######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_011796 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: الصنعاني #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن إسماعيل الأمير الكحلاني الصنعاني (المتوفى : 1182هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1182 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب العقائد والملل :: مواضيع عقدية #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد #META# 030.LibURI :: JK_011796 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # فاعلم أن ها هنا أصولا هي قواعد للدين، ومن أهم ما تجب معرفته على ~~الموحدين : # الأصل الأول: # أنه قد علم من ضرورة الدين أن كل ما في القرآن فهو حق لا باطل وصدق لا ~~كذب وهدى لا ضلالة وعلم لا جهالة ويقين لا شك فيه. فهذا الأصل أصل لا يتم ~~إسلام أحد ولا إيمانه إلا بالإقرار به. وهذا مجمع عليه لا خلاف فيه. ~~PageV01P001 الأصل الثاني: # أن رسل الله وأنبياءه من أولهم إلى آخرهم بعثوا لدعاء العباد إلى توحيد ~~الله بتوحيد العبادة. وكل رسول أول ما يقرع به أسماع قومه قوله : { يا قوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } ، { أن لا تعبدوا إلا الله } ، { أن ~~اعبدوا الله واتقوه وأطيعون } وهذه الذي تضمنه قول "لا إله إلا الله". ~~فإنما دعت الرسل أممها إلى قول هذه الكلمة واعتقاد معناها، لا مجرد قولها ~~باللسان. ومعناها : هو إفراد الله بالإلهية والعبادة، والنفي لما يعبد من ~~دونه والبراءة منه. وهذا الأصل لا مرية فيما تضمنه، ولا شك فيه وفي أنه لا ~~يتم إيمان أحد حتى يعلمه ويحققه. PageV01P002 الأصل الثالث: # أن التوحيد قسمان : # القسم الأول: توحيد الربوبية والخالقية والرازقية ونحوها، ومعناه : أن ~~الله وحده هو الخالق للعالم وهو الرب لهم والرازق لهم. وهذا لا ينكره ~~المشركون ولا يجعلون لله فيه شريكا، بل هم مقرون به، كما سيأتي في الأصل ~~الرابع. # القسم الثاني: توحيد العبادة ومعناه : إفراد الله وحده بجميع أنواع ~~العبادات الآتي بيانها. فهذا هو الذي جعلوا لله فيه شركاء. ولفظ الشريك ~~يشعر بالإقرار بالله تعالى. PageV01P003 فالرسل عليهم السلام بعثوا لتقرير ~~الأول ودعاء المشركين إلى الثاني، مثل قولهم في خطاب المشركين : { أفي الله ~~شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم } [14 : 10] { هل من ~~خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو } [35 : 3] ونهيهم عن ~~شرك العبادة، ولذا قال الله تعالى : { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن ~~اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } [16 : 36] أي قائلين لأممهم أن اعبدوا ~~الله. فأفاد بقوله { في ms01 كل أمة } أن جميع الأمم لم ترسل إليهم الرسل إلى ~~لطلب توحيد العبادة، لا للتعريف بأن الله هو الخالق للعالم وأنه رب ~~السماوات والأرض، فإنهم مقرون بهذا. ولهذا لم ترد الآيات فيه في الغالب إلا ~~بصيغة استفهام التقرير، نحو : { هل من خالق غير الله } [35 : 3] { أفمن ~~يخلق كمن لا يخلق } [16 : 17] { أفي الله شك فاطر السماوات والأرض } [6 : ~~14] { أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض } [6 : 14] PageV01P004 { ~~هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه } [31 : 11] { أروني ماذا ~~خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات } [40 : 4] استفهام تقرير لهم؛ ~~لأنهم به مقرون. # وبهذا تعرف أن المشركين لم يتخذوا الأصنام والأوثان ولم يعبدوها ولم ~~يتخذوا المسيح وأمه ولم يتخذوا الملائكة شركاء لله تعالى لأنهم أشركوهم في ~~خلق السماوات والأرض، بل اتخذوهم لأنهم يقربونهم إلى الله زلفى، كما قالوه. ~~فهم مقرون بالله في نفس كلمات كفرهم وأنهم شفعاء عند الله. قال الله تعالى ~~: { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى ~~عما يشركون } [10 : 18] فجعل الله تعالى اتخاذهم للشفعاء شركا ونزه نفسه ~~عنه لأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فكيف يثبتون شفعاء لهم لم يأذن الله ~~لهم في شفاعة ولا هم أهل لها ولا يغنون عنهم من الله شيئا؟ PageV01P005 ~~الأصل الرابع: PageV01P006 أن المشركين الذين بعث الله الرسل إليهم مقرون ~~أن الله خالقهم { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله } [43 : 87]، { ولئن ~~سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم } [43 : 9] وأنه ~~الرازق الذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي وأنه الذي يدبر الأمر ~~من السماء إلى الأرض وأنه الذي يملك السمع والأبصار والأفئدة، { قل من ~~يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ~~ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون } ، { قل ~~لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون }{ سيقولون ms02 لله قل أفلا تذكرون }{ قل من ~~رب السماوات السبع ورب العرش العظيم }{ سيقولون لله قل أفلا تتقون }{ قل من ~~بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون }{ PageV01P007 ~~سيقولون لله قل فأنى تسحرون } [23 : 84 - 89] وهذا فرعون مع غلوه في كفره ~~ودعواه أقبح دعوى ونطقه بالكلمة الشنعاء، يقول الله في حقه حاكيا عن موسى ~~عليه السلام { لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر } [17 ~~: 102] وقال إبليس { إني أخاف الله رب العالمين } [59 : 16] وقال { رب بما ~~أغويتني } [17 : 39] وقال { رب فأنظرني } [15 : 36] وكل مشرك مقر بأن الله ~~خالقه وخالق السماوات والأرض وربهن ورب ما فيهما ورازقهم، ولهذا احتج عليهم ~~الرسل بقولهم { أفمن يخلق كمن لا يخلق } [16: 17] وبقولهم { إن الذين تدعون ~~من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له } [22 : 73] والمشركون مقرون ~~بذلك لا ينكرونه. PageV01P008 الأصل الخامس: # أن العبادة أقصى باب الخضوع والتذلل، ولم تستعمل إلا في الخضوع لله. لأنه ~~مولى أعظم النعم. وكان لذلك حقيقا بأقصى غاية الخضوع، كما في (الكشاف (1) ) ~~. # ثم إن رأس العبادة وأساسها التوحيد لله التوحيد الذي تفيده كلمته التي ~~إليها دعت جميع