######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0011098 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن إسماعيل الصنعاني، محمد بن علي بن محمد الشوكاني #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: NOTGIVEN #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد ويليه شرح الصدور في تحريم رفع القبور #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0011098 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-11098 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/11098 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد المحسن بن حمد العباد البدر #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1424هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مطبعة سفير، الرياض، المملكة العربية السعودية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد # للإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني (1099 1182ه) # اعتنى بإخراجهما وقدم لهما وعلق عليهما: عبد المحسن بن حمد العباد البدر # بسم الله الرحمن الرحيم ### | مقدمة # : تطيهر الاعتقاد وشرح الصدور للإمامين اليمنيين الصنعاني والشوكاني # الحمد لله الذي خلق الخلق لعبادته، وأمرهم بتوحيده وطاعته، وأشهد أن لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأشهد ~~أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فبلغ ~~الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله ~~وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهديه إلى يوم الدين. # أما بعد، فإن نعم الله على عباده كثيرة لا تعد ولا تحصى، وأعظم نعمة أنعم ~~بها على أهل الأرض أن بعث فيهم رسله الكرام، ليخرجوهم بإذن ربهم من الظلمات ~~إلى النور، ويبينوا لهم أن الواجب عليهم إخلاص العبادة لله وحده، وألا ~~يشركوا به أحدا من مخلوقاته، وقد قام الرسل الكرام بتبليغ ما أمروا بتبليغه ~~على التمام والكمال، وقد ختم الله هذه الرسالات برسالة نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم إلى الثقلين الجن والإنس، وهم أمته أي أمة الدعوة، فدلهم على كل ~~خير، وحذرهم من كل شر، وأعظم شيء دلهم عليه إفراد الله بالعبادة، وأعظم شيء ~~نهاهم عنه أن يجعلوا مع الله آلهة أخرى، فمن وفقه الله منهم استسلم وانقاد ~~لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن كان من أهل الخذلان أعرض عن ~~الحق والهدى الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فخسر الدنيا والآخرة، ~~وذلك هو الخسران المبين. # ومن أعظم الوسائل التي تفضي إلى الشرك البناء على القبور وتعظيمها، ولهذا ~~جاءت الأحاديث الكثيرة المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P005 # في تحريم البناء على القبور واتخاذها مساجد، ومنها ما قاله رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قبل وفاته بخمس ليال، ومنها ما قاله عند نزع روحه صلى الله ~~عليه وسلم، وفي ذلك الدلالة الواضحة على أنها محكمة غير منسوخة؛ لأن ms01 النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يعش بعد أن قالها، فلا يكون هناك مجال للنسخ، وهذا ~~من كمال بيانه ونصحه لأمته وشفقته عليها صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. # وقد اعتنى العلماء قديما وحديثا ببيان خطر البناء على القبور والافتتان ~~بها، وأن ذلك يفضي إلى الشرك، ومن هؤلاء العلماء عالمان يمنيان عاش أحدهما ~~في القرن الثاني عشر، والآخر في القرن الثاني عشر والثالث عشر، وهما الشيخ ~~الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني المولود سنة (1099ه) ، والمتوفى سنة ~~(1182ه) ، وقد ألف في ذلك كتابه "تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد"، ~~والثاني الشيخ الإمام محمد ابن علي الشوكاني، المولود سنة (1172ه) ، ~~والمتوفى سنة (1250ه) ، وقد ألف في ذلك كتابه: "شرح الصدور في تحريم رفع ~~القبور". # وقد رأيت أن أجمع بين هذين الكتابين تيسيرا للانتفاع بهما، مع التعليق ~~على مواضع منهما، وأن أقدم بين يدي ذلك بمقدمة تشتمل على خمسة فصول: # الفصل الأول: في التعريف بالإمامين الصنعاني والشوكاني وكتابيهما "تطهير ~~الاعتقاد" و"شرح الصدور" من كلام شيخنا الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله، ~~نقلا من تقديمه للجامع الفريد طبعة الجميح. # الفصل الثاني: في بيان تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية ~~وتوحيد الأسماء والصفات. # PageV01P006 # الفصل الثالث: في اتفاق دعوة الرسل على إفراد الله بالعبادة، واتفاق ~~أقوامهم على معارضتهم واتباعهم ملة الآباء. # الفصل الرابع: في تحريم البناء على القبور واتخاذها مساجد وما يفضي إليه ~~من الشرك بدعاء أهلها والاستغاثة بهم وسؤالهم قضاء الحاجات وكشف الكربات، ~~وغير ذلك مما لا يطلب إلا من الله. # الفصل الخامس: في حكم دعاء أصحاب القبور والاستغاثة بهم، ومتى يحكم على ~~من دعاهم واستغاث بهم بالكفر؟ # وأسأل الله عز وجل أن ينفع بهذا العمل، وأن يوفق المسلمين للفقه في دينهم ~~وعبادة ربهم على الوجه الذي شرعه لهم، وأن يسلمهم من الوقوع في الشرك، وأن ~~يقيهم الوسائل والذرائع الموصلة إليه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ~~ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه. # PageV01P007 # جعل بعضهم حجة على بعض، عند التنازع في المسائل العلمية1، وإنما يوجب ذلك ms02 ~~التعاون بينهم فيأخذ القوي بيد الضعيف، ويكشف عن غامض المسائل وأدلتها، ~~ويدله على طرق الاستدلال حتى ينهض ويصير في عداد العلماء، ثم ذكر مسألة ~~تحريم رفع القبور والبناء عليها على سبيل المثال؛ ليوضح بذلك طريقة العلماء ~~في الرجوع عند التنازع إلى الكتاب والسنة، فذكر الأحاديث الكثيرة في تحريم ~~رفع القبور والبناء عليها ووجوب هدم ما كان مبنيا عليها، وتحريم اتخاذ قبور ~~الأنبياء والصالحين مساجد، ولعن من فعل ذلك، وبين وجه الاستدلال بها على ~~المطلوب، والحكمة التي روعيت في ذلك، وأفاض في ذكر الفتن التي تنشأ عن هذه ~~البدع، وأنها ذريعة إلى الشرك الأكبر، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير ~~الجزاء، وجمعنا وإياه في دار كرامته، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى ~~آله وصحبه أجمعين". PageV01P008 # الفصل الثاني: في بيان تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية ~~وتوحيد الأسماء والصفات. # الإيمان بالله يشمل الإيمان بوجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، ~~وأنه سبحانه وتعالى متصف بكل كمال يليق به، منزه عن كل نقص، فيجب توحيده ~~بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. # وتوحيده بربوبيته الإقرار بأنه واحد في أفعاله، لا شريك له فيها، كالخلق ~~والرزق والإحياء والإماتة، وتدبير الأمور والتصرف في الكون، وغير ذلك مما ~~يتعلق بربوبيته. # وتوحيد الألوهية توحيده بأفعال العباد، كالدعاء والخوف والرجاء والتوكل ~~والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة والذبح والنذر، وغيرها من أنواع العبادة ~~التي يجب إفراده بها، فلا يصرف منها شيء لغيره، ولو كان ملكا مقربا أو نبيا ~~مرسلا، فضلا عمن سواهما. # وأما توحيد الأسماء والصفات، فهو إثبات كل ما أثبته لنفسه وأثبته له ~~رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات على وجه يليق بكماله وجلاله، ~~دون تكييف أو تمثيل، ودون تحريف أو تأويل أو تعطيل، وتنزيهه عن كل ما لا ~~يليق به، كما قال الله عز وجل: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} فجمع في ~~هذه الآية بين الإثبات والتنزيه، فالإثبات في قوله: {وهو السميع البصير} ~~والتنزيه في قوله: {ليس كمثله شيء} فله سبحانه وتعالى سمع لا كالأسماع، ~~وبصر لا كالأبصار، وهكذا ms03 يقال في كل ما ثبت لله من الأسماء والصفات. # PageV01P009 # وهذا التقسيم لأنواع التوحيد عرف بالاستقراء من نصوص الكتاب والسنة، ~~ويتضح ذلك بأول سورة في القرآن، وآخر سورة؛ فإن كلا منهما مشتملة على أنواع ~~التوحيد الثلاثة. # فأما سورة الفاتحة، فإن الآية الأولى فيها، وهي: {الحمد لله رب العالمين} ~~مشتملة على هذه الأنواع؛ فإن {الحمد لله} فيها توحيد الألوهية؛ لأن إضافة ~~الحمد إليه من العباد عبادة، وفي قوله: {رب العالمين} إثبات توحيد ~~الربوبية، وهو كون الله عز وجل رب العالمين، والعالمون هم كل من سوى الله؛ ~~فإنه ليس في الوجود إلا خالق ومخلوق، والله الخالق، وكل من سواه مخلوق، ومن ~~أسماء الله الرب، وقبله لفظ الجلالة في هذه الآية. # وقوله: {الرحمن الرحيم} مشتمل