام من ظن التمام، وبهذا ms0304 قال جمهور العلماء ~~من السلف، والخلف، وهو قول ابن عباس، وابن الزبير، وأخيه عروة، وعطاء، ~~والحسن وغيرهم، وقال به: # الشافعي، وأحمد، وجميع أئمة الحديث. وقال به: الناصر من أئمة الال. وقالت ~~الهادوية والحنفية : التكلم في الصلاة ناسيا، أو جاهلا يبطلها مستدلين ~~بحديث ابن مسعود، وحديث زيد بن أرقم: # في النهي عن التكلم في الصلاة، وقالوا: هما ناسخان لهذا الحديث. وأجيب: ~~بأن حديث ابن مسعود كان بمكة متقدما على حديث الباب بأعوام، والمتقدم لا ~~ينسخ المتأخر، وبأن حديث زيد بن أرقم، وحديث ابن مسعود أيضا عمومان، وهذا ~~الحديث خاص بمن تكلم ظانا لتمام صلاته، فيخص به الحديثان المذكوران، فتجتمع ~~الأدلة من غير إبطال لشئ منها. ويدل الحديث أيضا على أن الكلام عمدا ~~الاصلاح الصلاة لا يبطلها، كما في كلام ذي اليدين، وقوله: فقالوا: - يريد ~~الصحابة -: نعم كما في رواية تأتي، فإنه كلام عمد لاصلاح الصلاة. وقد روي ~~عن مالك: أن PageV01P203 # الامام إذا تكلم بما تكلم به النبي (ص): من الاستفسار، والسؤال عند الشك، ~~وإجابة المأموم، أن الصلاة لا تفسد. وقد أجيب: بأنه (ص) تكلم معتقدا ~~للتمام، وتكلم الصحابة معتقدين للنسخ، وظنوا حينئذ التمام. قلت: ولا يخفى ~~أن الجزم باعتقادهم التمام محل نظر، بل فيهم متردد بين القصر والنسيان، وهو ~~ذو اليدين، نعم سرعان الناس اعتقدوا القصر، ولا يلزم اعتقاد الجميع، ولا ~~يخفى أنه لا عذر عن العمل بالحديث لمن يتفق له مثل ذلك، وما أحسن كلام صاحب ~~المنار، فإنه ذكر كلام الهدى ودعواه نسخه، كما ذكرناه، ثم رده بما رددناه، ~~ثم قال: وأنا أقول أرجو الله للعبد إذا لقي الله عاملا لذلك: أن يثبته في ~~الجواب بقوله: صح لي ذلك عن رسولك، ولم أجد ما يمنعه، وأن ينجو بذلك، ويثاب ~~عن العمل به، وأخاف على المتكلفين، وعلى المجبرين على الخروج من الصلاة ~~للاستئناف، فإنه ليس بأحوط، كما ترى، لان الخروج بغير دليل ممنوع، وإبطال ~~للعمل. وفي الحديث دليل، على أن الأفعال الكثيرة التي ليست من جنس الصلاة ~~إذا وقعت سهوا، أو ms0305 مع ظن التمام لا تفسد بها الصلاة، فإن في رواية أنه (ص) ~~خرج إلى منزله وفي أخرى: يجر رداءه مغضبا وكذلك خروج سرعان الناس فإنها ~~أفعال كثيرة قطعا، وقد ذهب إلى هذا وفيه دليل: على صحة البناء على الصلاة ~~بعد السلام، وإن طال زمن الفصل الشافعي بينهما، وقد روي هذا عن ربيعة، ونسب ~~إلى مالك، وليس بمشهور عنه. ومن العلماء من قال: يختص جواز البناء إذا كان ~~الفصل بزمن قريب، وقيل: بمقدار ركعة، وقيل: بمقدار الصلاة. ويدل أيضا أنه ~~يجبر ذلك سجود السهو وجوبا لحديث: صلوا كما رأيتموني أصلي ويدل أيضا: على ~~أن سجود السهو لا يتعدد بتعدد أسباب السهو، ويدل على أن سجود السهو بعد ~~السلام خلاف الحديث الأول، ويأتي فيه الكلام. وأما تعيين الصلاة التي اتفقت ~~فيها القصة فيدل له قوله: (وفي رواية لمسلم) أي من حديث أبي هريرة: (صلاة ~~العصر) عوضا عن قوله في الرواية الأولى: إحدى صلاتي العشي (ولأبي داود) أي ~~من حديثه أيضا: (فقال) أي النبي (ص): # (أصدق ذو اليدين، فأومئوا، أي نعم، وهي في الصحيحين، لكن بلفظ: فقالوا) ~~قلت: وهي في رواية لأبي داود بلفظ: فقال الناس: نعم، وقال أبو داود: إنه لم ~~يذكر: # فأومئوا إلا حماد بن زيد (وفي رواية له) أي لأبي داود من حديث أبي هريرة: ~~(ولم يسجد حتى يقنه الله ذلك) ولفظ أبي داود: ولم يسجد سجدتي السهو حتى ~~يقنه الله ذلك أي صير تسليمه على ثنتين يقينا عنده، إما بوحي، أو تذكر حصل ~~له اليقين به. والله أعلم ما مستند أبي هريرة في هذا. # (وعن عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي (ص) صلى بهم، فسها فسجد ~~سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم، رواه أبو داود والترمذي وحسنه، الحاكم وصححه). في ~~سياق حديث السنن: أن هذا السهو سهوه (ص)، الذي في خبر ذي اليدين، فإن فيه: ~~بعد أن ساق حديث أبي هريرة: مثل ما سلف من سياق الصحيحين إلى قوله: ثم رفع ~~وكبر ما لفظه: فقيل لمحمد: أي ابن ms0306 سيرين الراوي: سلم في السهو؟ فقال: لم ~~أحفظه من أبي هريرة ولكن نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم، وفي السنن ~~أيضا من حديث PageV01P204 # عمران بن حصين، قال: سلم رسول الله (ص) في ثلاث ركعات من العصر، ثم دخل، ~~فقام إليه رجل يقال له: الخرباق، كان طويل اليدين. إلى قوله: فقال: أصدق؟ ~~فقالوا: # نعم، فصلى تلك الركعة، ثم سجد سجدتيها، ثم سلم انتهى. ويحتمل أنها تعددت ~~القصة. وفي الحديث: دليل أنه يستحب عقيب الصلاة، كما تدل له الفاء وفيه ~~تصريح بالتشهد، قيل: ولم يقل أحد: بوجوبه، ولفظ تشهد: يدل أنه أتى ~~بالشهادتين، وبه قال بعض العلماء، وقيل : - يكفي التشهد الأوسط، واللفظ في ~~الأول أظهر، وفيه دليل على شرعية التسليم، كما تدل له رواية عمران بن حصين ~~التي ذكرناها، لا الرواية التي أتى بها المصنف، فإنها ليست بصريحة: # أن التسليم كان لسجدتي السهو، فإنها تحتمل أنه لم يكن سلم للصلاة، وأنه ~~سجد لها قبل السلام ، ثم سلم تسليم الصلاة. # (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى أثلاثا أم أربعا؟ فليطرح الشك ~~وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا) في ~~رباعية (شفعن) أي السجدتان (له صلاته) صيرنها شفعا، لان السجدتين قامتا ~~مقام ركعة، وكأن المطلوب من الرباعية: الشفع، وإن زادت على الأربع (وإن كان ~~صلى تماما كانتا ترغيما للشيطان) أي إلصاقا لأنفه بالرغام، والرغام: بزنة ~~غراب: التراب، وإلصاق الانف به في قولهم رغم أنفه: كناية عن إذلاله ~~وإهانته، والمراد: إهانة الشيطان حيث لبس عليه صلاته (رواه مسلم). الحديث ~~فيه دلالة على أن الشاك في صلاته يجب عليه البناء على اليقين عنده، ويجب ~~عليه أن يسجد سجدتين، وإلى هذا ذهب جماهير العلماء، ومالك، والشافعي، ~~وأحمد. # وذهب الهادوية، وجماعة من التابعين: إلى وجوب الإعادة عليه حتى يستيقن، ~~وقال بعضهم: # يعيد ثلاث مرات، فإذا شك في الرابعة فلا إعادة عليه. والحديث مع الأولين. ms0307 ~~والحديث ظاهر في أن هذا حكم الشاك مطلقا: مبتدأ كان أو مبتلي. وفرق ~~الهادوية بينهم، فقالوا: في الأول يجب عليه الإعادة، وفي الثاني يتحرى ~~بالنظر في الامارات، فإن حصل له ظن التمام، أو النقص عمل به، وإن كان النظر ~~في الامارات لا يحصل له بحسب العادة شيئا، فإنه يبني على الأقل، كما في هذا ~~الحديث، وإن كان عادته أن يفيده النظر الظن، ولكنه لم يفده في هذه الحالة، ~~وجب عليه أيضا الإعادة، وهذا التفصيل يرد عليه هذا الحديث الصحيح، ويرد ~~عليه أيضا حديث عبد الرحمن بن عوف عند أحمد قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: ~~إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة صلى، أو اثنتين، فليجعلها واحدة، وإذا ~~لم يدر اثنتين صلى، أو ثلاثا، فليجعلها اثنتين، وإذا لم يدر ثلاثة صلى، أو ~~أربعا، فليجعلها ثلاثا، ثم يسجد - إذا فرغ من صلاته، وهو جالس قبل أن يسلم ~~سجدتين. # (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: صلى رسول الله (ص)) أي: # إحدى الرباعيات خمسا، وفي رواية: أنه قال إبراهيم النخعي: زاد أو نقص ~~(فلما سلم قيل له: PageV01P205 # يا رسول الله أحدث في الصلاة شئ؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا، ~~فثنى رجليه، واستقبل القبلة فسجد سجدتين ثم سلم، ثم أقبل على الناس بوجهه ~~فقال: إنه لو حدث في الصلاة شئ أنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم) في ~~البشرية، وبين وجه المثلية بقوله: (أنسى، كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، ~~وإذا شك أحدكم في صلاته) هل زاد أو نقص؟ (فليتحر الصواب) بأن يعمل بظنه من ~~غير تفرقة بين الشك في ركعة، أو ركن، وقد فسره حديث عبد الرحمن بن عوف الذي ~~قدمناه (فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين. متفق عليه). ظاهر هذا الحديث أنهم ~~تابعوه (ص) على الزيادة، ففيه دليل: على أن متابعة المؤتم للامام فيما ظنه ~~واجبا لا يفسد صلاته، فإنه (ص) لم يأمرهم بالإعادة، وهذا في حق أصحابه في ~~مثل هذه الصورة، لتجويزهم التغيير في عصر النبوة، فأما لو اتفق ms0308 الآن قيام ~~الامام إلى الخامسة سبح له من خلفه، فإن لم يقعد انتظروه قعودا، حتى ~~يتشهدوا بتشهده ويسلموا بتسليمه، فإنها لم تفسد عليه حتى يقال يعزلون، بل ~~فعل ما هو واجب في حقه. وفي هذا دليل، على أن محل سجود السهو بعد السلام، ~~إلا أنه قد يقال: إنه (ص) ما عرف سهوه في الصلاة إلا بعد أن سلم منها، فلا ~~يكون دليلا. # واعلم أنه قد اختلفت الأحاديث في محل سجود السهو واختلفت بسبب ذلك أقوال ~~الأئمة. # قال بعض أئمة الحديث: أحاديث باب سجود السهو قد تعددت: منها حديث أبي ~~هريرة فيمن شك، فلم يدر كم صلى؟. وفيه الامر أن يسجد سجدتين، ولم يذكر ~~موضعهما، وهو حديث أخرجه الجماعة، ولم يذكروا فيه محل السجدتين، هل هو قبل ~~السلام أو بعده؟ نعم عند أبي داود، وابن ماجة فيه زيادة: قبل أن يسلم. ~~ومنها حديث أبي سعيد من شك. وفيه: أنه يسجد سجدتين قبل التسليم. ومنها حديث ~~أبي هريرة، وفيه: القيام إلى الخشبة، وأنه سجد بعد السلام ومنها حديث ابن ~~بحينة، وفيه: السجود قبل السلام. ولما وردت هكذا اختلفت آراء العلماء في ~~الاخذ بها، فقال داود: تستعمل في مواضعها على ما جاءت به، ولا يقاس عليها، ~~ومثله قال أحمد في هذه الصلاة خاصة، وخالف فيما سواها، فقال: يسجد قبل ~~السلام لكل سهو. # وقال آخرون: هو مخير في كل سهو: إن شاء سجد بعد السلام، وإن شاء قبل ~~السلام في الزيادة والنقص. وقال مالك: إن كان السجود لزيادة سجد بعد ~~السلام، وإن كان لنقصان سجد قبله. # وقالت الهادوية، والحنفية: الأصل في سجود السهو بعد السلام، وتأولوا ~~الأحاديث الواردة في السجود قبله، وستأتي أدلتهم. وقال الشافعي: الأصل ~~السجود قبل السلام، ورد ما خالفه من الأحاديث بادعائه نسخ السجود بعد ~~السلام. وروى عن الزهري قال: سجد رسول الله (ص) سجدتي السهو قبل السلام، ~~وبعده، واخر الامرين قبل السلام، وأيده برواية معاوية: أنه (ص) سجدهما قبل ~~السلام وصحبته متأخرة. وذهب إلى مثل قول الشافعي أبو هريرة، ومكحول، ms0309 ~~والزهري، وغيرهم. قال في الشرح: وطريق الانصاف: أن الأحاديث الواردة في ذلك ~~قولا وفعلا فيها نوع تعارض، وتقدم بعضها، وتأخر البعض غير ثابت برواية ~~صحيحة موصولة، حتى يستقيم القول بالنسخ، فالأولى الحمل على التوسع في جواز ~~الامرين. ومن أدلة الهادوية PageV01P206 # والحنفية: رواية البخاري التي أفادها قوله: (وفي رواية للبخاري) أي من ~~حديث ابن مسعود (فليتم ثم يسلم ثم يسجد) ما يدل على أنه بعد السلام. وكذلك ~~رواية مسلم التي أفادها قوله (ولمسلم) أي من حديث ابن مسعود: (أن النبي (ص) ~~سجد سجدتي السهو بعد السلام) من الصلاة (والكلام) أي الذي خوطب به وأجاب ~~عنه بما أفاده اللفظ الأول، ويدل له أيضا: # (ولا حمد وأبي داود والنسائي من حديث عبد الله بن جعفر مرفوعا: من شك في ~~صلاته فليسجد سجدتين بعد ما يسلم وصححه ابن خزيمة). فهذه أدلة من يقول إنه ~~يسجد بعد السلام مطلقا، ولكنه قد عارضها ما عرفت، فالقول بالتخيير أقرب ~~الطرق إلى الجمع بين الأحاديث، كما عرفت. قال الحافظ أبو بكر البيهقي: ~~روينا عن النبي (ص) أنه سجد للسهو قبل السلام، وأنه أمر بذلك، وروينا: أنه ~~سجد بعد السلام، وأنه أمر به وكلاهما صحيح، ولهما شواهد يطول بذكرها ~~الكلام، ثم قال: الأشبه بالصواب جواز الامرين جميعا، قال: وهذا مذهب كثير ~~من أصحابنا. # (وعن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله (ص) قال: إذا شك أحدكم، فقام في ~~الركعتين فاستتم قائما، فليمض ولا يعود) للتشهد الأول (وليسجد سجدتين) لم ~~يذكر محلهما (فإن لم يستتم قائما فليجلس) ليأتي بالتشهد الأول (ولا سهو ~~عليه . رواه أبو داود وابن ماجة، والدارقطني واللفظ له بسند ضعيف) وذلك أن ~~مداره في جميع طرقه على جابر الجعفي، وهو ضعيف. وقد قال أبو داود: ليس في ~~كتابي عن جابر الجعفي غير هذا الحديث. وفي الحديث دلالة: على أنه لا يسجد ~~للسهو إلا لفوات التشهد الأول، لا لفعل القيام لقوله: ولا سهو عليه وقد ذهب ~~إلى هذا جماعة. وذهبت الهادوية، وابن حنبل إلى أنه يسجد للسهو، لما أخرجه ms0310 ~~البيهقي من حديث أنس: أنه تحرك للقيام من الركعتين الأخريين من العصر على ~~جهة السهو، فسبحوا فقعد، ثم سجد للسهو وأخرجه الدارقطني، والكل من فعل أنس ~~موقوف عليه، إلا أن في بعض طرقه أنه قال: هذه السنة وقد رجح حديث المغيرة ~~عليه، لكونه مرفوعا، ولأنه يؤيده حديث ابن عمر مرفوعا: لا سهو إلا في قيام ~~عن جلوس، أو جلوس عن قيام أخرجه الدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وفيه ضعف، ~~ولكن يؤيد ذلك: أنها وردت أحاديث كثيرة في الفعل القليل، وأفعال صدرت منه ~~(ص)، ومن غيره مع علمه بذلك، ولم يأمر فيها بسجود السهو، ولا سجد لما صدر ~~عنه منها. قلت: # وأخرج النسائي من حديث ابن بحينة: أنه (ص) صلى فقام في الركعتين، فسبحوا ~~به، فمضى، فلما فرغ من صلاته، سجد سجدتين، ثم سلم وأخرج أحمد، والترمذي، ~~وصححه من حديث زياد بن علاقة قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة، فلما صلى ~~ركعتين، قام ولم يجلس، فسبح له من خلفه، فأشار إليهم أن قوموا، فلما فرغ من ~~صلاته سلم، ثم سجد سجدتين وسلم، ثم قال هكذا صنع بنا رسول الله (ص)، إلا أن ~~هذه فيمن مضى بعد أن يسبحوا له، فيحتمل أنه سجد لترك التشهد، وهو الظاهر. # (وعن عمر رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: ليس على من خلف الامام سهو، فإن ~~سها الامام فعليه وعلى من خلفه. رواه الترمذي، والبيهقي PageV01P207 # بسند ضعيف). وأخرجه الدارقطني في السنن بلفظ اخر، وفيه زيادة: وإن سها من ~~خلف الامام فليس عليه سهو، والامام كافيه والكل من الروايات فيها خارجة بن ~~مصعب: ضعيف. # وفي الباب عن ابن عباس، إلا أن فيه متروكا. والحديث دليل: على أنه لا يجب ~~على المؤتم سجود السهو إذا سها في صلاته، وإنما يجب عليه إذا سها الامام ~~فقط، وإلى هذا ذهب زيد بن علي، والناصر، والحنفية، والشافعية. وذهب الهادي: ~~إلى أنه يسجد للسهو، لعموم أدلة سجود السهو للامام، والمنفرد، والمؤتم. ~~والجواب: أنه لو ثبت هذا الحديث لكان مخصصا لعمومات أدلة سجود السهو، ms0311 ومع ~~عدم ثبوته، فالقول قول الهادي. # (وعن ثوبان عن النبي (ص) أنه قال: لكل سهو سجدتان بعدما يسلم رواه أبو ~~داود وابن ماجة بسند ضعيف). قالوا: لان في إسناده إسماعيل بن عياش، وفيه ~~مقال وخلاف. قال البخاري: إذا حدث عن أهل بلده: يعني الشاميين فصحيح، وهذا ~~الحديث من روايته عن الشاميين، فتضعيف الحديث به: فيه نظر. # والحديث دليل لمسألتين: الأولى: أنه إذا تعدد المقتضى لسجود السهو تعدد ~~لكل سهو سجدتان. # وقد حكي عن ابن أبي ليلى. وذهب الجمهور: إلى أنه لا يتعدد السجود، وإن ~~تعدد موجبه، لان النبي (ص) في حديث ذي اليدين سلم، وتكلم، ومشى ناسيا، ولم ~~يسجد إلا سجدتين. # ولئن قيل: إن القول أولى بالعمل به من الفعل، فالجواب: أنه لا دلالة فيه ~~على تعدد السجود لتعدد مقتضيه، بل هو للعموم لكل ساه، فيفيد الحديث: أن كل ~~من سها في صلاته بأي سهو كان يشرع له سجدتان، ولا يختصان بالمواضع التي سها ~~فيها النبي (ص)، ولا بالأنواع التي سها بها، والحمل على هذا المعنى أولى من ~~حمله على المعنى الأول، وإن كان هو الظاهر فيه، جمعا بينه وبين حديث ذي ~~اليدين، على أن لك أن تقول: إن حديث ذي اليدين لم يقع فيه السهو المذكور ~~حال الصلاة، فإنه محل النزاع، فلا يعارض حديث الكتاب. والمسألة الثانية: # يحتج به من يرى سجود السهو بعد السلام، وتقدم فيه تحقيق الكلام. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سجدنا مع رسول الله (ص) في * (إذا ~~السماء انشقت) * و * (اقرأ باسم ربك الذي خلق) * رواه مسلم) هذا من أحاديث ~~سجود التلاوة وهو داخل في ترجمة المصنف الماضية كما عرفت، حيث قال: باب ~~سجود السهو وغيره. # والحديث دليل على مشروعية سجود التلاوة، وقد أجمع على ذلك العلماء، وإنما ~~اختلفوا في الوجوب، وفي مواضع السجود، فالجمهور أنه سنة، وقال أبو حنيفة: ~~واجب غير فرض ثم هو سنة في حق التالي والمستمع إن سجد التالي، وقيل: وإن لم ~~يسجد، فأما مواضع السجود، فقال الشافعي: يسجد ms0312 فيما عدا المفصل فيكون أحد ~~عشر موضعا. وقالت الهادوية والحنفية: # في أربعة عشر محلا إلا أن الحنفية لا يعدون في الحج إلا سجدة، واعتبروا ~~بسجدة سور ص والهادوية عكسوا ذلك كما ذكر ذلك المهدي في البحر، وقال أحمد ~~وجماعة: يسجد في خمسة عشر موضعا عدوا سجدتي الحج وسجدة ص، واختلفوا أيضا هل ~~يشترط فيها ما يشترط في الصلاة من الطهارة وغيرها، فاشترط ذلك جماعة، وقال ~~قوم: لا يشترط. وقال البخاري: كان عمر يسجد على غير وضوء، وفي مسند ابن أبي ~~شيبة: كان ابن عمر ينزل عن راحلته PageV01P208 # فيهريق الماء ثم يركب فيقرأ السجدة فيسجد وما يتوضأ، ووافقه الشعبي على ~~ذلك، وروي عن ابن عمر أه لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر، وجمع بين قوله وفعله ~~على الطهارة من الحدث الأكبر. قلت: والأصل إنه لا يشترط الطهارة إلا بدليل ~~وأدلة وجوب الطهارة وردت للصلاة والسجدة لا تسمى صلاة، فالدليل على من شرط ~~ذلك وكذلك أوقات الكراهة ورد النهي عن الصلاة فيها فلا تشمل السجدة الفردة. ~~وهذا الحديث دل على السجود للتلاوة في المفصل، ويأتي الخلاف في ذلك. ثم ~~رأيت لابن حزم كلاما في شرح المحلي لفظه: السجود في قراءة القرآن ليس ركعة ~~أو ركعتين فليس صلاة وإذا كان ليس صلاة فهو جائز بلا وضوء وللجنب والحائض ~~وإلى غير القبلة كسائر الذكر ولا فرق، إذ لا يلزم الوضوء إلا للصلاة ولم ~~يأت بإيجابه لغير الصلاة قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، فإن قيل: السجود ~~من الصلاة وبعض الصلاة صلاة. قلنا: والتكبير بعض الصلاة والجلوس والقيام ~~والسلام بعض الصلاة، فهل يلتزمون أن لا يفعل أحد شيئا من هذه الأفعال ~~والأقوال إلا وهو على وضوء هذا لا يقولونه ولا يقوله أحد. انتهى. # (وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: (ص) ليست من عزائم السجود، وقد رأيت ~~رسول الله (ص) يسجد فيها. رواه البخاري) أي ليست مما ورد في السجود فيها ~~أمر ولا تحريص ولا تخصيص ولا حث، وإنما ورد بصيغة الاخبار عن داود ms0313 عليه ~~السلام بأنه فعلها وسجد نبينا (ص) فيها اقتداء به لقوله تعالى: * (فبهداهم ~~اقتده) *. # وفيه دلالة على: أن المسنونات قد يكون بعضها آكد من بعض، وقد روي: أنه ~~قال (ص): # سجدها داود توبة وسجدناها شكرا وروى ابن المنذر، وغيره بإسناد حسن: عن ~~علي بن أبي طالب عليه السلام: إن العزائم حم، والنجم، واقرأ، وألم تنزيل، ~~وكذا ثبت عن ابن عباس في الثلاثة الأخر، وقيل: في الأعراف، وسبحان، وحم، ~~وألم. أخرجه ابن أبي شيبة. # (وعنه) أي ابن عباس: (أن النبي (ص) سجد بالنجم. رواه البخاري). # هو دليل على السجود في المفصل، كما أن الحديث الأول دليل على ذلك، وقد ~~خالف فيه مالك، وقال: لا سجود لتلاوة في المفصل، وقد قدمنا لك الخلاف في ~~أول الفصل محتجا بما روي عن ابن عباس: أنه (ص) لم يسجد في شئ من المفصل منذ ~~تحول إلى المدينة أخرجه أبو داود، وهو ضعيف الاسناد، وفيه أبو قدامة، واسمه ~~الحارث بن عبد الله، إيادي، بصري، لا يحتج بحديثه، كما قال الحافظ المنذري ~~في مختصر السنن، ومحتجا أيضا بقوله: # (وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: قرأت على رسول الله (ص) النجم، فلم ~~يسجد فيها، متفق عليه). وزيد بن ثابت من أهل المدينة، وقراءته بها كانت في ~~المدينة، قال مالك: فأيد حديث ابن عباس. وأجيب عنه: بأن ترك السجود، تارة، ~~وفعله تارة: دليل السنية، أو لمانع عارض ذلك، ومع ثبوت حديث زيد، فهو ناف، ~~وحديث غيره وهو ابن عباس مثبت، والمثبت مقدم. # (وعن خالد بن معدان رضي الله عنه) بفتح الميم وسكون العين المهملة وتخفيف ~~الدال، وخالد هو أبو عبد الله بن معدان، الشامي، الكلاعي بفتح الكاف، ~~تابعي، من أهل حمص PageV01P209 # قال: لقيت سبعين رجلا من أصحاب النبي (ص)، وكان من ثقات الشاميين، مات ~~سنة أربع ومائة، وقيل: سنة ثلاث (قال: فضلت سورة الحج بسجدتين. رواه أبو ~~داود في المراسيل) كذا نسبه المصنف إلى مراسيل أبي داود، وهو موجود في سننه ~~مرفوعا: من حديث عقبة بن عامر ms0314 بلفظ: قلت: يا رسول الله في سورة الحج ~~سجدتان؟ قال: نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما. فالعجب كيف نسبه المصنف إلى ~~المراسيل مع وجوده في سننه مرفوعا؟ ولكنه قد وصل في. # (ورواه أحمد والترمذي موصولا من حديث عقبة بن عامر، وزاد) أي الترمذي في ~~روايته: (فمن لم يسجدها فلا يقرأها) بضمير مفرد: أي السورة، أو اية السجدة ~~ويراد الجنس (وسنده ضعيف)، لان فيه ابن لهيعة. قيل: إنه تفرد به، وأيده ~~الحاكم: بأن الرواية صحت فيه من قول عمر، وابنه، وابن مسعود، وابن عباس، ~~وأبي الدرداء، وأبي موسى، وعمار، وساقها موقوفة عليهم، وأكده البيهقي بما ~~رواه في المعرفة: من طريق خالد بن معدان. وفي الحديث رد على أبي حنيفة ~~وغيره ممن قال: إنه ليس بواجب، كما قال: إنه ليس في سورة الحج إلا سجدة ~~واحدة في الأخيرة منها، وفي قوله: فمن لم يسجدها فلا يقرأها تأكيد لشرعية ~~السجود فيها، ومن قال بإيجابه، فهو من أدلته، ومن قال: ليس بواجب، قال: لما ~~ترك السنة، وهو سجود التلاوة بفعل المندوب، وهو القران، كان الأليق ~~الاعتناء بالمسنون وأن لا يتركه، فإذا تركه، فالأحسن له أن لا يقرأ السورة. # (وعن عمر رضي الله عنه قال: يا أيها الناس إنا نمر بالسجود) أي بآيته ~~(فمن سجد، فقد أصاب) أي السنة (ومن لم يسجد، فلا إثم عليه. رواه البخاري. ~~وفيه) أي البخاري عن عمر: (إن الله لم يفرض السجود) أي لم يجعله فرضا (إلا ~~أن نشاء، وهو في الموطأ). فيه دلالة على أن عمر كان لا يرى وجوب سجود ~~التلاوة، واستدل بقوله: إلا أن نشاء: أن من شرع في السجود وجب عليه إتمامه، ~~لأنه مخرج من بعض حالات عدم فرضية السجود. # وأجيب: بأنه استثناء منقطع، والمراد: ولكن ذلك موكول إلى مشيئتنا. # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان النبي (ص) يقرأ علينا القران، فإذا ~~مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا معه. رواه أبو داود بسند فيه لين). لأنه من ~~رواية عبد الله المكبر العمري وهو ضعيف، وأخرجه ms0315 الحاكم من رواية عبيد الله ~~المصغر وهو ثقة. وفي الحديث دلالة على التكبير، وأنه مشروع، وكان الثوري ~~يعجبه هذا الحديث. قال أبو داود: يعجبه، لأنه كبر، وهل هو تكبير الافتتاح، ~~أو النقل؟ الأول أقرب، ولكنه يجتزئ بها عن تكبيرة النقل، لعدم ذكر تكبيرة ~~أخرى، وقيل: يكبر له، وعدم الذكر ليس دليلا، قال بعضهم: ويتشهد ويسلم، ~~قياسا للتحليل على التحريم، وأجيب: بأنه لا يجزئ هذا القياس، فلا دليل على ~~ذلك. وفي الحديث دليل: على مشروعية سجود التلاوة للسامع، لقوله: وسجدنا، ~~وظاهره سواء كانا مصليين معا، أو أحدهما في الصلاة. وقالت الهادوية: إذا ~~كانت الصلاة فرضا أخرها حتى يسلم. # قالوا: لأنها زيادة عن الصلاة فتفسدها، ولما رواه نافع عن ابن عمر أنه ~~قال: كان رسول الله (ص) يقر علينا السورة في غير الصلاة، فيسجد، ونسجد معه ~~أخرجه أبو داود. PageV01P210 # قالوا: ويشرع له أن يسجد إذا كانت الصلاة نافلة، لان النافلة مخفف فيها. ~~وأجيب عن الحديث: بأنه استدلال بالمفهوم، وقد ثبت من فعله (ص): أنه قرأ ~~سورة الانشقاق في الصلاة، وسجد، وسجد من خلفه، وكذلك: سورة تنزيل السجدة، ~~قرأ بها، وسجد فيها. وقد أخرج أبو داود، والحاكم، والطحاوي من حديث ابن ~~عمر: أنه (ص) سجد في الظهر، فرأى أصحابه أنه قرأ اية سجدة، فسجدوها. # واعلم أنه قد ورد الذكر في سجود التلاوة بأن يقول: سجد وجهي للذي خلقه، ~~وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، والحاكم، ~~والبيهقي، وصححه ابن السكن، وزاد في اخره: ثلاثا وزاد الحاكم في اخره: * ~~(فتبارك الله أحسن الخالقين) *، وفي حديث ابن عباس: أنه (ص) كان يقول في ~~سجود التلاوة: اللهم اكتب لي بها عندك أجرا، واجعلها لي عندك ذخرا، وضع عني ~~بها وزرا، وتقبلها مني، كما تقبلتها من عبدك داود. # (وعن أبي بكرة رضي الله عنه، أن النبي (ص) كان إذا جاءه أمر يسره خر ~~ساجدا لله. رواه الخمسة إلا النسائي). هذا مما شملته الترجمة بقوله: وغيره، ~~وهو دليل على شرعية سجود الشكر، وذهبت إلى شرعيته ms0316 الهادوية، والشافعي، ~~وأحمد، خلافا لمالك، ورواية أبي حنيفة: بأنه لا كراهة فيه: ولا ندب، ~~والحديث دليل للأولين، وقد سجد (ص) في اية ص، وقال: هي لنا شكر. # واعلم أنه قد اختلف: هل يشترط لها الطهارة أم لا؟ فقيل: يشترط قياسا على ~~الصلاة، وقيل: # كلا يشترط، لأنها ليست بصلاة، وهو الأقرب كما قدمناه. وقال المهدي: إنه ~~يكبر لسجود الشكر. وقال أبو طالب: ويستقبل القبلة. وقال الامام يحيى: ولا ~~يسجد للشكر في الصلاة قولا واحدا، إذ ليس من توابعها. قيل: ومقتضى شرعيته: ~~حدوث نعمة، أو اندفاع مكروه، فيفعل ذلك في الصلاة، ويكون كسجود التلاوة. # (وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: سجد رسول الله (ص)، فأطال ~~السجود، ثم رفع رأسه، فقال: إن جبريل أتاني فبشرني) وجاء تفسير البشرى: ~~بأنه تعالى قال: من صلى عليك (ص) صلاة: صلى الله عليه بها عشرا رواه أحمد ~~في المسند من طرق (فسجدت لله شكرا. رواه أحمد، وصححه الحاكم) أخرجه البزار، ~~وابن أبي عاصم في فضل الصلاة عليه (ص). قال البيهقي: وفي الباب عن جابر، ~~وابن عمر، وأنس، وجرير، وأبي جحيفة. # (وعن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي (ص) بعث عليا إلى اليمن - ~~فذكر الحديث - قال: فكتب علي بإسلامهم فلما قرأ رسول الله (ص) الكتاب خر ~~ساجدا، شكرا لله تعالى على ذلك. رواه البيهقي. وأصله في البخاري). وفي ~~معناه سجود كعب بن مالك لما أنزل الله توبته، فإنه يدل على أن شرعية ذلك ~~كانت متقررة عندهم. PageV01P211 # سبل السلام تأليف السيد الإمام محمد بن إسماعيل الكحلاني ثم الصنعاني ~~المعروف بالأمير (1059 م - 1182 ه‍) شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الاحكام ~~للحافظ شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن حجر الكناني العسقلاني ~~القاهري (773 - 852 ه‍) ويليه متن نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر مع ~~تعليقات مختارة للإمام ابن حجر الجزء الثاني ملتزم الطبع والنشر شركة مكتبة ~~ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر محمود ناصر الحلبي وشركاه خلفاه ~~PageV02P001 # راجعه وعلق عليه ms0317 المرحوم الشيخ محمد بن العزيز الخولي الأستاذ بدار ~~العلوم بالقاهرة الطبعة الرابعة 1379 ه‍ - 1960 م نضر الله امرأ سمع مقالتي ~~فوعاها، فأداها كما سمعها حديث شريف PageV02P002 # بسم الله الرحمن الرحيم باب صلاة التطوع أي صلاة العبد التطوع فهو من ~~إضافة المصدر إلى مفعوله وحذف فاعله. في القاموس صلاة التطوع: النافلة. (عن ~~ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه) من أهل الصفة كان خادما لرسول الله (ص) ~~صحبه قديما ولازمه حضرا وسفرا، مات سنة ثلاث وستين من الهجرة، وكنيته أبو ~~فراس بكسر الفاء فراء آخره سين مهملة، (قال: قال لي رسول الله (ص): سل، ~~فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال أو غير ذلك؟ # قلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك) أي على نيل مراد نفسك، (بكثرة السجود. # رواه مسلم) حمل المصنف السجود على الصلاة نفلا فجعل الحديث دليلا على ~~التطوع، وكأنه صرفه عن الحقيقة كون السجود بغير صلاة غير مرغب فيه على ~~انفراده والسجود وإن كان يصدق على الفرض، لكن الاتيان بالفرائض لا بد منه ~~لكل مسلم، وإنما أرشده (ص) إلى شئ يختص به ينال به ما طلبه. وفيه دلالة على ~~كمال إيمان المذكور وسمو همته إلى أشرف المطالب وأغلى المراتب وعزف نفسه عن ~~الدنيا وشهواتها. ودلالة على أن الصلاة أفضل الأعمال في حق من كان مثله ~~فإنه لم يرشده (ص) إلى نيل ما طلبه إلا بكثرة الصلاة مع أن مطلوبة أشرف ~~المطالب. # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: حفظت من النبي (ص) عشر ركعات) هذا ~~إجمال فصله بقوله: (ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في ~~بيته) تقييدها يدل على أن ما عداها كان يفعله في المسجد، وكذلك قوله: # (ركعتين بعد العشاء في بيته وركعتين قبل الصبح) لم يقيدهما مع أنه كان ~~يصليهما (ص) في بيته وكأنه ترك التقييد لشهرة ذلك من فعله (ص) (متفق عليه. ~~وفي رواية لهما وركعتين بعد الجمعة في بيته) فيكون قوله عشر ركعات نظرا إلى ~~التكرار كل يوم، (ولمسلم) أي من حديث ms0318 ابن عمر (كان إذا طلع الفجر لا يصلي ~~إلا ركعتين خفيفتين) هما المعدودتان في العشر، وإنما أفاد لفظ مسلم خفتهما، ~~وإنه لا يصلي بعد طلوعه PageV02P003 # سواهما وتخفيفهما مذهب مالك والشافعي وغيرهما. وقد جاء في حديث عائشة. ~~حتى أقول أقرأ بأم الكتاب يأتي قريبا. والحديث دليل على أن هذه النوافل ~~للصلاة وقد قيل في حكمة شرعيتها إن ذلك ليكون ما بعد الفريضة جبرا لما فرط ~~فيها من آدابها وما قبلها لذلك وليدخل في الفريضة، وقد انشرح صدره للاتيان ~~بها وأقبل قلبه علي فعلها. قلت: قد أخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، ~~والحاكم من حديث تميم الداري قال: قال رسول الله (ص): # أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته فإن كان أتمها كتبت له تامة وإن ~~لم يكن أتمها، قال الله لملائكته: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فتكملون ~~بها فريضته ثم الزكاة كذلك ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك. انتهى وهو دليل ~~لما قيل من حكمة شرعيتها، وقوله في حديث مسلم: إنه لا يصلي بعد طلوع الفجر ~~إلا ركعتيه. قد استدل به من يرى كراهة النفل بعد طلوع الفجر وقد قدمنا ذلك. # (وعن عائشة رضي الله عنه أن النبي (ص) كان لا يدع أربعا قبل الظهر ~~وركعتين قبل الغداة. رواه البخاري) لا ينافي حديث ابن عمر في قوله ركعتين ~~قبل الظهر لأن هذه زيادة علمتها عائشة ولم يعلمها ابن عمر، ثم يحتمل أن ~~الركعتين اللتين ذكرهما من الأربع وأنه (ص) كان يصليهما مثنى، وأن ابن عمر ~~شاهد اثنتين فقط ويحتمل أنهما من غيرها، وأنه (ص) كان يصليهما أربعا متصلة. ~~ويؤيد هذا حديث أبي أيوب عند أبي داود، والترمذي في الشمائل، وابن ماجة، ~~وابن خزيمة بلفظ: أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم تفتح لهن أبواب السماء. ~~وحديث أنس: أربع قبل الظهر كعدلهن بعد العشاء وأربع بعد العشاء كعدلهن من ~~ليلة القدر. أخرجه الطبراني في الأوسط، وعلى هذا فيكون قبل الظهر ست ركعات، ~~ويحتمل أنه كان يصلي الأربع تارة ويقتصر عليها وعنها ms0319 أخبرت عائشة، وتارة ~~يصلي ركعتين وعنهما أخبر ابن عمر. # (وعنها) أي عن عائشة (قالت: لم النبي (ص) على شئ من النوافل أشد تعاهدا ~~منه على ركعتي الفجر. متفق عليه) تعاهدا، أي محافظة، وقد ثبت أنه كان لا ~~يتركهما حضرا ولا سفرا، وقد حكى وجوبهما عن الحسن البصري (ولمسلم) أي عن ~~عائشة مرفوعا، (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها)، أي أجرهما خير من ~~الدنيا، وكأنه أريد بالدنيا الأرض وما فيها أثاثها ومتاعها. وفيه دليل على ~~الترغيب في فعلهما وأنها ليستا بواجبتين إذ لم يذكر العقاب في تركهما بل ~~الثواب في فعلهما. # (وعن أم حبيبة أم المؤمنين) تقدم ذكر اسمها وترجمتها، (قالت: سمعت رسول ~~الله (ص) يقول: من صلى اثنتي عشرة ركعة في يومه وليلته) كأن المراد في كل ~~يوم وليلة لا في يوم من الأيام وليلة من الليالي، (بني له بهن بيت في ~~الجنة)، ويأتي تفصيلها في رواية الترمذي، (رواه مسلم وفي رواية) أي مسلم عن ~~أم حبيبة (تطوعا) تمييز للاثنتي عشرة زيادة في البيان وإلا فإنه معلوم، ~~(وللترمذي) أي عن PageV02P004 # أم حبيبة (نحوه) أي نحو حديث مسلم، (وزاد) تفصيل ما أجملته رواية مسلم ~~(أربعا قبل الظهر) هي التي ذكرتها عائشة حديثها السابق، (وركعتين بعدها) هي ~~التي في حديث ابن عمر، (وركعتين بعد المغرب) هي التي قيدها حديث ابن عمر ~~بفي بيته، (وركعتين بعد العشاء) هي التي قيدها أيضا بفي بيته، (وركعتين قبل ~~الصلاة الفجر) هما اللتان اتفق عليهما ابن عمر وعائشة في حديثيهما ~~السابقين، (وللخمسة عنها) أي عن أم حبيبة، (من حافظ على أربع قبل الظهر ~~وأربع بعدها) يحتمل أنها غير الركعتين المذكورتين سابقا، ويحتمل أن المراد ~~أربع فيها الركعتان اللتان مر ذكرهما، (حرمه الله على النار) أي منعه عن ~~دخولها كما يمنع الشئ المحرم ممن حرم عليه. # (وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): رحم الله أمرا صلى ~~أربعا قبل العصر) هذه الأربع لم تذكر فيما سلف من النوافل، فإذا ضمت إلى ~~حديث أم ms0320 حبيبة الذي عند الترمذي كانت النوافل قبل الفرائض وبعدها ست عشرة ~~ركعة، (رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن خزيمة وصححه). وأما صلاة ~~ركعتين قبل العصر فقط فيشملها حديث: بين كل أذانين صلاة. # (وعن عبد الله بن مغفل المزني) بضم الميم وفتح الغين المعجمة وتشديد ~~الفاء مفتوحة هو أبو سعيد في الأشهر عبد الله بن مغفل بن غنم كان من أصحاب ~~الشجرة سكن المدينة المنورة ثم تحول إلى البصرة وابتنى بها دارا، وكان أحد ~~العشرة الذين بعثهم عمر إلى البصرة يفقهون الناس، ومات عبد الله بها سنة ~~ستين وقيل قبلها بسنة، (قال رسول الله (ص) صلوا قبل المغرب صلوا قبل ~~المغرب، ثم قال في الثالثة لمن شاء كراهية) أي لكراهية (أن يتخذها الناس) ~~أي طريقة مألوفة لا يتخلفون عنها فقد يؤدي إلى فوات أول الوقت، (رواه ~~البخاري) وهو دليل على أنها تندب الصلاة قبل صلاة المغرب، إذ هو المراد من ~~قوله: # قبل المغرب لا أن المراد قبل الوقت لما علم من أنه منهي عن الصلاة فيه، ~~(وفي رواية لابن حبان) أي من حديث عبد الله المذكور (أن النبي (ص) صلى قبل ~~المغرب ركعتين) فثبت شرعيتهما بالقول والفعل. # (ولمسلم عن أنس قال: كنا نصل ركعتين بعد غروب الشمس، وكان رسول الله (ص) ~~يرانا فلم يأمرنا ولم ينهنا) فتكون ثابتة بالتقرير أيضا، فثبتت هاتان ~~الركعتان بأقسام السنة الثلاثة ولعل أنسا لم يبلغه حديث عبد الله الذي فيه ~~الامر بهما، وبهذه تكون النوافل عشرين ركعة تضاف إلى الفرائض وهي سبع عشرة ~~ركعة فيتم لمن حافظ على هذه النوافل في اليوم والليلة سبع وثلاثون ركعة ~~وثلاث ركعات الوتر تكون أربعين ركعة في اليوم والليلة، وقال ابن القيم: ثبت ~~أنه كان (ص) يحافظ في اليوم والليلة على أربعين ركعة سبع عشرة الفرائض ~~واثنتي عشرة التي روت أم حبيبة وإحدى عشرة صلاة الليل فكانت أربعين ركعة ~~انتهى، ولا يخفى أنه بلغ عدد ما ذكر هنا من النوافل غير PageV02P005 # الوتر اثنتين وعشرين إن جعلنا الأربع قبل الظهر ms0321 وبعده داخلة تحتها ~~الاثنتان اللتان في حديث ابن عمر ويزاد ما في حديث أم حبيبة التي بعد ~~العشاء فالجميع أربع وعشرون ركعة من دون الوتر والفرائض. # (وعن عائشة رضي الله عنه قالت: كان النبي (ص) يخفف الركعتين اللتين قبل ~~الصبح) أي نافلة الفجر (حتى إني أقول أقرأ بأم الكتاب) يعني أم لا لتخفيفه ~~قيامها (متفق عليه)، وإلى تخفيفهما ذهب الجمهور ويأتي تعيين قدر ما يقرأ ~~فيهما وذهبت الحنفية إلى تطويلهما ونقل عن النخعي، وأورد فيه البيهقي حديثا ~~مرسلا عن سعيد بن جبير وفيه لم يسم، وما ثبت في الصحيح لا يعارضه مثل ذلك. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي (ص) قرأ في ركعتي الفجر * (قل يا ~~أيها الكافرون) *) أي في الأولى بعد الفاتحة، (رواه مسلم)، وفي رواية لمسلم ~~أي عن أبي هريرة: قرأ الآيتين أي في ركعتي الفجر: * (قولوا آمنا بالله وما ~~أنزل إلينا) * - إلى آخر الآية في البقرة - عوضا عن: * (قل يا أيها ~~الكافرون) *، و * (قل يا أهل الكتاب تعالوا) * - الآية في آل عمران - عوضا ~~عن * (قل هو الله أحد) *، وفيه دليل على جواز الاقتصار على آية من وسط ~~السورة. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي (ص) إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع ~~على شقه الأيمن. رواه البخاري) العلماء في هذه الضجعة بين مفرط ومفرط ~~ومتوسط فأفرط جماعة من أهل الظاهر منهم ابن حزم ومن تابعه فقالوا بوجوبها، ~~وأبطلوا صلاة الفجر بتركها، وذلك لفعله المذكور في هذا الحديث، ولحديث ~~الامر بها في حديث أبي هريرة عن النبي (ص) إذا صلى أحدكم الركعتين قبل ~~الصبح فليضطجع على جنبه الأيمن. قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب، وقال ابن ~~تيمية: # ليس بصحيح لأنه تفرد به عبد الواحد ابن زياد وفي حفظ مقال. قال المصنف: ~~والحق أنه تقوم به الحجة إلا أنه صرف الامر عن الوجوب ما ورد من عدم ~~مداومته (ص) على فعلها. وفرط جماعة فقالوا بكراهتها واحتجوا بأن ابن عمر ~~كان لا يفعل ذلك ويقول: # كفى بالتسليم أخرجه ms0322 عبد الرزاق وبأنه كان يحصب من يفعلها وقال ابن مسعود: ~~ما بال الرجل إذا صلى الركعتين تمعك كما يتمعك الحمار وتوسط فيها طائفة ~~منهم مالك وغيره فلم يروا بها بأسا لم فعلها راحة، وكرهوها لمن فعلها ~~استنانا. ومنهم من قال باستحبابها على الاطلاق سواء فعلها استراحة أم لا. ~~قيل: وقد شرعت لمن يتهجد من الليل لما أخرجه عبد الرزاق عن عائشة كانت ~~تقول: إن النبي (ص) لم يضطجع لسنة لكنه كان يدأب ليلة فيضطجع ليستريح منه. ~~وفيه راو لم يسم، وقال النووي: المختار أنها سنة لظاهر حديث أبي هريرة. ~~قلت: وهو الأقرب وحديث عائشة لو صح فغايته أنه إخبار عن فهمها، وعدم ~~استمراره (ص) عليها دليل سنيتها ثم إنه يسن على الشق الأيمن، قال ابن حزم: ~~فإن تعذر على الأيمن فإنه يومئ ولا يضطجع على الأيسر. PageV02P006 # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إذا صلى أحدكم ~~الركعتين قبل صلاة الصبح فليضطجع على جنبه الأيمن. # رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه) تقدم الكلام، وأنه كان (ص) يفعلها، ~~وهذه رواية في الامر بها وتقدم أنه صرفه عن الايجاب ما عرفت وعرفت كلام ~~الناس فيه. # (وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): صلاة الليل مثنى ~~مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى متفق عليه). ~~الحديث دليل على مشروعية نافلة الليل مثنى مثنى، فيسلم على كل ركعتين. ~~وإليه ذهب جماهير العلماء، وقال مالك: لا تجوز الزيادة على اثنتين لان ~~مفهوم الحديث الحصر، لأنه في قوة ما صلاة الليل إلا مثنى مثنى لان تعريف ~~المبتدأ قد يفيد ذلك على الأغلب، وأجاب الجمهور بأن الحديث وقع جوابا لمن ~~سأل عن صلاة الليل فلا دلالة فيه على الحصر، وبأنه لو سلم فقد عارضه فعله ~~(ص) وهو ثبوت إيتاره بخمس، كما في حديث عائشة عند الشيخين والفعل قرينة على ~~عدم إرادة الحصر. وقوله: فإذا خشي أحدكم الصبح أوتر بركعة دليل على أنه لا ~~يوتر ms0323 بركعة واحدة إلا لخشية طلوع الفجر وإلا أوتر بخمس أو سبع أو نحوها لا ~~بثلاث للنهي عن الثلاث، فإنه أخرج الدارقطني، والحاكم، وابن حبان من حديث ~~أبي هريرة مرفوعا (أوتروا بخمس أو بسبع أو بتسع أو إحدى عشرة)، زاد الحاكم: ~~ولا توتروا بثلاث لا تشبهوا بصلاة المغرب. قال المصنف: ورجاله كلهم ثقات ~~ولا يضره وقف من وقفه، إلا أنه قد عارضه حديث أبي أيوب: من أحب أن يوتر ~~بثلاث فليفعل، أخرجه أبو داود والنسائي، وابن ماجة وغيرهم. وقد جمع بينهما ~~بأن النهي عن الثلاثة إذا كان يقعد للتشهد الأوسط لأنه يشبه المغرب، وأما ~~إذا لم يقعد إلا في آخرها فلا يشبه المغرب، وهو جمع حسن قد أيده حديث عائشة ~~عند أحمد، والنسائي، والبيهقي، والحاكم: كان (ص) يوتر بثلاث لا يجلس إلا في ~~آخرتهن. ولفظ أحمد: كان يوتر بثلاث لا يفصل بينهن. ولفظ الحاكم: لا يقعد. ~~هذا وأما مفهوم أنه لا يوتر بواحدة إلا لخشية طلوع الفجر، فإنه يعارضه حديث ~~أبي أيوب هذا فإن فيه: ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل. وهو أقوى من مفهوم ~~حديث الكتاب، وفي حديث أبي أيوب دليل على صحة الاحرام بركعة واحدة، وسيأتي ~~قريبا. # (وللخمسة) أي من حديث أبي هريرة، (وصححه ابن حبان بلفظ: صلاة الليل ~~والنهار مثنى مثنى، وقال النسائي: هذا خطأ) أخرجه المذكورين من حديث علي بن ~~عبد الله البارقي عن ابن عمر بهذا، وأصله في الصحيحين بدون ذكر النهار، ~~وقال ابن عبد البر: لم يقله أحد عن ابن عمر غير علي وأنكروه عليه، وكان ابن ~~معين يضعف حديثه هذا ولا يحتج به، ويقول: إن نافعا وعبد الله بن دينار ~~وجماعة رووه عن ابن عمر بدون ذكر النهار، وروي بسنده عن يحيى بن معين أنه ~~قال: صلاة النهار أربع لا يفصل بينهن فقيل له: فإن أحمد بن حنبل يقول: صلاة ~~الليل والنهار مثنى مثنى، قال: بأي حديث قيل بحديث PageV02P007 # الأزدي، قال: ومن الأزدي حتى أقبل منه. قال النسائي: هذا الحديث عندي ~~خطأ، وكذا قال ms0324 الحاكم في علوم الحديث، وقال الدارقطني في العلل: ذكر النهار ~~فهي وهم، وقال الخطابي: روي هذا الحديث طاوس ونافع وغيرهما عن ابن عمر فلم ~~يذكر فيه أحد النهار إلا أن سبيل الزيادة من الثقة أن تقبل، وقال البيهقي: ~~هذا حديث صحيح وقال: والبارقي احتج به مسلم والزيادة من الثقة مقبولة، ~~انتهى كلام المصنف في التلخيص. فانظر إلى كلام الأئمة في هذه الزيادة فقد ~~اختلفوا فيها اختلافا شديدا. ولعل الامرين جائزان، وقال أبو حنيفة: يخير في ~~النهار بين أن يصلي ركعتين ركعتين أو أربعا أربعا ولا يزيد على ذلك. # وقد أخرج البخاري ثمانية أحاديث في صلاة النهار ركعتين. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): أفضل الصلاة بعد ~~الفريضة) فإنها أفضل الصلاة، (صلاة الليل أخرجه مسلم) يحتمل أنه يريد ~~بالليل جوفه، لحديث أبي هريرة عند الجماعة إلا البخاري قال: سئل رسول الله ~~(ص) أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: الصلاة في جوف الليل. وفي حديث عمرو ~~بن عبسة عند الترمذي وصححه: أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل ~~الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن. وفي حديثه ~~أيضا عند أبي داود: قلت: # يا رسول الله أي الليل أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر فصل ما شئت فإن الصلاة ~~فيه مكتوبة مشهودة. والمراد من جوفه الآخر هو الثلث الآخر كما وردت به ~~الأحاديث. # (وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: الوتر حق على ~~كل مسلم) هو دليل لمن قال بوجوب الوتر، (من أحب أن يوتر بخمس فليفعل ومن ~~أحب أن يوتر بثلاث فليفعل)، قد قدمنا الجمع بينه وبين ما عارضه، (ومن أحب ~~أن يوتر بواحدة) من دون أن يضيف إليها غيرها كما هو الظاهر، (فليفعل رواه ~~الأربعة إلا الترمذي وصححه ابن حبان ورجح النسائي وقفه)، وكذا صحح أبو ~~حاتم، والذهلي، والدارقطني في العلل، والبيهقي وغير واحد وقفه. قال المصنف: ~~وهو الصواب، قلت: وله حكم الرفع إذ لا ms0325 مسرح للاجتهاد فيه أي في المقادير. ~~والحديث دليل على إيجاب الوتر، ويدل له أيضا حديث أبي هريرة عند أحمد: من ~~لم يوتر فليس منا. # وإلى وجوبه ذهبت الحنفية، وذهب الجمهور إلى أنه ليس بواجب مستدلين بحديث ~~علي رضي الله عنه: الوتر ليس بحتم كهيئة المكتوبة ولكنه سنة سنها رسول الله ~~(ص) ويأتي، ولفظه عند ابن ماجة: إن الوتر ليس بحتم ولا كصلاتكم المكتوبة ~~ولكن رسول الله (ص) أوتر وقال: يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر يحب ~~الوتر. # وذكر المجد ابن تيمية أن ابن المنذر روى حديث أبي أيوب، بلفظ: الوتر حق ~~وليس بواجب، وبحديث: ثلاث هن على فرائض ولكم تطوع. وعد منها الوتر وإن كان ~~ضعيفا فله متابعات يتأيد بها، على أن حديث أبي أيوب الذي استدل به على ~~الايجاب قد عرفت أن PageV02P008 # الأصح وقفه عليه، وإن سبق أن له حكم المرفوع فهو لا يقاوم الأدلة الدالة ~~على عدم الايجاب، والايجاب قد يطلق على المسنون تأكيدا كما سلف في غسل ~~الجمعة، وقوله: بخمس وبثلاث أي: ولا يقعد إلا في آخرها، ويأتي حديث عائشة ~~في الخمس. وقوله: بواحدة ظاهره مقتصرا عليها، وقد روى فعل ذلك عن جماعة من ~~الصحابة، فأخرج محمد بن نصر وغيره بإسناد صحيح عن السائب بن يزيد: أن عمر ~~قرأ القرآن ليلة في ركعة لم يصل غيرها. وروى البخاري: أن معاوية أوتر بركعة ~~وأن ابن عباس استصوبه. # (وعن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: ليس الوتر بحتم كهيئة المكتوبة ~~ولكن سنة سنها رسول الله (ص) رواه الترمذي والنسائي وحسنه والحاكم وصححه) ~~تقدم أنه من أدلة الجمهور على عدم الوجوب. وفي حديث علي هذا عاصم بن ضمرة ~~تكلم في غير واحد وذكره القاضي الخيمي في حواشيه على بلوغ المرام ولم أجده ~~في التلخيص، بل ذكر هنا أنه صححه الحاكم ولم يتعقبه فما أدري من أين نقل ~~القاضي ثم رأيت في التقريب ما لفظه: عاصم بن ضمرة السلولي الكوفي صدوق من ~~السادة، مات سنة أربع وسبعين. # (وعن جابر ms0326 بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قام في شهر رمضان ~~ثم انتظروه من القابلة فلم يخرج، وقال: إني خشيت أن يكتب عليكم الوتر. ورآه ~~ابن حبان) أبعد المصنف النجعة. والحديث في البخاري إلا أنه بلفظ: أن تفرض ~~عليكم صلاة الليل، وأخرجه أبو داود من حديث عائشة، ولفظه: أن النبي (ص) صلى ~~في المسجد فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا في ~~الليلة الثالثة فلم يخرج إليهم رسول الله (ص)، فلما أصبح قال: # قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض ~~عليكم هذا، والحديث في البخاري بقريب من هذا. # وأعلم أنه قد أشكل التعليل لعدم الخروج بخشية الفرضية عليهم مع ثبوت ~~حديث: هي خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي، فإذا أمن التبديل كيف يقع الخوف ~~من الزيادة؟ # وقد نقل المصنف عنه أجوبة كثيرة وزيفها، وأجاب بثلاثة أجوبة، قال: إنه ~~فتح الباري عليه بها وذكرها واستجود منها أن خوفه (ص) كان من افتراض قيام ~~الليل يعني جعل التهجد في المسجد جماعة شرطا في صحة التنقل بالليل قال: ~~ويومئ إليه قوله في حديث زيد بن ثابت: حتى خشيت أن يكتب عليكم ولو كتب ~~عليكم ما قمتم به فصلوا أيها الناس في بيوتكم فمنعهم من التجمع في المسجد ~~إشفاقا عليهم من اشتراطه انتهى. قلت: # ولا يخفى أنه لا يطابق قوله: أن تفرض عليكم صلاة الليل كما في البخاري، ~~فإنه ظاهر أنه خشية فرضها مطلقا، وكان ذلك في رمضان، فدل على أنه صلى بهم ~~ليلتين. وحديث الكتاب أنه صلى بهم ليلة واحدة وفي رواية أحمد: إنه (ص) صلى ~~بهم ثلاث ليال PageV02P009 # وغص المسجد بأهله في الليلة الرابعة، وفي قوله: خشيت أن يكتب عليكم الوتر ~~دلالة على أن الوتر غير واجب. # واعلم أن أثبت صلاة التراويح وجعلها سنة في قيام رمضان استدل بهذا الحديث ~~على ذلك، وليس فيه دليل على كيفية ما يفعلونه ولا كميته، فإنهم يصلونها ~~جماعة عشرين يتروحون بين ms0327 كل ركعتين، فأما الجماعة فإن عمر أول من جمعهم على ~~إمام معين وقال: إنها بدعة كما أخرجه مسلم في صحيحه، وأخرجه غيره من حديث ~~أبي هريرة: أنه (ص) كان يرغبهم في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة ~~فيقول من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، قال: وتوفي ~~رسول الله (ص) والامر على ذلك، وفي خلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر زاد ~~في رواية عند البهيقي: قال عروة: فأخبرني عبد الرحمن القارى أن عمر بن ~~الخطاب خرج ليلة فطاف في رمضان في المسجد وأهل المسجد أوزاع متفرقون يصلي ~~الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: # والله لأظن لو جمعناهم على قارئ واحد فأمر أبي بن كعب أن يقوم بهم في ~~رمضان فخرج عمر والناس يصلون بصلاته فقال عمر: نعم البدعة هذه، وساق ~~البيهقي في السنن عدة روايات في هذا المعنى. # واعلم أنه يتعين حمل قوله بدعة على جمعه لهم على معين وإلزامهم بذلك لا ~~أنه أراد أن الجماعة بدعة فإنه (ص) قد جمع بهم كما عرفت. إذا عرفت هذا عرفت ~~أن عمر هو الذي جعلها جماعة على معين وسماها بدعة. وأما قوله: نعم البدعة، ~~فليس في البدعة ما يمدح بل كل بدعة ضلالة وأما الكمية وهي جعلها عشرين ~~ركعة، فليس فيه حديث مرفوع إلا ما رواه عبد بحميد والطبراني من طريق أبي ~~شيبة إبراهيم بن عثمان، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: أن رسول الله (ص) ~~كان يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر، قال في سبل الرشاد: أبو شيبة ضعفه ~~أحمد، وابن معين، والبخاري، ومسلم، وداود، والترمذي والنسائي، وغيرهم وكذبه ~~شعبة، وقال ابن معين: ليس بثقة، وعد هذا الحديث من منكراته، وقال الأذرعي ~~في المتوسط: وأما ما نقل أنه (ص) صلى في الليلتين اللتين خرج فيهما عشرين ~~ركعة فهو منكر، وقال الزركشي في الخادم: دعوى أنه (ص) صلى بهم في تلك ~~الليلة عشرين ركعة لم تصح، بل الثابت في الصحيح الصلاة ms0328 من غير ذكر بالعداد ~~ولما في رواية جابر: أنه (ص) صلى بهم ثمان ركعات والوتر، ثم انتظروه في ~~القابلة فلم يخرج إليهم. رواه ابن حبان في صحيحهما انتهى. وأخرج البيهقي ~~رواية ابن عباس من طريق أبي شيبة، ثم قال: إنه ضعيف وساق روايات: أن عمر ~~أمر أبيا وتميما الداري يقومان بالناس بعشرين ركعة وفي رواية: أنهم كانوا ~~يقومون في زمن عمر بعشرين ركعة، وفي رواية بثلاث وعشرين ركعة. وفي رواية: ~~أن عليا رضي الله عنه كان يؤمهم بعشرين ركعة ويوتر بثلاث، قال: وفيه قوة. ~~إذا عرفت هذا علمت أنه ليس في العشرين رواية مرفوعة، بل يأتي حديث عائشة ~~المتفق عليه قريبا: أنه (ص) ما كان PageV02P010 # يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، فعرفت من هذا كله أن صلاة ~~التراويح على هذا الأسلوب الذي اتفق عليه الأكثر بدعة نعم قيام رمضان سنة ~~بلا خلاف، والجماعة في نافلته لا تنكر، وقد ائتم ابن عباس رضي الله عنه ~~وغيره به (ص) في صلاة الليل، لكن جعل هذه الكيفية والكمية سنة، والمحافظة ~~عليها هو الذي نقول: إنه بدعة، وهذا عمر رضي الله عنه خرج أولا، والناس ~~أوزاع متفرقون منهم من يصلي منفردا ومنهم من يصلي جماعة على ما كانوا في ~~عصره (ص) وخير الأمور ما كان على عهده. # وأما تسميتها بالتراويح فكأن وجهه ما أخرجه البيهقي من حديث عائشة قالت: ~~كان رسول الله (ص) يصلي أربع ركعات في الليل ثم يتروح فأطال حتى رحمته. ~~الحديث، قال البيهقي: تفرد به المغيرة بن دياب وليس بالقوي، فإن ثبت فهو ~~أصل في تروح الامام في صلاة التراويح. انتهى. وأما حديث: عليكم بسنتي وسنة ~~الخلفاء الراشدين بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ. أخرجه أحمد، وأبو ~~داود، وابن ماجة، والترمذي، وصححه الحاكم، وقال: # على شرط الشيخين. ومثله حديث: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر أخرجه ~~الترمذي، وقال: حسن، وأخرجه أحمد، وابن ماجة، وابن حبان، وله طرق فيها مقال ~~إلا أنه يقوي بعضها بعضا. فإنه ليس المراد ms0329 بسنة الخلفاء الراشدين إلا ~~طريقتهم الموافقة لطريقته (ص) من جهاد الأعداء وتقوية شعائر الدين ونحوها، ~~فإن الحديث عام لكل خليفة راشد لا يخص الشيخين، ومعلوم من قواعد الشريعة أن ~~ليس لخليفة راشد أن يشرع طريقة غير ما كان عليها النبي (ص) ثم عمر رضي الله ~~عنه نفسه الخليفة الراشد سمي ما رآه من تجميع صلاته ليالي رمضان بدعة ولم ~~يقل: إنها سنة فتأمل على أن الصحابة رضي الله عنهم خالفوا الشيخين في مواضع ~~ومسائل، فدل أنه لم يحملوا الحديث على أن ما قالوه وفعلوه حجة، وقد حقق ~~البرماوي الكلام في شرح ألفيته في أصول الفقه مع أنه قال: إنما الحديث ~~الأول يدل أنه إذا اتفق الخلفاء الأربعة على قول كان حجة لا إذا انفرد واحد ~~منهم والتحقيق أن الاقتداء ليس هو التقليد بل هو غيره كما حققناه فشرح نظم ~~الكافل في بحث الاجماع. # (وعن خارجة) بالخاء المعجمة فراء بعد الألف فجيم هو (ابن حذافة) بضم ~~المهملة فذال بعدها معجمة ففاء بعد الألف وهو قرشي عدوي كان يعدل بألف ~~فارس، روي أن عمرو بن العاص استمد من عمر بثلاثة آلاف فارس فأمده بثلاثة ~~وهم خارجة بن حذافة والزبير بن العوام والمقداد بن الأسود. ولي خارجة ~~القضاء بمصر لعمرو بن العاص، وقيل: كان على شرطته وعداده في أهل مصر، قتله ~~الخارجي ظنا منه أنه عمرو بن العاص حين تعاقدت الخوارج على قتل ثلاثة علي ~~عليه السلام ومعاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهما فتم أمر الله في أمير ~~المؤمنين علي عليه السلام دون الآخرين وإلى الغلط بخارجة أشار من قال ~~فليتها إذ فدت عمرا بخارجة فدت عليا بمن شاءت من البشر وكان قتل خارجة سنة ~~أربعين (قال: قال رسول الله (ص): إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر ~~النعم قلنا: وما هي يا رسول الله قال: PageV02P011 # الوتر ما بين الصلاة العشاء إلى طلوع الفجر. رواه الخمسة إلا النسائي ~~وصححه الحاكم). # قلت: قال الترمذي عقيب اخراجه له: حديث خارجة بن حذافة، ms0330 حديث غريب لا ~~نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي حبيب، وقد وهم بعض المحدثين في هذا الحديث ~~ثم ساق الوهم فيه فكان يحسن من المصنف التنبيه على ما قاله الترمذي هذا. ~~وفي الحديث ما يفيد عدم وجوب الوتر لقوله: أمدكم، فإن الامداد هو الزيادة ~~بما يقوي المزيد عليه، يقال: مد الجيش وأمده إذا زاده وألحق به ما يقويه ~~ويكثره ومد الدواة وأمدها زادها ما يصلحها، ومددت السراج والأرض إذا ~~أصلحتهما بالزيت والسماد. # فائدة في حكمة شرعية النوافل أخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، والحاكم ~~من حديث تميم الداري مرفوعا: أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن ~~كان أتمها كتبت له تامة، وإن لم يكن أتمها، قال الله تعالى لملائكته: * ~~(انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فتكملون بها فريضته) * ثم الزكاة كذلك) *، ~~ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك، وأخرجه الحاكم في الكنى من حديث ابن عمر ~~مرفوعا: أول ما افترض الله على أمتي الصلوات الخمس، وأول ما يرفع من ~~أعمالهم الصلوات الخمس، وأول ما يسألون عنه الصلوات الخمس، فمن كان ضيع ~~شيئا منها يقول نقص من الفريضة؟ وانظروا صيام عبدي شهر رمضان فإن كان ضيع ~~شيئا منه فانظروا هل تجدون لعبدي نافلة من صيام تتمون بها ما نقص من ~~الصيام؟ وانظروا في زكاة عبدي، فإن كان ضيع شيئا فانظروا هل تجدون لعبدي ~~نافلة من صدقة تتمون بها ما نقص من الزكاة فيؤخذ ذلك على فرائض الله وذلك ~~برحمة الله وعدله، فإن وجد له فضل وضع في ميزانه، وقيل له: ادخل الجنة ~~مسرورا وإن لم يوجد له شئ من ذلك أمرت الزبانية، فأخذت بيديه ورجليه ثم قذف ~~في النار، وهو كالشرح والتفصيل لحديث تميم الداري (وروي أحمد عن عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده نحوه) أي نحو حديث خارجة فشرحه شرحه. # (وعن عبد الله بن بريدة) بضم الموحدة بعدها راء مهملة مفتوحة ثم مثناة ~~تحتية ساكنة فدال مهملة مفتوحة هو ابن الحصيب بضم الحاء المهملة وفتح الصاد ~~المهملة ms0331 والمثناة التحتية والباء الموحدة الأسلمي وعبد الله من ثقات ~~التابعين سمع أباه وسمرة بن جندب وآخرين وتولى قضاء مرو ومات بها (عن أبيه) ~~بريدة بن الحصيب تقدم ذكره (قال: قال رسول الله (ص): الوتر حق) أي لازم فهو ~~من أدلة الايجاب، (فمن لم يوتر فليس منا أخرجه أبو داود بسند لين) لان فيه ~~عبد الله بن عبد الله العتكي، ضعفه البخاري والنسائي، وقال أبو حاتم: صالح ~~الحديث، (وصححه الحاكم)، وقال ابن معين: إنه موقوف (وله شاهد ضعيف عن أبي ~~هريرة عند أحمد)، رواه بلفظ: من لم يوتر فليس منا، وفيه الخليل بن مرة منكر ~~الحديث، وإسناده منقطع كما قاله أحمد، ومعنى ليس منا ليس على سنتنا ~~وطريقتنا، والحديث محمول على تأكد السنية للوتر جمعا بينه وبين الأحاديث ~~الدالة على عدم الوجوب. PageV02P012 # (وعن عائشة رضي الله عنه قالت: ما كان رسول الله (ص) يزيد في رمضان ولا ~~في غيره على إحدى عشرة ركعة)، ثم فصلتها بقولها (يصلي أربعا) يحتمل أنها ~~متصلا وهو الظاهر، ويحتمل أنها مفصلات وهو بعيد إلا أنه يوافق حديث صلاة ~~الليل مثنى مثنى، (فلا تسأل عن حسنهن وطولهن) نهت عن سؤال ذلك إما أنه لا ~~يقدر المخاطب على مثله فأي حاجة له في السؤال، أو لأنه قد علم حسنهن وطولهن ~~لشهرته فلا يسئل عنه أو لأنها لا تقدر تصف ذلك، (ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن ~~حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثا قالت: فقلت يا رسول الله أتنام قبل أن يوتر) ~~كأنه كان ينام بعد الأربع ثم يقوم فيصلي الثلاث وكأنه كان قد تقرر عند ~~عائشة أن النوم ناقض للوضوء فسألته فأجابها بقوله: (قال: # يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي) دل على أن الناقض نوم القلب وهو ~~حاصل مع كل من نام مستغرقا فيكون من الخصائص أن النوم لا ينقض وضوءه (ص)، ~~وقد صرح المصنف بذلك في التلخيص، واستدل بهذا الحديث وبحديث ابن عباس: أنه ~~(ص) نام حتى نفخ ثم قام فصلى ولم يتوضأ. وفي البخاري: # إن ms0332 الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم (متفق عليه). # اعلم أنه قد اختلفت الروايات عن عائشة في كيفية صلاته (ص) في الليل ~~وعددها، فقد روى عنها سبع وتسع وإحدى عشرة سوى ركعتي الفجر، ومنها هذه ~~الرواية التي أفادها قوله (وفي رواية لهما) أي الشيخين (عنها) أي عائشة ~~(كان يصلي من الليل عشر ركعات) وظاهره أنها موصولة لا قعود فيها، (ويوتر ~~بسجدة) أي ركعة، (ويركع ركعتي الفجر) أي بعد طلوعه، (فتلك) أي الصلاة في ~~الليل مع تغليب ركعتي الفجر أو فتلك الصلاة جميعا، (ثلاث عشرة ركعة)، وفي ~~رواية: أنه كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ثم يصلي إذا سمع النداء ~~ركعتين خفيفتين فكانت خمس عشرة ركعة. ولما اختلفت ألفاظ حديث عائشة زعم ~~البعض أنه حديث مضطرب، وليس كذلك، بل الروايات محمولة على أوقات متعددة ~~وأوقات مختلفة بحسب النشاط وبيان الجواز وأن الكل جائز، وهذا لا يناسبه ~~قولها ولا في غيره، والأحسن أن يقال: إنها أخبرت عن الأغلب من فعله (ص) فلا ~~ينافيه ما خالفه لأنه إخبار عن النادر. # (وعنها) أي عائشة، (قالت: كان رسول الله (ص) يصلي من الليل ثلاث عشرة ~~ركعة) لم تفصلها وتبين على كم كان يسلم كما ثبت ذلك في الحديث السابق إنما ~~بينت هذا في الوتر بقولها: (ويوتر من ذلك) أي العدد المذكور (بخمس لا يجلس ~~في شئ إلا في آخرها) كأن هذا أحد أنواع إيتاره (ص) كما إن الايتار بثلاث ~~أحدها كما أفاده حديثها السابق. # (وعنها) أي عائشة (قالت: من كل الليل قد أوتر رسول الله (ص) أي من أوله ~~وأوسطه وآخره، (وانتهى وتره إلى السحر. متفق عليهما) أي على الحديثين وهذا ~~الحديث بيان لوقت الوتر وأنه الليل كله من بعد صلاة العشاء، وقد أفاد ذلك ~~حديث PageV02P013 # خارجة حيث قال: الوتر ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وقد ذكرنا ~~أنواع الوتر التي وردت في حاشية ضوء النهار. # (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله (ص): # يا عبد الله لا تكن مثل ms0333 فلان كان يقوم من الليل فترك قيام الليل. متفق ~~عليه). قوله: مثل فلان قال المصنف في فتح الباري: لم أقف على تسميته في شئ ~~من الطرق وكأن إبهام هذا القصد للستر عليه، قال ابن العربي: هذا الحديث ~~دليل على أن قيام الليل ليس بواجب، إذ لو كان واجبا لم يكتف لتاركه بهذا ~~القدر، بل كان يذمه أبلغ ذم. وفيه استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من ~~الخير من غير تفريط ويستنبط منه كراهة قطع العبادة. # (وعن علي عليه السلام قال: قال رسول الله (ص): أوتروا يا أهل القرآن فإن ~~الله وتر) في النهاية أي واحد في ذاته لا يقبل الانقسام ولا التجزئة واحد ~~في صفاته لا شبيه له ولا مثل. واحد في أفعاله لا شريك له ولا معين، (يحب ~~الوتر) يثيب عليه ويقبله من عامله، (رواه الخمسة وصححه ابن خزيمة). المراد ~~بأهل القرآن المؤمنون لأنهم الذي صدقوا القرآن وخاصة من يتولى حفظه ويقوم ~~بتلاوته ومراعاة حدوده وأحكامه. # والتعليل بأنه تعالى وتر فيه - كما قال القاضي عياض: - أن كل ما ناسب ~~الشئ أدنى مناسبة كان أحب إليه وقد عرفت أن الامر للندب للأدلة التي سلفت ~~الدالة على عدم وجوب الوتر. # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي (ص) قال: اجعلوا آخر صلاتكم بالليل ~~وترا متفق عليه) في فتح الباري أنه اختلف السلف في موضعين: # أحدهما في مشروعية ركعتين بعد الوتر من جلوس. والثاني: من أوتر ثم أراد ~~أن ينتفل من الليل هل يكتفي بوتره الأول وينتفل ما شاء أو يشفع وتره بركعة ~~ثم ينتفل، ثم إذا فعل هذا هل يحتاج إلى وتر آخر أو لا. أما الأول فوقع عند ~~مسلم من طريق أبي سلمة عن عائشة: أنه (ص) كان يصلي من الليل ركعتين بعد ~~الوتر وهو جالس. وقد ذهب إليه بعض أهل العلم وجعل الامر في قوله: اجعلوا ~~آخر صلاتكم بالليل وترا مختصا بمن أوتر آخر الليل، وأجاب من لم يقل بذلك ~~بأن الركعتين المذكورتين هما ركعتا الفجر، وحمله النووي ms0334 على أنه (ص) فعل ~~ذلك لبيان جواز النفل بعد الوتر وجواز التنفل جالسا. وأما الثاني: فذهب ~~الأكثر إلى أنه يصلي شفعا ما أراد ولا ينقض وتره الأول عملا بالحديث وهو: ~~(وعن طلق بن علي رضي الله عنه سمعت رسول الله (ص) يقول: # لا وتران في ليلة رواه أحمد والثلاثة وصححه ابن حبان)، فدل على أنه لا ~~يوتر بل يصلي شفعا ما شاء، وهذا نظر إلى ظاهر فعله وإلا فإنه لما شفع وتره ~~الأول لم يبق إلا وترا واحد هو ما يفعله آخرا. وقد روي، عن ابن عمر أنه ~~قال: لما سئل عن ذلك: إذ كنت لا تخاف الصبح ولا النوم فاشفع ثم صل ما بدا ~~لك ثم أوتر. # (وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: كان رسول الله (ص) يوتر) أي يقرأ في ~~صلاة الوتر (بسبح اسم ربك الأعلى) أي في الأولى بعد قراءة الفاتحة، ~~PageV02P014 # (وقل يا أيها الكافرون) أي في الثانية بعدها، (وقل هو الله أحد) أي في ~~الثالثة بعدها. (رواه أحمد وأبو داود والنسائي وزاد) أي النسائي (ولا يسلم ~~إلا في آخرهن) الحديث دليل على الايتار بثلاث، وقد عارضه حديث: لا توتروا ~~بثلاث وهو عن أبي هريرة، صححه الحاكم، وقد صحح الحاكم عن ابن عباس، وعائشة ~~كراهية الوتر بثلاث، وقد قدمنا وجه الجمع ثم الوتر بثلاث أحد أنواعه كما ~~عرفت فلا يتعين فيه. فذهبت الحنفية والهادوية إلى تعيين الايتار بالثلاث ~~تصلي موصولة، قالوا: لان الصحابة أجمعوا على أن الايتار بثلاث موصولة جائز، ~~اختلفوا فيما عداه، فالأخذ به أخذ بالاجماع ورد عليهم بعدم صحة الاجماع كما ~~عرفت. # (ولأبي داود والترمذي نحوه) أي نحو حديث أبي (عن عائشة وفيه كل سورة) من ~~سبح والكافرون (في ركعة) من الأولى والثانية كما بيناه، (وفي الأخيرة * (قل ~~هو الله أحد والمعوذتين) في حديث عائشة لين لان فيه خصيفا الجزري، ورواه ~~ابن حبان والدارقطني من حديث يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة. قال العقيلي: ~~إسناده صالح. وقال ابن الجوزي: # أنكر أحمد ويحيى ms0335 بن معين زيادة المعوذتين، وروى ابن السكن له شاهدا من ~~حديث عبد الله بن سرجس بإسناد غريب. # (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي (ص) قال: أوتروا قبل أن ~~تصبحوا. رواه مسلم) هو دليل على أن الوتر قبل الصبح (ولابن حبان) أي من ~~حديث أبي سعيد، (من أدرك الصبح ولم يوتر فلا وتر له) وهو دليل على أنه لا ~~يشرع الوتر بعد خروج الوقت. وإما أنه لا يصح قضاؤه فلا، إذ المراد من تركه ~~متعمدا فإنه فاتته السنة العظمى حتى أنه لا يمكنه تداركه، وقد حكى ابن ~~المنذر عن جماعة من السلف أن الذي يخرج بالفجر وقته الاختياري، وأما وقته ~~الاضطراري فيبقى إلى قيام صلاة الصبح، وأما من نام عن وتره ونسيه فقد بين ~~حكمه الحديث وهو قوله: # (وعنه) أي عن أبي سعيد (قال: قال رسول الله (ص): من نام عن الوتر أو نسيه ~~فليصل إذا أصبح أو ذكر) لف ونشر مرتب، حيث كان نام أو ذكر إذا كان ناسيا ~~(رواه الخمسة إلا النسائي)، فدل على أن من نام عن وتره أو نسيه فحكمه حكم ~~من نام عن الفريضة أو نسيها أنه يأتي بها عند الاستيقاظ أو الذكر أو القياس ~~أنه أداء كما عرفت فيمن نام عن الفريضة أو نسيها. # (وعن جابر رضي الله عنه) هو ابن عبد الله، (قال: قال رسول الله (ص) : من ~~خاف أن لا يقوم من الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر ~~الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل رواه مسلم) فيه دلالة على أن ~~تأخير الوتر أفضل، ولكن إن خاف أن لا يقوم قدمه لئلا يفوته فعلا، وقد ذهب ~~جماعة من السلف إلى هذا وإلى هذا وفعل كل بالحالين، ومعنى كون صلاة آخر ~~الليل مشهودة تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار. PageV02P015 # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي (ص) قال: إذا طلع الفجر فقد ذهب ~~وقت كل صلاة الليل) أي النوافل المشروعة فيه، (والوتر) عطف خاص على عام ms0336 ~~فإنه من صلاة الليل عطفه عليه لبيان شرفه، (فأوتروا قبل طلوع الفجر). ~~فتخصيص الامر بالايتار لزيادة العناية بشأنه وبيان أنه أهم صلاة الليل فإنه ~~يذهب وقته بذهاب الليل وتقدم في حديث أبي سعيد أن النائم والناسي يأتيان ~~بالوتر عند اليقظة إذا أصبح والناسي عند التذكر فهو مخصص لهذا، فبين أن ~~المراد بذهاب وقت الوتر بذهاب الليل على من ترك الوتر لغير العذرين. وفي ~~ترك ذلك للنوم ما رواه الترمذي عن عائشة: كان رسول الله (ص) إذا لم يصل من ~~الليل منعه من ذلك النوم أو غلبته عيناه صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة. ~~وقال: حسن صحيح، وكأنه تداركه لما فات، (رواه الترمذي)، قلت: وقال عقيبه: ~~سليمان بن موسى قد تفرد به على هذا اللفظ. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله (ص) يصلي الضحى أربعا ~~ويزيد ما شاء الله. رواه مسلم) هذا يدل على شرعية صلاة الضحى، وأن أقلها ~~أربع، وقيل: ركعتان، وهذا في الصحيحين من رواية أبي هريرة وركعتي الضحى ~~وقال ابن دقيق العيد: لعله ذكر الأقل الذي يوجد التأكيد بفعله. قال: وفي ~~هذا دليل على استحباب صلاة الضحى وأن أقلها ركعتان، وعدم مواظبة النبي (ص) ~~على فعلها لا ينافي استحبابها لأنه حاصل بدلالة القول وليس من شرط الحكم أن ~~تتظافر عليه أدلة القول والفعل، لكن ما واظب النبي (ص) على فعل مرجح على ما ~~لم يواظب عليه انتهى. # وأما حكمها فقد جمع ابن القيم الأقوال فبلغت ستة أقوال. الأول: أنها سنة ~~مستحبة. الثاني: لا تشرع إلا لسبب. الثالث: لا تستحب أصلا. الرابع: يستحب ~~فعلها تارة وتركها تارة فلا يواظب عليها. # الخامس: يستحب المواظبة عليها في البيوت. السادس: أنها بدعة. وقد ذكر ~~هنالك مستند كل قول. هذا وأرجح الأقوال أنها سنة مستحبة كما قرره ابن دقيق ~~العيد، نعم وقد عارض حديث عائشة هذا حديثها الذي أفاده قوله: # (وله) أي لمسلم (عنها) أي عن عائشة (أنها سئلت هل كان النبي (ص) يصلي ~~الضحى؟ قالت: لا. إلا أن يجئ ms0337 من مغيبه) فإن الأول دل على أنه كان يصليها ~~دائما لما تدل عليه كلمة كان فإنها تدل على التكرار، والثانية دلت على أنه ~~كان لا يصليها إلا في حال مجيئه من مغيبه وقد جمع بينهما. فإن كلمة كان ~~يفعل كذا لا تدل على الدوام دائما بل غالبا، وإذا قامت قرينة على خلاف ~~صرفتها عنه كما هنا، فإن اللفظ الثاني صرفها عن الدوام وأنها أرادت بقولها: ~~لا إلا أن يجئ من مغيبه نفي رؤيتها صلاة الضحى، وأنها لم تره يفعلها إلا في ~~ذلك الوقت، واللفظ الأول إخبار عما بلغها في أنه ما كان يترك صلاة الضحى ~~إلا أنه يضعف هذا قوله، (وله) أي لمسلم وهو أيضا في البخاري بلفظه، فلو قال ~~ولهما كان أولى (عنها) أي عائشة (ما رأيت رسول الله (ص) صلي قط سبحة الضحى) ~~بضم السين وسكون الباء أي نافلته، (وإني لأسبحها) فنفت رؤيتها لفعله (ص) ~~لها، PageV02P016 # وأخبرت أنها كانت تفعلها كأنه استناد إلى ما بلغها من الحث عليها ومن ~~فعله (ص) لها فألفاظها لا تتعارض حينئذ. وقال البيهقي: المراد بقولها ما ~~رأيته سبحها أي داوم عليها، وقال ابن عبد البر: يرجح ما اتفق عليه الشيخان ~~وهو رواية إثباتها دون ما انفرد به مسلم وهي رواية نفيها، قال: وعدم رؤية ~~عائشة لذلك لا يستلزم عدم الوقوع الذي أثبته غيرها هذا معنى كلامه. قلت: ~~ومما اتفقا عليه في إثباتها حديث أبي هريرة في الصحيحين: # أنه أوصاه (ص) بأن لا يترك ركعتي الضحى، وفي الترغيب في فعلها أحاديث ~~كثيرة وفي عددها كذلك: مبسوطة في كتب الحديث. # (وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: صلاة الأوابين) ~~الأواب: الرجاع إلى الله تعالى بترك الذنوب وفعل الخيرات (حين ترمض الفصال) ~~بفتح الميم من رمضت بكسرها أي تحترق من الرمضاء وهو شدة حرارة الأرض من قوع ~~الشمس على الرمل وغيره، وذلك يكون عند ارتفاع الشمس وتأثيرها الحر والفصال ~~جمع فصيل وهو ولد الناقة سمي بذلك لفصله عن أمه، (رواه الترمذي) ms0338 ولم يذكر ~~لها عددا. # وقد أخرج البزار من حديث ثوبان: أن رسول الله (ص) كان يستحب أن يصلي بعد ~~نصف النهار، فقال عائشة: يا رسول الله إنك تستحب الصلاة هذه الساعة؟ # قال: تفتح فيها أبواب السماء وينظر تبارك وتعالى فيها بالرحمة إلى خلقه ~~وهي صلاة كان يحافظ عليها آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى. # وفيه راو متروك، ووردت أحاديث كثيرة أنها أربع ركعات (وعن أنس رضي الله ~~عنه قال: قال رسول الله (ص) من صلى الضحى اثنتي عشرة ركعة بنى له قصرا في ~~الجنة رواه الترمذي واستغربه) قال المصنف وإسناده ضعيف. وأخرج البزار عن ~~ابن عمر، قال: قلت لأبي ذر: # يا عماه أوصني، قال: سألتني عما سألت عنه رسول الله (ص)، فقال: إن صليت ~~الضحى ركعتين لم تكتب من الغافلين، وإن صليت أربعا كتبت من العابدين، وإن ~~صليت ستا لم يلحقك ذنب، وإن صليت ثمانيا كتبت من القانتين، وإن صليت ثنتي ~~عشرة بني لك بيت في الجنة. وفيه حسين بن عطاء ضعفه أبو حاتم وغيره. وذكره ~~ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ ويدلس، وفي الباب أحاديث لا تخلو عن مقال. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل رسول الله (ص) بيتي فصلى الضحى ثماني ~~ركعات. رواه ابن حبان في صحيحه)، وقد تقدم رواية مسلم عنها أنا ما رأته (ص) ~~يصلي سبح الضحى. وهذا الحديث أثبتت فيه صلاته في بيتها وجمع بينهما بأنها ~~نفت الرؤية وصلاته في بيتها يجوز أنها لم تره، ولكنه ثبت لها برواية، ~~واختار القاضي عياض هذا الوجه ولا يعد في ذلك، وإن كان في بيتها لجواز ~~غفلتها في ذلك الوقت فلا منافاة والجمع مهما أمكن هو الوجب. # فائدة من فوائد صلاة الضحى أنها تجزئ عن الصدقة التي تصبح على مفاصل ~~الانسان PageV02P017 # في كل يوم وهي ثلاثمائة وستون مفصلا، لما أخرجه مسلم من حديث أبي ذر قال ~~فيه: # وتجزئ من ذلك ركعتا الضحى. # باب صلاة الجماعة والإمامة (عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول ~~الله (ص) ms0339 قال: صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بالفاء والذال المعجمة: ~~الفرد بسبع وعشرين درجة متفق عليه). # (ولهما) أي الشيخين (عن أبي هريرة رضي الله عنه: بخمس وعشرين جزءا) عوضا ~~عن قوله: سبع وعشرين درجة (وكذا) أي وبلفظ بخمس وعشرين (للبخاري عن أبي ~~سعيد وقال: درجة) عوضا عن جزء. ورواه جماعة من الصحابة غير الثلاثة ~~المذكورين منهم أنس وعائشة وصهيب ومعاذ وعبد الله بن زيد وزيد بن ثابت. قال ~~الترمذي: عامة من رواه قالوا: خمسا وعشرين إلا ابن عمر فقال: سبعة وعشرين ~~وله رواية فيها خمسا وعشرين ولا منافاة فإن مفهوم العدد غير مراد فرواية ~~الخمس والعشرين داخلة تحت رواية السبع والعشرين، أو أنه أخبر (ص) بالأقل ~~عددا أولا ثم أخبر بالأكثر، وأنه زيادة تفضل الله بها. وقد زعم قوم أن ~~السبع محمولة على من صلى في المسجد، والخمس لمن صلى في غيره. وقيل: السبع ~~لبعيد المسجد والخمس لقريبه، ومنهم من أبدى مناسبات وتعليلات استوفاها ~~المصنف في فتح الباري، وهي أقوال تخمينية ليس عليها نص. والجزء والدرجة ~~بمعنى واحد هنا لأنه عبر بكل واحد منهما عن الآخر وقد ورد تفسيرهما بالصلاة ~~وأن الصلاة الجماعة بسبع وعشرين صلاة فرادى. والحديث حث على الجماعة. وفيه ~~دليل على عدم وجوبها، وقد قال بوجوبها جماعة من العلماء مستدلين بقوله: # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: والذي نفسي بيده) أي ~~في ملكه وتحت تصرفه (لقد هممت) جواب القسم، والأقسام منه (ص) لبيان عظم شأن ~~ما يذكره زجرا عن ترك الجماعة (أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ~~ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف) في الصحاح خالف إلى فلان أي أتاه إذا غاب ~~عنه (إلى رجال لا يشهدون الصلاة) أي لا يحضرون الجماعة فأحرق عليهم بيوتهم. ~~والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا) بفتح المهملة وسكون الراء ثم ~~قاف هو العظم إذا كان عليه لحم (سمينا أو مرماتين) تثنية مرماة بكسر الميم ~~فراء ساكنة وقد تفتح الميم ms0340 وهي ما بين ظلفي الشاة من اللحم (حسنتين) ~~بمهملتين من الحسن (لشهد العشاء) أي صلاته جماعة (متفق عليه) أي بين ~~الشيخين (واللفظ للبخاري). والحديث دليل على وجوب الجماعة عينا لا كفاية إذ ~~قد قام بها غيرهم فلا يستحقون العقوبة، ولا عقوبة إلا على ترك PageV02P018 # واجب أو فعل محرم. وإلى أنها فرض عين: ذهب عطاء والأوزاعي وأحمد وأبو ثور ~~وابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان ومن أهل البيت أبو العباس وقالت به ~~الظاهرية. وقال داود: إنها شرط في صحة الصلاة بناء على ما يختاره من أن كل ~~واجد في الصلاة فهو شرط فيها، ولم يسلم له هذا، لان الشرطية لا بد لها من ~~دليل، ولذا قال أحمد وغيره: إنها واجبة غير شرط. وذهب أبو العباس تحصيلا ~~لمذهب الهادي أنها فرض كفاية، وإليه ذهب الجمهور من متقدمي الشافعية، وكثير ~~من الحنفية والمالكية. وذهب زيد بن علي والمؤيد بالله وأبو حنيفة وصاحباه ~~والناصر إلى أنها سنة مؤكدة. استدل القائل بالوجوب بحديث الباب، لان ~~العقوبة البالغة لا تكون إلا على ترك الفرائض، وبغيره من الأحاديث كحديث ~~ابن مكتوم أنه قال: يا رسول الله قد علمت ما بي وليس لي قائد - زاد أحمد - ~~وإن بيني وبين المسجد شجرا ونخلا ولا أقدر على قائد كل ساعة، قال (ص): ~~أتسمع الإقامة؟ قال: نعم، قال: فأحضرها أخرجه أحمد وابن خزيمة والحاكم وابن ~~حبان بلفظ أتسمع الأذان؟ قال: نعم. قال: فاتها ولو حبوا والأحاديث في معناه ~~كثيرة ويأتي حديث ابن أم مكتوم، وحديث ابن عباس، وقد أطلق البخاري الوجوب ~~عليها وبوبه بقوله: باب وجوب صلاة الجماعة. وقالوا: هي فرض عين إذ لو كانت ~~فرض كفاية لكان قد أسقط وجوبها فعل النبي (ص) ومن معه لها. وأما التحريق في ~~العقوبات بالنار فإنه وإن كان قد ثبت النهي عنه عاما، فهذا خاص. وأدلة ~~القائل بأنها فرض كفاية أدلة من قال إنها فرض عين بناء على قيام الصارف ~~للأدلة على فرض العين إلى فرض الكفاية. وقد أطال القائلون بالسنية الكلام ~~في الجوابات ms0341 عن هذا الحديث بما لا يشفي وأقربها أنه خرج مخرج الزجر لا ~~الحقيقة بدليل أنه لم يفعله (ص). واستدل القائل بالسنية بقوله (ص) في حديث ~~أبي هريرة صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ فقد اشتركا في الفضيلة، ولو كانت ~~الفرادى غير مجزئة لما كانت لها فضيلة أصلا وحديث إذا صليتما في رحالكما ~~فأثبت لهما الصلاة في رحالهما ولم يبين أنها إذا كانت جماعة وسيأتي. # (وعنه) أي أبي هريرة (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أثقل ~~الصلاة على المنافقين) فيه أن الصلاة كلها عليهم ثقيلة فإنهم الذين إذا ~~قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، ولكن الأثقل عليهم (صلاة العشاء) لأنها في ~~وقت الراحة والسكون (وصلاة الفجر) لأنها في وقت النوم وليس لهم داع ديني ~~ولا تصديق بأجرهما حتى يبعثهم على اتيانهما، ويخف عليهم الاتيان بهما، ~~ولأنهما في ظلمة الليل، وداعي الرياء الذي لأجله يصلون منتف، لعدم مشاهدة ~~من يراؤونه من الناس إلا القليل، فانتفى الباعث الديني منهما كما انتفى في ~~غيرهما، ثم انتفى الباعث الدنيوي الذي في غيرهما. ولذا قال (ص) ناظرا إلى ~~انتفاء الباعث الديني عندهم: (ولو يعلمون ما فيهما) في فعلهما من الاجر ~~(لاتوهما) إلى المسجد (ولو حبوا) أي ولو مشوا حبوا أي كحبو الصبي على يديه ~~وركبتيه، وقيل هو الزحف على الركب، وقيل على الاست، وفي حديث أبي أمامة عند ~~الطبراني ولو PageV02P019 # حبوا على يديه ورجليه. وفي رواية جابر عنده أيضا بلفظ: ولو حبوا أو زحفا. ~~فيه حث بليغ على الاتيان إليهما. وأن المؤمن إذا علم ما فيهما أتى إليهما ~~على أي حال، فإنه ما حال بين المنافق وبين هذا الاتيان إلا عدم تصديقه بما ~~فيهما (متفق عليه). # (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: أتى النبي (ص) رجل أعمى) قد ~~وردت بتفسيره الرواية الأخرى وأنه ابن أم مكتوم (قال: يا رسول الله ليس لي ~~قائد يقودني إلى المسجد فرخص له) أي في عدم إتيان المسجد (فلما ولى دعاه ~~فقال: # هل تسمع النداء) وفي رواية ms0342 الإقامة (بالصلاة؟ قال: نعم قال: فأجب رواه ~~مسلم). كان الترخيص أولا مطلقا عن التقييد بسماعه النداء فرخص له ثم سأله ~~هل تسمع النداء قال: نعم فأمره بالإجابة. ومفهومه أنه إذا لم يسمع النداء ~~كان ذلك عذرا له، وإذا سمعه لم يكن له عذر عن الحضور. والحديث من أدلة ~~الايجاب للجماعة عينا، لكن ينبغي أن يقيد الوجوب عينا على سامع النداء ~~لتقييد حديث الأعمى وحديث ابن عباس له، وما أطلق من الأحاديث يحمل على ~~المقيد. وإذا عرفت هذا فاعلم أن الدعوى وجوب الجماعة عينا أو كفاية، ~~والدليل هو الحديث الهم بالتحريق وحديث الأعمى، وهما إنما دلا على وجوب ~~حضور جماعته (ص) في مسجده لسامع النداء وهو أخص من وجوب الجماعة، ولو كانت ~~الجماعة واجبة مطلقا لبين (ص) ذلك للأعمى ولقال له انظر من يصلي معك، ولقال ~~في المتخلفين إنهم لا يحضرون جماعته (ص) ولا يجمعون في منازلهم. والبيان لا ~~يجوز تأخيره عن وقت الحاجة. فالأحاديث إنما دلت على وجوب حضور جماعته (ص) ~~عينا على سامع النداء لا على وجوب مطلق الجماعة كفاية ولا عينا. وفيه أنه ~~لا يرخص لسامع النداء عن الحضور وإن كان له عذر فإن هذا ذكر العذر وأنه لا ~~يجد قائدا فلم يعذره إذن. ويحتمل أن الترخيص له ثابت للعذر، ولكنه أمره ~~بالإجابة ندبا لا وجوبا ليحرز الاجر في ذلك. والمشقة تغتفر بما يجده في ~~قلبه من الروح في الحضور ويدل لكون الامر للندب أي مع العذر قوله: # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي (ص) قال: من سمع النداء فلم يأت ~~فلا صلاة له إلا من عذر رواه ابن ماجة والدار قطني وابن حبان والحاكم ~~وإسناده على شرط مسلم لكن رجج بعضهم وقفه) الحديث أخرج من طريق شعبة موقوفا ~~ومرفوعا، والموقوف في زيادة إلا من عذر فإن الحاكم وقفه عند أكثر أصحاب ~~شعبة. وأخرج الطبراني في الكبير من حديث أبي موسى عنه (ص): من سمع النداء ~~فلم يجب من غير ضرر ولا عذر فلا صلاة له، ms0343 قال الهيثمي: فيه قيس بن الربيع ~~وثقه شعبة وسفيان الثوري وضعفه جماعة. وقد أخرج حديث ابن عباس المذكور أبو ~~داود بزيادة قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض لم يقبل الله منه الصلاة ~~التي صلى بإسناد ضعيف. # والحديث دليل على تأكد الجماعة وهو حجة لمن يقول إنها فرض عين. ومن يقول ~~إنها سنة PageV02P020 # يؤول قوله: فلا صلاة له أي كاملة، وأنه نزل نفي الكمال منزلة نفي الذات ~~مبالغة. والاعذار في ترك الجماعة منها ما في حديث أبي داود. ومنها المطر ~~والريح الباردة. ومن أكل كراثا أو نحوه من ذوات الريح الكريهة فليس له أن ~~يقرب المسجد، قيل: ويحتمل أن يكون النهي عنها لما يلزم من أكلها من تفويت ~~الفريضة فيكون آكلها آثما لما تسبب له من ترك الفريضة، ولكن لعل من يقول ~~إنها فرض عين يقول تسقط بهذه الاعذار صلاتها في المسجد لا في البيت فيصليها ~~جماعة. # (وعن يزيد بن الأسود رضي الله عنه) هو أبو جابر يزيد بن الأسود السوائي ~~بضم المهملة وتخفيف الواو والمد ويقال الخزاعي ويقال العامري روى عنه ابنه ~~جابر وعداده في أهل الطائف وحديثه في الكوفيين (أنه صلى مع رسول الله (ص) ~~صلاة الصبح، فلما صلى رسول الله (ص)) أي فرغ من صلاته (إذا هو برجلين لم ~~يصليا) أي معه (فدعا بهما فجئ بهما ترعد) بضم المهملة (فرائضهما) جمع فريصة ~~وهي اللحمة التي بين جنب الدابة وكتفيها أي ترجف من الخوف قاله في النهاية ~~(فقال لهما: ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: قد صلينا في رحالنا) جمع رحل ~~بفتح الراء وسكون المهملة هو المنزل ويطلق على غيره ولكن المراد هنا به ~~المنزل (قال: فلا تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم أدركتما الامام ولم يصل ~~فصليا معه فإنها) أي الصلاة مع الامام بعد صلاتهما الفريضة (لكما نافلة) ~~والفريضة هي الأولى سواء صليت جماعة أو فرادى لاطلاق الخبر (رواه أحمد ~~واللفظ له والثلاثة وصححه الترمذي وابن حبان) زاد المصنف في التلخيص: ~~والحاكم والدارقطني وصححه ابن السكن كلهم ms0344 من طريق يعلي بن عطاء عن جابر بن ~~يزيد بن الأسود عن أبيه. # قال الشافعي في القديم: إسناده مجهول، قال البيهقي: لان يزيد بن الأسود ~~ليس له راو غير ابنه ولا لابنه جابر راو غير يعلى. قلت: يعلى من رجال مسلم، ~~وجابر وثقه النسائي وغيره. انتهى. وهذا الحديث وقع في مسجد الخيف، في حجة ~~الوداع. فدل على مشروعية الصلاة مع الامام إذا وجده يصلي أو سيصلي بعد أن ~~كان قد صلى جماعة أو فرادى، والأولى هي الفريضة والأخرى نافلة كما صرح به ~~الحديث. وظاهره أنه لا يحتاج إلى رفض الأول. وذهب إلى هذا زيد بن علي ~~والمؤيد وجماعة من الآل وهو قول الشافعي. وذهب الهادي ومالك وهو قول ~~الشافعي إلى أن الثانية هي الفريضة، لما أخرجه أبو داود من حديث يزيد بن ~~عامر: إنه (ص) قال: إذا جئت الصلاة فوجدت الناس يصلون فصل معهم إن كنت قد ~~صليت تكن لك نافلة وهذه مكتوبة. وأجيب بأنه حديث ضعيف ضعفه النووي وغيره، ~~وقال البيهقي هو مخالف لحديث يزيد بن الأسود وهو أصح ورواه الدارقطني بلفظ: ~~وليجعل التي صلى في بيته نافلة قال الدارقطني هذه رواية ضعيفة شاذة وعلى ~~هذا القول لا بد من الرفض للأولى بعد دخوله في الثانية، وقيل بشرط فراغه من ~~الثانية صحيحة. وللشافعي قول ثالث أن الله تعالى يحتسب بأيهما شاء، لقول ~~ابن عمر لمن سأله عن ذلك: أو ذلك إليك؟ إنما ذلك إلى الله يحتسب بأيهما شاء ~~أخرجه مالك في الموطأ. وقد عورض حديث الباب بما أخرجه أبو داود والنسائي ~~PageV02P021 # وغيرهما عن ابن عمر يرفعه لا تصلوا صلاة في يوم مرتين. ويجاب عنه بأن ~~المنهي عنه أن يصلي كذلك على أنهما فريضة لا على أن إحداهما نافلة، أو ~~المراد لا يصليهما مرتين منفردا. # ثم ظاهر حديث الباب عموم ذلك في الصلوات كلها وإليه ذهب الشافعي. وقال ~~أبو حنيفة: # لا يعاد إلا الظهر والعشاء أما الصبح والعصر فلا. للنهي عن الصلاة بعدهما ~~وأما المغرب فلأنها وتر النهار فلو أعادها ms0345 صارت شفعا. وقال مالك: إذا كان ~~صلاها في جماعة لم يعدها وإن كان صلاها منفردا أعادها. والحديث ظاهر في ~~خلاف ما قاله أبو حنيفة ومالك بل في حديث يزيد بن الأسود أن ذلك كان في ~~صلاة الصبح فيكون أظهر في رد ما قاله أبو حنيفة ويخص به عموم النهي عن ~~الصلاة في الوقتين. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إنما جعل الامام ~~ليؤتم به فإذا كبر) أي للاحرام أو مطلقا فيشمل تكبير النقل (فكبروا ولا ~~تكبروا حتى يكبر) زاده تأكيدا لما أفاده مفهوم الشرط كما في سائر الجمل ~~الآتية : (وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع) أي حتى يأخذ من الركوع لا ~~حتى يفرغ منه كما يتبادر من اللفظ (وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ~~اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد) أخذ في السجود (فاسجدوا ولا تسجدوا حتى ~~يسجد وإذا صلى قائما فصلوا قياما، وإذا صلى قاعدا) لعذر (فصلوا قعودا ~~أجمعين) هكذا بالنصب على الحال وهي رواية في البخاري وأكثر الروايات على ~~أجمعون بالرفع تأكيدا لضمير الجمع (رواه أبو داود وهذا لفظه وأصله في ~~الصحيحين). إنما يفيد جعل الامام مقصورا على الاتصاف بكونه مؤتما به لا ~~يتجاوزه المؤتم إلى مخالفته. والائتمام: الاقتداء والاتباع. والحديث دل على ~~أن شرعية الإمامة ليقتدى بالامام، ومن شأن التابع والمأموم أن لا يتقدم ~~متبوعه، ولا يساويه، ولا يتقد عليه في موقفه، بل يراقب أحواله ويأتي على ~~أثرها بنحو فعله، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شئ من الأحوال، وقد فصل ~~الحديث ذلك بقوله فإذا كبر إلى آخره. ويقاس ما لم يذكر من أحواله كالتسليم ~~على ما ذكر فمن خالفه في شئ مما ذكر فقد أثم ولا تفسد صلاته بذلك، إلا أنه ~~إن خالف في تكبيرة الاحرام بتقديمها على تكبيرة الامام فإنها لا تنعقد معه ~~صلاته لأنه لم يجعله إماما إذ الدخول بها بعده وهي عنوان الاقتداء به ~~واتخاذه إماما. # واستدل على عدم فساد الصلاة بمخالفته لامامه لأنه (ص) توعد ms0346 من سابق ~~الامام في ركوعه أو سجوده بأن الله يجعل رأسه رأس حمار ولم يأمره بإعادة ~~صلاته ولا قال فإنه لا صلاة له. ثم الحديث لم يشترط المساواة في النية فدل ~~أنها إذا اختلفت نية الإمام والمأموم كأن ينوي أحدهما فرضا والآخر نفلا أو ~~ينوي هذا عصرا والآخر ظهرا أنها تصح الصلاة جماعة وإليه ذهبت الشافعية. - ~~ويأتي الكلام على ذلك في حديث جابر في صلاة معاذ -. وقوله : إذا قال سمع ~~الله لمن حمده يدل أنه الذي يقوله الامام ويقول المأموم: اللهم ربنا لك ~~الحمد ، وقد ورد بزيادة الواو وورد بحذف اللهم والكل جائز، والأرجح العمل ~~بزيادة اللهم وزيادة PageV02P022 # الواو لأنهما يفيدان معنى زائدا. وقد احتج بالحديث من يقول إنه لا يجمع ~~الامام والمؤتم بين التسميع والتحميد وهم الهادية والحنفية، قالوا: ويشرع ~~للامام والمنفرد التسميع وقد قدمنا هذا. وقال أبو يوسف ومحمد: يجمع بينهما ~~الامام والمنفرد ويقول المؤتم: سمع الله لمن حمده لحديث أبي هريرة أنه (ص) ~~كان يفعل ذلك، وظاهره منفردا وإماما فإن صلاته (ص) مؤتما نادرة. ويقال عليه ~~فأين الدليل على أنه يشمل المؤتم فإن الذي في حديث أبي هريرة هذا أنه يحمد. ~~وذهب الامام يحيى والثوري والأوزاعي إلى أنه يجمع بينهما الامام والمنفرد ~~ويحمد المؤتم لمفهوم حديث الباب إذ يفهم من قوله: فقولوا اللهم.. إلخ أنه ~~لا يقول المؤتم إلا ذلك. وذهب الشافعي إلى أنه يجمع بينهما المصلي مطلقا ~~مستدلا بما أخرجه مسلم من حديث ابن أبي أوفى أنه (ص) كان إذا رفع رأسه من ~~الركوع قال: سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد. الحديث قال: والظاهر ~~عموم أحوال صلاته جماعة ومنفردا وقد قال (ص): صلوا كما رأيتموني أصلي ولا ~~حجة في سائر الروايات على الاقتصار إذ عدم الذكر في اللفظ لا يدل على عدم ~~الشرعية، فقوله إذا قال الامام سمع الله لمن حمده لا يدل على نفي قوله ربنا ~~ولك الحمد وقوله قولوا ربنا لك الحمد لا يدل على نفي قول المؤتم سمع الله ~~لمن حمده، ms0347 وحديث ابن أبي أوفى في حكايته لفعله (ص) زيادة وهي مقبولة، لان ~~القول غير معارض لها. # وقد روى ابن المنذر هذا القول عن عطاء وابن سيرين وغيرهما فلم ينفرد به ~~الشافعي ويكون قول سمع الله لمن حمده عند رفع رأسه وقوله ربنا لك الحمد عند ~~انتصابه. وقوله: فصلوا قعودا أجمعين دليل أنه يجب متابعة الامام في القعود ~~لعذر وأنه يقعد المأموم مع قدرته على القيام. وقد ورد تعليله بأنه فعل فارس ~~والروم أي القيام مع قعود الامام فإنه (ص) قال: إن كدتم آنفا لتفعلون فعل ~~فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا وقد ذهب إلى ذلك أحمد ~~بن حنبل وإسحق وغيرهما. وذهبت الهادوية ومالك وغيرهم إلى أنها لا تصح ~~متابعة القاعد لا قائما ولا قاعدا لقوله (ص) : لا تختلفوا على إمامكم ولا ~~تتابعوه في القعود كذا في شرح القاضي ولم يسنده إلى كتاب ولا وجدت قوله: ~~ولا تتابعوه في القعود في حديث فينظر. وذهب الشافعي إلى أنها تصح صلاة ~~القائم خلف القاعد ولا يتابعوه في القعود قالوا: لصلاة أصحاب رسول الله (ص) ~~في مرض موته قياما حين خرج وأبو بكر قد افتتح الصلاة فقعد عن يساره فكان ~~ذلك ناسخا لامره (ص) لهم بالجلوس في حديث أبي هريرة فإن ذلك كان في صلاته ~~حين جحش وانفكت قدمه فكان هذا آخر الامرين فتعين العمل به كذا قرره ~~الشافعي. وأجيب: بأن الأحاديث التي أمرهم فيها بالجلوس لم يختلف في صحتها ~~ولا في سياقها. # وأما صلاته (ص) في مرض موته، فقد اختلف فيها هل كان إماما أو مأموما، ~~والاستدلال بصلاته في مرض موته لا يتم إلا على أنه كان إماما: ومنها أنه ~~يحتمل أن الامر بالجلوس للندب، وتقرير القيام قرينة على ذلك فيكون هذا جمعا ~~بين الروايتين خارجا عن PageV02P023 # المذهبين جميعا، لأنه يقتضي التخيير للمؤتم بين القيام والقعود. ومنها ~~أنه قد ثبت فعل ذلك عن جماعة من الصحابة بعد وفاته (ص) أنهم أموا قعودا ~~أيضا منهم أسيد بن حضير وجابر وأفتى به ms0348 أبو هريرة قال ابن المنذر: ولا يحفظ ~~عن أحد من الصحابة خلاف ذلك. وأما حديث لا يؤمن أحدكم بعدي قاعدا قوما ~~قياما فإنه حديث ضعيف أخرجه البيهقي والدار قطني من حديث جابر الجعفي عن ~~الشعبي عن النبي (ص). # ضعيف جدا وهو مع ذلك مرسل، قال الشافعي: قد علم من احتج به أنه لا حجة ~~فيه لأنه مرسل، ومن رواية رجل يرغب أهل العلم عن الرواية عنه - يعني جابرا ~~الجعفي -. وذهب أحمد بن حنبل في الجمع بين الحديثين إلى أنه ابتدأ الامام ~~الراتب الصلاة قاعدا لمرض يرجى برؤه، فإنهم يصلون خلفه قعودا، وإذا ابتدأ ~~الامام الصلاة قائما لزم المأمومين أن يصلوا خلفه قياما، سواء طرأ ما يقتضي ~~صلاة إمامهم قاعدا أم لا، كما في الأحاديث التي في مرض موته، فإنه (ص) لم ~~يأمرهم بالقعود لأنه ابتدأ إمامهم صلاته قائما، ثم أمهم (ص) في بقية الصلاة ~~قاعدا، بخلاف صلاته (ص) بهم في مرضه الأول فإنه ابتدأ صلاته قاعدا فأمرهم ~~بالقعود وهو جمع حسن. # (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله (ص) رأى في أصحابه تأخرا ~~فقال لهم: تقدموا فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم رواه مسلم) كأنهم تأخروا ~~عن القرب والدنو منه (ص) وقوله: ائتموا بي أي اقتدوا بأفعالي وليقتد بكم من ~~بعدكم مستدلين بأفعالكم على أفعالي. والحديث دليل على أنه يجوز اتباع من ~~خلف الامام ممن لا يراه ولا يسمعه كأهل الصف الثاني يقتدون بالأول، وأهل ~~الصف الثالث بالثاني ونحوه أو بمن يبلغ عنه. وفي الحديث حث على الصف الأول ~~وكراهة البعد عنه. # وتمام الحديث لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله. # (وعن زيد بن ثابت قال: احتجر) هو بالراء المنع أي اتخذ شيئا كالحجارة من ~~الخصف وهو الحصير ويروى بالزاي أي اتخذ حاجزا بينه وبين غيره أي مانعا ~~(رسول الله (ص) حجرة مخصفة فصلى فيها فتتبع إليه رجال وجاءوا يصلون بصلاته ~~الحديث وفيه أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة متفق عليه) وقد تقدم في ~~شرح حديث ms0349 جابر في باب صلاة التطوع. وفيه دلالة على جواز فعل مثل ذلك في ~~المسجد إذا لم يكن فيه تضييق على المصلين لأنه كان يفعله بالليل ويبسط ~~بالنهار، وفي رواية مسلم ولم يتخذه دائما. وقوله فتتبع من التتبع الطلب ~~والمعنى طلبوا موضعه واجتمعوا إليه، وفي رواية البخاري فثار إليه وفي رواية ~~له فصلى فيها ليالي فصلى بصلاته ناس من أصحابه فلما علم بهم جعل يقعد فخرج ~~إليهم فقال: قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم فصلوا أيها الناس في بيوتكم فإن ~~أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة هذا لفظه، وفي مسلم قريب منه. ~~والمصنف ساق الحديث في أبواب الإمامة لإفادة شرعية الجماعة في النافلة وقد ~~تقدم معناه في التطوع. PageV02P024 # (وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: صلى معاذ بأصحابه العشاء فطول ~~عليهم فقال النبي (ص): أتريد يا معاذ أن تكون فتانا؟ إذا أممت الناس فاقرأ ~~بالشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، واقرأ باسم ربك، والليل إذا يغشى متفق ~~عليه) واللفظ لمسلم. والحديث في البخاري لفظ أقبل رجلين بناضحين وقد جنح ~~الليل فوافق معاذا يصلي فترك ناضحيه وأقبل إلى معاذ فقرأ بسورة البقرة أو ~~النساء فانطلق الرجل بعد أن قطع الاقتداء بمعاذ وأتم صلاته منفردا، وعليه ~~بوب البخاري بقوله: إذا طول الامام وكان للرجل أي المأموم حاجة فخرج وبلغه ~~أن معاذا نال منه وقد جاء ما قاله معاذ مفسرا بلفظ فبلغ ذلك معاذا فقال إنه ~~منافق فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه معاذا فقال النبي (ص): ~~أفتان أنت يا معاذ أو أفاتن ثلاث مرات فلو صليت بسبح اسم ربك الأعلى، ~~والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو ~~الحاجة وله في البخاري ألفاظ غير هذه. والمراد بفتان أي أتعذب أصحابك ~~بالتطويل، وحمل ذلك على كراهة المأمومين للإطالة وإلا فإنه (ص) قرأ الأعراف ~~في المغرب وغيرها. وكان مقدار قيامه في الظهر بالستين آية وقرأ بأقصر من ~~ذلك. والحاصل أنه يختلف ذلك باختلاف الأوقات في الامام ms0350 والمأمومين. # والحديث دليل على صحة صلاة المفترض خلف المتنفل فإن معاذا كان يصلي فريضة ~~العشاء معه (ص) ثم يذهب إلى أصحابه فيصليها بهم نفلا. وقد أخرج عبد الرزاق ~~والشافعي والطحاوي من حديث جابر بسند صحيح وفيه هي له تطوع وقد طول المصنف ~~الكلام على الاستدلال بالحديث على ذلك في فتح الباري، وقد كتبنا فيه رسالة ~~مستقلة جواب سؤال وأبنا فيها عدم نهوض الحديث على صحة صلاة المفترض خلف ~~المتنفل. والحديث أفاد أنه يخفف الامام في قراءته وصلاته وقد عين (ص) مقدار ~~القراءة ويأتي حديث إذا أم أحدكم الناس فليخفف. # (وعن عائشة رضي الله عنها في قصة صلاة رسول الله (ص) بالناس وهو مريض ~~قالت: فجاء حتى جلس عن يسار أبي بكر) هكذا في رواية البخاري في باب الرجل ~~يأتم بالامام تعيين مكان جلوسه (ص) وأنه عن يسار أبي بكر، وهذا هو مقام ~~الامام. ووقع في البخاري في باب حد المريض أن يشهد الجماعة بلفظ جلس إلى ~~جنبه ولم يعين فيه محل جلوسه، لكن قال المصنف: إنه عين المحل في رواية ~~بإسناد حسين أنه عن يساره قلت: حيث قد ثبت في الصحيح في بعض رواياته فهي ~~تبين ما أجمل في أخرى، وبه يتضح أنه (ص) كان إماما (فكان) النبي (ص) (يصلي ~~بالناس جالسا وأبو بكر) يصلي (قائما، يقتدي أبو بكر بصلاة النبي (ص) ويقتدي ~~الناس بصلاة أبي بكر متفق عليه). فيه دلالة على أنه يجوز وقوف الواحد عن ~~يمين الامام، وإن حضر معه غيره ويحتمل أنه صنع ذلك ليبلغ عنه أبو بكر، ~~PageV02P025 # أو لكونه كان وإماما أول الصلاة أو لكون الصف قد ضاق، أو لغير ذلك من ~~المحتملات، ومع عدم الدليل على أنه فعل لواحد منها فالظاهر الجواز على ~~الاطلاق. وقولها: يقتدي أبو بكر يحتمل أن يكون ذلك الاقتداء على جهة ~~الائتمام فيكون أبو بكر إماما ومأموما ويحتمل أن يكون أبو بكر إنما كان ~~مبلغا وليس بإمام. واعلم أنه قد وقع الاختلاف في حديث عائشة وفي غيره هل ~~كان النبي (ص) ms0351 إماما أو مأموما ووردت الروايات بما يفيد هذا وما يفيد هذا، ~~لكنا قدمنا ظهور أنه (ص) كان الامام، فمن العلماء من ذهب إلى الترجيح بين ~~الروايات فرجح أنه (ص) كان الامام لوجوه من الترجيح مستوفاة في فتح الباري. ~~وفي الشرح بعض من ذلك. وتقدم في شرح الحديث التاسع بعض وجوه ترجيح خلافه. ~~ومن العلماء من قال بتعدد القصة وأنه (ص) صلى تارة إماما وتارة مأموما في ~~مرض موته. هذا: وقد استدل بحديث عائشة هذا وقولها: يقتدي أبو بكر بصلاة ~~النبي (ص) ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر أن أبا بكر كان مأموما إماما: وقد ~~بوب البخاري على هذا فقال: باب الرجل يأتم بالامام ويأتم الناس بالمأموم. # قال ابن بطال: هذا يوافق قول مسروق والشعبي أن الصفوف يؤم بعضها بعضا ~~خلافا للجمهور. قال المصنف: قال الشعبي فيمن أحرم قبل أن يرفع الصف الذي ~~يليه رؤوسهم من الركعة أنه أدركها ولو كان الامام رفع قبل ذلك لان بعضهم ~~لبعض أئمة. فهذا يدل أنه يرى أنهم متحملون عن بعضهم بعضا ما يتحمله الامام. ~~ويؤيد ما ذهب إليه قوله (ص) : تقدموا فأتموا بي وليأتم بكم من بعدكم وقد ~~تقدم. وفي رواية مسلم أن أبا بكر كان يسمعهم التكبير دليل على أنه يجوز رفع ~~الصوت بالتكبير لاسماع المأمومين فيتبعونه ، وأنه يجوز للمقتدي اتباع صوت ~~المكبر، وهذا مذهب الجمهور وفيه خلاف للمالكية. قال القاضي عياض عن مذهبهم: ~~إن منهم من يبطل صلاة المقتدي ومنهم من لا يبطلها ومنهم من قال إن أذن له ~~الامام بالاسماع صح الاقتداء به وإلا فلا، ولهم تفاصيل غير هذه ليس عليها ~~دليل، وكأنهم يقولون في هذا الحديث إن أبا بكر كان هو الامام ولا كلام أنه ~~يرفع صوته لاعلام من خلفه. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي (ص) قال: إذا أم أحدكم الناس ~~فليخفف فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف وذا الحاجة) وهؤلاء يريدون التخفيف ~~فيلاحظهم الامام (فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء متفق عليه) مخففا ومطولا. ~~وفيه دليل على جواز ms0352 تطويل المنفرد للصلاة في جميع أركانها ولو خشي خروج ~~الوقت، وصححه بعض الشافعية، ولكنه معارض بحديث أبي قتادة إنما التفريط أن ~~تؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى أخرجه مسلم فإذا تعارضت مصلحة المبالغة في ~~الكمال بالتطويل، ومفسدة إيقاع الصلاة في غير وقتها كانت مراعاة ترك ~~المفسدة أولى. ويحتمل أنه إنما يريد بالمؤخر حتى يخرج الوقت من لم يدخل في ~~الصلاة أصلا حتى خرج، وأما من خرج وهو في الصلاة فلا يصدق عليه ذلك. ~~PageV02P026 # (وعن عمرو بن سلمة) بكسر اللام هو أبو يزيد من الزيادة كما قاله البخاري ~~وغيره، وقال مسلم وآخرون: بريد بضم الباء الموحدة وفتح الراء وسكون المثناة ~~التحتية فدال مهملة هو: عمرو بن سلمة الجرمي بالجيم والراء مخفف قال ابن ~~عبد البر: عمرو بن سلمة أدرك زمن النبي (ص) وكان يؤم قومه على عهد رسول ~~الله (ص) ، لأنه كان أقرأهم للقرآن، وقيل إنه، قدم على النبي (ص) مع أبيه، ~~ولم يختلف في قدوم أبيه نزل عمرو البصرة وروى عنه أبو قلابة وعامر الأحول ~~وأبو الزبير المكي (قال: قال أبي) أي سلمة بن نفيع بضم النون أو ابن لأي ~~بفتح اللام وسكون الهمزة على الخلاف في اسمه (جئتكم من عند النبي (ص) حقا) ~~نصب على صفة المصدر المحذوف أي نبوة حقا أو أنه مصدر مؤكد للجملة المتضمنة ~~إذ هو في قوة هو رسول الله حقا فهو مصدر مؤكد لغيره (قال: إذا حضرت الصلاة ~~فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا قال: أي عمرو بن سلمة (فنظروا فلم يكن ~~أحد أكثر مني قرآنا) وقد ورد بيان سبب أكثرية قرآنيته أنه كان يتلقى ~~الركبان الذين كانوا يفدون إليه (ص) ويمرون بعمرو وأهله فكان يتلقى منهم ما ~~يقرأونه وذلك قبل إسلام أبيه وقومه (فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع ~~سنين. رواه البخاري وأبو داود والنسائي). وفيه دلالة على أن الأحق بالإمامة ~~الأكثر قرآنا ويأتي الحديث بذلك قريبا. وفيه أن الإمامة أفضل من الأذان ~~لأنه لم يشترط في المؤذن شرطا. وتقديمه وهو ابن ms0353 سبع سنين دليل لما قاله ~~الحسن البصري والشافعي وإسحاق من أنه لا كراهة في إمامة المميز. وكرهها ~~مالك والثوري. وعن أحمد وأبي حنيفة روايتان والمشهور عنهما الاجزاء في ~~النوافل دون الفرائض. وقال بعدم صحتها الهادي والناصر وغيرهما قياسا على ~~المجنون قالوا: ولا حجة في قصة عمرو هذه لأنه لم يرو أن ذلك كان من أمره ~~(ص) ولا تقريره. وأجيب بأن دليل الجواز وقوع ذلك في زمن الوحي ولا يقرر فيه ~~على فعل ما لا يجوز، سيما في الصلاة التي هي أعظم أركان الاسلام، وقد نبه ~~(ص) بالوحي على القذى الذي كان في نعله، فلو كان إمامة الصبي لا تصح لنزل ~~الوحي بذلك، وقد استدل أبو سعيد وجابر بأنهم كانوا يعزلون والقرآن ينزل. ~~والوفد الذين قدموا عمرا كانوا جماعة من الصحابة قال ابن حزم: ولا نعلم لهم ~~مخالفا في ذلك، واحتمال أنه أمهم في نافلة يبعده سياق القصة فإنه (ص) علمهم ~~الأوقات للفرائض ثم قال لهم: إنه يؤمكم أكثركم قرآنا وقد أخرج أبو داود في ~~سننه قال عمرو: فما شهدت مشهدا في جرم - اسم قبيلة - إلا كنت إمامهم وهذا ~~يعم الفرائض والنوافل. قلت: يحتاج من ادعى التفرقة بين الفض والنفل وأنه ~~تصح إمامة الصبي في هذا دون ذلك إلى دليل. ثم الحديث فيه دليل على القول ~~بصحة صلاة المفترض خلف المتنفل كذا في الشرح وفيه تأمل. # (وعن أبن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): يؤم القوم أقرؤهم ~~لكتاب الله تعالى) الظاهر أن المراد أكثرهم له حفظا وقيل أعلمهم بأحكامه ~~PageV02P027 # والحديث الأول يناسب القول الأول (فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم ~~بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء ~~فأقدمهم سلما) أي إسلاما، وفي رواية سنا عوضا عن سلما (ولا يؤمن الرجل ~~الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته) بفتح المثناة الفوقية وكسر ~~الراء الفراش ونحوه مما يبسط لصاحب المنزل ويختص به (إلا بإذنه رواه مسلم). # الحديث دليل على تقديم الأقرأ على ms0354 الأفقه وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد. وذهب ~~الهادوية إلى أنه يقدم الأفقه على الأقرأ لان الذي يحتاج إليه من القراءة ~~مضبوط، والذي يحتاج إليه من الفقه غير مضبوط، وقد تعرض له في الصلاة أمور ~~لا يقدر على مراعاتها إلا كامل الفقه، قالوا : ولهذا قدم (ص) أبا بكر على ~~غيره مع قوله: أقرؤكم أبي، قالوا: والحديث خرج على ما كان عليه حال الصحابة ~~من أن الأقرأ هو الأفقه وقد قال ابن مسعود: ما كنا نتجاوز عشر آيات حتى ~~نعرف حكمها وأمرها ونهيها. ولا يخفى أنه يبعد هذا قوله: فإن كانوا في ~~القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإنه دليل على تقديم الأقرأ مطلقا، والأقرأ ~~على ما فسروه به هو الأعلم بالسنة فلو أريد به ذلك لكان القسمان قسما ~~واحدا. وقوله: فأقدمهم هجرة هو شامل لمن تقدم هجرة سواء ما كان في زمنه (ص) ~~أو بعده كمن يهاجر من دار الكفار إلى دار الاسلام. وأما حديث لا هجرة بعد ~~الفتح فالمراد من مكة إلى المدينة لأنهما جميعا صارا دار إسلام ولعله يقال: ~~وأولاد المهاجرين لهم حكم آبائهم في التقديم. # وقوله سلما أي من تقدم إسلامه يقدم على من تأخر. وكذا رواية سنا أي ~~الأكبر في السن وقد ثبت في حديث مالك بن الحويرث ليؤمكم أكبركم. ومن الذين ~~يستحقون التقديم قريش لحديث قدموا قريشا: قال الحافظ المصنف: إنه قد جمع ~~طرقه في جزء كبير. # ومنهم الأحسن وجها لحديث ورد به وفيه راو ضعيف. وأما قوله: ولا يؤمن ~~الرجل الرجل في سلطانه فهو نهي عن تقديم غير السلطان عليه والمراد ذو ~~الولاية سواء كان السلطان الأعظم أو نائبه وظاهره وإن كان غيره أكثر قرآنا ~~وفقها فيكون هذا خاصا، وأول الحديث عام ، ويلحق بالسلطان صاحب البيت لأنه ~~ورد في صاحب البيت بخصوصه بأنه الأحق. # أخرج الطبراني من حديث ابن مسعود: لقد علمت أن من السنة أن يتقدم صاحب ~~البيت. # قال المصنف: رجاله ثقات. وأما إمام المسجد فإن كان عن ولاية من السلطان ~~أو عامله فهو داخل في ms0355 حكم السلطان وإن كان باتفاق من أهل المسجد فيحتمل أنه ~~يصير بذلك أحق وأنها ولاية خاصة، وكذلك النهي عن القعود مما يختص به ~~السلطان في منزله أو الرجل من فراش وسرير ونحوه ولا يقعد فيه أحد إلا ~~بإذنه، ونحوه قوله: # (ولابن ماجة من حديث جابر رضي الله عنه ولا تؤمن امرأة رجلا، ولا أعرابي ~~مهاجرا، ولا فاجر مؤمنا وإسناده واه). فيه عبد الله بن محمد العدوي عن علي ~~بن زيد بن جدعان، والعدوي، اتهمه وكيع بوضع الحديث، وشيخه ضعيف، وله طرق ~~أخرى فيها عبد الملك ابن حبيب، وهو متهم بسرقة الحديث وتخليط الأسانيد. وهو ~~يدل على PageV02P028 # أن المرأة لا تؤم الرجل وهو مذهب الهادوية والحنفية والشافعية وغيرهم. ~~وأجاز المزني وأبو ثور إمامة المرأة. وأجاز الطبري إمامتها في التراويح إذا ~~لم يحضر من يحفظ القرآن، وحجتهم حديث أم ورقة وسيأتي ويحملون هذا النهي على ~~التنزيه أو يقولون الحديث ضعيف. ويدل أيضا على أنه لا يؤم الاعرابي مهاجرا ~~ولعله محمول على الكراهة إذ كان في صدر الاسلام. ويدل أيضا على أنه لا يؤم ~~الفاجر وهو المنبعث في المعاصي مؤمنا، وإلى هذا ذهبت الهادوية فاشترطوا ~~عدالة من يصلي خلفه، وقالوا: لا تصح إمامة الفاسق. وذهبت الشافعية والحنفية ~~إلى صحة إمامته مستدلين بما يأتي من حديث ابن عمر وغيره، وهي أحاديث كثيرة ~~دالة على صحة الصلاة خلف كل بر وفاجر إلا أنها كلها ضعيفة وقد عارضها حديث: ~~لا يؤمنكم ذو جرأة في دينه. ونحوه، وهي أيضا ضعيفة، قالوا: فلما ضعفت ~~الأحاديث من الجانبين رجعنا إلى ، الأصل وهي أن من صحت صلاته صحت إمامته. ~~وأيد ذلك فعل الصحابة فإنه أخرج البخاري في التاريخ عن عبد الكريم أنه قال: ~~أدركت عشرة من أصحاب محمد (ص) يصلون خلف أئمة الجور. ويؤيده أيضا حديث ~~مسلم: وكيف أنت إذا كان عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون ~~الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها ~~معهم فصل فإنها لك نافلة. فقد أذن بالصلاة ms0356 خلفهم وجعلها نافلة لأنهم ~~أخرجوها عن وقتها، وظاهره أنهم لو صلوها في وقتها لكان مأمورا بصلاتها ~~خلفهم فريضة. # (وعن أنس رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: رصوا) أي في صلاة الجماعة بضم ~~الراء والصاد المهملة من رص البناء (صفوفكم) بانضمام بعضكم إلى بعض ~~(وقاربوا بينها) أي بين الصفوف (وحاذوا) أي يساوي بعضكم بعضا في الصف ~~(بالأعناق رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان) تمام الحديث من سنن أبي ~~داود فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشياطين تدخل في خلل الصف كأنها الحذف ~~بفتح الحاء المهملة والذال المعجمة هي صغار الغنم. وأخرج الشيخان وأبو داود ~~من حديث النعمان بن بشير قال: أقبل رسول الله (ص) على الناس بوجهه فقال: ~~أقيموا صفوفكم ثلاثا والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم قال ~~فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه وكعبه بكعبه وأخرج أبو داود عنه أيضا ~~قال: كان النبي (ص) يسوينا في الصفوف كما يقوم القداح حتى إذا ظن أن قد ~~أخذنا ذلك عنه وفقهنا: أقبل ذات يوم بوجهه إذا رجل منتبذ بصدره فقال: لتسون ~~صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم وأخرج أيضا من حديث البراء بن عازب رضي ~~الله عنه قال: كان رسول الله (ص) يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية يمسح ~~صدورنا ومناكبنا ويقول: لا تختلفوا فتختلف قلوبكم . وهذه الأحاديث والوعيد ~~الذي فيها دالة على وجوب ذلك وهو مما تساهل فيه الناس، كما تساهلوا فيما ~~يفيده حديث أنس عنه (ص) أتموا الصف المقدم ثم الذي يليه فما كان من نقص ~~فليكن في الصف المؤخر أخرجه أبو داود، فإنك ترى الناس في المسجد يقومون ~~للجماعة وهم لا يملأون الصف الأول لو قاموا فيه فإذا أقيمت الصلاة يتفرقون ~~صفوفا على اثنين وعلى PageV02P029 # ثلاثة ونحوه. وأخرج أبو داود من حديث جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ~~(ص) : ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم؟ قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ~~ربهم؟ # قال: يتمون الصفوف المقدمة ويتراصون في الصف. وورد في سد الفرج في الصفوف ms0357 ~~أحاديث . كحديث ابن عمر ما من خطوة أعظم أجرا من خطوة مشاها الرجل في فرجة ~~في الصف فسدها أخرجه الطبراني في الأوسط، وأخرج أيضا فيه من حديث عائشة قال ~~(ص) : من سد فرجة في صف رفعه الله بها درجة وبنى له بيتا في الجنة قال ~~الهيثمي: فيه مسلم بن خالد الزنجي وهو ضعيف وثقه ابن حبان وأخر البزار من ~~حديث أبي جحيفة عنه (ص) من سد فرجة في الصف غفر له قال الهيثمي: إسناده حسن ~~ويغني عنه رصوا صفوفكم الحديث، إذ الفرج إنما تكون من عدم رصهم الصفوف. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): خير صفوف الرجال ~~أولها) أي أكثرها أجرا وهو الصف الذي يصلي الملائكة على من صلى فيه كما ~~يأتي (وشرها آخرها) أقلها أجرا (وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها رواه ~~مسلم) ورواه أيضا البزار والطبراني في الكبير والأوسط. والأحاديث في فضائل ~~الصف الأول واسعة. أخرج أحمد - قال الهيثمي: رجاله موثقون - والطبراني في ~~الكبير من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله (ص): إن الله وملائكته يصلون ~~على الصف الأول قالوا: يا رسول الله وعلى الثاني؟ قال: وعلى الثاني. وأخرج ~~أحمد والبزار - قال الهيثمي : برجال ثقات - من حديث النعمان بن بشير قال: ~~سمعت رسول الله (ص) استغفر للصف الأول ثلاثا، وللثاني مرتين، وللثالث مرة. ~~قال الهيثمي: فيه أيوب بن عتبة ضعف من قبل حفظه. ثم قد ورد في ميمنة الصف ~~الأول ومسامتة الامام وأفضليته على الأيسر أحاديث، فأخرج الطبراني في ~~الأوسط من حديث أبي بردة قال: قال رسول الله (ص): إن استطعت أن تكون خلف ~~الامام وإلا فعن يمينه قال الهيثمي : فيه من لم أجد له ذكرا. وأخرج أيضا في ~~الأوسط والكبير من حديث ابن عباس: عليكم بالصف الأول وعليكم بالميمنة ~~وإياكم والصف بين السواري قال الهيثمي: فيه إسماعيل بن مسلم المكي ضعيف. # واعلم أن الأحق بالصف الأول أولو الأحلام والنهى، فقد أخرج البزار من ~~حديث عامر بن ربيعة قال: قال رسول الله ms0358 (ص): ليليني منكم أهل الأحلام ~~والنهى ثم الذين يلونهم قال الهيثمي: فيه عاصم ابن عبيد الله العمري ~~والأكثر على تضعيفه واختلف في الاحتجاج به: وأخرجه مسلم والأربعة من حديث ~~ابن مسعود بزيادة ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم وإياكم وهيشات الأسواق. وفي ~~الباب أحاديث غيره. وفي حديث الباب دلالة على جواز اصطفاف النساء صفوفا، ~~وظاهره سواء كانت صلاتهن مع الرجال أو مع النساء، وقد علل خيرية آخر صفوفهن ~~بأنهن عند ذلك يبعدن عن الرجال وعن رؤيتهم وسماع كلامهم إلا أنها علة لا ~~تتم PageV02P030 # إلا إذا كانت صلاتهن مع الرجال، وإما إذا صلين وإمامتهن امرأة فصفوفهن ~~كصفوف الرجال أفضلها أولها. # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صليت مع رسول الله (ص) ذات ليلة) هي ~~ليلة مبيته عنده المعروفة (فقمت عن يساره فأخذ رسول الله (ص) برأسي من ~~ورائي فجعلني عن يمينه. متفق عليه). دل على صحة صلاة المتنفل بالمتنفل، ~~وعلى أن موقف الواحد مع الامام عن يمينه، بدليل الإدارة، إذ لو كان اليسار ~~موقفا له لما أداره في الصلاة . وإلى هذا ذهب الجماهير، وخالف النخعي فقال: ~~إذا كان الامام وواحد، قام الواحد خلف الامام، فإن ركع الامام قبل أن يجئ ~~أحد قام عن يمينه، أخرجه سعيد بن منصور ، ووجه بأن الإمامة مظنة الاجتماع ~~فاعتبرت في موقف المأموم حتى يظهر خلاف ذلك. قيل : ويدل على صحة صلاة من ~~قام عن يسار الامام لأنه (ص) لم يأمر ابن عباس بالإعادة، وفيه أنه يجوز أنه ~~لم يأمره لأنه معذور بجهله، أو بأنه ما كان قد أحرم بالصلاة . ثم قوله: ~~فجعلني عن يمينه ظاهر في أنه قام مساويا له، وفي بعض ألفاظه فقمت إلى جنبه ~~. وعن بعض أصحاب الشافعي أنه يستحب أن يقف المأموم دونه قليلا. إلا أنه قد ~~أخرج ابن جريج قال: قلنا لعطاء: الرجل يصلي مع الرجل أين يكون منه؟ قال: ~~إلى شقه. # قلت: أيحاذيه حتى يصف معه لا يفوت أحدهما الآخر؟ قال: نعم: قلت: بحيث أن ~~لا يبعد حتى يكون بينهما فرجه، قال: ms0359 نعم. ومثله في الموطأ عن عمر من حديث ~~ابن مسعود أنه صف معه فقربه حتى جعله حذاءه عن يمينه. # (وعن أنس رضي الله عنه قال: صلى رسول (ص) فقمت ويتيم خلفه) فيه العطف على ~~المرفوع المتصل من دون تأكيد ولا فصل وهو صحيح على مذهب الكوفيين، واسم ~~اليتيم ضميره وهو جد حسين ابن عبد الله بن ضميرة (وأم سليم) هي أم أنس ~~واسمها مليكة مصغرا (خلفنا) متفق عليه واللفظ للبخاري). دل الحديث على صحة ~~الجماعة في النفل. وعلى صحة الصلاة للتعليم والتبرك كما تدل عليه القصة. ~~وعلى أن مقام الاثنين خلف الامام. وعلى أن الصغير يعتد بوقوفه ويسد الجناح ~~وهو الظاهر من لفظ اليتيم إذ لا يتم بعد الاحتلام. وعلى أن المرأة لا تصف ~~مع الرجال وأنها تنفرد في الصف ، وإن عدم امرأة تنضم إليها عذر في ذلك، فإن ~~انضمت المرأة مع الرجل أجزأت صلاتها لأنه ليس في الحديث إلا تقريرها على ~~التأخر وأنه موقفها، وليس فيه دلالة على فساد صلاتها لو صلت في غيره. وعند ~~الهادوية أنها تفسد عليها وعلى من خلفها وعلى من في صفها إن علموا. وذهب ~~أبو حنيفة إلى فساد صلاة الرجل دون المرأة ولا دليل على الفساد في ~~الصورتين. # (وعن أبي بكرة رضي الله عنه أنه انتهى إلى النبي (ص) وهو راكع فركع قبل ~~أن يصل إلى الصف فذكر ذلك للنبي (ص) فقال: زادك الله حرصا) أي على طلب ~~الخير (ولا تعد) بفتح المثناة الفوقية من العود (رواه البخاري وزاد أبو ~~داود فيه PageV02P031 # فركع دون الصف ثم مشى إلى الصف). الحديث يدل على أن من وجد الامام راكعا ~~فلا يدخل في الصلاة حتى يصل الصف لقوله (ص) ولا تعد. وقيل: بل يدل على أنه ~~يصح منه ذلك لأنه (ص) لم يأمره بالإعادة لصلاته، فدل على صحتها، قلت : لعله ~~(ص) لم يأمره لأنه كان جاهلا للحكم والجهل عذر. وروى الطبراني في الأوسط من ~~رواية عطاء عن ابن الزبير - قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح - أنه قال : ~~إذا ms0360 دخل أحدكم المسجد والناس ركوع فليركع حين يدخل ثم يدب راكعا حتى يدخل ~~في الصف فإن ذلك السنة. قال عطاء: قد رأيته يصنع ذلك. قال ابن جريج: وقد ~~رأيت عطاء يصنع ذلك. قلت: وكأنه مبني على أن لفظ ولا تعد بضم المثناة ~~الفوقية من الإعادة أي زادك الله حرصا على طلب الخير ولا تعد صلاتك فإنها ~~صحيحة. وروى بسكون العين المهملة من العدو وتؤيده رواية ابن السكن من حديث ~~أبي بكرة بلفظ : أقيمت الصلاة فانطلقت أسعى حتى دخلت في الصف فلما قضى ~~الصلاة قال: من الساعي آنفا؟ قال أبو بكرة: فقلت: أنا، قال (ص): زادك الله ~~حرصا ولا تعد . والأقرب رواية أن لا تعد من العود أي لا تعد ساعيا إلى ~~الدخول قبل وصولك الصف فإنه ليس في الكلام ما يشعر بفساد صلاته حتى يفتيه ~~(ص) بأنه لا يعيدها بل قوله زادك الله حرصا يشعر بإجزائها. أو لا تعد من ~~العدو. # (وعن وابصة) بفتح الواو وكسر الموحدة فصاد مهملة وهو أبو قرصافة بكسر ~~القاف وسكون الراء فصاد مهملة وبعد الألف فاء (ابن معبد رضي الله عنه) بكسر ~~الميم وسكون العين المهملة فدال مهملة وهو ابن مالك من بني أسد بن خزيمة ~~الأنصاري الأسدي نزل وابصة الكوفة ثم تحول إلى الحيرة ومات بالرقة (أن رسول ~~الله (ص) رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة. رواه أحمد ~~وأبو داود والترمذي وحسنه وصححه ابن حبان) . فيه دلالة على بطلان صلاة من ~~صلى خلف الصف وحده، وقد قال ببطلانها النخعي وأحمد. # وكان الشافعي يضعف هذا الحديث ويقول: لو ثبت هذا الحديث لقلت به، قال ~~البيهقي: # الاختيار أن يتوقى ذلك لثبوت الخبر المذكور. ومن قال بعدم بطلانها استدل ~~بحديث أبي بكرة وأنه لم يأمره (ص) بالإعادة، مع أنه أتى ببعض الصلاة خلف ~~الصف منفردا، قالوا: فيحمل الامر بالإعادة ههنا على الندب. قيل: والأولى أن ~~يحمل حديث أبي بكرة على العذر وهو خشية الفوات مع انضمامه بقدر الامكان، ~~وهذا لغير عذر في جميع ms0361 الصلاة. # قلت: وأحسن منه أن يقال هذا لا يعارض حديث أبي بكرة بل يوافقه وإنما لم ~~يأمر (ص) أبا بكرة بالإعادة لأنه كان معذورا بجهله ويحمل أمره بالإعادة لمن ~~صلى خلف الصف بأنه كان عالما بالحكم ويدل على البطلان أيضا ما تضمنه قوله: # (وله) أي لابن حبان (عن طلق بن علي رضي الله عنه) الذي سلف ذكره (لا صلاة ~~لمنفرد خلف الصف) فإن النفي ظاهر في نفي الصحة (وزاد الطبراني في حديث ~~وابصة ألا دخلت) أيها المصلي منفردا عن الصف (معهم) أي في الصف (أو اجتررت ~~PageV02P032 # رجلا) أي من الصف فينضم إليك وتمام حديث الطبراني إن ضاق بك المكان أعد ~~صلاتك فإنه لا صلاة لك وهو في مجمع الزوائد من رواية ابن عباس إذا انتهى ~~أحدكم إلى الصف وقد تم فليجذب إليه رجلا يقيمه إلى جنبه وقال: رواه ~~الطبراني في الأوسط وقال: لا يروى عن النبي (ص) إلا بهذا الاسناد، وفيه ~~السري بن إبراهيم وهو ضعيف جدا، ويظهر من كلام مجمع الزوائد أن في حديث ~~وابصة، السري بن إسماعيل وهو ضعيف، والشارح ذكر أن السري في رواية الطبراني ~~التي فيها الزيادة إلا أنه قد أخرج أبو داود في المراسيل من رواية مقاتل بن ~~حيان مرفوعا إذا جاء أحدكم فلم يجد موضعا فليختلج إليه رجلا من الصف فليقم ~~معه فما أعظم أجر المختلج وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس أن ~~النبي (ص) أمر الآتي وقد تمت الصفوف بأن يجتذب إليه رجلا يقيمه إلى جنبه، ~~وإسناده واه. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي (ص): إذا سمعتم الإقامة) أي ~~للصلاة (فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة) قال النووي: السكينة التأني في ~~الحركات واجتناب العبث (والوقار) في الهيئة كغض الطرف وخفض الصوت وعدم ~~الالتفات، وقيل معناهما واحد وذكر الثاني تأكيدا وقد نبه في رواية مسلم على ~~الحكمة في شرعية هذا الأدب بقوله في آخر حديث أبي هريرة هذا فإن أحدكم إذا ~~كان يعمد إلى الصلاة فإنه في صلاة أي فإنه ms0362 في حكم المصلي، فينبغي اعتماد ما ~~ينبغي للمصلي اعتماده واجتناب ما ينبغي له اجتنابه (ولا تسرعوا فما أدركتم) ~~من الصلاة مع الامام (فصلوا وما فاتكم فأتموا متفق عليه واللفظ للبخاري). ~~فيه الامر بالوقار وعدم الاسراع في الاتيان إلى الصلاة، وذلك لتكثير الخطأ ~~فينال فضيلة ذلك فقد ثبت عند مسلم من حديث جابر إن بكل خطوة يخطوها إلى ~~الصلاة درجة وعند أبي داود مرفوعا إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج إلى ~~الصلاة لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له حسنة ولم يضع قدمه اليسرى إلا ~~حط الله عنه سيئة، فإن أتى المسجد فصلى في جماعة غفر له، فإن جاء وقد صلوا ~~بعضا وبقي بعض فصلى ما أدرك وأتم ما بقي كان كذلك وإن أتى المسجد وقد صلوا ~~فأتم الصلاة، كان كذلك. وقوله فما أدركتم فصلوا جواب شرط محذوف أي : إذا ~~فعلتم ما أمرتم به من ترك الاسراع ونحوه فما أدركتم فصلوا. وفيه دلالة على ~~أن فضيلة الجماعة يدركها ولو دخل مع الامام في أي جزء من أجزاء الصلاة ولو ~~دون ركعة وهو قول الجمهور. وذهب آخرون إلى أنه لا يصير مدركا لها إلا ~~بإدراك ركعة لقوله (ص) : من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها وسيأتي في ~~الجمعة اشتراط إدراك ركعة ويقاس عليها غيرها. وأجيب بأن ذلك في الأوقات لا ~~في الجماعة وبأن الجمعة مخصوصة فلا يقاس عليها. واستدل بحديث الباب على صحة ~~الدخول مع الامام في أي حالة أدركه عليها ، وقد أخرج ابن أبي شيبة مرفوعا ~~من وجدني راكعا أو قائما أو ساجدا فليكن معي على حالتي التي أنا عليها. ~~قلت: وليس فيه دلالة على اعتداده بما أدركه مع الامام، ولا على PageV02P033 # إحرامه في أي حالة أدركه عليها، بل فيه الامر بالكون معه، وقد أخرج ~~الطبراني في الكبير برجال موثقين - كما قال الهيثمي - عن علي وابن مسعود ~~قالا: من لم يدرك الركعة فلا يعتد بالسجدة وأخرج أيضا في الكبير - قال ~~الهيثمي أيضا برجال موثقين - من حديث زيد بن وهب ms0363 قال: دخلت أنا وابن مسعود ~~المسجد والامام راكع فركعنا، ثم مشينا حتى استوينا بالصف فلما فرغ الامام ~~قمت أقضي فقال: قد أدركته. وهذه آثار موقوفة ، وفي الآخر دليل - أي مأنوس - ~~بما ذهب، وهو أحد احتمالات حديث أبي بكرة وإلا فإنها آثار موقوفة ليست ~~بأدلة على ما ذهب إليه ابن الزبير وقد تقدم. وورد في بعض الروايات حديث ~~الباب بلفظ فاقضوا عوض أتموا والقضاء يطلق على أداء الشئ فهو في معنى أتموا ~~فلا مغايرة. ثم قد اختلف العلماء فيما يدركه اللاحق مع إمامه هل هي أول ~~صلاته أو آخرها؟ والحق أنها أولها وقد حققناه في حواشي ضوء النهار. واختلف ~~فيما إذا أدرك الامام راكعا فركع معه هل تسقط قراءة تلك الركعة عند من أوجب ~~الفاتحة فيعتد بها أو لا تسقط فلا يعتد بها؟ قيل: يعتد بها لأنه قد أدرك ~~الامام قبل أن يقيم صلبه وقيل: لا يعتد بها لأنه فاتته الفاتحة وقد بسطنا ~~القول في ذلك في مسألة مستقلة وترجح عندنا الاجزاء. ومن أدلته حديث أبي ~~بكرة حيث ركع وهم ركوع، ثم أقره (ص) على ذلك وإنما نهاه عن العودة إلى ~~الدخول قبل الانتهاء إلى الصف كما عرفت. # (وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص) : صلاة الرجل مع ~~الرجل أزكى من صلاته وحده) أي أكثر أجرا من صلاته منفردا (وصلاته مع ~~الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله عز وجل ~~رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان) وأخرجه ابن ماجة ، وصححه ابن السكن ~~والعقيلي والحاكم، وذكر الاختلاف فيه، وأخرجه البزار والطبراني بلفظ صلاة ~~الرجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من صلاة مائة تترى. وفيه دلالة على ~~أن أقل صلاة الجماعة إمام ومأموم، ويوافقه ما أخرجه ابن ماجة من حديث أبي ~~موسى اثنان فما فوقهما جماعة ورواه البيهقي أيضا من حديث أنس وفيهما ضعف. ~~وبوب البخاري باب اثنان فما فوقهما جماعة واستدل بحديث مالك ابن الحويرث ~~إذا حضرت الصلاة فأذنا ms0364 ثم أقيما ثم ليؤمكما أكبركما. وقد روى أحمد من حديث ~~أبي سعيد: أنه دخل المسجد رجل وقد صلى النبي (ص) بأصحابه الظهر فقال له ~~النبي (ص) : ما حبسك يا فلان عن الصلاة فذكر شيئا اعتل به، قال: فقام يصلي، ~~فقال رسول الله (ص): ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه؟ فقام رجل معه. قال ~~الهيثمي رجاله رجال الصحيح. # (وعن أم ورقة رضي الله عنها) بفتح الواو والراء والقاف هي أم ورقة بنت ~~نوفل الأنصارية، PageV02P034 # وقيل بنت عبد الله بن الحرث بن عويمر كان رسول الله (ص) يزورها ويسميها ~~الشهيدة، وكانت قد جمعت القرآن، وكانت تؤم أهل دارها، ولما غزا رسول الله ~~(ص) بدرا قالت: يا رسول الله ائذن لي في الغزو معك - الحديث - وأمرها أن ~~تؤم أهل دارها وجعل لها مؤذنا يؤذن، وكان لها غلام وجارية فدبرتهما، وفي ~~الحديث أن الغلام والجارية قاما إليها في الليل فغماها بقطيفة لها حتى ~~ماتت، وذهبا فأصبح عمر فقام في الناس فقال: من عنده من علم هذين أو من ~~رآهما فليجئ بهما فوجدا فأمر بهما فصلبهما وكانا أول مصلوب بالمدينة (أن ~~النبي (ص) أمرها أن تؤم أهل دارها. رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة). ~~والحديث دليل على صحة إمامة المرأة أهل دارها، وإن كان فيهم الرجل، فإنه ~~كان لها مؤذن وكان شيخا كما في الرواية، والظاهر أنها كانت تؤمه وغلامها ~~وجاريتها، وذهب إلى صحة ذلك أبو ثور والمزني والطبري. وخالف في ذلك ~~الجماهير. وأما إمامة الرجل النساء فقط فقد روى عبد الله بن أحمد من حديث ~~أبي بن كعب: أنه جاء إلى النبي (ص) فقال: يا رسول الله عملت الليلة عملا ~~قال: ما هو؟ قال: نسوة معي في الدار، قلن إنك تقرأ ولا نقرأ فصل بنا، فصليت ~~ثمانيا والوتر، فسكت النبي (ص) قال: فرأينا أن سكوته رضا. قال الهيثمي: في ~~إسناده من لم يسم قال: ورواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط وإسناده حسن. # (وعن أنس رضي الله عنه أن النبي (ص) استخلف ابن أم ms0365 مكتوم وتقدم اسمه في ~~الأذان (يؤم الناس وهو أعمى. رواه أحمد وأبو داود) في رواية لأبي داود أنه ~~استخلفه مرتين وهو في الأوسط للطبراني من حديث عائشة: استخلف النبي (ص) ابن ~~أم مكتوم على المدينة مرتين يؤم الناس. والمراد استخلافه في الصلاة وغيرها، ~~وقد أخرجه الطبراني بلفظ في الصلاة وغيرها وإسناده حسن وقد عدت مرات ~~الاستخلاف له فبلغت ثلاث عشرة مرة، ذكره في الخلاصة. والحديث دليل على صحة ~~إمامة الأعمى من غير كراهة في ذلك. # (ونحوه) أي حديث أنس (لابن حبان عن عائشة رضي الله عنها) تقدم أنه أخرجه ~~الطبراني في الأوسط. # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): صلوا على من قال لا ~~إله إلا الله) أي صلاة الجنازة (وصلوا خلف من قال لا إله إلا الله رواه ~~الدارقطني بإسناد ضعيف) قال في البدر المنير: هذا الحديث من جميع طرقه لا ~~يثبت. وهو دليل على أنه يصلي عن من قال كلمة الشهادة وإن لم يأت بالواجبات ~~وذهب إلى هذا زيد بن علي وأحمد بن عيسى وذهب إليه أبو حنيفة إلا أنه استثنى ~~قاطع الطريق والباغي. وللشافعي أقوال في قاطع الطريق إذا صلب. والأصل أن من ~~قال كلمة الشهادة فله ما للمسلمين ومنه صلاة الجنازة عليه. ويدل له حديث: ~~الذي قتل نفسه بمشاقص فقال (ص): أما أنا فلا أصلي عليه ولم ينههم عن الصلاة ~~عليه، ولان عموم شرعية PageV02P035 # صلاة الجنازة لا يخص منه أحد من أهل كلمة الشهادة إلا بدليل. فأما الصلاة ~~خلف من قال لا إله إلا الله فقد قدمنا الكلام في ذلك وأنه لا دليل على ~~اشتراط العدالة وأن من صحت صلاته صحت إمامته. # (وعن علي رضي الله عنه قال: قال النبي (ص): إذا أتى أحدكم الصلاة والامام ~~على حال فليصنع كما يصنع الامام رواه الترمذي بإسناد ضعيف) أخرجه الترمذي ~~من حديث علي ومعاذ وفيه ضعف وانقطاع وقال: لا نعلم أحدا أسنده إلا من هذا ~~الوجه وقد أخرجه أبو داود من حديث عبد الرحمن ms0366 بن أبي ليلى قال: # حدثنا أصحابنا. الحديث. وفيه أن معاذا قال: لا أراه على حال إلا كنت ~~عليها. وبهذا يندفع الانقطاع، إذا الظاهر أن الراوي لعبد الرحمن غير معاذ ~~بل جماعة من الصحابة والانقطاع إنما ادعي بين عبد الرحمن ومعاذ، قالوا: لان ~~عبد الرحمن لم يسمع من معاذ وقد سمع من غيره من الصحابة وقال هنا أصحابنا ~~والمراد به الصحابة رضي الله عنهم. وفي الحديث دلالة على أنه يجب على من ~~لحق بالامام أن ينضم إليه في أي جزء كان من أجزاء الصلاة: فإذا كان الامام ~~قائما أو راكعا، فإنه يعتد بما أدركه معكما سلف، فإذا كان قاعدا أو ساجدا ~~قعد بقعود وسجد بسجوده ولا يعتد بذلك، وتقدم ما يؤيده من حديث ابن أبي ~~شيبة. ومن وجدني قائما أو راكعا أو ساجدا فليكن معي على حالتي التي أنا ~~عليها. وأخرج ابن خزيمة مرفوعا عن أبي هريرة إذا جئتم ونحن سجود فاسجدوا ~~ولا تعدوها شيئا ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة وأخرج أيضا فيه مرفوعا عن ~~أبي هريرة: ومن أدرك ركعة من الصلاة قبل أن يقيم الامام صلبه فقد أدركها ~~وترجم له باب ذكر الوقت الذي يكون فيه المأموم مدركا للركعة إذا ركع إمامه. ~~وقوله فليصنع كما يصنع الامام ليس صريحا أنه يدخل معه بتكبيرة الاحرام بل ~~ينضم إليه إما بها إذا كان قائما أو راكعا فيكبر اللاحق من القيام ثم يركع ~~أو بالكون معه فقط ومتى قام كبر للاحرام، وغايته أنه يحتمل ذلك إلا أن ~~شرعية تكبيرة الاحرام حال القيام للمنفرد والامام، يقضي أن لا تجزئ إلا ~~كذلك، وذلك أصرح من دخولها بالاحتمال والله أعلم. # (فائدة) في الاعذار في ترك الجماعة: أخرج الشيخان عن ابن عمر عن النبي ~~(ص) : أنه كان يأمر المنادي فينادي صلوا في رحالكم في الليلة الباردة وفي ~~الليلة المطيرة في السفر. وعن جابر: خرجنا مع رسول الله (ص) في سفر فمطرنا ~~فقال ليصل من شاء منكم في رحله. رواه مسلم وأبو داود والترمذي وصححه. ~~وأخرجه الشيخان ms0367 عن ابن عباس: أنه قال لمؤذنه في يوم مطير إذا قلت: أشهد أن ~~محمدا رسول الله فلا تقل: حي على الصلاة. قل: صلوا في بيوتكم. قال: فكأن ~~الناس استنكروا ذلك فقال: أتعجبون من ذا؟ # فقد فعل ذا من هو خير مني يعني - النبي (ص) - وعند مسلم: أن ابن عباس أمر ~~مؤذنه في يوم جمعة في يوم مطير بنحوه. وأخرج البخاري عن ابن عمر قال: قال ~~رسول الله (ص): إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه ~~PageV02P036 # وإن أقيمت الصلاة. وأخرج أحمد ومسلم من حديث عائشة قالت: سمعت النبي (ص) ~~يقول: لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافع الأخبثين. وأخرج البخاري عن أبي ~~الدرداء قال: من فقه الرجل إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه ~~فارغ. # باب صلاة المسافر والمريض (عن عائشة رضي الله عنها قالت: أول ما فرضت ~~الصلاة) ما عدا المغرب (ركعتين) أي حضرا وسفرا (فأقرت) أي أقر الله (صلاة ~~السفر) بإبقائها ركعتين (وأتمت صلاة الحضر) ما عدا المغرب، يزيد في الثلاث ~~الصلوات ركعتين، والمراد بأتمت: زيد فيها حتى كانت تامة بالنظر إلى صلاة ~~السفر (متفق عليه، وللبخاري) وحده عن عائشة (ثم هاجر) أي النبي (ص) (ففرضت ~~أربعا) أي صارت أربعا بزيادة اثنتين . (وأقرت صلاة السفر على الأول) أي على ~~الفرض الأول (زاد أحمد: إلا المغرب) أي زاده من رواية عن عائشة بعد قولها: ~~أول ما فرضت الصلاة أي إلا المغرب فإنها فرضت ثلاثا (فإنها) أي المغرب (وتر ~~النهار) ففرضت وترا ثلاثا من أول الأمر (وإلا الصبح فإنها تطول فيها ~~القراءة). في هذا الحديث دليل على وجوب القصر في السفر لان فرضت بمعنى ~~وجبت، ووجوبه مذهب الهادوية والحنفية وغيرهم. وقال الشافعي وجماعة: إنه ~~رخصة والتمام أفضل وقالوا: فرضت بمعنى قدرت أو فرضت لمن أراد القصر. ~~واستدلوا بقوله تعالى : * (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) *. وبأنه ~~سافر أصحاب رسول الله (ص) معه فمنهم من يقصر ومنهم من يتم ولا يعيب بعضهم ~~على بعض، وبأن عثمان ms0368 كان يتم، وكذلك عائشة أخرج ذلك مسلم. ورد بأن هذه ~~أفعال صحابة لا حجة فيها، وبأنه أخرج الطبراني في الصغير من حديث ابن عمر ~~موقوفا صلاة السفر ركعتان نزلتا من السماء فإن شئتم فردوهما قال الهيثمي: ~~رجاله موثوقون، وهو توقيف إذ لا مسرح فيه للاجتهاد، وأخرج أيضا عنه في ~~الكبير برجال الصحيح صلاة السفر ركعتان من خالف السنة كفر. وفي قوله السنة ~~دليل على رفعه كما هو معروف، قال ابن القيم في الهدى النبوي: كان يقصر (ص) ~~الرباعية فيصليها ركعتين من حين يخرج مسافرا إلى أن يرجع إلى المدينة ولم ~~يثبت عنه أنه أتم الرباعية في السفر البتة. وفي قولها إلا المغرب دلالة على ~~أن شرعيتها في الأصل ثلاثا لم تتغير. وقولها إنها وتر النهار أي صلاة ~~النهار كانت شفعا والمغرب آخرها لوقوعها في آخر جزء من النهار فهي وتر صلاة ~~النهار، كما أنه شرع الوتر لصلاة الليل، والوتر محبوب إلى الله تعالى كما ~~تقدم في الحديث إن الله وتر يحب الوتر. وقولها : إلا الصبح فإنها تطول فيها ~~القراءة. تريد أن لا يقصر في صلاتها، فإنها ركعتان حضرا وسفرا ، لأنه شرع ~~فيها تطويل القراءة ولذلك عبر عنها في الآية بقرآن الفجر لما كانت معظم ~~أركانها لطولها فيها فعبر عنها بها من إطلاق الجزء الأعظم على الكل. # (وعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي (ص) كان يقصر في السفر ويتم ~~PageV02P037 # ، ويصوم ويفطر) الأربعة الأفعال بالمثناة التحتية أي أنه (ص) كان يفعل ~~هذا وهذا (رواه الدارقطني ورواته) من طريق عطاء عن عائشة (ثقات إلا أنه ~~معلول والمحفوظ عن عائشة من فعلها، وقالت: إنه لا يشق علي. أخرجه البيهقي). ~~واستنكره أحمد فإن عروة روى عنها أنها كانت تتم وأنها تأولت كما تأول عثمان ~~كما في الصحيح، فلو كان عندها عن النبي (ص) رواية، لم يقل عروة إنها تأولت، ~~وقد ثبت في الصحيحين خلاف ذلك. وأخرج أيضا الدارقطني عن عطاء، و البيهقي عن ~~عائشة: أنها اعتمرت معه (ص) من المدينة إلى مكة حتى إذا ms0369 قدمت مكة قالت: يا ~~رسول الله بأبي أنت وأمي أتممت وقصرت. وأفطرت وصمت، فقال: أحسنت يا عائشة ~~وما عاب علي. قال ابن القيم: # وقد روى كان يقصر وتتم الأول بالياء آخر الحروف والثاني بالمثناة من فوق ~~وكذلك يفطر وتصوم أي تأخذ هي بالعزيمة في الموضعين قال شيخنا ابن تيمية: ~~وهذا باطل ما كانت أم المؤمنين لتخالف رسول الله (ص) وجميع أصحابه فتصلي ~~خلاف صلاتهم ، وفي الصحيح عنها إن الله فرض الصلاة ركعتين ركعتين فلما هاجر ~~رسول الله (ص) إلى المدينة زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر فكيف يظن ~~بها مع ذلك أنها تصلي خلاف صلاته وصلاة المسلمين معه؟ قلت: وقد أتمت عائشة ~~بعد موته (ص) قال ابن عباس وغيره: إنها تأولت كما تأول عثمان اه‍. هذا ~~وحديث الباب قد اختلف في اتصاله فإنه من رواية عبد الرحمن بن الأسود عن ~~عائشة قال الدارقطني: إنه أدرك عائشة وهو مراهق قال المصنف رحمه الله: هو ~~كما قال ففي تاريخ البخاري وغيره ما يشهد لذلك، وقال أبو حاتم: أدخل عليها ~~وهو صغير ولم يسمع منها وادعى ابن أبي شيبة والطحاوي ثبوت سماعه منها ~~واختلف قول الدارقطني في الحديث فقال في السنن: إسناده حسن، وقال في العلل: ~~المرسل أشبه. هذا كلام المصنف: ونقله الشارح. وراجعت سنن الدارقطني فرأيته ~~ساقه وقال: إنه صحيح ثم فيه العلاء ابن زهير وقال الذهبي في الميزان: # وثقه ابن معين وقال ابن حبان: كان ممن يروي عن الثقات مما لا يشبه حديث ~~الاثبات اه‍. فبطل الاحتجاج به فيما لم يوافق الاثبات وبطل بهذا ادعاء ابن ~~حزم جهالته فقد عرف عينا وحال وقال ابن القيم بعد روايته لحديث عائشة هذا ~~ما لفظه: وسمعت شيخ الاسلام يقول: هذا كذب على رسول الله (ص) اه‍. يريد ~~رواية يقصر ويتم بالمثناة التحتية وجعل ذلك من فعله (ص) فإنه ثبت عنه (ص) ~~بأنه لم يتم رباعية في سفر ولا صام فيه فرضا. # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): إن ms0370 الله يحب أن ~~تؤتي رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته رواه أحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان، ~~وفي رواية كما يحب أن تؤتى عزائمه). فسرت محبة الله برضاه وكراهته بخلافها. ~~وعند أهل الأصول أن الرخصة ما شرع من الاحكام لعذر والعزيمة مقابلها، ~~والمراد بها هنا ما سهله لعباده ووسعه عند الشدة من ترك بعض الواجبات ~~وإباحة بعض المحرمات PageV02P038 # والحديث دليل على أن فعل الرخصة أفضل من فعل العزيمة، كذا قيل وليس فيه ~~على ذلك دليل، بل يدل على مساواتها للعزيمة، والحديث يوافق قوله تعالى: * ~~(يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) *. # (وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله (ص) إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال ~~أو فراسخ - صلى ركعتين رواه مسلم). المراد من قوله إذا خرج إذا كان قصده ~~مسافة هذا القدر لا أن المراد أنه كان إذا أراد سفرا طويلا فلا يقصر إلا ~~بعد هذه المسافة. وقوله أميال أو فراسخ شك في الراوي وليس التخيير في أصل ~~الحديث قال الخطابي شك فيه شعبة. قيل في حد الميل هو أن ينظر إلى الشخص في ~~أرض مستوية فلا يدرك أهو رجل أم امرأة أو غير ذلك. وقال النووي: هو ستة ~~آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون أصبعا معترضة متعادلة، والإصبع ست شعيرات ~~معترضة متعادلة. وقيل : هو اثنا عشر ألف قدم بقدم الانسان. وقيل: هو أربعة ~~آلاف ذراع، وقيل ألف خطوة للجمل، وقيل ثلاثة آلاف ذراع بالهاشمي وهو اثنان ~~وثلاثون أصبعا، وهو ذراع الهادي عليه الصلاة والسلام وهو الذراع العمري ~~المعمول عليه في صنعاء وبلادها. وأما الفرسخ فهو ثلاثة أميال وهو فارسي ~~معرب. # واعلم أنه قد اختلف العلماء في المسافة التي تقصر فيها الصلاة على نحو ~~عشرين قولا - حكاها ابن المنذر -. فذهب الظاهرية إلى العمل بهذا الحديث ~~وقالوا: مسافة القصر ثلاثة أميال، وأجيب عليهم بأنه مشكوك فيه فلا يحتج به ~~على التحديد بالثلاثة الأميال نعم يحتج به على التحديد بالثلاثة الفراسخ إذ ~~الأميال داخلة فيها فيؤخذ بالأكثر وهو الاحتياط لكن قيل ms0371 إنه لم يذهب إلى ~~التحديد بالثلاثة الفراسخ أحد. نعم يصح الاحتجاج للظاهرية بما أخرجه سعيد ~~بن منصور من حديث أبي سعيد. أنه كان رسول الله (ص) إذا سافر فرسخا يقصر ~~الصلاة وقد عرفت أن الفرسخ ثلاثة أميال: وأقل ما قيل في مسافة القصر ما ~~أخرجه ابن أبي شيبة من حديث ابن عمر موقوفا: أنه كان يقول إذا خرجت ميلا ~~قصرت الصلاة. وإسناده صحيح وقد روى هذا في البحر عن داود ويلحق بهذين ~~القولين قول الباقر والصادق وأحمد بن عيسى والهادي وغيرهم أنه يقصر في ~~مسافة بريد فصاعدا، مستدلين بقوله (ص) في حديث أبي هريرة مرفوعا لا يحل ~~لامرأة تسافر بريدا إلا ومعها محرم أخرجه أبو داود. قالوا: فسمى مسافة ~~البريد سفرا ولا يخفى أنه لا دليل فيه، على أنه لا يسمى الأقل من هذه ~~المسافة سفرا، وإنما هذا تحديد للسفر الذي يجب فيه المحرم ولا تلازم بين ~~مسافة القصر ومسافة وجوب المحرم لجواز التوسعة في إيجاب المحرم تخفيفا على ~~العباد. وقال زيد بن علي والمؤيد وغيرهما والحنفية: بل مسافته أربعة وعشرون ~~فرسخا لما أخرجه البخاري من حديث ابن عمر مرفوعا لا يحل لامرأة تؤمن بالله ~~واليوم الآخر أن تسافر فوق ثلاثة أيام إلا مع محرم قالوا: وسير الإبل في كل ~~يوم ثمانية فراسخ. وقال الشافعي، بل أربعة برد لحديث ابن عباس مرفوعا لا ~~تقصروا الصلاة في أقل من أربعة برد وسيأتي PageV02P039 # وأخرجه البيهقي بسند صحيح من فعل ابن عباس وابن عمر وبأنه روى البخاري من ~~حديث ابن عباس تعليقا بصيغة الجزم: أنه سئل أتقصر الصلاة من مكة إلى عرفة؟ ~~قال: لا ولكن إلى عسفان وإلى جدة وإلى الطائف وهذه الأمكنة بين كل واحد ~~منها وبين مكة أربعة برد فما فوقها. والأقوال متعارضة كما سمعت والأدلة ~~متقاومة قال في زاد المعاد: ولم يحد (ص) لامته مسافة محددة للقصر والفطر بل ~~أطلق لهم ذلك في مطلق السفر والضرب في الأرض كما أطلق لهم التيمم في كل ~~سفر، وأما ما يروى عنه من ms0372 التحديد باليوم واليومين والثلاثة فلم يصح منها ~~شئ البتة والله أعلم، وجواز القصر والجمع في طويل السفر وقصيره مذهب كثير ~~من السلف. # (وعنه) أي عن أنس (رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله (ص) من المدينة ~~إلى مكة فكان يصلي) أي الرباعية (ركعتين ركعتين) أي كل رباعية ركعتين (حتى ~~رجعنا إلى المدينة: متفق عليه واللفظ للبخاري). يحتمل أن هذا كان في سفره ~~عام الفتح ويحتمل أنه في حجة الوداع إلا أن فيه عند أبي داود زيادة أنهم ~~قالوا لأنس: هل أقمتم بها شيئا؟ قال: أقمنا عشرا ويأتي أنهم أقاموا في ~~الفتح زيادة على خمسة عشر يوما أو خمسة عشر وقد صرح في حديث أبي داود أن ~~هذا أي خمسة عشر ونحوها كان عام الفتح وفيه دلالة على أنه لم يتم مع إقامته ~~في مكة، وهو كذلك كما يدل عليه الحديث الآتي: وفيه دليل على أن نفس الخروج ~~من البلد بنية السفر يقتضي القصر ولو لم يجاوز من البلد ميلا ولا أقل، وأنه ~~لا يزال يقصر حتى يدخل البلد ولو صلى وبيوتهما بمرأى منه. # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أقام النبي (ص) تسعة عشر يوما يقصر ~~وفي لفظ) تعيين محل الإقامة وأنه (بمكة تسعة عشر يوما. رواه البخاري وفي ~~رواية لأبي داود) أي عن ابن عباس (سبع عشرة) بالتذكير في الرواية الأولى ~~لأنه ذكر مميزه يوما وهو مذكر، وبالتأنيث في رواية أبي داود لأنه حذف ~~مميزه، وتقديره ليلة، وفي رواية لأبي داود عنه تسعة عشر كالرواية الأولى ~~(وفي أخرى) أي لأبي داود عن ابن عباس (خمس عشرة). # (وله) أي لأبي داود: (عن عمران بن حصين رضي الله عنهما ثماني عشرة) ولفظه ~~عند أبي داود شهدت معه الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ~~ركعتين ويقول: يا أهل البلد صلوا أربعا فإنا قوم سفر. # (وله) أي لأبي داود. (عن جابر رضي الله عنه أقام) أي النبي (ص) (بتبوك ~~عشرين يوما يقصر الصلاة)، ورواته ثقات إلا أنه اختلف ms0373 في وصله فوصله معمر عن ~~يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن عن ثوبان عن جابر قال أبو داود: ~~غير معمر لا يسنده فأعله الدارقطني في العلل بالارسال والانقطاع. قال ~~المصنف رحمه الله: وقد أخرجه البيهقي بلفظ بضع عشرة. # واعلم أن أبا داود ترجم لباب هذه الأحاديث باب متى يتم المسافر ثم ساقها ~~وفيها PageV02P040 # كلام ابن عباس من أقام سبعة عشر قصر ومن أقام أكثر أتم. وقد اختلف ~~العلماء في قدر مد الإقامة التي إذا عزم المسافر على إقامتها أتم فيها ~~الصلاة على أقوال. فقال ابن عباس وإليه ذهب الهادوية: إن أقل مدة الإقامة ~~عشرة أيام لقول علي عليه السلام: إذا أقمت عشرا فأتم الصلاة أخرجه المؤيد ~~في شرح التجريد من طرق فيها ضرار بن صرد قال المصنف في التقريب: إنه غير ~~ثقة. قالوا: وهو توقيف. وقالت الحنفية: خمسة عشر يوما مستدلين بإحدى روايات ~~ابن عباس وبقوله وقول ابن عمر: إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم ~~خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة. وذهبت المالكية والشافعية إلى أن أقلها أربعة ~~أيام وهو مروي عن عثمان والمراد غير يوم الدخول والخروج، واستدلوا بمنعه ~~(ص) المهاجرين بعد مضي النسك أن يزيدوا عن ثلاثة أيام في مكة فدل على أنه ~~بالأربعة الأيام يصير مقيما، وثم أقوال أخر لا دليل عليها. وهذا كله فيمن ~~دخل البلد عازما على الإقامة فيها. وأما من تردد في الإقامة ولم يعزم ففيه ~~خلاف أيضا. فقالت الهادوية : يقصر إلى شهر لقول علي عليه السلام: إنه من ~~يقول: اليوم أخرج، غدا أخرج. يقصر الصلاة شهرا. وذهب أبو حنيفة وأصحابه وهو ~~قول للشافعي وقال به الامام يحيى إلى أنه يقصر أبدا إذ الأصل السفر، ولفعل ~~ابن عمر فإنه أقام بآذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، وروي عن أنس بن مالك ~~أنه أقام بنيسابور سنة أو سنتين يقصر الصلاة، وعن جماعة من الصحابة أنهم ~~أقاموا برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة. ومنهم من قدر ذلك بخمسة عشر ~~وسبعة عشر وثمانية عشر ms0374 على حسب ما وردت الروايات في مدة إقامته (ص) في مكة ~~وتبوك وأنه بعد ما يجاوز مدة ما روي عنه (ص) يتم صلاته. ولا يخفى أنه لا ~~دليل في المدة التي قصر فيها على نفي القصر فيما زاد عليها، وإذا لم يقم ~~دليل على تقدير المدة فالأقرب أنه لا يزال يقصر كما فعله الصحابة، لأنه لا ~~يسمى بالبقاء مع التردد كل يوم في الإقامة والرحيل مقيما وإن طالت المدة، ~~ويؤيده ما أخرجه البيهقي في السنن عن ابن عباس: أنه (ص) أقام بتبوك أربعين ~~يوما يقصر الصلاة. ثم قال: تفرد به الحسين بن عمارة وهو غير محتج به. # (وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله (ص) إذا ارتحل في سفره قبل أن ~~تزيغ الشمس) أي قبل الزوال (أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما، ~~فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر) أي وحده ولا يضم إليه العصر (ثم ~~ركب. متفق عليه). الحديث فيه دليل على جواز الجمع بين الصلاتين للمسافر ~~تأخيرا، ودلالة على أنه لا يجمع بينهما تقديما، لقوله صلى الظهر إذ لو جاز ~~مع التقديم لضم إليه العصر، وهذا الفعل منه (ص) يخصص أحاديث التوقيت التي ~~مضت . وقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب الهادوية وهو قول ابن عباس وابن عمر ~~وجماعة من الصحابة، وروي عن مالك وأحمد والشافعي إلى جواز الجمع للمسافر ~~تقديما وتأخيرا عملا بهذا الحديث في التأخير وبما يأتي في التقديم. وعن ~~الأوزاعي أنه يجوز للمسافر جمع التأخير فقط PageV02P041 # عملا بهذا الحديث، وهو مروي عن مالك وأحمد بن حنبل واختاره أبو محمد بن ~~حزم . وذهب النخعي والحسن وأبو حنيفة إلى أنه لا يجوز الجمع لا تقديما ولا ~~تأخيرا للمسافر وتأولوا ما ورد من جمعه (ص) بأنه جمع صوري وهو أنه أخر ~~الظهر إلى آخر وقتها وقدم العصر في أول وقتها ومثله العشاء. ورد عليهم بأنه ~~وإن تمشى لهم هذا في جمع التأخير لم يتم لهم في جمع التقديم الذي أفاد قوله ~~(وفي رواية ms0375 الحاكم في الأربعين بإسناد الصحيح صلى الظهر والعصر) أي إذا ~~زاغت قبل أن يرتحل صلى الفريضتين معا (ثم ركب) فإنها أفادت ثبوت جمع ~~التقديم من فعله (ص) ولا يتصور فيه الجمع الصوري (و) مثله الرواية التي ~~(لأبي نعيم في مستخرج مسلم) أي في مستخرجه على صحيح مسلم (كان) أي النبي ~~(ص) (إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم ارتحل) فقد ~~أفادت رواية الحاكم وأبي نعيم ثبوت جمع التقديم أيضا وهما روايتان صحيحتان ~~كما قال المصنف إلا أنه قال ابن القيم إنه اختلف في رواية الحاكم، فمنهم من ~~صححها ومنهم من حسنها ومنهم من قدح فيها وجعلها موضوعة وهو الحاكم فإنه حكم ~~بوضعها، ثم ذكر كلام الحاكم في بيان وضع الحديث ثم رده ابن القيم واختار ~~أنه ليس بموضوع، وسكوت المصنف هنا عليه وجزمه بأنه بإسناد صحيح يدل على رده ~~لكلام الحاكم ويؤيد صحته قوله: # (وعن معاذ رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله (ص) في غزوة تبوك فكان ~~يصلي الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا رواه مسلم). إلا أن اللفظ ~~محتمل لجمع التأخير لا غير أوله ولجمع التقديم، ولكن قد رواه الترمذي بلفظ ~~كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس آخر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر ~~فيصليهما جميعا وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجل العصر إلى الظهر وصلى الظهر ~~والعصر جميعا فهو كالتفصيل لمجمل رواية مسلم إلا أنه قال الترمذي بعد ~~اخراجه: إنه حديث حسن غريب تفرد به قتيبة لا نعرف أحدا رواه عن الليث غيره ~~قال: والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث ابن الزبير عن أبي الطفيل ~~عن معاذ: أن النبي (ص) جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب ~~والعشاء. اه‍. إذا عرفت هذا فجمع التقديم في ثبوت روايته مقال إلا رواية ~~المستخرج على صحيح مسلم فإنه لا مقال فيها. وقد ذهب ابن حزم إلى أنه يجوز ~~جمع التأخير لثبوت الرواية به لا جمع التقديم، وهو قول النخعي ورواية ms0376 عن ~~مالك وأحمد. ثم إنه قد اختلف في الأفضل للمسافر هل الجمع أو التوقيت فقالت ~~الشافعية: # ترك الجمع أفضل. وقال مالك: إنه مكروه، وقيل: يختص بمن له عذر. # واعلم أنه كما قال ابن القيم في الهدي النبوي: لم يكن صلى الله عليه وسلم ~~يجمع راتبا في سفره كما يفعله كثير من الناس، ولا يجمع حال نزوله أيضا، ~~وإنما كان يجمع إذا جد به السير ، وإذا سار عقيب الصلاة كما في أحاديث ~~تبوك، وأما جمعه وهو نازل غير مسافر فلم ينقل ذلك عنه إلا بعرفة ومزدلفة ~~لأجل اتصال الوقوف، كما قال الشافعي وشيخنا وجعله أبو حنيفة من تمام النسك ~~وأنه سببه، وقال أحمد ومالك والشافعي: إن سبب الجمع بعرفة ومزدلفة السفر. ~~PageV02P042 # وهذا كله في الجمع في السفر. وأما الجمع في الحضر فقال الشارح بعد ذكر ~~أدلة القائلين بجوازه فيه: إنه ذهب أكثر الأئمة إلى أنه لا يجوز الجمع في ~~الحضر لما تقدم من الأحاديث المبينة لأوقات الصلوات، ولما تواتر من محافظة ~~النبي ص) على أوقاتها حتى قال ابن مسعود: ما رأيت النبي (ص) صلى صلاة لغير ~~ميقاتها إلا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء بجمع وصلى الفجر يومئذ قبل ~~ميقاتها. وأما حديث ابن عباس عند مسلم : أنه جمع بين الظهر والعصر والمغرب ~~والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر. قيل لابن عباس : ما أراد إلى ذلك؟ ~~قال: أراد أن لا يحرج أمته فلا يصح الاحتجاج به لأنه غير معين لجمع التقديم ~~والتأخير كما هو ظاهر رواية مسلم وتعيين واحد منها تحكم فوجب العدول عنه ~~إلى ما هو واجب من البقاء على العموم في حديث الأوقات للمعذور وغيره وتخصيص ~~المسافر لثبوت المخصص وهذا هو الجواب الحاسم. وأما ما يروى من الآثار عن ~~الصحابة والتابعين فغير حجة إذ للاجتهاد في ذلك مسرح، وقد أول بعضهم حديث ~~ابن عباس بالجمع الصوري واستحسنه القرطبي ورجحه وجزم به ابن الماجشون ~~والطحاوي وقواه ابن سيد الناس لما أخرجه الشيخان عن عمرو بن دينار - راوي ~~الحديث - عن أبي الشعثاء ms0377 قال: قلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل ~~العصر وأخر المغرب وعجل العشاء قال: وأنا أظنه. قال ابن سيد الناس: وراوي ~~الحديث أدرى بالمراد منه من غيره، وإن لم يجزم أبو الشعثاء بذلك. # وأقول إنما هو ظن من الراوي والذي يقال فيه: أدرى بما روى إنما يجري في ~~تفسيره للفظ مثلا. على أن في الدعوى نظرا، فإن قوله (ص): فرب حامل فقه إلى ~~من هو أفقه منه يرد عمومها، نعم يتعين هذا التأويل فإنه صرح به النسائي في ~~أصل حديث ابن عباس ولفظه: صليت مع رسول الله (ص) بالمدينة ثمانيا جمعا ~~وسبعا جمعا أخر الظهر وعجل العصر وآخر المغرب وعجل العشاء. والعجب من ~~النووي كيف ضعف هذا التأويل وغفل عن متن الحديث المروي، والمطلق في رواية ~~يحمل على المقيد إذا كانا في قصة واحدة. كما في هذا: والقول بأن قوله: أراد ~~أن لا يحرج أمته يضعف هذا الجمع الصوري لوجود الحرج فيه مدفوع بأن ذلك أيسر ~~من التوقيت إذ يكفي للصلاتين تأهب واحد وقصد واحد إلى المسجد ووضوء واحد ~~بحسب الأغلب بخلاف الوقتين فالحرج في هذا الجمع لا شك أخف. وأما قياس ~~الحاضر على المسافر كما قيل فوهم، لان العلة في الأصل هي السفر، وهو غير ~~موجود في الفرع وإلا لزم مثله في القصر والفطر اه‍. قلت: وهو كلام رصين وقد ~~كنا ذكرنا ما يلاقيه في رسالتنا اليواقيت في المواقيت قبل الوقوف على كلام ~~الشارح - رحمه الله وجزاه خيرا - ثم قال: واعلم أن جمع التقديم فيه خطر ~~عظيم وهو كمن صلى صلاة قبل دخول وقتها فيكون حال الفاعل كما قال تعالى: * ~~(هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) * الآية من ابتدائها وهذه الصلاة المقدمة لا ~~دلالة عليها بمنطوق ولا مفهوم ولا عموم ولا خصوص. PageV02P043 # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): # لا تقصروا الصلاة في أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان رواه الدارقطني ~~بإسناد ضعيف)، والصحيح أنه موقوف، كذا أخرجه ابن خزيمة. فإنه من رواية ms0378 عبد ~~الوهاب بن مجاهد وهو متروك، نسبه الثوري إلى الكاذب، وقال الأزدي: لا تحل ~~الرواية عنه، وهو منقطع أيضا لأنه لم يسمع من أبيه (والصحيح أنه موقوف كذا ~~أخرجه ابن خزيمة) أي موقوفا على ابن عباس وإسناده صحيح ولكن للاجتهاد فيه ~~مسرح فيحتمل أنه من رأيه وتقدم أنه لم يثبت في التحديد حديث مرفوع. # (وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): خير أمتي الذين إذا ~~أساءوا استغفروا وإذا أحسنوا استبشروا وإذا سافروا قصروا وأفطروا. أخرجه ~~الطبراني في الأوسط بإسناد ضعيف وهو في مرسل سعيد بن المسيب عند البيهقي ~~مختصرا. الحديث دليل على أن القصر والفطر أفضل للمسافر من خلافهما. وقالت ~~الشافعية: ترك الجمع أفضل فقياس هذا أن يقولوا التمام أفضل وقد صرحوا به ~~أيضا، وكأنهم لم يقولوا بهذا الحديث لضعفه. # واعلم أن المصنف رحمه الله أعاد هنا حديث عمران بن حصين وحديث جابر وهما ~~قوله: # (وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: كانت بي بواسير فسألت النبي (ص) ~~عن الصلاة) هذا لم يذكره المصنف فيما سلف في هذه الرواية (فقال: # صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب رواه البخاري) هو ~~كما قال ولم ينسبه فيما تقدم إلى أحد وقد بينا من غير البخاري وما فيه من ~~الزيادة. # (وعن جابر رضي الله عنه قال: عاد النبي (ص) مريضا فرآه يصلي على وسادة ~~فرمى بها وقال: صل على الأرض إن استطعت، وإلا فأوم إيماء واجعل سجودك أخفض ~~من ركوعك رواه البيهقي وصحح أبو حاتم وقفه). زاد فيما مضى أنه رواه البيهقي ~~بإسناد قوي وقد تقدم في آخر باب صفة الصلاة قبيل باب سجود السهو بلفظهما ~~وشرحناهما هناك فتركنا شرحهما هنا لذلك، ثم ذكر هنا حديث عائشة وقد مر أيضا ~~في الحديث الرابع والثلاثين في باب صفة الصلاة بلفظه وشرحه الشارح. وقال ~~هناك: صححه ابن خزيمة، وهنا قال: صححه الحاكم وهو: # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: رأيت النبي (ص) يصلي متربعا رواه النسائي ~~وصححه ms0379 الحاكم). وهو من أحاديث صلاة المريض لا من أحاديث صلاة المسافر وقد ~~أتى به فيما سلف. والحديث دليل على صفة قعود المصلي إذا كان له عذر عن ~~القيام، وفيه الخلاف الذي تقدم. # باب الجمعة الجمعة بضم الميم وفيها الاسكان والفتح مثل همزة ولمزة، وكانت ~~تسمى في الجاهلية العروبة أخرج الترمذي من حديث أبي هريرة وقال: حسن صحيح ~~أن النبي (ص) PageV02P044 # قال: خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة: فيه خلق آدم وفيه دخل الجنة ~~وفيه أخرج منها ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة. # (عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم أنهما سمعا رسول الله (ص) ~~يقول على أعواد منبره) أي منبره الذي من عود، لا على الذي كان من الطين، ~~ولا على الجذع الذي كان يستند إليه، وهذا المنبر عمل له (ص) سنة سبع وقيل ~~سنة ثمان، عمله له غلام امرأة من الأنصار كان نجارا واسمه على أصح الأقوال ~~ميمون، كان على ثلاث درج ولم يزل عليه حتى زاده مروان في زمن معاوية ست درج ~~من أسفله، وله قصة في زيادته، وهي أن معاوية كتب إليه أن يحمله إلى دمشق ~~فأمر به فقلع فأظلمت المدينة فخرج مروان فخطب فقال: إنما أمرني أمير ~~المؤمنين أن أرفعه، وقال: إنما زدت عليه لما كثر الناس ولم يزل كذلك حتى ~~احترق المسجد النبوي سنة أربع وخمسين وستمائة فاحترق (لينتهين أقوام عن ~~ودعهم) بفتح الواو وسكون الدال المهملة وكسر العين المهملة أي تركهم ~~(الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم) الختم الاستيثاق من الشئ بضرب الخاتم ~~عليه كتما له وتغطية لئلا يتوصل إليه، ولا يطلع عليه، شبهت القلوب بسبب ~~إعراضهم عن الحق واستكبارهم عن قبوله وعد نفوذ الحق إليها بالأشياء التي ~~استوثق عليها بالختم فلا ينفذ إلى باطنها شئ، وهذه عقوبة على عدم الامتثال ~~لأمر الله، وعدم إتيان الجمعة من باب تيسير العسري (ثم ليكونن من الغافلين ~~رواه مسلم) بعد ختمه تعالى عن قلوبهم فيغفلون عن اكتساب ما ينفعهم من ~~الأعمال وعن ms0380 ترك ما يضرهم منها. وهذا الحديث من أعظم الزواجر عن ترك الجمعة ~~والتساهل فيها. وفيه إخبار بأن تركها من أعظم أسباب الخذلان بالكلية. ~~والاجماع قائم على وجوبها على الاطلاق والأكثر أنها فرض عين وقال في معالم ~~السنن: إنها فرض كفاية عند الفقهاء. # (وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: كنا نصلي مع رسول الله (ص) يوم ~~الجمعة ثم ننصرف وليس للحيطان ظل يستظل به. متفق عليه واللفظ للبخاري في ~~لفظ لمسلم) أي من رواية سلمة (كنا نجمع معه) أي النبي (ص) (إذا زالت الشمس ~~ثم نرجع نتتبع الفئ). الحديث دليل على المبادرة بصلاة الجمعة عند أول زوال ~~الشمس، والنفي في قوله وليس للحيطان ظل متوجه إلى القيد وهو قوله يستظل به ~~لا نفي لأصل الظل حتى يكون دليلا على أنه صلاها قبل زوال الشمس، وهذا ~~التأويل معتبر عند الجمهور القائلين بأن وقت الجمعة هو وقت الظهر. وذهب ~~أحمد وإسحاق إلى صحة صلاة الجمعة قبل الزوال. واختلف أصحاب أحمد فقال ~~بعضهم: وقتها وقت صلاة العيد، وقيل الساعة السادسة . وأجاز مالك الخطبة قبل ~~الزوال دون الصلاة وحجتهم ظاهر الحديث وما بعده وأصرح منه ما أخرجه أحمد ~~ومسلم من حديث جابر: أن النبي (ص) كان يصلي الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا ~~فنريحها حين تزول الشمس يعني النواضح، وأخرج الدارقطني عن عبد الله بن ~~سيدان قال: شهدت مع أبي بكر الجمعة فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار ~~PageV02P045 # ثم شهدتها مع عمر فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول انتصف النهار ثم شهدتها ~~مع عثمان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول زال النهار فما رأيت أحدا عاب ذلك ~~ولا أنكره. ورواه أحمد بن حنبل في رواية ابنه عبد الله قال: وكذلك روي عن ~~ابن مسعود وجابر وسعيد ومعاوية: أنهم صلوا قبل الزوال. ودلالة هذا على مذهب ~~أحمد واضحة، والتأويل الذي سبق من الجمهور يدفعه أن صلاة النبي (ص) مع ~~قراءته سورة الجمعة والمنافقون وخطبته لو كانت بعد الزوال لما ذهبوا من ~~صلاة الجمعة إلا وللحيطان ms0381 ظل يستظل به كذا في الشرح . وحققنا في حواشي ضوء ~~النهار أن وقتها الزوال، ويدل له أيضا قوله: # (وعن سهل بن سعد رضي الله عنه) هو أبو العباس سهل بن سعد بن مالك الخزرجي ~~الساعدي الأنصاري قيل كان اسمه حزنا فسماه (ص) سهلا مات النبي (ص) وله خمس ~~عشرة سنة ومات بالمدينة سنة إحدى وسبعين وهو آخر من مات بالمدينة من ~~الصحابة قال: ما كنا نقيل) من القيلولة (ولا نتغدى إلا بعد الجمعة متفق ~~عليه واللفظ لمسلم. وفي رواية في عهد رسول الله (ص)). في النهاية المقيل ~~والقيلولة الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن معها نوم. فالحديث دليل على ما ~~دل عليه الحديث الأول وهو من أدلة أحمد وإنما أتى المصنف رحمه الله بلفظ ~~رواية على عهد رسول الله (ص) لئلا يقول قائل إنه لم يصرح الراوي في الرواية ~~الأولى أن ذلك كان من فعله (ص) وتقريره فدفعه بالرواية التي أثبتت أن ذلك ~~كان على عهده، ومعلوم أنه لا يصلي الجمعة في عهده في المدينة سواه، فهو ~~إخبار عن صلاته وليس فيه دليل على الصلاة قبل الزوال، لأنهم في المدينة ~~ومكة لا يقيلون ولا يتغدون إلا بعد صلاة الظهر كما قال تعالى: * (وحين ~~تضعون ثيابكم من الظهيرة) * نعم كان (ص) يسارع بصلاة الجمعة في أول وقت ~~الزوال بخلاف الظهر فقد كان يؤخره بعده حتى يجتمع الناس. # (وعن جابر رضي الله عنه أن النبي (ص) كان يخطب قائما فجاءت عير) بكسر ~~العين المهملة وسكون المثناة التحتية فراء قال في النهاية: العير الإبل ~~بأحمالها (من الشام فانفتل) بالنون الساكنة وفتح الفاء فمثناة فوقية أي ~~انصرف (الناس إليها حتى لم يبق) أي في المسجد - (إلا اثنا عشر رجلا. رواه ~~مسلم). الحديث دليل على أنه يشرع في الخطبة أن يخطب قائما. وأنه لا يشترط ~~لها عدد معين كما قيل إنه يشترط لها أربعون رجلا ولا ما قيل إن أقل ما ~~ينعقد به اثنا عشر رجلا كما روي عن مالك لأنه لا دليل أنها لا ms0382 تنعقد بأقل. ~~وهذه القصة هي التي نزلت فيها الآية: * (وإذا رأوا تجارة) * الآية: وقال ~~القاضي عياض: # إنه روى أبو داود في مراسيله: أن خطبته (ص) التي انفضوا عنها إنما كانت ~~بعد صلاة الجمعة وظنوا أنه لا شئ عليهم في الانفضاض عن الخطبة وأنه قبل هذه ~~القصة كان يصلي قبل الخطبة. قال القاضي: وهذا أشبه بحال أصحابه والمظنون ~~بهم ما كانوا يدعون الصلاة مع النبي (ص) ولكنهم ظنوا جواز الانصراف بعد ~~انقضاء الصلاة. # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): من PageV02P046 # أدرك ركعة من صلاة الجمعة وغيرها) أي من سائر الصلوات (فليضف إليها أخرى) ~~في الجمعة أو غيرها يضيف إليها ما بقي من ركعة وأكثر (وقد تمت صلاته رواه ~~النسائي وابن ماجة والدار قطني واللفظ له وإسناده صحيح لكن قوى أبو حاتم ~~إرساله) الحديث أخرجوه من حديث بقية حدثني يونس بن يزيد عن سالم عن أبيه - ~~الحديث - قال أبو داود والدارقطني: تفرد به بقية عن يونس، وقال ابن أبي ~~حاتم في العلل عن أبيه: هذا خطأ في المتن والاسناد وإنما هو عن الزهري عن ~~أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها وأما ~~قوله: من صلاة الجمعة فوهم وقد أخرج الحديث من ثلاثة عشر طريقا عن أبي ~~هريرة ومن ثلاثة طرق عن ابن عمر وفي جميعها مقال. وفي الحديث دلالة على أن ~~الجمعة تصح للاحق وإن لم يدرك من الخطبة شيئا وإلى هذا ذهب زيد بن علو ~~المؤيد والشافعي وأبو حنيفة. وذهبت الهادوية إلى أن إدراك شئ من الخطبة شرط ~~تصح الجمعة بدونه. وهذا الحديث حجة عليهم وإن كان فيه مقال لكن كثرة طرقه ~~يقوي بعضها بعضا مع أنه أخرجه الحاكم من ثلاث طرق أحدها من حديث أبي هريرة ~~وقال فيها: على شرط الشيخين، ثم الأصل عدم الشرط حتى يقوم عليه دليل. # وعن جابر بن سمرة رضي الله عنهما: أن النبي (ص) كان يخطب قائما، ثم يجلس، ~~ثم يقوم فيخطب قائما، فمن ms0383 أنبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب أخرجه مسلم). ~~الحديث دليل أنه يشرع القيام حال الخطبتين والفصل بينهما بالجلوس. وقد ~~اختلف العلماء هل هو واجب أو سنة فقال أبو حنيفة: إن القيام والقعود سنة. ~~وذهب مالك إلى أن القيام واجب فإن تركه أساء وصحت الخطبة. وذهب الشافعي ~~وغيره إلى أن الخطبة لا تكون إلا من قيام لمن أطاقه واحتجوا بمواظبته (ص) ~~على ذلك حتى قال جابر: فمن أنبأك إلى آخره . وبما روي أن كعب بن عجرة لما ~~دخل المسجد وعبد الرحمن بن أبي الحكم يخطب قاعدا فأنكر عليه وتلا عليه ~~(وتركوك قائما) وفي رواية ابن خزيمة: ما رأيت كاليوم قط إماما يؤم المسلمين ~~يخطب وهو جالس يقول ذلك مرتين. وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس: خطب رسول الله ~~(ص) قائما وأبو بكر وعمر وعثمان وأول من جلس على المنبر معاوية وأخرج ابن ~~أبي شيبة عن الشعبي أن معاوية إنما خطب قاعدا لما كثر شحم بطنه ولحمه . ~~وهذا إبانة للعذر فإنه مع العذر في حكم المتفق على جواز القعود في الخطبة. ~~وأما حديث أبي سعيد الذي أخرجه البخاري: أن النبي (ص) جلس ذات يوم على ~~المنبر وجلسنا حوله. فقد أجاب عنه الشافعي أنه كان في غير جمعة. وهذه ~~الأدلة تقضي بشرعية القيام والقعود المذكورين في الخطبة. وأما الوجوب وكونه ~~شرطا في صحتها فلا دلالة عليه في اللفظ إلا أنه قد ينضم إليه دليل وجوب ~~التأسي به (ص) وقد قال: صلوا كما رأيتموني أصلي. وفعله في الجمعة في ~~الخطبتين وتقديمها على الصلاة مبين لآية الجمعة فما واظب عليه فهو واجب وما ~~لم يواظب عليه كان في الترك دليل على عدم الوجوب فإن PageV02P047 # صح أن قعوده في حديث أبي سعيد كان في خطبة الجمعة كان الأقوى القول الأول ~~وإن لم يثبت ذلك فالقول الثاني. # فائدة تسليم الخطيب على المنبر على الناس فيه حديث أخرجه الأثرم بسنده عن ~~الشعبي : كان رسول الله (ص) إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس فقال ~~السلام عليكم. الحديث، ms0384 وهو مرسل. وأخرج ابن عدي: أنه (ص) كان إذا دنا من ~~منبره سلم على من عند المنبر ثم صعد فإذا استقبل الناس بوجهه سلم ثم قعد. ~~إلا أنه ضعفه ابن عدي بعيسى بن عبد الله الأنصاري وضعفه به ابن حبان. # (وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله (ص) إذا خطب ~~احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم ~~ويقول: أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدى محمد) قال النووي: ~~ضبطناه في مسلم بضم الهاء وفتح الدال فيهما وبفتح الهاء وسكون الدال فيهما ~~وفسره الهروي على رواية الفتح بالطريق أي أحسن الطريق طريق محمد. # وعلى رواية الضم معناه الدلالة والارسال وهو الذي يضاف إلى الرسل وإلى ~~القرآن قال تعالى: * (وإنك لتهدي) * (الشورى: 52) * (إن هذا القران يهدي) * ~~(الاسراء: 9) وقد يضاف إليه تعالى وهو بمعنى اللطف والتوفيق والعصمة * (إنك ~~لا تهدي من أحببت) * (القصص: 56) الآية (وشر الأمور محدثاتها) المراد ~~بالمحدثات ما لم يكن ثابتا بشرع من الله ولا من رسوله (وكل بدعة ضلالة) ~~البدعة لغة: ما عمل على غير مثال سابق، والمراد بها هنا: ما عمل من دون أن ~~يسبق له شرعية من كتاب ولا سنة (رواه مسلم). وقد قسم العلماء البدعة على ~~خمسة أقسام: واجبة - كحفظ العلوم بالتدوين والرد على الملاحدة بإقامة ~~الأدلة، ومندوبة - كبناء المدارس، ومباحة - كالتوسعة في ألوان الطعام وفاخر ~~الثياب، ومحرمة ومكروهة وهما ظاهران، فقوله: كل بدعة ضلالة عام مخصوص. وفي ~~الحديث دليل على أنه يستحب للخطيب أن يرفع بالخطبة صوته ويجزل كلامه ويأتي ~~بجوامع الكلم من الترغيب والترهيب ويأتي بقوله: أما بعد وقد جمع البخاري ~~بابا في استحبابها وذكر فيه جملة من الأحاديث وقد جمع الروايات التي فيها ~~ذكر أما بعد لبعض المحدثين وأخرجها على اثنين وثلاثين صحابيا وظاهره أنه ~~كان صلى الله عليه وسلم يلازمها في جميع خطبه وذلك بعد حمد الله والثناء ~~والتشهد كما تفيده الرواية المشار إليها بقوله: وفي رواية له أي ms0385 لمسلم عن ~~جابر بن عبد الله كانت خطبة النبي (ص) PageV02P048 # يوم الجمعة: يحمد الله ويثني عليه ثم يقول على أثر ذلك وقد علا صوته حذف ~~المقول اتكالا على ما تقدم وهو قوله: أما بعد فإن خير الحديث إلى آخر ما ~~تقدم. ولم يذكر الشهادة اختصارا لثبوتها في غير هذه الرواية فقد ثبت أنه ~~(ص) قال: كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء وفي دلائل النبوة ~~للبيهقي من حديث أبي هريرة مرفوعا حكاية عن الله عز وجل وجعلت أمتك لا يجوز ~~لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي وكان يذكر في تشهد نفسه باسمه العلم ~~(وفي رواية له) أي لمسلم عن جابر (من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا ~~هادي له) أي أنه يأتي بهذه الألفاظ بعد أما بعد (وللنسائي) أي عن جابر (وكل ~~ضلالة في النار) أي بعد قوله كل بدعة ضلالة كما هو في النسائي واختصره ~~المصنف والمراد صاحبها. وكان يعلم أصحابه في خطبته قواعد الاسلام وشرائعه ~~ويأمرهم وينهاهم في خطبته إذا عرض له أمر أو نهي، كما أمر الداخل وهو يخطب ~~أن يصلي ركعتين، ويذكر معالم الشرائع في الخطبة، والجنة والنار والمعاد ~~ويأمر بتقوى الله ويحذر من غضبه ويرغب في موجبات رضاه. وقد ورد قراءة آية ~~في حديث مسلم : كان لرسول الله (ص) خطبتان يجلس بينهما يقرأ القران ويذكر ~~الناس ويحذر وظاهره محافظته (ص) على ما ذكر في الخطبة، ووجوب ذلك لان فعله ~~بيان لما أجمل في آية الجمعة، وقد قال (ص): صلوا كما رأيتموني أصلي وقد ذهب ~~إلى هذا الشافعي. وقالت الهادوية: لا يجب في الخطبة إلا الحمد والصلاة على ~~النبي (ص) في الخطبتين جميعا. وقال أبو حنيفة: يكفي سبحان الله والحمد لله ~~ولا إله إلا الله والله أكبر. وقال مالك: لا يجزئ إلا ما سمي خطبة. # (وعن عمار بن ياسر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: # إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة) بفتح الميم ثم همزة مكسورة ثم نون ms0386 ~~مشددة أي علامة (من فقهه) أي مما يعرف به فقه الرجل، وكل شئ دل على شئ فهو ~~مئنة له (رواه مسلم). وإنما كان قصر الخطبة علامة على فقه الرجل لا الفقيه ~~هو المطلع على حقائق المعاني وجوامع الألفاظ فيتمكن من التعبير بالعبارة ~~الجزلة المفيدة ولذلك كان من تمام هذا الحديث فأطيلوا الصلاة وأقصروا ~~الخطبة وإن من البيان لسحرا. فشبه الكلام العامل في القلوب الجاذب للعقول ~~بالسحر لأجل ما اشتمل عليه من الجزالة وتناسق الدلالة وإفادة المعاني ~~الكثيرة ووقوعه في مجازه من الترغيب والترهيب ونحو ذلك، ولا يقدر عليه إلا ~~من فقه في المعاني وتناسق دلالتها فإنه يتمكن من الاتيان بجوامع الكلم، ~~وكان ذلك من خصائصه (ص) فإنه أوتي جوامع الكلم. والمراد من طول الصلاة: ~~الطول الذي لا يدخل فاعله تحت النهي. وقد كان (ص) يصلي الجمعة بالجمعة ~~والمنافقون وذلك طول بالنسبة إلى خطبته وليس بالتطويل المنهي عنه. # (وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان رضي الله عنهما) هي الأنصارية روى ~~PageV02P049 # عنها حبيب بن عبد الرحمن بن يساف، قال أحمد بن زهير: سمعت أبي يقول: أم ~~هشام بنت حارثة بايعت بيعة الرضوان ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب ولم ~~يذكر اسمها، وذكرها المصنف في التقريب ولم يسمعها أيضا وإنما قال: صحابية ~~مشهورة (قالت: ما أخذت ق والقرآن المجيد إلا عن لسان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس: رواه مسلم). فيه دليل ~~على مشروعية قراءة سورة ق في الخطبة كل جمعة. قال العلماء: وسبب اختياره ~~(ص) هذه السورة لما اشتملت عليه من ذكر البعث والموت والمواعظ الشديدة ~~والزواجر الأكيدة. وفيه دلالة لقراءة شئ من القرآن في الخطبة كما سبق وقد ~~قام الاجماع على عدم وجوب قراءة السورة المذكورة ولا بعضها في الخطبة، ~~وكانت محافظته على هذه السورة اختيارا منه لما هو الأحسن في الوعظ ~~والتذكير. وفيه دلالة على ترديد الوعظ في الخطبة. # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): # من ms0387 تكلم يوم الجمعة والامام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا والذي يقول ~~له: أنصت ليست له جمعة رواه أحمد بإسناد لا بأس به) وله شاهد قوي في جامع ~~حماد مرسل (وهو) أي حديث ابن عباس (يفسر) الحديث. # (عن أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين مرفوعا إذا قلت لصاحبك أنصت يوم ~~الجمعة والامام يخطب فقد لغوت) في قوله يوم الجمعة دلالة على أن خطبة غير ~~الجمعة ليست مثلها ينهى عن الكلام حالها. وقوله والامام يخطب دليل على أنه ~~يختص النهي بحال الخطبة، وفيه رد على من قال إنه ينهى من حال خروج الامام. # وأما الكلام عند جلوسه بين الخطبتين فهو غير خاطب فلا ينهى عن الكلام ~~حاله. وقيل هو وقت يسير يشبه بالسكوت للتنفس فهو في حكم الخاطب. وإنما شبه ~~بالحمار يحمل أسفارا لأنه فاته الانتفاع بأبلغ نافع وقد تكلف المشقة وأتعب ~~نفسه في حضور الجمعة، والمشبه به كذلك فاته الانتفاع بأبلغ نافع مع تحمل ~~التعب في استصحابه. وفي قوله ليست له جمعة دليل على أنه لا صلاة له فإن ~~المراد بالجمعة الصلاة إلا أنها تجزئة إجماعا فلا بد من تأويل هذا بأنه نفي ~~للفضيلة التي يحوزها من أنصت وهو كما في حديث ابن عمر الذي أخرجه أبو داود ~~وابن خزيمة بلفظ من لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرا قال ابن وهب أحد ~~رواته: معناه أجزأته الصلاة وحرم فضيلة الجماعة. وقد احتج بالحديث من قال ~~بحرمة الكلام حال الخطبة وهم الهادوية وأبو حنيفة ومالك ورواية عن الشافعي ~~فإن تشبيهه بالمشبه به المستنكر وملاحظة وجه الشبه يدل على قبح ذلك، وكذلك ~~نسبته إلى فوات الفضيلة الحاصلة بالجمعة، وما ذاك إلا ما لحق المتكلم من ~~الوزر الذي يقال الفضيلة فيصير محبطا لها: # وذهب القاسم وابنا الهادي وأحد قولي أحمد والشافعي إلى التفرقة بين من ~~يسمع الخطبة ومن لا يسمعها. ونقل ابن عبد البر الاجماع على وجوب الانصات ~~على من يسمع خطبة الجمعة PageV02P050 # إلا عن قليل من التابعين. وقوله: إذا قلت لصاحبك ms0388 أنصت فقد لغوت تأكيد في ~~النهي عن الكلام لأنه إذا عد من اللغو وهو أمر بمعروف فأولى غيره، فعلى هذا ~~يجب عليه أن أيأمره بالإشارة إن أمكن ذلك. والمراد بالانصات قيل: من مكالمة ~~الناس فيجوز على هذا الذكر وقراءة القرآن، والأظهر أن النهي شامل للجميع، ~~ومن فرق فعليه الدليل، فمثل جواب التحية والصلاة على النبي (ص) عند ذكره ~~عند من يقول بوجوبها قد تعارض فيه عموم النهي هنا وعموم الوجوب فيهما، ~~وتخصيص أحدهما لعموم الآخر تحكم من دون مرجح. واختلفوا في معنى قوله لغوت ~~والأقرب ما قاله ابن المنير: أن اللغو ما لا يحصل، وقيل بطلت فضيلة جمعتك ~~وصارت ظهرا. # (وعن جابر رضي الله عنه قال: دخل رجل يوم الجمعة والنبي (ص) يخطب فقال: ~~صليت؟ قال: لا، قال: قم فصل ركعتين متفق عليه) الرجل هو سليك الغطفاني سماه ~~في رواية مسلم، وقيل غيره وحذفت همزة الاستفهام من قوله صليت وأصله أصليت ~~وفي مسلم قال له: أصليت وقد ثبت في بعض طرق البخاري. # وسليك بضم السين المهملة بعد اللام مثناة تحتية مصغر. الغطفاني بفتح ~~الغين المعجمة فطاء مهملة بعدها فاء. وقوله: صل ركعتين وعند البخاري وصفهما ~~بخفيفتين، وعند مسلم وتجوز فيهما وبوب البخاري لذلك بقوله باب من جاء ~~والامام يخطب يصلي ركعتين خفيفتين. وفي الحديث دليل أن تحية المسجد تصلى ~~حال الخطبة، وقد ذهب إلى هذا طائفة من الآل والفقهاء والمحدثين، ويخفف ~~ليفرغ لسماع الخطبة. وذهب جماعة من السلف والخلف إلى عدم شرعيتهما حال ~~الخطبة، والحديث هذا حجة عليهم، وقد تأولوه بأحد عشر تأويلا كلها مردودة ~~سردها المصنف في فتح الباري بردودها ونقل ذلك الشارح رحمه الله في الشرح، ~~واستدلوا بقوله تعالى: * (فاستمعوا له وأنصتوا) * ولا دليل في ذلك ، لان ~~هذا خاص وذلك عام، ولان الخطبة ليست قرآنا وبأنه صلى الله عليه وسلم نهى ~~الرجل أن يقول لصاحبه والخطيب يخطب أنصت وهو أمر بمعروف وجوابه: أن هذا أمر ~~الشارع وهذا أمر الشارع ، فلا تعارض بين أمريه، بل القاعد ينصت والداخل ~~يركع ms0389 التحية وباطباق أهل المدينة خلفا عن سلف، على منع النافلة حال الخطبة. ~~وهذا الدليل للمالكية وجوابه أنه ليس إجماعهم حجة ولو أجمعوا كما عرف في ~~الأصول على أنه لا يتم دعوى إجماعهم، فقد أخرج الترمذي وابن خزيمة وصححه أن ~~أبا سعيد أتى ومروان يخطب فصلاهما فأراد حرس مروان أن يمنعوه فأبى حتى ~~صلاهما ثم قال: ما كنت لادعهما بعد أن سمعت رسول الله (ص) يأمر بهما. # وأما حديث ابن عمر عند الطبراني في الكبير مرفوعا بلفظ: إذا دخل أ حدكم ~~المسجد والامام يخطب فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الامام ففيه أيوب بن نهيك ~~متروك وضعفه جماعة وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ. وقد أخذ من الحديث ~~أنه يجوز للخطيب أن يقطع الخطبة باليسير من الكلام، وأجيب عنه بأنه هذا ~~الذي صدر منه (ص) من جملة الأوامر التي شرعت لها الخطبة، وأمره (ص) بها ~~دليل على وجوبها. وإليه ذهب PageV02P051 # البعض. وأما من دخل الحرم في غير حال الخطبة فإنه يشرع له الطواف فإنه ~~تحته أو لأنه في الأغلب لا يعقد إلا بعد صلاة ركعتي الطواف. وأما صلاتها ~~قبل صلاة العيد فإن كانت صلاة العيد في جبانة غير مسبلة فلا يشرع لها ~~التحية مطلقا وإن كانت في مسجد فتشرع. # وأما كونه (ص) لما خرج إلى صلاته لم يصل قبلها شيئا فذلك لأنه حال قدومه ~~اشتغل بالدخول في صلاة العيد ولأنه كان يصليها في الجبانة ولم يصلها إلا ~~مرة واحدة في مسجده (ص) فلا دليل فيه على أنها لا تشرع لغيره ولو كانت ~~العيد في مسجد. # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي (ص) كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة ~~الجمعة) في الأولى (والمنافقين) في الثانية أي بعد الفاتحة فيها لما علم من ~~غيره (رواه مسلم). وإنما خصهما بهما لما في سورة الجمعة من الحث على حضورها ~~والسعي إليها وبيان فضيلة بعثته (ص) وذكر الأربع الحكم في بعثته من أنه ~~يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة والحث على ذكر ms0390 الله، ~~ولما في صورة المنافقين من توبيخ أهل النفاق وحثهم على التوبة ودعائهم إلى ~~طلب الاستغفار من رسول الله (ص) لان المنافقين يكثر اجتماعهم في صلاتها، ~~ولما في آخرها من الوعظ والحث على الصدقة. # (وله) أي لمسلم (عن النعمان بن بشير رضي الله عنه كان رسول الله (ص) ~~يقرأ) أي رسول الله (ص) (في العيدين) الفطر والأضحى أي في صلاتهما (وفي ~~الجمعة) أي في صلاتها (بسبح اسم ربك الأعلى) أي في الركعة الأولى بعد ~~الفاتحة (* (وهل أتاك حديث الغاشية) *) أي في الثانية بعدها وكأنه كان يقرأ ~~ما ذكره ابن عباس تارة وما ذكره النعمان تارة، وفي سور سبح والغاشية من ~~التذكير بأحوال الآخرة والوعد والوعيد ما يناسب قراءتهما في تلك الصلاة ~~الجامعة، وقد ورد في العيدين أنه كان يقرأ بقاف واقتربت. # (وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: صلى النبي (ص) العيد) في يوم الجمعة، ~~(ثم رخص في الجمعة) أي في صلاتها، (ثم قال: من شاء أن يصلي) أي الجمعة ~~(فليصل) هذا بيان لقوله رخص، وإعلام بأنه كان الترخيص بهذا اللفظ، (رواه ~~الخمسة إلا الترمذي وصححه ابن خزيمة). وأخرج أيضا أبو داود من حديث أبي ~~هريرة أنه (ص) قال: قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه عن الجمعة ~~وإنا مجمعون. وأخرجه ابن ماجة والحاكم من حديث أبي صالح، وفي إسناده بقية ~~وصحح الدارقطني وغيره إرساله، وفي الباب عن ابن الزبير من حديث عطاء: أنه ~~ترك ذلك، وأنه سأل ابن عباس فقال: أصاب السنة. والحديث دليل على أن صلاة ~~الجمعة بعد صلاة العيد تصير رخصة يجوز فعلها وتركها وهو خاص بمن صلى العيد ~~دون من لم يصلها، وإلى هذا ذهب الهادي وجماعة إلا في حق الامام وثلاثة معه. ~~وذهب الشافعي وجماعة إلى أنها لا تصير رخصة مستدلين بأن دليل وجوبها عام ~~لجميع الأيام، وما ذكر من الأحاديث والآثار لا يقوى على تخصيصها لما في ~~أسانيدها من المقال. قلت: حديث زيد بن أرقم قد صححه ابن خزيمة PageV02P052 # ولم يطعن ms0391 غيره فيه فهو يصلح للتخصيص، فإنه يخص العام بالآحاد، وذهب عطاء ~~إلى أنه يسقط فرضها عن الجميع لظاهر قوله: من شاء أن يصلي فليصل. ولفعل ابن ~~الزبير فإنه صلى بهم في يوم عيد صلاة العيد يوم الجمعة، قال عطاء: ثم جئنا ~~إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحدانا، قال: وكان ابن عباس في الطائف، ~~فلما قدم ذكرنا له ذلك فقال: أصاب السنة وعنده أيضا أنه يسقط فرض الظهر ولا ~~يصلي إلى العصير. وأخرج أبو داود عن ابن الزبير : أنه قال عيدان اجتمعا في ~~يوم واحد فجمعهما فصلاهما ركعتين بكرة لم يزد عليهما حتى صلى العصر. وعلى ~~القول بأن الجمعة الأصل في يومها والظهر بدل فهو يقتضي صحة هذا القول لأنه ~~إذا سقط وجوب الأصل مع إمكان أدائه سقط البدل. وظاهر الحديث أيضا حيث رخص ~~لهم في الجمعة ولم يأمرهم بصلاة الظهر مع تقدير اسقاط الجمعة للظهر يدل على ~~ذلك كما قاله الشارح، وأيد الشارح مذهب ابن الزبير. قلت: ولا يخفى أن عطاءا ~~أخبر أنه لم يخرج ابن الزبير لصلاة الجمعة وليس ذلك بنص قاطع أنه لم يصل ~~الظهر في منزله، فالجزم بأن مذهب ابن الزبير سقوط صلاة الظهر في يوم الجمعة ~~يكون عيدا على من صلى صلاة العيد لهذه الرواية غير صحيح لاحتمال أنه صلى ~~الظهر في منزله، بل في قول عطاء أنهم صلوا وحدانا أي الظهر ما يشعر بأنه لا ~~قائل بسقوطه، ولا يقال: أن مراده صلوا الجمعة وحدانا فإنها تصح إلا جماعة ~~إجماعا، ثم القول بأن الأصل في يوم الجمعة صلاة الجمعة والظاهر بدل عنها ~~قول مرجوح بل الظهر هو الفرض الأصلي المفروض ليلة الاسراء والجمعة متأخر ~~فرضها، ثم إذا فاتت وجب الظهر إجماعا فهي البدل عنه، وقد حققناه في رسالة ~~مستقلة. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إذا صلى أحدكم ~~الجمعة فليصل بعدها أربعا رواه مسلم) الحديث دليل على شرعية أربع ركعات بعد ~~الجمعة والامر بها وإن كان ظهره الوجوب، إلا أنه ms0392 أخرجه عنه ما وقع في لفظه ~~من رواية ابن الصباح: من كان مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا أخرجه مسلم فدل ~~على أن ذلك ليس بواجب والأربع أفضل من الاثنتين لوقوع الامر بذلك وكثرة ~~فعله لها (ص) ، قال في الهدي النبوي: وكان (ص) إذا صلى الجمعة دخل منزله ~~وصلى ركعتين سنتها، وأمر من صلاها أن يصلي بعدها أربعا، قال شيخنا ابن ~~تيمية: # إن صلى في المسجد صلى أربعا وإن صلى في بيته صلى ركعتين. قلت: وعلى هذا ~~تدل الأحاديث وقد ذكر أبو داود عن ابن عمر: أنه كان إذا صلى في المسجد صلى ~~أربعا، وإذا صلى في بيته صلي ركعتين، وفي الصحيحين عن ابن عمر أنه (ص) كان ~~يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته. # (وعن السائب بن يزيد رضي الله عنه) هو أبو يزيد السائب بن يزيد الكندي في ~~الأشهر ولد في الثانية من الهجرة وحضر الحجة الوداع مع أبيه وهو ابن سبع ~~سنين (أن معاوية قال: إذا صليت الجمعة فلا تصلها) بفتح حرف المضارعة عن ~~الوصل (بصلاة حتى تتكلم أو تخرج) أي من المسجد (فإن رسول الله (ص) أمرنا ~~بذلك أن لا نوصل PageV02P053 # صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج) أن وما بعده بدل أو عطف بيان من ذلك (رواه ~~مسلم) فيه مشروعية فصل النافلة عن الفريضة وأن لا توصل بها، وظاهر النهي ~~التحريم وليس خاصا بصلاة الجمعة، لأنه استدل الراوي على تخصيصه بذكر صلاة ~~الجمعة بحديث يعمها وغيرها. # قيل: والحكمة في ذلك لئلا يشتبه الفرض بالنافلة، وقد ورد أن ذلك هلكة. ~~وقد ذكر العلماء أنه يستحب التحول للنافلة من موضع الفريضة والأفضل أن ~~يتحول إلى بيته، فإن فعل النوافل في البيوت أفضل، وإلا فإلى موضع في المسجد ~~أو غيره، وفيه تكثير لمواضع السجود، وقد أخرج أبو داود من حديث أبو هريرة ~~مرفوعا: أيعجز أحدكم أن يتقدم أو يتأخر أو عن يمينه أو عن شماله في الصلاة ~~يعني السبحة. ولم يضعفه أبو داود، وقال البخاري في صحيحه: # ويذكر عن أبي هريرة ms0393 يرفعه: لا يتطوع الامام في مكانه. ولم يصح النهي. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص) من اغتسل) أي للجمعة ~~لحديث: إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل أو مطلقا، (ثم أتى الجمعة) أي الموضع ~~الذي تقام فيه كما يدل له قوله: (فصلى) من النوافل (قدر له ثم أنصت حتى ~~يفرغ الامام من خطبته ثم يصلي معه غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل) ~~أي زيادة (ثلاثة أيام. رواه مسلم). فيه دلالة على أنه لا بد في إحرازه لما ~~ذكر من الاجر من الاغتسال إلا أن في رواية لمسلم: من توضأ فأحسن الوضوء ثم ~~أتى الجمعة. وفي هذه الرواية بيان أن غسل الجمعة ليس بواجب وأنه لا بد من ~~النافلة حسبما يمكنه فإن لم يقدرها بحد فيتم له هذا الاجر ولو اقتصر على ~~تحية المسجد. وقوله: أنصت من الانصات وهو السكوت وهو غير الاستماع، إذ هو ~~الاصغاء لسماع الشئ، ولذا قال تعالى : * (فاستمعوا له وأنصتوا) * (الأعراف: ~~204) وتقدم الكلام على الانصات هل يجب أو لا. وفيه دلالة على أن النهي عن ~~الكلام إنما هو حال الخطبة لا بعد الفراغ منها ولو قبل الصلاة فإنه لا نهي ~~عنه كما دلت عليه حتى. وقوله غفر له ما بينه وبين الجمعة أي ما بين صلاتها ~~وخطبتها إلى مثل ذلك الوقت من الجمعة الثانية حتى يكون سبعة أيام بلا زيادة ~~ولا نقصان أي غفرت له الخطايا الكائنة فيما بينهما. وفضل ثلاثة أيام وغفرت ~~له ذنوب ثلاثة أيام مع السبع حتى تكون عشرة . وهل المغفور الكبائر أو ~~الصغائر؟ الجمهور على الآخر وأن الكبائر لا يغفرها إلا التوبة. # (وعنه) أي أبي هريرة (رضي الله عنه أن رسول الله (ص) ذكر يوم الجمعة ~~فقال: فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم) جملة حالية أو صفة لعبد ~~والواو لتأكيد لصوق الصفة (يصلي) حال ثانية (يسأل الله عز وجل) حال ثالثة ~~(شيئا إلا أعطاه إياه وأشار) أي النبي (ص) (بيده يقللها) يحقر وقتها (متفق ~~عليه وفي ms0394 رواية لمسلم وهي ساعة خفيفة) هو الذي أفاده لفظ يقللها في الأولى ~~وفيه إبهام الساعة ويأتي تعيينها. ومعنى قائم أي مقيم لها متلبس بأركانها ~~لا بمعنى حال القيام فقط وهذه الجملة ثابتة في رواية جماعة من الحفاظ ~~وأسقطت في رواية آخرين. وحكي عن بعض PageV02P054 # العلماء أنه كان يأمر بحذفها من الحديث وكأنه استشكل الصلاة، إذ وقت تلك ~~الساعة إذا كان من بعد العصر فهو وقت كراهة للصلاة وكذا إذا كان من حال ~~جلوس الخطيب على المنبر إلى انصرافه، وقد تأولت هذه الجملة بأن المراد ~~منتظرا للصلاة، والمنتظر للصلاة في صلاة كما ثبت في الحديث، وإنما قلنا إن ~~المشير بيده هو النبي (ص) لما في رواية مالك فأشار النبي (ص) وقيل المشير ~~بعض الرواة. وأما كيفية الإشارة فهو أنه وضع أنملته على بطن الوسطى أو ~~الخنصر يبين قلتها. وقد أطلق السؤال هنا وقيده في غيره كما عند ابن ماجة ما ~~لم يسأل الله إثما وعند أحمد ما لم يسأل إثما أو قطيعة رحم. # (وعن أبي بردة) بضم الموحدة وسكون الراء ودال مهملة هو عامر ابن عبد الله ~~بن قيس، وعبد الله هو أبو موسى الأشعري، وأبو بردة من التابعين المشهورين ~~سمع أباه وعليا عليه السلام وابن عمر وغيرهم (عن أبيه) أبي موسى الأشعري ~~(قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: هي) أي ساعة الجمعة (ما بين أن يجلس ~~الامام) أي على المنبر (إلى أن تقض الصلاة رواه مسلم ورجح الدارقطني أنه من ~~قول أبي بردة). # وقد اختلف العلماء في هذه الساعة وذكر المصنف في فتح الباري عن العلماء ~~ثلاثة وأربعين قولا وسيشير إليها وسردها الشارح رحمه الله في الشرح، وهذا ~~المروي عن أبي موسى أحدها ورجحه مسلم على ما روى عنه البيهقي وقال: هو أجود ~~شئ في هذا الباب وأصحه وقال به البيهقي وابن العربي وجماعة، وقال القرطبي: ~~هو نص في موضع الخلاف فلا يلتفت إلى غيره وقال النووي: هو الصحيح بل ~~الصواب. قال المصنف: وليس المراد أنها تستوعب جميع الوقت الذي ms0395 عين بل تكون ~~في أثنائه لقوله يقللها وقوله خفيفة. وفائدة ذكر الوقت أنها تنتقل فيها ~~فيكون ابتداء مظنتها ابتداء الخطبة مثلا وانتهاؤها انتهاء الصلاة. وأما ~~قوله: إنه رجح الدارقطني أن الحديث من قوله أبي بردة فقد يجاب عنه بأنه لا ~~يكون إلا مرفوعا فإنه لا مسرح للاجتهاد في تعيين أوقات العبادات ويأتي ما ~~أعله به الدارقطني قريبا. # (وفي حديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه) هو أبو يوسف بن سلام من بني ~~قينقاع إسرائيلي من ولد يوسف بن يعقوب عليه السلام وهو أحد الأحبار وأحد من ~~شهد له النبي (ص) بالجنة روى عنه ابناه يوسف ومحمد وأنس بن مالك وغيرهم مات ~~بالمدينة سنة ثلاث وأربعين وسلام بتخفيف اللام قال المبرد: لم يكن في العرب ~~سلام بالتخفيف غيره (عند ابن ماجة) لفظه فيه عن عبد الله بن سلام قال: قلت: ~~ورسول الله (ص) جالس: إنا لنجد في كتاب الله - يعني التوراة - في الجمعة ~~ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي يسأل الله عز وجل شيئا إلا قضى الله له ~~حاجته، قال عبد الله: فأشار أي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بعض ساعة ~~قلت: صدقت يا رسول الله أو بعض ساعة، قلت: أي ساعة هي؟ قال: هي آخر ساعة من ~~ساعات النهار قلت: إنها ليست ساعة صلاة قال: إن العبد المؤمن إذا صلى ثم ~~جلس لا يجلسه إلا الصلاة فهو في صلاة انتهى. # (وجابر رضي الله عنه عند أبي داود وللنسائي: أنها ما بين صلاة العصر إلى ~~غروب الشمس) PageV02P055 # وقد اختلف فيها على أكثر من أربعين قولا أمليتها في شرح البخاري. قوله ~~أنها بفتح الهمزة مبتدأ خبره ما تقدم من قوله في حديث عبد الله ابن سلام ~~إلى آخره، ورجح أحمد بن حنبل هذا القول رواه عنه الترمذي وقال أحمد: أكثر ~~الأحاديث على ذلك . وقال ابن عبد البر: هو أثبت شئ في هذا الباب، روى سعيد ~~بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن ناسا من الصحابة ms0396 ~~اجتمعوا فتذكروا ساعة الجمعة ثم افترقوا ولم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم ~~الجمعة ورجحه إسحاق وغيره، وحكي أنه نص الشافعي. # وقد استشكل هذا فإنه ترجيح لغير ما في الصحيح على ما فيه، والمعروف من ~~علوم الحديث وغيرها أن ما في الصحيحين أو في أحدهما مقدم على غيره والجواب ~~أن ذلك حيث لم يكن حديث الصحيحين أو أحدهما مما انتقده الحفاظ كحديث أبي ~~موسى هذا الذي في مسلم فإنه قد أعل بالانقطاع والاضطراب: أما الأول فلانه ~~من رواية مخرمة بن بكير وقد صرح أنه لم يسمع من أبيه فليس على شرط مسلم، ~~وأما الثاني فلان أهل الكوفة أخرجوه عن أبي بردة غير مرفوع، وأبو بردة كوفي ~~وأهل بلدته أعلم بحديثه من بكير فلو كان مرفوعا عند أبي بردة لم يقفوه عليه ~~ولهذا جزم الدارقطني بأن الموقوف هو الصواب. وجمع ابن القيم بين حديث أبي ~~موسى وابن سلام بأن الساعة تنحصر في أحد الوقتين وسبقه إلى هذا أحمد بن ~~حنبل (وقد اختلف فيها على أكثر من أربعين قولا أمليتها في شرح البخاري) ~~تقدمت الإشارة إلى هذا، قال الخطابي: اختلف فيها على قولين فقيل: قد رفعت، ~~وهو محكي عن بعض الصحابة. وقيل: هي باقية واختلف في تعيينها، ثم سرد ~~الأقوال ولم يبلغ بها المصنف من العدد وقد اقتصر المصنف هاهنا على قولين ~~كأنهما الأرجح عنده دليلا. # وفي الحديث بيان فضيلة الجمعة لاختصاصها بهذه الساعة. # (وعن جابر رضي الله عنه) هو ابن عبد الله (قال: مضت السنة أن في كل ~~أربعين فصاعدا جمعة. رواه الدارقطني بإسناد ضعيف). وذلك أنه من رواية عبد ~~العزيز بن عبد الرحمن، وعبد العزيز قال فيه أحمد: اضرب على أحاديثه فإنها ~~كذب أو موضوعة، وقال النسائي: # ليس بثقة، وقال الدارقطني: منكر الحديث، وقال ابن حبان: لا يجوز أن يحتج ~~به وفي الباب أحاديث لا أصل لها، وقال عبد الحق: لا يثبت في العدد حديث، ~~وقد اختلف العلماء في النصاب الذين بهم تقوم الجمعة. فذهب إلى وجوبها على ~~الأربعين لا ms0397 على من دونهم عمر بن عبد العزيز والشافعي وفي كون الامام أحدهم ~~وجهان عند الشافعية. وذهب أبو حنيفة والمؤيد وأبو طالب إلى أنها تنعقد ~~بثلاثة مع الامام وهو أقل عدد تنعقد به فلا تجب إذا لم يتم هذا القدر ~~مستدلين بقوله تعالى: * (فاسعوا) * قالوا: والخطاب للجماعة بعد النداء ~~للجمعة وأقل الجمع ثلاثة فدل على وجوب السعي على الجمعة للجمعة بعد النداء ~~لها والنداء لا بد له من مناد فكانوا ثلاثة مع الامام ولا دليل على اشتراط ~~ما زاد على ذلك، واعترض بأنه لا يلزم من خطاب الجماعة فعلهم لها مجتمعين ~~وقد صرح في البحر بهذا، واعترض به أهل المذهب لما استدلوا به للمذهب ونقضه ~~بقوله تعالى: * (وأقيموا الصلاة واتوا الزكاة) * * (وجاهدوا) * فإنه يلزم ~~إيتاء الزكاة في جماعة. قلت: والحق أن شرطية أي شئ في أي عبادة لا يكون إلا ~~عن PageV02P056 # دليل ولا دليل هنا على تعين عدد لا من الكتاب ولا من السنة وإذا قد علم ~~أنها لا تكون صلاتها إلا جماعة كما قد ورد بذلك حديث أبي موسى عند ابن ماجة ~~وابن عدي وحديث أبي أمامة عند أحمد والطبراني، والاثنان أقل ما تتم به ~~الجماعة لحديث الاثنان جماعة فتتم بهم في الأظهر، وقد سرد الشارح الخلاف ~~والأقوال في كمية العدد المعتبر في صلاة الجمعة فبلغت أربعة عشر قولا وذكر ~~ما تشبث به كل قائل من الدليل على ما ادعاه بما لا ينهض حجة على الشرطية. ~~ثم قال: والذي نقل حال النبي (ص) أنه كان يصليها في جمع كثير غير موقوف على ~~عدد يدل على أن المعتبر وهو الجمع الذي يحصل به الشعار ولا يكون إلا في ~~كثرة يغيظ بها المنافق ويكيد بها الجاحد ويسر بها المصدق، والآية الكريمة ~~دالة على الامر بالجماعة فلو وقف على أقل ما دلت عليه لم تنعقد. قلت: قد ~~كتبنا رسالة في شروط الجمعة التي ذكروها ووسعنا فيها المقال والاستدلال ~~سميناها: اللمعة في تحقيق شرائط الجمعة. # (وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن النبي ms0398 (ص) كان يستغفر للمؤمنين ~~والمؤمنات كل جمعة رواه البزار بإسناد لين) قلت: قال البزار: لا نعلمه عن ~~النبي (ص) إلا بهذا الاسناد وفي إسناده البزار يوسف بن خالد السمتي وهو ~~ضعيف ورواه الطبراني في الكبير إلا أنه بزيادة والمسلمين والمسلمات. وفيه ~~دليل على مشروعية ذلك للخطيب لأنها موضع الدعاء، وقد ذهب إلى وجوب دعاء ~~الخطيب لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات أبو طالب والامام يحيى، وكأنهم يقولون إن ~~مواظبته (ص) دليل الوجوب كما يفيده كان يستغفر. وقال غيرهم: يندب ولا يجب ~~لعدم الدليل على الوجوب قال الشارح: والأول أظهر. # (وعن جابر بن سمرة رضي الله عنهما أن النبي (ص) كان في الخطبة، يقرأ آيات ~~من القرآن ويذكر الناس رواه أبو داود وأصله في مسلم) كأنه يريد ما تقدم من ~~حديث أم هشام بنت حارثة: أنها قالت ما أخذت ق والقرآن المجيد إلا من لسان ~~رسول الله (ص) يقرؤها كل جمعة على المنبر وروى الطبراني في الأوسط من حديث ~~علي عليه السلام: أن رسول الله (ص) كان يقرأ على المنبر (قل يا أيها ~~الكافرون وقل هو الله أحد) وفيه رجل مجهول وبقية رجاله موثقون وأخرج ~~الطبراني فيه أيضا من حديث جابر: أنه خطب رسول الله (ص) فقرأ في خطبته آخر ~~الزمر فتحرك المنبر مرتين. # وفي رواته ضعيفان. # (وعن طارق بن شهاب رضي الله عنه) ابن عبد شمس الأحمسي البجلي الكوفي أدرك ~~الجاهلية ورأي النبي (ص) وليس له منه سماع وغزا في خلافة أبي بكر وعمر ~~ثلاثا وثلاثين أو أربعا وثلاثين غزوة وسرية ومات سنة اثنتين وثمانين (أن ~~رسول الله (ص) قال: الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة مملوك ~~وامرأة وصبي ومريض رواه أبو داود وقال: لم يسمع طارق من النبي (ص) ) إلا ~~أنه في سنن أبي داود بلفظ عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض بلفظ ~~PageV02P057 # أو وكذا ساقه المصنف في التلخيص ثم قال أبو داود: طارق قد رأى النبي (ص) ~~وهو من أصحاب النبي (ص) ولم يسمع منه ms0399 شيئا. انتهى (وأخرجه الحاكم من رواية ~~طارق المذكور عن أبي موسى) يريد المصنف أنه بهذا صار موصولا. وفي الباب عن ~~تميم الداري وابن عمر ومولى لابن الزبير رواه البيهقي، وحديث تميم فيه ~~أربعة أنفس ضعفاء على الولاء قاله ابن القطان، وحديث ابن عمر أخرجه ~~الطبراني في الأوسط بلفظ ليس على مسافر جمعة وفيه أيضا من حديث أبي هريرة ~~مرفوعا خمسة لا جمعة عليهم المرأة والمسافر والعبد والصبي وأهل البادية. # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص) ليس على مسافر جمعة. ~~رواه الطبراني بإسناد ضعيف) ولم يذكر المصنف تضعيفه في التلخيص، ولا بين ~~وجه ضعفه. وإذا عرفت هذا فقد اجتمع من الأحاديث أنها لا تجب الجمعة على ستة ~~أنفس: # الصبي وهو متفق على أنه لا جمعة عليه، والمملوك وهو متفق عليه إلا عند ~~داود فقال بوجوبها عليه لدخوله تحت عموم * (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي ~~للصلاة) * فإنه تقرر في الأصول دخول العبيد في الخطاب وأجيب عنه بأنه خصصته ~~الأحاديث وإن كان فيه مقال فإنه يقوي بعضها بعضا. والمرأة وهو مجمع على عدم ~~وجوبها عليها، وقال الشافعي: يستحب للعجائز حضورها بإذن الزوج، ورواية ~~البحر عنه أنه يقول بالوجوب عليهن خلاف ما هو مصرح به في كتب الشافعية. ~~والمريض فإنه لا يجب عليه حضورها إذا كان يتضرر به. # والمسافر لا يجب عليه حضورها وهو يحتمل أن يراد به مباشر السفر وأما ~~النازل فيجب عليه ولو نزل بمقدار الصلاة وإلى هذا ذهب جماعة من الآل ~~وغيرهم. وقيل: لا تجب عليه لأنه داخل في لفظ المسافر وإليه ذهب جماعة من ~~الآل أيضا، وهو الأقرب لان أحكام السفر باقية له من القصر ونحوه ولذا لم ~~ينقل أنه (ص) صلى الجمعة بعرفات في حجة الوداع لأنه كان مسافرا. وكذلك ~~العيد تسقط صلاته عن المسافر ولذا لم يرو أنه (ص) صلى صلاة العيد في حجته ~~تلك وقد وهم ابن حزم فقال: إنه صلاها في حجته وغلطه العلماء. السادس أهل ~~البادية وفي النهاية: أن ms0400 البادية تختص بأهل العمد والخيام دون أهل القرى ~~والمدن. وفي شرح العمدة أن حكم أهل القرى حكم أهل البادية ذكره في شرح حديث ~~لا يبيع حاضر لباد. # (وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا. رواه الترمذي بإسناد ضعيف) ~~لان فيه محمد بن الفضل بن عطية وهو ضعيف تفرد به وضعفه به الدارقطني وابن ~~عدي وغيرهما (وله شاهد من حديث البراء عند ابن خزيمة) لم يذكره الشارح ولا ~~رأيته في التلخيص. والحديث يدل على أن استقبال الناس الخطيب مواجهين له أمر ~~مستمر وهو في حكم المجمع عليه، جزم بوجوبه أبو الطيب من الشافعية، ~~وللهادوية احتمالان فيما إذا تقدم بعض المستمعين على الامام ولم يواجهوه ~~يصح PageV02P058 # أو لا يصح. ونص صاحب الأثمار أنه يجب على العدد الذين تنعقد لهم الجمعة ~~المواجهة دون غيرهم. # (وعن الحكم بن حزن رضي الله عنه) بفتح المهملة وسكون الزاي فنون. والحكم ~~قال ابن عبد البر: إنه أسلم عام الفتح وقيل يوم اليمامة وأبوه حزن ابن أبي ~~وهب المخزومي (قال شهدنا الجمعة مع رسول الله (ص) فقام متوكئا على عصا أو ~~قوس. رواه أبو داود) تمامه في السنن فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات ~~طيبات مباركات ثم قال: # أيها الناس إنكم لن تطيقوا - أو لن تفعلوا - كل ما أمرتم به ولكن سددوا ~~ويسروا وفي رواية وأبشروا وإسناده حسن وصححه ابن السكن وله شاهد عند أبي ~~داود من حديث البراء : أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب يعتمد على عنزة ~~له. والعنزة مثل نصف الرمح أو أكبر فيها سنان مثل سنان الرمح. وفي الحديث ~~دليل على أنه يندب للخطيب الاعتماد على سيف أو نحو وقت خطبته والحكمة أن في ~~ذلك ربطا للقلب ولبعد يديه عن العبث فإن لم يجد ما يعتمد عليه أرسل يديه أو ~~وضع اليمنى على اليسرى أو على جانب المنبر ويكره دق المنبر بالسيف إذ لم ~~يؤثر فهو بدعة. # باب ms0401 صلاة الخوف (عن صالح بن خوات رضي الله عنه) بفتح الخاء المعجمة ~~وتشديد الواو فمثناة فوقية الأنصاري المدني تابعي مشهور سمع جماعة من ~~الصحابة (عمن صلى مع النبي (ص)) في صحيح مسلم عن صالح بن خوات ابن جبير عن ~~سهل بن أبي حثمة، فصرح بمن حدثه في رواية. وفي رواية أبهمه كما هنا (يوم ~~ذات الرقاع) بكسر الراء فقاف مخففة آخره عين مهملة هو مكان من نجد بأرض ~~غطفان. سميت الغزوة بذلك لان أقدامهم نقبت فلفوا عليها الخرق كما في صحيح ~~البخاري من حديث أبي موسى وكانت في جمادى الأولى في السنة الرابعة من ~~الهجرة (صلاة الخوف أن طائفة) من أصحابه (ص) (صفت معه وطائفة وجاه) بكسر ~~الواو فجيم مواجهة (العدو فصلى بالذين معه ركعة ثم ثبت قائما وأتموا ~~لأنفسهم ثم انصرفوا وصفوا) في مسلم فصفوا بالفاء (وجاه العدو وجاءت الطائفة ~~الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم. ~~متفق عليه وهذا لفظ مسلم ووقع في المعرفة) كتاب (لابن منده) بفتح الميم ~~وسكون النون فدال مهملة إمام كبير من أئمة الحديث (عن صالح بن خوات عن ~~أبيه) أي خوات وهو صحابي فذكر المبهم أنه أبوه، وفي مسلم أنه من ذكرناه. ~~PageV02P059 # واعلم أن هذه الغزوة كانت في الرابعة كما ذكرناه وهو الذي قاله ابن إسحاق ~~وغيره من أهل السير والمغازي وتلقاه الناس منهم. قال ابن القيم: وهو مشكل ~~جدا فإنه قد صح أن المشركين حبسوا رسول الله (ص) يوم الخندق عن صلاة الظهر ~~والعصر والمغرب والعشاء فصلاهن جميعا وذلك قبل نزول صلاة الخوف. والخندق ~~بعد ذات الرقاع سنة خمس، قال: والظاهر أن أول صلاة صلاها رسول الله (ص) ~~للخوف بعسفان، ولا خلاف بينهم أن عسفان كانت بعد الخندق، وقد صح عنه (ص) ~~أنه صلى صلاة الخوف بذات الرقاع فعلم أنها بعد الخندق وبعد عسفان وقد تبين ~~لنا وهم أهل السير انتهى. ومن يحتج بتقديم شرعيتها على الخندق على رواية ~~أهل السير يقول: إنها لا تصلى ms0402 صلاة الخوف في الحضر ولذا لم يصلها النبي (ص) ~~يوم الخندق. وهذه الصفة التي ذكرت في الحديث في كيفية صلاتها واضحة وقد ذهب ~~إليها جماعة من الصحابة ومن الآل من بعدهم. واشترط الشافعي أن يكون العدو ~~في غير جهة القبلة. وهذا في الثنائية وإن كانت ثلاثية انتظر في التشهد ~~الأول وتتم الطائفة الركعة الثالثة، وكذلك في الرباعية إن قلنا إنها تصلى ~~صلاة الخوف في الحضر وينتظر في التشهد أيضا. وظاهر القرآن مطابق لما دل ~~عليه هذا الحديث الجليل لقوله (ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فيصلوا معك) وهذه ~~الكيفية أقرب إلى موافقة المعتاد من الصلاة في تقليل الأفعال المنافية ~~للصلاة والمتابعة للامام. # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة (نجد) نجد: كل ما ارتفع من بلاد العرب ~~(فوازينا) بالزاي بعدها مثناة تحتية قابلنا (العدو فصاففناهم فقام رسول ~~الله صلى الله تعالى عليه وسلم فصلى بنا) في المغازي من البخاري أنها صلاة ~~العصر ثم لفظ البخاري فصلى لنا باللام قال المصنف في الفتح: أي لأجلنا ولم ~~يذكر أن فيه رواية بالموحدة وفيه يصلي بالفعل المضارع (فقامت طائفة معه ~~وأقبلت طائفة على العدو وركع بمن معه ركعة وسجد سجدتين ثم انصرفوا) أي ~~الذين صلوا معه، ولم يكونوا أتوا بالركعة الثانية ولا سلموا من صلاتهم ~~(مكان الطائفة التي لم تصل فجاؤوا فركع بهم ركعة وسجد سجدتين ثم سلم، فقام ~~كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين. متفق عليه وهذا لفظ البخاري). ~~قال المصنف: لم تختلف الطرق عن ابن عمر في هذا ويحتمل أنهم أتموا في حالة ~~واحدة ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب وهو الراجح من حيث المعنى وإلا استلزم ~~تضييع الحراسة المطلوبة وإفراد الامام وحده ويرجحه ما رواه أبو داود من ~~حديث ابن مسعود بلفظ ثم سلم فقام هؤلاء أي الطائفة الثانية فصلوا لأنفسهم ~~ركعة ثم سلموا ثم ذهبوا ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا ms0403 ~~انتهى. والطائفة تطلق على القليل والكثير حتى على الواحد حتى لو كانوا ~~ثلاثة جاز للامام أن يصلي بواحد والثالث يحرس ثم يصلي مع الامام وهذا أقل ~~ما تحصل به جماعة الخوف. وظاهر الحديث أن الطائفة الثانية والت بين ركعتيها ~~ثم أتت الطائفة الأولى بعدها، وقد ذهب إلى هذه الكيفية أبو حنيفة ومحمد. ~~PageV02P060 # (وعن جابر رضي الله عنه قال: شهدت مع رسول الله (ص) صلاة الخوف فصففنا ~~صفين: صف خلف رسول الله (ص) والعدو بيننا وبين القبلة فكبر النبي (ص) ~~وكبرنا جميعا ثم ركع وركعنا جميعا ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا ثم ~~انحدر بالسجود والصف الذي يليه) أي انحدر الصف الذي يليه وهو عطف على ~~الضمير المتصل من دون تأكيد لأنه وقد وقع الفصل (وأقام الصف المؤخر في نحر ~~العدو فلما قضى السجود وقام الصف الذي يليه فذكر الحديث) تمامه انحدر الصف ~~المؤخر بالسجود وقاموا ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم ثم ركع النبي ~~(ص) وركعنا جميعا ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا ثم انحدر بالسجود ~~والصف الذي يليه الذي كان مؤخرا في الركعة الأولى وقام والصف المؤخر في ~~نحور العدو، فلما قضى النبي (ص) السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر ~~بالسجود فسجدوا ثم سلم النبي (ص) وسلمنا جميعا، قال جابر: كما يصنع حرسكم ~~هؤلاء بأمرائهم انتهى لفظ مسلم. قوله (وفي رواية) هي مسلم عن جابر وفيها ~~تعيين القوم الذين حاربوهم ولفظها غزونا مع رسول الله (ص) قوما من جهينة ~~فقاتلونا قتالا شديدا فلما صلينا الظهر قال المشركون: لو ملنا عليهم ميلة ~~لاقتطعناهم فأخبر جبريل رسول الله (ص) ذلك فذكر لنا رسول الله (ص) قال: ~~وقالوا: إنها ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد فلما حضرت العصر - إلى ~~أن قال: ثم سجد وسجد معه الصف الأول فلما قاموا سجد الصف الثاني، ثم تأخر ~~الصف الأول، وتقدم الصف الثاني، فذكر مثله) قال: فقاموا مقام الأول فكبر ~~رسول الله (ص) وكبرنا وركع فركعنا ثم سجد وسجد معه الصف ms0404 الأول وقام الثاني ~~فلما سجد الصف الثاني ثم جلسوا جميعا (وفي أواخره: ثم سلم النبي (ص) وسلمنا ~~جميعا. رواه مسلم). الحديث دليل على أنه إذا كان العدو في جهة القبلة فإنه ~~يخالف ما إذا لم يكن كذلك فإنها تمكن الحراسة مع دخولهم جميعا في الصلاة. ~~وذلك أن الحاجة إلى الحراسة إنما تكون في حال السجود فقط، فيتابعون الامام ~~في القيام والركوع، ويحرس الصف المؤخر في حال السجدتين بأن يتركوا المتابعة ~~للامام ثم يسجدون عند قيام الصف الأول. ويتقدم المؤخر إلى محل الصف المقدم، ~~ويتأخر المقدم ليتابع المؤخر الامام في السجدتين الأخيرتين، فيصح مع كل من ~~الطائفتين المتابعة في سجدتين. والحديث يدل أنها لا تكون الحراسة إلا حال ~~السجود فقط دون حال الركوع لان حال الركوع لا يمتنع معه إدراك أحوال العدو. ~~وهذه الكيفية لا توافق ظاهر الآية ولا توافق الرواية الأولى عن صالح ابن ~~خوات ولا رواية ابن عمر إلا أنه قد يقال: إنها تختلف الصفات باختلاف ~~الأحوال. # (ولأبي داود عن أبي عياش الزرقي مثله) أي مثل رواية جابر هذه (وزاد) ~~تعيين محل الصلاة (أنها كانت بعسفان) بضم العين المهملة وسكون السين ~~المهملة ففاء آخره نون وهو موضع على مرحلتين من مكة كما في القاموس. ~~PageV02P061 # (وللنسائي من وجه آخر) غير الوجه الذي أخرجه منه مسلم (عن جابر رضي الله ~~عنه أن النبي (ص) صلى بطائفة من أصحابه ركعتين ثم سلم ثم صلى بآخرين ركعتين ~~ثم سلم) فصلى بإحداهما فرضا وبالأخرى نفلا له. وعمل بهذا الحسن البصري، ~~وادعى الطحاوي أنه منسوخ بناء منه على أنه لا يصح أن يصلي المفترض خلف ~~المتنفل، ولا دليل على النسخ. # (ومثله لأبي داود عن أبي بكرة) وقال أبو داود: وكذلك في صلاة المغرب يصلي ~~ست ركعات وللقوم ثلاثا ثلاثا. # (وعن حذيفة رضي الله عنه: أن النبي (ص) صلى صلاة الخوف بهؤلاء ركعة ~~وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن حبان.) ~~(ومثله عند ابن خزيمة عن ابن عباس) وهذه الصلاة بهذه الكيفية ms0405 صلاها حذيفة ~~بطبرستان وكان الأمير سعيد ابن العاص فقال: أيكم صلى مع رسول الله (ص) صلاة ~~الخوف قال حذيفة: أنا، فصلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا. وأخرج أبو ~~داود عن ابن عمر وعن زيد بن ثابت: قال زيد: فكانت للقوم ركعة ركعة وللنبي ~~(ص) ركعتين. # وأخرج عن ابن عباس: قال: فرض الله تعالى الصلاة على لسان نبيكم عليه ~~الصلاة والسلام في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة. وأخذ بهذا ~~عطاء وطاوس والحسن وغيرهم فقالوا: يصلي في شدة الخوف ركعة يومئ إيماء. ~~وإسحاق يقول: تجزئك عند المسايفة ركعة واحدة تومئ لها إيماء، فإن لم تقدر ~~فسجدة فإن لم فتكبيرة لأنها ذكر الله. # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص) صلاة الخوف ركعة على ~~أي وجه كان رواه البزار بإسناد ضعيف) وأخرج النسائي: أنه (ص) صلاها بذي قرد ~~بهذه الكيفية. وقال المصنف: قد صححه ابن حبان وغيره. # وأما الشافعي فقال: لا يثبت. والحديث دليل على أن صلاة الخوف ركعة واحدة ~~في حق الإمام والمأموم وقد قال به الثوري وجماعة، وقال به من الصحابة أبو ~~هريرة وأبو موسى. # واعلم أنه ذكر المصنف في هذا الكتاب خمس كيفيات لصلاة الخوف وفي سنن أبي ~~داود ثماني كيفيات منها هذه الخمس وزاد ثلاثا. وقال المصنف في فتح الباري: ~~قد روي في صلاة الخوف كيفيات كثيرة ورجح ابن عبد البر الكيفية الواردة في ~~حديث ابن عمر لقوة الاسناد وموافقة الأصول في أن المؤتم لا تتم صلاته قبل ~~الامام. وقال ابن حزم: صح منها أربعة عشر وجها. وقال ابن العربي: فيها ~~روايات كثيرة أصحها ست عشرة رواية مختلفة. # وقال النووي: نحوه في شرح مسلم ولم يبينها. قال الحافظ: وقد بينها شيخنا ~~الحافظ أبو الفضل في شرح الترمذي وزاد وجها فصارت سبع عشرة ولكن يمكن أن ~~تتداخل. وقال في الهدي النبوي: صلاها النبي (ص) عشر مرات. وقال ابن العربي: ~~صلاها أربعا وعشرين مرة. وقال الخطابي: صلاها النبي (ص) في أيام مختلفة ~~بأشكال ms0406 متباينة يتحرى ما هو الأحوط للصلاة والأبلغ في الحراسة فهي على ~~اختلاف صورتها متفقة المعنى انتهى. # (وعنه) رضي الله عنه (مرفوعا ليس في صلاة الخوف سهو أخرجه PageV02P062 # الدارقطني بإسناد ضعيف) وهو مع هذا موقوف قيل ولم يقل به أحد من العلماء. # واعلم أنه قد شرط في صلاة الخوف شروط منها: السفر فاشترطه جماعة لقوله ~~تعالى: * (وإذا ضربتم في الأرض) * الآية ولأنه (ص) لم يصلها في الحضر وقال ~~زيد بن علي والناصر والحنفية والشافعية: لا يشترط لقوله تعالى: * (وإذا كنت ~~فيهم) * بناء على أنه معطوف على قوله: * (وإذا ضربتم في الأرض) * فهو غير ~~داخل في التقييد بالضرب في الأرض ولعل الأولين يجعلونه مقيدا بالضرب في ~~الأرض وأن التقدير وإذا كنت فيهم مع هذه الحالة التي هي الضرب في الأرض ~~والكلام مستوفى في كتب التفسير. ومنها: أن يكون آخر الوقت لأنها بدل من ~~صلاة الامن لا تجزئ إلا عند اليأس من المبدل منه وهذه قاعدة للقائلين بذلك ~~وهم الهادوية. وغيرهم يقول: تجزئ أول الوقت لعموم أدلة الأوقات. ومنها: حمل ~~السلاح حال الصلاة، اشترط داود فلا تصح الصلاة إلا بحمله ولا دليل على ~~اشتراطه. # وأوجبه الشافعي والناصر للامر به في الآية ولهم في السلاح تفاصيل معروفة. ~~ومنها: أن يكون القتال محرما سواء كان واجبا عينا أو كفاية. ومنها: أن يكون ~~المصلي مطلوبا للعدو لا طالبا. لأنه إذا كان طالبا أمكنه أن يأتي بالصلاة ~~تامة، أو يكون خاشيا لكر العدو عليه. # وهذه الشرائط مستوفاة في الفروع مأخوذة من أحوال شرعيتها وليست بظاهرة في ~~الشرطية. # واعلم أن شرعية هذه الصلاة من أعظم الأدلة على عظم شأن صلاة الجماعة. # باب صلاة العيدين (عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله (ص) الفطر ~~يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحي الناس رواه الترمذي) وقال الترمذي بعد ~~سياقه: # هذا حديث حسن غريب. وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث أن معنى هذا: الفطر ~~والصوم مع الجماعة ومعظم الناس بلفظه: فيه دليل على أنه يعتبر في ثبوت ~~العيد الموافقة للناس ms0407 وأن المنفرد بمعرفة يوم العيد بالرؤية يجب عليه ~~موافقة غيره ويلزمه حكمهم في الصلاة والافطار والأضحية. وقد أخرج الترمذي ~~مثل هذا الحديث عن أبي هريرة وقال: حديث حسن. وفي معناه حديث ابن عباس وقد ~~قال له كريب: إنه صام أهل الشام ومعاوية برؤية الهلال يوم الجمعة بالشام ~~وقدم المدينة آخر الشهر وأخبر ابن عباس بذلك فقال ابن عباس: لكنا رأيناه ~~ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه قال: قلت: أولا تكتفي ~~برؤية معاوية والناس؟ # قال: لا هكذا أمرنا رسول الله (ص). وظاهر الحديث أن كريبا ممن رآه وأنه ~~أمره ابن عباس أن يتم صومه وإن كان متيقنا أنه يوم عيد عنده. وذهب إلى هذا ~~محمد بن الحسن وقال: يجب موافقة الناس وإن خالف يقين نفسه وكذا في الحج ~~لأنه ورد وعرفتكم يوم تعرفون. وخالفه الجمهور وقالوا: إنه يجب عليه العمل ~~في نفسه بما تيقنه وحملوا الحديث على عدم معرفته بما يخالف الناس فإنه إذا ~~انكشف بعد الخطأ فقد أجزأه ما فعل. قالوا: وتتأخر الأيام في حق من التبس ~~عليه وعمل بالأصل وتأولوا حديث ابن عباس بأنه يحتمل أنه لم يقل برؤية ~~PageV02P063 # أهل الشام لاختلاف المطالع في الشام والحجاز، أو أنه لما كان المخبر ~~واحدا لم يعمل بشهادته ، وليس فيه أنه أمر كريبا بالعمل بخلاف يقين نفسه ~~فإنما أخبر عن أهل المدينة وأنهم لا يعملون بذلك لاحد الامرين. # (وعن أبي عمير) هو أبو عمير (ابن أنس بن مالك رضي الله عنهما) الأنصاري ~~يقال : إن اسمه عبد الله وهو من صغار التابعين روى عن جماعة من الصحابة ~~وعمر بعد أبيه زمانا طويلا (عن عمومة له من أصحاب النبي (ص) أن ركبا جاءوا ~~إلى النبي (ص) يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمرهم) النبي صلى الله عليه ~~وسلم (أن يفطروا وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم. رواه أحمد وأبو داود ~~وهذا لفظه وإسناده صحيح) وأخرجه النسائي وابن ماجة وصححه ابن المنذر وابن ~~السكن وابن حزم. وقول ابن عبد البر إن والحديث ms0408 دليل على أن صلاة أبا عمير ~~مجهول مردود بأنه قد عرفه من صحح له الحديث تصلى في اليوم الثاني حيث انكشف ~~العيد بعد خروج وقت الصلاة. # وظاهر الحديث الاطلاق بالنظر إلى وقت الصلاة، وأنه وإن كان وقتها باقيا ~~حيث لم يكن ذلك معلوما من أول اليوم، وقد ذهب إلى العمل به الهادي والقاسم ~~وأبو حنيفة لكن شرط أن لا يعلم إلا وقد خرج وقتها فإنها تقضى في اليوم ~~الثاني فقط في الوقت الذي تؤدى فيه في يومها، قال أبو طالب: بشرط أن يترك ~~اللبس كما ورد في الحديث، وغيره يعمم العذر سواء كان للبس أو لمطر وهو مصرح ~~به في كتب الحنفية قياسا لغير اللبس عليه. ثم ظاهر الحديث أنها أداء قضاء. ~~وذهب مالك أنها لا تقضى مطلقا كما لا تقضى في يومها. وللشافعية تفاصيل أخر ~~ذكرها في الشرح وهذا الحديث ورد في عيد الافطار وقاسوا عليه الأضحى وفي ~~الترك للبس وقاسوا عليه سائر الاعذار وفي القياس نظر إذا لم يتعين معرفة ~~الجامع والله أعلم. # (وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغدو) ~~أي يخرج وقت الغداة (يوم الفطر) أي إلى المصلى (حتى يأكل تمرات. أخرجه ~~البخاري، وفي رواية معلقة) أي للبخاري علقها عن أنس (ووصلها أحمد ويأكلهن ~~أفرادا) وأخرجه البخاري في تاريخه وابن حبان والحاكم من رواية عتبة بن حميد ~~عنه بلفظ: حتى يأكل تمرات ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أقل من ذلك أو أكثر ~~وترا. والحديث يدل على مداومته (ص) على ذلك. قال المهلب: الحكمة في الأكل ~~قبل الصلاة أن لا يظن ظان لزوم الصوم حتى يصلي العيد فكأنه أراد سد هذه ~~الذريعة، وقيل لما وقع وجوب الفطر عقيب وجوب الصوم استحب تعجيل الفطر ~~مبادرة إلى امتثال أمر الله. قال ابن قدامة: ولا نعلم في استحباب تعجيل ~~الأكل في هذا اليوم قبل الصلاة خلافا. قال المصنف في الفتح: # والحكمة في استحباب التمر ما في الحلو من تقوية البصر الذي يضعفه ms0409 الصوم، ~~أو لان الحلو مما يوافق الايمان ويعبر به المنام ويرقق القلب ومن ثمة استحب ~~بعض التابعين أن يفطر على الحلو مطلقا. قال المهلب: وأما جعلهن وترا ~~فالإشارة إلى الوحدانية، وكذلك كان يفعل (ص) في جميع أموره تبركا بذلك. # (وعن ابن بريدة) رضي الله عنه) بضم الموحدة وفتح الراء وسكون المثناة ~~التحتية ودال مهملة PageV02P064 # (عن أبيه) هو بريدة بن الحصيب تقدم، واسم ابن بريدة: عبد الله بن بريدة ~~بن الحصيب الأسلمي أبو سهل المروزي قاضيها ثقة من الثالثة قاله المصنف في ~~التقريب (قال: كان النبي (ص) لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم ~~الأضحى حتى يصلي. رواه أحمد) وزاد فيه: فيأكل من أضحيته (والترمذي وصححه ~~ابن حبان) وأخرجه أيضا ابن ماجة والدارقطني والحاكم والبيهقي وصححه ابن ~~القطان وفي رواية البيهقي زيادة: وكان إذا رجع أكل من كبد أضحيته. قال ~~الترمذي: وفي الباب عن علي وأنس، ورواه الترمذي أيضا عن ابن عمر وفيها ضعف. ~~والحديث دليل على شرعية الأكل يوم الفطر قبل الصلاة وتأخيره يوم الأضحى إلى ~~ما بعد الصلاة. والحكمة فيه هو أنه لما كان إظهار كرامة الله تعالى للعباد ~~بشرعية نحر الأضاحي كان الأهم الابتداء بأكلها شكرا لله على ما أنعم به من ~~شرعية النسيكة الجامعة لخير الدنيا وثواب الآخرة. # (وعن أم عطية رضي الله عنها) هي الأنصارية اسمها نسيبة بنت الحرث وقيل ~~بنت كعب كانت تغزو مع رسول الله (ص) كثيرا تداوي الجرحى وتمرض المرضى، تعد ~~في أهل البصرة، وكان جماعة من الصحابة وعلماء التابعين بالبصرة يأخذون عنها ~~غسل الميت لأنها شهدت غسل بنت رسول الله (ص) فحكمت ذلك وأتقنت، فحديثها أصل ~~في غسل الميت، ويأتي حديثها هذا في كتاب الجنائز (قالت: أمرنا) مبني ~~للمجهول للعلم بالآمر ، وأنه رسول الله (ص)، وفي رواية للبخاري: أمرنا ~~نبينا (أن نخرج) أي إلى المصلى (العواتق) البنات الابكار البالغات ~~والمقاربات للبلوغ (والحيض) هو أعم من الأول من وجه (في العيدين يشهدن ~~الخير) هو الدخول في فضيلة الصلاة لغير الحيض (ودعوة ms0410 المسلمين) تعم الجميع ~~(ويعتزل الحيض المصلى. متفق عليه) لكن لفظه عند البخاري: أمرنا أن نخرج ~~العواتق ذوات الخدور - أو قال: العواتق وذوات الخدور فيعتزلن الحيض المصلى. ~~ولفظ مسلم : أمرنا يعني النبي (ص) أن نخرج العواتق وذوات الخدور وأمر الحيض ~~أن يعتزلن مصلى المسلمين. فهذا اللفظ الذي أتى به المصنف ليس لفظ أحدهما. ~~والحديث دليل على وجوب اخراجهن. وفيه أقوال ثلاثة. الأول أنه واجب وبه قال ~~الخلفاء الثلاثة أبو بكر وعمر وعلي. ويؤيد الوجوب ما أخرجه ابن ماجة ~~والبيهقي من حديث ابن عباس: أنه (ص) كان يخرج نساءه وبناته في العيدين. وهو ~~ظاهر في استمرار ذلك منه (ص) وهو عام لمن كانت ذات هيئة وغيرها وصريح في ~~الشواب وفي العجائز بالأولى. # والثاني سنة وحمل الامر بخروجهن على الندب قاله جماعة وقواه الشارح ~~مستدلا بأنه علل خروجهن بشهود الخير ودعوة المسلمين قال: ولو كان واجبا لما ~~علل بذلك ولكان خروجهن لأداء الواجب عليهن لامتثال الامر قلت: وفيه تأمل ~~فإنه قد يعلل الواجب بما فيه من العوائد ولا يعلل بأدائه. وفي كلام الشافعي ~~في الأم التفرقة بين ذوات الهيئات والعجائز فإنه قال: أحب شهود العجائز ~~وغير ذوات الهيئات من النساء الصلاة وأنا لشهودهن الأعياد أشد استحبابا. ~~والثالث أنه منسوخ قال الطحاوي: إن ذلك كان في صدر الاسلام للاحتياج ~~PageV02P065 # في خروجهن لتكثير السواد فيكون فيه إرهاب للعدو ثم نسخ. وتعقب أنه نسخ ~~بمجرد الدعوى ويدفعه أن ابن عباس شهد خروجهن وهو صغير وكان ذلك بعد فتح ~~مكة، ولا حاجة إليهن لقوة الاسلام حينئذ، ويدفعه أنه علل في حديث أم عطية ~~حضورهن لشهادتهن الخير ودعوة المسلمين. ويدفعه أنه أفتت به أم عطية بعد ~~وفاته (ص) بمدة ولم يخالفها أحد من الصحابة. وأما قول عائشة: لو رأى النبي ~~(ص) ما أحدث النساء لمنعهن عن المساجد): فهو لا يدل على تحريم خروجهن ولا ~~على نسخ الامر به بل فيه دليل على أنهن لا يمنعن لأنه لم يمنعهن (ص) بل أمر ~~بإخراجهن فليس لنا أن نمنع ما أمر ms0411 به. # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله (ص) وأبو بكر وعمر يصلون ~~العيدين قبل الخطبة متفق عليه) فيه دليل على أن ذلك هو الامر الذي داوم ~~عليه (ص) وخليفتاه واستمروا على ذلك. وظاهره وجوب تقديم الصلاة على الخطبة، ~~وقد نقل الاجماع على عدم وجوب الخطبة في العيدين، ومستنده ما أخرجه النسائي ~~وابن ماجة وأبو داود من حديث عبد الله بن السائب قال: شهدت مع رسول الله ~~(ص) العيد فلما قضى صلاته قال: إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ومن ~~أحب أن يذهب فليذهب فكانت غير واجبة فلو قدمها لم تشرع إعادتها وإن كان ~~فاعلا خلاف السنة. وقد اختلف من أول من خطب قبل الصلاة؟ ففي مسلم أنه ~~مروان، وقيل: سبقه إلى ذلك عثمان كما رواه ابن المنذر بسند صحيح إلى الحسن ~~البصري قال: أول من خطب قبل الصلاة عثمان. أي صلاة العيد. وأما مروان فإنه ~~إنما قدم الخطبة لأنه قال لما أنكر عليه أبو سعيد: إن الناس لم يكونوا ~~يجلسون لنا بعد الصلاة، قيل إنهم كانوا يتعمدون ترك استماع الخطبة لما فيها ~~من سب من لا يستحق السب والافراط في مدح بعض الناس. وقد روى عبد الرزاق عن ~~ابن جريج عن الزهري قال: أول من أحدث الخطبة قبل الصلاة في العيد معاوية. ~~وعلى كل تقدير فإنه بدعة مخالف لهديه (ص) وقد اعتذر لعثمان بأنه كثر الناس ~~في المدينة وتناءت البيوت فكان يقدم الخطبة ليدرك من بعد منزله الصلاة وهو ~~رأي مخالف لهديه (ص). # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي (ص) صلى يوم العيد ركعتين لم يصل ~~قبلهما ولا بعدهما أخرجه السبعة) هو دليل على أن صلاة العيد ركعتان وهو ~~إجماع فيمن صلى مع الامام في الجبانة وأما إذا فاتته صلاة الامام فصلى وحده ~~فكذلك عند الأكثر. وذهب أحمد والثوري إلى أنه يصلي أربعا. وأخرج سعيد بن ~~منصور عن ابن مسعود من فاتته صلاة العيد مع الامام فليصل أربعا وهو إسناد ~~صحيح. وقال ms0412 إسحاق: إن صلاها في الجبانة فركعتين وإلا فأربعا. وقال أبو ~~حنيفة: إذا قضى صلاة العيد فهو مخير بين اثنتين وأربع. وصلاة العيد مجمع ~~على شرعيتها مختلف فيها على أقوال ثلاثة: # (الأول) وجوبها عينا عند الهادي وأبي حنيفة وهو الظاهر من مداومته (ص) ~~PageV02P066 # والخلفاء من بعده وأمره باخراج النساء، وكذلك ما سلف من حديث أمرهم ~~بالغدو إلى مصلاهم، فالامر أصله الوجوب، ومن الأدلة قوله تعالى: * (فصل ~~لربك وانحر) * على من يقول المراد به صلاة النحر، وكذلك قوله تعالى: * (قد ~~أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى) * فسرها الأكثر بزكاة الفطر وصلاة عيده. ~~الثاني: أنها فرض كفاية لأنها شعار وتسقط بقيام البعض به كالجهاد ذهب إليه ~~أبو طالب وآخرون. الثالث: أنها سنة مؤكدة ومواظبته (ص) عليها دليل تأكيد ~~سنيتها وهو قول زيد بن علي وجماعة قالوا: لقوله (ص) : خمس صلوات كتبهن الله ~~على العباد وأجيب بأنه استدلال بمفهوم العدد، وبأنه يحتمل كتبهن كل يوم ~~وليلة. وفي قوله: لم يصل قبلها ولا بعدها. دليل على عدم شرعة النافلة قبلها ~~ولا بعدها لأنه إذا لم يفعل ذلك ولا أمر به (ص) فليس بمشروع في حقه فلا ~~يكون مشروعا في حقنا ويأتي حديث أبي سعيد فإن فيه الدلالة على ترك ذلك إلا ~~أنه يأتي في حديث سعيد: أنه (ص) كان يصلي بعد العيد ركعتين في بيته. # وصححه الحاكم فالمراد بقوله هنا ولا بعدها أي في المصلي. # (وعنه) أي ابن عباس (أن النبي (ص) صلى العيد بلا أذان ولا إقامة. أخرجه ~~أبو داود وأصله في البخاري) وهو دليل على عدم شرعيتهما في صلاة العيد ~~فإنهما بدعة، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن المسيب: أن أول من أحدث ~~الأذان لصلاة العيد معاوية، ومثله رواه الشافعي عن الثقة وزاد وأخذ به ~~الحجاج حين أمر على المدينة، وروى ابن المنذر: أن أول من أحدثه زياد ~~بالبصرة، وقيل: أول من أحدثه مروان ، وقال ابن أبي حبيب: أول من أحدثه عبد ~~الله بن الزبير وأقام أيضا، وقد روى الشافعي ms0413 عن الثقة عن الزهري: أن رسول ~~الله (ص) كان يأمر المؤذن في العيد أن يقول الصلاة جامعة. قال في الشرح: ~~وهذا مرسل يعتضد بالقياس على الكسوف لثبوت ذلك فيه، قلت: وفيه تأمل:. # (وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: كان رسول الله (ص) لا يصلي قبل العيد ~~شيئا فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين. رواه ابن ماجة بإسناد حسن) وأخرجه ~~الحاكم وأحمد، وروى الترمذي عن ابن عمر نحوه وصححه وهو عند أحمد والحاكم، ~~وله طريق أخرى عند الطبراني في الأوسط لكن فيه جابر الجعفي وهو متروك، ~~والحديث يدل على أنه شرع صلاة ركعتين بعد العيد في المنزل، وقد عارضه حديث ~~ابن عمر عند أحمد مرفوعا : لا صلاة يوم العيد لا قبلها ولا بعدها والجمع ~~بينهما بأن المراد لا صلاة في الجبانة. # (وعنه) أي أبي سعيد (قال: كان رسول الله (ص) يخرج يوم الفطر والأضحى إلى ~~المصلى وأول شئ يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس والناس على ~~صفوفهم فيعظهم ويأمرهم. متفق عليه) فيه دليل على شرعية الخروج إلى المصلى ~~والمتبادر منه الخروج إلى موضع غير مسجده (ص)، وهو كذلك فإن مصلاه (ص) محل ~~معروف بينه وبين باب مسجده ألف ذراع، قاله عمر ابن شبة في أخبار ~~PageV02P067 # المدينة. وفي الحديث دلالة على تقديم الصلاة على الخطبة وتقدم، وعلى أنه ~~لا نفل قبلها وفي قوله: يقوم مقابل الناس دليل على أنه لم يكن في مصلاه ~~منبر، وقد أخرج ابن حبان فرواية: خطب يوم عيد على راحلته. وقد ذكر البخاري ~~في تمام روايته عن أبي سعيد: أن أول من اتخذ المنبر في مصلى العيد مروان. ~~وأن كان قد روى عمر بن شبة: أن من خطب الناس في المصلى على المنبر عثمان ~~فعله مرة ثم تركه حتى أعاده مروان، وكأن أبا سعيد لم يطلع على ذلك. وفيه ~~دليل على مشروعية خطبة العيد وأنها كخطب الجمع أمر ووعظ وليس فيه أنها ~~خطبتان كالجمعة، وأنه يقعد بينهما ولعله لم يثبت ذلك من فعله (ص)، وإنما ms0414 ~~صنعه الناس قياسا على الجمعة. # (وعن عمر وبن شعيب) هو أبو إبراهيم عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن ~~عمرو بن العاص سمع أباه وابن المسيب وطاوسا، وروي عنه الزهري وجماعة، ولم ~~يخرج الشيخان حديثه وضمير أبيه وجده إن كان معنا أن أباه شعيبا روى عن جده ~~محمد أن رسول الله (ص) قال: كذا فيكون مرسلا، لان جده محمدا لم يدرك النبي ~~(ص) وإن كان الضمير الذي في أبيه عائدا إلى شعيب والضمير في جده إلى عبد ~~الله فيراد أن شعيبا روى عن جده عبد الله فشعيب لم يدرك جده عبد الله، ~~فلهذه العلة لم يخرجا حديثه، وقال الذهبي: قد ثبت سماع شعيب من جده عبد ~~الله، وقد احتج به أرباب السنن الأربعة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، (عن ~~أبيه عن جده قال: قال نبي الله (ص): التكبير في الفطر أي في صلاة عيد الفطر ~~(سبع في الأولى) أي في الركعة الأولى، (وخمس في الأخيرة) أي الركعة الأخرى، ~~و (القراءة) الحمد وسورة (بعدهما أخرجه أبو داود ونقل الترمذي عن البخاري ~~تصحيحه) ، وأخرجه أخمد وعلي بن المديني، وصححاه، وقد رووه من حديث عائشة ~~وسعد القرظي وابن عباس وابن عمر وكثير بن عبد الله، والكل فيه ضعفاء، وقد ~~روي عن علي عليه السلام وابن عباس موقوفا، قال ابن رشد: إنما صاروا إلى ~~الاخذ بأقوال الصحابة في هذه المسألة لأنه لم يثبت فيها عن النبي (ص) شئ. ~~قلت: وروي العقيلي عن أحمد بن حنبل أنه قال: ليس يروى في التكبير في ~~العيدين حديث صحيح. هذا والحديث دليل على أنه يكبر في الأولى من ركعتي ~~العيد سبعا، ويحتمل أنها بتكبيرة الافتتاح وأنها من غيرها والأوضح أنها من ~~دونها وفيها خلاف، وقال في الهدي النبوي: إن تكبيرة الافتتاح منها إلا أنه ~~لم يأت بدليل، وفي الثانية خمسا وإلى هذا ذهب جماعة من الصحابة وغيرهم ~~وخالف آخرون فقالوا: خمس في الأولى وأربع في الثانية، وقيل: ثلاث في الأولى ~~وثلاث في الثانية، وقيل: ست في ms0415 الأولى وخمس في الثانية. قلت: والأقرب العمل ~~بحديث الباب، فإنه وإن كان كل طرقه واهية، فإنه يشد بعضها بعضا ولان ما ~~عداه من الأقوال ليس فيها سنة يعمل بها، وفي الحديث دليل على أن القراءة ~~بعد التكبير في الركعتين، وبه قال الشافعي ومالك PageV02P068 # وذهب الهادي إلى أن القراءة قبلها فيهما واستدل له في البحر بما لا يتم ~~دليلا وذهب الباقر وأبو حنيفة إلى أنه يقدم التكبير في الأولى ويؤخر في ~~الثانية ليوالي بين القراءتين. # واعلم أن قول المصنف أنه نقل الترمذي عن البخاري تصحيحه. وقال في تلخيص ~~الحبير: # إنه قال البخاري والترمذي: إنه أصح شئ في هذا الباب، فلا أدري من أي نقله ~~عن الترمذي فإن الترمذي لم يخرج في سننه رواية عمرو بن شعيب أصلا بل أخرج ~~رواية كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده، وقال: حديث جد كثير أحسن شئ روي في ~~هذا الباب عن النبي (ص)، وقال: وفي الباب عن عائشة وابن عمر و عبد الله بن ~~عمرو ولم يذكر عن البخاري شيئا، وقد وقع البيهقي في السنن الكبرى هذا الوهم ~~بعينه إلا أنه ذكره بعد روايته لحديث كثير فقال: قال أبو عيسى: سألت محمدا ~~يعني البخاري عن هذا الحديث، فقال: ليس في هذا الباب شئ أصح منه قال: وحديث ~~عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في هذا ~~الباب هو صحيح أيضا، انتهى كلام البيهقي. ولم نجد في الترمذي شيئا مما ~~ذكره، وقد نبه في تنقيح الانظار على شئ من هذا، وقال: والعجب أن ابن النحوي ~~ذكر في خلاصته عن البيهقي أن الترمذي قال: سألت محمدا عنه إلخ، وبهذا يعرف ~~أن المصنف قلد في النقل عن الترمذي عن البخاري الحافظ البيهقي، ولهذا لم ~~ينسب حديث عمرو بن شعيب إلا إلى أبي داود، والأولى العمل بحديث عمرو لما ~~عرفت، وأنه أشفى شئ في الباب، وكان (ص) يسكت بين كل تكبيرتين سكتة لطيفة ~~ولم يحفظ عنه ذكر معين بين التكبيرتين ms0416 ولكن ذكر الخلال عن ابن مسعود أنه ~~قال: يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي (ص). وأخرج الطبراني في الكبير ~~عن ابن مسعود أن بين كل تكبيرتين قدر كلمتين وهو موقوف. وفيه سليمان بن ~~أرقم ضعيف، وكان ابن عمر مع تحريه للاتباع يرفع يديه مع كل تكبيرة. # (وعن أبي واقد) بقاف ومهملة اسم فاعل من وقد اسمه: الحارث بن عوف الليثي ~~قديم الاسلام قيل إنه شهد بدرا، وقيل إنه من مسلمة الفتح، والأول أصح. ~~عداده في أهل المدينة، وجاور بمكة، ومات بها سنة ثمان وستين (الليثي رضي ~~الله عنه قال: كان النبي (ص) يقرأ في الفطر والأضحى بقاف) أي في الأولى بعد ~~الفاتحة (واقتربت) أي في الثانية بعدها (أخرجه مسلم). فيه دليل على أن ~~القراءة بهما في صلاة العيد سنة، وقد سلف أنه يقرأ فيهما بسبح والغاشية. ~~والظاهر أنه كان يقرأ هذا تارة وهذا تارة، وقد ذهب إلى سنية ذلك الشافعي ~~ومالك. # (وعن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله (ص) إذا كان يوم العيد خالف ~~الطريق أخرجه البخاري) يعني أنه يرجع من مصلاه من جهة غير الجهة التي خرج ~~منها إليه. قال الترمذي: أخذ بهذا بعض أهل العلم واستحبه للامام وبه يقول ~~الشافعي انتهى. وقال به أكثر أهل العلم، ويكون مشروعا للامام والمأموم الذي ~~أشار إليه بقوله: PageV02P069 # (ولأبي داود عن ابن عمر نحوه) ولفظه في السنن عن ابن عمر أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أخذ يوم العيد في طريق ثم رجع في طريق أخرى. وفيه دليل ~~أيضا على ما دل عليه حديث جابر. واختلف في وجه الحكمة في ذلك. فقيل: ليسلم ~~على أهل الطريقين : وقيل: لينال بركته الفريقان: وقيل: ليقضي حاجة من له ~~حاجة فيهما وقيل: ليظهر شعائر الاسلام في سائر الفجاج والطرق وقيل: ليغيظ ~~المنافقين برؤيتهم عزة الاسلام وأهله ومقام شعائره، وقيل: لتكثر شهادة ~~البقاع فإن الذاهب إلى المسجد أو المصلى إحدى خطواته ترفع درجة والأخرى تحط ~~خطيئة حتى يرجع إلى منزله وقيل: وهو الأصح ms0417 أنه لذلك كله من الحكم التي لا ~~يخلو فعله عنها وكان ابن عمر مع شدة تحريه للسنة يكبر من بيته إلى المصلى. # (وعن أنس رضي الله عنه قال: قدم رسول الله (ص) المدينة ولهم يومان يلعبون ~~فيهما فقال: قد أبد لكم الله بهما خيرا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر أخرجه ~~أبو داود والنسائي بإسناد صحيح) الحديث يدل على أنه قال (ص) ذلك عقيب قدومه ~~المدينة كما تقتضيه الفاء. والذي في كتب السير أن أول عيد شرع في الاسلام ~~عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة. وفيه دليل على أن إظهار السرور في ~~العيدين مندوب ، وأن ذلك من الشريعة التي شرعها الله لعباده، إذ في إبدال ~~عيد الجاهلية بالعيدين المذكورين دلالة على أنه يفعل في العيدين المشروعين ~~ما تفعله الجاهلية في أعيادها، وإنما خالفهم في تعيين الوقتين (قلت): هكذا ~~في الشرح ومراده من أفعال الجاهلية ما ليس بمحظور ولا شاغل عن طاعة. وأما ~~التوسعة على العيال في الأعياد بما حصل لهم من ترويح البدن وبسط النفس من ~~كلف العبادة فهو مشروع. وقد استنبط بعضهم كراهية الفرح في أعياد المشركين ~~والتشبه بهم، وبالغ في ذلك الشيخ الكبير أبو حفص البستي من الحنفية وقال: ~~من أهدى فيه بيضة إلى مشرك تعظيما لليوم فقد كفر بالله. # (وعن علي رضي الله عنه قال: من السنة أن تخرج إلى العيد ماشيا رواه ~~الترمذي وحسنه) تمامه من الترمذي وأن تأكل شيئا قبل أن تخرج. قال أبو عيسى: ~~والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم يستحبون أن يخرج الرجل إلى العيد ~~ماشيا وأن يأكل شيئا قبل أن يخرج. قال أبو عيسى: ويستحب أن لا يركب إلا من ~~عذر انتهى. ولم أجد فيه أنه حسنه ولا أظن أنه يحسنه لأنه رواه من طريق ~~الحارث الأعور وللمحدثين فيه مقال. # وقد أخرج الزهري مرسلا: أنه (ص) ما ركب في عيد ولا جنازة. وكان ابن عمر ~~يخرج إلى العيد ماشيا ويعود ماشيا. وتقييد الأكل بقبل الخروج بعيد الفطر ~~لما مر من ms0418 حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه، وروى ابن ماجة من حديث أبي رافع ~~وغيره: أنه (ص) كان يخرج إلى العيد ماشيا ويرجع ماشيا. ولكنه بوب البخاري ~~في الصحيح عن المضي والركوب إلى العيد فقال: باب المضي والركوب إلى العيد ~~فسوى بينهما كأنه لما رأى من عدم صحة الحديث فرجع إلى الأصل في التوسعة. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أنهم أصابهم مطر في يوم عيد فصلى بهم النبي ~~PageV02P070 # (ص) صلاة العيد في المسجد رواه أبو داود بإسناد لين) لان في إسناده رجلا ~~مجهولا، ورواه ابن ماجة والحاكم بإسناد ضعيف. وقد اختلف العلماء على قولين ~~هل الأفضل في صلاة العيد الخروج إلى الجبانة أو الصلاة في مسجد البلد إذا ~~كان واسعا؟ # الثاني قول الشافعي أنه إذا كان مسجد البلد واسعا صلوا فيه ولا يخرجون ~~فكلامه يقضي أن العلة في الخروج طلب الاجتماع، ولذا أمر (ص) باخراج العواتق ~~وذات الخدور، فإذا حصل ذلك في المسجد فهو أفضل ولذلك فإن أهل مكة لا يخرجون ~~لسعة مسجدها وضيق أطرافها وإلى هذا ذهب الامام يحيى وجماعة قالوا: الصلاة ~~في المسجد أفضل . والقول الأول للهادوية ومالك أن الخروج إلى الجبانة أفضل ~~ولو اتسع المسجد للناس . وحجتهم محافظته (ص) على ذلك ولم يصل في المسجد إلا ~~لعذر المطر ولا يحافظ (ص) إلا على الأفضل ولقول علي عليه السلام فإنه روي ~~أنه خرج إلى الجبانة لصلاة العيد وقال: لولا أنه السنة لصليت في المسجد، ~~واستخلف من يصلي بضعفة الناس في المسجد قالوا: فإن كان في الجبانة مسجد ~~مكشوف فالصلاة فيه أفضل وإن كان مسقوفا ففيه تردد. # (فائدة) التكبير في العيدين مشروع عند الجماهير فأما تكبير عيد الافطار ~~فأوجبه الناصر لقوله تعالى: * (ولتكبروا الله على ما هداكم) * والأكثر أنه ~~سنة، ووقته مجهول مختلف فيه على قولين. فعند الأكثر أنه من عند خروج الامام ~~للصلاة إلى مبتدأ الخطبة، وذكر فيه البيهقي حديثين وضعفهما، لكن قال ~~الحاكم: هذه سنة تداولها أئمة الحديث وقد صحت به الرواية عن ابن عمر وغيره ms0419 ~~من الصحابة. والثاني للناصر أنه من مغرب أول ليلة من شوال إلى عصر يومها ~~خلف كل صلاة. وعند الشافعي إلى خروج الامام أو حتى يصلي أو حتى يفرغ من ~~الخطبة. أقوال عنه. وأما صفته ففي فضائل الأوقات للبيهقي بإسناده إلى سلمان ~~أنه كان يعلمهم التكبير ويقول: كبروا الله أكبر الله أكبر كبيرا أو قال ~~كثيرا اللهم أنت أعلى وأجل من أن تكون لك صاحبة أو يكون لك ولد أو يكون لك ~~شريك في الملك أو يكون لك ولي من الذل وكبره تكبيرا اللهم اغفر لنا اللهم ~~ارحمنا. وأما تكبير عيد النحر فأوجبه أيضا الناصر لقوله تعالى: * (واذكروا ~~الله في أيام معدودات) * ولقوله * (كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما ~~هداكم) * ووافقه المنصور بالله. وذهب الجمهور إلى أنه سنة مؤكدة للرجال ~~والنساء ومنهم من خصه بالرجال. وأما وقته فظاهر الآية الكريمة والآثار عن ~~الصحابة أنه لا يختص بوقت دون وقت، إلا أنه اختلف العلماء فمنهم من خصه ~~بعقيب الصلاة مطلقا، ومنهم من خصه بعقيب الفرائض دون النوافل، ومنهم من خصه ~~بالجماعة دون الفرادى، وبالمؤداة دون المقضية وبالمقيم دون المسافر، ~~وبالامصار دون القرى. وأما ابتداؤه وانتهاؤه ففيه خلاف أيضا فقيل في الأول ~~من صبح يوم عرفة، وقيل من ظهره، وقيل من عصره. وفي الثاني إلى ظهر ثالثه، ~~وقيل إلى آخر أيام التشريق، وقيل إلى ظهره، وقيل إلى عصره، ولم يثبت عنه ~~(ص) في ذلك حديث واضح، وأصح ما ورد فيه عن الصحابة قول علي PageV02P071 # وابن مسعود أنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى، أخرجهما ابن المنذر. ~~وأما صفته فأصح ما ورد فيه ما رواه عبد الرازق عن سلما بسند صحيح قال: ~~كبروا الله أكبر الله أكبر، الله أكبر كبيرا وقد روي عن سعيد بن جبير ~~ومجاهد وابن أبي ليلى وقول الشافعي وزاد فيه ولله الحمد وفي الشرح صفات ~~كثيرة واستحسانات عن عدة من الأئمة، وهو يدل على التوسعة في الامر وإطلاق ~~الآية يقتضي ذلك. # واعلم أنه لا فرق بين تكبير ms0420 عيد الافطار وعيد النحر في مشروعية التكبير ~~لاستواء الأدلة في ذلك وإن كان المعروف عند الناس إنما هو تكبير عيد النحر. ~~وقد ورد الامر في الآية بالذكر في الأيام المعدودات والأيام المعلومات، ~~وللعلماء قولان. منهم من يقول هما مختلفان، فالأيام المعدودات أيام التشريق ~~والمعلومات أيام العشر ذكره البخاري عن ابن عباس تعليقا ووصله غيره، وأخرج ~~ابن مردويه عن ابن عباس إن المعلومات: التي قبل أيام التروية ويوم عرفة. ~~والمعدودات: أيام التشريق وإسناده صحيح وظاهره إدخال يوم العيد في أيام ~~التشريق. وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن عباس أيضا إن المعلومات يوم النحر ~~وثلاثة أيام بعده ورجحه الطحاوي لقوله * (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ~~على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) * فإنها تشعر بأن المراد أيام النحر انتهى. ~~وهذا يمنع تسمية أيام العشر معلومات ولا أيام التشريق معدودات بل تسمية ~~التشريق معدودات متفق عليه لقوله تعالى: * (واذكروا الله في أيام معدودات) ~~* وقد ذكر البخاري عن أبي هريرة وابن عمر تعليقا: أنهما كانا يخرجان إلى ~~السوق أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما . وذكر البغوي والبيهقي ~~ذلك. قال الطحاوي: كان مشايخنا يقولون بذلك أيام العشر جميعها . (فائدة ~~ثانية) يندب لبس أحسن الثياب والتطيب بأجود الأطياب في يوم العيد ويزيد في ~~الأضحى الضحية بأسمن ما يجد لما أخرجه الحاكم من حديث الحسن السبط قال: # أمرنا رسول الله (ص) في العيدين أن نلبس أجود ما نجد وأن نتطيب بأجود ما ~~نجد وأن نضحي بأسمن ما نجد: البقرة عن سبعة والجزور عن عشرة وأن نظهر ~~التكبير والسكينة والوقار. قال الحاكم بعد اخراجه من طريق إسحاق بن بزرج: ~~لولا جهالة إسحاق هذا لحكمت للحديث بالصحة (قلت): ليس بمجهول فقد ضعفه ~~الأزدي ووثقه ابن حبان . ذكره في التلخيص. # باب صلاة الكسوف (عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: انكسفت الشمس على ~~عهد رسول الله (ص) يوم مات إبراهيم) أي ابنه عليه السلام وموته في العاشرة ~~من الهجرة: وقال أبو داود: # في ربيع الأول يوم الثلاثاء لعشر ms0421 خلون منه وقيل: في الرابعة (فقال الناس: ~~انكسفت الشمس لموت إبراهيم) (فقال (ص)) أي رادا عليهم (إن الشمس والقمر ~~آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما ~~PageV02P072 # فادعوا الله وصلوا) هذا لفظ مسلم ولفظ البخاري فصلوا وادعوا الله (حتى ~~تنكشف) ليس هذا اللفظ في البخاري بل هو في مسلم (متفق عليه) يقال كسفت ~~الشمس: بفتح الكاف وتضم نادرا وانكسفت وخسفت بفتح الخاء وتضم نادرا ~~وانخسفت. واختلف العلماء في اللفظين هلا يستعملان في الشمس والقمر، أو يختص ~~كل لفظ بواحد منهما، وقد ثبت في القرآن نسبة الخسوف إلى القمر، وورد في ~~الحديث خسفت الشمس كما ثبت فيه نسبة الكسوف إليهما وثبت استعمالهما منسوبين ~~إليهما فيقال فيهما: الشمس والقمر ينخسفان، وينكسفان إنما الذي لم يرد في ~~الأحاديث نسبة الكسوف إلى القمر على جهة الانفراد ، وعلى هذا يدل استعمال ~~الفقهاء فإنهم يخصون الكسوف بالشمس والخسوف بالقمر: واختاره ثعلب، وقال ~~الجوهري: إنه أفصح، وقيل يقال بهما في كل منهما. والكسوف: لغة التغير إلى ~~السواد، والخسوف النقصان، وفي ذلك أقوال أخر. وإنما قالوا إنها كسفت لموت ~~إبراهيم لأنها كسفت في غير يوم كسوفها المعتاد، فإن كسوفها في العاشر أو ~~الرابع لا يكاد يتفق فلذا قالوا: إنما هو لأجل هذا الخطب العظيم، فرد عليهم ~~(ص) ذلك وأخبرهم أنهما علامتان من العلامات الدالة على وحدانية الله تعالى ~~وقدرته على تخويف عباده من بأسه وسطوته. والحديث مأخوذ في قوله تعالى: * ~~(وما نرسل بالآيات إلا تخويفا) *. وفي قوله لحياته مع أنهم لم يدعوا ذلك ~~بيان أنه لا فرق بين الامرين فكما أنكم لا تقولون بكسوفهما لحياة أحد كذلك ~~لا يكسفان لموته، أو كأن المراد من حياته صحته من مرضه ونحوه، ثم ذكر القمر ~~مع أن الكلام خاص بكسوف الشمس زيادة في الإفادة والبيان، أن حكم النيرين ~~واحد في ذلك. ثم أرشد العباد إلى ما يشرع عند رؤية ذلك من الصلاة والدعاء ~~ويأتي صفة الصلاة. والامر دليل الوجوب إلا أنه حمله الجمهور على أنه سنة ~~مؤكدة ms0422 لانحصار الواجبات في الخمس الصلوات. وصرح أبو عوانة في صحيحه ~~بوجوبها، ونقل عن أبي حنيفة أنه أوجبها. وجعل (ص) غاية وقت الدعاء والصلاة ~~انكشاف الكسوف، فدل على أنها تفوت الصلاة بالانجلاء، فإذا انجلت وهو في ~~الصلاة فلا يتمها، بل يقتصر على ما فعل إلا أن في رواية لمسلم: فسلم وقد ~~انجلت، فدل أنه يتم الصلاة وإن كان قد حصل الانجلاء ، ويؤيده القياس على ~~سائر الصلوات فإنها تقيد بركعة كما سلف، فإذا أتى بركعة أتمها . وفيه دليل ~~على أن فعلها يتقيد بحصول السبب في أي وقت كان من الأوقات، وإليه ذهب ~~الجمهور. وعند أحمد وأبي حنيفة ما عدا أوقات الكراهة (وفي رواية للبخاري) ~~أي عن المغيرة (حتى تنجلي) عوض قوله تنكشف والمعنى واحد. # (وللبخاري من حديث أبي بكرة: فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم . هو أول حديث ~~ساقه البخاري في باب الكسوف ولفظه يكشف والمراد يرتفع ما حل بكم من كسوف ~~الشمس أو القمر. # (وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي (ص) جهر في صلاة الكسوف بقراءته فصلى ~~أربع ركعات) أي ركوعات بدليل قولها (في ركعتين وأربع سجدات. متفق ~~PageV02P073 # عليه وهذا لفظ مسلم). الحديث دل على شرعية الجهر بالقراءة في صلاة ~~الكسوف، والمراد كسوف الشمس لما أخرجه أحمد بلفظ خسفت الشمس وقال: ثم قرأ ~~فجهر بالقراءة وقد أخرج الجهر أيضا الترمذي والطحاوي والدار قطني، وقد أخرج ~~ابن خزيمة وغيره من علي عليه السلام مرفوعا الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، ~~وفي ذلك أربعة أقوال: # (الأول) أنه يجهر بالقراءة مطلقا في كسوف الشمس والقمر لهذا الحديث ~~وغيره، وهو إن كان واردا في كسوف الشمس، فالقمر مثله لجمعة صلى الله عليه ~~وسلم بينهما في الحكم حيث قال: فإذا رأيتموهما أي كاسفتين فصلوا وادعوا ~~والأصل استواؤهما في كيفية الصلاة، ونحوهما وهو مذهب أحمد وإسحاق وأبي ~~حنيفة وابن خزيمة وابن المنذر وآخرين. (والثاني) يسر مطلقا لحديث ابن عباس ~~أنه (ص) قام قياما طويلا نحوا من سورة البقرة. فلو جهر لم يقدره بما ذكر ~~وقد علق البخاري ms0423 عن ابن عباس: أنه قام بجنب النبي (ص) في الكسوف فلم يسمع ~~منه حرفا. ووصله البيهقي من ثلاثة طرق أسانيدها واهية فيضعف القول بأنه ~~يحتمل أن ابن عباس كان بعيدا منه (ص) فلم يسمع جهره بالقراءة . (الثالث) ~~أنه يخير فيهما بين الجهر والاسرار لثبوت الامرين عنه (ص) كما عرفت من أدلة ~~القولين. (الرابع) أنه يسر في الشمس ويجهر في القمر وهو لمن عدا الحنفية من ~~الأربعة عملا بحديث ابن عباس وقياسا على الصلوات الخمس. وما تقدم من دليل ~~أهل الجهر مطلقا أنهض مما قالوه. وقد أفاد حديث الباب أن صفة صلاة الكسوف ~~ركعتان في كل ركعة ركوعان وفي كل ركعة سجدتا ويأتي في شرح الحديث الرابع ~~الخلاف في ذلك (وفي رواية) أي لمسلم عن عائشة (فبعث) أن النبي (ص) (مناديا ~~ينادي: الصلاة جامعة) بنصب الصلاة وجامعة فالأول على أنه مفعول فعل محذوف ~~أي أحضروا، والثاني على الحال ويجوز رفعهما على الابتداء والخبر وفيه ~~تقادير أخر. وهو دليل على مشروعية الاعلام بهذا اللفظ للاجتماع لها ولم يرد ~~الامر بهذا اللفظ عنه (ص) إلا في هذه الصلاة عنه. # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: انخسفت الشمس على عهد رسول الله (ص) ~~فصلى رسول الله (ص)، فقام قياما طويلا نحوا من قراءة سورة البقرة، ثم ركع ~~ركوعا طويلا ، ثم رفع فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا ~~طويلا وهو دون الركوع الأول ثم سجد، ثم قام قياما طويلا وهو دون القيام ~~الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم رفع فقام قياما طويلا ~~وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم رفع ~~رأسه ثم سجد، ثم انصرف وقد تجلت الشمس فخطب الناس متفق عليه واللفظ ~~للبخاري) وفي رواية لمسلم صلى حين كسفت الشمس ثماني ركعات في أربع سجدات. ~~قوله فصلى ظاهر الفاء التعقيب. # واعلم أن صلاة الكسوف رويت على وجوه كثيرة ذكرها الشيخان وأبو داود ~~وغيرهم وهي سنة باتفاق العلماء. وفي دعوى ms0424 الاتفاق نظر لأنه صرح أبو عوانة ~~في صحيحه بوجوبها، وحكى عن مالك أنه أجراها مجرى الجمعة وتقدم عن أبي حنيفة ~~إيجابها. ومذهب الشافعي PageV02P074 # وجماعة أنها تسن في جماعة، وقال آخرون: فرادى وحجة الأولين الأحاديث ~~الصحيحة من فعله (ص) لها جماعة. ثم اختلفوا في صفتها. فالجمهور أنها ركعتان ~~في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان والسجود سجدتان كغيرها وهذه الكيفية ~~ذهب إليها مالك والشافعي والليث وآخرون. وفي قوله: نحوا من قراءة سورة ~~البقرة دليل على أنه يقرأ فيها القرآن، قال النووي: اتفق العلماء أنه يقرأ ~~في القيام الأول من أول ركعة الفاتحة واختلفوا في القيام الثاني ومذهبنا ~~ومالك أنها لا تصح الصلاة إلا بقراءتها. وفيه دليل على شرعية طول الركوع، ~~قال المصنف: لم أر في شئ من الطريق بيان ما قاله (ص) فيه إلا أن العلماء ~~اتفقوا أنه لا قراءة فيه وإنما المشروع فيه الذكر من تسبيح وتكبير وغيرهما ~~. وفي قوله وهو دون الأول دلالة على أن القيام الذي يعقبه السجود لا تطويل ~~فيه وأنه دون الأول وإن كان قد وقع في رواية مسلم في حديث جابر أنه أطال ~~ذلك لكن قال النووي: # إنها شاذة فلا يعمل بها. ونقل القاضي إجماع العلماء أنه لا يطول الاعتدال ~~الذي يلي السجود وتأول هذه الرواية بأنه أراد بالإطالة زيادة الطمأنينة. ~~ولم يذكر في هذه الرواية طول السجود ولكنه قد ثبتت إطالته في رواية أبي ~~موسى عند البخاري وحديث ابن عمرو عند مسلم. قال النووي: قال المحققون من ~~أصحابنا وهو المنصوص للشافعي: أنه يطول للأحاديث الصحيحة بذلك، فأخرج أبو ~~داود والنسائي من حديث سمرة كان أطول ما يسجد في صلاة قط وفي رواية مسلم من ~~حديث جابر وسجوده نحوا من ركوعه وبه جزم أهل العلم بالحديث ويقول عقيب كل ~~ركوع: سمع الله لمن حمده ثم يقول عقيبه: ربنا لك الحمد إلى آخره. # ويطول الجلوس بين السجدتين فقد وقع في رواية مسلم لحديث جابر إطالة ~~الاعتدال بين السجدتين، قال المصنف: لم أقف عليه في شئ من الطرق ms0425 إلا في ~~هذا، ونقل الغزالي الاتفاق على عدم إطالته مردود. وفي قوله: ثم قام قياما ~~طويلا وهو دون القيام الأول دليل على إطالة القيام في الركعة الثانية ولكنه ~~دون القيام في الركعة الأولى وقد ورد في رواية أبي داود عن عروة أنه قرأ آل ~~عمران. قال ابن بطال: لا خلاف أن الركعة الأولى بقيامها وركوعها تكون أطول ~~من الركعة الثانية بقيامها وركوعها. واختلف في القيام الأول من الثانية ~~وركوعه هل هما أقصر من القيام الثاني من الأولى وركوعه أن يكونان سواء؟ ~~قيل: وسبب هذا الخلاف فهم معنى قوله : وهو دون القيام الأول هل المراد به ~~الأول من الثانية أو يرجع إلى الجميع فيكون كل قيام دون الذي قبله. وفي ~~قوله: فخطب الناس دليل على شرعية الخطبة بعد صلاة الكسوف ، وإلى استحبابها ~~ذهب الشافعي وأكثر أئمة الحديث. وعن الحنفية: لا خطبة في الكسوف لأنها لم ~~تنقل، وتعقب بالأحاديث المصرحة بالخطبة. والقول بأن الذي فعله (ص) لم يقصد ~~به الخطبة بل قصد الرد على ما اعتقد أن الكسوف بسبب موت أحد متعقب بأن ~~رواية البخاري، فحمد الله وأثنى عليه وفي رواية شهد أنه عبده ورسوله وفي ~~رواية للبخاري أنه ذكر أحوال الجنة والنار وغير ذلك وهذه مقاصد الخطبة، وفي ~~لفظ مسلم من حديث فاطمة عن أسماء قالت: فخطب رسول الله (ص) الناس فحمد ~~PageV02P075 # الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد ما من شئ لم أكن أريته إلا وقد أريته في ~~مقامي هذا حتى الجنة والنار وإنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور قريبا أو ~~مثل فتنة المسيح الدجال - لا أدري أي ذلك قالت أسماء - فيؤتى أحدكم فيقال ~~ما علمك بهذا الرجل فأما المؤمن أو الموقن - لا أدري أي ذلك قالت أسماء - ~~فيقول: هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وأطعنا ثلاث مرات ~~ثم يقال: نم قد كنا نعلم أنك تؤمن به فنم صالحا وفي مسلم رواية أخرى في ~~الخطبة بألفاظ فيها زيادة (وفي رواية لمسلم) أي عن ابن عباس (صلى) أي ms0426 النبي ~~(ص) (حين كسفت الشمس ثماني ركعات) أي ركوعات (في أربع سجدات) في ركعتين لان ~~كل ركعة لها سجدتان والمراد أنه ركع في كل ركعة أربع ركوعات فيحصل في ~~الركعتين ثمان ركوعات وإلى هذه الصفة ذهبت طائفة. # (وعن علي رضي الله عنه) أي وأخرج مسلم عنه (مثل ذلك) أي مثل رواية ابن ~~عباس. # (وله) أي لمسلم (عن جابر) بن عبد الله (صلى) أي النبي صلى الله عليه وسلم ~~(ست ركعات بأربع سجدات) أي صلى ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات وسجدتان. # (ولأبي داود عن أبي بن كعب رضي الله عنه صلى) أي النبي صلى الله عليه ~~وسلم (فركع خمس ركعات) أي ركوعات في كل ركعة (وسجد سجدتين وفعل في الثانية ~~مثل ذلك) ركع خمس ركوعات وسجد سجدتين. إذا عرفت هذه الأحاديث فقد يحصل من ~~مجموعها أن صلاة الكسوف ركعتان اتفاقا إنما اختلف في كمية الركوعات في كل ~~ركعة فحصل من مجموع الروايات التي ساقها المصنف أربع صور. (الأولى) ركعتان ~~في كل ركعة ركوعان وبهذا أخذ الشافعي ومالك والليث وأحمد وغيرهم وعليها دل ~~حديث عائشة وجابر وابن عباس وابن عمرو، قال ابن عبد البر: هو أصح ما في ~~الباب وباقي الروايات معللة ضعيفة. # (والثانية) ركعتان أيضا في كل ركعة أربع ركوعات وهي التي أفادتها رواية ~~مسلم عن ابن عباس وعلي عليه السلام. (والثالثة) ركعتان أيضا في كل ركعة ~~ثلاث ركوعات وعليها دل حديث جابر. # والرابعة) ركعتان أيضا يركع في كل واحدة خمس ركوعات. ولما اختلفت ~~الروايات اختلف العلماء فالجمهور أخذوا بالأولى لما عرفت من كلام ابن عبد ~~البر، وقال النووي في شرح مسلم: إنه أخذ بكل نوع بعض الصحابة. وقال جماعة ~~من المحققين: إنه مخير بين الأنواع فأيهما فعل فقد أحسن، وهو مبني على أنه ~~تعدد الكسوف وأنه فعل هذا تارة وهذا أخرى، ولكن التحقيق أن كل الروايات ~~حكاية عن واقعة واحدة هي صلاته (ص) يوم وفاة إبراهيم، ولهذا عول الآخرون ~~على إعلال الأحاديث التي حكت الصور الثلاث، قال ابن القيم: ms0427 كبار الأئمة لا ~~يصححون التعدد لذلك كالامام أحمد والبخاري والشافعي ويرونه غلطا، وذهبت ~~الحنفية إلى أنها تصلي ركعتين كسائر النوافل. # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما هبت الريح قط إلا جثا) بالجيم ~~والمثلثة (النبي (ص) على ركبتيه) أي برك عليهما وهي قعدة المخافة لا يفعلها ~~PageV02P076 # في الغالب إلا الخائف (وقال: اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا رواه ~~الشافعي والطبراني). الريح: اسم جنس صادق على ما يأتي بالرحمة ويأتي ~~بالعذاب وقد ورد في حديث أبي هريرة مرفوعا الريح من روح الله تأتي بالرحمة ~~وبالعذاب فلا تسبوها. وقد ورد في تمام حديث ابن عباس: اللهم اجعلها رياحا ~~ولا تجعلها ريحا. وهو يدل أن المفرد يختص بالعذاب والجمع بالرحمة، قال ابن ~~عباس: في كتاب الله * (إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا) * . * (وأرسلنا عليهم ~~الريح العقيم) *.. * (وأرسلنا الرياح لواقح) *. * (وأنه يرسل الرياح ~~مبشرات) * رواه الشافعي في الدعوات الكبير. وهو بيان أنها جاءت مجموعة في ~~الرحمة، ومفردة في العذاب، فاستشكل ما في الحديث من طلب أن تكون رحمة، ~~وأجيب: بأن المراد لا تهلكنا بهذه الريح لأنهم لو هلكوا بهذه الريح لم تهب ~~عليهم ريح أخرى فتكون ريحا لا رياحا. # (وعنه) أي ابن عباس (رضي الله عنهما صلى في زلزلة ست ركعات) أي ركوعات ~~(وأربع سجدات) أي صلى ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات (وقال: هكذا صلاة ~~الآيات. # رواه البيهقي. وذكر الشافعي عن علي مثله دون آخره) وهو قوله: هكذا صلاة ~~الآيات أخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن الحارث أنه كان في زلزلة في ~~البصرة، ورواه ابن أبي شيبة من هذا الوجه مختصرا: أن ابن عباس صلى بهم في ~~زلزلة أربع سجدات ركع فيها ستا. وظاهر اللفظ أنه صلى بهم جماعة وإلى هذا ~~ذهب القاسم من الآل وقال: يصلي للافزاع مثل صلاة الكسوف وإن شاء ركعتين ~~ووافقه على ذلك أحمد بن حنبل ولكن قال : كصلاة الكسوف (قلت): لكن في كتب ~~الحنابلة أنه يصلي صلاة الكسوف ركعتين إذا شاء. وذهب الشافعي وغيره إلى أنه ~~لا ms0428 يسن التجميع وأما صلاة المنفرد فحسن، قال: لأنه لم يرو أنه (ص) أمر ~~بالتجميع إلا في الكسوفين. # باب صلاة الاستسقاء أي طلب سقاية الله تعالى عند حدوث الجدب: أخرج ابن ~~ماجة من حديث ابن عمر: أن النبي (ص) قال: لم ينقص قوم المكيال والميزان إلا ~~أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم ~~إلا منعوا القطر من السماء. # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج النبي (ص)) أي من المدينة ~~(متواضعا متبذلا) بالمثناة الفوقية فذال معجمة أي أنه لابس ثياب البذلة، ~~والمراد ترك الزينة وحسن الهيئة تواضعا وإظهارا للحاجة (متخشعا) الخشوع في ~~الصوت والبصر كالخضوع في البدن (مترسلا) من الترسل في المشي وهو التأني ~~وعدم العجلة (متضرعا) لفظ أبي داود متبذلا متواضعا متضرعا والتضرع التذلل ~~والمبالغة في السؤال والرغبة كما في النهاية (فصلى ركعتين كما يصلي في ~~العيد لم يخطب خطبتكم هذه) لفظ أبي داود ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع ~~والتكبير ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد فأفاد لفظه أن الصلاة كانت بعد ~~الدعاء واللفظ الذي أتى به المصنف غير صريح في ذلك (رواه الخمسة وصححه ~~PageV02P077 # الترمذي وأبو عوانة وابن حبان) وأخرجه الحاكم والبيهقي والآل والدارقطني. ~~والحديث دليل على شرعية الصلاة للاستسقاء وإليه ذهب الآل. وقال أبو حنيفة: ~~لا يصلي للاستسقاء وإنما شرع الدعاء فقط. ثم اختلف القائلون بشرعية الصلاة ~~فقال جماعة: إنها كصلاة العيد في تكبيرها وقراءتها وهو المنصوص للشافعي ~~عملا بظاهر لفظ ابن عباس. وقال آخرون: # بل يصلي ركعتين لا صفة لهما زائدة على ذلك وإليه ذهب جماعة من الآل ويروى ~~عن علي عليه السلام وبه قال مالك مستدلين بما أخرجه البخاري من حديث عباد ~~بن تميم أنه (ص) صلى بهم ركعتين. وكما يفيده حديث عائشة الآتي قريبا ~~وتأولوا حديث ابن عباس بأن المراد التشبيه في العدد لا في الصفة، ويبعده ~~أنه قد أخرج الدارقطني من حديث ابن عباس: أنه يكبر فيها سبعا وخمسا ~~كالعيدين ويقرأ بسبح وهل أتاك. وإن كان في ms0429 إسناده مقال فإنه يؤيده حديث ~~الباب. وأما أبو حنيفة فاستدل بما أخرجه أبو داود والترمذي: أنه (ص) استسقى ~~عند أحجار الزيت بالدعاء. وأخرج عوانة في صحيحه، أنه شكا إليه (ص) قوم ~~القحط فقال: اجثوا على الركب وقولوا : يا رب يا رب. وأجيب عنه بأنه ثبت ~~صلاة ركعتين وثبت تركها في بعض الأحيان لبيان الجواز. وقد عد في الهدي ~~النبوي أنواع استسقائه (ص). (فالأول) خروجه (ص) إلى المصلى وصلاته وخطبته. ~~(والثاني) يوم الجمعة على المنبر أثناء الخطبة. # (والثالث) استسقاؤه على منبر المدينة استسقى مجردا في غير الجمعة ولم ~~يحفظ عنه فيه صلاة. # (الرابع) أنه استسقى وهو جالس في المسجد فرفع يديه ودعا الله عز وجل. ~~(الخامس) أنه استسقى عند أحجار الزيت قريبا من الزوراء وهي خارج باب ~~المسجد. (السادس) أنه استسقى في بعض غزواته لما سبقه المشركون إلى الماء، ~~وأغيث صلى الله عليه وسلم في كل مرة استسقى فيها. واختلف في الخطبة في ~~الاستسقاء، فذهب الهادي إلى أنه لا يخطب فيه لقول ابن عباس لم يخطب إلا أنه ~~لا يخفى أنه ينفي الخطبة المشابهة لخطبتهم وذكر ما قاله صلى الله عليه وسلم ~~وقد زاد في رواية أبي داود: أنه (ص) رقى المنبر. والظاهر أنه لا يرقاه إلا ~~للخطبة. وذهب آخرون إلى أنه يخطب فيها كالجمعة لحديث عائشة الآتي وحديث ابن ~~عباس . ثم اختلفوا هل يخطب قبل الصلاة أو بعدها؟ فذهب الناصر وجماعة إلى ~~الأول. وذهب الشافعي وآخرون إلى الثاني مستدلين بحديث أبي هريرة عند أحمد ~~وابن ماجة وأبي عوانة والبيهقي: أنه (ص) خرج للاستسقاء فصلى ركعتين ثم خطب. ~~واستدل الأولون بحديث ابن عباس وقد قدمنا لفظه. وجمع بين الحديثين بأن الذي ~~بدأ به هو الدعاء، فعبر بعض عن الدعاء بالخطبة واقتصر على ذلك ولم يرو في ~~الخطبة بعدها، والراوي لتقديم الصلاة على الخطبة اقتصر على ذلك ولم يروا ~~الدعاء قبلها وهذا جمع بين الروايتين. وأما ما يدعو به فيتحرى ما ورد عنه ~~(ص) من ذلك وقد أبان الألفاظ التي دعا بها ms0430 صلى الله عليه وسلم بقوله: # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: شكا الناس إلى رسول الله (ص) قحوط المطر) ~~PageV02P078 # وهو مصدر كالقحط (فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يوما يخرجون ~~فيه) عينه لهم (فخرج رسول الله (ص) حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر) ~~قال ابن القيم: إن صح وإلا ففي القلب منه شئ (فكبر رسول الله (ص) وحمد الله ~~عز وجل ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم ~~فقد أمركم الله أن تدعوه قال تعالى: * (ادعوني استجب لكم) * ووعدكم أن ~~يستجيب لكم) كما الآية الأولى وفي قوله * (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ~~أجيب دعوة الداع إذا دعاني) * (ثم قال: * (الحمد لله رب العالمين الرحمن ~~الرحيم) * فيه دليل على عدم افتتاح الخطبة بالبسملة بل بالحمدلة ولم تأت ~~رواية عنه (ص) أنه افتتح الخطبة بغير التحميد (مالك يوم الدين لا إله إلا ~~الله يفعل ما يريد اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء أنزل ~~علينا الغيث واجعل ما أنزلت علينا قوة بلاغا إلى حين ثم رفع يديه فلم يزل) ~~في سنن أبي داود، في الرفع (حتى روى بياض إبطيه ثم حول إلى الناس ظهر) ~~فاستقبل القبلة (وقلب) في سنن أبي داود، وحول (رداءه وهو رافع يديه ثم أقبل ~~على الناس) توجه إليهم بعد تحويل ظهره عنهم، (ونزل) أي عن المنبر (فصلى ~~ركعتين فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت ثم أمطرت) تمامه في سنن أبي داود بإذن ~~الله فلم يأت باب مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى ~~بدت نواجذه، وقال: أشهد أن الله على كل شئ قدير وأني عبد الله ورسوله (رواه ~~أبو داود، وقال: غريب وإسناده جيد) هو من تمام قول أبي داود ثم قال أبو ~~داود: # أهل المدينة يقرءون ملك يوم الدين، وإن هذا الحديث حجة لهم، وفي قوله: ~~وعد الناس ما يدل على أنه يحسن تقديم تبيين اليوم للناس ليتأهبوا ويتخلصوا ~~من المظالم ونحوها ms0431 ويقدموا التوبة، وهذه الأمور واجبة مطلقا إلا أنه مع ~~حصول الشدة وطلب تفريجها من الله تعالى يتضيق ذلك، وقد ورد في الإسرائيليات ~~إن الله حرم قوما من بني إسرائيل السقيا بعد خروجهم لأنه كان فيهم عاص ~~واحد، ولفظ الناس يعم المسلمين وغيرهم قبل فيشرع اخراج أهل الذمة ويعتزلون ~~المصلي. وفي الحديث دليل على شرعية رفع اليدين عند الدعاء ، ولكنه يبالغ في ~~رفعهما في الاستسقاء حتى يساوي بهما وجهه ولا يجاوز بهما رأسه. وقد ثبت رفع ~~اليدين عند الدعاء في عدة أحاديث وصنف المنذري في ذلك جزءا، وقال النووي: # قد جمعت فيها نحوا من ثلاثين حديثا من الصحيحين أو أحدهما وذكرها في ~~أواخر باب صفة الصلاة من شرح المهذب، وأما حديث أنس في نفي رفع اليدين في ~~غير الاستسقاء، فالمراد به نفي المبالغة لا نفي أصل الرفع. وأما كيفية قلب ~~الرداء فيأتي عن البخاري جعل اليمين على الشمال وزاد ابن ماجة وابن خزيمة ~~وجعل الشمال على اليمين، وفي رواية لأبي داود جعل عطافه الأيمن على عاتقه ~~الأيسر وعطافه الأيسر عاتقه الأيمن، وفي رواية لأبي داود أنه كان عليه ~~خميصة سوداء فأراد أن يأخذ بأسفلها ويجعله أعلاها فلما ثقلت عليه قلبها على ~~عاتقه ويشرع للناس أن يحولوا معه لما أخرجه أحمد بلفظ: وحول الناس معه، ~~وقال الليث PageV02P079 # وأبو يوسف: إنه يختص التحويل بالامام، وقال بعضهم: لا تحول النساء. وأما ~~وقت التحويل فعند استقبال القبلة ولمسلم: أنه لما أراد أن يدعو استقبل ~~القبلة وحول رداءه ومثله في البخاري. وفي الحديث دليل على أن صلاة ~~الاستسقاء ركعتان وهو قول الجمهور وقال الهادي: أربع بتسليمتين ووجه قوله ~~بأنه (ص) استسقى في الجمعة كما في قصة الاعرابي والجمعة بالخطبتين بمنزلة ~~أربع ركعات ولا يخفى ما فيه، وقد ثبت من فعله (ص) الركعتان كما عرفت من هذا ~~الحديث والذي قبله ولما ذهبت الحنفية إلى أنه لا يشرع التحويل، وقد أفاده ~~هذا الحديث الماضي زاد المصنف تقوية الاستدلال على ثبوت التحويل بقوله: # (وقصة التحويل في الصحيح) أي صحيح ms0432 البخاري (من حديث عبد الله بن زيد) أي ~~المازني وليس هو راوي الأذان كما وهم فيه بعض الحفاظ ولفظه في البخاري ~~فاستقبل القبلة وقلب رداءه (وفيه) أي في حديث عبد الله بن زيد (فتوجه) أي ~~النبي (ص) (إلى القبلة يدعو) في البخاري بعد يدعو، وحول رداءه، وفي لفظ قلب ~~رداءه (ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة)، قال البخاري: قال سفيان: وأخبر ~~ني المسعودي عن أبي بكر قال: جعل اليمين على الشمال انتهى. زاد ابن خزيمة ~~والشمال على اليمين، وقد اختلف في حكمة التحويل، فأشار المصنف إليه بإيراد ~~الحديث، وهو قوله: (وللدار قطني من مرسل أبي جعفر الباقر) هو محمد بن علي ~~بن الحسن بن علي بن أبي طالب سمع أباه زين العابدين وجابر بن عبد الله، ~~وروى عنه ابنه جعفر الصادق وغيره . ولد سنة ست وخمسين ومات سنة سبع عشرة ~~ومائة وهو ابن ثلاث وستين سنة ودفن بالبقيع في البقعة التي دفن فيها أبوه ~~وعم أبيه الحسن بن علي بن أبي الطالب وسمي الباقر لأنه تبقر في العلم أي ~~توسع فيه انتهى من جامع الأصول، (وحول رداءه ليتحول القحط) وقال ابن ~~العربي: هو أمارة بينه وبين ربه، قيل: له حول رداءك ليتحول للتفاؤل، قال: ~~لان من شرط الفأل أن لا يقصد إليه، وقال المصنف: إنه ورد في التفاؤل حديث ~~رجاله ثقات. # قال المصنف في الفتح: إنه أخرجه الدارقطني والحاكم من طريق جعفر بن محمد ~~عن أبيه عن جابر فوصله لان محمد بن علي لقي جابرا، وروي عنه إلا أنه قال: ~~إنه رجح الدارقطني إرساله، ثم قال: وعلى كل حال فهو أولى من القول بالظن ~~وقوله: في الحديث الأول: جهر فيهما بالقراءة في بعض روايات البخاري يجهر، ~~ونقل ابن بطال أنه مجمع عليه أي على الجهر في صلاة الاستسقاء وأخذ منه ~~بعضهم أنها لا تصلي إلا في النهار ولو كانت تصلي في الليل لأسر فيها نهارا ~~ولجهر فيها ليلا وفي هذا الاخذ بعد لا يحفى. # (وعن أنس رضي الله عنه أن ms0433 رجلا دخل المسجد يوم الجمعة والنبي (ص) قائم ~~يخطب فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله عز وجل ~~يغيثنا فرفع يديه) زاد البخاري في رواية ورفع الناس أيديهم (ثم قال: اللهم ~~أغثنا) وفي PageV02P080 # البخاري أسقنا (اللهم أغثنا) فذكر الحديث (وفيه الدعاء بإمساكها) أي ~~السحاب عن الأمطار (متفق عليه تمامه من مسلم: قال أنس: فلا والله ما نرى في ~~السماء من سحاب ولا قزعة وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار قال: فطلعت من ~~ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت قال: فلا والله ~~ما رأينا الشمس سبتا. ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبله قائما فقال: يا رسول الله هلكت ~~الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا قال: فرفع رسول الله (ص) يديه ~~ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ~~ومنابت الشجر قال فانقلعت وخرجنا نمشي في الشمس قال شريك: فسألت أنس بن ~~مالك أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري. انتهى. قال المصنف : لم أقف على ~~تسميته في حديث أنس. وهلاك الأموال يعم المواشي والأطيان. وانقطاع السبل ~~عبارة عن عدم السفر لضعف الإبل بسبب عدم المرعى والأقوات أو لأنه لما نفد ~~ما عند الناس من الطعام لم يجدوا ما يحملونه إلى الأسواق. وقوله يغيثنا ~~يحتمل فتح حرف المضارعة على أنه من غاث إما من الغيث أو الغوث ويحتمل ضمه ~~على أنه من الإغاثة ويرجح هذا قوله: اللهم أغثنا. وفيه دلالة على أنه يدعى ~~إذا كثر المطر وقد بوب له البخاري باب الدعاء إذ كثر المطر وذكر الحديث. ~~وأخرج الشافعي في مسنده وهو مرسل من حديث المطلب بن حنطب: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يقول عند المطر اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ~~ولا هدم ولا غرق اللهم على الظراب ومنابت الشجر اللهم حوالينا ولا علينا. # (وعن أنس رضي الله عنه أن عمر كان ms0434 إذا قحطوا) بضم القاف وكسر المهملة أي ~~أصابهم القحط (استسقى بالعباس بن عبد المطلب وقال) أي عمر: (اللهم إنا كنا ~~نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون. رواه ~~البخاري) وأما العباس رضي الله عنه فإنه قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء من ~~السماء إلا بذنب ولم ينكشف إلا بتوبة وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من ~~نبيك وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث، فأرخت ~~السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض أخرجه الزبير بن بكار في الأنساب، ~~وأخرجه أيضا من حديث ابن عمر أن عمر استسقى بالعباس عام الرمادة وذكر ~~الحديث، وذكر البارزي أن عام الرمادة كان سنة ثماني عشرة، والرمادة بفتح ~~الراء وتخفيف الميم، سمي العام بها لما حصل من شدة الجدب فاغبرت الأرض جدا ~~من PageV02P081 # عدم المطر. وفي هذه القصة دليل على الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وبيت ~~النبوة. # وفيه فضيلة العباس وتواضع عمر ومعرفته لحق أهل البيت. # (وعن أنس رضي الله عنه قال: أصابنا ونحن مع رسول الله (ص) مطر قال: فحسر ~~ثوبه) أي كشف بعضه عن بدنه (حتى أصابه من المطر وقال: إنه حديث عهد بربه ~~رواه مسلم) وبوب له البخاري فقال: باب من يمطر حتى يتحادر عن لحيته وساق ~~حديث أنس بطوله. وقوله: حديث عهد بربه أي بإيجاد ربه إياه أن المطر رحمة ~~وهي قريبة العهد بخلق الله لها فيتبرك بها وهو دليل على استحباب ذلك. # (وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله (ص) كان إذا رأى المطر قال: اللهم ~~صيبا نافعا أخرجاه) أي الشيخان وهذا خلاف عادة المصنف فإنه يقول فيما ~~أخرجاه: متفق عليه. والصيب من صاب المطر إذا وقع، ونافعا صفة مقيدة احترازا ~~عن الصيب الضار. # (وعن سعد رضي الله عنه أن النبي (ص) دعا في الاستسقاء اللهم جللنا) ~~بالجيم من التجليل والمراد تعميم الأرض (سحابا كثيفا) بفتح الكاف فمثلثة ~~فمثناة تحتية ففاء، أي متكاثفا متراكما (قصيفا) بالقاف المفتوحة فصاد مهملة ~~فمثناة تحتية ففاء: # وهو ما كان ms0435 رعده شديد الصوت وهو من أمارات قوة المطر (دلوقا) بفتح الدال ~~المهملة وضم اللام وسكون الواو فقاف يقال خيل دلوق أي مندفعة شديدة الدفعة ~~ويقال: # دلق السيل على القوم هجم (ضحوكا) بفتح أوله بزنة فعول أي ذات برق (تمطرنا ~~منه رذاذا) بضم الراء فذال معجمة فأخرى مثلها هو ما كان مطره دون الطش ~~(قطقطا) بكسر القافين وسكون الطاء الأولى قال أبو زيد: القطقط أصغر المطر ~~ثم الرذاذ وهو فوق القطقط ثم الطش وهو فوق الرذاذ (سجلا) مصدر سجلت الماء ~~سجلا إذا صببته صبا، وصف به السحاب مبالغة في كثرة ما يصب منها من الماء ~~حتى كأنها نفس المصدر (يا ذا الجلال والاكرام رواه أبو عوانة في صحيحه) ~~وهذا الوصفان نطق بهما القرآن. وفي التفسير أي الاستغناء المطلق والفضل ~~التام، وقيل الذي عنده الاجلال والاكرام للمخلصين من عباده وهما من عظائم ~~صفاته تعالى ولذا قال (ص): ألظوا بياذا الجلال والاكرام وروي أنه (ص) مر ~~برجل وهو يصلي ويقول: # يا ذال الجلال والاكرام، فقال: قد استجيب لك. PageV02P082 # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: خرج سليمان عليه ~~السلام يستسقي فرأى نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء تقول: # اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن سقياك، فقال: ارجعوا فقد سقيتم ~~بدعوة غيركم رواه أحمد وصححه الحاكم. فيه دلالة على أن الاستسقاء شرع قديم ~~والخروج له كذلك. وفيه أنه يحسن اخراج البهائم في الاستسقاء، وأن لها ~~إدراكا يتعلق بمعرفة الله ومعرفة بذكره وبطلب الحاجات منه. وفي ذلك قصص ~~يطول ذكرها وآيات من كتاب الله دالة على ذلك وتأويل المتأولين لها لا ملجأ ~~له. # (وعن أنس رضي الله عنه: أن النبي (ص) استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء ~~أخرجه مسلم) فيه دلالة أنه إذا أريد بالدعاء رفع البلاء فإنه يرفع يديه ~~ويجعل ظهر كفيه إلى السماء وإذا دعا بسؤال شئ وتحصيله جعل بطن كفيه إلى ~~السماء وقد ورد صريحا في حديث خلاد بن السائب عن أبيه: أن ms0436 النبي (ص) كان ~~إذا سأل جعل بطن كفيه إلى السماء وإذا استعاذ جعل ظهرهما إليها. وإن كان قد ~~ورد من حديث ابن عباس سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهرها وإن كان ~~ضعيفا فالجمع بينهما أن حديث ابن عباس يختص بما إذا كان السؤال بحصول شئ لا ~~لدفع بلاء وقد فسر قوله تعالى * (ويدعوننا رغبا ورهبا) * أن الرغب بالبطون ~~والرهب بالظهور. # باب اللباس أي ما يحل منه وما يحرم (عن أبي عامر الأشعري رضي الله عنه) ~~قال في الأطراف: اختلف في اسمه فقيل عبد الله بن هانئ، وقيل عبد الله بن ~~وهب، وقيل عبيد الله بن وهب وبقي إلى خلافة عبد الملك بن مروان سكن الشام. ~~وليس بعم أبي موسى الأشعري فإن ذلك قتل أيام حنين في حياة النبي (ص) واسمه ~~عبيد بن سليم (قال: قال رسول الله (ص) : ليكونن من أمتي أقوام يستحلون ~~الحر) بالحاء والراء المهملتين والمراد به استحلال الزنا وبالخاء والزاي ~~المعجمتين (والحرير رواه أبو داود وأصله في البخاري) وأخرجه البخاري ~~تعليقا. والحديث دليل على تحريم لباس الحرير لان قوله يستحلون بمعنى يجعلون ~~الحرام حلالا ويأتي الحديث الثاني وفيه التصريح بذلك. وفي الحديث دليل أن ~~استحلال المحرم لا يخرج فاعله من مسمى الأمة كذا قال (قلت): ولا يخفى ضعف ~~هذا القول فإن من استحل محرما أي اعتقد حله فإنه كذب الرسول (ص) الذي أخبر ~~أنه حرام، فقوله بحله رد لكلامه وتكذيب، وتكذيبه كفر فلا بد من تأويل ~~الحديث بأنه أراد أنه من الأمة قبل الاستحلال فإذا استحل خرج عن مسمى ~~الأمة. ولا يصح أن يراد بالأمة هنا أمة الدعوة لأنهم مستحلون لكل ما حرمه ~~لا لهذا بخصوصه. وقد اختلف في ضبط هذه اللفظة في الحديث. فظاهر إيراد ~~المصنف له في اللباس أنه يختار أنها PageV02P083 # بالخاء المعجمة والزاي، وهو الذي نص عليه الحميدي وابن الأثير في هذا ~~الحديث، وهو ضرب من ثياب الإبريسم معروف، وضبطه أبو موسى بالحاء والراء ~~المهملتين. قال ابن الأثير في النهاية: # والمشهور في هذا ms0437 الحديث على اختلاف طرقه هو الأول وإذا كان هو المراد من ~~الحديث فهو الخالص من الحرير وعطف الحرير عليه من عطف العام على الخاص لان ~~الخز ضرب من الحرير. وقد يطلق الخز على ثياب تنسج من الحرير والصوف ولكنه ~~غير مراد هنا لما عرف من أن هذا النوع حلال وعليه يحمل. ما أخرجه أبو داود ~~عن عبد الله بن سعد الدشتكي عن أبيه سعد، قال: رأيت ببخارى رجلا على بغلة ~~بيضاء عليه عمامة خز سوداء قال: كسانيها رسول الله (ص). أخرجه النسائي. ~~وذكره البخاري ويأتي من حديث عمر بيان ما يحل من غير الخالص. # (وعن حذيفة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله (ص) أن نشرب في آنية الذهب ~~والفضة وأن نأكل فيها) تقدم الحديث عن حذيفة بلفظ : قال رسول الله (ص): لا ~~تشربوا في آنية الذهب والفضة الحديث فقوله هنا نهى إخبار عن ذلك اللفظ الذي ~~تقدم وتقدم الكلام فيه (وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه رواه ~~البخاري) أي ونهى عن لبس الحرير والنهي ظاهر في التحريم. وإلى تحريم لبس ~~الحرير ذهب الجماهير من الأمة على الرجال دون النساء، وحكى القاضي عياض عن ~~قوم إباحته ونسب في البحر إباحته إلى ابن علية، وقال: إنه انعقد الاجماع ~~بعده على التحريم، ولكنه قال المصنف في الفتح: قد ثبت لبس الحرير عن جماعة ~~من الصحابة وغيرهم قال أبو داود: لبسه عشرون من الصحابة وأكثر، وأورده ابن ~~أبي شيبة عن جمع منهم وقد أخرج ابن أبي شيبة من طريق عمار بن أبي عمار قال: ~~أتت مروان بن الحكم مطارف خز فكساها أصحاب رسول الله (ص). # قال: والأصح في تفسير الخز أنه ثياب سداها من حرير ولحمتها من غيره وقيل: ~~تنسج مخلوطة من حرير وصوف أو نحوه، وقيل أصله اسم دابة يقال لها الخز فسمى ~~الثوب المتخذ من وبره خزا لنعومته ثم أطلق على ما تخلط بحرير لنعومة ~~الحرير. إذا عرفت هذا فقد يحتمل أن الذي لبسه الصحابة في رواية أبي داود ~~كان ms0438 من الخز وإن كان ظاهر عبارته يأبى ذلك. وأما القز بالقاف بدل الخاء ~~المعجمة فقال الرافعي: إنه عند الأئمة: من الحرير فحرموه على الرجال أيضا. ~~والقول بحله وحل الحرير للنساء قول الجماهير إلا ابن الزبير فإنه أخرج مسلم ~~عنه: أنه خطب فقال: لا تلبسوا نساءكم الحرير فإني سمعت عمر بن الخطاب يقول: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تلبسوا الحرير فأخذ بالعموم إلا أنه ~~انعقد الاجماع على حل الحرير للنساء. فأما الصبيان من الذكور فيحرم عليهم ~~أيضا عند الأكثر لعموم قوله (ص)، حرام على ذكور أمتي وقال محمد بن الحسن: # يجوز إلباسهم، وقال أصحاب الشافعي: يجوز إلباسهم الحلي والحرير في يوم ~~العيد لأنه لا تكليف عليهم ولهم في غير يوم العيد ثلاثة أوجه أصحها جوازه. ~~وأما الديباج فهو ما غلظ PageV02P084 # من ثياب الحرير وعطفه عليه من عطف الخاص على العام. وأما الجلوس على ~~الحرير فقد أفاد الحديث النهي عنه إلا أنه قال المصنف في الفتح: إنه قد ~~أخرج البخاري ومسلم حديث حذيفة من غير وجه وليس فيه هذه الزيادة وهي قوله: ~~وأن نجلس عليه قال: # وهي حجة قوية لمن قال يمنع الجلوس على الحرير وهو قول الجمهور خلافا لابن ~~الماجشون والكوفيين وبعض الشافعية، وقال بعض الحنفية في الدليل على عدم ~~تحريم الجلوس على الحرير: إن قوله نهى ليس صريحا في التحريم، وقال بعضهم: ~~إنه يحتمل أن يكون المنع ورد عن مجموع اللبس والجلوس لا الجلوس وحده. (قلت: ~~ولا يخفى تكلف هذا القائل والاخراج عن الظاهر بلا حاجة) وقال بعض الحنفية: ~~مدار الجواز والتحريم على اللبس لصحة الاخبار فيه والجلوس ليس بلبس، واحتج ~~الجمهور على أنه يسمى الجلوس لبسا بحديث أنس الصحيح: فقمت إلى حصير لنا قد ~~أسود من طول ما لبس ولان لبس كل شئ بحسبه. وأما افتراش النساء للحرير ~~فالأصل جوازه وقد أحل لهن لبسه ومنه الافتراش ومن قال بمنعهن عن افتراشه ~~فلا حجة له. واختلف في علة تحريم الحرير على قولين: # الأول الفخر والخيلاء والثاني كونه ms0439 لباس رفاهية وزينة تليق بالنساء دون ~~شهامة الرجال. # (وعن عمر رضي الله عنه قال: نهى النبي (ص) عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين ~~أو ثلاث أو أربع متفق عليه واللفظ لمسلم) قال المصنف: # أو هنا للتخيير والتنويع. وقد أخرج الحديث ابن أبي شيبة من هذا الوجه ~~بلفظ إن الحرير لا يصلح منه إلا هكذا وهكذا وهكذا يعني إصبعين وثلاثا ~~وأربعا ومن قال المراد أن يكون في كل كم إصبعان فإنه يرده رواية النسائي لم ~~يرخص في الديباج إلا في موضع أربعة أصابع وهذا - أي الترخيص في الأربع ~~الأصابع - مذهب الجمهور. وعن مالك في رواية منعه وسواء كان منسوجا أو ملصقا ~~ويقاس عليه الجلوس. وقدرت الهادوية الرخصة بثلاث أصابع لكن هذا الحديث نص ~~في الأربع. # (وعن أنس رضي الله عنه أن النبي (ص) رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في ~~قميص الحرير من حكة) بكسر الحاء المهملة وتشديد الكاف نوع من الجرب وذكر ~~الحكة مثلا لا قيدا أي من أجل حكة، فمن للتعليل (كانت بهما. متفق عليه) وفي ~~رواية أنهما شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم القمل فرخص لهما في ~~قميص الحرير في غزاة لهما. قال المصنف في الفتح: يمكن الجمع بأن الحكة حصلت ~~من القمل فنسبت العلة تارة إلى السبب وتارة إلى سبب السبب. وقد اختلف ~~العلماء في جوازه للحكة وغيرها. فقال الطبري: دلت الرخصة في لبسه للحكة على ~~أن من قصد بلبسه دفع ما هو أعظم من أذى الحكة كدفع السلاح ونحو ذلك فإنه ~~يجوز. والقائلون بالجواز لا يخصونه بالسفر. # وقال البعض من الشافعية: يختص به. وقال القرطبي: الحديث حجة على من منع ~~إلا أن يدعي الخصوصية بالزبير وعبد الرحمن ولا تصح تلك الدعوى. وقال مالك ~~وأبو حنيفة: # لا يجوز مطلقا. وقال الشافعي بالجواز للضرورة، ووقع في كلام الشارح تبعا ~~للنووي أن PageV02P085 # الحكمة في لبس الحرير للحكة لما فيه من البرودة، وتعقب بأن الحرير حار ~~فالصواب أن الحكمة فيه لخاصية فيه تدفع ما تنشأ عنه الحكة من ms0440 القمل. # (وعن علي رضي الله عنه قال: كساني النبي صلى الله عليه وسلم حلة سيراء) ~~بكسر المهملة ثم مثناة تحتية ثم راء مهملة ثم ألف ممدودة قال الخليل: ليس ~~في الكلام فعلاء بكسر أوله مع المد سوى سيراء - وهو الماء الذي يخرج على ~~رأس المولود - وحولاء وعنباء لغة في ضبط العنب وحلة بالتنوين، على أن سيراء ~~صفة لها وبغيره على الإضافة وهو الأجود كما في شرح مسلم (فخرجت فيها فرأيت ~~الغضب في وجهه فشققتها بين نسائي. متفق عليه وهذا لفظ مسلم. قال أبو عبيدة: ~~الحلة إزار ورداء، وقال ابن الأثير: إذا كانا من جنس واحد، وقيل هي برود ~~مضلعة بالقز، وقيل حرير خالص وهو الأقرب. وقوله فرأيت الغضب في وجهه زاد ~~مسلم في رواية فقال: إني لم أبعثها إليك لتلبسها إنما بعثتها إليك لتشققها ~~خمرا بين نسائك وله في أخرى: شققتها خمرا بين الفواطم. وقوله فشققتها أي ~~قطعتها ففرقتها خمرا وهي بالخاء المعجمة مضمومة وضم الميم جمع خمار - بكسر ~~أوله والتخفيف: # ما تغطي به المرأة رأسها. والمراد بالفواطم: فاطمة بنت محمد (ص) وفاطمة ~~بنت أسد أم علي عليه السلام والثالثة قيل هي فاطمة بنت حمزة وذكرت لهن ~~رابعة وهي فاطمة امرأة عقيل بن أبي طالب. وقد استدل بالحديث على جواز تأخير ~~البيان عن وقت الخطاب لأنه (ص) أرسلها لعلي عليه السلام فبنى على ظاهر ~~الارسال وانتفع بها في أشهر ما صنعت له وهو اللبس فبين له النبي (ص) أنه لم ~~يبيح له لبسها. # (وعن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: أحل الذهب والحرير) أي ~~لبسهما (لإناث أمتي وحرم) أي لبسهما وفراش الحرير كما سلف (على ذكورها رواه ~~أحمد والنسائي والترمذي وصححه) إلا أنه أخرجه الترمذي من حديث سعيد بن أبي ~~هند عن أبي موسى وأعله أبو حاتم بأنه لم يلقه. وكذا قال ابن حبان في صحيحه: ~~سعيد بن أبي هند عن أبي موسى معلول لا يصح. وأما ابن خزيمة فصححه. وقد روي ~~من ثمان طرق غير ms0441 هذه الطريق عن ثمانية من الصحابة وكلها لا تخلوا عن مقال ~~ولكنه يشد بعضها بعضا. وفيه دليل على تحريم لبس الرجال الذهب والحرير وجواز ~~لبسهما للنساء ولكنه قد قيل إن حل الذهب للنساء منسوخ. # (وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما أن رسول الله (ص) قال: إن الله يحب ~~إذا أنعم على عبده نعمة أن يرى أثر نعمته عليه رواه البيهقي) وأخرج النسائي ~~من حديث أبي الأحوص، والترمذي والحاكم من حديث ابن عمر إن الله يحب أن يرى ~~أثر نعمته على عبده وأخرج النسائي عن أبي الأحوص عن أبيه وفيه: إذا آتاك ~~الله مالا فلير أثر نعمته عليك وكرامته. في هذه الأحاديث دلالة أن الله ~~تعالى يحب من العبد إظهار نعمته في مأكله وملبسه فإنه شكر للنعمة فعلي، ~~ولأنه إذا رآه المحتاج في هيئة حسنة قصده ليتصدق PageV02P086 # عليه، وبذاذة الهيئة سؤال وإظهار للفقر بلسان الحال ولذا قيل: ولسان حالي ~~بالشكاية أنطق، وقيل وكفاك شاهد منظري عن مخبري. # (وعن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس) بضم ~~اللام (القسي) بفتح القاف وتشديد المهملة بعدها ياء النسبة وقيل: إن ~~المحدثين يكسرون القاف وأهل مصر يفتحونها وهي نسبة إلى بلد يقال لها القس، ~~وقد فسر القسي في الحديث بأنها ثياب مضلعة يؤتى بها من مصر والشام هكذا في ~~مسلم وفي البخاري فيها حرير أمثال الأترج (والمعصفر. رواه مسلم) هو المصبوغ ~~بالعصفر. فالنهي في الأول للتحريم إن كان حريره أكثر وإلا فإنه للتنزيه ~~والكراهة وأما في الثاني فالأصل في النهي أيضا التحريم وإليه ذهب الهادوية. ~~وذهب جماهير الصحابة والتابعين إلى جواز لبس المعصفر وبه قال الفقهاء غير ~~أحمد، وقيل مكروه تنزيها، قالوا: لأنه لبس (ص) حلة حمراء، وفي الصحيحين عن ~~ابن عمر رأيت رسول الله (ص) يصبغ بالصفرة. وقد رد ابن القيم القول بأنها ~~حلة حمراء بحتا وقال: إن الحلة الحمراء بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع ~~الأسود وهي معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من الخطوط ms0442 وأما الأحمر البحت ~~فمنهي عنه أشد النهي ففي الصحيحين أنه (ص) نهى عن المياثر الحمر. # ولكن الحديث وهو قوله: # (وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: رأى علي النبي (ص) ثوبين ~~معصفرين فقال: أمك أمرتك بهذا؟ رواه مسلم) دليل على تحريم المعصفر معضد ~~للنهي الأول ويزيده قوة في الدلالة تمام هذا الحديث عند مسلم قلت: أغسلهما ~~يا رسول الله؟ قال: بل أحرقهما. وفي رواية إن هذه من ثياب الكفار فلا ~~تلبسها وأخرجه أبو داود والنسائي. # وفي قوله: أمك أمرتك إعلان بأنه لباس النساء وزينتهن وأخلاقهن. وفيه حجة ~~على العقوبة بإتلاف المال وهو - أي أمر ابن عمرو بتحريقها - يعارض حديث علي ~~عليه السلام ، وأمره بأن يشقها بين نسائه كما في رواية قدمناها فينظر في ~~وجه الجمع إلا أن في سنن أبي داود عن عبد الله بن عمرو: أنه (ص) رأى عليه ~~ريطة مضرجة بالعصفر فقال: ما هذه الريطة التي عليك؟ قال: فعرفت ما كره، ~~فأتيت أهلي وهم يسجرون تنورا لهم، فقذفتها فيه ثم أتيته من الغد فقال: يا ~~عبد الله ما فعلت الريطة؟ فأخبرته فقال: # ألا كسوتها بعض أهلك فإنه لا بأس به للنساء فهذا يدل على أنه أحرقها من ~~غير أمر من النبي (ص) فلو صحت هذه الرواية لزال التعارض بينه وبين حديث علي ~~عليه السلام لكنه يبقى التعارض بين روايتي ابن عمرو وقد يقال: إنه (ص) أمر ~~أولا بإحراقها ندبا ثم لما أحرقها قال له (ص): لو كسوتها بعض أهلك إعلاما ~~له بأن هذا كان كافيا عن إحراقها لو فعله وأن الامر للندب. وقال القاضي ~~عياض في شرح مسلم : أمره (ص) بإحراقها من باب التغليظ أو العقوبة. # (وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنها أخرجت جبة رسول الله (ص) ~~PageV02P087 # طيالسة مكفوفة) المكفوف من الحرير ما اتخذ جيبه من حرير وكان لذيله ~~وأكمامه كفاف منه (الجيب والكمين والفرجين بالديباج) هو ما غلظ من الحرير ~~كما سلف (رواه أبو داود وأصله في مسلم وزاد) أي من رواية ms0443 أسماء (كانت) أي ~~الجبة (عند عائشة حتى قبضت) مغير الصيغة أي ماتت (فقبضتها وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يلبسها فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها) الحديث في مسلم له ~~سبب وهو: أن أسماء أرسلت إلى ابن عمر أنه بلغها أنه يحرم العلم في الثواب ~~فأجاب بأنه سمع عمر يقول: سمعت رسول الله (ص) يقول: إنما يلبس الحرير من لا ~~خلاق له فخفت أن يكون العلم منه فأخرجت أسماء الجبة (وزاد البخاري في الأدب ~~المفرد) في رواية أسماء (وكان يلبسها للوفد والجمعة) . قال في شرح مسلم ~~للنووي على قوله مكفوفة: ومعنى المكفوفة أنه جعل له كفة بضم الكاف وهو ما ~~يكف به جوانبها ويعطف عليها ويكون ذلك في الذيل وفي الفرجين وفي الكمين ~~اه‍. وهو محمول على أنه أربع أصابع أو دونها أو فوقها إذا لم يكن مصمتا ~~جميعا بين الأدلة . وفي جواز مثل ذلك من الحرير وجواز لبس الجبة وماله ~~فرجان من غير كراهة. وفيه استشفاء بآثاره (ص) وبما لامس جسده الشريف. وفي ~~قولها: كان يلبسها للوفد والجمعة دليل على استحباب التجمل بالزينة للوافد ~~ونحوه كذا قيل، إلا أنه لا يخفى أنه قول صحابية لا دليل فيه. وأما خياطة ~~الثوب بالخيط الحرير ولبسه وجعل خيط السبحة من الحرير وليقة الدواة وكيس ~~المصحف وغشاية الكتب فلا ينبغي القول بعدم جوازه لعدم شموله النهي له. وفي ~~اللباس آداب: منها في العمامة تقصير العذبة فلا تطول طولا فاحشا وإرسالها ~~بين الكتفين ويجوز تركها بالأصالة، وفي القميص تقصير الكم لحديث أبي داود ~~عن أسماء كان كم النبي (ص) إلى الرسغ قال ابن عبد السلام: إفراط توسعة ~~الثياب والأكمام بدعة وسرف، وفي المئزر، ومثله اللباس والقميص أن لا يسبله ~~زيادة على نصف الساق ويحرم إن جاوز الكعبين. # كتاب الجنائز الجنائز: جمع جنازة بفتح الجيم وكسرها، وفي القاموس: ~~الجنازة الميت ويفتح أو بالكسر الميت وبالفتح السرير أو عكسه أو بالكسر ~~السرير مع الميت. # (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص) أكثروا ذكر ms0444 هاذم ~~اللذات: الموت) بالكسر بدل من هاذم (رواه الترمذي والنسائي وصححه ابن حبان) ~~والحاكم وابن السكن وابن طاهر وأعله الدارقطني بالارسال. وفي الباب عن عمر ~~وعن أنس وما تخلو عن مقال، قال المصنف في التلخيص نقلا عن السهيلي: إن ~~الرواية في هاذم بالذال المعجمة معناه القاطع وأما بالمهلة فمعناه المزيل ~~للشئ وليس مرادا هنا، قال المصنف: وفي هذا النفي نظر لا يخفى (قلت): يريد ~~المعنى على الدال المهملة صحيح فإن الموت يزيل اللذات كما يقطعها ولكن ~~العمدة الرواية. والحديث دليل على أنه لا ينبغي للانسان أن يغفل عن ذكر ~~PageV02P088 # أعظم المواعظ وهو الموت، وقد ذكر في آخر الحديث فائدة الذكر بقوله فإنكم ~~لا تذكرونه في كثير إلا قلله ولا قليل إلا كثره. وفي رواية للديلمي عن أبي ~~هريرة أكثروا ذكر الموت فما من عبد أكثر ذكره إلا أحيى الله قلبه وهون عليه ~~الموت وفي لفظ لابن حبان والبيهقي في شعب الايمان أكثروا ذكر هاذم اللذات ~~فإنه ما ذكره عبد قط في ضيق إلا وسعه ولا في سعة إلا ضيقها وفي حديث أنس عن ~~ابن لآل في مكارم الأخلاق أكثروا ذكر الموت فإن ذلك تمحيص للذنوب وتزهيد في ~~الدنيا وعند البزار أكثروا ذكر هاذم اللذات فإنه ما ذكره أحد في ضيق من ~~العيش إلا وسعه عليه ولا في سعة إلا ضيقها وعند ابن أبي الدنيا أكثروا من ~~ذكر الموت فإنه يمحق الذنوب ويزهد في الدنيا فإن ذكرتموه عند الغني هدمه ~~وإن ذكرتموه عند الفقر أرضاكم بعيشكم. # (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص) لا يتمنين أحدكم الموت لضر ~~نزل به فإن كان لا بد) أي لا فرار ولا محالة كما في القاموس (متمنيا فليقل) ~~بدلا من لفظ التمني الدعاء وتفويض ذلك إلى الله: (اللهم أحيني ما كانت ~~الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي، متفق عليه). الحديث دليل ~~على النهي عن تمني الموت للوقوع في بلاء أو محنة أو خشية ذلك من عدو أو مرض ~~أو ms0445 فاقة أو نحوها من مشاق الدنيا لما في ذلك من الجزع وعدم الصبر على ~~القضاء وعدم الرضا . وفي قوله لضر نزل به ما يرشد إلى أنه إذا كان لغير ذلك ~~من خوف فتنة في الدين فإنه لا بأس به، وقد دل له حديث الدعاء إذا أردت ~~بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون، أو كان تمنيا للشهادة كما وقع ذلك ~~لعبد الله ابن رواحة وغيره من السلف، وكما في قول مريم * (يا ليتني مت قبل ~~هذا) * فإنها إنما تمنت ذلك لمثل هذا الامر المخوف من كفر من كفر وشقاوة من ~~شقي بسببها. وفي قوله: فإن كان لا بد متمنيا يعني إذا ضاق صدره وفقد صبره ~~عدل إلى هذا الدعاء، وإلا فالأولى له أن لا يفعل ذلك. # (وعن بريدة رضي الله عنه) هو ابن الحصيب (أن النبي (ص) قال: المؤمن يموت ~~بعرق) بفتح العين المهملة والراء (الجبين. رواه الثلاثة وصححه ابن حبان) ~~وأخرجه أحمد وابن ماجة وجماعة، وأخرجه الطبراني من حديث ابن مسعود. وفيه ~~وجهان: أحدهما: أنه عبارة عما يكابده من شدة السياق النزع الذي يعرق دونه ~~جبينه أي يشدد عليه تمحيصا لبقية ذنوبه، والثاني: أنه كناية عن كد المؤمن ~~في طلب الحلال وتضييقه على نفسه بالصوم والصلاة حتى يلقى الله تعالى، فيكون ~~الجار والمجرور في محل النصب على الحال. والمعنى على الأول أن حال الموت ~~ونزوع الروح شديد عليه فهو صفة لكيفية الموت وشدته على المؤمن ، والمعنى ~~على الثاني أن يدركه الموت في حال كونه على هذه الحالة الشديدة التي يعرق ~~منها الجبين فهو صفة للحال التي يفاجئه الموت عليها. # (وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله (ص): لقنوا ~~موتاكم) أي الذين في سياق الموت فهو مجاز (لا إله إلا الله رواه مسلم ~~والأربعة) وهذا PageV02P089 # لفظ مسلم، ورواه ابن حبان عن أبي هريرة بلفظه وزيادة، فمن كان آخر قوله ~~لا إله إلا الله دخل الجنة يوما من الدهر وإن أصابه ما أصابه قبل ذلك وقد ~~غلط ms0446 من نسبه إلى الشيخين أو إلى البخاري ، وروى ابن أبي الدنيا عن حذيفة ~~بلفظ لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، فإنها تهدم ما قبلها من الخطايا. وفي ~~الباب أحاديث صحيحة. وقوله: لقنوا المراد تذكير الذي في سياق الموت هذا ~~اللفظ الجليل وذلك ليقولها، فتكون آخر كلامه فيدخل الجنة كما سبق، فالامر ~~في الحديث بالتلقين عام لكل مسلم يحضر وهو فسياق الموت، وهو أمر ندب، وكره ~~العلماء الاكثار عليه والموالاة، لئلا يضجر ويضيق حاله ويشتد كربه، فيكره ~~ذلك بقلبه ويتكلم بما لا يليق، قالوا: وإذا تكلم مرة فيعاد عليه التعريض ~~ليكون آخر كلامه، وكأن المراد بقول لا إله إلا الله أي وقول محمد رسول الله ~~فإنها لا تقبل إحداهما إلا بالأخرى كما علم. والمراد بموتاكم: موتى ~~المسلمين. وأما موتى غيرهم، فيعرض عليهم الاسلام، كما عرضه (ص) على عمه عند ~~السياق، وعلى الذمي الذي كان يخدمه، فعاده وعرض عليه الاسلام فأسلم، وكأنه ~~خص في الحديث موتى أهل الاسلام لأنهم الذين يقبلون ذلك ولان حضور أهل ~~الاسلام عندهم هو الأغلب بخلاف الكفار فالغالب أنه لا يحضر موتاهم إلا ~~الكفار. # (فائدة) يحسن أن يذكر المريض بسعة رحمة الله ولطفه وبره، فيحسن ظنه بربه. ~~لما أخرجه مسلم من حديث جابر سمعت رسول الله (ص) يقول قبل موته: لا يموتن ~~أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله. وفي الصحيحين مرفوعا من حديث أبي هريرة ~~قال: قال الله: أنا عند ظن عبدي بي. وروى ابن أبي الدنيا عن إبراهيم قال: ~~كانوا يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند موته، لكي يحسن ظنه بربه وقد ~~قال بعض أئمة العلم: إنه يحسن جمع أربعين حديثا في الرجاء تقرأ على المريض ~~فيشتد حسن ظنه بالله تعالى، فإنه تعالى عند ظن عبده به. وإذا امتزج خوف ~~العبد برجائه عند سياق الموت فهو محمود. أخرج الترمذي بإسناد جيد من حديث ~~أنس: أنه (ص) دخل على شاب وهو في الموت فقال : كيف تجدك؟ قال: والله يا ~~رسول الله إني أرجو الله وإني أخاف ذنوبي، ms0447 فقال رسول الله (ص): لا يجتمعان ~~في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجوه وآمنه مما يخاف. # (فائدة أخرى) ينبغي أن يوجه من هو في السياق إلى القبلة، لما أخرجه ~~الحاكم وصححه من حديث أبي قتادة: أن النبي (ص) حين قدم المدينة سأل عن ~~البراء بن معرور قالوا: توفي وأوصى بثلث ماله لك يا رسول الله وأوصى أن ~~يوجه للقبلة إذا احتضر، فقال رسول الله (ص): أصاب الفطرة، وقد رددت ثلثه ~~على ولده ثم ذهب فصلى عليه وقال: اللهم اغفر له وأدخله جنتك وقد فعلت وقال ~~الحاكم: لا أعلم في توجيه المحتضر للقبلة غيره. # (وعن معقل بن يسار رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اقرأوا ~~على موتاكم) قال ابن حبان: أراد به من حضرته المنية لا أن الميت يقرأ عليه ~~(يس رواه PageV02P090 # أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان) وأخرجه أحمد وابن ماجة من حديث سليمان ~~التيمي عن أبي عثمان، وليس بالنهدي عن أبيه عن معقل بن يسار، ولم يقل ~~النسائي وابن ماجة عن أبيه ، وأعله ابن القطان بالاضطراب والوقف، وبجهالة ~~حال أبن عثمان وأبيه، ونقل عن الدارقطني أنه قال: هذا حديث مضطرب الاسناد ~~مجهول المتن ولا يصح، وقال أحمد في مسنده: حدثنا أبو المغيرة: حدثنا صفوان ~~قال: كانت المشيخة يقولون: إذا قرئت يس عند الميت خفف عنه بها. وأسنده صاحب ~~الفردوس عن أبي الدرداء وأبي ذر قالا: قال رسول الله (ص): ما من ميت يموت ~~فيقرأ عنده يس إلا هون الله عليه اه‍. وهذان يؤيدان ما قاله ابن حبان من أن ~~المراد به المحتضر وهما أصرح في ذلك مما استدل به. وأخرج أبو الشيخ في ~~فضائل القرآن وأبو بكر المروزي في كتاب الجنائز عن أبي الشعثاء صاحب ابن ~~عباس أنه يستحب قراءة سورة الرعد وزاد فإن ذلك يخفف عن الميت وفيه أيضا عن ~~الشعبي قال: كانت الأنصار يستحبون أن يقرءوا عند الميت سورة البقرة. # (وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: دخل ms0448 رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~أبي سلمة وقد شق بصره) في شرح مسلم أنه بفتح الشين ورفع بصره فاعل شق هكذا ~~ضبطناه وهو المشهور، وضبطه بعضهم بصره بالنصب وهو صحيح أيضا فالشين مفتوحة ~~بلا خلاف . (فأغمضه ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر فضج ناس من أهله ~~فقال: # لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون) أي من ~~الدعاء (ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، وافسح له ~~قبره، ونور له فيه وأخلفه في عقبه رواه مسلم) يقال: شق الميت بصره إذا حضره ~~الموت وصار ينظر إلى الشئ لا يرتد عنه طرفه. وفي اغماضه (ص) طرفه دليل على ~~استحباب ذلك، وقد أجمع عليه المسلمون. وقد علل في الحديث ذلك بأن البصر ~~يتبع الروح أي ينظر أين يذهب. والحديث من أدلة من يقول إن الأرواح أجسام ~~لطيفة متحللة في البدن، وتذهب الحياة من الجسد بذهابها، وليس عرضا كما ~~يقوله آخرون. وفيه دليل على أنه يدعى للميت عند موته، ولأهله، وعقبه، بأمور ~~الآخرة والدنيا. وفيه دلالة على أن الميت ينعم في قبره أو يعذب. # (وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله (ص) حين توفي سجي ببرد حبرة) ~~بالحاء المهملة فموحدة فراء فتاء تأنيث بزنة عنبة (متفق عليه). التسجية ~~بالمهملة والجيم التغطية أي: غطي، والبرد يجوز إضافته إلى الحبرة ووصفه ~~بها، والحبرة ما كان لها أعلام، وهي من أحب اللباس إليه صلى الله عليه ~~وسلم. وهذه التغطية قبل الغسل. قال النووي في شرح مسلم: إنه مجمع عليها، ~~وحكمته صيانة الميت عن الانكشاف، وستر صورته المتغيرة عن الأعين، قالوا: ~~وتكون التسجية بعد نزع ثيابه التي توفي فيها لئلا يتغير بدنه بسببها، ~~(وعنها) أي عائشة رضي الله عنها (أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قبل النبي ~~(ص) بعد موته، رواه البخاري). استدل به على جواز تقبيل الميت بعد موته، ~~وعلى أنها تندب تسجيته، PageV02P091 # وهذه أفعال صحابة بعد وفاته لا دليل فيها لانحصار الأدلة ms0449 في الأربعة نعم ~~هذه الأفعال جائزة على أصل الإباحة وقد أخرج الترمذي من حديث عائشة أن ~~النبي (ص) قبل عثمان بن مظعون وهو ميت وهو يبكي أو قال: وعيناه تذرفان.. ~~قال الترمذي: # حديث عائشة حسن صحيح. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: نفس المؤمن معلقة بدينه ~~حتى يقضى عنه رواه أحمد والترمذي وحسنه) وقد ورد التشديد في الدين حتى ترك ~~(ص) الصلاة على من مات وعليه دين حتى تحمله عنه بعض الصحابة، وأخبر (ص) أنه ~~يغفر للشهيد عند أول دفعة من دمه كل ذنب إلا الدين. وهذا الحديث من الدلائل ~~على أنه لا يزال الميت مشغولا بدينه بعد موته - ففيه حث على التخلص عنه قبل ~~الموت، وأنه أهم الحقوق، وإذا كان هذا الدين المأخوذ برضا صاحبه فكيف بما ~~أخذ غصبا ونهبا وسلبا؟ # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي (ص) قال في الذي سقط عن راحلته ~~فمات) وذلك هو واقف بعرفة على راحلته كما في البخاري: (اغسلوه بماء وسدر ~~وكفنوه في ثوبين متفق عليه) تمامه ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه وبعده في ~~البخاري فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا. الحديث دليل على وجوب غسل الميت، قال ~~النووي: الاجماع على أن غسل الميت فرض كفاية، قال المصنف بعد نقله في ~~الفتح: وهو ذهول شديد فإن الخلاف فيه مشهور عند المالكية، حتى إن القرطبي ~~رجح في شرح مسلم أنه سنة. ولكن الجمهور على وجوبه، وقد رد ابن العربي على ~~من لم يقل بذلك وقال: # وقد توارد القول والعمل وغسل الطاهر المطهر فكيف بمن سواه؟. ويأتي كمية ~~الغسلات في حديث أم عطية قريبا. وقوله: بماء وسدر ظاهره: أنه يخلط السدر ~~بالماء في كل مرة من مرات الغسل، قيل: وهو يشعر بأن غسل الميت للتنظيف لا ~~للتطهير، لأن الماء المضاف لا يتطهر به، قيل: وقد يقال يحتمل أن السدر لا ~~يغير وصف الماء فلا يصير مضافا، وذلك بأن يمعك بالسدر ثم يغسل بالماء في كل ~~مرة، وقال القرطبي يجعل السدر ms0450 في ماء ثم يخضخض إلى أن تخرج رغوته ويدلك به ~~جسد الميت ثم يصب عليه الماء القراح هذه غسلة، وقيل: لا يطرح السدر في ~~الماء أي لئلا يمازج الماء فيغير وصف الماء المطلق. وتمسك بظاهر الحديث بعض ~~المالكية فقال: غسل الميت إنما هو للتنظيف فيجزي الماء المضاف كما الورد ~~ونحوه ، وقالوا: إنما يكره لأجل السرف. والمشهور عند الجمهور أنه غسل تعبدي ~~يشترط فيه ما يشترط في الاغتسالات الواجبة والمندوبة. وفي الحديث النهي عن ~~تحنيطه ولم يذكره المصنف كما عرفت، وتعليله بأنه يبعث ملبيا يدل على أن علة ~~النهي كونه مات محرما، فإذا انتفعت العلة انتفى النهي، وهو يدل على أن ~~الحنوط للميت كان أمرا متقررا عندهم. وفيه أيضا النهي عن تخمير وتغطية رأسه ~~لأجل الاحرام، فمن ليس بمحرم يحنط ويخمر رأسه. والقول بأنه ينقطع حكم ~~الاحرام بالموت كما تقول الحنفية وبعض المالكية خلاف الظاهر، وقد ذكر ~~PageV02P092 # في الشرح خلافهم وأدلتهم وليست بناهضة في مخالفة ظاهر الحديث فلا حاجة ~~إلى سردها، وقوله وكفنوه في ثوبين يدل على وجوب التكفين، وأنه لا يشترط فيه ~~أن يكون وترا، وقيل : يحتمل أن الاقتصار عليهما لأنه مات فيهم وهو متلبس ~~بتلك العبادة الفاضلة، ويحتمل أنه لم يجد له غيرهما، وأنه من رأس المال، ~~لأنه (ص) أمر به ولم يستفصل هل عليه دين مستغرق أم لا؟ وورد الثوبان في هذه ~~الرواية مطلقين وفي رواية في البخاري في ثوبيه وللنسائي في ثوبيه اللذين ~~أحرم فيهما قال المصنف: فيه استحباب تكفين الميت في ثياب إحرامه، وأن ~~إحرامه باق وأنه لا يكفن في المخيط. وفي قوله يبعث ملبيا ما يدل لمن شرع في ~~عمل طاعة في حيل بينه وبين تمامها بالموت أنه يرجى له أن يكتبه الله في ~~الآخرة من أهل ذلك العمل. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما أرادوا غسل رسول الله (ص) قالوا: ~~والله ما ندري نجرد رسول الله (ص) من ثيابه كما نجرد موتانا أم لا؟ الحديث. # رواه أحمد وأبو داود) وتمامه عن أبي داود ms0451 فلما اختلفوا ألقى الله عليهم ~~النوم حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره ثم كلمهم ملكهم من ناحية البيت، ~~لا يدرون من هو: اغسلوا رسول صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه فغسلوه وعليه ~~قميصه، يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص دون أيديهم. وكانت عائشة ~~تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله (ص) إلا نساؤه وفي ~~رواية لابن حبان وكان الذي أجلسه في حجره علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~وروى الحاكم قال غسل النبي (ص) علي رضي الله عنه وعلى يد علي خرقة فغسله ~~فأدخل يده تحت القميص فغسله والقميص عليه وروى ذلك الشافعي عن مالك عن جعفر ~~بن محمد عن أبيه. وفي هذه القصة دلالة على أنه (ص) كغيره من الموتى. # (وعن أم عطية رضي الله عنها) تقدم اسمها وفيه خلاف وهي أنصارية (قالت: ~~دخل علينا النبي (ص) ونحن نغسل ابنته) لم تقع في شئ من روايات البخاري ~~مسماة، والمشهور أنها زينب زوج أبي العاص كانت وفاتها في أول سنة ثمان، ~~ووقع في روايات أنها أم كلثوم. ووقع في البخاري عن ابن سيرين: لا أدري أي ~~بناته (فقال: اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء ~~وسدر، واجعلن في الأخيرة كافورا أو شيئا من كافور) هو شك من الروايات أي ~~اللفظين قال. والأول محمول على الثاني لأنه نكرة في سياق الاثبات، فيصدق ~~بكل شئ منه (فلما فرغنا آذناه) في البخاري أنه (ص) قال لهن: فإذا فرغتن ~~آذنني ووقع في رواية البخاري فلما فرغن عوضا عن فرغنا (فألقى إلينا حقوه) ~~في لفظ البخاري فأعطانا حقوه وهو بفتح المهملة ويجوز كسرها وبعدها قاف ~~ساكنة والمراد هنا الإزار. وأطلق على الإزار مجازا إذ معناه الحقيقي معقد ~~الإزار فهو من تسمية الحال باسم المحل (فقال: أشعرنها إياه متفق عليه) أي ~~اجعلنه شعارها أي الثوب الذي يلي جسدها (وفي رواية) أي للشيخين عن أم عطية ~~(ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها) (وفي لفظ للبخاري) أي ms0452 عن أم عطية ~~PageV02P093 # (فضفرنا شعرها ثلاثة قرون فألقيناها خلفها). دل الامر في قوله اغسلنها ~~ثلاثا على أنه يجب ذلك العدد. والظاهر الاجماع على إجزاء الواحدة فالامر ~~بذلك محمول على الندب وأما أصل الغسل فقد علم وجوبه من محل آخر، وقيل: تجب ~~الثلاثة. وقوله: أو خمسا أو للتخيير لا للترتيب هو الظاهر. وقوله: أو أكثر ~~قد فسر في رواية أو سبعا بدل قوله أو أكثر من ذلك، وبه قال أحمد وكره ~~الزيادة على سبع، قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا قال بمجاوزة السبع، إلا ~~أنه وقع عند أبي داود أو سبعا أو أكثر من ذلك، ظاهرها شرعية الزيادة على ~~السبع. وتقدم الكلام في كيفية غسلة السدر. قالوا: والحكمة فيه أنه يلين جسد ~~الميت. وأما غسله الكافور فظاهره أنه يجعل الكافور في الماء ولا يضر الماء ~~تغييره به، والحكمة فيه أنه يطيب رائحة الموضع لأجل من حضر من الملائكة ~~وغيرهم، مع أنه فيه تجفيفا وتبريدا وقوة نفوذ، وخاصية في تصليب جسد الميت ~~وصرف الهوام عنه، ومنع ما يتحلل من الفضلات، ومنع إسراع الفساد إليه، وهو ~~أقوى الروائح الطيبة في ذلك. وهذا هو السر في جعله في الآخرة إذ لو كان في ~~الأولى مثلا لأذهبه الماء. وفيه دلالة على البداءة في الغسل بالميامن، ~~والمراد بها ما يلي الجانب الأيمن. وقوله: ومواضع الوضوء منها ليس بين ~~الامرين تناف لامكان البداءة بمواضع الوضوء وبالميامن معا، وقيل المراد: ~~ابدأن بميامنها في الغسلات التي لا وضوء فيها ومواضع الوضوء منها في الغسلة ~~المتصلة بالوضوء. والحكمة في الامر بالوضوء تجديد سمة المؤمن في ظهور أثر ~~الغرة والتحجيل، وظاهر موضع الوضوء دخول المضمضة والاستنشاق . وقولها ضفرنا ~~شعرها استدل به على ضفر شعر الميت، وقال الحنفية: يرش شعر المرأة خلفها ~~وعلى وجهها مفرقا. قال القرطبي: كأن سبب الخلاف أن الذي فعلته أم عطية لم ~~يكن عن أمره صلى الله عليه وسلم. ولكنه قال المصنف: إنه قد روى سعيد بن ~~منصور ذلك بلفظ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه ms0453 وسلم: اغسلنها وترا ~~واجعلن شعرها ضفائر وفي صحيح ابن حبان اغسلنها ثلاثة أو خمسا أو سبعا ~~واجعلن لها ثلاثة قرون. والقرن هنا المراد به الضفائر، وفي بعض ألفاظ ~~البخاري ناصيتها وقرنيها ففي لفظ ثلاثة قرون تغليب ، والكل حجة على ~~الحنفية، والضفر يكون بعد نقض شعر الرأس وغسله وهو في البخاري صريحا. وفيه ~~دلالة على إلقاء الشعر خلفها، وذهل ابن دقيق العيد عن كون هذه الألفاظ في ~~البخاري فنسب القول به إلى بعض الشافعية وأنه استند في ذلك إلى حديث غريب. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كفن رسول الله (ص) في ثلاثة أثواب بيض ~~سحولية) بضم السين المهملة والحاء المهملة (من كرسف) بضم الكاف وسكون الراء ~~وضم السين المهملة ففاء أي قطن (ليس فيها) أي الثلاثة (قميص ولا عمامة) بل ~~إزار ورداء ولفافة كما صرح به في طبقات ابن سعد عن الشعبي (متفق عليه). فيه ~~أن الأفضل التكفين في ثلاثة أثواب بيض، لان الله تعالى لم يكن يختار لنبيه ~~(ص) إلا الأفضل ، وقد روى أهل السنن من حديث ابن عباس البسوا ثياب البياض ~~فإنها أطيب وأطهر وكفنوا فيها موتاكم وصححه الترمذي والحاكم، وله شاهد من ~~حديث سمرة أخرجوه وإسناده صحيح أيضا أنه (ص) سجي ببرد حبرة وهي برد يماني ~~PageV02P094 # مخطط غالي الثمن، فإنه لا يعارض ما هنا لأنه (ص) لم يكفن في ذلك البرد بل ~~سجوه به ليتجفف فيه ثم نزعوه عنه كما أخرجه مسلم، على أن الظاهر أن التسجية ~~كانت قبل الغسل. قال الترمذي: تكفينه في ثلاثة أثواب بيض أصح ما رود في ~~كفنه. وأما ما أخرجه أحمد وابن أبي شيبة والبزار من حديث علي رضي الله عنه ~~أنه (ص) كفن في سبعة أثواب فهو من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل وهو سئ ~~الحفظ يصلح حديثه في المتابعات إذا انفرد فلا يحسن، فكيف إذا خالف كما هنا. ~~فلا يقبل، قال المصنف: # وقد روى الحاكم من حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر ما يعضد رواية ابن عقيل. ms0454 ~~فإن ثبت جمع بينه وبين حديث عائشة بأنها روت ما اطلعت عليه وهو الثلاثة، ~~وغيرها روى ما اطلع عليه سيما إن صحت الرواية عن علي فإنه كان المباشر ~~للغسل. # واعلم أنه يجب من الكفن ما يستر جميع جسد الميت، فإن قصر عن ستر الجميع ~~قدم ستر العور، فما زاد عليها ستر به من جانب الرأس وجعل على الرجلين حشيش، ~~كما فعل النبي (ص) في عمه حمزة ومصعب بن عمير. فإذا أريد الزيادة على ~~الواحد، فالمندوب أن يكون وترا، ويجوز الاقتصار على الاثنين كما مر في حديث ~~المحرم الذي مات، وقد عرفت من رواية الشعبي كيفية الثلاثة، وأنها إزار ~~ورداء ولفافة، وقيل مئزر ودرجان، وقيل يكون منها قميص غير مخيط وإزار يبلغ ~~من سرته إلى ركبته، ولفافة يلف بها من قرنه إلى قدمه، وتأول هذا القائل قول ~~عائشة: ليس فيها قميص ولا عمامة بأنها أرادت نفي وجود الامرين معا لا ~~القميص وحده، أو أن الثلاث خارجة عن القميص والعمامة، والمراد أن الثلاثة ~~مما عداها وإن كانا موجودين، وهذا بعيد جدا، قيل والأولى أن يقال أن ~~التكفين بالقميص وعدمه سواء يستحبان فإنه (ص) كفن عبد الله بن أبي في قميصه ~~أخرجه . البخاري. ولا يفعل (ص) إلا ما هو الأحسن. وفيه أن قميص الميت مثل ~~قميص الحي مكفوفا مزرورا، وقد استحب هذا محمد بن سيرين كما ذكره البيهقي في ~~الخلافيات ، قال في الشرح: وفي هذا رد على من قال إنه لا يشرع القميص إلا ~~إذا كانت أطرافه غير مكفوفة. قلت: وهذا يتوقف على أن كف أطراف القميص كان ~~عرف أهل ذلك العصر. # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه) هو ~~عبد الله بن عبد الله (إلى رسول الله (ص) فقال: أعطني قميصك أكفنه فيه، ~~فأعطاه (ص) قميصه. متفق عليه). هو دليل على شرعية التكفين في القميص كما ~~سلف قريبا. وظاهر هذه الرواية أنه طلب القميص منه (ص) قبل التكفين إلا أنه ~~قد عارضها ما عند ms0455 البخاري من حديث جابر: أنه (ص) أتى عبد الله بن أبي بعد ~~ما دفن فأخرجه فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه فإنه صريح أنه كان الاعطاء ~~والالباس بعد الدفن، وحديث ابن عمر يخالفه، وجمع بينهما بأن المراد من قوله ~~في حديث ابن عمر فأعطاه أي أنعم له بذلك فأطلق على العدة اسم العطية مجازا ~~لتحقق وقوعها، وكذا قوله في حديث جابر بعد ما دفن أي دلي في حفرته أو أن ~~المراد من حديث جابر أن الواقع بعد اخراجه من حفرته هو النفث، وأما القميص ~~فقد كان ألبس، والجمع بينهما لا يدل على وقوعهما معا لان الواو لا تقتضي ~~PageV02P095 # الترتيب ولا المعية فلعله أراد أن يذكر ما وقع في الجملة من إكرامه (ص) ~~من غير إرادة الترتيب. وقيل إنه (ص) أعطاه أحد قميصيه أولا ولما دفن أعطاه ~~الثاني بسؤال ولده عبد الله. وفي الإكليل للحاكم ما يؤيد ذلك. # واعلم أنه إنما أعطى عبد الله بن عبد الله بن أبي لأنه كان رجلا صالحا ~~ولأنه سأله ذلك وكان لا يرد سائلا، وإلا فإن أباه الذي ألبسه قميصه (ص) ~~وكفن فيه من أعظم المنافقين ومات على نفاقه، وأنزل الله فيه: * (ولا تصل ~~على أحد منهم مات أبدا) *. وقيل إنما كساه (ص) قميصه لأنه كان كسا العباس ~~لما أسر ببدر فأراد (ص) أن يكافئه. # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي (ص) قال: البسوا من ثيابكم البياض ~~فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم رواه الخمسة إلا النسائي وصححه ~~الترمذي) تقدم حديث البخاري عن عائشة: أنه (ص) كفن في ثلاثة أثواب بيض. ~~وظاهر الامر أنه وجب التكفين في الثياب البيض ويجب لبسها إلا أنه صرف الامر ~~عنه في اللبس أنه قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه لبس غير الأبيض، وأما ~~التكفين فالظاهر أنه لا صارف عنه إلا أنه لا يوجد الأبيض كما وقع في تكفين ~~شهداء أحد فإنه صلى الله عليه وسلم كفن جماعة في نمرة واحدة كما يأتي فإنه ~~لا ms0456 بأس به للضرورة. وأما ما رواه ابن عدي من حديث ابن عباس: أنه (ص) كفن في ~~قطيفة حمراء ففيه قيس بن الربيع وهو ضعيف وكأنه اشتبه عليه بحديث: أنه جعل ~~في قبره قطيفة حمراء ، وكذلك ما قيل إنه كفن في بردة حبرة وتقدم الكلام أنه ~~إنما سجي بماء ثم نزعت عنه. # (وعن جابر رضي الله عنه قال قال النبي (ص): إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن ~~كفنه رواه مسلم) ورواه الترمذي أيضا في حديث أبي قتادة وقال: حسن غريب. ثم ~~قال: وقال: ابن المبارك قال سلام بن أبي مطيع في قوله فليحسن كفنه قال: هو ~~الصفاء بالضاد المعجمة والفاء أي الواسع الفائض. وفي الامر بإحسان الكفن ~~دلالة على اختيار ما كان أحسن في الذات، وفي صفة الثوب، وفي كيفية وضع ~~الثياب على الميت . فأما حسن الذات فينبغي أن يكون على وجه لا يعد من ~~المغالاة كما سيأتي النهي عنه. وأما صفة الثوب فقد بينها حديث ابن عباس ~~الذي قبل هذا. وأما كيفية وضع الثياب على الميت فقد بينت فيما سلف. وقد ~~وردت أحاديث في إحسان الكفن وذكرت فيها علة ذلك: أخرج الديلمي عن جابر ~~مرفوعا أحسنوا كفن موتاكم فإنهم يتباهون ويتزاورون بها في قبورهم وأخرج ~~أيضا من حديث أم سلمة: أحسنوا الكفن ولا تؤذوا موتاكم بعويل ولا بتزكية ولا ~~بتأخير وصية ولا بقطيعة وعجلوا بقضاء دينه واعدلوا عن جيران السوء وأعمقوا ~~إذا حفرتم ووسعوا. ومن الاحسان إلى الميت ما أخرجه أحمد من حديث عائشة عنه ~~(ص) : من غسل ميتا فأدى فيه الأمانة ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك خرج ~~من ذنوبه كيوم PageV02P096 # ولدته أمه. وقال (ص): ليله أقربكم إن كان يعلم فإن لم يكن يعلم فمن ترون ~~عنده حظا من ورع وأمانة رواه أحمد. وأخرج الشيخان من حديث ابن عمر قال: قال ~~رسول الله (ص): من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة. وأخرج عبد الله بن ~~أحمد من حديث أبي بن كعب: إن آدم عليه السلام قبضته الملائكة وغسلوه ms0457 وكفنوه ~~وحنطوه وحفروا له وألحدوه وصلوا عليه ودخلوا قبره ووضعوا عليه اللبن ثم ~~خرجوا من القبر ثم حثوا عليه التراب ثم قالوا: يا بني آدم هذا سنتكم. # (وعنه) أي عن جابر (قال: كان النبي (ص) يجمع بين الرجلين من قتلى أحد ثم ~~يقول: أيهم أكثر أخذا للقرآن فيقدمه في اللحد) سمي لحدا لأنه شق يعمل في ~~جانب القبر فيميل عن وسطه والالحاد لغة الميل (ولم يغسلوا ولم يصل عليهم. ~~رواه البخاري). دل على أحكام (الأول) أنه يجوز جمع الميتين في ثوب واحد ~~للضرورة وهو أحد الاحتمالين (والثاني) أن المراد يقطعه بينهما ويكفن كل ~~واحد على حياله وإلى هذا ذهب الأكثرون، بل قيل إن الظاهر أنه لم يقل ~~بالاحتمال الأول أحد فإن فيه التقاء بشرتي الميتين ولا يخفى أن قول جابر في ~~تمام الحديث فكفن أبي وعمي في نمرة واحدة . دليل على الاحتمال الأول، وأما ~~الشارح رحمه الله فقال: الظاهر الاحتمال الثاني كما فعل في حمزة رضي الله ~~عنه (قلت): حديث جابر أوضح في عدم تقطيع الثوب بينهما فيكون أحد الجائزين، ~~والتقطيع جائز على الأصل. (الحكم الثاني) أنه دل على أنه يقدم الأكثر أخذا ~~للقرآن على غيره لفضيلة القرآن ويقاس عليه سائر جهات الفضل إذا جمعوا في ~~اللحد. (الحكم الثالث) جمع جماعة في قبر وكأنه للضرورة وبوب البخاري باب ~~دفن الرجلين والثلاثة في قبر وأورد فيه حديث جابر هذا وإن كان رواية جابر ~~في الرجلين، فقد وقع ذكر الثلاثة في رواية عبد الرزاق: كان يدفن الرجلين ~~والثلاثة في القبر الواحد. وروى أصحاب السنن عن هشام بن عامر الأنصاري قال: ~~جاءت الأنصار إلى رسول الله (ص) وسلم يوم أحد فقالوا : أصابنا قرح وجهد، ~~فقال: احفروا وأوسعوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر. صححه الترمذي . ~~ومثله المرأتان والثلاث: وأما دفن الرجل والمرأة في القبر الواحد فقد روى ~~عبد الرزاق بإسناد حسن عن واثلة بن الأسقع أنه كان يدفن الرجل والمرأة في ~~القبر الواحد فيقدم الرجل ويجعل المرأة وراءه وكأنه كان يجعل بينهما حائلا ~~من ms0458 تراب. (الحكم الرابع) أنه لا يغسل الشهيد وإليه ذهب الجمهور ولأهل ~~المذاهب تفاصيل في ذلك. وروي عن سعيد بن المسيب والحسن وابن سريج أنه يجب ~~غسله. والحديث حجة عليهم، وقد أخرج أحمد من حديث جابر أنه (ص) قال في قتلى ~~أحد: لا تغسلوهم فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكا يوم القيامة فبين الحكمة في ~~ذلك. (الحكم الخامس) عدم الصلاة على الشهيد وفي ذلك خلاف بين العلماء معروف ~~فقالت طائفة: يصلى عليه عملا بعموم أدلة الصلاة على الميت وبأنه روي أنه ~~(ص) صلى على قتلى أحد، وكبر على حمزة سبعين تكبيره، وبأنه روى البخاري عن ~~عقبة بن عامر أنه (ص) صلى على قتلى أحد وقالت طائفة: لا يصلى عليه ~~PageV02P097 # عملا برواية جابر هذه. قال الشافعي: جاءت الاخبار كأنها عيان من وجوه ~~متواترة أن النبي (ص) لم يصل على قتلى أحد وما روي أنه (ص) صلى عليهم وكبر ~~على حمزة سبعين تكبيرة لا يصح وقد كان ينبغي لمن عارض بذلك هذه الأحاديث ~~الصحيحة أن يستحيي على نفسه. قال: وأما حديث عقبة بن عامر فقد وقع في نفس ~~الحديث أن ذلك كان بعد ثمان سنين يعني، والمخالف يقول: لا يصلى على القبر ~~إذا طالت المدة فلا يتم له الاستدلال وكأنه (ص) دعا لهم واستغفر لهم حين ~~علم قرب أجله مودعا بذلك ، ولا يدل على نسخ الحكم الثابت انتهى. ويؤكد كونه ~~دعا لهم عدم الجمعية بأصحابه، إذ لو كانت صلاة الجنازة لأشعر أصحابه وصلاها ~~جماعة كما فعل في صلاته علي النجاشي، فإن الجماعة أفضل قطعا وأهل أحد أولى ~~الناس بالأفضل، ولأنه لم يرد عنه أنه صلى على قبر فرادى ، وحديث عقبة أخرجه ~~البخاري بلفظ أنه (ص) على قتلى أحد بعد ثمان سنين وزاد ابن حبان ولم يخرج ~~من بيته حتى قبضه الله تعالى. # (وعن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: ولا تغالوا في ~~الكفن فإنه يسلب سلبا سريعا رواه أبو داود) من رواية الشعبي عن علي عليه ~~السلام ms0459 وفي إسناده عمرو بن هشام الجنبي بفتح الجيم فنون ساكنة فموحدة مختلف ~~فيه، وفيه انقطاع بين الشعبي وعلي لان الدارقطني قال: إنه لم يسمع منه سوى ~~حديث واحد اه‍. وفيه دلالة على المنع من المغالاة في الكفن وهي زيادة ~~الثمن. وقوله: فإنه يسلب سلبا سريعا كأنه إشارة إلى أنه سريع البلى ~~والذهاب، كما في حديث عائشة: إن أبا بكر نظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه به ~~ردع من زعفران فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين فكفنوني فيها (قلت) ~~إن هذا خلق قال: إن الحي أحق بالجديد من الميت إنما هو للمهلة. ذكره ~~البخاري مختصرا. # (وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي (ص) قال لها: لومت قبلي لغسلتك ~~الحديث، رواه أحمد وابن ماجة وصححه ابن حبان) فيه دلالة على أن للرجل أن ~~يغسل زوجته وهو قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: لا يغسلها بخلاف العكس ~~لارتفاع النكاح ولا عدة عليه والحديث يرد قوله. هذا في الزوجين. وأما في ~~الأجانب فإنه أخرج أبو داود في المراسيل من حديث أبي بكر ابن عياش عن محمد ~~بن أبي سهل عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا ماتت ~~المرأة مع الرجال ليس فيهم امرأة غيرها والرجل مع النساء ليس معهن رجل غيره ~~فإنهما ييممان ويدفنان وهما بمنزلة من لا يجد الماء انتهى. محمد بن أبي سهل ~~هذا ذكره ابن حبان في الثقات. وقال البخاري: لا يتابع على حديثه. وعن علي ~~عليه السلام قال: قال رسول الله (ص): لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ~~ميت رواه أبو داود وابن ماجة وفي إسناده اختلاف. # (وعن أسماء بنت عميس رضي الله عنها: أن فاطمة رضي الله عنها أوصت أن ~~يغسلها PageV02P098 # علي رواه الدارقطني) هذا يدل على ما دل عليه الحديث الأول وأما غسل ~~المرأة زوجها فيستدل له بما أخرجه أبو داود عن عائشة أنها قالت: لو استقبلت ~~من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله (ص) غير نسائه وصححه الحاكم، ms0460 وإن كان ~~قول صحابية، وكذلك حديث فاطمة، فهو يدل على أنه كان أمرا معروفا في حياته ~~(ص) ويؤيده ما رواه البيهقي من أن أبا بكر أوصى امرأته أسماء بنت عميس أن ~~تغسله واستعانت بعبد الرحمن بن عوف لضعفها عن ذلك ولم ينكره أحد. وهو قول ~~الجمهور والخلاف فيه لأحمد بن حنبل. قال: لارتفاع النكاح كذا في الشرح. ~~والذي في دليل الطلب من كتب الحنابلة ما لفظه: وللرجل أن يغسل زوجته وأمته ~~وبنتا دون سبع وللمرأة غسل زوجها وسيدها وابن دون سبع. # (وعن بريدة رضي الله عنه في قصة الغامدية) بالغين المعجمة وبعد الميم دال ~~مهملة نسبة إلى غامد وتأتي قصتها في الحدود (التي أمر النبي (ص) برجمها في ~~الزنا قال : ثم أمر بها فصلي عليها ودفنت. رواه مسلم). فيه دليل على أنه ~~يصلي على من قتل بحد وليس فيه أنه (ص) الذي صلى عليه، وقد قال مالك: إنه لا ~~يصلي الامام على مقتول في حد لان الفضلاء لا يصلون على الفساق زجرا لهم. ~~قلت: كذا في الشرح لكن قد قال (ص) في الغامدية: إنها تابت توبة لو قسمت بين ~~أهل المدينة لوسعتهم أو نحو هذا اللفظ. وللعلماء خلاف في الصلاة على ~~الفساق، وعلى من قتل في حد، وعلى المحارب ، وعلى ولد الزنا، وقال ابن ~~العربي: مذهب العلماء كافة الصلاة على كل مسلم ومحدود ومرجوم وقاتل نفسه ~~وولد الزنا اه‍. وقد ورد في قاتل نفسه الحديث: # (وعن جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال: أتي النبي (ص) برجل قتل نفسه ~~بمشاقص فلم يصل عليه رواه مسلم) المشاقص جمع مشقص وهو نصل عريض. قال ~~الخطابي: ترك الصلاة عليه معناه العقوبة له وردع لغيره عن مثل فعله. وقد ~~اختلف الناس في هذا، وكان عمر بن عبد العزيز لا يرى الصلاة على من قتل ~~نفسه، وكذلك قال الأوزاعي . وقال أكثر الفقهاء: يصلي عليه اه‍، وقالوا في ~~هذا الحديث: إنه صلى عليه الصحابة. # قالوا: وهذا كما ترك النبي (ص) الصلاة على من مات وعليه دين ms0461 أول الأمر ، ~~وأمرهم بالصلاة على صاحبهم، قلت: إن ثبت نقل أنه أمر (ص) أصحابه بالصلاة ~~على قاتل نفسه. تم هذا القول وإلا فرأى عمر بن عبد العزيز أوفق، بالحديث ~~إلا أن في رواية للنسائي: أما أنا فلا أصلي عليه، فربما أخذ منها أن غيره ~~صلى عليه. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه في قصة المرأة التي كانت تقم المسجد) بفتح ~~حرف المضارعة أي تخرج القمامة منه وهي الكناسة (فسأل عنها النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: مات فقال: أفلا كنتم آذنتموني فكأنهم صغرا أمرها فقال: ~~دلوني على قبرها) أي بعد قولهم في جواب سؤاله إنها ماتت (فدلوه فصلى عليها. ~~متفق عليه وزاد مسلم) أي من رواية أبي هريرة (ثم قال) أي النبي (ص) (إن هذه ~~القبور PageV02P099 # مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله عز وجل ينورها لهم بصلاتي عليهم) وهذه ~~الزيادة لم يخرجها البخاري لأنها مدرجة في هذا الاسناد، وهي من مراسيل ثابت ~~كما قال أحمد. هذا والمصنف جزم أن القصة كانت مع امرأة وفي البخاري: أن ~~رجلا أسود أو امرأة سوداء بالشك من ثابت الراوي لكنه صرح في رواية أخرى في ~~البخاري عن ثابت قال: ولا أراه إلا امرأة وبه جزم ابن خزيمة من طريق أخرى ~~عن أبي هريرة فقال: امرأة سوداء ورواه البيهقي أيضا بإسناد حسن وسماها أم ~~محجن وأفاد أن الذي أجابه صلى الله عليه وسلم عن سؤاله هو أبو بكر ، وفي ~~البخاري عوض فسأل عنها فقال: ما فعل ذلك الانسان؟ قالوا: مات يا رسول الله ~~الحديث. والحديث دليل على صحة الصلاة على الميت بعد دفنه مطلقا سواء أصلي ~~عليه قبل الدفن أم لا وإلى هذا ذهب الشافعي. ويدل له أيضا صلاته صلى الله ~~عليه وسلم على البراء بن معرور فإنه مات والنبي (ص) بمكة فلما قدم صلى على ~~قبره، وكان ذلك بعد شهر من وفاته. ويدل له أيضا صلاته صلى الله عليه وسلم ~~على الغلام الأنصاري الذي دفن ليلا ولم يشعر (ص) بموته، أخرجه البخاري. ~~ويدل له ms0462 أيضا أحاديث وردت في الباب عن تسعة من الصحابة أشار إليها في ~~الشرح. وذهب أبو طالب تحصيلا لمذهب الهادي إلا أنه لا صلاة على القبر ~~واستدل له في البحر بحديث لا يقوى على معارضة أحاديث المثبتين لما عرفت من ~~صحتها وكثرتها. واختلف القائلون بالصلاة على القبر في المدة التي تشرع فيها ~~الصلاة، فقيل إلى شهر بعد دفنه، وقيل إلى أن يبلى الميت لأنه إذا بلي لم ~~يبق ما يصلي عليه، وقيل أبدا لان المراد من الصلاة عليه الدعاء وهو جائز في ~~كل وقت. قلت: # هذا هو الحق إذ لا دليل على التحديد بمدة. وأما القول بأن الصلاة على ~~القبر من خصائصه صلى الله عليه وسلم فلا تنهض لان دعوى الخصوصية خلاف ~~الأصل. # (وعن حذيفة رضي الله عنه أن النبي (ص) كان ينهى عن النعي) في القاموس: ~~نعاه له نعيا ونعيا ونعيانا أخبره بموته (رواه أحمد والترمذي وحسنه) وكأن ~~صيغة النهي هي ما أخرجه الترمذي من حديث عبد الله عنه (ص) إياكم والنعي فإن ~~النعي من عمل الجاهلية فإن صيغة التحذير في معنى النهي. وأخرج حديث حذيفة ~~وفيه قصة، فإنه ساق سنده إلى حذيفة أنه قال لمن حضره: إذا مت فلا يؤذن أحد ~~إني أخاف أن يكون نعيا فإني سمعت رسول لله (ص) ينهى عن النعي هذا لفظه ولم ~~يحسنه. ثم فسر الترمذي النعي بأنه عندهم أن ينادي في الناس إن فلانا مات ~~ليشهدوا جنازته. وقال بعض أهل العمل: لا بأس أن يعلم الرجل أهل قرابته ~~وإخوانه. وروي عن إبراهيم أنه قال: # لا بأس بأن يعلم الرجل قرابته انتهى. وقيل المحرم ما كانت تفعله الجاهلية ~~كانوا يرسلون من يعلم بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق. وفي ~~النهاية: والمشهور في العربية أنهم كانوا إذا مات منهم شريف أو قتل بعثوا ~~راكبا إلى القبائل ينعاه إليهم يقول: نعاء فلانا أو يا نعاء العرب: أي هلك ~~فلان أو هلكت العرب بموت فلان انتهى. ويقرب عندي أن هذا هو PageV02P100 # المنهي عنه. قلت: ومنه النعي ms0463 من أعلى المنارات كما يعرف في هذه الاعصار ~~في موت العظماء. قال ابن العربي: يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات ~~(الأولى) إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح فهذا سنة. (الثانية) دعوى الجمع ~~الكثير للمفاخرة فهذه تكره. (الثالثة) إعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك ~~فهذا يحرم انتهى. وكأنه أخذ سنية الأولى من أنه لا بد من جماعة يخاطبون ~~بالغسل والصلاة والدفن ويدل له قوله (ص): ألا آذنتموني ونحوه، ومنه: # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي (ص) نعى النجاشي) بفتح النون ~~وتخفيف الجيم وبعد الألف شين معجمة ثم مثناة تحتية مشددة وقيل مخففة، لقب ~~لكل من ملك الحبشة واسمه أصحمة (في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى ~~المصلى) يحتمل أنه مصلى العيد أو محل اتخذ لصلاة الجنائز (فصف بهم وكبر ~~عليه أربعا، متفق عليه). فيه دلالة على أن النعي اسم للاعلام بالموت وأنه ~~لمجرد الاعلام جائز. وفيه دلالة على شرعية صلاة الجنازة على الغائب، وفيه ~~أقوال: الأول: تشرع مطلقا وبه قال الشافعي وأحمد وغيرهما وقال ابن حزم لم ~~يأت عن أحد من السلف خلافه. والثاني: منعه مطلقا وهو للهادوية والحنفية ~~ومالك. والثالث: يجوز في اليوم الذي مات فيه الميت أو ما قرب منه إلا إذا ~~طالت المدة. # الرابع: يجوز ذلك إذا كان الميت في جهة القبلة، ووجه التفصيل في القولين ~~معا الجمود على قصة النجاشي. وقال المانع له مطلقا: إن صلاته (ص) على ~~النجاشي خاصة به ، وقد عرف أن الأصل عدم الخصوصية واعتذروا بما قاله أهل ~~القول الخامس وهو أن يصلى على الغائب إذا مات بأرض لا يصلى عليها فيها ~~كالنجاشي فإنه مات بأرض لم يسلم أهلها واختاره ابن تيمية، ونقله المصنف في ~~فتح الباري عن الخطابي وأنه استحسنه الروياني، ثم قال: وهو محتمل إلا أنني ~~لم أقف في شئ من الاخبار أنه لم يصل عليه في بلده أحد واستدل بالحديث على ~~كراهة الصلاة على الجنازة في المسجد، لخروجه (ص) . والقول بالكراهة للحنفية ~~والمالكية، ورد بأنه لم يكن في الحديث ms0464 نهي عن الصلاة فيه، وبأن الذي كرهه ~~القائل بالكراهة إنما هو إدخال الميت المسجد وإنما خرج (ص) تعظيما لشأن ~~النجاشي ولتكثر الجماعة الذين يصلون عليه. وفيه شرعية الصفوف على الجنازة ~~لأنه أخرج البخاري في هذه القصة حديث جابر وأنه كان في الصف الثاني أو ~~الثالث وبوب له البخاري باب من صف صفين أو ثلاثة على الجنازة خلف الامام. ~~وفي الحديث من أعلام النبوة إعلامهم بموته في اليوم الذي توفي فيه مع بعد ~~ما بين المدينة والحبشة. # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: ما من رجل ~~مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا لا شفعهم ~~الله فيه رواه مسلم) في الحديث دليل على فضيلة تكثير الجماعة على الميت. ~~وأن شفاعة المؤمن نافعة مقبولة عنده تعالى وفي رواية ما من ميت يصلي عليه ~~أمة من المسلمين يبلغون كلهم مائة: كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه. وفي ~~رواية ثلاثة صفوف رواها أصحاب السنن. قال القاضي PageV02P101 # : قيل هذه الأحاديث خرجت أجوبة لسائلين سألوا عن ذلك فأجاب كل واحد عن ~~سؤاله اه‍. ويحتمل أن يكون (ص) أخبر بقبول شفاعة كل واحد من هذه الاعداد ~~ولا تنافي بينهما إذ مفهوم العدد يطرح مع وجود النص فجميع الأحاديث معمول ~~بها وتقبل الشفاعة بأدناها. # (وعن سمرة بن جندب رضي الله عنهما قال: صليت وراء النبي (ص) على امرأة ~~ماتت في نفاسها فقام وسطها متفق عليه) فيه دليل على مشروعية القيام عند وسط ~~المرأة إذا صلى عليها وهذا مندوب، وأما الواجب فإنما هو استقبال جزء من ~~الميت رجلا أو امرأة. واختلف العلماء في حكم الاستقبال في حق الرجل والمرأة ~~فقال أبو حنيفة: إنهما سواء. وعند الهادوية أنه يستقبل الامام سرة الرجل ~~وثديي المرأة لرواية أهل البيت عليهم السلام عن علي عليه السلام. وقال ~~القاسم: صدر المرأة، وبينه وبين السرة من الرجل، إذ قد روي قيامه (ص) عند ~~صدرها ولا بد من مخالفة بينها وبين الرجل. وعن الشافعي أنه يقف ms0465 حذاء رأس ~~الرجل وعند عجيزتها لما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث أنس: أنه صلى على ~~رجل فقام عند رأسه وصلى على المرأة فقام عند عجيزتها فقال له العلاء بن ~~زياد: هكذا كان رسول الله (ص) يفعل؟ قال: نعم. إلا أنه قال المصنف في ~~الفتح: إن البخاري أشار بإيراد حديث سمرة إلى تضعيف حديث أنس. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: والله لقد صلى رسول الله (ص) على ابني ~~بيضاء) هما سهل وسهيل أبوهما وهب بن ربيعة وأمهما البيضاء اسمها دعد ~~والبيضاء صفة لها (في المسجد. رواه مسلم) قالته عائشة ردا على من أنكر ~~عليها صلاتها على سعد بن أبي وقاص في المسجد فقالت: ما أسرع ما نسي الناس ~~والله لقد صلى الحديث. والحديث دليل على ما ذهب إليه الجمهور من عدم كراهة ~~صلاة الجنازة في المسجد. وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنها لا تصح وفي القدوري ~~للحنفية ولا يصلى على ميت في مسجد جماعة. واحتجا بما سلف من خروجه (ص) إلى ~~الفضاء للصلاة على النجاشي وتقدم جوابه وبما أخرجه أبو داود من صلى على ~~جنازة في المسجد فلا شئ له وأجيب بأنه نص أحمد على ضعفه لأنه تفرد به صالح ~~مولى التوأمة وهو ضعيف على أنه في النسخ المشهورة من سنن أبي داود بلفظ فلا ~~شئ عليه. وقد روى أن عمر صلى على أبي بكر في المسجد وأن صهيبا صلى على عمر ~~في المسجد. وعند الهادوية يكره إدخال الميت المسجد كراهة تنزيه وتأولوا هم ~~والحنفية والمالكية حديث عائشة بأن المراد أنه (ص) صلى على ابني البيضاء ~~وجنازتهما خارج المسجد وهو صلى الله عليه وسلم داخل المسجد ولا يخفى بعده ~~وأنه لا يطابق احتجاج عائشة. # (وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى) هو أبو عيسى عبد الرحمن بن أبي ليلى ولد ~~لست سنين بقيت من خلافة عمر سمع أباه وعلي بن أبي طالب عليه السلام وجماعة ~~من الصحابة ووفاته سنة اثنتين وثمانين وفي سبب وفاته أقوال، قيل: فقد، وقيل ~~قتل، وقيل ms0466 PageV02P102 # غرق في نهر البصرة (قال: كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعا وإنه ~~كبر على جنازة خمسا فسألته فقال: كان رسول الله (ص) يكبرها. رواه مسلم ~~والأربعة) تقدم في حديث أبي هريرة أنه (ص) كبر في صلاته على النجاشي أربعا ~~ورويت الأربع عن ابن مسعود وأبي هريرة وعقبة بن عامر والبراء بن عازب وزيد ~~بن ثابت، وفي الصحيحين عن ابن عباس: صلى على قبر فكبر أربعا. وأخرج ابن ~~ماجة عن أبي هريرة : أن رسول الله (ص) صلى على جنازة فكبر أربعا. قال ابن ~~أبي داود: ليس في الباب أصح منه. فذهب إلى أنها أربعا لا غير جمهور من ~~السلف والخلف منهم الفقهاء الأربعة ورواية زيد بن علي عليه السلام. وذهب ~~أكثر الهادوية إلى أنه يكبر خمس تكبيرات واحتجوا بما روي أن عليا عليه ~~السلام كبر على فاطمة خمسا وأن الحسن كبر على أبيه خمسا وعن ابن الحنفية ~~أنه كبر على ابن عباس خمسا وتأولوا رواية الأربع بأن المراد بها ما عدا ~~تكبيرة الافتتاح وهو بعيد: # (وعن علي رضي الله عنه أنه كبر على سهل بن حنيف) بضم المهملة فنون فمثناة ~~تحتية ففاء (ستا وقال: إنه بدري) أي ممن شهد وقعة بدر معه (ص) (رواه سعيد ~~بن منصور وأصله في البخاري) الذي في البخاري أن عليا كبر على سهل بن حنيف ~~زاد البرقاني في مستخرجه ستا كذا ذكره البخاري في تاريخه. وقد اختلفت ~~الروايات في عدة تكبيرات الجنازة فأخر البيهقي عن سعيد بن المسيب: أن عمر ~~قال: كل ذلك قد كان أربعا وخمسا فاجتمعنا على الأربع. ورواه ابن المنذر من ~~وجه آخر عن سعيد، ورواه البيهقي أيضا عن أبي وائل قال: كانوا يكبرون على ~~عهد رسول الله (ص) أربعا وخمسا وستا وسبعا فجمع عمر أصحاب رسول الله (ص) ~~فأخبر كل بما رأى فجمعهم عمر على أربع تكبيرات. وروى ابن عبد البر في ~~الاستذكار بإسناده: كان النبي (ص) يكبر على الجنائز أربعا وخمسا وستا ~~وثمانيا حتى جاء موت النجاشي فخرج إلى ms0467 المصلى وصف الناس وراءه وكبر عليه ~~أربعا ثم ثبت النبي (ص) على أربع حتى توفاه الله، فإن صح هذا فكأن عمر ومن ~~معه لم يعرفوا استقرار الامر على الأربع حتى جمعهم وتشاوروا في ذلك. # (وعن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله (ص) يكبر على جنائزنا أربعا، ~~ويقرأ بفاتحة الكتاب في التكبيرة الأولى رواه الشافعي بإسناد ضعيف) سقط هذا ~~الحديث من نسخة الشرح فلم يتكلم عليه الشارح رحمه الله قال المصنف في الفتح ~~: إنه أفاد شيخه في شرح الترمذي أنه سنده ضعيف وفي التلخيص إنه رواه ~~الشافعي عن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن عقيل عن جابر انتهى وقد ضعفوا ~~ابن عقيل. # واعلم أنه اختلف العلماء في قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، فنقل ابن ~~المنذر عن ابن مسعود والحسن بن علي وابن الزبير مشروعيتها وبه قال الشافعي ~~وأحمد وإسحاق. ونقل عن أبي هريرة وابن عمر أنه ليس فيها قراءة وهو قول مالك ~~والكوفيين. واستدل الأولون بما سلف وهو وإن كان ضعيفا فقد شهد له قوله: ~~PageV02P103 # (وعن طلحة بن عبد الله بن عوف) أي الخزاعي (قال: صليت خلف ابن عباس رضي ~~الله عنهما على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، قال: لتعلموا أنها سنة رواه ~~البخاري) وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه والنسائي بلفظ فأخذت بيده فسألته عن ~~ذلك فقال: نعم يا ابن أخي إنه حق وسنة وأخرج النسائي أيضا من طريق أخرى ~~بلفظ فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر حتى أسمعنا فلما فرغ أخذت بيده فسألته ~~فقال: سنة وحق وقد روى الترمذي عن ابن عباس: أنه (ص) قرأ على الجنازة ~~بفاتحة الكتاب. ثم قال لا يصح هذا. والصحيح عن ابن عباس قوله: من السنة. ~~قال الحاكم: أجمعوا على أن قول الصحابي من السنة حديث مسند قال المصنف: كذا ~~نقل الاجماع مع أن الخلاف عند أهل الحديث وعند الأصوليين شهير. والحديث ~~دليل على وجوب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة لان المراد من السنة الطريقة ~~المألوفة عنه (ص) لا أن المراد بها ما يقابل ms0468 الفريضة فإنه اصطلاح عرفي. ~~وزاد الوجوب تأكيدا قوله: حق أي ثابت. وقد أخرج ابن ماجة من حديث أم شريك ~~قالت: أمرنا رسول الله (ص) أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب. وفي إسناده ~~ضعف يسير يجبره حديث ابن عباس. والامر من أدلة الوجوب، وإلى وجوبها ذهب ~~الشافعي وأحمد وغيرهما من السلف والخلف. وذهب آخرون إلى عدم مشروعيتها لقول ~~ابن مسعود: لم يوقت لنا رسول الله (ص) قراءة في صلاة الجنازة بل قال: كبر ~~إذا كبر الامام واختر من أطايب الكلام ما شئت إلا أنه لم يعزه إلى كتاب ~~حديثي حتى تعرف صحته من عدمها ثم هو قول صحابي على أنه ناف وابن عباس مثبت ~~وهو مقدم. وعن الهادي وجماعة من الآل أن القراءة سنة عملا بقول ابن عباس ~~سنة وقد عرفت المراد بها في لفظه. واستدل للوجوب بأنهم اتفقوا أنها صلاة ~~وقد ثبت حديث لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فهي داخلة تحت العموم وإخراجها منه ~~يحتاج إلى دليل. # وأما موضع قراءة الفاتحة فإنه بعد التكبيرة الأولى ثم يكبر فيصلي على ~~النبي (ص) ثم يكبر فيدعو للميت وكيفية الدعاء قد أفادها قوله: (وعن عوف بن ~~مالك رضي الله عنه قال: صلى رسول الله (ص) على جنازة فحفظت من دعائه اللهم ~~اغفر له، وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ، ووسع مدخله، واغسله بالماء ~~والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله ~~دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وأدخله الجنة، وقه فتنة القبر ~~وعذاب النار رواه مسلم) يحتمل أنه (ص) جهر به فحفظه ويحتمل أنه سأله ما ~~قاله فذكره له فحفظه. وقد قال الفقهاء: يندب الاسرار، ومنهم من قال يخير، ~~ومنهم من قال: يسر في النهار ويجهر في الليل . وفي الدعاء ينبغي الاخلاص ~~فيه لقوله (ص): أخلصوا له الدعاء وما ثبت عنه (ص) أولى. وأصح الأحاديث ~~الواردة في ذلك هذا الحديث وكذلك قوله: PageV02P104 # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ms0469 ~~صلى على جنازة يقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا) أي حاضرنا (وغائبنا ~~وصغيرنا) أي ثبته عند التكليف للأفعال الصالحة وإلا فلا ذنب له (وكبيرنا، ~~وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الاسلام، ومن توفيته منا ~~فتوفه على الايمان، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده رواه مسلم ~~والأربعة) والأحاديث في الدعاء للميت كثيرة ففي سنن أبي داود عن أبي هريرة ~~أن النبي (ص) دعا في الصلاة على الجنازة: اللهم أنت ربها وأنت خلقتها وأنت ~~هديتها للاسلام وأنت قبضت روحها وأنت أعلم بسرها وعلانيتها جئناك شفعاء ~~فاغفر له. وابن ماجة من حديث واثلة بن الأسقع قال: صلى بنا رسول الله (ص) ~~على جنازة رجل من المسلمين فسمعته يقول: اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك ~~وحبل جوارك، فقه فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحمد، اللهم ~~فاغفر له وارحمه، إنك أنت الغفور الرحيم . واختلاف الروايات دال على أن ~~الامر متسع في ذلك ليس مقصورا على شئ معين، وقد اختار الهادوية أدعية أخرى، ~~واختار الشافعي كذلك، والكل مسطور في الشرح. وأما قراءة سورة مع الحمد فقد ~~ثبت ذلك كما عرفت في رواية النسائي ولم يرد فيها تعيين وإنما الشأن في ~~إخلاص الدعاء للميت لأنه الذي شرعت له الصلاة، والذي ورد به الحديث وهو ~~قوله: # (وعنه) أي أبي هريرة رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا ~~صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء رواه أبو داود وصححه ابن حبان) لأنهم ~~شفعاء والشافع يبالغ في طلبها يريد قبول شفاعته فيه. وروى الطبراني: أن ابن ~~عمر كان إذا رأى جنازة قال: # هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، اللهم زدنا إيمانا وتسليما. ~~ثم أسند عن النبي (ص) أنه قال: من رأى جنازة فقال: الله أكبر صدق الله ~~ورسوله هذا ما وعد الله ورسوله اللهم زدنا إيمانا وتسليما تكتب له عشرون ~~حسنة. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: أسرعوا بالجنازة فإن تك) ~~أي الجنازة والمراد بها ms0470 الميت (صالحة فخير) خبر مبتدأ محذوف أي فهو خير ~~ومثله شر الآتي (تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم) متفق ~~عليه. نقل ابن قدامة أن الامر بالاسراع للندب بلا خلاف بين العلماء. وسئل ~~ابن حزم فقال بوجوبه، والمراد به شدة المشي وعلى ذلك حمله بعض السلف. وعند ~~الشافعي والجمهور المراد بالاسراع فوق سجية المشي المعتاد، ويكره الاسراع ~~شديد. والحاصل أنه يستحب الاسراع بها لكن بحيث إنه لا ينتهي إلى شدة يخاف ~~معها حدوث مفسدة بالميت أو مشقة على الحامل والمشيع. وقال القرطبي: مقصود ~~الحديث أن لا يتباطأ بالميت عن الدفن، لان البطء ربما أدى إلى التباهي ~~والاختيال، هذا بناء على أن المراد بقوله بالجنازة بحملها إلى قبرها، وقيل: ~~المراد الاسراع بتجهيزها فهو أعم من الأول. قال PageV02P105 # النووي: هذا باطل مردود بقوله في الحديث تضعونه عن رقابكم، وتعقب بأن ~~الحمل على الرقاب قد يعبر به عن المعاني كما تقول حمل فلان على رقبته ~~ديونا. قال: ويؤيده أن الكل لا يحملونه، قال المصنف بعد نقله في الفتح: ~~ويؤيده حديث ابن عمر سمعت رسول الله (ص) يقول: إذا مات أحدكم فلا تحبسوه ~~وأسرعوا به إلى قبره أخرجه الطبراني بإسناد حسن، ولأبي داود مرفوعا: لا ~~ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله. والحديث دليل على المبادرة ~~بتجهيز الميت ودفنه، وهذا في غير المفلوج ونحوه فإنه ينبغي التثبت في أمره. # (وعنه) رضي الله عنه) أي أبي هريرة (قال: قال رسول الله (ص): من شهد ~~الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان قيل) صرح ~~أبو عوانة بأن القائل وما القيراطان هو أبي هريرة (وما القيراطان؟ # قال: مثل الجبلين العظيمين متفق عليه. ولمسلم) أي من حديث أبي هريرة حتى ~~توضع في اللحد. وللبخاري أيضا من حديث أبي هريرة (من تبع جنازة مسلم إيمانا ~~واحتسابا وكان معها حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع بقيراطين كل ~~قيراط مثل أحد) فاتفقا على صدر الحديث ثم انفرد كل واحد منهما ms0471 بلفظ. وهذا ~~الحديث رواه اثنا عشر صحابيا. وقوله: إيمانا واحتسابا) قيد به لأنه لا بد ~~منه لان ترتب الثواب على العمل يستدعي سبق النية، فيخرج من فعل ذلك على ~~سبيل المكافأة المجردة أو على سبيل المحاباة. ذكره المصنف في الفتح. وقوله: ~~مثل أحد ووقع في رواية النسائي: فله قيراطان من الاجر كل واحد منهما أعظم ~~من أحد وفي رواية لمسلم : أصغرهما مثل أحد. وعند ابن عدي من رواية واثلة: ~~كتب له قيراطان من الاجر أخفهما في ميزانه يوم القيامة أثقل من جبل أحد. ~~والشهود: الحضور وظاهره الحضور معها من ابتداء الخروج بها. وقد ورد في لفظ ~~مسلم: من خرج مع جنازة من بيتها ثم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان من الاجر ~~كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع كان له قيراط . والروايات إذا رد ~~بعضها إلى بعض تقضي بأنه لا يستحق الاجر المذكور إلا من صلى عليها ثم ~~تبعها. قال المصنف رحمه الله: الذي يظهر لي أنه يحصل الاجر لمن صلى وإن لم ~~يتبع لان ذلك وسيلة إلى الصلاة لكن يكون قيراط من صلى فقط دون قيراط من صلى ~~وتبع. وأخرج سعيد بن منصور من حديث عروة عن زيد بن ثابت: إذا صليت على ~~جنازة فقد قضيت ما عليك أخرجه ابن أبي شيبة بلفظ إذا صليتم وزاد في آخره ~~فخلوا بينها وبين أهلها ومعناه قد قضيت حق الميت فإن أروت الاتباع فلك ~~زيادة أجر. وعلق البخاري قول حميد بن هلال: ما علمنا على الجنازة إذنا ولكن ~~من صلى ورجع فله قيراط. وأما حديث أبي هريرة: أميران وليسا بأميرين: الرجل ~~يكون مع الجنازة يصلي عليها فليس له أن يرجع حتى يستأذن وليها. أخرجه عبد ~~الرزاق فإنه حديث منقطع موقوف. وقد رويت في معناه أحاديث مرفوعة كلها ~~ضعيفة. ولما كان وزن الأعمال في الآخر ليس لنا طريق إلى معرفة PageV02P106 # حقيقته ولا يعلمه إلا الله، ولم يكن تعريفنا لذلك إلا بتشبيهه بما نعرفه ~~من أحوال المقادير ، شبه قدر الاجر الحاصل ms0472 من ذلك بالقيراط ليبرز لنا ~~المعقول في صورة المحسوس. ولما كان القيراط حقير القدر بالنسبة إلى ما ~~نعرفه في الدنيا نبه على معرفة قدره: بأنه كأحد الجبل المعروف بالمدينة. ~~وقوله: حتى تدفن ظاهر في وقوع مطلق الدفن وإن لم يفرغ منه كله. ولفظ حتى ~~توضع في اللحد كذلك إلا إن في الرواية الأخرى لمسلم حتى يفرغ من دفنها ~~ففيها بيان وتفسير لما في غيرها. والحديث ترغيب في حضور الميت والصلاة عليه ~~ودفنه، وفيه دلالة على عظم فضل الله وتكريمه للميت وإكرامه بجزيل الإثابة ~~لمن أحسن إليه بعد موته. # تنبيه - في حمل الجنازة -: أخرج البيهقي في السنن الكبرى بسنده إلى عبد ~~الله بن مسعود أنه قال: إذا تبع أحدكم الجنازة فليأخذ بجوانب السرير ~~الأربعة ثم ليتطوع بعد أو يذر فإنه من السنة. وأخرج بسنده: أن عثمان ابن ~~عفان حمل بين العمودين سرير أمه فلم يفارقه حتى وضعه وأخرج أيضا أن أبا ~~هريرة رضي الله عنه حمل بين عمودي سرير سعد بن أبي وقاص. وأخرج : أن ابن ~~الزبير حمل بين عمودي سرير المسور بن مخرمة. وأخرج من حديث يوسف بن ماهك ~~قال: شهدت جنازة رافع بن خديج وفيها ابن عمر وابن عباس فانطلق ابن عمر حتى ~~أخذ بمقدم السرير بين القائمين فوضعه على كاهله ثم مشى بها. انتهى (وعن ~~سالم رضي الله عنه) هو أبو عبد الله وأبو عمرو: سالم بن عبد الله بن عمر بن ~~الخطاب أحد فقهاء المدينة من سادات التابعين وأعيان علمائهم روى عن أبيه ~~وغيره مات سنة ست ومائة (عن أبيه) هو عبد الله بن عمر (أنه رأى النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وهم يمشون أمام الجنازة. رواه الخمسة وصححه ~~ابن حبان وأعله النسائي وطائفة بالارسال) اختلف في وصله وإرساله فقال أحمد: ~~إنما هو عن الزهري مرسل، وحديث سالم موقوف على ابن عمر من فعله. قال ~~الترمذي: أهل الحديث يرون المرسل أصح. وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن الزهري ~~عن سالم أن عبد الله بن ms0473 عمر كان يمشي بين يديها وأبا بكر وعمر وعثمان. قال ~~الزهري وكذلك السنة. وقد ذكر الدارقطني في العلل اختلافا كثيرا فيه عن ~~الزهري قال: والصحيح قول من قال عن الزهري عن سالم عن أبيه: أنه كان يمشي. ~~قال : وقد مشى رسول الله (ص) وأبو بكر وعمر رضي الله عنهم بين يديها. وهذا ~~مرسل وقال البيهقي: إن الموصول أرجح لأنه من رواية ابن عيينة وهو ثقة حافظ، ~~وعن علي بن المديني قال: قلت لابن عيينة: يا أبا محمد خالفك الناس في هذا ~~الحديث، فقال: # استيقن، الزهري حدثنيه مرارا لست أحصيه، يعيده ويبديه، سمعته من فيه، عن ~~سالم عن أبيه. قال المصنف: وهذا لا ينفي عنه الوهم لأنه ضبط أنه سمعه منه ~~عن سالم عن أبيه والامر كذلك إلا أن فيه إدراجا. وصححه الزهري وحدث به ابن ~~عيينة. وللاختلاف في الحديث اختلف العلماء على خمسة أقوال (الأول) أن المشي ~~أمام الجنازة أفضل لوروده من فعله (ص) وفعل الخلفاء وذهب إليه الجمهور ~~والشافعي. (والثاني) للهادوية والحنفية أن المشي خلفها أفضل لما رواه ابن ~~طاوس عن أبيه ما مشى رسول الله (ص) حتى مات إلا خلف PageV02P107 # الجنازة ولما رواه سعيد بن منصور من حديث علي عليه السلام قال: المشي ~~خلفها أفضل من المشي أمامها كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ. إسناده حسن ~~وهو موقوف له حكم الرفع ، وحكى الأثرم أن أحمد تكلم في إسناده. (الثالث) ~~أنه يمشي بين يديها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها علقه البخاري عن أنس، ~~وأخرجه ابن أبي شيبة موصولا وكذا عبد الرزاق، وفيه التوسعة على المشيعين ~~وهو يوافق سنة الاسراع بالجنازة وأنهم لا يلزمون مكانا واحدا يمشون فيه ~~لئلا يشق عليهم أو على بعضهم. (القول الرابع) للثوري أن الماشي يمشي حيث ~~شاء والراكب خلفها لما أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان والحاكم من حديث ~~المغيرة مرفوعا الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها. (القول الخامس) ~~للنخعي إن كان مع الجنازة نساء مشي أمامها وإلا فخلفها. # (وعن أم عطية رضي الله ms0474 عنها قالت: نهينا) مبني للمجهول (عن اتباع الجنائز ~~ولم يعزم علينا متفق عليه) جمهور أهل الأصول والمحدثين أن قول الصحابي ~~نهينا أو أمرنا بعدم ذكر الفاعل له حكم المرفوع إذ الظاهر من ذلك أن الآمر ~~والناهي هو النبي صلى الله عليه وسلم. وأما هذا الحديث فقد ثبت رفعه وأنه ~~أخرجه البخاري في باب الحيض عن أم عطية بلفظ نهانا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم - الحديث إلا أنه مرسل لان أم عطية لم تسمعه منه لما أخرجه الطبراني ~~عنها وقالت: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جمع النساء في ~~بيت ثم بعث إلينا عمر فقال: إني رسول الله (ص) إليكن بعثني إليكن لأبايعكن ~~على ألا تشركن بالله شيئا الحديث. وفي آخره ونهانا أن نخرج في جنازة. ~~وقولها: ولم يعزم علينا ظاهر في أن النهي للكراهية لا للتحريم كأنها فهمته ~~من قرينة وإلا فأصله التحريم، وإلى أنه للكراهة ذهب جمهور أهل العلم ويدل ~~له ما أخرجه ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة أن رسول الله (ص) كان في جنازة ~~فرأى عمر امرأة فصاح بها فقال: دعها يا عمر الحديث وأخرجه النسائي وابن ~~ماجة. ومن طريق أخرى ورجالها ثقات. # (وعن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: إذا رأيتم الجنازة ~~فقوموا، فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع متفق عليه) الامر ظاهر في وجوب القيام ~~للجنازة إذا مرت بالمكلف وإن لم يقصد تشييعها وظاهر في عموم كل جنازة من ~~مؤمن وغيره ويؤيده أنه أخرج البخاري قيامه صلى الله عليه وسلم لجنازة يهودي ~~مرت به. وعلل ذلك بأن الموت فزع وفي رواية أليست نفسا وأخرج الحاكم إنما ~~قمنا للملائكة وأخرج أحمد والحاكم وابن حبان: إنما نقوم إعظاما للذي يقبض ~~النفوس. ولفظ ابن حبان: إعظاما لله. ولا منافاة بين التعليلين. وقد عارض ~~هذا الامر حيث علي عليه السلام عند مسلم: أنه صلى الله عليه وسلم قام ~~للجنازة ثم قعد. والقول بأنه يحتمل أن مراده قام ثم قعد لما ms0475 بعدت عنه، ~~يدفعه أن عليا أشار إلى قوم بأن يقعدوا ثم حدثهم الحديث. ولما تعارض ~~الحديثان اختلف العلماء في ذلك. فذهب الشافعي إلى أن حديث علي عليه السلام ~~ناسخ للامر بالقيام، ورد أن حديث علي ليس نصا لاحتمال أن قعوده صلى الله ~~عليه PageV02P108 # وسلم كان لبيان الجواز، ولذا قال النووي: المختار أنه مستحب. وأما حديث ~~عبادة بن الصامت أنه كان (ص) يقوم للجنازة فمر به حبر من اليهود فقال: هكذا ~~نفعل، فقال: اجلسوا خالفوهم. أخرجه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي وأخرجه ~~البزار والبيهقي، فإنه حديث ضعيف فيه بشر بن رافع قال البزار: تفرد به بشر ~~وهو لين الحديث . وقوله: ومن تبعها فلا يجلس حتى توضع أفاد النهي لمن ~~شيعها، عن الجلوس حتى توضع، ويحتمل أن المراد حتى توضع في الأرض أو توضع في ~~اللحد، وقد روي الحديث باللفظين إلا أنه رجح البخاري وغيره رواية توضع في ~~الأرض. فذهب بعض السلف إلى وجوب القيام حتى توضع الجنازة لما يفيده النهي ~~هنا ولما عند النسائي من حديث أبي هريرة وأبي سعيد: ما رأينا رسول الله (ص) ~~شهد جنازة قط فجلس حتى توضع . وقال الجمهور: إنه مستحب. وقد روى البيهقي من ~~حديث أبي هريرة وابن عمر وغيرهما: إن القائم مثل الحامل - يعني في الاجر. # (وعن أبي إسحاق) هو السبيعي بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة ~~والعين المهملة الهمداني الكوفي رأى عليا عليه السلام وغيره من الصحابة وهو ~~تابعي مشهور، كثير الرواية، ولد لسنتين من خلافة عثمان، ومات سنة تسع ~~وعشرين ومائة (رضي الله عنه أن عبد الله بن يزيد) هو عبد الله بن يزيد ~~الخطمي بالخاء المعجمة الأوسي كوفي شهد الحديبية وهو ابن سبع عشرة سنة وكان ~~أميرا على الكوفة وشهد مع علي عليه السلام صفين والجمل ذكره ابن عبد البر ~~في الاستيعاب (أدخل الميت من قبل رجلي القبر) أي من جهة المحل الذي يوضع ~~فيه رجلا الميت فهو من إطلاق الحال على المحل (وقال: هذا من السنة. أخرجه ~~أبو داود) وروى عن ms0476 علي عليه السلام قال: صلى رسول الله (ص) على جنازة رجل ~~من ولد عبد المطلب فأمر بالسرير فوضع من قبل رجلي اللحد ثم أمر به فسل سلا. ~~ذكره الشارح ولم يخرجه. # وفي المسألة ثلاثة أقوال: الأول) ما ذكر وإليه ذهبت الهادوية والشافعي ~~وأحمد. (والثاني) يسل من قبل رأسه لما روى الشافعي عن الثقة مرفوعا من حديث ~~ابن عباس أنه (ص) سل ميتا من قبل رأسه وهذا أحد قولي الشافعي. (والثالث) ~~لأبي حنيفة أنه يسل من قبل القبلة ويأتي أنه حديث حسن فيستفاد من المجموع ~~أنه فعل مخير فيه. # (فائدة) اختلف في تجليل القبر بالثوب عند مواراة الميت فقيل يجلل سواء ~~كان المدفون رجلا أو امرأة لما أخرجه البيهقي لا أحفظه إلا من حديث ابن ~~عباس قال: جلل رسول الله (ص) قبر سعد بثوبه قال البيهقي: لا أحفظه إلا من ~~حديث يحيى بن عقبة بن أبي العيزار وهو ضعيف. وقيل يختص بالنساء لما أخرجه ~~البيهقي أيضا من حديث أبي إسحاق أنه حضر جنازة الحرث الأعور فأبي عبد الله ~~بن يزيد أن يبسطوا عليه ثوبا وقال: إنه رجل قال البيهقي: وهذا إسناده صحيح ~~وإن كان موقوفا (قلت) ويؤيده ما أخرجه أيضا البيهقي عن رجل من PageV02P109 # أهل الكوفة أن علي بن أبي طالب أتاهم يدفنون ميتا وقد بسط الثوب على قبره ~~فجذب الثوب من القبر، وقال: إنما يصنع هذا بالنساء. # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي (ص) قال: إذا وضعتم موتاكم في ~~القبور فقولوا: بسم الله، وعلى ملة رسول الله أخرجه أحمد وأبو داود ~~والنسائي وصححه ابن حبان وأعله الدارقطني بالوقف) ورجح النسائي وقفه على ~~ابن عمر أيضا ، إلا أنه له شواهد مرفوعة ذكرها في الشرح، وأخرج الحاكم ~~والبيهقي بسند ضعيف لما وضعت أم كلثوم بنت النبي (ص) في القبر قال رسول ~~الله (ص): * (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) * بسم ~~الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله ، وللشافعي دعاء آخر استحسنه فدل ~~كلامه على أنه يختار الدافن ms0477 للميت ما يراه وأنه ليس فيه حد محدود. # (وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله (ص) قال: كسر عظم الميت ككسره حيا ~~رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم: وزاد ابن ماجة) ، أي في الحديث هذا وهو ~~قوله: من حديث أم سلمة: في الاثم) بيان للمثلية. فيه دلالة على وجوب اخترام ~~الميت كما يحترم الحي، ولكن زيادة في الاثم أنبأت أنه يفارقه من حيث إنه لا ~~يجب الضمان، وهو يحتمل أن الميت يتألم كما يتألم الحي، وقد ورد به حديث ~~(وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: ألحدوا لي لحدا وانصبوا علي اللبن ~~نصبا كما صنع برسول الله (ص) رواه مسلم) هذا الكلام قاله سعد لما قيل له ~~ألا نتخذ لك شيئا كأنه الصندوق من الخشب؟ فقال: اصنعوا. فذكره. واللحد بفتح ~~اللام وضمها هو الحفر تحت الجانب القبلي من القبر. وفيه دلالة أنه لحد له ~~(ص) وقد أخرجه أحمد وابن ماجة بإسناد حسن. وأنه كان بالمدينة رجلان رجل ~~يلحد ورجل يشق فبعث الصحابة في طلبهما فقالوا: أيهما جاء عمل عمله لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فجاء الذي يلحد لرسول الله (ص). ومثله عن ابن عباس ~~عند أحمد والترمذي. وأن الذي كان يلحد هو أبو طلحة الأنصاري: وفي إسناده ~~ضعف. وفيه الدلالة على أن اللحد أفضل. # (وللبيهقي) أي وروي البيهقي (عن جابر رضي الله عنه نحوه) أي نحو حديث سعد ~~(وزاد: # ورفع قبره عن الأرض قدر شبر وصححه ابن حبان). هذا الحديث أخرجه البيهقي ~~وابن حبان من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر. وفي الباب من حديث القاسم ~~بن محمد قال : دخلت على عائشة فقلت: يا أماه اكشفي لي عن قبر رسول الله (ص) ~~وصاحبيه فكشفت له عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة ~~الحمراء . أخرجه أبو داود والحاكم وزاد: رأيت رسول الله (ص) مقدما وأبو بكر ~~رأسه بين كتفي رسول الله (ص) وعمر رأسه عند رجلي رسول الله صلى الله عليه ms0478 ~~وسلم. وأخرج أبو داود في المراسيل عن صالح بن أبي صالح قال: رأيت قبر رسول ~~الله صلى PageV02P110 # الله عليه وسلم شبرا أو نحو شبر. ويعارضه ما أخرجه البخاري من حديث سفيان ~~التمار: أنه رأى قبر النبي (ص) مسنما. أي مرتفعا كهيئة السنام وجمع بينهما ~~البيهقي بأنه كان أولا مسطحا ثم لما سقط الجدار في زمن الوليد بن عبد الملك ~~أصلح فجعل مسنما. # (فائدة) كانت وفاته (ص) يوم الاثنين عندما زاغت الشمس لاثنتي عشرة ليلة ~~خلت من ربيع الأول ودفن يوم الثلاثاء. كما في الموطأ. وقال جماعة يوم ~~الأربعاء . وتولى غسله ودفنه علي والعباس وأسامة. أخرجه أبو داود من حديث ~~الشعبي وزاد: وحدثني مرحب، وكذا في الشرح والذي في التلخيص: مرحب أو أبو ~~مرحب بالشك أنهم أدخلوا معهم عبد الرحمن بن عوف. وفي رواية البيهقي زيادة ~~مع علي والعباس الفضل بن العباس وصالح - وهو شقران - ولم يذكر ابن عوف. وفي ~~رواية له ولابن ماجة: على والفضل وقثم وشقران. وزاد. وسوى لحده رجل من ~~الأنصار. وجمع بين الروايات بأن من نقص فباعتبار ما رأى أول الأمر ومن زاد ~~أراد به آخر الامر. # (ولمسلم عنه رضي الله عنه) أي عن جابر (نهى رسول الله (ص) أن يجصص القبر ~~وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه). الحديث دليل على تحريم الثلاثة المذكورة ~~لأنه الأصل في النهي. وذهب الجمهور إلى أن النهي في البناء والتجصيص ~~للتنزيه. والقعود للتحريم وهو جمع بين الحقيقة والمجاز ولا يعرف ما الصارف ~~عن حمل الجميع على الحقيقة التي هي أصل النهي. وقد وردت الأحاديث في النهي ~~عن البناء على القبور والكتب عليها والتسريج وأن يزاد فيها وأن توطأ. فأخرج ~~أبو داود والترمذي والنسائي من حديث ابن مسعود مرفوعا: لعن الله زائرات ~~القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج. وفي لفظ للنسائي: نهى أن يبنى على ~~القبر أو يزاد عليه أو يجصص أو يكتب عليه. وأخرج البخاري من حديث عائشة ~~قالت: قال رسول الله (ص) في مرضه الذي لم يقم منه: لعن الله اليهود ms0479 ~~والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. واتفقا على اخراج حديث أبي هريرة ~~بلفظ لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. وأخرج الترمذي ~~أن عليا عليه السلام قال لأبي الهياج الأسدي : أبعثك على ما بعثني عليه ~~رسول الله (ص) أن لا أدع قبرا مشرفا إلا سويته ولا تمثالا إلا طمسته قال ~~الترمذي: حديث حسن، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم ، فكرهوا أن يرفع ~~القبر فوق الأرض. قال الشارح رحمه الله: وهذه الأخبار المعبر فيها باللعن ~~والتشبيه بقوله: لا تجعلوا قبري وثنا يعبد من دون الله تفيد التحريم ~~للعمارة والتزيين والتجصيص ووضع الصندوق المزخرف ووضع الستائر على القبر ~~وعلى سمائه والتمسح بجدار القبر وأن ذلك قد يفضي مع بعد العهد وفشو الجهل ~~إلى ما كان عليه الأمم السابقة من عبادة الأوثان، فكان في المنع عن ذلك ~~بالكلية قطع لهذه الذريعة المفضية إلى الفساد، وهو المناسب للحكمة المعتبرة ~~في شرع الاحكام من جلب المصالح ودفع المفاسد، سواء كانت بأنفسها أو باعتبار ~~ما تفضي إليه انتهى. وهذا كلام حسن وقد وفينا المقام حقه ومسألة مستقلة. # (وعن عامر بن ربيعة رضي الله عنه أن النبي (ص) صلى على عثمان بن مظعون ~~PageV02P111 # وأتى القبر فحثى عليه ثلاث حثيات وهو قائم رواه الدارقطني) وأخرجه البزار ~~وزاد بعد قوله وهو قائم عند رأسه وزاد أيضا فأمر فرش عليه الماء وروى أبو ~~الشيخ في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة مرفوعا من حثا على مسلم احتسابا كتب ~~له بكل ثراة حسنة وإسناده ضعيف. وأخرج ابن ماجة من حديث أبي هريرة أن رسول ~~الله (ص) حثى من قبل الرأس ثلاثا إلا أنه قال أبو حاتم: حديث باطل وروى ~~البيهقي من طريق محمد بن زياد عن أبي أمامة قال: توفي رجل فلم تصب له حسنة ~~إلا ثلاث حثيات حثاها على قبر فغفرت لذنوبه. ولكن هذه شهد بعضها لبعض. وفيه ~~دلالة على مشروعية الحثي على القبر ثلاثا، وهو يكون باليدين معا لثبوته في ~~حديث عامر بن ربيعة ففيه حثا بيديه، واستحب أصحاب ms0480 الشافي أن يقول عند ذلك * ~~(منها خلقناكم وفيها نعيدكم) * الآية. # (وعن عثمان رضي الله عنه قال: كان رسول الله (ص) إذا فرغ من دفن الميت ~~وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل رواه ~~أبو داود وصححه الحاكم) فيه دلالة على انتفاع الميت باستغفار الحي له، ~~وعليه ورد قوله تعالى: * (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان) ~~* وقوله: * (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) * ونحوهما. وعلى أنه يسأل ~~في القبر، وقد وردت به الأحاديث الصحيحة، كما أخرج ذلك الشيخان. فمنها من ~~حديث أنس أنه (ص) قال : إن الميت إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، وإنه ~~ليسمع قرع نعالهم. زاد مسلم: وإذا انصرفوا أتاه ملكان زاد ابن حبان ~~والترمذي من حديث أبي هريرة: أزرقان أسودان يقال لأحدهما المنكر والآخر ~~النكير. زاد الطبراني في الأوسط: أعينهما مثل قدور النحاس وأنيابهما مثل ~~صياصي البقر وأصواتهما البقر مثل الرعد تزاد عبد الرزاق: ويحفر ان ~~بأنيابهما ويطآن في أشعارهما معهما مرزبة لو اجتمع عليها أهل منى لم يقلوها ~~وزاد البخاري من حديث البراء: فيعاد روحه في جسده. ويستفاد في مجموع ~~الأحاديث أنهما يسألانه فيقولان: ما كنت تعبد؟ # فإن كان الله هداه فيقول: كنت أ عبد الله، فيقولان: ما كنت تقول في هذا ~~الرجل لمحمد؟ # (ص) فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. وفي رواية أشهد أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فيقال له: صدقت فلا يسأل عن شئ غيرها ~~ثم يقال له: على اليقين كنت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله تعالى. وفي ~~لفظ: فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة، وافتحوا له بابا ~~إلى الجنة وألبسوه من الجنة قال: فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له مد بصره، ~~ويقال له انظر مقعدك من النار قد أبدلك الله مقعدا من الجنة فيراهما جميعا، ~~فيقول: دعوني حتى أذهب أبشر أهلي فيقال له: اسكت، ويفسح له قبره سبعون ~~ذراعا ويملا خضرا إلى يوم القيامة. وفي لفظ ويقال له ms0481 نم فينام نومة العروس ~~الذي لا يوقظه إلا أحب أهله. وأما الكافر والمنافق فيقول له الملكان من ~~ربك؟ PageV02P112 # فيقول: هاه هاه، لا أدري ويقولان: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري ~~فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم: فيقول: هاه هاه لا أدري فيقال: دريت ~~ولا تليت - أي لا فهمت ولا تبعت من يفهم - ويضرب بمطارق من حديد ضربة لو ~~ضرب بها جبل لصار ترابا فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين. # واعلم أنه قد وردت أحاديث على اختصاص هذه الأمة بالسؤال في القبر دون ~~الأمم السالفة قال العلماء: والسر فيه أن الأمم كانت تأتيهم الرسل فإن ~~أطاعوهم فالمراد، وإن عصوهم اعتزلوهم وعولجوا بالعذاب. فلما أرسل الله ~~محمدا (ص) رحمة للعالمين أمسك عنهم العذاب وقبل الاسلام ممن أظهره سواء ~~أخلص أم لا، وقيض الله لهم من يسألهم في القبور ليخرج الله سرهم بالسؤال ~~وليميز الله الخبيث من الطيب. وذهب ابن القيم إلى عموم المسألة وبسط ~~المسألة في كتاب الروح. # (وعن ضمرة) بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم (ابن حبيب) بالحاء المهملة ~~مفتوحة فموحدة فمثناة فموحدة (أحد التابعين) حمصي ثقة روى عن شداد بن أوس ~~وغيره (قال: كانوا) ظاهره الصحابة الذين أدركهم (يستحبون إذا سوي) بضم ~~السين المهملة مغير الصيغة من التسوية (على الميت قبره وانصرف الناس عنه أن ~~يقال عند قبره: يا فلان قل: # لا إله إلا الله ثلاث مرات، يا فلان قل: ربي الله وديني الاسلام ونبيي ~~محمد. رواه سعيد بن منصور موقوفا) على ضمرة بن حبيب (وللطبراني نحوه من ~~حديث أبي أمامة مرفوعا مطولا) ولفظه عن أبي أمامة: إذا أنا مت فاصنعوا بي ~~كما أمر رسول الله (ص) أن نصنع بموتانا، أمرنا رسول الله (ص) فقال: إذا مات ~~أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل: ~~يا فلان ابن فلانة فإنه يسمعه ولا يجيب ثم يقول: يا فلان ابن فلانة، فإنه ~~يقول: أرشدنا رحمك الله، ولكن لا تشعرون، فليقل: أذكر ما كنت عليه ms0482 في ~~الدنيا من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك رضيت ~~بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما. فإن منكرا ونكيرا ~~يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا ما يقعدنا عند من لقن حجته؟ ~~قال: فقال رجل: يا رسول الله فإنه لم يعرف أمه؟ قال: ينسبه إلى أمه حواء، ~~يا فلان ابن حواء قال المصنف: إسناده صالح وقد قواه الضياء في أحكامه. قلت: ~~قال الهيثمي بعد سياقه ما لفظه: أخرجه الطبراني في الكبير، وفي إسناده ~~جماعة لم أعرفهم. وفي هامشه: فيه عاصم بن عبد الله ضعيف: ثم قال: والراوي ~~عن أبي أمامة سعيد الأزدي بيض له أبو حاتم، وقال الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل ~~: هذا الذي يصنعونه إذا دفن الميت يقف الرجل ويقول: يا فلان ابن فلانة قال: ~~ما رأيت أحدا يفعله إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة. ويروى فيه عن أبي ~~بكر ابن أبي مريم عن أشياخهم أنهم كانوا يفعلونه. وقد ذهب إليه الشافعية. ~~وقال في المنار: إن حديث التلقين هذا حديث لا يشك أهل المعرفة بالحديث في ~~وضعه. وأنه أخرجه سعيد بن منصور في سنه PageV02P113 # عن ضمرة بن حبيب عن أشياخ له من أهل حمص فالمسألة حمصية. وأما جعل اسألوا ~~له التثبيت فإنه الآن يسأل: شاهدا له، فلا شهادة فيه. وكذلك أمر عمر وبن ~~العاص بالوقوف عند قبره مقدار ما ينحر جزور ليستأنس بهم عند مراجعة رسل ~~ربه: لا شهادة فيه على التلقين . وابن القيم جزم في الهدى بمثل كلام ~~المنار، وأما في كتاب الروح فإنه جعل حديث التلقين من أدلة سماع الميت ~~لكلام الاحياء وجعل اتصال العمل بحديث التلقين من غير نكير كافيا في العمل ~~به، ولم يحكم له بالصحة بقال في كتاب الروح: إنه حديث ضعيف ويتحصل من كلام ~~أئمة التحقيق أنه حديث ضعيف والعمل به بدعة ولا يغتر بكثرة من يفعله. # (وعن بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # كنت نهيتكم عن ms0483 زيارة القبور فزوروها رواه مسلم زاد الترمذي) أي من حديث ~~بريدة (فإنها تذكر الآخرة). # (زاد ابن ماجة من حديث ابن مسعود) وهو الحديث السابق بلفظ ما مضى وزاد ~~(وتزهد في الدنيا) وفي الباب أحاديث عن أبي هريرة عن مسلم وعن ابن مسعود عن ~~ابن ماجة والحاكم وعن أبي سعيد عند أحمد والحاكم وعن علي عليه السلام عند ~~أحمد وعن عائشة عن ابن ماجة. والكل دال على مشروعية زيارة القبور وبيان ~~الحكمة فيها وأنها للاعتبار فإنه في لفظ حديث ابن مسعود فإنها عبرة وذكرى ~~للآخرة والتزهيد في الدنيا فإذا خلت من هذه لم تكن مرادة شرعا. وحديث بريدة ~~جمع فيه بين ذكر أنه (ص) كان نهى أولا عن زيارتها ثم أذن فيها أخرى. وفي ~~قوله: فزوروها أمر الرجال بالزيارة وهو أمر ندب اتفاقا، ويتأكد في حق ~~الوالدين لآثار في ذلك. وأما ما يقوله عند وصوله المقابر فهو: السلام عليكم ~~دار قوم مؤمنين ورحمة الله وبركاته، ويدعو لهم بالمغفرة ونحوها . وسيأتي ~~حديث مسلم في ذلك قريبا وأما قراءة القرآن ونحوها عند القبر فسيأتي الكلام ~~فيها قريبا. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله (ص) لعن زائرات القبور أخرجه ~~الترمذي وصححه ابن حبان) وقال الترمذي بعد اخراجه: هذا حديث حسن. وفي الباب ~~عن ابن عباس وحسان. وقد قال بعض أهل العلم: إن هذا كان قبل أن يرخص النبي ~~(ص) في زيارة القبور فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء. وقال بعضهم: # إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن وكثرة جزعهن ثم ساق بسنده أن ~~عبد الرحمن بن أبي بكر توفي ودفن في مكة وأتت عائشة قبره ثم قالت: # وكنا كندماني جذيمة برهة من الدهر حتى قيل: لن يتصدعا وعشنا بخير في ~~الحياة وقبلنا أصاب المنايا رهط كسرى وتبعا ولما تفرقنا كأني ومالكا لطول ~~اجتماع لم نبت ليلة معا اه‍ ويدل ما قاله بعد أهل العلم ما أخرجه مسلم عن ~~عائشة قالت: كيف أقول يا رسول الله إذا زرت القبور؟ فقال: قولي: ms0484 السلام على ~~أهل الديار من المسلمين والمؤمنين يرحم الله المتقدمين منا والمتأخرين وإنا ~~إن شاء الله بكم لاحقون. وما أخرج الحاكم من PageV02P114 # حديث علي ابن الحسين أن فاطمة عليها السلام كانت تزور قبر عمها حمزة كل ~~جمعة فتصلي وتبكي عنده. قلت: وهو حديث مرسل فإن علي بن الحسين لم يدرك ~~فاطمة بنت محمد (ص). وعموم ما أخرجه البيهقي في شعب الايمان مرسلا: من زار ~~قبر الوالدين أو أحدهما في كل جمعة غفر له وكتب بارا. # (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: لعن رسول الله (ص) النائحة ~~والمستمعة أخرجه أبو داود) النوح هو رفع الصوت بتعديد شمائل الميت ومحاسن ~~أفعاله والحديث دليل على تحريم ذلك وهو مجمع عليه. # (وعن أم عطية رضي الله عنها قالت: أخذ علينا رسول الله (ص) عند البيعة أن ~~لا ننوح متفق عليه) كان أخذه عليهن ذلك وقت المبايعة على الاسلام. ~~والحديثان دالان على تحريم النياحة وتحريم استماعها إذ لا يكون اللعن إلا ~~على محرم. وفي الباب عن ابن مسعود قال : قال رسول الله (ص): ليس منا من ضرب ~~الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية. متفق عليه. وأخرجا من حديث أبي ~~موسى: أن رسول الله (ص) قال: أنا برئ ممن حلق وسلق وخرق. وفي الباب غير ~~ذلك. ولا يعارض ذلك ما أخرج أحمد وابن ماجة وصححه الحاكم عن ابن عمر: أنه ~~(ص) مر بنساء ابن عبد الأشهل يبكين هلكاهن يوم أحد فقال: لكن حمزة لا بواكي ~~فجاء نساء الأنصار يبكين حمزة - الحديث. فإنه منسوخ بما في آخره بلفظ فلا ~~تبكين على هالك بعد اليوم وهو يدل على أنه عبر عن النياحة بالبكاء. فإن ~~البكاء غير منهي عنه كما يدل له ما أخرجه النسائي عن أبي هريرة قال: مات ~~ميت من آل رسول الله (ص) فاجتمع النساء يبكين عليه فقام عمر ينهاهن ويطردهن ~~فقال له (ص) : دعهن يا عمر فإن العين تدمع والقلب مصاب والعهد قريب والميت ~~هي زينب بنته (ص) كما صرح به في حديث ms0485 ابن عباس أخرجه أحمد وفيه أنه قال ~~لهن: إياكن ونعيق الشيطان فإنه مهما كان من العين ومن القلب فمن الله ومن ~~الرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان فإنه يدل على جواز البكاء، ~~وإنه إنما نهي عن الصوت. ومنه قوله (ص) : العين تدمع ويحزن القلب ولا نقول ~~إلا ما يرضي الرب قاله في وفاة ولده إبراهيم، وأخرج البخاري من حديث ابن ~~عمر إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى ~~لسانه - أو يرحم وأما ما في حديث عائشة عند الشيخين في قوله (ص) لمن أمره ~~أن ينهى النساء المجتمعات للبكاء على جعفر بن أبي طالب أحث في وجههن التراب ~~فيحمل على أنه كان بكاء بتصويت النياحة فأمر بالنهي عنه ولو بحثو التراب في ~~أفواههن. PageV02P115 # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الميت ~~يعذب في قبره بما نيح عليه متفق عليه. أولهما) أي الشيخين كما دل له متفق ~~عليه فإنهما المراد به (نحوه) أي نحو حديث ابن عمر وهو (عن المغيرة بن ~~شعبة). الأحاديث في الباب كثيرة . وفيها دلالة على تعذيب الميت بسبب ~~النياحة عليه. وقد استشكل ذلك لان تعذيبه بفعل غيره . واختلفت الجوابات. ~~فأنكرت عائشة ذلك على عمر وابنه عبد الله واحتجت بقوله تعالى : * (ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى) * وكذلك أنكره أبو هريرة. واستبعد القرطبي إنكار عائشة ~~وذكر أنه رواه عدة من الصحابة فلا وجه لإنكارها مع إمكان تأويله، ثم جمع ~~القرطبي بين حديث التعذيب والآية بأن قال: حال البرزخ يلحق بأحوال الدنيا ~~وقد جرى التعذيب فيها بسبب ذنب الغير كما يشير إليه قوله تعالى: * (واتقوا ~~فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) * فلا يعارض حديث التعذيب، آية * ~~(ولا تزر وازرة وزر أخرى) * لان المراد بها الاخبار عن حال الآخرة واستقواه ~~الشارح. وذهب الأكثرون إلى تأويله بوجوه. الأول: للبخاري أنه يعذب بذلك إذا ~~كان سنته وطريقته وقد أقر عليه أهله في حياته فيعذب لذلك، وإن لم يكن ms0486 ~~طريقته فإنه لا يعذب. فالمراد على هذا أنه يعذب ببعض بكاء أهله وحاصله أنه ~~قد يعذب العبد بفعل غيره إذا كان له فيه سبب. الثاني: المراد أنه يعذب إذا ~~أوصى أن يبكي عليه وهو تأويل الجمهور قالوا: وقد كان معروفا عند القدماء ~~كما قال طرفة بن العبد: # إذا مت فابكيني بما أنا أهله * وشقي علي الجيب يا ابنة معبد ولا يلزم من ~~وقوع النياحة من أهل الميت امتثالا له أن لا يعذب لو لم يمتثلوا بل يعذب ~~بمجرد الايصاء، فإن امتثلوه وناحوا عذب على الامرين: الايصاء لأنه فعله، ~~والنياحة لأنها بسببه . والثالث: أنه خاص بالكافر وأن المؤمن لا يعذب بذنب ~~غيره أصلا وفيه بعد لا يخفى فإن الكافر لا يحمل عليه ذنب غيره أيضا لقوله ~~تعالى: * (لا تزر وازرة وزر أخرى) *. الرابع: أن معنى التعذيب توبيخ ~~الملائكة للميت بما يندبه به أهله كما روى أحمد من حديث أبي موسى مرفوعا: ~~الميت يعذب ببكاء الحي، إذا قالت النائحة: وا عضداه وا ناصراه وا كاسياه ~~جلد الميت وقال: أنت عضدها؟ أنت ناصرها؟ أنت كاسيها؟ وأخرج معناه ابن ماجة ~~والترمذي. الخامس: أن معنى التعذيب تألم الميت بما يقع من أهله من النياحة ~~وغيرها فإنه يرق لهم، وإلى هذا التأويل ذهب محمد بن جرير وغيره وقال، ~~القاضي عياض، هو أولى الأقوال واحتجوا بحديث فيه: أنه (ص) زجر امرأة عن ~~البكاء على ابنها وقال: إن أحدكم إذا بكى استعبر له صويحبه، يا عباد الله ~~لا تعذبوا إخوانكم. واستدل له أيضا أن أعمال العباد تعرض على موتاهم وهو ~~صحيح. وثمة تأولات أخر وما ذكرناه أشف ما في الباب. # (وعن أنس رضي الله عنه قال: شهدت بنتا للنبي (ص) (تدفن) ورسول الله (ص) ~~جالس على القبر فرأيت عينيه تدمعان رواه البخاري) قد بين الواقدي وغيره في ~~روايته أن البنت أم كلثوم، وقد أورد البخاري قول من قال إنها رقية بأنها ~~ماتت ورسول الله (ص) في بدر لم يشهد (ص) دفنها PageV02P116 # . والحديث دليل على جواز البكاء على الميت ms0487 بعد موته وتقدم ما يدل له أيضا ~~إلا أنه عورض بحديث فإذا وجبت فلا تبكين باكية. وجمع بينهما بأنه محمول على ~~رفع الصوت أو أنه مخصوص بالنساء لأنه قد يفضي بكاؤهن إلى النياحة فيكون من ~~باب سد الذريعة. # (وعن جابر رضي الله عنه أن النبي (ص) قال: لا تدفنوا موتاكم بالليل إلا ~~أن تضطروا أخرجه ابن ماجة وأصله في مسلم لكن قال: زجر) بالزي والجيم والراء ~~عوض نهى (أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه). دل على النهي عن الدفن ~~للميت ليلا إلا لضرورة، وقد ذهب إلى هذا الحسن وورد تعليل النهي عن ذلك بأن ~~ملائكة النهار أرأف من ملائكة الليل في حديث قال الشارح: الله أعلم بصحته ~~وقوله وأصله في مسلم لفظ الحديث الذي فيه: أنه (ص) خطب يوما فذكر رجلا من ~~أصحابه قبض وكفن في كفن غير طائل وقبر ليلا وزجر أن يقبر الرجل بالليل حتى ~~يصلي عليه إلا أن يضطر الانسان إلى ذلك. وهو ظاهر أن النهي إنما هو حيث كان ~~مظنة حصول التقصير في حق الميت بترك الصلاة أو عدم إحسان الكفن إذا كان ~~يحصل بتأخر الميت إلى النهار كثرة المصلين أو حضور من يرجى دعاؤه، حسن ~~تأخره، وعلى هذا فيؤخر عن المسارعة فيه لذلك ولو في النهار، دل لذلك دفن ~~علي عليه السلام لفاطمة عليها السلام ليلا ودفن الصحابة لأبي بكر ليلا، ~~وأخرج الترمذي من حديث ابن عباس: أن النبي (ص) دخل قبرا ليلا فأسرج له سراج ~~فأخذ من قبل القبلة فقال: رحمك الله إن كنت لأواها تلاء للقرآن. الحديث، ~~قال: هو حديث حسن قال: وقد رخص أكثر أهل العلم في الدفن ليلا. وقال ابن ~~حزم: لا يدفن أحد ليلا إلا أن يضطر إلى ذلك. قال: ومن دفن ليلا من أصحابه ~~(ص) وأزواجه فإنه لضرورة أوجبت ذلك من خوف زحام أو خوف الحر على من حضر أو ~~خوف تغير أو غير ذلك مما يبيح الدفن ليلا. ولا يحل لاحد أن يظن بهم رضي ~~الله عنهم ms0488 خلاف ذلك انتهى. # (تنبيه) تقدم في الأوقات حديث عقبة بن عامر: ثلاث ساعات كان رسول الله ~~(ص) ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ~~ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس وحين تضيف الشمس للغروب حتى ~~تغرب اه‍. وكان يحسن ذكر المصنف له هنا. # (وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: لما جاء نعي جعفر حين قتل قال ~~رسول الله (ص): اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم أخرجه الخمسة ~~إلا النسائي) فيه دليل على شرعية إيناس أهل الميت بصنع الطعام لهم لما هم ~~فيه من الشغل بالموت، ولكنه أخرج أحمد من حديث جرير بن عبد الله البجلي: ~~كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة. فيحمل ~~حديث جرير على أن المراد صنعة أهل الميت الطعام لمن يدفن منهم ويحضر لديهم ~~كما هو عرف بعض أهل الجهات ، وأما الاحسان إليهم بحمل الطعام لهم فلا بأس ~~به وهو الذي أفاده حديث جعفر. ومما يحرم PageV02P117 # بعد الموت العقر عند القبر لورود النهي عنه، فإنه أخرج أحمد وأبو داود من ~~حديث أنس : أن النبي (ص) قال: لا عقر في الاسلام. قال عبد الرزاق: كانوا ~~يعقرون عند القبر بقرة أو شاة، قال الخطابي: كان أهل الجاهلية يعقرون الإبل ~~على قبل الرجل يقولون نجازيه على فعله لأنه كان يعقرها في حياته فيطعمها ~~الأضياف ونحن نعقرها عند قبره حتى تأكلها السباع والطير فيكون مطعما بعد ~~وفاته كما كان يطعم في حياته. ومنهم من كان يذهب إلى أنه إذا عقرت راحلته ~~عند قبره حشر في القيامة راكبا ومن لم يعقر عنده حشر راجلا وكان هذا على ~~مذهب من يقول منهم بالبعث فهذا فعل جاهلي محرم. # (وعن سليمان بن بريدة رضي الله عنه) هو الأسلمي روى عن أبيه وعمران بن ~~حصين وجماعة مات سنة خمس عشرة ومائة (عن أبيه) أي بريدة (قال: كان رسول ~~الله (ص) يعلمهم) أي الصحابة (إذا خرجوا إلى المقابر) أي ms0489 (أن يقولوا: ~~السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون ~~أسأل الله لنا ولكم العافية. رواه مسلم) وأخرجه أيضا من حديث عائشة وفيه ~~زيادة ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين. والحديث دليل على شرعية ~~زيارة القبور والسلام على من فيها من الأموات وأنه بلفظ السلام على ~~الاحياء. قال الخطابي: فيه أن اسم الدار يقع على المقابر وهو صحيح فإن ~~الدار في اللغة تقع على الرابع المسكون وعلى الخراب غير المأهول . والتقييد ~~بالمشيئة للتبرك وامتثالا لقوله تعالى: * (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا ~~إلا أن يشاء الله) * وقيل المشيئة عائدة إلى تلك التربة بعينها. وسؤاله ~~العافية دليل على أنها من أهم ما يطلب وأشرف ما يسئل، والعافية للميت ~~بسلامته من العذاب ومناقشة الحساب. ومقصود زيارة القبور : الدعاء لهم ~~والاحسان إليهم وتذكر الآخرة والزهد في الدنيا، وأما ما أحدثه العامة من ~~خلاف ، كدعائهم الميت والاستصراخ به والاستغاثة به وسؤال الله بحقه وطلب ~~الحاجات إليه تعالى به فهذا من البدع والجهالات وتقدم شئ من هذا. # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر رسول الله (ص) بقبور المدينة فأقبل ~~عليهم بوجهه فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم ، أنتم ~~سلفنا ونحن بالأثر رواه الترمذي وقال حسن) فيه أنه يسلم عليهم إذا مر ~~بالمقبرة وإن لم يقصد الزيادة لهم. وفيه أنهم يعلمون بالمار بهم وسلامه ~~عليهم وإلا كان إضاعة . وظاهره في جمعة وغيرها وفي الحديثين - الأول وهذا - ~~دليل أن الانسان إذا دعا لاحد أو استغفر له يبدأ بالدعاء لنفسه والاستغفار ~~لها، وعليه وردت الأدعية القرآنية * (ربنا اغفر لنا ولإخواننا) * * ~~(واستغفر لذنبك وللمؤمنين) * وغير ذلك. وفيه أن هذه الأدعية ونحوها نافعة ~~للميت بلا خلاف وأما غيرها من قراءة القرآن له فالشافعي يقول: لا يصل ذلك ~~إليه. وذهب أحمد وجماعة من العلماء إلى وصول ذلك إليه. وذهب جماعة من أهل ~~السنة والحنفية إلى أن للانسان أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة كان أو صوما ~~أو حجا أو صدقة ms0490 أو قراءة قرآن PageV02P118 # أو ذكرا أو أي أنواع القرب، وهذا هو القول الأرجح دليلا، وقد أخرج ~~الدارقطني : أن رجلا سأل النبي (ص) أنه كيف يبر أبويه بعد موتهما فأجابه: ~~بأنه يصلي لهما مع صلاته ويصوم لهما مع صيامه. وأخرج أبو داود من حديث معقل ~~بن يسار عنه (ص): اقرأوا على موتاكم سورة يس وهو شامل للميت بل هو الحقيقة ~~فيه، وأخرج الشيخان أنه (ص) كان يضحي عن نفسه بكبش وعن أمته بكبش . وفيه ~~إشارة إلى أن الانسان ينفعه عمل غيره وقد بسطنا الكلام في حواشي ضوء النهار ~~بما يتضح منه قوة هذا المذهب. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله (ص): (لا تسبوا الأموات ~~فإنهم قد أفضوا) أي وصلوا (إلى ما قدموا) من الأعمال (رواه البخاري). ~~الحديث دليل على تحريم سب الأموات. وظاهره العموم للمسلم والكافر. وفي ~~الشرح: الظاهر أن مخصص بجواز سب الكافر لما حكاه الله من ذم الكفار في ~~كتابه العزيز كعاد وثمود وأشباههم. # قلت: لكن قوله قد أفضوا إلى ما قدموا علة عاملة للفريقين معناها أنه لا ~~فائدة تحت شبهم والتفكه بأعراضهم، وأما ذكره تعالى للأمم الخالية بما كانوا ~~فيه من الضلال فليس المقصود ذمهم بل تحذيرا من تلك الأفعال التي أفضت ~~بفاعلها إلى الوبال وبيان محرمات ارتكبوها . وذكر الفاجر بخصال فجوره لغرض ~~جائز، وليس من السب المنهي عنه فلا تخصيص بالكفار ، نعم الحديث مخصص ببعض ~~المؤمنين كما في الحديث: أنه مر عليه (ص) بجنازة فأثنوا عليها شرا الحديث ~~وأقرهم (ص) على ذلك بل قال: وجبت أي النار ثم قال: أنتم شهداء الله. ولا ~~يقال إن الذي أثنوا عليه شرا ليس بمؤمن لأنه قد أخرج الحاكم في ذمه: بئس ~~المرء كان لقد كان فظا غليظا. والظاهر أنه مسلم إذ لو كان كافرا لما تعرضوا ~~لذمه بغير كفره. وقد أجاب القرطبي عن سبهم له وإقراره (ص) لهم بأنه يحتمل ~~أنه كان مستظهرا بالشر ليكون من باب لا غيبة لفاسق، أو بأنه يحمل النهي عن ~~سب الأموات ms0491 على ما بعد الدفن. قلت: وهو الذي يناسب التعليل بافضائهم إلى ما ~~قدموا فإن الافضاء الحقيقي بعد الدفن. # (وروي الترمذي عن المغيرة نحوه) أي نحو حديث عائشة في النهي عن سب ~~الأموات (لكن قال) عوض قوله فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا (فتؤذوا الاحياء) ~~قال ابن رشد: إن سب الكافر يحرم إذا تأذى به الحي المسلم. ويحل إذا لم يحصل ~~به الأذية، وأما المسلم فيحرم إلا إذا دعت الضرورة كأنه يكون فيه مصلحة ~~للميت إذا أريد PageV02P119 # تخليصه من مظلمة وقعت منه فإنه يحسن بل يجب إذا اقتضى ذلك سبه وهو نظير ~~ما استثني من جواز الغيبة لجماعة من الاحياء لأمور. # (تنبيه) من الأذية للميت القعود على قبره لما أخرجه أحمد قال الحافظ ابن ~~حجر: بإسناد صحيح من حديث عمرو بن حزم الأنصاري قال: رآني رسول الله (ص) ~~وأنا متكئ على قبر فقال: لا تؤخذ صاحب القبر وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة ~~أنه قال قال رسول الله (ص): لان يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى ~~جلده خير له من الجلوس عليه وأخرج مسلم عن أبي مرثد مرفوعا لا تجلسوا على ~~القبور ولا تصلوا إليها. والنهي ظاهر في التحريم. وقال المصنف في فتح ~~الباري نقلا عن النووي: # إن الجمهور يقولون بكراهة القعود عليه، وقال مالك: المراد بالقعود الحدث ~~وهو تأويل ضعيف أو باطل انتهى. وبمثل قول مالك قال أبو حنيفة كما في الفتح. ~~قلت: والدليل يقتضي تحريم القعود عليه والمرور فوقه، لان قوله: لا تؤذ صاحب ~~القبر نهى عن أذية المقبور من المؤمنين، وأذية المؤمن محرمة بنص القرآن * ~~(والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا ~~وإثما مبينا) * كتاب الزكاة الزكاة لغة مشتركة بين النماء والطهارة، وتطلق ~~على الصدقة الواجبة والمندوبة والنفقة والعفو والحق، وهي أحد أركان الاسلام ~~الخمسة بإجماع الأمة، وبما علم من ضرورة الدين، واختلف في أي سنة فرضت فقال ~~الأكثر: إنها فرضت في السنة الثانية من الهجرة قبل فرض رمضان، ويأتي بيان ~~متى فرض ms0492 في بابه. # (عن ابن عباس أن النبي (ص) بعث معاذا إلى اليمين فذكر الحديث وفيه إن ~~الله قد افترض عليهم الصدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم. ~~متفق عليه واللفظ للبخاري) كان بعثه (ص) لمعاذ إلى اليمن سنة عشر قبل حج ~~النبي (ص) كما ذكره البخاري في أواخر المغازي وقيل: كان آخر المغازي، وقيل: ~~كان آخر سنة تسع عند منصرفه (ص) من غزوة تبوك، وقيل: سنة ثمان بعد الفتح ~~وبقي فيه إلى خلافة أبي بكر. والحديث في البخاري، ولفظه، عن ابن عباس أنه ~~(ص) لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ~~ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم ~~خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم ~~الزكاة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم، فإذا أطاعوك فخذ منهم ~~وتوق لا كرائم أموال الناس. واستدل بقوله: من أموالهم أن الامام هو الذي ~~يتولى قبض الزكاة وصرفها إما بنفسه أو بنائه بقوله تؤخذ فمن امتنع منها ~~أخذت منه قهرا، وقد بين (ص) المراد من ذلك ببعثة السعاة . واستدل بقوله: ~~ترد على فقرائهم أنه يكفي اخراج الزكاة في صنف واحد، وقيل: يحتمل أنه ~~PageV02P120 # خص الفقراء لكونهم الغالب في ذلك فلا دليل على ما ذكر ولعله أريد بالفقير ~~من يحل إليه الصرف فيدخل المسكين عند من يقول إن المسكين أعلى حالا من ~~الفقير، ومن قال بالعكس فالامر واضح. # (وعن أنس أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كتب له) لما وجهه إلى البحرين ~~عاملا (هذه فريضة الصدقة) أي نسخة فريضة الصدقة حذف المضاف للعلم به وفيه ~~جواز إطلاق الصدقة على الزكاة خلافا لمن منع ذلك. # واعلم أن في البخاري تصدير الكتاب هذا ببسم الله الرحمن الرحيم (التي ~~فرضها رسول الله (ص) على المسلمين) فيه دلالة على أن الحديث مرفوع، والمراد ~~بفرضها قدرها لان وجوبها ثابت بنص القرآن كما يدل له قوله: ms0493 (والتي أمر الله ~~بها رسوله) أي أنه تعالى أمره بتقدير أنواعها وأجناسها والقدر المخرج منها ~~كما بينه التفصيل بقوله: (في كل أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم) هو ~~مبتدأ مؤخر وخبره قوله في كل أربع وعشرين إلى فما دونها (في كل خمس شاة) ~~فيها تعيين اخراج الغنم في مثل ذلك وهو قول مالك وأحمد ، فلو أخرج بعيرا لم ~~يجز. وقال الجمهور: يجزيه قالوا: لان الأصل أن تجب من جنس المال ، وإنما ~~عدل عنه فقال بالمالك، فإذا رجع باختياره إلى الأصل أجزأه، إن كانت قيمة ~~البعير الذي يخرجه دون قيمة الأربع الشياه ففيه خلاف عند الشافعية وغيرهم، ~~قال المصنف في الفتح: والأقيس أن لا يجزئ، (فإذا بلغت) أي الإبل، (خمسا ~~وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى) زاده تأكيدا وإلا فقد علمت ~~والمخاض بفتح الميم وتخفيف المعجمة آخره معجمة وهي من الإبل ما استكمل ~~السنة الأولى ودخل في الثانية إلى آخرها سمي بذلك ذكرا كان أو أنثى لان أمه ~~من المخاض أي الحوامل لا واحد له من لفظه والماخض الحامل التي دخل وقت ~~حملها، وإن لم تحمل وضمير فيها للإبل التي بلغت خمسا وعشرين فإنها تجب فيها ~~بنت مخاض من حين تبلغ عدتها خمسا وعشرين إلى أن تنتهي إلى خمس وثلاثين، ~~وبهذا قال الجمهور، وروي عن علي عليه السلام أنه يجب في الخمس والعشرين خمس ~~شياه لحديث مرفوع ورد بذلك، وحديث موقوف عن علي عليه السلام، ولكن المرفوع ~~ضعيف والموقوف ليس بحجة فلذا لم يقل به الجمهور، (فإن لم تكن) أي توجد ~~(فابن لبون ذكر) هو من الإبل ما تستكمل السنة الثانية ودخل في الثالثة إلى ~~تمامها سمي بذلك لان أمه ذات لبن، ويقال: بنت اللبون للأنثى وإنما زاد ~~قوله: ذكر مع قوله ابن لبون للتأكيد كما لبون أنثى فإذا بلغت ستا وأربعين ~~إلى ستين ففيها حقة) بكسر الحاء المهملة وتشديد القاف، وهي من الإبل ما ~~استكمل السنة الثالثة ودخل في الرابعة إلى تمامها ويقال للذكر حق سميت بذلك ms0494 ~~لاستحقاقها أن يحمل عليها ويركبها الفحل، ولذلك قال : (طروق الجمل) بفتح ~~أوله أي مطروقته فعولة بمعنى مفعولة، والمراد من شأنها أن تقبل PageV02P121 # ذلك وإن لم يطرقها، (فإذا بلغت) أي الإبل (واحدة وستين إلى خمس وسبعين ~~ففيها جذعة) بفتح الجيم والذال المعجمة وهي التي أتت عليها أربع سنين ودخلت ~~في الخامسة ، (فإذا بلغت) أي الإبل (ستا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون) ~~تقدم بيانه، (فإذا بلغت) أي الإبل (إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها ~~حقتان طروقتا الجمل) تقدم بيانه، (فإذا زادت) أي الإبل (على عشرين ومائة) ~~أي واحدة فصاعدا كما هو قول الجمهور، ويدل له كتاب عمر رضي الله عنه، فإذا ~~كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون حتى تبلغ تسعا وعشرين ومائة ~~ومقتضاه أن ما زاد مائة وثلاثين، فإنه يجب فيها بنتا لبون وحقة، فإذا بلغت ~~مائة وأربعين فيها بنت لبون وحقة فإذا بلغت مائة وأربعين ففيها بنت لبون ~~وحقتان. وعن أبي حنيفة إذا زادت على عشرين ومائة رجعت إلى فريضة الغنم ~~فيكون في كل خمس وعشرين ومائة ثلاث بنات لبون وشاة. # قلت: والحديث إنما ذكر فيه حكم كل أربعين وخمسين فمع بلوغ إحدى وعشرين ~~ومائة يلزم ثلاث بنات لبون عن كل أربعين بنت لبون ولم يبين فيه الحكم في ~~الخمس والعشرين ونحوها فيحتمل ما قاله أبو حنيفة ويحتمل أنها وقص حتى تبلغ ~~مائة وثلاثين كما قدمناه والله أعلم (ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين ~~حقة ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها) أي ~~أن يخرج عنها نفلا منه، وإلا فلا واجب عليه فهو استثناء منقطع ذكر لدفع ~~توهم نشأ من قوله فليس فيه صدقة أن المنفي مطلق الصدقة لاحتمال اللفظ له ~~وإن كان غير مقصود. فهذه صدقة الإبل الواجبة فصلت في هذا الحديث الجليل ~~وظاهره وجوب أعيان ما ذكر، إلا أنه سيأتي قريبا أن لم يجد العين الواجبة ~~أجزأه غيرها. وأما زكاة الغنم فقد بينها قوله (وفي صدقة ms0495 الغنم في سائمتها) ~~بدل من صدقة الغنم بإعادة العامل وهو خبر مقدم. والسائمة من الغنم الراعية ~~غير المعلوفة. وأعلم أنه أفاد مفهوم السوم أنه شرط في وجوب زكاة الغنم ، ~~وقال به الجمهور. وقال مالك وربيعة: لا يشترط وقال أبو داود: يشترط في ~~الغنم لهذا الحديث. قلنا: وفي الإبل لما أخرجه أبو داود والنسائي من حديث ~~بهز بن حكيم بلفظ في كل سائمة إبل وسيأتي، نعم البقر لم يأت فيها ذكر السوم ~~وإنما قاسوها على الإبل والغنم (إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة) ~~بالجر تمييز مائة والشاة تعم الذكر والأنثى والضأن والمعز (شاة) مبتدأ خبره ~~ما تقدم من قوله في صدقة الغنم، فإن في الأربعين شاة إلى عشرين ومائة (فإذا ~~زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ~~ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل PageV02P122 # مائة شاة) ظاهر أنها لا تجب الشاة الرابعة حتى تفي أربعمائة وهو قول ~~الجمهور، وفي رواية عن أحمد وبعض الكوفيين إذا زادت على ثلاثمائة واحدة ~~وجبت الأربع (فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة فليس فيها ~~صدقة) واجبة (إلا أن يشاء ربها) اخراج صدقة نفلا كما سلف (ولا يجمع) ~~بالبناء للمفعول (بين متفرق ولا يفرق مثله مشدد الراء (بين مجتمع خشية ~~الصدقة) مفعول له. والجمع بين المفترق صورته أن يكون ثلاث نفر مثلا ولكل ~~واحد أربعون شاة وقد وجب على كل واحد منهم الصدقة فإذا وصل إليهم المصدق ~~جمعوها ليكون عليهم فيها شاة واحدة فنهوا عن ذلك. وصورة التفريق بين مجتمع ~~أن الخليطين لكل منهما مائة شاة وشاة فيكون عليهما فيها ثلاث شياه، فإذا ~~وصل إليهما المصدق فرقا غنمهما فلم يكن على كل واحد منهما سوى شاة واحدة، ~~فنهوا عن ذلك. قال ابن الأثير: هذا الذي سمعته في ذلك. وقال الخطابي: قال ~~الشافعي: الخطاب في هذا للمصدق ولرب المال. قال: والخشية خشيتان خشية ~~الساعي أن تقل الصدقة، وخشية رب المال أن يقل ماله فأمر كل ms0496 واحد منهما أن ~~لا يحدث في المال شيئا من الجمع والتفريق خشية الصدقة (وما كان من خليطين ~~فإنهما يتراجعان بينهما) والتراجع بين الخليطين أن يكون لأحدهما مثلا ~~أربعون بقرة وللآخر ثلاثون بقرة ، ومالهما مشترك، فأخذ الساعي عن الأربعين ~~مسنة، وعن الثلاثين تبيعا، فيرجع باذل المسنة بثلاثة أسباعها على خليطه، ~~وباذل التبيع بأربعة أسباعه على خليطه، لان كل واحد من السنين واجب على ~~الشيوع، كأن المال ملك واحد. وفي قوله (بالسوية) دليل على أن الساعي إذا ~~ظلم أحدهما، فأخذ منه زيادة على فرضه فإنه لا يرجع بها على شريكه، وإنما ~~يغرم له قيمة ما يخصه من الواجب دون الزيادة، كذا في الشرح، ولو قيل مثلا ~~إنه يدل أنهما يتساويان في الحق والظلم لما بعد الحديث عن إفادة ذلك. (ولا ~~يخرج) مبني للمجهول (في الصدقة هرمة) بفتح الهاء وكسر الراء: الكبيرة التي ~~سقطت أسنانها (ولا ذات عوار) بفتح العين المهملة وضمها وقيل بالفتح معيبة ~~العين وبالضم عوراء العين، ويدخل في ذلك المرض، والأولى أن تكون مفتوحة ~~ليشمل ذات العيب، فيدخل ما أفاده حديث أبي داود ولا تعطي الهرمة ولا الدرنة ~~ولا المريضة ولا الشرط اللئيمة ولكن من وسط أموالكم فإن الله لم يسألكم ~~خيره ولا أمركم بشره. انتهى والدرنة: الجرباء من الدرن الوسخ والشرطاء ~~اللئيمة هي رذال المال، وقيل: صغاره وشراره، قاله في النهاية (ولا تيس إلا ~~أن يشاء المصدق) اختلف في ضبطه فالأكثر على أنه بالتشديد وأصله المتصدق ~~أدغمت التاء بعد قلبها صادا، والمراد به: المالك. والاستثناء راجع إلى ~~الآخر وهو التيس، وذلك أنه إذا لم يكن معدا للانزاء فهو من الخيار وللمالك ~~أن يخرج الأفضل. ويحتمل رده إلى الجميع، ويفيد أن للمالك اخراج الهرمة وذات ~~العوار إذا كانت ثمينة، قيمتها أكثر من الوسط الواجب، وفي هذا PageV02P123 # خلاف بين المفرعين. وقيل إن ضبطه بالتخفيف، والمراد به الساعي فيدل على ~~أن له الاجتهاد في نظر الأصلح للفقراء، وأنه كالوكيل فتقيد مشيئته ~~بالمصلحة، فيعود الاستثناء إلى الجميع على هذا، وهذا إذا كانت الغنم ms0497 ~~مختلفة. فلو كانت معيبة كلها أو تيوسا أجزأه اخراج واحدة. وعن المالكية ~~يشتري شاة مجزئة عملا بظاهر الحديث. وهذه زكاة الغنم وتقدمت زكاة الإبل ~~وتأتي زكاة البقر. وأما الفضة فقد أفاد الواجب منها قوله (وفي الرقة) بكسر ~~الراء وتخفيف القاف وهي الفضة الخالصة (في مائتي درهم ربع العشر) أي يجب ~~اخراج ربع عشرها زكاة ويأتي النص على الذهب (فإن لم تكن) أي الفضة (إلا ~~تسعين) درهما (ومائة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها)، كما عرفت، وفي قوله ~~تسعين ومائة ما يوهم أنها إذا زادت على التسعين والمائة قبل بلوغ المائتين ~~أن فيها صدقة، وليس كذلك، بل إنما ذكره لأنه آخر عقد قبل المائة، والحساب ~~إذا جاوز الآحاد كان تركيبه بالعقود كالعشرات والمئين، والألوف، فذكر ~~التسعين لذلك. ثم ذكر حكما من أحكام زكاة الإبل قد أشرنا إلى أنه يأتي ~~بقوله (ومن بلغت عنده من الإبل صدقة عنده) أي في ملكه (وعنده حقة فإنها ~~تقبل منه الحقة) عوضا عن الجذعة (ويجعل معها) أي توفية لها (شاتين إن ~~استيسرنا له أو عشرين درهما) إذا لم تتيسر له الشاتان. وفي الحديث دليل أن ~~هذا القدر هو جبر التفاوت ما بين الحقة والجذعة (ومن بلغت عنده صدقة الحقة) ~~التي عرفت قدرها (وليست عنده الحقة ، وعنده الجذعة فإنها تقبل منه الجذعة) ~~وإن كانت زائدة على ما يلزمه، فلا يكلف تحصيل ما ليس عنده (ويعطيه المصدق) ~~مقابل ما زاد عنده (شاتين أو عشرين درهما) كما سلف فعكسه (رواه البخاري). ~~قد اختلف في قدر التفاوت في سائر الأسنان، فذهب الشافعي إلى أن التفاوت بين ~~كل سنين كما ذكر في الحديث. # وذهب الهادوية إلى أن الواجب هو زيادة فضل القيمة من رب المال أو رد ~~الفضل من المصدق، ويرجع فذلك إلى التقويم، قالوا: بدليل أنه ورد في رواية ~~عشرة دراهم أو شاة وما ذلك إلا أن التقويم يختلف باختلاف الزمان والمكان ~~فيجب الرجوع إلى التقويم، وقد أشار البخاري إلى ذلك فإنه أورد حديث أبي بكر ~~في باب أخذ ms0498 العروض من الزكاة وذكر في ذلك قول معاذ لأهل اليمن ائتوني بعرض ~~ثيابكم خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب ~~محمد (ص) بالمدينة ويأتي استيفاء ذلك. # (وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي (ص) بعثه إلى اليمن فأمره أن ~~يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا أو تبيعة) فيه أنه مخير بين الامرين ~~PageV02P124 # والتبيع ذو الحول ذكرا كان أو أنثى (ومن كل أربعين مسنة) وهي ذات الحولين ~~(ومن كل حالم دينارا) أي محتلم وقد أخرجه بهذا اللفظ أبو داود والمراد به ~~الجزية ممن لم يسلم (أو عدله) بفتح العين المهملة وسكون الدال المهملة ~~(معافريا) نسبة إلى معافر زنة مساجد حي في اليمن إليهم تنسب الثياب ~~المعافرية يقال ثوب معافري (رواه الخمسة واللفظ لأحمد وحسنه الترمذي وأشار ~~إلى اختلاف في وصله) لفظ الترمذي بعد اخراجه: وروى بعضهم هذا الحديث عن ~~الأعمش عن أبي وائل عن مسروق: أن النبي (ص) بعث معاذا إلى اليمن فأمره أن ~~يأخذ. قال: وهذا أصح، أي من روايته عن مسروق عن معاذ عن النبي (ص) (وصححه ~~ابن حبان والحاكم) وإنما رجح الترمذي الرواية المرسلة لان رواية الاتصال ~~اعترضت بأن مسروقا لم يلق معاذا. وأجيب عنه بأن مسروقا همداني النسب من ~~وداعة يماني الدار، وقد كان في أيام معاذ باليمن فاللقاء ممكن بينهما فهو ~~محكوم باتصاله على رأي الجمهور. قلت: وكأن رأي الترمذي رأي البخاري أنه لا ~~بد من تحقق اللقاء. والحديث دليل على وجوب الزكاة في البقر وأن نصابها ما ~~ذكر وهو مجمع عليه في الامرين. وقال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن ~~السنة في زكاة البقر على ما في حديث معاذ، وأنه النصاب المجمع عليه. وفيه ~~دلالة على أنه لا يجب فيما دون الثلاثين شئ. وفيه خلاف للزهري فقال: يجب في ~~كل خمس شاة قياسا على الإبل. وأجاب الجمهور بأن النصاب لا يثبت بالقياس ~~وبأنه قد روي ليس فيما دون ثلاثين من البقر شئ وهو وإن كان مجهول ms0499 الاسناد، ~~فمفهوم حديث معاذ يؤيده. # (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال: قال رسول الله (ص) ~~: تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم رواه أحمد، ولأبي داود) من حديث عمرو بن ~~شعيب (أيضا لا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم وعند النسائي وأبي داود في لفظ من ~~حديث عمرو أيضا لا جلب ولا جنب ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم أي لا تجلب ~~الماشية إلى المصدق بل هو الذي يأتي لرب المال. معنى لا جنب أنه حيث يكون ~~المصدق بأقصى مواضع أصحاب الصدقة فتجنب إليه، فنهي عن ذلك وفيه تفسير آخر ~~يخرجه عن هذا الباب. # والأحاديث دلت على أن المصدق هو الذي يأتي إلى رب المال، فيأخذ الصدقة، ~~ولفظ أحمد خاص بزكاة الماشية، ولفظ أبي داود عام لكل صدقة، وقد أخرج أبو ~~داود عن جابر بن عتيك مرفوعا سيأتيكم ركب مبغضون فإذا أتوكم فرحبوا بهم ~~وخلوا بينهم وبين ما يبتغون، فإن عدلوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها ~~وأرضوهم، وإن تمام زكاتكم رضاهم فهذا يدل أنهم ينزلون بأهل الأموال وأنهم ~~يرضونهم وإن ظلموهم، وعند أحمد من حديث أنس قال: أتى رجل من بني تميم فقال: ~~يا رسول الله إذا أديت الزكاة إلى رسولك، فقد برئت منها إلى الله ورسوله؟ ~~قال: نعم ولك أجرها وإثمها على من بدلها وأخرج مسلم حديث جابر مرفوعا أرضوا ~~مصدقكم في جواب ناس من الاعراب أتوه (ص) فقالوا: إن أناسا من المصدقين ~~يأتوننا فيظلموننا، إلا أن في البخاري أن من سئل أكثر مما وجب عليه فلا ~~يعطيه PageV02P125 # المصدق وجمع بينه وبين هذه الأحاديث أن ذلك حيث يطلب الزيادة على الواجب ~~من غير تأويل، وهذه الأحاديث حيث طلبها متأولا، وإن رآه صاحب المال ظالما. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): ليس على المسلم ~~عبده ولا في فرسه صدقة رواه البخاري ولمسلم) أي أبي هريرة (ليس في العبد ~~صدقة إلا صدقة الفطر) الحديث نص على أنه لا زكاة في العبيد ولا الخيل وهو ms0500 ~~إجماع فيما كان للخدمة والركوب. وأما الخيل المعدة للنتاج ففيها خلاف ~~للحنفية وتفاصيل واحتجوا بحديث في كل فرس سائمة دينار أو عشرة دراهم أخرجه ~~الدارقطني والبيهقي وضعفاه. وأجيب بأنه لا يقاوم حديث النفي الصحيح، واتفقت ~~هذه الواقعة في زمن مروان فتشاور الصحابة في ذلك فروى أبو هريرة الحديث ليس ~~على الرجل في عبده ولا فرسه صدقة فقال مروان لزيد بن ثابت: ما تقول يا أبا ~~سعيد؟ فقال أبو هريرة: عجبا من مروان أحدثه بحديث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو يقول: ما تقول يا أبا سعيد: فقال زيد : صدق رسول الله (ص) إنما ~~أراد به الفرس الغازي فأمر تاجر يطلب نسلها ففيها الصدقة، فقال: كم قال: في ~~كل فرس دينار أو عشرة دراهم. وقالت الظاهرية: # لا تجب الزكاة في الخيل، ولو كانت للتجارة، وأجيب بأن زكاة التجارة واجبة ~~بالاجماع، كما نقله ابن المنذر. قلت: كيف الاجماع، وهذا خلاف الظاهرية؟. # (وعن بهز) بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء والزاي (ابن حكيم) ابن معاوية ~~بن حيدة بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية وفتح الدال المهملة ~~القشيري بضم القاف وفتح المعجمة، وبهز تابعي مختلف في الاحتجاج به فقال ~~يحيى بن معين في هذه الترجمة: إسناد صحيح إذا كان من دون بهز ثقة، وقال أبو ~~حاتم: هو شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال الشافعي: ليس بحجة، وقال ~~الذهبي: ما تركه عالم قط عن أبيه عن جده) هو معاوية بن حيدة صحابي (قال: ~~قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: في كل سائمة إبل في أربعين بنت ~~لبون) تقدم في حديث أنس أن بنت اللبون تجب من ست وثلاثين إلى خمس وأربعين ~~فهو يصدق على أنه يجب في الأربعين بنت لبون، ومفهوم العدد هنا مطرح زيادة ~~ونقصانا لأنه عارضه المنطوق الصريح وهو حديث أنس (لا تفرق إبل عن حسابها) ~~معناه أن المالك لا يفرق ملكه عن ملك غيره حيث كانا خليطين كما تقدم (من ~~أعطاها مؤتجرا بها) أي قاصدا للأجر بإعطائها (فله أجرها، ms0501 ومن منعها فإنا ~~آخذوها وشطر ماله، عزمة) يجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف ونصبه على ~~المصدرية وهو مصدر مؤكد لنفسه، مثل: له علي ألف درهم اعترافا، والناصب له ~~فعل يدل عليه جملة فإنا آخذوها، والعزمة الجد في الامر يعني أن أخذ ذلك يجد ~~فيه لأنه واجب مفروض (من عزمات ربنا لا يحل لآل محمد منها شئ رواه أحمد ~~وأبو داود والنسائي، PageV02P126 # وصححه الحاكم وعلق الشافعي القول به على ثبوته) فإنه قال: هذا الحديث لا ~~يثبته أهل العلم بالحديث ولو ثبت لقلنا به، وقال ابن حبان كان - يعني بهزا ~~- يخطئ كثيرا ولولا هذا الحديث لأدخلته في الثقات وهو ممن أستخير الله فيه. ~~والحديث دليل على أنه يأخذ الامام الزكاة قهرا ممن منعها، والظاهر أنه مجمع ~~عليه، أن نية الامام كافية وأنها تجزئ من هي عليه ، وإن فاته الاجر فقط سقط ~~عنه الوجوب. وقوله: وشطر ماله هو عطف على الضمير المنصوب في آخذوها، ~~والمراد من الشطر البعض. وظاهره أذلك عقوبة بأخذ جزء من المال على منعه ~~اخراج الزكاة، وقد قيل: إن ذلك منسوخ ولم يقم مدعي النسخ دليلا على النسخ ~~بل دل على عدمه أحاديث أخر ذكره في الشرح. وأما قول المصنف: إنه لا دليل في ~~حديث بهز على جواز العقوبة بالمال لان الرواية وشطر ماله بضم الشين فعل ~~مبني للمجهول أي جعل ماله شطرين ويتخير عليه المصدق ويأخذ الصدقة من خير ~~الشطرين عقوبة لمنعه الزكاة. قلت: وفي النهاية ما لفظه: قال الحربي: غلط ~~الراوي في لفظ الرواية إنما هي وشطر ماله أي جعل ماله شطرين إلى آخر ما ~~ذكره المصنف، وإلى مثله جنح صاحب ضوء النهار فيه وفي غيره من رسائله، ~~وذكرنا في حواشيه أنه على هذه الرواية أيضا دال على جواز العقوبة بالمال إذ ~~الاخذ من خير الشطرين عقوبة بأخذ زيادة على الواجب إذ الواجب الوسط غير ~~الخيار. ثم رأيت الشارح أشار إلى هذا الذي قلناه في حواشي ضوء النهار قبل ~~الوقوف على كلامه، ثم رأيت النووي بعد مدة ms0502 طويلة يذكر ما ذكرناه بعينه ردا ~~على من قال إنه على تلك الرواية لا دليل فيه على جواز العقوبة بالمال ~~ولفظه: إذا تخير المصدق وأخذ من خير الشطرين فقد أخذ زيادة على الواجب وهي ~~عقوبة بالمال، إلا أن حديث بهز هذا لو صح فلا يدل إلا على هذه العقوبة ~~بخصوصها في مانع الزكاة لا غيره. وهذا الشطر المأخوذ يكون زكاة كله أي حكمه ~~حكمها أخذا ومصرفا لا يلحق بالزكاة غيرها في ذلك لأنه ألحق بالقياس ولا نص ~~على علته، وغير النص من أدلة العلة لا يفيد ظنا يعمل به، سيما وقد تقررت ~~حرمة مال المسلم بالأدلة القطعية كحرمة دمه، لا يحل أخذ شئ منه إلا بدليل ~~قاطع ولا دليل بل هذا الوارد في حديث بهز آحادي لا يفيد إلا الظن فكيف يؤخذ ~~به ويقدم على القطعي. ولقد استرسل أهل الامر في هذه الاعصار في أخذ الأموال ~~في العقوبة استرسالا ينكره العقل والشرع، وصارت تناط الولايات بجهال لا ~~يعرفون من الشرع شيئا ولا من الدين أمرا فليس همهم إلا قبض المال من كل من ~~لهم عليه ولاية، ويسمونه: أدبا وتأديبا ويصرفونه في حاجاتهم وأقواتهم وكسب ~~الأوطان وعمارة المساكن في الأوطان فإنا لله وإنا إليه راجعون . ومنهم من ~~يضيع حد السرقة أو شرب المسكر ويقبض عليه مالا. ومنهم من يجمع بينهما فيقيم ~~الحد ويقبض المال وكل ذلك محرم ضرورة دينية، لكنه شاب عليه الكبير وشب عليه ~~الصغير PageV02P127 # وترك العلماء النكير فزاد الشر في الامر الخطير. وقوله: لا تحل لآل محمد ~~يأتي الكلام في هذا الحكم مستوفي إن شاء الله تعالى. # (وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إذا كانت لك مائتا درهم ~~وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم) ربع عشرها (وليس عليك شئ) أي في الذهب ~~(حتى يكون لك عشرون دينارا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار، فما زاد ~~فبحساب ذلك، وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول رواه أبو داود وهو حسن ~~وقد اختلف في رفعه) أخرج ms0503 الحديث أبو داود مرفوعا من حديث الحارث الأعور إلا ~~قوله: فما زاد فبحساب ذلك قال: فلا أدري أعلي يقول فبحساب ذلك أو يرفعه إلى ~~النبي (ص)، وإلا قوله: ليس في المال زكاة إلى آخره انتهى فأفاد كلام أبي ~~داود أن في رفعه بجملته اختلافا، ونبه المصنف في التلخيص على أنه معلوم ~~وبين علته، ولكنه أخرج الدارقطني الجملة الأخرى من حديث ابن عمر مرفوعا ~~بلفظ لا زكاة في مال امرئ حتى يحول عليه الحول وأخرى أيضا عن عائشة مرفوعا ~~ليس في المال زكاة حتى يحول عليه الحول وله طريق أخرى عنها. والحديث دليل ~~على أن نصاب الفضة مائتا درهم وهو إجماع، وإنما الخلاف في قدر الدرهم فإن ~~فيه خلافا كثيرا سرده في الشرح ولم يأت بما يشفي وتسكن النفس إليه في قدره، ~~وفي شرح الدميري أن كل درهم ستة دوانيق وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، ~~والمثقال لم يتغير في جاهلية ولا إسلام ، قال: وأجمع المسلمون على هذا. ~~وقرر في المنار بعد بحث طويل أن نصاب الفضة من القروش الموجودة على رأي ~~الهادوية ثلاثة عشر قرشا، على رأي الشافعية أربعة عشر، وعلى رأي الحنفية ~~عشرون وتزيد قليلا. وأن نصاب الذهب عند الهادوية خمسة عشر أحمر، وعشرون عند ~~الحنفية ثم قال : وهذا تقريب. وفيه أن قدر زكاة المائتي الدرهم ربع العشر ~~وهو إجماع. وقوله فما زاد فبحساب ذلك قد عرفت أن في رفعه خلافا وعلى ثبوته ~~فيدل على أنه يجب في الزائد، وقال بذلك جماعة من العلماء وروي عن علي وعن ~~ابن عمر أنهما قالا: ما زاد على النصاب من الذهب والفضة ففيه أي الزائد ربع ~~العشر في قليله وكثيره، وأنه لا وقص فيهما. ولعلهم يحملون حديث جابر الآتي ~~بلفظ وليس فيما دون خمس أواق صدقة على ما إذا انفردت عن نصاب منهما إلا إذا ~~كانت مضافة إلى نصاب منهما وهذا الخلاف في الذهب والفضة. وأما الحبوب فقال ~~النووي في شرح مسلم: # إنهم أجمعوا فيما زاد على خمسة أوسق أنها تجب زكاته بحسابه ms0504 وأنه لا أوقاص ~~فيها اه‍. وحملوا ما يأتي من حديث أبي سعيد بلفظ وليس فيما دون خمسة أوساق ~~من تمر ولا حب صدقة على ما لم ينضم إلى خمسة أوسق وهذا يقوي مذهب علي وابن ~~عمر رضي الله عنهم الذي قدمناه في النقدين. وقوله: وليس عليك شئ حتى يكون ~~لك عشرون دينارا فيه حكم نصاب الذهب وقدر زكاته وأنه عشرون دينارا وفيها ~~نصف دينار، وهو أيضا ربع عشرها، وهو عام لكل فضة وذهب مضروبين أو غير ~~مضروبين، وفي حديث أبي سعيد مرفوعا أخرجه الدارقطني PageV02P128 # وفيه ولا يحل في الورق زكاة حتى يبلغ خمس أواق وأخرج أيضا من حديث جابر ~~مرفوعا ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة. وأما الذهب ففيه هذا الحديث ~~ونقل المصنف عن الشافعي أنه قال: فرض رسول الله (ص) في الورق صدقة فأخذ ~~المسلمون بعده في الذهب صدقة إما بخبر لم يبلغنا وإما قياسا. وقال ابن عبد ~~البر: لم يثبت عن النبي (ص) في الذهب شئ من جهة نقل الآحاد الثقات، وذكر ~~هذا الحديث الذي أخرجه أبو داود وأخرجه الدارقطني. قلت: لكن قوله تعالى: * ~~(وللذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقوا منها في سبيل الله) * الآية منبه ~~على أن في الذهب حقا لله، وأخرج البخاري وأبو داود وابن المنذر وابن أبي ~~حاتم وابن مردويه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص) : ما من صاحب ~~ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا جعلت له يوم القيامة صفائح وأحمي عليه ~~الحديث، فحقها هو زكاتها وفي الباب عدة أحاديث يشد بعضها سردها في الدر ~~المنثور. ولا بد في نصاب الذهب والفضة من أن يكونا خالصين من الغش، وفي شرح ~~الدميري على المنهاج أنه إذا كان الغش يماثل أجرة الضرب والتلخيص فيتسامح ~~به وبه عمل الناس على الاخراج منها. ودل الحديث على أنه لا زكاة في المال ~~حتى يحول عليه الحول، وهو قول الجماهير وفيه خلاف لجماعة من الصحابة ~~والتابعين وبعض الآل وداود فقالوا: إنه لا يشترط الحول لاطلاق ms0505 حديث وفي ~~الرقة ربع العشر وأجيب بأنه مقيد بهذا الحديث وما عضده من الشواهد، ومن ~~شواهده أيضا: # (وللترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما: من استفاد مالا فلا زكاة عليه حتى ~~يحول عليه الحول) رواه مرفوعا (والراجح وفقه) إلا أن له حكم الرفع إذ لا ~~مسرح للاجتهاد فيه، ويؤيده آثار صحيحة عن الخلفاء الأربعة وغيرهم فإذا حال ~~عليه الحول فينبغي المبادرة بإخراجها. فقد أخرج الشافعي والبخاري في ~~التاريخ من حديث عائشة مرفوعا ما خالطت الصدقة مالا قط إلا أهلكته وأخرج ~~الحميدي وزاد يكون قد وجب عليك في مالك صدقة فلا تخرجها فيهلك الحرام ~~الحلال قال ابن تيمية في المنتقى: قد احتج به من يرى تعلق الزكاة بالعين. # (وعن علي رضي الله عنه قال: ليس في البقر العوامل صدقة، رواه أبو داود ~~والدارقطني والراجح وقفه) قال المصنف: قال البيهقي: رواه النفيلي عن زهير ~~بالشك في وقفه ورفعه إلا أن ذكره المصنف بلفظ ليس في البقر العوامل شئ ~~ورواه بلفظ الكتاب من حديث ابن عباس ونسبه للدارقطني وفيه متروك، وأخرجه ~~الدارقطني من حديث علي عليه السلام وأخرجه من حديث جابر إلا أنه بلفظ ليس ~~في البقر المثيرة صدقة وضعف البيهقي إسناده. والحديث دليل على أنه لا يجب ~~في البقر العوامل شئ وظاهره سواء كانت سائمة أو معلوفة وقد ثبتت شرطية ~~السوم في الغنم في البخاري وفي الإبل في حديث بهز عند أبي داود والنسائي، ~~قال الدميري: وألحقت البقر بهما. # (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو رضي الله عنهم أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من ولي يتيما له مال فليتجر له ولا ~~يتركه حتى تأكله PageV02P129 # الصدقة. رواه الترمذي والدارقطني وإسناده ضعيف لان فيه المثنى بن الصباح ~~في رواية الترمذي والمثنى ضعيف ورواية الدارقطني فيها مندل بن علي والعرزمي ~~متروك ولكن قال المصنف: (وله) أي لحديث عمرو (شاهد مرسل عند الشافعي) هو ~~قوله (ص) : ابتغوا في أموال الأيتام لا تأكلها الزكاة أخرجه من رواية ابن ms0506 ~~جريج عن يوسف بن ماهك مرسلا وأكده الشافعي بعموم الأحاديث الصحيحة في إيجاب ~~الزكاة مطلقا ، وقد روي مثل حديث عمرو أيضا عن أنس وعن ابن عمرو موقوفا، ~~وعن علي عليه السلام فإنه أخرج الدارقطني من حديث أبي رافع قال: لآل أبي ~~رافع أموال عند علي فلما دفعها إليهم وجدوها تنقص فحسبوها مع الزكاة ~~فوجدوها تامة فأتوا عليا فقال: كنتم ترون أيكون عندي مال لا أزكيه. وعن ~~عائشة أخرجه مالك في الموطأ أنها كانت تخرج زكاة أيتام كانوا في حجرها. ففي ~~الكل دلالة على وجوب الزكاة في مال الصبي كالمكلف، ويجب على وليه الاخراج ~~وهو رأي الجمهور، وروي عن ابن مسعود أنه يخرجه الصبي بعد تكليفه، وذهب ابن ~~عباس وجماعة إلى أنه يلزمه اخراج العشر من ماله لعموم أدلته لا غيره لحديث ~~رفع القلم. قلت: ولا يخفى أنه لا دلالة فيه وأن العموم في العشر أيضا حاصل ~~في غيره كحديث في الرقة ربع العشر ونحوه: # (وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما قال: كان رسول الله (ص) إذا ~~أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل عليهم متفق عليه) هذا منه صلى الله عليه ~~وسلم امتثالا لقوله تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة) * - إلى قوله - * (وصل ~~علهم) * فإنه أمر الله بالصلاة عليهم ففعلها بلفظها حيث قال: اللهم صل على ~~آل أبي فلان وقد ورد أنه دعا لهم بالبركة كما أخرجه النسائي أنه قال في رجل ~~بعث بالزكاة: اللهم بارك فيه وفي أهله. وقال بعض الظاهرية بوجوب ذلك على ~~الامام كأنه أخذه من الامر في الآية، ورد بأنه لو وجب لعلمه (ص) السعاة ولم ~~ينقل، فالامر محمول في الآية على أنه خاص به (ص) فإنه الذي صلاته سكن لهم. ~~واستدل بالحديث على جواز الصلاة على غير الأنبياء، وأنه يدعو المصدق بهذا ~~الدعاء لمن أتى بصدقة، وكرهه مالك. وقال الخطابي: أصل الصلاة الدعاء إلا ~~أنه يختلف بحسب المدعو له فصلاة النبي (ص) على أمته دعاء لهم بالمغفرة، ~~وصلاتهم عليه دعاء له بزيادة القربى والزلفى ms0507 ولذلك كان لا يليق بغيره. # (وعن علي رضي الله عنه: أن العباس رضي الله عنه سأل النبي (ص) في تعجيل ~~صدقته قبل أن تحل فرخص له في ذلك. رواه الترمذي والحاكم) قال الترمذي: # وفي الباب عن ابن عباس: قال: وقد اختلف أهل العلم في تعجيل الزكاة قبل ~~محلها، ورأي طائفة من أهل العلم أن لا يعجلها وبه يقول سفيان. وقال أكثر ~~أهل العلم: إن عجلها قبل محلها أجزأت عنه. انتهى وقد روى الحديث أحمد ~~وأصحاب السنن والبيهقي وقال: قال الشافعي روى أنه (ص) تسلف صدقة مال العباس ~~قبل أن تحل ولا أدري أثبت PageV02P130 # أم لا؟ قال البيهقي: عنى بذلك هذا الحديث وهو معتضد بحديث أبي البحتري عن ~~علي عليه السلام أن النبي (ص) قال: إنا كنا احتجنا فأسلفنا العباس صدقة ~~عامين ورجاله ثقات إلا أنه منقطع. وقد ورد هذا من طرق بألفاظ مجموعها يدل ~~أنه (ص) تقدم من العباس زكاة عامين، واختلف الروايات هل هو استلف ذلك أو ~~تقدمه ولعلهما واقعان معا. وهو دليل على جواز تعجيل الزكاة. وإليه ذهب ~~الأكثر كما قاله الترمذي وغيره ، ولكنه مخصوص جوازه بالمالك، ولا يصح من ~~المتصرف بالوصاية والولاية، واستدل من منع التعجيل مطلقا بحديث: إنه لا ~~زكاة حتى يحول الحول كما دلت له الأحاديث التي تقدمت . والجواب أنه لا وجوب ~~حتى يحول عليه الحول، وهذا لا ينفي جواز التعجيل. وبأنه كالصلاة قبل الوقت، ~~وأجيب بأنه لا قياس مع النص. # (وعن جابر رضي الله عنه عن رسول الله (ص) قال: ليس فيما دون خمس أواق) ~~ووقع في مسلم أواقي بالياء وفي غيره بحذفها وكلاهما صحيح فإنه جمع أوقية ~~ويجوز في جمعهما الوجهان كما صرح به أهل اللغة (من الورق) بفتح الواو ~~وكسرها وكسر الراء وإسكانها الفضة مطلقا (صدقة، وليس فيما دون خمس ذود) فتح ~~الذال المعجمة وسكون الواو المهملة هي ما بين الثلاث إلى العشر (من الإبل) ~~لا واحد له من لفظه (صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من الثمر) بالمثلثة ~~مفتوحة والميم (صدقة ms0508 رواه مسلم). الحديث صرح بمفاهيم الاعداد التي سلفت في ~~بيان الأنصباء، إذ قد عرفت أنه تقدم أن نصاب الإبل خمس، ونصاب الفضة مائتا ~~درهم - وهي خمس أواق -، وأما نصب الطعام فلم يتقدم وإنما عرف هذا بنفي ~~الواجب فيما دون خمسة أوسق أنه يجب في الخمسة بمفهوم النفي. # (وله) أي لمسلم وهو: (من حديث أبي سعيد رضي الله عنه ليس فيما دون خمسة ~~أوساق من تمر) بالمثناة الفوقية (ولا حب صدقة وأصل حديث أبي سعيد متفق ~~عليه) الحديث تصريح أيضا بما سلف من مفاهيم الأحاديث إلا التمر فلم يتقدم ~~فيه شئ. والأوساق جمع وسق بفتح الواو وكسرها، والوسق ستون صاعا والصاع ~~أربعة أمداد فالخمسة الأوساق ثلاثمائة صاع، والمد: رطل وثلث، قال الداودي: ~~معياره الذي لا يختلف أربع حفنات بكفي الرجل الذي ليس بعظيم الكفين ولا ~~صغيرهما، قال صاحب القاموس بعد حكايته لهذا القول: وجربت ذلك فوجدته صحيحا. ~~انتهى. والحديث دليل على أنه لا زكاة فيما لم يبلغ هذه المقادير من الورق ~~والإبل والثمر والتمر لطفا من الله بعباده وتخفيفا وهو اتفاق في الأولين ~~وأما الثالث ففيه خلاف بسبب ما عارضه من الحديث بعده وهو قوله: # (وعن سالم بن عبد الله) بن عمر (عن أبيه رضي الله عنهما) عبد الله ابن ~~عمر (عن النبي (ص) قال: فيما سقت السماء) بمطر أو ثلج أو برد أو طل ~~(والعيون) الأنهار الجارية التي يسقى منها بإساحة الماء من غير اغتراف له ~~(أو كان عثريا) بفتح المهملة PageV02P131 # وفتح المثلثة وكسر الراء وتشديد المثناة التحتية، قال الخطابي: هو الذي ~~يشرب بعروقه لأنه عثر على الماء وذلك حيث كان الماء قريبا من وجه الأرض، ~~فيغرس عليه فيصل الماء إلى العروق من غير سقي، وفيه أقوال أخر وما ذكرناه ~~أقربها (العشر) مبتدأ خبره ما تقدم من قوله فيما سقت أو أنه فاعل محذوف أي ~~فيما ذكر يجب (وفيما سقي بالنضح) بفتح النون وسكون الضاد فحاء مهملة: ~~السانية من الإبل والبقر وغيرها من الرجال (نصف العشر رواه البخاري ولأبي ~~داود) ms0509 من حديث سالم (إذا كان بعلا) عوضا عن قوله عثريا وهو بفتح الموحدة ~~وضم العين المهملة كذا في الشرح وفي القاموس إنه ساكن العين فسر بأنه كل ~~نخل وشجر وزرع لا يسقى أو ما سقته السماء وهو النخل الذي يشرب بعروقه العشر ~~وفيما سقي بالسواني أو النضح) دل عطفه عليه على التغاير ، وأن السواني ~~المراد بها الدواب، والنضح ما كان بغيرها كنضح الرجال بالآلة والمراد من ~~الكل ما كان سقيه بتعب وعناء (نصف العشر). وهذا الحديث دل على التفرقة بين ~~ما سقي بالسواني وبين ما سقي بماء السماء والأنهار، وحكمته واضحة وهو زيادة ~~التعب والعناء، فنقص بعض ما يجب رفقا من الله تعالى بعباده. ودل على أنه ~~يجب في قليل ما أخرجت الأرض وكثيره الزكاة، على ما ذكر، وهذا معارض بحديث ~~جابر وحديث أبي سعيد، واختلف العلماء في الحكم في ذلك. فالجمهور أن حديث ~~الأوساق مخصص لحديث سالم وأنه لا زكاة فيما لم يبلغ الخمسة الأوساق. وذهب ~~جماعة منهم زيد بن علي وأبو حنيفة إلى أنه لا يخص بل يعمل بعمومه فيجب في ~~قليل ما أخرجت الأرض وكثيره. والحق مع أهل القول الأول لان حديث الأوساق ~~حديث صحيح ورد لبيان القدر الذي تجب فيه الزكاة، كما ورد حديث مائتي الدرهم ~~لبيان ذلك مع ورود في الرقة ربع العشر، ولم يقل أحد إنه يجب في قليل الفضة ~~وكثيرها الزكاة وإنما الخلاف هل يجب في القليل منها إذا كانت قد بلغت ~~النصاب كما عرفت وذلك لأنه لم يرد حديث في الرقة ربع العشر إلا لبيان أن ~~هذا الجنس تجب فيه الزكاة، وأما قدر ما يجب فيه فموكول إلى الحديث التبيين ~~له بمائتي درهم فكذا هنا قوله فيما سقت السماء العشر أي في هذا الجنس يجب ~~العشر وأما بيان ما يجب فيه فموكول إلى حديث الأوساق، وزاده إيضاحا قوله في ~~الحديث ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة كأنه ما ورد إلا لدفع ما يتوهم من عموم ~~فيما سقت السماء العشر كما ورد ذلك ms0510 في قوله وليس فيما دون خمسة أوقي من ~~الورق صدقة ثم إذا تعارض العام والخاص كان العمل بالخاص عند جهل التاريخ ~~كما هنا فإنه أظهر الأقوال في الأصول. # (وعن أبي موسى الأشعري ومعاذ رضي الله عنهما أن النبي (ص) قال لهما:) حين ~~بعثهما إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم: (لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه ~~الأصناف الأربعة الشعير والحنطة والزبيب والتمر رواه الطبراني والحاكم) ~~والدارقطني . قال البيهقي رواته ثقات ومتصل وروى الطبراني من حديث موسى بن ~~طلحة عن عمر PageV02P132 # إنما سن رسول الله (ص) الزكاة في هذه الأربعة - فذكرها قال أبو زرعة: إنه ~~مرسل. والحديث دليل على أنه لا تجب الزكاة إلا في الأربعة المذكورة لا غير ~~وإلى ذلك ذهب الحسن البصري والحسن بن صالح والثوري والشعبي وابن سيرين وروي ~~عن أحمد ، ولا يجب عندهم في الذرة ونحوها. وأما حديث عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده فذكر الأربعة وفيه زيادة الذرة رواه الدارقطني من دون ذكر الذرة، ~~وابن ماجة بذكرها فقد قال المصنف: إنه حديث واه، وفي الباب مراسيل فيها ذكر ~~الذرة قال البيهقي: إنه يقوى بعضها بعضا كذا قال، والأظهر أنها لا تقاوم ~~حديث الكتاب وما فيه من الحصر. وقد ألحق الشافعي الذرة بالقياس على الأربعة ~~المذكورة بجامع الاقتيات في الاختيار، واحترز بالاختيار عما يقتات في ~~المجاعات فإنها لا تجب فيه، فمن كان رأيه العمل بالقياس لزمه، هذا إن قام ~~الدليل على أن العلة الاقتيات ومن لا يراه دليلا لم يقل به. وذهب الهادوية ~~إلى إنها تجب في كل ما أخرجت الأرض لعموم الأدلة نحو فيما سقت السماء العشر ~~إلا الحشيش والحطب لقوله صلى الله عليه وسلم: الناس شركاء في ثلاث وقاسوا ~~الحطب على الحشيش قال الشارح: # والحديث أي حديث معاذ وأبي موسى وارد على الجميع، والظاهر مع من قال به. ~~قلت: لأنه حصر لا يقاومه العموم ولا القياس، وبه يعرف أنه لا يقاومه حديث ~~خذ الحب من الحب الحديث أخرجه أبو داود لأنه عموم، فالأوضح دليلا مع ms0511 ~~الحاضرين للوجوب في الأربعة ، وقال في المنار: إن ما عدا الأربعة محل ~~احتياط أخذا وتركا، والذي يقوى أنه لا يؤخذ من غيرها. قلت: الأصل المقطوع ~~به حرمة مال المسلم ولا يخرج عنه إلا بدليل قاطع وهذا المذكور لا يرفع ذلك ~~الأصل وأيضا فالأصل براءة الذمة وهذان الأصلان لم يرفعهما ذليل يقاومهما ~~فليس محل الاحتياط إلا ترك الاخذ من الذرة وغيرها مما لم يأت به إلا مجرد ~~العموم الذي قد ثبت تخصيصه. # (وللدارقطني عن معاذ رضي الله عنه قال: فأما القثاء والبطيخ والرمان ~~والقصب) بالقاف والصاد المهملة والضاد المعجمة معا (فعفو عفا عنه رسول الله ~~(ص). وإسناده ضعيف) لان في إسناده محمد بن عبد الله العزرمي بفتح العين ~~المهملة وسكون الزاي وفتح الراء كذا في حواشي بلوغ المرام بخط السيد محمد ~~بن إبراهيم بن المفضل رحمه الله، والذي في الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده قال: سئل عبد الله بن عمرو عن نبات الأرض البقل والقثاء ~~والخيار فقال: ليس في البقول زكاة فهذا الذي من رواية محمد بن عبيد الله ~~العرزمي، وأما رواية معاذ التي في الكتاب فقال المصنف في التلخيص: فيها ضعف ~~وانقطاع إلا أن معناه قد أفاده الحصر في الأربعة الأشياء المذكورة في ~~الحديث الأول وحديث ليس في الخضروات صدقة أخرجه الدارقطني مرفوعا من طريق ~~موسى بن طلحة عن معاذ. وقول الترمذي لم يصح رفعه: إنما يريد المرسل من حديث ~~موسى بن طلحة عن النبي (ص). فموسى بن طلحة تابعي عدل يلزم من يقبل المراسيل ~~قبول ما أرسله. وقد ثبت عن علي وعمر موقوفا وله حكم الرفع. والخضروات ما لا ~~يكال ولا يقتات PageV02P133 # (وعن سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة ~~(قال: أمرنا رسول الله (ص) إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث) لأهل المال (فإن ~~لم تدعوا الثلث فدعوا الربع. رواه الخمسة إلا ابن ماجة وصححه ابن حبان ~~والحاكم) وفي إسناده مجهول الحال كما قال ابن القطاع لكن قال الحاكم: له ms0512 ~~شاهد متفق على صحته، أن عمر أمر به، كأنه أشار إلى ما أخرجه عبد الرزاق ~~وابن أبي شبية وأبو عبيد أن عمر كان يقول للخارص : دع لهم قدر ما يأكلون ~~وقدر ما يقع وأخرج ابن عبد البر عن جابر مرفوعا خففوا في الخرص فإن في ~~المال العرية والوطية والآكلة الحديث. وقد اختلف في معنى الحديث على قولين: ~~أحدهما: أن يترك الثلث أو الربع من العشر. وثانيهما: أن يترك ذلك من نفس ~~الثمر قبل أن يعشر. وقال الشافعي: معناه أن يدع ثلث الزكاة أو ربعها ~~ليفرقها هو بنفسه على أقاربه وجير انه، وقيل: يدع له ولأهله قدر ما يأكلون ~~ولا يخرص، قال في الشرح: # والأولى الرجوع إلى ما صرحت به رواية جابر وهو التخفيف في الخرص ويترك من ~~العشر قدر الربع أو الثالث فإن الأمور المذكورة قد لا تدرك الحصاد فلا تجب ~~فيها الزكاة. قال ابن تيمية: # إن الحديث جار على قواعد الشريعة ومحاسنها موافق لقوله صلى الله عليه ~~وسلم: ليس في الخضراوات صدقة لأنه قد جرت العادة أنه لا بد لرب المال بعد ~~كمال الصلاح أن يأكل هو وعياله ويطعموا الناس ما لا يدخر ولا يبقى فكان ما ~~جرى العرف بإطعامه وأكله بمنزلة الخضروات التي لا تدخر، يوضح ذلك بأن هذا ~~العرف الجاري بمنزلة ما لا يمكن تركه، فإنه لا بد للنفوس من الأكل من ~~الثمار الرطبة، ولا بد من الطعام بحيث يكون ترك ذلك مضرا بها وشاقا عليها ~~انتهى. # (وعن عتاب رضي الله عنه) بفتح المهملة وتشديد المثناة الفوقية آخره موحدة ~~(ابن أسيد) بفتح الهمزة وكسر السين المهملة وسكون المثناة التحتية (قال: ~~أمر رسول الله (ص) أن يخرص العنب كما يخرص النخل وتؤخذ زكاته زبيبا رواه ~~الخمس وفيه انقطاع) لأنه رواه سعيد بن المسيب عن عتاب، وقد قال أبو داود: ~~إنه لم يسمع منه، قال أبو حاتم: # الصحيح عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عتابا، مرسل، ~~قال النوري: # هذا الحديث وإن كان مرسلا فهو ms0513 يعتضد بقول الأئمة. والحديث دليل على وجوب ~~خرص الثمر والعنب، لان قول الراوي أمر يفهم أنه أتى (ص) بصيغة تفيد الامر، ~~والأصل فيه الوجوب، وبالوجوب قال الشافعي: وقال الهادوية: إنه مندوب. وقال ~~أبو حنيفة: # إنه محرم، لأنه رجم بالغيب. وأجيب عنه بأنه عمل بالظن ورد به أمر الشارع. ~~ويكفي فيه خارص واحد عدل لان الفاسق لا يقبل خبره، عارف لان الجاهل بالشئ ~~ليس من أهل الاجتهاد فيه، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث عبد الله بن ~~رواحة وحده يخرص على أهل خيبر، ولأنه كالحاكم يجتهد ويعمل. فإن أصابت ~~الثمرة جائحة بعد الخرص فقال PageV02P134 # ابن عبد البر: أجمع من يحفظ عنه العلم أن المخروص إذا أصابته جائحة قبل ~~الجذاذ فلا ضمان . وفائدة الخرص أمن الخيانة من رب المال ولذلك يجب عليه ~~البينة في دعوى النقص بعد الخرص، وضبط حق الفقراء على المالك، ومطالبة ~~المصدق بقدر ما خرصه، وانتفاع المالك بالأكل ونحوه. # واعلم أن النص ورد بخرص النخل والعنب، قيل: ويقاس عليه غيره مما يمكن ~~ضبطه وإحاطة النظر به. وقيل يقتصر على محل النص. وهو الأقرب لعدم النص على ~~العلة. وعند الهاوية والشافعية أنه لا خرص في الزرع لتعذر ضبطه لاستتاره ~~بالقشر. وإذا ادعى المخروص عليه النقص بسبب يمكن إقامة البينة عليه وجب ~~إقامتها، وإلا صدق بيمينه. وصفة الخرص أن يطوف بالشجرة، ويرى جميع ثمرتها ~~ويقول: خرصها كذا وكذا رطبا، ويجئ منه كذا وكذا يابسا. # (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن امرأة) هي أسماء بنت ~~يزيد بن السكن (أتت النبي (ص) ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان ~~غليظتان) بفتح الميم وفتح السين المهملة والواحدة مسكة وهي الأسورة ~~والخلاخيل (من ذهب فقال لها: # أتعطين زكاة هذه؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة ~~سوارين من نار؟ فألقتهما. رواه الثلاثة وإسناده قوي) ورواه أبو داود من ~~حديث حسين المعلم وهو ثقة فقول الترمذي إنه لا يعرف إلا من طريق ابن لهيعة ~~غير صحيح ms0514 (وصححه الحاكم من حديث عائشة) وحديث عائشة أخرجه الحاكم وغيره ~~ولفظه إنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى في يدها فتخات من ~~ورق فقال: ما هذا يا عائشة؟ # فقالت: صغتهن لأتزين لك بهن يا رسول الله، فقال: أتؤدين زكاتهن؟ قالت: ~~لا، قال: هن حسبك من النار. قال الحاكم: إسناده على شرط الشيخين. والحديث ~~دليل على وجوب الزكاة في الحلية وظاهره أنه لا نصاب لها لامره صلى الله ~~عليه وسلم بتزكية هذه المذكورة ولا تكون خمس أواقي في الأغلب، وفي المسألة ~~أربعة أقوال: الأول: وجوب الزكاة وهو مذهب الهادوية وجماعة من السلف وأحد ~~أقوال الشافعي عملا بهذه الأحاديث. والثاني : لا تجب الزكاة في الحلية، وهو ~~مذهب مالك وأحمد والشافعي في أحد أقواله، لآثار وردت عن السلف قاضية بعد ~~وجوبها في الحلية ولكن بعد صحة الحديث لا أثر للآثار. والثالث: أن زكاة ~~الحلية عاريتهما، كما روى الدارقطني عن أنس وأسماء بنت أبي بكر. الرابع: ~~أنها تجب فيها الزكاة مرة واحدة رواه عن أنس. وأظهر الأقوال دليلا وجوبها ~~لصحة الحديث وقوته وأما نصابها فعند الموجبين نصاب النقدين، وظاهر حديثها ~~الاطلاق وكأنهم قيدوه بأحاديث النقدين ويقوي الوجوب قوله: # (وعن أم سلمة رضي الله عنها كانت تلبس أوضاحا) في النهاية هي نوع من ~~الحلي يعلم من الفضة سميت بها بياضها واحدها وضح انتهى وقوله (من ذهب) يدل ~~على أنها تسمى إذا كانت من الذهب أوضاحا (فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ أي ~~فدخل تحت آية * (الذين يكنزون الذهب والفضة) * (قال: إذا أديت زكاته فليس ~~بكنز، PageV02P135 # رواه أبو داود والدار قطني وصححه الحاكم). فيه دليل كما في الذي قبله على ~~وجوب زكاة الحلية، وأن كل مال أخرجت زكاته ليس بكنز فلا يشمله الوعيد في ~~الآية. # (وعن سمرة بن جندب رضي الله عنهما قال: كان رسول الله (ص) يأمرنا أن نخرج ~~الصدقة من الذي نعده للبيع رواه أبو داود وإسناده لين) لأنه من رواية ~~سليمان بن سمرة وهو مجهول وأخرجه الدارقطني والبزار من حديثه ms0515 أيضا. والحديث ~~دليل على وجوب الزكاة في مال التجارة. واستدل للوجوب أيضا بقوله تعالى: * ~~(وأنفقوا من طيبات ما كسبتم) * قال مجاهد: نزلت في التجارة. وبما أخرجه ~~الحاكم أنه (ص) قال: في الإبل صدقتها وفي البقر صدقتها وفي البز صدقته ~~والبز بالباء الموحدة والزاي المعجمة ما يبيعه البزازون، كذا ضبطه ~~الدارقطني والبيهقي. قال ابن المنذر: الاجماع قائم على وجوب الزكاة في مال ~~التجارة، وممن قال بوجوبها الفقهاء السبعة قال: لكن لا يكفر جاحدها ~~للاختلاف فيها. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: وفي الركاز) بكسر ~~الراء آخره زاي: المدفون يؤخذ من غير أن يطلب بكثير عمل (الخمس متفق عليه). ~~للعلماء في الحقيقة الركاز قولان. الأول: أنه المال المدفون في الأرض من ~~كنوز الجاهلية. الثاني: أنه المعادن. قال مالك بالأول قال: وأما المعادن ~~فتؤخذ فيها الزكاة لأنها بمنزلة الزرع ومثله قال الشافعي. وإلى الثاني ذهبت ~~الهادوية وهو قول أبي حنيفة. ويدل للأول قوله (ص): العجماء جبار والمعدن ~~جبار وفي الركاز الخمس أخرجه البخاري فإنه ظاهر أنه غير المعدن وخص الشافعي ~~الركاز بالذهب والفضة لما أخرجه البيهقي: أنهم قالوا: وما الركاز يا رسول ~~الله؟ قال: الذهب والفضة التي خلقت في الأرض يوم خلقت إلا أنه قيل: إن هذا ~~التفسير رواية ضعيفة واعتبر النصاب الشافعي ومالك وأحمد عملا بحديث ليس ~~فيما دون خمس أواق صدقة في نصاب الذهب والفضة وإلى أنه يجب ربع العشر ~~بحديث: وفي الرقة ربع العشر بخلاف الركاز: فيجب فيه الخمس ولا يعتبر فيه ~~النصاب، ووجه الحكمة في التفرقة أن أخذ الركاز بسهولة من غير تعب، بخلاف ~~المستخرج من المعدن فإنه لا بد فيه من المشقة. وذهبت الهادوية إلى أنه يجب ~~الخمس في المعدن والركاز وأنه لا تقدير لهما بالنصاب بل يجب في القليل ~~والكثير وإلى أنه يعم كل ما استخرج من البحر والبر من ظاهرهما أو باطنهما ~~فيشمل الرصاص والنحاس والحديد والنفط والملح والحب والحشيش. والمتيقن ~~بالنص: الذهب والفضة، وما عداهما الأصل فيه عدم الوجوب حتى ms0516 يقوم الدليل، ~~وقد كانت هذه الأشياء موجودة في عصر النبوة ولا يعلم أنه أخذ فيها خمسا ولم ~~يرد إلا حديث الركاز وهو في الأظهر في الذهب والفضة وآية * (واعلموا أنما ~~علمتم من شئ) * وهي في غنائم الحرب. # (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم أن رسول الله (ص) قال ~~PageV02P136 # في كنز وجده رجل في خربة: إن وجدته في قرية مسكونة فعرفه، وإن وجدته في ~~قرية غير مسكونة ففيه وفي الركاز الخمس أخرجه ابن ماجة بإسناد حسن) في ~~قوله: ففيه وفي الركاز بيان أنه قد صار ملكا لواجده وأنه يجب عليه اخراج ~~خمسه وهذا الذي يجده في قرية لم يسمه الشارع ركازا لأنه لم يستخرجه من باطن ~~الأرض بل ظاهره أنه وجد في ظاهر القرية. وذهب الشافعي ومن تبعه إلى أنه ~~يشترط في الركاز أمران: كونه جاهليا، وكونه في موات، فإن وجد في شارع أو ~~مسجد فلقطة، لان يد المسلمين عليه وقد جهل مالكه فيكون لقطة، وإن وجد في ~~ملك شخص فللشخص المالك، إن لم ينفه عن ملكه، فإن نفاه عن ملكه فلمن ملكه ~~عنه، وهكذا حتى تنتهي إلى المحيي للأرض ووجه ما ذهب إليه الشافعي ما أخرجه ~~هو عن عمرو بن شعيب بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في كنز وجده رجل ~~في خربة جاهلية: إن وجدته في قرية مسكونة أو في سبيل ميتاء فعرفه وإن وجدته ~~في خربة جاهلية أو في قرية غير مسكونة ففيه وفي الركاز الخمس. # (وعن بلال بن الحارث رضي الله عنه) هو المزني وفد على رسول الله (ص) سنة ~~خمس وسكن المدينة وكان أحد من يحمل ألوية مزينة يوم الفتح روى عنه ابنه ~~الحارث مات سنة ستين وله ثمانون سنة (أن رسول الله (ص) أخذ من المعادن ~~القبلية) بفتح القاف وفتح الموحدة وكسر اللام وياء مشددة مفتوحة وهو موضع ~~بناحية الفرع (الصدقة. رواه أبو داود) وفي الموطأ عن ربيعة عن غير واحد من ~~علمائهم أنه (ص) أقطع بلال بن ms0517 الحرث المعادن القبلية وأخذ منها الزكاة دون ~~الخمس . قال الشافعي بعد أن روى حديث مالك: ليس هذا مما يثبته أهل الحديث ~~ولم يكن فيه رواية عن النبي (ص) إلا إقطاعه، وأما الزكاة في المعادن دون ~~الخمس فليست مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال البيهقي: هو كما قال ~~الشافعي في رواية مالك. والحديث يدل على وجوب الصدقة في المعادن ويحتمل أنه ~~أريد بها الخمس وذهب غيرهم إلى الثاني وهو وجوب الخمس لقوله: وفي الركاز ~~الخمس وإن كان فيه احتمال كما سلف. # باب صدقة الفطر أي الافطار وأضيفت إليه لأنه سببها كما يدل له ما في بعض ~~روايات البخاري: زكاة الفطر من رمضان. # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: فرض رسول الله (ص) زكاة الفطر صاعا) ~~نصب على التمييز أو بدل من زكاة بيان لها (من تمر أو صاعا من شعير على ~~العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين وأمر بها أن تؤدى ~~قبل خروج الناس إلى الصلاة. متفق عليه). الحديث دليل على وجوب صدقة ~~PageV02P137 # الفطر لقوله: فرض فإنه بمعنى ألزم وأوجب. قال إسحاق: هي واجبة بالاجماع ~~وكأنه ما علم فيها الخلاف لداود وبعض الشافعية فإنهم قائلون: إنها سنة ~~وتأولوا فرض بأن المراد قدر، ورد هذا التأويل بأنه خلاف الظاهر. وأما القول ~~بأنها كانت فرضا ثم نسخت بالزكاة لحديث قيس بن سعد بن عبادة أمرنا رسول ~~الله (ص) بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ~~ينهنا ونحن نفعله فهو قول غير صحيح لان الحديث فيه رواه مجهول ولو سلم ~~بصحته فليس فيه دليل على النسخ، لأن عدم أمره لهم بصدقة الفطر ثانيا، لا ~~يشعر بأنها نسخت، فإنه يكفي الأمر الأول ولا يرفعه عدم الامر. والحديث دليل ~~على عموم وجوبها على العبيد والأحرار ، الذكور والإناث، صغيرا وكبيرا، ~~وغنيا وفقيرا. وقد أخرج البيهقي من حديث عبد الله بن أبي ثعلبة أو ثعلبة بن ~~عبد الله مرفوعا أدوا صاعا من قمح عن كل انسان، ذكرا أو ms0518 أنثى، صغيرا أو ~~كبيرا ، غنيا أو فقيرا، أو مملوكا أما الغني فيزكيه الله وأما الفقير فيرد ~~الله عليه أكثر مما أعطى قال المنذري في مختصر السنن: في إسناده النعمان بن ~~راشد لا يحتج بحديثه. نعم: العبد تلزم مولاه عند من يقول إنه لا يملك، ومن ~~يقول إنه يملك تلزمه، وكذلك الزوجة يلزم زوجها، والخادم مخدومة، والقريب من ~~تلزمه نفقته لحديث أدوا صدقة الفطر عمن تمونون أخرجه الدارقطني والبيهقي ~~وإسناده ضعيف ولذلك وقع الخلاف في المسألة كما هو مبسوط في الشرح وغيره . ~~وأما الصغير فتلزم في ماله إن كان له مال كما تلزمه الزكاة في ماله. وإن لم ~~يكن له مال لزمت منفقه كما يقول الجمهور، وقيل تلزم الأب مطلقا، وقيل لا ~~تجب على الصغير أصلا لأنها شرعت طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة ~~للمساكين كما يأتي: وأجيب بأنه خرج على الأغلب فلا يقاومه تصريح حديث ابن ~~عمر بإيجابها على الصغير. وهو أيضا دال على أنه يجب صاع على كل انسان من ~~التمر والشعير ولا خلاف في ذلك وكذلك ورد صاع من زبيب . وقوله في الحديث من ~~المسلمين لائمة الحديث كلام طويل في هذه الزيادة لأنه لم يتفق عليها الرواة ~~لهذا الحديث إلا أنها على تقدير زيادة من عدل فتقبل، ويدل على اشتراط ~~الاسلام في وجوب صدقة الفطر وأنها لا تجب على الكافر عن نفسه وهذا متفق ~~عليه، وهل يخرجها المسلم عن عبده الكافر؟ فقال الجمهور: لا. وقالت الحنفية ~~وغيرهم: تجب مستدلين بحديث ليس على المسلم في عبده صدقة إلا صدقة الفطر ~~وأجيب بأن حديث الباب خاص والخاص يقضي به على العام فعموم قوله عبده مخصص ~~بقوله من المسلمين. وأما قول الطحاوي إن المسلمين صفة للمخرجين لا للمخرج ~~عنهم فإنه يأباه ظاهر الحديث فإنه فيه العبد وكذا الصغير وهم ممن يخرج ~~عنهم، فدل على أن صفة الاسلام لا تختص بالمخرجين ويؤيده حديث مسلم بلفظ على ~~كل نفس من المسلمين حر أو عبد. وقوله: وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى ms0519 ~~الصلاة يدل على أن المبادرة بها هي المأمور بها، فلو أخرها عن الصلاة أثم ~~وخرجت عن كونها صدقة فطر، وصارت صدقة من الصدقات ويؤكد ذلك قوله. # (ولابن عبدي من وجه آخر والدارقطني عنه رضي الله عنه) أي من حديث ابن عمر ~~(بإسناد ضعيف) لان فيه محمد بن عمر الواقدي (أغنوهم) أي الفقراء (عن ~~الطواف) في الأزقة والأسواق لطلب المعاش (في هذا اليوم) أي يوم العيد ~~وإغناؤهم يكون بإعطائهم صدقة أول اليوم. PageV02P138 # (وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: كنا نعطيها) أي صدقة الفطر (في زمان ~~النبي (ص) صاعا من طعام أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من زبيب. # متفق عليه وفي رواية أو صاعا من أقط) بفتح الهمزة وهو لبن مجفف يابس ~~مستحجر يطبخ به، كما في النهاية. ولا خلاف فيما ذكر أنه يجب فيه صاع، وإنما ~~الخلاف في الحنطة فإنه أخرج ابن خزيمة عن سفيان عن ابن عمر أنه لما كان ~~معاوية عدل الناس نصف صاع بر بصاع شعير وذلك أنه لم يأت نص في الحنطة أنه ~~يخرج فيها صاع. والقول بأن أبا سعيد أراد بالطعام الحنطة في حديثه هذا غير ~~صحيح كما حققه المصنف في فتح الباري، قال ابن المنذر: لا نعلم في القمح ~~خبرا ثابتا نعتمد عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن البر في ~~المدينة ذلك الوقت، إلا الشئ اليسير منه، فلما كثر في زمن الصحابة، رأوا أن ~~نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعير، وهم الأئمة فغير جائز أن يعدل عن قولهم ~~إلا إلى قول مثلهم، ولا يخفى أنه قد خالف أبو سعيد كما يفيده قوله قال ~~الراوي: (قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزال أخرجه) أي الصاع (كما كنت أخرجه ~~في زمان رسول الله (ص). ولأبي داود) عن أبي سعيد (لا أخرج أبدا إلا صاعا) ~~أي من أي قوت. أخرج ابن خزيمة والحاكم: قال أبو سعيد: وقد ذكر عنده صدقة ~~رمضان فقال: لا أخرج إلا ما كنت ms0520 أخرج على عهد رسول الله (ص) صاعا من تمر أو ~~صاعا من حنطة أو صاعا من شعير أو صاعا من أقط، فقال له رجل من القوم: # أو مدين من قمح قال: لا تلك فعل معاوية لا أقبلها ولا أعلم بها لكنه قال ~~ابن خزيمة: ذكر الحنطة في خبر أبي سعيد غير محفوظ ولا أدري ممن الوهم. وقال ~~النووي: تمسك بقول معاوية من قال بالمدين من الحنطة، وفيه نظر لأنه فعل ~~صحابي وقد خالفه فيه أبو سعيد وغيره من الصحابة ممن هو أطول صحبة منه وأعلم ~~بحال النبي (ص)، وقد صرح معاوية بأنه رأي رآه لا أنه سمعه من النبي (ص)، ~~كما أخرجه البيهقي في السنن من حديث أبي سعيد أنه قدم معاوية حاجا أو ~~معتمرا فكلم الناس على المنبر فكان فيما كلم به الناس أنه قال: إني أرى ~~مدينة من سمراء الشام تعدل صاعا من تمر فأخذ بذلك الناس فقال أبو سعيد: أما ~~أنا فلا أزال أخرجه الحديث المذكور في الكتاب فهذا صريح أنه رأي معاوية. ~~قال البيهقي بعد إيراد أحاديث في الباب ما لفظه: وقد وردت أخبار عن النبي ~~(ص) في صاع من بر ووردت أخبار في نصف صاع ولا يصح شئ من ذلك وقد بينت علة ~~كل واحد منها في الخلافيات انتهى. # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فرض رسول الله (ص) زكاة الفطر طهرة ~~للصائم من اللغو والرفث) والواقع منه في صومه (وطعمة للمساكين، فمن أداها ~~قبل الصلاة) أي صلاة العيد (فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي ~~صدقة من الصدقات رواه أبو داود وابن ماجة وصححه الحاكم) . فيه دليل على ~~وجوبها لقوله فرض كما سلف. ودليل على أن الصدقات تكفر السيئات. ودليل ~~PageV02P139 # على أن وقت اخراجها قبل صلاة العيد وأن وجوبها مؤقت، فقيل: تجب من فجر ~~أول شوال ، لقوله: أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم وقيل: من غروب آخر يوم من ~~رمضان لقوله : طهرة للصائم وقيل: تجب بمضي الوقتين عملا بالدليلين. وفي ~~جواز تقديمها ms0521 أقوال: منهم من ألحقها بالزكاة فقال: يجوز تقديمها ولو إلى ~~عامين، ومنهم من قال يجوز في رمضان لا قبله لان لها سببين الصوم والافطار ~~فلا تتقدمهما كالنصاب والحول، وقيل لا تقدم على وقت وجوبها إلا ما يغتفر ~~كاليوم واليومين وأدلة الأقوال كما ترى. وفي قوله: طعمة للمساكين دليل على ~~اختصاصهم بها وإليه ذهب جماعة من الآل. وذهب آخرون إلى أنها كالزكاة تصرف ~~في الثمانية الأصناف واستقواه المهدي لعموم (إنما الصدقات) والتنصيص على ~~بعض الأصناف لا يلزم منه التخصيص، فإنه قد وقع الزكاة ولم يقل أحد بتخصيص ~~مصرفها ففي حديث معاذ : أمرت أن آخذها من أغنيائكم وأردها في فقرائكم. # باب صدقة التطوع أي النفل (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله فذكر الحديث) في ~~تعداد السبعة، وهم: الإمام العادل وشاب نشأ في عبادة ربه ورجل قلبه معلق ~~بالمساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وافترقا عليه ورجل دعته ~~امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ~~(وفيه رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه متفق عليه) ~~قيل: المراد بالظل الحماية والكنف كما يقال أنا في فلان، قيل والمراد: ظل ~~عرشه ويدل ما أخرجه سعيد بن منصور من حديث سلمان سبعة يظلهم الله في ظل ~~عرشه وبه جزم القرطبي. وقوله: أخفى بلفظ الفعل الماضي حال بتقدير قد. ~~وقوله: حتى لا تعلم شماله مبالغة في الاخفاء وتبعيد الصدقة عن مظان الرياء ~~، ويحتمل أنه على حذف مضاف أي عن شماله. وفيه دليل على فضل إخفاء الصدقة ~~على إبدائها ، إلا أن يعلم أن في إظهارها ترغيبا للناس في الاقتداء، وأنه ~~يحرس سره عن داعية الرياء. وقد قال تعالى: * (إن تبدوا الصدقات فنعما هي) ~~*. والصدقة في الحديث عامة للواجبة والنافلة ، فلا يظن أنها خاصة بالنافلة ~~حيث جعله المصنف في بابها. واعلم أنه لا مفهوم يعمل به في قوله: ورجل ms0522 تصدق ~~فإن المرأة كذلك إلا في الإمامة، ولا مفهوم أيضا للعدد، فقد وردت خصال ~~تقتضي الظل وأبلغها المصنف في الفتح إلى ثمان عشرين خصلة وزاد عليها الحافظ ~~السيوطي حتى أبلغها إلى سبعين وأفردها بالتأليف ثم لخصها في كراسة سماها ~~بزوغ الهلال في الخصال المقتضية للظلال. # (وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: كل ~~PageV02P140 # امرئ في ظل صدقته) أي يوم القيامة أعم من صدقته الواجبة والنافلة (حتى ~~يفصل بين الناس رواه ابن حبان والحاكم). فيه حث على الصدقة، وأما كونه في ~~ظلها فيحتمل الحقيقة وأنها تأتي أعيان الصدقة فتدفع عنه حر الشمس أو المراد ~~في كنفها وحمايتها. ومن فوائد صدقة النفل أنها تكون توفية لصدقة الفرض إن ~~وجدت في الآخرة ناقصة كما أخرجه الحاكم في الكنى من حديث ابن عمر وفيه: ~~وانظروا في زكاة عبدي فإن كان ضيع منها شيئا فانظروا هل تجدون لعبدي نافلة ~~من صدقة لتتموا بها ما نقص من الزكاة فيؤخذ ذلك على فرائض الله وذلك برحمة ~~الله وعدله. # (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: أيما مسلم كسا مسلم ~~ثوبا على عرى كساه الله من خضر الجنة) أي في ثيابها الخضر (وأيما مسلم أطعم ~~مسلما) متصفا بكونه (على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى ~~مسلما) متصفا بكونه (على ظمأ سقاه الله من الرحيق) هو الخالص من الشراب ~~الذي لا غش فيه (المختوم) الذي تختم أوانيه وهو عبارة عن نفاستها (رواه أبو ~~داود وفي إسناده لين) لم يبين الشارح وجهه، وفي مختصر السنن للمنذري في ~~إسناده أبو خالد يزيد بن عبد الرحمن المعروف بالدالاني وقد أثنى عليه غير ~~واحد وتكلم فيه غير واحد. وفي الحديث الحث على أنواع البر وإعطائها من هو ~~مفتقر إليها وكون الجزاء عليها من جنس الفعل. # (وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: اليد العليا خير من ~~اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ms0523 ظهر غنى، ومن يستعفف ~~يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله متفق عليه واللفظ للبخاري. أكثر التفاسير ~~وعليه الأكثرون أن اليد العليا يد المعطي والسفلى يد السائل، وقيل يد ~~المتعفف ولو بعد أن يمد إليه المعطي، وعلوها معنوي، وقيل يد الاخذ لغير ~~سؤال وقيل العليا المعطية والسفلى المانعة. وقال قوم من المتصوفة: اليد ~~الآخذة أفضل من المعطية مطلقا قال ابن قتيبة: ما رأى هؤلاء إلا قوما ~~استطابوا السؤال فهم يحتجون للدناءة، ونعم ما قال. وقد ورد التفسير النبوي ~~بأن اليد العليا التي تعطي ولا تأخذ، أخرجه إسحاق في مسنده عن حكيم بن حزام ~~قال: يا رسول الله ما اليد العليا فذكره. وفي الحديث دليل على البداءة ~~بنفسه وعياله لأنهم الأهم. وفيه أن أفضل الصدقة ما بقي بعد اخراجها صاحبها ~~مستغنيا إذ معنى أفضل الصدقة ما أبقى المتصدق من ماله ما يستظهر به على ~~حوائجه ومصالحه لان المتصدق بجميع ماله يندم غالبا ويحب إذا احتاج أنه لم ~~يتصدق، ولفظ الظهر كما قال الخطابي: يورد في مثل هذا اتساعا في الكلام وقيل ~~غير ذلك. واختلف العلماء في صدقة الرجل بجميع ماله فقال القاضي عياض: إنه ~~جوزه العلماء وأئمة الأمصار ، قال الطبراني ومع جوازه فالمستحب أن لا يفعله ~~وأن يقتصر على الثلث. والأولى أن يقال: PageV02P141 # من تصدق بماله كله وكان صبورا على الفاقة ولا عيال له أو له عيال يصبرون ~~فلا كلام في حسن ذلك ويدل له قوله تعالى: * (ويؤثرون على أنفسهم) * * ~~(ويطعمون الطعام على حبه) * ومن لم يكن بهذه المثابة كره له ذلك. وقوله: ~~ومن يستعفف أي عن المسألة يعفه الله أي يعينه الله على العفة ومن يستغن بما ~~عنده وإن قل يغنه الله بإلقاء القناعة في قلبه والقنوع بما عنده. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ # قال: جهد المقل، وابدأ بمن تعول أخرجه أحمد وأبو داود وصححه ابن خزيمة ~~والحاكم وابن حبان) الجهد بضم الجيم وسكون الهاء الوسع والطاقة وبالفتح ~~المشقة، وقيل: المبالغة والغاية. ms0524 وقيل: هما لغتان بمعنى قال في النهاية: أي ~~قدر ما يحتمله القليل من المال وهذا بمعنى حديث سبق درهم مائة ألف درهم رجل ~~له درهمان أخذ أحدهما فتصدق به ورجل له مال كثير فأخذ من عرضه مائه ألف ~~درهم فتصدق بها أخرجه النسائي من حديث أبي ذر ، وأخرجه ابن حبان والحاكم من ~~حديث أبي هريرة، ووجه الجمع بين هذا الحديث والذي قبله ما قاله البيهقي ~~ولفظه: والجمع بين قوله (ص): خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وقوله: أفضل ~~الصدقة جهد المقل أنه يختلف باختلاف أحوال الناس في الصبر على الفاقة ~~والشدة والاكتفاء بأقل الكفاية وساق أحاديث تدل على ذلك. # (وعنه) أي أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # تصدقوا فقال رجل: يا رسول الله عندي دينار؟ قال: تصدق به على نفسك قال : ~~عندي آخر، قال: تصدق به على ولدك قال: عندي آخر، قال: تصدق به على خادمك ~~قال: عندي آخر، قال: أنت أبصر رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان ~~والحاكم. ولم يذكر في هذا الحديث الزوجة وقد وردت في صحيح مسلم مقدمة على ~~الولد. وفيه أن النفقة على النفس صدقة وأنه يبدأ بها ثم على الزوجة ثم على ~~الولد ثم على العبد إن كان أو مطلق من يخدمه ثم حيث شاء ويأتي في النفقات ~~تحقيق النفقة على من تجب له أولا فأولا. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي (ص): إذا أنفقت المرأة من طعام ~~بيتها غير مفسدة) كأن المراد غير مسرفة في الانفاق (كان لها أجرها بما ~~أنفقت ولزوجها أجره بما اكتسب وللخازن مثل ذلك لا ينقص بعضهم من أجر بعض ~~شيئا متفق عليه). فيه دليل جواز تصدق المرأة من بيت زوجها، والمراد إنفاقها ~~من الطعام الذي لها فيه تصرف بصفته للزوج ومن يتعلق به شرط أن يكون ذلك ~~بغير إضرار وأن لا يخل بنفقتهم. قال ابن العربي: قد اختلف السلف في ذلك ~~فمنهم من أجازه في الشئ اليسير الذي لا يؤبه له ms0525 ولا يظهر به النقصان، ومنهم ~~من حمله على ما إذا أذن الزوج ولو بطريق الاجمال، وهو اختيار البخاري ويدل ~~له ما أخرجه PageV02P142 # الترمذي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله (ص): لا تنفق المرأة من بيت ~~زوجها إلا بإذنه قال: يا رسول الله ولا الطعام؟ قال: هذه أفضل أموالنا إلا ~~أنه قد عارضه ما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ إذا أنفقت المرأة من ~~كسب زوجها من غير أمره فلها نصف أجره ولعله يقال في الجمع بينهما: إن ~~إنفاقها مع إذنه تستحق به الاجر كاملا ومع عدم الإذن نصف الاجر، وأن النهي ~~عن إنفاقها من غير إذنه إذا عرفت منه الفقر أو البخل فلا يحل لها الانفاق ~~إلا بإذنه، بخلاف ما إذا عرفت منه خلاف ذلك ، جاز لها الانفاق من غير إذنه، ~~ولها نصف أجره. ومنهم من قال المراد بنفقة المرأة والعبد والخادم: النفقة ~~على عيال صاحب المال في مصالحه، وهو بعيد من لفظ الحديث. ومنهم من فرق بين ~~المرأة والخادم فقال: المرأة لها حق في مال الزوج والتصرف في بيته، فجاز ~~لها أن تتصدق، بخلاف الخادم فليس له تصرف في مال مولاه فيشترط الاذن فيه . ~~ويرد عليه أن المرأة ليس لها التصرف إلا في القدر الذي تستحقه، وإذا تصدقت ~~منه اختصت بأجره ثم ظاهره أنهم سواء في الاجر، ويحتمل أن المراد بالمثل ~~حصول الاجر في الجملة وإن كان أجر المكتسب أوفر إلا في حديث أبي هريرة ولها ~~نصف أجره فهو يشعر بالمساواة. # (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جاءت زينب امرأة ابن مسعود ~~فقالت: # يا رسول الله إنك أمرت اليوم بالصدقة وكان عندي حلي لي فأردت أن أتصدق به ~~فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم؟ قال النبي (ص): # صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم رواه البخاري. فيه ~~دلالة على أن الصدقة على من كان أقرب من المتصدق أفضل وأولى. # والحديث ظاهر في صدقة الواجب، ويحتمل أن المراد بها ms0526 التطوع، والأول أوضح ~~ويؤيده ما أخرجه البخاري عن زينب امرأة ابن مسعود أنها قالت: يا رسول الله ~~أيجزي عنا أن نجعل الصدقة في زوج فقير وأبناء أخ أيتام في حجورنا؟ فقال لها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: لك أجر لقولها أيجزي ولقوله: صدقة وصلة إذا ~~الصدقة عند الاطلاق تتبادر في الواجبة وبهذا جزم المازني. وهو دليل على ~~جواز صرف زكاة المرأة في زوجها وهو قول الجمهور وفيه خلاف لأبي حنيفة، ولا ~~دليل له يقاوم النص المذكور ومن استدل له بأنها تعود إليها بالنفقة فكأنها ~~ما خرجت عنها فقد أورد عليه أنه يلزمه منع صرفها فيه اتفاقا. وأما الزوج ~~فاتفقوا على أنه لا تجوز له صرف صدقة واجبة في زوجته قالوا: لان نفقتها ~~واجبة عليه فتستغني بها عن الزكاة قاله المصنف في الفتح، وعندي في هذا ~~الأخير توقف لان غنى المرأة بوجوب النفقة عل زوجها لا يصيرها غنية الغنى ~~الذي منع من حل الزكاة لها. وفي قوله وولده ما يدل على إجزائها في الولد ~~إلا أنه ادعى ابن المنذر الاجماع على عدم جواز صرفها إلى الولد وحملوا ~~الحديث على أنفي غير الواجبة أو أن الصرف إلى الزوج - وهو المنفق على ~~الأولاد أو أن الأولاد للزوج ولم يكونوا منها كما يشعر به ما وقع في رواية ~~أخرى على زوجها وأيتام في حجرها ولعلهم أولاد زوجها سموا أيتاما باعتبار ~~اليتم من الأم. PageV02P143 # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): ما يزال الرجل) ~~والمرأة (يسأل الناس) أموالهم (حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة) ~~بضم الميم وسكون الزاي فعين مهملة (لحم متفق عليه). الحديث دليل على قبح ~~كثرة السؤال، وأن كل مسألة تذهب من وجهه قطعة لحم حتى لا يبقى فيه شئ لقوله ~~ما يزال. ولفظ الناس عام مخصوص بالسلطان كما يأتي. والحديث مطلق في قبح ~~السؤال مطلقا وقيده البخاري بمن يسأل تكثرا كما يأتي يعني من سأل وهو غني ~~فإنه ترجم له: # بباب من سأل الناس تكثرا، ms0527 لا من سأل لحاجة فإنه يباح له ذلك ويأتي قريبا ~~بيان الغني الذي يمنع من السؤال. قال الخطابي: معنى قوله وليس في وجهه لحم: ~~يحتمل أن يكون المراد به يأتي ساقطا لا قدر له ولا جاه، أو يعذب في وجهه ~~حتى يسقط لحمه عقوبة له في موضع الجناية لكونه أذل وجهه بالسؤال، أو أنه ~~يبعث ووجهه عظم ليكون ذلك شعاره الذي يعرف به. ويؤيد الأول ما أخرجه ~~الطبراني والبزار من حديث مسعود بن عمرو مرفوعا لا يزال العبد يسأل وهو غني ~~حتى يخلق وجهه فلا يكون له عند الله وجه وفيه أقوال أخر. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من سأل الناس ~~أموالهم تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو يستكثر رواه مسلم) قال ابن ~~العربي: إن قوله: فإنما يسأل جمرا معناه أنه يعاقب بالنار، ويحتمل أن يكون ~~حقيقة أي أنه يصير ما يأخذه جمرا يكوى به كما في مانع الزكاة. وقوله ~~فليستقل أمر للتهكم ومثله ما عطف عليه، أو للتهديد من باب (اعملوا ما شئتم) ~~وهو مشعر بتحريم السؤال للاستكثار. # (وعن الزبير بن العوام رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: # لان يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة من الحطب على ظهره فيبيعها فيكف بها) أن ~~بقيمتها (وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه رواه البخاري). ~~الحديث دل على ما دل عليه قبله من قبح السؤال مع الحاجة وزاد بالحث على ~~الاكتساب ولو أدخل على نفسه المشقة، وذلك لما يدخل السائل على نفسه من ذل ~~السؤال وذلة الرد إن لم يعطه المسؤول، ولما يدخل على المسؤول من الضيق في ~~ماله أن أعطى كل من يسأل. وللشافعية وجهان في سؤال من له قدرة على التكسب ~~أصحهما أنه حرام لظاهر الأحاديث ، والثاني أنه مكروه بثلاثة شروط أنه لا ~~يذل نفسه ولا يلح في السؤال ولا يؤذي المسؤول فإن فقد أحدها فهو حرام ~~بالاتفاق. # (وعن سمرة بن جندب رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): ms0528 # المسألة كد يكد بها الرجل وجهه إلا أن يسأل الرجل سلطانا أو في أمر ~~PageV02P144 # لا بد منه رواه الترمذي وصححه. أي سؤال الرجل أموال الناس كد أي خدش وهو ~~الأثر وفي رواية كدوح بضم الكاف. وأما سؤاله من السلطان فإنه لا مذمة فيه، ~~لأنه إنما يسأل مما هو حق له في بيت المال ومنة للسلطان في السائل لأنه ~~وكيل فهو كسؤال الانسان وكيله أن يعطيه من حقه الذي لديه وظاهره أنه وإن ~~سأل السلطان تكثرا فإنه لا بأس فيه ولا إثم لأنه جعل قسيما للامر الذي لا ~~بد منه، وقد فسر الامر الذي لا بد منه حديث قبيصة وفيه لا يحل السؤال إلا ~~لثلاثة: ذي فقر مدقع أو دم موجع أو غرم مفظع الحديث. وقوله: أو في أمر لا ~~بد منه أي لا يتم له حصوله مع ضرورته إلا بسؤال ويأتي حديث قبيصة قريبا وهو ~~مبين ومفسر الامر الذي لا بد منه. # باب قسمة الصدقات أي قسمة الله الصدقات بين مصارفها (عن أبي سعيد الخدري ~~رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل عليها أو رجل اشتراها بماله، أو ~~غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه منها فأهدى منها لغني رواه ~~أحمد وأبو داود وابن ماجة وصححه الحاكم وأعل بالارسال. ظاهره إعلال ما ~~أخرجه المذكورون جميعا وفي الشرح أن التي أعلت بالارسال رواية الحاكم التي ~~حكم بصحتها . وقوله: لغني قد اختلفت الأقوال في حدى الغنى الذي يحرم به قبض ~~الصدقة على أقوال، وليس عليها ما تسكن له النفس من الاستدلال لان المبحث ~~ليس لغويا حتى يرجع فيه إلى تفسير لغة ولأنه في اللغة أمر نسبي لا يتعين في ~~قدر. ووردت أحاديث معينة لقدر الغنى الذي يحرم به السؤال كحديث أبي سعيد ~~عند النسائي من سأل وله أوقية فقد ألحف وعند أبي داود من سأل منكم وله ~~أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا وأخرج أيضا من سؤل وله ما يغنيه فإنما ms0529 ~~يستكثر من النار، قالوا: وما يغنيه؟ قال: قدر ما يعشيه ويغديه صححه ابن ~~حبان، فهذا قدر الغنى الذي يحرم مع السؤال. وأما الغنى الذي يحرم معه قبض ~~الزكاة فالظاهر أنه من تجب عليه الزكاة وهو من يملك مائتي درهم، لقوله صلى ~~الله عليه وسلم: أمرت أن آخذها من أغنيائكم وأردها في فقرائكم فقابل بين ~~الغنى وأفاد أنه من تجب عليه الصدقة وبين الفقير وأخبر أنه من ترد فيه ~~الصدقة، هذا أقرب ما يقال فيه وقد بيناه في رسالة جواب سؤال. وأفاد حديث ~~الباب حلها للعامل عليها وإن كان غنيا، لأنه يأخذ أجره على علمه لا لفقره . ~~وكذلك من اشتراها بماله فإنها قد وافقت مصرفها وصارت ملكا له، فإذا باعها ~~فقد باع ما ليس بزكاة حين البيع بل ما هو ملك له. وكذلك الغرم تحل له وإن ~~كان غنيا. وكذلك الغازي يحل له أن يتجهز من الزكاة وإن كان غنيا لأنه ساع ~~في سبيل الله. قال الشارح: # ويلحق به من كان قائما بمصلحة عامة من مصالح المسلمين كالقضاء والافتاء ~~والتدريس وإن PageV02P145 # كان غنيا. وأدخل أبو عبيد من كان في مصلحة عامة في العاملين وأشار إليه ~~البخاري حيث قال: باب رزق الحاكم والعاملين عليها وأراد بالرزق ما يرزقه ~~الامام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين كالقضاء والفتيا والتدريس ~~فله الاخذ من الزكاة فيما يقوم به مدة القيام بالمصلحة وإن كان غنيا. قال ~~الطبري: إنه ذهب الجمهور إلى جواز أخذ القاضي الأجرة على الحكم لأنه يشغله ~~الحكم عن القيام بمصالحه، غير أن طائفة من السلف كرهوا ذلك ولم يحرموه. ~~وقالت طائفة: أخذ الرزق على القضاء إن كانت جهة الاخذ من الحلال كان جائزا ~~إجماعا ومن تركه فإنما تركه تورعا، وأما إذا كانت هناك شبهة فالأولى الترك، ~~ويحرم إذا كان المال يؤخذ لبيت المال من غير وجهه واختلف إذا كان الغالب ~~حراما. وأما الاخذ من المتحاكمين ففي جوازه خلاف، ومن جوزه فقد شرط له ~~شرائط ويأتي ذكر ذلك في باب القضاء وإنما لما ms0530 تعرض له الشارح هنا تعرضنا ~~له. # (وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار رضي الله عنه) بكسر الخاء المعجمة ~~فمثناة تحتية آخره راء وعبيد الله يقال إنه ولد على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يعد في التابعين روى عن عمر وعثمان وغيرهما (أن رجلين حدثاه ~~أنهما أتيا رسول الله (ص) يسألانه من الصدقة فقلب فيهما النظر) فسر ذلك ~~الرواية الأخرى بلفظ فرفع فينا النظر وخفضه (فرأهما جلدين فقال: إن شئتما ~~أعطيتكما ولاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب رواه أحمد وقواه أبو داود ~~والنسائي) قال أحمد بن حنبل: ما أجوده من حديث. # وقوله إن شئتما أي إن أخذ الصدقة ذلة فإن رضيتما بها أعطيتكما، أو أنها ~~حرام على الجلد فإن شئتما تناول الحرام أعطيتكما، قاله توبيخا وتغليظا. ~~والحديث من أدلة تحريم الصدقة على الغني وهو تصريح بمفهوم الآية وإن اختلف ~~في تحقيق الغنى كما سلف وعلى القوي المكتسب لان حرفته صيرته في حكم الغني ~~ومن أجاز له تأول الحديث بما لا يقبل. # (وعن قبيصة رضي الله عنه) بفتح القاف فموحدة مكسورة فمثناة تحتية فصاد ~~مهملة (ابن مخارق) بضم الميم فخاء معجمة فراء مكسورة بعد الألف فقاف ~~(الهلالي) وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، عداده في أهل البصرة روى عنه ~~ابنه قطن وغيره (قال: قال رسول الله (ص) إن المسألة لا تحل إلا لاحد ثلاثة: ~~رجل) بالكسر بدلا من ثلاثة ويصح رفعه بتقدير أحدهم (تحمل حمالة) بفتح الحاء ~~المهملة وهو المال يتحمله الانسان عن غيره (فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم ~~يمسك، ورجل أصابته جائحة) أي آفة (اجتاحت) أي أهلكت (ماله، فحلت له المسألة ~~حتى يصيب قواما) بكسر القاف ما يقوم بحاجته وسد خلته (من عيش، ورجل أصابته ~~فاقة) أي حاجة (حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى) بكسر المهملة والجيم مقصور: ~~العقل (من قومه) لأنهم أخبر بحاله يقولون أو قائلين: (لقد أصابت فلانا فاقة ~~فحلت له المسألة حتى يصيب قواما) بكسر القاف (من عيش، فما سواهن ~~PageV02P146 # من المسألة يا ms0531 قبيصة سحت) بضم السين المهملة (يأكلها) أي الصدقة، أنت ~~لأنه جعل السحت عبارة عنها وإلا فالضمير له (سحتا) السحت الحرام الذي لا ~~يحل كسبه لأنه يسحت البركة أي يذهبها (رواه مسلم وأبو داود وابن خزيمة وابن ~~حبان). الحديث دليل على أنها تحرم المسألة إلا لثلاثة: الأول: لمن تحمل ~~حمالة وذلك أن يتحمل الانسان عن غيره دينا أو دية أو يصالح بمال بين ~~طائفتين، فإنها تحل له المسألة، وظاهره إن كان غنيا فإنه لا يلزمه تسليمه ~~من ماله وهذا هو أحد الخمسة الذين يحل لهم أخذ الصدقة وإن كانوا أغنياء كما ~~سلف في حديث أبي سعيد. والثاني: من أصاب ماله آفة سماوية أو أرضية كالبرد ~~والغرق ونحوه بحيث لم يبق له ما يقوم بعيشه حلت له المسألة حتى يحصل له ما ~~يقوم بحاله ويسد خلته. والثالث: من أصابته فاقه، ولكن لا تحل له المسألة ~~إلا أن يشهد له من أهل بلده لأنهم أخبر بحاله ثلاثة من ذوي العقول لا من ~~غلب عليه الغباوة والتغفيل وإلى كونهم ثلاثة ذهبت الشافعية للنص فقالوا: لا ~~يقبل في الاعسار أقل من ثلاثة، وذهب غيرهم إلى كفاية الاثنين قياسا على ~~سائر الشهادات وحملوا الحديث على الندب، ثم هذا محمول على من كان معروفا ~~بالغنى ثم افتقر، أما إذا لم يكن كذلك فإنه يحل له السؤال وإن لم يشهدوا له ~~بالفاقة يقبل قوله. وقد ذهب إلى تحريم السؤال ابن أبي ليلى وأنها تسقط به ~~العدالة. والظاهر من الأحاديث تحريم السؤال إلا للثلاثة المذكورين، أو أن ~~يكون المسؤول السلطان كما سلف. # (وعن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث رضي الله عنه) ابن عبد المطلب ابن ~~هاشم سكن المدينة ثم تحول منها إلى دمشق ومات بها سنة اثنتين وستين وكان قد ~~أتى إلى رسول الله (ص) يطلب منه أن يجعله عاملا على بعض الزكاة فقال له ~~رسول الله (ص) : الحديث وفيه قصة (قال: قال رسول الله (ص): إن الصدقة لا ~~تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس) هو بيان ms0532 لعلة التحريم (وفي رواية) أي ~~لمسلم عن عبد المطلب (وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد رواه مسلم) فأفاد أن ~~لفظ لا ينبغي أراد به لا تحل فيفيد التحريم أيضا وليس لعبد المطلب المذكور ~~في الكتب الستة غير هذا الحديث. وهو دليل على تحريم الزكاة على محمد (ص). ~~فأما عليه (ص) فإنه إجماع، وكذا ادعى الاجماع على حرمتها على آله: أبو طالب ~~وابن قدامة ، ونقل الجواز عن أبي حنيفة، وقيل: إن منعوا خمس الخمس. ~~والتحريم هو الذي دلت عليه الأحاديث، ومن قال بخلافها قال متأولا لها، ~~وإنما يجب التأويل إذا قام على الحاجة إليه ذليل، والتعليل بأنها أوساخ ~~الناس قاض بتحريم الصدقة الواجبة عليها لا النافلة لأنها هي التي يطهر بها ~~من يخرجها كما قال تعالى: * (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) * إلا ~~أن الآية نزلت في صدقة النفل كما هو معروف في كتب التفسير. وقد ذهبت طائفة ~~إلى تحريم صدقة النفل أيضا على الآل واخترناه في حواشي ضوء النهار لعموم ~~الأدلة. وفيه أنه صلى الله عليه وسلم كرم آله عن أن يكونوا محلا للغسالة، ~~وشرفهم عنها، وهذه العلة المنصوصة PageV02P147 # ، وقد ورد التعليل عند أبي نعيم مرفوعا بأن لهم في خمس الخمس ما يكفيهم ~~ويغنيهم، فهما علتان منصوصتان ولا يلزم من منعهم عن الخمس أن تحل لهم فإن ~~من منع الانسان عن ماله وحقه لا يكون منعه له محللا ما حرم عليه، وقد بسطنا ~~القول في رسالة مستقلة. وفي المراد بالآل خلاف والأقرب ما فسرهم به الراوي، ~~زيد بن أرقم بأنهم: آل علي وآل العباس وآل جعفر وآل عقيل انتهى. قلت: ويزيد ~~آل الحارث بن عبد المطلب لهذا الحديث. فهذا تفسير الراوي وهو مقدم على ~~تفسير غيره فالرجوع إليه تفسير آل محمد هنا هو الظاهر لان لفظ الآل مشترك ~~وتفسير راويه دليل على المراد من معانيه فهؤلاء الذين فسرهم به زيد بن أرقم ~~وهو في صحيح مسلم وإنما تفسيرهم هنا ببني هاشم اللازم منه دخول من أسلم من ~~أولاد ms0533 أبي لهب ونحوهم فهو تفسير بخلاف تفسير الراوي وكذلك يدخل في تحريم ~~الزكاة عليهم بنو المطلب بن عبد مناف كما يدخلون معهم في قسمة الخمس كما ~~يفيد الحديث بعده، وهو قوله: # (وعن جبير) بضم الجيم وفتح الباء الموحدة وسكون الياء التحتية (ابن مطعم) ~~بضم الميم وسكون الطاء وكسر العين المهملة، بن نوفل بن عبد مناف القرشي ~~أسلم قبل الفتح ونزل المدينة ومات بها سنة أربع وخمسين وقيل غير ذلك (قال: ~~مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى النبي (ص) فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني ~~المطلب من خمس خيبر وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: إنما بنو المطلب وبنو هاشم) المراد ببني هاشم آل علي آل ~~جعفر وآل عقيل وآل العباس وآل الحارث ولم يدخل آل أبي لهب في ذلك لأنه لم ~~يسلم منهم في عصره (ص) أحد، وقيل بل أسلم منهم عتبة ومعتب ابنا أبي لهب ~~وثبتا معه (ص) في خيبر (شئ واحد رواه البخار). الحديث دليل على أن بني ~~المطلب يشاركون بني هاشم في سهم ذوي القربى وتحريم الزكاة أيضا دون من ~~عداهم وإن كانوا في النسب سواء وعلله صلى الله عليه وسلم باستمرارهم على ~~الموالاة كما في لفظ آخر تعليله بأنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام ~~فصاروا كالشئ الواحد في الاحكام وهو دليل واضح في ذلك وذهب إليه الشافعي. ~~وخالفه الجمهور وقالوا: إنه (ص) أعطاهم على جهة التفضل لا الاستحقاق وهو ~~خلاف الظاهر بل قوله شئ واحد دليل على أنهم يشاركونهم في استحقاق الخمس ~~وتحريم الزكاة واعلم أن بني المطلب هم أولاد المطلب بن عبد مناف. وجبير بن ~~مطعم من أولاد نوفل بن عبد مناف، وعثمان من أولاد عبد شمس بن عبد مناف، ~~فبنو المطلب وبنو عبد شمس وبنو نوفل أولاد عم في درجة واحدة، فلذا قال ~~عثمان وجبير بن مطعم للنبي صلى الله عليه وسلم: إنهم وبني المطلب بمنزلة ~~واحدة لان الكل أبناء عم. # (وعن أبي رافع رضي الله عنه) ms0534 هو أبو رافع مولى رسول الله (ص)، قيل: اسمه ~~إبراهيم، وقيل: هرمز وقيل: كان للعباس فوهبه لرسول الله (ص) بإسلامه، فلما ~~أسلم العباس بشر أبو رافع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه، مات في ~~خلافة على PageV02P148 # كما قاله ابن عبد البر (أن النبي (ص) بعث رجلا على الصدقة) أي على قبضها ~~(من بنى مخزوم) اسمه الأرقم (فقال لأبي رافع: اصحبني فإنك تصيب منها فقال: ~~لا حتى آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأسأله فأتاه فسأله فقال: مولى القوم ~~من أنفسهم وإنها لا تحل لنا الصدقة رواه أحمد والثلاثة وابن خزيمة وابن ~~حبان) الحديث دليل على أن حكم مولى آل محمد (ص) حكمهم في تحريم الصدقة. قال ~~ابن عبد البر في التمهيد: لأنه لا خلاف بين المسلمين في عدم حل الصدقة ~~للنبي (ص) ولبني هاشم ولمواليهم اه‍. وذهبت جماعة إلى عدم تحريمها عليهم ~~لعدم المشاركة في النسب، ولأنه ليس لهم في الخمس سهم. وأجيب بأن النص لا ~~تقدم عليه هذه العلل فهي مردودة فإنها ترفع النص، قال ابن عبد البر: هذا ~~خلاف الثابت من النص ثم هذا نص على تحريم العمالة على الموالي وبالأولى على ~~آل محمد (ص) لأنه أراد الرجل الذي عرض على أبي رافع أن يوليه على بعض عمله ~~الذي ولاه النبي (ص) فينال عمالة لا أنه أراد أن يعطيه من أجرته فإنه جائز ~~لأبي رافع أخذه إذ هو داخل تحت الخمسة الذين تحل لهم لأنه قد ملك ذلك الرجل ~~أجرته فيعطيه من ملكه فهو حلال لأبي رافع فهو نظير قوله فيما سلف ورجل تصدق ~~عليه منها فأهدى منها. # (وعن سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم عن أبيه أن رسول الله (ص) ~~كان يعطي عمر العطاء فيقول أعطه أفقر مني فيقول: خذه فتموله أو تصدق به وما ~~جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف) بالشين المعجمة والراء والفاء من الاشراف ~~وهو التعرض للشئ والحرص عليه (ولا سائل، فخده وما لا فلا تتبعه نفسك) أي لا ms0535 ~~تعلقها بطلبه (رواه مسلم) الحديث أفاد أن العامل ينبغي له أن يأخذ العمالة ~~ولا يردها فإن الحديث في العمالة كما صرح به في رواية مسلم. والأكثر على أن ~~الامر في قوله فخذه للندب وقيل: للوجوب. قيل: وهو مندوب في كل عطية يعطاها ~~الانسان فإنه يندب له قبولها بالشرطين المذكورين في الحديث. هذا إذا كان ~~المال الذي يعطيه منه حلالا. وأما عطية السلطان الجائر وغيره ممن ماله حلال ~~وحرام فقال ابن المنذر: إن أخذها جائز مرخص فيه، قال: وحجة ذلك أنه تعالى ~~قال في اليهود: * (سماعون للكذب أكالون للسحت) * وقد رهن (ص) درعه من يهودي ~~مع علمه بذلك وكذا أخذ الجزية منهم مع علمه بذلك. وإن كثيرا من أموالهم من ~~ثمن الخنزير والمعاملات الباطلة انتهى. وفي الجامع الكافي: إن عطية السلطان ~~الجائر لا ترد لأنه إن علم أن ذلك عين مال المسلم وجب قبولها وتسليمه إلى ~~مالكه وإن كان ملتبسا فهو مظلمة يصرفها على مستحقها وإن كان ذلك عين مال ~~الجائر ففيه تقليل لباطله وأخذ ما يستعين بإنفاقه على معصيته، وهو كلام حسن ~~جار على قواعد الشريعة إلا أنه يشترط في ذلك أن يأمن القابض على نفسه من ~~محبة المحسن الذي جبلت النفوس على حب من أحسن إليها، وأن لا يوهم الغير أن ~~السلطان على الحق حيث قبض ما أعطاه. وقد بسطنا في حواشي ضوء النهار في كتاب ~~البيع ما هو أوسع من هذا. PageV02P149 # كتاب الصيام الصيام لغة: الامساك وفي الشرع: إمساك مخصوص وهذا الامساك عن ~~الأكل والشرب والجماع وغيرها مما ورد به الشرع في النهار على الوجه المشروع ~~ويتبع ذاك الامساك عن اللغو والرفث وغيرهما من الكلام المحرم والمكروه، ~~لورود الأحاديث بالنهي عنها في الصوم زيادة على غيره، في وقت مخصوص بشروط ~~مخصوصة تفصلها الأحاديث الآتية. وكان مبدأ فرضه في السنة الثانية من ~~الهجرة. # (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): لا تقدموا رمضان) ~~فيه دليل على اطلاق هذا اللفظ على شهر رمضان، وحديث أبي هريرة ms0536 عند أحمد ~~وغيره مرفوعا لا تقولوا جاء رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله ولكن قولوا ~~جاء شهر رمضان حديث ضعيف لا يقاوم ما ثبت في الصحيح (بصوم يوم ولا يومين ~~إلا رجل) كذا في نسخ بلوغ المرام ولفظه في البخاري إلا أن يكون رجل قال ~~المصنف : يكون تامة أي يوجد رجل وفظ مسلم إلا رجلا قلت: وهو قياس العربية ~~لأنه استثناء متصل من مذكور (كان يصوم صوما فليصمه متفق عليه). الحديث دليل ~~على تحريم صوم يوم أو يومين قبل رمضان، قال الترمذي بعد رواية الحديث: ~~والعمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يتعجل الرجل الصيام قبل دخول رمضان ~~لمعنى رمضان انتهى. # وقوله: لمعنى رمضان تقييد للنهي بأنه مشروط بكون الصوم احتياطا، لا لو ~~كان الصوم صوما مطلقا كالنفل المطلق والنذر ونحوه. قلت: ولا يخفى أنه يعد ~~هذا التقييد يلزم منه جواز تقدم رمضان بأي صوم كان وهو خلاف طاهر النهي ~~فإنه عام لم يستثن منه إلا صوم من اعتاد صوم أيام معلومة ووافق ذلك آخر يوم ~~من شعبان، ولو أراد صلى الله عليه وسلم الصوم المقيد بما ذكر لقال: إلا ~~متنفلا أو نحو هذا اللفظ. وإنما نهى عن تقديم رمضان لان الشارع قد علق ~~الدخول في صوم رمضان برؤية هلاله، فالمتقدم عليه مخالف للنص أمرا ونهيا. ~~وفيه إبطال لما يفعله الباطنية من تقدم الصوم بيوم أو يومين قبل رؤية هلال ~~رمضان، وزعمهم أن اللام في قوله صوموا لرؤيته: في معنى مستقبلين لها، وذلك ~~لان الحدث يفيد أن اللام لا يصح حملها عن هذا المعنى، وإن وردت له في موضع. ~~وذهب بعض العلماء إلى أن النهي عن الصوم من بعد النصف الأول من يوم سادس ~~عشر من شعبان لحديث أي هريرة مرفوعا إذا انتصف شعبان فلا تصوموا أخرجه ~~أصحاب السنن وغيرهم. وقيل: إنه يكره بعد الانتصاف ويحرم قبل رمضان بيوم أو ~~يومين. وقال آخرون: يجوز من بعد انتصافه ويحرم قبله بيوم أو يومين. أما ~~جواز الأول فلانه الأصل وحديث ms0537 أبي هريرة ضعيف، قال أحمد وابن معين: إنه ~~منكر. وأما تحريم الثاني فلحديث الكتاب وهو قول حسن. # وعن عمار بن ياسر رضي (وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: من صام اليوم ~~الذي يشك) مغير الصيغة مسند إلى (فيه فقد عصى أبا القاسم (ص). ذكره البخاري ~~تعليقا ووصله) إلى عمار، وزاد المصنف PageV02P150 # في الفتح: الحاكم وأنهم وصلوه من طريق عمرو بن قيس عن أبي إسحاق عنه ~~ولفظه عندهم كنا عند عمار بن ياسر فأتي بشاة مصلية فقال: كلوا فتنحى بعض ~~القوم فقال: إني صائم فقال عمار: من صام.. الخ (الخمسة وصححه ابن خزيمة ~~وابن حبان) قال وابن عبد البر: # هو مسند عندهم لا يختلفون في ذلك انتهى. وهو موقوف لفظا مرفوع حكما، ~~ومعناه مستفاد من أحاديث النهي عن استقبال رمضان بصوم، وأحاديث الامر ~~بالصوم لرؤيته. # والحديث وما في معناه يدل على تحريم صومه وإليه ذهب الشافعي، واختلف ~~الصحابة في ذلك، منهم من قال بجواز صومه، ومنعم من منع منه وعده عصيانا ~~لأبي القاسم، والأدلة مع المحرمين. وأما ما أخرجه الشافعي عن فاطمة بنت ~~الحسين أن عليا عليه السلام قال: لان أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن ~~أفطر يوما من رمضان. فهو أثر منقطع. على أنه ليس في يوم شك مجرد، بل بعد أن ~~شهد عنده رجل على رؤية الهلال فصام وأمر الناس بالصيام وقال: لان أصوم إلخ. ~~ومما هو نص في الباب حديث ابن عباس فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا العدة ~~ثلاثين ولا تستقبلوا الشهر استقبالا أخرجه أحمد وأصحاب النبي وابن خزيمة ~~وأبو يعلى، وأخرجه الطيالسي بلفظ ولا تستقبلوا رمضان بيوم من شعبان وأخرجه ~~الدارقطني وصححه ابن خزيمة في صحيحه، ولأبي داود من حديث عائشة كان رسول ~~الله (ص) يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره يصوم لرؤية الهلال أي هلال ~~رمضان فإن غم عليه عدد ثلاثين يوما ثم صام وأخرج أبو داود من حديث حذيفة ~~مرفوعا لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا ms0538 العدة وفي الباب أحاديث ~~واسعة دالة على تحريم صوم يوم الشك من ذلك قوله: # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: # إذا رأيتموه) أي الهلال (فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم) بضم الغين ~~المعجمة وتشديد الميم أي حال بينكم وبينه غيم (علكيم فاقدروا له متفق عليه) ~~. الحديث دليل على وجوب صوم رمضان لرؤية هلاله، وإفطار أول يوم من شوال ~~لرؤية الهلال. وظاهره اشتراط رؤية الجميع له من المخاطبين لكن قام الاجماع ~~على عدم وجوب ذلك بل المراد ما يثبت به الحكم الشرعي من إخبار الواحد العدل ~~أن الاثنين على خلاف في ذلك. فمعنى إذا رأيتموه أي إذا وجدت فيما بينكم ~~الرؤية، فيدل هذا على أن رؤية بلد رؤية لجميع أهل البلاد فيلزم الحكم. ~~وقيل: لا يعتبر لان قوله إذا رأيتموه خطاب لأناس مخصوصين به وفي المسألة ~~أقوال ليس على أحدها دليل ناهض، والأقرب لزوم أهل بلد الرؤية وما يتصل بها ~~من الجهات التي على سمتها. وفي قوله: لرؤيته دليل على أن الواحد إذا انفرد ~~برؤية الهلال لزمه الصوم والافطار وهو قول أئمة الآل وأئمة المذاهب الأربعة ~~في الصوم، واختلفوا في الافطار فقال الشافعي: يفطر ويخفيه. وقال الأكثر: ~~يستمر صائما احتياطا، كذا قاله في الشرح. ولكنه تقدم له في أول باب صلاة ~~العيدين أنه لم يقل PageV02P151 # بأنه يترك يقين نفسه ويتابع حكم الناس إلا محمد بن الحسن الشيباني وأن ~~الجمهور يقولون إنه يتعين عليه حكم نفسه فيما يتيقنه فناقض هنا ما سلف. ~~وسبب الخلاف: قول ابن عباس لكريب إنه لا يعتقد برؤية الهلال وهو بالشام بل ~~يوافق أهل المدينة فيصوم الحادي والثلاثين باعتبار رؤية الشام لأنه يوم ~~الثلاثين عند أهل المدينة. وقال: ابن عباس إن ذلك من السنة. # وتقدم الحديث وليس بنص فيما احتجوا به لاحتماله كما تقدم فالحاصل أن يعمل ~~بيقين نفسه صوما وإفطارا ويحسن التكتم بهما صونا للعباد عن إثمهم بإساءة ~~الظن به (ولمسلم) أي عن ابن عمر (فإن أغمي عليك فاقدروا له ثلاثين ms0539 وللبخاري ~~أي عن ابن عمر (فأكملوا العدة ثلاثين). قوله فاقدروا له هو أمر همزته همزة ~~وصل، وتكسر الدال وتضم ، وقيل: الضم خطأ، وفسر المراد به قوله فاقدروا له ~~ثلاثين وأكملوا العدة ثلاثين، والمعنى أفطروا يوم الثلاثين واحسبوا تمام ~~الشهر وهذا أحسن تفاسيره وفيه تفاسير أخر نقلها الشارح خارجة عن ظاهر ~~المراد من الحديث. قال ابن بطال: في الحديث دفع لمراعاة المنجمين وإنما ~~المعول عليه رؤية الأهلة وقد نهينا عن التكلف، وقد قال الباجي - في الرد ~~على من قال إنه يجوز للحاسب والمنجم وغيرهما الصوم والافطار اعتمادا على ~~النجوم -: إن إجماع السلف حجة عليهم، وقال ابن بزيزة: هو مذهب باطل قد نهت ~~الشريعة عن الخوض في علم النجوم لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطع. قال ~~الشارح: قلت: والجواب الواضح عليهم ما أخرجه البخاري عن ابن عمر أنه صلى ~~(ص) قال: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا. يعني تسعا ~~وعشرين مرة وثلاثين مرة. # (وله) أي البخاري (في حديث أبو هريرة فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) وهو ~~تصريح بمفاد الامر بالصوم لرؤيته في رواية فإن غم فأكملوا العدة أي عدة ~~شعبان . وهذه الأحاديث نصوص في أنه لا صوم ولا إفطار إلا بالرؤية للهلال أو ~~إكمال العدة. # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي (ص) ~~أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه رواه أبو داود وصححه الحاكم ابن حبان) ~~الحديث دليل على العمل بخبر الواحد في الصوم دخولا فيه وهو مذهب طائفة من ~~أئمة العلم . ويشترط فيه العدالة. وذهب آخرون: إلى أنه لا بد من الاثنين ~~لأنها شهادة، واستدلوا بخبر رواه النسائي عن عبد الرحمن بن الخطاب أنه قال ~~جالست أصحاب رسول الله (ص) وسألتهم وحدثوني أن رسول الله (ص) قال: صوموا ~~لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما إلا أن ~~يشهد شاهدان فدل بمفهومه أنه لا يكفي الواحد. وأجيب عنه بأنه مفهوم ~~والمنطوق الذي أفاده حديث ابن عمر وحديث الاعرابي الآتي أقوى ms0540 منه، ويدل على ~~قبول خبر الواحد فيقبل بخبر المرأة والعبد. وأما الخروج منه فالظاهر أن ~~الصوم والافطار في كفاية خبر الواحد. وأما حديث ابن عباس وابن عمر أنه (ص) ~~أجاز خبر واحد على هلال رمضان، وكان لا يجيز شهادة الافطار إلا بشهادة ~~رجلين فإنه ضعفه الدارقطني وقال: تفرد به حفص بن عمر الأيلي وهو ضعيف. ويدل ~~لقبول خبر الواحد في الصوم دخولا أيضا قوله: PageV02P152 # وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن أعرابيا جاء إلى النبي (ص) فقال: إني ~~رأيت الهلال، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن ~~محمدا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فأذن في الناس يا بلال أن يصوموا غدا رواه ~~الخمسة وصححه ابن خزيمة وابن حبان ورجح النسائي إرساله. فيه دليل كالذي ~~قبله على قبول خبر الواحد في الصوم. ودلالة على أن الأصل في المسلمين ~~العدالة إذا لم يطلب (ص) من الاعرابي إلا الشهادة. وفيه أن الامر في الهلال ~~جار مجرى الاخبار لا الشهادة وإنه يكفي في الايمان الاقرار بالشهادتين ولا ~~يلزم التبري من سائر الأديان. # (وعن حفصة أمير أم المؤمنين رضي لله عنها أن النبي (ص) قال: من لم يبيت ~~الصيام قبل الفجر فلا صيام له رواه الخمسة ومال الترمذي. والنسائي إلى ~~ترجيح وقفه) على حفصة (وصححه مرفوعا ابن خزيمة وابن حبان وللدارقطني) أي عن ~~حفصة (لا صيام لمن لم يفرضه من الليل) الحديث. اختلف الأئمة في رفعه ووقفه، ~~وقال أبو محمد بن حزم: الاختلاف فيه يزيد الخبر قوة. لان من رواه مرفوعا قد ~~رواه موقوفا، وقد أخرجه الطبراني من طريق أخرى وقال: رجالها ثقات. وهو يدل ~~على أنه لا يصح الصيام إلا بتبييت النية وهو أن ينوي الصيام في أي جزء من ~~الليل، وأول وقتها الغروب وذلك لأن الصوم عمل والأعمال بالنيات، وأجزاء ~~النهار غير منفصلة من الليل بفاصل يتحقق فلا يتحقق إلا إذا كانت النية ~~واقعة في جزء من الليل. وتشترط النية لكل يوم على انفراده وهذا مشهور من ~~مذهب ms0541 أحمد وله قول أنه إذا نوى من أول الشهر تجزئة، وقوى هذا القول ابن ~~عقيل بأنه (ص) قال: لكل امرئ ما نوى وهذا قد نوى جميع الشهر، ولان رمضان ~~بمنزلة العبادة الواحدة لان الفطر في لياليه عبادة أيضا يستعان بها على صوم ~~نهاره وأطال في الاستدلال على هذا بما يدل على قوته. والحديث عام للفرض ~~والنفل والقضاء والنذر معينا مطلقا وفيه خلاف وتفاصيل. واستدل من قال بعدم ~~وجوب التبييت بحديث البخاري أنه (ص) بعث رجلا ينادي في الناس يوم عاشوراء ~~أن من أكل فليتم أو فليصم ومن لم يأكل فلا يأكل قالوا: وقد كان واجبا ثم ~~نسخ وجوبه بصوم رمضان، ونسخ وجوبه لا يرفع سائر الأحكام فقيس عليه رمضان ~~وما في حكمه من النذر المعين والتطوع فخص عموم " فلا صيام له " بالقياس ~~وبحديث عائشة الآتي فإنه دل على أنه (ص) كان يصوم تطوعا من غير تبييت ~~النية. # وأجيب بأن صوم عاشوراء غير مساو لصوم رمضان حتى يقاس عليه فإنه (ص) ألزم ~~الامساك لمن قد أكل ولمن لم يأكل فعلم أنه أمر خاص. ولأنه إنما أجزأ ~~عاشوراء بغير تبييت لتعذره فيقاس عليه ما سواه كمن نام حتى أصبح، على أن لا ~~يلزم من تمام الامساك ووجوبه، أنه صوم مجزئ وأما حديث عائشة وهو: # (وعن عائشة رضي الله عنه قالت، دخل على النبي (ص) ذات يوم فقال: هل عندكم ~~شئ؟ قلنا: لا، قال: فإني إذا صائم ثم أتانا يوما آخر PageV02P153 # ، فقلت: أهدي لنا حيس) بفتح الحاء المهملة فمثناة تحتية فسين مهملة هو ~~التمر مع السمن والأقط (قال: أرينيه فلقد أصبحت صائما فأكل. رواه مسلم). ~~فالجواب عنه أنه أعم من أن يكون بيت الصوم أولا فيحمل على التبييت لان ~~المحتمل يرد إلى العام ونحوه على أن في بعض روايات حديثها: إني أصبحت ~~صائما. والحاصل أن الأصل عموم حديث التبييت وعدم الفرق بين الفرض والنفل ~~والقضاء والنذر ولم يقم ما يرفع هذين الأصلين فتعين البقاء عليهما. # (وعن سهل بن سعد رضي الله عنه) هو ms0542 أن العباس سهل بن سعد بن مالك أنصاري ~~خزرجي يقال كان اسمه حزنا فسماه رسول الله (ص) سهلا مات النبي صلى الله ~~عليه وسلم وله خمس عشرة سنة ومات سهل بالمدينة سنة إحدى وتسعين وقيل ثمان ~~وثمانين وهو آخر من مات من الصحابة بالمدينة (أن رسول الله (ص) قال: لا ~~يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر متفق عليه) زاد أحمد وأخروا السحور زاد أبو ~~داود لان اليهود والنصارى يؤخرون الافطار إلى اشتباك النجوم قال في شرح ~~المصابيح: ثم صار في ملتنا شعارا لأهل البدعة وسمة لهم. والحديث دليل على ~~استحباب تعجيل الافطار إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية أو بأخبار من يجوز ~~العمل بقوله، وقد ذكر العلة وهي مخالفة اليهود والنصارى، قال المهلب: ~~والحكمة في ذلك أنه لا يزاد في النهار من الليل ولأنه أرفق بالصائم وأقوى ~~له على العبادة. قال الشافعي: تعجيل الافطار مستحب ولا يكره تأخيره إلا لمن ~~تعمده ورأي الفضل فيه. قلت: في إباحته (ص) المواصلة إلى السحر كما في حديث ~~أبي سعيد ما يدل على أنه لا كراهة إذا كان ذلك سياسة للنفس ودفعا لشهوتها ~~إلا أن قوله: # وللترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: قال الله عز ~~وجل: أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا. دال على أن تعجيل الافطار أحب إلى الله ~~تعالى من تأخيره، وأن إباحة المواصلة إلى السحر لا تكون أفضل من تعجيل ~~الافطار، أو يراد بعبادي الذي يفطرون ولا يواصلون إلى السحر وأما رسول الله ~~(ص) فإنه خارج عن عموم الحديث لتصريحه صلى الله عليه وسلم بأنه ليس مثلهم ~~كما يأتي فهو أحب الصائمين إلى الله تعالى وإن لم يكن أعجلهم فطرا لأنه قد ~~أذن له في الوصال ولو أياما متصلة كما يأتي: # (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): تسحروا فإن في السحور) ~~بفتح المهملة اسم لما يتسحر به وروي بالضم على أنه مصدر (بركة. # متفق عليه) زاد أحمد من حديث أبي سعيد فلا تدعوه ms0543 ولو أن يتجرع أحدكم جرعة ~~من ماء فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين. وظاهر الامر وجوب التسحر، ~~ولكنه صرفه عنه إلى الندب ما ثبت من مواصلته (ص) ومواصلة أصحابه، ويأتي ~~الكلام في حكم PageV02P154 # الوصال. ونقل ابن المنذر الاجماع على أن التسحر مندوب. والبركة المشار ~~إليها فيه اتباع السنة ، ومخالفة أهل الكتاب لحديث مسلم مرفوعا فصل ما بين ~~صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر والتقوي به على العبادة، وزيادة النشاط ~~والتسبيب للصدقة على من سأل وقت السحر (وعن سلمان بن عامر الضبي رضي الله ~~عنه) قال ابن عبد البر في الاستيعاب . إنه ليس من الصحابة ضبي غي سلمان بن ~~عامر المذكور (عن رسول الله (ص) قال: إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإن لم ~~يجد فليفطر على ماء فإنه طهور رواه الخمسة وصححه ابن خزيمة وابن حبان ~~والحاكم). والحديث قد روي من حديث عمران بن حصين وفيه ضعف، ومن حديث أنس ~~رواه الترمذي والحاكم وصححه، ورواه أيضا الترمذي والنسائي وغيرهم من حديث ~~أنس من فعله صلى الله عليه وسلم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يفطر على رطبات قبل أن يصلي فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يكن حسا حسوات ~~من الماء. وورد في عدد التمر أنها ثلاث، وفي الباب روايات في معنى ما ~~ذكرناه. ودل على أن الافطار بما ذكر هو السنة. قال ابن القيم: وهذا من كمال ~~شفقته (ص) على أمته ونصحهم، فإن إعطاء الطبيعة الشئ الحلو مع خلو المعدة ~~أدعى إلى قبوله، وانتفاع القوى به، لا سيما القوة الباصرة، فإنها تقوى به، ~~وأما الماء فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس، فإن رطبت بالماء كمل ~~انتفاعها بالغذاء بعده، هذا مع ما في التمر والماء من الخاصية التي لها ~~تأثير في صلاح القلب لا يعلمها إلا أطباء القلوب. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله (ص) عن الوصال) هو ترك ~~الفطر بالنهار وفي ليالي رمضان بالقصد (فقال رجل من المسلمين) قال المصنف: ~~لم ms0544 أقف على اسمه (فإنك تواصل يا رسول الله فقال: وأيكم مثلي؟ إني أبيت ~~يطعمني ربي ويسقيني فلما أبو أن ينتهوا عن الوصال، واصل بهم يوما ثم رأوا ~~الهلال فقال: لو تأخر الهلال لزدتكم كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا. متفق ~~عليه) الحديث عند الشيخين من حديث أبي هريرة وابن عمر وعائشة وأنس وتفرد ~~مسلم باخراجه عن أبي سعيد. وهو دليل على تحريم الوصال لأنه الأصل في النهي ~~وقد أبيح الوصال إلى السحر لحديث أبي سعيد فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى ~~السحر. وفي حديث أبي سعيد هذا: دليل على أن إمساك بعض الليل مواصلة. وهو ~~يرد على من قال: إن الليل ليس محلا للصوم فلا ينعقد بنيته. وفي الحديث ~~دلالة على أن الوصال من خصائصه صلى الله عليه وسلم ، وقد اختلف في حق غيره، ~~فقيل: بالتحريم مطلقا، وقيل: محرم في حق من يشق عليه، ويباح لمن لا يشق ~~عليه، الأول رأى الأكثر للنهي وأصله التحريم. واستدل من قال: إنه لا يحرم ، ~~بأنه (ص) واصل بهم، ولو كان النهي للتحريم لما أقرهم عليه فهو قرينة أنه ~~للكراهة رحمة لهم وتخفيفا عنها، ولأنه أخرج أبو داود عن رجل من الصحابة: ~~نهى PageV02P155 # رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما إبقاء ~~على أصحابه. إسناده صحيح، وإبقاء متعلق بقوله نهى. وروى البزار والطبراني ~~في الأوسط من حديث سمرة نهى النبي (ص) عن الوصال وليس بالعزيمة ويدل له ~~أيضا مواصلة الصحابة، فروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أن ابن الزبير كان ~~يواصل خمسة عشر يوما وذكر ذلك عن جماعة غيره فلو فهموا التحريم لما فعلوه، ~~ويدل للجواز أيضا ما أخرجه ابن السكن مرفوعا إن الله لم يكتب الصيام بالليل ~~فمن شاء فليتبعني ولا أجر له. قالوا: والتعليل بأنه من فعل النصارى لا ~~يقتضي التحريم. واعتذر الجمهور عن مواصلته (ص) بالصحابة بأن ذلك كان تقريعا ~~لهم وتنكيلا بهم. واحتمل جواز ذلك لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم لأنهم ~~إذا باشروه ظهرت لهم حكمة ms0545 النهي، وكان ذلك أدعى إلى قبوله، لما يترتب عليه ~~من الملل في العبادة والتقصير فيما هو أهم منه، وأرجح من وظائف العبادات، ~~والأقرب من الأقوال هو التفصيل. وقوله (ص): وأيكم مثلي؟ استفهام إنكار ~~وتوبيخ أي أيكم على صفتي ومنزلتي من ربي. واختلف في قوله: يطعمني ويسقيني ~~فقيل: هو على حقيقته، كان يطعم ويسقى من عند الله، وتعقب بأنه لو كان كذلك ~~لم يكن مواصلا. وأجيب عنه: بأنه ما كان من طعام الجنة على جهة التكريم، ~~فإنه لا ينافي التكليف، ولا يكون له حكم طعام الدنيا. وقال ابن القيم: ~~المراد ما يغذيه الله من معارفه وما يفيضه على قلبه من لذة مناجاته، وقرة ~~عينه بقربه، وتنعمه بحبه والشوق إليه، وتوابع ذلك من الأحوال، التي هي غذاء ~~القلوب، وتنعيم الأرواح، وقرة العين، وبهجة النفوس، وللقلب والروح بها أعظم ~~وأجود غذاء وأنفعه، وقد يقوي هذا الغذاء حتى يغني عن غذاء الأجسام بره ة من ~~الزمان، كما قيل : لها أحاديث من ذكراك تشغلها عن الشراب وتلهيها عن الزاد ~~لها بوجهك نور يستضاء له ومن حديثك في أعقابها حادي ومن له أدنى معرفة أو ~~تشوق، يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح، عن كثير من الغذاء الحيواني، ~~ولا سيما المسرور الفرحان، الظافر بمطلوبه الذي قرت عينه بمحبوبه، وتنعم ~~بقربه والرضا عنه. وساق هذا المعنى واختار هذا الوجه في الاطعام والاسقاء. ~~وأما الوصال إلى السحر فقد أذن (ص) فيه كما في حديث البخاري عن أبي سعيد ~~أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل ~~فليواصل إلى السحر. وأما حديث عمر في الصحيحين مرفوعا: إذا أقبل الليل من ~~ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم فإنه لا ينافي ~~الوصال، لان المراد بأفطر دخل في وقت الافطار، لا أنه صار مفطرا حقيقة، كما ~~قيل لأنه لو صار مفطرا حقيقة لما ورد الحث على تعجيل الافطار، ولا النهي عن ~~الوصال، ولا استقام الاذن بالوصال إلى السحر. # (وعنه) أي أبي هريرة (رضي ms0546 الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من لم يدع ~~قول الزور) أي الكذب (والعمل به، والجهل) أي السفه (فليس لله حاجة) أي ~~إرادة (في أن يدع شرابه وطعامه رواه البخاري وأبو داود واللفظ له) ~~PageV02P156 # الحديث دليل على تحريم الكذب والعمل به وتحريم السفه على الصائم، وهما ~~محرمان على غير الصائم أيضا، إلا أن التحريم في حقه آكد، كتأكد تحريم الزنا ~~من الشيخ، والخيلاء من الفقير . والمراد من قوله: فليس لله حاجة أي إرادة ~~بيان عظم ارتكاب ما ذكر، وأن صيامه كلا صيام ، ولا معنى لاعتبار المفهوم ~~هنا، فإن الله لا يحتاج إلى أحد، وهو الغني سبحانه، ذكره ابن بطال ، وقيل: ~~هو كناية عن عدم القبول، كما يقول المغضب لمن رد شيئا عليه: لا حاجة لي في ~~كذا، وقيل : إن معناه أن ثواب الصيام لا يقاوم في حكم الموازنة ما يستحق من ~~العقاب لما ذكر. هذا وقد ورد في الحديث الآخر فإن شاتمه أحد أو سابه فليقل: ~~إني صائم فلا تشتم مبتدئا ولا مجاوبا. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله (ص) يقبل وهو صائم ويباشر) ~~المباشرة الملامسة وقد ترد بمعنى الوطئ في الفرج وليس بمراد هنا (وهو صائم، ~~ولكنه كان أملككم لإربه) بكسر الهمزة وسكون الراء فموحدة وهو حاجة النفس ~~ووطرها وقال المصنف في التلخيص: معناه لعضوه (متفق عليه واللفظ لمسلم وزاد) ~~أي مسلم (في رواية: في رمضان). قال العلماء: معنى الحديث أنه ينبغي لكم ~~الاحتراز من القبلة، ولا تتوهموا أنكم مثل رسول الله (ص) في استباحتها، ~~لأنه يملك نفسه، ويأمن من وقوع القبلة أن يتولد عنها إنزال أو شهوة، أو ~~هيجان نفس، أو نحو ذلك ، وأنتم لا تأمنون ذلك، فطريقكم كف النفس على ذلك. ~~وأخرج النسائي من طريق الأسود قلت لعائشة: أيباشر الصائم؟ قالت: لا، قلت: ~~أليس رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يباشر وهو صائم؟ قالت: إنه كان ~~أملككم لإربه وظاهر هذا: أنها اعتقدت أن ذلك خاص به صلى الله عليه وسلم. ~~قال القرطبي: ms0547 وهو اجتهاد منها. وقيل: الظاهر أنها ترى كراهة القبلة لغيره ~~(ص) كراهة تنزيه لا تحريم كما يدل له قولها: أملككم لإربه. وفي كتاب الصيام ~~لأبي يوسف القاضي من طريق حماد بن سلمة: سئلت عائشة عن المباشرة للصائم ~~فكرهتها. وظاهر حديث الباب جواز القبلة والمباشرة للصائم لدليل التأسي به ~~صلى الله عليه وسلم ولأنها ذكرت عائشة الحديث جوابا عمن سأل عن القبلة وهو ~~صائم، وجوابها قاض بالإباحة مستدلة بما كان يفعله (ص)، وفي المسألة أقوال: ~~الأول: للمالكية أنه مكروه مطلقا. الثاني: أنه محرم مستدلين بقوله تعالى: * ~~(فالآن باشروهن) * فإنه منع المباشرة في النهار ، وأجيب بأن المراد بها في ~~الآية الجماع، وقد بين ذلك فعله (ص) كما أفاده حديث الباب، وقال قوم: إنها ~~تحرم القبلة وقالوا: إن من قبل بطل صومه. الثالث: أنه مباح، وبالغ بعض ~~الظاهرية فقال: إنه مستحب. الرابع: التفصيل. فقال: يكره للشاب ويباح للشيخ، ~~ويروى عن ابن عباس ودليله ما أخرجه أبو داود: أنه أتاه (ص) رجل فسأله عن ~~المباشرة للصائم فرخص له وأتاه آخر فسأله فنهاه فإذا الذي رخص له شيخ والذي ~~نهاه شاب. الخامس: إن مالك نفسه جاز له وإلا فلا، وهو مروي عن الشافعي ~~واستدل له بحديث عمر بن أبي سلمة: لما سأل النبي (ص) فأخبرته أمه أم سلمة ~~أنه (ص) يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر PageV02P157 # فقال: إني أخشاكم لله فدل على أنه لا فرق بين الشاب والشيخ وإلا لبينه ~~(ص) لعمر، لا سيما وعمر كان في ابتداء تكليفه. وقد ظهر مما عرفت أن الإباحة ~~أقوى الأقوال . ويدل لذلك ما أخرجه أحمد وأبو داود من حديث عمر بن الخطاب ~~قال: هششت يوما فقبلت وأنا صائم فأتيت النبي (ص) فقلت: صنعت اليوم أمرا ~~عظيما، فقبلت وأنا صائم فقال رسول الله (ص): أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت ~~صائم؟ # قلت: لا بأس بذلك، فقال رسول الله (ص): ففيم. انتهى. قوله: هششت بفتح ~~الهاء وكسر الشين المعجمة بعدها شين ms0548 معجمة ساكنة معناه ارتحت وخففت. ~~واختلفوا أيضا فيما إذا قبل أو نظر أو باشر فأنزل أو أمذى: فعن الشافعي ~~وغيره: أنه يقضي إذا أنزل في غير النظر ولا قضاء في الامذاء. وقال مالك: ~~يقضي في كل ذلك ويكفر إلا في الامذاء فيقضي فقط. وثمة خلافات أخر الأظهر ~~أنه لا قضاء ولا كفارة إلا على من جامع، وإلحاق غير المجامع به بعيد. # تنبيه: قوله وهو صائم: لا يدل أنه قبلها وهي صائمة، وقد أخرج ابن حبان في ~~صحيحه عن عائشة: كان يقبل بعض نسائه في الفريضة والتطوع. ثم ساق بإسناده أن ~~النبي (ص) كان لا يمس وجهها وهي صائمة وقال: ليس بين الخبرين تضاد لأنه كان ~~يملك إربه ونبه بفعله ذلك على جواز هذا الفعل لمن هو بمثابة حاله وترك ~~استعماله إذا كانت المرأة صائمة علما منه بما ركب في النساء من الضعف عند ~~الأشياء التي ترد عليهن انتهى. # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو ~~محرم واحتجم وهو صائم رواه البخاري. قيل: ظاهره أنه وقع منه الأمران ~~المذكوران مفترقين وأنه احتجم وهو صائم واحتجم وهو محرم ولكنه لم يقع ذلك ~~في وقت واحد لأنه لم يكن صائما في إحرامه، إذا أراد إحرامه وهو في حجة ~~الوداع إذ ليس في رمضان ولا كان محرما في سفره في رمضان عام الفتح ولا في ~~شئ من عمره التي اعتمرها، وإن احتمل أنه صام نفلا إلا أنه لم يعرف ذلك. وفي ~~الحديث روايات. وقال أحمد: إن أصحاب ابن عباس لا يذكرون صياما، وقال أبو ~~حاتم: أخطأ فيه شريك إنما هو احتجم وأعطى الحجام أجرته ، وشريك حدث به من ~~حفظه وقد ساء حفظه فعلى هذا الثابت إنما هو الحجامة. والحديث يحتمل أنه ~~إخبار عن كل جملة على حدة وأن المراد احتجم وهو محرم في وقت، واحتجم وهو ~~صائم في وقت آخر، والقرينة على هذا معرفة أنه لم يتفق له اجتماع الاحرام ~~والصيام وأما تغليط شريك وانتقاده على ذلك ms0549 اللفظ فأمر بعيد والحمل على صحة ~~لفظ روايته مع تأويلها أولى. وقد اختلف فيمن احتجم وهو صائم فذهب إلى أنها ~~لا تفطر الصائم: الأكثر من الأئمة. وقالوا: إن هذا ناسخ لحديث شداد بن أوس ~~وهو: # وعن شداد بن أوس رضي الله عنه أن النبي (ص) أتى على رجل بالبقيع وهو ~~يحتجم في رمضان فقال: أفطر الحاجم والمحجوم رواه الخمسة إلا الترمذي وصححه ~~أحمد وابن خزيمة وابن حبان. الحديث قد صححه البخاري وغيره وأخرجه الأئمة عن ~~ستة عشر من PageV02P158 # الصحابة، وقال السيوطي في الجامع الصغير: إنه متواتر. وهو دليل على أن ~~الحجامة تفطر الصائم من حاجم ومحجوم له، وقد ذهبت طائفة قليلة إلى ذلك منهم ~~أحمد بن حنبل وأتباعه لحديث شداد. وذهب آخرون إلى أنه يفطر المحجوم له وأما ~~الحاجم فإنه لا يفطر عملا بالحديث هذا في الطرف الأول فلا أدري ما الذي ~~أوجب العمل ببعضه دون بعض . وأما الجمهور القائلون أنه لا يفطر حاجم ولا ~~محجوم له: فأجابوا عن حديث شداد هذا أنه منسوخ لان حديث ابن عباس متأخر ~~لأنه صحب النبي (ص) عام حجه وهو سنة عشر وشداد صحبه عام الفتح، كذا حكي عن ~~الشافعي قال: وتوقي الحجامة احتياطا أحب إلي. ويؤيد النسخ ما يأتي في حديث ~~أنس في قصة جعفر بن أبي طالب. وقد أخرج الحازمي من حديث أبي سعيد مثله. قال ~~أبو محمد بن حزم: إن حديث أفطر الحاجم والمحجوم ثابت بلا ريب لكن وجدنا في ~~حديث أنه (ص) نهى عن الحجامة للصائم وعن المواصلة ولم يحرمهما إبقاء على ~~أصحابه إسناده صحيح. وقد أخرج ابن أبي شيبة ما يؤيد ذلك من حديث - أبي سعيد ~~أنه (ص) رخص في الحجامة للصائم والرخصة إنما تكون بعد العزيمة فدل على ~~النسخ سواء كان حاجما أو محجوما. وقيل: إنه يدل على الكراهة ويدل لها حديث ~~أنس الآتي، وقيل إنما قاله صلى الله عليه وسلم في خاص، وهو أنه مر بهما ~~وهما يغتابان الناس رواه الوحاظي عن يزيد بن ربيعة عن أبي ms0550 الأشعث الصنعاني ~~أنه قال : إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفطر الحاجم والمحجوم ~~له، لأنهما كانا يغتابان الناس . وقال ابن خزيمة في هذا التأويل: إنه ~~أعجوبة، لان القائل به لا يقول إن الغيبة تفطر الصائم. # وقال أحمد: ومن سلم من الغيبة؟ تلو كان الغيبة تفطر ما كان لنا صوم. وقد ~~وجه الشافعي هذا القول، وحمل الشافعي الافطار بالغيبة على سقوط أجر الصوم ~~مثل قوله صلى الله عليه وسلم للمتكلم والخطيب يخطب: لا جمعة له ولم يأمره ~~بالإعادة فدل على أنه أراد سقوط الاجر وحينئذ فلا وجه لجعله أعجوبة كما قال ~~ابن خزيمة. وقال البغوي: المراد بإفطارهما تعرضهما للافطار أما الحاجم ~~فلانه لا يأمن وصول شئ من الدم إلى جوفه عند المص وأما المحجوم فلانه لا ~~يأمن ضعف قوته بخروج الدم فيؤول إلى الافطار. قال ابن تيمية في رد هذا ~~التأويل: إن قوله صلى الله عليه وسلم: أفطر الحاجم والمحجوم له نص في حصول ~~الفطر لهما فلا يجوز أن يعتقد بقاء صومهما والنبي صلى الله عليه وسلم مخبر ~~عنهما بالفطر لا سيما وقد أطلق هذا القول إطلاقا من غير أن يقرنه بقرينة ~~تدل على أن ظاهره غير مراد فلو جاز أن يريد مقاربة الفطر دون حقيقته لكان ~~ذلك تلبيسا لا تبيينا للحكم انتهى. # قلت: ولا ريب في أن هذا هو الذي دل عليه قوله: # (وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر ~~بن أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به النبي (ص) فقال: أفطر هذان ثم رخص النبي ~~(ص) بعد في الحجامة للصائم، وكان أنس يحتجم وهو صائم، PageV02P159 # رواه الدارقطني وقواه. قال: إن رجاله ثقات ولا تعلم له علة، وتقدم أنه من ~~أدلة النسخ لحديث شداد. # (وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي (ص) اكتحل في رمضان وهو صائم رواه ابن ~~ماجة بإسناد ضعيف وقال الترمذي: لا يصح في هذا الباب شئ . ثم قال: واختلف ~~أهل العلم في الكحل للصائم فكرهه بعضهم ms0551 وهو قول سفيان وابن المبارك وأحمد ~~وإسحاق. ورخص بعض أهل العلم في الكحل للصائم وهو قول الشافعي انتهى. وخالف ~~ابن شبرمة وابن أبي ليلى فقالا: إنه يفطر لقوله (ص) الفطر مما دخل وليس مما ~~خرج وإذا وجد طعمه فقد دخل وأجيب عنه: بأنا لا نسلم كونه داخلا لأن العين ~~ليست بمنفذ وإنما يصل من المسام فإن الانسان قد يدلك قدميه بالحنظل فيجد ~~طعمه في فيه ولا يفطر وحديث الفطر مما دخل علقه البخاري عن ابن عباس ووصله ~~عنه ابن أبي شيبة. وأما ما أخرجه أبو داود عنه صلى الله عليه وسلم قال في ~~الإثمد: ليتقه الصائم فقال أبو داود: قال لي يحيى بن معين: هو منكر. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من نسي وهو صائم ~~فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) وفي رواية الترمذي فإنما ~~هو رزق ساقه الله إليه (متفق عليه وللحاكم) أي من حديث أبي هريرة (من أفطر ~~في رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة وهو صحيح) وورد في لفظ من أفطر يعم ~~الجماع وإنما خص الأكل والشرب لكونهما الغالب في النسيان كما قاله ابن دقيق ~~العيد. والحديث دليل على أن من أكل أو شرب أو جامع ناسيا لصومه فإنه لا ~~يفطره ذلك لدلالة قوله: فليتم صومه على أنه صائم حقيقة وهذا قول الجمهور ~~وزيد بن علي والباقر وأحمد بن عيسى والامام يحيى. والفريقين. وذهب غيرهم ~~إلى أنه يفطر قالوا: لان الامساك عن المفطرات ركن الصوم فحكمه حكم من نسي ~~ركنا من الصلاة فإنه تجب عليه الإعادة وإن كان ناسيا وتأولوا قوله: فليتم ~~صومه بأن المراد فليتم إمساكه عن المفطرات. وأجيب بأن قوله: فلا قضاء عليه ~~ولا كفارة صريح في صحة صومه وعدم قضائه له. أخرج الدارقطني اسقاط القضاء في ~~رواية أبي رافع وسعيد المقبري والوليد بن عبد الرحمن وعطاء بن يسار كلهم عن ~~أبي هريرة وأفتى به جماعة من الصحابة منهم علي عليه السلام وزيد بن ثابت ms0552 ~~وأبو هريرة وابن عمر كما قاله: ابن المنذر وابن حزم. وفي سقوط القضاء ~~أحاديث يشد بعضها بعضا ويتم الاحتجاج بها. وأما القياس على الصلاة فهو قياس ~~فاسد الاعتبار لأنه في مقابلة النص، على أنه منازع في الأصل. وقد أخرج أحمد ~~عن مولاة لبعض الصحابيات: أنها كانت عند النبي (ص) فأتي بقصعة من ثريد ~~فأكلت منها ثم تذكرت أنها صائمة فقال لها ذو اليدين: الآن بعد ما شبعت. ~~فقال النبي (ص): أتمي صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك وروى عبد الرزاق: ~~أن إنسانا جاء إلى أبي هريرة فقال له: أصبحت PageV02P160 # صائما وطعمت فقال: لا بأس، قال: ثم دخلت على انسان فنسيت فطعمت قال أبو ~~هريرة أنت انسان لم تتعود الصيام. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # من ذرعه القئ) بالذال المعجمة والراء والعين المهملتين أي سبقه وغلبه في ~~الخروج (فلا قضاء عليه، ومن استقاء) أي طلب القئ باختياره (فعليه القضاء ~~رواه الخمسة وأعله أحمد) بأنه غلط (وقواه الدارقطني) وقال البخاري: لا أراه ~~محفوظا وقد روى من غير وجه ولا يصح إسناده، وأنكره أحمد وقال: ليس من ذا ~~بشئ، قال الخطابي: يريد أنه غير محفوظ، وقد قال الحاكم: صحيح على شرطهما. ~~والحديث دليل على أنه لا يفطر بالقئ الغالب لقوله: فلا قضاء عليه إذ عدم ~~القضاء فرع الصحة. وعلى أنه يفطر من طلب القئ واستجلبه، وظاهره وإن لم يخرج ~~له قئ لامره بالقضاء. ونقل ابن المنذر الاجماع على أن تعمد القئ يفطر . ~~قلت: ولكنه روي عن ابن عباس ومالك وربيعة والهادي أن القئ لا يفطر مطلقا ~~إلا إذا رجع منه شئ فإنه يفطر، وحجتهم ما أخرجه الترمذي والبيهقي بإسناد ~~ضعيف ثلاث لا يفطرن: القئ والحجامة والاحتلام ويجاب عنه بحمله على من ذرعه ~~القئ جمعا بين الأدلة وحملا للعام في الخاص وعلى أن العام غير صحيح والخاص ~~أرجح منه سندا فالعمل به أولى وإن عارضته البراءة الأصلية. # (وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول ms0553 الله (ص) خرج عام الفتح ~~إلى مكة في رمضان) سنة ثمان من الهجرة قال ابن إسحاق وغيره: إنه خرج يوم ~~العاشر منه (فصام حتى بلغ كراع الغميم) بضم الكاف فراء آخره مهملة، والغميم ~~بمعجمة مفتوحة وهو واد أمام عسفان (فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه ~~حتى نظر الناس إليه، ثم شرب) ليعلم الناس بإفطار بإفطاره (فقيل له بعد ذلك: # إن بعض الناس قد صام فقال: أولئك العصاة أولئك العصاة وفي لفظ: فقيل له ~~إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنما ينظرون فيما فعلت فدعا بقدح من ماء بعد ~~العصر، فشرب. رواه مسلم) . الحديث دليل على أن المسافر له أن يصوم وله أن ~~يفطر وأن له الافطار وإن صام أكثر النهار : وخالف في الطرف الأول داود ~~والامامية فقالوا: لا يجزئ الصوم لقوله تعالى: * (فعدة من أيام أخر) * ~~وبقوله: أولئك العصاة قوله: ليس من البر الصيام في السفر. وخالفهم الجماهير ~~فقالوا: # يجزئه صومه لفعله (ص) والآية لا دليل فها على عدم الاجزاء وقوله: أولئك ~~العصاة إنما هو لمخالفتهم لامره بالافطار وقد تعين عليهم. وفيه أنه ليس في ~~الحديث أنه أمرهم، وإنما يتم على أن فعله يقتضي الوجوب. وأما حديث ليس من ~~البر فإنما قاله (ص) : فيمن شق عليه الصيام نعم يتم الاستدلال بتحريم الصوم ~~في السفر على من شق عليه فإنه إنما أفطر (ص) لقولهم إنهم قد شق عليهم ~~الصيام والذين صاموا بعد ذلك وصفهم بأنهم عصاة. وأما جواز الافطار إن صام ~~أكثر النهار فذهب أيضا إلى PageV02P161 # جوازه الجماهير وعلق الشافعي القول به على صحة الحديث، وهذا إذا نوى ~~الصيام في السفر فأما إذا دخل فيه وهو مقيم ثم سافر في أثناء يومه. فذهب ~~الجمهور إلى أنه ليس له الافطار، وأجازه أحمد وإسحاق وغيرهم والظاهر معهم ~~لأنه مسافر. وأما الأفضل فذهبت الهادوية وأبو حنفية والشافعي إلى أن الصوم ~~أفضل للمسافر حيث لا مشقة عليه ولا ضرر فإن تضرر فالفطر أفضل. وقال أحمد ~~وإسحاق وآخرون: الفطر أفضل مطلقا بالأحاديث التي احتج ms0554 بها من قال لا يجزئ ~~الصوم. قالوا: وتلك الأحاديث وإن دلت على المنع لكن حديث حمزة بن عمرو ~~الآتي وقوله: ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه وأفاد بنفيه الجناح، أنه لا ~~بأس به لا أنه محرم ولا أفضل. واحتج من قال بأن الصوم الأفضل أنه كان غالب ~~فعله (ص) في أسفاره، ولا يخفى أنه لا بد من الدليل على الأكثرية وتأولوا ~~أحاديث المنع بأنه لمن يشق عليه الصوم. وقال آخرون: الصوم والافطار سواء ~~لتعادل الأحاديث في ذلك وهو ظاهر حديث أنس سافرنا مع رسول الله (ص) فلم يعب ~~الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم وظاهره التسوية. # (وعن حمزة بن عمرو الأسلمي رضي الله عنه) هو أبو صالح أو محمد، حمزة ~~بالحاء المهملة وزاي يعد في أهل الحجاز. روى عنه ابنه محمد وعائشة مات سنة ~~إحدى وستين وله ثمانون سنة (أنه قال: يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام ~~في السفر، فهل على جناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي رخصة من ~~الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه رواه مسلم وأصله في ~~المتفق عليه من حديث عائشة أن حمزة بن عمرو سأل) وفي لفظ مسلم إني رجل أسرد ~~الصوم أفأصوم في السفر؟ قال: صم إن شئت وأفطر إن شئت ففي هذا اللفظ دلالة ~~على أنهما سواء وتقدم الكلام في ذلك. وقد استدل بالحديث من يرى أنه لا يكره ~~صوم الدهر وذلك أنه أخبر أنه يسرد الصوم فأقره ولم ينكر عليه وهو في السفر ~~ففي الحضر بالأولى وذلك إذا كان يضعف به عن واجب ولا يفوت بسبه عليه حق ~~وبشرط فطره العيدين والتشريق. وأما إنكاره (ص) على ابن عمرو صوم الدهر فلا ~~يعارض هذا إلا أنه علم (ص) أنه سيضعف عنه وهكذا كان فإنه ضعف آخر عمره وكان ~~يقول: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله (ص) وكان (ص) يحب العمل الدائم وإن قل ~~ويحثهم عليه. # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما ms0555 قال: رخص للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم عن كل ~~يوم مسكينا ولا قضاء عليه رواه الدارقطني والحاكم وصححاه. اعلم أنه اختلف ~~الناس في قوله تعالى: * (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) * والمشهور ~~أنها منسوخة، وأنه كان أول فرض الصيام أن من شاء أطعم مسكينا وأفطر ومن شاء ~~صام. ثم نسخت بقوله تعالى: * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * وقيل بقوله: * ~~(وقال قوم: هي غير منسوخة منهم ابن عباس كما هنا وروي عنه أنه كان يقرؤها ~~(وعلى الذين يطوقونه) أي يكلفونه ويقول: ليست بمنسوخة هي للشيخ الكبير ~~والمرأة الهرمة وهذا هو الذي أخرجه PageV02P162 # عنه من ذكره المصنف. وفي سنن الدارقطني عن ابن عباس، وعلى الذين يطيقونه ~~فدية طعام مسكين واحد فمن تطوع خيرا - قال: زاد مسكينا آخر - فهو خير له ~~قال: وليست منسوخة إلا أنه رخص للشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام إسناده ~~صحيح ثابت، وفيه أيضا لا يرخص في هذا إلا للكبير الذي لا يطيق الصيام أو ~~مريض لا يشفى - قال: وهذا صحيح - . وعين في رواية قدر الاطعام وإنه نصف صاع ~~من حنطة. وأخرج أيضا عن ابن عباس وابن عمر في الحامل والمرضع: أنهما يفطران ~~ولا قضاء. وأخرج مثله عن جماعة من الصحابة وإنهما يطعمان كل يوم مسكينا. ~~وأخرج عن أنس بن مالك أنه ضعف عاما عن الصوم فصنع جفنة من ثريد فدعا ثلاثين ~~مسكينا فأشبعهم وفي المسألة خلاف بين السلف. # فالجمهور أن الاطعام لازم في حق من لم يطق الصيام لكبر، منسوخ في غيره. ~~وقال جماعة من السلف: الاطعام منسوخ وليس على الكبير إذا لم يطق الصيام ~~إطعام. وقال مالك: # يستحب له الاطعام. وقيل غير ذلك والأظهر ما قاله ابن عباس. والمراد ~~بالشيخ: العاجز عن الصوم. ثم الظاهر أن حديثه موقوف ويحتمل أن المراد رخص ~~النبي (ص) فغير الصيغة للعلم بذلك فإن الترخيص إنما يكون توقيفا ويحتمل أنه ~~فهمه ابن عباس من الآية وهو الأقرب. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل) هو سلمة أو سلمان بن صخر ms0556 ~~البياضي (إلى النبي (ص) فقال: هلكت يا رسول الله قال: ما أهلكك؟ قال: وقعت ~~على امرأتي في رمضان قال: هل تجد ما تعتق رقبة) بالنصب بدل من ما (قال: لا، ~~قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ # قال: لا، قال: فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟) الجمهور أن لكل مسكين مد من ~~طعام ربع صاع (قال: لا. قال: ثم جلس فأتي) بضم الهمزة مغير الصيغة (النبي ~~(ص) بعرق) بفتح العين المهملة والراء ثم قاف (فيه تمر) ورد في رواية في غير ~~الصحيحين فيه خمسة عشر صاعا وفي أخرى عشرون (فقال: تصدق بهذا قال: أعلى ~~أفقر منا؟ فما بين لابتيها) تثنية لابة وهي الحرة ويقال فيها لوبة ونوبة ~~بالنون وهي غير مهموزة (أهل بيت أحوج إليه منا فضحك النبي صلى الله عليه ~~وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال: اذهب فأطعمه أهلك رواه السبعة واللفظ لمسلم). ~~الحديث دليل على وجوب الكفار على من جامع في نهار رمضان عامدا، وذكر النووي ~~أنه إجماع، معسرا كان أو موسرا فالمعسر تثبت في ذمته على أحد قولين ~~للشافعية ثانيهما لا تستقر في ذمته لأنه (ص) لم يبين له أنها باقية عليه. ~~واختلف في الرقبة فإنها هنا مطلقة فالجمهور: قيدوها بالمؤمنة حملا للمطلق ~~هنا على المقيد في كفارة القتل، قالوا: لان كلام الله PageV02P163 # في حكم الخطاب الواحد فيترتب فيه المطلق على المقيد. وقالت الحنفية: لا ~~يحمل المطلق على المقيد مطلقا فتجزئ الرقبة الكافرة. وقيل: يفصل في ذلك وهو ~~أنه يقيد المطلق إذا اقتضى القياس التقييد فيكون تقييدا بالقياس كالتخصيص ~~بالقياس وهو مذهب الجمهور، والعلة الجامعة هنا هو أن جميع ذلك كفارة عن ذنب ~~مكفر للخطيئة والمسألة مبسوطة في الأصول. ثم الحديث ظاهر في أن الكفارة ~~مرتبة كما ذكر في الحديث فلا يجزئ العدول إلى الثاني مع إمكان الأول، ولا ~~إلى الثالث مع إمكان الثاني لوقوعه مرتبا في رواية الصحيحين، وروى الزهري ~~الترتيب عن ثلاثين نفسا أو أكثر . ورواية التخيير مرجوحة مع ثبوت الترتيب ~~في الصحيحين، ويؤيد رواية ms0557 الترتيب أنه الواقع في كفارة الظهار وهذه الكفارة ~~شبيهة بها. قوله: ستين مسكينا ظاهر مفهومه أنه لا يجزئ إلا إطعام هذا العدد ~~فلا يجزئ أقل من ذلك. وقال الحنفية: يجزئ الصرف في واحد ففي القدوري من ~~كتبهم فإن أطعم مسكينا واحدا ستين يوما أجزأه عندنا وإن أعطاه في يوم واحد ~~لم يجزه إلا عن يومه. وقوله: اذهب فأطعمه أهلك فيه قولان للعلماء: أحدهما : ~~أن هذه كفارة ومن قاعدة الكفارات أن لا تصرف في النفس لكنه (ص) خصه بذلك، ~~ورد بأن الأصل عدم الخصوصية، الثاني: أن الكفارة ساقطة عنه لإعساره ويدل له ~~حديث علي رضي الله عنه: كله أنت وعيالك فقد كفر الله عنك إلا أنه حديث ~~ضعيف، أو أنها باقية في ذمته والذي أعطاه (ص) صدقة عليه وعلى أهله لما عرفه ~~(ص) من حاجتهم. وقالت الهادوية وجماعة: إن الكفارة غير واجبة أصلا لا على ~~موسر ولا معسر قالوا: لأنه أباح له أن يأكل منها ولو كانت واجبة لما جاز ~~ذلك وهو استدلال غير ناهض لان المراد ظاهر في الوجوب وإباحة الأكل لا تدل ~~على أنها كفارة بل فيها الاحتمالات التي سلفت. واستدل المهدي في البحر على ~~عدم وجوب الكفار بأنه (ص) قال للمجامع: استغفر الله وصم يوما مكانه ولم ~~يذكرها وأجيب عنه بأنه قد ثبت رواية الامر بها عند السبعة بهذا الحديث ~~المذكور هنا. واعلم أنه (ص) لم يأمره في هذه الرواية بقضاء اليوم الذي جامع ~~فيه إلا أنه ورد في رواية أخرجها أبو داود من حديث أبي هريرة بلفظ كله أنت ~~وأهل بيتك وصم يوما واستغفر الله. وإلى وجوب القضاء ذهبت الهادوية والشافعي ~~لعموم قوله تعالى: * (فعدة من أيام أخر) * وفي قول الشافعي أنه لا قضاء ~~لأنه (ص) لم يأمره إلا بالكفارة لا غير. وأجيب: بأنه اتكل (ص) على ما علم ~~من الآية. هذا حكم ما يجب على الرجل. وأما المرأة التي جامعها فقد استدل ~~بهذا الحديث أنه لا يلزم إلا كفارة واحدة وأنها لا تجب على الزوجة وهو ms0558 ~~الأصح من قولي الشافعي وبه قال الأوزاعي. وذهب الجمهور إلى وجوبها على ~~المرأة أيضا قالوا: # وإنما لم يذكرها النبي (ص) مع الزوج لأنها لم تعترف واعتراف الزوج لا ~~يوجب عليها الحكم، أو لاحتمال أن المرأة لم تكن صائمة بأن تكون طاهرة من ~~الحيض بعد طلوع الفجر PageV02P164 # ، أو أن بيان الحكم في حق الرجل يثبت الحكم في المرأة أيضا لما علم من ~~تعميم الاحكام، أو أنه عرف فقرها كما ظهر من حال زوجها. # واعلم أن هذا حديث جليل كثير الفوائد قال المصنف في فتح الباري: إنه قد ~~اعتنى بعض المتأخرين ممن أدرك شيوخنا بهذا الحديث فتكلم عليه فمجلدين جمع ~~فيهما ألف فائدة وفائدة انتهى وما ذكرناه فيه كفاية لما فيه من الاحكام وقد ~~طول الشارح فيه ناقلا من فتح الباري. # (وعن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما أن النبي (ص) كان يصبح جنبا من جماع ~~ثم يغتسل ويصوم متفق عليه، وزاد مسلم في حديث أم سلمة ولا يقضي . فيه دليل ~~على صحة صوم من أصبح أي دخل في الصباح وهو جنب من جماع وإلى هذا ذهب ~~الجمهور. وقال النووي: إنه إجماع. وقد عارضه ما أخرجه أحمد وابن حبان من ~~حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص) إذا نودي للصلاة صلاة الصبح وأحدكم ~~جنب فلا يصم يومه وأجاب الجمهور بأنه منسوخ وأن أبا هريرة رجع عنه لما روي ~~له حديث عائشة وأم سلمة وأفتى بقولهما. ويدل للنسخ ما أخرجه مسلم وابن حبان ~~وابن خزيمة عن عائشة أن رجلا جاء إلى النبي (ص) يستفتيه وهي تسمع من وراء ~~حجاب فقال: يا رسول الله تدركني الصلاة أي صلاة الصبح وأنا جنب فقال النبي ~~(ص): وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم. قال: لست مثلنا يا رسول الله قد ~~غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: والله إني لأرجو أن أكون ~~أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي وقد ذهب إلى النسخ ابن المنذر والخطابي ~~وغيرهما. وهذا الحديث يدفع قول من قال إن ذلك ms0559 كان خاصا به (ص). ورد البخاري ~~حديث أبي هريرة بأن حديث عائشة أقوى سندا حتى قال ابن عبد البر: إنه صح ~~وتواتر. وأما حديث أبي هريرة فأكثر الروايات أنه كان يفتي به ورواية الرفع ~~أقل ومع التعارض يرجح لقوة الطريق. # (وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي (ص) قال: من مات وعليه صيام صام عنه ~~وليه متفق عليه. فيه دليل على أنه يجزئ الميت صيام وليه عنه إذا ما مات ~~وعليه صوم واجب. والاخبار في معنى الامر أي ليصم عنه وليه والأصل فيه ~~الوجوب إلا أنه قد ادعى الاجماع على أنه للندب. والمراد في الولي: كل قريب، ~~وقيل : الوارث خاصة، وقيل: عصبته، وفي المسألة خلاف: فقال أصحاب الحديث ~~وأبو ثور وجماعة : إنه يجزئ صوم الولي عن الميت لهذا الحديث الصحيح. وذهبت ~~جماعة من الآل ومالك وأبو حنيفة: أنه لا صيام عن الميت وإنما الواجب ~~الكفارة، لما أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعا من مات وعليه صيام أطعم ~~عنه مكان كل يوم مسكين إلا أنه قال بعد اخراجه: # غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، والصحيح أنه موقوف على ابن عمر. قالوا: ~~ولأنه ورد عن ابن عباس وعائشة الفتيا بالاطعام، ولأنه الموافق لسائر ~~العبادات فإنه لا يقوم بها مكلف عن مكلف، والحج مخصوص. وأجيب بأن الآثار ~~المروية عن فتيا عائشة وابن عباس لا تقاوم PageV02P165 # الحديث الصحيح. وأما قيام مكلف بعبادة عن غيره فقد ثبت في الحج بالنص ~~الثابت فيثبت في الصوم به فلا عذر عن العمل به. واعتذر المالكية عنه بعدم ~~عمل أهل المدينة به مبني على أن تركهم العمل بالحديث حجة وليس كذلك كما عرف ~~في الأصول، وكذلك اعتذار الحنفية بأن الراوي أفتى بخلاف ما روى عذر غير ~~مقبول إذ العبرة بما روى لا بما رأى كما عرف فيها أيضا. ثم اختلف القائلون ~~بإجزاء الصيام عن الميت هل يختص ذلك بالولي أو لا ، فقيل: لا يختص بالولي ~~بل لو صام عنه الأجنبي بأمره أجزأ كما في الحج وإنما ذكر ms0560 الولي في الحديث ~~للغالب، وقيل: يصح أن يستقل به الأجنبي بغير أمر لأنه قد شبهه (ص) بالدين ~~حيث قال: فدين الله أحق أن يقضى فكما أن الدين لا يختص بقضائه القريب ~~فالصوم مثله وللقريب أن يستنيب. # باب صوم التطوع وما نهي عن صومه عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن ~~رسول الله (ص) سئل عن صوم يوم عرفة فقال: يكفر السنة الماضية والباقية وسئل ~~عن صوم يوم عاشوراء فقال: يكفر السنة الماضية وسئل عن صوم يوم الاثنين ~~فقال: ذلك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت فيه، أو أنزل علي فيه رواه مسلم. قد ~~استشكل تكفير ما لم يقع وهو ذنب السنة الآتية، وأجيب بأن المراد أنه يوفق ~~فيها لعدم الاتيان بذنب، وسماه تكفيرا لمناسبة الماضية أو أنه إن أوقع فيها ~~ذنبا وفق للاتيان بما يكفره. وأما صوم يوم عاشوراء وهو العاشر من شهر ~~المحرم عند الجماهير فإنه قد كان واجبا قبل فرض رمضان ثم صار بعده مستحبا: ~~وأفاد الحديث أن صوم يوم عرفة أفضل من صوم يوم عاشوراء، وعلل (ص) شرعية صوم ~~يوم الاثنين بأنه ولد فيه وبعث فيه أو أنزل عليه فيه وكأنه شك من الراوي ~~وقد اتفق أنه (ص) ولد فيه وبعث فيه. وفيه دلالة على أنه ينبغي تعظيم اليوم ~~الذي أحدث الله فيه على عبده نعمة، بصومه والتقرب فيه. وقد ورد في حديث ~~أسامة تعليل صومه (ص) يوم الاثنين والخميس: بأنه يوم تعرض فيه الأعمال وأنه ~~يحب أن يعرض عمله وهو صائم. ولا منافاة بين التعليلين. # (وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: # من صام رمضان ثم اتبعه ستا) هكذا ورد مؤنثا مع أن مميزه أيام وهي مذكر ~~لان اسم العدد إذا لم يذكر مميزه جاز فيه الوجهان كم صرح النحاة (من شوال ~~كان PageV02P166 # كصيام الدهر رواه مسلم). فيه دليل على استحباب صوم ستة أيام من شوال وهو ~~مذهب جماعة من الآل وأحمد والشافعي. وقال مالك: يكره صومها قال: لأنه ما ~~رأى ms0561 أحدا من أهل العلم يصومها ولئلا يظن وجوبها. الجواب أنه بعد ثبوت النص ~~بذلك لا حكم لهذه التعليلات وما أحسن ما قاله ابن عبد البر: إنه لم يبلغ ~~مالكا هذا الحديث يعني حديث مسلم. واعلم أن أجر صومها يحصل لمن صامها ~~متفرقة أو متوالية ومن صامها عقيب العيد أو في أثناء الشهر. وفي سنن ~~الترمذي عن ابن المبارك أنه اختار أن يكون ستة أيام من أول شوال، وقد روى ~~عن ابن المبارك أنه قال: من صام ستة أيام من شوال متفرقا فهو جائز. # قلت: ولا دليل على اختيار كونها من أول شوال إذ من أتى بها في شوال في أي ~~أيامه صدق عليه أنه اتبع رمضان ستا من شوال. وإنما شبهها بصيام الدهر لان ~~الحسنة بعشر أمثالها فرمضان بعشرة أشهر وست من شوال بشهرين. وليس في الحديث ~~دليل على مشروعية صيام الدهر ويأتي بيانه في آخر الباب. # واعلم أنه قال التقي السبكي: إنه قد طعن في هذا الحديث من لا فهم له ~~مغترا بقول الترمذي إنه حسن يريد في رواية سعد بن سعيد الأنصاري أخي يحيى ~~بن سعيد. قلت: ووجه الاغترار أن الترمذي لم يصفه بالصحة بل بالحسن وكأنه في ~~نسخة. الذي رأيناه في سنن الترمذي بعد سياقه للحديث ما لفظه: قال أبو عيسى: ~~حديث أبي أيوب حديث حسن صحيح ثم قال: وسعد بن سعيد هو أخو يحيى بن سعيد ~~الأنصاري وقد تكلم بعض أهل الحديث في سعد بن سعيد بن من قبل حفظه انتهى. ~~قلت: قال ابن دحية: إنه قال أحمد بن حنبل : سعد بن سعيد ضعيف الحديث وقال ~~النسائي: ليس بالقوى وقال أبو حاتم: لا يجوز الاشتغال بحديث سعد بن سعيد ~~انتهى. ثم قال ابن السبكي: وقد اعتنى شيخنا أبو محمد الدمياطي بجمع طرقه ~~فأسنده عن بضعة وعشرين رجلا رووه عن سعد بن سعيد وأكثرهم حفاظ ثقات منهم ~~السفيانان، وتابع سعدا على روايته أخوه يحيى وعبد ربه وصفوان بن سليم ~~وغيرهم ورواه أيضا عن النبي (ص) ثوبان وأبو ms0562 هريرة وجابر وابن عباس والبراء ~~بن عازب وعائشة ولفظ ثوبان من صام رمضان فشهره بعشره ومن صام ستة أيام بعد ~~الفطر فذلك صيام السنة رواه أحمد والنسائي. # (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص) : ما من عبد ~~يصوم يوما في سبيل الله) هو إذا أطلق يراد به الجهاد (إلا باعد الله بذلك ~~اليوم عن وجهه النار سبعين خريفا متفق عليه واللفظ لمسلم). فيه دلالة على ~~فضيلة الصوم في الجهاد ما لم يضعف بسبه عن قتال عدوه وكأن فضيلة ذلك لأنه ~~جمع بين جهاد نفسه في طعامه وشرابه وشهوته، وكنى بقوله: باعد الله بينه ~~وبين النار سبعين خريفا عن سلامته من عذابها. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله (ص) يصوم حتى نقول لا ~~يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله (ص) PageV02P167 # استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صياما في شعبان ~~متفق عليه واللفظ لمسلم. فيه دليل على أن صومه صلى الله عليه وسلم لم يكن ~~مختصا بشهر دون شهر وأنه كان (ص) يسرد الصيام أحيانا ويسرد الفطر أحيانا ~~ولعل كان يفعل ما يقتضيه الحال من تجرده عن الاشغال، فيتابع الصوم ومن عكس ~~ذلك فيتابع الافطار. ودليل على أنه يخص شعبان بالصوم أكثر من غيره وقد نبهت ~~عائشة على علة ذلك فأخرج الطبراني عنها: أنه (ص) كان يصوم ثلاثة أيام في كل ~~شهر فربما أخذلك فيجتمع صوم السنة فيصوم شعبان وفيه ابن أبي ليلى وهو ضعيف. ~~وقيل: # كان يصوم ذلك تعظيما لرمضان كما أخرجه الترمذي من حديث أنس وغيره: أنه ~~سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الصوم أفضل؟ فقال: شعبان تعظيما ~~لرمضان قال الترمذي: فيه صدقة بن موسى وهو عندهم ليس بالقوي. وقيل: كان ~~يصومه لأنه شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان، كما أخرجه النسائي وأبو ~~داود وصححه ابن خزيمة عن أسامة بن زيد قال: قلت: يا رسول الله لم أرك تصوم ms0563 ~~في شهر في الشهور ما تصوم في شعبان قال: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ~~ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع فيه عملي ~~وأنا صائم، قلت: ويحتمل أنه كان يصومه لهذه الحكم كلها . وقد عورض حديث: أن ~~صوم شعبان أفضل الصوم بعد رمضان بما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا ~~أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرم وأورد عليه أنه لو كان أفضل لحافظ على ~~الاكثار من صيامه. وحديث عائشة يقتضي أنه كان أكثر صيامه في شعبان، فأجيب ~~بأن تفضيل صوم المحرم بالنظر إلى الأشهر الحرم وفضل شعبان مطلقا وأما عدم ~~إكثاره لصوم المحرم فقال النووي: لأنه إنما علم ذلك آخر عمره. # (وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله (ص) أن نصوم من الشهر ~~ثلاثة أيام: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة رواه النسائي والترمذي وصححه ~~ابن حبان. الحديث ورد مطرق عديدة من حديث أبي هريرة بلفظ فإن كنت صائما فصم ~~الغر: أي البيض أخرجه أحمد والنسائي وابن حبان. وفي بعض ألفاظه عند ~~النسائي: فإن كنت صائما فصم البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة وأخرج ~~أصحاب السنن من حديث قتادة بن ملحان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يأمرنا أن نصوم البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة. وقال: هي كهيئة ~~الدهر وأخرج النسائي من حديث جرير مرفوعا صيام ثلاثة أيام من كل شهر كصيام ~~الدهر ثلاث الأيام البيض الحديث وإسناده صحيح. ووردت أحاديث في صيام ثلاثة ~~أيام من كل شهر مطلقة ومبينة بغير الثلاثة. وأخرج أصحاب السنن وصححه ابن ~~خزيمة من حديث ابن مسعود : أن النبي (ص) كان يصوم عدة ثلاثة أيام من كل ~~شهر. وأخرجه مسلم من حديث عائشة كان رسول الله (ص) يصوم من كل شهر ثلاثة ~~أيام ما يبالي في أي الشهر صام. وأما المبينة بغير الثلاث فهي ما أخرجه أبو ~~داود والنسائي من حديث PageV02P168 # حفصة كان رسول الله (ص) يصوم في كل شهر ms0564 ثلاثة أيام: الاثنين والخميس ~~والاثنين من الجمعة الأخرى ولا معارضة هذه الأحاديث فإنها كلها دالة على ~~ندبية صوم كل ما ورد، وكل من الرواة حكى ما اطلع عليه إلا أن ما أمر به وحث ~~عليه ووصى به أولى وأفضل. وأما فعله صلى الله عليه وسلم فلعله كان يعرض له ~~ما يشغله عن مراعاة ذلك ، وقد عين الشارع أيام البيض وللعلماء في تعيين ~~الثلاثة الأيام التي يندب صومها من كل شهر أقوال عشرة سردها في الشرح. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: لا يحل للمرأة) أي ~~المزوجة بدليل قوله (أن تصوم وزوجها شاهد) أي حاضر (إلا بإذنه متفق عليه ~~واللفظ للبخاري زاد أبو داود غير رمضان). فيه دليل على أن الوفاء بحق الزوج ~~أولى من التطوع بالصوم، وأما رمضان فإنه يجب عليها وإن كره الزوج، ويقاس ~~عليه القضاء فلو صامت النفل بغير إذنه كانت فاعلة لمحرم. # (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله (ص) نهى عن صيام يومين: ~~يوم الفطر ويوم النحر متفق عليه. فيه دليل على تحريم صوم هذين اليومين، لان ~~أصل النهي التحريم وإليه ذهب الجمهور فلو نذر صومهما لم ينعقد نذره في ~~الأظهر لأنه نذر بمعصية، وقيل: يصوم مكانهما عنهما. # (وعن نبيشة) بضم النون وفتح الباء الموحدة وسكون المثناة التحتية وشين ~~معجمة يقال له نبيشة الخير ابن عمرو وقيل: ابن عبد الله (الهذلي رضي الله ~~عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيام التشريق وهي ثلاثة أيام ~~بعد النحر، وقيل يومان بعد النحر أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل رواه ~~مسلم). وأخرجه مسلم أيضا من حديث كعب بن مالك، وابن حبان من حديث أبي ~~هريرة، والنسائي من حديث بشر بن سحيم، وأصحاب السنن من حديث عقبة بن عامر، ~~والبزار من حديث ابن عمر: أيام التشريق أيام أكل وشرب وصلاة فلا يصومها ~~أحد. وأخرج أبو داود من حديث عمر في قصته: أنه (ص) كان يأمرهم بافطارها ~~وينهاهم عن ms0565 صيامها أي أيام التشريق . وأخرج الدارقطني من حديث عبد الله بن ~~حذافة السمي: أيام التشريق أيام أكل وشرب وبعال البعال مواقعة النساء. ~~والحديث وما سقناه في معناه دال على النهي عن الصوم أيام التشريق وإنما ~~اختلف هل هو نهي تحريم أو تنزيه فذهب إلى أنه للتحريم مطلقا جماعة من السلف ~~وغيرهم وإليه ذهب الشافعي في المشهور وهؤلاء قالوا: لا يصومها المتمتع ولا ~~غيره وجعلوه مخصصا لقوله تعالى: * (ثلاثة أيام في الحج) * لان الآية عامة ~~فيما قبل يوم النحر وما بعده والحديث خاص بأيام التشريق وأن كان فيه عموم ~~بالنظر إلى الحج وغيره، فيرجع خصوصها لكونه مقصودا بالدلالة على أنها ليست ~~محلا للصوم، وأن ذاتها باعتبار ما هي مؤهلة له كأنها منافية للصوم. وذهبت ~~الهادوية: إلى أنه يصومها المتمتع الفاقد للهدي، كما يفيده سياق الآية، ~~ورواية ذلك عن علي عليه السلام قالوا: ولا يصومها القارن والمحصر إذا ~~PageV02P169 # فقد الهدي. وذهب آخرون: إلى أنه يصومها المتمتع ومن تعذر عليه الهدي ~~المحصر والقارن لعموم الآية ولما أفاده: # (وعن عائشة وابن عمر رضي الله عنهم قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن ~~يصمن إلا لمن لم يجد الهدي رواه البخاري. فإنه أفاد أن صوم أيام التشريق ~~جائز رخصة لمن لم يجد الهدي وكان متمتعا أو قارنا أو محصرا لاطلاق الحديث ~~بناء على أن فاعل يرخص هو رسول الله (ص) وأنه مرفوع وفي ذلك أقوال ثلاثة: # ثالثها أنه إن أضاف ذلك إلى عهده (ص) كان حجة وإلا فلا وقد ورد التصريح ~~بالفاعل في رواية للدار قطني والطحاوي إلا أنها بإسناد ضعيف لفظها رخص رسول ~~الله (ص) للمتمتع إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق إلا أنه خص ~~المتمتع فلا يكون حجة لأهل هذا القول وقد روي من فعل عائشة وأبي بكر وفتيا ~~لعلي عليه السلام . وذهب جماعة إلى أن النهي للتنزيه وأنه يجوز صومها لكل ~~واحد وهو قول لا ينهض عليه دليل. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: لا تخصوا ms0566 ليلة الجمعة ~~بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن ~~يكون في صوم يصومه أحدكم رواه مسلم . الحديث دليل على تحريم تخصيص ليلة ~~الجمعة بالعبادة، وتلاوة غير معتادة إلا ما ورد به النص على ذلك كقراءة ~~سورة الكهف فإنه ورد تخصيص ليلة الجمعة بقراءتها وسور أخر وردت بها أحاديث ~~فيها مقال. وقد دل هذا بعمومه على عدم مشروعية صلاة الرغائب في أول ليلة ~~الجمعة من رجب ولو ثبت حديثها لكان مخصصا لها من عموم النهي لكن حديثها ~~تكلم العلماء عليه وحكموا بأنه موضوع. ودل على تحريم النفل بصوم يومها ~~منفردا قال ابن المنذر: ثبت النهي عن صوم الجمعة كما ثبت عن صوم العيد. ~~وقال أبو جعفر الطبري: يفرق بين العيد والجمعة بأن الاجماع منعقد على تحريم ~~صوم العيد ولو صام قبله أو بعده. وذهب الجمهور إلى أن النهي عن إفراد ~~الجمعة بالصوم للتنزيه مستدلين بحديث ابن مسعود كان رسول الله (ص) يصوم من ~~كل شهر ثلاثة أيام وقلما كان يفطر يوم الجمعة أخرجه الترمذي وحسنه فكان ~~فعله (ص) قرينة على أن النهي ليس للتحريم. وأجيب عنه بأنه يحتمل أنه كان ~~يصوم يوما قبله أو بعده ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال. واختلف في وجه حكمة ~~تحريم صومه على أقوال أظهرها أنه يوم عيد كما روي من حديث أبي هريرة مرفوعا ~~يوم الجمعة يوم عيدكم وأخرج ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي رضي الله عنه ~~قال: من كان منكم متطوعا من الشهر فليصم يوم الخميس ولا يصم يوم الجمعة ~~فإنه يوم طعام وشراب وذكر وهذا أيضا من أدلة تحريم صومه ولا يلزم أن يكون ~~كالعيد من كل وجه فإنه تزول حرمة صومه بصيام يوم قبله ويوم بعده كما يفيده ~~قوله: # (وعنه أيضا رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده متفق ~~PageV02P170 # عليه. فإنه دال على زوال تحريم صومه لحكمة لا نعلمها فلو ms0567 أفرده بالصوم ~~وجب فطره كما يفيده ما أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود من حديث جويرية أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه في يوم جمعة وهي صائمة فقال لها: أصمت ~~أمس؟ قالت: لا، قال: تصومين غدا؟ قالت: لا قال: فأفطري والأصل في الامر ~~الوجوب. # (وعنه) أي أبي هريرة رضي الله عنه (أنه رسول الله (ص) قال: # إذا انتصف شعبان فلا تصوموا رواه الخمسة واستنكره أحمد) وصححه ابن حبان ~~وغيره وإنما استنكره أحمد لأنه من رواية العلاء بن عبد الرحمن. قلت: وهو من ~~رجال مسلم قال المصنف في التقريب: إنه صدوق وربما وهم. والحديث دليل على ~~النهي عن الصوم في شعبان بعد انتصافه ولكنه مقيد بحديث إلا أن يوافق صوما ~~معتادا كما تقدم واختلف العلماء في ذلك. فذهب كثير من الشافعية إلى التحريم ~~لهذا النهي: وقيل: إنه يكره إلا قبل رمضان بيوم أو يومين فإنه محرم، وقيل: ~~لا يكره، وقيل: إنه مندوب وأن الحديث مؤول بمن يضعفه الصوم وكأنهم استدلوا ~~بحديث أنه (ص) كان يصل شعبان برمضان ولا يخفى أنه إذا تعارض القول والفعل ~~كان القول مقدما. # (وعن الصماء) بالصاد المهملة (بنت بسر رضي الله عنها) بالموحدة مضمومة ~~وسين مهملة اسمها بهية بضم الموحدة وفتح الهاء وتشديد المثناة التحتية وقيل ~~اسمها بهيمة بزيادة الميم هي أخت عبد الله بن بسر روى عنها أخوها عبد الله ~~(أن رسول الله (ص) قال: # لا تصوموا يوم السبت، إلا فيما افترض عليكم فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء) ~~بفتح اللام فحاء مهملة ممدودة (عنب) بكسر المهملة وفتح النون فموحدة ~~الفاكهة المعروفة والمراد قشره (أو عود شجرة فليمضغها) أي يطعمها بها للفطر ~~(رواه الخمسة ورجاله ثقات إلا أنه مضطرب وقد أنكره مالك وقال أبو داود: هو ~~منسوخ). أما الاضطراب فلانه رواه عبد الله بن بسر عن أخته الصماء، وقيل عن ~~عبد الله، وليس فيه ذكر أخته، قيل: وليست هذه بعلة قادحة فإنه صحابي، وقيل: ~~عن أبيه بسر، وقيل: عن الصماء عن عائشة، قال النسائي: هذا ms0568 حديث مضطرب، قال ~~المصنف: يحتمل أن يكون عند عبد الله عن أبيه وعن أخته بواسطة، وهذه طريقة ~~صحيحة، وقد رجع عبد الحق الطريق الأولى وتبع في ذلك الدارقطني لكن هذا ~~التلون في الحديث الواحد بإسناد الواحد مع اتحاد المخرج يوهي الرواية وينبئ ~~بقلة الضبط إلا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث فلا ~~يكون ذلك دالا على قلة الضبط وليس الامر هنا كذلك بل اختلف فيه على الراوي ~~أيضا عن عبد الله بن بسر. وأما إنكار مالك له فإنه قال أبو داود عن مالك ~~إنه قال هذا كذب، أما قول أبي داود: إنه منسوخ، فلعله أراد أن ناسخه قوله: # (وعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله (ص) أكثر ما كان يصوم من الأيام ~~يوم السبت ويوم الأحد. وكان يقول: إنهما يوما عيد للمشركين وأنا أريد أن ~~أخالفهم أخرجه النسائي وصححه ابن خزيمة وهذا اللفظ له. فالنهي عن صومه ~~PageV02P171 # كان أول الأمر حيث كان (ص) يحب موافقة أهل الكتاب، ثم كان آخر آمره (ص) ~~مخالفتهم كما صرح به الحديث نفسه. وقيل بل النهي كان عن إفراده بالصوم إلا ~~أنه صام ما قبله أو ما بعده. وأخرج الترمذي من حديث عائشة قالت: كان رسول ~~الله (ص) يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين ومن الشهر الآخر الثلاثاء ~~والأربعاء والخميس وحديث الكتاب دال على استحباب صوم السبت والأحد مخالفة ~~لأهل الكتاب، وظاهره صوم كل على الانفراد والاجتماع. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي (ص) نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة ~~رواه الخمسة غير الترمذي وصححه ابن خزيمة والحاكم واستنكره العقيلي . لان ~~في إسناده مهديا الهجري ضعفه العقيلي وقال: لا يتابع عليه والراوي عنه ~~مختلف فيه ، قلت: في الخلاصة إنه قال ابن معين: لا أعرفه، وأما الحاكم فصحح ~~حديثه وأقره الذهبي في مختصر المستدرك ولم يعده من الضعفاء في المعنى وأما ~~الراوي عنه فإنه حوشب بن عبدل قال المصنف في التقريب: إنه ثقة. والحديث ~~ظاهر في تحريم صوم يوم ms0569 عرفة بعرفة، وإليه ذهب يحيى بن سعيد الأنصاري وقال: ~~يجب إفطاره على الحاج، وقيل: لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء، ونقل عن ~~الشافعي واختاره الخطابي، والجمهور على أنه يستحب إفطاره . وأما هو (ص) فقد ~~صح أنه كان يوم عرفة مفطرا في حجته ولكن لا يدل تركه الصوم على تحريمه. نعم ~~يدل أن الافطار هو الأفضل لأنه (ص) لا يفعل إلا الأفضل إلا أنه قد يفعل ~~المفضول لبيان الجواز فيكون في حقه أفضل لما فيه من التشريع والتبليغ ~~بالفعل، ولكن الأظهر التحريم لأنه أصل النهي. # (وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص) : لا صام ~~من صام الأبد متفق عليه. اختلف في معناه قال شارح المصابيح: # فسر هذا من وجهين أحدهما أنه على معنى الدعاء عليه زجرا له عن صنيعة، ~~والآخر على سبيل الاخبار، والمعنى أنه بمكابدة صورة الجوع وحر الظمأ ~~لاعتياده الصوم حتى خف عليه لم يفتقر إلى الصبر على الجهد الذي يتعلق به ~~الثواب فكأنه لم يصم ولم تحصل له فضيلة الصوم ويؤيد أنه للاخبار قوله: # (ولمسلم من حديث أبي قتادة بلفظ لا صام ولا أفطر. ويؤيده أيضا حديث ~~الترمذي عنه بلفظ لم يصم ولم يفطر قال ابن العربي: إن كان معناه الدعاء. ~~فيا ويح من أصابه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان معناه الخبر فيا ~~ويح من أخبر عنه النبي (ص) أنه لم يصم، وإذا لم يصم شرعا فكيف يكتب له ~~ثواب. وقد اختلف العلماء في صيام الأبد فقال بتحريمه طائفة وهو اختيار ابن ~~خزيمة لهذا الحديث وما في معناه . وذهب طائفة إلى جوازه وهو اختيار ابن ~~المنذر وتأولوا أحاديث النهي عن صيام الدهر بأن المراد من صامه مع الأيام ~~المنهي عنها من العيدين وأيام التشريق وهو تأويل مردود بنهيه (ص) لابن عمرو ~~عن صوم الدهر وتعليله بأن لنفسه عليه حقا ولأهله حقا PageV02P172 # ولضيفه حقا ولقوله: أما أنا فأصوم وأفطر فمن رغب عن سنتي فليس مني. ~~فالتحريم هو الأوجه ms0570 دليلا ومن أدلته ما أخرجه أحمد والنسائي وابن خزيمة من ~~حديث أبي موسى مرفوعا من صام الدهر ضيقت عليه جهنم وعقد بيده. قال الجمهور: ~~ويستحب صوم الدهر لمن لا يضعفه عن حق وتأولوا أحاديث النهي تأويلا غير ~~راجح، واستدلوا بأنه (ص) شبه صوم ست من شوال مع رمضان وشبه صوم ثلاثة أيام ~~من كل شهر بصوم الدهر فلولا أن صاحبه يستحق الثواب لما شبه به. وأجيب: بأن ~~ذلك على تقدير مشروعيته فإنها تغني عنه كما أغنت الخمس الصلوات عن الخمسين ~~التي قد كانت فرضت مع أنه لو صلاها أحد لوجوبها لم يستحق ثوابا بل يستحق ~~العقاب نعم أخرج ابن السني من حديث أبي هريرة مرفوعا من صام الدهر فقد وهب ~~نفسه من الله عز وجل إلا أنا لا ندري ما صحته. # باب الاعتكاف وقيام رمضان الاعتكاف لغة: لزوم الشئ وحبس النفس عليه، ~~وشرعا: المقام في المسجد من شخص مخصوص على صفة مخصوصة وقيام رمضان أي قيام ~~لياليه مصليا أو تاليا. قال النووي: قيام رمضان يحصل بصلاة التراويح وهو ~~إشارة إلى أنه لا يشترط استغراق كل الليل بصلاة النافلة فيه ويأتي ما في ~~كلام النووي. # (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: من قام رمضان إيمانا) ~~أي تصديقا بوعد الله للثواب (واحتسابا) منصوب على أنه مفعول لأجله ، كالذي ~~عطف عليه أي طلبا لوجه الله وثوابه، والاحتساب من الحسب كالاعتداد من العدد ~~، وإنما قيل فيمن ينوي بعمله وجه الله احتسبه لأنه له حينئذ أن يعتد عمله، ~~فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتد به قاله في النهاية (غفر له ما تقدم من ~~ذنبه متفق عليه) يحتمل أنه يريد قيام جميع لياليه وأن من قام بعضها لا يحصل ~~له ما ذكره من المغفرة، وهو الظاهر، وإطلاق الذنب شامل للكبائر والصغائر. ~~وقال النووي: المعروف أنه يختص بالصغائر، وبه جزم إمام الحرمين، ونسبه عياض ~~لأهل السنة، وهو مبني على أنها لا تغفر الكبائر إلا بالتوبة . وقد زاد ~~النسائي في روايته ما ms0571 تقدم وما تأخر وقد أخرجها أحمد، وأخرجت من طريق مالك ~~وتقدم معنى مغفرة الذنب المتأخر. والحديث دليل على فضيلة قيام رمضان، والذي ~~يظهر أنه يحصل بصلاة الوتر إحدى عشرة ركعة، كما كان (ص) يفعل في رمضان ~~وغيره كما سلف في حديث عائشة. وأما التراويح على ما اعتيد الآن فلم تقع في ~~عصره (ص) إنما كان ابتدعها عمر في خلافته وأمر أبيا أن يجمع بالناس واختلف ~~في القدر الذي PageV02P173 # كان يصلي به أبي فقيل كان يصلي بهم إحدى عشر ركعة وروي إحدى وعشرون وروي ~~عشرون ركعة وقيل ثلاث وعشرون وقيل غير ذلك وقد قدمنا تحقيق ذلك. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله (ص) إذا دخل العشر أي ~~العشر الأخيرة من رمضان) هذا التفسير مدرج من كلام الراوي (شدة مئزره) أي ~~اعتزل النساء (وأحيا ليله وأيقظ أهله. متفق عليه) وقيل في تفسير شد مئزره: ~~أنه كناية عن التشمير للعبادة، قيل: ويحتمل أن يكون المعنى أنه شد مئزره ~~جمعه فلم يحلله، واعتزل النساء وشمر للعبادة إلا أنه يبعده ما روي عن علي ~~رضي الله عنه بلفظ: فشد مئزره واعتزل النساء فإن العطف يقتضي المغايرة، ~~وإيقاع الاحياء على الليل مجاز عقلي لكونه زمانا للاحياء نفسه والمراد به ~~السهر. وقوله: أيقظ أهله أي للصلاة والعبادة وإنما خص بذلك (ص) آخر رمضان ~~لقرب خروج وقت العبادة فيجتهد فيه لان خاتمة العمل، والأعمال بخواتيمها. # (وعنها) أي عائشة رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف ~~العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل ثم اعتكف أزواجه من بعده. ~~متفق عليه). فيه دليل على أن الاعتكاف سنة واظب عليها رسول الله (ص) ~~وأزواجه من بعده. قال أبو داود عن أحمد: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافا ~~أن الاعتكاف مسنون. وأما المقصود منه فهو جمع القلب على الله تعالى بالخلوة ~~مع خلو المعدة والاقبال عليه تعالى والتنعم بذكره والاعراض عما عداه. # (وعنها) أي عائشة رضي الله عنها (قالت: كان النبي (ص) ms0572 إذا أراد أن يعتكف ~~صلى الفجر ثم دخل معتكفه. متفق عليه. في دليل على أن أول الاعتكاف بعد صلاة ~~الفجر، وهو ظاهر في ذلك، وقد خالف فيه من قال: إنه يدخل المسجد قبل طلوع ~~الفجر إذا كان معتكفا نهارا وقبل غروب الشمس إذا كان معتكفا ليلا وأول ~~الحديث بأنه كان يطلع الفجر وهو (ص) في المسجد، ومن بعد صلاته الفجر يخلو ~~بنفسه في المحل الذي أعده لاعتكافه. قلت: ولا يخفى بعده فإنها كانت عادته ~~(ص) أنه لا يخرج من منزله إلا عند الإقامة. # (وعنها) أي عائشة رضي الله عنها (قالت: إن كان رسول الله (ص) ليدخل علي ~~رأسه وهو في المسجد فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا. # متفق عليه واللفظ للبخاري). في الحديث دليل على أنه لا يخرج المعتكف من ~~المسجد بكل بدنه ، وأن خروج بعض بدنه لا يضر. وفيه أنه يشرع للمعتكف ~~النظافة والحلق والتزين . وعلى أن العمل اليسير من الأفعال الخاصة بالإنسان ~~يجوز فعلها وهو في المسجد. وعلى جواز استخدام الرجل لزوجته. وقوله: إلا ~~لحاجة يدل على أنه لا يخرج المعتكف من المسجد إلا للامر الضروري والحاجة ~~فسرها الزهري بالبول والغائط، وقد اتفق على استثنائهما PageV02P174 # واختلف في غيرهما من الحاجات، كالأكل والشرب، وألحق بالبول والغائط: جواز ~~الخروج للفصد والحجامة ونحوهما. # (وعنها) أي عائشة رضي الله عنها (قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود ~~مريضا ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لا ~~بد له منه) مما سلف ونحوه (ولا اعتكاف إلا بصوم ولا اعتكاف إلا في مسجد ~~جامع. رواه أبو داود ولا بأس برجاله إلا أن الراجح وقف آخره) من قولها ولا ~~اعتكاف إلا بصوم وقال المصنف: # جزم الدارقطني أن القدر الذي من حديث عائشة قولها: لا يخرج إلا لحاجة وما ~~عداه ممن دونها انتهى من فتح الباري وهنا قال: إن آخره موقوف. وفيه دلالة ~~على أنه لا يخرج المعتكف لشئ مما عينته هذه الرواية وأنه أيضا لا ms0573 يخرج ~~لشهود الجمعة وأنه إن فعل أي ذلك بطل اعتكافه وفي المسألة خلاف كبير ولكن ~~الدليل قائم على ما ذكرناه. وأما اشتراط الصوم ففيه خلاف أيضا وهذا الحديث ~~الموقوف دال على اشتراطه وفيه أحاديث منها في نفي شرطيته ومنها في إثباته ~~والكل لا ينهض حجة إلا أن الاعتكاف عرف من فعله (ص) ولم يعتكف إلا صائما. ~~واعتكافه في العشر الأول من شوال الظاهر أنه صامها ولم يعتكف إلا من ثاني ~~شوال لان يوم العيد يوم شغله بالصلاة والخطبة والخروج إلى الجبانة إلا أنه ~~لا يقول بمجرد الفعل حجة على الشرطية. وأما اشتراط المسجد فالأكثر على ~~شرطيته إلا عن بعض العلماء، والمراد من كونه جامعا أن تقام فيه الصلوات ~~وإلى هذا ذهب أحمد وأبو حنيفة . وقال الجمهور: يجوز في كل مسجد إلا لمن ~~تلزمه الجمعة فاستحب له الشافعي الجامع وفيه مثل ما في الصوم من أنه (ص) لم ~~يعتكف إلا في مسجده وهو مسجد جامع، ومن الأحاديث الدالة عل عدم شرطية ~~الصيام قوله: # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي (ص) قال: ليس على المعتكف صيام ~~إلا أن يجعله على نفسه رواه الدارقطني والحاكم والراجح وقفه أيضا. على ابن ~~عباس، قال البيهقي: الصحيح أنه موقوف ورفعه وهم. قلت: وللاجتهاد في هذا ~~مسرح فلا يقوم دليلا على عدم الشرطية. وأما قوله: إلا أن يجعله على نفسه ~~فالمراد أن ينذر الصوم. # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجالا من أصحاب النبي (ص)) قال المصنف: ~~لم أقف على تسمية أحد من هؤلاء وقوله: (أروا) بضم الهمزة على البناء ~~للمجهول (ليلة القدر في المنام) أي قيل لهم في المنام هي في السبع الأواخر، ~~فقال رسول الله (ص): أرى بضم الهمزة أي ظن (رؤياكم قد تواطأت) أي توافقت ~~لفظا ومعنى (في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر : ~~متفق عليه) وأخرج مسلم من حديث ابن عمر مرفوعا التمسوها في العشر الأواخر ~~فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي وأخرج ms0574 أحمد: رأى رجل أن ~~ليلة القدر PageV02P175 # سبع وعشرين أو كذا وكذا قال النبي (ص): التمسوها في العشر البواقي في ~~الوتر منها وروى أحمد من حديث علي مرفوعا إن غلبتم فلا تغلبوا على السبع ~~البواقي وجمع بين الروايات بأن العشر للاحتياط منها وكذلك السبع والتسع لان ~~ذلك هو المظنة وهو أقصى ما يظن فيه الادراك. وفي الحديث دليل على عظم شأن ~~الرؤيا وجواز الاستناد إليها في الأمور الوجودية بشرط أن لا تخالف القواعد ~~الشرعية. # (وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما عن النبي (ص) قال في ليلة ~~القدر: ليلة سبع وعشرين رواه أبو داود) مرفوعا (والراجح وقفه) على معاوية ~~وله حكم الرفع (وقد اختلف في تعيينها على أربعين قولا، أوردتها في فتح ~~الباري) ولا حاجة إلى سردها لان منها ما ليس تعيينها كالقول بأنها رفعت، ~~والقول بإنكارها من أصلها، فإن هذه عدها المصنف من الأربعين وفيها أقوال ~~أخر لا دليل عليها. وأظهر الأقوال أنها في السبع الأواخر، وقال المصنف في ~~فتح الباري بعد سرده الأقوال: وأرجحها كلها أنها في وتر العشر الأواخر ~~وأنها تنتقل، كما يفهم من حديث هذا الباب وأرجاها أوتار العشر عند الشافعية ~~إحدى وعشرون أو ثالث وعشرون على ما في حديثي أبي سعيد وعبد الله بن أنس ~~وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة ~~ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ~~رواه الخمسة غير أبي داود وصححه الترمذي والحاكم. قيل: علاماتها أن المطلع ~~عليها يرى كل شئ ساجدا، وقيل: يرى الأنوار في كل مكان ساطعة حتى المواضع ~~المظلمة، وقيل : يسمع سلاما أو خطابا من الملائكة، وقيل علامتها استجابة ~~دعاء من وقعت له. وقال الطبري: ذلك غير لازم فإنها قد تحصل ولا يرى شيئا ~~ولا يسمع. واختلف العلماء هل يقع الثواب المترتب لمن اتفق أنه وافقها ولم ~~يظهر له شئ أو يتوقف ذلك على كشفها؟ ذهب إلى ms0575 الأول الطبري وابن العربي ~~وآخرون، وإلى الثاني ذهب الأكثرون ويدل له ما وقع عند مسلم من حديث أبي ~~هريرة بلفظ من يقم ليلة القدر فيوافقها قال النووي: أي يعلم أنها ليلة ~~القدر ويحتمل أن يراد أن يوافقها في نفس الامر وإن لم يعلم هو ذلك ورجح هذا ~~المصنف قال: ولا أنكر حصول الثواب الجزيل لمن قام لابتغاء ليلة القدر وإن ~~لم يوافق لها وإنما الكلام في حصول الثواب المعين الموعود به وهو مغفرة ما ~~تقدم من ذنبه. # (عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # لا تشد) بضم الدال المهملة على أنه نفي ويروى بسكونها على أنه نهي ~~(الرحال) جمع رجل وهو للبعير كالسرج للفرس وشده هنا كناية عن السفر أنه ~~لازمه غالبا (إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام) أي المحرم (ومسجدي وهذا ~~والمسجد الأقصى PageV02P176 # متفق عليه) اعلم أن إدخال هذا الحديث في باب الاعتكاف لأنه قد قيل لا يصح ~~الاعتكاف إلا في الثلاثة المساجد ثم المراد بالنفي النهي مجازا كأنه قال: ~~لا يستقيم شرعا أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع لاختصاصها بما اختصت به من ~~المزية التي شرفها الله تعالى بها. والمراد من المسجد الحرام هو الحرم هو ~~الحرم كله لما رواه أبو داود الطيالسي من طريق عطاء: أنه قيل له هذا الفضل ~~في المسجد الحرام وحده أم في الحرم؟ قال: بل في الحرم كله ولأنه لما أراد ~~صلى الله عليه وسلم التعيين للمسجد قال: مسجدي هذا. والمسجد الأقصى بيت ~~المقدس سمي بذلك لأنه لم يكن وراءه مسجد كما قاله الزمخشري. والحديث دليل ~~على فضيلة المساجد هذه ودل بمفهوم الحصر أنه يحرم شد الرحال لقصد غير ~~الثلاثة كزيارة الصالحين أحياء وأمواتا لقصد التقرب ولقصد المواضع الفاضلة ~~لقصد التبرك بها والصلاة فيها وقد ذهب إلى هذا الشيخ أبو محمد الجويني وبه ~~قال القاضي عياض وطائفة، ويدل عليه ما رواه أصحاب السنن من إنكار أبي بصرة ~~الغفاري على أبي هريرة خروجه إلى الطور وقال: لو أدركتك قبل ms0576 أن تخرج ما ~~خرجت، واستدل بهذا الحديث، ووافقه أبو هريرة. وذهب الجمهور إلى أن ذلك غير ~~محرم واستدلوا بما لا ينهض وتأولوا أحاديث الباب بتأويل بعيد ولا ينبغي ~~التأويل إلا بعد أن ينهض على خلاف ما أولوه الدليل. وقد دل الحديث على فضل ~~المساجد الثلاثة وأن أفضلها المسجد الحرام لان التقديم ذكرا يدل على مزية ~~المقدم ثم مسجد المدينة ثم المسجد الأقصى. وقد دل لهذا أيضا ما أخرجه ~~البزار وحسن إسناده من حديث أبي الدرداء مرفوعا الصلاة في المسجد الحرام ~~بمائة ألف صلاة والصلاة في مسجدي بألف صلاة والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة ~~صلاة وفي معناه أحاديث أخر. ثم اختلفوا هل الصلاة في هذه المساجد تعم الفرض ~~والنفل أو تخص الأول: قال الطحاوي وغيره: إنها تخص بالفروض لقوله (ص): أفضل ~~الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ولا يخفى أن لفظ الصلاة المعرف ~~بلام الجنس عام فيشمل النافلة إلا أن يقال : إن لفظ الصلاة إذا أطلق لا ~~يتبادر منه إلا الفريضة. فلا يشملها. # كتاب الحج الحج بفتح الحاء المهملة وكسرها لغتان وهو ركن من أركان ~~الاسلام الخمسة بالاتفاق . وأول فرصه سنة ست عند الجمهور واختار ابن القيم ~~في الهدي أنه فرض سنة تسع أو عشر وفيه خلاف. # بيان فضله وبيان من فرض عليه (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ~~(ص) قال: العمرة إلى العمرة PageV02P177 # كفارة لما بينهما، والحج المبرور) قيل هو الذي لا يخالطه شئ من الاثم ~~ورجحه النووي، قيل: المقبول، وقيل: هو الذي تظهر ثمرته على صاحبه بأن يكون ~~حاله بعده خيرا من حاله قبله. وأخرج أحمد والحاكم من حديث جابر: قيل يا ~~رسول الله ما بر الحج قال: إطعام الطعام وإفشاء السلام وفي إسناده ضعف ولو ~~ثبت لتعين به التفسير (ليس له جزاء إلا الجنة متفق عليه). العمرة لغة: ~~الزيارة، وقيل: القصد. وفي الشرع : إحرام وسعي وطواف وحلق أو تقصير، سميت ~~بذلك لأنه يزار بها البيت ويقصد. وفي قوله : العمرة إلى العمرة دليل على ~~تكرار ms0577 العمرة وأنه لا كراهة في ذلك ولا تحديد بوقت. وقالت المالكية: يكره ~~في السنة أكثر من عمرة واحدة واستدلوا له بأنه (ص) لم يفعلها إلا من سنة ~~إلى سنة وأفعاله (ص) تحمل عندهم على الوجوب أو الندب . وأجيب عنه: بأنه علم ~~من أحواله صلى الله عليه وسلم أنه كان يترك الشئ وهو يستحب فعله ليرفع ~~المشقة عن الأمة وقد ندب إلى ذلك بالقول. وظاهر الحديث عموم الأوقات في ~~شرعيتها وإليه ذهب الجمهور. وقيل: إلا للمتلبس بالحج، وقيل: إلا أيام ~~التشريق، وقيل : ويوم عرفة وقيل: إلا أشهر الحج لغير المتمتع والقارن. ~~والأظهر أنها مشروعة مطلقا، وفعله (ص) لها في أشهر الحج ويرد قول من قال ~~بكراهتها فيها، فإنه (ص) لم يعتمر عمره الأربع إلا في أشهر الحج كما هو ~~معلوم وإن كانت العمرة الرابعة في حجة، فإنه (ص) حج قارنا كما تظاهرت عليه ~~الأدلة وإليه ذهب الأئمة الأجلة. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله على النساء جهاد؟) هو ~~إخبار يراد به الاستفهام (قال: نعم عليهن جهاد ألا قتال فيه) كأنها قالت ما ~~هو ، فقال: (الحج والعمرة) أطلق عليهما لفظ الجهاد مجازا شبههما بالجهاد ~~وأطلقه عليهما بجامع المشقة وقوله: لا قتال فيه إيضاح للمراد وبذكره خرج عن ~~كونه استعارة والجواب من الأسلوب الحكيم (رواه أحمد وابن ماجة واللفظ له) ~~أي لابن ماجة (وإسناده صحيح ، وأصله في الصحيح) أي في صحيح البخاري وأفادت ~~عبارته أنه إذا أطلق الصحيح المراد به البخاري. وأراد بذلك ما أخرجه ~~البخاري من حديث عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: يا رسول ~~الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: لا، لكن أفضل الجهاد حج ~~مبرور. وأفاد تقييد إطلاق رواية أحمد للحج، أفاد أن الحج والعمرة تقوم مقام ~~الجهاد في حق النساء، وأفاد أيضا بظاهره أن العمرة واجبة إلا أن الحديث ~~الآتي بخلافه وهو: # (وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: أتى النبي (ص) أعرابي) بفتح ~~الهمزة نسبة إلى الاعراب ms0578 وهم سكان البادية الذين يطلبون مساقط الغيث ~~والكلأ، سواء كانوا في العرب أو من مواليهم، والعربي: من كان نسبه إلى ~~العرب ثابتا، وجمعه أعراب ويجمع الاعرابي على الأعراب والأعارب (فقال: يا ~~رسول الله أخبرني عن العمرة) أي عن حكمها كما أفاده (أواجبة هي؟ قال: لا) ~~أي لا تجب وهو من الاكتفاء (وأن تعتمر خير لك) أي من تركها، والأخيرة في ~~الاجر تدل على ندبها وأنها غير مستوية الطرفين حتى تكون من PageV02P178 # المباح، والآتيان بهذه الجملة لدفع ما يتوهم أنها إذا لم تجب ترددت بين ~~الإباحة والندب، بل كان ظاهرا في الإباحة لأنها الأصل فأبان الذي سأله ~~الاعرابي وأجاب عنه وهو مما للاجتهاد فيه مسرح (وأخرجه ابن عدي من وجه آخر) ~~وذلك أنه رواه من طريق أبي عصمة عن ابن المنكدر عن جابر ، وأبو عصمة كذبوه ~~(ضعيف) لان في إسناده أبا عصمة، وفي إسناده عند أحمد والترمذي أيضا الحجاج ~~بن أرطأة وهو ضعيف. وقد روى ابن عدي والبيهقي من حديث عطاء عن جابر الحج ~~والعمرة فريضتان وسيأتي بما فيه، القول بأن حديث جابر المذكور صححه الترمذي ~~مردود بما في الامام أن الترمذي لم يزد على قوله حسن في جميع الروايات عنه ~~وأفرط ابن حزم فقال إنه مكذوب باطل. وفي الباب أحاديث لا تقوم بها حجة. ~~ونقل الترمذي عن الشافعي أنه قال: ليس في العمرة شئ ثابت أنها تطوع، وفي ~~إيجابها أحاديث لا تقوم بها الحجة كحديث عائشة الماضي وكالحديث: # (عن جابر رضي الله عنه مرفوعا الحج والعمرة فريضتان. ولو ثبت لكان ناهضا ~~على إيجاب العمرة إلا أن المصنف لم يذكر هنا من أخرجه ولا ما قيل فيه . ~~والذي في التلخيص أنه أخرجه ابن عدي والبيهقي من حديث ابن لهيعة عن عطاء عن ~~جابر ، وابن لهيعة ضعيف، قال ابن عدي: هو غير محفوظ عن عطاء، وأخرجه أيضا ~~الدارقطني من رواية زيد بن ثابت بزيادة لا يضرك بأيهما بدأت. وفي إحدى ~~طريقيه ضعف ، وانقطاع في الأخرى، ورواه البيهقي من طريق ابن سيرين موقوفا ms0579 ~~وإسناده أصح وصححه الحاكم . ولما اختلفت الأدلة في إيجاب العمرة وعدمه ~~اختلف العلماء في ذلك سلفا وخلفا. فذهب ابن عمر إلى وجوبها رواه عنه ~~البخاري تعليقا ووصله عنه ابن خزيمة والدارقطني وعلق أيضا عن ابن عباس إنها ~~لقرينتها في كتاب الله * (وأتموا الحج والعمرة لله) * ووصله عنه الشافعي ~~وغيره ، وصرح البخاري بالوجوب وبوب عليه بقوله: باب وجوب العمرة وفضلها ~~وساق خبر ابن عمر وابن عباس. واستدل غيره للوجوب بحديث حج عن أبيك واعتمر ~~وهو حديث صحيح قال الشافعي لا أعلم في إيجاب العمرة أجود منه. وإلى الايجاب ~~ذهبت الحنفية لما ذكر من الأدلة، وأما الاستدلال بقوله تعالى * (وأتموا ~~الحج والعمرة لله) * فقد أجيب عنه بأنه لا يفيد إلا وجوب الاتمام وهو متفق ~~على وجوبه بعد الاحرام بالعمرة ولو تطوعا. وذهبت الشافعية إلى أن العمرة ~~فرض في الأظهر. والأدلة لا تنهض عند التحقيق على الايجاب الذي الأصل عدمه. # (وعن أنس رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله ما السبيل؟ أي الذي ذكر ~~الله تعالى في الآية (قال: الزاد والراحلة رواه الدارقطني وصححه الحاكم) ~~قلت: والبيهقي أيضا من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس عن النبي ~~(ص) (والراجح إرساله) لأنه قال البيهقي: الصواب عن قتادة عن الحسن مرسلا، ~~قال المصنف: # يعني الذي أخرجه الدارقطني وسنده صحيح إلى الحسن ولا أرى الموصول إلا ~~وهما (وأخرجه الترمذي من حديث ابن عمر أيضا) أي كما أخرجه غيره من حديث أنس ~~(وفي إسناده PageV02P179 # ضعف) وإن قال الترمذي: إنه حسن، وذلك أن فيه راوية متروك الحديث وله طرق ~~عن علي وعن ابن عباس وعن ابن مسعود وعن عائشة وعن غيرهم من طرق كلها ضعيفة ~~قال عبد الحق: طرقه كلها ضعيفة. وقال ابن المنذر: لا يثبت الحديث عن ذلك ~~مسندا، والصحيح من الروايات رواية الحسن المرسلة. وقد ذهب إلى هذا التفسير ~~أكثر الأمة فالزاد شرط مطلقا والراحلة لمن داره على مسافة. وقال ابن تيمية ~~في شرح العمدة بعد سرده لما ورد في ذلك: فهذه ms0580 الأحاديث مسندة من طرق حسان ~~ومرسلة وموقوفة تدل على أن مناط الوجوب الزاد والراحلة مع علم النبي (ص) أن ~~كثيرا من الناس يقدرون على المشي وأيضا إن الله قال في الحج: * (من استطاع ~~إليه سبيلا) * إما أن يعني القدرة المعتبرة في جميع العبادات وهو مطلق ~~المكنة أو قدرا زائدة على ذلك فإن كان المعتبر هو الأول لم يحتج إلى هذا ~~التقييد كما لم يحتج إليه في آية الصوم والصلاة، فعلم أن المعتبر قدر زائد ~~في ذلك، وليس هو إلا المال، وأيضا فإن الحج عبادة مفتقرة إلى مسافة، فافتقر ~~وجوبها إلى ملك الزاد والراحلة كالجهاد، ودليل الأصل قوله: * (ولا على ~~الذين لا يجدون ما ينفقون حرج) * إلى قوله: * (ولا على الذين إذا ما أتوك ~~لتحملهم) * انتهى. وذهب ابن الزبير وجماعة من التابعين إلى أن الاستطاعة هي ~~الصحة لا غير لقوله تعالى: * (تزودوا فإن خير الزاد التقوى) * فإنه فسر ~~الزاد بالتقوى وأجيب بأنه غير مراد من الآية كما يدل سبب نزولها. وحديث ~~الباب يدل أنه أريد بالزاد الحقيقة وهو وإن ضعفت طرقه فكثرتها تشد ضعفه، ~~والمراد به كفاية فاصلة عن كفاية من يعول حتى يعود لقوله (ص): كفى بالمرء ~~إثما أن يضيع من يعول أخرجه أبو داود. ويجزئ الحج وإن كان المال حراما ~~ويأثم عند الأكثر. وقال أحمد: لا يجزئ. # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي (ص) لقي) قال عياض: # يحتمل أنه لقيهم ليلا فلم يعرفوه (ص)، ويحتمل أنه نهارا ولكنهم لم يروه ~~قبل ذلك (ركبا بالروحاء) براء مهملة وبعد الواو حاء مهملة بزنة حمراء محل ~~قرب المدينة (فقال: # من القوم فقالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟ قال: رسول الله فرفعت إليه ~~امرأة صبيا فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر) بسبب حملها وحجها به، أو ~~بسبب سؤالها عن ذلك الامر، أو بسبب الامرين (أخرجه مسلم). والحديث دليل على ~~أنه يصح حج الصبي وينعقد سواء كان مميزا أم لا حيث فعل وليه عنه ما يفعل ~~الحاج، وإلى هذا ذهب الجمهور ولكنه ms0581 لا يجزئه عن حجة الاسلام لحديث ابن عباس ~~إيما غلام حج به أهله ثم بلغ فعليه حجة أخرى أخرجه الخطيب والضياء المقدسي ~~من حديث ابن عباس وفيه زيادة. قال القاضي: # أجمعوا على أنه لا يجزئه إذا بلغ عن فريضة الاسلام إلا فرقة شذت فقالت: ~~يجزئه. لقوله: نعم فإن ظاهره حج والحج إذا أطلق يتبادر منه ما يسقط الواجب ~~ولكن العلماء ذهبوا إلى خلاف ذلك. قال النووي: والولي الذي يحرم عن الصبي ~~إذا كان غير مميز وهو ولي ماله وهو أبوه أو جده أو الوصي أي المنصوب من جهة ~~الحاكم وأما الأم فلا يصح إحرامها عنه إلا أم تكون PageV02P180 # وصية عنه أو منصوبة من جهة الحاكم وقيل يصح إحرامها وإحرام العصبة وإن لم ~~يكن لهم ولاية المال وصفة إحرام الولي عنه أن يقول بقلبه جعلته محرما. # (وعنه) أي ابن عباس (رضي الله عنهما قال: كان الفضل بن عباس رديف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم) أي في حجة الوداع وكان ذلك في منى (فجاءت امرأة ~~من خثعم) بالخاء المعجمة مفتوحة فمثلثة ساكنة فعين مهملة قبيلة معروفة ~~(فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصرف ~~وجه الفضل إلى الشق الآخر فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في ~~الحج أدركت أبي) حال كونه (شيخا) منتصب على الحال وقوله (كبيرا) يصح صفة ~~ولا ينافي اشتراط كون الحال نكرة إذ لا يخرجه ذلك عنها (لا يثبت) صفة ثابتة ~~(على الراحلة) يصح صفة أيضا ويحتمل الحال ووقع في بعض ألفاظه وإن شددته ~~خشيت عليه (أفأحج) نيابة (عنه؟ قال: نعم) أي حجي عنه (وذلك) أي جميع ما ذكر ~~(في حجة الوداع. متفق عليه واللفظ للبخاري) في الحديث روايات أخر ففي بعضها ~~أن السائل رجل وأنه سأل هل يحج عن أمه فيجوز تعدد القضية. وفي الحديث دل ~~على أنه يجزئ الحج عن المكلف إذا كان ميؤوسا منه القدرة على الحج بنفسه مثل ~~الشيخوخة فإنه مأيوس زوالها، وأما إذا كان عدم ms0582 القدرة لأجل مرض أو جنون ~~يرجى برؤهما فلا يصح. وظاهر الحديث مع الزيادة أنه لا بد في صحة التحجيج ~~عنه من الامرين: عدم ثباته على الراحلة، والخشية من الضرر عليه من شده، فمن ~~لا يضره الشد كالذي يقدر على المحفة لا يجزئه حج الغير إلا أنه أدعى في ~~البحر الاجماع على أن الصحة وهي التي يستمسك معها قاعدا شرط بالاجماع فإن ~~صح الاجماع فذاك وإلا فالدليل مع من ذكرنا. قيل: ويؤخذ من الحديث أنه إذا ~~تبرع أحد بالحج عن غيره لزمه الحج عن ذلك الغير وإن كان لا يجب عليه الحج، ~~ووجهه أن المرأة لم تبين أن أباها مستطيع بالزاد والراحلة ولم يستفصل (ص) ~~عن ذلك، ورد هذا بأنه ليس في الحديث إلا الاجزاء لا الوجوب، فلم يتعرض له، ~~وبأنه يجوز أنها قد عرفت وجوب الحج على أبيها كما يدل لها قولها: فريضة ~~الله على عباده في الحج. فإنها عبارة دالة على علمها بشرط دليل الوجوب وهو ~~الاستطاعة. واتفق القائلون بإجزاء الحج عن فريضة الغير بأنه لا يجزئ إلا عن ~~موت أو عدم قدرة من عجز ونحوه، بخلاف النفل فإنه ذهب أحمد وأبو حنيفة إلى ~~جواز النيابة عن الغير فيه مطلقا للتوسيع في النفل. وذهب بعضهم إلى أن الحج ~~عن فرض الغير لا يجزئ أحدا وأن هذا الحكم يختص بصاحبة هذه القصة وإن كان ~~الاختصاص خلاف الأصل، إلا أنه استدل بزيادة رويت في الحديث بلفظ حجي عنه ~~وليس لاحد بعدك ورد بأن هذه الزيادة رويت بإسناد ضعيف. وعن بعضهم أنه يختص ~~بالولد، وأجيب عنه بأن القياس عليه دليل شرعي وقد نبه (ص) على العلة بقوله ~~في الحديث فدين الله أحق PageV02P181 # بالقضاء كما يأتي فجعله دينا والدين يصح أن يقضيه غير الولد بالاتفاق، ~~وما يأتي من حديث شبرمة. # (وعنه) أي عن ابن عباس رضي لله عنهما (أن امرأة) قال المصنف لم أقف على ~~اسمها ولا اسم أمها (من جهينة) بضم الجيم بعدها مثناة تحتية فنون اسم قبيلة ~~(جاءت إلى النبي صلى ms0583 الله عليه وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج ولم تحج حتى ~~ماتت أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت ~~قاضيته؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء رواه البخاري. الحديث دليل على أن ~~الناذر بالحج إذا مات ولم يحج أجزأه أن يحج عنه ولده وقريبه ويجزئه عنه، ~~وإن لم يكن قد حج عن نفسه لأنه صلى الله عليه وسلم لم يسألها حجت عن نفسها ~~أم لا، ولأنه (ص) شبهه بالدين وهو يجوز أن يقضي الرجل دين غيره قبل دينه، ~~ورد بأنه سيأتي في حديث شبرمة ما يدل على عدم إجزاء حج من لم يحج عن نفسه. ~~وأما مسألة الدين فإنه لا يجوز له أن يصرف ماله إلى دين غيره وهو مطالب ~~بدين نفسه . وفي الحديث دليل على مشروعية القياس وضرب المثل ليكون أوقع في ~~نفس السامع ، وتشبيه المجهول حكمه بالمعلوم، فإنه دل أن قضاء الدين عن ~~الميت كان معلوما عندهم متقررا ولهذا حسن الالحاق به. ودل على وجوب التحجيج ~~عن الميت سواء أوصى أم لم يوص لان الدين يجب قضاؤه مطلقا وكذا سائر الحقوق ~~المالية من كفارة ونحوها. وإلى هذا ذهب ابن عباس وزيد بن ثابت وأبو هريرة ~~والشافعي. ويجب اخراج الأجرة من رأس المال عندهم وظاهره أن يقدم على دين ~~الآدمي وهو أحد أقوال الشافعي ولا يعارض ذلك قوله تعالى : * (وأن ليس ~~للانسان إلا ما سعى) * (النجم: 93) الآية لان ذلك عام خصه هذا الحديث أو ~~لان ذلك في حق الكافر، وقيل: اللام في الآية بمعنى على أي ليس عليه مثل: ~~ولهم اللعنة أي عليهم، وقد بسطنا القول في هذا حواشي ضوء النهاء. # (وعنه) أي عن ابن عباس رضي الله عنهما، (قال: قال رسول الله (ص) أيما صبي ~~حج ثم بلغ الحنث) بكسر الحاء المهملة وسكون النون فمثلثة أي PageV02P182 # الاثم أي بلغ أن يكتب عليه حنثه (فعليه أن يحج حجة أخرى وأيما عبد حج ثم ~~أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى. رواه ابن أبي شيبة ms0584 والبيهقي ورجاله ثقات إلا ~~أنه اختلف في رفعه والمحفوظ أنه موقوف) قال ابن خزيمة: الصحيح أنه موقوف ~~وللمحدثين كلام كثير في رفعه ووقفه. وروي محمد بن كعب القرظي مرفوعا قال: ~~قال رسول الله (ص): إني أريد أن أجدد في صدور المؤمنين أيما صبي حج به أهله ~~أجزأت فإن أدرك فعليه الحج، ومثله قال في العبد رواه سعيد بن منصور وأبو ~~داود في مراسيله واحتج به أحمد، وروى الشافعي حديث ابن عباس قال ابن تيمية: ~~والمرسل إذا عمل به الصحابة حجة اتفاقا، قال: وهذا مجمع عليه ولأنه من أهل ~~العبادات فيصح منه الحج ولا يجزئه لأنه فعله قبل أن يخاطب به. # (وعنه) أي عن ابن عباس رضي الله عنهما (قال: سمعت رسول الله (ص) يخطب ~~يقول: لا يخلون رجل بامرأة) أي أجنبية لقوله: (إلا ومعها ذو محرم ولا تسافر ~~المرأة إلا مع ذي محرم فقام رجل) قال المصنف: لم أقف على تسميته ، (فقال: ~~يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا فقال: # انطلق فحج مع امرأتك متفق عليه واللفظ لمسلم) دل الحديث على تحريم الخلوة ~~بالأجنبية وهو إجماع، وقد وري في حديث: فإن ثالثهما الشيطان، وهل يقوم غير ~~المحرم مقامه في هذا بأن يكون معهما من يزيل معنى الخلوة الظاهر أنه يقوم ~~لان المعنى المناسب للنهي إنما هو خشية أن يوقع بينهما الشيطان الفتنة. ~~وقال القفال: لا بد من المحرم عملا بلفظ الحديث: ودل أيضا على تحريم سفر ~~المرأة من غير محرم وهو مطلق في قليل السفر وكثيره، وقد وردت أحاديث مقيدة ~~لهذا الاطلاق إلا أنها اختلفت ألفاظها، ففي لفظ: لا تسافر المرأة مسيرة ~~ليلة إلا مع ذي محرم، وفي آخر فوق ثلاث، وفي آخر مسير يومين وفي آخر ثلاثة ~~أميال ، وفي لفظ بريد وفي آخر ثلاثة أيام، قال النووي: ليس المراد من ~~التحديد ظاهره بل كل ما يسمى سفرا فالمرأة منهية عنه إلا بالمحرم وإن موقع ~~التحديد عن أمر واقع فلا يعمل بمفهومه. وللعلماء تفصيل ms0585 في ذلك قالوا: ويجوز ~~سفر المرأة وحدها في الهجرة من دار الحرب والمخافة على نفسها ولقضاء الدين ~~ورد الوديعة والرجوع من النشوز، وهذا مجمع عليه واختلفوا في سفر الحج ~~الواجب فذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز للشابة إلا مع محرم ونقل قولا عن ~~الشافعي أنها تسافر وحدها إذا كان الطريق آمنا ولم ينهض دليله على ذلك، قال ~~ابن دقيق العيد: # إن قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت) * عموم شامل للرجال والنساء ~~وقوله: لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم عموم لكل أنواع السفر فتعارض ~~العمومان ويجاب بأن حديث : لا تسافر المرأة للحج إلا مع ذي محرم: مخصص ~~لعموم الآية، ثم الحديث عام للشابة والعجوز. وقال جماعة من الأئمة يجوز ~~للعجوز السفر من غير محرم وكأنهم نظروا إلى المعنى فخصصوا به العموم، وقيل: ~~لا يخصص بل العجوز كالشابة. وهل تقوم النساء الثقات PageV02P183 # مقام المحرم للمرأة؟ فأجاز البعض مستدلا بأفعال الصحابة ولا تنهض حجة على ~~ذلك لأنه ليس بإجماع، وقيل: يجوز لها السفر إذا كانت ذات حشم، والأدلة لا ~~تدل على ذلك. وأما أمره (ص) له بالخروج مع امرأته فإنه أخذ منه أحمد أنه ~~يجب خروج الزوج مع زوجته إلى الحج إذا لم يكن معها غيره. وغير أحمد قال: لا ~~يجب عليه، وحمل الامر على الندب، قال: وإن كان لا يحمل على الندب إلا ~~لقرينة عليه فالقرينة ما علم من قواعد الدين أنه لا يجب على أحد بذل منافع ~~نفسه لتحصيل غيره ما يجب عليه. وأخذ من الحديث أن ليس للرجل منع امرأته من ~~حج الفريضة لأنها عبادة قد وجب عليها، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ~~سواء قلنا إنه على الفور أو التراخي، أما الأول فظاهر، قيل: وعلى الثاني ~~أيضا فإن لها أن تسارع إلى براءة ذمتها كما أن لها أن تصلي أول الوقت وليس ~~له منعها. وأما ما أخرجه الدارقطني من حديث ابن عمر مرفوعا في امرأة لها ~~زوج ولها مال ولا يأذن لها في الحج ليس لها أن ms0586 تنطلق إلا بإذن زوجها فإنه ~~محمول على حج التطوع جمعا بين الحديثين على أنه ليس في حديث الكتاب ما يدل ~~أنها خرجت من دون إذن زوجها وقال ابن تميمة: إنه يصح الحج من المرأة بغير ~~محرم ومن غير المستطيع، وحاصله أن من لم يجب عليه لعدم الاستطاعة مثل ~~المريض والفقير والمعضوب والمقطوع طريقه، والمرأة بغير محرم، وغير ذلك إذا ~~تكلفوا شهود المشاهد أجزأهم الحج، ثم منهم من هو محسن في ذلك كالذي يحج ~~ماشيا، ومنهم من هو مسئ في ذلك كالذي يحج بالمسألة، والمرأة تحج بغير محرم ~~وإنما أجزأهم لان الأهلية تامة والمعصية إن وقعت فهي في الطريق لا في نفس ~~المقصود. # (وعنه) أي ابن عباس (رضي الله عنهما أن النبي (ص) سمع رجلا يقول: لبيك عن ~~شبرمة) بضم الشين المعجمة فموحدة ساكنة (قال: من شبرمة؟ # قال: أخ لي أو قريب لي) شك من الراوي (فقال: حججت عن نفسك؟ قال: لا : ~~قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة رواه أبو داود وابن ماجة وصححه ابن حبان ~~والراجح عند أحمد وقفه). وقال البيهقي: إسناده صحيح وليس في هذا الباب أصح ~~منه. وقال أحمد بن حنبل: رفعه خطأ. وقال ابن المنذر: لا يثبت رفعه، وقال ~~الدارقطني: # المرسل أصح، قال المصنف: هو كما قال، لكنه يقوي المرفوع لأنه من غير ~~رجاله، وقال ابن تيمية: إن أحمد حكم في رواية ابنه صالح عنه أنه مرفوع ~~فيكون قد اطلع على ثقة من رفعه، قال: وقد رفعه جماعة. على أنه وإن كان ~~موقوفا فليس لابن عباس فيه مخالف . والحديث دليل على أنه لا يصح أن يحج عن ~~غيره من لم يحج عن نفسه فإذا أحرم عن غيره فإنه ينعقد إحرامه عن نفسه لأنه ~~(ص) أمره أن يجعله عن نفسه بعد أن لبى عن شبرمة فدل على أنها لتنعقد النية ~~عن غيره وإلا لأوجب عليه المضي فيه. وأن الاحرام ينعقد مع الصحة والفساد ~~وينعقد مطلقا مجهولا معلقا فجاز أن يقع عن غيره ويكون عن نفسه وهذا ms0587 لان ~~إحرامه عن الغير باطل لأجل النهي، والنهي يقتضي الفساد، وبطلان صفة الاحرام ~~لا يوجب بطلان أصله وهذا قول أكثر الأئمة أنه لا يصح أن يحج عن غيره من لم ~~يحج عن نفسه PageV02P184 # مطلقا مستطيعا كان أو لا، لان ترك الاستفصال والتفريق في حكاية الأحوال ~~دال على العموم ، ولان الحج واجب في أول سنة من سنى الامكان فإذا أمكنه ~~فعله عن نفسه لم يجز أن يفعله عن غيره، لان الأول فرض والثاني نفل، كمن ~~عليه دين وهو مطالب به ومعه دراهم بقدره لم يكن له أن يصرفها إلا إلى دينه ~~وكذلك كل ما احتاج أن يصرفه إلى واجب عنه فلا يصرفه إلى غيره، إلا أن هذا ~~إنما يتم في المستطيع، ولذا قيل: إنما يؤمر أن يبدأ بالحج عن نفسه إذا كان ~~واجبا عليه، وغير المستطيع لم يجب عليه فجاز أن يحج عن غيره ولكن العمل ~~بظاهر عموم الحديث أولى. # (وعنه) أي ابن عباس رضي الله عنهما (قال: خطبنا رسول (ص) فقال: إن الله ~~كتب عليكم الحج فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ قال: ~~لو قلتها لوجبت، الحج مرة، فما زاد فهو تطوع رواه الخمسة غير الترمذي وأصله ~~في مسلم من حديث أبي هريرة) وفي رواية زيادة بعد قوله لو جبت ولو وجبت لم ~~تقوموا بها ولو لم تقوموا بها لعذبتم. والحديث دليل على أنه لا يجب الحج ~~إلا مرة واحدة في العمر على كل مكلف مستطيع. وقد أخذ من قوله (ص) : لو قلت ~~نعم لو جبت. أنه يجوز أن يفوض الله إلى الرسول (ص) شرح الاحكام ومحل ~~المسألة الأصول وفيها خلاف بين العلماء قد أشار إليه الشارح رحمه الله. # باب المواقيت المواقيت: جمع ميقات، والميقات: ما حد ووقت للعبادة، من ~~زمان ومكان، والتوقيت: التحديد ، ولهذا يذكر في هذا الباب ما حده الشارع ~~للاحرام من الأماكن. # (عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي (ص) وقت لأهل المدينة ذا الحليفة) ~~بضم الحاء المهملة وبعد اللام مثناة ms0588 تحتية وفاء: تصغير حلفة، والحلفة : ~~وواحدة الحلفاء نبت في الماء. وهي مكان معروف بينه وبين مكة عشر مراحل، وهي ~~من المدينة على فرسخ، وبها المسجد الذي أحرم منه (ص) والبئر تسمى الآن بئر ~~علي، وهي أبعد المواقيت إلى مكة (ولأهل الشام الجحفة) بضم الجيم وسكون ~~الحاء المهملة ففاء سميت بذلك لان السيل اجتحف أهلها إلى الجبل الذي هنالك، ~~وهي من مكة على ثلاث مراحل، وتسمى مهيعة كانت قرية قديمة، وهي الآن خراب، ~~ولذا يحرمون الآن من رابغ قبلها لوجود الماء بها للاغتسال (ولأهل نجد قرن ~~المنازل) بفتح القاف وسكون الراء ويقال له: قرن الثعالب بينه وبين مكة ~~مرحلتان (ولأهل اليمن يلملم) بينه وبين مكة مرحلتان (هن) أي المواقيت (لهن) ~~أي البلدان المذكورة والمراد لأهلها ووقع في بعض الروايات هن لهم، وفي ~~رواية للبخاري هن لأهلهن (ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة ~~ومن كان دون ذلك) المذكور من PageV02P185 # المواقيت (فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة) يحرمون (من مكة) بحج أو عمرة (متفق ~~عليه). فهذه المواقيت التي عينها صلى الله عليه وسلم لمن ذكره من أهل ~~الآفاق، وهي أيضا مواقيت لمن أتى عليها، وإن لم يكن من أهل تلك الآفاق ~~المعينة، فإنه يلزمه الاحرام منها إذا أتى عليها قاصدا لاتيان مكة لاحد ~~النسكين، فيدخل في ذلك ما إذا ورد الشامي مثلا إلى ذي الحليفة فإنه يجب ~~عليه الاحرام منها، ولا يتركه حتى يصل الجحفة، فإن أخر أساء ولزمه دم هذا ~~عند الجمهور. وقالت المالكية: إنه يجوز له التأخير إلى ميقاته، وإن كان ~~الأفضل له خلافه، قالوا: والحديث محتمل فإن قوله هن لهن ظاهره العموم لمن ~~كان من أهل تلك الأقطار، سواء ورد على ميقاته أو ورد على ميقات آخر فإن له ~~العدول إلى ميقاته، كما لو ورد الشامي على ذي الحليفة فإنه لا يلزمه ~~الاحرام منها بل يحرم من الجحفة. وعموم قوله: ولمن أتى عليهن من غيرهن يدل ~~على أنه يتعين على الشامي في مثالنا: أن يحرم من ذي ms0589 الحليفة لأنه من غير ~~أهلهن. قال ابن دقيق العيد: قوله: ولأهل الشام الجحفة يشمل من مر من أهل ~~الشام بذي الحليفة ومن لم يمر وقوله: ولمن أتى عليهن من غير أهلهن يشمل ~~الشامي إذا مر بذي الحليفة وغيره، فههنا عمومان قد تعارضا انتهى ملخصا. قال ~~المصنف: ويحصل الانفكاك بأن قوله: هن لهن، مفسر لقوله مثلا: وقت لأهل ~~المدينة ذا الحليفة وأن المراد بأهل المدينة ساكنوها، ومن سلك طريق ميقاتهم ~~فمر على ميقاتهم انتهى. قلت: وإن صح ما قد روي من حديث عروة أنه (ص) وقت ~~لأهل المدينة ومن مر بهم ذا الحليفة تبين أن الجحفة إنما هي ميقات للشامي ~~إذا لم يأت المدينة. ولأن هذه المواقيت محيطة بالبيت كإحاطة جوانب الحرم، ~~فكل من مر بجانب من جوانبه لزمه تعظيم حرمته، وإن كان بعض جوانبه أبعد من ~~بعض. ودل قوله: ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ على أن من كان بين الميقات ~~ومكة فميقاته حيث أنشأ الاحرام، إما من أهله ووطنه، أو من غيره. # وقوله: حتى أهل مكة من مكة دل على أن أهل مكة يحرمون من مكة، وأنها ~~ميقاتهم، سواء كان من أهلها أو من المجاورين أو الواردين إليها، أحرم بحج ~~أو عمرة. وفي قوله: ممن أراد الحج والعمرة ما يدل أنه لا يلزم الاحرام إلا ~~من أراد دخول مكة لاحد النسكين، فلو لم يرد ذلك جاز له دخولها من غير ~~إحرام، وقد دخل ابن عمر بغير إحرام، ولأنه قد ثبت بالاتفاق أن الحج، ~~والعمرة - عند من أوجبها - إنما تجب مرة واحدة، فلو أوجبنا على كل من دخلها ~~أن يحج أو يعتمر لوجب أكثر من مرة، ومن قال: إنه لا يجوز مجاوزة الميقات ~~إلا بالاحرام إلا من استثنى من أهل الحاجات كالحطابين فإن له في ذلك آثارا ~~عن السلف ولا تقوم بها حجة . فمن دخل مريدا مكة لا ينوي نسكا من حج ولا ~~عمرة وجاوز ميقاته بغير إحرام، فإن بدا له إرادة أحد النسكين أحرم من حيث ~~أراد ولا ms0590 يلزمه أن يعود إلى ميقاته. واعلم أن قوله: حتى أهل مكة من مكة يدل ~~أن ميقات عمرة أهل مكة كحجهم، وكذلك القارن منهم، ميقاته مكة ولكن قال ~~المحب الطبري: إنه لا يعلم أحدا جعل مكة ميقاتا للعمرة، وجوابه أنه (ص) ~~جعلها ميقاتا لها بهذا الحديث، وأما ما روي عن ابن عباس أنه قال: يا أهل ~~PageV02P186 # مكة من أراد منكم العمرة فليجعل بينه وبينها بطن محسر وقال أيضا: من أراد ~~من أهل مكة أن يعتمر خرج إلى التنعيم ويجاوز الحرم فآثار موقوفة لا تقاوم ~~المرفوع، وأما ما ثبت من أمره (ص) لعائشة بالخروج إلى التنعيم بعمرة فليرد ~~إلا تطييب قلبها بدخولها إلى مكة معتمرة كصواحباتها، لأنها أحرمت بالعمرة ~~معه ثم حاضت فدخلت مكة ولم تطف بالبيت كما طفن، كما يدل له قولها قلت: يا ~~رسول الله يصدر الناس بنسكين وأصدر بنسك واحد قال: انتظري فاخرجي إلى ~~التنعيم فأهلي منه. الحديث، فإنه محتمل أنها إنما أرادت أن تشابه الداخلين ~~من الحل إلى مكة بالعمرة ويدل أنها لا تصح العمرة إلا من الحل لمن صار في ~~مكة ومع الاحتمال لا يقاوم حديث الكتاب، وقد قال طاوس: لا أدري الذي ~~يعتمرون من التنعيم يؤجرون أو يعذبون، قيل له: فلم يعذبون؟ قال: لأنه يدع ~~البيت والطواف ويخرج إلى أربعة أميال ويجئ أربعة أميال قد طاف مائتي طواف ~~وكلما طاف كان أعظم أجرا من أن يمشي في غير ممشى، إلا أن كلامه في تفضيل ~~الطواف على العمرة. قال أحمد: العمرة بمكة من الناس من يختارها على الطواف، ~~ومنهم من يختار المقام بمكة والطواف، وعند أصحاب أحمد أن المكي إذا أحرم ~~للعمرة من مكة كانت عمرة صحيحة قالوا: ويلزمه دم لما ترك من الاحرام من ~~الميقات. قلت: ويأتيك أن إلزامه الدم لا دليل عليه. # (وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي (ص) وقت لأهل العراق ذات عرق) بكسر ~~العين المهملة وسكون الراء بعدها قاف، بينه وبين مكة مرحلتان، وسمي بذلك: ~~لان فيه عرقا وهو الجبل الصغير (رواه ms0591 أبو داود والنسائي وأصله عند مسلم من ~~حديث جابر إلا أن رواية شك في رفعه) لان في صحيح مسلم عن أبي الزبير أنه ~~سمع جابر بن عبد الله سئل عن المهل فقال: سمعت - أحسبه رفع إلى النبي (ص) - ~~فلم يجزم برفعه (وفي صحيح البخاري أن عمر هو الذي وقت ذات عرق) وذلك أنها ~~لما تفتحت البصرة والكوفة - أي أرضهما، وإلا فإن الذي مصرهما المسلمون ~~طلبوا من عمر أن يعين لهم ميقاتا فعين له ذات عرق وأجمع عليه المسلمون. قال ~~أبي تيمية في المنتقى: والنص بتوقيت ذات عرق ليس في القوة كغيره، فإن ثبت ~~فليس ببدع وقوع اجتهاد عمر على وفقه، فإنه كان موافقا للصواب، كأن عمر لم ~~يبلغه الحديث فاجتهد بما وافق النص، هذا وقد انعقد الاجماع على ذلك، وقد ~~روى رفعه بلا شك من حديث أبي الزبير عن جابر عند ابن ماجة، ورواه أحمد ~~مرفوعا عن جابر بن عبد الله، وعن ابن عمرو وفي إسناده الحجاج بن أرطاة. ~~ورواه أبو داود والنسائي والدار قطني وغيرهم من حديث عائشة: أنه (ص) وقت ~~لأهل العراق ذات عرق. بإسناد جيد، ورواه عبد الله بن أحمد أيضا عنها، وقد ~~ثبت مرسلا عن مكحول، وعطاء، قال ابن تيمية: وهذه الأحاديث المرفوعة الجياد ~~الحسان يجب العمل بمثلها مع تعددها ومجيئها مسندة ومرسلة من وجوه شتى وأما ~~ما ذكره بقوله: # (وعند أحمد وأبي داود والترمذي عن ابن عباس: أن النبي (ص) وقت لأهل ~~المشرق العقيق. فإنه وإن قال فيه الترمذي: إنه حسن، فإن مداره على يزيد ~~PageV02P187 # بن أبي زياد وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة. قال ابن عبد البر: أجمع ~~أهل العمل على أن إحرام العراق من ذات عرق إحرام من الميقات، هذا والعقيق ~~يعد من ذات عرق وقد قيل: إن كان لحديث ابن عباس هذا أصل فيكون منسوخا، لان ~~توقيت ذات عرق كان في حجة الوداع ، حين أكمل الله دينه كما يدل له ما أخرجه ~~الحارث بن عمرو السهمي قال: أتيت النبي (ص) وهو ms0592 بمنى أو عرفات وقد أطاف به ~~الناس قال: فتجئ الاعراب فإذا رأوا وجهه قالوا: هذا وجه مبارك قال: ووقت ~~ذات عرق لأهل العراق. رواه أبو داود والدارقطني. # باب وجوه الاحرام وصفته الوجوه جمع وجه والمراد بها الأنواع التي يتعلق ~~بها الاحرام وهو الحج أو العمرة أو مجموعهما. وصفته: كيفيته التي يكون ~~فاعلها بها محرما. # (عن عائشة رضي الله عنها قالت خرجنا) أي من المدينة، وكان خروجه (ص) يوم ~~السبت لخمس بقين من ذي القعدة، بعد صلاته الظهر بالمدينة أربعا، وبعد أنت ~~خطبهم خطبة علمهم فيها الاحرام، وواجباته، وسننه، (مع رسول الله (ص) عام ~~حجة الوداع) وكان ذلك سنة عشر من الهجرة، سميت بذلك لأنه (ص) ودع الناس ~~فيها، ولم يحج بعد هجرته غيرها، (فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج ~~وعمرة) فكان قارنا (ومنا من أهل بحج) فكان مفردا (وأهل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالحج، فأما من أهل بعمرة فحل عند قدومه) مكة بعد إتيانه ببقية ~~أعمال العمرة (وأما من أهل بحج، أو جمع بين الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان ~~يوم النحر. متفق عليه). الاهلال : رفع الصوت، قال العلماء: هو هنا رفع ~~الصوت بالتلبية عند الدخول في الاحرام. ودل حديثها على أنه وقع من مجموع ~~الركب الذين صحبوه في حجه هذه الأنواع، وقد رويت عنها روايات تخالف هذا، ~~وجمع بينها بما ذكرناه، وقد اختلفت الروايات في إحرام عائشة بماذا كان، ~~لاختلاف الروايات أيضا. ودل حديثها على أنه وقع من ذلك الركب الاحرام ~~بأنواع الحج الثلاثة. فالمحرم بالحج هو من حج الافراد، والمحرم بالعمرة هو ~~من حج التمتع، والمحرم بهما هو القارن. ودل حديثها على أن من أهل بالحج ~~مفردا له عن العمرة لم يحل إلا يوم النحر، وهذا يخالف ما ثبت من الأحاديث ~~عن أربعة عشر صحابيا في الصحيحين وغيرهما أنه (ص) أمر من لم يكن معه هدي أن ~~يفسخ حجه إلى العمرة. قيل: فيتأول حديث عائشة على تقييده بمن كان معه هدي ~~وأحرم بحج مفردا ms0593 فإنه كمن ساق الهدي وأحرم بالحج والعمرة معا. وقد اختلف ~~العلماء قديما وحديثا في الفسخ للحج إلى العمرة، هل هو خاص بالذين حجوا معه ~~(ص) أو لا؟ وقد بسط ذلك ابن القيم في زاد المعاد، وأفردناه برسالة، ولا ~~يحتمل هنا نقل الخلاف والإطالة. واختلف العلماء أيضا فيما أحرم به (ص) ~~والأكثر أنه أحرم بحج وعمرة فكان قارنا وحديث عائشة هذا دل على أنه (ص) ~~أحرم PageV02P188 # بالحج مفردا لكن الأدلة على أنه حج قارن واسعة جدا. واختلفوا أيضا في ~~الأفضل من أنواع الحج والأدلة تدل على أن أفضلها القران. وقد استوفي أدلة ~~ذلك ابن القيم . باب الاحرام وما يتعلق به الاحرام: الدخول في أحد النسكين ~~والتشاغل بأعماله بالنية. # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما أهل رسول الله (ص) إلا من المسجد) ~~أي مسجد ذي الحليفة (متفق عليه) هذا قاله ابن عمر ردا على من قال : إنه (ص) ~~أحرم من البيداء، فإنه قال: بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله (ص) أنه ~~أهل منها ما أهل - الحديث. وفي رواية: أنه أهل من عند الشجرة حين قام به ~~بعيره والشجرة كانت عند المسجد، وعند مسلم: أنه (ص) ركع ركعتين بذي الحليفة ~~ثم إذا استوت به الناقة عند مسجد ذي الحليفة أهل، وقد جمع بين حديث الاهلال ~~بالبيداء والاهلال بدي الحليفة بأنه صلى الله عليه وسلم أهل منهما وكل من ~~روى أنه أهل بكذا فهو راو لما سمعه من إهلاله، وقد أخرج أبو داود والحاكم ~~من حديث ابن عباس أنه (ص) لما صلى في مسجد ذي الحليفة ركعتين أهل بالحج حين ~~فرغ منهما، فسمع قوم فحفظوه فلما استقرت به راحلته أهل وأدرك ذلك منه قوم ~~لم يشهدوا في المرة الأولى فسمعوه حين ذاك فقالوا: إنما أهل حين استقلت به ~~راحلته ثم مضى فلما علا على شرف البيداء أهل وأدرك ذلك قوم لم يشهدوه فنقل ~~كما سمع. الحديث: ودل الحديث على أن الأفضل أن يحرم من الميقات لا قبله فإن ~~أحرم قبله فقال ms0594 ابن المنذر: # أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل الميقات أنه محرم، وهل يكره؟ قيل: ~~نعم، لان قول الصحابة وقت رسول الله (ص) لأهل المدينة ذا الحليفة يقضي ~~بالاهلال من هذه المواقيت ويقضي بنفي النقص والزيادة، فإن لم تكن الزيادة ~~محرمة فلا أقل من أن يكون تركها أفضل، ولولا ما قيل من الاجماع بجواز ذلك ~~لقلنا بتحريمه لأدلة التوقيت، ولان الزيادة على المقدرات من المشروعات ~~كأعداد الصلاة ورمي الجمار لا تشرع، كالنقص منها، وإنما لم يجزم بتحريم ذلك ~~لما ذكرنا من الاجماع، ولأنه روي عن عدة من الصحابة تقديم الاحرام على ~~الميقات فأحرم ابن عمر من بيت المقدس، وأحرم أنس من العقيق، وأحرم ابن عباس ~~من الشام، وأهل عمر ان بن حصين من البصرة، وأهل ابن مسعود من القادسية. ~~وورد في تفسير الآية أن الحج والعمرة إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك ~~عن علي وابن مسعود، وإن كان قد تؤول بأن مرادهما أن ينشئ لهما سفرا مفردا ~~من بلده كما أنشأ (ص) لعمرة الحديبية والقضاء سفرا من بلده، ويدل لهذا ~~التأويل أن عليا لم يفعل ذلك، ولا أحد من الخلفاء الراشدين، ولم يحرموا بحج ~~ولا عمرة إلا من الميقات، بل لم يفعله (ص)، فكيف يكون ذلك تمام الحج ولم ~~يفعله (ص) ولا أحد من الخلفاء ولا جماهير الصحابة. نعم الاحرام من بيت ~~المقدس بخصوصه ورد فيه حديث PageV02P189 # أم سلمة: سمعت رسول الله (ص) يقول: من أهل من المسجد الأقصى بعمرة أو ~~بحجة غفر له ما تقدم من ذنبه رواه أحمد وفي لفظ: من أحرم من بيت المقدس غفر ~~له ما تقدم من ذنوبه رواه أبو داود ولفظه من أهل بحجة أو عمرة من المسجد ~~الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أو وجبت له ~~الجنة شك الراوي، ورواه ابن ماجة بلفظ من أهل بعمرة من بيت المقدس كانت ~~كفارة لما قبلها من الذنوب فيكون هذا مخصوصا ببيت المقدس فيكون الاحرام منه ~~خاصة أفضل ms0595 من الاحرام من المواقيت ، ويدل له إحرام ابن عمر منه ولم يفعل ~~ذلك من المدينة على أن منهم من ضعف الحديث ومنهم من تأوله بأن المراد ينشئ ~~لهما السفر من هنالك. # (وعن خلاد) بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام آخره دال مهملة (ابن السائب) ~~بالسين المهملة (عن أبيه رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالاهلال رواه ~~الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان) وأخرج ابن ماجة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سئل أي الحج أفضل؟ قال: العج والثج وفي رواية عن السائب عنه صلى ~~الله عليه وسلم: أتاني جبريل فقال: كن عجاجا ثجاجا والعج رفع الصوت والثج ~~نحر البدن. كل ذلك دال على استحباب رفع الصوت بالتلبية ، وإن كان ظاهر ~~الامر الوجوب. وأخرج ابن أبي شيبة أن أصحاب رسول الله (ص) كانوا يرفعون ~~أصواتهم بالتلبية حتى تبح أصواتهم وإلى هذا ذهب الجمهور. وعن مالك: لا يرفع ~~صوته بالتلبية إلا عند المسجد الحرام، مسجد منى. # (وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي (ص) تجرد لاهلاله واغتسل رواه ~~الترمذي وحسنه. وغربه، وضعفه العقيلي، وأخرجه الدارقطني والبيهقي ~~والطبراني، ورواه الحاكم والبيهقي من طريق يعقوب بن عطاء عن أبيه عن ابن ~~عباس قال: اغتسل رسول الله (ص) ثم لبس ثيابه فلما أتى ذا الحليفة صلى ~~ركعتين ثم قعد على بعيره فلما استوى به على البيداء أحرم بالحج ويعقوب ابن ~~عطاء بن أبي رباح ضعيف. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: من السنة أن يغتسل ~~إذا أراد الاحرام وإذا أراد دخول مكة . ويستحب التطيب قبل الاحرام. لحديث ~~عائشة: كنت أطيب النبي (ص) بأطيب ما أجد. وفي رواية: كنت أطيب رسول الله ~~(ص) بأطيب ما أقدر عليه قبل أن يحرم ثم يحرم. متفق عليه ويأتي الكلام في ~~ذلك. # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله (ص) سئل عما يلبس المحرم من ~~الثياب قال: لا يلبس القميص ولا السراويلات ms0596 ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحد ~~لا يجد النعلين) أي لا يجدهما يباعان أو يجدهما يباعان ولكن ليس معه ثمن ~~فائض عن حوائجه الأصلية كما في سائر الابدال (فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل ~~من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس) ~~PageV02P190 # بفتح الواو وسكون الراء آخره سين مهملة (متفق عليه واللفظ لمسلم) وأخرج ~~الشيخان من حديث ابن عباس سمعت رسول الله (ص) يخطب بعرفات: من لم يجد إزارا ~~فليلبس سراويل ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين ومثله عند أحمد والظاهر أنه ~~ناسخ لحديث ابن عمر بقطع الخفين لأنه قاله بعرفات في وقت الحاجة، وحديث ابن ~~عمر كان في المدينة، قاله ابن تيمية في المنتقى. واتفقوا على أن المراد ~~بالتحريم هنا على الرجل ولا تلحق به المرأة في ذلك. # واعلم أنه تحصل من الأدلة أنه يحرم على المحرم الخف ولبس القميص والعمامة ~~والبرانس والسراويل وثوب مسه ورس أو زعفران ولبس الخفين إلا لعدم غيرهما ~~فيشقهما ويلبسهما والطيب والوطئ. والمراد من القميص كل ما أحاط بالبدن مما ~~كان عن تفصيل وتقطيع. # وبالعمامة ما أحاطت بالرأس فيلحق بها غيرها مما يغطي الرأس، قال الخطابي: ~~ذكر البرانس والعمامة معا ليدل على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بالمعتاد ~~ولا بالنادر كالبرانس وهو كل ثوب رأسه منه ملتزقا به من جبة أو دراعة أو ~~غيرهما. # واعلم أن المصنف لم يأت بالحديث فيما يحرم على المرأة المحرمة، والذي ~~يحرم عليها في الأحاديث الانتقاب أي لبس النقاب، كما يحرم لبس الرجل القميص ~~والخفين فيحرم عليها النقاب، ومثله البرقع وهو الذي فصل على قدر ستر الوجه، ~~لأنه الذي ورد به النص، كما ورد بالنهي عن القمص للرجل مع جواز ستر الرجل ~~لبدنه بغيره اتفاقا، فكذلك المرأة المحرمة تستر وجهها بغير ما ذكر كالخمار ~~والثوب ومن قال: إن وجهها كرأس الرجل المحرم لا يغطى بشئ فلا دليل معه. ~~ويحرم عليها لبس القفازين ولبس ما مسه ورس أو زعفران من الثياب. ويباح لها ~~ما أحبت من غير ذلك ms0597 من حلية وغيرها والطيب، وأما الصيد وحلق الرأس فالظاهر ~~أنهن كالرجل في ذلك والله أعلم. وأما الانغماس في الماء، ومباشرة المحمل ~~بالرأس، وستر الرأس باليد، وكذا وضعه على المخدة عند النوم، فإنه لا يضر ~~لأنه لا يسمى لابسا. والخفاف جمع خف وهو ما يكون إلى نصف الساق، ومثله في ~~الحكم الجوارب، وهو ما يكون إلى فوق الركبة وقد أبيح لمن لم يجد النعلين ~~بشرط القطع إلا أنك قد سمعت ما قاله في المنتقى من نسخ القطع وقد رجحه في ~~الشرح بعد إطالة الكلام بذكر الخلاف في المسألة ثم ألحق أنه لا فدية على ~~لابس الخفين لعدم النعلين. وخالفت الحنفية فقالوا: تجب الفدية. ودل الحديث ~~على تحريم لبس ما مسه الزعفران والورس. واختلف في العلة التي لأجلها النهي ~~هل هي الزينة أو الرائحة، فذهب الجمهور إلى أنها الرائحة فلو صار الثوب ~~بحيث إذا أصابه الماء لم يظهر له رائحة جاز الاحرام فيه. وقد ورد في رواية ~~إلا أن يكون غسيلا وإن كان فيها مقال، ولبس المعصفر والمورس محرم على ~~الرجال في حال الحل كما في الاحرام. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أطيب رسول الله (ص) لاحرامه قبل أن ~~يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت متفق عليه. فيه دليل استحباب التطيب عند ~~إرادة فعل الاحرام، وجواز استدامته بعد الاحرام وأنه لا يضر بقاء لونه ~~وريحه وإنما يحرم ابتداؤه في حال الاحرام وإلى هذا ذهب جماهير الأئمة ~~والصحابة والتابعين PageV02P191 # . وذهب جماعة منهم إلى خلافه وتكلفوا لهذه الرواية ونحوها بما لا يتم به ~~مدعاهم فإنهم قالوا: إنه (ص) تطيب ثم اغتسل بعده فذهب الطيب. قال النووي في ~~شرح مسلم بعد ذكره: الصواب ما قاله الجمهور من أنه يستحب الطيب للاحرام ~~لقولها: لاحرامه. ومنهم من زعم أن ذلك خاص به (ص) ولا يتم ثبوت الخصوصية ~~إلا بدليل عليها ، بل الدليل قائم على خلافها وهو ما ثبت من حديث عائشة: ~~كنا ننضح وجوهنا بالمسك المطيب قبل أن نحرم فنعرق ويسيل على وجوهنا ونحن مع ms0598 ~~رسول الله (ص) فلا ينهانا . رواه أبو داود، وأحمد بلفظ: كنا نخرج مع رسول ~~الله (ص) إلى مكة فننضح جباهنا بالمسك المطيب عند الاحرام فإذا عرقت إحدانا ~~سال لي وجهها فيراه النبي (ص) فلا ينهانا. ولا يقال هذا خاص بالنساء في ~~الطيب سواء بالاجماع فالطيب يحرم بعد الاحرام لا قبله وإن دام حاله فإنه ~~كالنكاح لأنه من دواعيه والنكاح إنما يمنع المحرم من ابتدائه لا من ~~استدامته فكذلك الطيب، ولان الطيب من النظافة من حيث إنه يقصد به دفع ~~الرائحة الكريهة كما يقصد بالنظافة إزالة ما يجمعه الشعر والظفر من الوسخ، ~~ولذا استحب أن يأخذ قبل الاحرام من شعره وأظفاره، لكونه ممنوعا منه بعد ~~الاحرام، وإن بقي أثره بعده. # وأما حديث مسلم في الرجل الذي جاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم كيف ~~يصنع في عمرته وكان الرجل قد أحرم وهو متضمخ بالطيب فقال: يا رسول الله ما ~~ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعد ما تضمخ بالطيب؟ فقال (ص): أما الطيب ~~الذي بك فاغسله ثلاث مرات الحديث فقد أجيب عنه بأن هذا السؤال والجواب كانا ~~بالجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان، وقد حج (ص) سنة عشر، واستدام الطيب، ~~وإنما يؤخذ بالآخر من أمر رسول الله (ص)، لأنه يكون ناسخا للأول. وقوله: ~~لحله قبل أن يطوف بالبيت المراد لحله الاحلال الذي يحل به كل محظور وهو ~~طواف الزيارة وقد كان حل بعض الاحلال وهو بالرمي الذي يحل به الطيب وغيره ~~ولا يمنع بعده إلا من النساء. وظاهر هذا أنه قد كان فعل الحق والرمي وبقي ~~الطواف: # (وعن عثمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا ينكح) ~~بفتح حرف المضارعة أي لا ينكح هو لنفسه (المحرم ولا ينكح) بضم حرف المضارعة ~~لا يعقد لغيره (ولا يخطب) له ولا لغيره (رواه مسلم). والحديث دليل على ~~تحريم العقد على المحرم لنفسه ولغيره، وتحريم الخطبة كذلك، والقول بأنه صلى ~~الله عليه وسلم تزوج ميمونة بنت الحرث وهو محرم ms0599 لرواية ابن عباس لذلك، ~~مردود بأن رواية أبي رافع أنه تزوجها (ص) وهو حلال أرجح لان كان السفير ~~بينهما، أي بين النبي (ص) وبين ميمونة، ولأنها رواية أكثر الصحابة، قال ~~القاضي عياض: لم يرو أنه تزوجها محرما إلا ابن عباس وحده حتى قال سعيد: ذهل ~~ابن عباس وإن كانت خالته ما تزوجها رسول الله (ص) إلا بعد ما حل ذكره ~~البخاري. ثم ظاهر النهي في الثلاثة التحريم، إلا أنه قيل إن النهي في ~~الخطبة للتنزيه وإنه إجماع، فإن صح الاجماع فذاك ولا أظن PageV02P192 # صحته، وإلا فالظاهر هو التحريم. ثم رأيت بعد هذا نقلا عن ابن عقيل ~~الحنبلي أنها تحرم الخطبة أيضا، قال ابن تيمية: لان النبي (ص) نهى عن ~~الجميع نهيا واحدا ولم يفصل وموجب النهي التحريم وليس ما يعارض ذلك من أثر ~~أو نظر. # (وعن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه في قصة صيده الحمار الوحشي وهو غير ~~محرم) وكان ذلك عام الحديبية (قال: فقال رسول الله (ص) لأصحابه وكانوا ~~محرمين: هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشئ؟ فقالوا: لا، قال: فكلوا ما بقي ~~من لحمه متفق عليه) قد استشكل عدم إحرام أبي قتادة وقد جاوز الميقات وأجيب ~~عنه بأجوبة. منها: أنه كان قد بعثه (ص) هو وأصحابه لكشف عدو لهم بالساحل. # ومنها أنه لم يخرج مع النبي (ص) بل بعثه أهل المدينة. ومنها أنها لم تكن ~~المواقيت قد وقتت في ذلك الوقت. والحديث دليل على جواز أكل المحرم لصيد ~~البر، والمراد به إن صاده غير محرم ولم يكن منه إعانة على قتله بشئ وهو رأي ~~الجماهير والحديث نص فيه. # وقيل: لا يحل أكله، وإن لم يكن منه إعانة عليه. ويروى هذا عن علي وابن ~~عباس وابن عمر رضي الله عنهم وهو مذهب الهادوية عملا بظاهر قوله تعالى: * ~~(وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) * بناء على أنه أريد بالصيد المصيد. ~~وأجيب عنه: بأن المراد في الآية: الاصطياد، ولفظ الصيد وإن كان مترددا بين ~~المعنيين، لكن بين حديث ms0600 أبي قتادة المراد. وزاده بيانا حديث جابر بن عبد ~~الله عنه (ص) أنه قال: صيد البر حلال لكم ما لم تصيدوه أو يصد لكم أخرجه ~~أصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان والحاكم إلا أن في بعض رواته مقالا بينه ~~المصنف في التلخيص. وعلى تقدير أن المراد في الآية الحيوان الذي يصاد فقد ~~ثبت تحريم الاصطياد من آيات أخر ومن أحاديث. ووقع البيان بحديث جابر فإنه ~~نص في المراد. والحديث فيه زيادة وهي قوله صلى الله عليه وسلم: هل معكم من ~~لحكمه شئ وفي رواية: هل معكم منه شئ قالوا: معنا رجله، فأخذها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأكلها إلا أنه لم يخرج الشيخان هذه الزيادة واستدل ~~المانع لاكل المحرم الصيد مطلقا بقوله: # (وعن الصعب) بفتح الصاد المهملة وسكون العين المهملة فموحدة (ابن جثامة) ~~بفتح الجيم وتشديد المثلثة (الليثي رضي الله عنه أنه أهدى لرسول الله (ص) ~~حمارا وحشيا) وفي رواية: حمار وحش يقطر دما، وفي أخرى: لحم حمار وحش، وفي ~~أخرى: عجز حمار وحش ، وفي رواية: عضدا من لحم صيد، كلها في مسلم (وهو ~~بالأبواء) ممدود (أو بودان) بفتح الواو وتشديد الدال المهملة وكان ذلك في ~~حجة الوداع (فرده عليه وقال: إنا لم نرده) بفتح الدال رواه المحدثون وأنكره ~~المحققون من أهل العربية، وقالوا: صوابه ضمها لأنه القاعدة في تحريك الساكن ~~إذا كان بعده ضمير المذكر الغائب على الأصح، وقال النووي في شرح مسلم: # في رده ونحوه للمذكر ثلاثة أوجه أوضحها الضم والثاني الكسر وهو ضعيف ~~والثالث الفتح وهو أضعف منه، بخلاف ما إذا اتصل به ضمير المؤنث، نحو ردها ~~فإنه بالفتح (عليك إلا أنا حرم) بضم الحاء والراء أي محرمون (متفق عليه). ~~دل على أنه لا يحل لحم الصيد PageV02P193 # للمحرم مطلقا، لأنه علل (ص) رده لكونه محرما، ولم يستفصل هل صاده لأجله ~~أولا، يدل على التحريم مطلقا، وأجاب من جوزه بأنه محمول على أنه صيد لأجله ~~(ص) ، فيكون جمعا بينه وبين حديث أبي قتادة، والجمع بين الأحاديث إذا ms0601 أمكن ~~وأولى من إطراح بعضها، وقد دل لهذا أن في حديث أبي قتادة الماضي عند أحمد ~~وابن ماجة بإسناد جيد: إنما صدته له وأنه أمر أصحابه أن يأكلون ولم يأكل ~~منه حين أخبرته أني اصطدته له . قال أبو بكر النيشابوري قوله: لك وأنه لم ~~يأكل منه: لا أعلم أحدا قاله في هذا الحديث غير معمر. قلت: معمر ثقة لا يضر ~~تفرده ويشهد للزيادة حديث جابر الذي قدمناه. وفي الحديث دليل على أنه ينبغي ~~قبول الهدية وإبانة المانع من قبولها إذا ردها . واعلم أن ألفاظ الروايات ~~اختلفت فقال الشافعي: إن كان الصعب أهدى للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى ~~أهل وسلم الحمار حيا فليس للمحرم ذبح حمار وحشي، وإن كان أهدى لحم حمار ~~فيحتمل أنه (ص) قد فهم أنه صاده لأجله، وأما رواية أنه (ص) أكل منه التي ~~أخرجها البيهقي فقد ضعفها ابن القيم، ثم إنه استقوى من الروايات رواية لحم ~~حمار قال: لأنها لا تنافي رواية من روى حمارا لأنه قد يسمى الجزء باسم الكل ~~وهو شائع في اللغة، ولان أكثر الروايات اتفقت أنه بعض من أبعاض الحمار، ~~وإنما وقع الاختلاف في ذلك البعض ولا تناقض بينها فإنه يحتمل أن يكون ~~المهدي من الشق الذي فيه العجز الذي فيه رجله. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله (ص): خمس من الدواب كلهن ~~فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة) بكسر الحاء المهملة وفتح ~~الدال بعدها همزة (والعقرب) يقال على الذكر والأنثى وقد يقال عقربة ~~(والفأرة) بهمزة ساكنة ويجوز تخفيفها ألفا (والكلب العقور متفق عليه) وفي ~~رواية في البخاري زيادة ذكر الحية فكانت ستا، وقد أخرجها بلفظ ست أبو عوانة ~~وسرد الخمس مع الحية، ووقع عند أبي داود زيادة السبع العادي، فكانت سبعا، ~~ووقع عند أبي خزيمة وابن المنذر زيادة: الذئب والنمر، فكانت تسعا إلا أنه ~~نقل عن الذهلي أنه ذكرهما في تفسير الكلب العقور، ووقع ذكر الذئب في حديث ~~مرسل رجاله ثقات. وأخرج أحمد مرفوعا الامر للمحرم بقتل ms0602 الذئب وفيه راو ~~ضعيف. وقد دلت هذه الزيادات أن مفهوم العدد غير مراد من قوله خمس. والدواب: ~~بتشديد الباء جمع دابة وهو ما دب من الحيوان، وظاهره أنه يسمى الطائر دابة، ~~وهو يطابق قوله تعالى: * (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) *، * ~~(وكأين من دابة لا تحمل رزقها) * وقيل: يخرج الطائر من لفظ الدابة لقوله ~~تعالى: * (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه) * ولا حجة فيه، ~~لأنه يحتمل أنه عطف خاص على عام. هذا وقد اختص في العرف لفظ الدابة بذوات ~~الأربع القوائم. وتسميتها فواسق: لان الفسق لغة: الخروج ، ومنه * (ففسق عن ~~أمر ربه) * أي خرج، ويسمى العاصي فاسقا، لخروجه عن طاعة ربه، ووصفت ~~المذكورة بذلك لخروجها عن حكم غيرها من الحيوانات، في تحريم قتل المحرم ~~لها، وقيل : لخروجها عن غيرها من الحيوانات في حل أكله لقوله تعالى: * (أو ~~فسقا أهل لغير الله به) * فسمي ما لا يؤكل فسقا قال تعالى: * (ولا تأكلوا ~~مما لم يذكر اسم الله PageV02P194 # عليه وأنه لفسق) *، وقيل: لخروجها عن حكم غيرها بالايذاء والافساد وعدم ~~الانتقاع ، فهذه ثلاث علل استخرجها العلماء في حل قتل هذه الخمس. ثم اختلف ~~أهل الفتوى فمن قال بالأول، ألحق بالخمس كل ما جاز قتله للحلال في الحرم. ~~ومن قال بالثاني ألحق كل ما لا يؤكل إلا ما نهي عن قتله. وهذا قد يجامع ~~الأول، ومن قال بالثالث خص الالحاق بما يحصل منه الافساد قاله المصنف في ~~فتح الباري قلت: ولا يخفى أن هذه العلل لا دليل عليها فيبعد الالحاق لغير ~~المنصوص بها، والأحوط عدم الالحاق وبه قالت الحنفية إلا أنهم ألحقوا الحية ~~لثبوت الخبر والذئب لمشاركته للكلب في الكلبية وألحقوا بذلك من ابتدأ ~~بالعدوان والأذى من غيرها. قال ابن دقيق: والتعدية بمعنى الأذى إلى كل مؤذ ~~قوي بالنظر إلى تصرف أهل القياس، فإنه ظاهر من جهة الايمان بالتعليل ~~بالفسق، وهو الخروج عن الحد انتهى. قلت: ولا يخفى أنه قد اختلف في تفسير ~~فسقها على ثلاثة أقوال كما ms0603 عرفت فلا يتم تعيين واحد منها علة بالايماء فلا ~~يتم الالحاق به. وإذا جاز قتلهن للمحرم جاز للحلال بالأولى، وقد ورد بلفظ ~~يقتلن في الحل والحرم عند مسلم، وفي لفظ ليس على المحرم في قتلهن جناح فدل ~~أنه يقتلها المحرم في الحرم وفي الحل بالأولى. وقوله: يقتلن إخبار بحل ~~قتلها وقد ورد بلفظ نفي الجناح ونفي الحرج على قاتلهن فدل على حمل الامر ~~على الإباحة. وأطلق في هذه الرواية لفظ الغراب، وقيد عند مسلم من حديث ~~عائشة بالأبقع وهو الذي في ظهره أو بطنه بياض، فذهب بعض أئمة الحديث إلى ~~تقييد المطلق بهذا وهي القاعدة في حمل المطلق على المقيد. والقدح في هذه ~~الزيادة بالشذوذ وتدليس الراوي مدفوع بأنه صرح الراوي فلا تدليس وبأنها ~~زيادة من عدل ثقة حافظ فلا شذوذ. # قال المصنف: قد اتفق العلماء على اخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحب، ~~ويقال له غراب الزرع، وقد احتجوا بجواز أكله فبقي ما عداه من الغربان ملحقا ~~بالأبقع. والمراد بالكلب : هو المعروف وتقييده بالعقور يدل أنه لا يقتل غير ~~العقور ونقل عن أبي هريرة تفسير الكلب العقور: بالأسد، وعن زيد بن أسلم ~~تفسيره: بالحية، وعن سفيان أنه الذئب خاصة ، وقال مالك: كل ما عقر الناس ~~وأخافهم وعدا عليهم مثل الأسد والنمر والفهد والذئب هو الكلب العقور، ونقل ~~عن سفيان وهو قول الجمهور واستدل لذلك بقوله (ص) : اللهم سلط عليهم كلبا من ~~كلابك فقتله الأسد، وهو حديث حسن أخرجه الحاكم. # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي (ص) احتجم وهو محرم) وذلك في حجة ~~الوداع بمحل يقال له لحي جبل بين مكة والمدينة (متفق عليه). دل على جواز ~~الحجامة للمحرم، وهو إجماع في الرأس وغيره إذا كان لحاجة فإن قلع من الشعر ~~شيئا كان عليه فدية الحلق وإن لم يقلع فلا فدية عليه. وإن كانت الحجامة ~~لغير عذر، فإن كانت في الرأس حرمت إن قطع معها شعر لحرمة قطع الشعر وإن ~~كانت في موضع لا شعر فيه فهي PageV02P195 # جائزة عند ms0604 الجمهور ولا فدية. وكرهها قوم وقيل: يحب فيه الفدية. وقد نبه ~~الحديث على قاعدة شرعية وهي أن محرمات الاحرام من الحلق وقتل الصيد ~~ونحوهما، تباح للحاجة وعليه الفدية، فمن احتاج إلى حلق رأسه أو لبس قميصه ~~مثلا، لحر أو برد، أبيح له ذلك ولزمته الفدية ، وعليه دل قوله تعالى: * ~~(فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه) * الآية، وبين قدر الفدية الحديث ~~وهو قوله: # (وعن كعب بن عجرة رضي الله عنه) بضم المهملة وسكون الجيم وبالراء كعب ~~صحابي جليل حليف الأنصار نزل الكوفة ومات بالمدينة سنة إحدى وخمسين (قال ~~حملت) مغير الصيغة (إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على ~~وجهي فقال: ما كنت أرى) بضم الهمزة أي أظن (الوجع بلغ بك ما أرى) بفتح ~~الهمزة من الرؤية (أتجد شاة؟ # قلت: لا، قال: تصوم ثلاثة أيام أو تطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع ~~متفق عليه)، وفي رواية للبخاري مر بي رسول الله (ص) بالحديبية ورأسي يتهافت ~~قملا فقال: أتؤذيك هوامك؟ قلت: نعم، قال: فاحلق رأسك. الحديث وفيه فقال: ~~نزلت في هذه الآية: * (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه) * الآية. وقد ~~روي الحديث بألفاظ عديدة وظاهره أنه يجب تقديم النسك على النوعين الآخرين ~~إذا وجد، وظاهر الآية الكريمة وسائر روايات الحديث أنه مخير في الثلاث ~~جميعا ولذا قال البخاري في أول باب الكفارات: خير النبي (ص) كعبا في الفدية ~~وأخرج أبو داود من طريق الشعبي عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة. أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال : إن شئت فانسك نسيكة وإن شئت فصم ثلاثة أيام وإن شئت ~~فأطعم. والحديث. والظاهر أن التخيير إجماع. وقوله: نصف صاع أخذ جماهير ~~العلماء بظاهره إلا ما يروى عن أبي حنيفة والثوري أنه نصف صاع من حنطة وصاع ~~من غيرها. # (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما فتح الله على رسول (ص) مكة) أراد ~~به فتح مكة وأطلقه لأنه المعروف (قام رسول الله (ص) في ms0605 الناس) أي خطيبا ~~وكان قيامه ثاني الفتح (فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله حبس عن مكة ~~الفيل) تعريفا لهم بالمنة التي من الله تعالى بها عليهم وهي قصة معروفة ~~مذكورة في القرآن (وسلط عليها رسوله والمؤمنين) ففتحوها عنوة (وإنها لم تحل ~~لاحد كان قبلي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار) هي ساعة دخوله إياها (وإنها لن ~~تحل لاحد بعدي، فلا ينفر) بالبناء للمجهول (صيدها) أي لا يزعجه أحد ولا ~~ينحيه عن موضعه (ولا يختلى) بالخاء المعجمة مبني للمجهول أيضا (شوكها) أي ~~لا يؤخذ ويقطع (ولا تحل ساقطتها) أي لقطتها وهو بهذا اللفظ في رواية (إلا ~~لمنشد) أي معرف لها يقال له: منشد، وطالبها ناشد (ومن قتل له قتيل فهو بخير ~~النظرين إما أن يفدي وإما أن يقيد) إما أخذ الدية أو قتل القاتل (فقال ~~العباس: إلا الإذخر يا رسول الله) بكسر الهمزة وسكون الذال المعجمة فخاء ~~معجمة مكسورة PageV02P196 # : نبت معروف طيب الرائحة (فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا فقال: إلا الإذخر ~~متفق عليه) . فيه دليل على أن فتح مكة عنوة، لقوله لم تحل وقوله: سلط عليها ~~وقوله: لا تحل وعلى ذلك الجماهير. وذهب الشافعي إلى أنها فتحت صلحا لأنه ~~(ص) لم يقسمها على الغانمين كما قسم خيبر، وأجيب عنه بأنه (ص) من على أهل ~~مكة وجعلهم الطلقاء وصانهم عن القتل والسبي للنساء والذرية واغتنام ~~الأموال، إفضالا منه على قرابته وعشيرته. وفيه دليل على أنه لا يحل القتال ~~لاحد بعده (ص) بمكة. قال الماوردي: من خصائص الحرم أنه لا يحارب أهله وإن ~~بغوا على أهل العدل، وقالت طائفة بجوازه وفي المسألة خلاف. وتحريم القتال ~~فيها هو الظاهر. قال القرطبي: ظاهر الحديث يقتضي تخصيصه (ص) بالقتال ~~لاعتذاره عن ذلك الذي أبيح له مع أن أهل مكة كانوا إذ ذاك مستحقين للقتال ~~لصدهم عن المسجد الحرام وإخراج أهله منه، وكفرهم ، وقال به غير واحد من أهل ~~العلم. قال ابن دقيق العيد: يتأكد القول بالتحريم بأن الحديث دل على ~~المأذون فيه للنبي (ص) ms0606 ولم يؤذن فيه لغيره، ويؤيده قوله (ص) : فإن ترخص أحد ~~لقتال رسول الله (ص) فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم فدل أن حال ~~القتال فيها من خصائصه (ص). ودل على تحريم تنفير صيدها وبالأولى تحريم ~~قتله، وعلى تحريم قطع شوكها، ويفيد تحريم قطع ما لا يؤذي بالأولى. # ومن العجب أنه ذهب الشافعي إلى جواز قطع الشوك من فروع الشجر كما نقله ~~عنه أبو ثور وأجازه جماعة غيره، ومنهم الهادوية وعللوا ذلك بأنه يؤذي فأشبه ~~الفواسق. قلت: وهذا من تقديم القياس على النص وهو باطل على أنك عرفت أنه لم ~~يقم دليل على أن علة قتل الفواسق هو الأذية. # واتفق العلماء على تحريم قطع أشجارها التي لم ينبتها الآدميون في العادة، ~~وعلى تحريم قطع خلاها وهو الرطب من الكلأ فإذا يبس فهو الحشيش، واختلفوا ~~فيما ينبته الآدميون فقال القرطبي: الجمهور على الجواز. وأفاد أنها لا تحل ~~لقطتها إلا لمن يعرف بها أبدا ولا يتملكها، وهو خاص بلقطة مكة، وأما غيرها ~~فيجوز أن يلتقطها بنية التملك بعد التعريف بها سنة، ويأتي ذكر الخلاف في ~~المسألة في باب اللقطة إن شاء الله تعالى. وفي قوله: ومن قتل له قتيل فهو ~~بخير النظرين دليل على أن الخيار للولي ويأتي الخلاف في ذلك في باب ~~الجنايات . وقوله: نجعله في قبورنا أي نسد به خلل الحجارة التي تجعل على ~~اللحد، وفي البيوت كذلك يجعل فيما بين الخشب على السقوف. وكلام العباس ~~يحتمل أنه شفاعة إليه (ص) ، ويحتمل أنه اجتهاد منه لما علم من أن العموم ~~غالبه التخصيص كأنه يقول هذا ما تدعو إليه الحاجة، وقد عهد في الشريعة عدم ~~الحرج فقرر (ص) كلامه، واستثناؤه ما بوحي أو اجتهاد منه صلى الله عليه ~~وسلم. (وعن عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: إن إبراهيم حرم مكة) وفي رواية إن الله حرم مكة ولا منافاة ~~فالمراد أن الله حكم بحرمتها وإبراهيم أظهر هذا الحكم على العباد ms0607 (ودعا ~~لأهلها) حيث قال: * (رب PageV02P197 # اجعل هذا البلد آمنا وارزق أهله من الثمرات) * وغيرها من الآيات (وإني ~~حرمت المدينة) هي علم بالغلبة لمدينته (ص) التي هاجر إليها فلا يتبادر عند ~~إطلاق لفظها إلا هي (كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت في صاعها ومدها) أي ~~فيما يكال بهما لأنهما مكيالان معروفان (بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة ~~متفق عليه). المراد من تحريم مكة : تأمين أهلها من أن يقاتلوا، وتحريم من ~~يدخلها لقوله تعالى: * (ومن دخله كان آمنا) *، وتحريم صيدها وقطع شجرها، ~~وعضد شوكها. والمراد من تحريم المدينة: تحريم صيدها، وقطع شجرها ، ولا يحدث ~~فيها حدث. وفي تحديد حرم المدينة خلاف ورد تحديده بألفاظ كثيرة ورجحت رواية ~~ما بين لابتيها لتوارد الرواة عليها. # (وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال النبي (ص) المدينة حرم ما ~~بين عير) بالعين المهملة فمثناة تحتية فراء جبل بالمدينة (إلى ثور رواه ~~مسلم) ثور بالمثلثة وسكون الواو وآخره راء في القاموس إنه جبل بالمدينة، ~~قال: وفيه الحديث الصحيح ، وذكر هذا الحديث، ثم قال: وأما قول أبي عبيد ~~القاسم بن سلام وغيره من الأكابر الاعلام: # إن هذا تصحيف، والصواب إلى أحد لان ثورا إنما هو بمكة فغير جيد، لما ~~أخبرني الشجاع الثعلبي الشيخ الزاهد عن الحافظ أبي محمد بن عبد السلام ~~البصري أن حذاء أحد جانحا إلى ورائه جبلا صغيرا يقال له ثور، وتكرر سؤالي ~~عنه طوائف من العرب العارفين بتلك الأرض فكل أخبرني أن اسمه ثور ولما كتب ~~إلي الشيخ عفيف الدين المطري عن والده الحافظ الثقة قال: إن خلف أحد عن ~~شماله جبلا صغيرا مدورا يسمى ثورا يعرفه أهل المدينة خلف عن سلف انتهى. وهو ~~لا ينافي حديث.. ما بين لابتيها لأنهما حرتان يكتنفانها كما في القاموس ~~وعير وثور مكتنفان المدينة فحديث عير وثور يفسر اللابتين. # باب صفة الحج ودخول مكة أراد به: بيان المناسك والآتيان بها مرتبة، ~~وكيفية وقوعها، وذكر حديث جابر وهو واف بجميع ذلك. # (عن جابر بن عبد الله ms0608 رضي الله عنهما أن رسول الله (ص) حج) عبر بالماضي ~~لأنه روى ذلك بعد تقضي الحج حين سأله عنه محمد بن علي بن الحسين كما في ~~صحيح مسلم (فخرجنا معه) أي من المدينة (حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء ~~بنت عميس) بصيغة التصغير امرأة أبي بكر يعني محمد بن أبي بكر (فقال) أي ~~النبي (ص) : (اغتسلي واستثفري) بسين مهملة فمثناة فوقية فثاء مثلثة ففاء ثم ~~راء هو: شد المرأة على وسطها شيئا ثم تأخذ خرقة عريضة تجعلها في محل الدم ~~وتشد طرفيها من ورائها ومن قدامها إلى ذلك الذي شدته في وسطها وقوله (بثوب) ~~بيان لما تستثفر به (وأحرمي) فيه: أنه لا يمنع النفاس صحة عقد الاحرام ~~(فصلى رسول الله (ص)) أي صلاة الفجر PageV02P198 # كذا ذكره النووي في شرح مسلم، والذي في الهدي النبوي أنها صلاة الظهر، ~~وهو الأولى لأنه (ص) خمس صلوات بذي الحليفة الخامسة هي الظهر، وسافر بعدها ~~(في المسجد ثم ركب القصواء) بفتح القاف فصاد مهملة فواو فألف ممدودة - ~~وقيل: بضم القاف مقصور وخطئ من قاله - لقب لناقته صلى الله عليه وسلم (حتى ~~إذا استوت به على البيداء) اسم محمل (أهل) رفع صوته (بالتوحيد) أي إفراد ~~التلبية لله وحده بقوله: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك) وكانت ~~الجاهلية تزيد في التلبية: إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك (إن الحمد) بفتح ~~الهمزة وكسرها والمعنى واحد وهو التعليل (والنعمة لك والملك، لا شريك لك ~~حتى إذا أتينا استلم الركن) أي مسحه بيده، وأراد به الحجر الأسود، وأطلق ~~الركن عليه لأنه قد غلب على اليماني (فرمل) أي في طوافه بالبيت أي أسرع في ~~مشيه مهرولا (ثلاثا) أي مرات (ومشى أربعا، أتى إلى مقام إبراهيم فصلى) ~~ركعتي الطواف (ورجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب) أي باب الحرم (إلى ~~الصفا، فلما دنا) أي قرب (من الصفا قرأ * (إن الصفا والمروة من شعائر الله) ~~* ابدأوا في الاخذ في السعي (بما بدأ الله به فرقي) بفتح القاف (الصفا حتى ms0609 ~~رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره) وبين ذلك بقوله: (وقال: لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير لا إله ~~إلا الله أنجز وعده) بإظهاره تعالى للدين (ونصر عبده) يريد به نفسه، (وهزم ~~الأحزاب) في يوم الخندق، (وحده) أي من غير قتال الآدميين ولا سبب لانهزامهم ~~كما أشار إليه قوله تعالى: * (فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها) * أو ~~المراد كل من تحزب لحربه صلى الله عليه وسلم فإنه هزمهم (ثم دعا بين ذلك ~~ثلاث مرات) دل أنه كرر الذكر المذكور ثلاثا (ثم نزل) منتهيا (إلى المروة، ~~حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى) قال عياض: # فيه اسقاط لفظة لا بد منها وهي حتى انصبت قدماه فرمل في بطن الوادي فسقط ~~لفظ رمل قال: وقد ثبتت هذه اللفظة في رواية لمسلم وكذا ذكرها الحميدي في ~~الجمع بين الصحيحين (حتى إذا صعدتا) من بطن الوادي (مشى حتى أتى المروة ~~ففعل على المروة كما فعل على الصفا) من استقباله القبلة إلى آخر ما ذكر ~~(فذكر) أي جابر (الحديث) بتمامه واقتصر المصنف على محل الحاجة (وفيه) أي في ~~الحديث (فلما كان يوم التروية) بفتح المثناة الفوقية فراء وهو الثامن من ~~شهر ذي الحجة سمي بذلك لأنهم يتروون فيه إذ لم يكن بعرفة ماء (توجهوا إلى ~~منى فأهلوا بالحج وركب (ص) فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ~~ثم مكث) بفتح الكاف ثم مثلثة: لبث (قليلا) أي بعد صلاة الفجر (حتى طلعت ~~الشمس، فأجاز) أي جاوز المزدلفة ولم يقف بها (حتى أتى عرفة) أي قرب منها لا ~~أنه دخلها بدليل (فوجد القبة) خيمة صغيرة (قد ضربت له بنمرة) بفتح النون ~~وكسر الميم فراء فتاء تأنيث محل معروف (فنزل بها) فإن نمرة ليست من عرفات ~~(حتى إذا زاغت الشمس أمر PageV02P199 # بالقصواء فرحلت له) مغير الصيغة مخفف الحاء المهملة: أي وضع عليها رحلها ~~(فأتى بطن الوادي) وادي عرفة (فخطب الناس ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ms0610 ثم ~~أقام فصلى العصر) جمعا غير أذان (ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب حتى أتى ~~الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل) فيه ضبطان بالجيم ~~والحاء المهملة والموحدة إما مفتوحة أو ساكنة (المشاة) وبها ذكره في ~~النهاية وفسره بطريقهم الذي يسلكونه في الرمل وقيل أراد صفهم ومجتمعهم في ~~مشيهم تشبيها بحبل الرمل (بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت ~~الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص) قال في شرح مسلم: # هكذا في جميع النسخ وكذا نقله القاضي عن جميع النسخ قال: قيل: لعل صوابه ~~حين غاب القرص قال: ويحتمل أن يكون قوله: حتى غاب القرص بيانا لقوله غربت ~~الشمس وذهبت الصفرة فإن هذه قد تطلق مجازا على مغيب معظم القرص فانزال ذلك ~~الاحتمال بقوله حتى غاب القرص (ودفع، وقد شنق) بتخفيف النون: ضم وضيق ~~(للقصواء الزمام ، حتى إن رأسها ليصيب مورك) بفتح الميم وكسر الراء (رحله) ~~بالحاء المهملة الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه قدام وسط الرحل إذا مل ~~من الركوب (ويقول بيده اليمنى) أي يشير بها قائلا: (يا أيها الناس: ~~السكينة. السكينة) بالنصب أي ألزموا (كلما أتى حبلا) بالمهملة وسكون ~~الموحدة من حبال الرمل وحبل الرمل ما طال منه وضخم (أرخى لها قليلا حتى ~~تصعد) بفتح المثناة وضمها يقال: صعد وأصعد (حتى أتى المزدلفة فصلى بها ~~المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح) أي لم يصل (بينهما شيئا) أي ~~نافلة (ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان ~~وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام) وهو جبل معروف في المزدلفة ~~يقال له قزح بضم القاف وفتح الزاي وحاء مهملة (فاستقبل القبلة فدعا وكبر ~~وهلل، فلم يزل واقفا حتى أسفر) أي الفجر (جدا) بكسر الجيم إسفارا بليغا ~~(فدفع قبل أن تطلع الشمس، حتى أتى بطن محسر) بضم الميم وفتح المهملة وكسر ~~السين المهملة المشددة سمي بذلك لان فيل أصحاب الفيل حسر فيه أي كل وأعيا ~~(فحرك قليلا) أي حرك لدابته لتسرع ms0611 في المشي وذلك مسافة مقدار رمية حجر (ثم ~~سلك الطريق الوسطى) وهي غير الطريق التي ذهب فيها إلى عرفات (التي تخرج على ~~الجمرة الكبرى) وهي جمرة العقبة (حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة) وهي حد ~~لمنى وليست منها، والجمرة: اسم لمجتمع الحصى سميت بذلك: لاجتماع الناس، ~~يقال: أجمر بنو فلان إذا اجتمعوا (فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها ~~مثل حصى الخذف) وقدره مثل حبة الباقلاء (رمى من بطن الوادي) بيان لمحل ~~الرمي (ثم انصرف إلى المنحر فنحر، ثم ركب رسول الله (ص) فأفاض إلى البيت ~~فصلى بمكة الظهر) فيه حذف أي فأفاض إلى البيت فطاف به طواف الإفاضة ثم صلى ~~الطهر وهذا يعارضه حديث ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم ~~النحر بمنى وجمع بينهما بأنه صلى بمكة ثم أعاده بأصحابه جماعة بمنى لينالوا ~~فضل الجماعة خلفه (رواه مسلم مطولا وفيه زيادات حذفها المصنف PageV02P200 # واقتصر على محل الحاجة هنا. واعلم أن هذا حديث عظيم مشتمل على جمل من ~~الفوائد ونفائس من مهمات القواعد، قال القاضي عياض: قد تكلم الناس على ما ~~فيه من الفقه وأكثروا، وصنف فيه أبو بكر بن المنذر جزءا كبيرا أخرج فيه من ~~الفقه مائة ونيفا وخمسين نوعا، وقال: ولو تقصى لزيد على هذا العدد أو قريب ~~منه. قلت: وليعلم أن الأصل في كل ما ثبت أنه فعله (ص) في حجه الوجوب، ~~لامرين أحدهما: أن أفعاله في الحج بيان الحج الذي أمر الله به، والأفعال في ~~بيان الوجوب محمولة على الوجوب. والثاني وقوله (ص): خذوا عني مناسككم فمن ~~ادعى عدم وجوب شئ من أفعاله في الحجة فعليه الدليل، ولنذكر ما يحتمله ~~المختصر من فوائده ودلائله. ففيه دلالة على أن غسل الاحرام سنة للنفساء ~~والحائض ولغيرهما بالأولى، وعلى استثفار الحائض والنفساء. وعلى صحة ~~إحرامهما. وأن يكون الاحرام عقيب صلاة فرض أو نفل فإنه قد قيل: إن الركعتين ~~اللتين أهل بعدهما فريضة الفجر، وأنه يرفع صوته بالتلبية ، قال العلماء: ~~ويستحب الاقتصار على تلبية النبي ms0612 (ص) فلو زاد فلا بأس، فقد زاد عمر رضي ~~الله عنه لبيك ذا النعماء والفضل الحسن لبيك مرهوبا منك ومرغوبا إليك. وابن ~~عمر رضي الله عنهما لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل. وأنس ~~رضي الله عنه لبيك حقا حقا تعبدا ورقا. وأنه ينبغي للحاج القدوم أولا مكة ~~ليطوف طواف القدوم، وأن يستلم الركن قبل طوافه، ثم يرمل في الثلاثة الأشواط ~~الأول، والرمل: إسراع المشي مع تقارب الخطأ، وهو الخبب، ثم يمشي سريعا ~~أربعا على عادته، وأنه يأتي بعد تمام طوافه مقام إبراهيم ويتلو * (واتخذوا ~~من مقام إبراهيم مصلى) * ثم يجعل المقام بينه وبين البيت ويصلي ركعتين، وقد ~~أجمع العلماء على أنه ينبغي لكل طائف إذا طاف بالبيت أنه يصلي خلف المقام ~~ركعتي الطواف واختلفوا هل هما واجبتان أم لا فقيل بالوجوب، وقيل إن كان ~~الطواف واجبا وإلا فسنة، وهل يجبان خلف مقام إبراهيم حتما أو يجزئان في ~~غيره؟ فقيل يجبان خلفه، وقيل يندبان خلفه ولو صلاهما في الحجر أو في المسجد ~~الحرام أو في أي محل من مكة جاز وفاتته الفضيلة. وورد في القراءة فيهما في ~~الأولى بعد الفاتحة الكافرون والثانية بعدها الصمد رواه مسلم. ودل على أنه ~~يشرع له الاستلام عند الخروج من المسجد كما فعله عند الدخول، واتفقوا أن ~~الاستلام سنة، وأنه يسعى بعد الطواف، ويبدأ بالصفا ويرقى إلى أعلاه ، ويقف ~~مستقبلا القبلة ويذكر الله تعالى بهذا الذكر، ويدعو ثلاث مرات، وفي الموطأ ~~: حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى. وقد قدمنا لك أن في رواية مسلم ~~سقطا فدلت رواية الموطأ أنه يرمل في بطن الوادي، وهو الذي يقال له بين ~~الميلين وهو مشروع في كل مرة من السبعة الأشواط لا في الثلاثة الأول كما في ~~طواف القدوم بالبيت. وأنه يرقى أيضا على المروة كما رقى على الصفا ويذكر ~~ويدعو وبتمام ذلك تتم عمرته فإن حلق أو قصر صار حلالا، وهكذا فعل الصحابة ~~الذي أمرهم (ص) بفسخ الحج إلى العمرة. وأما من كان قارنا فإنه لا ms0613 يحلق ولا ~~يقصر ويبقى على إحرامه. ثم في يوم التروية - وهو ثامن ذي الحجة - يحرم من ~~أراد الحج ممن حل من عمرته ويطلق هو ومن كان قارنا إلى منى PageV02P201 # كما قال جابر: فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى أي توجه من كان باقيا ~~على إحرامه لتمام حجه ومن كان قد صار حلالا أحرم وتوجه إلى منى وتوجه صلى ~~الله عليه وسلم إليها راكبا فنزل به وصلى الصلوات الخمس. فيه أن الركوب ~~أفضل من المشي في تلك المواطن، وفي الطريق أيضا، وفيه خلاف ودليل الأفضلية ~~فعله (ص). وأن السنة أن يصلي بمنى الصلوات الخمس وأن يبيت بها هذه الليلة ~~وهي ليلة التاسع من ذي الحجة. وأن السنة ألا يخرجوا يوم عرفة من منى إلا ~~بعد طلوع الشمس. وأن السنة أن لا يدخلوا عرفات إلا بعد زوال الشمس. وأن ~~يصلوا الظهر والعصر جمعا بعرفات فإنه (ص) نزل بنمرة وليست من عرفات ولم ~~يدخل إلى الموقف إلا بعد الصلاتين، وأن لا يصلى بينهما شيئا. وأن السنة أن ~~يخطب الامام الناس قبل صلاة العصرين، وهذه إحدى الأربع الخطب المسنونة، ~~والثانية يوم السابع من ذي الحجة عند الكعبة بعد صلاة الظهر، والثالثة يوم ~~النحر، والرابعة يوم النفر الأول وهو اليوم الثاني من أيام التشريق . وفي ~~قوله: ثم ركب حتى أتى الموقف إلى آخره. (سنن وآداب) منها: أن يجعل الذهاب ~~إلى الموقف عند فراغه من الصلاتين. ومنها أن الوقوف راكبا أفضل، ومنها أن ~~يقف عند الصخرات وهي صخرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة وهو الجبل الذي بوسط ~~أرض عرفات. ومنها استقبال القبلة في الوقوف. ومنها أنه يبقى في الموقف حتى ~~تغيب الشمس ويكون في وقوفه داعيا فإنه (ص) وقف على راحلته راكبا يدعو الله ~~عز وجل وكان في دعائه رافعا يديه إلى صدره وأخبرهم أن خير الدعاء دعاء يوم ~~عرفه وذكر من دعائه في الموقف اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيرا مما نقول. ~~اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي مماتي وإليك مآبي ولك تراثي. اللهم إني ms0614 أعوذ ~~بك من عذاب القبر ووسواس الصدر وشتات الامر اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجئ ~~به الريح ذكره الترمذي. ومنها أن يدفع بعد تحقق غروب الشمس بالسكينة ويأمر ~~بها الناس إن كان مطاعا، ويضم زمام مركوبه لئلا يسرع في المشي إلا إذا أتى ~~جبلا من جبال الرمال أرخاه قليلا ليخف على مركوبه صعوده. فإذا أتى المزدلفة ~~نزل بها وصلى المغرب والعشاء جمعا بأذان واحد وإقامتين وهذا الجمع متفق ~~عليه وإنما اختلفوا في سببه فقيل: لأنه نسك وقيل: لأجل أنهم مسافرون وأنه ~~لا يصلي بينهما شيئا. وقوله: ثم اضطجع حتى طلع الفجر فيه سنن نبوية المبيت ~~بمزدلفة وهو مجمع على أنه نسك إنما اختلفوا هل هو واجب أو سنة، والأصل فيما ~~فعله (ص) في حجته الوجوب كما عرفت، وأن السنة أن يصلي الصبح بالمزدلفة ثم ~~يدفع منها بعد ذلك فيأتي المشعر الحرام فيقف به ويدعو والوقوف عنده من ~~المناسك ثم يدفع منه عند إسفار الفجر إسفارا بليغا فيأتي بطن محسر فيسرع ~~السير فيه لأنه محل غضب الله فيه على أصحاب الفيل فلا ينبغي الأناة فيه ولا ~~البقاء به، فإذا أتى الجمرة وهي جمرة العقبة نزل ببطن الوادي ورماها بسبع ~~حصيات كل حصاة كحبة الباقلا يكبر مع كل حصاة، ثم ينصرف بعد ذلك إلى المنحر ~~فينحر إن كانت عنده بدنة يريد نحوها، وأما هو (ص) فإنه PageV02P202 # نحر بيده الشريفة ثلاثا وستين بدنة وكان معه مائة بدنة فأمر عليا عليه ~~السلام بنحر باقيها ثم ركب إلى مكة فطاف طواف الإفاضة وهو الذي يقال له ~~طواف الزيارة ومن بعده يحل له كل ما حرم بالاحرام حتى وطئ النساء، وأما إذا ~~رمى جمرة العقبة ولم يطف هذا الطواف فإنه يحل له ما عدا النساء، فهذه الجمل ~~من السنن والآداب التي أفادها هذا الحديث الجليل من أفعاله صلى الله عليه ~~وسلم تبين كيفية أعمال الحج وفي كثير مما دل عليه هذا الحديث الجليل مما ~~سقناه خلاف بين العلماء كثير، في وجوبه وعدم وجوبه، وفي ms0615 لزوم الدم بتركه ~~وعدم لزومه، وفي صحة الحج إن ترك منه شيئا وعدم صحته، وقد طول بذكر ذلك في ~~الشرح، واقتصرنا على ما أفاده الحديث فالآتي بما اشتمل عليه هو الممتثل ~~لقوله صلى الله عليه وسلم: خذوا عني مناسككم والمقتدي به في أفعاله ~~وأقواله. # (وعن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه: أن النبي (ص) كان إذا فرغ من تلبيته في ~~حج أو عمرة سأل الله رضوانه والجنة واستعاذ برحمته من النار رواه الشافعي ~~بإسناد ضعيف. سقط هذا الحديث من نسخة الشارح التي وقفنا عليها فلم يتكلم ~~عليه ووجه ضعفه أن فيه: صالح بن محمد بن أبي زائدة أبو واقد الليثي ضعفوه. ~~والحديث دليل على استحباب الدعاء بعد الفراغ من كل تلبية يلبيها المحرم في ~~أي حين بهذا الدعاء ونحوه ويحتمل أن المراد بالفراغ منها انتهاء وقت ~~مشروعيتها وهو عند رمي جمرة العقبة، والأول أوضح. # (وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): نحرت هاهنا ومنى كلها ~~منحر فانحروا في رحالكم) جمع رحل وهو المنزل (ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف) ~~وحد عرفة ما خرج وادي عرفة إلى الجبال المقابلة مما يلي بني عامر (ووقفت ~~ههنا وجمع كلها موقف رواه مسلم) أفاد (ص) أنه لا يتعين على أحد نحره حيث ~~نحر، ولا وقوفه بعرفة، ولا جمع حيث وقف، بل ذلك موسع عليهم حيث نحروا في أي ~~بقعة من بقاع منى، فإنه يجزئ عنهم، وفي أي بقعة من بقاع عرفه وجمع وقفوا ~~أجزأ، وهذه زيادات في بيان التخفيف عليهم، وقد كان (ص) أفاده تقريره لمن حج ~~معه ممن لم يقف في موقفه ولم ينحر من منحره إذ من المعلوم أنه حج معه أمم ~~لا تحصى، ولا يتسع لها مكان وقوفه ونحره، هذا والدم الذي محله منى هو دم ~~القران والتمتع. والاحصار والافساد والتطوع بالهدى وأما الذي يلزم المعتمر ~~فمحله مكة وأما سائر الدماء اللازمة من الجزاءات فمحلها الحرم المحرم وفي ~~ذلك خلاف معروف. # (وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي (ص) ms0616 لما جاء إلى مكة دخلها من أعلاها ~~وخرج من أسفلها متفق عليه. هذا إخبار عن دخوله صلى الله عليه وسلم عام ~~الفتح فإنه دخلها من محل يقال له كداء بفتح الكاف والمد غير منصرف، وهي ~~الثنية التي ينزل منها إلى المعلاة مقبرة أهل مكة وكانت صعبة المرتقى ~~فسهلها معاوية ثم عبد الملك ثم المهدي ثم سهلت كلها في زمن سلطان مصر ~~المؤيد في حدود عشرين وثمانمائة، وأسفل مكة هي التثنية PageV02P203 # فلي يقال لها كدى بضم القاف والقصر عند باب الشبيكة ويقول أهل مكة: افتح ~~وادخل وضم واخرج. ووجه دخوله صلى الله عليه وسلم من الثنية العليا ما روي ~~أنه قال أبو سفيان: لا أسلم حتى الخيل تطلع من كداء فقال له العباس: ما ~~هذا؟ قال: # شئ طلع بقلبي وإن الله لا يطلع الخيل من هنالك أبدا قال العباس: فذكرت ~~أبا سفيان بذلك لما دخل رسول الله (ص) منها وعند البيهقي من حديث ابن عمر ~~قال: # قال رسول الله (ص): كيف قال حسان فأنشده شعرا: # عدمت بنيتي إن لم تروها * تثير النقع مطلعها كداء فتبسم صلى الله عليه ~~وسلم وقال: ادخلوها من حيث قال حسان. واختلف في استحباب الدخول من حيث دخل ~~(ص) والخروج من حيث خرج فقيل: يستحب وأنه يعدل إليه من لم يكن طريقه عليه، ~~وقال البعض: وإنما فعله (ص) لأنه كان على طريقه فلا يستحب لمن لم يكن كذلك. ~~وقال ابن تيمية: يشبه أن يكون ذلك والله أعلم أن الثنية العليا التي تشرف ~~على الأبطح والمقابر إذا دخل منها الانسان فإنه يأتي من وجهة البلد والكعبة ~~ويستقبلها استقبالا من غير انحراف، بخلاف الذي يدخل من الناحية السفلى، ~~لأنه يستدبر البلد والكعبة فاستحب أن يكون ما يليه منها مؤخرا لئلا يستدبر ~~وجهها. # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان لا يقدم مكة إلا بات) ليلة قدومه ~~(بذي طوى) في القاموس مثلثة الطاء وينون موضع قرب مكة (حتى يصبح ويغتسل، ~~ويذكر ذلك عن النبي (ص)) أي أنه فعله (متفق ms0617 عليه). فيه استحباب ذلك وأنه ~~يدخل مكة نهارا وهو قول الأكثر. وقال جماعة من السلف غيرهم: # الليل والنهار سواء، والنبي (ص) دخل مكة في عمرة الجعرانة ليلا. وفيه ~~دلالة على استحباب الغسل لدخول مكة. # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقبل الحجر الأسود ويسجد عليه رواه ~~الحاكم مرفوعا والبيهقي موقوفا. وحسنه أحمد، وقد رواه الأزرقي بسنده إلى ~~محمد بن عباد بن جعفر قال: رأيت ابن عباس جاء يوم التروية وعليه حلة، مرجلا ~~رأسه، فقبل الحجر الأسود وسجد عليه، ثم قبله وسجد عليه ثلاثا، رواه أبو ~~يعلى بسنده من حديث أبي داود الطيالسي عن جعفر بن عثمان المخزومي قال: رأيت ~~محمد بن عباد بن جعفر قبل الحجر وسجد عليه ، وقال: رأيت خالي ابن عباس يقبل ~~الحجر ويسجد عليه. وقال: رأيت عمر يقبل الحجر ويسجد عليه وقال: رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يفعله، وحديث عمر في صحيح مسلم: أنه قبل الحجر ~~والتزمه وقال: رأيت رسول الله (ص) بك حفيا يؤيد هذا ففيه شرعية تقبيل الحجر ~~والسجود عليه. PageV02P204 # (وعنه) أي ابن عباس رضي الله عنهما. (قال: أمرهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم) أي أصحابه الذين قدموا معه مكة في عمرة القضاء (أن يرملوا) بضم الميم ~~(ثلاثة أشواط) أي يهرولون فيها في الطواف (ويمشوا أربعا ما بين الركنين. ~~متفق عليه). # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ~~ثلاثا ومشى أربعا وفي رواية رأيت رسول الله (ص) إذا طاف في الحج أو العمرة ~~أول ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت ويمشي أربعة متفق عليه. وأصل ذلك ~~ووجه حكمته ما رواه ابن عباس قال: قدم رسول الله (ص) وأصحابه مكة، فقال ~~المشركون : إنه يقدم عليكم وفد قد وهنتهم حمى يثرب، فأمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا ما بين الركنين ~~ولم يمنعه أن يرملوا الأشواط كلها إلا الابقاء عليهم . أخرجه الشيخان، وفي ~~لفظ مسلم: إن المشركين جلسوا ms0618 مما يلي الحجر وإنهم حين رأوهم يرملون قالوا: ~~هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى وهنتهم؟ إنها لأجلد من كذا وكذا. وفي لفظ لغيره ~~إن هم إلا كالغزلان فكان هذا أصل الرمل، وسبب إغاظة المشركين ورد قولهم، ~~وكان هذا في عمرة القضاء ثم صار سنة، ففعله في حجة الوداع مع زوال سببه ~~وإسلام من في مكة وإنما لم يرملوا بين الركنين لان المشركين كانوا من ناحية ~~الحجر عند قعيقعان فلم يكونوا يرون من بين الركنين. وفيه دليل على أنه لا ~~بأس بقصد إغاظة الأعداء بالعبادة وأنه لا ينافي إخلاص العمل بل هو إضافة ~~طاعة إلى طاعة وقد قال تعالى: * (ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به ~~عمل صالح) *. # (وعنه) أي ابن عباس رضي الله عنهما (قال: لم أر رسول الله (ص) يستلم من ~~البيت غير الركنين اليمانيين. رواه مسلم). اعلم أن للبيت أربعة أركان: ~~الركن الأسود ثم اليماني، ويقال لهما: اليمانيان بتخفيف الياء وقد تشدد ~~وإنما قيل لهما اليمانيا تغليبا كالأبوين والقريتين، والركنان الآخران يقال ~~لهما: الشاميان وفي الركن الأسود فضيلتان كونه على قواعد إبراهيم عليه ~~السلام والثانية كونه فيه الحجر وأما اليماني ففيه فضيلة كونه على قواعد ~~إبراهيم، وأما الشاميان فليس فيهما شئ من هاتين الفضيلتين فلهذا خص الأسود ~~بسنتي التقبيل والاستلام للفضيلتين، وأما اليماني فيستلمه من يطوف ولا ~~يقبله لان فيه فضيلة واحدة. # واتفقت الأمة على استحباب استلام الركنين اليمانيين، واتفق الجماهير على ~~أنه لا يمسح الطائف الركنين الآخرين. قال القاضي: وكان فيه أي في استلام ~~الركنين الآخرين خلاف لبعض الصحابة والتابعين وانقرض الخلاف وأجمعوا على ~~أنهما لا يستلمان وعليه حديث الباب. # (وعن عمر رضي الله عنه: أنه قبل الحجر وقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا ~~تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله (ص) يقبلك ما قبلتك متفق عليه. وأخرج مسلم ~~من حديث سويد بن غفلة أنه قال: رأيت عمر قبل الحجر والتزمه وقال: رأيت رسول ~~الله (ص) بك حفيا. وأخرج البخاري بسنده إلى الزبير بن عربي ms0619 قال: سأل رجل ~~ابن عمر رضي الله عنهما عن استلام الحجر فقال: رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يستلمه ويقبله قال: أرأيت إن غلبت؟ فقال: ويح أرأيت باليمن رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله. وروى الأزرقي PageV02P205 # حديث عمر بزيادة وأنه قال له علي عليه السلام: بلى يا أمير المؤمنين هو ~~يضر وينفع قال: وأين ذلك؟ قال: في كتاب الله قال: وأين ذلك من كتاب الله عز ~~وجل؟ قال: # قال الله: * (وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على ~~أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا، قال: فلما خلق الله آدم مسح ظهره فأخرج ~~ذريته من صلبه فقررهم أنه الرب وهم العبيد ثم كتب ميثاقهم في رق وكان لهذا ~~الحجر عينان ولسان فقال له: افتح فاك فألقمه ذلك الرق وجعله في هذا الموضع، ~~وقال: تشهد لمن وافاك بالايمان يوم القيامة ، قال الراوي: فقال عمر: أعوذ ~~بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن. قال الطبري: إنما قال ذلك عمر ~~لان الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام فخشى عمر أن يفهموا أن تقبيل ~~الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار كما كانت العرب تفعل في الجاهلية فأراد عمر ~~أن يعلم الناس أن استلامه ابتاع لفعل رسول الله (ص) لا لان الحجر ينفع ويضر ~~بذاته كما كانت الجاهلية تعتقده في الأوثان. # (وعن أبي الطفيل قال: رأيت رسول الله (ص) يطوف بالبيت ويستلم الركن ~~بمحجن) هي عصا محنية الرأس، (معه ويقبل المحجن. رواه مسلم)، وأخرج الترمذي ~~وغيره وحسنه من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله (ص): يأتي هذا الحجر يوم ~~القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد لمن استلمه بحق، وروي ~~الأزرقي بإسناد صحيح من حديث ابن عباس، قال: إن هذا الركن يمين الله عز وجل ~~في الأرض يصافح بها خلقه، والذي نفس ابن عباس بيده ما من امرئ مسلم يسأل ~~الله عنده شيئا إلا أعطاه إياه. وحديث أبي الطفيل دال أنه يجزئ عن ms0620 استلامه ~~باليد استلامه بآلة ويقبل الآلة كالمحجن والعصا، وكذلك إذا استلمه بيده قبل ~~يده، فقد روى الشافعي: أنه قال ابن حريج لعطاء هل رأيت أحدا من أصحاب رسول ~~الله (ص) إذا استلموا قبلوا أيديهم قال: نعم رأيت جابر بن عبد الله وابن ~~عمر وأبا سعيد وأبا هريرة إذا استملوا قبلوا أيديهم، فإن لم يمكن استلامه ~~لأجل الزحمة قام حياله ورفع يده وكبر لما روي أنه (ص) قال: يا عمر إنك رجل ~~قوي لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعفاء إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله ~~وهلل وكير رواه أحمد والأزرقي، وإذا أشار بيده فلا يقبلها لأنه لا يقبل إلا ~~الحجر أو ما مس الحجر. PageV02P206 # (وعن يعلى بن أمية رضي الله عنه قال: طاف النبي (ص) مضطبعا ببرد أخضر. ~~رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي) الاضطباع افتعال من الضبع وهو ~~العضو ويمسى التأبط لأنه يجعل وسط الرداء تحت الإبط وبيدي ضبعه الأيمن وقيل ~~بيدي ضبعيه، وفي النهاية هو أن يأخذ الإزار أو البر ويجعله تحت إبطه الأيمن ~~ويلقي طرفيه على كتفه الأيسر من جهتي صدره وظهره. وأخرج أبو داود عن ابن ~~عباس: اضطبع فكبر واستلم وكبر ثم رمل ثلاثة أطواف كانوا إذا بلغوا الركن ~~اليماني وتغيبوا من قريش مشوا ثم يطلعون عليهم يرملون تقول قريش كأنهم ~~الغزلان، قال ابن عباس: فكانت سنة وأول ما اضطبعوا في عمرة القضاء ~~ليستعينوا بذلك على الرمل ليرى المشركون قوتهم ثم صار سنة ويضطبع في ~~الأشواط السبعة، فإذا قضى طوافه ثوى ثيابه ولم يضطبع في ركعتي الطواف وقيل ~~: في الثلاثة الأولى غير. # (وعن أنس رضي الله عنه قال: كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه ويكبر منا ~~المكبر فلا ينكر عليه. متفق عليه) تقدم أن الاهلال رفع الصوت بالتلبية وأول ~~وقته من حيه الاحرام إلى الشروع في الاحلال وهو في الحج إلى أن يأخذ في رمي ~~جمرة العقبة وفي العمرة إلى الطواف. ودل الحديث على أنه من كبر مكان ~~التلبية فلا نكير عليه بل هو سنة لأنه ms0621 يريد أنس أنهم كانوا يفعلون ذلك ~~ورسول الله (ص) فيهم فيقر كلا على ما قاله إلا أن الحديث ورد في صفة غدوهم ~~من منى إلى عرفات وفيه رد على من قال: يقطع التلبية بعد صبح يوم عرفة. # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بعثني النبي (ص) في الثقل) بفتح ~~المثلثة وفتح القاف وهو متاع المسافر كما في النهاية (أو قال في الضعفة) شك ~~من الراوي (من جمع) بفتح الجيم وسكون الميم علم المزدلفة سميت به لان آدم ~~وحواء لما أهبطا اجتمعا بها كما في النهاية (بدليل). وقد علم أن من السنة ~~أنه لا بد من المبيت بجمع، وأنه لا يفيض من بات بها إلا بعد صلاة الفجر بها ~~ثم يقف في المشعر الحرام ولا يدفع منه إلا يعد إسفار الفجر جدا ويدفع قبل ~~طلوع الشمس وقد كانت الجاهلية لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس ويقولون: ~~أشرف ثبير كيما نغير فخالفهم (ص) إلا أن حديث ابن عباس هذا ونحوه دل على ~~الرخصة للضعفة في عدم استكمال المبيت. والنساء كالضعفة أيضا لحديث أسماء ~~بنت أبي بكر رضي الله عنهما أن رسول الله (ص) أذن للظعن بضم الظاء والعين ~~المهملة وسكونها جمع ظعينة وهي المرأة في الهودج ثم أطلق على المرأة وعلى ~~الهودج بلا امرأة كما في النهاية. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: استأذنت سودة رسول الله (ص) ليلة ~~المزدلفة أن تدفع قبله وكانت ثبطة) بفتح المثلثة وسكون الموحدة فسرها قوله: ~~(تعني ثقيلة فأذن لها. متفق عليه) على حديث ابن عباس وعائشة. وفيه دليل على ~~جواز الدفع PageV02P207 # من مزدلفة قبل الفجر ولكن للعذر كما أفاده قولها: وكانت ثبطة وجمهور ~~العلماء أنه يجب المبيت بمزدلفة ويلزم من تركه دم. وذهب آخرون إلى أنه سنة ~~إن تركه فاتته الفضيلة ولا إثم عليه ولا دم ويبيت أكثر الليل، وقيل: ساعة ~~من النصف الثاني، وقيل غير ذلك والذي فعله (ص) المبيت بها إلى أن صلى ~~الفجر، وقد قال: خذوا عني مناسككم. # (وعن ابن عباس ms0622 رضي الله عنهما قال: قال لنا رسول الله (ص) : لا ترموا ~~الجمرة حتى تطلع الشمس رواه الخمسة إلا النسائي وفيه انقطاع) وذلك لان فيه ~~الحسن العرني بجلي كوفي ثقة احتج به مسلم واستشهد به البخاري غير أن حديثه ~~عن ابن عباس منقطع، قال أحمد: الحسن العرني لم يسمع من ابن عباس. وفيه دليل ~~على أن وقت رمي جمرة العقبة من بعد طلوع الشمس وإن كان الرامي ممن أبيح له ~~التقدم إلى منى وأذن له في عدم المبيت بمزدلفة. وفي المسألة أربعة أقوال: ~~الأول: جواز الرمي من بعد نصف الليل للقادر والعاجز، قاله أحمد والشافعي. ~~الثاني: لا يجوز إلا بعد الفجر مطلقا وهو قول أبي حنيفة. الثالث: لا يجوز ~~للقادر إلا بعد طلوع الفجر ولمن له عذر بعد نصف الليل وهو قول الهادوية. ~~والرابع: للثوري والنخعي أنه من بعد طلوع الشمس للقادر وهذا أقوى الأقوال ~~دليلا وأرجحها قيلا. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أرسل النبي (ص) بأم سلمة ليلة النحر فرمت ~~الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت. رواه أبو داود وإسناده على شرط مسلم) ~~الحديث دليل على جواز الرمي قبل الفجر لأن الظاهر أنه لا يخفى عليه (ص) ~~ذلك، فقرره وقد عارضه حديث ابن عباس وجمع بينهما بأنه لا يجوز الرمي قبل ~~الفجر لمن له عذر، وكان ابن عباس لا عذر له، وهذا قول الهادوية فإنهم ~~يقولون: لا يجوز الرمي للقادر إلا بعد الفجر ويجوز لغيره من بعد نصف الليل ~~إلا أنهم أجازوا للقادر قبل طلوع الشمس. وقد ذهب الشافعي إلى جواز الرمي من ~~بعد نصف الليل للقادر والعاجز، وقال آخرون: إنه لا رمي إلا من بعد طلوع ~~الشمس للقادر وهو الذي يدل له فعله (ص)، وقوله في حديث ابن عباس المتقدم ~~قريبا وهو وإن كان فيه انقطاع فقد عضده فعله مع قوله: خذوا عني الحديث، وقد ~~تقدمت أقوال العلماء في ذلك. # (وعن عروة بن مضرس) بضم الميم وتشديد الراء وبالضاد المعجمة والسين ~~المهملة كوفي شهد حجة الوداع، وصدر حديثه ms0623 أنه قال: أتيت رسول الله (ص) ~~بالموقف يعني جمعا فقلت: جئت يا رسول الله (ص) من جبل طئ فأكلت مطيتي ~~وأتعبت نفسي والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟، ثم ذكر ~~الحديث، (قال: قال رسول الله (ص): من شهد صلاتنا هذه) يعني صلاة الفجر (هذه ~~يعني بالمزدلفة فوقف معنا) أي في مزدلفة، (حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ~~ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن خزيمة) ~~فيه دلالة على أنه لا يتم الحجة إلا بشهود صلاة الفجر بمزدلفة والوقوف بها ~~حتى يدفع PageV02P208 # الامام وقد وقف بعرفة قبل ذلك في ليل أو نهار. ودل على إجزاء الوقوف ~~بعرفة في نهار يوم عرفة إذا كان من بعد الزوال أو في ليلة الأضحى، وأنه إذا ~~فعل ذلك فقد قضى تفثه وهو قضاء المناسك وقيل إذهاب الشعر ومفهوم الشرط أن ~~من لم يفعل ذلك لم يتم حجه ، فأما الوقوف بعرفة فإنه مجمع عليه، وأما ~~بمزدلفة، فذهب الجمهور إلى أنه يتم الحج وإن فاته ويلزم فيه دم. وذهب ابن ~~عباس وجماعة من السلف إلى أنه ركن كعرفة وهذا المفهوم دليله ويدل له روايته ~~النسائي: ومن لم يدرك جمعا فلا حج له. وقوله تعالى: * (فاذكروا الله عند ~~المشعر الحرام) * * (فإن ذكروا الله عند المشعر الحرام) * وفعله (ص)، ~~وقوله: خذوا عني مناسككم. وأجاب الجمهور بأن المراد من حديث عروة من فعل ~~جميع ما ذكر فقد تم حجة وأتى بالكامل من الحج ويدل له ما أخرجه أحمد وأهل ~~السنن وابن حبان والحاكم والدار قطني والبيهقي: أنه أتاه (ص) وهو واقف ~~بعرفات ناس من أهل نجد فقالوا: كيف الحج؟ فقال: الحج عرفة من جاء قبل صلاة ~~الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه وفي رواية لأبي داود من أدرك عرفة قبل أن ~~يطلع الفجر فقد أدرك الحج ومن رواية الدارقطني الحج عرفة، الحج عرفة قالوا: ~~فهذا صحيح في المراد وأجابوا عن زيادة ومن لم يدرك جمعا فلا ms0624 حج له ~~باحتمالها التأويل أي فلا حج كامل الفضيلة وبأنها رواية أنكرها أبو جعفر ~~العقيلي وألف في إنكاره جزءا. وعن الآية أنها لا تدل إلا على الامر بالذكر ~~عند المشعر لا على أنه ركن وبأنه فعله صلى الله عليه وسلم بيانا للواجب ~~المستكمل الفضيلة. # (وعن عمر رضي الله عنه قال: إن المشركين كانوا لا يفيضون) أي من مزدلفة ~~(حتى تطلع الشمس ويقولون: أشرق) بفتح الهمزة فعل أمر من الاشراق أي أدخل في ~~الشروق (ثبير) بفتح المثلثة وكسر الموحدة فمثناة تحتية فراء جبل معروف على ~~يسار الذاهب إلى منى وهو أعظم جبال مكة (وأن النبي (ص) خالفهم ثم أفاض قبل ~~أن تطلع الشمس. # رواه البخاري) وفي رواية بزيادة كيما نغير أخرجها الإسماعيلي ومثله ابن ~~ماجة وهو من الإغارة الاسراع في عدو الفرس. وفيه أنه يشرع الدفع وهو ~~الإفاضة قبل شروق الشمس وتقدم حديث جابر حتى أسفر جدا. # (وعن ابن عباس وأسامة بن زيد رضي الله عنهم قالا: لم يزل للنبي (ص) يلبي ~~حتى رمى جمرة العقبة رواه البخاري. فيه دليل على مشروعية الاستمرار في ~~التلبية إلى يوم النحر حتى يرمي الجمرة. وهل يقطعه عند الرمي بأول حصاة أو ~~مع فراغه منها؟ # ذهب الجمهور إلى الأول وأحمد إلى الثاني ودل له ما رواه النسائي فلم يزل ~~يلبي حتى رمي الجمرة فلما رجع قطع التلبية وما رواه أيضا ابن خزيمة وقال: ~~حديث صحيح من حديث ابن عباس عن الفضل أنه قال: أفضت مع رسول الله (ص) من ~~عرفات فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة ويكبر مع كل حصاة ثم قطع التلبية ~~مع آخر حصاة وهو يبين المراد من قوله: حتى رمى الجمرة العقبة أي أتم رميها ~~وللعلماء خلاف حتى يقطع التلبية؟ وهذه الأحاديث قد بينت وقت تركه (ص) لها. ~~PageV02P209 # (وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه جعل البيت عن يساره) عند رميه ~~جمرة العقبة (ومنى عن يمينه ورمى الجمرة بسبع حصيات وقال: هذا مقام الذي ~~أنزلت عليه سورة البقرة. متفق ms0625 عليه). قام الاجماع على أن هذه الكيفية ليست ~~بواجبة وإنما هي مستحبة وهذا قاله ابن مسعود ردا على من يرميها من فوقها. ~~واتفقوا أن سائر الجمار ترمى من فوقها. وخص سورة البقرة بالذكر لان غالب ~~أعمال الحج مذكور فيها أو لأنها اشتملت على أكثر أمور الديانات والمعاملات، ~~وفيه جواز أن يقال سورة البقرة خلافا لمن قال: يكره ولا دليل له. # (وعن جابر رضي الله عنه قال: رمى رسول الله (ص) الجمرة يوم النحر ضحى ~~وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس رواه مسلم. تقدم الكلام على وقت رمي جمرة ~~العقبة. والحديث دليل على أن وقت رمي الثلاث الجمار من بعد زوال الشمس وهو ~~قول جماهير العلماء. # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يرمي الجمرة الدنيا) بضم الدال ~~وبكسرها أي الدانية إلى مسجد الخيف وهي أول الجمرات التي ترمى ثاني النحر ~~(بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم حتى يسهل) بضم حرف المضارعة ~~وسكون المهملة أي يقصد السهل من الأرض (فيقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلا ~~ويدعو ويرفع يديه ثم يرمي الوسطى ثم يأخذ ذات الشمال) أي يمشي إلى جهة ~~شماله ليقف داعيا في مقام لا يصيبه الرمي (فيسهل ويقوم مستقبل القبلة فيقوم ~~طويلا ويدعو ويرفع يديه ويقوم طويلا ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي ~~ولا يقف عندها ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يفعل. رواه البخاري). فيه ما قد دلت عليه الأدلة الماضية: من الرمي بسبع ~~حصيات لكل جمرة، والتكبير عند كل حصاة، وفيه زيادة أنه يستقبل القبلة بعد ~~الرمي للجمرتين. ويقوم طويلا يدعو الله تعالى، وقد فسر مقدار القيام ما ~~أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أن ابن عمر كان يقوم عند الجمرتين بمقدار ~~ما يقرأ سورة البقرة وأنه يرفع يديه عند الدعاء قال ابن قدامة: ولا نعلم في ~~ذلك خلافا إلا ما يروى عن مالك أنه لا يرفع يديه عند الدعاء وحديث ابن عمر ~~دليل لخلاف ما قال مالك. ms0626 # (وعنه) أي ابن عمر (رضي الله عنهما أن رسول الله (ص) قال: # اللهم ارحم المحلقين أي الذين حلقوا رؤوسهم في حج أو عمرة عند الاحلال ~~منها (قالوا) يعني السامعين من الصحابة، قال المصنف في الفتح: إن لم يقف في ~~شئ من الطرق على الذي تولى السؤال بعد البحث الشديد عنه (والمقصرين) هو من ~~عطف التلقين كما في قوله تعالى: * (قال ومن كفر) * في أحد الوجهين في الآية ~~كأنه قيل: وارحم المقصرين (يا رسول الله؟ قال: في الثالث والمقصرين متفق ~~عليه) وظاهره أنه دعا للمحلقين مرتين وعطف المقصرين في الثالثة وفي روايات ~~أنه دعا للمحلقين ثلاثا ثم عطف المقصرين . ثم إنه اختلف في هذا الدعاء متى ~~كان منه صلى الله عليه وسلم، فقيل: في عمرة الحديبية PageV02P210 # ، وجزم به إمام الحرمين. وقيل: في حجة الوداع، الموضعين، قال النووي ~~وقال: هو الصحيح المشهور وقال القاضي عياض: كان في الموضعين، قال النووي: ~~ولا يبعد ذلك، وبمثله قال ابن دقيق العيد، قال المصنف: وهذا هو المتعين ~~لتضافر الروايات بذلك. والحديث دليل على شرعية الحلق والتقصير وأن الحلق ~~أفضل. هذا ويجب في حلق الرأس استكمال حلقه عند الهادوية ومالك وأحمد وقيل: ~~هو الأفضل ويجزئ الأقل فقيل: الربع وقيل : النصف، وقيل: أقل ما يجب حلق ~~ثلاث شعرات، وقيل: شعرة واحدة، والخلاف في التقصير في التفضيل مثل هذا، ~~وأما مقداره فيكون مقدار أنملة وقيل إذا اقتصر على دونها أجزأ وهذا كله في ~~حق الرجال. ثم هو أي تفضيل الحلق على التقصير أيضا في حق الحاج والمعتمر ~~وأما المتمتع فإنه (ص) خيره بين الحلق والتقصير كما في رواية البخاري بلفظ ~~ثم يحلقوا أو يقصروا. وظاهر الحديث استواء الامرين في حق المتمتع وفصل ~~المصنف في الفتح فقال: إن كان بحيث يطلع شعره فالأولى له الحق وإلا ~~فالتقصير ليقع الحلق في الحج وبين وجه التفصيل في الفتح. وأما النساء ~~فالمشروع في حقهن التقصير إجماعا ، وأخرج أبو داود من حديث ابن عباس ليس ~~على النساء حلق وإنما على النساء التقصير وأخرج الترمذي ms0627 من حديث علي عليه ~~السلام نهى أن تحلق المرأة رأسها وهل يجزئ لو حلقت قال بعض الشافعية يجزي ~~ويكره لها ذلك. # (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقف في حجة الوداع) أي يوم النحر بعد الزوال وهو على راحلته يخطب ~~عند الجمرة (فجعلوا يسألونه فقال رجل:) قال المصنف: لم أقف على اسمه بعد ~~البحث الشديد (لم أشعر) أي لم أفطن ولم أعلم (فحلقت قبل أن أذبح قال: اذبح) ~~أي الهدي، والذبح ما يكون في الحلق (ولا حرج) أي لا إثم (فجاء آخر فقال: لم ~~أشعر فنحرت) النحر ما يكون في اللبة (قبل أن أرمي) جمرة العقبة (قال: ارم ~~ولا حرج فما سئل يومئذ عن شئ قدم ولا أخر إلا قال افعل ولا حرج متفق عليه). ~~اعلم أن الوظائف على الحاج يوم النحر أربع: الرمي لجمرة العقبة، ثم نحر ~~الهدي أو ذبحه، ثم الحلق والتقصير، ثم طواف الإفاضة هذا هو الترتيب المشروع ~~فيها وهكذا فعل (ص) في حجته، ففي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم أتى منى ~~فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى فنحر وقال الحالق: خذه ولا نزاع في ~~هذا للحاج مطلقا ونازع بعض الفقهاء في القارن فقال: # لا يحلق حتى يطوف. والحديث دليل على أنه يجوز تقديم بعض هذه الأشياء ~~وتأخيرها وأنه لا ضيق ولا إثم على من قدم أو أخر. فاختلف العلماء في ذلك. ~~فذهب الشافعي وجمهور السلف وفقهاء أصحاب الحديث والعلماء إلى الجواز وأنه ~~لا يجب الدم على من فعل ذلك لقوله للسائل ولا حرج فإنه ظاهر في نفي الاثم ~~والفدية معا لان اسم الضيق يشملهما قال الطبري: لم يسقط النبي صلى الله ~~عليه وسلم الحرج إلا وقد أجزأ الفعل إذ لو لم يجزئه لامره بالإعادة لان ~~الجهل والنسيان لا يضعان عن المكلف الحكم الذي يلزمه في الحج كما لو ترك ~~PageV02P211 # الرمي ونحوه فإنه لا يأثم بتركه ناسيا أو جاهلا لكن يجب عليه الإعادة، ~~وأما ms0628 الفدية فالأظهر سقوطها على الناسي والجاهل وعدم سقوطها عن العالم. قال ~~ابن دقيق العيد: القول بسقوط الدم عن الجاهل والناسي دون العامد قوي من جهة ~~أن الدليل دل على وجوب اتباع أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في الحج بقول: ~~خذوا عني مناسككم وهذه السؤالات المرخصة بالتقديم لما وقع السؤال عنه إنما ~~قرنت بقول السائل لم أشعر فيختص الحكم بهذه الحالة ويحمل قوله لا حرج على ~~نفي الاثم والدم معا في الناسي والجاهل ويبقى العامد على أصل وجوب اتباع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم في الحج، والقائل بالتفرقة بين العامد وغيره قد ~~مشى أيضا على القاعدة في أن الحكم إذا رتب على وصف يمكن بأن يكون معتبرا لم ~~يجز اطراحه، ولا شك أن عدم الشعور وصف مناسب لعدم التكليف والمؤاخذة، ~~والحكم علق به فلا يمكن اطراحه بإلحاق العامد به إذ لا يساويه. قال: وأما ~~التمسك بقول الراوي: فما سئل عن شئ إلى آخره لاشعاره بأن الترتيب مطلقا غير ~~مراعى فجوابه أن هذه الأخبار من الراوي تتعلق بما وقع السؤال عنه وهو مطلق ~~بالنسبة إلى حال السائل والمطلق لا يدل على أحد الخاصين بعينه فلا تبقى حجة ~~في حال العمد. # (وعن المسور) بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو فراء (ابن مخرمة رضي ~~الله عنه) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء زهري قرشي مات النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان سنين وسمع منه وحفظ عنه انتقل من المدينة ~~بعد قتل عثمان إلى مكة ولم يزل بها إلى أن حاصرها عسكر يزيد فقتله حجر من ~~حجارة المنجنيق وهو يصلي في أول سنة أربع وستين وكان من أهل الفضل والدين ~~(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك. رواه ~~البخاري). فيه دلالة على تقديم النحر قبل الحلق وتقدم قريبا أن المشروع ~~تقديم الحلق قبل الذبح فقيل حديث المسور هذا إنما هو إخبار عن فعله (ص) في ~~عمرة الحديبية حيث أحصر فتحلل (ص) بالذبح. وقد بوب ms0629 عليه البخاري: باب النحر ~~قبل الحلق في الحصر وأشار البخاري إلى أن هذا الترتيب يختص بالمحصر على جهة ~~الوجوب فإنه أخرجه بمعناه هذا وقد أخرجه بطوله في كتاب الشروط وفيه أنه قال ~~لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا وفيه قول أم سلمة له صلى الله عليه وسلم ~~اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك فخرج فنحر بدنه ثم دعا حالقه ~~فحلقه الحديث وكان الأحسن تأخير المصنف له إلى باب الاحصار. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله (ص): إذا رميتم وحلقتم فقد ~~حل لكم الطيب وكل شئ إلا النساء رواه أحمد وأبو داود وفي إسناده ضعف. لأنه ~~من رواية الحجاج بن أرطأة وله طرق أخر مدارها عليه. وهو يدل على أنه بمجموع ~~الامرين رمي جمرة العقبة والحلق يحل كل محرم على المحرم إلا النساء فلا يحل ~~وطؤهن إلا بعد طواف الإفاضة والظاهر أنه مجمع على حل الطيب وغيره إلا الوطئ ~~بعد الرمي وإن لم يحلق. PageV02P212 # وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي (ص) قال: ليس على النساء حلو إنما ~~يقصرن رواه أبو داود بإسناد حسن. تقدم ذكر هذا الحكم في الشرح وأنه ليس في ~~حقهن، فإن حلقن أجزأ. # (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه ~~استأذن رسول الله (ص) أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته) وهي ماء زمزم ~~فإنهم كانوا يغترفونه بالليل ويجعلونه في الحياض سبيلا (فأذن له. متفق ~~عليه). فيه دليل على أنه يجب المبيت بمنى ليلة ثاني النحر وثالثه إلا لمن ~~له عذر، وهذا يروى عن أحمد. والحنفية قالت: إنه سنة. قيل: إنه يختص هذا ~~الحكم بالعباس دون غيره، وقيل: بل وبمن يحتاج إليه في سقايته وهو الأظهر، ~~لأنه لا يتم له وحده إعداد الماء للشاربين، وهل يختص بالماء أو يلحق به ما ~~في معناه من الأكل وغيره وكذا حفظ ماله وعلاج مريضه وهذا الالحاق رأي ~~الشافعي ويدل للالحاق الحديث وهو قوله: # (وعن عاصم ms0630 بن عدي رضي الله عنه) هو أبو عبد الله أو عمر أو عمرو حليف بني ~~عبيد بن زيد من بني عمرو بن عوف من الأنصار شهد بدرا والمشاهد بعدها، وقيل: ~~لم يشهد بدرا وإنما أخرج إليها معه (ص) فرده إلى أهل مسجد الضرار لشئ بلغه ~~عنهم وضرب له سهمه وأجره فكان كمن شهدها. مات سنة خمس وأربعين، وقيل : ~~استشهد يوم اليمامة وقد بلغ مائة وعشرين سنة (أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى يرمون يوم النحر) جمرة العقبة ثم ~~ينفرون ولا يبيتون بمنى (ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين) أي يرمون ~~اليوم الثالث لذلك اليوم واليوم الذي فاتهم الرمي فيه وهو اليوم الثاني (ثم ~~يرمون يوم النفر) أي اليوم الرابع إن لم يتعجلوا (رواه الخمسة وصححه ~~الترمذي وابن حبان) . فإن فيه دليلا على أنه يجوز لأهل الاعذار عدم المبيت ~~بمنى وأنه غير خاص بالعباس ولا بسقايته وأنه لو أحدث سقاية جاز له ما جاز ~~لأهل سقاية زمزم. # (وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله (ص) يوم النحر الحديث، ~~متفق عليه. فيه شرعية الخطبة يوم النحر وليست خطبة العيد فإنه (ص) لم يصل ~~العيد في حجته ولا خطب خطبته. # واعلم أن الخطب المشروعات في الحج ثلاث عند المالكية والحنفية: الأولى: ~~سابع ذي الحجة، والثانية: يوم عرفة، والثالثة: ثاني النحر. وزاد الشافعي ~~رابعة في يوم النحر وجعل الثالثة في ثالث النحر لا في ثانية، قال: لأنه أول ~~النفر. وقالت المالكية والحنفية: إن خطبة يوم النحر لا تعد خطبة إنما هي ~~وصايا عامة، لأنها مشروعة في الحج. ورد عليهم بأن الصحابة سموها خطبة، ~~وبأنها اشتملت على مقاصد الخطبة كما أفاده لفظها وهو قوله : تدرون أي يوم ~~هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم: فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال: ~~أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى، قال: أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت ~~حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس ذي الحجة؟ ms0631 قلنا: بلى، قال: أي ~~بلد هذا؟ قلنا PageV02P213 # : الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال: أليست ~~البلدة الحرام؟ # قلنا: بلى: قال: فإن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في ~~شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: ~~اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع فلا ترجعوا بعدي ~~كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض . أخرجه البخاري. فاشتمل الحديث على تعظيم البلد ~~الحرام ويوم النحر وشهر ذي الحجة والنهي عن الدماء والأموال، والنهي عن ~~رجوعهم كفارا، وعن قتالهم بعضهم بعضا، والامر بالابلاغ عنه، وهذه من مقاصد ~~الخطب ويدل على شرعية خطبة ثاني يوم النحر. # (وعن سراء) بفتح المهملة وتشديد الراء ممدودة (بنت نبهان رضي الله عنها) ~~بفتح النون وسكون الموحدة (قالت: خطبنا رسول الله (ص) يوم الرؤوس فقال: ~~أليس هذا أوسط أيام التشريق؟ الحديث رواه أبو داود بإسناد حسن) وهذه هي ~~الخطبة الرابعة، ويوم الرؤوس ثاني يوم النحر بالاتفاق. وقوله: أوسط أيام ~~التشريق يحتمل أفضلها ويحتمل الأوسط بين الطرفين. وفيه دليل على أن يوم ~~النحر منها. ولفظ حديث السراء قالت: سمعت رسول الله (ص) يقول: أتدرون أي ~~يوم هذا - قالت: وهو اليوم الذي يدعونه يوم الرؤوس - قالوا: الله ورسوله ~~أعلم قال: هذا أوسط أيام التشريق قال: أتدرون أي بلد هذا؟ قالوا: الله ~~ورسوله أعلم، قال: هذا المشعر الحرام قال: # إني لا أدري لعلى لا ألقاكم بعد عامي هذا ألا وإن دمائكم وأموالكم ~~وأعراضكم عليكم حرام كحرمة بلدكم هذا حتى تلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ~~ألا فليبلغ أدناكم أقصاكم ألا هل بلغت فلما قدمنا المدينة لم يلبث إلا ~~قليلا حتى مات. # (وعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي (ص) قال لها: طوافك بالبيت وسعيك بين ~~الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك رواه مسلم. فيه دليل على أن القارن يكفيه ~~طواف واحد وسعي واحد للحج والعمرة وإليه ذهب جماعة من الصحابة والشافعي ~~وغيره . وذهبت الهادوية والحنفية إلى أنه لا بد من طوافين ms0632 وسعيين فالأحاديث ~~متواردة على معنى حديث عائشة عن ابن عمر وجابر وغيرهما. واستدل من قال ~~بالطوافين بقوله تعالى: * (وأتموا الحج والعمرة لله) * ولا دليل في ذلك، ~~فإن التمام حاصل وإن لم يطف إلا طوافا واحدا، وقد اكتفى (ص) بطواف وسعي ~~واحد وكان قارنا كما هو الحق، واستدلوا أيضا بحديث رواه زياد بن مالك قال ~~في الميزان: زياد بن مالك عن ابن مسعود ليس بحجة، وقال البخاري: لا يعرف له ~~سماع من عبد الله وعنه روي حديث القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين. واعلم أن ~~عائشة كانت قد أهلت بعمرة ولكنها حاضت فقال له رسول الله (ص) : ارفضي عمرتك ~~قال النووي: معنى رفضها إياها رفض العمل فيها وإتمام أعمالها التي هي ~~الطواف والسعي وتقصير شعر الرأس فأمرها (ص) بالاعراض عن أفعال العمرة وأن ~~تحرم بالحج، فتصير قارنة وتقف بعرفات، وتفعل المناسك كلها، إلا الطواف ~~فتؤخره حتى تطهر. وهي أدلة أنها صارت قارنة قوله صلى الله عليه وسلم لها: ~~طوافك PageV02P214 # بالبيت الحديث فإنه صريح أنها كانت متلبسة بحج وعمرة ويتعين تأويل قوله ~~صلى الله عليه وسلم: ارفضي عمرتك بما ذكره النووي، فليس معنى ارفضي العمرة ~~الخروج منها وإبطالها بالكلية فإن الحج والعمرة لا يصح الخروج منهما بعد ~~الاحرام بهما بنية الخروج ، وإنما يصح بالتحلل منهما بعد فراغهما. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي (ص) لم يرمل في السبع الذي أفاض ~~فيه رواه الخمسة إلا الترمذي وصححه الحاكم. فيه دليل أنه لا يشرع الرمل ~~الذي سلفت مشروعيته في طواف القدوم في طواف الزيارة وعليه الجمهور. # (وعن أنس رضي الله عنه: أن النبي (ص) صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ~~ثم رقد رقدة بالمحصب). بالمهملتين فموحدة بزنة مكرم اسم مفعول: الشعب الذي ~~مخرجه إلى الأبطح وهو خيف بني كنانة (ثم ركب إلى البيت فطاف به) أي طواف ~~الوداع (رواه البخاري) وكان ذلك يوم النحر الآخر وهو ثالث أيام التشريق ~~فإنه (ص) رمى الجمار يوم النحر بعد الظهر وأخر صلاة الظهر حتى وصل المحصب ~~ثم ms0633 صلى الصلوات فيه كما ذكر. واختلف السلف والخلف هل التحصيب سنة أم لا؟ ~~فقيل : سنة. وقيل: لا، إنما هو منزل نزله النبي (ص) وقد فعله الخلفاء بعده ~~تأسيا به (ص). وذهب ابن عباس إلى أنه ليس من المناسك المستحبة، وإلى مثله ~~ذهبت عائشة كما دل له الحديث وهو قوله. # (وعن عائشة رضي الله عنها أنها لم تكن تفعل ذلك: أي النزول بالأبطح، ~~وتقول : إنما نزله رسول الله (ص) لأنه كان منزلا أسمح لخروجه رواه مسلم. أي ~~أسهل لخروجه من مكة راجعا إلى المدينة، قيل: والحكمة في نزوله فيه إظهار ~~نعمة الله باعتزاز دينه ، وإظهار كلمته، وظهوره على الدين كله، فإن هذا ~~المحل هو الذي تقاسمت فيه قريش على قطيعة بني هاشم وكتبوا صحيفة القطيعة في ~~القصة المعروفة. وإذا كانت الحكمة هي هذه فهي نعمة عل الأمة أجمعين فينبغي ~~نزوله لمن حج من الأمة إلى يوم الدين. # (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال أمر) بضم الهمزة (الناس) نائب الفاعل ~~(أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض. متفق عليه) الآمر للناس ~~هو النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك المخفف عن الحائض، وغير الراوي الصيغة، ~~للعلم بالفاعل ، وقد أخرجه مسلم وأحمد عن ابن عباس بلفظ: كان الناس ينصرفون ~~في كل وجه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ينفرن أحد حتى يكون آخر ~~عهده بالبيت. وهو دليل على وجوب طواف الوداع، وبه قال جماهير السلف والخلف ~~وخالف الناصر ومالك وقالا: # لو كان واجبا لما خفف عن الحائض، وأجيب بأن التخفيف دليل الايجاب، إذ لو ~~لم يكن واجبا لما أطلق عليه لفظ التخفيف والتخفيف عنها دليل على أنه لا يجب ~~عليها فلا تنظر الطهر ولا يلزمها دم بتركه لأنه ساقط عنها من أصله. ووقت ~~طواف الوداع من ثالث النحر فإنه يجزئ إجماعا وهل يجزئ قبله؟ والأظهر عدم ~~إجزائه لأنه آخر المناسك واختلفوا إذا أقام PageV02P215 # بعده هل يعيده أم لا؟ قيل: إذا بقي بعده لشراء زاد وصلاة جماعة لم يعده، ms0634 ~~وقيل يعيده إذا قام لتمريض ونحوه، وقال أبو حنيفة: لا يعيد ولو أقام شهرين ~~ثم هل يشرع في حق المعتمر قيل: لا يلزمه لأنه لم يرد إلا في الحج وقال ~~الثوري: يجب على المعتمر أيضا وإلا لزمه دم. # (وعن ابن الزبير رضي الله عنهما) هو عند الاطلاق يراد به عبد الله (قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة في مسجدي هذا) الإشارة تفيد أنه ~~الموجود عند الخطاب فلا يدخل في الحكم ما يزيد فيه (أفضل من ألف صلاة) وفي ~~رواية : خير، وفي أخرى تعدل ألف صلاة (فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة ~~في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة) وفي لفظ عند ابن ~~ماجة وابن زنجويه وابن عساكر من حديث أنس صلاة في مسجدي بخمسين ألف صلاة ~~إسناده ضعيف وفي لفظ عند أحمد من حديث ابن عمر وصلاة في المسجد الحرام أفضل ~~من مائة ألف صلاة فيما سواه وفي لفظ عن جابر أفضل من ألف صلاة فيما سواه ~~أخرجها أحمد وغيره (رواه أحمد وصححه ابن حبان) وروى الطبراني عن أبي ~~الدرداء قال: قال رسول الله (ص): الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ~~والصلاة في مسجدي بألف صلاة والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة ورواه ابن ~~عبد البر من طريق البزار ثم قال: هذا إسناد حسن. قلت: فعلى هذا يحمل قوله ~~في حديث ابن الزبير بمائة صلاة أي من صلاة مسجدي فتكون مائة ألف صلاة ~~فيتوافق الحديثان. قال أبو محمد بن حزم : ورواه ابن الزبير عن عمر بن ~~الخطاب بسند كالشمس في الصحة ولا مخالف لهما من الصحابة فصار كالاجماع وقد ~~روي بألفاظ كثيرة عن جماعة من الصحابة وعددهم فيما اطلعت عليه خمسة عشر ~~صحابيا وسرد أسماءهم. وهذا الحديث وما في معناه دال على أفضلية المسجدين ~~على غيرهما من مساجد الأرض وعلى تفاضلهما فيما بينهما وقد اختلف أعداد ~~المضاعفة كما عرفت والأكثر دال على عدم اعتبار مفهوم الأقل والحكم للأكثر ~~لأنه صريح. وسبقت إشارة ms0635 إلى أن الأفضلية في مسجده صلى الله عليه وسلم خاصة ~~بالموجود في عصره قال النووي : لقوله في مسجدي فالإضافة للعهد. قلت: ولقوله ~~هذا، ومثل ما قاله النووي من الاختصاص نقل المصنف عن ابن عقيل الحنبلي. ~~وقال الآخرون: إنه لا اختصاص للموجود حال تكلمه صلى الله عليه وسلم بل كل ~~ما زيد فيه داخل في الفضيلة وفائدة الإضافة الدلالة على اختصاصه دون غيره ~~من مساجد المدينة لا أنها للاحتراز عما يزاد فيه. قلت: بل فائدة الإضافة ~~الأمران معا، قال من عمم الفضيلة فيما زيد فيه: إنه يشهد لهذا ما رواه ابن ~~أبي شيبة والديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي هريرة مرفوعا لو مد هذا ~~المسجد إلى صنعاء لكان مسجدي وروى الديلمي مرفوعا هذا مسجدي وما زيد فيه ~~فهو منه وفي سنده عبد الله بن سعيد المقبري وهو واه. وأخرج الديلمي أيضا ~~حديثا آخر في معناه إلا أنه حديث معضل، وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: ~~زاد عمر في المسجد PageV02P216 # ، من شامية ثم قال: لو زدنا فيه حتى يبلغ الجبانة كان مسجد رسول الله ~~(ص). # وفيه عبد العزيز بن عمران المدني متروك. ولا يخفى عدم نهوض هذه الآثار إذ ~~المرفوع معضل وغيره كلام صحابي. ثم هل تعم هذه المضاعفة الفرض والنفل أو ~~تخص بالأول؟ قال النووي: إنها تعمهما وخالفه الطحاوي والمالكية مستدلين ~~بحديث أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته المكتوبة. وقال المصنف: يمكن بقاء ~~حديث أفضل صلاة المرء على عمومه فتكون النافلة في بيته في مكة أو المدينة ~~تضاعف على صلاتها في البيت بغيرهما وكذا في المسجد وإن كانت في البيوت أفضل ~~مطلقا. قلت: ولا يخفى أن الكلام في المضاعفة في المسجد لا في البيوت في ~~المدينة ومكة إذا لم ترد فيهما المضاعفة بل في مسجديهما. وقال الزركشي ~~وغيره : إنها تضاعف النافلة في مسجد المدينة ومكة وصلاتها في البيوت أفضل ~~قالت: يدل لأفضلية النافلة في البيوت مطلقا محافظته (ص) على صلاة النافلة ~~في بيته وما كان يخرج إلى مسجده ms0636 إلا لأداء الفرائض مع قرب بيته من مسجده. ~~ثم هذا التضعيف لا يختص بالصلاة بل قال الغزالي: إلى كل عمل في المدينة ~~بألف. وأخرج البيهقي عن جابر مرفوعا الصلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة ~~فيما سواه إلا المسجد الحرام والجمعة في مسجدي هذا أفضل من ألف جمعة فيما ~~سواه إلا المسجد الحرام شهر رمضان في مسجدي هذا أفضل من ألف شهر رمضان فيما ~~سواه إلا المسجد الحرام وعن ابن عمر نحوه، وقريب منه للطبراني في الكبير عن ~~بلال بن الحرث. # باب الفوات والاحصار الحصر: المنع، قاله: أكثر أئمة اللغة، والاحصار: هو ~~الذي يكون بالمرض والعجز والخوف ونحوها وإذا كان بالعدو قيل له الحصر، ~~وقيل: هما بمعنى واحد. # (عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قد أحصر رسول الله (ص) فحلق رأسه وجامع ~~نساءه ونحر هديه حتى اعتمر عاما قابلا رواه البخاري. اختلف العلماء بماذا ~~يكون الاحصار؟ فقال الأكثر: يكون من كل حابس يحبس الحاج من عدو ومرض وغير ~~ذلك حتى أفتى ابن مسعود رجلا لدغ بأنه محصر، وإليه ذهب طوائف من العلماء ~~منهم الهادوية والحنفية وقالوا: إنه يكون بالمرض والكبر والخوف، وهذه منصوص ~~عليها ويقاس على سائر الاعذار المانعة، ويدل عليه عموم قوله تعالى: * (فإن ~~أحصرتم) * الآية وإن كان سبب نزولها إحصار النبي (ص) بالعدو فالعام لا يقصر ~~على سببه. وفيه ثلاثة أقوال أخر أحدهما: أنه خاص به (ص) وأنه لا حصر بعده. ~~والثاني: أنه خاص بمثل ما اتفق له صلى الله عليه وسلم فلا يلحق به إلا من ~~أحصره عدو كافر. والثالث: أن الاحصار لا يكون إلا بالعدو كافرا كان أو ~~باغيا. والقول المصدر هو أقوى الأقوال، وليس في غيره من الأقوال إلا آثار ~~وفتاوى للصحابة. هذا وقد تقدم حديث البخاري، وأنه صلى الله عليه وسلم نحر ~~قبل أن يحلق وذلك في قصة الحديبية قالوا: وحديث ابن عباس هذا لا يقتضي ~~PageV02P217 # الترتيب كما عرفت ولم يقصده ابن عباس إنما قصد وصف ما وقع من غير نظر إلى ms0637 ~~ترتيب . وقوله: ونحر هديه هو إخبار بأنه كان معه (ص) هدي نحره هنالك ولا ~~يدل كلامه على إيجابه. وقد اختلف العلماء في وجوب الهدي على المحصر، فذهب ~~الأكثر إلى وجوبه. وخالف مالك فقال: لا يجب والحق معه فإنه لم يكن مع كل ~~المحصرين هدي وهذا الهدي الذي كان معه (ص) ساقه من المدينة متنفلا به، وهو ~~الذي أراده الله تعالى بقوله: * (والهدى معكوفا أن يبلغ محله) * والآية لا ~~تدل على الايجاب أعني قوله تعالى : * (فإن حصرتم فما استيسر من الهدي) * ~~وحققناه في منحة الغفار حاشية ضوء النهار. وقوله : حتى اعتمر عاما قابلا ~~قيل: إنه يدل على إيجاب القضاء على من أحصر والمراد من أحصر عن النفل وأما ~~من أحصر عن واجب من حج أو عمرة فلا كلام أنه يجب عليه الاتيان بالواجب إن ~~منع من أدائه. والحق أنه لا دلالة في كلام ابن عباس على إيجاب القضاء فإن ~~ظاهر ما فيه أنه أخبر أنه (ص) اعتمر عاما قابلا ولا كلام أنه (ص) اعتمر في ~~عام القضاء، ولكنه عمرة أخرى ليس قضاء عن عمرة الحديبية. أخرج مالك بلاغا: ~~أن رسول الله (ص) حل هو وأصحابه بالحديبية فنحروا الهدي وحلقوا رؤوسهم ~~وحلوا من كل شئ قبل أن يطوفوا بالبيت وقبل أن يصل إليه الهدي. ثم لم نعلم ~~أن رسول الله (ص) أمر أحدا من أصحابه ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا ولا أن ~~يعودوا لشئ. وقال الشافعي: فحيث أحصر ذبح وحل ولا قضاء عليه من قبل أن الله ~~تعالى لم يذكر قضاء، ثم قال: لأنا علمنا من تواطئ أحاديثهم أنه كان معه في ~~عام الحديبية رجال معروفون ثم اعتمر عمرة القضاء فتخلف بعضهم في المدينة من ~~غير ضرورة في نفس ولا مال ، ولو لزمهم القضاء لأمرهم بأن لا يتخلوا عنه. ~~وقال: إنما سميت عمرة القضاء والقضية المقاضاة التي وقعت بين النبي (ص) ~~وبين قريش لا على أنهم وجب عليهم قضاء تلك العمرة. وقول ابن عباس ونحر هديه ~~اختلف العلماء هل نحره ms0638 يوم الحديبية في الحل أو في الحرم، وظاهر قوله ~~تعالى: * (ذا الهدي معكوفا أن يبلغ محله) * أنهم نحروه في الحل ، وفي محل ~~نحر الهدي للمحصر أقوال: الأول: للجمهور أنه يذبح هديه حيث يحل في حل أو ~~حرم. # الثاني: للهادوية والحنفية أنه لا ينحره إلا في الحرم. الثالث: لابن عباس ~~وجماعة أنه إن كان يستطيع البعث به إلى الحرم وجب عليه ولا يحل حتى ينحر في ~~محله وإن كان لا يستطيع البعث به إلى الحرم نحره في محل إحصاره، وقيل إنه ~~نحره في طرف الحديبية وهو من الحرم، والأول أظهر. # (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل النبي (ص) ضباعة) بضم المعجمة ثم ~~موحدة مخففة (بنت الزبير بن عبد المطلب) بن هاشم بن عبد مناف ، بنت عم رسول ~~الله (ص) تزوجها المقداد ابن عمرو فولدت له عبد الله وكريمة ، روى عنها ابن ~~عباس وعائشة وغيرهما قاله ابن الأثير في الجامع الكبير. (فقالت: يا رسول ~~الله إني أريد الحج وأنا شاكية فقال (ص): حجي واشتراطي أن محلي حيث حبستني ~~متفق عليه). فيه دليل على أن المحرم إذا اشترط في إحرامه ثم PageV02P218 # عرض له المرض فإن له أن يتحلل وإليه ذهب طائفة من الصحابة والتابعين ومن ~~أئمة المذاهب أحمد وإسحاق وهو الصحيح من مذهب الشافعي ومن قال: إن عذر ~~الاحصار يدخل فيه المرض، قال: يصير المريض محصرا له حكمه. وظاهر هذا الحديث ~~أنه لا يصير محصرا بل يحل حيث حصره المرض ولا يلزمه ما يلزم المحصر من هدي ~~ولا غيره. وقال طائفة من الفقهاء: أنه لا يصح الاشتراط ولا حكم له قالوا: ~~وحديث ضباعة قصة عين موقوفة مرجوحة أو منسوخة أو أن الحديث ضعيف وكل ذلك ~~مردود إذ الأصل عدم الخصوصية وعدم النسخ. والحديث ثابت في الصحيح وسنن أبي ~~داود والترمذي والنسائي وسائر كتب الحديث المعتمدة من طرق متعددة بأسانيد ~~كثيرة عن جماعة من الصحابة. ودل مفهوم الحديث أن من لم يشترط في إحرامه ~~فليس له التحلل ويصير محصرا له حكم المحصر على ms0639 ما هو الصواب على أن الاحصار ~~يكون بغير العدو. # (وعن عكرمة) هو أبو عبد الله عكرمة مولى عبد الله بن عباس أصله من البربر ~~يسمع من ابن عباس وعائشة وأبي هريرة وأبي سعيد وغيرهم ونسب إليه أنه يرى ~~رأي الخوارج وقد أطال المصنف في ترجمته في مقدمة الفتح وأطال الذهبي فيه في ~~الميزان والأكثرون على إطراحه وعدم قبوله: (عن الحجاج بن عمرو) بن أبي غزية ~~بفتح الغين المعجمة وكسر الزاي وتشديد المثناة التحتية (الأنصاري رضي الله ~~عنه) المازني نسبة إلى جده مازن بن النجار قال البخاري: له صحبة روى عن ~~النبي (ص) حديثين هذا أحدهما (قال: قال رسول الله (ص) : من كسر) مغير ~~الصيغة (أو عرج) بفتح المهملة الراء وهو محرم لقوله (فقد حل وعليه الحج من ~~قابل) إذا لم يكن قد أتى الفريضة (قال عكرمة: # فسألت ابن عباس وأبا هريرة رضي الله عنهما عن ذلك فقالا: صدق) في اخباره ~~عن النبي (ص) (رواه الخمسة وحسنه الترمذي). والحديث دليل على أن من أحرم ~~فأصابه مانع من مرض مثل ما ذكره أو غيره فإنه بمجرد حصول ذلك المانع يصير ~~حلالا . فأفادت الثلاثة الأحاديث أن المحرم يخرج عن إحرامه بأحد ثلاث أمور: ~~إما بالاحصار بأي مانع كان، أو بالاشتراط، أو بحصول ما ذكر من حادث كسر أو ~~عرج وهذا فيمن أحصر وفاته الحج. وأما من فاته الحج لغير إحصار فإنه اختلف ~~العلماء في حكمه فذهب الهادوية وآخرون إلى أنه يتحلل بإحرامه الذي أحرمه ~~للحج بعمرة، وعن الأسود قال: سألت عمر عمن فاته الحج وقد أحرم به فقال: يهل ~~بعمرة وعليه الحج من قابل ثم لقيت زيد بن ثابت فسألته فقال: مثله أخرجه ~~البيهقي. وقيل يهل بعمرة ويستأنف لها إحراما آخر ، وقالت الهادوية: ويجب ~~عليه دم لفوات الحج، وقالت الشافعية والحنفية: لا يجب عليه إذ يشرع له ~~التحلل، وقد تحلل بعمرة والأظهر ما قالوه لعدم الدليل على الايجاب والله ~~أعلم. PageV02P219 # سبل السلام تأليف السيد الإمام محمد بن إسماعيل الكحلاني ثم الصنعاني ~~المعروف بالأمير ms0640 (1059 م - 1182 ه‍) شرح بلوع المرام، من جمع الاحكام ~~للحافظ شهاب الدين أبى الفضل أحمد بن علي بن حجر الكناني العسقلاني القاهري ~~(773 - 852 ه‍) ويليه متن نخبة الفكر، في مصطلح أهل الأثر مع تعليقات ~~مختارة للإمام ابن حجر الجزء الثالث ملت زم الطبع والنشر شركة مكتبة ومطبعة ~~مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصره محمود نصار الجلبي وشركاه خلفاء ~~PageV03P001 # راجعه وعلق عليه المرسوم الشيخ محمد عبد العزيز الخولي الأستاذ بدار ~~العلوم بالقاهرة الطبعة الرابعة PageV03P002 # نصر الله أمرا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها حديث شريف بسم الله ~~الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أحل لعبادة البيع والشراء، وحرم عليهم ~~المكاسب الخبيثة والربا، والصلاة والسلام على من عرف الأمة الاحكام، وأبان ~~لها مناهج الحلال والحرام، وعلى آله الذين شروا غرف دار السلام بطاعة مولا ~~هم في كل مرام. # وبعد: فقد أعان الله وله الحمد على إتمام الجزء الأول من شرح بلوغ ~~المرام، وها نحن آخذون في شرح الجزء الثاني، ونسأل من الله الإعانة على ~~التمام. قال المصنف رحمه الله تعالى: # كتاب البيوع اعلم أن الحكمة في شرعية البيع كما قاله المصنف في فتح ~~الباري أن حاجة الانسان تتعلق بما في يد صاحبه غالبا وصاحبه قد لا يبذله، ~~ففي شرعية البيع وسيلة إلى بلوغ الغرض من غير حرج انتهى. وإنما جعه دلالة ~~على اختلاف أنواعه وهي ثمانية 2، ولفظه البيع الشراء يطلق كل منهما على ما ~~يطلق عليه الآخر فهما من الألفاظ المشتركة بين المعاني المتضادة. # وحقيقة البيع لغة: تمليك مال بمال، وزاد الشرع قيد التراضي. وقيل هو ~~إيجاب وقبول في مالين فيهما معنى التبرع المعاطاة. وقيل مبادلة مال بمال لا ~~على وجه التبرع فتدخل فيه المعاطاة. والدليل على اشتراط الايجاب والقبول ~~أنه تعالى قال تجارة عن تراض PageV03P003 # وأخرج ابن حبان وبن ماجة عنه صلى الله عليه وسلم (إنما البيع عن تراض) ~~ولما كان الرضا أمرا خفيا لا يطلع عليه وجب تعلق الحكم بسبب ظاهر يدل عليه ~~وهر الصيغة ولابد أن يكون على صيغة ms0641 الجزم لفظها لتم معرفة الرضا، وقد ~~استثنى المحقر من ذلك لجرى عادة المسلمين فيه بالدخول من غير لفظ وهذا عند ~~الجماهير من علماء الأمة، وذهبت الشافعية إلى أنه لا بد من اللفظين كغيره، ~~وقد اختار النووي وأكثر المتأخرين من الشافعية عد اشتراط العقد في المحقر. ~~والمحقر ما دون ربع المثقال، وقيل التافه من البقول والرطب والخبر، وقيل ما ~~دون نصاب الرقة والأشبه اتباع العرف. ثم الحق أنه لم يتم دليل على اشتراط ~~الايجاب والقبول بل حقيقة البيع المبادلة الصادرة عن تراض كما أفادت الآية ~~والحديث، نعم الرضا أمر خفى يناط بقرائن منها الايجاب والقبول، ولا ينحصر ~~فيهما بل متى انسلخت النفس عن المبيع والثمن بأي لفظ كان. وعلى هذا معاملات ~~الناس قديما وحديثا إلا عن عرف المذاهب وخاف نقض الحاكم للبيع لاحظ الايجاب ~~والقبول. # باب شروطه وما نهى عنه يعنى بالشروط البيع. والشرط في عرف الفقهاء ما ~~يلزم من عدمه عدم حكم أو سبب سواء علق بكلمة شرط أولا. وله في عرف النحاة ~~معنى آخر. وقد جعلوا شروط البيع أنواعا: منها في العاقد، وهو أن يكون عاقلا ~~مميزا. ومنها في الآلة، وهو أن يكون بلفظ الماضي. ومنها في الحمل، وهو أن ~~يكون مالا متقوما وأن يكون مقدور التسليم. ومنها التراضي ومنها شرط النفاذ، ~~وهو الملك أو الولاية، وقوله (وما نهى عنه) أي من البيوع وستأتي الأحاديث ~~في الذي نهى عن بيعه. # 1 - (عن رفاعة بن برافع) هو زرقي أنصاري شهد بدرا، وأبو رافع أحد النقباء ~~الاثني عشر، وكان أول من قدم المدينة بسورة يوسف. وشهد رفاعة المشاهدة ~~كلها، وشهد مع علي الجمل وصفين. وتوفى أول زمن معاوية (أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سئل أي الكسب أطيب؟ قال: عمل الرجل بيده) ومثله المرأة (وكل بيع ~~مبرور) هو ما خلص عن اليمين الفاجرة لتنفيق السلعة وعن الغش في المعاملة ~~(رواه البزار وصححه الحاكم) ورواه المصنف في التخليص عن رافع بن خديج ومثله ~~في المشكاة عزاه لأحمد، وأخرجه السيوطي في الجامع أيضا ms0642 عن رافع ذكره في ~~مسنده قيل ويحتمل أنه أريد برفاعة رفاعة بن رافع ابن خديج، فقد رواه ~~الطبراني عن عباية بن رافع بن خديج عن أبيه عن جده، وعباية ابن خديج، بن ~~رافع بن خديج فيكون سقط من لمصنف قوله عن أبيه. والحديث دليل على تقرير ما ~~جبلت عليه الطبائع من كسب المكاسب، إنما سئل صلى الله عليه وسلم عن أطيبها: ~~أي أحلها وأبركها. وتقديم عمل اليد على البيع المبرور دال على أنه الأفضل، ~~ويدل له حديث البخاري الآتي، ودل على أطيبية التجارة الموصوفة. وللعلماء ~~خلاف في أفضل PageV03P004 # المكاسب قال الماوردي. أصول المكاسب الزراعة والتجارة والصنعة. قال: ~~والأشبه بمذهب الشافعي أن أطيبها التجارة. قال: والأرجح عندي أن أطيبها ~~الزراعة لأنها أقرب إلى التوكل. # وتعقب بما أخرجه البخاري من حديث المقدام مرفوعا (ما أكل أحد طعاما قط ~~خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن الله داود كان يأكل من عمل يده قال ~~النووي: # إن أطيب المكاسب ما كان بعمل اليد، وإن كان زراعة فهو أطيب المكاسب لما ~~يشتمل عليه من كونه عمل اليد، ولما فيه التوكل، ولما فيه من النفع، العام ~~للآدمي والدواب والطير، قال الحافظ ابن حجر: وفوق ذلك ما يكسب من أموال ~~الكفار بالجهاد وهو مكسب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أشرف المكاسب لما ~~فيه من إعلاء كلمة الله تعالى انتهى. قيل وهو داخل في كسب اليد. # 2 - (وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول عام الفتح) كان الفتح في رمضان سنة ثمان من الهجرة (وهو بمكة: إن ~~الله ورسوله حرم) وقع في رواية الصحيحين هكذا بافراد الضمير، وفي بعض الطرق ~~(إن الله حرم) وفى رواية في غيرهما (إن الله ورسوله حرما) وتقدم وجه الكلام ~~على الضميرين في باب الآنية (بيع الخمر والميتة) بفتح الميم: ما زالت عنه ~~الحياة لا بذكاة شرعية (والخنزير والأصنام) قال الجوهري: هو الوثن، وقال ~~غيره: الوثن ماله جثة، والضم ما كان مصورا ms0643 (فقيل يا رسول الله: أرأيت شحوم ~~الميتة فإنها تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ قال: لا ~~هو حرام، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: قاتل الله اليهود ~~إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه) بفتح الجيم والميم: # أي أذابوه (ثم باعوه فأكلوا ثمنه. متفق عليه) في الحديث دليل على تحريم ~~ما ذكر، قيل والعلة في تحريم بيع الثلاثة الأولى هي النجاسة ولكن الأدلة ~~على نجاسة الخمر غير ناهضة وكذا نجاسة الميتة والخنزير، فمن جعل العلة ~~النجاسة عدى الحكم إلى تحريم بيع كل نجس وقال جماعة يجوز بيع الأزبال ~~النجسة، وقيل يجوز ذلك للمشترى دون البائع لاحتياج المشترى دونه وهي علة ~~عليلة، وهذا كله عند من جعل العلة النجاسة، والأظهر أنه لا ينهض دليل على ~~التعليل ذلك بل العلة التحريم، كله عند من العلة التحريم، ولذا قال صلى ~~الله عليه وسلم لما حرمت عليهم الشحوم فجعل العلة نفس التحريم ولم يدكر ~~علة. هذا، ولا يدخل في الميتة شعرها وصوفها ووبرها لأنها لا تحلها الحياة ~~ولا يصدق عليها اسم الميتة، وقيل إن الشعور، متنجسة وتطهر بالغسل، وجواز ~~بيعها مذهب الجمهور، وقيل إلا الثلاثة التي هي نجسة الذات. وأما علة تحريم ~~بيع الأصنام فقيل لأنها لا منفعة فيها مباحة، وقيل إن كانت بحيث إذا كسرت ~~تنفع بأكسارها 2 جاز بيعها، والأولى أن يقال: لا يجوز بيعها وهي بيعها وهي ~~أصنام للنهي، ويجوز بيع كسرها إذ هي ليست بأصنام، ولا وجه لمنع بيع الاكسار ~~أصلا. ولما أطلق صلى الله على PageV03P005 # وسلم تحريم بيع الميتة جوز السامع أنه قد يخص من العام بعض ما يصد عليه ~~فقال السائل: أرأيت شحوم الميتة؟ وذكر لها ثلاث منافع: أي أخبرني عن الشحوم ~~هل تخص من التحريم لنفعها أم لا؟ فأجاب صلى الله عليه وسلم أنه حرام، فأبان ~~له أنها غير خارجه عن الحكم والضمير في قوله هو حرام يحتمل أن للبيع: أي ~~بيع الشحوم حرام، وهذا هو الأظهر لان الكلام مسوق ms0644 له ولأنه قد أخرج الحديث ~~أحمد، وفيه (فما ترى في بيع شحوم الميتة) الحديث: ويحتمل أنه للانتفاع ~~المدلول عليه بقوله (فإنها تطلى بها السفين) إلى آخره، وحمله الأكثر عليه ~~فقالوا: لا ينتفع من الميتة بشئ إلا بجلدها إذا دبغ لدليله الذي مضى في أول ~~الكتاب، فهو بخص هذا العموم وهو مبنى على عود الضمير إلى الانتفاع. من قال ~~الضمير يعود إلى البيع استدل بالاجماع على جواز إطعام الميتة الكلاب ولو ~~كانت الكلاب ولو كانت كلاب الصيد لمن ينتفع بها، وقد عرفت أن الأقرب عود ~~الضمير إلى البيع فيجوز الانتفاع بالنجس مطلقا ويحرم بيعه لما عرفت، وقد ~~يزيده قوة قوله في ذم اليهود (إنهم جملوا الشحم ثم باعوه وأكلوا ثمنه) فإنه ~~ظاهر في توجه النهى إلى البيع الذي ترتب عليه أكل الثمن، وإذا كان التحريم ~~للبيع جاز الانتفاع بشحوم الميتة والادهان المتنجسة في كل شئ وجاز إطعام ~~شحوم الميتة الكلاب وإطعام العسل المتنجس النحل وإطعامه الدواب وجوز جميع ~~ذلك مذهب الشافعي، ونقله القاضي عياض عن مالك وأكثر أصحابه وأبي حنيفة ~~أصحاب والليث، ويؤيد جواز الانتفاع ما رواه الطحاوي (أنه صلى الله عليه ~~وسلم سئل عن فأرة وقعت في صمن فقال: إن كان جامدا فألقوها وما حولها، إن ~~كان مانعا فاستصبحوا به أو انتفعوا به) قال الطحاوي: إن رجاله ثقاب، وروى ~~ذل عن جماعة من الصحابة منهم علي رضي الله عنه وابن عمر أبو موسى ومن ~~التابعين القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وهذا هو الواضح دليلا. وأما ~~التفرقة بين الاستهلاكات وغيرها فلا دليل لها بل هو رأى محض، وأما المتنجس ~~فإن كان يمكن تطهيره فلا كلام في جواز بيعه، وأن لا يمكن فيحرم بيعه قالته ~~الهادوية وابن حنبل. وفى الحديث دليل على أنه إذا حرم بيع شئ حرم ثمنه، كل ~~حيلة يتوصل بها إلى تحليل محرم فهي باطلة. # 3 - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول: # إذا اختلف المتبايعان) في رواية البيعان) وليس ms0645 بينهما بينة فالقول ما ~~يقول رب السلعة أو يتتاركان) وفي رواية يترادان) زاد ابن ماجة في رواية ~~والمبيع قائم بعينه ولأحمد " والسعلة كما " هي وأما رواية والمبيع مستهلك ~~فهي مضعفة (رواه الخمسة وصححه الحاكم) وللعلماء كلام كثير على صحة الحديث ~~1، وهو دليل على أنه إذا وقع PageV03P006 # اختلاف بين البائع والمشترى في الثمن أو المبيع أو في شرط من شروطهما، ~~فالقول قول البائع مع يمينه لما عرف من القواعد الشرعية أن من كان القول ~~قوله فعلية اليمين. وللعلماء في هذا الحكم الذي أفاده الحديث ثلاثة أقوال: ~~الأول للهادي أن القول قول البائع مطلقا وهو ظاهر حديث الباب. الثاني ~~للفقهاء أنهما يتحالفان ويترادان المبيع. والثالث فيه تفصيل، وفرق بين ~~الاختلاف في النوع أو الجنس أو الصفة وبين غيرها، وهو تفصيل بلا دليل ~~مستوفى في كتب الفروع ونقله في الشرح، ويعنى بالتحالف أن يحلف البائع ما ~~بعت منك كذا، ويحلف المشترى ما اشتريت منك كذا، وقيل غير ذلك. والوجه في ~~التحالف، أو كل واحد مدعى عليه، فيجب على كل واحد منهما اليمين لنفى ما ~~ادعى عليه وهذا مفهوم من قوله صلى الله عليه وسلم (البينة على المدعي ~~واليمين على المنكر). # والحاصل أن هذا حديث مطلق مقيد بأدلة الدعاوي وسيأتي. # 4 - (وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن ثمن الكب ومهر البغي) بفتح الموحدة وكسر الغبن المعجمة وتشديد ~~المثناة التحتية: أريد بها الزائية (وحلوان) بضم الحاء المهملة (الكاهن. ~~متفق عليه) والأصل في النهى التحريم والصحابي قد أخبر أنه صلى الله عليه ~~وسلم نهى: أي أتى بعبارة تفيد النهى وإن لم يذكرها وهو دال على تحريم ثلاثة ~~أشياء: الأول تحريم ثمن الكلب بالنص، ويدل على تحريم بيعه باللزوم وهو عام ~~الكل كلب من معلم وغيره وما يجوز اقتناؤه وما لا يجوز: وعن عطا، والنخعي: ~~يجوز بيع كلب الصيد لحديث جابر (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن ~~الكلب إلا كلب الصيد) أخرجه النسائي برجال ثقاب ms0646 إلا أنه طعن في صحته، فان ~~صح خصص عموم النهى. والثاني تحرم مهر البغي وهو ما تأخذه الزانية في مقابل ~~الزنا، سماه مهر مجازا فهذا ما حرام، وللفقهاء تفاصيل في حكمه تعود إلى ~~كيفية أخذه، والذي اختاره ابن القيم أنه في جميع كيفياته يجب التصدق به، ول ~~يرد إلى الدافع لأنه دفعه باختياره في مقابل عوض لا يمكن صاحب العوض ~~استرجاعه فهو كسب خبيث يجب التصديق به ولا يعان صاحب المعصية بحصول غرضه ~~ورجوع ماله. والثالث حلوان الكاهن، وهو مصدر حلوته حلوانا إذا أعطيته وأصله ~~من الحلاوة، شبه بالشئ الحلو من حيث إنه يؤخذ سهلا بللا كلفة. # وأجمع العلماء على تحريم حلوان الكاهن، والكاهن، والكاهن الذي يدعى علم ~~الغيب ويخير الناس عن الكوائن وهو شامل لكل من يدعى ذلك من منجم وضراب ~~بالحصباء ونحو ذلك، فكل هؤلاء داخل تحت حكم الحديث، ولا يحل له ما يعطاه ~~ولا يحل لاحد تصديقه فيما يتعاطاه، 5 - (وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه ~~أنه كان على جمل له قد أعيان) أي كل عن السير (فأراد أن يسيبه قال: فلحقني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا لي وضربه فسار PageV03P007 # سيرا لم ير مثله، فقال: بعنيه بأوقية، قلت لا، ثم قال: بعنيه، فبعته ~~بأوقية واشترطت حملانه) بضم الحاء المهملة: أي الحمل عليه (إلى أهلي، فلما ~~بلغت أتية بالجمل فنقدني ثمنه ثم رجعت، فأرسل في أثرى فقال: أتراني) بضم ~~الثناة الفوقية: أي تظنني (ما كستك) المماكسة: المكالمة في النقص عن الثمن ~~(لآخذ جملك خذ جملك ودراهمك فهو لك. متفق عليه، وهذا السياق المسلم) فيه ~~دليل على أنه لا بأس بطلبه البيع من الرجل لسلعته ولا بالمماكسة، وأنه يصح ~~البيع للدابة واستثناء ركوبها، ولكن عارضه حديث النهى عن بيع الثنيا وسيأتي ~~وعن بيع وشرط، ولما تعارضتا اختلف العلماء في ذلك على أقوال: الأول لأحمد ~~أنه يصح ذلك، وحديث بيع الثنيا فيه (إلا أن يعلم ذلك) وهذا منه فقد علمت ~~الثنيا فصلح البيع، وحديث النهى عن ms0647 بيع وشرط فيه مقال مع احتمال وحمل حديث ~~جابر على هذا. الثالث أن لا يجوز مطلقا، وحديث جابر مؤول بأنه قصة عين ~~موقوفة يتطرق إليها الاحتمالات، قالوا ولأنه صلى الله عليه وسلم أراد. ن ~~يعطيه الثمن ولم يرد حقيقة البيع، قالوا ويحتمل أن الشرط ليس في نفس العقد ~~فلعله كان سابقا فلم يؤثر، ثم تبرع صلى الله عليه وسلم باركابه. وأظهر ~~الأقوال الأول وهو صحة مثل هذا الشرط، وكل شرط يصح إفراده بالعقد كايصال ~~المبيع إلى المنزل وخياطة الثوب وسكنى الدار. وقد روى عن عثمان أنه باع دار ~~واستثنى سكناها شهرا. ذكره الشفاء. # 6 - (وعنه) أي عن جابر (قال: أعتق رجل منا) أي من الأنصار (عبدا له عن ~~دبر) بضم الدال المهملة وضم الموحدة أيضا (ولم يكن له مال غيره، فدعا به ~~النبي صلى الله عليه وسلم فباعه. متفق عليه) وأخرجه أبو داود والنسائي عن ~~جابر أيضا وسميا فيه العبد والرجل ولفظه عن جابر (أن رجلا من الأنصار يقال ~~له أبو مذكور أعتق غلاما له يقال له أبو يعقوب عن دبر لم يكن له مال غيره، ~~فدعا به النبي صلى الله عليه وسلم بقال: من يشتريه؟ فاشتراه نعيم بن عبد ~~الله بن النحام بثمانمائة درهم فدفعها إليه) زاد الإسماعيلي وعليه دين وقد ~~ترجم له البخاري في باب الاستقراض فقال (من باع مال الغرماء وقسمه بين ~~الغرماء أو أعطاه إياه حتى ينفقه على نفسه) فأشار إلى علة بيعه وهو ~~الاختيار إلى ثمنه واستدل به بعضهم على منع المفلس عن التصرف في ماله، وعلى ~~أن للامام أن يبيع عنه، وسيأتي بقية أبحاثه في بابه إن شاء الله تعالى. # 7 - (وعن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن فأرة وقعت في سمن فماتت ~~فيه، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ألقوها وما حولها وكلوه. ورآه ~~البخاري، وزاد أحمد النسائي: في سمن جامد) دل أمره صلى الله عليه وسلم ~~بالقاء ما حولها، وهو ما لامسته من السمن على نجاسة الميتة، لان المراد ms0648 بما ~~حولها ما لاقاها، قال المصنف في فتح الباري لم يأت في طريق صحيحة تحديد ما ~~يلقى لكن أخرج ابن أبي شبية من مرسل عطاء أن يكون PageV03P008 # قد الكف وسنده جيد لولا إرساله. ودل مفهوم قوله (جامدا) أن لو كان مائعا ~~تنجس كله لعدم تميز ما لاقاها مما لم يلاقها. ودل أيضا على أنه لا ينتفع ~~بالدهن المتنجس في شئ من الانتفاعات، إلا أنه تقدم الكلام في ذلك وأنه يباح ~~لانتفاع به غير الأكل ودهن الآدمي فيحمل هذا وما يأتي من قوله فلا تقربوه ~~على الأكل والدهن للآدمي جمعا بين مقتضى الأدلة، نعم وأما مباشرة النجاسة ~~فهو وإن كان غيره جائز إلا لازالتها عما وجب أو ندب إزالتها عن فإنه لا ~~خلاف في جوازه لأنه لدفع مفسدتها، وبقي الكلام في مباشرتها لتسجير التنور ~~وإصلاح الأرض بها، فقيل هو طلب مصلحتها وأنه يقاس جواز المباشرة له على ~~المباشرة لإزالة مفسدتها، والأقرب أنها تدخل إزالة مفسدتها، تحت جلب ~~مصلحتها، فتسجير التنور بها يدخل فيه الامر أن إزالة مفسدة بقاء عينها وجلب ~~المصلحة لنفعها في التسخير، وحينئذ فجواز المباشرة للانتفاع لا إشكال فيه. # 8 - (وعن هريرة رضى الله عن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا وقعت ~~الفارة في السمن فإن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فلا ~~تقربوه. رواه أحمد وأبو داود، وقد حكم عليه البخاري وأبو حاتم بالوهم) وذلك ~~لأنه قال الترمذي: سمعت البخاري يقول: هو خطأ والصواب الزهري عن عبد الله ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما عن ميمونة رضي الله عنها، فرأى البخاري أن ثابت ~~عن ميمونة، فحكم بالوهم على الطريق المروية عن أبي هريرة، وجزم ابن حبان في ~~صحيحة بأنه ثابت من الوجهين. # واعلم أن هذا الاختلاف إنما هو لتصحيح اللفظ الوارد، وأما الحكم فهو ثابت ~~وأن طرحها وما حولها والانتفاع بالباقي لا يكون إلا في الجامد وهو ثابت ~~أيضا في صحيح البخاري بلفظ خذوها وما حولها وكلوا سمنكم) ويفهم منه أن ~~الذائب يلقى جميعه، ms0649 إذ العلة مباشرة الميتة ولا اختصاص في الذائب ~~بالمباشرة، وتميز البعض عن البعض، وظاهر الحديث أنه لا يقرب السمن المائع ~~ولو كان في غاية الكثرة، وقد تقدم وجه الجمع بينه وبين حديث الطحاوي قال ~~الامام يحيى وقواه المهدى، وقال: إذ لم عن السلف منعها انهى. قلت: بل واجب ~~قال الامام يحيى وقواه المهدى وقال: إذ لم يعهد عن السلف منعها انتهى قلت. ~~بل واجب إن لم يطعمه غيرها كما يدل له حديث (إن امرأة دخلت النار في هرة) ~~وعلله بأنها لم تطعمها ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض) وفى خشاش الأرض ما ~~هو محرم على المكلف وغيره. # فالحديث دل على أن أحد الامرين إطعامها أو تركها تأكل من خشاش الأرض واجب ~~وبسبب تركه عذبت المرأة. وخشاش الأرض بالخاء المعجمة المفتوحة فشين معجمة: ~~هي هوام الأرض وحشراتها كما في النهاية: # 9 - (وعن أبي الزبير) هو أبو الزبير محمد بن مسلم المكي تابعي، روى عن ~~جابر ابن عبد الله كثيرا (قال: سألت جابرا عن ثمن السنور) بكسر المهملة ~~وتشديد النون: هو الهر والنسائي، وزاد: إلا كلب صيد) وأخرج مسلم هذا من ~~حديث جابر ورافع بن خديج وزاد النسائي في رواية استثناء الصيد ثم قال: هذا ~~منكر قال المصنف في التخليص PageV03P009 # إنه ورد الاستثناء من حديث جابر ورجاله ثقاب انهى: ورواية جابر هذه رواها ~~أحمد والنسائي وفيها استثناء الكلب المعلم، إلا أنه قال المناوي في شرح ~~الجامع الصغير متعقبا لقول لمصنف: إن رجالها ثقاب بأنه قال ابن الجوزي فيه ~~الحسين بن أبي حفصة: قال يحيى: ليس بشئ وضعفه أحمد. وقال ابن حبان: هذا ~~الخبر بهذا اللفظ باطل لا أصل له، نعم الثابت جواز افتاء الكلب للصيد من ~~غير نقص من عمل من اقتناه، لقوله صلى الله عليه وسلم من اقتنى كلبا إلا كلب ~~صد نقص من أجره كل يوم قيراطان) قيل قيراط من عمل الليل وقيراط من عمل ~~النهار، وقيل من الفرض والنفل. هذا، والنهى عن ثمن الكلب متفق عليه من حديث ~~ابن ms0650 مسعود، وانفرد مسلم برواية النهى عن ثمن السنور، وأصل النهى التحريم. # والجمهور على تحريم بيع الكلب مطلقا واختلفوا في السنور، وقد ذهب إلى ~~تحريم بيع السنور أبو هريرة وطاوس ومجاهد، وذهب الجمهور إلى جواز بيعه إذا ~~كان له نفع، وحملوا النهى على التنزيه، وهو خلاف ظاهر الحديث، والقول بأنه ~~حديث ضعيف مردود أيضا بأنه أخرجه مسلم عن معقل بن عبد الله عن أبي الزبير، ~~فهذان ثقتان رويا عن أبي الزبير، وهو ثقته أيضا. # 10 - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءتني بريرة) بفتح الباء الموحدة ~~ورائين بينهما مثناة تحتية، مولاة لعائشة (فقالت: إني كاتبت) من المكاتبة، ~~وهي العقد بين السيد وعبده (أهلي) هم ناس من الأنصار كما هو عند النسائي ~~(على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني) بصيغة الامر للمؤنث بريرة إلى ~~أهلها فقالت لهم، فأبوا عليها، فجاءت من عند هم ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جالس فقالت: إني قد عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون لهم الولاء فسمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~خذيها واشترطي لهم) قال الشافعي والمزني يعنى اشترطي عليهم فاللام بمعنى ~~على (الولاء فإنما الولاء لمن أعتق ففعلت عائشة، ثم قام النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الناس الله تعالى، ما كان من شرط ليس في كتاب الله) أي في ~~شرعة الذي كتبة على العباد، وحكمه أعم من ثبوته بالقرآن أو السنة (فهو باطل ~~وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق) بالاتباع من الشروط المخالفة لحكم الله ~~(وشرط الله أوثق وإنما الولاء، لمن أعتق. متفق عليه والفظ للبخاري، وعند ~~مسلم: قال اشتريها وأعتقيها واشترطي لهم الولاء) الحديث دليل على مشروعية ~~الكتابة وهي عقد بين السيد وعبده على رقبته PageV03P010 # وهي مشتقة من الكتب وهو الفرض والحكم كما في قوله - كتب عليكم الصيام ~~عليك الصيام - وهي مندوبة. # وقال عطاء وداود. واجبة إذا طلبها العبد بقدر قيمته لظاهر الامر في - ~~فكاتبوهم - وهو الأصل في الامر. قلت: إلا أنه ms0651 تعالى قيد الوجوب بقوله - إن ~~علمتم فيهم خيرا - نعم بعد علم الخبر فيهم الكتابة. وفى تفسير الخير أقوال ~~للسلف: الأول ما جاء في حديث مرسل ومرفوع عند أبي داود أنه قال صلى الله ~~عليه وسلم إن علمتم فيهم حرفة ولا ترسلوهم كلا على الناس. الثاني لابن عباس ~~قال خيرا المال. الثالث عنه أمانة ووفاء. الرابع عنه إن علمت أن مكاتبك ~~يقضيك، وقولها (في كل عام أوقية)، وفى تقريره صلى الله عليه وسلم لذلك دليل ~~على جواز التنجم لا على تحتمه وشرطيته كما ذهب إليه الشافعي والهادي وغير ~~هما. وقالوا التنجيم في الكتابة شرط وأقله نجمان. واستدلوا بروايات عن ~~السلف لا تنهض دليلا. وذهب الجمهور وأحمد ومالك إلى جواز عقد الكتابة على ~~نجم لقوله - فكاتبوهم - ولم يفصل وهو ظاهر، والقول بأنه قيد إطلاقها الآثار ~~عن السلف غير صحيح، إذ ليس باجماع وتقييد الآيات بآراء العلماء باطل، ودل ~~قوله صلى الله عليه وسلم (خذيها) على جواز بيع المكاتب عند تعسر الايفاء ~~بمال الكتابة. وللعلماء في جواز بيع المكاتب ثلاثة أقوال: # الأول جوازه وهو مذهب أحمد ومالك وحجتهم صلى الله عليه وسلم (المكاتب) رق ~~ما بقي عليه درهم) أخرجه أبو داود وابن ماجة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده. والثاني أنه يجوز بيعه برضاه إلى من يعتقه محتجين يظاهر حديث ~~بريرة. والقول الثالث أنه لا يجوز بيعه مطلقا وهو لأبي حنيفة وجماعة، قالوا ~~لأنه خرج عن ملك السيد، وتأولوا الحديث بأن قالوا: إن بريرة عجزت نفسها ~~وفسخوا عقد كتابها، والقول الأول أظهر، لان التقييد بالواقع في قصة بريرة ~~ليس فيه دليل على أنه شرط وإنما كان الواقع كذلك فمن أين أنه شرط. وأما ~~القول بأن بيعه يوجب سقوط حق الله، فجوابه أنه حق الله تعالى ما ثبت، فإنه ~~لا يثبت إلا بالايفاء والفرض أنه عجز المكاتب عنه، وقوله (واشترطي لهم ~~الولاء) إن جعلت اللام بمعنى على من باب قوله وإن أسأتم فلها. ويخرون ~~للأذقان - كما قاله الشافعي فلا إشكال إلا ms0652 أنه قد ضعف بأنه لو كان كذلك لم ~~ينكر عليهم اشتراط الولاء، ويجاب عنه بأن الذي أنكره اشتراطهم له أول ~~الأمر. وقيل أراد بذلك الزجر والتوبيخ لهم، لأنه صلى الله عليه وسلم كان قد ~~بين لهم حكم الولاء وأن هذا الشرط لا يحل، فلما ظهرت منهم، منهم المخالفة ~~قال لعائشة ذلك، ومعناه لا تبالي لان اشتراطهم مخالف للحق فلا يكون ذلك ~~للإباحة بلا المقصود الإهانة وعدم المبالاة بالاشتراط وأن وجوده كعدمه. ~~وبعد معرفة هذه الوجوه والتأويل يزول الاشكال بأنه كيف وقع منه صلى الله ~~عليه وسلم الاذن لعائشة بالشرط فإنه ظاهر أنه خداع، وغرر للبائع من حيث إنه ~~يعتقد عند البيع أنه بقي له بعض المنافع وانكشف الامر على خلافه ولكن بعد ~~تحقق وجوه التأويل يذهب الاشكال، وفى قوله (وإنما الولاء لمن أعتق) دليل ~~على حصر الولاء فيمن أعتق لا يتعداه إلى غيره. 11 - (وعن ابن عمر رضي الله ~~عنهما قال: نهى عمر عن بيع أمهات الأولاد PageV03P011 # فقال: لاتباع ولا توهب ولا تورث، يستمتع بها ما بدا له فإذا مات نهى حرة. ~~رواه مالك والبيهقي وقال: رفعه الرواة فوهم) وقال الدارقطني: الصحيح وقفه ~~على عمر ومثله قال عبد الحق. صاحب الامام: المعروف فيه الوقف الذي رفعه ~~ثقة، وفى الباب آثار عن الصحابة، وقد أخرج الحاكم وابن عساكر وابن المنذر ~~الذي رفعه ثقة، وفى الباب جالسا عند عمر إذ سمع صائحا قال: يا يرفأ انظر ما ~~هذا الصوت، فنظر ثم جاء فقال: # جارية من قريش تباع أمها، فقال عمر: ادع لي المهاجرين والأنصار، فلم يمكث ~~ساعة حتى امتلأت الدار والحجرة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد: فهل ~~كان فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم القطيعة؟ قالوا لا، قال: فإنها قد ~~أصبحت فيكم فاشية ثم قرأ - فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا ~~أرحامكم - ثم قال: وأي قطيعة أقطع من أن تباع أم امرى منكم وقد أوسع الله ~~لكم، قالوا فاصنع ما بدا لك، فكتب إلى ms0653 الآفاق أن لا تباع أم حر فإنها قطيعة ~~وإنه لا يحل، فهذا ونحوه من الآثار، والحديث دليل على أن الأمة إذا ولدت من ~~سيدها حرم بيعها، سواء كان الولد باقيا أولا، وإلى هذا ذهب أكثر الأئمة، ~~على هذه المسألة في مفرد قال: وتلخص لي عن الشافعي فيها أربعة أقوال، وفى ~~المسألة من حيث هي ثمانية أقوال، وقد ذهب الناصر والامامية وداود إلى جواز ~~بيعها لما أفاده الحديث الآتي: # 12 - (وعن جابر رضي الله عنه قال: كنا نبيع سرارينا أمهات الأولاد والنبي ~~صلى الله عليه وسلم حي لا يرى بذلك بأسا: رواه النسائي وابن ماجة والدار ~~فطني وصححه ابن حبان) وأخرجه أحمد والشافعي والبيهقي أبو داود والحاكم، ~~وزاد، في زمن أبى بكر) وفيه فلما كان عمر نهانا فانتهينا) ورواه الحاكم من ~~حديث أبي سعيد وإسناده ضعيف قال بيهقي: ليس شئ من اطرف أنه صلى الله عليه ~~وسلم الطلع على ذلك وأقر هم عليه وترده رواية النسائي التي فيها والنبي صلى ~~الله عليه وسلم حي لا يرى بذلك بأسا) واستدل القائلون بجواز بيعها أيضا ~~بأنه صح عن علي عليه السلام أنه رجع عن تحريم بيعها إلى جوازه وأخرج عبد ~~الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة السلماني المرادي قال: # سمعت عليا يقول: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يبعن، ثم ~~رأيت بعد ذلك أن يبعن الحديث. وهو معدود في أصح الأسانيد: وأجاب في الشرح ~~عن هذه الأدلة بأنه يحتمل أن حديث جابر كان في أول الأمر وأن ما ذكر ناسخ، ~~وأيضا فإنه راجع إلى التقرير وما ذكر قول، وعند التعارض القول أرجح. قلت: ~~ولا يخفى ضعف هذا الجواب لأنه لا نسخ بالاحتمال، فللقائل بجواز، بيعها أن ~~يقلب الاستدلال ويقول: يحتمل أن حديث ابن عمر كان أول الأمر ثم نسخ بحديث ~~جابر وإن كان احتمالا بعيدا، ثم قوله إن حديث جابر راجع إلى التقرير، وحديث ~~ابن عمر قول والقول أرجح عند التعارض يقال عليه: القول PageV03P012 # لم يمح ms0654 رفعه بل صرح المصنف وغيره أن رفعه وهم، وليس في منع بيعها إلا رأى ~~عمر رضي الله عنه لا غير، ومن شاوره من الصحابة وليس باجماع، فليس، على أنه ~~لو كان في المسألة نص لما احتاج عمر والصحابة إلى الرأي. # 13 - (وعن جابر رضي الله عنه قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~بيع فضل الماء رواه مسلم، وزاد في رواية: وعن بيع ضراب الجمل) وأخرجه أصحاب ~~السنن من حديث إياس بن عبد وصححه الترمذي. وقال أبو الفتح القشيري: هو على ~~شرطهما والحديث دليل على أنه لا يجوز بيع ما فضل من الماء عن كفاية صاحبه. ~~قال العلماء: وصورة ذلك أن ينبع في أرض مباحة فيسقى الأعلى ثم يفضل عن ~~كفايته فليس له المنع، وكذا إذا اتخذ حفرة في أرض مملوكة يجمع فيها الماء ~~أو حفر البئر فيسقى منه ويسقى أرضه، فليس له منع ما فضل. وظاهر الحديث يدل ~~على أنه يجب عليه بذل ما فضل عن كفاية لشرب أو طهور أو سقى زرع، وسواء كان ~~في أرض مباحة أو مملوكة، وقد ذهب إلى هذا العموم ابن القيم في الهدى وقال: ~~إنه يجوز دخول الأرض المملوكة لاخذ الماء والكلأ لان له حقا في ذلك، ولا ~~يمنع استعمال ملك الغير، وقال، إنه نص أحمد على جواز الرعي في أرض غير ~~مباحة للراعي، وإلى مثله ذهب المنصور بالله والامام يحي بالله والامام يحيى ~~في الحطب والحشيش، ثم قال: إنه لا فائدة لاذن صاحب الأرض ليس له منعه من ~~الدخول بل يجب عليه تمكينه ويحرم عليه منعه فلا يتوقف دخوله على الاذن، ~~وإنما يحتاج إلى الاذن في الدخول في الدار إذا كان فيها سكن لوجوب ~~الاستئذان، وأما إذا لم يكن فيها سكن فقد قال تعالى - ليس عليكم جناح أن ~~تدخلوا بيوتها غير مسكونة فيها متاع لكم - ومن احتفر بئرا أو نهرا فهو أحق ~~بمائه ولا يمنع الفضلة عن غيره سواء قلنا: إن الماء حق للحافر لا ملك، كما ~~هو قول جماعة ms0655 من العلماء، أو قلنا: هو ملك فان عليه بذل الفضلة لغيره لما ~~أخرجه أبو داود أنه قال رجل يا نبي الله ما الشئ الذي لا يحل منعه؟ قال ~~الماء، قال: يا نبي الله ما الشئ الذي لا يخل منه؟ قال: الملح وأفاد أن في ~~حكم الماء الملح وما شاكله ومثله الكلاء، فمن سبق بدوابه إلى أرض مباحة ~~فيها عشب فهو أحق برعية ما دامت فيه دوابه، فإذا خرجت منه فليس له بيعه. ~~هذا، وأما الحرز في الأسقية والظروف فهو مخصص من ذلك بالقياس على الحطب، ~~فقد قال صلى الله عليه وسلم لان يأخذ أحد كم حيلا فيأخذ حزمة من حطب فيبيع ~~ذلك فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطى أو منع) فيجوز بيعه ولا ~~يجب بذله إلا المطر، وكذلك بيع البئر والعين أنفسهما فإنه جائز، فقد قال ~~صلى الله عليه وسلم من يشترى بئر رومة يوسع بها على المسلمين فله الجنة ~~فاشتراها عثمان والقصة معروفة وقوفه (وعن ضراب الجمل أي ونهى عن أجرة ضراب ~~الجمل وقد عبر عنه بالعسب في الحديث الآتي: # 14 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن PageV03P013 # عسب الفحل) وهو بفتح العين المهملة وسكون السين المهملة فباء موحدة (رواه ~~البخاري) وفيه وفيما قبله دليل على تحريم استئجار الفحل للضراب والأجرة ~~حرام. # وذهب جماعة من السلف إلى أنه يجوز ذلك إلا أنه يستأجره للضراب مدة معلومة ~~أو تكون الضربات معلومة، قالوا لان الحاجة تدعو إليه وهي منفعة مقصودة، ~~وحملوا النهى على التنزيه وهو خلاف أصله. # 15 - (وعنه) أي ابن عمر (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع حبل ~~الحبلة) بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة فيهما (وكان بيعا يبتاعه أهل ~~الجاهلية) وفسره قوله (كان الرجل يبتاع الجزور) بفتح الجيم وضم الزاي: أي ~~البعير ذكرا كان أو أنثى وهو مؤنث وإن أطلق على مذكر تقول هذا الجزور (إلى ~~أن تنتج الناقة) بضم أوله وفتح ثالثة: # أي ms0656 تلد الناقة وهذا الفعل لم يأت في لغة العرب إلا على بناء الفعل ~~للمجهول (ثم تنتج التي في بطنها) وهذا التفسير من قوله وكان بيعا الخ مدرج ~~في الحديث من كلام نافع، وقيل: # من كلام ابن عمر (متفق عليه واللفظ للبخاري) ووقع في رواية حمل ولد ~~الناقة من دون اشتراط الانتاج. وفى رواية أن تنتج الناقة ما في بطنا من دون ~~أن يكون نتاجها قد حمل أو أنتج. والحبل مصدر حبلت حبلت تحبل سمى به ~~المحبول، والحبلة جمع حابل مثل ظلمة في ظالم وكتبة في كاتب ويقال حابل ~~وحابلة بالتاء. قال في غيره. والحديث دليل على تحريم هذا البيع. # واختلف العلماء في هذا المنهى عنه لاختلاف الروايات هل هو من حيث يؤجل ~~بثمن الجزور إلى أن يحصل النتاج المذكور أو أنه يبيع منه النتاج؟ ذهب إلى ~~الأول مالك والشافعي وجماعة قالوا: وعلة النهى جهالة الاجل، وذهب إلى ~~الثاني أحمد وإسحاق وجماعة من أئمة الله وبه جزم الترمذي. قالوا: وعلة ~~النهى هو كونه بيع معدوم ومجهول وغير مقدور على تسليمه وهو داخل في بيع ~~الغرر، وقد أشار إلى هذا البخاري حيث صدر الباب ببيع الغرر وأشار على ~~تسليمه وهو التفسير الأول. ورجحه أيضا في تفسير السلم بكونه موافقا للحديث ~~وإن كان كلام أهل اللغة موافقا للثاني، نعم ويتحصل من الخلاف أربعة أقوال ~~لأنه يقال هل المراد البيع إلى أجل أو بيع الجنين؟ وعلى الأول هل المراد ~~بالأجل ولادة الأم أو ولادة ولدها؟ وعلى الثاني هل المراد بيع الجنين الأول ~~أو جنين؟ فصارت أربعة أقوال. هذا، وحكى عن ابن كيسان وأبى العباس المبرد أن ~~المراد بالحبلة الكرمة، وأنه نهى عن بيع ثمر العنب قبل أن يصلح. # فأصله على هذا بسكون الباء الموحدة لكن الروايات بالتحريك إلا أنه قد حكى ~~في الحبلة بمعنى الكرمة فتحها. # 16 - (وعنه) أي ابن عمر (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ~~الولاء) PageV03P014 # بفتح الواو (وعن هبته. متفق عليه) والولاء هو ولاء العتق. أي وهو ms0657 إذا مات ~~المعتق ورثه معتقة كانت العرب تهبه وتبيعه فهي عنه لان الولاء كالنسب لا ~~يزول بالإزالة، ذكره في النهاية. # 17 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر. رواه مسلم) اشتمل الحديث على النهى عن صورتين ~~من صور البيع. الأولى بيع الحصاة. واختلف في تفسير بيع الحصاة، قيل هو أن ~~يقول: ارم بهذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بدرهم، وقيل هو أن يبيعه من ~~أرضه قدر ما انتهت إليه رمية الحصاة، وقيل هو أن يقبض على كف من حصا ويقول ~~لي بعدد ما خرج في القبضة من الشئ المبيع أو يبيعه ويقبض على كف من حصا ~~ويقول لي بكل حصاة درهم، وقيل. # أن يمسك أحدهما حصاة بيده ويقول: أي وقت سقطت الحصاة فقد وجب البيع، وقيل ~~هو أن يعترض القطيع من الغنم فيأخذ حصاة ويقول: أي شاة أصابتها فهي لك ~~بكذا، وكل هذه متضمنة للغرر لما في الثمن أو المبيع من الجهالة، ولفظ الغرر ~~يشملها، وإنما أفردت لكونها كانت مما يبتاعها الجاهلية فنهى صلى الله عليه ~~وسلم عنها، وأضيف البيع إلى الحصاة للملابسة لاعتبار الحصاة فيه. والثانية ~~بيع الغرر بفتح الغين المعجمة والراء المتكررة، وهو بمعنى مغرور اسم مفعول، ~~إضافة المصدر إليه من إضافته إلى المفعول ويحتمل غير هذا ومعناه الخداع ~~الذي هو مظنة أن لا رضا به عند تحققه، فيكون من أكل المال بالباطل، ويتحقق ~~في صور إما بعدم القدرة على تسليمه كبيع العبد الآبق والفرس النافر، أو ~~بكونه معدوما أو مجهولا، أو لا يتم ملك البائع له كالسمك في الماء الكثير ~~ونحو ذلك من الصور وقد يحتمل بعض الغرر فيصح معه البيع إذا دعت إليه الحاجة ~~كالجهل بأساس الدار وكبيع الجبة المحشوة وإن لم ير حشوها، فان ذلك مجمع ~~عليه، وكذا على جواز إجارة الدار والدابة شهرا مع أنه قد يكون الشهر ثلاثين ~~يوما أو تسعة وعشرين، وعلى دخول الحمام بالأجرة مع اختلاف ms0658 الناس في ~~استعمالهم الماء وقدر مكثهم، وعلى جواز الشرب في السقاء بالعوض مع الجهالة، ~~وأجمعوا على عدم صحة بيع الأجنة في البطون والطيران في الهواء، واختلفوا في ~~صور كثيرة اشتملت عليها كتب الفروع. # 18 - (وعنه) أي أبي هريرة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من ~~اشترى طعاما فلا بيعه حتى يكتاله. رواه. مسلم) وقد ورد الطعام أنه لا يبيعه ~~من اشتراه حتى يستوفيه من حديث جماعة من الصحابة، وورد في أعم من الطعام ~~حديث حكيم ابن حزام عند أحمد قال: (قلت رسول الله إني أشتري بيوعا فما يحل ~~لي منها وما يحرم علي؟ قال: إذا اشتريت شيئا فلا تبعه حتى تقبضه وأخرج ~~الدارقطني وأبو داود من حديث زيد بن ثابت (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى ~~أن تباع السلعة حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم وأخرجه السبعة إلا ~~الترمذي من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ابتاع ~~طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه) قال ابن عباس: ولا أحسب كل شئ إلا مثله، فدلت ~~الأحاديث أنه لا يجوز بيع أي سعلة شريت إلا بعد قبض البائع لها واستيفائها ~~PageV03P015 # وذهب قوم إلى أنه يختص هذا الحكم بالطعام لا غيره من المبيعات، وذهب أبو ~~حنيفة إلى أنه يختص ذلك بالمنقول دون غيره لحديث زيد بن ثابت فإنه في ~~السلع. والجواب أن ذكر حكم الخاص لا يخص به العام، وحديث حكيم عام فالعمل ~~عليه وإليه ذهب الجمهور، وأنه لا يجوز البيع للمشترى قبل القبض مطلقا، وهو ~~الذي دل له حديث حكيم واستنبطه ابن عباس. # (فائدة) أخرج الدارقطني من حديث جابر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان: صاع البائع وصاع المشترى) ونحوه ~~للبزار من حديث أبي هريرة باسناد حسن فذل على أنه إذا اشترى الشئ مكايلة ~~وقبضه ثم باعه لم يجز تسليمه بالكيل الأول حتى يكيله على من اشتراه ثانيا، ~~وبذلك قال الجمهور. وقال عطاء: # يجوز بيعه بالكيل الأول: ms0659 وكأنه لم يبلغه الحديث، ولعل علة الامر بالكيل ~~ثانيا التحقق بيع الجزاف، إلا أن في حديث ابن عمر أنهم كانوا يبتاعون ~~الطعام جزافا، ولفظه كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله) أخرجه الجماعة إلا الترمذي. قال ~~ابن قدامة: يجوز بيع الصبرة جزافا لا نعلم فيه خلافا، وإذا ثبت جواز بيع ~~الجزاف خمل حديث الصاعين على أن المراد أنه إذا اشترى الطعام كيلا وأريد ~~فلا بد من إعادة كيله للمشترى. # 19 - (وعنه) أي أبي هريرة (قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~بيعتين في بيعة. رواه أحمد والنسائي وصححه الترمذي وابن حبان. ولأبي داود) ~~من حديث أبي هريرة (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا) قال ~~الشافعي: له تأويلان: # أحدهما أن يقول بعتك بألفين نسيئة وبألف نقدا، فأيهما شئت أخذت به، وهذا ~~بيع فاسد لأنه إيهام وتعليق. والثاني أن يقول: بعتك عبدي على أن تبيعني ~~فرسك انتهى. وعلة النهى على الأول عدم استقرار الثمن ولزوم الربا عند من ~~يمنع بيع الشئ بأكثر من سعر يومه لأجل النساء، وعلى الثاني لتعليقه بشرط ~~مستقبل يجوز وقوعه وعدم وقوعه فلم يستقر الملك، وقوله فله أو كسبهما أو ~~الربا) يعنى أنه إذا فعل ذلك فهو لا يخلو عن أحد الامرين: إما الأوكس الذي ~~هو أخذ الأقل أو الربا وهذا مما يؤيد التفسير الأول. # 20 - (وعن عمره بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس ~~عندك. ورآه الخمسة وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم، وأخرجه) أي الحاكم ~~(في علوم الحديث من رواية أبي حنيفة عن عمرو المذكور بلفظ: نهى عن بيع ~~وشرط، ومن هذا الوجه) يعنى الذي أخرجه الحاكم (أخرجه الطبراني في الأوسط ~~وهو غريب) وقد رواه جماعة واستغربه النووي. والحديث اشتمل على أربع صور نهى ~~عن البيع على صفتها: ms0660 الأولى سلف وبيع وصورة ذلك حيث يريد الشخص أن يشترى ~~سلعة بأكثر PageV03P016 # من ثمنها لأجل النساء وعنده، أو ذلك لا يجوز فيحتال بأن يستقرض الثمن من ~~البائع ليعجله إليه حيله. الثانية شرطان في بيع اختلف في تفسير هما، فقيل ~~هو أن يقول: بعت هذا نقدا بكذا وبكذا نسيئة، وقيل هو أن يشرط البائع على ~~المشترى أن لا يبيع السلعة ولا يهبها، وقيل هو أن يقول: بعتك هذه السلعة ~~بكذا على أن تبيعني السلعة الفلانية بكذا، ذكره في الشرح نقلا عن الغيث. ~~وفى النهاية لا يحل سلف وبيع، وهو مثل أن يقول: بعتك هذا العبد بألف على أن ~~تسلفني ألفا في متاع، أو على أن تقرضني، ألفا، لأنه يقرضه ليحابيه في الثمن ~~فيدخل في حد الجهالة، ولان كل قرض جر منفعة فهو ربا، ولان في العقد شرطا ~~ولا يصح، وقوله، ولا شرطا في بيع) فسره في النهاية بأنه كقولك: بعتك هذا ~~الثوب نقدا بدينار وسيئة بدينارين، وهو كالبيعتين، في بيعة. والثالثة قوله ~~(ولا ربح ما لم يضمن) قبل معناه ما لم يملك وذلك هو الغصب فإنه غير ملك ~~للغاصب، فإذا باعه وربح في ثمنه لم يحل له الربح، وقيل معناه ما لم يقبض، ~~لان السلعة قبل قبضها ليست في ضمان المشترى إذا تلفت تلفت من مال البائع. ~~والرابعة قوله (ولا بيع ما ليس عندك) قد فسرها حديث حكيم ابن حزام عن أبي ~~عن داود والنسائي أنه قال: قلت: يا رسول يأتيني الرجل فيريد منى المبيع ليس ~~عندي فأبتاع له من السوق، قال: لا تبع ما ليس عندك) فدل على أنه لا يحل بيع ~~الشئ قبل أن يملكه. # 21 - (وعنه) أي عمرو بن شعيب (قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~بيع العربان) بضم العين المهملة وسكون المراء والباء الموحدة، ويقال أربان ~~ويقال عربون (رواه مالك قال: بلغني عن عمرو بن شعيب به) وأخرجه أبو داود ~~وابن ماجة وفيه راو لم بسم، وسمى في رواية فإذا هو ضعيف وله طرق ms0661 لا تخلو عن ~~مقال. فبيع العربان فسره مالك قال هو أن يشترى الرجل العبد أو الأمة ~~ويكترى، ثم يقول للذي اشترى منه أو أكتري منه: أعطيتك دينارا أو درهما على ~~أنى إن أخذت السلعة فهو من ثمنها وإلا فهو لك. واختلف الفقهاء في جواز هذا ~~البيع، فأبطله مالك والشافعي لهذا النهى، ولما فيه من الشرط الفاسد والغرر ~~ودخوله في أكل المال بالباطل، وروى عن عمر وابنه وأحمد جوازه. # 22 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ابتعت زيتا في السوق، فلما ~~استوجبته لقيني رجل فأعطاني به ربحا حسنا، فأردت أن أضرب على يد الرجل) ~~يعنى يعقد له البيع فأخذ رجل من خلفي بذراعي فالتقت فإذا هو زيد بن ثابت ~~قال: لاتبعه حيث ابتعته حتى تجوزه إلى رحلك فان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يجوزها التجار إلى رحالهم. رواه أحمد ~~وأبو داود واللفظ له، وصححه ابن حبان والحاكم) الحديث دليل على أنه لا يصح ~~من المشترى أن يبيع ما يبيع ما اشتراه قبل أن يجوزه إلى رحله والظاهر أن ~~المراد به القبض، لكنه عبر عنه بما ذكر لما كان غالب قبض المشترى الحيازة ~~PageV03P017 # إلى المكان الذي يختص به وأما نقله من مكان إلى مكان لا يختص به فعند ~~المجهور أن ذلك قبض، فصل الشافعي فقال: إن كان يتناول باليد كالدرهم والثوب ~~فقبضه نقل، وما ينقل في العادة كالأخشاب والحبوب والحيوان فقبضه بالنقل إلى ~~مكان آخر، وما كان لا ينقل كالعقار والثمر على الشجر فقبضه بالتخلية. قوله ~~(فلما استوجبته) في رواية أبى داود استوفيته وظاهر اللفظ أنه قبض ولم يكن ~~قد جازه إلى رحله، ويدل له قوله (نهى أن تباع السلعة. # حيث تبتاع حتى يجوزها التجار إلى رحالهم). # 23 - (وعنه) أي ابن عمر (قال: قلت يا رسول الله إني الدنانير، آخذ هذا من ~~أو أعطى هذا من هذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا بأس أن تأخذها ~~بسعر يومها ما لم تفترقا ms0662 وبينكما شئ. رواه الخمسة وصححه الحاكم) هو دليل ~~على أنه يجوز أن يقضى عن الذهب الفضة، وعن القضة الذهب، ل. ن ابن عمر كان ~~يبيع بالدنانير فيلزم المشترى في ذمته له دنانير وهي المثن ثم يقبض عنها ~~الدراهم وبالعكس، وبوب بالدنانير فيلزم المشترى في ذمته له الورق ولفظه ~~(كتب أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ بالدنانير وآخذ الدراهم، ~~وآخذ الدنانير، وأنه سأل رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا ~~بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفرقا وبينكما شئ وفيه دليل على أن فعلا ~~ذلك فحقه أن لا يفترقا إلا وقد قبض ما هو فبين صلى الله عليه وسلم الحكم ~~بأنهما إذا فعلا ذلك فحقه أن لا يفترقا إلا وقد قبض ما هو لازم عوض ما في ~~الذمة، فلا يجوز أن يقبض البعض من الذهب ويبقى البعض في ذمة من عليه ~~الدنانير، عوضا عنها ولا العكس لان ذلك من باب الصرف، والشرط فيه أن لا ~~يفترقا وبينهما شئ، وأما قوله في رواية أبى داود (بسعر يومها) فالظاهر أنه ~~غير شرط وإن كان أمرا أغلبيا في الواقع يدل ذلك قوله (فإذا اختلفت الأصناف ~~فبيعوا كيف شئتم إذا كان ياد بيد). # 24 - (وعنه) أي ابن عمر (قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~النجش) بفتح النون وسكون الجيم بعدها شين معجمة (متفق عليه) النجش لغة: ~~تنفير الصيد واستثارته من مكانه ليصاد. الزيادة في ثمن السلعة المعروفة ~~للبيع لا ليشتريها بل ليغر بذلك غيره. وسمى الناجش في السلعة ناجشا لأنه ~~يثير الرغبة فيها ويرفع ثمنها. قال ابن بطال: # أجمع العلماء على أن الناجش عاص بفعله، واختلفوا في البيع إذا وقع على ~~ذلك، فقال طائفة من أئمة الحديث: البيع فاسد، وبه قال أهل الظاهر وهو ~~المشهور في مذهب الحنابلة، ورواية عن مالك إلا أن الحنابلة يقولون بفساده ~~إن كان مواطأة من البائع: أو منه. وقالت المالكية: يثبت له الخيار وهو قول ~~الهادوية قياسا على المصراة، والبيع صحيح عندهم وعند ms0663 الحنفية قالوا: لأنه ~~النهى عائد إلى أمر مفارق للبيع وهو قصد الخداع فلم يقتض الفساد. وأما ما ~~نقل عن ابن عبد البر وابن العربي وابن حزم أن التحريم إذا كانت الزيادة ~~المذكورة فوق ثمن المثل، فلو أن رجلا رأى سلعة تباع بدو قيمتها فزاد فيها ~~لتنتهي إلى قيمتها لم يكن ناجشا عاصيا بل يؤجر على ذلك بنيته قالوا: لان من ~~النصحية فهو مردود بأن النصيحة تحصل PageV03P018 # بغير إيهام أنه يريد الشراء، وأما مع هذا فهو خداع وغرر، وبأنه أخرج ~~البخاري من حديث ابن أبي أوفى سبب نزول قوله تعالى: إن الذين يشترون بعهد ~~الله و أيمانهم ثمنا قليلا - الآية: قال: أقام رجل سلعته بالله لعد أعطى ~~بها ما لم فنزلت. قال ابن أبي أوفى: # الناجش آكل ربا خائن. فجعل ابن أبي أوفى من أخبر بأكثر ممن اشترى به أنه ~~ناجش لمشاركته لمن يزيد في السلعة وهو لا يريد أن يشتريها في ضرر الغير، ~~فاشتركا في الحكم لذلك، وحيث كان الناجش غير البائع فقد يكون آكل ربا إذا ~~جعل له البائع جعلا. # 25 - (وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ~~المحاقلة) مفاعلة بالحاء المهملة والقاف (والمزابنة) بزنتها بالزاي بعد ~~الألف موحدة فنون (والمخابرة) بزنتها بالخاء المعجمة فألف فموحدة فراء (وعن ~~الثنيا) بالمثلثة مضمومة فنون مفتوحة فمثناة تحتية برنة 1 الاستثناء (إلا ~~أن تعلم) عائد الأخير (رواه الخمسة إلا ابن ماجة وصححه الترمذي) اشتمل ~~الحديث على أربع صور نهى الشارع عنها. الأولى المحاقلة وفسرها جابر راوي ~~الحديث بأنها بيع الرجل من الرجل الزرع بمائة فرق 2 من الحنطة، وفسرها أبو ~~عبيد بأنها بيع الطعام في سنبله، وفسرها مالك بأن تكرى الأرض ببعض ما تنبت ~~وهذه هي المخابرة، ويبعد هذا التفسير عطفها عليها في هذه الرواية وبأن ~~الصحابي أعرف بتفسير ما روى، وقد فسرها جابر بما عرف كما أخرجه عنه ~~الشافعي: والثانية المزابنة مأخوذة من الزبن بفتح الزاي وسكون الموحدة. هو ~~الدفع الشديد، كأن كل واحد من ms0664 المتبايعين يدفع الآخر عن حقه، وفسرها ابن ~~عمر كما رواه مالك ببيع التمر، أي رطبا بالتمر كيلا وبيع العنب بالزبيب ~~كيلا، وأخرجه عنه الشافعي في الامام وقال: تفسير المحاقلة كيلا وبيع العنب ~~كيلا، وأخرجه عن الشافعي في الأم وقال: تفسير المحاقلة والمزابنة في ~~الأحاديث يحتمل أن يكون عن النبي صلى الله عليه وسلم منصوصا ويحتمل أنه ممن ~~رواه، والعلة النهى عن ذلك هو الربا العدم العلم بالتساوي. والثالثة ~~المخابرة وهي من المزارعة وهي المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها من ~~الزرع ويأتي الكلام عليها في المزارعة والرابعة الثنيا منهى عنها إلا أن ~~تعلم. وصورة ذلك أن يبيع شيئا ويستثنى بعضه، ولكنه إذا كان ذلك البعض ~~معلوما صحت نحو أن يبيع أشجارا أو أعنابا ويستثنى واحدة معينة، فان ذلك يصح ~~اتفاقا قالوا: لو قال إلا بعضها فلا يصح لان الاستثناء مجهول. وظاهر الحديث ~~أنه إذا علم القدر المستثنى صح مطلقا وقيل لا يصح أن يستثنى ما يزيد على ~~الثلث. هذا الوجه في النهى عن الثنيا هو الجهالة وما كان معلوما فقد انتفت ~~العلة فخرج عن حكم النهى وقد نبه النص عن العلة بقوله إلا أن تعلم. ~~PageV03P019 # 26 - (وعن آنس رضي الله عنه قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~المحاقلة والمخاضرة) بالخاء والضاد معجمتين مفاعلة في الحضرة (والملامسة ~~والمنابذة) بالذال المعجمة (والمزابنة. رواه البخاري) اشتمل الحديث على خمس ~~صور من البيع منهى عنها: # الأولى المحاقلة وتقدم الكلام فيها. والثانية المخاضرة، وهي بيع الثمار ~~والحبوب قبل أتن يبدو صلاحها، وقد اختلف العلماء فيما يصح بيعه من الثمار ~~والزرع فقال طائفة: إذا كان قد بلغ حدا ينتفع به ولو لم يكن قد أخذ الثمر ~~ألوانه واشتد الحب صح البيع بشرط القطع، وأما إذا شرط البقاء فلا يصح ~~اتفاقا لأنه شغل الملك البائع أو لأنه صفقتان في صفقة وهو إعارة أو إجارة ~~وبيع. وأما إذا بلغ حد الصلاح فاشتد الحب وأخذ الثمر ألوانه فبيعه صحيح ~~وفافا إلا أن يشترط المشترى بقاءه، فقيل ms0665 لا يصح البيع، وقيل يصح، وقيل إن ~~كانت المدة معلومة صح وإن كان غير معلومة لم يصح، فلو كان قد صلح بعض منه ~~دون بعض فبيعه غير صحيح. وللحنفية تفاصيل ليس عليها دليل. والثالثة ~~الملامسة، وبينها ما أخرجه البخاري عن الزهري أنها لمس الرجل الثوب بيده ~~بالليل أو النهار. وأخرج النسائي من حديث أبي هريرة (هي أن يقول الرجل ~~للرجل أبيعك ثوبي بثوبك ولا ينظر أحد منهما إلى ثوب الآخر ولكنه يلمسه) لما ~~أخرج أحمد عن عبد الرزاق عم معمر (الملامسة أن يلمس الثوب بيده ولا ينشره ~~ولا يقلبه إذا مسه وجب البيع). ومسلم من حديث أبي هريرة (أن يلمس كل واحد ~~منهما ثوب صاحبه من غير تأمل). والرابعة المنابذة فسرها ما أخرجه ابن ماجة ~~من طريق سفيان عن الزهري: المنابذة أن يقول ألق إلى ما معك وألقى إليك ما ~~معي والنسائي من حديث أبي هريرة أن يقول: أنبذ ما معي وتنبذ ما معك ويشترى ~~كل واحد منهما من الآخر ولا يدرى كل واحد منهما كم مع الآخر. وأحمد عن عبد ~~الرزاق عن معمر المنابذة: أن يقول إذا نبذت هذا الثوب فقد وجب البيع. ومسلم ~~من حديث أبي هريرة المنابذة: أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر لم ينظر ~~كل واحد منهما إلى ثوب صاحبه: وعلمت من قوله (فقد وجب البيع) أن بيع ~~الملامسة والمنابذة جعل فيه نفس اللمس والنبذ بيعا بغير صيغته وظاهر النهى ~~التحريم وللفقهاء تفاصيل في هذا لا تليق بهذا المختصر. # (فائدة) استدل يقوله لا ينظر إليه أنه لا يصح بيع الغائب وللعلماء ثلاثة ~~أقوال: الأول لا يصح وهو قول الشافعي. الثاني يصح ويثبت له الخيار إذا رآه ~~وهو للهادوية والحنفية. # والثالث إن وصفه صح وإلا فلا هو قول مالك وأحمد وآخرين، واستدل به على ~~بطلان بيع الأعمى وفيه أيضا ثلاثة أقوال. الأولى بطلانه وهو قول معظم ~~الشافعية حتى من أجاز منهم بيع الغائب لكون الأعمى لا يراه بعد ذلك. الثاني ~~يصح إن وصف له. والثالث ms0666 يصح مطلقا وهو للهادوية والحنفية. # 27 - (وعن طاوس بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~PageV03P020 # وسلم: لا تلقوا الركبان ولا يبع حاضر لباد. قلت لابن عباس ما قوله: ولا ~~يبع حاضر لباد؟ قال لا يكون له سمسار. متفق عليه، واللفظ للبخاري) اشتمل ~~الحديث على النهى عن صورتين من صور البيع. الأولى النهى عن تلقيا لركبان. ~~أي الدين يجلبون إلى البلد أرزاق العباد للبيع سواء كانوا ركبانا أو مشاة ~~جماعة أو واحدا، وإنما خرج الحديث على الأغلب في أن الجالب يكون عددا، وأما ~~ابتداء التلقي فيكون ابتداؤه من خارج السوق الذي تباع فيه السلعة. وفى حديث ~~ان عمر (كنا نتلقى الركبان فنشتري منهم الطعام فنهانا رسول الله صلى عليه ~~وسلم أن نبيعه حتى يبلغ به سوق الطعام) وفي لفظ آخر بيان أن التلقي لا يكون ~~في السوق قال ابن عمر: كانوا يبتاعون الطعام في أعلى السوق فيبيعونه في ~~مكانه فنها هم النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه في مكانه حتى ينقلوه ~~أخرجه البخاري، فدل على أن القصد إلى أعلى السوق لا يكون تلقيا أن منتهى ~~التلقي ما فوق السوق. # وقالت الهادوية والشافعية: إنه لا يكون التلقي إلا خارج البلد، وكأنهم ~~نظروا إلى المعنى المناسب للمنع وهو تغرير الجالب، فإنه إذا قدم إلى البلد ~~أمكنه معرفة السعر وطلب الحظ لنفسه فإن لم يفعل ذلك فهو من تقصيره. واعتبرت ~~لمالكية وأحمد وإسحاق السوق مطلقا عملا بظاهر الحديث: والنهى ظاهر في ~~التحريم حيث كان قاصدا التلقي عالما بالنهي عنه. وعن أبي حنيفة والأوزاعي ~~أن يجوز التلقي إذا لم يضر بالناس فان ضر كره، فان تلقاه فاشترى صح البيع ~~عند الهادوية والشافعية، وثبت الخيار عند الشافعي للبائع لما أخرجه أبو ~~داود والترمذي وصححه ابن حزيمة من حديث أبي هريرة بلفظ لا تلقوا الجلب قان ~~تلقاه انسان فاشتراه فصاحبه بالخيار إذا أتى السوق) ظاهر الحديث أن العلة ~~في النهى نفى البائع وإزالة الضرر عنه، وقيل نفع أهل السوق لحديث ابن ms0667 عمر ~~(لا تلقوا السلع حتى تهبطوا بها السوق). واختلف العلماء هل البيع معه صحيح ~~أو فاسد؟ فعند من ذكرناه قريبا أنه صحيح لان النهى لم يرجع إلى نفس العقد ~~ولا إلى وصف ملازم له فلا يقتضى النهى الفساد. وذهب طائفة من العلماء إلى ~~أنه فاسد لان النهى يقتضى الفساد مطلقا وهو الأقرب. وقد اشترط جماعة من ~~العلماء لتحريم التلقي شرائط، فقيل يشترط في التحريم أن يكذب المتلقى في ~~سعر البلد ويشترى منهم بأقل من ثمن المثل، وقيل أن يخبرهم بكثرة المؤنة ~~عليهم في الدخول، وقيل أن يخبر هم بكساد ما معهم ليغبنهم وهذه تقييدات لم ~~يدل عليها دليل بل الحديث أطلق النهى، والأصل فيه التحريم مطلقا. الصورة ~~الثانية ما أفاده قوله (ولا يبع حاضر لباد) وقد فسره ابن فسره ابن عباس ~~بقوله: لا يكون له سمسار بسينين مهملتين، وهو في الأصل القيم بالأمر ~~والحافظ، ثم اشتهر في متولى البيع والشراء لغيره بالأجرة كذا قيده البخاري، ~~وجعل حديث ابن عباس مقيدا لما أطلق من الأحاديث. وأما بغير أجرة فجعله من ~~باب النصيحة والمعاونة فأجازه، وظاهر أقوال العلماء، أن النهى شامل لما كان ~~بأجرة وما كان بغير أجرة، وفسر بعضهم صورة بيع الحاضر للبادي بأن يجئ البلد ~~غريب بسلعة يريد بسعر الوقت في الحال، فيأتيه الحاضر، فيقول ضعه عندي ~~لأبيعه لك على PageV03P021 # التدرج بأعلى من هذا السعر، ثم من العلماء من حض هذا الحكم بالبادي وجعله ~~قيد ومنهم من الحق به الحاضر إذا شاركه في عدم معرفة السعر وقال: ذكر ~~البادى في الحديث خرج مخرج الغالب. فأما أهل القرى الذين يعرفون الأسعار ~~فليسوا بداخلين في ذلك، ثم منهم من قيد ذلك بشرط العلم بالنهي وأن يكون ~~المتاع المجلوب مما تعم به الحاجة وأن يعرض الحضري ذلك على البدوي، فلو ~~عرضه البدوي على الحضري لم يمنع. وكل هذه القيود لا يدل عليها الحديث بل ~~استنبطوها من تعليلهم للحديث بعلل متصيدة من الحكم. ثم قد عرفت أن الأصل في ~~النهى التحريم وإلى هنا ذهبن ms0668 طائفة من العلماء. وقال آخرون: # إن الحديث منسوخ وإنه جائز مطلقا كتوكيله والحديث النصيحة، ودعوى النسخ ~~غير صحيحة لافتقارها إلى معرفة إلى معرفة التاريخ ليعرف المتأخر. وحديث ~~النصيحة إذا استنصح أحد كم أخاه فلينصح له) مشروط فيه أنه إذا استنصحه نصحه ~~بالقول لا أنه يتولى له البيع، وهذا في حكم بيع الحاضر للبادي، وكذا الحكم ~~في الشراء له فلا يشترى حاضر لباد. وقد قال البخاري (باب لا يشترى حاضر ~~لباد بالسمسرة) قال ابن حبيب المالكي: الشراء للبادي كالبيع لقوله صلى الله ~~عليه وسلم لا يبع بعضكم على بيع بعض فان معناه الشراء، أخرج أبو عوانة في ~~صحيحة عن ابن سيرين قال: (لقيت أنس بن مالك فقلت: لا يبع حاضر لباد أما ~~نهيتم أن تبيعوا أو تبتاعوا لهم؟ قال: نعم) وأخرجه أبو داود، وعن ابن سيرين ~~عن أنس كان يقال لا بيع حاضر لباد وهي كلمة جامعة لا يبيع له شيئا ولا ~~يبتاع له شيئا. فان قيل قد لوحظ في النهى عن تلقى الجنوبة عدم غبن البادى، ~~ولو حظ في النهى عن بيع الحاضر البادى الرفق بأهل البلد واعتبر فيه غبن ~~البادى وهو كالتناقض. فالجواب أن الشارع يلاحظ مصلحة الناس ويقدم مصلحة ~~الجماعة على الواحد لا الواحد على الجماعة. ولما كان البادى إذا باع لنفسه ~~انتفع جميع أهل السوق، واشتروا رخيصا فانتفع به جميع سكان البلد لاحظ ~~الشارع نفع أهل البلد على نفع البادى، ولما كان في التلقي إنما ينتفع ~~المتلقى خاصة وهو واحد لم يكن في إباحة التلقي مصلحة لا سيما وقد تنضاف إلى ~~ذلك علة ثانية وهي لحوق النصر بأهل السوق في انفراد التلقي عنهم في الرخص ~~وقطع الموارد عليهم وهم أكثر من المتلقى. نظر الشارع لهم فلا تناقض بين ~~المسألتين بل هما صحيحتان في الحكمة والمصلحة. # 28 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: # لا تلقوا الجلب) بفتح اللام مصدر بمعنى المجلوب (فمن تلقى فاشترى منه ~~فإذا أتى سيده فهو الخيار. رواه ms0669 مسلم) تقدم الكلام عليه وأنه دليل على ثبوت ~~الخيار للبائع، وظاهر ولو شراه المتلقى بسعر السوق فان الخيار. ثابت. # 29 - (وعنه) أي أبي هريرة (قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يبيع محاضر لباد ولا تناجشوا ولا يبيح الرجل على بيع أخيه ولا يخطب على ~~خطبة) PageV03P022 # بكسر الحاء المعجمة، وأما في الجمعة وغيرها فبضمها (أخيه ولا تسأل المرأة ~~طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها) كفأت الاناء كبيته وقبلته (متفق عليه. ~~ولمسلم لا يسوم المسلم على سوم المسلم) اشتمل الحديث على مسائل منهى عنها. ~~الأولى نهى عن بيع الحاضر للبادي وقد تقدم. الثانية ما يفيده قوله (ولا ~~تناجشوا) وهو معطوف في المعنى على قوله نهى، لان معناه لا بيع حاضر لباد ~~ولا تناجشوا وتقدم الكلام عليه قريبا في حديث ابن عمر (نهى رسوله الله صلى ~~عليه وسلم عن النجش) الثالثة قوله (ولا يبيع الرجل على بيع أخيه) يروى برفع ~~المضارع على أن لا نافية وبجزمه على أنها ناهية وإثبات الياء يقوى الأول، ~~وعلى الثاني فبأنه عومل المجزوم معاملة غير المجزوم فتركت الياء، وفى رواية ~~بحذفها فلا إشكال. # وصورة البيع على البيع أن يكون قد وقع البيع وبالخيار فيأتي في مدة ~~الخيار رجل فيقول للمشترى افسخ هذا البيع وأنا أبيعك مثله بأرخص منه ثمنه ~~أو أحسن منه، وكذا الشراء على الشراء هو أن يقول للبائع في مدة الخيار افسخ ~~البيع أونا أشتريه منك بأكثر من هذا الثمن. وصورة السوم أن يكون قد اتفق ~~مالك السلعة والراغب فيها على البيع ولم يعقد فيقول آخر للبائع أنا أشتريه ~~مك بأكثر بعد أن كانا اتفقا على المثن. وقد أجمع العلماء على تحريم هذه ~~الصورة كلها وأن فاعلها عاص. وأما بيع المزايدة وهو البيع ممن يزيد فليس من ~~المنهى عنه. وقد بوب البخاري (باب بيع المزايدة) وورد في ذلك صريحا ما ~~أخرجه أحمد وأصحاب السنن واللفظ للترمذي، وقال حسن عن أنس أنه صلى الله ~~عليه وسلم باع حلسا وقدحا وقال، من يشترى هذا الحلس ms0670 والقدح؟ فقال رجل آخذ ~~هما بدرهم، فقال من يزيد على درهم؟ فأعطوه رجل درهمين فباعهما منه) وقال ~~ابن عبد البر: إنه لا يحرم البيع ممن يزيد اتفاقا، وقيل إنه يكره. واستدل ~~لقائله بحديث عن سفيان بن وهب أنه قال (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن بيع المزايدة) لكنه من رواية ابن الهيعة وهو ضعيف. الرابعة قوله ~~(ولا يخطب على خطبة أخيه) زاد في مسلم إلا أن أن يأذن له) وفى رواية حتى ~~يأذن والنهى يدل على تحريم ذلك. وقد أجمع العلماء على تحريم العلماء على ~~تحريمها إذا كان قد صرح بالإجابة ولم بأذن ولم يترك، فان تزوج والحال هذه ~~عصى اتفاقا وصح عند الجمهور. قال داود: # بفسخ النكاح، ونعم ما قال وهي رواية عن مالك وإنما اشتراط التصريح ~~بالإجابة وإن كان النهى مطلقا الحديث فاطمة بنت قيس فإنها قالت (خطبني أبو ~~جهم ومعاوية) فلم ينكر رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة بعضهم على بعض بل ~~خطبها مع ذلك لأسامة) والقول بأنه يحتمل أنه لم يعلم أحدهما بخطبة الآخر ~~وأنه صلى الله عليه وسلم أشار بأسامة لا أنه خطب خلاف الظاهر، وقوله أخيه) ~~أي في الدين، ومفهومه. ن لو كان غير أخ كأن يكون كافرا فلا يحرم وهو حيث ~~تكون المرأة كتابية وكان تستجير نكاحها وبه قال الأوزاعي، PageV03P023 # اعتبار المفهومة. الخامسة ولا تسأل المرأة يروى مرفوعا ومجزوما وعليه ~~فكسر اللام لالتقاء الساكنين، والمراد أن المرأة الأجنبية لا تسأل الرجل أن ~~يطلق وينكحها ويصبر ما هو لها من النفقة والشعرة لها. وعبر عن ذلك بالاكفاء ~~لما في الصحفة من باب التمثيل كأن ما ذكر لما كان معدا في حكم ما قد جمعة ~~في الصحفة من باب التمثل كأن ما ذكر لما كان معدا للزوجة فهو في حكم ما قد ~~جمعته في الصحفة لتنتفع به، فإذا ذهب عنها فكأنما قد كفئت الصحفة وخرج ذلك ~~عنها، فعبر عن ذلك المجموع المركب بالمركب المذكور للشبه بينهما. # 30 - (وعن أبي أيوب الأنصاري ms0671 رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: من فرق بين والدة وولد ها فرق الله بينه وبين أحبته يوم ~~القيامة. رواه أحمد وصحة الترمذي والحاكم لكن في إسناده مقال) لان فيه حيى ~~بن عبد الله المعافري مختلف فيه (وله شاهد) كأنه يريد حديث عبادة بن الصامت ~~(لا يفرق بين الأم وولدها، قيل إلى متى؟ قال حتى يبلغ الغلام وتحيض ~~الجارية) أخرجه الدارقطني والحاكم، وفى سنده عندهما عبد الله بن عمرو ~~الواقفي وهو ضعيف، ولا يخفى أن هذا الحديث والذي بعده كان يحسن ضمهما إلى ~~عمر الذي تقدم في النهى عن بيع أمهات الأولاد أو يؤخر هو إلى هنا، وهذا ~~الحديث ظاهر في تحريم التفريق بين الوالدة والدها، وظاهره عام في الملك ~~والجهات، إلا أن لا يعلم أنه ذهب أحد إلى هذا العموم فهو محمول على التفريق ~~في الملك وهو صريح في حديث على الآتي، وظاهره أيضا تحريم التفريق ولو بعد ~~البلوغ إلا أنه يقيده بحديث عبادة. وفى الغيث أنه خصه في الكثير الاجماع ~~كما في العتق وكأن البلوغ إلا أنه يقيده بحديث عبادة. وفى الغيث أنه خصه في ~~الكبير الاجماع كما في العتق عليه سائر الأرحام المحارم بجامع الرحامة ~~وكذلك ورد النص في الاخوة وهو ما أفاده قوله: # 31 - (وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أمرني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن أبيع غلامين أخوين، فبعتهما ففرقت بينهما، فذكرت ذلك للنبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: أدركهما فارتجعهما ولا تبعهما إلا جميعا. رواه ~~أحمد ورجاله ثقاب. وقد في العلل عن أبيه إنما سمعه الحكم من ميمون بين أبى ~~شبيب وهو يرويه عن علي رضي الله عنه وميمون لم يدرك عليا. والحديث دليل على ~~بطلان هذا البيع، ودل على تحريم التفريق كما دل عليه الحديث الأول إلا أن ~~الأول دل على التفريق بأي وجه متن الوجوه . وهذا الحديث نص في في تحريمه ~~بالبيع وألحقوا به تحريم التفريق بسائر الانشاءات كالهبة والنذر وهو ms0672 ما كان ~~باختيار المفرق. وأما التفريق بالقسمة فليس باختياره، فان سبب الملك قهري ~~وهو الميراث، وحديث علي رضي الله عنه قد دل على بطلان البيع، ولكنه عارضه ~~الحديث الأول حديث أبي أيوب فإنه دل على صحة الاخراج عن الملك بالبيع. ~~ونحوه المستحق للعقوبة إذ لو كان لا الاخراج عن الملك لم يتحقق التفريق فلا ~~عقوبة، ولذا اختلف العد PageV03P024 # في ذلك. فذهب أبو حنيفة إلى أنه ينعقد مع العصيان، قالوا: والامر ~~بالارتجاع للغلامين يتحمل أن يعقد جديد برضا المشترى. # (فائدة) في التفريق بين البهيمة وولدها وجهان: لا يصح لنهيه صلى الله ~~عليه وسلم عن تهذيب البهائم. ويصح قياسا على الذبح وهو الأولى. # 32 - (وعن أنس رضي الله عنه قال: غلا السعر) الغلاء ممدود: وهو ارتفاع ~~السعر على معتاده (في المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ~~الناس: يا رسول الله غلا السعر لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ~~الله هو المسعر) يعنى يفعل ذلك هو وحده بإرادته (القابض) أي المقتر ~~(الباسط) الموسع مأخوذ من قوله تعالى - والله يقبض ويبسط - (الرازق، إني ~~لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال. رواه ~~الخمسة إلا النسائي وصححه ابن حبان) وأخرجه ابن ماجة والدارمي والبزار وأبو ~~يعلى من حديث. أنس وإسناده على شرط مسلم وصححه الترمذي. الحديث دليل على أن ~~التسعير مظلمة، وإذا مظلمة فهو محرم وإلى هذا ذهب أكثر العلماء. وروى عن ~~مالك أن يجوز التسعير ولو في القوتين. والحديث دال على تحريم التسعير لكل ~~متاع، وإن كان سياقه في خاص، وقال المهدى، طن استحسن الأئمة المتأخرين ~~تسعير ما عدا القوتين كاللحم والسمن رعاية المصلحة الناس ودفع الضرر عنهم. ~~وقد استوفينا الكلام في هذه المسألة في منحة الغفار، وبسطنا القول هناك بما ~~لا مزيد عليه 33 - (وعن معمر بن عبد الله) هو بفتح الميم وسكون العين وفتح ~~الميم، ويقال له معمر بن أبي معمر. أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة، وتأخرت ~~هجرته إلى المدينة ms0673 ثم هاجر إليها وسكن بها (عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: لا يحتكر إلا خاطئ) بالهمزة هو العاصي الآثم (رواه مسلم) وفى ~~الباب أحاديث دالة على تحريم الاحتكار، وفى النهاية على قوله صلى الله عليه ~~وسلم، من احتكر طعاما قال أي اشتراه وحسبه ليقل فيعلوا. # وظاهر حديث مسلم تحريم الاحتكار للطعام وغيره إلا أن يدعى أن لا يقال ~~احتكر إلا في الطعام. وقد ذهب أبو يوسف إلى عمومه فقال: كل ما أضر بالناس ~~حبسه فهو احتكار وإن كان ذهبا أو ثيابا، وقيل لا احتكار إلا في قوت الناس ~~وقوت البهائم وهو قول الهادوية والشافعية، ولا يخفى أن الأحاديث الواردة في ~~منع الاحتكار وردت مطلقة ومقيدة بالطعام وما كان من الأحاديث على هذا ~~الأسلوب فإنه عند الجمهور لا يقيد فيه المطلق بالمقيد لعدم التعارض بينهما ~~بل يبقى المطلق على إطلاقه وهذا يقتضى أنه يعمل بالمطلق في منع الاحتكار ~~مطلقا، ولا يقيد بالقوتين إلا على رأى أبي ثور. وقد رده أئمة الأصول، وكأن ~~المجهور خصوه بالقوتين نظرا إلى الحكمة المناسبة للتحريم، وهي دفع الضرر عن ~~عامة الناس، والأغلب في دفع الضرر عن العامة إنما يكون في القوتين، فقيدوا ~~الاطلاق بالحكمة المناسبة أو أنهم قيدوه بمذهب الصحابي الراوي، فقد أخرج ~~مسلم عن سعيد بن المسبب أن كان يحتكر، PageV03P025 # فقيل له فإنك تحتكر، فقال: لان معمرا راوي الحديث كان يحتكر. قال ابن عبد ~~البر: # كانا يحتكران الزيت. وهذا ظاهر أن سعيدا قيد الاطلاق بعمل الراوي، وأما ~~معمر فلا يعلم بم قيده؟ ولعله بالحكمة المناسبة التي قيد بها المجهور. # 34 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا ~~تصروا بضم المثناة الفوقية وفتح الصاد المهملة من صرى يصري على الأصلح ~~(الإبل والغنم عمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين) الرأيين (بعد أن يحلبها ~~إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاعا) عطف على ضمير المفعول في ردها على تقدير ~~ويعطى (من تمر. متفق عليه، ولمسلم) أي عن أبي هريرة ms0674 (فهو بالخيار ثلاثة ~~أيام. وفى رواية له علقها البخاري، ورد معها صاعا من طعام إلا سمراء. قال ~~البخاري والتمر أكثر) أصل التصرية حبس الماء، يقال صريت الماء إذا حبسته. ~~وقال الشافعي: هي ربط أخلاف حي الحديث البقر والحكم واحد لحديث (نهى عن ~~التصرية للحيوان إذا أريد بيعه) لأنه قد ورد تقييده في رواية النسائي بلفظ ~~(ولا تصروا الإبل والغنم للبيع) وفى رواية له إذ باع أحد كم الشاة أو ~~اللقحة فليحلبها، وهذا هو الراجح عند المجهور، ويدل عليه التعليل بالتدليس ~~والغرر كذا قيل، إلا أنى لم التعليل بهما منصوصا. وأما التصرية لا لبيع بل ~~ليجتمع الحليب لنفع لمالك فهو وإن كان فيه إيذاء للحيوان إلا أنه ليس فيه ~~إضرار فيجوز، وظاهر الحديث أنه لا يثبت الخيار إلا بعد الحلب، ولو ظهرت ~~التصرية بغير حلب فالخيار ثابت، وثبوت الخيار قاض بصحة بيع المصراة. وفى ~~الحديث دليل على أن الرد بالتصرية فورى، لان الفاء في قوله (فهو بخير ~~النظرين) تدل على التعقيب من غير تراخ وإليه ذهب بعض الشافعية، وذهب الأكثر ~~إلى أنه على التراخي لقوله (فله الخيار ثلاثا). أجيب من طرف القائل بالفور ~~أن ذلك محمول على ما إذا لم يعلم أنها مصراة إلا في الثالث لان الغالب أنها ~~لا تعلم في أقل من ذلك الجواز النقصان باختلاف العلف ونحوه، ولان في رواية ~~أحمد والطحاوي (فهو بأحد النظرين بالخيار إلى أن يجوزها أو يردها) وأما ~~ابتداء الثلاث ففيه خلاف، قيل من بعد تبين التصرية، وقيل من عند العقد، ~~وقيل من التفريق. ودل الحديث أنه يرد عوض اللبن صاعا من تمر. وأما الرواية ~~التي علقها البخاري بذكر صاعا من طعام، فقد رجح البخاري رواية التمر لكونه ~~أكثر 2، وإذا ثبت أنه يرد المشترى صاعا من تمر في المسألة ثلاثة مذاهب: ~~الأول للجمهور من الصحابة والتابعين باثبات الردة للمصراة ورد صاع من تمر ~~سواء كان اللبن كثيرا أو قيلا والتمر قوتا لأهل البلد أولا. والثاني ~~للهادوية فقالوا: ترد المصراة، ولكنهم قالوا: يرد اللبن بعينه ms0675 إن كان ~~باقيا، أو مثله إن كان تالفا أو قيمته يوم PageV03P026 # الرد حيث لم يوجد المثل قالوا: وذلك لأنه تقرر أن ضمان المتلف إن كان ~~مثليا فبالمثل وإن كان بذلك فكيف يضمن بالتمر أو الطعام؟ قالوا وأيضا فإنه ~~كان الواجب أن يختلف الضمان بقدر اللبن ولا يقدر بصاح قل أكثر. وأجيب بأن ~~هذا القياس تضمن العموم في جميع المتلفات وهذا خاص ورد النص والخاص مقدم ~~على العام. أما تقدير الصاع، فإنه قدره الشارع ليدفع التشاجر لعدم الوقوف ~~على حقيقة قد اللبن الجواز اختلاطه بحادث بعد البيع، فقطع الشارع النزاع ~~وقدره بحد لا يبعد رفعا للخصومة، وقدره بأقرب شئ اللبن، فإنهما كانا قوتين ~~في ذلك الزمان، ولهذا الحكم نظائر في الشريعة وهو ضمان الجنايات كالموضحة ~~فان أرشها 2 مقدر مع الاختلاف في الكبر والصغر والغرة 3 في الجنين مع ~~اختلافه. والحكمة في ذلك كله دفع التشاجر. والثالث للحنفية، فخالفوا 4 ~~فخالفوا في أصل المسألة وقالوا: لا يرد البيع بعيب التصرية فلا يجب رد ~~الصاع من التمر واعتذروا عن الحديث بأعذار كثيرة بالقدح في الصحابي ~~PageV03P027 # الراوي للحديث وبأنه حديث مضطرب 1 وبأنه منسوخ 2 بأنه معارض بقوله تعالى ~~وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به - وكلها أعذار مردودة، وقالوا: ~~الحديث خالف قياس الأصول من جهات. الأولى من حيث إن اللبن التأليف إذا كان ~~موجودا عند العقد فقد نقص جزء من المبيع فيمتنع الرد وإن كان حادثا عند ~~المشترى فهو غير مضمون. أجيب PageV03P028 # أولا بأن الحديث أصل مستقل برأسه ولا يقال إنه خالف قياس الأصول. ثانيا ~~بأن النقص إنما يمنع الرد إذا لم يكن لاستعلام العيب وهو هنا لاستعلام ~~العيب، فلا يمنع والثانية من حيث إنه جعل الخيار فيه ثلاثا مع أن خيار ~~العيب وخيار المجلس وخيار الرؤية لا يقدر شئ منها بالثلاث. وأجيب بأن ~~المصراة انفردت بالمدة المذكورة لأنه لا يتبين حكم التصرية في الأغلب إلا ~~بها بخلاف غيرها. والثالثة أنه يلزم ضمان الأعيان مع بقائها حيث كان اللبن ~~موجودا. وأجيب عنه ms0676 بأنه غير موجود متميز، لأنه مختلط باللبن، الحادث فقد ~~تقذر رده بعينه بسبب الاختلاط، فيكون مثل ضمان العبد الآبق المغصوب. ~~والرابعة من حيث إنه يلزم إثبات الرد بغير عيب، لأنه لو كان نقصان البن ~~عيبا لثبت به الرد من دون تصرية ولا اشتراط لأنه لم يشترط الرد. وأجيب بأنه ~~في حكيم خيار الشرط من حيث المعنى، فان المشترى لما رأى ضرعها مملوءا فكأن ~~البائع شرط له أن ذلك عادة لها، وقد ثبت لهذا نظائر مثل ما تقدم في تلقى ~~الجلوبة. وإذا تقرر عندك ضعف القولين الآخرين علمت أن الحق هو الأول، وعرفت ~~أن الحديث أصل في النهى عن الغش وفى ثبوت الخيار لمن دلس عليه، وفى أن ~~التدليس لا يفسد أصل القعد، وفى تحريم التصرية للمبيع وثبوت الخيار بها. ~~وقد أخرج أحمد وابن ماجة من حديث ابن مسعود مرفوعا بيع المحفلان خلابة ولا ~~تحل الخلابة لسلم، وفى إسناده ضعف، ورواه ابن أبي شيبة موقوفا بسند صحيح، ~~والمحفلات جمع محفلة الحاء المهملة والفاء التي تجمع لبنها في ضروعها، ~~والخلابة بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام بعدها موحدة الخداع. # 35 - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: من اشترى شاة محفلة فردها فليرد ~~معها صاعا رواه البخاري، وزاد الإسماعيلي: من تمر) لم يرفعه المصنف بل وقفه ~~على ابن مسعود، لان البخاري لم يرفعه، وقد تقدم الكلام على معناه مستوفى. # 36 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر ~~على صبرة) الصبرة بضم الصاد المهملة وسكون الموحدة، الكوفة المجموعة من ~~الطعام (من طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعة بللا فنالت أصابت بللا فقال: ~~ما هذا يا صاحب الطعام، قال أصابته السماء يا رسول الله، قال: أفلا جعلته ~~فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس منى رواه مسلم) قال النووي: كذا في ~~الأصول منى بياء المتكلم وهو صحيح، ومعناه: # ليس ممن اهتدى بهدى واقتدى بعلمي وعملي وحسن طريقي. وقال سفيان بن عيينة: ~~يكره تفسير مثل هنا ونقول: نمسك ms0677 عن تأويله ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في ~~الزجر. # والحديث دليل على تحريم الغش وهو مجمع على تحريمة شرعا مذموم فاعله عقلا ~~37 - (وعن عبد السلام بن بريدة) هو أبو سهل عبد الله بن بريدة بن الحصيب ~~الأسلمي قاضي مرو تابعي ثقة، سمع أباه وغيره (عن أبيه رضي الله عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حبس العنب أيام القطاف) الأيام يقطف ~~فيها (حتى PageV03P029 # يبيعه ممن يتخذه خمرا فقد تقحم النار على بصيرة) أي على علم بالسبب ~~الموجب لدخول (رواه الطبراني في الأوسط باسناد حسن) وأخرجه البيهقي في شعب ~~الايمان من حديث بريدة بريدة بزيادة (حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو ممن ~~يعلم أنه تتخذه خمرا فقد تقحم في النار على بصيرة والحديث دليل على تحريم ~~بيع العنب يتخذه خمرا يتخذه خمرا لوعيد البائع بالنار وهو مع القصد محرم ~~إجماعا. وأما مع عدم القصد فقال الهادوية: يجوز البيع مع الكراهة ويؤول بأن ~~ذلك مع الشك في جعله خمرا. وأما إذا علمه فهو محرم. ويقاس على ذلك كان ~~يستعان في معصية. وأما مالا يفعل إلا لمعصية كالمزامير ونحوها فلا يجوز ~~بيعها ولا شراؤها إجماعا، وكذلك بيع السلاح والكراع من الكفار والبغاة إذا ~~كانوا ويستعينون بها على حرب المسلمين، فإنه لا يجوز إلا أن بأفضل منه جاز. # 38 - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # الخراج بالضمان. رواه الخمسة وضعفه البخاري) لان فيه مسلم بنه خالد ~~الزنجي وهو ذاهب الحديث (وأبو داود وصححه والترمذي وابن خزيمة وابن الجارود ~~وابن حبان والحاكم وابن القطان) الحديث أخرجه الشافعي أصحاب السنن بطوله، ~~وهو (أن رجلا اشترى غلاما في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عنده ~~ما شاء الله ثم رده من عيب وجد فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم برده ~~بالعيب، فقال المقضى عليه قد استعمله، فقال رسول الله صلى عليه وسلم: ~~الخراج بالضمان، والخراج هو النغلة والكراء، ومعناه أن المبيع إذا ms0678 كان له ~~وغلة فان مالك الرقبة الذي هو ضامن لها يملك خراجها لضمان أصلها، فإذا ~~ابتاع رجل فاستعملها أو ماشية فنتجها أو دابة فركبها أو عبدا فاستخدمه ثم ~~وجد به عيبا فله أن يرد الرقبة ولا شئ عليه فيما انتفع به، لأنها لو تلفت ~~ما بين مدة الفسخ والعقد لكانت في ضمان المشترى فوجب أن يكون الخراج له. ~~وقد اختلف العلماء الحديث وما وجد من الفوائد الأصلية والفرعية فهو للمشترى ~~ويرد المبيع ما لم يكن ناقصا عما أخذه. الثاني للهادوية أنه يفرق بين ~~الفوائد الأصلية والفرعية فيستحق المشترى الفرعية. وأما الأصلية فتصير ~~أمانة في يده، فان رد المشترى المبيع بالحكم وجب الرد ويضمن التلف، وإن كان ~~بالتراضي لم يردها. الثالث للحنفية أن المشترى يستحق الفوائد الفرعية ~~كالكراء. وأما الفوائد الأصلية كالثمر فان كانت باقية ردها الأصل، وإن كانت ~~تالفة امتنع الرد واستحق الأرش. الرابع المالك أن يفرق الفوائد الأصلية ~~كالصوف والشعر فيستحقه المشترى والولد يرده مع أمه وهذا ما لم تكن متصلة ~~بالمبيع وقت الرد، فان كانت متصلة وجب الرد لها إجماعا هذا ما قاله ~~المذكورون، والحديث ظاهر فيها ذهب إليه الشافعي وأما إذا وطئ المشترى الأمة ~~ثم وجد فيها عيبا فقد اختلف العلماء في دلك، فقالت: الهادوية وأهل الرأي ~~والثوري وإسحاق الرد لان الوطئ جناية، لأنه لا يحل وطئ الأمة لأصل ~~PageV03P030 # المشترى ولا لفصله فقد عيبها بذلك، قالوا وكذا مقدمات الوطئ يمتنع الرد ~~بعدها لذلك قالوا ولكنه يرجع على البائع بأرش العيب، وقيل يردها ويرد معها ~~مثلها. ومنهم من فرق بين الثيب والبكر. وقد استوفى الخطابي ذلك ونقله ~~الشارح، والكل أقوال عارية عن الاستدلال، ودعوى أن الوطئ جناية دعوى غير ~~صحيحة، والتعليل بأنه حرمها به على أصوله وفصوله. فكانت جناية عليهما فإنه ~~لم ينحصر المشترى لها فيهما. # 39 - (وعن عروة البارقي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه ~~دينارا يشترى به أضحية أو شاة فاشترى به شاتين فباع إحداهما بدينار، فأتاه ~~بشاة ودينار، فدعا له بالبركة ms0679 في بيعه، فكان لو اشترى ترابا بالربح فيه. ~~رواه الخمسة إلا النسائي، وقد أخرجه البخاري ضمن حديث ولم يسق لفظه، وأورد ~~له الترمذي شاهدا من حديث حكيم بن حزام) الحديث في إسناده سعيد بن زيد أخو ~~حماد مختلف فيه. قال المنذري والنووي: إسناده حسن صحيح وفيه كلام كثير. ~~وقال المصنف: الصواب أنه متصل في إسناده مبهم. وفى الحديث دلالة على أن ~~عروة شرى ما لم يوكل بشرائه وباع كذلك، لأنه أعطاه دينارا الشراء أضحية، ~~فلو وقف على الامر لشرى ببعض الدينار الأضحية ورد البعض، وهذا الذي فعله هو ~~الذي تسميه الفقهاء العقد الموقوف الذي ينفذ بالإجازة الذي ينفذ بالإجازة ~~وقد وقعت هنا، وللعلماء فيه خد أقوال: # الأول أنه يصح العقد الموقوف، وذهب إلى هذا جماعة من السلف والهادوية ~~عملا بالحديث والثاني أن لا يصح وإليه ذهب الشافعي وقال: إن الإجارة لا ~~تصحيحه محتجا بحديث لا تبع ما ليس عندك) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، ~~وهو شامل للمعدوم وملك الغير، وتردد الشافعي في صحة حديث عروة، وعلق القول ~~به على صحته. ولثالث على صحة. والثالث التفصيل لأبي حنيفة، فقال: يجوز ~~البيع لا الشراء. وكأنه فرق بينهما. بأن البيع اخراج عن ملك المالك، ~~وللمالك حق في استبقا. ملكه، فإذا أجاز فقد أسقط حقه بخلاف الشراء فإنه ~~إثبات الملك، فلا بد من تولى المالك لذلك. والرابع لمالك وهو عكس ما قاله ~~أبو حنيفة، وكأنه أراد الجمع بين الحديثين، حديث (لا تبع ما ليس عندك) ~~وحديث عروة، فيعمل به ما لم يعارض. # والخامس أنه يصح إذا وكل بشراء شئ فيشترى بعضه وهو للجصاص بعضه وهو ~~للجصاص، إذا صح حديث عروة فالعمل به هو الراجح. وفيه على صحة بيع الأضحية ~~وإن تعينت بالشراء لابدال المثل، ولا تطيب زيادة الثمن، ولذا أمره بالتصدق ~~بها، وفى دعائه صلى الله عليه وسلم له بالبركة دليل على أن شكر الصنيع لمن ~~فعل المعروف لمن فعل المعروف ومكافأته مستحبة ولو بالدعاء. # 40 - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن ms0680 النبي صلى الله عليه وسلم نهى ~~عن شراء ما في بطون الانعام حتى تضع، وعن بيع ما في ضروعها، وعن شراء العبد ~~وهو آبق، وعن شراء المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن ضربة ~~الغائص، رواه ابن ماجة والبزار والدار قطني باسناد ضعيف) لأنه من حديث شهر ~~بن حوشب، وشهر تكلم فيه جماعة كالنضر بن شميل والنسائي وابن عدي وغير هم. ~~وقال البخاري: شهر حسن PageV03P031 # الحديث، وقوى أمره. وروى عن أحمد أنه قال: ما أحسن حديثه. والحديث اشتمل ~~على ست صور منهى عنها: الأولى بيع ما في بطون الحيوان وهو مجمع على تحريمه. ~~والثانية اللبن في الضروع وهو مجمع عليه أيضا وقد تقدم. والثالثة العبد ~~الآبق، وذلك لتعذر تسليمه، والرابعة شراء المغانم قبل القسمة، وذلك لعدم ~~الملك. والخامسة شراء الصدقات قبل القبض، فإنه لا يستقر ملك المتصدق عليه ~~إلا بعد القبض، إلا أن استثنى الفقهاء من ذلك بيع المصدق للصدقة قبل بعد ~~التخلية فإنه يصح، لأنهم جعلوا التخلية كالقبض في حقه. السادسة ضربة الغائص ~~وهو أن يقول: أغوص في البحر غوصة بكذا فما خرج فهو لك، والعلة في ذلك هو ~~الغرر. # 41 - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: # لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر. رواه أحمد، وأشار إلى أن الصواب ~~وقفه) وهو دليل على حرمة بيع السمك في الماء وقد علله بأنه غرر، وذلك لأنه ~~تختفى في الماء حقيقته ويرى الصغير كبيرا وعكسه، وظاهره النهى عن ذلك ~~مطلقا. وفصل الفقهاء في ذلك فقالوا: # إن كان في ماء كثير لا يمكن أخذه إلا بتصيد، ويجوز عدم أخذه فالبيع غير ~~صحيح، وإن كان في ماء لا يفوت فيه ويؤخذ بتصيد فالبيع صحيح ويثبت فيه ~~الخيار بعد التسليم وإن كان لا تحتاج إلى تصيد فالبيع صحيح ويثبت فيه خيار ~~الرؤية، وهذا التفصيل يؤخذ من الأدلة والتعليل المقتضى للالحاق يخصص عموم ~~النهى. # 42 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال. نهى رسول الله صلى ms0681 عليه وسلم أن ~~تباع ثمرة حتى تطعم) بضم المثناة الفوقية وكسر العين يبدو صلاحها (ولا يباع ~~صوف على ظهر، ولا لبن في ضرع. رواه الطبراني في الأوسط والدارقطني، وأخرجه ~~أبو داود في المرسل لعكرمة) وهو الراجح (وأخرجه أيضا موقوفا على ابن عباس ~~باسناد قوى ورجحه البيهقي) اشتمل الحديث على ثلاث مسائل: الأولى النهى عن ~~بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها ويطيب أكلها ويأتي الكلام في ذلك. الثانية ~~النهى عن بيع الصوف على الظهر، وفيه قولان للعلماء: الأول أنه لا يصح عملا ~~بالحديث، ولأنه يقع الاختلاف في موضع القطع من الحيوان فيقع الاضرار به ~~وهذا قول الهادوية والشافعي وأبي حنيفة. والقول الثاني أنه يصح البيع لأنه ~~مشاهد يمكن تسليمه فيصح كما صح من المذبوح، وهذا قول مالك ومن وافقه قالوا: ~~والحديث موقوف على ابن عباس، والقول الأول أظهر، ولحديث قد تعاضد فيه ~~المرسل والموقوف، وقد صح النهى عن الغرر والغرر حاصل فيه. والثالثة النهى ~~عن بيع اللبن في الضرع لما فيه من الغرر. وذهب سعيد بن جبير إلى جوازه قال ~~لأنه صلى الله عليه وسلم سمى الصرع خزانة في قوله فيمن يحلب فيمن يحلب شاة ~~أخيه بغير إذنه (يعمد أحد لم إلى خزانة أخيه ويأخذ ما فيها) وأجيب بأن ~~تسميته خزانة مجاز، ولئن سلم فبيع ما في الخزانة، بيع غرر، ولا يدرى بكميته ~~وكيفيته. # 43 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى ~~PageV03P032 # بيع المضامين) المراد بهما ما في بطون الإبل (والملاقيح) هو ما في ظهور ~~الجمال (رواه البزار وفى إسناده ضعف) لان في رواية صالح بن أبي الأخضر عن ~~الزهري وهو ضعيف، ورواه مالك عن الزهري عن سعيد مرسلا قال الدارقطني في ~~العلل: تابعه معمر ووصله عمر بن قيس عن الزهري وقول مالك هو الصحيح وفى ~~الباب عن ابن عمر أخرجه عبد الرزاق باسناد قوى. والحديث دليل على عدم صحة ~~بيع المضامين والملاقيح، وقد تقدم وهو إجماع. # 44 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ms0682 قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: من أقال مسلما بيعته أقال الله عثرته. رواه أبو داود وابن ماجة، ~~وصححه، ابن حبان والحاكم) وهو عند لفظه (من أقال مسلما أقال الله عثرته يوم ~~القيامة) قال أبو الفتح القشيري: هو على شرطهما. وفى الباب ما يشده من ~~الأحاديث الدالة على فضل الإقالة. # وحقيقتها شرعا رفع العقد الواقع بين المتعاقدين وهي مشروعة إجماعا، ولا ~~بد من لقظ يدل عليها وهو أقلت أو ما يفيد معناه عرفا. وللإقالة شرائط ذكرت ~~في كتب الفروع لا دليل عليها، إنما دل الحديث على أنها تكون بين المتبايعين ~~لقوله (بيعته). وأما كون المقال مسلما فليس بشرط، وإنما ذكر لكونه حكما ~~أغلبيا، إلا فثواب الإقالة ثابت في إقالة غير المسلم، وقد ورد بلفظ (من ~~أقال نادما) أخرجه البزار. # باب الخيار الخيار بكسر الخاء المعجمة اسم من الاختيار أو التخيير وهو ~~طلب خير الامرين من إمضاء البيع أو فسخه وهو أنواع: ذكر المصنف في هذا ~~الباب خيار الشرط وخيار المجلس. # وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله (ص) قال: إذا تبايع الرجلان فكل ~~اي أوقعا العقد بينهما الا تساوما من غير عقد (فكل واحد منهما بالخيار ما ~~لم يتفرقا) وفي لفظ يفترقا والمراد بالأبدان (وكانا جميعا، أو يخير) من ~~التخيير (أحدهما الآخر) فإن خير أحدهما الآخر أي إذا اشترط أحدهما الخيار ~~مدة معلومة فإن الخيار لا ينقضي بالتفرق بل يبقى حتى تمضي مدة الخيار التي ~~شرطها. وقيل المراد إذا اختار إمضاء البيع قبل التفرق لزمه البيع حينئذ ~~وبطل اعتبار التفرق ويدل لهذا قوله: (فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك ~~فقد وجب البيع) أي نفذ وتم (وإن تفرقا) بالأبدان (بعد أن تبايعا) أي عقدا ~~عقد البيع (ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع متفق عليه واللفظ ~~لمسلم). الحديث دليل على ثبوت PageV03P033 # خيار المجلس للمتبايعين وأنه يمتد إلى أن يحصل التفرق بالأبدان. وقد ~~اختلف العلماء في ثبوته على قولين: الأول: ثبوته وهو لجماعة من الصحابة ~~منهم علي ms0683 عليه السلام وابن عباس وابن عمر وغيرهم، وإليه ذهب أكثر التابعين ~~والشافعي وأحمد وإسحاق والامام يحيى قالوا: # والتفرق الذي يبطل له الخيار ما يسمى عادة تفرقا ففي المنزل الصغير بخروج ~~أحدهما، وفي الكبير بالتحول من مجلسه إلى آخر بخطوتين أو ثلاث ودل على أن ~~هذا تفرق فعل ابن عمر المعروف. فإن قاما معا أو ذهبا معا فالخيار باق وهذا ~~المذهب دليله هذا الحديث المتفق عليه. القول الثاني: للهادوية والحنفية ~~ومالك والامامية: أنه لا يثبت خيار المجلس بل متى تفرق المتبايعان بالقول ~~فلا خيار إلا ما شرط مستدلين: بقوله تعالى: # * (وتجارة عن تراض) * وبقوله: * (وأشهدوا إذا تبايعتم) *. قالوا: ~~والاشهاد إن وقع بعد التفرق لم يطابق الامر وإن وقع قبله لم يصادف محله ~~وحديث: إذا اختلف البيعان فالقول قول البائع ولم يفصل. وأجيب بأن الآية ~~مطلقة قيدت بالحديث . وكخيار الشرط. وكذلك الحديث وآية الاشهاد يراد بهما ~~عند العقد ولا ينافيه ثبوت خيار المجلس كما لا ينافيه سائر الخيارات. # قالوا: والحديث منسوخ بحديث: المسلمون على شروطهم والخيار بعد لزوم العقد ~~يفيد الشرط. ورد بأن الأصل عدم النسخ ولا يثبت بالاحتمال. قالوا: ولأنه من ~~رواية مالك ولم يعمل به. وأجيب بأن مخالفة الراوي لا توجب عدم العمل ~~بروايته لان عمله مبني على اجتهاده وقد يظهر له ما هو أرجح عنده مما رواه ~~وإن لم يكن أرجح في نفس الامر. # قالوا: وحديث الباب يحمل على المتساومين فإن استعمال البائع في المساوم ~~شائع. وأجيب عنه بأنه إطلاق مجازي والأصل الحقيقة. وعورض بأنه يلزم أيضا ~~حمله على المجازي على القول الأول فإنه على تقدير القول بأن المراد التفرق ~~بالأبدان هو بعد تمام الصيغة وقد مضى فهو مجاز في الماضي. وردت هذه ~~المعارضة بأنا لا نسلم أنه مجاز في الماضي بل هو حقيقة فيه كما ذهب إليه ~~الجمهور بخلاف المستقبل فمجاز اتفاقا. قالوا: المراد التفرق بالأقوال. ~~والمراد بالتفرق فيما هو ما بين قول البائع بعتك بكذا أو قول المشتري ~~اشتريت. # قالوا فالمشتري بالخيار في قوله اشتريت أو تركه ms0684 والبائع بالخيار إلى أن ~~يوجب المشتري. # ولا يخفى ركاكة هذا القول وبطلانه فإنه إلغاء للحديث عن الفائدة إذ من ~~المعلوم يقينا أن كلا من البائع والمشتري في هذه الصورة على الخيار إذ لا ~~عقد بينهما فالاخبار به لاغ عن الإفادة ويرده لفظ الحديث كما لا يخفى. ~~فالحق هو القول الأول وأما معارضة حديث الباب بالحديث الآتي، وهو قوله: # 2 - (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهما أن النبي (ص) قال: ~~PageV03P034 # البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له ~~أن يفارقه خشية أن يستقيله رواه الخمسة إلا ابن ماجة ورواه الدارقطني وابن ~~خزيمة وابن الجارود. وفي رواية: حتى يتفرقا عن مكانهما) وبحديث أبي داود عن ~~ابن عمرو بلفظ: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار ولا ~~يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله. قالوا فقوله أن يستقيله دال على ~~نفوذ البيع فقد أجيب عنه بأن الحديث دليل خيار المجلس أيضا لقوله: بالخيار ~~ما لم يتفرقا. وأما قوله: أن يستقيله فالمراد به الفسخ لأنه لو أريد ~~الاستقالة حقيقة لم يكن للمفارقة معنى فتعين حملها على الفسخ وعلى ذلك حمله ~~الترمذي وغيره من العلماء فقالوا: معناه لا يحل له أن يفارقه بعد البيع ~~خشية أن يختار فسخ المبيع فالمراد بالاستقالة فسخ النادم. وحملوا نفي الحل ~~على الكراهة لأنه لا يليق بالمروءة وحسن معاشرة المسلم لان اختيار الفسخ ~~حرام. وأما ما روي عن ابن عمر (أنه كان إذا بايع رجلا فأراد أن يتم بيعته ~~قام يمشي هنيهة فرجع إليه) فإنه محمول على أن ابن عمر لم يبلغه النهي. وقال ~~ابن حزم: حمل حديث ابن عمرو هذا على التفرق بالأقوال تذهب معه فائدة الحديث ~~لأنه يلزم معه حل التفرق سواء خشي أن يستقيله أو لا لان الإقالة تصح قبل ~~التفرق وبعده. قال ابن عبد البر: قد أكثر المالكية والحنفية من الكلام برد ~~الحديث بما يطول ذكره وأكثره لا يحصل منه شئ وإذا ms0685 ثبت لفظ مكانهما لم يبق ~~للتأويل مجال وبطل بطلانا ظاهرا حمله على تفرق الأقوال. # 3 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ذكر رجل لرسول الله (ص) أنه يخدع ~~في البيوع فقال: إذا بايعت فقل لا خلابة متفق عليه. (وعن ابن عمر رضي الله ~~عنهما قال: ذكر رجل) هو حبان بفتح الحاء بن منقد المهملة والباء الموحدة ~~(للنبي (ص) أنه يخدع في البيوع فقال: إذا بايعت فقل لا خلابة) بكسر الخاء ~~المعجمة وتخفيف اللام وبموحدة أي لا خديعة (متفق عليه). زاد ابن إسحاق في ~~رواية يونس بن بكير و عبد الأعلى عنه: ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ~~ثلاث ليال فإن رضيت فأمسك وإن سخطت فاردد فبقي ذلك الرجل حتى أدرك زمان ~~عثمان وهو ابن مائة وثلاثين سنة فكثر الناس في زمان عثمان فكان إذا اشترى ~~شيئا فقيل له إنك غبنت فيه رجع فيشهد له رجل من الصحابة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد جعل له الخيار ثلاثا فيرد له دراهمه. والحديث دليل على خيار ~~الغبن في البيع والشراء إذا حصل الغبن. واختلف فيه العلماء على قولين: ~~الأول: ثبوت الخيار بالغبن وهو قول أحمد ومالك ولكن إذا كان الغبن فاحشا ~~لمن لا يعرف ثمن السلعة. وقيده بعض المالكية بأن يبلغ الغبن ثلث القيمة ~~ولعلهم أخذوا التقييد مما علم من أنه لا يكاد يسلم أحد من مطلق الغبن في ~~غالب الأحوال، ولان القليل يتسامح به في العادة وأنه من رضى بالغبن بعد ~~معرفته فإن ذلك لا يسمى غبنا، وإنما يكون من باب التساهل في البيع الذي ~~أثنى صلى الله عليه وسلم على فاعله وأخبر أن الله يحب الرجل سهل البيع سهل ~~الشراء. وذهب الجماهير من العلماء PageV03P035 # إلى عدم ثبوت الخيار بالغبن لعموم أدلة البيع ونفوذه من غير تفرقة بين ~~الغبن أولا، قالوا: # وحديث الباب إنما كان الخيار فيه لضعف عقل ذلك الرجل إلا أنه ضعف لم يخرج ~~به عن حد التمييز فتصرفه كتصرف الصبي المأذون له ويثبت به الخيار ms0686 مع الغبن. ~~قلت: ويدل لضعف عقله ما أخرجه أحمد وأصحاب السنن من حديث أنس بلفظ: إن رجلا ~~كان يبايع وكان في عقله أي إدراكه - ضعف. ولأنه لقنه صلى الله عليه وسلم ~~بقوله: " لا خلابة " اشتراط عدم الخداع فكان شراؤه وبيعه مشروطا بعدم ~~الخداع ليكون من باب خيار الشرط. قال ابن العربي: إن الخديعة في هذه القصة ~~يحتمل أن تكون في العيب أو في الملك أفي الثمن أو في العين فلا يحتج بها في ~~الغبن بخصوصه وهي خاصة لا عموم فيها. # قلت: في رواية ابن إسحاق أنه شكا إلى النبي (ص) ما يلقى من الغبن وهي ترد ~~ما قاله ابن العربي. وقال بعضهم: إنه إذا قال الرجل البائع أو المشتري لا ~~خلابة ثبت الخيار وإن لم يكن فيه غبن. ورد بأنه مقيد بما في الرواية أنه ~~كان يغبن. وأثبت الهادوية الخيار بالغبن في صورتين، الأولى: من تصرف عن ~~الغير. والثانية: في الصبي المميز محتجين بهذا الحديث. وهو دليل لهم على ~~الصورة الثانية إذا ثبت أنه كان في عقله ضعف دون الأولى باب الربا الربا - ~~بكسر الراء مقصورة - من ربا يربو، ويقال الرماء - بالميم والمد - بمعناه. ~~والربية - بضم الراء والتخفيف - وهو الزيادة، ومنه قوله تعالى (اهتزت وربت) ~~ويطلق الربا على كل بيع محرم وقد أجمعت الأمة على تحريم الربا في الجملة ~~وإن اختلفوا في التفاصيل. والأحاديث النهي عنه وذم فاعله ومن أعانه كثيرة ~~جدا وردت بلعنه ومنها: # 1 - (عن جابر رضي الله عنه قال: لعن رسول الله (ص) آكل الربا وموكله ~~وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء رواه مسلم. وللبخاري نحوه من حديث أبي جحيفة) ~~أي دعا على المذكورين بالابعاد عن الرحمة. وهو دليل على إثم من ذكر وتحريم ~~ما تعاطوه وخص الأكل لأنه الأغلب في الانتفاع وغيره مثله، والمراد من موكله ~~الذي أعطى الربا لأنه ما تحصل الربا إلا منه فكان داخلا في الاثم. وإثم ~~الكاتب والشاهدين لإعانتهم على المحظور وذلك إذا قصدا وعرفا بالربا وورد في ~~رواية لعن الشاهد بالافراد على ms0687 إرادة الجنس: فإن قلت حديث: اللهم ما لعنت ~~من لعنة فاجعلها رحمة أو نحوه وفي لفظ: ما لعنت فعلى من لعنت يدل على أنه ~~لا يدل اللعن منه صلى الله عليه وسلم على التحريم وأنه لم يرد به حقيقة ~~الدعاء على من أوقع عليه اللعن؟ قلت: PageV03P036 # ذلك فيما إذا كان من أوقع عليه اللعن غير فاعل لمحرم معلوم أو كان اللعن ~~في حال غضب منه (ص). # 2 - (وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: الربا ثلاثة ~~وسبعون بابا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل ~~المسلم رواه ابن ماجة مختصرا والحاكم بتمامه وصححه) وفي معناه أحاديث وقد ~~فسر الربا في عرض المسلم بقول السبتان بالسبة وفيه دليل على أنه يطلق الربا ~~على الفعل المحرم وإن لم يكن من أبواب الربا المعروفة وتشبيه أيسر الربا ~~بإتيان الرجل أمه لما فيه من استقباح ذلك عند العقل. # 3 - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: # لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا) بضم المثناة الفوقية ~~فشين معجمة مكسورة ففاء مشددة أي لا تفضلوا (بعضها على بعض، ولا تبيعوا ~~الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها غائبا ~~بناجز) بالجيم والزاي أي حاضر (متفق عليه). الحديث دليل على تحريم بيع ~~الذهب بالذهب والفضة بالفضة متفاضلا سواء كان حاضرا أو غائبا لقوله: إلا ~~مثلا بمثل فإنه استثنى من أعم الأحوال كأنه قال لا تبيعوا ذلك في حال من ~~الأحوال إلا في حال كونه مثلا بمثل أي متساويين قدرا. وزاده تأكيدا بقوله: ~~ولا تشفوا أي لا تفاضلوا وهو من الشف بكسر الشين وهي الزيادة هنا. وإلى ما ~~أفاده الحديث ذهبت الجلة من العلماء: الصحابة والتابعين والعترة والفقهاء ~~فقالوا: يحرم التفاضل فيما ذكر غائبا كان أو حاضرا. وذهب ابن عباس وجماعة ~~من الصحابة إلى أنه لا يحرم الربا إلا في النسيئة مستدلين بالحديث الصحيح " ~~لا ربا ms0688 إلا في النسيئة " وأجاب الجمهور بأن معناه: لا ربا أشد إلا في ~~النسيئة فالمراد نفي الكمال لا نفي الأصل ولأنه مفهوم وحديث أبي سعيد منطوق ~~ولا يقاوم المفهوم المنطوق فإنه مطروح مع المنطوق. وقد روى الحاكم أن ابن ~~عباس رجع عن ذلك القول أي بأنه لا ربا إلا في النسيئة واستغفر الله من ~~القول به. ولفظ الذهب عام لجميع ما يطلق عليه من مضروب وغيره وكذلك لفظ ~~الورق. وقوله: لا تبيعوا غائبا منها بناجز المراد بالغائب ما غاب عن مجلس ~~البيع مؤجلا كان أو لا والناجز الحاضر. # 4 - (وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله (ص) الذهب بالذهب، والفضة ~~بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلا ~~بمثل سواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان ~~يدا بيد رواه مسلم) لا يخفى ما أفاده من التأكيد بقوله مثلا بمثل وسواء ~~بسواء. وفيه دليل على تحريم التفاضل فيما اتفقا جنسا من الستة المذكورة ~~التي PageV03P037 # وقع عليها النص. وإلى تحريم الربا فيها ذهبت الأمة كافة واختلفوا فيما ~~عداها فذهب الجمهور إلى ثبوته فيما عداها مما شاركها في العلة ولكن لما لم ~~يجدوا علة منصوصة اختلفوا فيها اختلافا كثيرا يقوي للناظر العارف أن الحق ~~ما ذهبت إليه الظاهرية من أنه لا يجري الربا إلا في الستة المنصوص عليها. ~~وقد أفردنا الكلام على ذلك في رسالة مستقلة سميتها: القول المجتبى واعلم ~~أنه اتفق العلماء على جواز بيع ربوي بربوي لا يشاركه في الجنس مؤجلا ~~ومتفاضلا كبيع الذهب بالحنطة والفضة بالشعير وغيره من المكيل واتفقوا على ~~أنه لا يجوز بيع الشئ بجنسه وأحدهما مؤجل. # 5 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # الذهب بالذهب وزنا بوزن) نصب على الحال (مثلا بمثل، والفضة بالفضة وزنا ~~بوزن مثلا بمثل فمن زاد أو استزاد فهو ربا رواه مسلم) فيه دليل على تعين ~~التقدير بالوزن لا بالخرص والتخمين بل لا بد من التعيين الذي يحصل بالوزن ~~وقوله: ms0689 # فمن زاد أي أعطى الزيادة أو استزاد أي طلب الزيادة فقد أربى أي فعل الربا ~~المحرم واشترك في إثمه الآخذ والمعطي. # 6 - (وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما: أن رسول الله (ص) ~~استعمل رجلا) اسمه سواد بفتح السين المهملة وتخفيف الواو ودال مهملة - ابن ~~غزية - بفتح الغين المعجمة وكسر الزاي ومثناة تحتية - بزنة عطية وهو من ~~الأنصار (على خيبر فجاءه بتمر جنيب) بالجيم المفتوحة والنون - بزنة عظيم ~~يأتي ببيان معناه (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل تمر خيبر هكذا؟ ~~فقال: لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين ~~بالثلاثة فقال النبي (ص): لا تفعل بع الجمع بفتح الجيم وسكون الميم التمر ~~الردئ بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا وقال في الميزان مثل ذلك. متفق ~~عليه. # ولمسلم: وكذلك الميزان). الجنيب: قيل الطيب، وقيل الصلب، وقيل الذي أخرج ~~منه حشفه ورديئه وقيل هو الذي لا يختلط بغيره، وقد فسر الجمع بما ذكرناه ~~آنفا وفسر في رواية لمسلم بأنه الخليط من التمر ومعناه مجموع من أنواع ~~مختلفة. والحديث دليل على أن بيع الجنس بجنسه يجب فيه التساوي سواء اتفقا ~~في الجودة والرداءة أو اختلفا وأن الكل جنس واحد. وقوله: وقال في الميزان ~~مثل ذلك أي قال فيما كان يوزن إذا بيع بجنسه مثل ما قال في المكيل إنه لا ~~يباع متفاضلا وإذا أريد مثل ذلك بيع بالدراهم وشري ما يراد بها والاجماع ~~قائم على أنه لا فرق بين المكيل والموزون في ذلك الحكم. واحتجت الحنفية ~~بهذا الحديث على أنه ما كان في زمنه صلى الله عليه وسلم مكيلا لا يصح أن ~~يباع ذلك بالوزن متساويا بل لا بد من اعتبار كيله وتساويه كيلا وكذلك ~~الوزن. وقال ابن عبد البر: إنهم أجمعوا أن ما كان أصله الوزن لا يصح أن ~~يباع بالكيل بخلاف ما كان أصله الكيل فإن بعضهم يجيز فيه الوزن PageV03P038 # ويقول إن المماثلة تدرك بالوزن في كل شئ. وغيرهم يعتبرون الكيل والوزن ~~بعادة البلد ms0690 ولو خالف ما كان عليه في ذلك الوقت فإن اختلفت العادة اعتبر ~~بالأغلب فإن استوى الأمران كان له حكم المكيل إذا بيع بالكيل وإن بيع ~~بالوزن كان له حكم الموزون. # واعلم أنه لم يذكر في هذه الرواية أنه صلى الله عليه وسلم أمره برد البيع ~~بل ظاهرها أنه قرره وإنما أعلمه بالحكم وعذره للجهل به. إلا أنه قال ابن ~~عبد البر: إن سكوت الراوي عن رواية فسخ العقد ورده لا يدل على عدم وقوعه ~~وقد أخرج من طريق أخرى وكأنه يشير إلى ما أخرج من طريق أبي نضرة عن أبي ~~سعيد نحو هذه القصة فقال (هذا الربا فردوه) قال: # ويحتمل تعدد القصة وأن التي لم يقع فيها الرد كانت متقدمة. وفي الحديث ~~دلالة على جواز الترفيه على النفس باختيار الأفضل. # 7 - (وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم مكيلها بالكيل المسمى من التمر ~~رواه مسلم). دل الحديث على أنه لا بد من التساوي بين الجنسين وتقدم اشتراطه ~~وهو وجه النهي. # 8 - (وعن معمر بن عبد الله رضي الله عنه قال: إني كنت أسمع رسول الله (ص) ~~يقول: الطعام بالطعام مثلا بمثل وكان طعامنا يومئذ الشعير، رواه مسلم) ظاهر ~~لفظ الطعام أنه يشمل كل مطعوم ويدل على أنه لا يباع متفاضلا، وإن اختلف ~~الجنس. والظاهر أنه لا يقول أحد بالعموم وإنما الخلاف في البر والشعير كما ~~سيأتي عن مالك ولكن معمر خص الطعام بالشعير وهذا من التخصيص بالعادة ~~الفعلية حيث لم يغب الاسم وقد ذهب إلى التخصيص بها الحنفية. والجمهور لا ~~يخصصون بها إلا إذا اقتضت غلبة الاسم وإلا حمل اللفظ على العموم ولكنه ~~مخصوص بما تقدم من قوله فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم بعد عده للبر ~~والشعير فدل على أنهما صنفان وهو قول الجماهير. وخالف ذلك مالك والليث ~~والأوزاعي فقالوا: هما صنف واحد لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا وسبقهم ~~إلى ذلك معمر ms0691 بن عبد الله راوي الحديث فأخرج مسلم عنه أنه أرسل غلامه بصاع ~~قمح فقال: بعه ثم اشتر به شعيرا. فذهب الغلام فأخذ صاعا وزيادة بعض صاع ~~فقال له معمر: لم فعلت ذلك؟ انطلق فرده ولا تأخذن إلا مثلا بمثل فإني سمعت ~~رسول الله (ص) ثم ساق هذا الحديث المذكور. فقيل له: فإنه ليس مثله. فقال: ~~إني أخاف أن يضارع. وظاهره أنه اجتهاد منه ويرد عليهم ظاهر الحديث. ونص ~~حديث أبي داود والنسائي من حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله (ص) : ~~لا بأس ببيع البر بالشعير والشعير أكثرهما يدا بيد. # 9 - (وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: اشتريت يوم خيبر قلادة باثني ~~عشر دينارا فيها ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا ~~فذكرت PageV03P039 # ذلك للنبي (ص) فقال: لا تباع حتى تفصل. رواه مسلم). الحديث قد أخرجه ~~الطبراني في الكبير بطرق كثيرة بألفاظ متعددة حتى قيل إنه مضطرب. وأجاب ~~المصنف أن هذا الاختلاف لا يوجب ضعفا بل المقصود من الاستدلال محفوظ لا ~~اختلاف فيه وهو النهي عن بيع ما لم يفصل وأما جنسها وقدر ثمنها فلا يتعلق ~~به في هذه الحالة ما يوجب الاضطراب. وحينئذ فينبغي الترجيح بين رواتها وإن ~~كان الجميع ثقات فيحكم بصحة رواية أحفظهم وأضبطهم فتكون رواية الباقين ~~بالنسبة إليه شاذة وهو كلام حسن يجاب به فيما يشابه هذا مثل حديث جابر وقصة ~~جمله ومقدار ثمنه. والحديث دليل على أنه لا يجوز بيع ذهب مع غيره بذهب حتى ~~يفصل ويباع الذهب بوزنه ذهبا ويباع الآخر بما زاد ومثله غيره من الربويات ~~فإنه (ص) قال: لا تباع حتى تفصل فصرح ببطلان العقد وأنه يجب التدارك له. ~~وقد اختلف في هذا الحكم فذهب كثير من السلف والشافعي وأحمد وغيرهم إلى ~~العمل بظاهر الحديث. وخالف في ذلك الهادوية والحنفية وآخرون وقالوا بجواز ~~ذلك بأكثر مما فيه من الذهب ولا يجوز بمثله ولا بدونه. قالوا: وذلك لأنه ~~حصل الذهب في مقابلة الذهب والزائد من الذهب في ms0692 مقابلة المصاحب له فصح ~~العقد. # قالوا لأنه إذا احتمل العقد وجه صحة وبطلان حمل على الصحة. قالوا: وحديث ~~القلادة الذهب فيها أكثر من اثني عشر دينارا لأنها إحدى الروايات في مسلم ~~وصححها أصحاب أبي علي الغساني. والتي لفظها: قلادة فيها اثنا عشر دينارا هي ~~أيضا كرواية الأكثر في الحكم. # وهو على التقديرين لا يصح لأنه لا بد أن يكون المنفرد أكثر من المصاحب ~~ليكون ما زاد من المنفرد في مقابلة المصاحب. وأجاب المانعون بأن الحديث فيه ~~دلالة على علة النهي وهو عدم الفصل حيث قال: لا تباع حتى تفصل وظاهره ~~الاطلاق في المساوي وغيره. فالحق مع القائلين بعدم الصحة ولعل حكمة النهي ~~هو سد الذريعة إلى وقوع التفاضل في الجنس الربوي ولا يكون إلا بتمييزه بفصل ~~واختبار المساواة بالكيل أو الوزن وعدم الكفاية بالظن في التغليب. ولمالك ~~قول ثالث في المسألة وهو أنه يجوز بيع السيف المحلى بالذهب إذا كان الذهب ~~في البيع تابعا لغيره وقدره بأن يكون الثلث فما دونه وعلل لقوله بأنه إذا ~~كان الجنس المقابل بجنسه الثلث فما دونه فهو مغلوب ومكثور للجنس المخالف ~~والأكثر ينزل في غالب الاحكام منزلة الكل فكأنه لم يبع ذلك الجنس بجنسه ولا ~~تخفى ركته وضعفه. وأضعف منه القول الرابع وهو جواز بيعه بالذهب مطلقا مثلا ~~بمثل أو أقل أو أكثر ولعل قائله ما عرف حديث القلادة. # 10 - (وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه: أن النبي (ص) نهى عن PageV03P040 # بيع الحيوان بالحيوان نسيئة رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن الجارود). ~~وأخرجه أحمد وأبو يعلى والضياء في المختارة كلهم من حديث الحسن عن سمرة. ~~وقد صححه الترمذي وقال غيره رجاله ثقات إلا أن الحفاظ رجحوا إرساله لما في ~~سماع الحسن من سمرة من النزاع لكن رواه ابن حبان والدارقطني من حديث ابن ~~عباس ورجاله ثقات أيضا. إلا أنه رجح البخاري وأحمد إرساله. وأخرجه الترمذي ~~عن جابر بإسناد لين وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند عن جابر بن ~~سمرة والطحاوي والطبراني عن ms0693 ابن عمر. وهو يعضد بعضه بعضا وفيه دليل على عدم ~~صحة بيع الحيوان بالحيوان نسيئة إلا أنقد عارضه رواية أبي رافع أنه صلى ~~الله عليه وسلم استسلف بعيرا بكرا وقضى رباعيا وسيأتي. فاختلف العلماء في ~~الجمع بينه وبين حديث سمرة فقيل: المرا بحديث سمرة أن يكون نسيئة من ~~الطرفين معا فيكون من بيع الكالئ بالكالئ وهو لا يصح وبهذا فسره الشافعي ~~جمعا بينه وبين حديث أبي رافع. # وذهبت الهادوية والحنفية والحنابلة إلى أن هذا ناسخ لحديث أبي رافع. ~~وأجيب عنه بأن النسخ لا يثبت إلا بدليل والجمع أولى منه وقد أمكن بما قاله ~~الشافعي. ويؤيده آثار عن الصحابة أخرجها البخاري قال: اشترى ابن عمر راحلة ~~بأربعة أبعرة مضمونة عليه يوفيها صاحبها بالربذة واشترى رافع بن خديج بعيرا ~~ببعيرين وأعطاه أحدهما وقال آتيك بالآخر غدا. وقال ابن المسيب لا ربا في ~~البعير بالبعيرين والشاة بالشاتين إلى أجل. # واعلم أن الهادوية يعللون منع بيع الحيوان الموجود بالحيوان المفقود بأن ~~المبيع القيمي لا بدأن يكون موجودا عند العقد في ملك البائع له والحيوان ~~قيمي مبيع مطلقا فيجب كونه موجودا وإن لم يكن حاضرا مجلس العقد فلا بد أن ~~يكون مميزا عند البائع إما بإشارة أو لقب أو وصف وكذلك عللوا منع قرض ~~الحيوان بعدم إمكان ضبطه. وحديث أبي رافع يزعمون نسخه ويأتي تحقيق الكلام ~~في شرح الحديث الرابع عشر. # 11 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: إذا ~~تبايعتم بالعينة) بكسر العين المهملة وسكون المثناة التحتية وأخذتم أذناب ~~البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا) بضم الذال المعجمة ~~والكسر: الاستهانة والضعف (لا ينزعه شئ حتى ترجعوا إلى دينكم رواه أبو داود ~~من رواية نافع عنه وفي إسناده مقال). لان في إسناده أبا عبد الرحمن ~~الخراساني اسمه إسحاق عن عطاء الخراساني قال الذهبي في الميزان: هذا من ~~مناكيره. (ولأحمد نحوه من رواية عطاء ورجاله ثقات وصححه ابن القطان). قال ~~المصنف: وعندي أن الحديث الذي صححه ابن القطان ms0694 معلول لأنه لا يلزم من كونه ~~رجاله ثقات أن يكون صحيحا لان الأعمش مدلس ولم يذكر سماعه من عطاء وعطاء ~~يحتمل أن يكون هو الخراساني، PageV03P041 # فيكون من تدليس التسوية بإسقاط نافع بن عطاء وابن عمر فيرجع إلى الحديث ~~الأول وهو المشهور اه‍. والحديث له طرق عديدة عقد له البيهقي بابا وبين ~~عللها. # واعلم أن بيع العينة هو أن يبيع سلعة بثمن معلوم إلى أجل ثم يشتريها من ~~المشتري بأقل ليبقى الكثير في ذمته وسميت عينة لحصول العين أي النقد فيها ~~ولأنه يعود إلى البائع عين ماله. وفيه دليل على تحريم هذا البيع وذهب إليه ~~مالك وأحمد وبعض الشافعية عملا بالحديث قالوا ولما فيه من تفويت مقصد ~~الشارع من المنع عن الربا وسد الذرائع مقصود. قال القرطبي: لان بعض صور هذا ~~البيع تؤدي إلى بيع التمر بالتمر متفاضلا ويكون الثمن لغوا. وأما الشافعي ~~فنقل عنه أنه قال بجوازه أخذا من قوله (ص) في حديث أبي سعيد وأبي هريرة ~~الذي تقدم: بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا. قال فإنه دال على ~~جواز بيع العينة فيصح أن يشتري ذلك البائع له ويعود له عين ماله لأنه لما ~~لم يفصل ذلك في مقام الاحتمال دل على صحة البيع مطلقا سواء كان من البائع ~~أو غيره. # وذلك لان ترك الاستفصال في مقام الاحتمال يجري مجرى العموم في المقال. ~~وأيد ما ذهب إليه الشافعي بأنه قد قام الاجماع على جواز البيع من البائع ~~بعد مدة لا لأجل التوصل إلى عوده إليه بالزيادة. وقالت الهادوية: يجوز ~~البيع من البائع إذا كان غير حيلة ولا فرق بين التعجيل والتأجيل وبأن ~~المعتبر في ذلك وجود الشرط في أصل العقد وعدمه فإذا كان مشروطا عند العقد ~~أو قبله على عوده إلى البائع فالبيع فاسد أو باطل على الخلاف وإن كان مضمرا ~~غير مشروط فهو صحيح ولعلهم يقولون: حديث العينة فيه مقال فلا ينتهض دليلا ~~على التحريم. وقوله: وأخذتم أذناب البقر كناية عن الاشتغال عن الجهاد ~~بالحرث. والرضا بالزرع كناية ms0695 عن كونه قد صار همهم وهمتهم وتسليط الله كناية ~~عن جعلهم أذلاء بالتسليط لما في ذلك من الغلبة والقهر. وقوله: حتى ترجعوا ~~إلى دينكم أي ترجعوا إلى الاشتغال بأعمال الدين. وفي هذه العبارات زجر بالغ ~~وتقريع شديد حتى جعل ذلك بمنزلة الردة وفيه الحث على الجهاد. # 12 - (وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: من شفع لأخيه شفاعة ~~فأهدى له هدية فقبلها فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا رواه أحمد وأبو ~~داود وفي إسناده مقال). فيه دليل على تحريم الهدية في مقابلة الشفاعة ~~وظاهره سواء كان قاصدا لذلك عند الشفاعة أو غير قاصد لها. وتسميته ربا من ~~باب الاستعارة للشبه بينهما وذلك لان الربا هو الزيادة في المال من الغير ~~لا في مقابلة عوض وهذا مثله. ولعل المراد إذا كانت الشفاعة في واجب ~~كالشفاعة عند السلطان في إنقاذ المظلوم من يد الظالم أو كانت في محظور ~~كالشفاعة عنده في تولية ظالم على الرعية فإنها في الأولى واجبة فأخذ الهدية ~~في مقابلها محرم والثانية محظورة فقبضها في مقابلها محظور. PageV03P042 # وأما إذا كانت الشفاعة في أمر مباح فعله جائز أخذ الهدية لأنها مكافأة ~~على إحسان غير واجب ويحتمل أنها تحرم لان الشفاعة شئ يسير لا تؤخذ عليه ~~مكافأة. وإنما قال المصنف وفي إسناده مقال لأنه رواه القاسم عن أبي أمامة ~~وهو عبد الرحمن مولاهم الأموي الشامي فيه مقال قاله المنذري. قلت: في ~~الميزان قال الإمام أحمد: روى عنه علي بن زيد أعاجيب وما أراها إلا من قبل ~~القاسم. وقال ابن حبان: كان ممن يروي عن أصحاب رسول الله (ص) المعضلات ثم ~~إنه وثقة ابن معين وقال الترمذي ثقة انتهى. # 13 - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: لعن رسول الله ~~(ص) الراشي والمرتشي رواه أبو داود والترمذي وصححه). ورواه أحمد في القضاء ~~وابن ماجة في الاحكام والطبراني في الصغير وقال الهيثمي رجاله ثقات. وذكر ~~المصنف هذا الحديث في أبواب الربا لأنه أفاد لعن من ms0696 ذكر لأجل أخذ المال ~~الذي يشبه الربا كذلك أخذ الربا، وقد تقدم لعن آخذه أول الباب. وحقيقة ~~اللعن البعد عن مظان الرحمة ومواطنها وقد ثبت اللعن عنه (ص) لأصناف كثيرة ~~تزيد على العشرين وفيه دلالة على جواز لعن العصاة من أهل القبلة. وأما حديث ~~المؤمن ليس باللعان فالمراد به لعن من لا يستحق ممن لم يلعنه الله ولا ~~رسوله أو ليس بالكثير اللعن كما تفيده صيغة فعال. والراشي هو الذي يبذل ~~المال ليتوصل به إلى الباطل مأخوذ من الرشاء وهو الحبل الذي يتوصل به إلى ~~الماء في البئر فعلى هذا بذل المال للتوصل إلى الحق لا يكون رشوة. والمرتشي ~~آخذ الرشوة وهو الحاكم. واستحقا اللعنة جميعا لتوصل الراشي بماله إلى ~~الباطل والمرتشي للحكم بغير الحق. وفي حديث ثوبان زيادة والرائش وهو الذي ~~يمشي بينهما. # 14 - (وعنه): أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشا فنفدت الإبل ~~فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة، قال: فكنت آخذ البعير بالبعيرين إلى إبل ~~الصدقة رواه الحاكم والبيهقي ورجاله ثقات). ذكر المصنف له هنا لان الحديث ~~يدل أن لا ربا في الحيوانات وإلا فبابه القرض. وفي الحديث دليل على جواز ~~اقتراض الحيوان وفيه أقوال ثلاثة: الأول: جواز ذلك وهو قول الشافعي ومالك ~~وجماهير العلماء من السلف والخلف عملا بهذا الحديث وبأن الأصل جواز ذلك إلا ~~جارية لمن يملك وطأها فإنه لا يجوز، ويجوز لمن لا يملك وطأها كمحارمها ~~والمرأة. والثاني: يجوز مطلقا مطلقا للجارية وغيرها وهو لابن جرير وداود. ~~الثالث: للهادوية والحنفية أنه لا يجوز قرض شئ من الحيوانات وهذا الحديث ~~يرد قولهم وتقدم دعواهم النسخ وعدم صحته واعلم أنه قد وقع في الشرح أن حديث ~~ابن عمرو في قرض الحيوان كما ذكرناه وراجعنا كتب الحديث فوجدنا في سنن ~~البيهقي ما لفظه بعد سياقه بإسناده: قال عمرو بن حريش لعبد الله بن عمرو بن ~~العاص: إنا بأرض ليس فيها ذهب ولا فضة أفأبيع البقرة بالبقرتين والبعير ~~بالبعيرين والشاة بالشاتين فقال: أمرني رسول الله ms0697 (ص) أن أجهز PageV03P043 # جيشا - الحديث المصدر في الكتاب. وفي لفظ: فأمره النبي (ص) أن يبتاع ظهرا ~~إلى خروج المصدق. فسياق الأول واضح أنه في البيع ولفظ الثاني صريح في ذلك. # إذا عرفت هذا فحمله على القرض خلاف ما دل عليه من بيع الحيوان بالحيوان ~~نسيئة " وقد عارضه حديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة كما تقدم في ~~الحديث العاشر وقد علمت ما قيل فيه. والأقرب من باب الترجيح أن حديث ابن ~~عمرو أرجح من حيث الاسناد فإنه قد قال الشافعي في حديث سمرة إنه غير ثابت ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رواه عنه البيهقي. وقرض الحيوان ~~بالحيوان قد صح عنه صلى الله عليه وسلم جوازه أيضا. # 15 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما) وكان قياس قاعدة المصنف وعنه (قال نهى ~~رسول الله (ص) عن المزابنة) وفسرها بقوله: (أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلا ~~بتمر كيلا وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا وإن كان زرعا أن يبيعه بكيل ~~طعام. نهى عن ذلك كله. متفق عليه). تقدم الكلام على تفسير المزابنة ~~واشتقاقها ووجه التسمية. وقوله ثمر بالمثلثة وفتح الميم فشمل الرطب وغيره ~~والمراد ما كان في أصله رطبا من هذه الأمور المذكورة وأراد بالكرم العنب. ~~وقد اختلف العلماء في تفسير المزابنة وتقدم أن المعول عليه في تفسيرها ما ~~فسرها به الصحابي لاحتمال أنه مرفوع وإلا فهو أعرف بمراد الرسول (ص). قال ~~ابن عبد البر: لا مخالف لهم أن مثل هذا مزابنة وإنما اختلفوا هل يلحق بذلك ~~كل ما لا يجوز بيعه إلا مثل بمثل فالجمهور على الالحاق في الحكم للمشاركة ~~في العلة في ذلك وهو عدم العلم بالتساوي مع الاتفاق في الجنس والتقدير. ~~وأما تسمية ما ألحق مزابنة فهو إلحاق في الاسم فلا يصح إلا على رأي من أثبت ~~اللغة بالقياس. # 16 - (وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (ص) يسأل عن ~~اشتراء الرطب بالتمر فقال: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، ms0698 فنهى عن ذلك، ~~رواه الخمسة وصححه ابن المديني والترمذي وابن حبان والحاكم) وإنما صححه ابن ~~المديني وإن كان مالك علقه عن داود بن الحصين لان مالكا لقي شيخه بعد ذلك. ~~فحدث به مرة عن داود ثم استقر رأيه على التحديث به عن شيخه. قال ابن ~~المديني: إن والده حدث به عن مالك بتعليقه عن داود إلا أن سماع والده عن ~~مالك قديم ثم حدث به مالك عن شيخه فصح من طريق مالك. ومن أعله بجهالة خالد ~~بن عياش فقد رد عليه بأن الدارقطني قال إنه ثبت ثقة وقال المنذري قد روى ~~عنه ثقات وقد اعتمده مالك مع شدة نقده قال الحاكم: ولا أعلم أحدا طعن فيه. ~~والحديث دليل على عدم جواز بيع الرطب بالتمر لعدم التساوي كما تقدم. # 17 - (وعن ابن عمر: أن النبي (ص) نهى عن بيع PageV03P044 # الكالئ بالكالئ يعني الدين بالدين، رواه إسحاق والبزار بإسناد ضعيف " ~~ورواه الحاكم والدارقطني من دون تفسير لكن في إسناده موسى بن عبيدة الربذي ~~وهو ضعيف. قال أحمد: لا تحل الرواية عندي عنه ولا أعرف هذا الحديث لغيره. ~~وصحفه الحاكم فقال موسى بن عتبة فصححه على شرط مسلم وتعجب البيهقي من ~~تصحيفه على الحاكم. قال أحمد: ليس في هذا حديث يصح لكن إجماع الناس أنه لا ~~يجوز بيع دين بدين. وظاهر الحديث أن تفسيره بذلك مرفوع. والكالئ من كلأ ~~الدين كلوءا فهو كالئ إذا تأخر وكلأته إذا أنسأته وقد لا يهمز تخفيفا. قال ~~في النهاية: هو أن يشتري الرجل شيئا إلى أجل فإذا حل الاجل لم يجد ما يقضي ~~به فيقول بعنيه إلى أجل آخر بزيادة شئ فيبيعه ولا يجري بينهما تقابض. ~~والحديث دل على تحريم ذلك وإذا وقع كان باطلا. # باب الرخصة في العرايا وبيع أصول الثمار 1 - (عن زيد بن ثابت رضي الله ~~عنه: أن رسول الله (ص) رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلا متفق عليه. ~~ولمسلم رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمرا يأكلونها رطبا) الترخيص ~~في الأصل ms0699 التسهيل والتيسير. وفي عرف المتشرعة ما شرع من الاحكام لعذر مع ~~بقاء دليل الايجاب والتحريم لولا ذلك العذر. وهذا دليل على أن حكم العرايا ~~مخرج من بين المحرمات مخصوص بالحكم. وقد صرح باستثنائه في حديث جابر عند ~~البخاري بلفظ: نهى رسول الله (ص) عن بيع الثمر حتى يطيب ولا يباع شئ منه ~~إلا بالدنانير والدراهم إلا العرايا. وفي قوله: في العرايا مضاف محذوف أي ~~في بيع ثمر العرايا لان العرية هي النخلة وهي في الأصل عطية ثمر النخل دون ~~الرقبة كانت العرب في الجدب يتطوع أهل النخل منهم بذلك على من لا ثمر له ~~كما كانوا يتطوعون بمنيحة الشاة والإبل. وقال مالك: العرية أن يعري الرجل ~~الرجل النخلة ثم يتأذى المعري بدخول المعرى عليه فرخص له أن يشتريها أي ~~رطبها منه بتمر أي يابس. وقد وقع اتفاق الجمهور على جواز رخصة العرايا وهو ~~بيع الرطب على رؤوس النخل بقدر يقدر كيله من التمر خرصا فيما دون خمس أوسق ~~بشرط التقابض وإنما قلنا فيما دون خمسة أوسق لحديث أبي هريرة 2 - (وعن أبي ~~هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله رخص في بيع العرايا بخرصها فيما ~~دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق متفق عليه). وبين مسلم أن الشك فيه من داود ~~بن الحصين. وقد وقع الاتفاق بين الشافعي ومالك على صحته فيما دون الخمسة ~~وامتناعه فيما فوقها والخلاف بينهما فيها. والأقرب تحريمه فيها لحديث جابر: ~~سمعت رسول الله (ص) يقول حين أذن لأصحاب العرايا أن يبيعوها بخرصها يقول: ~~الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة أخرجه أحمد. وترجم له ابن حبان: الاحتياط ~~على أن لا يزيد على أربعة أوسق. وأما اشتراط التقابض فلان الترخيص إنما وقع ~~في بيع ما ذكر مع عدم تيقن التساوي PageV03P045 # فقط. وأما التقابض فلم يقع فيه ترخيص فبقي على الأصل من اعتباره. ويدل ~~لاشتراطه ما أخرجه الشافعي من حديث زيد بن ثابت: أنه سمى رجالا محتاجين من ~~الأنصار شكوا إلى رسول الله (ص) ولا نقد في أيديهم يبتاعون ms0700 به رطبا ويأكلون ~~مع الناس وعندهم فضول قوتهم من التمر فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها ~~من التمر. وفيه مأخذ لمن يشترط التقابض وإلا لم يكن لذكر وجود التمر عندهم ~~وجه. # واعلم أن الحديث ورد في الرطب بالتمر على رؤوس الشجر. وأما شراء الرطب ~~بعد قطعه بالتمر فقال بجوازه كثير من الشافعية إلحاقا له بما على رؤوس ~~الشجر كما بوب بذلك البخاري لان محل الرخصة هو الرطب نفسه مطلقا أعم من ~~كونه على رؤوس النخل أو قد قطع فيشمله النص ولا يكون قياسا ولا منع إذ قد ~~تدعو حكمة الترخيص إلى شراء الرطب الحاصل فإنه قد تدعو إليه الحاجة في ~~الحال وقد يكون مع المشتري تمر فيأخذه به فيدفع به قول ابن دقيق العيد إن ~~ذلك لا يجوز وجها واحدا لان أحد المعاني في الرخصة أن يأكل الرطب على ~~التدريج طريا وهذا القصد لا يحصل مما على وجه الأرض. # 3 - (وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: نهى رسول الله (ص) عن بيع ~~الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع متفق عليه، وفي رواية: كان ~~إذا سئل عن صلاحها قال حتى تذهب عاهتها) وهي الآفة والعيب. اختلف السلف في ~~المراد ببدو الصلاح على ثلاثة أقوال: الأول: أنه يكفي بدو الصلاح في جنس ~~الثمار بشرط أن يكون الصلاح متلاحقا وهو قول الليث والمالكية. والثاني: أنه ~~لا بد أن يكون في جنس تلك الثمرة المبيعة وهو قول لأحمد. والثالث: أنه ~~يعتبر الصلاح في تلك الشجرة المبيعة وهو قول الشافعية. # ويفهم من قوله: يبدو أنه لا يشترط تكامله فيكفي زهو بعض الثمرة وبعض ~~الشجرة مع حصول المعنى المقصود وهو الأمان من العاهة. وقد جرت حكمة الله أن ~~لا تطيب الثمار دفعة واحدة لتطول مدة التفكه بها والانتفاع. والحديث دليل ~~على النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها. # والاجماع قائم على أنه لا يصح بيع الثمار قبل خروجها لأنه بيع معدوم وكذا ~~بعد خروجها قبل نفعها. إلا أنه روى المصنف في الفتح أن ms0701 الحنفية أجازوا بيع ~~الثمار قبل بدو الصلاح وبعده بشرط القطع وأبطلوه بشرط البقاء قبله وبعده. ~~وأما بعد صلاحها ففيه تفاصيل فإن كان بشرط القطع صح إجماعا. وإن كان بشرط ~~البقاء كان بيعا فاسدا إن جهلت المدة. # فإن علمت صح عند الهادوية ولا غرر. وقال المؤيد: لا يصح للنهي عن بيع ~~وشرط وإن أطلق صح عند الهادوية وأبي حنيفة إذ المتردد بين الصحة والفساد ~~يحمل على الصحة إذ هي الظاهر إلا أن يجري عرف ببقائه مدة مجهولة فيفسده. ~~وأفاد نهي البائع والمبتاع أما البائع فلئلا يأكل مال أخيه بالباطل وأما ~~المشتري فلئلا يضيع ماله. والعاهة هي الآفة التي تصيب الثمار. وقد بين ذلك ~~حديث زيد بن ثابت قال: كان الناس في عهد رسول الله (ص) يتبايعون الثمار ~~فإذا جذ الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع إنه أصاب PageV03P046 # الثمر الدمان - وهو فساد الطلع، وسواده - أصابه مراض أصابه قشام عاهات ~~يحتجون بها فقال رسول الله (ص) لما كثرت عنده الخصومة في ذلك: فأما لا فلا ~~تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمرة كالمشورة يشير بها لكثرة خصوماتهم انتهى ~~وأفهم قوله كالمشورة أن النهي للتنزيه لا للتحريم كأنه فهمه من السياق وإلا ~~فأصله التحريم وكان زيد لا يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا فيتبين الأصفر ~~من الأحمر. وأخرج أبو داود من حديث أبي هريرة مرفوعا إذا طلع النجم صباحا ~~رفعت العاهة من كل بلد. والنجم الثريا والمراد طلوعها صباحا وهو في أول ~~الصيف وذلك عند اشتداد الحر ببلاد الحجاز وابتداء نضج الثمار وهو المعتبر ~~حقيقة وطلوع الثريا علامة. # 4 - (وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي (ص) نهى عن بيع الثمار ~~حتى تزهى، قيل) في رواية النسائي قيل: يا رسول الله، فأفاد أن التفسير ~~مرفوع (وما زهوها) بفتح الزاي (قال: تحمار وتصفار. متفق عليه واللفظ ~~للبخاري). يقال: أزهى يزهى إذا احمر واصفر، وزها النخل يزهو إذا ظهرت ~~ثمرته. وقيل: هما بمعنى الاحمرار والاصفرار. # ومنهم من أنكر يزهو، ومنهم من أنكر يزهى، كذا في النهاية. ms0702 قال الخطابي في ~~هذه الرواية: # هي الصواب ولا يقال في النخل يزهو إنما يقال يزهى لا غير. ومنهم من قال ~~زها إذا طال واكتمل وأزهى إذا احمر واصفر قال الخطابي قوله: تحمار وتصفار ~~لم يرد بذلك اللون الخالص من الحمرة والصفرة إنما أراد حمرة أو صفرة بكمودة ~~فلذلك قال تحمار وتصفار قال: # ولو أراد اللون الخالص لقال تحمر وتصفر. قال ابن التين: أراد بقوله تحمار ~~وتصفار ظهور أوائل الحمرة والصفرة قبل أن ينضج قال: وإنما يقال يفعال في ~~اللون المتغير إذا كان يزول ذلك وقيل لا فر. إلا أنه قد يقال في هذا المحل ~~المراد به ما ذكر بقرينة الحديث الآتي، وهو قوله: # 5 - (وعن أنس رضي الله عنه) قياس قاعدته وعنه (أن النبي (ص) نهى عن بيع ~~العنب حتى يسود وعن بيع الحب حتى يشتد رواه الخمسة إلا النسائي وصححه ابن ~~حبان والحاكم). والمراد باسوداد العنب واشتداد الحب بدو صلاحه. قال النووي: # فيه دليل لمذهب الكوفيين وأكثر العلماء في أنه يجوز بيع السنبل المشتد ~~وأما مذهبنا ففيه تفصيل إن كان السنبل شعيرا أو ذرة أو مما في معناهما مما ~~ترى حباته خارجة صح بيعه وإن كان حنطة أو نحوها مما يستر حباته بالقشور ~~التي تزال في الدياس ففيه قولان للشافعي الجديد أنه لا يصح وهو أصح قوليه ~~والقديم أنه يصح. وأما قبل الاشتداد فلا يصح إلا PageV03P047 # بشرط القطع كما ذكرنا فإذا باع الزرع قبل الاشتداد مع الأرض بلا شرط، صح ~~تبعا للأرض وكذا الثمار قبل الصلاح إذا بيعت مع الشجر جاز بلا شرط تبعا. ~~هكذا حكم القول في الأرض لا يجوز بيعها دون الزرع إلا بشرط القطع وكذا لا ~~يصلح بيع البطيخ ونحوه قبل بدو صلاحه وفروع المسألة كثيرة وقد نقحت مقاصدها ~~في روضة الطالبين وشرح المهذب وجمعت فيها جملة مستكثرة وبالله التوفيق. # 6 - (وعن جابر بن ذ عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ~~(ص): # لو بعت من أخيك تمرا فأصابته جائحة) هي آفة تصيب ms0703 الزرع (فلا يحل لك أن ~~تأخذ منه شيئا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ رواه مسلم، وفي رواية: أن النبي ~~(ص) أمر بوضع الجوائح). الجائحة مشتقة من الجوح وهو الاستئصال ومنه حديث: ~~إن أبي يجتاح مالي. وفي الحديث دليل على أن الثمار التي على رؤوس الشجر إذا ~~باعها المالك وأصابتها جائحة أن يكون تلفها من مال البائع وأنه لا يستحق ~~على المشتري في ذلك شيئا. وظاهر الحديث فيما باعه بيعا غير منهي عنه وأنه ~~وقع البيع بعد بدو الصلاح لأنه منهي عن بيعه قبل بدوه. ويحتمل وروده أي ~~حديث وضع الجوائح قبل النهي. يدل له ما وقع في حديث زيد بن ثابت أنه قال: ~~قدم النبي (ص) ونحن نبتاع الثمار قبل أن يبدو صلاحها وسمع خصومة فقال: ما ~~هذا؟ # فذكر الحديث وأنه نهى عن بيعها قبل بدو صلاحها فأفاد مع ذكر سبب النهي ~~تاريخ ذلك فيكون حديث وضع الجوائح متأخرا، فيحمل - أي حديث وضع الجوائح - ~~على البيع بعد بدو الصلاح. وقد اختلف العلماء في وضع الجوائح فذهب الأقل ~~إلى أن الجائحة إذا أصابت الثمر جميعه أن يوضع الثمن جميعه وأن التلف من ~~مال البائع عملا بظاهر الحديث. # وذهب الأكثر إلى أن التلف من مال المشتري وأنه لا وضع لأجل الجائحة إلا ~~ندبا واحتجوا له بحديث أبي سعيد: أنه (ص) أمر الناس أن يتصدقوا على الذي ~~أصيب في ثماره وسيأتي. قالوا: ووجه تلفه من مال المشتري أن التخلية في ~~العقد الصحيح بمنزلة القبض، وقد سلمه البائع للمشتري بالتخلية فكأنه قبضه. ~~وأجيب عنه بأن قوله: فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا الحديث دال على التحريم ~~وأنه تلف على البائع لقوله مال أخيك إذ يدل أنه لم يستحق منه الثمن وأنه ~~مال أخيه لا ماله، وحديث التصدق محمول على الاستحباب بقرينة قوله: لا يحل ~~لك. وفائدة الامر بالتصدق الارشاد إلى الوفاء بغرضين: جبر البائع وتعريض ~~المشتري لمكارم الأخلاق كما يدل له قوله في آخر الحديث لما طلبوا الوفاء: ~~ليس لكم إلا ذلك ms0704 فلو كان لازما لأمرهم بالنظرة إلى ميسرة. # 7 - (وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي (ص) قال: من ابتاع نخلا) ~~هو اسم جنس يذكر ويؤنث والجمع نخيل (بعد أن تؤبر) والتأبير: # التشقيق والتلقيح وهو شق طلع النخلة الأنثى ليذرفها شئ من طلع النخلة ~~الذكر PageV03P048 # (فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترط المبتاع متفق عليه). دل الحديث على أن ~~الثمرة بعد التأبير للبائع وهذا منطوقه. ومفهومه أنها قبله للمشتري وإلى ~~هذا ذهب جمهور العلماء عملا بظاهر الحديث. وقال أبو حنيفة: هي للبائع قبل ~~التأبير وبعده فعمل بالمنطوق ولم يعمل بالمفهوم بناء على أصله من عدم العمل ~~بمفهوم المخالفة. ورد عليه بأن الفوائد المستترة تخالف الظاهرة في البيع ~~فإن ولد الأمة المنفصل لا يتبعها والحمل يتبعها. وفي قوله إلا أن يشترط ~~المبتاع دليل على أنه إذا قال المشتري اشتريت الشجرة بثمرتها كانت الثمرة ~~له. ودل الحديث على أن الشرط الذي لا ينافي مقتضى العقد لا يفسد البيع فيخص ~~النهي عن بيع وشرط وهذا النص في النخل ويقاس عليه غيره من الأشجار. # أبواب السلم والقرض والرهن 1 - (ذ عن ابن عباس قال: قدم النبي (ص) ~~المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين) منصوبان بنزع الخافض أي إلى ~~السنة والسنتين (فقال: # من أسلف في ثمر) روي بالمثناة والمثلثة فهو بها أعم (فليسلف في كيل ~~معلوم) إذا كان مما يكال (ووزن معلوم) إذا كان مما يوزن (إلى أجل معلوم ~~متفق عليه وللبخاري من أسلف في شئ). السلف بفتحتين هو السلم وزنا ومعنى، ~~قيل وهو لغة أهل العراق والسلم لغة أهل الحجاز. وحقيقته شرعا: بيع موصوف في ~~الذمة ببدل يعطى عاجلا. وهو مشروع إلا عند ابن المسيب. واتفقوا على أنه ~~يشترط فيه ما يشترط في البيع ح وعلى تسليم رأس المال في المجلس إلا أنه ~~أجاز مالك تأجيل الثمن يوما أو يومين ولا بد من أن يقدر بأحد المقدارين كما ~~في الحديث. فإن كان مما لا يكال ولا يوزن فقال المصنف في فتح الباري: فلا ms0705 ~~بد فيه من عدد معلوم رواه ابن بطال وادعى عليه الاجماع. وقال المصنف: أو ~~ذرع معلوم فإن العدد والذرع يلحقان بالوزن والكيل للجامع بينهما وهو ارتفاع ~~الجهالة بالمقدار. واتفقوا على اشتراط تعيين الكيل فيما يسلم فيه بالكيل ~~كصاع الحجاز وقفيز العراق وأردب مصر فإذا أطلق انقلب إلى الأغلب في الجهة ~~التي وقع فيها عقد السلم. # واتفقوا على أنه لا بد من معرفة صفة الشئ المسلم في صفة تميزه عن غيره ~~ولم يتعرض له في الحديث لأنهم كانوا يعلمون به. وظاهر الحديث أن التأجيل ~~شرط في السلم فإن كان حالا لم يصح أو كان الاجل مجهولا وإلى هذا ذهب ابن ~~عباس وجماعة من السلف. وذهب آخرون إلى عدم شرطية ذلك وأنه يجوز السلم في ~~الحال، والظاهر أنه لم يقع في عصر النبوة إلا في المؤجل وإلحاق الحال ~~بالمؤجل قياس على ما خالف القياس لان السلم خالف القياس إذا هو بيع معدوم ~~وعقد غرر. واختلفوا أيضا في شرطية المكان الذي يسلم فيه فأثبته جماعة ~~PageV03P049 # على الكيل والوزن والتأجيل وذهب آخرون إلى عدم اشتراطه وفصلت الحنفية ~~فقالت: # إن كان لحمله مؤونة فيشترط وإلا فلا. وقالت الشافعية إن عقد حيث لا يصلح ~~للتسليم كالطريق فيشترط وإلا فقولان. وكل هذه التفاصيل مستندها العرف. # 2 - (وعن عبد الرحمن بن أبزى) بفتح الهمزة وسكون الموحدة وفتح الزاي ~~الخزاعي. سكن الكوفة واستعمله علي بن أبي طالب عليه السلام على خراسان ~~وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم وصلى خلفه. (قال: كنا نصيب المغانم مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وكان يأتينا أنباط من أنباط الشام). هم من العرب ~~دخلوا في العجم والروم فاختلطت أنسابهم وفسدت ألسنتهم سموا بذلك لكثرة ~~معرفتهم بإنباط الماء أي استخراجه. # (فنسلفهم في الحنطة والشعير والزبيب - وفي رواية والزيت إلى أجل مسمى. ~~قيل أكان لهم زرع؟ قالا: ما كنا نسألهم عن ذلك. رواه البخاري). الحديث دليل ~~على صحة السلف في المعدوم حال العقد إذ لو كان العقد من شرط وجود المسلم ~~فيه لاستفصلوهم وقد قالا: ms0706 ما كنا نسألهم. وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ~~ينزل منزلة العموم في المقال وقد ذهب إلى هذا الهادوية والشافعية ومالك ~~واشترطوا إمكان وجوده عند حلول الأجل ولا يضر انقطاعه قبل حضور الاجل لما ~~عرفت من ترك الاستفصال كذا في الشرح. قلت: وهو استدلال بفعل الصحابي أو ~~تركه ولا دليل على أنه (ص) علم ذلك وأقره. وأحسن منه في الاستدلال أنه (ص) ~~أقر أهل المدينة على السلم سنة وسنتين والرطب ينقطع في ذلك. ويعارض ذلك ~~حديث ابن عمر عند أبي داود: ولا تسلفوا في النخل حتى يبدو صلاحه " فإن صح ~~ذلك كان مقيدا لتقريره لأهل المدينة على سلم السنة والسنتين وأنه أمرهم بأن ~~لا يسلفوا حتى يبدو صلاح النخل ويقوى ما ذهب إليه الناصر وأبو حنيفة من أنه ~~يشترط في المسلم فيه أن يكون موجودا من العقد إلى الحلول. # 3 - (وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي (ص) قال: من أخذ أموال ~~الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله رواه ~~البخاري). التعبير بأخذ أموال الناس يشمل أخذها بالاستدانة وأخذها لحفظها. ~~والمراد من إرادته التأدية قضاؤها في الدنيا. وتأدية الله عنه يشمل تيسيره ~~تعالى لقضائها في الدنيا بأن يسوق إلى المستدين ما يقضي به دينه وأداؤها ~~عنه في الآخرة بإرضائه غريمه بما شاء تعالى. # وقد أخرج ابن ماجة وابن حبان والحاكم مرفوعا: ما من مسلم يدان دينا يعلم ~~الله أنه يريد أداءه إلا أداه الله عنه في الدنيا والآخرة. وقوله: يريد ~~إتلافها الظاهر أنه من يأخذ بالاستدانة مثلا لا لحاجة ولا لتجارة بل لا ~~يريد إلا إتلاف ما أخذ على صاحبه ولا ينوي قضاءها. # وقوله: أتلفه الله الظاهر إتلاف الشخص نفسه في الدنيا بإهلاكه وهو يشمل ~~ذلك ويشمل إتلاف طيب عيشه وتضييق أموره وتعسر مطالبه ومحق بركته ويحتمل ~~إتلافه في الآخرة بتعذيبه. قال ابن بطال: فيه الحث على ترك استئكال أموال ~~الناس والترغيب في حسن التأدية إليهم عند المداينة وأن الجزاء يكون من جنس ~~العمل. ms0707 وأخذ منه الداودي أن من PageV03P050 # عليه دين فليس له أن يتصدق ولا يعتق وفيه بعد. وفي الحديث الحث على حسن ~~النية والترهيب عن خلافه وبيان أن مدار الأعمال عليها وأن من استدان ناويا ~~الايفاء أعانه الله عليه. وقد كان عبد الله بن جعفر يرغب في الدين فيسأل عن ~~ذلك فقال سمعت رسول الله (ص) يقول: إن الله مع الدائن حتى يقضى دينه رواه ~~ابن ماجة والحاكم وإسناده حسن إلا أنه اختلف فيه على محمد بن علي، ورواه ~~الحاكم من حديث عائشة بلفظ: ما من عبد كانت له نية في وفاء دينه إلا كان له ~~من الله عون قالت - يعني عائشة: # فأنا ألتمس ذلك العون. فإن قلت: قد ثبت حديث: (إنه يغفر للشهيد كل ذنب ~~إلا الدين) وحديث: الآن بردت جلدته قاله لمن أدى دينا عن ميت مات عليه دين. ~~قلت: يحتمل أن معنى لا يغفر للشهيد الدين أنه باق عليه حتى يوفيه الله عنه ~~يوم القيامة ولا يلزم من بقائه عليه أن يعاقب في قبره ومعنى قوله: بردت ~~جلدته خلصته من بقاء الدين عليه ويحتمل أن ذلك فيمن استدان ولم ينو الوفاء. # 4 - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله إن فلانا قدم له ~~بز من الشام فلو بعثت إليه فأخذت منه ثوبين نسيئة إلى ميسرة، فبعث إليه ~~فامتنع. أخرجه الحاكم والبيهقي ورجاله ثقات). فيه دليل على بيع النسيئة ~~وصحة التأجيل إلى ميسرة وفيه ما كان عليه (ص) من حسن معاملة العباد وعدم ~~إكراههم على الشئ وعدم الالحاح عليهم. # وهذه من باب الا رهن وهو لغة الاحتباس من قولهم رهن الشئ إذا دام وثبت، ~~ومنه - كل نفس بما كسبت رهينة - وفي الشرع جعل مال وثقة على دين ويطلق على ~~العين المرهونة. 5 - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): # الظهر يركب) بالبناء للمفعول ومثله يشرب (بنفقته إذا كان مرهونا ولبن ~~الدر) بفتح الدال المهملة وتشديد الراء وهو اللبن تسمية بالمصدر قيل هو من ~~إضافة الشئ إلى ms0708 نفسه وقيل من إضافة الموصوف إلى صفته (يشرب بنفقته إذا كان ~~مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة رواه البخاري). فاعل يركب ويشرب هو ~~المرتهن بقرينة العوض وهو الركوب وإن كان يحتمل أنه الراهن إلا أنه احتمال ~~بعيد لان النفقة لازمة له فإن المرهون ملكه وقد جعلت في الحديث على الراكب ~~والشارب وهو غير المالك إذ النفقة لازمة للمالك على كل حال. والحديث دليل ~~على أنه يستحق المرتهن الانتفاع بالرهن في مقابلة نفقته وفي المسألة ثلاثة ~~أقوال: الأول: ذهب أحمد وإسحاق إلى العمل بظاهر الحديث وخصوا ذلك بالركوب ~~والدر فقالوا ينتفع بهما بقدر قيمة النفقة ولا يقاس غيرهما عليهما. # والثاني: للجمهور قالوا: لا ينتفع المرتهن بشئ قالوا: والحديث خالف ~~القياس من وجهين أولهما تجويز الركوب والشرب لغير المالك بغير إذنه ~~وثانيهما تضمينه ذلك بالنفقة لا بالقيمة قال ابن عبد البر: هذا الحديث عند ~~جمهور الفقهاء ترده أصول مجمع عليها وآثار ثابتة لا يختلف في صحتها ويدل ~~على نسخه حديث ابن عمر: لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه أخرجه PageV03P051 # البخاري في أبواب المظالم. قلت: أما النسخ فلا بد له من معرفة التاريخ ~~على أنه لا يحمل عليه إلا إذا تعذر الجمع ولا تعذر هنا إذ يخص عموم النهي ~~بالمرهونة. وأما مخالفة القياس فليست الأحكام الشرعية مطردة على نسق واحد ~~بل الأدلة تفرق بينهما في الاحكام والشارع حكم هنا بركوب المرهون وشرب لبنه ~~وجعله قيمة النفقة. وقد حكم الشارع ببيع الحاكم عن المتمرد بغير إذنه وجعل ~~صاع التمر عوضا عن اللبن وغير ذلك. وقال الشافعي: المراد أنه لا يمنع ~~الراهن من ظهرها ودرها فجعل الفاعل الراهن وتعقب بأنه ورد بلفظ المرتهن ~~فتعين الفاعل. والقول الثالث: للأوزاعي والليث أن المراد من الحديث أنه إذا ~~امتنع الراهن من الانفاق على المرهون فيباح حينئذ الانفاق على الحيوان حفظا ~~لحياته وجعل له في مقابل النفقة الانتفاع بالركوب أو شرب اللبن بشرط أن لا ~~يزيد قدر ذلك أو قيمته على قدر علفه وقوى هذا القول في الشرح. ولا ms0709 يخفى أنه ~~تقييد للحديث بما لم يقيده به الشرع وإنما قيده بالضابط المتصيد من الأدلة ~~وهو أن كل عين في يده لغيره بإذن الشارع فإنه ينفق عليها بنية الرجوع على ~~المالك وله أن يؤجرها أو يتصرف في لبنها في قيمة العلف إلا أنه إذا كان في ~~البلد حاكم ولم يستأذنه فلا رجوع بما أنفق ويلزمه غرامة المنفعة واللبن فإن ~~لم يكن في البلد حاكم أو كان يتضرر الحيوان بمدة الرجوع فله أن ينفق ويرجع ~~بما أنفق إلا أنه قد يقال إنها قاعدة عامة فتخص بحديث الكتاب. # 6 - (وعنه) أي أبي هريرة (قال: قال رسول الله (ص) لا يغلق) بفتح حرف ~~المضارعة وغين معجمة ساكنة ولام مفتوحة وقاف يقال غلق الرهن إذا خرج عن ملك ~~الراهن واستولى عليه المرتهن بسبب عجزه عن أداء ما رهنه فيه وكان هذا عادة ~~العرب فنهاهم النبي (ص) (الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه) زيادته (وعليه ~~غرمه) هلاكه ونفقته (رواه الدارقطني والحاكم ورجاله ثقات إلا أن المحفوظ ~~عند أبي داود وغيره إرساله). قال الحافظ ابن عبد البر: اختلف في قوله: # له غنمه وعليه غرمه فقيل هي مدرجة من قول سعيد بن المسيب قال ورفعها ابن ~~أبي ذئب ومعمر وغيرهما مع كونهم أرسلوا الحديث على اختلاف على ابن أبي ذئب ~~ووقفها غيرهم. وقد روى ابن وهب هذا الحديث فجوده وبين أن هذه اللفظة من قول ~~ابن المسيب وكذا أبو داود في المراسيل قوى أنه من قوله. ومعنى يغلق لا ~~يستحقه المرتهن إذا عجز صاحبه عن فكه والحديث ورد لابطال ما كان عليه في ~~الجاهلية عن غلق الرهن عند المرتهن وبيان أن زيادته للراهن ونفقته عليه كما ~~سلف فيما قبله. # وهو من أحاديث باب القرض والأحاديث في فضله والحث عليه كثيرة. # 7 - (وعن أبي رافع أن النبي (ص) استسلف من رجل بكرا) بفتح الموحدة وسكون ~~الكاف من الإبل (فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل ~~بكره قال: لا أجد إلا خيارا رباعيا) ms0710 هو بفتح الراء الذي يدخل في السنة ~~السابعة وتبقى رباعيته (فقال: أعطه إياه فإن خيار الناس أحسنهم قضاء رواه ~~مسلم) PageV03P052 # تقدم الكلام على الخلاف في قرض الحيوان. والحديث دليل على جوازه وأنه ~~يستحب لمن عليه دين من قرض أو غيره أن يرد أجود من الذي عليه وأن ذلك من ~~مكارم الأخلاق المحمودة عرفا وشرعا ولا يدخل في القرض الذي يجر نفعا لأنه ~~لم يكن مشروطا من المقرض وإنما ذلك تبرع من المستقرض. وظاهره العموم ~~للزيادة عددا أو صفة وقال مالك الزيادة في العدد لا تحل. 8 - (وعن علي قال: ~~قال رسول الله (ص): كل قرض جر منفعة فهو ربا رواه الحارث بن أبي أسامة ~~وإسناده ساقط) لان في إسناده سوار بن مصعب الهمداني المؤذن الأعمى وهو ~~متروك. (وله شاهد ضعيف عن فضالة بن عبيد عند البيهقي) أخرجه البيهقي في ~~المعرفة بلفظ: كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا. (وآخر موقوف عن عبد ~~الله بن سلام عند البخاري) لم أجده في البخاري في باب الاستقراض ولا نسبه ~~المصنف في التلخيص إلى البخاري بل قال إنه رواه البيهقي في السنن الكبرى عن ~~ابن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله بن سلام وابن عبا س موقوفا عليهم انتهى ~~فلو كان في البخاري لما أهمل نسبته إليه في التلخيص. والحديث بعد صحته لا ~~بد من التوفيق بينه وبن ما تقدم وذلك بأن هذا محمول على أن المنفعة مشروطة ~~من المقرض أو في حكم المشروطة وأما لو كانت تبرعا من المقتر ض فقد تقدم أنه ~~يستحب له أن يعطي خيرا مما أخذه. # باب التفليس والحجر هو لغة مصدر فلسته نسبته إلى الافلاس الذي هو مصدر ~~أفلس أي صار إلى حالة لا يملك فيها فلسا. والحجر لغة مصدر حجر أي منع وضيق ~~وشرعا قول الحاكم للمديون حجرت عليك التصرف في مالك. # 1 - (عن أبي بكر بن عبد الرحمن) أي ابن الحارث بن هشام المخزومي قاضي ~~المدينة تابعي سمع عائشة وأبا هريرة روى عنه الشعبي ms0711 والزهري (عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه قال: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أدرك ماله ~~بعينه). لم يتغير بصفة من الصفات لا بزيادة ولا نقصان. (عند رجل قد أفلس ~~فهو أحق به من غيره متفق عليه، ورواه أبو داود ومالك من رواية أبي بكر بن ~~عبد الرحمن مرسلا). # وقد وصله أبو داود من طريق أخرى فيها إسماعيل بن عياش لأنها من روايته عن ~~الشاميين وروايته عنهم صحيحة: (بلفظ: أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه ~~ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا فوجد متاعه بعينه فهو أحق به وإن مات ~~المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء ووصله البيهقي وضعفه تبعا لأبي داود). ~~راجعنا سنن أبي داود فلم نجد فيها تضعيفا للرواية هذه بل قال في هذه ~~الرواية بعد اخراجه لها من طريق مالك: وحديث مالك PageV03P053 # أصح، يريد أنه أصح من رواية أبي بكر بن عبد الرحمن التي ساقها أبو داود ~~وفيها قال أبو بكر: قضى رسول الله (ص) أن من توفي وعنده سلعة رجل بعينها لم ~~يقض من ثمنها شيئا فصاحب السلعة أسوة الغرماء فيها ولم يتكلم الشارح رحمه ~~الله على هذا بشئ (ورواه أبو داود وابن ماجة من رواية عمر بن خلدة) بفتح ~~الخاء المعجمة واللام ودال مهملة (قال: أتينا أبا هريرة في صاحب لنا قد ~~أفلس فقال: لأقضين فيكم بقضاء رسول الله (ص): من أفلس أو مات فوجد رجل ~~متاعه بعينه فهو أحق به وصححه الحاكم وضعفه أبو داود وضعف أيضا هذه الزيادة ~~في ذكر الموت). سكت عليه الشارح وقد راجعت سنن أبي داود فلم أجد فيها ~~تضعيفا لرواية عمر بن خلدة بل قال البيهقي بعد رواية حديث أبي بكر بن عبد ~~الرحمن المرسلة التي ساق لفظها المصنف هنا بلفظ أيما رجل إلى آخره أنه قال ~~الشافعي رواية عمر بن خلدة أولى من رواية أبي بكر هذه قال لأنها موصولة جمع ~~فيها النبي (ص) بين الموت والافلاس. قال: وحديث ابن شهاب يريد به رواية أبي ms0712 ~~بكر بن عبد الرحمن المذكورة منقطع وساق في ذلك كلاما كثيرا يرجح به رواية ~~عمر بن خلدة فلينظر. هذا الحديث اشتمل على مسائل: الأولى: أنه إذا وجد ~~البائع متاعه عند من شراه منه وقد أفلس فإنه أحق بمتاعه من سائر الغرماء ~~فيأخذه إذا كان له غرماء وعموم قوله من أدرك ماله يعم من كان له مال عند ~~الآخر بقرض أو بيع وإن كان قد وردت أحاديث مصرحة بلفظ البيع فقد أخرج ابن ~~خزيمة وابن حبان وغيرهما الحديث بلفظ: إذا ابتاع الرجل سلعة ثم أفلس وهي ~~عنده بعينها فهو أحق بها من الغرماء. فقد عرف في الأصول أن الخاص الموافق ~~للعام لا يخصص العام إلا عند أبي ثور وقد زيفوا ما ذهب إليه من ذلك ولذلك ~~ذهب الشافعي وآخرون إلى أن المقرض أولى بماله في القرض كما أنه أولى به في ~~البيع. وذهب غيره إلى أنه يختص ذلك بالبيع للتصريح به في أحاديث الباب لكن ~~قد عرفت أن ذلك لا يخص عموم حديث الباب. المسألة الثانية أفاد قوله بعينه ~~أنه إذا وجده وقد تغير بصفة من الصفات بزيادة أو نقصان فإنه ليس صاحبه أولى ~~به بل يكون أسوة الغرماء. وقد اختلف العلماء في ذلك فذهبت الهادوية ~~والشافعي إلى أنه إذا تغيرت صفته بعيب فللبائع أخذه ولا أرش له وإن تغير ~~بزيادة كان للمشتري غرامة تلك الزيادة وهي ما أنفق عليه حتى حصلت. وكذلك ~~الفوائد للمشتري ولو كانت متصلة لأنها إنما حدثت في ملكه ويلزم له قيمة ما ~~لا حد لبقائه كالشجرة إذا غرسها وإبقاء ماله حبلا أجرة كالزرع. وكذلك إذا ~~نقصت العين فله أخذ الباقي بحصته من الثمن والحديث يتناوله لان الباقي مبيع ~~باق بعينه. المسألة الثالثة: دل لفظ أبي بكر بن عبد الرحمن المرسل أن ~~البائع إذا كان قد قبض بعض الثمن فليس له حق في استرجاع المبيع بل يكون ~~أسوة الغرماء وبهذا أخذ جمهور العلماء وعند الهادوية وهو راجح قولي الشافعي ~~أنه لا يصير المبيع بقبض بعض ثمنه أسوة ms0713 الغرماء بل البائع أولى به وكأن ~~الشافعي ذهب إلى هذا لأنه لم يصح الحديث عنده بل قال إنه منقطع فمن قال ~~بصحة الحديث وأنه موصول قال بما قاله PageV03P054 # الجمهور ومن لا فلا. وفي وصله وعدمه خلاف: منهم من رجح إرساله وهم أكثر ~~الحفاظ المسألة الرابعة: قوله: فإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء ~~فيه حذف تقديره فمتاع صاحب المتاع أسوة الغرماء وهذا دال على التفرقة بين ~~الموت والافلاس وإلى التفرقة بينهما ذهب مالك وأحمد عملا بهذه الرواية ~~قالوا: لان الميت برئت ذمته وليس للغرماء محل يرجعون إليه فاستووا في ذلك ~~بخلاف المفلس، وسواء خلف الميت وفاء أو لا. وذهب الهادوية إلى أنه إذا خلف ~~وفاء فليس البائع أولى بمتاعه بل يسلم الورثة الثمن من التركة وحجتهم أنه ~~قد ورد في حديث أبي بكر بن عبد الرحمن زيادة لفظ: إلا إن ترك صاحبها وفاء. # لكن قال الشافعي يحتمل أن الزيادة من رأي أبي بكر بن عبد الرحمن وقرينة ~~الاحتمال أن الذين وصلوه عنه لم يذكروا قضية الموت وكذلك الذين رووه عن أبي ~~هريرة. وذهب الشافعي إلى أنه لا فرق بين الموت والافلاس وأن صاحب المتاع ~~أولى بمتاعه عملا بعموم من أدرك ماله عند رجل - الحديث متفق عليه. قال: ولا ~~فرق بين الموت والافلاس والتفرقة بينهما برواية أبي بكر بن عبد الرحمن ~~وقوله فيها فإن مات فصاحب المتاع أسوة الغرماء غير صحيحة لان الحديث مرسل ~~لم يصح وصله فلا يعمل به بل في رواية عمر بن خلدة التسوية بين الموت ~~والافلاس وهو حديث حسن يحتج بمثله. # 2 - (وعن عمرو بن الشريد عن أبيه رضي الله عنه) بفتح الشين المعجمة وكسر ~~الراء تابعي سمع ابن عباس وغيره (عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: لي) بفتح اللام ثم مثناة تحتية مشددة مصدر لوى يلوي أي ~~مطل أضيف إلى فاعله وهو الواجد بالجيم يعني من الوجد بالضم أي القدرة (يحل) ~~بضم حرف المضارعة (عرضه وعقوبته رواه أبو داود ms0714 والنسائي وعلقه البخاري ~~وصححه ابن حبان). وأخرجه أحمد وابن ماجة والبيهقي وفسر البخاري حل العرض ~~بما علقه عن سفيان قال: يقول مطلني وعقوبته حبسه وهو دليل لزيد بن علي أنه ~~يحبس حتى يقضي دينه. وأجاز الجمهور الحجز وبيع الحاكم عنه ماله وهذا أيضا ~~داخل تحت لفظ عقوبته لا سيما وتفسيرها بالحبس ليس بمرفوع. ودل الحديث على ~~تحريم مطل الواجد ولذا أبيحت عقوبته وإنما اختلف العلماء هل يبلغ إلى حد ~~الكبيرة فيفسق وترد شهادته بمطله مرة واحدة أم لا؟. فذهبت الهادوية إلى أنه ~~يفسق بذلك واختلفوا في قدر ما يفسق به فقال الجمهور منهم إنه يفسق بمطل ~~عشرة دراهم فما فوق قياسا على نصاب السرقة وفي كلام الهادي عليه السلام ما ~~يقضي بأنه يفسق بدون ذلك. وكذلك ذهبت إلى هذا المالكية والشافعية إلا أنهم ~~ترددوا في اشتراط التكرار ومقتضى مذهب الشافعي اشتراطه. ثم يدل بمفهومه على ~~أن مطل غير الواجد وهو المعسر لا يحل عرضه ولا عقوبته والحكم كذلك عند ~~الجماهير وهو الذي دل على قوله تعالى: * (فنظرة إلى ميسرة) *. # 3 - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ~~(ص) في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال رسول الله (ص) PageV03P055 # تصدقوا عليه فتصدق الناس عليه ولم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لغرمائه: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك رواه مسلم) ~~تقدم الكلام في الجمع بين هذا الحديث وحديث جابر قوله: فلا يحل لك أن تأخذ ~~بأن هذا على جهة الاستحباب والحث على جبر من حدث عليه حادث. ويدل أيضا ~~قوله: وليس لكم إلا ذلك على أن الثمرة غير مضمونة إذ لو كانت مضمونة لقال ~~وما بقي فنظرة إلى ميسرة أو نحوه إذ الدين لا يسقط بإعسار المدين وإنما ~~تتأخر عنه المطالبة في الحال ومتى أيسر وجب عليه القضاء. # 4 - (وعن ابن كعب بن مالك) اسمه عبد الرحمن، سماه عبد الرزاق (عن أبيه أن ~~النبي (ص) حجر على معاذ ماله، ms0715 وباعه في دنيا كان عليه. رواه الدارقطني ~~وصححه الحاكم، وأخرجه أبو داود مرسلا ورجح إرساله). قال عبد الحق: المرسل ~~أصح من المتصل وقال ابن الصلاح في الاحكام: هو حديث ثابت. كان ذلك في سنة ~~تسع وجعل لغرمائه خمسة أسباع حقوقهم فقالوا: يا رسول الله بعه لنا فقال: ~~ليس لكم إليه سبيل. وأخرجه البيهقي من طريق الواقدي وزاد أن النبي (ص) بعثه ~~بعد ذلك إلى اليمن ليجبره والحديث دليل على أنه يحجر الحاكم، على المدين ~~التصرف في ماله ويبيعه عنه لقضاء غرمائه. # والقول بأنه حكاية فعل غير صحيح فإن هذا فعل لا يتم إلا بأقوال تصدر عنه ~~صلب الله عليه وسلم يحجر بها تصرفه وألفاظ يبيع بها ماله وألفاظ يقضي بها ~~غرماءه وما كان بهذه المثابة لا يقال إنه حكاية فعل إنما حكاية الفعل مثل ~~حديث خلع نعله فخلعوا نعالهم كما لا يخفى. # ظاهر الحديث أن ماله كان مستغرقا بالدين فهل يلحق به من لم يستغرق ماله ~~في الحجر والبيع عنه كالواجد إذا مطل اختلف العلماء في ذلك. فقال جمهور ~~الهادوية والشافعي: إنه يلحق به فيحجر عليه ويباع ماله لأنه قد حصل المقتضي ~~لذلك وهو عدم المسارعة بقضاء الدين. وقال زيد بن علي والحنفية إنه لا يلحق ~~به فلا يحجر عليه ولا يباع عنه بل يجب حبسه حتى يقضي دينه لحديث: إنه لا ~~يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه ولقوله تعالى: * (إلا أن تكون تجارة ~~عن تراض) * ومقتضى الحجر والبيع اخراج المال من غير طيبة من نفسه ولا رضاه. ~~(والجواب) عنه بأن الحديث والآية عامان خصصا بحديث معاذ لا يتم، لان حديث ~~معاذ ليس إلا في المستغرق ماله بدينه والكلام في غيره وهو الواجد الماطل. ~~فالأولى أن يقال أنهما خصصا بقياس الماطل الواجد، على من استغرق دينه ماله ~~إلا أنه لا يخفى عدم نهوض القياس. # نعم في حديث: لي الواجد يحل عرضه وعقوبته دليل على أنه يحجر عليه ويباع ~~عنه ماله فإنه داخل تحت مفهوم العقوبة وتفسيرها بالحبس فقط ms0716 مجرد رأي من ~~قائله. هذا وقد حكم عمر في أسيفع جهينة كحكمه صلى الله عليه وسلم في معاذ ~~فأخرج مالك في الموطأ بسند منقطع ورواه الدارقطني في غرائب مالك بإسناد ~~متصل: أن رجلا من جهينة كان يشتري الرواحل فيغالي فيها فيسرع المسير فيسبق ~~الحاج فأفلس فرفع أمره إلى عمر بن الخطاب فقال: أما بعد أيها الناس فإن ~~الأسيفع أسيفع جهينة قد رضي من دينه وأمانته PageV03P056 # أن يقال سبق الحاج وفيه: إلا أنه أدان معرضا فأصبح وقد دين به - أي أحاط ~~به الدين - فمن كان له عليه دين فليأتنا بالغداة فنقسم ماله بين غرمائه ~~وإياك والدين فإن أوله هم وآخره حرب انتهى. وأما قصة جابر مع غرماء أبيه ~~وهي أنه لما قتل أبوه في أحد وعليه دين فاشتد الغرماء في حقوقهم قال: أتيت ~~النبي (ص) فسألهم أن يقبلوا ثمر حائطي ويحللوا أبي فأبوا فلم يعطهم النبي ~~(ص) حائطي وقال سنغدوا عليك فغدا علينا حين أصبح فطاف في النخل ودعا في ~~ثمره بالبركة فجذذتها فقضيتهم وبقي لنا من ثمرها فإن فيها دليلا على أن ~~انتظار الغلة والتمكن منها لا يعد مطلا. قيل ويؤخذ منها أن من كان له دخل ~~ينظر إلى دخله وإن طالت مدته إذ لا فرق بين المدة الطويلة والقصيرة في حق ~~الآدمي ومن لا دخل له لا ينظر ويبيع الحاكم ماله لأهل الدين. نعم وأما ~~الحجر على البالغ لسفه وسوء تصرف فقال به الشافعي ولم يقل به زيد بن علي ~~ولا أبو حنيفة وبوب له البيهقي في السنن الكبرى باب الحجر على البالغين ~~بالسفه وذكر فيه بسنده: أن عبد الله بن جعفر اشترى أرضا بستمائة ألف درهم ~~فهم علي وعثمان أن يحجرا عليه، قال: فلقيت الزبير فقال ما اشترى أحد بيعا ~~أرخص مما اشتريت، قال فذكر له عبد الله الحجر قال: لو أن عندي مالا لشاركتك ~~قال: فأنا أقرضك نصف المال قال: فأنا شريكك فأتاهما علي وعثمان وهما ~~يتراوضان قالا: ما تراوضان؟ فذكر له الحجر على عبد الله بن ms0717 جعفر قال: ~~أتحجران على رجل أنا شريكه قالا: لا لعمري قال: فأنى شريكه وفي رواية قال ~~عثمان: كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه الزبير. قال " الشافعي: فعلي لا ~~يطلب الحجر إلا وهو يراه والزبير لو كان الحجر باطلا لقال لا يحجر على بالغ ~~وكذلك عثمان بل كلهم يعرف الحجر ثم ساق حديث عائشة وإرادة عبد الله بن ~~الزبير الحجر عليها وغير ذلك من الأدلة من أفعال السلف. ويستدل له بالحديث ~~الصحيح وهو النهي عن إضاعة المال فإن السفيه يضيعه بسوء تصرفه فيجب الانكار ~~عليه بحجره عنه. قال النووي: والصغير لا ينقطع عنه حكم اليتم بمجرد علو ~~السن ولا بمجرد البلوغ بل لا بد أن يظهر منه الرشد في دينه وماله. وقال أبو ~~حنيفة: إذا بلغ خمسا وعشرين سنة يجب تسليم ماله إليه وإن كان غير ضابط. # 5 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: عرضت على النبي (ص) يوم أحد وأنا ~~ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة ~~فأجازني. متفق عليه، وفي رواية للبيهقي فلم يجزني ولم يرني بلغت وصححها ابن ~~خزيمة). وجه ذكر الحديث هنا أن من لم يبلغ خمس عشرة سنة لا تنفذ تصرفاته من ~~بيع وغيره. ومعنى قوله لم يجزني لم يجعل لي حكم الرجال المتقاتلين في إيجاب ~~الجها د علي وخروجي معه. وقوله فأجازني أي رآني فيمن يجب عليه الجهاد ويؤذن ~~له في الخروج إليه وفيه دليل على أن من استكمل خمس عشرة سنة صار مكلفا ~~بالغا له أحكام الرجال ومن PageV03P057 # كان دونها فلا ويدل له قوله: (ولم يرني بلغت). وناقش في الاستدلال به على ~~البلوغ بعض المتأخرين قائلا إن الاذن في الخروج للحرب يدور على الجلادة ~~والأهلية فليس له في رده دليل على أنه لأجل عدم البلوغ، وفهم ابن عمر ليس ~~بحجة. قلت: وهو احتمال بعيد والصحابي أعرف بما رواه. وفيه دليل على أن ~~الخندق كانت سنة أربع والقول بأنها سنة خمس يرده هذا الحديث ms0718 ولأنهم أجمعوا ~~أن أحدا كانت سنة ثلاث. # 6 - (وعن عطية القرظي رضي الله عنه) بضم القاف فراء نسبة إلى بني قريظة ~~(قال: عرضنا على النبي (ص) يوم قريظة فكان من أنبت قتل ومن لم ينبت خلي ~~سبيله فكنت ممن لم ينبت فخلي سبيلي. رواه الأربعة وصححه ابن حبان والحاكم ~~وقال: على شرط الشيخين). وهو كما قال إلا أنهما لم يخرجا لعطية. والحديث ~~دليل على أنه يحصل بالانبات البلوغ فتجري على من أنبت أحكام المكلفين ولعله ~~إجماع. # وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهما أن رسول الله (ص) قال: ~~لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها. وفي لفظ لا يجوز للمرأة أمر في مالها ~~إذا ملك زوجها عصمتها رواه أحمد وأصحاب السنن إلا الترمذي وصححه الحاكم. ~~وقال الخطابي: حمله الأكثر على حسن العشرة واستطابة النفس أو يحمل على غير ~~الرشيدة وقد ثبت عن النبي (ص) أنه قال للنساء تصدقن فجعلت المرأة تلقي ~~القرط والخاتم وبلال يتلقاه بردائه وهذه عطية بغير إذن الزوج انتهى. وهذا ~~مذهب الجمهور مستدلين بمفهومات الكتاب والسنة ولم يذهب إلى معنى الحديث إلا ~~طاوس فقال إن المرأة محجورة عن مالها إذا كانت مزوجة إلا فيما أذن لها فيه ~~الزوج. وذهب مالك إلى أن تصرفها من الثلث. # 8 - (وعن قبيصة) بفتح القاف فموحدة فمثناة تحتية فصاد مهملة (ابن مخارق) ~~بضم الميم فخاء معجمة فراء مكسورة (قال: قال رسول الله (ص): إن المسألة لا ~~تحل إلا لاحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة بفتح الحاء المهملة وتخفيف الميم فحلت ~~له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له ~~المسألة حتى يصيب قواما من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي ~~الحجا من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة رواه مسلم). فقد تقدم ~~بلفظه في باب قسمة الصدقات ولعل إعادته هنا أن الرجل الذي تحمل حمالة قد ~~لزمه دين فلا يكون لحكم المفلس في الحجر عليه بل يترك حتى يسأل الناس ms0719 فيقضي ~~دينه وهذا يستقيم على القواعد إذا لم يكن قد ضمن ذلك المال. # باب الصلح قد قسم العلماء الصلح أقساما: صلح المسلم مع الكافر، والصلح ~~بين الزوجين، والصلح بين الفئة الباغية والعادلة، والصلح بين المتقاضيين، ~~والصلح في الجراح كالعفو على مال، PageV03P058 # والصلح لقطع الخصومة إذا وقعت في الاملاك والحقوق وهذا القسم هو المراد ~~هنا وهو الذي يذكره الفقهاء في باب الصلح. # 1 - (عن عمرو بن عوف المزني رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: الصلح ~~جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما والمسلمون) وفي لفظ أبي ~~داود والمؤمنون (على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما رواه الترمذي ~~وصححه وأنكروا عليه لأنه من رواية كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف وهو ~~ضعيف) كذبه الشافعي وتركه أحمد وفي الميزان عن ابن حبان: له عن أبيه عن جده ~~نسخة موضوعة وقال الشافعي وأبو داود: هو ركن من أركان الكذب واعتذر المصنف ~~عن الترمذي بقوله: (وكأنه اعتبره بكثرة طرقه. وقد صححه ابن حبان من حديث ~~أبو هريرة). فيه مسألتان: الأولى: في أحكام الصلح وهو أن وضعه مشروط فيه ~~المراضا لقوله: جائز أي أنه ليس بحكم لازم يقضى به وإن لم يرض به الخصم، ~~وهو جائز أيضا بين غير المسلمين من الكفار فتعتبر أحكام الصلح بينهم وإنما ~~خص المسلمون بالذكر لأنهم المعتبرون في الخطاب المنقادون لاحكام السنة ~~والكتاب. وظاهره عموم صحة الصلح سواء كان قبل اتضاح الحق للخصم أو بعده. ~~ويدل للأول قصة الزبير والأنصاري فإنه (ص) لم يكن قد أبان للزبير ما استحقه ~~وأمره أن يأخذ بعض ما يستحقه على جهة الاصلاح فلما لم يقبل الأنصاري الصلح ~~وطلب الحق أبان رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير قدر ما يستحقه كذا قال ~~الشارح. والثابت أن هذا ليس من الصلح مع الانكار بل من الصلح مع سكوت ~~المدعى عليه وهي مسألة مستقلة وذلك لان الزبير لم يكن عالما بالحق الذي له ~~حتى يدعه بالصلح بل هذا أول ms0720 التشريع في قدر السقيا. والتحقيق أنه لا يكون ~~الصلح إلا هكذا وأما بعد إبانة الحق للخصم فإنما يطلب من صاحب الحق أن يترك ~~لخصمه بعض ما يستحق. وإلى جواز الصلح على الانكار ذهب مالك وأحمد وأبو ~~حنيفة وخالف في ذلك الهادوية والشافعي وقالوا: لا يصح الصلح مع الانكار ~~ومعنى عدم صحته أنه لا يطيب مال الخصم مع إنكار المصالح وذلك حيث يدعي عليه ~~آخر عينا أو دينا فيصالح ببعض العين أو الدين مع إنكار خصمه فإن الباقي لا ~~يطيب له بل يجب عليه تسليمه لقوله صلى الله عليه وسلم: لا يحل مال امرئ ~~مسلم إلا بطيبة من نفسه وقوله تعالى: * (عن تراض) *. # وأجيب بأنها قد وقعت طيبة النفس بالرضا بالصلح وعقد الصلح قد صار في حكم ~~عقد المعاوضة فيحل له ما بقي. قلت: الأولى أن يقال إن كان المدعي يعلم أن ~~له حقا عند خصمه جاز له قبض ما صولح عليه وإن كان خصمه منكرا. وإن كان يدعي ~~باطلا فإنه يحرم عليه الدعوى وأخذ ما صولح به. والمدعى عليه إن كان عنده حق ~~يعلمه وإنما ينكر لغرض وجب عليه تسليم ما صولح به عليه. وإن كان يعلم أنه ~~ليس عنده حق جاز له إعطاء جزء من ماله في دفع شجار غريم وأذيته وحرم على ~~المدعي أخذه وبهذا تجتمع الأدلة فلا يقال الصلح على الانكار لا يصح ولا أنه ~~يصح على الاطلاق بل يفصل فيه. (المسألة الثانية PageV03P059 # ما أفادها قوله والمسلمون على شروطهم - أي ثابتون عليه واقفون عندها وفي ~~تعديته بعلى ووصفهم بالاسلام أو الايمان دلالة على علو مرتبتهم وأنهم لا ~~يخلو بشروطهم وفيه دلالة على لزوم الشرط إذا شرطه المسلم إلا ما استثناه في ~~الحديث وللمفرعين تفاصيل في الشروط وتقاسيم: منها ما يصح ويلزم حكمه، ومنها ~~ما لا يصح ولا يلزم، ومنها ما يصح ويلزم منه فساد العقد، وهي هنالك مبسوطة ~~بعلل ومناسبات. وللبخاري في كتاب الشروط تفاصيل كثيرة معروفة. وقوله: إلا ~~شرطا حرم حلالا ذلك كاشتراط البائع أن لا ms0721 يطأ الأمة أو أحل حراما مثل أن ~~يشترط وطئ الأمة التي حرم الله عليها وطأها. # 2 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي (ص) قال: لا يمنع) يروى بالرفع ~~على الخبر والجزم على النهي (جار جاره أن يغرز خشبة) بالافراد وفي لفظ خشبه ~~بالجمع (في جداره ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين؟ والله ~~لأرمين بها بين أكتافكم) بالتاء جمع كتف (متفق عليه) وفي لفظ لأبي داود ~~فنكسوا رؤوسهم. ولأحمد حين حدثهم بذلك فطأطأوا رؤوسهم والمراد المخاطبون ~~وهذا قاله أبو هريرة أيام إمارته على المدينة في زمن مروان فإنه كان ~~يستخلفه فيها فالمخاطبون ممن يجوز أنهم جاهلون بذلك وليسوا بصحابة وقد روى ~~أحمد وعبد الرزاق من حديث ابن عباس : لا ضرر ولا ضرار وللرجل أن يضع خشبة ~~في حائط جاره. والحديث فيه دليل على أنه ليس للجار أن يمنع جاره من وضع ~~خشبة على جداره، وأنه إذا امتنع عن ذلك أجبر لأنه حق ثابت لجاره، وإلى هذا ~~ذهب أحمد وإسحاق وغيرهما عملا بالحديث. وذهب إليه الشافعي في القديم وقضى ~~به عمر في أيام وفور الصحابة. وقال الشافعي: إن عمر لم يخالفه أحد من ~~الصحابة. وهو فيما رواه مالك بسند صحيح: أن الضحاك بن خليفة سأله محمد بن ~~مسلمة أن يسوق خليجا له فيجريه في أرض محمد بن مسلمة فامتنع فكلمه عمر في ~~ذلك فأبى فقال: والله ليمرن به ولو على بطنك. وهذا نظير قصة حديث أبي هريرة ~~وعممه عمر في كل ما يحتاج الجار إلى الانتفاع به من جاره وأرضه. وذهب آخرون ~~إلى أنه لا يجوز أن يضع خشبة إلا بإذن جاره فإن لم يأذن لم يجز. قالوا لان ~~أدلة أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه تمنع هذا الحكم فهو ~~للتنزيه وأجيب عنه بما قاله البيهقي: # لم نجد في السنن الصحيحة ما يعارض هذا الحكم إلا عمومات لا ينكر أن يخصها ~~وقد حمله الراوي على ظاهره من التحريم وهو أعلم بالمراد بدليل قوله: ms0722 ما لي ~~أراكم عنها معرضين فإنه استنكار لاعراضهم دال على أن ذلك للتحريم. قال ~~الخطابي معنى قوله: بين أكتافكم إن لم تقبلوا هذا الحكم وتعملوا به راضين ~~لأجعلنها أي الخشبة على رقابكم كارهين: قال وأراد بذلك المبالغة. قلت: ~~والذي يتبادر أن المراد لأرمين بها أي هذه السنة المأمور بها بينكم بلاغا ~~لما تحملته منها وخروجا عن كتمها وإقامة الحجة عليكم بها. # وعن أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله (ص): ~~PageV03P060 # لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيبة نفس منه رواه الحاكم وبن حبان ~~في صحيحيهما). وفي الباب أحاديث كثيرة في معناه، أخرج الشيخان من حديث عمر ~~: لا يحلبن أحد ماشية أحد بغير إذنه وأخرج أبو داود والترمذي والبيهقي من ~~حديث عبد الله بن السائب بن يزيد عن أبيه عن جده بلفظ: لا يأخذ أحدكم متاع ~~أخيه لاعبا ولا جادا " والأحاديث دالة على تحريم مال المسلم إلا بطيبة من ~~نفسه وإن قل. والاجماع واقع على ذلك وإيراد المصنف لحديث أبي حميد عقيب ~~حديث أبي هريرة إشارة إلى تأويل حديث أبي هريرة وأنه محمول على التنزيه كما ~~هو قول الشافعي في الجديد ويرد عليه أنه إنما يحتاج إلى التأويل إذا تعذر ~~الجمع وهو هنا ممكن بالتخصيص فإن حديث أبي هريرة خاص وتلك الأدلة عامة كما ~~عرفت. وقد أخرج من عمومها أشياء كثيرة كأخذ الزكاة كرها وكالشفعة وإطعام ~~المضطر ونفقة القريب المعسر والزوجة وكثير من الحقوق المالية التي لا ~~يخرجها المالك برضاه فإنها تأخذ منه كرها وغرز الخشبة منها على أنه مجرد ~~انتفاع والعين باقية. # باب الحوالة والضمان الحوالة بفتح الحاء - وقد تكسر - حقيقتها عند ~~الفقهاء: نقل دين من ذمة إلى ذمة. واختلفوا هل هي بيع دين بدين رخص فيه ~~وأخرج من النهي عن بيع الدين بالدين أو هي استيفاء. # وقيل هي عقد إرفاق مستقل. ويشترط فيها لفظها ورضا المحيل بلا خلاف ~~والمحال عند الأكثر والمحال عليه عند البعض وتماثل الصفات وأن تكون في الشئ ~~المعلوم. ومنهم ms0723 من خصها بما دون الطعام لأنه بيع طعام قبل أن يستوفى. # 1 - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # مطل الغني) إضافة للمصدر إلى الفاعل أي مطل الغني غريمه وقيل إلى المفعول ~~أي مطل الغريم للغني (ظلم) وبالأولى مطله الفقير (وإذا أتبع) بضم الهمزة ~~وسكون المثناة الفوقية وكسر والموحدة (أحدكم على ملئ) مأخوذ من الملاء ~~بالهمزة يقال ملؤ الرجل أي صار مليئا (فليتبع) بإسكان المثناة الفوقية أيضا ~~مبني للمجهول كالأول أي إذا أحيل فليحتل (متفق عليه). دل الحديث على تحريم ~~المطل من الغني. والمطل هو المدافعة والمراد هنا تأخير ما استحق أداؤه بغير ~~عذر من قادر على الأداء. والمعنى على تقدير أنه من إضافة المصدر إلى الفاعل ~~أنه يحرم على الغني القادر أن يمطل بالدين بعد استحقاقه بخلا ف العاجز. ~~ومعناه على التقدير الثاني: أنه يجب وفاء الدين ولو كان مستحقه غنيا فلا ~~يكون غناه سببا لتأخير حقه وإذا كان ذلك في حق الغني ففي حق الفقير أولى ~~ودل الامر على وجوب قبول الإحالة وحمله الجمهور على الاستحباب ولا أدري ما ~~الحامل على صرفه عن ظاهره. وعلى الوجوب حمله أهل الظاهر وتقدم البحث في أن ~~المطل كبيرة يفسق صاحبه فلا نكرره. وإنما اختلفوا هل يفسق قبل الطلب أو لا ~~بد منه PageV03P061 # والذي يشعر به الحديث أنه لا بد من الطلب لان المطل لا يكون إلا معه. ~~ويشمل المطل كل من لزمه حق كالزوج لزوجته والسيد في نفقة عبده ودل الحديث ~~بمفهوم المخالفة أن مطل العاجز عن الأداء لا يدخل في الظلم ومن لا يقول ~~بالمفهوم يقول لا يسمى العاجز ماطلا. والغني الغائب عنه ماله كالمعدوم. ~~ويؤخذ من هذا أن المعسر لا يطالب حتى يوسر. # قال الشافعي: لو جازت مؤاخذته لكان ظالما والفرض أنه ليس بظالم لعجزه. ~~ويؤخذ منه أنه إذا تعذر على المحال عليه التسليم لفقر لم يكن للمحتال ~~الرجوع إلى المحيل لأنه لو كان له الرجوع لم يكن لاشتراط الغنى فائدة فلما ms0724 ~~شرطه الشارع علم أنه انتقل انتقالا لا رجوع له كما لو عوض في دينه بعوض ثم ~~تلف العوض في يد صاحب الدين. وقالت الحنفية يرجع عند التعذر وشبهوا الحوالة ~~بالضمان وأما إذا جهل الافلاس حال الحوال فله الرجوع. # 2 - (وعن جابر رضي الله عنه قال: توفي رجل منا فغسلناه وحنطناه وكفناه ثم ~~أتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: تصلي عليه؟ فخطا خطا ثم قال: ~~عليه دين؟ قلنا: ديناران فانصرف) أي عن الصلاة عليه (فتحملهما أبو قتادة ~~فأتيناه فقال أبو قتادة: الديناران علي فقال رسول الله (ص) حق الغريم منصوب ~~على المصدر مؤكد لمضمون قوله الديناران علي أي حق عليك الحق وثبت عليك وكنت ~~غريما. (وبرئ منهما الميت قال: نعم فصلى عليه. رواه أحمد وأبو داود ~~والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم). وأخرجه البخاري من حديث سلمة بن الأكوع ~~إلا أن في حديثه ثلاثة دنانير. وكذلك أخرجه أبو داود والطبراني وجمع بينه ~~وبين قوله ديناران أن في حديث الكتاب أنهما كانا ديناران وشطرا فمن قال ~~ثلاثة جبر الكسر ومن قال ديناران ألغاه. أو كان الأصل ثلاثة فقضى قبل موته ~~دينارا فمن قال ثلاثة اعتبر أصل الدين ومن قال ديناران اعتبر الباقي. ~~ويحتمل أنهما قصتان وإن كان بعيدا. # وفي رواية الحاكم أنه (ص) جعل إذا لقي أبا قتادة يقول: ما صنعت الديناران ~~حتى كان آخر ذلك أن قال: قضيتهما يا رسول الله قال: الآن بردت جلدته. وروى ~~الدارقطني من حديث علي عليه السلام: كان رسول الله (ص) إذا أتي بجنازة لم ~~يسأل عن شئ من عمل الرجل ويسأل عن دينه فإن قيل عليه دين كف وإن قيل ليس ~~عليه دين صلى، فأتى بجنازة فلما قام ليكبر سأل: هل عليه دين؟ فقالوا: # ديناران فعدل عنه فقال علي: هما علي يا رسول الله وهو برئ منهما، فصلى ~~عليه ثم قال: جزاك الله خيرا وفك الله رهانك - الحديث. قال ابن بطال: ذهب ~~الجمهور إلى صحة هذه الكفالة عن الميت ولا رجوع له في ms0725 مال الميت. وفي ~~الحديث دليل على أنه يصح أن يحتمل الواجب غير من وجب عليه وأنه ينفعه ذلك. ~~ويدل على شدة أمر الدين فإنه صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة عليه لأنها ~~شفاعة وشفاعته مقبولة لا ترد والدين لا يسقط إلا بالتأدية. وفي الحديث دليل ~~على أنه لا يكتفى بالظاهر من اللفظ بل لا بد للحاكم في الالزام بالحق من ~~تحقق ألفاظ العقود والاقرارات وأنه إذا ادعى من عليه الحكومة أنه قصد ~~باللفظ PageV03P062 # معنى يحتمله وإن بعد الاحتمال لا يحكم عليه بظاهر اللفظ وعطف وبرئ منهما ~~الميت على ذلك مما يؤيد ذلك المعنى المستنبط. # 3 - (وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله (ص) كان يؤتى ~~بالرجل المتوفى عليه الدين فيسأل: هل ترك لدينه من قضاء؟ فإن حدث أنه ترك ~~وفاء صلى عليه وإلا قال: صلوا على صاحبكم فلما فتح الله عليه الفتوح قال: # أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه متفق عليه. ~~وفي رواية للبخاري: فمن مات ولم يترك وفاء). إيراد المصنف له عقيب الذي ~~قبله إشارة إلى أنه (ص) نسخ ذلك الحكم لما فتح عليه صلى الله عليه وسلم ~~واتسع الحال بتحمله الديون عن الأموات فظاهر قوله: فعلي قضاؤه أنه يجب عليه ~~القضاء وهل هو من خالص ماله أو من مال المصالح؟ محتمل. قال ابن بطال: وهكذا ~~يلزم المتولي لأمر المسلمين أن يفعله فيمن مات وعليه دين فإن لم يفعل ~~فالاثم عليه. وقد ذكر الرافعي في آخر الحديث: قيل: يا رسول الله وعلى كل ~~إمام بعد ك؟ قال: وعلى كل إمام بعدي. # وقد وقع معناه في الطبراني الكبير من حديث زاذان عن سليمان قال: أمرنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نفدي سبايا المسلمين ونعطي سائلهم ثم قال: ~~من ترك مالا فلورثته ومن ترك دينا فعلي وعلى الولاة من بعدي في بيت مال ~~المسلمين وفيه راو متروك ومتهم. # وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله (ص): ms0726 # لا كفالة في حد رواه البيهقي بإسناد ضعيف) وقال إنه منكر: وهو د ليل على ~~أنه لا تصح الكفالة في الحد. قال ابن حزم: لا تجوز الضمانة بالوجه أصلا لا ~~في مال ولا حد ولا في شئ من الأشياء لأنه شرط ليس في كتاب الله فهو باطل. ~~ومن طريق النظر أن نسأل من قال بصحته عمن تكفل بالوجه فقط فغاب المكفول عنه ~~ماذا تصنعون بالضامن بوجه أتلزمونه غرامة ما على المضمون؟ فهذا جور وأكل ~~مال بالباطل لأنه لم يلتزمه قط. # أم تتركونه؟ فقد أبطلتم الضمان بالوجه. أم تكلفونه طلبه؟ فهذا تكليف ~~الحرج وما لا طاقة له به وما لم يكلفه الله إياه قط. وأجاز الكفالة بالوجه ~~جماعة من العلماء واستدلوا بأنه صلى الله عليه وسلم كفل في تهمة. قال: وهو ~~خبر باطل لأنه من رواية إبراهيم بن خيثم بن عراك وهو وأبوه في غاية الضعف ~~لا تجوز الرواية عنهما ثم ذكر آثارا عن عمر بن عبد العزيز وردها كلها بأنه ~~لا حجة فيها إذ الحجة في كلام الله ورسوله لا غيره وهذه الآثار قد سردها في ~~الشرح. # باب الشركة والوكالة الشركة بفتح أوله وكسر الراء وبكسره مع سكونها وهي ~~بضم الشين اسم للشئ المشترك والشركة الحالة التي تحدث بالاختيار بين اثنين ~~فصاعدا. وإن أريد الشركة بين PageV03P063 # الورثة في المال الموروث حذفت (بالاختيار). والوكالة بفتح الواو وقد تكسر ~~مصدر وكل مشددا بمعنى التفويض والحفظ وتخفف فتكون بمعنى التفويض وهي شرعا ~~إقامة الشخص غيره مقام نفسه مطلقا ومقيدا. # 1 - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): قال الله تعالى: ~~أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خان خرجت من بينهما رواه ~~أبو داود وصححه الحاكم. وأعله ابن القطان بالجهل بحال سعيد بن حيان وقد ~~رواه عنه ولده أبو حيان بن سعيد. لكن ذكره ابن حبان في الثقات وذكر أنه روى ~~عنه الحارث بن شريد إلا أنه أعله الدارقطني بالارسال فلم يذكر فيه أبا ~~هريرة وقال إنه ms0727 الصواب. ومعناه أن الله معهما أي في الحفظ والرعاية ~~والامداد بمعونتهما في مالهما وإنزال البركة في تجارتهما فإذا حصلت الخيانة ~~نزعت البركة من مالهما وفيه حث على التشارك مع عدم الخيانة وتحذير منه ~~معها. # 2 - (وعن السائب بن يزيد المخزومي رضي الله عنه أنه كان شريك النبي (ص) ~~قبل البعثة فجاء يوم الفتح فقال: مرحبا بأخي وشريكي رواه أحمد وأبو داود ~~وابن ماجة) قال ابن عبد البر: السائب بن أبي السائب من المؤلفة قلوبهم وممن ~~حسن إسلامه وكان من المعمرين عاش إلى زمن معاوية وكان شريك النبي صلى الله ~~عليه وسلم في أول الاسلام في التجارة فلما كان يوم لفتح قال: مرحبا بأخي ~~وشريكي كان لا يماري ولا يداري. # وصححه الحاكم. ولابن ماجة: كنت شريكي في الجاهلية. والحديث دليل على أن ~~الشركة كانت ثابتة قبل الاسلام ثم قررها الشارع على ما كانت. # 3 - (وعن عبدا لله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: اشتركت أنا وعمار ~~وسعد فيما نصيب يوم بدر الحديث) تمامه: فجاء سعد بأسيرين ولم أجئ أنا وعمار ~~بشئ (رواه النسائي). فيه دليل على صحة الشركة في المكاسب وتسمى شركة ~~الأبدان وحقيقتها أن يوكل كل صاحبه أن يتقبل ويعمل عنه في قدر معلوم ~~ويعينان الصنعة وقد ذهب إلى صحتها الهادوية وأبو حنيفة. وذهب الشافعي إلى ~~عدم صحتها لبنائها على الغرر إذ لا يقطعان بحصول الربح لتجويز تعذر العمل ~~وبقوله قال أبو ثور وابن حزم. وقال ابن حزم: لا تجوز الشركة بالأبدان في شئ ~~من الأشياء أصلا فإن وقعت فهي باطلة لا تلزم ولكل واحد منهما ما كسب فإن ~~اقتسماه وجب أن يقضي له ما أخذه وإلا بدله لأنها شرط ليس في كتاب الله فهو ~~باطل. وأما حديث ابن مسعود فهو من رواية ولده أبي عبيدة بن عبد الله وهو ~~خبر منقطع لان أبا عبيدة لم يذكر عن أبيه شيئا فقد رويناه من طريق وكيع عن ~~شعبة عن عمرو بن مرة قال: قلت لأبي عبيدة: أتذكر عن عبد الله ms0728 شيئا قال: لا. ~~ولو صح لكان حجة على من قال بصحة هذه الشركة لأنه أول قائل معنا ومع سائر ~~المسلمين إن هذه الشركة لا تجوز وإنه لا ينفرد أحد من أهل العسكر بما يصيب ~~دون جميع أهل العسكر إلا السلب للقاتل على الخلاف فإن فعل فهو غلول من ~~كبائر الذنوب ولأن هذه الشركة لو صح PageV03P064 # حديثها فقد أبطلها الله عز وجل وأنزل: * (قل الأنفال لله وللرسول) * ~~الآية فأبطلها الله تعالى وقسمها هو بين المجاهدين ثم إن الحنفية لا يجيزون ~~الشركة في الاصطياد ولا يجيزها المالكية في العمل في مكانين فهذه الشركة في ~~الحديث لا تجوز عندهم اه‍. هذا وقد قسم الفقهاء الشركة إلى أربعة أقسام ~~أطالوا فيها وفي فروعها في كتب الفروع فلا نطيل بها. # قال ابن بطال: أجمعوا على أن الشركة الصحيحة أن يخرج كل واحد مثل ما أخرج ~~صاحبه ثم يخلط ذلك حتى لا يتميز ثم يتصرفا جميعا إلا أن يقيم كل منهما ~~الآخر مقام نفسه وهذه تسمى شركة العنان. وتصح إن أخرج أحدهما أقل من الآخر ~~من المال ويكون الربح والخسران على قدر مال كل واحد منهما. وكذلك إذا ~~اشتريا سلعة بينهما على السواء أو ابتاع أحدهما أكثر من الآخر منهما فالحكم ~~في ذلك أن يأخذ كل من الربح والخسران بمقدار ما أعطى من الثمن. وبرهان ذلك ~~أنهما إذا خلطا المالين فقد صارت تلك الجملة مشاعة بينهما فما ابتاعا بها ~~فمشاع بينهما وإذا كان كذلك فثمنه وربحه وخسرانه مشاع بينهما ومثله السلعة ~~التي اشترياها فإنها بدل من الثمن. # 4 - (وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: أردت الخروج إلى ~~خيبر فأتيت النبي (ص) فقال: إذا أتيت وكيلي بخيبر فخذ منه خمسة عشر وسقا ~~رواه أبو داود وصححه). تمام الحديث: فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته. # وفي الحديث دلالة على شرعية الوكالة. والاجماع على ذلك. وتعلق الاحكام ~~بالوكيل. # وتمام الحديث فيه دليل على العمل بالقرينة في مال الغير وأنه يصدق بها ~~الرسول لقبض ms0729 العين. وقد ذهب إلى تصديق الرسول في القبض جماعة من العلماء ~~وقيده المهدي في الغيث: # مع غلبة ظن صدقه. وعند الهادوية أنه لا يجوز تصديق الرسول لأنه مال الغير ~~فلا يصح التصديق فيه وقيل عنهم إلا أن يحصل الظن بصدق الرسول جاز الدفع ~~إليه. # 5 - (وعن عروة البارقي رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله (ص) بعث معه ~~بدينار يشتري له أضحية الحديث. رواه البخاري في أثناء حديث وقد تقدم). أي ~~في كتاب البيع وتقدم الكلام على ما فيه من الاحكام. # 6 - (وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: بعث رسول الله (ص) عمر على ~~الصدقة الحديث، متفق عليه). تمامه فقيل منع ابن جميل وخالد بن الوليد ~~والعباس عم رسول الله (ص) فقال رسول الله (ص): ما ينقم ابن جميل إلا أنه ~~كان فقيرا فأغناه الله وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا قد احتبس أدراعه ~~وأعتاده في سبيل الله وأما العباس فهي علي ومثلها معها. والظاهر أنه (ص) ~~بعث عمر لقبض الزكاة وابن جميل من الأنصار كان منافقا ثم تاب بعد ذلك. قال ~~المصنف: وابن جميل لم أقف على اسمه. وقوله: ما ينقم بكسر القاف ما ينكر إلا ~~أنه كان فقيرا فأغناه الله وهو من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم لأنه إذا ~~لم يكن له عذر إلا ما ذكره فلا عذر له وفيه التعريض بكفران النعمة والتقريع ~~بسوء الصنيع. وقوله أعتاده جمع عتد بفتحتين PageV03P065 # وهو ما يعده الرجل من السلاح والدواب وقيل الخيل خاصة وحمل البخاري معناه ~~على أنه جعلها زكاة ماله وصرفها في سبيل الله وهو بناء على أنه يجوز اخراج ~~القيمة عن الزكاة. # وقوله: فهي علي ومثلها معها يفيد أنه (ص) تحملها عن العباس تبرعا وفيه ~~صحة تبرع الغير بالزكاة ونظيره حديث أبي قتادة في تبرعه بتحمل الدين عن ~~الميت وهذا أقرب الاحتمالات وقد روي بألفاظ أخر تحتمل احتمالات كثيرة وقد ~~بسطها المصنف في الفتح وتبعه الشارح. وأما حديث أنه (ص) كان يتعجل منه زكاة ~~عامين فقد ms0730 روي من طريق لم يسلم شئ منها من مقال. وفي الحديث دليل على توكيل ~~الامام للعامل في قبض الزكاة ولأجل هذا ذكره المصنف هنا. وفيه أن بعث ~~العمال لقبض الزكاة سنة نبوية. وفيه أنه يذكر الغافل بما أنعم الله عليه ~~بإغنائه بعد أن كان فقيرا ليقوم بحق الله. وفيه جواز ذكر من منع الواجب في ~~غيبته بما ينقصه. وفيه تحمل الامام عن بعض المسلمين والاعتذار عن البعض ~~وحسن التأويل. # 7 - (وعن جابر رضي الله عنه: أن النبي (ص) نحر ثلاثا وستين وأمر عليا أن ~~يذبح الباقي الحديث، رواه مسلم). تقدم الكلام عليه في كتاب الحج وفيه دلالة ~~على صحة التوكيل في نحر الهدي وهو إجماع إذا كان الذابح مسلما فإن كان ~~كافرا كتابيا صح عند الشافعي بشرط أن ينوي صاحب الهدي عند دفعه إليه أو عند ~~ذبحه. # 8 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه في قصة العسيف) بعين وسين مهملتين ~~فمثناة تحتية ففاء: الأجير وزنا ومعنى (قال النبي (ص): اغد يا أنيس على ~~امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها الحديث. متفق عليه). سيأتي في الحدود مستوفى. ~~وذكر هنا بناء على أن المأمور وكيل عن الامام في إقامة الحد. وبوب البخاري ~~باب الوكالة في الحدود وأورد هذا الحديث وغيره. وقال المصنف في الفتح: ~~والامام لما لم يتول إقامة الحد بنفسه وولاه غيره كان ذلك بمنزلة توكيله ~~للغير. # باب الاقرار الاقرار لغة: الاثبات، في الشرع: إخبار الانسان بما عليه وهو ~~ضد الجحود. # 1 - (عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي النبي (ص): # قل الحق ولو كان مرا صححه ابن حبان من حديث طويل). ساقه الحافظ المنذري ~~في الترغيب والترهيب وفيه وصايا نبوية ولفظه: قال: أوصاني خليلي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن أنظر إلى من هو أسفل مني ولا أنظر إلى من فوقي، وأن ~~أحب المساكين، وأن أدنو منهم، وأن أصل رحمي وإن قطعوني وجفوني، وأن أقول ~~الحق ولو كان مرا، وأن لا أخاف في الله لومة لائم، وأن لا ms0731 أسأل أحدا شيئا، ~~وأن أستكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها من كنوز الجنة. وقوله قل ~~الحق يشمل قوله على نفسه وعلى غيره وهو مأخوذ من PageV03P066 # قوله تعالى: * (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسهم أو ~~الوالدين والأقربين) * ومن قوله تعالى: * (ولا تقولوا على الله إلا الحق) * ~~وباعتبار شموله ذكره المصنف هنا تبعا للرافعي فإنه ذكره في باب الاقرار. ~~وفيه دلالة على اعتبار إقرار الانسان على نفسه في جميع الأمور وهو أمر هام ~~لجميع الاحكام لان قول الحق على النفس والاخبار بما عليها مما يلزمها ~~التخلص منه بمال أو بدن أو عرض. وقوله: ولو كان مرا من باب التشبيه لان ~~الحق قد يصعب إجراؤه على النفس كما يصعب عليها إساغة المر لمرارته ويأتي في ~~باب الحدود والقصاص أحاديث في الاقرار. # باب العارية العارية بتشديد المثناة التحتية وتخفيفها ويقال عارة وهي ~~مأخوذة من عار الفرس إذا ذهب لان العارية تذهب من يد المعير أو من العار ~~لأنه لا يستعير أحد إلا وبه عار وحاجة. وهي في الشرع عبارة عن إباحة ~~المنافع من دون ملك العير. # 1 - (عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله (ص): # على اليد ما أخذت حتى تؤديه رواه أحمد والأربعة وصححه الحاكم). بناء منه ~~على سماع الحسن من سمرة لان الحديث من رواية الحسن عن سمرة وللحفاظ في ~~سماعه منه ثلاثة مذاهب. الأول: أنه سمع منه مطلقا وهو مذهب علي بن المديني ~~والبخاري والترمذي. # والثاني: لا، مطلقا وهو مذهب يحيى بن سعيد القطان ويحيى بن معين وابن ~~حبان. والثالث: لم يسمع منه إلا حديث العقيقة وهو مذهب النسائي واختاره ابن ~~عساكر وادعى عبد الحق أنه الصحيح. والحديث دليل على وجوب رد ما قبضه المرء ~~وهو ملك لغيره ولا يبرأ إلا بمصيره إلى مالكه أو ما يقوم مقامه لقوله: حتى ~~تؤديه ولا تتحقق التأدية إلا بذلك. وهو عام في الغصب والوديعة والعارية ~~وذكره في باب العارية لشموله لها وربما يفهم منه أنها مضمونة على المستعير. ms0732 ~~وفي ذلك ثلاث أقوال. الأول: أنها مضمونة مطلقا وإليه ذهب ابن عباس وزيد بن ~~علي وعطاء وأحمد وإسحاق والشافعي لهذا الحديث ولما يأتي مما يفيد معناه. # والثاني: للهادي وآخرين معه أن العارية لا يجب ضمانها إلا إذا شرط ~~مستدلين بحديث صفوان ويأتي الكلام عليه. والثالث: للحسن وأبي حنيفة وآخرين ~~أنها لا تضمن وإن ضمنت لقوله (ص): ليس على المستعير غير المغل ولا على ~~المستودع غير المغل ضمان " أخرجه الدارقطني والبيهقي عن ابن عمر وضعفاه ~~وصححا وقفه على شريح. وقوله: المغل بضم الميم فغين معجمة قال في النهاية: ~~أي إذا لم يخن في العارية والوديعة فلا ضمان عليه من الأغلال وهو الخيانة. ~~وقيل المغل: المستغل وأراد به القابض لأنه بالقبض يكون مستغلا والأول أولى. ~~وحينئذ فلا تقوم به حجة. على أنه لا تقوم به الحجة ولو صح رفعه لان المراد ~~ليس عليه ذلك من حيث هو مستعير لأنه لو التزم الضمان للزمه. وحديث الباب ~~كثيرا ما يستدلون منه بقوله: على اليد ما أخذت حتى تؤديه على التضمين ولا ~~دلالة فيه PageV03P067 # صريحا فإن اليد الأمينة أيضا عليها ما أخذت حتى تؤدى ولذلك قلنا (وربما ~~يفهم). ولم يبق دليل على تضمين العارية إلا قوله (ص) عارية مضمونة في حديث ~~صفوان فإن وصفها بمضمونة يحتمل أنها صفة موضحة وأن المراد من شأنها الضمان ~~فيدل على ضمانها مطلقا ويحتمل أنها صفة للتقييد وهو الأظهر لأنها تأسيس ~~ولأنها كثيرة. ثم ظاهره أن المراد عارية قد ضمناها لك وحينئذ يحتمل أن يلزم ~~ويحتمل أنه غير لازم بل كالوعد وهو بعيد فيتم الدليل بالحديث للقائل إنها ~~تضمن - وهو الأظهر - بالتضمين إما بطلب صاحبها له أو بتبرع المستعير. # 2 - (وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله (ص): # أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك رواه الترمذي وأبو داود وحسنه ~~وصححه الحاكم واستنكره أبو حاتم الرازي وأخرجه جماعة من الحفاظ وهو شامل ~~للعارية) والوديعة ونحوهما وأنه يجب أداء الأمانة كما أفاده قوله تعالى: * ~~(إن ms0733 الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) *. وقوله: لا تخن من خانك ~~دليل على أنه لا يجازي بالإساءة من أساء وحمله الجمهور على أنه مستحب ~~لدلالة قوله تعالى: * (وجزاء سيئة سيئة مثلها) * * (وإن عاقبتم) * على ~~الجواز. وهذه هي المعروفة بمسألة الظفر وفيها أقوال للعلماء. هذا القول ~~الأول وهو الأشهر من أقوال الشافعي وسواء كان من جنس ما أخذ عليه أو من ~~غيره جنسه. والثاني: يجوز إذا كان من جنس ما أخذ عليه لا من غيره لظاهر ~~قوله * (بمثل ما عوقبتم به) * وقوله: * (مثلها) * وهو رأي الحنفية والمؤيد. ~~والثالث: لا يجوز ذلك إلا بحكم الحاكم لظاهر النهي في الحديث ولقوله تعالى: ~~* (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) * وأجيب أنه ليس أكلا بالباطل والحديث ~~يحمل فيه النهي على التنزيه. الرابع: لابن حزم أنه يجب عليه أن يأخذ بقدر ~~حقه سواء كان من نوع ما هو له أو من غيره ويعينه ويستوفي حقه فإن فضل على ~~ما هو له رده له أو لورثته وإن نقص بقي في ذمة من عليه الحق فإن لم يفعل ~~ذلك فهو عاص لله عز وجل إلا أن يحلله ويبرئه فهو مأجور فإن كان الحق الذي ~~له لا بينة له عليه وظفر بشئ من مال من عنده له الحق أخذه فإن طولب أنكر ~~فإن استحلف حلف وهو مأجور في ذلك. قال: وهذا هو قول الشافعي وأبي سليمان ~~وأصحابهما وكذلك عندنا كل من ظفر لظالم بمال ففرض عليه أخذه وإنصاف المظلوم ~~منه واستدل بالآيتين بقوله تعالى: * (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم ~~من سبيل) * وبقوله تعالى: * (والذين إذا أصابهم PageV03P068 # البغي هم ينتصرون) * وبقوله تعالى - والحرمات قصاص - وبقوله تعالى - فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم - وبقوله صلى الله عليه وسلم ~~لهند امرأة أبي سفيان: خذي ما يكفيك وولدك ب المعروف لما ذكرت له أن أبا ~~سفيان رجل شحيح وأنه لا يعطيني ما يكفيني وبني فه علي من جناح أن آخذ من ~~ماله شيئا ولحديث البخاري: إن نزلتم بقوم ms0734 فأمروا لكم بما ينبغي للضيف ~~فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف. واستدل لكونه إذا لم يفعل ~~يكون عاصيا بقوله تعالى: * (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على ~~الاثم والعدوان) * قال: فمن ظفر بمثل ما ظلم فيه هو أو مسلم أو ذمي فلم ~~يزله عن يد الظالم ويرد إلى المظلوم حقه فهو أحد الظالمين ولم يعن على البر ~~والتقوى بل أعان على الاثم والعدوان. وكذلك أمر رسول الله صلى الله تعالى ~~عليه وسلم من رأى منكرا أن يغيره بيده إن استطاع فمن قدر على قطع الظلم ~~وكفه وإعطاء كل ذي حق حقه فلم يفعل فقد قدر على إنكار المنكر ولم يفعل فقد ~~عصى الله ورسوله ثم ذكر حديث أبي هريرة فقال: هو من رواية طلق بن غنام عن ~~شريك وقيس بن الربيع وكلهم ضعيف قال: ولئن صح فلا حجة فيه لأنه ليس انتصاف ~~المرء من حقه خيانة بل هو حق واجب وإنكار منكر وإنما الخيانة أن يخون ~~بالظلم والباطل من لا حق له عنده. قلت ويؤيد ما ذهب إليه حديث: انصر أخاك ~~ظالما أو مظلوما فإن الامر ظاهر في الايجاب، ونصر الظالم باخراجه عن الظلم ~~وذلك بأخذ ما في يده لغيره ظلما 3 - (وعن يعلى بن أمية) ويقال منيه بضم ~~الميم وفتح النون وتشديد التحتية المثناة صحابي مشهور (قال: قال لي رسول ~~(ص): إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعا قلت: يا رسول الله أعارية مضمونة أو ~~عارية مؤداة؟ قال: بل عارية مؤداة رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن ~~حبان). المضمونة: التي تضمن إن تلفت بالقيمة، والمؤداة: التي تجب تأديتها ~~مع بقاء عينها فإن تلفت لم تضمن بالقيمة. # والحديث دليل لمن ذهب إلى أنها لا تضمن العارية إلا بالتضمين وتقدم أنه ~~أوضح الأقوال. # 4 - (وعن صفوان بن أمية) قرشي من أشراف قريش هرب يوم الفتح واستؤمن له ~~فعاد وحضر مع النبي صلى الله عليه وسلم حنينا والطائف كافرا ثم أسلم وحسن ~~إسلامه (أن النبي (ص) استعار منه دروعا يوم ms0735 حنين فقال: أغصب يا محمد؟ قال: # بل عارية مضمونة رواه أبو داود وأحمد والنسائي وصححه الحاكم وأخرج له ~~شاهدا ضعيفا عن ابن عباس) ولفظه بل عارية مؤداة وفي عدد الدروع روايات ~~فلأبي داود كانت ما بين الثلاثين إلى الأربعين، وللبيهقي في حديث مرسل: ~~كانت ثمانين. وللحاكم من حديث جابر: كانت مائة درع وما يصلحها. وزاد أحمد ~~والنسائي في رواية ابن عباس: فضاع بعضها فعرض عليه النبي (ص) أن يضمنها له ~~فقال: أنا اليوم يا رسول الله أرغب في الاسلام. وقوله مضمونة تقدم الكلام ~~عليها وأن أصل الوصف التقييد وأنه الأكثر فهو دليل على ضمانها بالتضمين كما ~~أسلفنا لا أنه محتمل ويكون مجملا كما قيل، قاله الشارح PageV03P069 # باب الغصب 1 - (عن سعيد بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من ~~اقتطع شبرا من الأرض)) أي من أخذه وهو أحد ألفاظ الصحيحين (ظلما طوقه الله ~~يوم القيامة إياه من سبع أرضين متفق عليه). اختلف في معنى التطويق فقيل ~~معناه يعاقب بالخسف إلى سبع أرضين فتكون كل أرض في تلك الحالة طوقا في عنقه ~~ويؤيده أن في حديث ابن عمر: (خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين). وقيل يكلف ~~نقل ما ظلمه منها يوم القيامة في المحشر ويكون كالطوق في عنقه لا أنه طوق ~~حقيقة ويؤيده حديث: أيما رجل ظلم شبرا من الأرض كلفه الله أن يحفره حتى ~~يبلغ آخر سبع أرضين ثم يطوقه حتى يقضي بين الناس أخرجه الطبراني وابن حبان ~~من حديث يعلى بن مرة مرفوعا. ولأحمد والطبراني: من أخذ أرضا بغير حقها كلف ~~أن يحمل ترابها إلى المحشر. وفيه قولان آخران والحديث دليل على تحريم الظلم ~~والغصب وشدة عقوبته وإمكان غصب الأرض وأنه من الكبائر وأن من ملك أرضا ملك ~~أسفلها إلى تخوم الأرض وله منع من أراد أن يحفر تحتها سربا أو بئرا وأنه من ~~ملك ظاهر الأرض ملك باطنها بما فيه من حجارة أو أبنية أو معادن وأن له أن ~~ينزل بالحفر ما شاء ما ms0736 لم يضر من يجاوره وأن الأرضين السبع متراكمة لم يفتق ~~بعضها من بعض لأنها لو فتقت لاكتفي في حق هذا الغاصب بتطويق التي غصبها ~~لانفصالها عما تحتها. وفيه دلالة على أن الأرض تصير مغصوبة بالاستيلاء ~~عليها. وهل تضمن إذا تلفت بعد الغصب؟ فيه خلاف: فقيل لا تضمن لأنه إنما ~~يضمن ما أخذ لقوله صلى الله عليه وسلم (على اليد ما أخذت حتى تؤديه). ~~قالوا: ولا يقاس ثبوت اليد في غير المنقول على النقل في المنقول لاختلافهما ~~في التصرف. وذهب الجمهور إلى أنها تضمن بالغصب قياسا على المنقول المتفق ~~على أنه يضمن بعد النقل بجامع الاستيلاء الحاصل في نقل المنقول وفي ثبوت ~~اليد على غير المنقول بل الحق أن ثبوت اليد استيلاء وإن لم ينقل، يقال ~~استولى الملك على البلد واستولى زيد على أرض عمرو. وقوله شبرا وكذا ما فوقه ~~بالأولى وما دونه داخل في التحريم وإنما لم يذكر لأنه قد لا يقع إلا نادرا. ~~وقد وقع في بعض ألفاظه عند البخاري (شيئا) عوضا عن (شبرا) فعم. إلا أن ~~الفقهاء يقولون إنه لا بد أن يكون المغصوب له قيمة فألزموا أنه حينئذ يأكل ~~الرجل صاع تمر أو زبيب على واحدة واحدة فلا يضمن فيأكل عمره من المال ~~الحرام فلا يضمن وإن أثم كأكلة من الخبز واللحم على لقمة لقمة من غير ~~استيلاء على الجميع. # 2 - (وعن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله (ص) كان عند بعض نسائه فأرسلت ~~إحدى أمهات المؤمنين) سماها ابن حزم زينب بنت جحش (مع خادم لها) قال المصنف ~~لم أقف على اسم الخادم (بقصعة فيها طعام فضربت بيدها فكسرت القصعة فضمها ~~وجعل فيها الطعام وقال: كلوا ودفع القصعة الصحيحة للرسول PageV03P070 # وحبس المكسورة - رواه البخاري والترمذي وسمى الضاربة عائشة وزاد فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: طعام بطعام وإناء بإناء وصححه) واتفقت مثل هذه ~~القصة من عائشة في صحفة أم سلمة فيما أخرجه النسائي عن أم سلمة: أنها أتت ~~بطعام في صحفة إلى النبي صلى الله عليه ms0737 وسلم وأصحابه فجاءت عائشة متزرة ~~بكساء ومعها فهر ففلقت به الصحفة " الحديث. وقد وقع مثلها لحفصة وأن عائشة ~~كسرت الاناء. ووقع مثلها لصفية مع عائشة، والحديث دليل على أن من استهلك ~~على غيره شيئا كان مضمونا بمثله وهو متفق عليه في المثلى من الحبوب وغيرها. ~~وأما في القيمي ففيه ثلاثة أقوال: الأول للشافعي والكوفيين أنه يجب فيه ~~المثل حيوانا كان أو غيره ولا تجزئ القيمة إلا عند عدمه. والثاني للهادوية ~~أن القيمي يضمن بقيمته. وقال مالك والحنفية: أما ما يكال أو يوزن فمثله وما ~~عدا ذلك من العروض والحيوانات فالقيمة. واستدل الشافعي ومن معه بقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم : إنا بإناء وطعام بطعام وبما وقع في رواية ابن أبي ~~حاتم: من كسر شيئا فهو له وعليه مثله زاد في رواية الدارقطني فصارت قضية: ~~أي من النبي (ص) أي حكما عاما لكل من وقع له مثل ذلك فاندفع قول من قال ~~إنها قضية عين لا عموم فيها ولو كانت كذلك لكان قوله صلى الله عليه وسلم: ~~طعام بطعام وإناء بإناء كافيا في الدليل. على أن ذكره للطعام واضح في ~~التشريع العام لأنه لا غرامة هنا للطعام بل الغرامة للاناء. وأما الطعام ~~فهو هدية له صلى الله عليه وسلم فإن عدم المثل فالمضمون له مخير بين أن ~~يمهله حتى يجد المثل وبين أن يأخذ القيمة. واستدل في البحر وغيره لمن قال ~~بوجوب القيمة بأنه صلى الله عليه وسلم قضى على من أعتق شركا له في عبد أن ~~يقوم عليه باقيه لشريكه قالوا فقضى صلى الله عليه وسلم بالقيمة. وأجيب بأن ~~المعتق نصيبه من عبد بينه وبين آخر لم يستهلك شيئا ولا غصب شيئا ولا تعدى ~~أصلا بل أعتق حصته التي أباح الله له عتقها ثم إن المستهلك بزعم المستدل ~~هنا هو الشقص من العبد ومناظرة شقص لشقص تبعد فيكون النقد أقرب وأبعد من ~~الشجار. على أن التقوي لغة يشمل التقدير بالمثل أو بالقيمة وإنما خص ~~اصطلاحا بالقيمة وكلام الشارع يفسر باللغة ms0738 لا بالاصطلاح الحادث. واستدل ~~بإمساكه صلى الله عليه وسلم أكسار القصعة في بيت التي كسرت الهادوية ~~والحنفية القائلين بأن العين المغصوبة إذا زال بفعل الغاصب اسمها ومعظم ~~نفعها تصير ملكا للغاصب. قال ابن حزم: إنه ليس في تعليم الظلمة أكل أموال ~~الناس أكثر من هذا فيقال لكل فاسق: إذا أردت أخذ قمح يتيم أو غيره أو أكل ~~غنمه أو استحلال ثيابه فقطعها ثيابا على رغمه واذبح غنمه واطبخها وخذ ~~الحنطة واطحنها وكل ذلك حلالا طيبا وليس عليك إلا قيمة ما أخذت وهذا خلاف ~~القرآن في نهيه تعالى أن يؤكل أموال الناس بالباطل وخلاف المتواتر عن رسول ~~الله (ص): إن أموالكم عليك حرام " واحتج المخالف بقضية القصة، وقد تقدم ~~PageV03P071 # الكلام فيها، واحتجروا بخبر الشاة المعروف، وهو أن امرأة دعته صلى الله ~~عليه وسلم إلى طعام فأخبرته أنها أرادت ابتياع شاة فلم تجدها فأرسلت إلى ~~جارة لها أن ابعثي لي الشاة التي لزوجك فبعثت بها إليها فأمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالشاة أن تطعم الأسارى. قالوا: فهذا يدل على أن حق صاحب ~~الشاة قد سقط عنها إذا شويت. وأجيب بأن الخبر لا يصح. فإن صح فهو حجة عليهم ~~لأنه خلاف قولهم إذ فيه أنه (ص) لم يبق ذلك اللحم فملك التي أخذتها بغير ~~إذن مالكها وهم يقولون إنه للغاصب وقد تصدق بها صلى الله عليه وسلم بغير ~~إذنها وخبر شاة الأسارى قد بحثنا فيه في منحة الغفار. # 3 - (وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من الزرع شئ ~~وله نفقته رواه أحمد والأربعة إلا النسائي وحسنه الترمذي، ويقال إن البخاري ~~ضعفه) هذا القول عن البخاري ذكره الخطابي وخالفه الترمذي فنقل عن البخاري ~~تحسينه إلا أنه قال أبو زرعة وغيره: لم يسمع عطاء بن أبي رباح من رافع بن ~~خديج. وقد اختلف فيه الحفاظ اختلافا كثيرا وله شواهد تقويه وهو دليل على أن ~~غاصب الأرض إذا زرع الأرض لا يملك الزرع وأنه لمالكها وله ما غرم ms0739 على الزرع ~~من النفقة والبذر وهذا مذهب أحمد بن حنبل وإسحاق ومالك وهو قول أكثر علماء ~~المدينة والقاسم بن إبراهيم وإليه ذهب أبو محمد بن حزم ويدل له حديث: ليس ~~لعرق ظالم حق وسيأتي إذ المراد به من غرس أو زرع أو حفر في أرض غيره بغير ~~حق ولا شبهة. وذهب أكثر الأمة إلى أن الزرع لصاحب البذر الغاصب وعليه أجرة ~~الأرض واستدلوا بحديث الزرع للزارع وإن كان غاصبا إلا أنه لم يخرجه أحد قال ~~في المنار: وقد بحثت عنه فلم أجده والشارح نقله وبيض لمخرجه واستدلوا ~~بحديث: ليس لعرق ظالم حق ويأتي وهو لأهل القول الأول أظهر في الاستدلال. # 4 - (وعن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: قال رجل من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: إن رجلين اختصما إلى رسول الله (ص) في أرض غرس أحدهما ~~فيها نخلا والأرض للآخر فقضى رسول الله (ص) بالأرض لصاحبها وأمر صاحب النخل ~~أن يخرج نخله فقال: ليس لعرق ظالم) بالإضافة ولتوصيف، وأنكر الخطابي ~~الإضافة (حق رواه أبو داود وإسناده حسن. وآخره عند أصحاب السنن من رواية ~~عروة عن سعيد بن زيد واختلف في وصله وإرساله وفي تعيين صحابيه). فرواه أبو ~~داود من طريق عروة مرسلا ومن طريق آخر متصلا من رواية محمد بن إسحاق وقال: ~~فقال رجل من أصحاب النبي (ص) وأكثر ظني أنه أبو سعيد. وفي الباب عن عائشة ~~أخرجه أبو داود الطيالسي. وعن سمرة عند أبي داود والبيهقي وعن عبادة وعبد ~~الله بن عمرو عند الطبراني. واختلفوا في تفسير (عرق ظالم) فقيل هو أن يغرس ~~الرجل في أرض فيستحقها بذلك. وقال مالك: كل ما أخذ واحتفر وغرس بغير حق. ~~وقال ربيعة: العرق الظالم يكون PageV03P072 # ظاهرا ويكون باطنا فالباطن: ما احتفر الرجل من الآبار واستخرجه من ~~المعادن والظاهر ما بناه أو غرسه. وقيل الظالم من بنى أو زرع أو حفر في أرض ~~غيره بغير حق ولا شبهة وكل ما ذكر من التفاسير متقارب ودليل على أن الزارع ~~في ms0740 أرض غيره ظالم ولا حق له بل يخير بين اخراج ما غرسه وأخذ نفقته عليه ~~جمعا بين الحديثين من غير تفرقة بين زرع وشجر. والقول بأنه دليل على أن ~~الزرع للغاصب حمل له على خلاف ظاهره. وكيف يقول الشارع (ليس لعرق ظالم حق) ~~ويسميه ظالما وينفي عنه الحق ونقول بل له الحق. 5 - (وعن أبي بكرة رضي الله ~~عنه: أن النبي (ص) قال في خطبته يوم النحر بمنى: إن دماءكم وأموالكم ~~وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا متفق ~~عليه). وما دل عليه واضح وإجماع ولو بدأ به المصنف في أول باب الغصب لكان ~~أليق أساسا وأحسن افتتاحا. # باب الشفعة الشفعة بضم الشين المعجمة وسكون الفاء. في اشتقاقها ثلاثة ~~أقوال: قيل من الشفع وهو الزوج، وقيل من الزيادة، وقيل من الإعانة. وهي ~~شرعا انتقال حصة إلى حصة بسبب شرعي كانت انتقلت إلى أجنبي بمثل العوض ~~المسمى. وقال أكثر الفقهاء إنها ورادة على خلاف القياس لأنها تؤخذ كرها ~~ولان الأذية لا تدفع عن واحد بضرر آخر. وقيل خالفت هذا القياس ووافقت ~~قياسات أخر يدفع فيها ضرر الغير بضرر الآخر ثم يؤخذ حقه كرها كبيع الحاكم ~~عن المتمرد والمفلس ونحوهما. # 1 - (عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قضى رسول الله (ص) بالشفعة ~~في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت) بضم الصاد المهملة وتشديد الراء ~~ففاء معناه بينت مصارف (الطرق) وشوارعها (فلا شفعة متفق عليه واللفظ ~~للبخاري وفي رواية مسلم) أي من حديث جابر (الشفعة في كل شرك) أي مشترك (في ~~أرض أو ربع) بفتح الراء وسكون الموحد الدار ويطلق على الأرض (أو حائط لا ~~يصلح - وفي لفظ لا يحل - أن يبيع) الخليط دلالة السياق عليه (حتى يعرض على ~~شريكه وفي رواية الطحاوي أي من حديث جابر قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالشفعة في كل شئ ورجاله ثقات). الألفاظ في هذا الحديث قد تضافرت في الأدلة ~~على ثبوت الشفعة للشريك في ms0741 الدور والعقار والبساتين وهذا مجمع عليه إذا كان ~~مما يقسم. وفيما لا يقسم كالحمام PageV03P073 # الصغير ونحوه خلاف. وذهب الهادوية - وفي البحر العترة - إلى صحة الشفعة ~~في كل شئ. # ومثله في البحر عن أبي حنيفة وأصحابه ويدل له حديث الطحاوي. ومثله عن ابن ~~عباس عن الترمذي مرفوعا الشفعة في كل شئ وإن قيل إن رفعه خطأ فقد ثبت ~~إرساله عن ابن عباس وهو شاهد لرفعه. على أن مرسل الصحابي إذا صحت عنه ~~الرواية حجة. وعن المنصور أنه لا شفعة في المكيل والموزون لأنه لا ضرر فيه. ~~فأجيب بأن فيه ضررا وهو اسقاط حق الجوار ولأنا لا نسلم أن العلة الضرر. ~~وذهب الأكثر على عدم ثبوتها في المنقول مستدلين بقوله: فإذا وقعت الحدود ~~وصرفت الطرق فلا شفعة فإنه دل على أنها لا تكون إلا في العقار وتلحق به ~~الدار لقوله في حديث مسلم: أو ربع. قالوا: ولان الضرر في المنقول. وأجيب ~~بأن ذكر حكم بعض أفراد العام لا يقصر عليه قالوا: ولأنه أخرج البزار من ~~حديث جابر والبيهقي من حديث أبي هريرة بلفظ الحصر فيهما. الأول: لا شفعة ~~إلا في ربع أو حائط " ولفظ الثاني: لا شفعة إلا في دار أو عقار. إلا أنه ~~قال البيهقي بعد سياقه له: الاسناد ضعيف. # وأجيب بأنها لو ثبتت لكانت مفاهيم ولا تقاوم منطوق في كل شئ. ومنهم من ~~استثنى من المنقول الثياب فقال تصح فيها الشفعة. ومنهم من استثنى منه ~~الحيوان فقال تصح فيه الشفعة. # وفي حديث مسلم دليل على أنه لا يحل للشريك بيع حصته حتى يعرض على شريكه ~~وأنه محر عليه البيع قبل عرضه، ومن حمله على الكراهة فهو حمل على خلاف أصل ~~النهي بلا دليل . واختلف العلماء هل للشريك الشفعة بعد أن آذنه شريكه ثم ~~باعه من غيره فقيل له ذلك ولا يمنع صحتها تقدم إيذانه وهو قول الأكثر. وقال ~~الثوري والحكم وأبو عبيد وطائفة من أهل الحديث تسقط شفعته بعد عرضه عليه ~~وهو الأوفق بلفظ الحديث وهو الذي اخترناه في حاشية ms0742 ضوء النهار. وفي قوله: ~~أن يبيع ما يشعر بأنها إنما تثبت فيما كان بعقد البيع وهذا مجمع عليه، وفي ~~غيره خلاف. وقوله في كل شئ يشمل الشفعة في الإجارة وقد منعها الهادوية ~~وقالوا إنما تكون في عين لا منفعة وضعف قولهم لان المنفعة تسمى شيئا وتكون ~~مشتركة فشملها في كل شرك أيضا إذ لو لم تكن شيئا ولا مشتركة لما صح التأجير ~~فيها ولا القسمة بالمهايأة ونحو ذلك وهي بيع مخصوص فيشملها: لا يحل له أن ~~يبيع. فالحق ثبوت الشفعة فيها لشمول الدليل له ولوجود علة الشفعة فيها. ~~وظاهر قوله: في كل شرك أي مشترك ثبوتها للذمي على المسلم إذا كان شريكا له ~~في الملك وفيه خلاف. والأظهر ثبوتها للذمي في غير جزيرة العرب لأنهم منهيون ~~عن البقاء فيها. # 2 - (وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال رسول الله (ص): # جار الدار أحق بالدار رواه النسائي وصححه ابن حبان وله علة). وهي أنه ~~أخرجه أئمة من الحفاظ عن قتادة عن أنس وآخرون أخرجوه عن الحسن عن سمرة ~~قالوا وهذا هو المحفوظ وقيل هما صحيحان جميعا قاله ابن القطان وهو الأولى. ~~وهذا وإن كان فيه علة فالحديث الآتي صحيح وهو قوله: # 3 - (وعن أبي رافع رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): PageV03P074 # الجار أحق بصقبه) بالصاد المهملة مفتوحة وفتح القاف: القرب (أخرجه ~~البخاري. # وفيه قصة). وهي أنه قال أبو رافع للمسور بن مخرمة: ألا تأمر هذا - يشير ~~إلى سعد أن يشتري مني بيت اللذين في داره فقال له سعد: والله لا أزيدك على ~~أربعمائة دينار مقطعة أو منجمة فقال أبو رافع: سبحان الله لقد منعتهما من ~~خمسمائة نقدا فلولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الجار أحق ~~بصقبه ما بعتك. والحديث وإن كان ذكره أبو رافع في البيع فهو يعم الشفعة ~~فذهب إلى ثبوتها الهادوية والحنفية وآخرون لهذه الأحاديث ولغيرها كحديث ~~الشريد بن سويد قال: قلت: يا رسول الله أرض لي ليس لأحد فيها شرك ولا ms0743 قسم ~~إلا الجوار قال: الجار أحق بصقبه أخرجه ابن سعد عن عمرو بن شعيب عن الشريد ~~وحديث جابر الآتي. وذهب والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم إلى أنه لا شفعة ~~بالجوار. قالوا: والمراد بالجار في الحديث الشريك، قالوا ويدل على أن ~~المراد به ذلك حديث أبي رافع فإنه سمى الخليط جارا واستدل بالحديث وهو من ~~أهل اللسان وأعرف بالمراد والقول بأنه لا يعرف في اللغة تسمية الشريك جارا ~~غير صحيح فإن كل شئ قارب شيئا فهو جار. وأجيب بأن أبا رافع غير شريك لسعد ~~بل جار له لأنه كان يملك بيتين في دار سعد لا أنه كان يملك شقصا شائعا من ~~منزل سعد. واستدلوا أيضا بما سلف من أحاديث الشفعة للشريك وقوله: إذا وقعت ~~الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة ونحوه من الأحاديث التي فيها حصر الشفعة قبل ~~القسمة. وأجيب عنها بأن غاية ما فيها إثبات الشفعة للشريك من غير تعرض ~~للجار لا بمنطوق ولا مفهوم. ومفهوم الحصر في قوله: إنما جعل النبي (ص) ~~الشفعة الحديث إنما هو فيما قبل القسمة للمبيع بين المشتري والشريك فمدلوله ~~أن القسمة تبطل الشفعة وهو صريح رواية وإنما جعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~الشفعة في كل ما لم يقسم. وأحاديث إثبات الشفعة للخليط لا تبطل ثبوتها ~~للجار بعد قيام الأدلة عليها التي منها ما سلف ومنها الحديث الآتي: # 4 - (وعن جابر رضي الله عنه قال: رسول الله (ص): # الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا. # رواه أحمد والأربعة ورجاله ثقات). أحسن المصنف بتوثيق رجاله وعدم إعلاله ~~وإلا فإنهم قد تكلموا في هذه الرواية بأنه انفرد بزيادة قوله: إذا كان ~~طريقهما واحدا عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي. قلت: وعبد الملك ثقة مأمون ~~لا يضر انفراده كما عرف في الأصول وعلوم الحديث. والحديث من أدلة شفعة ~~الجار إلا أنه قيده بقوله: إذا كان طريقهما واحدا وقد ذهب إلى اشتراط هذا ~~بعض العلماء قائلا بأنها تثبت الشفعة للجار إذا اشتركا في الطريق. ms0744 قال في ~~الشرح: ولا يبعد اعتباره أما من حيث الدليل فللتصريح به في حديث جابر هذا. ~~ومفهوم الشرط أنه إذا كان مختلفا فلا شفعة. وأما من حيث التعليل فلان شرعية ~~الشفعة لمناسبة دفع الضرر والضرر بحسب الأغلب إنما يكون مع شدة الاختلاط ~~وشبكة الانتفاع وذلك إنما هو مع الشريك في الأصل أو في الطريق ويندر الضرر ~~مع PageV03P075 # عدم ذلك. وحديث جابر المقيد بالشرط لا يحتمل التأويل المذكور أولا، لأنه ~~إذا كان المراد بالجار الشريك ففائدة لاشتراط كون الطريق واحدا. قلت: ولا ~~يخفى أنه قد آل الكلام إلى الخليط لأنه مع اتحاد الطريق تكون الشفعة للخلطة ~~فيها وهذا هو الذي قررناه في منحة الغفار حاشية ضوء النهار. قال ابن القيم: ~~وهو أعدل الأقوال وهو اختيار شيخ الاسلام ابن تيمية. وحديث جابر هذا صريح ~~فيه فإنه أثبت الشفعة بالجوار مع اتحاد الطريق ونفاها به في حديثه الآخر مع ~~اختلافها حيث قال: فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. فمفهوم حديث ~~جابر هذا هو بعينه منطوق حديثه المتقدم فأحدهما يصدق الآخر ويوافقه لا ~~يعارضه ولا يناقضه وجابر روى اللفظين فتوافقت السنن وائتلفت بحمد الله ~~انتهى بمعناه. وقوله: ينتظر بها دال على أنها لا تبطل شفعة الغائب وإن ~~تراخى وأنه لا يجب عليه السير حين يبلغه الشراء لأجلها، وأما الحديث الآتي ~~وهو قوله: # 5 - (وعن ابن عمر رضي الله عنه: الشفعة كحل عقال. رواه ابن ماجة والبزار، ~~وزاد: ولا شفعة لغائب وإسناده ضعيف). فإنه لا تقوم به حجة لما ستعرفه ولفظه ~~من روايتهما: لا شفعة لغائب ولا لصغير والشفعة كحل عقال وضعفه البزار وقال ~~ابن حبان لا أصل له وقال أبو زرعة منكر وقال البيهقي ليس بثابت. وفي معناه ~~أحاديث كلها لا أصل لها. اختلف الفقهاء في ذلك فعند الهادوية والشافعية ~~والحنابلة أنها على الفور ولهم تقادير في زمان الفور لا دليل على شئ منها. ~~ولا شك أنه إذا كان وجه شرعيتها دفع لضرر فإنه يناسب الفورية يقال كيف ~~يبالغ في دفع ضرر الشفيع ms0745 ويبالغ في ضرر المشتري ببقاء مشتراه معلقا. إلا ~~أنه لا يكفي هذا القدر في إثبات حكم والأصل عدم اشتراط الفورية وإثباتها ~~يحتاج إلى دليل ولا دليل. وقد عقد البيهقي بابا في السنن الكبرى لألفاظ ~~منكرة يذكرها بعض الفقهاء وعد منها الشفعة كحل عقال ولا شفعة لصبي ولا ~~لغائب، والشفعة لا ترث ولا تورث، والصبي على شفعته حتى يدرك ولا شفعة ~~لنصراني وليس لليهودي ولا للنصراني شفعة، فعد منها حديث الكتاب. # باب القراض القراض بكسر القاف وهو معاملة العامل بنصيب من الربح. وهذه ~~تسميته في لغة أهل الحجاز. وتسمى مضاربة مأخوذة من الضرب في الأرض لما كان ~~الربح يحصل في الغالب بالسفر أو من الضرب في المال وهو التصرف. # 1 - (عن صهيب رضي الله عنه أن النبي (ص) قال: ثلاث فيهن البركة: البيع ~~إلى أجل، والمقارضة، وخلط البر بالشعير للبيت لا للبيع رواه ابن ماجة ~~بإسناد ضعيف). وإنما كانت البركة في ثلاث لما في البيع إلى أجل من المسامحة ~~PageV03P076 # والمساهلة والإعانة للغريم بالتأجيل. وفي المقارضة لما في ذلك من انتفاع ~~الناس بعضهم ببعض. وخلط البر بالشعير قوتا لا للبيع لأنه قد يكون فيه غرر ~~وغش. # 2 - (وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه: أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه ~~مالا مقارضة أن لا تجعل مالي في كبد رطبة ولا تحمله في بحر، ولا تنزل به في ~~بطن مسيل، فإن فعلت شيئا من ذلك فقد ضمنت مالي رواه الدارقطني ورجاله ثقات. ~~وقال مالك في الموطأ عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقو ب عن أبيه عن جده: ~~إنه عمل في مال لعثمان على أن الربح بينهما وهو موقوف صحيح) لا خلاف بين ~~المسلمين في جواز القراض وأنه مما كان في الجاهلية فأقره الاسلام وهو نوع ~~من الإجارة إلا أنه عفى فيها عن جهالة الاجر. # وكانت الرخصة في ذلك الموضع الرفق بالناس. ولها أركان وشروط: فأركانها ~~العقد بالايجاب أو ما في حكمه والقبول أو ما في حكمه وهو الامتثال بين ~~جائزي التصرف ms0746 إلا من مال مسلم لكافر على مال نقد عند الجمهور. ولها أحكام ~~مجمع عليها: منها أن الجهالة مغتفرة فيها. ومنها أنه لا ضمان على العامل ~~فيما تلف من رأس المال إذا لم يتعد. واختلفوا إذا كان دينا فالجمهور على ~~منعه: قيل لتجويز إعسار العامل بالدين فيكون من تأخيره عنه لأجل الربح ~~فيكون من الربا المنهي عنه. وقيل لان ما في الذمة يتحول عن الضمانة ويصير ~~أمانة. وقيل لان ما في الذمة ليس بحاضر حقيقة فلم يتعين كونه ما المضاربة. # ومن شرط المضاربة أن تكون على مال من صاحب المال. واتفقوا أيضا على أنه ~~إذا اشترط أحدهما من الربح لنفسه شيئا زائدا معينا فإنه لا يجوز ويلغو. ودل ~~حديث حكيم على أنه يجوز لمالك المال أن يحجر العامل عما شاء فإن خالف ضمن ~~إذا تلف المال وإن سلم المال فالمضاربة باقية فيما إذا كان يرجع إلى الحفظ. ~~وأما إذا كان الاشتراط لا يرجع إلى الحفظ بل كان يرجع إلى التجارة وذلك بأن ~~ينهاه أن لا يشتري نوعا معينا ولا يبيع من فلان فإنه يصير فضوليا إذا خالف ~~فإن أجاز المالك نفذ البيع وإن لم يجز لم ينفذ. # باب المساقاة والإجارة 1 - (عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله (ص) ~~عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع متفق عليه. وفي رواية لهما: ~~فسألوه أن يقرهم بها PageV03P077 # على أن يكفوا عملها ولهم نصف الثمر، فقال لهم رسول الله (ص): نقركم بها ~~على ذلك ما شئنا فقروا بها حتى أجلاهم عمر. ولمسلم أن رسول الله (ص) دفع ~~إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعتملوها من أموالهم ولهم شطر ثمرها) ~~الحديث دليل على صحة المساقاة والمزارعة وهو قول علي عليه السلام وأبي بكر ~~وعمر وأحمد وابن خزيمة وسائر فقهاء المحدثين أنهما تجوزان مجتمعتين وتجوز ~~كل واحدة منفردة. والمسلمون في جميع الأمصار والاعصار مستمرون على العمل ~~بالمزارعة. وقوله ما شئنا دليل على صحة المساقاة والمزارعة وإن كانت المدة ms0747 ~~مجهولة وقال الجمهور: # لا تجوز المساقاة والمزارعة إلا في مدة معلومة كالإجازة وتأولوا قوله: ما ~~شئنا على مدة العهد وأن المراد نمكنكم من المقام في خيبر ما شئنا ثم نخرجكم ~~إذا شئنا لأنه صلى الله عليه وسلم كان عازما على اخراج اليهود من جزيرة ~~العر ب وفيه نظر. وأما المساقاة فإن مدتها معلومة لأنها إجارة وقد اتفقوا ~~على أنها لا تجوز إلا بأجل معلوم. وقال ابن القيم في زاد المعاد: في قصة ~~خيبر دليل على جواز المساقاة والمزارعة بجزء من الغلة من ثمر أو زرع لأنه ~~(ص) عامل أهل خيبر على ذلك واستمر في ذلك إلى حين وفاته ولم ينسخ البتة. ~~واستمر عمل خلفائه الراشدين عليه وليس هذا من باب المؤاجرة في شئ بل من باب ~~المشاركة وهو نظير المضاربة سواء، فمن أباح المضاربة وحرم ذلك فقد فرق بين ~~متماثلين فإنه (ص) دفع إليهم الأرض على أن يعتملوها من أموالهم ولم يدفع ~~إليها البذر ولا كان يحمل إليهم البذر من المدينة قطعا فدل على أن هديه عدم ~~اشتراط كون البذر من رب الأرض وأنه يجوز أن يكون من العامل وهذا كان هديه ~~صلى الله عليه وسلم وهدي الخلفاء الراشدين من بعده وكما أنه هو المنقول فهو ~~الموافق للقياس فإن الأرض بمنزلة رأس المال في المضاربة والبذر يجري مجرى ~~سقي الماء ولهذا يموت في الأرض ولا يرجع إلى صاحبه ولو كان بمنزلة رأس ~~المال في المضاربة لاشترط عوده إلى صاحبه وهذا يفسد المزارعة فعلم أن ~~القياس الصحيح هو الموافق لهدي رسول الله (ص) وخلفائه الراشدين انتهى. وقد ~~أشار في كلامه إلى ما يذهب إليه الحنفية والهادوية من أن المساقاة ~~والمزارعة لا تصح وهي فاسدة وتأولوا هذا الحديث بأن خيبر فتحت عنوة فكان ~~أهلها عبيدا له صلى الله عليه وسلم فما أخذه فهو له وما تركه فهو له وهو ~~كلام مردود لا يحسن الاعتماد عليه. # 2 - (وعن حنظلة بن قيس رضي الله عنه) هو الزرقي الأنصاري من ثقات أهل ~~المدينة (قال: سألت ms0748 رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والفضة فقال: لا بأس ~~به إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~الماذيانات) بذال معجمة مكسورة ثم مثناة تحتية ثم ألف ونون ثم ألف ثم مثناة ~~فوقية هي مسايل المياه وقيل ما ينبت حول السواقي (وأقبال الجداول) بفتح ~~الهمزة فقاف فموحدة أوائل الجداول (وأشياء من الزرع فيهلك هذا ويسلم هذا، ~~ويسلم هذا ويهلك هذا، ولم يكن للناس كراء إلا هذا فلذلك PageV03P078 # زجر عنه فأما شئ معلوم مضمون فلا بأس به. رواه مسلم، وفيه بيان لما أجمل ~~في المتفق عليه من إطلاق النهي عن كراء الأرض). مضمون الحديث دليل على صحة ~~كراء الأرض بأجرة معلومة من الذهب والفضة ويقاس عليهما غيرهما من سائر ~~الأشياء المتقومة ويجوز بما يخرج منها من ثلث وربع لما دل عليه الحديث ~~الأول. وحديث ابن عمر قال " قد علمت أن الأرض كانت تكرى على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بما على الأربعاء وشئ من التبن لا أدري ما هو أخرجه ~~مسلم. وأخرج أيضا أن ابن عمر كان يعطي أرضه بالثلث والربع ثم تركه. ويأتي ~~ما يعارضه وقوله على الأربعاء جمع ربيع وهي الساقية الصغيرة ومعناه هو ~~وحديث الباب أنهم كانوا يدفعون الأرض إلى من يزرعها ببذر من عنده على أن ~~يكون لمالك الأرض ما ينبت على مسايل المياه ورؤوس الجداول أو هذه القطعة ~~والباقي للعامل فنهوا عن ذلك لما فيه من الغرر فربما هلك ذا دون ذاك. # 3 - (وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه: أن رسول الله (ص) نهى عن المزارعة ~~وأمر بالمؤاجرة. رواه مسلم). وأخرج مسلم أيضا أن عبد الله بن عمر كان يكري ~~أرضه حتى بلغه أن رافع بن خديج الأنصاري كان ينهى عن كراء المزارع فلقيه ~~عبد الله فقال: يا ابن خديج ماذا تحدث عن رسول الله (ص) في كراء الأرض؟ # فقال رافع لعبد الله: سمعت عمي وكانا شهدا بدرا يحدثان أهل الدار أن رسول ~~الله صلى الله ms0749 عليه وسلم نهى عن كراء الأرض فقال عبد الله: لقد كنت أعلم في ~~عهد رسول الله (ص) أن الأرض تكرى ثم خشي عبد الله أن يكون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أحدث في ذلك شيئا لم يكن فترك كراء الأرض. وفي النهي عن ~~المزارعة أحاديث ثابتة وقد جمع بينها وبين الأحاديث الدالة على جوازها ~~بوجوه: أحسنها أن النهي كان في أول الأمر لحاجة الناس وكون المهاجرين ليس ~~لهم أرض فأمر الأنصار بالتكرم بالمواساة. ويدل له ما أخرجه مسلم من حديث ~~جابر قال: كان لرجال من الأنصار فضول أرض وكانوا يكرونها بالثلث والربع ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه ~~فإن أبى فليمسكها. وهذا كما نهوا عن ادخار لحوم الأضحية ليتصدقوا بذلك - ثم ~~بعد توسع حال المسلمين زال الاحتياج فأبيح لهم المزارعة وتصرف المالك في ~~ملكه بما شاء من إجارة وغيرها. ويدل على ذلك ما وقع من المزارعة في عهده ~~(ص) وعهد الخلفاء من بعده ومن البعيد غفلتهم عن النهي وترك إشاعة رافع له ~~في هذه المدة وذكره في آخر خلافة معاوية. قال الخطابي: قد عقل المعنى ابن ~~عباس وأنه ليس المراد تحريم المزارعة بشطر ما تخرجه الأرض وإنما أريد بذلك ~~أن يتمانحوا وأن يرفق بعضهم ببعض انتهى. وعن زيد بن ثابت: يغفر الله لرافع ~~أنا والله أعلم بالحديث منه، إنما أتاه رجلان من الأنصار قد اختلفا فقال: ~~إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع كأن زيدا يقول إن رافعا اقتطع الحديث ~~فروى النهي غير راو أوله فأخل بالمقصود. وأما الاعتذار عن جهالة الأجرة فقد ~~صح في المرضعة بالنفقة والكسوة مع PageV03P079 # الجهالة قدرا أو لأنه كالمعلوم جملة لان الغالب تقارب حال الحاصل وقد حد ~~بجهة الكمية أعني النصف والثلث وجاء النص فقطع التكلفات. # 4 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: احتجم رسول الله (ص) وأعطى الذي ~~حجمه أجره ولو كان حراما لم يعطه رواه البخاري). وفي لفظ في البخاري " ولو ~~علم كراهية ms0750 لم يعطه. وهذا من قول ابن عباس كأنه يريد الرد على من زعم أنه ~~لا يحل إعطاء الحجام أجرته وأنه حرام. وقد اختلف العلماء في أجرة الحجام ~~فذهب الجمهور إلى أنه حلال احتجوا بهذا الحديث وقالوا: هو كسب فيه دناءة ~~وليس بمحرم وحملوا النهي على التنزيه ومنهم من ادعى النسخ وأنه كان حراما ~~ثم أبيح وهو صحيح إذا عرف التاريخ. وذهب أحمد وآخرون إلى أنه يكره للحر ~~الاحتراف بالحجامة ويحرم عليه الانفاق على نفسه من أجرتها ويجوز له الانفاق ~~على الرقيق والدواب وحجتهم ما أخرجه مالك وأحمد وأصحاب السنن برجال ثقات من ~~حديث محيصة: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجام فنهاه ~~فذكر له الحاجة فقال: اعلفه نواضحك. وأباحوه للعبد مطلقا. وفي جواز التداوي ~~باخراج الدم وغيره وهو إجماع. # 5 - (وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # كسب الحجام خبيث رواه مسلم). الخبيث ضد الطيب وهل يدل على تحريمه؟ الظاهر ~~أنه لا يدل له فإنه تعالى قال: * (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) * فسمى ~~رذال المال خبيثا ولم يحرمه وأما حديث: من السحت كسب الحجام فقد فسره هذا ~~الحديث وأنه أريد بالسحت عدم الطيب. وأيد ذلك إعطاؤه (ص) الحجام أجرته. قال ~~ابن العربي يجمع بينه وبين إعطائه (ص) الحجام أجرته بأن محل الجواز ما إذا ~~كانت الأجرة على عمل معلوم ومحل الزجر ما إذا كانت الأجرة على عمل مجهول. ~~قلت: هذا بناء على أن ما يأخذه حرام. وقال ابن الجوزي: إنما كرهت لأنها من ~~الأشياء التي تجب على المسلم للمسلم إعانته بها عند الاحتياج فما كان ينبغي ~~أن يأخذ على ذلك أجرا. # 6 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): قال الله عز ~~وجل: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ~~ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره رواه مسلم). فيه دلالة ~~على شدة جرم من ذكر وأنه تعالى ms0751 يخصمهم يوم القيامة نيابة عمن ظلموه. وقوله: ~~أعطى بي أي حلف باسمي وعاهد أو أعطى الأمان باسمي وبما شرعته من ديني. ~~وتحريم الغدر والنكث مجمع عليه وكذا بيع الحر مجمع على تحريمه PageV03P080 # وقوله استوفى منه أي استكمل منه العمل ولم يعطه الأجرة فهو أكل لماله ~~بالباطل مع تعبه وكده. # 7 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله (ص) قال: إن أحق ما أخذتم ~~عليه أجرا كتاب الله أخرجه البخاري). وقد عارضه ما أخرجه أبو داود من حديث ~~عبادة بن الصامت ولفظه: علمت ناسا من أهل الصفة الكتاب والقرآن فأهدى إلي ~~رجل منهم قوسا فقلت: ليست لي بمال فأرمي عليها في سبيل الله فأتيته فقلت: ~~يا رسول الله أهدي إلي قوسا ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن وليست لي بمال ~~فأرمي عليها في سبيل الله. فقال: إن كنت تحب أن تطوق طوقا من نار فاقبلها " ~~فاختلف في العمل بالحديثين: فذهب الجمهور ومالك والشافعي إلى جواز أخذ ~~الأجرة على تعليم القرآن سواء كان المتعلم صغيرا أو كبيرا ولو تعين تعليمه ~~على المعلم عملا بحديث ابن عباس ويؤيده ما يأتي في النكاح من جعله (ص) ~~تعليم الرجل لامرأته القرآن مهرا لها. قالوا: # وحديث عبادة لا يعارض حديث ابن عباس إذ حديث ابن عباس صحيح وحديث عبادة ~~في رواته مغيرة بن زياد مختلف فيه واستنكر أحمد حديثه وفيه الأسود بن ثعلبة ~~فيه مقال فلا يعارض الحديث الثابت. قالوا: ولو صح فإنه محمول على أن عبادة ~~كان متبرعا بالاحسان وبالتعليم غير قاصد لاخذ الأجرة فحذره النبي (ص) من ~~إبطال أجره وتوعده. وفي أخذ الأجرة من أهل الصفة بخصوصهم كراهة ودناءة ~~لأنهم ناس فقراء كانوا يعيشون بصدقة الناس فأخذ المال منهم مكروه. وذهب ~~الهادوية والحنفية وغيرهما إلى تحريم أخذ الأجرة على تعليم القرآن مستدلين ~~بحديث عبادة وفيه ما عرفت فيه قريبا. نعم استطرد البخاري ذكر أخذ الأجرة ~~على الرقية في هذا الباب فأخرج من حديث أبي سعيد في رقية بعض الصحابة لبعض ~~العرب وأنه لم ms0752 يرقه حتى شرط عليه قطيعا من غنم فتفل عليه وقرأ عليه * ~~(الحمد لله رب العالمين) * فكأنما نشط من عقال فانطلق يمشي وما به قلبة أي ~~علة فأوفاه ما شرط ولما ذكروا ذلك لرسول الله قال: # قد أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم سهما. وذكر البخاري لهذه القصة في هذا ~~لباب وإن لم تكن من الأجرة على التعليم وإنما فيها دلالة على جواز أخذ ~~العوض فمقابلة قراءة القرآن لتأييد جواز أخذ الأجرة على قراءة القرآن ~~تعليما أو غيره، إذ لا فرق بين قراءته للتعليم وقراءته للطب. # 8 - (عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): # أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه رواه ابن ماجة. وفي الباب عن أبي ~~هريرة عند أبي يعلى والبيهقي وجابر عند الطبراني وكلها ضعاف). لان في حديث ~~ابن عمر شرقي PageV03P081 # بن قطامي ومحمد بن زياد الراوي عنه وكذا في مسند أبي يعلى والبيهقي. ~~وتمامه عند البيهقي: وأعلمه أجره وهو في عمله قال البيهقي عقيب سياقه ~~بإسناده: وهذا ضعيف. # 9 - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي (ص) قال: من استأجر ~~أجيرا فليسم له أجرته رواه عبد الرزاق وفيه انقطاع ووصله البيهقي من طريق ~~أبي حنيفة). قال البيهقي: كذا رواه أبو حنيفة وكذا في كتابي عن أبي هريرة ~~وقيل من وجه آخر ضعيف عن ابن مسعود. وفي الحديث دليل على ندب تسمية أجرة ~~الأجير على عمله، لئلا تكون مجهولة فتؤدي إلى الشجار والخصام. # باب إحياء الموات الموات بفتح الميم والواو الخفيفة الأرض التي لم تعمر ~~شبهت العمارة بالحياة وتعطيلها بعدم الحياة وإحياؤها عمارتها. # واعلم أن الاحياء ورد عن الشارع مطلقا وما كان كذلك وجب الرجوع فيه إلى ~~العرف لأنه قد بين مطلقات الشارع كما في قبض المبيعات والحرز في السرقة مما ~~يحكم به العرف. # والذي يحصل به الاحياء في العرف أحد خمسة أسباب: تبييض الأرض، وتنقيتها ~~للزرع، وبناء الحائط على الأرض، وحفر الخندق القعير الذي لا يطلع من نزله ~~إلا بمطلع. هذا كلام ms0753 الامام يحيى. # 1 - (عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي (ص) قال: # من عمر أرضا) بالفعل الماضي ووقع أعمر في رواية والصحيح الأول (ليست لاحد ~~فهو أحق بها قال عروة: وقضى به عمر في خلافته. رواه البخاري). وهو دليل على ~~أن الاحياء تملك إن لم يكن ملكها مسلم أو ذمي أو ثبت فيها حق للغير. وظاهر ~~الحديث أنه لا يشترط في ذلك إذن الإمام وهو قول الجمهور. وعن أبي حنيفة أنه ~~لا بد من إذنه. ودليل الجمهور هذا الحديث والقياس على ماء البحر والنهر وما ~~صيد من طير وحيوان وأنهم اتفقوا على أنه لا يشترط فيه إذن الإمام. وأما ما ~~تقدم عليه يد لغير معين كبطون الأودية فلا يجوز إلا بإذن الامام مما ليس ~~فيه ضرر لمصلحة عامة ذكره بعض الهادوية. وقال المؤيد وأبو حنيفة: لا يجوز ~~إحياؤها بحال لجريها مجرى الاملاك لتعلق سيول المسلمين بها إذ هي مجرى ~~السيول. وقال الإمام المهدي - وهو قوي -: فإن تحول عنها جري الماء جاز ~~إحياؤها بإذن الامام لانقطاع الحق وعدم تعين أهله وليس للامام الاذن مع ذلك ~~إلا لمصلحة عامة لا ضرر فيها. ولا يجوز الاذن لكافر بالاحياء لقوله صلى ~~الله عليه وسلم PageV03P082 # " عاري الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم والخطاب للمسلمين. وقوله: وقضى به ~~عمر ، قيل: هو مرسل لان عروة ولد في آخر خلافة عمر. # 2 - (وعن سعيد بن زيد) تقدمت ترجمته في كتاب الوضوء (عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: من أحيا أرضا ميتة فهي له. رواه الثلاثة وحسنه الترمذي ~~وقال: روي مرسلا وهو كما قال واختلف في صحابيه) أي في راويه من الصحابة: ~~(فقيل جابر وقيل عائشة وقيل عبد الله بن عمر. والراجح) من الثلاثة الأقوال ~~(الأول): وفيه أن رجلين اختصما إلى رسول الله (ص) غرس أحدهما نخلا في أرض ~~الآخر فقضى لصاحب الأرض بأرضه وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها قال: فلقد ~~رأيتها وإنها تضرب أصولها بالفؤوس وإنها لنخل عم حتى أخرجت منها. وتقدم ~~الكلام ms0754 على فقهه وأنه: ليس لعرق ظالم حق " 3 - (وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أن الصعب) بفتح الصاد المهملة وسكون العين المهملة فموحدة (ابن ~~جثامة) بفتح الجيم فمثلثة مشددة (أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~لا حمى إلا لله ولرسوله. رواه البخاري). الحمى يقصر ويمد والقصر أكثر وهو ~~المكان المحمي وهو خلاف المباح ومعناه أن يمنع الامام الرعي في أرض مخصوصة ~~لتختص برعيها إبل الصدقة مثلا. وكان في الجاهلية إذ أراد الرئيس أن يمنع ~~الناس من محل يريد اختصاصه استعوى كلبا من مكان عال فإلى حيث ينتهي صوته ~~حماه من كل جانب فلا يرعاه غيره ويرعى هو مع غيره فأبطل الاسلام ذلك وأثبت ~~الحمى لله ولرسوله. وقال الشافعي يحتمل الحديث شيئين: أحدهما: ليس لأحد أن ~~يحمي للمسلمين إلا مما حماه النبي (ص). والآخر: معناه إلا على مثل ما حماه ~~عليه رسول الله (ص). فعلى الأول ليس لأحد من الولاة بعده أن يحمي وعلى ~~الثاني يختص الحمى بمن قام مقام رسول الله (ص) وهو الخليفة خاصة. ورجح هذا ~~الثاني بما ذكره البخاري عن الزهري تعليقا: أن عمر حمى الشرف والربذة. ~~وأخرج ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن نافع عن ابن عمر أن عمر حمى الربذة لإبل ~~الصدقة. وقد ألحق بعض الشافعية ولاة الأقاليم في أنهم يحمون لكن بشرط أن لا ~~يضر بكافة المسلمين. واختلف هل يحمي الامام لنفسه أو لا يحمي إلا لما هو ~~للمسلمين؟ فقال المهدي: كان له صلى الله عليه وسلم أن يحمي لنفسه لكنه لم ~~يملك لنفسه ما يحمي لأجله.. وقال الامام يحيى والفريقان 3 لا يحمي إلا لخيل ~~المسلمين ولا يحمي لنفسه ويحمي لإبل الصدقة ولمن ضعف من المسلمين عن ~~الانتجاع لقوله " لا حمى إلا لله الحديث. ولا يخفى أنه لا دليل فيه على ~~الاختصاص أما قصة عمر فإنها دالة على PageV03P083 # الاختصاص ولفظها فيما أخرجه أبو عبيد وابن أبي شيبة والبخاري والبيهقي عن ~~أسلم أن عمر بن الخطاب استعمل مولى له يسمى هنيا على الحمى ms0755 فقال له: يا هني ~~اضمم جناحك عن المسلمين واتق دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مجابة. وأدخل ~~رب الصريمة ورب الغنيمة وإياك ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان فإنهما إن تهلك ~~ماشيتهما يرجعان إلى نخل وزرع وإن رب الصريمة ورب الغنيمة إن تهلك ماشيتهما ~~يأتيني ببنيه يقول يا أمير المؤمنين، أفتاركهم أنا لا أبا لك؟ فالماء ~~والكلأ أيسر علي من الذهب والورق. وأيم الله إنهم يرون أني ظلمتهم وإنها ~~لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الاسلام والذي نفسي ~~بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت على الناس في بلادهم) ~~انتهى هذا صريح أنه لا يحمى الامام لنفسه. # 4 - (وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): لا ضرر ولا ضرار، رواه ~~أحمد وابن ماجة. وله) أي: لابن ماجة (من حديث أبي سعيد مثله، وهو في الموطأ ~~مرسل). وأخرجه ابن ماجة أيضا والبيهقي من حديث عبادة بن الصامت، وأخرجه ~~مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه مرسلا بزيادة: من ضار ضاره الله ومن ~~شاق شاق الله عليه. وأخرجه بها الدارقطني والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد ~~مرفوعا. وأخرجه عبد الرزاق وأحمد عن ابن عباس أيضا وفيه زيادة: وللرجل أن ~~يضع خشبته في حائط جاره والطريق الميتاء سبعة أذرع. وقوله لا ضرر: الضرر ضد ~~النفع يقال ضره يضره وضرارا وأضر به يضر إضرارا ومعناه: لا يضر الرجل أخاه ~~فينقصه شيئا من حقه. # والضرار فعال من الضر أي لا يجازيه بإضراره بإدخال الضر عليه فالضر ~~ابتداء الفعل، والضرر الجزاء عليه. قلت: يبعده جواز الانتصار لمن ظلم * ~~(ولمن انتصر بعد ظلمه) * الآية * - وجزاء سيئة سيئة مثلها) *. وقيل: الضرر ~~ما تضر به صاحبك وتنتفع أنت به، والضرار أن تضره من غير أن تنتفع وقيل: هما ~~بمعنى وتكرارهما للتأكيد. وقد دل الحديث على تحريم الضرر لأنه إذا نفى ذاته ~~دل على النهي عنه لان النهي لطلب الكف عن الفعل وهو يلزم منه عدم ذات الفعل ~~فاستعمل اللازم في الملزوم. وتحريم ms0756 الضرر معلوم عقلا وشرعا إلا ما دل الشرع ~~على إباحته رعاية للمصلحة التي تربو على المفسدة وذلك مثل إقامة الحدود ~~ونحوها وذلك معلوم في تفاصيل الشريعة. ويحتمل أن لا تسمى الحدود من القتل ~~والضرب ونحوه ضررا من فاعلها لغيره لأنه إنما امتثل أمر الله له بإقامة ~~الحد على العاصي فهو عقوبة من الله تعالى لا أنه إنزال ضرر من الفاعل ولذا ~~لا يذم الفاعل لإقامة الحد بل يمدح على ذلك. # 5 - (وعن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله (ص): من أحاط حائطا على أرض ~~فهي له رواه أبو داود وصححه ابن الجارود). وتقدم أن من أعمر أرضا ~~PageV03P084 # ليست لاحد فهي له. وهذا الحديث بين نوعا من أنواع العمارة ولا بد من ~~تقييد الأرض بأنه لا حق فيها لاحد كما سلف. # 6 - (وعن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أن النبي (ص) قال: من حفر بئرا ~~فله أربعون ذراعا عطنا بفتح العين المهملة وفتح الطاء فنون. في القاموس ~~العطن محركة وطن الإبل ومبركها حول الحوض لماشيته رواه ابن ماجة بإسناد ~~ضعيف) لان فيه إسماعيل بن سلم وقد أخرجه الطبراني من حديث أشعث عن الحسن. ~~وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد: حريم البئر البدئ خمسة وعشرون ذراعا ~~وحريم البئر العادي خمسون ذراعا. وأخرجه الدارقطني من طريق سعيد بن المسيب ~~عنه وأعله بالارسال وقال: # من أسنده فقد وهم، وفي سنده محمد بن يوسف المقري شيخ شيخ الدارقطني وهو ~~متهم بالوضع. ورواه البيهقي من طريق يونس عن الزهري عن ابن المسيب مرسلا ~~وزاد فيه " وحريم بئر الزرع ثلاثمائة ذراع من نواحيها كلها. وأخرجه الحاكم ~~من حديث أبي هريرة موصولا ومرسلا والموصول فيه عمر بن قيس ضعيف. والحديث ~~دليل على ثبوت الحريم للبئر والمراد بالحريم ما يمنع منه المحيي والمحتفر ~~لاضراره. وفي النهاية سمي بالحريم لأنه يحرم منه صاحبه منه ولأنه يحرم على ~~غيره التصرف فيه والحديث نص في حريم البئر وظاهر حديث عبد الله أن العلة في ~~ذلك هي ما يحتاج ms0757 إليه صاحب البئر عند سقي إبله لاجتماعها على الماء. وحديث ~~أبي هريرة دال على أن العلة في ذلك هو ما يحتاج إليه البئر لئلا تحصل ~~المضرة عليها بقرب الاحياء منها ولذلك اختلف الحال في البدئ والعادي. ~~والجمع بين الحديثين أنه يقدم ما يحتاج إليه إما لأجل السقي للماشية أو ~~لأجل البئر. وقد اختلف العلماء في ذلك فذهب الهادي والشافعي وأبو حنيفة إلى ~~أن حريم البئر الاسلامية أربعون وذهب أحمد إلى أن الحريم خمسة وعشرون. وأما ~~العيون فذهب الهادي إلى أن حريم العين الكبيرة الفوارة خمسمائة ذراع من كل ~~جانب استحسانا. قيل: وكأنه نظر إلى أرض رخوة تحتاج إلى ذلك القدر وأما ~~الأرض الصلبة فدون ذلك. والدار المنفردة حريمها فناؤها وهو مقدار طول جدار ~~الدار وقيل: ما تصل إليه الحجارة إذا انهدمت وإلى هذا ذهب زيد بن علي وغيره ~~وحريم النهر قدر ما يلقى منه كسحه وقيل: مثل نصفه من كل جانب وقيل: بل بقدر ~~أرض النهر جميعا. وحريم الأرض ما تحتاج إليه وقت عملها وإلقاء كسحها وكذا ~~المسيل حريمه مثل البئر على الخلاف. وكل هذه الأقوال قياس على البئر بجامع ~~الحاجة وهذا في الأرض المباحة. وأما الأرض المملوكة فلا حريم في ذلك بل كل ~~يعمل في ملكه ما شاء. # 7 - (وعن علقمة بن وائل عن أبيه: أن النبي (ص) أقطعه أرضا بحضرموت رواه ~~أبو داود والترمذي وصححه ابن حبان)، وصححه أيضا الترمذي والبيهقي. ومعناه ~~أنه خصه PageV03P085 # ببعض الأرض الموات فيختص بها ويصير أولى بها بإحيائه ممن لم يسبق إليها ~~بالاحياء واختصاص الاحياء بالموات متفق عليه في كلام الشافعية والهادوية ~~وغيرهم. وحكى القاضي عياض: أن الاقطاع تسويغ الامام من مال الله شيئا لمن ~~يراه أهلا لذلك. قال: وأكثر ما يستعمل في الأرض وهو أن يخرج منها لمن يراه ~~ما يحوزه إما بأن يملكه إياه فيعمره وإما بأن يجعل له غلتها مدة. قال ~~السبكي والثاني: هو الذي يسمى في زماننا هذا إقطاعا ولم أر أحدا من أصحابنا ~~ذكره، وتخريجه على طريقة فقهية ms0758 مشكل والذي يظهر أنه يحصل للمقطع بذلك ~~اختصاص كاختصاص المتحجر ولكنه لا يملك الرقبة بذلك انتهى. وبه جزم المحب ~~الطبري. # وادعى الأوزاعي نفي الخلاف في جواز تخصيص الامام بعض الجند بغلة أرض إذا ~~كان مستحقا لذلك. قال ابن التين: إنما يسمى إقطاعا إذا كان من أرض أو عقار ~~وإنما يقطع من الفئ ولا يقطع من حق مسلم ولا معاهد. قال: وقد يكون الاقطاع ~~تمليكا وغير تمليك. وأما ما يقطع في أرض اليمن في هذه الأزمنة المتأخرة من ~~إقطاع جماعة من أعيان الآل قرى من البلاد العشرية يأخذون زكاتها وينفقونها ~~على أنفسهم مع غناهم فهذا شئ محرم لم تأت به الشريعة المحمدية بل أتت ~~بخلافه وهو تحريم الزكاة على آل محمد وتحريمها على الأغنياء من الأمة فإنا ~~لله وإنا إليه راجعون. # 8 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي (ص) أقطع الزبير حضر) بضم ~~الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة فراء (فرسه) أي ارتفاع الفرس في عدوه ~~(فأجرى الفرس حتى قام ثم رمى بسوطه فقال: أعطوه حيث بلغ السوط رواه أبو ~~داود وفيه ضعف) لان فيه العمري المكبر وهو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم ~~بن عمر بن الخطاب وفيه مقال. وأخرجه أحمد من حديث أسماء بنت أبي بكر وفيه ~~أن الاقطاع كان من أموال بني النضير. قال في البحر: وللامام إقطاع الموات ~~لاقطاع النبي صلى الله عليه وسلم الزبير حضر فرسه ولفعل أبي بكر وعمر. # 9 - (وعن رجل من الصحابة قال: غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته ~~يقول: الناس شركاء في ثلاثة: في الكلأ) مهموز ومقصور (والماء والنار رواه ~~أحمد وأبو داود ورجاله ثقات). وروى ابن ماجة من حديث أبي هريرة مرفوعا: ~~ثلاث لا يمنعن: الكلأ والماء والنار وإسناده صحيح. وفي الباب روايات كثيرة ~~لا تخلو عن مقال، ولكن الكل ينهض على الحجية. ويدل للماء بخصوصه أحاديث في ~~مسلم وغيره. والكلأ النبات رطبا كان أو يابسا وأما الحشيش والهشيم فمختص ~~باليابس وأما الخلا مقصور غير مهموز ms0759 فيختص بالرطب ومثله العشب. والحديث ~~دليل على عدم اختصاص أحد من الناس بأحد الثلاثة وهو إجماع في الكلأ في ~~الأرض المباحة والجبال التي لم يحرزها أحد فإنه لا يمنع من أخذ كلئها أحد ~~إلا ما حماه الامام كما سلف. وأما النابت في الأرض المملوكة والمتحجرة ~~PageV03P086 # ففيه خلاف بين العلماء فعند الهادوية وغيرها أن ذلك مباح أيضا وعموم ~~الحديث دليل لهم. وأما النار فاختلف في المراد بها فقيل: أريد بها الحطب ~~الذي يحطبه الناس وقيل أريد الاستصباح منها والاستضاءة بضوئها وقيل: ~~الحجارة التي تورى منها النار إذا كانت في موات . والأقرب أنه أريد بها ~~النار حقيقة فإن كانت من حطب مملوك فقيل: حكمها حكم أصلها. وقيل يحتمل أنه ~~يأتي فيها الخلاف الذي في الماء وذلك لعموم الحاجة وتسامح الناس في ذلك. # وأما الماء فقد تقدم الكلام فيه وأنه يحرم منع المياه المجتمعة من ~~الأمطار في أرض مباحة وأنه ليس أحد أحق بها من أحد إلا لقرب أرضه منها، ولو ~~كان في أرض مملوكة فكذلك إلا أن صاحب الأرض المملوكة أحق به يسقيها ويسقي ~~ماشيته ويجب بذله لما فضل من ذلك. فلو كان في أرضه أو داره عين نابعة أو ~~بئر احتفرها فإنه لا يملك الماء بل حقه فيه تقديمه في الانتفاع به على غيره ~~وللغير دخول أرضه كما سلف. فإن قيل: فهل يجوز بيع العين والبئر نفسهما؟ # قيل: يجوز بيع العين والبئر لان النهي وارد عن بيع فضل الماء لا البئر ~~والعيون في قرارهما فلا نهي عن بيعهما والمشتري لهما أحق بمائهما بقدر ~~كفايته وقد ثبت شراء عثمان لبئر رومة من اليهودي بأمره صلى الله عليه وسلم ~~وسبلها للمسلمين. فإن قيل: إذا كان الماء لا يملك فكيف تحجر اليهودي البئر ~~حتى باعها من عثمان؟ قيل: هذا كان في أول الاسلام حين قدم النبي صلى الله ~~عليه وسلم المدينة وقبل تقرر الاحكام على اليهودي، والنبي صلى الله عليه ~~وسلم أبقاهم أول الأمر على ما كانوا عليه وقررهم على ما تحت أيديهم. # باب ms0760 الوقف الوقف لغة الحبس يقال وقفت كذا أي حبسته وهو شرعا جنس مال يمكن ~~الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح. # 1 - (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله (ص) قال: إذا مات ابن ~~آدم انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح ~~يدعو له رواه مسلم). ذكره في باب الوقف لأنه فسر العلماء الصدقة الجارية ~~بالوقف وكان أول وقف في الاسلام وقف عمر رضي الله عنه الآتي حديثه. كما ~~أخرجه ابن أبي شيبة: أن أول حبس في الاسلام صدقة عمر، قال الترمذي: # لا نعلم بين الصحابة والمتقدمين من أهل الفقه خلافا في جواز وقف الأرضين. ~~وأشار الشافعي أنه من خصائص الاسلام لا يعلم في الجاهلية. وألفاظه: وقفت ~~وحبست وسبلت وأبدت، فهذه صرائح ألفاظه. وكنايته: تصدقت واختلف في (حرمت) ~~فقيل صريح وقيل غير صريح. # وقوله أو علم ينتفع به: المراد النفع الأخروي فيخرج ما لا نفع فيه كعلم ~~النجوم من حيث أحكام السعادة وضدها. ويدخل فيه من ألف علما نافعا أو نشره ~~فبقي من يرويه عنه وينتفع به. أو كتب علما نافعا ولو بالأجرة مع النية أو ~~وقف كتبا. ولفظ الولد PageV03P087 # شامل للأنثى والذكر وشرط صلاحه ليكون الدعاء مجابا. والحديث دليل على أنه ~~ينقطع أجر كل عمل بعد الموت إلا هذه الثلاثة فإنه يجري أجرها بعد الموت ~~ويتجدد ثوابها. قال العلماء لان ذلك كسبه. وفيه دليل على أن دعاء الولد ~~لأبويه بعد الموت يلحقهما وكذلك غير الدعاء من الصدقة وقضاء الدين وغيرهما. # واعلم أنه قد زيد على هذه ثلاثة ما أخرجه ابن ماجة بلفظ: إن مما يلحق ~~المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما نشره وولدا صالحا تركه أو مصحفا ورثه ~~أو مسجدا بناه أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهرا أجراه أو صدقة أخرجها من ~~ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته. ووردت خصال أخر تبلغ عشرا ونظمها ~~الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى قال: ms0761 # إذا مات ابن آدم ليس يجري عليه من فعال غير عشر علوم بثها ودعاء نجل وغرس ~~النخل والصدقات تجري وراثة مصحف ورباط ثغر وحفر البئر أو إجراء نهر وبيت ~~للغريب بناه يأوى إليه أو بناء محل ذكر 2 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما ~~قال أصاب عمر أرضا بخيبر) في رواية النسائي " أنه كان لعمر مائة رأس فاشترى ~~بها مائة سهم من خيبر (فأتى النبي (ص) يستأمره فيها فقال: يا رسول الله إني ~~أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه فقال (ص): إن شئت حبست ~~أصلها وتصدقت بها قال: فتصدق بها عمر وأنه لا يباع أصلها ولا يورث ولا يوهب ~~فتصدق بها في الفقراء وفي القربى) أي ذوي قربى عمر (وفي الرقاب وفي سبيل ~~الله وابن السبيل والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل بالمعروف أو يطعم ~~صديقا غير متمول مالا متفق عليه واللفظ لمسلم وفي رواية للبخاري: تصدق ~~بأصله لا يباع ولا يوهب ولكن ينفق ثمره). أفادت رواية البخاري أن كونه لا ~~يباع ولا يوهب من كلامه (ص) وأن هذا شأن الوقف وهو يدفع قول أبي حنيفة ~~بجواز بيع الوقوف. قال أبو يوسف: إنه لو بلغ أبا حنيفة هذا الحديث لقال به ~~ورجع عن بيع الوقف. قال القرطبي: رد الوقف مخالف للاجماع فلا يلتفت إليه. ~~وقوله: أن يأكل منها من وليها بالمعروف قال القرطبي: جرت العادة أن العامل ~~يأكل من ثمر الوقف حتى لو اشترط الواقف أن لا يأكل منه لاستقبح ذلك منه. ~~والمراد بالمعروف القدر الذي جرت به العادة وقيل: القدر الذي يدفع الشهوة ~~وقيل: المراد أن يأخذ منه بقدر عمله والأول أولى. وقوله: غير متمول أي غير ~~متخذ منها مالا أي ملكا والمراد لا يتملك شيئا من رقابها ولا يأخذ من غلتها ~~ما يشتري بدله ملكا بل ليسله إلا ما ينفقه. وزاد أحمد في روايته: أن عمر ~~أوصى بها إلى حفصة أم المؤمنين ثم إلى الأكابر من آل عمر، ونحوه عند ~~الدارقطني. ms0762 # 3 - (وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: بعث رسول الله (ص) عمر ~~PageV03P088 # على الصدقة، الحديث وفيه: وأما خالد فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل ~~الله. متفق عليه). تقدم تفسير الأعتاد، والحديث دليل على صحة وقف العين عن ~~الزكاة وأنه يأخذ بزكاته آلات للحرب للجهاد في سبيل الله وعلى أنه يصح وقف ~~العروض. وقال أبو حنيفة: # لا يصح لان العروض تبذل وتغير والوقف موضوع على التأبيد والحديث حجة ~~عليه، ودل على صحة وقف الحيوان لأنها قد فسرت الأعتاد بالخيل وعلى جواز صرف ~~الزكاة إلى صنف واحد من الثمانية. وتعقب ابن دقيق العيد جميع ما ذكر بأن ~~القصة محتملة لما ذكر ولغيره فلا ينتهض الاستدلال بها على شئ مما ذكر قال: ~~ويحتمل أن يكون تحبيس خالد إرصادا وعدم تصرف ولا يكون وقفا. # باب الهبة، والعمرى، والرقبى الهبة بكسر الهاء: مصدر وهبت وهي شرعا تمليك ~~عين بعقد على غير عوض معلوم في الحياة ويطلق على الشئ الموهوب ويطلق على ~~أعم من ذلك. # 1 - (عن النعمان بن بشير: أن أباه أتى به رسول الله (ص) فقال: إني نحلت ~~ابني هذا غلاما كان لي، فقال رسول الله (ص): أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال ~~لا، فقال رسول الله (ص): فأرجعه وفي لفظ: # فانطلق أبي إلى النبي (ص) ليشهده على صدقتي فقال: أفعلت هذا بولدك كلهم؟ ~~قال: لا، قال: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم فرجع أبي فرد تلك الصدقة. ~~متفق عليه. وفي رواية لمسلم قال: فأشهد على هذا غيري ثم قال أيسرك أن ~~يكونوا لك في البر سواء؟ قال: بلى، قال: فلا إذن). الحديث دليل على وجوب ~~المساواة بين الأولاد في الهبة وقد صرح به البخاري وهو قول أحمد وإسحاق ~~والثوري وآخرين. وأنها باطلة مع عدم المساواة وهو الذي تفيده ألفاظ الحديث ~~من أمره (ص) بإرجاعه، ومن قوله: اتقوا الله، وقوله: اعدلوا بين أولادكم، ~~وقوله فلا إذن، وقوله: لا أشهد على جور. واختلف في كيفية التسوية فقيل: بأن ~~تكون عطية الذكر والأنثى سواء وهو ms0763 ظاهر قوله في بعض ألفاظه عند النسائي: ~~ألا سويت بينهم؟ " وعند ابن حبان: سووا بينهم ولحديث ابن عباس: سووا بين ~~أولادكم في العطية فلو كانت مفضلا أحدا لفضلت النساء أخرجه سعيد بن منصور ~~والبيهقي بإسناد حسن. وقيل بل التسوية أن يجعل للذكر مثل حظ الأنثيين على ~~حسب التوريث. وذهب الجمهور إلى أنها لا تجب التسوية بل تندب وأطالوا في ~~الاعتذار عن الحديث وذكر في الشرح عشرة PageV03P089 # أعذار كلها غير ناهضة. وقد كتبنا في ذلك رسالة جواب سؤال أوضحنا فيها قوة ~~القول بوجوب التسوية وأن الهبة مع عدمها باطلة. # 2 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي (ص): # العائد في هبته كالكلب يقئ ثم يعود في قيئه متفق عليه. وفي رواية ~~للبخاري: # ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته كالكلب يقئ ثم يرجع في قيئه). فيه ~~دلالة على تحريم الرجوع في الهبة وهو مذهب جماهير العلماء وبوب له البخاري ~~- باب لا يحل لاحد أن يرجع في هبته وصدقته -. وقد استثنى الجمهور ما يأتي ~~من الهبة للولد ونحوه. وذهبت الهادوية وأبو حنيفة إلى حل الرجوع في الهبة ~~دون الصدقة إلا الهبة لذي رحم. قالوا: والحديث المراد به التغليظ في ~~الكراهة. قال الطحاوي: قوله كالعائد في قيئه وإن اقتضى التحريم لكن الزيادة ~~في الرواية الأخرى وهو قو له: كالكلب تدل على عدم التحريم لان الكلب غير ~~متعبد فالقئ ليس حراما عليه والمراد التنزه عن فعل يشبه فعل الكلب. وتعقب ~~باستبعاد التأويل ومنافرة سياق الحديث له وعرف الشرع في مثل هذه العبارة ~~الزجر الشديد كما ورد النهي في الصلاة عن إقعاء الكلب ونقر الغراب والتفات ~~الثعلب ونحوه ولا يفهم من المقام إلا التحريم والتأويل البعيد لا يلتفت ~~إليه ويدل على التحريم الحديث الآتي وهو: # 3 - (وعن ابن عمر وابن عباس عن النبي (ص) قال: # لا يحل لرجل مسلم أن يعطي العطية ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده ~~رواه أحمد والأربعة، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم). فإن قوله لا يحل ms0764 ~~ظاهر في التحريم والقول بأنه مجاز عن الكراهة الشديدة صرف له عن ظاهره. ~~وقوله إلا الوالد دليل على أنه يجوز للأب الرجوع فيما وهبه لابنه كبيرا كان ~~أو صغيرا واختصه الهادوية بالطفل وهو خلاف ظاهر الحديث. وفرق بعض العلماء ~~فقال: يحل الرجوع في الهبة دون الصدقة لان الصدق يراد بها ثواب الآخرة وهو ~~فرق غير مؤثر في الحكم. # وحكم الأم حكم الأب عند أكثر العلماء. نعم وخص الهادي ما وهبته الزوجة ~~لزوجها من صداقها بأنه ليس لها الرجوع في ذلك، ومثله رواه البخاري عن ~~النخعي وعمر بن عبد العزيز تعليقا. وقال الزهري: يرد إليها إن كان خدعها. ~~وأخرج عبد الرزاق بسند منقطع: إن النساء يعطين رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطت ~~زوجها فشاءت أن ترجع رجعت. # 4 - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله (ص) يقبل الهدية ويثيب ~~عليها رواه البخاري). فيه دلالة على أن عادته (ص) كانت جارية بقبول الهدية ~~والمكافأة عليها. وفي رواية لابن أبي شيبة: ويثيب عليها ما هو خير منها. ~~وقد استدل به على وجوب الإثابة على الهدية إذ كونه عادة له (ص) مستمرة ~~يقتضي لزومه ولا يتم به الاستدلال على الوجوب لأنه قد يقال إنما فعله (ص) ~~مستمرا PageV03P090 # لما جبل عليه من مكارم الأخلاق لا لوجوبه. وقد ذهبت الهادوية إلى وجوب ~~المكافأة بحسب العرف قالوا: لان الأصل في الأعيان الأعواض. قال في البحر: ~~ويجب تعويضها حسب العرف. وقال الامام يحيى: المثلي مثله والقيمي قيمته ويجب ~~له الايصاء بها وقال الشافعي في الجديد: الهبة للثواب باطلة لا تنعقد لأنها ~~بيع بثمن مجهول ولان موضع الهبة التبرع فلو أوجبناه لكان في معنى المعاوضة ~~وقد فرق الشرع والعر ف بين الهبة والبيع فما يستحق العوض أطلق عليه لفظ ~~البيع، بخلاف الهبة. قيل وكأن من أجازها للثواب جعل العرف فيها بمنزلة ~~الشرط وهو ثواب مثلها. وقال بعض المالكية: يجب الثواب على الهبة إذا أطلق ~~الواهب أو كان مما يطلب مثله الثواب كالفقير للغني بخلاف ما يهبه الأعلى ~~للأدنى. ms0765 # فإذا لم يرض الواهب بالثواب فقيل: تلزم الهبة إذا أعطاه الموهوب له ~~القيمة وقيل: لا تلزم إلا أن يرضيه، والأول المشهور عن مالك رحمه الله ~~ويرده الحديث الآتي وهو: # 5 - (وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: وهب رجل لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ناقة فأثابه عليها فقال: رضيت؟ قال: لا، فزاده فقال: رضيت؟ ~~قال: لا، فزاده فقال: # رضيت؟ قال نعم، رواه أحمد وصححه ابن حبان). ورواه الترمذي وبين أن العوض ~~كان ست بكرات. وفيه دليل على اشتراط رضا الواهب وأنه إن أسلم إليه قدر ما ~~وهب ولم يرض زيد له وهو دليل لاحد القولين الماضيين وهو قول ابن عمر. ~~قالوا: فإذا اشترط فيه الرضا فليس هناك بيع انعقد. # 6 - (وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): العمرى) بضم المهملة ~~وسكون الميم وألف مقصورة (لمن وهبت له متفق عليه ولمسلم) أي من حديث جابر: ~~(أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها فإنه من أعمر عمري فهي للذي أعمرها حيا ~~وميتا ولعقبه. وفي لفظ: إنما العمرى التي أجازها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال: هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى ~~صاحبها. (ولأبي داود والنسائي) أي: من حديث جابر (لا ترقبوا ولا تعمروا فمن ~~أرقب شيئا أو أعمر شيئا فهو لورثته). الأصل في العمرى والرقبى أنه كان في ~~الجاهلية يعطي الرجل الرجل الدار ويقول: أعمرتك إياها أي أبحتها لك مدة ~~عمرك فقيل لها عمري لذلك. كما أنه قيل لها رقبى لان كلا منهما يرقب موت ~~الآخر. وجاءت الشريعة بتقرير ذلك، ففي الحديث دلالة على شرعيتها وأنها ~~مملكة لمن وهب له وإليه ذهب العلماء كافة إلا رواية عن داود أنها لا تصح. ~~واختلف إلى ماذا يتوجه التمليك. فالجمهور أنه يتوجه إلى الرقبة كغيرها من ~~الهبات. وعند الشافعي ومالك إلى المنفعة دون الرقبة. وتكون على ثلاثة ~~أقسام: مؤبدة إن قال أبدا. ومطلقة عند عدم التقييد. ومقيدة بأن يقول ما عشت ~~فإذا مت ms0766 رجعت إلي. PageV03P091 # واختلف العلماء في ذلك والأصح أنها صحيحة في جميع الأحوال وأن الموهوب له ~~يملكها ملكا تاما يتصرف فيها بالبيع وغيره من التصرفات وذلك لتصريح ~~الأحاديث بأنها لمن أعمرها حيا وميتا. وأما قوله: فإذا قال: هي لك ما عشت ~~فإنها ترجع إلى صاحبها فلأنها بهذا القيد قد شرط أن تكون إلى الواهب بعد ~~موته فيكون لها حكم ما إذا صرح بذلك الشرط وهي كما لو أعمره شهرا أو سنة ~~فإنها عارية إجماعا. وقوله: أمسكوا أموالكم وقوله: لا ترقبوا محمول على ~~الكراهة والارشاد لهم إلى حفظ أموالهم لأنهم كانوا يعمرون ويرقبون ويرجع ~~إليهم إذا مات من أعمروه وأرقبوه فجاء الشرع بمراغمتهم وصحح العقد وأبطل ~~الشرط المضاد لذلك فإنه أشبه الرجوع في الهبة وقد صح النهي عنه. وأخرج ~~النسائي من حديث ابن عباس يرفعه: العمرى لمن أعمرها والرقبى لمن أرقبها ~~والعائد في هبته كالعائد في قيئه. وأما إذا صرح بالشرط كما في الحديث وقال: ~~ما عشت، فإنها عارية مؤقتة لا هبة. ومر حديث " العائد في هبته كالعائد في ~~قيئه ومثله الحديث الآتي وهو: # 7 - (وعن عمر رضي الله عنه قال: حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه صاحبه ~~فظننت أنه بائعه برخص، فسألت رسول الله (ص) عن ذلك فقال: لا تبتعه وإن ~~أعطاكه بدرهم الحديث، متفق عليه). تمامه: فإن العائد في صدقته كالكلب يعود ~~في قيئه. وقوله: فأضاعه أي قصر في مؤنته وحسن القيام به وقوله: لا تبتعه أي ~~لا تشتره وفي لفظ: ولا تعد في صدقتك، فسمى الشراء عودا في الصدقة قيل: لان ~~العادة جرت بالمسامحة في ذلك من البائع للمشتري فأطلق على القدر الذي يقع ~~به التسامح رجوعا. # ويحتمل أنه مبالغة وأن عودها إليه بالقيمة كالرجوع. وظاهر النهي التحريم ~~وإليه ذهب قوم. وقال الجمهور: إنه للتنزيه. وتقدم أن الرجوع في الهبة محرم ~~وأنه الأقوى دليلا إلا ما استثني. قال الطبري: يخص من عموم هذا الحديث من ~~وهب بشرط الثواب، وما إذا كان الواهب الوالد لولده، والهبة التي لم تقبض، ms0767 ~~والتي ردها الميراث إلى الواهب، لثبوت الاخبار باستثناء ذلك. ومما لا رجوع ~~فيه مطلقا الصدقة يراد بها ثواب الآخرة. قلت: هذا في الرجوع في الهبة فأما ~~شراؤها وهو الذي فيه سياق هذا الحديث فالظاهر أن النهي للتنزيه، وإنما ~~التحريم في الرجوع فيها. ويحتمل أنه لا فرق بينهما للنهي وأصله التحريم. # 8 - (وعن أبي هريرة عن النبي (ص) قال: تهادوا تحابوا رواه البخاري في ~~الأدب المفرد وأبو يعلى بإسناد حسن). وأخرجه البيهقي وغيره وفي كل رواته ~~مقال والمصنف قد حسن إسناده وكأنه لشواهده التي منها الحديث وإن كان ضعيفا ~~وهو قوله: 9 - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): تهادوا فإن ~~الهدية تسل السخيمة) بالسين المهملة مفتوحة فخاء معجمة فمثناة تحتية في ~~القاموس السخيمة والسخيمة بالضم: الحقد (رواه البزار بإسناد ضعيف) لان في ~~روايته من ضعف وله طرق كلها لا تخلو عن مقال وفي بعض ألفاظه: تذهب وحر ~~الصدر " PageV03P092 # بفتح الواو والحاء المهملة وهو الحقد أيضا. والأحاديث وإن لم تخل عن مقال ~~فإن للهدية في القلوب موقعا لا يخفى. # 10 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): يا نساء ~~المسلمات) قال القاضي: الأشهر نصب النساء على أنه منادى مضاف إلى المسلمات ~~من إضافة الصفة وقيل غير هذا (لا تحقرن) بالحاء المهملة ساكنة وفتح القاف ~~وكسرها (جارة لجارتها ولو فرسن شاة) بكسر الفاء وسكون الراء وكسر السين ~~المهملة آخره نون وهو من البعير بمنزلة الحافر من الدابة وربما استعير ~~للشاة (متفق عليه). في الحديث حذف تقديره لا تحقرن جارة لجارتها هدية ولو ~~فرسن شاة والمراد من ذكره المبالغة في الحث على هدية الجارة لجارتها لا ~~حقيقة الفرسن لأنه لم تجر العادة بإهدائه. وظاهره النهي للمهدي، اسم فاعل ~~عن استحقار ما يهديه بحيث يؤدي إلى ترك الاهداء. ويحتمل أنه للمهدى إليه، ~~والمراد لا يحقرن ما أهدى إليه ولو كان حقيرا. ويحتمل إرادة الجمع وفيه ~~الحث على التهادي، سيما بين الجيران ولو بالشئ الحقير لما فيه من ms0768 جلب ~~المحبة والتأنيس. # 11 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي (ص) قال: من وهب هبة فهو أحق ~~بها ما لم يثب عليها رواه الحاكم وصححه، والمحفوظ من رواية ابن عمر عن عمر ~~قوله). قال المصنف: صححه الحاكم وابن حزم، وفيه دليل على جواز الرجوع في ~~الهبة التي لم يثب عليها، وعدم جواز الرجوع في الهبة التي أثاب عليها ~~الموهوب له الواهب. وتقدم الكلام في ذلك وفي حكم الهبة للثواب والمكافأة. ~~وما أحسن ما قيل في ذلك إن الفاعل لا يفعل إلا لغرض، فالهبة للأدنى كثيرا ~~ما تكون كالصدقة وهي غرض معهم. # وللمساوي معاشرة لجلب المودة وحسن العشرة وهي مثل عطية الأدنى، إلا أن في ~~عطية الأدنى توهم الصدقة. والعرف جار بتخالف الهدايا باعتبار حال المهدي ~~والمهدى إليه فإذا كان الغرض الطمع والتحصيل كما يهدي المتكسب للملك يتحفه ~~بشئ يرجو فضله فلو اقتصر الملك على قدر قيمتها لذم والذم دليل الرجوع بل ~~إما أن يردها أو يعطيه خيرا منها. # وإن كان غرض المهدي تحصى الاتصال بينهما والمخالفة الحسنة وتصفية ذات ~~البين أجزأه من المكافأة أدنى شئ قل أو كثر بل الأقل أنسب لاشعاره بأن ليس ~~الغرض المعاوضة بل تكميل المودة وأنه لا فرق بين ما تملكه أنت وما أملكه ~~أنا. # باب اللقطة اللقطة بضم اللام وفتح القاف قيل: لا يجوز غيره وقال الخليل: ~~القاف ساكنة لا غير وأما بفتحها فهو اللاقط. قيل: وهذا هو القياس إلا أنه ~~أجمع أهل اللغة والحديث على الفتح ولذا قيل: لا يجوز غيره. # 1 - (عن أنس قال: مر النبي (ص) بتمرة في الطريق PageV03P093 # فقال: لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها متفق عليه). دل على جواز ~~أخذ الشئ الحقير الذي يتسامح به، ولا يجب التعريف به وأن الآخذ يملكه بمجرد ~~الاخذ له. وظاهر الحديث أنه يجوز ذلك في الحقير وإن كان مالكه معروفا. ~~وقيل: لا يجوز إلا إذا جهل. وأما إذا علم فلا يجوز إلا بإذنه وإن كان ~~يسيرا. وقد أورد عليه أنه ms0769 (ص) كيف تركها في الطريق مع أن على الامام حفظ ~~المال الضائع وحفظ ما كان من الزكاة وصرفه في مصارفه. ويجاب عنه بأنه لا ~~دليل على أنه (ص) لم يأخذها للحفظ وإنما ترك أكلها تورعا أو أنه تركها عمدا ~~ليأخذها من يمر ممن تحل له الصدقة. ولا يجب على الامام إلا حفظ المال الذي ~~يعلم طلب صاحبه له لا ما جرت العادة بالاعراض عنه لحقارته. وفيه حث على ~~التورع عن أكل يجوز فيه أنه حرام. # 2 - (وعن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه) هو أبو طلحة أو أبو عبد ~~الرحمن نزل الكوفة ومات بها سنة ثمان وسبعين وهو ابن خمسين وثمانين سنة ~~وروى عنه جماعة (قال: جاء رجل إلى النبي (ص)) لم يقم برهان على تعيين الرجل ~~فسأله عن اللقطة) أي عن حكمها شرعا (فقال: اعرف عفاصها بكسر العين المهملة ~~ففاء وبعد الألف صاد مهملة وعاءها ووقع في رواية خرقتها ووكاءها بكسر الواو ~~ممدودا ما يربط به (ثم عرفها) بتشديد الراء سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك ~~بها قال: فضالة الغنم) الضالة تقال على الحيوان. وما ليس بحيوان يقال له ~~لقطة (قال: هي لك أو لأخيك أو للذئب قال: فضالة الإبل قال: ما لك ولها معها ~~سقاؤها أجوفها وقيل عنقها (وحذاؤها) بكسر الحاء المهملة فذال معجمة أي خفها ~~ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها متفق عليه). اختلف العلماء في ~~الالتقاط هل هو أفضل أم الترك فقال أبو حنيفة: الأفضل الالتقاط لان من ~~الواجب على المسلم حفظ ما أخيه ومثله قال الشافعي. # وقال مالك وأحمد: تركه أفضل لحديث: ضالة المؤمن حرق النار ولما يخاف من ~~التضمين والدين. وقال قوم: بل الالتقاط واجب وتأولوا الحديث بأنه فيمن أراد ~~أخذها للانتفاع بها من أول الأمر قبل تعريفه بها. هذا وقد اشتمل الحديث على ~~ثلاثة مسائل: الأولى: في حكم اللقطة وهي الضائعة التي ليست بحيوان - فإن ~~ذلك يقال له ضالة - فقد أمر صلى الله عليه وسلم لا لملتقط أن يعرف وعاءها ~~وما ms0770 تشد به وظاهر الامر وجوب التعرف لما ذكر ووجوب التعريف ويزيد الأخير ~~عليه دلالة قوله: # 3 - (وعنه) أي عن زيد بن خالد (قال: قال رسول الله (ص): من آوى ضالة فهو ~~ضال ما لم يعرفها رواه مسلم). فوصفه بالضلال إذا لم يعرف بها. وقد اختلف في ~~فائدة معرفتهما. فقيل: لترد للواصف لها وأنه يقبل قوله بعد اخباره بصفتها ~~ويجب PageV03P094 # ردها إليه كما دل له ما هنا. وما في رواية البخاري: فإن جاء أحد يخبرك ~~بها وفي لفظ " بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إياه وإلى هذا ذهب أحمد ومالك ~~واشترطت المالكية زيادة صفة الدنانير والعدد قالوا: لورود ذلك في بعض ~~الروايات وقالوا: لا يضره الجهل بالعدد إذا عرف العفاص والوكاء. فأما إذا ~~عرف إحدى العلامتين المنصوص عليهما من العفاص والوكاء وجهل الأخرى فقيل: لا ~~شئ له إلا بمعرفتهما جميعا. وقيل: تدفع إليه بعد الانظار مدة. ثم اختلف هل ~~تدفع إليه بعد وصفه لعفاصها ووكائها بغير يمينه أم لا بد من اليمين؟ # فقيل: تدفع إليه بغير يمين لأنه ظاهر الأحاديث. وقيل: لا ترد إلا ~~بالبينة. وقال من أوجب البينة: إن فائدة أمر الملتقط بمعرفتها لئلا يلتبس ~~بماله لا لأجل ردها لمن وصفها فإنها لا ترد إليه إلا بالبينة. قالوا: وذلك ~~لأنه مدع وكل مدع لا يسلم إليه ما ادعاه إلا بالبينة، وهذا أصل مقرر شرعا ~~لا يخرج عنه بمجرد وصف المدعى للعفاص والوكاء. وأجيب: بأن ظاهر الأحاديث ~~وجوب الرد بمجرد الوصف فإنه قال (ص): فأعطها إياه " وفي حديث الباب مقدر ~~بعد قوله فإن جاء صاحبها: أي فأعطه إياها وإنما حذف جواب الشرط للعلم به. ~~وحديث البينة على المدعي ليست البينة مقصورة على الشهادة بل هي عامة لكل ما ~~تبين به الحق ومنها وصف العفاص والوكاء. على أنه قد قال من اشترط البينة: ~~إنها إذا ثبتت الزيادة وهي قوله فأعطها إياه كان العمل عليها والزيادة قد ~~صحت كما حققه المصنف فيجب العمل بها ويجب الرد بالوصف. وكما أوجب (ص) ~~التعرف بها فقد حد وقته ms0771 بسنة فأوجب التعريف بها سنة وأما ما بعدها: فقيل: ~~لا يجب التعريف بها بعد السنة وقيل: يجب والدليل مع الأول. ودل على أنه ~~يعرف بها سنة لا غير، حقيرة كانت أو عظيمة. ثم التعريف يكون في مظان اجتماع ~~الناس من الأسواق وأبواب المساجد والمجامع الحافلة. وقوله: وإلا فشأنك بها ~~نصب شأنك على الاغراء ويجوز رفعه على الابتداء وخبره بها وهو تفويض له في ~~حفظها أو الانتفاع بها. واستدل به على جواز تصرف الملتقط فيها أي تصرف، إما ~~بصرفها على نفسه غنيا كان أو فقيرا أو التصدق بها إلا أنه قد أورد من ~~الأحاديث ما يقتضي أنه لا يتملكها. فعند مسلم: ثم عرفها سنة فإن لم يجئ ~~صاحبها كانت وديعة عندك. وفي رواية: ثم عرفها سنة فإن لم تعرف فاستنفقها ~~ولتكن وديعة عندك فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه ولذلك اختلف ~~العلماء في حكمها بعد السنة. قال في نهاية المجتهد: إنه اتفق فقهاء الأمصار ~~مالك والثوري والأوزاعي والشافعي على أنه يتملكها، ومثله عن عمر وابنه وابن ~~مسعود وابن مسعود: وقال أبو حنيفة: ليس له إلا أن يتصدق بها، ومثله يروى عن ~~علي وابن عباس وجماعة من التابعين وكلهم متفقون على أنه إن أكلها ضمنها ~~لصاحبها إلا أهل الظاهر فقالوا: تحل وتصير بعد السنة له مالا من ماله ولا ~~يضمنها إن جاء صاحبها. # قلت: ولا أدري ما يقولون في حديث مسلم ونحوه الدال على وجوب ضمانها. ~~وأقرب الأقوال PageV03P095 # ما ذهب إليه الشافعي ومن معه لأنه أذن (ص) في استنفاقه لها ولم يأمره ~~بالتصدق بها ثم أمره بعد الاذن في الاستنفاق أن يردها إلى صاحبها إن جاء ~~يوما من الدهر وذلك تضمين لها. المسألة الثانية: في ضالة الغنم فقد اتفق ~~العلماء على أن لواجد الغنم في المكان القفر البعيد عن العمران أن يأكلها ~~لقوله (ص): هي لك أو لأخيك أو للذئب فإن معناه أنها معرضة للهلاك مترددة ~~بين أن تأخذها أو أخوك والمراد به ما هو أعم من صاحبها أو من ms0772 ملتقط آخر ~~والمراد من الذئب جنس ما يأكل الشاة من السباع. # وفيه حث على أخذه إياها، وهل يجب عليه ضمان قيمتها لصاحبها أو لا؟ فقال ~~الجمهور: # إنه يضمن قيمتها. والمشهور عن مالك أنه لا يضمن واحتج بالتسوية بين ~~الملتقط والذئب. # والذئب لا غرامة عليه فكذلك الملتقط. وأجيب بأن اللام ليست للتمليك لان ~~الذئب لا يملك وقد أجمعوا على أنه لو جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط فهي ~~باقية على ملك صاحبها. # والمسألة الثالثة: في ضالة الإبل وقد حكم (ص) بأنها لا تلتقط بل تترك ~~ترعى الشجر وترد المياه حتى يأتي صاحبها. قالوا: وقد نبه (ص) على أنها غنية ~~غير محتاجة إلى الحفظ بما ركب الله في طباعها من الجلادة على العطش وتناول ~~الماء بغير تعب لطول عنقها وقوتها على المشي فلا تحتاج إلى الملتقط بخلا ف ~~الغنم. وقالت الحنفية وغيرها: الأولى التقاطها. قال العلماء: والحكمة في ~~النهي عن التقاط الإبل أن بقاءها حيث ضلت أقرب إلى وجدان مالكها لها من ~~تطلبه لها في رحال الناس. # 4 - (وعن عياض) بكسر المهملة آخره ضاد معجمة (ابن حمار) بلفظ الحيوان ~~المعروف صحابي معروف (قال: قال رسول الله (ص): من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل، ~~وليحفظ عفاصها ووكاءها، ثم لا يكتم ولا يغيب، فإن جاء ربها فهو أحق بها ~~وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء رواه أحمد والأربعة إلا الترمذي وصححه ابن ~~خزيمة وابن الجارود وابن حبان). تقدم الكلام في اللقطة والعفاص والوكاء ~~وأفاد هذا الحديث زيادة وجوب الاشهاد بعدلين على التقاطها، وقد ذهب إلى هذا ~~أبو حنيفة وهو أحد قولي الشافعي فقالوا: يجب الاشهاد على اللقطة وعلى ~~أوصافها. وذهب الهادي ومالك وهو أحد قولي الشافعي إلى أنه لا يجب الاشهاد ~~قالوا: لعدم ذكر الاشهاد في الأحاديث الصحيحة فيحمل هذا على الندب. وقال ~~الأولون: هذه الزيادة بعد صحتها يجب العمل بها فيجب الاشهاد ولا ينافي ذلك ~~عدم ذكره في غيره من الأحاديث. والحق وجوب الاشهاد. # في قوله: فهو مال الله يؤتيه من يشاء ms0773 دليل للظاهرية في أنها تصير ملكا ~~للملتقط ولا يضمنها. # وقد يجاب بأن هذا مقيد بما سلف من إيجاب الضمان. وأما قوله (ص) يؤتيه من ~~يشاء فالمراد أنه يحل انتفاعه بها بعد مرور سنة التعريف. # 5 - (وعن عبد الرحمن بن عثمان التيمي رضي الله عنه) هو قرشي وهو ابن أخي ~~طلحة بن عبيد الله صحابي وقيل: إنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وليست له ~~رؤية وأسلم يوم الحديبية، PageV03P096 # وقيل يوم الفتح وقتل مع ابن الزبير (أن النبي (ص) نهى عن لقطة الحاج. # رواه مسلم). أي عن التقاط الرجل ما ضاع للحاج والمراد ما ضاع في مكة لما ~~تقدم من حديث أبي هريرة أنها لا تحل لقطتها إلا لمنشد وتقدم أنه حمله ~~الجمهور على أنه نهي عن التقاطها للتملك لا للتعريف بها فإنه يحل. قالوا: ~~وإنما اختصت لقطة الحاج بذلك لامكان إيصالها إلى أربابها لأنها إن كانت ~~لمكي فظاهر وإن كانت لآفاقي فلا يخلو أفق في الغالب من رواد منه إليها فإذا ~~عرفها واجدها في كل عام سهل التوصل إلى معرفة صاحبها، قاله ابن بطال. وقال ~~جماعة: هي كغيرها من البلاد وإنما تختص مكة بالمبالغة في التعريف لان الحاج ~~يرجع إلى بلده وقد لا يعود فاحتاج الملتقط إلى المبالغة في التعريف بها. ~~والظاهر القول الأول وأن حديث النهي هذا مقيد بحديث أبي هريرة بأنه لا يحل ~~التقاطها إلا لمنشد فالذي اختصت به لقطة مكة بأنها لا تلتقط إلا للتعريف ~~بها أبدا فلا تجوز للتملك ويحتمل أن هذا الحديث في لقطة الحاج مطلقا في مكة ~~وغيرها لأنه هنا مطلق ولا دليل على تقييده بكونها في مكة. # 6 - (وعن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ألا لا يحل ذو ناب من السباع ولا الحمار الأهلي ولا اللقطة من مال معاهد ~~إلا أن يستغني عنها. رواه أبو داود). يأتي الكلام على تحريم ما ذكر في باب ~~الأطعمة وذكر الحديث هنا لقوله: ولا اللقطة من مال معاهد فدل على ms0774 أن اللقطة ~~من ماله كاللقطة من مال المسلم وهذا محمول على التقاطها من محل غالب أهله ~~أو كلهم ذميون وإلا فاللقطة لا تعرف من مال أي انسان عند التقاطها. وقوله: ~~إلا أن يستغني عنها مؤول بالحقير كما سلف في التمرة ونحوها، أو بعدم معرفة ~~صاحبها بعد التعريف بها كما سلف أيضا. وعبر عنه بالاستغناء لأنه سبب عدم ~~المعرفة في الأغلب فإنه لو لم يستغن عنها لبالغ في طلبها أو نحو ذلك. # (فائدة) قال النووي في شرح المهذب: اختلف العلماء فيمن مر ببستان أو زرع ~~أو ماشية فقال الجمهور: لا يأخذ منه شيئا إلا في حال الضرورة فيأخذ ويغرم ~~عند الشافعي والجمهور. وقال بعض السلف: لا يلزمه شئ. وقال أحمد: إذا لم يكن ~~للبستان حائط جاز له الأكل من الفاكهة الرطبة في أصح الروايتين ولو لم يحتج ~~إلى ذلك، وفي الأخرى إذا احتاج ولا ضمان عليه في الحالين. وعلق الشافعي ~~القول بذلك على صحة الحديث. قال البيهقي: يعني حديث ابن عمر مرفوعا: إذا مر ~~أحدكم بحائط فليأكل ولا يتخذ خبنة " أخرجه الترمذي واستغربه. قال البيهقي: ~~لم يصح وجاء من أوجه أخر غير قوية. قال المصنف: والحق أن مجموعها لا يقصر ~~عن درجة الصحيح وقد احتجوا في كثير من الاحكام بما هو دونها وقد بينت ذلك ~~في وفي المسألة خلاف كتابي المنحة فيما علق الشافعي القول به على الصحة " ~~اه‍ وأقاويل كثيرة قد نقلها الشارع عن المذهب ولم يتلخص البحث لتعارض ~~PageV03P097 # الأحاديث في الإباحة والنهي، فلم يقو نقل أحاديث الإباحة على نقل الأصل ~~وهو حرمة مال الآدمي وأحاديث النهي أكدت ذلك الأصل. # باب الفرائض الفرائض جمع فريضة وهي فعلية بمعنى مفروضة مأخوذة من الفرض ~~وهو القطع، وخصت المواريث باسم الفرائض من قوله تعالى * (نصيبا مفروضا) * ~~أي مقدارا معلوما. وقد وردت أحاديث كثيرة في الحث على تعلم الفرائض وورد ~~أنه أول علم يرفع. # 1 - (عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # ألحقوا الفرائض بأهلها) والمراد بها ms0775 الست المنصوص عليها وهو أهلها في ~~القرآن (فما بقي فهو لاولى رجل ذكر) اختلف في فائدة وصف الرجل بالذكر ~~والأقرب أنه تأكيد، ونقل في الشرح كلاما كثيرا وفائدته قليلة (متفق عليه). ~~والفرائض المنصوصة في القرآن ست: # النصف ونصفه ونصف نصفه والثلثان ونصفهما ونصف نصفهما. والمراد من أهلها ~~من يستحقها بنص كتاب الله قال ابن بطال: المراد بأولى رجل أن الرجال من ~~العصبة بعد أهل الفرائض إذا كان فيهم من هو أقرب إلى الميت استحق دون من هو ~~أبعد، فإن استووا اشتركوا. ولم يقصد من يدلي بالآباء والأمهات مثلا لأنه ~~ليس فيهم من هو أولى من غيره إذا استووا في المنزلة. وقال غيره: المراد به ~~العمة مع العم وبنت الأخ مع ابن الأخ وبنت العم مع ابن العم وخرج من ذلك ~~الأخ والأخت لأبوين أو لأب فإنهم يرثون بنص قوله تعالى * (وإن كانوا إخوة ~~رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين) *. وأقرب العصبات البنون ثم بنوهم وإن ~~سلفوا ثم الا ب ثم الجد أبو الأب وإن علوا وتفاصيل العصبات وسائر أهل ~~الفرائض مستوفى في كتا ب الفرائض. والحديث مبني على وجود عصبة من الرجال ~~فإذا لم توجد عصبة من الرجال أعطي بقية الميراث من لا فرض له من النساء كما ~~يأتي في بنت وبنت ابن وأخت. # 2 - (وعن أسامة بن زيد أن النبي (ص) قال: لا يرث المسلم الكافر ولا يرث ~~الكافر المسلم متفق عليه). المسلم في صدر الحديث فاعل والكافر مفعول وفي ~~آخره بالعكس، وإلى ما أفاده الحديث ذهب الجماهير. وروي خلافه عن معاذ ~~ومعاوية ومسروق وسعيد بن المسيب وإبراهيم وإسحاق وذهب إليه الإمامية ~~والناصر قالوا: إنه يرث المسلم من الكافر من غير عكس. واحتج معاذ بأنه سمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: الاسلام يزيد ولا ينقص أخرجه أبو داود ~~وصححه الحاكم. وقد أخرج مسدد PageV03P098 # " أنه اختصم إلى معاذ أخوان مسلم ويهودي مات أبوهما يهوديا فحاز ابنه ~~اليهودي ميراثه فنازعه المسلم فورث معاذ المسلم. وأخرج ابن أبي شيبة من ~~طريق ms0776 عبد الله بن مغفل قال: ما رأيت قضاء أحسن من قضاء معاوية نرث أهل ~~الكتاب ولا يرثوننا كما يحل لنا النكاح منهم ولا يحل لهم منا. وأجاب ~~الجمهور بأن الحديث المتفق عليه نص في منع التوريث، وحديث معاذ ليس فيه ~~دلالة على خصوصية الميراث إنما فيه الاخبار بأن دين الاسلام يفضل غيره من ~~سائر الأديان ولا يزال يزداد ولا ينقص. # 3 - (وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في بنت وبنت ابن وأخت: قضى النبي ~~صلى الله عليه وسلم للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما ~~بقي فللأخت رواه البخاري). # فيه دلالة على أن الأخت مع البنت وبنت الابن عصبة تعطى بقية الميراث، وهو ~~مجموع على أن الأخوات مع البنات عصبة. وقد أفتى أبو موسى أن للأخت النصف ثم ~~أمر السائل أن يسأل ابن مسعود فقضى ابن مسعود بقضاء النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال أبو موسى لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم. ضبط أئمة اللغة ~~الحبر بكسر الحاء وفتحها ورواية المحدثين جميعا له بفتحها. قال أبو عبيد: ~~هو العالم بتحبير الكلام وتحسينه وقيل سمي حبرا لما يبقى من أثر علومه - ~~زاد الراغب - في قلوب الناس ومن آثار أفعاله الحسنة المقتدى بها. # 4 - (وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): # لا يتوارث أهل ملتين رواه أحمد والأربعة إلا الترمذي وأخرجه الحاكم بلفظ ~~أسامة وروى النسائي حديث أسامة بهذا اللفظ). والحديث دليل على أنه لا توارث ~~بين أهل ملتين مختلفتين بالكفر أو بالاسلام والكفر. وذهب الجمهور إلى أن ~~المراد بالملتين الكفر والإسلام فيكون كحديث لا يرث المسلم الكافر - ~~الحديث. قالوا: وأما توريث ملل الكفر بعضهم من بعض فإنه ثابت ولم يقل بعموم ~~الحديث للملل كلها إلا الأوزاعي فإنه قال: لا يرث اليهودي من النصراني ولا ~~عكسه وكذلك سائر الملل. والظاهر من الحديث مع الأوزاعي وهو مذهب الهادوية ~~والحديث مخصص للقرآن في قوله: * (يوصيكم الله في أولادكم) * فإنه عام في ~~الأولاد فيخص منه الولد ms0777 الكافر بأنه لا يرث من أبيه المسلم والقرآن يخص ~~بأخبار الآحاد كما عرف في الأصول. # 5 - (وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي (ص) فقال: # إن ابن ابني مات فما لي من ميراثه؟ فقال: لك السدس فلما ولى دعاه فقال: ~~لك سدس آخر فلما ولى دعاه فقال: إن السدس الآخر طعمة رواه أحمد والأربعة ~~وصححه الترمذي، وهو من رواية الحسن البصري عن عمران، وفي سماعه خلاف قيل: ~~إنه لم يسمع منه. قال قتادة: لا أدري مع أي شئ ورثه، وقال: أقل شئ ورث الجد ~~السدس. وصورة هذه المسألة أنه ترك الميت بنتين وهذا السائل - وهو الجد - ~~فللبنتين الثلثان وبقي ثلث فدفع النبي (ص) إلى السائل السدس بالفرض لأنه ~~فرض الجد هنا ولم يدفع إليه السدس PageV03P099 # الآخر لئلا يظن أن فرضه الثلث وتركه حتى ولي أي ذهب فدعاه فقال لك سدس ~~آخر وهو بقية التركة فلما ذهب دعاه فقال إن الآخر - بكسر الخاء - طعمة أي ~~زيادة على الفريضة والمراد من ذلك إعلامه بأنه زائد على الفرض الذي له فله ~~سدس فرضا والباقي تعصيبا. # 6 - (وعن ابن بريدة رضي الله عنه عن أبيه رضي الله عنه) هو بريدة بن ~~الحصيب (أن النبي (ص) جعل للجدة السدس إذا لم يكن دونها أم رواه أبو داود ~~والنسائي وصححه ابن خزيمة وابن الجارود وقواه ابن عدي). فيه عبد الله ~~العتكي مختلف فيه، وثقه أبو حاتم. والحديث دليل على أن ميراث الجدة السدس ~~سواء كانت أم أم أو أم أب، ويشترك فيه الجدتان فأكثر إذا استوين فإن اختلفن ~~سقطت البعدى من الجهتين بالقربى. # ولا يسقطهن إلا الأم والأب كل منهما يسقط من كان من جهته. # 7 - (وعن المقدام بن معديكرب رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه ~~وسلم: الخال وارث من لا وارث له أخرجه أحمد والأربعة سوى الترمذي وحسنه أبو ~~زرعة الرازي وصححه ابن حبان والحاكم). فيه دليل على توريث الخال عند عدم من ~~يرث من العصبة وذوي ms0778 السهام والخال من ذوي الأرحام. وقد اختلف العلماء في ~~توريث ذوي الأرحام فذهبت طائفة كثيرة من علماء الآل وغيرهم إلى توريثهم فمن ~~خلف عمته وخالته ولا وارث له سواهما كان للعمة الثلثان وللخالة الثلث ~~واستدلوا بهذا الحديث وبقوله تعالى: * (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض) *. ~~وخالفت طائفة من الأئمة وقالوا: لا يثبت لذوي الأرحام ميراث لان الفرائض لا ~~تثبت إلا بكتاب الله أو سنة صحيحة أو إجماع والكل مفقود هنا. وأجابوا عن ~~حديث الباب أنه نص في الخال لا في غيره، والآية مجملة ومسمى أولى الأرحام ~~فيهما غير مسماه في عرف الفقهاء. وقد وردت أحاديث بأنه لا ميراث للعمة ~~والخالة وإن كان فيها مقال لكنها معتضدة بأن الأصل عدم الميراث حتى يقوم ~~الدليل الناهض مما ذكرناه. والقائلون بأنه لا ميراث لذوي الأرحام يقولون ~~يكون مال من لا وارث له لبيت المال إذا كان منتظما وهو إذا كان في يد إمام ~~عادل يصرفه في مصارفه، أو كان في البلد قاض قائم بشروط القضاء مأذون له في ~~التصرف في مال المصالح دفع إليه ليصرفه فيها. وتفاصيل بقية مواريث ذوي ~~الأرحام على القول به مستوفى في كتب هذا الفن فلا نطول بها. # 8 - (وعن أبي أمامة بن سهل رضي الله عنه قال: كتب عمر إلى أبي عبيدة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال ~~وارث من لا وارث له رواه أحمد والأربعة سوى أبي داود وحسنه الترمذي وصححه ~~ابن حبان). # الحديث يرد قول من قال إن المراد بالخال في حديث المقدام السلطان ولو كان ~~كذلك لقال " أنا وارث من لا وارث له. وقد أخرج أبو داود وصححه ابن حبان: ~~أنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه. فالجمع بينه وبين حديث المقدام ~~وحديث أبي أمامة الدالين على ثبوت PageV03P100 # ميراث الخال حيث لا وارث له أنه أراد به أنه (ص) وارث من لا وارث له في ~~جميع الجهات من العصبات وذوي السهام والخال. والمراد من ms0779 إرثه (ص) أنه يصير ~~المال لمصالح المسلمين. وأنه لا يكون المال لبيت المال إلا عند عدم جميع من ~~ذكر من الخال وغيره. # 9 - (وعن جابر رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: إذا استهل المولود ورث ~~رواه أبو داود وصححه ابن حبان. والاستهلال روي في تفسيره حديث مرفوع ضعيف: ~~الاستهلال العطاس أخرجه البزار. وقال ابن الأثير: استهل المولود إذا بكى ~~عند ولادته وهو كناية عن ولادته حيا وإن لم يستهل بل وجدت منه أمارة تدل ~~على حياته. والحديث دليل على أنه إذا استهل السقط ثبت له حكم غيره في أنه ~~يرث. ويقاس عليه سائر الأحكام من الغسل والتكفين والصلاة عليه ويلزم من ~~قتله القود أو الدية. واختلفوا هل يكفي في الاخبار باستهلاله عدلة أو لا بد ~~من عدلين أو أربع. الأول للهادوية والثاني للهادي والثالث للشافعي. وهذا ~~الخلاف يجري في كل ما يتعلق بعورات النساء. وأفاد مفهوم الحديث أنه إذا لم ~~يستهل لا يحكم بحياته فلا يثبت له شئ من الاحكام التي ذكرناها. # 10 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ليس للقاتل من الميراث شئ رواه النسائي والدارقطني، وقواه ابن عبد ~~البر وأعله النسائي. والصواب وقفه على عمرو. والحديث له شواهد كثيرة لا ~~تقصر عن العمل بمجموعها. وإلى ما أفاده من عدم إرث القاتل عمدا كان أو خطأ ~~ذهب الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وأكثر العلماء. قالوا: لا يرث من الدية ولا ~~من المال. وذهبت الهادوية ومالك إلى أنه إن كان القتل خطأ ورث من المال دون ~~الدية ولا يتم لهم دليل ناهض على هذه التفرقة بل أخرج البيهقي عن خلاس: أن ~~رجلا رمى بحجر فأصاب أمه فماتت من ذلك، فأراد نصيبه من ميراثها فقال له ~~إخوته: لا حق لك. فارتفعوا إلى علي عليه السلام فقال له علي عليه السلام: ~~حقك من ميراثها الحجر فأغرمه الدية ولم يعطه من ميراثها شيئا. وأخرج أيضا ~~عن جابر بن زيد قال: أيما رجل قتل ms0780 رجلا أو امرأة عمدا أو خطأ ممن يرث فلا ~~ميراث له منهما وأيما امرأة قتلت رجلا أو امرأة عمدا أو خطأ فلا ميراث لها ~~منهما. وإن كالقتل عمدا فالقود إلا أن يعفو أولياء المقتول فإن عفوا فلا ~~ميراث له من عقله ولا من ماله قضى بذلك عمر بن الخطاب وعلي وشريح وغيرهم من ~~قضاة المسلمين. # 11 - (وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: ما أحرز الوالد أو الولد فهو لعصبته من كان رواه أبو داود ~~والنسائي PageV03P101 # وابن ماجة وصححه ابن المديني وابن عبد البر). المراد بإحراز الوالد أو ~~الولد أن ما صار مستحقا لهما من الحقوق فإنه يكون للعصبة ميراثا، والحديث ~~فيه قصة. ولفظه في السنن: أن رئاب ابن حذيفة تزوج امرأة فولدت له ثلاثة ~~غلمة فماتت أمهم فورثوها رباعها وولاء مواليها، وكان عمرو بن العاص عصبة ~~بنيها فأخرجهم إلى الشام فماتوا فقدم عمرو بن العاص ومات مولى لها وترك ~~مالا فخاصمه إخوتها إلى عمر بن الخطاب فقال عمر: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما أحرز - الحديث - قال فكتب له كتابا فيه شهادة عبد الرحمن بن ~~عوف وزيد بن ثابت ورجل آخر. والحديث دليل على أن الولاء لا يورث وفيه خلاف. ~~وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا أعتق رجل عبدا ثم ما ت ذلك الرجل وترك أخوين ~~أو ابنين ثم مات أحد الابنين وترك ابنا أو أحد الأخوين وترك ابنا. فعلى ~~القول بالتوريث ميراثه بين الابن وابن الابن أو الأخ وابن الأخ. وعلى القول ~~بعدمه يكون للابن وحده. # 12 - (وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله (ص): ~~الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب رواه الحاكم من طريق الشافعي عن ~~محمد ابن الحسن عن أبي يوسف وصححه ابن حبان وأعله البيهقي). وللعلماء كلام ~~كثير في طرق الحديث وصحته وعدمها، وقد تقدم في كتاب البيع ودل على أن ~~الولاء لا يكتسب ببيع ولا هبة ms0781 ولا يقاس عليهما سائر التمليكات من النذر ~~والوصية لأنه قد جعله كالنسب، والنسب لا ينتقل بعوض ولا بغير عوض. # 13 - (وعن أبي قلابة) بكسر القاف وتخفيف اللام بعد ألفه موحدة تابعي جليل ~~(عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): أفرضكم زيد ابن ثابت أخرجه ~~أحمد والأربعة سوى أبي داود وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم وأعل ~~بالارسال). بأن أبا قلابة لم يسمع هذا الحديث من أنس وإن كان سماعه لغيره ~~من الأحاديث عن أنس ثابتا. وهذا الذي ذكر قطعة من الحديث فإنه حديث طويل ~~فيه ذكر سبعة من الصحابة يختص كل منهم بخصلة خير، فذكر المصنف منه ما له ~~تعلق بباب الفرائض لأنه شهادة لزيد بن ثابت بأنه أعلم المخاطبين بالمواريث. ~~فيؤخذ منه أنه يرجع إليه عند الاختلاف واعتمده الشافعي في الفرائض ورجحه ~~على غيره. # باب الوصايا الوصايا جمع وصية كهدايا وهدية وهي شرعا: عهد خاص يضاف إلى ~~ما بعد الموت. PageV03P102 # 1 - (عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله (ص) قال: ما حق امرئ مسلم ~~له شئ يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده متفق عليه). ~~كلمة ما نافية بمعنى ليس وحق اسمها وخبرها ما بعد إلا والواو زائدة في ~~الخبر لوقوع الفصل بإلا. قال الشافعي: معناه ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا ~~أن تكون وصيته مكتوبة عنده إذا كان له شئ يريد أن يوصي فيه لأنه لا يدري ~~متى تأتيه منيته فتحول بينه وبين ما يريد من ذلك. وقال غيره: الحق لغة الشئ ~~الثابت ويطلق شرعا على ما يثبت به الحكم والحكم الثابت أعم من أن يكون ~~واجبا أو مندوبا ويطلق على المباح بقلة فإن اقترن به على ونحوه كان ظاهرا ~~في الوجوب وإلا فهو على الاحتمال. # وفي قوله: يريد أن يوصي ما يدل على أن الوصية ليست بواجبة عليه وإنما ذلك ~~عند إرادته. وقد أجمع المسلمون على الامر بها وإنما اختلفوا هل هي واجبة أم ~~لا. فذهب الجماهير إلى أنها مندوبة. وذهب ms0782 داود وأهل الظاهر إلى وجوبها. ~~وحكي عن الشافعي في القديم، وادعى ابن عبد البر الاجماع على عدم وجوبها ~~مستدلا من حيث المعنى بأنه لو لم يوص لقسم جميع ماله بين ورثته بالاجماع ~~فلو كانت الوصية واجبة لأخرج من ماله سهم ينوب عن الوصية. والأقرب ما ذهب ~~إليه الهادوية وأبو ثور من وجوبها على من عليه حق شرعي يخشى أن يضيع إن لم ~~يوص به كوديعة ودين لله تعالى أو لآدمي. ومحل الوجوب فيمن عليه حق ومعه مال ~~ولم يمكنه تخليصه إلا إذا أوصى به وما انتفى فيه واحد من ذلك فلا وجوب. ~~وقوله: ليلتين للتقريب لا للتحديد وإلا فقد روي ثلاث ليال. وقال الطيبي: # في تخصيص الليلتين والثلاث تسامح في إرادة المبالغة أي لا ينبغي أن يبيت ~~زمانا وقد سامحناه في الليلتين والثلاث فلا ينبغي أن يتجاوز ذلك. وروى مسلم ~~عن ابن عمر راوي الحديث أنه قال: ولم أبت ليلة إلا ووصيتي مكتوبة عندي. ~~وأما ما أخرجه ابن المنذر بسند صحيح عن نافع أنه قيل لابن عمر في مرض موته: ~~ألا توصي قال: أما مالي فالله أعلم ما كنت أصنع فيه فيجمع بينه وبين ما ~~قبله بأنه كان يكتب وصيته ويتعاهدها وينجز ما كان يوصي به حتى وفد عليه ~~الموت ولم يكن له شئ يوصي به. وفي قوله: أما مالي فالله أعلم ما كنت أصنع ~~فيه ما يدل لهذا الجمع. واستدل بقوله: مكتوبة عنده على جواز الاعتماد على ~~الكتابة والخط وإن لم يقترن بشهادة. وقال بعض أئمة الشافعية إن ذلك خاص ~~بالوصية وأنه يجوز الاعتماد على الخط فيها من دون شهادة لثبوت الخبر فيها ~~ولان الوصية لما أمر الشارع بها وهي تكون مما يلزم من حقوق ولوازم كان حقها ~~أن تجدد في الأوقات واستصحاب الاشهاد في كل لازم يريد أن يتخلص منه خشية ~~مفاجأة الاجل متعسر بل متعذر في بعض الأوقات فيلزم منه عدم وجود الوصية أو ~~شرعيتها بالكتابة من دون شهادة إذ لا فائدة في ذلك وقد ثبت الامر ms0783 المذكور ~~في الحديث بها فدل على قبولها من غير شهادة. وقال الجماهير: المراد مكتوبة ~~بشرطها وهو الشهادة واستدلوا بقوله تعالى: PageV03P103 # * (شهادة أحدكم إذا حضر أحدكم الموت) * إنه دال على اعتبار الاشهاد في ~~الوصية. وأجيب بأنه لا يلزم من ذكر الاشهاد في الآية أنها لا تصح الوصية ~~إلا به. والتحقيق أن المعتبر معرفة الخط فإذا عرف خط الموصي عمل به ومثله ~~خط الحاكم وعليه عمل الناس قديما وحديثا. # وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث الكتب يدعو فيها العباد إلى ~~الله تعالى وتقوم عليهم الحجة بذلك ولم يزل الناس يكتب بعضهم إلى بعض في ~~المهمات من الدينيات والدنيويات ويعملون بها وعليه العمل بالوجادة كل ذلك ~~من دون إشهاد. والحديث دليل على الايصاء بشئ يتعلق بالحقوق ونحوها لقوله: ~~له شئ يريد أن يوصي. وأما كتب الشهادتين ونحوهما مما جرت به عادة الناس فلا ~~يعرف فيه حديث مرفوع وإنما أخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن أنس موقوفا قال: ~~كانوا يكتبون في صدور وصاياهم: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أوصى به ~~فلان أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ~~وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأوصى من ترك من ~~أهله أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين ~~وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب إن الله اصطفى لكم الدين فلا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون. وضمير كانوا عائد إلى الصحابة إذ المخبر صحابي. ~~واختلف العلماء هل أوصى رسول الله (ص) أو لم يوص لاختلاف الروايات في ذلك. ~~ففي البخاري عن ابن أبي أوفى أنه لم يوص قالوا: لأنه لم يترك مالا وأما ~~الأرض قد كان سلبها وأما السلاح والبغلة فقد كان أخبر أنها لا تورث كما ~~ذكره النووي وفي المغازي لابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم لم يوص عند ~~موته إلا بثلاث لكل من الداريين والرهاويين والأشعريين بجاد مائة وسق من ~~خيبر ms0784 وألا يترك في جزيرة العرب دينان وأن ينفذ بعث أسامة. # وأخرج مسلم من حديث ابن عباس أوصى (ص) بثلاث: أجيزوا الوفد بمثل ما كنت ~~أجيزهم - الحديث. وفي حديث ابن أبي أوفى أوصى بكتاب الله. وفي حديث أنس عند ~~النسائي وأحمد وابن سعد كانت وصيته (ص) حين حضره الموت الصلاة وما ملكت ~~أيمانكم. وقد ثبتت وصيته بالأنصار وبأهل بيته ولكنها ليست عند الموت وروي ~~غير ذلك. وقد ثبت أنه (ص) أراد في مرضه أن يكتب كتابا وهو وصيته للأمة إلا ~~أنه حيل بينه وبينه كما أخرجه البخاري. # 2 - (وعن سعد بن أبي وقاص قال: قلت يا رسول الله أنا ذو مال) وقع في ~~رواية " كثير (ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة أفأتصدق بثلثي مالي قال: لا ~~قلت: أفأتصدق بشطر مالي؟ قال: لا قلت أفأتصدق بثلثه قال: الثلث والثلث كثير ~~إنك أن) يروى بفتح الهمزة وكسرها فالفتح على تقدير لام التعليل والكسر على ~~أنها شرطية وجوابه PageV03P104 # خير على تقدير فهو خير (تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة) جمع عائل ~~هو الفقير (يتكففون) يسألون (الناس) بأكفهم (متفق عليه). اختلف متى وقع هذا ~~الحكم فقيل: في حجة الوداع بمكة فإنه مرض سعد فعاده (ص) فذكر ذلك وهو صريح ~~في رواية الزهري. وقيل: في فتح مكة أخرجه الترمذي عن ابن عيينة واتفق ~~الحفاظ أنه وهم وأن الأول هو الصحيح وقيل: وقع ذلك في المرتين معا. وأخذ من ~~مفهوم قوله كثير أنه لا يوصي من مال قليل روي هذا عن علي وابن عباس وعائشة، ~~وقوله: لا ير ثني إلا ابنة لي أي لا يرثني من الأولاد وإلا فإن سعدا كان من ~~بني زهرة وهم عصبته وكان هذا قبل أن يولد له الذكور وإلا فإنه ذكر الواقدي ~~أنه ولد لسعد بعد ذلك أربعة بنين وقيل أكثر من عشرة ومن البنات اثنتا عشرة ~~بنتا. وقوله: أفأتصدق يحتمل أنه استأذنه في تنجيز ذلك في الحال أو أراد بعد ~~الموت إلا أنه في رواية بلفظ: أوصي " وهي نص ms0785 في الثاني فيحمل الأول عليه. ~~وقوله: بشطر مالي أراد به النصف وقوله والثلث كثير يروى بالمثلثة وبالموحدة ~~على أنه شك من الراوي وقع ذلك في البخاري ومثله وقع في النسائي وأكثر ~~الروايات بالمثلثة. ووصف الثلث بالكثرة بالنسبة إلى ما دونه. # وفي فائدة وصفه بذلك احتمالان: الأول بيان أن الأولى الاقتصار عليه من ~~غير زيادة وهذا هو المتبادر وفهمه ابن عباس فقال: وددت أن الناس غضوا من ~~الثلث إلى الربع في الوصية. والثاني بيان أن التصدق بالثلث وهو الأكمل أي ~~كثير أجره ويكون من الوصف بحال المتعلق. وفي الحديث دليل على منع الوصية ~~بأكثر من الثلث لمن له وارث وعلى هذا استقر الاجماع. وإنما اختلفوا هل ~~يستحب الثلث أو أقل؟ فذهب ابن عباس والشافعي وجماعة إلى أن المستحب ما دون ~~الثلث لقوله والثلث كثير قال قتادة: أوصى أبو بكر بالخمس وأوصى عمر بالربع ~~والخمس أحب إلي. وذهب آخرون إلى أن المستحب الثلث لقوله صلى الله عليه ~~وسلم: إن الله جعل لكم في الوصية ثلث أموالكم زيادة في حسناتكم " وسيأتي ~~قريبا أنه حديث ضعيف. والحديث ورد فيمن له وارث فأما من لا وارث له فذهب ~~مالك إلى أنه مثل من له وارث فلا يستحب له الزيادة على الثلث. وأجاز ت ~~الهادوية والحنفية له الوصية بالمال كله وهو قول ابن مسعود فلو أجاز الوارث ~~الوصية بأكثر من الثلث نفذت لاسقاطهم حقهم وإلى هذا ذهب الجمهور وخالفت ~~الظاهرية والمزني وسيأتي في حديث ابن عباس: إلا أن يشاء الورثة وأنه حسن ~~يعمل به. نعم فلو رجع الورثة عن الإجازة فذهب جماعة إلى أنه لا رجوع لهم في ~~حياة الموصي ولا بعد وفاته. وقيل: إن رجعوا بعد وفاته فلا يصح لان الحق قد ~~انقطع بالموت بخلاف حال الحياة فإنه يتجدد لهم الحق. # وسبب الخلاف الاختلاف في المفهوم من قوله (ص): إنك أن تذر إلى آخره " هل ~~يفهم منه علة المنع من الوصية بأكثر من الثلث وأن السبب في ذلك رعاية حق ~~الوارث وأنه إذا انتفى ذلك ms0786 انتفى الحكم بالمنع؟ أو أن العلة لا تتعدى ~~الحكم؟ أو يجعل المسلمون بمنزلة PageV03P105 # الورثة كما هو أحد قولي الشافعي؟. والأظهر أن العلة متعدية وأنه ينتفي ~~الحكم في حق من ليس له وارث معين. # 3 - (وعن عائشة رضي الله عنها أن رجلا) جاء مبينا أنه سعد بن عبادة (أتى ~~النبي (ص) فقال يا رسول الله إن أمي افتلتت) بضم المثناة بعد الفاء الساكنة ~~وكسر اللام (نفسها) أخذت فلتة (ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن ~~تصدقت عنها؟ قال: نعم متفق عليه واللفظ لمسلم). في الحديث دليل على أن ~~الصدقة من الولد تلحق الميت ولا يعارضه قوله تعالى: * (وأن ليس للانسان إلا ~~ما سعى) * لثبوت حديث " إن أولادكم من كسبكم ونحوه فولده من سعيه وثبوت أو ~~ولد صالح يدعو له وقد قدمنا الكلام في ذلك في آخر كتاب الجنائز. # 4 - (وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث رواه أحمد ~~والأربعة إلا النسائي وحسنه أحمد والترمذي وقواه ابن خزيمة وابن الجارود، ~~ورواه الدارقطني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وزاد في آخره إلا أن يشاء ~~الورثة وإسناده حسن) وفي الباب عن عمرو بن خارجة عند الترمذي والنسائي. وعن ~~أنس عند ابن ماجة وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند الدارقطني. وعن جابر ~~عنده أيضا وقال: الصواب إرساله. وعن علي عند ابن أبي شيبة ولا يخلو إسناد ~~كل واحد منها عن مقال لكن مجموعها ينهض على العمل به. بل جزم الشافعي في ~~الأم أن هذا المتن متواتر فإنه قال: إنه نقل كافة عن كافة وهو أقوى من نقل ~~واحد. قلت: الأقرب وجوب العمل به لتعدد طرقه ولما قاله الشافعي وإن نازع في ~~تواتره الفخر الرازي ولا يضر ذلك بثبوته فإنه متلقى بالقبول من الأمة كما ~~عرف. وقد ترجم له البخاري فقال: باب لا وصية لوارث وكأنه لم يثبت على ms0787 شرطه ~~فلم يخرجه ولكنه أخرج بعده عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس موقوفا في ~~تفسير الآية وله حكم المرفوع. والحديث دليل على منع الوصية للوارث وهو قول ~~الجماهير من العلماء. وذهب الهادي وجماعة إلى جوازها مستدلين بقوله تعالى: ~~* (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت) * الآية قالوا: ونسخ الوجوب لا ينافي ~~بقاء الجواز. قلنا نعم لو لم يرد هذا الحديث فإنه ناف لجوازها إذ وجوبها قد ~~علم نسخه من آية المواريث كما قال ابن عباس: كان المال للولد والوصية ~~للوالدين فنسخ الله سبحانه من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين وجعل ~~للأبوين لكل واحد منهما السدس وجعل للمرأة الثمن والربع وللزوج الشطر ~~والربع. وقوله إلا أن يشاء الورثة دل على أنها تصح وتنفذ الوصية للوارث إن ~~أجازها الورثة وتقدم الكلام في إجازة الورثة ما زاد على الثلث هل ينفذ بها ~~أو لا؟ وأن الظاهرية ذهبت إلى أنه لا أثر لاجازتهم والظاهر معهم لأنه صلى ~~الله عليه وسلم لما نهى عن الوصية للوارث قيدها بقوله: إلا أن يشاء الورثة ~~وأطلق لما منع عن الوصية بالزائد على الثلث وليس لنا تقييد ما أطلقه. ومن ~~قيد هنالك قال: إنه PageV03P106 # يؤخذ القيد من التعليل بقوله: إنك أن تذر الخ. فإنه دل على أن المنع من ~~الزيادة على الثلث كان مراعاة لحق الورثة فإن أجازوا سقط حقهم ولا يخلو عن ~~قوة. هذا في الوصية للوارث. واختلفوا إذا أقر المريض للوارث بشئ من ماله ~~فأجازه الأوزاعي وجماعة مطلقا، وقال أحمد لا يجوز إقرار المريض لوارثه ~~مطلقا واحتج بأنه لا يؤمن بعد المنع من الوصية لوارثه أن يجعلها إقرارا. ~~واحتج الأول بما يتضمن الجواب عن هذه الحجة فقال: إن التهمة في حق المحتضر ~~بعيدة وبأنه وقع الاتفاق أنه لو أقر بوارث آخر صح إقراره مع أنه يتضمن ~~الاقرار بالمال وبأن مدار الاحكام على الظاهر فلا يترك إقراره للظن المحتمل ~~فإن أمره إلى الله. قلت: وهذا القول أقوى دليلا. واستثنى مالك ما إذا أقر ~~لبنته ms0788 ومعها من يشاركها من غير الولد كابن العم قال: لأنه يتهم في أنه يزيد ~~لابنته وينقص ابن العم. وكذلك استثنى ما إذا أقر لزوجته المعروف بمحبته لها ~~وميله إليها وكان بينه وبين ولده من غيرها تباعد لا سيما إذا كان له منها ~~ولد في تلك الحال. قلت: والأحسن ما قيل عن بعض المالكية واختاره الروياني ~~من الشافعية أن مدار الامر على التهمة وعدمها فإن فقدت جاز وإلا فلا وهي ~~تعرف بقرائن الأحوال وغيرها وعن بعض الفقهاء أنه لا يصح إقراره إلا للزوجة ~~بمهرها. # 5 - (وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم رواه ~~الدارقطني، وأخرجه أحمد والبزار من حديث أبي الدرداء وابن ماجة من حديث أبي ~~هريرة، وكلها ضعيفة لكن قد يقوي بعضها بعضا، والله أعلم). وذلك لان في ~~إسناده إسماعيل بن عياش وشيخه عتبة بن حميد وهما ضعيفان وإن كان لهم في ~~رواية إسماعيل تفصيل معروف. والحديث دليل على شرعية الوصية بالثلث وأنه لا ~~يمنع منه الميت. وظاهره الاطلاق حق من له مال كثير ومن قل ماله وسواء كانت ~~لوارث أغيره. ولكن يقيده ما سلف من الأحاديث التي هي أصح منه فلا تنفذ ~~للوارث وإليه ذهب الفقهاء الأربعة وغيرهم والمؤيد بالله. وروى عن زيد بن ~~علي. وذهبت الهادوية إلى نفوذها للوارث وادعى فيه إجماع أهل البيت ولا يصح ~~هذا. واعلم أن قوله تعالى: * (من بعد وصية يوصين بها أو دين) * يقتضي ظاهره ~~أنه يخرج الدين والوصية من تركة الميت على سواء فتشارك الوصية الدين إذا ~~استغرق المال. وقد اتفق العلماء على أنه يقدم اخراج الدين على الوصية لما ~~أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما من حديث علي عليه السلام من رواية الحارث ~~الأعور عنه قال قضى محمد (ص) أن الدين قبل الوصية وأنتم تقرأون الوصية قبل ~~الدين " وعلقه البخاري وإسناده ضعيف. لكن قال الترمذي: العمل عليه عند أهل ~~العلم، وكأن البخاري اعتمد عليه لاعتضاده بالاتفاق على ms0789 مقتضاه وقد أورد له ~~شاهدا، ولم يختلف العلماء أن الدين يقدم على الوصية. فإن قيل: فإذا كان ~~الامر هكذا فلم قدمت الوصية على الدين في الآية؟. قلت: أجاب السهيلي بأنها ~~لما كانت الوصية تقع على وجه البر والصلة والدين يقع بتعدي الميت بحسب ~~الأغلب بدأ بالوصية لكونها أفضل. وأجاب غيره: بأنها PageV03P107 # إنما قدمت الوصية لأنها شئ يؤخذ بغير عوض والدين يؤخذ بعوض فكان اخراج ~~الوصية أشق على الوارث من اخراج الدين وكان أداؤها مظنة التفريط بخلاف ~~الدين، قدمت الوصية لذلك، لأنها حظ الفقير والمسكين غالبا والدين حظ الغريم ~~يطلبه بقوة وله مقال، ولان الوصية ينشئها الموصي من قبل نفسه فقدمت تحريضا ~~على العمل بها بخلا ف الدين فإنه مطلوب منه ذكر أو لم يذكر. أو لان الوصية ~~ممكنة من كل أحد تتعلق بذمته إما ندبا أو وجوبا فيشترك فيها جميع المخاطبين ~~وتقع بالمال وبالعمل وقل ما يخلو عن ذلك بخلاف الدين، وما يكثر وقوعه أهم ~~بأن يذكر أولا مما يقل وقوعه. # باب الوديعة الوديعة هي العين التي يضعها مالكها أو نائبه عند آخر ~~ليحفظها وهي مندوبة إذا وثق من نفسه بالأمانة لقوله تعالى: * (وتعاونوا على ~~البر والتقوى * وقوله صلى الله عليه وسلم: # والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه أخرجه مسلم. وقد تكون واجبة ~~إذا لم يكن من يصلح لها غيره وخاف الهلاك عليها إن لم يقبلها. # 1 - (عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي (ص) قال: # من أودع وديعة فليس عليه ضمان أخرجه ابن ماجة وإسناده ضعيف). وذلك أن في ~~رواته المثنى بن الصباح وهو متروك. وأخرجه الدارقطني بلفظ: ليس على ~~المستعير غير المغل ضمان ولا على المستودع غير المغل ضمان وفي إسناده ~~ضعيفان. قال الدارقطني: # وإنما يوري هذا عن شريح غير مرفوع وفسر المغل في رواية الدارقطني بالخائن ~~وقيل هو المستغل. وفي الباب آثار عن أبي بكر وعلي وابن مسعود وجابر أن ~~الوديعة أمانة وفي بعضها مقال. ويغني عن ذلك الاجماع فإنه ms0790 وقد على أنه ليس ~~على الوديع ضمان إلا ما يروى عن الحسن البصري أنه إذا اشترط الضمان فإنه ~~يضمن وقد تؤول بأنه مع التفريط. والوديعة قد تكون باللفظ كاستودعتك ونحوه ~~من الألفاظ الدالة على الاستحفاظ ويكفي القبول لفظا. وقد تكون بغير لفظ كأن ~~يضع في حانوته وهو حاضر ولم يمنعه من ذلك أو في المسجد وهو غير مصل وأما ~~إذا كان في الصلاة فلا لأنه لا يمكنه إظهار الكراهة. وفي باب الوديعة ~~تفاصيل في الفروع كثيرة. قوله: (وباب قسم الصدقات) بين الأصناف الثمانية ~~(في آخر الزكاة) وهو أليق بالاتصال به (وباب قسم الفئ والغنيمة يأتي عقب ~~الجهاد إن شاء الله) وهو أولى بأن يلي الجهاد لأنه من توابعه. وإنما ذكر ~~المصنف هذا لأنها جرت عادة كتب فروع الشافعية على جعل هذين البابين قبيل ~~كتاب النكاح والمصنف خالفهم فألحقهما بما هو أليق بهما. PageV03P108 # كتاب النكاح النكاح لغة الضم والتداخل ويستعمل في الوطئ: وفي العقد قيل ~~مجاز من إطلاق اسم المسبب على السبب وقيل إنه حقيقة فيهما وهو مراد من قال ~~إنه مشترك فيهما، وكثر استعماله في العقد فقيل إنه فيه حقيقة شرعية ولم يرد ~~في الكتاب العزيز إلا في العقد. # 1 - (عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة) بالباء الموحدة والهمزة والمد ~~(فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه لو ~~وجاء) بكسر الواو والجيم والمد (متفق عليه). وقع الخطاب منه للشباب لأنهم ~~مظنة الشهوة للنساء. واختلف العلماء في المراد بالباءة والأصح أن المراد ~~بها الجماع فتقديره من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنة النكاح فليتزوج ~~ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنته فعليه بالصوم ليدفع شهوته ويقطع شر ~~مائه كما يقطع الوجاء. ووقع في رواية ابن حبان مدرجا تفسير الوجاء بأنه ~~الاخصاء وقيل الوجاء رض الخصيتين والاخصاء سلبهما والمراد أن الصوم ~~كالوجاء. والامر بالتزوج يقتضي وجوبه مع القدرة على تحصيل مؤنته وإلى ~~الوجوب ذهب داود ms0791 وهو رواية عن أحمد. وقال ابن حزم: وفرض على كل قادر على ~~الوطئ إن وجد أن يتزوج أو يتسرى فإن عجز عن ذلك فليكثر من الصوم وقال: # إنه قول جماعة من السلف. وذهب الجمهور إلى أن الامر للندب مستدلين بأنه ~~تعالى خير بين التزوج والتسري بقوله: * (فواحدة أو ما ملكت أيمانكم) * ~~والتسري لا يجب إجماعا فكذا النكاح لأنه لا تخيير بين واجب وغير واجب إلا ~~أن دعوى الاجماع غير صحيحة لخلاف داود وابن حزم. وذكر ابن دقيق العيد أن من ~~الفقهاء من قال بالوجوب على من خاف العنت وقدر على النكاح وتعذر عليه ~~التسري وكذا حكاه القرطبي فيجب على من لا يقدر على ترك الزنا إلا به. ثم ~~ذكر من يحرم عليه ويكره ويندب له ويباح. فيحرم على من يخل بالزوجة في الوطئ ~~والانفاق مع قدرته عليه وتوقانه إليه. ويكره في حق مثل هذا حيث لا إضرار ~~بالزوجة. والإباحة فيما إذا انتفت الدواعي والموانع. ويندب في حق كل من ~~يرجى منه النسل ولو لم يكن له في الوطئ شهوة لقوله (ص): فإني مكاثر بكم ~~الأمم ولظواهر الحث على النكاح والامر به. وقوله: فعليه بالصوم إغراء بلزوم ~~الصوم. وضمير عليه يعود إلى من فهو مخاطب في المعنى. وإنما جعل الصوم وجاء ~~لأنه بتقليل الطعام والشراب يحصل للنفس انكسار عن الشهوة ولسر جعله الله ~~تعالى في الصوم فلا ينفع تقليل الطعام وحده من دون صوم. واستدل به الخطابي ~~على جواز التداوي لقطع الشهوة بالأدوية، وحكاه البغوي في شرح السنة ولكن ~~ينبغي أن يحمل على دواء يسكن الشهوة ولا يقطعها PageV03P109 # بالأصالة لأنه قد يقوى على وجدان مؤن النكاح بل قد وعد الله من يستعف أن ~~يغنيه من فضله لأنه جعل الاغناء غاية للاستعفاف ولأنهم اتفقوا على منع الجب ~~والاخصاء فلحق بذلك ما في معناه. وفيه الحث على تحصيل ما يغض به البصر ~~ويحصن الفرج. # وفيه أنه لا يتكلف للنكاح بغير الممكن كالاستدانة. واستدل به العراقي على ~~أن التشريك في العبادة لا يضر بخلاف ms0792 الرياء لكنه يقال إن كان المشرك عبادة ~~كالمشرك فيه فلا يضر، فإنه يحصل بالصوم تحصين الفرج وغض البصر. وأما تشريك ~~المباح كما لو دخل إلى الصلاة لترك خطاب من يحل خطابه فهو محل نظر يحتمل ~~القياس على ما ذكر ويحتمل عدم صحة القياس. نعم إن دخل في الصلاة لترك الخوض ~~في الباطل أو الغيبة وسماعها كان مقصدا صحيحا واستدل به بعض المالكية على ~~تحريم الاستمناء لأنه لو كان مباحا لأرشد إليه لأنه أسهل، وقد أباح ~~الاستمناء بعض الحنابلة وبعض الحنفية. # 2 - (وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي (ص) حمد الله وأثنى عليه ~~وقال: لكني أنا أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي ~~فليس مني متفق عليه) هذا اللفظ لمسلم وللحديث سبب وهو أنه قال أنس: جاء ~~ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته صلى ~~الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: أين نحن من رسول الله ~~(ص) قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فإني ~~أصلي الليل أبدا، وقال آخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر: وأنا أعتزل ~~النساء فلا أتزوج، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: أنتم ~~قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ولكني أنا أصلي وأنام ~~وأصوم - الحديث. وهو دليل على أن المشروع هو الاقتصاد في العبادات دون ~~الانهماك والاضرار بالنفس وهجر المألوفات كلها وأن هذه الملة المحمدية ~~مبنية شريعتها على الاقتصاد والتسهيل والتيسير وعدم التعسير: * (يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) * قال الطبري: في الحديث الرد على من منع ~~استعمال الحلال من الطيبات مأكلا وملبسا. # قال القاضي عياض: هذا مما اختلف فيه السلف فمنهم من ذهب إلى ما قاله ~~الطبري، ومنهم من عكس واستدل بقوله تعالى: * (أذهبتكم طيباتكم في حياتكم ~~الدنيا) *. قال: والحق أن الآية في الكفار وقد أخذ النبي صلى الله تعالى ~~عليه وسلم بالامرين، والأولى ms0793 التوسط في الأمور وعدم الافراط في ملازمة ~~الطيبات فإنه يؤدي إلى الترفه والبطر ولا يأمن من الوقوع في الشبهات فإن من ~~اعتاد ذلك قد لا يجده أحيانا فلا يستطيع الصبر عنه فيقع في المحظور. كما أن ~~من منع من تناول ذلك أحيانا قد يفضي به إلى التنطع وهو التكلف المؤدي إلى ~~الخروج عن السنة المنهي عنه ويرد عليه صريح قوله تعالى: * (قل من حرم زينة ~~الله التي أخرجها لعباده والطيبات من الرزق) *. كما أن الاخذ بالتشديد في ~~العبادة يؤدي إلى الملل القاطع لأصلها. وملازمة الاقتصار على الفرائض مثلا ~~وترك النفل يفضي إلى البطالة وعدم النشاط إلى العبادة وخيار الأمور ~~PageV03P110 # أوسطها. وأراد (ص) بقوله: فمن رغب عن سنتي عن طريقتي فليس مني أي ليس من ~~أهل الحنيفية السهلة بل الذي يتعين عليه أن يفطر ليقوى على الصوم وينام ~~ليقوى على القيام وينكح النساء ليعف نظره وفرجه. وقيل: إن أراد من خالف ~~هديه صلى الله عليه وسلم وطريقته أن الذي أتى به من العبادة أرجح مما كان ~~عليه (ص) فمعنى ليس مني أي ليس من أهل ملتي لان اعتقاد ذلك يؤدي إلى الكفر. # 3 - (وعنه) أي عن أنس (قال: كان رسول الله (ص) يأمرنا بالباءة وينهى عن ~~التبتل نهيا شديدا ويقول: تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم ~~القيامة رواه أحمد وصححه ابن حبان، وله شاهد عند أبي داود والنسائي وابن ~~حبان من حديث معقل بن يسار). التبتل الانقطاع عن النساء وترك النكاح ~~انقطاعا إلى عبادة الله. وأصل البتل القطع ومنه قيل لمريم البتول وفاطمة ~~عليها السلام البتول لانقطاعهما عن نساء زمانهما دينا وفضلا ورغبة في ~~الآخرة. والمرأة الولود كثيرة الولادة، ويعرف ذلك في البكر بحال قرابتها. ~~والودود المحبوبة بكثرة ما هي عليه من خصال الخير وحسن الخلق والتحبب إلى ~~زوجها. والمكاثرة المفاخرة وفيه جوازها في الدار الآخرة. # ووجه ذلك أن من أمته أكثر فثوابه أكثر لان له مثل أجر من تبعه. # 4 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ms0794 (ص) قال: تنكح المرأة لأربع) ~~أي: الذي يرغب في نكاحها ويدعو إليه خصال أربع (لمالها وحسبها وجمالها ~~ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك. متفق عليه) بين الشيخين (مع بقية ~~السبعة) الذي تقدم ذكرهم في خطبة الكتاب. الحديث إخبار أن الذي يدعو الرجال ~~إلى التزوج أحد هذه الأربع وآخرها عندهم ذات الدين فأمرهم (ص) أنهم إذا ~~وجدوا ذات الدين فلا يعدلوا عنها. وقد ورد النهي عن نكاح المرأة لغير دينها ~~فأخرج ابن ماجة والبزار والبيهقي من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا: لا ~~تنكحوا النساء لحسنهن فلعله يرديهن ولا لمالهن فلعله يطغيهن وانكحوهن ~~للدين، ولأمة سوداء خرقاء ذات دين أفضل. وورد في صفة خير النساء ما أخرجه ~~النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله أي النساء خير؟ ~~قال: التي تسره إن نظر وتطيعه إن أمر ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره. ~~والحسب هو الفعل الجميل للرجل وآبائه. وقد فسر الحسب بالمال في الحديث الذي ~~أخرجه الترمذي وحسنه من حديث سمرة مرفوعا: الحسب المال، والكرم التقوى. إلا ~~أنه لا يراد به المال في حديث الباب لذكره بجنبه فالمراد فيه المعنى الأول. ~~ودل الحديث على أن مصاحبة أهل الدين في كل شئ هي الأولى لان مصاحبهم يستفيد ~~من أخلاقهم وبركتهم وطرائقهم ولا سيما الزوجة فهي أولى من يعتبر دينه لأنها ~~ضجيعته وأم أولاده وأمينته على ماله ومنزله وعلى PageV03P111 # نفسها. وقوله: تربت يداك أي التصقت بالتراب من الفقر وهذه الكلمة خارجة ~~مخرج ما يعتاده الناس في المخاطبات لا أنه (ص) قصد بها الدعاء. # 5 - (وعنه) أي: أبي هريرة (أن النبي (ص) كان إذا رفأ) بالراء وتشديد ~~الفاء فألف مقصورة (إنسانا إذا تزوج قال: بارك الله لك وبارك عليك وجمع ~~بينكما في خير رواه أحمد والأربعة وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان). ~~الرفاء الموافقة وحسن المعاشرة وهو من رفأ الثوب وقيل: من رفوت الرجل إذا ~~سكنت ما به من ورع فالمراد إذا دعا (ص) للمتزوج بالموافقة بينه وبين أهله ms0795 ~~وحسن العشرة بينهما قال ذلك. وقد أخرج بقي بن مخلد عن رجل من بني تميم قال: ~~كنا نقول في الجاهلية بالرفاء والبنين فعلمنا رسول الله (ص) فقال قولوا: ~~الحديث. وأخرج مسلم من حديث جابر " أنه (ص) قال له: تزوجت؟ قال: نعم قال: ~~بارك الله لك وزاد الدارمي " وبارك عليك. وفيه أن الدعاء للمتزوج سنة فيسن ~~له أن يفعل ويدعو بما أفاده حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ~~(ص): إذا أفاد أحدكم امرأة أو خادما أو دابة فليأخذ بناصيتها وليقل: اللهم ~~إني أسألك خيرها وخير ما جبلت عليه وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلت عليه رواه ~~أبو داود والنسائي وابن ماجة. # 6 - (وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: علمنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم التشهد في الحاجة) زاد فيه ابن كثير في الارشاد: في النكاح وغيره ~~(إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من ~~يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد ~~أن محمدا عبده ورسوله ويقرأ ثلاث آيات. # رواه أحمد والأربعة وحسنه الترمذي والحاكم. والآيات: * (يا أيها الناس ~~اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة - إلى - ريبا -، والثانية - يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته - إلى آخرها. والثالثة: - يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا - إلى قوله - عظيما - كذا في الشرح. ~~وفي الارشاد لابن كثير عد الآيات في نفس الحديث. # وقوله: في الحاجة عام لكل حاجة ومنها النكاح وقد صرح به في رواية كما ~~ذكرناه. # وأخرج البيهقي أنه قال شعبة: قلت لأبي إسحاق: هذه خطبة النكاح وغيرها ~~قال: في كل حاجة. وفيه دلالة على سنية ذلك في النكاح وغيره ويخطب بها ~~العاقد بنفسه حال العقد وهي من السنن المهجورة. وذهبت الظاهرية إلى أنها ~~واجبة ووافقهم من الشافعية أبو عوانة وترجم في صحيحه باب وجوب الخطبة عند ~~العقد. ويأتي في شرح الحديث التاسع ما يدل على ms0796 عدم الوجوب. # 7 - (وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~PageV03P112 # خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها ~~فليفعل). وتمامه: قال جابر فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما ~~دعاني إلى نكاحها فتزوجتها. (رواه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات وصححه الحاكم ~~وله شاهد عند الترمذي والنسائي عن المغيرة) ولفظه: أنه قال له وقد خط ب ~~امرأة: انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما. (وعند ابن ماجة وابن حبان من ~~حديث محمد بن مسلمة ولمسلم عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال لرجل تزوج ~~امرأة): أي أراد ذلك: (أنظرت إليها؟ قال: لا قال: اذهب فانظر إليها). دلت ~~الأحاديث على أنه يندب تقديم النظر إلى من يريد نكاحها وهو قول جماهير ~~العلماء. والنظر إلى الوجه والكفين لأنه يستدل بالوجه على الجمال أو ضده. ~~والكفين على خصوبة البدن أو عدمها. وقال الأوزاعي: # ينظر إلى مواضع اللحم. وقال داود: ينظر إلى جميع بدنها. والحديث مطلق ~~فينظر إلى ما يحصل له المقصود بالنظر إليه ويدل على فهم الصحابة لذلك ما ~~رواه عبد الرزاق وسعيد بن منصور: أن عمر كشف عن ساق أم كلثوم بنت علي لما ~~بعث بها إليه لينظرها. ولا يشترط رضا المرأة بذلك النظر بل له أن يفعل ذلك ~~على غفلتها كما فعله جابر. قال أصحاب الشافعي: ينبغي أن يكون نظره إليها ~~قبل الخطبة حتى إن كرهها تركها من غير إيذاء بخلافه بعد الخطبة وإذا لم ~~يمكنه النظر إليها استحب له أن يبعث امرأة يثق بها تنظر إليها وتخبره ~~بصفتها، فقد روى أنس: أنه (ص) بعث أم سليم إلى امرأة فقال: انظري إلى ~~عرقوبها وشمي معاطفها أخرجه أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي وفيه كلام وفي ~~رواية: شمي عوارضها وهي الأسنان التي في عرض الفم وهي ما بين الثنايا ~~والأضراس واحدها عارض والمراد اختبار رائحة النكهة. وأما المعاطف فهي ~~ناحيتا العنق ويثبت مثل هذا الحكم للمرأة فإنها تنظر إلى خاطبها فإنه ms0797 ~~يعجبها منه ما يعجبه منها كذا قيل ولم يرد به حديث. والأصل تحريم نظر ~~الأجنبي والأجنبية إلا بدليل كالدليل على جواز نظر الرجل لمن يريد خطبتها. # 8 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): # : لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه) تقدم أنها بكسر الخاء (حتى يترك الخاطب ~~قبله أو يأذن له متفق عليه واللفظ للبخاري). النهي أصله التحريم إلا لدليل ~~يصرفه عنه وادعى النووي الاجماع على أنه له. وقال الخطابي النهي للتأديب ~~وليس للتحريم وظاهره أنه منهي عنه سواء أجيب الخاطب أم لا وقدمنا في البيع ~~أنه لا يحرم إلا بعد الإجابة والدليل حديث فاطمة بنت قيس وتقدم. والاجماع ~~قائم على تحريمه بعد الإجابة. # والإجابة من المرأة المكلفة في الكفء ومن ولي الصغيرة. وأما غير الكفء ~~فلا بد من إذن الولي على القول بأن له المنع وهذا في الإجابة الصريحة وأما ~~إذا كانت غير صريحة فالأصح عدم التحريم وكذلك إذا لم يحصل رد ولا إجابة. ~~ونص الشافعي أن سكوت البكر رضا PageV03P113 # بالخاطب فهو إجابة. وأما العقد مع تحريم الخطبة فقال الجمهور: يصح. وقال ~~داود يفسخ النكاح قبل الدخول وبعده. وقوله: أو يأذن له دل على أنه يجوز له ~~الخطبة بعد الاذن وجوازها للمأذون له بالنص ولغيره بالالحاق لان إذنه قد دل ~~على إضرابه فتجوز خطبتها لكل من يريد نكاحها وتقدم الكلام على قوله أخيه ~~وأنه أفاد التحريم على خطبة المسلم لا على خطبة الكافر وتقدم الخلاف فيه. ~~وأما إذا كان الخاطب فاسقا فهل يجوز للعفيف الخطبة على خطبته؟ قال الأمير ~~الحسين في الشفاء: إنه يجوز الخطبة على خطبة الفاسق ونقل عن ابن القاسم ~~صاحب مالك ورجحه ابن العربي وهو قريب فيما إذا كانت المخطوبة عفيفة فيكون ~~الفاسق غير كف ء لها فتكون خطبته كلا خطبة. ولم يعتبر الجمهور بذلك إذا ~~صدرت عنها علامة القبول. # 9 - (وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال جاءت امرأة) قال المصنف في ~~الفتح لم أقف على اسمها (إلى رسول ms0798 الله (ص) فقالت: يا رسول الله جئت أهب لك ~~نفسي) أي أمر نفسي لان الحر لا تملك رقبته (فنظر إليها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم) فصعد النظر فيها وصوبه) في النهاية: ومنه الحديث فصعد في النظر ~~وصوبه أي نظر أعلاي وأسفلي وتأملني وهو من أدلة جواز النظر إلى من يريد ~~زواجها وقال المصنف إنه تحرر عنده أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يحرم عليه ~~النظر إلى المؤمنات الأجنبيات بخلاف غيره (ثم طأطأ رسول الله (ص) رأسه فلما ~~رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست فقام رجل من الصحابة) قال المصنف لم ~~أقف على اسمه (فقال: يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها فقال: # فهل عندك من شئ؟ فقال: لا والله يا رسول الله، قال: اذهب إلى أهلك فانظر ~~هل تجد شيئا؟ فذهب ثم رجع فقال: لا والله ما وجدت شيئا. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: نظر ولو خاتما) أي ولو نظرت خاتما (من حديد فذهب ثم رجع ~~فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتما من حديد) أي موجود فخاتم مبتدأ حذف ~~خبره (ولكن هذا إزاري - قال) سهل بن سعد الراوي (ماله رداء - فلها نصفه. ~~فقال رسول الله (ص): ما تصنع بإزارك؟ إن لبسته) أي كله (لم يكن عليها منه ~~شئ وإن لبسته) أي كله (لم يكن عليك منه شئ) ولعله بهذا الجواب بين له أن ~~قسمة الرداء لا تنفعه ولا تنفع المرأة (فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام ~~فرآه رسول الله (ص) موليا فأمر به فدعي به فلما جاء قال: ماذا معك من ~~القرآن؟ قال معي سورة كذا وسورة كذا عددها فقال: تقرؤهن عن ظهر قلبك؟ قال: ~~نعم. # قال: اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن متفق عليه واللفظ لمسلم. وفي ~~رواية قال: انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن وفي رواية للبخاري أمكناكها ~~بما معك من القرآن ولأبي داود عن أبي هريرة قال:) أي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ms0799 (ما تحفظ؟ PageV03P114 # قال سورة البقرة والتي تليها قال: قم فعلمها عشرين آية). دل الحديث على ~~مسائل عديدة وقد تتبعها ابن التين وقال: هذه إحدى وعشرين فائدة بوب البخاري ~~على أكثرها. قلت: # ولنأت بأنفسها وأوضحها. الأولى: جواز عرض المرأة نفسها على رجل من أهل ~~الصلاح. # وجواز النظر من الرجل وإن لم يكن خاطبا لإرادة التزوج يريد: أنه ليس جواز ~~النظر خاصا للخاطب بل يجوز لمن تخطبه المرأة فإن نظره (ص) إليها أنه أراد ~~زواجها بعد عرضها عليه نفسها وكأنها لم تعجبه فأضرب عنها. والثانية: ولاية ~~الامام على المرأة التي لا قريب لها إذا أذنت، إلا أن في بعض ألفاظ الحديث ~~أنها فوضت أمرها إليه وذلك توكيل. وأنه يعقد للمرأة من غير سؤال عن وليها ~~هل هو موجود أو لا، حاضر أو لا، وسؤالها هل هي في عصمة رجل أو عدمه. قال ~~الخطابي: وإلى هذا ذهب جماعة حملا على ظاهر الحال. # وعند الهادوية أنها تحلف الغريبة احتياطا. الثالثة: أن الهبة لا تثبت إلا ~~بالقبول. الرابعة أنه لا بد من الصداق في النكاح وأنه يصح أن يكون شيئا ~~يسيرا فإن قوله: ولو خاتما من حديد " مبالغة في تقليله فيصح بكل ما تراضى ~~عليه الزوجان أو من إليه ولاية العقد مما فيه منفعة. # وضابطه أن كل ما يصلح أن يكون قيمة وثمنا لشئ يصح أن يكون مهرا. ونقل ~~القاضي عياض الاجماع على أنه لا يصح أن يكون مما لا قيمة له ولا يحل به ~~النكاح. وقال ابن حزم: # يصح بكل ما يسمى شيئا ولو حبة من شعير لقوله (ص) هل تجد شيئا . وأجيب بأن ~~قوله (ص) ولو خاتما من حديد مبالغة في التقليل وله قيمة. # وبأن قوله في الحديث: (من استطاع منكم الباءة) ومن لم يستطع دل على أنه ~~شئ لا يستطيعه كل واحد وحبة الشعير مستطاعة لكل أحد وكذلك قوله تعالى: * ~~(ومن لم يستطع منكم طولا) * وقوله تعالى: * (أن تبتغوا بأموالكم) * دال على ~~اعتبار المالية في الصداق حتى قال بعضهم: أقله خمسون وقيل ms0800 أربعون وقيل خمسة ~~دراهم وإن كانت هذه التقادير لا دليل على اعتبارها بخصوصها. والحق أنه يصح ~~بما يكون له قيمة وإن تحقرت. والأحاديث والآيات يحتمل أنها خرجت مخرج ~~الغالب وأنه لا يقع الرضا هنا من الزوجة إلا بكونه مالا له صورة ولا يطيق ~~كل أحد تحصيله. الخامسة: أنه ينبغي ذكر الصداق في العقد لأنه أقطع للنزاع ~~وأنفع للمرأة، فلو عقد بغير ذكر صداق صح العقد ووجب لها مهر المثل بالدخول ~~وأنه يستحب تعجيل المهر. السادسة: أنه يجوز الحلف وإن لم يكن عليه اليمين ~~وأنه يجوز الحلف على ما يظنه لأنه صلى الله عليه وسلم قال له بعد يمينه: ~~اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا فدل أن يمينه كانت على ظنه ولو كانت لا ~~تكون إلا على العلم لم يكن للامر بذهابه إلى أهله فائدة. # السابعة: أنه لا يجوز للرجل أن يخرج من ملكه ما لا بد له منه كالذي يستر ~~عورته أو يسد خلته من الطعام والشراب لأنه صلى الله عليه وسلم علل منعه عن ~~قسمة ثوبه بقوله: (إن لبسته لم يكن عليك منه شئ). الثامنة: اختبار مدعي ~~الاعسار فإنه (ص) لم يصدقه في أول دعواه الاعسار حتى ظهر له قرائن صدقه وهو ~~دليل على أنه لا يسمع اليمين من مدعي الاعسار حتى تظهر قرائن إعساره. ~~التاسعة: أنها لا تجب الخطبة للعقد لأنها لم تذكر PageV03P115 # في شئ من طرق الحديث وتقدم أن الظاهرية تقول بوجوبها وهذا يرد قولهم. ~~وأنه يصح أن يكون الصداق منفعة كالتعليف إنه منفعة ويقاس عليه غيره ويدل ~~عليه قصة موسى مع شعيب. وقد ذهب إلى جواز كونه منفعة الهادوية وخالفت ~~الحنفية وتكلفوا لتأويل الحديث وادعوا أن التزوج بغير مهر من خواصه صلى ~~الله عليه وسلم وهو خلاف الأصل. # العاشرة: قوله بما معك من القرآن، يحتمل كما قاله القاضي عياض وجهين: ~~أظهرهما أن يعلمها ما معه من القرآن أو قدرا معينا منه ويكون ذلك صداقا ~~ويؤيده قوله في بعض طرقه الصحيحة " فعلمها من القرآن وفي بعضها ms0801 تعيين عشر ~~من الآيات، ويحتمل أن الباء للتعليل وأنه زوجه بها بغير صداق إكراما له ~~لكونه حافظا لبعض من القرآن. ويؤيد هذا الاحتمال قصة أم سليم مع أبي سليم ~~وذلك أنه خطبها فقالت: والله ما مثلك يرد ولكنك كافر وأنا مسلمة ولا يحل لي ~~أن أتزوجك فإن تسلم فذلك مهرك ولا أسألك غيره فأسلم فكان ذلك مهرها أخرجه ~~النسائي وصححه عن ابن عباس وترجم له النسائي: باب التزويج على الاسلام. # وترجم على حديث سهل هذا بقوله باب التزويج على سورة البقرة وهذا ترجيح ~~منه للاحتمال الثاني والاحتمال الأول أظهر كما قاله القاضي لثبوت رواية: ~~فعلمها من القرآن. # الحادية عشرة: أن النكاح ينعقد بلفظ التمليك وهو مذهب الهادوية والحنفية ~~ولا يخفى أنها قد اختلفت الألفاظ في الحديث فروي بالتمليك وبالتزويج ~~وبالامكان. قال ابن دقيق العيد: هذه لفظة واحدة في قصة واحدة اختلفت مع ~~اتحاد مخرج الحديث والظاهر أن الواقع من النبي (ص) لفظ واحد فالمرجع في هذا ~~إلى الترجيح. وقد نقل عن الدارقطني أن الصواب رواية من روى قد زوجتكها ~~وأنهم أكثر وأحفظ وأطال المصنف في الفتح الكلام على هذه الثلاثة الألفاظ ثم ~~قال: فرواية التزويج والانكاح أرجح. وأما قول ابن التين إنه اجتمع أهل ~~الحديث على أن الصحيح رواية زوجتكها وأن رواية ملكتكها " وهم فيه فقد قال ~~المصنف: إن ذلك مبالغة منه. وقال البغوي: الذي يظهر أنه كان بلفظ التزويج ~~على وفق قول الخاطب زوجنيها إذ هو الغالب في لفظ العقود إذ قلما يختلف فيه ~~لفظ المتعاقدين. وقد ذهبت الهادوية والحنفية والمشهور عن المالكية إلى جواز ~~العقد بكل لفظ يفيد معناه إذا قرن به الصداق أو قصد به النكاح كالتمليك ~~ونحوه ولا يصح بلفظ العارية والإجارة والوصية. # 10 - (وعن عامر بن عبد الله بن الزبير) عامر تابعي سمع أباه وغيره مات ~~سنة أربع وعشرين ومائة (عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~أعلنوا النكاح رواه أحمد وصححه الحاكم). وفي الباب عن عائشة: أعلنوا النكاح ~~واضربوا عليه بالغربال ms0802 " أي الدف أخرجه الترمذي وفي رواته عيسى بن ميمون ~~ضعيف كما قاله الترمذي وأخرجه ابن ماجة والبيهقي وفي إسناده خالد بن إياس ~~منكر الحديث. قال أحمد: وأخرج الترمذي أيضا من حديث عائشة وقال حسن غريب: ~~أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف وليولم أحدكم ~~ولو بشاة فإذا خطب أحدكم امرأة PageV03P116 # وقد خضب بالسواد فليعلمها لا يغرها. دلت الأحاديث على الامر بإعلان ~~النكاح والاعلان خلاف الاسرار. وعلى الامر بضرب الغربال وفسره بالدف ~~والأحاديث فيه واسعة وإن كان في كل منها مقال إلا أنها يعضد بعضها بعضا ~~ويدل على شرعية ضرب الدف لأنه أبلغ في الاعلان من عدمه. وظاهر الامر الوجوب ~~ولعله لا قائل به فيكون مسنونا ولكن بشرط أن لا يصحبه محرم من التغني بصوت ~~رخيم من امرأة أجنبية بشعر فيه مدح القدود والخدود بل ينظر الأسلوب العربي ~~الذي كان في عصره صلى الله تعالى عليه وسلم فهو المأمور به. وأما ما أحدثه ~~الناس من بعد ذلك فهو غير المأمور به ولا كلام في أنه في هذه الاعصار يقترن ~~بمحرمات كثيرة فيحرم لذلك لا لنفسه. # 11 - (وعن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه قال: قال رسول الله (ص): # لا نكاح إلا بولي رواه أحمد والأربعة وصححه ابن المديني والترمذي وابن ~~حبان وأعله بإرساله). قال ابن كثير: قد أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة ~~وغيرهم من حديث إسرائيل وأبو عوانة وشريح القاضي وقيس بن الربيع ويونس بن ~~أبي إسحاق وزهير بن معاوية كلهم عن أبي إسحاق كذلك قال الترمذي. ورواه شعبة ~~والثوري عن أبي إسحاق مرسلا قال: والأول عندي أصح هكذا صححه عبد الرحمن بن ~~مهدي فيما حكاه ابن خزيمة عن أبي المثنى عنه. وقال علي بن المديني: حديث ~~إسرائيل في النكاح صحيح وكذا صححه البيهقي وغير واحد من الحفاظ قال: ورواه ~~أبو يعلى الموصلي في مسنده عن جابر مرفوعا قال الحافظ الضياء بإسناد رجاله ~~كلهم ثقات. قلت: ويأتي حديث أبي هريرة " لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج ~~المرأة ms0803 نفسها وحديث عائشة: إن النكاح من غير ولي باطل. قال الحاكم: وقد صحت ~~الرواية فيه عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وأم سلمة وزينب بنت ~~جحش. قال: وفي الباب عن علي وابن عباس ثم سرد ثلاثين صحابيا. والحديث دل ~~على أنه لا يصح النكاح إلا بولي لان الأصل في النفي نفي الصحة لا الكمال. ~~والولي هو الأقرب إلى المرأة من عصبتها دون ذوي أرحامها. واختلف العلماء في ~~اشتراط الولي في النكاح فالجمهور على اشتراطه وأنها لا تزوج المرأة نفسها. ~~وحكى عن ابن المنذر أنه لا يعرف عن أحد من أحد من الصحابة خلاف ذلك وعليه ~~دلت الأحاديث. # وقال مالك: يشترط في حق الشريفة لا الوضيعة فلها أن تزوج نفسها. وذهبت ~~الحنفية إلى أنه لا يشترط مطلقا محتجين بالقياس على البيع فإنها تستقل ببيع ~~سلعتها وهو قياس فاسد الاعتبار إذ هو قياس مع نص ويأتي الكلام في ذلك ~~مستوفى في شرح حديث أبي هريرة " لا تزوج المرأة المرأة - الحديث. وقالت ~~الظاهرية: يعتبر الولي في حق البكر لحديث الثيب أولى بنفسها وسيأتي، ويأتي ~~أن المراد منه اعتبار رضاها جمعا بينه وبين أحاديث اعتبار الولي. وقال أبو ~~ثور: للمرأة أن تنكح نفسها بإذن وليها لمفهوم الحديث الآتي: # 12 - (وعن عائشة رضي الله عنه قالت: قال رسول الله (ص): # أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها ~~PageV03P117 # المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولى لها، ~~أخرجه الأربعة إلا النسائي وصححه أبو عوانة وابن حبان والحاكم). قال ابن ~~كثير وصححه يحيى بن معين وغيره من الحفاظ. قال أبو ثور فقوله: بغير إذن ~~وليها يفهم منه أنه إذا أذن لها جاز لها أن تعقد لنفسها. وأجيب بأنه مفهوم ~~لا يقوى على معارضة المنطوق باشتراطه. # واعلم أن الحنفية طعنوا في هذا الحديث بأنه رواه سليمان بن موسى عن ~~الزهري وسئل الزهري عنه فلم يعرفه والذي روى هذا القدح هو إسماعيل بن علية ~~القاضي عن ابن جريج ms0804 الراوي عن سليمان أنه سأل الزهري عنه أي عن الحديث فلم ~~يعرفه. وأجيب عنه بأنه لا يلزم من نسيان الزهري له أن يكون سليمان بن موسى ~~وهم عليه لا سيما وقد أثنى الزهري على سليمان بن موسى. وقد طال كلام ~~العلماء على هذا الحديث واستوفاه البيهقي في السنن الكبرى وقد عاضدته ~~أحاديث اعتبار الولي وغيرها مما يأتي في شرح حديث أبي هريرة. وفي الحديث ~~دليل على اعتبار إذن الولي في النكاح بعقده لها أو عقد وكيله. # وظاهره أن المرأة تستحق المهر بالدخول وإن كان النكاح باطلا لقوله: فإن ~~دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها. وفيه دليل على أنه إذا اختل ركن من ~~أركان النكاح فهو باطل مع العلم والجهل. وأن النكاح يسمى باطلا وصحيحا ولا ~~واسطة. وقد أثبت الواسطة الهادوية وجعلوها العقد الفاسد. قالوا: وهو ما ~~خالف مذهب الزوجين أو أحدهما جاهلين ولم تكن المخالفة في أمر مجمع عليه ~~وترتب عليه أحكام مبينة في الفروع. والضمير في قوله: فإن اشتجروا عائد إلى ~~الأولياء الدال عليهم ذكر الولي والسياق والمراد بالاشتجار منع الأولياء من ~~العقد عليها وهذا هو العضل وبه تنتقل الولاية إلى السلطان إن عضل الأقرب، ~~وقيل بل تنتقل إلى الأبعد وانتقالها إلى السلطان مبني على منع الأقرب ~~الأبعد وهو محتمل. ودل على أن السلطان ولي من لا ولي لها لعدمه أو لمنعه ~~ومثلهما غيبة الولي ويؤيد حديث الباب ما أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس ~~مرفوعا لا نكاح إلا بولي والسلطان ولي من لا ولي له وإن كان فيه الحجاج بن ~~أرطاة فقد أخرجه سفيان في جامعة. # ومن طريقة الطبراني في الأوسط بإسناد حسن عن ابن عباس بلفظ: لا نكاح إلا ~~بولي مرشد أو سلطان ثم المراد بالسلطان من إليه الامر جائرا كان أو عادلا ~~لعموم الأحاديث القاضية بالأمر لطاعة السلطان جائرا أو عادلا. وقيل: بل ~~المراد به العادل المتولي لمصالح العباد لا سلاطين الجور فإنهم ليسوا بأهل ~~لذلك. # 13 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ms0805 قال رسول الله (ص): # لا تنكح) مغير الصيغة مجزوما ومرفوعا ومثله الذي بعده (الأيم) التي فارقت ~~زوجها بطلاق أو موت (حتى تستأمر) من الاستئمار طلب الامر (ولا تنكح البكر ~~حتى تستأذن قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت متفق عليه). فيه ~~أنه لا بد من طلب الامر من الثيب وأمرها فلا يعقد عليها حتى يطلب الولي ~~الامر منها بالاذن PageV03P118 # بالعقد. والمراد من ذلك اعتبار رضاها وهو معنى أحقيتها بنفسها من وليها ~~في الأحاديث. # وقوله: البكر أراد بها البكر البالغة وعبر هنا بالاستئذان وعبر في الثيب ~~بالاستئمار إشارة إلى الفرق بينهما. وأنه يتأكد مشاورة الثيب ويحتاج الولي ~~إلى صريح القول بالاذن منها في العقد عليها. والاذن من البكر دائر بين ~~القول والسكوت بخلاف الامر فإنه صريح في القول وإنما اكتفي منها بالسكوت ~~لأنها قد تستحي من التصريح. وقد ورد في رواية عائشة قالت: يا رسول الله إن ~~البكر تستحي قال: رضاها صماتها أخرجه الشيخان. ولكن قال ابن المنذر يستحب ~~أن يعلم أن سكوتها رضا. وقال ابن شعبان: يقال لها ثلاثا: إن رضيت فاسكتي ~~وإن كرهت فانطقي فأما إذا لم تنطق ولكنها بكت عند ذلك فقيل: لا يكون سكوتها ~~رضا مع ذلك وقيل: لا أثر لبكائها في المنع إلا أن يقترن بصياح ونحوه وقيل: ~~يعتبر الدمع هل هو حار فهو يدل على المنع أو بارد فهو يدل على الرضا. ~~والأولى أن يرجع إلى القرائن فإنها لا تخفى والحديث عام للأولياء من الأب ~~وغيره في أنه لا بد من إذن البكر البالغة وإليه ذهب الهادوية والحنفية ~~وآخرون عملا بعموم الحديث هنا وبالخاص الذي أخرجه مسلم بلفظ: والبكر ~~يستأذنها أبوها. ويأتي ذكر الخلاف في ذلك واستيفاء الكلام عليه في شرح ~~الحديث الآتي: # 14 - (وعن ابن عباس رضي الله عنه: أن النبي (ص) قال: الثيب أحق بنفسها من ~~وليها، والبكر تستأمر وإذنها سكوتها رواه مسلم، وفي لفظ) أي من رواية ابن ~~عباس (ليس للولي مع الثيب أمر، واليتيمة تستأمر رواه أبو داود والنسائي ms0806 ~~وصححه ابن حبان). تقدم الكلام على أن المراد بأحقية الثيب بنفسها اعتبار ~~رضاها كما تقدم على استئمار البكر وقوله: ليس للولي مع الثيب أمر أي إن لم ~~ترض لما سلف من الدليل على اعتبار رضاها وعلى أن العقد إلى الولي وأما ~~قوله: واليتيمة تستأمر. فاليتيمة في الشرع الصغيرة التي لا أب لها وهو دليل ~~للناصر والشافعي في أنه لا يزوج الصغيرة إلا الأب لأنه صلى الله عليه وسلم ~~قال: تستأمر اليتيمة ولا استئمار إلا بعد البلوغ إذ لا فائدة لاستئمار ~~الصغيرة. وذهب الحنفية إلى أنه يجوز أن يزوجها الأولياء مستدلين بظاهر قوله ~~تعالى: * (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى) * الآية، وما ذكر في سبب نزولها ~~في أن يكون في حجر الولي يتيمة ليس له رغبة في نكاحها وإنما يرغب في مالها ~~فيتزوجها لذلك، فنهوا وليس بصريح في أن ينكحها صغيرة لاحتمال أنه يمنعها ~~الأزواج حتى تبلغ ثم يتزوجها. قالوا: ولها بعد البلوغ الخيار قياسا على ~~الأمة فإنها تخير إذا أعتقت وهي مزوجة والجامع حدوث ملك التصرف ولا يخفى ~~ضعف هذا القول وما يتفرع من جواز الفسخ وضعف القياس. # ولهذا قال أبو يوسف: لا خيار لها مع قوله: بجواز تزويج غير الأب لها كأنه ~~لم يقل بالخيار لضعف القياس فالأرجح ما ذهب إليه الشافعي. # 15 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول (ص): PageV03P119 # لا تزوج المرأة المرأة. ولا تزوج المرأة نفسها رواه ابن ماجة والدارقطني ~~ورجاله ثقات) فيه دليل على أن المرأة ليس لها ولاية في الانكاح لنفسها ولا ~~لغيرها فلا عبرة لها في النكاح إيجابا ولا قبولا فلا تزوج نفسها بإذن الولي ~~ولا غيره ولا تزوج غيرها بولاية ولا بوكالة ولا تقبل النكاح بولاية ولا ~~وكالة وهو قول الجمهور. وذهب أبو حنيفة إلى تزويج العاقلة البالغة نفسها ~~وابنتها الصغيرة وتتوكل عن الغير لكن لو وضعت نفسها عند غير كف ء، ~~فلأوليائها الاعتراض. وقال مالك: تزوج الدنية نفسها دون الشريفة كما تقدم. ~~واستدل الجمهور بالحديث بقوله تعالى: * (فلا تعضلوهن ms0807 أن ينكحن أزواجهن) * ~~قال الشافعي: هي أصرح آية في اعتبار الولي وإلا لما كان لعضله معنى، وسبب ~~نزولها في معقل بن يسار: زوج أخته فطلقها زوجها طلقة رجعية وتركها حتى ~~انقضت عدتها ورام رجعتها فحلف أن لا يزوجها قال ففيه نزلت هذه الآية. رواه ~~البخاري زاد أبو داود: فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه. فلو كان لها تزويج ~~نفسها لم يعاتب أخاها على الامتناع ولكان نزول الآية لبيان أنها تزوج ~~نفسها. وبسبب نزول الآية يعرف ضعف قول الرازي إن الضمير للأزواج، وضعف قول ~~صاحب نهاية المجتهد: إنه ليس في الآية نهيهم عن العضل ولا يفهم منه اشتراط ~~إذنهم في صحة العقد لا حقيقة ولا مجازا بل قد يفهم منه ضد هذا وهو أن ~~الأولياء ليس لهم سبيل على من يلونهم اه‍. ويقال عليه: قد فهم السلف شرط ~~إذنهم في عصره صلى الله عليه وسلم وبادر من نزلت فيه إلى التكفير عن يمينه ~~والعقد ولو كان لا سبيل للأولياء لأبان الله تعالى غاية البيان بل كرر ~~تعالى كون الامر إلى الأولياء في عدة آيات ولم يأت حرف واحد أن للمرأة ~~إنكاح نفسها. ودلت أيضا أن نسبة النكاح إليهن في الآيات مثل * (حتى تنكح ~~زوجا غيره) * ومراد به الانكاح بعقد الولي إذ لو فهم (ص) أنها تنكح نفسها ~~لأمرها بعد نزول الآية بذلك ولأبان لأخيها أنه لا ولاية له ولم يبح له ~~الحنث في يمينه والتكفير. # ويدل لاشتراط الولي ما أخرجه البخاري وأبو داود من حديث عروة عن عائشة ~~أنها أخبرته أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء منها نكاح الناس ~~اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها ثم قالت في ~~آخره: فلما بعث محمد بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم. ~~فهذا دال أنه صلى الله عليه وسلم قرر ذلك النكاح المعتبر فيه الولي وزاده ~~تأكيدا بما قد سمعت من الأحاديث ويدل على نكاحه صلى الله عليه وسلم لام ~~سلمة وقولها إنه ليس أحد من ms0808 أوليائها حاضرا ولم يقل صلى الله عليه وسلم ~~أنكحي أنت نفسك مع أنه مقام البيان ويدل له قوله تعالى: * (ولا تنكحوا ~~المشركين) * فإنه خطاب للأولياء بأن لا ينكحوا المسلمات المشركين. ولو فرض ~~أنه يجوز لها إنكاح نفسها لما كانت الآية دالة على تحريم ذلك عليهن لان ~~القائل بأنها تنكح نفسها يقول بأنه ينكحها وليها أيضا فيلزم أن الآية لم تف ~~بالدلالة على تحريم إنكاح المشركين للمسلمات لأنها إنما دلت على نهي ~~الأولياء من إنكاح المشركين لا على نهي المسلمات أن ينكحن أنفسهن منهم وقد ~~علم تحريم نكاح المشركين المسلمات فالامر للأولياء دال على أنه ليس للمرأة ~~ولاية PageV03P120 # في النكاح. ولقد تكلم صاحب نهاية المجتهد على الآية بكلام في غاية السقوط ~~فقال: الآية مترددة بين أن تكون خطابا للأولياء أو لأولي الامر ثم قال: فإن ~~قيل هو عام والعام يشمل أوي الامر والأولياء قلنا: هذا الخطاب إنما هو خطاب ~~بالمنع والمنع بالشرع فيستوي فيه الأولياء وغيرهم وكون الولي مأمورا بالمنع ~~بالشرع لا يوجب له ولاية خاصة بالاذن، ولو قلنا إنه خطاب للأولياء يوجب ~~اشتراط إذنهم في النكاح لكان مجملا لا يصح به عمل لأنه ليس فيه ذكر أصناف ~~الأولياء ولا مراتبهم والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة اه‍ والجواب أن ~~الأظهر أن الآية خطاب لكافة المؤمنين المكلفين الذين خوطبوا بصدرها أعني ~~قوله * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) * والمراد لا ينكحهن من إليه ~~الانكاح وهم الأولياء أو خطاب للأولياء ومنهم الأمراء عند فقدهم أو عضلهم ~~لما عرفت من قوله فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي لها فبطل قوله إنه ~~متردد بين خطاب الأولياء وأولي الأمر. وقوله قلنا: هذا الخطاب إنما هو خطاب ~~بالمنع بالشرع قلنا نعم قوله: والمنع بالشرع يستوي فيه الأولياء وغيرهم ~~قلنا هذا كلام في غاية السقوط فإن المنع بالشرع هنا الأولياء الذين يتولون ~~العقد إما جواز كما تقوله الحنفية أو شرطا كما يقوله غيرهم. فالأجنبي بمعزل ~~عن المنع لأنه لا ولاية له على بنات زيد مثلا فما ms0809 معنى نهيه عن شئ ليس من ~~تكليفه فهذا تكليف يخص الأولياء فهو كمنع الغني من السؤال ومنع النساء عن ~~التبرج. فالتكاليف الشرعية منها ما يخص الذكور ومنها ما يخص الإناث ومنها ~~ما يخص بعضا من الفريقين أو فردا منهما ومنها ما يعم الفريقين وإن أراد أنه ~~يجب على الأجنبي الانكار على من يزوج مسلم بمشرك، فخروج من البحث. وقوله: ~~ولو قلنا إنه خطاب للأولياء لكان مجملا لا يصح به عمل، جوابه أنه ليس بمجمل ~~إذ الأولياء معروفون في زمان من أنزلت عليهم الآية وقد كان معروفا عندهم. ~~ألا ترى إلى قول عائشة: يخطب الرجل إلى الرجل وليته فإنه دال على أن ~~الأولياء معروفون. وكذلك قول أم سلمة له صلى الله عليه وسلم ليس: أحد من ~~أوليائي حاضرا، وإنما ذكرنا هذا لأنه نقل الشارح رحمه الله كلام النهاية ~~وهو طويل وجنح إلى رأي الحنفية واستقواه الشارح ولم يقو في نظري ما قاله ~~فأحببت أن أنبه على بعض ما فيه. ولولا محبة الاختصار لنقلته بطوله وأبنت ما ~~فيه. ومن الأدلة على اعتبار الولي قوله صلى الله عليه وسلم الثيب أحق ~~بنفسها من وليها فإنه أثبت حقا للولي كما يفيده لفظ أحق وأحقيته هي الولاية ~~وأحقيتها رضاها فإنه لا يصح عقده بها إلا بعده فحقها بنفسها آكد من حقه ~~لتوقف حقه على إذنها. # 16 - (وعن نافع عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الشغار) فسره بقوله: (أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس ~~بينهما صداق متفق عليه). قال الشافعي: لا أدري التفسير عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أو عن ابن عمر أو عن نافع أو عن مالك؟ حكاه عنه البيهقي في ~~المعرفة. (واتفقا من وجه آخر على أن تفسير الشغار من كلام نافع). وقال ~~الخطيب: إنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو قول مالك وصل ~~بالمتن المرفوع وقد بين ذلك PageV03P121 # ابن مهدي والقعنبي ويدل على أنه من كلام مالك أنه ms0810 أخرجه الدارقطني من ~~طريق خالد بن مخلد عن مالك قال: سمعت أن الشغار أن يزوج الرجل إلخ. وأما ~~البخاري فصرح في كتاب الحيل أن تفسير الشغار من قول نافع. قال القرطبي: ~~تفسير الشغار بما ذكر صحيح موافق لما ذكره أهل اللغة فإن كان مرفوعا فهو ~~المقصود وإن كان من قول الصحابي فمقبول أيضا لأنه أعلم بالمقال وأفقه ~~بالحال اه‍. وإذا ثبت النهي عنه فقد اختلف الفقهاء هل هو باطل أو غير باطل؟ ~~فذهبت الهادوية والشافعي ومالك إلى أنه باطل للنهي عنه وهو يقتضي البطلان. ~~وللفقهاء خلاف في علة النهي لا نطول به فكلها أقوال تخمينية. ويظهر من قوله ~~في الحديث لا صداق بينهما أنه علة النهي. وذهبت الحنفية وطائفة إلى أن ~~النكاح صحيح ويلغو ما ذكر فيه عملا بعموم قوله تعالى: * (فانكحوا ما طاب ~~لكم من النساء) * ويجاب بأنه خصه النهي. # 17 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن جارية بكرا أتت النبي (ص) فذكرت ~~أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها رسول الله (ص) رواه أحمد وأبو داود وابن ~~ماجة وأعل بالارسال). وأجيب عنه بأنه رواه أيوب بن سويد عن الثوري عن أيوب ~~موصولا وكذلك رواه معمر بن سليمان الرقي عن زيد بن حبان عن أيوب موصولا. # وإذا اختلف في وصل الحديث وإرساله فالحكم لمن وصله. قال المصنف: الطعن في ~~الحديث لا معنى له لأنه له طرقا يقوي بعضها بعضا اه‍. وقد تقدم حديث أبي ~~هريرة المتفق عليه وفيه: ولا تنكح البكر حتى تستأذن وهذا الحديث أفاد ما ~~أفاده فدل على تحريم إجبار الأب لابنته البكر على النكاح وغيره من الأولياء ~~بالأولى. وإلى عدم جواز إجبار الأب ذهبت الهادوية والحنفية لما ذكر ولحديث ~~مسلم والبكر يستأذنها أبوها وإن قال البيهقي: زيادة الأب في الحديث غير ~~محفوظة فقد رده المصنف بأنها زيادة عدل يعني فيعمل بها. وذهب أحمد وإسحاق ~~والشافعي إلى أن للأب إجبار بنته البكر البالغة على النكاح عملا بمفهوم ~~الثيب أحق بنفسها كما تقدم فإنه دل أن البكر بخلافها ms0811 وأن الولي أحق بها. # ويرد بأنه مفهوم لا يقاوم المنطوق وبأنه لو أخذ بعمومه لزم في حق غير ~~الأب من الأولياء وأن لا يخص الأب بجواز الاجبار. وقال البيهقي في تقوية ~~كلام الشافعي: إن حديث ابن عباس هذا محمول على أنه زوجها من غير كف ء قال ~~المصنف: جواب البيهقي هو المعتمد لأنها واقعة عين فلا يثبت الحكم بها ~~تعميما. قلت: كلام هذين الامامين محاماة عن كلام الشافعي ومذهبهم وإلا ~~فتأويل البيهقي لا دليل عليه فلو كان كما قال لذكرته المرأة بل قالت: إنه ~~زوجها وهي كارهة فالعلة كراهتها فعليها علق التخيير لأنها المذكورة فكأنه ~~قال (ص): إذا كنت كارهة فأنت بالخيار. وقوله المصنف: # إنها واقعة عين كلام غير صحيح بل كحكم عام لعموم علته فأينما وجد ت ~~الكراهة ثبت الحكم. # وقد أخرج النسائي عن عائشة: أن فتاة دخلت عليها، فقالت: إن أبي زوجني من ~~ابن أخيه PageV03P122 # يرفع بي خسيسته وأنا كارهة قالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فأرسل إلى أبيها فدعاه ~~فجعل الامر إليها فقالت: يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن ~~أعلم النساء أن ليس للآباء من الامر شئ. والظاهر أنها بكر ولعلها البكر ~~التي في حديث ابن عباس وقد زوجها أبوها كفئا ابن أخيه. وإن كانت ثيبا فقد ~~صرحت أنه ليس مرادها إلا إعلام النساء أنه ليس للآباء من الامر شئ ولفظ ~~النساء عام للثيب والبكر وقد قالت هذا عنده (ص) فأقرها عليه. والمراد بنفي ~~الامر عن الآباء نفي التزويج للكراهة لان السياق في ذلك فلا يقال هو عام ~~لكل شئ. # 18 - (وعن الحسن) هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن مولى زيد بن ثابت ولد ~~لسنتين بقيتا من خلافة عمر بالمدينة وقدم البصرة بعد مقتل عثمان. وقيل إنه ~~لقي عليا بالمدينة وأما بالبصرة فلم تصح رؤيته إياه وكان إمام وقته علما ~~وزهدا وورعا مات في رجب سنة عشرة ومائة (عن ms0812 سمرة رضي الله عنه عن النبي ~~(ص): أيما امرأة زوجها وليان فهي للأول منهما رواه أحمد والأربعة وحسنه ~~الترمذي). تقدم ذكر الخلاف في سماع الحسن من سمرة. ورواه الشافعي وأحمد ~~والنسائي من طريق قتادة عن الحسن عن عقبة بن عامر. قال الترمذي: الحسن عن ~~سمرة في هذا أصح. قال ابن المديني: # لم يسمع الحسن عن عقبة شيئا. والحديث دليل على أن المرأة إذا عقد لها ~~وليان لرجلين وكان العقد مترتبا أنها للأول منهما سواء دخل بها الثاني أو ~~لا. أما إذا دخل بها عالما فإجماع أنه زنا، وأنها للأول، وكذلك إن دخل بها ~~جاهلا إلا أنه لا حد عليه. للجهل. فإن وقع العقدان في وقت واحد بطلا وكذا ~~إذا علم ثم التبس فإنهما يبطلان إلا أنها إذا أقرت الزوجة أو دخل بها أحد ~~الزوجين برضاها فإن ذلك يقرر العقد الذي أقرت بسبقه إذ الحق عليها فإقرارها ~~صحيح وكذا الدخول برضاها فإنه قرينة السبق لوجوب الحمل على السلامة. # 19 - (وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله (ص): أيما عبد ~~تزوج بغير إذن مواليه وأهله فهو عاهر) أي زان (رواه أحمد وأبو داود ~~والترمذي وصححه وكذلك) صححه (ابن حبان). ورواه من حديث ابن عمر موقوفا وأنه ~~وجد عبدا له تزوج بغير إذنه ففرق بينهما وأبطل عقده وضربه الحد. والحديث ~~دليل على أن نكاح العبد بغير إذن مالكه باطل وحكمه حكم الزنا عند الجمهور ~~إلا أنه يسقط عنه الحد إذا كان جاهلا للتحريم ويلحق به النسب. وذهب داود ~~إلى أن نكاح العبد بغير إذن مالكه صحيح لان النكاح عنده فرض عين فهو كسائر ~~فروض العين لا يفتقر إلى إذن السيد وكأنه لم يثبت لديه الحديث. وقال الامام ~~يحيى: إن العقد الباطل لا يكون له حكم PageV03P123 # الزنا هنا ولو كان عالما بالتحريم لأن العقد شبهة يدرأ بها الحد. وهل ~~ينفذ عقده بالإجازة من سيده؟ فقال الناصر والشافعي: لا ينفذه بالإجازة لأنه ~~سماه النبي صلى الله عليه وسلم عاهرا. وأجيب بأن المراد ms0813 إذا لم تحصل ~~الإجازة إن الشافعي لا يقول بالعقد الموقوف. # أصلا. والمراد بالعاهر أنه كالعاهر وأنه ليس بزان حقيقة. # 20 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: # لا يجمع) بلفظ المضارع المبني للمجهول ولا نافية فهو مرفوع ومعناه النهي ~~وقد ورد في إحدى روايات الصحيح بلفظ: نهى رسول الله (ص) أن يجمع (بين ~~المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها متفق عليه). فيه دليل على تحريم ~~الجمع بين من ذكر. قال الشافعي: يحرم الجمع بين من ذكر وهو قول من لقيته من ~~المفتين لا خلاف بينهم في ذلك. ومثله قال الترمذي وقال ابن المنذر: لست ~~أعلم في منع ذلك اختلافا اليوم وإنما قال بالجواز فرقة من الخوارج. ونقل ~~الاجماع أيضا ابن عبد البر وابن حزم والقرطبي والنووي. ولا يخفى أن هذا ~~الحديث خصص عموم قوله تعالى: * (وأحل لكم ما وراء ذالكم) * الآية. قيل: ~~ويلزم الحنفية أن يجوز والجمع بين من ذكر لان أصولهم تقديم عموم الكتاب على ~~أخبار الآحاد إلا أنه أجاب صاحب الهداية بأنه حديث مشهور والمشهور له حكم ~~القطعي سيما مع الاجماع من الأمة وعدم الاعتداد بالمخالف. # 21 - (وعن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): لا ينكح) بفتح حرف ~~المضارعة من نكح (المحرم ولا ينكح) بضمه من أنكح (رواه مسلم. # وفي رواية له) أي لمسلم عن عثمان (ولا يخطب) أي لنفسه أو لغيره زاد ابن ~~حبان: ولا يخطب عليه). وتقدم ذلك في كتاب الحج إلا قوله: ولا يخطب عليه ~~والمراد أنه لا يخطب أحد منه وليته. # 22 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ميمونة وهو محرم. متفق عليه). الحديث قد أكثر الناس فيه الكلام ~~لمخالفة ابن عباس لغيره. قال ابن عبد البر: اختلفت الآثار في هذا الحكم لكن ~~الرواية أنه تزوجها وهو حلال جاءت من طرق شتى وحديث ابن عباس صحيح الاسناد ~~لكن الوهم إلى الواحد أقرب من الوهم إلى الجماعة. فأقل أحوال الخبرين ms0814 أن ~~يتعارضا فتطلب الحجة من غيرهما وحديث عثمان صحيح في منع نكاح المحرم فهو ~~المعتمد انتهى. وقال الأثرم: # قلت لأحمد: إن أبا ثور يقول بأي شئ يدفع حديث ابن عباس أي مع صحته قال: ~~الله المستعان. ابن المسيب يقول: وهم ابن عباس وميمونة تقول: تزوجني وهو ~~حلال انتهى. # يريد بقول ميمونة ما رواه عنها مسلم وهو: # 23 - (ولمسلم عن ميمونة نفسها: أن النبي (ص) تزوجها وهو حلال) ~~PageV03P124 # وعضد حديثها حديث عثمان وقد تؤول حديث ابن عباس بأن معنى وهو محرم أي ~~داخل في الحرم أو في الأشهر الحرم جزم بهذا التأويل ابن حبان في صحيحه وهو ~~تأويل بعيد لا تساعد عليه الأحاديث. وقد تقدم الكلام في هذا في الحج. # 24 - (وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله (ص): # إن أحق الشروط أن يوفيه ما استحللتم به الفروج متفق عليه. أي أحق الشروط ~~بالوفاء شروط النكاح لان أمره أحوط وبابه أضيق. والحديث دليل على أن الشروط ~~المذكورة في عقد النكاح يتعين الوفاء بها وسواء كان الشرط عرضا أو مالا حيث ~~كان الشرط للمرأة. لا استحلال البضع إنما يكون فيما يتعلق بها أو ترضاه ~~لغيرها. وللعلماء في المسألة أقوال: قال الخطابي: الشروط في النكاح مختلف ~~فيها. فمنها ما يجب الوفاء به اتفاقا وهو ما أمر الله تعالى به من إمساك ~~بمعروف أو تسريح بإحسان وعليه حمل بعضهم هذا الحديث. ومنها ما لا يوفى به ~~اتفاقا كطلاق أختها لما ورد من النهي عنه. ومنها ما اختلف فيه كاشتراط أن ~~لا يتزوج عليها ولا يتسرى ولا ينقلها من منزلها إلى منزله. # وأما ما يشترطه العاقد لنفسه خارجا عن الصداق فقيل: هو للمرأة مطلقا وهو ~~قول الهادوية وعطاء وجماعة. وقيل: هو لمن شرطه وقيل: يختص ذلك بالأب دون ~~غيره من الأولياء. # وقال مالك: إن وقع في حال العقد فهو من جملة المهر أو خارجا عنه فهو لمن ~~وهب له. # ودليله ما أخرجه النسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يرفعه ~~بلفظ: ms0815 أيما امرأة نكحت على صداق أو حباء أو عدة قبل عصمة النكاح فهو لها ~~وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن أعطيه وأحق ما أكرم عليه الرجل ابنته أو ~~أخته. وأخرج نحوه الترمذي من حديث عروة عن عائشة ثم قال: والعمل على هذا ~~عند بعض أهل العلم من الصحابة منهم عمر قال: إذا تزوج الرجل المرأة بشرط أن ~~لا يخرجها لزم، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق. # إلا أنه قد تعقب بأن نقله عن الشافعي غريب والمعروف عن الشافعية أن ~~المراد من الشروط هي التي لا تنافي النكاح بل تكون من مقتضياته ومقاصده ~~كاشتراط حسن العشرة والانفاق والكسوة والسكنى وأن لا يقصر في شئ من حقها من ~~قسمة ونفقة وكشرطه عليها أن لا تخرج إلا بإذنه وأن لا تتصرف في متاعه ونحو ~~ذلك. قلت: هذه الشروط إن أرادوا أنه يحمل عليها الحديث فقد قللوا فائدته ~~لأن هذه أمور لازمة للعقد لا تفتقر إلى شرط وإن أرادوا غير ذلك فما هو؟. ~~نعم لو شرطت ما ينافي العقد كأن لا يقسم لها ولا يتسرى عليها فلا يجب ~~الوفاء به. قال الترمذي: قال علي رضي الله عنه: سبق شرط الله شرطها. ~~فالمراد في الحديث الشروط الجائزة لا المنهي عنها فأما شرطها أن لا يخرجها ~~من منزلها فهذا شرط غير منهي عنه فيتعين الوفاء به. # 25 - (وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: رخص رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عام أوطاس في المتعة ثلاثة أيام ثم نهى عنها رواه مسلم. اعلم أن حقيقة ~~المتعة كما في كتب الامامية هي النكاح المؤقت بأمد معلوم أو مجهول وغايته ~~إلى خمسة وأربعين يوما " ويرتفع النكاح بانقضاء المؤقت في المنقطعة الحيض ~~وبحيضتين في الحائض وبأربعة أشهر PageV03P125 # وعشر في المتوفى عنها زوجها. ألا يثبت لها مهر غير المشروط ولا تثبت لها ~~نفقة ولا توارث ولا عدة إلا الاستبراء بما ذكر. ولا يثبت به نسب إلا أن ~~يشترط وتحرم المصاهرة بسببه، هذا كلامهم. وحديث سلمة هذا أفاد أنه (ص) ms0816 رخص ~~في المتعة ثم نهى عنها واستمر النهي ونسخت الرخصة، وإلى نسخها ذهب الجماهير ~~من السلف والخلف. وقد روي نسخها بعد الترخيص في ستة مواطن: الأول: في خيبر. # الثاني: في عمرة القضاء. الثالث: عام الفتح. الرابع: عام أوطاس. الخامس: ~~غزوة تبوك. # السادس: في حجة الوداع. فهذه التي وردت إلا أن في ثبوت بعضها خلافا. قال ~~النووي: # الصواب أن تحريمها وإباحتها وقعا مرتين فكانت مباحة قبل خيبر ثم حرمت ~~فيها ثم أبيحت عام الفتح وهو عام أوطاس ثم حرمت تحريما مؤبدا. وإلى هذا ~~التحريم ذهب أكثر الأمة وذهب إلى بقاء الرخصة جماعة من الصحابة وروي رجوعهم ~~وقولهم بالنسخ، ومن أولئك ابن عباس، روي عنه بقاء الرخصة ثم رجع عنه إلى ~~القول بالتحريم. قال البخاري: بين علي رضي الله عنه عن النبي (ص) أنه ~~منسوخ. وأخرج ابن ماجة عن عمر بإسناد صحيح أنه خطب فقال: إن رسول الله (ص) ~~أذن لنا في المتعة ثلاثا ثم حرمها والله لا أعلم أحدا تمتع وهو محصن إلا ~~رجمته بالحجارة. وقال ابن عمر: نهانا رسول الله (ص) وما كنا مسافحين. ~~إسناده قوي والقول بأن إباحتها قطعي ونسخها ظني غير صحيح لان الراوين ~~لاباحتها رووا نسخها وذلك إما قطعي في الطرفين أو ظني في الطرفين كذا في ~~الشرح. وفي نهاية المجتهد أنها تواترت الاخبار بالتحريم إلا أنها اختلفت في ~~الوقت الذي وقع فيه التحريم انتهى وقد بسطنا القول في تحريمها في حواشي ضوء ~~النهار. # 26 - (وعن علي رضي الله عنه قال: نهى رسول الله (ص) عن المتعة عام خيبر. ~~متفق عليه). لفظه في البخاري: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة ~~وعن الحمر الأهلية زمن خيبر بالخاء المعجمة أوله والراء آخره. وقد وهم من ~~رواه عام حنين بمهملة أوله ونون آخره أخرجه النسائي والدارقطني ونبه على ~~أنه وهم. ثم الظاهر أن الظرف في رواية البخاري متعلق بالامرين معا المتعة ~~ولحوم الحمر الأهلية. وحكى البيهقي عن الحميدي أنه كان يقول سفيان بن ~~عيينة: في خيبر يتعلق ms0817 بالحمر الأهلية لا بالمتعة. # قال البيهقي: وهو محتمل ذلك ولكن أكثر الروايات يفيد تعلقه بهما. وفي ~~رواية لأحمد من طريق معمر بسنده أنه بلغه: أن ابن عباس رخص في متعة النساء ~~فقال له: إن رسول الله (ص) نهى عنه يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأهلية. إلا ~~أنه قال السهيلي: # إنه لا يعرف عن أهل السير ورواة الآثار أنه نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر ~~قال: والذي يظهر أنه وقع تقديم وتأخير. وقد ذكر ابن عبد البر أن الحميدي ~~ذكر عن ابن عيينة أن النهي زمن خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأما المتعة ~~فكان في غير يوم خيبر. وقال PageV03P126 # أبو عوانة في صحيحه: سمعت أهل العلم يقولون: معنى حديث علي أنه نهى يوم ~~خيبر عن لحوم الحمر، وأما المتعة فسكت عنها وإنما نهى عنها يوم الفتح. ~~والحامل لهؤلاء على ما سمعت ثبوت الرخصة بعد زمن خيبر ولا تقوم لعلي الحجة ~~على ابن عباس إلا إذا وقع النهي أخيرا إلا أنه يمكن الانفصال عن ذلك بأن ~~عليا رضي الله عنه لم تبلغه فيها يوم الفتح لوقوع النهي عن قرب ويمكن أن ~~عليا عرف بالرخصة يوم الفتح ولكن فهم توقيت الترخيص وهو أيام شدة الحاجة مع ~~العزوبة وبعد مضي ذلك فهي باقية على أصل التحريم المتقدم فتقوم له الحجة ~~على ابن عباس. وأما قول ابن القيم: إن المسلمين لم يكونوا يستمتعون ~~بالكتابيات يريد فيقوى أن النهي لم يقع عام خيبر إذ لم يقع هناك نكاح متعة ~~فقد يجاب عنه بأنه قد يكون هناك مشركات غير كتابيات فإن أهل خيبر كانوا ~~يصاهرون الأوس والخزرج قبل الاسلام فلعله كان هناك من نساء الأوس والخزرج ~~من يستمتعون منهن. # 27 - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لعن رسول الله (ص) المحلل والمحلل ~~له رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه، وفي الباب عن علي رضي الله عنه) ~~ولفظه عن علي أنه صلى الله عليه وسلم " لعن المحلل والمحلل له " (أخرجه ~~الأربعة إلا النسائي) وصحح حديث ابن مسعود ابن ms0818 القطان وابن دقيق العيد على ~~شرط البخاري. وقال الترمذي: # حديث حسن صحيح والعمل عليه عند أهل العلم منهم عمر وعثمان وعبد الله بن ~~عمر وهو قول الفقهاء من التابعين. وأما حديث علي رضي الله عنه ففي إسناده ~~مجالد وهو ضعيف وصححه ابن السكن وأعله الترمذي ورواه ابن ماجة والحاكم من ~~حديث عقبة بن عامر ولفظه قال: # قال رسول الله (ص): ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله ~~قال: فهو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له. والحديث دليل على تحريم ~~التحليل لأنه لا يكون اللعن إلا على فاعل المحرم وكل محرم منهي عنه والنهي ~~يقتضي فساد العقد. واللعن وإن كان ذلك للفاعل لكنه علق بوصف يصح أن يكون ~~علة الحكم. وذكروا للتحليل صورا منها أن يقول له في العقد: إذا أحللتها فلا ~~نكاح وهذا مثل نكاح المتعة لأجل التوقيت. # ومنها أن يقول في العقد: إذا أحللتها طلقتها. ومنها أن يكون مضمرا عند ~~العقد بأن يتواطأ على التحليل ولا يكون النكاح الدائم هو المقصود. وظاهر ~~شمول اللعن فساد العقد لجميع الصور، وفي بعضها خلاف بلا دليل ناهض فلا ~~يشتغل بها. # 28 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله رواه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات). ~~الحديث دليل على أنه يحرم على المرأة أن تزوج بمن ظهر زناه ولعل الوصف ~~بالمجلود بناء على الأغلب في حق من ظهر منه الزنا وكذلك يحرم عليه أن يتزوج ~~بالزانية التي ظهر زناها. # وهذا الحديث موافق قوله تعالى: * (وحرم ذلك على المؤمنين) * إلا أنه حمل ~~الحديث والآية PageV03P127 # الأكثر من العلماء على أن معنى لا ينكح لا يرغب الزاني المجلود إلا في ~~مثله والزانية لا ترغب في نكاح غير العاهر هكذا تأولوهما. والذي يدل عليه ~~الحديث والآية النهي عن ذلك لا الاخبار عن مجرد الرغبة وأنه يحرم نكاح ~~الزاني العفيفة والعفيف الزانية ولا أصرح من قوله * (وحرم ذلك على ~~المؤمنين) * أي كاملي الايمان الذين هم ليسوا بزناة ms0819 وإلا فإن الزاني لا ~~يخرج عن مسمى الايمان عند الأكثر. # 29 - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: طلق رجل امرأته ثلاثا فتزوجها رجل ~~ثم طلقها قبل أن يدخل بها فأراد زوجها الأول أن يتزوجها فسئل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن ذلك فقال: لا، حتى يذوق الآخر من عسيلتها) مصغر عسل وأنث ~~لان العسل مؤنث وقيل إنه يذكر ويؤنث (ما ذاق الأول متفق عليه واللفظ ~~لمسلم). اختلف في المراد بالعسيلة فقيل: إنزال المني وأن التحليل لا يكون ~~إلا بذلك وذهب إليه الحسن. وقال الجمهور: # ذوق العسيلة كناية عن المجامعة وهو تغييب الحشفة من الرجل في فرج المرأة ~~ويكفي منه ما يوجب الحد ويوجب الصداق. وقال الأزهري: الصواب أن معنى ~~العسيلة حلاوة الجماع التي تحصل بتغييب الحشفة. قال أبو عبيدة: العسيلة لذة ~~الجماع والعرب تسمي كل شئ تستلذه عسلا والحديث محتمل. وأما قول سعيد بن ~~المسيب إنه يحصل التحليل بالعقد الصحيح فقال ابن المنذر: لا نعلم أحدا ~~وافقه عليه إلا الخوارج ولعله لم يبلغه الحديث فأخذ بظاهر القرآن. وأما ~~رواية ذلك عن سعيد بن جبير فلا يوجد مسندا عنه في كتاب إنما نقله أبو جعفر ~~النحاس في معاني القرآن وتبعه عبد الوهاب المالكي في شرح الرسالة وقد حكى ~~ابن الجوزي مثل قول ابن المسيب عن داود. # باب الكفاءة والخيار الكفاءة المساواة أو المماثلة والكفاءة في الدين ~~معتبرة فلا يحل تزوج مسلمة بكافر إجماعا. # 1 - (عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): العرب بعضهم أكفاء ~~بعض، والموالي بعضهم أكفاء بعض، إلا حائكا أو حجاما. # رواه الحاكم وفي إسناده راو لم يسم، واستنكره أبو حاتم، وله شاهد عند ~~البزار عن معاذ بن جبل بسند منقطع). وسأل ابن أبي حاتم عن هذا الحديث أباه ~~فقال: هذا كذب لا أصل له وقال في موضع آخر: باطل، ورواه ابن عبد البر في ~~التمهيد. قال الدارقطني في العلل: لا يصح. وحدث به هشام بن عبيد الراوي ~~فزاد فيه بعد (أو حجاما): أو ms0820 دباغا فاجتمع عليه الدباغون وهموا به. قال ابن ~~عبد البر: هذا منكر موضوع وله طرق كلها واهية. والحديث دليل على أن العرب ~~سواء في الكفاءة بعضهم لبعض وأن الموالي ليسوا أكفاء لهم. وقد اختلف ~~العلماء في المعتبر من الكفاءة اختلافا كثيرا والذي يقوى هو ما ذهب إليه ~~زيد بن علي ومالك ويروى عن عمر وابن مسعود وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز ~~وهو أحد قولي الناصر أن المعتبر الدين لقوله تعالى: * (أن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم) * PageV03P128 # ولحديث: الناس كلهم ولد آدم وتمامه: وآدم من تراب أخرجه ابن سعد من حديث ~~أبي هريرة وليس فيه لفظ كلهم والناس كأسنان المشط لا فضل لاحد على أحد إلا ~~بالتقوى أخرجه ابن لآل بلفظ قريب من لفظ حديث سهل بن سعد. وأشار البخاري ~~إلى نصرة هذا القول حيث قال: باب الأكفاء في الدين وقوله تعالى: * (وهو ~~الذي خلق من الماء بشرا - الآية. فاستنبط من الآية الكريمة المساواة بين ~~بني آدم ثم أردفه بإنكاح أبي حذيفة من سالم بابنة أخيه هند بنت الوليد بن ~~عتبة بن ربيعة وسالم مولى لامرأة من الأنصار وقد تقدم حديث: فعليك بذات ~~الدين وقد خطب النبي (ص) يوم فتح مكة فقال الحمد لله الذي أذهب عنكم عبية - ~~بضم المهملة وكسرها - الجاهلية وتكبرها، يا أيها الناس إنما الناس رجلان: ~~مؤمن تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، ثم قرأ الآية وقال (ص): ~~من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله. فجعل صلى الله عليه وسلم الالتفات ~~إلى الأنساب من عبثية الجاهلية وتكبرها فكيف يعتبرها المؤمن ويبني عليها ~~حكما شرعيا. وفي الحديث " أربع من أمور الجاهلية لا يتركها الناس. ثم ذكر ~~منها الفخر بالأنساب أخرجه ابن جرير من حديث ابن عباس. وفي الأحاديث شئ ~~كثير في ذم الالتفات إلى الترفع بها. وقد أمر (ص) بني بياضة بإنكاح أبي هند ~~الحجام وقال " إنما هو امرؤ من المسلمين فنبه على الوجه المقتضي لمساواتهم ~~وهو الاتفاق في وصف الاسلام. # وللناس في هذه المسألة ms0821 عجائب لا تدور على دليل غير الكبرياء والترفع ولا ~~إله إلا الله كم حرمت المؤمنات النكاح لكبرياء الأولياء واستعظامهم أنفسهم. ~~اللهم إنا نبرأ إليك من شرط ولده الهوى ورباه الكبرياء. ولقد منعت ~~الفاطميات في جهة اليمن ما أحل الله لهن من النكاح لقول بعض أهل مذهب ~~الهادوية إنه يحرم نكاح الفاطمية إلا من فاطمي من غير دليل ذكروه وليس ~~مذهبا لامام المذهب الهادي عليه السلام بل زوج بناته من الطبريين، وإنما ~~نشأ هذا القول من بعده في أيام الإمام أحمد بن سليمان وتبعهم بيت رياستها ~~فقالوا بلسان الحال تحرم شرائفهم على الفاطميين إلا من مثلهم وكل ذلك من ~~غير علم ولا هدى ولا كتاب منير بل ثبت خلاف ما قالوه عن سيد البشر كما دل ~~له: # 2 - (وعن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها: أن النبي (ص) قال لها: # انكحي أسامة رواه مسلم). وفاطمة قرشية فهرية أخت الضحاك بن قيس وهي من ~~المهاجرات الأول كانت ذات جمال وفضل وكمال جاءت إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعد أن طلقها أبو عمرو بن حفص بن المغيرة بعد انقضاء عدتها منه ~~فأخبرته أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباها فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال ~~له انكحي أسامة بن زيد - الحديث فأمرها بنكاح أسامة مولاه ابن مولاه وهي ~~قرشية وقدمه على أكفائها ممن ذكر ولا أعلم أنه PageV03P129 # طلب من أحد أوليائها اسقاط حقه. وكأن المصنف رحمه الله أورد هذا الحديث ~~بعد بيان ضعف الحديث الأول للإشارة إلى أنه لا عبرة في الكفاءة بغير الدين ~~كما أورد لذلك قوله: # 3 - (وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي (ص) قال: يا بني بياضة ~~انكحوا أبا هند) اسمه يسار وهو الذي حجم النبي (ص) وكان مولى لبني بياضة ~~(وأنكحوا إليه وكان حجاما، رواه أبو داود والحاكم بسند جيد). فهو من أدلة ~~عدم اعتبار كفاءة الأنساب وقد صح ms0822 أن بلالا نكح هالة بنت عوف أخت عبد الرحمن ~~بن عوف وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على سلمان الفارسي. # 4 - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: خيرت بريرة على زوجها حين عتقت، متفق ~~عليه في حديث طويل، ولمسلم عنها رضي الله عنها: أن زوجها كان عبدا. وفي ~~رواية عنها: كان حرا والأول أثبت) لأنه جزم البخاري أنه كان عبد الله ولذا ~~قال: (وصح عن ابن عباس عند البخاري أنه كان عبدا). ورواه علماء المدينة ~~وإذا روى علماء المدينة شيئا رأوه فهو أصح. وأخرجه أبو داود من حديث ابن ~~عباس بلفظ: إن زوج بريرة كان عبدا أسود يسمى مغيثا فخيرها النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأمرها أن تعتد. وفي البخاري عن ابن عباس: ذاك مغيث عبد بني فلان ~~يعني زوج بريرة. وفي أخرى عند البخاري: كان زوج بريرة عبدا أسود يقال له ~~مغيث. قال الدارقطني: لم تختلف الرواية عن عروة عن عائشة أنه كان عبدا. ~~وكذا قال جعفر بن محمد عن أبيه عن عائشة. قال النووي: يؤيد قول من قال كان ~~عبدا قول عائشة: كان عبدا فأخبرت وهي صاحبة القصة بأنه كان عبدا. فصح رجحان ~~كونه عبدا قوة وكثرة وحفظا. والحديث دليل على ثبوت الخيار للمعتقة بعد ~~عتقها في زوجها إذا كان عبدا وهو إجماع. واختلف إذا كان حرا فقيل لا يثبت ~~لها الخيار وهو قول الجمهور قالوا: لان العلة في ثبوت الخيار. إذا كان عبدا ~~هو عدم المكافأة من العبد للحرة في كثير من الاحكام فإذا عتقت ثبت لها ~~الخيار من البقاء في عصمته. أو المفارقة لأنها في وقت العقد عليها لم تكن ~~من أهل الاختيار. وذهبت الهادوية والشعبي وآخرون إلى أنه يثبت لها الخيار. ~~وإن كان حرا. احتجوا بأنه قد ورد في رواية: أن زوج بريرة كان حرا. ورده ~~الأولون بأنها رواية مرجوحة لا يعمل بها. قالوا: ولأنها عند تزويجها لم يكن ~~لها اختيار. فإن سيدها يزوجها وإن كرهت فإذا أعتقت تجدد لها حال لم يكن قبل ~~ذلك. ms0823 قال ابن القيم: # في تخييرها ثلاثة مآخذ وذكر مأخذين وضعفهما ثم ذكر الثالث وهو أرجحها. # وتحقيقه أن السيد عقد عليها بحكم الملك حيث كان مالكا لرقبتها ومنافعها ~~والعتق يقتضي تمليك الرقبة والمنافع للمعتق وهذا مقصود العتق وحكمته فإذا ~~ملكت رقبتها ملكت بضعها ومنافعها ومن جملتها منافع البضع فلا يملك عليها ~~إلا باختيارها فخيرها الشارع بين الامرين البقاء تحت الزوج أو الفسخ منه ~~وقد جاء في بعض طرق حديث بريرة: ملكت نفسك فاختاري. قلت: وهو من تعليق ~~الحكم وهو الاختيار على ملكها لنفسها فهو إشارة إلى علة التخيير وهذا يقتضي ~~ثبوت الخيار إن كانت تحت حر. وهل يقع الفسخ بلفظ الاختيار PageV03P130 # قيل: نعم كما يدل له قوله في الحديث: خيرت. وقيل: لا بد من لفظ الفسخ. ثم ~~إذا اختارت نفسها لم يكن للزوج الرجعة عليها وإنما يراجعها بعقد جديد إن ~~رضيت به ولا يزال لها الخيار بعد علمها ما لم يطأها لما أخرجه أحمد عنه ~~(ص): إذا عتقت الأمة فهي بالخيار ما لم يطأها إن تشأ فارقته وإن وطئها فلا ~~خيار لها وأخرجه الدارقطني بلفظ: إن وطئك فلا خيار لك " وأخرجه أبو داود ~~بلفظ " إن قاربك فلا خيار لك " فدل أن الوطئ مانع من الخيار وإليه ذهب ~~الحنابلة. # واعلم أن هذا الحديث جليل قد ذكره العلماء في مواضع من كتبهم في الزكاة ~~وفي العتق وفي البيع وفي النكاح وذكره البخاري في البيع وأطال المصنف في ~~عدة ما استخرج منه من الفوائد حتى بلغت مائة واثنتين وعشرين فائدة فنذكر ما ~~له تعلق بالباب الذي نحن بصدده. (منها) جواز بيع أحد الزوجين الرقيقين دون ~~الآخر، وأن بيع الأمة المزوجة لا يكون طلاقا وأن عتقها لا يكون طلاقا ولا ~~فسخا. وأن للرقيق أن يسعى في فكاك رقبته من الرق، وأن الكفارة معتبرة في ~~الحرية. قلت: قد أشار في الحديث إلى سبب تخييرها وهو ملكها نفسها كما عرفت ~~فلا يتم هذا وأن اعتبارها يسقط برضا المرأة التي لا ولي لها. ومما ذكر في ~~قصة بريرة ms0824 أن زوجها كان يتبعها في سكك المدينة يتحدر دمعه لفرط محبته لها ~~قالوا: فيؤخذ منه أن الحب يذهب الحياء وأنه يعذر من كان كذلك إذا كان بغير ~~اختيار منه فيعذر أهل المحبة في الله إذا حصل لهم الوجد عند سماع ما يفهمون ~~منه الإشارة إلى أحوالهم حيث يغتفر منهم ما لا يحصل عن اختيار كالرقص ~~ونحوه. قلت: لا يخفى أن زوج بريرة بكى من فراق محبه فمحب الله يبكي شوقا ~~إلى لقائه وخوفا من سخطه كما كان رسول الله (ص) يبكي عند سماع القرآن وكذلك ~~أصحابه ومن تبعهم بإحسان. وأما الرقص والتصفيق فشأن أهل الفسق والخلاعة لا ~~شأن من يحب الله ويخشاه فأعجب لهذا المأخذ الذي أخذوه من الحديث وذكره ~~المصنف في الفتح ثم سرد فيه غير ما ذكرناه وأبلغ فوائده إلى العدد الذي ~~وصفناه وفي بعضها خفاء وتكلف يليق بمثل كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. # 5 - (وعن الضحاك) تابعي معروف روى عن أبيه (ابن فيروز) بفتح الفاء وسكون ~~المثناة التحتية وضم الراء وسكون الواو آخره زاي هو أبو عبد الله (الديلمي) ~~ويقال الحميري لنزوله حمير وهو من أبناء فارس من فرس صنعاء كان ممن وفد على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي قتل العنسي الكذاب الذي ادعى النبوة في ~~سنة إحدى عشرة وأتى حين قتله النبي (ص) وهو مريض مرض موته وكان بين ظهوره ~~وقتله أربعة أشهر (عن أبيه رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله إني أسلمت ~~وتحتي أختان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: طلق أيتهما شئت رواه أحمد ~~والأربعة إلا النسائي وصححه ابن حبان والدارقطني والبيهقي وأعله البخاري) ~~بأنه رواه الضحاك عن أبيه ورواه عنه أبو وهب الجيشاني - بفتح الجيم وسكون ~~المثناة التحتية والشين المعجمة فنون. قال البخاري: لا نعرف سماع بعضهم من ~~بعض. والحديث دليل على اعتبار أنكحة الكفار وإن خالفت نكاح الاسلام ~~PageV03P131 # وأنها لا تخرج المرأة من الزوج إلا بطلاق بعد الاسلام وأنه يبقى بعد ~~الاسلام بلا تجديد عقد ms0825 " وهذا مذهب مالك وأحمد والشافعي وداود. وعند ~~الهادوية والحنفية أنه لا يقر منه إلا ما وافق الاسلام وتأولوا هذا الحديث ~~بأن المراد بالطلاق الاعتزال وإمساك الأخت الأخرى التي بقيت عنده بعقد ~~جديد. ولا يخفى أنه تأويل متعسف وكيف يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من دخل في الاسلام ولم يعرف الاحكام بمثل هذا وكذلك تأولوا مثل هذا قوله: # 6 - (وعن سالم عن أبيه رضي الله عنه) عبد الله بن عمر (أن غيلان بن سلمة) ~~هو ممن أسلم بعد فتح الطائف ولم يهاجر وهو من أعيان ثقيف ومات في خلافة عمر ~~(أسلم وله عشر نسوة فأسلمن معه فأمره النبي (ص) أن يتخير منهن أربعا. رواه ~~أحمد والترمذي وصححه ابن حبان والحاكم وأعله البخاري وأبو زرعة). قال ~~الترمذي: قال البخاري هذا الحديث غير محفوظ. وأطال المصنف في التلخيص ~~الكلام على الحديث. وأخصر منه وأحسن إفادة كلام ابن كثير في الارشاد. قال ~~عقب سياقه له: رواه الامامان أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي وأحمد بن ~~حنبل والترمذي وابن ماجة وهذا الاسناد رجاله على شرط الشيخين إلا أن ~~الترمذي يقول: سمعت البخاري يقول: هذا حديث غير محفوظ والصحيح ما روى شعيب ~~وغيره عن الزهري قال: حدثت عن محمد بن شعيب الثقفي أن غيلان فذكره. # قال البخاري: وإنما حديث الزهري عن سالم عن أبيه: أن رجلا من ثقيف طلق ~~نساءه فقال له عمر: لتراجعن نساءك الحديث. قال ابن كثير: قلت: قد جمع ~~الإمام أحمد في روايته لهذا الحديث بين هذين الحديثين بهذا السند فليس ما ~~ذكره البخاري قادحا وساق رواية النسائي له برجال ثقات إلا أنه يرد على ابن ~~كثير ما نقله الأثرم عن أحمد أنه قال: هذا الحديث غير صحيح والعمل عليه. ~~وهو دليل على ما دل عليه حديث الضحاك. ومن تأول ذلك تأول هذا. # فائدة سبقت إشارة إلى قصة تطليق رجل من ثقيف نساءه. وذلك أنه اختار ~~أربعا، فلما كان في عهد عمر طلق نساءه وقسم ماله بين بنيه فلما بلغ ms0826 ذلك عمر ~~قال: إني لأظن الشيطان مما يسترق من السمع سمع بموتك فقذفه في نفسك وأعلمك ~~أنك لا تمكث إلا قليلا وأيم لتراجعن نساءك ولترجعن مالك أو لأورثهن منك ~~ولآمرن بقبرك فليرجم كما رجم قبر أبي رغال الحديث. ووقع في الوسيط ابن ~~غيلان وهو وهم بل هو غيلان. وأشد منه وهما ما وقع في مختصر ابن الحاجب ابن ~~عيلان بالعين المهملة. وفي سنن أبي داود: أن قيس بن الحرث أسلم وعنده ثمان ~~نسوة فأمره النبي (ص) أن يختار أربعا " وروى الشافعي والبيهقي عن نوفل بن ~~معاوية أنه قال: أسلمت وتحتي خمس نسوة فسألت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: فارق واحدة وأمسك أربعا، فعمدت إلى أقدمهن عندي عاقر من ستين سنة ~~ففارقتها. وعاش نوفل بن معاوية مائة وعشرين سنة ستين في الاسلام ~~PageV03P132 # وستين في الجاهلية. وفي كلام عمر ما يدل على إبطال الحيلة لمنع التوريث ~~وأن الشيطان قد يقذف في قلب العبد ما يسترقه من السمع من أحواله وأنه يرجم ~~القبر عقوبة للعاصي وإهانة وتحذيرا عن مثل ما فعله. # 7 - (عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: رد النبي (ص) ابنته زينب على أبي ~~العاص بن الربيع بعد ست سنين بالنكاح الأول ولم يحدث نكاحا رواه أحمد ~~والأربعة إلا النسائي وصححه أحمد والحاكم). قال الترمذي: حسن وليس بإسناده ~~بأس وفي لفظ لأحمد كان إسلامها قبل إسلامه بست سنين وعنى بإسلامها هجرتها، ~~وإلا فهي أسلمت مع سائر بناته صلى الله عليه وسلم، وهن أسلمن منذ بعثه الله ~~وكانت هجرتها بعد وقعة بدر بقليل ووقعة بدر كانت في رمضان من السنة الثانية ~~من هجرته صلى الله عليه وسلم وحرمت المسلمات على الكفار في الحديبية سنة ست ~~من ذي القعدة منها، فيكون مكثها بعد ذلك نحوا من سنتين ولهذا ورد في رواية ~~أبي داود ردها عليه بعد سنتين، وهكذا قرر ذلك أبو بكر البيهقي. قال ~~الترمذي: لا يعرف وجه هذا الحديث، يشير إلى أنه كيف ردها عليه بعد ست سنين ~~أو ثلاث أو ms0827 سنتين وهو مشكل لاستبعاد أن تبقى عدتها هذه المدة ولم يذهب أحد ~~إلى تقرير المسلمة تحت الكافر إذا تأخر إسلامه عن إسلامها. # نقل الاجماع في ذلك ابن عبد البر وأشار إلى أن بعض أهل الظاهر جوزه ورد ~~بالاجماع وتعقب بثبوت الخلاف فيه عن علي والنخعي أخرجه ابن أبي شيبة عنهما ~~وبه أفتى حماد شيخ أبي حنيفة فروى عن علي أنه قال: في الزوجين الكافرين ~~يسلم أحدهم: هو أملك لبضعها ما دامت في دار هجرتها وفي رواية: هو أولى بها ~~ما لم تخرج من مصرها. وفي رواية عن الزهري أنه: إن أسلمت ولم يسلم زوجها ~~فهما على نكاحهما ما لم يفرق بينهما سلطان. # وقال الجمهور: إن أسلمت الحربية وزوجها حربي وهي مدخول بها فإن أسلم وهي ~~في العدة فالنكاح باق وإن أسلم بعد انقضاء عدتها وقعت الفرقة بينهما وهذا ~~الذي ادعى عليه الاجماع في البحر. وادعاه ابن عبد البر كما عرفت. وتأول ~~الجمهور حديث زينب بأن عدتها لم تكن قد انقضت وذلك بعد نزول آية التحريم ~~لبقاء المسلمة تحت الكافر وهو مقدار سنتين وأشهر لان الحيض قد يتأخر مع بعض ~~النساء فردها (ص) لما كانت العدة غير منقضية. وقيد المراد بقوله بالنكاح ~~الأول: أنه لم يحدث زيادة شرط ولا مهر، ورد هذا ابن القيم وقال: لا نعرف ~~اعتبار العدة في شئ من الأحاديث ولا كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل ~~المرأة هل انقضت عدتها أم لا. ولا ريب أن الاسلام لو كان بمجرده فرقة لكانت ~~فرقة بائنة لا رجعية فلا أثر للعدة في بقاء النكاح. وإنما أثرها في منع ~~نكاحها للغير، فلو كان الاسلام قد نجز الفرقة بينهما لم يكن أحق بها في ~~العدة ولكن الذي دل عليه PageV03P133 # حكمه صلى الله عليه وسلم أن النكاح موقوف فإن أسلم قبل انقضاء عدتها فهي ~~زوجته. # وإن انقضت عدتها فلها أن تنكح من شاءت. وإن أحبت انتظرته فإن أسلم كانت ~~زوجته من غير حاجة إلى تجديد نكاح. ولا يعلم أحد جدد بعد الاسلام ms0828 نكاحه ~~البتة بل كان الواقع أحد الامرين إما افتراقهما ونكاحها غيره وإما بقاؤهما ~~عليه وإن تأخر إسلامه. # وأما تنجيز الفرقة ومراعاة العدة فلا يعلم أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قضى بواحد منهما مع كثرة من أسلم في عهده. وقرب إسلام أحد الزوجين من ~~الآخر وبعده منه. قال: ولولا إقراره صلى الله عليه وسلم الزوجين على ~~نكاحهما وإن تأخر إسلام أحدهما عن الآخر بعد صلح الحديبية وزمن الفتح لقلنا ~~بتعجيل الفرقة بالاسلام من غير اعتبار عدة لقوله تعالى: # * (لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن) * وقوله تعالى: * (ولا تمسكوا بعصم ~~الكوافر) * ثم سرد قضايا توكد ما ذهب إليه وهو أقرب الأقوال في المسألة. # 8 - (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي (ص) رد ابنته زينب على ~~أبي العاص بن الربيع بنكاح جديد. قال الترمذي حديث ابن عباس أجود إسنادا، ~~والعمل على حديث عمرو بن شعيب). قال الحافظ ابن كثير في الارشاد: قال ~~الإمام أحمد: هذا حديث ضعيف وحجاج لم يسمعه من عمرو بن شعيب إنما سمعه من ~~محمد بن عبد الله العزرمي والعزرمي لا يساوي حديثه شيئا، قال: والصحيح حديث ~~ابن عباس يعني المتقدم، وهكذا قال البخاري والترمذي والدارقطني والبيهقي ~~وحكاه عن حفاظ الحديث. # وأما: ابن عبد البر فإنه جنح إلى ترجيح رواية عمرو بن شعيب وجمع بينه ~~وبين حديث ابن عباس فحمل قوله في حديث ابن عباس بالنكاح الأول أي بشروطه ~~ومعنى لم يحدث شيئا أي لم يزد على ذلك شيئا. وقد أشرنا إليه آنفا. قال: ~~وحديث عمرو بن شعيب تعضده الأصول وقد صرح فيه بوقوع عقد جديد ومهر جديد. ~~والاخذ بالصريح أولى من الاخذ بالمحتمل انتهى. قلت: يرد تأويل حديث ابن ~~عباس تصريح ابن عباس في رواية فلم يحدث شهادة ولا صداقا رواه ابن كثير في ~~الارشاد ونسبه إلى اخراج الإمام أحمد له. # وأما قول الترمذي: والعمل على حديث عمرو بن شعيب فإنه يريد عمل أهل ~~العراق، ولا يخفى أن عملهم بالحديث الضعيف ms0829 وهجر القوي لا يقوى بل يضعف ما ~~ذهبوا إليه من العمل. # 9 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أسلمت امرأة فتزوجت فجاء زوجها ~~فقال: يا رسول الله، إني كنت أسلمت وعلمت بإسلامي، فانتزعها رسول الله (ص) ~~من زوجها الآخر وردها إلى زوجها الأول رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وصححه ~~ابن حبان والحاكم). الحديث دليل على أنه إذا أسلم الزوج وعلمت امرأته ~~بإسلامه فهي في عقد نكاحه وإن تزوجت فهو تزوج باطل تنتزع من الزوج الآخر. ~~وقوله: وعلمت بإسلامي يحتمل أنه أسلم بعد انقضاء عدتها أو قبلها وأنها ترد ~~إليه على كل حال وأن علمها بإسلامه قبل تزوجها بغيره يبطل نكاحها مطلقا ~~سواء انقضت عدتها أم لا، فهو من الأدلة لكلام ابن القيم PageV03P134 # الذي قدمناه لان تركه (ص) الاستفصال هل علمت بعد انقضاء العدة أو لا دليل ~~على أنه لا حكم للعدة. إلا على كلام ابن القيم الذي قدمناه أنها بعد انقضاء ~~عدتها تزوج من شاءت لا تتم هذه القضية إلا على تقدير تزوجها في العدة كذا ~~قاله الشارح رحمه الله ولا يخفى أنه مشكل لأنه إن كان عقد الآخر بعد انقضاء ~~عدتها من الأول فنكاحها صحيح وإن كان قبل انقضاء عدتها فهو باطل إلا أن ~~يقال إنه أسلم وهي في العدة وإذا أسلم وهي فيها فالنكاح باق بينهما فتزوجها ~~بعد إسلامه باطل لأنها باقية في عقد نكاحها فهذا أقرب. # 10 - (وعن زيد بن كعب بن عجرة عن أبيه قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم العالية من بني غفار) بكسر الغين المعجمة ففاء خفيفة فراء بعد الألف ~~قبيلة معروفة (فلما دخلت عليه ووضعت ثيابها رأى بكشحها) بفتح الكاف فشين ~~معجمة فحاء مهملة: # هو ما بين الخاصرتين إلى الضلع كما في القاموس (بياضا فقال: البسي ثيابك ~~والحقي بأهلك وأمر لها بالصداق: رواه الحاكم وفي إسناده جميل بن زيد وهو ~~مجهول واختلف عليه في شيخه اختلافا كثيرا). اختلف في الحديث عن جميل فقيل ~~عنه كما قال المصنف وقيل عن ms0830 ابن عمر وقيل عن كعب بن عجرة وقيل عن كعب بن ~~زيد. # والحديث فيه دليل على أن البرص منفر ولا يدل الحديث على أنه يفسخ به ~~النكاح صريحا لاحتمال قوله (ص): الحقي بأهلك أنه قصد الطلاق إلا أنه قد روى ~~هذا الحديث ابن كثير بلفظ: أنه (ص) تزوج امرأة من بني غفار فلما دخلت عليه ~~رأى بكشحها وضحا فردها إلى أهلها وقال: دلستم علي فهو دليل على الفسخ. # وهذا الحديث ذكره ابن كثير في باب الخيار في النكاح والرد بالعيب. وقد ~~اختلف العلماء في فسخ النكاح بالعيوب فذهب أكثر الأمة إلى ثبوته وإن ~~اختلفوا في التفاصيل. فروي عن علي وعمر أنها لا ترد النساء إلا من أربع: من ~~الجنون والجذام والبرص والداء في الفرج وإسناده منقطع. وروى البيهقي بإسناد ~~جيد عن ابن عباس رضي الله عنه: أربع لا يجزن في بيع ولا نكاح: المجنونة ~~والمجذومة والبرصاء والعفلاء. والرجل يشارك المرأة في ذلك ويرد بالجب ~~والعنة على خلاف في العنة وفي أنواع من المنفرات خلاف. واختار ابن القيم أن ~~كل عيب ينفر الزوج الآخر منه ولا يحل به مقصود النكاح من المودة والرحمة ~~يوجب الخيار وهو أولى من البيع كما أن الشروط المشروطة في النكاح أولى ~~بالوفاء من الشرط في البيع. قال: ومن تدبر مقاصد الشرع في مصادره وموارده ~~وعدله وحكمته وما اشتملت عليه من المصالح لم يخف عليه رجحان هذا القول ~~وقربه من قواعد الشريعة. وقال: وأما الاقتصار على عيبين أو ثلاثة أو أربعة ~~أو خمسة أو ستة أو سبعة أو ثمانية دون ما هو أولى منها أو مساويها فلا وجه ~~له، فالعمى والخرس والطرش وكونها مقطوعة اليدين أو الرجلين أو إحداهما من ~~أعظم المنفرات والسكوت عنه من أقبح التدليس والغش وهو مناف للدين والاطلاق ~~إنما ينصرف إلى السلامة فهو كالمشروط عرفا. قال: وقد قال أمير المؤمنين عمر ~~بن الخطاب لمن تزوج امرأة وهو لا يولد له: أخبرها أنك عقيم. فماذا تقول في ~~العيوب الذي هذا عندها كمال لا نقص ms0831 انتهى. PageV03P135 # وذهب داود وابن حزم إلى أنه لا يفسخ النكاح بعيب البتة وكأنه لما لم يثبت ~~الحديث به ولا يقولون بالقياس لم يقولوا بالفسخ. # 11 - (وعن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أيما رجل ~~تزوج امرأة فدخل بها فوجدها برصاء أو مجنونة أو مجذومة فلها الصداق بمسيسه ~~إياها وهو له على من غره منها. أخرجه سعيد بن منصور ومالك وابن أبي شيبة ~~ورجاله ثقات). تقدم الكلام في الفسخ بالعيب. وقوله وهو أي المهر له أي ~~للزوج على من غره منها. أي يرجع عليه وإليه ذهب الهادي ومالك وأصحاب ~~الشافعي وذلك لأنه غرم لحقه بسببه. إلا أنهم اشترطوا علمه بالعيب فإذا كان ~~جاهلا فلا غرم عليه. وقول عمر: على من غره دال على ذلك إذ لا غرر منه إلا ~~مع العلم. وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه لا رجوع إلا أن الشافعي قال بها ~~في الجديد. قال ابن كثير في الارشاد: وقد حكى الشافعي في القديم عن عمر ~~وعلي وابن عباس في المغرور يرجع بالمهر على من غره ويعتضد بما تقدم من قوله ~~صلى الله عليه وسلم: من غشنا فليس منا. ثم قال الشافعي في الجديد: وإنما ~~تركنا ذلك لحديث أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فإن أصابها ~~فلها الصداق بما استحل من فرجها. قال: فجعل لها الصداق في النكاح الباطل ~~وهي التي غرته فلان يجعل لها الصداق بلا رجوع على الغار في النكاح الصحيح ~~الذي الزوج فيه مخير بطريق الأولى انتهى. وقد يقال هذا مطلق مقيد بحديث ~~الباب. # 12 - (وروى سعيد أيضا) يعني ابن منصور (عن علي رضي الله عنه نحوه وزاد: # أو بها قرن بفتح القاف وسكون الراء هو العفلة بفتح العين المهملة وفتح ~~الفاء واللام وهي تخرج في قبل النساء وحيا الناقة كالأدرة في الرجال ~~(فزوجها بالخيار فإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها). # 13 - (ومن طريق سعيد بن المسيب أيضا) أي وأخرج سعيد بن منصور من طريق ابن ~~المسيب: ms0832 (قال: قضى عمر رضي الله عنه في العنين أن يؤجل سنة، ورجاله ثقات) ~~بالمهملة فنون فمثناة تحتية فنون بزنة سكين، هو من لا يأتي النساء عجزا ~~لعدم انتشار ذكره، ولا يريدهن. والاسم العنانة والتعنين والعنينة بالكسر ~~ويشدد والعنة بالضم الاسم أيضا من عنن عن امرأته حكم عليه القاضي بذلك أو ~~منع بالسحر. وهذا الأثر دال على أنها عيب يفسخ بها النكاح بعد تحققها ~~واختلفوا في ذلك. والقائلون بالفسخ اختلفوا أيضا في إمهاله. ليحصل التحقيق. ~~فقيل يمهل سنة وهو مروي عن عمر وابن مسعود. وروي عن عثمان أنه لم يؤجله. ~~وعن الحارث بن عبد الله يؤجل عشرة أشهر. وذهب أحمد والهادي وجماعة إلى أنه ~~لا فسخ في ذلك. واستدلوا بأن الأصل عدم الفسخ وهو أثر لا حجة فيه وبأنه (ص) ~~لم يخير امرأة رفاعة وقد شكت منه ذلك وهو في موضع التعليم. وقد أجاب في ~~البحر بقوله: قلنا: لعل زوجها أنكر والظاهر معه. قلت: لا يخفى أن امرأة ~~رفاعة لم تشك من رفاعة فإنه كان قد PageV03P136 # طلقها فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير فجاءت تشكو إليه صلى الله عليه وسلم ~~وقالت: إنما معه مثل هدبة الثوب فقال صلى الله عليه وسلم: أتريدين أن ترجعي ~~إلى رفاعة؟ لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته. وفي الموطأ: أن رفاعة طلق ~~امرأته تميمة بنت وهب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث فنكحت عبد ~~الرحمن بن الزبير فأعرض عنها فلم يستطع أن يمسها ففارقها فأراد رفاعة أن ~~ينكحها وهو زوجها الأول، فقال صلى الله عليه وسلم: أتريدين الحديث. وبهذا ~~يعرف عدم صحة الاستدلال بقصة رفاعة فإنها لم تطلب الفسخ بل فهم منها صلى ~~الله عليه وسلم أنها تريد أن يراجعها رفاعة فأخبرها أن عبد الرحمن حيث لم ~~يذق عسيلتها ولا ذاقت عسيلته لا يحلها لرفاعة. وكيف يحمل حديثها على طلبها ~~الفسخ وقد أخرج مالك في الموطأ: أن عبد الرحمن لم يستطع أن يمسها فطلقها ~~فأراد رفاعة أن ينكحها وهو زوجها الأول. فجاءت تستفتي رسول ms0833 الله (ص) ~~فأجابها بأنها لا تحل له. وأما قصة أبي ركانة وهي: أنه نكح امرأة من مزينة ~~فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: # ما يغني عني إلا كما تغني عني هذه الشعرة - لشعرة أخذتها من رأسها - ففرق ~~بيني وبينه فأخذت النبي (ص) حمية فدعا بركانة وإخوته ثم قال لجلسائه أترون ~~فلانا؟ # يعني ولدا له - يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد وفلانا لابنه الآخر يشبه ~~منه كذا وكذا؟ # قالوا: نعم قال النبي (ص) لعبد يزيد: طلقها ففعل - الحديث أخرجه أبو داود ~~عن ابن عباس. والظاهر أنه لم يثبت عنده (ص) ما ادعته المرأة من العنة لأنها ~~خلاف الأصل. ولأنه (ص) تعرف أولاد بالقيافة وسأله عنها أصحابه (ص) فدل أنه ~~لم يثبت له أنه عنين فأمره الطلاق إرشادا إلى أنه ينبغي له فراقها حيث طلبت ~~ذلك منه لا أنه يجب عليه. # (فائدة) قال ابن المنذر: اختلفوا في المرأة تطالب الرجل بالجماع فقال ~~الأكثرون. إن وطئها بعد أن دخل بها مرة واحدة لم يؤجل أجل العنين وهو قول ~~الأوزاعي والثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وإسحاق. وقال أبو ثور: إن ترك ~~جماعها لعلة أجل لها سنة وإن كان لغير علة فلا تأجيل. وقال عياض: اتفق كافة ~~العلماء أن للمرأة حق في الجماع فيثبت، الخيار لها إذا تزوجت المجبوب ~~والممسوح جاهلة بهما ويضرب للعنين سنة لاختبار زوال ما به انتهى. قلت: ولم ~~يستدلوا على مقدار الاجل بالسنة بدليل ناهض إنما يذكر الفقهاء أنه لأجل أن ~~تمر به الفصول الأربعة فيتبين حينئذ حاله. # باب عشرة النساء بكسر العين وسكون الشين المعجمة أي عشرة الرجال أي ~~الأزواج النساء أي الزوجات. # 1 - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): ملعون ~~PageV03P137 # من أتى امرأة في دبرها رواه أبو داود والنسائي واللفظ له، ورجاله ثقات، ~~لكن أعل بالارسال). روي هذا الحديث بلفظه من طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة ~~منهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعمر وخزيمة وعلي بن طلق وطلق ms0834 بن علي ~~وابن مسعود وجابر وابن عباس وابن عمر والبراء وعقبة بن عامر وأنس وأبو ذر ~~وفي طرقة جميعها كلام ولكنه مع كثرة الطرق واختلاف الرواة يشد بعض طرقه ~~بعضا. ويدل على تحريم إتيان النساء في أدبارهن وإلى هذا ذهبت الأمة - إلا ~~القليل - للحديث. هذا ولان الأصل تحريم المباشرة إلا ما أحله الله ولم يحل ~~تعالى إلا القبل كما دل له قوله: * (فاتوا حرثكم أنى شئتم) * وقوله: * ~~(فأتوهن من حيث أمركم الله) *. فأباح موضع الحرث والمطلوب من الحرث نبات ~~الزرع فكذلك النساء الغرض من إتيانهن هو طلب النسل لا قضاء الشهوة وهو لا ~~يكون إلا في القبل فيحرم ما عدا موضع الحرث ولا يقاس عليه غيرة لعدم ~~المشابهة في كونه محلا للزرع. وأما حل الاستمتاع فيما عدا الفرج فمأخوذ من ~~دليل آخر وهو جواز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج وذهبت الإمامية إلى جواز ~~إتيان الزوجة والأمة بل المملوك في الدبر. وروي عن الشافعي أنه قال: # لم يصح في تحليله ولا تحريمه شئ والقياس أنه حلال، ولكن قال الربيع: ~~والله الذي لا إله إلا هو لقد نص الشافعي على تحريمه في ستة كتب ويقال: إنه ~~كان يقول بحله في القديم. # وفي الهدي النبوي عن الشافعي أنه قال: لا أرخص فيه بل أنهى عنه وقال: إن ~~من نقل عن الأئمة إباحته فقد غلط عليهم أفحش الغلط وأقبحه وإنما الذي ~~أباحوه أن يكون الدبر طريقا إلى الوطئ في الفرج فيطأ من الدبر لا في الدبر ~~فاشتبه على السامع انتهى. ويروى جواز ذلك عن مالك وأنكره أصحابه وقد أطال ~~الشارح القول في المسألة بما لا حاجة إلى استيفائه هنا وقرر آخرا تحريم ~~ذلك، ومن أدلة تحريمه قوله: # 2 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): لا ينظر الله ~~إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في دبرها رواه الترمذي والنسائي وابن حبان وأعل ~~بالوقف) على ابن عباس، ولكن المسألة لا مسرح للاجتهاد فيها سيما ذكر هذا ~~النوع من الوعيد فإنه لا ms0835 يدرك بالاجتهاد فله حكم الرفع. # 3 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من ~~كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن ~~خلقن من ضلع) بكسر الضاء المعجمة وفتح اللام وإسكانها واحد الأضلاع (وإن ~~أعوج شئ من الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج ~~فاستوصوا بالنساء خيرا) أي اقبلوا الوصية فيهن والمعنى أني أوصيكم بهن خيرا ~~أو المعنى يوصي بعضكم بعضا فيهن خيرا (متفق عليه واللفظ للبخاري، ولمسلم: ~~PageV03P138 # فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج) هو بكسر أوله على الأرجح (وإن ~~ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها). الحديث دليل على عظم حق الجار وأن من ~~آذى الجار فليس بمؤمن بالله واليوم الآخر وهذا إن كان يلزم منه كفر من آذى ~~جاره إلا أنه محمول على المبالغة لان من حق الايمان ذلك فلا ينبغي لمؤمن ~~الاتصاف به. وقد عد أذى الجار من الكبائر فالمراد من كان يؤمن إيمانا كاملا ~~وقد وصى الله على الجار في القرآن. وحد الجار إلى أربعين دارا كما أخرج ~~الطبراني أنه: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله إني ~~نزلت في محل بني فلان وإن أشدهم لي أذى أقربهم إلي دارا، فبعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم أبا بكرا وعمر وعليا رضي الله عنهم يأتون في المسجد فيصيحون ~~على أن أربعين دارا جار ولا يدخل الجنة من خاف جاره بوائقه. وأخرج الطبراني ~~في الكبير والأوسط: إن الله ليدفع بالمؤمن الصالح عن مائة بيت من جيرانه ~~وهذا فيه زيادة على الأول والأذية للمؤمن مطلقا محرمة قال تعالى: * (والذين ~~يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا وإثما مبينا) * ولكنه في حق ~~الجار أشد تحريما فلا يغتفر منه شئ وهو كل ما يعد في العرف أذى حتى ورد في ~~الحديث: أنه لا يؤذيه بقتار قدره إلا أن يغرف له من مرقته ولا يحجز عنه ~~الريح إلا بإذنه وإن اشترى فاكهة أهدى إليه منها. وحقوق ms0836 الجار مستوفاة في ~~الاحياء للغزالي. وقوله: واستوصوا تقدم بيان معناه وعلله بقوله: فإنهن خلقن ~~من ضلع يريد خلقن خلقا فيه اعوجاج لأنهن خلقن من أصل معوج والمراد أن حواء ~~أصلها خلقت من ضلع آدم كما قال تعالى: * (وخلق منها زوجها) * بعد قوله: * ~~(خلقكم من نفس واحدة) *. وأخرج ابن إسحاق من حديث ابن عباس: إن حواء خلقت ~~من ضلع آدم الأقصر الأيسر وهو نائم. وقوله: وإن أعوج ما في الضلع إخبار ~~بأنها خلقت من أعوج أجزاء الضلع مبالغة في إثبات هذه الصفة لهن. وضمير ~~قوله: تقيمه وكسرته للضلع وهو يذكر ويؤنث وكذا جاء في لفظ البخاري: تقيمها ~~وكسرتها، ويحتمل أنه للمرأة ورواية مسلم صريحة في ذلك حيث قال: وكسرها ~~طلاقها. والحديث فيه الامر بالوصية بالنساء والاحتمال لهن والصبر على عوج ~~أخلاقهن وأنه لا سبيل إلى إصلاح أخلاقهن بل لا بد من العوج فيها وأنه من ~~أصل الخلقة وتقدم ضبط العوج هنا. وقد قال أهل اللغة العوج: بالفتح في كل ~~منتصب كالحائط والعود وشبههما وبالكسر ما كان في بساط أو معاش أو دين ~~ويقال: فلان في دينه عوج بالكسر. # 4 - (وعن جابر رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في ~~غزوة، فلما قدمنا المدينة ذهبنا لندخل فقال صلى الله عليه وسلم: أمهلوا حتى ~~تدخلوا ليلا يعني عشاء - لكي تمتشط الشعثة) بفتح الشين المعجمة وكسر العين ~~المهملة فمثناة PageV03P139 # (وتستحد) بسين وحاء مهملتين (المغيبة) بضم الميم وكسر المعجمة بعدها ~~مثناة تحتية ساكنة فموحدة مفتوحة التي غاب عنها زوجها (متفق عليه). فيه ~~دليل على أنه يحسن التأني للقادم على أهله حتى يشعروا بقدومه قبل وصوله ~~بزمان يتسع لما ذكر من تحسين هيئات من غاب عنهن أزواجهن من الامتشاط وإزالة ~~الشعر بالموسى مثلا من المحلات التي يحسن إزالته منها وذلك لئلا يهجم على ~~أهله وهم في هيئة غير مناسبة فينفر الزوج عنهن والمراد إذا سافر سفرا يطيل ~~فيه الغيبة كما دل له قوله. (وفي رواية البخاري) أي عن جابر (إذا أطال ~~أحدكم ms0837 الغيبة فلا يطرق أهله ليلا) قال أهل اللغة: الطروق المجئ بالليل من ~~سفر وغيره على غفلة ويقال لكل آت بالليل طارق ولا يقال في النهار إلا مجازا ~~وقوله: ليلا ظاهره تقييد النهي بالليل وأنه لا كراهة في دخوله إلى أهله ~~نهارا من غير شعورهم واختلف في علة التفرقة بين الليل والنهار. فعلل ~~البخاري في ترجمة الباب بقوله: باب لا يطرق الرجل أهله ليلا إذا أطال ~~الغيبة مخافة أن يتخونهم أو يتلمس عثراتهم فعلى هذا التعليل يكون الليل جزء ~~العلة لان الريبة تغلب في الليل وتندر في النهار وإن كانت العلة ما صرح به. ~~وهو قوله لكي تمتشط إلى آخره فهو حاصل في الليل والنهار. قيل: ويحتمل أن ~~يكون معتبرا على كلا التقديرين، فإن الغرض منه التنظيف والتزيين وتحصيل ~~لكمال الغرض من قضاء الشهوة وذلك في الأغلب يكون في الليل فالقادم في ~~النهار يتأنى ليحصل لزوجته التنظيف والتزيين لوقت المباشرة، وهو الليل ~~بخلاف القادم في الليل. وكذلك ما يخشى منه من العثور على وجود أجنبي، وهو ~~في الأغلب يكون في الليل. وقد أخرج ابن خزيمة عن ابن عمر قال: نهى رسول ~~الله (ص) أن تطرق النساء ليلا فطرق رجلان كلاهما فوجد - يريد كل واحد منهما ~~- مع امرأته ما يكره. وأخرج أبو عوانة في صحيحه من حديث جابر: أن عبد الله ~~بن رواحة أتى امرأته ليلا وعندها امرأة تمشطها فظنها رجلا فأشار إليها ~~بالسيف، فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يطرق الرجل أهله ~~ليلا. وفي الحديث الحث على البعد عن تتبع عورات الأهل، والحث على ما يجلب ~~التودد والتحاب بين الزوجين وعدم التعرض لما يوجب سوء الظن بالأهل، وبغيرهم ~~أولى. وفيه أن الاستحداد ونحوه مما تتزين به المرأة لزوجها محبوب للشرع، ~~وأنه ليس من تغيير خلق الله المنهي عنه. # 5 - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته) من أفضى ~~الرجل إلى ms0838 المرأة جامعها أو خلا بها جامع أو لا، كما في القاموس (وتفضي ~~إليه ثم ينشر سرها) أي وتنشر سره (أخرجه مسلم) إلا أنه بلفظ إن من أشر ~~الناس. قال القاضي عياض: وأهل النحو يقولون: لا يجوز أشر وأخير وإنما يقال ~~هو خير منه وشر منه. # قال: وقد جاءت الأحاديث الصحيحة باللغتين جميعا وهي حجة في جوازهما جميعا ~~وأنهما لغتان. والحديث دليل على تحريم إفشاء الرجل ما يقع بينه وبين امرأته ~~من أمور الوقاع PageV03P140 # ووصف تفاصيل ذلك، وما يجري من المرأة فيه من قول أو فعل ونحوه. وأما مجرد ~~ذكر الوقاع فإذا لم يكن لحاجة فذكره مكروه لأنه خلاف المروءة وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت. فإن ~~دعت إليه حاجة أو ترتبت عليه فائدة، بأن كان ينكر إعراضه عنها أو تدعي عليه ~~العجز عن الجماع أو نحو ذلك فلا كراهة في ذكره كما قال صلى الله عليه وسلم: ~~إني لأفعله أنا وهذه وقال لأبي طلحة: أعرستم الليلة وقال لجابر: الكيس ~~الكيس. كذلك المرأة لا يجوز لها إفشاء سره، وقد ورد به النص أيضا. # 6 - (وعن حكيم بن معاوية) أي ابن حيدة بفتح الحاء المهملة فمثناة تحتية ~~ساكنة فدال مهملة ومعاوية صحابي روى عنه ابنه حكيم وروى عن حكيم ابنه بهز ~~بفتح الموحدة وسكون الهاء فزاي (عن أبيه رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول ~~الله ما حق زوج أحدنا) هكذا بعدم التاء هي اللغة الفصيحة وجاء زوجة بالتاء ~~(عليه؟