الرسل، وهي قول (لا إله إلا الله) والمراد اعتقاد معناها ~~والعمل بمقتضاها لا مجرد قولها باللسان. # ومعناها : إفراد الله بالعبادة والإلهية والنفي والبراءة من كل معبود ~~دونه. وقد علم الكفار هذا المعنى لأنهم أهل اللسان العربي، فقالوا : { أجعل ~~الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب } [38 : 5]. # _________ # (1) الكشاف، كتاب في التفسير ويسمى تفسير الزمخشري، والزمخشري من أئمة ~~اللغة لكنه معتزلي جلد، يتميز تفسيره بالفوائد اللغوية والبلاغية. ~~PageV01P009 فصل # إذا عرفت هذه الأصول فاعلم أن الله تعالى جعل العبادة له أنواعا : # اعتقادية : وهي أساسها، وذلك أن يعتقد أنه الرب الواحد الأحد الذي له ~~الخلق والأمر وبيده النفع والضر وأنه الذي لا شريك له ولا يشفع عنده أحد ~~إلا بإذنه، وأنه لا معبود بحق غيره، وغير ذلك من لوازم الألوهية. # ومنها اللفظية : وهي النطق بكلمة التوحيد، فمن اعتقد ما ذكر ولم ms03 ينطق بها ~~لم يحقن دمه ولا ماله، وكان كإبليس، فإنه يعتقد التوحيد بل ويقر به كما ~~أسلفنا عنه، إلا أنه لم يمتثل أمر الله فكفر. ومن نطق ولم يعتقد حقن ماله ~~ودمه وحسابه على الله، وحكمه حكم المنافقين. # وبدنية، كالقيام والركوع والسجود في الصلاة. ومنها الصوم وأفعال الحج ~~والطواف. # ومالية، كإخراج جزء من المال امتثالا لما أمر الله تعالى به. وأنواع ~~الواجبات والمندوبات في الأموال والأبدان والأفعال والأقوال كثيرة، لكن هذه ~~أمهاتها. PageV01P010 وإذا تقررت هذه الأمور، فاعلم أن الله تعالى بعث ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم يدعون العباد إلى إفراد ~~الله تعالى بالعبادة، لا إلى إثبات أنه خلقهم ونحوه، إذ هم مقرون بذلك، كما ~~قررناه وكررناه، ولذا قالوا { أجئتنا لنعبد الله وحده } [7 : 70] أي لنفرده ~~بالعبادة ونخصه بها من دون آلهتنا، فلم ينكروا إلا طلب الرسل منهم إفراد ~~العبادة لله. فلم ينكروا الله تعالى ولا قالوا إنه لا يعبد، بل أقروا بأنه ~~يعبد وأنكروا كونه يفرد بالعبادة، فعبدوا مع الله غيره وأشركوا معه سواه ~~واتخذوا له أندادا، كما قال تعالى { فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون } ~~[2 : 22] أي وأنتم تعلمون أنه لا ند له. وكانوا يقولون في تلبيتهم للحج : ~~"لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك". وكان يسمعهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم عند قولهم "لا شريك لك" ويقول : « قد أفردوه جل جلاله لو ~~تركوا قولهم "إلا شريكا هو لك » . فنفس شركهم بالله تعالى إقرار به. قال ~~تعالى { أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون } [6 : 22] { وقيل ادعوا شركاءكم ~~فدعوهم فلم PageV01P011 يستجيبوا لهم } [28 : 64] { قل ادعوا شركاءكم ثم ~~كيدون فلا تنظرون } [7 : 195] فنفس اتخاذ الأنداد إقرار بالله تعالى، ولم ~~يعبدوا الأنداد بالخضوع لهم والتقرب بالنذور والنحر لهم إلا لاعتقادهم أنها ~~تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم لديه. # فأرسل الله الرسل تأمر بترك عبادة كل ما سواه وتبين أن هذا الاعتقاد الذي ~~يعتقدونه في الأنداد باطل وأن التقرب إليهم باطل، وأن ذلك لا يكون إلا لله ms04 ~~وحده. وهذا هو توحيد العبادة. وقد كانوا مقرين كما عرفت في الأصل الرابع ~~بتوحيد الربوبية، وهو أن الله هو الخالق وحده والرازق وحده. # ومن هذا تعرف أن التوحيد الذي دعتهم إليه الرسل من أولهم وهو نوح عليه ~~السلام إلى آخرهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم هو توحيد العبادة، ولذا تقول ~~لهم الرسل { أن لا تعبدوا إلا الله } ، { اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } ~~. PageV01P012 وقد كان المشركون منهم من يعبد الملائكة ويناديهم عند ~~الشدائد ومنهم من يعبد أحجارا ويهتف بها عند الشدائد، فبعث الله محمدا صلى ~~الله عليه وسلم يدعوهم إلى عبادة الله وحده وبأن يفردوه بالعبادة كما ~~أفردوه بالربوبية، أي بربوبيته للسماوات والأرض وأن يفردوه بمعنى ومؤدى ~~كلمة " لا إله إلا الله" معتقدين لمعناها عاملين بمقتضاها وأن لا يدعوا مع ~~الله أحدا. وقال تعالى { له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون ~~لهم بشيء } [13 : 14] وقال تعالى : { وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين } ~~[5 : 22]، أي من شرط الصدق في الإيمان بالله أن لا يتوكلوا إلا عليه وأن ~~يفردوه بالتوكل كما يجب أن يفردوه بالدعاء والاستغفار. وأمر الله عباده أن ~~يقولوا { إياك نعبد } ولا يصدق قائل هذا إلا إذا أفرد العبادة لله تعالى، ~~وإلا كان كاذبا منهيا عن أن يقول هذه الكلمة، إذ معناها : نخصك بالعبادة ~~ونفردك بها دون كل أحد، وهو معنى قوله { فإياي فاعبدون } [29 : 56] { وإياي ~~فاتقون } [2 : 41] كما عرف من علم البيان أن تقديم ما حقه التأخير يفيد ~~الحصر، أي لا PageV01P013 تعبدوا إلا الله ولا تعبدوا غيره ولا تتقوا غيره ~~كما في (الكشاف). فإفراد الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتم إلا بأن يكون ~~الدعاء كله له والنداء في الشدائد والرخاء لا يكون إلا لله وحده، ~~والاستعانة بالله وحده واللجأ إلى الله والنذر والنحر له تعالى، وجميع ~~أنواع العبادات من الخضوع والقيام تذللا لله تعالى والركوع والسجود والطواف ~~والتجرد عن الثياب والحلق والتقصير كله لا يكون إلا لله عز وجل، ومن فعل ~~شيئا من ذلك لمخلوق ms05 حي أو ميت أو جماد أو غير ذلك فقد أشرك في العبادة. ~~وصار من تفعل له هذه الأمور إله لعابديه، سواء كان ملكا أو نبيا أو وليا أو ~~شجرا أو قبرا أو جنيا أو حيا أو ميتا، وصار العابد بهذه العبادة أو بأي نوع ~~منها عابدا لذلك المخلوق مشركا بالله، وإن أقر بالله وعبده، فإن إقرار ~~المشركين بالله وتقربهم إليه لم يخرجهم عن الشرك وعن وجوب سفك دمائهم وسبي ~~ذراريهم وأخذ أموالهم غنيمة، قال الله تعالى [في الحديث القدسي] « أنا أغنى ~~الشركاء عن الشرك » لا يقبل الله عملا شورك فيه غيره، ولا يؤمن به من عبد ~~معه غيره. PageV01P014 فصل PageV01P015 إذا تقرر عندك أن المشركين لم ~~ينفعهم الإقرار بالله مع إشراكهم الأنداد من المخلوقين معه في العبادة ولا ~~أغنى