على توحيد الأسماء والصفات، والرحمن ~~والرحيم اسمان من أسماء الله يدلان على صفة من صفات الله، وهي الرحمة، ~~وأسماء الله كلها مشتقة، وليس فيها اسم جامد، وكل اسم من الأسماء يدل على ~~صفة من صفاته. # و {مالك يوم الدين} فيه إثبات توحيد الربوبية، وهو سبحانه مالك الدنيا ~~والآخرة، وإنما خص يوم الدين بأن الله مالكه؛ لأن ذلك اليوم يخضع فيه ~~الجميع لرب العالمين، بخلاف الدنيا، فإنه وجد فيها من عتا وتجبر، وقال: ~~{أنا ربكم الأعلى} # وقوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} # فيه إثبات توحيد الألوهية، وتقديم المفعول وهو {إياك} يفيد الحصر، ~~والمعنى: نخصك بالعبادة والاستعانة، ولا نشرك معك أحدا. # وقوله: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير # PageV01P010 # الفصل الأول: في التعريف بالإمامين الصنعاني والشوكاني وكتابيهما "تطهير ~~الاعتقاد" و"شرح الصدور" من كلام شيخنا الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله، ~~نقلا من تقديمه للجامع الفريد طبعة الجميح. # أولا: الإمام الصنعاني: # "هو العالم الفاضل محدث وقته وفقيه زمانه الشيخ محمد بن إسماعيل بن صلاح ~~الأمير الكحلاني ثم الصنعاني، ولد بكحلان عام (1099ه) ، وحببت إليه الرحلة ~~في طلب العلم، وانتقل إلى صنعاء وأخذ عن علمائها، ثم رحل إلى الحجاز وأخذ ~~عن كبار علماء مكة والمدينة، ثم عاد إلى صنعاء لنشر العلم، وإحياء السنة ms04 ~~والقضاء على البدعة، فجلس للتدريس وبذل فيه جهده، حتى اشتهر أمره وعلا قدره ~~وارتفع سهمه، وصار مرجعا لأهل العلم ببلاده، ونهض بالدعوة إلى الإصلاح، ~~فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وصدع بالحق وشدد في النكير على المبتدعة ~~والمنحرفين، لا يبالي بما يصيبه من أذاهم، ولا يخشى في الله لومة لائم، ~~فكفاه الله غائلتهم، واجتمع حوله خلق كثير، وكان له من الأثر المحمود ما ~~نرجو أن يجزيه الله به خير الجزاء. # وإلى جانب ما قام به بعد التدريس والوعظ والإصلاح، ألف كتبا ورسائل ~~كثيرة، منها: "سبل السلام شرح بلوغ المرام"، و"العدة"، وهي تعليقات حشى بها ~~الإحكام لابن دقيق العيد على "عمدة الأحكام"، و"قصب السكر نظم نخبة الفكر" ~~لابن حجر، وشرحه بكتاب سماه "إسبال المطر"، و"إرشاد النقاد إلى تيسير ~~الاجتهاد"، # PageV01P011 # و"تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد"، وهو الكتاب الذي نقدمه للقراء. # إن هذا الكتاب مع صغر حجمه عظم نفعه وعمت فائدته، وقد رتبه المؤلف على ~~مقدمة وخمسة أصول وجملة فصول، أما المقدمة فذكر فيها ما حمله على تأليفه من ~~انتشار الشرك في الأمصار والبلاد بتعظيم السواد الأعظم من الناس للقبور ومن ~~فيها تعظيما لا ينبغي أن يكون إلا لله وحده، واعتقادهم في الكهنة الذين ~~يزعمون الكشف وعلم الغيب، وتصديقهم إياهم في ذلك، وأما الأصول ففي بيان أن ~~القرآن حق وقول صدق، وأن الرسل إنما بعثوا بتوحيد الألوهية، وأنه أساس صحة ~~العبادة وقبولها، أما توحيد الربوبية فهو مركوز في الفطر، وقد أقر به ~~المشركون، ولكنه لا يغني عنهم شيئا لإخلالهم بتوحيد العبادة، وأما الفصول ~~فقد فصل فيها ما أجمله في الأصول الخمسة من أنواع العبادة والاستدلال ~~عليها، وذكر فيها كثيرا من الشبه التي يتعلل بها المبتدعة لشركهم وأجاب ~~عنها، وجعل ذلك على صورة السؤال والجواب؛ تحديدا للمطلوب وتيسيرا للفهم حتى ~~تقوم الحجة ويتم الإعذار، فالله أسأل أن يغفر لنا وله ويفيض علينا من ~~رحماته ويسكننا فسيح جناته، إنه مجيب الدعاء، وصلى الله على نبينا محمد ~~وعلى آله وصحبه وسلم". # PageV01P012 # ثانيا: الإمام الشوكاني: # "هو العالم الفاضل ms05 الشيخ محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني ثم ~~الصنعاني، ولد في ذي القعدة عام (1172ه) ، وتوفي في جمادى الآخرة عام ~~(1250ه) رحمه الله. # حفظ القرآن وجوده على جماعة من المعلمين بصنعاء، وحفظ كثيرا من المتون في ~~الفقه وأصوله وفي النحو والبلاغة والمنطق وأدب البحث والمناظرة وغيرها من ~~الفنون المختلفة، ثم حضر مجالس العلماء فتلقى عنهم شروح هذه المتون وغيرها ~~من المؤلفات، وبذل جهده في ذلك حتى تفوق في كثير من علوم الشريعة واللغة ~~العربية، واشتغل بالتدريس والتأليف حتى لقي ربه فانتفع به خلق كثير، ~~وانتشرت مؤلفاته بين المتعلمين في الأمصار والبلاد، وهي كثيرة منها: "نيل ~~الأوطار شرح منتقى الأخبار"، و"إرشاد الفحول في علم الأصول"، و"الدر النضيد ~~في إخلاص كلمة التوحيد"، و"مفيد المستفيد في الرد على من أنكر الاجتهاد من ~~أهل التقليد"، و"رسالة شرح الصدور في تحريم رفع القبور"، وهي التي نقدمها ~~للقراء. # بدأ المؤلف هذه الرسالة ببيان وجوب الرد عند الاختلاف إلى كتاب الله وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنهما الحكم العدل الذي يفصل بين الحق والباطل ~~عند الاختلاف، واستدل على ذلك بالكتاب والسنة والإجماع، وأن العلماء وإن ~~تفاوتوا في تحمل المسئولية وفي الفضل والجزاء تبعا لتفاوتهم في العلم ~~والإمامة والوجاهة، فلا يصح أن يتعلل بذلك في # PageV01P013 # المغضوب عليهم ولا الضالين} فيه إثبات توحيد الألوهية؛ فإن طلب الهداية ~~من الله دعاء، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدعاء هو العبادة"، ~~فيسأل العبد ربه في هذا الدعاء أن يهديه الصرط المستقيم الذي سلكه النبيون ~~والصديقون والشهداء والصالحون، الذين هم أهل التوحيد، ويسأله أن يجنبه طريق ~~المغضوب عليهم والضالين، الذين لم يحصل منهم التوحيد، بل حصل منهم الشرك ~~بالله وعبادة غيره معه. # وأما سورة الناس، فقوله: {قل أعوذ برب الناس} فيه إثبات أنواع التوحيد ~~الثلاثة؛ فإن الاستعاذة بالله فيه توحيد الألوهية. # و {برب الناس} فيه إثبات توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وهو مثل ~~قول الله عز وجل في أول الفاتحة: {الحمد لله رب العالمين} # وقوله: {ملك ms06 الناس} فيه إثبات الربوبية والأسماء والصفات. # و {إله الناس} فيه إثبات الألوهية والأسماء والصفات. # والنسبة بين أنواع التوحيد الثلاثة هذه أن يقال: إن توحيد الربوبية ~~وتوحيد الأسماء والصفات مستلزمان لتوحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية متضمن ~~لهما، والمعنى أن من أقر بالألوهية فإنه يكون مقرا بتوحيد الربوبية وبتوحيد ~~الأسماء والصفات؛ لأن من أقر بأن الله هو المعبود وحده فخصه بالعبادة ولم ~~يجعل له شريكا فيها، لا يكون منكرا أن الله هو الخالق الرازق المحيي ~~المميت، وأن له الأسماء الحسنى والصفات العلى. # وأما من أقر بتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، فإنه يلزمه أن يقر ~~بتوحيد الألوهية، وقد أقر الكفار الذين بعث فيهم رسول الله # PageV01P014 # صلى الله عليه وسلم بتوحيد الربوبية، فلم يدخلهم هذا الإقرار في الإسلام، ~~بل قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى يعبدوا الله وحده لا شريك له، ~~ولهذا يأتي كثيرا في القرآن تقرير توحيد الربوبية الذي أقر به الكفار؛ ~~لإلزامهم بالإقرار بتوحيد الألوهية، ومن أمثلة ذلك قول الله عز وجل: {أمن ~~خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما ~~كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون أمن جعل الأرض ~~قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع ~~الله بل أكثرهم لا يعلمون أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم ~~خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ~~ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون ~~أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل ~~هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} # ففي كل آية من هذه الآيات تقرير توحيد الربوبية للإلزام بتوحيد الألوهية، ~~فيقول في كل آية من هذه الآيات الخمس عقب تقرير توحيد الربوبية: {أإله مع ~~الله} ، والمعنى أن من تفرد بهذه الأفعال التي هي من أفعال الله وحده، يجب ~~أن يخص بالعبادة وحده؛ لأن من اختص ms07 بالخلق والإيجاد وغيرها من أفعال الله ~~يجب أن يخص بالعبادة وحده، وكيف يعقل أن تكون المخلوقات التي كانت عدما، ~~وقد أوجدها الله، كيف يعقل أن يكون لها نصيب من العبادة وهي مخلوقة لله؟! # قال شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في كتابه أضواء البيان ~~(3/409 414) عند قوله تعالى: {إن هذا القرآن يهدي # PageV01P015 # للتي هي أقوم} : "فمن ذلك توحيد الله جل وعلا، فقد هدى القرآن فيه للطريق ~~التي هي أقوم الطرق وأعدلها، وهي توحيده جل وعلا في ربوبيته وفي عبادته، ~~وفي أسمائه وصفاته، وقد دل استقراء القرآن العظيم على أن توحيد