، قال: تطعمها إذا أكلت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ~~ولا تهجر إلا في البيت رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وعلق ~~البخاري بعضه). حيث قال: باب هجر النبي صلى الله عليه وسلم نساءه في غير ~~بيوتهن. ويذكر عن معاوية بن حيدة رفعه: ولا تهجر إلا في البيت والأول أصح ~~(وصححه ابن حبان والحاكم). دل الحديث على وجوب نفقة الزوجة وكسوتها. وأن ~~النفقة بقدر سعته لا يكلف فوق وسعه ms0839 لقوله: إذا أكلت كذا قيل وفي أخذه من ~~هذا اللفظ خفاء. فمتى قدر على تحصيل النفقة وجب عليه أن لا يختص بها دون ~~زوجته ولعله مقيد بما زاد على قدر سد خلته لحديث ابدأ بنفسك ومثله القول في ~~الكسوة. # وفي الحديث دليل على جواز الضرب تأديبا إلا أنه منهي عن ضرب الوجه للزوجة ~~وغيرها وقوله: لا تقبح أي لا تسمعها ما تكره وتقول: قبحك الله ونحوه من ~~الكلام الجافي. # ومعنى قوله: لا تهجر إلا في البيت أنه إذا أراد هجرها في المضجع تأديبا ~~لها كما قال تعالى: * (واهجروهن في المضاجع) * فلا يهجرها إلا في البيت ولا ~~يتحول إلى دار أخرى أو يحولها إليها. إلا أن رواية البخاري التي ذكرناها ~~دلت أنه (ص) هجر نساءه في غير بيوتهن وخرج إلى مشربة له. وقد قال البخاري: ~~إن هذا أصح من حديث معاوية. هذا، وقد يقال دل فعله على جواز هجرهن في غير ~~البيوت وحديث معاوية على هجرهن في البيوت ويكون مفهوم الحصر غير مراد ~~واختلف في تفسير الهجر. فالجمهور فسروه بترك الدخول عليهن والإقامة عندهن ~~على ظاهر الآية وهو من الهجران بمعنى البعد. وقيل: يضاجعها ويوليها ظهره. ~~وقيل: يترك جماعها. وقيل: يجامعها ولا يكلمها. وقيل: من الهجر الاغلاظ في ~~القول. وقيل: من الهجار وهو الحبل الذي يربط به البعير أي أوثقوهن في ~~البيوت قاله الطبري واستدل له ووهاه ابن العربي. # 7 - (وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كانت اليهود تقول: إذا ~~أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول فنزلت: * (نساؤكم حرث ~~لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) * متفق عليه واللفظ لمسلم). ولفظ البخاري سمعت ~~جابرا يقول: كانت اليهود تقول: إذا PageV03P141 # جامعها من ورائها - أي في قبلها كما فسرته الرواية الأولى - جاء الولد ~~أحول فنزلت * (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) *. واختلف الروايات في ~~سبب نزولها على ثلاثة أقوال. الأول: ما ذكره المصنف من رواية الشيخين أنه ~~في إتيان المرأة من ورائها في قبلها، وأخرج هذا المعنى ms0840 جماعة من المحدثين ~~عن جابر وغيره واجتمع فيه ستة وثلاثون طريقا في بعضها أنه لا يحل إلا في ~~القبل وفي أكثرها الرد على اليهود. الثاني: أنها نزلت في حل إتيان دبر ~~الزوجة أخرجه جماعة عن ابن عمر من اثني عشر طريقا. الثالث: أنها نزلت في حل ~~العزل عن الزوجة أخرجه أئمة من أهل الحديث عن ابن عباس وعن ابن عمر وعن ابن ~~المسيب ولا يخفى أن ما في الصحيحين مقدم على غيره فالراجح هو القول الأول. # وابن عمر قد اختلفت عنه الرواية والقول بأنه أريد بها العزل لا يناسبه ~~لفظ الآية هذا. وقد روي عن ابن الحنفية أن معنى قوله تعالى: * (أنى شئتم) * ~~فهو بيان للفظ أنى وأنه معنى إذا فلا يدل على شئ مما ذكر أنه سبب النزول ~~على أن إتيان الزوجة موكول إلى مشيئة الزوج. # 8 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): لو أن أحدكم ~~إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما ~~رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدا متفق عليه). ~~هذا لفظ مسلم والحديث دليل على أنه يكون القول قبل المباشرة عند الإرادة ~~وهذه الرواية تفسر رواية: لو أن أحدكم يقول حين يأتي أهله - أخرجها البخاري ~~بأن المراد حين يريد وضمير جنبنا للرجل وامرأته. وفي رواية الطبراني: جنبني ~~وجنب ما رزقتني بالافراد. وقوله: لم يضره الشيطان أبدا أي: لم يسلط عليه. ~~قال القاضي عياض نفي الضرر على جهة العموم في جميع أنواع الضرر غير مراد ~~وإن كان الظاهر العموم في جميع الأحوال من صيغة النفي مع التأبيد وذلك لما ~~ثبت في الحديث من أن كل ابن آدم يطعن الشيطان في بطنه حين يولد إلا مريم ~~وابنها فإن في هذا الطعن نوع ضرر في الجملة مع أن ذلك سبب صراخه. قلت: هذا ~~من القاضي مبني على عموم الضرر الديني والدنيوي. وقيل ليس المراد إلا ~~الديني وأنه يكون من جملة العباد الذي ms0841 قال تعالى فيهم: * (إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان) * ويؤيد هذا أنه أخرج عبد الرزاق عن الحسن وفيه: فكان يرجى إن ~~حملت به أن يكون ولدا صالحا وهو مرسل ولكنه لا يقال من قبل الرأي. قال ابن ~~دقيق العيد: # يحتمل أنه لا يضره في دينه ولكن يلزم منه العصمة وليست إلا للأنبياء. وقد ~~أجيب بأن العصمة في حق الأنبياء على جهة الوجوب وفي حق من دعي لأجله بهذا ~~الدعاء على جهة الجواز فلا يبعد أن يوجد من لا يصدر منه معصية عمدا، وإن لم ~~يكن ذلك واجبا له. وقيل PageV03P142 # لم يضره لم يفتنه في دينه إلى الكفر، وليس المراد عصمته عن المعصية. ~~وقيل: لم يضره مشاركة الشيطان لأبيه في جماع أمه، ويؤيده ما جاء عن مجاهد: ~~أن الذي يجامع ولا يسمي يلتف الشيطان على إحليله فيجامع معه، قيل: ولعل هذا ~~أقرب الأجوبة. قلت: إلا أنه لم يذكر من أخرجه عن مجاهد ثم هو مرسل ثم ~~الحديث سيق لفائدة تحصل للولد ولا تحصل على هذا ولعله يقول إن عدم مشاركة ~~الشيطان لأبيه في جماع أمه فائدته عائدة على الولد أيضا. # وفي الحديث استحباب التسمية وبيان بركتها في كل حال وأن يعتصم بالله ~~وذكره من الشيطان والتبرك باسمه والاستعاذة به من جميع الأسواء. وفيه أن ~~الشيطان لا يفارق ابن آدم في حال من الأحوال إلا إذا ذكر الله. # 9 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: إذا دعا الرجل امرأته ~~إلى فراشه فأبت أن تجئ فبات غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح) أي وترجع عن ~~العصيان ففي بعض ألفاظ البخاري حتى ترجع (متفق عليه واللفظ للبخاري ولمسلم ~~كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها) إخبار بأنه يجب على المرأة ~~إجابة زوجها أي إذا دعاها للجماع لان قوله إلى فراشه كناية عن الجماع كما ~~في قوله: الولد للفراش. ودليل الوجوب لعن الملائكة لها إذ لا يلعنون إلا عن ~~أمر الله ولا يكون إلا عقوبة ولا عقوبة إلا على ترك ms0842 واجب. وقوله حتى تصبح ~~دليل على وجوب الإجابة في الليل. ولا مفهوم له لأنه خرج ذكره مخرج الغالب ~~وإلا فإنه يجب عليها إجابته نهارا. وقد أخرج غير مقيد بالليل ابن خزيمة ~~وابن حبان مرفوعا: ثلاثة لا تقبل لهم صلاة ولا تصعد لهم إلى السماء حسنة: ~~العبد الآبق حتى يرجع والسكران حتى يصحو والمرأة الساخط عليها زوجها حتى ~~يرضى. وإن كان هذا في سخطه مطلقا ولو لعدم طاعتها في غير الجماع وليس فيه ~~لعن إلا أن فيه وعيدا شديدا يدخل فيه عدم طاعتها له في جماعها من ليل أو ~~نهار. وزاد البخاري في روايته في بدء الخلق: فبات غضبان عليها أي زوجها ~~وقيل هذه الزيادة يتجه وقوع اللعن عليها لأنها حينئذ يتحقق ثبوت معصيتها ~~بخلاف ما إذا لم يغضب من ذلك فإنها لا تستحق اللعن. وفي قوله: لعنتها ~~الملائكة دلالة على أن منع من عليه الحق عمن هو له وقد طلبه يوجب سخط الله ~~تعالى على المانع سواء كان الحق في بدن أو مال. قيل: ويدل على أنه يجوز لعن ~~العاصي المسلم إذا كان على وجه الارهاب عليه قبل أن يواقع المعصية فإذا ~~واقعها دعي له بالتوبة والمغفرة. قال المصنف في الفتح بعد نقله لهذا عن ~~المهلب: ليس هذا التقييد مستفادا من الحديث بل من أدلة أخرى. # والحق أن منع اللعن أراد به معناه اللغوي وهو الابعاد من الرحمة. وهذا لا ~~يليق أن يدعى PageV03P143 # به على المسلم بل يطلب له الهداية والتوبة والرجوع عن المعصية والذي ~~أجازه أراد معناه العرفي وهو مطلق السب ولا يخفى أن محله إذا كان بحيث ~~يرتدع العاصي به وينزجر. ولعن الملائكة لا يلزم منه جواز اللعن منا فإن ~~التكليف مختلف انتهى كلامه. قلت: قول المهلب إنه يلعن قبل وقوع المعصية ~~للارهاب كلام مردود فإنه لا يجوز لعنه قبل إيقاعه لها أصلا لان سبب اللعن ~~وقوعها منه فقبل وقوع السبب لا وجه لايقاع المسبب. ثم إنه رتب في الحديث ~~لعن الملائكة على إباء المرأة عن الإجابة وأحاديث ms0843 لعن الله شارب الخمر رتب ~~فيها اللعن على وصف كونه شاربا وقول الحافظ بأنه إن أريد معناه العرفي جاز: ~~لا يخفى أنه غير مراد للشارع إلا المعنى اللغوي. والتحقيق أن الله تعالى ~~أخبرنا أن الملائكة تلعن من ذكر وبأنه تعالى لعن شارب الخمر ولم يأمرنا ~~بلعنه فإن ورد الامر بلعنه وجب علينا الامتثال ولعنه ما لم تعلم توبته وندب ~~لنا الدعاء له بالتوفيق للتوبة والاستغفار. وقد أخبر الله تعالى أن ~~الملائكة تلعن من ذكر ومعلوم أنه عن أمر الله وأخبر أنهم يستغفرون لمن في ~~الأرض وهو عام يشتمل من يلعنونهم من أهل الايمان وهم المرادون في الآية، إذ ~~المراد من عصاة أهل الايمان لأنهم المحتاجون إلى الاستغفار لا أنها مقيدة ~~بقوله: * (ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا) * كما قيل: لان ~~التائب مغفور له. وإنما دعاؤهم له بالمغفرة تعبد وزيادة تنويه بشأن ~~التائبين. وأما شمول عمومها للكفار فمعلوم أنه غير مراد وبهذا يعرف أن ~~الملائكة قاموا بالامرين كما أشرنا إليه. وفي ا لحديث رعاية الله لعبده ~~ولعن من عصاه في قضاء شهوته منه وأي رعاية أعظم من رعاية الملك الكبير ~~للعبد الحقير؟ فليكن لنعم مولاه ذاكرا ولأياديه شاكرا ومن معاصيه محاذرا ~~ولهذه النكتة الشريفة من كلام رسول الله مذاكرا. # 10 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن ~~الواصلة) بالصاد المهملة (والمستوصلة، والواشمة) بالشين المعجمة ~~(والمستوشمة متفق عليه). الواصلة: # هي المرأة التي تصل شعرها بشعر غيرها سواء فعلته لنفسها أو لغيرها. ~~والمستوصلة التي تطلب فعل ذلك وزاد في الشرح: ويفعل بها ولا يدل عليه ~~اللفظ. والواشمة فاعلة الوشم وهو أن تغرز إبرة ونحوها في ظهر كفها أو شفتها ~~أو نحوهما من بدنها حتى يسيل الدم ثم تحشو ذلك الموضع بالكحل والنورة ~~فيخضر. والمستوشمة الطالبة لذلك والحديث دليل على تحريم الأربعة الأشياء ~~المذكورة في الحديث. فالوصل محرم للمرأة مطلقا بشعر محرم أو غيره آدمي أو ~~غيره سواء كانت المرأة ذات زينة أو لا، مزوجة ms0844 أو غير مزوجة. وللهادوية ~~والشافعي خلاف وتفاصيل لا ينهض عليها دليل بل الأحاديث قاضية بالتحريم ~~مطلقا لوصل الشعر واستيصاله كما هي قاضية بتحريم الوشم وسؤاله ودل اللعن أن ~~هذه المعاصي من الكبائر. # هذا وقد علل الوشم في بعض الأحاديث بأنه تغيير لخلق الله. ولا يقال إن ~~الخضاب بالحناء ونحوه تشمله العلة وإن شملته فهو مخصوص بالاجماع وبأنه قد ~~وقع في عصره صلى الله عليه وسلم بل أمر بتغيير بياض أصابع المرأة بالخضاب ~~كما في قصة هند. فأما وصل الشعر بالحرير ونحوه من الخرق فقال القاضي عياض: ~~اختلف العلماء في المسألة: فقال مالك PageV03P144 # والطبري وكثيرون أو قال الأكثرون: الوصل ممنوع بكل شئ سواء وصلته بصوف أو ~~حرير أو خرق. واحتجوا بحديث مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم: زجر ~~أن تصل المرأة برأسها شيئا. وقال الليث بن سعد: النهم مختص بالوصل بالشعر ~~ولا بأس بوصله بصوف أو خرق وغير ذلك. وقال بعضهم: يجوز بكل شئ وهو مروي عن ~~عائشة ولا يصح عنها. قال القاضي: وأما ربط خيوط الحرير الملونة ونحوها مما ~~لا يشبه الشعر فليس بمنهي عنه لأنه ليس بوصل ولا لمعنى مقصود من الوصل ~~وإنما هو للتجمل والتحسين انتهى ومراده من المعنى المناسب هو ما في ذلك من ~~الخداع للزوج فما كان لونه مغايرا للون الشعر فلا خداع فيه. # 11 - (وعن جذامة بنت وهب رضي الله عنها) بضم الجيم وذال معجمة ويروى ~~بالدال المهملة قيل وهو تصحيف هي أخت عكاشة بن محصن من أمه هاجرت مع قومها ~~وكانت تحت أنيس بن قتادة مصغر أنس: (قالت: حضرت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في أناس وهو يقول: لقد هممت أن أنهى عن الغيلة) بكسر الغين المعجمة ~~فمثناة تحتية (فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر ذلك ~~أولادهم شيئا ثم سألوه عن العزل فقال رسول الله (ص): ذلك الوأد الخفي رواه ~~مسلم). اشتمل الحديث على مسألتين: الأولى الغيلة تقدم ضبطها ويقال لها ~~الغيل بفتح الغين مع فتح ms0845 المثناة التحية والغيال بكسر الغين المراد بها ~~مجامعة الرجل امرأته وهي ترضع كما قاله مالك والأصمعي وغيرهما. وقيل: هي أن ~~ترضع المرأة وهي حامل والأطباء يقولون إن ذلك داء والعرب تكرهه وتتقيه ولكن ~~النبي صلى الله عليه وسلم رد عليهم وبين عدم الضرر الذي زعمه العرب ~~والأطباء بأن فارسا والروم تفعل ذلك ولا ضرر يحدث مع الأولاد. وقوله: فإذا ~~هم يغيلون من أغال يغيل. والمسألة الثانية العزل وهو بفتح العين المهملة ~~وسكون الزاي وهو أن ينزع بعد الايلاج لينزل خارج الفرج. وهو يفعل لاحد ~~أمرين: أما في حق الأمة فلئلا تحمل كراهة لمجئ الولد من الأمة لأنه مع ذلك ~~يتعذر بيعها وأما في حق الحرة فكراهة ضرر الرضيع إن كان أو لئلا تحمل ~~المرأة. وقوله في جواب سؤالهم عنه: أنه الوأد الخفي دال على تحريمه لان ~~الوأد دفن البنت حية. وبالتحريم جزم ابن حزم محتجا بحديث الكتاب. # هذا. وقال الجمهور: يجوز عن الحرة بإذنها وعن الأمة السرية بغير إذنها ~~ولهم خلاف في الأمة المزوجة بحر. قالوا: وحديث الكتاب معارض بحديثين: الأول ~~عن جابر قال كانت لنا جوار وكنا نعزل فقالت اليهود تلك الموؤودة الصغرى ~~فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: كذبت اليهود ولو أراد الله ~~خلقه لم تستطع رده أخرجه النسائي والترمذي وصححه. والثاني أخرجه النسائي من ~~حديث أبي هريرة نحوه قال الطحاوي والجمع بين الأحاديث: بحمل النهي في حديث ~~جذامة على التنزيه. ورجح ابن حزم حديث جذامة وأن النهي فيه للتحريم بأن ~~حديث غيرها مرجح لأصل الإباحة وحديثها مانع فمن PageV03P145 # ادعى أنه أبيح بعد المنع فعليه البيان. ونوزع ابن حزم في دلالة قوله صلى ~~الله عليه وسلم ذلك الوأد الخفي على الصراحة بالتحريم لان التحريم للوأد ~~المحقق الذي هو قطع حياة محققة والعزل وإن شبهه صلى الله عليه وسلم به ~~فإنما هو قطع لما يؤدي إلى الحياة والمشبه دون المشبه به. وإنما سماه وأدا ~~لما تعلق به من قصد منع الحمل وأما علة النهي عن ms0846 العزل فالأحاديث دالة على ~~أن وجهه أنه معاندة للقدر وهو دال على عدم التفرقة بين الحرة والأمة. # فائدة معالجة المرأة لاسقاط النطفة قبل نفخ الروح يتفرع جوازه وعدمه على ~~الخلاف في العزل ومن أجازه أجاز المعالجة ومن حرمه حرم هذا بالأولى. ويلحق ~~بهذا تعاطي المرأة ما يقطع الحبل من أصله وقد أفتى بعض الشافعية بالمنع وهو ~~مشكل على قولهم بإباحة العز مطلقا. # 12 - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله إن لي ~~جارية وأنا أعزل عنها وأكره أن تحمل وأنا أريد ما يريد الرجال وإن اليهود ~~تحدث أن العزل الموؤودة الصغرى؟ قال: كذبت اليهود لو أراد الله أن يخلقه ما ~~استطعت أن تصرفه رواه أحمد وأبو داود واللفظ له والنسائي والطحاوي ورجاله ~~ثقات). # الحديث قد عارض حديث النهي وتسميته (ص) العزل الوأد الخفي وفي هذا كذب ~~اليهود في تسميته الموؤودة الصغرى. وقد جمع بينهما بأن حديث النهي حمل على ~~التنزيه وتكذيب اليهود لأنهم أرادوا التحريم الحقيقي. وقوله: لو أراد أن ~~يخلقه - إلى آخره - معناه أنه تعالى إذا قدر خلق نفس فلا بد من خلقها وأنه ~~يسبقكم الماء فلا تقدرون على دفعه ولا ينفعكم الحرص على ذلك فقد يسبق الماء ~~من غير شعور العازل لتمام ما قدره الله. وقد أخرج أحمد والبزار من حديث أنس ~~وصححه ابن حبان: أن رجلا سأل عن العزل فقال النبي (ص): لو أن الماء الذي ~~يكون منه الولد أهرقته على صخرة لأخرج الله منها ولدا وله شاهدان في الكبير ~~للطبراني عن ابن عباس وفي الأوسط له عن ابن مسعود. # 13 - (وعن جابر رضي الله عنه قال: كنا نعزل على عهد صلى الله عليه وسلم ~~والقرآن ينزل لو كان شئ ينهى عنه لنهانا عنه القرآن. متفق عليه) إلا أن ~~قوله: لو كان شئ ينهى عنه إلى آخره لم يذكره البخاري وإنما رواه مسلم من ~~كلام سفيان أحد رواته وظاهره أنه قاله استنباطا. قال المصنف في الفتح: ~~تتبعت المسانيد فوجدت أكثر رواته ms0847 عن سفيان لا يذكرون هذه الزيادة اه‍. وقد ~~وقع لصاحب العمدة مثل ما وقع للمصنف هنا فجعل الزيادة من الحديث. وشرحها ~~ابن دقيق العيد واستغرب استدلال جابر بتقرير الله لهم. (ولمسلم) أي عن جابر ~~(فبلغ ذلك نبي صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا عنه). فدل تقريره صلى الله ~~عليه وسلم لهم على جوازه وقد قيل: إنه أراد جابر بالقرآن ما يقرأ أعم من ~~المتعبد بتلاوته أو غيره مما يوحي إليه فكأنه يقول: فعلنا في زمن التشريع ~~ولو كان حراما لم نقر عليه قيل: فيزول استغراب ابن دقيق العيد إلا أنه لا ~~بد من علم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم فعلوه. والحديث دليل على جواز ~~العزل ولا ينافيه كراهة التنزيه كما دل له أحاديث النهي PageV03P146 # 14 - وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي (ص) كان يطوف على نسائه ~~بغسل واحد أخرجاه واللفظ لمسلم. (وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي ~~(ص) كان يطوف على نسائه بغسل واحد، أخرجاه واللفظ لمسلم). تقدم الكلام عليه ~~في باب الغسل واستدل به على أنه لم يكن القسم بين نسائه صلى الله عليه وسلم ~~عليه واجبا. وقال ابن العربي: إنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم ساعة من ~~النهار لا يجب عليه فيها القسم وهي بعد العصر فإن اشتغل عنها كانت بعد ~~المغرب . وكأنه أخذه من حديث عائشة الذي أخرجه البخاري: أنه صلى الله تعالى ~~عليه وسلم كان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن. فقولها: ~~فيدنو يحتمل أنه للوقاع إلا أن في بعض رواياته من غير وقاع فهو لا يتم ~~مأخذا لابن العربي. وقد أخرج البخاري من حديث أنس: أنه صلى الله عليه وسلم ~~كان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة وله يومئذ تسع نسوة. ولا يتم أن يراد ~~بالليلة بعد المغرب كما قاله لأنه لا يتسع ذلك الوقت سيما مع الانتظار ~~لصلاة العشاء لفعل ذلك. كذا قيل: وهو مجرد استبعاد وإلا فالظاهر اتساعه ~~لذلك فقد كان ms0848 (ص) يؤخر العشاء أو لأنه أعطى قوة في ذلك لم يعطها غيره. ~~والحديث دليل أنه كان لا يجب القسم عليه لنسائه وهو ظاهر قوله تعالى: * ~~(ترجي من تشاء منهن) * الآية. # وذهب إليه جماعة من أهل العلم. والجمهور يقولون يجب عليه القسم وتأولوا ~~هذا الحديث بأنه كان يفعل ذلك برضا صاحبة النوبة وبأنه يحتمل فعله عند ~~استيفاء القسم ثم يستأنف القسمة وبأنه يحتمل أنه فعل ذلك قبل وجوب القسم. ~~وقوله: وله يومئذ تسع نسوة وفي رواية البخاري: وهن إحدى عشرة ويجمع بين ~~الروايتين بأن يحمل قول من قال تسع نظرا إلى الزوجات التي اجتمعن عنده ولم ~~يجتمع عنده أكثر من تسع وأنه مات عن تسع كما قال أنس أخرجه الضياء عنه في ~~المختارة. ومن قال: إحدى عشرة أدخل مارية القبطية وريحانة فيهن ويطلق ~~عليهما لفظ نسائه تغليبا. وفي الحديث دلالة على أنه (ص) كان أكمل الرجال في ~~الرجولية حيث كان له هذه القوة وقد أخرج البخاري أنه كان له قوة ثلاثين ~~رجلا وفي رواية الإسماعيلي قوة أربعين ومثله لأبي نعيم في صفة الجنة وزاد ~~من رجال أهل الجنة. وقد أخرج أحمد والنسائي وصححه الحاكم من حديث زيد بن ~~أرقم: إن الرجل في الجنة ليعطى قوة مائة في الأكل والشرب والجماع والشهوة. # باب الصداق الصداق بفتح الصاد المهملة وكسرها مأخوذ من الصدق لاشعاره ~~بصدق رغبة الزوج في الزوجة وفيه سبع لغات وله ثمانية أسماء يجمعها قوله: # صداق ومهر نحلة وفريضة حباء وأجر ثم عقر علائق وكان الصداق في شرع من ~~قبلنا للأولياء كما قال صاحب المستعذب على المذهب. # 1 - (عن أنس رضي الله عنه عن النبي (ص): أنه أعتق صفية وجعل عتقها صداقها ~~متفق عليه). هي أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب من سبط هارون ابن عمران ~~كانت تحت ابن أبي الحقيق وقتل يوم خيبر ووقعت صفية في السبي فاصطفاها ~~PageV03P147 # رسول الله (ص) فأعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها وماتت سنة خمسين وقيل ~~غير ذلك. والحديث دليل على صحة جعل العتق صداقا: ms0849 أي عبارة وقعت تفيد ذلك. ~~وللفقهاء عدة عبارات في كيفية العبارة في هذا المعنى. وذهب إلى صحة جعل ~~العتق مهرا الهادوية وأحمد وإسحاق وغيرهم واستدلوا بهذا الحديث. وذهب ~~الأكثر إلى عدم صحة جعل العتق مهرا وأجابوا عن الحديث بأنه صلى الله عليه ~~وسلم أعتقها بشرط أن يتزوجها فوجب له عليها قيمتها وكانت معلومة فتزوجها ~~بها. ويرد هذا التأويل أنه في مسلم بلفظ: ثم تزوجها وجعل عتقها صداقها. ~~وفيه: أنه قال عبد العزيز راويه: قال ثابت لأنس بعد أن روى الحديث: ما ~~أصدقها؟ قال: نفسها وأعتقها، فإنه ظاهر أنه جعل نفس العتق صداقا. وأما قول ~~من قال إن هذا شئ فهمه أنس فعبر به ويجوز أن فهمه غير صحيح فجوابه أنه أعرف ~~باللفظ وأفهم له وقد صرح بأنه صلى الله عليه وسلم جعل العتق صداقا فهو راو ~~لفعله صلى الله عليه وسلم وحسن الظن به لثقته يوجب قبول روايته للأفعال كما ~~يجب قبولها للأقوال وإلا لزم رد الأقوال والأفعال إذ لم ينقل الصحابة اللفظ ~~النبوي إلا في شئ قليل وأكثر ما يروونه بالمعنى كما هو معروف ورواية المعنى ~~عمدتها فهمه. وقوله: إنه لم يرفعه أنس بل قاله تظننا خلاف ظاهر لفظه فإنه ~~قال: جعل - يريد النبي صلى الله عليه وسلم - صداقها عتقها. وقد أخرج ~~الطبراني وأبو الشيخ من حديث صفية قالت: أعتقني النبي صلى الله عليه وسلم ~~وجعل عتقي صداقي وهو صريح فيما رواه أنس وأنه لم يقل ذلك، تظننا كما قيل. ~~وإنما خالف الجمهور الحديث وتأولوه قالوا لأنه خالف القياس لوجهين: أحدهما: ~~أن عقدها على نفسها إما أن يقع قبل عتقها وهو محال وإما بعده وذلك غير لازم ~~لها. والثاني: أنا إن جعلنا العتق صداقا فإما يتقرر العتق حالة الرق وهو ~~محال أيضا لتناقضهما أو حالة الحرية فليزم سبقها على العقد فيلزم وجود ~~العتق حال فرض عدمه وهو محال لان الصداق لا بد أن يتقدم تقرره على الزوج ~~إما نصا وإما حكما حتى تملك الزوجة طلبه ولا يتأتى مثل ذلك ms0850 في العتق ~~فاستحال أن يكون صداقا. وأجيب أولا: أنه بعد صحة القصة لا يبالي بهذه ~~المناسبات. وثانيا: بعد تسليم ما قالوه فالجواب عن الأول أن العقد يكون بعد ~~العتق وإذا امتنعت من العقد لزمها السعاية بقيمتها ولا محذور في ذلك. وعن ~~الثاني بأن العتق منفعة يصح المعاوضة عنها والمنفعة إذا كانت كذلك صح العقد ~~عليها مثل سكنى الدار وخدمة الزوج ونحو ذلك. وأما قول من قال إن ثواب العتق ~~عظيم فلا ينبغي أن يفوت بجعله صداقا وكان يمكن جعل المهر غيره. فجوابه أنه ~~صلى الله عليه وسلم يفعل المفضول لبيان التشريع ويكون ثوابه أكثر من ثواب ~~الأفضل فهو في حقه أفضل. وأما جعل حديث عائشة في قصة جويرية مؤيدا لحديث ~~صفية ولفظه: أنه (ص) قال لجويرية لما جاءت تستعينه في كتابتها: هل لك أن ~~أقضي عنك كتابتك وأتزوجك؟ # قالت: قد فعلت أخرجه أبو داود. فلا يخفى أنه ليس فيه تعرض للمهر ولا غيره ~~فليس مما نحن فيه. PageV03P148 # 2 - (وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن رضي الله عنه) هو أبو سلمة بن عبد ~~الرحمن بن عوف الزهري القرشي أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالفقه بالمدينة ~~في قول من مشاهير التابعين وأعلامهم يقال إن اسمه كنيته. وهو كثير الحديث ~~واسع الرواية سمع عن جماعة من الصحابة وأخذ عنه جماعة مات سنة أربع وسبعين ~~وقيل أربع ومائة وهو في سبعين سنة (قال: سألت عائشة زوج النبي صلى الله ~~عليه وسلم: كم صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ # قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية) بضم الهمزة وتشديد المثناة ~~التحتية (ونشا) بفتح النون وشين معجمة مشددة. (قالت: أتدري ما النش؟ قال: ~~قلت: لا. قالت: نصف أوقية فتلك خمسمائة درهم فهذا صداق رسول الله (ص) ~~لأزواجه. رواه مسلم) المراد في الحديث أوقية الحجاز وهي أربعون درهما وكان ~~كلام عائشة هذا بناء على الأغلب وإلا فإن صداق صفية عتقها، قيل ومثلها ~~جورية وخديجة لم يكن صداقها هذا المقدار، وأم حبيبة أصدقها النجاشي عن ~~النبي صلى الله ms0851 عليه وسلم بأربعة آلاف درهم وأربعة آلاف دينار إلا إنه كان ~~تبرعا منه إكراما لرسول الله (ص) ولم يكن عن أمره صلى الله عليه وسلم. وقد ~~استحب الشافعية جعل المهر خمسمائة درهم تأسيا. وأما أقل المهر الذي يصح به ~~العقد فقد قدمناه أما أكثره فلا حد له إجماعا قال تعالى: * (واتيتم إحداهن ~~قنطارا) *. # والقنطار قيل إنه ألف ومائتا أوقية ذهبا وقيل ملء مسك ثور ذهبا وقيل ~~سبعون ألف مثقال وقيل مائة رطل ذهبا. وقد كان أراد عمر قصر أكثره على قدر ~~مهور أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورد الزيادة إلى بيت المال وتكلم به ~~في الخطبة فردت عليه امرأة محتجة بقوله تعالى: # * (واتيتم إحداهن قنطارا) * فرجع وقال: كلكم أفقه من عمر. 3 - (وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال: لما تزوج علي فاطمة رضي الله عنها) هي سيدة نساء ~~العالمين تزوجها علي رضي الله عنه في السنة الثانية من الهجرة في شهر رمضان ~~وبنى عليها في ذي الحجة ولدت له الحسن والحسين والمحسن وزينب ورقية وأم ~~كلثوم وماتت بالمدينة بعد موته صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشهر وقد بسطنا ~~ترجمتها في الروضة الندية (قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطها ~~شيئا قال: ما عندي شئ قال: فأين درعك الحطمية؟) بضم الحاء المهملة وفتح ~~الطاء نسبة إلى حطمة من محارب بطن من عبد القيس كانوا يعملون الدروع (رواه ~~أبو داود والنسائي وصححه الحاكم) فيه دليل على أنه ينبغي تقديم شئ للزوجة ~~قبل الدخول بها جبرا لخاطرها وهو المعروف عند الناس كافة ولم يذكر في ~~الرواية هل أعطاها درعه المذكور أو غيرها. وقد وردت روايات في تعيين ما ~~أعطى علي فاطمة رضي الله عنهما إلا أنها غير مسندة. # 4 - (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # أيما امرأة نكحت على صداق أو حباء) بكسر الحاء المهملة فموحدة فهمزة ~~ممدودة العطية للغير أو للزوجة زائد على مهرها (أو عدة) بكسر العين ms0852 المهملة ~~ما وعد PageV03P149 # به الزوج وإن لم يحضر (قبل عصمة النكاح فهو لها وما كان بعد عصمة النكاح ~~فهو لمن أعطيه وأحق ما أكرم الرجل عليه ابنته أو أخته رواه أحمد والأربعة ~~إلا الترمذي). الحديث دليل على أن ما سماه الزوج قبل العقد فهو للزوجة. # وإن كان تسميته لغيرها من أب وأخ كذلك ما كان عند العقد وفي المسألة ~~خلاف. # فذهب إلى ما أفاده الحديث: الهادي ومالك وعمر بن عبد العزيز والثوري. ~~وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الشرط لازم لمن ذكر من أخ أو أب والنكاح ~~صحيح. وذهب الشافعي إلى أن تسمية المهر تكون فاسدة ولها صداق المثل. وذهب ~~مالك إلى أنه إن كان الشرط عند العقد فهو لابنته وإن كان بعد النكاح فهو له ~~قال في نهاية المجتهد: وسبب اختلافهم تشبيه النكاح في ذلك بالبيع، فمن شبهه ~~بالوكيل ببيع السلعة وشرط لنفسه حباء قال: لا يجوز النكاح كما لا يجوز ~~البيع. ومن جعل النكاح في ذلك مخالفا للبيع قال: يجوز وأما تفريق مالك ~~فلانه اتهمه إذا كان الشرط في عقد النكاح أن يكون ذلك اشتراط لنفسه نقصانا ~~عن صداق مثلها ولم يتهمه إذا كان بعد انعقاد النكاح والاتفاق على الصداق ~~انتهى وإنما علل ذلك بما سمعت ولم يذكر الحديث لان فيه مقالا. هذا وأما ما ~~يعطي الزوج في العرف مما هو للاتلاف كالطعام ونحوه فإن شرط في العقد كان ~~مهرا وما سلم قبل العقد كان إباحة فيصح الرجوع فيه مع بقائه إذا كان في ~~العادة يسلم للتلف وإن كان يسلم للبقاء رجع في قيمته بعد تلفه إلا أن ~~يمتنعوا من تزويجه رجع بقيمته في الطرفين جميعا. وإذا ماتت الزوجة أو امتنع ~~هو من التزويج كان له الرجوع فيما بقي وفيما سلم للبقاء وفيما تلف قبل ~~الوقت الذي يعتاد التلف فيه. لا فيما عدا ذلك وفيما سلمه بعد العقد هبة أو ~~هدية على حسب الحال أو رشوة إن لم تسلم إلا به، وإن كان الطعام الذي يفعل ~~في وليمة ms0853 العرس مما ساقه الزوج إلى ولى الزوجة وكان مشروطا مع العقد لصغيره ~~وفعل ذلك جاز التناول منه لمن يعتاد لمثله كالقرابة وغيرهم لان الزوج إنما ~~شرطه وسلمه ليفعل ذلك لا ليبقى ملكا للزوج والعرف معتبر في هذا. # 5 - (وعن علقمة) أي ابن قيس أبي شبل بن مالك من بني بكر بن النخع روى عن ~~عمر وابن مسعود وهو تابعي جليل اشتهر بحديث ابن مسعود وصحبته وهو عم الأسود ~~النخعي مات سنة إحدى وستين (عن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض ~~لها صداقا ولم يدخل بها حتى مات فقال ابن مسعود: لها مثل صداق نسائها لا ~~وكس) بفتح الواو وسكون الكاف وسين مهملة هو النقص أي لا ينقص من مهر نسائها ~~(ولا شطط) بفتح الشين وبالطاء المهملة وهو الجور أي لا يجار على الزوج ~~بزيادة مهرها على نسائها (وعليها العدة ولها الميراث فقام معقل) بفتح الميم ~~وسكون العين المهملة وكسر القاف (ابن سنان) بكسر السين المهملة فنون فألف ~~فنون (الأشجعي) بفتح الهمزة وشين معجمة ساكنة ومعقل هو أبو محمد شهد فتح ~~مكة ونزل الكوفة، PageV03P150 # وحديثه في أهل الكوفة وقتل يوم الحرة صبرا (فقال: قضى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في بروع) بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وفتح الواو فعين مهملة ~~(بنت واشق) بواو مفتوحة فألف فشين معجمة فقاف (امرأة منا) بكسر الميم فنون ~~مشددة فألف (مثل ما قضيت ففرح بها ابن مسعود. رواه أحمد والأربعة وصححه ~~الترمذي وحسنه جماعة) منهم ابن مهدي وابن حزم وقال: لا مغمز فيه لصحة ~~إسناده ومثله قال البيهقي في الخلافيات وقال الشافعي: لا أحفظه من وجه يثبت ~~مثله وقال: لو ثبت حديث بروع لقلت به. # وقال في الأم: إن كان يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أول ~~الأمور ولا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كبر ولا شئ في ~~قوله إلا طاعة الله بالتسليم له ولم أحفظه عنه من وجه يثبت مثله. مرة يقال ms0854 ~~عن معقل بن سنان ومرة عن معقل بن يسار ومرة عن بعض أشجع ولا يسمى. هذا ~~تضعيف الشافعي بالاضطراب وضعفه الواقدي بأنه حديث ورد إلى المدينة من أهل ~~الكوفة فما عرفه أهل المدينة. وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه رده بأن ~~معقل بن سنان أعرابي بوال على عقبيه. وأجيب بأن الاضطراب غير قادح لأنه ~~متردد بين صحابي وصحابي وهذا لا يطعن به في الرواية وعن قوله: إنه يروى عن ~~بعض أشجع فلا يضر أيضا لأنه قد فسر ذلك البعض بمعقل فقد تبين أن ذلك البعض ~~صحابي. وأما عدم معرفة علماء المدينة له فلا يقدح بها مع عدالة الراوي. ~~وأما الرواية عن علي رضي الله عنه فقال في البدر المنير: لم يصح عنه. وقد ~~روى الحاكم من حديث حرملة بيحيى أنه قال: سمعت الشافعي يقول: إن صح حديث ~~بروع بنت واشق قلت به. قال الحاكم: قلت: صح فقل به. وذكر الدارقطني ~~الاختلاف فيه في العلل ثم قال: # وأنسبها إسنادا حديث قتادة إلا أنه لم يحفظ اسم الصحابي قلت: لا يضر ~~جهالة اسمه على رأي المحدثين. وما قال المصنف من أن لحديث بروع شاهدا من ~~حديث عقبة بن عامر أن رسول الله (ص) زوج امرأة رجلا فدخل بها ولم يفرض لها ~~صداقا فحضرته الوفاة فقال: أشهدكم أن سهمي بخيبر لها. أخرجه أبو داود ~~والحاكم. فلا يخفى أن لا شهادة له على ذلك لان هذا في امرأة دخل بها زوجها ~~نعم فيه شاهد أنه يصح النكاح بغير تسمية والحديث دليل على أن المرأة تستحق ~~كمال المهر بالموت وإن لم يسم لها الزوج ولا دخل بها وتستحق مهر مثلها. وفي ~~المسألة قولان: الأول: العمل بالحديث وأنها تستحق المهر كما ذكر وقول ابن ~~مسعود اجتهاد موافق الدليل وقول أبي حنيفة وأحمد وآخرين، والدليل الحديث ~~وما طعن به فيه قد سمعت دفعه. والثاني: ح لا تستحق إلا الميراث لعلي وابن ~~عباس وابن عمر والهادي ومالك وأحد قولي الشافعي قالوا: لان الصداق عوض فإذا ~~لم ms0855 يستو ف الزوج المعوض عنه لم يلزم قياسا على ثمن المبيع قالوا: والحديث ~~فيه تلك المطاعن قلنا: المطاعن قد دفعت فنهض الحديث للاستدلال فهو أولى من ~~القياس. # 6 - (وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي (ص) قال: # من أعطى في صداق امرأة سويقا) هو دقيق القمح المقلو أو الذرة أو الشعير ~~أو غيرها PageV03P151 # (أو تمرا فقد استحل. أخرجه أبو داود وأشار إلى ترجيح وقفه). وقال المصنف ~~في التلخيص: فيه موسى بن مسلم بن رومان وهو ضعيف وروي موقوفا وهو أقوى ~~انتهى. فكان عليه أن يشير إلى أن فيه ضعفا على عادته وأخرجه الشافعي بلاغا. ~~والحديث دليل على أنه يصح كون المهر من غير الدراهم والدنانير وأنه يجزي ~~مطلق السويق والتمر وظاهره وإن قل. وتقدمت أقاويل العلماء في قدر أقل المهر ~~في شرح حديث الواهبة نفسها. # 7 - (وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة) هو أبو محمد عبد الله بن عامر بن ~~ربيعة العنزي بفتح العين وسكون النون وبالزاي في نسبه خلا ف كثير قبض النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو في أربع سنين أو خمس. مات عبد الله المذكور سنة خمس ~~وثمانين، وقيل سنة تسعين (عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز نكاح ~~امرأة على نعلين. أخرجه الترمذي وصححه وخولف) أي الترمذي (في ذلك) أي ~~فلتصحيح. لفظ الحديث " أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: رضيت من نفسك ومالك بنعلين قالت: نعم فأجازه ~~والحديث دليل على صحة جعل المهر أي شئ له ثمن وقد أسلف أن كل ما صح جعله ~~ثمنا صح جعله مهرا وفيه مأخذ لما ورد في غيره من أنها لا تتصرف المرأة في ~~مالها إلا برأي زوجها. # - 8 - (وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: زوج النبي (ص) رجلا امرأة بخاتم ~~من حديد. أخرجه الحاكم). قد تقدم حديث سهل في الواهبة نفسها بطوله وفيه أنه ~~(ص) أمر من خطبها أن يلتمس ولو خاتما ms0856 من حديد فلم يجده فزوجه إياها على ~~تعليمها شيئا من القرآن فإن كان هذا هو ذلك الحديث فلم يتم جعل المهر خاتما ~~من حديد كما عرفت وإن أريد غيره فيحتمل وهو بعيد لقول المصنف (وهو طرف من ~~الحديث الطويل المتقدم في أوائل النكاح) وعلى تقدير أنه أريد ذلك الحديث ~~فتأويله أنه (ص) أذن في جعل الصداق خاتما من حديد وإن لم يتم العقد عليه. # 9 - (وعن علي رضي الله عنه قال: لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم. أخرجه ~~الدارقطني موقوفا وفي سنده مقال) أي موقوف على علي رضي الله عنه. وقد روي ~~من حديث جابر مرفوعا ولم يصح. والحديث معارض للأحاديث المتقدمة المرفوعة ~~الدالة على صحة أي شئ يصح جعله مهرا كما عرفت. والمقال الذي في الحديث هو ~~أن فيه مبشر بن عبيد قال أحمد: كان يضع الحديث. # 10 - (وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # خير الصداق أيسره أخرجه أبو داود وصححه الحاكم) فيه دلالة على استحباب ~~تخفيف المهر وأن غير الأيسر على خلاف ذلك وإن كان جائزا كما أشارت إليه ~~الآية الكريم في قوله: * (واتيتم إحداهن قنطارا من ذهب) * وتقدم أن عمر نهى ~~عن المغالاة في المهور فقالت امرأة: ليس ذلك إليك يا عمر إن الله يقول: * ~~(واتيتم إحداهن قنطارا من ذهب) *. قال عمر: امرأة خاصمت عمر فخصمته. أخرجه ~~عبد الرزاق. وقوله في الرواية PageV03P152 # من ذهب هي قراءة ابن مسعود وله طرق بألفاظ مختلفة وتحتمل أن الخيرية بركة ~~المرأة ففي الحديث أبركهن أيسرهن مؤنة. # 11 - (وعن عائشة رضي الله عنها أن عمرة بنت الجون) بفتح الجيم وسكون ~~الواو فنون (تعوذت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أدخلت عليه - تعني ~~لما تزوجها، فقال: لقد عذت بمعاذ) بفتح الميم ما يستعاذ به (فطلقها وأمر ~~أسامة فمتعها بثلاثة أثواب. أخرجه ابن ماجة وفي إسناده راو متروك. وأصل ~~القصة في الصحيح من حديث أبي أسيد الساعدي). وقد سماها في الحديث عمرة ووقع ~~مع ذلك ms0857 اختلاف في اسمها ونسبها كثير لكنه لا يتعلق به حكم شرعي. واختلف في ~~سبب تعوذها منه ففي رواية أخرجها ابن سعد: أنه صلى الله عليه وسلم لما دخل ~~عليها وكانت من أجمل النساء فداخل نساءه صلى الله عليه وسلم غيرة، فقيل ~~لها: إنما تحظى المرأة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تقول إذا دخلت ~~عليه أعوذ بالله منك. وفي رواية أخرجها ابن سعد أيضا بإسناد البخاري: إن ~~عائشة وحفصة دخلتا عليها أول ما قدمت مشطتاها وخضبتاها وقالت لها إحداهما: ~~إن النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول أعوذ ~~بالله منك وقيل في سببه غير ذلك. والحديث دليل على شرعية المتعة للمطلقة ~~قبل الدخول واتفق الأكثر على وجوبها في حق من لم يسم لها صداقا إلا عن ~~الليث ومالك وقد قال تعالى: # * (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ~~ومتعوهن على الموسع قدره وعلى القتر قدره) *. وظاهر الامر الوجوب. وأخرج ~~البيهقي في سننه عن ابن عباس قال: المس النكاح والفريضة الصداق ومتعوهن ~~قال: هو على الزوج يتزوج المرأة ولم يسم لها صداقا ثم يطلقها قبل أن يدخل ~~بها، فأمره الله أن يمتعها على قدر عسره ويسره - الحديث. وقد أخرج عنه ابن ~~جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم: متعة الطلاق أعلاها الخادم ودون ذلك الورق ~~ودون ذلك الكسوة. نعم هذه المرأة التي متعها (ص) يحتمل أنه لم يسم لها ~~صداقا فمتعها كما قضت به الآية ويحتمل أنه كان سمى لها فمتعها إحسانا منه ~~وفضلا. وأما تمتيع من لم يسم الزوج لها مهرا ودخل بها ثم فارقها فقد اختلف ~~في ذلك. # فذهب علي وعمر والشافعي إلى وجوبها أيضا بقوله تعالى: * (وللمطلقات متاع ~~بالمعروف) * وذهبت الهادوية والحنفية إلى أنه لا يجب إلا مهر المثل لا غير. ~~قالوا: وعموم الآية مخصوص بمن لم يكن قد دخل بها والذي خصه الآية الأخرى ~~التي أوجب فيها المتعة لأنه شرط فيها عدم المس وهذا ms0858 قد مس. وأما قوله ~~تعالى: * (فتعالين أمتعكن) * فإنه يحتمل نفقة العدة ولا دليل مع الاحتمال. ~~هذا وقد سبقت إشارة إلى أن الليث لا يقول بوجوب المتعة مطلقا واستدل له ~~بأنها لو كانت واجبة لكانت مقدرة ودفع بأن نفقة القريب واجبة ولا تقدير ~~لها. # باب الوليمة الوليمة مشتقة من الولم بفتح الواو وسكون اللام وهو الجمع ~~لان الزوجين يجتمعان، PageV03P153 # قاله الأزهري وغيره والفعل منها أولم، تقع على كل طعام يتخذ لسرور حادث ~~ووليمة العرس ما يتخذ عند الدخول وما يتخذ عند الاملاك. # 1 - (عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي (ص) رأى على عبد الرحمن بن ~~عوف أثر صفرة فقال: ما هذا؟ قال: يا رسول الله إني تزوجت امرأة على وزن ~~نواة من ذهب، قال: بارك الله لك أولم ولو بشاة متفق عليه واللفظ لمسلم). ~~جاء في الروايات بيان الصفرة بأنها ردغ من زعفران وهو بفتح الراء ودال ~~مهملة وغين معجمة أثر الزعفران. # فإن قلت قد علم النهي عن التزعفر فكيف لم ينكره صلى الله عليه وسلم؟ قلت: ~~(هذا مخصص للنهي بجوازه للعروس). وقيل: يحتمل أنها كانت في ثيابه دون بدنه ~~بناء على جوازه في الثوب وقد منع جوازه فيه أبو حنيفة والشافعي ومن تبعهما. ~~والقول بجوازه في الثياب مروي عن مالك وعلما المدينة واستدل لهم بمفهوم ~~النهي الثابت في الأحاديث الصحيحة كحديث أبي موسى مرفوعا: لا يقبل الله ~~صلاة رجل في جسده شئ من الخلوق. وأجيب بأن ذلك مفهوم لا يقاوم النهي الثابت ~~في الأحاديث الصحيحة وبأن قصة عبد الرحمن كانت قبل النهي في أول الهجرة ~~وبأنه يحتمل أنه الصفرة التي رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت من ~~جهة امرأته تعلقت به فكان ذلك غير مقصود له، ورجح هذا النووي وعزاه ~~للمحققين وبنى عليه البيضاوي. وقوله: على وزن نواة من ذهب قيل المراد واحدة ~~نوى التمر قيل كان قدرها يومئذ ربع دينار، ورد بأن نوى التمر يختلف فكيف ~~يجعل معيارا لما يوزن؟ # وقيل إن النواة من ms0859 ذهب عبارة عما قيمته خمسة دراهم من الورق وجزم به ~~الخطابي واختاره الأزهري ونقله عياض عن أكثر العلماء ويؤيده أن فرواية ~~البيهقي وزن نواة من ذهب قومت خمسة دراهم. وفي رواية عند البيهقي عن قتادة: ~~قومت ثلاثة دراهم وثلثا وإسناده ضعيف لكن جزم به أحمد وقيل في قدرها غير ~~ذلك. وعن بعض المالكية أن النواة عند أهل المدينة ربع دينار. والحديث دليل ~~أنه يدعى للعروس بالبركة وقد نال عبد الرحمن بركة الدعوة النبوية حتى قال: ~~فلقد رأيتني لو رفعت حجرا لرجوت أن أصيب ذهبا أو فضة " رواه البخاري عنه في ~~آخر هذه الرواية وفي قوله: أولم ولو بشاة دليل على وجوب الوليمة في العرس ~~وإليه ذهب الظاهرية قيل: وهو نص الشافعي في الأم ويدل له: ما أخرجه أحمد من ~~حديث بريدة أنه (ص) قال لما خطب علي فاطمة: لا بد من وليمة وسنده لا بأس به ~~وهو يدل على لزوم الوليمة وهو في معنى الوجوب. وما أخرجه أبو الشيخ ~~والطبراني من حديث أبي هريرة مرفوعا: الوليمة حق وسنة فمن دعي ولم يجب فقد ~~عصى والظاهر من الحق الوجوب. وقال أحمد: الوليمة سنة. وقال الجمهور: ~~مندوبة. وقال ابن بطال: # لا أعلم أحدا أوجبها وكأنه لم يعرف الخلاف واستدل على الندبية بما قال ~~الشافعي: لا أعلم أمر بذلك غير عبد الرحمن ولا أعلم أنه (ص) ترك الوليمة ~~رواه عنه البيهقي PageV03P154 # فجعل ذلك مستندا إلى كون الوليمة غير واجبة ولا يخفى ما فيه. واختلف ~~العلماء في وقت الوليمة هل هي العقد أو عقبه أو عند الدخول وهي أقوال في ~~مذهب المالكية. ومنهم من قال عند العقد وبعد الدخول. وصرح الماوردي من ~~الشافعية بأنها عند الدخول قال السبكي: والمنقول من فعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنها بعد الدخول وكأنه يشير إلى قصة زواج زينب بنت جحش لقول أنس: ~~أصبح - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - عروسا بزينب فدعا القوم، وقد ترجم ~~عليه البيهقي باب وقت الوليمة. وأما مقدارها فظاهر الحديث أن الشاة أقل ms0860 ما ~~تجزئ إلا أنه قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم أولم على أم سلمة وغيرها بأقل ~~من شاة وأولم على زينب بشاة. وقال أنس: لم يؤلم على غير زينب بأكثر مما ~~أولم عليها إلا أنه أولم على ميمونة بنت الحارث لما تزوجها بمكة عام القضية ~~- وطلب من أهل مكة أن يحضروا فامتنعوا - بأكثر من وليمته على زينب وكأن ~~أنسا يريد أنه وقع في وليمة زينب بالشاة من البركة في الطعام ما لم يقع في ~~غيرها فإنه أشبع الناس خبزا ولحما فكأن المراد لم يشبع أحدا خبزا ولحما في ~~وليمة من ولائمه صلى الله عليه وسلم أكثر مما وقع في وليمة زينب. 2 - (وعن ~~ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): إذا دعي أحدكم إلى وليمة ~~فليأتها متفق عليه، ولمسلم) أي: عن ابن عمر مرفوعا: (إذا دعا أحدكم أخاه ~~فليجب عرسا كان أو نحوه). الحديث الأول دال على وجوب الإجابة إلى الوليمة ~~والثاني دال على وجوبها إلى كل دعوة ولا تعارض بين الروايتين وإن كانا عن ~~راو واحد. وقد أخذت الظاهرية وبعض الشافعية بظاهره فقالوا: تجب الإجابة إلى ~~الدعوة مطلقا. وزعم ابن حزم أنه قول جمهور الصحابة والتابعين. ومنهم من فرق ~~بين وليمة العرس وغيرها فنقل ابن عبد البر وعياض والنووي الاتفاق على وجوب ~~إجابة وليمة العرس وصرح جمهور الشافعية والحنابلة بأنها فرض عين ونص عليه ~~مالك. وعن البعض فرض كفاية وفي كلام الشافعي ما يدل على وجوب الإجابة في ~~وليمة العرس وعدم الرخصة في غيرها فإنه قال: إتيان دعوة الوليمة حق ~~والوليمة التي تعرف وليمة العرس وكل دعوة دعي إليها رجل وليمة فلا أرخص ~~لاحد في تركها ولو تركها لم يتبين أنه عاص كما تبين لي فوليمة العرس. وفي ~~البحر للمهدي حكاية إجماع العترة على عدم وجوب الإجابة في الولائم كلها. ~~هذا وعلى القول بالوجوب فقد قال ابن دقيق العيد في شرح الالمام وقد يسوغ ~~ترك الإجابة لاعذار: منها أن يكون في الطعام شبهة أو يخص ms0861 بها الأغنياء أو ~~يكون هناك من يتأذى بحضوره معه أو لا يليق لمجالسته أو يدعوه لخوف شره أو ~~لطمع في جاهه أو ليعاونه على باطل أو يكون هناك منكر من خمر أو لهو أو فراش ~~حرير أو ستر لجدران البيت أو صورة في البيت أو يعتذر إلى الداعي فيتركه أو ~~كانت في الثالث كما يأتي فهذه الاعذار ونحوها في تركها على القول بالوجوب ~~وعلى القول بالندب بالأولى. وهذا مأخوذ مما علم من الشريعة ومن قضايا وقعت ~~للصحابة كما في البخاري أن أبا أيوب دعاه ابن عمر فرأى في البيت ~~PageV03P155 # سترا على الجدران فقال ابن عمر: غلبنا عليه النساء فقال: من كنت أخشى ~~عليه فلم أكن أخشى عليك والله لا أطعم لك طعاما فرجع، أخرجه البخاري تعليقا ~~ووصله أحمد ومسدد في مسنده. وأخرج الطبراني عن سالم بن عبد الله بن عمر ~~قال: عرست في عهد أبي فأذنا الناس فكان أبو أيوب فيمن أذنا وقد ستروا بيتي ~~ببجاد أخضر فأقبل أبو أيوب فاطلع فرآه فقال: يا عبد الله أتسترون الجدر ~~فقال أبي واستحى: غلبنا عليه النساء يا أبا أيوب، فقال: من خشيت أن تغلبه ~~النساء فذكروه. وفي رواية: فأقبل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يدخلون ~~الأول فالأول حتى أقبل أبو أيوب وفيه: فقال عبد الله: أقسمت عليك لترجعن ~~فقال: وأنا أعزم على نفسي أن لا أدخل يومي هذا ثم انصرف. وأخرج أحمد في ~~كتاب الزهد أن رجلا دعا ابن عمر إلى عرس فإذا بيته قد ستر بالكرور فقال ابن ~~عمر: يا فلان متى تحولت الكعبة في بيتك ثم قال لنفر معه من أصحاب محمد (ص): ~~ليهتك كل رجل ما يليه، والحديث وما قبله دليل على تحريم ستر الجدران. وقد ~~أخرج أبو داود وغيره من حديث ابن عباس مرفوعا: لا تستروا الجدر بالثياب ~~وفيه ضعف وله شاهد، وأخرج البيهقي وغيره من حديث سلمان موقوفا أنه أنكر ستر ~~البيت فقال: محموم بيتكم أو تحولت الكعبة؟ ثم قال: لا أدخله حتى يهتك. ~~والمسألة فيها ms0862 خلاف: جزم جماعة بالتحريم لستر الجدار وجمهور الشافعية على ~~أنه مكروه. وقد أخرج مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال إن الله لم يأمرنا أن ~~نكسو الحجارة والطين وجذب الستر حتى هتكه في قصة معروفة: وقد كنا كتبنا في ~~هذا رسالة جواب سؤال في مدة قديمة. وقد أخرج الطبراني في الأوسط من حديث ~~عمران بن حصين نهى رسول الله (ص) عن إجابة طعام الفاسقين. وأخرج النسائي من ~~حديث جابر مرفوعا: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يدار ~~عليها الخمر وإسناده جيد وأخرجه الترمذي من وجه آخر عن جابر وفيه ضعف ~~وأخرجه أحمد من حديث عمر. وبالجملة الدعوة مقتضية للإجابة وحصول المنكر ~~مانع عنها فتعارض المانع والمقتضي والحكم للمانع. # 3 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها) وهم الفقراء كما يدل له حديث ابن ~~عباس عند الطبراني: بئس الطعام طعام الوليمة يدعى إليها الشبعان ويمنع عنها ~~الجيعان اه‍ فلو شملت الدعوة الفريقين زالت الشرية عنها (ويدعى إليها من ~~يأباها) يعني الأغنياء (ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله أخرجه ~~مسلم). المراد من الوليمة وليمة العرس لما تقدم قريبا من أنها إذا أطلقت من ~~غير تقييد انصرفت إلى وليمة العرس وشرية طعامها قد بين وجهه. قوله: يدعى ~~إليها من يأباها فإنه جملة مستأنفة بيان لوجهة شرية الطعام. # والحديث دليل على أنه يجب على من يدعى الإجابة ولو كانت إلى شر طعام وأنه ~~يعصي الله ورسوله من لم يجب وتقدم الكلام على ذلك. # 4 - (وعنه) أي أبي هريرة (قال: قال رسول الله (ص): إذا دعي PageV03P156 # أحدكم فليجب فإن كان صائما فليصل وإن كان مفطرا فليطعم أخرجه مسلم). فيه ~~دليل على أنه يجب على من كان صائما أن لا يعتذر بالصوم ثم إنه قد اختلف في ~~المراد من الصلاة. فقال الجمهور: المراد فليدع لأهل الطعام بالمغفرة ~~والبركة وقيل المراد بالصلاة المعروفة أي يشتغل بالصلاة ليحصل ms0863 فضلها وينال ~~بركتها أهل الطعام والحاضرون وظاهره أنه لا يلزمه الافطار ليجيب. فإن كان ~~صومه فرضا فلا خلاف أنه يحرم عليه الافطار وإن كان نفلا جاز له. وظاهر ~~قوله: فليطعم وجوب الأكل وقد اختلف العلماء في ذلك والأصح عند الشافعية أنه ~~لا يجب الأكل في طعام الوليمة ولا غيرها، وقيل: يجب لظاهر الامر وأقله لقمة ~~ولا تجب الزيادة. وقال من لم يوجب الأكل الامر للندب والقرينة الصارفة إليه ~~قوله: # 5 - (وله) أي (من حديث جابر رضي الله عنه نحوه وقال: فإن شاء طعم وإن شاء ~~ترك) فإنه خيره والتخيير دليل على عدم الوجوب للأكل ولذلك أورده المصنف ~~عقيب حديث أبي هريرة. # 6 - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى اله عليه وسلح ~~م: # طعام الوليمة أول يوم حق) أي واجب أو مندوب (وطعام يوم الثاني سنة وطعام ~~يوم الثالث سمعة ومن سمع سمع الله به رواه الترمذي واستغربه) وقال: لا ~~نعرفه إلا من حديث زياد بن عبد الله البكائي وهو كثير الغرائب والمناكير. ~~قال المصنف: # كالراد على الترمذي ما لفظه: (ورجاله رجال الصحيح) إلا أنه قال المصنف إن ~~زيادا مختلف فيه وشيخه عطاء بن السائب اختلط وسماعه منه بعد اختلاطه انتهى. ~~قلت: # وحينئذ فلا يصح قوله إن رجاله رجال الصحيح ثم قال: (وله شاهد عن أنس عند ~~ابن ماجة) وفي إسناده عبد الملك بن حسين وهو ضعيف وفي الباب أحاديث لا تخلو ~~عن مقال. والحديث دليل على شرعية الضيافة في الوليمة يومين ففي أول يوم ~~واجبة كما يفيده لفظ حق لأنه الثابت اللازم وتقدم الكلام في ذلك. وفي اليوم ~~الثاني سنة أي طريقة مستمرة يعتاد الناس فعلها لا يدخل صاحبها الرياء ~~والتسميع. وفي اليوم الثالث رياء وسمعة فيكون فعلها حراما والإجابة إليها ~~كذلك وعليه أكثر العلماء. قال النووي: إذا أولم ثلاثا فالإجابة في اليوم ~~الثالث مكروهة وفي اليوم الثاني لا تجب مطلقا ولا يكون استحبابها فيه ~~كاستحبابها في اليوم الأول. وذهب جماعة إلى أنه لا تكره ms0864 في الثالث لغير ~~المدعو في اليوم الأول والثاني لأنه إذا كان المدعوون كثيرين ويشق جمعهم في ~~يوم واحد فدعا في كل يوم فريقا لم يكن في ذلك رياء ولا سمعة وهذا قريب. ~~وجنح البخاري إلى أنه لا بأس بالضيافة ولو إلى سبعة أيام حيث قال: باب حق ~~إجابة الوليمة والدعوة ومن أولم سبعة أيام ونحوه ولم يوقت النبي (ص) يوما ~~ولا يومين. وأشار بذلك إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق حفصة بنت سيرين ~~قالت: لما تزوج أبي دعا الصحابة سبعة أيام وفي رواية ثمانية أيام، وإليها ~~PageV03P157 # أشار البخاري بقوله: أو نحوه. وفي قوله: ولم يوقت ما يدل على عدم صحة ~~حديث الباب عنده. قال القاضي عياض: استحب أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوع ~~فأخذت المالكية بما دل عليه كلام البخاري. # 7 - (وعن صفية بنت شيبة) أي ابن عثمان بن أبي طلحة الحجبي من بني عبد ~~الدار، قيل: إنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: إنها لم تره. وجزم ~~ابن سعد بأنها تابعية (قالت: أولم النبي صلى الله عليه وسلم على بعض نسائه ~~بمدين من شعير. أخرجه البخاري) قال المصنف: لم أقف على تعيين اسمها يعني ~~بعض نسائه المذكورة هنا قال: وفي الباب أحاديث تدل على أنها أم سلمة. وقيل: ~~إنها وليمة علي بفاطمة رضي الله عنها وأراد ببعض نسائه من تنسب إليه من ~~النساء في الجملة وإن كان خلاف المتبادر إلا أنه يدل له ما أخرجه الطبراني ~~من حديث أسماء بنت عميس قالت: لقد أولم علي بفاطمة فما كانت وليمة في ذلك ~~الزمان أفضل من وليمته رهن درعه عند يهودي بشطر شعير ولعله المراد بمدين من ~~شعير لا المدين نصف صاع فكأنه قال شطر صاع فينطبق على القصة التي في الباب ~~ويكون نسبة الوليمة إلى رسول الله (ص) مجازية إما لكونه الذي وفى اليهودي ~~من شعيره أو لغير ذلك. قلت: ولا يخفى أنه تكلف ولا مانع أن يؤلم صلى الله ~~عليه وسلم بمدين ويولم علي أيضا بمدين والمذكور ms0865 في الباب وليمته صلى الله ~~عليه وسلم. # 8 - (وعن أنس رضي الله عنه قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ~~خيبر والمدينة ثلاث ليال يبنى) مغير الصيغة (عليه بصفية) أي يبنى عليه خباء ~~جديد بسبب صفية أو بمصاحبتها (ودعوت المسلمين إلى وليمته فما كان فيها من ~~خبر ولا لحم وما كان فيها إلا أن أمر بالأنطاع فبسطت فألقى عليها التمر ~~والأقط). وفي القاموس الأقط ككتف وإبل شئ يتخذ من المخيض الغنمي (والسمن) ~~ومجموع هذه الأشياء يسمى حيسا (متفق عليه واللفظ للبخاري) فيه إجزاء ~~الوليمة بغير ذبح شاة والبناء بالمرأة في السفر وإيثار الجديدة بثلاثة أيام ~~وإن كانوا في السفر. # 9 - (وعن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا اجتمع داعيان ~~فأجب أقربهما بابا) زاد في التلخيص: فإن أقربهما إليك بابا أقربهما إليك ~~جوارا (فإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق رواه أبو داود وسنده ضعيف). ولكن رجال ~~إسناده موثقون ولا يدرى ما وجه ضعف سنده فإنه رواه أبو داود عن هناد بن ~~السري عن عبد السلام بن حرب عن أبي خالد الدالاني عن أبي العلاء الأودي عن ~~حميد بن عبد الرحمن الحميري عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكل ~~هؤلاء وثقهم الأئمة إلا أبا خالد الدالاني فإنهم اختلفوا فيه. فوثقه أبو ~~حاتم وقال أحمد وابن معين لا بأس به وقال ابن حبان: # لا يجوز الاحتجاج به وقال ابن عدي حديثه لين وقال شريك: كان مرجئا. ~~والحديث على سياق المصنف ظاهره الوقف وفيه دليل على أنه إذا اجتمع داعيان ~~فالأحق بالإجابة الأسبق فإن استويا قدم الجار. والجار على مراتب فأحقهم ~~أقربهم بابا فإن استويا أقرع بينهم. PageV03P158 # 10 (وعن أبي جحيفة قال: قال رسول الله (ص): لا آكل متكئا رواه البخاري). ~~الاتكاء مأخوذ من الوكاء والتاء بدل الواو والوكاء: هو ما يشد به الكيس أو ~~غيره فكأنه أوكأ مقعدته ويشدها بالقعود على الوطاء الذي تحته ومعناه ~~الاستواء على وطاء متمكنا. قال الخطابي: المتكئ هنا هو ms0866 المتمكن في جلوسه من ~~التربع وشبهه المعتمد على الوطاء تحته قال: ومن استوى قاعدا على وطاء فهو ~~متكئ. والعامة لا تعرف المتكئ إلا من مال على أحد شقيه ومعنى الحديث: إذا ~~أكلت لا أقعد متكئا كفعل من يريد الاستكثار من الأكل ولكن آكل بلغة فيكون ~~قعودي مستوفزا. ومن حمل الاتكاء على الميل على أحد الشقين، تأول ذلك على ~~مذهب أهل الطب بأن ذلك فيه ضرر فإنه لا ينحدر في مجاري الطعام سهلا ولا ~~يسيغه هنيئا وربما تأذى به. # 11 - (وعن عمر بن أبي سلمة قال: قال لي رسول الله (ص): يا غلام سم الله، ~~وكل بيمينك، وكل مما يليك متفق عليه). الحديث دليل على وجوب التسمية للامر ~~بها وقيل: إنها مستحبة في الأكل ويقاس عليه الشرب. قال العلماء: # ويستحب أن يجهر بالتسمية ليسمع غيره وينبهه عليها فإن تركها لأي سبب ~~نسيان أو غيره في أول الطعام فليقل في أثنائه: بسم الله أوله وآخره، لحديث ~~أبي داود والترمذي وغيرهما: # قال الترمذي: حسن صحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: إذا أكل أحدكم فليذكر ~~اسم الله فإن نسي أن يذكر الله في أوله فليقل بسم الله أوله وآخره. وينبغي ~~أن يسمي كل واحد من الآكلين فإن سمى واحد فقط فقد حصل بتسميته السنة، قاله ~~الشافعي. ويستدل له بأنه صلى الله عليه وسلم أخبر أن الشيطان يستحل الطعام ~~الذي لم يذكر اسم الله عليه فإن ذكره واحد من الآكلين صدق عليه أنه ذكر اسم ~~الله عليه. وفي الحديث دليل على وجوب الأكل باليمين للامر به أيضا ويزيده ~~تأكيدا: أنه صلى الله عليه وسلم أخبر بأن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ~~وفعل الشيطان يحرم على الانسان. ويزيده تأكيدا: أن رجلا أكل عنده (ص) ~~بشماله فقال: كل بيمينك فقال لا أستطيع قال: # لا استطعت ما منعه إلا الكبر فما رفعها إلى فيه. أخرجه مسلم ولا يدعو صلى ~~الله عليه وسلم إلا على من ترك الواجب. وأما كون الدعاء لتكبره فهو محتمل ~~أيضا ولا ينافي أن ms0867 الدعاء عليه للامرين معا. وفي قوله: وكل مما يليك دليل ~~أنه يجب الأكل مما يليه وأنه ينبغي حسن العشرة للجليس وأن لا يحصل من ~~الانسان ما يسوء جليسه مما فيه سوء عشرة، وترك مروءة. فقد يتقذر جليسه ذلك ~~لا سيما في الثريد والامراق ونحوها إلا في مثل الفاكهة. فإنه قد أخرج ~~الترمذي وغيره من حديث عكرا ش بن ذؤيب قال: أتينا بجفنة كثيرة الثريد ~~والوذر وهو بفتح الواو وفتح الذال المعجمة فراء جمع وذرة قطعة من اللحم لا ~~عظم فيها فخبطت بيدي في نواحيها وأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين ~~يديه فقبض بيده اليسرى على يدي اليمنى ثم قال: يا عكراش كل من موضع واحد ~~فإنه طعام واحد ثم أتينا بطبق فيه ألوان التمر فجعلت آكل من بين يدي وجالت ~~يد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطبق. فقال: PageV03P159 # يا عكراش كل من حيث شئت فإنه غير لون واحد. فهذا يدل على التفرقة بين ~~الأطعمة والفواكه بل يدل على أنه إذا تعدد لون المأكول من طعام أو غيره فله ~~أن يأكل من أي جانب وكذلك إذا لم يبق تحت يد الآكل شئ فله أن يتبع ذلك ولو ~~من سائر الجوانب. # فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أنس: أن خياط دعا النبي (ص) لطعام صنعه ~~قال: فذهبت مع النبي (ص) فقرب خبز شعير ومرقا فيه دباء وقديد، فرأيت النبي ~~(ص) يتتبع الدباء من حوالي القصعة أي جوانبها فلم أزل أتتبع الدباء من ~~يومئذ. وفي الحديث قال أنس: فلما رأيت ذلك جعلت ألقيه إليه ولا أطعمه " وهو ~~دليل على تطلبه له من جميع القصعة لمحبته له. # هذا ومما نهي عنه الأكل من وسط القصعة كما يدل له الحديث الآتي وهو قوله: # 12 - (وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي (ص) أتي بقصعة من ثريد فقال: ~~كلوا من جوانبها ولا تأكلوا من وسطها فإن البركة تنزل في وسطها رواه ~~الأربعة وهذا لفظ النسائي وسنده صحيح. دل على النهي ms0868 عن الأكل من وسط القصعة ~~وعلله بأنه تنزل البركة في وسطها وكأنه إذا أكل منه لم ينزل البركة على ~~الطعام والنهي يقتضي التحريم وسواء كان الآكل وحده أو مع جماعة. # 13 - وعن أبي هريرة قال: ما عاب رسول الله (ص) طعاما قط، كان إذا اشتهى ~~شيئا أكله وإن كرهه تركه متفق عليه. فيه إخبار بعدم عيبه صلى الله عليه ~~وسلم للطعام وذمه له فلا يقول هو مالح أو حامض أو نحو ذلك. # وحاصله أنه دل على عدم عنايته صلى الله عليه وسلم بالأكل بل ما اشتهاه ~~أكله وما لم يشتهه تركه وليس في تركه ذلك دليل على أنه يحرم عيب الطعام. # 14 - (وعن جابر رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: لا تأكلوا بالشمال فإن ~~الشيطان يأكل بالشمال رواه مسلم). تقدم أنه من أدلة تحريم الأكل بالشمال ~~وإن ذهب الجماهير إلى كراهته لا غير وقد ورد في الشرب كذلك أيضا وهو دليل ~~على أن الشيطان يأكل أكلا حقيقيا. # 15 - (وعن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي (ص) قال: إذا شرب أحدكم فلا ~~يتنفس في الاناء (ثلاثا) متفق عليه). وقد أخرج الشيخان من حديث أنس: أنه ~~(ص) كان يتنفس في الشراب ثلاثا أي في أثناء الشراب لا أنه في إناء الشراب. ~~وورد تعليل ذلك في رواية مسلم أنه أروى أي أقمع للعطش وأبرأ: أي أكثر برأ ~~لما فيه من الهضم ومن سلامته من التأثير في برد المعدة وأمرأ أي أكثر مراءة ~~لما فيه من السهولة. وقيل: العلة خشية تقذيره على غيره لأنه قد يخرج شئ من ~~الفم فيتصل بالماء فيقذره على غيره. # 16 - (ولأبي داود عن ابن عباس رضي الله عنهما) أي مرفوعا (وزاد) على ما ~~ذكر (وينفخ PageV03P160 # فيه، وصححه الترمذي). فيه دلالة على تحريم النفخ في الاناء وأخرج الترمذي ~~من حديث أبي سعيد: أن النبي (ص) نهى عن النفخ في الشراب فقال رجل: القذاة ~~أراها في الاناء، فقال: أهرقها. قال: فإني لا أروى من نفس واحد، قال: فأبن ~~القدح ms0869 عن فيك ثم تنفس في الشرب ثلاث مرات. من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تشربوا واحدا أي شربا واحدا ~~كشرب البعير ولكن اشربوا مثنى وثلاث وسموا إذا أنتم شربتم واحمدوا إذا أنت ~~رفعتم وأفاد أن المرتين سنة أيضا، نعم. وقد ورد النهي عن الشرب من فم ~~السقاء فأخرج الشيخان من حديث ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن الشرب من في السقاء. وأخرجا من حديث أبي سعيد قال: نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن اختناث الأسقية، زاد في رواية: واختناثها أن يقلب ~~رأسها ثم يشرب منه. وقد عارضه حديث كبشة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فشرب من في قربة معلقة فقمت إلى فيها فقطعته أي أخذته شفاء نتبرك ~~به ونستشفى به. أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب صحيح. وأخرجه ابن ماجة، وجمع ~~بينهما بأن النهي إنما هو في السقاء الكبير والقربة هي الصغيرة. أو أن ~~النهي للتنزيه لئلا يتخذه الناس عادة دون الندرة. وعلة النهي أنها قد تكون ~~فيه دابة فتخرج إلى في الشارب فيبتلعها مع الماء كما ورد أنه شرب رجل من في ~~السقاء فخرجت منه حية. وكذلك ثبت النهي عن الشرب قائما. فأخرج مسلم من حديث ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يشربن أحدكم قائما ~~فمن نسي فليستقئ أي يتقيأ، وفي رواية عن أنس زجر عن الشرب قائما، قال ~~قتادة: قلنا فالاكل، قال: أشد وأخبث. ولكنه عارضه ما أخرجه مسلم من حديث ~~ابن عباس قال: سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من زمزم فشرب وهو قائم. ~~وفي لفظ: أن رسول الله (ص) شرب من زمزم وهو قائم. وفي صحيح البخاري أن عليا ~~رضي الله عنه شرب قائما وقال: رأيت رسول الله (ص) فعل كما رأيتموني. وجمع ~~بينهما بأن النهي للتنزيه فعله صلى الله عليه وسلم بيانا لجواز ذلك فهو ~~واجب في حقه (ص) ms0870 لبيان التشريع وقد وقع منه (ص) مثل هذا في صور كثيرة. وأما ~~التقيؤ لمن شرب قائما فإنه يستحب للحديث الصحيح الوارد بذلك وظاهر حديث ~~التقيؤ أنه يستحب مطلقا لعامد وناس ونحوهما. # وقال القاضي عياض: إنه من شرب ناسيا فلا خلاف بين العلماء أنه ليس عليه ~~أن يتقيأ، نعم ومن آداب الشرب أنه إذا كان عند الشارب جلساء وأراد أن يعمم ~~الجلساء أن يبدأ بمن عن يمينه كما أخرج الشيخان من حديث أنس: أنه أعطى (ص) ~~القدح فشرب وعن يساره أبو بكر وعن يمينه أعرابي فقال عمر: أعط أبا بكر يا ~~رسول الله، فأعطى الاعرابي الذي عن يمينه ثم قال: الأيمن فالأيمن. وأخرجا ~~من حديث سهل بن سعد قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بقدح فشرب منه وعن ~~يمينه غلام أصغر القوم هو عبد الله بن عباس والأشياخ عن يساره فقال: يا ~~غلام أتأذن أن أعطيه الأشياخ؟ فقال: PageV03P161 # ما كنت لأؤثر بفضل منك أحدا يا رسول الله فأعطاه إياه. ومن مكروهات الشرب ~~أن لا تشرب من ثلمة القدح لما أخرجه أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري: نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب من ثلمة القدح. # باب القسم بين الزوجات 1 - (عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ~~(ص) يقسم بين نسائه ويعدل ويقول: اللهم هذا قسمي) بفتح القاف (فيما أملك) ~~وهو المبيت مع كل واحدة في نوبتها (فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) قال ~~الترمذي: # يعني الحب والمودة (رواه الأربعة وصححه ابن حبان والحاكم ولكن رجح ~~الترمذي إرساله). قال أبو زرعة: لا أعلم أحدا تابع حماد بن سلمة على وصله ~~لكن صححه ابن حبان من طريق حماد بن سلمة عن أيوب السختياني عن أبي قلابة عن ~~عبد الله بن يزيد عن عائشة موصولا. والذي رواه مرسلا هو حماد بن يزيد عن ~~أيوب عن أبي قلابة عن عائشة. قال الترمذي: المرسل أصح. قلت: بعد تصحيح ابن ~~حبان الوصل فقد تعاضد الموصل والمرسل. دل الحديث على ms0871 أنه (ص) كان يقسم بين ~~نسائه، وتقدمت الإشارة إلى أنه هل كان واجبا عليه أم لا؟ قيل: وكان القسم ~~عليه (ص) غير واجب لقوله تعالى: * (ترجي من تشاء منهن) * قال بعض المفسرين: ~~إنه أباح الله له أن يترك التسوية والقسم بين أزواجه حتى إنه ليؤخر من شاء ~~منهن عن نوبتها ويطأ من يشاء في غير نوبتها وأن ذلك من خصائصه (ص) بناء على ~~أن الضمير في منهن للزوجات. وإذا ثبت أنه لا يجب القسم عليه (ص) فإنه كان ~~يقسم بينهن من حسن عشرته وكمال حسن خلقه وتأليف قلوب نسائه. والحديث يدل ~~على أن المحبة وميل القلب أمر غير مقدور للعبد بل هو من الله تعالى لا ~~يملكه العبد ويدل له * (ولكن الله ألف بينهم) * بعد قوله: * (لو أنفقت ما ~~في الأرض جميعا ما ألفت بينهم) * وبه فسر * (واعلموا أن الله يحول بين ~~المرء وقلبه) *. # 2 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي (ص) قال: من كانت له امرأتان ~~فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل رواه أحمد والأربعة وسنده ~~صحيح). الحديث دليل على أنه يجب على الزوج التسوية بين الزوجات ويحرم عليه ~~الميل إلى إحداهن وقد قال تعالى: * (فلا تميلوا كل الميل) * والمراد الميل ~~في القسم والانفاق لا في المحبة لما عرفت من أنها مما لا يملكه العبد. ~~ومفهوم قوله: * (كل الميل) * جواز الميل اليسير ولكن إطلاق الحديث ينفي ذلك ~~ويحتمل تقييد الحديث بمفهوم الآية. # 3 - (وعن أنس رضي الله عنه قال: من السنة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب ~~أقام عندها سبعا ثم قسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا ثم قسم متفق ~~عليه واللفظ للبخاري). يريد من سنة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فله حكم ~~الرفع. PageV03P162 # ولذا قال أبو قلابة راويه عن أنس: ولو شئت لقلت: إن أنسا رفعه إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم يريد فيكون رواية بالمعنى إذ معنى من السنة هو الرفع ~~إلا إنه رأى المحافظة على قول أنس أولى وذلك لان ms0872 كونه مرفوعا إنما هو بطريق ~~اجتهادي محتمل والرفع نص وليس للراوي أن ينقل ما هو محتمل إلى ما هو نص غير ~~محتمل كذا قاله ابن دقيق العيد. وبالجملة إنهم لا يعنون بالسنة إلا سنة ~~النبي صلى الله عليه وسلم. وقد قال سالم: وهل يعنون - يريد الصحابة - بذلك ~~إلا سنة النبي (ص)؟. والحديث قد أخرجه أئمة من المحدثين عن أنس مرفوعا من ~~طرق مختلفة عن أبي قلابة. والحديث دليل على إيثار الجديدة لمن كانت عنده ~~زوجة وقال ابن عبد البر: جمهور العلماء على أن ذلك حق للمرأة بسبب الزفاف ~~سواء أكانت عنده زوجة أم لا واختاره النووي لكن الحديث دل على أنه فيمن ~~كانت عنده زوجة. وقد ذهب إلى التفرقة بين البكر والثيب بما ذكر الجمهور ~~فظاهر الحديث أنه واجب وأنه حق للزوجة الجديدة وفي الكل خلاف لم يقم عليه ~~دليل يقاوم الأحاديث. والمراد بالإيثار في البقاء عندها ما كان متعارفا حال ~~الخطاب. والظاهر أن الايثار يكون بالمبيت والقيلولة لا استغراق ساعات الليل ~~والنهار عندها كما قاله جماعة. حتى قال ابن دقيق العيد: إنه أفرط بعض ~~الفقهاء حتى جعل مقامه عندها عذرا في اسقاط الجمعة. وتجب الموالاة في السبع ~~والثلاث فلو فرق وجب الاستئناف. ولا فرق بين الحرة والأمة فلو تزوج أخرى في ~~مدة السبع أو الثلاث فالظاهر أنه يتم ذلك لأنه قد صار مستحقا لها. # 4 - (وعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~تزوجها أقام عندها ثلاثا وقال: إنه ليس بك على أهلك) يريد نفسه (هوان: إن ~~شئت سبعت لك) أي أتممت عندك سبعا (وإن سبعت لك سبعت لنسائي رواه مسلم) وزاد ~~في رواية: دخل عليها فلما أراد أن يخرج أخذت بثوبه فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: إن شئت زدت لك وحاسبتك: للبكر سبع وللثيب ثلاث. دل ما تقدم على ~~استحقاق البكر والثيب ما ذكر من العدد ودلت الأحاديث على أنه إذا تعدى ~~الزوج المدة المقدرة برضا المرأة سقط حقها من ms0873 الايثار ووجب عليها القضاء ~~لذلك وأما إذا كان بغير رضاها فحقها ثابت وهو مفهوم قوله صلى الله عليه ~~وسلم: إن شئت. ومعنى قوله: ليس بك على أهلك هوان أن لا يلحقك منا هوان ولا ~~نضيع مما تستحقينه شيئا بل تأخذينه كاملا ثم أعلمها أن إليها الاختيار بين ~~ثلاث بلا قضاء وبين سبع ويقضي نساءه. وفيه حسن ملاطفة الأهل وإبانة ما يجب ~~لهم وما لا يجب والتخيير لهم فيما هو لهم. # 5 - (وعن عائشة رضي الله عنها أن سودة بنت زمعة) بفتح الزاي والميم وعين ~~مهملة، وكان (ص) تزوج سودة بمكة بعد موت خديجة وتوفيت بالمدينة سنة أربع ~~وخمسين (وهبت يومها لعائشة وكان النبي (ص) يقسم لعائشة يومها ويوم سودة. # متفق عليه). زاد البخاري: وليلتها وزاد أيضا في آخره: تبتغي بذلك رضا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه أبو داود وذكر فيه سبب الهبة بسند ~~رجاله رجال مسلم: أن PageV03P163 # سودة حين أسنت وخافت أن يفارقها رسول الله (ص) قالت: يا رسول الله يومي ~~لعائشة فقبل ذلك منها ففيها وأشباهها نزلت: * (وإن امرأة خافت من بعلها ~~نشوزا أو إعراضا) * الآية أخرج ابن سعد برجال ثقات من رواية القاسم بن أبي ~~بزة مرسلا: أن النبي صلى الله عليه وسلم طلقها يعني سودة فقعدت على طريقه ~~وقالت: والذي بعثك بالحق مالي في الرجال حاجة ولكني أحب أن أبعث مع نسائك ~~يوم ألقيت فأنشدك بالذي أنزل عليك الكتاب هل طلقتني بوجدة وجدتها علي؟ قال: ~~لا. قالت: فأنشدك الله لما راجعتني فراجعها قالت: فإني جعلت يومي لعائشة ~~حبة رسول الله (ص). # وفي الحديث دليل على جواز هبة المرأة نوبتها لضرتها ويعتبر رضا الزوج لان ~~له حقا في الزوجة فليس لها أن تسقط حقه إلا برضاه. واختلف الفقهاء إذا وهبت ~~نوبتها للزوج، فقال الأكثر: تصح ويخص بها الزوج من أراد وهذا هو الظاهر ~~وقيل: ليس له ذلك بل تصير كالمعدومة وقيل: إن قالت له: خص بها من شئت جاز، ~~لا إذا أطلقت له. قالوا: # ويصح الرجوع ms0874 للمرأة فيما وهبت من نوبتها لان الحق يتجدد. # 6 - (وعن عروة قال: قالت عائشة رضي الله عنها: يا ابن أختي كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا وكان قل ~~يوم إلا وهو يطرق علينا جميعا فيدنو من كل واحدة من غير مسيس) وفي رواية ~~بغير وقاع فهو المراد هنا (حتى يبلغ التي هو يومها فيبيت عندها. رواه أحمد ~~وأبو داود واللفظ له وصححه الحاكم). فيه دليل على أنه يجوز للرجل الدخول ~~على من لم يكن في يومها من نسائه والتأنيس لها واللمس والتقبيل. # وفيه بيان حسن خلقه (ص) وأنه كان خير الناس لأهله. وفي هذا رد لما قاله ~~ابن العربي وقد أشرنا إليه سابقا أنه كان له (ص) ساعة من النهار لا يجب ~~عليه القسم فيها وهي بعد العصر قال المصنف: لم أجد لما قاله دليلا وقد عين ~~الساعة التي يدور فيها الحديث الآتي وهو قوله: # 7 - (ولمسلم عن عائشة رضي الله عنها كان رسول الله (ص) إذا صلى العصر دار ~~على نسائه ثم يدنون منهن) أي دنو لمس وتقبيل من دون وقاع كما عرفت. # 8 - (وعن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله (ص) كان يسأل في مرضه الذي ~~مات فيه: أين أنا غدا؟ يريد يوم عائشة، فأذن له أزواجه يكون حيث شاء فكان ~~في بيت عائشة متفق عليه). وفي رواية وكان أول ما بدئ به من مرضه في بيت ~~ميمونة أخرجها البخاري في آخر كتاب المغازي وقوله: فأذن له أزواجه. ووقع ~~عند أحمد عن عائشة أنه (ص) قال: إني لا أستطيع أن أدور بيوتكن فإن شئتن ~~أذنتن لي، فأذن له. ووقع عند ابن سعد بإسناد صحيح عن الزهري أن فاطمة هي ~~التي خاطبت أمهات المؤمنين وقالت: إنه يشق عليه الاختلاف ويمكن أنه استأذن ~~صلى الله عليه وسلم واستأذنت له فاطمة رضي الله عنها فيجتمع الحديثان. ووقع ~~في رواية: أنه دخل بيت عائشة يوم الاثنين ومات يوم الاثنين الذي ms0875 يليه ~~والحديث دليل على أن المرأة إذا أذنت كان PageV03P164 # مسقطا لحقها من النوبة وأنه لا تكفي القرعة إذا مرض كما تكفي إذا سافر ~~كما دل له قوله. # 9 - (وعنها) أي عائشة (قالت: كان رسول الله (ص) إذا أراد سفرا أقرع بين ~~نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه متفق عليه). وأخرجه ابن سعد وزاد فيه ~~عنها: فكان إذا خرج سهم غيري عرف فيه الكراهية. دل الحديث على القرعة بين ~~الزوجات لمن أراد سفرا وأراد اخراج إحداهن معه وهذا فعل لا يدل على الوجوب. ~~وذهب الشافعي إلى وجوبه. وذهبت الهادوية إلى أن له السفر بمن شاء وأنه لا ~~تلزمه القرعة قال: لأنه لا يجب عليه القسم في السفر وفعله (ص) إنما كان من ~~مكارم أخلاقه ولطف شمائله وحسن معاملته فإن سافر بزوجة فلا يجب القضاء لغير ~~من سافر بها. وقال أبو حنيفة: يجب القضاء سواء كان سفره بقرعة أو بغيرها. ~~وقال الشافعي: إن كان بقرعة لم يجب القضاء وإن كان بغيرها وجب عليه القضاء ~~ولا دليل على الوجوب مطلقا ولا مفصلا. والاستدلال بأن القسم واجب وأنه لا ~~يسقط الواجب بالسفر جوابه أن السفر أسقط هذا الواجب بدليل أن له أن يسافر ~~ولا يخرج منهن أحدا فإنه لا يجب عليه بعد عوده قضاء أيام سفره لهن اتفاقا. ~~والاقراع لا يدل الحديث على وجوبه لما عرفت أنه فعل. وفي الحديث دليل على ~~اعتبار القرعة بين الشركاء ونحوهم. والمشهور عن المالكية والحنفية عدم ~~اعتبار القرعة قال القاضي عياض: وهو مشهور عن مالك وأصحابه لأنه من باب ~~الحظ والقمار، وحكي عن الحنفية إجازتها اه‍. واحتج من منع من القرعة بأن ~~بعض النساء قد تكون أنفع في السفر من غيرها فلو خرجت القرعة للتي لا نفع ~~فيها في السفر لأضر بحال الزوج. وكذا قد يكون بعض النساء أقوم برعاية مصالح ~~بيت الرجل في الحضر فلو خرجت القرعة عليها بالسفر لأضر بحال الزوج من رعاية ~~مصالح بيت الرجل في الحضر. وقال القرطبي: # تختص مشروعية القرعة بما إذا ms0876 اتفقت أحوالهن لئلا يخص واحدة فيكون ترجيحا ~~بلا مرجح قيل: هذا تخصيص لعموم الحديث بالمعنى الذي شرع لأجل الحكم. والجري ~~على ظاهره كما ذهب إليه الشافعي أقوم. # 10 - (وعن عبد الله بن زمعة رضي الله عنه) هو ابن الأسود بن عبد المطلب ~~بن أسد بن عبد العزى صحابي مشهور وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وعداده ~~في أهل المدينة (قال: قال رسول الله (ص): لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد) ~~بالنصب على المصدرية (رواه البخاري) وتمامه فيه ثم يجامعها وفي رواية ولعله ~~أن يضاجعها. وفي الحديث دليل على جواز ضرب المرأة ضربا خفيفا لقوله: جلد ~~العبد، ولقوله في رواية أبي داود: ولا تضرب طعينتك ضربك أمتك، وفي لفظ ~~للنسائي: كما تضرب العبد أو الأمة. وفي رواية للبخاري: ضرب الفحل أو العبد ~~فإنها دالة على جواز الضرب إلا أنه لا يبلغ ضرب الحيوانات والمماليك. وقد ~~قال تعالى: * (واضربوهن) * ودل على جواز ضرب غير الزوجات فيما ذكر ضربا ~~شديدا. وقوله " ثم يجامعها " دال على أن علة النهى أن ذلك لا يستحسنه ~~العقلاء في مجرى العادات لان الجماع والمضاجعة إنما تليق مع ميل نفس ~~PageV03P165 # الغبة ف العشرة والمجلود غالبا ينفر عمن جلده. بخلاف التأديب المستحسن ~~فإنه لا ينفر الطباع، ولا ريب أن عدم الضرب والاغتفار والسماحة أشرف من ذلك ~~كما هو أ خلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد أخرج النسائي من حديث ~~عائشة ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة له ولا خادما قط ولا ضرب ~~بيده قط إلا في سبيل الله أو تنتهك محارم الله فينتقم لله. # باب الخلع بضم المعجمة وسكون اللام هو فراق الزوجة على مال، مأخوذ من خلع ~~الثوب لأن المرأة لباس الرجل مجازا وضم المصدر تفرقة بين المعنى الحقيقي ~~والمجازي والأصل فيه قوله تعالى: * (وإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح ~~عليهما فيما افتدت به) *. # 1 - (عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة ثابت بن قيس) سماها البخاري ~~جميلة، ذكره عن ms0877 عكرمة مرسلا وأخرج البيهقي مرسلا أن اسمها زينب بنت عبد ~~الله بن أبي ابن سلول وقيل غير ذلك (أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ~~يا رسول الله ثابت بن قيس) هو خزرجي أنصاري شهد أحدا وما بعدها وهو من ~~أعيان الصحابة كان خطيبا للأنصار ولرسول لله صلى الله عليه وسلم وشهد له ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة (ما أعيب) روى بالمثناة الفوقية مضمومة ~~ومكسورة من العتب وبالمثناة التحتية ساكنة من العيب وهو أوفق بالمراد (عليه ~~في خلق) ضم الخاء وضم اللام ويجوز سكونها (ولا دين ولكني أكره الكفر في ~~الاسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتردين عليه حديقته؟ فقالت: ~~نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة رواه ~~البخاري. وفي رواية له: وأمره بطلاقها، ولأبي داود والترمذي أي: من حديث ~~ابن عباس وحسنه: أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه فجعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم عدتها حيضة). قولها: أكره الكفر في الاسلام أي أكره من الإقامة عنده ~~أن أقع فيما يقتضي الكفر. والمراد ما يضاد الاسلام من النشوز وبغض الزوج ~~وغير ذلك أطلقت على ما ينافي خلق الاسلام الكفر مبالغة ويحتمل غير ذلك. ~~وقوله: حديقته أي بستانه ففي الرواية أنه كان تزوجها على حديقة نخل. الحديث ~~فيه دليل على شرعية الخلع وصحته وأنه يحل أخذ العوض من المرأة. واختلف ~~العلماء هل يشترط في صحته أن تكون المرأة ناشزة أم لا. فذهب إلى الأول ~~الهادي والظاهرية واختاره ابن المنذر مستدلين بقصة ثابت هذه فإن طلب الطلاق ~~نشوز. وبقوله تعالى: * (إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله) * وقوله: # * (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) *. وذهب أبو حنيفة والشافعي والمؤيد وأكثر ~~أهل العلم إلى الثاني PageV03P166 # وقالوا: يصح الخلع مع التراضي بين الزوجين وإن كانت الحال مستقيمة بينهما ~~ويحل العوض لقوله تعالى: * (فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا) * ولم تفرق. ~~ولحديث: إلا بطيبة من نفسه وقالوا: إنه ليس في حديث ثابت هذا دليل على ms0878 ~~الاشتراط والآية يحتمل أن الخوف فيها وهو الظن والحسبان يكون في المستقبل ~~فيدل على جوازه وإن كان الحال مستقيما بينهما وهما مقيمان لحدود الله في ~~الحال. ويحتمل أن يراد أن يعلما ألا يقيما حدود الله ولا يكون العلم إلا ~~لتحققه في الحال كذا قيل. وقد يقال إن العلم لا ينافي أن يكون النشوز ~~مستقبلا والمراد إني أعلم في الحال أني لا أحتمل معه إقامة حدود الله في ~~الاستقبال وحينئذ فلا دليل على اشتراط النشوز في الآية على التقديرين. ودل ~~الحديث على أن يأخذ الزوج منها ما أعطاها من غير زيادة. واختلف هل تجوز ~~الزيادة أم لا فذهب الشافعي ومالك إلى أنها تحل الزيادة إذا كان النشوز من ~~المرأة قال مالك: لم أزل أسمع أن الفدية تجوز بالصداق وبأكثر منه لقوله ~~تعالى: * (لا جناح عليهما فيما افتدت به) *. قال ابن بطال: ذهب الجمهور إلى ~~أنه يجوز للرجل أن يأخذ في الخلع أكثر مما أعطاها وقال مالك: لم أر أحدا ~~ممن يقتدي به منع ذلك لكنه ليس من مكارم الأخلاق. وأما الرواية التي فيها ~~أنه قال صلى الله عليه وسلم أما الزيادة فلا فلم يثبت رفعها. وذهب عطاء ~~وطاوس وأحمد وإسحاق والهادوية وآخرون إلى أنها لا تجوز الزيادة لحديث ~~الباب. ولما ورد من رواية: أما الزيادة فلا فإنه قد أخرجها في آخر حديث ~~الباب البيهقي وابن ماجة عن ابن جريج عن عطاء مرسلا ومثله عند الدارقطني، ~~وأنها قالت لما قال لها النبي (ص): أتردين عليه حديقته؟ قالت: وزيادة، قال ~~النبي (ص): أما الزيادة فلا الحديث ورجاله ثقات إلا أنه مرسل. وأجاب: من ~~قال بجواز الزيادة أنه لا دلالة في حديث الباب على الزيادة نفيا ولا ~~إثباتا. وحديث: أما الزيادة فلا تقدم الجواب عنه بأنه لم يثبت رفعها وأنه ~~مرسل وإن ثبت رفعها فلعله خرج مخرج المشورة عليها والرأي وأنه لا يلزمها لا ~~أنه خرج مخرج الاخبار عن تحريمها على الزوج. وأما أمره صلى الله عليه وسلم ~~بتطليقه لها فإنه أمر إرشاد لا ms0879 إيجاب كذا قيل. والظاهر بقاؤه على أصله من ~~الايجاب ويدل له قوله تعالى: * (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) * فإن ~~المراد يجب عليه أحد الامرين وهنا قد تعذر الامساك بمعروف لطلبها للفراق ~~فيتعين عليه التسريح بإحسان. ثم الظاهر إنه يقع الخلع بلفظ الطلاق وأن ~~المواطأة على رد المهر لأجل الطلاق يصير بها الطلاق خلعا. # واختلفوا إذا كان بلفظ الخلع فذهبت الهادوية وجمهور العلماء إلى أنه طلاق ~~وحجتهم أنه لفظ لا يملكه إلا الزوج فكان طلاقا ولو كان فسخا لما جاز على ~~غير الصداق كالإقالة وهو يجوز عند الجمهور بما قل أو كثر فدل أنه طلاق. ~~وذهب ابن عباس وآخرون إلى أنه فسخ وهو مشهور مذهب أحمد ويدل له أنه (ص) ~~أمرها أن تعتد بحيضة قال الخطابي: في هذا أقوى دليل لمن قال إن الخلع فسخ ~~وليس بطلاق إذا لو كان طلاقا لم يكتف بحيضة للعدة. واستدل القائل بأنه فسخ ~~أنه تعالى ذكر في كتابه الطلاق قال * (الطلاق مرتان) * ثم ذكر الافتداء ثم ~~قال: * (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا PageV03P167 # غيره) *. فلو كان الافتداء طلاقا لكان الطلاق الذي لا تحل له إلا من بعد ~~زوج هو الطلاق الرابع وهذا الاستدلال مروي عن ابن عباس فإنه سأله رجل طلق ~~امرأته طلقتين ثم اختلعها قال: نعم ينكحها فإن ينكحها فإن الخلع ليس بطلاق، ~~ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها والخلع فيما بين ذلك فليس الخلع بشئ ~~ثم قال: * (الطلاق مرتان فامساك بمعروف أو تسريح باحسان) * ثم قرأ: * (فإن ~~طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) *. وقد قررنا أنه ليس بطلاق ~~في منحة الغفار حاشية ضوء النهار ووضحنا هناك الأدلة وبسطناها. ثم من قال ~~إنه طلاق يقول إنه طلاق بائن لأنه لو كان للزوج الرجعة لم يكن للافتداء بها ~~فائدة. وللفقهاء أبحاث طويلة وفروع كثيرة في الكتب الفقهية فيما يتعلق ~~بالخلع ومقصودنا شرح ما دل عليه الحديث على أنه قد زدنا على ذلك ما يحتاج ~~إليه. # 2 ms0880 - (وفي رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند ابن ماجة أن ثابت بن قيس ~~كان دميما وأن امرأته قالت: لولا مخافة الله إذا دخل علي لبصقت في وجهه). ~~وفي رواية عن ابن عباس أن امرأة ثابت أتت رسول الله (ص) فقالت: يا رسول ~~الله لا يجتمع رأسي ورأس ثابت أبدا إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في ~~عدة فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها. الحديث فصرح الحديث ~~بسبب طلبها الخلع. # 3 - (ولأحمد من حديث سهل بن أبي حثمة) بفتح الحاء المهملة فمثلثة ساكنة ~~(وكان ذلك أول خلع في الاسلام) أنه أول خلع وقع في عصره (ص) وقيل إنه وقع ~~في الجاهلية وهو أن عامر بن الظرب بفتح الظاء المعجمة وكسر الراء ثم موحدة ~~زوج ابنته من ابن أخيه عامر بن الحارث فلما دخلت عليه نفرت منه فشكا إلى ~~أبيها فقال: # لا أجمع عليك فراق أهلك ومالك، وقد خلعتها منك بما أعطيتها. زعم بعض ~~العلماء أن هذا كان أول خلع في العرب. # كتاب الطلاق هو لغة حل الوثاق. مشتق من الاطلاق وهو الارسال والترك وفلان ~~طلق اليدين بالخير أي كثير البذل والارسال لهما بذلك وفي الشرع حل عقدة ~~التزويج قال إمام الحرمين: هو لفظ جاهلي ورد الاسلام بتقريره. # 1 - (عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): أبغض الحلال إلى ~~الله الطلاق رواه أبو داود وابن ماجة وصححه الحاكم ورجح أبو حاتم إرساله) ~~وكذا الدارقطني والبيهقي رجحا الارسال. الحديث فيه دليل على أن في الحلال ~~أشياء مبغوضة إلى الله تعالى وأن أبغضها الطلاق فيكون مجازا عن كونه لا ~~ثواب فيه ولا قربة في فعله ومثل بعض العلماء المبغوض من الحلال بالصلاة ~~المكتوبة في غير المسجد لغير عذر. والحديث دليل على أنه يحسن تجنب إيقاع ~~الطلاق ما وجد عنه مندوحة. وقد قسم بعض العلماء PageV03P168 # الطلاق إلى الأحكام الخمسة فالحرام الطلاق البدعي والمكروه الواقع بغير ~~سبب مع استقامة الحال وهذا هو القسم المبغوض مع حله. # 2 ms0881 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ~~فقال: مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تظهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك ~~بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله عز وجل أن تطلق لها ~~النساء متفق عليه). في قوله: مره فليراجعها دليل على أن الآمر لابن عمر ~~بالمراجعة النبي صلى الله عليه وسلم فإن عمر مأمور بالتبليغ عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى ابنه بأنه مأمور بالمراجعة. فهو نظير قوله تعالى: * (قل ~~لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة) * فإنه صلى الله عليه وسلم مأمور بأن ~~يأمرنا بإقامة الصلاة فنحن مأمورون من الله تعالى. وابن عمر كذلك مأمور من ~~النبي (ص) فلا يتوهم أن هذه المسألة من باب مسألة هل الامر بالأمر بالشئ ~~أمر بذلك الشئ. وإنما تلك المسألة مثل قوله (ص): مروا أولادكم بالصلاة لسبع ~~الحديث لا مثل هذه. وإذا عرفت أنه مأمور منه صلى الله عليه وسلم بالمراجعة ~~فهل الامر للوجوب فتجب الرجعة أم لا؟ ذهب إلى الأول مالك وهو رواية عن ~~أحمد، وصحح صاحب الهداية من الحنفية وجوبها وهو قول داود ودليلهم الامر ~~بها. قالوا: فإذا امتنع الرجل منها أدبه الحاكم فإن أصر على الامتناع ارتجع ~~الحاكم عنه. وذهب الجمهور إلى أنها مستحبة فقط قالوا: لان ابتداء النكاح لا ~~يجب فاستدامته كذلك فكان القياس قرينة على أن الامر للندب. وأجيب بأن ~~الطلاق لما كان محرما في الحيض كان استدامة النكاح فيه واجبة. وفي قوله: ~~حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر دليل على أنه لا يطلق إلا في الطهر الثاني دون ~~الأول. وقد ذهب إلى تحريم الطلاق فيه مالك وهو الأصح عند الشافعية وذهب أبو ~~حنيفة إلى أن الانتظار إلى الطهر الثاني مندوب وكذا عن أحمد مستدلين بقوله: ~~(وفي رواية لمسلم) أي عن ابن عمر: (مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو ~~حاملا). ms0882 فأطلق الطهر ولان التحريم إنما كان لأجل الحيض فإذا زال: زال موجب ~~التحريم فجاز طلاقها في هذا كما جاز في الذي بعده وكما يجوز في الطهر الذي ~~لم يتقدمه طلاق في حيضة ولا يخفى قرب ما قالوه. وفي قوله: قبل أن يمس دليل ~~على أنه إذا طلق في الطهر بعد المس فإنه طلاق بدعي محرم وبه صرح الجمهور. ~~وقال بعض المالكية: # إنه يجبر على الرجعة فيه كما إذا طلق وهي حائض. وفي قوله: ثم تطهر وقوله: ~~طاهرا خلاف للفقهاء هل المراد به انقطاع الدم؟ أو لا بد من الغسل؟ فعن أحمد ~~روايتان والراجح أنه لا بد من اعتبار الغسل لما مر في رواية النسائي: فإذا ~~اغتسلت من حيضتها الأخرى فلا يمسها حتى يطلقها وإن شاء أن يمسكها أمسكها ~~وهو مفسر لقوله (طاهرا). وقوله (ثم تطهر) وقوله (تلك العدة التي أمر الله ~~أن تطلق لها النساء) أي أذن في قوله: * (فطلقوهن لعدتهن) *. PageV03P169 # وفي رواية مسلم قال ابن عمر: وقرأ النبي (ص) * (يا أيها النبي) * الآية. ~~وفي الحديث دليل على أن الأقراء الأطهار للامر بطلاقها في الطهر وقوله: * ~~(فطلقوهن لعدتهن) * أي وقت ابتداء عدتهن. وفي قوله: أو حاملا دليل على أن ~~طلاق الحامل سني وإليه ذهب الجمهور. وإذا عرفت أن الطلاق البدعي منهي عنه ~~محرم فقد اختلف فيه هل يقع ويعتد به أم لا يقع فقال الجمهور: يقع مستدلين ~~بقوله في هذا الحديث (وفي أخرى) أي في رواية أخرى (للبخاري وحسبت تطليقة) ~~وهو بضم الحاء المهملة ومبني للمجهول: # من الحساب والمراد جعلها واحدة من الثلاث التطليقات التي يملكها الزوج. ~~ولكنه لم يصرح بالفاعل هنا فإن كان الفاعل ابن عمر فلا حجة فيه وإن كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم فهو الحجة. إلا أنه قد صرح بالفاعل في غير هذه ~~الرواية كما في مسند ابن وهب بلفظ: # وزاد ابن أبي ذئب في الحديث: عن النبي (ص) وهي واحدة، وأخرجه الدارقطني ~~من حديث ابن أبي ذئب وابن إسحاق جميعا عن نافع عن ابن عمر ms0883 عن النبي (ص) ~~قال: هي واحدة. وقد ورد أن الحاسب لها هو النبي (ص) من طرق يقوي بعضها ~~بعضا. (وفي رواية لمسلم قال ابن عمر) أي لما سأله سائل: (أما أنت طلقتها ~~واحدة أو اثنتين فإن رسول الله (ص) أمرني أن أراجعها ثم أمسكها حتى تحيض ~~حيضة أخرى ثم أمهلها حتى تطهر ثم أطلقها قبل أن أمسها وأما أنت طلقتها ~~ثلاثا فقد عصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك) دل على تحريم الطلاق في ~~الحيض. # وقد يدل له: أمرني أن أراجعها على وقوع الطلاق إذ الرجعة فرع الوقوع وفيه ~~بحث وخالف فيه طاوس والخوارج والروافض وحكاه في البحر عن الباقر والصادق ~~والناصر، قالوا لا يقع شئ ونصر هذا القول ابن حزم ورجحه ابن تيمية وابن ~~القيم واستدلوا بقوله: (وفي رواية أخرى) أي لمسلم عن ابن عمر: (قال عبد ~~الله بن عمر: فردها علي ولم يرها شيئا وقال: إذا طهرت فليطلق أو ليمسك). ~~ومثله في رواية أبي داود: فردها علي ولم يرها شيئا " وإسناده على شرط ~~الصحيح. إلا أنه قال ابن عبد البر في قوله: (ولم يرها شيئا) منكر لم يقله ~~غير أبي الزبير وليس بحجة فيما خالفه فيه مثله فكيف بمن هو أثبت منه ولو صح ~~لكان معناها والله أعلم: ولم يرها شيئا مستقيما لكونها لم تقع على السنة. ~~وقال الخطابي: قال أهل الحديث: لم يرو أبو الزبير حديثا أنكر من هذا ويحتمل ~~أن معناه: لم يرها شيئا تحرم معه المراجعة أو لم يرها شيئا جائزا في السنة ~~ماضيا في الاختيار وإن كان لازما له. نقل البيهقي في المعرفة عن الشافعي ~~أنه ذكر رواية أبن الزبير فقال: نافع أثبت من أبي الزبير والأثبت من ~~الحديثين أولى أن يؤخذ به إذا تخالفا. وقد وافق نافعا غيره من أهل التثبت. ~~قال: وحمل PageV03P170 # قوله: ولم يرها شيئا على أنه لم يعدها شيئا صوابا غير خطأ بل يؤمر صاحبه ~~ألا يقيم عليه لأنه أمره بالمراجعة ولو كان طلقها طاهرا لم يؤمر بذلك. فهو ms0884 ~~كما يقال للرجل إذا أخطأ في فعله أو أخطأ في جوابه إنه لم يصنع شيئا أي لم ~~يصنع شيئا صوابا. وقد أطال ابن القيم الكلام على نصرة عدم الوقوع ولكن بعد ~~ثبوت أنه (ص) حسبها تطليقة تطيح كل عبارة ويضيع كل صنيع وقد كنا نفتي بعدم ~~الوقوع وكتبنا فيه رسالة وتوقفنا مدة ثم رأينا وقوعه. # (تنبيه) ثم إنه قوي عندي ما كنت أفتي به أولا من عدم الوقوع لأدلة قوية ~~سقتها في رسالة سميناها الدليل الشرعي في عدم وقوع الطلاق البدعي ومن ~~الأدلة أنه مسمى ومنسوب إلى البدعة وكل بدعة ضلالة والضلالة لا تدخل في ~~نفوذ حكم شرعي ولا يقع بها بل هي باطلة. ولان الرواة لحديث ابن عمر اتفقوا ~~على أن المسند المرفوع في هذا الحديث غير مذكور فيه أن النبي (ص) حسب تلك ~~التطليقة على ابن عمر ولا قال له قد وقعت ولا رواه ابن عمر مرفوعا. بل في ~~صحيح مسلم ما دل على أن وقوعها إنما هو رأي لابن عمر وأنه سئل عن ذلك فقال: ~~وما لي لا أعتد بها وإن كنت قد عجزت واستحمقت. # وهذا يدل على أنه لا يعلم في ذلك نصا نبويا لأنه لو كان عنده لم يترك ~~روايته ويتعلق بهذه العلة العليلة فإن العجز والحمق لا مدخل لهما في صحة ~~الطلاق. ولو كان عنده نص نبوي لقال: وما لي لا أعتد بها وقد أمرني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن أعتد بها. وقد صرح الامام الكبير محمد بن ~~إبراهيم الوزير بأنه قد اتفق الرواة على عدم رفع الوقوع في الرواية إليه ~~صلى الله عليه وسلم. وقد ساق السيد محمد ست عشر حجة على عدم وقوع الطلاق ~~البدعي ولخصناها في رسالتنا المذكورة وبعد هذا تعرف رجوعنا عما هنا فيلحق ~~هذا في نسخ سبل السلام. وأما الاستدلال على الوقوع بقوله فليراجعها ولا ~~رجعة إلا بعد طلاق فهو غير ناهض لان الرجعة المقيدة ببعد الطلاق عرف شرعي ~~متأخر إذ هي لغة أعم من ذلك. # ودل ms0885 الحديث على تحريم الطلاق في الحيض وبأن الرجعة يستقل بها الزوج من ~~دون رضا المرأة والولي لأنه جعل ذلك إليه ولقوله تعالى: * (وبعولتهن أحق ~~بردهن في ذلك) *. وبأن الحامل لا تحيض لقوله: طاهرا أو حاملا فدل على أنها ~~لا تحيض لاطلاق الطلاق فيه. وأجيب بأن حيض الحامل لما لم يكن له أثر في ~~تطويل العدة لم يعتبر لان عدتها بوضع الحمل وأن الأقراء في العدة هي ~~الأطهار. قال الغزالي: ويستثنى من تحريم طلاق الحائض طلاق المخالعة، لان ~~النبي صلى الله وسلم لم يستفصل حال امرأة ثابت هل هي طاهرة أو حائض مع أمره ~~له بالطلاق. والشافعي يذهب إلى أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل ~~منزلة العموم في المقال. # 3 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان الطلاق على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر ~~بن الخطاب إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة) بفتح الهمزة أي ~~مهملة (فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم رواه مسلم). الحديث ثابت من طرق عن ~~ابن عباس. وقد استشكل أنه PageV03P171 # كيف يصح من عمر مخالفة ما كان في عصره صلى الله عليه وسلم ثم في عصر أبي ~~بكر ثم في أول أيامه. وظاهر كلام ابن عباس أنه كان الاجماع على ذلك. وأجيب ~~عنه بستة أجوبة. الأول أنه كان الحكم كذلك ثم نسخ في عصره صلى الله عليه ~~وسلم فقد أخرج أبو داود من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان ~~الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا فنسخ ذلك اه‍. إلا ~~أنه لم يشتهر النسخ فبقي الحكم المنسوخ معمولا به إلى أن أنكره عمر. قلت: ~~إن ثبتت رواية النسخ فذاك. وإلا فإنه يضعف هذا قول عمر أن الناس قد ~~استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة إلخ، فإنه واضح في أنه رأي محض لا سنة ~~فيه، وما في بعض ألفاظه عند مسلم أنه ms0886 قال ابن عباس لأبي الصهباء: لما تتابع ~~الناس في الطلاق في عهد عمر فأجازه عليهم. ثانيها: أن حديث ابن عباس هذا ~~مضطرب قال القرطبي في شرح مسلم: وقع فيه مع الاختلاف على ابن عباس الاضطراب ~~في لفظه فظاهر سياقه أن هذا الحكم منقول عن جميع أهل ذلك العصر والعادة ~~تقتضي أن يظهر ذلك وينتشر ولا ينفرد به ابن عباس فهذا يقتضي التوقف عن ~~العمل بظاهره إذا لم يقتضي القطع ببطلانه اه‍. قلت: # وهذا مجرد استبعاد فإنه كم من سنة وحادثة انفرد بها راو ولا يضر سيما مثل ~~ابن عباس بحر الأمة. ويؤيد ما قاله ابن عباس من أنها كانت الثلاث واحدة ما ~~يأتي من حديث أبي ركانة وإن كان فيه كلام وسيأتي. الثالث: أن هذا الحديث ~~ورد في صورة خاصة هي قول المطلق أنت طالق أنت طالق. وذلك أنه كان في عصر ~~النبوة وما بعد النبوة وما بعده وكان حال الناس محمولا على السلامة والصدق ~~فيقبل قول من ادعى أن اللفظ الثاني تأكيد لا تأسيس طلاق آخر ويصدق في دعواه ~~فلما رأى عمر تغير أحوال الناس وغلبة الدعاوي الباطلة رأى من المصلحة أن ~~يجري المتكلم على ظاهر قوله ولا يصدق في دعوى ضميره. وهذا الجواب ارتضاه ~~القرطبي، قال النووي: هو أصح الأجوبة. قلت: ولا يخفى أنه تقرير لكون نهي ~~عمر رأيا محضا ومع ذلك فالناس مختلفون في كل عصر فيهم الصادق والكاذب وما ~~يعرف ما في ضمير الانسان إلا من كلامه فيقبل قوله وإن كان مبطلا في نفس ~~الامر فيحكم بالظاهر والله يتولى السرائر مع أن ظاهر قول ابن عباس طلاق ~~الثلاث واحدة أنه كان ذلك بأية عبارة وقعت. الرابع: أن معنى قوله كان طلاق ~~الثلاث واحدة: أن الطلاق الذي يوقع في عهده (ص) وعهد أبي بكر إنما كان يوقع ~~في الغالب واحدة لا يوقع ثلاثا فمراده أن هذا الطلاق الذي توقعونه ثلاثا ~~كان يوقع في ذلك العهد واحدة فيكون قوله فلو أمضيناه عليهم بمعنى لو ~~أجريناه على حكم ما ms0887 شرع من وقوع الثلاث. وهذا الجواب يتنزل على قوله ~~استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة تنزلا قريبا من غير تكلف، ويكون معناه ~~الاخبار عن اختلاف عادات الناس في إيقاع الطلاق لا في وقوعه فالحكم متقرر. # وقد رجح هذا التأويل ابن العربي ونسبه إلى أبي زرعة وكذا البيهقي أخرجه ~~عنه قال: # معناه أن ما تطلقون أنتم ثلاثا كانوا يطلقون واحدة. قلت: وهذا يتم إن ~~اتفق على أنه لم يقع في عصر النبوة إرسال ثلاث تطليقات دفعة واحدة وحديث ~~أبي ركانة وغيره يدفعه وينبو PageV03P172 # عنه قول عمر: فلو أمضيناه فإنه ظاهر في أنه لم يكن مضى في ذلك العصر حتى ~~رأى إمضاءه وهو دليل وقوعه في عصر النبوة لكنه ليمض فليس فيه أنه كان وقوع ~~الثلاث دفعة نادرا في ذلك العصر. الخامس: أن قول ابن عباس: كان طلاق الثلاث ~~ليس له حكم الرفع فهو موقوف عليه. وهذا الجواب ضعيف لما تقرر في أصول ~~الحديث وأصول الفقه أن كنا نفعل وكانوا يفعلون) له حكم الرفع. السادس: أنه ~~أريد بقوله: طلاق الثلاث واحدة هو لفظ البتة إذا قال: أنت طالق البتة وكما ~~سيأتي في حديث ركانة فكان إذا قال القائل ذلك قبل تفسيره بالواحدة وبالثلاث ~~فلما كان في عصر عمر لم يقبل منه التفسير بالواحدة. قيل: وأشار إلى هذا ~~البخاري فإنه أدخل في هذا الباب الآثار التي فيها البتة والأحاديث فيها ~~التصريح بالثلاث كأنه يشير إلى عدم الفرق بينهما وأن البتة إذا أطلقت حملت ~~على الثلاث إلا إذا أراد المطلق واحدة فيقبل فروى بعض الرواة البتة بلفظ ~~الثلاث يريد أن أصل حديث ابن عباس كان طلاق البتة على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعهد أبي بكر إلى آخره. # قلت: ولا يخفى بعد هذا التأويل وتوهيم الراوي في التبديل. ويبعده أن ~~الطلاق بلفظ البتة في غاية الندور فلا يحمل عليه ما وقع، كيف وقول عمر: قد ~~استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة يدل أن ذلك واقع أيضا في عصر النبوة. ~~والأقرب ms0888 أن هذا رأي من عمر ترجح له كما منع من متعة الحج وغيرها وكل واحد ~~يؤخذ من قوله ويترك غير رسول الله (ص) وكونه خالف ما كان على عهده صلى الله ~~عليه وسلم فهو نظير متعة الحج بلا ريب. والتكلفات في الأجوبة ليوافق ما ثبت ~~في عصر النبوة لا يليق فقد ثبت عن عمر اجتهادات يعسر تطبيقها على ذلك نعم ~~إن أمكن التطبيق على وجه صحيح فهو المراد. # 4 - (وعن محمود بن لبيد رضي الله عنه) ابن أبي رافع الأنصاري الأشهلي ولد ~~على عهد رسول الله (ص) وحدث عنه أحاديث قال البخاري: له صحبة وقال أبو حاتم ~~لا نعرف له صحبة وذكره مسلم في التابعين وكان من العلماء مات سنة ست وتسعين ~~وقد ترجم له أحمد في مسنده وأخرج له أحاديث ليس فيها شئ صرح فيه بالسماع ~~(قال: أخبر النبي الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات ~~جميعا فقام غضبان ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ حتى قام رجل ~~فقال: يا رسول الله ألا أقتله؟ رواه النسائي ورواته موثقون). الحديث دليل ~~على أن جمع الثلاث التطليقات بدعة واختلف العلماء في ذلك فذهب الهادوية ~~وأبو حنيفة ومالك إلى أنه بدعة. وذهب الشافعي وحمد والامام يحيى إلى أنه ~~ليس ببدعة ولا مكروه. واستدل الأولون بغضبه (ص) وبقوله " أيلعب بكتاب الله ~~وبما أخرجه سعيد بن منصور بسند صحيح عن أنس: أن عمر كان إذا أتي برجل طلق ~~امرأته ثلاثا أوجع ظهره ضربا وكأنه أخذ تحريمه من قوله صلى الله عليه وسلم: ~~أيلعب بكتاب الله. استدل آخرون بقوله تعالى: * (فطلقوهن لعدتهن) * وبقوله * ~~(والطلاق مرتان) * وبما يأتي في حديث اللعان أنه طلقها الزوج ثلاثا بحضرته ~~(ص) ولم ينكر عليه. وأجيب بأن الآيتين مطلقتان والحديث صريح بتحريم الثلاث ~~فتقيد به PageV03P173 # الآيتان. وبأن طلاق الملاعن لزوجته ليس طلاقا في محله لأنها بانت بمجرد ~~اللعان كما يأتي واعلم أن حديث محمود لم يكن فيه دليل على أنه (ص) أمضى ~~عليه الثلاث أو ms0889 جعلها واحدة وإنما ذكره المصنف إخبارا بأنها قد وقعت ~~التطليقات الثلاث في عصره. # 5 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: طلق أبو ركانة) بضم الراء وبعد ~~الألف نون (أم ركانة فقال له رسول الله (ص): راجع امرأتك فقال: إني طلقتها ~~ثلاثا قال: قد علمت، راجعها رواه أبو داود، وفي لفظ لأحمد) أي عن ابن عباس ~~(طلق رنانة امرأته في مجلس واحد ثلاثا فحزن عليها، فقال له رسول الله (ص): ~~فإنها واحدة وفي سندهما) أي حديث أبي داود وحديث أحمد (ابن إسحاق) أي محمد ~~صاحب السيرة (وفيه مقال) قد حققنا في ثمرات النظر في علم أهل الأثر، وفي ~~إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد عدم صحة القدح بما يجرح روايته (وقد روى ~~أبو داود من وجه آخر أحسن منه أن أبا ركانة طلق امرأته سهيمة) المهملة ~~مضمومة تصغير سهمة (البتة فقال: والله ما أردت إلا واحدة فردها إليه النبي ~~(ص)). وأخرجه أبو يعلى وصححه، وطرقه كلها من رواية محمد بن إسحاق عن داود ~~بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس. وقد عمل العلماء بمثل هذا الاسناد في عدة ~~من الاحكام مثل حديث: أنه (ص) رد ابنته على أبي العاص بالنكاح الأول، تقدم. ~~وقد صححه أبو داود لأنه أخرجه أيضا من طريق أخرى وهي التي أشار إليها ~~المصنف بقوله أحسن منه وهي أنه أخرجه من حديث نافع بن عجير بن عبد يزيد بن ~~ركانة (أن ركانة) الحديث. وصححه أيضا ابن حبان والحاكم وفيه خلاف بين ~~العلماء بين مصحح ومضعف. والحديث دليل على أن إرسال الثلاث التطليقات في ~~مجلس واحد يكون طلقة واحدة. وقد اختلف العلماء في المسألة على أربعة أقوال: ~~الأول أنه لا يقع بها شئ لأنها طلاق بدعة وتقدم ذكرهم وأدلتهم. الثاني: أنه ~~يقع به الثلاث وإليه ذهب عمر وابن عباس وعائشة ورواية عن علي والفقهاء ~~الأربعة وجمهور السلف والخلف واستدلوا بآيات الطلاق وأنها لم تفرق بين ~~واحدة ولا ثلاث. وأجيب بما سلف أنها مطلقات تحتمل التقييد بالأحاديث ~~واستدلوا بما في ms0890 الصحيحين: أن عويمرا العجلاني طلق امرأته ثلاثا بحضرته (ص) ~~ولم ينكر عليه فدل على إباحة جمع الثلاث وعلى وقوعها وأجيب بأن هذا التقرير ~~لا يدل على الجواز ولا على وقوع الثلاث لان النهي إنما هو فيما يكون في ~~طلاق رافع لنكاح كان مطلوب الدوام، والملاعن أوقع الطلاق على ظن أنه بقي له ~~إمساكها ولم يعلم أنه باللعان حصلت فرقة الأبد سواء كان فراقه بنفس اللعان ~~أو بتفريق الحاكم فلا يدل على المطلوب. واستدلوا بما في المتفق عليه أيضا ~~في حديث فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثا وأنه (ص) لما أخبر بذلك قال: ~~ليس لها نفقة وعليها العدة. وأجيب بأنه ليس في الحديث تصريح بأنه أوقع ~~الثلاث في مجلس واحد فلا يدل على المطلوب قالوا: عدم استفصاله (ص) هل كان ~~في مجلس أو مجالس دال على PageV03P174 # أنه لا فرق في ذلك. ويجاب عنه بأنه لم يستفصل لأنه كان الواقع في ذلك ~~العصر غالبا عدم إرسال الثلاث كما تقدم. وقولنا: غالبا لئلا يقال: قد ~~أسلفنا أنها وقعت الثلاث في عصر النبوة لأنا نقول: نعم لكن نادرا ومثل هذا ~~ما استدلوا به من حديث عائشة: أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت فطلق الآخر ~~فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أتحل للأول: قال لا حتى يذوق عسيلتها ~~أخرجه البخاري. والجواب عنه هو ما سلف ولهم أدلة من السنة فيها ضعف فلا ~~تقوم بها حجة فلا نعظم بها حجم الكتاب. وكذلك ما استدلوا به من فتاوى ~~الصحابة أقوال أفراد لا تقوم بها حجة. القول الثالث: إنها تقع بها واحدة ~~رجعية وهو مروي عن علي وابن عباس وذهب إليه الهادي والقاسم والصادق والباقر ~~ونصره أبو العباس بن تيمية وتبعه ابن القيم تلميذه على نصره. واستدلوا بما ~~مر من حديثي ابن عباس وهما صريحان في المطلوب وبأن أدلة غيره من الأقوال ~~غير ناهضة. أما الأول والثاني فلما عرفت ويأتي ما في غيرهما. القول الرابع: ~~أنه يفرق بين المدخول بها وغيرها فتقع الثلاث على المدخول بها ms0891 وتقع على غير ~~المدخول بها واحدة وهو قول جماعة من أصحاب ابن عباس وإليه ذهب إسحاق بن ~~راهويه واستدلوا بما وقع في رواية أبي داود: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق ~~امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله (ص) الحديث. ~~وبالقياس فإنه إذا قال: أنت طالق بانت منه بذلك فإذا أعاد اللفظ لم يصادف ~~محلا للطلاق فكان لغوا. وأجيب بما مر من ثبوت ذلك في حق المدخولة وغيرها ~~فمفهوم حديث أبي داود لا يقاوم عموم أحاديث ابن عباس. # واعلم أن ظاهر الأحاديث أنه لا فرق بين أن يقول: أنت طالق ثلاثا أو يكرر ~~هذا اللفظ ثلاثا وفي كتب الفروع أقوال وخلاف في التفرقة بين الألفاظ لم ~~يستند إلى دليل واضح. # وقد أطال الباحثون في الفروع في هذه المسألة الأقوال وقد أطبق أهل ~~المذاهب الأربعة على وقوع الثلاث متابعة لامضاء عمر لها واشتد نكيرهم على ~~من خالف ذلك وصارت هذه المسألة علما عندهم للرافضة والمخالفين، وعوقب بسبب ~~الفتيا بها شيخ الاسلام ابن تيمية وطيف بتلميذه الحافظ ابن القيم على جمل ~~بسبب الفتوى بعدم وقوع الثلاث. ولا يخفى أن هذه محض عصبية شديدة في مسألة ~~فرعية قد اختلف فيها سلف الأمة وخلفها فلا نكير على من ذهب إلى قول من ~~الأقوال المختلف فيها كما هو معروف وها هنا يتميز المنصف من غيره من فحول ~~النظار والأتقياء من الرجال. # 6 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة رواه الأربعة إلا ~~النسائي وصححه الحاكم، وفي رواية) عن أبي هريرة رضي الله عنه (لابن عدي من ~~وجه آخر ضعيف الطلاق والعتاق والنكاح) وقد بين معناها قوله: PageV03P175 # 7 - (وللحارث بن أبي أسامة من حديث عبادة بن الصامت رفعه: لا يجوز اللعب ~~في ثلاث: الطلاق والنكاح والعتاق فمن قالهن فقد وجبن. وسنده ضعيف) لان فيه ~~ابن لهيعة وفيه انقطاع أيضا. والأحاديث دلت على وقوع الطلاق من ms0892 الهازل وأنه ~~لا يحتاج إلى النية في الصريح وإليه ذهب الهادوية والحنفية والشافعية. وذهب ~~أحمد والناصر والصادق والباقر إلى أنه لا بد من النية لعموم حديث الأعمال ~~بالنيات. وأجيب بأنه عام خصه ما ذكر من الأحاديث ويأتي الكلام في العتق. # 8 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: إن الله تعالى تجاوز ~~عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم متفق عليه). ورواه ابن ماجة ~~من حديث أبي هريرة بلفظ: عما توسوس به صدورها بدل: ما حدثت به أنفسها وزاد ~~في آخره وما استكرهوا عليه. قال المصنف: وأظن الزيادة هذه مدرجة كأنها دخلت ~~على هشام بن عمار من حديث في حديث. والحديث دليل على أنه لا يقع الطلاق ~~بحديث النفس وهو قول الجمهور. وروي عن ابن سيرين والزهري ورواية عن مالك ~~بأنه إذا طلق في نفسه وقع الطلاق وقواه ابن العربي بأن من اعتقد الكفر ~~بقلبه ومن أصر على المعصية أثم، وكذلك من قذف مسلما بقلبه وكل ذلك من أعمال ~~القلب دون اللسان. ويجاب عنه بأن الحديث المذكور أخبر عن الله تعالى بأنه ~~لا يؤاخذ الأمة بحديث نفسها وأنه تعالى قال * (لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها) * وحديث النفس يخرج عن الوسع. نعم الاسترسال مع النفس في باطل ~~أحاديثها يصير العبد عازما على الفعل فيخاف منه الوقوع فيما يحرم فهو الذي ~~ينبغي أن يسارع بقطعه إذا خطر. وأما احتجاج ابن العربي بالكفر والرياء فلا ~~يخفى أنهما من أعمال القلب فهما مخصوصان من الحديث. على أن الاعتقاد وقصد ~~الرياء قد خرجا عن حديث النفس وأما المصر على المعصية فالاثم على عمل ~~المعصية المتقدم على الاصرار فإنه دال على أنه لم يتب عنها واستدل به على ~~أن من كتب الطلاق طلقت امرأته لأنه عزم بقلبه وعمل بكتابته وهو قول ~~الجمهور. وشرط مالك فيه الاشهاد على ذلك وسيأتي. # 9 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي (ص) قال: إن الله تعالى وضع ~~عن أمتي الخطأ والنسيان ms0893 وما استكرهوا عليه رواه ابن ماجة والحاكم وقال أبو ~~حاتم: لا يثبت). وقال النووي في الروضة في تعليق الطلاق: إنه حديث حسن وكذا ~~قال في أواخر الأربعين له اه‍. وللحديث أسانيد وقال ابن أبي حاتم إنه سأل ~~أباه عن أسانيده فقال: هذه أحاديث منكرة كلها موضوعة. وقال عبد الله بن ~~أحمد في العلل: # سألت أبي عنه فأنكره جدا وقال: ليس يروى هذا إلا عن الحسن عن النبي (ص) ~~ونقل الخلال عن أحمد أنه قال: من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوع فقد خالف ~~كتاب الله وسنة رسول الله (ص) فإن الله أوجب في قتل النفس الخطأ الكفارة. ~~والحديث دليل على أن الاحكام الأخروية من العقاب معفوة عن الأمة المحمدية ~~إذا صدرت عن خطأ PageV03P176 # أو نسيان أو إكراه. وأما ابتناء الاحكام والآثار الشرعية عليها ففي ذلك ~~خلاف بين العلماء. # فاختلفوا طلاق الناسي فعن الحسن أنه كان يراه كالعمد إلا إذا اشترط أخرجه ~~ابن أبي شيبة عنه. وعن عطاء وهو قول الجمهور أنه لا يكون طلاقا للحديث وكذا ~~ذهب الجماهير أنه لا يقع طلاق الخاطئ وعن الحنفية يقع. واختلف في طلاق ~~المكره فعند الجماهير لا يقع. ويروى عن النخعي وبه قالت الحنفية إنه يقع ~~واستدل الجمهور بقوله تعالى: * (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان) *. وقال ~~عطاء: الشرك أعظم من الطلاق وقرر الشافعي الاستدلال بأن الله تعالى لما وضع ~~الكفر عمن تلفظ به حال الاكراه وأسقط عنه أحكام الكفر كذلك سقط عن المكره ~~دون الكفر لان الأعظم إذا سقط سقط ما هو دونه بطريق الأولى. # 10 - (وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: إذا حرم الرجل امرأته ليس بشئ، ~~وقال لقد كان لكم في رسول الله (ص) أسوة حسنة رواه البخاري، ولمسلم عن ابن ~~عباس: إذا حرم الرجل امرأته فهو يمين يكفرها). الحديث موقوف وفيه دليل على ~~أن تحريم الزوجة لا يكون طلاقا وإن كان يلزم فيه كفارة يمين كما دلت له ~~رواية مسلم فمراده ليس بشئ ليس بطلاق لا أنه لا حكم له ms0894 أصلا. وقد أخرج عنه ~~البخاري هذا الحديث بلفظ إذا حرم الرجل امرأته فإنما هي يمين يكفر فدل على ~~أنه المراد بقوله ليس بشئ أنه ليس بطلاق. ويحتمل أنه أراد لا يلزم فيه شئ ~~وتكون رواية أنه يمين رواية أخرى فيكون له قولان في المسألة. والمسألة ~~اختلف فيها السلف من الصحابة والتابعين والخلف من الأئمة المجتهدين حتى ~~بلغت الأقوال إلى ثلاثة عشر قولا أصولا وتفرعت إلى عشرين مذهبا. # الأول: أنه لغو لا حكم له في شئ من الأشياء وهو قول جماعة من السلف وقول ~~الظاهرية والحجة على ذلك أن التحريم والتحليل إلى الله تعالى كما قال ~~تعالى: * (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم) * وقد قال لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم: * (لم تحرم ما أحل الله لك) * وقال تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا ~~تحرموا طيبات ما أحل لكم) *. قالوا: ولأنه لا فرق بين تحليل الحرام وتحريم ~~الحلال فلما كان الأول باطلا فليكن الثاني باطلا. ثم قوله: هي حرام إن أراد ~~به الانشاء فانشاء التحريم ليس إليه وإن أراد به الاخبار فهو كذب. # قالوا: ونظرنا إلى ما سوى هذا القول يعني من الأقوال التي هي في المسألة ~~فوجدناها أقوالا مضطربة لا برهان عليها من الله فيتعين القول بهذا. وهذا ~~القول يدل عليه حديث ابن عباس وتلاوته لقوله تعالى: * (لقد كان لكم في رسول ~~الله إسوة حسنة) * فإنه دال على أنه لا يحرم بالتحريم ما حرمه على نفسه فإن ~~الله تعالى أنكر على رسوله تحريم ما أحل الله له وظاهره أنها لا تلزم ~~الكفارة. وأما قوله تعالى: * (قد فرض لكم تحلة أيمانكم) * فإنها كفارة حلفه ~~صلى الله عليه وسلم كما أخرجه الطبري بسند صحيح عن زيد بن أسلم التابعي ~~PageV03P177 # المشهور قال: أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أم إبراهيم ولده في بيت ~~بعض نسائه فقالت: يا رسول الله في بيتي وعلى فراشي فجعلها عليه حراما ~~فقالت: يا رسول الله كيف تحرم الحلال؟ فحلف بالله لا يصيبها فنزلت. هذا أحد ~~القولين فيما حرمه صلى ms0895 الله عليه وسلم وسيأتي القول الآخر في تحريم إيلائه ~~صلى الله عليه وسلم. والحديث وإن كان مرسلا فقد أخرج النسائي بسند صحيح عن ~~أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها فلم تزل ~~به حفصة وعائشة حتى حرمها فأنزل الله: * (يا أيها النبي لم تحرم) * وهذا ~~أصح طرق سبب النزول والمرسل عن زيد قد شهد له هذا، فالكفارة لليمين لا مجرد ~~التحريم. وقد فهم هذا زيد بن أسلم فقال بعد روايته القصة يقول الرجل ~~لامرأته: أنت علي حرام: لغو، وإنما يلزمه كفارة يمين إن حلف. وحينئذ ~~فالأسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم إلغاء التحريم والتكفير إن حلف وهذا ~~القول أقرب الأقوال المذكورة وأرجحها عندي فلم أسرد شيئا منها. # 11 - (وعن عائشة رضي الله عنها أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ودنا منها قالت: أعوذ بالله منك، فقال لها: لقد عذت ~~بعظيم الحقي بأهلك. # رواه البخاري). اختلف في اسم ابنة الجون المذكورة اختلافا كثيرا ونفع ~~تعيينها قليل فلا نشتغل بنقله. أخرج ابن سعد من طريق عبد الواحد بن أبي عون ~~قال: قدم النعمان بن أبي الجون الكندي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: يا رسول الله، أزوجك أجمل أيم في العرب كانت تحت ابن عم لها فتوفي ~~وقد رغبت فيك؟ قال: نعم قال: فابعث من يحملها إليك، فبعث معه أبا أسيد ~~الساعدي قال أبو أسيد: فأقمت ثلاثة أيام ثم تحملت بها معي في محفة فأقبلت ~~بها حتى قدمت المدينة فأنزلتها في بني ساعدة ووجهت إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو في بني عمرو بن عوف فأخبرته الحديث. قال ابن أبي عون وكان ~~ذلك في ربيع الأول سنة سبع ثم أخرج ذلك من طريقين. وفي تمام القصة قيل لها ~~استعيذي منه فإنه أحظى لك عنده وخدعت لما رئي من جمالها وذكر لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من حملها على ما قالت. قال: إنهن صواحب ms0896 يوسف وكيدهن. ~~والحديث دليل على أن قول الرجل لامرأته: الحقي بأهلك طلاق لأنه لم يرو أنه ~~زاد غير ذلك فيكون كناية طلاق إذا أريد به الطلاق كان طلاقا قال البيهقي: ~~زاد ابن أبي ذئب عن الزهري الحقي بأهلك جعلها تطليقة. ويدل على أنه كناية ~~طلاق أنه قد جاء في قصة كعب بن مالك أنه لما قيل له اعتزل امرأتك قال الحقي ~~بأهلك فكوني عندهم ولم يرد الطلاق فلم تطلق وإلى هذا ذهب الفقهاء الأربعة ~~وغيرهم. وقالت الظاهرية: لا يقع الطلاق بالحقي بأهلك. قالوا: # والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن قد عقد بابنة الجون وإنما أرسل إليها ~~ليخطبها إذ الروايات قد اختلفت في قصتها ويدل على أنه لم يكن عقد بها ما في ~~صحيح البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال: (هبي لي نفسك قالت: وهل تهب ~~الملكة نفسها للسوقة فأهوى ليضع يده PageV03P178 # عليها لتسكن فقالت: أعوذ بالله منك) قالوا: فطلب الهبة دال على أنه لم ~~يكن عقد بها ويبعد ما قالوه. قوله: (ليضع يده) ورواية (فلما دخل عليها) فإن ~~ذلك إنما يكون مع الزوجة. # وأما قوله: هبي لي نفسك فإنه قال تطييبا لخاطرها واستمالة لقلبها ويؤيده ~~ما سلف من رواية: أنها رغبت فيك. وقد روي اتفاقه مع أبيها على مقدار صداقها ~~وهذه وإن لم تكن صرائح في العقد بها إلا أنه أقرب الاحتمالين. # 12 - (وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ~~طلاق إلا بعد نكاح ولا عتق إلا بعد ملك رواه أبو يعلى وصححه الحاكم) وقال: ~~أنا متعجب من الشيخين كيف أهملاه لقد صح على شرطهما من حديث ابن عمر وعائشة ~~وعبد الله بن عباس ومعاذ بن جبل وجابر انتهى. (وهو معلول) بما قاله ~~الدارقطني الصحيح مرسل ليس فيه جابر. قال يحيى بن معين: لا يصح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: لا طلاق قبل نكاح. وقال ابن عبد البر: روي من وجوه إلا ~~إنها عند أهل العلم بالحديث معلولة انتهى. ولكنه ms0897 يشهد له قوله: # 13 - (وأخرج ابن ماجة عن المسور) بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح ~~الواو فراء (ابن مخرمة) بفتح الميم فخاء معجمة ساكنة (مثله وإسناده حسن ~~لكنه معلول أيضا) لأنه اختلف فيه على الزهري. قال علي بن الحسين بن واقد عن ~~هشام عن سعيد عن الزهري عن عروة عن المسور. وقال حماد بن خالد عن هشام عن ~~سعيد عن الزهري عن عروة عن عائشة وعن أبي بكر وعن أبي هريرة وأبي موسى ~~الأشعري وأبي سعيد الخدري وعمران بن حصين وغيرهم، ذكرها البيهقي في ~~الخلافيات. وقال البيهقي: أصح حديث فيه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ~~قال الترمذي: هو أحسن شئ روي في هذا الباب. # ولفظه عند أصحاب السنن: ليس على رجل طلاق فيما لا يملك الحديث. قال ~~البيهقي: قال البخاري: أصح شئ فيه وأشهره حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~ويأتي. وحديث الزهري عن عائشة وعن علي ومداره على جويبر عن الضحاك عن ~~النزال بن سبرة عن علي وجويبر متروك. ثم قال البيهقي: ورواه ابن ماجة ~~بإسناد حسن. والحديث دليل على أنه لا يقع الطلاق على المرأة الأجنبية فإن ~~كان تنجيزا فإجماع وإن كان تعليقا بالنكاح كأن يقول إن نكحت فلانة فهي طالق ~~ففيه ثلاث أقوال: الأول: أنه لا يقع مطلقا وهو قول الهادوية والشافعية ~~وأحمد وداود وآخرين ورواه البخاري عن اثنين وعشرين صحابيا. ودليل هذا القول ~~حديث الباب وإن كان فيه مقال من قبل الاسناد فهو متأيد بكثرة الطرق وما ~~أحسن ما قال ابن عباس قال الله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم ~~المؤمنات ثم طلقتموهن) * ولم يقل إذا طلقتموهن ثم نكحتموهن وبأنه إذا قال ~~المطلق إن تزوجت فلانة هي طالق مطلق لأجنبية فإنها حين أنشأ الطلاق أجنبية ~~والمتجدد هو نكاحها فهو كما لو قال لأجنبية إن دخلت الدار فأنت طالق فدخلت ~~وهي زوجته لم تطلق إجماعا. وذهب أبو حنيفة وهو أحد قولي المؤيد بالله إلى ~~أنه يصح التطليق مطلقا. وذهب مالك وآخرون ms0898 إلى التفصيل فقالوا: إن ~~PageV03P179 # خص بأن يقول كل امرأة أتزوجها من بني فلان أو من بلد كذا فهي طالق أو قال ~~في وقت كذا وقع الطلاق. وإن عمم وقال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق لم يقع ~~شئ. # وقال في نهاية المجتهد: سبب الخلاف هل من شرط وقوع الطلاق وجود الملك ~~متقدما على الطلاق بالزمان أو ليس من شرطه فمن قال هو من شرطه قال لا يتعلق ~~الطلاق بالأجنبية ومن قال ليس من شرطه إلا وجود الملك فقط قال: يقع. قلت: ~~دعوى الشرطية تحتاج إلى دليل ومن لم يدعها فالأصل معه. ثم قال: وأما الفرق ~~بين التخصيص والتعميم فاستحسان مبني على المصلحة وذلك إذا وقع فيه التعميم ~~فلو قلنا بوقوعه امتنع منه التزويج فلم يجد سبيلا إلى النكاح الحلال فكان ~~من باب النذر بالمعصية وأما إذا خصص فلا يمتنع منه ذلك اه‍. قلت: سبق ~~الجواب عن هذا بعدم الدليل على الشرطية. هذا والخلاف في العتق مثل الخلاف ~~في الطلاق فيصح عند أبي حنيفة وأصحابه وعند أحمد في أصح قوليه وعليه أصحابه ~~ومنهم ابن القيم فإنه فرق بين الطلاق والعتاق فأبطله في الأول وقال به في ~~الثاني مستدلا على الثاني بأن العتق له قوة وسراية فإنه يسري إلى ملك ~~الغير. ولأنه يصح أن يجعل الملك سببا للعتق كما لو اشترى عبدا ليعتقه عن ~~كفارة أو نذر أو اشتراه بشرط العتق. ولان العتق من باب القرب والطاعات، وهو ~~يصح النذر به وإن لم يكن حال النذر به مملوكا كقولك: لئن آتاني الله من ~~فضله لأصدقن بكذا وكذا، ذكره في الهدي النبوي. قلت: ولا يخفى ما فيه فإن ~~السراية إلى ملك الغير تفرعت من إعتاقه لما يملكه من الشقص فحكم الشارع ~~بالسراية لعدم تبعض العتق وأما قوله: ولأنه يصح أن يجعل الملك سببا للعتق ~~كما لو اشترى عبدا ليعتقه فيجاب عنه بأنه لا يعتق هذا الذي اشتراه إلا ~~بإعتاقه كما قال ليعتقه وهذا عتق لما يملكه. وأما قوله: إنه يصح النذر ~~ومثله بقوله: لئن ms0899 آتاني الله من فضله فهذه فيها خلاف ودليل المخالف أنه قال ~~(ص) لا نذر فيما لا يملك ابن آدم كما يفيده قوله: # 14 - (وعن عمرو بشعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له ~~فيما لا يملك أخرجه أبو داود والترمذي وصححه، ونقل عن البخاري أنه أصح ما ~~ورد فيه) تقدم الكلام في ذلك مستوفى. # 15 - (وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي (ص): رفع القلم) أي ليس يجري ~~أصالة لا أنه رفع بعد وضع. والمراد برفع القلم عدم المؤاخذة لا قلم الثواب ~~فلا ينافيه صحة إسلام الصبي المميز كما ثبت في غلام اليهودي الذي كان يخدم ~~النبي صلى الله عليه وسلم فعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم الاسلام ~~فأسلم فقال: الحمد لله الذي أنقذه من النار. وكذلك ثبت أن امرأة رفعت إليه ~~صلى الله عليه وسلم صبيا فقالت: ألهذا حج؟ # فقال: نعم ولك أجر. ونحو هذا كثير في الأحاديث. (عن ثلاثة: عن النائم حتى ~~PageV03P180 # يستيقظ وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق رواه أحمد ~~والأربعة إلا الترمذي وصححه الحاكم وأخرجه ابن حبان). الحديث فيه كلام كثير ~~لائمة الحديث وفيه دليل على أن الثلاثة لا يتعلق بهم تكليف وهو في النائم ~~المستغرق إجماع والصغير الذي لا تمييز له وفيه خلاف إذا عقل وميز. والحديث ~~جعل غاية رفع القلم عنه إلى أن يكبر فقيل: إلى أن يطيق الصيام ويحصي الصلاة ~~وهذا لأحمد. وقيل: إذا بلغ اثنتي عشرة سنة وقيل: إذا ناهز الاحتلام وقيل: ~~إذا بلغ والبلوغ يكون في حق الذكر مع إنزال المني إجماعا وفي حق الأنثى عند ~~الهادوية وبلوغ خمس عشرة سنة وإنبات الشعر الأسود المتجعد في العانة بعد ~~تسع سنين عند الهادوية وكذلك الامناء في حال اليقظة إذا كان لشهوة وفي الكل ~~خلاف معروف. وأما المجنون فالمراد به زائل العقل فيدخل فيه السكران والطفل ~~كما ms0900 يدخل المجنون. وقد اختلف في طلاق السكران على قولين: الأول: أنه لا يقع ~~وإليه ذهب عثمان وجابر وزيد وعمر بن عبد العزيز وجماعة من السلف وهو مذهب ~~أحمد وأهل الظاهر لهذا الحديث ولقوله تعالى: * (لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى حتى تعلموا ما تقولون) * فجعل قول السكران غير معتبر لأنه لا يعلم ما ~~يقول وبأنه غير مكلف لانعقاد الاجماع على أن من شرط التكليف العقل ومن لا ~~يعقل ما يقول فليس بمكلف أو بأنه كان يلزم أن يقع طلاقه إذا كان مكرها على ~~شربها أو غير عالم بأنها خمر ولا يقوله المخالف. الثاني وقوع طلاق السكران ~~ويروى عن علي وابن عباس وجماعة من الصحابة وعن الهادي وأبي حنيفة والشافعي ~~ومالك واحتج لهم بقوله تعالى: * (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) * فإنه نهي ~~لهم عن قربانها حال السكر. والنهي يقتضي أنهم مكلفون حال سكرهم والمكلف يصح ~~منه الانشاءات. وبأن إيقاع الطلاق عقوبة له. وبأن ترتيب الطلاق على التطليق ~~من باب ربط الاحكام بأسبابها فلا يؤثر فيه السكر. وبأن الصحابة أقاموه مقام ~~الصاحي في كلامه فإنهم قالوا: # إذا شرب سكر وإذا سكر هذي فإذا هذي افترى وحد المفتري ثمانون. وبأنه أخرج ~~سعيد بن منصور عنه صلى الله عليه وسلم: لا قيلولة في الطلاق. وأجيب بأن ~~الآية خطاب لهم حال صحوهم ونهي لهم قبل سكرهم أن يقربوا الصلاة حالة أنهم ~~لا يعلمون ما يقولون فهي دليل لنا كما سلف. وبأن جعل الطلاق عقوبة يحتاج ~~إلى دليل على المعاقبة للسكران بفراق أهله فإن الله لم يجعل عقوبته إلا ~~الحد. وبأن ترتيب الطلاق على التطليق محل النزاع. وقد قال أحمد والبتي: إنه ~~لا يلزمه عقد ولا بيع ولا غيره. على أنه يلزمهم القول بترتيب الطلاق على ~~التطليق صحة طلاق المجنون والنائم والسكران غير العاصي بسكره والصبي. وبأن ~~ما نقل عن الصحابة بأنهم قالوا إذا شرب إلى آخره فقال ابن حزم: إنه خبر ~~مكذوب باطل متناقض فإن فيه إيجاب الحد على من هذي والهاذي لا حد عليه. وبأن ms0901 ~~حديث: لا قيلولة في طلاق خبر غير صحيح وإن صح فالمراد طلاق المكلف العاقل ~~دون من لا يعقل ولهم أدلة غير هذه لا تنهض على المدعي. PageV03P181 # كتاب الرجعة 1 - (عن عمران بن حصين رضي الله عنه: أنه سئل عن الرجل يطلق ~~ثم يراجع ولا يشهد؟ فقال: أشهد على طلاقها وعلى رجعتها رواه أبو داود هكذا ~~موقوفا وسنده صحيح وأخرجه البيهقي بلفظ: أن عمران بن حصين سئل عمن راجع ~~امرأته ولم يشهد، فقال: راجع في غير سنة فليشهد الآن وزاد الطبراني في ~~رواية: ويستغفر الله). دل الحديث على شرعية الرجعة والأصل فيها قوله تعالى: ~~* (وبعولتهن أحق بردهن) *. وقد أجمع العلماء على أن الزوج يملك رجعة زوجته ~~في الطلاق الرجعي ما دامت في العدة من غير اعتبار رضاها ورضا وليها إذا كان ~~الطلاق بعد المسيس وكان الحكم بصحة الرجعة مجمعا عليه لا إذا كان مختلفا ~~فيه. والحديث دل على ما دلت عليه آية سورة الطلاق وهي قوله: * (وأشهدوا ذوي ~~عدل منكم) * بعد ذكره الطلاق. وظاهر الامر وجوب الاشهاد وبه قال الشافعي في ~~القديم، وكأنه استقر مذهبه على عدم وجوبه فإنه قال المرزعي في تيسير ~~البيان: وقد اتفق الناس على أن الطلاق من غير إشهاد جائز. وأما الرجعة ~~فيحتمل أنها تكون في معنى الطلاق لأنها قرينته فلا يجب فيها الاشهاد لأنها ~~حق للزوج ولا يجب عليه الاشهاد على قبضه ويحتمل أن يجب الاشهاد وهو ظاهر ~~الخطاب انتهى. والحديث يحتمل أنه قاله عمران اجتهادا إذ للاجتهاد فيه مسرح. ~~إلا أن قوله: راجع في غير سنة قد يقال إن السنة إذا أطلقت في لسان الصحابي ~~يراد بها سنة النبي صلى الله عليه وسلم فيكون مرفوعا إلا أنه لا يدل على ~~الايجاب لتردد كونه من سنته صلى الله عليه وسلم بين الايجاب والندب ~~والاشهاد على الرجعة ظاهر إذا كانت بالقول الصريح. واتفقوا على الرجعة ~~بالقول واختلف إذا كانت الرجعة بالفعل فقال الشافعي والامام يحيى إن الفعل ~~محرم فلا تحل به ولأنه تعالى ذكر الاشهاد ولا إشهاد ms0902 إلا على القول. وأجيب: ~~بأنه لا إثم عليه لأنه تعالى قال: * (إلا على أزواجهم) * وهي زوجة، ~~والاشهاد غير واجب كما سلف. وقال الجمهور: يصح بالفعل واختلفوا هل من شرط ~~الفعل النية؟. فقال مالك: لا يصح بالفعل إلا مع النية كأنه يقول لعموم ~~الأعمال بالنيات. وقال الجمهور: يصح لأنها زوجة شرعا داخلة تحت قوله: * ~~(إلا على أزواجهم) * ولا يشترط النية في لمس الزوجة وتقبيلها وغيرهما ~~إجماعا. واختلف هل يجب عليه إعلامها بأنه قد راجعها لئلا تتزوج غيره فذهب ~~الجمهور من العلماء أنه يجب عليه وقيل لا يجب، وتفرع من الخلاف لو تزوجت ~~قبل علمها بأنه راجعها فقال الأولون النكاح باطل وهي لزوجها الذي ارتجعها ~~واستدلوا بإجماع العلماء على أن الرجعة صحيحة وإن لم تعلم بها المرأة ~~وبأنهم أجمعوا أن الزوج الأول أحق بها قبل أن تزوج. وعن مالك أنها للثاني ~~دخل بها أو لم يدخل واستدل بما رواه ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن ابن ~~المسيب أنه قال: مضت السنة في الذي يطلق امرأته ثم يراجعها ثم يكتمها ~~رجعتها فتحل فتنكح زوجا غيره أنه ليس له من أمرها شئ ولكنها لمن تزوجها. ~~إلا أنه قيل إنه لم يرو هذا إلا عن ابن شهاب فقط وهو PageV03P182 # الزهري فيكون من قوله وليس بحجة. ويشهد لكلام الجمهور حديث الترمذي عن ~~سمرة بن جندب أنه (ص) قال: أيما امرأة تزوجها اثنان فهي للأول منهما. فإنه ~~صادق على هذه الصورة. # واعلم أنه قال تعالى: * (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادا إصلاحا) * ~~أي أحق بردهن في العدة بشرط أن يريد الزوج بردها الاصلاح وهو حسن العشرة ~~والقيام بحقوق الزوجية. فإن أراد بالرجعة غير ذلك كمن يراجع زوجته ليطلقها ~~كما يفعله العامة فإنه يطلق ثم ينتقل من موضعه فيراجع ثم يطلق إرادة ~~لبينونة المرأة فهذا المراجعة لم يرد بها إصلاحا ولا إقامة حدود الله فهي ~~باطلة. إذ الآية ظاهرة في أنه لا تباح له المراجعة ويكون أحق برد امرأته ~~إلا بشرط إرادة الاصلاح وأي إرادة ms0903 إصلاح في مراجعتها ليطلقها. ومن قال إن ~~قوله: * (إن أرادوا إصلاحا) * ليس بشرط للرجعة فإنه قول مخالف لظاهر الآية ~~بلا دليل. # 2 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه لما طلق امرأته قال النبي (ص) لعمر: ~~مره فليراجعها متفق عليه). تقدم الكلام عليه بما يكفي من غير زيادة. # باب الايلاء والظهار والكفارة الايلاء لغة الحلف وشرعا الامتناع باليمين ~~من وطئ الزوجة. (والظهار) بكسر الظاء مشتق من الظهر لقول القائل: أنت علي ~~كظهر أمي. (والكفارة) وهي من التكفير: التغطية. # 1 - (عن عائشة رضي الله عنها قالت: آلى رسول الله (ص) من نسائه وحرم، ~~فجعل الحرام حلالا، وجعل لليمين كفارة رواه الترمذي ورجاله ثقات). ورجح ~~الترمذي إرساله على وصله. الحديث دليل على جواز حلف الرجل من زوجته وليس ~~فيه تصريح بالايلاء المصطلح عليه في عرف الشرع وهو الحلف من وطئ الزوجة ~~اعلم أنها اختلفت الروايات في سبب إيلائه (ص) وفي الشئ الذي حرمه على ~~روايات: أحدها: أنه بسبب إفشاء حفصة للحديث الذي أسره إليها. واختلف في ~~الحديث الذي أسره إليها، أخرجه البخاري عن ابن عباس عن عمر في حديث طويل ~~وأجمل في رواية البخاري هذه وفسره في رواية أخرجها الشيخان بأنه تحريمه ~~لمارية وأنه أسره إلى حفصة فأخبرت به عائشة. أو تحريمه للعسل. وقيل: بل أسر ~~إلى حفصة أن أباها يلي أمر الأمة بعد أبي بكر. وقال: لا تخبري عائشة ~~بتحريمي مارية. ثانيها: السبب في إيلائه أنه فرق هدية جاءت له بين نسائه ~~فلم ترض زينب بنت جحش بنصيبها فزادها مرة أخرى فلم ترض فقالت عائشة: لقد ~~أقمت وجهك ترد عليك الهدية فقال: لأنتن أهون علي الله من أن يغمني لا أدخل ~~عليكن شهرا. أخرجه ابن سعد عن عمرة عن عائشة ومن طريق الزهري عن عمرة عن ~~عائشة نحوه وقال: ذبح ذبحا. ثالثها: أنه بسبب طلبهن النفقة. أخرجه مسلم من ~~حديث جابر. فهذه أسباب ثلاثة: إما لافشاء بعض نسائه السر وهي حفصة. والسر ~~أحد ثلاثة: إما PageV03P183 # تحريمة مارية أو العسل أو بتحريج ms0904 صدره من قبل ما فرقه بينهن من الهدية أو ~~تضييقهن في طلب النفقة. قال المصنف: واللائق بمكارم أخلاقه صلى الله عليه ~~وسلم وسعة صدره وكثرة صفحه أن يكون مجموع هذه الأشياء سببا لاعتزالهن. ~~وقولها: وحرم أي حرم مارية أو العسل وليس فيه دليل على أن التحريم للجماع ~~حتى يكون من باب الايلاء الشرعي فلا يوجه لجزم ابن بطال وغيره أنه صلى الله ~~عليه تعالى وسلم امتنع من جماع نسائه ذلك الشهر إن أخذه من هذا الحديث ولا ~~مستند له غيره فإنه قال المصنف لم أقف على نقل صريح في ذلك فإنه لا يلزم من ~~عدم دخوله عليهن أن لا تدخل إحداهن عليه في المكان الذي اعتزل فيه إلا إن ~~كان المكان المذكور في المسجد فيتم استلزام عدم الدخول عليهن مع استمرار ~~الإقامة في المسجد العزم على ترك الوطئ لامتنا الوطئ في المسجد. # 2 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إذا مضت أربعة أشهر وقف المولي حتى ~~يطلق ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلق أخرجه البخاري). الحديث كالتفسير لقوله ~~تعالى: * (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر) *. وقد اختلف العلماء في ~~مسائل من الايلاء: الأولى في اليمين فإنهم اختلفوا فيها. فقال الجمهور: ~~ينعقد الايلاء بكل يمين على الامتناع من الوطئ سواء حلف بالله أو بغيره. ~~وقالت الهادوية: أنه لا ينعقد إلا بالحلف بالله قالوا: لأنه لا يكون يمينا ~~إلا ما كان بالله تعالى فلا تشمل الآية ما كان بغيره. قلت: وهو الحق. ~~الثانية: # في الامر الذي تعلق به الايلاء وهو ترك الجماع صريحا أو كناية أو ترك ~~الكلام عند البعض والجمهور على أنه لا بد فيه من التصريح بالامتناع من ~~الوطئ لا مجرد الامتناع عن الزوجة، ولا كلام أن الأصل في الايلاء قوله ~~تعالى: * (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر) * الآية فإنها نزلت ~~لابطال ما كان عليه الجاهلية من إطالة مدة الايلاء فإنه كان الرجل يولي من ~~امرأته سنة وسنتين فأبطل الله تعالى ذلك وأنظر المولي أربعة أشهر فإما ms0905 أن ~~يفئ أو يطلق . الثالثة: اختلفوا في مدة الايلاء فعند الجمهور والحنفية أنه ~~لا بد أن يكون أكثر من أربعة أشهر. # وقال الحسن وآخرون ينعقد بقليل الزمان وكثيره لقوله تعالى: * (يؤلون من ~~نسائهم) *. ورد بأنه لا دليل في الآية إذ قد قدر الله المدة فيها بقوله ~~تعالى: * (أربعة أشهر) *. فالأربعة قد جعلها الله مدة الامهال وهي كأجل ~~الدين لأنه تعالى قال: * (فإن فاؤوا) * بفاء التعقيب وهو بعد الأربعة فلو ~~كان المدة أربعة أو أقل لكانت قد انقضت فلا يطالب بعدها والتعقيب للمدة لا ~~للايلاء لبعده. والرابعة: أن مضي المدة لا يكون طلاقا عند الجمهور. وقال ~~أبو حنيفة: بل إذا مضت الأربعة الأشهر طلقت المرأة، قالوا: والدليل على أنه ~~لا يكون بمضيها طلاقا أنه تعالى خير في الآية بين الفيئة والعزم على الطلاق ~~فيكونان في وقت واحد وهو بعد مضي الأربعة فلو كان الطلاق يقع بمضي الأربعة ~~والفيئة بعدها لم يكن تخيير. لان حق المخير فيهما أن يقع أحدهما في الوقت ~~الذي يصح فيه الآخر كالكفارة لأنه تعالى أضاف عزم الطلاق إلى الرجل وليس ~~مضي المدة من فعل الرجل. ولحديث ابن عمر هذا الذي نحن في سياقه وإن كان ~~موقوفا فهو مقو للأدلة. الخامسة: الفيئة هي الرجوع ثم اختلفوا بماذا تكون ~~فقيل تكون PageV03P184 # بالوطئ على القادر والمعذور يبين عذره بقوله: لو قدرت لفئت لأنه الذي ~~يقدر عليه لقوله تعالى: * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) *. وقيل بقوله: ~~رجعت عن يميني وهذا للهادوية كأنهم يقولون المراد رجوعه عن يمينه لا إيقاع ~~ما حلف عليه. وقيل: تكون في حق المعذور بالنية لأنها توبة يكفي فيها العزم ~~ورد بأنها توبة عن حق مخلوق فلا بد من إفهامه الرجوع عن الامر الذي عزم ~~عليه. السادسة: اختلفوا هل تجب الكفارة على من فاء. فقال الجمهور: تجب ~~لأنها يمين قد حنث فيها فتجب الكفارة لحديث من حلف على يمين فرأى غيرها ~~خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير. وقيل لا تجب لقوله تعالى: * ~~(فإن فاؤوا ms0906 فإن الله غفور رحيم) * وأجيب بأن الغفران يختص بالذنب لا ~~بالكفارة ويدل للمسألة الخامسة قوله: # 3 - (وعن سليمان بن يسار رضي الله عنه) بفتح المثناة فسين مهملة مخففة ~~بعد الألف راء هو أبو أيوب سليمان بن يسار مولى ميمونة زوج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو أخو عطاء بن يسار كان سليمان من فقهاء المدينة وكبار ~~التابعين ثقة فاضلا ورعا حجة هو أحد الفقهاء السبعة روى عن ابن عباس وأبي ~~هريرة وأم سلمة مات سنة سبع ومائة وهو ابن ثلاث وسبعين سنة (قال: أدركت ~~بضعة عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يقفون المولي. ~~رواه الشافعي). وفي الارشاد لابن كثير أنه قال الشافعي بعد رواية الحديث: ~~وأقل ذلك ثلاثة عشر اه‍ يريد أقل ما يطلق عليه لفظ بضعة عشر. وقوله يقفون ~~بمعنى يقفونه أربعة أشهر كما أخرجه إسماعيل - هو ابن أبي إدريس - عن سليمان ~~أيضا قال: أدركنا الناس يقفون الايلاء إذا مضت الأربعة. فإطلاق رواية ~~الكتاب محمولة على هذه الرواية المقيدة. وقد أخرج الدارقطني من طريق سهيل ~~بن أبي صالح عن أبيه أنه قال: سألت اثنى عشر رجلا من الصحابة عن الرجل يولي ~~فقالوا: ليس عليه شئ حتى تمضي أربعة أشهر فيوقف فإن فاء وإلا طلق. وأخرج ~~إسماعيل المذكور من حديث ابن عمر أنه قال: إذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى ~~يطلق ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلق " وأخرج الإسماعيلي أثر ابن عمر بلفظ ~~أنه كان يقول: أيما رجل آلى من امرأته فإذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق ~~أو يفئ ولا يقع عليها طلاق إذا مضت حتى يوقف " وفي الباب آثار كثيرة عن ~~السلف كلها قاضية بأنه لا بد بعد مضي الأربعة الأشهر من إيقاف المولي. ~~ومعنى إيقافه هو أن يطالب إما بالفئ وإما بالطلاق. ولا يقع الطلاق بمجرد ~~مضي المدة وإلى هذا ذهب الجماهير وعليه دل ظاهر الآية إذ قوله تعالى: * ~~(وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم) * يدل قوله: * (سميع) * على أن ms0907 ~~الطلاق يقع بقول يتعلق به السمع ولو كان يقع بمضي المدة لكفى قوله: * ~~(عليم) * لما عرف من بلاغة القرآن وأن فواصل الآيات تشير إلى ما دلت عليه ~~الجملة السابقة. فإذا وقع الطلاق فإنه يكون رجعيا عند الجمهور وهو الظاهر ~~ولغيرهم تفاصيل لا يقوم عليها دليل. # 4 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان إيلاء الجاهلية السنة ~~والسنتين، فوقت الله أربعة أشهر، فإن كان أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء ~~أخرجه البيهقي. وأخرجه PageV03P185 # الطبراني أيضا عنه. وقال الشافعي: كانت العرب في الجاهلية تحلف بثلاثة ~~أشياء. وفي لفظ كانوا يطلقون الطلاق والظهار والايلاء فنقل تعالى الايلاء ~~والظهار عما كان عليه الجاهلية من إيقاع الفرقة على الزوجة إلى ما استقر ~~عليه حكمهما في الشرع وبقي حكم الطلاق على ما كان عليه. والحديث دليل على ~~أن أقل ما ينعقد به الايلاء أربعة أشهر. # 5 - (عنه رضي الله عنه أن رجلا ظاهر من امرأته ثم وقع عليها فأتى النبي ~~(ص) فقال: إني وقعت عليها قبل أن أكفر؟؟ قال: فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك ~~الله به رواه الأربعة وصححه الترمذي ورجح النسائي إرساله، ورواه البزار من ~~وجه آخر عن ابن عباس وزاد فيه: كفر ولا تعد). هذا من باب الظهار والحديث لا ~~يضر إرساله كما قررناه من أن إتيانه من طريق موصولة لا يكون علة بل يزيده ~~قوة. والظهار مشتق من الظهر لأنه قول الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي فأخذ ~~اسمه من لفظه وكنوا بالظهر عما يستهجن ذكره. وأضافه إلى الأم لأنها أم ~~المحرمات وقد أجمع العلماء على تحريم الظهار وإثم فاعله كما قال تعالى: * ~~(وإنهم ليقولون منكر من القول وزورا) *. وأما حكمه بعد إيقاعه فيأتي. وقد ~~اتفق العلماء على أنه يقع بتشبيه الزوجة بظهر الأم ثم اختلفوا فيه في ~~مسائل: الأولى: إذا شبهها بعضو منها غيره فذهب الأكثر إلى أنه يكون ظهارا ~~أيضا وقيل يكون ظهارا إذا شبهها بعضو يحرم النظر إليه وقد عرفت أن النص لم ~~يرد إلا في الظهر. الثانية: ms0908 أنهم اختلفوا أيضا فيما إذا شبهها بغير الأم من ~~المحارم فقالت الهادوية لا يكون ظهارا لان النص ورد في الأم وذهب آخرون ~~منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أنه يكون ظهارا ولو شبهها بمحرم من ~~الرضاع. ودليلهم القياس فإن العلة التحريم المؤبد وهو ثابت في المحارم ~~كثبوته في الأم. وقال مالك وأحمد: إنه ينعقد وإن لم يكن المشبه به مؤبد ~~التحريم كالأجنبية. بل قال أحمد: حتى في البهيمة ولا يخفى أن النص لم يرد ~~إلا في الأم. وما ذكر من إلحاق غيرها فبالقياس وملاحظة المعنى ولا ينتهض ~~دليلا على الحكم. الثالثة: أنهم اختلفوا أيضا هل ينعقد الظهار من الكافر ~~فقيل: نعم لعموم الخطاب في الآية وقيل: لا ينعقد منه لان من لوازمه الكفارة ~~وهي لا تصح من الكافر، ومن قال ينعقد منه قال: يكفر بالعتق أو الاطعام لا ~~بالصوم لتعذره في حقه. وأجيب بأن العتق والاطعام إذا فعلا لأجل الكفارة ~~كانا قربة ولا قربة لكافر. الرابعة: أنهم اختلفوا أيضا في الظهار من الأمة ~~المملوكة فذهبت الهادوية والحنفية والشافعية أنه لا يصح الظهار منها لان ~~قوله تعالى: * (من نسائهم) * لا يتناول المملوكة في عرف اللغة للاتفاق في ~~الايلاء على أنها غير داخلة في عموم النساء وقياسا على الطلاق. وذهب مالك ~~وغيره إلى أنه يصح من الأمة لعموم لفظ النساء. إلا أنه اختلف القائلون ~~بصحته منها في الكفارة فقيل: لا تجب إلا نصف الكفارة فكأنه قاس ذلك على ~~الطلاق عنده. الخامسة: الحديث دليل على أنه يحرم وطئ الزوجة التي ظاهر منها ~~قبل التكفير وهو مجمع عليه لقوله تعالى: * (من قبل أن يتماسا) * فلو وطئ لم ~~يسقط التكفير ولا يتضاعف PageV03P186 # لقوله (ص): حتى تفعل ما أمرك الله قال الصلت بن دينار: سألت عشرة من ~~الفقهاء عن المظاهر يجامع قبل التكفير فقالوا: كفارة واحدة وهو قول الفقهاء ~~الأربعة. وعن ابن عمر أن عليه كفارتين إحداهما للظهار الذي اقترن به العود ~~والثانية للوطئ المحرم كالوطئ في رمضان نهارا ولا يخفى ضعفه. وعن الزهري ~~وابن جبير: ms0909 أنها تسقط الكفارة لأنه فات وقتها فإنه قبل المسيس وقد فات ~~وأجيب بأن فوات وقت الأداء لا يسقط الثابت في الذمة كالصلاة وغيرها من ~~العبادات. واختلف في تحريم المقدمات فقيل حكمها حكم المسيس في التحريم لأنه ~~شبهها بمن يحرم في حقها الوطئ ومقدماته وهذا قول الأكثر. وعن الأقل لا تحرم ~~المقدمات لان المسيس هو الوطئ وحده فلا يشمل المقدمات إلا مجازا. ولا يصح ~~أن يرادا لأنه جمع بين الحقيقة والمجاز وعن الأوزاعي يحل له الاستمتاع بما ~~فوق الإزار. # 6 - (وعن سلمة بن صخر رضي الله عنه) هو البياضي بفتح الموحدة وتخفيف ~~المثناة التحتية وضاد معجمة أنصاري خزرجي كان أحد البكائين. روى عنه سليمان ~~بن يسار وابن المسيب. # قال البخاري: لا يصح حديثه يعني هذا الذي في الظهار (قال: دخل رمضان فخفت ~~أن أصيب امرأتي). وفي الارشاد قال: إني كنت امرءا أصيب من النساء ما لا ~~يصيب غيري " (فظاهرت منها فانكشف لي منها شئ ليلة فوقعت عليها، فقال لي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # حرر رقبة فقلت ما أملك إلا رقبتي، قال: فصم شهرين متتابعين قلت: وهل أصبت ~~الذي أصبت إلا من الصيام؟، قال: أطعم فرقا من تمر ستين مسكينا. # أخرجه أحمد والأربعة إلا النسائي وصححه ابن خزيمة وابن الجارود). وقد ~~أعله عبد الحق بالانقطاع بين سليمان بن يسار وسلمة لان سليمان لم يدرك سلمة ~~حكى ذلك الترمذي عن البخاري. وفي الحديث مسائل: الأولى: أنه دل على ما دلت ~~عليه الآية من ترتيب خصال الكفارة والترتيب إجماع بين العلماء. الثانية: ~~أنها أطلقت الرقبة في الآية وفي الحديث أيضا ولم تقيد بالايمان كما قيدت به ~~في آية القتل. فاختلف العلماء في ذلك فذهب زيد بن علي وأبو حنيفة وغيرهما ~~إلى عدم التقييد وأنها تجزئ رقبة ذمية وقالوا: لا تقيد بما في آية القتل ~~لاختلاف السبب. وقد أشار الزمخشري إلى عدم اعتبار القياس لعدم الاشتراك في ~~العلة فإن المناسبة أنه لما أخرج رقبة مؤمنة من صفة الحياة إلى الموت كان ~~كفارته إدخال ms0910 رقبة مؤمنة في حياة الحرية وإخراج عن الرقية. فإن الرق يقتضي ~~سلب التصرف عن المملوك فأشبه الموت الذي يقتضي سلب التصرف عن الميت فكان في ~~إعتاقه إثبات التصرف فأشبه الاحياء الذي يقتضي إثبات التصرف للحي. وذهبت ~~الهادوية ومالك والشافعي إلى أنه لا يجزئ إعتاق رقبة كافرة وقالوا: تقيد ~~آية الظهار كما قيدت آية القتل وإن اختلف السبب قالوا: وقد أيدت ذلك السنة ~~فإنه لما جاءه صلى الله عليه وسلم السائل يستفتيه في عتق رقبة PageV03P187 # كانت عليه سأل صلى الله عليه وسلم الجارية: أين الله؟ فقالت: في السماء ~~فقال من أنا؟ فقالت: أنت رسول الله قال: فأعتقها فإنها مؤمنة أخرجه البخاري ~~وغيره. # قالوا: فسؤاله صلى الله عليه وسلم لها عن الايمان وعدم سؤاله عن صفة ~~الكفارة وسببها دال على اعتبار الايمان في كل رقبة تعتق عن سبب لأنه قد ~~تقرر أن ترك الاستفصال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال كما ~~قد تقرر. قلت: الشافعي قائل بهذه القاعدة فإن قال بها من معه من المخالفين ~~كان الدليل على التقييد هو السنة لا الكتاب لأنهم قرروا في الأصول أنه لا ~~يحمل المطلق على المقيد إلا مع اتحاد السبب ولكنه وقع في حديث أبي هريرة ~~عند أبي داود ما لفظه: فقال: يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة الحديث إلى ~~آخره. قال عز الدين الذهبي: هذا الحديث صحيح وحينئذ فلا دليل في الحديث على ~~ما ذكر فإنه صلى الله عليه وسلم لم يسألها عن الايمان إلا لان السائل قال: ~~عليه رقبة مؤمنة. الثالثة: اختلف العلماء في الرقبة المعينة بأي عيب فقالت ~~الهادوية وداود تجزئ المعيبة لتناول اسم الرقبة لها. وذهب آخرون إلى عدم ~~إجزاء المعيبة قياسا على الهدايا والضحايا بجامع التقرب إلى الله. وفصل ~~الشافعي فقال: إن كانت كاملة المنفعة كالأعور أجزأت وإن نقصت منافعه لم تجز ~~إذا كان ذلك ينقصها نقصانا ظاهرا كالأقطع والأعمى إذ العتق تمليك المنفعة ~~وقد نقصت. # وللحنفية تفاصيل في العيب يطول تعدادها ويعز قيام الأدلة عليه. الرابعة: ms0911 ~~أن قوله صلى الله عليه وسلم فصم شهرين متتابعين دال على وجوب التتابع وعليه ~~دلت الآية وشرطت أن تكون قبل المسيس فلو مس فيهما استأنف وهو إجماع إذا ~~وطئها نهارا معتمدا. وكذا ليلا عند الهادوية وأبي حنيفة وآخرين ولو ناسيا ~~للآية وذهب الشافعي وأبو يوسف إلى أنه لا يضر ويجوز، لأن علة النهي إفساد ~~الصوم ولا إفساد بوطئ الليل وأجيب بأن الآية عامة. واختلفوا إذا وطئ نهارا ~~ناسيا فعند الشافعي وأبي يوسف لا يضر لأنه لم يفسد الصوم وقالت الهادوية ~~وأبو حنيفة بل يستأنف كما إذا وطئ عامدا لعموم الآية. قالوا: وليست العلة ~~إفساد الصوم بل دل عموم الدليل للأحوال كلها على أنها لا تتم الكفارة إلا ~~بوقوعها قبل المسيس. الخامسة اختلفوا أيضا فيما إذا عرض له في أثناء صيامه ~~عذر مأيوس ثم زال هل يبني على صومه أو يستأنف فقالت الهادوية ومالك وأحمد ~~إنه يبني على صومه لأنه فرقه بغير اختياره. وقال أبو حنيفة وهو أحد قولي ~~الشافعي بل يستأنف لاختياره التفريق. وأجيب بأن العذر صيره كغير المختار. ~~وأما إذا كان العذر مرجوا فقيل: يبني أيضا وقيل: لا يبني لان رجاء زوال ~~العذر صيره كالمختار وأجيب بأنه مع العذر لا اختيار له. السادسة: أن ترتيب ~~قوله صلى الله عليه وسلم: فصم على قول السائل ما أملك إلا رقبتي يقضي بما ~~قضت به الآية من أنه لا ينتقل إلى الصوم إلا لعدم وجدان الرقبة فإن وجد ~~الرقبة إلا أنه يحتاجها لخدمته للعجز فإنه لا يصح منه الصوم. فإن قيل: إنه ~~قد صح التيمم لواجد الماء إذا كان يحتاج إليه فهلا قستم هذا عليه؟ قلت: لا ~~قياس لان التيمم قد شرع مع العذر فكأن الاحتياج إلى الماء كان لعذر. # فإن قيل: فهل يجعل الشبق إلى الجماع عذرا يكون له معه العدول إلى الاطعام ~~ويعد صاحب PageV03P188 # الشبق غير مستطيع للصوم؟ قلت: هو ظاهر حديث سلمة وقوله في الاعتذار عن ~~التكفير بالصيام وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام وإقراره صلى الله عليه ms0912 ~~وسلم على عذره وقوله: أطعم يدل على أنه عذر يعدل معه إلى الاطعام. السابعة: ~~أن النص القرآني والنبوي صريح في إطعام ستين مسكينا كأنه جعل عن كل يوم من ~~الشهرين إطعام مسكين. # واختلف العلماء: هل لا بد من إطعام ستين مسكينا أو يكفي إطعام مسكين واحد ~~ستين يوما. # فذهبت الهادوية ومالك وأحمد والشافعي إلى الأول لظاهر الآية. وذهبت ~~الحنفية وهو أحد قولي زيد بن علي والناصر إلى الثاني وأنه يكفي إطعام واحد ~~ستين يوما أو أكثر من واحد بقدر إطعام ستين مسكينا. قالوا: لأنه في اليوم ~~الثاني مستحق كقبل الدفع إليه وأجيب بأن ظاهر الآية تغاير المساكين بالذات. ~~ويروى عن أحمد ثلاثة أقوال كالقولين هذين. والثالث: إن وجد غير المسكين لم ~~يجز الصرف إليه وإلا أجزأ إعادة الصرف إليه. الثامنة: اختلف في قدر الاطعام ~~لكل مسكين فذهبت الهادوية والحنفية إلى أن الواجب ستون صاعا من تمر أو ذرة ~~أو شعير أو نصف صاع من بر. وذهب الشافعي إلى أن الواجب لكل مسكين مد والمد ~~ربع الصاع واستدل بقوله في حديث الباب: أطعم عرقا من تمر ستين مسكينا ~~والعرق مكتل يأخذ خمسة عشر صاعا من تمر ولأنه أكثر الروايات في حديث سلمة. ~~هذا واستدل الأولون بأنه ورد في رواية عبد الرزاق: اذهب إلى صاحب صدقة بني ~~زريق فقل له فليدفعها إليك فأطعم عنك منها وسقا ستين مسكينا، قالوا: والوسق ~~ستون صاعا وفي رواية لأبي داود والترمذي: فأطعم وسقا من تمر ستين مسكينا ~~وجاء في تفسير العرق أنه ستون صاعا. وفي رواية لأبي داود أن العرق مكتل يسع ~~ثلاثين صاعا قال أبو داود: وهذا أصح الحديثين. ولما اختلف في تفسير العرق ~~على ثلاثة أقوال واضطربت الروايات فيه جنح الشافعي إلى الترجيح بالكثرة. ~~وأكثر الروايات خمسة عشر صاعا. وقال الخطابي في معالم السنن: العرق السقيفة ~~التي من الخوص فيتخذ منها المكاتل قال: وجاء تفسيره أنه ستون صاعا وفي ~~رواية لأبي داود يسع ثلاثين صاعا وفي رواية سلمة يسع خمسة عشر صاعا فذكر أن ms0913 ~~العرق يختلف في السعة والضيق. قال: فذهب الشافعي إلى رواية الخمسة عشر ~~صاعا. قلت: يؤيد قوله أن الأصل براءة الذمة عن الزائد وهو وجه الترجيح. ~~التاسعة: في الحديث دليل على أن الكفارة لا تسقط جميع أنواعها بالعجز وفيه ~~خلا ف. فذهب الشافعي وأحد الروايتين عن أحمد إلى عدم سقوطها بالعجز لما في ~~حديث أبي داود عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة قالت: ظاهر مني زوجي أوس بن ~~الصامت إلى أن قال لها رسول الله (ص): يعتق رقبة قالت: لا يجد قال: يصوم ~~شهرين متتابعين قالت: إنه شيخ كبير ما به من صيام قال: يطعم ستين مسكينا ~~قالت: ما عنده من شئ يتصدق به قال: فإني سأعينه بعرق الحديث فلو كان يسقط ~~عنه العجز لا بأنه صلى الله عليه وسلم ولم يعنه من عنده. وذهب أحمد في ~~رواية وطائفة إلى سقوطها بالعجز كما تسقط الواجبات بالعجز عنها وعن ~~أبدالها. وقيل: إنها تسقط كفارة الوطئ في رمضان بالعجز عنها لا غيرها من ~~الكفارات. قالوا: لان النبي (ص) PageV03P189 # أمر المجامع في نهار رمضان أن يأكل الكفارة هو وعياله والرجل لا يكون ~~مصرفا لكفارته. # وقال الأولون: إنما حلت له لأنه إذا عجز وكفر عنه الغير جاز أن يصرفها ~~إليه وهو مذهب أحمد في كفارة الوطئ في رمضان وله في غيرها من الكفارات ~~قولان وهو نظير ما قالته الهادوية من أنه يجوز للامام إذا قبض الزكاة من ~~شخص أن يردها إليه. العاشرة: قال الخطابي: # دل الحديث على أن الظهار المقيد كالظهار المطلق وهو إذا ظاهر من امرأته ~~إلى مدة ثم أصابها قبل انقضاء تلك المدة. واختلفوا فيه إذا بر ولم يحنث ~~فقال مالك وابن أبي ليلى: إذا قال لامرأته أنت علي كظهر أمي إلى الليل ~~لزمته الكفارة وإن لم يقربها. وقال أكثر أهل العلم لا شئ عليه إذا لم ~~يقربها وجعل الشافعي في الظهار المؤقت قولين: أحدهما أنه ليس بظهار. # فائدة قد يتوهم أن سبب نزول آية الظهار حديث سلمة هذا لاتفاق الحكمين في ~~الآية ms0914 والحديث وليس كذلك بل سبب نزولها قصة أوس بن الصامت ذكره ابن كثير في ~~الارشاد من حديث خويلة بنت ثعلبة قالت: (في والله وفي أوس أنزل الله سورة ~~المجادلة قالت: # كنت عنده وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه وقد ضجر قالت: فدخل علي يوما ~~فراجعته بشئ فغضب فقال أنت علي كظهر أمي قالت: ثم خرج فجلس في نادي قومه ~~ساعة ثم دخل علي فإذا هو يريدني عن نفسي. قالت: قلت: كلا والذي نفس خويلة ~~بيده لا تخلص إلي وقد قلت ما قلت فحكم الله ورسوله فيهما الحديث رواه ~~الإمام أحمد وأبو داود وإسناده مشهور. وأخذ منه أنه إذا قصد بلفظ الظهار ~~الطلاق لم يقع الطلاق وكان ظهارا وإلى هذا ذهب أحمد والشافعي وغيرهما. قال ~~الشافعي: ولو ظاهر يريد به طلاقا كان ظهارا ولو طلق يريد ظهارا كان طلاقا. ~~وقال أحمد: إذا قال أنت علي كظهر أمي وعنى به الطلاق كان ظهارا ولا تطلق ~~وعلله ابن القيم بأن الظهار كان طلاقا في الجاهلية فنسخ فلم يجز أن يعاد ~~إلى الامر المنسوخ. وأيضا فأوس إنما نوى به الطلاق لما كان عليه فأجرى عليه ~~حكم الظهار دون الطلاق وأيضا فإنه صريح في حكمه فلم يجز في جعله كناية في ~~الحكم الذي أبطل الله شرعه وقضاء الله أحق وحكمه أوجب. # باب اللعان هو مأخوذ من اللعن لأنه يقول الزوج في الخامسة لعنة الله عليه ~~إن كان من الكاذبين ويقال فيه اللعان والالتعان والملاعنة. واختلف في وجوبه ~~على الزوج فقال في الشفاء للأمير الحسين: يجب إذا كان ثمة ولد وعلم أنه لم ~~يقربها. وفي المهذب والانتصار أنه مع غلبة الظن بالزنا في المرأة أو العلم ~~يجوز ولا يجب ومع عدم الظن يحرم. # 1 - (وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: سأل فلان) هو عويمر العجلاني كما في ~~أكثر الروايات: (فقال: يا رسول الله الله أرأيت أن لو وجد أحدنا امرأته على ~~فاحشة كيف يصنع؟ # إن تكلم تكلم بأمر عظيم وإن سكت سكت على مثل ذلك) ms0915 أي على أمر عظيم (فلم ~~يجبه، فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به. فأنزل ~~الله الآيات PageV03P190 # في سورة النور). والأكثر في الروايات أن سبب نزول الآيات قصة هلال بن ~~أمية وزوجته وكانت متقدمة على قصة عويمر وإنما تلاها صلى الله عليه وسلم ~~لان حكمها عام للأمة (فتلاهن عليه ووعظه وذكره) عطف تفسير إذ الوعظ هو ~~التذكير (وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة) الموعود به في قوله: ~~* (لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم) * (قال: لا. والذي بعثك بالحق ~~ما كذبت عليها. ثم دعاها فوعظها كذلك. قالت لا. والذي بعثك بالحق إنه ~~لكاذب. فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات بالله، ثم ثنى بالمرأة ثم فرق بينهما. ~~رواه مسلم). في الحديث مسائل: الأولى: قوله فلم يجبه، ووقع عند أبي داود ~~فكره صلى الله عليه وسلم المسائل. وعليها قال الخطابي: يريد المسألة عما لا ~~حاجة بالسائل إليه. وقال الشافعي: كانت المسائل فيما لم ينزل فيه حكم زمن ~~نزول الوحي ممنوعة لئلا ينزل في ذلك ما يوقعهم في مشقة وتعنت كما قال ~~تعالى: * (لا تسألوا عن أشياء) *. وفي الحديث الصحيح: أعظم الناس جرما من ~~سأل عن شئ لم يحرم فحرم من أجل مسألته. وقال الخطابي: قد وجدنا المسألة في ~~كتاب الله على وجهين: أحدهما: ما كانت على وجه التبيين والتعليم فيما يلزم ~~الحاجة إليه من أمر الدين. والآخر: ما كان على الطريق التعنت والتكلف. ~~فأباح النوع الأول وأمر به وأجاب عنه فقال: * (فاسألوا أهل الذكر) * وقال: ~~* (فاسأل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك) * وأجابه تعالى في الآيات: * ~~(يسألونك عن الأهلة) *، * (ويسألونك عن المحيض) * وغيرها وقال في النوع ~~الآخر: * (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) * وقال * (يسألونك عن ~~الساعة أيان مرساها) *. فكل ما كان من السؤال على هذا الوجه فهو مكروه فإذا ~~وقع السكوت عن جواب فإنما هو زجر وردع للسائل فإذا وقع الجواب فهو عقوبة ~~وتغليظ. الثانية: في قوله فبدأ بالرجل ما يدل على أنه يبدأ ms0916 به وهو قياس ~~الحكم الشرعي لأنه المدعي فيقدم وبه وقعت البداءة في الآية. وقد وقع ~~الاجماع على أن تقديمه سنة واختلف هل تجب البداءة به أم لا؟ فذهب الجماهير ~~إلى وجوبها لقوله (ص) لهلال: البينة وإلا حد في ظهرك. فكانت البداءة به ~~لدفع الحد عن الرجل فلو بدأ بالمرأة كان دافعا لأمر لم يثبت. وذهب أبو ~~حنيفة إلى أنها تصح البداءة بالمرأة لان العطف فيها بالواو وهي لا تقتضي ~~الترتيب. وأجيب عنه بأنها وإن لم تقتض الترتيب فإنه تعالى لا يبدأ إلا بما ~~هو الأحق في البداءة والأقدم في العناية وبين فعله (ص) ذلك فهو مثل قوله: ~~نبدأ بما بدأ الله به في وجوب البداءة بالصفا. الثالثة: قوله: ثم فرق ~~بينهما دال على أن الفرقة بينهما لا تقع إلا بتفريق الحاكم لا بنفس اللعان. ~~وإلى هذا ذهب كثير مستدلين بهذا اللفظ في الحديث وأنه ثبت في الصحيح بأن ~~الرجل طلقها ثلاثا بعد تمام اللعان وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ~~ذلك. ولو كانت الفرقة تقع بنفس اللعان لبين (ص) أن طلاقه في غير محله. وقال ~~الجمهور: بل الفرقة تقع بنفس اللعان وإنما اختلفوا هل تحصل الفرقة لتمام ~~لعانه وإن لم تلتعن هي؟ فقال الشافعي تحصل به. وقال أحمد: لا تحصل إلا ~~بتمام PageV03P191 # لعانهما، وهو المشهور عند المالكية وبه قالت الظاهرية. واستدلوا بما جاء ~~في صحيح مسلم من قوله (ص): (ذلكم التفريق بين كل متلاعنين). وقال ابن ~~العربي: أخبر (ص) بقوله: (ذلكم) عن قوله: (لا سبيل لك عليها). قال: وكذا ~~حكم كل متلاعنين. # فإن كان الفراق لا يكون إلا بحكم فقد نفذ الحكم فيه من الحاكم الأعظم صلى ~~الله عليه وسلم بقوله ذلكم التفريق بين كل متلاعنين. قالوا: وقوله فرق ~~بينهما معناه إظهار ذلك وبيان حكم الشرع فيه لا أنه أنشأ الفرقة بينهما. ~~قالوا: فأما طلاقه إياها فلم يكن عن أمره صلى الله عليه وسلم وبأنه لم يزد ~~التحريم الواقع باللعان إلا تأكيدا فلا يحتاج إلى إنكاره. وبأنه لو كان ms0917 لا ~~فرقة إلا بالطلاق لجاز له الزواج بها بعد أن تنكح زوجا غيره. وقد أخرج أبو ~~داود عن ابن عباس الحديث وفيه: وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ~~بيت لها عليه ولا قوت من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق ولا متوفى عنها. ~~وأخرج أبو داود من حديث سهل بن سعد في حديث المتلاعنين قال: مضت السنة بعد ~~في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا. وأخرجه البيهقي بلفظ: ~~فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقال: # لا يجتمعان أبدا. وعن علي وابن مسعود قالا: مضت السنة بين المتلاعنين أن ~~لا يجتمعا أبدا " وعن عمر يفرق بينهما ولا يجتمعان أبدا. الرابعة: اختلف ~~العلماء في فرقة اللعن هل هي فسخ أو طلاق بائن فذهبت الهادوية والشافعي ~~وأحمد وغيرهم إلى أنها فسخ مستدلين بأنها توجب تحريما مؤبدا فكانت فسخا ~~كفرقة الرضاع إذ لا يجتمعان أبدا. ولان اللعان ليس صريحا في الطلاق ولا ~~كناية فيه. وذهب أبو حنيفة إلى أنها طلاق بائن مستدلا بأنها لا تكون إلا من ~~زوجة فهي من أحكام النكاح المختصة فهي طلاق إذ هو من أحاكم النكاح المختصة ~~بخلاف الفسخ فإنه قد يكون من أحكام غيره النكاح كالفسخ بالعيب. وأجيب بأنه ~~لا يلزم من اختصاصه بالنكاح أن يكون طلاقا كما أنه لا يلزم فيه نفقة ولا ~~غيرها. الخامسة: وهي فرع الرابعة: اختلفوا لو أكذب نفسه بعد اللعان هل تحل ~~له الزوجة فقال أبو حنيفة: تحل له لزوال المانع وهو قول سعيد بن المسيب ~~فإنه قال: فإن أكذب نفسه فإنه خاطب من الخطاب. وقال ابن جبير ترد إليه ما ~~دامت في العدة. وقال الشافعي وأحمد: لا تحل له أبدا لقوله (ص) لا سبيل لك ~~عليها. قلت: قد يجاب عنه بأنه (ص) قاله لمن التعن ولم يكذب نفسه. السادسة: ~~في حديث لعان هلال بن أمية أنه قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~بشريك بن سحماء الحديث عند أبي داود وغيره. قال الخطابي: فيه من ms0918 الفقه أن ~~الزوج إذا قذف امرأته برجل بعينه ثم تلاعنا فإن اللعان يسقط عنه الحد فيصير ~~في التقدير ذكره المقذوف به تبعا ولا يعتبر حكمه وذلك أنه قال صلى الله ~~عليه وسلم لهلال بن أمية البينة أو حد في ظهرك فلما تلاعنا لم يتعرض لهلال ~~بالحد. ولا يروى في شئ من الاخبار أن شريك بن سحماء عفا عنه فعلم أن الحد ~~الذي كان يلزمه بالقذف سقط عنه باللعان وذلك لأنه مضطر إلى ذكر من يقذفها ~~به لإزالة الضرر عن نفسه فلم يحمل نفسه على القصد له بالقذف وإدخال الضرر ~~عليه. قلت: ولا يخفى أنه لا ضرورة في تعيين من قذفها به. قال PageV03P192 # وقال الشافعي: إنما يسقط الحد عنه إذا ذكر الرجل وسماه في اللعان فإن لم ~~يفعل ذلك حد له. # وقال أبو حنيفة: الحد لازم له وللرجل مطالبته به. وقال مالك: يحد للرجل ~~ويلاعن للزوجة انتهى. قلت: ولا دليل في حديث هلال على سقوط الحد بالقذف ~~لأنه حق للمقذوف ولم يرد أنه طالب به حتى يقول له صلى الله عليه وسلم قد ~~سقط باللعان أو يحد القاذف فيتبين الحكم. والأصل ثبوت الحد على القاذف، ~~واللعان إنما شرع لدفع الحد عن الزوج والزوجة. # 2 - (وعن ابن عمر رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~للمتلاعنين: # حسابكما على الله) بينه بقوله: (أحدكما كاذب) فإذا كان أحدهما كاذبا ~~فالله هو المتولي لجزائه (لا سبيل لك عليها) هو إبانة للفرقة بينهما كما ~~سلف (قال يا رسول الله مالي) يريد به الصداق الذي سلمه إليها قال: (إن كنت ~~صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد لك منها ~~متفق عليه). الحديث أفاد ما سلف من الفراق بينهما وأن أحدهما كاذب في نفس ~~الامر وحسابه على الله وأن لا يرجع بشئ مما سلمه من الصداق لأنه إن كان ~~صادقا في القذف فقد استحقت المال بما استحل منها وإن كان كاذبا فقد استحقته ~~أيضا بذلك ورجوعه إليه أبعد ms0919 لأنه هضمها بالكذب عليها فكيف يرتجع ما أعطاها. # 3 - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أبصروها فإن جاءت به أبيض سبطا) بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة ~~بعدها طاء مهملة وهو الكامل الخلق من الرجال (فهو لزوجها وإن جاءت به أكحل) ~~بفتح الهمزة وسكون الكاف هو الذي منابت أجفانه كلها سود كأن فيها كحلا وهي ~~خلقة (جعدا) بفتح الجيم وسكون العين المهملة فدال مهملة وهو من الرجال ~~القصير (فهو للذي رماها به) متفق عليه. ولهما في أخرى: فجاءت به على النعت ~~المكروه. وفي الأحاديث ثبتت له عدة صفات، وفي رواية لهما وللنسائي أنه قال ~~(ص) بعد سرد صفات ما في بطنها اللهم بين، فوضعت شبيها بالذي ذكر زوجها أنه ~~وجده عندها. وفي الحديث دليل على أنه يصح اللعان للمرأة الحامل ولا يؤخر ~~إلى أن تضع وإليه ذهب الجمهور لهذا الحديث. # وقالت الهادوية وأبو يوسف ومحمد ويروى عن أبي حنيفة وأحمد: أنه لا لعان ~~لنفي الحمل لجواز أن يكون ريحا فلا يكون للعان حينئذ معنى. قلت: وهذا رأي ~~في مقابلة النص وكأنهم يريدون أنه لا لعان بمجرد ظن الحمل من الأجنبي لا ~~لوجدانه معها الذي هو صورة النص. وفي الحديث دليل على أنه ينتفي الولد ~~باللعان وإن لم يذكر النفي في اليمين وإلى هذا ذهب أهل الظاهر. وعند بعض ~~المالكية وبعض أصحاب أحمد أنه لا يصح اللعان على الحمل إلا بشرط ذكر الزوج ~~لنفي الولد دون المرأة. وإنه يصح نفي الولد وهو حمل ويؤخر اللعان إلى ما ~~بعد الوضع ولا دليل عليهما. بل الحق قول الظاهرية فإنه لم يقع في اللعان ~~عنده صلى الله PageV03P193 # عليه وسلم نفي الولد ولم نره في حديث هلال ولا عويمر ولم يكن اللعان إلا ~~منهما في عصره صلى الله عليه وسلم. وأما لعان الحامل فقد ثبت في هذه ~~الأحاديث وقد أخرج مالك عن نافع عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لاعن بين رجل وامرأته وانتفى من ms0920 ولده ففرق بينهما وألحق الولد بالمرأة. وفي ~~حديث سهل: (وكانت حاملا فأنكر حملها وذكر أنه انتفى من ولده). ولكنه لا يدل ~~على اشتراط نفي الولد لأنه فعله الرجل من تلقاء نفسه. وقال أبو حنيفة لا ~~يصح نفي الحمل واللعان عليه فإن لاعنها حاملا ثم أتت بالولد لزمه ولم يمكن ~~من نفيه أصلا لان اللعان لا يكون إلا بين الزوجين وهذه قد بانت بلعانهما في ~~حال حملها. ويجاب بأن هذا رأي في مقابلة النص الثابت في حديث الباب وفي ~~حديث ابن عمر هذا وإن كان البخاري قد بين أن قوله فيه وكانت حاملا من كلام ~~الزهري لكن حديث الباب صحيح صريح. وفي الحديث دليل على العمل بالقيافة وكان ~~مقتضاها إلحاق الولد بالزوج إن جاءت به على صفته لأنه للفراش لكنه بين صلى ~~الله عليه وسلم المانع عن الحكم بالقيافة نفيا وإثباتا بقوله: لولا الايمان ~~لكان لي ولها شأن. # 4 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله (ص) أمر رجلا أن يضع يده ~~عند الخامسة على فيه وقال: إنها موجبة رواه أبو داود والنسائي ورجاله ~~ثقات). فيه دلالة على أنه يشرع من الحاكم المبالغة في منع الحلف خشية أن ~~يكون كاذبا فإنه صلى الله عليه وسلم منع بالقول بالتذكير والوعظ كما سلف ثم ~~منع ههنا بالفعل ولم يرو أنه أمر بوضع يد أحد على فم المرأة وإن أوهمه كلام ~~الرافعي. وقوله: إنها الموجبة أي للفرقة ولعذاب الكاذب. وفيه دليل على أن ~~اللعنة الخامسة واجبة. وأما كيفية التحليف فأخرج الحاكم والبيهقي من حديث ~~ابن عباس في تحليف هلال بن أمية أنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~احلف بالذي لا إله إلا هو إني لصادق - يقول ذلك أربع مرات الحديث بطوله قال ~~الحاكم: صحيح على شرط البخاري. # 5 - (وعن سهل بن سعد رضي الله عنه - في قصة المتلاعنين - قال: فلما فرغا ~~من تلاعنهما قال: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن ~~يأمره رسول الله (ص) ms0921 متفق عليه). تقدم الكلام على تحقيق المقام. # 6 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: إن امرأتي لا ترد يد لامس قال: غربها) بالغين المعجمة ~~والراء وباء موحدة قال في النهي: أي أبعدها يريد الطلاق (قال: أخاف أن ~~تتبعها نفسي قال: فاستمتع بها رواه أبو داود والترمذي والبزار ورجاله ثقات) ~~وأطلق عليه النووي الصحة. لكنه نقل ابن الجوزي عن أحمد أنه قال: لا يثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شئ وليس له أصل فتمسك بهذا ابن ~~الجوزي وعده في الموضوعات مع أنه أورده بإسناد صحيح (وأخرجه النسائي من وجه ~~آخر عن ابن عباس بلفظ طلقها قال: لا أصبر عنها، PageV03P194 # قال: فأمسكها). اختلف العلماء في تفسير قوله: لا ترد يد لامس على قولين: ~~الأول: أن معناه الفجور وأنها لا تمنع من يريد منها الفاحشة وهذا قول أبي ~~عبيد والخلال والنسائي وابن الاعرابي والخطابي. واستدل به الرافعي على أنه ~~لا يجب تطليق من فسقت بالزنا إذا كان الرجل لا يقدر على مفارقتها. والثاني: ~~أنها تبذر بمال زوجها ولا تمنع أحدا طلب منها شيئا منه وهذا قول أحمد ~~والأصمعي ونقله عن علماء الاسلام وأنكر ابن الجوزي على من ذهب إلى الأول ~~قال في النهاية: وهو أشبه بالحديث لان المعنى الأول يشكل على ظاهر قوله ~~تعالى: * (وحرم ذلك على المؤمنين) * وإن كان في معنى الآية وجوه كثيرة. ~~قلت: الوجه الأول في غاية من البعد بل لا يصح للآية ولأنه (ص) لا يأمر ~~الرجل أن يكون ديوثا فحمله على هذا لا يصح. والثاني بعيد لان التبذير إن ~~كان بمالها فمنعها ممكن وإن كان من مال الزوج فكذلك ولا يوجب أمره بطلاقها. ~~على أنه لم يتعارف في اللغة أن يقال فلان لا يرد يد لامس كناية عن الجود، ~~فالأقرب المراد أنها سهلة الأخلاق ليس فيها نفور وحشمة عن الأجانب لا أنها ~~تأتي الفاحشة. وكثير من النساء والرجال بهذه المثابة مع البعد من ms0922 الفاحشة ~~ولو أراد به أنها لا تمنع نفسها عن الوقاع من الأجانب لكان قاذفا لها. # 7 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله (ص) يقول - حين نزلت ~~آية المتلاعنين: أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شئ ~~ولم يدخلها الله جنته، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه) أي يعلم أنه ولده ~~(احتجب الله عنه، وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين أخرجه أبو داود والنسائي ~~وابن ماجة وصححه ابن حبان). وقد تفرد به عبد الله بن يونس عن سعيد المقبري ~~عن أبي هريرة ولا يعرف عبد الله إلا بهذا الحديث ففي تصحيحه نظر. وصححه ~~أيضا الدارقطني مع اعترافه بتفرد عبد الله وفي الباب عن ابن عمر عند البزار ~~وفيه إبراهيم بن يزيد الجوزي ضعيف وأخرج أحمد من طريق مجاهد عن ابن عمر ~~نحوه أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند عن أبيه عن وكيع وقال: تفرد ~~به وكيع، ومعنى الحديث واضح. # 8 - (وعن عمر رضي الله عنه قال: من أقر بولده طرفة عين فليس له أن ينفيه ~~أخرجه البيهقي وهو حسن موقوف). فيه دليل على أنه لا يصح النفي للولد بعد ~~الاقرار به وهو مجمع عليه واختلف فيما إذا سكت بعد علمه به ولم ينفه فقال ~~المؤيد: إنه يلزمه وإن لم يعلم أن له النفي لان ذلك حق يبطل بالسكوت وذلك ~~كالشفيع إذا أبطل شفعته قبل علمه باستحقاقها. وذهب أبو طالب إلى أن له ~~النفي متى علم إذ لا يثبت التخيير من دون علم فإن سكت عند العلم لزم ولم ~~يمكن من النفي بعد ذلك ولا يعتبر عنده فور ولا تراخ بل السكوت كالاقرار. ~~وقال الامام يحيى والشافعي: بل يكون نفيه على الفور. قال: وحد الفور ما لم ~~يعد تراخيا عرفا كما لو اشتغل بإسراج دابته أو لبس ثيابه أو نحو ذلك لم يعد ~~تراخيا عرفا. ولهم في المسألة تقادير ليس عليها دليل إلا الرأي وفروع على ~~غير أصل أصيل. PageV03P195 # 9 - (وعن ms0923 أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا) قال عبد الغني: إن اسمه ضمضم ~~بن قتادة (قال: يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلاما أسود، قال: هل لك من ~~إبل؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها؟ قال: حمر قال: هل فيها من أورق؟) بالراء ~~والقاف - بزنة أحمر وهو الذي في لونه سواد ليس بحالك (قال: نعم، قال: فأنى ~~ذلك؟ قال: لعله نزعه) بالنون فزاي وعين مهملة: أي جذبه إليه (عرق، قال: ~~فلعل ابنك هذا نزعه عرق. # متفق عليه). (وفي رواية لمسلم) أي عن أبي هريرة (وهو) أي الرجل (يعرض بأن ~~ينفيه، وقال في آخره: ولم يرخص له في الانتفاء منه). قال الخطابي: هذا ~~القول من الرجل تعريض بالريبة كأنه يريد نفي الولد. فحكم النبي (ص) بأن ~~الولد للفراش ولم يجعل خلاف الشبه واللون دلالة يجب الحكم بها وضرب له ~~المثل بما يوجد من اختلاف الألوان في الإبل ولقاحها واحد. وفي هذا إثبات ~~القياس وبيان أن المتشابهين حكمهما من حيث الشبه واحد ثم قال وفيه دليل على ~~أن الحد لا يجب في المكاني وإنما يجب في القذف الصريح. وقال المهلب: # التعريض إذا كان على جهة السؤال لا حد فيه وإنما يجب الحد في التعريض إذا ~~كان على المواجهة والمشاتمة. وقال ابن المنير: يفرق بين الزوج والأجنبي في ~~التعريض أن الأجنبي يقصد الأذية المحضة والزوج قد يعذر بالنسبة إلى صيانة ~~النسب. وقال القرطبي: لا خلاف أنه لا يجوز نفي الولد باختلاف الألوان ~~المتقاربة كالسمرة والأدمة ولا في البياض والسواد إذا كان قد أقر بالوطئ ~~ولم تمض مدة الاستبراء. قال في الشرح: كأنه أراد في مذهبه وإلا فالخلاف ~~ثابت عند الشافعية بتفصيل وهو إن لم ينضم إليه قرينة زنا لم يجز النفي وإن ~~اتهمها بولد على لون الرجل الذي اتهمها به جاز النفي على الصحيح. وعند ~~الحنابلة يجوز النفي مع القرينة مطلقا والخلاف إنما هو عند عدمها والحديث ~~يحتمله لأنه لم يذكر أن معه قرينة الزنا وإنما هو مجرد مخالفة اللون. # باب العدة والاحداد والاستبراء، ms0924 وغير ذلك بكسر العين المهملة: اسم لمدة ~~تتربص بها المرأة عن التزويج بعد وفاة زوجها أو فراقه لها إما بالولادة أو ~~الأقراء أو الأشهر. والاحداد بالحاء بعدها دالان مهملتان بينهما ألف: وهو ~~لغة المنع وشرعا ترك الطيب والزينة للمعتدة عن وفاة. # 1 -. (عن المسور) بكسر الميم وسكون السين المهملة فواو مفتوحة فراء (ابن ~~مخرمة) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء: تقدمت ترجمته (أن ~~سبيعة) بضم السين المهملة فباء موحدة فمثناة تحتية: تصغير سبع وتاء التأنيث ~~(الأسلمية نفست) بضم النون وكسر الفاء (بعد وفاة زوجها) هو سعيد بن خولة ~~توفي بمكة بعد حجة الوداع (بليال) وقع في تقديرها خلاف كبير لا حاجة إلى ~~ذكره ويأتي بعضه قريبا (فجاءت إلى النبي (ص) فاستأذنته PageV03P196 # أن تنكح فأذن لها فنكحت. رواه البخاري وأصلح في الصحيحين. وفي لفظ) ~~للبخاري (أنها وضعت بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة وفي لفظ لمسلم) أي عن ~~المسور (قال الزهري: # ولا أرى بأسا أن تزوج وهي في دمها) أي دم نفاسها (غير أنه لا يقربها ~~زوجها حتى تطهر). # الحديث دليل على أن الحامل المتوفى عنها زوجها تنقضي عدتها بوضع الحمل ~~وإن لم يمض عليه أربعة أشهر وعشر ويجوز بعده أن تنكح. وفي المسألة خلاف ~~فهذا الذي أفاده الحديث قول جماهير العلماء من الصحابة وغيرهم لهذا الحديث ~~ولعموم قوله تعالى: * (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * والآية وإن ~~كان ما قبلها في المطلقات لكن ذلك لا يخص عمومها. وأيد بقاء عمومها على ~~أصله ما أخرجه عبد الله بن أحمد في رواية المسند والضياء في المختارة وابن ~~مردويه عن أبي بن كعب قال: قلت: يا رسول الله * (وأولات الأحمال أجلهن أن ~~يضعن حملهن) * هي المطلقة ثلاثا أم المتوفى عنها؟ قال: هي المطلقة ثلاثا ~~والمتوفى عنها " وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والدارقطني عن ~~أبي من وجه آخر قال: لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله هذه الآية ~~مشتركة أم مبهمة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أية آية؟ ms0925 قلت: * ~~(وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * المطلقة والمتوفى عنها زوجها؟ قال: ~~نعم. وثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه عدة روايات دالة على قوله بهذا. وأخرج ~~عنه ابن مردويه قال: نسخت سورة النساء القصري كل عدة * (وأولات الأحمال ~~أجلهن أن يضعن حملهن) * أجل كل حامل مطلقة أو متوفى عنها زوجها أن تضع ~~حملها " وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت سورة النساء القصري ~~بعد التي في البقرة بسبع سنين. وأخرج الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي ~~وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ~~قال: وكنت أنا وابن عباس وأبو هريرة رضي الله عنهما فجاء رجل فقال: أفتني ~~في امرأة ولدت بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة أحلت؟ # قال ابن عباس: تعتد آخر الأجلين، قلت أنا: * (وأولات الأحمال أجلهن أن ~~يضعن حملهن) * قال ابن عباس: ذلك في الطلاق قال أبو سلمة: أرأيت لو أن ~~امرأة جرت حملها سنة فما عدتها؟ قال ابن عباس: آخر الأجلين. قال أبو هريرة: ~~أنا مع ابن أخي، يعني أبا سلمة فأرسل ابن عباس غلامه كريبا إلى أم سلمة ~~يسألها أمضت في ذلك سنة؟ فقالت: قتل زوج سبيعة الأسلمية وهي حبلى فوضعت بعد ~~موته بأربعين ليلة فخطبت فأنكحها رسول الله (ص). وأخرجه عبد بن حميد من ~~حديث أبي سلمة وفيه: أنهم أرسلوا إلى عائشة فسألوها فقالت: ولدت سبيعة (مثل ~~ما مضى) إلا أنها قالت بعد وفاة زوجها بليال " وفي الباب عدة روايات عن ~~السلف دالة على أن الآية باقية على عمومها في جميع العدد وأن عموم آية ~~البقرة منسوخ بهذه الآية الكريمة ومع تأخر نزولها كما صرحت به الروايات ~~ينبغي أن يكون التخصيص أو النسخ متفقا عليه. وذهبت الهادوية وغيرهم ويروى ~~عن علي أنها تعتد بآخر الأجلين إما وضع الحمل إن تأخر عن الأربعة الأشهر ~~والعشر أو بالمدة المذكورة إن تأخرت عن وضع الحمل مستدلين بقوله تعالى: * ~~(الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن PageV03P197 # بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) *. قالوا: فالآية ms0926 الكريمة فيها عموم وخصوص من ~~وجه. وقوله * (وأولات الأحمال أجلهن) * كذلك فجمع بين الدليلين بالعمل بهما ~~والخروج من العهدة بيقين بخلاف ما إذا عمل بأحدهما. وأجيب عنه بأن حديث ~~سبيعة نص في الحكم مبين بأن آية النساء القصرى شاملة للمتوفى عنها زوجها ~~وأيد حديثها ما سمعته من الأحاديث والآثار. # وأما الرواية عن علي رضي الله عنه فقال الشعبي: ما أصدق أن علي بن أبي ~~طالب كان يقول عدة المتوفى عنها زوجها آخر الأجلين. وهذا وكلام الزهري صريح ~~أنه يعقد بها وإن كانت لم تطهر من دم نفاسها وإن حرم وطؤها لأجل علة أخرى ~~هي بقاء الدم. وقال النووي في شرح مسلم: قال العلماء من أصحابنا وغيرهم ~~سواء كان الحمل ولدا أو أكثر كامل الخلقة أو ناقصها أو علقة أو مضغة فإنها ~~تنقضي العدة بوضعه إذا كان فيه صورة خلقة آدمي سواء كانت صورة خفية تختص ~~النساء بمعرفتها أو صورة جلية يعرفها كل أحد. وتوقف ابن دقيق العيد فيه من ~~أجل أن الغالب في إطلاق وضع الحمل هو الحمل التام المتخلق وأما خروج المضغة ~~والعلقة فهو نادر والحمل على الغالب أقوى. قال المصنف: ولهذا نقل عن ~~الشافعي قول بأن العدة لا تنقضي بوضع قطعة لحم ليس فيها صورة بينة ولا ~~خفية. # وظاهر الحديث والآية الاطلاق فيما يتحقق كونه حملا وأما ما لا يتحقق كونه ~~حملا فلا، لجواز أنه قطعة لحم والعدة لازمة بيقين فلا تنقضي بمشكوك فيه. # 2 - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أمرت) مغير الصيغة والآمر هو النبي ~~صلى الله عليه وسلم (بريرة أن تعتد بثلاث حيض رواه ابن ماجة ورواته ثقات ~~لكنه معلول) وقد ورد ما يؤيده وهو دليل على أن العد تعتبر بالمرأة عند من ~~يجعل عدة المملوكة دون عدة الحرة لا بالزوج، على القول الأظهر من أن زوج ~~بريرة كان عبدا. # 3 - (وعن الشعبي) هو أبو عمرو عامر بن شراحيل بن عبد الله الشعبي ~~الهمذاني الكوفي تابعي جليل القدر فقيه كبير. قال ابن عيينة: كان ابن ms0927 عباس ~~في زمانه والشعبي في زمانه. مر ابن عمر بالشعبي وهو يحدث بالمغازي فقال: ~~شهدت القوم وهو أعلم بها مني وقال الزهري: العلماء أربعة ابن المسيب ~~بالمدينة والشعبي بالكوفة والحسن البصري بالبصرة ومكحول بالشام. ولد الشعبي ~~في خلافة عمر كما في الكاشف للذهبي وقيل: لست خلت من خلافه عثمان ومات سنة ~~أربع ومائة وله اثنتان وستون سنة (عن فاطمة بنت قيس عن النبي (ص) في ~~المطلقة ثلاثا: ليس لها سكنى ولا نفقة رواه مسلم). الحديث دليل على أن ~~المطلقة ثلاثا ليس لها نفقة ولا سكنى وفي المسألة خلاف. # ذهب إلى ما أفاده الحديث: ابن عباس والحسن وعطاء والشعبي وأحمد في إحدى ~~الروايات القاسم والامامية وإسحاق وأصحابه وداود وكافة أهل الحديث مستدلين ~~بهذا الحديث. وذهب عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز والحنفية والثوري ~~وغيرهم إلى أنها تجب لها النفقة ولا سكنى مستدلين على الأول بقوله تعالى: * ~~(أسكنوهن من حيث سكنتم) * وهذا في الحامل، وبالإجماع في الرجعية على أنها ~~تجب لها النفقة. وعلى الثاني بقوله تعالى - أسكنوهن من حيث سكنتم - ~~PageV03P198 # وذهب الهادي وآخرون إلى وجوب النفقة دون السكنى مستدلين بقوله تعالى: * ~~(وللمطلقات متاع) * ولأنها حبست بسببه كالرجعية. ولا يجب لها السكنى لان ~~قوله * (من حيث سكنتم) * يدل على أن ذلك حيث يكون الزوج وهو يقتضي الاختلاط ~~ولا يكون ذلك إلا في حق الرجعية. قالوا: وحديث فاطمة بنت قيس قد طعن فيه ~~بمطاعن يضعف معها الاحتجاج به وحاصلها أربعة مطاعن. الأول: كون الراوي ~~امرأة ولم تقترن بشاهدين عدلين يتابعانها على حديثها. الثاني: أن الرواية ~~تخالف ظاهر القرآن. الثالث: أن خروجها من المنزل لم يكن لأجل أنه لا حق لها ~~في السكنى بل لايذائها أهل زوجها بلسانها. الرابع: معارضة روايتها برواية ~~عمر. # وأجيب بأن كون الراوي امرأة غير قادح فكم من سنن ثبتت عن النساء يعلم ذلك ~~من عرف السير وأسانيد الصحابة. وأما قول عمر: لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا ~~لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت؟ فهذا تردد منه في حفظها ms0928 وإلا فإنه قد ~~قبل عن عائشة وحفصة عدة أخبار وتردده في حفظها عذر له في عدم العمل بالحديث ~~ولا يكون شكه حجة على غيره. وأما قوله إنه مخالف للقرآن وهو قوله تعالى: * ~~(لا تخرجوهن من بيوتهن) * فإن الجمع ممكن بحمل الحديث على التخصيص لبعض ~~أفراد العام. وأما رواية عمر فأرادوا بها قوله: وسنة نبينا وقد عرف من علوم ~~الحديث أن قول الصحابي: من السنة كذا يكون مرفوعا. فالجواب أنه قد أنكر ~~أحمد بن حنبل الزيادة من قول عمر وجعل يقسم ويقول: وأين في كتاب الله إيجاب ~~النفقة والسكنى للمطلقة ثلاثا؟ وقال: هذا لا يصح عن عمر، قال ذلك ~~الدارقطني. وأما حديث عمر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لها السكنى ~~والنفقة. فإنه من رواية إبراهيم النخعي عن عمر وإبراهيم لم يسمعه من عمر ~~فإنه لم يولد إلا بعد موت عمر بسنين. وأما القول بأن خروج فاطمة من بيت ~~زوجها كان لايذائها لأهل بيته بلسانها فكلام أجنبي عما يفيده الحديث الذي ~~روت ولو كانت تستحق السكنى لما أسقطه صلى الله عليه وسلم لبذاءة لسانها ~~ولوعظها وكفها عن إذاية أهل زوجها. ولا يخفى ضعف هذه المطاعن في رد الحديث ~~فالحق ما أفاده الحديث وقد أطال ابن القيم في ذلك في الهدي النبوي ناصرا ~~للعمل بحديث فاطمة. # 4 - (وعن أم عطية رضي الله عنها) اسمها نسيبة بضم النون وفتح المهملة ~~صحابية لها أحاديث في كتب الحديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~لا تحد) بضم حرف المضارعة وكسر الحاء المهملة ويجوز ضم الدال على أن لا ~~نافية وجزمها على أنها نهي (امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر ~~وعشرا ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب) بفتح العين المهملة وسكون الصاد ~~المهملة فباء موحدة. في النهاية أنها برود يمنية يعصب غزلها أي يجمع ويشد ~~ثم يصبغ وينشر فيبقى موشى لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذه الصبغ (ولا تكتحل ~~ولا تمس طيبا إلا إذا طهرت نبذة) PageV03P199 # بضم ms0929 النون وسكون الباء الموحدة فذال معجمة أي قطعة (من قسط) بضم القاف ~~وسكون السين المهملة. في النهاية أنه ضرب من الطيب وقيل العود (أو أظفار) ~~يأت تفسيره (متفق عليه). وهذا لفظ مسلم ولأبي داود والنسائي من الزيادة ولا ~~تختضب وللنسائي ولا تمتشط). الحديث فيه مسائل. الأولى: تحريم إحداد المرأة ~~فوق ثلاثة أيام على أي ميت من أب أو غيره وجوازه ثلاثا عليه. وعلى الزوج ~~فقط أربعة أشهر وعشرا. إلا أنه أخرج أبو داود في المراسيل من حديث عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للمرأة أن تحد على ~~أبيها سبعة أيام وعلى من سواه ثلاثة أيام. فلو صح كان مخصصا للأب من عموم ~~النهي في حديث أم عطية إلا أنه مرسل لا يقوى على التخصيص. الثانية: في قوله ~~امرأة اخراج للصغيرة بمفهومه فلا يجب عليها الاحداد على الزوج فلا تنهى عن ~~الاحداد على غيره أكثر من ثلاثة وإليه ذهب الحنفية والهادي. وذهب الجمهور ~~إلى أنها داخلة في العموم وأن ذكر المرأة خرج مخرج الغالب والتكليف على ~~وليها في منعها من الطيب وغيره ولأن العدة واجبة على الصغيرة كالكبيرة ولا ~~تحل خطبتها. الثالثة: في قوله على ميت دليل على أنه لا إحداد على المطلقة ~~فإن كان رجعيا فإجماع. وإن كان بائنا فذهب الجمهور إلى أنه لا إحداد عليها ~~وهو قول الهادي والشافعي ومالك ورواية عن أحمد لظاهر قوله على ميت. وإن كان ~~مفهوما فإنه يؤيده أن الاحداد شرع لقطع ما يدعو إلى الجماع، وكان هذا في حق ~~المتوفى عنها لتعذر رجوعها إلى الزوج. وأما المطلقة بائنا فإنه يصح أن تعود ~~مع زوجها بعقد إذا لم تكن مثلثة أي مطلقة ثلاثا. وذهب آخرون منهم علي وزيد ~~بن علي وأبو حنيفة وأصحابه إلى وجوب الاحداد على المطلقة بائنا قياسا على ~~المتوفى عنها لأنهما اشتركتا في العدة واختلفتا في سببها. ولأن العدة تحرم ~~النكاح فحرمت دواعيه والقول الأول أظهر دليلا. # الرابعة: أنه لا دلالة في الحديث على ms0930 وجوب الاحداد وإنما دل على حله على ~~الزوج الميت. # وذهب إلى وجوبه أكثر العلماء لما أخرجه أبو داود من حديث سلمة أنها قالت: ~~دخل على سول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلت علي صبرا، ~~الحديث سيأتي ورواه النسائي. قال ابن كثير: وفي سنده غرابة قال: ولكن رواه ~~الشافعي عن مالك أنه بلغه عن أم سلمة فذكره وهو مما يتقوى به الحديث ويدل ~~على أن له أصلا. # ولما أخرجه عنها أيضا أحمد وأبو داود والنسائي أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ~~ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل قال الحافظ ابن كثير: إسناده جيد لكن رواه ~~البيهقي موقوفا عليها. وذهب الحسن والشعبي أن المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها ~~زوجها تكتحلان وتمتشطان وتتطيبان وتتقلدان وتنتعلان وتصبغان ما شاءتا. ~~واستدلا بما أخرجه أحمد وصححه ابن حبان من حديث أسماء بنت عميس قالت: دخل ~~علي رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم الثالث من قتل جعفر بن أبي طالب ~~فقال: لا تحدي بعد يومك هذا لفظ أحمد. وله ألفاظ كلها دالة على أمره صلى ~~الله عليه وسلم لها بعدم الاحداد بعد ثلاث وهذا ناسخ لأحاديث أم سلمة في ~~الاحداد لأنه بعدها PageV03P200 # فإن أم سلمة أمرت بالاحداد بعد موت زوجها وموته متقدم على قتل جعفر. وقد ~~أجاب الجمهور عن حديث أسماء بأجوبة سبعة كلها تكلف لا حاجة إلى سردها. ~~المسألة الخامسة في قوله: أربعة أشهر وعشرا قيل الحكمة في التقدير بهذه ~~المدة أن الولد تتكامل خلقته وينفخ فيه الروح بعد مضي مائة وعشرين يوما وهي ~~زيادة على أربعة أشهر بنقصان الأهلة فجبر الكسر إلى العقد على طريق ~~الاحتياط وذكر العشر مؤنثا باعتبار الليالي. والمراد مع أيامها عند الجمهور ~~فلا تحل حتى تدخل الليلة الحادية عشرة. المسألة السادسة: في قوله ثوبا ~~مصبوغا دليل على النهي عن كل مصبوغ بأي لون إلا ما استثناه في الحديث وقال ~~ابن عبد البر: أجمع العلماء ms0931 على أنه لا يجوز للحادة لبس الثياب المعصفرة ~~ولا المصبوغة إلا ما صبغ بسواد فرخص فيه مالك والشافعي لكونه لا يتخذ ~~للزينة بل هو من لباس الحزن. واختلف في الحرير فذهبت الشافعية في الأصح إلى ~~المنع لها منه مطلقا مصبوغا أو غير مصبوغ. # قالوا: لأنه أبيح للنساء التزين به والحادة ممنوعة من التزين. وقال ابن ~~حزم: إنها تجتنب الثياب المصبوغة فقط ويحل لها أن تلبس ما شاءت من حرير ~~أبيض أو أصفر من لونه الذي لم يصبغ ويباح لها أن تلبس المنسوج بالذهب ~~والحلي كله من الذهب والفضة والجوهر والياقوت وهذا جمود منه على لفظ النص ~~الوارد في حديث أم عطية. وأما حديث أم سلمة الذي فيه النهي عن لبسها الثياب ~~المعصفرة ولا الممشقة ولا الحلي فقال: إنه لم يصح لأنه من رواية إبراهيم بن ~~طهمان. ورد عليه بأنه من الحفاظ الاثبات الثقات وقد صحح حديثه جماعة من ~~الأئمة كابن المبارك وأحمد وأبي حاتم. وابن حزم أدار التحريم على ما ثبت ~~عنده بالنص. وغيره من الأئمة أداره على التعليل بالزينة فبقي كلامهم أن ثوب ~~العصب إذا كان فيه زينة منعت منه ويخصصون الحديث بالمعنى المناسب للمنع ~~وتقدم تفسير ثوب العصب عن النهاية وللعلماء في تفسيره أقوال أخر. المسألة ~~السابعة: في قوله ولا تكتحل دليل على منعها من الاكتحال وهو قول الجمهور. ~~وقال ابن حزم: ولا تكتحل ولذهبت عيناها لا ليلا ولا نهارا ودليله حديث ~~الباب وحديث أم سلمة المتفق عليه أن امرأة توفي عنها زوجها فخافوا على ~~عينها فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنوه في الكحل فما أذن فيه بل ~~قال: لا مرتين أو ثلاثا. وذهب الجمهور مالك وأحمد وأبو حنيفة وأصحابه إلى ~~أنه يجوز الاكتحال بالأثمد للتداوي مستدلين بحديث أسلمة الذي أخرجه أبو ~~داود أنها قالت في كحل الجلاء لما سألتها امرأة أن زوجها توفي وكانت تشتكي ~~عينها فأرسلت إلى أم سلمة فسألتها عن كحل الجلاء فقالت أم سلمة: لا يكتحل ~~منه إلا من أمر لا بد منه ms0932 يشتد عليك فتكتحلين بالليل وتمسحينه بالنهار. ثم ~~قالت أم سلمة: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة ~~وذكرت حديث الصبر. قال ابن عبد البر: وهذا عندي وإن كان مخالفا لحديثها ~~الآخر الناهي عن الكحل مع الخوف على العين إلا أنه يمكن الجمع بأنه (ص) عرف ~~من الحالة التي نهاها أن حاجتها إلى الكحل خفيفة غير ضرورية والإباحة في ~~الليل لدفع الضرر بذلك. قلت: ولا يخفى أن فتوى أم سلمة قياس منها للكحل ~~PageV03P201 # على الصبر والقياس مع النص الثابت والنهي المتكرر لا يعمل به عند من قال ~~بوجوب الاحداد. # 5 - (وعن أم سلمة قالت: جعلت على عيني صبرا بعد أن توفي أبو سلمة، فقال ~~رسول الله (ص): إنه يشب الوجه) بفتح حرف المضارعة (فلا تجعليه إلا بالليل ~~وانزعيه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب قلت: بأي شئ ~~أمتشط؟ قال: بالسدر رواه أبو داود والنسائي وإسناده حسن). فيه دليل على ~~تحريم الطيب وهو عام لكل طيب وقد ورد في لفظ لا تمس طيبا ولكنه قد استثنى ~~فيما سلف حال طهرها من حيضها وأذن لها في القسط والأظفار وقال البخاري ~~القسط والكست مثل الكافور والقافور يجوز في كل منهما القاف والكاف. قال ~~النووي: القسط والأظفار نوعان معروفان من البخور. # 6 - (وعنها) أي أم سلمة (رضي الله عنها أن امرأة قالت: يا رسول الله ~~ابنتي مات عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها) بضم الحاء (قال: لا متفق ~~عليه). تقدم الكلام في الكحل وظاهر الحديث أنها لا تكحلها للتداوي فمن قال ~~إنه تمنع الحادة من الكحل بالأثمد لأنه الذي تحصل به الزينة فأما الكحل ~~بالتوتيا والعنزروت ونحوهما فلا بأس به لأنه لا زينة فيه بل يصح العين، يرد ~~عليه لفظ الحديث فإنها سألت عن كحل تداوي به العين لا عن كحل الإثمد بخصوصه ~~إلا أن يدعى أن الكحل إذا أطلق لا يتبادر إلا إليه. # 7 - (وعن جابر رضي الله عنه قال: طلقت خالتي فأرادت أن تجذ نخلها) بالجيم ms0933 ~~والذال المعجمة: # هو القطع المستأصل كما في القاموس وفي النهاية بالدال المهملة صرام النخل ~~وهو قطع ثمرها (فزجرها رجل أن تخرج فأتت النبي (ص) فقال: بلى جذي نخلك فإنك ~~عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفا رواه مسلم) في باب جواز خروج المعتدة البائن ~~كما بوبه النووي. وأخرجه أبو داود والنسائي بزيادة: طلقت خالتي ثلاثا. ~~والحديث دليل على جواز خروج المعتدة من طلاق بائن من منزلها في النهار ~~للحاجة إلى ذلك ولا يجوز لغير حاجة وقد ذهب إلى ذلك طائفة من العلماء ~~وقالوا: يجوز الخروج للحاجة والعذر ليلا ونهارا كالخوف وخشية انهدام ~~المنزل. ويجوز اخراجها إذا تأذت بالجيران أو تأذوا بها أذى شديدا لقوله ~~تعالى: * (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن ألا أن يأتين بفاحشة مبينة) * ~~وفسر الفاحشة بالبذاءة على الأحماء وغيرهم. وذهبت طائفة منهم إلى جواز ~~خروجها نهارا مطلقا دون الليل للحديث المذكور وقياسا على عدة الوفاة. ولا ~~يخفى أن الحديث المذكور علل فيه جواز الخروج برجاء أن تصدق أو تفعل معروفا ~~وهذا عذر في الخروج وأما لغير عذر فلا يدل عليه، إلا أن يقال إنما هذا رجاء ~~فعل ذلك، وقد يرجى في كل خروج في الغالب. وفيه دليل على استحباب الصدقة من ~~التمر عند جذاذه واستحباب التعريض لصاحبه بفعل الخير والتذكير بالمعروف. ~~PageV03P202 # 8 - (وعن فريعة) بضم الفاء وفتح الراء وسكون المثناة التحتية وعين مهملة ~~أخت أبي سعيد الخدري شهدت بيعة الرضوان ولها رواية (بنت مالك أن زوجها خرج ~~في طلب أعبد له فقتلوه قالت: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع ~~إلى أهلي فإن زوجي لم يترك لي مسكنا يملكه ولا نفقة فقال: نعم فلما كنت في ~~الحجرة ناداني فقال: # امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا، ~~قالت: فقضى به بعد ذلك عثمان. أخرجه أحمد والأربعة وصححه الترمذي والذهلي) ~~بضم الذال المعجمة (وابن حبان والحاكم وغيرهم) أخرجوه كلهم من حديث سعد بن ~~إسحاق بن كعب عن عمته زينب بنت كعب بن ms0934 عجرة عن الفريعة. وقال ابن عبد البر: ~~هذا حديث معروف مشهور عند علماء الحجاز والعراق وأعله عبد الحق تبعا لابن ~~حزم بجهالة حال زينب وبأن سعد بن إسحاق غير مشهور العدالة وتعقب بأن زينب ~~هذه من التابعيات وهي امرأة أبي سعيد روى عنها سعد بن إسحاق وذكرها ابن ~~حبان في كتاب الثقات وقد روى عنها سليمان بن محمد بن كعب بن عجرة فهي امرأة ~~تابعية تحت صحابي ثم روى عنها الثقات ولم يطعن فيها بحرف. وسعد بن إسحاق ~~وثقه ابن معين والنسائي والدارقطني وروى عنه حماد بن زيد وسفيان الثوري ~~وابن جريج ومالك وغيرهم. والحديث دليل على أن المتوفى عنها زوجها تعتد في ~~بيتها الذي نوت فيه العدة ولا تخرج منه إلى غيره وإلى هذا ذهب جماعة من ~~السلف والخلف. وفي ذلك عدة روايات وآثار عن الصحابة ومن بعدهم وقال بهذا ~~أحمد والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم. وقال ابن عبد البر: وبه يقول جماعة من ~~فقهاء الأمصار بالحجاز والشام ومصر والعراق وقضى به عمر بمحضر من المهاجرين ~~والأنصار. والدليل حديث الفريعة ولم يطعن فيه أحد ولا في رواته إلا ما عرفت ~~وقد دفع. ويجب لها السكنى في مال زوجها لقوله تعالى: * (غير اخراج) * ~~والآية وإن كان قد نسخ فيها استمرار النفقة والكسوة حولا فالسكنى باق حكمها ~~مدة العدة. وقد قرر الشافعي الاستدلال بالآية بما فيه تطويل. وذهبت طائفة ~~من السلف والخلف إلى أنه لا سكنى للمتوفى عنها. روى عبد الرزاق عن عروة عن ~~عائشة أنها كانت تفتي المتوفى عنها بالخروج في عدتها. # وأخرج أيضا عن ابن عباس أنه قال: إنما قال الله تعتد أربعة أشهر وعشرا ~~ولم يقل تعتد في بيتها فتعتد حيث شاءت. ومثله أخرجه عن جابر بن عبد الله ~~ومثله عن جماعة من الصحابة وإليه ذهب الهادي فقال: لا تجب السكنى ويجب أن ~~لا تبيت إلا في منزلها ودليلهم ما ذكره ابن عباس من أنه تعالى ذكر مدة ~~العدة ولم يذكر السكنى. والجواب أنه ثبت بالسنة وهو حديث الفريعة ms0935 وبالكتاب ~~أيضا كما تقدم إلا أن حديث الفريعة صرحت فيه أن البيت ليس لزوجها فيؤخذ منه ~~أنها لا تخرج من البيت الذي مات وهي فيه سواء كان له أو لا. # أطال في الهدي النبوي الكلام على ما يتفرع من إثبات السكنى وهل تجب على ~~الورثة من رأس التركة أو لا؟ وهل تخرج من منزلها للضرورة أو لا؟ وذكر خلافا ~~كثيرا بين العلماء في ذلك ليس للتطويل بنقله كثير فائدة إذ ليس على شئ من ~~تلك الفروع دليل ناهض. PageV03P203 # 9 - (وعن فاطمة بنت قيس قالت: قلت: يا رسول الله إن زوجي طلقني ثلاثا ~~وأخاف أن يقتحم) مغير الصيغة (علي) أي يهجم علي أحد بغير شعور (فأمرها ~~فتحولت. # رواه مسلم) تقدم الكلام على حديث فاطمة وحكم ما أفاده ولا وجه لإعادة ~~المصنف له. # 10 - (وعن عمرو بن العاص قال: لا تلبسوا علينا سنة نبينا عدة أم الولد ~~إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وصححه ~~الحاكم وأعله الدارقطني بالانقطاع). وذلك لأنه من رواية قبيصة بن ذؤيب عن ~~عمرو بن العاص ولم يسمع منه. قال الدارقطني: وقال ابن المنذر: ضعفه أحمد ~~وأبو عبيد. وقال محمد بن موسى: # سألت أبا عبد الله عنه فقال: لا يصح وقال الميموني: رأيت أبا عبد الله ~~يعجب من حديث عمرو ابن العاص هذا ثم قال: أي سنة للنبي (ص) في هذا؟ وقال: ~~أربعة أشهر وعشرا إنما هي عدة الحرة عن النكاح، وإنما هذه أمة خرجت عن الرق ~~إلى الحرية. وقال المنذري: في إسناد حديث عمرو مطر بن طهمان أبو رجاء ~~الوراق وقد ضعفه غير واحد. # وله علة ثالثة هي الاضطراب لأنه روي على ثلاثة وجوه. وقال أحمد: حديث ~~منكر وقد روى خلاس عن علي مثل رواية قبيصة عن عمرو ولكن خلاس بن عمرو قد ~~تكلم في حديثه كان ابن معين لا يعبأ بحديثه. وقال أحمد في روايته عن علي ~~يقال: إنها كتاب وقال البيهقي: رواية خلاس عن علي ضعيفة عند أهل العلم. ms0936 ~~والمسألة فيها خلاف، ذهب إلى ما أفاده حديث عمرو: الأوزاعي والناصر ~~والظاهرية وآخرون. وذهب مالك والشافعي وأحمد وجماعة إلى أن عدتها حيضة ~~لأنها ليست زوجة ولا مطلقة فليس إلا استبراء رحمها وذلك بحيضة تشبيها ~~بالأمة يموت عنها سيدها وذلك مما لا خلاف فيه. وقال مالك: فإن كانت ممن لا ~~تحيض اعتدت، بثلاثة أشهر ولها السكنى. وقال أبو حنيفة: عدتها ثلاث حيض وهو ~~قول علي وابن مسعود وذلك لأن العدة إنما وجبت عليها وهي حرة وليست بزوجة ~~فتعتد عدة الوفاة ولا بأمة فتعتد عدة الأمة فوجب أن يستبرأ رحمها بعدة ~~الحرائر. قلنا: إذا كان المراد الاستبراء كفت حيضة إذ بها يتحقق وقال قوم: ~~عدتها نصف عدة الحرة تشبيها لها بالأمة المزوجة عند من يرى ذلك وسيأتي. ~~وقال ت الهادوية: عدتها حيضتان تشبيها بعدة البائع والمشتري فإنهم يوجبون ~~على البائع الاستبراء بحيضة وعلى المشتري كذلك والجامع زوال الملك. قال في ~~نهاية المجتهد : سبب الخلاف أنها مسكوت عنها أي في الكتاب والسنة مترددة ~~الشبه بين الأمة والحرة فأما من شبهها بالزوجة الأمة فضعيف وأضعف منه من ~~شبهها بعدة الحرة المطلقة انتهى. # قلت: وقد عرفت ما في حديث عمرو من المقال فالأقرب قول أحمد والشافعي أنها ~~تعتد بحيضة وهو قول ابن عمر وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد والشعبي ~~والزهري لان الأصل البراءة من الحكم وعدم حبسها عن الأزواج واستبراء الرحم ~~يحصل بحيضة. # 11 - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: إنما الأقراء الأطهار أخرجه مالك في ~~قصة بسند صحيح). والقصة هي ما أفاده سياق الحديث قال الشافعي: أخبرنا مالك ~~عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنها قالت وقد جادلها في ذلك ناس وقالوا: إن ~~الله يقول: ثلاثة قروء PageV03P204 # فقالت عائشة: صدقتم وهل تدرون ما الأقراء؟ الأقراء الأطهار. قال الشافعي: ~~أخبرنا مالك عن ابن شهاب: ما أدركت أحدا من فقهائنا إلا وهو يقول هذا. يريد ~~الذي قالت عائشة انتهى. # واعلم أن هذه مسألة اختلف فيها سلف الأمة وخلفها مع الاتفاق أن القرء - ~~بفتح القاف ms0937 وضمها - يطلق لغة على الحيض والطهر. وأنه لا خلاف أن المراد في ~~قوله تعالى: * (وثلاثة قروء) * أحدهما لا مجموعهما. إلا أنهم اختلفوا في ~~الأحد المراد منهما فيها فذهب كثير من الصحابة وفقهاء المدينة والشافعي ~~وأحمد في إحدى الروايتين وهو قول مالك وقال: هو الامر الذي أدركت عليه أهل ~~العلم ببلدنا أن المراد بالأقراء في الآية الكريمة الأطهار مستدلين بحديث ~~عائشة هذا. وقال الشافعي: إنه يدل لذلك الكتاب واللسان أي اللغة أما الكتاب ~~فقوله تعالى * (فطلقوهن لعدتهن) * وقد قال صلى الله عليه وسلم في حديث ابن ~~عمر: ثم تطهر ثم إن شاء طلق فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء. ~~وفي حديث ابن عمر: لما طلق امرأته حائضا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~إذا طهرت فليطلق أو يمسك وتلا (ص): * (إذا طلقتم النساء) * لقبل عدتهن أو ~~في قبل عدتهن. قال الشافعي أنا شككت، فأخبر (ص) أن العدة الطهر دون الحيض ~~وقرأ: فطلقوهن لقبل عدتهن وهو أن يطلقها طاهرا وحينئذ تستقبل عدتها فلو ~~طلقت حائضا لم تكن مستقبلة عدتها إلا بعد الحيض. وأما اللسان فهو أن القرء ~~اسم معناه الحبس تقول العرب: # هو يقرئ الماء في حوضه وفي سقائه وتقول: يقرئ الطعام في شدقه يعني يحبس ~~الطعام فيه وتقول: إذا حبس الشئ أقرأه أي خبأه وقال الأعشى: # أفي كل يوم أنت جاشم غزوة * تشد لأقصاها عزيم عزائكا مورثة عزا وفي الحي ~~رفعة * لما ضاع فيها من قروء نسائكا فالقرء في البيت بمعنى الطهر لأنه ضيع ~~أطهارهن في غزاته وآثرها عليهن أي آثر الغزو على القعود فضاعت قروء نسائه ~~بلا جماع فدل على أنها الأطهار. وذهب جماعة من السلف كالخلفاء الأربعة وابن ~~مسعود وطائفة كثيرة من الصحابة والتابعين إلى أنها الحيض وبه قال أئمة ~~الحديث وإليه رجع أحمد ونقل عنه أنه قال: كنت أقول إنها الأطهار وأنا اليوم ~~أذهب إلى أنها الحيض وهو قول الحنفية وغيرهم. واستدلوا بأنه لم يستعمل ~~القرء في لسان الشارع إلا في الحيض كقوله تعالى: ms0938 * (ولا يحل لهن أن يكتمن ~~ما خلق الله في أرحامهن) * وهذا هو الحيض والحمل لان المخلوق في الرحم هو ~~أحدهما وبهذا فسره السلف والخلف. وقوله صلى الله عليه وسلم: دعي الصلاة ~~أيام أقرائك ولم يقل أحد أن المراد به الطهر. ولقوله صلى الله تعالى عليه ~~وسلم فيما أخرجه أحمد وأبو داود في سبايا أوطاس: لا توطأ حامل حتى تضع ولا ~~غير ذات حمل حتى تحيض حيضة وسيأتي. وأجاب الأولون عن الآية بأن الآية أفادت ~~تحريم كتمان ما خلق الله في أرحامهن وهو الحيض أو الحبل أو كلاهما. ولا ريب ~~أن الحيض داخل في ذلك ولكن تحريم كتمانه لا يدل على أن القرء المذكور في ~~الآية هو الحيض فإنها PageV03P205 # إذا كانت الأطهار فإنها تنقضي بالطعن في الحيضة الرابعة أو الثالثة ~~فكتمان الحيض يلزم منه عدم معرفة انقضاء الطهر الذي تتم به العدة فتكون ~~دلالة الآية على أن الأقراء الأطهار أظهر. وعن الحديث الأول بأن الأصح أن ~~لفظه كما قال الشافعي: أخبرنا مالك عن نافع بن سليمان بن يسار عن أم سلمة ~~أن النبي (ص) قال: لتنتظر عداد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر ~~قبل أن يصيبها الذي أصابها ثم لتدع الصلاة ثم لتغتسل ولتصل وهذه رواية نافع ~~ونافع أحفظ من سليمان بن يسار الراوي لذلك اللفظ. هذا حاصل ما نقل عن ~~الشافعي من رده للحديث الأول، وعن الحديث الثاني بأنه لا شك أن الاستبراء ~~ورد بحيضة وهو النص عن رسول الله (ص) وهو قول جمهور الأمة والفرق بين ~~الاستبراء والعدة أن العدة وجبت قضاء لحق الزوج فاختصت بزمان حقه وهو ~~الطهر، وبأنها تتكرر فيعلم فيها البراءة بواسطة الحيض بخلاف الاستبراء. # واعلم أنه قد أكثر الاستدلال المتنازعون في المسألة من الطرفين كل يستدل ~~على ما ذهب إليه. وغاية ما أفادت الأدلة أنه أطلق القرء على الحيض وأطلق ~~على الطهر وهو في الآية محتمل كما عرفت فإن كان مشتركا كما قاله جماعة فلا ~~بد من قرينة معينة لاحد معنييه وإن كان في ms0939 أحدهما حقيقة وفي الآخر مجازا ~~فالأصل الحقيقة ولكنهم مختلفون هل هو حقيقة في الحيض مجاز في الطهر أو ~~العكس؟ قال الأكثرون بالأول وقال الأقلون بالثاني. # فالأولون يحملونه في الآية على الحيض لأنه الحقيقة والأقلون على الطهر ~~ولا ينهض دليل على تعيين أحد القولين لان غاية الموجود في اللغة الاستعمال ~~في المعنيين - وللمجاز علامات من التبادر وصحة النفي ونحو ذلك ولا ظهور لها ~~هنا. وقد أطال ابن القيم الاستدلال على أنه الحيض واستوفى المقال. قال ~~السيد رحمه الله: ولم يقهرنا دليله إلى تعيين ما قاله. ومن أدلة القول بأن ~~الأقراء الحيض قوله: # 12 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما: طلاق الأمة) المزوجة (تطليقتان وعدتها ~~حيضتان. رواه الدارقطني) موقوفا على ابن عمر (وأخرجه مرفوعا وضعفه) لأنه من ~~رواية عطية العوفي وقد ضعفه غير واحد من الأئمة وأخرجه أبو داود والترمذي ~~وابن ماجة من حديث عائشة) بلفظ: طلاق الأمة طلقتان وقرؤها حيضتان وهو ضعيف ~~لأنه من حديث مظاهر بن مسلم قال فيه أبو حاتم: منكر الحديث. وقال ابن معين: ~~لا يعرف. (وصححه الحاكم وخالفوه فاتفقوا على ضعفه) لما عرفته فلا يتم به ~~الاستدلال للمسألة الأولى. واستدل به هنا على أن الأمة تخالف الحرة فتبين ~~على الزوج بطلقتين وتكون عدتها قرأين. واختلف العلماء في المسألة على أربعة ~~أقوال: أقواها ما ذهب إليه الظاهرية من أن طلاق العبد والحر سواء لعموم ~~النصوص الواردة في الطلاق من غير فرق بين حر وعبد وأدلة التفرقة كلها غير ~~ناهضة وقد سردها في الشرح فلا حاجة بالإطالة بذكرها مع عدم نهوض دليل قول ~~منها عندنا. # وأما عدتها فاختلف أيضا فيها فذهبت الظاهرية إلى أنها كعدة الحرة قال أبو ~~محمد بن حزم لان الله علمنا العدد في الكتاب فقال: * (والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء) * وقال: * (والذين PageV03P206 # يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) * وقال: * ~~(واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم ~~يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) * وقد علم الله تعالى ms0940 إذ أباح ~~لنا الإماء أعليهن العدد المذكورات وما فرق عز وجل بين حرة ولا أمة في ذلك ~~* (وما كان ربك نسيا) *. وتعقب استدلاله بالآيات بأنها كلها في الزوجات ~~الحرائر فإن قوله: * (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) * في حق الحرائر فإن ~~افتداء الأمة إلى سيدها لا إليها وكذا قوله: * (فلا جناح عليهما أن ~~يتراجعا) * فجعل ذلك إلى الزوجين والمراد به العقد والمراد به العقد وفي ~~الأمة ذلك يختص بسيدها. وكذا قوله: * (فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما ~~فعلن في أنفسهن بالمعروف) * والأمة لا فعل لها في نفسها. قلت: لكنها إذا لم ~~تدخل في هذه الآيات ولا تثبت فيها سنة صحيحة ولا إجماع ولا قياس ناهض هنا ~~فماذا يكون حكمها في عدتها؟ فالأقرب أنها زوجة شرعا قطعا فإن الشارع قسم ~~لنا من أحل لنا وطأها إلى زوجة أو ما ملكت اليمين في قوله: * (إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) *. وهذه التي هي محل النزاع ليست ملك يمين ~~قطعا فهي زوجة فتشملها الآيات وخروجها عن حكم الحرائر فيما ذكر من الافتداء ~~والعقد والفعل بالمعروف في نفسها لا ينافي دخولها في حكم العدة لأن هذه ~~أحكام أخر تعلق الحق فيها بالسيد كما يتعلق في الحرة الصغيرة بالولي ~~فالراجح أنها كالحرة تطليقا وعدة. # 13 - (وعن رويفع) تصغير رافع (بن ثابت رضي الله عنه) من بني مالك بن ~~النجار عداده في المصريين توفي سنة ست وأربعين (عن النبي (ص): لا يحل لامرئ ~~يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره أخرجه أبو داود والترمذي ~~وصححه ابن حبان وحسنه البزار). فيه دليل على تحريم وطئ الحامل من غير ~~الواطئ وذلك كالأمة المشتراة إذا كانت حاملا من غيره والمسبية. وظاهره أن ~~ذلك إذا كان الحمل متحققا أما إذا كان غير متحقق وملكت الأمة بسبي أو شراء ~~أو غيره فسيأتي أنه لا يجوز وطؤها حتى تستبرأ بحيضة. وقد اختلف العلماء في ~~الزانية غير الحامل هل تجب عليها العدة أو تستبرأ بحيضة فذهب الأقل إلى ~~وجوب ms0941 العدة عليها وذهب الأكثر إلى عدم وجوبها عليها والدليل غير ناهض مع ~~الفريقين فإن الأكثر استدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم الولد للفراش ولا ~~دليل فيه إلا على عدم لحوق ولد الزنا بالزاني والقائل بوجوب العدة استدل ~~بعموم الأدلة ولا يخفى أن الزانية غير داخلة فيها فإنها في الزوجات. نعم ~~تدخل في دليل الاستبراء وهو قوله صلى الله عليه وسلم: لا توطأ حامل حتى تضع ~~ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة. قال المصنف في التلخيص: إنما استدلت ~~الحنابلة بحديث رويفع على فساد نكاح الحامل من الزنا واحتج به الحنفية على ~~امتناع وطئها قال: وأجاب الأصحاب عنه بأنه ورد في السبي لا في مطلق النساء ~~وتعقب بأن العبرة بعموم اللفظ. # 14 - (وعن عمر رضي الله عنه - في امرأة المفقود - تربص أربع سنين ثم تعتد ~~أربعة أشهر PageV03P207 # وعشرا أخرجه مالك والشافعي). وله طرق أخرى وفيه قصة أخرجها عبد الرزاق ~~بسنده في الفقيد الذي فقد قال: دخلت الشعب فاستهوتني الجن فمكثت أربع سنين ~~فأتت امرأتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأمرها أن تربص أربع سنين من حين ~~رفعت أمرها إليه ثم دعا وليه أي ولي الفقيد فطلقها ثم أمرها أن تعتد أربعة ~~أشهر وعشرا ثم جئت بعد ما تزوجت فخير بن عمر بينهما وبين الصداق الذي ~~أصدقتها ورواه ابن أبي شيبة عن عمر ورواه البيهقي. وقصة المفقود أخرجها ~~البيهقي وفيها أنه قال لعمر لما رجع: إني خرجت لصلاة العشاء فسبتني الجن ~~فلبثت فيهم زمانا طويلا، فغزاهم جن مؤمنون - أو قال مسلمون - فقاتلوهم ~~وظهروا عليهم فسبوا منهم سبايا فسبوني فيما سبوا منهم فقالوا نراك رجلا ~~مسلما لا يحل لنا سباؤك فخيروني بين المقام وبين القفول فاخترت القفول إلى ~~أهلي فأقبلوا معي فأما الليل فلا يحدثوني وأما النهار فإعصار ريح اتبعها. ~~فقال له عمر: فما كان طعامك فيهم قال: الفول وما لا يذكر اسم الله عليه ~~قال: فما كان شرابك قال: الجدف. قال قتادة: والجدف ما لا يخمر من الشراب. ~~وفيه دليل على ms0942 أن مذهب عمر: أن امرأة المفقود بعد مضي أربعة سنين من يوم ~~رفعت أمرها إلى الحاكم - تبين من زوجها. كما يفيد ظاهر رواية الكتاب وإن ~~كانت رواية ابن أبي شيبة دالة على أنه يأمر الحاكم ولي الفقيد بطلاق امرأته ~~وقد ذهب إلى هذا مالك وأحمد وإسحاق وهو أحد قولي الشافعي وجماعة من الصحابة ~~بدليل فعل عمر. وذهب أبو يوسف ومحمد ورواية عن أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي ~~إلى أنها لا تخرج عن الزوجية حتى يصح لها موته أو طلاقه أو ردته ولا بد من ~~تيقن ذلك قالوا: # لان عقدها ثابت بيقين فلا يرتفع إلا بيقين وعليه يدل ما رواه الشافعي عن ~~علي موقوفا امرأة المفقود امرأة ابتليت فلتصبر حتى يأتيها يقين موته. قال ~~البيهقي: هو عن علي مطولا مشهور ومثله أخرجه عنه عبد الرزاق. قالت ~~الهادوية: فإن لم يحصل اليقين بموته ولا طلاقه تربصت العمر الطبيعي مائه ~~وعشرين سنة وقيل مائة وخمسين إلى مائتين، وهذا كما قال بعض المحققين قضية ~~فلسفية طبعية يتبرأ الاسلام منها إذ الأعمار قسم من الخالق الجبار والقول ~~بأنها العادة غير صحيح كما يعرفه كل مميز بل هو أندر النادر، بل معترك ~~المنايا كما أخبر به الصادق بين الستين والسبعين. وقال الامام يحيى: ولا ~~وجه للتربص لكن إن ترك لها الغائب ما يقوم بها فهو كالحاضر إذ لم يفتها إلا ~~الوطئ وهو حق له لا لها وإلا فسخها الحاكم عند مطالبتها من دون المفقود ~~لقوله تعالى: * (ولا تمسكوهن ضرارا) * ولحديث: لا ضرر ولا ضرار في الاسلام ~~والحاكم وضع لرفع المضارة في الايلاء والظهار وهذا أبلغ والفسخ مشروع ~~بالعيب ونحوه. قلت وهذا أحسن الأقوال وما سلف عن علي وعمر أقوال موقوفة. # وفي الارشاد لابن كثير عن الشافعي بسنده إلى أبي الزناد قال: سألت سعيد ~~بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته قال: يفرق بينهما، قلت: سنة؟ ~~قال: سنة. قال الشافعي: # الذي يشبه أن قول سعيد سنة أن يكون سنة النبي صلى الله عليه وسلم ms0943 وقد طول ~~الكلام في هذا PageV03P208 # في حواشي ضوء النهار واخترنا الفسخ بالغيبة أو بعدم قدرة الزوج على ~~الانفاق نعم لو ثبت قوله 15 - (وعن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ~~(ص): امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان أخرجه الدارقطني بإسناد ~~ضعيف). لكان مقويا لتلك الآثار إلا أنه ضعفه أبو حاتم والبيهقي وابن القطان ~~وعبد الحق وغيرهم. # 16 - (وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): لا يبيتن) من ~~البيتوتة وهي بقاء الليل (رجل عند امرأة إلا أن يكون ناكحا أو ذا محرم. # أخرجه مسلم). وفي لفظ لمسلم أيضا زيادة: عند امرأة ثيب، قيل: إنما خص ~~الثيب لأنها التي يدخل عليها غالبا وأما البكر فهي متصونة في العادة مجانبة ~~للرجال أشد مجانبة ولأنه يعلم بالأولى أنه إذا نهى عن الدخول على الثيب ~~التي يتساهل الناس في الدخول عليها فبالأولى البكر. والمراد من قوله: ناكحا ~~أي متزوجا بها. وفي الحديث دليل على أنها تحرم الخلوة بالأجنبية وأنه يباح ~~له الخلوة بالمحرم وهذان الحكمان مجمع عليهما وقد ضبط العلماء المحرم بأنه ~~كل من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح يحرمها. فقوله: على التأبيد ~~احتراز من أخت الزوجة وعمتها وخالتها ونحوهن. وقوله: بسبب مباح احتراز عن ~~أم الموطوءة بشبهة وبنتها فإنها حرام على التأبيد لكن لا بسبب مباح فإن وطئ ~~الشبهة لا يوصف بأنه مباح ولا محرم ولا بغيرهما من أحكام الشرع الخمسة لأنه ~~ليس فعل مكلف. وقوله: يحرمها احتراز عن الملاعنة فإنها محرمة على التأبيد ~~لا لحرمتها بل تغليظا عليها. ومفهوم قوله: لا يبيتن " أنه يجوز له البقاء ~~عند الأجنبية في النهار خلوة أو غيرها لكن قوله: # 17 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي (ص) قال: لا يخلون رجل ~~بامرأة إلا مع ذي محرم أخرجه البخاري). دل على تحريم خلوته بها ليلا أو ~~نهارا وهو دليل لما دل عليه الحديث الذي قبله وزيادة، وأفاد جواز خلوة ~~الرجل بالأجنبية مع محرمها، وتسميتها خلوة تسامح، فالاستثناء منقطع. # 18 - (وعن ms0944 أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ~~سبايا أوطاس) اسم واد في ديار هوازن وهو موضع حرب حنين وقيل وادي أوطاس غير ~~وادي حنين (لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة أخرجه أبو ~~داود وصححه الحاكم وله شاهد عن ابن عباس) بلفظ: نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن توطأ حامل حتى تضع أو حائل حتى تحيض (في الدارقطني) إلا أنه ~~من رواية شريك القاضي وفيه كلام، قاله ابن كثير في الارشاد. والحديث دليل ~~على أنه يجب على السابي استبراء المسبية إذا أراد وطأها بحيضة إن كانت غير ~~حامل ليتحقق براءة رحمها وبوضع الحمل إن كانت حاملا وقيس على غير المسبية ~~المشتراة والمتملكة بأي وجه من وجوه التملك بجامع ابتداء التملك. وظاهر ~~قوله: ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة عموم البكر والثيب فالثيب لما ذكر ~~والبكر أخذا بالعموم وقياسا على العدة فإنها تجب على الصغيرة PageV03P209 # مع العلم ببراءة الرحم وإلى هذا ذهب الأكثرون. وذهب آخرون إلى أن ~~الاستبراء إنما يكون في حق من لم يعلم براءة رحمها أما من علم براءة رحمها ~~فلا استبراء عليها. وهذا رواه عبد الرزاق عن ابن عمر قال: إذا كانت الأمة ~~عذراء لم يستبرئها إن شاء. ورواه البخاري في الصحيح عنه وأخرج في الصحيح ~~مثله عن علي رضي الله عنه من حديث بريدة. ويؤيد هذا القول مفهوم ما أخرجه ~~أحمد من حديث رويفع: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكح ثيبا من ~~السبايا حتى تحيض وإلى هذا ذهب مالك على تفصيل أفاده قول المازري من ~~المالكية في تحقيق مذهبه حيث قال: إن القول الجامع في ذلك أن كل أمة أمن ~~عليها الحمل فلا يلزم فيها الاستبراء وكل من غلب على الظن كونها حاملا أو ~~شك في حملها أو تردد فيه فالاستبراء لازم فيها. وكل من غلب على الظن براءة ~~رحمها لكنه يجوز حصوله فالمذهب على قولين في ثبوت الاستبراء وسقوطه وأطال ms0945 ~~بما خلاصته أن مأخذ مالك في الاستبراء إنما هو العلم بالبراءة فحيث لا تعلم ~~ولا تظن البراءة وجب الاستبراء. وحيث تعلم أو تظن البراءة فلا استبراء ~~وبهذا قال ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. والأحاديث الواردة في الباب تشير ~~إلى أن العلة الحمل أو تجويزه وقد عرفت أن النص ورد في السبايا وقيس عليه ~~انتقال الملك بالشراء أو غيره. وذهب داود الظاهري إلى أنه لا يجب الاستبراء ~~في غير السبايا لأنه لا يقول بالقياس فوقف على محل النص ولان الشراء ونحوه ~~عنده كالتزويج. # واعلم أن ظاهر أحاديث السبايا جواز وطئهن وإن لم يدخلن في الاسلام فإنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يذكر في حل الوطئ إلا الاستبراء بحيضة أو بوضع الحمل ~~ولو كان الاسلام شرطا لبينه وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة ولا يجوز ~~والذي قضى به إطلاق الأحاديث وعمل الصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جواز الوطئ للمسبية من دون إسلام وقد ذهب إلى هذا طاوس وغيره. # واعلم أن الحديث دل بمفهومه على جواز الاستمتاع قبل الاستبراء بدون ~~الجماع وعليه دل فعل ابن عمر أنه قال: وقعت في سهمي جارية يوم جلولاء كأن ~~عنقها إبريق فضة قال: فما ملكت نفسي أن جعلت أقبلها والناس ينظرون. أخرجه ~~البخاري. # 19 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~الولد للفراش وللعاهر الحجر متفق عليه من حديثه) أي أبي هريرة، قال ابن عبد ~~البر: # إنه جاء عن بضع وعشرين نفسا من الصحابة. والحديث دليل على ثبوت نسب الولد ~~بالفراش من الأب. واختلف العلماء في معنى الفراش فذهب الجمهور إلى أنه اسم ~~للمرأة وقد يعبر به عن حالة الافتراش وذهب أبو حنيفة إلى أنه اسم للزوج. ثم ~~اختلفوا بماذا يثبت فعند الجمهور إنما يثبت للحرة بإمكان الوطئ في نكاح ~~صحيح أو فاسد وهو مذهب الهادوية والشافعي وأحمد. وعند أبي حنيفة أنه يثبت ~~بنفس العقد وإن علم أنه لم يجتمع بها بل ولو طلقها عقيبه في ms0946 المجلس. وذهب ~~ابن تيمية إلى أنه لا بد من معرفة الدخول المحقق واختاره تلميذه ابن القيم ~~قال: وهل يعد أهل اللغة وأهل العرف المرأة فراشا قبل البناء بها وكيف تأتي ~~PageV03P210 # الشريعة بإلحاق نسب من لم يبن بامرأته ولا دخل بها ولا اجتمع بها لمجرد ~~إمكان ذلك وهذا الامكان قد يقطع بانتفائه عادة فلا تصير المرأة فراشا إلا ~~بدخول محقق. قال في المنار: هذا هو المتيقن ومن أين لنا الحكم بالدخول ~~بمجرد الامكان فإن غايته أنه مشكوك فيه ونحن متعبدون في جميع الأحكام بعلم ~~أو ظن والممكن أعم من المظنون. والعجب من تطبيق الجمهور بالحكم مع الشك ~~فظهر لك قوة كلام ابن تيمية وهو رواية عن أحمد. هذا في ثبوت فراش الحرة ~~وأما ثبوت فراش الأمة فظاهر الحديث شموله له وأن يثبت الفراش للأمة بالوطئ ~~إذا كانت مملوكة للوطئ أو في شبهة ملك إذا اعترف السيد أو ثبت بوجه. ~~والحديث وارد في الأمة ولفظه في رواية عائشة قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص ~~وعبد بن زمعة في غلام فقال سعد: يا رسول الله هذا ابن أخي عتبة بن أبي وقاص ~~عهد إلي أنه ابنه انظر إلى شبهه. وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله ~~ولد على فراش أبي من وليدته فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شبهه ~~فرأى شبها بينا بعتبة فقال: هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر ~~الحجر واحتجبي منه يا سودة. فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم الولد لفراش ~~زمعة للوليدة المذكورة فسبب الحكم ومحله إنما كان في الأمة، وهذا قول ~~الجمهور وإليه ذهب الشافعي ومالك والنخعي وأحمد وإسحاق. وذهبت الهادوية ~~والحنفية إلى أنه لا يثبت الفراش للأمة إلا بدعوى الولد ولا يكفي الاقرار ~~بالوطئ فإن لم يدعه فلا نسب له وكان ملكا لمالك الأمة. وإذا ثبت فراشها ~~بدعوى أول ولد منها فما ولدته بعد ذلك لحق بالسيد وإن لم يدع المالك ذلك. ~~قالوا: وذلك للفرق بين الحرة والأمة فإن الحرة تراد ms0947 للاستفراش والوطئ بخلاف ~~ملك اليمين فإن ذلك تابع وأغلب المنافع غيره. وأجيب بأن الكلام في الأمة ~~التي اتخذت للوطئ فإن الغرض من الاستفراش قد حصل بها فإذا عرف الوطئ كانت ~~فراشا ولا يحتاج إلى استلحاق. والحديث دال لذلك فإنه لما قال عبد بن زمعة: ~~ولد على فراش أبي ألحقه النبي صلى الله عليه وسلم بزمعة صاحب الفراش ولم ~~ينظر إلى الشبه البين الذي فيه المخالفة للملحوق به. وتأولت الحنفية ~~والهادوية حديث أبي هريرة بتأويلات كثيرة وزعموا أنه صلى الله عليه وسلم لم ~~يلحق الغلام المتنازع فيه بنسب زمعة واستدلوا بأنه صلى الله عليه وسلم أمر ~~سودة بنت زمعة بالاحتجاب منه وأجيب بأنه أمرها بالاحتجاب منه على سبيل ~~الاحتياط والورع والصيانة لأمهات المؤمنين من بعض المباحات مع الشبهة وذلك ~~لما رآه صلى الله عليه وسلم في الولد من الشبه بعتبة بن أبي وقاص. ~~وللمالكية هنا مسلك آخر فقالوا: # الحديث دل على مشروعية حكم بين حكمين وهو أن يأخذ الفرع شبها من أكثر من ~~أصل فيعطي أحكاما فإن الفراش يقتضي إلحاقه بزمعة والشبه يقتضي إلحاقه بعتبة ~~فأعطى الفرع حكما بين حكمين فروعي الفراش في إثبات النسب وروعي الشبه البين ~~بعتبة في أمر سودة بالاحتجاب. قالوا: وهذا أولى التقديرين فإن الفرع إذا ~~دار بين أصلين PageV03P211 # فألحق بأحدهما فقط فقد أبطل شبهة بالثاني من كل وجه فإذا ألحق بكل واحد ~~منهما من وجه فيكون هذا الحكم وهو إثبات النسب بالنظر إلى ما يجب للمدعي من ~~أحكام البنوة ثابتا وبالنظر إلى ما يجب للمدعى نم أحكام البنوة ثابتا ~~والنظر إلى ما يتعلق بالغير من النظر إلى المحارم غير ثابت. قالوا: ولا ~~يمتنع ثبوت النسب من وجه دون وجه كما ذهب أبو حنيفة والأوزاعي وغيرهم إلى ~~أنه لا يحل أن يتزوج بنته من الزنا وإن كان لها حكم الأجنبية. وقد اعترض ~~هذا ابن دقيق العيد بما ليس بناهض. وفي الحديث دليل على أن لغير الأب أن ~~يستلحق الولد فإن عبد بن زمعة استلحق أخاه بإقراره بأن ms0948 الفراش لأبيه وظاهر ~~الرواية أن ذلك يصح وإن لم يصدقه الورثة فإن سودة لم يذكر منها تصديق ولا ~~إنكار إلا أن يقال إن سكوتها قائم مقام الاقرار. وفي المسألة قولان: الأول: ~~أنه إذا كان المستلحق غير الأب ولا وارث غيره وذلك كأن يستلحق الجد ولا ~~وارث سواه صح إقراره وثبت نسب المقر به. وكذلك إن كان المستلحق بعض الورثة ~~وصدقه الباقون والأصل في ذلك أن من حاز المال ثبت النسب بإقراره واحدا كان ~~أو جماعة وهذا مذهب أحمد والشافعي لان الورثة قاموا مقام الميت وحلوا محله. ~~الثاني: للهادوية أنه لا يصح الاستلحاق من غير الأب وإنما المقر به يشارك ~~المقر في الإرث دون النسب ولكن قوله (ص) لعبد بن زمعة هو أخوك كما أخرجه ~~البخاري دليل ثبوت النسب في ذلك. ثم اختلف القائلون بلحوق النسب بإقرار غير ~~الأب: هل هو إقرار خلافة ونيابة عن الميت فلا يشترط عدالة المستلحق بل ولا ~~إسلامه؟ أو هو إقرار شهادة؟ # فتعتبر فيه أهلية الشهادة؟ فقالت الشافعية وأحمد: إنه إقرار خلافة ~~ونيابة. وقال المالكية: # إنه إقرار شهادة. واستدل الهادوية والحنفية بالحديث على عدم ثبوت النسب ~~بالقيافة لقوله الولد للفراش قالوا: ومثل هذا التركيب يفيد الحصر ولأنه لو ~~ثبت بالقيافة لكانت قد حصلت بما رآه من شبه المدعى بعتبة ولم يحكم به له بل ~~حكم به لغيره. وذهب الشافعي وغيره إلى ثبوته بالقيافة إلا أنه إنما يثبت ~~بها فيما حصل من وطأين محرمين كالمشتري والبائع يطآن الجارية في طهر قبل ~~استبراء. واستدلوا بما أخرجه الشيخان من استبشاره (ص) بقول مجزز المدلجي ~~وقد رأى قدمي أسامة بن زيد وزيد: إن هذه الاقدام بعضها من بعض فاستبشر صلى ~~الله عليه وسلم بقوله وقرره على قيافته وسيأتي الكلام فيه في آخر باب ~~الدعاوي وبما ثبت من قوله صلى الله عليه وسلم في قصة اللعان: إن جاءت به ~~على صفة كذا فهو لفلان أو على صفة كذا فهو لفلان. فإنه دليل الالحاق ~~بالقيافة ولكن منعته الايمان عن الالحاق فدل على ms0949 أن القيافة مقتض لكنه عارض ~~العمل بها المانع وبأنه صلى الله عليه وسلم " قال لام سليم لما قالت: أو ~~تحتلم المرأة -: فمن أين يكون الشبه؟. ولأنه أمر سودة بالاحتجاب كما سلف ~~لما رأى من الشبه وبأنه قال للذي ذكر له أن امرأته أتت بولد على غير لونه: ~~لعله نزعه عرق فإنه ملاحظة للشبه. ولكنه لا حكم للقيافة مع ثبوت الفراش في ~~ثبوت النسب. وقد أجاب النفاة للقيافة بأجوبة لا تخلو عن تكلف والحكم الشرعي ~~يثبته الدليل الظاهر والتكلف لرد الظواهر من الأدلة محاماة عن المذهب ليس ~~من شأن المتبع لما جاء عن الله ورسوله PageV03P212 # (ص). وأما الحصر في حديث الولد للفراش فنعم هو لا يكون الولد إلا للفراش ~~مع ثبوته والكلام مع انتفائه ولأنه قد يكون حصرا أغلبيا وهو غالب ما يأتي ~~من الحصر فإن الحصر الحقيقي قليل فلا يقال: قد رجعتم إلى ما ذممتم من ~~التأويل. وأما قوله: وللعاهر أي الزاني الحجر فالمراد له الخيبة والحرمان ~~وقيل له: الرمي بالحجارة إلا أنه لا يخفى أنه يقصر الحديث على الزاني ~~المحصن والحديث عام. # باب الرضاع بكسر الراء وفتحها ومثله الرضاعة. # 1 - (عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله (ص): لا تحرم المصة ~~والمصتان أخرجه مسلم). المصة الواحدة من المص وهو أخذ اليسير من الشئ كما ~~في الضياء وفي القاموس مصصته بالكسر أمصه ومصصته أمصه كخصصته أخصه شربته ~~شربا رفيقا. والحديث دل على أن مص الصبي للثدي مرة أو مرتين لا يصير به ~~رضيعا وفي المسألة أقوال: الأول: أن الثلاث فصاعدا تحرم وإلى هذا ذهب داود ~~وأتباعه وجماعة من العلماء لمفهوم حديث مسلم هذا وحديث الآخر بلفظ: لا تحرم ~~الاملاجة والاملاجتان " فأفاد بمفهومه تحريم ما فوق الاثنتين. القول ~~الثاني: لجماعة من السلف والخلف وهو أن قليل الرضاع وكثيره يحرم وهذا يروى ~~عن علي وابن عباس وآخرين من السلف وهو مذهب الهادوية والحنفية ومالك. ~~قالوا: وحده ما وصل الجوف بنفسه وقد ادعى الاجماع على أنه يحرم من الرضاع ~~ما يفطر ms0950 الصائم واستدلوا بأنه تعالى علق التحريم باسم الرضاع فحيث وجد اسمه ~~وجد حكمه وورد الحديث موافقا للآية فقال صلى الله عليه وسلم: يحرم من ~~الرضاع ما يحرم من النسب. ولحديث عقبة الآتي وقوله (ص): كيف وقد زعمت أنها ~~أرضعتكما ولم يستفصل عن عدد الرضعات. فهذه أدلتهم ولكنها اضطربت أقوالهم في ~~ضبط الرضعة وحقيقتها اضطرابا كثيرا ولم يرجع إلى دليل. ويجاب عما ذكروه من ~~التعليق باسم الرضاع أنه مجمل بينه الشارع بالعدد وضبطه به وبعد البيان لا ~~يقال إنه ترك الاستفصال. # القول الثالث: أنها لا تحرم إلا خمس رضعات وهو قول ابن مسعود وابن الزبير ~~والشافعي ورواية عن أحمد. واستدلوا بما يأتي من حديث عائشة وهو نص في الخمس ~~وبأن سهلة بنت سهيل أرضعت سالما خمس رضعات ويأتي أيضا. وهذا إن عارضه مفهوم ~~حديث المصة والمصتان فإن الحكم في هذا منطوق وهو أقوى من المفهوم فهو مقدم ~~عليه. وعائشة وإن روت أن ذلك كان قرآنا فإن له حكم خبر الآحاد في العمل به ~~كما عرف في الأصول وقد عضده حديث سهل فإن فيه أنها أرضعت سالما خمس رضعات ~~لتحرم عليه وإن كان فعل صحابية فإنه دال أنه قد كان متقررا عندهم أنه لا ~~يحرم إلا الخمس الرضعات ويأتي تحقيقه. وأما حقيقة الرضعة فهي المرة من ~~الرضاع كالضربة من الضرب والجلسة من الجلوس فمتى التقم الصبي الثدي وامتص ~~منه ثم ترك ذلك باختياره من غير عارض كان ذلك رضعة والقطع لعارض كنفس ~~PageV03P213 # أو استراحة يسيرة أو لشئ يلهيه ثم يعود من قريب لا يخرجها عن كونها رضعة ~~واحدة كما أن الآكل إذا قطع أكله بذلك ثم عاد عن قريب كان ذلك أكلة واحدة. ~~وهذا مذهب الشافعي في تحقيق الرضعة الواحدة وهو موافق للغة فإذا حصلت خمس ~~رضعات على هذه الصفة حرمت. # 2 - (وعنها) أي عائشة (قالت: قال رسول الله (ص): انظرن من إخوانكن، فإنما ~~الرضاعة من المجاعة متفق عليه). في الحديث قصة وهو أنه صلى الله عليه وسلم ~~دخل على عائشة وعندها ms0951 رجل فكأنه تغير وجهه كأنه كره ذلك فقالت: إنه أخي ~~فقال: انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة. قال المصنف: # لم أقف على اسمه وأظنه ابنا لأبي القعيس. وقوله: انظرن أمر بالتحقق في ~~أمر الرضاعة هل هو رضاع صحيح بشرطه من وقوعه في زمن الرضاع ومقدار الارضاع ~~فإن الحكم الذي ينشأ من الرضاع إنما يكون إذا وقع الرضاع المشترط. وقال أبو ~~عبيد: معناه أنه الذي إذا جاع كان طعامه الذي يشبعه اللبن من الرضاع لا حيث ~~يكون الغذاء بغير الرضاع وهو تعليل لامعان التحقق في شأن الرضاع وبأن ~~الرضاع الذي تثبت به الحرمة وتحل به الخلوة هو حيث يكون الرضيع طفلا يسد ~~اللبن جوعه لان معدته ضعيفة يكفيها اللبن وينبت بذلك لحمه فيصير جزءا من ~~المرضعة فيشترك في الحرمة مع أولادها. فمعناه لا رضاعة معتبرة إلا المغنية ~~عن المجاعة أو المطعمة من المجاعة فهو في معنى حديث ابن مسعود الآتي: لا ~~رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم وحديث أم سلمة: لا يحرم من الرضاع إلا ~~ما فتق الأمعاء أخرجه الترمذي وصححه. واستدل به على أن التغذي بلبن المرضعة ~~محرم سواء كان شرابا أو وجورا أو سعوطا أو حقنة حيث كان يسد جوع الصبي وهو ~~قول الجمهور. وقالت الهادوية والحنفية لا تحرم الحقنة وكأنهم يقولون أنها ~~لا تدخل تحت اسم الرضاع. قلت: إذا لوحظ المعنى من الرضاع دخل كل ما ذكروا. ~~وإن لوحظ مسمى الرضاع فلا يشمل إلا التقام الثدي ومص اللبن منه كما تقوله ~~الظاهرية فإنهم قالوا: لا يحرم إلا ذلك ولما حصر في الحديث الرضاعة على ما ~~كان من المجاعة كما قد عرفت وقد ورد. # 3 - (وعنها) أي عائشة (قالت: جاءت سهلة بنت سهيل فقالت: يا رسول الله إن ~~سالما مولى أبي حذيفة معنا في بيتنا وقد بلغ ما يبلغ الرجال؟ فقال: أرضعيه ~~تحرمي عليه رواه مسلم). وفي سنن أبي داود: فأرضعيه خمسة رضعات فكان بمنزلة ~~ولدها من الرضاعة معارضا لذلك. وكأنه ذكره المصنف كالمشير إلى أنه قد ms0952 خصص ~~هذا الحكم بحديث سهلة فإنه دال على أن رضاع الكبير يحرم مع أنه ليس داخلا ~~تحت الرضاعة من المجاعة. # وبيان القصة أن أبا حذيفة كان قد تبنى سالما وزوجه وكان سالم مولى لامرأة ~~من الأنصار فلما أنزل الله * (ادعوهم لآبائهم) * كان من له أب معروف نسب ~~إلى أبيه ومن لا أب له معروف كان مولى وأخا في الدين، فعند ذلك جاءت سهلة ~~تذكر ما نصه الحديث في الكتاب PageV03P214 # وقد اختلف السلف في هذا الحكم فذهبت عائشة رضي الله عنها إلى ثبوت حكم ~~التحريم وإن كان الراضع بالغا عاقلا. قال عروة: إن عائشة أم المؤمنين أخذت ~~بهذا الحديث فكانت تأمر أختها أم كلثوم وبنات أخيها يرضعن من أحبت أن يدخل ~~عليها من الرجال. # رواه مالك. ويروى عن علي وعروة وهو قول الليث بن سعد وأبي محمد بن حزم ~~ونسبه في البحر إلى عائشة وداود الظاهري وحجتهم حديث سهلة هذا وهو حديث ~~صحيح لا شك في صحته ويدل له أيضا قوله تعالى: * (وأمهاتكم اللائي أرضعنكم ~~وأخواتكم من الرضاعة) * فإنه مطلق غير مقيد بوقت. وذهب الجمهور من الصحابة ~~والتابعين والفقهاء إلى أنه لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الصغر. وإنما ~~اختلفوا في تحديد الصغر فالجمهور قالوا: مهما كان في الحولين فإن رضاعه ~~يحرم ولا يحرم ما كان بعدهما مستدلين بقوله تعالى: * (حولين كاملين لمن ~~أراد أن يتم الرضاعة) *. وقال جماعة: الرضاع المحرم ما كان قبل الفطام ولم ~~يقدروه بزمان وقال الأوزاعي: إن فطم وله عام واحد واستمر فطامه ثم رضع في ~~الحولين لم يحرم هذا الرضاع شيئا وإن تمادى رضاعه ولم يفطم فيما يرضع وهو ~~في الحولين حرم وما كان بعدهما لا يحرم وإن تمادى إرضاعه. وفي المسألة ~~أقوال أخر عارية عن الاستدلال فلا نطيل بها المقال. واستدل الجمهور بحديث: ~~إنما الرضاعة من المجاعة وتقدم، فإنه لا يصدق ذلك إلا على من يشبعه اللبن ~~ويكون غذاءه لا غيره، فلا يدخل الكبير سيما وقد ورد بصيغة الحصر. وأجابوا ~~عن حديث سالم ms0953 بأنه خاص بقصة سهلة فلا يتعدى حكمه إلى غيرها كما يدل له قوله ~~أم سلمة أم المؤمنين لعائشة رضي الله عنهما: لا نرى هذا إلا خاصا بسالم ولا ~~ندري لعله رخصة لسالم أو أنه منسوخ. # وأجاب القائلون بتحريم رضاع الكبير بأن الآية وحديث: إنما الرضاعة من ~~المجاعة واردان لبيان الرضاعة الموجبة للنفقة للمرضعة والتي يجبر عليها ~~الأبوان رضيا أم كرها كما يرشد إليه آخر الآية وهو قوله تعالى: * (وعلى ~~المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) * وعائشة هي الراوية لحديث: الرضاعة من ~~المجاعة وهي التي قالت برضاع الكبير وأنه يحرم فدل على أنها فهمت ما ذكرناه ~~في معنى الآية والحديث. وأما قول أم سلمة إنه خاص بسالم فذلك تظنن منها وقد ~~أجابت عليها عائشة فقالت: أما لك في رسول الله أسوة حسنة؟ فسكتت أم سلمة ~~ولو كان خاصا لبينه صلى الله عليه وسلم كما بين اختصاص أبي بردة بالتضحية ~~بالجذعة من المعز والقول بالنسخ يدفعه أن قصة سهل متأخرة عن نزول آية ~~الحولين فإنها قالت سهلة لرسول الله (ص): كيف أرضعه وهو رجل كبير فإن هذا ~~السؤال منها استنكار لرضاع الكبير دال على أن التحليل بعد اعتقاد التحريم. ~~قلت: ولا يخفى أن الرضاعة لغة إنما تصدق على من كان في سن الصغر وعلى اللغة ~~وردت آية الحولين وحديث إنما الرضاعة من المجاعة والقول بأن الآية لبيان ~~الرضاعة الموجبة للنفقة لا ينافي أيضا أنها لبيان زمان الرضاعة بل جعله ~~الله تعالى زمان من أراد تمام الرضاعة وليس بعد التمام ما يدخل في حكم ما ~~حكم الشارع بأنه قد تم. والأحسن في الجمع بين حديث سهلة وما عارضه: كلام ~~ابن تيمية فإنه قال إنه يعتبر الصغر في الرضاعة إلا إذا دعت إليه الحاجة ~~كرضاع الكبير الذي لا يستغنى عن PageV03P215 # دخوله على المرأة وشق احتجابها عنه كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة فمثل ~~هذا الكبير الذي أرضعته للحاجة أثر رضاعه وأما من عداه فلا بد من الصغر ~~اه‍. فإنه جمع بين الأحاديث حسن وإعمالها من ms0954 غير مخالفة لظاهرها باختصاص ~~ونسخ ولا إلغاء لما اعتبرته اللغة ودلت له الأحاديث. # 4 - (وعنها) أي عن عائشة رضي الله عنها (أن أفلح) بفتح الهمزة ففاء آخره ~~حاء مهملة مولى لرسول الله (ص) وقيل مولى لام سلمة (أخا أبي القعيس) بقاف ~~مضمومة وعين وسين مهملتين بينهما مثناة تحتية (جاء يستأذن عليها بعد الحجاب ~~قالت: فأبيت أن آذن له فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته بالذي ~~صنعت فأمرني أن آذن له على، وقال: إنه عمك متفق عليه) اسم أبي القعيس وائل ~~بن أفلح الأشعري وقيل اسمه الجعد فعلى الأول يكون أخوه وافق اسمه اسم أبيه. ~~قال ابن عبد البر: لا أعلم لأبي القعيس ذكرا إلا في هذا الحديث. والحديث ~~دليل على ثبوت حكم الرضاع في حق زوج المرضعة وأقاربه كالمرضعة وذلك لان سبب ~~اللبن هو ماء الرجل والمرأة معا فوجب أن يكون الرضاع منهما. كالجد لما كان ~~سبب ولد الولد أوجب تحريم ولد الولد به لتعلقه بولده. لذلك قال ابن عباس في ~~هذا الحكم: اللقاح واحد. أخرجه عنه ابن أبي شيبة فإن الوطئ يدر اللبن ~~فللرجل منه نصيب. وإلى هذا ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين وأهل المذاهب. # والحديث دليل واضح لمن ذهبوا إليه وفي رواية أبي داود زيادة تصريح حيث ~~قالت: دخل علي أفلح فاستترت منه فقال: أتستترين مني وأنا عمك؟ قلت: من أين؟ ~~قال: أرضعتك امرأة أخي قلت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل الحديث. ~~وخالف في ذلك ابن عمرو ابن الزبير و رافع بن خديج وعائشة وجماعة من ~~التابعين وابن المنذر وداود وأتباعه، فقالوا: لا يثبت حكم الرضاع للرجل لان ~~الرضاع إنما هو للمرأة التي اللبن منها. قالوا ويدل عليه قوله تعالى: * ~~(وأمهاتكم اللائي أرضعنكم) * (النساء: 23) وأجيب بأن الآية ليس فيها ما ~~يعارض الحديث فإذ ذكر الأمهات لا يدل على أن ما عداهن ليس كذلك ثم إن دل ~~بمفهومه فهو مفهوم لقب مطرح كما عرف في الأصول وقد استدلوا بفتوى جماعة من ~~الصحابة بهذا المذهب ولا ms0955 يخفى أنه لا حجة في ذلك وقد أطال بعض المتأخرين ~~البحث في المسألة وسبقه ابن القيم في الهدي واستحسنه ابن تيمية والواضح ما ~~ذهب إليه الجمهور. # 5 - (وعنها) أي عائشة رضي الله عنها (قالت: كان فيما أنزل من القرآن عشر ~~رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن. رواه مسلم). يقرأ بضم حرف المضارعة، تريد أن ~~النسخ يخمس رضاعات تأخر إنزاله جدا حتى إنه توفي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وبعض الناس يقرأ خمس رضعات ويجعلها قرآنا متلوا لكونه لم يبلغه النسخ ~~لقرب عهده فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك وأجمعوا على أنه لا يتلى. ~~وهذا من نسخ التلاوة دون الحكم وهو أحد أنواع النسخ فإنه ثلاثة أقسام: نسخ ~~التلاوة والحكم مثل عشر رضعات يحرمن. والثاني: نسخ التلاوة دون الحكم ~~PageV03P216 # كخمس رضعات، وكالشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما. والثالث: نسخ الحكم دون ~~التلاوة وهو كثير نحو قوله تعالى: * (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا) * ~~وقد تقدم تحقيق القول في حكم هذا الحديث وأن العمل على ما أفاده هو أرجح ~~الأقوال. والقول بأن حديث عائشة هذا ليس بقرآن لأنه لا يثبت بخبر الآحاد ~~ولا هو حديث لأنها لم تروه حديثا، مردود بأنها وإن لم تثبت قرآنيته ويجري ~~عليه حكم ألفاظ القرآن فقد روته عن النبي صلى الله عليه وسلم فله حكم ~~الحديث في العمل به. وقد عمل بمثل ذلك العلماء فعمل به الشافعي وأحمد في ~~هذا الموضع. وعمل به الهادوية والحنفية في قراءة ابن مسعود في صيام الكفارة ~~ثلاثة أيام متتابعات وعمل مالك في فرض الأخ من الأم بقراءة أبي: وله أخ ~~وأخت من أم، والناس كلهم احتجوا بهذه القراءة. والعمل بحديث الباب هذا لا ~~عذر عنه ولذا اخترنا العمل به فيما سلف. # 6 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أريد) بضم ~~الهمزة مبني للمجهول (على ابنة حمزة) أي قيل له: لو تزوجتها ms0956 (فقال: إنها لا ~~تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب متفق ~~عليه). اختلف في اسم ابنة حمزة على سبعة أقوال ليس فيها ما يجزم به وإنما ~~كانت ابنة أخيه صلى الله عليه وسلم لأنه رضع من ثويبة أمة أبي لهب وقد كانت ~~أرضعت عمه حمزة. وأحكام الرضاع هي حرمة التناكح وجواز النظر والخلوة ~~والمسافرة. لا غير ذلك من التوارث ووجوب الانفاق والعتق بالملك وغيره من ~~أحكام النسب. وقوله صلى الله عليه وسلم: ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ~~يراد به تشبيهه به في التحريم. ثم التحريم ونحوه بالنظر إلى المرجع فإن ~~أقاربه أقارب للرضيع وأما أقارب الرضيع ما عدا أولاده فلا علاقة بينهم وبين ~~المرضع فلا يثبت لهم شئ من الاحكام 7 - (وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : # لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق) بالفاء فمثناة فوقية فقاف (الأمعاء) جمع ~~المعاء بكسر الميم وفتحها (وكان قبل الفطام رواه الترمذي وصححه هو ~~والحاكم). والمراد ما سلك فيها من الفتق بمعنى الشق والمراد ما وصل إليه ~~فلا يحرم القليل الذي لا ينفذ إليها ويحتمل أن المراد ما وصلها وغذاها ~~واكتفت به عن غيره فيكون دليلا على عدم تحريم رضاع الكبير. # ويدل على أن المراد هذا قوله في الحديث: وكان قبل الفطام فإنه يراد به ~~قبل الحولين كما ورد في هذا الحديث الآخر: إن ابني إبراهيم مات في الثدي ~~وإن له مرضعا في الجنة وتقدم الكلام في الامرين ويدل لهذا الأخير قوله: # 8 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا رضاع إلا في الحولين رواه ~~الدارقطني وابن عدي مرفوعا وموقوفا ورجحا الموقوف). لأنه تفرد برفعه الهيثم ~~بن جميل عن ابن عيينة، قاله الدارقطني وقال: وكان ثقة حافظا ورواه سعيد بن ~~منصور عن ابن عيينة فوقفه. قلت: وهذا ليس بعلة كما قررناه مرارا وقال ابن ~~عدي: إن الهيثم كان يغلط وقال البيهقي: الصحيح إنه موقوف، وروى ms0957 البيهقي ~~التحديد بالحولين عن عمر وابن مسعود PageV03P217 # والحديث دال على اعتبار الحولين وأنه لا يسمى الرضاع رضاعا إلا في ~~الحولين وقد تقدم أنه الذي دلت عليه الآية والقول بأنها إنما دلت على حكم ~~الواجب من النفقة ونحوها لا على مدة الرضاع تقدم دفعه ويدل لهذا الحكم ~~قوله: # 9 - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # لا رضاع إلا ما أنشز) بشين معجمة فزاي أي شد وقوي (العظم وأنبت اللحم. # أخرجه أبو داود). فإن ذلك إنما يكون هو في سن الحولين ينمو باللبن ويقوى ~~به عظمه وينبت عليه لحمه. # 10 - (وعن عقبة بن الحارث) هو أبو سروعة عقبة بن الحارث بن عمار القريشي ~~النوفلي أسلم يوم الفتح يعد في أهل مكة (أنه تزوج أم يحيي بنت أبي إهاب) ~~بكسر الهمزة (فجاءت امرأة) قال المصنف: لم أعرف اسمها: (فقالت: قد أرضعتكما ~~فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: فقال كيف وقد قيل؟ ففارقها عقبة فنكحت زوجا ~~غيره. أخرجه البخاري) الحديث دليل على أنه شهادة المرضعة وحدها تقبل، وبوب ~~على ذلك البخاري وإليه ذهب ابن عباس وجماعة من السلف وأحمد بن حنبل. وقال ~~أبو عبيد: يجب على الرجل المفارقة ولا يجب على الحاكم الحكم بذلك. وقال ~~مالك: إنه لا يقبل في الرضاع إلا امرأتان وذهب الهادوية والحنفية إلى أن ~~الرضاع كغيره لا بد من شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ولا تكفي شهادة المرضعة ~~لأنها تقرر فعلها. وقال الشافعي: تقبل شهادة المرضعة مع ثلاث نسوة بشرط أن ~~لا تعرض بطلب أجرة. قالوا: وهذا الحديث محمول على الاستحباب والتحرز عن ~~مظان الاشتباه. وأجيب بأن هذا خلاف الظاهر سيما وقد تكرر سؤاله للنبي صلى ~~الله عليه وسلم أربع مرات وأجابه بقوله: كيف وقد قيل وفي بعض ألفاظه: دعها ~~وفي رواية الدارقطني لا خير لك فيها ولو كان من باب الاحتياط لامره بالطلاق ~~مع أنه في جميع الروايات لم يذكر الطلاق فيكون هذا الحكم مخصوصا من عموم ~~الشهادة المعتبر فيها العدد وقد اعتبرتم ذلك ms0958 في عورات النساء فقلتم: يكتفى ~~بشهادة امرأة واحدة والعلة عندهم فيه أنه قلما يطلع الرجال على ذلك ~~فالضرورة داعية إلى اعتباره، فكذا هنا. # 11 - (وعن زياد السهمي قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسترضع ~~الحمقاء) خفيفة العقل (أخرجه أبو داود وهو مرسل وليس لزياد صحبة) ووجه ~~النهي أن للرضاع تأثيرا في الطباع فيختار من لا حماقة فيها ونحوها. # باب النفقات جمع نفقة والمراد بها الشئ الذي يبذله الانسان فيما يحتاجه ~~هو أو غيره من الطعام والشراب وغيرهما. # 1 - (عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت هند بنت عتبة) بن ربيعة بن عبد ~~شمس بن عبد مناف أسلمت عام الفتح في مكة بعد إسلام زوجها قتل أبوها وأخوها ~~الوليد PageV03P218 # ابن عتبة يوم بدر فشق عليها ذلك فلما قتل حمزة فرحت بذلك وعمدت إلى بطنه ~~فشقته وأخذت كبده فلاكتها ثم لفظتها توفيت في المحرم سنة أربع عشرة وقيل ~~غير ذلك (امرأة أبي سفيان) أبو سفيان بن حرب اسمه صخر بن حرب بن أمية بن ~~عبد شمس من رؤساء قريش أسلم عام الفتح قبل إسلام زوجته حين أخذته جند النبي ~~(ص في يوم الفتح. وأجاره العباس ثم غدا به إلى رسول الله (ص) فأسلم وكانت ~~وفاته في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين (على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح) الشح البخل مع حرص فهو ~~أخص من البخل والبخل يختص بمنع المال والشح بكل شئ (لا يعطيني من النفقة ما ~~يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه فهل علي في ذلك من جناح؟ ~~فقال: خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك متفق عليه). الحديث فيه ~~دليل على جواز ذكر الانسان بما يكره إذا كان على وجه الاشتكاء والفتيا وهذا ~~أحد المواضع التي أجازوا فيها الغيبة. ودل على وجوب نفقة الزوجة والأولاد ~~على الزوج وظاهره وإن كان الولد كبيرا لعموم اللفظ وعدم الاستفصال فإن أتى ~~ما يخصصه من حديث ms0959 آخر وإلا فالعموم قاض بذلك. وفيه دليل على أن الواجب ~~الكفاية من غير تقدير للنفقة وإلى هذا ذهب جماهير العلماء منهم الهادي ~~والشافعي وعليه دل قوله تعالى: * (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) ~~*. وفي قول للشافعي إنها مقدرة بالامداد فعلى الموسر كل يوم مدان والمتوسط ~~مد ونصف والمعسر مد. وعن الهادي كل يوم مدان وفي كل شهر درهمان. وعن أبي ~~يعلى الواجب من الخبز رطلان كل يوم في حق المعسر والموسر وإنما يختلفان في ~~صفته وجودته لان المسر والمعسر مستويان في قدر المأكول، وإنما يختلفان في ~~الجودة وغيرها. قال النووي وهذا الحديث حجة على من اعتبر التقدير. قال ~~المصنف تعقبا له: ليس صريحا في الرد عليه ولكن التقدير بما ذكر محتاج إلى ~~دليل فإن ثبت حملت الكفاية في ذلك الحديث على ذلك المقدار. وفي قولها: إلا ~~ما أخذت من ماله دليل على أن للأم ولاية في الانفاق على أولادها مع تمرد ~~الأب. وعلى أن من تعذر عليه استيفاء ما يجب له أن يأخذه لأنه صلى الله عليه ~~وسلم سلم أقرها على الاخذ في ذلك ولم يذكر لها أنه حرام وقد سألته هل عليها ~~جناح؟ # فأجاب بالإباحة في المستقبل وأقرها على الاخذ في الماضي. وقد ورد في بعض ~~ألفاظه ف ي البخاري: لا حرج عليك أن تطعميهم بالمعروف. وقوله: خذي ما يكفيك ~~وولدك يحتمل أنه فتيا منه صلى الله عليه وسلم ويحتمل أنه حكم وفيه دليل على ~~الحكم على الغائب من دون نصب وكيل عنه وعليه بوب البخاري باب القضاء على ~~الغائب وذكر هذا الحديث. لكنه قال النووي: شرط القضاء على الغائب أن يكون ~~غائبا عن البلد أو متعززا لا يقدر عليه أو متعذرا ولم يكن أبو سفيان فيه شئ ~~من هذه بل كان حاضرا في البلد، فلا يكون هذل من القضاء على الغائب، إلا أنه ~~قد أخرج الحاكم في تفسير الممتحنة في المستدرك: أنه صلى الله عليه وسلم لما ~~اشترط في البيعة على النساء: ولا يسرقن، قالت هند: لا أبايعك ms0960 على السرقة ~~PageV03P219 # إني أسرق من زوجي، فكف حتى أرسل إلى أبي سفيان يتحلل لها منه فقال: أما ~~الرطب فنعم وأما اليابس فلا وهذا لمذكور يدل على أنه قضى على حاضر إلا إنه ~~خلاف ما بوب له البخاري. والحاصل أن القصة مترددة بين كونه فتيا وبين كونه ~~حكما وكونه فتيا أقرب لأنه لم يطالبها ببينة ولا استحلفها وقد قيل: إنه حكم ~~بعلمه بصدقها فلم يطلب منها بينة ولا يمينا فهو حجة لمن يقول إنه يحكم ~~الحاكم بعلمه. إلا أنه مع الاحتمال لا ينهض دليلا على معين من صور ~~الاحتمال. إنما يتم به الاستدلال على وجوب النفقة على الزوج للزوجة وأولاده ~~وعلى أن لها الاخذ من ماله إن لم يقم بكفايتها. وهو الحكم الذي أراده ~~المصنف من إيراد الحديث هذا هنا في باب النفقات. # 2 - (وعن طارق المحاربي رضي الله عنه) هو طارق بن عبد الله المحاربي بضم ~~الميم وحاء مهملة، روى عنه جامع بن شداد وربعي بكسر الراء وسكون الموحدة ~~وكسر العين المهملة وتشديد المثناة التحتية ابن حراش بكسر الحاء المهملة ~~وتخفيف الراء والشين المعجمة (قال: قدمنا المدينة فإذا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قائم على المنبر يخطب الناس ويقول: يد المعطي العليا، وابدأ بمن ~~تعول أمك وأباك، وأختك وأخاك ثم أدناك فأدناك رواه النسائي وصححه ابن حبان ~~والدارقطني). الحديث كالتفسير لحديث اليد العليا خير من اليد السفلى. وفسر ~~في النهاية: بالمعطية أو المنفقة واليد السفلى بالمانعة أو السائلة. وقوله ~~ابدأ بمن تعول دليل على وجوب الانفاق على القريب وقد فصله بذكر الأم قبل ~~الأب إلى آخر ما ذكره. فدل هذا الترتيب على أن الأم أحق من الأب بالبر. قال ~~القاضي عياض وهو مذهب الجمهور ويدل له ما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ~~فذكر الأم ثلاث مرات ثم ذكر الأب معطوفا بثم فمن لا يجد إلا كفاية لاحد ~~أبويه خص بها الأم للأحاديث هذه. وقد نبه القرآن على زيادة حق الأم في ~~قوله: * (ووصينا الانسان بوالديه إحسانا حملته أمه ms0961 كرها ووضعته كرها - وفي ~~قوله: وأختك وأخاك ثم أدناك إلى آخره دليل على وجوب الانفاق للقريب فإنه ~~تفصيل لقوله: وابدأ بمن تعول فجعل الأخ من عياله. وإلى هذا ذهب عمر وابن ~~أبي ليلى وأحمد والهادي ولكنه اشترط في البحر أن يكون القريب وارثا مستدلا ~~بقوله تعالى: * (وعلى الوارث مثل ذلك) *. واللام للجنس، وعند الشافعي أن ~~النفقة تجب لفقير غير مكتسب زمنا أو صغيرا أو مجنونا لعجزه عن كفاية نفسه. ~~قالوا: فإن لم يكن فيه إحدى هذه الصفات الثلاث. فأقوال أحسنها: تجب لأنه ~~يقبح أن يكلف التكسب مع اتساع مال قريبه. والثاني: المنع للقدرة على الكسب ~~فإنه نازل منزلة المال. الثالث: أنه يجب نفقة الأصل على الفرع دون العكس ~~لأنه ليس من المصاحبة بالمعروف أن يكلف أصله التكسب مع علو السن. وعند ~~الحنفية يلزم التكسب لقريب محرم فقير عاجز عن الكسب بقدر الإرث هكذا في كتب ~~الفريقين. وفي البحر نقل عنهم ما يخالف هذا. وهذه أقوال لم يسفر فيها وجه ~~الاستدلال وفي قوله تعالى: * (وآتي ذا القربى حقه) * ما يشعر بأن للقريب ~~حقا على قريبه والحقوق متفاوتة فمع حاجته للنفقة تجب ومع عدمها فحقه ~~الاحسان بغيرها من البر والاكرام PageV03P220 # والحديث كالمبين لذوي القربى ودرجاتهم فيجب الانفاق للمعسر على الترتيب ~~في الحديث ولم يذكر فيه الولد والزوجة لأنهما قد علما من دليل آخر وهو ~~الحديث الأول والتقييد بكونه وارثا محل توقف. # واعلم أن للعلماء خلافا في سقوط نفقة الماضي فقيل: تسقط للزوجة والأقارب، ~~وقيل لا تسقط. وقيل: تسقط نفقة القريب دون الزوجة. وعللوا هذا التفصيل بأن ~~نفقة القريب إنما شرعت للمواساة لا لأجل إحياء النفس وهذا قد انتفى بالنظر ~~إلى الماضي وأما نفقة الزوجة فهي واجبة لأجل المواساة ولذا تجب مع غنى ~~الزوجة ولاجماع الصحابة على عدم سقوطها. فإن تم الاجماع فلا التفات إلى ~~خلاف من خالف بعده وقد قال صلى الله عليه وسلم: ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف. فمهما كانت الزوجة مطيعة فهذا الحق الذي لها ثابت. وأخرج الشافعي ~~بإسناد جيد ms0962 عن عمر رضي الله عنه: أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا ~~عن نسائهم فأمرهم أن يأمروهم بأن ينفقوا أو يطلقوا فإن طلقوا بعثوا بنفقة ~~ما حبسوا وصححه الحافظ أبو حاتم الرازي. ذكره ابن كثير في الارشاد. # 3 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # للمملوك) والمملوكة على السيد (طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما ~~يطيق رواه مسلم). الحديث دليل على ما هو مجمع عليه من وجوب نفقه المملوك ~~وكسوته وظاهره مطلق الطعام والكسوة فلا يجبان من عين ما يأكله السيد ~~ويلبسه. وحديث مسلم بالأمر بإطعامهم مما يطعم وكسوتهم مما يلبس محمول على ~~الندب ولولا ما قيل من الاجماع على هذا لاحتمل أن هذا يقيد مطلق حديث ~~الكتاب ودل على أنه لا يكلفه السيد من الأعمال إلا ما يطيقه وهذا مجمع عليه ~~أيضا. # 4 - (وعن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه) معاوية بن حيدة (قال: قلت: # يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها ~~إذا اكتسيت الحديث، وتقدم في عشرة النساء). بتمامه ونسبه إلى أحمد وأبي ~~داود والنسائي وابن ماجة وأنه علق البخاري بعضه وصححه ابن حبان والحاكم ~~وتقدم الكلام عليه. # 5 - (وعن جابر - في حديث الحج بطوله - قال في ذكر النساء: ولهن عليكم ~~رزقهن وكسوتهن بالمعروف أخرجه مسلم). وهو دليل على وجوب النفقة والكسوة ~~للزوجة كما دلت له الآية وهو مجمع عليه وقد تقدم تحقيقه. وقوله: بالمعروف ~~إعلام بأنه لا يجب إلا ما تعورف من إنفاق كل على قدر حاله كما قال تعالى: * ~~(لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف ~~الله نفسا إلا ما آتاها - ثم الواجب لها طعام مصنوع لأنه الذي يصدق عليه ~~أنه نفقة ولا تجب القيمة إلا برضا من يجب عليه الانفاق وقد طول ذلك ابن ~~القيم في الهدي النبوي واختاره وهو الحق، فإنه قال ما لفظه: وأما فرض ~~PageV03P221 # الدراهم فلا أصل له في كتاب ms0963 الله تعالى ولا سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولا عن أحد من الصحابة البتة ولا التابعين ولا تابعيهم ولا نص عليه ~~أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم من أئمة الاسلام. والله تعالى أوجب نفقة ~~الأقارب والزوجات والرقيق بالمعروف وليس من المعروف فرض الدراهم بل المعروف ~~الذي نص عليه الشرع أن يكسوهم مما يلبس ويطعمهم مما يأكل. وليست الدراهم من ~~الواجب ولا عوضه ولا يصحح الاعتياض عما لم يستقر ولم يملك فإن نفقة الأقارب ~~والزوجات إنما تجب يوما فيوما ولو كانت مستقرة لم تصح المعاوضة عنها بغير ~~رضا الزوج والقريب فإن الدراهم تجعل عوضا عن الواجب الأصلي وهو إما البر ~~عند الشافعي أو المقتات عند الجمهور. فكيف يجبر على المعاوضة على ذلك ~~بدراهم من غير رضا ولا إجبار الشرع له على ذلك. فهذا مخالف لقواعد الشرع ~~ونصوص الأئمة ومصالح العباد ولكن إن اتفق المنفق والمنفق عليه جاز ~~باتفاقهما، على أن في اعتياض الزوجة عن النفقة الواجبة لها نزاعا معروفا في ~~مذهب الشافعي وغيره. # 6 - (وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): # كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت رواه النسائي، وهو عند مسلم بلفظ: أن ~~يحبس عمن يملك قوته). الحديث دليل على وجوب النفقة على الانسان لمن يقوته ~~فإنه لا يكون آثما إلا على تركه لما يجب عليه وقد بولغ هنا في إثمه بأن جعل ~~ذلك الاثم كافيا في هلاكه عن كل إثم سواه. والذي يقوتهم ويملك قوتهم هم ~~الذي يجب عليه الانفاق عليهم وهم أهله وأولاده وعبيده على ما سلف تفصيله ~~ولفظ مسلم خاص بقوت المماليك ولفظ النسائي عام. # 7 - (وعن جابر - يرفعه، في الحامل المتوفى عنها زوجها - قال: لا نفقة لها ~~أخرجه البيهقي ورجاله ثقات، لكن قال: المحفوظ وقفه، وثبت نفي النفقة في ~~حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها كما تقدم، رواه مسلم). وتقدم أنه في حق ~~المطلقة بائنا وأنه لا نفقة لها وتقدم الكلام فيه والكلام هنا في نفقة ms0964 ~~المتوفى عنها زوجها وهذه المسألة فيها خلاف: ذهب جماعة من العلماء إلى أنها ~~لا تجب النفقة للمتوفى عنها سواء كانت حاملا أو حائلا. أما الأولى فلهذا ~~النص وأما الثانية فبطريق الأولى. وإلى هذا ذهبت الشافعية والحنفية والمؤيد ~~لهذا الحديث ولان الأصل براءة الذمة. ووجوب التربص أربعة أشهر وعشرا لا ~~يوجب النفقة وذهب آخرون منهم الهادي إلى وجوب النفقة لها مستدلين بقوله: * ~~(متاعا إلى الحول) *. قالوا ونسخ المدة من الآية لا يوجب نسخ النفقة ولأنها ~~محبوسة بسببه فتجب نفقتها. وأجيب بأنها كانت تجب النفقة بالوصية كما دل لها ~~قوله تعالى: * (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى ~~الحول) * فنسخت الوصية بالمتاع إما بقوله تعالى: * (يتربصن بأنفسهن أربعة ~~أشهر وعشرا) * وإما بآية المواريث وإما بقوله صلى الله عليه وسلم: لا وصية ~~لوارث. PageV03P222 # وأما قوله تعالى: * (وأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) * فإنها واردة في ~~المطلقات فلا تتناول المتوفى عنها. وفي سنن أبي داود من حديث ابن عباس أنها ~~نسخت آية: * (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاها إلى ~~الحول) * بآية الميراث بما فرض الله لهن من الربع والثمن ونسخ أجل الحول ~~بأن جعل أجلها أربعة أشهر وعشرا. وأما ذكر المصنف حديث فاطمة بنت قيس فكأنه ~~يريد أن البائن والمتوفى عنها حكمهما واحد بجامع البينونة والحل للغير. # 8 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): اليد العليا ~~خير من اليد السفلى) تقدم تفسيرهما (ويبدأ) أي في البر والاحسان (أحدكم بمن ~~يعول، تقول المرأة أطعمني أو طلقني رواه الدارقطني وإسناده حسن). أخرجه من ~~طريق عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة إلا أن في حفظ عاصم شيئا. وأخرجه ~~البخاري موقوفا على أبي هريرة، وفي رواية الإسماعيلي: قالوا: يا أبا هريرة ~~شئ تقوله عن رأيك أو عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: هذا من ~~كيسي، إشارة إلى أنه من استنباطه هكذا قاله الناظرون في الأحاديث. والذي ~~يظهر بل ويتعين أن أبا هريرة لما قال لهم: قال ms0965 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم قالوا: هذا شئ تقوله عن رأيك أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~أجاب بقوله: من كيسي جواب المتهكم بهم لا مخبرا أنه لم يكن عن رسول الله ~~وكيف يصح حمل قوله من كيس أبي هريرة على أنه أراد صلى الله عليه وسلم به ~~الحقيقة. وقد قال: قال رسول الله (ص) فينسب استنباطه إلى قول رسول الله ~~(ص): وهل هذا إلا كذب منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وحاشا أبا ~~هريرة من ذلك فهو من رواة حديث: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. ~~فالقرائن واضحة أنه لم يرد أبو هريرة إلا التهكم بالسائل ولذا قلنا إنه ~~يتعين أن هذا مراده. والذي أتى به المصنف من الرواية بعض حديثه على أنه قد ~~فسر قوله: من كيس أبي هريرة أي من حفظه وعبر عنه بالكيس إشارة إلى ما في ~~صحيح البخاري وغيره من أنه بسط ثوبه أو نمرة كانت عليه فأملاه رسول الله ~~(ص) حديثا كثيرا ثم لفه فلم ينس منه شيئا كأنه يقول: ذلك الثوب صار كيسا. ~~وأشرنا لك إلى أنه لم يأت المصنف بحديث أبي هريرة تاما وتمامه في البخاري: ~~ويقول: العبد أطعمني واستعملني وفي رواية الإسماعيلي ويقول: خادمك أطعمني ~~وإلا بعني ويقول الابن: إلى من تدعني؟. والكل دليل على وجوب الانفاق على من ~~ذكر من الزوجة والمملوك والولد وقد تقدم ذلك ودل على أنه يجب نفقة العبد ~~وإلا وجب بيعه وإيجاب نفقة الولد على أبيه وإن كان كبيرا. قال ابن المنذر: # اختلف في نفقة من بلغ من الأولاد ولا مال له ولا كسب فأوجب طائفة النفقة ~~لجميع الأولاد أطفالا كانوا أو بالغين إناثا أو ذكرانا إذا لم يكن لهم ~~أموال يستغنون بها عن الآباء وذهب الجمهور إلى أن الواجب الانفاق عليه إلى ~~أن يبلغ الذكر وتتزوج الأنثى ثم لا نفقة على الأب إلا إذا كانوا زمني فإن ~~كانت لهم أموال فلا وجوب على الأب واستدل به على ms0966 أن للزوجة إذا أعسر زوجها ~~بنفقتها طلب الفراق ويدل له قوله: PageV03P223 # 9 - (وعن سعيد بن المسيب رضي الله عنه في الرجل لا يجد ما ينفق على أهله ~~قال: # يفرق بينهما أخرجه سعيد بن منصور عن سفيان عن أبي الزناد عنه قال: # قلت لسعيد: سنة؟ فقال: سنة. وهذا مرسل قوي). ومراسيل سعيد معمول بها لما ~~عرف من أنه لا يرسل إلا عن ثقة. قال الشافعي: والذي يشبه أن يكون قول سعيد ~~سنة، سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما قول ابن حزم: لعله أراد سنة ~~عمر فإنه خلاف الظاهر وكيف يقول له السائل: سنة ويريد سؤاله عن سنة عمر؟ ~~هذا مما لا ينبغي حمل الكلام عليه وهل سأل السائل إلا عن سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. وإنما قال جماعة إنه إذا قال الراوي: من السنة كذا فإنه ~~يحتمل أن يريد سنة الخلفاء، وأما بعد سؤال الراوي فلا يريد السائل إلا سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجيب المجيب إلا عنها لا عن سنة غيره ~~لأنه إنما سأل عما هو حجة وهو سنته (ص). وقد أخرج الدارقطني والبيهقي من ~~حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ: قال رسول الله (ص): في الرجل لا يجد ما ينفق ~~على امرأته، قال: يفرق بينهما. وأما دعوى المصنف إنه وهم الدارقطني فيه ~~وتبعه البيهقي على الوهم فهو غير صحيح وقد حققناه في حواشي ضوء النهار. ~~وسيأتي كتاب عمر إلى أمراء الأجناد في أنهم يأخذون على من عندهم من الأجناد ~~أن ينفقوا أو يطلقوا. وقد اختلف العلماء في هذا الحكم وهو فسخ الزوجية عند ~~إعسار الزوج على أقوال: الأول: ثبوت الفسخ وهو مذهب علي وعمر وأبي هريرة ~~وجماعة من التابعين ومن الفقهاء مالك والشافعي وأحمد، وبه قال أهل الظاهر ~~مستدلين بما ذكر وبحديث لا ضرر ولا ضرار تقدم تخريجه. # وبأن النفقة في مقابل الاستمتاع بدليل أن الناشز لا نفقة لها عند الجمهور ~~فإذا لم تجب النفقة سقط الاستمتاع فوجب الخيار للزوجة وبأنهم قد أوجبوا ms0967 على ~~السيد بيع مملوكه إذا عجز عن إنفاقه فإيجاب فراق الزوجة أولى لان كسبها ليس ~~مستحقا للزوج كاستحقاق السيد لكسب عبده. وبأنه قد نقل ابن المنذر إجماع ~~العلماء على الفسخ بالعنة، والضرر الواقع من العجز عن النفقة أعظم من الضرر ~~الواقع بكون الزوج عنينا وبأنه تعالى قال: * (ولا تضاروهن) * وقال: * ~~(وإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) * وأي إمساك بمعروف وأي ضرر أشد من تركها ~~بغير نفقة. والثاني: ما ذهب إليه الهادوية والحنفية وهو قول للشافعي أنه لا ~~فسخ بالاعسار عن النفقة مستدلين بقوله تعالى: * (ومن قدر عليه رزقه فلينفق ~~مما اتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما اتاها) *. قالوا: وإذا لم يكلفه ~~الله النفقة في هذه الحال فقد ترك ما لا يجب عليه ولا يأثم بتركه فلا يكون ~~سببا للتفريق بينه وبين سكنه وبأنه قد ثبت في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه ~~وسلم لما طلب أزواجه منه النفقة قام أبو بكر وعمر إلى عائشة وحفصة فوجا ~~أعناقهما وكلاهما يقول: تسألن رسول الله (ص) ما ليس عنده؟ الحديث. قالوا: ~~فهذا أبو بكر وعمر يضربان بنتيهما بحضرته صلى الله عليه وسلم لما سألتاه ~~النفقة التي لا يجدها. فلو كان الفسخ لهما وهما طالبتان للحق لم يقر النبي ~~(ص) الشيخين على ما فعلا. ولبين PageV03P224 # أن لهما أن تطالبا مع الاعسار حتى تثبت على تقدير ذلك المطالبة بالفسخ. ~~ولأنه كان في الصحابة المعسر بلا ريب ولم يخبر النبي (ص) أحدا منهم بأن ~~للزوجة الفسخ ولا فسخ أحد. قالوا: ولأنها لو مرضت الزوجة وطال مرضها حتى ~~تعذر على الزوج جماعها لوجبت نفقتها ولم يمكن من الفسخ وكذلك الزوج. فدل أن ~~الانفاق ليس في مقابلة الاستمتاع كما قلتم. وأما حديث أبي هريرة فقد بين ~~أنه من كيسه وحديثه الآخر لعله مثله وحديث سعيد مرسل. وأجيب بأن الآية إنما ~~دلت على سقوط الوجوب عن الزوج وبه نقول. وأما الفسخ فهو حق للمرأة تطالب به ~~وبأن قصة أزواجه (ص) وضرب أبي بكر وعمر إلى آخر ما ذكرتم ms0968 هي كالآية دلت على ~~عدم الوجوب عليه (ص) وليس فيه أنهن سألن الطلاق أو الفسخ ومعلوم أنهن لا ~~يسمحن بفراقه فإن الله تعالى قد خيرهن فاخترن رسول الله (ص) والدار الآخرة ~~فلا دليل في القصة. وأما إقراره لأبي بكر وعمر على ضربهما فلما علم من أن ~~للآباء تأديب الأبناء إذا أتوا ما لا ينبغي ومعلوم أنه (ص) لا يفرط فيما ~~يجب عليه من الانفاق فلعلهن طلبن زيادة على ذلك فتخرج القصة عن محل النزاع ~~بالكلية. وأما المعسرون من الصحابة فلم يعلم أن امرأة طلبت الفسخ أو الطلاق ~~لاعسار الزوج بالنفقة ومنعها عن ذلك حتى تكون حجة بل كان نساء الصحابة ~~كرجالهن يصبرن على ضنك العيش وتعسره كما قال مالك: إن نساء الصحابة كن يردن ~~الآخرة وما عند الله تعالى ولم يكن مرادهن الدنيا فلم يكن يبالين بعسر ~~أزواجهن. وأما نساء اليوم فإنما يتزوجن رجاء الدنيا من الأزواج والنفقة ~~والكسوة. وأما حديث ابن المسيب فقد عرفت أنه من مراسيله وأئمة العلم ~~يختارون العمل بها كما سلف فهو موافق لحديث أبي هريرة المرفوع الذي عاضده ~~مرسل سعيد. ولو فرض سقوط حديث أبي هريرة ففيما ذكرناه غنية عنه. والقول ~~الثالث: أنه يحبس الزوج إذا أعسر بالنفقة حتى يجد ما ينفق وهو قول العنبري ~~وقالت الهادوية: يحبس للتكسب. والقولان مشكلان لان الواجب إنما هو الغداء ~~في وقته والعشاء في وقته فهو واجب في وقته فالحبس إن كان في خلال وجوب ~~الواجب فهو مانع عنه فيعود على الغرض المراد بالنقض وإن كان قبله فلا وجوب ~~فكيف يحبس لغير واجب؟ # وإن كان بعده صار كالدين ولا يحبس له مع ظهور الاعسار اتفاقا. وفي هذه ~~المسألة قال محمد بن داود لامرأة سألته عن إعسار زوجها فقال: ذهب ناس إلى ~~أنه يكلف السعي والاكتساب وذهب قوم إلى أنها تؤمر المرأة بالصبر والاحتساب ~~فلم تفهم منه الجواب فأعادت السؤال وهو يجيبها ثم قال: يا هذه قد أجبتك ~~ولست قاضيا فأقضي ولا سلطانا فأمضي ولا زوجا فأرضي. وظاهر كلامه الوقف ms0969 في ~~هذه المسألة فيكون قولا رابعا. القول الخامس: أن الزوجة إن كانت موسرة ~~وزوجها معسر كلفت الانفاق على زوجها ولا ترجع عليه إذا أيسر لقوله تعالى: * ~~(وعلى الوارث مثل ذلك) * وهو قول أبي محمد بن حزم. ورد بأن الآية سياقها في ~~نفقة المولود الصغير ولعله لا يرى التخصيص بالسياق. القول السادس لابن ~~القيم وهو أن المرأة إذا تزوجت عالمة بإعساره أو كان موسرا ثم أصابته جائحة ~~فإنه PageV03P225 # لا فسخ لها وإلا كان لها الفسخ وكأنه جعل علمها رضا بعسرته ولكن حيث كان ~~موسرا عند تزوجه ثم أعسر للجائحة لا يظهر وجه عدم ثبوت الفسخ لها. وإذا ~~عرفت هذه الأقوال عرفت أن أقواها دليلا وأكثرها قائلا هو القول الأول. وقد ~~اختلف القائلون بالفسخ في تأجيله بالنفقة فقال مالك: يؤجل شهرا وقال ~~الشافعية: ثلاثة أيام وقال: حماد سنة وقيل شهرا أو شهرين. قلت: ولا دليل ~~على التعيين بل ما يحصل به التضرر الذي يعلم ومن قال إنه يجب عليه التطليق ~~قال: ترافعه الزوجة إلى الحاكم لينفق أو يطلق. وعلى القول بأنه فسخ ترافعه ~~إلى الحاكم ليثبت الاعسار ثم تفسخ هي وقيل: ترافعه إلى الحاكم ليجبره على ~~الطلاق أو يفسخ عليه أو يأذن لها في الفسخ. فإن فسخ أو أذن في الفسخ فهو ~~فسخ لا طلاق ولا رجعة له وإن أيسر في العدة فإن طلق كان طلاقا رجعيا له فيه ~~الرجعة. # 10 - (وعن عمر رضي الله عنه: أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن ~~نسائهم أن يأخذوهم بأن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما حبسوا ~~أخرجه الشافعي والبيهقي بإسناد حسن). تقدم تحقيق وجه هذا الرأي من عمر وأنه ~~دليل على أن النفقة عنده لا تسقط بالمطل في حق الزوجة وعلى أنه يجب أحد ~~الامرين على الأزواج: الانفاق أو الطلاق 11 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه ~~أنه جاء رجل إلى رسول الله (ص) فقال: يا رسول الله عندي دينار؟ قال: أنفقه ~~على نفسك قال: عندي آخر، قال: # أنفقه على ms0970 ولدك قال: عندي آخر؟ قال: أنفقه على أهلك قال عندي آخر، قال: ~~أنفقه على خادمك قال: عندي آخر؟ قال: أنت أعلم أخرجه الشافعي وأبو داود ~~واللفظ له، وأخرجه النسائي والحاكم بتقديم الزوجة على الولد). وفي صحيح ~~مسلم من رواية جابر تقديم الزوجة على الولد من غير تردد. وقال المصنف: قال ~~ابن حزم: اختلف على يحيى القطان والثوري فقدم يحيى الزوجة على الولد وقدم ~~سفيان الولد على الزوجة فينبغي أن لا يقدم أحدهما على الآخر بل يكونان سواء ~~لأنه قد صح أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم تكلم ثلاثا فيحتمل أن يكون ~~في إعادته قدم الولد مرة ومرة قدم الزوجة فصارا سواء. قلت: هذا حمل بعيد ~~فليس تكريره صلى الله عليه وسلم لما يقوله ثلاثا بمطرد بل عدم التكرير غالب ~~وإنما يكرر إذا لم يفهم عنه ومثل هذا الحديث جواب سؤال لا يجري فيه التكرير ~~لعدم الحاجة إليه لفهم السائل للجواب. ثم رواية جابر التي لا تردد فيها ~~تقوي رواية تقديم الأهل. والحديث قد تقدم وفيه حث على إنفاق الانسان ما ~~عنده وأنه لا يدخر لأنه قال له في الآخر بعد كفايته وكفاية من يجب عليه: ~~أنت أعلم ولم يقل: ادخر لحاجتك وإن كانت هذه العبارة تحتمل ذلك. # 12 - (وعن بهز) بفتح الموحدة وسكون الهاء فزاي (ابن حكيم عن أبيه) حكيم ~~(عن جده) معاوية بن حيدة القشيري، صحابي تقدم ضبطه (قال: قلت: يا رسول الله ~~من أبر؟ # قال: أمك قلت: ثم من؟ قال: أمك قلت: ثم من؟ قال: أمك قلت: ثم من؟ ~~PageV03P226 # قال: أباك ثم الأقرب فالأقرب أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه). وأخرجه ~~الحاكم وتقدم الكلام عليه وأنه يقتضي تقديم الأم بالبر وأحقيتها به على ~~الأب. # باب الحضانة بكسر الحاء المهملة مصدر من حضن الصبي حضنا وحضانة جعله في ~~حضنه أو رباه فاحتضنه والحضن بكسر الحاء هو ما دون الإبط إلى الكشح والصدر ~~أو العضدان وما بينهما وجانب الشئ أو ناحيته كما في القاموس. وفي الشرع حفظ ~~من لا ms0971 يستقل بأمره وتربيته ووقايته عما يهلكه أو يضره. # 1 - (عن عبد الله بن عمرو) بفتح المهملة ووقع بضمها في نسخة وهو غلط (أن ~~امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كانت بطني له وعاء) بكسر الواو والمد ~~وقد يضم ويقال الإعاء الظرف كما في القاموس (وثديي له سقاء) هو ككساء جلد ~~السخلة إذا أجذع يكون للماء واللبن كما فيه أيضا (وحجري) بحاء مهملة مثلثة ~~فجيم فراء حضن الانسان (له حواء) بحاء مهملة بزنة كساء أيضا اسم المكان ~~الذي يحوي الشئ أي يضمه ويجمعه (وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني فقال ~~لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت أحق به ما لم تنكحي رواه أحمد وأبو ~~داود وصححه الحاكم). الحديث دليل على أن الأم أحق بحضانة ولدها إذا أراد ~~الأب انتزاعه منها وقد ذكرت هذه المرأة صفات اختصت بها تقتضي استحقاقها ~~وأولويتها بحضانة ولدها وأقرها صلى الله عليه وسلم على ذلك وحكم لها. # ففيه تنبيه على المعنى المقتضي للحكم وأن العلل والمعاني المعتبرة في ~~إثبات الاحكام مستقرة في الفطر السليمة. والحكم الذي دل عليه الحديث لا ~~خلاف فيه وقضى به أبو بكر ثم عمر، وقال ابن عباس: ريحها وفراشها وحرها خير ~~له منك حتى يشب ويختار لنفسه أخرجه عبد الرزاق في قصة. ودل الحديث على أن ~~الأم إذا نكحت سقط حقها من الحضانة وإليه ذهب الجماهير. قال ابن المنذر: ~~أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم. وذهب الحسن وابن حزم إلى عدم ~~سقوط الحضانة بالنكاح واستدل بأن أنس بن مالك كان عند والدته وهي مزوجة ~~وكذا أم سلمة تزوجت بالنبي صلى الله عليه وسلم وبقي ولدها في كفالتها وكذا ~~ابنة حمزة قضى بها النبي (ص) لخالتها وهي مزوجة. قال: # وحديث ابن عمرو المذكور فيه مقال فإنه صحيفة يريد لأنه قد قيل إن حديث ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده صحيفة. وأجيب عنه بأن حديث عمرو بن شعيب قبله ~~الأئمة وعملوا به البخاري وأحمد وابن ms0972 المديني والحميدي وإسحاق بن راهويه ~~وأمثالهم. فلا يلتفت إلى القدح فيه. وأما ما احتج به فإنه لا يتم دليلا إلا ~~مع طلب من تنتقل إليه الحضانة ومنازعته. وأما مع عدم طلبه فلا نزاع في أن ~~للأم المزوجة أن تقوم بولدها ولم يذكر في القصص المذكورة أنه حصل نزاع في ~~ذلك فلا دليل فيما ذكره على ما ادعاه. # 2 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن امرأة قالت: يا رسول الله إن زوجي ~~يريد PageV03P227 # أن يذهب بابني وقد نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة) بكسر العين المهملة ~~واحدة حبات العنب (فجاء زوجها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا غلام هذا ~~أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت فأخذ بيد أمه فانطلقت به. رواه أحمد ~~والأربعة وصححه الترمذي) وصححه ابن القطان. والحديث دليل على أن الصبي بعد ~~استغنائه بنفسه يخير بين الأم والأب. # واختلف العلماء في ذلك فذهب جماعة قليلة إلى أنه يخير الصبي عملا بهذا ~~الحديث وهو قول إسحاق بن راهويه وحد التخيير من السبع السنين. وذهبت ~~الهادوية والحنفية إلى عدم التخيير وقالوا: الأم أولى به إلى أن يستغني ~~بنفسه فإذا استغنى بنفسه فالأب أولى بالذكر والأم أولى بالأنثى ووافقهم ~~مالك في عدم التخيير لكنه قال: إن الأم أحق بالولد ذكرا كان أو أنثى، قيل: ~~حتى يبلغ. وفي المسألة تفاصيل بلا دليل. واستدل نفاة التخيير بعموم حديث ~~أنت أحق به ما لم تنكحي. قالوا ولو كان الاختيار إلى الصغير ما كانت أحق ~~به. وأجيب بأنه إن كان عاما في الأزمنة أو مطلقا فيها فحديث التخيير يخصصه ~~أو يفيده وهذا جمع بين الدليلين. فإن لم يختر الصبي أحد أبويه فقيل: يكون ~~للأم بلا قرعة لان الحضانة حق لها وإنما ينقل عنها باختياره فإذا لم يخير ~~بقي على الأصل. وقيل - وهو الأقوى دليلا -: أنه يقرع بينهما إذ قد جاء في ~~القرعة حديث أبي هريرة بلفظ: فقال النبي (ص): # استهما، فقال الرجل: من يحول بيني وبين ولدي فقال (ص): اختر أيهما شئت ~~فاختار ms0973 أمه فذهبت به، أخرجه البيهقي. وظاهره تقديم القرعة على الاختيار، ~~لكن قدم الاختيار عليها لعمل الخلفاء الراشدين به إلا أنه قال في الهدي ~~النبوي: إن التخيير والقرعة لا يكونان إلا إذا حصلت به مصلحة الولد. فلو ~~كانت الأم أصون من الأب وأغير منه قدمت عليه ولا التفات إلى القرعة ولا ~~اختيار الصبي في هذه الحالة فإنه ضعيف العقل يؤثر البطالة واللعب فإذا ~~اختار من يساعده على ذلك فلا التفات إلى اختياره وكان عند من هو أنفع له ~~ولا تحتمل الشريعة غير هذا. والنبي (ص) قال: مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم ~~على تركها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع والله يقول: * (قوا أنفسكم وأهليكم ~~نارا) * فإذا كانت الأم تتركه في المكتب أو تعلمه القرآن والصبي يؤثر اللعب ~~ومعاشرة أقرانه وأبوه يمكنه من ذلك فإنها أحق به ولا تخيير ولا قرعة وكذلك ~~العكس انتهى. وهذا كلام حسن. # 3 - (وعن رافع بن سنان رضي الله عنه أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم فأقعد ~~النبي صلى الله عليه وسلم الأم في ناحية والأب في ناحية وأقعد الصبي بينهما ~~فمال إلى أمه فقال: # اللهم اهده فمال إلى أبيه فأخذه. أخرجه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم). ~~إلا أنه قال ابن المنذر: لا يثبته أهل النقل وفي إسناده مقال وذلك لأنه من ~~رواية عبد الحميد بن جعفر ابن رافع ضعفه الثوري ويحيى بن معين. واختلف في ~~هذا الصبي فقيل: إنه أنثى وقيل ذكر والحديث ليس فيه تخيير الصبي والظاهر ~~أنه لم يبلغ سن التخيير فإنه إنما أقعده صلى الله عليه وسلم بينهما ودعا أن ~~يهديه الله فاختار أباه لأجل الدعوة النبوية فليس من أدلة التخيير ~~PageV03P228 # وفي الحديث دليل على ثبوت حق الحضانة الأم الكافرة وإن كان الولد مسلما ~~إذ لو لم يكن لها حق لم يقعده النبي (ص) بينهما. وإلى هذا ذهب أهل الرأي ~~والشورى. # وذهب الجمهور إلى أنه لا حق لها مع كفرها. قالوا: لان الحاضن يكون حريصا ~~على تربية الطفل على دينه ولان الله تعالى قطع الموالاة ms0974 بين الكافرين ~~والمسلمين وجعل المؤمنين بعضهم أولى ببعض وقال: * (ولن يجعل الله للكافرين ~~على المؤمنين سبيلا) *. والحضانة ولاية لا بد فيها من مراعاة مصلحة المولى ~~عليه كما عرفت قريبا وحديث رافع قد عرفت عدم انتهاضه. # وعلى القول بصحته فهو منسوخ بالآيات القرآنية هذه. وكيف تثبت الحضانة ~~للأم الكافرة مثلا وقد اشترط الجمهور وهم الهادوية وأصحاب أحمد والشافعي ~~عدالة الحاضنة وأنه لا حق للفاسقة فيها وإن كان شرطا في غاية من البعد، ولو ~~كان شرطا في الحاضنة لضاع أطفال العالم ومعلوم أنه لم ينزل منذ بعث الله ~~رسوله (ص) إلى أن تقوم الساعة أطفال الفساق بينهم يربونهم لا يتعرض لهم أحد ~~من أهل الدنيا مع أنهم الأكثرون ولا يعلم إنه انتزع طفل من أبويه أو أحدهما ~~لفسقه فهذا الشرط باطل لعدم العمل به. نعم يشترط كون الحاضن عاقلا بالغا ~~فلا حضانة لمجنون ولا معتوه ولا طفل إذ هؤلاء يحتاجون لمن يحضنهم ويكفيهم. # وأما اشتراط حرية الحاضن فقالت به الهادوية وأصحاب الأئمة الثلاثة وقالوا ~~لان المملوك لا ولاية له على نفسه فلا يتولى غيره والحضانة ولاية. وقال ~~مالك في حر له ولد من أمته: # إن الأم أحق به ما لم تبع فتنتقل فيكون الأب أحق به واستدل بعموم حديث: ~~لا توله والدة عن ولدها وحديث: من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين ~~أحبته يوم القيامة أخرج الأول البيهقي من حديث أبي بكر وحسنة السيوطي وأخرج ~~الثاني أحمد والترمذي، والحاكم من حديث أبي أيوب وصححه الحاكم. قال: ~~ومنافعها وإن كانت مملوكة للسيد فحق الحضانة مستثنى وإن استغرق وقتا من ذلك ~~كالأوقات التي تستثنى للمملوك في حاجة نفسه وعبادة ربه. # 4 - (وعن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي (ص) قضى في ابنة حمزة ~~لخالتها وقال: الخالة بمنزلة الأم أخرجه البخاري، وأخرجه أحمد من حديث علي ~~رضي الله عنه فقال: والجارية عند خالتها فإن الخالة والدة). والحديث دليل ~~على ثبوت الحضانة للخالة وأنها كالأم ومقتضاه أن الخالة أولى من الأب ومن ms0975 ~~أم الأم ولكن خص ذلك الاجماع. وظاهره أن حضانة المرأة المزوجة أولى من ~~الرجال فإن عصبة المذكورة من الرجال موجودون طالبون للحضانة كما دلت له ~~القصة واختصام علي رضي الله عنه وجعفر وزيد بن حارثة وقد سبقت وأنه قضى بها ~~للخال و قال: الخالة بمنزلة الأم. وقد وردت رواية في القصة أنه (ص) قضى بها ~~لجعفر فاستشكل القضاء بها لجعفر فإنه ليس محرما وهو وعلي رضي الله عنهما ~~سواء في القرابة لها، وجوابه أنه صلى الله عليه وسلم قضى بها لزوجة جعفر ~~وهي خالتها فإنها كانت تحت جعفر لكن لما كان المنازع جعفرا PageV03P229 # وقال في محل الخصومة: بنت عمي وخالتها تحتي أي زوجتي قضى بها لجعفر لما ~~كان هو المطالب ظاهرا وقال: الخالة بمنزلة الأم إبانة بأن القضاء للخالة. ~~فمعنى قوله: قضى بها لجعفر قضى بها لزوجة جعفر وإنما أوقع القضاء عليه لأنه ~~المطالب فلا إشكال في هذا. # إلا أنه استشكل ثانيا بأن الخالة مزوجة ولا حق لها في الحضانة لحديث أنت ~~أحق به ما لم تنكحي. والجواب عنه أن الحق في المزوجة للزوج وإنما تسقط ~~حضانتها لأنها تشتغل بالقيام بحقه وخدمته فإذا رضي الزوج بأنها تحضن من لها ~~حق في حضانته وأحب بقاء الطفل في حجره لم يسقط حق المرأة من الحضانة وهذه ~~القصة دليل الحكم وهذا مذهب الحسن والامام يحيى وابن حزم وابن جرير. ولان ~~النكاح للمرأة إنما يسقط حضانة الأم وحدها حيث كان المنازع لها الأب وأما ~~غيرها فلا يسقط حقها من الحضانة بالتزويج أو الأم والمنازع لها غير الأب. ~~يؤيده ما عرف من أن المرأة المطلقة يشتد بغضها للزوج المطلق ومن يتعلق به ~~فقد يبلغ بها الشأن إلى إهمال ولدها منه قصدا لإغاظته وتبالغ في التحبب عند ~~الزوج الثاني بتوفير حقه. وبهذا يجتمع شمل الأحاديث والقول بأنه صلى الله ~~عليه وسلم قضى بها لجعفر " وأنه دال على أن للعصبة حقا في الحضانة بعيد ~~لأنه وعليا رضي الله عنهما سواء في ذلك لان قوله صلى الله تعالى ms0976 عليه وسلم: ~~الخالة أم صريح أن ذلك علة القضاء ومعناه أن الأم لا تنازع في حضانة ولدها ~~فلا حق لغيرها. # 5 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إذا أتى أحدكم) ~~مفعول مقدم (خادمه) فاعل (بطعامه) فليجلسه معه (فإن لم يجلسه معه فليناوله ~~لقمة أو لقمتين متفق عليه واللفظ للبخاري). الخادم يطلق على الذكر والأنثى ~~أعم من أن يكون مملوكا أو حرا. وظاهر الامر الايجاب وأنه يناوله من الطعام ~~ما ذكر مخيرا. وفيه بيان أن الحديث الذي فيه الامر بأن يطعمه مما يطعم ليس ~~المراد به مؤاكلته ولا أن يشبعه من عين ما يأكل بل يشركه فيه بأدنى شئ من ~~لقمة أو لقمتين. قال ابن المنذر عن جميع أهل العلم: إن الواجب إطعام الخادم ~~من غالب القوت الذي يأكل منه مثله في تلك البلدة وكذا الادام والكسوة وأن ~~للسيد أن يستأثر بالنفيس من ذلك وإن كان الأفضل المشاركة. وتمام الحديث: ~~فإنه ولي حره وعلاجه فدل على أن ذلك يتعلق بالخادم الذي له عناية في تحصيل ~~الطعام فيندرج في ذلك الحامل للطعام لوجود المعنى فيه وهو تعلق نفسه به. # 6 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي (ص) قال: عذبت امرأة) قال ~~المصنف: لم أقف على اسمها وفي رواية: أنها حميرية وفي رواية: من بني ~~إسرائيل (في هرة) هي أنثى السنور والهر الذكر (سجنتها حتى ماتت فدخلت النار ~~فيها لا هي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) ~~بفتح الخاء المعجمة ويجوز ضمها وكسرها وشينين معجمتين بينهما ألف ~~PageV03P230 # والمراد هوام الأرض (متفق عليه). والحديث دليل على تحريم قتل الهرة لأنه ~~لا عذاب إلا على فعل محرم ويحتمل أن المرأة كافرة فعذبت بكفرها وزيدت عذابا ~~بسبب ذلك. وقال النووي: أنها كانت مسلمة إنما دخلت النار بهذه المعصية. ~~وقال أبو نعيم في تاريخ أصبهان: كانت كافرة، ورواه البيهقي في البعث ~~والنشور عن عائشة فاستحقت العذاب بكفرها وظلمها. وقال الدميري في شرح ~~المنهاج: إن ms0977 الأصح أن الهرة يجوز قتلها حال عدوها دون هذه الحال. وجوز ~~القاضي قتلها في حال سكونها إلحاقا لها بالخمس الفواسق. # وفي الحديث دليل على جواز اتخاذ الهرة وربطها إذا لم يهمل إطعامها. قلت: ~~ويدل على أنه لا يجب إطعام الهرة بل الواجب تخليتها تبطش بنفسها. # كتاب الجنايات هي جمع جناية مصدر من جنى الذنب يجنيه جناية أي جره إليه ~~وجمعت وإن كانت مصدرا لاختلاف أنواعها فإنها قد تكون في النفس وفي الأطراف ~~وتكون عمدا وخطأ. # 1 - (عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) هو تفسير ~~لقول مسلم (إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني) أي المحصن بالرجم (والنفس بالنفس ~~والتارك لدينه) أي المرتد عنه (المفارق للجماعة متفق عليه). فيه دليل على ~~أنه لا يباح دم المسلم إلا بإتيانه بإحدى الثلاث والمراد من النفس بالنفس ~~القصاص بشرطه وسيأتي. # والتارك لدينه يعم كل مرتد عن الاسلام بأي ردة كانت فيقتل إن لم يرجع إلى ~~الاسلام. وقوله المفارق للجماعة يتناول كل خارج عن الجماعة ببدعة أو بغي أو ~~غيرهما كالخوارج إذا قاتلوا وأفسدوا. وقد أورد على الحصر أنه يجوز قتل ~~الصائل وليس من الثلاثة. وأجيب بأنه داخل تحت قوله: المفارق للجماعة أو أن ~~المراد من هؤلاء من يجوز قتلهم قصدا والصائل لا يقتل قصدا بل دفعا. وفيه ~~دليل على أنه لا يقتل الكافر الأصلي لطلب إيمانه بل لدفع شره وقد بسطنا ~~القول في ذلك في حواشي ضوء النهار. وقد يقال إن الكافر الأصلي داخل تحت ~~التارك لدينه لأنه ترك فطرته التي فطر عليها كما عرف في محله. # 2 - (وعن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله (ص) قال: لا يحل قتل مسلم إلا ~~بإحدى ثلاث خصال) بينها بقوله: (زان محصن) يأتي تفسيره (فيرجم، ورجل يقتل ~~مسلما متعمدا) قيد ما أطلق في الحديث الأول (فيقتل، ورجل يخرج من الاسلام ~~فيحارب الله ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من ms0978 الأرض رواه أبو داود والنسائي ~~وصححه الحاكم). الحديث أفاد ما أفاده الحديث الأول الذي قبله. وقوله: ~~فيحارب الله ورسوله بعد قوله: يخرج من الاسلام " PageV03P231 # بيان لحكم خاص لخارج عن الاسلام خاص وهو المحارب وله حكم خاص هو ما ذكر ~~من القتل أو الصلب أو النفي فهو أخص من الذي أفاده الحديث الذي قبله. ~~والنفي الحبس عند أبي حنيفة وعند الشافعي النفي من بلد إلى بلد لا يزال ~~يطلب وهو هارب فزع وقيل: ينفي من بلده فقط. وظاهر الحديث والآية أيضا أن ~~الامام مخير بين هذه العقوبات في كل محارب مسلما كان أو كافرا. # 3 - (وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء متفق عليه). فيه دليل على ~~عظم شأن دم الانسان فإنه لا يقدم في القضاء إلا الأهم. ولكنه يعارضه حديث: ~~أول ما يحاسب العبد عليه صلاته أخرجه أصحاب السنن من حديث أبي هريرة. ويجاب ~~بأن حديث الدماء فيما يتعلق بحقوق المخلوق وحديث الصلاة فيما يتعلق بعبادة ~~الخالق وبأن ذلك في أولية القضاء والآخر في أولية الحساب. كما يدل له ما ~~أخرجه النسائي من حديث ابن مسعود بلفظ أول ما يحاسب عليه العبد صلاته وأول ~~ما يقضى بين الناس في الدماء وقد أخرج البخاري من حديث علي رضي الله عنه ~~وغيره: أنه رضي الله عنه أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة ~~في قتلى بدر - الحديث. فبين فيه أول قضية يقضي فيها وقد بين الاختصام، حديث ~~أبي هريرة: أول ما يقضى بين الناس في الدماء، ويأتي كل قتيل قد حمل رأسه ~~يقول: # يا رب سل هذا فيم قتلني - الحديث. وفي حديث ابن عباس يرفعه: يأتي المقتول ~~معلقا رأسه بإحدى يديه ملببا قاتله بيده الأخرى تشحط أوداجه دما حتى يقفا ~~بين يدي الله تعالى وهذا في القضاء في الدماء. وفي القضاء بالأموال ما ~~أخرجه ابن ماجة من حديث ابن عمر يرفعه من مات وعليه دينار ms0979 أو درهم قضى من ~~حسناته. وفي معناه عدة أحاديث وأنها إذا فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه ~~طرح عليه من سيئات خصمه وألقي في النار. وقد استشكل ذلك بأنه كيف يعطى ~~الثواب وهو لا يتناهى في مقابلة العقاب وهو يتناهى؟ يعني على القول بخروج ~~الموحدين من النار. وأجاب البيهقي: بأنه يعطى من حسناته ما يوازي عقوبة ~~سيئاته من غير المضاعفة التي يضاعف الله تعالى بها الحسنات لان ذلك من محض ~~الفضل الذي يخص الله تعالى به من يشاء من عباده وهذا فيمن مات غير ناو ~~لقضاء دينه. وأما من مات وهو ينوي القضاء فإن الله يقضي عنه كما قدمناه في ~~شرح الحديث الثالث من أبواب السلم. # 4 - (وعن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من قتل عبده قتلناه. ~~ومن جدع) بالجيم والدال المهملة (عبده جدعناه رواه أحمد والأربعة وحسنه ~~الترمذي وهو من رواية الحسن البصري عن سمرة وقد اختلف في سماعه منه) على ~~ثلاثة أقوال. قال ابن معين: لم يسمع الحسن منه شيئا وإنما هو كتاب وقيل: ~~سمع منه حديث العقيقة وأثبت ابن المديني سماع الحسن من سمرة (وفي رواية أبي ~~داود PageV03P232 # والنسائي بزيادة: ومن خصى عبده خصيناه وصحح الحاكم هذه الزيادة). والحديث ~~دليل على أن السيد يقاد بعبده في النفس والأطراف إذ الجدع: قطع الأنف أو ~~الاذن أو اليد أو الشفة كما في القاموس. ويقاس عليه إذا كان القاتل غير ~~السيد بطريق الأولى والمسألة فيها خلاف. ذهب النخعي وغيره إلى أنه يقتل ~~الحر بالعبد مطلقا عملا بحديث سمرة وأيده عموم قوله تعالى: * (النفس ~~بالنفس) *. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يقتل به إلا إذا كان سيده عملا بعموم ~~الآية وكأنه يخص السيد بحديث: لا يقاد مملوك من مالكه ولا ولد من والده ~~أخرجه البيهقي إلا أنه من رواية عمر بن عيسى يذكر عن البخاري أنه منكر ~~الحديث. وأخرج البيهقي أيضا من حديث ابن عمرو في قصة زنباع لما جب عبده ~~وجدع أنفه أنه صلى الله عليه ms0980 وسلم قال من مثل بعبده وحرق بالنار فهو حر وهو ~~مولى الله ورسوله فأعتقه صلى الله عليه وسلم ولم يقتص من سيده إلا أن فيه ~~المثنى بن الصباح ضعيف. ورواه عن الحجاج بن أرطاة من طريق آخر ولا يحتج به. ~~وفي الباب أحاديث لا تقوم بها حجة وذهبت الهادوية والشافعي ومالك وأحمد إلى ~~أنه لا يقاد الحر بالعبد مطلقا مستدلين بما يفيده قوله تعالى: * (الحر ~~بالحر) * فإن تعريف المبتدأ يفيد الحصر وأنه لا يقتل الحر بغير الحر. ولأنه ~~تعالى قال في صدر الآية * (كتب عليكم القصاص) * وهو المساواة * (الحر ~~بالحر) * تفسير وتفصيل لها وقوله تعالى في آية المائدة: * (النفس بالنفس) * ~~مطلق وهذه الآية مقيدة مبينة وهذه صريحة لهذه الأمة وتلك سيقت في أهل ~~الكتاب. وشريعتهم وإن كانت شريعة لنا لكنه وقع في شريعتنا التفسير بالزيادة ~~والنقصان كثيرا فيقرب أن هذا التقييد من ذلك وفيه مناسبة إذ فيه تخفيف ~~ورحمة وشريعة هذه الأمة أخف من شرائع من قبلها فإنه وضع عنهم فيها الآصار ~~التي كانت على من قبلهم. والقول بأن آية المائدة نسخت آية البقرة لتأخرها ~~مردود بأنه لا تنافي بين الآيتين إذ لا تعارض بين عام وخاص ومطلق ومقيد حتى ~~يصار إلى النسخ ولان آية المائدة متقدمة حكما فإنها حكاية لما حكم الله ~~تعالى به في التوراة وهي متقدمة نزولا على القرآن. وأخرج ابن أبي شيبة من ~~حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن أبا بكر وعمر كانا لا يقتلان الحر ~~بالعبد. وأخرج البيهقي من حديث علي رضي الله عنه: من السنة أن لا يقتل حر ~~بعبد وفي إسناده جابر الجعفي ومثله عن ابن عباس وفيه ضعف وأما حديث سمرة ~~فهو ضعيف أو منسوخ بما سردناه من الأحاديث. هذا وأما قتل العبد بالحر ~~فإجماع وإذا تقرر أن الحر لا يقتل بالعبد فيلزم من قتله قيمته على خلاف ~~فيها معروف ولو بلغت ما بلغت وإن جاوزت دية الحر وقد بيناه في حواشي ضوء ~~النهار. وأما إذا قتل السيد عبده ms0981 ففيه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ~~أن رجلا قتل عبده صبرا متعمدا فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة جلدة ~~ونفاه سنة ومحا سهمه من المسلمين ولم يقده به وأمره أن يعتق رقبة " 5 - ~~(وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: لا يقاد ~~الوالد بالولد رواه أحمد والترمذي وابن ماجة وصححه ابن الجارود والبيهقي ~~وقال الترمذي: إنه مضطرب). قال الترمذي: وروي عن عمرو بن شعيب مرسلا وهذا ~~PageV03P233 # حديث فيه اضطراب والعمل عليه عند أهل العلم انتهى، وفي إسناده عنده ~~الحجاج بن أرطأة. وجه الاضطراب أنه اختلف على عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~فقيل عن عمر وهي رواية الكتاب وقيل: عن سراقة وقيل: بلا واسطة وفيها المثنى ~~بن الصباح وهو ضعيف. قال الشافعي: طرق هذا الحديث كلها منقطعة، وقال عبد ~~الحق: هذه الأحاديث كلها معلولة لا يصح فيها شئ. والحديث دليل على أنه لا ~~يقتل الوالد بالولد. قال الشافعي: # حفظت عن عدد من أهل العلم لقيتهم أن لا يقتل الوالد بالولد. وبذلك أقول. ~~وإلى هذا ذهب الجماهير من الصحابة وغيرهم كالهادوية والحنفية والشافعية ~~وأحمد وإسحاق مطلقا للحديث قالوا: لان الأب سبب لوجود الولد فلا يكون الولد ~~سببا لاعدامه وذهب البتي إلى أنه يقاد الوالد بالولد مطلقا لعموم قوله ~~تعالى: * (النفس بالنفس) * وأجيب بأنه مخصص بالخبر، وكأنه لم يصح عنده. ~~وذهب مالك إلى أنه يقاد بالولد إذا أضجعه وذبحه قال: لان ذلك عمد حقيقة لا ~~يحتمل غيره فإن الظاهر في مثل استعمال الجارح في المقتل هو قصد العمد ~~والعمدية أمر خفي لا يحكم بإثباتها إلا بما يظهر من قرائن الأحوال. وأما ~~إذا كان على غير هذه الصفة فيما يحتمل عدم إزهاق الروح بل قصد التأديب من ~~الأب وإن كان في حق غيره يحكم فيه بالعمد. وإنما فرق بين الأب وغيره لما ~~للأب من الشفقة على ولده وغلبة قصد التأديب عند فعله ما يغضب الأب فيحمل ~~على عدم قصد القتل وهذا رأي ms0982 منه وإن ثبت النص لم يقاومه شئ. وقد قضى به عمر ~~في قصة المدلجي وألزم الأب الدية ولم يعطه شيئا وقال: # ليس لقاتل شئ. فلا يرث من الدية إجماعا ولا من غيرها عند الجمهور. والجد ~~والأم كالأب عندهم في سقوط القود. # 6 - (وعن أبي جحيفة قال: قال لعلي رضي الله عنه: هل عندكم شئ من الوحي ~~غير القرآن؟ قال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهم) استثناء من لفظ ~~شئ مرفوع على البدلية (يعطيه الله رجلا في القرآن وما في هذه الصحيفة) أي ~~الورقة المكتوبة: (قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل) أي الدية سميت ~~عقلا لأنهم كانوا يعقلون الإبل التي هي دية بفناء دار المقتول (وفكاك) بكسر ~~الفاء وفتحها (الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر رواه البخاري وأخرجه أحمد ~~وأبو داود والنسائي من وجه آخر عن علي رضي الله عنه وقال فيه: المؤمنون ~~تتكافأ دماؤهم) أي تتساوى في الدية والقصاص (ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد ~~على من سواهم ولا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده وصححه الحاكم). قال ~~المصنف: إنما سأل أبو جحيفة عليا رضي الله عنه عن ذلك لان جماعة من الشيعة ~~كانوا يزعمون أن لأهل البيت عليهم السلام لا سيما علي رضي الله عنه اختصاصا ~~بشئ من الوحي لم يطلع عليه غيره وقد سأل عليا رضي الله عنه عن هذه المسألة ~~غير أبي جحيفة أيضا. ثم الظاهر أن المسؤول عنه هو ما يتعلق بالأحكام ~~الشرعية من الوحي الشامل لكتاب الله المعجز وسنة النبي (ص) فإن الله تعالى ~~سماها وحيا إذ فسر قوله تعالى PageV03P234 # * (وما ينطق عن الهوى) * بما هو أعم من القرآن. ويدل عليه قوله: وما في ~~هذه الصحيفة فلا يلزم منه نفي ما نسب إلى علي رضي الله عنه من الجفر وغيره ~~وقد يقال: إن هذا داخل تحت قوله: إلا فهم يعطيه الله تعالى رجلا في القرآن. ~~فإنه كما نسب إلى كثير ممن فتح الله عليه بأنواع العلوم ونور بصيرته أنه ~~يستنبط ذلك ms0983 من القرآن. والحديث قد اشتمل على مسائل: الأولى: العقل وهو ~~الدية ويأتي تحقيقها. والثانية: فكاك الأسير، أي حكم تخليص الأسير من يد ~~العدو، وقد ورد الترغيب في ذلك. والثالثة: عدم قتل المسلم بالكافر قودا ~~وإلى هذا ذهب الجماهير وأنه لا يقتل ذو عهد في عهده، فذو العهد الرجل من ~~أهل دار الحرب يدخل علينا بأمان فإن قتله محرم على المسلم حتى يرجع إلى ~~مأمنه. فلو قتله مسلم فقالت الحنفية: يقتل المسلم بالذمي إذا قتله بغير ~~استحقاق ولا يقتل بالمستأمن. واحتجوا بقوله في الحديث: ولا ذو عهد في عهده ~~فإنه معطوف على قوله: مؤمن فلا بد من تقييد في الثاني كما في الطرف الأول ~~فيقدر: ولا ذو عهد في عهده بكافر ولا بد من تقييد الكافر في المعطوف بلفظ ~~الحربي لان الذمي يقتل بالذمي ويقتل بالمسلم. وإذا كان التقييد لا بد منه ~~في المعطوف وهو مطابق للمعطوف عليه فلا بد من تقدير مثل ذلك في المعطوف ~~عليه فيكون التقدير: ولا يقتل مؤمن بكافر حربي ومفهوم حربي أنه يقتل بالذمي ~~بدليل مفهوم المخالفة وإن كانت الحنفية لا تعمل بالمفهوم فهم يقولون إن ~~الحديث يدل على أنه لا يقتل بالحربي صريحا. وأما قتله بالذمي فبعموم قوله ~~تعالى: * (النفس بالنفس) * ولما أخرجه البيهقي من أنه صلى الله عليه وسلم ~~قتل مسلما بمعاهد وقال: أنا أكرم من وفى بذمته وهو حديث مرسل من حديث عبد ~~الرحمن بن البيلماني وقد روي مرفوعا. قال البيهقي: وهو خطأ، وقال ~~الدارقطني: ابن البيلماني ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث فكيف بما ~~يرسله؟. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: هذا الحديث ليس بمسند ولا يجعل مثله ~~إماما تسفك به دماء المسلمين. وذكر الشافعي في الأم: إن حديث ابن البيلماني ~~كان في قصة المستأمن الذي قتله عمرو بن الضميري قال: فعلى هذا لو ثبت لكان ~~منسوخا لان حديث لا يقتل مسلم بكافر خط ب به النبي صلى الله عليه وسلم يوم ~~الفتح كما في رواية عمرو بن شعيب وقصة ms0984 عمرو بن أمية متقدمة قبل ذلك بزمان. ~~هذا وأما ما ذكرته الحنفية من التقدير فقد أجيب عنه بأنه لا يجب التقدير ~~لان قوله: ولا ذو عهد في عهده كلام تام فلا يحتاج إلى إضمار لان الاضمار ~~خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا لضرورة فيكون نهيا عن قتل المعاهد. وقولهم: ~~إن قتل المعاهد معلوم وإلا لم يكن للعهد فائدة فلا حاجة إلى الاخبار به. ~~PageV03P235 # جوابه أنه محتاج إلى ذلك إذ لا يعرف إلا بطريق الشارع وإلا فإن ظاهر ~~العمومات يقضي بجواز قتله ولو سلم تقدير الكافر في الثاني فلا يسلم استلزام ~~تخصيص الأول بالحربي لان مقتضى العطف مطلق الاشتراك لا الاشتراك من كل وجه. ~~ومعنى قوله: ويسعى بذمتهم أدناهم أنه إذا أمن المسلم حربيا كان أمانه أمانا ~~من جميع المسلمين ولو كان ذلك المسلم امرأة كما في قصة أم هانئ ويشترط كون ~~المؤمن مكلفا فإنه يكون أمانا من الجميع فلا يجوز نكث ذلك وقوله: وهم يد ~~على من سواهم أي هم مجتمعون على أعدائهم لا يحل لهم التخاذل بل يعين بعضهم ~~بعضا على جميع من عاداهم من أهل الملل كأنه جعل أيديهم يدا واحدة وفعلهم ~~فعلا واحدا. # 7 - (وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن جارية وجد رأسها قد رض بين حجرين ~~فسألوها: من صنع بك هذا؟ فلان فلان؟ حتى ذكروا يهوديا فأومأت برأسها، فأخذ ~~اليهودي فأقر، فأمر رسول الله (ص) أن يرض رأسه بين حجرين متفق عليه واللفظ ~~لمسلم). الحديث دليل على أنه يجب القصاص بالمثل كالمحدد وأنه يقتل الرجل ~~بالمرأة وأنه يقتل بما قتل به فهذه ثلاث مسائل: الأولى: وجوب القصاص ~~بالمثقل وإليه ذهب الهادوية والشافعي ومالك ومحمد بن الحسن عملا بهذا ~~الحديث والمعنى المناسب ظاهر قوي وهو صيانة الدماء من الاهدار. ولان القتل ~~بالمثل كالقتل بالمحدد في إزهاق الروح. وذهب أبو حنيفة والشعبي والنخعي إلى ~~أنه لا قصاص في القتل بالمثل واحتجوا بما أخرجه البيهقي من حديث النعمان بن ~~بشير مرفوعا: كل شئ خطأ إلا السيف ولكل ms0985 خطأ أرش وفي لفظ كل شئ سوى الحديدة ~~خطأ ولكل خطأ أرش. وأجيب بأن الحديث مداره على جابر الجعفي وقيس بن الربيعة ~~ولا يحتج بهما فلا يقاوم حديث أنس هذا. وجواب الحنفية عن حديث أنس بأنه حصل ~~في الرض الجرح أو بأن اليهودي كان عادته قتل الصبيان فهو من الساعين في ~~الأرض فسادا: تكلف. وأما إذا كان القتل بآلة لا يقصد بمثلها القتل غالبا ~~كالعصا والسوط واللطمة ونحو ذلك فعند الهادوية والليث ومالك يجب فيها ~~القود. وقال الشافعي: # وأبو حنيفة وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم: لا قصاص فيه ~~وهو شبه العمد وفيه الدية مائة من الإبل مغلظة فيها أربعون خلفة في بطونها ~~أولادها لما أخرجه أحمد وأهل السنن إلا الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ألا وإن في قتل الخطأ شبه العمد ما ~~كان بالسوط والعصا مائة من الإبل فيها أربعون في بطونها أولادها. قال ابن ~~كثير في الارشاد: في إسناده اختلاف كثير ليس هذا موضع بسطه. # قلت: إذا صح الحديث فقد اتضح الوجه وإلا فالأصل عدم اعتبار الآلة في ~~إزهاق الروح بل ما أزهق الروح أوجب القصاص. المسألة الثانية: قتل الرجل ~~بالمرأة وفيه خلاف ذهب إلى قتله بها أكثر أهل العلم وحكى ابن المنذر ~~الاجماع على ذلك لهذا الحديث، وعن الحسن البصري أنه لا يقتل الرجل بالأنثى ~~وكأنه يستدل بقوله تعالى: * (الأنثى بالأنثى) *. ورد بأنه ثبت في كتاب عمرو ~~بن حزم الذي تلقاه الناس بالقبول أن الذكر يقتل بالأنثى فهو أقوى من مفهوم ~~الآية: وذهبت الهادوية إلى أن الرجل يقاد بالمرأة ويوفى ورثته نصف ديته، ~~PageV03P236 # قالوا لتفاوتهما في الدية ولأنه تعالى قال: * (والجروح قصاص) *. ورد بأن ~~التفاوت في الدية لا يوجب التفاوت في النفس ولذا يقتل عبد قيمته ألف بعبد ~~قيمته عشرون وقد وقعت المساواة في القصاص لان المراد بالمساواة في الجروح ~~أن لا يزيد المقتص على موقع فيه من الجرح. # المسألة الثالثة: أن يكون القود بمثل ما ms0986 قتل به وإلى هذا ذهب الجمهور وهو ~~الذي يستفاد من قوله تعالى: * (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) * ~~وقوله: * (فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * وبما أخرجه البيهقي من حديث ~~البراء عنه (ص): من غرض غرضنا له ومن حرق حرقناه ومن غرق غرقناه أي من ~~اتخذه غرضا للسهام. وهذا يقيد بما إذا كان السبب الذي قتل به يجوز فعله. ~~وأما إذا كان لا يجوز فعله كمن قتل بالسحر فإنه لا يقتل به لأنه محرم وفيه ~~خلاف، قال بعض الشافعية: إذا قتل باللواط أو بإيجار الخمر أنه يدس فيه خشبة ~~ويوجر الخل وقيل يسقط اعتبار المماثلة. وذهب الهادوية والكوفيون وأبو حنيفة ~~وأصحابه إلى أنه لا يكون الاقتصاص إلا بالسيف واحتجوا بما أخرجه البزار ~~وابن عدي من حديث أبي بكرة عنه (ص) أنه قال: لا قود إلا بالسيف إلا أنه ~~ضعيف قال ابن عدي: طرقه كلها ضعيفة. واحتجوا بالنهي عن المثلة وبقوله (ص): ~~إذا قتلتم فأحسنوا القتلة. وأجيب بأنه مخصص بما ذكر. وفي قوله: فأقر دليل ~~على أنه يكفي الاقرار مرة واحدة إذ لا دليل على أنه كرر الاقرار. # 8 - (وعن عمران بن حصين رضي الله عنه: أن غلاما لأناس فقراء قطع أذن غلام ~~لأناس أغنياء، فأتوا النبي (ص) فلم يجعل لهم شيئا رواه أحمد والثلاثة ~~بإسناد صحيح). الحديث فيه دليل على أنه لا غرامة على الفقير إلا أنه قال ~~البيهقي: إن كان المراد بالغلام فيه المملوك فإجماع أهل العلم أن جناية ~~العبد في رقبته. فهو يدل والله أعلم أن جنايته كانت خطأ وأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم إنما لم يجعل عليه شيئا لأنه التزم أرش جنايته فأعطاه من عنده ~~متبرعا بذلك. وقد حمله الخطابي على أن الجاني كان حرا وكانت الجناية خطأ ~~وكانت عاقلته فقراء فلم يجعل عليهم شيئا إما لفقرهم وإما لأنه لا يعقلون ~~الجناية الواقعة على العبد إن كان المجني عليه مملوكا - كما قال البيهقي. ~~وقد يكون الجاني غلاما حرا غير بالغ وكانت جنايته عمدا فلم يجعل ms0987 علي في ~~الحال أو رآه على عاقلته فوجدهم فقراء فلم يجعله عليه لكون جنايته في حكم ~~الخطأ ولا عليهم لكونهم فقراء والله أعلم انتهى. # وقوله: ولم يجعل أرشها على عاقلته هذا مذهب الشافعي أن عمد الصغير يكون ~~في ماله ولا تحمله العاقلة وقوله: أو رآه على عاقلته يعني مع احتمال أنه ~~خطأ وهذا اتفاق، ومع احتمال أنه عمد كما ذهب إليه الهادوية وأبو حنيفة ~~ومالك. # 9 - (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا طعن رجلا بقرن في ركبته، ~~فجاء إلى النبي (ص) فقال أقدني، فقال: # حتى تبرأ ثم جاء إليه فقال: أقدني فأقاده ثم جاء إليه فقال: يا رسول الله ~~عرجت، فقال: قد نهيتك فعصيتني فأبعدك الله وبطل عرجك ثم نهى رسول الله (ص) ~~أن يقتص من PageV03P237 # جرح حتى يبرأ صاحبه. رواه أحمد والدارقطني وأعل بالارسال. بناء على أن ~~شعيبا لم يدرك جده وقد دفع بأنه ثبت لقاء شعيب لجده وفي معناه أحاديث تزيده ~~قوة. وهو دليل على أنه لا يقتص من الجراحات حتى يحصل البرء من ذلك وتؤمن ~~السراية. قال الشافعي: # إن الانتظار مندوب بدليل تمكينه صلى الله عليه وسلم من الاقتصاص قبل ~~الاندمال. وذهب الهادوية وغيرهم إلى أنه واجب وإذنه صلى الله عليه وسلم ~~بالاقتصاص كان قبل علمه (ص) بما يؤول إليه من المفسدة. # 10 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت ~~إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن دية جنينها غرة) بضم ~~الغين المعجمة وتشديد الراء منون (عبد أو وليدة) هما بدل من غرة وأو ~~للتقسيم لا للشك (وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثها ولدها من معهم). في ~~سنن أبي داود أن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله (ص) أن ~~ميراثها لبنيها والعقل على عصبتها، ومثله في مسلم فضمير ورثها يعود إلى ~~القاتلة وقيل: يعود إلى المقتولة وذلك أن عاقلتها ms0988 قالوا: إن ميراثها لنا ~~فقال: لا فقضى بديتها لزوجها وولدها. (فقال حمل) بفتح الحاء المهملة وفتح ~~الميم (ابن النابغة) بالنون بعد الألف موحدة فغين معجمة وهو زوج المرأة ~~القاتلة: (الهذلي: يا رسول الله كيف يغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا ~~استهل) الاستهلال رفع الصوت يريد أنه لم تعلم حياته بصوت نطق أو بكاء (فمثل ~~ذلك يطل) بالمثناة التحتية مضمومة وتشديد اللام على أنه مضارع مجهول من طل ~~ومعناه يهدر ويلغى ولا يضمن. ويروى بالموحدة وتخفيف اللام على أنه ماض من ~~البطلان (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما هذ) أي هذا القائل (من ~~إخوان الكهان من أجل سجعه الذي سجع. متفق عليه). وفي الحديث مسائل: # الأولى: فيه دليل على أن الجنين إذا مات بسبب الجناية وجبت فيه الغرة ~~مطلقا سواء انفصل عن أمه وخرج ميتا أو مات في بطنها. فأما إذا خرج حيا ثم ~~مات ففيه الدية كاملة ولكنه لا بد أن يعلم أنه جنين بأن تخرج منه يد أو رجل ~~وإلا فالأصل براءة الذمة وعدم وجوب الغرة وقد فسر الغرة في الحديث بعبد أو ~~وليدة وهي الأمة. قال الشعبي: الغرة خمسمائة درهم، وعند أبي داود والنسائي ~~من حديث بريدة مائة شاة وقيل خمس من الإبل إذ هي الأصل في الديات وهذا في ~~جنين الحرة وأما جنين الأمة فقيل: يخصص بالقياس على ديتها فكما أن الواجب ~~قيمتها في ضمانها فيكون الواجب في جنينها الأرش منسوبا إلى القيمة. وقياسه ~~على جنين الحرة فإن اللازم فيه نصف عشر الدية فيكون اللازم فيه نصف عشر ~~قيمتها. الثانية: قوله وقضى بدية المرأة على عاقلتها يدل على أنه يجب ~~القصاص في مثل هذا وهو من أدلة PageV03P238 # من يثبت شبه العمد وهو الحق، فإن ذلك القتل كان بحجر صغير أو عود صغير لا ~~يقصد به القتل بحسب الأغلب فتجب فيه الدية على العاقلة ولا قصاص فيه ~~والحنفية تجعله من أدلة عدم وجوب القصاص بالمثقل. الثالثة: في قوله: على ~~عاقلتها دليل على أنها ms0989 تجب الدية على العاقلة، والعاقلة هم العصبة وقد فسر ~~ت بمن عدا الولد وذوي الأرحام كما أخرجه البيهقي من حديث أسامة بن عمير ~~فقال أبو هريرة: إنما يعقلها بنوها فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: الدية على العصبة وفي الجنين غزة ولهذا بوب البخاري: باب جنين ~~المرأة وأن العقل على الوالد وعصبة الوالد لا على الولد. قال الشافعي: لا ~~أعلم خلافا في أن العاقلة العصبة وهم القرابة من قبل الأب وفسر بالأقرب ~~فالأقرب من عصبة الذكر الحر المكلف وفي ذلك خلاف يأتي في القسامة. وظاهر ~~الحديث وجوب الدية على العاقلة وبه قال الجمهور . وخالف جماعة في وجوبها ~~عليهم فقالوا: لا يعقل أحد عن أحد مستدلين بما عند أحمد وأبي داود والنسائي ~~والحاكم: أن رجلا أتى إلى النبي (ص) فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: من ~~هذا؟ قال: ابني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لا يجني عليك ولا ~~تجني عليه وعند أحمد وأبي داود والترمذي من حديث عمرو بن الأحوص أنصلي الله ~~عليه وسلم قال: لا يجني جان إلا على نفسه ولا يجني جان على ولده. وجمع ~~بينهما وبين وجوب الدية على العاقلة بأن المراد به الجزاء الأخروي أي لا ~~يجني عليه جناية يعاقب بها في الآخرة وعلى القول بأن الوالد والولد ليسا من ~~العاقلة كما قاله الخطابي فلا يتم به الاستدلال. الرابعة: قوله صلى الله ~~عليه وسلم: إنما هو من إخوان الكهان من أجل سجعه الذي سجع يظهر أن قوله من ~~أجل سجعه " مدرج فهم الراوي ففيه دليل على كراهة السجع قال العلماء: إنما ~~كرهه من هذا الشخص لوجهي أحدهما: أنه عارض به حكم الشرع ورام إبطاله. ~~الثاني: أنه تكلفه في مخاطبته وهذان الوجهان من السجع مذمومان. وأما السجع ~~الذي ورد منه صلى الله عليه وسلم في بعض الأوقات وهو كثير في الحديث فليس ~~من هذا لأنه لا يعارض حكم الشرع ولا يتكلفه فلا نهي عنه. # 11 - (وأخرجه أبو داود والنسائي من حديث ms0990 ابن عباس رضي الله عنه أن عمر ~~سأل من شهد قضاء رسول الله (ص) في الجنين؟ قال: فقام حمل بن النابغة) ~~المذكور في الحديث الذي قبله: (فقال: كنت بين يدي امرأتين فضربت إحداهما ~~الأخرى فذكره مختصرا وصححه ابن حبان والحاكم). وأخرجه أبو داود بلفظ: أن ~~عمر سأل الناس عن إملاص المرأة فقال المغيرة: شهدت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قضى فيها بغرة عبد أو أمة فقال: # ائتني بمن يشهد معك قال: فأتاه محمد بن مسلمة فشهد له. ثم قال أبو داود: ~~قال أبو عبيد إملاص المرأة إنما سمي إملاصا لأن المرأة تزلقه قبل وقت ~~الولادة وكذلك كل ما زلق من اليد وغيرها فقد ملص انتهى. ولا بد من أن يعلم ~~أن الجنين قد تخلق وجرى فيه الروح ليتصف بأنه قتلته الجناية، والشافعية ~~فسروه بما ظهر فيه صورة الآدمي من يد وأصبع وغيرهما. فإن لم تظهر فيه ~~الصورة ويشهد أهل الخبرة بأن ذلك أصل الآدمي فحكمه كذلك إذا كانت ~~PageV03P239 # الصورة خفية. وإن شك أهل الخبرة لم يجب فيه شئ اتفاقا. وفيه دليل على أن ~~في الجنين غرة ذكرا كان أو أنثى لاطلاق الحديث. # 12 - (وعن أنس رضي الله عنه أن الربيع) بضم الراء والباء الموحدة ~~المفتوحة فمثناة تحتية مشددة مكسورة أخت أنس (بنت النضر عمته) أي عمة أنس ~~بن مالك وهي غير الربيع بنت معوذ ووقع في سنن البيهقي بنت معوذ قال المصنف: ~~إنه غلط (كسرت ثنية جارية) أي شابة من الأنصار كما في رواية (فطلبوا) أي ~~قرابة الربيع (إليها) أي إلى الجارية (العفو فأبوا فعرضوا الأرش فأبوا ~~فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبوا إلا القصاص فأمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالقصاص فقال أنس بن النضر: يا رسول الله أتكسر ثنية ~~الربيع؟ لا، والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # يا أنس كتاب الله القصاص فرضي القوم فعفوا فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # إن من عباد الله من ms0991 لو أقسم على الله لأبره متفق عليه واللفظ للبخاري). ~~فيه مسائل: الأولى: أن فيه دليلا على وجوب الاقتصاص في السن بأن كانت ~~بكمالها فهو مأخوذ من قوله تعالى: * (والسن بالسن) * وقد ثبت على قلع السن ~~بالسن في العمد وأما كسر السن فقد دل هذا الحديث على القصاص فيه أيضا. قال ~~العلماء: وذلك إذا عرفت المماثلة وأمكن ذلك من دون سراية إلى غير الواجب ~~قال أبو داود: قلت لأحمد - يريد أحمد بن حنبل -: كيف في السن؟ قال تبرد أي ~~يبرد من سن الجاني بقدر ما كسر من سن المجني عليه وقال بعضهم: إن الحديث ~~محمول على القلع وأنه أراد بقوله كسرت: قلعت وهو بعيد. # وأما العظم غير السن فقد قام الاجماع على أنه لا قصاص في العظم الذي يخاف ~~منه ذهاب النفس إذا لم تتأت فيه المماثلة بأن لا يوقف على قدر الذاهب. وقال ~~الليث والشافعي والحنفية لا قصاص في العظم غير السن لان دون العظم حائلا من ~~جلد ولحم وعصب فيتعذر معه المماثلة فلو أمكنت لحكمنا بالقصاص ولكن لا نصل ~~إلى العظم حتى ننال ما دونه مما لا يعرف قدره. الثانية: قوله: أتكسر ثنية ~~الربيع ظاهر الاستفهام الانكار وقد تؤول بأنه لم يرد به الحكم والمعارضة ~~وإنما أراد به أن يؤكد للنبي (ص) طلب الشفاعة منهم وأكد طلبه من النبي (ص) ~~بالقسم. وقيل: بل قاله قبل أن يعلم أن القصاص حتم وظن أنه يخير بينه وبين ~~الدية أو العفو. ويرشد إليه قوله في جوابه: يا أنس كتاب الله القصاص وقيل: ~~إنه لم يرد الانكار بل قاله توقعا ورجاء من فضل الله أن يلهم الخصوم الرضا ~~حتى يعفوا أو يقبلوا الأرش وقد وقع الامر على ما أراد. وفي إلهامهم العفو ~~وفي تقريره صلى الله عليه وسلم على الحلف دليل على أنه يجوز الحلف فيما يظن ~~وقوعه. الثالثة: قوله (ص): # كتاب الله القصاص المشهور الرفع على أنه مبتدأ وخبر. ويجوز النصب في ~~الأول على المصدر وفعله محذوف أي كتب كتاب الله وفي ms0992 الثاني على أنه مفعول ~~للكتاب أو للفعل المقدر ويحتمل وجوها أخر. قيل أراد بالكتاب الحكم أي حكم ~~الله القصاص وقيل أشار إلى قوله تعالى: * (والجروح قصاص) * أو إلى * ~~(فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) * أو إلى * (والسن بالسن) *. PageV03P240 # وفي قوله (ص): إن من عباد الله من لو أقسم - إلى آخره تعجب منه صلى الله ~~عليه وسلم بوقوع مثل هذا من حلف أنس على نفي فعل الغير واصرار الغير على ~~إيقاع ذلك الفعل وكأن قضية العادة في ذلك أن يحنث في يمينه فألهم الله ~~تعالى الغير العفو فبر قسم أنس، وأن هذا الاتفاق وقع إكراما من الله تعالى ~~لأنس ليبر في يمينه وأنه من جملة عباد الله الذين يعطيهم الله تعالى أربهم ~~ويجيب دعاءهم وفيه جواز الثناء على من وقع له مثل ذلك عند أمن الفتنة عليه. # 13 - (وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # من قتل في عميا) بكسر العين المهملة وتشديد الميم والياء المثناة من تحت ~~بالقصر فعيلى من العماء. قوله: (أو رميا) بزنته مصدر يراد به المبالغة ~~(بحجر أو سوط أو عصا فعقله عقل الخطأ ومن قتل عمدا فهو قود ومن حال دونه ~~فعليه لعنه الله أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة بإسناد قوي). قال في ~~النهاية في تفسير اللفظين المعنى أن يوجد بينهم قتيل يعمى أمره ولا يتبين ~~قاتله فحكمه حكم قتيل الخطأ تجب فيه الدية. # الحديث فيه مسألتان: الأولى أنه دليل على أن من لم يعرف قاتله فإنها تجب ~~فيه الدية وتكون على العاقلة وظاهره من غير أيمان قسامة. وقد اختلف في ذلك: ~~فقالت الهادوية: إن كان الحاضرون الذين وقع بينهم القتل منحصرين لزمت ~~القسامة وجرى فيها حكمها من الايمان والدية. وإن كانوا غير منحصرين لزمت ~~الدية في بيت المال. وقال الخطابي: اختلف هل تجب الدية في بيت المال أو لا؟ ~~قال إسحاق بالوجوب وتوجيهه من حيث المعنى أنه مسلم مات بفعل قوم من ~~المسلمين فوجبت ديته في بيت مال المسلمين. وذهب الحسن ms0993 إلى أن ديته تجب على ~~جميع من حضر وذلك لأنه مات بفعلهم فلا تتعداهم إلى غيرهم وقال مالك: إنه ~~يهدر لأنه إذا لم يوجد قاتله بعينه استحال أن يؤخذ به أحد. وللشافعي قول: ~~إنه يقال لوليه ادع على من شئت واحلف فإن حلف استحق الدية وإن نكل حلف ~~المدعى عليه على النفي وسقطت المطالبة وذلك لان الدم لا يجب إلا بالطلب. ~~وإذا عرفت هذا الاختلاف وعدم المستند القوي في أي هذه الأقوال وقد عرفت أن ~~سند الحديث قوي كما قاله المصنف: علمت أن القول به أولى الأقوال. المسألة ~~الثانية: في قوله: ومن قتل عمدا فهو قود دليل على أن الذي يوجبه القتل عمدا ~~هو القود عينا. وفي المسألة قولان: الأول: أنه يجب القود عينا وإليه ذهب ~~زيد بن علي وأبو حنيفة وجماعة ويدل له قوله تعالى: * (كتب عليكم القصاص) * ~~وحديث: كتاب الله القصاص. قالوا: وأما الدية فلا تجب إلا إذا رضي الجاني ~~ولا يجبر الجاني على تسليمها. # والثاني: للهادوية وأحمد ومالك غيرهم. وقول للشافعي إنه يجب بالقتل عمدا ~~أحد أمرين: # القصاص أو الدية لقوله صلى الله عليه وسلم: من قتل له قتيل فهو بخير ~~النظرين إما أن يقيد وإما أن يدي أخرجه أحمد والشيخان وغيرهم. وأجيب عنه ~~بأن المراد من الحديث أن ولي المقتول مخير بشر أن يرضى الجاني أن يغرم ~~الدية قالوا: وفي هذا التأويل جمع بين الدليلين. # قلنا: الاقتصار في الآية وفي بعض الأحاديث على بعض ما يجب لا يدل على أنه ~~لا يجب غير PageV03P241 # مما قام الدليل على وجوبه. وقد أخرج أحمد وأبو داود عن أبي شريح الخزاعي ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أصيب بدم أو خبل والخبل ~~الجراح - فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: إما أن يقتص أو يأخذ العقل أو يعفو. ~~فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه فإن قبل من ذلك شيئا ثم عدا بعد ذلك فإن ~~له النار. # 14 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي (ص) قال: إذا ms0994 أمسك الرجل ~~الرجل وقتله الآخر يقتل الذي قتل ويحبس الذي أمسك، رواه الدارقطني موصولا ~~ومرسلا، وصححه ابن القطان، ورجاله ثقات. إلا أن البيهقي رجح المرسل). قال ~~الحافظ ابن كثير في الارشاد: وهذا الاسناد على شرط مسلم. قلت: إشارة إلى ~~إسناد الدارقطني فإنه رواه من حديث أبي داود الحفري عن الثوري عن إسماعيل ~~بن أمية عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله (ص): الحديث ثم قال: قال الحافظ ~~البيهقي: ما رواه غير أبي داود الحفري عن الثوري وغيره عن إسماعيل بن أمية ~~مرسلا وهذا هو الصحيح. والحديث دليل على أنه ليس على الممسك سوى حبسه ولم ~~يذكر قدر مدته فهي راجعة إلى نظر الحاكم وأن القود أو الدية على القاتل ~~وإلى هذا ذهبت الهادوية والحنفية والشافعية للحديث ولقوله تعالى: * (فمن ~~اعتدى فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) *. # وذهب مالك والنخعي وابن أبي ليلى إلى أنهما يقتلان جميعا إذ هما مشتركان ~~في قتله، فإنه لولا الامساك ما قتل. وأجيب بأن النص منع الالحاق فإن حكم ~~ذلك حكم الحافر للبئر والمردي إليها فإن الضمان على المردي دون الحافر ~~اتفاقا ولكن الحديث الآتي دليل للأولين. # 15 - (وعن عبد الرحمن بن البيلماني رضي الله عنه) بفتح الموحدة وسكون ~~المثناة التحتية وفتح اللام ضعفه جماعة فلا يحتج بما انفرد به إذا وصل فكيف ~~إذا أرسل فكيف إذا خالف، وفيه إبراهيم بن محمد بن أبي ليلى ضعيف (أن النبي ~~(ص) قتل مسلما بمعاهد وقال: أنا أولى من وفي بذمته أخرجه عبد الرزاق هكذا ~~مرسلا ووصله الدارقطني بذكر ابن عمر فيه وإسناده الموصول واه) تقدم الكلام ~~في الحديث. # 16 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قتل غلام غيلة) بكسر الغين ~~المعجمة وسكون المثناة التحتية أي سرا: (فقال عمر رضي الله عنه: لو اشترك ~~فيه أهل صنعاء لقتلتهم به. أخرجه البخاري) وأخرجه ابن أبي شيبة من وجه آخر ~~عن نافع: أن عمر قتل سبعة من أهل صنعاء برجل، وأخرجه في الموطأ بسند آخر من ~~حديث ابن المسيب: ms0995 أن عمر قتل خمسة أو ستة برجل قتلوه غيلة وقال: لو تمالا ~~عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا. وللحديث قصة أخرجها الطحاوي والبيهقي عن ~~ابن وهب قال: حدثني جرير بن حازم أن المغيرة بن حكيم الصنعاني حدثه عن ~~أبيه: أن امرأة بصنعاء غاب عنها زوجها وترك في حجرها ابنا له من غيرها ~~غلاما يقال له أصيل فاتخذت المرأة بعد زوجها خليلا فقالت له: إن هذا الغلام ~~يفضحنا فاقتله فأبى فامتنعت منه فطاوعها فاجتمع على قتل الغلام الرجل ~~PageV03P242 # ورجل آخر والمرأة وخادمها فقتلوه ثم قطعوا أعضاءه وجعلوه في عيبة وطرحوه ~~في ركية في ناحية القرية ليس فيها ماء - وذكر القصة وفيها - فأخذ خليلها ~~فاعترف ثم اعترف الباقون فكتب يعلى وهو يومئذ أمير شأنهم إلى عمر رضي الله ~~عنه فكتب عم بقتلهم جميعا وقال والله لو أن أهل صنعاء اشتركوا في قتله ~~لقتلتهم أجمعين. وفي هذا دليل أن رأي عمر رضي الله عنه أنه تقتل الجماعة ~~بالواحد وظاهره ولو لم يباشره كل واحد ولذا قلنا إن فيه دليلا لقول مالك ~~والنخعي وقول عمر: لو تمالا أي توافق دليل على ذلك وفي قتل الجماعة بالواحد ~~مذاهب: الأول: هذا وإليه ذهب جماهير فقهاء الأمصار وهو مروي عن علي رضي ~~الله عنه وغيره وقد أخرج البخاري: عن علي رضي الله عنه في رجلين شهدا على ~~رجل بالسرقة فقطعه علي رضي الله عنه ثم أتياه بآخر فقالا: هذا الذي سرق ~~وأخطأنا على الأول فلم يجز شهادتهما على الآخر وأغرمهما دية الأول وقال: لو ~~أعلم أنكما تعمدتما لقطعتكما ولا فرق بين القصاص في الأطراف والنفس. ~~والثاني: للناصر والشافعي وجماعة ورواية عن مالك أنه يختار الورثة واحدا من ~~الجماعة وفي رواية عن مالك يقرع بينهم فمن خرجت عليه القرعة قتل، ويلزم ~~الباقون الحصة من الدية وحجتهم أن الكفاءة معتبرة ولا تقتل الجماعة بالواحد ~~كما لا يقتل الحر بالعبد وأجيب بأنهم لم يقتلوا لصفة زائدة في المقتول بل ~~لان كل واحد منهم قاتل. والثالث: لربيعة وداود أنه لا قصاص ms0996 على الجماعة بل ~~الدية رعاية للمماثلة ولا وجه لتخصيص بعضهم. هذه أقوال العلماء في المسألة. ~~والظاهر قول داود لأنه تعالى أوجب القصاص وهو المماثلة وقد انتفت هنا ثم ~~موجب القصاص هو الجناية التي تزهق الروح بها فإن زهقت بمجموع فعلهم فكل فرد ~~ليس بقاتل فكيف يقتل عند الجمهور وإنما يصح على قول النخعي وإن كان كل واحد ~~قاتلا بانفراده لزم توارد المؤثرات على أثر واحد والجمهور يمنعونه على أنه ~~لا سبيل إلى معرفة أنه مات بفعلهم جميعا أو بفعل بعضهم فإن فرض معرفتنا بأن ~~كل جناية قاتلة بانفرادها لم يلزم أنه مات بكل منها فلا عبرة بالأسبق كما ~~قيل. وأما حكم عمر رضي الله عنه ففعل صحابي لا تقوم به الحجة. ودعوى أنه ~~إجماع غير مقبولة وإذا لم يجب قتل الجماعة بالواحد فإنها تلزمهم دية واحدة ~~لأنها عوض عن دم المقتول. وقيل: تلزم كل واحد ونسب قائله إلى خلاف الاجماع. ~~هذا ما قررناه هنا ثم قوي لنا قتل الجماعة بالواحد وحررنا دليله في حواشي ~~ضوء النهار وفي ذيلنا على الأبحاث المسددة. # 17 - (وعن أبي شريح رضي الله عنه) بضم الشين المعجمة وسكون المثناة ~~التحتية فحاء مهملة (الخزاعي) بضم الخاء المعجمة فزاي بعد الألف عين مهملة ~~واسمه عمرو بن خويلد وقيل غيره (قال: قال رسول الله (ص): فمن قتل له قتيل ~~بعد مقالتي هذه فأهله بين خيرتين) بالخاء المعجمة فراء تثنية خيرة، بينهما ~~بقوله: (إما أن يأخذوا PageV03P243 # العقل أو يقتلوا أخرجه أبو داود والنسائي، وأصله في الصحيحين من حديث أبي ~~هريرة بمعناه). أصل الحديث أنه قال صلى الله عليه وسلم في أثناء كلامه: ثم ~~إنكم معشر خزاعة قتلتم هذا الرجل من هذيل وإني عاقله فمن قتل له - الحديث ~~وتقدم حديث أبي شريح فيه التخيير بين إحدى ثلاث ولا منافاة. قال في الهدي ~~النبوي: إن الواجب أحد الشيئين إما القصاص أو الدية والخيرة في ذلك إلى ~~الولي بين أربعة أشياء: العفو مجانا، أو العفو إلى الدية أو القصاص، ولا ~~خلاف في تخييره ms0997 بين هذه الثلاثة. والرابعة المصالحة إلى أكثر من الدية وفيه ~~وجهان. أحدهما: أشهرهما مذهبا أي للحنابلة جوازه. الثاني: ليس له العفو على ~~مال إلا الدية أو دونها وهذا أرجح دليلا. فإن اختار الدية سقط القود ولم ~~يملك طلبه بعد وهذا مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن مالك. وتقدم القول ~~الثاني أن موجبه القود عينا وليس له العفو إلى الدية إلا برضا الجاني وتقدم ~~المختار. # باب الديات الديات بتخفيف المثناة التحتية جمع دية كعدات جمع عدة. أصل ~~دية ودية بكسر الواو مصدر ودي القتيل يديه إذا أعطى وليه ديته حذفت فاء ~~الكلمة وعوضت عنها تاء التأنيث كما في عدة. وهي اسم لأعم مما فيه القصاص ~~وما لا قصاص فيه. # 1 - (وعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم) بالحاء المهملة مفتوحة وسكون ~~الزاي وهو تابعي ولي القضاء في المدينة لعمر بن عبد العزيز اسمه كنيته (عن ~~أبيه عن جده) عمرو بن حزم (أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن ~~فذكر الحديث) أوله من محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال ~~والحارث بن عبد كلال قيل ذي رعين أما بعد إلى آخر ما هنا (وفيه: أن من ~~اعتبط) بالعين المهملة بعدها مثناة فوقية ثم موحدة آخرها طاء مهملة أي من ~~قتل قتيلا بلا جناية منه ولا جريرة توجب قتله (مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود ~~إلا أن يرضى أولياء المقتول) فيه دليل على أنهم مخيرون كما قررناه. (وإن في ~~النفس الدية مائة من الإبل) بدل من الدية. (وفي الانف إذا أوعب) بضم الهمزة ~~وسكون والواو وكسر العين المهملة فموحدة (جدعه) أي قطع جميعه (الدية وفي ~~اللسان الدية) إذا قطع من أصله أو ما يمنع منه الكلام. # (وفي الشفتين الدية، وفي الذكر الدية) إذا قطع من أصله. (وفي البيضتين ~~الدية، وفي الصلب الدية وفي العينين الدية وفي الرجل الواحدة نصف الدية) ~~إذا قطعت من مفصل الساق. (وفي المأمومة) هي الجناية التي بلغت أم الرأس وهي ~~الدماغ ms0998 أو الجلدة الرقيقة عليها: (ثلث الدية). (وفي الجائفة) قال في ~~القاموس: هي الطعنة تبلغ الجوف ومثله في غيره: (ثلث الدية). (وفي المنقلة) ~~اسم فاعل من نقل مشدد القاف وهي التي تخرج منها صغار العظام وتنتقل من ~~أماكنها وقيل التي تنقل العظم أي تكسره PageV03P244 # (خمس من الإبل وفي كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل وفي السن ~~خمس من الإبل وفي الموضحة) اسم فاعل من أوضح وهي التي توضح العظم وتكشفه. ~~(خمس من الإبل، وإن الرجل يقتل بالمرأة وعلى أهل الذهب ألف دينار أخرجه أبو ~~داود في المراسيل والنسائي وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان وأحمد ~~واختلفوا في صحته). قال أبو داود في المراسيل قد أسند هذا ولا يصح. والذي ~~قال في إسناده سليمان بن داود وهم: إنما هو ابن أرقم. وقال أبو زرعة: عرضته ~~على أحمد فقال: سليمان بن داود هذا ليس بشئ. وقال ابن حبان: سليمان بن داود ~~اليماني ضعيف وسليمان بن داود الخولاني ثقة وكلاهما يرويان عن الزهري. ~~والذي روى حديث الصدقات هو الخولاني فمن ضعفه إنما ظن أن الراوي هو ~~اليماني. وقال الشافعي: لم ينقلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عبد البر: هذا كتاب مشهور عند أهل السير ~~معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة تغني شهرتها عن الاسناد لأنه أشبه ~~المتواتر لتلقي الناس إياه بالقبول والمعرفة. قال العقيلي: حديث ثابت محفوظ ~~إلا أنا نرى أنه كتاب غير مسموع عمن فوق الزهري. وقال يعقوب بن سفيان: لا ~~أعلم في الكتب المنقولة كتابا أصح من كتاب عمرو بن حزم فإن الصحابة ~~والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم. # قال ابن شهاب: قرأت في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم ~~حين بعثه إلى نجران وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم، وصححه الحاكم وابن ~~حبان والبيهقي. وقال أحمد: أرجو أن يكون صحيحا. وقال الحافظ ابن كثير في ~~الارشاد بعد نقله كلام أئمة الحديث فيه ما ms0999 لفظه: قلت وعلى كل تقدير فهذا ~~الكتاب متداول بين أئمة الاسلام قديما وحديثا يعتمدون عليه ويفزعون في ~~مهمات هذا الباب إليه ثم ذكر كلام يعقوب بن سفيان. وإذا عرفت كلام العلماء ~~هذا عرفت أنه معمول به وأنه أولى من الرأي المحض. وقد اشتمل على مسائل ~~فقهية: الأولى: فيمن قتل مؤمنا اعتباطا أي بلا جناية منه ولا جريرة توجب ~~قتله كما قدمناه وقال الخطابي: اعتبط بقتله أي قتله ظلما لا عن قصاص. وقد ~~روى الاغتباط بالغين المعجمة كما يفيده تفسيره في سنن أبي داود فإنه قال: ~~إنه سئل يحيى بن يحيى الغساني عن الاغتباط فقال: القاتل الذي يقتل في ~~الفتنة فيرى أنه في هدى لا يستغفر الله تعالى منه. فهذا يدل أنه من الغبطة ~~الفرح والسرور وحسن الحال. فإذا كان المقتول مؤمنا وفرح بقتله فإنه داخل في ~~هذا الوعيد ودل على أنه يجب القود إلا أن يرضى أولياء المقتول فإنهم مخيرون ~~بينه وبين الدية كما سلف. الثانية: أنه دل على أن قدر الدية مائة من الإبل. # وفيه دليل أيضا على أن الإبل هي الواجبة وأن سائر الأصناف ليست بتقدير ~~شرعي بل هي مصالحة وإلى هذا ذهب القاسم والشافعي وأما أسنانها فسيأتي في ~~حديث بعد هذا بيانها إلا أن قوله في هذا الحديث وعلى أهل الذهب ألف دينار ~~ظاهره أنه أصل أيضا على أهل الذهب، والأب أصل على أهل الإبل. ويحتمل أن ذلك ~~مع عدم الإبل وأن قيمة المائة منها PageV03P245 # ألف دينار في ذلك العصر. ويدل لهذا ما أخرجه أبو داود والنسائي عن عمرو ~~بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم دية ~~الخطأ على أهل القرى أربعمائة دينار أو عدلها من الورق ويقومها على وبلغت ~~أثمان الإبل إذا غلت رفع من قيمتها وإذا هاجت ورخصت نقص من قيمتها على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين أربعمائة إلى ثمانمائة وعدلها من ~~الورق ثمانية آلاف درهم. قال: وقضى على أهل البقر مائتي بقرة ms1000 ومن كان دية ~~عقله في الشاء بألفي شاة. وأخرج أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن ~~رجلا من بني عدي قتل فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته اثني عشر ألفا ~~ومثله عند الشافعي وعند الترمذي وصرح بأنها اثنا عشر ألف درهم. وعند أهل ~~العراق أنها من الورق عشرة آلاف درهم ومثله عن عمر رضي الله عنه وذلك ~~بتقويم الدينار بعشرة دراهم واتفقوا على تقويم المثقال بها في الزكاة. ~~وأخرج أبو داود عن عطاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قضى في الدية على ~~أهل الإبل مائة من الإبل وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي ~~شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة وعلى أهل القمح شيئا لم يحفظه محمد بن إسحاق. ~~وهذا يدل على تسهيل الامر وأنه ليس يجب على من لزمته الدية إلا من النوع ~~الذي يجده ويعتاد التعامل به في ناحيته وللعلماء هنا أقاويل مختلفة وما دلت ~~عليه الأحاديث أولى بالاتباع وهذه التقديرات الشرعية كما عرفت. وقد استبدل ~~الناس عرفا في الديات وهو تقديرها بسبعمائة قرش ثم إنهم يجمعون عروضا يقطع ~~فيها بزيادة كثيرة في أثمانها فتكون الدية حقيقة نصف الدية الشرعية ولا ~~أعرف لهذا وجها شرعيا فإنه أمر صار مأنوسا ومن له الدية لا يعذر عن قبول ~~ذلك حتى أنه صار من الأمثال قطع دية إذا قطع شئ بثمن لا يبلغه. المسألة ~~الثالثة: قوله: وفي الانف إذا أوعب جدعه أي استؤصل وهو أن يقطع من العظم ~~المنحدر من مجمع الحاجبين فإن فيه دية وهذا حكم مجمع عليه. # واعلم أن الانف مركب من أربعة أشياء: من قصبة ومارن وأرنبة وروثة فالقصبة ~~هي العظم المنحدر من مجمع الحاجبين والمارن هو الغضروف الذي يجمع المنخرين ~~والروثة بالراء وبالمثلثة طرف الأنف وفي القاموس المارن الانف أو طرفه أو ~~ما لان منه. واختلف إذا جنى على أحد هذه فقيل: تلزم حكومة عند الهادي وذهب ~~الناصر والفقهاء إلى أن في المارن دية لما رواه الشافعي عن طاوس ms1001 قال: عندنا ~~في كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم: في الانف إذا قطع مارنه مائة من ~~الإبل قال الشافعي: وهذا أبين من حديث آل حزم. وفي الروثة نصف الدية لما ~~أخرجه البيهقي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قضى النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا قطعت ثندوة الانف بنصف العقل خمسون من الإبل أو عدلها ~~من الذهب أو الورق. قال في النهاية: الثندوة هنا روثة الانف وهي طرفه ~~ومقدمه. المسألة الرابعة: قوله: وفي اللسان الدية أي إذا قطع من أصله كما ~~هو ظاهر الاطلاق وهذا مجمع عليه وكذا إذا قطع منه ما يمنع الكلام. وأما إذا ~~قطع ما يبطل بعض الحروف فحصته معتبرة بعدد الحروف وقيل بحروف اللسان فقط ~~وهي ثمانية عشر حرفا PageV03P246 # لا حروف الحلق وهي ستة وحروف الشفة وهي أربعة. والأول أولى لان النطق لا ~~يتأتى إلا باللسان. المسألة الخامسة: قوله: وفي الشفتين الدية واحدتهما شفة ~~بفتح الشين وتكسر كما في القاموس وحد الشفتين من تحت المنخرين إلى منتهى ~~الشدقين في عرض الوجه وفي طوله من أعلى الذقن إلى أسفل الخدين وهو مجمع ~~عليه. واختلف إذا قطع إحداهما فذهب الجمهور إلى أن كل واحدة نصف الدية على ~~السواء. وروي عن زيد بن ثابت أن في العليا ثلثا وفي السفلى ثلثين إذ ~~منافعها أكثر لحفظها للطعام والشراب. السادسة: قوله وفي الذكر الدية هذا ~~إذا قطع من أصله وهو مجمع عليه فإن قطع الحشفة ففيها الدية عند مالك وبعض ~~الشافعية واختاره المهدي كمذهب الهادوية وظاهر الحديث أنه لا فرق بين ~~العنين وغيره والكبير والصغير وإليه ذهب الشافعي. وعند الأكثر أن في ذكر ~~الخصي والعنين حكومة السابعة: قوله: وفي البيضتين الدية وهو حكم مجمع عليه ~~وفي كل واحدة نصف الدية. # وفي البحر عن علي رضي الله عنه وعن ابن المسيب رضي الله عنه أن في البيضة ~~اليسرى ثلثي الدية لان الولد يكون منها وفي اليمنى ثلث الدية. الثامنة: أن ~~في الصلب الدية وهو إجماع والصلب بالضم ms1002 والتحريك عظم من لدن الكاهل إلى ~~العجب بفتح العين المهملة وسكون الجيم أصل الذنب كالصالبة قال تعالى: * ~~(يخرج من بين الصلب والترائب) * فإن ذهب المني مع الكسر فديتان. التاسعة: ~~أفاد أن في العينين الدية وهو مجمع عليه وفي إحداهما نصف الدية وهذا في ~~العين الصحيحة واختلف في الأعور إذا ذهبت عينه بالجناية فذهبت الهادوية ~~والحنفية والشافعية إلى أنه يجب فيها نصف الدية إذ لم يفصل الدليل وهو هذا ~~الحديث وقياسا على من له يد واحدة فإنه ليس له إلا نصف الدية وهو مجمع ~~عليه. وذهب جماعة من الصحابة ومالك وأحمد إلى أن الواجب فيها دية كاملة ~~لأنها في معنى العينين واختلفوا إذا جنى على عين واحدة فالجمهور على ثبوت ~~القود لقوله تعالى: * (والعين بالعين) * وعن أحمد أنه لا قود فيها. # العاشرة: قوله وفي الرجل الواحدة نصف الدية وحد الرجل التي تجب فيها ~~الدية من مفصل الساق فإن قطع من الركبة لزم الدية وحكومة في الزائد. # واعلم أنه ذكر البيهقي عن الزهري أنه قرأ في كتاب عمرو بن حزم: وفي الاذن ~~خمسون من الإبل قال: وروينا عن عمر وعلي أنهما قضيا بذلك. وروى البيهقي من ~~حديث معاذ أنه قال: وفي السمع مائة من الإبل وفي العقل مائة من الإبل وقال ~~البيهقي: إسناده ليس بقوي. قال ابن كثير: لأنه من رواية رشدين بن سعد ~~المصري وهو ضعيف. قال زيد ابن أسلم: مضت السنة أن في العقل إذا ذهب: الدية. ~~رواه البيهقي. الحادية عشرة: أنه دل على أن في المأمومة والجائفة وتقدم ~~تفسيرهما في كل واحدة ثلث الدية قال الشافعي: لا أعلم خلافا أن رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وسلم قال: قال في الجائفة ثلث الدية ذكره ابن كثير في ~~الارشاد وقال في نهاية المجتهد: اتفقوا على أن الجائفة من جراح الجسد لا من ~~جراح الرأس وأنه لا يقاد منها وأن فيها ثلث الدية وأنها جائفة متى وقعت في ~~الظهر والبطن واختلفوا إذا وقعت في غير ذلك من الأعضاء فنفذت إلى تجويفه. ms1003 ~~فحكى مالك عن سعيد بن المسيب أن في كل جراحة نافذة PageV03P247 # إلى تجويف عضو من الأعضاء أي عضو كان ذلك العضو ثلث الدية واختار مالك. ~~وأما سعيد فإنه قاس ذلك على الجائفة على نحو ما روي عن عمر رضي الله عنه في ~~موضحة الجسد. الثانية عشرة: وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل وتقدم تفسيرها. ~~الثالثة عشرة: أفاد أن في كل أصبع عشرا من الإبل سواء كانت من اليدين أو ~~الرجلين فإن فيها عشرا وهو رأي الجمهور. وفي حديث عمرو بن شعيب مرفوعا ~~بلفظ: والأصابع سواء أخرجه أحمد وأبو داود. وقد كان لعمر في ذلك رأي آخر ثم ~~رجع إلى الحديث لما روي له. الرابعة عشرة: أنه يجب في كل سن خمس من الإبل ~~وعليه الجمهور وفيه خلاف ليس له دليل يقاوم الحديث. الخامسة عشرة: أنه يلزم ~~في الموضحة خمس من الإبل وإليه ذهب الهادوية والفريقان وفيه خلاف ليس له ما ~~يقاوم النص. # فائدة روى البيهقي عن زيد بن ثابت أن في الهاشمة عشرا من الإبل وحكاه ~~البيهقي عن عدد من أهل العلم. وروى عبد الله بن أحمد أن عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه قضى في رجل ضرب فذهب سمعه وبصره وعقله ونكاحه بأربع ديات. رواه ~~عبد الله بن أحمد. # وروى النسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قضى في العين العوراء السادة لمكانها إذا طمست بثلث ديتها ~~وفي اليد الشلاء إذا قطعت بثلث ديتها وفي السن السوداء إذا نزعت ب ثلث ~~ديتها. ذكره ابن كثير في الارشاد. وأما قوله: وإن الرجل يقتل بالمرأة فتقدم ~~الكلام فيه. # 2 - (وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~دية الخطأ أخماسا) أي تؤخذ أو تجب، بينه بقوله (عشرون حقة وعشرون جذعة ~~وعشرون بنات مخاض وعشرون بنات لبون وعشرون بني لبون أخرجه الدارقطني وأخرجه ~~الأربعة بلفظ: وعشرون بنو مخاض بدل بني لبون وإسناد الأول أقوى) أي من ms1004 ~~إسناد الأربعة فإن فيه خشف بن مالك الطائي قال الدارقطني: إنه رجل مجهول ~~وفيه الحجاج بن أرطاة. # واعلم أنه اعترض البيهقي على الدارقطني وقال: إن جعله لبني اللبون غلط ~~منه ثم قال البيهقي: والصحيح أنه موقوف على عبد الله بن مسعود. والصحيح عن ~~عبد الله أنه جعل أحد أخماسها بني المخاض لا كما توهم شيخنا الدارقطني رحمه ~~الله تعالى. والحديث دليل على أن دية الخطأ تؤخذ أخماسا كما ذكر وإليه ذهب ~~الشافعي ومالك وجماعة من العلماء وإلى أن الخامس بنو لبون. وعن أبي حنيفة ~~أنه بنو مخاض كما في رواية الأربعة. وذهب الهادي وآخرون إلى أنها تؤخذ ~~أرباعا بإسقاط بني اللبون واستدل له بحديث له لم يثبته الحفاظ وذهبوا إلى ~~أنها أرباع مطلقا. وذهب الشافعي ومالك إلى أن الدية تختلف باعتبار العمد ~~وشبه العمد والخطأ فقالوا: أنها في العمد وشبه العمد تكون أثلاثا كما في ~~الخطأ. وأما التغليظ في الدية فإنه ثبت عن عمرو عثمان رضي الله عنهما فيمن ~~قتل في الحرم بدية وثلث تغليظ في الدية وثبت عن جماعة القول بذلك ويأتي ~~الكلام فيه. (وأخرجه) - أي حديث ابن مسعود - (ابن أبي شيبة من وجه آخر ~~موقوفا) على ابن مسعود (وهو أصح من المرفوع)، PageV03P248 # 3 - (وأخرجه أبو داود والترمذي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~رفعه) إلى النبي صلى الله عليه وسلم: (الدية ثلاثون حقة وثلاثون جذعة ~~وأربعون خلفة في بطونها أولادها) وقد تقدم تفسير هذه الأسنان في الزكاة. # 4 - (وعن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: إن أعتى) بفتح الهمزة ~~وسكون العين المهملة فمثناة فوقية فألف مقصورة اسم تفضيل من العتو وهو ~~التجبر (الناس على الله ثلاثة: من قتل في حرم الله، أو قتل غير قاتله، أو ~~قتل لذحل) بفتح الذال المعجمة وسكون الحاء المهملة الثأر وطلب المكافأة ~~بجناية جنيت عليه من قتل أو غيره (الجاهلية. أخرجه ابن حبان في حديث صححه). ~~الحديث دليل على أن هؤلاء الثلاث أزيد في العتو على غيرهم ms1005 من العتاة. الأول ~~من قتل في الحرم فمعصية قتله تزيد على معصية من قتل في غير الحرم وظاهره ~~العموم لحرم مكة والمدينة، ولكن الحديث ورد في غزاة الفتح في رجل قتل ~~بالمزدلفة إلا أن السبب لا يخص به إلا أن يقال: الإضافة عهدية والمعهود حرم ~~مكة. وقد ذهب الشافعي إلى التغليظ في الدية على من وقع منه قتل الخطأ في ~~الحرم أو قتل محرما من النسب أو قتل في الأشهر الحرم. قال: لان الصحابة ~~غلظوا في هذه الأحوال. وأخرج السدي عن مرة عن ابن مسعود قال: ما من رجل يهم ~~بسيئة فتكتب عليه إلا أن رجلا لو هم بعدن أن يقتل رجلا بالبيت الحرام إلا ~~أذاقه الله تعالى من عذاب أليم " وقد رفعه في رواية. قلت: وهذا مبني على أن ~~الظرف في قوله تعالى: * (ومن يرد بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم) * متعلق ~~بغير الإرادة بل بالالحاد وإن كانت الإرادة في غيره والآية محتملة. وورد في ~~التغليظ في الدية حديث عمرو بن شعيب مرفوعا بلفظ: عقل شبه العمد مغلظ مثل ~~قتل العمد ولا يقتل صاحبه وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس فتكون دماء في ~~غير ضغينة ولا حمل سلاح رواه أحمد وأبو داود. والثاني: من قتل غير قاتله أي ~~من كان له دم عند شخص فيقتل رجلا آخر غير من عنده له الدم سواء كان له ~~مشاركة في القتل أو لا. الثالث قوله: أو قتل لذحل الجاهلية تقدم تفسير ~~الذحل وهو العداوة أيضا وقد فسر الحديث حديث أبي شريح الخزاعي أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال: أعتى الناس من قتل غير قاتله أو طلب بدم في الجاهلية من أهل ~~الاسلام أو بصر عينه ما لم تبصر أخرجه البيهقي. # 5 - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله (ص) قال: ألا إن دية ~~الخطأ وشبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون في ~~بطونها أولادها أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة وصححه ابن حبان). قال ~~ابن ms1006 القطان وهو صحيح ولا يضره الاختلاف. وتقدم الكلام في الحديث وإنما ذكره ~~المصنف تفسيرا للحديث الذي سلف من حديث عمرو بن شعيب وفيه تغليظ عقل الخطأ ~~ولم يبينه هنالك فبينه هنا. # 6 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ~~قال: هذه PageV03P249 # وهذه سواء يعني الخنصر والابهام رواه البخاري ولأبي داود والترمذي) أي من ~~حديث ابن عباس (دية الأصابع سواء) هذا أعم من الأول (والأسنان سواء) زاده ~~بيانا بقوله: (الثنية والضرس سواء) فلا يقال الدية على قدر النفع والضرس ~~أنفع في المضغ (ولابن حبان) أي من حديث ابن عباس: (دية أصابع اليدين ~~والرجلين سواء عشرة من الإبل لكل إصبع) وقد قدمنا الكلام فهذا مستوفى. # 7 - (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم رفعه قال: من تطبب) ~~أي تكلف الطب ولم يكن طبيبا كما يدل له صيغة تفعل. (ولم يكن بالطب معروفا ~~فأصاب نفسا فما دونها فهو ضامن أخرجه الدارقطني وصححه الحاكم وهو عند أبي ~~داود والنسائي وغيرهما إلا أن من أرسله أقوى ممن وصله). الحديث دليل على ~~تضمين المتطبب ما أتلفه من نفس فما دونها سواء أصاب بالسراية أو المباشرة ~~وسواء كان عمدا أو خطأ وقد ادعي على هذا الاجماع. # وفي نهاية المجتهد: إذا أعنت أي المتطبب كان عليه الضرب والسجن والدية في ~~ماله وقيل: على العاقلة. # واعلم أن المتطبب هو من ليس له خبرة بالعلاج وليس له شيخ معروف والطبيب ~~الحاذق هو من له شيخ معروف وثق من نفسه بجودة الصنعة وإحكام المعرفة. قال ~~ابن القيم في الهدي النبوي: إن الطبيب الحاذق هو الذي يراعي في علاجه عشرين ~~أمرا وسردها هنالك. قال والطبيب الجاهل إذا تعاطى علم الطب أو علمه ولم ~~يتقدم له به معرفة فقد هجم بجهله على إتلاف الأنفس وأقدم بالتهور على ما لا ~~يعلمه فيكون قد غرر بالعليل فيلزمه الضمان وهذا إجماع من أهل العلم. قال ~~الخطابي: لا أعلم خلافا في أن المعالج إذا تعدى فتلف ms1007 المريض كان ضامنا ~~والمتعاطي علما أو عملا لا يعرفه متعد، فإذا تولد من فعله التلف ضمن الدية ~~وسقط عنه القود لأنه لا يستبد بذلك دون إذن المريض. وجناية الطبيب على قول ~~عامة أهل العلم على عاقلته اه‍. وأما إعنات الطبيب الحاذق فإن كان بالسراية ~~لم يضمن اتفاقا لأنها سراية فعل مأذون فيه من جهة الشرع ومن جهة المعالج ~~وهكذا سراية كل مأذون فيه لم يتعد الفاعل في سببه كسراية الحد وسراية ~~القصاص عند الجمهور خلافا لأبي حنيفة رضي الله عنه فإنه أوجب الضمان بها. ~~وفرق الشافعي بين الفعل المقدر شرعا كالحد وغير المقدر كالتعزير فيضمن في ~~المقدر ويضمن في غير المقدر لأنه راجع إلى الاجتهاد فهو في مظنة العدوان. ~~وإن كان الإعنات بالمباشرة فهو مضمون عليه إن كان عمدا، وإن كان خطأ فعلى ~~العاقلة. # 8 - (وعنه) أي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال: # في المواضح) جمع موضحة (خمس خمس من الإبل رواه أحمد والأربعة. وزاد أحمد: # والأصابع سواء كلهن عشر عشر من الإبل وصححه ابن خزيمة وابن الجارود) وهو ~~يوافق ما تقدم في حديث كتاب عمرو بن حزم وموضحة الوجه والرأس سواء بالاجماع ~~إذ هما كالعضو الواحد. # 9 - (وعنه) أي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (قال: قال رسول الله صلى ~~PageV03P250 # الله عليه وسلم: عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين رواه أحمد والأربعة ولفظ ~~أبي داود: دية المعاهد نصف دية الحر، وللنسائي: عقل المرأة مثل عقل الرجل ~~حتى يبلغ الثلث من ديتها وصححه ابن خزيمة). لكنه قال ابن كثير إنه من رواية ~~إسماعيل بن عياش وهو إذا روى عن غير الشاميين لا يحتج به عند جمهور الأئمة ~~وهذا منه. قلت: تعنتوا في إسماعيل بن عياش إذا روى عن غير الشاميين وقبوله ~~في الشاميين والذي يرجح عند الظن قبوله مطلقا لثقته وضبطه وأنه لذلك صحح ~~ابن خزيمة هذه وهي عن إسماعيل عن ابن جريج وابن جريج ليس بشامي. # واعلم أنه اشتمل ms1008 الحديث على مسألتين: الأولى في دية أهل الذمة، وههنا ~~للعلماء ثلاثة أقوال: الأول: أنها نصف دية المسلم كما أفاده الحديث. قال ~~الخطابي في معالم السنن: ليس في دية أهل الكتاب شئ أبين من هذا وإليه ذهب ~~عمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير وهو قول مالك وابن شبرمة وأحمد بن حنبل. ~~غير أن أحمد قال إذا كان القتل خطأ فإن كان عمدا لم يقد به وتضاعف عليه ~~اثني عشر ألفا. وقال أصحاب الرأي وسفيان الثوري: # ديته دية المسلم وهو قول الشعبي والنخعي ويروى ذلك عن عمر وابن مسعود ~~وقال الشافعي وإسحاق بن راهويه: ديته الثلث من دية المسلم اه‍. فعرفت أن ~~دليل القول الأول حديث الكتاب، واستدل للقول الثاني وهو قول الحنفية وإليه ~~ذهب الهادوية بقوله تعالى: * (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية ~~مسلمة إلى أهله) * قالوا: فذكر الدية والظاهر فيها الاكمال وبما أخرجه ~~البيهقي عن ابن جريج عن الزهري عن أبي هريرة قال: كانت دية اليهودي ~~والنصراني في زمن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مثل دية المسلمين، ~~الحديث. وأجيب بأن الدية مجملة وحديث الزهري عن أبي هريرة مرسل ومراسيل ~~الزهري قبيحة وذكروا آثارا كلها ضعيفة الاسناد. ودليل القول الثالث هو ~~مفهوم قوله في حديث عمرو بن حزم وفي النفس المؤمنة مائة من الإبل فإنه دل ~~على أن غير المؤمنة بخلافها وكأنه جعل بيان هذا المفهوم ما أخرجه الشافعي ~~نفسه عن ابن المسيب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قضى في دية اليهودي ~~والنصراني بأربعة آلاف وفي دية المجوسي بثمانمائة. ومثله عن عثمان رضي الله ~~عنه فجعل قضاء عمر رضي الله عنه مبينا للقدر الذي أجمله مفهوم الصفة. ولا ~~يخفى أن دليل القول الأول أقوى لا سيما وقد صحح الحديث إمامان من أئمة أهل ~~السنة. المسألة الثانية ما أفاده قوله: وللنسائي أي من حديث عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده: عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها. وهو ~~دليل على أن أرش ms1009 جراحات المرأة يكون كأرش الرجل إلى الثلث وما زاد عليه كان ~~جراحتها مخالفة لجراحاته. والمخالفة بأن يلزم فيها نصف ما يلزم في الرجل ~~وذلك لان دية المرأة على النصف من دية الرجل لقوله صلى الله عليه وسلم في ~~حديث معاذ: دية المرأة على النصف من دية الرجل. وهو إجماع فيقاس عليه مفهوم ~~المخالفة من أرش جراحة المرأة على الدية الكاملة. وإلى هذا ذهب الجمهور من ~~الفقهاء PageV03P251 # وهو قول عمر وجماعة من الصحابة. وذهب علي رضي الله عنه والهادوية ~~والحنفية والشافعية إلى أن دية المرأة وجراحاتها على النصف من دية الرجل. ~~وأخرج البيهقي عن علي أيضا أنه كان يقول: جراحات النساء على النصف من دية ~~الرجل فيما قل وكثر. ولا يخفى أنه قد صحح ابن خزيمة حديث: إن عقل المرأة ~~كعقل الرجل حتى يبلغ الثلث فالعمل به متعين والظن به أقوى وبه قال فقهاء ~~المدينة السبعة وجمهور أهل المدينة وهو مذهب مالك وأحمد ونقله أبو محمد ~~المقدسي عن عمر وابنه وقال: لا نعلم لهما مخالفا من الصحابة إلا عن علي رضي ~~الله عنه ولا نعلم ثبوته عنه. قال ابن كثير: قلت: هو ثابت عنه. وفي المسألة ~~أقوال أخر بلا دليل ناهض. # 10 - (وعنه) أي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: عقل شبه العمد مغلظ مثل عقل العمد) بينه في حديث أبي داود ~~بلفظ مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها وتقدم (ولا يقتل صاحبه) ~~وبين شبه العمد بقوله: (وذلك أن ينزو الشيطان) النزو بفتح النون فزاي فواو ~~أي يثب (فتكون دماء بين الناس في غير ضغينة ولا حمل سلاح أخرجه الدارقطني ~~وضعفه). وأخرجه البيهقي بإسناده ولم يضعفه. والحديث دليل أنه إذا وقع ~~الجراح من غير قصد إليه ولم يكن بسلاح بل بحجر أو عصا أو نحوهما فإنه لا ~~قود فيه وأنه شبه العمد فيلزم فيه الدية مغلظة كما تقدم في دية العمد. وقد ~~تقدم أن الدية في العمد وشبه العمد تكون ms1010 أثلاثا عند الشافعي ومالك وأنها ~~أرباع عند الهادوية وتقدم ذلك. وأما أنها تكون أخماسا كما أفاده حديث ابن ~~مسعود الماضي في الخطأ فتقدم أنه قال به أصحاب الرأي وغيرهم، وفيه دليل على ~~إثبات شبه العمد وقدمنا أنه الحق. # - 11 (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قتل رجل رجلا على عهد رسول الله ~~(ص) فجعل النبي (ص) ديته اثنى عشر ألفا) بين البيهقي أن المراد درهما. ~~(رواه الأربعة ورجح النسائي وأبو حاتم إرساله). وقد أخرج البيهقي عن علي ~~رضي الله عنه وعائشة وأبي هريرة وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم مثل هذا. ~~وإنما رجح النسائي وأبو حاتم إرساله لما قاله البيهقي: إن محمد بن ميمون ~~رواه عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس، إنما قال ~~لنا فيه: عن ابن عباس مرة واحدة وأكثر ما كان يقول: عن عكرمة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم انتهى. قلت: وزيادة العدل مقبولة وكونه مرة واحدة كاف في ~~الرفع فإنه لو اقتصر عليها لحكم برفع الحديث فإرساله مرارا لا يقدح في رفعه ~~مرة واحدة. وإلى هذا ذهب أكثر العلماء. وذهب الهادوية وأهل العراق أنها ~~عشرة آلاف درهم واستدل له في البحر بقوله: لقول علي به وهو توقيف انتهى إلا ~~أنه لم يطرد هذا فيما ينقله عن علي رضي الله عنه بل تارة يقول مثل هذا ~~وتارة يقول إن قول علي اجتهاد ولا يلزمنا، ودعوى التوقيف غير صحيحة إذ مثل ~~هذا فيه للاجتهاد مسرح. # 12 - (وعن أبي رمثة) بكسر الراء وسكون الميم وبالمثلثة اسمه رفاعة بن ~~يثربي بفتح PageV03P252 # المثناة التحتية وسكون المثلثة فراء فموحدة فياء النسبة، قدم على النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وعداده في أهل الكوفة: (قال: أتيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم ومعي ابني فقال: من هذا؟ # فقلت: ابني وأشهد به قال: أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه رواه ~~النسائي وأبو داود وصححه ابن خزيمة و ابن الجارود) وأخرجه أبو داود ~~والترمذي وابن ماجة من ms1011 حديث عمرو بن الأحوص أنه شهد حجة الوداع مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: لا يجني جان إلا على نفسه ولا يجني جان على ولده. ~~في الباب روايات أخر تعضده. والجناية الذنب أو ما يفعله الانسان مما يوجب ~~عليه العقاب أو القصاص. وفيه دلالة على أنه لا يطالب أحد بجناية غيره سواء ~~كان قريبا كالأب والولد وغيرهما، أو أجنبيا. فالجاني يطلب وحده بجنايته ولا ~~يطالب بجنايته غيره. قال الله تعالى: * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) * فإن ~~قلت: قد أمر الشارع بتحمل العاقلة الدية في جناية الخطأ والقسامة. قلت: هذا ~~مخصص من الحكم العام وقيل: إن ذلك ليس من تحمل الجناية بل من باب التعاضد ~~والتناصر فيما بين المسلمين. # باب دعوى الدم والقسامة القسامة بفتح القاف وتخفيف المهملة مصدر أقسم ~~قسما وقسامة. وهي الايمان تقسم على أولياء القتيل إذا ادعوا الدم أو على ~~المدعى عليهم الدم وخص القسم على الدم بالقسامة. # قال إمام الحرمين: القسامة عند أهل اللغة اسم للقوم الذين يقسمون وعند ~~الفقهاء اسم للايمان. # وفي القاموس: القسامة الجماعة يقسمون على الشئ ويأخذونه أو يشهدون. وفي ~~الضياء القسامة الايمان تقسم على خمسين رجلا من أهل البلد أو القرية التي ~~يوجد فيها القتيل لا يعلم قاتله ولا يدعي أولياؤه قتله على أحد بعينه. # 1 - (عن سهل بن أبي حثمة) بفتح المهملة وسكون المثلثة واسم أبي حثمة: عبد ~~الله بن ساعدة بن عامر أوسي أنصاري (عن رجال من كبراء قومه أن عبد الله بن ~~سهل ومحيصة) بضم الميم فحاء مهملة فمثناة تحتية مشددة فصاد مهملة (ابن ~~مسعود خرجا إلى خيبر من جهد) بضم الجيم وفتحها المشقة هنا (أصابهم فأتى ~~محيصة) مغير الصيغة (فأخبر أن عبد الله بن سهل قد قتل وطرح) مغيران أيضا ~~(في عين فأتى) أي محيصة (يهود) اسم جنس يجمع على يهدان فقال: أنتم والله ~~قتلتموه قالوا والله ما قتلناه فأقبل هو وأخوه حويصة) بضم المهملة وفتح ~~الواو فمثناة تحتية فصاد مهملة مشددة (وعبد الرحمن بن سهل فذهب محيصة ms1012 ~~ليتكلم) وكان أصغر من حويصة وفي رواية فبدأ عبد الرحمن يتكلم وكان أصغر ~~القوم: (فقال رسول الله صلى الله وسلم: كبر كبر) بلفظ الامر فيهما والثاني ~~تأكيد للأول (يريد السن) مدرج تفسير لقوله: كبر أي يتكلم من كان أكبر سنا ~~(فتكلم حويصة ثم تكلم محيصة فقال رسول الله (ص): إما أن يدوا) أي اليهود ~~(صاحبكم) أي عبد الله بن سهل (وإما أن يأذنوا بحرب فكتب) أي رسول الله ~~PageV03P253 # (ص): (إليهم في ذلك) أي فيما ذكر من أنهم قتلوا عبد الله (فكتبوا) أي ~~اليهود (إنا والله ما قتلناه فقال) أي النبي صلى الله عليه وسلم: (لحويصة ~~ومحيصة وعبد الرحمن بن سهل: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم قالوا: لا) وفي ~~رواية عند مسلم قالوا: لم نحضر ولم نشهد. وفي بعض ألفاظ البخاري أنه قال ~~لهم: تأتون بالبينة؟ قالوا: ما لنا بينة فقال: أتحلفون؟ (قال: فتحلف لكم ~~يهود قالوا: ليسوا مسلمين) وفي لفظ قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود. وفي لفظ: ~~كيف نأخذ بأيمان كفار (فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده فبعث ~~إليهم مائة ناقة. قال سهل فلقد ركضتني منها ناقة حمراء. # متفق عليه). اعلم أن هذا الحديث أصل كبير في ثبوت القسامة عند القائلين ~~بها وهم الجماهير فإنهم أثبتوها وبينوا أحكامها. ونتكلم على مسائل: الأولى: ~~أنها لا تثبت القسامة بمجرد دعوى القتل على المدعى عليهم من دون شبهة ~~إجماعا وقد روي عن الأوزاعي وداود ثبوتها من غير شبهة، ولا دليل لهما. ~~واختلف العلماء في الشبهة التي تثبت بها القسامة فمنهم من جعل الشبهة اللوث ~~وهو كما في النهاية أن يشهد شاهد واحد على إقرار المقتول قبل أن يموت أن ~~فلانا قتلني أو يشهد شاهدان على عداوة بينهما أو تهديد له منه أو نحو ذلك. ~~ومن اللوث التلطخ ومنهم من لم يشترطه كالهادوية والحنفية فإنهم قالوا: وجود ~~الميت وبه أثر القتل في محل يختص بمحصورين تثبت به القسامة عندهم إذا لم ~~يدع المدعي على غيرهم. قالوا لان الأحاديث وردت في مثل هذه ms1013 الحالة، ورد بأن ~~حديث الباب أصح ما ورد وفيه دليل على اللوث وحقيقته شبهة يغلب الظن بالحكم ~~بها كما فصله في النهاية وهو هنا العداوة. # فلهذا ذهب مالك والشافعي إلى أنه لا يثبت بهذا قسامة إلا إذا كان بين ~~المقتول والمدعى عليهم عداوة كما كان في قصة خيبر قالوا: فإنه يقتل الرجل ~~الرجل ويلقيه في محل طائفة لينسب إليهم. وقد عدوا من صور اللوث قول المقتول ~~قبل وفاته: قتلني فلان. وقال مالك: إنه يقبل قوله وإن لم يكن به أثر أو ~~يقول جرحني ويذكر العمد. وادعى مالك أنه مما أجمع عليه الأئمة قديما وحديثا ~~ورده ابن العربي بأنه لم يقله من فقهاء الأمصار غيره وتبعه عليه الليث. ~~واحتج مالك بقصة بقرة بني إسرائيل فإنه أحيي الرجل وأخبر بقاتله. وأجيب: ~~بأن ذلك معجزة لنبي وتصديقها قطعي. قلت: ولأنه أحياه الله بعد موته فعين ~~قاتله فإذا أحيا الله مقتولا بعد موته وعين قاتله قلنا به ولا يكون ذلك ~~أبدا. واحتج أصحابه بأن القاتل يطلب غفلة الناس فلو لم يقبل خبر المجروح ~~أدى ذلك إلى إبطال الدماء غالبا وأنها حالة يتحرى فيها المجروح الصدق ~~ويتجنب الكذب والمعاصي ويتحرى التقوى والبر فوجب قبول قوله ولا يخفى ضعف ~~هذه الاستدلالات. وقد عدوا صور اللوث مبسوطة في كتبهم. المسألة الثانية: ~~أنه بعد ثبوت ما ذكر من القتل وكل على أصله تثبت دعوى أولياء القتيل ~~القسامة فتثبت أحكامها فمنها القصاص عند كمال شروطها لقوله في الحديث: ~~تستحقون قتيلكم أو صاحبكم بأيمان خمسين منكم على رجل منهم فيدفع برمته ~~وقوله: دم صاحبكم في لفظ مسلم: يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته ~~وإن كان قوله: إما أن بدوا صاحبكم الحديث، يشعر PageV03P254 # بعدم القصاص إلا أن هذا التصريح في رواية مسلم أقوى في القول بالقصاص ~~وهذا مذهب أهل المدينة فإن كانت الدعوى على واحد معين ثبت القود عليه وإن ~~كانت على جماعة حلفوا وثبتت عليهم الدية عند الشافعية. وفي قول يجب عليهم ~~القصاص والأول الصحيح عنه. فإن كان ms1014 الوارث واحدا حلف خمسين يمينا فإن ~~الايمان لازمة للورثة ذكورا كانوا أو إناثا عمدا كان أو خطأ، هذا مذهب ~~الشافعي. ومنها أن يبدأ بأيمان المدعي في القسامة بخلاف غيرها من الدعاوي ~~كما في هذه الرواية ويدل له حديث أبي هريرة: البينة على المدعي واليمين على ~~المدعى عليه إلا في القسامة وفي إسناده لين إلا أنه قد أخرجه البيهقي من ~~حديث عمرو بن شعيب ولم يتكلم فيه. قالوا: ولان جنبة المدعي إذا قويت بشهادة ~~أو شبهة صارت اليمين له وهنا الشبهة قوية فصار المدعي في القسامة مشابها ~~للمدعى عليه المتأيد بالبراءة الأصلية. وذهبت الهادوية والحنفية وآخرون إلى ~~أنه يحلف المدعى عليه ولا يمين على المدعين فيحلف خمسون رجلا من أهل القرية ~~ما قتلناه ولا علمنا قاتله وإلى هذا جنح البخاري وذلك لان الروايات اختلفت ~~في ذلك في قصة الأنصار ويهود خيبر فيرد المختلف فيه إلى المتفق عليه من أن ~~اليمين على المدعى عليه. فإن حلفوا فهل تلزمهم الدية أم لا؟ # ذهبت الهادوية إلى أنها تلزمهم الدية بعد الايمان. وذهب آخرون إلى أنهم ~~إذا حلفوا خمسين يمينا برئوا ولادية عليهم وعليه تدل قصة أبي طالب الآتية. ~~واستدل الجماعة المذكورة ومن معهم في إيجاب الدية بأحاديث لا تقوم بها حجة ~~لعدم صحة رفعها عند أئمة هذا الشأن وقوله فوداه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من عنده. وفي لفظ: إنه وداه من إبل الصدقة فقيل: المراد به أنه ~~اقترضها منها وأنه لما تحملها صلى الله عليه وسلم للاصلاح بين الطائفتين ~~كان حكمها حكم القضاء عن الغارم لما غرمه لاصلاح ذات البين فلم يأخذها صلى ~~الله عليه وعلى وسلم لنفسه فإن الصدقة لا تحل له ولكن جرى إعطاء الدية منها ~~مجرى إعطائها في الغرم لاصلاح ذا ت البين. وأما من قال: إنه صلى الله عليه ~~وسلم أعطى ذلك من سهم الغارمين فلا يصح فإن غارم أهل الذمة لا يعطى من ~~الزكاة كذا قيل. قلت: وفيه نظر فإن اليهود لم تلزمهم الدية لأنه لم يحلف ms1015 ~~المدعون كما عرفت فما وداه صلى الله عليه وسلم إلا تبرعا منه لئلا يهدر ~~دمه. # وأما رواية النسائي: أنه صلى الله عليه وسلم قسمها على اليهود وأعانهم ~~ببعضها فقال ابن القيم: # إن هذا ليس بمحفوظ فإنه الدية لا تلزم المدعى عليهم بمجرد دعوى القتيل بل ~~لا بد من إقرار أو بينة أو أيمان لمدعين ولم يوجد هنا شئ من ذلك. وقد عرض ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدعين أن يحلفوا فأبوا فكيف يلزم ~~اليهود بالدية بمجرد الدعوى؟ انتهى. قلت: ويظهر لي أنه ليس في هذا الحديث ~~حكم منه صلى الله عليه وسلم بالقسامة أصلا كما أفاده الحديث، وإنما دل ~~الحديث على حكاية للواقع لا غير وذكر لهم (ص) قصة الحكم على التقديرين ومن ~~ثمة كتب إلى يهود بعد أن دار بينهم الكلام المذكور وسيأتي تحقيقه. وقوله ~~فكتبوا إنا والله ما قتلناه فيه دليل على الاكتفاء بالمكاتبة وبخبر الواحد ~~مع إمكان المشافهة. # فائدة اختار مالك إجراء هذه الدعوى في الأموال فأجاز شهادة المسلوبين على ~~PageV03P255 # السالبين وإن كانوا مدعين قال: لان قاطع الطريق إنما يفعل ذلك مع الغفلة ~~والانفراد عن الناس انتهى. ولا يخفى أنه لا يتم هذا إلا بعد ثبوت أنه (ص) ~~حكم بالقسامة وعرفناك هنا عدم نهوض ذلك وسنزيده بيانا عن قريب. وإذا ثبت ~~فهذا قياس مالك مصادم لنص البينة على المدعي واليمين على المنكر إلا أن ~~يكون مذهبه جواز تخصيص عموم النص بالقياس وللعلماء كلام في حجية العام بعد ~~تخصيصه. # 2 - (وعن رجل من الأنصار: أن رسول الله (ص) أقر القسامة على ما كانت عليه ~~في الجاهلية وقضى بها رسول الله (ص) بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على ~~اليهود رواه مسلم). قوله: على ما كانت عليه في الجاهلية كأنه أشار إلى ما ~~أخرجه البخاري في قصة الهاشمي في الجاهلية وفيها أن أبا طالب قال للقاتل: ~~اختر منا إحدى ثلاث: إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل فإنك قتلت صاحبنا خطأ ~~وإن شئت حلف خمسون من ms1016 قومك أنك لم تقتله وإن أبيت قتلناك به. وفيه دليل على ~~ثبوت القتل بالقسامة واعلم أنا قد أشرنا إلى أنه لم يثبت القسامة إلا ~~الجماهير كما قررناه عنهم. وذهب سالم بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز وأبو ~~قلابة وابن علية والناصر إلى عدم شرعيتها لمخالفتها الأصول المقررة شرعا. ~~فإن الأصل أن البينة على المدعي عليه. وبأن الايمان لا تأثير لها في إثبات ~~الدماء وبأن الشرع ورد بأنه لا يجوز الحلف إلا على ما علم قطعا أو شوهد ~~حسا. وبأنه (ص) لم يحكم بها وإنما كانت حكما جاهليا فتلطف بهم رسول الله ~~(ص) ليريهم كيف لا يجري الحكم بها على أصول الاسلام. وبيان أنه لم يحكم بها ~~أنهم لما قالوا له: وكيف نحلف ولم نحضر ولم نشاهد؟ لم يبين لهم أن هذا ~~الحلف في القسامة من شأنه ذلك وأنه حكم الله فيها وشرعه بل عدل إلى قوله: ~~يحلف لكم يهود؟ فقالوا: ليسوا بمسلمين فلم يوجب صلى الله عليه وسلم عليهم ~~ويبين لهم أن ليس لكم إلا اليمين من المدعى عليهم مطلقا مسلمين كانوا أو ~~غيرهم بل عدل إلى إعطائه الدية من عنده صلى الله عليه وسلم. ولو كان الحكم ~~ثابتا بها لبين وجهه لهم بل تقريره صلى الله عليه وسلم لهم على أنه لا حلف ~~إلا على شئ مشاهد مرئي دليل على أنه لا حلف في القسامة. ولأنه لم يطلب صلى ~~الله عليه وسلم اليهود للإجابة عن خصومهم في دعواهم. فالقصة منادية بأنه لم ~~تخرج مخرج الحكم الشرعي إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة فهذا أقوى ~~دليل بأنها ليست حكما شرعيا. وإنما تلطف صلى الله عليه وسلم في بيان أنها ~~ليست بحكم شرعي بهذا التدريج المنادي بعدم ثبوتها شرعا وأقرهم صلى الله ~~عليه وسلم بأنهم لا يحلفون على ما لا يعلمونه ولا شاهدوه ولا حضروه. ولم ~~يبين لهم بحرف واحد أن أيمان القسامة من شأنها أن تكون على ما لا يعلم. ~~وبذا تعرف بطلان القول بأن في القصة ms1017 دليلا على الحكم على الغائب إذ لا حكم ~~فيها أصلا. وبطلان الجواب عن كونها مخالفة للأصول بأنها مخصصة من الأصول ~~لان القسامة سنة مستقلة بنفسها منفردة مخصصة للأصول كسائر المخصصات للحاجة ~~إلى شرعيتها حياطة PageV03P256 # لحفظ الدماء وردع المعتدين. ووجه بطلانه أنه فرع ثبوت الحكم بها عن ~~الشارع فلو ثبت الحكم بها لكان هذا جوابا حسنا. وأما ما في حديث مسلم أنه ~~صلى الله عليه وسلم: أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية وقضى بها ~~بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود فهو إخبار عن القصة التي في ~~حديث سهل بن أبي حثمة وقد عرفت أنه صلى الله عليه وسلم لم يقض بها فيه كما ~~قررناه. وقد عرفت من حديث أبي طالب أنها كانت في الجاهلية على أن يؤدي ~~الدية القاتل لا العاقلة كما قال أبو طالب: (إما أن تؤدي مائة من الإبل) ~~فإنه ظاهر أنها من ماله لا من عاقلته أو يحلف خمسون من قومك أو تقتل. وهنا ~~في قصة خيبر لم يقع شئ من ذلك فإن المدعى عليهم لم يحلفوا ولم يسلموا الدية ~~ولم يطلب منهم الحلف. # وليس هذا قدحا في رواية الراوي من الصحابة بل في استنباطه لأنه قد أفاد ~~حديثه أنه استنبط قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقسامة من قصة أهل ~~خيبر وليس في تلك القصة قضاء وعدم صحة الاستنباط جائز على الصحابي وغيره ~~اتفاقا وإنما روايته للحديث بلفظه أو بمعناه هي التي يتعين قبولها. وأما ~~قول أبي الزناد: قتلنا بالقسامة والصحابة متوافرون إني لأرى أنهم ألف رجل ~~فما اختلف منهم اثنان فإنه قال في فتح الباري: إنما نقله أبو الزناد عن ~~خارجة بن زيد بن ثابت كما أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي في رواية عبد ~~الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه وإلا فأبو الزناد لا يثبت أنه رأى عشرة من ~~الصحابة فضلا عن ألف اه‍. قلت: # لا يخفى أنه تقرير لما رواه أبو الزناد لثبوت ما رواه عن خارجة بن زيد ms1018 ~~الفقيه وإنما دلس أبو الزناد بقوله قتلنا: وكأنه يريد معشر المسلمين وإن لم ~~يحضرهم ثم لا يخفى أن غايته بعد ثبوته عن خارجة فعل جماعة من الصحابة وليس ~~بإجماع حتى يكون حجة. ولا شك في ثبوت فعل عمر بالقسامة وإن اختلف عنه في ~~القتل بها وإنما نزاعنا في ثبوت حكمه صلى الله عليه وسلم بها فإنه لم يثبت. # باب قتال أهل البغي البغي مصدر بغى عليه بفتح المعجمة بغيا بفتح الموحدة ~~وسكون المعجمة علا وظلم وعدل عن الحق وله معان كثيرة وذكر الشارح رحمه الله ~~معناه الاصطلاحي هنا وساقه على اصطلاح الهادوية وقد أبنا ما فيه في حواشي ~~ضوء النهار ولم نذكره هنا لعدم انطباق الأحاديث عليه. # 1 - (عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): من حمل علينا ~~السلاح فليس منا متفق عليه). أي من حمله لقتال المسلمين بغير حق كني بحمله ~~عن المقاتلة إذ القتل لازم لحمل السيف في الأغلب ويحتمل أنه لا كناية فيه ~~PageV03P257 # وأن المراد حمله حقيقة لإرادة القتال ويدل له قوله: علينا وقوله: فليس ~~منا تقدم بيانه بأن المراد ليس على طريقتنا وهدينا. فإن طريقته صلى الله ~~عليه وسلم نصر المسلم والقتال دونه لا ترويعه وإخافته وقتاله. وهذا في غير ~~المستحل فإن استحل القتال للمسلم بغير حق فإنه يكفر باستحلاله المحرم ~~القطعي. والحديث دليل على تحريم قتال المسلم والتشديد فيه وأما قتال البغاة ~~من أهل الاسلام فإنه خارج من عموم هذا الحديث بدليل خاص. # 2 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من ~~خرج عن الطاعة وفارق الجماعة ومات فميتته ميتة) بكسر الميم مصدر نوعي ~~(جاهلية أخرجه مسلم). قوله عن الطاعة: أي طاعة الخليفة الذي وقع الاجتماع ~~عليه وكأن المراد خليفة أي قطر من الأقطار إذ لم يجمع الناس على خليفة في ~~جميع البلاد الاسلامية من أثناء الدولة العباسية بل استقل أهل كل إقليم ~~بقائم بأمورهم. إذ لو حمل الحديث على خليفة اجتمع عليه أهل الاسلام ms1019 لقلت ~~فائدته. وقوله: وفارق الجماعة أي خرج عن الجماعة الذين اتفقوا على طاعة ~~إمام انتظم به شملهم واجتمعت به كلمتهم وحاطهم عن عدوهم . قوله: فميتته ~~ميتة جاهلية أي منسوبة إلى أهل الجهل والمراد به من مات على الكفر قبل ~~الاسلام وهو تشبيه لميتة من فارق الجماعة بمن مات على الكفر بجامع أن الكل ~~لم يكن تحت حكم إمام فإن الخارج عن الطاعة كأهل الجاهلية لا إمام له. وفي ~~الحديث دليل على أنه إذا فارق أحد الجماعة ولم يخرج عليهم ولا قاتلهم أنا ~~لا نقاتله لنرده إلى الجماعة ويذعن للامام بالطاعة. بل نخليه وشأنه لأنه لم ~~يأمر (ص) بقتاله بل أخبر عن حال موته وأنه كأهل الجاهلية ولا يخرج بذلك عن ~~الاسلام. ويدل له ما ثبت من قول علي رضي الله عنه للخوارج: كونوا حيث شئتم ~~وبيننا وبينكم أن لا تسفكوا دما حراما ولا تقطعوا سبيلا ولا تظلموا أحدا ~~فإن فعلتم نفذت إليكم بالحرب. وهذا ثابت عنه بألفاظ مختلفة. أخرجه أحمد ~~والطبراني والحاكم من طريق عبد الله بن شداد. قال عبد الله بن شداد: فوالله ~~ما قتلهم حتى قطعوا السبيل وسفكوا الدم الحرام. فدل على أن مجرد الخلاف على ~~الامام لا يوجب قتال من خالفه. # 3 - (وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله (ص): تقتل عمارا ~~الفئة الباغية رواه مسلم). تمامه في مسلم: يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى ~~النار. # قال ابن عبد البر: تواترت الاخبار بهذا وهو من أصح الحديث، وقال ابن ~~دحية: لا مطعن في صحته ولو كان غير صحيح لرده معاوية. وإنما قال معاوية: ~~قتله من جاء به ولو كان فيه شك لرده وأنكره حتى أجاب عمرو بن العاص على ~~معاوية فقال: فرسول الله صلى الله عليه وسلم قتل حمزة؟. وأمما نقله المصنف ~~في التلخيص وتبعه الشارح في نقله من أنه نقل ابن الجوزي عن خلاد في العلل ~~أنه حكى عن أحمد أنه قال: قد روي هذا الحديث من PageV03P258 # ثمانية وعشرين طريق ليس فيها طريق صحيح. ms1020 وحكى أيضا عن أحمد وابن معين ~~وابن أبي خيثمة أنهم قالوا: لم يصح. فقد أجاب السيد محمد بن إبراهيم الوزير ~~عن هذا بقوله: # الاسترواح إلى ذكر هذا الخلاف الساقط من غير بيان لبطلانه من مثل ابن حجر ~~عصبية شنيعة. فأما ابن الجوزي فلم يعرف هذا الشأن وقد ذكر الذهبي في ترجمته ~~في التذكرة كثرة خطئه في مصنفاته فهو أجهل وأحقر من أن ينتهض لمعارضة أئمة ~~الحديث وفرسانه وحفاظه كابن عبد البر والبخاري ومسلم والحميدي. وقد رواه ~~كاملا أبو داود والترمذي والذهبي والحاكم وابن خزيمة والقرطبي والإسماعيلي ~~والبرقاني وأمثالهم، وقد ذكر جملة منهم تواتره وصحته وجماعة منهم إجماع أهل ~~السنة وأهل الفقه وأهل العلم على ذلك. وذكره القرطبي في آخر تذكرته والحاكم ~~في علوم الحديث له وحكاه ابن خزيمة - المعروف بإمام الأئمة - ولم يحك أحد ~~عنهم خلافا في ذلك. وأما الذهبي فإنه حقق صحة دعواه بما أورده من الطرق ~~الصحيحة الجمة. # والمنع من الصحة بمجرد العصبية من غير حجة صنيع من لا علم له بل من لا ~~عقل له ولا حياء. # انتهى. قلت: ولا يخفى أن ابن الجوزي نقل عن أحمد عدم صحته وليس له هو قدح ~~في صحته حتى يقال إنه أحقر من أن ينتهض لمعارضة أئمة الحديث وفرسانه ~~وحفاظه. فالأولى في الجواب عن نقل أب أن الجوزي ما قاله السيد محمد أيضا ~~أنه قد روى يعقوب بن شيبة الامام الثقة الحافظ عن أحمد بن حنبل أنه قال ~~فيه: إنه حديث صحيح سمعه عنه يعقوب وقد سئل عنه. # ذكره الذهبي في ترجمة عمار في النبلاء. ويؤيده أنه رواه أحمد عن جماعة ~~كثير من الصحابة وكان يرى الضرب على روايات الضعاف والمنكرات وهذا يدل على ~~بطلان ما حكاه ابن الجوزي وإلا فغايته أنه قد تعارض عن أحمد القولان فيطرح، ~~وفي تصحيح غيره ما يغني عنه كما لا يخفى. وأما الحكاية عن ابن معين وابن ~~أبي خيثمة فإنه رواها المصنف بصيغة التمريض ولم ينسبها إلى راو فيتكلم ~~عليها. والحديث دليل على أن ms1021 الفئة الباغية معاوية ومن في حزبه. والفئة ~~المحقة علي رضي الله عنه ومن في صحبته، وقد نقل الاجماع من أهل السنة بهذا ~~القول جماعة من أئمتهم كالعامري وغيره وأوضحناه في الروضة الندية. # 4 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): هل تدري يا ابن ~~أم عبد) هو ابن مسعود لأنه المعروف بذلك وكأنه رواه عنه ابن عمر رضي الله ~~عنهما أو سمع النبي صلى الله عليه وسلم يحدثه (كيف حكم الله فيمن بغى من ~~هذه الأمة؟ قال: الله ورسوله أعلم قال: لا يجهز على جريحها) أي لا يتمم قتل ~~من كان جريحا من البغاة (ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسم ~~فيؤها. رواه البزار والحاكم وصححه فوهم فإن في إسناده كوثر) بفتح الكاف ~~وسكون الواو ومثلثة مفتوحة فراء (ابن حكيم وهو متروك وصح عن علي نحوه من ~~طرق موقوفا. أخرجه ابن أبي شيبة والحاكم). في الميزان: كوثر بن حكيم عن ~~عطاء ومكحول وهو كوفي نزل حلب قال ابن معين: ليس بشئ وقال أحمد بن حنبل: ~~أحاديثه بواطيل انتهى. قال ابن عدي PageV03P259 # هذا حديث غير محفوظ وأما الرواية عن علي عليه السلام فرواها البيهقي ~~وغيره. وفي الحديث مسائل: الأولى: جواز قتال البغاة وهو إجماع لقوله تعالى: ~~* (فقاتلوا التي تبغي) *. قلت: والآية دالة على الوجوب وبه قالت الهادوية ~~ولكن شرطوا ظن الغلبة. وعند جماعة من العلماء أن قتالهم أفضل من قتال ~~الكفار. قالوا: لما يلحق المسلمين من الضرر منهم. # واعلم أنه يتعين أولا قبل قتالهم دعاؤهم إلى الرجوع عن البغي وتكرير ~~الدعاء كما فعل علي رضي الله عنه في الخوارج فإنهم لما فارقوه أرسل إليهم ~~ابن عباس فناظرهم فرجع منهم أربعة آلاف وكانوا ثمانية آلاف وبقي أربعة أبوا ~~أن يرجعوا وأصروا على فراقه فأرسل إليهم كونوا حيث شئتم وبيننا وبينكم أن ~~لا تسفكوا دما حراما ولا تقطعوا سبيلا ولا تظلموا أحدا " فقتلوا عبد الله ~~بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بقروا بطن سريته ms1022 وهي حبلى ~~وأخرجوا ما في بطنها فبلغ عليا كرم الله وجهه فكتب إليهم: أقيدونا بقاتل ~~عبد الله بن خباب فقالوا: كلنا قتله، فأذن حينئذ في قتالهم وهي روايات ~~ثابتة ساقها المصنف في فتح الباري. المسألة الثانية: أنه لا يجهز على ~~جريحها، وهو من أجهز على الجريح وجهز أي بت قتله وأسرعه وتمم عليه ودليله ~~قوله: ولا يجهز على جريحها. وأخرج البيهقي أن عليا عليه السلام قال لأصحابه ~~يوم الجمل: إذا ظهرتم على القوم فلا تطلبوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ~~وانظروا ما حضرت به الحرب من آلته فاقبضوه وما سوى ذلك فهو لورثته قال ~~البيهقي: هذا منقطع والصحيح أنه لم يأخذ شيئا ولم يسلب قتيلا. ودل الحديث ~~أيضا على أنه لا يقتل أسير البغاة قالوا: وهذا خاص بالبغاة لان قتالهم إنما ~~هو لدفعهم عن المحاربة. # ودل الحديث أيضا على أنه لا يطلب هاربها وظاهره ولو كان متحيزا إلى فئة ~~وإلى هذا ذهب الشافعي. قال: لان القصد دفعهم في تلك الحال وقد وقع. وذهبت ~~الهادوية والحنفية إلى أن الهارب إلى فئة يقتل إذ لا يؤمن عوده، والحديث ~~يرد هذا القول وكذا ما تقدم من كلام علي عليه السلام. المسألة الثالثة: ~~قوله: لا يقسم فيؤها أي لا يغنم فيقسم، دال على أن أموال البغاة لا تغنم ~~وإن أجلبوا بها إلى دار الحرب وإلى هذا ذهبت الشافعية والحنفية وأيد هذا ~~بقوله صلى الله عليه وسلم: لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه. وقد ~~صحح البيهقي أن عليا عليه السلام لم يأخذ سلبا فأخرجه عن الدراوردي عن جعفر ~~بن محمد عن أبيه عليا عليه السلام: كان لا يأخذ سلبا. وأخرج أيضا عن أبي ~~بكر بن أبي شيبة عن جعفر بن محمد عن أبيه: أن عليا عليه السلام يوم البصرة ~~لم يأخذ من متاعهم شيئا. وأخرج عن أبي أمامة قال شهدت يوم صفين وكانوا لا ~~يجهزون على جريح ولا يقتلون موليا ولا يسلبون قتيلا. وذهبت الهادوية إلى ~~أنه يغنم ما أجلبوا به من ms1023 مال وآلة حرب ويخمس لقول علي عليه السلام: لكم ~~المعسكر وما حوى. وأجيب بأن الحديث مصرح بأنها لا تغنه وبأن ما ذكرناه عن ~~علي عليه السلام مما يوافق الحديث أكثر وأقوى طريقا. المسألة الرابعة: يؤخذ ~~من اطلاق قوله: ولا يجهز على جريحها أنه لا يضمن البغاة ما أتلفوا في ~~القتال من الدماء والأموال وإليه ذهب الامام يحيى PageV03P260 # والحنفية واستدل أيضا بقوله تعالى: * (حتى تفئ إلى أمر الله) * ولم يذكر ~~ضمانا وبما أخرجه البيهقي عن ابن شهاب قال: هاجت الفتنة الأولى فأدركت ~~الفتنة رجالا ذوي عدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن شهد معه ~~بدرا وبلغنا أنهم كانوا يرون أن يهدر أمر الفتنة ولا يقام فيها على رجل ~~قاتل في تأويل القرآن قصاص فيمن قتل ولا حد في سباء امرأة سبيت ولا يرى ~~عليها حد ولا بينها وبين زوجها ملاعنة ولا يرى أن يقذفها أحد إلا جلد الحد ~~ويرى أن ترد إلى زوجها الأول بعد أن تعتد فتنقضي عدتها من زوجها الآخر ويرى ~~أن يرثها زوجها الأول. قلت: وهذا وإن لم يكن إجماعا فإنه مقو للبراءة ~~الأصلية إذا الأصل أن أموال المسلمين ودماءهم معصومة. وذهب الشافعي وحكي عن ~~الهادوية إلى أنه يقتص ممن قتل من البغاة واستدلوا بعموم الآيات والأحاديث ~~نحو * (ومن قتل مظلوما وقد جعلنا لوليه سلطانا) * وحديث: من اعتبط مسلما ~~بقتل عن بينة فهو قود وأجيب بأنها عمومات خصت بما ذكر من أدلة أهل القول ~~الأول. # 5 - (وعن عرفجة) بضم العين وسكون الراء وضم الفاء وجيم (ابن شريح) بالشين ~~المعجمة مصغر شرح وقيل بالمهملة (قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقوله: من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يفرق جماعتكم فاقتلوه أخرجه مسلم). ~~ورواه مسلم بلفظ: سمعت رسول الله (ص) يقول: ستكون هنات وهنات فمن أراد أن ~~يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان. وفي لفظ فاقتلوه ~~وفي لفظ: من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو ms1024 يفرق ~~جماعتكم فاقتلوه. وأخرج الشيخان واللفظ للبخاري من حديث ابن عباس رضي الله ~~عنه قال من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا ~~فمات مات ميتة جاهلية. وفي لفظ: من خرج عن السلطان شبرا مات ميتة جاهلية. ~~دلت هذه الألفاظ على أن من خرج على إمام قد اجتمعت عليه كلمة المسلمين ~~والمراد أهل قطر - كما قلناه - فإنه قد استحق القتل لادخاله الضرر على ~~العباد. وظاهره سواء كان جائرا أو عادلا وقد جاء في أحاديث تقييد ذلك بما ~~أقاموا الصلاة. وفي لفظ: ما لم تروا كفرا بواحا. وقد حققنا هذه المباحث في ~~منحة الغفار حاشية ضوء النهار تحقيقا تضرب إليه آباط الإبل والحمد الله ~~المنعم المتفضل. # باب قتال الجاني وقتل المرتد 1 - (عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ~~(ص): # من قتل دون ماله فهو شهيد رواه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه) وأخرجه ~~البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وأخرجه أصحاب السنن وابن حبان ~~والحاكم من حديث سعيد بن زيد. وفي الحديث دليل على جواز المقاتلة لمن قصد ~~أخذ مال PageV03P261 # غيره بغير حق قليلا كان المال أو كثيرا وهذا قول الجماهير. وقال بعض ~~المالكية: # لا يجوز القتال على أخذ القليل من المال. قال القرطبي: سبب الخلاف في ذلك ~~هل القتال لدفع المنكر فلا يفترق الحال بين القليل والكثير أو من باب دفع ~~الضرر فيختلف الحال في ذلك؟. وحكى ابن المنذر عن الشافعي رضي الله عنه: أن ~~من أريد ماله أو نفسه أو حريمه ولم يمكنه الدفع إلا بالقتل فله ذلك وليس ~~عليه قود ولا دية ولا كفارة. لكن ليس له أن يقصد القتل من غير تفصيل. قال ~~ابن المنذر: والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذكر إذا أريد ظلما ~~بغير تفصيل إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء ~~السلطان للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيامة عليه. وفرق ~~الأوزاعي بين الحال التي ms1025 للناس فيها جماعة وإمام فحمل الحديث عليها. وأما ~~في حال الخلاف والفرقة فليستسلم ولا يقاتل أحدا. قلت: ويؤيد ما قاله ابن ~~المنذر عن أهل العلم ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ: أرأيت ~~إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه. # قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله. قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد. ~~قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: فهو في النار. وظاهر الحديث إطلاق الأحوال. قلت: ~~هذا في جواز قتال من يأخذ المال فهل يجوز له أي لمن يراد أخذ ماله ظلما ~~الاستسلام وترك المنع بالقتال الظاهر جوازه. ويدل له حديث: فكن عبد الله ~~المقتول فإنه دال على جواز الاستسلام في النفس والمال بالأولى فيحمل قوله ~~هنا: ولا تعطه على أنه نهي لغير التحريم. # 2 - (وعن عمران بن حصين قال: قاتل يعلى بن أمية رجلا فعض أحدهما صاحبه ~~فانتزع يده من فمه فنزع ثنيته فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: # أيعض أحدكم) بفتح حرف المضارعة والعين المهملة ماضية عضض بكسر الضاء ~~الأولى يعضض بفتحها في المضارع فأدغمت ونقلت حركتها إلى ما قبلها (أخاه كما ~~يعض الفحل) أي الذكر من الإبل (لا دية له متفق عليه واللفظ لمسلم). اختلف ~~في العاض والمعضوض منهما فقال الحافظ: الصحيح المعروف أن المعضوض أجير يعلى ~~لا يعلى قيل: فيتعين أن يكون يعلى هو العاض. وفي الحديث دليل على أن هذه ~~الجناية التي وقعت لأجل الدفع عن الضرر تهدر ولا دية على الجاني وإلى هذا ~~ذهب الجمهور. وقالوا: لا يلزمه شئ لأنه في حكم الصائل. واحتجوا أيضا ~~بالاجماع على أن من شهر على آخر سلاحا ليقتله فدفع عن نفسه فقتل الشاهر أنه ~~لا شئ عليه. قالوا: ولو جرحه المعضوض في محل آخر من بدنه لم يلزمه شئ. وشرط ~~الاهدار أن يتألم المعضوض وأن لا يمكنه تخليص يده بغير ذلك من ضرب شدقه أو ~~فك لحييه ليرسلهما ومهما أمكن التخلص بدون ذلك فعدل عنه إلى الأثقل لم ~~يهدر. وللشافعية وجه ms1026 أنه يهدر على الاطلاق ودليل شرط الاهدار بما ذكر مأخوذ ~~من القواعد الكلية في الشرع وإلا فلا يفيده الحديث. فإن كان لعض في موضع ~~آخر من البدن جرى فيه هذا الحكم قياسا. PageV03P262 # 3 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه ~~وسلم: # لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح ~~متفق عليه). دل الحديث على تحريم الاطلاع على الغير بغير إذنه وعلى أن من ~~اطلع قاصدا للنظر إلى محل غيره مما لا يجوز الدخول إليه إلا بإذن مالكه ~~فإنه يجوز للمطلع عليه دفعه بما ذكر، وإن فقأ عينه فإنه لا ضمان عليه (وفي ~~لفظ لأحمد والنسائي وصححه ابن حبان: فلا دية له ولا قصاص). وأما إذا كان ~~مأذونا بالنظر فالجناح غير مرفوع على من جنى على الناظر. وكذا لو كان ~~المنظور إليه في محل لا يحتاج إلى الاذن ولو نظر منه ما لا يحل له النظر ~~إليه لان التقصير من المنظور إليه وإلى هذا ذهب الشافعي وغيره. والخلاف فيه ~~للمالكية قال يحيى بن يعمر من المالكية: لعل مالكا لم يبلغه الخبر. وقال ~~ابن دقيق العيد: تصرف الفقهاء في الحكم بأنواع من التصرفات: منها: أنه يفرق ~~بين أن يكون هذا الناظر واقعا في الشارع أو في خالص ملك المنظور إليه أو في ~~سكة منسدة الأسفل اختلفوا فيه: والأشهر أنه لا فرق. ولا يجوز مد العين إلى ~~حرم الناس بحال وفي وجه للشافعية أنه لا تفقأ إلا عين من وقف في ملك ~~المنظور إليه والحديث مطلق. ومنها: أنه هل يجوز رمي الناظر قبل الانذار ~~والنهي؟ فيه وجهان للشافعية أحدهما: لا، والثاني: نعم. قلت: وهو الذي يدل ~~له الحديث ويؤيده الحديث الآخر: أنه صلى الله عليه وسلم جعل يختل المطلع ~~عليه ليطعنه. والختل فسره في النهاية بقوله: يراوده ويطلبه من حيث لا يشعر. ~~وفي الحديث دليل أنه إنما يباح له قصد العين بشئ خفيف كالمدرى والبندقة ~~والحصاة لقوله: (فحذفته). قال الفقهاء: ms1027 فأما لو رماه بالنشاب أو بحجر يقتله ~~فقتله فهذا قتيل يتعلق به القصاص أو الدية. ومما تصرف فيه الفقهاء أن هذا ~~الناظر إذا كان له محرم في الدار أو زوجة أو متاع لم يجز قصد عينه لأنه له ~~في النظر شبهة. وقيل: لا يكفي إذا كان له في الدار محرم بل إنما يمتنع قصد ~~عينه إذا لم يكن في الدار إلا محارمه. ومنها: إذا لم يكن في الدار إلا ~~صاحبها فله الرمي إن كان مكشوف العورة ولا ضمان وإلا فوجهان: أظهرهما لا ~~يجوز رميه. ومنها: أن الحريم إذا كن في الدار مستترات أو في بيت ففي وجه لا ~~يجوز قصد عينه لأنه لا يطلع على شئ قال بعض الفقهاء: والأظهر الجواز لاطلاق ~~الاخبار، وأنه لا تنضبط أوقات الستر والتكشف، والاحتياط حسم الباب. ومنها ~~أن ذلك إنما يكون إذا لم يقصر صاحب الدار فإن كان بابه مفتوحا أو ثم كوة ~~واسعة أو ثلمة مفتوحة فينظر، فإن كان مجتازا لم يجز قصده وإن كان وقف وتعمد ~~فقيل: لا يجوز قصده لتفريط صاحب الدار بفتح الباب وتوسيع الكوة. وقيل: يجوز ~~لتعديه بالنظر. وأجرى هذا الخلاف فيما إذا نظر من سطح بيته أو نظر المؤذن ~~من المئذنة لكن الأظهر ههنا عندهم جواز الرمي لأنه لا تقصير من صاحب الدار ~~ثم قال: واعلم أن ما كان من هذه التصرفات الفقهية داخلا تحت إطلاق الحديث ~~فهو مأخوذ منها، وما ا فبعضه مأخوذ من فهم المعنى المقصود بالحديث، وبعضه ~~مأخوذ من القياس وهو قليل فيما ذكر انتهى كلامه. PageV03P263 # واعلم أنه يؤخذ من هذا الحديث صحة قول الفقهاء إنها تهدم الصوامع المحدثة ~~المعورة وكذا تعلية الملك إذا كانت معورة وهو محكي عن القاسم الرسي وهو رأي ~~عمر، فإنه أخرج عنه ابن عبد الحكم في فتوح مصر عن يزيد بن أبي حبيب قال: ~~أول من بنى غرفة بمصر خارجة بن حذافة فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~فكتب إلى عمرو بن العاص: سلام عليك أما بعد، فإنه ms1028 بلغني أن خارجة بن حذافة ~~بنى غرفة ولقد أراد أن يطلع على عورات جيرانه فإذا أتاك كتابي هذا فاهدمها ~~إن شاء الله تعالى والسلام. # 4 - (وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قضى رسول الله (ص) أن حفظ ~~الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على أهل ~~الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل رواه أحمد والأربعة إلا الترمذي، وصححه ~~ابن حبان، وفي إسناده اختلاف). مداره على الزهري وقد اختلف عليه فإنه روي ~~من طرق كلها عن الزهري عن حزام عن البراء وحزام لم يسمع من البراء قاله عبد ~~الحق تبعا لابن حزم. وأخرجه البيهقي من طرق وفيها الاختلاف. إلا أنه قال ~~الشافعي رحمه الله: أخذنا به لثبوته واتصاله ومعرفة رجاله. قال البيهقي: ~~ورويناه عن الشعبي عن شريح أنه كان يضمن ما أفسدته الغنم بالليل ولا يضمن ~~ما أفسدته بالنهار ويتأول هذه الآية * (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث ~~إذ نفشت فيه غنم القوم) *. وكان يقول: النفش بالليل، وروي مرة عن مسروق: * ~~(إذ نفشت فيه غنم القوم) * قال: كان كرما فدخلت فيه ليلا فما تركت فيه ~~خضرا. فدل الحديث أنه لا يضمن مالك البهيمة ما جنته في النهار لأنه يعتاد ~~إرسالها في النهار ويضمن ما جنته بالليل لأنه يعتاد حفظها بالليل وإلى هذا ~~ذهبت الهادوية ومالك والشافعي ودليلهم الحديث والآية. وذهب أبو حنيفة إلى ~~أنه لا ضمان على أهل الماشية مطلقا وحجته حديث: العجماء جرحها جبار أخرجه ~~أحمد والشيخان من حديث أبي هريرة، وأحمد والنسائي وابن ماجة عن عمرو بن عوف ~~وفيه زيادة. ولكنه قال الطحاوي: مذهب أبي حنيفة أنه لا ضمان إذا أرسلها مع ~~حافظ. وأما إذا أرسلها من دون حافظ فإنه يضمن، وكذا المالكية يقيدون ذلك ~~بما إذا سرحت الدواب في مسارحها المعتادة للرعي وأما إذا كانت في أرض ~~مزروعة لا مسرح فيها فإنهم يضمنون ليلا أو نهارا. وفي المسألة أقوال أخر لا ~~تناسب النص هذا ولا دليل لها يقاومه. # 5 - (وعن معاذ بن جبل ms1029 رضي الله عنه في رجل أسلم ثم تهود: لا أجلس حتى ~~يقتل. # قضاء الله ورسوله). جوز في قضاء رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف ونصبه على ~~أنه مصدر حذف فعله وهو يشير إلى حديث: من بدل دينه فاقتلوه وسيأتي من ~~أخرجه. (فأمر به فقتل. متفق عليه. وفي رواية لأبي داود: وكان قد استتيب قبل ~~ذلك). الحديث دليل على أنه يجب قتل المرتد وهو إجماع وإنما وقع الخلاف هل ~~تجب استتابته قبل قتله أو لا؟ ذهب الجمهور إلى وجوب الاستتابة لما في رواية ~~أبي داود هذه، وله في رواية أخرى: فدعاه PageV03P264 # أبو موسى عشرين ليلة أو قريبا منها وجاء معاذ فدعاه فأبى فضرب عنقه. وذهب ~~الحسن وطاوس وأهل الظاهر وآخرون إلى عدم وجوب استتابة المرتد وأنه يقتل في ~~الحال مستدلين بقوله صلى الله عليه وسلم: من بدل دينه فاقتلوه يعني والفاء ~~تفيد التعقيب كما لا يخفى، ولان حكم المرتد حكم الحربي الذي بلغته الدعوة ~~فإنه يقاتل من دون أن يدعى: وإنما شرعت الدعوى لمن خرج عن الاسلام لا عن ~~بصيرة وأما من خرج عن بصيرة فلا. وعن ابن عباس وعطاء إن كان أصله مسلما لم ~~يستتب وإلا استتيب نقله عنهما الطحاوي. # ثم للقائلين بالاستتابة خلاف آخر وهو أنه هل يكفي مرة أو لا بد من ثلاث ~~في مجلس أو في يوم أو في ثلاثة أيام؟. ويروى عن علي عليه السلام: يستتاب ~~شهرا. # 6 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): # من بدل دينه فاقتلوه رواه البخاري). الحديث دليل على قتل من بدل دينه كما ~~تقدم وهو عام للرجل والمرأة والأول إجماع وفي الثاني خلاف. ذهب الجمهور إلى ~~أنها تقتل المرأة المرتدة لان كلمة من هنا تعم الذكر والأنثى ولأنه أخرج ~~ابن المنذر عن ابن عباس راوي الحديث أنه قال: تقتل المرأة المرتدة. ولما ~~أخرجه هو والدارقطني: أن أبا بكر رضي الله عنه قتل امرأة مرتدة في خلافته ~~والصحابة متوافرون ولم ينكر عليه أحد وهو حديث حسن. أخرج ms1030 أيضا حديثا مرفوعا ~~في قتل المرأة ولكنه حديث ضعيف. وقد وقع في حديث معاذ حين بعثه النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى اليمن أنه قال له: أيما رجل ارتد عن الاسلام فادعه فإن ~~عاد وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الاسلام فادعها فإن عادت وإلا ~~فاضرب عنقها وإسناده حسن وهو نص في محل النزاع. وذهب الحنفية إلى أنها لا ~~تقتل المرأة إذا ارتدت قالوا: لأنه قد ورد عنه (ص) النهي عن قتل النساء لما ~~رأى امرأة مقتولة وقال: ما كانت هذه لتقاتل. رواه أحمد. وأجاب الجمهور بأن ~~النهي إنما هو عن قتل الكافرة الأصلية كما وقع في سياق قصة النهي فيكون ~~النهي مخصوصا بما فهم من العلة وهو لما كانت لا تقاتل فالنهي عن قتلها إنما ~~هو لتركها المقاتلة فكان ذلك في دين الكفار الأصليين المتحزبين للقتال وبقي ~~عموم قوله: من بدل دينه سالما عن المعارض. وأيدته الأدلة التي سلفت. # واعلم أن ظاهر الحديث إطلاق التبديل فيشمل من تنصر بعد أن كان يهوديا ~~وغير ذلك من الأديان الكفرية وإلى هذا ذهبت الشافعية. وسواء كان من الأديان ~~التي تقر بالجزية أم لا لاطلاق هذا اللفظ. وخالفت الحنفية في ذلك وقالوا: ~~ليس المراد إلا تبديل الكفر بعد الاسلام، قالوا: وإطلاق الحديث متروك ~~اتفاقا في حق الكافر إذا أسلم مع تناول الاطلاق له وبأن الكفر ملة واحدة ~~فالمراد من بدل دين الاسلام بدين آخر، فإنه قد أخرج الطبراني من حديث ابن ~~عباس مرفوعا: من خالف دينه دين الاسلام فاضربوا بعنقه فصرح بدين الاسلام. ~~PageV03P265 # 7 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي صلى ~~ا عليه وسلم وتقع فيه فينهاها فلا تنتهي، فلما كان ذات ليلة أخذ المعول) ~~بكسر الميم وعين مهملة وفتح الواو (فجعله في بطنها واتكأ عليه فقتلها فبلغ ~~ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ألا اشهدوا فإن دمها هدر رواه أبو داود ~~ورواته ثقات). الحديث دليل على أنه يقتل من سب النبي صلى ms1031 الله عليه وسلم ~~ويهدر دمه فإن كان مسلما كان سبه له صلى الله عليه وسلم ردة فيقتل. قال ابن ~~ابطال: من غير استتابة. ونقل ابن المنذر عن الأوزاعي والليث أنه يستتاب، ~~وإن كان من العهد فإنه يقتل إلا أن يسلم. ونقل ابن المنذر عن الليث ~~والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق أنه يقتل أيضا من غير استتابة. وعن ~~الحنفية أنه يعزر المعاهد ولا يقتل، واحتج الطحاوي بأنه صلى الله عليه وسلم ~~لم يقتل اليهود الذين قالوا: السام عليك. ولو كان هذا من مسلم لكان ردة ~~ولان ما هم عليه من الكفر أشد من السب. # قلت: يؤيده أن كفرهم به صلى الله عليه وسلم معناه أنه كذاب وأي سب أفحش ~~من هذا وقد أقروا عليه، إلا أن يقال: إن هذا النص في حديث الأمة يقاس عليه ~~أهل الذمة. وأما القول بأن دماءهم إنما حقنت بالعهد وليس في العهد أنهم ~~يسبون النبي صلى الله عليه وسلم فمن سبه منهم انتقض عهده فيصير كافرا بلا ~~عهد فيهدر دمه. فقد يجاب عنه أن عهدهم تضمن إقرارهم على تكذيبهم له صلى ~~الله عليه وسلم وهو أعظم سب، إلا أن يقال: يخص من بين غيره من السب والله ~~أعلم. PageV03P266 # سبل السلام تأليف السيد الإمام محمد بن إسماعيل الكحلاني ثم الصنعاني ~~المعروف بالأمير (1059 - 1182 ه‍) شرح بلوغ المرام، من جمع أدلة الاحكام ~~للحافظ شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن حجر الكناني العسقلاني ~~القاهري (733 - 852 ه‍) متن نخبة الفكر، في مصطلح أهل الأثر مع تعليقات ~~مختارة للإمام ابن حجر الجزء الرابع ملتزم الطبع والنشر شركة مكتبة ومطبعة ~~مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر محمود نصار الحلبي وشركاه - خلفاء ~~PageV04P001 # راجعه وعلق عليه المرحوم الشيخ محمد عبد العزيز الخولي الأستاذ بدار ~~العلوم بالقاهرة الطبعة الرابعة 1379 ه‍ - 1960 م PageV04P002 # نصر الله أمرا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها (حديث شريف) بسم الله ~~الرحمن الرحيم كتاب الحدود الحدود جمع حد، والحد: أصله ما يحجز به بين ~~شيئين فيمنع ms1032 اختلافهما. سميت هذه العقوبات حدودا لكونها تمنع عن المعاودة. ~~ويطلق الحد على التقدير، وهذه الحدود مقدرة من الشارع. ويطلق الحد على نفس ~~المعاصي نحو قوله تعالى - تلك حدود الله فلا تقربوها - وعلى فعل فيه شئ ~~مقدر نحو قوله تعالى - ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه -. # باب حد الزاني 1 - (عن أبي هريرة رضي الله عنه وزيد بن خالد الجهني أن ~~رجلا من الاعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ~~أنشدك) معنى أذكرك فحذف الباء: أي أذكرك الله رافعا نشيدتي: أي صوتي وهو ~~بفتح أوله فنون ساكنة وضم الشين المعجمة: أي أسألك (الله الا قضيت لي بكتاب ~~الله تعالى) استثناء مفرع إذ المعنى لا أنشدك الا القضاء بكتاب الله (فقال ~~الآخر وهو أفقه منه) كأن الراوي يعرف أنه أفقه منه أو من كونه سأل أهل ~~الفقه (نعم، فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي، فقال: # قل، قال: إن ابني كان عسيفا 1) بالعين المهملة والسين المهملة فمثناة ~~تحتية ففاء كأجير وزنا ومعنى (على هذا 2 فزني بامرأته، وإني أخبرت أن على ~~ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أن ما ~~على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله: الوليدة ~~والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام) كأنه قد علم صلى الله عليه ~~وسلم أنه غير محصن، وقد كان اعترف بالزنا (واغد يا أنيس) تصغير أنس 3 رجل ~~من الصحابة لا ذكر له الا في هذا الحديث (إلى امرأة PageV04P003 # هذا فان اعترفت فارجمها. متفق عليه. وهذا اللفظ لمسلم) الحديث دليل على ~~وجوب الحد على الزاني غير المحصن مائة جلدة وعليه دل القرآن وأنه يجب عليه ~~تغريب عام، وهو زيادة على ما دل عليه القرآن، ودليل على أنه يجب الرجم على ~~الزاني المحصن وعلى أنه يكفي في الاعتراف بالزنى مرة واحدة كغيره من سائر ~~الأحكام، والى ms1033 هذا ذهب الحسن ومالك والشافعي وداود وآخرون، وذهب الهادوية ~~والحنفية والحنابلة وآخرون إلى أنه يعتبر في الاقرار بالزنى أربع مرات ~~مستدلين بما يأتي من قصة ماعز. ويأتي الجواب عنه في شرح حديثه وأمره صلى ~~الله عليه وسلم أنيسا برجمها بعد اعترافها دليل لمن قال بجواز حكم الحاكم ~~في الحدود ونحوها بما أقر به الخصم عنده، وهو أحد قولي الشافعي وبه قال أبو ~~ثور كما نقله القاضي عياض. # وقال الجمهور: لا يصح ذلك. قالوا: وقصة أنيس يطرقها احتمال الاعذار وأن ~~قوله (فارجمها) بعد إعلامه صلى الله عليه وسلم أو أنه فوض الامر إليه. ~~والمعنى فإذا اعترفت بحضرة من يثبت ذلك بقوله حكمت. قلت: ولا يخفى أن هذه ~~تكلفات. # واعلم أنه صلى الله عليه وسلم لم يبعث إلى المرأة لأجل إثبات الحد عليها، ~~فإنه صلى الله عليه وسلم قد أمر باستتار من أتى بفاحشة وبالستر عليه، ونهى ~~عن التجسس، وإنما ذلك لأنها لما قذفت المرأة بالزنى بعث إليها صلى الله ~~عليه وسلم لتنكر فتطالب بحد القذف أو تقر بالزنى فيسقط عنه، فكان منها ~~الاقرار فأوجبت على نفسها الحد. ويؤيد هذا ما أخرجه أبو داود والنسائي عن ~~ابن عباس أن رجلا أقر أنه زنى بامرأة فجلده النبي (ص) مائة ثم سأل المرأة ~~فقالت: كذب، فجلده جلد الفرية ثمانين وقد سكت عليه أبو داود وصححه الحاكم ~~واستنكره النسائي. # 2 - (وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # خذوا عني، خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة ونفي ~~سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم رواه مسلم. إشارة إلى قوله تعالى * (أو ~~يجعل الله لهن سبيلا) * بين به أنه قد جعل الله تعالى لهن السبيل بما ذكره ~~من الحكم. # وفي الحديث مسألتان: الأولى: حكم البكر إذا زنى، والمراد بالبكر عند ~~الفقهاء الحر البالغ الذي لم يجامع في نكاح صحيح. وقوله بالبكر هذا خرج ~~مخرج الغالب لا أنه يراد به مفهومه فإنه يجب على البكر الجلد سواء كان مع ms1034 ~~بكر أو ثيب كما في قصة العسيف. وقوله: نفي سنة فيه دليل على وجوب التغريب ~~للزاني البكر عاما وأنه من تمام الحد، وإليه ذهب الخلفاء الأربعة ومالك ~~والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم وادعي فيه الاجماع. وذهبت الهادوية والحنفية ~~إلى أنه لا يجب التغريب، واستدل الحنفية بأنه لم يذكر في آية النور، ~~فالتغريب زيادة على النص وهو ثابت بخبر الواحد فلا يعمل به لأنه يكون ~~ناسخا. وجوابه: أن الحديث مشهور لكثرة طرقه وكثرة من عمل به من الصحابة وقد ~~عملت الحنفية بمثله بل بدونه كنقض الوضوء من القهقهة وجواز الوضوء بالنبيذ، ~~وغير ذلك مما هو زيادة على ما في القرآن وهذا منه. وقال PageV04P004 # ابن المنذر: أقسم النبي صلى الله عليه وسلم في قصة العسيف أنه يقضي بكتاب ~~الله ثم قال إن عليه جلد مائة وتغريب عام وهو المبين لكتاب الله وخطب بذلك ~~عمر على رؤوس المنابر وكأن الطحاوي لما رأى ضعف جواب الحنفية هذا أجاب عنهم ~~بأن حديث التغريب منسوخ بحديث إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ثم قال في ~~الثالثة: فليبعها والبيع يفوت التغريب قال: وإذا سقط عن الأمة سقط عن الحرة ~~لأنها في معناها قال: ويتأكد بحديث لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم قال: ~~وإذا انتفى عن النساء عن الرجال انتهى. وفيه ضعف لأنه مبني على أن العام ~~إذا خص لم يبق دليلا وهو ضعيف كما عرف في الأصول. ثم نقول: الأمة خصصت من ~~حكم التغريب، وكان الحديث عاما في حكمه للذكر والأنثى والأمة والعبد، فخصت ~~منه الأمة وبقي ما عداها داخلا تحت الحكم. واستدل الهادوية بما ذكره المهدي ~~في البحر من قوله: قلت: التغريب عقوبة لا حد لقول علي جلد مائة وحبس سنة ~~ولنفي عمر في الخمر ولم ينكر، ثم قال: لا أنفي بعدها أحدا، والحدود لا ~~تسقط. # انتهى. ولا يخفى ضعف ما قاله. أما كلام علي عليه السلام فإنه مؤيد لما ~~قاله الجماهير، فإنه جعل الحبس عوضا عن التغريب فهو نوع منه، وأما نفي عمر ~~في الخمر فاجتهاد ms1035 منه زيادة في العقوبة ثم ظهر له ألا ينفي أحدا باجتهاده، ~~والنفي في الزنا بالنص، ويروى عن علي عليه السلام. وقال مالك والأوزاعي: إن ~~المرأة لا تغرب، قالوا: لأنها عورة وفي نفيها تضييع لها وتعريض للفتنة، ~~ولهذا نهيت عن السفر مع غير محرم، ولا يخفى أنه لا يرد ما ذكر ولأنه قد شرط ~~من قال بالتغريب أن تكون مع محرمها وأجرته منها إذ وجبت بجنايتها، وقيل في ~~بيت المال كأجرة الجلاد. وأما الرقيق: فإنه ذهب مالك وأحمد وغيرهما إلى أنه ~~لا ينفى قالوا: لان نفيه عقوبة لمالكه لمنعه نفعه مدة غربته، وقواعد الشرع ~~قاضية أن لا يعاقب إلا الجاني ومن ثمة سقط فرض الجهاد والحج عن المملوك. ~~وقال الثوري وداود: ينفي لعموم أدلة التغريب ولقوله تعالى: * (فعليهن نصف ~~ما على المحصنات من العذاب) * وينصف في حق المملوك لعموم الآية. وأما مسافة ~~التغريب فقالوا: أقلها مسافة القصر لتحصل الغربة وغرب عمر من المدينة إلى ~~الشام، وغرب عثمان إلى مصر، ومن كان غريبا لا وطن له غرب إلى غير البلد ~~التي واقع فيها المعصية. المسألة الثانية: في قوله: الثيب بالثيب المراد ~~بالثيب من قد وطئ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل، والمرأة مثله وهذا الحكم ~~يستوي فيه المسلم والكافر. والحكم هو ما دل له قوله جلد مائة والرجم فإنه ~~أفاد أنه يجمع للثيب بين الجلد والرجم وهو قول علي كما أخرجه البخاري أنه ~~جلد شراحة يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها ~~بسنة رسول الله (ص) قال الشعبي: قيل لعلي جمعت بين حدين: فأجاب بما ذكر. ~~قال الحازمي: وذهب إلى هذا أحمد وإسحاق وداود وابن المنذر وهو مذهب ~~الهادوية. وذهب غيرهم: إلى أنه لا يجمع بين الجلد والرجم. قالوا: وحديث ~~عبادة منسوخ بقصة ماعز والغامدية واليهودية فإنه (ص) رجمهم ولم يرو أنه ~~جلدهم. # قال الشافعي: فدلت السنة على أن الجلد ثابت على البكر ساقط عن الثيب، ~~قالوا وحديث PageV04P005 # عبادة متقدم. وأجيب بأنه ليس في قصة ماعز ومن ذكر ms1036 معه على تقدير تأخرها ~~تصريح بسقوط الجلد عن المرجوم لاحتمال أن يكون ترك روايته لوضوحه، ولكونه ~~الأصل. وقد احتج الشافعي بنظير هذا حين عورض في إيجاب العمرة بأن النبي (ص) ~~أمر من سأله أن يحج عن أبيه ولم يذكر العمرة فأجاب بأن السكوت عن ذلك لا ~~يدل على سقوطه. إلا أنه قد يقال: إن جلد من ذكر من الخمسة الذين رجمهم (ص) ~~لو وقع مع كثرة من يحضر عذابهما من طوائف المؤمنين يبعد أنه لا يرويه أحد ~~ممن حضر فعدم إثباته في رواية من الروايات مع تنوعها واختلاف ألفاظها دليل ~~أنه لم يقع الجلد فيقوى معه الظن بعدم وجوبه، وفعل على ظاهر أنه اجتهاد منه ~~لقوله: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه ~~ظاهر أنه عمل باجتهاده بالجمع بين الدليلين، فلا يتم القول بأنه توقيف وإن ~~كان في قوله بسنة رسول الله (ص) ما يشعر بأنه توقيف. قلت: ولا يخفى قوة ~~دلالة حديث عبادة على إثبات جلد الثيب ثم رجمه ولا يخفى ظهور أنه صلى الله ~~عليه وسلم لم يجلد من رجمه. فأنا أتوقف في الحكم حتى يفتح الله وهو خير ~~الفاتحين، وكنت قد جزمت في منحة الغفار بقوة القول بالجمع بين الجلد والرجم ~~ثم حصل لي التوقف هنا. # 3 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رجل من المسلمين رسول الله (ص) وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله ~~إني زنيت، فأعرض عنه فتنحى تلقاء وجهه) أي انتقل من الناحية التي كان فيها ~~إلى الناحية التي يستقبل بها وجهه (فقال: يا رسول الله إني زنيت فأعرض عنه ~~حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: أبك جنون؟ قال: لا، قال: فهل أحصنت؟) بفتح الهمزة ~~فحاء مهملة فصاد مهملة أي تزوجت، (قال: نعم، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: اذهبوا به فارجموه متفق عليه). الحديث ms1037 اشتمل على مسائل: الأولى: أنه ~~وقع منه إقرار أربع مرات فاختلف العلماء هل يشترط تكرار الاقرار بالزنا ~~أربعا أو لا؟. ذهب من قدمنا ذكره وهم الحسن ومالك والشافعي وداود وآخرون: ~~إلى عدم اشتراط التكرار مستدلين بأن الأصل عدم اشتراطه في سائر الأقارير ~~كالقتل والسرقة، وبأنه صلى الله عليه وسلم قال لأنيس: فإن اعترفت فارجمها ~~ولم يذكر له تكرار الاعتراف فلو كان شرطا معتبرا لذكره صلى الله عليه وسلم ~~لأنه في مقام البيان لا يؤخر عن وقت الحاجة. وذهب الجماهير إلى أنه يشترط ~~في الاقرار بالزنا أربع مرات مستدلين بحديث ماعز هذا. وأجيب عنهم بأن حديث ~~ماعز هذا اضطربت فيه الروايات في عدد الاقرارات فجاء فيها أربع مرات، ومثله ~~في حديث جابر بن سمرة عند مسلم، ووقع في طريق أخرى عند مسلم أيضا مرتين أو ~~ثلاثا، ووقع في حديث عنده أيضا في طريق أخرى فاعترف بالزنا ثلاث مرات. ~~وقوله صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات: قد شهدت على نفسك أربع مرات ~~حكاية لما وقع منه، فالمفهوم غير معتبر وما كان ذلك إلا زيادة في الاستثبات ~~والتبين، ولذلك سأل صلى الله عليه وسلم: هل به جنون أو هو شارب خمر وأمر من ~~يشم رائحته وجعل يستفسره عن الزنى PageV04P006 # كما سيأتي بألفاظ عديدة، كل ذلك لأجل الشبهة التي عرضت في أمره، ولأنها ~~قالت الجهينة: # أتريد أن تردني كما رددت ماعزا فعلم أن الترديد ليس بشرط في الاقرار. ~~وبعد، فلو سلمنا أنه لا اضطراب، وأنه أقر أربع مرات، فهذا فعل منه من غير ~~أمره صلى الله عليه وسلم ولا طلبه لتكرار إقراره بل فعله من تلقاء نفسه ~~وتقريره عليه دليل على جوازه لا على شرطيته. واستدل الجمهور بالقياس، على ~~أنه قد اعتبر في الشهادة على الزنا أربعة، ورد بأنه استدلال واضح البطلان ~~لأنه قد اعتبر في المال عدلان والاقرار به يكفي مرة واحدة اتفاقا: المسألة ~~الثانية دلت ألفاظ الحديث على أنه يجب على الامام الاستفصال عن الأمور التي ~~يجب معها الحد، فإنه قد ms1038 روي في هذا الحديث ألفاظ كثيرة دالة عليه، ففي حديث ~~بريدة أنه قال: أشربت خمرا؟ # قال: لا وأنه قام رجل يستنكهه فلم يجد فيه ريحا وفي حديث ابن عباس لعلك ~~قبلت أو غمزت وفي رواية هل ضاجعتها؟ قال: نعم، قال: فهل باشرتها؟ قال: نعم، ~~قال: هل جامعها؟ قال: نعم وفي حديث ابن عباس أنكتها؟ لا يكني. رواه ~~البخاري. وفي حديث أبي هريرة أنكتها؟ قال: نعم، قال: دخل ذلك منك في ذلك ~~منها؟ قال: نعم. قال: كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ قال: ~~نعم، قال: تدري ما الزنا؟ قال: نعم أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من ~~امرأته حلالا. قال: فما تريد بهذا القول، قال: تطهرني فأمر به فرجم. فدل ~~جميع ما ذكر على أنه يجب الاستفصال والتبين وأنه يندب تلقين ما يسقط الحد، ~~وأن الاقرار لا بد فيه من اللفظ الصريح الذي لا يحتمل غير المواقعة. وقد ~~روي عن جماعة من الصحابة تلقين المقر، كما أخرجه مالك عن أبي الدرداء وعن ~~علي عليه السلام في قصة شراحة فإنه قال لها علي: استكرهت؟ قالت: لا. قال: ~~فلعل رجل أتاك في نومك الحديث وعند المالكية أنه لا يلقن من اشتهر بانتهاك ~~الحرمات. وفي قوله: أشربت خمرا دليل على أنه لا يصح إقرار السكران. وفيه ~~خلاف. وفيه دليل على أنه يحفر للرجل عند رجمه لان في حديث بريدة عند مسلم ~~فحفر له حفيرة، وفي الحديث عند البخاري أنها لما أذلقته الحجارة هرب ~~فأدركناه بالحرة فرجمناه زاد في رواية حتى مات وأخرج أبو داود أنه قال صلى ~~الله عليه وسلم يعني حين أخبر بهربه: هلا رددتموه إلي وفي رواية تركتموه ~~لعله يتوب فيتوب الله عليه. وأخذ من هذا الهادوية والشافعي وأحمد أنه يصح ~~رجوع المقر عن الاقرار فإذا هرب ترك لعله يرجع. وفي قوله (ص) لعله يتوب ~~إشكال لأنه ما جاء إلا تائبا يطلب تطهيره من الذنب. وقد أخرج أبو داود أنه ~~قال صلى الله عليه وسلم في قصة ماعز: والذي نفسي ms1039 بيده إنه الآن لفي أنهار ~~الجنة ينغمس فيها. ولعله يجاب بأن المراد لعله يرجع عن إقراره ويتوب بينه ~~وبين الله تعالى فيغفر له أو المراد يتوب عن إكذابه نفسه. # واعلم أن قوله: فأمر به فرجموه يدل أنه (ص) لم يحضر الرجم، وأنه لا يجب ~~أن يكون أول من يرجم الامام فيمن ثبت عليه الحد بالاقرار وإلى هذا ذهب ~~الشافعي PageV04P007 # والهادي. والأولى حمل ذلك على الندب، وعليه يحمل ما أخرج البيهقي عن علي ~~عليه السلام أنه قال: أيما امرأة بغى عليها ولدها أو كان اعتراف فالامام أو ~~من يرجم فإن ثبت بالبينة فالشهود أول من يرجم. # 4 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أتى ماعز بن مالك إلى النبي ~~صلى الله عليه سلم قال له: لعلك قبلت أو غمزت) بفتح الغين المعجمة والميم ~~فزاي، في النهاية. أنه فسر الغمز في بعض الأحاديث بالإشارة كالرمز بالعين ~~والحاجب، ولعل المراد هنا الجس باليد لأنه ورد في بعض الروايات أو لمست ~~عوضا عنه (أو نظرت؟ قال: لا يا رسول الله. رواه البخاري) والمراد استفهامه ~~هل هو أطلق لفظ الزنا على أي هذه مجازا، وذلك كما جاء: العين تزني وزناها ~~النظر. والحديث دليل على التثبت وتلقين المسقط للحد وأنه لا بد من التصريح ~~في الزنا الصريح الذي لا يحتمل غير ذلك. # 5 - (وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خطب فقال: إن الله بعث محمدا ~~بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها ~~وعقلناها، فرجم رسول الله (ص) ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن ~~يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. وإن ~~الرجم حق في كتاب الله على من زنا إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت ~~البينة أو كان الحبل) بفتح المهملة والموحدة (أو الاعتراف. متفق عليه). زاد ~~الإسماعيلي بعد قوله أو الاعتراف وقد قرأناها الشيخ والشيخة فارجموهما ~~البتة وبين في رواية عند النسائي محلها من السورة وأنها كانت ms1040 في سورة ~~الأحزاب. وكذلك أخرج هذه الزيادة في هذا الحديث الموطأ عن يحيى بن سعيد عن ~~ابن المسيب، وفي رواية زيادة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله ~~عزيز حكيم وفي رواية لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي ~~وهذا القسم من نسخ التلاوة مع بقاء الحكم. وقد عده الأصوليون قسما من أقسام ~~النسخ. وفي الحديث دليل على أنها إذا وجدت المرأة الخالية من الزوج أو ~~السيد حبلى ولم تذكر شبهة أنه يثبت الحد بالحبل وهو مذهب عمر وإليه ذهب ~~مالك وأصحابه. وقالت الهادوية والشافعي وأبو حنيفة: أنه لا يثبت الحد إلا ~~ببينة أو اعتراف، لان الحدود تسقط بالشبهات. واستدل الأولون بأنه قاله عمر ~~على المنبر ولم ينكر عليه فينزل منزلة الاجماع. قلت: لا يخفى أن الدليل هو ~~الاجماع لا ما ينزل منزلته. # 6 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها) بمثناة ~~تحتية فمثلثة فراء فموحدة التعنيف لفظا ومعنى (ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا ~~يثرب عليها ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر ~~PageV04P008 # متفق عليه وهذا لفظ مسلم). فيه مسائل: الأولى: دل قوله: فتبين زناها أنه ~~إذا علم السيد بزنا أمته جلدها وإن لم تقم شهادة وذهب إليه بعض العلماء. ~~وقيل: المراد إذا تبين زناها بما يتبين به في حق الحرة وهو الشهادة أو ~~الاقرار. والشهادة تقام عند الحاكم عند الأكثر، وقال بعض الشافعية: تقام ~~عند السيد. وفي قوله: فليجلدها دليل على أن ولاية جلد الأمة إلى سيدها، ~~وإليه ذهب الشافعي، وعند الهادوية أن ذلك إذا لم يكن في الزمان إمام وإلا ~~فالحدود إليه. والأول أقوى. والمراد بالجلد الحد المعروف في قوله تعالى: * ~~(فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) *. المسألة الثانية: قوله: ولا ~~يثرب عليها ورد في لفظ النسائي ولا يعنفها وهو بمعنى ما هنا، وهو نهى عن ~~الجمع لها ms1041 بين العقوبة بالتعنيف والجلد، ومن قال المراد أنه لا يقنع ~~بالتعنيف دون الجلد فقد أبعد. قال ابن بطال: يؤخذ منه أن كل من أقيم عليه ~~الحد لا يعزر بالتعنيف واللوم وإنما يليق ذلك بمن صدر منه قبل أن يرفع إلى ~~الامام للتحذير والتخويف فإذا رفع وأقيم عليه الحد كفاه، ويؤيد هذا نهيه ~~صلى الله عليه وسلم عن سبب ا لذي أقيم عليه حد الخمر وقال: لا تكونوا عونا ~~للشيطان على أخيكم. وفي قوله: ثم إن زنت إلى آخره دليل على أن الزاني إذا ~~تكرر منه الزنا بعد إقامة الحد عليه تكرر عليه الحد وأما إذا زنى مرارا من ~~دون تخلل إقامة الحد لم يجب عليه إلا حد واحد. ويؤخذ من ظاهر قوله فليبعها ~~أنه كان عليها الحد، قال المصنف في الفتح: الأرجح أنه يجلدها قبل البيع ثم ~~يبيعها، والسكوت عنه للعلم بأن الحد لا يترك ولا يقوم البيع مقامه. المسألة ~~الثالثة: ظاهر الامر وجوب بيع السيد للأمة وأن إمساك من تكررت منه الفاحشة ~~محرم، وهذا قول داود وأصحابه. وذهب الجمهور إلى أنه مستحب لا واجب. قال ابن ~~بطال: حمل الفقهاء الامر بالبيع على الحض على مباعدة من تكرر منه الزنا ~~لئلا يظن بالسيد الرضا بذلك فيكون ديوثا وقد ثبت الوعيد على من اتصف ~~بالدياثة. وفيه دليل على أنه لا يجب فراق الزانية لان لفظ أمة أحدكم عام ~~لمن يطؤها مالكها ومن لا يطؤها، ولم يجعل الشارع مجرد الزنا موجبا للفراق ~~إذ لو كان موجبا لوجب فراقها في أول مرة بل لم يوجبه إلا في الثالثة على ~~القول بوجوب فراقها بالبيع كما قاله داود وأتباعه، وهذا الايجاب لا لمجرد ~~الزنا بل لتكريره لئلا يظن بالسيد الرضا بذلك فيتصف بالصفة القبيحة ويجري ~~هذا الحكم في الزوجة أنه لا يجب طلاقها وفراقها لأجل الزنا بل إن تكرر منها ~~وجب لما عرفت. قالوا: وإنما يؤمر ببيعها في الثالثة لما ذكرنا قريبا، ولما ~~في ذلك من الوسيلة إلى تكثير أولاد الزنا قال: وحمله بعضهم على ms1042 الوجوب ولا ~~سلف له من الأمة فلا يشتغل به، وقد ثبت النهي عن إضاعة المال فكيف يجب بيع ~~ماله قيمة خطيرة بالحقير؟ ا ه‍. قلت: ولا يخفى أن الظاهر مع من قال بالوجوب ~~ولم يأت القائل بالاستحباب بدليل على عدم الايجاب، قوله: وقد ثبت النهي عن ~~إضاعة المال المال قلنا: وثبت هنا مخصص لذلك النهي وهو هذا الامر وقد وقع ~~الاجماع على جواز بيع الشئ الثمين بالشئ الحقير إذا كان البائع عالما به ~~وكذلك إذا كان جاهلا عند الجمهور. وقوله ولما في ذلك من الوسيلة إلى تكثير ~~أولاد الزنا، فقال: ليس في الامر ببيعها قطع لذلك إذ PageV04P009 # لا ينقطع إلا بتركها له وليس في بيعها ما يصيرها تاركة له وقد قيل في وجه ~~الحكم في الامر ببيعها مع أنه ليس من موانع الزنا أنه جواز أن تستغني عند ~~المشتري وتعلم بأن اخراجها من ملك السيد الأول بسبب الزنا فتتركه خشية من ~~تنقلها عند الملاك أو لأنه قد يعفها بالتسري لها أو بتزويجها. المسألة ~~الرابعة: هل يجب على البائع أن يعرف المشتري بسبب بيعها لئلا يدخل تحت ~~قوله: من غشنا فليس منا؟ فإن الزنا عيب ولذا أمر بالحط من القيمة. يحتمل ~~أنه لا يجب عليه ذلك لان الشارع قد أمره ببيعها ولم يأمره ببيان عيبها، ثم ~~هذا المعيب ليس معلوما ثبوته في الاستقبال فقد يتوب الفاجر ويفجر البار، ~~وكونه قد وقع منها وأقيم عليها الحد قد صيره كغير الواقع، ولهذا نهى عن ~~التعنيف لها، وبيان عيبها قد يكون من التعنيف، وهل يندب له ذكر سبب بيعها ~~فلعله يندب ويدخل تحت عموم المناصحة. المسألة الخامسة في إطلاق الحديث دليل ~~على إقامة الحد على الأمة سواء أحصنت أو لا، وفي قوله تعالى: * (فإذا أحصن ~~فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) * دليل على شرطية الاحصان ولكن ~~يحتمل أنه شرط للتنصيف في جلد المحصنة من الإماء وأن عليها نصف الجلد لا ~~الرجم إذ لا يتنصف فيكون فائدة التقييد في الآية. وصرح بتفصيل الاطلاق قول ms1043 ~~علي عليه السلام في خطبته: يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن ~~منهن ومن لم يحصن رواه ابن عيينة ويحيى بن سعيد عن ابن شهاب كما قال مالك. ~~وهذا مذهب الجمهور. وذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يحد من العبيد ~~والإماء إلا من أحصن وهو مذهب بن عباس ولكنه يؤيد كلام الجمهور إطلاق ~~الحديث الآتي. # 7 - (وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): أقيموا الحدود على ما ~~ملكت أيمانكم رواه أبو داود وهو في مسلم موقوف. على علي رضي الله عنه ~~وأخرجه البيهقي مرفوعا. وقد غفل الحاكم فظن أنه لم يذكره أحد الشيخين ~~واستدركه عليهما: قلت: يمكن أنه استدركه لكون مسلم لم يرفعه وقد ثبت عند ~~الحاكم رفعه. والحديث دل على ما دل عليه الحديث الأول من إقامة الملاك الحد ~~على المماليك، إلا أن هذا يعم ذكورهم وإناثهم فهو أعم من الأول، ودل على ~~إقامة الحد عليهم مطلقا أحصنوا أو لا وعلى أن إقامته إلى المالك ذكرا كان ~~أو أنثى. واختلف في الأمة المزوجة فالجمهور يقولون إن حدها إلى سيدها، وقال ~~مالك: حدها إلى الامام إلا أن يكون زوجها عبدا لمالكها فأمرها إلى السيد. ~~وظاهره أنه لا يشترط في السيد شرط صلاحية ولا غيرها، قال ابن حزم: # يقيمه السيد إلا أن يكون كافرا، قال: لأنهم لا يقرون إلا بالصغار وفي ~~تسليطه على إقامة الحد على مماليكه منافاة لذلك. ثم ظهر الحديث أن للسيد ~~إقامة حد السرقة والشرب وقد خالف في ذلك جماعة بلا دليل ناهض. وقد أخرج عبد ~~الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع أن ابن عمر قطع يد غلام له سرق، وجلد عبدا ~~له زنى من غير أن يرفعهما إلى الوالي وأخرج مالك في الموطأ بسنده أن عبدا ~~لبني عبد الله بن أبي بكر سرق واعترف فأمرت به عائشة فقطعت يده. وأخرج ~~الشافعي وعبد الرزاق بسندهما إلى الحسين بن محمد بن علي أن PageV04P010 # فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حدت ms1044 جارية لها زنت ورواه ابن وهب ~~عن ابن جريج عن عمرو بن دينار أن فاطمة بنت رسول الله (ص) كانت تجلد ~~وليدتها خمسين إذا زنت. وذهبت الهادوية إلى أنه لا يقيم الحد عليه إلا ~~الامام إلا أن لا يوجد إمام أقامه السيد. وذهبت الحنفية إلى أنه لا يقيم ~~الحدود مطلقا إلا الامام أو من أذن له. وقد استدل الطحاوي بما أخرجه من ~~طريق مسلم بن يسار قال: كان أبو عبد الله رجل من الصحابة يقول: الزكاة ~~والحدود والفئ والجمعة إلى السلطان. قال الطحاوي: ولا نعلم له مخالفا من ~~الصحابة. وقد تعقبه ابن حزم فقال: بل خالفه اثنا عشر نفسا من الصحابة. وقد ~~سمعت ما روي عن الصحابة وكفي به ردا على الطحاوي. ومن ذلك ما أخرجه البيهقي ~~عن عمرو بن مرة وفيه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت بقايا الأنصار ~~وهم يضربون الوليدة من ولائدهم في مجالسهم إذا زنت قال الشافعي: وكان ابن ~~مسعود يأمر به وأبو برزة يحد وليدته. # - 8 (وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما أن امرأة من جهينة) هي المعروفة ~~بالغامدية (أتت النبي (ص) وهي حبلى من الزنا فقالت: يا نبي الله أصبت حدا ~~فأقمه علي، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أحسن إليها فإذا وضعت ~~فأتني بها ففعل فأمر بها فشكت عليها ثيابها) مبني للمجهول أي شدت وورد في ~~رواية عليها ثيابها (ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها. فقال عمر أتصلي عليها ~~يا نبي الله وقد زنت؟ فقال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعي من أهل المدينة ~~لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها الله؟ رواه مسلم). ظاهر قوله: ~~فإذا وضعت فائتني بها ففعل أنه وقع الرجم عقيب الوضع، إلا أنه قد ثبت في ~~رواية أخرى أنها رجمت بعد أن فطمت ولدها وأتت به وفي يده كسرة خبز، ففي ~~رواية الكتاب طي واختصار. قال النووي بعد ذكر الروايتين - وهما في صحيح ~~مسلم -: ظاهرهما الاختلاف فإن الثانية صريحة في ms1045 أن رجمها كان بعد فطامه ~~وأكله الخبز، والأولى أنه رجمها عقيب الولادة، فيجب تأويل الأولى وحملها ~~على وفق الثانية، فيكون قوله في الرواية الأولى قام رجل من الأنصار فقال: ~~إلى رضاعه إنما قاله بعد الفطام وأراد برضاعه كفايته وتربيته وسماه رضاعا ~~مجازا. انتهى باختصار. والحديث دليل على وجوب الرجم وتقدم الكلام فيه، وأما ~~شد ثيابها عليها فلأجل أن لا تكشف عند اضطرابها من مس الحجارة. واتفق ~~العلماء أنها ترجم المرأة قاعدة والرجل قائما، إلا عند مالك فقال: قاعدا، ~~وقيل يتخير الامام بينهما. وفي الحديث دليل أنه صلى الله عليه وسلم صلى على ~~المرأة بنفسه إن صحت الرواية، فصلى بالبناء للمعلوم إلا أنه قال الطبري: ~~إنها بضم الصاد وكسر اللام قال: وكذا هو في رواية ابن أبي شيبة وأبي داود ~~وفي رواية لأبي داود فأمرهم أن يصلوا ولكن أكثر الرواة لمسلم بفتح الصاد ~~وفتح اللام. وظاهر قول عمر تصلي عليها أنه صلى الله عليه وسلم باشر الصلاة ~~بنفسه، فهو يؤيد رواية الأكثر لمسلم، والقول بأن المراد من صلى أمر ~~PageV04P011 # بأن يصلي وأنه أسند إليه صلى الله عليه وسلم لكونه الآمر خلاف الظاهر فإن ~~الأصل الحقيقة. # وعلى كل تقدير فقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها أو أمر ~~بالصلاة، فالقول بكراهة الصلاة على المرجوم يصادم النص إلا أن تخص الكراهة ~~بمن رجم بغير الاقرار لجواز أنه لم يتب فهذا ينزل على الخلاف في الصلاة على ~~الفساق. فالجمهور أنه يصلي عليهم ولا دليل مع المانع عن الصلاة عليهم. وفي ~~الحديث دليل على أن التوبة لا تسقط الحد وهو أصح القولين عند الشافعية ~~والجمهور. والخلاف في حد المحارب إذا تاب قبل القدرة عليه فإنه يسقط ~~بالتوبة عند الجمهور لقوله تعالى: * (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا ~~عليهم) *. # 9 - (وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: رجم النبي صلى الله عليه ~~وسلم رجلا من أسلم) يريد ماعز بن مالك (ورجلا من اليهود وامرأة) يريد ~~الجهنية (رواه مسلم وقصة رجم اليهوديين ms1046 في الصحيحين من حديث ابن عمر). أما ~~حديث ماعز والجهنية فتقدما. # وفي الحديث دليل على إقامة الحد على الكافر إذا زنى وهو قول الجمهور. ~~وذهب المالكية ومعظم الحنفية إلى اشتراط الاسلام وأنه شرط للاحصان الموجب ~~للرجم، ونقل ابن عبد البر الاتفاق عليه، ورد قوله بأن الشافعي وأحمد لا ~~يشترطان ذلك، ودليلهما وقوع التصريح بأن اليهوديين اللذين زنيا كانا قد ~~أحصنا. وقد أجاب من اشترط الاسلام عن الحديث هذا بأنه صلى الله عليه وسلم ~~إنما رجمهما بحكم التوراة وليس من حكم الاسلام في شئ وإنما هو من باب تنفيذ ~~الحكم عليهما بما في كتابهما فإن في التوراة الرجم على المحصن وعلى غيره. # قال ابن العربي: إنما رجمهما لإقامة الحجة عليهما بما لا يراه في شرعه مع ~~قوله: * (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) * ومن ثمة استدعى شهودهما لتقوم ~~عليهما الحجة منهم. ورده الخطابي بأن الله تعالى قال: * (وأن احكم بينهم ~~بما أنزل الله) * وإنما جاءه القوم سائلين الحكم عنده كما دلت عليه الرواية ~~فنبههم على ما كتموه من حكم التوراة ولا جائز أن يكون حكم الاسلام عنده ~~مخالفا لذلك لأنه لا يجوز الحكم بالمنسوخ فدل على أنه إنما حكم بالناسخ ~~انتهى. قلت ولا يخفى احتمال القصة للامرين، والقول الأول مبني على عدم صحة ~~شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض. والثاني مبني على جوازه وفيه خلاف معروف. ~~وقد دلت القصة على صحة أنكحة أهل الكتاب، لان ثبوت الاحصان فرع عن ثبوت ~~صحته، وأن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع كذا قيل. قلت: أما الخطاب بفروع ~~الشرائع ففيه نظر، لتوقفه على أنه حكم صلى الله عليه وسلم بشرعة لا بما في ~~التوراة على أحد احتمالين. # 10 - (وعن سعيد بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما) هو أنصاري قال الواقدي: ~~صحبته صحيحة كان واليا لعلي بن أبي طالب على اليمن (قال: كان بين أبياتنا) ~~جمع بيت (رويجل) تصغير رجل (ضعيف فخبث) بالخاء المعجمة فموحدة فمثلثة أي ~~فجر (بأمة من إمائهم فذكر ذلك سعيد لرسول الله (ص) ms1047 فقال: اضربوه حده ~~فقالوا: يا رسول الله إنه أضعف من ذلك، قال: خذوا عثكالا) بكسر العين ~~فمثلثة بزنة قرطاس وهو العذق PageV04P012 # (فيه مائة شمراخ) بالشين المعجمة أوله وراء آخره خاء معجمة بزنة عثكال ~~وهو غصن دقيق في أصل العثكال (ثم اضربوه ضربة واحدة. ففعلوا. رواه أحمد ~~والنسائي وابن ماجة وإسناده حسن لكن اختلفوا في وصله وإرساله). قال ~~البيهقي: المحفوظ عن أبي أمامة أي ابن سهل بن حنيف كونه مرسلا، وأخرجه أحمد ~~وابن ماجة من حديث أبي أمامة عن سعيد بن سعد بن عبادة موصولا، وقد أسلفنا ~~لك غير مرة أن هذا ليس بعلة قادحة بل روايته موصولا زيادة من ثقة مقبولة. ~~والمراد هنا بالعثكال الغصن الكبير الذي يكون عليه أغصان، وهو للنخل ~~كالعنقود للعنب وكل واحد من تلك الأغصان يسمى شمراخا. # وفي الحديث دليل على أن من كان ضعيفا لمرض ونحوه ولا يطيق إقامة الحد ~~عليه بالمعتاد أقيم عليه بما يحتمله مجموعا دفعة واحدة من غير تكرار للضرب ~~مثل العثكول ونحوه. وإلى هذا ذهب الجماهير، قالوا: ولا بد أن يباشر المحدود ~~جميع الشماريخ ليقع المقصود من الحد. # وقيل: يجزئ وإن لم يباشر جميعه وهو الحق فإنه لم يخلق الله العثاكيل ~~مصفوفة كل واحد إلى جنب الآخر عرضا منتشرة إلى تمام مائة قط، ومع عدم ~~الانتشار يمتنع مباشرة كل عود منها، فإن كان المريض يرجى زوال مرضه أو خيف ~~عليه شدة حر أو برد، أخر الحد عليه إلى زوال ما يخاف. # 11 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي (ص) قال: من وجدتموه يعمل ~~عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به، ومن وجدتموه وقع على بهيمة ~~فاقتلوه واقتلوا البهيمة رواه أحمد والأربعة ورجاله موثقون إلا أن فيه ~~اختلافا. ظاهره أن الاختلاف في الحديث جميعه في قوله ومن وجدتموه.. إلخ ~~فقط، وذلك أن الحديث قد روي عن ابن عباس مفرقا وهو مختلف في ثبت كل واحد من ~~الامرين. أما الحكم الأول: فإنه قد أخرج البيهقي من حديث سعيد بن جبير ~~ومجاهد ms1048 عن ابن عباس: في البكر يوجد على اللوطية قال يرجم. وأخرج عنه أنه ~~قال: ينظر أعلى بناء في القرية فيرمى به منكسا ثم يتبع بالحجارة. وأما ~~الثاني: فإنه أخرج عن عاصم بن بهدلة عن أبي ذر عن ابن عباس أنه سئل عن الذي ~~يأتي البهيمة قال: لا حد عليه. فهذا الاختلاف عنه دل على أنه ليس عنده سنة ~~فيهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما تكلم باجتهاده كذا قيل في ~~بيان وجه قول المصنف إن فيه اختلافا. والحديث فيه مسألتان: الأولى: فيمن ~~عمل عمل قوم لوط ولا ريب أنه ارتكب كبيرة وفي حكمها أقوال: الأول: أنه يحد ~~حد الزاني قياسا عليه يجامع إيلاج محرم في فرج محرم وهذا قول الهادوية ~~وجماعة من السلف والخلف وإليه رجع الشافعي واعتذروا عن الحديث بأن فيه ~~مقالا فينتهض على إباحة دم المسلم إلا أنه لا يخفى أن هذه الأوصاف التي ~~جمعوها علة لالحاق اللواط بالزنا لا دليل على عليتها. والثاني: يقتل الفاعل ~~والمفعول به محصنين كانا أو غير محصنين للحديث المذكور وهو للناصر وقديم ~~قولي الشافعي وكأن طريقة الفقهاء أن يقولوا في القتل فعل ولم ينكر فكان ~~إجماعا سيما مع تكريره من أبي بكر وعلي وغيرهما. وتعجب في المنار من قلة ~~الذاهب إلى هذا مع وضوح دليله لفظا PageV04P013 # وبلوغه إلى حد يعمل به سندا. الثالث: أنه يحرق بالنار فأخرج البيهقي أنه ~~اجتمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على تحريق الفاعل والمفعول ~~به وفيه قصة وفي إسناده إرسال. وقال الحافظ المنذري: حرق اللوطية بالنار: ~~أربعة من الخلفاء أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير ~~وهشام بن عبد الملك. الرابع: أنه يرمى به من أعلى بناء في القرية منكسا ثم ~~يتبع بالحجارة. رواه البيهقي عن علي رضي الله عنه وتقدم عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما. المسألة الثانية: فيمن أتى بهيمة، دل الحديث على تحريم ذلك وأن ~~حد من يأتيها قتله وإليه ذهب الشافعي في أخير قوليه، ms1049 وقال: إن صح الحديث ~~قلت به. وروي عن القاسم وذهب الشافعي في قول له أنه يجب حد الزنا قياسا على ~~الزاني. وذهب أحمد بن حنبل والمؤيد والناصر وغيرهم إلى أنه يعزر فقط إذ ليس ~~بزنا، والحديث قد تكلم فيه بما عرفت ودل على وجوب قتل البهيمة مأكولة كانت ~~أو لا، وإلى ذلك ذهب علي رضي الله عنه وقول للشافعي. وقيل لابن عباس: ما ~~شأن البهيمة؟ قال: ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيئا ~~ولكن أرى أنه كره أن يؤكل من لحمها أو ينتفع بها بعد ذلك العمل، ويروى أنه ~~قال في الجواب: إنها ترى فيقال هذه التي فعل بها ما فعل. وذهبت الهادوية ~~والحنفية إلى أنه يكره أكلها، فظاهره أنه لا يجب قتلها. قال الخطابي: ~~الحديث هذا معارض لنهيه (ص) عن قتل الحيوان إلا لمأكله. قال المهدي: فيحتمل ~~أنه أراد عقوبته بقتلها إن كانت له وهي مأكولة جمعا بين الأدلة. # 12 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي (ص) ضرب وغرب وأن أبا بكر ~~ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب رواه الترمذي ورجاله ثقات إلا أنه اختلف في ~~وقفه ورفعه. وأخرج البيهقي أن عليا عليه السلام جلد ونفى من البصرة إلى ~~الكوفة ومن الكوفة إلى البصرة وتقدم تحقيق ذلك في التغريب وكأنه ساقه ~~المصنف ردا على من زعم نسخ التغريب. # 13 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لعن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المخنثين) جمع مخنث بالخاء المعجمة فنون فمثلثة اسم مفعول أو اسم فاعل ~~روي بهما (من الرجال والمترجلات من النساء وقال: أخرجوهم من بيوتكم رواه ~~البخاري) اللعن منه صلى الله عليه وسلم على مرتكب المعصية دال على كبرها ~~وهو محتمل الاخبار والانشاء كما قدمناه. والمخنث من الرجال المراد به من ~~تشبه بالنساء في حركاته وكلامه وغير ذلك من الأمور المختصة بالنساء، ~~والمراد من تخلق بذلك لا من كان ذلك من خلقته وجبلته. # والمراد بالمترجلات من النساء المتشبهات هكذا ورد تفسيره ms1050 في حديث آخر ~~أخرجه أبو داود. وهذا دليل على تحريم تشبه الرجال بالنساء وبالعكس. وقيل: ~~لا دلالة للعن على التحريم لأنه صلى الله عليه وسلم كان يأذن في المخنثين ~~بالدخول على النساء، وإنما نفي من سمع منه وصف المرأة بما لا يفطن له إلا ~~من كان له إربة فهو لأجل تتبع أوصاف الأجنبية. قلت: PageV04P014 # يحتمل أن من أذن له كان ذلك صفة له خلق لا تخلقا. هذا وقال ابن التين: ~~أما من انتهى في التشبه بالنساء من الرجال إلى أن يؤتى في دبره وبالرجال من ~~النساء إلى أن تتعاط السحق فإن لهذين الصنفين من اللوم والعقوبة أشد ممن لم ~~يصل إلى ذلك. قلت: أما من يؤتى من الرجال في دبره فهو الذي سلف حكمه قريبا. # 14 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا أخرجه ابن ماجة بإسناد ضعيف، وأخرجه ~~الترمذي والحاكم من حديث عائشة بلفظ: ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ~~وهو ضعيف أيضا ورواه البيهقي عن علي من قوله بلفظ ادرأوا الحدود بالشبهات. ~~وذكره المصنف في التلخيص عن علي رضي الله عنه مرفوعا وتمامه: ولا ينبغي ~~للامام أن يعطل الحدود قال: وفيه المختار بن نافع وهو منكر الحديث قاله ~~البخاري، إلا أنه ساق المصنف في التلخيص عدة روايات موقوفة صحح بعضها وهي ~~تعاضد المرفوع وتدل على أن له أصلا في الجملة. وفيه دليل على أنه يدفع الحد ~~بالشبهة التي يجوز وقوعها كدعوى الاكراه أو أنها أتيت المرأة وهي نائمة ~~فيقبل قولها ويدفع عنها الحد ولا تكلف البينة على ما زعمته. # 15 - عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): اجتنبوا هذه ~~القاذورات) جمع قاذورة والمراد بها الفعل القبيح والقول السئ مما نهى الله ~~تعالى عنه (التي نهى الله تعالى عنها، فمن ألم بها فليستتر بستر الله وليتب ~~إلى الله تعالى فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله تعالى رواه ~~الحاكم) وقال: على شرطهما (وهو ms1051 في الموطأ من مراسيل زيد ابن أسلم). قال ابن ~~عبد البر: لا أعلم هذا الحديث أسند بوجه من الوجوه، ومراده بذلك حديث مالك. ~~وأما حديث الحاكم فهو مسند، مع أنه قال إمام الحرمين في النهاية: إنه صحيح ~~متفق على صحته. قال ابن الصلاح: # وهذا مما يتعجب منه العارف بالحديث وله أشباه بذلك كثيرة أوقعه فيها ~~اطراحه صناعة الحديث التي يفتقر إليها كل فقيه وعالم. وفي الحديث دليل على ~~أنه يجب على من ألم بمعصية أن يستتر ولا يفضح نفسه بالاقرار ويبادر إلى ~~التوبة فإن أبدى صفحته للامام - والمراد بها هنا حقيقة أمره - وجب على ~~الامام إقامة الحد. وقد أخرج أبو داود مرفوعا: تعافوا الحدود فيما بينكم ~~فما بلغني من حد فقد وجب. # باب حد القذ ف القذف لغة: الرمي بالشئ. وفي الشرع: الرمي بوطئ يوجب الحد ~~على المقذوف. # 1 - (عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزل عذري قام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن) من قوله: * (إن الذين جاءوا ~~بالإفك) * إلى آخر PageV04P015 # ثماني عشرة آية على إحدى الروايات في العدد (فلما نزل أمر برجلين) هما ~~حسان ومسطح (وامرأة) هي حمنة بنت جحش (فضربوا الحد. أخرجه أحمد والأربعة ~~وأشار إليه البخاري) في الحديث ثبوت حد القذف وهو ثابت لقوله تعالى: * ~~(والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) *. وظاهره أنه لم يثبت ~~القذف لعائشة إلا من الثلاثة المذكورين، وقد ثبت أن الذي تولى كبره عبد ~~الله بن أبي بن سلول ولكن لم يثبت أنه جلده (ص) حد القذف. وقد ذكر ذلك ابن ~~القيم، وعد أعذارا في تركه (ص) لحده ولكنه قد أخرج الحاكم في الإكليل أنه ~~صلى الله عليه وسلم حده من جملة القذفة. وأما قول الماوردي: إنه صلى الله ~~عليه وسلم لم يجلد أحدا من القذفة لعائشة، وعلله بأن الحد إنما يثبت ببينة ~~أو إقرار، فقد رد قوله بأنه ثبت ما يوجبه بنص القرآن، وحد القاذف يثبت بعدم ~~ثبوت ما قذف به ولا ms1052 يحتاج في إثباته إلى بينة. قلت: ولا يخفى أن القرآن لم ~~يعين أحدا من القذفة وكأنه يريد ما ثبت في تفسير الآيات، فإنه ثبت أن الذي ~~تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول وأن مسطحا من القذفة وهو المراد بنزول ~~قوله تعالى: * (ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يأتوا أولي القربى) * ~~لآية. # 2 - (وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أول لعان كان في الاسلام أن شريك ~~بن سحماء قذفه هلال بن أمية بامرأته، فقال له رسول الله (ص): البينة وإلا ~~فحد في ظهرك الحديث أخرجه أبو يعلى ورجاله ثقات، وفي البخاري نحوه من حديث ~~ابن عباس. قوله: أول لعان: قد اختلفت الروايات في سبب نزول آية اللعان ففي ~~رواية أنس أنها نزلت في قصة هلال، وفي أخرى أنها نزلت في قصة عويمر ~~العجلاني ولا ريب أن أول لعان كان بنزولها لبيان الحكم. وجمع بينهما بأنها ~~نزلت في شأن هلال وصادف مجئ عويمر العجلاني، وقيل غير ذلك. والحديث دليل ~~على أن الزوج إذا عجز عن البينة على ما ادعاه من ذلك الامر وجب عليه الحد، ~~إلا أنه نسخ وجوب الحد عليه بالملاعنة وهذا من نسخ السنة بالقرآن وإن كانت ~~آية جلد القذف وهي قوله: * (والذين يرمون المحصنات) * الآية سابقة نزولا ~~على آية اللعان. وإلا فآية اللعان إما ناسخة على تقدير تراخي النزول عند من ~~يشترطه لقذف الزوج، أو مخصصة إن لم يتراخ النزول، أو تكون آية اللعان قرينة ~~على أنه أريد بالعموم في قوله تعالى: * (والذين يرمون المحصنات) * الخصوص، ~~وهو من عدا القاذف لزوجته من باب استعمال العام في الخاص بخصوصه، كذا قيل. ~~والتحقيق أن الأزواج القاذفين لأزواجهم باقون في عموم الآية وإنما جعل الله ~~تعالى شهادة الزوج أربع شهادات قائمة مقام الأربعة الشهداء ولذا سمي الله ~~أيمانه شهادة فقال: * (فشهادة أحدهم أربعة شهادات بالله) *. # فإذا نكل عن الايمان وجب جلده جلد القذف كما أنه إذا رمى أجنبية أجنبي ~~ولم يأت بأربعة شهداء جلد للقذف. فالأزواج باقون ms1053 في عموم: * (والذين يرمون ~~المحصنات) * داخلون في حكمه، ولذا قال (ص): البينة وإلا فحد في ظهرك وإنما ~~أنزل الله آيات اللعان لإفادة أنه إذا فقد الزوج البينة وهم الأربعة ~~الشهداء فقد جعل الله تعالى عوضهم الأربع الايمان وزاد PageV04P016 # الخامسة للتأكيد والتشديد. وجلد الزوج بالنكول قول الجمهور، فكأنه قيل في ~~الآية الأولى * (ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) * ولم يحلفوا إن كانوا أزواجا ~~لمن رموا. وغايته أنها قيدت الآية الثانية بعض أفراد عموم الأولى بقيد زائد ~~عوضا عن القيد الأول إذا فقد الأول والله أعلم. # 3 - (وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة رضي الله عنه) هو أبو عمران عبد الله ~~بن عامر القارئ الشامي كان عالما حافظا لما رواه. في الطبقة الثانية من ~~التابعين. أحد القراء السبعة روى عن وائلة بن الأسقع وغيره وقرأ القرآن على ~~المغيرة بن شهاب المخزومي عن عثمان بن عفان. ولد سنة إحدى وعشرين من الهجرة ~~ومات سنة ثماني عشرة ومائة (قال: لقد أدركت أبا بكر ) وعمر وعثمان ومن ~~بعدهم فلم أرهم يضربون المملوك) ذكرا كان أو أنثى (في القذف إلا أربعين. ~~رواه مالك والثوري في جامعه). دل على أن رأي من ذكر: تنصيف حد القذف على ~~المملوك. ولا يخفى أن النص ورد في تنصيف حد الزنا في الإماء بقوله تعالى: * ~~(فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) *. فكأنهم قاسوا عليه حد القذف في ~~الأمة إن كانت قاذفة، وخصصوا بالقياس عموم * (والذين يرمون المحصنات) *، ثم ~~قاسوا العبد على الأمة في تنصيف الحد في الزنا والقذف، بجامع الملك. وعلى ~~رأي من يقول بعدم دخول المماليك في العمومات لا تخصيص، إلا أنه مذهب مردود ~~في الأصول، وهذا مذهب الجماهير من علماء الأمصار. # وذهب ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز إلى أنه رأي الظاهرية. والتحقيق أن ~~القياس غير تام هنا لأنهم جعلوا العلة في إلحاق العبد بالأمة الملك، ولا ~~دليل على أنه العلة إلا ما يدعونه من السير والتقسيم، والحق أنه ليس من ~~مسالك العلة. وأي مانع من كون الأنوثة ms1054 جزء العلة لنقص حد الأمة لان الإماء ~~يمتهن ويغلبن ولذا قال تعالى: * (ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور ~~رحيم) * أي لهن ولم يأت مثل ذلك في الذكور إذ لا يغلبون على أنفسهم. وحينئذ ~~نقول: إنه لا يلحق العبد بالأمة في تنصيف حد الزنا ولا القذف وكذلك الأمة ~~لا ينصف لها حد القذف بل يحد لها كحد الحرة ثمانين جلدة. ودعوى الاجماع على ~~تنصيفه في حد الزنا غير صحيحة لخلاف داود، وأما في القذف فقد سمعت الخلا ف ~~منه ومن غيره. # 4 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من قذف مملوكه ~~يقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال متفق عليه) فيه دليل على ~~أنه لا يحد المالك في الدنيا إذا قذف مملوكه، وإن كان داخلا تحت عموم آية ~~القذف بناء على أنه لم يرد بالاحصان الحرية ولا التزوج وهو لفظ مشترك يطلق ~~على الحر PageV04P017 # وعلى المحصن وعلى المسلم. لأنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنه يحد لقذفه ~~مملوكه يوم القيامة ولو وجب حده في الدنيا لم يجب حده يوم القيامة، إذ قد ~~ورد أن هذه الحدود كفارات لمن أقيمت عليه. وهذا إجماع وأما إذا قذف غير ~~مالكه فإنه أيضا أجمع العلماء على أنه لا يحد قاذفه إلا أم الولد ففيها ~~خلاف. فذهب الهادوية والشافعية وأبو حنيفة: إلى أنه لا حد أيضا على قاذفها ~~لأنها أيضا مملوكة قبل موت سيدها. وذهب مالك والظاهرية إلى أنه يحد وصح ذلك ~~عن ابن عمر. # باب حد السرقة 1 - (عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا) نصب على الحال ~~ويستعمل بالفاء وبثم ولا يأتي بالواو. قيل معناه: ولو زاد، وإذا زاد لم يكن ~~إلا صاعدا فهو حال مؤكدة (متفق عليه واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري تقطع يد ~~السارق في ربع دينار فصاعدا). وفي رواية لأحمد أي عن عائشة وهي: 2 - ~~(اقطعوا في ms1055 ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك) إيجاب حد السرقة ~~ثابت بالقرآن * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) * ولم يذكر في القرآن ~~نصاب ما يقطع فيه فاختلف العلماء في مسائل. الأولى: هل يشترط النصاب أو لا؟ ~~ذهب الجمهور إلى اشتراطه مستدلين بهذه الأحاديث الثابتة. وذهب الحسن ~~والظاهرية والخوارج إلى أنه لا يشترط بل يقطع في القليل والكثير لاطلاق ~~الآية ولما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة أنه قال صلى الله عليه وسلم: ~~لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده. وأجيب بأن ~~الآية مطلقة في جنس المسروق وقدره، والحديث بيان لها وبأن المراد من حديث ~~البيضة غير القطع بسرقتها، بل الاخبار بتحقير شأن السارق وخسارة ما ربحه من ~~السرقة، وهو أنه إذا تعاطى هذه الأشياء الحقيرة وصار ذلك خلقا له جرأه على ~~سرقة ما هو أكثر من ذلك مما يبلغ قدره ما يقطع به، فليحذر هذا القليل قبل ~~أن تملكه العادة فيتعاطى سرقة ما هو أكثر من ذلك. ذكر هذا الخطابي وسبقه ~~ابن قتيبة إليه، ونظيره حديث من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة وحديث تصدقي ~~ولو بظلف محرق ومن المعلوم أن مفحص القطاة لا يصح تسبيله ولا التصدق بالظلف ~~المحرق لعدم الانتفاع بها فما قصد صلى الله الثانية: اختلف الجمهور في قدر ~~عليه وسلم إلا المبالغة في الترهيب النصاب بعد اشتراطهم له على أقوال بلغت ~~إلى عشرين قولا والذي قام الدليل عليه PageV04P018 # منها قولان: الأول: أن النصاب الذي تقطع به ربع دينار من الذهب وثلاثة ~~دراهم من الفضة وهذا مذهب فقهاء الحجاز والشافعي وغيرهم مستدلين بحديث ~~عائشة المذكور فإنه بيان لاطلاق الآية وقد أخرجه الشيخان كما سمعت وهو نص ~~في ربع الدينار قالوا: # والثلاثة الدراهم قيمتها ربع دينار ولما يأتي من أنه (ص) قطع في مجن ~~قيمته ثلاثة دراهم قال الشافعي: إن الثلاثة الدراهم إذا لم تكن قيمتها ربع ~~دينار لم توجب القطع واحتج له أيضا بما أخرجه ابن المنذر أنه أتى عثمان ~~بسارق سرق أترجة ms1056 قومت بثلاثة دراهم من حساب الدينار باثني عشر فقطع. وأخرج ~~أيضا أن عليا عليه السلام قطع في ربع دينار كانت قيمته درهمين ونصفا. وقال ~~الشافعي: ربع الدينار موافق الثلاثة الدراهم وذلك أن الصرف على عهد رسول ~~الله (ص) اثنا عشر درهما بدينار وكان كذلك بعده. # ولهذا قومت الدية اثني عشر ألفا من الورق وألف دينار من الذهب. القول ~~الثاني: للهادوية و أكثر فقهاء العراق أنه لا يوجب القطع إلا سرقة عشرة ~~دراهم ولا يجب في أقل من ذلك. # واستدلوا لذلك بما أخرجه البيهقي والطحاوي من طريق محمد بن إسحاق من حديث ~~ابن عباس أنه كان ثمن المجن على عهد رسول الله (ص) عشرة دراهم. وروى أيضا ~~محمد بن إسحاق من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مثله. قالوا: وقد ثبت ~~في الصحيحين من حديث ابن عمر: أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قطع في مجن وإن ~~كان فيهما أن قيمته ثلاثة دراهم، لكن هذه الرواية قد عارضت رواية الصحيحين ~~والواجب الاحتياط فيما يستباح به العضو المحرم قطعه إلا بحقه فيجب الاخذ ~~بالمتيقن وهو الأكثر. وقال ابن العربي: ذهب سفيان الثوري مع جلالته في ~~الحديث إلى أن القطع لا يكون إلا في عشرة دراهم وذلك أن اليد محرمة ~~بالاجماع فلا تستباح إلا بما أجمع عليه والعشرة متفق على القطع بها عند ~~الجميع فيتمسك به ما لم يقع الاتفاق على دون ذلك. قلت: قد أستفيد من هذه ~~الروايات الاضطراب في قدر قيمة المجن من ثلاثة دراهم أو عشرة أو غير ذلك ~~مما ورد في قدر قيمته ورواية ربع دينار في حديث عائشة صريحة في المقدار فلا ~~يقدم عليها ما فيه اضطراب. على أن الراجح أن قيمة المجن ثلاثة دراهم لما ~~يأتي من حديث ابن عمر المتفق عليه، وباقي الأحاديث المخالفة له لا تقاومه ~~سندا وأما الاحتياط بعد ثبوت الدليل فهو في اتباع الدليل لا فيما عداه. # على أن رواية التقدير لقيمة المجن بالعشرة جاءت من طريق ابن إسحاق ومن ~~طريق ms1057 عمرو بن شعيب وفيها كلام معروف وإن كنا لا نرى القدح في ابن إسحاق ~~إنما ذكروه كما قررنا في مواضع أخر. المسألة الثالثة: اختلف القائلون ~~بشرطية النصاب فيما يقدر به غير الذهب والفضة فقال مالك في المشهور يقوم ~~بالدراهم لا بربع الدينار يعني إذا اختلف صرفها مثل أن يكون ربع دينار صرف ~~درهمين مثلا. وقال الشافعي: الأصل في تقويم الأشياء هو الذهب PageV04P019 # لأنه الأصل في جواهر الأرض كلها. قال الخطابي: ولذلك فإن الصكاك القديمة ~~كان يكتب فيها عشرة دراهم وزن سبعة مثاقيل فعرفت الدارهم بالدنانير وحصرت ~~بها، حتى قال الشافعي إن الثلاثة الدراهم إذا لم تكن قيمتها ربع دينار لم ~~توجب القطع كما قدمنا. وقال بقول الشافعي في التقويم: أبو ثور الأوزاعي ~~وداود. وقال أحمد بقول مالك في التقويم بالدراهم، وهذان القولان في قدر ~~النصاب تفرعا عن الدليل كما عرفت. وفي الباب أقوال كما قدمنا لم ينهض لها ~~دليل فلا حاجة إلى شغل الأوراق والأوقات بالقال والقيل. # 3 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي (ص) قطع في مجن قيمته ثلاثة ~~دراهم متفق عليه. المجن بكسر الميم وفتح الجيم الترس مفعل من الاجتنان وهو ~~الاستتار والاختفاء، وكسرت ميمه لأنه آلة في الاستتار قال: # وكان مجني دون من كنت أتقي * ثلاث شخوص كاعبان ومغفري وقد عرفت مما مضى ~~أن الثلاثة الدراهم ربع دينار ويدل له قوله: وفي رواية لأحمد ولا تقطعوا ~~فيما هو أدنى من ذلك بعد أن ذكر القطع في ربع الدينار. ثم أخبر الراوي هنا ~~أنه (ص) قطع في ثلاثة دراهم، ما ذاك إلا لأنها ربع دينار، وإلا لنا في ~~قوله: ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك وقوله هنا قيمته هذا هو المعتبر أعني ~~القيمة وورد في بعض ألفاظ هذا الحديث عند الشيخين بلفظ ثمنه ثلاثة دراهم. ~~قال ابن دقيق العيد: المعتبر القيمة وما ورد في بعض الروايات من ذكر الثمن ~~فكأنه لتساويهما عند الناس في ذلك الوقت أو في عرف الراوي أو باعتبار ~~الغلبة، وإلا فلو ms1058 اختلفت القيمة والثمن الذي شراه به مالكه لم يعتبر إلا ~~القيمة. # 4 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): لعن الله ~~السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده متفق عليه أيضا. تقدم ~~أنه من أدلة الظاهرية، ولكنه مؤول بما ذكر قريبا والموجب لتأويله ما عرفته ~~من قوله في المتفق عليه لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار وقوله فيما ~~أخرجه أحمد ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك فتعين تأويله بما ذكرناه. وأما ~~تأويل الأعمش له بأنه أريد بالبيضة بيضة الحديد، وبالحبل حبل السفن فغير ~~صحيح لان الحديث ظاهر في التهجين على السارق لتفويته العظيم بالحقير. قيل: ~~فالوجه في تأويله أن قوله لتقطع خبر لا أمر ولا فعل وذلك ليس بدليل لجواز ~~أن يريد صلى الله تعالى عليه وسلم أنه يقطعه من لا يراعي النصاب، أو بشهادة ~~على النصاب ولا يصح إلا دونه أو نحو ذلك. # 5 - (وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله (ص) قال:) مخاطبا لأسامة ~~(أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فخطب فقال: أيها الناس إنما أهلك الذين ~~قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا ~~عليه الحد. متفق عليه واللفظ لمسلم وله) أي لمسلم (من PageV04P020 # وجه آخر عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده ~~فأمر النبي (ص) بقطع يدها). الخطاب في قوله أتشفع لأسامة بن زيد كما يدل له ~~ما في البخاري أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت، قالوا: من يكلم ~~رسول الله (ص) ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله (ص)؟ فكلم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال أتشفع - الحديث وهذا استفهام إنكار، وكأنه قد سبق ~~علم أسامة بأنه لا شفاعة في حد. وفي الحديث مسألتان: الأولى: النهي عن ~~الشفاعة في الحدود، وترجم البخاري في بباب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع ~~إلى السلطان، وقد دل لما قيده من أن الكراهة بعد الرفع ms1059 ما في بعض روايات ~~هذا الحديث. فإنه صلى الله عليه وسلم قال لأسامة لما تشفع لا تشفع في حد ~~فإن الحدود إذا انتهت إلي فليس بمتروكة. وأخرج أبو داود من حديث عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده يرفعه تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد ~~وجب وصححه الحاكم. وأخرج أبو داود والحاكم وصححه من حديث ابن عمر قال: سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من حالت شفاعته دن حد من حدود الله فقد ~~ضاد الله في أمره وأخرج ابن أبي شيبة من وجه أصح عن ابن عمر موقوفا، وفي ~~الطبراني من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ فقد ضاد الله في ملكه. وأخرج ~~الدارقطني من حديث الزبير موصولا بلفظ اشفعوا ما لم يصل إلى الوالي فإذا ~~وصل إلى الوالي فعفا فلا عفا الله عنه. # وأخرج الطبراني عن عروة بن الزبير قال: لقي الزبير سارقا فشفع فيه فقيل: ~~حتى يبلغ الامام فقال: إذا بلغ الامام فلعن الله الشافع والمشفع قيل: وهذا ~~الموقوف هو المعتمد. وتأتي قصة الذي سرق رداء صفوان ورفعه إليه صلى الله ~~تعالى عليه وسلم ثم أراد أن لا يقطعه فقال صلى الله عليه وسلم: هلا قبل أن ~~تأتيني به ويأتي من أخرجه. وهذه الأحاديث متعاضدة على تحريم الشفاعة بعد ~~البلوغ إلى الامام وأنه يجب على الامام إقامة الحد، وادعى ابن عبد البر ~~الاجماع على ذلك، ومثله في البحر. ونقل الخطابي عن مالك أنه فرق بين من عرف ~~بأذية الناس وغيره فقال: لا يشفع في الأول مطلقا وفي الثاني تحسن الشفاعة ~~قبل الرفع. وفي حديث عن عائشة أقيلوا ذوي الهيئات إلا في الحدود ما يدل على ~~جواز الشفاعة في التعزيرات لا في الحدود، ونقل ابن عبد البر الاتفاق على ~~ذلك. المسألة الثانية في قوله: كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده وأخرجه ~~النسائي بلفظ استعارت امرأة على ألسنة ناس يعرفون وهي لا تعرف، فباعته ~~وأخذت ثمنه وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح إلى أبي بكر بن عبد الرحمن ms1060 أن ~~امرأة جاءت فقالت: إن فلانة تستعير حليا فأعارتها إياه فمكثت لا تراه فجاءت ~~إلى التي استعارت لها فسألتها فقالت: ما استعرتك شيئا فرجعت إلى الأخرى ~~فأنكرت فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فدعاها فسألها فقالت: والذي ~~بعثك بالحق ما استعرت منها شيئا فقال: اذهبوا إلى بيتها تجدوه تحت فراشها ~~فأتوه وأخذوه فأمر بها فقطعت. والحديث دليل على أنه يجب القطع على جحد ~~العارية. وهو مذهب أحمد وإسحاق والظاهرية. ووجه دلالة الحديث على ذلك واضحة ~~فإنه صلى الله عليه وسلم رتب القطع على جحد العارية. وقال ابن دقيق العيد: ~~إنه لا يثبت الحكم المرتب على الجحود PageV04P021 # حتى يتبين ترجيح رواية من روى أنها كانت جاحدة على رواية من روى أنها ~~كانت سارقة. # وذهب الجماهير: أنه لا يجب القطع في جحد العارية. قالوا: لان الآية في ~~السارق، والجاحد لا يسمى سارقا، ورد هذا ابن القيم وقال: إن الجحد داخل في ~~اسم السرقة. قلت: أما دخول الجاحد تحت لفظ السارق لغة فلا تساعده عليه ~~اللغة. وأما الدليل فثبوت قطع الجاحد بهذا الحديث. قال الجمهور: وحديث ~~المخزومية قد ورد بلفظ أنها سرقت من طريق عائشة وجابر وعروة بن الزبير ~~ومسعود بن الأسود، أخرجه البخاري ومسلم والبيهقي وغيرهم مصرحا بذكر السرقة، ~~قالوا: فقد تقرر أنها سرقت، ورواية جحد العارية لا تدل على أن القطع كان ~~لها، بل إنما ذكر جحدها العارية لأنه قد صار خلقا لها معروفا فعرفت المرأة ~~به والقطع كان للسرقة. وهذا خلاصة ما أجاب به الخطابي ولا يخفى تكلفه. ثم ~~هو مبني على أن المعبر عنه امرأة واحدة وليس في الحديث ما يدل على ذلك، لكن ~~في عبارة المصنف ما يشعر بذلك فإنه جعل الذي ذكره ثانيا رواية، وهو يقتضي ~~من حيث الاشعار العادي أنهما حديث واحد ، أشار إليه ابن دقيق العيد في شرح ~~العمدة، والمصنف هنا صنع ما صنعه صاحب العمدة في سياق الحديث. ثم قال ~~الجمهور: ويؤيد ما ذهبنا إليه الحديث الآتي وهو قوله: # 6 - (وعن جابر رضي ms1061 الله عنه عن النبي (ص) قال: ليس على خائن ولا مختلس ~~ولا منتهب قطع رواه أحمد والأربعة وصححه الترمذي وابن حبان قالوا: وجاحد ~~العارية خائن، ولا يخفى أن هذا عام لكل خائن، ولكنه مخصص بجاحد العارية ~~ويكون القطع فيمن جحد العارية لا غيره من الخونة. وقد ذهب بعض العلماء إلى ~~أنه يخص القطع بمن استعار على لسان غيره مخادعا للمستعار منه ثم تصرف في ~~العارية وأنكرها لما طولب بها، قال: فإن هذا لا يقطع بمجرد الخيانة بل ~~لمشاركة السارق في أخذ المال خفية. # والحديث فيه كلام كثير لعلماء الحديث وقد صححه من سمعت. وهذا دال على أن ~~الخائن لا قطع عليه. والمراد بالخائن الذي يضمر ما لا يظهره في نفسه. ~~والخائن هنا هو الذي يأخذ المال خفية من مالكه مع إظهاره له النصيحة ~~والحفظ. والخائن أعم، فإنها تكون الخيانة في غير المال، ومنه خائنة الأعين ~~وهي مسارقة الناظر بطرفه ما لا يحل له نظره. والمنتهب: المغير من النهبة ~~وهي: الغارة والسلب، وكأن المراد هنا ما كان على جهة الغلبة والقهر. ~~والمختلس: # السالب، من اختلسه إذا سلبه. # واعلم أن العلماء اختلفوا في شرطية أن تكون السرقة في حرز، فذهب أحمد بن ~~حنبل وإسحاق وهو قول للناصر والخوارج إلى أنه لا يشترط لعدم ورود الدليل ~~باشتراطه من السنة ولاطلاق الآية. وذهب غيرهم إلى اشتراطه مستدلين بهذا ~~الحديث إذ مفهومه لزوم القطع فيما أخذ بغير ما ذكر وهو ما كان عن خفية. ~~وأجيب بأن هذا مفهوم ولا تثبت به قاعدة يقيد بها القرآن، ويؤيد عدم اعتباره ~~أنه صلى الله عليه وسلم قطع يد من أخذ رداء صفوان من تحت رأسه من المسجد ~~الحرام، وبأنه صلى الله عليه وسلم قطع يد المخزومية وإنما كانت تجحد ~~PageV04P022 # ما تستعيره. وقال ابن بطال: الحرز مأخوذ في مفهوم السرقة لغة، فإن صح فلا ~~بد من التوفيق بينه وبين ما ذكر مما لا يدل على اعتبار الحرز فالمسألة كما ~~ترى، والأصل عدم الشرط وأنا أستخير الله وأتوقف حتى يفتح ms1062 الله. # 7 - (وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: لا ~~قطع في ثمر ولا كثر) هو بفتح الكاف وفتح المثلثة جمار النخل وهو شحمه الذي ~~في وسط النخلة كما في النهاية (رواه المذكورون) وهم أحمد والأربعة قال ~~الطحاوي: الحديث تلقته (وصححه أيضا الترمذي وابن حبان) كما صححا ما قبله ~~الأمة بالقبول. والثمر المراد به ما كان معلقا في النخل قبل أن يجذ ويحرز، ~~وعلى هذا تأوله الشافعي وقال: حوائط المدينة ليست بحرز وأكثرها تدخل من ~~جوانبها والثمر اسم جامع للرطب واليابس من الرطب والعنب وغيرهما كما في ~~البدر المنبر. وأما الكثر: فوقع تفسيره في رواية النسائي بالجمار، والجمار ~~بالجيم آخره راء بزنة رمان، وهو شحم النخل الذي في وسط النخلة كما في ~~النهاية. والحديث فيه دليل على أنه لا يجوز القطع في سرقة الثمر والكثر، ~~وظاهره سواء كان على ظهر المنبت له أو قد جذ. وإلى هذا ذهب أبو حنيفة. قال ~~في نهاية المجتهد: قال أبو حنيفة: لا قطع في طعام ولا فيما أصله مباح ~~كالصيد والحطب والحشيش، وعمدته في منعه القطع في الطعام الرطب: قوله صلى ~~الله عليه وسلم لا قطع في ثمر ولا كثر. وعند الجمهور: أنه يقطع في كل محرز ~~سواء كان على أصله باقيا أو قد جذ سواء كان أصله مباحا كالحشيش ونحوه، ~~أولا. قالوا: لعموم الآية والأحاديث الواردة في اشتراط النصاب. وأما حديث: ~~لا قطع في ثمر ولا كثر فقال الشافعي: # إنه أخرج على ما كان عليه عادة أهل المدينة من عدم إحراز حوائطها فترك ~~القطع لعدم الحرز فإذا أحرزت الحوائط كانت كغيرها. 8 - (وعن أبي أمية ~~المخزومي رضي الله عنه) لا يعرف له اسم، عداده في أهل الحجاز وروى عنه أبو ~~المنذر مولى أبي ذر هذا الحديث (قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلص ~~قد اعترف اعترافا ولم يوجد معه متاع. فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: ما إخالك سرقت قال: بلى، فأعاد عليه ms1063 مرتين أو ثلاثا فأمر به فقطع وجئ ~~به فقال: # استغفر الله وتب إليه فقال: أستغفر الله وأتوب إليه. فقال: اللهم تب عليه ~~ثلاثا أخرجه أبو داود واللفظ له وأحمد والنسائي ورجاله ثقات) وقال الخطابي: ~~في إسناده مقال والحديث إذا رواه مجهول لم يكن حجة ولم يجب الحكم به، قال ~~عبد الحق: أبو المنذر المذكور في إسناده لم يرو عنه إلا إسحاق بن عبد الله ~~بن أبي طلحة. وفي الحديث دليل على أنه ينبغي للامام تلقين السارق الانكار، ~~وقد روي أن النبي (ص) قال لسارق: أسرقت؟ # قل: لا قال الرافعي: لم يصححوا هذا الحديث، وقال الغزالي: قوله قل: لا لم ~~يصححه الأئمة. وروى البيهقي موقوفا على أبي الدرداء أنه أتي بجارية سرقت ~~فقال: أسرقت؟ قولي: لا فقالت: لا، فخلى سبيلها. وروى عبد الرزاق عن عمر أنه ~~أتي برجل سرق، فسأله: أسرقت؟ قل لا PageV04P023 # فقال: لا، فتركه. وساق روايات عن الصحابة دالة على التلقين. واختلف في ~~إقرار السارق فذهبت الهادوية وأحمد وإسحاق إلى أنه لا بفي ثبوت السرقة ~~بالاقرار من إقراره مرتين، وكأن هذا دليلهم ولا دلالة فيه لأنه خرج مخرج ~~الاستثبات وتلقين المسقط، ولأنه تردد الراوي هل مرتين أو ثلاثا، وكان طريق ~~الاحتياط لهم أن يشترطوا الاقرار ثلاثا ولم يقولوا به. وذهب الفريقان ~~وغيرهم إلى أنه يكفي الاقرار مرة واحدة كسائر الأقارير، ولأنها قد وردت عدة ~~روايات لم يذكر فيها اشتراط عدم الاقرار. # 9 - (وأخرجه) أي حديث أبي أمية (الحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ~~فساقه بمعناه وقال فيه: اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه) بالمهملتين (وأخرجه ~~البزار أيضا) أي من حديث أبي هريرة. (وقال: لا بأس بإسناده). الحديث دال ~~على وجوب حسم ما قطع، والحسم: الكي بالنار، أي يكوى محل القطع لينقطع الدم، ~~لان منافذ الدم تنسد وإذا ترك فربما استرسل الدم فيؤدي إلى التلف. وفي ~~الحديث دلالة على أنه يأمر بالقطع والحسم الامام، وأجرة القاطع والحاسم من ~~بيت المال وقيمة الدواء الذي يحسم به منه، لان ذلك واجب ms1064 على غيره. # (فائدة): من السنة أن تعلق يد السارق في عنقه لما أخرجه البيهقي بسنده من ~~حديث فضالة بن عبيد أنه سئل: أرأيت تعليق يد السارق في عنقه من السنة؟ قال: ~~نعم رأيت النبي (ص) قطع سارقا ثم أمر بيده فعلقت في عنقه. وأخرج بسنده أن ~~عليا رضي الله عنه قطع سارقا فمر به ويده معلقة في عنقه، وأخرج عنه أيضا ~~أنه أقر عنده سارق مرتين فقطع يده وعلقها في عنقه، قال الراوي: فكأني أنظر ~~إلى يده تضرب صدره. # 10 - (وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: # لا يغرم السارق إذ أقيم عليه الحد رواه النسائي وبين أنه منقطع وقال أبو ~~حاتم: # هو منكر. رواه النسائي من حديث المسور بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف، ~~والمسور لم يدرك جده عبد الرحمن بن عوف قال النسائي: هذا مرسل وليس بثابت. ~~وكذا أخرجه البيهقي وذكر له علة أخرى. وفي الحديث دليل على أن العين ~~المسروقة إذا تلفت في يد السارق لم يغرمها بعد أن وجب عليه القطع سواء ~~أتلفها قبل القطع أو بعده. وإلى هذا ذهب الهادوية ورواه أبو يوسف عن أبي ~~حنيفة، وفي شرح الكنز على مذهبه تعليل ذلك: بأن اجتماع حقين في حق واحد ~~مخالف للأصول فصار القطع بدلا من الغرم ولذلك ثنى سرقة ما قطع به لم يقطع. ~~وذهب الشافعي وأحمد وآخرون ورواية عن أبي حنيفة: إلى أنه يغرم لقوله صلى ~~الله عليه وسلم: على اليد ما أخذت حتى تؤديه. وحديث عبد الرحمن هذا لا تقوم ~~به حجة مع ما قيل فيه، ولقوله تعالى: * (وتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) * ~~ولقوله عليه السلام: لا يحل مال امرئ مسلم PageV04P024 # إلا بطيبة من نفسه. ولأنه اجتمع في السرقة حقان: حق لله تعالى، وحق ~~للآدمي فاقتضى كل حق موجبه. ولأنه قام الاجماع أنه إذا كان موجودا بعينه ~~أخذ منه، فيكون إذا لم يوجد في ضمانه قياسا على سائر الأموال الواجبة. ~~وقوله: اجتماع الحقين مخالف للأصول دعوى غير ms1065 صحيحة فإن الحقين مختلفان فإن ~~القطع بحكمة الزجر، والتغريم لتفويت حق الآدمي كما في الغصب ولا يخفى قوة ~~هذا القول. # 11 - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه سئل عن التمر المعلق فقال: من أصاب بفيه من ذي حاجة غير ~~متخذ خبنة) بضم الخاء المعجمة وسكون الموحدة فنون وهو معطف الإزار وطرف ~~الثوب (فلا شئ عليه، ومن خرج بشئ منه فعليه الغرامة والعقوبة، ومن خرج بشئ ~~منه بعد أن يؤويه الجرين) هو موضع التمر الذي يجفف فيه (فبلغ ثمن المجن ~~فعليه القطع. أخرجه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم). قال المنذري: المراد ~~بالثمر المعلق ما كان معلقا في النخل قبل أن يجد ويجرن، والثمر اسم جامع ~~للرطب واليابس من التمر والعنب وغيرهما. وفي الحديث مسائل: الأولى: أنه إذا ~~أخذ المحتاج بفيه لسد فاقته فإنه مباح له. والثانية: أنه يحرم عليه الخروج ~~بشئ منه فإن خرج بشئ منه فلا يخلو أن يكون قبل أن يجده ويؤويه الجرين، أو ~~بعده، فإن كان قبل الجذ فعليه الغرامة والعقوبة وإن كان بعد القطع وإيواء ~~الجرين له فعليه القطع مع بلوغ المأخوذ النصاب. لقوله صلى الله عليه وسلم: ~~فبلغ ثمن المجن وهذا مبني على أن الجرين حزر كما هو الغالب، إذ لا قطع إلا ~~من حرز كما يأتي. الثالثة: أنه أجمل في الحديث الغرامة والعقوبة. ولكنه قد ~~أخرج البيهقي تفسيرها بأنها غرامة مثليه وبأن العقوبة جلدات نكالا. وقد ~~استدل بحديث البيهقي هذا على جواز العقوبة بالمال، فإن غرامة مثليه من ~~العقوبة بالمال، وقد أجازه الشافعي في القديم ثم رجع عنه وقال: لا تضاعف ~~الغرامة على أحد في شئ إنما العقوبة في الأبدان لا في الأموال. # وقال: هذا منسوخ والناسخ له قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل ~~الماشية بالليل أن ما أتلفت فهو ضامن أي مضمون على أهلها قال: وإنما ~~يضمنونه بالقيمة. وقد قدمنا الكلام في ذلك في حديث بهز في الزكاة. الرابعة: ms1066 ~~أخذ منه اشتراط الحرز في وجوب القطع لقوله صلى الله عليه وسلم: بعد أن ~~يؤويه الجرين وقوله في الحديث الآخر: لا قطع في ثمر ولا في حريسة الجبل ~~فإذا آواه الجرين أو المراح فالقطع فيما بلغ ثمن المجن أخرجه النسائي. ~~قالوا: # والاحراز مأخوذ في مفهوم السرقة، فإن السرقة والاستراق هو المجئ مستترا ~~في خفية لاخذ مال غيره من حرز كما في القاموس وغيره. فالحرز مأخوذ في مفهوم ~~السرقة لغة ولذا لا يقال لمن خان أمانته سارق، هذا مذهب الجمهور. وذهبت ~~الظاهرية وآخرون: إلى عدم اشتراطه عملا بإطلاق الآية الكريمة إلا أنه لا ~~يخفى أنه إذا كان الحرز مأخوذا في مفهوم السرقة فلا إطلاق في الآية والله ~~أعلم. PageV04P025 # واعلم أن حريسة الجبل بالحاء المهملة مفتوحة فراء فمثناة تحتية فسين ~~مهملة، والجبل بالجيم فموحدة قيل هي المحروسة، أي ليس فيما يحرس بالجبل إذا ~~سرق قطع لأنه ليس بموضع حرز. وقيل حريسة الجبل الشاة التي يدركها الليل قبل ~~أن تصل إلى مأواها. والمراح الذي تأوي إليه الماشية ليلا، كذا في جامع ~~الأصول، وهذا الأخير أقرب بمراد الحديث، والله أعلم. # 12 - (وعن صفوان بن أمية رضي الله عنه أن النبي (ص) قال له لما أمر بقطع ~~الذي سرق رداءه فشفع فيه: هلا كان ذلك قبل أن تأتيني به أخرجه أحمد ~~والأربعة وصححه ابن الجارود والحاكم. الحديث أخرجوه من طرق: منها عن طاوس ~~عن صفوان ورجحها ابن عبد البر وقال: إن سماع طاوس من صفوان ممكن لأنه أدرك ~~عثمان وقال: أدركت سبعين شيخا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~وللحديث قصة أخرج البيهقي عن عطاء بن أبي رباح قال: بينما صفوان بن أمية ~~مضطجع بالبطحاء إذ جاء انسان فأخذ بردة من تحت رأسه فأتي به النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأمر بقطعه فقال: # إني أعفو وأتجاوز فقال: فهلا قبل أن تأتيني به؟. وله ألفاظ في بعضها: أنه ~~كان في المسجد الحرام وفي أخرى: في مسجد المدينة نائما. وفي الحديث دليل ~~على أنها تقطع ms1067 يد السارق فيما كان مالكه حافظا له وإن لم يكن مغلقا عليه في ~~مكان. قال الشافعي: رداء صفوان كان محرزا باضطجاعه عليه. وإلى هذا ذهب ~~الشافعي والحنفية والمالكية، وقال في نهاية المجتهد: # وإذا توسد النائم شيئا، فتوسده له حرز على ما جاء في رداء صفوان. قال في ~~الكنز للحنفية: ومن سرق من المسجد متاعا وربه عنده يقطع وإن كان غير محرز ~~بالحائط لان المسجد ما بني لاحراز الأموال فلم يكن المال محرزا بالمكان ~~انتهى. وتقدم الخلاف في الحرز واختلف القائلون بشرطيته. فقال الشافعي ومالك ~~والامام يحيى: إن لكل مال حرزا يخصه فحرز الماشية ليس حرز الذهب والفضة. ~~وقال الهادوية والحنفية: ما أحرز فيه مال فهو حرز لغيره إذ الحرز ما وضع ~~لمنع الداخل ألا يدخل والخارج ألا يخرج، وما كان ليس كذلك فليس بحرز لا لغة ~~وشرعا. وكذلك قالوا: المسجد والكعبة حرزان لآلاتهما وكسوتهما. واختلفوا في ~~القبر هل هو حرز للكفن فيقطع آخذه أو ليس بحرز؟ فذهب إلى أن النباش سارق: ~~جماعة من السلف والهادي والشافعي ومالك وقالوا: يقطع لأنه أخذ المال خفية ~~من حرز له. وقد روي عن علي عليه السلام وعائشة، وقال الثوري وأبو حنيفة: # لا يقطع النباش لان القبر ليس بحرز. وفي المنار: هذه المسألة فيها صعوبة ~~لان حرمة الميت كحرمة الحي لكن حرمة يد السارق كذلك الأصل منعها ولم يدخل ~~النباش تحت السارق لغة، والقياس الشرعي غير واضح وإذا توقفنا امتنع القطع ~~انتهى. واختلف في السارق من بيت المال فذهبت الهادوية والشافعي وأبو حنيفة: ~~إلى أنه لا يقطع من سرق من بيت المال وروي عن عمر. وذهب مالك: إلى أنه ~~يقطع. واتفقوا على أنه لا يقطع من سرق من الغنيمة والخمس وإن لم يكن من ~~أهلها، قالوا: لأنه قد يشارك فيها بالرضخ أو من الخمس. PageV04P026 # 13 - (وعن جابر رضي الله عنه قال: جئ بسارق إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: # اقتلوه فقال: إنما سرق يا رسول الله قال: اقطعوه فقطع، ثم جئ به الثانية ~~فقال: ms1068 # ح اقتلوه فذكر مثله ثم جئ به الثالثة فذكر مثله. ثم جئ به الرابعة كذلك، ~~ثم جئ به الخامسة فقال: اقتلوه. أخرجه أبو داود والنسائي) تمامه عندهما: ~~فقال جابر: فانطلقنا به فقتلناه ثم اجتررناه فألقيناه في بئر ورمينا عليه ~~الحجارة (واستنكره) أي النسائي فإنه قال: الحديث منكر، ومصعب بن ثابت ليس ~~بقوي في الحديث، قيل لكن يشهد له الحديث الآتي. وهو قوله: # 14 - (وأخرج) أي النسائي (من حديث الحارث بن حاطب نحوه) وأخرج حديث الحرث ~~الحاكم. وأخرج في الحلية لأبي نعيم عن عبد الله بن زيد الجهني. قال ابن عبد ~~البر : حيث القتل منكر لا أصل له (وذكر الشافعي أن القتل في الخامسة ~~منسوخ). وزاد ابن عبد البر في كلام الشافعي: لا خلاف فيه بين أهل العلم. ~~وفي النجم الوهاج: إن ناسخه حديث لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث تقدم. ~~قال ابن عبد البر: وهذا يدل على أن حكاية أبي مصعب عن عثمان وعمر بن عبد ~~العزيز أنه يقتل لا أصل له. وجاء في رواية النسائي بعد قطع قوائمه الأربع ~~ثم سرق الخامسة في عهد أبي بكر رضي الله عنه فقال أبو بكر: # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بهذا حين قال: اقتلوه ثم دفعه إلى ~~فتية من قريش فقال: اقتلوه فقتلوه. قال النسائي: لا أعلم في هذا الباب ~~حديثا صحيحا. والحديث دليل على قتل السارق في الخامسة، وأن قوائمه الأربع ~~تقطع في الأربع المرات، والواجب قطع اليمين في السرقة الأولى إجماعا وقراءة ~~ابن مسعود مبينة لاجمال الآية فإنه قرأ (فاقطعوا أيمانهما). وفي الثانية ~~الرجل اليسرى عند الأكثر لفعل الصحابة، وعند طاووس اليد اليسرى لقربها من ~~اليمنى. وفي الثالثة يده اليسرى، وفي الرابعة رجله اليمنى وهذا عند الشافعي ~~ومالك. وأخرجه الدارقطني من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى ~~وسلم قال في السارق إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله ثم إن سرق ~~فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله وفي إسناده ms1069 الواقدي. وأخرجه الشافعي من ~~وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعا، وأخرج الطبراني والدارقطني نحوه في عصمة بن ~~مالك وإسناده ضعيف. وخالفت الهادوية والحنفية فقالوا: يحبس في الثالثة لما ~~رواه البيهقي من حديث علي رضي الله عنه أنه قال بعد أن قطع رجله وأتي به في ~~الثالثة: بأي شئ يتمسح وبأي شئ يأكل؟ لما قيل له تقطع يده اليسرى ثم قال: ~~أقطع رجله؟ على أي شئ يمشي؟ إني لأستحي من الله ثم ضربه وخلد في السجن. ~~وأجا ب الأولون بأن هذا رأي لا يقاوم النصوص وإن كان المنصوص فيه ضعف فقد ~~عاضدته الروايات الأخرى. وأما محل القطع فيكون من مفصل الكف إذ هو أقل ما ~~يسمى يدا ولفعله (ص) فيما أخرجه الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب أتي النبي ~~(ص) بسارق فقطع يده من مفصل الكف وفي إسناده مجهول. وأخرج ابن أبي شيبة من ~~مرسل رجاء بن حياة أن النبي (ص) قطع PageV04P027 # من المفصل. وأخرجه أبو الشيخ من وجه آخر عن رجاء عن عدي رفعه، وعن جابر ~~رفعه ، وأخرجه سعيد بن منصور عن عمر. وقالت الامامية: ويروى عن علي عليه ~~السلام أنه يقطع من أصول الأصابع إذ هو أقل ما يسمى يدا، ورد ذلك بأنه لا ~~يقال لمن قطعت أصابعه مقطوع اليد لا لغة ولا عرفا، وإنما يقال مقطوع ~~الأصابع. وقد اختلفت الرواية عن علي عليه السلام فروي أنه كان يقطع من يد ~~السارق الخنصر والبنصر والوسطى. وقال الزهري والخوارج: إنه يقطع من الإبط ~~إذ هو اليد حقيقة، والأقوى لأول لدليله المأثور. # وأما محل قطع الرجل فتقطع من مفصل القدم، وروي عن علي عليه السلام أنه ~~كان يقطع الرجل من الكعب، وروي عنه وهو للإمامية أنه من معقد الشراك. # (خاتمة): أخرج أحمد وأبو داود عن عطاء عن عائشة أن النبي (ص) قال لها - ~~وقد دعت على سارق سرقها ملحفة: لا تسبخي عنه بدعائك عليه ومعناه لا تخففي ~~عنه الاثم الذي يستحقه بالسرقة. وهذا يدل على أن الظالم يخفف عنه بدعاء ~~المظلوم ms1070 عليه وروى أحمد في كتاب الزهد عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: بلغني ~~أن الرجل ليظلم مظلمة فلا يزال المظلوم يشتم الظالم وينتقصه حتى يستوفي حقه ~~ويكون للظالم الفضل عليه وفي الترمذي عن عائشة أن النبي (ص) قال: من دعا ~~على من ظلمه فقد انتصر فإن قيل: قد مدح الله المنتصر من البغي ومدح العافي ~~عن الجرم؟. قال ابن العربي: # فالجواب أن الأول محمول على ما إذا كان الباغي وقحا ذا جرأة وفجور ~~والثاني على من وقع منه ذلك نادرا فتقال عثرته بالعفو عنه. وقال الواحدي: ~~إن كان الانتصار لأجل الدين فهو محمود وإن كان لأجل النفس فهو مباح لا يحمد ~~عليه. واختلف العلماء في التحليل من الظلامة على ثلاثة أقوال: كان ابن ~~المسيب لا يحلل أحدا من عرض ولا مال، وكان سليمان بن يسار وابن سيرين يحلان ~~منهما. ورأي مالك التحليل من العرض دون المال. # باب حد الشارب وبيان المسكر 1 - (عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين قال:) ~~أي أنس (وفعله أبو بكر فلما كان عمر استشار الناس فقال عبد الرحمن بن عوف: ~~أخف الحدود ثمانون فأمر به عمر. # متفق عليه). الخمر مصدر خمر كضرب ونصر خمرا يسمى به الشراب المعتصر من ~~العنب إذا غلي وقذف بالزبد وهي مؤنثة وتذكر. ويقال خمرة. وفي الحديث مسائل. ~~الأولى: أن الخمر تطلق على ما ذكر حقيقة إجماعا وتطلق على ما هو أعم من ذلك ~~وهو ما أسكر من العصير أو من النبيذ أو من غير ذلك. وإنما اختلف العلماء هل ~~هذا الاطلاق حقيقة أو لا قال صاحب القاموس: العموم أصح لأنها حرمت وما ~~بالمدينة خمر عنب، ما كان إلا البسر والتمر انتهى. وكأنه يريد أن العموم ~~حقيقة. وسميت خمرا، قيل: لأنها تخمر العقل أي تستره فيكون بمعنى اسم الفاعل ~~أي الساترة للعقل. وقيل: لأنها تغطي حتى تشتد يقال خمره PageV04P028 # أي غطاه فيكون بمعنى اسم المفعول. ms1071 وقيل: لأنها تخالط العقل من خامره إذا ~~خالطه ومنه هنيئا مريئا غير داء مخامر. أي مخالط. وقيل: لأنها تترك حتى ~~تدرك ومنه اختمر العجين أي بلغ إدراكه، وقيل: مأخوذة من الكل لاجتماع ~~المعاني هذه فيها. قال ابن عبد البر: # الأوجه كلها موجودة في الخمر لأنها تركت حتى أدركت وسكنت فإذا شربت خالطت ~~ا العقل حتى تغلب عليه وتغطيه. قلت: فالخمر تطلق على عصير العنب المشتد ~~حقيقة إجماعا. # وفي النجم الوهاج: الخمر بالاجماع المسكر من عصير العنب وإن لم يقذف ~~بالزبد. واشترط أبو حنيفة أن يقذف وحينئذ لا يكون مجمعا عليه. واختلف ~~أصحابنا في وقوع الخمر على الأنبذة: فقال المزني وجماعة بذلك لان الاشتراك ~~في الصفة يقتضي الاشتراك في الاسم وهو قياس في اللغة وهو جائز عند الأكثر ~~وهو ظاهر الأحاديث ونسبه الرافعي إلى الأكثرين أنه لا يقع عليها إلا مجازا. ~~قلت: وبه جزم ابن سيده في المحكم وجزم به صاحب الهداية من الحنفية حيث قال: ~~الخمر عندنا ما اعتصر من ماء العنب إذا اشتد وهو المعروف عند أهل اللغة ~~وأهل العلم. ورد ذلك الخطابي وقال: زعم قوم أن العرب لا تعرف الخمر إلا من ~~العنب فيقال لهم: إن الصحابة الذين سموا غير المتخذ من العنب خمرا عرب ~~فصحاء فلو لم يكن الاسم صحيحا لما أطلقوه. وقال القرطبي: الأحاديث الواردة ~~عن أنس وغيره على صحتها وكثرتها تبطل مذهب الكوفيين القائلين بأن الخمر لا ~~تكون إلا من العنب وما كان من غيره لا يسمى خمرا، ولا يتناوله اسم الخمر، ~~وهو قول مخالف للغة العرب للسنة الصحيحة ولفهم الصحابة، لأنهم لما نزل ~~تحريم الخمر فهموا من الامر باجتناب الخمر تحريم كل مسكر ولم يفرقوا بين ما ~~يتخذ من العنب وبين ما يتخذ من غيره بل سووا بينهما وحرموا ما كان من غير ~~عصير العنب وهم أهل اللسان وبلغتهم نزل القرآن. فلو كان عندهم فيه تردد ~~لتوقفوا عن الإراقة حتى يستفصلوا ويتحققوا التحريم. ويأتي حديث عمر: أنه ~~نزل تحريم الخمر وهي من خمسة، الحديث. ms1072 وعمر من أهل اللغة، وإن كان يحتمل ~~أنه أراد بيان ما تعلق به التحريم لا أنه المسمى في اللغة لأنه بصدد بيان ~~الأحكام الشرعية ولعل ذلك صار اسما شرعيا لهذا النوع فيكون حقيقة شرعية. ~~ويدل له حديث مسلم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل مسكر ~~خمر وكل خمر حرام، قال الخطابي: إن الآية لما نزلت في تحريم الخمر وكان ~~مسماها مجهولا للمخاطبين بين أن مسماها هو ما أسكر، فيكون مثل لفظ الصلاة ~~والزكاة وغيرهما من الحقائق الشرعية انتهى. قلت: هذا يخالف ما سلف عنه ~~قريبا ولا يخفى ضعف هذا الكلام فإن الخمر كانت من أشهر الأشربة عند العرب ~~واسمها أشهر من كل شئ عندهم وليست كالصلاة والزكاة، وأشعارهم فيها لا تحصى، ~~فكأنه يريد أنه ما كان تعميم الاسم بلفظ الخمر لكل مسكر معروفا عندهم ~~فعرفهم به الشرع، فإنهم كانوا يسمون بعض المسكرات بغير لفظ الخمر كالامزار ~~يضيفونها إلى ما يتخذ منه من ذرة وشعير ونحوهما، ولا يطلقون عليه لفظ ~~الخمر، فجاء الشرع بتعميم الاسم لكل مسكر. فتحصل مما ذكر جميعا أن الخمر ~~حقيقة لغوية في عصير العنب المشتد الذي يقذف PageV04P029 # الزبد، وفي غيره مما يسكر حقيقة شرعية، أو قياس في اللغة، أو مجاز، فقد ~~حصل المقصود من تحريم ما أسكر من ماء العنب أو غيره إما بنقل اللفظ إلى ~~الحقيقة الشرعية أو بغيره. # وقد علمت أنه أطلق عمر وغيره من الصحابة الخمر على كل ما أسكر، وهم أهل ~~اللسان، والأصل الحقيقة فقد أحسن صاحب القاموس بقوله: والعموم أصح. وأما ~~الدعاوي التي تقدمت على اللغة كما قاله ابن سيده وشارح الكنز فما أظنها إلا ~~بعد تقرير هذه المذاهب تكلم كل على ما يعتقده ونزل في قلبه من مذهبه ثم ~~جعله لأهل اللغة. المسألة الثانية: قوله فجلده بجريدتين نحو أربعين فيه ~~دليل على ثبوت الحد على شارب الخمر وادعى فيه الاجماع، ونوزع في دعواه لأنه ~~قد نقل عن طائفة من أهل العلم أنه لا يجب فيه إلا ms1073 التعزير لأنه صلى الله ~~عليه وسلم لم ينص على حد معين وإنما ثبت عنه الضرب المطلق. وفيه دليل على ~~أنه يكون الجلد بالجريد وهو سعف النخل. وقد اختلف العلماء هل يتعين الجلد ~~بالجريد على ثلاثة أقوال أقربها: جواز الجلد بالعود غير الجريد ويجوز ~~الاقتصار على الضرب باليدين والنعال. قال في شرح مسلم: أجمعوا على الاكتفاء ~~بالجريد والنعال وأطراف الثياب ثم قال: والأصح جوازه بالسوط. وقال المصنف: ~~توسط بعض المتأخرين فعين السوط للمتمردين، وأطراف الثياب والنعال للضعفاء ~~ومن عداهم بحسب ما يليق بهم. وقد عين قوله في الحديث نحو أربعين ما أخرجه ~~البيهقي وأحمد بلفظ فأمر قريبا من عشرين رجلا فجلده كل واحد جلدتين بالجريد ~~والنعال. قال المصنف: وهذا يجمع ما اختلف فيه على تشعبه وأن جملة الضربات ~~كانت أربعين لا أنه جلده بجريدتين أربعين. المسألة الثالثة: قوله فلما كان ~~عمر استشار - إلى آخره سبب استشارته ما أخرجه أبو داود والنسائي أن خالد بن ~~الوليد كتب إلى عمر: إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة قال: ~~وعنده المهاجرون والأنصار فسألهم فأجمعوا على أن يضرب ثمانين. وأخرج مالك ~~في الموطأ عن ثور بن يزيد: أ ن عمر استشار في الخمر فقال له علي بن أبي ~~طالب عليه السلام: نرى أن تجلده ثمانين فإنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذي وإذا ~~هذي افترى، فجلد عمر في الخمر ثمانين. وهذا حديث معضل، ولهذا الأثر عن علي ~~طرق، وقد أنكره ابن حزم كما سلف، وفي معناه نكارة لأنه قال: إذا هذي افترى ~~والهاذي لا يعد قوله فرية لأنه لا عمد له، ولا فرية إلا عند عمد. وقد أخرج ~~عبد الرزاق قال: جاءت الاخبار متواترة عن علي عليه السلام أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يسن في الخمر شيئا. ولا يخفى أن الحديث الآتي يؤيده. # 2 - (ولمسلم عن علي في قصة الوليد بن عقبة) حققناها في منحة الغفار على ~~ضوء النهار وفيها أن عثمان أمر عليا بجلد الوليد بن عقبة في الخمر فقال ~~لعبد ms1074 الله بن جعفر: # اجلده فجلده فلما بلغ أربعين قال: أمسك (جلد رسول الله (ص) أربعين، وجلد ~~أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي: # وفي الحديث أن رجلا شهد عليه أنه رآه يتقيأ الخمر فقال عثمان: إنه لم ~~يتقيأها حتى PageV04P030 # شربها). يريد أنه أحب إليه مع جرأة الشاربين لا أنه أحب إليه مطلقا فلا ~~يرد أنه كيف يجعل فعل عمر أحب إليه من فعل النبي (ص) فإن ظاهر الإشارة إلى ~~فعل عمر وهو الثمانون. ولكنه يقال إن ظاهر قوله أمسك بعد الأربعين دال على ~~أنه لم يفعل الأحب إليه. وأجيب عنه بأن في صحيح البخاري من رواية عبد الله ~~بن عدي بن الخيار أن عليا جلد الوليد ثمانين. والقصة واحدة، والذي في ~~البخاري أرجح، وكأنه بعد أن قال وهذا أحب إلي أمر عبد الله بتمام الثمانين. ~~وهذه أولى من الجواب الآخر وهو أنه جلده بسوط له رأسان فضربه أربعين، فكانت ~~الجملة ثمانين فإن هذا ضعيف لعدم مناسبة سياقه له. والروايات عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه جلد في الخمر أربعين كثيرة، إلا أن في ألفاظها نحو أربعين، ~~وفي بعضها بالنعال، فكأنه فهم الصحابة أن ذلك يتقدر بنحو أربعين جلدة. # واختلف العلماء في ذلك: فذهبت الهادوية وأبو حنيفة ومالك وأحمد وأحد قولي ~~الشافعي أنه يجب الحد على السكران ثمانين جلدة، قالوا: لقيام الاجماع عليه ~~في عهد عمر فإنه لم ينكر عليه أحد. وذهب الشافعي في المشهور عنه وداود: أنه ~~أربعون لأنه الذي روي عنه صلى الله عليه وسلم فعله، ولأنه الذي استقر عليه ~~الامر في خلافة أبي بكر رضي الله عنه. ومن تتبع ما في الروايات واختلافها ~~علم أن الأحوط الأربعون ولا يزاد عليها. وفي هذا الحديث (أن رجلا شهد على ~~الوليد أنه رآه يتقيأ الخمر فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها) وفي ~~مسلم أنه شهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب الخمر وشهد عليه آخر أنه رآه ~~يتقيؤها. قال النووي في شرح مسلم: هذا دليل لمالك ms1075 وموافقيه في أن من تقيأ ~~الخمر يحد حد شارب الخمر، ومذهبنا أنه لا يحد بمجرد ذلك لاحتمال أنه شربها ~~جاهلا كونها خمرا أو مكرها عليه وغير ذلك من الاعذار المسقطة للحدود. ودليل ~~مالك هنا قوي لان الصحابة اتفقوا على جلد الوليد بن عقبة المذكور في هذا ~~الحديث ا ه‍. قلت: وبمثل ما قاله مالك قالت الهادوية، ثم لا يخفى أن اقتصار ~~المصنف على الشاهد بالقئ وحده تقصير لإيهامه أنه جلد الوليد بشهادة واحد ~~على التقيؤ. # 3 - (وعن معاوية رضي الله عنه عن النبي (ص) أنه قال في شارب الخمر: إذا ~~شرب فاجلدوه ثم إذا شرب الثانية فاجلده، ثم إذا شرب الثالثة فاجلدوه ثم إذا ~~شرب الرابعة فاضربوا عنقه أخرجه أحمد - وهذا لفظه - والأربعة). اختلفت ~~الروايات في قتله: هل يقتل إن شرب الرابعة أو إن شرب الخامسة؟. فأخرج أبو ~~داود من رواية أبان القصار وذكر الجلد ثلاث مرات بعد الأولى ثم قال: فإن ~~شربوا فاقتلوهم. # وأخرج من حديث ابن عمر من رواية نافع عنه أنه قال: وأحسبه قال في ~~الخامسة: فإن شربها فاقتلوه. وإلى قتله فيها ذهب الظاهرية واستمر عليه ابن ~~حزم واحتج له، وادعى عدم الاجماع على نسخه. والجمهور على أنه منسوخ ولم ~~يذكروا ناسخا صريحا، إلا ما يأتي من رواية أبي داود عن الزهري: أنه صلى ~~الله عليه وسلم ترك القتل في الرابعة وقد يقال: القول أقوى PageV04P031 # من الترك فلعله صلى الله عليه وسلم تركه لعذر. (وذكر الترمذي ما يدل على ~~أنه منسوخ، وأخرج ذلك أبو داود صريحا عن الزهري). يريد ما أخرجه من رواية ~~الزهري عن قبيصة بن ذؤيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شرب ~~الخمر فاجلدوه - إلى أن قال ثم إذا شرب في الرابعة فاقتلوه. قال: فأتي برجل ~~قد شرب فجلده ثم أتي به قد شرب فجلده ثم أتي به قد شرب فجلده ثم أتي به ~~الرابعة فجلده فرفع القتل عن الناس فكانت رخصة. وقال الشافعي: هذا - يريد ~~نسخ القتل - مما لا اختلاف ms1076 فيه بين أهل العلم ومثله قال الترمذي والله ~~أعلم. # 4 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إذا ضرب أحدكم ~~فليتق الوجه متفق عليه. الحديث دليل على أنه لا يحل ضرب الوجه في حد ولا في ~~غيره، وكذلك لا يضرب المحدود في المراق والمذاكير. لما أخرجه ابن أبي شيبة ~~عن علي عليه السلام أنه قال للجلاد: اضرب في أعضائه، واعط كل عضو حقه، واتق ~~وجهه ومذاكيره. وأخرجه عبد الرزاق وسعيد بن منصور والبيهقي من طرق عن علي ~~عليه السلام. وإنما نهى عن المراق والمذاكير لأنه لا يؤمن عليه مع ضربها. ~~واختلف في ضربه في الرأس: فذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يضرب فيه إذ هو ~~غير مأمون. وذهبت الهادوية وغيرهم إلى جواز ضربه فيه قالوا: لقول علي عليه ~~السلام للجلاد: اضرب الرأس ولقول أبي بكر رضي الله عنه اضرب الرأس فإن ~~الشيطان فيه أخرجه ابن أبي شيبة وفيه ضعف وانقطاع. وذهب مالك أنه لا يضرب ~~إلا في رأسه. # (فائدة): في الحديث: أنه صلى الله عليه وسلم أمر أن يحثي عليه التراب ~~ويبكت، فلما ولي شرع القوم يسبونه ويدعون عليه ويقول القائل: اللهم العنه، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: لا تقولوا هذا ولكن قولوا: اللهم اغفر له اللهم ~~ارحمه وأوجب المازري التثريب والتبكيت. وأما صفة سوط الضرب فأخرج مالك في ~~الموطأ عن زيد بن أسلم مرسلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يجلد ~~رجلا فأتي بسوط خلق. فقال: فوق هذا، فأتي بسوط جديد فقال: دون هذا فيكون ~~بين الجديد والخلق. وذكر الرافعي عن علي عليه السلام سوط الحد بين سوطين ~~وضربه بين ضربين قال ابن الصلاح: السوط هو المتخذ من سيور تلوى وتلف. # 5 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): # ح لا تقام الحدود في المساجد رواه الترمذي والحاكم. وأخرجه ابن ماجة وفي ~~إسناده إسماعيل بن مسلم المكي ضعيف من قبل حفظه. وأخرجه أبو داود والحاكم ~~وابن السكن والدارقطني ms1077 والبيهقي من حديث حكيم بن حزام. ولا بأس بإسناده. ~~وله طرق أخر والكل متعاضدة وقد عمل به الصحابة، فأخرج ابن أبي شيبة عن طارق ~~بن شهاب قال: أتي عمر بن الخطاب برجل في حد، فقال: أخرجاه من المسجد ثم ~~اضرباه وأسنده على شرط الشيخين وأخرج عن علي عليه السلام: أن رجلا جاء إليه ~~فساره، فقال: يا قنبر أخرجه PageV04P032 # من المسجد فأقم عليه الحد وفي سنده مقال. وإلى عدم جواز إقامة الحد في ~~المسجد ذهب أحمد وإسحاق والكوفيون لما ذكر من الدليل. وذهب ابن أبي ليلى ~~والشعبي إلى جوازه ولم يذكر له دليلا وكأنه حمل النهي على التنزيه. قال ابن ~~بطال: وقول من نزه المسجد أولى: يريد قول الأولين. # 6 - (وعن أنس رضي الله عنه قال: لقد أنزل الله تحريم الخمر وما بالمدينة ~~شراب يشرب إلا من تمر أخرجه مسلم. فيه دليل على ما سلف من تسمية نبيذ التمر ~~خمر عند نزول آية التحريم. # 7 - (وعن عمر رضي الله عنه قال: نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة: من العنب ~~والتمر والعسل والحنطة والشعير. والخمر ما خامر العقل متفق عليه. وأخرجه ~~الثلاثة أيضا. # ولا يقال إنه معارض بحديث أنس لان حديث أنس إخبار عما كان من الشراب في ~~المدينة وكلام عمر ليس فيه تقييد بالمدينة وإنما هو إخبار عما يشربه الناس ~~مطلقا، وقوله: الخمر ما خامر العقل إشارة إلى وجه التسمية، وظهره أن كل ما ~~خالط العقل أو غطاه يسمى خمرا لغة، سواء كان مما ذكر أو غيره، ويدل له أيضا ~~الحديث الآتي. # 8 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي (ص) قال: كل مسكر خمر، وكل ~~مسكر حرام أخرجه مسلم. فإنه دال على أن كل مسكر يسمى خمرا. # وفي قوله: كل مسكر حرام دليل على تحريم كل مسكر، وهو عام لكل ما كان من ~~عصير أو نبيذ. وإنما اختلف العلماء في المراد بالمسكر: هل يراد تحريم القدر ~~المسكر، وتحريم تناوله مطلقا وإن قل ولم يسكر إذا كان في ذلك الجنس ms1078 صلاحية ~~الاسكار. ذهب إلى تحريم القليل والكثير مما أسكر جنسه: الجمهور من الصحابة ~~وغيرهم وأحمد وإسحاق والشافعي ومالك والهادوية جميعا، مستدلين بهذا الحديث ~~وحديث جابر الآتي بعد هذا، وبما أخرجه أبو داود من حديث عائشة: كل مسكر ~~حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام. وبما أخرجه ابن حبان والطحاوي ~~من حديث سعد بن أبي وقاص: أنه (ص) قال: أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره وفي ~~معناه روايات كثيرة لا تخلو عن مقال في أسانيدها لكنها تعتضد بما سمعت. قال ~~أبو مظفر السمعاني: الاخبار في ذلك كثيرة لا مساغ لاحد في العدول عنها. # وذهب الكوفيون وأبو حنيفة وأصحابه وأكثر علماء البصرة إلى أنه يحل دون ~~المسكر من غير عصير العنب والرطب. وتحقيق مذهب الحنفية قد بسطه في شرح ~~الكنز حيث قال: إن أبا حنيفة قال: الخمر هو النئ من ماء العنب إذا غلى ~~واشتد وقذف بالزبد حرم قليلها وكثيرها وقال: إن الغليان من آية الشدة، ~~وكماله بقذف الزبد وبسكونه إذ به يتميز الصافي من الكدر. وأحكام الشرع ~~قطعية فتناط بالنهاية كالحدود وإكفار المستحل وحرمة البيع والنجاسة. وعند ~~صاحبيه إذا اشتد صار خمرا ولا يشترط القذف بالزبد لان الاسم يثبت به، ~~والمعنى المقتضي للتحريم وهو المؤثر في الفساد وإيقاع العداوة. وأما الطلاء ~~بكسر الطاء وهو العصير من العنب إن طبخ حتى يذهب أقل من ثلثيه، والسكر ~~بفتحتين وهو النئ من ماء PageV04P033 # الرطب. ونقيع الزبيب وهو النئ من ماء الزبيب فالكل حرام إن غلي واشتد ~~وحرمتها دون الخمر. والحلال منها أربع نبيذ التمر والزبيب إن طبخ أدنى طبخ ~~وإن اشتد إذا شرب ما لا يسكر بلا لهو وطرب، والخليطان وهو أن يخلط ماء ~~التمر وماء الزبيب، ونبيذ العسل والتين والبر والشعير والذرة طبخ أو لا، ~~والمثلث العنبي انتهى كلامه ببعض تصرف فيه. # فهذه الأنواع التي لم ينقل تحريمها استدل لها بأنها لا تدخل تحت مسمى ~~الخمر فلا تشملها أدلة تحريم الخمر. وتؤول حديث ابن عمر هذا بما قاله ~~الطحاوي حيث قال ms1079 في تأويل الحديث قال بعضهم: المراد به ما يقع السكر عنده ~~قال: ويؤيده أن القاتل لا يسمى قاتلا حتى يقتل، قال: ويدل له حديث ابن عباس ~~يرفعه حرمت الخمر قليلها وكثيرها والسكر من كل شراب أخرجه النسائي ورجاله ~~ثقات إلا أنه اختلف في وصله وانقطاعه وفي رفعه ووقفه. على أنه على تقدير ~~صحته فقد قال أحمد وغيره: إن الراجح أن الرواية فيه والمسكر بضم الميم ~~وسكون السين لا السكر بضم السين أو بفتحتين. وعلى تقدير ثبوته فهو حديث فرد ~~لا يقاوم ما عرفت من الأحاديث التي ذكرناها، وقد سرد لهم في الشرح أدلة من ~~آثار وأحاديث لا يخلو شئ منها عن قادح فلا تنهض على المدعي. ثم لفظ الخمر ~~قد سمعت أن الحق فيه لغة: عمومه لكل مسكر كما قاله مجد الدين فقد تناول ما ~~ذكر دليل التحريم. وقد أخرج البخاري عن ابن عباس لما سأله أبو جويرية عن ~~الباذق وهو بالباء الموحدة والذال المعجمة المفتوحة وقيل المكسورة وهو ~~فارسي معرب أصله باذه وهو الطلاء فقال ابن عباس: سبق محمد الباذق: ما أسكر ~~فهو حرام. الشراب الحلال الطيب. ليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث. ~~وأخرج البيهقي عن ابن عباس أنه أتاه قوم يسألون عن الطلاء فقال ابن عباس: # وما طلاؤكم هذا؟ إذا سألتموني فبينوا لي الذي تسألونني عنه فقالوا: هو ~~العنب يعصر ثم يطبخ ثم يجعل في الدنان قال: وما الدنان؟ قالوا: دنان مقيرة. ~~قال: مزفتة؟ قالوا: نعم. # قال يسكر؟ قالوا: إذا أكثر منه. قال: فكل مسكر حرام. وأخرج عنه أيضا أنه ~~قال في الطلاء: إن النار لا تحل شيئا ولا تحرمه. وأخرج أيضا عن عائشة في ~~سؤال أبي مسلم الخولاني قال: يا أم المؤمنين إنهم يشربون شرابا لهم - يعني ~~أهل الشام - يقال له الطلاء. قالت: # صدق الله وبلغ حبي، سمعت حبي رسول الله (ص) يقول: إن أناسا من أمتي ~~يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها. وأخرج مثله عن أبي مالك الأشعري عن رسول ~~الله (ص) أنه قال: ليشربن أناس ms1080 من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها وتضرب على ~~رؤوسهم المعازف يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم قردة وخنازير. وأخرج عن عمر ~~أنه قال: إني وجدت من فلان ريح شراب فزعم أنه يشرب الطلاء وإني سائل عما ~~يشرب فإن كان يسكر جلدته، فجلده الحد تاما. وأخرج عن أبي عبيد أنقال: جاءت ~~في الأشربة آثار كثيرة مختلفة عن النبي (ص) وأصحابه وكل له تفسير. فأولها: ~~الخمر وهي PageV04P034 # ما غلي من عصير العنب فهذه مما لا اختلاف في تحريمها من المسلمين إنما ~~الاختلاف في غيرها ومنها السكر - يعني بفتحتين - وهو نقيع التمر الذي لم ~~تمسه النار وفيه يروى عن ابن مسعود أنه قال: السكر خمر. ومنها البتع: بكسر ~~الباء الموحدة والمثناة أي الفوقية الساكنة والمهملة وهو نبيذ العسل. ومنها ~~الجعة بكسر الجيم وهي نبيذ الشعير. ومنها المزر وهو من الذرة جاء تفسير هذه ~~الأربعة عن ابن عمر رضي الله عنهما وزاد ابن المنذر في الرواية عنه قال: ~~والخمر من العنب والسكر من التمر. ومنها السكركة يعني بضم السين المهملة ~~وسكون الكاف وضم الراء فكاف مفتوحة عن أبي موسى أنها من الذرة. ومنها ~~الفضيخ: # يعني بالفاء والضاد المعجمة والخاء المعجمة ما افتضخ من البسر من غير أنه ~~تمسه نار وسماه ابن عمر الفضوخ قال أبو عبيد: فإن كان مع البسر تمرر فهو ~~الذي يسمى الخليطين، قال أبو عبيد: بعض العرب تسمي الخمر بعينها الطلاء. ~~قال عبيد بن الأبرص: # هي الخمر تكنى الطلاء * كما الذئب يكنى أبا جعدة قال: وكذلك الخمر سمي ~~الباذق. إذا عرفت فهذه آثار تؤيد العمل بالعموم، ومع التعارض فالترجيح ~~للمحرم على المبيح، ومن أدلة الجمهور الحديث الآتي: # 9 - (وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: ما أسكر كثيره فقليله ~~حرام أخرجه أحمد والأربعة وصححه ابن حبان. وأخرجه الترمذي وحسنه ورجاله ~~ثقات. وأخرج النسائي والدارقطني وابن حبان من طريق عامر بن سعد بن أبي وقاص ~~عن أبيه بلفظ: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قليل ما أسكر ms1081 كثيره. ~~وفي الباب عن علي عليه السلام وعن عائشة رضي الله عنها وعن خوات وعن سعيد ~~وعن ابن عمر وزيد بن ثابت كلها مخرجة في كتب الحديث والكل تقوم به الحجة ~~وتقدم تحقيقه. # (فائدة) ويحرم ما أسكر من أي شئ وإن لم يكن مشروبا كالحشيشة. قال المصنف: # من قال إنها لا تسكر وإنما تخدر فهي مكابرة فإنها تحدث ما تحدث الخمر من ~~الطرب والنشوة قال: وإذا سلم عدم الاسكار فهي مفترة وقد أخرج أبو داود أنه ~~نهى رسول الله عن كل مسكر ومفتر. قال الخطابي: المفتر: كل شراب يورث الفتور ~~والخور في الأعضاء وحكى العراقي وابن تيمية الاجماع على تحريم الحشيشة وأن ~~من استحلها كفر. قال ابن تيمية: # إن الحشيشة أول ما ظهرت في آخر المائة السادسة من الهجرة حين ظهرت دولة ~~التتار وهي من أعظم المنكرات، وهي شر من الخمر من بعض الوجوه لأنها تورث ~~نشوة ولذة وطربا كالخمر، (ويصعب الطعام عليها أعظم من الخمر) وقد أخطأ ~~القائل: # حرموها من غير عقل ونقل * وحرام تحريم غير الحرام وأما البنج فهو حرام. ~~قال ابن تيمية: إن الحد في الحشيشة واجب، قال ابن البيطار: # إن الحشيشة وتسمى القنب توجد في مصر مسكرة جدا إذا تناول الانسان منها ~~قدر درهم أو درهمين، وقبائح خصالها كثيرة وعد منها بعض العلماء مائة وعشرين ~~مضرة دينية PageV04P035 # ودنيوية، وقبائح خصالها موجودة في الأفيون وفيه زيادة مضار. قال ابن دقيق ~~العيد في الجوزة: إنها مسكرة ونقله عنه متأخرو علماء الفريقين واعتمدوه. # 10 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ينبذ له الزبيب في السقاء فيشربه يومه، والغد وبعد الغد فإذا كان مساء ~~الثالثة شربه وسقاه فإن فضل) بفتح الضاد وكسرها (شئ أهراقه. أخرجه مسلم). ~~هذه الرواية إحدى روايات مسلم، وله ألفاظ أخر قريبة من هذه في المعنى، وفي ~~دليل على جواز الانتباذ ولا كلام في جوازه. وقد احتج من يقول بجواز شرب ~~النبيذ إذا اشتد بقوله في رواية أخرى سقاه ms1082 الخادم أو أمر بصبه فإن سقيه ~~الخادم دليل على جواز شربه وإنما تركه صلى الله عليه وسلم تنزها عنه. ~~وأجيب: بأنه لا دليل على أنه بلغ حد الاسكار وإنما بدا فيه بعض تغير في ~~طعمه من حموضة أو نحوها فسقاه الخادم مبادرة لخشية الفساد. ويحتمل أن تكون ~~أو للتنويع كأنه قال سقاه الخادم أو أمر به فأهريق أي إن كان بدا فطعمه بعض ~~تغير ولم يشتد سقاه الخادم، وإن اشتد أمر بإهراقه، وبهذا جزم النووي في ~~معنى الحديث. # 11 - (وعن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي (ص) إن الله لم يجعل شفاءكم ~~فيما حرم عليكم أخرجه البيهقي وصححه ابن حبان. وأخرجه أحمد وذكره البخاري ~~تعليقا عن ابن مسعود ويأتي ما أخرجه مسلم عن وائل بن حجر. والحديث دليل على ~~أنه يحرم التداوي بالخمر لأنه إذا لم يكن فيه شفاء فتحريم شربها باق لا ~~يرفعه تجويز أنه يدفع بها الضرر عن النفس وإلى هذا ذهب الشافعي. وقالت ~~الهادوية: إلا إذا غص بلقمة ولم يجد ما يسوغها به إلا الخمر جاز وادعى في ~~البحر الاجماع على هذا وفيه خلاف. وقال أبو حنيفة: يجوز التداوي بها كما ~~يجوز شرب البول والدم وسائر النجاسات للتداوي، قلنا: القياس باطل فإن ~~المقيس عليه محرم بالنص المذكور لعمومه لكل محرم. (فائدة): في النجم الوهاج ~~قال الشيخ: كل ما يقول الأطباء من المنافع في الخمر وشربها كان عند شهادة ~~القرآن أن فيها منافع للناس، قيل: وأما بعد نزول آية المائدة فإن الله ~~تعالى الخالق لكل شئ سلبها المنافع جملة فليس فيها شئ من المنافع وبهذا ~~تسقط مسألة التداوي بالخمر. والذي قاله منقول عن الربيع والضحاك وفيه حديث ~~أسنده الثعلبي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى لما ~~حرم الخمر سلبها النافع. # 12 - (وعن وائل) هو ابن حجر بضم الحاء وسكون الجيم (الحضرمي أن طارق بن ~~سويد سأل النبي (ص) عن الخمر يصنعها للدواء فقال: إنها ليست بدواء ولكنها ~~داء أخرجه مسلم وأبو داود ms1083 وغيرهما) أفاد الحكم الذي دل عليه الحديث الأول ~~وهو تحريم التداوي بالخمر، وزيادة الاخبار بأنها داء، PageV04P036 # وقد علم من حال من يستعملها أنه يتولد عن شربها أدواء كثيرة. وكيف لا ~~يكون ذلك بعد إخبار الشارع أنها داء فقبح الله وصافها من الشعراء الخلعاء ~~ووصاف شربها وتشويق الناس إلى شربها والعكوف عليها كأنهم يضادون الله تعالى ~~ورسوله فيما حرمه ولا شك أنهم يقولون تلك الاشعار بلسان شيطاني يدعون إلى ~~ما حرمه الله تعالى ورسوله. # باب التعزير وحكم الصائل التعزير: مصدر عزر من العزر وهو الرد والمنع، ~~وهو في الشرع: تأديب على ذنب لا حد فيه. وهو مخالف للحدود من ثلاثة أوجه: ~~الأول: أنه يختلف باختلاف الناس فتعزير ذوي الهيئات أخف، ويستوون في الحدود ~~مع الناس. والثاني: أنها تجوز فيه الشفاعة دون الحدود. والثالث: التالف به ~~مضمون، خلافا لأبي حنيفة ومالك. وقد فرق قوم بين التعزير والتأديب، ولا يتم ~~لهم الفرق، ويسمى تعزير الدفعة ورده عن فعل القبائح، ويكون بالقول والفعل ~~على حسب ما يقتضيه حال الفاعل. وقوله: وحكم الصائل الصائل: اسم فاعل من صال ~~على قرنه إذا سطا عليه واستطال. # 1 - (عن أبي بردة الأنصاري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: لا يجلد) روي مبنيا للمعلوم ومبنيا للمجهول ومجزوما على النهي ~~ومرفوعا على النفي (فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى متفق ~~عليه). وفي رواية عشر جلدات وفي رواية: لا عقوبة فوق عشر ضربات. والمراد ~~بحدود الله: ما عين الشارع فيه عددا من الضرب أو عقوبة مخصوصة كالقطع ~~والرجم، وهذان داخلان في عموم حدود الله خارجان عما فيه السياق إذ السياق ~~في الضرب. وقد اتفق العلماء على حد الزنا والسرقة وشرب الخمر وحد المحارب ~~وحد القذف بالزنا والقتل في الردة والقصاص في النفس. # واختلفوا في القصاص في الأطراف هل يسمى حدا أم لا؟ كما اختلفوا في عقوبة ~~جحد العارية واللواط وإتيان البهيمة وتحميل المرأة الفحل من البهائم عليها، ~~والسحاق وأكل الدم والميتة ms1084 ولحم الخنزير لغير ضرورة والسحر والقذف بشرب ~~الخمر وترك الصلاة تكاسلا والأكل في رمضان هل يسمى حدا أو لا؟. فمن قال: ~~يسمى حدا أجاز الزيادة في التعزير عليها على العشر الأسواط ومن قال: لا ~~يسمى لم يجزه. إلا أنه قد اختلف في العمل بحديث الباب، فذهب إلى الاخذ به: ~~الليث وأحمد وإسحق وجماعة من الشافعية. وذهب مالك والشافعي وزيد بن علي ~~وآخرون: إلى جواز الزيادة في التعزير على العشرة ولكن لا يبلغ أدنى الحدود. ~~وذهب القاسم والهادي: إلى أن يكون التعزير في كل حد دون حد جنسه لما يأتي ~~من فعل علي عليه السلام. # قلت: لا دليل لهم إلا فعل بعض الصحابة، كما روي أن عليا عليه السلام جلد ~~من وجد مع امرأة من غير زنا مائة سوط إلا سوطين. وأن عمر رضي الله عنه ضرب ~~من نقش على PageV04P037 # خاتمة مائة سوط. وكذا روي عن ابن مسعود. ولا يخفى أن فعل بعض الصحابة ليس ~~بدليل ولا يقاوم النص الصحيح وأن ما نقل عن عمر لا يتم له دليلا، ولعله لم ~~يبلغ الحديث من فعل ذلك من الصحابة، كما أنه قال صاحب التقريب معتذرا: لو ~~بلغ الخبر الشافعي لقال به لأنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي. ومثله قال ~~الداودي معتذرا لمالك: لم يبلغ مالكا هذا الحديث فرأى العقوبة بقدر الذنب. ~~ولو بلغه ما عدل عنه فيجب على من بلغه أن يأخذ به. # 2 - (وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي (ص) قال: أقيلوا ذوي الهيئات ~~عثراتهم إلا الحدود رواه أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي. وللحديث طرق ~~كثيرة لا تخلو عن مقال. والإقالة: هي موافقة البائع على نقض البيع. وأقيلوا ~~هنا مأخوذ منها والمراد هنا موافقة ذي الهيئة على ترك المؤاخذة له أو ~~تخفيفها. وفسر الشافعي ذوي الهيئات بالذين لا يعرفون بالشر فيزل أحدهم ~~الزلة. والعثرات جمع عثرة والمراد هنا الزلة. وحكى الماوردي في ذلك وجهين: ~~أحدهما أنهم أصحاب الصغائر دون الكبائر، والثاني من إذا أذنب تاب. وفي ~~عثراتهم وجهان: أحدهما ms1085 الصغائر: والثاني أول معصية يزل فيها مطيع. # واعلم أن الخطاب في أقيلوا للأئمة لأنهم الذين إليهم التعزير لعموم ~~ولاتهم فيجب عليهم الاجتهاد في اختيار الأصلح لاختلاف ذلك باختلاف مراتب ~~الناس وباختلاف المعاصي وليس له أن يفوضه إلى مستحقه ولا إلى غيره. وليس ~~التعزير لغير الامام إلا لثلاثة: الأب فإن له تعزير ولده الصغير للتعليم ~~والزجر عن سئ الأخلاق - والظاهر أن الأم في مسألة زمن الصبا في كفالته لها ~~ذلك - وللأمر بالصلاة والضرب عليها، وليس للأب تعزير البالغ وإن كان سفيها ~~والثاني: السيد يعزر رقيقه في حق نفسه وفي حق الله تعالى على الأصح. ~~والثالث: الزوج له تعزير زوجته في أمر النشوز كما صرح به القرآن. وهل له ~~ضربها على ترك الصلاة ونحوها؟ # الظاهر أن له ذلك إن لم يكف فيها الزجر لأنه من باب إنكار المنكر، والزوج ~~من جملة من يكلف بالانكار باليد أو اللسان أو الجنان والمراد هنا الأولان. # 3 - (وعن علي رضي الله عنه قال: ما كنت لأقيم على أحد حدا فيموت فأجد في ~~نفسي إلا شارب الخمر فإنه لو مات وديته) بتخفيف الدال المهملة وسكون ~~المثناة التحتية أي غرمت ديته (أخرجه البخاري). فيه دليل على أن الخمر لم ~~يكن فيه حد محدود من رسول الله تعالى صلى الله عليه وسلم فهو من باب ~~التعزيرات، فإن مات ضمنه الامام، وكذا كل معزر يموت بالتعزير يضمنه الامام ~~وإلى هذا ذهب الجمهور. وذهبت الهادوية: إلى أنه لا شئ فيمن مات بحد أو ~~تعزير قياسا منهم للتعزير على الحد، بجامع أن الشارع قد أذن فيهما، قالوا: # ح وقول علي عليه السلام إنما هو للاحتياط. وتقدم الجواب بأنه إذا أعنت في ~~التعزير دل على أنه غير مأذون فيه من أصله بخلاف الاعنات في الحد فإنه لا ~~يضمن لأنه مأذون في أصله، فإن أعنت فإنه للخطأ في صفته، وكأنهم يريدون أنه ~~لم يكن مأذونا في غير ما أذن به بخصوصه كالضرب مثلا، وإلا فهو مأذون في ~~مطلق التعزير. وتأويلهم لقول علي عليه السلام ms1086 ساقط فإنه صريح في أن ذلك ~~واجب لا من باب الاحتياط ولان في تمام حديثه: لان رسول الله صلى الله ~~PageV04P038 # عليه وسلم لم يسنه. وأما قوله: جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين ~~- إلى قوله - وكل سنة وقد تقدم، فلعله يريد أنه جلد جلدا غير مقدر ولا ~~تقررت صفته بالجريد والنعال والأيدي. ولذا قال أنس: نحو أربعين. قال النووي ~~في شرح مسلم ما معناه: وأما من مات في حد من الحدود غير الشرب فقد أجمع ~~العلماء على أنه إذا جلده الامام أو جلاده فمات فإنه لا دية ولا كفارة على ~~الامام ولا على جلاده ولا بيت المال، وأما من مات بالتعزير فمذهبنا وجوب ~~الضمان للدية والكفارة وذكر تفاصيل في ذلك مذهبية. # 4 - (وعن عبد الله بن خباب) بفتح الخاء المعجمة فموحدة مشددة فألف فموحدة ~~وهو خباب بن الأرت صحابي تقدمت ترجمته (قال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ~~صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: تكون فتن، فكن فيها عبد الله المقتول ولا ~~تكن القاتل أخرجه ابن أبي خيثمة) بالخاء المعجمة مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة ~~فمثلثة (والدارقطني. وأخرج أحمد نحوه عن خالد بن عرفطة) بضم العين المهملة ~~وسكون الراء وضم الفاء وبالطاء المهملة. وخالد صحابي عداده في أهل الكوفة ~~روى عنه أبو عثمان النهدي وعبد الله بن يسار ومسلم مولاه. ولاه سعد بن أبي ~~وقاص القتال يوم القادسية ومات بالكوفة سنة ستين. والحديث قد أخرج من طرق ~~كثيرة وفيها كلها راو لم يسم وهو رجل من عبد القيس كان مع الخوارج ثم ~~فارقهم. وسبب الحديث: أنه قال ذلك الرجل إن الخوارج دخلوا قرية فخرج عبد ~~الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذعرا يجر رداءه فقال: ~~والله أرعبتموني مرتين قالوا: أنت عبد الله بن خباب؟ قال: نعم، قالوا: هل ~~سمعت من أبيك شيئا تحدثنا به؟ قال: سمعته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من ms1087 الماشي ~~والماشي فيها خير من الساعي فإن أدركك ذلك فكن عبد الله المقتول، قالوا: ~~أنت سمعت هذا من أبيك يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم ~~فقدموه على ضفة النهر فضربوا عنقه وبقروا أم ولده عما في بطنها. والحديث قد ~~أخرجه أحمد والطبراني وابن قانع من غير طريق المجهول إلا أن فيه علي بن زيد ~~بن جدعان وفيه مقال ولفظه: عن خالد بن عرفطة ستكون فتنة بعدي وأحداث ~~واختلاف فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول لا القاتل فافعل. وأخرج أحمد ~~والترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: فإن دخل على بيتي وبسط ~~يده ليقتلني " قال: كن كابن آدم. وأخرج أحمد من حديث ابن عمر بلفظ " ما ~~يمنع أحدكم إذا جاء أحد يريد قتله أن يكون مثل ابني آدم القاتل في النار ~~والمقتول في الجنة " وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان من حديث أبي موسى أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الفتنة: كسروا فيها قسيكم وأوتاركم ~~واضربوا سيوفكم بالحجارة، فإن دخل على أحدكم بيته فليكن كخير ابني آدم ~~وصححه القشيري في الاقتراح على شرط الشيخين. # والحديث دليل على ترك القتال عند ظهور الفتن، والتحذير من الدخول فيها، ~~قال القرطبي: # اختلف السلف في ذلك فذهب سعد بن أبي وقاص و عبد الله بن عمر ومحمد بن ~~مسلمة PageV04P039 # وغيرهم إلى أنه يجب الكف عن المقاتلة، فمنهم من قال: إنه يجب عليه أن ~~يلزم بيته، وقالت طائفة: يجب عليه التحول من بلد الفتنة أصلا، ومنهم من ~~قال: يترك المقاتلة وهو قول الجمهور. وشذ من أوجبه حتى لو أراد أحدهم قتله ~~لم يدفعه عن نفسه، ومنهم من قال: يدافع عن نفسه وعن أهله وعن ماله وهو ~~معذور إن قتل أو قتل. وذهب جمهور الصحابة والتابعين: إلى وجوب نصر الحق ~~وقتال الباغين وحملوا هذه الأحاديث على من ضعف عن القتال أو قصر نظره عن ~~معرفة الحق، وقال بعضهم: بالتفصيل، وهو أنه إذا كان القتال بين ms1088 طائفتين لا ~~إمام لهم فالقتال حينئذ ممنوع وتنزل الأحاديث على هذا وهو قول الأوزاعي. # وقال الطبري: إنكار المنكر واجب على من يقدر عليه فمن أعان المحق أصاب ~~ومن أعان المبطل أخطأ، وإن أشكل الامر فهي الحالة التي ورد النهي عن القتال ~~فيها، وقيل: إن النهي إنما هو في آخر الزمان حيث تكون المقاتلة لطلب الملك. ~~وفيه دليل على أنه لا يجب الدفاع عن النفس، وقوله: إن استطعت يدل على أنها ~~لا تحرم المدافعة وأن النهي للتنزيه لا للتحريم. # في الصائل - وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من ~~قتل دون ماله فهو شهيد رواه الأربعة وصححه الترمذي. في الحديث دليل على ~~جواز الدفاع عن المال وهو قول الجمهور، وشذ من أوجبه، فإذا قتل فهو شهيد ~~كما صرح به هذا الحديث، وحديث مسلم عن أبي هريرة أنه جاء رجل إلى النبي (ص) ~~فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه. قال: ~~فإن قاتلني قال: فاقتله. قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد. قال: أرأيت ~~إن قتلته؟ قال: # فهو في النار قالوا: فإن قتله فلا ضمان عليه لعدم التعدي منه، والحديث ~~عام لقليل المال وكثيره وقد أخرج أبو داود وصححه الترمذي عنه صلى الله عليه ~~وسلم: من قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد. ومن قتل دون ~~ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد وفي الصحيحين ذكر المال فقط. ~~ووجه الدلالة أنه لما جعله صلى الله عليه وسلم شهيدا دل على أن له القتل ~~والقتال. قال في النجم الوهاج: ومحل ذلك إذا لم يجد ملجأ كحصن ونحوه أو لم ~~يستطع الهرب وإلا وجب عليه. قلت: لا أدري ما وجه وجوب الهرب عليه، قالوا: ~~ولا يجب الدفع عن المال بل جوز له أن يتظلم، إلا أنه قد تقدم أن علماء ~~الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان للآثار الواردة بالأمر بالصبر على ~~جوره فلا يجوز دفاعه عن أخذ ms1089 المال ويجب الدفع عن البضع لأنه لا سبيل إلى ~~إباحته. قالوا: # وكذلك يجب على النفس إن قصدها كافر لا إذا قصدها مسلم فلا يجب، لما تقدم ~~قريبا في شرح الحديث الأول. وصح أن عثمان رضي الله عنه منع عبيده أن يدفعوا ~~عنه وكانوا PageV04P040 # أربعمائة وقال: من ألقى سلاحه فهو حر. قالوا: وخالف المضطر فإن في القتل ~~شهادة بخلاف ترك الأكل. وهل ترك الدفاع عن قتل النفس مباح أو مندوب؟ فيه ~~خلاف. # كتاب الجها الجهاد: مصدر جاهدت جهادا أي بلغت المشقة، هذا معناه لغة. وفي ~~الشرع: بذل الجهد في قتال الكفار أو البغاة. # 1 - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من مات ولم يغز ~~ولم يحدث نفسه به مات على شعبة من نفاق رواه مسلم. فيه دليل على وجوب العزم ~~على الجهاد، وألحقوا به فعل كل واجب، قالوا: فإن كان من الواجبات المطلقة ~~كالجهاد وجب العزم على فعله عند إمكانه وإن كان من الواجبات المؤقتة وجب ~~العزم على فعله عند دخول وقته. وإلى هذا ذهب جماعة من أئمة الأصول، وفي ~~المسألة خلاف معروف. ولا يخفى أن المراد من الحديث هنا أن من لم يغز بالفعل ~~ولم يحدث نفسه بالغزو مات على خصلة من خصال النفاق، فقوله: ولم يحدث نفسه ~~لا يدل على العزم الذي معناه عقد النية على الفعل، بل معناه هنا لم يخطر ~~بباله أن يغزو، ولا حدث به نفسه ولو ساعة من عمره ولو حدثها به أو خطر ~~الخروج للغزو بباله حينا من الأحيان، خرج من الاتصاف بخصلة من خصال النفاق. ~~وهو نظير قوله صلى الله عليه وسلم: ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه أي لم ~~يخطر بباله شئ من الأمور، وحديث النفس غير العزم وعقد النية. ودل على أن من ~~حدث نفسه بفعل طاعة ثم مات قبل فعلها أنه لا يتوجه عليه عقوبة من لم يحدث ~~نفسه بها أصلا. # 2 - (وعن أنس رضي الله عنه أن النبي (ص) قال: جاهدوا المشركين بأموالكم ms1090 ~~وأنفسكم وألسنتكم رواه أحمد والنسائي وصححه الحاكم. الحديث دليل على وجوب ~~الجهاد بالنفس، وهو: بالخروج والمباشرة للكفار، وبالمال وهو: بذله لما يقوم ~~به من النفقة في الجهاد والسلاح ونحوه. وهذا هو المفاد من عدة آيات في ~~القرآن * (جاهدوا بأموالكم وأنفسكم) * والجهاد باللسان بإقامة الحجة عليهم ~~ودعائهم إلى الله تعالى، وبالأصوات عند اللقا والزجر ونحوه من كل ما فيه ~~نكاية للعدو * (لا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح) * وقال صلى ~~الله عليه وعلى وسلم لحسان: إن هجو الكفار أشد عليهم من وقع النبل. # 3 - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله على النساء جهاد؟) ~~هو خبر في معنى الاستفهام وفي رواية: أعلى النساء؟ (قال: نعم جهاد لا قتال ~~فيه الحج والعمرة. رواه ابن ماجة وأصله في البخاري) بلفظ قالت عائشة: ~~استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد فقال: جهادكن الحج وفي لفظ له ~~آخر فسأله نساؤه عن الجهاد فقال نعم، الجهاد الحج، وأخرج النسائي عن أبي ~~هريرة جهاد الكبير - أي PageV04P041 # العاجز - والمرأة والضعيف: الحج. دل ما ذكر على أنه لا يجب الجهاد على ~~المرأة، وعلى أن الثواب الذي يقوم مقام ثواب جهاد الرجال حج المرأة ~~وعمرتها، ذلك لأن النساء مأمورات بالستر والسكون، والجهاد ينافي ذلك، إذ ~~فيه مخالطة الاقران والمبارزة ورفع الأصوات. وأما جواز الجهاد لهن فلا دليل ~~في الحديث على عدم الجواز، وقد أردف البخاري هذا الباب بباب خروج النساء ~~للغزو وقتالهن وغير ذلك. وأخرج مسلم من حديث أنس أن أم سليم اتخذت خنجرا ~~يوم حنين وقالت للنبي صلى الله عليه وسلم: اتخذته إن دنا مني أحد من ~~المشركين بقرت بطنه فهو يدل على جواز القتال وإن كان فيه ما يدل على أنها ~~لا تقاتل إلا مدافعة وليس فيه أنها تقصد العدو إلى صفته وطلب مبارزته. وفي ~~البخاري ما يدل على أن جهادهن إذا حضرن مواقف الجهاد سقي الماء ومداواة ~~المرض ومناولة السهام. # 4 - (وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ms1091 قال: جاء رجل إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد فقال: أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما ~~فجاهد متفق عليه. سمي إتعاب النفس في القيام بمصالح الأبوين، وازعاجها في ~~طلب ما يرضيهما وبذل المال في قضاء حوائجهما جهادا من باب المشاكلة لما ~~استأذنه في الجهاد، من باب قوله تعالى: * (وجزاء سيئة سيئة مثلها) *. ~~ويحتمل أن يكون استعارة بعلاقة الضدية، لان الجهاد فيه إنزال الضرر ~~بالأعداء واستعمل في إنزال النفع بالوالدين. وفي الحديث دليل على أنه يسقط ~~فرض الجهاد مع وجود الأبوين أو أحدهما لما أخرجه أحمد والنسائي من طريق ~~معاوية بن جاهمة أن أبا جاهمة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~رسول الله أردت الغزو وجئت لأستشيرك فقال: هل لك من أم؟ قال: نعم قال: ~~ألزمها وظاهره سواء كان الجهاد فرض عين أو فرض كفاية، وسواء تضرر الأبوان ~~بخروجه أو لا. وذهب الجماهير من العلماء إلى أنه يحرم الجهاد على الولد إذا ~~منعه الأبوان أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمين لان برهما فرض عين والجهاد ~~فرض كفاية. فإذا تعين الجهاد فلا. فإن قيل: بر الوالدين فرض عين أيضا، ~~والجهاد عند تعينه فرض عين، فهما مستويان ما وجه تقديم الجهاد؟ قلت: # لان مصلحته أعم، إذ هي لحفظ الدين والدفاع عن المسلمين، فمصلحته عامة ~~مقدمة على غيرها وهو يقدم على مصلحة حفظ البدن. وفيه دلالة على عظم بر ~~الوالدين فإنه أفضل من الجهاد وأن المستشار يشير بالنصيحة المحضة. وأنه ~~ينبغي له أن يستفصل من مستشيره ليدله على ما هو الأفضل. # 5 - (ولأحمد وأبي داود من حديث أبي سعيد نحوه) في الدلالة على أنه لا يجب ~~عليه الجهاد ووالداه في الحياة إلا بإذنهما كما دل له قوله (وزاد) أي أبو ~~سعيد في رواية (ارجع فاستأذنهما فإن أذنا لك) بالخروج للجهاد (وإلا فبرهما) ~~بعدم الخروج للجهاد وطاعتهما. # 6 - (وعن جرير البجلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): PageV04P042 # أنا برئ من كل مسلم يقيم بين المشركين رواه الثلاثة ms1092 وإسناده صحيح ورجح ~~البخاري إرساله. وكذا رجح أيضا أبو حاتم وأبو داود والترمذي والدارقطني ~~إرساله إلى قيس بن أبي حازم. ورواه الطبراني موصولا. والحديث دليل على وجوب ~~الهجرة من ديار المشركين من غير مكة، وهو مذهب الجمهور لحديث جرير ولما ~~أخرجه النسائي من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعا لا يقبل الله من ~~مشرك عملا بعد ما أسلم أو يفارق المشركين ولعموم قوله تعالى: * (إن الذين ~~توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) *. الآية. # وذهب الأقل إلى أنها لا تجب الهجرة وأن الأحاديث منسوخة للحديث الآتي وهو ~~قوله: # 7 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): # لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية متفق عليه. قالوا: فإنه عام ناسخ لوجوب ~~الهجرة الدال عليه ما سبق، وبأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر من أسلم من ~~العرب بالمهاجرة إليه، ولم ينكر عليهم مقامهم ببلدهم، ولأنه صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا بعث سرية قال لأميرهم: إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ~~ثلاث خلال، فأيتهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم أدعهم إلى التحول عن ~~دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين ~~وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون ~~كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله تعالى الذي يجري على المؤمنين الحديث ~~سيأتي بطوله، فلم يوجب عليهم الهجرة، والأحاديث غير حديث ابن عباس محمولة ~~على من لا يأمن على دينه قالوا: وفي هذا جمع بين الأحاديث. وأجاب من أوجب ~~الهجرة بأن حديث لا هجرة يراد به نفيها عن مكة، كما يدل له قوله: بعد الفتح ~~فإن الهجرة كانت واجبة من مكة قبله. وقال ابن العربي: الهجرة هي الخروج من ~~دار الحرب إلى دار الاسلام وكانت فرضا على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم واستمرت بعده لمن خاف على نفسه والتي انقطعت بالأصالة هي القصد إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان. وقوله: ولكن جهاد ونية قال ms1093 الطيبي ~~وغيره: هذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده لما قبله، والمعنى أن ~~الهجرة التي هي مفارقة للوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة قد ~~انقطعت، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة ~~كالفرار من دار الكفر، والخروج في طلب العلم، والفرار من الفتن، والنية في ~~جميع ذلك معتبرة. وقال النووي: المعنى أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة ~~يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة. وجهاد معطوف بالرفع على محل اسم لا. # 8 - (وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من قاتل ~~لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله متفق عليه. وفي الحديث هنا ~~اختصار ولفظه عن أبي موسى أنه قال أعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم: الرجل ~~يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل ~~الله؟ قال: من PageV04P043 # قاتل الحديث. والحديث دليل على أن القتال في سبيل الله يكتب أجره لمن ~~قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ومفهومه أن من خلا عن هذه الخصلة فليس في ~~سبيل الله وهو من مفهوم الشرط. ويبقى الكلام فيما إذا انضم إليها قصد ~~غيرها، وهو المغنم مثلا، هل هو في سبيل الله أو لا؟ # قال الطبري: إنه إذا كان أصل المقصد إعلاء كلمة الله تعالى لم يضر ما حصل ~~من غيره ضمنا، وبذلك قال الجمهور. والحديث يحتمل أنه لا يخرج عن كونه في ~~سبيل الله مع قصد التشريك لأنه قد قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ويتأيد ~~بقوله تعالى: * (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) * فإن ذلك لا ~~ينافي فضيلة الحج فكذلك في غيره. فعلى هذا: العمدة الباعث على الفعل، فإن ~~كان هو إعلاء كلمة الله لم يضره ما انضاف إليه ضمنا. وبقي الكلام فيما إذا ~~استوى القصدان، فظاهر الحديث والآية: أنه لا يضر، إلا أنه أخرج أبو داود ~~والنسائي من حديث أبي أمامة رضي الله عنه بإسناد جيد قال: جاء رجل فقال: يا ~~رسول الله أرأيت ms1094 رجلا غزا يلتمس الاجر والذكر، ماله؟ قال: لا شئ له فأعاده ~~ثلاثة، كل ذلك يقول لا شئ له ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ~~تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا وابتغي به وجهه. قلت: فيكون هذا ~~دليلا على أنه إذا استوى الباعثان الاجر والذكر مثلا بطل الاجر، ولعل ~~بطلانه هنا لخصوصية طلب الذكر لأنه انقلب عمله للرياء والرياء مبطل لما ~~يشاركه، بخلاف طلب المغنم فإنه لا ينافي الجهاد بل إذا قصد بأخذ المغنم ~~إغاظة المشركين والانتفاع به على الطاعة كان له أجر فإنه تعالى يقول: * ~~(ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح) * والمراد النيل المأذون ~~فيه شرعا. وفي قوله صلى الله عليه وسلم من قتل قتيلا فله سلبه قبل القتال ~~دليل على أنه لا ينافي قصد المغنم القتال بل ما قاله إلا ليجتهد السامع في ~~قتال المشركين. وفي البخاري من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق ~~برسولي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة. ولا يخفى أن ~~الاخبار هذه دليل على جواز تشريك النية إذ الاخبار به يقتضي ذلك غالبا. ثم ~~إنه قد يقصد المشركون لمجرد نهب أموالهم كما خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بمن معه في غزاة بدر لاخذ عير المشركين، ولا ينافي ذلك أن تكون كلمة ~~الله هي العليا، بل ذلك من إعلاء كلمة الله تعالى، وأقرهم الله تعالى على ~~ذلك بل قال تعالى: * (وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم) * ولم يذمهم ~~بذلك، مع أن في هذا الاخبار إخبارا لهم بمحبتهم للمال دون القتال، فاعلاء ~~كلمة الله يدخل فيه إخافة المشركين وأخذ أموالهم وقطع أشجارهم ونحوه. وأما ~~حديث أبي هريرة عند أبي داود أن رجلا قال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد في ~~سبيل الله وهو يبتغي عرضا من الدنيا، فقال لا أجر ms1095 له فأعاد عليه ثلاثا كل ~~ذلك يقول: لا أجر له. فكأنه فهم (ص) أن الحامل هو العرض من الدنيا فأجابه ~~بما أجاب، وإلا فإنه قد كان تشريك الجهاد بطلب الغنيمة أمرا معروفا في ~~الصحابة، فإنه أخرج الحاكم والبيهقي بإسناد صحيح أن عبد الله بن جحش قال ~~يوم أحد: اللهم ارزقني رجلا شديدا أقاتله ويقاتلني ثم ارزقني عليه الصبر ~~PageV04P044 # حتى أقتله وآخذ سلبه. فهذا يدل على أن طلب العرض من الدنيا مع الجهاد كان ~~أمرا معلوما جوازه للصحابة فيدعون الله بنيله. # 9 - (وعن عبد الله بن السعدي رضي الله عنه) هو أبو محمد عبد الله بن ~~السعدي وفي اسم السعدي أقوال، وإنما قيل له السعدي لأنه كان مسترضعا في بني ~~سعد، سكن عبد الله الأردن، ومات بالشام سنة خمسين على قول، له صحبة ورواية. ~~قاله ابن الأثير. ويقال فيه ابن السعدي نسبة إلى جده ويقال فيه: ابن ~~الساعدي كما في أبي داود (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تنقطع ~~الهجرة ما قوتل العدو رواه النسائي وصححه ابن حبان). دل الحديث على ثبوت ~~حكم الهجرة وأنه باق إلى يوم القيامة، فإن قتال العدو مستمر إلى يوم ~~القيامة، ولكنه لا يدل على وجوبها، ولا كلام في ثوابها مع حصول مقتضيها، ~~وأما وجوبها ففيه ما عرفت. # 10 - (وعن نافع) هو مولى بن عمر، يقال: أبو عبد الله نافع بن سرجس بفتح ~~السين وسكون الراء وكسر الجيم، كان من كبار التابعين من أهل المدينة سمع ~~ابن عمر وأبا سعيد وهو من الثقات المشهورين بالحديث المأخوذ عنهم مات سنة ~~سبع عشرة ومائة وقيل عشرين (قال: أغار رسول الله (ص) على بني المصطلق) بضم ~~الميم وسكون المهملة وفتح الطاء وكسر اللام بعدها قاف بطن شهير من خزاعة ~~(وهم غارون) بالغين المعجمة وتشديد الراء جمع غار أي غافلون على غرة (فقتل ~~مقاتلتهم وسبى ذراريهم. حدثني بذلك عبد الله بن عمر. متفق عليه وفيه: وأصاب ~~يومئذ جويرية) فيه مسألتان: الأولى: الحديث دليل على جواز المقاتلة قبل ms1096 ~~الدعاء إلى الاسلام في حق الكفار الذين قد بلغتهم الدعوة من غير إنذار، ~~وهذا أصح الأقوال الثلاثة في المسألة وهي: عدم وجوب الانذار مطلقا، ويرد ~~عليه حديث بريدة الآتي. والثاني: وجوبه مطلقا، ويرد عليه هذا الحديث. ~~والثالث: يجب إن لم تبلغهم الدعوة، ولا يجب إن بلغتهم ولكن يستحب. قال ابن ~~المنذر: وهو قول أكثر أهل العلم، وعلى معناه تظاهرت الأحاديث الصحيحة وهذا ~~أحدها، وحديث كعب بن الأشرف، وقتل ابن أبي الحقيق وغير ذلك. وادعى في البحر ~~الاجماع على وجوب دعوة من لم تبلغ دعوة الاسلام. والثانية: في قوله: فسبى ~~ذراريهم دليل على جواز استرقاق العرب لان بني المصطلق عرب من خزاعة، وإليه ~~ذهب جمهور العلماء وقال به مالك وأصحابه وأبو حنيفة والأوزاعي. وذهب آخرون: ~~إلى عدم جواز استرقاقهم وليس لهم دليل ناهض، ومن طالع كتب السير والمغازي ~~علم يقينا استرقاقه صلى الله عليه وسلم للعرب غير الكتابيين كهوازن وبني ~~المصطلق، وقال لأهل مكة: اذهبوا فأنتم الطلقاء وفادى أهل بدر، والظاهر أنه ~~لا فرق بين الفداء والقتل والاسترقاق لثبوتها في غير العرب مطلقا، وقد ثبتت ~~فيهم ولم يصح تخصيص ولا نسخ. قال أحمد بن حنبل: لا أذهب إلى قول عمر ليس ~~على عربي ملك. وقد سبى النبي (ص) من العرب كما ورد PageV04P045 # في غير حديث وأبو بكر وعلي رضي الله عنهما سبيا بني ناجية. ويدله الحديث ~~الآتي: # 11 - (وعن سليمان بن بريدة عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على الجيش) هم الجند أو السائرون إلى الحرب ~~أو غيره، في نسخة لا غيرها (أو سرية) هي القطعة من الجيش تخرج منه تغير على ~~العدو وترجع إليه (أوصاه في خاصته بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا. ~~ثم قال اغزوا باسم الله في سبيل الله تعالى، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ~~ولا تغلوا) بالغين المعجمة والغلول الخيانة في المغنم مطلقا (ولا تغدروا) ~~الغدر ضد الوفاء (ولا تمثلوا) من المثلة، يقال مثل بالقتيل إذا قطع ms1097 أنفه أو ~~أذنه أو مذاكيره أو شيئا من أطرافه (ولا تقتلوا وليدا) المراد غير البالغ ~~سن التكليف (وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال) أي إلى إحدى ~~ثلاث خصال، وبينها بقوله: (فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم) أي ~~القتال، وبينها بقوله: (أدعهم إلى الاسلام فإن أجابوك فاقبل منهم ثم أدعهم ~~إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن أبوا فأخبرهم بأنهم يكونون ~~كأعراب المسلمين) وبيان حكم أعراب المسلمين تضمنه قوله: (ولا يكون لهم في ~~الغنيمة) الغنيمة: ما أصيب من مال أهل الحرب وأوجف عليه المسلمون بالخيل ~~والركاب (والفئ) هو ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد ~~(شئ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا) أي الاسلام (فأسألهم الجزية) ~~وهي الخصلة الثانية من الثلاث (فإن هم أجابوك فأقبل منهم وإن هم أبوا ~~فاستعن بالله وقاتلهم) وهذه هي الخصلة الثالثة (وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك ~~أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تفعل ولكن اجعل لهم ذمتك) علل النهي ~~بقوله (فإنكم إن تخفروا) بالخاء المعجمة والفاء والراء من أخفرت الرجل إذا ~~نقضت عهده وذمامه (ذمتكم أهون من أن تخفروا ذمة الله، وإذا أرادوك أن ~~تنزلهم على حكم الله فلا تفعل به بل على حكمك) علل النهي بقوله: (فإنك لا ~~تدري: أتصيب فيهم حكم الله تعالى أم لا أخرجه مسلم). في الحديث مسائل: ~~الأولى: دل على أنه إذا بعث الأمير من يغزو، أوصاه بتقوى الله وبمن يصحبه ~~من المجاهدين خيرا، ثم يخبره بتحريم الغلو من الغنيمة وتحريم الغدر وتحريم ~~المثلة وتحريم قتل صبيان المشركين، وهذه محرمات بالاجماع، ودل على أنه يدعو ~~أمير المشركين إلى الاسلام قبل قتالهم، وظاهره وإن كان قد بلغتهم الدعوة، ~~لكنه مع بلوغها يحمل على الاستحباب، كما دل له إغارته (ص) على بني المصطلق ~~وهم غارون وإلا وجب دعاؤهم. وفيه دليل على دعائهم إلى الهجرة بعد إسلامهم، ~~وهو مشروع ندبا بدليل ما في الحديث من الاذن لهم في البقاء. وفيه دليل ms1098 على ~~أن الغنيمة والفئ لا يستحقهما إلا المهاجرون، وأن الاعراب PageV04P046 # لا حق لهم فيهما إلا أن يحضروا الجهاد، وإليه ذهب الشافعي، وذهب غيره إلى ~~خلافه وادعوا نسخ الحديث ولم يأتوا ببرهان على نسخه. المسألة الثانية: في ~~الحديث دليل على أن الجزية تؤخذ من كل كافر كتابي أو غير كتابي عربي أو غير ~~عربي لقوله عدوك وهو عام، وإلى هذا ذهب مالك والأوزاعي وغيرهما. وذهب ~~الشافعي: إلى أنها لا تقبل الا من أهل الكتاب والمجوس عربا كانوا أو عجما ~~لقوله تعالى: * (حتى يعطوا الجزية) * بعد ذكر أهل الكتاب ولقوله صلى الله ~~تعالى عليه وسلم: سنوا بهم سنة أهل الكتاب وما عداهم داخلون في عموم قوله ~~تعالى: * (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) * وقوله: * (فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم) *. واعتذروا عن الحديث بأنه وارد قبل فتح مكة بدليل الامر ~~بالتحول والهجرة، والآيات بعد الهجرة، فحديث بريدة منسوخ أو متأول بأن ~~المراد بعدوك من كان من أهل الكتاب. قلت: والذي يظهر عموم أخذ الجزية من كل ~~كافر لعموم حديث بريدة. وأما الآية فأفادت أخذ الجزية من أهل الكتاب، ولم ~~تتعرض لاخذها من غيرهم ولا لعدم أخذها، والحديث بين أخذها من غيرهم. وحمل ~~عدوك على أهل الكتاب في غاية البعد، وإن قال ابن كثير في الارشاد: # إن آية الجزية إنما نزلت بعد انقضاء حرب المشركين وعبدة الأوثان ولم يبق ~~بعد نزولها إلا أهل الكتاب، قاله تقوية لمذهب إمامه الشافعي، ولا يخفى ~~بطلان دعواه: بأنه لم يبق بعد نزول آية الجزية إلا أهل الكتاب، بل بقي عباد ~~النيران من أهل فارس وغيرهم، وعباد الأصنام من أهل الهند، وأما عدم أخذها ~~من العرب فلأنها لم تشرع إلا بعد الفتح، وقد دخل العرب في الاسلام، ولم يبق ~~منهم محارب فلم يبق فيهم بعد الفتح من يسبي، ولا من تضرب عليه الجزية، بل ~~من خرج بعد ذلك عن الاسلام منهم فليس إلا السيف أو الاسلام كما أن ذلك ~~الحكم في أهل الردة، وقد سبى صلى الله عليه وسلم قبل ذلك ms1099 من العرب بني ~~المصطلق وهوازن، وهل حديث الاستبراء إلا في سبايا أوطاس؟. واستمر هذا الحكم ~~بعد عصره صلى الله عليه وسلم ففتحت الصحابة رضي الله عنهم بلاد فارس ~~والروم، وفي رعاياهم العرب خصوصا الشام والعراق ولم يبحثوا عن عربي من عجمي ~~بل عمموا حكم السبي والجزية على جميع من استولوا عليه. وبهذا يعرف أن حديث ~~بريدة كان بعد نزول فرض الجزية وفرضها كان بعد الفتح فكان فرضها في السنة ~~الثانية عند نزول سور براءة، ولذا نهى فيه عن المثلة ولم ينزل النهي عنها ~~إلا بعد أحد. وإلى هذا المعنى جنح ابن القيم في الهدي ولا يخفى قوته. ~~المسألة الثالثة: تضمن الحديث النهي عن إجابة العدو إلى أن يجعل لهم الأمير ~~ذمة الله وذمة رسوله بل يجعل لهم ذمته، وقد علله بأن الأمير ومن معه إذا ~~أخفروا ذمتهم أي: نقضوا عهدهم، فهو أهون عند الله من أن يخفروا ذمته تعالى، ~~وإن كان نقض الذمة محرما مطلقا. قيل: وهذا النهي للتنزيه لا للتحريم، ولكن ~~الأصل فيه التحريم، ودعوى الاجماع على أنه للتنزيه لا تتم. وكذلك تضمن ~~النهي عن إنزالهم على حكم الله، وعلله: بأنه لا يدري أيصيب فيهم حكم الله ~~أم لا، فلا ينزلهم على شئ لا يدري أيقع أم لا؟ بل ينزلهم PageV04P047 # على حكمه. وهو دليل على أن الحق في مسائل الاجتهاد مع واحد وليس كل مجتهد ~~مصيبا للحق، وقد أقمنا أدلة حقية هذا القول في محل آخر. # 12 - (وعن كعب بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~أراد غزوة ورى) بفتح الواو وتشديد الراء أي سترها (بغيرها. متفق عليه). وقد ~~جاء الاستثناء في ذلك بلفظ إلا في غزوة تبوك فإنه أظهر لهم مراده وأخرجه ~~أبو داود وزاد فيه: ويقول الحرب خدعة وكانت توريته أنه إذا قصد جهة سأل عن ~~طريق جهة أخرى إيهاما أنه يريدها، وإنما يفعل ذلك لأنه أتم فيما يريده من ~~إصابة العدو وإتيانهم على غفلة من غير تأهبهم له. وفيه دليل ms1100 على جواز مثل ~~هذا، وقد قال (ص): الحرب خدعة. # 13 - (وعن معقل بن النعمان بن مقرن) بضم الميم وفتح القاف وتشديد الراء ~~فنون، ولم يذكر ابن الأثير معقل بن مقرن في الصحابة، إنما ذكر النعمان ابن ~~مقرن وعزا هذا الحديث إليه، وكذلك البخاري وأبو داود والترمذي أخرجوه عن ~~النعمان بن مقرن فينظر، فما أظن معقل إلا سبق قلم - والشارح وقع له أنه ~~قال: هو معقل بن النعمان بن مقرن المزني ولا يخفى أن النعمان هو ابن مقرن ~~فإذا كان له أخ فهو معقل بن مقرن لا أبا النعمان. قال ابن الأثير: إن ~~النعمان هاجر ومعه سبعة إخوة له. يريد أنهم هاجروا كلهم معه فراجعت التقريب ~~للمصنف فلم أجد فيه صحابيا يقال له معقل ابن النعمان ولا ابن مقرن بل فيه ~~النعمان بن مقرن فتعين أن لفظ معقل في نسخ بلوغ المرام سبق قلم وهو ثابت ~~فيما رأيناه من نسخة (قال: شهدت رسول الله (ص) إذا لم يقاتل أول النهار أخر ~~القتال حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر. رواه أحمد والثلاثة وصححه ~~الحاكم وأصله في البخاري). فإنه أخرجه عن النعمان بن مقرن بلفظ: إذا لم ~~يقاتل في أول النهار انتظر حتى تهب الأرواح وتحضر الصلاة. قالوا: والحكمة ~~في التأخير إلى وقت الصلاة مظنة إجابة الدعاء، وأما هبوب الرياح فقد وقع به ~~النصر في الأحزاب كما قال تعالى: * (فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها) * ~~(الأحزاب: 9) فكان توخي هبوبها مظنة للنصر، وقد علل بأن الرياح تهب غالبا ~~بعد الزوال فيحصل بها تبريد حد السلاح للحرب والزيادة للنشاط. ولا يعارض ~~هذا ما ورد من أنه (ص) كان يغير صباحا لان هذا في الإغارة وذلك عند ~~المصادفة للقتل. # 14 - (وعن الصعب بن جثامة) تقدم ضبطها في الحج (قال: سئل رسول الله (ص) ~~ووقع في صحيح ابن حبان: السائل هو الصعب ولفظه: سألت رسول الله (ص) وساقه ~~بمعناه (عن الدار من المشركين يبيتون) بصيغة المضارع PageV04P048 # من بيته مبني للمجهول (فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال: هم ms1101 منهم. متفق ~~عليه) وفي لفظ البخاري: عن أهل الدار وهو تصريح بالمضاف المحذوف، والتبييت: ~~الإغارة عليهم في الليل على غفلة مع اختلاطهم بصبيانهم ونسائهم فيصاب ~~النساء والصبيان من غير قصد لقتلهم ابتداء. وهذا الحديث أخرجه ابن حبان من ~~حديث الصعب وزاد فيه: ثم نهى عنهم يوم حنين وهي مدرجة في حديث الصعب وفي ~~سنن أبي داود زيادة في آخره قال سفيان: قال الزهري: ثم نهى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعد ذلك عن قتل النساء والصبيان. ويؤيد أن النهي في حنين: ~~ما في البخاري قال النبي صلى الله عليه وسلم لأحدهم: الحق خالدا فقل له: لا ~~تقتل ذرية ولا عسيفا وأول مشاهد خالد معه صلى الله عليه وسلم غزوة حنين كذا ~~قيل. ولا يخفى أنه قد شهد معه (ص) فتح مكة قبل ذلك. وأخرج الطبراني في ~~الأوسط من حديث عمر قال: لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة أتى بامرأة ~~مقتولة فقال: ما كانت هذه تقاتل ونهى عن قتل النساء وقد اختلف العلماء في ~~هذا، فذهب الشافعي وأبو حنيفة والجمهور: إلى جواز قتل النساء والصبيان في ~~البيات عملا برواية الصحيحين. وقوله هم منهم أي في إباحة القتل تبعا لا ~~قصدا إذا لم يمكن انفصالهم عمن يستحق القتل. وذهب مالك والأوزاعي: إلى أنه ~~لا يجوز قتل النساء والصبيان بحال، حتى إذا تترس أهل الحر ب بالنساء ~~والصبيان أو تحصنوا بحصن أو سفينة هما فيهما لم يجز قتالهم ولا تحريقهم. ~~وإليه ذهب الهادوية إلا أنهم قالوا في التترس: يجوز قتل السناء والصبيان ~~حيث جعلوا ترسا، ولا يجوز إذا تترسوا بمسلم إلا مع خشية استئصال المسلمين. ~~ونقل ابن بطال وغيره اتفاق الجميع على عدم جواز القصد إلى قتل النساء ~~والصبيان للنهي عن ذلك. وفي قوله هم منهم دليل بإطلاقه لمن قال: # هم من أهل النار، وهو ثالث الأقوال في المسألة والثاني: أنهم من أهل ~~الجنة وهو الراجح في الصبيان، والأول: الوقف. # 15 - (وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي (ص) قال ms1102 لرجل) أي مشرك (تبعه يوم ~~بدر: ارجع فلن أستعين بمشرك رواه مسلم). ولفظه عن عائشة قالت خرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قبل بدر فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان تذكر ~~فيه جرأة ونجدة ففرح أصحاب رسول الله (ص) حين رأوه فلما أدركه قال لرسول ~~الله (ص): جئت لاتبعك وأصيب معك قال أتؤمن بالله؟ # قال: لا، قال: فارجع فلن أستعين بمشرك، فلما أسلم أذن له. والحديث من ~~أدلة من قال لا يجوز الاستعانة بالمشركين في القتال، وهو قول طائفة من أهل ~~العلم، وذهب الهادوية وأبو حنيفة وأصحابه إلى جواز ذلك قالوا: لأنه (ص) ~~استعان بصفوان بن أمية يوم حنين واستعان بيهود بني قينقاع ورضخ لهم. أخرجه ~~أبو داود في المراسيل. وأخرجه الترمذي عن الزهري مرسلا، ومراسيل الزهري ~~ضعيفة. قال الذهبي: لأنه كان خطأ ففي إرساله شبهة تدليس وصحح البيهقي من ~~حديث أبي حميد الساعدي أنه ردهم. قال المصنف: PageV04P049 # ويجمع بين الروايات بأن الذي رده يوم بدر تفرس فيه الرغبة في الاسلام ~~فرده رجاء أن يسلم فصدق ظنه، أو أن الاستعانة كانت ممنوعة فرخص فيها وهذا ~~أقرب. وقد استعان يوم حنين بجماعة من المشركين تألفهم بالغنائم. وقد اشترط ~~الهادوية أن يكون معه مسلمون يستقل بهم في إمضاء الاحكام. وفي شرح مسلم أن ~~الشافعي قال: إن كان الكافر حسن الرأي في المسلمين ودعت الحاجة إلى ~~الاستعانة استعين به وإلا فيكره. ويجوز الاستعانة بالمنافق إجماعا ~~لاستعانته صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أبي وأصحابه. # 16 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي (ص) رأى امرأة مقتولة في بعض ~~مغازيه فأنكر قتل النساء والصبيان متفق عليه. وقد أخرج الطبراني أنه صلى ~~الله عليه وسلم لمدخل مكة أتي بامرأة مقتولة فقال: ما كانت هذه تقاتل أخرجه ~~عن ابن عمر فيحتمل أنها هذه. وأخرج أبو داود في المراسيل عن عكرمة: أنه صلى ~~الله عليه وسلم رأى امرأة مقتولة بالطائف فقال: ألم أنه عن قتل النساء؟ من ~~صاحبها؟ فقال رجل: # يا رسول ms1103 الله أردفتها فأرادت أن تصرعني فتقتلني فقتلتها فأمر بها أن ~~توارى. ومفهوم قوله تقاتل وتقريره لهذا القاتل يدل على أنها إذا قاتلت قتلت ~~وإليه ذهب الشافعي، واستدل أيضا بما أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان من ~~حديث رباح بن ربيع التميمي قال: كنا مع رسول الله (ص) في غزوة فرأى الناس ~~مجتمعين فرأى امرأة مقتولة فقال: # ما كانت هذه لتقاتل. # 17 - (وعن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم) بالشين المعجمة وسكون الراء والخاء ~~المعجمة هم الصغار الذين لم يدركوا، ذكره في النهاية (رواه أبو داود وصححه ~~الترمذي) وقال: حسن غريب وفي نسخة صحيح وهو من رواية الحسن عن سمرة وفيها ~~ما قدمناه. والشيخ من استبانت فيه السن أو من بلغ خمسين سنة أو إحدى وخمسين ~~كما في القاموس، والمراد هنا الرجال المسان أهل الجلد والقوة على القتال ~~ولم يرد الهرمي، ويحتمل أنه أريد بالشيوخ من كانوا بالغين مطلقا فيقتل، ومن ~~كان صغيرا لا يقتل، فيوافق ما تقدم من النهي عن قتل الصبيان. # ويحتمل أنه أريد بالشرخ من كان في أول الشباب فإنه يطلق عليه كما قال ~~حسان: # إن شرخ الشباب والشعر الأسود ما لم يعاص كان جنونا فإنه يستبقى رجاء ~~إسلامه كما قال أحمد بن حنبل: الشيخ لا يكاد يسلم والشباب أقرب إلى الاسلام ~~فيكون الحديث مخصوصا بمن يجوز تقريره على الكفر بالجزية. # 18 - (وعن علي رضي الله عنه: أنهم تبارزوا يوم بدر رواه البخاري وأخرجه ~~أبو داود مطولا. وفي المغازي من البخاري عن علي كرم الله وجهه أنه قال: أنا ~~أول من يجثو للخصومة يم القيامة، قال قيس: وفيهم أنزلت * (هذان خصمان ~~اختصموا في ربهم) * قال: هم الذين تبارزوا في بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة بن ~~الحارث رضي الله عنهم وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة. ~~وتفصيله ما ذكره ابن إسحاق أنه برز عبيدة لعتبة وحمزة PageV04P050 # لشيبة وعلي للوليد. وعند موسى بن عقبة: فقتل علي وحمزة ms1104 من بارزاهما ~~واختلف عبيدة ومن بارزه بضربتين فوقعت الضربة في ركبة عبيدة فمات منها لما ~~رجعوا بالصفراء، ومال علي وحمزة على من بارز عبيدة فأعاناه على قتله. ~~والحديث دليل على جواز المبارزة وإلى ذلك ذهب الجمهور، وذهب الحسن البصري ~~إلى عدم جوازها، وشرط الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق إذن الأمير كما في هذه ~~الرواية. # 19 - (وعن أبي أيوب رضي الله عنه قال: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر ~~الأنصار يعني قوله تعالى: * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * قاله ردا ~~على من أنكر على من حمل على صف الروم حتى دخل فيهم. رواه الثلاثة وصححه ~~الترمذي) وقال: حسن صحيح غريب (وابن حبان والحاكم). أخرجه المذكورون من ~~حديث أسلم بن يزيد أبي عمران قال: كنا بالقسطنطينية فخرج صف عظيم من الروم ~~فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى حصل فيهم ثم رجع فيهم مقبلا فصاح ~~الناس: سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: # أيها الناس إنكم تؤولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية ~~فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصره قلنا بيننا سرا: إن ~~أموالنا قد ضاعت فلو أنا قمنا وأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية، فكانت التهلكة الإقامة التي أردنا وصح عن ابن عباس وغيره نحو هذا في ~~تأويل الآية. قيل: وفيه دليل على جواز دخول الواحد في صف القتال ولو ظن ~~الهلاك. قلت: أما ظن الهلاك فلا دليل فيه إذ لا يعرف ما كان ظن من حمل هنا، ~~وكأن القائل يقول: إن الغالب في واحد يحمل على صف كبير أنه يظن الهلاك. ~~وقال المصنف في مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو: أنه صرح ~~الجمهور أنه إذا كان لفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك، أو يجرئ ~~المسلمين عليهم، أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن، ومتى كان مجرد ~~تهور فممنوع، لا سيما إن ترتب على ذلك وهن المسلمين. قلت: وخرج أبو داود من ~~حديث عطاء بن السائب ms1105 - قال ابن كثير ولا بأس به - عن ابن مسعود قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: عجب ربنا من رجل غزا في سبيل الله فانهزم ~~أصحابه فعلم ما عليه فرجع رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي حتى أهريق دمه. ~~قال ابن كثير: والأحاديث والآثار في هذا كثيرة تدل على جواز المبارزة لمن ~~عرف من نفسه بلاء في الحروب وشدة وسطوة. # 20 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: حرق رسول الله (ص) نخل بني النضير ~~وقطع متفق عليه. يدل على جواز إفساد أموال أهل الحرب بالتحريق والقطع ~~لمصلحة، وفي ذلك نزلت الآية: * (ما قطعتم من لينة) * الآية قال المشركون: ~~إنك تنهي عن الفساد في الأرض فما بال قطع الأشجار وتحريقها. قال في معالم ~~التنزيل: اللينة فعلة من اللون، ويجمع على ألوان، وقيل من ماء اللين ومعناه ~~النخلة الكريمة وجمعها لين. وذهب الجماهير إلى جواز التحريق والتخريب في ~~بلاد العدو، وكرهه الأوزاعي وأبو ثور واحتجا بأن أبا بكر رضي الله عنه وصى ~~جيوشه أن لا يفعلوا ذلك. وأجيب بأنه رأى المصلحة في بقائها، لأنه قد علم ~~PageV04P051 # أنها تصير للمسلمين فأراد بقاءها لهم وذلك يدور على ملاحظة المصلحة. # 21 - (وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا تغلوا فإن الغلو)، بضم الغين المعجمة وضم اللام (نار وعار على ~~أصحابه في الدنيا والآخرة رواه أحمد والنسائي وصححه ابن حبان). تقدم أن ~~الغلول: الخيانة. قال ابن قتيبة: # سمي بذلك لان صاحبه يغله في متاعه أي يخفيه، وهو من الكبائر بالاجماع كما ~~نقله النووي، والعار: الفضيحة. ففي الدنيا أنه إذا ظهر افتضح به صاحبه وأما ~~في الآخرة فلعل العار ما يفيده ما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: قام فينا رسول الله (ص) وذكر الغلول وعظم أمره فقال: لا ~~ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، على رقبته فرس له حمحمة ~~يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك ms1106 من الله شيئا قد أبلغتك - ~~الحديث وذكر فيه البعير وغيره. فإنه دل الحديث على أنه يأتي الغال بهذه ~~الشنيعة يوم القيامة على رؤوس الاشهاد، فلعل هذا هو العار في الآخرة للغال، ~~ويحتمل أنه شئ أعظم من هذا. ويؤخذ من هذا الحديث أن هذا ذنب لا يغفر ~~بالشفاعة لقول (ص): لا أملك لك من الله شيئا. ويحتمل أنه أورده في محل ~~التغليظ والتشديد، ويحتمل أنه يغفر له بعد تشهيره في ذلك الموقف. والحديث ~~الذي سقناه ورد في خطاب العاملين على الصدقات، فدل على أن الغلول عام لكل ~~ما فيه حق للعباد وهو مشترك بين الغال وغيره. فإن قلت: هل يجب على الغال رد ~~ما أخذ؟ قلت: قال ابن المنذر: # إنهم أجمعوا على أن الغال يعيد ما غل قبل القسمة. وأما بعدها فقال ~~الأوزاعي والليث ومالك: # يدفع إلى الامام خمسه ويتصدق بالباقي، وكان الشافعي لا يرى ذلك وقال: إن ~~كان ملكه فليس عليه أن يتصدق به وإن كان لم يملكه لم يتصدق به فليس له ~~التصدق بمال غيره والواجب أن يدفعه إلى الامام كالأموال الضائعة. # 22 - (وعن عوف بن مالك رضي الله عنه: أن النبي (ص) قضى بالسلب للقاتل ~~رواه أبو داود وأصله عند مسلم. ففيه دليل على أن السلب الذي يؤخذ من العدو ~~الكافر يستحقه قاتله سواء قال الامام قبل القتال: من قتل قتيلا فله سلبه، ~~أو لا، وسواء كان القاتل مقبلا أو منهزما، وسواء كان ممن يستحق السهم في ~~المغنم أو لا، إذ قوله: قضى بالسلب للقاتل حكم مطلق غير مقيد بشئ من ~~الأشياء. قال الشافعي: وقد حفظ هذا الحكم عن رسول الله (ص) في مواطن كثيرة: ~~منها يوم بدر، فإنه صلى الله عليه وسلم حكم بسلب أبي جهل لمعاذ بن الجموح ~~لما كان هو المؤثر في قتل أبي جهل، وكذا في قتل حاطب ابن أبي بلتعة لرجل ~~يوم أحد أعطاه النبي (ص) سلبه. رواه الحاكم والأحاديث في هذا الحكم كثيرة. ~~وقوله صلى الله عليه وسلم في يوم حنين من ms1107 قتل قتيلا فله سلبه بعد القتال لا ~~ينافي هذا، بل هو مقرر للحكم السابق فإن هذا كان معلوما عند الصحابة من قبل ~~حنين، ولذا قال عبد الله بن جحش: اللهم ارزقني رجلا شديدا - إلى قوله - ~~أقتله وآخذ PageV04P052 # سلبه، كما قدمنا قريبا. وأما قول أبي حنيفة والهادوية: إنه لا يكون السلب ~~للقاتل إلا إذا قال الامام قبل القتال مثلا: من قتل قتيلا فله سلبه وإلا ~~كان السلب من جملة الغنيمة بين الغانمين فإنه قول لا توافقه الأدلة، وقال ~~الطحاوي: ذلك موكول إلى رأي الامام، فإنه صلى الله عليه وسلم أعطى سلب أبي ~~جهل لمعاذ بن الجموح بعد قوله له ولمشاركه في قتله كلاكما قتله لما أرياه ~~سيفيهما. وأجيب عنه بأنه (ص) إنما أعطاه معاذا لأنه الذي أثر في قتله لما ~~رأى عمق الجناية في سيفه، وأما قوله: كلاكما قتله فإنه قاله تطييبا لنفس ~~صاحبه. وأما تخميس السلب الذي يعطاه القاتل فعموم الأدلة من الأحاديث قاضية ~~بعدم تخميسه وبه قال أحمد وابن المنذر وابن جرير وآخرون، كأنهم يخصصون عموم ~~الآية، فإنه أخرج حديث عوف بن مالك أبو داود وابن حبان بزيادة ولم يخمس ~~السلب وكذلك أخرجه الطبراني. واختلفوا هل تلزم القاتل البينة على أنه قتل ~~من يريد أخذ سلبه؟ فقال الليث والشافعي وجماعة من المالكية: إنه لا يقبل ~~قوله إلا بالبينة لورود ذلك في بعض الروايات بلفظ من قتل قتيلا عليه بينة ~~فله سلبه. وقال مالك والأوزاعي: يقبل قوله بلا بينة، قالوا: لأنه صلى الله ~~عليه وسلم قد قبل قول واحد ولم يحلفه بل اكتفى بقوله، وذلك في قصة معاذ بن ~~الجموح وغيرها فيكون مخصصا لحديث الدعوى والبينة. # 23 - (وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في قصة قتل أبي جهل) يوم بدر ~~(قال: فابتدراه) تسابقا إليه (بسيفيهما) أي ابني عفراء (حتى قتلاه ثم ~~انصرفا إلى رسول الله (ص) فأخبراه. فقال: أيكما قتله؟ هل مسحتما سيفيكما؟ # قالا: لا، قال: فنظر فيهما) أي في سيفيهما (فقال: كلاكما قتله فقضى صلى ~~الله عليه ms1108 وسلم بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح) بفتح الجيم آخره حاء مهملة ~~بزنة فعول (متفق عليه). استدل به على أن للامام أن يعطي السلب لمن شاء وأنه ~~مفوض إلى رأيه لأنه صلى الله عليه وسلم أخبر أن ابني عفراء قتلا أبا جهل ثم ~~جعل سلبه لغيرهما، وأجيب عنه: أنه إنما حكم به (ص) لمعاذ بن عمرو بن الجموح ~~لأنه رأى أثر ضربته بسيفه هي المؤثرة في قتله لعمقها فأعطاه السلب، وطيب ~~قلب ابني عفراء بقوله: كلاكما قتله وإلا فالجناية القاتلة له ضربة معاذ بن ~~عمرو ونسبة القتل إليهما مجاز أي كلاكما أراد قتله، وقرينة المجاز إعطاء ~~سلب المقتول لغيرهما، وقد يقال هذا محل النزاع. # 24 - (وعن مكحول) هو أبو عبد الله مكحول بن عبد الله الشامي كان من سبي ~~كابل، وكان مولى لامرأة من قيس وكان سنديا لا يفصح، وهو عالم الشام ولم يكن ~~أبصر منه بالفتيا في زمانه، سمع من أنس بن مالك وواثلة وغيرهما، ويروي عنه ~~الزهري وغيره وربيعة الرأي وعطاء الخراساني، مات سنة ثمان عشرة ومائة (أن ~~النبي (ص) نصب المنجنيق على أهل الطائف. أخرجه أبو داود في المراسيل ورجاله ~~ثقات ووصله العقيلي بإسناد ضعيف عن علي رضي الله عنه). وأخرجه الترمذي عن ~~ثور راويه عن مكحول ولم يذكر مكحولا فكان من قسم المعضل. وقال السهيلي: ذكر ~~الرمي بالمنجنيق الواقدي PageV04P053 # كما ذكره مكحول وذكر أن الذي أشار به سلمان الفارسي، وروى ابن أبي شيبة ~~من حديث عبد الله بن سنان ومن حديث عبد الرحمن بن عوف أنه صلى الله عليه ~~وسلم حاصرهم خمسا وعشرين ليلة ولم يذكر أشياء من ذلك. وفي الصحيحين من حديث ~~ابن عمر حاصر أهل الطائف شهرا. وفي مسلم من حديث أنس أن المدة كانت أربعين ~~ليلة. وفي الحديث دليل أنه يجوز قتل الكفار إذا تحصنوا بالمنجنيق ويقاس ~~عليه غيره من المدافع ونحوها. # 25 - (وعن أنس رضي الله عنه أن النبي (ص) دخل مكة وعلى رأسه المغفر) ~~بالغين المعجمة ففاء. في القاموس المغفر كمنبر ms1109 وبهاء وككتابة زرد من الدرع ~~يلبس تحت القلنسوة أو حلق يتقنع بها المتسلح (فلما نزعه جاءه رجل فقال: ابن ~~خطل) بفتح المعجمة وفتح الطاء المهملة) متعلق بأستار الكعبة فقال: اقتلوه ~~متفق عليه) فيه دليل على أنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة غير محرم يوم ~~الفتح، لأنه دخل مقاتلا، ولكن يختص به ذلك، فإنه محرم القتال فيها كما قال ~~(ص): وإنما أحلت لي ساعة من نهار الحديث وهو متفق عليه. وأما أمره صلى الله ~~عليه وسلم بقتل ابن خطل وهو أحد جماعة تسعة أمر (ص) بقتلهم، ولو تعلقوا ~~بأستار الكعبة، فأسلم منهم ستة، وقتل ثلاثة منهم ابن خطل. وكان ابن خطل قد ~~أسلم فبعثه النبي صلى الله عليه وسلم مصدقا، وبعث معه رجلا من الأنصار، ~~وكان معه مولى يخدمه مسلما، فنزل منزلا وأمر مولاه أن يذبح له تيسا ويصنع ~~له طعاما، فنام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئا فعدا عليه فقتله ثم ارتد مشركا، ~~وكانت له قينتان تغنيانه بهجاء النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بقتلهما معه ~~فقتلت إحداهما واستؤمن للأخرى فأمنها. قال الخطابي: قتله صلى الله عليه ~~وسلم بحق ما جناه في الاسلام، فدل على أن الحرم لا يعصم من إقامة واجب ولا ~~يؤخره عن وقته ا ه‍. وقد اختلف الناس في هذا فذهب مالك والشافعي إلى أنه ~~يستوفي الحدود والقصاص بكل مكان وزمان، لعموم الأدلة، ولهذه القصة. وذهب ~~الجمهور من السلف والخلف وهو قول الهادوية إلى أنه لا يستو في فيها حد ~~لقوله تعالى: * (ومن دخله كان امنا) * ولقوله (ص): لا يسفك بها دم وأجابوا ~~عما احتج به الأولون بأنه لا عموم للأدلة في الزمان والمكان، بل هي مطلقات ~~مقيدة بما ذكرناه من الحديث، وهو متأخر، فإنه في يوم الفتح بعد شرعية ~~الحدود. وأما قتل ابن خطل ومن ذكر معه فإنه كان في الساعة التي أحلت فيها ~~مكة لرسول الله (ص)، واستمرت من صبيحة يوم الفتح إلى العصر، وقد قتل ابن ~~خطل وقت الضحى بين زمزم والمقام. وهذا الكلام ms1110 فيمن ارتكب حدا في غير الحرم ~~ثم التجأ إليه، وأما إذا ارتكب انسان في الحرم ما يوجب الحد فاختلف ~~القائلون بأنه لا يقام فيه حد. فذهب بعض الهادوية أنه يخرج من الحرم ولا ~~يقام عليه الحد وهو فيه. وخالف ابن عباس فقال من سرق أو قتل في الحرم أقيم ~~عليه في الحرم. رواه أحمد عن طاوس عن ابن عباس. وذكر الأثرم عن ابن عباس ~~أيضا: من أحدث حدثا في الحرم أقيم عليه الحد ما أحدث فيه من شئ، والله ~~تعالى يقول: * (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن ~~قاتلوكم فاقتلوهم) *. ودل كلام PageV04P054 # ابن عباس رضي الله عنه أنه يقام فيه. وفرقوا بينه وبين الملتجئ إليه: بأن ~~الجان فيه هاتك لحرمته والملتجئ معظم لها، ولأنه لم يقم الحد على من جنى ~~فيه من أهله لعظم الفساد في الحرم، وأدى إلى أن من أراد الفساد قصد إلى ~~الحرم ليسكنه وفعل فيه ما تتقاضاه شهوته. # وأما الحد بغير القتل فيما دون النفس من القصاص ففيه خلاف أيضا. فذهب ~~أحمد في رواية أنه يستوفى، لان الأدلة إنما وردت فيمن سفك الدم، وإنما ~~ينصرف إلى القتل، ولا يلزم من تحريمه في الحرم تحريم ما دونه، لان حرمة ~~النفس أعظم، والانتهاك بالقتل أشد، ولان الحد فيما دون النفس جار مجرى ~~تأديب السيد عبده فلم يمنع منه. وعنه رواية بعدم الاستيفاء لشئ عملا بعموم ~~الأدلة، ولا يخفى أن الحكم للأخص حيث صح أن سفك الدم لا ينصرف إلا إلى ~~القتل. قلت: ولا يخفى أن الدليل خاص بالقتل، والكلام من أوله في الحدود فلا ~~بد من حملها على القتل، إذ حد الزنا غير الرجم، وحد الشرب والقذف يقام ~~عليه. # 26 - (وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه) هو أبو عبد الله سعيد بن جبير بضم ~~الجيم وفتح الباء الموحدة فمثناة فراء الأسدي مولي بني والبة بطن من بني ~~أسد بن خزيمة كوفي أحد علماء التابعين، سمع ابن مسعود وابن عباس وابن عمر ~~وابن الزبير وأنسا وأخذ ms1111 عنه عمرو بن دينار وأيوب. قتله الحجاج سنة خمس ~~وتسعين في شعبان منها، ومات الحجاج في رمضان من السنة المذكورة (أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قتل يوم بدر ثلاثة صبرا) في القاموس: صبر الانسان وغيره ~~على القتل أن يحبس ويرمى حتى يموت. وقد قتله صبرا وصبرا عليه، ورجل صبورة: ~~مصبور للقتل انتهى (أخرجه أبو داود في المراسيل ورجاله ثقات). والثلاثة هم ~~طعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط. ومن قال بدل طعيمة: ~~المطعم بن عدي، فقد صحف كما قاله المصنف. وهذا دليل على جواز قتل الصبر إلا ~~أنه قد روي عنه صلى الله تعالى عليه وسلم برجال ثقات وفي بعضهم مقال: لا ~~يقتلن قرشي بعد هذا صبرا قاله صلى الله عليه وسلم بعد قتل ابن الأخطل يوم ~~الفتح. # 27 - (وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما: أن رسول الله (ص) فدى رجلين من ~~المسلمين برجل من المشركين أخرجه الترمذي وصححه وأصله عند مسلم. فيه دليل ~~على جواز مفاداة المسلم الأسير بأسير من المشركين. وإلى هذا ذهب الجمهور، ~~وقال أبو حنيفة: # لا يجوز المفاداة ويتعين إما قتل الأسير أو استرقاقه. وزاد مالك أو ~~مفاداته بأسير. وقال صاحبا أبي حنيفة: يجوز المفاداة بغيره أو بمال أو قتل ~~الأسير أو استرقاقه. وقد وقع منه صلى الله عليه وسلم قتل الأسير كما في قصة ~~عقبة بن أبي معيط. وفداؤه بالمال كما في أسارى بدر. والمن عليه كما من على ~~أبي غرة يوم بدر على أن لا يقاتل، فعاد إلى القتال يوم أحد فأسره وقتله ~~وقال في حقه: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين والاسترقاق وقع منه صلى الله ~~عليه وسلم لأهل مكة ثم أعتقهم. # 28 - (وعن صخر) بالصاد المهملة فخاء معجمة ساكنة فراء (ابن العيلة) ~~بالعين المهملة مفتوحة وسكون المثناة التحتية ويقال ابن أبي العيلة عداده ~~في أهل الكوفة وحديثه PageV04P055 # عندهم. روى عنه عثمان بن أبي حازم وهو: ابن ابنه (أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # إن القوم إذا ms1112 أسلموا أحرزوا دماءهم وأموالهم أخرجه أبو داود ورجاله ~~موثوقون) وفي معناه الحديث المتفق عليه أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا ~~إله إلا الله، فإذا قالوها أحرزوا دماءهم وأموالهم الحديث. وفي الحديث دليل ~~على أن من أسلم من الكفار حرم دمه وماله. وللعلماء تفصيل في ذلك. قالوا: من ~~أسلم طوعا من دون قتال ملك ماله وأرضه وذلك كأرض اليمن. وإن أسلموا بعد ~~القتال فالاسلام قد عصم دماءهم وأما أموالهم فالمنقول غنيمة وغير المنقول ~~فئ. ثم اختلف العلماء في هذه الأرض التي صارت فيئا للمسلمين على أقوال: ~~الأول: لمالك ونصره ابن القيم أنها تكون وقفا يقسم خراجها في مصالح ~~المسلمين وأرزاق المقاتلة وبناء القناطر والمساجد وغير ذلك من سبل الخير، ~~إلا أن يرى الامام في وقت من الأوقات أن المصلحة في قسمتها كان له ذلك. قال ~~ابن القيم: وبه قال جمهور العلماء وكانت عليه سيرة الخلفاء الراشدين ونازع ~~في ذلك بلال وأصحابه وقالوا لعمر: أقسم الأرض التي فتحوها في الشام. وقالوا ~~له: خذ خمسها واقسمها، فقال عمر: هذا غير المال ولكن أحبسه فيئا يجري عليكم ~~وعلى المسلمين، ثم وافق سائر الصحابة عمر رضي الله عنه. وكذلك جرى في فتوح ~~مصر وأرض العراق وأرض فارس وسائر البلاد التي فتحوها عنوة، فلم يقسم منها ~~الخلفاء الراشدون قرية واحدة. ثم قال: ووافقه على ذلك جمهور الأئمة وإن ~~اختلفوا في كيفية بقائها بلا قسمة، فظاهر مذهب الإمام أحمد وأكثر نصوصه على ~~أن الامام مخير فيها تخيير مصلحة لا تخيير شهوة. فإن كان الأصلح للمسلمين ~~قسمتها قسمها. وإن كان الأصلح أن يقفها على المسلمين وقفها عليهم. وإن كان ~~الأصلح قسمة البعض ووقف. البعض فعله. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ~~الأقسام الثلاثة، فإنه قسم أرض قريظة والنضير. وترك قسمة مكة، وقسم بعض ~~خيبر، وترك بعضها لما ينوبه من مصالح المسلمين. وذهب الهادوية إلى أن ~~الامام مخير فيها بين الأصلح من الأربعة الأشياء: إما القسم بين الغانمين، ~~أو يتركها لأهلها على خراج، أو يتركها على ms1113 معاملة من غلتها، أو يمن بها ~~عليهم، قالوا: وقد فعل مثل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. # 29 - (وعن جبير) بالجيم والموحدة والراء مصغرا (ابن مطعم) بزنة اسم ~~الفاعل أي ابن عدي. وجبير صحابي عارف بالأنساب. مات سنة ثمان أو تسع وخمسين ~~(أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في أسارى بدر: لو كان المطعم بن عدي حيا) ~~هو والد جبير (ثم كلمني في هؤلاء النتنى) جمع نتن بالنون والمثناة الفوقية ~~(لتركتهم له. # رواه البخاري). المراد بهم أسارى بدر، وصفهم بالنتن لما هم عليه من ~~الشرك، كما وصف الله تعالى المشركين بالنجس، والمراد لو طلب مني تركهم ~~وإطلاقهم من الأسر بغير فداء لفعلت ذلك، مكافأة له على يد كانت له عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وذلك أنه صلى الله على وسلم لما رجع من الطائف ~~دخل النبي (ص) في جوار المطعم بن عدي إلى PageV04P056 # مكة. فإن المطعم بن عدي أمر أولاده الأربعة فلبسوا السلاح وقام كل واحد ~~منهم عند الركن من الكعبة فبلغ ذلك قريشا فقالوا له: أنت الرجل الذي لا ~~تخفر ذمتك، وقيل: إن اليد التي كانت له أنه أعظم من سعى في نقض الصحيفة ~~التي كانت كتبتها قريش في قطيعة بني هاشم ومن معهم من المسلمين، حين حصروهم ~~في الشعب، وكان المطعم قد مات قبل موقعة بدر كما رواه الطبراني. وفيه دليل ~~على أنه يجوز ترك أخذ الفداء من الأسير، والسماحة به لشفاعة رجل عظيم، وأنه ~~يكافأ المحسن وإن كان كافرا. # 30 - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أصبنا سبايا يوم أوطاس لهن ~~أزواج فتحرجوا فأنزل الله تعالى: * (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ~~أيمانكم) * الآية. # أخرجه مسلم. قال أبو عبيد البكري: أوطاس واد في ديار هوازن. والحديث دليل ~~على انفساخ نكاح المسبية، فالاستثناء على هذا متصل، وإلى هذا ذهبت الهادوية ~~والشافعي، وظاهر الاطلاق سواء سبي معها زوجها أم لا. ودلت أيضا على جواز ~~الوطئ ولو قبل إسلام المسبية سواء كانت كتابية أو وثنية. ms1114 إذ الآية عامة، ~~ولم يعلم أنه (ص) عرض على سبايا أوطاس الاسلام ولا أخبر أصحابه أنها لا ~~توطأ مسبية حتى تسلم، مع أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. ويدل ~~لهذا ما أخرجه الترمذي من حديث العرباض بن سارية أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم حرم وطئ السبايا حتى يضعن ما في بطهونهن فجعل للتحريم غاية واحدة وهي ~~وضع الحمل ولم يذكر الاسلام. وما أخرجه في السنن مرفوعا: لا يحل لامرئ يؤمن ~~بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها ولم يذكر ~~الاسلام، وأخرجه أحمد. # وأخرج أحمد أيضا من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكح شيئا من ~~السبايا حتى تحيض حيضة ولم يذكر الاسلام، ولا يعرف اشتراط الاسلام في ~~المسبية في حديث واحد. وقد ذهب إلى هذا طاوس وغيره. وذهب الشافعي وغيره من ~~الأئمة إلى أنه لا يجوز وطئ المسبية بالملك حتى تسلم إذا لم تكن كتابية. ~~وسبايا أوطاس هن وثنيات فلا بد عندهم من التأويل بأن حلهن بعد الاسلام، ولا ~~يتم ذلك إلا لمجرد الدعوى، فقد عرفت أنه لم يأت دليل بشرطية الاسلام. # 31 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بعث رسول الله (ص) سرية) بفتح ~~السين المهملة وكسر الراء وتشديد الياء (وأنا فيهم قبل) بكسر القاف وفتح ~~الباء الموحدة أي جهة (نجد فغنموا إبلا كثيرة وكانت سهمانهم) بضم السين ~~المهملة جمع سهم وهو النصيب (اثني عشر بعيرا ونفلوا بعيرا بعيرا. متفق ~~عليه). السرية: قطعة من الجيش تخرج منه وتعود إليه، وهي من مائة إلى ~~خمسمائة، والسرية التي تخرج بالليل، والسارية التي تخرج بالنهار والمراد من ~~قوله: سهمانهم أي أنصباؤهم أي بلغ نصيب كل واحد منهم هذا القدر أعني اثني ~~عشر بعيرا، والنفل: زيادة يزادها الغازي على نصيبه من المغنم. وقوله: نفلوا ~~مبني للمجهول فيحتمل أنه نفلهم أميرهم وهو قتادة. ويحتمل أنه النبي (ص)، ~~وظاهر رواية الليث عن نافع عند مسلم أن القسم والتنفيل كان من أمير الجيش، ~~وقرر النبي PageV04P057 # صلى الله عليه ms1115 وسلم ذلك، لأنه قال: ولم يغيره النبي (ص). وأما رواية ابن ~~عمر عند مسلم أيضا بلفظ ونفلنا رسول الله (ص) بعيرا بعيرا فقد قال النووي: # نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما كان مقررا لذلك. ولكن الحديث عند ~~أبي داود بلفظ فأصبنا نعما كثيرة وأعطانا أميرنا بعيرا بعيرا لكل انسان ثم ~~قدمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقسم بيننا غنيمتنا فأصاب كل رجل اثني ~~عشر بعيرا بعد الخمس فدل على أن التنفيل من الأمير، والقسمة منه صلى الله ~~عليه وسلم. وقد جمع بين الروايات بأن التنفيل كان من الأمير قبل الوصول إلى ~~النبي (ص) ثم بعد الوصول قسم النبي صلى الله عليه وسلم بين الجيش، وتولى ~~الأمير قبض ما هو للسرية جملة ثم قسم ذلك على أصحابه، فمن نسب إلى النبي ~~(ص) فلكونه الذي قسم أولا، ومن نسب ذلك إلى الأمير فباعتبار أنه الذي أعطى ~~أصحابه آخرا. وفي الحديث دليل على جواز التنفيل للجيش، ودعوى أن يختص ذلك ~~بالنبي (ص) لا دليل عليه، بل تنفيل الأمير قبل الوصول إليه (ص) في هذه ~~القصة دليل على عدم الاختصاص. وقول مالك إنه يكره أن يكون التنفيل بشرط من ~~الأمير، بأن يقول: من فعل كذا فله كذا قال: لأنه يكون القتال للدنيا فلا ~~يجوز، يرده قوله (ص): من قتل قتيلا فله سلبه سواء ما قاله (ص) قبل القتال ~~أبعده فإنه تشريع عام إلى يوم القيامة، وأما لزوم كون القتال للدنيا ~~فالعمدة الباعث عليه لأنه لا يصير قول الإمام: من فعل كذا فله كذا قتاله ~~للدنيا بعد الاعلام له أن المجاهد في سبيل الله من جاهد لتكون كلمة الله هي ~~العليا. فمن كان قصده إعلاء كلمة الله لم يضره أن يريد مع ذلك المغنم ~~والاسترزاق كما قال (ص): واجعل رزقي تحت ظل رمحي. واختلف العلماء هل يكون ~~التنفيل من أصل الغنيمة أو من الخمس أو من خمس الخمس؟ قال الخطابي: أكثر ما ~~روي من الاخبار يدل على أن النفل من أصل الغنيمة. ms1116 # 32 - (وعنه) أي ابن عمر (قال: قسم رسول الله (ص) يوم خيبر للفرس سهمين ~~وللراجل سهما متفق عليه واللفظ للبخاري، ولأبي داود) أي ابن عمر (أسهم لرجل ~~ولفرسه ثلاثة أسهم سهمين لفرسه وسهما له). الحديث دليل على أنه يسهم لصاحب ~~الفرس ثلاثة سهام من الغنيمة، له سهم ولفرسه سهمان. وإليه ذهب الناصر ~~والقاسم ومالك والشافعي لهذا الحديث، ولما أخرجه أبو داود من حديث أبي عمرة ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى للفرس سهمين ولكل انسان سهما فكان للفارس ~~ثلاثة أسهم، ولما أخرجه النسائي من حديث الزبير أن النبي (ص) ضرب له أربعة ~~أسهم سهمين لفرسه وسهما له وسهما لقرابته يعني من النبي (ص). وذهبت ~~الهادوية والحنفية إلى أن الفرس له سهم واحد لما في بعض روايات أبي داود ~~بلفظ فأعطى للفارس سهمين وللراجل سهما وهو من حديث مجمع بن جارية، ولا ~~يقاوم حديث الصحيحين. # واختلفوا إذا حضر بفرسين فقال الجمهور: لا يسهم إلا لفرس واحد ولا يسهم ~~لها إلا إذا حضر بها القتال. PageV04P058 # 33 - (وعن معن) بفتح الميم وسكون العين المهملة. هو أبو زيد معن بن يزيد ~~السلمي بضم السين المهملة. له ولأبيه ولجده صحبة شهدوا بدرا كما قيل: ولا ~~يعلم من شهد بدرا هو وأبوه وجده غيرهم، وقيل: لا يصح شهوده بدرا. يعد في ~~الكوفيين، ابن يزيد (قال: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا نفل) (بفتح النون وفتح الفاء ~~هو الغنيمة (إلا بعد الخمس رواه أحمد وأبو داود وصححه الطحاوي) المراد ~~بالنفل هو ما يزيده الامام لاحد الغانمين على نصيبه. وقد اتفق العلماء على ~~جوازه، واختلفوا هل يكون من قبل القسمة أو من الخمس؟ وحديث معن هذا ليس فيه ~~دليل على أحد الامرين. بل غاية ما دل عليه أنها تخمس الغنيمة قبل التنفيل ~~منها. وتقدم ما قاله الخطابي من أن أكثر الاخبار دالة على أن التنفيل من ~~أصل الغنيمة، واختلفوا في مقدار التنفيل فقال بعضهم: لا يجوز أن ينفل أكثر ~~من الثلث أو من الربع ms1117 كما يدل عليه قوله: # 34 - (وعن حبيب بن مسلمة رضي الله عنه) بالحاء المهملة المفتوح وموحدتين ~~بينهما مثناة تحتية وهو عبد الرحمن بن حبيب بن مسلمة القرشي الفهري وكان ~~يقال له حبيب الروم لكثرة مجاهدته لهم. ولاه عمر أعمال الجزيرة وضم إليه ~~أرمينية وأذربيجان، وكان فاضلا مجاب الدعوة. # مات بالشام أو بأرمينية سنة اثنتين وأربعين (قال: شهدت رسول الله (ص) نفل ~~الربع في البدأة) بفتح الباء الموحدة وسكون الدال المهملة (والثلث في ~~الرجعة. رواه أبو داود وصححه ابن الجارود وابن حبان والحاكم). دل الحديث ~~أنه (ص) لم يجاوز الثلث في التنفيل، وقال آخرون: للامام أن ينفل السرية ~~جميع ما غنمت لقوله تعالى: * (قل الأنفال لله والرسول) * ففوضها إليه (ص)، ~~والحديث لا دليل فيه على أنه لا ينفل أكثر من الثلث. # واعلم أنه اختلف في تفسير الحديث، فقال الخطابي رواية عن ابن المنذر: إنه ~~صلى الله عليه وسلم فرق بين البدأة والقفول حين فضل إحدى العطيتين على ~~الأخرى لقوة الظهر عند دخولهم وضعفه عند خروجهم، ولأنهم وهم داخلون أنشط ~~وأشهى للسير والامعان في بلاد العدو وأجم وهم عند القفول لضعف دوابهم ~~وأبدانهم، وهم أشهى للرجوع إلى أوطانهم وأهاليهم لطول عهدهم بهم وحبهم ~~للرجوع، فيرى أنه زادهم في القفول لهذه العلة والله سبحانه وتعالى أعلم. ~~قال الخطابي بعد نقله كلام ابن المنذر: هذا ليس بالبين لان فحواه يوهم أن ~~الرجعة أي القفول إلى أوطانهم وليس هو معنى الحديث، والبدأة إنما هي ابتداء ~~السفر للغزو إذا نهضت سري من جملة العسكر فإذا وقعت بطائفة من العدو فما ~~غنموا كان لهم فيه الربع ويشركهم سائر العسكر في ثلاثة أرباعه، فإن قفلوا ~~من الغزوة ثم رجعوا فأوقعوا بالعدو ثانية كان لهم مما غنموا الثلث لان ~~نهوضهم بعد القفول أشد لكون العدو على حذر وحزم. انتهى، وما قاله هو ~~الأقرب. # 35 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله (ص) ينفل بعض من ~~يبعث من سرايا لأنفسهم خاصة سوى قسمة عامة الجيش متفق عليه. ms1118 فيه أنه ~~PageV04P059 # (ص) لم يكن ينفل كل من يبعثه، بل بحسب ما يراه من المصلحة في التنفيل. # 36 - (وعنه) أي ابن عمر (قال: كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ~~ولا نرفعه رواه البخاري، ولأبي داود فلم يؤخذ منهم الخمس وصححها ابن حبان). ~~لا نرفعه: لا نحمله على سبيل الادخار، أو لا نرفعه إلى من يتولى أمر ~~الغنيمة ونستأذنه في أكله اكتفاء بما علم من الاذن في ذلك. وذهب الجمهور ~~إلى أنه يجوز للغانمين أخذ القوت وما يصلح به وكل طعام اعتيد أكله عموما ~~وكذلك علف الدواب قبل القسمة، سواء كان بإذن الامام أو بغير إذنه، ودليلهم ~~هذا الحديث، وما أخرجه الشيخان من حديث ابن مغفل قال أصبت جراب شحم يوم ~~خيبر فقلت: لا أعطي منه أحدا فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يبتسم. وهذه الأحاديث مخصصة لأحاديث النهي عن الغلول. ويدل له أيضا الحديث ~~الآتي وهو قوله: # 37 - (وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما قال: أصبنا طعاما يوم ~~خيبر فكان الرجل يجئ فيأخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينصرف أخرجه أبو داود ~~وصححه ابن الجارود والحاكم. فإنه واضح في الدلالة على أخذ الطعام قبل ~~القسمة وقبل التخميس قاله الخطابي، وأما سلاح العدو ودوابهم فلا أعلم بين ~~المسلمين خلافا في جواز استعمالها. فأما إذا انقضت الحرب ردها في المغنم. ~~وأما الثياب والحرث والأدوات فلا يجوز أن يستعمل شئ منها إلا أن يقول قائل: ~~إنه إذا احتاج إلى شئ منها لحاجة ضرورية كان له أن يستعمله مثل أن يشتد ~~البرد فيستدفئ بثوب ويتقوى به على المقام في بلاد العدو مرصدا له لقتالهم. ~~وسئل الأوزاعي عن ذلك فقال: لا يلبس الثوب إلا أن يخاف الموت. قلت الحديث ~~الآتي: # 38 - (وعن رويفع بن ثابت رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص) من كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فئ المسلمين حتى إذا أعجفها ردها ~~فيه، ولا يلبس ثوبا من فئ المسلمين حتى إذا أخلقه ms1119 رده فيه أخرجه أبو داود ~~والدارمي ورجاله لا بأس بهم. يؤخذ منه جواز الركوب ولبس الثوب وإنما يتوجه ~~النهي إلى الاعجاف والأخلاق للثوب، فلو ركب من غير إعجاف، ولبس من غير ~~إخلاق وإتلاف جاز. # 39 - (وعن أبي عبيدة بن الجراح) بالجيم والراء والحاء المهملة (قال: سمعت ~~رسول الله (ص) يقول: يجير) بالجيم والراء بينهما مثناة تحتية من الإجارة ~~وهي الأمان (على المسلمين بعضهم. أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وفي إسناده ضعف) ~~لان في إسناده الحجاج بن أرطاة، ولكنه يجبر ضعفه الحديث الآتي وهو قوله: # 40 - (وللطيالسي من حديث عمرو بن العاص قال: يجير على المسلمين أدناهم) ~~وما في الصحيحين وهو: # 41 - (عن علي قال: ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم زاد ابن ماجة) ~~PageV04P060 # من حديث علي أيضا (من وجه آخر: ويجير عليهم أقصاهم). كالدفع لتوهم أنه لا ~~يجير إلا أدناهم فتدخل المرأة في جواز إجارتها على المسلمين كما أفاده ~~الحديث الآتي: # 42 - (وفي الصحيحين من حديث أم هانئ) بنت أبي طالب، قيل: اسمها هند وقيل ~~فاطمة، وهي أخت علي بن أبي طالب عليه السلام) قد أجرنا من أجرت). وذلك أنها ~~أجارت رجلين من أحمائها وجاءت إلى النبي (ص) تخبره أن عليا أخاها لم يجز ~~إجارتها فقال (ص): قد أجرنا الحديث. والأحاديث دالة على صحة أمان الكافر من ~~كل مسلم ذكر أو أنثى حر أم عبد مأذون أو غير مأذون لقوله: أدناهم فإنه شامل ~~لكل وضيع، وتعلم صحة أمان الشريف بالأولى. وعلى هذا جمهور العلماء إلا عند ~~جماعة من أصحاب مالك فإنهم قالوا: لا يصح أمان المرأة إلا بإذن الامام، ~~وذلك لأنهم حملوا قوله صلى الله عليه وسلم لأم هانئ قد أجرنا من أجرت على ~~أنه إجازة منه، قالوا: فلو لم يجز لم يصح أمانها وحمله الجمهور على أنه (ص) ~~أمضى ما وقع منه، وأنه قد انعقد أمانها لأنه صلى الله عليه ولم سماها ~~مجيرة، ولأنها داخلة في عموم المسلمين في الحديث على ما يقوله بعض أئمة ~~الأصول أو من باب ms1120 التغليب بقرينة الحديث الآتي: # 43 - (وعن عمر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله (ص) يقول: لأخرجن اليهود ~~والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما رواه مسلم. وأخرجه أحمد ~~بزيادة لئن عشت إلى قابل وأخرج الشيخان من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنه صلى الله عليه وسلم أوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة ~~العرب وأخرج البيهقي من حديث مالك عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: # لا يجتمع دينان في جزيرة العرب. قال مالك: قال ابن شهاب: ففحص عمر عن ذلك ~~حتى أتاه الثلج واليقين عن رسول الله (ص) أنه قال: لا يجتمع دينان في جزيرة ~~العرب فأجلى يهود خيبر قال مالك: وقد أجلى يهود نجران وفدك أيضا. والحديث ~~دليل على وجوب اخراج اليهود والنصارى والمجوس من جزيرة العرب لعموم قوله: ~~لا يجتمع دينان في جزيرة العرب وهو عام لكل دين، والمجوس بخصوصهم حكمهم حكم ~~أهل الكتاب كما عرفت. وأما حقيقة جزيرة العرب، فقال مجد الدين في القاموس: ~~جزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات، أو ما بين ~~عدن أبين إلى أطراف الشام طولا، ومن جدة إلى أطراف ريف العراق عرضا، انتهى. ~~وأضيفت إلى العرب لأنها كانت أوطانهم قبل الاسلام وأوطان أسلافهم وهي تحت ~~أيديهم. وبما تضمنته الأحاديث من وجوب اخراج من له دين غير الاسلام من ~~جزيرة العرب قال مالك والشافعي وغيرهما، إلا أن الشافعي والهادوية خصوا ذلك ~~بالحجاز. # قال الشافعي: وإن سأل من يعطي الجزية أن يعطيها ويجري عليه الحكم على أن ~~يسكن الحجاز لم يكن له ذلك، والمراد بالحجاز مكة والمدينة واليمامة ~~ومخاليفها كلها، وفي القاموس الحجاز مكة والمدينة والطائف ومخاليفها كأنها ~~حجزت بين نجد وتهامة أو بين نجد والسراة PageV04P061 # أو لأنها احتجزت بالحرار الخمس حرة بني سليم وراقم وليلى وشوران والنار. ~~قال الشافعي: ولا أعلم أحدا أجلى أحدا من أهل الذمة من اليمن وقد كانت بها ~~ذمة وليس اليمن بحجاز فلا يجليهم ms1121 أحد من اليمن ولا بأس أن يصالحهم على ~~مقامهم باليمن. قلت: لا يخفى أن الأحاديث الماضية فيها الامر باخراج من ذكر ~~من أهل الأديان غير دين الاسلام من جزيرة العرب، والحجاز بعض جزيرة العرب ~~وورد في حديث أبي عبيدة الامر بإخراجهم من الحجاز وهو بعض مسمى جزيرة العرب ~~والحكم على بعض مسمياتها بحكم لا يعارض الحكم عليها كلها بذلك الحكم كما ~~قرر في الأصول: أن الحكم على بعض أفراد العام لا يخصص العام، وهذا نظيره. # وليست جزيرة العرب من ألفاظ العموم كما وهم فيه جماعة من العلماء. وغاية ~~ما أفاده حديث أبي عبيدة زيادة التأكيد في إخراجهم من الحجاز لأنه دخل ~~إخراجهم من الحجاز تحت الامر بإخراجهم من جزيرة العرب ثم أفرد بالأمر زيادة ~~تأكيد لا أنه تخصيص أو نسخ وكيف وقد كان آخر كلامه صلى الله عليه وسلم ~~اخرجوا المشركين من جزيرة العرب كما قال ابن عباس: أوصى عند موته. وأخرج ~~البيهقي من حديث مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه سمع عمر بن عبد العزيز ~~يقول: بلغني أنه كان من آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لا يبقين دينان ~~بأرض العرب. وأما قول الشافعي: إنه لا يعلم أحدا أجلاهم من اليمن. فليس ترك ~~إجلائهم بدليل، فإن أعذار من ترك ذلك كثيرة، وقد ترك أبو بكر رضي الله عنه ~~إجلاء أهل الحجاز مع الاتفاق على وجوب إجلائهم، لشغله بجهاد أهل الردة لم ~~يكن ذلك دليلا على أنهم لا يجلون، بل أجلاهم عمر رضي الله عنه. وأما القول ~~بأنه صلى الله عليه وسلم أقرهم في اليمن بقوله لمعاذ: خذ من كل حالم دينارا ~~أو عدله معافريا فهذا كان قبل أمره صلى الله عليه وسلم بإخراجهم، فإنه كان ~~عند وفاته كما عرفت، فالحق وجوب إجلائه من اليمن لوضوح دليله. وكذا القول ~~بأن تقريرهم في اليمن قد صار إجماعا سكوتيا، لا ينهض على دفع الأحاديث، فإن ~~السكوت من ms1122 العلماء على أمر وقع من الآحاد أو من خليفة أو غيره من فعل محظور ~~أو ترك واجب لا يدل على جواز ما وقع ولا على جواز ما مترك، فإنه إن كان ~~الواقع فعلا أو تركا لمنكر وسكتوا لم يدل سكوتهم على أنه ليس بمنكر، لما ~~علم من أن مراتب الانكار ثلاث: باليد أو اللسان أو القلب، وانتفاء الانكار ~~باليد واللسان لا يدل على انتفائه بالقلب، وحينئذ فلا يدل سكوته على تقريره ~~لما وقع حتى يقال قد أجمع عليه إجماعا سكوتيا إذ لا يثبت أنه قد أجمع ~~الساكت إلا إذا علم رضاه بالواقع، ولا يعلم ذلك إلا علام الغيوب. وبهذا ~~يعرف بطلان القول بأن الاجماع السكوتي حجة ولا أعلم أحدا قد حرر هذا في رد ~~الاجماع السكوتي مع وضوحه والحمد لله المنعم المتفضل فقد أوضحناه في رسالة ~~مستقلة. فالعجب ممن قال: ومثله قد يفيد القطع وكذلك قول من قال: إنه يحتمل ~~أن حديث الامر بالاخراج كان عند سكوتهم بغير جزية باطل لان الامر بإخراجهم ~~عند وفاته صلى الله عليه وسلم والجزية فرضت في التاسعة من الهجرة عند ~~PageV04P062 # نزول براءة فكيف يتم هذا؟ ثم إن عمر أجلى أهل نجران وقد كان صالحهم صلى ~~الله عليه وسلم على مال واسع كما هو معروف، وهو جزية. والتكلف لتقويم ما ~~عليه الناس، ورد ما ورد من النصوص بمثل هذه التأويلات مما يطيل تعجب الناظر ~~المنصف. قال النووي: قال العلماء رحمهم الله تعالى: ولا يمنع الكفار من ~~التردد مسافرين إلى الحجاز ولا يمكثون فيه أكثر من ثلاثة أيام، قال الشافعي ~~ومن وافقه: إلا مكة وحرمها فلا يجوز تمكين كافر من دخولها بحال. # فإن دخل في خفية وجب اخراجه فإن مات ودفن فيه نبش وأخرج ما لم يتغير، ~~وحجته قوله تعالى: * (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام) *. قلت: ~~ولا يخفى أن الباديان هم المجوس، والمجوس حكمهم من حكم أهل الكتاب، لحديث ~~سنوا بهم سنة أهل الكتاب فيجب إخراجهم من أرض اليمن ومن كل محل من جزيرة ms1123 ~~العرب، وعلى فرض أنهم ليسوا بمجوس فالدليل على إخراجهم دخولهم تحت لا يجتمع ~~دينان في أرض العرب. # 44 - (وعنه) أي عمر رضي الله عنه (قال: كانت أموال بني النضير) بفتح ~~النون وكسر الضاد المعجمة بعدها مثناة تحتية (مما أفاء الله على رسوله مما ~~لم يوجف) الايجاف من الوجف وهو السير السريع (عليه المسلمون بخيل ولا ركاب) ~~الركاب بكسر الراء الإبل (فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، فكان ينفق ~~على أهله نفقة سنة، وما بقي يجعله في الكراع) بالراء والعين المهملة بزنة ~~غراب اسم لجمع الخيل (والسلاح عدة في سبيل الله تعالى. متفق عليه). بنو ~~النضير: قبيلة كبيرة من اليهود وادعهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد قدومه ~~إلى المدينة على أن لا يحاربوه وأن لا يعينوا عليه عدوه، وكانت أموالهم ~~ونخيلهم ومنازلهم بناحية المدينة فنكثوا العهد، وسار معهم كعب بن الأشرف في ~~أربعين راكبا إلى قريش فحالفهم، وكان ذلك على رأس ستة أشهر من واقعة بدر ~~كما ذكره الزهري. وذكر ابن إسحاق في المغازي أن ذلك كان بعد قصة أحد وبئر ~~معونة، وخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية رجلين قتلهما ~~عمرو بن أمية الضمري من بني عامر فجلس النبي (ص) إلى جنب جدار لهم فتمالؤا ~~على إلقاء صخرة عليه من فوق ذلك الجدار، وقام بذلك عمرو بن جحاش بن كعب ~~فأتاه الخبر من السماء، فقام مظهرا أنه يقضي حاجة وقال لأصحابه: # لا تبرحوا ورجع مسرعا إلى المدينة، فاستبطأه أصحابه فأخبروا أنه رجع إلى ~~المدينة، فلحقوا به فأمر بحربهم والمسير إليهم فتحصنوا فأمر بقطع النخل ~~والتحريق وحاصرهم ست ليال. # وكان ناس من المنافقين بعثوا إليهم أن أثبتوا وتمنعوا، فإن قوتلتم قاتلنا ~~معكم فتربصوا فقذف الله الرعب في قلوبهم فلم ينصروهم، فسألوا أن يجلوا من ~~أرضهم على أن لهم ما حملت الإبل فصولحوا على ذلك، إلا الحلقة بفتح الحاء ~~المهملة وفتح اللام فقاف وهي السلاح فخرجوا إلى أذرعات وأريحاء من الشام ~~وآخرون إلى الحيرة ولحق آل أبي ms1124 الحقيق وآل حيي بن أخطب بخيبر وكانوا أول من ~~أجلي من اليهود، كما قال تعالى * (لأول الحشر) * والحشر الثاني من خيبر في ~~أيام عمر رضي الله عنه. وقوله: (مما أفاء الله على رسوله) الفئ: ما أخذ ~~بغير قتال، قال في نهاية المجتهد: إنه لا خمس فيه عند العلماء، وإنما لم ~~يوجف عليها بخيل ولا ركاب PageV04P063 # لان بني النضير كانت على ميلين من المدينة فمشوا إليها مشاة غير رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فإنه ركب جملا أو حمارا، ولم تنل أصحابه صلى الله ~~عليه وسلم مشقة في ذلك. وقوله كان ينفق على أهله أي مما استبقاه لنفسه، ~~والمراد أنه يعزل لهم نفقة سنة، ولكنه كان ينفقه قبل انقضاء السنة في وجوه ~~الخير ولا يتم عليه السنة، ولهذا توفي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة على ~~شعير استدانه لأجله. وفيه دلالة على جواز ادخار قوت سنة، وأنه لا ينافي ~~التوكل، وأجمع العلماء على جواز الادخار مما يستغله الانسان من أرضه، وأما ~~إذا أراد أن يشتريه من السوق ويدخره فإن كان في وقت ضيق الطعام لم يجز بل ~~يشتري ما لا يحصل به تضييق على المسلمين كقوت أيام أو أشهر، وإن كان في وقت ~~سعة اشترى قوت السنة. وهذا التفصيل نقله القاضي عياض عن أكثر العلماء. # 45 - (وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: غزونا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خيبر فأصبنا فيها غنما، فقسم فينا رسول الله (ص) طائفة وجعل ~~بقيتها في المغنم رواه أبو داود ورجاله لا بأس بهم. الحديث من أدلة ~~التنفيل، وقد سلف الكلام فيه، فلو ضمه المصنف رحمه الله إليها لكان أولى 46 ~~- (وعن أبي رافع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني ~~لا أخيس) بالخاء المعجمة فمثناة تحتية فسين مهملة. في النهاية: لا أنقضه ~~(بالعهد ولا أحبس الرسل رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان). في الحديث ~~دليل على حفظ العهد والوفاء به، ولو لكافر، وعلى أنه لا ms1125 يحبس الرسول، بل ~~يرد جوابه، فكأن وصوله أمان له فلا يجوز أن يحبس بل يرد. # 47 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: أيما قرية ~~أتيتموها فأقمتم فيها فسهمكم فيها، وأيما قرية عصت الله ورسوله فإن خمسها ~~لله ورسوله ثم هي لكم رواه مسلم. قال القاضي عياض في شرح مسلم: # يحتمل أن يكون المراد بالقرية الأولى هي التي لم يوجف عليها المسلمون ~~بخيل ولا ركاب، بل أجلى عنها أهلها وصالحوا، فيكون سهمهم فيها أي حقهم من ~~العطاء كما تقرر في الفئ. # ويكون المراد بالثانية: ما أخذت عنوة، فيكون غنيمة يخرج منها الخمس ~~والباقي للغانمين، وهو معنى قوله: هي لكم أي باقيها. وقد احتج به من لم ~~يوجب الخمس في الفئ، قال ابن المنذر: لا نعلم أحدا قبل الشافعي قال بالخمس ~~في الفئ. # باب الجزية والهدنة الأظهر في الجزية أنها مأخوذة من الاجزاء، لأنها تكفي ~~من توضع عليه في عصمة دمه. # والهدنة: هي متاركة أهل الحرب مدة معلومة لمصلحة، ومشروعية الجزية سنة ~~تسع على الأظهر، وقيل سنة ثمان. PageV04P064 # 1 - (عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن النبي (ص) أخذها - يعني ~~الجزية - من مجوس هجر رواه البخاري وله طريق في الموطأ فيها انقطاع. وهي ما ~~أخرجه الشافعي عن ابن شهاب أنه بلغه: أن رسول الله (ص) أخذ الجزية من مجوس ~~البحرين قال البيقهي: وابن شهاب إنما أخذ حديثه عن ابن المسيب، وابن المسيب ~~حسن المرسل، فهذا هو الانقطاع الذي أشار إليه المصنف. وأخرج الشافعي من ~~حديث عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال: لا أدري كيف أصنع في ~~أمرهم، فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله (ص) يقول: سنوا بهم سنة أهل ~~الكتاب. وأخرج أبو داود والبيهقي عن ابن عباس قال: جاء رجل من مجوس هجر إلى ~~النبي (ص) فلما خرج قلت له: ما قضى الله ورسوله فيكم قال: شرا، قلت: مه ~~قال: الاسلام أو القتل قال: وقال عبد الرحمن بن عوف: قبل منهم الجزية. ms1126 قال ~~ابن عباس: وأخذ الناس بقول عبد الرحمن وتركوا ما سمعت. قلت: لان رواية عبد ~~الرحمن موصولة وصحيحة ورواية ابن عباس هي عن مجوسي لا تقبل اتفاقا. وأخرج ~~الطبراني عن مسلم بن علاء الحضرمي في آخر حديثه بلفظ سنوا بالمجوس سنة أهل ~~الكتاب وأخرج البيهقي عن المغيرة في حديث طويل مع فارس وقال فيه: فأمرنا ~~نبينا صلى الله عليه وسلم أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية ~~وكان أهل فارس مجوسا. فدلت هذه الأحاديث على أخذ الجزية من المجوس عموما ~~ومن أهل هجر خصوصا، كما دلت الآية على أخذها من أهل الكتاب اليهود ~~والنصارى. # قال الخطابي: وفي امتناع عمر رضي الله عنه من أخذ الجزية من المجوس حتى ~~شهد عبد الرحمن أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر، دليل على ~~أن رأي الصحابة أن لا تؤخذ الجزية من كل مشرك كما ذهب إليه الأوزاعي وإنما ~~تقبل من أهل الكتاب. وقد اختلف العلماء في المعنى الذي من أجله أخذت الجزية ~~منهم. فذهب الشافعي في أغلب قوليه: إلى أنها إنما قبلت منهم لأنهم من أهل ~~الكتاب وروي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وقال أكثر أهل العلم: ~~إنهم ليسوا من أهل الكتاب، وإنما أخذت الجزية من اليهود والنصارى بالكتاب ~~ومن المجوس بالسنة انتهى. قلت: قدمنا لك أن الحق أخذ الجزية من كل مشرك كما ~~دل له حديث بريدة، ولا يخفى أن في قوله: سنوا بهم سنة أهل الكتاب ما يشعر ~~بأنهم ليسوا بأهل الكتاب. ويدل لما قدمناه قوله: # 2 - (وعن عاصم بن عمر) هو أبو عمرو عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~العدوي القرشي. ولد قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين وكان ~~وسيما جسيما خيرا فاضلا شاعرا مات سنة سبعين قبل موت أخيه عبد الله بأربع ~~سنين، وهو جد عمر بن عبد العزيز لامه روى عن أبو أمامة ابن سهل بن حنيف ~~وعروة بن الزبير (عن أنس) أي ابن ms1127 مالك (وعن عثمان بن أبي سليمان) أي ابن ~~جبير بن مطعم القرشي المكي، سمع أبا سلمة بن عبد الرحمن وعامر بن عبد الله ~~بن الزبير وغيرهم (أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى ~~أكيدر) بضم الهمزة بعد الكاف مثناة تحتية فدال مهملة فراء (دومة) ~~PageV04P065 # بضم الدال المهملة وسكون الواو. ودومة الجندل اسم محل (فأخذوه وأتوا به ~~فحقن له دمه وصالحه على الجزية. رواه أبو داود). قال الخطابي: أكيدر دومة: ~~رجل من العرب يقال إنه من غسان. ففي هذا دليل على أخذ الجزية من العرب ~~كجوازه من العجم انتهى. قلت: # فهو من أدلة ما قدمناه. وكان صلى الله عليه وسلم بعث خالدا من تبوك ~~والنبي صلى الله عليه وسلم بها في آخر غزاة غزاها وقال لخالد إنك تجده يصيد ~~البقر فمضى خالد حتى إذا كان من حصنه بمبصر العين في ليلة مقمرة أقام وجاءت ~~بقر الوحش حتى حكت قرونها بباب القصر فخرج إليها أكيدر في جماعة من خاصته، ~~فتلقتهم جند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا أكيدر وقتلوا أخاه حسان ~~فحقن رسول الله دمه وكان نصرانيا، واستلب خالد من حسان قباء ديباج مخوصا ~~بالذهب، وبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجار خالد أكيدرا من ~~القتل حتى يأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يفتح له دومة ~~الجندل، ففعل، وصالحه على ألفي بعير وثمانمائة رأس وألفي درع وأربعمائة رمح ~~فعزل رسول الله (ص) صفيه خالصا، ثم قسم الغنيمة - الحديث. وفيه أنه قدم ~~خالد بأكيدر على رسول الله (ص) فدعاه إلى الاسلام فأبى فأقره على الجزية. # 3 - (وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله (ص) إلى اليمن ~~وأمرني: أن آخذ من كل حالم دينارا أو عدله) بالعين المهملة مفتوحة وتكسر: ~~المثل، وقيل: بالفتح ما عادل من جنسه وبالكسر ما ليس من جنسه، وقيل: بالعكس ~~كما في النهاية ثم دال مهملة (معافريا) بفتح الميم فعين مهملة بعدها ألف ~~ففاء ms1128 وراء بعدها ياء النسبة إلى معافر، وهي بلد باليمن تصنع فيها الثياب ~~فنسبت إليها، فالمراد أو عدله ثوبا معافريا (أخرجه الثلاثة وصححه ابن حبان ~~والحاكم). وقال الترمذي: حديث حسن، وذكر أن بعضهم رواه مرسلا وأنه أصح. ~~وأعله ابن حزم بالانقطاع وأن مسروقا لم يلق معاذا، وفيه نظر. وقال أبو ~~داود: إنه منكر، قال: وبلغني عن أحمد أنه كان ينكر هذا الحديث إنكارا ~~شديدا. قال البيهقي: إنما المنكر رواية أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن ~~مسروق عن معاذ. فأما رواية الأعمش عن أبي وائل عن مسروق فإنها محفوظة قد ~~رواها عن الأعمش جماعة، منهم: سفيان الثوري وشعبة ومعمر وأبو عوانة ويحيى ~~بن شعبة وحفص بن غياث. # وقال بعضهم: عن معاذ، وقال بعضهم: إن النبي (ص) لما بعث معاذا إلى اليمن ~~أو معناه. والحديث دليل على تقدير الجزية بالدينار من الذهب على كل حالم أي ~~بالغ، وفي رواية محتلم، وظاهر إطلاقه سواء كان غنيا أو فقيرا، والمراد أنه ~~يؤخذ الدينار ممن ذكر في السنة، وإلى هذا ذهب الشافعي فقال: أقل ما يؤخذ من ~~أهل الذمة دينار عن كل حالم، وبه قال أحمد فقال: الجزية دينار أو عدله من ~~المعافري لا يزاد عليه ولا ينقص. إلا أن الشافعي جعل ذلك حدا في جانب القلة ~~وأما الزيادة فتجوز لما أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس أن النبي (ص) صالح ~~أهل نجران على ألفي PageV04P066 # حلة النصف في محرم والنصف في رجب يؤدونها إلى المسلمين وعارية ثلاثين ~~درعا وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا وثلاثين من صنف من أصناف السلاح يغزو بها ~~المسلمون ضامنين لها حتى يردها عليهم إن كان باليمن كيد. قال الشافعي: وقد ~~سمعت بعض أهل العلم من المسلمين ومن أهل الذمة من نجران يذكر: أن قيمة ما ~~أخذوا من كل واحد أكثر من دينار وإلى هذا ذهب عمر فإنه أخذ زائدا على ~~الدينار. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه توقيف في الجزية في القلة ولا في ~~الكثرة، وأن ذلك موكول إلى نظر الامام، ms1129 ويجعل هذه الأحاديث محمولة على ~~التخيير والنظر في المصلحة. وفي الحديث دليل على أنها لا تؤخذ الجزية من ~~الأنثى لقوله: حالم. قال في نهاية المجتهد: اتفقوا على أنه لا يجب الجزية ~~إلا بثلاثة أوصاف: الذكورة والبلوغ والحرية. واختلفوا في المجنون والمقعد ~~والشيخ وأهل الصوامع والفقير قال: وكل هذه مسائل اجتهادية ليس فيها توقيف ~~شرعي قال: وسبب اختلافهم هل يقتلون أم لا؟ ا ه‍. هذا وأما رواية البيهقي عن ~~الحكم بن عتيبة أنه (ص) كتب إلى معاذ باليمن على كل حالم أو حالمة دينارا ~~أو قيمته فإسنادها منقطع وقد وصله أبو شيبة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ~~ابن عباس بلفظ فعلى كل حالم دينار أو عدله من المعافر ذكر أو أنثى حر أو ~~عبد دينار أو عوضه من الثياب لكنه قال البيهقي: أبو شيبة ضعيف. وفي البا ب ~~عن عمرو بن حزم ولكنه منقطع، وعن عروة وفيه انقطاع، وعن معمر عن الأعمش عن ~~أبي وائل عن مسروق عن معاذ وفيه وحالمة لكن قال أئمة الحديث: إن معمرا إذا ~~روى عن غير الزهري غلط كثيرا. وبه يعرف أنه لم يثبت في أخذ الجزية من ~~الأنثى حديث يعمل به. وقال الشافعي: سألت محمد بن خالد وعبد الله بن عمرو ~~بن مسلم وعددا من علماء أهل اليمن وكلهم حكوا عن عدد مضوا قبلهم يحكون عن ~~عدد مضوا قبلهم كلهم ثقة أن صلح النبي صلى الله عليه وسلم كان لأهل الذمة ~~باليمن على دينار كل سنة ولا يثبتون أن النساء كن ممن يؤخذ منه الجزية. ~~وقال عامتهم: # ولم يؤخذ من زروعهم وقد كان لهم زروع ولا من مواشيهم شيئا علمناه. وقال: ~~وسألت عددا كبيرا من ذمة أهل اليمن متفرقين في بلدان اليمن فكلهم أثبت لي ~~لا يختلف قولهم أن معاذا أخذ منهم دينارا عن كل بالغ منهم وسموا البالغ ~~حالما قالوا: وكان في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم مع معاذ أن على كل ~~حالم دينارا. # واعلم أنه يفهم من حديث معاذ وحديث ms1130 بريدة المتقدم أنه يجب قبول الجزية ~~ممن بذلها، ويحرم قتله، وهو المفهوم من قوله تعالى: * (حتى يعطوا الجزية) ~~*: أنه ينقطع القتال المأمور به في صدر الآية من قوله تعالى: * (قاتلوا ~~الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) * بإعطاء الجزية، وأما جوازه وعدم ~~قبول الجزية فتدل الآية على النهي عن القتال عند حصول الغاية، وهو إعطاء ~~الجزية فيحرم قتالهم بعد إعطائها. # 4 - (وعن عائذ بن عمرو المزني رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: الاسلام ~~يعلو ولا يعلى أخرجه الدارقطني. فيه دليل على علو أهل الاسلام على أهل ~~الأديان في كل أمر PageV04P067 # لاطلاقه، فالحق لأهل الايمان إذا عارضهم غيرهم من أهل الملل كما أشير ~~إليه في إلجائهم إلى مضايق الطرق، ولا يزال دين الحق يعلو ويزداد علوا، ~~والداخلون فيه أكثر في كل عصر من الاعصار. # 5 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: لا تبدءوا اليهود ~~والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه رواه مسلم. ~~فيه دليل على تحريم ابتداء المسلم لليهودي والنصراني بالسلام لان ذلك أصل ~~النهي وحمله على الكراهة خلاف أصله، وعليه حمله الأقل. وإلى التحريم ذهب ~~الجمهور من السلف والخلف. ذهب طائفة منهم ابن عباس إلى جواز الابتداء لهم ~~بالسلام وهو وجه لبعض الشافعية إلا أنه قال المازري: إنه يقال: السلام عليك ~~- بالافراد، ولا يقال: السلام عليكم. واحتج لهم بعموم قوله تعالى: * ~~(وقولوا للناس حسنا) * وأحاديث الامر بإفشاء السلام. # والجواب: أن هذه العمومات مخصوصة بحديث الباب. وهذا إذا كان الذمي ~~منفردا، وأما إذا كان معه مسلم جاز الابتداء بالسلام ينوي به المسلم، لأنه ~~قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم على مجلس فيه أخلاط من المشركين والمسلمين. ~~ومفهوم قوله: لا تبدءوا أنه لا ينهى عن الجواب عليهم إن سلموا. ويدل له ~~عموم قوله تعالى: * (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) * ~~وأحاديث إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم وفي رواية: إن اليهود إذا ~~سلموا عليكم يقول أحدهم: السام عليكم فقولوا: ms1131 وعليك وفي رواية " قل وعليك " ~~أخرجها مسلم. واتفق العلماء على أنه يرد على أهل الكتاب ولكنه يقتصر على ~~قوله: وعليكم، وهو هكذا بالواو عند مسلم في روايات، قال الخطابي: عامة ~~المحدثين يروون هذا الحرف بالواو، قالوا: وكان ابن عيينة يرويه بغير الواو. ~~وقال الخطابي: # هذا هو الصواب لأنه إذا حذف صار كلامه بعينه مردودا عليهم خاصة، وإذا ~~أثبت الواو اقتضى المشاركة معهم فيما قالوه. قال النووي: إثبات الواو ~~وحذفها جائز إذا صحت به الروايات، فإن الواو وإن اقتضت المشاركة فالموت هو ~~علينا وعليهم ولا امتناع. # وفي الحديث دليل على إلجائهم إلى مضايق الطرق إذا اشتركوا هم والمسلمون ~~في الطريق فيكون واسعه للمسلمين فإن خلت الطريق عن المسلمين فلا حرج عليهم. ~~وأما ما يفعله اليهود في هذه الأزمنة من تعمد جعل المسلم على يسارهم إذ ~~لاقاهم في الطريق فشئ ابتدعوه لم يرو فيه شئ وكأنهم يريدون التفاؤل بأنهم ~~من أصحاب اليمين فينبغي منعهم مما يتعمدونه من ذلك لشدة محافظتهم عليه ~~ومضادة المسلم. # 6 - (وعن المسور بن مخرمة ومروان رضي الله عنهما أن النبي (ص) خرج عام ~~الحديبية PageV04P068 # فذكر الحديث) هكذا في نسخ بلوغ المرام بإفراد ذكر وكان الظاهر فذكرا ~~بضمير التثنية ليعود إلى المسور ومروان وكأنه أراد فذكر أي الراوي: (بطوله ~~وفيه: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو: على وضع الحرب عشر ~~سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض أخرجه أبو داود وأصله في البخاري). ~~الحديث دليل على جواز المهادنة بين المسلمين وأعدائهم من المشركين مدة ~~معلومة لمصلحة يراها الامام وإن كره ذلك أصحابه فإنه ذكر في المهادنة ما ~~يفيده الحديث الآتي وهو قوله: # 7 - (وأخرج مسلم بعضه من حديث أنس وفيه أن من جاءنا منكم لم نرده عليكم ~~ومن جاءكم منا رددتموه علينا) أي من جاء من المسلمين إلى كفار مكة لم يردوه ~~إلى رسول الله (ص) ومن جاء من أهل مكة إليه صلى الله عليه وسلم رده إليهم ~~فكره المسلمون ذلك (فقالوا: أتكتب ms1132 هذا يا رسول الله؟ قال: نعم إنه من ذهب ~~منا إليهم فأبعده الله ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجا ومخرجا). فإنه ~~(ص) كتب هذا الشرط مع ما فيه من كراهة أصحابه له والحديث طويل ساقه أئمة ~~السير في قصة الحديبية واستوفاه ابن القيم في زاد المعاد وذكر فيه كثيرا من ~~الفوائد. وفيه أنه (ص) رد إليهم أبا جندل بن سهيل وقد جاء مسلما قبل تمام ~~كتاب الصلح، وأنه بعد رده إليهم جعل الله له فرجا ومخرجا، ففر من المشركين ~~ثم أقام بمحل على طريقهم يقطعها عليهم وانضاف إليه جماعة من المسلمين حتى ~~ضيق على أهل مكة مسالكهم. والقصة مبسوطة في كتب السير. وقد ثبت أنه صلى ~~الله عليه وسلم لم يرد النساء الخارجات إليه، فقيل لان الصلح وقع في حق ~~الرجال دون النساء، وأرادت قريش تعميم ذلك في الفريقين، فإنها لما خرجت أم ~~كلثوم بنت أبي معيط مهاجرة طلب المشركون رجوعها فمنع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن ذلك، وأنزل الله تعالى الآية وفيها: * (فلا ترجعوهن إلى ~~الكفار) *. والحديث دليل على جواز الصلح على رد من وصل إلينا من العدو كما ~~فعله صلى الله عليه وسلم وعلى أن لا يردوا من وصل منا إليهم. # 8 - (وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # من قتل معاهدا لم يرح) بفتح المثناة التحتية وفتح الراء أصله يراح أي لم ~~يجد (رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما. أخرجه البخاري) ~~وفي لفظ للبخاري: من قتل نفسا معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله - الحديث. وفي ~~لفظ له تقييد ذلك بغير جرم، وفي لفظ له بغير حق. وعند أبي داود والنسائي ~~بغير حلها والتقييد معلوم من قواعد الشرع. وقوله: من مسيرة أربعين عاما وقع ~~عند الإسماعيلي سبعين عاما، ووقع عند الترمذي من حديث أبي هريرة. وعند ~~البيهقي من رواية صفوان بن سليم PageV04P069 # عن ثلاثين من أبناء الصحابة بلفظ سبعين خريفا وعند الطبراني من حديث ms1133 أبي ~~مسيرة مائة عام، وفيه من حديث أبي بكرة خمسمائة عام وهو في الموطأ من حديث ~~آخر وفي مسند الفردوس عن جابر إن ريح الجنة ليدرك من مسيرة ألف عام. وقد ~~جمع العلماء بين هذه الروايات المختلفة قال المصنف ما حاصله: إن ذلك ~~الادراك في موقف القيامة وإنه يتفاوت بتفاوت مراتب الاشخاص فالذي يدركه من ~~مسيرة خمسمائة أفضل من صاحب السبعين إلى آخر ذلك، وقد أشار إلى ذلك شيخنا ~~في شرح الترمذي ورأيت نحوه في كلام ابن العربي. وفي الحديث دليل على تحريم ~~قتل المعاهد. وتقدم الخلاف في الاقتصاص من قاتله، وقال المهلب: في هذا دليل ~~على أن المسلم إذا قتل المعاهد أو الذمي لا يقتص منه، قال: لأنه اقتصر فيه ~~على ذكر الوعيد الأخروي دون الدنيوي. هذا كلامه. # باب السبق والرمي السبق بفتح السين المهملة وسكون الموحدة مصدر، وهو ~~المراد هنا. ويقال بتحريك الموحدة، وهو الرهن الذي يوضع لذلك والرمي مصدر ~~رمى والمراد به هنا المناضلة بالسهام للسبق. # 1 - (عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سابق النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالخيل التي قد ضمرت) من التضمير وهو كما في النهاية: أن يظاهر عليها ~~بالعلف حتى تسمن ثم لا تعلف إلا قوتها لتخف، زاد في الصحاح: وذلك في أربعين ~~يوما، وهذه المدة تسمى المضمار والموضع الذي يضمر فيه الخيل أيضا مضمار، ~~وقيل: تشد عليها سروجها وتجلل بالاجلة حتى تعرق فيذهب رهلها ويشتد لحمها ~~(من الحفياء) بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء بعدها مثناة تحتية ممدودة وقد ~~تقصر: مكان خارج المدينة (وكان أمدها) بالدال المهملة أي غايتها (ثنية ~~الوداع) محل قريب من المدينة سميت بذلك: لان الخارج من المدينة يمشي معه ~~المودعون إليها (وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني ~~زريق. وكان ابن عمر فيمن سابق. متفق عليه، زاد البخاري) من حديث ابن عمر ~~(قال سفيان: من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة، ومن الثنية إلى ~~مسجد بني زريق ميل). الحديث دليل على مشروعية ms1134 السباق وأنه ليس من العبث بل ~~من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو والانتفاع بها في ~~الجهاد، وهي دائرة بين الاستحباب والإباحة بحسب الباعث على ذلك. قال ~~القرطبي: لا خلا ف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب وعلى ~~الاقدام وكذا الترامي بالسهام واستعمال الأسلحة، لما في ذلك من التدرب على ~~الحرب. وفيه دليل على جواز تضمير الخيل المعدة للجهاد وقيل إنه يستحب. # 2 - (وعنه) أي ابن عمر رضي الله عنهما (أن النبي (ص) سابق بين ~~PageV04P070 # الخيل وفضل القرح) جمع قارح، والقارح ما كملت سنه كالبازل في الإبل (في ~~الغاية. # رواه أحمد وأبو داود وصححه ابن حبان). فيه مثل الذي قبله دليل على ~~مشروعية السباق بين الخيل، وأنه يجعل غاية القرح أبعد من غاية ما دونها ~~لقوتها وجلادتها وهو المراد من قوله وفضل القرح. # 3 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # لا سبق) بفتح السين وفتح الباء الموحدة هو: ما يجعل للسابق على السبق من ~~جعل (إلا في خف أو نصل أو حافر رواه أحمد والثلاثة وصححه ابن حبان). وأخرجه ~~الحاكم من طرق وصححه ابن القطان وابن دقيق العيد وأعل الدارقطني بعضها ~~بالوقف. قوله: إلا في خف المراد به الإبل، والحافر الخيل، والنصل السهم أي ~~ذي خف أو ذي حافر أو ذي نصل على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. ~~والحديث دليل على جواز السباق على جعل، فإن كان الجعل من غير المتسابقين ~~كالامام يجعله للسابق حل ذلك بلا خلاف، وإن كان من أحد المتسابقين لم يحل ~~لأنه من القمار. وظاهر الحديث أنه لا يشرع السبق إلا فيما ذكر من الثلاثة، ~~وعلى الثلاثة قصره مالك والشافعي، وأجازه عطاء في كل شئ. وللفقهاء خلاف في ~~جوازه على عوض أو لا، ومن أجازه عليه فلشرائط مستوفاة في المطولات. # 4 - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # من أدخل فرسا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق) ms1135 مغير الصيغة أي يسبقه غيره ~~(فلا بأس به، وإن أمن فهو قمار. رواه أحمد وأبو داود وإسناده ضعيف) ولائمة ~~الحديث في صحته إلى أبي هريرة كلام كثير حتى قال أبو حاتم: أحسن أحواله أن ~~يكون موقوفا على سعيد بن المسيب، وقد رواه يحيى بن سعيد عن سعيد من قوله، ~~انتهى. # وهو كذلك في الموطأ عن الزهري عن سعيد. وقال ابن أبي خيثمة: سألت ابن ~~معين عنه فقال: هذا باطل وضرب على أبي هريرة. وقد غلط الشافعي من رواه عن ~~سعيد عن أبي هريرة. وفي قوله: وهو لا يأمن أن يسبق دلالة على أن المحلل وهو ~~الفرس الثالث في الرهان يشترط عليه أن لا يكون متحقق السبق وإلا كان قمارا، ~~وإلى هذا الشرط ذهب البعض، وبهذا الشرط يخرج عن القمار، ولعل الوجه أن ~~المقصود إنما هو الاختبار للخيل فإذا كان معلوم السبق فات الغرض الذي يشرع ~~لأجله، وأما المسابقة بغير جعل فمباحة إجماعا. # 5 - (وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (ص) وهو على ~~المنبر يقرأ: * (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل) *: ألا إن ~~القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي رواه مسلم. أفاد ~~الحديث تفسير PageV04P071 # القوة في الآية بالرمي بالسهام لأنه المعتاد في عصر النبوة، ويشمل الرمي ~~بالبنادق للمشركين والبغاة، ويؤخذ من ذلك شرعية التدرب فيه، لان الاعداد ~~إنما يكون مع الاعتياد إذ من لم يحسن الرمي لا يسمى معدا للقوة. # كتاب الأطعمة 1 - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: كل ذي ناب ~~من السباع فأكله حرام رواه مسلم. دل الحديث على تحريم ما له ناب من سباع ~~الحيوانات. والناب: السن خلف الرباعية كما في القاموس. والسبع: هو المفترس ~~من الحيوان كما في القاموس أيضا، وفيه: الافتراس والاصطياد، وفي النهاية: ~~أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع هو ما يفترس الحيوان ويأكله قهرا وقسرا ~~كالأسد والذئب والنمر ونحوها. # واختلف العلماء في المحرم منها: فذهب ms1136 الهادوية والشافعي وأبو حنيفة وأحمد ~~وداود إلى ما أفاده الحديث، ولكنهم اختلفوا في جنس السباع المحرمة فقال أبو ~~حنيفة: كل ما أكل اللحم فهو سبع حتى الفيل والضبع واليربوع والسنور. وقال ~~الشافعي: يحرم من السباع ما يعدو على الناس كالأسد والذئب والنمر دون الضبع ~~والثعلب لأنهما لا يعدوان على الناس. وذهب ابن عباس فيما حكاه عنه ابن عبد ~~البر وعائشة وابن عمر، - على رواية عنه فيها ضعف - والشعبي وسعيد بن جبير ~~إلى حل لحوم السباع مستدلين بقوله تعالى: * (قل لا أجد فيما أوحي إلي ~~محرما) * الآية. # فالمحرم هو ما ذكر في الآية وما عداه حلال. وأجيب: بأن الآية مكية وحديث ~~أبي هريرة بعد الهجرة، فهو ناسخ للآية عند من يرى نسخ القرآن بالسنة. وبأن ~~الآية خاصة بثمانية الأزواج من الانعام ردا على من حرم بعضها كما ذكر الله ~~تعالى قبلها من قوله: * (وقالوا ما في بطون هذه الانعام) * إلى آخر الآيات. ~~فقيل في الرد عليهم * (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما) * الآية: أي أن الذي ~~أحللتموه هو المحرم والذي حرمتموه هو الحلال، وأن ذلك افتراء على الله وقن ~~بها لحم الخنزير لكونه مشاركا لها في علة التحريم وهو كونه رجسا. فالآية ~~وردت في الكفار الذين يحلون الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله ~~به ويحرمون كثيرا مما أباحه الشرع، وكان الغرض من الآية بيان حالهم وأنهم ~~يضادون الحق فكأنه قيل: ما حرام إلا ما أحللتموه مبالغة في الرد عليهم. ~~قلت: ويحتمل أن المراد قل لا أجد الآية محرما إلا ما ذكر في الآية ثم حرم ~~الله من بعد كل ذي ناب من السباع. ويروي عن مالك أنه إنما يكره أكل كل ذي ~~ناب من السباع لا أنه محرم. PageV04P072 # 2 - (وأخرجه) أي أخرج معنى حديث أبي هريرة، من حديث ابن عباس بلفظ نهى) ~~أي عن كل ذي ناب من السباع، وزاد أي ابن عباس (وكل ذي مخلب) بكسر الميم ~~وسكون الخاء المعجمة وفت اللام آخره موحدة [من الطير] وأخرج ms1137 الترمذي من ~~حديث جابر تحريم كل ذي مخلب من الطير، وأخرجه أيضا من حديث العرباض بن ~~سارية وزاد فيه: يوم خيبر. في القاموس المخلب ظفر كل سبع من الماشي والطائر ~~أو هو لما يصيد من الطير. والظفر لما لا يصيد. وإلى تحريم كل ذي مخلب من ~~الطير ذهبت الهادوية ونسبه النووي إلى الشافعي وأبي حنيفة وأحمد وداود ~~والجمهور. وفي نهاية المجتهد نسب إلى الجمهور القول بحل كل ذي مخلب من ~~الطير، وقال: وحرمها قوم ونقل النووي أثبت لأنه المذكور في كتب الفريقين ~~وأحمد، فإن في دليل الطالب على مذهب أحمد ما لفظه: ويحرم من الطير ما يصيد ~~بمخلبه كعقاب وباز وصقر وبأشق وشاهين وعدد كثيرا من ذلك ومثله في المنهاج ~~للشافعية ومثله للحنفية. وقال مالك: يكره كل ذي مخلب من الطير ولا يحرم. ~~وأما النسر فقالوا: ليس بذي مخلب لكنه محرم لاستخباثه. قالت الشافعية: # ويحرم ما ندب قتله كحية وعقرب وغراب أبقع وحدأة وفأرة وكل سبع ضار ~~واستدلوا بقوله (ص): خمس فواسق يقتلن في الحل والحرام، وتقدم في كتاب الحج ~~قالوا: ولأن هذه مستخبثات شرعا وطبعا. قلت: وفي دلالة الامر بقتلها على ~~تحريم أكلها نظر ويأتي لهم أن الامر بعدم القتل دليل على التحريم، وقد قال ~~الشافعية: إن الآدمي إذا وطئ بهيمة من بهائم الانعام فقد أمر الشارع بقتلها ~~قالوا: ولا يحرم أكلها فدل على أنه لا ملازمة بين الامر بالقتل والتحريم. # 3 - (عن جابر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله (ص) يوم خيبر عن لحوم ~~الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل. متفق عليه وفي لفظ البخاري لرواية جابر ~~هذه، (ورخص) عوض أذن وقد ثبت في روايات أنه (ص) وجد القدور تغلي بلحمها ~~فأمر بإراقتها، وقال: لا تأكلوا من لحومها شيئا والأحاديث في ذلك كثيرة، ~~وفي رواية إنها رجس أو نجس، وفي لفظ إنها رجس من عمل الشيطان. وفي الحديث ~~مسألتان: الأولى أنه دل منطوقه على تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية، إذ النهي ~~أصله التحريم وإلى تحريم أكل لحومها ms1138 ذهب جماهير العلماء من الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم إلا ابن عباس فقال: ليست بحرام. وفي رواية ابن جريج عن ~~ابن عباس: وأبى ذلك البحر وتلا قوله تعالى: * (قل لا أجد فيما أوحي إلي ~~محرما) * وروي عن عائشة وعن مالك روايات أنها مكروهة أو حرام أو مباحة. ~~وأما ما أخرجه أبو داود عن غالب بن أبجر قال أصابتنا سنة فلم يكن في مالي ~~ما أطعم أهلي إلا سمان حمر، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إنك ~~حرمت لحوم الحمر الأهلية وقد أصابتنا سنة. فقال: أطعم أهلك من سمين حمرك ~~فإنما حرمتها من جهة جوال القرية - يعني الجلالة -. فقد قال الخطابي: ~~PageV04P073 # أما حديث ابن أبجر فقد اختلف في إسناده قال أبو داود: رواه شعبة عن عبيد ~~بن الحسن عن عبد الرحمن بن معقل عن عبد الرحمن بن بشر عن ناس من مزينة أن ~~سيد مزين أبجر أو ابن أبي أبجر سأل النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه مسعر ~~فقال: عن ابن عيينة عن أبي معقل عن رجلين من مزينة أحدهما عن الآخر، وقد ~~ثبت التحريم من حديث جابر، يريد هذا وساقه من طريق أبي داود متصلا، ثم قال: ~~وأما قوله: إنما حرمتها من أجل جوال القرية فإن الجوال هي التي تأكل العذرة ~~وهي الجلة، إلا أن هذا لا يثبت، وقد ثبت أنه إنما نهى عن لحومها لأنها رجس، ~~وساق سنده إلى محمد بن سيرين عن أنس بن مالك قال: لما افتتح رسول الله (ص) ~~خيبر أصبنا حمرا خارجة من القرية فنحرنا وطبخنا منها فنادى منادي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إن الله ورسوله ينهيانكم عنها وإنها رجس من عمل الشيطان ~~فأكفئت القدور انتهى. وبهذا يبطل القول بأنها إنما حرمت مخافة قلة الظهر، ~~كما أخرجه الطبراني وابن ماجة عن ابن عباس: إنما حرم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الحمر الأهلية مخافة قلة الظهر. وفي رواية البخاري عن ابن عباس ~~في المغازي من رواية الشعبي أنه قال ابن عباس: لا ms1139 أدري أنهى عنها رسول الله ~~(ص) من أجل أنها حمولة الناس فكره أن تذهب حمولتهم أو حرمها البتة يوم ~~خيبر؟. فإنه يقال: قد علم بالنص أنه حرمها لأنها رجس وكأن ابن عباس لم يعلم ~~بالحديث فتردد في نقله النهي، وإذ قد ثبت النهي وأصله التحريم عمل به، وإن ~~جهلنا علته. وأما ما أخرجه الطبراني من حديث أم نصر المحاربية: أن رجلا سأل ~~النبي (ص) عن الحمر الأهلية فقال: # أليس ترعى الكلأ وتأكل الشجر،؟ قال: فأصب من لحومها فهي رواية غير صحيحة ~~لا تعارض بها الأحاديث الصحيحة. المسألة الثانية: دل الحديث على حل أكل ~~لحوم الخيل وإلى حلها ذهب زيد بن علي والشافعي وصاحبا أبي حنيفة وأحمد ~~وإسحاق وجماهير السلف والخلف لهذا الحديث، ولما في معناه من الأحاديث ~~الصحيحة. وأخرج ابن أبي شيبة بسنده على شرط الشيخين عن عطاء أنه قال لابن ~~جريج: لم يزل سلفك يأكلونه، قال ابن جريج: قلت له: أصحاب رسول الله؟ قال: ~~نعم. ويأتي حديث أسماء: نحرنا على عهد رسول الله (ص) فرسا فأكلناه. وذهبت ~~الهادوية ومالك وهو المشهور عند الحنفية إلى تحريم الخيل. واستدلوا بحديث ~~خالد بن الوليد نهى رسول الله (ص) عن لحوم الخيل والبغال والحمير وكل ذي ~~ناب من السباع وفي رواية بزيادة يوم خيبر وأجيب عنه بأنه قال البيهقي فيه: ~~هذا إسناد مضطرب مخالف لرواية الثقات، وقال البخاري: # يروى عن أبي صالح ثور بن يزيد وسليمان بن سليم وفيه نظر. وضعف الحديث ~~أحمد والدارقطني والخطابي وابن عبد البر وعبد الحق. واستدلوا بقوله تعالى: ~~* (لتركبوها وزينة) * وتقدير الاستدلال بالآية بوجوه: الأول: أن العلة ~~المنصوصة تقتضي الحصر، فإباحة أكلها خلاف ظاهر الآية. وأجيب عنه بأن كون ~~العلة منصوصة لا يقتضي الحصر فيها، فلا يفيد PageV04P074 # الحصر في الركوب والزينة، فإنه ينتفع بها في غيرهما اتفاقا، وإنما نص ~~عليهما لكونهما أغلب ما يطلب، ولو سلم الحصر لامتنع حمل الأثقال على الخيل ~~والبغال والحمير ولا قائل به الثاني: من وجوه دلالة الآية على تحريم الأكل: ~~عطف البغال والحمير ms1140 فإنه دال على اشتراكهما معها في حكم التحريم فمن أفرد ~~حكمهما عن حكم ما عطف عليه احتاج إلى دليل. وأجيب عنه بأن هذا من باب دلالة ~~الاقتران وهي ضعيفة. الثالث: من وجوه دلالة الآية: أنها سيقت للامتنان فلو ~~كانت مما يؤكل لكان الامتنان به أكثر لأنه يتعلق ببقاء البنية. والحكيم لا ~~يمتن بأدنى النعم ويترك أعلاها سيما وقد أمتن بالأكل فيما ذكر قبلها: وأجيب ~~بأنه تعالى خص الامتنان بالركوب لأنه غالب ما ينتفع بالخيل فيه عند العرب ~~فخوطبوا بما عرفوه وألفوه، كما خوطبوا في الانعام بالأكل وحمل الأثقال لأنه ~~كان أكثر انتفاعهم بها لذلك، فاقتصر في كل من الصنفين بأغلب ما ينتفع به ~~فيه. الرابع: من وجوه دلالة الآية: لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة التي أمتن ~~بها وهي الركوب والزينة. وأجيب عنه: بأنه لو لزم من الاذن في أكلها أن تفنى ~~للزم مثله في البقر ونحوها مما أبيح أكله ووقع الامتنان به لمنفعة أخرى. # وقد أجيب عن الاستدلال بالآية بجواب إجمالي وهو: أن آية النحل مكية ~~اتفاقا والاذن في أكل الخيل كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين، وأيضا ~~فإن آية النحل ليست نصا في تحريم الأكل، والحديث صريح في جوازه، وأيضا لو ~~سلم ما ذكر كان غايته للدلالة على ترك الأكل وهو أعم من أن يكون للتحريم أو ~~للتنزيه أو خلاف الأولى، وحيث لم يتعين هنا واحد منها لا يتم بها التمسك، ~~فالتمسك بالأدلة المصرحة بالجواز أولى. وأما زعم البعض أن حديث جابر دال ~~على التحريم لكونه ورد بلفظ الرخصة، والرخصة استباحة المحظور مع قيام ~~المانع، فدل أنه رخص لهم فيها بسبب المخمصة فلا يدل على الحل المطلق، فهو ~~ضعيف لأنه ورد بلفظ أذن لنا ولفظ أطعمنا فعبر الراوي بقوله: رخص لنا عن أذن ~~لا أنه أراد الرخصة الاصطلاحية الحادثة بعد زمن الصحابة، فلا فرق بين ~~العبارتين أذن ورخص في لسان الصحابة. # 4 - (وعن ابن أبي أو في رضي الله عنهما قال غزونا مع رسول الله صلى ms1141 الله ~~عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد) وهواسم جنس، والواحدة جرادة، يقع على ~~الذكر والأنثى كحمامة (متفق عليه) وهو دليل على حل الجراد. قال النووي: وهو ~~إجماع وأخرج ابن ماجة عن أنس قال كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ~~يتهادين الجراد في الاطباق. وقال ابن العربي في شرح الترمذي: إن جراد ~~الأندلس لا يؤكل لأنه ضرر محض. فإذا ثبت ما قاله فتحريمها لأجل الضرر، كما ~~تحرم السموم ونحوها. واختلفوا هل أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم الجراد ~~أم لا؟ وحديث الكتاب يحتمل أنه كان يأكل معهم إلا أن في رواية البخاري ~~زيادة لفظ: نأكل الجراد معه قيل: وهي محتملة أن المراد غزونا معه فيكون ~~تأكيدا لقوله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن المراد نأكل معه. ~~قلت: وهذا الأخير هو الذي يحسن حمل الحديث عليه إذ التأسيس أبلغ من التأكيد ~~ويؤيده ما وقع في الطب PageV04P075 # عند أبي نعيم بزيادة: ويأكل معنا. وأما ما أخرجه أبو داود من حديث ~~سليمان. أنه سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجراد فقال: لا آكله ولا ~~أحرمه فقد أعله المنذري بالارسال، وكذلك ما أخرجه ابن عدي في ترجمة ثابت بن ~~زهير عن نافع عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الضب فقال: لا آكله ~~ولا أحرمه، وسئل عن الجراد فقال مثل ذلك، فإنه قال النسائي: ثابت ليس بثقة. ~~ويؤكل عند الجماهير على كل حال ولو مات بغير سبب لحديث أحل لنا ميتتان ~~ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال أخرج أحمد والدارقطني مرفوعا من حديث ~~ابن عمر وقال: إن الموقوف أصح ورجح البيهقي الموقوف وقال: له الحكم الرفع. ~~واختلف فيه هل هو من صيد البحر أم من صيد البر؟ وورد حديثان أنه من صيد ~~البحر. وورد عن بعض الصحابة أنه يلزم المحرم فيه الجزاء فدل أنه عنده من ~~صيد البر، والأصل فيه أنه بري حتى يقوم دليل على أنه بحري. # 5 - (وعن أنس رضي الله عنه في قصة ms1142 الأرنب قال: فذبحها فبعث بوركها إلى ~~رسول الله (ص) فقبله متفق عليه. وفي القصة أنه قال أنس: أنفجنا أرنبا ونحن ~~بمر الظهران فسعى القوم وتعبوا، فأخذتها فجئت بها إلى أبي طلحة فبعث ~~بوركها، أو قال بفخذها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلها وهو لا يدل ~~على أنه أكل منها، لكن في رواية البخاري في كتاب الهبة قال الراوي وهو هشام ~~بن يزيد: قلت لأنس وأكل منها؟ قال: وأكل منها ثم قال: فقبله. والاجماع واقع ~~على حل أكله، إلا أن الهادوية وعبد الله بن عمر وعكرمة وابن أبي ليلى ~~قالوا: يكره أكلها، لما أخرجه أبو داود والبيهقي من حديث ابن عمر أنها جئ ~~بها إلى النبي (ص) فلم يأكلها ولم ينه عنها وزعم أي ابن عمر أنها تحيض، ~~وأخرج البيهقي عن عمر وعمار مثل ذلك وأنه أمر بأكلها ولم يأكل منها، قلت: ~~لكنه لا يخفى أن عدم أكله صلى الله عليه وسلم لا يدل على كراهيتها وحكى ~~الرافعي عن أبي حنيفة تحريمها. # (فائدة): ذكر الدميري في حياة الحيوان أن الذي يحيض من الحيوان: المرأة ~~والضبع والخفاش والأرنب. ويقال: إن الكلبة كذلك. # 6 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله (ص) عن قتل أربع من ~~الدواب النملة والنحلة والهدهد والصرد رواه أحمد وأبو داود وصححه ابن حبان. ~~قال البيهقي: رجاله رجال الصحيح، قال البيهقي: هو أقوى ما ورد في هذا ~~الباب. # وفيه دليل على تحريم قتل ما ذكر، ويؤخذ منه تحريم أكلها لأنه لو حل لما ~~نهى عن القتل. وتقدم لنا في هذا الاستدلال بحث. وتحريم أكلها رأي الجماهير، ~~وفي كل واحدة خلاف إلا النملة فالظاهر أن تحريمها إجماع. PageV04P076 # 7 - (وعن ابن أبي عمار) هو عبد الرحمن بن أبي عمار المكي وثقه أبو زرع ~~والنسائي ولم يتكلم فيه أحد ويسمى القس لعبادته، ووهم ابن عبد البر في ~~إعلاله وقال البيهقي: # إن الحديث صحيح (قال: قلت لجابر: الضبع صيد هو؟ قال: نعم. قلت: قاله رسول ~~الله (ص)؟ قال: ms1143 نعم. رواه أحمد والأربعة وصححه البخاري وابن حبان). الحديث ~~دليل على حل أكل الضبع. وإليه ذهب الشافعي فهو مخصص من حديث تحريم كل ذي ~~ناب من السباع، وأخرج أبو داود من حديث جابر مرفوعا الضبع صيد فإذا أصابه ~~المحرم ففيه كبش مسن ويؤكل وأخرجه الحاكم وقال: صحيح الاسناد. قال الشافعي: # وما زال الناس يأكلونها ويبيعونها بين الصفا والمروة من غير نكير. وحرمه ~~الهادوية والحنفية عملا بالحديث العام كما أشرنا إليه، ولكن أحاديث التحليل ~~تخصصه، وأما استدلالهم على التحريم بحديث خزيمة بن جزء وفيه: قال صلى الله ~~عليه وسلم أو يأكل الضبع أحد أخرجه الترمذي وفي إسناده عبد الكريم أبو ~~أمية، وهو متفق على ضعفه. # 8 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سئل عن القنفذ) بضم القاف وفتحها ~~وضم الفاء (فقال: * (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما) * فقال شيخ عنده: سمعت ~~أبا هريرة يقول: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: خبيثة من الخبائث ~~فقال ابن عمر: # إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هذا فهو كما قال. أخرجه أحمد ~~وأبو داود وإسناده ضعيف). ضعف بجهالة الشيخ المذكور، قال الخطابي: ليس ~~إسناده بذلك وله طرق قال البيهقي: لم يرد إلا من وجه ضعيف، وقد ذهب إلى ~~تحريمه أبو طالب والامام يحيى. # وقال الرافعي: في القنفذ وجهان، أحدهما أنه يحرم وبه قال أبو حنيفة وأحمد ~~لما روي في الخبر أنه من الخبائث، وذهب مالك وابن أبي ليلى إلى أنه حلال ~~وهو أقوى من القول بتحريمه لعدم نهوض الدليل عليه، مع القول بأن الأصل ~~الإباحة في الحيوانات، وهي مسألة خلافية معروفة في الأصول فيها خلاف بين ~~العلماء. # 9 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما) قياس قاعدة وعنه (قال: نهى رسول الله ~~(ص) عن الجلالة وألبانها أخرجه الأربعة إلا النسائي وحسنه الترمذي) وأخرج ~~الحاكم والدارقطني والبيهقي من حديث ابن عمرو بن العاص نحوه، وقال حتى تعلف ~~أربعين ليلة. ورواه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم من حديث عمرو بن شعيب ms1144 ~~عن أبيه عن جده بلفظ: نهى عن لحوم الحمر الأهلية وعن الجلالة وعن ركوبها ~~ولأبي داود أن يركب عليها وأن يشرب ألبانها. والجلالة هي التي تأكل العذرة ~~والنجاسات سواء كانت من الإبل أو البقر أو الغنم أو الدجاج. والحديث دليل ~~على تحريم الجلالة وألبانها وتحريم الركوب عليها. وقد جزم ابن حزم أن من ~~وقف في عرفات راكبا على جلالة لا يصح حجه، وظاهر الحديث أنه إذ ثبت أنها ~~أكلت الجلة فقد صارت محرمة. # وقال النووي: لا تكون جلالة إلا إذا غلب على علفها النجاسة، وقيل: بل ~~الاعتبار بالرائحة والنتن، وبه جزم النووي والامام يحيى وقال: لا تطهر ~~بالطبخ ولا بإلقاء التوابل PageV04P077 # وإن زال الريح لان ذلك تغطية لا استحالة. وقال الخطابي: كرهه أحمد وأصحاب ~~الرأي والشافعي وقالوا: لا تؤكل حتى تحبس أياما. قلت: قد عين في الحديث ~~حبسها أربعين يوما، وكان ابن عمر يحبس الدجاجة ثلاث أيام. ولم ير مالك ~~بأكلها بأسا من غير حبس. # وذهب الثوري ورواية عن أحمد إلى التحريم كما هو ظاهر الحديث. ومن قال ~~يكره ولا يحرم قال: لان النهي الوارد فيه إنما كان لتغير اللحم وهو لا يوجب ~~التحريم بدليل المذكى إذا جف. ولا يخفى أن هذا رأي في مقابلة النص، ولقد ~~خالف الناظرون هنا السنة، فقال المهدي في البحر: المذهب والفريقان: وندب ~~حبس الجلالة قبل الذبح، الدجاجة ثلاثة أيام، والشاة سبعة والبقرة والناقة ~~أربعة عشر وقال مالك: لا وجه له. قلنا: # لتطييب أجوافها ا ه‍. والعمل بالأحاديث هو الواجب وكأنهم حملوا النهي على ~~التنزيه ولا ينهض عليه دليل. وأما مخالفتهم للتوقيف فلم يعرف وجهه. # 10 - (وعن أبي قتادة رضي الله عنه في قصة الحمار الوحشي: فأكل منه النبي ~~(ص) متفق عليه. تقدم ذكر قصة الحمار هذا الذي أهداه أبو قتادة في كتاب ~~الحج. وفي هذا دلالة على أنه يحل أكل لحمه وهو إجماع. وفيه خلاف شاذ أنه ~~إذا علف وأنس صار كالأهلي. # 11 - (وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: نحرنا على ms1145 عهد رسول ~~الله (ص) فرسا فأكلناه متفق عليه. وفي رواية: ونحن بالمدينة. وفي رواية ~~الدارقطني هنا فأكلناه نحن وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. والحديث ~~دليل على حل أكل لحم الخيل، وتقدم الكلام فيه، لأن الظاهر أنه (ص) علم ذلك ~~وقرره، كيف وقد قالت: إنه أكل منه صلى الله عليه وسلم. وقالت هنا: نحرنا، ~~وفي رواية الدارقطني: ذبحنا، فقيل: فيه دليل على أن النحر والذبح واحد، ~~قيل: ويجوز أن يكون أحد اللفظين مجازا إذ النحر للإبل خاصة وهو الضرب ~~بالحديد في لبة البدنة حتى تفرى أوداجها والذبح هو قطع الأوداج في غير ~~الإبل. قال ابن التين: الأصل في الإبل النحر وفي غيرها الذبح وجاء في ~~البقرة: * (فذبحوها) * وفي السنة نحرها. وقد اختلف العلماء في نحر ما يذبح ~~وذبح ما ينحر، فأجازه الجمهور والخلاف فيه لبعض المالكية. وقوله في الحديث ~~ونحن بالمدينة يرد على من زعم أن حلها قبل فرض الجهاد فإنه فرض أول دخولهم ~~المدينة. # 12 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أكل الضب على مائدة رسول الله ~~(ص) متفق عليه. فيه دليل على حل أكل الضب وعليه الجماهير وحكى عياض عن قوم ~~تحريمه وعن الحنفية كراهته وقال النووي: أظنه لا يصح عن أحد فإن صح فهو ~~محجوج بالنص وبإجماع من قبله. وقد احتج القائلون بالتحريم بما أخرجه أبو ~~داود أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الضب وفي إسناده إسماعيل بن عياش ~~ورجاله شاميون وهو قوي في الشاميين فلا يتقول الخطابي: ليس إسناده بذلك، ~~ولا قول ابن حزم: فيه ضعيف ومجهولون، فإن رجاله ثقات كما قاله المصنف، ولا ~~قول PageV04P078 # البيهقي: فيه إسماعيل بن عياش وليس بحجة، لما عرفت من أنه رواه عن ~~الشاميين وهو حجة في روايته عنهم. وبما أخرجه أبو داود من حديث عبد الرحمن ~~بن حسنة أنهم طبخوا ضبابا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن أمة من بني ~~إسرائيل مسخت في دواب الأرض فأخشى أن تكون هذه. فألقوها وأخرجه أحمد وصححه ~~ابن حبان ms1146 والطحاوي وسنده على شرط الشيخين. وأجيب عن الأول: بأن النهي وإن ~~كان أصله التحريم لكن صرفه هنا إلى الكراهة ما أخرجه مسلم أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال: كلوه فإنه حلال ولكنه ليس من طعامي وهذه الرواية ترد ما ~~رواه مسلم أنه قال بعض القوم عند ابن عباس: إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال في الضب: لا آكله ولا أنهى عنه ولا أحرمه ولذا أعل ابن عباس هذه ~~الرواية فقال بئس ما قلتم ما بعث نبي الله إلا محلا ومحرما كذا في مسلم. ~~وأجيب عن الثاني: بأنه وقع منه (ص) ذلك، أعني: خشية أن تكون أمة ممسوخة قبل ~~أن يعلمه الله تعالى أن الممسوخ لا ينسل، وقد أخرج الطحاوي من حديث ابن ~~مسعود قال: سئل رسول الله (ص) عن القردة والخنازير أهي مما مسخ؟ قال: إن ~~الله لم يهلك قوما أو يمسخ قوما فيجعل لهم نسلا ولا عاقبة وأصل الحديث في ~~مسلم ولم يعرفه ابن العربي. فقال: قولهم إن الممسوخ لا ينسل: دعوى فإنه لا ~~يعرف بالعقل إنما طريقه النقل وليس فيه أمر يعول عليه. وأجيب أيضا: بأنه لو ~~سلم أنه ممسوخ لا يقتضي تحريم أكله، فإنه كونه كان آدميا قد زال حكمه ولم ~~يبق له أثر أصلا. وإنما كره صلى الله عليه وسلم الأكل منه لما وقع عليه من ~~سخط الله سبحانه كما كره الشرب من مياه ثمود. قلت: # ولا يخفى أنه لو لم ير تحريمه لما أمر بإلقائها، أو بتقريرهم عليه، لأنه ~~إضاعة مال ولا إذن لهم في أكله، فالجواب الذي قبله هو الأحسن. ويستفاد من ~~المجموع جواز أكله وكراهته للنهي. # 13 - (وعن عبد الرحمن بن عثمان) هو ابن عبد الله التيمي (القرشي رضي الله ~~عنه) ابن أخي طلحة بن عبد الله الصحابي، قيل: إنه أدرك النبي صلى الله عليه ~~وسلم وليست له رؤية. أسلم يوم الفتح وقيل: يوم الحديبية وقتل مع ابن الزبير ~~في يوم واحد روى عنه ابناه وابن المنكدر (أن طبيبا سأل النبي (ص) ms1147 عن ~~الضفدع) بزنة الخنصر (يجعلها في دواء فنهى عن قتلها. أخرجه أحمد وصححه ~~الحاكم وأخرجه أبو داود والنسائي) والبيهقي بلفظ: ذكر طبيب عند النبي (ص) ~~دواء وذكر الضفدع يجعلها فيه، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل ~~الضفادع. قال البيهقي: هو أقوى ما ورد في النهي عن قتل الضفدع. وأخرج من ~~حديث ابن عمر: لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح ولا تقتلوا الخفاش فإنه ~~لما خرب بيت المقدس قال: يا رب سلطني على البحر حتى أغرقهم قال البيهقي: ~~إسناده صحيح. وعن أنس لا تقتلوا الضفادع فإنها مرت على نار إبراهيم فجعلت ~~في أفواهها الماء وكانت ترشه على النار. والحديث دليل على تحريم ~~PageV04P079 # قتل الضفادع. قالوا: ويؤخذ منه تحريم أكلها ولأنها لو حلت لما نهى عن ~~قتلها وتقدم نظير هذا الاستدلال وليس بواضح . باب الصيد والذبائح الصيد: ~~يطلق على المصدر أي التصيد وعلى المصيد. واعلم أنه تعالى أباح الصيد في ~~آيتين من القرآن: الأولى قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله ~~بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم) * والثانية: * (وما علمتم من الجوارح ~~مكلبين) *. والآلة التي يصاد بها ثلاثة: الحيوان الجارح، والمحدد، والمثقل، ~~ففي الحيوان: # 1 - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط ~~متفق عليه. الحديث دليل على المنع من اتخاذ الكلاب واقتنائها وإمساكها إلا ~~ما استثناه من الثلاثة، وقد وردت بهذه الألفاظ روايات في الصحيحين وغيرهما. ~~واختلف العلماء هل المنع للتحريم أو للكراهة؟. فقيل: بالأول، ويكون نقصان ~~القيراط عقوبة في اتخاذها، بمعنى أن الاثم الحاصل باتخاذها يوازن قدر قيراط ~~من أجر المتخذ له، وفي رواية قيراطان. وحكمة التحريم: ما في بقائها في ~~البيت من التسبب إلى ترويع الناس وامتناع دخول الملائكة، الذين دخولهم يقرب ~~إلى فعل الطاعات ويبعد عن فعل المعصية، وبعدهم سبب لضد ذلك، ولتنجيسها ~~الأواني. وقيل: بالثاني، بدليل نقص بعض الثواب على التدريج، فلو كان حراما ms1148 ~~لذهب الثواب مرة واحدة. وفيه أن فعل المكروه تنزيها لا يقتضي نقص شئ من ~~الثواب. وذهب إلى تحريم اقتناء الكلب الشافعية إلا المستثنى. واختلف في ~~الجمع بين رواية قيراط ورواية قيراطان، فقيل: إنه باعتبار كثرة الاضرار كما ~~في المدن ينقص قيراطان، وقلته كما في البوادي ينقص قيراط، أو أن الأول إذا ~~كان في المدينة النبوية والثاني في غيرها. أو قيراط من عمل النهار وقيراط ~~من عمل الليل. فالمقتصر في الرواية باعتبار كل واحد من الليل والنهار، ~~والمثني باعتبار مجموعهما، واختلفوا أيضا هل النقصان من العمل الماضي أو من ~~الأعمال المستقبلة، قال ابن التين: المستقبلة وحكى غيره الخلاف. وفيه دليل ~~على أن من اتخذ المأذون منها فلا نقص عليه، وقيس عليه اتخاذه لحفظ الدور ~~إذا احتيج إلى ذلك أشار إليه ابن عبد البر. واتفقوا على أنه لا يدخل الكلب ~~العقور في الاذن لأنه مأمور بقتله. وفي الحديث دليل على التحذير من الاتيان ~~بما ينقص الأعمال الصالحة. وفيه الاخبار بلطف الله تعالى في إباحة لما ~~يحتاج إليه في تحصيل المعاش وحفظه. PageV04P080 # (تنبيه): ورد في مسلم الامر بقتل الكلاب فقال القاضي عياض: ذهب كثير من ~~العلماء إلى الاخذ بالحديث في قتل الكلاب إلا ما استثني. قال: وهذا مذهب ~~مالك وأصحابه. # وذهب آخرون إلى جواز اقتنائها جميعا ونسخ قتلها إلا الأسود البهيم قال: ~~وعندي أن النهي أولا كان نهيا عاما عن اقتنائها جميعا وأمر بقتلها جميعا، ~~ثم نهى عن قتل ما عدا الأسود ومنع الاقتناء في جميعها إلا المستثنى ا ه‍ ~~والمراد بالأسود البهيم ذو النقطتين فإنه شيطان، والبهيم الخالص السواد، ~~والنقطتان معروفتان فوق عينيه: # 2 - (وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله (ص) إذا أرسلت ~~كلبك فاذكر اسم الله عليه، فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه، وإن أدركته ~~قد قتل ولم يأكل منه فكله، وإن وجدت مع كلبك كلبا غيره وقد قتل فلا تأكل، ~~فإنك لا تدري أيهما قتله، وإن رميت سهمك فاذكر اسم الله تعالى) هذا إشارة ms1149 ~~إلى آلة الصيد الثانية أعني المحدد وهو قتله بالرماح والسيوف لقوله تعالى: ~~* (تناله أيديكم ورماحكم) * ولكن الحديث في السهم (فإن غاب عنك يوما فلم ~~تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت، وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل متفق ~~عليه وهذا لفظ مسلم) في الحديث مسائل: الأولى: أنه لا يحل صيد الكلب إلا ~~إذا أرسله صاحبه فلو استرسل بنفسه لم يحل ما يصيده عند الجمهور، والدليل ~~قوله صلى الله عليه وسلم: إذا أرسلت فمفهوم الشرط أن غير المرسل ليس كذلك. ~~وعن طائفة أن المعتبر كونه معلما فيحل صيده وإن لم يرسله صاحبه بناء على ~~أنه خرج قوله: إذا أرسلت مخرج الغالب فلا مفهوم له. # وحقيقة المعلم هو أن يكون بحيث يغرى فيقصد ويزجر فيقعد. وقيل: التعليم ~~قبول الارسال والاغراء حتى يمتثل الزجر في الابتداء لا بعد العدو ويترك أكل ~~ما أمسك فالمعتبر امتثاله للزجر قبل الارسال وأما بعد إرساله على الصيد ~~فذلك متعذر. والتكليب إلهام من الله تعالى ومكتسب بالعقل، كما قال تعالى: * ~~(تعلمونهن مما علمكم الله) * قال جار الله: مما عرفكم أن تعلموه من اتباع ~~الصيد بإرسال صاحبه وانزجاره بزجره وانصرافه بدعائه وإمساك الصيد عليه وأن ~~لا يأكل منه. المسألة الثانية: في قوله: فاذكر اسم الله عليه هذا مأخوذ من ~~قوله تعالى: * (واذكروا اسم الله عليه) * فإن ضمير عليه يعود إلى ما أمسكن ~~على معنى وسموا عليه إذا أدركتم ذكاته، أو إلى ما علمتم من الجوارح أي سموا ~~عليه عند إرساله كما أفاده الكشاف. وكذلك قوله: إن رميت فاذكر اسم الله ~~دليل على اشتراط التسمية عند الرمي، وظاهر الكتاب والسنة وجوب التسمية. ~~واختلف العلماء: فذهبت الهادوية والحنفية إلى أن التسمية واجبة على الذاكر ~~عند الارسال ويجب عليه أيضا عند PageV04P081 # الذبح والنحر فلا تحل ذبيحته ولا صيده إذا تركت عمدا مستدلين بقوله ~~تعالى: * (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) *، وبالحديث هذا. قالوا، ~~وقد عفي عن الناسي بحديث رفع على أمتي الخطأ والنسيان ولما يأتي من حديث ~~ابن ms1150 عباس بلفظ: فإن نسي أن يسمي حين يذبح فليسم ثم ليأكل وسيأتي في آخر ~~الباب إن شاء الله تعالى. وذهب آخرون إلى أنها سنة منهم ابن عباس ومالك ~~ورواية عن أحمد مستدلين بقوله تعالى: * (إلا ما ذكيتم) * قالوا: فأباح ~~التذكية من غير اشتراط التسمية ولقوله تعالى: * (وطعام الذين أوتوا الكتاب ~~حل لكم) * وهم لا يسمون. ولحديث عائشة الآتي: أنهم قالوا: يا رسول الله إن ~~قوما يأتوننا بلحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا أفنأكل منه؟ قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: سموا عليه أنتم وكلوا. وأجابوا عن أدلة الايجاب ~~بأن قوله: (ولا تأكلوا) المراد به ما ذبح للأصنام كما قال تعالى: * (وما ~~ذبح على النصب وما أهل لغير الله به) * لأنه تعالى قال: * (وإنه لفسق) * ~~وقد أجمع المسلمون على أن من أكل متروك التسمية عليه فليس به، فوجب حملها ~~على ما ذكر جمعا بينه وبين الآية السابقة وحديث عائشة. وذهبت الظاهرية: إلى ~~أنه لا يجوز أكل ما لم يسم عليه ولو كان تاركها ناسيا، لظاهر الآية ~~الكريمة، وحديث عدي رضي الله عنه فإنه لم يفصل. قالوا: وأما حديث عائشة ~~وفيه: أنهم قالوا: # يا رسول الله إن قوما حديث عهدهم بالجاهلية يأتون بلحمان - الحديث فقد ~~قال ابن حجر إنه أعله البعض بالارسال. قال الدارقطني: الصواب أنه مرسل. على ~~أنه لا حجة فيه لأنه أدار الشارع الحكم على المظنة وهي كون الذابح مسلما ~~وإنما شك على السائل حداثة إسلام القوم فألغاه (ص) بل فيه دليل على أنه لا ~~بد من التسمية وإلا لبين له عدم لزومها وهذا وقت الحاجة إلى البيان وأما ~~حديث رفع عن أمتي الخطأ والنسيان فهم متفقون على تقدير رفع الاثم أو نحوه ~~ولا دليل فيه، وأما أهل الكتاب فهم يذكرون اسم الله على ذبائحهم. فيتحصل ~~قوة كلام الظاهرية، فيترك ما تيقن أنه لم يسم عليه وأما ما شك فيه والذابح ~~مسلم فكما قال صلى الله عليه وسلم: اذكروا اسم الله وكلوا. المسألة الثالثة ~~في قوله: ms1151 فإن أدركته حيا فاذبحه، فيه دليل على أنه يجب عليه تذكيته إذا ~~وجده حيا ولا يحل إلا بها وذلك اتفاق، فإن أدركه وفيه بقية حياة فإن كان قد ~~قطع حلقومه أو مريئه أو جرح أمعاءه أو أخرج حشوه فيحل بلا ذكاة. قال ~~النووي: بالاجماع، وقال المهدي للهادوية إنه إذا بقي فيه رمق وجب تذكيته، ~~والرمق إمكان التذكية لو حضرت آلة. ودل قوله وإن أدركته وقد قتل ولم يأكل ~~فكله. أنه إذا أكل حرم أكله، وقد عرفت أن من شرط المعلم أن لا يأكل فأكله ~~دليل على أنه غير كامل التعليم. وقد ورد في الحديث الآخر تعليل ذلك بقوله ~~صلى الله عليه وسلم: فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه وهو مستفاد من ~~قوله تعالى: * (فكلوا مما أمسكن عليكم) * فإنه فسر الامساك على صاحبه بألا ~~يأكل منه. وقد أخرج أحمد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: إذا أرسلت الكلب ~~فأكل PageV04P082 # الصيد فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه، وإذا أرسلته ولم يأكل فكل فإنما ~~أمسك على صاحبه وإلى هذا ذهب أكثر العلماء. وروي عن علي رضي الله عنه ~~وجماعة من الصحابة حله وهو مذهب مالك لقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله ~~وسلم في حديث أبي ثعلبة الذي أخرجه أبو داود بإسناد حسن أنه قال: يا رسول ~~الله إن لي كلابا مكلبة فأفتني في صيدها قال: كل مما أمسكن عليك قال: وإن ~~أكل؟ قال: وإن أكل وفي حديث سلمان كله وإن لم تدرك منه إلا نصفه. قيل: ~~فيحمل حديث عدي على أن ذلك في كلب قد اعتاد الأكل فخرج عن التعليم، وقيل: ~~إنه محمول على كراهة التنزيه، وحديث أبي ثعلبة لبيان أصل الحل وقد كان عدي ~~موسرا فاختار صلى الله عليه وسلم له الأولى وكان أبو ثعلبة معسرا فأفتاه ~~بأصل الحل. وقال الأولون: الحديثان قد تعارضا وهذه الأجوبة لا يخفى ضعفها ~~فيرجع إلى الترجيح. وحديث عدي أرجح لأنه مخرج في الصحيحين ومتأيد بالآية ~~وقد صرح (ص) بأنه يخاف أنه إنما ms1152 أمسك على نفسه، فيترك ترجيحا لجنبة الحظر ~~كما قال (ص) في الحديث: وإن وجدت مع كلبك كلبا آخر - إلى قوله - فلا تأكل ~~فإنه نهى عنه لاحتمال أن المؤثر فيه كلب آخر غير المرسل فيتركه ترجيحا ~~لجنبة الحظر. وقوله: فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكله إن ~~شئت اختلفت الأحاديث في هذا. فروى مسلم وغيره من حديث أبي ثعلبة في الذي ~~يدر ك صيده بعد ثلاث أنه قال صلى الله عليه وسلم: كل ما لم ينتن وروى مسلم ~~أيضا من حديثه أنه قال صلى الله عليه وسلم: إذا رميت بسهمك فغاب عنك مصرعه ~~فكل ما لم يبت ولاختلافها اختلف العلماء. فقال مالك: إذا غاب مصرعه ثم وجد ~~به أثر من الكلب فإنه يأكله ما لم يبت فإذا بات كره. وفيه أقوال أخر. ~~والتعليل بما لم ينتن وما لم يبت هو النص ويحمل ذكر الأوقات على التقييد به ~~وترك الأكل للاحتياط وترجيح جنبة الحظر. وقوله وإن وجدته غريقا فلا تأكل ~~ظاهره وإن وجد به أثر السهم لأنه يجوز أنه مات إلا بالغرق. المسألة ~~الرابعة: الحديث نص في صيد الكلب واختلف فيما يعلم من غيره كالفهد والنمر ~~ومن الطيور كالبازي والشاهين وغيرهما. فذهب مالك وأصحابه إلى أنه يحل صيد ~~كل ما قبل التعليم حتى السنور. وقال جماعة منهم مجاهد: لا يحل إلا صيد ~~الكلب. وأما ما صاده غيره الكلب فيشترط إدراك ذكاته. وقوله تعالى: * (من ~~الجوارح مكلبين) * دليل للثاني بناء على أنه من الكلب بسكون اللام - فلا ~~يشمل غيره من الجوارح، ولكنه يحتمل أنه مشتق من الكلب - بفتح اللام - وهو ~~مصدر بمعنى التكليب وهو التضرية فيشمل الجوارح كلها. والمراد بالجوارح هنا ~~الكواسب على أهلها وهو عام. قال في الكشاف: الجوارح الكواسب من سباع ~~البهائم والطير والكلب والفهد والنمر والعقاب والبازي والصقر والشاهين. ~~والمراد بالمكلب: معلم الجوارح ومضراها بالصيد لصاحبها ورائضها لذلك، بما ~~علم من الحيل وطرق التأديب والتثقيف. واشتقاقه من الكلب لان التأديب أكثر ~~ما يكون في الكلاب فاشتق ms1153 له منه لكثرته في جنسه أو لان السبع يسمى كلبا ~~ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فأكله ~~PageV04P083 # الأسد، أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة يقال هو كلب بكذا إذا كان ~~ضاريا به ا ه‍. # فدل كلامه على شمول الآية للكلب وغيره من الجوارح على تقدير الاشتقاقين، ~~ولا شك أن الآية نزلت والعرب تصيد بالكلاب والطيور وغيرهما، وقد أخرج ~~الترمذي من حديث عدي بن حاتم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد ~~البازي فقال: ما أمسك عليك فكل وقد ضعف بمجالد، ولكن قد أوضحنا في حواشي ~~ضوء النهار أنه يعمل بما رواه. # 3 - (وعن عدي رضي الله عنه قال: سألت رسول الله (ص) عن صيد المعراض) بكسر ~~الميم وسكون المهملة آخره معجمة يأتي تفسيره (فقال: إذا أصبت بحده فكل، ~~وإذا أصبت بعرضه فقتل فإنه وقيذ) بفتح الواو وبالقاف فمثناة تحتية وذال ~~معجمة بزنة عظيم يأتي بيانه (فلا تأكل رواه البخاري). اختلف في تفسير ~~المعراض على أقوال لعل أقربها ما قاله ابن التين: إنه عصا في طرفه حديد ~~يرمي به الصائد، فما أصاب بحده فهو ذكي يؤكل وما أصاب بعرضه فهو وقيذ أي ~~موقوذ، والموقوذ ما قتل بعصا أو حجر أو ما لا حد فيه، والموقوذة المضروبة ~~بخشبة حتى تموت، من وقذته ضربته. وفي الحديث إشارة إلى آلة من آلات ~~الاصطياد وهي المحدد فإنه صلى الله عليه وسلم أخبره أنه إذا أصاب بحد ~~المعراض أكل فإنه محدد وإذا أصاب بعرضه فلا يأكل. وفيه دليل أنه لا يحل صيد ~~المثقل، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد والثوري. وذهب ~~الأوزاعي ومكحول وغيرهما من علماء الشام: إلى أنه يحل صيد المعراض مطلقا. ~~وسبب الخلاف معارضة الأصول في هذا الباب بعضها لبعض، ومعارضة الأثر لها، ~~وذلك أن من الأصول في هذا الباب أن الوقيذ محرم بالكتاب والاجماع ومن أصوله ~~أن العقر ذكاة الصيد فمن رأى أن ما قتله المعراض وقيذ منعه على الاطلاق ومن ~~رآه ms1154 عقرا مختصا بالصيد، وأن الوقذ غير معتبر فيه لم يمنعه على الاطلاق، ومن ~~فرق بينما خزق من ذلك وما لم يخزق نظر إلى حديث عدي هذا وهو الصواب. هذا ~~وقوله: فإنه وقيذ أي كالوقيذ وذلك لان الوقيذ المضروب بالعصا من دون حد ~~وهذا قد شاركه في العلة وهي القتل بغير حد. 4 - (وعن أبي ثعلبة رضي الله ~~عنه عن النبي (ص) قال: إذا رميت بسهمك فغاب عنك فأدركت فكله ما لم ينتن ~~أخرجه مسلم. تقدم الكلام فيما غاب عن مصرعه من الصيد سواء كان بسهم أو ~~جارح، وفي الحديث دلالة على تحريم أكل ما أنتن من اللحم، قيل: ويحمل على ما ~~يضر الآكل أو صار مستخبثا أو يحمل على التنزيه، ويقاس عليه سائر الأطعمة ~~المنتنة. # 5 - (وعن عائشة رضي الله عنها أن قوما قالوا للنبي (ص): إن قوما يأتوننا ~~باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه) أي عند ذكاته (أم لا؟ قال: سموا الله ~~عليه أنتم وكلوه رواه البخاري). تقدم أن في رواية إن قوما حديث عهدهم ~~بالجاهلية وهي هنا في البخاري من تمام الحديث بلفظ قالت: وكانوا حديثي عهد ~~بالكفر وفي رواية PageV04P084 # مالك زيادة وذلك في أول الاسلام. والحديث قد أعل بالارسال، وليس بعلة ~~عندنا على ما عرفت سيما وقد وصله البخاري، وتقدم أن الحديث من أدلة من قال ~~بعدم وجوب التسمية ولا يتم ذلك. وإنما هو دليل على أنه لا يلزم أن يعلموا ~~التسمية فيما يجلب إلى أسواق المسلمين وكذا ما ذبحه الاعراب من المسلمين ~~لأنهم قد عرفوا التسمية، قال ابن عبد البر: لان المسلم لا يظن به في كل شئ ~~إلا الخير إلا أن يتبين خلاف ذلك. ويكون الجواب عنهم بقوله فسموا إلخ من ~~الأسلوب الحكيم وهو جواب السائل بغير ما يترقب كأنه يقول: الذي يهمكم أنتم ~~أن تذكروا اسم الله عليه وتأكلوا منه، وهذا يقرر ما قدمناه من وجوب التسمية ~~إلا أن تحمل أمور المسلمين على السلامة. وأما ما اشتهر من حديث المؤمن يذبح ~~على اسم ms1155 الله سمى أم لم يسم وإن قال الغزالي في الاحياء: إنه صحيح، فقد قال ~~النووي: إنه مجمع على ضعفه. وقد أخرجه البيهقي من حديث أبي هريرة وقال: إنه ~~منكر لا يحتج به. وكذا ما أخرجه أبو داود في المراسيل عن الصلت السدوسي عن ~~النبي (ص) قال ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أو لم يذكر فهو مرسل، وإن ~~كان الصلت ثقة فالارسال علة عند من لم يقبل المراسيل، وقولنا فيما تقدم إنه ~~ليس الارسال علة: نريد إذا أعلوا به حديثا موصولا ثم جاء من جهة أخرى ~~مرسلا. # 6 - (وعن عبد الله بن مغفل المزني رضي الله عنه أن رسول الله (ص) نهى عن ~~الخذف) بفتح الخاء المعجمة وسكون الذال المعجمة ففاء (وقال: إنها) أنث ~~الضمير مع أن مرجعه الخذف وهو مذكر نظرا إلى المحذوف به وهي الحصاة (لا ~~تصيد صيدا ولا تنكأ) بفتح حرف المضارعة وهمزة في آخره (عدوا ولكنها تكسر ~~السن وتفقأ العين. متفق عليه واللفظ لمسلم). الخذف: رمي الانسان بحصاة أو ~~نواة أو نحوهما يجعلها بين أصبعيه السبابتين أو السبابة والابهام. وفي ~~تحريم ما يقتل بالخذف من الصيد الخلاف الذي مضى في صيد المثقل لان الحصاة ~~تقتل بثقلها لا بحد. والحديث نهى عن الخذف لأنه لا فائدة فيه، ويخاف منه ~~المفسدة المذكورة، ويلحق به كل ما فيه مفسدة. واختلف فيما يقتل بالبندقة ~~فقال النووي: إنه إذا كان الرمي بالبنادق وبالخذف إنما هو لتحصيل الصيد ~~وكان الغالب فيه عدم قتله فإنه يجوز ذلك إذا أدركه الصائد وذكاه كرمي ~~الطيور الكبار بالبنادق. وأما أثر ابن عمر وهو ما أخرجه عنه البيهقي أنه ~~كان يقول: المقتولة بالبندقة تلك الموقوذة فهذا في المقتولة بالبندقة، ~~وكلام النووي في الذي لا يقتلها وإنما يحسبها على الرامي حتى يذكيها، وكلام ~~أكثر السلف أنه لا يؤكل ما قتل بالبندقة وذلك لأنه قتل بالثقل. قلت: وأما ~~البنادق المعروفة الآن فإنها ترمي بالرصاص فيخرج وقد صيرته نار البارود ~~كالميل فيقتل بحده لا بصدمه فالظاهر حل ما قلته. PageV04P085 # 7 ms1156 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا ~~تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا) بفتح الغين المعجمة وفتح الراء فضاد معجمة هو ~~في لأصل الهد ف يرمى ثم جعل اسما لكل غاية يتحرى إدراكها (رواه مسلم). ~~الحديث نهى عن جعل الحيوان هدفا يرمى إليه، والنهي للتحريم لأنه أصله ~~ويؤيده قوة حديث لعن الله من فعل هذا لما مر (ص) وطائر قد نصب وهم يرمونه. ~~ووجه حكمة النهي أن فيه إيلاما للحيوان، وتضييعا لماليته، وتفويتا لذكاته ~~إن كان مما يذكى، ولمنفعته إن كان غير مذكى. # 8 - (وعن كعب بن مالك رضي الله عنه أن امرأة ذبحت شاة بحجر فسئل النبي ~~(ص) عن ذلك فأمر بأكلها رواه البخاري. الحديث دليل على صحة تذكية المرأة، ~~وهو قول الجماهير، وفيه خلاف شاذ أنه يكره ولا وجه له. ودليل على صحة ~~التذكية بالحجر الحاد إذا فرى الأوداج، لأنه جاء في رواية أنها كسرت الحجر ~~وذبحت به، والحجر إذا كسرت يكون فيه الحد. # ودليل على أنه يصح أكل ما ذبح بغير إذن المالك، وخالف فيه إسحاق بن ~~راهويه وأهل الظاهر وغيرهم. واحتجوا بأمره صلى الله عليه وسلم بإكفاء ما في ~~قدور ما ذبح من المغنم قبل القسمة بذي الحليفة كما أخرجه الشيخان. وأجيب: ~~بأنه إنما أمر بإراقة المرق وأما اللحم فباق جمع ورد إلى المغنم. فإن قيل: ~~لم ينقل جمعه ورده إليه. قلنا: ولم ينقل أنهم أتلفوه وأحرقوه فيجب تأويله ~~بما ذكرنا موافقة للقواعد الشرعية. قلت: لا يخفى تكليف الجواب والمرق مال ~~لو كان حلالا لما أمر بإراقته فإنه من إضاعة المال. وأما الاستدلال على ~~المدعي بشاة الأسارى، فإنها ذبحت بغير إذن مالكها فأمر (ص) بالتصدق بها على ~~الأسارى كما هو معروف، فإنه استدلال غير صحيح، وذلك لأنه (ص) لم يستحل ~~أكلها ولا أباح لاحد من المسلمين أكلها بل أمر أن تطعم الكفار المستحلين ~~للميتة. وقد أخرج أبو داود من حديث رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله ~~(ص) في ms1157 سفر فأصاب الناس مجاعة شديدة وجهد فأصابوا غنما فانتهبوها فإن ~~قدورنا لتغلي إذ جاء رسول الله (ص) على فرسه فأكفأ قدورنا ثم جعل يرمل ~~اللحم بالتراب وقال: إن النهبة ليست بأحل من الميتة. فهذا مثل الحديث الذي ~~أخرجه الشيخان، وفيه التصريح بأنه حرام وفيه إتلاف اللحم لأنه ميتة، فعرفت ~~قوة كلام أهل الظاهر. وأما حديث الكتاب وأنه صلى الله عليه وسلم أمر بأكل ~~ما ذبح بغير إذن مالكه فإنه يرد على أهل الظاهر لأنهم يقولون بحل ما ذبح ~~بغير إذن مالكه مخافة أن يموت أو نحوه. وفيه دليل على أنه يجوز تمكين ~~الكفار مما هو محرم على المسلمين، ويدل له أنه صلى الله عليه وسلم نهى عمر ~~عن لبس الحلة من الحرير فبعث بها عمر لأخيه المشرك إلى مكة كما في البخاري ~~وغيره. قال المصنف في الفتح: ويدل الحديث على تصديق الأجير الأمين فيما ~~أؤتمن عليه حتى يتبين عليه دليل الخيانة، لان في الحديث أنها كانت المرأة ~~أمة راعية لغنم سيدها وهو كعب بن مالك فخشيت على الشاة أن تموت فذبحتها. ~~ويؤخذ منه جواز تصرف المودع لمصلحة بغير إذن المالك. PageV04P086 # 9 - (وعن رافع بن خديج رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:) ~~سبب الحديث أنه قال رافع بن خديج: يا رسول الله إنا لاقو العدو غدا وليس ~~معنا مدى فقال صلى الله عليه وسلم: (ما أنهر الدم) بفتح الهمزة فنون ساكنة ~~فهاء مفتوحة فراء أي ما أسأله وصبه بكثرة، من النهر (وذكر اسم الله عليه ~~فكل، ليس السن والظفر أما السن فعظم وأما الظفر فمدى) بضم الميم وبفتحها ~~وفتح الدال المهملة فألف مقصورة: جمع مدية مثلثة الميم وهي الشفرة أي ~~السكين (الحبشة متفق عليه). فيه دلالة صريحة بأنه يشترط في الذكاة ما يقطع ~~ويجري الدم. # واعلم أنه تكون الذكاة بالنحر للإبل وهو الضرب بالحديد في لبة البدنة حتى ~~يفري أوداجها. واللبة - بفتح اللام وتشديد الموحدة - موضع القلادة من ~~الصدر. والذبح لما عداها وهو قطع الأوداج أي الودجين ms1158 وهما عرقان محيطان ~~بالحلقوم، فقولهم الأوداج تغليب على الحلقوم والمرئ فسميت الأربعة أوداجا. ~~واختلف العلماء فقيل لا بد من قطع الأربعة وعن أبي حنيفة: يكفي قطع ثلاثة ~~من أي جانب، وقال الشافعي: يكفي قطع الأوداج والمرئ. وعن الثوري يجزئ قطع ~~الودجين. وعن مالك يشترط قطع الحلقوم والودجين لقوله صلى الله عليه وسلم: ~~ما أنهر الدم وإنهاره إجراؤه وذلك يكون بقطع الأوداج لأنها مجرى الدم وأما ~~المرئ فهو مجرى الطعام وليس به من الدم ما يحصل به إنهاره. # والحديث دليل على أنه يجزئ الذبح بكل محدد، فيدخل السيف والسكين والحجر ~~والخشبة والزجاج والقصب والخزف والنحاس وسائر الأشياء المحددة. والنهي عن ~~السن والظفر مطلقا من آدمي أو غيره منفصل أو متصل ولو كان محددا، وقد بين ~~(ص) وجه النهي في الحديث بقوله: أما السن فعظم فالعلة كونه عظما، وكأنه قد ~~سبق منه صلى الله عليه وسلم النهي عن الذبح بالعظم. وقد علل النووي وجه ~~النهي عن الذبح بالعظم أنه ينجس به وهو من طعام الجن فيكون كالاستجمار ~~بالعظم. وعلل في الحديث النهي عن الذبح بالظفر بكونه مدى الحبشة أي وهم ~~كفار وقد نهيتم عن التشبه بهم، وأورد عليه بأن الحبشة تذبح بالسكين أيضا ~~فيلزم المنع من ذلك التشبه. وأجيب بأن الذبح بالسكين هو الأصل وهو غير مخصص ~~بالحبشة. وعلل ابن الصلاح ذلك بأنه إنما منع لما فيه من التعذيب للحيوان ~~ولا يحصل به إلا الخنق الذي ليس على صفة الذبح. وفي المعرفة للبيهقي رواية ~~عن الشافعي أنه حمل الظفر في هذا الحديث على النوع الذي يدخل في الطيب وهو ~~من بلاد الحبشة وهو لا يفري فيكون في معنى الخنق. وإلى تحريم الذبح بما ذكر ~~ذهب الجمهور. وعن أبي حنيفة وصاحبيه أنه يجوز بالسن والظفر المنفصلين ~~واحتجوا بما أخرجه أبو داود من حديث عدي بن حاتم أفر الدم بما شئت والجواب ~~أنه عام خصصه حديث رافع بن خديج. # 10 - وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله (ص) أن ms1159 ~~يقتل PageV04P087 # شئ من الدواب صبرا رواه مسلم. وهو دليل على تحريم قتل أي حيوان صبرا وهو ~~إمساكه حيا ثم يرمى حتى يموت، وكذلك قتل من الآدميين في غير معركة ولا حرب ~~ولا خطأ فإنه مقتول صبرا. والصبر: الحبس. # 11 - (وعن شداد بن أوس رضي الله عنه) شداد بالشين المعجمة ودالين مهملتين ~~هو: أبو يعلى شداد بن أوس بن ثابت النجاري الأنصاري وهو ابن أخي حسان بن ~~ثابت لم يصح شهوده بدرا، نزل بيت المقدس وعداده في أهل الشام، مات به سنة ~~ثمان وخمسين، وقيل غير ذلك، قال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء: كان شداد ~~ممن أوتي العلم والحلم (قال: قال رسول الله (ص): إن الله تعالى كتب الاحسان ~~على كل شئ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة) بكسر القاف مصدر نوعي (وإذا ذبحتم ~~فأحسنوا الذبحة) بزنة القتلة (وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته. رواه مسلم. ~~قوله كتب الاحسان أي أوجبه، كما قال تعالى: * (إن الله يأمر بالعدل ~~والاحسان) * وهو فعل الحسن ضد القبيح فيتناول الحسن شرعا والحسن عرفا، وذكر ~~ما هو أبعد شئ عن اعتبار الاحسان وهو الاحسان في القتل، لأي حيوان من آدمي ~~وغيره في حد وغيره، ودل على نفي المثلة مكافأة إلا أنه يحتمل أنه مخصص ~~بقوله: * (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * وقد تقدم ~~الكلام في ذلك. وأبان بعض كيفية إحسانها بقوله: وليحد بضم حرف المضارعة من ~~أحد السكين أحسن حدها، والشفرة بفتح المعجمة السكين العظيمة وما عظم من ~~الحديد وحدد وقوله: وليرح بضم حرف المضارعة أيضا من الإراحة ويكون بإحداد ~~السكين وتعجيل إمرارها وحسن الصنيعة. # 12 - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ذكاة الجنين ذكاة أمه رواه أحمد وصححه ابن حبان. الحديث له طرق ~~عند الترمذي وأبي داود والدار قطني إلا أنه قال عبد الحق: إنه لا يحتج ~~بأسانيده كلها وقال الجويني: إنه صحيح لا يتطرق احتمال إلى متنه ولا ضعف ~~إلى سنده، وتابعه الغزالي، والصواب أنه ms1160 بمجموع طرقه يعمل به، وقد صححه ابن ~~حبان وابن دقيق العيد. وفي الباب عن جابر وأبي الدرداء وأبي أمامة وأبي ~~هريرة قاله الترمذي. وفيه عن جماعة من الصحابة مما يؤيد العمل. والحديث ~~دليل على أن الجنين إذا خرج من بطن أمه ميتا بعد ذكاتها فهو حلال مذكى ~~بذكاة أمه. وإلى هذا ذهب الشافعي وجماعة حتى قال ابن المنذر: # لم يرو عن أحد من الصحابة ولا من العلماء أن الجنين لا يؤكل إلا باستئناف ~~الذكاة فيه، إلا ما يروى عن أبي حنيفة، وذلك لصراحة الحديث فيه، ففي لفظ ~~ذكاة الجنين بذكاة أمه أخرجه البيهقي، فالباء سببية أي إن ذكاته حصلت بسبب ~~ذكاة أمه، أو ظرفيه ليوافق ما عند البيهقي أيضا ذكاة الجنين في ذكاة أمه. ~~واشترط مالك أن يكون قد أشعر، لما رواه أحمد بن عصام عن مالك عن نافع عن ~~ابن عمر مرفوعا إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه PageV04P088 # لكنه قال الخطيب: تفرد به أحمد بن عصام وهو ضعيف، وهو في الموطأ موقوف ~~على ابن عمر، وأصح. وعورض بما رواه ابن المبارك عن ابن أبي ليلى قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر وفيه ~~ضعف لسوء حفظ ابن أبي ليلى، ولكنه أخرج البيهقي من حديث ابن عمر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر روي عن ~~أوجه عن ابن عمر مرفوعا قال البيهقي: ورفعه عنه ضعيف والصحيح أنه موقوف. ~~قلت: والموقوفان عنه قد صحا وتعارضا فيطرحان ويرجع إلى إطلاق حديث الباب ~~وما في معناه. وذهب الهادوية والحنفية إلى أن الجنين إذا خرج ميتا من ~~المذكاة فإنه ميتة لعموم * (حرمت عليكم الميتة) * وكذا لو خرج حيا ثم مات، ~~وإليه ذهب ابن حزم، وأجابوا عن الحديث بأن معناه ذكاة الجنين إذا خرج حيا ~~فهو ذكاة أمه، قاله في البحر. قلت: ولا يخفى أنه إلغاء للحديث عن الإفادة، ~~فإنه معلوم أن ذكاة الحي من الانعام ms1161 ذكاة واحدة من جنين وغيره كيف ورواية ~~البيهقي بلفظ ذكاة الجنين في ذكاة أمه، فهي مفسرة لرواية ذكاة أمه، وفي ~~أخرى بذكاة أمه. # 13 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~المسلم يكفيه اسمه) الضمير للمسلم وقد فسره حديث البيهقي عن ابن عباس قال ~~فيه فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله (فإن نسي أن يسمي حين يذبح فليسم ثم ~~ليأكل أخرجه الدارقطني) وفيه راو في حفظه ضعف بينه بقوله: (وفي إسناده محمد ~~بن يزيد بن سنان، وهو صدوق ضعيف الحفظ. وأخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح إلى ~~ابن عباس موقوفا عليه. وله شاهد عند أبي داود في مراسيله بلفظ ذبيحة المسلم ~~حلال ذكر اسم الله عليها أم لم يذكر ورجاله موثقون). وفي الباب مرسل صحيح، ~~ولكنها لا تقاوم ما سلف من الأحاديث الدالة على وجوب التسمي مطلقا، إلا ~~أنها تفت في عضد وجو ب التسمية مطلقا وتجعل ترك أكل ما لم يسم عليه من باب ~~التورع. # باب الأضاحي الأضاحي: جمع أضحية بضم الهمزة ويجوز كسرها، ويجوز حذف ~~الهمزة وفتح الضاد كأنها اشتقت من اسم الوقت الذي شرع ذبحها فيه، وبها سمي ~~اليوم يوم الأضحى. # 1 - (عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضحي ~~بكبشين أملحين أقرنين، ويسمي ويكبر ويضع رجله على صفاحهما) بالمهملتين ~~الأولى مكسورة. في النهاية: صفحة كل شئ وجهه وجانبه (وفي لفظ ذبحهما بيده، ~~وفي PageV04P089 # لفظ: سمينين، ولأبي عوانة في صحيحه) أي عن أنس رضي الله عنه (ثمينين - ~~بالمثلث بدل السين) هذا مدرج من كلام أحد الرواة أو أبي عوانة أو المصنف ~~(وفي لفظ لمسلم) من رواية أنس (ويقول: بسم الله والله أكبر). الكبش: هو ~~الثني إذا خرجت رباعيته والأملح الأبيض الخالص، وقيل: الذي يخالط بياضه شئ ~~من سواد، وقيل: الذي يخالط بياضه حمرة، وقيل: هو الذي فيه بياض وسواد ~~والبياض أكثر، والأقرن هو الذي له قرنان. واستحب العلماء التضحية بالأقرن ~~لهذا الحديث، وأجازوها بالأجم ms1162 الذي لا قرن له أصلا، واختلفوا في مكسور ~~القرن: فأجازه الجمهور وعند الهادوية لا يجزئ إذا كان القرن الذاهب مما ~~تحله الحياة. واتفقوا على استحباب الأملح قال النووي: إن أفضلها عند ~~الصحابة البيضاء ثم الصفراء ثم الغبراء وهي التي لا يصفو بياضها ثم البلقاء ~~وهي التي بعضها أسود وبعضها أبيض ثم السوداء، وأما حديث عائشة: يطأ في سواد ~~ويبرك في سواد وينظر في سواد فمعناه أن قوائمه وبطنه وما حول عينيه أسود. ~~قلت: إذا كانت الأفضلية في اللون مستندة إلى ما ضحى به (ص) فالظاهر أنه لم ~~يتطلب لونا معينا حتى يحكم بأنه الأفضل بل ضحى بما اتفق له وتيسر حصوله فلا ~~يدل على أفضلية لون من الألوان. وقوله ويسمي ويكبر فسره لفظ مسلم بأنه بسم ~~الله والله أكبر أما التسمية فتقدم الكلام فيها. # وأما التكبير فكأنه خاص بالتضحية والهدي لقوله تعالى: * (ولتكبروا الله ~~على ما هداكم) *. وأما وضع رجله صلى الله عليه وسلم على صفحة العنق وهي ~~جانبه فليكون أثبت له وأمكن لئلا تضطرب الضحية. ودل هو وما بعده أنه يتولى ~~الذبح بنفسه ندبا. # 2 - (وله من حديث) أي لمسلم من حديث (عائشة رضي الله عنها أمر بكبش أقرن ~~يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد فأتي به ليضحي به فقال لها: يا ~~عائشة هلمي المدية ثم قال اشحذيها) أي المدية تقدم ضبطها وهو بمعنى وليحد ~~أحدكم شفرته (بحجر ففعلت ثم أخذها) أي المدية (وأخذه فأضجعه) أي الكبش (ثم ~~ذبحه ثم قال: بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد ثم ضحى ~~به). فيه دليل على أنه يستحب إضجاع الغنم ولا تذبح قائمة ولا باركة لأنه ~~أرفق بها، وعليه أجمع المسلمون ويكون الاضجاع على جانبها الأيسر لأنه أيسر ~~للذابح في أخذ السكين باليمنى وإمساك رأسها باليسار. وفيه أنه يستحب الدعاء ~~بقبول الأضحية وغيرها من الأعمال، وقد قال الخليل والذبيح عند عمارة البيت: ~~* (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) *، وقد أخرج ابن ماجة أنه ms1163 صلى ~~الله عليه وسلم قال عند التضحية وتوجيهها للقبلة: * (وجهت وجهي) * الآية ~~ودل قوله وآل محمد وفي لفظ عن محمد وآل محمد أنه تجزئ التضحية من الرجل عن ~~أهل بيته ويشركهم في ثوابها، وأنه يصح نيابة المكلف عن غيره في فعل ~~الطاعات، وإن لم يكن من الغير أمر ولا وصية، فيصح أن يجعل ثواب عمله لغيره، ~~صلاة كانت أو غيرها، وقد تقدم ذلك ودل له ما أخرجه الدارقطني من حديث جابر ~~أن رجلا قال: يا رسول الله إنه كان PageV04P090 # لي أبوان أبرهما في حال حياتهما فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ فقال (ص): إن ~~من البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك وأن تصوم لهما مع صيامك. # 3 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من كان له سعة ~~ولم يضح فلا يقربن مصلانا. رواه أحمد وابن ماجة وصححه الحاكم ورجح الأئمة ~~غيره) أي غير الحاكم (وقفه). وقد استدل به على وجوب التضحية على من كان له ~~سعة، لأنه لما نهى عن قربان المصلى دل على أنه ترك واجبا، كأنه يقول لا ~~فائدة في الصلاة مع ترك هذا الواجب، ولقوله تعالى: * (فصل لربك وانحر) * ~~ولحديث مخنف ابن سليم مرفوعا " على أهل كل بيت في كل عام أضحية " دل لفظه ~~على الوجوب. # موقوف فلا حجة فيه، والثاني ضعيف بأبي رملة قال الخطابي: إنه مجهول ~~والآية محتملة فقد فسر قوله - وانحر - بوضع الكف على النحر والصلاة، أخرجه ~~ابن أبي حاتم وابن أبي شاهين في سننه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس، ~~وفيه روايات من الصحابة مثل ذلك، ولو سلم فهو دالة على أن النحر بعد الصلاة ~~فهي تعين لوقته لا لوحوبه كأنه يقول: إذا نحرت بعد الصلاة العيد، فإنه قد ~~أخرج ابن جرير عن آنس " كان النبي صلى الله عليه وسلم ينحر قبل أن يصلى، ~~فأمر أن يصلى ثم نحر " ولضعف أدلة الوجوب ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين ~~والفقهاء إلى أنها سنة مؤكدة، بل قال ابن حزم: لا ms1164 يصلح عن أحد من الصحابة ~~أنها واجبة. وقد أخرج مسلم وغيره من حديث أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم " إذا دخلت العشر فأراد أحدكم أن يضحى فلا يأخذ من شعره ~~وبشره شيئا " قال الشافعي: إن قوله " فأراد أحدكم " يدل على عدم الوجوب. # ولما أخرجه البيهقي من حديث عبد الله بن عمر " أن رجلا أتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت بيوم الأضحى عيدا ~~جعله الله لهذه الأمة، فقال الرجل: فإن لم أجد إلا منيحة أنثى أو شاة أهلي ~~ومنيحتهم أذبحها؟ قال لا " الحديث. # ولما أخرجه البيهقي أيضا من حديث ابن عباس أنه قال صلى الله عليه وسلم " ~~ثلاث هن على فرض ولكم تطوع وعد منها الضحية " وأخرجه أيضا من طريق أحرى ~~بلفظ " كتب على النحر ولم يكتب عليكم " وبما أخرجه أيضا من " أنه صلى الله ~~عليه وسلم لما ضحى قال: # بسم الله والله أكبر، اللهم عنى عمن لم يضح من أمتي " وأفعال الصحابة ~~دالة على عدم الايجاب فأخرج البيهقي عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما ~~كانا لا يضحيان خشية أن يقتدى مهما. وأخرج عن ابن عباس أنه كان إذا حضر ~~الأضحى أعطى مولى له درهمين PageV04P091 # فقال اشتر بهما لحما، وأخبر الناس أنه ضحى ابن عباس. وروى أن بلالا ضحى ~~بديك، ومثله روى عن أبي هرير. والروايات عن الصحابة في هذا المعنى كثيرة ~~دالة على أنها سنة 4 - (وعن جندب بن سفيان) وهو أبو عبد الله جندب بن سفيان ~~الجبلي العلقمي الأخمسي، كان بالكوفة ثم انتقل إلى البصرة ثم خرج منها، ~~ومات في فتنة ابن الزبير بعد أربع سنين (قال: شهدت الأضحى مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فلما قضى صلاته بالناس نضر إلى غنم قد ذبحت فقال: من ذبح ~~قبل الصلاة فليذبح شاة مكانها، ومن لم يكن ذبح فليذبح على اسم الله. متفق ~~عليه) فيه دليل على أن وقت التضحية من بعد صلاة العيد فلا تجرى ms1165 قبله، ~~والمراد صلاة المصلى نفسه. ويحتمل أن المراد صلاة الامام وأن اللام للعهد ~~في قوله " يراد به المذكور قبلها وهي صلاته صلى الله عليه وسلم، وإليه ذهب ~~مالك فقال: لا يجوز قبل صلاة الامام وخطبته وذبحه. ودليل اعتبار ذبح الامام ~~ما رواه الطحاوي من حديث جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر ~~بالمدية، فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نحر ~~فأمرهم أن يعيدوا ". وأجيب بأن المراد زجرهم عن التعجيل الذي قد يؤدى إلى ~~فعلها قبل الوقت، ولذا لم يأت في الا حديث إلا تقييدها بصلاته صلى الله ~~عليه وسلم، وقال أحمد مثل قول مالك ولم يشترط ذبحه. ونحوه من الحسن ~~والأوزاعي وإسحاق بن راهويه. وقال الشافعي وداود: وقتها إذا طلعت الشمس ~~ومضى قدر صلاة العيد وخطبتين وإن لم يصل الامام ولا يصلى المضحي. قال ~~القرطبي: ظواهر الحديث تدل على تعليق الذبح بالصلاة لكن لما روى الشافعي أن ~~من لا صلاة عليه مخاطب بالتضحية حمل الصلاة على وقتها. وقال بن دقيق العيد: ~~هذا اللفظ أظهر في الصلاة، وهو قوله في رواية " من ذبح قبل أن يصلى فليذبح ~~مكانها أخرى " قال لكن إن أجريناه على ظاهره اقتضى أنها لا تجزئ الأضحية في ~~حق من لم يصل العيد. فان ذهب إليه أحد فهو أسعد الناس بظاهر هذا الحديث ~~وإلا وجب الخروج عن هذا الظاهر وفي هذه الصورة ويبق ما عداها في محل البحث. ~~وقد أخرج الطحاوي من حديث جابر " أن رجلا ذبح قبل أن يصلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فنهى أن يذبح أحد قبل الصلاة " صححه ابن حبان. وقد عرفت ~~الأقوى دليلا من هذه الأقوال. وهذا الكلام في ابتداء وقت الضحية. وأما ~~انتهاؤه فأقوال فعند الهادوية العاشر ويوما بعده. وبه قال مالك وأحمد. وعند ~~الشافعي أن أيام الأضحى أربعة يوم النحر وثلاثة بعده، وعند داود وجماعة من ~~التابعين يوم النحر فقط إلا في منى في ثلاثة الأيام. وعند جماعة أنه في آخر ~~يوم من ms1166 شهر ذي الحجة. # قال في نهاية المجتهد: سبب اختلافهم شيئان: أحدهما الاختلاف في الأيام ~~المعلومات ما هي في قوله تعالى - ليشهدوا منافع لهم - الآية، فقيل يوم وهو ~~المشهور وقيل: العشر الأول من ذي الحجة، والسبب الثاني: معارضة دليل الخطاب ~~في هذه الآية بحديث PageV04P092 # جبير بن مطعم مرفوعا أنه قال صلى الله عليه وسلم: كل فجاج مكة منحر وكل ~~أيام التشريق ذبح فمن قال في الأيام المعلومات إنها يوم النحر ويومان بعده ~~في هذه الآية رجح دليل الخطاب فيها على الحديث المذكور، وقال: لا نحر إلا ~~في هذه الأيام. ومن رأى الجمع بين الحديث والآية قال: لا معارضة بينهما، إذ ~~الحديث اقتضى حكما زائدا على ما في الآية، مع أن الآية ليس المقصود فيها ~~تحديد أيام النحر والحديث المقصود منه ذلك، قال: يجوز الذبح في اليوم ~~الرابع إذا كان من أيام التشريق باتفاق. ولا خلاف بينهم أن الأيام ~~المعدودات هي أيام التشريق وأنها ثلاثة أيام بعد يوم النحر إلا ما يروى عن ~~سعيد بن جبير أنه قال: يوم النحر من أيام التشريق. وإنما اختلفوا في الأيام ~~المعلومات على القولين، وأما من قال يوم النحر فقط فبناء على أن المعلومات ~~العشر الأول، قالوا: وإذا كان الاجماع قد انعقد على أنه لا يجوز الذبح هنا ~~إلا في اليوم العاشر وهو محل الذبح المنصوص عليه فوجب أن لا يكون إلا يوم ~~النحر فقط انتهى. # (فائدة): في النهاية أيضا ذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه لا يجوز ~~التضحية في ليالي أيام النحر، وذهب غيره إلى جواز ذلك. وسبب الاختلاف هو أن ~~اليوم يطلق على اليوم والليلة نحو قوله: * (فتمتعوا في داركم ثلاثة أيام) * ~~ويطلق النهار دون الليل نحو * (وسبع ليال وثمانية أيام) * فعطف الأيام على ~~الليالي والعطف يقتضي المغايرة. ولكن بقي النظر في أيهما أظهر والمحتج ~~بالمغايرة في أنه لا يصح بالليل عمل بمفهوم اللقب ولم يقل به إلا الدقاق، ~~إلا أن يقال دل الدليل على أنه يجوز في النهار، والأصل في الذبح الحظر ms1167 ~~فيبقى الليل على الحظر والدليل على تجويزه في الليل ا ه‍. قلت: لا حظر في ~~الذبح بل قد أباح الله ذبح الحيوان في أي وقت وإنما كان الحظر عقلا قبل ~~إباحة الله تعالى لذلك. # 5 - (وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله (ص) فقال: ~~أربع لا تجوز في الضحايا: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، ~~والعرجاء البين ظلعها والكبيرة التي لا تنقي) بضم المثناة الفوقية وإسكان ~~النون وكسر القاف أي التي لا نقي لها بكسر النون وإسكان القاف وهو المخ ~~(رواه أحمد والأربعة وصححه الترمذي وابن حبان). وصححه الحاكم وقال: على ~~شرطهما وصوب كلامه المصنف، وقال: لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، ~~ولكنه صحيح أخرجه أصحاب السنن بأسانيد صحيحة وحسنه أحمد بن حنبل فقال: ما ~~أحسنه من حديث، وقال الترمذي صحيح حسن. والحديث دليل على أن هذه الأربعة ~~العيوب مانعة من صحة التضحية، وسكت عن غيرها من العيوب، فذهب أهل الظاهر ~~إلى أنه لا عيب غير هذه الأربعة، وذهب الجمهور إلى أنه يقاس عليها غيرها ~~مما كان أشد منها أو مساويا لها كالعمياء ومقطوعة الساق. وقوله البين عورها ~~قال في البحر: إنه يعفى عما إذا كان الذاهب الثلث فما دونه، وكذا في العرج ~~قال الشافعي: العرجاء إذا تأخرت عن الغنم لأجله فهو بين. وقوله ظلعها أي ~~اعوجاجها. PageV04P093 # 6 - (وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): لا تذبحوا إلا مسنة ~~إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن رواه مسلم) المسنة: # الثنية من كشئ من الإبل والبقر والغنم فما فوقها كما قدمنا. والحديث دليل ~~على أنه لا يجز الجذع من الضأن في حال من الأحوال إلا عند تعسر المسنة، وقد ~~نقل القاضي عياض الاجماع على ذلك، ولكنه غير صحيح لما يأتي، وحكي عن ابن ~~عمر والزهري أنه لا يجزئ ولو مع التعسر. وذهب كثيرون إلى إجزاء الجذع من ~~الضأن مطلقا وحملوا الحديث على الاستحباب بقرينة حديث أم بلال أنه قال رسول ~~الله (ص) ms1168 ضحوا بالجذع من الضأن أخرجه أحمد وابن جرير والبيهقي، وأشار ~~الترمذي إلى حديث نعمت الأضحية الجذع من الضأن وروى ابن وهب عن عقبة بن ~~عامر بلفظ ضحينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجذع من الضأن. قلت: ~~ويحتمل أن ذلك كله عند تعسر المسنة. # 7 - (وعن علي رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~نستشرف العين والاذن) أي نشرف عليهما ونتأملهما لئلا يقع نقص وعيب (ولا ~~نضحي بعوراء ولا مقابلة) بفتح الموحدة ما قطع من طرف أذنها شئ ثم بقي معلقا ~~(ولا مدابرة) والمدابرة بالدال المهملة وفتح الموحدة ما قطع من مؤخر أذنها ~~شئ وترك معلقا (ولا خرقا) بالخاء المعجمة مفتوحة والراء ساكنة المشقوقة ~~الاذنين (ولا ثرمي) بالمثلثة فراء وميم وألف مقصورة هي من الثرم وهو سقوط ~~الثني من الأسنان، وقيل: الثنية والرباعية، وقيل: هو أن تنقطع السن من ~~أصلها مطلقا، وإنما نهى عنها لنقصان أكلها، قاله في النهاية، ووقع في نسخة ~~الشرح شرقاء بالشين المعجمة والراء والقاف وعليها شرح الشارح ولكن الذي في ~~نسخ بلوغ المرام الصحيحة الثرمي كما ذكرناه (أخرجه أحمد والأربعة وصححه ~~الترمذي وابن حبان والحاكم) فيه دليل على أنها تجزئ الأضحية إلا ما ذكر وهو ~~مذهب الهادوية، وقال الامام يحيى: # تجزئ وتكره، وقواه المهدي وظاهر الحديث مع الأول. وورد النهي عن التضحية ~~بالمصفرة بضم الميم وإسكان الصاد المهملة ففاء مفتوحة فراء أخرجه أبو داود ~~والحاكم، وهي المهزولة كما في النهاية، وفي رواية: المصفورة قيل: هي ~~المستأصلة الاذن. وأخرج أبو داود من حديث عقبة بن عامر السلمي أنه قال: نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المصفرة والمستأصلة والنجقاء والمشيعة ~~والكسراء فالمصفرة: التي تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها، والمستأصلة التي ~~استؤصل قرنها من أصله، والنجقاء: التي تنجق عينها، والمشيعة: التي لا تتبع ~~الغنم عجفا أو ضعفا، والكسراء: الكسيرة. هذا لفظ أبي داود. وأما مقطوع ~~الالية والذنب فإنه يجزئ لما أخرجه أحمد وابن ماجة والبيهقي من حديث أبي ~~سعيد قال: اشتريت ms1169 كبشا لأضحي به فعدا الذئب فأخذ منه الالية فسألت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: ضح به وفيه جابر الجعفي وشيخه محمد بن قرظة ~~مجهول، إلا أن له شاهدا عند البيهقي، واستدل به ابن تيمية PageV04P094 # في المنتقى على أن العيب الحادث بعد تعيين الأضحية لا يضر. وذهبت ~~الهادوية إلى عدم إجزاء مسلوب الالية. وفي نهاية المجتهد: أنه ورد في هذا ~~الباب من الأحاديث الحسان حديثان متعارضان فذكر النسائي عن أبي بردة أنه ~~قال: يا رسول الله أكره النقص يكون في القرن والاذن فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: وما كرهته فدعه ولا تحرمه على غيرك ثم ذكر حديث علي رضي الله ~~عنه: أمرنا رسول الله (ص) أن نستشرف العين الحديث. فمن رجح حديث أبي بردة ~~قال: لا تتقي إلا العيوب الأربعة وما هو أشد منها. ومن جمع بين الحديثين ~~حمل حديث أبي بردة على العيب اليسير الذي هو غير بين وحديث علي عليه السلام ~~على الكثير البين (فائدة): أجمع العلماء على جواز التضحية من جميع بهيمة ~~الأنعام، وإنما اختلفوا في الأفضل والظاهر أن الغنم في الضحية أفضل لفعله ~~صلى الله عليه وسلم وأمره، وإن كان يحتمل أن ذلك لأنها المتيسرة لهم. ثم ~~الاجماع على أنه لا يجوز التضحية بغير بهيمة الأنعام إلا ما حكي عن الحسن ~~بن صالح أنها تجوز التضحية ببقرة الوحش عن عشرة والظبي عن واحد وما روي عن ~~أسماء أنها قالت: ضحينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخيل، وما روي ~~عن أبي هريرة أنه ضحى بديك. # 8 - (وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أمرني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن أقوم على بدنه، وأن أقسم لحومها وجلودها وجلالها على ~~المساكين، ولا أعطي في جزارتها شيئي منها متفق عليه. هذا في بدنه صلى الله ~~عليه وسلم التي ساقها في حجة الوداع وكانت مع التي أتى بها علي رضي الله ~~عنه من اليمن مائة بدنة، نحرها (ص) يوم النحر بمنى نحر بيده صلى ms1170 الله عليه ~~وسلم ثلاثا وستين، ونحر بقيتها علي رضي الله عنه. وقد تقدم في كتاب الحج. ~~والبدن: تطلق لغة على الإبل والبقر والغنم إلا أنها هنا للإبل، وهكذا ~~استعمالها في أحاديث، وفي كتب الفقه في الإبل خاصة. ودل على أنه يتصدق ~~بالجلود والجلال كما يتصدق باللحم، وأنه لا يعطي الجزار منها شيئا أجرة، ~~لان ذلك في حكم البيع لاستحقاقه الأجرة، وحكم الأضحية حكم الهدي في أنه لا ~~يباع لحمها ولا جلدها ولا يعطى الجزار منها شيئا. قال في نهاية المجتهد: ~~العلماء متفقون فيما علمت أنه لا يجوز بيع لحمها واختلفوا في جلدها وشعرها ~~مما ينتفع به، فقال الجمهور: لا يجوز وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه بغير ~~الدنانير والدراهم يعني بالعروض، وقال عطاء: يجوز بكل شئ دراهم وغيرها، ~~وإنما فرق أبو حنيفة بين الدراهم وغيرها لأنه رأى أن المعاوضة في العروض هي ~~من باب الانتفاع لإجماعهم على أنه يجوز الانتفاع به. # 9 - (وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: نحرنا مع رسول الله (ص) ~~عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة رواه مسلم. دل الحديث على ~~جواز الاشتراك في البدنة والبقرة وأنهما يجزيان عن سبعة، وهذا في الهدي، ~~ويقاس عليه الأضحية، بل قد ورد فيها نص، فأخرج الترمذي والنسائي من حديث ~~ابن عباس قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فحضر الأضحى ~~فاشتركنا في البقرة سبعة وفي البعير عشرة PageV04P095 # وقد صح اشتراك أهل بيت واحد في ضحية واحدة كما في حديث مخنف. وإلى هذا ~~ذهب زيد بن علي وحفيد أحمد بن عيسى والفريقان. قال النووي: سواء كانوا ~~مجتمعين أو متفرقين مفترضين أو متطوعين، أو بعضهم متقربا وبعضهم طالب لحم، ~~وبه قال أحمد، وذهب مالك إلى أنه لا يجوز الاشتراك في الهدي إلا في هدي ~~التطوع، وهدي الاحصار عندي من هدي التطوع. واشترطت الهادوية في الاشتراك ~~اتفاق الغرض قالوا، ولا يصح مع الاختلاف لان الهدي شئ واحد فلا يتبعض، بأن ~~يكون بعضه واجبا وبعضه غير ms1171 واجب، وقالوا إنها تجزئ البدنة عن عشرة لما سلف ~~من حديث ابن عباس، وقاسوا الهدي على الأضحية. # وأجيب: بأنه لا قياس مع النص. وادعى ابن رشد الاجماع على أنه لا يجوز أن ~~يشترك في النسك أكثر من سبعة قال: وإن كان روي من حديث رافع بن خديج: أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم عدل البعير بعشر شياه أخرجه في الصحيحين، ومن ~~طريق ابن عباس وغيره البدنة عن عشر قال الطحاوي: وإجماعهم دليل على أن ~~الآثار في ذلك غير صحيحة ا ه‍. ولا يخفى أنه لا إجماع مع خلاف من ذكرنا ~~وكأنه لم يطلع عليه. واختلفوا في الشاة، فقال الهادوية تجزئ عن ثلاثة في ~~الأضحية قالوا: وذلك لما تقدم من تضحية النبي صلى الله عليه وسلم بالكبش عن ~~محمد وآل محمد قالوا: وظاهر الحديث أنها تجزئ عن أكثر لكن الاجماع قصر ~~الاجزاء على الثلاثة. قلت: وهذا الاجماع الذي ادعوه يباين ما قاله في نهاية ~~المجتهد فإنه قال: إنه وقع الاجماع على أن الشاة لا تجزئ إلا عن واحد. ~~والحق أنها تجزئ الشاة عن الرجل وعن أهل بيته لفعله صلى الله عليه وسلم ~~ولما أخرجه مالك في الموطأ من حديث أبي أيوب الأنصاري قال: كنا نضحي بالشاة ~~الواحدة يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته ثم تباهى الناس بعد. # (فائدة): من السنة لمن أراد أن يضحي أن لا يأخذ من شعره ولا من أظفاره ~~إذا دخل شهر ذي الحجة لما أخرجه مسلم من أربع طرق من حديث أم سلمة قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من ~~شعره وبشره شيئا. وأخرج البيهقي من حديث عمرو بن العاص أنه (ص) قال لرجل ~~سأله عن الضحية وأنه قد لا يجدها فقال: قلم أظافرك، وقص شاربك، واحلق ~~عانتك، فذلك تمام أضحيتك عند الله عز وجل وهذا فيه شرعية هذه الأفعال في ~~يوم التضحية وإن لم يترك من أول شهر الحجة. وذهب أحمد وإسحق: أنه يحرم ~~للنهي، وإليه ms1172 ذهب ابن حزم، وقال من لم يحرمه قد قامت القرينة على أن النهي ~~ليس للتحريم وهو ما أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث عائشة قالت: أنا فتلت ~~قلائد هدي رسول الله (ص) بيدي ثم قلدها رسول الله (ص) بيده ثم بعث بها مع ~~أبي فلم يحرم على رسول الله (ص) شئ مما أحله الله حتى نحر الهدي. قال ~~الشافعي: فيه دلالة على أنه لا يحرم على المرء شئ يبعثه بهديه، والبعث ~~بالهدي أكثر من إرادة التضحية. قلت: هذا قياس منه والنص قد خص من يريد ~~التضحية بما ذكر. PageV04P096 # (فائدة أخرى): يستحب للمضحي أن يتصدق وأن يأكل، واستحب كثير من العلماء ~~أن يقسمها أثلاثا، ثلثا للادخار وثلثا للصدقة وثلثا للأكل لقوله صلى الله ~~عليه وسلم كلوا وتصدقوا وادخروا أخرجه الترمذي بلفظ كنت نهيتكم عن لحوم ~~الأضاحي فوق ثلاث ليتسع ذو الطول على من لا طول له فكلوا ما بدا لكم ~~وتصدقوا وادخروا ولعل الظاهرية توجب التجزئة. وقال عبد الوهاب أوجب قوم ~~الأكل وليس بواجب في المذهب. # باب العقيقة العقيقة: هي الذبيحة التي تذبح للمولود. وأصل العق: الشق ~~والقطع، وقيل للذبيحة عقيقة لأنه يشق حلقها، ويقال: عقيقة للشعر الذي يخرج ~~على رأس المولود من بطن أمه، وجعله الزمخشري أصلا والشاة المذبوحة مشتقة ~~منه. # 1 - (عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي (ص) عق عن الحسن والحسين كبشا ~~كبشا رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة وابن الجارود وعبد الحق لكن رجح أبو ~~حاتم إرساله. وقد أخرج البيهقي والحاكم وابن حبان من حديث عائشة بزيادة يوم ~~السابع وسماهما، وأمر أن يماط عن رأسيهما الأذى وأخرج البيهقي من حديث ~~عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين رضي ~~الله عنهما يوم السابع من ولادتهما وأخرج البيهقي أيضا من حديث جابر رضي ~~الله عنه أن النبي (ص) عق عن الحسن والحسين وختنهما لسبعة أيام قال الحسن ~~البصري: إماطة الأذى حلق الرأس. وصححه ابن السكن بأتم من هذا وفيه: وكان ~~أهل ms1173 الجاهلية يجعلون قطنة في دم العقيقة ويجعلونها على رأس المولود فأمرهم ~~النبي (ص) أن يجعلوا مكان الدم خلوقا ورواه أحمد والنسائي من حديث بريرة ~~وسنده صحيح ويؤيد هذه الأحاديث الحديث الآتي وهو قوله: # 2 - (وأخرج ابن حبان من حديث أنس نحوه. والأحاديث دلت على مشروعية ~~العقيقة. واختلف فيها مذاهب العلماء. فعند الجمهور أنها سنة. وذهب داود ومن ~~تبعه إلى أنها واجبة. واستدل الجمهور بأن فعله صلى الله عليه وسلم دليل على ~~السنية وبحديث من ولد لولد فأحب أن ينسك عن ولده فليفعل أخرجه مالك. ~~واستدلت الظاهرية بما يأتي من قول عائشة رضي الله عنها أنه (ص) أمرهم بها، ~~والامر دليل الايجاب وأجاب الأولون بأنه صرفه عن الوجوب قوله: فأحب أن ينسك ~~عن ولده فليفعل. وقوله في حديث عائشة يوم سابعه دليل أنه وقتها وسيأتي فيه ~~حديث سمرة وأنه لا يشرع قبله ولا بعده. وقال النووي: إنه يعق قبل السابع ~~وكذا عن الكبير، فقد أخرج البيهقي من حديث أنس: أن النبي (ص) عق عن نفسه ~~بعد البعثة ولكنه قال: منكر، وقال النووي: حديث باطل. وقيل يجزئ في السابع ~~والثاني والثالث لما أخرجه البيهقي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي ~~(ص) أنه قال: العقيقة تذبح لسبع ولأربع عشرة PageV04P097 # ولإحدى وعشرين. ودل الحديث على أنه يجزئ عن الغلام شاة، لكن الحديث الآتي ~~وهو قوله: # 3 - (وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم أن ~~يعق عن الغلام شاتان) وفي رواية (مكافئتان) قال النووي: بكسر الفاء وبعدها ~~همزة ويأتي تفسيره (وعن الجارية شاة. رواه الترمذي وصححه). وقال: حسن صحيح. ~~إلا أني لم أجد لفظه أن يعق في نسخ الترمذي. قال أحمد وأبو داود: معنى ~~مكافئتان متساويان أو مقاربتان وقال الخطابي: المراد التكافؤ في السن فلا ~~تكون إحداهما مسنة والأخرى غير مسنة بل يكونان مما يجزئ في الأضحية، وقيل: ~~معناه أن يذبح إحداهما مقابلة للأخرى. # دل الحديث على أنه يعق عن الغلام بضعف ما يعق عن الجارية. ms1174 وإليه ذهب ~~الشافعي وأبو ثور وأحمد وداود لهذا الحديث. وذهبت الهادوية ومالك إلى أن ~~يجزئ عن الذكر والأنثى عن كل واحد شاة للحديث الماضي. وأجيب: بأن ذلك فعل ~~وهذا قول والقول أقوى، وبأنه يجوز أنه صلى الله عليه وسلم ذبح عن الذكر ~~كبشا لبيان أنه يجزئ وذبح الاثنين مستحب، على أنه أخرج أبو الشيخ حديث ابن ~~عباس من طريق عكرمة بلفظ كبشين كبشين. ومن حديث عمرو بن شعيب مثله، وحينئذ ~~فلا تعارض. وفي إطلاق لفظ الشاة دليل على أنه لا يشترط فيها ما يشترط في ~~الأضحية ومن اشترطها فبقياس. # وأخرج أحمد والأربعة عن أم كرز الكعبية نحوه. (وأخرج أحمد والأربعة عن أم ~~كرز) بضم أوله وسكون الراء بعدها زاي (الكعبية) المكية صحابية لها أحاديث، ~~قاله المصنف في التقريب (نحوه). أي نحو حديث عائشة ولفظه في الترمذي: عن ~~سباع بن ثابت أن محمد بن ثابت بن سباع أخبره أن أم كرز أخبرته أنها سألت ~~رسول الله (ص) عن العقيقة قال: عن الغلام شاتان وعن الأنثى واحدة، ولا ~~يضركم أذكرانا كن أم إناثا قال أبو عيسى - يعني الترمذي حسن صحيح. وهو يفيد ~~ما يفيد الحديث الثالث. # 5 - (وعن سمرة رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: كل غلام مرتهن بعقيقته ~~يذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمى رواه أحمد والأربعة وصححه الترمذي) وهذا هو ~~حديث العقيقة الذي اتفقوا على أنه سمعه الحسن من سمرة واختلفوا في سماعه ~~لغيره منه من الأحاديث. قال الخطابي: اختلف في قوله مرتهن بعقيقته فذهب ~~أحمد بن حنبل أنه مات وهو طفل لم يعق عنه، أنه لا يشفع لأبويه، قلت: ونقله ~~الحليمي عن عطاء الخراساني ومحمد بن مطرف وهما إمامان عالمان متقدمان على ~~أحمد. وقيل إن المعنى: العقيقة لازمة لا بد منها فشبه لزومها للمولود بلزوم ~~الرهن للمرهون في يد المرتهن وهو يقوي قول الظاهرية بالوجوب. وقيل: المراد ~~أنه مرهون بأذى شعره ولذلك جاء فأميطوا عنه الأذى، ويقوي قول أحمد ما أخرجه ~~البيهقي عن عطاء الخراساني وأخرجه ابن ms1175 حزم عن بريدة الأسلمي قال: إن الناس ~~يعرضون يوم القيامة على العقيقة كما يعرضون على الصلوات الخمس، وهذا دليل ~~لو ثبت لمن قال بالوجوب. وتقدم أنها موقتة PageV04P098 # باليوم السابع كما دل ما مضى ودل له هذا أيضا. وقال مالك: تفوت بعده، ~~وقال: # من مات قبل السابع سقطت عنه العقيقة. وللعلماء خلاف في العق بعده وفي ~~قولها أمرهم أي المسلمين بأن يعق كل مولود له عن ولده، فعند الشافعي يتعين ~~على كل من تلزمه النفقة للمولود، وعند الحنابلة يتعين على الأب إلا أن يموت ~~أو يمتنع. وأخذ من لفظ تذبح بالبناء للمجهول أنه يجزئ أن يعق عنه الأجنبي ~~وقد تأيد بأنه صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين كما سلف إلا أنه ~~يقال قد ثبت أنه (ص) أبوهما كما ورد به الحديث بلفظ كل بني أم ينتمون إلى ~~عصبة إلا ولد فاطمة - رضي الله عنها - فأنا وليهم وأنا عصبتهم وفي لفظ وأنا ~~أبوهم أخرجه الخطيب من حديث فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها ومن حديث ~~عمر رضي الله تعالى عنه. وأما ما أخرجه أحمد من حديث أبي رافع أن فاطمة رضي ~~الله تعالى عنها لما ولدت حسنا قالت: يا رسول الله ألا أعق عن ولدي بدم؟ ~~قال: لا ولكن احلقي رأسه وتصدقي بوزن شعره فضة فهو من الأدلة على أنه قد ~~أجزأ عنه ما ذبحه النبي (ص) عنه وأنها ذكرت هذا فمنعها ثم عق عنه وأرشدها ~~إلى تولي الحلق والتصدق وهذا أقرب لأنها لا تستأذنه إلا قبل ذبحه وقبل مجئ ~~وقت الذبح وهو السابع. وفي قوله في حديث سمرة ويحلق دليل على شرعية حلق رأس ~~المولود يوم سابعه، وظاهره عام لحلق رأس الغلام والجارية. وحكى المازني ~~كراهة حلق رأس الجارية، وعن بعض الحنابلة تحلق لاطلاق الحديث. وأما تثقيب ~~أذن الصبية لأجل تعليق الحلي فيها الذي يفعله الناس في هذه الاعصار وقبلها ~~فقال الغزالي في الاحياء: إنه لا يرى فيه رخصة فإن ذلك جرح مؤلم ومثله موجب ~~للقصاص فلا يجوز إلا ms1176 لحاجة مهمة كالفصد والحجامة والختان، والتزين بالحلي ~~غير مهم، فهذا وإن كان معتادا فهو حرام ا ه‍. وفي كتب الحنابلة أن تثقيب ~~آذان الصبايا للحلي جائز ويكره للصبيان وفي فتاوى قاضي خان من الحنفية: لا ~~بأس بثقب أذن الطفل لأنهم كانوا في الجاهلية يفعلونه ولم ينكره عليهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم. قوله ويسمى هذا هو الصحيح في الرواية. وأما روايته ~~بلفظ ويدمي من الدأي يفعل في رأسه من دم العقيقة كما كانت تفعله الجاهلية ~~فقد وهم راويها، بل المراد تسمية المولود. وينبغي اختيار الاسم الحسن له ~~لما ثبت من أنه صلى الله عليه وسلم كان يغير الاسم القبيح، وصح عنه إن أخنع ~~الأسماء عند الله رجل تسمى شاهان شاه ملك الاملاك لا ملك إلا الله تعالى ~~فتحرم التسمية بذلك وألحق بتحريم التسمية بقاضي القضاة وأشنع منه حاكم ~~الحكام نص عليه الأوزاعي. ومن الألقاب القبيحة ما قاله الزمخشري: إنه توسع ~~الناس في زماننا حتى لقبوا السفلة بألقاب العلية، وهب أن العذر مبسوط فما ~~أقول في تلقيب من ليس من PageV04P099 # الدين في قبيل ولا دبير بفلان الدين هي لعمري والله الغصة التي لا تساغ. ~~وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن ونحوهما وأصدقها حارث وهمام، ~~ولا تكره التسمية بأسماء الأنبياء ويس وطه خلافا لمالك وفي مسند الحارث ابن ~~أبي أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كان له ثلاثة من الولد ولم ~~يسم أحدهم بمحمد فقد جهل فينبغي التسمي باسمه صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج ~~في كتاب الخصائص لابن سبع عن ابن عباس أنه إذا كان يوم القيامة نادى مناد ~~ألا ليقم من اسمه محمد فليدخل الجنة تكرم لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ~~وقال مالك: سمعت أهل المدينة يقولون: ما من أهل بيت فيهم اسم محمد إلا ~~رزقوا رزق خير، وقال ابن رشد: يحتمل أن يكونوا عرفوا ذلك بالتجربة أو عندهم ~~فيه أثر. # (فائدة): روى أبو داود والترمذي أن النبي (ص) أذن في أذن الحسن والحسين ms1177 ~~حين ولدا، ورواه الحاكم، والمراد الاذن اليمنى، وفي بعض المسانيد: أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قرأ في أذن مولود سورة الاخلاص، وأخرج ابن السني عن ~~الحسن بن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من ولد له مولود فأذن ~~في أذنه اليمنى وأقام الصلاة في أذنه اليسرى لم تضره أم الصبيان وهي ~~التابعة من الجن. # ويستحب تحنيكه بتمر لما في الصحيحين من حديث أبي موسى قال: ولد لي غلام ~~فأتيت النبي (ص) فسما إبراهيم، وحنكه بتمرة ودعا له بالبركة. والتحنيك ~~PageV04P100 # أن يضع التمر ونحوه في حنك المولود حتى ينزل في جوفه منه شئ، وينبغي أن ~~يكون المحنك من أهل الخير ممن ترجى بركته. # كتاب الايمان والنذور الايمان: بفتح الهمزة جمع يمين، وأصل اليمين في ~~اللغة اليد وأطلقت على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه. ~~والنذور جمع نذر وأصله الانذار بمعنى التخويف وعرفه الراغب: بأنه إيجاب ما ~~ليس بواجب لحدوث أمر. # 1 - (عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله (ص) أنه أدرك عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه في ركب) الركب ركبان الإبل اسم جمع أو جمع وهم العشرة فصاعدا ~~وقد يكون للخيل (وعمر يحلف بأبيه فناداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: # ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله) ليس ~~المراد أنه لا يحلف إلا بهذا اللفظ بدليل أنه (ص) كان يحلف بغيره نحو مقلب ~~القلوب كما يأتي (أو ليصمت) بضم الميم مثل قتل يقتل (متفق عليه) 2 - (وفي ~~رواية لأبي داود والنسائي عن أبي هريرة مرفوعا: لا تحلفوا بآبائكم ولا ~~بأمهاتكم، ولا بالأنداد) الند بكسر أوله المثل، والمراد هنا أصنامهم ~~وأوثانهم التي جعلوها لله تعالى أمثالا لعبادتهم إياها وحلفهم بها نحو قوله ~~واللات والعزى (ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون). الحديثان دليل على ~~النهى عن الحلف بغير الله تعالى وهو للتحريم كما هو أصله، وبه قالت ~~الحنابلة والظاهرية. وقال ابن عبد البر: لا يجوز الحلف بغير ms1178 الله تعالى ~~بالاجماع. وفي رواية عنه إن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها لا يجوز ~~لاحد الحلف بها. وقوله لا يجوز بيان أنه أراد بالكراهة التحريم كما صرح به ~~أولا، وقال الماوردي: # لا يجوز لاحد أن يحلف أحدا بغير الله تعالى لا بطلاق ولا عتاق ولا نذر، ~~وإذا حلف الحاكم أحدا بذلك وجب عزله. وعند جمهور الشافعية والمشهور عن ~~المالكية أنه للكراهة ومثله للهادوية ما لم يسو في التعظيم. قلت: لا يخفى ~~أن الأحاديث واضحة في التحريم لما سمعت ولما أخرج أبو داود والحاكم واللفظ ~~له من حديث ابن عمر أنه قال صلى الله عليه وسلم من حلف بغير الله كفر وفي ~~رواية للحاكم كل يمين يحلف بها دون الله تعالى شرك ورواه أحمد بلفظ من حلف ~~بغير الله فقد أشرك وأخرج مسلم: من حلف منكم فقال في حلفه: واللات والعزى، ~~فليقل لا إله إلا الله وأخرج النسائي من حديث سعد بن أبي وقاص أنه حلف ~~باللات والعزى قال: فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: # قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ ~~قدير وانفث عن يسارك ثلاثا وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ولا تعد. فهذه ~~الأحاديث الأخيرة تقوي القول بأنه محرم لتصريحها بأنه شرك من غير تأويل ~~ولذا أمر بتجديد الاسلام والآتيان PageV04P101 # بكلمة التوحيد. واستدل القائل بالكراهة بحديث: أفلح - وأبيه - إن صدق ~~أخرجه مسلم. # وأجيب عنه أولا: بأنه قال ابن عبد البر: إن هذه اللفظة غير محفوظة وقد ~~جاءت عن راويها أفلح والله إن صدق بل زعم بعضهم أن راويها صحف والله إلى ~~وأبيه، وثانيا: أنها لم تخرج مخرج القسم بل هي من الكلام الذي يجري على ~~الألسنة مثل: تربت يداه، ونحوه. # وقولنا: من غير تأويل إشارة إلى تأويل القائل بالكراهة فإنه تأول قوله ~~فقد أشرك بما قاله الترمذي: قد حمل بعض العلماء مثل هذا على التغليظ كما ~~حمل بعضهم قوله الرياء شرك على ذلك. وأجيب بأن هذا ms1179 إنما يرفع القول بكفر من ~~حلف بغير الله ولا يرفع التحريم كما أن الرياء محرم اتفاقا ولا يكفر من ~~فعله كما قال ذلك البعض. واستدل القائل بالكراهة بأن الله تعالى قد أقسم في ~~كتابه بالمخلوقات من الشمس والقمر وغيرهما. وأجيب بأنه ليس للعبد الاقتداء ~~بالرب تعالى فإنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، على أنها كلها مؤولة بأن ~~المراد ورب الشمس ونحوه. ووجه التحريم أن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به ~~ومنع النفس عن الفعل أو عزمها عليه بمجرد عظمة من حلف به، وحقيقة العظمة ~~مختصة بالله تعالى فلا يلحق به غيره. # ويحرم الحلف بالبراءة من الاسلام أو من الدين أو بأنه يهودي أو نحو ذلك ~~لما أخرجه أبو داود وابن ماجة والنسائي بإسناد على شرط مسلم من حديث بريدة ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من حلف فقال: إني برئ من الاسلام فإن كان ~~كاذبا فهو كما قال وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الاسلام سالما. والأظهر عدم ~~وجوب الكفارة في الحلف بهذه المحرمات، إذ الكفارة مشروعة فيما أذن الله ~~تعالى أن يحلف به لا فيما نهى عنه، ولأنه لم يذكر الشارع كفارة، بل ذكر أنه ~~يقول كلمة التوحيد لا غير. # 3 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # يمينك على ما يصدقك به صاحبك وفي رواية اليمين على نية المستحلف أخرجهما ~~مسلم. الحديث دليل على أن اليمين تكون على نية المحلف، ولا ينفع فيها نية ~~الحالف إذا نوى بها غير ما أظهره، وظاهره الاطلاق سواء كان المحلف له ~~الحاكم أو المدعي للحق، والمراد حيث كان المحلف له التحليف كما يشير إليه ~~قوله: على ما يصدقك به صاحبك فإنه يفيد أن ذلك حيث كان للمحلف التحليف وهو ~~حيث كان صادقا فيما ادعاه على الحالف وأما لو كان على غير ذلك كانت النية ~~نية الحالف، واعتبرت الشافعية أن يكون المحلف الحاكم وإلا كانت النية نية ~~الحالف. قال النووي: وأما إذا حلف بغير استحلاف وورى فتنفعه ولا ms1180 يحنث سواء ~~حلف ابتداء من غير تحليف، أو حلفه غير القاضي أو غير نائبه ولا اعتبار في ~~ذلك بنية المحلف بكسر اللام غير القاضي. والحاصل أن اليمين على نية الحالف ~~في جميع الأحوال إلا إذا استحلفه القاضي أو نائبه في دعوى توجهت عليه فتكون ~~اليمين على نية المستحلف، وهو مراد الحديث. أما إذا حلف بغير استحلاف ~~القاضي أو نائبه في دعوى توجهت عليه فتكون اليمين على نية الحالف، وسواء في ~~هذا كله بالله تعالى أو بالطلاق PageV04P102 # والعتاق، إلا أنه إذا حلفه القاضي بالطلاق والعتاق فتنفعه التورية، ويكون ~~الاعتبار بنية الحالف لان القاضي ليس له التحليف بالطلاق والعتاق وإنما ~~يستحلف بالله ا ه‍. قلت: ولا أدري من أين جاء تقييد الحديث بالقاضي أو ~~نائبه بل ظاهر الحديث أنه إذا استحلفه من له الحق فالنية نية المستحلف ~~مطلقا. # 4 - (عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه) ابن حبيب بن عبد شمس العبشمي ~~أبي سعيد صحابي من مسلمة الفتح افتتح سجستان ثم سكن البصرة ومات بها سنة ~~خمسين أو بعدها (قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وإذا حلفت على يمين) أي على محلوف منه ~~سماه يمينا مجازا (ورأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير ~~متفق عليه، وفي لفظ للبخاري فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك وفي رواية لأبي ~~داود) عن عبد الرحمن أيضا (فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير وإسنادهما) ~~بالتثنية أي لفظ البخاري ورواية أبي داود والأولى إفراد الضمير ليعود إلى ~~رواية أبي داود فقط لما علم من عرفهم أن ما في الصحيحين صحيح لا يحتاج إلى ~~أن يقال إسناده (صحيح). الحديث دليل على أن من حلف على كل شئ وكان تركه ~~خيرا من التمادي على اليمين وجب عليه التكفير، وإتيان ما هو خير، كما يفيده ~~الامر، ولكنه صرح الجماهير بأنه إنما يستحب له ذلك لا أنه يجب. وظاهره وجوب ~~تقديم الكفارة، ولكنه ادعى الاجماع على عدم وجوب تقديمها، وعلى جواز ~~تأخيرها ms1181 إلى ما بعد الحنث، وعلى أنه لا يصح تقديمها قبل اليمين. ودلت رواية ~~ثم ائت الذي هو خير على أنه يقدم الكفارة قبل الحنث لاقتضاء ثم الترتيب ~~ورواية الواو تحمل على رواية ثم حملا للمطلق على المقيد، فإن تم الاجماع ~~على جواز تأخيرها وإلا فالحديث دال على وجوب تقديمها. وممن ذهب إلى جواز ~~تقديمها على الحنث مالك والشافعي وغيرهما وأربعة عشر من الصحابة وجماعة من ~~التابعين، وهو قول جماهير العلماء. لكن قالوا: يستحب تأخيرها عن الحنث، ~~وظاهره أن هذا جار في جميع أنواع الكفارة وذهب الشافعي إلى عدم إجزاء تقديم ~~التكفير بالصوم وقال: لا يجوز قبل الحنث لأنها عبادة بدنية لا يجوز تقديمها ~~على وقتها كالصلاة وصوم رمضان وأما التكفير بغير الصوم فجائز تقديمه كما ~~يجوز تعجيل الزكاة. وذهبت الهادوية والحنفية إلى أنه لا يجوز تقديم التكفير ~~على الحنث على كل حال، قالت الهادوية: لان سبب وجود الكفارة هو مجموع الحنث ~~واليمين، فلا يصح التقديم قبل تمام سبب الوجوب، وعند الحنفية السبب الحنث ~~ولا يخفى أن الحديث دال على خلاف ما عللوا به وذهبوا إليه فالقول الأول ~~أقرب إلى العمل به. # 5 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله (ص) قال: من حلف على يمين ~~فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه رواه أحمد والأربعة وصححه ابن حبان. قال ~~الترمذي: لا نعلم أحدا رفعه غير أيوب السختياني، قال ابن علية: كان ~~PageV04P103 # أيوب يرفعه تارة وتارة لا يرفعه، قال البيهقي: لا يصح رفعه إلا عن أيوب ~~مع أنه شك فيه. قلت: # كأنه يريد أنه رفع تارة ووقفه أخرى، ولا يخفى أن أيوب ثقة حافظ لا يضر ~~تفرده برفعه، وكونه وقفه تارة لا يقدح فيه، لان رفعه زيادة عدل مقبولة، وقد ~~رفعه عبد الله العمري وموسى بن عقبة، وكثر بن فرقد، وأيوب بن موسى، وحسان ~~بن عطية، كلهم عن نافع مرفوعا فقوى رفعه. على أنه وإن كان موقوفا فله حكم ~~الرفع إذ لا مسرح للاجتهاد فيه. وإلى ما أفاده الحديث ms1182 ذهب الجماهير، وقال ~~ابن العربي: اجمع المسلمون بأن قوله إن شاء الله يمنع انعقاد اليمين بشرط ~~كونه متصلا قال: ولو جاز منفصلا كما قال بعض السلف لم يحنث أحد في يمين ولم ~~يحتج إلى الكفارة. واختلفوا في زمن الاتصال. فقال الجمهور: # هو أن يقول إن شاء الله متصلا باليمين من غير سكوت بينهما ولا يضره ~~التنفس. قلت: # وهذا هو الذي تدل له الفاء في قوله: فقال. وعن طاوس والحسن وجماعة من ~~التابعين أن له الاستثناء ما لم يقم من مجلسه، وقال عطاء: قدر حلبة ناقة، ~~وقال سعيد بن جبير: # بعد أربعة أشهر، وقال ابن عباس: له الاستثناء أبدا متى يذكر. قلت: وهذه ~~تقادير خالية عن الدليل، وقد تأول بعضهم هذه الأقاويل بأن مرادهم أنه يستحب ~~له أن يقول إن شاء الله تبركا، أو يجب على ما ذهب إليه بعضهم لقوله تعالى: ~~* (واذكر ربك إذا نسيت) * فيكون الاستثناء رافعا للإثم الحاصل بتركه أو ~~لتحصيل ثواب الندب على القول باستحبابه. # ولم يريدوا به حل اليمين ومنع الحنث. واختلفوا هل الاستثناء مانع للحنث ~~في الحلف بالله وغيره من الطلاق والعتاق وغيره من الظهار والنذر والاقرار؟ ~~فقال مالك: لا ينفع إلا في الحلف بالله دون غيره، واستقواه ابن العربي ~~واستدل بأنه تعالى قال: * (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) * فلا يدخل في ذلك ~~اليمين الشرعية وهي الحلف بالله. وذهب أحمد إلى أنه لا يدخل العتق لما ~~أخرجه البيهقي من حديث معاذ مرفوعا إذا قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله ~~لم تطلق، وإذا قال لعبده أنت حر إن شاء الله فإنه حر إلا أنه قال البيهقي: ~~تفرد به حميد بن مالك وهو مجهول، واختلف عليه في إسناده. وذهبت الهادوية ~~إلى أن الاستثناء بقوله إن شاء الله معتبر فيه أن يكون المحلوف عليه فيما ~~شاءه الله أو لا يشاؤه، فإن كان مما يشاؤه الله بأن كان واجبا أو مندوبا أو ~~مباحا في المجلس أو حال التكلم - لان مشيئة الله حاصلة في الحال - فلا تبطل ~~اليمين بل ms1183 تنعقد به وإن كان لا يشاؤه بأن يكون محظورا أو مكروها فلا تنعقد ~~اليمين، فجعلوا حكم الاستثناء بالمشيئة حكم التقييد بالشرط فيقع المعلق عند ~~وقوع المعلق به وينتفي بانتفائه، وكذا قوله إلا أن يشاء الله حكمه حكم إن ~~شاء الله. # ولا يخفى أن وفي قوله فقال: إن شاء الله دليل على أنه لا في الاستثناء ~~النية، وهو قول كافة العلماء. وحكي عن بعض المالكية صحة الاستثناء بالنية ~~من غير لفظ، وإلى هذا أشار البخاري وبوب عليه باب النية في الايمان - يعني ~~بفتح الهمزة ومذهب الهادوية صحة الاستثناء بالنية وإن لم يلفظ بالعموم إلا ~~من عدد منصوص فلا بد من الاستثناء باللفظ. PageV04P104 # 6 - (وعنه رضي الله عنه قال: كانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ~~ومقلب القلوب رواه البخاري. المراد أن هذا اللفظ الذي كان يواظب عليه في ~~القسم، وقد ذكر البخاري الألفاظ التي كان صلى الله عليه وسلم يقسم بها لا، ~~ومقلب القلوب وفي رواية لا ومصرف القلوب - والذي نفسي بيده - والذي نفس ~~محمد بيده - والله - ورب الكعبة ولابن أبي شيبة كان إذا اجتهد اليمين قال: ~~والذي نفس أبي القاسم بيده ولابن ماجة: كانت يمين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم التي يحلف بها: أشهد عند الله والذي نفسي بيده. والمراد بتقليب القلوب ~~تقليب أعراضها وأحوالها لا تقليب ذات القلب. قال الراغب: تقليب الله القلوب ~~والبصائر صرفها عن رأي إلى رأي والتقلب: التصرف قال الله تعالى: * (أو ~~يأخذهم في تقلبهم) * وقال ابن العربي: القلب جزء من البدن خلقه الله وجعله ~~للانسان محل العلم والكلام وغير ذلك من الصفات الباطنة، وجعل ظاهر البدن ~~محل التصرفات الفعلية والقولية، ووكل به ملكا يأمر بالخير وشيطانا يأمر ~~بالشر، والعقل بنوره يهديه، والهوى بظلمته يغويه، والقضاء مسيطر على الكل، ~~والقلب يتقلب بين الخواطر الحسنة والسيئة، واللمة من الملك تارة ومن ~~الشيطان أخرى، والمحفوظ من حفظه الله ا ه‍. قلت: وقوله: والكلام بناء منه ~~على إثبات الكلام النفسي وأن محله القلب، وقوله صلى الله ms1184 عليه وسلم: " لا " ~~رد ونفي للسابق من الكلام. والحديث دليل على جواز الأقسام بصفة من صفات ~~الله وإن لم تكن من صفات الذات، وإلى هذا ذهبت الهادوية حيث قالوا: الحلف ~~بالله أو بصفة لذاته أو لفعله لا يكون على ضدها، ويريدون بصفة الذات كالعلم ~~والقدرة ولكنهم قالوا: لا بد من إضافتها إلى الله تعالى كعلم الله، ويريدون ~~بصفة الفعل كالعهد والأمانة إذا أضيفت إلى الله، إلا أنه قد ورد حديث ~~بالنهي عن الحلف بالأمانة أخرجه أبو داود من حيث بريدة بلفظ من حلف ~~بالأمانة فليس منا وذلك لان الأمانة ليست من صفاته تعالى بل من فروضه عل ~~العباد. وقولهم لا يكون على ضدها احتراز عن الغضب والرضا والمشيئة، فلا ~~تنعقد بها اليمين. وذهب ابن حزم وهو ظاهر كلام المالكية والحنفية - إلى أن ~~جميع الأسماء الواردة في القرآن أو السنة الصحيحة وكذا الصفات صريح في ~~اليمين وتجب به الكفارة. وفصلت الشافعية في المشهور عنهم والحنابلة فقالوا: ~~إن كان اللفظ يختص بالله تعالى كالرحمن ورب العالمين وخالق الخلق فهو صريح ~~ينعقد به اليمين سواء قصد الله تعالى أو أطلق، وإن كان يطلق عليه تعالى ~~وعلى غيره لكن يقيد كالرب والخالق فتنعقد به اليمين إلا أن يقصد به غير ~~الله تعالى. وإن كان يطلق عليه وعلى غيره على السواء نحو الحي والموجود، ~~فإن نوى غير الله تعالى أو أطلق فليس بيمين وإن نوى به الله تعالى انعقد ~~على الصحيح. # 7 - (وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما) أي ابن العاص (قال: جاء ~~أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟ فذكر ~~الحديث وفيه اليمين الغموس) وهي بفتح الغين المعجمة وضم الميم آخره ومهملة ~~(وفيه قلت:) ظاهره أن السائل ابن عمرو راوي الحديث PageV04P105 # والمجيب هو النبي (ص)، ويحتمل أن يكون السائل غير عبد الله لعبد الله ~~وعبد الله المجيب والأول أظهر (وما اليمين الغموس؟ قال: التي يقتطع بها مال ~~امرئ مسلم هو فيها كاذب أخرجه البخاري). اعلم أن ms1185 اليمين إما أن تكون بعقد ~~قلب وقصد أو لا بل تجري على اللسان بغير عقد قلب وإنما تقع بحسب ما تعوده ~~المتكلم، سواء كانت بإثبات أو نفي نحو والله، وبلى والله، ولا والله، فهذه ~~هي اللغو الذي قال الله تعالى فيه * (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) * ~~كما يأتي دليله. وإن كانت عن عقد قلب فينظر إلى حال المحلوف عليه، فينقسم ~~بحسبه إلى أقسام خمسة: إما أن يكون معلوم الصدق أو معلوم الكذب أو مظنون ~~الصدق أو مظنون الكذب أو مشكوكا فيه. فالأول: يمين برة صادقة وهي التي وقعت ~~في كلام الله تعالى نحو * (فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) ~~* ووقعت في كلام رسول الله (ص). قال ابن القيم: إنه (ص) حلف في أكثر من ~~ثمانين موضعا، وهذه هي المرادة في حديث: إن الله تعالى يحب أن يحلف به، ~~وذلك لما يتضمن من تعظيم الله تعالى. والثاني وهو معلوم الكذب اليمين ~~الغموس ويقال لها: الزور والفاجرة، وسميت في الأحاديث: يمين صبر ويمينا ~~مصبورة، قال في النهاية سميت غموسا لأنها تغمس صاحبها في النار، فعلى هذا ~~هي فعول بمعنى فاعل، وقد فسرها في الحديث بالتي يقتطع به مال المرء المسلم، ~~فظاهره أنها لا تكون غموسا إلا إذا اقتطع بها مال امرئ مسلم لا أن كل محلوف ~~كذبا يكون غموسا ولكنها تسمى فاجرة. الثالث ما ظن صدقه وهو قسمان: الأول ما ~~انكشف فيه الإصابة فهدا ألحقه البعض بما علم صدقه، إذ بالانكشاف صار مثله. ~~والثاني ما ظن صدقه وانكشف خلافه وقد قيل: لا يجوز الحلف في هذين القسمين ~~لان وضع الحلف لقطع الاحتمال فكأن الحالف يقول: أنا أعلم مضمون الخبر وهذا ~~كذب فإنه إنما حلف على ظنه. الرابع: ما ظن كذبه والحلف عليه محرم. الخامس: ~~ما شك في صدقه وكذبه وهو أيضا محرم. فتلخص أنه يحرم ما عدا المعلوم صدقه. ~~وقوله: ما الكبائر فيه دليل على أنه قد كان معلوما عند السائل أن في ~~المعاصي كبائر وغيرها. وقد اختلف ms1186 العلماء في ذلك فذهب إمام الحرمين وجماعة ~~من أئمة العلم إلى أن المعاصي كلها كبائر. وذهب الجماهير إلى أنها تنقسم ~~إلى كبائر وصغائر واستدلوا بقوله تعالى: * (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) ~~* وبقوله: * (والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش إلا اللمم) *. قلت: ولا ~~يخفى أنه لا دليل على تسمية شئ من المعاصي صغائر وهو محل النزاع. وقيل: لا ~~خلاف في المعنى إنما الخلاف لفظي، لاتفاق الكل على أن من المعاصي ما يقدح ~~في العدالة ومنها ما لا يقدح فيها. # قلت: وفيه أيضا تأمل. وقوله: فذكر الحديث ذكر فيه الاشراك بالله وعقوق ~~الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس. وقد تعرض الشارح رحمه الله إلى ما ~~قاله العلماء في تحديد الكبيرة وأطال نقل أقاويلهم في ذلك، وهي أقاويل ~~مدخولة. والتحقيق أن الكبر والصغر أمر نسبي PageV04P106 # فلا يتم الجزم بأن هذا صغير وهذا كبير إلا بالرجوع إلى ما نص الشارع على ~~كبره فهو كبير وما عدا باق على الابهام والاحتمال. وقد عد العلائي في ~~قواعده الكبائر المنصوص عليها بعد تتبعها من النصوص فأبلغها خمسا وعشرين، ~~وهي الشرك بالله، والقتل، والزنى - وأفحشه بحليلة الجار - والفرار من ~~الزحف، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والسحر، والاستطالة في عرض المسلم ~~بغير حق، وشهادة الزور، واليمين الغموس، والنميمة، والسرقة، وشرب الخمر، ~~واستحلال بيت الله الحرام، ونكث الصفقة، وترك السنة، والتعرب بعد الهجرة، ~~واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، ومنع ابن السبيل من فضل الماء، ~~وعدم التنزه من البول، وعقوق الوالدين، والتسبب إلى شتمهما، والاضرار في ~~الوصية، وتعقب بأن السرقة لم يرد النص بأنها كبيرة وإنما في الصحيحين: لا ~~يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن وفي رواية النسائي فإن فعل ذلك فقد خلع ربقة ~~الاسلام من عنقه. فإن تاب تاب الله عليه قد جاء في أحاديث صحيحة: النص على ~~الغلول وهو إخفاء بعض الغنيمة بأنه كبيرة. وجاء في الجمع بين الصلاتين لغير ~~عذر، ومنع الفحل ولكنه حديث ضعيف وجاء في الأحاديث ذكر أكبر الكبائر كحديث ~~أبي هريرة إن من ms1187 أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم أخرجه ابن أبي ~~حاتم بإسناد حسن، ونحوه من الأحاديث، ولا مانع من أن يكون في الذنوب الكبير ~~والأكبر. وظاهر الحديث أنه لا كفارة في الغموس وقد نقل ابن المنذر وابن عبد ~~البر اتفاق العلماء على ذلك، وقد أخرج ابن الجوزي في التحقيق عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه مرفوعا أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ليس فيها ~~كفارة: يمين صبر يقتطع بها مالا بغير حق وفيه راو مجهول. وقد روى آدم بن ~~أبي إياس وإسماعيل القاضي عن ابن مسعود موقوفا: كنا نعد الذنب الذي لا ~~كفارة له اليمين الغموس، أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذبا ليقتطعه. قالوا: ~~ولا مخالف له من الصحابة، ولكن تكلم ابن حزم في صحة أثر ابن مسعود. وإلى ~~عدم الكفارة ذهبت الهادوية وذهب الشافعي وآخرون إلى وجوب الكفارة فيها، وهو ~~الذي اختاره ابن حزم في شرح المحلى لعموم * (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الايمان) * الآية واليمين الغموس معقودة قالوا: # والحديث لا تقوم به حجة حتى تخصص الآية، والقول بأنه لا يكفرها إلا ~~التوبة، فالكفارة تنفعه في رفع إثم اليمين ويبقى في ذمته ما اقتطعه بها من ~~مال أخيه، فإن تحلل منه وتاب محا الله تعالى عنه الاثم. # 8 - (وعن عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: * (لا يؤاخذكم الله في ~~اللغو في أيمانكم) * قالت: هو قول الرجل لا والله وبلى والله. أخرجه ~~البخاري) موقوفا على عائشة (ورواه أبو داود مرفوعا). فيه دليل على أن اللغو ~~من الايمان ما لا يكون عن قصد الحلف، وإنما جرى على اللسان من غير إرادة ~~الحلف وإلى تفسير اللغو بهذا ذهب الشافعي ونقله ابن المنذر عن ابن عمر وابن ~~عباس وغيرهما من الصحابة وجماعة من التابعين. وذهب الهادوية والحنفية إلى ~~أن لغو اليمين أن يحلف على الشئ يظن صدقه فيكشف خلافه، وذهب طاوس ~~PageV04P107 # إلى أنها الحلف وهو غضبان، وفي ذلك تفاسير أخر لا يقوم عليها دليل، ~~وتفسير عائشة أقرب لأنها ms1188 شاهدت التنزيل وهي عارفة بلغة العرب. وعن عطاء ~~والشعبي وطاوس والحسن وأبي قلابة: لا والله، وبلى والله لغة من لغات العرب ~~لا يراد بها اليمين، وهي من صلة الكلام، ولان اللغو في اللغة ما كان باطلا، ~~وما لا يعتد به من القول، ففي القاموس اللغو واللغى كالفتى السقط، وما لا ~~يعتد به من كلام وغيره. # 9 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إن لله تسعة ~~وتسعين اسما من أحصاها) وفي لفظ من حفظها (دخل الجنة. # متفق عليه، وساق الترمذي وابن حبان الأسماء والتحقيق أن سردها إدراج من ~~بعض الرواة) اتفق الحفاظ من أئمة الحديث أن سردها إدراج من بعض الرواة، ~~وظاهر الحديث أن أسماء الله الحسنى منحصرة في هذا العدد بناء على القول ~~بمفهوم العدد، ويحتمل أنه حصر لها باعتبار ما ذكر بعده من قوله: من أحصاها ~~دخل الجنة وهو خبر المبتدأ. فالمراد أن هذه التسعة والتسعين تختص بفضيلة من ~~بين سائر أسمائه تعالى، وهو أن إحصاءها سبب لدخول الجنة وإلى هذا ذهب ~~الجمهور. وقال النووي: ليس في الحديث حصر أسماء الله تعالى، وليس معناه أنه ~~ليس له اسم غير التسعة والتسعين، ويدل عليه ما أخرجه أحمد وصححه ابن حبان ~~من حديث ابن مسعود مرفوعا: أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في ~~كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك فإنه دل على ~~أن له تعالى أسماء لم يعرفها أحد من خلقه بل استأثر بها. ودل على أنه قد ~~يعلم بعض عباده بعض أسمائه، ولكنه يحتمل أنه من التسعة والتسعين. وقد جزم ~~بالحصر فيما ذكر أبو محمد بن حزم فقال: # قد صح أن أسماءه تعالى لا تزيد على تسعة وتسعين شيئا لقوله صلى الله عليه ~~وسلم مائة إلا واحدا فنفي الزيادة وأبطلها، ثم قال: وجاءت أحاديث في إحصاء ~~التسعة والتسعين اسما مضطربة لا يصح منها شئ أصلا وإنما تؤخذ من نص القرآن ~~وما صح عن النبي ms1189 (ص)، ثم سرد أربعة وثمانين اسما استخرجها من القرآن ~~والسنة. وقال الشارح تبعا لكلام المصنف في التلخيص: إنه ذكر ابن حزم أحدا ~~وثمانين اسما والذي رأيناه في كلام ابن حزم أربعة وثمانين، وقد نقلنا كلامه ~~وتعيين الأسماء الحسنى على ما ذكره في هامش التلخيص. واستخرج المصنف من ~~القرآن فقط تسع وتسعين اسما وسردها في التلخيص وغيره وذكر السيد محمد بن ~~إبراهيم الوزير في إيثار الحق أنه تتبعها من القرآن فبلغت مائة وثلاثة ~~وسبعين اسما وإن قال صاحب الايثار: مائة وسبعة وخمسين، فإنا عددناها ~~فوجدناها كما قلنا أولا. وعرفت من كلام المصنف أن مراده أن سرد الأسماء ~~الحسنى المعروفة مدرج عند المحققين، وأنه ليس من كلامه (ص). وذهب كثيرون ~~إلى أن عدها مرفوع، وقال المصنف بعد نقله كلام العلماء في ذكر عدد الأسماء ~~والاختلاف فيها ما لفظه: ورواية الوليد بن مسلم عن شعيب هي أقرب الطرق ~~الواضحة وعليها عول غالب من شرح الأسماء PageV04P108 # الحسنى ثم سردها على رواية الترمذي وذكر اختلافا في بعض ألفاظها وتبديلا ~~في إحدى الروايا ت للفظ بلفظ ثم قال: واعلم أن الأسماء الحسنى على أربعة ~~أقسام: القسم الأول: الاسم العلم وهو الله. والثاني: ما يدل على الصفات ~~الثابتة للذات كالعليم والقدير والسميع والبصير. والثالث: ما يدل على إضافة ~~أمر إليه كالخالق والرازق. والرابع: ما يدل على سلب شئ عنه كالعلي والقدوس. ~~واختلف العلماء أيضا هل هي توقيفية يعني أنه لا يجوز لأي أحد أن يشتق من ~~الأفعال الثابتة لله تعالى اسما، بل لا يطلق عليه إلا ما ورد به نص الكتاب ~~والسنة، فقال الفخر الرازي: المشهور عن أصحابنا أنها توقيفية. وقالت ~~المعتزلة والكرامية: إذا دل العقل على أن معنى اللفظ ثابت في حق الله تعالى ~~جاز إطلاقه على الله تعالى. وقال القاضي أبو بكر والغزالي: الأسماء توقيفية ~~دون الصفات، قال الغزالي: # كما أنه ليس لنا أن نسمي النبي صلى الله عليه وسلم باسم لم يسمه به أبوه ~~ولا أمه ولا سمى به نفسه كذلك في حق الله ms1190 تعالى. واتفقوا على أنه لا يجوز ~~أن يطلق عليه تعالى اسم أو صفة توهم نقصا، فلا يقال: ماهد ولا زارع ولا ~~فالق وإن جاء في القرآن: * (فنعم الماهدون) _ (أم نحن الزارعون) * * (فالق ~~الحب والنوى) * ولا يقال ماكر ولا بناء وإن ورد * (ومكروا ومكر الله) * * ~~(والسماء بنيناها) *. وقال القشيري: الأسماء تؤخذ توقيفا من الكتاب والسنة ~~والاجماع فكل اسم ورد فيها وجب إطلاقه في وصفه وما لم يرد لم يجز ولو صح ~~معناه. وقد أوضحنا هذا البحث في كتابنا إيقاظ الفكرة. وقوله: من أحصاها ~~اختلف العلماء في الاحصاء فقال البخاري وغيره من المحققين: معناه حفظها وهو ~~الظاهر فإن إحدى الروايتين مفسرة للأخرى، وقال الخطابي: يحتمل وجوها أحدها: ~~أن يعدها حتى يستوفيها بمعنى أن لا يقتصر على بعضها فيدعو الله بها كلها ~~ويثني عليه بجميعها فيستوجب الموعود عليها من الثواب، وثانيها: المراد ~~بالاحصاء الإطاقة، والمعنى من أطاق القيام بحق هذه الأسماء والعمل بمقتضاها ~~وهو أن يعتبر معانيها فيلزم نفسه بمواجبها، فإذا قال: الرزاق وثق بالرزق ~~وكذا سائر الأسماء. # ثالثها: المراد به الإحاطة بمعانيها. وقيل: أحصاها عمل بها فإذا قال: ~~الحكيم، سلم لجميع أوامره لان جميعها على مقتضى الحكمة وإذا قال: القدوس، ~~استحضر كونه مقدسا منزها عن جميع النقائص، واختاره أبو الوفاء ابن عقيل. ~~وقال ابن بطال: طريق العمل بها أن ما كان يسوغ الاقتداء به فيها كالرحيم ~~والكريم فيمرن العبد نفسه على أن يصح له الاتصاف بها، وما كان يختص به نفسه ~~كالجبار والعظيم فعلى العبد الاقرار بها والخضوع لها وعدم التحلي بصفة ~~منها، وما كان فيه معنى الوعد يقف فيه عند الطمع والرغبة، وما كان فيه معنى ~~الوعيد يقف منه عند الخشية والرهبة. ويؤيد هذا أن حفظها لفظا من دون عمل ~~واتصاف كحفظ القرآن من دون عمل لا ينفع كما جاء يقرؤن القرآن لا يجاوز ~~حناجرهم ولكن هذا الذي ذكرته لا يمنع من ثواب من قرأها سردا، وإن كان ~~متلبسا بمعصية، وإن كان ذلك مقام الكمال الذي لا يقوم به إلا ms1191 أفراد من ~~الرجال. وفيه أقوال أخر لا تخلو PageV04P109 # من تكلف تركناها. فإن قلت: كيف يتم أن المراد من حفظها على ما هو قول جمع ~~من المحققين ولم يأت بعددها حديث صحيح؟. قلت: لعل المراد من حفظ كل ما ورد ~~في القرآن وفي السنة الصحيحة وإن كان موجودا فيهما أكثر متسعة وتسعين فقد ~~حفظ التسعة والتسعين في ضمنها فيكون حثا على تطلبها من الكتاب والسنة ~~الصحيحة وحفظها. # 10 - (وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ص): # من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثنا أخرجه ~~الترمذي وصححه ابن حبان. المعروف: الاحسان، والمراد من أحسن إليه انسان بأي ~~إحسان فكافأه فقد بلغ في الثناء عليه مبلغا عظيما، ولا يدل على أنه قد ~~كافأه على إحسانه بل دل على أنه ينبغي الثناء على المحسن. وقد ورد في حديث ~~آخر الدعاء إذا عجز العبد عن المكافأة مكافأة ولا يخفى أن ذكر الحديث هنا ~~غير موافق لباب الايمان والنذور وإنما محله باب الأدب الجامع. # - 11 (وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي (ص) أنه نهى عن النذر وقال: ~~إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل متفق عليه) هذا أول الكلام في ~~النذور. والنذر لغة: التزام خير أو شر، وفي الشرع التزام المكلف شيئا لم ~~يكن عليه منجزا أو معلقا، واختلف العلماء في هذا النهي، فقيل: هو على ~~ظاهره، وقيل بل متأول. قال ابن الأثير في النهاية: تكرر النهي عن النذر في ~~الحديث وهو تأكيد لامره وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه ~~الزجر عنه حتى لا يفعل لكان في ذلك إبطال لحكمه وإسقاط للزوم الوفاء به، ~~إذا كان بالنهي يصير معصية فلا يلزم، وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم أن ~~ذلك الامر لا يجر لهم في العاجل نفعا، ولا يصرف عنهم ضرا ولا يرد قضاء ~~فقال: لا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئا لم يقدره الله تعالى لكم أو ~~تصرفون به ms1192 عنكم ما قدر عليكم، فإذا نذرتم ولم تعتقدوا هذا فاخرجوا عنه ~~بالوفاء فإن الذي نذرتموه لازم لكم ا ه‍. وقال المازري بعد نقل معناه عن ~~بعض أصحابه: وهذا عندي بعيد عن ظاهر الحديث. قال: ويحتمل عندي أن يكون وجه ~~الحديث أن الناذر يأتي بالقرب مستثقلا لها لما صارت عليه ضربة لازب، فلا ~~ينشط العقل نشاط مطلق الاختيار، أو لان الناذر يصير القربة كالعوض عن الذي ~~نذر لأجله فلا تكون خالصة ويدل عليه قوله: إنه لا يأتي بخير. وقال القاضي ~~عياض: إن المعنى أنه يغالب القدر والنهي لخشية أن يقع في ظن بعض الجهلة ~~ذلك. وقوله: لاح يأتي بخير معناه أن عقباه لا تحمد. وقد يتعذر الوفاء به ~~وأن لا يكون سببا لخير لم يقدر فيكون مباحا. وذهب أكثر الشافعية - ونقل عن ~~المالكية - إلى أن النذر مكروه لثبوت النهي عنه. واحتجوا بأنه ليس طاعة ~~محضة لأنه لم يقصد به خالص القربة وإنما قصد أن ينفع نفسه أو يدفع عنها ~~ضررا بما التزم. وجزم الحنابلة بالكراهة، وعندهم رواية أنها كراهة تحريم، ~~ونقل PageV04P110 # الترمذي كراهته عن بعض أهل العلم من الصحابة. وقال ابن المبارك: يكره ~~النذر في الطاعة والمعصية، فإن نذر بالطاعة ووفى به كان له أجر. وذهب ~~النووي في شرح المهذب إلى أن النذر مستحب، وقال المصنف: وأنا أتعجب ممن ~~أطلق لسانه بأنه ليس بمكروه مع ثبوت النهي الصريح فأقل درجاته أن يكون ~~مكروها. قال ابن العربي: النذر شبيه بالدعاء فإنه لا يرد القدر لكنه من ~~القدر، وقد ندب إلى الدعاء ونهى عن النذر لان الدعاء عبادة عاجلة ويظهر به ~~التوجه إلى الله والخضوع والتضرع، والنذر فيه تأخير العبادة إلى حين ~~الحصول، وترك العمل إلى حين الضرورة ا ه‍. قلت: القول بتحريم النذر هو الذي ~~دل عليه الحديث، ويزيد تأكيدا تعليله بأنه لا يأتي بخير، فإنه يصير اخراج ~~المال فيه من باب إضاعة المال، وإضاعة المال محرمة، فيحرم النذر بالمال كما ~~هو ظاهر قوله: وإنما يستخرج به من البخيل. وأما النذر بالصلاة ms1193 والصيام ~~والزكاة والحج والعمرة ونحوها من الطاعات فلا تدخل في النهي، ويدل له ما ~~أخرجه الطبراني بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى: * (يوفون بالنذر) * قال: ~~كانوا ينذرون طاعات من الصلاة والصيام وسائر ما افترض الله عليهم. وهو وإن ~~كان أثرا فهو يقويه ما ذكر في سبب نزول الآية. هذا وأما النذور المعروفة في ~~هذه الأزمنة على القبور والمشاهد والأموات فلا كلام في تحريمها. لان الناذر ~~يعتقد في صاحب القبر أنه ينفع ويضر، ويجلب الخير ويدفع الشر ويعافي الأليم، ~~ويشفي السقيم، وهذا هو الذي كأني فعله عباد الأوثان بعينه، فيحرم كما يحرم ~~النذر على الوثن. ويحرم قبضه، لأنه تقرير على الشرك. ويجب النهي عنه وإبانة ~~أنه من أعظم المحرمات، وأنه الذي كان يفعله عباد الأصنام، لكن طال الأمد ~~حتى صار المعروف منكرا والمنكر معروفا، وصارت تعقد اللواءات لقباض النذور ~~على الأموات، ويجعل للقادمين إلى محل الميت الضيافات. وينحر في بابه ~~النحائر من الانعام. وهذا هو بعينه الذي كان عليه عباد الأصنام، فإنا لله ~~وإنا إليه راجعون، وقد أشبعنا الكلام في هذا في رسالة تطهير الاعتقاد عن ~~درن الالحاد. والحديث ظاهر في النهي عن النذر مطلقا، ما ينذر به ابتداء كمن ~~ينذر أن يخرج من ماله كذا، وما يتقرب به معلقا، كأن يقول: إن قدم زيد تصدقت ~~بكذا. # 12 - (وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # كفارة النذر كفارة يمين رواه مسلم وزاد الترمذي فيه إذا لم يسم وصححه) ~~الحديث دليل على أن من نذر بأي نذر من مال أو غيره فكفارته كفارة يمين ولا ~~يجب الوفاء به، وإلى هذا ذهب جماعة من فقهاء أهل الحديث كما قال النووي. ~~وقد أخرج البيهقي عن عائشة رضي الله عنها: في رجل جعل ماله في المساكين ~~صدقة قالت: كفارة يمين وأخرج أيضا عن أم صفية أنها سمعت عائشة رضي الله ~~عنها وإنسان يسألها عن الذي يقول كل ماله في سبيل الله أو كل ماله في رتاج ~~الكعبة، ما يكفر ms1194 ذلك؟ قالت عائشة: يكفره ما يكفر اليمين وكذا أخرجه عن عمر ~~وابن عمر وأم سلمة، قال البيهقي: هذا في غير العتق PageV04P111 # فقد روي عن ابن عمر من وجه آخر أن العتاق يقع، وكذلك عن ابن عباس، ~~ودليلهم حديث عقبة هذا. وذهب آخرون: إلى تفصيل في المنذور به فإن كان ~~المنذور به فعلا فالفعل إن كان غير مقدور فهو غير منعقد، وإن كان مقدورا ~~فإن كان جنسه واجبا لزم الوفاء به عند الهادوية ومالك وأبي حنيفة وجماعة ~~آخرين، وقول للشافعي إنه لا ينعقد النذر المطلق بل يكون يمينا فيكفرها، ذكر ~~هذا الخلاف في البحر. وذهب داود وأهل الظاهر وذكر النووي في شرح مسلم أنه ~~أجمع المسلمون على صحة النذر ووجوب الوفاء به إذا كان الملتزم طاعة، فإن ~~كان معصية أو مباحا كدخول السوق لم ينعقد النذر ولا كفارة عليه عندنا وبه ~~قال جمهور العلماء. وقال أحمد وطائفة: فيه كفارة يمين. وقال في نهاية ~~المجتهد: إنه وقع الاتفاق على لزوم النذر بالمال إذا كان في سبيل البر وكان ~~على جهة الجزم، وإن كان على جهة الشرط فقال مالك: يلزم كالجزم ولا كفارة ~~يمين في ذلك، إلا أنه إذا نذر بجميع ماله لزم ثلث ماله إذا كان مطلقا، وإن ~~كان المنذور به معينا لزمه وإن كان جميع ماله، وكذا إذا كان المعين أكثر من ~~الثلث، وذهب الشافعي إلى أنها تجب كفارة يمين، لأنه ألحقها بالايمان، ثم ~~ذكر أقاويل في المسألة لا ينهض عليها دليل، وذكر متمسك القائلين بأدلة ليست ~~من باب النذر ولا تنطبق على المدعي، وحديث عقبة أحسن ما يعتمد الناظر عليه. ~~وقد حمله جماعة من فقهاء الحديث على جميع أنواع النذر، وقالوا: هو مخير في ~~جميع أنواع المنذورات بين الوفاء بما التزم وبين كفارة يمين، ذكره النووي ~~في شرح مسلم، وهو الذي دل عليه إطلاق حديث عقبة. # 13 - (ولأبي داود من حديث ابن عباس مرفوعا من نذر نذرا لم يسمه فكفارته ~~كفارة يمين، ومن نذر نذرا في معصية فكفارته كفارة يمين، ms1195 ومن نذر نذرا لا ~~يطيقه فكفارته كفارة يمين وإسناده صحيح لكن رجح الحفاظ وقفه) أما النذر ~~الذي لم يسم كأن يقول: لله علي نذر. فقال كثير من العلماء في ذلك كفارة ~~يمين لا غير، وعليه دل حديث عقبة وحديث ابن عباس، وأما النذر بالمعصية ~~فكفارته كفارة يمين، كما صرح به الحديث، سواء فعل المعصية أم لا، وكذلك من ~~نذر نذرا لا يطيقه عقلا ولا شرعا كطلوع السماء وحجتين في عام، لا ينعقد ~~وتلزمه كفارة يمين. وعند الشافعي ومالك وداود وجماهير العلماء: لا تلزمه ~~الكفارة لما دل عليه الحديث الآتي وهو قوله: # 14 - (وللبخاري من حديث عائشة ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه. ولم يذكر ~~كفارة، وحديث عمر لا يمين عليك ولا نذر في معصية الله أخرجه ابن ماجة. ~~وذهبت الهادوية وابن حنبل إلى وجوب الكفارة، لحديث ابن عباس رضي الله ~~عنهما. وأجيب عنه بأن الأصح أنه موقوف. وأما الزيادة في حديث عمران بن حصين ~~وكفارته كفارة يمين فقد أخرجها النسائي والحاكم والبيهقي، ولكن فيه: محمد ~~بن الزبير الحنظلي PageV04P112 # وليس بالقوي، وله طريق أخرى فيها علة، ورواه الأربعة من حديث عائشة وفيه ~~راو متروك، ورواه الدارقطني وفيه أيضا متروك. ولا يلزم الوفاء بنذر المعصية ~~لقوله: فلا يعصه ولما يفيده قوله: # 15 - (ولمسلم من حديث عمران لا وفاء لنذر في معصية. فإنه صريح في النهي ~~عن الوفاء، كالذي قبله. # 16 - (وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت ~~الله حافية فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله (ص) فاستفتيته فقال النبي (ص): # لتمش ولتركب متفق عليه واللفظ لمسلم، ولأحمد والأربعة فقال: إن الله ~~تعالى لا يصنع بشقاء أختك شيئا، مرها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام) دل ~~الحديث على أن من نذر أن يمشي إلى بيت الله لا يلزمه الوفاء، وله أن يركب ~~لغير عجز وإليه ذهب الشافعي. وذهبت الهادوية: إلى أنه لا يجوز الركوب مع ~~القدرة على المشي، فإذا عجز جاز له الركوب ولزمه دم، مستدلين ms1196 برواية أبي ~~داود لحديث عقبة بأنه قال فيه إن أختي نذرت أن تحج ماشية وإنها لا تطيق ~~فقال رسول الله (ص): إن الله تعالى لغني عن مشي أختك فلتركب ولتهد بدنة ~~فتقييد رواية الصحيحين بأن المراد ولتمش إن استطاعت وتركب في الوقت الذي لا ~~تطيق المشي فيه أو يشق عليها. وقوله: فلتختمر ذكر ذلك لأنه وقع في الرواية ~~أنها نذرت أن تحج لله ماشية غير مختمرة قال: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: مرها. الحديث ولعل الامر بصيام ثلاثة أيام لأجل النذر بعدم ~~الاختمار، فإنه نذر بمعصية، فوجب كفارة يمين، وهو من أدلة من يوجب الكفارة ~~في النذر بمعصية، إلا أنه ذكر البيهقي أن في إسناده اختلافا، وقد ثبت في ~~رواية أبي داود عن ابن عباس بعد قوله: فلتركب ولتهد بدنة قيل: وهو على شرط ~~الشيخين إلا أنه قال البخاري: لا يصح في حديث عقبة بن عامر الامر بالاهداء، ~~فإن صح فكأنه أمر ندب وفي وجهه خفاء. # 17 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: استفتى سعد بن عبادة النبي صلى ~~الله عليه وسلم في نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه فقال: اقضه عنها ~~متفق عليه) لم يبين هذه الرواية ما هو النذر، وجاء في رواية أفيجزئ أن أعتق ~~عنها؟ فقال: أعتق عن أمك فظاهر هذه الرواية أنها نذرت بعتق، وأما ما أخرج ~~النسائي عن سعد بن عبادة قال: قلت: يا رسول الله إن أمي ماتت أفأتصدق عنها؟ ~~قال: نعم. قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: سقي الماء فإنه في أمر آخر غير ~~الفتيا، إذ هذا في سؤاله (ص) عن الصدقة تبرعا عنها. والحديث دليل على أنه ~~يلحق الميت ما فعل له من بعده من عتق أو صدقة أو نحوهما، وقد قدمنا ذلك في ~~آخر كتاب الجنائز. وهل يجب ذلك على الوارث؟ # ذهب الجمهور إلى أنه لا يجب على الوارث أن يقضي النذر عن الميت إذا كان ~~ماليا ولم يخلف PageV04P113 # تركة، وكذا غير المالي. وقالت الظاهرية: ms1197 يلزمه ذلك لحديث سعد. وأجيب بأن ~~حديث سعد لا دلالة فيه على الوجوب، والظاهر مع الظاهرية إذ الامر للوجوب. # 18 - (وعن ثابت بن الضحاك) هو ثابت بن الضحاك الأشهلي. قال البخاري: هو ~~ممن بايع تحت الشجرة حدث عنه أبو قلابة وغيره (قال: نذر رجل على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن ينحر إبلا ببوانة). بضم الموحدة وبفتحها وبعدها ~~واو ثم ألف وبعد الألف نون موضع بالشام، وقيل: أسفل مكة دون يلملم (فأتى ~~رسول الله (ص) فسأله، فقال هل كان فيها وثن يعبد؟ قال: لا. قال: فهل كان ~~فيها عيد من أعيادهم؟ # فقال: لا. فقال: أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله تعالى ولا في ~~قطيعة رحم ولا فيما لا يملك ابن آدم. رواه أبو داود والطبراني واللفظ له ~~وهو صحيح الاسناد وله شاهد من حديث كردم) بفتح الكاف وسكون الراء وفتح ~~الدال المهملة (عند أحمد). والحديث له سبب عند أبي داود وهو: أنه قال: يا ~~رسول الله إني نذرت إن ولد لي ولد ذكر أن أذبح على رأس بوانة - في عقبة من ~~الصاعد عنه - الحديث وهو دليل على أن من نذر أن يتصدق أو يأتي بقربة في محل ~~معين أنه يتعين عليه الوفاء بنذره ما لم يكن في ذلك المحل شئ من أعمال ~~الجاهلية، وإلى هذا ذهب جماعة من أئمة الهادوية. وقال الخطابي: إنه مذهب ~~الشافعي، وأجازه غيره لغير أهل ذلك المكان ا ه‍. ولكنه يعارضه حديث لا تشد ~~الرحال فيكون قرينة على أن الامر هنا للندب، كذا قيل، ويدل له أيضا قوله: # 19 - (وعن جابر رضي الله عنه أن رجلا قال يوم الفتح:) أي فتح مكة. (يا ~~رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس فقال: صل ~~ها هنا فسأله فقال: # صل ها هنا فسأله فقال: فشأنك إذن رواه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم) ~~وصححه ابن دقيق العيد في الاقتراح، وهو دليل على أنه لا يتعين المكان في ~~النذر ms1198 وإن عين - إلا ندبا. # 20 - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: # لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي ~~هذا: متفق عليه واللفظ للبخاري. تقدم الحديث في آخر باب الاعتكاف ولعله ~~أورده هنا للإشارة إلى أن النذر لا يتعين فيه المكان إلا أحد الثلاثة ~~المساجد. وقد ذهب مالك والشافعي إلى لزوم الوفاء بالنذر بالصلاة في أي ~~المساجد الثلاثة وخالفهم أبو حنيفة فقال: لا يلزم الوفاء، وله أن يصلي في ~~أي محل شاء وإنما يجب عنده المشي إلى المسجد الحرام إذا كان لحج أو عمرة، ~~وأما غير الثلاثة المساجد فذهب أكثر العلماء إلى عدم لزوم الوفاء لو نذر ~~بالصلاة فيها إلا ندبا. وأما شد الرحال للذهاب إلى قبور الصالحين والمواضع ~~الفاضلة فقال الشيخ أبو محمد الجويني: إنه حرام وهو الذي أشار القاضي عياض ~~إلى اختياره قال النووي: والصحيح عند أصحابنا وهو الذي اختاره إمام الحرمين ~~والمحققون أنه لا يحرم PageV04P114 # ولا يكره، قالوا: والمراد أن الفضيلة التامة إنما هي في شد الرحال إلى ~~الثلاثة خاصة، وقد تقدم هذا في آخر باب الاعتكاف. # 21 - (وعن عمر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية ~~أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟ قال: فأوف بنذرك متفق عليه، وزاد البخاري ~~في رواية فاعتكف ليلة. دل الحديث على أنه يجب على الكافر الوفاء بما نذر به ~~إذا أسلم. # وإليه ذهب البخاري وابن جرير وجماعة من الشافعية لهذا الحديث. وذهب ~~الجماهير إلى أنه لا ينعقد النذر من الكافر. قال الطحاوي: لا يصح منه ~~التقرب بالعبادة، قال: ولكنه يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم فهم من عمر ~~أنه سمح بفعل ما كان نذر فأمره به، لان فعله طاعة وليس هو ما كان نذر به في ~~الجاهلية. وذهب بعض المالكية إلى أنه صلى الله عليه وسلم إنما أمر به ~~استحبابا، وإن كان التزمه في حال لا ينعقد فيها. ولا يخفى أن القول الأول ~~أوفق بالحديث، والتأويل ms1199 تعسف. وقد استدل به على أن الاعتكاف لا يشترط فيه ~~الصوم إذ الليل ليس ظرفا، وتعقب بأن في رواية عند مسلم يوما وليلة وقد ورد ~~ذكر الصوم صريحا في رواية أبي داود والنسائي اعتكف وصم وهو ضعيف. # كتاب القضاء القضاء: بالمد الولاية المعروفة وهو في اللغة: مشترك بين ~~أحكام الشئ والفراغ منه، ومنه * (فقضاهن سبع سماوات) * وبمعنى إمضاء الامر ~~ومنه * (وقضينا إلى بني إسرائيل) * وبمعنى الحتم والالزام ومنه: * (وقضى ~~ربك ألا تعبد وا إلا إياه) *. وفي الشرع: إلزام ذي الولاية بعد الترافع، ~~وقيل: هو الاكراه بحكم الشرع في الوقائع الخاصة لمعين أو جهة، والمراد ~~بالجهة كالحكم لبيت المال أو عليه. # 1 - (عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة) وكأنه قيل: من هم؟ فقال: ~~(رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار في ~~الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار ~~رواه الأربعة وصححه الحاكم). وقال في علوم الحديث: # تفرد به الخراسانيون وروته مراوزة، قال المصنف: له طرق غير هذه جمعتها في ~~جزء مفرد. # والحديث دليل على أنه لا ينجو من النار من القضاء إلا من عرف الحق وعمل ~~به، والعمدة العمل فإن من عرف الحق ولم يعمل به فهو ومن حكم بجهل سواء في ~~النار. وظاهره أن من حكم بجهل وإن وافق حكمه الحق فإنه في النار، لأنه ~~أطلقه وقال: فقضى للناس على جهل فإنه يصدق على من وافق الحق وهو جاهل في ~~قضائه - أنه قضى على جهل، وفيه التحذير من الحكم بجهل، أو بخلاف الحق مع ~~معرفته به. والذي في الحديث أن الناجي من قضى بالحق عاله PageV04P115 # به، والاثنان الآخران في النار، وفيه أنه يتضمن النهي عن تولية الجاهل ~~القضاء. قال في مختصر شرح السنة: إنه لا يجوز لغير المجتهد أن يتقلد القضاء ~~ولا يجوز للامام توليته، قال: والمجتهد من جمع خمسة علوم: علم ms1200 كتاب الله، ~~وعلم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقاويل علماء السلف من إجماعهم ~~واختلافهم. وعلم اللغة، وعلم القياس. وهو طريق استنباط الحكم من الكتاب ~~والسنة إذا لم يجده صريحا في نص كتاب أو سنة أو إجماع، فيجب أن يعلم من علم ~~الكتاب الناسخ والمنسوخ، والمجمل والمفسر، والخاص والعام، والمحكم ~~والمتشابه، والكراهة والتحريم، والإباحة والندب، ويعرف من السنة هذه ~~الأشياء، ويعرف منها الصحيح والضعيف والمسند والمرسل، ويعرف ترتيب السنة ~~على الكتاب، وبالعكس، حتى إذا وجد حديثا لا يوافق ظاهره الكتاب اهتدى إلى ~~وجه محمله، فإن السنة بيان للكتاب فلا تخالفه، وإنما تجب معرفة ما ورد منها ~~من أحكام الشرع دون ما عداها من القصص والاخبار والمواعظ. وكذا يجب أن يعرف ~~من علم اللغة ما أتى في الكتاب والسنة من أمور الاحكام دون الإحاطة بجميع ~~لغات العرب، ويعرف أقاويل الصحابة والتابعين في الاحكام، ومعظم فتاوى فقهاء ~~الأمة، حتى لا يقع حكمه مخالفا لأقوالهم، فيأمن فيه خرق الاجماع، فإذا عرف ~~كل نوع من هذه الأنواع فهو مجتهد وإذا لم يعرفها فسبيله التقليد ا ه‍. # 2 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من ولي القضاء ~~فقد ذبح بغير سكين رواه أحمد والأربعة وصححه ابن خزيمة وابن حبان. دل ~~الحديث على التحذير من ولاية القضاء والدخول فيه، كأنه يقول: من تولى ~~القضاء فقد تعرض لذبح نفسه فليحذره وليتوقه، فإنه إن حكم بغير الحق مع علمه ~~به أو جهله له فهو في النار، والمراد من ذبح نفسه إهلاكها أي فقد أهلكها ~~بتوليه القضاء. وإنما قال: بغير سكين للاعلام بأنه لم يرد بالذبح فري ~~الأوداج الذي يكون في الغالب بالسكين، بل أريد به إهلاك النفس بالعذاب ~~الأخروي، وقيل: ذبح ذبحا معنويا، وهو لازم له، لأنه إن أصاب الحق فقد أتعب ~~نفسه في الدنيا لإرادته الوقوف على الحق وطلبه واستقصاء ما يجب عليه رعايته ~~في النظر في الحكم، والموقف مع الخصمين، والتسوية بينهما في العدل والقسط، ~~وإن أخطأ في ذلك لزمه ms1201 عذاب الآخرة، فلا بد له من التعب والنصب. ولبعضهم ~~كلام في الحديث لا يوافق المتبادر منه. # 3 - (وعنه) أي أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # إنكم ستحرصون على الامارة) عام لكل إمارة من الإمامة العظمى إلى أدنى ~~إمارة ولو على واحد (وستكون ندامة يوم القيامة فنعم المرضعة) أي في الدنيا ~~(وبئست الفاطمة) أي بعد الخروج منها (رواه البخاري). قال الطيبي: تأنيث ~~الامارة PageV04P116 # غير حقيقي فترك تأنيث نعم وألحقه ببئس نظرا إلى كون الامارة حينئذ داهية ~~دهياء، وقال غيره: أنث في لفظ وتركه في لفظ للافتتان وإلا فالفاعل واحد. ~~وأخرج الطبراني والبزار بسند صحيح من حديث عوف بن مالك بلفظ: أولها: ملامة، ~~وثانيها: ندامة، وثالثها: عذاب يوم القيامة، إلا من عدل وأخرج الطبراني من ~~حديث زيد بن ثابت يرفعه نعم الشئ الامارة لمن أخذها بحقها وحلها، وبئس الشئ ~~الامارة لمن أخذها بغير حقها تكون عليه حسرة يوم القيامة وهذا يقيد ما أطلق ~~فيما قبله. وقد أخرج مسلم من حديث أبي ذر قال: قلت: # يا رسول الله ألا تستعملني قال: إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة ~~خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها. قال النووي: هذا أصل ~~عظيم في اجتناب الولاية لا سيما لمن كان فيه ضعف، وهو في حق من دخل فيها ~~بغير أهلية ولم يعدل فإنه يندم على ما فرط فيه إذا جوزي بالجزاء يوم ~~القيامة، وأما من كان أهلها وعدل فيها فأجره عظيم، كما تضافرت به الاخبار، ~~ولكن في الدخول فيها خطر عظيم، ولذلك امتنع الأكابر منها، فامتنع الشافعي ~~لما استدعاه المأمون لقضاء الشرق والغرب. وامتنع منه أبو حنيفة لما استدعاه ~~المنصور فحبسه وضربه، والذين امتنعوا من الأكابر جماعة كثيرون. وقد عد في ~~النجم الوهاج جماعة. # (تنبيه): في قوله: ستحرصون دلالة على محبة النفوس للامارة لما فيها من ~~نيل حظوظ الدنيا ولذاتها ونفوذ الكلمة، ولذا ورد ا لنهي عن طلبها كما أخرج ~~الشيخان أنه (ص) قال لعبد الرحمن: ms1202 لا تسأل الامارة فإنك إن أعطيتها عن ~~مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها وأخرج أبو داود ~~والترمذي عنه صلى الله عليه وسلم من طلب القضاء واستعان عليه بالشفعاء وكل ~~إليه، ومن لم يطلبه ولم يستعن عليه أنزل الله ملكا يسدده وفي صحيح مسلم أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال: والله إنا لا نولي هذا الامر أحدا سأله ولا أحدا ~~حرص عليه حرص بفتح الراء قال الله تعالى: * (وما أكثر الناس ولو حرصت ~~بمؤمنين) * ويتعين على الامام أن يبحث عن أرضي الناس وأفضلهم فيوليه، لما ~~أخرجه الحاكم والبيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من استعمل رجلا ~~على عصابة وفي تلك العصابة من هو أرضي لله تعالى منه فقد خان الله ورسوله ~~وجماعة المسلمين، وإنما نهى عن طلب الامارة لان الولاية تفيد قوة بعد ضعف، ~~وقدرة بعد عجز تتخذها النفس المجبولة على الشر وسيلة إلى الانتقام من ~~العدو، والنظر للصديق. وتتبع الأغراض الفاسدة ولا يوثق بحسن عاقبتها ولا ~~سلامة مجاورتها فالأولى أن لا تطلب ما أمكن. وإن كان قد أخرج أبو داود ~~بإسناد حسن عنه (ص) من طلب قضاء المسلمين حتى يناله. فغلب عدله جوره فله ~~الجنة ومن غلب جوره عدله فله النار. # 4 - (وعن عمرو ابن العاص أنه سمع رسول لله (ص) يقول إذا حكم الحاكم أي ~~إذا أراد الحكم لقوله: فاجتهد فإن الاجتهاد قبل الحكم، ثم أصاب فله أجران ~~فإذا حكم واجتهد ثم أخطأ أي لم يوافق ما هو عند الله تعالى من الحكم ~~PageV04P117 # [فله أجر. متفق عليه] الحديث من أدلة القول بأن الحكم عند الله في كل ~~قضية واحد معين قد يصيبه من أعمل فكره وتتبع الأدلة ووفقه الله فيكون له ~~أجران: أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة. والذي له أجر واحد هو من اجتهد فأخطأ ~~فله أجر الاجتهاد. واستدلوا بالحديث على أنه يشترط أن يكون الحاكم مجتهدا. ~~قال الشارح وغيره وهو المتمكن من أخذ الاحكام من الأدلة الشرعية قال: ولكنه ~~يعز وجوده بل كاد ms1203 يعدم بالكلية ومع تعذره فمن شرطه أن يكون مقلدا مجتهدا في ~~مذهب إمامه. ومن شرطه أن يتحقق أصول إمامه وأدلته وينزل أحكامه عليها فيما ~~لم يجده منصوصا من مذهب إمامه اه‍. قلت: ولا يخفى ما في هذا الكلام من ~~البطلان. وإن تطابق عليه الأعيان وقد بينا بطلان دعوى تعذر الاجتهاد في ~~رسالتنا المسماة بإرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد بما لا يمكن دفعه وما ~~أرى هذه الدعوى التي تطابقت عليها الانظار إلا من كفران نعمة الله عليهم ~~فإنهم - أعني المدعين لهذه الدعوى والمقررين لها - مجتهدون يعرف أحدهم من ~~الأدلة ما يمكنه بها الاستنباط مما لم يكن قد عرفه عتاب بن أسيد قاضي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على مكة ولا أبو موسى الأشعري قاضي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في اليمن ولا معاذ بن جبل قاضيه فيها وعامله عليها ولا شريح ~~قاضي عمر وعلي رضي الله عنهم على الكوفة. ويدل لذلك قول الشارح: فمن شرطه ~~أي المقلد أن يكون مجتهدا في مذهب إمامه وأن يتحقق أصوله وأدلته أي ومن ~~شرطه أن يتحقق أصول إمامه وأدلته وينزل أحكامه عليها فيما لم يجده منصوصا ~~من مذهب إمامه، فإن هذا هو الاجتهاد الذي حكم بكيدودة عدمه بالكلية وسماه ~~متعذرا، فهلا جعل هذا المقلد إمامه كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عوضا عن إمامه وتتبع نصوص الكتاب والسنة عوضا عن تتبع نصوص إمامه، ~~والعبارات كلها ألفاظ دالة على معان فهلا استبدل بألفاظ إمامه ومعانيها ~~ألفاظ الشارع ومعانيها ونزل الاحكام عليها إذا لم يجد نصا شرعيا عوضا عن ~~تنزيلها على مذهب إمامه فيما لم يجده منصوصا؟ # تالله لقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، من معرفة الكتاب والسنة إلى ~~معرفة كلام الشيوخ والأصحاب وتفهم مرامهم، والتفتيش عن كلامهم. ومن المعلوم ~~يقينا أن كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم أقرب إلى الافهام ~~وأدنى إلى إصابة المرام فإنه أبلغ الكلام بالاجماع، وأعذبه في الأفواه ~~والاسماع وأقربه إلى الفهم والانتفاع ms1204 ولا ينكر هذا إلا جلمود الطباع ومن ~~لاحظ له في النفع والانتفاع. والافهام التي فهم بها الصحابة الكلام الإلهي ~~والخطاب النبوي هي كأفهامنا وأحلامهم كأحلامنا، إذ لو كانت الافهام متفاوتة ~~تفاوتا يسقط معه فهم العبارات الإلهية، والأحاديث النبوية لما كنا مكلفين ~~ولا مأمورين ولا منهيين لا اجتهادا ولا تقليدا، أما الأول فلاستحالته، وأما ~~الثاني فلانا لا نقلد حتى نعلم أنه يجوز لنا التقليد، ولا نعلم ذلك إلا بعد ~~فهم الدليل من الكتاب والسنة على جوازه لتصريحهم بأنه لا يجوز التقليد في ~~جواز التقليد، فهذا الفهم الذي فهمنا به PageV04P118 # هذا الدليل نفهم به غيره من الأدلة من كثير وقليل، على أنه قد شهد ~~المصطفى صلى الله عليه وسلم بأنه يأتي من بعده من هو أفقه ممن في عصره ~~وأوعى لكلامه حيث قال فرب مبلغ أفقه من سامع وفي لفظ أوعى له من سامع ~~والكلام قد وفينا حقه في الرسالة المذكورة. ومن أحسن ما يعرفه القضاة كتاب ~~عمر رضي الله عنه الذي كتبه إلى أبي موسى الذي رواه أحمد والدارقطني ~~والبيهقي قال الشيخ أبو إسحاق: هو أجل كتاب، فإنه بين آداب القضاة وصفة ~~الحكم وكيفية الاجتهاد واستنباط القياس. ولفظه أما بعد فإن القضاء فريضة ~~محكمة وسنة متبعة، فعليك بالعقل والفهم وكثرة الذكر، فافهم إذا أدلى إليك ~~الرجل الحجة، فاقض إذا فهمت وامض إذا قضيت. فإنه لا ينفع تلكم بحق لا نفاذ ~~له. آس بين الناس في وجهك ومجلسك وقضائك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ~~ييأس ضعيف من عدلك. البينة على المدعي واليمين على من أنكر، والصلح جائز ~~بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا. ومن ادعى حقا غائبا أو ~~بينة فاضرب له أمدا ينتهي إليه فإن جاء ببينة أعطيته حقه، وإلا استحللت ~~عليه القضية ، فإن ذلك أبلغ في العذر وأجلى للعمى. ولا يمنعك قضاء قضيت فيه ~~اليوم فراجعت فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ~~ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. الفهم ms1205 الفهم فيما يختلج في صدرك ~~مما ليس في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم اعرف الأشباه ~~والأمثال وقس الأمور عند ذلك واعمد إلى أقربها إلى الله تعالى وأشبهها ~~بالحق. المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلودا في حد، أو مجربا عليه ~~شهادة زور، أو ظنينا في ولاء أو نسب أو قرابة، فإن الله تعالى تولى منكم ~~السرائر، وادرأ بالبينات، والايمان، وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذي ~~بالناس عند الخصومة، والتنكر عند الخصومات، فإن القضاء عند مواطن الحق يوجب ~~الله تعالى به الاجر ويحسن به الذكر. فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه ~~كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس، ومن تخلق للناس بما ليس في قلبه شانه ~~الله تعالى، فإن الله لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصا. فما ظنك بثواب ~~من الله في عاجل رزقه، وخزائن رحمته والسلام ا ه‍. # ولأمير المؤمنين علي عليه السلام في عهد عهده إلى الأشتر لما ولي مصر فيه ~~عدة مصالح وآداب ومواعظ وحكم وهو معروف في النهج لم أنقله لشهرته. وقد أخذ ~~من كلام عمر رضي الله عنه أنه ينقض القاضي حكمه إذا أخطأ ويدل له ما أخرجه ~~الشيخان من حديث أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه ~~لصاحبتها: إنما ذهب بابنك وقالت الأخرى: # إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود عليه السلام فقضى به للكبرى، فخرجتا ~~إلى سليمان فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما نصفين فقالت الصغرى: ~~لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى. وللعلماء قولان في المسألة: ~~قول إنه ينقضه إذا أخطأ والآخر لا ينقضه لحديث وإن أخطأ فله أجر. قلت: ولا ~~يخفى أنه لا دليل فيه لان المراد PageV04P119 # أخطأ ما عند الله وما هو في نفس الامر من الحق، وهذا الخطأ لا يعلم إلا ~~يوم القيامة أو بوحي من الله تعالى. والكلام في الخطأ الذي يظهر له في ~~الدنيا من ms1206 عدم استكمال شرائط الحكم أو نحوه. # 5 - (وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: # لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان متفق عليه. النهي ظاهر في التحريم، ~~وحمله الجمهور على الكراهة، وترجم النووي في شرح مسلم له: بباب كراهة قضاء ~~القاضي وهو غضبان، وترجم البخاري: بباب هل يقضي القاضي أو يفتي المفتي وهو ~~غضبان؟ # وصرح النووي بالكراهة في ذلك. وإنما حملوه على الكراهة نظرا إلى العلة ~~المستنبطة المناسبة لذلك، وهي أنه لما رتب النهي على الغضب والغضب بنفسه لا ~~مناسبة فيه لمنع الحكم، وإنما ذلك لما هو مظنة لحصوله، وهو تشويش الفكر ~~ومشغلة القلب عن استيفاء ما يجب من النظر وحصول هذا قد يفضي إلى الخطأ عن ~~الصواب. ولكنه غير مطرد مع كل غضب ومع كل انسان، فإن أفضى الغضب إلى عدم ~~تمييز الحق من الباطل فلا كلام في تحريمه، وإن لم يفض إلى هذا الحد فأقل ~~أحواله الكراهة. وظاهر الحديث أنه لا فرق بين مراتب الغضب ولا بين أسبابه، ~~وخصه البغوي وإمام الحرمين بما إذا كان الغضب لغير الله، وعلل بأن الغضب ~~لله يؤمن معه من التعدي، بخلاف الغضب للنفس، واستبعده جماعة لمخالفته لظاهر ~~الحديث والمعنى الذي لأجله نهي عن الحكم معه. ثم لا يخفى أن الظاهر في ~~النهي التحريم وأن جعل العلة المستنبطة صارفة إلى الكراهة بعيد. وأما حكمه ~~(ص) مع غضبه في قصة الزبير فلما علم من أن عصمته مانعة عن اخراج الغضب له ~~عن الحق، ثم الظاهر أيضا عدم نفوذ الحكم مع الغضب، إذ النهي يقتضي الفساد. ~~والتفرقة بين النهي للذات والنهي للوصف كما يقوله الجمهور غير واضح كما قرر ~~في غير هذا المحل. وقد ألحق بالغضب الجوع والعطش المفرطان، لما أخرجه ~~الدارقطني والبيهقي بسند تفرد به القاسم العمري وهو ضعيف عن أبي سعيد ~~الخدري أن النبي (ص) قال: لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان وكذلك ألحق به ~~كل ما يشغل القلب ويشوش الفكر من غلبة النعاس أو الهم أو ms1207 المرض أو نحوها. # 6 - (وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إذا تقاضى إليك رجلان ~~فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر فسوف تدري كيف تقضي قال علي: فما زلت ~~قاضيا بعد: رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه ابن المديني وصححه ابن ~~حبان. الحديث أخرجوه من طرق أحسنها رواية البزار عن عمرو بن مرة عن عبد ~~الله بن سلمة عن علي رضي الله عنه. وفي إسناده عمرو بن أبي المقدام، واختلف ~~فيه على عمرو بن مرة فرواه شعبة عنه عن أبي البختري قال: # حدثني من سمع عليا رضي الله عنه أخرجه أبو يعلى وإسناده صحيح لولا هذا ~~المبهم، وله طرق أخر تشهد له، ويشهد له الحديث الآتي، وهو قوله: ~~PageV04P120 # 7 - (وله شاهد عند الحاكم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. والحديث دليل ~~على أنه يجب على الحاكم أن يسمع دعوى المدعي أولا، ثم يسمع جوا ب المجيب، ~~ولا يجوز له أن يبني الحكم على سماع دعوى المدعي قبل جواب المجيب، فإن حكم ~~قبل سماع الإجابة عمدا بطل قضاؤه وكان قدحا في عدالته، وإن كان خطأ لم يكن ~~قادحا وأعاد الحكم على وجه الصحة، وهذا حيث أجاب الخصم. فإن سكت عن ~~الإجابة، أو قال: لا أقر ولا أنكر، ففي البحر عن الامام يحيى ومالك يحكم ~~عليه لتصريحه بالتمرد، وإن شاء حبسه حتى يقر أو ينكر، وقيل: بل يلزمه الحق ~~بسكوته إذ الإجابة تجب فورا، فإذا سكت كان كنكوله، وأجيب: بأن النكول ~~الامتناع من اليمين وهذا ليس منه وقيل: يحبس حتى يقر أو ينكر. وأجيب: بأن ~~التمرد كاف في جواز الحكم إذ الحكم شرع لفصل الشجار ودفع الضرار، وهذا حاصل ~~ما في البحر. قيل: والأولى أن يقال ذلك حكمه حكم الغائب، فمن أجاز الحكم ~~على الغائب أجاز الحكم على الممتنع عن الإجابة باشتراكهما في عدم الإجابة. ~~وفي الحكم على الغائب قولان: الأول: أنه لا يحكم على الغائب لأنه لو كان ~~الحكم عليه جائزا لم يكن الحضور عليه واجبا، ms1208 ولهذا الحديث فإنه دل على أنه ~~لا يحكم حتى يسمع كلام المدعى عليه، والغائب لا يسمع له جواب، وهذا الذي ~~ذهب إليه زيد بن علي وأبو حنيفة. والثاني: يحكم عليه لما تقدم من حديث هند، ~~وتقدم الكلام فيه مستوفى. وهذا مذهب الهادوية ومالك والشافعي وحملوا حديث ~~علي هذا على الحاضر، وقالوا: الغائب لا يفوت عليه حق فإنه إذا حضر كانت ~~حجته قائمة وتسمع ويعمل بمقتضاها ولو أدى إلى نقض الحكم، لأنه في حكم ~~المشروط. # 8 - (وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله (ص): # إنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ~~ما أسمع منه، فمن قطعت له من حق أخيه شيئا) زاد في رواية: فلا يأخذه رواه ~~ابن كثير في الارشاد (فإنما أقطع له قطعة من النار متفق عليه). اللحن: هو ~~الميل عن جهة الاستقامة، والمراد أن بعض الخصماء يكون أعرف بالحجة وأفطن ~~لها من غيره. وقوله: على نحو ما أسمع من الدعوى والإجابة والبينة أو ~~اليمين، وقد تكون باطل في نفس الامر فيقطع من مال أخيه قطعة من نار، ~~باعتبار ما يؤول إليه من باب * (إنما يأكلون في بطونهم نارا) *. والحديث ~~دليل على أن حكم الحاكم لا يحل به للمحكوم له ما حكم له به على غيره إذا ~~كان ما ادعاه باطلا في نفس الامر، وما أقامه من الشهادة كاذبا، وأما الحاكم ~~فيجوز له الحكم بما له والالزام به. وتخليص المحكوم عليه مما حكم به لو ~~امتنع وينفذ حكمه ظاهرا، ولكنه لا يحل به الحرام إذا كان المدعي مبطلا ~~وشهادته كاذبة. وإلى هذا ذهب الجمهور. وخالف أبو حنيفة فقال: إنه ينفذ ~~ظاهرا وباطنا وأنه لو حكم الحاكم بشهادة زور أن هذه المرأة زوجة فلان حلت ~~له، واستدل بآثار لا يقوم بها دليل، وبقياس لا يقوى على مقاومة النص. وفي ~~الحديث دليل أنه صلى الله عليه وسلم يقر على الخطأ، وقد PageV04P121 # نقل الاتفاق عن الأصوليين أنه لا يقر فيما حكم ms1209 فيه باجتهاده بناء على ~~جواز الخطأ في الاحكام. # وجمع بين اتفاقهم وما أفاده الحديث: بأن مرادهم أنه لا يقر فيما حكم فيه ~~باجتهاده بناء على جواز الخطأ عليه فيه، وذلك كقصة أسارى بدر والاذن ~~للمتخلفين. وأما الحكم الصادر عن الطريق التي فرضت كالحكم بالبينة أو يمين ~~المحكوم عليه فإنه إذا كان مخالفا للباطن لا يسمى الحكم به خطأ بل هو صحيح، ~~لأنه على وفق ما وقع به التكليف من وجوب العمل بالشاهدين، وإن كانا شاهدي ~~زور فالتقصير منهما. أما الحاكم فلا حيلة له في ذلك ولا عتب عليه بسببه. # بخلاف ما إذا أخطأ في الاجتهاد الذي وقع الحكم على وفقه، مثل أن يحكم بأن ~~الشفعة مثلا للجار وكان الحكم في ذلك في علم الله أنها لا تثبت إلا للخليط، ~~فإنه إذ كان مخالفا للحق الذي في علم الله فيثبت فيه الخطأ للمجتهد على من ~~يقول الحق مع واحد وهذا هو الذي تقدم أنه إذا أخطأ كان له أجر. واستدل ~~بالحديث على أنه لا يحكم الحاكم بعلمه لأنه (ص) كان يمكنه اطلاعه على أعيان ~~القضايا مفصلا، كذا قاله ابن كثير في الارشاد قلت: وفيه تأمل لأنه (ص) إنما ~~أخبر أنه يحكم على نحو ما يسمع ولم ينف أنه يحكم بما علم والتعليل بقوله: ~~فإنما أقطع له قطعة من النار دال على أن ذلك في حكمه بما يسمع، فإذا حكم ~~بما علمه فلا تجري فيه العلة. # 9 - (وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # كيف تقدس أمة أي تطهر (لا يؤخذ من شديدهم لضعيفهم رواه ابن حبان). وأخرج ~~حديث جابر أيضا ابن خزيمة وابن ماجة وقد شهد له الحديث وهو قوله: # 10 - (شاهد من حديث بريدة عند البزار. وفي الباب عن قابوس بن المخارق عن ~~أبيه رواه الطبراني وابن قانع، وفيه عن خولة غير منسوبة، فقيل: إنها امرأة ~~حمزة رواه الطبراني وأبو نعيم، وشواهد حديث هذا الباب كثيرة منها ما ذكر ~~ومنها الحديث وهو قوله: ms1210 # 11 - (وآخر) أي وله شاهد (من حديث أبي سعيد عند ابن ماجة). والمراد أنها ~~لا تطهر أمة من الذنوب لا ينتصف لضعيفها من قويها فيما يلزم من الحق له، ~~فإنه يجب نصر الضعيف حتى يأخذ حقه من القوي، كما يؤيده حديث انصر أخاك ~~ظالما أو مظلوما. # 12 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله (ص) يقول: # يدعى بالقاضي العادل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم ~~يقض بين اثنين في عمره رواه ابن حبان، وأخرجه البيهقي ولفظه في تمرة) ~~PageV04P122 # في الحديث دليل على شدة حساب القضاة يوم القيامة، وذلك لما يتعاطونه من ~~الخطر. # فينبغي له أن يتحرى الحق، ويبلغ فيه جهده، ويحذر من خلطاء السوء، من ~~الوكلاء والأعوان ، فقد خرج البخاري وغيره من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا: ~~ما استخلف الله من خليفة إلا له بطانتان بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، ~~وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه والمعصوم من عصمه الله تعالى وأخرجه النسائي ~~من حديث أبي هرير مرفوعا بلفظ ما من وال إلا له بطانتان الحديث. ويحذر ~~الغرماء والوكلاء، ويروي لهم حديث من خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط ~~الله حتى ينزع وفي لفظ من أعان على خصومة بظلم فقد باء بغضب من الله رواهما ~~أبو داود من حديث ابن عمر. ولما عرفت من تجنب أكابر العلماء ولاية القضاء ~~كما قدمناه. وإذا كان هذا في القاضي العدل فكيف بقضاة الجور والجهالة؟. في ~~ترجمة عبد الله بن وهب في الغربال: أنه كتب إليه الخليفة بقضاء مصر فاختفى ~~في بيته فاطلع عليه بعضهم يوما فقال: يا بن وهب ألا تخرج فتحكم بين الناس ~~بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال. أما علمت أن العلماء ~~يحشرون مع الأنبياء، والقضاة مع السلاطين؟. # 13 - (وعن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: لن يفلح قوم ولوا ~~أمرهم امرأة رواه البخاري. فيه دليل على عدم جواز تولية المرأة شيئا من ~~الاحكام العامة بين ms1211 المسلمين، وإن كان الشارع قد أثبت لها أنها راعية في ~~بيت زوجها، وذهب الحنفية إلى جواز توليتها الاحكام إلا الحدود، وذهب ابن ~~جرير إلى جواز توليتها مطلقا. # والحديث إخبار عن عدم فلاح من ولي أمرهم امرأة، وهم منهيون عن جلب عدم ~~الفلاح لأنفسهم مأمورون باكتساب ما يكون سببا للفلاح. # 14 - (وعن أبي مريم الأزدي رضي الله عنه) وهو صحابي اسمه عمرو بن مرة ~~الجهني روى عنه ابن عمه أبو الشماخ وأبو المعطل وغيرهما (عن النبي (ص) قال: ~~من ولاه الله شيئا من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وفقيرهم احتجب الله ~~دون حاجته. أخرجه أبو داود والترمذي). ولفظه عند الترمذي: ما من إمام يغلق ~~بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة إلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته ~~وحاجته ومسكنته وأخرجه الحاكم عن أبي مخيمرة عن أبي مريم وله قصة مع ~~معاوية. وذلك أنه قال لمعاوية: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من ولاه الله - الحديث فجعل ~~معاوية رجلا على حوائج المسلمين. ورواه أحمد من حديث معاذ بلفظ من ولي من ~~أمور المسلمين شيئا فاحتجب عن أولي الضعف والحاجة احتجب الله تعالى عنه يوم ~~القيامة ورواه الطبراني في الكبير من حديث ابن عباس بلفظ أيما أمير احتجب ~~عن الناس فأهملهم احتجب الله تعالى عنه يوم القيامة وقال ابن أبي حاتم عن ~~أبيه في هذا الحديث منكر. وأخرج الطبراني PageV04P123 # برجال ثقات إلا شيخه - فإنه قال المنذري: لم يقف فيه على جرح ولا تعديل - ~~من حديث أبي جحيفة أنه قال لمعاوية: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حديثا أحببت أن أضعه عندك مخافة أن لا تلقاني: سمعت رسول الله (ص) يقول: يا ~~أيها الناس من ولي منكم عملا فحجب بابه عن ذي حاجة للمسلمين حجبه الله أن ~~يلج باب الجنة، ومن كانت همته الدنيا حرم الله عليه جواري فإني بعثت بخراب ~~الدنيا ولم أبعث بعمارتها والحديث دليل على أنه يجب على من ولي أمرا من ~~أمور عباد الله أن لا ms1212 يحتجب عنهم أن يسهل الحجاب، ليصل إليه ذو الحاجة من ~~فقير وغيره، وقوله: احتجب الله عنه كناية عن منعه له من فضله وعطائه ~~ورحمته. # 15 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لعن رسول الله (ص) الراشي ~~والمرتشي) في النهاية: الراشي من يعطي الذي يعينه على الباطل. والمرتشي ~~الآخذ (في الحكم رواه أحمد والأربعة وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان). وزاد ~~أحمد والرائش هو الذي يمشي بينهما وهو السفير بين الدافع والآخذ، وإن لم ~~يأخذ على سفارته أجرا، فإن أخذ فهو أبلغ. # 16 - (وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو عند الأربعة إلا النسائي. إلا ~~أنه لم يذكر فيه لفظ في الحكم وكذا في رواية أبي داود لم يذكرها إنما زادها ~~في رواية الترمذي. # والرشوة حرام بالاجماع سواء كانت للقاضي أو للعامل على الصدقة أو ~~لغيرهما. وقد قال تعالى * (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها ~~إلى الحكام فريقا من أموال الناس بالاثم وأنتم تعلمون) * وحاصل ما يأخذه ~~القضاة من الأموال على أربعة أقسام رشوة وهدية وأجرة ورزق. فالأول: الرشوة ~~إن كانت ليحكم له الحاكم بغير حق، فهي حرام على الآخذ والمعطي، وإن كانت ~~ليحكم له بالحق على غريمه فهي حرام على الحاكم دون المعطي، لأنها لاستيفاء ~~حقه، فهي كجعل الآبق وأجرة الوكالة على الخصومة، وقيل: تحرم لأنها توقع ~~الحاكم في الاثم. وأما الهدية، وهي الثاني: فإن كانت ممن يهاديه قبل ~~الولاية فلا تحرم استدامتها وإن كان لا يهدى إليه إلا بعد الولاية فإن كانت ~~ممن لا خصومة بينه وبين أحد عنده جازت وكرهت، وإن كانت ممن بينه وبين غريمه ~~خصومة عنده فهي حرام على الحاكم والمهدي. PageV04P124 # ويأتي فيه ما سلف في الرشوة على باطل أو حق. وأما الأجرة وهي الثالث: فإن ~~كان للحاكم جراية من بيت المال ورزق حرمت بالاتفاق، لأنه إنما أجري له ~~الرزق لأجل الاشتغال بالحكم، فلا وجه للأجرة، وإن كان لا جراية له من بيت ~~المال جاز له أخذ الأجرة على قدر عمله - غير حاكم - فإن ms1213 أخذ أكثر مما ~~يستحقه حرم عليه، لأنه إنما يعطى الأجرة لكونه عمل عملا لا لأجل كونه ~~حاكما، فأخذه لما زاد على أجرة مثله غير حاكم إنما أخذها لا في مقابلة شئ ~~بل في مقابلة كونه حاكما ولا يستحق لأجل كونه حاكما شيئا من أموال الناس ~~اتفاقا، فأجرة العمل أجرة مثله، فأخذ الزيادة على أجرة مثله حرام، ولذا ~~قيل: إن تولية القضاء لمن كان غنيا أولى من تولية من كان فقيرا. وذلك لأنه ~~لفقره يصير متعرضا لتناول ما لا يجوز له تناوله إذا لم يكن له رزق من بيت ~~المال. قال المصنف: لم ندرك في زماننا هذا من يطلب القضاء إلا وهو مصرح ~~بأنه لم يطلبه إلا لاحتياجه إلى ما يقوم بأوده، مع العلم بأنه لا يحصل له ~~شئ من بيت المال ا ه‍. # 17 - (وعن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: قضى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم رواه أبو داود وصححه ~~الحاكم) وأخرجه أحمد والبيهقي كلهم من رواية مصعب بن ثابت بن عبد الله بن ~~الزبير وفيه كلام، قال أبو حاتم: إنه كثير الغلط. والحديث دليل على شرعية ~~قعود الخصمين بين يدي الحاكم ويسوي بينهما في المجلس ما لم يكن أحدهما غير ~~مسلم، فإنه يرفع المسلم كما في قصة علي عليه السلام مع غريمه الذي عند ~~شريح، وهي ما أخرجه أبو نعيم في الحلية بسنده قال: وجد علي بن أبي طالب رضي ~~الله تعالى عنه درعا عند يهودي التقطها فعرفها فقال: درعي سقطت عن جمل لي ~~أورق فقال اليهودي: درعي وفي يدي، ثم قال اليهودي: بيني وبينك قاضي ~~المسلمين، فأتوا شريحا فلما رأى عليا قد أقبل تحرف عن موضعه وجلس على فيه ~~ثم قال علي لو كان خصمي من المسلمين لساويته في المجلس لكني سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: لا تساووهم في المجلس وساق الحديث. قال شريح: ما ~~تشاء يا أمير المؤمنين قال: درعي سقط عن جمل لي ms1214 أورق فالتقطها هذا اليهودي. ~~قال شريح: ما تقول يا يهودي قال: درعي وفي يدي. قال شريح: صدقت والله يا ~~أمير المؤمنين إنها لدرعك ولكن لا يد لك من شاهدين فدعا قنبرا والحسن بن ~~علي فشهدا إنه لدرعه. فقال شريح: أما شهادة مولاك فقد أجزناها. وأما شهادة ~~ابنك فلا نجيزها فقال عليه السلام: ثكلتك أمك أما سمعت عمر بن الخطاب يقول: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة قال: ~~اللهم نعم، قال: أفلا تجيز شهادة سيدي شباب أهل الجنة؟ # ثم قال لليهودي: خذ الدرع، فقال اليهودي: أمير المؤمنين جاء معي إلى قاضي ~~المسلمين فقضى لي، ورضي: صدقت والله يا أمير المؤمنين إنها لدرعك سقطت عن ~~جمل لك التقطتها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فوهبها له ~~علي رضي الله عنه وأجازه بتسعمائة، PageV04P125 # وقتل معه يوم صفين. ا ه‍. وقول شريح: والله إنها لدرعك، كأنه عرفها، ~~ويعلم أنها درعه لكنه لا يرى الحكم بعلمه، كما أنه لا يرى شهادة الولد ~~لأبيه. فانظر ما أبرك العمل بالحق من الحاكم والمحكوم عليه وما آل من الخير ~~للمدعى عليه. # باب الشهادات الشهادة: مصدر شهد - جمع لإرادة الأنواع، قال الجوهري: ~~الشهادة خبر قاطع، والشاهد حامل الشهادة ومؤديها لأنه مشاهد لما غاب عن ~~غيره. وقيل: مأخوذة من الاعلام من قوله تعالى: * (شهد الله أنه لا إله إلا ~~هو) * أي علم. # 1 - (عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أن النبي (ص) قال: ألا أخبركم ~~بخير الشهداء؟ الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها رواه مسلم. دل على أن خير ~~الشهداء من يأتي بالشهادة لمن هي له قبل أن يسأله، إلا أنه يعارضه الحديث ~~الثاني وهو حديث عمران وفيه ثم يكون قوم يشهدون ولا يستشهدون في سياق الذم ~~لهم. ولما تعارضا اختلف العلماء في الجمع بينهما على ثلاثة أوجه. الأول: أن ~~المراد بحديث زيد إذا كان عند الشاهد شهادة بحق لا يعلم بها صاحب الحق، ~~فيأتي إليه فيخبره ms1215 بها، أو يموت صاحبها فيخلف ورثة فيأتي إليهم فيخبرهم ~~بأنه عنده لهم شهادة، وهذا أحسن الأجوبة وهو جواب يحيى بن سعيد شيخ مالك. ~~الثاني: أن المراد بها شهادة الحسبة، وهي ما لا تتعلق بحقوق الآدميين ~~المختصة بهم محضا، ويدخل في الحسبة ما يتعلق بحق الله تعالى أو ما فيه ~~شائبة منه كالصلاة والوقف والوصية العامة ونحوها. وحديث عمران المراد به ~~الشهادة في حقوق الآدميين المحضة. الثالث: أن المراد بقوله أن يأتي ~~بالشهادة قبل أن يسألها: المبالغة في الإجابة فيكون لقوة استعداده كالذي ~~أتى بها قبل أن يسألها، كما يقال في حق الجواد إنه ليعطي قبل الطلب. وهذه ~~الأجوبة مبنية على أن الشهادة لا تؤدى قبل أن يطلبها صاحب الحق. # ومنهم من أجاز ذلك عملا برواية زيد وتأول حديث عمران بأحد تأويلات: ~~الأول: أنه محمول على شهادة الزور، أي يؤدون شهادة لم يسبق لهم بها علم، ~~حكاه الترمذي عن بعض أهل العلم. الثاني: أن المراد إتيانه بالشهادة بلفظ ~~الحلف نحو أشهد بالله ما كان إلا كذا، وهذا جواب الطحاوي. الثالث: أن ~~المراد به الشهادة على ما لا يعلم مما سيكون من الأمور المستقبلة فيشهد على ~~قوم بأنهم من أهل النار وعلى قوم بأنهم من أهل الجنة من غير دليل، كما يصنع ~~ذلك أهل الأهواء، حكاه الخطابي. والأول أحسنها. # 2 - (وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون قوم ~~يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم ~~السمن متفق عليه. القرن: أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر PageV04P126 # من الأمور المقصودة، ويقال: إن ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمان أو ~~رئيس يجمعهم على ملة أو مذهب أو عمل، ويطلق القرن على مدة من الزمان. ~~واختلفوا في تحديدها، من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين. قال المصنف: إنه لم ~~ير من صرح بالتسعين ولا بمائة وعشرين وما عدا ذلك فقد قال به ms1216 قائل. قلت: ~~أما التسعون فنعم. وأما المائة والعشرون فصرح به في القاموس فإنه قال، أو ~~مائة وعشرون. والأول أصح لقوله صلى الله عليه وسلم لغلام: عش قرنا فعاش ~~مائة سنة، انتهى. قال صاحب المطالع: القرن أمة هلكت فلم يبق منهم أحد. ~~وقرنه صلى الله عليه وسلم المراد به المسلمون في عصره. وقوله ثم الذين ~~يلونهم هم التابعون، والذين يلون التابعين أتباع التابعين، وهذا يدل على أن ~~الصحابة أفضل من التابعين، والتابعين أفضل من تابعيهم، وأن التفضيل بالنظر ~~إلى كل فرد فرد. وإليه ذهب الجماهير. وذهب ابن عبد البر إلى أن التفضيل ~~بالنسبة إلى مجموع الصحابة لا إلى الافراد، فمجموع الصحابة أفضل ممن بعدهم ~~لا كل فرد منهم، إلا أهل بدر وأهل الحديبية فإنهم أفضل من غيرهم، يريد أن ~~أفرادهم أفضل من أفراد من يأتي بعدهم. واستدل على ذلك بما أخرجه الترمذي من ~~حديث أنس وصححه ابن حبان من حديث عمار من قوله صلى الله عليه وسلم: أمتي ~~مثل المطر لا يدري أو له خير أم آخره وبما أخرجه أحمد والطبراني والدارمي ~~من حديث أبي جمعة؟ قال: قال أبو عبيدة: يا رسول الله أحد خير منا؟ أسلمنا ~~معك، وهاجرنا معك، قال: قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني وصححه ~~الحاكم. وأخرج أبو داود والترمذي من حديث ثعلبة يرفعه: يأتي أيام للعامل ~~فيهن أجر خمسين، قيل: منهم أو منا يا رسول الله؟ قال: بل منكم وأخرج أبو ~~الحسن القطان في مشيخته عن أنس يرفعه يأتي على الناس زمان الصابر فيه على ~~دينه له أجر خمسين منكم. وجمع الجمهور بين الأحاديث: بأن للصحبة فضيلة ~~ومزية لا يوازيها شئ من الأعمال، فلمن صحبه صلى الله عليه وسلم فضيلتها وإن ~~قصر عمله، وأجره باعتبار الاجتهاد في العبادة، وتكون خيريتهم على من سيأتي ~~باعتبار كثرة الاجر لا بالنظر إلى ثواب الأعمال وهذا قد يكون في حق بعض ~~الصحابة وأما مشاهير الصحابة فإنهم حازوا السبق من كل نوع من أنواع الخير، ~~وبهذا يحصل الجمع بين الأحاديث. ms1217 وأيضا فإن المفاضلة بين الأعمال بالنظر إلى ~~الأعمال المتساوية في النوع، وفضيلة الصحبة مختصة بالصحابة لم يكن لمن ~~عداهم شئ من ذلك النوع. وفي قوله: ثم يكون قوم - إلى آخره دليل على أنه لم ~~يكن في القرنين الأولين من بعد الصحابة من يتصف بهذه الصفات المذمومة، ولكن ~~الظاهر أن المراد بحسب الأغلب واستدل به على تعديل القرون الثلاثة، ولكنه ~~أيضا باعتبار الأغلب. وقوله: لا يؤتمنون أي لا يراهم الناس أمناء ولا يثقون ~~بهم لظهور خيانتهم. وقد ثبت أن الأمانة أول ما يرفع من الناس. ومعنى قوله: ~~يظهر فيهم السمن أنهم يتوسعون في المآكل والمشارب، وهي أسباب PageV04P127 # السمن، وقيل: أراد كثرة المال، وقيل: المراد أنهم يسمنون أي يتكثرون بما ~~ليس فيهم ويدعون ليس لهم من الشرف. وفي حديث أخرجه الترمذي بلفظ: ثم يجئ ~~قوم يتسمنون ويحبون السمن فجمع بين السمن أي التكثر بما ليس عندهم وتعاطي ~~أسباب السمن. # 3 - (وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر بفتح الغين المعجمة وفتح الميم ~~وكسرها بعدها راء فسره أبو داود بالحنة - بالحاء المهملة - وهي الحقد ~~والشحناء (على أخيه ولا تجوز شهادة القانع) بالقاف وبعد الألف نون ثم عين ~~مهملة يأتي بيانه (لأهل البيت رواه أحمد وأبو داود). وأخرجه أبو داود من ~~حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: رد رسول الله (ص) شهادة الخائن ~~والخائنة وأخرجه ابن ماجة والبيهقي وإسناده قوي. وأخرجه الترمذي والدارقطني ~~والبيهقي من حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ: لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ~~وذي غمر لأخيه - الحديث وفيه ضعف، قال الترمذي: لا يصح عندنا إسناده، وقال ~~أبو زرعة في العلل: منكر، وضعفه عبد الحق وابن حزم، وابن الجوزي، وقال ~~البيهقي: لا يصح من هذا شئ عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وقوله: الخائن قال أبو عبيدة: لا نراه خص به الخيانة في أمانات الناس دون ~~ما افترض الله على ms1218 عباده وائتمنهم عليه، فإنه قد سمى ذلك أمانة، قال الله ~~تعالى - يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم - ~~فمن ضيع شيئا مما أمر الله تعالى به أو ما نهى عنه فليس ينبغي أن يكون ~~عدلا، فإنه إذا كان خائنا فلس له تقوى ترده عن ارتكاب محظورات الدين التي ~~منه الكتاب فلا يحصل الظن بخبره لأنه مظنة تهمة أو مسلوب الأهلية. وأما ذو ~~الغمر فالمراد بأخيه المسلم المشهود عليه، والكافر مثله لا يجوز أن يشهد ذو ~~حقه عليه إذا كانت العداوة بسبب غير الدين، فان ذا الحقد مظنة عدم صدق خبره ~~لمحبة إنزال الضرر بمن يحقد عليه. وأما المسلم إذا لم يكن ذا حقد على ~~الكافر بسبب غير الدين فإنها تقبل شهادته عليه وأن كان بينهما عداوة في ~~الدين، فان عداوة الدين لا تقتضي أن يشهد عليه زورا فان الدين لا يسوغ ذلك، ~~وأنما خرج الحديث عن الأغلب. والقانع هو الخادم لأهل البيت والمنقطع إليهم ~~للخدمة وقضاء الحوائج، وموالاتهم عند الحاجة، في تمام الحديث وأجازها: أي ~~شهادة القانع لغيرهم: أي لغير من هو تابع لهم،. إنما منع من شهادته لمن هو ~~قانع لهم لأنه مظنة تهمة فيجب دفع الضر عنهم وجلب الخير إليهم فمنع من ~~الشهادة. ومنع هؤلاء من الشهادة دليل على اعتبار العدالة في الشاهد، عليه ~~دل قوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم - وقد رسموا العدالة: بأنها محافظة ~~دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة ليس معها بدعة. وقد نازعناهم في هذا ~~الرسم في عد من المباحث، كرسالة: المسائل المهمة فيما تعم به البلوى حكام ~~الأمة، وحققنا الحق في العدالة في رسالة: ثمرات النظر في علم الأثر ~~PageV04P128 # وفي منحة الغفار حاشية ضوء النهار، ولله الحمد. واخترنا أن العدل هو: من ~~غلب خيره شره ولم يجرب عليه اعتياد كذب. وأقمنا عليه الأدلة هنالك، والشارح ~~هنا مشى مع الجماهير وذكر بعض ما يتعلق بتفسير مرادهم. # 4 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله (ص) يقول: # لا تجوز ms1219 شهادة بدوي على صاحب قرية رواه أبو داود وابن ماجة. البدوي من ~~سكن البادية، نسب على غير قياس. النسبة والقياس بادوي والقرية - بفتح القاف ~~وقد تكسر المصر الجامع. وفيه دليل على عدم صحة شهادة البدوي على صاحب ~~القرية لا على بدوي مثله فتصح. وإلى هذا ذهب أحمد بن حنبل وجماعة من ~~أصحابه، وقال أحمد: أخشى أن لا تقبل شهادة البدوي على صاحب القرية لهذا ~~الحديث، ولأنه متهم حيث أشهد بدويا ولم يشهد قرويا. وإليه ذهب مالك إلا أنه ~~قال: لا تقبل شهادة البدوي لما فيه من الجفاء في الدين والجهالة بأحكام ~~الشرائع ولأنهم في الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها. وذهب الأكثر إلى ~~قبول شهادتهم وحملوا الحديث على من لا تعرف عدالته من أهل البادية، إذ ~~الأغلب أن عدالتهم غير معروفة، وقد استدل في البحر لقبول شهادتهم بقبوله ~~(ص) لشهادة الاعرابي على هلال رمضان. # 5 - (وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خطب فقال: إن أناسا كانوا ~~يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله (ص)، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نؤاخذكم ~~الآن بما ظهر لنا من أعمالكم رواه البخاري. وتمامه: فمن أظهر لنا خيرا ~~أمناه وقربناه وليس لنا من سريرته شئ: الله يحاسبه في سريرته. ومن أظهر لنا ~~سوءا لم نأمنه ولم نصدقه. وإن قال: إن سريرته حسنة. استدل به على قبول ~~شهادة من لم يظهر منه ريبة نظرا إلى ظاهر الحال وأنه يكفي في التعديل ما ~~يظهر من حال المعدل من الاستقامة من غير كشف عن حقيقة سريرته لان ذلك متعذر ~~إلا بالوحي وقد انقطع، وكأن المصنف أورده وإن كان كلام صحابي لا حجة فيه، ~~لأنه خطب به عمر وأقره من سمعه فكان قول جماهير الصحابة، ولان هذا الذي ~~قاله هو الجاري على قواعد الشريعة. وظاهر كلامه أنه لا يقبل المجهول. ويدل ~~له ما رواه ابن كثير في الارشاد: أنه شهد عند عمر رجل فقال له عمر: لست ~~أعرفك ولا يضرك أن لا أعرفك ائت بمن يعرفك، فقال رجل ms1220 من القوم: أنا أعرفه. ~~قال: بأي شئ تعرفه؟ # قال: بالعدالة والفضل، فقال: هو جارك الأدنى الذي تعرف ليله ونهاره ~~ومدخله ومخرجه؟ قال: لا. قال: فعاملك بالدينار والدرهم اللذين يستدل بهما ~~على الورع؟ # قال: لا، قال: فرفيقك في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: ~~لا. قال: # لست تعرفه، ثم قال للرجل: ائت بمن يعرفك قال ابن كثير: رواه البغوي ~~بإسناد حسن. # 6 - (وعن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي (ص) أنه عد شهادة الزور من أكبر ~~الكبائر متفق عليه في حديث طويل. في حديث ولفظه: أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر - ثلاثا -؟ قالوا: بلى، قال: الاشراك بالله ~~وعقوق الوالدين. وجلس PageV04P129 # وكان متكئا ثم قال: ألا وقول الزور فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. ~~تقدم تفسير شهادة الزور، قال الثعلبي: الزور تحسين الشئ ووصفه بخلاف صفته ~~حتى يخيل إلى من سمعه أو رآه بخلاف ما هو به، فهو تمويه الباطل بما يوهم ~~أنه حق، وقد جعل صلى الله عليه وسلم قول الزور عديلا للاشراك ومساويا له. ~~قال النووي: وليس على ظاهره المتبادر وذلك لان الشرك أكبر بلا شك، وكذلك ~~القتل فلا بد من تأويله وذلك بأن التفضيل لها بالنظر إلى ما يناظرها في ~~المفسدة، وهي التسبب في أكل المال بالباطل فهي أكبر الكبائر بالنسبة إلى ~~الكبائر التي يتسبب بها إلى أكل المال بالباطل فهي أكبر من الزنا ومن ~~السرقة وإنما اهتم (ص) بإخبارهم على شهادة الزور،، وجلس وأتى بحرف التنبيه ~~وكرر الاخبار لكون قول الزور وشهادة الزور أسهل على اللسان، والتهاون بها ~~أكثر، ولان الحوامل عليه كثيرة من العداوة والحسد وغيرها، فاحتيج إلى ~~الاهتمام بشأنه بخلاف الاشراك، فإنه ينبو عنه قلب المسلم، ولأنه لا تتعدى ~~مفسدته إلى غير المشرك، بخلاف قول الزور فإنه يتعدى إلى من قيل فيه، ~~والعقوق يصرف عنه كرم الطبع والمروءة. # 7 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي (ص) قال لرجل: # ترى الشمس؟ قال: نعم، قال: على مثلها فشاهد ms1221 أو دع أخرجه ابن عدي بإسناد ~~ضعيف وصححه الحاكم فأخطأ. لان في إسناده محمد بن سليمان بن مشمول ضعفه ~~النسائي، وقال البيهقي: لم يرو من وجه يعتمد عليه، وفيه دليل على أنه لا ~~يجوز للشاهد أن يشهد إلا على ما يعلمه علما يقينا كما تعلم الشمس ~~بالمشاهدة. ولا تجوز الشهادة بالظن. فإن كانت الشهاد على فعل فلا بد من ~~رؤيته، وإن كانت على صوت فلا بد من سماع ذلك الصوت، ورؤية الصوت أو التعريف ~~بالصوت بعدلين أو عدل عند من يكتفي به، إلا في مواضع فإنها تجوز الشهادة ~~بالظن. وقد بوب البخاري للشهادة على الظن بقوله باب الشهادة على الأنساب ~~والرضاع المستفيض، والموت القديم وذكر أربعة أحاديث في ثبوت الرضاع، وثبوته ~~إنما هو بالاستفاضة ولم يذكر حديثا على رؤية الرضاع، وأشار بذلك إلى ثبوت ~~النسب، فإن من لازم الرضاع ثبوت النسب. وأما ثبوت الرضاعة نفسها ~~بالاستفاضة، فإنه مستفاد من صريح الأحاديث، فإن الرضاعة المذكورة فيها كانت ~~في الجاهلية وكان ذلك مستفيضا عند من وقع له. وحد الاستفاضة عند الهادوية ~~شهرة في المحلة تثمر ظنا أو علما، وإنما اكتفي بالشهرة في المذكورة إذ لا ~~طريق له إلى التحقيق PageV04P130 # بالنسب لتعذر التحقق فيه في الأغلب، وأراد البخاري بالموت القديم ما ~~تطاول الزمان عليه، وحده البعض بخمسين سنة، وقيل أربعين، وذلك لأنه يشق فيه ~~التحقيق وإلى العمل بالشهرة في النسب ذهب الهادوية والشافعية وأحمد، ومثله ~~الموت، كذلك ذهبت إليه الهادوية في ثبوت الولاء، وقال المصنف في الفتح. ~~اختلف العلماء في ضابط ما تفيد فيه الشهادة بالاستفاضة فيصح عند الشافعية ~~في النسب قطعا، والولادة وفي الموت والعتق والولاء والولاية والوقف والعزل ~~والنكاح وتوابعه والتعديل والتجريح والوصية والرشد والسفه، وذلك على الراجح ~~في جميع ذلك، وبلغها بعض المتأخرين من الشافعية بضعة وعشرين موضعا، وهي ~~مستوفاة في قواعد العلائي إلى آخر كلامه. # 8 - (وعنه رضي الله أن رسول الله (ص) قضى بيمين وشاهد أخرجه مسلم وأبو ~~داود والنسائي وقال: إسناده جيد. قال ابن عبد البر: # لا ms1222 مطعن لاحد في إسناده، كذا قال، لكنه قال الترمذي في العلل: سألت محمدا ~~يعني البخاري عنه فقال: لم يسمعه عندي عمرو من ابن عباس يريد عمرو بن دينار ~~راويه عن ابن عباس. وقال الحاكم: قد سمع عمرو من ابن عباس عدة أحاديث وسمع ~~من جماعة من أصحابه فلا ينكر أن يكون سمع منه حديثا. وسمعه من أصحابه عنه ~~وله شواهد. # 9 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه مثله، أخرجه أبو داود والترمذي وصححه ~~ابن حبان. وأخرجه أيضا الشافعي، وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه: وهو ~~صحيح، وقد أخرج الحديث عن اثنين وعشرين من الصحابة. وقد سرد الشارح ~~أسماءهم. # والحديث دليل على أنه يثبت القضاء بشاهد ويمين، وإليه ذهب جماهير من ~~الصحابة والتابعين وغيرهم، وهو مذهب فقهاء المدينة السبعة والهادوية ومالك، ~~وقال الشافعي: وعمدتهم هذه الأحاديث، واليمين وإن كان حاصلها تأكيد الدعوى ~~لكن يعظم شأنها، فإنها إشهاد لله سبحانه أن الحقيقة كما يقول، ولو كان ~~الامر على خلاف الدعوى لكان مفتريا على الله أنه يعلم صدقه، فلما كانت بهذه ~~المنزلة العظيمة هابها المؤمن بإيمانه وعظمة شأن الله عنده أن يحلف به ~~كاذبا، وهابها الفاجر لما يراه من تعجيل عقوبة الله لمن حلف يمينا فاجرة، ~~فلما كان لليمين هذا الشأن صلحت للهجوم على الحكم كشهادة الشاهد، وقد ~~اعتبرت الايمان فقط في اللعان وفي القسامة في مقام الشهود. وذهب زيد بن علي ~~وأبو حنيفة وأصحابه إلى عدم الحكم باليمين والشاهد مستدلين بقوله تعالى: * ~~(وأشهدوا ذوي عدل منكم) * وقوله * (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) * ~~قالوا: وهذا يقتضي الحصر ويفيد المخالفة أنه لا يكون بغير ذلك، وزيادة ~~الشاهد واليمين تكون نسخا لمفهوم المخالفة، وأجيب عنه بأنه على تقدير ~~اعتبار مفهوم المخالفة، يصح نسخه بالحديث الصحيح أعني حديث ابن عباس. # واستدلوا بقوله (ص): شاهداك أو يمينه وأجيب: بأن هذا الحديث صحيح وحديث ~~الشاهد واليمين صحيح يعمل بهما في منطوقهما فإن مفهوم أحدهما لا يقاوم ~~منطوق PageV04P131 # الآخر. هذا وفي سنن أبي داود أنه قال ms1223 سلمة في حديثه: قال عمرو في الحقوق ~~يريد أن عمرو بن دينار الراوي عن ابن عبا س خص الحكم بالشاهد واليمين ~~بالحقوق. قال الخطابي: # وهذا خاص بالأموال دون غيرها، فإن الراوي وقفه عليها، والخاص لا يتعدى به ~~محله ولا يقاس عليه غيره، واقتضاء العموم منه غير جائز لأنه حكاية فعل ~~والفعل لا عموم له ا ه‍. والحق أنه لا يخرج من الحكم بالشاهد واليمين إلا ~~الحد والقصاص للاجماع أنهما لا يثبتان بذلك. # باب الدعاوي والبينات الدعاوي جمع دعوى. وهي اسم مصدر من ادعى شيئا إذا ~~زعم أن له حقا أو باطلا. # والبينات جمع بينة وهي الحجة الواضحة، سميت الحجة بينة لوضوح الحق وظهوره ~~بها. # 1 - (عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو ~~يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى ~~عليه متفق عليه وللبيهقي) أي من حديث ابن عباس (بإسناد صحيح: البينة على ~~المدعي واليمين على من أنكر). وفي الباب عن ابن عمر عند ابن حبان، وعن عمرو ~~بن شعيب عن أبيه عن جده عند الترمذي. والحديث دال على أنه لا يقبل قول أحد ~~فيما يدعيه لمجرد دعواه، بل يحتاج إلى البينة أو تصديق المدعى عليه، فإن ~~طلب يمين المدعى عليه فله ذلك وإلى هذا ذهب سلف الأمة وخلفها. قال العلماء: ~~والحكمة في كون البينة على المدعي أن جانب المدعي ضعيف، لأنه يدعي خلاف ~~الظاهر، فكلف الحجة القوية وهي البينة فيقوى بها ضعف المدعي، وجانب المدعى ~~عليه قوي لان الأصل فراغ ذمته فاكتفي منه باليمين، وهي حجة ضعيفة. # 2 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي (ص) عرض على قوم اليمين ~~فأسرعوا فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف رواه البخاري. يفسره ما ~~رواه أبو داود والنسائي من طريق أبي رافع عن أبي هريرة أن رجلين اختصما في ~~متاع ليس لواحد منهما بينة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: استهما على ~~اليمين ما كان أحبا ذلك أو ms1224 كرها قال الخطابي: # ومعنى الاستهام هنا الاقتراع يريد أنهما يقترعان فأيهما خرجت له القرعة ~~حلف وأخذ ما ادعى. وروي مثله عن علي بن أبي طالب عليه السلام، وهو أنه أتى ~~بنعل وجد في السوق يباع فقال رجل: هذا نعلي لم أبع ولم أهب وقرع على خمسة ~~يشهدون، وجاء آخر يدعيه يزعم أنه نعله وجاء بشاهدين، قال الراوي: فقال علي ~~رضي الله عنه: إن فيه قضاء وصلحا وسوف أبين لكم ذلك. أما صلحه فأن يباع ~~النعل فيقسم على سبعة أسهم لهذا خمسة ولهذا اثنان، وإن لم يصطلحا فالقضاء ~~أن يحلف أحد الخصمين أنه ما باعه ولا وهبه وإنه نعله، فإن تشاححتما أيكما ~~يحلف فإنه يقرع بينكما على الحلف فأيكما قرع حلف. # انتهى كلام الخطابي. PageV04P132 # 3 - (وعن أبي أمامة الحارثي رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: # من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة ~~فقال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: وإن كان قضيبا من أراك ~~رواه مسلم. الحديث دليل على شدة الوعيد لمن حلف ليأخذ حقا لغيره أو يسقط عن ~~نفسه حقا، فإنه يدخل تحت الاقتطاع لحق المسلم، والتعبير بحق المرء المسلم ~~يدخل فيه ما ليس بمال شرعا، كجلد الميتة ونحوه. وذكر المسلم خرج مخرج ~~الغالب، وإلا فالذمي مثله في هذا الحكم، قيل: ويحتمل أن هذه العقوبة تختص ~~بمن اقتطع بيمينه حق المسلم لا حق الذمي وإن كان محرما فله عقوبة أخرى، ~~وإيجاب النار وتحريم الجنة مقيد بما إذا لم يتب ويتخلص من الحق الذي أخذه ~~باطلا، ثم المراد باليمين: اليمين الفاجرة وإن كانت مطلقة في الحديث فقد ~~قيدها الحديث الآتي وهو قوله: # 4 - (وعن الأشعث رضي الله عنه) بشين معجمة ساكنة فعين مهملة مفتوحة ~~فمثلثة وهو أبو محمد (ابن قيس) بن معديكرب الكندي قدم على النبي صلى الله ~~عليه وسلم في وفد كندة وكان رئيسهم وذلك في سنة عشر وكان رئيسا في الجاهلية ~~مطاعا في قومه وجيها في ms1225 الاسلام، وارتد عن الاسلام بعد موت النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثم رجع إلى الاسلام في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وخرج للجهاد ~~مع سعد بن أبي وقاص وشهد القادسية وغيرها ثم سكن الكوفة ومات بها سنة ~~اثنتين وأربعين وصلى عليه الحسن بن علي رضي الله عنه (أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر ~~لقي الله وهو عليه غضبان متفق عليه). والمراد بكونه فاجرا فيها أن يكون ~~متعمدا عالما أنه غير محق، وإذا كان تعالى عليه غضبان حرمه جنته وأوجب عليه ~~عذابه. # وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رجلين اختصما إلى رسول الله (ص) في ~~دابة ليس لواحد منهما بينة فقضى بها بينهما نصفين رواه أحمد وأبو داود ~~والنسائي وهذا لفظه وقال: إسناده جيد. قال الخطابي يشبه أن يكون هذا البعير ~~أو الدابة التي كانت في أيديهما معا فجعله النبي صلى الله عليه وسلم بينهما ~~لاستوائهما في الملك باليد، ولولا ذلك لم يكونا بنفس الدعوى يستحقانه لو ~~كان الشئ في يد أحدهما. وقد روى أبو داود عقيبه حديثا فقال: ادعيا بعيرا في ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث كل واحد منهما بشاهدين فقسمه النبي ~~صلى الله عليه وسلم بينهما نصفين قال الخطابي: وهو مروي بالاسناد الأول، ~~إلا أن في الحديث المتقدم لم يكن لواحد منهما بينة، وفي هذا أن كل واحد ~~منهما قد جاء بشاهدين فاحتمل أن تكون القضية واحدة إلا أن الشهادات لما ~~تعارضت تهاترت فصارا كمن لا بينة له، وحكم بالشئ بينهما نصفين لاستوائهما ~~في اليد، ويحتمل أن يكون البعير في يد غيرهما فلما أقام كل واحد منهما ~~شاهدين على دعواه نزع الشئ من يد المدعى PageV04P133 # عليه ودفعه إليهما. وقد اختلف العلماء في الشئ يكون في يد الرجل يتداعاه ~~اثنان يقيم كل واحد منهما بينة، فقال أحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه: يقرع ~~بينهما فمن خرجت له القرعة صار له. ms1226 وكان الشافعي يقول به قديما ثم قال في ~~الجديد: فيه قولان، أحدهما يقضي به بينهما نصفين وبه قال أصحاب الرأي ~~وسفيان الثوري. والقول الثاني: يقرع بينهما فأيهما خرج سهمه حلف: لقد شهد ~~شهوده بحق ثم يقضى له به. وقال مالك: لا أقضي به لواحد منهما إن كان في يد ~~غيرهما، وحكي عنه أنه قال: هو لأعدلهما شهودا وأشهرهما في الصلاح، وقال ~~الأوزاعي: يؤخذ بأكثر البينتين عددا، وحكي عن الشعبي أنه قال: هو بينهما ~~على حصص الشهود ا ه‍ كلام الخطابي. وفي المنار: أن القرعة ليس هذا محلها ~~وإنما وظيفتها حيث تعذر التقريب إلى الحقيقة من كل وجه، وكون المدعي هنا ~~مشتركا أحد المحتملات فلا وجه لابطاله بالقرعة، واختار قسمة المدعي وهو ~~الصواب في هذه الصورة. # 6 - (وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: من حلف على منبري هذا ~~بيمين آثمة تبوأ مقعده من النار رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن ~~حبان. وأخرجه النسائي برجال ثقات من حديث أبي أمامة مرفوعا من حلف عند ~~منبري هذا بيمين كاذبة يستحل بها مال امرئ مسلم فعليه لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. والحديث دليل على عظمة إثم ~~من حلف على منبره صلى الله عليه وسلم كاذبا. واختلف العلماء في تغليظ الحلف ~~بالمكان والزمان هل يجوز للحاكم أو لا؟ والحديث لا دليل فيه على أحد ~~القولين إنما فيه عظمة إثم من حلف على منبره صلى الله عليه وسلم كاذبا. ~~وذهب الهادوية والحنفية والحنابلة: إلى أنه لا تغليظ بزمان ولا مكان وأنه ~~لا يجب على الحالف الإجابة إلى ذلك. وذهب الجمهور: إلى أنه يجب التغليظ في ~~الزمان والمكان قالوا: ففي المدينة على المنبر، وفي مكة بين الركن والمقام، ~~وفي غيرهما في المسجد الجامع، وكأنهم يقولون في الزمان ينظر إلى الأوقات ~~الفاضلة كبعد العصر وليلة الجمعة ويومها ونحو ذلك. احتج الأولون بإطلاق ~~أحاديث اليمين على المدعى عليه وبقوله شاهداك أو يمينه. واحتج الجمهور ~~بحديث جابر وحديث ms1227 أبي أمامة وبفعل عمر وعثمان وابن عباس وغيرهم من السلف. ~~واستدلوا للتغليظ بالزمان بقوله تعالى: * (تحبسونها من بعد الصلاة) * قال ~~المفسرون: هي صلاة العصر. وقال آخرون: يستحب التغليظ في الزمان والمكان ولا ~~يجب. وقيل: هو موضع اجتهاد للحاكم إذا رآه حسنا ألزم به. # 7 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم) هذا كناية عن غضبه تعالى ~~وإشارة إلى حرمانهم من رحمته (ولا يزكيهم) أي لا يطهرهم عن أدنا س الذنوب ~~بالمغفرة (وله عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل، ~~ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر فحلف له بالله لاخذها بكذا وكذا، فصدقه ~~PageV04P134 # وهو على غير ذلك، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا للدنيا فإن أعطاه منها ~~وفى وإن لم يعطه منها لم يف متفق عليه). قوله: على فضل ماء أي على ماء فاضل ~~عن كفايته، فهذا منع ما لا حاجة إليه من هو محتاج له، وتقدم الكلام عليه في ~~كتاب البيع. # وقوله وصدقه أي المشتري وضمير هو للاخذ مصدر قوله لاخذها لدلالة فعله ~~عليه مثل * (اعدلوا هو أقرب للتقوى) * أي والاخذ على غير ما حلف عليه فهذا ~~ارتكب أمرين عظيمين الحلف بالله والكذب في قيمة السلعة. وخص بعد العصر لشرف ~~الوقت وهو من أدلة من غلظ بالزمان. وقوله: بايع إماما لا يبايعه إلا للدنيا ~~أي لما يعطيه منها والوعيد يحتمل أنه لمجموع ما ذكر من المبايعة لأجل ~~الدنيا، فإنها نية غير صالحة، ولعدم الوفاء بالخروج عن الطاعة وتفريق ~~الجماعة. والأصل في بيعة الامام أن يقصد بها إقامة الشريعة ويعمل بالحق، ~~ويقيم ما أمر الله بإقامته، ويهدم ما أمر الله بهدمه. ووقع في البخاري ورجل ~~حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال رجل مسلم فيكون من توعد بهذا ~~النوع من الوعيد أربع. وفي مسلم مثل حديث أبي هريرة قال: وشيخ زان، وملك ~~كذاب، وعائل مستكبر وأخرج أيضا من حديث ms1228 أبي ذر مرفوعا ثلاثة لا يكلمهم الله ~~يوم القيامة: المنان الذي لا يعطي شيئا إلا منة، والمنفق سلعته بالحلف ~~الفاجر والمسبل إزاره فحصل من مجموع الأحاديث تسع خصال إن جعلنا المنفق ~~سلعته بالحلف الكاذب والذي حلف بعد العصر لقد أعطي كذا وكذا: شيئا واحدا، ~~وإن جعلناهما شيئين كما هو الظاهر، فإن المنفق سلعته بالكذب أعم من الذي ~~يحلف لقد أعطي فتكون عشرا. # 8 - (وعن جابر رضي الله عنه أن رجلين اختصما في ناقة فقال كل واحد منهما: # نتجت هذه الناقة عندي وأقاما) أي كل واحد (بينة فقضى بها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم للذي هي في يده). سيأتي من أخرجه، وأخرج الذي بعده، وقد ~~أخرج هذا البيهقي ولم يضعفه. وأخرج نحوه عن الشافعي إلا أن فيه تداعيا دابة ~~ولم يضعف إسناده أيضا. والحديث دليل على أن اليد مرجحة للشهادة الموافقة ~~لها، وقد ذهب إلى هذا الشافعي ومالك وغيرهما، قال الشافعي: يقال لهما قد ~~استويتما في الدعوى والبينة وللذي هو في يده سبب بكينونته في يده هو أقوى ~~من سببك فهو بفضل قوة سببه، وذكر هذا الحديث. # وذهب الهادوية وجماعة من الآل وابن حنبل إلى أنه ترجح بينة الخارج، وهو ~~من لم يكن في يده، قالوا: إذ شرعت له - وللمنكر اليمين - ولقوله صلى الله ~~عليه وسلم: البينة على المدعي فإنه يقتضي أنه لا تفيد بينة المنكر. ويروى ~~عن علي رضي الله عنه أنه قال من كان في يده شئ فبينته لا تعمل له شيئا ذكره ~~في البحر. وأجيب عن ذلك بأن حديث جابر خاص وحديث البينة على المدعي عام ~~والخاص مخصص مقدم، وأثر علي رضي الله عنه لم يصح، وعلى صحته فمعارض بما ~~سبق. وعن القاسم أنه يقسم بينهما، لان اليد مقوية PageV04P135 # لبينة الداخل فساوت بينة الخارج. ويروى عنه كقول الشافعي، وللحنفية تفصيل ~~لم يقم عليه دليل. # 9 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم رد اليمين ~~على طالب الحق رواهما) أي هذا والذي قبله ms1229 (الدارقطني وفي إسنادهما ضعف) لان ~~مدارهما على محمد بن مسروق عن إسحاق بن الفرات، ومحمد لا يعرف، وإسحاق ~~مختلف فيه كما قاله المصنف. وقال الذهبي في الكاشف: إن إسحاق بن الفرات ~~قاضي مصر ثقة معروف. وقال البيهقي: الاعتماد في هذا الباب على أحاديث ~~القسامة فإنه قال صلى الله عليه وسلم لأولياء الدم: أتحلفون؟ فأبوا قال: ~~فتحلف يهود وهو حديث صحيح، وساق الروايات في القسامة وفيها رد اليمين، قال: ~~فهذه الأحاديث هي المعتمدة في رد اليمين على المدعي إذا لم يحلف المدعى ~~عليه. قلت: وهذا منه قياس إلا أنه قد ثبت عندهم أن القسامة على خلاف القياس ~~وثبت أنه لا يقاس على ما خالف القياس. وقد استدل بحديث الكتاب على ثبوت رد ~~اليمين على المدعي، والمراد به أنها تجب اليمين على المدعي ولكن إذا لم ~~يحلف المدعى عليه. وقد ذهب الشافعي وآخرون إلى أنه إذا نكل المدعى عليه ~~فإنه لا يجب بالنكول شئ إلا إذا حلف المدعي. وذهب الهادوية وجماعة إلى أنه ~~يثبت الحق بالنكول من دون تحليف للمدعي، وقال المؤيد: لا يحكم به ولكن يحبس ~~حتى يحلف أو يقر. # استدل الهادوية بأن النكول كالاقرار. ورد بأنه مجرد تمرد عن حق معلوم ~~وجوبه عليه هو اليمين فيحبس له حتى يوفيه أو يسقطه بالاقرار، واستدلوا أيضا ~~بأنه حكم به عمر وعثمان وابن عباس وأبو موسى وأجيب بعدم حجة أفعالهم. نعم ~~لو صح حديث ابن عمر كان الحجة فيه. # 10 - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل علي رسول الله (ص) ذات يوم ~~مسرورا تبرق) بفتح المثناة الفوقية وضم الراء (أسارير وجهه) هي الخطوط التي ~~في الجبهة واحدها سر وسرر وجمعها أسرار، وأسرة، وجمع الجمع أسارير أي: تضئ ~~وتستنير من الفرح والسرور (فقال: ألم تري إلى مجزز) بضم الميم وفتح الجيم ~~ثم زاي مشددة مكسورة ثم زاي أخرى اسم فاعل لأنه كان في الجاهلية إذا أسر ~~أسيرا جز ناصيته وأطلقه (المدلجي) بضم الميم وبالدال المهملة وجيم بزنة ~~مخرج نسبة إلى بني مدلج بن ms1230 مرة بن عبد مناف بن كنانة (نظر آنفا) أي الآن ~~(إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال: هذه الاقدام بعضها من بعض متفق ~~عليه). في رواية للبخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال: ألم تري أن مجززا ~~المدلجي دخل علي فرأى أسامة وزيدا وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت ~~أقدامهما فقال: إن هذه الاقدام بعضها من بعض. # واعلم أن الكفار كانوا يقدحون في نسب أسامة، لكونه كان أسود شديد السواد. ~~وكان زيد أبيض كذا قاله أبو داود. وأم أسامة هي أم أيمن كانت حبشية سوداء. ~~ووقع في الصحيح PageV04P136 # أنها كانت حبشية وصيفة لعبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم. ويقال: ~~كانت من سبي الحبشة الذين قدموا زمن الفيل فصار ت لعبد المطلب، فوهبها لعبد ~~الله والد النبي صلى الله عليه وسلم. وتزوجت قبل زيد عبيدا الحبشي فولد ت ~~له أيمن فكنيت به واشتهرت بكنيتها واسمها بركة. والحديث دليل على اعتبار ~~القيافة في ثبوت النسب، وهي مصدر قاف قيافة، والقائف: الذي يتتبع الآثار ~~ويعرفها ويعرف شبه الرجل بأبيه وأخيه. وإلى اعتبارها في ثبوت النسب ذهب ~~مالك والشافعي وجماهير العلماء مستدلين بهذا الحديث. # ووجه دلالته ما علم من أن التقرير منه (ص) حجة لأنه أحد أقسام السنة. # وحقيقة التقرير أن يرى النبي (ص) فعلا من فاعل أو يسمع قولا من قائل أو ~~يعلم به وكان ذلك الفعل من الأفعال التي لا يعلم تقدم إنكاره لها، كمضي ~~كافر إلى كنيسة أو مع عدم القدرة كالذي كان يشاهده من كفار مكة من عبادة ~~الأوثان وأذاهم للمسلمين ولم ينكره، كان ذلك تقريرا دالا على جوازه، فإن ~~استبشر به فأوضح كما في هذه القصة فإنه استبشر بكلام مجزز في إثبات نسب ~~أسامة إلى زيد فدل ذلك على تقرير كون القيافة طريقا إلى معرفة الأنساب. ~~وبما رواه مالك عن سليمان بن يسار أن عمر بن الخطاب كان يليط أولاد ~~الجاهلية بمن ادعاهم في الاسلام فأتى رجلان إلى عمر رضي الله عنه كلاهما ~~يدعي ولد امرأة ms1231 فدعا قائفا فنظر إليه القائف فقال: لقد اشتركا فضربه عمر ~~بالدرة ثم دعا المرأة فقال أخبريني خبرك فقالت: كان هذا لاحد الرجلين - ~~يأتيها في إبل لأهلها فلا يفارقها حتى يظن أنه قد استمر بها حمل ثم ينصرف ~~عنها فأهريقت عليه دما ثم خلف عليها هذا - يعني الآخر - فلا أدري من أيهما ~~هو، فكبر القائف، فقال عمر للغلام: فإلى أيهما شئت فانتسب. فقضى عمر بمحضر ~~من الصحابة بالقيافة من غير إنكار من واحد منهم، فكان كالاجماع تقوى به ~~أدلة القيافة. # قالوا: وهو مروي عن ابن عباس وأنس بن مالك ولا مخالف لهما ما الصحابة، ~~ويدل عليه حديث اللعان. وقوله صلى الله عليه وسلم: إن جاءت به على صفة كذا ~~وكذا فهو لفلان، أو على صفة كذا وكذا فهو لفلان فجاءت به على الوصف المكروه ~~فقال: لولا الايمان لكان لي ولها شأن فقوله: فهو لفلان إثبات للنسب ~~بالقيافة وإنما منعت الايمان عن إلحاقه بمن جاء على صفته. وذهبت الهادوية ~~والحنفية إلى أنه لا يعمل بالقيافة في إثبات النسب، والحكم في الولد ~~المتنازع فيه أن يكون للشريكين أو المشتريين أو الزوجين. وللهادوية في ~~الزوجين تفاصيل معروفة في الفروع، وتأولوا حديث مجزز هذا وقالوا: ليس من ~~باب التقرير لان نسب أسامة كان معلوما إلى زيد وإنما كان يقدح الكفار في ~~نسبه لاختلاف اللون بين الولد وأبيه، والقيافة كانت من أحكام الجاهلية وقد ~~جاء الاسلام بإبطالها ومحو آثارها، فسكوته (ص) عن الانكار على مجزز ليس ~~تقريرا لفعله، واستبشاره إنما هو لالزام الخصم الطاعن في نسب أسامة بما ~~يقوله ويعتمده فلا حجة في ذلك. قلت: ولا يخفى PageV04P137 # أن هذا الجواب مبني على أنه قد سبق منه (ص) إنكار للقيافة وإلحاق النسب ~~بها، كتقدم إنكاره مضي كافر إلى كنيسة وهذا دليل عليه، بل الدليل قائم على ~~خلافه، وهو قوله (ص) في قصة اللعان بما سمعت ثم فعل الصحابة من بعده. ~~وقولهم بثبوت النسب به من الأدلة على عدم إنكاره (ص). وأما قوله: الولد ~~للفراش فذلك فيما إذا ms1232 علم الفراش، فإنه معلوم أن الحكم به مقدم قطعا، وإنما ~~القيافة عند عدمه، ثم الأصح عند القائلين بالالحاق أنه يكفي قائف واحد، ~~وقيل: لا بد من اثنين، وحديث الباب دال على الاكتفاء بالواحد. # كتاب العتق العتق الحرية، ويقال عتق عتقا بكسر العين وفتحها فهو عتيق ~~وعاتق. وفي النجم الوهاج العتق اسقاط الملك من الآدمي تقربا لله وهو مندوب، ~~وواجب في الكفارات، وقد حث الشارع عليه كما قال تعالى: * (فك رقبة) * فسرت ~~بعتقها من الرق، والأحاديث في فضله كثيرة منها: # 1 - (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أيما امرئ مسلم أعتق امرءا مسلما استنقذ الله بكل عضو) بكسر العين ~~وضمها (منه عضوا منه من النار متفق عليه). وتمامه في البخاري حتى فرجه ~~بفرجه وفيه أنه إذا كان المعتق والمعتق مسلمين أعتقه الله من النار وفي ~~قوله: استنقذ ما يشعر بأنه استحقاقه لها، واشترط إسلامه لأجل هذا الاجر، ~~وإلا فإن عتق الكافر يصح، وقولهم لا قربة لكافر ليس المراد أنه لا ينفذ منه ~~ما من شأنه أن يتقرب به كالعتق والهبة والصدقة وغير ذلك. إنما المراد أنه ~~لا يثاب عليها وإلا فهي نافذة منه، لكن لا نجاة له بسببه من النار. وفي ~~تقييد الرقبة المعتقة بالاسلام أيضا دليل على أن هذه الفضيلة لا تنال إلا ~~بعتق المسلمة، وإن كان في عتق الكافرة فضل لكن لا يبلغ ما وعد به هنا من ~~الاجر. ووقع في رواية مسلم إرب عوض عضو وهو بكسر الهمزة وإسكان الراء ~~فموحدة العضو وفيه أن عتق كامل الأعضاء أفضل من عتق ناقصها، فلا يكون خصيا ~~ولا فاقد غيره من الأعضاء، والأغلى ثمنا أفضل كما يأتي. وعتق الذكر أفضل من ~~عتق الأنثى كما يدل له قوله: # 2 - (وللترمذي وصححه عن أبي أمامة وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين ~~كانتا فكاكه من النار. فعتق المرأة أجره على النصف من عتق الذكر، فالرجل ~~إذا أعتق امرأة كانت فكاك نصفه من النار، والمرأة إذا ms1233 أعتقت الأمة كانت ~~فكاكها من النار كما دل له مفهوم هذا ومنطوق قوله: # 3 - (ولأبي داود من حديث كعب بن مرة وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة ~~كانت فكاكها من النار. وبهذا والذي قبله استدل من قال عتق الذكر ~~PageV04P138 # أفضل، ولما في الذكر من المعاني العامة والمنفعة التي لا توجد في الإناث ~~من الشهادة والجهاد والقضاء وغير ذلك مما يختص بالرجال إما شرعا وإما عادة، ~~ولان في الإماء من تضيع بالعتق ولا يرغب فيها بخلاف العبد. وقال آخرون: عتق ~~الأنثى أفضل لان يكون ولدها حرا سواء تزوجها حر أو عبد. وقوله في رواية حتى ~~فرجه بفرجه استشكله ابن العربي قال: # لان المعصية التي تتعلق بالفرج هي الزنا، والزنا كبيرة لا تكفر إلا ~~بالتوبة إلا أن يقال إن العتق يرجح عند الموازنة بحيث تكون حسنات العتق ~~راجحة توازي سيئة الزنا، مع أنه لا اختصاص لهذا بالزنا، فإن اليد يكون بها ~~القتل، والرجل يكون بها الفرار من الزحف وغير ذلك. # (فائدة): في النجم الوهاج: أنه أعتق النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا ~~وستين نسمة عدد سني عمره وعد أسماءهم. قال: وأعتقت عائشة سبعا وستين وعاشت ~~كذلك، وأعتق أبو بكر كثيرا وأعتق العباس سبعين عبدا رواه الحاكم. وأعتق ~~عثمان وهو محاصر عشرين. وأعتق حكيم بن حزام مائة مطوقين بالفضة. وأعتق عبد ~~الله بن عمر ألفا واعتمر ألف عمرة وحج ستين حجة، وحبس ألف فرس في سبيل ~~الله. وأعتق ذو الكلاع الحميري في يوم واحد ثمانية آلاف عبد، وأعتق عبد ~~الرحمن بن عوف ثلاثين ألف نسمة انتهى. # 4 - (وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي ~~العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله وجهاد في سبيله قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: # أغلاها) روي بالعين المهملة والغين المعجمة (ثمنا وأنفسها عند أهلها متفق ~~عليه) دل على أن الجهاد أفضل أعمال البر بعد الايمان. وقد تقدم في كتاب ~~الصلاة أن الصلاة في أول وقتها أفضل الأعمال على الاطلاق، وتقدم الجمع بين ~~الأحاديث ms1234 هنالك. ودل على أن الأغلى ثمنا أفضل من الأدنى قيمة. قال النووي: ~~محله والله أعلم فيمن أراد أن يعتق رقبة واحدة، أما لو كان مع شخص ألف درهم ~~مثلا فأراد أن يشتري بها رقابا يعتقها فوجد رقبة نفيسة ورقبتين مفضولتين ~~قال: فثنتان أفضل بخلاف الأضحية فإن الواحدة السمينة أفضل، لان المطلوب في ~~العتق فك الرقبة وفي الأضحية طيب اللحم، انتهى. والأولى أن هذا لا يؤخذ ~~قاعدة كلية بل يختلف باختلاف الاشخاص فإنه إذا كان شخص بمحل عظيم من العلم ~~والعمل وانتفاع المسلمين به فعتقه أفضل من عتق جماعة ليس فيهم هذه السمات ~~فيكون الضابط اعتبار الأكثر نفعا. وقو له: وأنفسها عند أهلها أي ما كان ~~اغتباطهم بها أشد، وهو الموافق لقوله تعالى: * (لن تنالوا البر حتى تنفقوا ~~مما تحبون) *. # 5 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): من أعتق شركا ~~له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل) بفتح العين أي لا ~~زيادة فيه ولا نقص (فأعطي شركاؤه حصصهم وعتق عليه العبد وإلا) يكن له مال ~~يبلغ ثمن العبد (فقد عتق) بفتح العين المهملة (منه ما عتق) بفتح العين ~~ويجوز ضمها (متفق عليه). دل الحديث على أن من له حصة في عبد PageV04P139 # إذا أعتق حصته فيه وكان موسرا لزمه تسليم حصة شريكه بعد تقويم حصة الشريك ~~تقويم مثله، وعتق عليه العبد جميعه، وقد أجمع العلماء على أن نصيب المعتق ~~بنفس الاعتاق، ودل على أنه لا يعتق نصيب شريكه إلا مع يسار المعتق لا مع ~~إعساره، لقوله في الحديث (وإلا) أي وإلا يكن له مال (فقد عتق منه ما عتق) ~~وهي حصته. وظاهره تبعيض العتق، إلا أنه قد وقع في هذا اللفظ نزاع بين ~~الأئمة، فقال ابن وضاح: ليس هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه ~~رواه أيوب عن نافع قال: قال نافع: وإلا فقد عتق منه ما عتق ففصله من ~~الحديث، وجعله من قول نافع، قال أيوب مرة: لا ms1235 أدري هو من الحديث أو هو شئ ~~قاله نافع. وقال غيره: قد رواه مالك وعبيد الله العمري فوصلاه بكلام النبي ~~صلى الله عليه وسلم وجعلاه منه. قال القاضي عياض: وما قاله مالك وعبيد الله ~~العمري أولى وقد جواده، وهما في نافع أثبت من أيوب عند أهل هذا الشأن، وكيف ~~وقد شك أيوب فيه كما ذكرنا. وقد رجح الأئمة رواية من أثبت هذه الزيادة من ~~قول النبي (ص) قال الشافعي: لا أحسب عالما في الحديث يتشكك في أن مالكا ~~أحفظ لحديث نافع من أيوب لأنه كان ألزم له، حتى لو تساويا وشك أحدهما، شئ، ~~ولم يشك فيه صاحبه كان الحجة مع من لم يشك. هذا وللعلماء في المسألة أقوال، ~~أقواها ما وافقه هذا الحديث وهو أنه لا يعتق نصيب الشريك إلا بدفع القيمة، ~~وهو المشهور من مذهب مالك، وبه قال أهل الظاهر، وهو قول للشافعي. قالت ~~الهادوية وآخرون: إنه يعتق العبد جميعه وإن لم يكن للمعتق مال فإنه يستسعى ~~العبد في حصة الشريك مستدلين بقوله: # 6 - (ولهما) أي الشيخين (عن أبي هريرة رضي الله عنه وإلا قوم العبد عليه ~~واستسعي غير مشقوق عليه، وقيل: إن السعاية مدرجة في الخبر). فإنه ظاهر أنه ~~إذا لم يكن للشريك مال قوم العبد واستسعي في قيمة حصة الشريك، وأجيب بأن ~~ذكر السعاية ليست من كلامه صلى الله عليه وسلم بل مدرجة من بعض الرواة في ~~الخبر كما أشار إليه المصنف. قال ابن العربي: اتفقوا على أن ذكر الاستسعاء ~~ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم وأنه من قول قتادة، قال النسائي: ~~بلغني أن هماما رواه فجعل هذا الكلام أعني الاستسعاء من قول قتادة. وكذا ~~قال الإسماعيلي: هو من قول قتادة مدرج على ما روى همام. وجزم ابن المنذر ~~والخطابي بأنه من فتيا قتادة. وقد رد جميع ما ذكر من إدراج السعاية باتفاق ~~الشيخين على رفعه، فإنهما في أعلى درجات التصحيح، وقد روى السعاية في ~~الحديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وهو أعرف بحديث ms1236 قتادة لكثرة ملازمته له ~~ولكثرة أخذه عنه من همام وغيره فإنه كان أكثر ملازمة لقتادة من همام وشعبة، ~~وما روياه لا ينافي رواية سعيد لأنهما اقتصرا في رواية الحديث على بعضه، ~~وأما إعلال رواية سعيد بن أبي عروبة بأنه اختلط فمردود، لان روايته في ~~الصحيحين قبل الاختلاط، ثم رواه البخاري من رواية جرير بن حازم لمتابعته له ~~لينتفي عنه التفرد ثم أشار إلى أن غيرهما تابعهما ثم قال: اختصره شعبة، ~~كأنه جواب سؤال مقدر تقديره إن شعبة أحفظ الناس لحديث قتادة فكيف لم يذكر ~~PageV04P140 # الاستسعاء؟ فأجاب بأن هذا لا يؤثر فيه ضعفا لأنه أورده مختصرا وغيره ساقه ~~بتمامه، والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد. قلت: وبهذا تعرف المجازفة في ~~قول ابن العربي: اتفقوا على أن ذكر الاستسعاء ليس من قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وبعد تقرر هذا لك فقد عرفت تعارض كلام هؤلاء الأئمة الحفاظ في ~~هذه الزيادة، ولا كلام في هذه الزيادة ولا كلام في أنها قد رويت مرفوعة ~~والأصل عدم الادراج حتى يقوم عليه دليل ناهض. وقد تقاومت الأدلة هنا ولكنه ~~عضد القول برفع زيادة السعاية إليه (ص) أن الأصل عدم الادراج. ومع ثبوت ~~رفعها فقد عارضت رواية: وإلا فقد عتق منه ما عتق وقد جمع بينهما بوجهين: ~~الأول: أن معنى قوله وإلا فقد عتق منه ما عتق أي بإعتاق مالك الحصة حصته، ~~وحصة الشريك تعتق بالسعاية فيعتق العبد بعد تسليم ما عليه ويكون كالمكاتب، ~~وهذا هو الذي جزم به البخاري، ويظهر أن ذلك يكون باختيار العبد لقوله: غير ~~مشقوق عليه فلو كان ذلك على جهة اللزوم بأن يكلف العبد الاكتساب والطلب حتى ~~يحصل ذلك لحصل له غاية المشقة، وهو لا يلزم في الكتابة ذلك عند الجمهور ~~لأنها غير واجبة فهذا مثلها، وإلى هذا الجمع ذهب البيهقي وقال: لا تبقى بين ~~الحديثين معارضة أصلا وهو كما قال، إلا أنه يلزم منه أن يبقى الرق في حصة ~~الشريك إذا لم يختر العبد السعاية ويحمل حديث أبي المليح عن ms1237 أبيه أن رجلا ~~أعتق شقصا له في غلام فذكر ذلك للنبي (ص) فقال: ليس لله شريك وفي رواية ~~فأجاز عتقه وأخرجه النسائي بإسناد قوي، ومثله ما أخرج أحمد بإسناد حسن من ~~حديث سمرة أن رجلا أعتق شقصا في مملوك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هو ~~كله فليس لله شريك على الموسر فتندفع المعارضة. وأما ما أخرجه أبو داود من ~~طريق ملقام عن أبيه: أن رجلا أعتق نصيبه في مملوك فلم يضمنه النبي (ص)، ~~وإسناده حسن فهو في حق المعسر ويدل له ما أخرجه النسائي عن ابن عمر رضي ~~الله عنهما بلفظ: من أعتق عبدا وله فيه شركاء وله وفاء فهو حر ويضمن نصيب ~~شركائه بقيمته لما أساء من مشاركتهم وليس على العبد شئ فقال: وله وفاء. ~~والثاني: من وجهي الجمع: أن المراد بالاستسعاء أن العبد يستمر في خدمة سيده ~~الذي لم يعتق رقيقا بقدر ماله من الرق. ومعنى غير مشقوق عليه أنه لا يكلفه ~~سيده من الخدمة فوق ما يطيقه، ولا فوق حصته من الرق. قيل: إلا أنه يبعد هذا ~~الجمع ما أخرجه الطبراني والبيهقي من حديث رجل من بني عذرة: أن رجلا منهم ~~أعتق مملوكا له عند موته وليس له مال غيره فأعتق رسول الله (ص) ثلثه وأمره ~~أن يسعى في الثلثين. قلت: قد يقول من اختار هذا الوجه من الجمع أن المراد ~~من أمره صلى الله عليه وسلم أن يسعى في الثلثين يسعى على مواليه بقدر ثلثي ~~رقبته من الخدمة لأنه الذي بقي رقا لهم. # وإيضاح الجمع بين الأحاديث أن قوله (ص): لا شريك لله فيما إذا كان مالك ~~الشقص غنيا فهو في حكم المالكين فيعتق العبد كله ويسلم قيمة ما هو لشركائه، ~~ويحمل حديث السعاية على ما إذا كان العبد قادرا عليها كما يرشد إليه قوله ~~(ص): غير PageV04P141 # مشقوق عليه. وحديث وإلا فقد عتق منه ما عتق على ما إذا كان المعتق فقيرا ~~والعبد لا قدرة له على السعاية. # واعلم أن هذا كله فيما إذا كان ms1238 المعتق يملك بعض العبد، وأما إذا كان ~~يملكه كله فأعتق بعضه فجمهور العلماء يقولون: يعتق كله، وقال أبو حنيفة ~~وأهل الظاهر: يعتق منه ذلك القدر الذي عتق ويسعى في الباقي، وهو قول طاوس ~~وحماد. وحجة الأولين حديث أبي المليح وغيره، وبالقياس على عتق الشقص فإنه ~~إذا سرى إلى ملك الشريك فبالأولى إذا لم يكن له شريك. وحجة الآخرين: أن ~~السبب في حق الشريك هو ما يدخل على شريكه من الضرر فأما إذا كان العبد له ~~جميعه لم يكن هناك ضرر فلا قياس، ولا يخفى أنه رأى في مقابلة النص. # 7 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # لا يجزي) بفتح حرف المضارعة أي لا يكافئ (ولد والده إلا أن يجده مملوكا ~~فيشتريه فيعتقه رواه مسلم). فيه دليل على أنه لا يعتق عليه بمجرد الشراء ~~وأنه لا بد من الاعتاق بعده، وإلى هذا ذهب الظاهرية. وذهب الجمهور: إلى أنه ~~يعتق بنفس الشراء، وتأولوا فيعتقه بأنه لما كان شراؤه تسبب عنه العتق نسب ~~إليه العتق مجازا، ولا يخفى أن الأصل الحقيقة إلا أنه صرفه عن الحقيقة حديث ~~سمرة الآتي، وفيه تعليق الحرية بنفس الملك كما يأتي. وإنما كان عتقه جزاء ~~لأبيه لان العتق أفضل ما من به أحد على أحد، لتخليصه بذلك من الرق فتكمل له ~~أحوال الأحرار من الولاية والقضاء والشهادة بالاجماع. والحديث نص في عتق ~~الوالد ومثله قول من عدا داود في حق الأم أيضا. # 8 - (وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن النبي (ص) قال: من ملك ذا رحم ~~محرم فهو حر رواه أحمد والأربعة، ورجح جمع من الحفاظ أنه موقوف. وأخرجه أبو ~~داود مرفوعا من رواية حماد. وموقوفا من رواية شعبة وقال: شعبة أحفظ من ~~حماد، فالوقف حينئذ أرجح، وأخرجه أيضا من طريق شعبة عن قتادة أن عمر بن ~~الخطاب قال: من ملك - الحديث فوقفه على عمر. وقال أبو داود: لم يحدث بهذا ~~الحديث إلا حماد وقد شك فيه. قال ابن المديني: هو ms1239 حديث منكر. وقال البخاري: # لا يصح. ورواه ابن ماجة والنسائي والترمذي والحاكم من طريق ضمرة عن ~~الثوري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهم. قال النسائي: حديث ~~منكر. وقال الترمذي لم يتابع ضمرة عليه وهو خطأ. وقال الطبراني: وهم في هذا ~~الاسناد، والمحفوظ بهذا الاسناد نهى عن بيع الولاء وعن هبته ورد الحاكم هذا ~~وقال: إنه روي من طريق ضمرة الحديثان بالاسناد الواحد وصححه ابن حزم وعبد ~~الحق وابن القطان، وقالوا: ضمرة بن ربيعة لا يضر تفرده لأنه ثقة لم يكن في ~~الشام رجل يشبهه. قلت: فقد رفعه ثقة فإرسال غيره له لا يضر كما قررناه. وفي ~~الحديث دليل على أنه من ملك من بينه وبينه رحامة محرمة للنكاح فإنه يعتق ~~عليه، وذلك كالآباء وإن علوا، والأولاد وإن سفلوا، والاخوة وأولادهم. ~~والأخوال PageV04P142 # والأعمام لا أولادهم. وإلى هذا ذهبت الهادوية والحنفية مستدلين بالحديث. ~~وذهب الشافعي إلى أنه لا يعتق إلا الآباء والأبناء للنص في الحديث الأول ~~على الآباء. وقياسا للأبناء عليهم وبناء منه على عدم صحة هذا الحديث عنده، ~~وزاد مالك الاخوة والأخوات قياسا على الآباء وذهب داود إلى أنه لا يعتق أحد ~~بهذا السبب لظاهر حديث أبي هريرة الماضي فيشتريه فيعتقه فلا يعتق أحد إلا ~~بالاعتاق عنده. هذا الحديث كما عرفت وقد صححه أئمة فالعمل به متعين، ~~وظاهره: أن مجرد الملك سبب للعتق، فيكون قرينة الحمل فيعتقه على المعنى ~~المجازي كما قاله الجمهور، فلا يكون فيه حجة لداود. # 9 - (وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما: أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند ~~موته لم يكن لمال غيرهم فدعا بهم رسول الله (ص) فجزأهم أثلاثا ثم أقرع ~~بينهم فأعتق وهو ما رواه النسائي وأبو اثنين وأرق أربعة وقال له قولا شديدا ~~رواه مسلم داود أنه صلى الله عليه وسلم قال: لو شهدته قبل أن يدفن لم يدفن ~~في مقابر المسلمين (رواه مسلم) دل الحديث على أن حكم التبرع في المرض حكم ~~الوصية ينفذ من الثلث وإليه ms1240 ذهب مالك والشافعي وأحمد، وإنما اختلفوا هل ~~تعتبر القيمة أو العدد من غير تقويم؟ فقال مالك: يعتبر التقويم فإذا كانوا ~~ستة أعبد أعتق الثلث بالقيمة سواء كان الحاصل من ذلك اثنين منهم أو أقل أو ~~أكثر، وذهب البعض: إلى أن المعتبر العدد من غير تقويم فيعتق اثنان في مسألة ~~الستة الأعبد وخالفت الهادوية والحنفية وذهبوا إلى أنه يعتق من كل عبد ~~ثلثه. ويسعى كل واحد في ثلثي قيمته للورثة، قالوا: وهذا الحديث آحادي خالف ~~الأصول، وذلك لان السيد قد أوجب لكل واحد منهم العتق فلو كان له مال لنفذ ~~العتق في الجميع بالاجماع. وإذا لم يكن له مال وجب أن ينفذ لكل واحد منهم ~~بقدر الثلث الجائز تصرف السيد فيه. ورد: بأن الحديث الآحادي من الأصول فكيف ~~يقال إنه خالف الأصول ولو سلم فمن الأصول أنه لا يدخل ضررا على الغير وقد ~~أدخلتم الضرر على الورثة وعلى العبيد المعتقين، وإذا جمع العتق في شخصين ~~كما في مسألة الحديث حصل الوفاء بحق العبد وحق الوارث، ونظير مسألة العبد: ~~لو أوصى بجميع التركة فإنه يقف ما زاد على الثلث على إجازة الورثة اتفاقا، ~~ثم إذا أريد القسمة تعينت الأنصباء بالقرعة اتفاقا. # 10 - (وعن سفينة رضي الله عنه) بالسين المهملة ففاء فمثناة تحتية فنون ~~(قال: كنت مملوكا لأم سلمة فقالت: أعتقك وأشترط عليك أن تخدم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما عشت. رواه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم). الحديث ~~دليل على صحة اشتراط الخدمة على العبد المعتق، وأنه يصح تعليق العتق بشرط ~~فيقع بوقوع الشرط. ووجه دلالته أنه علم أنه صلى الله عليه وسلم قرر ذلك إذ ~~الخدمة له، وروي عن عمر أنه أعتق رقيق الامارة وشرط عليهم أن يخدموا ~~الخليفة بعده ثلاث سنين: قال في نهاية المجتهد: لم يختلفوا في أن العبد إذا ~~أعتقه سيده على أن يخدمه سنين لا يتم عتقه إلا بخدمه، وبهذا قالت الهادوية ~~والحنفية. # 11 - (وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله (ص) قال: إنما PageV04P143 # الولاء ms1241 لمن أعتق متفق عليه في حديث طويل. في حديث تقدم في البيع في قصة ~~بريرة وتقدم شرحه بما فيه كفاية. وأفادت كلمة: إنما الحصر وهو إثبات الولاء ~~لمن ذكر ونفيه عمن عداه، فاستدل به على أنه لا ولاء بالاسلام. خلافا ~~للهادوية والحنفية. # 12 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: الولاء لحمة) في القاموس بضم اللام وفتحها في النسب والثوب (كلحمة ~~النسب لا يباع ولا يوهب رواه الشافعي وصححه ابن حبان والحاكم وأصله في ~~الصحيحين بغير هذا اللفظ). يريد أنه فيهما بلفظ نهى النبي (ص) عن بيع ~~الولاء وعن هبته أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن دينار عن عمر، وأخرجه ~~مسلم من هذه الطريق وقال الترمذي بعد تخريجه: حسن صحيح. ومعنى تشبيهه بلحمة ~~النسب أنه يجري الولاء مجرى النسب في الميراث، كما تخالط اللحمة سدى الثوب ~~حتى يصير كالشئ الواحد، كما يفيده كلام النهاية والحديث دليل على عدم صحة ~~بيع الولاء ولا هبته، فإن ذلك أمر معنوي كالنسب ولا يتأتى انتقاله، كالأبوة ~~والاخوة، لا يتأتى انتقالهما، وقد كانوا في الجاهلية ينقلون الولاء بالبيع ~~وغيره، فنهى الشرع عن ذلك، وعليه جماهير العلماء، وروي عن بعض السلف جواز ~~بيعه، وعن آخرين منهم جواز هبته وكأنهم لم يطلعوا على الحديث، أو حملوا ~~النهي على التنزيه وهو خلاف أصله. # باب المدبر والمكاتب وأم الولد المدبر: اسم مفعول وهو الرقيق الذي علق ~~عتقه بموت مالكه، سمي بذلك لان مالكه دبر دنياه وآخرته، أما دنياه فاستمرار ~~انتفاعه بخدمة عبده، وأما آخرته فتحصيل ثواب العتق. # والمكاتب: اسم مفعول أيضا هو من وقعت عليه الكتابة، وحقيقة الكتابة: ~~تعليق عتق المملوك على أدائه مالا أو نحوه من مالك أو نحوه. وهو على خلاف ~~القياس عند من يقول إن العبد لا يملك. وأم الولد تقدم ذكرها في كتا ب ~~البيع. # 1 - (عن جابر رضي الله عنه أن رجلا) اسمه مذكار كما في رواية مسلم وتقدم ~~في أول كتاب البيع من رواية أبي ms1242 داود والنسائي أن اسمه أبو مذكار واسم ~~غلامه أبو يعقوب (من الأنصار أعتق غلاما له) اسمه يعقوب كما في مسلم أيضا ~~(عن دبر) بضم الدال المهملة وبضم الموحدة وسكونها (ولم يكن له مال غيره ~~فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: # من يشتريه مني فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم. متفق عليه وفي ~~لفظ للبخاري فاحتاج. وفي رواية النسائي) أي عن جابر (وكان عليه دين فباعه ~~بثمانمائة درهم فأعطاه وقال: اقض دينك). الحديث دليل على مشروعية التدبير ~~وهو متفق على مشروعيته، واختلف العلماء هل ينفذ من رأس المال أو من الثلث، ~~فذهب الجمهور إلى أنه ينفذ من الثلث، وذهب جماعة من السلف والظاهرية إلى ~~أنه ينفذ من رأس المال. PageV04P144 # واستدل الجمهور بقياسه على الوصية بجامع أنه ينفذ بعد الموت، وبحديث ابن ~~عمر مرفوعا المدبر من الثلث ورد الحديث بأنه جزم أئمة الحديث بضعفه وإنكاره ~~وأن رفعه باطل، وإنما هو موقوف على ابن عمر. وقال البيهقي: الصحيح أنه ~~موقوف، وروى البيهقي عن أبي قلابة مرسلا: أن رجلا أعتق عبدا له عن دبر ~~فجعله صلى الله عليه وسلم من الثلث. وأخرج عن علي عليه السلام كذلك موقوفا. ~~واستدل الآخرون بالقياس على الهبة ونحوها مما يخرجه الانسان من ماله في حال ~~حياته، ودليل الأولين أولى لتأييد القياس بالمرسل والموقوف ولان قياسه على ~~الوصية أولى من القياس على الهبة. وفي الحديث دليل على جواز بيع المدبر ~~لحاجته لنفقته أو قضاء دينه، وذهب طائفة إلى عدم جواز بيعه مطلقا مستدلين ~~بقوله تعالى: * (أوفوا بالعقود) * ورد بأنه عام خصصه حديث الكتاب. وذهب ~~آخرون منهم الشافعي وأحمد إلى جواز بيعه مطلقا مستدلين بحديث جابر، وبشبهه ~~بالوصية فإنه إذا احتاج الموصي باع ما أوصى به وكذلك مع استغنائه، قالوا: ~~والحديث ليس فيه قصر البيع على الحاجة والضرورة وإنما الواقع جزئي من ~~جزئيات صور جواز بيعه، وقياسه على الوصية يؤيد اعتبار الجواز المطلق، ~~والظاهر القول الأول. # 2 - (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله ms1243 عنهم عن النبي (ص) قال: # المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم أخرجه أبو داود بإسناد حسن، ~~وأصله عند أحمد والثلاثة وصححه الحاكم. وروي من طرق كلها لا تخلو عن مقال. ~~قال الشافعي في حديث عمرو بن شعيب: لا أعلم أحدا روى هذا إلا عمرو بن شعيب ~~ولم أر من رضيت من أهل العلم يثبته، وعلى هذا فتيا المفتين. والحديث دليل ~~على أن المكاتب إذا لم يف بما كوتب عليه فهو عبد له أحكام المماليك. وإلى ~~هذا ذهب الجمهور: الهادوية والحنفية والشافعي ومالك. وفي المسألة خلاف: ~~فروي عن علي عليه السلام أنه يعتق إذا أدى الشرط، ويروى عنه أنه يعتق بقدر ~~ما أدى. ودليله ما أخرجه النسائي من رواية عكرمة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: يودي المكاتب بحصة ما أدى دية حروما بقي دية عبد قال البيهقي: ~~قال أبو عيسى فيما بلغني عنه: سألت البخاري عن هذا الحديث فقال: روى بعضهم ~~هذا الحديث عن أيوب عن عكرمة عن علي واختلف على عكرمة فيه، ورواية عكرمة عن ~~علي مرسلة، وروايته عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلة، وروي عن علي من طرق ~~مرفوعا وموقوفا. قلت: فقد ثبت له أصل إلا أنه قد عارضه حديث الكتاب. وقول ~~الجمهور دليله الحديث وإن كان ما خلت طرقه عن قادح إلا أنه أيدته آثار سلفي ~~عن الصحابة، ولأنه أخذ بالاحتياط في حق السيد فلا يزول ملكه إلا بما قد رضي ~~به من تسليم ما عند عبده فالأقرب كلام الجمهور. # 3 - (وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله (ص): إذا كان ~~لإحداكن مكاتب وكن عنده ما يؤدي فلتحتجب منه رواه أحمد والأربعة وصححه ~~الترمذي. وهو دليل على مسألتين: الأولى: أن المكاتب إذا صار معه جميع ~~PageV04P145 # مال المكاتبة فقد صار له ما للأحرار، فتحتجب منه سيدته إذا كان مملوكا ~~لامرأة، وإن لم يكن قد سلم ذلك وهو معارض بحديث عمرو بن شعيب، وقد جمع ~~بينهما الشافعي فقال: هذا خاص بأزواج النبي ms1244 صلى الله عليه وسلم وهو ~~احتجابهن عن المكاتب وإن لم يكن قد سلم مال الكتابة إذا كان واجدا له، وإلا ~~منع من ذلك كما منع سودة من نظر ابن زمعة إليها مع أنه قد قال: الولد ~~للفراش. قلت: ولك أن تجمع بين الحديثين بأن المراد أنه قن إذا لم يجد ما ~~بقي عليه ولو كان درهما، وحديث أم سلمة في مكاتب واجد لجميع مال الكتابة ~~ولكنه لم يكن قد سلمه، وأما حديث أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال لها: إذا كاتبت إحداكن عبدها فليرها ما بقي عليه شئ من كتابته فإذا ~~قضاها فلا تكلمه إلا من وراء حجاب فإنه ضعيف لا يقاوم حديث الكتاب. المسألة ~~الثانية: دل بمفهومه على أنه يجوز لمملوك المرأة النظر إليها ما لم يكاتبها ~~ويجد مال الكتابة، وهو الذي دل له منطوق قوله تعالى * (أو ما ملكت أيمانهن) ~~* في سورة النور وفي سورة الأحزاب. ويدل له أيضا قوله صلى الله عليه وسلم ~~لفاطمة لما تقنعت بثوب وكانت إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت به ~~رجليها لم يبلغ رأسها فقال النبي (ص): ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك ~~أخرجه أبو داود وابن مردويه والبيهقي من حديث أنس، وأخرج عبد الرزاق عن ~~مجاهد قال: كان العبيد يدخلون على أزواج النبي (ص) يريد مماليكهن. # وفي تيسير البيان للأوزاعي أن رؤية المملوك لمالكته المنصوص أي للشافعي، ~~وذكر الخلاف لبعض الشافعية ورده وهو خلاف ما نقلنا عنه أولا. فيحتمل أنه ~~قول له وإلى هذا ذهب أكثر العلماء من السلف وهو قول الشافعي. وذهبت ~~الهادوية وأبو حنيفة إلى أن المملوك كالأجنبي، قالوا: يدل له صحة تزويجها ~~إياه بعد العتق، وأجابوا عن الحديث بأنه مفهوم لا يعمل به. وعن الآية بأن ~~المراد ما ملكت أيمانهن المملوكات من الإماء للحرائر، وخصهن بالذكر رفعا ~~لتوهم مغايرتهن للحرائر في قوله تعالى: * (أو نسائهن) * إذ الإماء لسن من ~~نسائهن. # ولا يخفى ضعف هذا وتكلفه. والحق بالاتباع أولى. # 4 - (وعن ms1245 ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~يودي) بضم حرف المضارعة مبني للمجهول من وداه يديه (المكاتب بقدر ما عتق ~~منه دية الحر وبقدر ما رق منه دية العبد رواه أحمد وأبو داود والنسائي). ~~سقط هذا الحديث بشرحه من الشرح. وهو دليل على أن للمكاتب حكم الحر في قدر ~~ما سلمه من كتابته فتبعض ديته إن قتل، وكذلك الحد وغيره من الاحكام التي ~~تنصف وهذا قول الهادوية وذهب علي عليه السلام وشريح إلى أنه يعتق كله إذا ~~سلم قسطا من مال الكناية، وعن علي عليه السلام رواية مثل كلام الهادوية. ~~واستدل من قال لا تتبعض أحكامه: بأنه عبد ما بقي عليه درهم لحديث ابن عمر ~~المكاتب عبد ما بقي عليه درهم إلا أنه موقوف وقد رفعه ابن قانع وأعله ~~بالانقطاع وأخرجه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أبو داود ~~PageV04P146 # والنسائي لكن قال الشافعي: لم أر من رضيت من أهل العلم يثبته، كما تقدم، ~~وقد أخرج أبو داود والترمذي والنسائي من حديث علي عليه السلام وابن عباس ~~مرفوعين بلفظ المكاتب يعتق بقدر ما أدى ويرث ويقام عليه الحد بقدر ما عتق ~~ولا علة له، وهو يؤيد حديث الكتاب ولعله هو. وإنما اختلف لفظه. وتقدم ~~الخلاف في المسألة وبيان الراجح منها. # 5 - (وعن عمرو بن الحارث رضي الله عنه) هو عمرو بن الحارث بن أبي ضرار ~~بكسر الضاد المعجمة وراء خفيفة عداده في أهل الكوفة روى عنه أبو وائل شقيق ~~بن سلمة وغيره (أخي جويرية أم المؤمنين رضي الله عنها قال: ما ترك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عند موته درهما ولا دينارا ولا عبدا ولا أمة ولا ~~شيئا إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضا جعلها صدقة. # رواه البخاري). والحديث دليل على ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من ~~تنزهه عن الدنيا وأدناسها وأعراضها، وخلو قلبه وقالبه عن الاشتغال بها، ~~لأنه متفرغ للاقبال على تبليغ ما أمر به وعبادة مولاه والاشتغال بما يقربه ms1246 ~~إليه وما يرضاه، وقوله: ولا عبد ولا أمة وقد قدمنا أنه صلى الله عليه وسلم ~~أعتق ثلاثا وستين رقبة فلم يمت وعنده مملوك. والأرض التي جعلها صدقة قال ~~أبو داود: كانت نخل بني النضير لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة أعطاه ~~الله إياه فقال: * (ما أفاء على رسوله) * فأعطى أكثرها المهاجرين وبقي منها ~~صدقة رسول الله (ص) التي في أيدي بني فاطمة. ولأبي داود أيضا من طريق ابن ~~شهاب: كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث صفايا: بنو النضير وخيبر ~~وفدك فأما بنو النضير فكانت حبسا لنوائبه، وأما فدك فكانت حبسا لأبناء ~~السبيل، وأما خيبر فجزأها بين المسلمين ثم قسم جزءا لنفقة أهله وما فضل منه ~~جعله في فقراء المهاجرين. # 6 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): # أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة بعد موته. أخرجه ابن ماجة والحاكم بإسناد ~~ضعيف) إذ في سنده الحسين بن عبد الله الهاشمي ضعيف جدا (ورجح جماعة وقفه ~~على عمر رضي الله عنه). الحديث دال على حرية أم الولد بعد وفاة سيدها، ~~وعليه دل الحديث الأول، حيث قال: ولا أمة، فإنه (ص) توفي وخلف مارية ~~القبطية أم إبراهيم وتوفيت في أيام عمر، فدل أنها عتقت بوفاته (ص)، ولأجل ~~هذا الحكم ذكر المصنف الحديث الأول، وتقدم الكلام في أم الولد مستوفى في ~~كتاب البيع. # 7 - (وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: من أعان مجاهدا ~~في سبيل الله أو غارما في عسرته) الغارم: الذي يلتزم ما ضمنه وتكفل به ~~ويؤديه، قاله في النهاية (أو مكاتبا في رقبته أظله الله يوم لا ظل إلا ظله ~~رواه أحمد وصححه الحاكم). فيه دليل على عظم أجر هذه الإعانة لمن ذكر، وذكر ~~هنا لأجل المكاتب. وقد قال تعالى في المكاتب: * (فكاتبوهم إن علمتم فيهم ~~خيرا واتوهم من مال الله الذي أتاكم) * وقد أخرج النسائي من حديث علي رضي ~~الله عنه مرفوعا أنه صلى الله عليه وسلم ms1247 PageV04P147 # قال: في الآية ربع الكتابة قال النسائي: والصواب وقفه، وقال الحاكم في ~~رواية الرفع صحيح الاسناد. وقد فسر قوله تعالى: * (وفي الرقاب) * بإعانة ~~المكاتبين، وأخرج ابن جرير وغيره عن علي عليه السلام أنه قال: أمر الله ~~السيد أن يدع الربع للمكاتب من ثمنه، وهذا تعليم من الله وليس بفريضة ولكن ~~فيه أجر. # كتاب الجامع أي الجامع لأبواب ستة: الأدب والبر والصلة والزهد والورع ~~والترهيب من مساوئ الأخلاق والترغيب في مكارم الأخلاق والذكر والدعاء. ~~الأول: # باب الأدب 1 - (عن أبي هرير رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # حق المسلم رواه مسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك ~~فأجبه وإذا استنصحك فانصحه، وإذا عطس فحمد الله فشمته) بالسين المهملة ~~والشين (وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه. رواه مسلم). وفي رواية له خمس ~~أسقط مما عده هنا وإذا استنصحك فانصحه. والحديث دليل على أن هذه حقوق ~~المسلم على المسلم، والمراد بالحق ما لا ينبغي تركه، ويكون فعله إما واجبا ~~أو مندوبا ندبا مؤكدا شبيها بالواجب الذي لا ينبغي تركه، ويكون استعماله في ~~المعنيين من باب استعمال المشترك في معنييه، فإن الحق يستعمل في معنى ~~الواجب، كذا ذكره ابن الاعرابي. فالأولى من الست: السلام عليه عند ملاقاته ~~لقوله: إذ لقيته فسلم عليه. والامر دليل على وجوب الابتداء بالسلام، إلا ~~أنه نقل ابن عبد البر وغيره أن الابتداء بالسلام سنة وأن رده فرض وفي صحيح ~~مسلم مرفوعا الامر بإفشاء السلام. وأنه سبب للتحاب، وفي الصحيحين: إن أفضل ~~الأعمال إطعام الطعام وتقرأ السلام على من عرفت وعلى من لم تعرف قال عمار: # ثلاث من جمعهن فقد جمع الايمان: إنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، ~~والانفاق من الاقتار. ويا لها من كلمات ما أجمعها للخير. والسلام: اسم من ~~أسماء الله تعالى فقوله السلام عليك أي أنتم في حفظ الله. كما يقال: الله ~~معك، والله يصحبك، وقيل السلام بمعنى السلامة أي سلامة الله ملازمة لك. ~~وأقل السلام أن يقول: السلام عليكم، وإن كان ms1248 المسلم عليه واحدا يتناوله ~~وملائكته، وأكمل منه أن يزيد: ورحمة الله وبركاته، ويجزيه السلام عليك ~~وسلام عليك بالافراد والتنكير، فإن كان المسلم عليه واحدا وجب الرد عليه ~~عينا، وإن كان المسلم عليهم جماعة، فالرد فرض كفاية في حقهم، ويأتي قريبا ~~حديث PageV04P148 # يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجماعة أن يرد أحدهم ~~وهذا هو سنة الكفاية، ويشترط كون الرد على الفور، وعلى الغائب في ورقة أو ~~رسول. # ويأتي حديث أنه يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على ~~الكثير. # ويؤخذ من مفهوم قوله: حق المسلم على المسلم أنه ليس للذمي حق في رد ~~السلام وما ذكر معه، ويأتي حديث لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام ويأتي ~~فيه الكلام. وقوله إذا لقيته يدل أنه لا يسلم عليه إذا فارقه، لكنه قد ثبت ~~حديث إذا قعد أحدكم فليسلم وإذا قام فليسلم وليست الأولى بأحق من الآخرة ~~فلا يعتبر مفهوم إذا لقيته. ثم المراد يلقيه وإن لم يطل بينهما الافتراق ~~لحديث أبي داود، إذا لقي أحدكم صاحبه فليسلم عليه فإن حال بينهما شجرة أو ~~جدار ثم لقيه فليسلم عليه وقال أنس: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يتماشون فإذا لقيتهم شجرة أو أكمة تفرقوا يمينا وشمالا فإذا التقوا من ~~ورائها يسلم بعضهم على بعض. والثانية: إذا دعاك فأجبه ظاهره: عموم حقية ~~الإجابة في كل دعوة يدعوه لها، وخصها العلماء بإجابة دعوة الوليمة ونحوها، ~~والأولى أن يقال إنها في دعوة الوليمة واجبة وفيما عداها مندوبة، لثبوت ~~الوعيد على من لم يجب في الأولى دون الثانية. والثالثة قوله: إذا استنصحك ~~أي طلب منك النصيحة فانصحه دليل على وجوب نصيحة من يستنصح، وعدم الغش له، ~~وظاهره: أنه لا يجب نصحه إلا عند طلبها، والنصح بغير طلب مندوب، لأنه من ~~الدلالة على الخير والمعروف. الرابعة قوله: وإذا عطس فحمد الله فشمته ~~بالسين المهملة والشين المعجمة. قال ثعلب: يقال شمت العاطس وسمته إذا دعو ت ~~له بالهدى، حسن السمت المستقيم قال: والأصل فيه ms1249 السين المهملة فقلبت شيئا ~~معجمة. فيه دليل على وجوب التشميت للعاطس الحامد. وأما الحمد على العاطس ~~فما في الحديث دليل على وجوبه، وقال النووي: إنه متفق على استحبابه. وقد ~~جاء كيفية الحمد وكيفية التشميت وكيف جواب العاطس فيما أخرجه البخاري من ~~حديث أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله ~~وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله وليقل هو: يهديكم الله ويصلح بالكم ~~وأخرجه أيضا أبو داود وغيره بإسناد صحيح وفيه زيادة من حديث أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله على كل ~~حال وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله ويقول هو: يهديكم الله ويصلح بالكم ~~أي شأنكم وإلى هذا الجواب ذهب الجمهور. # وذهب الكوفيون إلى أنه يقول: يغفر الله لنا ولكم، (و) استدلوا بأنه أخرجه ~~الطبراني عن ابن مسعود، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد، وقيل: يتخير أي ~~اللفظين، وقيل: يجمع بينهما. وإلى وجوب التشميت لمن ذكر ذهبت الظاهرية وابن ~~العربي، وأنه يجب على كل سامع ويدل له ما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة: ~~إذا عطس أحدكم وحمد الله كان حقا على كل مسلم يسمعه أن يقول: يرحمك الله. ~~وكأنه مذهب أبي داود صاحب السنن فإنه أخر عنه ابن عبد البر بسند جيد أنه ~~كان في سفينة فسمع عاطسا، على الشط PageV04P149 # فاكترى قاربا بدرهم حتى جاء إلى العاطس فشمته ثم رجع، فسئل عن ذلك فقال: # لعله يكون مجاب الدعوة، فلما رقدوا سمعوا قائلا يقول لأهل السفينة: إن ~~أبا داود اشترى الجنة من الله بدرهم انتهى. ويحتمل أنه إنما أراد طلب ~~الدعوة كما قاله ولم يكن يراه واجبا. قال النووي: ويستحب لمن حضر من عطس ~~فلم يحمد أن يذكره الحمد فيشمته وهو من باب النصح والامر بالمعروف. ومن ~~آداب العاطس على ما أخرجه الحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة مرفوعا: إذا ~~عطس أحدكم فليضع كفيه على وجهه وليخفض بها صوته، وأن يزيد بعد الحمد لله ms1250 ~~كلمة رب العالمين، فإنه أخرج الطبراني من حديث ابن عباس إذا عطس أحدكم ~~فقال: الحمد الله، قالت الملائكة: رب العالمين فإذا قال أحدكم: رب العالمين ~~قالت الملائكة: رحمك الله وفيه ضعف. ويشرع أن يشمته ثلاثا إذا كرر العطاس ~~ولا يزيد عليها لما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة مرفوعا: إذا عطس أحدكم ~~فليشمته جليسه فإن زاد على ثلاث فهو مزكوم ولا يشمت بعد ثلاث. قال ابن أبي ~~جمرة: في الحديث دليل على عظم نعمة الله على العاطس، يؤخذ ذلك مما رتب عليه ~~من الخير، وفيه إشارة إلى عظمة فضل الله على عبده فإنه أذهب عنه الضرر ~~بنعمة العطاس، ثم شرع له الحمد الذي يثاب عليه ثم الدعاء بالخير لمن شمته ~~بعد الدعاء منه له بالخير، ولما كان العاطس قد حصل له بالعطاس نعمة ومنفعة ~~بخروج الأبخرة المحتقنة في دماغه التي لو بقيت فيه أحدثت أدواء عسرة شرع له ~~حمد الله على هذه النعمة مع بقاء أعضائه على هيئتها والتئامها بعد هذه ~~الزلزلة التي هي للبدن كزلزلة الأرض لها. ومفهوم الحديث أنه لا يشمت غير ~~المسلم كما عرفت، وقد أخرج أبو داود والترمذي وغيرهما بأسانيد صحيحة من ~~حديث أبي موسى قال: كان اليهود يتعاطسون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يرجون أن يقول لهم يرحمكم الله، فيقول: يهديكم الله ويصلح بالكم. ففيه دليل ~~أنه يقال لهم ذلك، ولكن إذا حمدوا. # الخامسة قوله: وإذا مرض فعده ففيه دليل على وجوب عيادة المسلم للمسلم، ~~وجزم البخاري بوجوبها، قيل: يحتمل أنها فرض كفاية، وذهب الجمهور إلى أنها ~~مندوبة. # ونقل النووي الاجماع على عدم الوجوب قال المصنف: يعني على الأعيان وإذا ~~كان حقا للمسلم على المسلم فسواء فيه من يعرفه ومن لا يعرفه. وسواء فيه ~~القريب وغيره، وهو عام لكل مرض. وقد استثني منه الرمد، ولكنه قد أخرج أبو ~~داود من حديث زيد بن أرقم قال: عادني رسول الله (ص) من وجع بعيني وصححه ~~الحاكم وأخرجه البخاري في الأدب المفرد، وظاهر العبارة ولو في ms1251 أول المرض، ~~إلا أنه قد أخرج ابن ماجة من حديث أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~يعود إلا بعد الثلاث وفيه PageV04P150 # راو متروك. ومفهومه كما عرفت دال على أنه لا يعاد الذمي، إلا أنه قد ثبت ~~أنه صلى الله عليه وسلم عاد خادمه الذمي وأسلم ببركة عيادته، وكذلك زار عمه ~~أبا طالب في مرض موته وعرض عليه كلمة الاسلام. السادسة قوله: وإذا مات ~~فاتبعه دليل على وجوب تشييع جنازة المسلم معروفا كان أو غير معرو ف. # 2 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم) وقوله: (فهو ~~أجدر) بالجيم والدال المهملة فراء أحق (أن لا تزدروا) تحتقروا (نعمة الله ~~عليكم) علة للامر والنهي معا (متفق عليه). الحديث إرشاد للعبد إلى ما يشكر ~~به النعمة. والمراد بمن هو أسفل من الناظر في الدنيا فينظر إلى المبتلى ~~بالأسقام وينتقل منه إلى ما فضل به عليه من العافية التي هي أصل كل إنعام، ~~وينظر إلى من في خلقه نقص من عمى أو صمم أو بكم، وينتقل إلى ما هو فيه من ~~السلامة عن تلك العاهات التي تجلب الهم والغم. وينظر إلى من ابتلي بالدنيا ~~وجمعها والامتناع عما يجب عليه فيها من الحقوق ويعلم أنه فضل بالاقلال ~~وأنعم عليه بقلة تبعة الأموال في الحال والمال، وينظر إلى من ابتلي بالفقر ~~المدقع أو الدين المفظع ويعلم ما صار إليه من السلامة من الامرين وتقر بما ~~أعطاه ربه العين، وما من مبتلى في الدنيا بخير أو شر إلا ويجد من هو أعظم ~~منه بلية فيتسلى به ويشكر ما هو فيه مما يرى غيره ابتلي به. وينظر من هو ~~فوقه في الدين، فيعلم أنه من المفرطين، فبالنظر الأول يشكر مالله عليه من ~~النعم، وبالنظر الثاني يستحي من مولاه ويقرع باب المتاب بأنامل الندم فهو ~~بالأول مسرور بنعمة الله، وفي الثاني منكسر النفس حياء من مولاه. وقد أخرج ~~مسلم من حديث ms1252 أبي هريرة مرفوعا: إذا نظر أحدكم إلى ما فضل عليه في المال ~~والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه. # 3 - (وعن النواس) بفتح النون وتشديد الواو وسين مهملة (ابن سمعان رضي ~~الله عنه) بفتح السين المهملة وكسرها وبالعين المهملة. ورد سمعان الكلابي ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجه ابنته وهي التي تعوذت من النبي (ص) ~~- سكن النواس الشام، وهو معدود منهم وفي صحيح مسلم نسبته إلى الأنصار. قال ~~المازري والقاضي عياض: والمشهور أنه كلابي ولعله حليف الأنصار (قال: سألت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والاثم فقال: البر حسن الخلق، والاثم ~~ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس. أخرجه مسلم). قال النووي: قال ~~العلماء: البر يكون بمعنى الصلة وبمعنى الصدقة وبمعنى اللطف والمبرة وحسن ~~الصحبة والعشرة وبمعنى الطاعة، وهذه الأمور هي مجامع حسن الخلق. وقال ~~القاضي عياض: حسن الخلق مخالقة الناس بالجميل والبشر والتودد لهم والاشفاق ~~عليهم واحتمالهم والحمل عنهم والصبر عليهم في المكاره وترك الكبر ~~والاستطالة عليهم ومجانبة الغلظة والغضب والمؤاخذة. وحكى فيه خلافا هل هو ~~غريزة أو مكتسب؟ PageV04P151 # قال: والصحيح أن منه ما هو غريزة ومنه ما هو مكتسب بالتخلق والاقتداء ~~بغيره. وقال الشريف في التعريفات: قيل حسن الخلق هيئة راسخة تصدر عنها ~~الأفعال المحمودة بسهولة وتيسر من غير حاجة إلى إعمال فكر وروية. انتهى. ~~قيل: ويجمع حسن الخلق قوله صلى الله عليه وسلم: طلاقة الوجه وكف الأذى ~~وبذلك المعروف حسن الخلق. وقوله: والاثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه ~~الناس أي تحرك الخاطر في صدرك وترددت هل تفعله لكونه لا لوم فيه أو تتركه ~~خشية اللوم عليه من الله سبحانه وتعالى ومن الناس لو فعلته فلم ينشرح به ~~الصدر ولا حصلت الطمأنينة بفعله خوف كونه ذنبا. ويفهم منه أنه ينبغي ترك ما ~~تردد في إباحته. وفي معناه حديث دع ما يريبك إلى ما لا يريبك: أخرجه ~~البخاري من حديث الحسن بن علي وفيه دليل على أنه تعالى قد جعل ms1253 للنفس إدراكا ~~لما لا يحل فعله وزاجرا عن فعله. # 4 - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إذا كنتم ثلاثة ~~فلا يتناجى اثنان) المناجاة المشاورة والمسارة (دون الآخر حتى تختلطوا ~~بالناس) وعلله (من أجل أن ذلك يحزنه) من أحزن يحزن مثل أخرج يخرج أو من حزن ~~يحزن بضم الزاي (متفق عليه واللفظ لمسلم). فيه النهي عن تناجي الاثنان إذا ~~كان معهما ثالث، إلا إذا كانوا أكثر من ثلاثة لانتفاء العلة التي نص عليها ~~وهي أنه يحزنه انفراده وإيهام أنه ممن لا يؤهل للسر أو يوهمه أن الخوض من ~~أجله. ودلت العلة على أنهم إذا كانوا أربعة فلا نهي عن انفراد اثنين ~~بالمناجاة لفقد العلة. وظاهره عام لجميع الأحوال في سفر أو حضر، وإليه ذهب ~~ابن عمر ومالك وجماهير العلماء، وادعى بعضهم نسخه ولا دليل عليه. وأما ~~الآيات في سورة المجادلة فهي نهي اليهود عن التناجي كما أخرجه عبد بن حميد ~~وابن المنذر عن مجاهد في قوله تعالى: * (ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى) ~~* قال: اليهود. وأخرج ابن (أبي) حاتم عن مقاتل بن حيان قال: كان بين اليهود ~~وبين النبي صلى الله عليه وسلم موادعة فكانوا إذا مر بهم رجل من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم جلسوا يتناجون بينهم حتى يظن المؤمن أنهم يتناجون ~~بقتله، أو بما يكره المؤمن فإذا رأى المؤمن ذلك خشيهم فترك طريقه عليهم ~~فنهاهم النبي (ص) عن النجوى فلم ينتهوا فأنزل الله: * (ألم تر إلى الذين ~~نهوا عن النجوى) *. # 5 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): # لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا متفق ~~عليه. وفي لفظ لمسلم لا يقيمن صيغة النهي مؤكدا لفظ الخبر في هذا الحديث ~~الذي أتى به المصنف في معنى النهي. وظاهره التحريم، فمن سبق إلى موضع مباح ~~من مسجد أو غيره لصلاة أو غيرها من الطاعات فهو أحق به، ويحرم على غيره أن ~~يقيمه منه، ms1254 إلا أنه قد أفاد حديث من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به ~~أخرجه مسلم أنه إذا PageV04P152 # كان قد سبق فيه حق لاحد بقعوده فيه من مصل أو غيره ثم فارقه لأي حاجة ثم ~~عاد وقد قعد فيه أحد أن له أن يقيمه منه. وإلى هذا ذهب الهادوية والشافعية ~~وقالوا: لا فرق في المسجد بين أن يقوم ويترك فيه سجادة أو نحوها أو لا، ~~فإنه أحق به، قالوا: وإنما يكون أحق به في تلك الصلاة وحدها دون غيرها. ~~والحديث يشمل من قعد في موضع مخصوص لتجارة أو حرفة أو غيرهما، قالوا: وكذلك ~~من اعتاد في المسجد محلا يدرس فيه فهو أحق به، قال المهدي: # إلى العشي. وقال الغزالي: إلى الأبد ما لم يضرب (عنه). وأما إذا قام ~~القاعد من محله لغيره فظاهر الحديث جوازه، وروي عن ابن عمر أنه إذا قام له ~~الرجل من مجلسه لا يقعد فيه، وحمل على أنه تركه تورعا لجواز أنه قام له ~~حياء من غير طيبة نفس. # 6 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # إذا أكل أحدكم طعاما فلا يمسح يده حتى يلعقها) بنفسه (أو يلعقها) غيره. ~~الأول بفتح حرف المضارعة من لعق، والثاني بضمه من ألعق (متفق عليه). ~~والحديث دليل على عدم تعيين غسل اليد من الطعام وأنه يجزئ مسحها، وفيه دليل ~~على أنه يجب لعق اليد أو العاقها الغير وعلله في الحديث بأنه لا يدري في أي ~~طعامه البركة، كما أخرجه مسلم أنه (ص) أمر بلعق الأصابع والصحفة، وقال: ~~إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة وكذلك أمر صلى الله عليه وسلم بالتقاط ~~اللقمة ومسحها وأكلها، كما في رواية لمسلم أيضا بلفظ إذا وقعت لقمة أحدكم ~~فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان. وهذه الأمور من اللعق ~~والالعاق ولعق الصحفة وأكل ما يسقط، ظاهر الأوامر وجوبها. وإلى هذا ذهب أبو ~~محمد ابن حزم وقال: إنها فرض. والبركة: هي النماء والزيادة ms1255 وثبوت الخير، ~~والمراد هنا: ما يحصل به التغدية وتسلم عاقبته من أذى ويقوي على طاعة الله ~~وغير ذلك. وهذه البركة قد تكون في لعق يده أو لعق الصحفة أو أكل ما يسقط من ~~لقمة، وإن كان علل أكل الساقط بأنه لا يدعها للشيطان. والمراد من قوله: يده ~~هو أصابع يده الثلاث كما ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان يأكل بثلاث أصابع، ~~ولا يزيد الرابعة والخامسة إلا إذا احتاجهما بأن يكون الطعام غير مشتد ~~ونحوه. وقد أخرج سعيد بن منصور: أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل أكل ~~بخمس. وهو مرسل، وفيه دلالة على أنه لا بأس بالعاق الغير أصابعه من زوجة أو ~~خادم وولد وغيرهم، فإن تنجست اللقمة الساقطة فيزيل ما فيها من نجاسة إن ~~أمكن وإلا أطعمها حيوانا ولا يدعها للشيطان، كما ذكره النووي بناء على جواز ~~إطعام المتنجس وعليه إجماع الأمة فعلا خلفا عن سلف وتقدم الكلام في ذلك. ~~PageV04P153 # 7 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: # ليسلم الصغير على الكبير والمار على القاعد والقليل على الكثير. متفق ~~عليه، وفي رواية لمسلم) من رواية أبي هريرة (والراكب على الماشي). بل هو في ~~البخاري، وقال المصنف إنه لم يقع تسليم الصغير على الكبير في صحيح مسلم ~~فيشكل جعل الحديث من المتفق عليه. # وظاهر الامر الوجوب، وقال المازري: إنه للندب، قال: فلو ترك المأمور ~~بالابتداء فبدأ الآخر كان المأمور تاركا للمستحب والآخر فاعلا للسنة. قلت: ~~والأصل في الامر الوجوب وكأنه صرفه عنه الاتفاق على عدم وجوب البداءة ~~بالسلام. والحديث فيه شرعية ابتداء السلام من الصغير على الكبير. قال ابن ~~بطال عن المهلب: وإنما شرع للصغير أن يبتدئ الكبير لأجل حق الكبير، ولأنه ~~أمر بتوقيره والتواضع له، ولو تعارض الصغر المعنوي والحسي كأن يكون الأصغر ~~أعلم مثلا قال المصنف: لم أر فيه نقلا، والذي يظهر اعتبار السن لأن الظاهر ~~تقديم الحقيقة على المجاز. وفيه شرعية ابتداء المار بالسلام للقاعد، قال ~~المازري: # لأنه قد يتوقع ms1256 القاعد منه الشر ولا سيما إذ كان راكبا فإذا ابتدأه ~~بالسلام أمن منه وأنس إليه، أو لان في التصرف في الحاجات امتهانا فصار مزية ~~فأمر المار بالابتداء، أو لان القاعد يشق عليه مراعاة المارين من كثرتهم ~~فسقطت البداءة عنه للمشقة عليه. وفيه شرعية ابتداء القليل بالسلام على ~~الكثير. وذلك لفضيلة الجماعة، لو ابتدأوا لخيف على الواحد الزهو فاحتيط له، ~~فلو مر جمع كثير أو مر الكبير على الصغير قال المصنف: لم أر فيه نصا، ~~واعتبر النووي المرور فقال: الوارد يبدأ سواء كان صغيرا أو كبيرا. وذكر ~~الماوردي: أن من مشى في الشوارع المطروقة كالسوق أنه لا يسلم إلا على ~~البعض، لأنه لو سلم على كل من لقي لتشاغل به عن المهم الذي خرج لأجله وخرج ~~به عن العرف. وفيه شرعية ابتداء الراكب على الماشي، وذلك لان للراكب مزية ~~على الماشي فعوض الماشي بأن يبدأ الراكب بالسلام احتياطا على الراكب من ~~الزهو لو حاز الفضيلتين، وأما إذا تلاقى راكبان أو ماشيان فقد تكلم فيها ~~المازري فقال: يبدأ الأدنى منهما على الأعلى قدرا في الدين إجلالا لفضله، ~~لان فضيلة الدين مرغب فيها في الشرع، وعلى هذا لو التقى راكبان ومركوب ~~أحدهما أعلى في الجنس من مركوب الآخر كالجمل والفرس فيبدأ راكب الفرس، أو ~~يكتفي بالنظر إلى أعلاهما قدرا في الدين فيبدأ الذي هو أدنى الذي هو فوقه، ~~والثاني أظهر كما لا ينظر إلى من يكون أعلاهما قدرا من جهة الدنيا إلا أن ~~يكون سلطانا يخشى منه. وإذا تساوى المتلاقيان من كل جهة فكل منهما مأمور ~~بالابتداء، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام كما ثبت في حديث المتهاجرين، وقد ~~أخرج البخاري في الأدب بسند صحيح من حديث جابر الماشيان إذا اجتمعا فأيهما ~~بدأ بالسلام فهو أفضل وأخرج الطبراني بسند صحيح عن الأغر المزني قال: قال ~~لي أبو بكر: لا يسبقك أحد بالسلام، وأخرج الترمذي من حديث أبي أمامة ~~مرفوعا: إن أولى الناس بالله من بدأ السلام وقال: حسن، والطبراني في حديث ~~قلنا يا رسول الله ms1257 إنا نلتقي فأينا يبدأ بالسلام؟ قال: أطوعكم لله تعالى. ~~PageV04P154 # 8 - (وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): يجزئ عن الجماعة إذا ~~مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن ~~الجماعة أن يرد أحدهم رواه أحمد والبيهقي. فيه يجز تسليم الواحد عن الجماعة ~~ابتداء وردا، قال النووي: يستثنى من عموم ابتداء السلام من كان يأكل أو ~~يشرب أو يجامع أو كان في الخلاء أو في الحمام أو نائما أو ناعسا أو مصليا ~~أو مؤذنا ما دام متلبسا بشئ مما ذكر إلا أن السلام على من كان في الحمام ~~إنما كره إذا لم يكن عليه إزار وإلا فلا كراهة. وأما السلام حال الخطبة في ~~الجمعة فيكره للامر بالانصات، فلو سلم لم يجب الرد عليه عند من قال الانصات ~~واجب، ويجب عند من قال إنه سنة، وعلى الوجهين لا ينبغي أن يرد أكثر من ~~واحد. وأما المشتغل بقراءة القرآن فقال الواحدي: الأولى ترك السلام عليه، ~~فإن سلم كفاه الرد بالإشارة وإن رد لفظا استأنف الاستعاذة وقرأ، قال ~~النووي: وفيه نظر، والظاهر أنه يشرع السلام عليه ويجب عليه الرد. ويندب ~~السلام على من دخل بيتا ليس فيه أحد لقوله تعالى * (فإذا دخلتم بيوتا ~~فسلموا على أنفسكم) *. وأخرج البخاري في الأدب المفرد وابن أبي شيبة بإسناد ~~حسن عن ابن عمر رضي الله عنه: يستحب إذا لم يكن في البيت أحد أن يقول: ~~السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وأخرج الطبراني عن ابن عباس نحوه: ~~فإن ظن المار أنه إذا سلم على القاعد لا يرد عليه فإنه يترك ظنه ويسلم فلعل ~~ظنه يخطئ، فإنه إن لم يرد عليه سلامه ردت عليه الملائكة، كما ورد ذلك، وأما ~~من قال: لا يسلم على من ظن أنه لا يرد عليه لأنه يكون سببا لتأثيم الآخر ~~فهو كلام غير صحيح، لان المأمورات الشرعية لا تترك بمثل هذا، ذكر معناه ~~النووي. وقال ابن دقيق العيد: لا ينبغي أن يسلم عليه لان توريط ms1258 المسلم في ~~المعصية أشد من مصلحة السلام عليه، وامتثال حديث الامر بالافشاء يحصل مع ~~غير هذا، فإن قيل: هل يحسن أن يقول: رد السلام فإنه واجب؟ قيل: نعم فإنه من ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيجب، فإن لم يجب حسن أن يحلله من حق ~~الرد. # 9 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى ~~أضيقه أخرجه مسلم. ذهب الأكثر إلى أنه لا يجوز ابتداء اليهود والنصارى ~~بالسلام. # وهو الذي دل عليه الحديث إذ أصل النهي التحريم، وحكي عن بعض الشافعية أنه ~~يجوز الابتداء لهم بالسلام. ولكن يقتصر على قول: السلام عليكم، وروي ذلك عن ~~ابن عباس PageV04P155 # وغيره، وحكى القاضي عياض عن جماعة جواز ذلك لكن للضرورة والحاجة. وبه قال ~~علقمة والأوزاعي. ومن قال: لا يجوز يقول: إن سلم على ذمي ظنه مسلما ثم بان ~~له أنه يهودي فينبغي أن يقول له: رد علي سلامي. وروي عن ابن عمر أنه فعل ~~ذلك، والغرض منه أن يوحشه ويظهر له أنه ليس بينهما ألفة. وعن مالك: أنه لا ~~يستحب أن يسترده، واختاره ابن العربي فإن ابتدأ الذمي مسلما بالسلام ففي ~~الصحيحين عن أنس مرفوعا إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم وفي صحيح ~~البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا سلم عليكم ~~اليهود إنما يقول أحدهم: السام عليكم فقل: وعليك وإلى هذه الرواية بإثبات ~~الواو ذهب طائفة من العلماء، واختار بعضهم حذف الواو لئلا يقتضي التشريك ~~وقد قدمنا ذلك وما ثبت به النص أولى بالاتباع. وقال الخطابي: عامة المحدثين ~~يروون هذا الحرف وعليكم بالواو، وكان ابن عيينة يرويه بغير الواو، وقال ~~الخطابي: وهذا هو الصواب. قلت: وحيث ثبتت الرواية بالواو وغيرها فالوجهان ~~جائزان. وفي قوله: فقولوا: وعليك وقولوا: وعليكم ما يدل على إيجاب الجواب ~~عليهم في السلام، وإليه ذهب عامة العلماء، ويروى عن آخرين أنه لا يرد ~~عليهم. والحديث يدفع ما قالوه. وفي ms1259 قوله: فاضطروهم إلى أضيقه دليل على وجوب ~~ردهم عن وسط الطرقات إلى أضيقها، وتقدم فيه الكلام. # 10 - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (عن النبي (ص) قال: # إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه: يرحمك الله فإذا قال له ~~يرحمك الله فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم أخرجه البخاري). تقدم فيه ~~الكلام، ولو أتى به المصنف بعد أول حديث في الباب لكان الصواب. # 11 - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: لا يشربن أحد منكم قائما. أخرجه مسلم). وتمامه فمن نسي فليستقئ ~~من القئ، وأخرجه أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة: أنه (ص) رأى رجلا يشرب ~~قائما فقال: مه، قال: لمه؟ أيسرك أن يشرب معك الهر؟ قال: لا. قال: قد شرب ~~معك ما هو شر منه: الشيطان وفيه راو لا يعرف ووثقه يحيى بن معين. والحديث ~~دليل على تحريم الشرب قائما لأنه الأصل في النهي، وإليه ذهب ابن حزم. وذهب ~~الجمهور إلى أنه خلاف الأولى، وآخرون إلى أنه مكروه، كأنهم صرفوه عن ذلك ~~لما في صحيح مسلم من حديث ابن عباس سقيت رسول الله (ص) من زمزم فشرب وهو ~~PageV04P156 # قائم وفي صحيح البخاري أن عليا عليه السلام شرب قائما، وقال: رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فعل كما رأيتموني فعلت فيكون فعله (ص) بيانا لكون ~~النهي ليس للتحريم. وأما قوله: فليستقئ فإنه نقل العلماء على أنه ليس على ~~من شرب قائما أن يستقئ، وكأنهم حملوا الامر أيضا على الندب. # 12 - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين وإذا نزع) أي نعله (فليبدأ ~~بالشمال ولتكن اليمنى أولهما تنعل وآخرهما تنزع. أخرجه مسلم) إلى قوله: # بالشمال، وأخرج باقيه مالك والترمذي وأبو داود. ظاهر الامر الوجوب، ولكنه ~~ادعى القاضي عياض الاجماع على أنه للاستحباب. قال ابن العربي: البداءة ~~باليمين مشروعة في جميع الأعمال الصالحة، لفضل ms1260 اليمين حسا في القوة، وشرعا ~~في الندب إلى تقديمها. قال الحليمي إنما يبدأ بالشمال عند الخلع لان اللبس ~~كرامة، لأنه وقاية للبدن، فلما كانت اليمين أكرم من اليسرى بدأ بها في ~~اللبس وأخرت في النزع لتكون الكرام لها أدوم وحصتها منها أكثر. وقال ابن ~~عبد البر: من بدأ في الانتعال باليسرى أساء لمخالفة السنة. ولكن لا يحرم ~~عليه لبس نعليه. وقال غيره: ينبغي أن تنزع النعل من اليسرى ويبدأ باليمين، ~~ولعل ابن عبد البر يريد أنه لا يشرع له الخلع. إذا بدأ باليسرى ثم يستأنف ~~لبسهما على الترتيب المشروع لأنه قد فات محله. وهذا الحديث لا يدل على ~~استحباب الانتعال. لأنه قال: إذا انتعل أحدكم ولكنه يدل عليه ما أخرجه ~~مسلم. استكثروا من النعال فإن الرجل لا يزال راكبا ما انتعل أي يشبه الراكب ~~في خفة المشقة وقلة النصب وسلامة الرجل من أذى الطريق، فإن الامر إذا لم ~~يحمل على الايجاب فهو للاستحباب. # 13 - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: لا يمش أحدكم في نعل واحدة ولينعلهما) بضم حرف المضارعة من أنعل ~~كما ضبطه النووي وضمير التثنية للرجلين وإن لم يجر لهما ذكر فإنه قد ذكر ما ~~يدل عليهما من النعل (جميعا أو ليخلعهما) أي النعلين، وفي رواية للبخاري أو ~~ليحفهما جميعا وهو للقدمين (جميعا. متفق عليه). ظاهر النهي عن المشي في نعل ~~واحدة التحريم، وحمله الجمهور على الكراهة، فإنهم جعلوا القرينة حديث ~~الترمذي عن عائشة قالت: ربما انقطع شسع نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فمشى في النعل الواحدة حتى يصلحها إلا أنه رجح البخاري وقفه. وقد ذكر رزين ~~عنها قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتعل قائما ويمشي في نعل ~~واحدة. واختلفوا في علة النهي، فقال قوم: علته أن النعال شرعت لوقاية الرجل ~~عما يكون في الأرض من شوك ونحوه، فإذا انفردت إحدى الرجلين احتاج الماشي أن ~~يتوقى لاحدى رجليه ما لا يتوقى للأخرى، فيخرج ms1261 لذلك عن سجية مشيته، ولا يؤمن ~~مع ذلك العثار، وقيل: إنها مشية الشيطان، وقال البيهقي: لما في ذلك من ~~الشهر PageV04P157 # في الملابس. وقد ورد في رواية لمسلم: إذا انقطع شسع أحدكم فلا يمشي في ~~نعل واحدة حتى يصلحها وتقدم ما يعارضه من حديث عائشة فيحمل على الندب. وقد ~~ألحق بالنعلين كل لباس شفع كالخفين. وقد أخرج ابن ماجة من حديث أبي هريرة: ~~لا يمشي أحدكم في نعل واحدة ولا خف واحدة وهو عند مسلم من حديث جابر، وعند ~~أحمد من حديث أبي سعيد، وعند الطبراني من حديث ابن عباس. وقال الخطابي: ~~وكذا اخراج اليد الواحدة من الكم دون الأخرى والارتداء على أحد المنكبين ~~دون الآخر. قلت: ولا يخفى أن هذا من باب القياس ولم تعلم العلة حتى يلحق ~~بالأصل، فالأولى الاقتصار على محل النص. # 134 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): # لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلا متفق عليه. بضم الخاء المعجمة والمد: ~~البطر والكبر فسر نفي نظر الله بنظر رحمته إليه أي لا يرحم الله من جر ثوبه ~~خيلاء سواء كان من النساء أو الرجال. وقد فهمت ذلك أم سلمة فقالت عند ~~سماعها الحديث منه صلى الله عليه وسلم: فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ فقال صلى ~~الله عليه وسلم: يزدن فيه شبرا قالت: إذا تنكشف أقدامهن قال: فيرخينه ذراعا ~~لا يزدن عليه أخرجه النسائي والترمذي، والمراد بالذراع ذراع اليد وهو شبران ~~باليد المعتدلة، والمراد جر الثوب على الأرض وهو الذي يدل له حديث البخاري ~~ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار وتقييد الحديث بالخيلاء دال بمفهومه ~~أنه لا يكون من جره غير خيلاء داخلا في الوعيد وقد صرح به ما أخرج البخاري ~~وأبو داود والنسائي أنه قال أبو بكر رضي الله عنه لما سمع هذا الحديث: إن ~~إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده، فقال له صلى الله عليه وسلم: إنك لست ممن ~~يفعله خيلاء وهو دليل على اعتبار المفاهيم من هذا النوع. وقال ms1262 ابن عبد ~~البر: إن جره لغير الخيلاء مذموم وقال النووي: إنه مكروه وهذا نص الشافعي. ~~وقد صرحت السنة أن أحسن الحالات أن يكون إلى نصف الساق كما أخرجه الترمذي ~~والنسائي عن عبيد بن خالد قال: كنت أمشي وعلي برد أجره فقال لي رجل: ارفع ~~ثوبك فإنه أبقى وأنقى فنظرت فإذا هو النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إنما ~~هي بردة ملحاء فقال: مالك في أسوة؟ قال: فنظرت فإذا إزاره إلى نصف ساقيه ~~وأما ما هو دون ذلك فإنه لا حرج على فاعله إلى الكعبين، وما دون الكعبين ~~فهو حرام إن كان للخيلاء، وإن كان لغيرها فقال النووي وغيره: إنه مكروه وقد ~~يتجه أن يقال: إن كان الثوب على قدر لابسه لكنه يسدله فإن كان لا عن قصد ~~كالذي وقع لأبي بكر فهو غير داخل في الوعيد، وإن كان الثوب زائدا على قدر ~~لابسه فهو ممنوع من جهة الاسراف، محرم لأجله ولأجل التشبه بالنساء، ولأجل ~~أنه لا يأمن أن تتعلق به النجاسة. وقال ابن العربي: لا يجوز للرجل أن يجاوز ~~بثوبه كعبه فيقول: لا أجره خيلاء لان النهي قد تناوله لفظا، ولا يجوز لمن ~~يتناوله اللفظ أن يخالفه إذ صار حكمه أن يقول لا أمتثله لان تلك العلة ليست ~~في، فإنها دعوى غير مسلمة بل إطالة ذيله دالة على تكبره ا ه‍. وحاصله: أن ~~الاسبال يستلزم جر الثوب، وجر الثوب يستلزم الخيلاء ولو لم يقصده اللابس، ~~وقد أخرج ابن منيع PageV04P158 # عن ابن عمر في أثناء حديث رفعه إياك وجر الإزار فإن جر الإزار من المخيلة ~~وقد أخرج الطبراني من حديث أبي أمامة وفيه قصة لعمرو بن زرارة الأنصاري إن ~~الله لا يحب المسبل والقصة أن أبا أمامة قال: بينما نحن مع رسول الله (ص) ~~إذ لحقنا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة: إزار ورداء، وقد أسبل فجعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يأخذ بناحية ثوبه ويتواضع لله ويقول: عبدك وابن ~~عبدك وأمتك، حتى سمعها عمرو فقال: يا رسول الله إني ms1263 حمش الساقين فقال: يا ~~عمرو إن الله قد أحسن كل شئ خلقه إن الله لا يحب المسبل وأخرجه الطبري عن ~~عمرو بن زرارة وفيه: وضرب رسول الله (ص) أربع أصابع تحت ركبة عمرو وقال: يا ~~عمرو هذا موضع الإزار ثم ضرب بأربع أصابع تحت الأربع ثم قال: يا عمرو وهذا ~~موضع الإزار الحديث ورجاله ثقات. وحكم غير الثوب والإزار حكمهما، وكذلك لما ~~سأل شعبة محارب بن دثار قال شعبة: أذكر الإزار قال: ما خص إزارا ولا قميصا. ~~ومقصوده أن التعبير بالثوب يشمل الإزار وغيره، وأخرج أهل السنن إلا الترمذي ~~عن ابن عمر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم " الاسبال في الإزار ~~والقميص والعمامة. من جر منها شيئا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ~~وإن كان في إسناده عبد العزيز بن أبي رواد وفيه مقال. قال ابن بطال: وإسبال ~~العمامة المراد به إرسال العذبة زائدا على ما جرت به العادة. وأخرج النسائي ~~من حديث عمرو بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخى طرف عمامته بين ~~كتفيه. وكذا تطويل أكمام القميص زيادة على المعتاد كما يفعله بعض أهل ~~الحجاز إسبال محرم. وقد نقل القاضي عياض عن العلماء كراهة كل ما زاد على ~~العادة وعلى المعتاد في اللباس من الطول والسعة. قلت: وينبغي أن يراد في ~~المعتاد ما كان في عصر النبوة. # 15 - (وعنه) أي عن ابن عمر رضي الله عنه (أن رسول الله (ص) قال: # إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل ~~بشماله ويشرب بشماله أخرجه مسلم). الحديث دليل على تحريم الأكل والشرب ~~بالشمال، فإنه علله بأنه فعل الشيطان وخلقه، والمسلم مأمور بتجنب طريق أهل ~~الفسق فضلا عن الشيطان. وذهب الجمهور إلى أنه يستحب الأكل باليمين والشرب ~~بها لا أنه بالشمال محرم وقد زاد نافع: الاخذ والاعطاء. # 16 - (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: كل واشرب والبس وتصدق في غير سرف ولا ms1264 مخيلة) بالخاء المعجمة ومثناة ~~تحتية وزن عظيمة: التكبر (أخرجه أبو داود وأحمد وعلقه البخاري). دل على ~~تحريم الاسراف في المأكل والمشرب والملبس والتصدق. وحقيقة الاسراف مجاوزة ~~الحد في كل فعل أو قول وهو في الانفاق أشهر، والحديث مأخوذ من قوله تعالى: ~~* (كلوا واشربوا ولا تسرفوا) * وفيه تحريم الخيلاء والكبر. قال عبد اللطيف ~~البغدادي: هذا الحديث جامع لفضائل تدبير PageV04P159 # الانسان نفسه. وفيه تدبير مصالح النفس والجسد في الدنيا والآخرة، فإن ~~السرف في كل شئ مضر بالجسد ومضر بالمعيشة، ويؤدي إلى الاتلاف، فيضر بالنفس ~~إذ كانت تابعة للجسد في أكثر الأحوال، والمخيلة تضر بالنفس حيث تكسبها ~~العجب، وتضر بالآخرة حيث تكسب الاثم، وبالدنيا حيث تكسب المقت من الناس. ~~وقد علق البخاري عن ابن عباس كل ما شئت واشرب ما شئت ما أخطأتك اثنتان: سرف ~~ومخيلة. # باب البر والصلة البر بكسر الموحدة: هو التوسع في فعل الخير. والبر ~~بفتحها التوسع في الخيرات وهو من صفات الله تعالى. والصلة: بكسر الصاد ~~المهملة مصدر وصله كوعده، في النهاية تكرر في الحديث ذكر صلة الأرحام وهي ~~كناية عن الاحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار والتعطف عليهم والرفق ~~بهم والرعاية لأحوالهم، وكذلك إن تعدوا وأساءوا، وضد ذلك قطيعة الرحم. ا ~~ه‍. # 1 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من أحب أن ~~يبسط) مغير صيغته: أي يبسط الله (له في رزقه) أي يوسع له فيه (وأن ينسأ له) ~~مثله في ضبطه. بالسين المهملة مخففة أي يؤخر له (في أثره) بفتح الهمزة ~~والمثلثة فراء أي أجله (فليصل رحمه أخرجه البخاري). وأخرج الترمذي عن أبي ~~هريرة أن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الاجل وأخرج ~~أحمد عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا صلة الرحم وحسن الجوار يعمران الديار ~~ويزيدان في الأعمار وأخرج أبو يعلى من حديث أنس مرفوعا إن الصدقة وصلة ~~الرحم يزيد الله بهما في العمر ويدفع بهما ميتة السوء وفي سنده ضعف. قال ~~ابن التين: ظاهر الحديث أي ms1265 حديث البخاري معارض لقوله تعالى: * (فإذا جاء ~~أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) * قال: والجمع بينهما من وجهين. ~~أحدهما: أن الزيادة كناية عن البركة في العمر بسبب التوفيق إلى الطاعة ~~وعمارة وقته بما ينفعه في الآخرة، وصيانته عن تضييعه في غير ذلك، ومثل هذا ~~ما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم تقاصر أعمار أمته بالنسبة إلى أعمار من ~~مضى من الأمم فأعطاه الله ليلة القدر. وحاصله أن صلة الرحم تكون سببا ~~للتوفيق للطاعة والصيانة عن المعصية فيبقى بعده الذكر الجميل فكأنه لم يمت. ~~ومن جملة ما يحصل له من التوفيق العلم الذي ينتفع به من بعده بتأليف ونحوه، ~~والصدقة الجارية عليه، والخلف الصالح. وثانيهما أن الزيادة على حقيقتها ~~وذلك بالنسبة إلى علم الملك الموكل بالعمر، والذي في الآية بالنسبة إلى علم ~~الله كأن يقال للملك مثلا: إن عمر فلان مائة إن وصل رحمه وإن قطعها فستون ~~وقود سبق في علمه أنه يصل أو يقطع، فالذي في علم الله لا يتقدم ولا يتأخر ~~والذي في علم الملك هو الذي يمكن فيه الزيادة والنقص، وإليه الإشارة بقوله ~~تعالى: * (يمحو الله PageV04P160 # ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) * والمحو والاثبات بالنسبة إلى ما في علم ~~الملك وما في أم الكتاب. والوجه الأول أليق فان الأثر ما يتبع الشئ فإذا ~~أخر حسن أن يحمل على الذكر الحسن بعد فقد المذكور ورجحه الطيبي وأشار إليه ~~في الفائق. ويؤيده ما أخرجه الطبراني في الصغير بسند ضعيف عن أبي الدرداء ~~قال " ذكر عن رسول الله صلى عليه وسلم من وصل رحمه أنسئ له في أجله؟ فقال: ~~إنه ليس زيادة في عمره قال تعالى - فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون - ولكن الرجل تكون له الذرية الصالحة يدعون له من بعده وأخرجه في ~~الكبير مرفوعا من طريق أخرى. وجزم ابن فورك بأن المراد بزيادة العمر نفي ~~الآفات عن صاحب البر في فهمه وعقله، قال غيره: في أعم من ذلك وفي علمه ~~ورزقه. ولابن القيم في كتاب الداء ms1266 والدواء كلام يقضي بأن مدة حياة العبد ~~وعمره هي مهما كان قلبه مقبلا على الله ذاكرا له مطيعا غير عاص فهذه هي ~~عمره. # ومتى أعرض القلب عن الله تعالى واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه أيام حياة ~~عمره، فعلى هذا معنى أنه ينسأ له في أجله أي يعمر الله قلبه بذكره وأوقاته ~~بطاعته، ويأتي تحقيق صلة الرحم في شرح قوله: # 2 - (وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): لا يدخل ~~الجنة قاطع يعني قاطع رحم. متفق عليه. وأخرج أبو داود من حديث أبي بكرة ~~يرفعه ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما ادخر ~~الله له في الآخرة من قطيعة الرحم وأخرج البخاري في الأدب المفرد من حديث ~~أبي هريرة يرفعه إن أعمال أمتي تعرض عشية الخميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل ~~قاطع رحم وأخرج فيه من حديث ابن أبي أوفى إن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم ~~قاطع رحم وأخرج الطبراني من حديث ابن مسعود إن أبواب السماء مغلقة دون قاطع ~~الرحم. واعلم أنه اختلف العلماء في حد الرحم التي تجب صلتها، فقيل: هي التي ~~يحرم النكاح بينهما بحيث لو كان أحدهما ذكرا حرم على الآخر. فعلى هذا لا ~~يدخل أولاد الأعمام ولا أولاد الأخوال. # واحتج هذا القائل بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها في النكاح لما ~~يؤدي إليه من التقاطع وقيل: هو من كان متصلا بميراث. ويدل عليه قوله صلى ~~الله عليه وسلم: ثم أدناك أدناك " وقيل: من كان بينه وبين الآخر قرابة سواء ~~كان يرثه أولا. ثم صلة الرحم كما قال القاضي عياض: درجات بعضها أفضل من ~~بعض، وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام ولو بالسلام ويختلف ذلك باختلاف ~~القدرة والحاجة، فمنها واجب، ومنها مستحب، فلو وصل بعض الصلة ولم يصل ~~غايتها لم يسم قاطعا، ولو قصر عما يقدر عليه وينبغي له لم يسم واصلا. وقال ~~القرطبي: الرحم التي توصل عامة وخاصة، فالعامة رحم الدين، وتجب صلتها ~~بالتوادد PageV04P161 # والتناصح والعدل ms1267 والانصاف والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة. والرحم ~~الخاصة: تزيد بالنفقة على القريب وتفقد حاله والتغافل عن زلته. وقال ابن ~~أبي جمرة: المعنى الجامع إيصال ما أمكن من الخير ودفع ما أمكن من الشر بحسب ~~الطاقة، وهذا في حق المؤمنين. وأما الكفار والفساق فتجب المقاطعة لهم إذا ~~لم تنفع الموعظة. واختلف العلماء أيضا بأي شئ تحصل القطيعة للرحم، فقال ~~الزين العراقي: تكون بالإساءة إلى الرحم، وقال غيره: تكون بترك الاحسان، ~~لان الأحاديث آمرة بالصلة ناهية عن القطيعة فلا واسطة بينهما، والصلة نوع ~~من الاحسان كما فسرها بذلك غير واحد، والقطيعة ضدها وهي ترك الاحسان. وأما ~~ما أخرجه الترمذي من قوله صلى الله عليه وسلم: ليس الواصل بالمكافئ ولكن ~~الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها فإنه ظاهر في أن الصلة إنما هي ما كان ~~للقاطع صلة رحمه. وهذا على رواية قطعت بالبناء للفاعل وهي رواية، فقال ابن ~~العربي في شرحه: المراد الكاملة في الصلة. # وقال الطيبي: معناه ليس حقيقة الواصل ومن يعتد بصلته من يكافئ صاحبه بمثل ~~فعله ولكنه من يتفضل على صاحبه. وقال المصنف: لا يلزم من نفي الوصل ثبوت ~~القطع فهم ثلاث درجات واصل ومكافئ وقاطع، فالواصل: هو الذي يتفضل ولا يتفضل ~~عليه، والمكافئ هو الذي لا يزيد في الاعطاء على ما يأخذه، والقاطع: الذي لا ~~يتفضل عليه ولا يتفضل. قال الشارح: وبالأولى من يتفضل عليه ولا يتفضل أنه ~~قاطع، قال المصنف: وكما تقع المكافأة بالصلة من الجانبين كذلك تقع ~~بالمقاطعة من الجانبين فمن بدأ فهو القاطع فإن جوزي سمي من جازاه مكافئا. # 3 - (وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: إن الله ~~حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعا وهات، وكره لكم قيل وقال، ~~وكثرة السؤال، وإضاعة المال متفق عليه. الأمهات: جمع أمهة لغة في الأم، ولا ~~تطلق إلا على من يعقل بخلاف أم فإنها نعم، وإنما خصت الأم هنا إظهارا لعظم ~~حقها وإلا فالأب محرم عقوقه. وضابط العقوق المحرم كما نقل خلاصته عن ~~البلقيني ms1268 وهو: أن يحصل من الولد للأبوين أو أحدهما إيذاء ليس بالهين عرفا، ~~فيخرج من هذا ما إذا حصل من الأبوين أمر أو نهي فخالفهما بما لا يعد فالعرف ~~مخالفته عقوقا، فلا يكون ذلك عقوقا، وكذلك لو كان مثلا على أبوين دين للولد ~~أو حق شرعي فرافعه إلى الحاكم فلا يكون ذلك عقوقا، كما وقع من بعض أولاد ~~الصحابة شكاية الأب إلى النبي صلى الله عليه وسلم في احتياجه لماله، فلم ~~يعد النبي صلى الله عليه وسلم شكايته عقوقا: قلت: في هذا تأمل فإن قوله صلى ~~الله عليه وسلم: أنت ومالك لأبيك دليل على نهيه عن منع أبيه عن ماله وعن ~~شكايته. ثم قال صاحب الضابط: فعلى هذا العقوق أن يؤذي الولد أحد أبويه بما ~~لو فعله مع غير أبويه كان محرما من جملة الصغائر، فيكون في حق الأبوين ~~كبيرة، أو مخالفة الامر أو النهي فيما يدخل فيه الخوف على الولد من فوات ~~نفسه أو عضو من أعضائه في غير الجهاد PageV04P162 # الواجب عليه، أو مخالفتهما في سفر يشق عليهما، وليس بفرض على الولد أو في ~~غيبة طويلة فيما ليس لطلب علم نافع أو كسب، أو ترك تعظيم الوالدين فإنه لو ~~قدم عليه أحدهما ولم يقم إليه أو قطب في وجهه فإن هذا وإن لم يكن في حق ~~الغير معصية فهو عقوق في حق الأبوين. قوله ووأد البنات بسكون الهمزة وهو ~~دفن البنات حية وهو محرم، وخص البنات لأنه الواقع من العرب فإنهم كانوا ~~يفعلون ذلك في الجاهلية كراهة لهن. يقال: أول من فعله قيس بن عاصم التيمي، ~~وكان من العرب من يقتل أولاده مطلقا خشية الفاقة والنفقة. وقوله منعا وهات ~~المنع مصدر من منع يمنع والمراد منع ما أمر الله أن لا يمنع، وهات فعل أمر ~~مجزوم والمراد النهي عن طلب ما لا يستحق طلبه. وقوله: وكره لكم قيل وقال ~~يروى بغير تنوين حكاية للفظ الفعل. وروي منونا وهي رواية في البخاري قيلا ~~وقالا، على النقل من الفعلية إلى الاسمية، والأول ms1269 أكثر، والمراد به نقل ~~الكلام الذي يسمعه إلى غيره فيقول: قيل كذا وكذا بغير تعيين القائل، وقال ~~فلان كذا وكذا. وإنما نهي عنه لأنه من الاشتغال بما لا يعني المتكلم لكونه ~~قد يتضمن الغيبة والنميمة والكذب ولا سيما مع الاكثار من ذلك قلما يخلو ~~عنه. وقال المحب الطبري: فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنهما مصدران للقول تقول: ~~قلت قولا وقيلا. وفي الحديث الإشارة إلى كراهة كثرة الكلام، ثانيها: إرادة ~~حكاية أقاويل الناس والبحث عنها لتخبر عنها، فتقول: قال فلان كذا وقيل له ~~كذا. والنهي عنه إما للزجر عن الاستكثار منه وإما لما يكرهه المحكي عنه. ~~ثالثها: أن ذلك في حكاية الاختلاف في أمور الدين كقوله: قال فلان كذا وقال ~~فلان كذا ومحل كراهة ذلك في أن يكثر منه بحيث لا يأمن من الزلل، وهو في حق ~~من ينقل بغير تثبت في نقله لما يسمعه ولا يحتاط له، ويؤيد هذا الحديث ~~الصحيح كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع أخرجه مسلم. قلت: # ويحتمل إرادة كل من الثلاثة. وقوله وكثرة السؤال هو السؤال للمال، أو عن ~~المشكلات من المسائل، أو مجموع الامرين وهو أولى، وتقدم في الزكاة تحريم ~~مسألة المال وقد نهى عن الأغلوطات. أخرجه أبو داود وهي: المسائل التي يغلط ~~بها العلماء ليزلوا فينتج بذلك شر وفتنة. وإنما نهي عنها لكونها غير نافعة ~~في الدين ولا يكاد أن يكون إلا فيما لا ينفع. وقد ثبت عن جمع من السلف ~~كراهة تكلف المسائل التي يستحيل وقوعها عادة أو يندر وقوعها جدا، لما في ~~ذلك من التنطع والقول بالظن الذي لا يخلو صاحبه عن الخطأ. وقيل: كثرة ~~السؤال عن أخبار الناس وأحداث الزمان وكثرة سؤال انسان معين عن تفاصيل حاله ~~وكان مما يكرهه المسؤول. وقوله: وإضاعة المال المتبادر من الإضاعة: ما لم ~~يكن لغرض ديني ولا دنيوي. وقيل: هو الاسراف في الانفاق. وقيده بعضهم ~~بالانفاق في الحرام، ورجح المصنف أنه ما أنفق في غير وجوهه المأذون فيها ~~شرعا سواء كانت دينية أو دنيوية ms1270 لان الله تعالى جعل المال قياما لمصالح ~~العباد وفي التبذير تفويت تلك المصالح إما في حق صاحب المال أو في حق غيره. ~~قال: والحاصل أن في كثرة الانفاق ثلاثة وجوه، الأول: الانفاق في الوجوه ~~المذمومة شرعا ولا شك في تحريمه. الثاني: الانفاق في الوجوه المحمودة شرعا ~~ولا شك في كونه PageV04P163 # مطلوبا ما لم يفوت حقا آخر أهم من ذلك المنفق فيه. والثالث: الانفاق في ~~المباحات وهو منقسم إلى قسمين، أحدهما: أن يكون على وجه يليق بحال المنفق ~~وبقدر ماله فهذا ليس بإضاعة ولا إسراف. والثاني: فيما لا يليق به عرفا فإن ~~كان لدفع مفسدة إما حاضرة أو متوقعة فذلك ليس بإسراف، وإن لم يكن كذلك ~~فالجمهور على أنه إسراف. قال ابن دقيق العيد: ظاهر القرآن أنه إسراف وصرح ~~بذلك القاضي حسين فقال في قسم الصدقات: # هو حرام وتبعه الغزالي وجزم به الرافعي في الكلام على الغارم، وقال ~~الباجي من المالكية: # إنه يحرم استيعاب جميع المال بالصدقة، قال: ويكره كثرة إنفاقه في مصالح ~~الدنيا ولا بأس به إذا وقع نادرا لحادث كضيف أو عيد أو وليمة. والاتفاق على ~~كراهة الانفاق في البناء الزائد على قدر الحاجة ولا سيما إن انضاف إلى ذلك ~~المبالغة في الزخرف، وكذلك احتمال الغبن الفاحش في المبايعات بلا سبب. وقال ~~السبكي في الحلبيات: وأما إنفاق المال في الملاذ المباح فهو موضع اختلاف ~~وظاهر قوله تعالى: * (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك ~~قواما) *، أن الزائد الذي لا يليق بحال المنفق إسراف. ومن بذل مالا كثيرا ~~في عرض يسير فإنه يعده العقلاء مضيعا انتهى. وقد تقدم الكلام في الزكاة على ~~التصديق بجميع المال بما فيه كفاية. # 4 - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي (ص) قال: ~~رضا الله في رضا الوالدين وسخط الله في سخط الوالدين. أخرجه الترمذي وصححه ~~ابن حبان والحاكم. الحديث دليل على وجوب إرضاء الوالد لوالديه وتحريم ~~اسخاطهما فإن الأول فيه مرضاة الله، والثاني فيه سخطه فيقدم ms1271 رضاهما على فعل ~~ما يجب عليه من فروض الكافية كما في حديث ابن عمر أنه جاء رجل يستأذنه (ص) ~~في الجهاد فقال: أحي والداك؟ # قال: نعم، قال ففيهما فجاهد، وأخرج أبو داود من حديث أبي سعيد أن رجلا ~~هاجر إلى رسول الله (ص) من اليمن فقال: يا رسول الله إني قد هاجرت قال: هل ~~لك أهل باليمن؟ فقال: أبواي، قال: أذنا لك؟ قال: لا قال: فارجع فاستأذنهما ~~فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما وفي إسناده مختلف فيه وكذلك غير الجهاد من ~~الواجبات. وإليه ذهب جماعة من العلماء كالأمير حسين ذكره في الشفاء ~~والشافعي فقالوا: يتعين ترك الجهاد إذا لم يرض الأبوان إلا فرض العين ~~كالصلاة فإنها تقدم وإن لمن يرض بها الأبوان بالاجماع. # وذهب الأكثر لي أنه يجوز فعل فرض الكفاية والمندوب وإن لم يرض الأبوان ما ~~لم يتضرر بسبب فقد الولد، وحملوا الأحاديث على المبالغة في حق الوالدين ~~وأنه يتبع رضاهما ما لم يكن في ذلك سخط الله كما قال تعالى * (وإن جاهداك ~~على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا) * ~~قلت: الآية إنما هي فيما إذا حملاه على الشرك ومثله غيره من الكبائر، وفيه ~~دلالة على أنه لا يطيعهما في ترك فرض الكفاية والعين، لكن الاجماع خصص فرض ~~العين. وأما إذا تعارض حق الأب وحق الأم فحق الأم مقدم لحديث البخاري قال ~~رجل: يا رسول الله من أحق بحسن صحبتي؟ قال: أمك - ثلاث مرات - ثم ~~PageV04P164 # قال: أبوك فإنه دل على تقديم رضا الأم على رضا الأب. قال ابن بطال: ~~مقتضاه أن يكون للأم ثلاث أمثال ما للأب قال: وكأن ذلك لصعوبة الحمل ثم ~~الوضع ثم الرضاع. # قلت: وإليه الإشارة بقوله تعالى: * (ووصينا الانسان بوالديه إحسانا حملته ~~أمه كرها ووضعته كرها) * ومثلها: * (حملته أمه وهنا على وهن) *. قال القاضي ~~عياض: ذهب الجمهور إلى أن الأم تفضل على الأب في البر، ونقل الحارث ~~المحاسبي الاجماع على هذا، واختلفوا في الأخ والجد من أحق ms1272 ببره منهما؟ فقال ~~القاضي: الأكثر الجد وجزم به الشافعية. ويقدم من أدلى بسببين على من أدلى ~~بسبب، ثم القرابة من ذوي الرحم، ويقدم منهم المحارم على من ليس بمحرم، ثم ~~العصبات، ثم المصاهرة، ثم الولاء، ثم الجار، وأشار ابن بطال إلى أن الترتيب ~~حيث لا يمكن البر دفعة واحدة. وورد في تقديم الزوج ما أخرجه أحمد والنسائي ~~وصححه الحاكم من حديث عائشة سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس أعظم ~~حقا على المرأة؟ قال زوجها، قلت فعلى الرجل؟ قال: أمه ولعل مثل هذا مخصوص ~~بما إذا حصل التضرر للوالدين فإنه يقدم حقهما على حق الزوج جميعا بين ~~الأحاديث. # 5 - (وعن أنس رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: والذي نفسي بيده لا يؤمن ~~عبد حتى يحب لجاره أو لأخيه ما يحب لنفسه متفق عليه. الحديث وقع في لفظ ~~مسلم بالشك في قوله لأخيه أو لجاره. ووقع في البخاري لأخيه بغير شك. # الحديث دليل على عظم حق الجار والأخ، وفيه نفي الايمان عمن لا يحب لهما ~~ما يحب لنفسه، وتأوله العلماء بأن المراد منه نفي كمال الايمان، إذ قد علم ~~من قواعد الشريعة أن من لم يتصف بذلك لا يخرج عن الايمان. وأطلق المحبوب ~~ولم يعين. وقد عينه ما في رواية النسائي في هذا الحديث لفظ حتى يحب لأخيه ~~من الخير ما يحب لنفسه قال العلماء: والمراد من الطاعات والأمور المباحة. ~~قال ابن الصلاح: وهذا قد يعد من الصعب الممتنع، وليس كذلك إذ معناه لا يكمل ~~إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الاسلام ما يحب لنفسه من الخير. # والقيام بذلك يحصل بأن يحب له مثل حصوله ذلك من جهة لا يزاحمه فيها بحيث ~~لا تنقص النعمة على أخيه شيئا من النعمة عليه، وذلك سهل على القلب السليم ~~وإنما يعسر على القلب الدغل. # عافانا الله وإخواننا أجمعين ا ه‍. هذا على رواية الأخ. ورواية الجار ~~عامة للمسلم والكافر والفاسق والصديق والعدو والقريب والأجنبي والأقرب ~~جوارا والأبعد، فمن اجتمعت فيه الصفات الموجبة ms1273 لمحبة الخير له فهو في أعلى ~~المراتب، ومن كان فيه أكثرها فهو لاحق به وهلم جرا إلى الخصلة الواحدة ~~فيعطي كل ذي حق حقه بحسب حاله. وقد أخرج الطبراني من حديث جابر الجيران ~~ثلاثة: جار له حق وهو المشرك له حق الجوار، وجار له حقان وهو المسلم له حق ~~الجوار وحق الاسلام وجار له ثلاثة حقوق جار مسلم له رحم له حق الاسلام ~~والرحم والجوار وأخرج البخاري في الأدب المفرد أن عبد الله بن عمر ذبح شاة ~~فأهدى منها لجاره اليهودي. فإن كان الجار أخا أحب له ما يحب لنفسه، وإن كان ~~كافرا أحب له الدخول PageV04P165 # في الايمان مع ما يحب لنفسه من المنافع بشرط الايمان. قال الشيخ محمد بن ~~أبي جمرة: حفظ حق الجار من كمال الايمان والاضرار به من الكبائر لقوله صلى ~~الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره قال: ويفترق ~~الحال في ذلك بالنسبة إلى الجار الصالح وغيره. والذي يشمل الجميع إرادة ~~الخير وموعظته بالحسنى والدعاء له بالهداية وترك الاضرار له إلا في الموضع ~~الذي يحل له الاضرار بالقول والفعل. والذي يخص الصالح هو جميع ما تقدم وغير ~~الصالح كفه عن الأذى وأمره بالحسنى على حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، والكافر يعرض الاسلام عليه والترغيب فيه برفق. والفاسق يعظه بما ~~يناسبه بالرفق ويستر عليه زلته وينهاه بالرفق فإن نفع وإلا هجره قاصدا ~~تأديبه بذلك مع إعلامه بالسبب ليكف. ويقدم عند التعارض من كان أقرب إليه ~~بابا كما في حديث عائشة: يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: ~~إلى أقربهما بابا أخرجه البخاري، والحكمة فيه أن الأقرب بابا يرى ما يدخل ~~بيت جاره من هدية وغيرها فيتشوف له بخلاف الأبعد. # وتقدم أن حد الجار أربعون دارا من كل جهة، وجاء عن علي عليه السلام: من ~~سمع النداء فهو جار وقيل: من صلى معك صلاة الصبح في المسجد فهو جار. # 6 - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت ms1274 رسول الله (ص) أي الذنب أعظم؟ ~~قال: أن تجعل لله ندا) هو الشبه ويقال له: ند ونديد (وهو خلقك قلت: ثم أي؟ ~~قال: أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك قلت: # ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة) بفتح الحاء المهملة الزوجة (جارك متفق ~~عليه) قال تعالى: * (فلا تجعلوا لله أندادا) * وقال تعالى: * (ولا تقتلوا ~~أولادكم من إملاق) * والآية الأخرى * (خشية إملاق) * وقوله: أن تزاني ~~بحليلة جارك أي بزوجته التي تحل له وعبر بتزاني لان معناه تزني بها برضاها. ~~وفيه فاحشة الزنا وإفساد المرأة على زوجها واستمالة قلبها إلى غيره، وكل ~~ذلك فاحشة عظيمة. وكونها حليلة الجار أعظم، لان الجار يتوقع من جاره الذب ~~عنه وعن حريمه ويأمن بوائقه ويركن إليه، وقد أمر الله تعالى برعاية حقه ~~والاحسان إليه، فإذا قابل هذا بالزنا بامرأته وإفسادها عليه مع تمكنه منها ~~على وجه لا يتمكن منه غيره كان غاية في القبح. والحديث دليل أن أعظ المعاصي ~~الشرك ثم القتل بغير حق وعليه نص الشافعي، ثم تختلف الكبائر باختلاف ~~مفاسدها الناشئة عنها. # 7 - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله (ص) ~~قال: من الكبائر شتم الرجل والديه قيل: وهل يسب الرجل والديه قال: نعم يسب ~~أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه متفق عليه. قوله: شتم الرجل والديه ~~أي يتسبب إلى شتمهما فهو من المجاز المرسل من استعماله المسبب في السبب، ~~وقد بينه صلى الله عليه وسلم بجوابه عمن سأله: نعم. وفيه تحريم التسبب إلى ~~أذية الوالدين وشتمهما، ويأثم الغير بسبه لهما، قال ابن بطال: هذا الحديث ~~أصل في سد الذرائع PageV04P166 # ويؤخذ منه أنه إن أمره إلى محرم حرم عليه الفعل وإن لم يقصد المحرم، ~~وعليه دل قوله تعالى: * (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله ~~عدوا بغير علم) *. واستنبط منه الماوردي تحريم بيع الثوب الحرير إلى من ~~يتحقق منه لبسه، والغلام الأمرد إلى من يحقق منه فعل الفاحشة، والعصير لمن ~~يتخذه خمرا. وفي الحديث ms1275 دليل على أنه يعمل بالغالب، لان الذي يسب أبا الرجل ~~قد لا يجازيه بالسب، لكن الغالب هو المجازاة. # 8 - (وعن أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: لا يحل لمسلم أن ~~يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ ~~بالسلام متفق عليه. نفي الحل دال على التحريم، فيحرم هجران المسلم فوق ~~ثلاثة أيام. ودل مفهومه على جوازه ثلاثة أيام. وحكمه جواز ذلك هذه المدة، ~~أن الانسان مجبول على الغضب وسوء الخلق ونحو ذلك فعفي له هجر أخيه ثلاثة ~~أيام ليذهب العارض تخفيفا على الانسان ودفعا للاضرار به، ففي اليوم الأول ~~يسكن غضبه وفي الثاني يراجع نفسه، وفي الثالث يعتذر، وما زاد على ذلك كان ~~قطعا لحقوق الاخوة. # وقد فسر معنى الهجر بقوله: يلتقيان... إلى آخره وهو الغالب من حال ~~المتهاجرين عند اللقاء. وفيه دلالة على زوال الهجر له برد السلام، وإليه ~~ذهب الجمهور ومالك والشافعي، واستدل له بما رواه الطبراني من طريق زيد بن ~~وهب عن ابن مسعود في أثناء حديث موقوف، وفيه ورجوعه أن يأتي فيسلم عليه قال ~~أحمد وابن القاسم: إن كان يؤذيه ترك الكلام فلا يكفيه رد السلام بل لا بد ~~من الرجوع إلى الحال الذي كان بينهما، وقيل: ينظر إلى حال المهجور فإن كان ~~خطابه بما زاد على السلام عند اللقاء مما تطيب به نفسه ويزيل علة الهجر كان ~~من تمام الوصل وترك الهجر، وإن كان لا يحتاج إلى ذلك كفي السلام. وأما فوق ~~اليوم الثالث، فقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه يجوز الهجر فوق ثلاث لمن ~~كانت مكالمته تجلب نقصا على المخالف له في دينه أو مضرة تحصل عليه في نفسه ~~أو دنياه، فرب هجر جميل خير من مخالطة مؤذية. وتقدم الكلام في هجر من يأتي ~~ما يلام عليه شرعا، وقد وقع من السلف التهاجر بين جماعة من أعيان الصحابة ~~والتابعين وتابعيهم وقد عد الشارح جماعة من أولئك يستنكر صدوره من أمثالهم ~~أقاموا عليه، ولهم أعذار ms1276 إن شاء الله، والحمل على السلامة متعين والعباد ~~مظنة المخالفة. وأما قول الذهبي: إنه لا يقبل جرح الاقران بعضهم على بعض ~~سيما السلف قال: وحدهم رأس ثلاثمائة من الهجرة، فقد بينا اختلال ما قال في ~~ثمرات النظر في علم الأثر، وقد نقل في الشرح قضايا كثيرة لا يحسن ذكرها إذ ~~طي ما لا يحسن ذكره لا يحسن نشره. # 9 - (وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): كل معروف صدقة أخرجه ~~البخاري. المعروف: ضد المنكر. ابن أبي جمرة: يطلق اسم المعروف على ما عرف ~~من أدلة الشرع أنه من أعمال البر سواء جرت به العادة أم لا، فإن قارنته ~~PageV04P167 # النية أجر صاحبه جزما، وإلا ففيه احتمال. والصدقة: هي ما يعطيه المتصدق ~~لله تعالى، فيشمل الواجبة والمندوبة، والاخبار عنه بأنه صدقة من باب ~~التشبيه البليغ، وهو إخبار بأن له حكم الصدقة في الثواب، وأنه لا يحتقر ~~الفاعل شيئا من المعروف ولا يبخل به، وفي الحديث إن كل تسبيحة صدقة وكل ~~تكبيرة صدقة والامر بالمعروف صدقة والنهي عن المنكر صدقة وقال: في بضع ~~أحدكم صدقة، والامساك عن الشر صدقة وغير ذلك من الأعمال الصالحة ولفظ كل ~~معروف عام. وقد أخرج الترمذي وحسنه مرفوعا من حديث أبي ذر تبسمك في وجه ~~أخيك صدقة لك، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة لك، وإرشادك في أرض ~~الضلالة صدقة لك، وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق صدقة لك، وإفراغك ~~من دلوك إلى دلو أخيك صدقة وأخرجه ابن حبان في صحيحه. وفي الأحاديث إشارة ~~إلى أن الصدقة لا تنحصر فيما هو أصلها، وهو ما أخرجه الانسان من ماله ~~متطوعا، فلا تختص بأهل اليسار، بل كل واحد قادر على أن يفعلها في أكثر ~~الأحوال من غير مشقة، فإن كل شئ يفعله الانسان أو يقوله من الخير يكتب له ~~به صدقة. # 10 - (وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # لا تحقرن من المعروف ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق. بإسكان اللام ويقال: ~~طليق. ms1277 والمراد: سهل منبسط. # 11 - (وعنه) أي أبي ذر (قال: قال رسول الله (ص): إذا طبخت مرقة فأكثر ~~ماءها وتعاهد جيرانك أخرجهما مسلم. فيهما الحث على فعل المعروف ولو بطلاقة ~~الوجه والبشر والابتسام في وجه من يلاقيه من إخوانه، وفيه الوصية بحق الجار ~~وتعاهده ولو بمرقة تهديها إليه. # 12 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من نفس) لفظ ~~مسلم: من فرج (عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم ~~القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) هذا ليس في ~~مسلم كما قال الشارح وقد أخرجه غيره (ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا ~~والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه أخرجه مسلم). الحديث ~~فيه مسائل: الأولى: فضيلة من فرج عن المسلم كربة من كرب الدنيا، وتفريجها ~~إما بإعطائه من ماله إن كانت كربته من حاجة، أو بذل جاهه في طلبه له من ~~غيره أو قرضه، وإن كانت كربته من ظلم ظالم له فرجها بالسعي في رفعها عنه أو ~~تخفيفها، وإن كانت كربة مرض أصابه أعانه على الدواء إن كان لديه أو على ~~طبيب ينفعه، وبالجملة تفريج الكرب باب واسع فإنه يشمل إزالة كل ما ينزل ~~بالعبد أو تخفيفه. الثانية: التيسير على المعسر هو أيضا من تفريج الكرب، ~~وإنما خصه لأنه أبلغ، وهو إنظاره لغريمه في الدين أو إبراؤه له منه أو غير ~~ذلك، فإن الله ييسر له عليه أموره ويسهلها له لتسهيله لأخيه فيما عنده له. ~~PageV04P168 # والتيسير لأمور الآخرة بأن يهون عليه المشاق فيها ويرجح وزن الحسنات ~~ويلقي في قلوب من هم عنده حق يجب استيفاؤه منه في الآخرة المسامحة وغير ~~ذلك. ويؤخذ منه أن من عسر على معسر عسر عليه، ويؤخذ منه أنه لا بأس على من ~~عسر على موسر لان مطله ظلم يحل عرضه وعقوبته. الثالثة: من ستر مسلما اطلع ~~منه على ما لا ينبغي إظهاره من الزلات والعثرات فإنه مأجور ms1278 بما ذكره من ~~ستره في الدنيا والآخرة، فيستره في الدنيا بأن لا يأتي زلة يكره اطلاع غيره ~~عليها، وإن أتاها لم يطلع الله عليها أحدا، وستره في الآخرة بالمغفرة ~~لذنوبه وعدم إظهار قبائحه وغير ذلك، وقد حث صلى الله عليه وسلم على الستر ~~فقال في حق ماعز هلا سترت عليه بردائك يا هزال. وقال العلماء: وهذا الستر ~~مندوب لا واجب فلو رفعه إلى السلطان كان جائزا له ولا يأثم به. قلت: ودليله ~~أنه (ص) لم يلم هزالا ولا أبان له أنه آثم، بل حرضه على أنه كان ينبغي له ~~ستره، فإن علم أنه تاب وأقلع حرم عليه ذكر ما وقع منه ووجب عليه ستره، وهو ~~في حق من لا يعرف بالفساد والتمادي في الطغيان، وأما من عرف بذلك فإنه لا ~~يستحب الستر عليه بل يرفع أمره إلى من له الولاية إذا لم يخف من ذلك مفسدة، ~~وذلك لان الستر عليه يغريه على الفساد ويجرئه على أذية العباد ويجرئ غيره ~~من أهل الشر والعناد، وهذا يعد انقضاء فعل المعصية. فأما إذا رآه وهو فيها ~~فالواجب المبادرة لإنكارها والمنع منها مع القدرة على ذلك، ولا يحل تأخيره، ~~لأنه من باب إنكار المنكر لا يحل تركه مع الامكان. وأما إذا رآه يسرق مال ~~زيد فهل يجب عليه أخبار زيد بذلك أو ستر السارق؟ الظاهر أنه يجب عليه إخبار ~~زيد، وإلا كان معينا للسارق بالكتم منه على الاثم والله تعالى يقول: * (ولا ~~تعاونوا على الاثم والعدوان) *. وأما جرح الشهود والرواة والامناء على ~~الأوقاف والصدقات وغير ذلك فإنه من باب نصيحة المسلمين الواجبة على كل من ~~اطلع عليها، وليس من الغيبة المحرم بل من النصيحة الواجبة وهو مجمع عليه. ~~الرابعة: الاخبار بأن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، فإنه ~~دال على أنه تعالى يتولى إعانة من أعان أخاه، وهو يدل على أنه يتولى عونه ~~في حاجة العبد التي يسعى فيها، وفي حوائج نفسه فينال من عون الله ما لم يكن ~~يناله ms1279 بغير إعانته، وإن كان تعالى هو المعين لعبده في كل أموره، لكن إذا ~~كان في عون أخيه زادت إعانة الله، فيؤخذ منه أنه ينبغي للعبد أن يشتغل ~~بقضاء حوائج أخيه فيقدمها على حاجة نفسه لينال من الله كمال الإعانة في ~~حاجاته. وهذه الجمل المذكورة في الحديث دلت على أنه تعالى يجازي العبد من ~~جنس فعله، فمن ستر ستر عليه، ومن يسر يسر عليه، ومن أعان أعين. ثم إنه ~~تعالى بفضله وكرمه جعل الجزاء في الدارين في حق الميسر على المعسر والساتر ~~للمسلم، وجعل تفريج الكربة يجازي به في يوم القيامة، كأنه لعظائم يوم ~~القيامة أخر عز وجل جزاء تفريج الكربة، ويحتمل أن يفرج عنه في الدنيا أيضا ~~لكنه طوي في الحديث وذكر ما هو أهم. # 3 1 - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من دل على ~~خير فله مثل أجر فاعله أخرجه مسلم. دل الحديث على أن الدلالة على ~~PageV04P169 # الخير يؤجر بها الدال عليه كأجر فاعل الخير، وهو مثل حديث من سن سنة حسنة ~~في الاسلام كان له أجرها وأجر من عمل بها والدلالة تكون بالإشارة على الغير ~~بفعل الخير وعلى إرشاد ملتمس الخير على أنه يطلبه من فلان، والوعظ والتذكير ~~وتأليف العلوم النافعة. # ولفظ خير يشمل الدلالة على خير الدنيا والآخرة فلله در الكلام النبوي ما ~~أشمل معانيه وأوضح مبانيه ودلالته على خير الدنيا والآخرة. # 14 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي (ص) قال: من استعاذكم بالله ~~فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم ~~تجدوا فادعوا له أخرجه البيهقي. وقد أخرجه أبو داود وابن حبان في صحيحه ~~والحاكم وفيه زيادة: ومن استجار بالله فأجيروه، ومن أتى إليكم معروفا ~~فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه وفي رواية فإن ~~عجزتم عن مكافأته فادعوا له حتى تعلموا أن قد شكرتم. فإن الله يحب الشاكرين ~~وأخرج الترمذي وقال حسن غريب ومن أعطي عطية فوجد فليجز بها ms1280 فإن لم يجد ~~فليثن، فإن من أثنى فقد شكر، ومن كتم فقد كفر ومن تحلى بباطل فهو كلابس ~~ثوبي زور. والحديث دليل على أن من استعاذ بالله من أي أمر طلب منه غير واجب ~~عليه فإنه يعاذ ويترك ما طلب منه أن يفعل، وأنه يجب إعطاء من سأله بالله ~~وإن كان قد ورد أنه لا يسأل بالله إلا الجنة. فمن سأل من المخلوقين بالله ~~شيئا وجب إعطاؤه إلا أن يكون منهيا عن إعطائه، وقد أخرج الطبراني بسند ~~رجاله رجال الصحيح إلا شيخه - وهو ثقة على كلام فيه - من حديث أبي موسى ~~الأشعري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ملعون من سأل بوجه ~~الله، وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله ما لم يسأل هجرا بضم الهاء ~~وسكون الجيم أي أمرا قبيحا لا يليق، ويحتمل ما لم يسأل سؤالا قبيحا أي ~~بكلام يقبح، ولكن العلماء حملوا هذا الحديث على الكراهة، ويحتمل أنه يراد ~~به المضطر، ويكون ذكره هنا أن منعه مع سؤاله بالله أقبح وأفظع ويحمل لعن ~~السائل على ما إذا ألح في المسألة حتى أضجر المسؤول. ودل الحديث على وجوب ~~المكافأة للمحسن، إلا إذا لم يجد فإنه يكافئه بالدعاء، وأجزأه إن علم أنه ~~قد طابت نفسه أو لم تطب به، وهو ظاهر الحديث. # باب الزهد والورع الزهد: هو قلة الرغبة في الشئ، وإن شئت قلت: قلة الرغبة ~~عنه. وفي اصطلاح أهل الحقيقة: بغض الدنيا والاعراض عنها، وقيل: ترك راحة ~~الدنيا لراحة الآخرة، وقيل: أن PageV04P170 # يخلو قلبك مما خلت منه يدك. وقيل: بذل ما تملك ولا تؤثر ما تدرك. وقيل: ~~ترك الأسف على معدوم، ونفي الفرح بمعلوم. قاله المناوي في تعريفاته. وأخرج ~~الترمذي وابن ماجة من حديث أبي ذر مرفوعا الزهادة في الدنيا ليست بتحر ~~الحلال ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله ~~أوثق منك بما في يديك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب منك ~~فيها لو ms1281 أنها بقيت لك انتهى فهذا التفسير النبوي يقدم على كل تفسير. ~~والورع: تجنب الشبهات خوف الوقوع في محرم، وقيل ترك ما يريبك إلى ونفي ما ~~يعيبك، وقيل: الاخذ بالأوثق وحمل النفس على الأشق، وقيل النظر في المطعم ~~واللباس وترك ما به بأس. وقيل: تجنب الشبهات، ومراقبة الخطرات. # - (عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: - ~~وأهوى النعمان بإصبعيه إلى أذنيه - إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما ~~مشتبهات) ويروى مشبهات بضم الميم وتشديد الموحدة ومشبهات بضمها أيضا وتخفيف ~~الموحدة (لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ) بالهمزة من ~~البراءة أي حصل له البراءة من الذم الشرعي وصان عرضه من ذم الناس (لدينه ~~وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) أي يوشك أن يقع فيه، وإنما حذفه ~~لدلالة ما بعده عليه، إذ لو كان الوقوع في الشبهات وقوعا في الحرام لكانت ~~من قسم الحرام البين، وقد جعلها قسما برأسه، وكما يدل له التشبيه بقوله: ~~(كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن ~~حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت ~~فسد الجسد كله، ألا وهي القلب متفق عليه). أجمع الأئمة على عظم شأن هذا ~~الحديث وأنه من الأحاديث التي تدور عليها قواعد الاسلام، قال جماعة: هو ثلث ~~الاسلام، فإن دورانه عليه وعلى حديث الأعمال بالنيات وعلى حديث من حسن ~~إسلام المرء تركه ما لا يعنيه وقال أبو داود: إنه يدور على أربعة. هذه ~~ورابعها حديث لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وقيل: حديث أزهد في ~~الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس. قوله: الحلال بين ~~أي قد بينه الله ورسوله إما بالأعلام بأنه حلال نحو * (أحل لكم صيد البحر) ~~* الآية وقوله تعالى: * (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا) * أو سكت عنه تعالى ~~ولم يحرمه فالأصل حله، أو بما أخبر عنه رسوله صلى الله ms1282 عليه وسلم بأنه حلال ~~أمتن الله ورسوله به، فإنه لازم حله وقوله: والحرام بين أي بينه الله لنا ~~في كتابه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم نحو * (حرمت عليكم الميتة) * ~~أو بالنهي عنه نحو * (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) *. والاخبار عن ~~الحلال بأنه بين إعلام بحل الانتفاع به في وجوه النفع، كما أن الاخبار بأن ~~الحرام بين إعلام باجتنابه. وقوله: وبينهما مشتبهات لا يعلمهن PageV04P171 # كثير من الناس المراد بها التي لم يعرف حلها ولا حرمتها فصارت مترددة بين ~~الحل والحرمة عند الكثير من الناس، وهم الجهال، فلا يعرفها إلا العلماء ~~بنص، فما لم يوجد فيه شئ من ذلك اجتهد فيه العلماء وألحقوه بأيهما بقياس أو ~~استصحاب أو نحو ذلك، فإن خفي دليله فالورع تركه ويدخل تحت فمن اتقى الشبهات ~~فقد استبرأ - أي أخذ بالبراءة - لدينه وعرضه، فإذا لم يظهر فيه للعالم دليل ~~تحريمه ولا حله فإنه يدخل في حكم الأشياء قبل ورود الشرع، فمن لا يثبت ~~للعقل حكما، يقول: لا حكم فيها بشئ لان الاحكام شرعية، والفرض أنه لا يعرف ~~فيها حكم شرعي ولا حكم للعقل، والقائلون بأن العقل حاكم، لهم في ذلك ثلاثة ~~أقوال التحريم والإباحة والوقف. وإنما اختلف في المشتبهات هل هي مما اشتبه ~~تحريمه أو ما اشتبه بالحرام الذي قد صح تحريمه؟ رجح المحققون الأخير، ~~ومثلوا ذلك بما ورد في حديث عقبة بن الحارث الصحابي الذي أخبرته أمة سوداء ~~بأنها أرضعته وأرضعت زوجته فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال صلى ~~الله عليه وسلم: كيف وقد قيل؟ فقد صح تحريم الأخت من الرضاعة شرعا قطعا وقد ~~التبست عليه زوجته بهذا الحرام المعلوم، ومثله التمرة التي وجدها صلى الله ~~عليه وسلم في الطريق فقال: لولا أني أخاف أنها من الزكاة أو من الصدقة ~~لأكلتها فقد صح تحريم الصدقة عليه ثم التبست هذه التمرة بالحرام المعلوم ~~وأما ما التبس هل حرمه الله علينا أم لا؟ فقد وردت أحاديث دالة على أنه ~~حلال، منها حديث سعد بن ms1283 أبي وقاص: إن من أعظم الناس إثما في المسلمين من ~~سأل عن شئ لم يحرم فحرم من أجل مسألته فإنه يفيد أنه كان قبل سؤاله حلالا، ~~ولما اشتبه عليه سأل عنه فحرم من أجل مسألته، ومنها حديث ما سكت الله عنه ~~فهو مما عفى عنه له طرق كثيرة ويدل له قوله تعالى: * (ويحلهم الطيبات) * ~~فكل ما كان طيبا ولا يثبت تحريمه فهو حلال وإن اشتبه علينا تحريمه، والمراد ~~بالطيب هو ما أحله الله على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سكت عنه، ~~والخبيث ما حرمه وإن عدته النفوس طيبا، كالخمر، فإنه أحد الأطيبين في لسان ~~العرب في الجاهلية. وقال ابن عبد البر: إن الحلال الكسب الطيب وهو الحلال ~~المحض، وإن المتشابه عندنا في حيز الحلال بدلائل ذكرناها في غير هذا ~~الموضع، ذكره صاحب تنضيد التمهيد في الترغيب في الصدقة نقله عن السيد محمد ~~بن إبراهيم وقد حققنا أنه من قسم الحلال البين في رسالتنا المسماة القول ~~المبين. وقال الخطابي: ما شككت فيه فالأولى اجتنابه، وهو على ثلاثة أحوال: ~~واجب، ومستحب، ومكروه، فالواجب اجتناب ما يستلزم المحرم، والمندوب اجتناب ~~معاملة من غلب على ماله الحرام، والمكروه اجتناب الرخصة المشروعة ا ه‍. قال ~~في الشرح: وقد ينازع في المندوب فإنه إذا كان الأغلب الحرام فأولى أن يكون ~~واجب الاجتناب وهو الذي بني عليه الهادوية في معاملة الظالم فيما لم يظن ~~تحريمه، لان الذي غلب عليه الحرام يظن فيه التحريم ا ه‍ وقد أوضحنا هذا في ~~حواشي ضوء النهار. وقسم الغزالي الورع أقساما: ورع الصديقين وهو ترك ما لم ~~تكن فيه بينة واضحة على حله، وورع المتقين وهو ما لا شبهة فيه ولكن يخاف أن ~~يجر إلى الحرام، PageV04P172 # وورع الصالحين وهو ترك ما يتطرق إليه احتمال بشرط أن يكون لذلك الاحتمال ~~موقع وإلا فهو ورع الموسوسين قلت: ورع الموسوسين قد بوب البخاري فقال: باب ~~من لم ير الوسواس في الشبهات كمن يمتنع من أكل الصيد خشية أن يكون انفلت من ~~انسان، ms1284 وكمن ترك شراء ما يحتاج إليه من مجهول لا يدري أماله حرام أم حلال ~~ولا علامة تدل على ذلك التحريم، وكمن ترك تناول شئ لخبر ورد فيه متفق على ~~ضعفه ويكون دليل إباحته قويا وتأويله ممتنع أو مستبعد، والكلام في الحديث ~~متسع وفي هذا كفاية. وقوله إن لكل ملك حمى إخبار عما كانت عليه ملوك العرب ~~وغيرهم، فإنه كان لكل واحد حمى يحميه من الناس ويمنعهم عن دخوله، فمن دخله ~~أوقع به العقوبة ومن أراد نجاة نفسه من العقوبة لم يقربه خوفا من الوقوع ~~فيه، وذكر هذا كضرب المثل للمخاطبين، ثم أعلمهم أن حماه تعالى: الذي حرمه ~~على العباد. وقوله: ومن وقع في الشبهات إلخ أي من وقع فيها فقد حام حول حمى ~~الحرام فيقرب ويسرع أن يقع فيه. وفيه إرشاد إلى البعد عن ذرائع الحرام وإن ~~كانت محرمة، فإنه يخاف من الوقوع فيها الوقوع فيه، فمن احتاط لنفسه لا يقرب ~~الشبهات لئلا يدخل في المعاصي. ثم أخبر صلى الله عليه وسلم منبها مؤكدا بأن ~~في الجسد مضغة وهي القطعة من اللحم، سميت بذلك لأنها تمضغ في الفم لصغرها ~~وأنها مع صغرها عليها مدار صلاح الجسد وفساده، فإن صلحت صلح وإن فسدت فسد. ~~وفي كلام الغزالي أنه لا يراد بالقلب المضغة إذ هي موجودة للبهائم مدركة ~~بحاسة البصر بل المراد بالقلب لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب ~~الجسماني تعلق. وتلك اللطيفة هي حقيقة الانسان وهي المدركة العارفة من ~~الانسان، وهو المخاطب والمعاقب والمطالب، ولهذه اللطيفة علاقة مع القلب ~~الجسماني. وذكر أن جميع الحواس والأعضاء أجناد مسخرة للقلب، وكذلك الحواس ~~الباطنة في حكم الخدم والأعوان وهو المتصرف فيها والمردد لها، وقد خلقت ~~مجبولة على طاعة القلب لا تستطيع له خلافا ولا عليه تمردا، فإذا أمر العين ~~بالانفتاح انفتحت، وإذا أمر الرجل بالحركة تحركت، وإذ ا أمر اللسان بالكلام ~~وجزم به تكلم، وكذا سائر الأعضاء وتسخير الأعضاء والحواس للقلب يشبه - من ~~وجه - تسخير الملائكة لله تعالى، فإنهم جبلوا على طاعته لا يستطيعون ms1285 له ~~خلافا، وإنما يفترقان في شئ وهو أن الملائكة عالمة بطاعتها للرب والأجفان ~~تطيع القلب بالانفتاح والانطباق على سبيل التسخير، وإنما افتقر القلب إلى ~~الجنود من حيث افتقاره إلى المركب والزاد لسفره إلى الله تعالى وقطع ~~المنازل إلى لقائه فلأجله خلقت القلوب قال الله تعالى: * (وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون) * وإنما مركبه البدن وزاده العلم وإنما الأسباب التي ~~توصله إلى الزاد وتمكنه من التزود منه هو العمل الصالح، ثم أطال في هذا ~~المعنى بما يحتمل مجلدة لطيفة، وإنما أشرنا إلى كلامه ليعلم مقدار الكلام ~~النبوي وأنه بحر قطراته لا تنزف، وأما كونه محل العقل أو محله الدماغ فليست ~~من مسائل علم الآثار حتى يشتغل بذكرها وذكر الخلاف فيها. # 2 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): PageV04P173 # تعس) في القاموس كسمع ومنع، وإذا خاطبت قلت: تعس كمنع، وإذا حكيت قلت: ~~تعس كفرح وهو الهلاك والعثار والسقوط والشر والبعد والانحطاط (عبد الدينار ~~والدرهم والقطيفة الثوب الذي له خمل إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض. أخرجه ~~البخاري أراد بعبد الدينار والدرهم من استعبدته الدنيا بطلبها وصار كالعبد ~~لها تتصرف فيه تصرف المالك لينالها وينغمس في شهواتها ومطالبها وذكر ~~الدينار والقطيفة مجرد مثال، وإلا فكل من استعبدته الدنيا في أي أمر وشغلته ~~عما أمر الله تعالى، وجعل رضاه وسخطه متعلقا بنيل ما يريد أو عدم نيله فهو ~~عبده، فمن الناس من يستعبده حب الامارات، ومنهم من يستعبده حب الصور، ومنهم ~~من يستعبده حب الأطيان. # واعلم أن المذموم من الدنيا كل ما يبعد العبد عن الله تعالى ويشغله عن ~~واجب طاعته وعبادته، لا ما يعينه على الأعمال الصالحة فإنه غير مذموم وقد ~~يتعين طلبه ويجب عليه تحصيله. وقوله رضي أي عن الله بما ناله من حطامها وإن ~~لم يعط لم يرض أي عنه تعالى ولا عن نفسه فصار ساخطا، فهذا الذي تعس لأنه ~~أدار رضاه على مولاه وسخطه على نيل الدنيا وعدمه. والحديث نظير قوله تعالى: ~~* (ومن الناس ms1286 من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة ~~انقلب على وجهه) * الآية. # 3 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله (ص) بمنكبي) يروى ~~بالافراد والتثنية، وهو بكسر الكاف، مجمع الكتف والعضد (فقال: # كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: # إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك ~~لسقمك ومن حياتك لموتك. أخرجه البخاري). الغريب: من لا مسكن له يأويه، ولا ~~سكن يأنس به ولا بلد يستوطن فيه، قيل في المسيح: سعد المسيح يسيح لا ولد ~~يموت ولا بناء يخرب. # وعطف عابر سبيل من باب عطف الترقي وأو ليست للشك بل للتخيير أو الإباحة، ~~والامر للارشاد. والمعنى: قدر نفسك ونزلها منزلة من هو غريب أو عابر سبيل، ~~لان الغريب قد يستوطن، ويحتمل أن أو للاضراب والمعنى، بل كن في الدنيا كأنك ~~عابر سبيل لان الغريب قد يستوطن بلدا بخلاف عابر السبيل، فهمه قطع المسافة ~~إلى مقصده والمقصد هنا إلى الله * (وأن إلى ربك المنتهى) *. قال ابن بطال ~~لما كان الغريب قليل الانبساط إلى PageV04P174 # الناس بل هو مستوحش منهم لا يكاد يمر بمن يعرفه فيأنس به فهو ذليل في ~~نفسه خائف وكذلك عابر السبيل لا ينفذ في سفره إلا بقوته وتخفيفه من الأثقال ~~غير متشبث بما يمنعه عن قطع سفره، معه زاده وراحلته يبلغانه إلى ما يعنيه ~~من مقصده، وفي هذا إشارة إلى إيثار الزهد في الدنيا وأخذ البلغة مهنا ~~والكفاف، فكما لا يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره فكذلك ~~المؤمن لا يحتاج في الدنيا إلى أكثر مما يبلغه المحل، وقوله: وكان ابن عمر ~~إلخ قال بعض العلماء: كلام ابن عمر متفرع من الحديث المرفوع وهو متضمن ~~لنهاية تقصير الاجل من العاقل إذا أمسى ينبغي له أن لا ينتظر الصباح إذا ~~أصبح ينبغي له أن لا ينتظر المساء بل يظن أن أجله يدركه قبل ذلك. وفي كلامه ~~الاخبار ms1287 بأنه لا بد للانسان من الصحة والمرض فيغتنم أيام صحته وينفق ساعاته ~~فيما يعود عليه نفعه فإنه لا يدري متى ينزل به مرض يحول بينه وبين فعل ~~الطاعة ولأنه إذا مرض كتب له ما كان يعمل صحيحا فقد أخذ من صحته لمرضه حظه ~~من الطاعات. وقوله: من حياتك لموتك أي خذ من أيام الحياة والصحة والنشاط ~~لموتك بتقديم ما ينفعك بعد الموت وهو نظير حديث بادروا بالاعمال سبعا ما ~~تنتظروا إلا فقرا منسيا أو غنى مطغيا أمرضا مفسدا أو هرما مفندا أو موتا ~~مجهزا أو الدجال فإنه شر منتظر أو الساعة والساعة أدهى وأمر أخرجه الترمذي ~~والحاكم من حديث أبي هريرة. 4 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول ~~الله (ص): # من تشبه بقوم فهو منهم أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان الحديث فيه ضعيف ~~وله شواهد عند جماعة من أئمة الحديث عن جماعة من الصحابة تخرجه عن الضعف، ~~ومن شواهده ما أخرجه أبو يعلي مرفوعا من حديث ابن مسعود من رضي عمل قوم كان ~~منهم والحديث دال على أن من تشبه بالفساق كان منهم أو بالكفار أو المبتدع ~~في أي شئ مما يختصون به من ملبوس أو مركوب أو هيئة، قالوا: فإذا تشبه ~~بالكفار في زي واعتقد أن يكون بذلك مثله كفر فإن لم يعتقد ففيه خلاف بين ~~الفقهاء منهم من قال: يكفر وهو ظاهر الحديث ومنهم من قال: لا يكفر ولكن ~~يؤدب. # 5 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي (ص) يوما فقال: يا ~~غلام احفظ الله جواب الامر (احفظ الله تجده) مثله (تجاهك) في القاموس ~~وتجاهك مثلين تلقاء وجهك، (وإذا سألت) حاجة من حوائج الدارين، (فاسأل الله) ~~فإن بيده أمورهما، وإذا استعنت فاستعن بالله رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، ~~وتمامه: واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ لم ينفعوك إلا بشئ قد ~~كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشئ لم يضروك إلا بشئ قد كتبه الله ~~عليك جفت ms1288 الأقلام وطويت الصحف، وأخرجه أحمد عن ابن عباس بإسناد حسن بلفظ: ~~كنت رديف النبي (ص) فقال: يا غلام أو يا غليم، إلا PageV04P175 # أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ فقلت: بلى. قال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله ~~تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، ~~وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جف القلم بما هو كائن، فلو أن الخلق جميعا ~~أرادوا أن ينفعوك بشئ لم يقضه الله تعالى لم يقدوا عليه، وإن أرادوا أن ~~يضروك بشئ لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصبر على ما ~~تكره خيرا كثيرا، وأن النصر مع الصبر وأن الفرح مع الكرب، وأن مع العسر ~~يسرا وله ألفاظ أخر وهو حديث جليل أفرده بعض علماء الحنابلة بتصنيف مفرد ~~فإنه اشتمل على وصايا جليلة. والمراد من قوله: احفظ الله أي حدوده وعهوده ~~وأوامره ونواهيه. وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه ~~بالاجتناب، وعند حدوده أن لا يتجاوزها ولا يتعدى ما أمر به إلى ما نهى عنه، ~~فيدخل في ذلك فعل الواجبات كلها وترك المنهيات كلها. وقال تعالى: * ~~(والحافظون لحدود الله) * وقال: * (هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ) * فسر ~~العلماء الحفيظ بالحافظ لأوامر الله، وفسر بالحفظ لذنوبه حتى يرجع منها ~~فأمره (ص) بحفظ الله يدخل فيه كل ما ذكر وتفاصيلها واسعة. وقوله: تجده ~~أمامك وفي اللفظ الآخر يحفظك، والمعنى متقارب: أي تجده أمامك بالحفظ لك من ~~شرور الدارين جزاء وفاقا من باب وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم يحفظه في دنياه عن ~~غشيان الذنوب، وعن كل أمر مرهوب، ويحفظ ذريته من بعده كما قال تعالى: * ~~(وكان أبوهما صالحا) *. وقوله: فاسأل الله امر بإفراد الله عزو جل بالسؤال ~~وإنزال الحاجات به وحده، وأخرج الترمذي مرفوعا سلوا الله من فضله فإن الله ~~يحب أن يسأل وفيه من حديث أبي هريرة مرفوعا من لا يسأل الله يغضب عليه وفيه ~~إن الله يحب الملحين في الدعاء وفي حديث آخر: يسأل أحدكم ربه حاجته كلها ~~حتى ms1289 يسأله شسع نعله إذا انقطع. وقد بايع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ~~جماعة من الصحابة على أن لا يسألوا الناس شيئا منهم الصديق وأبو ذر وثوبان، ~~وكان أحدهم يسقط سوطه أو يسقط خطام ناقته فلا يسأل أحدا أن يناوله، وإفراد ~~الله بطلب الحاجات دون خلقه يدل له العقل والسمع، فإن السؤال بذل لماء ~~الوجه وذل لا يصلح إلا لله تعالى، لأنه القادر على كل شئ الغني مطلقا ~~والعباد بخلاف هذا. وفي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه، عنه صلى الله ~~عليه وسلم حديث قدسي فيه: يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا ~~في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل انسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ~~ينقص المخيط إذا غمس في البحر وزاد في الترمذي وغيره وذلك بأني جواد واجد ~~ماجد أفعل ما أريد عطائي كلام وعذابي كلام إذا أردت شيئا فإنما أقول له كن ~~فيكون. وقوله إذا استعنت فاستعن بالله مأخوذ من قوله: * (وإياك نستعى) * أي ~~نفردك بالاستعانة. أمره صلى الله عليه وسلم أن يستعين بالله وحده في كل ~~أموره، أي إفراده بالاستعانة على ما يريده. # وفي إفراده تعالى بالاستعانة فائدتان: فالأولى: أن العبد عاجز عن ~~الاستقلال بنفسه في الطاعات. # والثانية: أنه لا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله عز وجل فمن ~~أعانه الله فهو المعان، PageV04P176 # ومن خذله فهو المخذول. وفي الحديث الصحيح أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ~~ولا تعجز وعلم صلى الله عليه وسلم العباد أن يقولوا في خطبة الحاجة: الحمد ~~لله نستعينه وعلم معاذا أن يقول دبر الصلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك ~~وحسن عبادتك فالعبد أحوج شئ إلى مولاه في طلب إعانته على فعل المأمورات ~~وترك المحظورات والصبر على المقدورات. قال يعقوب صلى الله عليه وسلم في ~~الصبر على المقدور: * (والله المستعان على ما تصفون) *. وما ذكر من هذه ~~الوصايا النبوية لا ينافي القيام بالأسباب، فإنها من جملة سؤال الله ~~والاستعانة به، فإن من طلب رزقه بسبب ms1290 من أسباب المعاش المأذون فيها رزق من ~~جهته فهو منه تعالى، وإن حرم فهو لمصلحة لا يعلمها ولو كشف الغطاء لعلم أن ~~الحرمان خير من العطاء، والكسب الممدوح المأجور فاعله عليه هو ما كان لطلب ~~الكفاية له ولمن يعوله، أو الزائد على ذلك إذا كان يعده لقرض محتاج أو صلة ~~رحم أو إعانة طالب علم أو نحوه من وجوه الخير لا لغير ذلك، فإنه يكون من ~~الاشتغال بالدنيا وفتح باب محبتها الذي هو رأس كل خطيئة. وقد ورد في الحديث ~~كسب الحلال فريضة أخرجه الطبراني والبيهقي والقضاعي عن ابن مسعود مرفوعا ~~وفيه عباد بن كثير ضعيف. وله شاهد من حديث أنس عند الديلمي طلب الحلال واجب ~~ومن حديث ابن عباس مرفوعا طلب الحلال جهاد رواه القضاعي ومثله في الحلية عن ~~ابن عمر. قال العلماء: الكسب الحلال مندوب أو واجب إلا للعالم المشتغل ~~بالتدريس والحاكم المستغرقة أوقاته في إقامة الشريعة، ومن كان من أهل ~~الولايات العامة كالامام فترك الكسب بهم أولى لما فيه من الاشتغال عن ~~القيام بما هم فيه. ويرزقون من الأموال المعدة للمصالح. # 6 - (وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي (ص) فقال: # يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس؟ فقال: ~~أزهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس رواه ابن ماجة ~~وغيره وسنده حسن. فيه خالد بن عمرو القرشي مجمع على تركه، ونسب إلى الوضع، ~~فلا يصح قول الحاكم إنه صحيح. وقد أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث مجاهد ~~عن أنس برجال ثقات إلا أنه لم يثبت سماع مجاهد من أنس وقد روي مرسلا، وقد ~~حسن النووي الحديث كأنه لشواهده. والحديث دليل على شرف الزهد وفضله وأنه ~~يكون سببا لمحبة الله لعبده ولمحبة الناس له لان من زهد فيما هو عند العباد ~~أحبوه، لأنه جبلت الطبائع استثقال من أنزل بالمخلوقين حاجاته وطمع فيما في ~~أيديهم. وفيه لا بأس بطلب محبة العباد، والسعي فيما يكسب ms1291 ذلك، بل هو مندوب ~~إليه أو واجب كما قال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لا تؤمنوا حتى ~~تحابوا وأرشد صلى الله عليه وسلم إلى إفشاء السلام فإنه من جوالب المحبة ~~وإلى التهادي ونحو ذلك. # 7 - (وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي أخرجه مسلم. فسر ~~العلماء PageV04P177 # محبة الله لعبده بأنها إرادته الخير له وهدايته ورحمته، ونقيض ذلك بغض ~~الله له. والتقي: هو الآتي بما يجب عليه المجتنب لم يحرم عليه. والغني: هو ~~غني النفس، فإنه الغني المحبوب قال (ص): ليس الغني بكثرة العرض ولكن الغني ~~غني النفس وأشار عياض إلى أن المراد به غني المال وهو محتمل. والخفي: - ~~بالخاء المعجمة والفاء - أي الخامل المنقطع إلى عبادة الله والاشتغال بأمور ~~نفسه، وضبطه بعض رواة مسلم بالحاء المهملة، ذكره القاضي عياض، والمراد به ~~الوصول للرحم اللطيف بهم وبغيرهم من الضعفاء. وفيه دليل على تفضيل الاعتزال ~~وترك الاختلاط بالناس. # 8 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من حسن إسلام ~~المرء تركه ما لا يعنيه) أي يهمه من عناه يعنوه ويعنيه أهمه (رواه الترمذي، ~~وقال: حسن). هذا الحديث من جوامع الكلم النبوية، يعم الأقوال، كما روي أن ~~في صحف إبراهيم عليه السلام من عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه. ~~ويعم الأفعال فيندرج فيه ترك التوسع في الدنيا وطلب المناصب والرياسة وحب ~~المحمدة والثناء وغير ذلك ما لا يحتاج إليه المرء في إصلاح دينه وكفايته من ~~دنياه. وأما اشتغال العلماء بالمسائل الفرضية فقيل: إنه ليس من الاشتغال ~~بما لا يعني، بل هو مما يؤجرون فيه، لأنهم لما عرفوا من الأحاديث النبوية ~~أنه في آخر الزمان يقل العلم ويفشو الجهل اجتهدوا في ذلك لما يأتي من ~~الزمان ومن يأتي من العباد المحتاجين إلى معرفة الاحكام مع عجزهم عن البحث ~~فإنهم أتعبوا القرائح وخرجوا التخاريج وقدروا التقادير. والأعمال بالنيات. ~~قلت: ms1292 لا يخفى أن تخريج التخاريج وتقدير التقادير ليس من العلم المحمود، لان ~~غايتها أقوال خرجت من أقوال المجتهدين وليست أقوالا لهم ولا أقوالا لمن ~~يخرجها ولا احتياج إليها، والعمل بها مشكل إذ ليست لقائل، إذ القائل بها ~~ليس بمجتهد ضرورة فلا يقلد لأنه إنما يقلد مجتهد عدل، والفرض أن المخرجين ~~ليسوا مجتهدين، وأما تقدير التقادير فإنه قسم من التخاريج إذ غالب ما يقدر ~~أنه يجاب عنه بأقوال المخرجين، وفي كلام علي عليه السلام العلم نقطة كثرها ~~الجهال، بل هذه الموضوعات في التخاريج كانت مضرة للناظر في الكتاب والسنة، ~~إذ شغلت الناظرين عن النظر فيهما ونيل بركتهما فقطعوا الأعمار في تقرير تلك ~~التخاريج. وقد أشبع الكلام على ذلك وعلى ذم الاشتغال به طوائف من علماء ~~التحقيق، وإن كان الاشتغال بها قد عم كل فريق. # 9 - (وعن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): ما ~~ملا ابن آدم وعاء شرا من بطن أخرجه الترمذي وحسنه. وأخرجه ابن حبان في ~~صحيحه PageV04P178 # وتمامه بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان فاعلا لا محالة وفي لفظ ابن ~~ماجة فإن غلبت ابن آدم نفسه فثلثا لطعامه. وثلثا لشرابه. وثلثا لنفسه. ~~والحديث دليل على ذم التوسع في المأكول والشبع والامتلاء، والاخبار عنه ~~بأنه شر لما فيه من المفاسد الدينية والبدنية، فإن فضل الطعام مجلبة للسقام ~~ومثبطة عن القيام بالأحكام. وهذا الارشاد إلى جعل الأكل ثلث ما يدخل المعدة ~~من أفضل ما أرشد إليه سيد الأنام صلى الله عليه وسلم، فإنه يخف على المعدة ~~ويستمد من البدن الغذاء وتنتفع به القوى ولا يتولد عنه شئ من الأدواء. وقد ~~ورد من الكلام النبوي شئ كثير في ذم الشبع، فقد أخرج البزار بإسنادين ~~أحدهما رجاله ثقات مرفوعا بلفظ أكثرهم شبعا في الدنيا أكثرهم جوعا يوم ~~القيامة قاله صلى الله عليه وسلم لأبي جحيفة لما تجشأ فقال: ما ملأت بطني ~~منذ ثلاثين سنة وأخرج الطبراني بإسناد حسن أهل الشبع في الدنيا هم أهل ~~الجوع غدا ms1293 في الآخرة زاد البيهقي: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر وأخرج ~~الطبراني بسند جيد أنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلا عظيم البطن فقال ~~بأصبعه: لو كان في غير هذا لكان خيرا لك وأخرج البيهقي واللفظ له وأخرجه ~~الشيخان مختصرا ليؤتين يوم القيامة بالعظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن ~~عند الله جناح بعوضة اقرأوا إن شئتم * (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا) *. ~~وأخرج بن أبي الدنيا أنه (ص) أصابه جوع يوما فعمد إلى حجر فوضعه على بطنه ~~ثم قال: # ألا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة ألا رب مكرم ~~لنفسه وهو لها مهين، ألا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم وصح حديث من الاسراف ~~أن تأكل كل ما اشتهيت وأخرج البيهقي بإسناد فيه ابن لهيعة عن عائشة قالت: ~~رآني النبي صلى الله عليه وسلم وقد أكلت في اليوم مرتين فقال: يا عائشة أما ~~تحبين أن لا يكون لك شغل إلا جوفك؟ # الأكل في اليوم مرتين من الاسراف والله لا يحب المسرفين وصح كلوا واشربوا ~~والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة وأخرج ابن أبي الدنيا والطبراني في الأوسط ~~سيكون رجال من أمتي يأكلون ألوان الطعام ويشربون ألوان الشراب ويلبسون ~~ألوان الثياب ويتشدقون في الكلام فأولئك شرار أمتي. وقال لقمان لابنه: يا ~~بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة، ~~وفي الخلو عن الطعام فوائد، وفي الامتلاء مفاسد، ففي الجوع صفاء القلب ~~وإيقاد القريحة ونفاذ البصيرة، فإن الشبع يورث البلادة ويعمي القلب ويكثر ~~البخار في المعدة والدماغ كشبه السكر حتى يحتوي على معادن الفكر فيثقل ~~القلب بسببه عن الجريان في الأفكار. ومن فوائده كسر شهوة المعاصي كلها، ~~والاستيلاء على النفس الامارة بالسوء، فإن منشأ المعاصي كلها الشهوات ~~والقوى ومادة القوى الشهوات، والشهوات لا محالة الأطعمة، فتقليلها يضعف كل ~~شهوة وقوة، وإنما السعادة كلها في أن يملك الرجل نفسه، والشقاوة كلها في أن ~~تملكه نفسه. قال ذو النون: ما شبعت قط إلا عصيت أو هممت بمعصية. ms1294 وقالت ~~عائشة رضي الله عنها: أول بدعة حدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الشبع إن القوم لما شبعت بطونهم جمحت بهم نفوسهم إلى الدنيا. ويقال: الجوع ~~PageV04P179 # خزانة من خزائن الله، وأول ما يندفع بالجوع شهوة الفرج وشهوة الكلام فإن ~~الجائع لا تتحرك عليه شهوة فضول الكلام فيتخلص من آفات اللسان، ولا تتحرك ~~عليه شهوة الفرج فيتخلص من الوقوع في الحرام. ومن فوائده قلة النوم فإن أكل ~~كثير شرب كثيرا فنام طويلا وفي كثرة النوم خسران الدارين وفوات كل منفعة ~~دينية ودنيوية. وعد الغزالي في الاحياء عشر فوائد لتقليل الطعام وعد عشر ~~مفاسد للتوسيع منه، فلا ينبغي للعبد أن يعود نفسه ذلك فإنها تميل به إلى ~~الشره ويصعب تداركها، وليرضها من أول الأمر على السداد، فإن ذلك أهون له من ~~أن يجرئها على الفساد، وهذا أمر لا يحتمل الإطالة إذ هو من الأمور ~~التجريبية التي قد جربها كل انسان. والتجربة من أقسام البرهان. # 10 - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل ~~بني آدم خطأ) أي كثيرو الخطأ إذ هو صيغة مبالغة (وخير الخطائين التوابون ~~أخرجه، الترمذي وابن ماجة وسنده قوي). والحديث دال على أنه لا يخلو من ~~الخطيئة انسان لما جبل عليه هذا النوع من الضعف وعدم الانقياد لمولاه في ~~فعل ما إليه دعاه وتر ك ما عنه نهاه، ولكنه تعالى بلطفه فتح باب التوبة ~~لعباده، وأخبر أن خير الخطائين التوابون المكثرون للتوبة على قدر كثرة ~~الخطأ، وفي الأحاديث أدلة على أن العبد إذا عصى الله وتاب تاب الله عليه ~~ولا يزال كذلك ولن يهلك على الله إلا هالك. وقد خص من هذا العموم يحيى بن ~~زكريا عليه السلام فإنه قد ورد أنه ما هم بخطيئة. وروي أنه لقيه إبليس ومعه ~~معاليق من كل شئ فسأله عنها فقال: هي الشهوات التي أصيب بها بني آدم فقال: ~~هل لي فيها شئ؟ قال: # ربما شبعت فشغلناك عن الصلاة والذكر قال: هل غير ذلك، قال: ms1295 لا قال: لله ~~علي أن لا أملا بطني من طعام أبدا فقال إبليس: لله علي أن لا أنصح مسلما ~~أبدا. # 11 - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): الصمت حكمة وقليل ~~فاعله أخرجه البيهقي في الشعب بسند ضعيف وصحح أنه موقوف من قول لقمان عليه ~~السلام. وسببه أن لقمان دخل على داود عليه السلام فرآه يسرد درعا لم يكن ~~رآها قبل ذلك، فجعل يتعجب مما رأى فأراد أن يسأله عن ذلك فمنعته حكمته عن ~~ذلك فترك ولم يسأله، فلما فر قام داود ولبسها ثم قال: نعم الدرع للحرب فقال ~~لقمان: الصمت حكمة - الحديث. وقيل: تردد إليه سنة وهو يريد أن يعلم ذلك ولم ~~يسأله. وفيه دليل على حسن الصمت ومدحه، والمراد به عن فضول الكلام. وقد ~~وردت عدة أحاديث دالة على مدح الصمت، ومدحه العقلاء والشعراء وفي الحديث من ~~صمت نجا وقال عقبة بن عامر: # قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما النجاة؟ قال: أمسك عليك لسانك ~~الحديث، وقال صلى الله عليه وسلم: من تكفل لي بما بين لحييه ورجليه أتكفل ~~له بالجنة وقال معاذ رضي PageV04P180 # الله عنه له صلى الله عليه وسلم: أنؤاخذ بما نقول؟ قال: ثكلتك أمك وهل ~~يكب الناس على مناخره إلا حصائد ألسنتهم؟ وقال صلى الله عليه وسلم: من كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت والأحاديث فيه واسعة جدا ~~والآثار عن السلف كذلك. # واعلم أن فضول الكلام لا تنحصر، بل المهم محصور في كتاب الله تعالى حيث ~~قال * (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين ~~الناس) * وآفاته لا تنحصر فعد منها الخوض في الباطل وهو الحكاية للمعاصي من ~~مخالطة النساء ومجالس الخمر ومواقف الفساق وتنعم الأغنياء وتجبر الملوك ~~ومراسمهم المذمومة وأحوالهم المكروهة، فإن كل ذلك مما لا يحل الخوض فيه ~~فهذا حرام، ومنها الغيبة والنميمة وكفى بهما هلاكا في الدين ومنها المراء ~~والمجادلة والمزاح، ومنه الخصومة والسب والفحش وبذاءة اللسان والاستهزاء ms1296 ~~بالناس والسخرية والكذب. وقد عد الغزالي في الاحياء عشرين آفة، وذكر في كل ~~آفة كلاما بسيطا حسنا وذكر علاج هذه الآفات. # باب الترهيب من مساوئ الأخلاق 1 - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله (ص): إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ~~أخرجه أبو داود ولابن ماجة من حديث أنس نحوه. إياكم ضمير منصوب على التحذير ~~والمحذر منه الحسد. # وفي الحسد أحاديث وآثار كثيرة، ويقال: كان أول ذنب عصي الله به الحسد، ~~فإنه أمر إبليس بالسجود لآدم فحسده فامتنع عنه فعصى الله فطرده، وتولد من ~~طرده كل بلاء وفتنة عليه وعلى العباد، والحسد لا يكون إلا على نعمة، فإذا ~~أنعم الله على أخيك نعمة فلك فيها حالتان، إحداهما: أن تكره تلك النعمة ~~وتحب زوالها وهذه الحالة تسمى حسدا. الثانية أن لا تحب زوالها ولا تكره ~~وجودها ودوامها له ولكن تريد لنفسك مثلها فهذا يسمى غبطة، فالأول حرام على ~~كل حال إلا نعمة على فاجر أو كافر وهو يستعين بها على تهييج الفتنة وإفساد ~~ذا ت البين وإيذاء العباد، فهذه لا يضرك كراهتك لها ولا محبتك زوالها فإنك ~~لم تحب زوالها من حيث هي نعمة بل من حيث هي آلة للفساد. ووجه تحريم الحسد ~~مع ما علم من الأحاديث أنه تسخط لقدر الله تعالى وحكمته في تفضيل بعض عباده ~~على بعض. ولذا قيل: # ألا قل لمن كان لي حاسدا * أتدري على من أسأت الأدب أسأت على الله في ~~فعله * لأنك لم ترض لي ما وهب ثم الحاسد إن وقع له الخاطر بالحسد فدفعه ~~وجاهد نفسه في دفعه فلا إثم عليه، بل لعله مأجور في مدافعة نفسه، فإن سعى ~~في زوال نعمة المحسود فهو باغ، وإن لم يسمع ولم يظهره لمانع العجز، فإن كان ~~بحيث لو أمكنه لفعل فهو مأزور وإلا فلا، أي لا وزر عليه لأنه لا يستطيع دفع ~~الخواطر النفسانية فيكفيه في مجاهدتها أن لا يعمل بها ولا يعزم على العمل ~~بها. # وفي الاحياء: ms1297 فإن كان بحيث لو ألقي الامر إليه ورد إلى اختياره لسعى في ~~إزالة النعمة فهو PageV04P181 # حسود حسدا مذموما، وإن كان نزعه التقوى عن إزالة ذلك فيعفى عنه ما يجده ~~في نفسه من ارتياحه إلى زوال النعمة من محسوده مهما كان كاره لذلك من نفسه ~~بعقله ودينه. وهذا التفصيل يشير إليه ما أخرجه عبد الرزاق مرفوعا: ثلاث لا ~~يسلم منهن أحد: الطيرة والظن والحسد. قيل: فما المخرج منها يا رسول الله؟ ~~قال: إذا تطيرت فلا ترجع وإذا ظننت فلا تحقق وإذا حسدت فلا تبغ وأخرج أبو ~~نعيم كل ابن آدم حسود ولا يضر حاسدا حسده ما لم يتكلم باللسان أو يعمل ~~باليد وفي معناه أحاديث لا تخلو عن مقال. # وفي الزواجر لابن حجر الهيثمي: إن الحسد مراتب: وهي إما محبة زوال نعمة ~~الغير وإن لم تنتقل إلى الحاسد وهذا غاية الحسد، أو مع انتقالها إليه أو ~~انتقال مثلها إليه، وإلا أحب زوالها لئلا يتميز عليه أو لا مع محبة زوالها، ~~وهذا الأخير هو المعفو عنه من الحسد إن كان في الدنيا والمطلوب إن كان في ~~الدين انتهى، وهذا القسم الأخير يسمى غيرة، فإن كان في الدين فهو المطلوب ~~وعليه حمل ما رواه الشيخان من حديث ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به ~~آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفق منه آناء الليل ~~وآناء النهار، والمراد أنه يغار ممن اتصف بهاتين الصفتين فيقتدي به محبة ~~للسرور في هذا المسلك ولعل تسميته حسدا مجازا. والحديث دليل على تحريم ~~الحسد، وأنه من الكبائر. ونسبة الأكل إليه مجاز من باب الاستعارة. وقوله ~~كما تأكل النار الحطب تحقيق لذهاب الحسنات بالحسد كما يذهب الحطب بالنار ~~ويتلاشى جرمه. # واعلم أن دواء الحسد الذي يزيله عن القلب معرفة الحاسد أنه لا يضر بحسده ~~المحسود في الدين ولا في الدنيا وأنه يعود وبال حسده عليه في الدارين إذ لا ~~تزول ms1298 نعمة بحسد قط، وإلا لم تبق لله نعمة على أحد حتى نعمة الايمان لان ~~الكفار يحبون زواله عن المؤمنين، بل المحسود يتمتع بحسنات الحاسد لأنه ~~مظلوم من جهة، سيما إذا أطلق لسانه بالانتقاص والغيبة وهتك الستر وغيرها من ~~أنواع الايذاء، فيلقى الله مفلسا من الحسنات محروما من نعمة الآخرة، كما ~~حرم من نعمة سلامة الصدر وسكون القلب والاطمئنان في الدنيا، فإذا تأمل ~~العاقل هذا عرف أنه جر لنفسه بالحسد كل غم ونكد في الدنيا والآخرة. # 2 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): ليس الشديد ~~بالصرعة) بضم الصاد المهملة وفتح الراء وبالعين المهملة على زنة همزة صيغة ~~مبالغة أي كثير الصرع (إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب متفق عليه). ~~المراد بالشديد هنا: شد القوة المعنوية وهي مجاهدة النفس وإمساكها عند الشر ~~ومنازعتها للجوارح للانتقام ممن أغضبها، فإن النفس في حكم الأعداء ~~الكثيرين، وغلبتها عما تشتهيه في حكم من هو شديد القوة في غلبة الجماعة ~~الكثيرين فيما يريدونه منه. وفيه إشارة إلى أن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة ~~العدو لأنه صلى الله عليه وسلم جعل الذي يملك نفسه عند PageV04P182 # الغضب أعظم الناس قوة. وحقيقة الغضب حركة النفس إلى خارج الجسد لإرادة ~~الانتقام والحديث فيه إرشاد إلى أن من أغضبه أمر وأرادت النفس المبادرة إلى ~~الانتقام ممن أغضبه أن يجاهدها ويمنعها عما طلبت. والغضب غريزة في الانسان ~~فمهما قصد أو نوزع في غرض ما اشتعلت نار الغضب وثارت حتى يحمر الوجه ~~والعينان من الدم، لان البشرة تحكي لون ما وراءها، وهذا إذا غضب على من ~~دونه واستشعر القدرة عليه، وإن كان ممن فوقه تولد منه انقباض الدم من ظاهر ~~الجلد إلى جوف القلب فيصفر اللون، وإن كان على النظير تردد الدم بين انقباض ~~وانبساط فيحمر ويصفر، والغضب يترتب عليه تغير الباطن والظاهر كتغير اللون ~~والرعدة في الأطراف وخروج الأفعال على غير ترتيب، واستحالة الخلقة حتى لو ~~رأى الغضبان نفسه في حالة غضبه لسكن غضبه حياء من قبح ms1299 صورته واستحالة ~~خلقته، هذا في الظاهر، وأما في الباطن فقبحه أشد من الظاهر، لأنه يولد حقدا ~~في القلب وإضمار السوء على اختلاف أنواعه، بل قبح باطنه متقدم على تغير ~~ظاهره، فإن تغير الظاهر ثمرة تغير الباطن فيظهر على اللسان الفحش والشتم، ~~ويظهر في الأفعال بالضرب والقتل وغير ذلك من المفاسد. # وقد ورد في الأحاديث دواء هذا الداء. فأخرج ابن عساكر موقوفا الغضب من ~~الشيطان والشيطان خلق من النار، والماء يطفئ النار فإذا غضب أحدكم فليغتسل ~~وفي رواية فليتوضأ وأخرج ابن أبي الدنيا إذا غضب أحدكم فقال: أعوذ بالله ~~سكن غضبه وأخرج أحمد إذا غضب أحدكم فليسكت وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان: ~~إذا غضب أحدكم فليجلس فإذا ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع وأخرج أبو الشيخ ~~الغضب من الشيطان فإذا وجده أحدكم قائما فليجلس وإن وجده جالسا فليضطجع. ~~والنهي متوجه إلى الغضب على غير الحق، وقد بوب البخاري باب ما يجوز من ~~الغضب والشدة لأمر الله وقد قال تعالى: * (جاهد الكفار والمشركين وأغلظ ~~عليهم) * وذكر خمسة أحاديث في كل منها غضبه صلى الله عليه وسلم في أسباب ~~مختلفة راجعة إلى أن كل ذلك كان لأمر الله وإظهار الغضب فيه منه صلى الله ~~عليه وسلم ليكون أوكد وقد ذكر تعالى في موسى وغضبه لما عبد قومه العجل ~~وقال: * (ولما سكت عن موسى الغضب) *. # 3 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): الظلم ظلمات ~~يوم القيامة متفق عليه. الحديث من أدلة تحريم الظلم وهو يشمل جميع أنواعه، ~~سواء كان في نفس أو مال أو عرض، في حق مؤمن أو كافر أو فاسق. والاخبار عنه ~~بأنه ظلمات يوم القيامة فيه ثلاثة أقوال: قيل: هو على ظاهره فيكون ظلمات ~~على صاحبه لا يهتدي يوم القيامة سبيلا حيث يسعى نور المؤمنين يوم القيامة ~~بين أيديهم وبأيمانهم، وقيل إنه أريد بالظلمات الشدائد وبه فسر قوله تعالى: ~~* (قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر) * أي من شدائدها، وقيل: إنه كناية ~~عن النكال والعقوبات. # 4 ms1300 - (وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): اتقوا PageV04P183 # الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم ~~أخرجه مسلم. في الشح وفي التفرقة بينه وبين البخل أقوال، فقيل في تفسير ~~الشح إنه أشد من البخل وأبلغ في المنع من البخل، وقيل: هو البخل مع الحرص، ~~وقيل البخل في بعض الأمور والشح عام، وقيل: البخل بالمال خاصة والشح بالمال ~~والمعروف وقيل الشح الحرص على ما ليس عنده والبخل بما عنده. وقوله: فإنه ~~أهلك من كان قبلكم يحتمل أن يريد الهلاك الدنيوي المفسر بما بعده في تمام ~~الحديث وهو قوله: حملهم على أن يسفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم وهذا هلاك ~~دنيوي، والحامل لهم هو شحهم على حفظ المال وجمعه وازدياده وصيانته عن ذهابه ~~في النفقات، فضموا إليه مال الغير صيانة له، ولا يدرك مال الغير إلا بالحرب ~~والعصبية المفضية إلى القتل واستحلال المحارم، ويحتمل أن يراد به الهلاك ~~الأخروي، فإنه يتفرع عما اقترفوه من ارتكاب هذه المظالم، والظاهر حمله على ~~الامرين واعلم أن الأحاديث في ذم الشح والبخل كثيرة، والآيات القرآنية ~~كقوله تعالى: * (والذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، ومن يبخل فإنما يبخل ~~على نفسه) * * (ولا تحسبن الذين يبخلون بما اتاهم الله من فضله هو خيرا لهم ~~بل هو شر لهم) * * (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) * في الحديث ثلاث ~~مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب كل ذي رأي برأيه أخرجه الطبراني في ~~الأوسط وفيه زيادة، وفي الدعاء النبوي: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن - ~~إلى قوله - والبخل أخرجه الشيخان، وقال صلى الله عليه وسلم: شر ما في الرجل ~~شح هالع، وجبن خالع أخرجه البخاري في التاريخ وأبو داود عن أبي هريرة ~~مرفوعا، والآثار فيه كثيرة فإن قلت: وما حقيقة البخل المذموم؟ وما من أحد ~~إلا وهو يرى نفسه أنه غير بخيل ويرى غيره بخيلا، وربما صدر فعل من انسان ~~فاختلف فيه الناس فيقول جماعة: إنه بخيل ويقول آخرون: ليس بخيلا فماذا حد ~~البخل الذي ms1301 يوجب الهلاك وما حد البذل يستحق العبد به صفة السخاوة وثوابها؟. ~~قلت: السخاء: هو أن يؤدي ما أوجب عليه، والواجب واجبان: واجب الشرع: وهو ما ~~فرضه الله تعالى من الزكاة والنفقات لمن يجب عليه إنفاقه وغير ذلك، وواجب ~~المروءة والعادة. والسخي هو الذي لا يمنع واجب الشرع ولا واجب المروءة، فإن ~~منع واحدا منهما فهو يخيل، لكن الذي يمنع واجب الشرع أبخل، فمن أعطى زكاة ~~ماله مثلا ونفقة عياله بطيبة نفسه ويتيمم الخبيث من ماله في حق الله فهو ~~سخي. والسخاء في المروءة أن يترك المضايقة والاستقصاء في المحقرات فإن ذلك ~~مستقبح ويختلف استقباحه باختلاف الأحوال والاشخاص، وتفصيله يطول فمن أراد ~~استيفاء ذلك راجع الاحياء للغزالي رحمه الله. # واعلم أن البخل داء له دواء وما أنزل الله من داء إلا وله دواء، وداء ~~البخل أمران الأول: حب الشهوات التي لا يتوصل إليها إلا بالمال وطول الأمل، ~~والثاني: حب ذات المال والشغف به وببقائه لديه، فإن الدنانير مثلا رسول ~~تنال به الحاجات والشهوات فهو محبوب لذلك ثم صار محبوبا لنفسه، لان الموصل ~~إلى اللذات لذيذ، فقد ينسى الحاجات والشهوات وتصير الدنانير PageV04P184 # عنده هي المحبوبة وهذا غاية الضلال، فإنه لا فرق بين الحجر وبين الذهب ~~إلا من حيث إنه تقضى به الحاجات، فهذا سبب حب المال، ويتفرع منه الشح. ~~وعلاجه بضده، فعلاج الشهوات القناعة باليسير وبالصبر، وعلاج طول الأمل ~~الاكثار من ذكر الموت وذكر موت الاقران والنظر في ذكر طول تعبهم في جمع ~~المال ثم ضياعه بعدهم وعدم نفعه لهم. وقد يشح بالمال شفقة على من بعده من ~~الأولاد، وعلاجه أن يعلم أن الله هو الذي خلقهم فهو يرزقهم وينظر في نفسه ~~فإنه ربما لم يخلف أبوه له فلسا، ثم ينظر ما أعد الله عز وجل لمن ترك الشح ~~وبذل من ماله في مرضاة الله، وينظر في الآيات القرآنية الحاثة على الجود ~~المانعة عن البخل، ثم ينظر في عواقب البخل في الدنيا، فإنه لا بد لجامع ~~المال من آفات تخرجه على رغم ms1302 أنفه، فالسخاء خير كله ما لم يخرج إلى حد ~~الاسراف المنهي عنه. وقد أدب الله عباده أحسن الآداب فقال * (والذين إذا ~~أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) * فخيار الأمور أوسطها ~~وخلاصته أنه إذا وجد العبد المال أنفقه في وجوه المعروف بالتي هي أحسن ~~ويكون بما عند الله أوثق منه بما هو لديه، وإن لم يكن لديه مال لزم القناعة ~~والتكفف وعدم الطمع. 5 - (وعن محمود بن لبيد رضي الله عنه هو محمود بن لبيد ~~الأنصاري الأشهلي. # ولد على عهد رسول الله (ص) وحدث عنه أحاديث، قال البخاري: له صحبة وقال ~~أبو حاتم: لا تعرف له صحبة، وذكره مسلم في التابعين، قال ابن عبد البر: ~~الصواب قول البخاري وهو أحد العلماء ما ت سنة ست وتسعين، قال, قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر كأنه قيل: ما ~~هو؟ فقال (ص): الرياء أخرجه أحمد بإسناد حسن الرياء مصدر راءى ومصدره يأتي ~~على بناء مفاعلة وفعال وهو مهموز العين لأنه من الرؤية ويجوز تخفيفها ~~بقلبها ياء وحقيقته لغة أن يرى غيره خلاف ما هو عليه وشرعا أن يفعل الطاعة ~~ويترك المعصية مع ملاحظة غير الله أو يخبر بها أو يجب أن يطلع عليها لمقصد ~~دنيوي من مال أو نحوه. وقد ذمه الله في كتابه وجعله من صفات المنافقين في ~~قوله: * (يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا) * وقال: * (فمن كان يرجو ~~لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) * وقال * (فويل ~~للمصلين) * - إلى قوله - [اي [* (الذين هم يراءون) * وورد فيه من الأحاديث ~~الكثيرة الطيبة الدالة على عظمة عقاب المرائي فإنه في الحقيقة عابد لغير ~~الله، وفي الحديث القدسي: يقول الله تعالى من عمل عملا أشرك فيه غيري فهو ~~له كله وأنا عنه برئ وأنا أغنى الأغنياء عن الشرك. # واعلم أن الرياء يكون بالبدن وذلك بإظهار النحول والاصفرار ليوهم بذلك ~~شدة الاجتهاد والحزن على أمر الدين وخوف الآخرة، وليدل بالنحول على قلة ms1303 ~~الأكل وبتشعث الشعر ودرن الثوب يوهم أن همه بالدين ألهاه عن ذلك وأنواع هذا ~~واسعة وهو معنى أنه من أهل الدين ويكون في القول بالوعظ في المواقف ويذكر ~~حكايات الصالحين ليدل على عنايته بأخبار السلف وتبحره في العلم ويتأسف على ~~مقارفة الناس للمعاصي والتأوه من ذلك والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~بحضرة الناس والرياء بالقول لا تنحصر أبوابه، وقد تكون المراءاة بالأصحاب ~~والاتباع PageV04P185 # والتلاميذ فيقال: فلان متبوع قدوة والرياء باب واسع إذا عرفت ذلك فبعض ~~أبواب الرياء أعظم م بعض لاختلافه باختلاف أركانه وهي ثلاثة المرائي به ~~والمرائي لأجله ونفس قصد الرياء فقصد الرياء لا يخلو من أن يكون مجردا عن ~~قصد الثواب أو مصحوبا بإرادته، والمصحوب بإرادة الثواب لا يخلو عن أن تكون ~~إرادة الثواب أرجح أو أضعف أو مساوية فكانت أربع صور، الأولى أن لا يكون ~~قصد الثواب بل فعل الصلاة مثلا ليراه غيره، وإذا انفرد لا يفعلها وأخرج ~~الصدقة لئلا يقال: إنه بخيل، وهذا أغلظ أنواع الرياء وأخبثها وهو عبادة ~~للعباد ، الثانية قصد الثواب لكن قصدا ضعيفا بحيث إنه لا يحمله على الفعل ~~إلا مراءاة العباد ولكنه قصد الثواب فهذا كالذي قبله، الثالثة تساوي ~~القصدان بحيث لم يبعثه على الفعل إلا مجموعهما ولو خلى عن كل واحد منهما لم ~~يفعله فهذا تساوي صلاح قصده وفساده فلعله يخرج رأسا برأس لا له ولا عليه، ~~الرابعة أن يكون اطلاع الناس راجحا أو مقويا لنشاطه ولو لم يكن لما ترك ~~العبادة. قال الغزالي: والذي نظنه والعلم عند الله أنه لا يحبط أصل الثواب ~~ولكنه ينقص ويعاقب على مقدار قصد الرياء ويثاب على مقدار قصد الثواب، وحديث ~~أنا أغنى الأغنياء عن الشرك محمول على ما إذا تساوى القصدان أو أن قصد ~~الرياء أرجح، وأما المرائي به وهو الطاعات فيقسم إلى الرياء بأصول العبادات ~~وإلى الرياء بأوصافها وهو ثلاث درجات: الرياء بالايمان وهو إظهار كلمة ~~الشهادة وباطنه مكذب فهو مخلد في النار في الدرك الأسفل منها وفي هؤلاء ~~أنزل الله تعالى: * (إذا ms1304 جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله ~~يعلم إنك لرسوله) * وقريب منهم الباطنية الذين يظهرون الموافقة في الاعتقاد ~~ويبطنون خلافه، ومنهم الرافضة أهل التقية الذين يظهرون لكل فريق أنهم منهم ~~تقية. والرياء بالعبادات كما قدمناه، وهذا إذا كان الرياء في أصل المقصد ~~وأما إذا عرض الرياء بعد الفراغ من فعل العبادة لم يؤثر فيه إلا إذا ظهر ~~العمل للغير وتحدث به. وقد أخرج الديلمي مرفوعا إن الرجل ليعمل عملا سرا ~~فيكتبه الله عنده سرا فلا يزال به الشيطان حتى يتكلم به فيمحى من السر ~~ويكتب علانية فإن عاد تكلم الثانية محى من السر والعلانية وكتب رياء وأما ~~إذ قارن باعث الرياء باعث العبادة ثم ندم في أثناء العبادة فأوجب البعض من ~~العلماء الاستئناف لعدم انعقادها. وقال بعضهم: يلغو جميع ما فعله إلا ~~التحريم، وقال بعض: # يصح لان النظر إلى الخواتم كما لو ابتدأ بالاخلاص وصحبه الرياء من بعده، ~~قال الغزالي: # والقولان الآخران خارجان عن قياس الفقه. وقد أخرج الواحدي في أسباب ~~النزول جواب جندب بن زهير لما قال للنبي (ص) إني أعمل العمل لله وإذا اطلع ~~عليه سرني فقال (ص): لا شريك لله في عبادته وفي رواية إن الله لا يقبل ما ~~شورك فيه رواه ابن عباس، وروي عن مجاهد أنه جاء رجل إلى النبي (ص) فقال: ~~إني أتصدق وأصل الرحم ولا أصنع ذلك إلا لله فيذكر ذلك مني فيسرني وأعجب به. ~~فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم له شيئا حتى نزلت الآية يعني قوله تعالى: ~~* (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) *. ~~ففي الحديث دلالة على أن السرور PageV04P186 # بالاطلاع على العمل رياء، ولكنه يعارضه ما أخرجه الترمذي من حديث أبي ~~هريرة وقال: # حديث غريب قال: قلت: يا رسول الله بينا أنا في بيتي في صلاتي إذ دخل علي ~~رجل فأعجبني الحال التي رآني عليها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لك ~~أجران، وفي الكشاف من حديث جند ب أنه صلى ms1305 الله عليه وسلم قال له: لك أجران ~~أجر السر وأجر العلانية وقد يرجح هذا الظاهر قوله تعالى: * (ومن الاعراب من ~~يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول) * ~~فدل على أن محبة الثناء من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنافي الاخلاص ~~ولا تعد من الرياء. ويتأول الحديث الأول بأن المراد بقوله إذا اطلع عليه ~~سرني لمحبته للثناء عليه، فيكون الرياء في محبته للثناء على العمل وإن لم ~~يخرج العمل عن كونه خالصا، وحديث أبي هريرة ليس فيه تعرض لمحبة الثناء من ~~المطلع عليه. # وإنما هو مجرد محبة لما يصدر عنه وعلم به غيره. ويحتمل أن يراد بقوله ~~فيعجبه أي يعجبه شهادة الناس له بالعمل الصالح لقوله صلى الله عليه وسلم: ~~أنتم شهداء الله في الأرض وقال الغزالي: أما مجرد السرور باطلاع الناس إذا ~~لم يبلغ أمره بحيث يؤثر في العمل فبعيد أن يفسد العبادة. # 6 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~آية المنافق) أي علامة نفاقه (ثلاث: إذ حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن ~~خان متفق عليه). وقد ثبت عند الشيخين من حديث عبد الله بن عمر رابعة وهي ~~وإذا خاصم فجر والمنافق من يظهر الايمان ويبطن الكفر. وفي الحديث دليل على ~~أن من كانت فيه خصلة من هذه كانت فيه خصلة من النفاق، فإن كانت في هذه كلها ~~فهو منافق وإن كان موقنا مصدقا بشرائع الاسلام. وقد استشكل الحديث بأن هذه ~~الخصال قد توجد في المؤمن المصدق القائم بشرائع الدين، ولما كان كذلك اختلف ~~العلماء في معناه، قال النووي: قال المحققون والأكثرون - وهو الصحيح ~~المختار -: أن هذه الخصال هي خصال المنافقين، فإذا اتصف بها أحد من ~~المصدقين أشبه المنافق فيطلق عليه اسم النفاق مجازا، فإن النفاق هو إظهار ~~ما يبطن خلافه، وهو موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه في حق من حدثه ~~ووعده وأتمنه وخاصمه وعاهده من الناس، لا أنه منافق في الاسلام ms1306 وهو يبطن ~~الكفر، وقيل: إن هذا كان في حق المنافقين الذين كانوا في أيامه صلى الله ~~عليه وسلم تحدثوا بإيمانهم فكذبوا، وأتمنوا على رسلهم فخانوا، ووعدوا في ~~الدين بالنصر فغدروا وأخلفوا، وفجروا في خصوماتهم، وهذا قول سعيد بن جبير ~~وعطاء بن أبي رباح ورجع إليه الحسن بعد أن كان على خلافه، وهو مروي عن ابن ~~عباس وابن عمر وروياه عن النبي (ص)، قال القاضي عياض: وإليه مال كثير من ~~الفقهاء. # وقال الخطابي عن بعضهم: إنه ورد الحديث في رجل معين، وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يواجههم بصريح القول فيقول فلان منافق وإنما يشير إشارة. وحكى ~~الخطابي أن PageV04P187 # معناه التحذير للمسلم أن يعتاد هذه الخصال التي يخاف عليه منها أن تفضي ~~به إلى حقيقة النفاق، وأيد هذا القول بقصة ثعلبة الذي قال فيه تعالى: * ~~(فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله وما وعدوه وبما ~~كانوا يكذبون) * فإنه آل به خلف الوعد والكذب إلى الكفر فيكون الحديث ~~للتحذير من التخلق بهذه الأخلاق التي تؤول بصاحبها إلى النفاق الحقيقي ~~الكامل. # 7 - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # سباب بكسر السين المهملة مصدر سبه المسلم فسوق وقتاله كفر. متفق عليه) ~~السب لغة الشتم والتكلم في أعراض الناس بما لا يعني كالسباب والفسوق مصدر ~~فسق، وهو لغة الخروج وشرعا الخروج من طاعة الله، وفي مفهوم قوله المسلم ~~دليل على جواز سب الكافر، فإن كان معاهدا فهو أذية له وقد نهى عن أذيته فلا ~~يعمل بالمفهوم في حقه، وإن كان حربيا جاز سبه، إذ لا حرمة له، وأما الفاسق ~~فقد اختلف العلماء في جواز سبه بما هو مرتكب له من المعاصي، فذهب الأكثر ~~إلى جوازه لان المراد بالمسلم في الحديث الكامل الاسلام والفاسق ليس كذلك ~~وبحديث: اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس، وهو حديث ضعيف وأنكره أحمد، ~~وقال البيهقي: ليس بشئ فإن صح حمل على فاجر معلن فجوره أو يأتي بشهادة أو ~~يعتمد عليه، فيحتاج ms1307 إلى بيان حالة لئلا يقع الاعتماد عليه انتهى كلام ~~البيهقي، ولكنه أخرج الطبراني في الأوسط الصغير بإسناد حسن رجاله موثوقون، ~~وأخرجه في الكبير أيضا من حديث معاوية بن حيدة قال: خطبهم رسول الله (ص) ~~فقال: حتى متى ترعوون عن ذكر الفاجر اهتكوه حتى يحذره الناس، وأخرجه ~~البيهقي من حديث أنس بإسناد ضعيف: من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له، وأخرج ~~مسلم: كل أمتي معافى إلا المجاهرون، وهم الذين جاهروا بمعاصيهم فهتكوا ما ~~ستر الله عليهم فيبيحون بها بلا ضرورة ولا حاجة، والأكثر يقولون بأنه يجوز ~~أن يقال للفاسق: يا فاسق، ويا مفسد، وكذا في غيبته بشرط قصد النصيحة له أو ~~لغيره بيان حاله أو للزجر عن صنيعه لا لقصد الوقيعة فيه، فلا بد من قصد ~~صحيح إلا أن يكون جوابا لمن يبدأه بالسب فإنه يجوز له الانتصار لنفسه لقوله ~~تعالى: * (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل) * ولقوله (ص): ~~المتاسبان ما قالا فعلى البادي ما لم يعتد المظلوم أخرجه مسلم ولكنه لا ~~يجوز أن يعتدي ولا سيبه بأمر كذب. قال العلماء: # وإذا انتصر المسبوب استوفى ظلامته وبرئ الأول من حقه وبقي عليه إثم ~~الابتداء والاثم المستحق لله تعالى، وقيل: برئ من الاثم ويكون على البادي ~~اللوم والذم لا الاثم. ويجوز في حال الغضب لله تعالى لقوله (ص) لأبي ذر: ~~إنك امرؤ فيك جاهلية وقول عمر في قصة حاطب دعني أضرب عنق هذا المنافق وقول ~~أسيد لسعد: إنما أنت منافق تجادل عن المنافقين ولم ينكر (ص) هذه الأقوال ~~وهي بمحضرة. PageV04P188 # وقوله (ص): وقتاله كفر دال على أنه يكفر من يقاتل المسلم بغير حق وهو ~~ظاهر فيمن استحل قتل المسلم أو قاتله حال إسلامه، وأما إذا كانت المقاتلة ~~لغير ذلك فإطلاق الكفر عليه مجازا ويراد به كفر النعمة والاحسان وأخوة ~~الاسلام لا كفر الجحود، وسماه كفرا لأنه قد يؤول به ما يحصل من المعاصي من ~~الرين على القلب حتى يعمى عن الحق فقد يصير كفرا أو إنه كفعل الكافر الذي ms1308 ~~يقاتل المسلم. # 8 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث متفق عليه المراد بالتحذير من الظن ~~بالمسلم شرا نحو قوله: * (اجتنبوا كثيرا من الظن) * والظن هو: ما يخطر ~~بالنفس من التجويز المحتمل للصحة والبطن فيحكم به ويعتمد عليه، كذا فسر ~~الحديث في مختصر النهاية. # وقال الخطابي: المراد التهمة ومحل التحذير، والنهي إنما هو عن التهمة ~~التي لا سبب لما يوجبها، كمن اتهم بالفاحشة ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك. ~~وقال النووي: والمراد التحذير من تحقيق التهمة والاصرار عليها وتقررها في ~~النفس دون ما يعرض ولا يستقر فإن هذا لا يكلف به، كما في الحديث تجاوز الله ~~عما تحدثت به الأمة أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل ونقله عياض عن سفيان. ~~والحديث وارد في حق من لم يظهر منه شتم ولا فحش ولا فجور، ويقيد إطلاقه ~~حديث احترسوا من الناس بسوء الظن أخرجه الطبراني في الأوسط والبيهقي ~~والعسكري من حديث أنس مرفوعا، قال البيهقي: تفرد به بقية، وأخرج الديلمي عن ~~علي رضي الله عنه موقوفا: يحرم سوء الظن وأخرجه القضاعي مرفوعا من حديث عبد ~~الرحمن بن عائذ مرسلا، وكل طرقه ضعيفة، وبعضها يقوي بعضا ويدل على أن لها ~~أصلا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: أخوك البكري ولا تأمنه أخرجه الطبراني ~~في الأوسط عن عمر وأبو داود عن عمرو بن الفعواء. وقد قسم الزمخشري الظن إلى ~~واجب ومندوب وحرام ومباح، فالواجب: حسن الظن بالله، والحرام: سوء الظن به ~~تعالى وبكل من ظاهره العدالة من المسلمين، وهو المراد بقوله صلى الله عليه ~~وسلم: إياكم والظن الحديث، والمندوب: حسن الظن بمن ظاهر العدالة من ~~المسلمين، والجائز: مثل قول أبي بكر لعائشة: إنما هو أخواك أو أختاك، لما ~~وقع في قلبه أن الذي في بطن امرأته اثنان. ومن ذلك سوء الظن بمن اشتهر بين ~~الناس بمخالطة الريب والمجاهرة بالخبائث، فلا يحرم سوء الظن به، لأنه قد دل ~~على نفسه، ومن ستر على نفسه لم ms1309 يظن به إلا خير، ومن دخل في مداخل السوء ~~اتهم، ومن هتك نفسه ظننا به السوء. والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها ~~عما سواها أن كل ما لا تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حراما واجب ~~الاجتناب، وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح، ومن عرفت ~~منه الأمانة في الظاهر، فظن الفساد والخيانة به محرم، بخلاف من اشتهر بين ~~الناس بتعاطي الريب فنقابله بعكس ذلك. ذكر معناه في الكشاف. وقوله: فإن ~~الظن PageV04P189 # أكذب الحديث سماه حديثا لأنه حديث نفس، وإنما كان الظن أكذب الحديث لان ~~الكذب مخالفة الواقع من غير استناد إلى أمارة، وقبحه ظاهر لا يحتاج إلى ~~إظهاره، وأما الظن فيزعم صاحبه أنه استند إلى شئ، فيخفى على السامع كونه ~~كاذبا بحسن الغالب فكان أكذب الحديث. # 9 - (وعن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: ما من ~~عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه ~~الجنة متفق عليه. أخرجه البخاري من رواية الحسن وفيه قصة وهي أن عبيد الله ~~بن زياد عاد معقل بن يسار في مرضه الذي مات فيه، وكان عبيد الله عاملا على ~~البصرة في إمارة معاوية وولده يزيد أخرجه الطبراني في الكبير من وجه آخر عن ~~الحسن قال: قدم إلينا عبيد الله بن زياد أميرا أمره علينا معاوية غلاما ~~سفيها يسفك الدماء سفكا شديدا وفيها معقل المزني فدخل عليه ذات يوم فقال ~~له: انته عما أراك تصنع، فقال له: وما أنت وذاك ثم خرج إلى المسجد فقال له: ~~ما كنت تصنع بكلام هذا السفيه على رؤوس الناس؟ # فقال: إنه كان عندي علم فأحببت أن لا أموت حتى أقول به على رؤوس الناس، ~~ثم مرض فدخل عليه عبيد الله يعوده فقال له معقل بن يسار: إني أحدثك حديثا ~~سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ما من عبد يسترعيه الله رعية ~~فلم يحظها بنصيحة لم يرح رائحة الجنة ولفظ رواية ms1310 المصنف وأخرج مسلم ما من ~~أمير يلي أمر المسلمين لا يجتهد معهم ولا ينصح لهم إلا لم يدخل معهم الجنة ~~ورواه الطبراني وزاد: كنصحه لنفسه، وأخرج الطبراني بإسناد حسن ما من إمام ~~ولا وال بات ليل سوداء غاشا لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة، وعرفها يوجد ~~يوم القيامة من مسيرة سبعين عاما وأخرج الحاكم وصححه من حديث أبي بكر رضي ~~الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من ولي من أمر المسلمين شيئا ~~فأمر عليهم أحدا محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا ~~حتى يدخله جهنم وأخرج أحمد والحاكم أيضا وصححه من حديث ابن عباس قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: من استعمل رجلا على عصابة وفيهم من هو أرضى ~~لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين وفي إسناده واه، إلا أن ابن نمير ~~وثقه وحسن له الترمذي أحاديث، والراعي: هو القائم بمصالح من يرعاه. وقوله ~~يوم يموت مراده أن يدركه الموت وهو غاش لرعيته غير تائب من ذلك. والغش ~~بالكسر ضد النصح، ويتحقق غشه بظلمه لهم وأخذ أموالهم وسفك دمائهم وانتهاك ~~أعراضهم واحتجابه عن خلتهم وحاجتهم وحبسه عنهم ما جعله الله لهم من مال ~~الله سبحانه، المعين للمصارف وترك تعريفهم بما يجب عليهم من أمر دينهم ~~ودنياهم، وإهمال الحدود، وردع أهل الفساد وإضاعة الجهاد وغير ذلك مما فيه ~~مصالح العباد، ومن ذلك توليته لمن لا يحوطهم، ولا يراقب أمر الله فيهم، ~~وتوليته من غيره أرضى لله منه مع وجوده. والأحاديث دالة على تحريم الغش ~~وأنه من الكبائر، لورود الوعيد عليه بعينه فإن تحريم الجنة هو وعيد ~~الكافرين في القرآن كما قال PageV04P190 # تعالى: * (فقد حرم الله عليه الجنة) * وهو على رأي من يقول بخلود أهل ~~الكبائر في النار واضح، وقد حمله من لا يرى خلود أهل الكبائر في النار على ~~الزجر والتغليظ، قال ابن بطال: هذا وعيد شديد على أئمة الجور، فمن ضيع من ~~استرعاه الله عليهم أو خانهم أو ظلمهم فقد ms1311 توجه إليه الطلب بمظالم العباد ~~يوم القيامة، فكيف يقدر على التحلل من ظلم أمة عظيمة؟ ومعنى حرم الله عليه ~~الجنة أي أنفذ عليه الوعيد ولم يرض عنه المظلومين. # 10 - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله (ص): اللهم من ولي من ~~أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه أخرجه مسلم شق عليهم: أدخل عليهم ~~المشقة أي المضرة. والدعاء عليه منه (ص) بالمشقة جزاء من جنس الفعل، وهو ~~عام لمشقة الدنيا والآخرة وتمامه ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق ~~به ورواه أبو عوانة في صحيحه بلفظ ومن ولي منهم شيئا فشق عليهم فعليه بهلة ~~الله فقالوا: يا رسول الله وما بهلة الله؟ قال: لعنة الله. والحديث دليل ~~على أنه يجب على الوالي تيسير الأمور على من وليهم والرفق بهم، ومعاملتهم ~~بالعفو والصفح، وإيثار الرخصة على العزيمة في حقهم لئلا يدخل عليهم المشقة، ~~ويفعل بهم ما يحب أن يفعل به الله. # 11 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # إذا قاتل أحدكم) أي غيره كما يدل له فاعل (فليجتنب الوجه متفق عليه) وفي ~~رواية إذا ضرب أحدكم وفي رواية فلا يلطمن الوجه. وهو دليل على تحريم ضرب ~~الوجه، وأنه يتقى فلا يضرب ولا يلطم ولو في حد من الحدود الشرعية، ولو في ~~الجهاد، وذلك لان الوجه لطيف يجمع المحاسن، وأعضاؤه لطيفة، وأكثر الادراك ~~بها، فقد يبطلها ضرب الوجه وقد ينقصها، وقد يشين الوجه والشين فيه فاحش، ~~لأنه بارز ظاهر لا يمكن ستره، ومتى أصابه ضرب لا يسلم غالبا من شين، وهذا ~~النهي عام لكل ضرب ولطم من تأديب أو غيره. # 12 - (وعنه) أي أبي هريرة (أن رجلا قال: يا رسول الله أوصني. قال: # لا تغضب فردد مرارا قال: لا تغضب أخرجه البخاري). جاء في رواية أحمد ~~تفسيره بأنه جارية - بالجيم - ابن قدامة، وجاء في حديث أنه سفيان بن عبد ~~الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي قولا أنتفع به وأقلل. قال: ms1312 لا ~~تغضب ولك الجنة وورد عن آخرين من الصحابة مثل ذلك. والحديث نهى عن الغضب ~~وهو كما قال الخطابي: نهى عن اجتناب أسباب الغضب وعدم التعرض لما يجلبه، ~~وأما نفس الغضب فلا يتأتى النهي عنه لأنه أمر جبلي. وقال غيره: وقع النهي ~~عما كان من قبيل ما يكتسب فيدفعه بالرياضة، وقيل هو نهي عما ينشأ عنه الغضب ~~وهو الكبر، لكونه يقع عند مخالفة أمر يريده فيحمله الكبر على الغضب، والذي ~~يتواضع حتى تذهب عنه عزة النفس يسلم من شر الغضب. وقيل: معناه لا تفعل ما ~~يأمرك به الغضب. قيل: إنما اقتصر صلى الله تعالى عليه وسلم على هذه اللفظة ~~لان السائل PageV04P191 # كان غضوبا. وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يفتي كل أحد بما هو أولى به، ~~قال ابن التين: # جمع النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: لا تغضب خيري الدنيا والآخرة، لان ~~الغضب يؤول إلى التقاطع، ومنع الرفق، ويؤول إلى أن يؤذي الذي غضب عليه بما ~~لا يجوز، فيكون نقصا في دينه انتهى. ويحتمل أن يكون من باب التنبيه بالأعلى ~~على الأدنى لان الغضب ينشأ عن النفس والشيطان فمن جاهدهما حتى يغلبهما مع ~~ما في ذلك من شدة المعالجة كان أملك لقهر نفسه عن غير ذلك بالأولى. وتقدم ~~كلام يتعلق بالغضب وعلاجه. # 13 - (وعن خولة الأنصارية رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة. # أخرجه البخاري. الحديث دليل على أنه يحرم على من لم يستحق شيئا من مال ~~الله، بأن يكون من المصارف التي عينها الله تعالى أن يأخذه ويتملكه، وأن ~~ذلك من المعاصي الموجبة للنار. وفي قوله: يتخوضون دلالة على أنه يقبح ~~توسعهم منه زيادة على ما يحتاجون، فإن كانوا من ولاة الأموال أبيح لهم قدر ~~ما يحتاجونه لأنفسهم من غير زيادة، وقد تقدم الكلام في ذلك. # 14 - (وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه ~~عن ms1313 ربه) من الأحاديث القدسية (قال:) الرب تبارك وتعالى: (يا عبادي إني حرمت ~~الظلم على نفسي) وأخبرنا بأنه لا يفعله في كتابه بقوله: * (وما ربك بظلام ~~للعبيد) * (وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا أخرجه مسلم). التحريم لغة: ~~المنع عن الشئ، وشرعا: ما يستحق فاعله العقاب، وهذا غير صحيح إرادته في حقه ~~تعالى بل المراد به أنه تعالى منزه متقدس عن الظلم. وأطلق عليه لفظ التحريم ~~لمشابهته الممنوع بجامع عدم الشئ، والظلم مستحيل في حقه تعالى لان الظلم في ~~عرف اللغة التصرف في غير الملك أو مجاوزة الحد وكلاهما محال في حقه تعالى، ~~لأنه المالك للعالم كله المتصرف بسلطانه في دقه وجله. وقوله: فلا تظالموا ~~تأكيد لقوله وجعلته بينكم محرما. والظلم قبيح عقلا أقره الشارع وزاده قبحا ~~وتوعد عليه بالعذاب * (وقد خاب من حمل ظلما) * وغيرها. # 15 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~أتدرون ما الغيبة؟) بكسر الغين المعجمة (قالوا: الله ورسوله أعلم قال: ذكرك ~~أخاك بما يكره قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول ~~فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته) بفتح الموحدة وفتح الهاء من البهتان ~~(أخرجه مسلم). الحديث كأنه سيق لتفسير الغيبة المذكورة في قوله تعالى: * ~~(ولا يغتب بعضكم بعضا) * ودل الحديث على حقيقة الغيبة، قال في النهاية: هي ~~أن تذكر الانسان في غيبته بسوء وإن كان فيه. قال النووي في الأذكار تبعا ~~للغزالي: ذكر المرء بما يكره سواء كان في بدن PageV04P192 # الشخص أو دينه أو دنياه أو نفسه أو خلقه أو ماله أو والده أو ولده أو ~~زوجه أو خادمه أو حركته أو طلاقته أو عبوسته أو غير ذلك مما يتعلق به ذكر ~~سوء سواء ذكر باللفظ أو بالرمز أو بالإشارة، قال النووي: ومن ذلك التعريض ~~في كلام المصنفين كقولهم قال من يدعي العلم أو بعض من ينسب إلى الصلاح أو ~~نحو ذلك مما يفهم السامع المراد به، ومنه قولهم عند ذكره: الله ms1314 يعافينا، ~~الله يتوب علينا، نسأل الله السلامة، ونحو ذلك، فكل ذلك من الغيبة. وقوله ~~ذكرك أخاك بما يكره شامل لذكره في غيبته وحضرته وإلى هذا ذهب طائفة، ويكون ~~الحديث بيانا لمعناها الشرعي. وأما معناها لغة فاشتقاقها من الغيب يدل على ~~أنها لا تكون إلا في الغيبة. # ورجح جماعة أن معناها الشرعي موافق لمعناها اللغوي، ورووا في ذلك حديثا ~~مسندا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما كرهت أن تواجه به أخاك فهو ~~غيبة فيكون هذا إن ثبت مخصصا لحديث أبي هريرة، وتفاسير العلماء دالة على ~~هذا، ففسرها بعضهم بقوله: ذكر العيب بظهر الغيب، وآخر بقوله: هي أن تذكر ~~الانسان من خلفه بسوء وإن كان فيه. نعم ذكر العيب في الوجه حرام لما فيه من ~~الأذى وإن لم يكن غيبة. وفي قوله: أخاك أي أخ الدين دليل على أن غير المؤمن ~~تجوز غيبته وتقدم الكلام في ذلك. قال ابن المنذر: في الحديث دليل على أن من ~~ليس بأخ كاليهودي والنصراني وسائر أهل الملل ومن قد أخرجته بدعته عن ~~الاسلام لا غيبة له، وفي التعبير عنه بالأخ جذب للمغتاب عن غيبته لمن يغتاب ~~لأنه إذا كان أخاه فالأولى الحنو عليه، وطي مساويه، والتأويل لمعايبه لا ~~نشرها بذكرها. وفي قوله بما يكره ما يشعر بأنه إذا كان لا يكره ما يعاب به ~~كأهل الخلاعة والمجون فإنه لا يكون غيبة. وتحريم الغيبة معلوم من الشرع ~~ومتفق عليه. وإنما اختلف العلماء هل هو من الصغائر أو الكبائر؟ فنقل ~~القرطبي الاجماع على أنها من الكبائر. واستدل لكبرها بالحديث الثابت إن ~~دماءكم وأعراضكم وأموالكم عليكم حرام وذهب الغزالي وصاحب العمدة من ~~الشافعية إلى أنها من الصغائر، قال الأوزاعي لم أر من صرح أنها من الصغائر ~~غيرهما. # وذهب المهدي إلى أنها محتملة بناء على ما لم يقطع بكبره فهو محتمل كما ~~تقوله المعتزلة. قال الزركشي: والعجب ممن يعد أكل الميتة كبيرة ولا يعد ~~الغيبة كذلك والله أنزلها منزلة أكل لحم الآدمي أي ميتا. والأحاديث في ~~التحذير ms1315 من الغيبة واسعة جدا دالة على شدة تحريمها. # واعلم أنه قد استثنى العلماء من الغيبة أمورا ستة: الأولى: التظلم فيجوز ~~أن يقول المظلوم فلان ظلمني وأخذ مالي أو أنه ظالم، ولكن إذا كان ذكره لذلك ~~شكاية على من له قدرة على إزالتها أو تخفيفها ودليله قول هند عند شكايتها ~~له صلى الله عليه وسلم من أبي سفيان أنه رجل شحيح. الثاني: الاستعانة على ~~تغيير المنكر بذكره لمن يظن قدرته على إزالته فيقول: # فلان فعل كذا، في حق من لم يكن مجاهرا بالمعصية. الثالث: الاستفتاء بأن ~~يقول للمفتي فلان ظلمني بكذا فما طريقي إلى الخلاص عنه، ودليله أنه لا يعرف ~~الخلاص عما يحرم عليه إلا بذكر ما وقع منه. الرابع: التحذير للمسلمين من ~~الاغترار، كجرح الرواة والشهود ومن يتصدر PageV04P193 # للتدريس والافتاء مع عدم الأهلية، ودليله قوله صلى الله عليه وسلم: بئس ~~أخو العشيرة وقوله صلى الله عليه وسلم أما معاوية فصعلوك وذلك أنها جاءت ~~فاطمة بنت قيس تستأذنه (ص) وتستشيره وتذكر أنه خطبها معاوية بن أبي سفيان ~~وخطبها أ أبو جهم فقال: معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع ~~عصاه عن عاتقه، ثم قال: انكحي أسامة الحديث. الخامس: ذكر من جاهر بالفسق أو ~~البدعة كالمكاسين وذوي الولايات الباطلة، فيجوز ذكرهم بما يجاهرون به دون ~~غيره، وتقدم دليله في حديث اذكروا الفاجر. السادس: التعريف بالشخص بما فيه ~~من العيب كالأعور والأعرج والأعمش ولا يرد به نقصه وغيبته، وجمعها ابن أبي ~~شريف في قوله: # الذم ليس بغيبة في ستة * متظلم ومعرف ومحذر ولمظهر فسقا ومستفت ومن * طلب ~~الإعانة في إزالة منكر 16 - (وعنه) أي أبي هريرة (قال: قال رسول الله (ص): ~~لا تحاسدوا ولا تناجشوا) بالجيم والشين المعجمة (ولا تباغضوا ولا تدابروا ~~ولا يبغ) بالغين المعجمة من البغي. وبالمهملة من البيع (بعضكم على بعض، ~~وكونوا عباد الله) منصوب على النداء (إخوانا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ~~ولا يخذله ولا يحقره) بفتح حرف المضارعة وسكون الحاء المهملة وبالقاف فراء. ~~قال القاضي ms1316 عياض: # ورواه بعضهم: لا يخفره بضم الياء وبالخاء المعجمة وبالفاء، أي لا يغدر ~~بعهده ولا ينقض أمانه قال: والصواب الأول (التقوى ها هنا - ويشير إلى صدره ~~ثلاث مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم ~~حرام، دمه وماله، وعرضه أخرجه مسلم). الحديث اشتمل على أمور نهى عنها ~~الشارع. الأول التحاسد وهو تفاعل يكون بين اثنين. نهى عن حسد كل واحد منهما ~~صاحبه من الجانبين ويعلم منه النهي عن الحسد من جانب واحد بطريق الأولى ~~لأنه إذا نهى عنه مع من يكافئه ويجازيه بحسده مع أنه من باب * (وجزاء سيئة ~~سيئة مثلها) * فهو مع عدم ذلك أولى بالنهي، وتقدم تحقيق الحسد. الثاني: ~~النهي عن المناجشة وتقدم تحقيقها في البيع، ووجه النهي عنها أنها من أسباب ~~العداوة والبغضاء. وقد روي بغير هذا اللفظ في الموطأ بلفظ ولا تنافسوا من ~~المنافسة وهي الرغبة في الشئ ومحبة الانفراد به، ويقال: نافست في الشئ ~~منافسة ونفاسا إذا رغبت فيه، والنهي عنها نهي عن الرغبة في الدنيا وأسبابها ~~وحظوظها. والثالث: النهي عن التباغض وهو تفاعل وفيه ما في تحاسدوا من النهي ~~عن التقابل في المباغضة، والانفراد بها بالأولى وهو نهي عن تعاطي أسبابه ~~لان البغض لا يكون إلا عن سبب. والذم متوجه إلى المباغضة لغير الله فأما ما ~~كانت لله فهي واجبة فإن البغض في الله والحب في الله من الايمان، بل ورد في ~~الحديث حصر الايمان عليهما. الرابع: النهي عن التدابر، قال الخطابي: أي لا ~~تهاجروا فيهجر أحدكم أخاه، مأخوذ من تولية الرجل للآخر دبره، إذا أعرض عنه ~~حين يراه، وقال PageV04P194 # ابن عبد البر: قيل للاعراض تدابر لان من أبغض أعرض ومن أعرض ولى دبره ~~والمحب بالعكس. وقيل: معناه لا يستأثر أحدكم على الآخر، وسمي المستأثر ~~مستدبرا لأنه يولي دبره حين يستأثر بشئ دون الآخر؟ وقال المازري: معنى ~~التدابر المعاداة، تقول: دابرته أي عاديته، وفي الموطأ عن الزهري: التدابر ~~الاعراض عن السلام يدبر عنه بوجهه، وكأنه أخذه من بقية الحديث ms1317 وهي يلتقيان ~~فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام فإنه يفهم أن صدور السلام ~~منهما أو من أحدهما يرفع الاعراض. الخامس: النهي عن البغي، إن كان بالغين ~~المعجمة، وإن كان بالمهملة فعن بيع بعض على بيع بعض، وقد تقدم في كتاب ~~البيع، قال ابن عبد البر: تضمن الحديث تحريم بغض المسلم والاعراض عنه ~~وقطيعته بعد صحبته بغير ذنب شرعي، والحسد له على ما أنعم الله تعالى عليه، ~~ثم أمر أن يعامله معاملة الأخ النسيب، ولا يبحث عن معايبه، ولا فرق في ذلك ~~بين الحاضر والغائب والحي والميت. وبعد هذه المناهي الخمسة حثهم بقوله: ~~وكونوا عباد الله إخوانا فأشار بقوله: عباد إلى أن من حق العبودية لله ~~الامتثال لما أمر، قال القرطبي: المعنى كونوا كإخوان النسب في الشفقة ~~والرحمة والمحبة والمواساة والمعاونة والنصيحة، وفي رواية لمسلم زيادة كما ~~أمر الله أي بهذه الأمور فإن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر منه ~~تعالى وزاد المسلم حثا على أخوه المسلم بقوله: المسلم أخو المسلم وذكر من ~~حقوق الاخوة أنه لا يظلمه، وتقدم تحقيق الظلم وتحريمه، والظلم محرم في حق ~~الكافر، أيضا وإنما خص المسلم لشرفه. ولا يخذله والخذلان ترك الإعانة ~~والنصر، ومعناه إذا استعان به في دفع أي ضر أو جلب أي نفع أعانه ولا يحقره ~~ولا يحتقره ولا يتكبر عليه ويستخف به ويروى لا يحتقره وهو بمعناه. # وقوله: التقوى ها هنا إخبار بأن عمدة التقوى ما يحل في القلب من خشية ~~الله ومراقبته وإخلاص الأعمال له. وعليه دل حديث مسلم: إن الله لا ينظر إلى ~~أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم أي أن المجازاة والمحاسبة إنما ~~تكون على ما في القلب دون الصورة الظاهرة والأعمال البارزة، فإن عمدتها ~~النيات ومحلها القلب. وتقدم إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد، وإذا ~~فسدت فسد الجسد. وقوله: بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه أي يكفيه أن يكون ~~من أهل الشر بهذه الخصلة وحدها، وفي قوله: كل المسلم على ms1318 المسلم حرام إخبار ~~بتحريم الدماء والأموال والاعراض، وهو معلوم من الشرع علما قطعيا. # 17 - (وعن قطبة) بضم القاف وسكون الطاء المهملة وفتح الموحدة (ابن مالك) ~~يقال له التغلبي بالمثناة الفوقية والغين المعجمة ويقال الثعلبي بالمثلثة ~~والعين المهملة (قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم جنبني ~~منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء أخرجه الترمذي وصححه الحاكم ~~واللفظ له). التجنيب: المباعدة: أي باعدني، والأخلاق: جمع خلق، قال ~~القرطبي: الأخلاق أوصاف الانسان التي يعامل بها غيره، وهي محمودة ومذمومة. ~~فالمحمودة على الاجمال: أن تكون مع غيرك على نفسك PageV04P195 # فتنتصف منها ولا تنتصف لها، وعلى التفصيل: العفو والحلم والجود والصبر ~~وتحمل الأذى والرحمة والشفقة وقضاء الحوائج والتودد ولين الجانب ونحو ذلك. ~~والمذمومة: ضد ذلك وهي منكرات الأخلاق التي سأل صلى الله عليه وسلم ربه أن ~~يجنبه إياها في هذا الحديث. وفي قوله اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي أخرجه ~~أحمد وصححه ابن حبان، وفي دعائه صلى الله عليه وسلم في الافتتاح واهدني ~~لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها سواك، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها ~~غيرك. ومنكرات الأعمال: ما ينكر شرعا أو عادة، ومنكرات الأهواء جمع هوى، ~~والهوى هو ما تشتهيه النفس من غير نظر إلى مقصد يحمد عليه شرعا، ومنكرات ~~الأدواء جمع داء وهي الأسقام المنفرة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يتعوذ منها كالجذام والبرص، والمهلكة: كذات الجنب وكان صلى الله عليه وسلم ~~يستعيذ من سئ الأسقام. # 18 - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # لا تمار) من المماراة، وهي المجادلة (أخاك ولا تمازحه) من المزح (ولا ~~تعده موعدا فتخلفه أخرجه الترمذي بسند ضعيف). لكن في معناه أحاديث سيما في ~~المراء، فإنه روى الطبراني أن جماعة من الصحابة قالوا: خرج علينا رسول الله ~~(ص) ونحن نتمارى في شئ من أمر الدين فغضب غضبا شديدا لم يغضب مثله ثم ~~انتهرنا وقال: أبهذا يا أمة محمد أمرتم؟ إنما أهلك من كان قبلكم بمثل هذا، ms1319 ~~ذروا المراء لقلة خيره، ذروا المراء فإن المؤمن لا يماري، ذروا المراء فإن ~~المماري قد تمت خسارته، ذروا المراء، كفى إثما أن لا تزال مماريا، ذروا ~~المراء فإن المماري لا أشفع له يوم القيامة، ذروا المراء فأنا زعيم بثلاثة ~~أبيات في الجنة في رياضها أسفلها وأوسطها وأعلاها لمن ترك المراء وهو صادق، ~~ذروا المراء فإنه أول ما نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان وأخرج الشيخان ~~مرفوعا إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم أي الشديد المراء أي الذي يحج ~~صاحبه. وحقيقة المراء طعنك في كلام غيرك لاظهار خلل فيه لغير غرض سوى تحقير ~~قائله، وإظهار مزيتك عليه، والجدال هو ما يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها. ~~والخصومة لجاج في الكلام ليستوفى به أو غيره، ويكون تارة ابتداء وتارة ~~اعتراضا، والمراء لا يكون إلا اعتراضا، والكل قبيح إذا لم يكن لاظهار الحق ~~وبيانه وإدحاض الباطل وهدم أركانه. وأما مناظرة أهل العلم للفائدة وإن لم ~~تخل عن الجدال فليست داخلة في النهي، وقد قال تعالى: * (ولا تجادلوا أهل ~~الكتاب إلا بالتي هي أحسن) * وقد أجمع عليه المسلمون سلفا وخلفا، وأفاد ~~الحديث النهي عن ممازحة الأخ، والمزاح: # الدعابة، والمنهي عنه ما يجلب الوحشة أو كان بباطل، وأما ما فيه بسط ~~الخلق وحسن التخاطب وجبر الخاطر فهو جائز. فقد أخرج الترمذي من حديث أبي ~~هريرة أنهم قالوا: يا رسول الله إنك لتداعبنا، قال: إني لا أقول إلا حقا. ~~وأفاد الحديث النهي عن إخلاف الوعد، وتقدم أنه من صفات المنافقين، وظاهره ~~التحريم، وقد قيده حديث: أن تعده وأنت مضمر PageV04P196 # لخلافه وأما إذا وعدته وأنت عازم على الوفاء فعرض مانع فلا يدخل تحت ~~النهي. # وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: خصلتان لا يجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق أخرجه الترمذي وفي ~~إسناده ضعف) قد علم قبح البخل عرفا وشرعا، وقد ذمه الله في كتابه بقوله * ~~(الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل) * وبقوله في الكانزين * (فبشرهم بعذاب ~~أليم) * بل ذم من ms1320 لم يأمر الناس ويحثهم على خلافه فقال تعالى: * (ولا يحض ~~على طعام المسكين) *. جعله من صفات الذين يكذبون بيوم الدين وقال في ~~الحكاية عن الكفار: إنهم قالوا وهم في طبقات النار: * (ولم نك نطعم ~~المسكين) * الآية. وإنما اختلف العلماء في المذموم منه وقدمنا كلامهم في ~~ذلك. وحده بعضهم بأنه في الشرع منع الزكاة، والحق أنه منع كل واجب، فمن منع ~~ذلك كان بخيلا ينله العقاب. قال الغزالي: وهذا الحد غير كاف فإن من يرد ~~اللحم والخبز إلى القصاب والخباز لنقص وزن حبة يعد بخيلا اتفاقا وكذا مضايق ~~عياله في لقمة أو تمرة أكلوها من ماله بعد ما سلم لهم ما فرض القاضي لهم، ~~وكذا من بين يديه رغيف فحضر من يظن أن يشاركه فأخفاه يعد بخيلا قلت: هذا في ~~البخيل عرفا لا من يستحق العقاب فلا يرد نقضا. وأما حسن الخلق فقد تقدم ~~القول فيه، وسوء الخلق ضده، وقد وردت فيه أحاديث دالة على أنه ينافي ~~الايمان فأخرج الحاكم سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل، وأخرج ابن ~~منده سوء الخلق شؤم، وطاعة النساء ندامة، وحسن الملكة نماء، وأخرج الخطيب ~~إن لكل شئ توبة إلا صاحب سوء الخلق فإنه لا يتوب من ذنب إلا وقع فيما هو شر ~~منه، وأخرج الصابوني ما من ذنب إلا وله عند الله توبة إلا سوء الخلق فإنه ~~لا يتوب صاحبه من ذنب إلا وقع فيما هو شر منه، وأخرج الترمذي وابن ماجة لا ~~يدخل الجنة سئ الخلق، والأحاديث في الباب واسعة ولعله يحمل المؤمن في ~~الحديث على كامل الايمان أو أنه خرج مخرج التحذير والتنفير أو أراد إذا ترك ~~اخراج الزكاة مستحلا لترك واجب قطعي. # 20 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # المستبان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم أخرجه مسلم دل الحديث ~~على جواز مجازاة من ابتدأ الانسان بالأذية بمثلها وأن إثم ذلك عائد على ~~البادئ لأنه المتسبب لكل ما قاله المجيب إلا أن يعتدي ms1321 المجيب في أذيته ~~بالكلام فيختص به إثم عدوانه لأنه إنما أذن له في مثل ما عوقب به: * (وجزاء ~~سيئة سيئة مثلها. فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) *، ~~وعدم المكافأة والصبر والاحتمال أفضل فقد ثبت: أن رجلا سب أبا بكر رضي الله ~~عنه بحضرته صلى الله عليه وسلم فسكت أبو بكر والنبي (ص) قاعد ثم أجابه أبو ~~بكر فقام النبي (ص) فقيل له في ذلك فقال: إنه لما سكت أبو بكر كان ملك يجيب ~~عنه فلما انتصف لنفسه حضر PageV04P197 # الشيطان أو نحو هذا اللفظ قال تعالى: * (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم ~~الأمور) * 21 - (وعن أبي صرمة) بكسر الصاد المهملة وسكون الراء اشتهر ~~بكنيته واختلف في اسمه اختلافا كثيرا وهو من بني مازن بن النجار شهد بدرا ~~وما بعدها من المشاهد قال: قال رسول الله (ص): من ضار مسلما ضاره الله ومن ~~شاق مسلما شق الله عليه أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه أي من أدخل على مسلم ~~مضرة في ماله أو نفسه أو عرضه بغير حق ضاره الله أي جازاه من جنس فعله ~~وأدخل عليه المضرة. والمشاقة المنازعة أي من نازع مسلما ظلما وتعديا أنزل ~~الله عليه المشقة جزاء وفاقا. والحديث تحذير من أذى المسلم بأي شئ. # 22 - (وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # إن الله يبغض الفاحش البذئ أخرجه الترمذي وصححه البغض ضد المحبة وبغض ~~الله عبده إنزال العقوبة به وعدم إكرامه إياه والبذئ فعيل من البذاء وهو ~~الكلام القبيح الذي ليس من صفات المؤمن كما دل له الحديث الآتي: # 23 - (وله) أي للترمذي (من حديث ابن مسعود رفعه ليس المؤمن بالطعان ولا ~~اللعان ولا الفاحش ولا البذئ وحسنه وصححه الحاكم ورجح الدارقطني وقفه الطعن ~~السب يقال: طعن في عرضه أي سبه واللعان اسم فاعل للمبالغة بزنة فعال أي ~~كثير اللعن ومفهوم الزيادة غير مراد فإن اللعن محرم قليلة وكثيرة. والحديث ~~إخبار بأنه ليس من صفات المؤمن الكامل الايمان السب واللعن ms1322 إلا أنه يستثني ~~من ذلك لعن الكافر وشارب الخمر ومن لعنه الله ورسوله. 24 - (وعن عائشة رضي ~~الله عنها قالت: قال: رسول الله (ص): # لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا أخرجه البخاري سب الأموات ~~عام للكافر وغيره وقد تقدم وعلله (ص) بإفضائهم إلى ما قدموا من أعمالهم ~~وصار أمرهم إلى مولاهم. وقد مر الحديث بلفظة في آخر الجنائز والكلام عليه. # 25 - (وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # لا يدخل الجنة قتات بقاف ومثناة فوقية وبعد الألف مثناة أيضا وهو النمام، ~~وقد روي بلفظه: متفق عليه، وقيل: إن بين القتات والنمام فرقا فالنمام الذي ~~يحضر القصة ليبلغها والقتات الذي يتسمع من حيث لا يعلم به ثم ينقل ما سمعه ~~وحقيقة النميمة نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض للافساد بينهم. وقال الغزالي: ~~إن حدها كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول إليه أو المنقول عنه أو ثالث ~~وسواء كان الكشف بالرمز أو بالكتابة أو بالايماء. قال: فحقيقة النميمة ~~إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه فلو رآه يخفى مالا لنفسه فذكره فهو ~~نميمة كذا قاله. قلت ويحتمل أن مثل هذا لا يدخل في النميمة بل يكون ~~PageV04P198 # من إفشاء السر وهو محرم أيضا وورد في النميمة عدة أحاديث أخرج الطبراني ~~مرفوعا ليس منا ذو حسد ولا نميمة ولا كهانة ولا أنا منه، ثم تلا قوله ~~تعالى: * (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا ~~بهتانا وإثما مبينا) * وأخرج أحمد: خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر ~~الله، وشر عباد الله المشاؤون بالنميمة الباغون للبراء العيب يحشرهم الله ~~مع الكلاب وغير هذا من الأحاديث. وقد تجب النميمة كما إذا سمع شخصا يتحدث ~~بإرادة إيذاء انسان ظلما وعدوانا يحذره منه، فإن أمكن تحذيره بغير ذكر من ~~سمعه منه وإلا ذكر له ذلك. والحديث دليل على عظم ذنب النمام. قال الحافظ ~~المنذري: أجمعت الأمة على أن النميمة محرمة وأنها من أعظم الذنوب عند الله ~~وفي كلام للغزالي ما ms1323 يدل على أنها لا تكون كبيرة إلا مع قصد الافساد. # 26 - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من كف غضبه كف الله ~~عنه عذابه أخرجه الطبراني في الأوسط وله شاهد من حديث ابن عمر عند ابن أبي ~~الدنيا تقدم الكلام في الغضب مرارا. وهذا الحديث في فضل من كف غضبه ومنع ~~نفسه من إصدار ما يقتضيه الغضب ولا يكون ذلك إلا بالحلم والصبر وجهاد النفس ~~وهو أمر شاق، ولذا جعل الله جزاءه كف عذابه عنه، وقد قال تعالى في صفات ~~المؤمنين: * (وإذا ما غضبوا هم يغفرون) *. # 27 - (وعن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # لا يدخل الجنة) من أول الأمر (خب) بالخاء المعجمة مفتوحة وبالموحدة ~~الخداع (ولا بخيل) تقدم الكلام على البخيل (ولا سئ الملكة) وهو من يترك ما ~~يجب عليه من حق المماليك، أو يتجاوز الحد في عقوبتهم، ومثله تركه لتأديبهم ~~بالآداب الشرعية من تعليم فرائض الله وغيرها، وكذلك البهائم سوء الملكة ~~يكون بإهمالها عن الطعام وتحميلها ما لا تطيقه من الأحمال والمشقة عليها ~~بالسير والضرب العنيف وغير ذلك (أخرجه الترمذي وفرقه حديثين وفي إسناده ~~ضعف) ولكن له شواهد كثيرة وقد مضى كثير منها. # 28 - (وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # من تسمع حديث قوم وهم له كارهون صب في أذنيه الآنك) بفتح الهمزة والمد ~~وضم النون (يوم القيامة يعني الرصاص) هو مدرج في الحديث تفسيرا لما قبله ~~(أخرجه البخاري). هكذا في نسخ بلوغ المرام تسمع بالمثناة الفوقية وتشديد ~~الميم، ولفظ البخاري من استمع، والحديث دليل على تحريم استماع حديث من يكره ~~سماع حديثه ويعرف بالقرائن وبالتصريح. وروى البخاري في الأدب المفرد من ~~رواية سعيد المقبري قال: مررت على ابن عمر ومعه رجل يتحدث فقمت إليهما فلطم ~~صدري وقال: إذا وجدت اثنين يتحدثان فلا تقم معهما حتى تستأذنهما. قال ابن ~~عبد البر: لا يجوز لاحد أن يدخل على المتناجين في حال تناجيهما. ms1324 قال ~~المصنف: ولا ينبغي للداخل عليهما القعود عندهما ولو PageV04P199 # تباعد عنهما إلا بإذنهما، لان افتتاحهما الكلام سرا وليس عندهما أحد دل ~~على أنهما لا يريدان الاطلاع عليه. وقد يكون لبعض الناس قوة فهم إذا سمع ~~بعض الكلام استدل به على باقيه فلا بد منه له من معرفة الرضا فإنه قد يكون ~~في الاذن حياء وفي الباطن الكراهة. ويلحق باستماع الحديث استنشاق الرائحة ~~ومس الثوب واستخبار صغار أهل الدار ما يقول الأهل والجيران من كلام أو ما ~~يعملون من الأعمال. وأما لو أخبره عدل عن منكر جاز له أن يهجم ويستمع ~~الحديث لإزالة المنكر. # 29 - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): طوبى لمن شغله عيبه ~~عن عيوب الناس أخرجه البزار بإسناد حسن. طوبى: مصدر من الطيب، أو اسم شجرة ~~في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها. والمراد أنها لمن شغله ~~النظر في عيوبه، وطلب إزالته أو الستر عليها عن الاشتغال بذكر عيوب غيره ~~والتعرف لما يصدر منهم من العيوب، وذلك بأن يقدم النظر في عيب نفسه إذا ~~أراد أن يعيب غيره فإنه يجد من نفسه ما يردعه عن ذكر غيره. # 30 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): من تعاظم في ~~نفسه واختال في مشيته لقي الله وهو عليه غضبان أخرجه الحاكم ورجال ثقات. ~~تفاعل يأتي بمعنى فعل مثل توانيت بمعنى ونيت فيه مبالغة، وهو المراد هنا: ~~أي من عظم نفسه إما باعتقاد أنه يستحق التعظيم فوق ما يستحقه غيره ممن لا ~~يعلم استحقاقه الإهانة. ويحتمل هنا أن تعاظم بمعنى تعظم مشددة أي اعتقد في ~~نفسه أنه عظيم كتكبر اعتقد أنه كبير، أو يكون تفاعل بمعنى استفعل أي طلب أن ~~يكون عظيما وهذا يلاقي معنى تكبر، والكبر كما قال المهدي في كتاب تكملة ~~الاحكام: هو اعتقاد أنه يستحق من التعظيم فوق ما يستحقه غيره ممن لا يعلم ~~استحقاقه الإهانة. وقد أخرج مسلم والحاكم والترمذي من حديث ابن مسعود أنه ~~قال: ms1325 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ~~ذرة من كبر قال رجل: يا رسول الله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله ~~حسنا قال صلى الله عليه وسلم: إن الله جميل يحب الجمال. الكبر بطر الحق ~~وغمط الناس. قيل: هو أن يتكبر عن الحق فلا يراه حقا. وقيل: هو أن يتكبر عن ~~الحق فلا يقبله. # وقال النووي: معناه الارتفاع عن الناس واحتقارهم ودفع الحق وإنكاره ترفعا ~~وتجبرا. وجاء في رواية الحاكم ولكن الكبر من بطر الحق وازدرى الناس فبطر ~~الحق دفعه ورده. وغمط الناس - بفتح المعجمة وسكون الميم وبالطاء المهملة - ~~هو احتقارهم وازدراؤهم، هكذا جاء مفسرا عند الحاكم، قاله المنذري، ولفظة من ~~رويت بالكسر لميمها على أنها حرف جر وبفتحها على أنها موصولة، والتفسير ~~النبوي دل على أنه ليس من قبيل الاعتقاد وإنما هو بمعنى عدم الامتثال تعززا ~~وترفعا واحتقارا للناس. وقال ابن حجر في الزواجر: الكبر إما باطن وهو خلق ~~في النفس واسم الكبر بهذا أحق، وإما ظاهر وهو أعمال تصدر من PageV04P200 # الجوارح وهي ثمرات ذلك الخلق، وعند ظهورها يقال: تكبر وعند عدمها يقال: ~~كبر، فالأصل هو خلف النفس الذي هو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس فوق ~~المتكبر عليه فهو يستدعي متكبرا عليه ومتكبرا به، وبه فارق العجب، فإنه لا ~~يستدعي غير المعجب به حتى لو فرض انفراده دائما لما أمكن أن يقع منه العجب ~~دون الكبر، فالعجب مجرد استعظام الشئ، فإن صحبه من يرى أنه فوقه كان تكبرا ~~ا ه‍. والاختيال في المشية هو من التكبر وعطفه عليه من عطف أحد نوعي الكبر ~~على الآخر، كأنه يقول: من جمع بين نوعين من أنواع هذا الكبر يستحق الوعيد، ~~ولا يلزم منه أن أحدهما لا يكون بهذه المثابة لأنه قد ثبتت أحاديث في ذم ~~الكبر مطلقا. والحديث وغيره دال على تحريم الكبر وإيجابه لغضب الله تعالى. # 31 - (وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # العجلة من الشيطان ms1326 أخرجه الترمذي وقال: حسن. العجلة: هي السرعة في الشئ، ~~وهي مذمومة فيما كان المطلوب فيه الأناة، محمودة فيم يطلب تعجيله من ~~المسارعة إلى الخيرات ونحوها، وقد يقال: لا منافاة بين الأناة والمسارعة، ~~فإن سارع بتؤدة وتأن فيتم له الأمران والضابط أن خيار الأمور أوسطها. # 32 - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله (ص): الشؤم سوء الخلق ~~أخرجه أحمد وفي اسناده ضعف. الشؤم ضد اليمن، وتقدم الكلام على حقيقة سوء ~~الخلق وأنه الشؤم، وأن كل ما يلحق من الشرور فسببه سوء الخلق، وفيه إشعار ~~بأن سوء الخلق وحسنه اختيار مكتسب للعبد، وتقدم تحقيقه. # 33 - (وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # إن اللعانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة أخرجه مسلم. تقدم ~~الكلام في اللعن قريبا، والحديث إخبار بأن كثيري اللعن ليس لهم عند الله ~~قبول شفاعة يوم القيامة أي لا يشفعون حين يشفع المؤمنون في إخوانهم. ومعنى ~~ولا شهداء قيل: لا يكونون يوم القيامة شهداء على تبليغ الأمم رسلهم إليهم ~~الرسالات، وقيل: لا يكونون شهداء في الدنيا ولا تقبل شهادتهم لفسقهم، لان ~~إكثار اللعن من أدلة التساهل في الدين، وقيل: لا يرزقون الشهادة وهي القتل ~~في سبيل الله. فيوم القيامة متعلق بشفعاء وحده على هذين الأخيرين، ويحتمل ~~عليهما أن يتعلق بهما، ويراد أن شهادته لما تقبل في الدنيا لم يكتب له في ~~الآخرة ثواب من شهد بالحق، وكذلك لا يكون له في الآخرة ثواب الشهداء. # 34 - (وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # من عير أخاه بذنب) من عابه به (لم يمت حتى يعمله أخرجه الترمذي وحسنه ~~وسنده منقطع). كأنه حسنه الترمذي لشواهده فلا يضره انقطاعه، وكأن من عير ~~أخاه أي عابه، من العار وهو كل شئ لزم به عيب كما في القاموس - يجازى بسلب ~~التوفيق حتى يرتكب ما عير أخاه به، وذاك إذا صحبه إعجابه بنفسه بسلامته مما ~~عير به أخاه، وفيه أن ذكر PageV04P201 # الذنب لمجرد التعيير ms1327 قبيح يوجب العقوبة، وأنه لا يذكر عيب الغير إلا ~~للأمور الستة التي سلفت مع حسن القصد فيها. # 35 - (وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده رضي الله عنهم) معاوية بن حيدة رضي ~~الله عنهما (قال: قال رسول الله (ص): ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ~~ويل له ثم ويل له أخرجه الثلاثة وإسناده قوي). وحسنه الترمذي وأخرجه ~~البيهقي. # والويل الهلاك، ورفعه على أنه مبتدأ خبره الجار والمجرور، وجاز الابتداء ~~بالنكرة لأنه من باب: سلام عليكم. وفي معناه الأحاديث الواردة في تحريم ~~الكذب على الاطلاق، مثل حديث إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور (وإن) ~~الفجور يهدي إلى النار سيأتي، وأخرج ابن حبان في صحيحه إياكم والكذب فإنه ~~مع الفجور وهما في النار ومثله عند الطبراني وأخرج أحمد من حديث ابن لهيعة ~~ما عمل أهل النار؟ قال: الكذب. فإن العبد إذا كذب فجر وإذا فجر كفر وإذا ~~كفر دخل النار وأخرج البخاري أنه قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الطويل، ~~ومن جملته قوله رأيت الليلة رجلين أتياني قالا لي: الذي رأيته يشق شدقه ~~فكذاب يكذب الكذبة تحمل عنه حتى تبلغ الآفاق في حديث رؤياه صلى الله عليه ~~وسلم والأحاديث في الباب كثيرة. والحديث دليل على تحريم الكذب لاضحاك ~~القوم، وهذا تحريم خاص. ويحرم على السامعين سماعه إذا علموه كذبا، لأنه ~~إقرار على المنكر بل يجب عليهم النكير أو القيام من الموقف. وقد عد الكذب ~~من الكبائر، قال الروياني من الشافعية: # إنه كبيرة ومن كذب قصدا ردت شهادته، وإن لم يضر بالغير، لان الكذب حرام ~~بكل حال، وقال المهدي: إنه ليس بكبيرة، ولا يتم له نفي كبره على العموم، ~~فإن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم أو الاضرار بمسلم أو معاهد كبيرة. ~~وقسم الغزالي الكذب في الاحياء إلى واجب ومباح ومحرم وقال: إن كل مقصد ~~محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا فالكذب فيه حرام، وإن أمكن ~~التوصل إليه بالكذب وحده فمباح إن أنتج تحصيل ذلك المقصود، وواجب ms1328 إن وجب ~~تحصيل ذلك وهو إذا كان فيه عصمة من يجب إنقاذه، وكذا إذا خشي على الوديعة ~~من ظالم وجب الانكار والحلف، وكذا إذا كان لا يتم مقصود حرب أو إصلاح ذات ~~البين أو استمالة قلب المجني عليه إلا بالكذب فهو مباح، وكذا إذا وقعت منه ~~فاحشة كالزنا وشرب الخمر وسأله السلطان فله أن يكذب، ويقول: ما فعلت. # ثم قال: وينبغي أن تقابل مفسدة الكذب بالمفسدة المترتبة على الصدق، فإن ~~كانت مفسدة الصدق أشد فله الكذب، وإن كانت بالعكس أو شك فيها حرم الكذب، ~~وإن تعلق بنفسه استحب أن لا يكذب، وإن تعلق بغيره لم تحسن المسامحة بحق ~~الغير. والحزم تركه حيث أبيح. # واعلم أنه يجوز الكذب اتفاقا في ثلاث صور كما أخرجه مسلم في الصحيح قال ~~ابن شهاب: # لم أسمع يرخص في شئ مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب، والاصلاح بين ~~الناس PageV04P202 # وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها. قال القاضي عياض: لا خلاف في ~~جواز الكذب في هذه الثلاث الصور. وأخرج ابن النجار عن النواس بن سمعان ~~مرفوعا الكذب يكتب على ابن آدم إلا في ثلاث: الرجل يكون بين الرجلين ليصلح ~~بينهما، والرجل يحدث امرأته ليرضيها بذلك، والكذب في الحرب. قلت: نظر في ~~حكمة الله ومحبته لاجتماع القلوب كيف حرم النميمة وهي صدق لما فيها من ~~إفساد القلوب وتوليد العداوة والوحشة، وأباح الكذب - وإن كان حراما - إذا ~~كان لجمع القلوب وجلب المودة وإذهاب العداوة. # 36 - (وعن أنس رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: كفارة من اغتبته أن تستغفر ~~له رواه الحارث بن أبي أسامة بإسناد ضعيف. وأخرجه ابن أبي شيبة في مسنده ~~والبيهقي في شعب الايمان وغيرهما بألفاظ مختلفة من حديث أنس، وفي أسانيدهما ~~ضعف. وروي من طريق أخرى بمعناه، والحاكم من حديث حذيفة، والبيهقي قال: وهو ~~أصح، ولفظه قال: كان في لساني ذرب على أهلي فسألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال أين أنت من الاستغفار يا حذيفة؟ إني لاستغفر الله في كل يوم ms1329 مائة ~~مرة وهذا الحديث لا دليل فيه نصا أنه لأجل الاغتياب بل لعله لدفع ذرب ~~اللسان. وفي الحديث دليل على أن الاستغفار من المغتاب لمن اغتابه يكفي ولا ~~يحتاج إلى الاعتذار منه. وفصلت الهادوية والشافعية فقالوا: إذا علم المغتاب ~~وجب الاستحلال منه، وأما إذا لم يعلم فلا، ولا يستحب أيضا، لأنه يجلب ~~الوحشة وإيغار الصدر، إلا أنه أخرج البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعا من ~~كان عنده مظلمة لأخيه في عرضه أو شئ فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون له ~~دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له ~~حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه وأخر نحوه البيهقي من حديث أبي موسى، ~~وهو دال على أنه يجب الاستحلال وإن لم يكن قد علم، إلا أنه يحمل على من قد ~~بلغه، ويكون حديث أنس فيمن لم يعلم ويقيد به إطلاق حديث البخاري. # 37 - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله (ص): # أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم) بفتح الخاء وكسر الصاد المهملة (أخرجه ~~مسلم). الألد مأخوذ من لديدي الوادي وهما جانباه، والخصم شديد الخصومة الذي ~~يحج مخاصمه، ووجه الاشتقاق أنه كلما احتج عليه بحجة أخذ في جانب آخر. وقد ~~وردت أحاديث في ذم الخصومة كحديث: من جادل في خصومة بغير علم لم يزل في سخط ~~الله حتى ينزع تقدم تخريجه. وأخرج الترمذي وقال: غريب من حديث ابن عباس ~~مرفوعا كفى بك إثما أن لا تزال مخاصما وظاهر إطلاق الأحاديث أن الخصومة ~~مذمومة ولو كانت في حق وقال النووي في الأذكار: فإن قلت: لا بد للانسان من ~~الخصومة لاستيفاء حقه، فالجواب ما أجاب به الغزالي أن الذم إنما هو لمن ~~خاصم بباطل وبغير علم، كوكيل القاضي، فإنه يتوكل قبل أن يعرف الحق في أي ~~جانب، ويدخل في الذم من يطلب حقا لكن لا يقتصر على قدر PageV04P203 # الحاجة بل يظهر اللدد والكذب لايذاء خصمه، وكذلك من يحمله على الخصومة ~~محض العناد لقهر ms1330 خصمه وكسره، ومثله من يخلط الخصومة بكلمات تؤذي وليس إليها ~~ضرورة في التوصل إلى غرضه فهذا هو المذموم، بخلاف المظلوم الذي ينصر حجته ~~بطريق الشرع من غير لدد وإسراف وزيادة الحجاج على الحاجة من غير قصد عناد ~~ولا إيذاء، ففعله هذا ليس مذموما ولا حراما لكن الأولى تركه ما وجد إليه ~~سبيلا. وفي بعض كتب الشافعية أنها ترد شهادة من يكثر الخصومة لأنها تنقص ~~المروءة لا لكونها معصية. # باب الترغيب في مكارم الأخلاق 1 - (عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي) بفتح حرف المضارعة (إلى البر، وإن البر ~~يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله ~~صديقا: وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى ~~النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا متفق ~~عليه). الصدق ما طابق الواقع، والكذب ما خالف الواقع، هذه حقيقتهما عند ~~الجمهور من الهادوية وغيرهم، والهداية الدلالة الموصلة إلى المطلوب. والبر ~~- بكسر الموحدة - أصله التوسع في فعل الخيرات، وهو اسم جامع للخيرات كلها ~~ويطلق على العمل الصالح الخالص. وقال ابن بطال على قوله: وإن البر إلى آخره ~~مصداقه قوله تعالى: * (إن الأبرار لفي نعيم) * وقال علي: قوله: وما يزال ~~الرجل يصدق إلى آخر المراد يتكرر منه الصدق حتى يستحق اسم المبالغة وهو ~~الصديق. وأصل الفجور الشق فهو شق الديانة، ويطلق على الميل إلى الفساد وعلى ~~الانبعاث في المعاصي وهو اسم جامع للشر. # وقوله: وما يزال الرجل يكذب هو كما مر في قوله: وما يزال الرجل يصدق في ~~أنه إذا تكرر منه الكذب استحق اسم المبالغة وهو الكذاب. وفي الحديث إشارة ~~إلى أن من تحرى الصدق في أقواله صار له سجية، ومن تعمد الكذب وتحراه صار له ~~سجية، وأنه بالتدرب والاكتساب تستمر صفات الخير والشر. الحديث دليل على ~~عظمة شأن الصدق وأنه ينتهي بصاحبه إلى الجنة، ودليل على عظمة قبح الكذب ~~وأنه ms1331 ينتهي بصاحبه إلى النار، وذلك من غير ما لصاحبهما في الدنيا فإن ~~الصدوق مقبول الحديث عند الناس مقبول الشهادة عند الحكام محبوب مرغوب في ~~أحاديثه والكذوب بخلاف هذا كله. 2 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول ~~الله (ص) قال: إياكم والظن بالنصب محذر منه، فإن الظن أكذب الحديث متفق ~~عليه تقدم بيان معناه وأنه تحذير من أن يحقق ما ظنه، وأما نفس الظن فقد ~~يهجم على القلب فيجب دفعه والاعراض عن العمل عليه PageV04P204 # 3 - (وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # إياكم والجلوس في الطرقات) بضمتين جمع طريق (قالوا: يا رسول الله ما لنا ~~بد من مجالسنا نتحدث فيها قال: أما إذا أبيتم) أي امتنعتم عن ترك الجلوس ~~على الطرقات (فأعطوا الطريق حقه قالوا: وما حقه؟ قال: غض البصر) عن ~~المحرمات (وكف الأذى) عن المارين بقول أو فعل (ورد السلام) إجابته على من ~~ألقاه عليكم من المارين إذ السلام يسن ابتداء للمار لا للقاعد (والامر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر متفق عليه) قال القاضي عياض: فيه دليل على أنهم ~~فهموا أن الامر ليس للوجوب وأنه للترغيب فيما هو الأولى، إذ لو فهموا ~~الوجوب لم يرجعوه. قال المصنف: ويحتمل أنهم راجعوا وقوع النسخ تخفيفا لما ~~شكوا من الحاجة إلى ذلك. وقد زيد في أحاديث حق الطريق على هذه الخمسة ~~المذكورة، زاد أبو داود وإرشاد ابن السبيل وتشميت العاطس إذا حمد الله وزاد ~~سعيد بن منصور وإغاثة الملهوف وزاد البزار الإعانة على الحمل وزاد الطبراني ~~وأعينوا المظلوم واذكروا الله كثيرا قال السيوطي في التوشيح: فاجتمع من ذلك ~~ثلاثة عشر أدبا، وقد نظمها شيخ الاسلام ابن حجر فقال في أربعة أبيات: # جمعت آداب من رام الجلوس على الطريق من قول خير الخلق إنسانا أفش السلام ~~وأحسن في الكلام وشمت * عاطسا وسلاما، رد إحسانا في الحلم عاون ومظلوما أعن ~~وأغث * لهفان واهد سبيلا واهد حيرانا بالعرف مر وأنه عن نكر وكف أذى * وغض ~~طرفا وأكثر ذكر مولانا إلا أن ms1332 الأحاديث التي قدمناها وذكرها السيوطي في ~~التوشيح فيها أحد عشر أدبا والأبيات ثلاثة عشر، لأنه زاد: حسن الكلام وهو ~~ثابت في حديث لأبي هريرة، وزاد فيها وإفشاء السلام، ولم أجده في حديث إنما ~~فيها رد السلام، وقد ذكره فيها، والحكمة في النهي عن الجلوس في الطرقات أنه ~~لجلوسه يتعرض للفتنة، فإنه قد ينظر إلى الشهوات ممن يخاف الفتنة على نفسه ~~من النظر إليهن مع مرورهن. وفيه التعرض للزوم حقوق الله والمسلمين، ولو كان ~~قاعدا في منزله لما عرف ذلك ولا لزمته الحقوق التي قد لا يقوم بها، ولما ~~طلبوا الاذن في البقاء في مجالسهم وأنه لا بد لهم منها عرفهم بما يلزمهم من ~~الحقوق. وكل ما ذكر من الحقوق قد وردت به الأحاديث مفرقة تقدم بعضها ويأتي ~~بعضها. # 4 - (وعن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من يرد الله به ~~خيرا يفقهه في الدين متفق عليه. والحديث دليل على عظمة شأن التفقه في الدين ~~وأنه لا يعطاه إلا من أراد الله به خيرا عظيما، كما يرشد إليه التنكير ويدل ~~له المقام. والفقه في الدين تعلم قواعد الاسلام ومعرفة الحلال والحرام، ~~ومفهوم الشرط أن من لم يتفقه في الدين لم يرد الله به خيرا. وقد ورد هذا ~~المفهوم منطوقا في رواية أبي يعلى ومن لم يفقه لم يبال الله به PageV04P205 # وفي الحديث دليل ظاهر على شرف الفقه في الدين، والمتفقهين فيه على سائر ~~العلوم والعلماء. والمراد به معرفة الكتاب والسنة. # 5 - (وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # ما من شئ في الميزان أثقل من حسن الخلق أخرجه أبو داود والترمذي وصححه) ~~وتقدم الكلام في حقيقته بما لا يحتاج فيه إلى الإعادة لقرب عهده. # 6 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): الحياء من ~~الايمان متفق عليه. الحياء في اللغة: تغير وانكسار يلحق الانسان من خوف ما ~~يعاب به وفي الشرع: خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير فحق ms1333 ذي ~~الحق، والحياء وإن كان قد يكون غريزة فهو في استعماله على وفق الشرع يحتاج ~~إلى اكتساب وعلم ونية فلذلك كان من الايمان. وقد يكون كسبيا، ومعنى كونه من ~~الايمان أن المستحي ينقطع بحيائه عن المعاصي، فيصير كالايمان القاطع بينه ~~وبين المعاصي. وقال ابن قتيبة: معناه أن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب ~~المعاصي كما يمنع الايمان، فسمي إيمانا كما يسمى الشئ باسم ما قام مقامه، ~~والحياء مركب من جبن وعفة. وفي الحديث الحياء خير كله ولا يأتي إلا بخير. ~~فإن قلت: قد يمنع الحياء صاحبه عن إنكار المنكر وهو إخلال ببعض ما يجب فلا ~~يتم عموم أنه لا يأتي إلا بخير. قلت: قد أجيب عنه بأن المراد من الحياء في ~~الأحاديث الحياء الشرعي. والحياء الذي ينشأ عنه ترك بعض ما يجب ليس حياء ~~شرعيا بل هو عجز ومهانة وإنما يطلق عليه الحياء لمشابهته الحياء الشرعي، ~~وبجواب آخر: وهو أن من كان الحياء من خلقه فالخير عليه أغلب، أو أنه إذا ~~كان الحياء من خلقه كان الخير فيه بالذات فلا ينافيه حصول التقصير في بعض ~~الأحوال. قال القرطبي في المفهم شرح مسلم: وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~قد جمع له النوعان من الحياء المكتسب والغريزي وكان في الغريزي أشد حياء من ~~العذراء في خدرها، وكان في المكتسب في الذروة العليا (ص). # 7 - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إن مما أدرك ~~الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت أخرجه البخاري. لفظ ~~الأولى ليس في البخاري بل في سنن أبي داود، ووقع في حديث أبي حذيفة إن آخر ~~ما تعلق به أهل الجاهلية من كلام النبوة الأولى إلى آخره أخرجه أحمد ~~والبزار، والمراد من كلام النبوة الأولى ما اتفق عليه الأنبياء ولم ينسخ ~~كما نسخت شرائعهم، لأنه أمر أطبقت عليه العقول. وفي قوله: فاصنع ما شئت ~~قولان: الأول أنه بمعنى الخبر أي صنعت ما شئت وعبر عنه بلفظ الامر للإشارة ~~إلى أن ms1334 الذي يكف الانسان عن مدافعة الشر هو الحياء، فإذا تركه توفرت دواعيه ~~على مواقعة الشر حتى كأنه مأمور به، أو الامر فيه للتهديد أي اصنع ما شئت ~~فإن الله مجازيك على ذلك. الثاني، أن المراد انظر إلى ما تريد فعله فإن كان ~~مما لا يستحى منه فافعله وإن كان مما يستحى منه فدعه ولا تبالي بالخلق. ~~PageV04P206 # 8 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل) من القوي ~~والضعيف (خير) لوجود الايمان فيهما (أحرص) من حرص يحرص كضرب يضرب ويقال: ~~حرص كسمع (على ما ينفعك) في دنياك ودينك (واستعن بالله) عليه (ولا تعجز) ~~بفتح الجيم وكسرها (وإن أصابك شئ فلا تقل لو أني فعلت) كذا (كان كذا وكذا، ~~ولكن قل: قدر الله وما شاء) الله (فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان أخرجه ~~مسلم). المراد من القوي قوي عزيمة النفس في الأعمال الأخروية فإن صاحبها ~~أكثر إقداما في الجهاد وإنكار المنكر، والصبر على الأذى في ذلك، واحتمال ~~المشاق في ذات الله والقيام بحقوقه، من الصلاة والصوم وغيرهما. والضعيف ~~بالعكس من هذا، إلا أنه لا يخلو عن الخير لوجود الايمان فيه، ثم أمره (ص) ~~بالحرص على طاعة الله وطلب ما عنده، وعلى طلب الاستعانة به في كل أموره، إذ ~~حرص العبد بغير إعانة الله لا ينفعه إذا لم يكن عون من الله للفتى فأكثر ما ~~يجني عليه اجتهاده ونهاه عن العجز، وهو التساهل في الطاعات، وقد استعاذ منه ~~صلى الله عليه وسلم بقوله اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، ومن العجز ~~والكسل وسيأتي. ونهاه بقوله: إذا أصابه شئ، من حصول ضرر أو فوات نفع عن أن ~~يقول: لو قال بعض العلماء: هذا إنما هو لمن قال معتقدا ذلك حتما، وأنه لو ~~فعل ذلك لم يصبه قطعا، فأما من رد ذلك إلى مشيئة الله وأنه لا يصيبه إلا ما ~~شاء الله فليس من هذا. واستدل له ms1335 بقول أبي بكر في الغار ولو أن أحدهم رفع ~~رأسه لرآنا وسكوته صلى الله عليه وسلم. قال القاضي عياض: # وهذا لا حجة فيه لأنه إنما أخبر عن أمر مستقبل وليس فيه دعوى لرد قدره ~~بعد وقوعه، قال: # وكذا جميع ما ذكره البخاري في باب ما يجوز من اللو كحديث لولا حدثان قومك ~~بالكفر الحديث ولو كنت راجما بغير بينة ولولا أن أشق على أمتي وشبيه ذلك ~~فكله مستقبل ولا اعتراض فيه على قدر، فلا كراهية فيه، لأنه إنما أخبر عن ~~اعتقاده فيما كان يفعل لولا المانع وعما هو في قدرته فأما ما ذهب فليس في ~~قدرته. قال القاضي: فالذي عندي في معنى الحديث: أن النهي على ظاهره وعمومه ~~لكن نهي تنزيه. ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: فإن لو تفتح عمل ~~الشيطان قال النووي: وقد جاء من استعمال لو في الماضي قوله صلى الله عليه ~~وسلم: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدى وغير ذلك فالظاهر أن ~~النهي إنما هو إطلاق ذلك فيما لا فائدة فيه، فيكون نهي تنزيه لا تحريم. # وأما من قاله تأسفا على ما فاته من طاعة الله وما هو متعذر عليه من ذلك ~~ونحو هذا فلا بأس به وعليه يحمل أكثر الاستعمال الموجود في الأحاديث. # 9 - (وعن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): إن الله ~~أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على PageV04P207 # أحد أخرجه مسلم) التواضع: عدم الكبر، وتقدم تفسير الكبر. وعدم التواضع ~~يؤدي إلى البغي، لأنه يرى لنفسه مزية على الغير فيبغي عليه بقوله أو فعله، ~~ويفخر عليه ويزدريه، والبغي والفخر مذمومان. ووردت أحاديث في سرعة عقوبة ~~البغي منها عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من ذنب ~~أجدر - أو أحق - من أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له ~~في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم أخرجه الترمذي والحاكم وصححاه وأخرجه ابن ms1336 ~~ماجة، وأخرج البيهقي: ليس شئ مما عصي الله به هو أسرع عقوبة من البغي. # 10 - (وعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي (ص) قال: من رد عن عرض أخيه ~~بالغيب رد الله عن وجهه النار يوم القيامة أخرجه الترمذي وحسنه. # 11 - (ولأحمد من حديث أسماء بنت يزيد نحوه. في الحديثين دليل على فضيلة ~~الرد على من اغتاب أخاه عنده، وهو واجب، لأنه من باب الانكار للمنكر، ولذا ~~ورد الوعيد على تركه كما أخرجه أبو داود وابن أبي الدنيا ما من مسلم يخذل ~~امرءا مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص من عرضه إلا خذله الله في موطن ~~يحب فيه نصرته. وأخرج أبو الشيخ من رد عن عرض أخيه رد الله عنه النار يوم ~~القيامة وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: * (وكان حقا علينا نصر ~~المؤمنين) * وأخرج أبو داود وأبو الشيخ أيضا من حمى عرض أخيه في الدنيا بعث ~~الله له ملكا يوم القيامة يحميه من النار وأخرج الأصبهاني من اغتيب عنده ~~أخوه فاستطاع نصرته فنصره، نصره الله في الدنيا والآخرة وإن لم ينصره أذله ~~الله في الدنيا والآخرة. بل ورد في الحديث أن المستمع للغيبة أحد ~~المغتابين، فمن حضر الغيبة وجب عليه أحد أمور: الرد عن عرض أخيه ولو باخراج ~~من اغتاب إلى حديث آخر، أو القيام عن موقف الغيبة أو الانكار بالقلب، أو ~~الكراهة للقول وقد عد بعض العلماء السكوت كبيرة، لورود هذا الوعيد. # 12 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله ~~إلا رفعه أخرجه مسلم. فسر العلماء عدم النقص بمعنيين: الأول: أنه يبارك له ~~فيه ويدفع عنه الآفات فيجبر نقص الصورة بالبركة الخفية. والثاني: أنه يحصل ~~بالثواب الحاصل عن الصدقة جبران نقص عينها فكأن الصدقة لم تنقص المال لما ~~يكتب الله من مضاعفة الحسنة إلى عشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة. قلت: والمعنى ~~الثالث أنه تعالى يخلفها ms1337 بعوض يظهر به عدم نقص المال بل ربما زادته، ودليله ~~قوله تعالى: * (وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه) * وهو مجرب محسوس وفي قوله: ما ~~زاد الله عبدا بعفو إلا عزا حث على العفو عن المسئ وعدم مجازاته على إساءته ~~وإن كانت جائزة قال تعالى: * (فمن عفا وأصفح PageV04P208 # فأجره على الله) *. وفيه أنه يجعل الله تعالى للعافي عزا وعظمة في ~~القلوب، لأنه بالانتصاف يظن أنه يعظم ويصان جانبه ويهاب ويظن أن الاغضاء ~~والعفو لا يحصل به ذلك فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه يزداد ~~بالعفو عزا، وفي قوله: وما تواضع أحد لله أي لأجل ما أعده الله للمتواضعين ~~إلا رفعه الله دليل على أن التواضع سبب للرفعة في الدارين لاطلاقه. # وفي الحديث حث على الصدقة وعلى العفو وعلى التواضع، وهذه من أمهات مكارم ~~الأخلاق. # 13 - (وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # يا أيها الناس أفشوا السلام وصلوا الأرحام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل ~~والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام أخرجه الترمذ وصححه. الافشاء لغة: ~~الاظهار، والمراد نشر السلام على من يعرفه وعلى من لا يعرفه، وأخرج الشيخان ~~من حديث عبد الله بن عمر أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الاسلام ~~خير؟ قال: تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف. ولا بد في ~~السلام أن يكون بلفظ مسمع لمن يرد عليه. وقد أخرج البخاري في الأدب المفرد ~~بسند صحيح عن ابن عمر: إذا سلمت فأسمع فإنها تحية من عند الله، قال النووي: ~~أقله أن يرفع صوته بحيث يسمع المسلم عليه فإن لم يسمعه لم يكن آتيا بالسنة ~~فإن شك استظهر. وإن دخل مكانا فيه أيقاظ ونيام فالسنة ما ثبت في صحيح مسلم ~~عن المقداد قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجئ من الليل فيسلم تسليما ~~لا يوقظ نائما ويسمع اليقظان، فإن لقي جماعة يسلم عليهم جميعا، ويكره أن ~~يخص أحدهم بالسلام لأنه يولد الوحشة، ومشروعية السلام لجلب التحاب ms1338 والألفة، ~~فقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا ألا أدلكم على ما تحابون به؟ أفشوا ~~السلام بينكم. # ويشرع السلام عند القيام من الموقف كما يشرع عند الدخول لما أخرجه ~~النسائي من حديث أبي هريرة مرفوعا إذا قعد أحدكم فليسلم وإذا قام فليسلم ~~فليست الأولى أحق من الآخرة وتكره أو تحرم الإشارة باليد أو الرأس لما ~~أخرجه النسائي بسند جيد عن جابر مرفوعا لا تسلموا تسليم اليهود فإن تسليمهم ~~بالرؤوس والأكف إلا أنه يستثنى من ذلك حال الصلاة فقد وردت أحاديث بأنه صلى ~~الله عليه وسلم كان يرد على من يسلم عليه وهو يصلي بالإشارة، وقد قدمنا ~~تحقيق ذلك في الحديث العشرين من باب شروط الصلاة في الجزء الأول. وجوزت ~~الإشارة بالسلام على من بعد عن سماع لفظ السلام. قال ابن دقيق العيد: وقد ~~يستدل بالأمر بإفشاء السلام من قال بوجوب الابتداء بالسلام، ويرد عليه أنه ~~لو كان الابتداء فرض عين على كل أحد كان فيه حرج ومشقة، والشريعة على ~~التخفيف والتيسير، فيحمل على الاستحباب ا ه‍. قال النووي: في التسليم على ~~من لم يعرف إخلاص العمل لله تعالى واستعمال التواضع وإفشاء السلام الذي هو ~~شعار هذه الأمة، وقال ابن بطال في مشروعية السلام على غير معروف: استفتاح ~~المخاطبة للتأنيس ليكون المؤمنون كلهم إخوة فلا يستوحش أحد من أحد. وتقدم ~~الكلام على صلة الأرحام مستوفى، وعلى إطعام الطعام، فيشمل من يجب عليه ~~إنفاقه ويلزم إطعامه ولو عرفا أو عادة، وكالصدقة على PageV04P209 # السائل للطعام وغيره، فالامر محمول على فعل ما هو أولى من تركه ليشمل ~~الواجب والمندوب والامر بصلاة الليل في قوله: صلوا بالليل فقد ورد تفسيره ~~بصلاة العشاء، والمراد بالناس اليهود والنصارى، ويحتمل أنه أريد ذلك وما ~~يشمل نافلة الليل. وقوله تدخلوا الجنة بسلام إخبار بأن هذه الأفعال من ~~أسباب دخول الجنة، وكأنه بسببها يحصل لفاعلها التوفيق وتجنيب ما يوبقها من ~~الأعمال وحصول الخاتمة الصالحة. # 14 - (وعن تميم الداري رضي الله عنه) هو أبو رقية تميم بن أوس بن خارجة، ms1339 ~~نسب إلى جده دار ويقال الديري نسبة إلى دير كان فيه قبل الاسلام وكان ~~نصرانيا وليس في الصحيحين والموطأ داري ولا ديري إلا تميم، أسلم سنة تسع ~~كان يختم القرآن في ركعة وكان ربما ردد الآية الواحدة الليل كله إلى ~~الصباح، سكن المدينة ثم انتقل منها إلى الشام، وروى النبي صلى الله عليه ~~وسلم في خطبته قصة الجساسة والدجال، وهي منقب له وهي داخلة في رواية ~~الأكابر عن الأصاغر وليس له في صحيح مسلم إلا هذا الحديث وليس له في ~~البخاري شئ (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة ثلاثا ~~-) أي قالها ثلاثا (قلنا: لمن يا رسول الله؟) أي من يستحقها (قال: # لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم أخرجه مسلم). هذا الحديث ~~جليل. قال العلماء: إنه أحد الأحاديث الأربعة التي يدور عليها الاسلام، ~~وقال النووي: # ليس الامر كما قالوه بل عليه مدار الاسلام قال الخطابي: النصيحة كلمة ~~جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له. ومعنى الاخبار عن الدين بها أن عماد ~~الدين وقوامه النصيحة. # قالوا: والنصح لله: الايمان به ونفي الشرك عنه وترك الالحاد في صفاته ~~ووصفه بصفات الكمال والجلال كلها وتنزيهه تعالى عن جميع أنواع النقائص ~~والقيام بطاعته واجتناب معاصيه والحب فيه والبغض فيه وموالاة من أطاعه ~~ومعادا من عصاه وغير ذلك مما يجب له تعالى. قال الخطابي: وجميع هذه الأشياء ~~راجعة إلى العبد من نصيحة نفسه، والله تعالى غني عن نصح الناصح. والنصيحة ~~لكتابة: الايمان بأنه كلامه تعالى وتحليل ما حلله وتحريم ما حرمه والاهتداء ~~بما فيه والتدبر لمعانيه والقيام بحقوق تلاوته والاتعاظ بمواعظه والاعتبار ~~بزواجره والمعرفة له والنصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: تصديقه بما ~~جاء به واتباعه فيما أمر به ونهى عنه وتعظيم حقه وتوقيره حيا وميتا، ومحبة ~~من أمر بمحبته من آله وصحبه ومعرفة سنته والعمل بها ونشرها والدعاء إليها ~~والذب عنها. والنصيحة لائمة المسلمين: إعانتهم على الحق وطاعتهم فيه وأمرهم ~~به وتذكيرهم لحوائج العباد ونصحهم في الرفق والعدل. قال الخطابي: ومن ms1340 ~~النصيحة لهم الصلاة خلفهم والجهاد معهم. وتعدد أسباب الخير في كل من هذه ~~الأقسام لا تنحصر قيل: وإذا أريد بأئمة المسلمين: العلماء، فنصحهم بقبول ~~أقوالهم وتعظيم حقهم والاقتداء بهم، ويحتمل أنه يحمل الحديث عليهما فهو ~~حقيقة فيهما. والنصيحة لعامة المسلمين: بإرشادهم إلى PageV04P210 # مصالحهم في دنياهم وأخراهم وكف الأذى عنهم وتعليمهم ما جهلوه وأمرهم ~~بالمعروف ونهيهم عن المنكر ونحو ذلك. والكلام على كل قسم يحتمل الإطالة وفي ~~هذا كفاية. وقد بسطنا الكلام عليه في شرح الجامع الصغير. قال ابن بطال: في ~~الحديث دليل على أن النصيحة تسمى دينا وإسلاما وأن الدين يقع على العمل كما ~~يقع على القول، قال: والنصيحة فرض كفاية يجزئ فيها من قام بها وتسقط عن ~~الباقين، والنصيحة لازمة على قدر الطاقة البشرية إذا علم الناصح أنه يقبل ~~نصحه ويطاع أمره وأمن على نفسه المكروه، فإن خشي أذى فهو في سعة، والله ~~أعلم. # 15 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # أكثر ما يدخل الجنة تقوى الله وحسن الخلق أخرجه الترمذي وصححه الحاكم) ~~الحديث دليل على عظمة تقوى الله وحسن الخلق، وتقوى الله تعالى هي الاتيان ~~بالطاعات واجتناب المقبحات، فمن أتى بها وانتهى عن المنهيات فهي من أعظم ~~أسباب دخول الجنة. # وأما حسن الخلق فتقدم الكلام فيه. # 16 - (وعنه) أي أبي هريرة (قال: قال رسول الله (ص): إنكم لا تسعون الناس ~~بأموالكم ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق أخرجه أبو يعلى وصححه ~~الحاكم. أي لا يتم لكم شمول الناس بإعطاء لمال لكثرة الناس وقلة المال فهو ~~غير داخل في مقدور البشر، ولكن عليكم أن تسعوهم ببسط الوجه والطلاقة ولين ~~الجانب وخفض الجناح ونحو ذلك مما يوجب التحاب بينكم فإنه مراد الله، وذلك ~~فيما عدا الكافر ومن أمر بالاغلاظ عليه. # 17 - (وعنه) أي أبي هريرة (قال: قال رسول الله (ص): المؤمن مرآة المؤمن ~~أخرجه أبو داود بإسناد حسن. أي المؤمن لأخيه المؤمن كالمرآة التي ينظر فيها ~~وجهه، فالمؤمن يطلع أخاه على ما فيه من ms1341 عيب وينبهه على إصلاحه ويرشده إلى ~~ما يزينه عند مولاه تعالى وإلى ما يزينه عند عباده، وهذا داخل في النصيحة. # 18 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص): # المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط ~~الناس ولا يصبر على أذاهم أخرجه ابن ماجة بإسناد حسن وهو عند الترمذي إلا ~~أنه لم يسم الصحابي. فيه أفضلية من يخالط الناس مخالطة يأمرهم فيها ~~بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحسن معاملتهم فإنه أفضل من الذي يعتزلهم ولا ~~يصبر على المخالطة، والأحوال تختلف باختلاف الاشخاص والأزمان، ولكل حال ~~مقال ومن رجح العزلة فله على فضلها أدلة. # وقد استوفاها الغزالي في الاحياء وغيرها. # 19 - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # اللهم كما حسنت خلقي) بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام (فحسن خلقي) ~~PageV04P211 # بضمها وضم اللام (رواه أحمد وصححه ابن حبان). قد كان صلى الله عليه وسلم ~~من أشرف العباد خلقا وخلقا وسؤاله ذلك اعترافا بالمن وطلبا لاستمرار النعمة ~~وتعليما للأمة. # باب الذكر والدعاء الذكر: مصدر ذكر وهو ما يجري على اللسان والقلب، ~~والمراد به ذكر الله والدعاء مصدر دعا وهو الطلب، ويطلق على الحث على فعل ~~الشئ، نحو دعوت فلانا استعنته. # ويقال: دعوت فلانا سألته. ويطلق على العبادة وغيرها. # واعلم أن الدعاء ذكر الله وزيادة، فكل حديث في فضل الذكر يصدق عليه، وقد ~~أمر الله تعالى عباده بدعائه فقال: * (ادعوني استجب لكم) * أخبرهم بأنه ~~قريب يجيب دعاءهم فقال * (وإذ سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع ~~إذا دعان) *. وسماه مخ العبادة ففي الحديث عند الترمذي من حديث أنس مرفوعا ~~الدعاء مخ العبادة وأخبر صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يغضب على من لم ~~يدعه، فإنه أخرج البخاري في الأدب المفرد من حديث أبي هريرة مرفوعا من لم ~~يسأل الله يغضب عليه، وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه تعالى يحب أن يسأل، ~~فأخرج الترمذي من حديث ابن مسعود ms1342 مرفوعا سلوا الله من فضله فإنه يحب أن ~~يسأل والأحاديث في الحث عليه كثيرة، وهو يتضمن حقيقة العبودية والاعتراف ~~بغنى الرب وافتقار العبد، وقدرته تعالى وعجز العبد، وإحاطته تعالى بكل شئ ~~علما. فالدعاء يزيد العبد قربا من ربه، واعترافا بحقه، ولذا حث (ص) على ~~الدعاء وعلم الله عباده دعاءه بقوله: * (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا) * الآية ونحوها، وأخبرنا بدعوات رسله وتضرعهم حيث قال أيوب: * (ربي ~~إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) * وقال زكريا عليه السلام: * (ربي لا ~~تذرني فردا) * * (فهب لي من لدنك وليا) * وقال أبو البشر: * (ربنا ظلمنا ~~أنفسنا) * الآية، وقال يوسف: * (ربي قد اتيتني من الملك وعلمتني من تأويل ~~الأحاديث) * إلى قوله * (توفني مسلما وألحقني بالصالحين) *. وقال يونس:: * ~~(لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) * ودعا نبينا (ص) في مواقف لا ~~تنحصر عند لقاء الأعداء وغيرها، ودعواته في الصباح والمساء والصلوات وغيرها ~~معروفة. فالعجب من الاشتغال بذكر الخلاف بين من قال التفويض والتسليم أفضل ~~من الدعاء فإن قائل هذا ما ذاق حلاوة المناجاة لربه ولا تضرع واعترافه ~~بحاجته وذنبه. # واعلم أنه قد ورد من حديث أبي سعيد عند أحمد: أنه لا يضيع الدعاء بل لا ~~بد للداعي من إحدى ثلاث إما أن يعجل له دعوته،، وإما أن يدخرها له في ~~الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها وصححه الحاكم وللدعاء شرائط ~~ولقبوله موانع قد أودعناها أوائل الجزء الثاني من التنوير شرح الجامع ~~الصغير وذكرنا فائدة الدعاء مع سبق القضاء. # 1 - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): PageV04P212 # يقول الله تعالى أنا مع عبدي ما ذكرني تحركت بي شفتاه أخرجه ابن ماجة ~~وصححه ابن حبان وذكره البخاري تعليقا، وهو في البخاري بلفظ قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: يقول الله عز وجل أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني ~~فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملا ذكرته في ملا خير منهم ~~وإن تقرب إلى ms1343 شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، ~~وإن أتاني يمشي أتيته هرولة وهذه معية خاصة تفيد عظمة ذكره تعالى، وأنه مع ~~ذاكر برحمته ولطفه وإعانته والرضا بحاله وقال ابن أبي جمرة: معناه أنا معه ~~بحسب ما قصده من ذكره لي ثم قال: يحتمل أن يراد الذكر بالقلب أو باللسان أو ~~بهما معا أو بامتثال الامر واجتناب النهي، قال: والذي تدل عليه الاخبار أن ~~الذكر على نوعين، أحدهما مقطوع لصاحبه بما تضمنه هذا الخبر، والثاني على ~~خطر قال: والأول مستفاد من قوله تعالى: * (فمن يعلم مثقال ذرة خيرا يره) *، ~~والثاني من الحديث الذي فيه من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد ~~من الله إلا بعدا لكن إن كان في حال المعصية يذكر الله لخوف ووجل فإنه يرجى ~~له. 2 - (وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله (ص): ما عمل ابن آدم عملا ~~أنجى له من عذاب الله من ذكر الله أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني بإسناد حسن ~~الحديث من أدلة فضل الذكر وأنه من أعظم أسباب النجاة من مخاوف عذاب الآخرة ~~وهو أيضا من المنجيات من عذاب الدنيا ومخاوفها، ولذا قرن الله الامر ~~بالثبات لقتال أعدائه وجهادهم بالأمر بذكره كما قال: * (إذا لقيتم فئة ~~فأثبتوا واذكروا الله كثيرا) * (الأنفال: 45) وغيرها من الآيات والأحاديث ~~الواردة في مواقف الجهاد. # 3 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # ما جلس قوم مجلسا يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ~~وذكرهم الله فيمن عنده أخرجه مسلم. دل الحديث على فضيلة مجالس الذكر ~~والذاكرين وفضيلة الاجتماع على الذكر. وأخرج البخاري: إن لله ملائكة يطوفون ~~في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تعالى تنادوا ~~هلموا إلى حاجتكم قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا - الحديث وهذا ~~من فضائل مجالس الذكر تحضرها الملائكة بعد التماسهم لها. والمراد بالذكر: ~~هو التسبيح والتحميد وتلاوة القرآن ونحو ذلك، وفي حديث البزار: أنه تعالى ~~يسأل ملائكته ما يصنع ms1344 العباد - وهو أعلم بهم - فيقولون: # يعظمون آلاءك ويتلون كتابك ويصلون على نبيك ويسألونك لآخرتهم ودنياهم. ~~والذكر حقيقة في ذكر اللسان ويؤجر عليه الناطق، ولا يشترط استحضار معناه ~~وإنما يشترط أن لا يقصد غيره، فإن انضاف إلى الذكر باللسان الذكر بالقلب ~~فهو أكمل، وإن انضاف إليهما استحضار معنى الذكر وما اشتمل عليه من تعظيم ~~الله تعالى ونفي النقائص عنه ازداد كمالا، فإن وقع ذلك في عمل صالح مما فرض ~~من صلاة أو جهاد أو غيرهما فكذلك، فإن صح PageV04P213 # التوجه وأخلص لله فهو أبلغ في الكمال. وقال الفخر الرازي: المراد بذكر ~~اللسان الألفاظ الدالة على التسبيح والتحميد والتمجيد، والذكر بالقلب ~~التفكر في أدلة الذات والصفات وفي أدلة التكليف من الأمر والنهي حتى يطلع ~~على أحكامه وفي أسرار مخلوقات الله. والذكر بالجوارح هو أن تصير مستغرقة ~~بالطاعات ومن ثمة سمي الله الصلاة ذكرا في قوله: * (فاسعوا إلى ذكر الله) * ~~وذكر بعض العارفين أن الذكر على سبعة أنحاء: فذكر العينين بالبكاء وذكر ~~الاذنين بالاصغاء وذكر اللسان بالثناء وذكر اليدين بالعطاء وذكر البدن ~~بالوفاء وذكر القلب بالخوف والرجاء وذكر الروح بالتسليم والرضاء. وورد في ~~الحديث ما يدل على أن الذكر أفضل الأعمال جميعها وهو ما أخرجه الترمذي وابن ~~ماجة وصححه الحاكم من حديث أبي الدرداء مرفوعا ألا أخبركم بخير أعمالكم ~~وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق ~~وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى ~~قال: ذكر الله. ولا تعارضه أحاديث فضل الجهاد وأنه أفضل من الذكر، لان ~~المراد بالذكر الأفضل من الجهاد ذكر اللسان والقلب والتفكر في المعنى ~~واستحضار عظمة الله، فهذا أفضل من الجهاد، والجهاد أفضل من الذكر باللسان ~~فقط. وقال ابن العربي: إنه ما من عمل صالح إلا والذكر مشترط في تصحيحه فمن ~~لم يذكر الله عند صدقته أو صيامه فليس عمله كاملا، فصار الذكر أفضل الأعمال ~~من هذه الحيثية، ويشير إليه حديث نية المؤمن خير من عمله. # 4 - (وعنه) أي أبي هريرة ms1345 (قال: قال رسول الله (ص): ما قعد قوم مقعدا لم ~~يذكروا الله فيه ولم يصلوا على النبي (ص) إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة ~~أخرجه الترمذي وقال: حسن. زاد فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم وأخرجه أحمد ~~بلفظ ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله تعالى فيه إلا كان عليه ترة، وما من ~~رجل يمشي طريقا فلم يذكر الله تعالى إلا كان عليه ترة، وما من رجل أوى إلى ~~فراشه فلم يذكر الله عز وجل إلا كان عليه ترة وفي رواية إلا كان عليه حسرة ~~يوم القيامة. وإن دخل الجنة والترة: بمثناة فوقية مكسورة فراء بمعنى الحسرة ~~وقال ابن الأثير: # هي النقص. والحديث دليل على وجوب الذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه ~~وسلم في المجلس سيما مع تفسير الترة بالنار أو العذاب، فقد فسرت بهما، فإن ~~التعذيب لا يكون إلا لترك واجب أو فعل محظور، وظاهره أن الواجب هو الذكر ~~والصلاة عليه (ص) معا. وقد عدت مواضع الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم فبلغت ~~ستة وأربعين موضعا. # قال أبو العالية: معنى صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه عند ملائكته، ومعنى ~~صلاة الملائكة عليه الدعاء له بحصول الثناء والتعظيم. وفيه أقوال أخر هذا ~~أجودها. وقال غيره: الصلاة منه تعالى على رسوله تشريف وزيادة تكرمة وعلى من ~~دون النبي رحمة فمعنى قولنا: اللهم صل على محمد: عظم محمدا أو المراد ~~بالتعظيم: إعلاء ذكره، وإظهار دينه وإبقاء شريعته في الدنيا PageV04P214 # وفي الآخرة بإحراز مثوبته وتشفيعه في أمته. والشفاعة العظمى للخلائق ~~أجمعين في المقام المحمود ومشاركة الآل والأزواج بالعطف يراد به في حقهم ~~التعظيم اللائق بهم. وبهذا يظهر وجه اختصاص الصلاة بالأنبياء استقلالا دون ~~غيرهم. ويتأيد هذا بما أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس يرفعه إذا صليتم ~~علي فصلوا على أنبياء الله فإن الله تعالى بعثهم كما بعثني فجعل العلة ~~البعثة فتكون مختصة بمن بعث. وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن ابن عباس ما ~~أعلم الصلاة تنبغي لاحد على أحد إلا ms1346 على النبي صلى الله عليه وسلم وحكى ~~القول به عن مالك وقال: # ما تعبدنا به. وقال القاضي عياض: عامة أهل العلم على الجواز قال: وأنا ~~أميل إلى قول مالك، وهو قول المحققين من المتكلمين والفقهاء. قالوا: يذكر ~~غير الأنبياء بالترضي والغفران، والصلاة على غير الأنبياء يعني استقلالا لم ~~تكن من الأمر بالمعروف، وإنما حدثت في دولة بني هاشم يعني العبيديين. وأما ~~الملائكة فلا أعلم فيه حديثا وإنما يؤخذ ذلك من حديث ابن عباس لان الله ~~سماهم رسلا. وأما المؤمنون فقالت طائفة: لا تجوز استقلالا وتجوز تبعا فيما ~~ورد به النص كالآل والأزواج والذرية، ولم يذكر في النص غيرهم فيكون ذلك ~~خاصا ولا يقاس عليهم الصحابة ولا غيرهم، وقد بينا أنه يدعى للصحابة ونحوهم ~~بما ذكره الله من أنه رضي عنهم وبالمغفرة كما أمر بها رسوله: * (واستغفر ~~لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) * وأما الصلاة عليهم فلم ترد. والمسألة فيها ~~خلاف معروف، فقال بجوازه البخاري، ووردت أحاديث بأنه صلى الله عليه وسلم ~~صلى على آل سعد بن عبادة. أخرجه أبو داود والنسائي بسند جيد، وورد بأنه صلى ~~الله عليه وسلم صلى على آل أبي أوفى، فمن قال بجوازه استقلالا على سائر ~~المؤمنين فهذا دليله. ومن أدلته أن الله تعالى قال: * (هو الذي يصلي عليكم ~~وملائكته) * ومن منع قال: هذا ورد من الله ومن رسوله (ص) لم يرد الاذن لنا ~~وقال ابن القيم: يصلى على غير الأنبياء والملائكة وأزواج النبي (ص) وذريته ~~وأهل طاعته على سبيل الاجمال. ويكره في غير الأنبياء لشخص مفرد بحيث يصير ~~شعارا لا سيما إذا ترك في حق مثله وأفضل منه - كما تفعل الرافضة - فلو اتفق ~~وقوع ذلك مفردا في بعض الأحايين من غير أن يتخذ شعارا لم يكن فيه بأس. ~~واختلفوا أيضا في السلام على غير الأنبياء بعد الاتفاق على مشروعيته في ~~تحية الحي، فقيل: يشرع مطلقا، وقيل: تبعا ولا يفرد بواحد لكونه صار شعارا ~~للرافضة، ونقله النووي عن الشيخ محمد الجويني. قلت: هذا التعليل بكونه صار ~~شعارا لا ينهض ms1347 على المنع والسلام على الموتى قد شرعه الله على لسان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وكان ثابتا في ~~الجاهلية كما قال الشاعر: # عليك سلام الله قيس بن عاصم * ورحمته ما شاء أن يترحما وما كان قيس موته ~~موت واحد * ولكنه بنيان قوم تهدما 5 - (وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله (ص): من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له عشر مرات ~~كان كمن أعتق أربعة PageV04P215 # أنفس من ولد إسماعيل متفق عليه. زاد مسلم: له الملك وله الحمد وهو على كل ~~شئ قدير وفي لفظ من قال ذلك في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له ~~مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى ~~يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك وأخرج أحمد من ~~طريق عبد الله بن يعيش عن أبي أيوب وفيه من قال إذا صلى الصبح لا إله إلا ~~الله فذكره بلفظ عشر مرات كن كعدل أربع رقاب وكتب له بهن عشر حسنا ت ومحي ~~عنه بهن عشر سيئات ورفع له بهن عشر درجات وكن له حرزا من الشيطان حتى يمسي ~~وإذا قالها بعد المغرب فمثل ذلك وسنده حسن، وأخرجه جعفر في الذكر عن أبي ~~أيوب رفعه قال من قال حين يصبح - فذكر مثله لكن زاد: يحي ويميت. وقال: تعدل ~~عشر رقب وكان له مسلحة من أول نهاره إلى آخره ولم يعمل يومئذ عملا يقهرهن، ~~وإن قال مثل ذلك حين يمسي فمثل ذلك. وذكر العشر الرقاب في بعضها والأربع في ~~بعضها كأنه باعتبار الذاكرين في استحضارهم معاني الألفاظ بالقلوب، وامحاض ~~التوجه والاخلاص لعلام الغيوب. # فيكون اختلاف مراتبهم باعتبار ذلك وبحسبه كما قال القرطبي. # 6 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): من قال سبحان ~~الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر ms1348 متفق عليه. ~~معنى سبحان الله تنزيهه عما لا يليق به من نقص، فيلزم منه نفي الشريك ~~والصاحب والولد وجميع ما لا يليق، والتسبيح يطلق على جميع ألفاظ الذكر ~~ويطلق على صلاة النافلة، ومنه صلاة التسبيح خصت بذلك لكثرة التسبيح فيها. ~~وفيه: أنه تكفر بهذا الذكر الخطايا، وظاهره ولو كبائر، والعلماء يقيدون ذلك ~~بالصغائر ويقولون: لا تمحى الكبائر إلا بالتوبة، وقد أورد على هذا سؤال: ~~وهو أنه يدل على أن التسبيح أفضل من التهليل، فإنه قال في التهليل: إن من ~~قال مائة مرة في يوم محيت عنه مائة سيئة كما قدمناه وهنا قال حطت عنه ~~خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر والأحاديث دالة على أن التهليل أفضل، فقد ~~أخرج الترمذي والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم من حديث جابر مرفوعا أفضل ~~الذكر لا إله إلا الله، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا ~~الله، وهي كلمة التوحيد والاخلاص وهي اسم الله الأعظم ومعنى التسبيح داخل ~~فيها فإنه التنزيه عما لا يليق بالله وهو داخل في لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له، له الملك... إلخ، وفضائلها عديدة وأجيب عنه بأنه انضاف إلى ثواب ~~التهليل مع التفكير ثلاثة أمور رفع الدرجات وكتب الحسنات وعتق الرقاب، ~~والعتق يتضمن تكفير جميع السيئات فإن من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها ~~عضوا منه من النار كما سلف. وظاهر الأحاديث أن هذه الفضائل لكل ذاكر. وذكر ~~القاضي عن بعض العلماء أن الفضل الوارد في مثل هذه الأعمال الصالحة، ~~والأذكار إنما هو لأهل الفضل في الدين، والطهارة من الجرائم العظام وليس من ~~أصر على شهواته وانتهك دين PageV04P216 # الله وحرماته بلا حق، من الأفاضل المطهرين في ذلك وشهد له قوله تعالى: * ~~(أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات) * ~~الآية 7 - (وعن جويرية بنت الحارث رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلت) بكسر التاء ~~خطاب لها (منذ ms1349 اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضاء نفسه وزنة ~~عرشه ومداد كلماته أخرجه مسلم). عدد خلقه منصوب صفة مصدر محذوف تقديره ~~أسبحه تسبيحا ومثله أخواته. وخلقه شامل لما في السماوات والأرض وفي الدنيا ~~والآخرة، ورضاء نفسه أي عدد من رضي الله عنهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين، ورضاه عنهم لا ينقضي ولا ينقطع. وزنة عرشه أي زنة ما ~~لا يعلم قدر وزنه إلا الله. ومداد كلماته بكسر الميم وهو ما تمد به الدواة ~~كالحبر، والكلمات هي معلومات الله ومقدوراته وهي لا تنحصر وهي لا تتناهى، ~~ومدادها هو كل مدة يكتب بها معلوم أو مقدور وذلك لا ينحصر فمتعلقه غير ~~منحصر كما قال تعالى: * (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي) * الحديث دليل ~~على فضل هذه الكلمات وأن قائلها يدرك فضيلة تكرار القبول بالعدد المذكور. # 8 - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): # الباقيات الصالحات: لا إله إلا الله وسبحان الله والله أكبر والحمد لله ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله أخرجه النسائي وصححه ابن حبان والحاكم. الباقيات ~~الصالحات: # يراد بها الأعمال الصالحة التي يبقى لصاحبها أجرها أبد الآباد، وفسرها ~~صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمات، ويحتمل أنه تفسير لقوله تعالى: * ~~(والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا) *. وقد جاء في الأحاديث ~~تفسيرها بأفعال الخير. فأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من حديث ~~ابن عباس: الباقيات الصالحات: هن ذكر لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان ~~الله والحمد لله وتبارك الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وأستغفر الله وصلى ~~الله على رسول الله (ص) والصيام والصلاة والحج والصدقة والعتق والجهاد ~~والصلة، وجميع أنواع الحسنات وهن الباقيات الصالحات التي تبقى لأهلها في ~~الجنة وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن قتادة الباقيات الصالحات كل شئ من ~~طاعة الله فهو من الباقيات الصالحات ولا ينافي تفسيرها في الحديث بما ذكر ~~فإنه لا حصر فيه عليها. # 9 - (وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه ms1350 قال: قال رسول الله (ص): # أحب الكلام إلى الله أربع لا يضرك بأيهن بدأت سبحان الله والحمد لله ولا ~~إله إلا الله والله أكبر أخرجه مسلم. يعني إنما كانت أحبه إليه تعالى ~~لاشتمالها على تنزيهه وإثبات الحمد له والوحدانية والأكبرية. وقوله: لا ~~يضرك بأيهن بدأت دل على أنه لا ترتيب بينها ولكن تقديم التنزيه أولى لأنه ~~تقدم التخلية - بالخاء المعجمة - على التحلية PageV04P217 # بالحاء المهملة - والتنزيه تخلية عن كل قبيح، وإثبات الحمد والوحدانية ~~والأكبرية تحلية بكل صفات الكمال، لكنه لما كان تعالى منزهة ذاته عن كل ~~قبيح لم تضر البداءة بالتحلية وتقديمها على التخلية. والأحاديث في فضل هذه ~~الكلمات مجموعة ومتفرقة بحر لا تنزفه الدلاء ولا ينقصه الاملاء وكفى بما في ~~الحديث من أنها الباقيات الصالحات وأنها أحب الكلام إلى الله تعالى. # 10 - (وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: يا عبد الله بن قيس ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ # لا حول ولا قوة إلا بالله متفق عليه. زاد النسائي) من حديث أبي موسى (لا ~~ملجأ من الله إلا إليه) أي أن ثوابها مدخر في الجنة وهو ثواب نفيس كما أن ~~الكنز أنفس أموال العباد، فالمراد مكنون ثوابها عند الله لكم، وذلك لا كلمة ~~استسلام وتفويض إلى الله واعتراف الاذعان له وأنه لا صانع غيره ولا راد ~~لامره، وأن العبد لا يملك شيئا من الامر. # والحول: الحركة والحيلة أي لا حركة ولا استطاعة ولا حيلة إلا بمشيئة ~~الله، وروي تفسيرها مرفوعا أي لا حول عن المعاصي إلا بعصمة الله، ولا قوة ~~على طاعة الله إلا بالله، ثم قال صلى الله عليه وسلم كذلك أخبرني جبريل عن ~~الله تبارك وتعالى. وقوله: (ولا ملجأ) مأخوذ من لجأ إليه وهو - بفتح الهمزة ~~- يقال لجأت إليه والتجأت إذا استندت إليه واعتضدت به أي لا مستند من الله ~~ولا مهرب عن قضائه إلا إليه. # 11 - (وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي (ص) ms1351 قال: إن الدعاء ~~هو العبادة رواه الأربعة وصححه الترمذي. ويدل له قوله تعالى: * (ادعوني ~~استجب لكم) * ثم قال: * (إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) ~~* وتقدم الكلام عليه. # 12 - (وله) أي الترمذي (من حديث أنس مرفوعا بلفظ الدعاء مخ العبادة) أي ~~خالصها لان مخ الشئ خالصه، وإنما كان مخها لامرين: الأول: أنه امتثال لأمر ~~الله حيث قال: (ادعوني) الثاني: أن الداعي إذا علم أن نجاح الأمور من الله ~~انقطع عما سواه وأفرده بطلب الحاجات وإنزال الفاقات، وهذا هو مراد الله من ~~العبادة. # 13 - (وله) أي الترمذي (عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه ليس شئ على الله ~~أكرم من الدعاء وصححه ابن حبان والحاكم). # 14 - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص): الدعاء بين الأذان ~~والإقامة لا يرد أخرجه النسائي وغيره وصححه ابن حبان وغيره) تقدم الحديث ~~بلفظ آخر في باب الأذان، وتقدم الكلام عليه، ويتأكد الدعاء بعد الصلاة ~~المكتوبة لحديث الترمذي عن أبي أمامة قلت: يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ ~~قال: جوف الليل PageV04P218 # وأدبار الصلوات المكتوبة. وأما هذه الهيئة التي يفعلها الناس في الدعاء ~~بعد السلام من الصلاة بأن يبقى الامام مستقبل القبلة والمؤتمون خلفه يدعو ~~ويدعون، فقال ابن القيم: لم يكن من ذلك هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا ~~روي عنه في حديث صحيح ولا حسن. وقد وردت أحاديث في الدعاء بعد الصلاة ~~معروفة وورد التسبيح والتحميد والتكبير كما سلف في الأذكار. # 15 - (وعن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ~~ربكم حيي) بزنة نسي وحشي (كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما ~~صفرا أخرجه الأربعة إلا النسائي وصححه الحاكم). وصفه تعالى بالحياء يحمل ~~على ما يليق به كسائر صفاته نؤمن بها ولا نكيفها ولا يقال: إنه مجاز وتطلب ~~له العلاقات، هذا مذهب أئمة الحديث والصحابة وغيرهم وصفرا بكسر الصاد ~~المهملة وسكون الفاء أي خالية. وفي الحديث دلالة على استحباب رفع اليدين في ms1352 ~~الدعاء، والأحاديث فيه كثيرة. وأما حديث أنس لم يكن النبي صلى الله عليه ~~وسلم يرفع يديه في شئ من الدعاء إلا في الاستسقاء فالمراد به المبالغة في ~~الرفع وأنه لم يقع إلا في الاستسقاء. وأحاديث رفعه صلى الله عليه وسلم يديه ~~في الدعاء أفردها الحافظ المنذري في جزء. وأخرج أبو داود وغيره من حديث ابن ~~عباس المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك، والاستسقاء أن تشير بأصبع واحدة، ~~والابتهال أن تمد يديك جميعا وهو موقوف، وأما مسح اليدين بعد الدعاء فورد ~~فيه الحديث الآتي: # 16 - (وعن عمر رضي الله عنه قال: كان رسول الله (ص) إذا مد يديه في ~~الدعاء لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه أخرجه الترمذي، وله شواهد منها حديث ~~ابن عباس عند أبي داود وغيره ومجموعها يقضي بأنه حديث حسن) وفيه دليل على ~~مشروعية مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء. قيل: وكأن المناسبة أنه ~~تعالى لما كان لا يردهما صفرا فكأن الرحمة أصابتهما فتناسب إفاضة ذلك على ~~الوجه الذي هو أشرف الأعضاء وأحقها بالتكريم. 17 - (وعن ابن مسعود رضي الله ~~عنه قال: قال رسول الله (ص): إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة ~~أخرجه الترمذي وصححه ابن حبان. المراد أحقهم بالشفاعة أو القرب من منزلته ~~في الجنة. وفيه فضيلة الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم. وقد تقدمت قريبا، ~~ولو أضاف هذا الحديث إلى ما سلف لكان أوفق. # 18 - (وعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني ~~وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك ~~بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه PageV04P219 # لا يغفر الذنوب إلا أنت أخرجه البخاري. وتمام الحديث من قالها من النهار ~~موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل ~~وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح ms1353 فهو من أهل الجنة. قال الطيبي: لما كان هذا ~~الدعاء جامعا لمعاني التوبة استعير له اسم السيد وهو في الأصل الرئيس الذي ~~يقصد إليه في الحوائج. ويرجع إليه في الأمور، وجاء في رواية الترمذي ألا ~~أدلك على سيد الاستغفار. وفي حديث جابر عند النسائي تعلموا سيد الاستغفار ~~وقوله: لا إله إلا أنت خلقتني ووقع في رواية: اللهم لك الحمد لا إله إلا ~~أنت خلقتني وزاد فيه آمنت لك مخلصا لك ديني. وقوله: # وأنا عبدك جملة مؤكدة لقوله: أنت ربي، ويحتمل: أنا عبدك بمعنى عابدك فلا ~~يكون تأكيدا ويؤيده عطف قوله: وأنا على عهدك ومعناه كما قال الخطابي: أنا ~~على ما عاهدتك عليه وواعدتك من الايمان بك وإخلاص الطاعة لك ما استطعت ~~ومتمسك به ومستنجز وعدك في المعونة والأجر. وفي قوله: ما استطعت اعتراف ~~بالعجز والقصور عن القيام بالواجب من حقه تعالى. قال ابن بطال: يريد بالعهد ~~الذي أخذه الله على عباده حيث أخرجهم أمثال الذر وأشهدهم على أنفسهم. * ~~(ألست بربكم) * فأقروا له بالربوبية وأذعنوا له بالوحدانية، وبالوعد ما قال ~~على لسان نبيه أن من مات لا يشرك بي شيئا أن يدخل الجنة. # ومعنى أبوء أقر وأعترف وهو مهموز وأصله البواء ومعناه اللزوم. ومنه: بوأه ~~الله منزلا أي أسكنه، فكأنه ألزمه به وأبوء بذنبي أعترف به وأقر. وقوله: ~~فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت اعترف بذنبه أولا ثم طلب غفرانه ~~ثانيا. وهذا من أحسن الخطاب وألطف الاستعطاف كقول أبي البشر: * (ربنا ظلمنا ~~أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) *. وقد اشتمل الحديث ~~على الاقرار بالربوبية لله تعالى. وبالعبودية للعبد في التوحيد له ~~وبالإقرار بأنه الخالق، والاقرار بالعهد الذي أخذه على الأمم. والاقرار ~~بالعجز عن الوفاء من العبد، والاستعاذة به تعالى من شر السيئات نحو نعوذ ~~بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا والاقرار بنعمته على عباده، ~~وأفردها للجنس، والاقرار بالذنب وطلب المغفرة وحصر الغفران فيه تعالى. وفيه ~~أنه لا ينبغي طلب الحجا ت إلا بعد الوسائل. وأما ms1354 ما استشكل به من أنه كيف ~~يستغفر وقد غفر له صلى الله عليه وسلم ما تقدم من ذنبه وما تأخر وهو أيضا ~~معصوم، فإنه من الفضول لأنه (ص) أخبر بأنه يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم ~~سبعين مرة. وعلمنا الاستغفار فعلينا التأسي والامتثال لا إيراد السؤال ~~والاشكال، وقد علم هذا من خاطبهم بذلك فلم يوردوا إشكالا ولا سؤالا ويكفينا ~~كونه ذكر الله على كل حال، وهو مثل طلبنا للرزق. وقد تكفل به وتعليمه لنا ~~ذلك * (ارزقنا وأنت خير الرازقين) * وكله تعبد وذكر الله تعالى. # 19 - و (عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لم يكن رسول الله (ص) يدع هؤلاء ~~الكلمات حين يمسي وحين يصبح: اللهم إني أسألك العافية في ديني PageV04P220 # ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي واحفظني من بين يدي ~~ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي ~~أخرجه النسائي وابن ماجة وصححه الحاكم. العافية في الدين: # السلامة من المعاصي والابتداع، وترك ما يجب، والتساهل في الطاعات، وفي ~~الدنيا: السلامة من شرورها ومصائبها، وفي الأهل: السلامة من سوء العشرة ~~والأمراض والأسقام وشغلهم بطلب التوسع في الحطام، وفي المال: السلامة من ~~الآفات التي تحدث فيه، وستر العورات: عام لعورة البدن والدين والأهل ~~والدنيا والآخرة، وتأمين الروعات كذلك، والروعات: جمع روعة وهي الفزع. وسأل ~~الله الحفظ له من جميع الجهات، لان العبد بين أعدائه من شياطين الإنس والجن ~~، كالشاة بين الذئاب إذا لم يكن له حافظ من الله فما له من قوة، وخص ~~الاستعاذة بالعظمة عن الاغتيال من تحته لان اغتيال الشئ أخذه خفية هو أن ~~يخسف به الأرض كما صنع تعالى بقارون، أو بالغرق كما صنع بفرعون، فالكل ~~اغتيال من التحت. # 20 - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله (ص) يقول: # اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجأة نقمتك وجميع سخطك ~~أخرجه مسلم. الفجأة: بفتح الفاء وسكون الجيم مقصور وبضم الفاء وفتح الجيم ~~والمد وهي: البغتة، ms1355 وزوال النعمة لا يكون منه تعالى إلا بذنب يصيبه العبد ~~فالاستعاذة من الذنب في الحقيقة، كأنه قال: نعوذ بك من سيئات أعمالنا وهو ~~تعليم للعباد، وتحول العافية انتقالها، ولا يكون إلا بحصول ضدها وهو المرض. # 21 - (وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: كان رسول الله (ص) يقول: ~~اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين وغلبة العدو وشماتة الأعداء رواه النسائي ~~وصححه الحاكم. غلبة الدين: ما يغلب المدين قضاؤه، ولا ينافي الاستعاذة كونه ~~(ص) استدان ومات ودرعه مرهونة في شئ من شعير، فإن الاستعاذة من الغلبة بحيث ~~لا يقدر على قضائه، ولا ينافيه أن الله مع المدين حتى يقضي دينه ما لم يكن ~~فيما يكره الله، وروي هذا عن عبد الله بن جعفر مرفوعا لأنه يحمل على ما لا ~~غلبة فيه. فمن استدان دينا يعلم أنه لا يقدر على قضائه فقد فعل محرما، وفيه ~~ورد حديث من أخذ أموال الناس يريد أداءها أداها الله عنه ومن أخذها يريد ~~إتلافها أتلفه الله أخرجه البخاري وقد تقدم، ولذا استعاذ (ص) من المغرم وهو ~~الدين، ولما سألته عائشة عن وجه إكثاره من الاستعاذة منه قال: إن الرجل إذا ~~غرم حدث فكذب ووعد فأخلف فالمستدين يتعرض لهذا الامر العظيم. وأما غلبة ~~العدو أي بالباطل لان العدو في الحقيقة إنما يعادي في أمر باطل إما لأمر ~~ديني أو لأمر دنيوي كغصب الظالم لحق غيره مع عدم القدرة على الانتصاف منه، ~~وغير ذلك. وأما شماته الأعداء فهي فرح العدو بضر نزل بعدوه. قال ~~PageV04P221 # ابن بطال: شماتة الأعداء ما ينكأ القلب وتبلغ به النفس أشد مبلغ. وقد قال ~~هارون لأخيه عليهما السلام: * (ولا تشمت بي الأعداء) * لا تفرحهم بما ~~تصيبني به. # 22 - (وعن بريدة رضي الله عنه قال: سمع رسول الله (ص) رجلا يقول: اللهم ~~إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله الا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ~~ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فقال (رسول الله (ص)): لقد سأل الله ms1356 باسمه ~~الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب أخرجه الأربعة وصححه ابن حبان) ~~الأحد: صفة كمال لان الأحد الحقيقي ما يكون منزه الذات عن أنحاء التركيب ~~والتعدد وما يستلزم أحدهما كالجسمية والتحيز والمشاركة في الحقيقة، ومتصفا ~~بخواصها كوجوب الوجود والقدرة الذاتية والحكمة الناشئة عن الألوهية. ~~والصمد: السيد الذي يصمد إليه في الحوائج ويقصد، والمتصف به على الاطلاق هو ~~الذي يستغني عن غيره مطلقا وكل ما عداه محتاج إليه وليس ذلك عنه إلا الله ~~تعالى. ووصفه بأنه لم يلد لم يجانس ولم يفتقر إلى ما يعينه أو يخلف عنه ~~لامتناع الحاجة والفناء عليه، وهو رد على من قال: الملائكة بنات الله، ومن ~~قال: عزير ابن الله والمسيح ابن الله، وقوله: لم يولد أي لم يسبقه عدم. فإن ~~قلت: # المعروف تقدم كون المولود مولودا على كونه والدا، فكان هذا يقتضي أن ~~يقال: الذي لم يولد ولم يلد. قلت: القصد الأصلي هنا نفي كونه تعالى ليس له ~~ولد كما ادعاه أهل الباطل ولم يدع أحد أنه تعالى مولود فالمقام مقام تقديم ~~نفي ذلك. فإن قلت: فلم ذكر ولم يولد مع عدم من يدعيه؟ قلت: تعميما لتفرد ~~الله تعالى عن مشابهات المخلوقين وتحقيقا لكونه ليس كمثله شئ. والكفؤ: ~~المماثل أي لم يكن أحد يماثله في شئ من صفات كماله وعلو ذاته. # وفي الحديث دليل على أنه ينبغي تحري هذه الكلمات عند الدعاء لاخباره صلى ~~الله عليه وسلم أنه إذا سئل بها أعطى وإذا دعي بها أجاب. والسؤال: الطلب ~~للحاجات، والدعاء أعم منه، فهو من عطف العام على الخاص. # 23 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله (ص) إذا أصبح يقول: ~~اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا ونموت وإليك النشور وإذا أمسى قال مثل ~~ذلك إلا أنه قال: وإليك المصير أخرجه الأربعة. الظرف متعلق بمقدر أي بقوتك ~~وقدرتك وإيجادك أصبحنا أي دخلنا في الصباح إذا أنت الذي أوجدتنا وأوجدت ~~الصباح. ومثله أمسينا. والنشور من نشر الميت إذا أحياه، وفيه ms1357 مناسبة لان ~~النوم أخو الموت فالايقاظ منه كالاحياء بعد الإماتة، كما ناسب في المساء ~~ذكر المصير لأنه ينام فيه والنوم كالموت. وفيه الاقرار بأن كل إنعام من ~~الله تعالى. # 24 - (وعن أنس رضي الله عنه قال: كان أكثر دعاء رسول الله (ص) ربنا آتنا ~~في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار متفق عليه. قال القاضي ~~عياض: إنما كان يدعو بهذه الآية لجمعها معاني الدعاء كله من أمر الدنيا ~~والآخرة، PageV04P222 # قال: والحسنة عندهم ههنا النعمة، فسأل نعيم الدنيا والآخرة، والوقاية من ~~العذاب، نسأل الله أن يمن علينا بذلك. وقد كثر كلام السلف في تفسير الحسنة. ~~فقال ابن كثير: الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ودار رحبة، ~~وزوجة حسناء وولد بار، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هني، وثياب ~~جميلة، إلى غير ذلك مما شملته عبارتهم، فإنها مندرجة في حسنات الدنيا، فأما ~~الحسنة في الآخرة: فأعلاها دخول الجنة وتوابعه من الامن، وأما الوقاية من ~~النار: فهي تقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم وترك الشبهات ~~أو العفو محضا. ومراده بقوله وتوابعه: ما يلحبه في الذكر لا ما يتعقبه ~~حقيقة. # 25 - (وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يدعو: اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم ~~به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ~~ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم ~~وأنت المؤخر وأنت على كل شئ قدير متفق عليه) الخطيئة الذنب، والجهل ضد ~~العلم. والاسراف مجاوزة الحد في كل شئ. وقوله في أمري يحتمل تعلقه بكل ما ~~تقدم أو بقوله إسرافي فقط. والجد بكسر الجيم ضد الهزل وقوله: وخطئي وعمدي ~~من عطف الخاص على العام إذ الخطيئة تكون عن هزل وعن جد وتكرير ذلك لتعدد ~~الأنواع التي تقع من الانسان من المخالفات والاعتراف بها وإظهار أن النفس ~~غير ms1358 مبرأة من العيوب إلا ما رحم علام الغيوب. وقوله: وكل ذلك عندي خبره ~~محذوف أي موجود ومعنى أنت المقدم أي تقدم من تشاء من خلقك فيتصف بصفات ~~الكمالات ويتحقق بحقائق العبودية بتوفيقك، وأنت المؤخر لمن تشاء من عبادك ~~بخذلانك وتبعيدك له عن درجات الخير. قال المصنف: وقع في حديث ابن عباس أنه ~~صلى الله عليه وسلم كان يقوله في صلاة الليل، وتقدم بيانه، ووقع في حديث ~~علي عليه السلام أنه كان يقوله بعد الصلاة. واختلفت الروايات هل كان يقوله ~~بعد السلام أو قبله؟ ففي مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنه: أنه كان يقول ~~بين التشهد والسلام وأورده ابن حبان في صحيحه بلفظ إذا فرغ من الصلاة وهو ~~ظاهر في أنه بعد السلام ويحتمل أنه كان يقوله قبله وبعده. # 26 - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله (ص) يقول: # اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، ~~وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل ~~الموت راحة لي من كل شر أخرجه مسلم. تضمن الدعاء بخير الدارين، وليس فيه ~~دلالة على جواز الدعاء بالموت، بل إنما دل على سؤال أن يجعل الموت في قضائه ~~عليه ونزوله به راحة من شرور الدنيا ومن شرور القبر لعموم كل شر، أي من كل ~~شر قبله وبعده. PageV04P223 # 27 - (وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله (ص) يقول: اللهم انفعني ~~بما علمتني وعلمني ما ينفعني وارزقني علما ينفعني رواه النسائي والحاكم. # 28 - (وللنسائي من حديث أبي هريرة نحوه، وقال في آخره: وزدني علما، الحمد ~~لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار وإسناده حسن) فيه أنه لا ~~يطلب من العلم إلا النافع، والنافع: ما يتعلق بأمر الدين والدنيا في ما ~~يعود فيها على نفع الدين، وإلا فما عدا هذا العلم فإنه ممن قال الله فيه: * ~~(ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم) * أي في أمر الدين فإنه ms1359 نفي النفع عن علم ~~السحر لعدم نفعه في الآخرة بل لأنه ضار فيها، وقد ينفعهم في الدنيا لكنه لم ~~يعده نفعا. # 29 - (وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي (ص) علمها هذا الدعاء: # اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم، و ~~أعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم، اللهم إني أسألك ~~من خير ما سألك عبدك ونبيك، وأعوذ بك من شر ما عاذ به عبدك ونبيك، اللهم ~~إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب ~~إليها من قول أو عمل، وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرا أخرجه ابن ماجة ~~وصححه ابن حبان والحاكم) الحديث تضمن الدعاء بخيري الدنيا والآخرة، ~~والاستعاذة من شرهما وسؤال الجنة وأعمالها، وسؤال أن يجعل الله كل قضاء ~~خيرا، وكأن المراد سؤال اعتقاد العبد أن كل ما أصابه خير، وإلا فإن كل قضاء ~~قضى به خير وإن رآه العبد شرا في الصورة. وفيه أنه ينبغي للعبد تعليم أهله ~~أحسن الأدعية لان كل خير ينالونه فهو له، وكل شر يصيبهم فهو مضرة عليه. # 30 - (وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في ~~الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم. هذا آخر حديث ختم به البخاري ~~صحيحه وتبعه جماعة من الأئمة في ختم تصانيفهم في الحديث، والمراد من ~~الكلمتين: الكلام نحو كلمة الشهادة، وهو خبر مقدم، وقوله: سبحان الله. إلخ ~~مبتدأ مؤخر وصح الابتداء به وإن كان جملة لأنه في معنى هذا اللفظ، وإنما ~~قدم الخبر تشويقا للسامع إلى مبتدأ سيما بعد ما ذكر من الأوصاف، والحبيبة ~~بمعنى المحبوبة أي محبوبتان له تعالى، والخفيفة فعيلة بمعنى فاعلة، ~~والثقيلة فعيلة بمعنى فاعلة أيضا. قال الطيبي: الخفة مستعارة للسهولة، شبه ~~سهولة جريانها على اللسان بما خف على الحامل من بعض الأمتعة ms1360 فلا يتعبه ~~كالشئ الثقيل، وفيه إشارة إلى أن PageV04P224 # سائر التكاليف شاقة على النفس وهذه سهلة عليها مع أنها تثقل في الميزان ~~كثقل الشاق من الأعمال، وقد سئل بعض السلف عن سبب ثقل الحسنة وخفة السيئة ~~فقال: # لان الحسنة حضرت مرارتها وغابت حلاوتها فثقلت فلا يحملك ثقلها على تركها، ~~والسيئة حضرت حلاوتها وغابت مرارتها فلذلك خفت، فلا تحملنك خفتها على ~~ارتكابها. # والحديث من الأدلة على ثبوت الميزان كما دل عليه القرآن واختلف العلماء ~~في الموزون فقيل: # الصحف لان الأعمال أعراض فلا توصف بثقل ولا خفة، ولحديث السجلات ~~والبطاقة. # وذهب أهل الحديث والمحققون إلى أن الموزون نفس الأعمال، وأنها تجسد في ~~الآخرة، ويدل له حديث جابر مرفوعا توضع الموازين يوم القيامة فتوزن الحسنات ~~والسيئات، فمن ثقلت حسناته على سيئاته مثقال حبة دخل الجنة، ومن ثقلت ~~سيئاته على حسناته مثقال حبة دخل النار قيل له: فمن استوت حسناته وسيئاته؟ ~~قال: أولئك أصحاب الأعراف أخرجه خيثمة في فوائده، وعند ابن المبارك في ~~الزهد عن ابن مسعود نحوه مرفوعا. والأحاديث ظاهرة في أن أعمال بني آدم توزن ~~أنه عام لجميعهم، وقال بعضهم: إنه يخص المؤمن الذي لا سيئة له وله حسنات ~~كثيرة زائدة على محض الايمان فيدخل الجنة بغير حساب كما جاء فحديث السبعين ~~ألفا. ويخص منه الكافر الذي لا حسنة له ولا ذنب له غير الكفر فإنه يقع في ~~النار بغير حساب ولا ميزان. نقل القرطبي عن بعض العلماء أنه قال: الكافر ~~مطلقا لا ثواب له ولا توضع حسنته في الميزان لقوله تعالى: * (فلا نقيم لهم ~~يوم القيامة وزنا) * ولحديث أبي هريرة في الصحيح الكافر لا يزن عند الله ~~جناح بعوضة وأجيب بأن هذا مجاز عن حقارة قدره ويلزم منه عدم الوزن. والصحيح ~~أن الكافر توزن أعماله إلا أنه على وجهين: أحدهما: أن كفره يوضع في كفة ولا ~~يجد حسنة يضعها في الأخرى لبطلان الحسنات مع الكفر فتطيش التي لا شئ فيها. ~~قال القرطبي: وهذا ظاهر قوله تعالى: * (ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا ms1361 ~~أنفسهم) * فإنه وصف الميزان بالخفة، والثاني: أنه قد يقع منه العتق والبر ~~والصلة وسائر أنواع الخير المالية لو فعلها المسلم لكانت له حسنات فمن كانت ~~له جمعت ووضعت في الميزان غير أن الكفر إذا قابلها رجح بها. ويحتمل أن هذه ~~الأعمال تزن ما يقع منه من الأعمال السيئة، كظلم غيره وأخذ ماله وقطع ~~الطريق، فإن ساوتها عذب بالكفر، وإن زادت عذب بما كان زائدا على الكفر منه، ~~وإن زادت أعمال الخير معه طاح عقاب سائر المعاصي وبقي عقاب الكفر، كما جاء ~~في حديث أبي طالب أنه في ضحضاح من نار. # اللهم ثقل موازين حسناتنا إذا وزنت. وخفف موازين سيئاتنا إذا في كفة ~~الميزان وضعت واجعل سجلات ذنوبنا عند بطاقة توحيدنا طائشة من كفة الميزان. ~~ووفقنا بجعل كلمة التوحيد عند الممات آخر ما ينطق به اللسان. PageV04P225 # قد انتهى بحمد ولي الانعام، ما قصدناه من شرح بلوغ المرام (سبل السلام) ~~نسأل الله أن يجعله من موجبات دخول دار السلام، وأن يتجاوز عما ارتكبناه من ~~الخطايا والآثام وأن يجعل في كفات الحسنات ما جرت به فيه وفي غيره الأقلام، ~~وأن ينفع به الأنام إنه ذو الجلال والاكرام. والمولي لعباده من إفضاله كل ~~مرام. والحمد لله حمدا لا يفنى ما بقيت الليالي والأيام. ولا يزول إن زال ~~دوران الشهور والأعوام. والصلاة والسلام على رسوله الكاشف بأنوار الوحي كل ~~ظلام، وعلى آله العلماء الأعلام، وأصحابه الكرام وحسبنا الله ونعم الوكيل، ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # وقد وافق الفراغ منه صباح الأربعاء ليلة السابع والعشرين من شهر ربيع ~~الآخر سنة 1164 من هجرة سيد الأنام، عليه أفضل الصلاة وأتم السلام. ختمها ~~الله تعالى بخير وما بعدها من الأعوام اه‍. # تم الجزء الرابع بعون الله وحمده، وبه تم الكتاب ويليه: # متن نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر (للحافظ ابن حجر) PageV04P226 # خاتمة الطبع بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي خلق الموجودات من ~~ظلمة العدم إلى نور الايجاد، وجعلها دليلا على وحدانيته لذوي البصائر ليوم ms1362 ~~الميعاد، وميز النوع الانساني منها بالعقل رفعا له إلى درجة الكمال، وخلق ~~له ما في الأرض جميعا تكميلا لنعمته عليه وتحقيقا للافضال، وبعث الرسل قطعا ~~للحجة وبيانا هاديا للضال، والصلاة والسلام على سيدنا محمد القائل (نضر ~~الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها) فأظهره الله على الذي نكله، ~~وأتم به النعمة وجمع به الكلمة وأكمل به الدين، وعلى آله وصحبه أجمعين. # وبعد: فقد جعل الله الأنبياء والمرسلين صفوة الخلق، لأنهم هدوا إلى الطيب ~~من القول والى صراط العزيز الحميد، وجعل ورثتهم العلماء كما أخبر بذلك ~~الصادق الأمين، وكان من بينهم حجة الاسلام (الحافظ ابن حجر العسقلاني) صاحب ~~(بلوغ المرام من جمع أدلة الاحكام) وشارحه العلامة (محمد بن إسماعيل اليمني ~~الصنعاني) صاحب (سبل السلام). # ولما كان فن الحديث يحتاج الناظر فيه إلى بيان الحسن من الصحيح ألحقنا به ~~نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر لابن حجر مع بعض تعليقات من شرحه لابن حجر ~~أيضا. # وقد اعتنى بطبعه وحسن تنميقه ونشره بين الأنام أصحاب شركة مكتبة ومطبعة ~~مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر القاهرة 6 جمادى الأولى 1378 ه‍ 17 ~~نوفمبر 1958 م PageV04P227 # فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون قرآن كريم بسم الله الرحمن الرحيم ~~(الحمد لله الذي لم يزل عالما قديرا، وصلى الله على سيدنا محمد الذي أرسله ~~إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا) وعلى آل محمد وصحبه وسلم تسليما كثيرا (أما ~~بعد: فان التصانيف في اصطلاح أهل الحديث قد كثرت، وبسطت واختصرت. # فسألني بعض الاخوان أن ألخص له المهم من ذلك، فأجبته إلى سؤاله رجاء ~~الاندراج في تلك المسالك، فأقول: الخبر) الحديث (إما أن يكون له طرق) ~~أسانيد (بلا عدد معين أو مع حصر بما فوق الاثنين، أو بهما أو بواحد. ~~فالأول: المتواتر، المفيد للعلم اليقيني بشروطه) وهي عدد كثير أحالت العادة ~~توطؤهم على الكذاب رووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء، وكان مستند ~~انتهائهم الحسن، وانضاف إلى ذلك أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه. ~~(والثاني: المشهور، وهو المستفيض ms1363 على رأي) ويطلق المشهور على ما اشتهر على ~~الألسنة. (والثالث: العزيز، وليس شرطا للصحيح، خلافا لمن زعمه. والرابع: ~~الغريب، وسوى الأول آحاد. وفيها المقبول) وهو ما يجب العمل به عند الجمهور ~~(وفيها المردود: لتوقف الاستدلال بها على البحث عن أحوال رواتها، دون ~~الأول، وقد يقع فيها ما يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار) كأن يخرج ~~الخبر الشيخان في صحيحيهما، أو يكون مشهورا وله طرق متباينة، سالمة من ضعف ~~الرواة والعلل، أو يكون مسلسلا بالأئمة الحفاظ المتقنين، حيث لا يكون غريبا ~~(ثم الغرابة إما أن تكون في أصل السند) طرفه الذي فيه الصحابي من أول ~~التابعي، (أولا. فالأول: # الفرد المطلق، والثاني: الفرد النسبي، ويقل إطلاق الفردية عليه) كما أن ~~أكثر ما يطلقون الغريب على الفرد النسبي (وهبر الآحاد بنقل عدل، تام الضبط، ~~متصل، مسند، غير معلل ولا شاذ، هو الصحيح لذاته) والمراد ((بالعدل) من له ~~ملكة تحمله على ملازمة PageV04P228 # التقوى والمروءة. والمراد (بالتقوى) اجتناب الأعمال السيئة، من شرك أو ~~فسق أو بدعة. # (والضبط) ضبط صدر وهو أن يثبت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء. # وضبط كتاب: وهو صيانته لديه منذ سمع فيه وصححه، إلى أن يؤدى منه، وقيد ~~بالتام إشارة إلى المرتبة العليا في ذلك. (والمتصل) ما سلم إسناده من سقوط ~~فيه بحيث يكون كل من رجاله سمع ذلك المروى من شيخه. (والمعلل) ما فيه علة ~~خفية قادحة. (والشاذ) ما يخالف فيه الراوي من هو أرجح منه (وتتفاوت رتبه ~~بسبب تفاوت هذه الأوصاف، ومن ثم قدم صحيح البخاري ثم مسلم ثم شرطهما) ~~المراد به رواتهما مع باقي شروط الصحيح (فان خف الضبط) مع بقية الشروط ~~المقدمة في الصحيح (فالحسن لذاته، وبكثرة الطرق يصحح) فيسمى الصحيح لغيره ~~(فان جمع) كقول الترمذي: حديث حسن صحيح. # (فللتردد في الناقل حيث التفرد، وإلا فباعتبار إسنادين، وزيادة راويهما) ~~أي الصحيح والحسن (مقبولة ما لم تقع منافية ل‍) رواية (من هو أوثق، فان ~~خولف بأرجح فالراجح: # المحفوظ، ومقابله: الشاذ و) إن وقعت المخالفة له (مع ms1364 الضعف، فالراجح: ~~المعروف، ومقابله: المنكر. والفرد النسبي إن وافقه غيره فهو: المتابع) ~~والمتابعة مختصة بكونها من رواية ذلك الصحابي (وإن وجد متن) يروى من حديث ~~صحابي آخر (يشبهه فهو: الشاهد، وتتبع الطرق) من الجوامع والمسانيد والاجزاء ~~(لذلك) الحديث الذي يظن أنه فرد (هو الاعتبار، ثم المقبول إن سلم من ~~المعارضة فهو المحكم وإن عورض بمثله، فان أمكن الجمع) بغير تعسف (فهو مختلف ~~الحديث) وإن لم يكن الجمع (أو ثبت المتأخر) عرف بالتاريخ (فهو الناسخ ~~والاخر المنسوخ، وإلا فالترجيح ثم التوقف ثم المردود، إما أن يكون لسقط) من ~~إسناد (أو طعن) في راو (فالسقط: إما أن يكون من مبادئ السند من) تصرف (مصنف ~~أو من آخره بعد التابعي أو غير ذلك. فالأول المعلق) قال ابن الصلاح: إن وقع ~~الخذف في كتاب التزمت صحته كالبخاري، فما أتى فيه بالجزم دل على أنه ثبت ~~إسناده عنده، وإنما حذف لغرض من الأغراض، وما أتى فيه بغير الجزم ففيه ~~مقال. (والثاني: # المرسل. والثالث: إن كان باثنين فصاعدا مع التوالي فهو: المعضل، وإلا ~~فالمنقطع، ثم) إن السقط من الاسناد (قد يكون واضحا أو خفيا، فالأول يدرك ~~بعدم التلاقي، ومن ثم احتيج إلى التاريخ، والثاني: المدلس) سمى بذلك لكون ~~الراوي لم يسم من حدثه وأوهم سماعه للحديث ممن لم يحدثه به (ويرد بصيغة) ~~تحتمل وقوع (اللقى كعن، وقال) فان وقع بصيغة صريحة لا تجوز فيها كان كذبا ~~(وكذلك المرسل الخفي من معاصر لم يلق) فالفرق بين المدلس والمرسل الخفي أن ~~التدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاؤه إياه، فأما إن عاصره PageV04P229 # ولم يعرف انه لقيه فهو المرسل الخفي (ثم الطعن، إما أن يكون لكذب الراوي ~~أو تهمته بذلك أو فحش غلطه أو غفلته) عن الاتقان (أو فسقه أو وهمه) بأن ~~يروي على سبيل التوهم (أو مخالفته) للثقات (أو جهالته أو بدعته أو سوء ~~حفظه) بأن يكون ليس غلطه أقل من إصابته (فالأول: الموضوع. والثاني: ~~المتروك. والثالث: المنكر على رأي) من لا يشترط في المنكر قيد المخالفة ~~(وكذا ms1365 الرابع والخامس، ثم الوهم إن اطلع عليه بالقرائن وجمع الطرق ف‍ (هو ~~المعلل، ثم المخالفة إن كانت بتغير السياق) سياق الاسناد (فمدرج الاسناد أو ~~بدمج موقوف بمرفوع فمدرج المتن، أو بتقديم وتأخير) في الأسماء كمرة بن كعب ~~وكعب بن مرة (فالمقلوب أو بزيادة راو، فالمزيد في متصل الأسانيد أو بابداله ~~ولا مرجح فالمضطرب)، وقد يقع الابدال عمدا امتحانا أو بتغيير حروف مع بقاء ~~صورة الخط في (السياق، فالمصحف) في النقط (والمحرف) في الشكل (ولا يجوز ~~تعمر تغيير المتن بالنقص والمرادف إلا العالم بما يحيل المعني) ومن ثم ~~(احتيج إلى شرح الغريب وبيان المشكل منها، ثم الجهالة وسببها أن الراوي قد ~~تكثر نعوته) من اسم أو كنية أو لقب أو حرفة الخ (فيذكر بغير ما اشتهر به ~~لغرض، وصنفوا فيه: الموضح، وقد يكون مقلا فلا يكثر الاخذ عنه، وصنفوا فيه: ~~الوحدان) وهو من لم يرو عنه الا واحد (أو لا يسمى اختصارا، و) صنفوا فيه ~~(المبهمات، ولا يقبل) حديث (المبهم ولو أبهم بلفظ التعديل على الأصح، فان ~~سمى وانفرد واحد عنه فمجهول العين، أو اثنان فصاعدا، ولم يوثق فمجهول الحال ~~وهو المستور ثم البدعة إما بمكفر أو بمفسق، فالأول لا يقبل صاحبها الجمهور) ~~والتحقيق أنه لا يرد كل مكفر ببدعته، لان كل طائفة تدعى أن مخالفيها ~~مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر مخالفها، فالمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر ~~أثرا متواترا من الشرع معلوما من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد فيرد على ~~المختار، وبه صرح الجوزجاني شيخ النسائي. ثم سوء الحفظ إن كان لازما) ~~للراوي في جميع حالاته (فالشاذ على رأي، أو طارئا. فالمختلط ومتى توبع السئ ~~الحفظ بمعتبر) كأن يكون فوقه أو مثله لا دونه (وكذا المستور، والمرسل، ~~والمدلس صار حديثهم حسنا) لا لذاته بل (ب‍) اعتبار (المجموع) من المتابع ~~والمتابع (ثم الاسناد) وهو الطريق الموصلة إلى المتن، والمتن هو غاية ما ~~ينتهي إليه الاسناد من الكلام (إما أن ينتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~تصريحا أو حكما من قوله ms1366 أو فعله أو تقريره، أو إلى الصحابي كذلك، وهو من ~~لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على الاسلام، ولو تخللت ردة في ~~الأصح) لاخفاء في رجحان نية من لازمه صلى الله عليه وسلم وقاتل معه أو قتل ~~تحت رايته على من لم يلازمه، أو لم PageV04P230 # يحضر معه مشهدا، أو على من كلمه يسيرا أو ماشاه قليلا، أو رآه على بعد أو ~~في حال الطفولية، وإن كان شرف لصحبة حاصلا للجميع، ومن ليس له منهم سماع ~~منه فحديثه مرسل من حيث الرواية، ويعرف كون الشخص صحابيا بالتواتر أو ~~الاستفاضة أو الشهرة أو باخبار بعض الصحابة أو بعض ثقات التابعين، أو ~~باخباره عن نفسه بأنه صحابي إذا كان دعواه ذلك تدخل تحت الامكان (أو إلى ~~التابعي، وهو من لقي الصحابي كذلك. فالأول: # المرفوع. والثاني: الموقوف. والثالث: المقطوع. ومن دون التابعي فيه مثله، ~~ويقال للأخيرين الأثر والمسند مرفوع صحابي بسند ظاهره الاتصال، فان قل ~~عدده) عدد رجال السند (1) فاما أن ينتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو ~~إلى إمام ذي صفة عليه) كالحفظ والفقه والضبط والتصنيف (كشعبة) ومالك ~~والشافعي والثوري والبخاري ومسلم ونحوهم (فالأول: العلو المطلق. والثاني: ~~النسبي، وفيه) في العلو النسبي (الموافقة، وهي الوصول إلى شيخ أحد المصنفين ~~من غير طريقه، وفيه البدل: وهو الوصول إلى شيخ شيخه كذلك. وفيه المساواة: ~~وهي استواء عدم الاسناد من الراوي إلى آخره) آخر الاسناد (مع إسناد أحد ~~المصنفين. وفيه المصافحة: وهي الاستواء مع تلميذ ذلك المصنف) على الوجه ~~المشروح في المساواة (ويقابل العلو بأقسامه النزول، فان تشارك الراوي ومن ~~روى عنه في السنن واللقى) الاخذ عن المشايخ (فهو) رواية (الاقران، وإن روى ~~كل منهما عن الاخر فهو المدبج، وإن روى عمن دونه) في السن أو في اللقى أو ~~في المقدار (فالأكابر عن الأصاغر. ومنه) رواية (الاباء عن الأبناء) ~~والصحابة عن التابعين، والشيخ عن تلميذه (وفي عكسه كثرة. ومنه من روى عن ~~أبيه عن جده، وإن اشترك اثنان عن شيخ وتقدم موت ms1367 أحدهما فهو السابق واللاحق، ~~وإن روى عن اثنين متفقي الاسم) أو مع اسم الأب أو مع الجد أو مع النسبة ~~(ولم يتميزا فباختصاصه بأحدهما يتبين المهمل، وإن جحد الشيخ مروية جزما رد ~~أو احتمالا قبل في الأصح. وفيه من حدث ونسي، وإن اتفق الرواة في صيغ ~~الأداء) كسمعت فلانا، قال: سمعت فلانا الخ (فهو المسلسل. وصيغ الأداء: سمعت ~~وحدثني ثم أخبرني، وقرأت عليه ثم قرئ عليه وأنا أسمع، ثم أنبأني، ثم ~~ناولني، ثم شافهني، ثم كتب إلى) المشافهة والكتابة بالإجازة (ثم عن ونحوها) ~~من الصيغ المحتملة للسماع والإجازة ولعدم السماع أيضا، وهذا مثل: قال وذكر ~~وروى (فالأولان) سمعت وحدثني (لمن سمع وحده من لفظ الشيخ، فان جمع فمع ~~غيره) وقد تكون النون للعظمة لكن بقلة، PageV04P231 # (وأولها أصرحها وأرفعها) مقدار ما يقع (في الاملاء، والثالث) أخبرني ~~(والرابع) قرأت (لمن قرأ بنفسه، فان جمع فهو كالخامس، والانباء: بمعنى ~~الاخبار، الا في عرف المتأخرين فهو للإجازة كعن، وعنعنة المعاصر محمولة على ~~السماع الا من مدلس، وقيل يشترط ثبوت لقائهما ولو مرة وهو المختار، وأطلقوا ~~المشافهة في الإجازة المتلفظ بها، و) كذا (المكاتبة في الإجازة المكتوب ~~بها، واشترطوا في صحة المناولة اقترانها بالاذن بالرواية، وهي أرفع أنواع ~~الإجازة، وكذا اشترطوا الاذن في الوجادة والوصية بالكتاب وفي الاعلام) أن ~~يعلم الشيخ أحد الطلبة بأنني أروي الكتاب الفلاني عن فلان (وإلا فلا عبرة ~~بذلك كالإجازة العامة وللمجهول وللمعدوم على الأصح في جميع ذلك. ثم الرواة ~~إن اتفقت الأسماء خطا واختفلت نطقا، فهو المؤتلف والمختلف، وإن اتفقت ~~الأسماء) خطا ونطقا (واختلفت الاباء *) نطقا مع اختلافهما خطا (أو بالعكس) ~~كأن تختلف الأسماء نطقا وتأتلف خطا وتتفق الاباء خطا ونطقا (فهو المتشابه، ~~وكذا إن وقع ذلك الاتفاق في اسم الأب والاختلاف في النسبة، وكذا إن وقع ~~الاتفاق في الاسم واسم الأب، والاختلاف في النسبة. ويتركب منه ومما قبله ~~أنواع: # منها أن يحصل الاتفاق والاشتباه الا في حرف أو حرفين) كمحمد بن سنان، ~~ومحمد بن سيار، وعبد الله بن زيد، ms1368 وعبد الله بن يزيد (أو) يحصل الاتفاق في ~~الخط والنطق، لكن يحصل الاختلاف أو الاشتباه (بالتقديم والتأخير أو نحو ~~ذلك) كالأسود بن يزيد، ويزيد بن الأسود، وأيوب بن سيار، وأيوب بن يسار. # خاتمة (ومن المهم معرفة طبقا الرواة) الطبقة في اصطلاحهم عبارة عن جماعة ~~اشتركوا في السن ولقاء المشايخ (ومواليدهم ووفياتهم وبلدانهم وأحوالهم ~~تعديلا وتجريحا وجهالة)، ومراتب الجرح وأسوؤها الوصف بأفعل كأوثق الناس ثم ~~ما تأكد بصفة أو صفتين كثقة أو ثقة حافظ وأدناها ما أشعر بالقرب من أسهل ~~التجريح كشيخ تقبل التزكية من عارف بأسبابها ولو من واحد على الأصح. والجرج ~~مقدم على التعديل إن صدر مبينا من عارف بأسبابه، فإن خلا من تعديل قبل ~~مجملا على المختار. PageV04P232 # (فصل: و) من المهم (معرفة كنى المسلمين) المشهورين بأسمائهم (وأسماء ~~المكنين ومن اسمه كنيته، ومن اختلف في كنيته، ومن كثرت كناه أو نعوته، ومن ~~وافقت كنيته اسم أبيه) كأبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق (أو بالعكس) كإسحاق بن ~~أبي إسحاق (أو كنيته كنية زوجته) كأبي أيوب وأم أيوب (ومن نسب إلى غير ~~أبيه، أو إلى غير ما يسبق إلى الفهم) كالحداد نسب إلى الحدادة لأنه كان ~~يجالس الحدادين (ومن اتفق اسمه واسم أبيه وجده، أو) اسمه (واسم شيخه وشيخ ~~شيخه، ومن اتفق اسم شيخه والراوي عنه) كالبخاري روى عن مسلم بن إبراهيم، ~~وروى عنه مسلم بن الحجاج (ومعرفة الأسماء المجردة والمفردة) التي لم يسم ~~بها الا واحد (والكنى) المجردة (والألقاب والأنساب أو تقع إلى القبائل والى ~~الأوطان بلدا أو ضياعا أو سككا أو مجاورة، والى الصنائع والحرف، ويقع فيها ~~الاتفاق والاشتباه كالأسماء، وقد تقع ألقابا) كخالد بن محمد القطواني كان ~~كوفيا ويلقب القطواني وكان يغضب منها (ومعرفة أسباب ذلك ومعرفة الموالي من ~~أعلى ومن أسفل بالرق أو بالحلف) أو بالاسلام (ومعرفة الاخوة والأخوات، ~~ومعرفة أدب الشيخ والطالب وسن التحمل والأداء) الأصح اعتبار سن التحمل ~~بالتمييز، وسن الأداء يقدر بالاحتياج والتأهل لذلك (وكتابة الحديث وعرضه ~~وسماعه وإسماعه والرحلة فيه وتصنيفه على المسانيد أو ms1369 الأبواب أو العلل) على ~~بقيته، ويجمع أسانيده إما مستوعبا وإما مقيدا بكتب مخصوصة (ومعرفة سبب ~~الحديث، وقد صنف فيه بعض شيوخ القاضي أبي يعلى بن الفراء وصنفوا في غالب ~~هذه الأنواع، وهي نقل محض ظاهرة التعريف مستغنية عن التمثيل فلتراجع ~~مبسوطاتها) اه‍. # متن نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر للعلامة الحافظ ابن حجر العسقلاني ~~المتوفى سنة 852 ه‍ مع بعض تعليقات عليه من شرح ابن حجر أيضا تخيرها ~~الأستاذ الفاضل الشيخ محمد عبد العزيز الخولي# PageV04P233 #####ENDNOTES# ms1370