عنهم من الله شيئا وأن عبادتهم هي اعتقادهم فيهم أنهم يضرون وينفعون ~~وأنهم يقربونهم إلى الله زلفى وأنهم يشفعون لهم عند الله تعالى، فنحروا لهم ~~النحائر وطافوا بهم ونذروا النذور عليهم، وقاموا متذللين متواضعين في ~~خدمتهم وسجدوا لهم، ومع هذا كله فهم مقرون لله بالربوبية وأنه الخالق ~~ولكنهم أشركوا في عبادته، جعلهم مشركين ولم يعتد بإقرارهم هذا، لأنه نافاه ~~فعلهم، فلم ينفعهم الإقرار بتوحيد الربوبية، فمن شأن من أقر لله تعالى ~~بتوحيد الربوبية أن يفرده بتوحيد العبادة، فإن لم يفعل ذلك فالإقرار الأول ~~باطل، وقد عرفوا ذلك وهم في طبقات النار فقالوا { تالله إن كنا لفي ضلال ~~مبين }{ إذ نسويكم برب العالمين } [26 : 97-98] مع أنهم لم يسووهم به من كل ~~وجه ولا جعلوهم خالقين ولا رازقين، لكنهم علموا وهم في قعر جهنم أن خلطهم ~~الإقرار بذرة من ذرات الإشراك في توحيد العبادة صيرهم كمن سوى بين الأصنام ~~وبين رب الأنام، قال الله تعالى : { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم ~~PageV01P016 مشركون } [12 : 106] أي ما يقر أكثرهم في إقراره بالله وبأنه ~~خلقه وخلق السماوات والأرض إلا وهو مشرك بعبادة الأوثان. # بل سمى الله الرياء في الطاعات شركا، مع أن فاعل الطاعة ما قصد ms06 بها إلا ~~الله تعالى، وإنما أراد طلب المنزلة بالطاعة في قلوب الناس، فالمرائي عبد ~~الله لا غيره لكنه خلط عمله بطلب المنزلة في قلوب الناس، فلم يقبل له عبادة ~~وسماها شركا، كما أخرج مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : « يقول ~~الله تعالى : أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري ~~تركته وشركه » بل سمى الله التسمية بعبد الحارث شركا، كما قال تعالى : { ~~فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما } [7 : 190] فإنه أخرج الإمام ~~أحمد (1) والترمذي من حديث سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لما ~~حملت حواء وكان لا يعيش لها ولد طاف بها إبليس، وقال : لا يعيش لك ولد حتى ~~تسميه عبد الحارث، فسمته فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره، فأنزل الله ~~الآيات وسمى هذه التسمية شركا، وكان إبليس تسمى بالحارث » . والقصة في الدر ~~المنثور وغيره. # _________ # (1) الحديث لا يصح، أعله ابن كثير في تفسيره من ثلاثة أوجه، عند تفسير ~~(هو الذي خلقكم من نفس واحدة .) الآية. PageV01P017 فصل # وقد عرفت من هذا كله أن من اعتقد في شجر أو حجر أو قبر أو ملك أو جني أو ~~حي أو ميت أنه ينفع أو يضر أو أنه يقرب إلى الله أو يشفع عنده في حاجة من ~~حوائج الدنيا، بمجرد التشفع به والتوسل إلى الرب تعالى، إلا ما ورد في حديث ~~فيه مقال، في حق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أو نحو ذلك، فإنه قد أشرك ~~مع الله غيره، واعتقد ما لا يحل اعتقاده، كما اعتقد المشركون في الأوثان، ~~فضلا عمن ينذر بماله وولده لميت أو حي أو يطلب من ذلك الميت ما لا يطلب إلا ~~من الله تعالى من الحاجات، من عافية مريضه أو قدوم غائبه أو نيله لأي مطلب ~~من المطالب، فإن هذا هو الشرك بعينه الذي كان ويكون عليه عباد الأصنام. # والنذر بالمال على الميت ونحوه والنحر على القبر والتوسل به وطلب الحاجات ~~منه هو بعينه الذي ms07 كانت تفعله الجاهلية، وإنما كانوا يفعلونه لما يسمونه ~~وثنا وصنما، وفعله القبوريون لما يسمونه وليا وقبرا ومشهدا، والأسماء لا ~~أثر لها ولا تغير المعاني، ضرورة لغوية وعقلية وشرعية، فإن من شرب الخمر ~~وسماها ماء، ما شرب إلا خمرا وعقابه عقاب شارب الخمر، ولعله يزيد عقابه ~~للتدليس والكذب في التسمية. PageV01P018 وقد ثبت في الأحاديث أنه يأتي قوم ~~يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها، وصدق صلى الله عليه وسلم فإنه قد أتى ~~طوائف من الفسقة يشربون الخمر ويسمونها نبيذا، وأول من سمى ما فيه غضب الله ~~وعصيانه بالأسماء المحبوبة عند السامعين إبليس لعنه الله، فإنه قال لأبي ~~البشر { يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى } [20 : 120] فسمى ~~الشجرة التي نهى الله آدم عن قربانها شجرة الخلد، جذبا لطبعه إليها وهزا ~~لنشاطه لقربانها وتدليسا عليه بالاسم الذي اخترعه، كما يسمي إخوانه ~~المقلدون له الحشيشة بلقمة الراحة، وكما يسمي الظلمة ما يقبضونه من أموال ~~عباد الله ظلما وعدوانا أدبا، فيقولون أدب القتل وأدب السرقة وأدب التهمة، ~~بتحريف اسم الظلم إلى اسم الأدب، كما يحرفونه في بعض المقبوضات إلى اسم ~~"النفاعة" وفي بعضها إلى اسم "السياقة" وفي بعضها أدب المكاييل والموازين. # وكل ذلك اسمه عند الله ظلم وعدوان، كما يعرفه من شم رائحة الكتاب والسنة، ~~وكل ذلك مأخوذ عن إبليس حيث سمى الشجرة المنهي عنها شجرة الخلد. ~~PageV01P019 وكذلك تسمية القبر مشهدا ومن يعتقدون فيه وليا لا تخرجه عن اسم ~~الصنم والوثن، إذ هم معاملون لها معاملة المشركين للأصنام ويطوفون بها طواف ~~الحجاج ببيت الله الحرام ويستلمونها استلامهم لأركان البيت ويخاطبون الميت ~~بالكلمات الكفرية، من قولهم : على الله وعليك، ويهتفون بأسمائهم عند ~~الشدائد ونحوها. # وكل قوم لهم رجل ينادونه، فأهل العراق والهند يدعون عبد القادر الجيلاني ~~، وأهل التمائم لهم في كل بلد ميت يهتفون باسمه، يقولون : "يا زيلعي ، يا ~~ابن العجيل ". وأهل مكة وأهل الطائف : "يا ابن العباس ". وأهل مصر : "يا ~~رفاعي ، يا بدوي " والسادة البكرية وأهل الجبال : "يا أبا طير ". وأهل ~~اليمن : "يا ms08 ابن علوان ". # وفي كل قرية أموات يهتفون بهم وينادونهم ويرجونهم لجلب الخير ودفع الضر، ~~وهذا هو بعينه فعل المشركين في الأصنام، كما قلنا في الأبيات النجدية : (1) # أعادوا بها معنى سواعا ومثله ... يغوث وود بئس ذلك من ود # وقد هتفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضطر بالصمد الفرد # وكم نحروا من سوحها من نحيرة ... أهلت لغير الله جهرا على عمد # وكم طائف حول القبور مقبلا ... ويستلم الأركان منهن باليد # _________ # (1) الأبيات النجدية قصيدة قالها المؤلف في مدح إمام الدعوة النجدية ~~ودعوته، ومنها قوله : قفي واسألي عن عالم حل سوحها به يهتدي من ضل عن منهج ~~الرشد محمد الهادي لسنة أحمد فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي لقد أنكرت كل ~~الطوائف قوله بلا صدر في الحق منهم ولا ورد . PageV01P020 فإن قال : إنما ~~نحرت لله وذكرت اسم الله عليه، فقل له : إن كان النحر لله فلأي شيء قربت ما ~~تنحره من باب مشهد من تفضله وتعتقد فيه؟ هل أردت بذلك تعظيمه؟ إن قال : ~~نعم! فقل له : هذا النحر لغير الله بل أشركت مع الله تعالى غيره، وإن لم ~~ترد تعظيمه، فهل أردت توسيخ باب المشهد وتنجيس الداخلين إليه؟ أنت تعلم ~~يقينا أنك ما أردت ذلك أصلا، ولا أردت إلا الأول، ولا خرجت من بيتك إلا ~~قصدا له، ثم كذلك دعاؤهم له. # فهذا الذي عليه هؤلاء شرك بلا ريب. # وقد يعتقدون في بعض فسقة الأحياء، وينادونه في الشدة والرخاء، وهو عاكف ~~على القبائح والفضائح، ولا يحضر حيث أمر الله عباده المؤمنين بالحضور هناك، ~~ولا يحضر جمعة ولا جماعة ولا يعود مريضا ولا يشيع جنازة، ولا يكتسب حلالا، ~~ويضم إلى ذلك دعوى التوكل وعلم الغيب، ويجلب إليه إبليس جماعة قد عشش في ~~قلوبهم وباض فيها وفرخ، يصدقون بهتانه ويعظمون شأنه ويجعلون هذا ندا لرب ~~العالمين ومثلا. # فيا للعقول أين ذهبت! ويا للشرائع كيف جهلت! { إن الذين تدعون من دون ~~الله عباد أمثالكم } [7 : 154] PageV01P021 فإن قلت : أيصير هؤلاء الذين ~~يعتقدون في القبور والأولياء والفسقة والخلعاء مشركين ms09 كالذين يعتقدون في ~~الأصنام؟ قلت نعم، وقد حصل منهم ما حصل من أولئك وساووهم في ذلك، بل زادوا ~~في الاعتقاد والانقياد والاستعباد فلا فرق بينهم. # فإن قلت هؤلاء القبوريون يقولون : نحن لا نشرك بالله تعالى ولا نجعل له ~~ندا والالتجاء إلى الأولياء والاعتقاد فيهم ليس شركا! # قلت : نعم { يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم } لكن هذا جهل منهم بمعنى ~~الشرك، فإن تعظيمهم الأولياء ونحرهم النحائر لهم شرك والله تعالى يقول { ~~فصل لربك وانحر } أي : لا لغيره، كما يفيده تقديم الظرف، ويقول الله تعالى ~~: { وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا } [72 : 18] وقد عرفت بما ~~قدمناه قريبا أنه صلى الله عليه وسلم قد سمى الرياء شركا، فكيف بما ~~ذكرناه؟! # فهذه الذي يفعلونه لأوليائهم هو عين ما فعله المشركون وصاروا به مشركين، ~~ولا ينفعهم قولهم : نحن لا نشرك بالله شيئا، لأن فعلهم أكذب قولهم. ~~PageV01P022 فإن قلت : هم جاهلون أنهم مشركون بما يفعلونه. قلت : قد صرح ~~الفقهاء في كتب الفقه في باب الردة أن من تكلم بكلمة الكفر يكفر، وإن لم ~~يقصد معناها (1) ، وهذا دال على أنهم لم يعرفوا حقيقة الإسلام ولا ماهية ~~التوحيد، فصاروا حينئذ كفارا كفرا أصليا، فالله تعالى فرض على عباده إفراده ~~بالعبادة { أن لا تعبدوا إلا الله } وإخلاصها له { وما أمروا إلا ليعبدوا ~~الله مخلصين له الدين } [98 : 5] ومن نادى الله ليلا ونهارا وسرا وجهارا ~~وخوفا وطمعا ثم نادى معه غيره فقد أشرك في العبادة، فإن الدعاء من العبادة، ~~وقد سماه الله تعالى عبادة في قوله تعالى : { إن الذين يستكبرون عن عبادتي ~~سيدخلون جهنم داخرين } [40 : 60] بعد قوله : { ادعوني أستجب لكم } . # _________ # (1) كذا، ولعل الصواب (وإن لم يقصد الكفر). PageV01P023 فإن قلت : فإذا ~~كانوا مشركين وجب جهادهم والسلوك فيهم ما سلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في المشركين، قلت : إلى هذا ذهب طائفة من أهل العلم، فقالوا : يجب أولا ~~دعاؤهم إلى التوحيد وإبانة أن ما يعتقدونه ينفع ويضر، لا يغني عنهم من الله ~~شيئا وأمهم أمثالهم وأن هذه ms10 الاعتقاد منهم فيه شرك لا يتم الإيمان بما جاءت ~~به الرسل إلا بتركه والتوبة منه، وإفراد التوحيد اعتقادا وعملا لله وحده، ~~وهذا واجب على العلماء، أي بيان أن ذلك الاعتقاد الذي تفرعت عنه النذور ~~والنحائر والطواف بالقبور شرك محرم، عين ما كان يفعله المشركون لأصنامهم، ~~فإذا أبان العلماء ذلك للأئمة والملوك وجب على الأئمة والملوك بعث دعاة إلى ~~الناس يدعونهم إلى إخلاص التوحيد لله، فمن رجع وأقر حقن عليه دمه وماله ~~وذراريه، ومن أصر فقد أباح الله منه ما أباح لرسوله صلى الله عليه وسلم من ~~المشركين. PageV01P024 فإن قلت : الاستغاثة قد ثبتت في الأحاديث، فإنه قد ~~صح أن العباد يوم القيامة يستغيثون بآدم أبي البشر ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم ~~بموسى ثم بعيسى وينتهون إلى محمد صلى الله عليه وسلم بعد اعتذار كل واحد من ~~الأنبياء، فهذا دليل على أن الاستغاثة بغير الله ليست بمنكر، قلت : هذا ~~تلبيس، فإن الاستغاثة بالمخلوقين الأحياء فيما يقدرون عليه لا ينكره أحد، ~~وقد قال الله تعالى في قصة موسى مع الإسرائيلي والقبطي { فاستغاثه الذي من ~~شيعته على الذي من عدوه } [28 : 15] وإنما الكلام في استغاثة القبوريين ~~وغيرهم بأوليائهم وطلبهم منهم أمورا لا يقدر عليها إلا الله تعالى من عافية ~~المرض وغيرها، بل أعجب من هذا أن القبوريين وغيرهم من الأحياء من أتباع من ~~يعتقدون فيه قد يجعلون له حصة من الولد إن عاش ويشتروا منه الحمل في بطن ~~أمه ليعيش ويأتون بمنكرات ما بلغ إليها المشركون الأولون، ولقد أخبرني بعض ~~من يتولى قبض ما ينذر القبوريون لبعض أهل القبور أنه جاء إنسان بدراهم ~~وحلية نسائية وقال هذه لسيده فلان يريد صاحب القبر نصف مهر ابنتي، لأني ~~زوجتها وكنت ملكت نصفها فلانا يريد صاحب القبر. PageV01P025 وهذه النذور ~~بالأموال وجعل قسط للقبر كما يجعلون شيئا من الزرع يسمونه (تلما) في بعض ~~الجهات اليمينة، وهذا شيء ما بلغ إليه عباد الأصنام، وهو داخل تحت قول الله ~~تعالى : { ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم } [16 : 56] بلا شك ms11 ولا ~~ريب. PageV01P026 ثم استغاثة العباد يوم القيامة وطلبهم من الأنبياء إنما ~~يدعون الله تعالى ليفصل بين العباد بالحساب حتى يريحهم من هول الموقف، وهذا ~~لا شك في جوازه، أعني طلب دعاء الله تعالى من بعض عباده لبعض، بل قال صلى ~~الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه لما خرج معتمرا : « لا تنسنا يا أخي من ~~دعائك » . وأمرنا سبحانه أن ندعو للمؤمنين وأن نستغفر لهم في قوله تعالى : ~~{ ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان } [59 : 10] وقد قالت