الله ينقسم ~~إلى ثلاثة أقسام: # الأول: توحيده في ربوبيته، وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه فطر العقلاء، ~~قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} الآية، وقال: {قل من يرزقكم ~~من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج ~~الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون} # ، وإنكار فرعون لهذا النوع من التوحيد في قوله: {قال فرعون وما رب ~~العالمين} تجاهل من عارف أنه عبد مربوب؛ بدليل قوله تعالى: {قال لقد علمت ~~ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر} الآية، وقوله: {وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} ، وهذا النوع من التوحيد لا ينفع إلا بإخلاص ~~العبادة لله، كما قال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} ، ~~والآيات الدالة على ذلك كثيرة جدا. # الثاني: توحيده جل وعلا في عبادته، وضابط هذا النوع من التوحيد هو تحقيق ~~معنى (لا إله إلا الله) ، وهي متركبة من نفي وإثبات، فمعنى النفي منها: خلع ~~جميع أنواع المعبودات غير الله كائنة ما كانت في جميع أنواع العبادات كائنة ~~ما كانت، ومعنى الإثبات منها: إفراد الله جل وعلا وحده بجميع أنواع ~~العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم الصلاة ~~والسلام، وأكثر آيات القرآن في هذا النوع من التوحيد، وهو الذي فيه المعارك ~~بين الرسل وأممهم {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} . # PageV01P016 # ومن ms08 الآيات الدالة على هذا النوع من التوحيد قوله تعالى: {فاعلم أنه لا ~~إله إلا الله واستغفر وقوله لذ نبك} الآية، وقوله: {ولقد بعثنا في كل أمة ~~رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ،: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ~~إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} ، وقوله: {واسأل من أرسلنا من ~~قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} ، وقوله: {قل إنما يوحى ~~إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون} ، فقد أمر في هذه الآية الكريمة ~~أن يقول: إن ما أوحى إليه محصور في هذا النوع من التوحيد؛ لشمول كلمة (لا ~~إله إلا الله) لجميع ما جاء في الكتب؛ لأنها تقتضي طاعة الله بعبادته وحده، ~~فيشمل ذلك جميع العقائد والأوامر والنواهي، وما يتبع ذلك من ثواب وعقاب، ~~والآيات في هذا النوع من التوحيد كثيرة. # النوع الثالث: توحيده جل وعلا في أسمائه وصفاته، وهذا النوع من التوحيد ~~ينبني على أصلين: # الأول: تنزيه الله جل وعلا عن مشابهة المخلوقين في صفاتهم، كما قال ~~تعالى: {ليس كمثله شيء} . # والثاني: الإيمان بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه ~~وسلم على الوجه اللائق بكماله وجلاله، كما قال بعد قوله: {ليس كمثله شيء} : ~~{وهو السميع البصير} ، مع قطع الطمع عن إدراك كيفية الاتصاف، قال تعالى: ~~{يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما} ، وقد قدمنا هذا المبحث ~~مستوفى موضحا بالآيات القرآنية في سورة الأعراف. # ويكثر في القرآن العظيم الاستدلال على الكفار باعترافهم بربوبيته # PageV01P017 # جل وعلا على وجوب توحيده في عبادته، ولذلك يخاطبهم في توحيد الربوبية ~~باستفهام التقرير، فإذا أقروا بربوبيته احتج بها عليهم على أنه هو المستحق ~~لأن يعبد وحده، ووبخهم منكرا عليهم شركهم به غيره، مع اعترافهم بأنه هو ~~الرب وحده؛ لأن من اعترف بأنه هو الرب وحده لزمه الاعتراف بأنه هو المستحق ~~لأن يعبد وحده. # ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك ~~السمع والأبصار} إلى قوله: {فسيقولون الله} ms09 فلما أقروا بربوبيته وبخهم ~~منكرا عليهم شركهم به غيره بقوله: {فقل أفلا تتقون} . # ومنها قوله تعالى: {قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون ~~الله} ، فلما اعترفوا وبخهم منكرا عليهم شركهم بقوله: {قل أفلا تذكرون} ، ~~فلما أقروا وبخهم منكرا عليهم شركهم بقوله: {قل أفلا تتقون} ثم قال: {قل من ~~بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله} ، ~~فلما أقروا وبخهم منكرا عليهم شركهم بقوله: {قل فأنى تسحرون} ومنها قوله ~~تعالى: {قل من رب السماوات والأرض قل الله} ، فلما صح الاعتراف وبخهم منكرا ~~عليهم شركهم بقوله: {الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم ~~نفعا ولا ضرا} # ومنها قوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} ، فلما صح إقرارهم ~~وبخهم منكرا عليهم بقوله: {فأنى يؤفكون} # ومنها قوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر # PageV01P018 # الشمس والقمر ليقولن الله} ، فلما صح اعترافهم وبخهم منكرا عليهم شركهم ~~بقوله: {فأنى يؤفكون} ، # وقوله: {ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ~~ليقولن الله} ، فلما صح إقرارهم وبخهم منكرا عليهم شركهم بقوله: {قل الحمد ~~لله بل أكثرهم لا يعقلون} ، وقوله: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~وسخر الشمس والقمر ليقولن الله} ، فلما صح اعترافهم وبخهم منكرا عليهم ~~بقوله: {قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} ، وقوله تعالى: {آلله خير أما ~~يشركون أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ~~ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} ، ولا شك أن الجواب الذي لا جواب لهم ~~البتة غيره: هو أن القادر على خلق السموات والأرض وما ذكر معها خير من جماد ~~لا يقدر على شيء، فلما تعين اعترافهم وبخهم منكرا عليهم بقوله: {أإله مع ~~الله بل هم قوم يعدلون} ، ثم قال تعالى: {أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها ~~أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا} ، ولا شك أن الجواب الذي لا ~~جواب غيره كما قبله، فلما تعين اعترافهم ms10 وبخهم منكرا عليهم بقوله: {أإله مع ~~الله بل أكثرهم لا يعلمون} ، ثم قال جل وعلا: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ~~ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض} ، ولا شك أن الجواب كما قبله، فلما تعين ~~إقرارهم بذلك وبخهم منكرا عليهم بقوله: {أإله مع الله قليلا ما تذكرون} ، ~~ثم قال تعالى: {أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين ~~يدي رحمته} ، ولا شك أن الجواب كما قبله، فلما تعين إقرارهم بذلك وبخهم ~~منكرا عليهم بقوله: {أإله مع الله تعالى الله عما يشركون} ، ثم قال جل ~~وعلا: {أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء # PageV01P019 # والأرض} ، ولا شك أن الجواب كما قبله، فلما تعين الاعتراف وبخهم منكرا ~~عليهم بقوله: {أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} ، وقوله: ~~{الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ~~ذلكم من شيء} ، ولا شك أن الجواب الذي لا جواب لهم غيره هو: لا! أي ليس من ~~شركائنا من يقدر على أن يفعل شيئا من ذلك المذكور من الخلق والرزق والإماتة ~~والإحياء، فلما تعين اعترافهم وبخهم منكرا عليهم بقوله: {سبحانه وتعالى عما ~~يشركون} والآيات بنحو هذا كثيرة جدا، ولأجل ذلك ذكرنا في غير هذا الموضع أن ~~كل الأسئلة المتعلقة بتوحيد الربوبية استفهامات تقرير، يراد منها أنهم إذا ~~أقروا رتب لهم التوبيخ والإنكار على ذلك الإقرار؛ لأن المقر بالربوبية ~~يلزمه الإقرار بالألوهية ضرورة، نحو قوله تعالى: {أفي الله شك} ، وقوله: ~~{قل أغير الله أبغي ربا} ، وإن زعم بعض العلماء أن هذا استفهام إنكار؛ لأن ~~استقراء القرآن دل على أن الاستفهام المتعلق بالربوبية استفهام تقرير وليس ~~استفهام إنكار؛ لأنهم لا ينكرون الربوبية كما رأيت كثرة الآيات الدالة ~~عليه. والكلام على أقسام التوحيد ستجده إن شاء الله في مواضع كثيرة من هذا ~~الكتاب المبارك، بحسب المناسبات في الآيات التي نتكلم على بيانها بآيات ~~أخر". # PageV01P020 # الفصل الثالث: في اتفاق دعوة الرسل على إفراد الله بالعبادة، واتفاق ~~أقوامهم على معارضتهم واتباعهم ms11 لملة الآباء. # خلق الله الخلق ليعبدوه، فقال عز وجل: {وما خلقت الجن والأنس إلا ~~ليعبدون} ، أي: خلقهم لأمرهم بعبادة الله وحده ونهيهم عن عبادة كل من سواه، ~~وقد جاءت آيات الكتاب العزيز دالة على هذه الدعوة إجمالا وتفصيلا، وجاءت ~~الآيات أيضا إجمالا وتفصيلا دالة على كفر أقوامهم بهم وبقائهم على ما كان ~~عليه آباؤهم. # فمن الآيات الدالة إجمالا على دعوة الرسل أممهم إلى إفراد الله بالعبادة ~~قول الله عز وجل في سورة النحل: {ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء ~~من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون} ، وقوله: {ولقد بعثنا في كل ~~أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ، وقوله في سورة الأنبياء: ~~{وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} # ومن الآيات الدالة إجمالا على كفر أقوامهم بهم وبقائهم على ما كان عليه ~~آباؤهم قول الله عز وجل في سورة إبراهيم: {لم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم ~~نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات ~~فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما ~~تدعوننا إليه مريب قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ~~ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا ~~تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين} # PageV01P021 # وقد أخبر الله في هاتين الآيتين عن قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ~~لا يعلمهم إلا الله أنهم قالوا لرسلهم: {إنا كفرنا بما أرسلتم به} ، وأنهم ~~قالوا: {إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا} ~~ومنها قوله تعالى في سورة سبأ: {وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال ~~مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون} ، وقوله في سورة الزخرف: {كذلك ما ~~أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مقتدون} ، وقوله في ms12 سورة الذاريات: {كذلك ما أتى الذين من ~~قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون} وأما الآيات الدالة تفصيلا على ~~دعوة كل رسول قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له ورد قومه عليه بالكفر به ~~والبقاء على ما كان عليه الآباء فقد قال الله عن نوح في سورة الأعراف: {لقد ~~أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف ~~عليكم عذاب يوم عظيم} ، وقال في سورة هود: {لقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني ~~لكم نذير مبينأن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم} ، وقال ~~في سورة المؤمنون: {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره أفلا تتقون} ، وقال في سورة الشعراء: {كذبت قوم نوح ~~المرسلين إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله ~~وأطيعون} ، وقال في سورة نوح: {إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من ~~قبل أن يأتيهم عذاب أليم قال يا قوم إني لكم نذير مبين ن اعبدوا الله ~~واتقوه وأطيعون} # PageV01P022 # وقال عن رد قومه عليه في سورة المؤمنون: {قال الملأ الذين كفروا من قومه ~~ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما ~~سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} وقال عن هود في سورة الأعراف: {إلى عاد ~~أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون} ، وقال ~~في سورة هود: {إلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره إن أنتم إلا مفترون} ، وقال في سورة المؤمنون: {ثم أنشأنا من بعدهم ~~قرنا آخرين أرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا ~~تتقون} ، قيل: هو هود، وقيل: هو صالح، وقال في سورة الشعراء: {كذبت عاد ~~المرسلين إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله ~~وأطيعون} ، وقال في سورة فصلت: ms13 {فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة ~~عاد وثمود إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله} ، ~~وقال في سورة الأحقاف: {واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر ~~من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} ~~وقال عن رد قومه عليه في سورة الأعراف: {قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ~~ما كان يعبد آباؤنا} ، وقال في سورة هود: {قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما ~~نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين} ، وقال في سورة الأحقاف: ~~{قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين} وقال ~~عن صالح في سورة الأعراف: {وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ~~ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم} ، # PageV01P023 # وقال في سورة هود: {إلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} ، وقال في الشعراء: {كذبت ~~ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا ~~الله وأطيعون} ، وقال في النمل: {ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن ~~اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون} ، وقال في فصلت: {فإن أعرضوا فقل ~~أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن ~~خلفهم ألا تعبدوا إلا الله} وقال عن رد قومه عليه في سورة هود: {قالوا يا ~~صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي ~~شك مما تدعونا إليه مريب} وقال عن لوط في الشعراء: {كذبت قوم لوط المرسلين ~~إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون} ~~وقال في القمر: {كذبت قوم لوط بالنذر} # وقال عن إبراهيم في سورة الأنعام: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ ~~أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين} ، وقال في سورة إبراهيم: {وإذ ~~قال إبراهيم ms14 رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} ، وقال ~~في مريم: {إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك ~~شيئا} ، وقال في الأنبياء: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين ~~إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} ، وقال: {قال ~~أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من ~~دون الله أفلا # PageV01P024 # تعقلون} ، وقال في سورة الشعراء: {واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه ~~وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ ~~تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} ، وقال في ~~العنكبوت: {وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من ~~دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له ~~إليه ترجعون} ، وقال أيضا: {وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة ~~بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ~~ومأواكم النار وما لكم من ناصرين} ، وقال في الصافات: {وإن من شيعته ~~لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أإفكا آلهة ~~دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين} ، وقال: {قال أتعبدون ما تنحتون ~~والله خلقكم وما تعملون} ، وقال في الزخرف: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه ~~إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في ~~عقبه لعلهم يرجعون} ، وقال في الممتحنة: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ~~والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا ~~بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} وقال ~~في رد قومه عليه: جواب أبيه في سورة مريم: {قال أراغب أنت عن آلهتي يا ~~إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا} ، وقال في ms15 الأنبياء: {قالوا ~~وجدنا آباءنا لها عابدين} ، وقال: {قالوا حرقوه # PageV01P025 # وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين} ، وقال في الشعراء: {قالوا بل وجدنا ~~آباءنا كذلك يفعلون} وقال عن شعيب في الأعراف: {وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ~~يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم} ، وقال في ~~هود: {وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~ولا تنقصوا المكيال والميزان} ، وقال في الشعراء: {كذب أصحاب لأيكة ~~المرسلين إذ قال لهم شعيب ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله ~~وأطيعون} ، وقال في العنكبوت: {وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا ~~الله وارجوا اليوم الآخر} وقال عن رد قومه عليه في الأعراف: {قال الملأ ~~الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو ~~لتعودن في ملتنا} ، وقال في هود: {قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما ~~يعبد آباؤنا} وقال عن يعقوب في البقرة: {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ~~إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون} وقال عن موسى في البقرة: {ولقد ~~جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون} ، وقال في آل ~~عمران: {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم ~~والله شديد العقاب} ، وقال في الأعراف: {ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا ~~إلى فرعون وملأه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} ، وقال: ~~{وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون # PageV01P026 # على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم ~~تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون قال أغير الله ~~أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين} ، وقال: {واتخذ قوم موسى من بعده من ~~حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه ~~وكانوا ظالمين} ، وقال في الانفال: {كدأب آل فرعون والذين ms16 من قبلهم كفروا ~~بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب} ، وقال: {كدأب آل ~~فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل ~~فرعون وكل كانوا ظالمين} وقال في التوبة: {وقالت اليهود عزير ابن الله} ، ~~وقال في يونس: {ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملأه بآياتنا ~~فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر ~~مبين} ، وقال في هود: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون ~~وملأه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد} ، وقال في إبراهيم: {ولقد ~~أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله ~~إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} وقال: {وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في ~~الأرض جميعا فإن الله لغني حميد} وقال في الإسراء: {وآتينا موسى الكتاب ~~وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا} ، وقال: {ولقد آتينا ~~موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك ~~يا موسى مسحوراقال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر ~~وإني لأظنك يا فرعون مثبورا} ، وقال في طه: {إنما إلهكم الله الذي لا إله ~~إلا هو وسع كل شيء علما} ، وقال في المؤمنون: {ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون ~~بآياتنا وسلطان مبين # PageV01P027 # إلى فرعون وملأه فاستكبروا وكانوا قوما عالين} ، وقال في الفرقان: {ولقد ~~آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا فقلنا اذهبا إلى القوم ~~الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا} ، وقال في الشعراء: {وإذ نادى ربك ~~موسى أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون ألا يتقون} ، وقال في النمل: {فلما ~~جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما ~~وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} ، وقال في العنكبوت: {وقارون وفرعون ~~وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين} ، ~~وقال في غافر: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وهامان ~~وقارون فقالوا ساحر كذاب} ، وقال في الزخرف: {ولقد ms17 أرسلنا موسى بآياتنا إلى ~~فرعون وملأه فقال إني رسول رب العالمين فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها ~~يضحكون} ، وقال في القمر: {ولقد جاء آل فرعون النذر كذبوا بآياتنا كلها ~~فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر} ، وقال في المزمل: {إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا ~~عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا} ، ~~وقال في النازعات: {اذهب إلى فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى وأهديك ~~إلى ربك فتخشى} وقال عن رد قومه عليه في يونس: {قالوا أجئتنا لتلفتنا عما ~~وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين} ، ~~وقال في القصص: {فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى ~~وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} وقال عن عيسى في آل عمران: {ومصدقا لما ~~بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم # PageV01P028 # فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم} ، وقال ~~في المائدة: {ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم} ، ~~وقال: {وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك ~~بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار} ، وقال ~~في التوبة: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك ~~قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون ~~اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا ~~إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} ، وقال في مريم: ~~{ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ~~وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم} ، وقال في الزخرف: {ولما جاء ~~عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه ~~فاتقوا الله وأطيعون إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم} ، وقال ~~في الصف: {وإذ قال عيسى ابن مريم ms18 يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا ~~لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم ~~بالبينات قالوا هذا سحر مبين} وقال عن سليمان في سورة النمل: {إنه من ~~سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين} ، وقال ~~عن إلياس في الصافات: {وإن إلياس لمن المرسلين إذ قال لقومه ألا تتقون ~~أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين الله ربكم ورب آبائكم الأولين} وقال عن ~~يونس في الصافات: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون # PageV01P029 # فآمنوا فمتعناهم إلى حين} وقال عن يوسف: {قال لا يأتيكما طعام ترزقانه ~~إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم ~~لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يشكرون يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله ~~الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل ~~الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين ~~القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} # وقد ختم الله الرسالات برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى الجن ~~والإنس، فدل أمته على كل خير، وحذرها من كل شر، وأعظم شيء دعاها إليه إفراد ~~الله بالعبادة، وأعظم شيء نهاها عنه أن يشرك معه أحد في العبادة، وقد أعلن ~~ذلك أول ما بعثه الله بقوله صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس! قولوا لا ~~إله إلا الله تفلحوا" أخرجه الإمام أحمد بإسناد صحيح (16603) ، وقد جاء في ~~القرآن الكريم آيات كثيرة في دعوته إلى التوحيد وتحذيره من الشرك، وآيات ~~كثيرة في رد قومه عليه، وأنهم باقون على ملة آبائهم، فمن الآيات في الدعوة ~~إلى التوحيد والتحذير من الشرك قوله عز وجل في البقرة: {يا أيها الناس ~~اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي ms19 جعل لكم الأرض ~~فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا ~~تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} ، وقد ابتدئت الآية الأولى بالأمر بعبادة ~~الله وحده، وختمت الآية الثانية بالنهي عن الشرك، وقوله في آل عمران: {قل ~~يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا ~~نشرك به شيئا ولا يتخذ # PageV01P030 # بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} ، ~~وقوله في الأعراف: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت ~~أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم ~~يؤمنون} ، وقال في الحج: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين ~~تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا ~~لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب} ، وقوله في الكهف وفصلت: {قل إنما ~~أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد} ، وقوله في الذاريات: {ففروا ~~إلى الله إني لكم منه نذير مبين ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه ~~نذير مبين} ، وقوله: {قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم ~~عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ~~ولي دين} ومن الآيات في رد قومه عليه قوله تعالى في البقرة: {وإذا قيل لهم ~~اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا} ، وقوله في ~~المائدة: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ~~ما وجدنا عليه آباءنا} ، وقوله في يونس: {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى ~~رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال ~~الكافرون