أم ~~سليم رضي الله عنها : « يا رسول الله، خادمك أنس ادع الله له، » وقد كان ~~الصحابة رضي الله عنهم يطلبون الدعاء منه صلى الله عليه وسلم وهو حي، وهذا ~~أمر متفق على جوازه، والكلام في طلب القبوريين من الأموات أو من الأحياء ~~الذين لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا أن ~~يشفوا مرضاهم ويردوا غائبهم وينفسوا عن حبلاهم وأن يسقوا زرعهم ويدروا ضروع ~~مواشيهم ويحفظوها من العين ونحو ذلك من المطالب التي لا يقدر عليها أحد إلا ~~الله، هؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم : { والذين تدعون من دونه لا ~~يستطيعون نصركم ولا أنفسهم PageV01P027 ينصرون } [7 : 197] { إن الذين ~~تدعون من دون الله عباد أمثالكم } [7 : 194] فكيف يطلب الإنسان من الجماد ~~أو من حي الجماد خير منه لأنه لا تكليف عليه، وهذا يبين ما فعله المشركون ~~الذين حكى الله ذلك عنهم في قوله تعالى : { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث ~~والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا } .. الآية [6 : 136] ~~وقال : { ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم ~~تفترون } [16 : 56]. PageV01P028 فهؤلاء القبوريون والمعتقدون في جهال ~~الأحياء وضلالهم سلكوا مسالك المشركين حذو القذة بالقذة، فاعتقدوا فيهم ما ~~لا يجوز أن يعتقد إلا في الله، وجعلوا لهم جزءا من المال وقصدوا قبورهم من ~~ديارهم البعيدة للزيارة، وطافوا حول قبورهم وقاموا خاضعين عند قبورهم ~~وهتفوا بهم عند الشدائد، ونحروا تقربا إليهم، وهذه هي أنواع العبادات التي ~~عرفناك ولا ms12 أدري هل فيهم من يسجد لهم؟ لا أستبعد أن فيهم من يفعل ذلك، بل ~~أخبرني من أثق به أنه رأى من يسجد على عتبة باب مشهد الولي الذي يقصده ~~تعظيما له وعبادة، ويقسمون بأسمائهم، بل إذا حلف من عليه حق باسم الله ~~تعالى لم يقبلوا منه، فإذا حلف باسم ولي من أوليائهم قبلوه وصدقوه، وهكذا ~~كان عباد الأصنام { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون } [39 : 45] وفي الحديث ~~الصحيح : « من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت »« وسمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رجلا يحلف باللات فأمره أن يقول : "لا إله إلا الله » وهذا يدل ~~على أنه ارتد بالحلف بالصنم، فأمره أن يجدد إسلامه فإنه قد PageV01P029 كفر ~~بذلك، كما قررناه في سبل السلام شرح بلوغ المرام وفي منحة الغفار، فإن قلت ~~: لا سواء، لأن هؤلاء قد قالوا "لا إله إلا الله" وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا ~~قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها » وقال لأسامة بن زيد : « لم ~~قتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ » وهؤلاء يصلون ويصومون ويزكون ويحجون ~~بخلاف المشركين، قلت : قال صلى الله عليه وسلم « إلا بحقها » وحقها إفراد ~~الإلهية والعبودية لله تعالى، والقبوريون لم يفردوا الإلهية والعبادة، فلم ~~تنفعهم كلمة الشهادة، فإنها لا تنفع إلا مع التزام معناها، كما لم ينفع ~~اليهود قولها لإنكارهم بعض الأنبياء. PageV01P030 وكذلك من جعل غير من ~~أرسله الله نبيا، لم تنفعه كلمة الشهادة، ألا ترى أن بني حنيفة كانوا ~~يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويصلون ولكنهم قالوا : إن ~~مسيلمة نبي، فقاتلهم الصحابة وسبوهم، فكيف بمن يجعل للولي خاصة الإلهية ~~ويناديه للمهمات؟ وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حرق ~~أصحاب عبد الله بن سبأ ، وكانوا يقولون نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله، ولكنهم غلوا في ms13 علي رضي الله عنه واعتقدوا فيه ما يعتقد ~~القبوريون وأشباههم، فعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أحدا من العصاة، فإنه حفر ~~لهم الحفائر وأجج لهم نارا وألقاهم فيها وقال : # لما رأيت الأمر أمرا منكرا ... أججت ناري ودعوت قنبرا # وقال الشاعر في عصره : # لترم بي المنية حيث شاءت ... إذا لم ترم بي في الحفرتين # إذا ما أججوا فيهم نارا ... رأيت الموت نقدا غير دين # والقصة في فتح الباري وغيره من كتب الحديث والسير. # وقد وقع إجماع الأمة على أن من أنكر البعث كفر وقتل ولو قال لا إله إلا ~~الله، فكيف بمن يجعل لله ندا؟ PageV01P031 فإن قلت قد أنكر صلى الله عليه ~~وسلم على أسامة قتله لمن قال لا إله إلا الله كما هو معروف في كتب الحديث ~~والسير، قلت : لا شك أن من قال : "لا إله إلا الله" من الكفار حقن دمه ~~وماله حتى يتبين منه ما يخالف ما قاله، ولذا أنزل الله في قصة محلم بن ~~جثامة آية { يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا } .. ~~الآية [4 : 94] فأمرهم الله تعالى بالتثبت في شأن من قال كلمة التوحيد، فإن ~~تبين التزامه لمعناها كان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وإن تبين خلافه ~~فلم يحقن دمه وماله بمجرد التلفظ، وهكذا كل من أظهر التوحيد وجب الكف عنه ~~إلى أن يتبين منه ما يخالف ذلك، فإذا تبين لم تنفعه هذه الكلمة بمجردها، ~~ولذلك لم تنفع اليهود ولا نفعت الخوارج مع ما انضم إليها من العبادة التي ~~يحتقر الصحابة عبادتهم إلى جنبها، بل أمر صلى الله عليه وسلم بقتلهم، وقال ~~: « لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد » وذلك لما خالفوا بعض الشريعة وكانوا شر ~~القتلى تحت أديم السماء، كما ثبتت به الأحاديث، فثبت أن مجرد كلمة التوحيد ~~غير مانع من ثبوت شرك من قالها لارتكابه لما يخالفها من عبادة غير الله. ~~PageV01P032 فإن قلت : القبوريون وغيرهم من الذين يعتقدون في فسقة الناس ~~وجهالهم من الأحياء يقولون نحن لا نعبد هؤلاء ولا نعبد إلا الله ms14 وحده ولا ~~نصلي لهم ولا نصوم ولا نحج، قلت : هذا جهل بمعنى العبادة، فإنها ليست ~~منحصرة في ما ذكرت، بل رأسها وأساسها الاعتقاد، وقد حصل في قلوبهم ذلك، بل ~~يسمونه معتقدا، ويصنعون له ما سمعته مما تفرع عن الاعتقاد من دعائهم ~~وندائهم والتوسل بهم والاستغاثة والاستعانة والحلف والنذر وغير ذلك. # وقد ذكر العلماء أن من تزي بزي الكفار صار كافرا، ومن تكلم بكلمة الكفر ~~صار كافرا، فكيف بمن بلغ هذه الرتبة اعتقادا وقولا وفعلا. PageV01P033 فإن ~~قلت : هذه النذور والنحائر ما حكمها؟ قلت : قد علم كل عاقل أن الأموال ~~عزيزة عند أهلها يسعون في جمعها لو بارتكاب كل معصية ويقطعون الفيافي من ~~أدنى الأرض والقاصي، فلا يبذل أحد من ماله شيئا إلا لجلب نفع أكثر منه أو ~~دفع ضرر. فالناذر للقبر ما أخرج ماله إلا لذلك، وهذا اعتقاد باطل، ولو عرف ~~الناذر بطلان ما أراده ما أخرج درهما، فإن الأموال عزيزة عند أهلها، قال ~~تعالى : { ولا يسألكم أموالكم }{ إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم ~~} [47 : 36 : 37]. PageV01P034 فالواجب تعريف من أخرج النذر بأنه إضاعة ~~لماله وأنه لا ينفعه ما يخرجه ولا يدفع عنه ضررا، وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم: « إن النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل » ويجب رده ~~إليه، وأما القابض للنذر فإنه حرام عليه قبضه لأنه أكل لمال الناذر بالباطل ~~لا في مقابلة شيء، وقد قال تعالى : { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } ~~ولأنه تقرير للناذر على شركه وقبح اعتقاده ورضاه بذلك، ولا يخفى حكم الراضي ~~بالشرك. { إن الله لا يغفر أن يشرك به } الآية [4 : 48] فهو مثل حلوان ~~الكاهن ومهر البغي، ولأنه تدليس على الناذر وإيهام له أن الولي ينفعه ~~ويضره، فأي تقرير لمنكر أعظم من قبض النذر على الميت؟ وأي تدليس أعظم؟ وأي ~~رضا بالمعصية أبلغ من هذا؟ وأي تصيير لمنكر معروفا أعجب من هذا؟ وما كانت ~~النذور للأصنام والأوثان إلا على هذا الأسلوب، يعتقد الناذر جلب النفع في ~~الصنم ودفع الضرر فينذر له جزورا من ms15 ماله ويقاسمه في غلات أطيانه ويأتي به ~~إلى سدنة الأصنام فيقبضونه منه ويوهمونه حقيقة عقيدته وكذلك يأتي بنحيرته ~~فينحرها بباب الصنم، وهذه الأفعال هي التي بعث الله الرسل لإزالتها ومحوها ~~PageV01P035 وإتلافها والنهي عنها. # فإن قلت : إن الناذر قد يدرك النفع ودفع الضرر بسبب إخراجه للنذر وبذله! ~~قلت : كذلك الأصنام، قد يدرك منها ما هو أبلغ من هذا، وهو الخطاب من جوفها ~~والإخبار ببعض ما يكتمه الإنسان، فإن كان هذا دليلا على حقية القبور وصحة ~~الاعتقاد فيها فليكن دليلا على حقية الأصنام، وهذا هدم للإسلام وتشييد ~~لأركان الأصنام. PageV01P036 والتحقيق أن لإبليس وجنوده من الجن والإنس ~~أعظم العناية في إضلال العباد وقد مكن الله إبليس من الدخول في الأبدان ~~والوسوسة في الصدور والتقام القلب بخرطومه، وكذلك يدخل أجواف الأصنام ويلقي ~~الكلام في أسماع الأقوام، ومثله يصنعه في عقائد القبوريين، فإن الله تعالى ~~قد أذن له أن يجلب بخيله ورجله على بني آدم وأن يشاركهم في الأموال ~~والأولاد، وثبت في الأحاديث الصحيحة "أن الشيطان يسترق السمع بالأمر الذي ~~يحدثه الله، فيلقيه إلى الكهان، وهم الذين يخبرون بالمغيبات ويزيدون فيما ~~يلقيه الشيطان من عند أنفسهم مائة كذبة، ويقصد شياطين الجن شياطين الإنس من ~~سدنة القبور وغيرهم فيقولون : إن الولي فعل وفعل، يرغبونهم فيه ويحذرونهم ~~منه، وترى العامة ملوك الأقطار وولاة الأمصار معززين لذلك ويولون العمال ~~لقبض النذور وقد يتولاها من يحسنون فيه الظن من عالم أو قاض أو مفت أو شيخ ~~صوفي، فيتم التدليس لإبليس وتقر عينه بهذا التلبيس. PageV01P037 فإن قلت ~~هذا أمر عم البلاد واجتمعت عليه سكان الأغوار والأنجاد وطبق الأرض شرقا ~~وغربا ويمنا وشاما وجنوبا وعدنا، بحيث لا تجد بلدة من بلاد الإسلام إلا ~~وفيها قبور ومشاهد وأحياء يعتقدون فيها ويعظمونها وينذرون لها ويهتفون ~~بأسمائها ويحلفون بها، ويطوفون بفناء القبور، ويسرجونها ويلقون عليها ~~الأوراد والرياحين ويلبسونها الثياب ويصنعون كل أمر يقدرون عليه من العبادة ~~لها وما في معناها من التعظيم والخضوع والخشوع والتذلل والافتقار إليها، بل ~~هذه مساجد المسلمين غالبها لا يخلوا ms16 عن قبر أو قريب منه أو مشهد يقصده ~~المصلون في أوقات الصلاة يصنعون فيها ما ذكر أو بعض ما ذكر. ولا يسع عقل ~~عاقل أن هذا منكر يبلغ إلى ما ذكرت من الشناعة ويسكت عليه علماء الإسلام ~~الذين ثبتت لهم الوطأة في جميع جهات الدنيا. PageV01P038 قلت : إن أردت ~~الإنصاف وتركت متابعة الأسلاف وعرفت أن الحق ما قم عليه الدليل لا اتفق ~~عليه العوام جيلا بعد جيل وقبيلا بعد قبيل، فاعلم أن هذه الأمور التي ندندن ~~حول إنكارها ونسعى في هدم منارها صاردة عن العامة الذين إسلامهم تقليد ~~الآباء بلا دليل ومتابعتهم لهم من غير فرق بين دني ومثيل ينشأ الواحد فيهم ~~فيجد أهل قريته وأصحاب بلدته يلقنونه في الطفولة أن يهتف باسم من يعتقدون ~~فيه، ويراهم ينذرون عليه ويعظمونه ويرحلون به إلى محل قبره ويلطخونه بترابه ~~ويجعلونه طائفا على قبره، فينشأ وقد قر في قلبه عظمة ما يعظمونه، وقد صار ~~أعظم الأشياء عنده من يعتقدونه، فنشأ على هذا الصغير وشاخ عليه الكبير ولا ~~يسمعون من أحد عليهم من نكير، بل ترى ممن يتسم بالعلم ويدعي الفضل وينتصب ~~للقضاء والفتيا والتدريس أو الولاية أو المعرفة أو الإمارة والحكومة معظما ~~لما يعظمونه مكرما لما يكرمونه قابضا للنذور آكلا ما ينحر على القبور، فيظن ~~العامة أن هذا دين الإسلام وأنه رأس الدين والسنام، ولا يخفى على أحد يتأهل ~~للنظر ويعرف بارقة من علم الكتاب والسنة والأثر أن سكوت العالم على وقوع ~~منكر ليس دليلا على جواز ذلك المنكر. PageV01P039 ولنضرب لك مثلا من ذلك ~~وهي هذه المكوس المسماة بالمجابي المعلوم من ضرورة الدين تحريمها، قد ملأت ~~الديار والبقاع وصارت أمرا مأنوسا لا يلج إنكارها إلى سمع من الأسماع وقد ~~امتدت أيدي المكاسين في أشرف البقاع في مكة أم القرى يقبضون من القاصدين ~~لأداء فريضة الإسلام، ويلقون في البلد الحرام كل فعل حرام وسكانها من فضلاء ~~الأنام، والعلماء والحكام ساكتون على الإنكار معرضون عن الإيراد والإصدار، ~~أفيكون السكوت دليلا على حل وإحرازها؟ هذا لا يقوله ms17 من له أدنى إدراك. ~~PageV01P040 بل أضرب لك مثلا آخر، هذا حرم الله الذي هو أفضل بقاع الدنيا، ~~بالاتفاق وإجماع العلماء، أحدث فيه بعض ملوك الشراكسة الجهلة الضلال هذه ~~المقامات الأربعة التي فرقت عبادة العباد واشتملت على ما لا يحصيه إلا الله ~~عز وجل من الفساد، وفرقت عبادات المسلمين وصيرتهم كالملل المختلفة في الدين ~~بدعة قرت بها عين إبليس اللعين، وصيرت المسلمين ضحكة للشياطين، وقد سكت ~~الناس عليها ووفد علماء الآفاق والأبدال والأقطاب إليها وشاهدها كل ذي ~~عينين، وسمع بها كل ذي أذنين، أفهذا السكوت دليل على جوازها؟ هذا لا يقوله ~~من له إلمام بشيء من المعارف، كذلك سكوتهم على هذه الأشياء الصادرة من ~~القبوريين. PageV01P041 فإن قلت يلزم من هذا أن الأمة قد اجتمعت على ضلالة ~~حيث سكتت عن إنكارها لأعظم جهالة، قلت : حقيقة الإجماع اتفاق مجتهدي أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم على أمر بعد عصره، وفقهاء المذاهب الأربعة يحيلون ~~الاجتهاد من بعد الأربعة، وإن كان هذا قولا باطلا وكلاما لا يقوله إلا من ~~كان للحقائق جاهلا، فعلى زعمهم لا إجماع أبدا من بعد الأئمة الأربعة، فلا ~~يرد السؤال، فإن هذا الابتداع والفتنة بالقبور لك يكن على عهد أئمة المذاهب ~~الأربعة، وعلى ما نحققه فالإجماع وقوعه محال. فإن الأمة المحمدية قد ملأت ~~الآفاق وصارت في كل أرض وتحت كل نجم، فعلماؤها المحققون لا ينحصرون ولا يتم ~~لأحد معرفة أحوالهم، فمن ادعى الإجماع بعد انتشار الدين وكثرة علماء ~~المسلمين فإنها دعوى كاذبة، كما قاله أئمة التحقيق. # ثم لو فرض أنهم علموا بالمنكر وما أنكروه بل سكتوا عن إنكاره لما دل ~~سكوتهم على جوازه، فإنه قد علم من قواعد الشريعة أن وظائف الإنكار ثلاثة. # أولها الإنكار باليد، وذلك بتغيير المنكر وإزالته. # وثانيها الإنكار باللسان مع عدم استطاعة التغيير. # ثالثها الإنكار بالقلب عند عدم استطاعة التغيير باليد واللسان. ~~PageV01P042 فإن انتفى أحدها لم ينتف الآخر، ومثاله : مرور فرد من أفراد ~~علماء الدين بأحد المكاسين وهو يأخذ أموال المظلومين، فهذا الفرد من علماء ~~الدين لا ms18 يستطيع التغيير على هذا الذي يأخذ أموال المساكين باليد ولا ~~باللسان لأنه يكون سخرية لأهل العصيان، فانتفى شرط الإنكار بالوظيفتين، ولم ~~يبق إلا الإنكار بالقلب الذي هو أضعف الإيمان، فيجب على من رأى ذلك العالم ~~ساكتا على الإنكار مع مشاهدة ما يأخذه ذلك الجبار أن يعتقد أنه تعذر عليه ~~الإنكار باليد واللسان وأنه قد أنكر بقلبه، فإن حسن الظن بالمسلمين أهل ~~الدين واجب والتأويل لهم ما أمكن ضربة لازب، فالداخلون إلى الحرم الشريف ~~والمشاهدون لتلك الأبنية الشيطانية التي فرقت كلمة الدين وشتتت صلوات ~~المسلمين معذورون عن الإنكار إلا بالقلب كالمارين على المكاسين وعلى ~~القبوريين. PageV01P043 ومن هنا يعلم اختلال ما استمر عند أئمة الاستدلال ~~من قولهم في بعض ما يستدلون عليه أنه "وقع ولم ينكر فكان إجماعا"، ووجه ~~اختلاله أن قولهم "ولم ينكر" رجم بالغيب، فإنه قد يكون أنكرته قلوب كثيرة ~~تعذر عليها الإنكار باليد واللسان، وأنت تشاهد في زمانك أنه كم من أمر يقع ~~لا تنكره بلسانك ولا بيدك وأنت منكر له بقلبك، ويقول الجاهل إذا رآك تشاهده ~~"سكت فلان عن الإنكار" يقوله إما لائما أو متاسيا بسكوته، فالسكوت لا يستدل ~~به عارف، وكذا يعلم اختلال قولهم في الاستدلال : "فعل فلان كذا وسكت ~~الباقون فكان إجماعا" مختلا من جهتين. # الأولى : دعوى أن سكوت الباقين تقرير لفعل فلان، لما عرفت من عدم دلالة ~~السكوت على التقرير. # الثانية : قولهم : "فكان إجماعا" فإن الإجماع اتفاق أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، والساكت لا ينسب إليه وفاق ولا خلاف حتى يعرب عنه لسانه. # قال بعض الملوك وقد أثنى الحاضرون على شخص من عماله وفيهم رجل ساكت ما لك ~~لا تقول كما يقولون؟ فقال : إن تكلمت خالفتهم. PageV01P044 فما كل سكوت ~~رضى، فإن هذه منكرات أسسها من بيده السيف والسنان، ودماء العباد وأموالهم ~~تحت لسانه وقلمه وأعراضهم تحت قوله وكلمه، فكيف يقوى فرد من الأفراد على ~~دفعه عما أراد؟ فإن هذه القباب والمشاهد التي صارت أعظم ذريعة إلى الشرك ~~والإلحاد وأكبر وسيلة إلى هدم الإسلام وخراب ms19 بنيانه، غالب بل كل من يعمرها ~~هم الملوك والسلاطين والرؤساء والولاة إما على قريب لهم أو على من يحسنون ~~الظن فيه من فاضل أو عالم أو صوفي أو فقير أو شيخ أو كبير، ويزوره الناس ~~الذين يعرفونه زيارة الأموات من دون توسل به ولا هتف باسمه بل يدعون له ~~ويستغفرون، حتى ينقرض من يعرفه أو أكثرهم فيأتي من بعدهم فيجدوا قبرا قد ~~شيد عليه البناء وسرجت عليه الشموع وفرش بالفراش الفاخر وأرخيت عليه الستور ~~وألقيت عليه الأوراد والزهور، فيعتقد أن ذلك لنفع أو لدفع ضر ويأتيه السدنة ~~يكذبون على الميت بأنه فعل وفعل وأنزل بفلان الضرر وبفلان النفع، حتى ~~يغرسوا في جبلته كل باطل، ولهذا الأمر ثبت في الأحاديث النبوية اللعن على ~~من أسرج على القبور وكتب عليها وبنى عليها، وأحاديث ذلك واسعة معروفة، فإن ~~ذلك في نفسه منها عنه، ثم هو ذريعة إلى مفسدة عظيمة. PageV01P045 فإن قلت ~~هذا قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد عمرت عليه قبة عظيمة أنفقت ~~فيها الأموال، قلت هذا جهل عظيم بحقيقة الحال، فإن هذه القبة ليس بناؤها ~~منه صلى الله عليه وسلم ولا من أصحابه ولا من تابعيهم ولا تابعي التابعين ~~ولا من علماء أمته وأئمة ملته، بل هذه القبة المعمولة على قبره صلى الله ~~عليه وسلم من أبنية بعض ملوك مصر المتأخرين وهو قلاوون الصالحي المعروف ~~بالملك المنصور في سنة ثمان وسبعين وستمائة، ذكره في (تحقيق النصرة بتلخيص ~~معالم دار الهجرة) فهذه أمور دولية لا دليلية، يتبع فيها الآخر الأول. # وهذا آخر ما أردناه مما أوردناه لما عمت البلوى واتبعت الأهواء وأعرض ~~العلماء عن النكير الذي يجب عليهم ومالوا إلى ما مالت العامة إليه، وصار ~~المنكر معروفا والمعروف منكرا، ولم نجد من الأعيان ناهيا عن ذلك ولا زاجرا. # فإن قلت : قد يتفق للأحياء وللأموات اتصال جماعة بهم يفعلون خوارق من ~~الأفعال يتسمون بالمجاذيب، فما حكم ما يأتون به من تلك الأمور؟ فإنها مما ~~جلبت القلوب إلى الاعتقاد بها. PageV01P046 قلت : أما ms20 المتسمون بالمجاذيب ~~الذين يلوكون لفظ الجلالة بأفواههم ويقولونها بألسنتهم ويخرجونها عن لفظها ~~العربي فهم من أجناد إبليس اللعين، ومن أعظم حمر الكون الذين ألبستهم ~~الشياطين حلل التلبيس والتزيين، فإن إطلاق الجلالة منفردا عن إخبار عنها ~~بقولهم ( الله الله) ليس بكلام ولا توحيد، وإنما هو تلاعب بهذا اللفظ ~~الشريف بإخراجه عن لفظه العربي ثم إخلاؤه عن معنى من المعاني ولو أن رجلا ~~عظيما صالحا يسمى بزيد وصار جماعة يقولون (زيد زيد) لعد ذلك استهزاء وإهانة ~~وسخرية، ولا سيما إذا زادوا إلى ذلك تحريف اللفظ، ثم انظر هل أتى في لفظة ~~من الكتاب والسنة ذكر الجلالة بانفرادها وتكريرها؟ أو الذي في الكتاب ~~والسنة هو طلب الذكر والتوحيد والتسبيح والتهليل، وهذه أذكار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأدعيته وأدعية آله وأصحابه خالية عن هذا الشهيق والنهيق ~~والنعيق الذي اعتاده الذي من هو عن الله وعن هدي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وسمته ودله في مكان سحيق، ثم قد يضيفون إلى الجلالة الشريفة أسماء ~~جماعة من الموتى، مثل ( ابن علوان ) و ( أحمد بن الحسين ) و( عبد القادر ) ~~و( العيدروس ) بل قد انتهى الحال إلى أنهم يفرون إلى أهل PageV01P047 ~~القبور من الظلم والجور كعلي رومان وعلي الأحمر وأشباههما وقد صان الله ~~سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم وأهل الكساء وأعيان الصحابة عن ~~إدخالهم في أفواه هؤلاء الجهلة الضلال، فيجمعون أنواعا من الجهل والشرك ~~والكفر. PageV01P048 فإن قلت إنه قد يتفق من هؤلاء الذين يلوكون الجلالة ~~ويضيفون إليها عمل أهل الخلاعة والبطالة خوارق عادات وأمورا تظن كرامات، ~~كطعن أنفسهم بالآلات الحادة وحملهم لمثل الحنش والحية والعقرب وأكلهم النار ~~ومسهم غياها بالأيدي وتقلبهم فيها بالأجسام، قلت هذه أحوال شيطانيه وإنك ~~لملبس عليك إن ظننتها كرامات للأموات أو حسنات للأحياء لما هتف هذا الضال ~~بأسمائهم وجعلهم أندادا وشركاء لله تعالى في الخلق والأمر فهؤلاء الموتى ~~أنت تفرض أنهم أولياء الله تعالى فهل يرضى ولي الله أن يجعله المجذوب أو ~~السالك شريكا له تعالى وندا؟ إن زعمت ms21 ذلك فقد جئت شيئا إدا، وصيرت هؤلاء ~~الأموات مشركين وأخرجتهم وحاشاهم ذلك عن دائرة الإسلام والدين، حيث جعلتهم ~~أندادا لله راضين فرحين، وزعمت أن هذه كرامات لهؤلاء المجاذيب الضلال ~~المشركين التابعين لكل باطل، المنغمسين في بحار الرذائل الذين لا يسجدون ~~لله سجدة ولا يذكرون الله وحده، فإن زعمت هذا فقد أثبت الكرامات للمشركين ~~الكافرين وللمجانين وهدمت بذلك ضوابط الإسلام وقواعد الدين المبين والشرع ~~المتين، وإذا عرفت بطلان هذين الأمرين علمت أن هذه أحوال شيطانية وأفعال ~~طاغوتية وأعمال إبليسية يبلغها PageV01P049 الشياطين لإخوانهم من هؤلاء ~~الضالين، معاونة من الفريقين على إغواء العباد، وقد ثبت في الأحاديث أن ~~الشياطين والجان يتشكلون بأشكال الحية والثعبان وهذا أمر مقطوع بوقوعه فهم ~~الثعابين التي يشاهدها الإنسان في أيدي المجاذيب، وقد يكون ذلك من باب ~~السحر وهو أنواع، وتعلمه ليس بالعسير، بل بابه الأعظم الكفر بالله وإهانة ~~ما عظمه الله من جعل مصحف في كنيف ونحوه، فلا يغتر من يشاهد ما يعظم في ~~عينية من أحوال المجاذيب من الأمور التي يراها خوارق، فإن للسحر تأثيرا ~~عظيما في الأفعال، وهكذا الذين يقلبون الأعيان بالأسحار وغيرها، وقد ملأ ~~سحرة فرعون الوادي بالثعابين والحيات حتى أوجس في نفسه خيفة موسى عليه ~~السلام، وقد وصفه الله بأنه سحر عظيم، والسحر يفعل أعظم من هذا فإنه قد ذكر ~~ابن بطوطة وغيره أنه شاهد في بلاد الهند قوما توقد لهم النار العظيمة ~~فليبسون الثياب الرقيقة ويخوضون في تلك النار ويخرجون وثيابهم كأنها لم ~~يمسها شيء، بل ذكر أنه رأى أناسا عند بعض ملوك الهند أتى بولدين معه ثم ~~قطعهما عضوا عضوا ثم رمى بكل عضو إلى جهة فرقا حتى لم ير أحد شيئا من تلك ~~الأعضاء ثم صاح وبكى فلم يشعر الحاضرون إلا وقد نزل كل عضو على PageV01P050 ~~انفراده وانضم إلى الآخر حتى قام كل واحد منهما على عادته حيا سويا، ذكر ~~هذا في رحلته، وهي رحلة بسيطة وقد اختصرت، طالعتها بمكة عام ست وثلاثين ~~ومائة وألف، وأملاها علينا العلامة مفتي الحنفية في ms22 المدينة السيد محمد بن ~~أسعد رحمه الله. PageV01P051 وفي الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني بسنده أن ~~ساحرا كان عند الوليد بن عقبه فجعل يدخل في جوف بقرة ويخرج، فرآه جندب رضي ~~الله عنه فذهب إلى بيته فاشتمل على سيفه فلما دخل الساحر في البقرة قال ~~جندب { أفتأتون السحر وأنتم تبصرون } ثم ضرب وسط البقرة فقطعها وقطع الساحر ~~معها، فانذعر الناس، فحبسه الوليد وكتب بذلك إلى عثمان رضي الله عنه، كان ~~على السجن رجل نصراني، فلما رأى جندبا يقوم الليل ويصبح صائما، قال ~~النصراني والله إن قوما هذا شرعهم لقوم صدق، فوكل بالسجن رجلا ودخل الكوفة ~~فسأل عن أفضل أهلها فقالوا : الأشعث بن قيس ، فاستضافه فرأى أبا محمد يعني ~~الأشعث ينام الليل ويصبح فيدعو بغدائه، فخرج من عنده وسأل : أي أهل الكوفة ~~أفضل؟ فقالوا : جرير بن عبد الله ، فوجده ينام الليل ثم يصبح فيدعو بغدائه، ~~فاستقبل القبلة فقال : ربي رب جندب وديني دين جندب ، وأسلم، وأخرجها ~~البيهقي في السنن الكبرى بمغايرة في القصة، فذكر بسنده إلى الأسود أن ~~الوليد بن عقبة كان في العراق يلعب بين يديه ساحر فكان يضرب رأس الرجل ثم ~~يصيح به، فيقوم صارخا فيرد إليه رأسه، فقال الناس : سبحان الله! يحيي ~~الموتى! ورآه رجل من صالحي PageV01P052 المهاجرين فما كان من الغد اشتمل ~~على سيفه فذهب يلعب لعبه ذلك فاخترط الرجل سيفه فضرب عنقه وقال : إن كان ~~صادقا فليحي نفسه! فأمر به الوليد دينارا صاحب السجن فسجنه. # بل أعجب من هذا ما أخرجه الحافظ البيهقي بإسناده في قصة طويلة وفيها أن ~~امرأة تعلمت السحر من الملكين ببابل هاروت وماروت، وأنها أخذت قمحا فقالت ~~له بعد أن ألقته في الأرض : اطلع، فطلع، فقالت : أحقل، فأحقل، ثم تركته، ثم ~~قالت ايبس، فيبس ثم قالت له : اطحن، فأطحن، ثم قالت له : اختبز فاختبز، ~~وكانت لا تريد شيئا إلا كان. # والأحوال الشيطانية لا تنحصر، وكفى بما يأتي به الدجال، والمعيار اتباع ~~الكتاب والسنة ومخالفتهما. # انتهى ما أوردناه ولله الحمد أولا وآخرا، وصلى الله على ms23 سيدنا محمد وعلى ~~آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون. # تم الكتاب والحمد لله. PageV01P053 ms24