إن هذا لساحر مبين} ، وقوله في الأنبياء: {وإذا رآك الذين كفروا ~~إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون} ، ~~وقوله في الفرقان: {وإذا رأوك إن يتخذونك إلا ms20 هزوا أهذا الذي بعث الله ~~رسولا إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون ~~العذاب من أضل سبيلا} ، وقوله في لقمان: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله ~~قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا} ، وقوله في سبأ: {وإذا تتلى عليهم ~~آياتنا # PageV01P031 # بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما ~~هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين} ، ~~وقوله في الصافات: {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ~~ويقولون أإنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون} ، وقوله في ص: {وعجبوا أن جاءهم ~~منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء ~~عجاب} # ولما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم "يعوده ~~وعنده رجلان، فقال له: يا عم! قل لا إله إلا الله؛ كلمة أحاج لك بها عند ~~الله، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فكان آخر ما قال: على ملة عبد ~~المطلب" رواه البخاري (3884) ومسلم (24) . # وقد تبين بهذه الآيات الكثيرة الدالة إجمالا وتفصيلا على دعوة الرسل ~~أقوامهم إلى إفراد الله بالعبادة أن الواجب الاهتمام والعناية بالدعوة إلى ~~توحيد الألوهية، اقتداء برسل الله الكرام عليهم الصلاة والسلام؛ لأنه ~~التوحيد الذي خلق الله الخلق لأمرهم به ونهيهم عن صرف العبادة لأحد سواه، ~~وهو الذي من أجله أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، ولا يجوز التشاغل عنه ~~بالاهتمام والعناية بتقرير توحيد الربوبية؛ لأن ذلك مركوز في الفطر ولم ~~تنكره الأمم، بل هي مقرة به، ولم يدخلهم إقرارهم به في الإسلام، ومن الآثار ~~السيئة المترتبة على اشتغال كثير من المنتسبين إلى العلم بتقرير توحيد ~~الربوبية وعدم عنايتهم بتقرير توحيد الألوهية، ما ابتلي به كثير من الناس ~~في مختلف البلاد الإسلامية من الافتتان بالقبور والبناء عليها واتخاذها ~~مساجد، وما يحصل من كثير من الناس من دعاء أهلها والاستغاثة بهم وسؤالهم ~~قضاء الحاجات وكشف الكربات، وغير ذلك مما ms21 لا يجوز أن يطلب من غير الله. # PageV01P032 # ومن باب أولى ما يفعله بعض الناس من التشاغل عن تقرير توحيد الألوهية ~~ودعوة المسلمين إلى إخلاص العبادة لله وحده وتحذيرهم من الشرك الذي ابتلي ~~به المفتونون بالقبور، وذلك باشتغالهم بتقرير إثبات وجود الله بغية إقناع ~~الشيوعيين؛ فإن هذا وإن كان مطلوبا في الجملة، إلا أنه لا يجوز أن يكون على ~~حساب إهمال المحافظة على سلامة عقائد المسلمين، فإن المحافظة على رأس المال ~~مقدمة على البحث عن الربح، ومثل من يكون كذلك كالذي يحاول أن يعمر قصرا وهو ~~يهدم مصرا، وكالذي يحاول أن يصيد الطير في الهواء وهو لم يحافظ على ما في ~~حوزته من الطيور، وأول شيء عمله أبو بكر الصديق رضي الله عنة في خلافته أنه ~~صرف همته إلى إصلاح الخلل الداخلي الذي حصل بعد وفاة النبي صلى الله عليه ~~وسلم من حصول الردة من بعض المسلمين ومنعهم الزكاة، ثم بعد ذلك اتجه إلى ~~إرسال الجيوش لغزو الفرس وغيرهم. # PageV01P033 # الفصل الرابع: في تحريم البناء على القبور واتخاذها مساجد وما يفضي إليه ~~من الشرك بدعاء أهلها والاستغاثة بهم وسؤالهم قضاء الحاجات وكشف الكربات، ~~وغير ذلك مما لا يطلب إلا من الله. # الشرك بالله عبادة غير الله معه، وهو أعظم ذنب عصي الله به، وهو الذنب ~~الذي لا يغفره الله، قال الله عز وجل: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشاء} في آيتين من سورة النساء، وهو الذنب الذي يخلد صاحبه ~~في النار أبد الآباد، ولا سبيل له للخروج منها، كما قال الله عز وجل: {إنه ~~من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار} ، وقال: {والذين ~~كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك ~~نجزي كل كفور} ، وقال: {إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت ~~جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب} ، وقال: {إن الذين كذبوا ~~بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى ms22 يلج ~~الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين} ، وقال: {يريدون أن يخرجوا من ~~النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم} ، وفي صحيح البخاري (4761) ~~ومسلم (141) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك" ~~الحديث. # وقد كثرت نصوص الكتاب والسنة في النهي عن الشرك والتحذير منه وبيان خطره، ~~بل جاءت النصوص في سد الذرائع التي تؤدي إليه، من ذلك البناء على القبور ~~وتعظيمها واتخاذها مساجد، وقد تواترت # PageV01P034 # الأحاديث في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن القيم رحمه ~~الله في كتابه إعلام الموقعين (3/151) في الوجوه التسعة والتسعين التي ~~أوردها في سد الذرائع قال: "الوجه الثالث عشر: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن بناء المساجد على القبور ولعن من فعل ذلك، ونهى عن تجصيص القبور ~~وتشريفها واتخاذها مساجد، وعن الصلاة إليها وعندها، وعن إيقاد المصابيح ~~عليها، وأمر بتسويتها، ونهى عن اتخاذها عيدا، وعن شد الرحال إليها؛ لئلا ~~يكون ذلك ذريعة إلى اتخاذها أوثانا والإشراك بها، وحرم ذلك على من قصده ومن ~~لم يقصده، بل قصد خلافه سدا للذريعة". # ومن أبواب كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "باب: ما ~~جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل ~~إلى الشرك"، و"باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من ~~دون الله"، و"باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في ~~الصالحين"، و"باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف ~~إذا عبده؟! "، وقد أورد آيات وأحاديث وآثارا في ذلك، كما هي طريقته رحمه ~~الله في هذا الكتاب. # ومن الأحاديث الواردة في تحريم البناء على القبور واتخاذها مساجد وغير ~~ذلك مما هو وسيلة إلى الشرك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي الهياج الأسدي ~~قال: قال لي علي ms23 بن أبي طالب: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته"، ~~وفي لفظ: "ولا صورة إلا طمستها". # وفي الصحيحين من حديث عائشة وابن عباس رضي الله عنهما # PageV01P035 # قالا: "لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على ~~وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود ~~والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا". # وقولهما رضي الله عنهما في الحديث: "لما نزل" يعنيان الموت، وقد اشتمل ~~هذا الحديث على ثلاثة أمور: # الأمر الأول: الدعاء على اليهود والنصارى باللعن. # الأمر الثاني: بيان سبب اللعن، وهو اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد. # والأمر الثالث: بيان الغرض من ذكر ذلك، وهو تحذير هذه الأمة من الوقوع ~~فيما وقع فيه اليهود والنصارى، فيستحقوا اللعنة، قال الحافظ في الفتح ~~(1/532) في شرح هذا الحديث: "وكأنه صلى الله عليه وسلم علم أنه مرتحل من ~~ذلك المرض، فخاف أن يعظم قبره كما فعل من مضى، فلعن اليهود والنصارى إشارة ~~إلى ذم من يفعل فعلهم". # وثبت في صحيح مسلم من حديث جندب بن عبد الله البجلي أنه قال: سمعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن ~~يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو ~~كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا ~~يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني ~~أنهاكم عن ذلك". # وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "قاتل الله اليهود؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، وثبت في ~~الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها وصف الذين يبنون المساجد على القبور ~~بأنهم شرار الخلق عند الله. # PageV01P036 # وقد ذكر هذه الأحاديث وغيرها الشوكاني في كتابه شرح الصدور، ويأتي ~~تخريجها حيث ذكرها. # وهذه ms24 الأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتملت على ~~التحذير من اتخاذ القبور مساجد مطلقا، وبعضها يفيد حصول ذلك منه قبل أن ~~يموت بخمس، وبعضها يفيد حصول ذلك عند نزول الموت به، وفي ذلك أوضح دليل على ~~أن هذا الحكم محكم غير منسوخ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك ولم ~~يعش بعده، حتى يكون هناك مجال للنسخ. # والتحذير من ذلك جاء على صيغ متعددة، فجاء بصيغة الدعاء باللعنة على ~~اليهود والنصارى، وجاء بصيغة الدعاء بمقاتلة الله لليهود، وجاء بوصف فاعلي ~~ذلك بأنهم شرار الخلق عند الله، وجاء بصيغة "لا" الناهية في قوله: "ألا فلا ~~تتخذوا القبور مساجد"، وبصيغة لفظ النهي بقوله: "إني أنهاكم عن ذلك". # وهذا من كمال نصحه لأمته صلى الله عليه وسلم، وحرصه على نجاتها وشفقته ~~عليها، صلى الله وسلم وبارك عليه، وجزاه أوفى الجزاء، وأثابه أتم مثوبة. # واتخاذ القبور مساجد يشمل بناء المسجد على القبر، كما قال صلى الله عليه ~~وسلم في النصارى: "أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره ~~مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله"، وهو في الصحيحين ~~من حديث عائشة رضي الله عنها. # ويشمل قصدها واستقبالها في الصلاة، كما قال صلى الله عليه وسلم: "لا ~~تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها"، أخرجه مسلم (972) من حديث أبي مرثد ~~الغنوي رضي الله عنه. ويشمل السجود على القبر من باب أولى؛ إذ هو أخص من ~~الصلاة إليه. # PageV01P037 # وذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء (8/27) في ترجمة عبد الله بن لهيعة أن ~~الدفن في البيوت من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم. # أقول: وأما دفن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في حجرة عائشة رضي الله ~~عنها، فإنما جاء تبعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن فضل الله عز وجل ~~على هذين الرجلين العظيمين أن جعلهما رفيقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الملازمين له في الدنيا، وجاريه في القبر، وبعد البعث والنشور يكونان معه ~~في الجنة، ms25 وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. # وأورد ابن كثير في البداية والنهاية ترجمة السيدة نفيسة بنت الحسن ابن ~~زيد القرشية الهاشمية في حوادث سنة (208ه) ، ونقل عن ابن خلكان أنه قال: ~~"ولأهل مصر فيها اعتقاد"، ثم قال ابن كثير: "وإلى الآن قد بالغ العامة في ~~اعتقادهم فيها وفي غيرها كثيرا جدا، ولا سيما عوام مصر، فإنهم يطلقون فيها ~~عبارات بشعة، فيها مجازفة تؤدي إلى الكفر والشرك، وألفاظا كثيرة ينبغي أن ~~يعرفوا أنها لا تجوز ... "، إلى أن قال: " ... والذي ينبغي أن يعتقد فيها: ~~ما يليق بمثلها من النساء الصالحات، وأصل عبادة الأصنام من المغالاة في ~~القبور وأصحابها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتسوية القبور وطمسها، ~~والمغالاة في البشر حرام ... ". # وكانت وفاة ابن كثير رحمه الله سنة (774ه) . # ولا يجوز أن يصلى في المساجد التي بنيت على قبور، والواجب هدم المسجد ~~الذي بني على القبر إذا كان القبر هو السابق، وإن كان الميت دفن في المسجد ~~فيجب نبشه وإخراجه من المسجد، وأما مسجد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~ففضله ثابت والصلاة فيه مضاعفة، وهي خير من ألف صلاة في غيره من المساجد ~~إلا المسجد الحرام، كما ثبتت بذلك السنة عن # PageV01P038 # رسول الله صلى الله عليه وسلم، سواء في ذلك ما كان قبل دخول القبر أو بعد ~~دخوله. # وليس لأحد أن يتعلق بوجود قبره صلى الله عليه وسلم في مسجده لتجويز بناء ~~المساجد على القبور أو دفن الموتى في المساجد؛ لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم هو الذي بنى مسجده صلى الله عليه وسلم، وبنى بجواره بيوت أزواجه خارجا ~~منه، وبعد موته صلى الله عليه وسلم دفن في بيت عائشة، وقد بقيت البيوت على ~~ما هي عليه خارج المسجد في عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وعهد معاوية ~~رضي الله عنه، وفي عهد خلفاء آخرين من خلفاء بني أمية وفي أثناء عهد بني ~~أمية وسع المسجد وأدخل القبر فيه، وقد مر ذكر جملة من الأحاديث عن ms26 رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في التحذير من بناء المساجد على القبور، وهي ~~أحاديث محكمة، منها ما قاله صلى الله عليه وسلم قبل موته بخمس، ومنها ما ~~قاله في لحظاته الأخيرة صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز ترك هذه الأحاديث ~~المحكمة والتعويل على عمل حصل في أثناء عهد بني أمية. # PageV01P039 # الفصل الخامس: حكم دعاء أصحاب القبور والاستغاثة بهم، ومتى يحكم على من ~~دعاهم واستغاث بهم بالكفر؟ # البناء على القبور واتخاذها مساجد من البدع المحرمة التي تؤدي إلى الشرك ~~والكفر بالله، وأما دعاء أصحاب القبور والاستغاثة بهم وسؤالهم قضاء الحاجات ~~وكشف الكربات، فهو شرك أكبر مخرج من الملة، ويقال لهذا الفعل: شرك وكفر، ~~ولا يقال لكل من فعل ذلك إنه مشرك كافر؛ فإن من فعل ذلك وهو جاهل معذور ~~لجهله حتى تقام عليه الحجة ويفهمها ثم يصر على ذلك، فإنه حينئذ يحكم بكفره ~~وردته، والفتنة في القبور من الأمور التي يكون فيها لبس عند كثير من الناس، ~~ممن نشأ في بيئة تعتبر تعظيم القبور ودعاء أصحابها من محبة الصالحين، لا ~~سيما إذا كان بينهم أحد من أشباه العلماء الذين يتقدمونهم في تعظيم القبور ~~والاستغاثة بأصحابها، زاعمين أنهم وسائط تقرب إلى الله. # والعذر بالجهل في مسائل التكفير والتبديع للشخص المعين هو الذي عليه ~~كثيرون من أهل العلم، وهذه نماذج من أقوالهم في ذلك: # 1 قال الإمام الشافعي رحمه الله (204ه) : "لله أسماء وصفات لا يسع أحدا ~~ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه ~~يعذر بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية والفكر، فنثبت هذه ~~الصفات وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه، فقال: {ليس كمثله شيء} ". فتح ~~الباري (13/407) . # 2 وقال أبو بكر بن العربي رحمه الله (543ه) : "فالجاهل والمخطئ من هذه ~~الأمة ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه # PageV01P040 # مشركا أو كافرا، فإنه يعذر بالجهل والخطأ حتى تتبين له الحجة التي يكفر ~~تاركها بيانا واضحا، ما يلتبس على مثله، وينكر ms27 ما هو معلوم بالضرورة من دين ~~الإسلام، مما أجمعوا عليه إجماعا جليا قطعيا يعرفه كل من المسلمين من غير ~~نظر وتأمل". محاسن التأويل للقاسمي (5/1307 1308) . # 3 وقال ابن قدامة رحمه الله (620ه) : "وكذلك كل جاهل بشيء يمكن أن يجهله، ~~لا يحكم بكفره حتى يعرف ذلك وتزول عنه الشبهة ويستحله بعد ذلك". المغني ~~(12/277) . # 4 وقال النووي رحمه الله (676ه) : "وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئا مما ~~أجمعت الأمة عليه من أمور الدين، إذا كان علمه منتشرا كالصلوات الخمس وصوم ~~شهر رمضان والاغتسال من الجنابة وتحريم الزنا والخمر ونكاح ذوات المحارم، ~~ونحوها من الأحكام، إلا أن يكون رجلا حديث عهد بالإسلام ولا يعرف حدوده، ~~فإذا أنكر شيئا منها جهلا به لم يكفر". شرح صحيح مسلم (1/205) . # 5 وقال ابن تيمية رحمه الله (728ه) في مجموع الفتاوى (12/523 524) : "من ~~كان مؤمنا بالله ورسوله مطلقا ولم يبلغه من العلم ما يبين له الصواب، فإنه ~~لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي من خالفها كفر؛ إذ كثير من الناس ~~يخطئ فيما يتأوله من القرآن ويجهل كثيرا مما يرد من معاني الكتاب والسنة، ~~والخطأ والنسيان مرفوعان عن هذه الأمة، والكفر لا يكون إلا بعد البيان". # وقال أيضا (12/501) : "فليس لأحد أن يكفر أحدا من المسلمين وإن أخطأ وغلط ~~حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إيمانه # PageV01P041 # بيقين، لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة ~~الشبهة". # وقال أيضا (7/619) : "والتحقيق في هذا أن القول قد يكون كفرا: كمقالات ~~الجهمية الذين قالوا: إن الله لا يتكلم، ولا يرى في الآخرة، ولكن قد يخفى ~~على بعض الناس أنه كفر، فيطلق القول بتكفير القائل، كما قال السلف: من قال: ~~القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر، ولا ~~يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة". # وقال أيضا في الرد على البكري (ص:258 260) : "فلهذا كان أهل العلم والسنة ~~لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ms28 ذلك المخالف يكفرهم؛ لأن الكفر حكم شرعي، ~~فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، كمن كذب عليك وزنى بأهلك ليس لك أن تكذب عليه ~~وتزني بأهله؛ لأن الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى، وكذلك التكفير حق لله، ~~فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله، وأيضا فإن تكفير الشخص المعين وجواز ~~قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها، وإلا فليس كل ~~من جهل شيئا من الدين يكفر". # إلى أن قال: "وقد ثبت في الصحيحين حديث الذي قال لأهله: (إذا أنا مت ~~فاسحقوني ثم ذروني في اليم، فوالله! لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما ~~عذبه أحدا من العالمين، فأمر الله البر فرد ما أخذ منه، وأمر البحر فرد ما ~~أخذ منه، وقال: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك يا رب! فغفر له) ، فهذا ~~اعتقد أنه إذا فعل ذلك لا يقدر الله على إعادته، وأنه لا يعيده أو جوز ذلك، ~~وكلاهما كفر، لكن كان جاهلا لم يتبين له الحق بيانا يكفر بمخالفته فغفر ~~الله له". # PageV01P042 # 6 وقال ابن القيم رحمه الله (751ه) في طريق الهجرتين (ص:546) : "إن ~~العذاب يستحق بسببين: # أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها. # الثاني: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها. # فالأول كفر إعراض، والثاني كفر عناد، وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة ~~وعدم التمكن من معرفتها، فهذا الذي نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة ~~الرسل". # 7 وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله (1206ه) : "وأما الكذب ~~والبهتان، فمثل قولهم: إنا نكفر بالعموم ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على ~~إظهار دينه، وإنا نكفر من لم يكفر ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، ~~فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله، وإذا ~~كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد ~~البدوي وأمثالهما؛ لأجل جهلهم وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله ~~إذا لم يهاجر إلينا، ms29 أو لم يكفر ويقاتل، سبحانك هذا بهتان عظيم". الدرر ~~السنية (1/66) . # وهذا آخر التقديم لكتابي تطهير الاعتقاد وشرح الصدور للإمامين الصنعاني ~~والشوكاني، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله ~~نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. # PageV01P043 ### | تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد # تأليف: الإمام العلامة الشهير الأمير # محمد بن إسماعيل اليمني الصنعاني # بسم الله الرحمن الرحيم # [قال الإمام العلامة الحبر الفهامة الشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه ~~الله تعالى] 1. # الحمد لله الذي لا يقبل توحيد ربوبيته من العباد حتى يفردوه بتوحيد ~~العبادة كل الإفراد، فلا يتخذون له ندا، ولا يدعون معه أحدا، ولا يتكلون ~~إلا عليه، ولا يفزعون في كل حال إلا إليه، ولا يدعونه بغير أسمائه الحسنى، ~~ولا يتوصلون إليه بالشفعاء: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} ؟ # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك2 له ربا ومعبودا، وأشهد أن محمدا ~~عبده ورسوله، الذي أمره أن يقول: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما ~~شاء الله} ، وكفى بالله شهيدا، صلى الله عليه وعلى آله3 والتابعين له في ~~السلامة من العيوب وتطهير القلوب، عن اعتقاد كل شين يشوب4. PageV01P047 # وبعد: # فهذا (تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد) وجب علي تأليفه، وتعين علي ~~ترصيفه؛ لما رأيته وعلمته يقينا1 من اتخاذ العباد الأنداد في الأمصار ~~والقرى وجميع البلاد، من اليمن والشام ومصر ونجد وتهامة وجميع ديار ~~الإسلام. # وهو الاعتقاد في القبور وفي الأحياء ممن يدعي العلم بالمغيبات ~~والمكاشفات، وهو من أهل الفجور، لا يحضر للمسلمين مسجدا، ولا يرى لله راكعا ~~ولا ساجدا، ولا يعرف السنة ولا الكتاب، ولا يهاب البعث ولا الحساب. # فوجب علي أن أنكر ما أوجب الله إنكاره، ولا أكون من الذين يكتمون ما أوجب ~~الله إظهاره2. # فاعلم أن ههنا أصولا هي من قواعد الدين، ومن أهم ما تجب معرفته على ~~الموحدين: PageV01P048 # الأصل الأول # أنه قد علم من ضرورة الدين أن كل ما في القرآن فهو حق لا باطل، وصدق لا ~~كذب، وهدى لا ضلالة، وعلم ms30 لا جهالة، ويقين لا شك فيه. # فهذا الأصل أصل لا يتم إسلام أحد ولا إيمانه إلا بالإقرار به، وهذا مجمع ~~عليه لا خلاف فيه1. # الأصل الثاني # أن رسل الله وأنبياءه من أولهم إلى آخرهم بعثوا لدعاء العباد إلى توحيد ~~الله بتوحيد العبادة، فكل رسول أول ما يقرع به أسماع قومه قوله: {اقوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} ، {ألا تعبدوا إلا الله} ، {أن اعبدوا ~~الله واتقوه وأطيعون} ، وهذا هو الذي تضمنه قول (لا إله إلا الله) . # فإنما دعت الرسل أممها إلى قول هذه الكلمة واعتقاد معناها، لا مجرد قولها ~~باللسان، ومعناها: هو إفراد الله بالإلهية والعبادة، والنفي لما يعبد من ~~دونه والبراءة منه، وهذا الأصل لا مرية فيما تضمنه، ولا شك فيه، وفي أنه لا ~~يتم إيمان أحد حتى يعلمه ويحققه2. PageV01P049 # الأصل الثالث # أن التوحيد قسمان: # القسم الأول: # توحيد الربوبية والخالقية والرازقية ونحوها، ومعناه: أن الله وحده هو ~~الخالق للعالم، وهو الرب لهم والرازق لهم، وهذا لا ينكره المشركون ولا ~~يجعلون لله فيه شريكا، بل هم مقرون به، كما سيأتي في الأصل الرابع. # والقسم الثاني: # توحيد العبادة، ومعناه: إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات الآتي ~~بيانها، فهذا هو الذي جعلوا لله فيه شركاء، ولفظ الشريك يشعر بالإقرار ~~بالله تعالى. # فالرسل عليهم السلام بعثوا لتقرير الأول ودعاء المشركين إلى الثاني، مثل ~~قولهم في خطاب المشركين: [14: 10] 1 {أفي الله شك فاطر السماوات والأرض ~~يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم} ، [35: 3] {هل من خالق غير الله يرزقكم من ~~السماء والأرض لا إله إلا هو} ، ونهيهم عن شرك العبادة، ولذا قال الله ~~تعالى: [16: 36] {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت} ، أي: قائلين لأممهم أن اعبدوا الله، فأفاد بقوله: {في كل أمة} أن ~~جميع الأمم لم ترسل إليهم الرسل وتبعث2 إلا لطلب توحيد العبادة، لا للتعريف ~~بأن الله هو الخالق للعالم، وأنه رب السموات والأرض، فإنهم مقرون بهذا. ~~PageV01P050 # ولهذا لم ترد الآيات فيه في الغالب إلا بصيغة استفهام التقرير، نحو: [35: ~~3] {هل من ms31 خالق غير الله} ؟ [16: 7] {أفمن يخلق كمن لا يخلق} ؟ [14: 10] ~~{أفي الله شك فاطر السماوات والأرض} ؟ [6: 14] {أغير الله أتخذ وليا فاطر ~~السماوات والأرض} ؟ [31: 11] {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه} ~~؟ [46: 4] {أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات} ؟ استفهام ~~تقرير لهم لأنهم به مقرون. # وبهذا تعرف أن المشركين لم يتخذوا الأصنام والأوثان1 ولم يعبدوها، ولم ~~يتخذوا المسيح وأمه، ولم يتخذوا الملائكة شركاء لله تعالى، لأجل أنهم ~~أشركوهم في خلق السموات والأرض، وفي خلق أنفسهم؛ بل اتخذوهم لأنهم ~~يقربونهم2 إلى الله زلفى، كما قالوه، فهم مقرون بالله في نفس كلمات كفرهم، ~~وأنهم شفعاء عند الله، قال الله تعالى: [10: 18] {ويعبدون من دون الله ما ~~لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما ~~لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} ، فجعل الله ~~تعالى اتخاذهم للشفعاء شركا، ونزه نفسه عنه؛ لأنه لا يشفع عنده أحد إلا ~~بإذنه، فكيف يثبتون شفعاء لهم لم يأذن الله لهم في شفاعة، ولا هم أهل لها، ~~ولا يغنون عنهم من الله شيئا؟! 3 PageV01P051 # الأصل الرابع # أن المشركين الذين بعث الله الرسل إليهم مقرون أن الله خالقهم [43: 87] ~~{ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} ، وأنه هو الذي خلق السموات والأرض ~~[43: 9] {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم} ~~، وأنه الرزاق الذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، وأنه الذي ~~يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، وأنه الذي يملك السمع والأبصار والأفئدة، ~~[10: 31] {قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج ~~الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا ~~تتقون} ، [23: 84 89] {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله ~~قل أفلا تذكرون قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل ~~أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون ~~سيقولون لله قل فأنى تسحرون} ؟ 1 # وهذا ms32 فرعون مع غلوه في كفره ودعواه أقبح دعوى ونطقه بالكلمة الشنعاء، ~~يقول الله في حقه حاكيا عن موسى عليه السلام: [17: 102] {لقد علمت ما أنزل ~~هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر} ، وقال إبليس: [59: 16] {إني أخاف ~~الله رب العالمين} ، وقال: [17: 39] {رب بما أغويتني} ، وقال: [15: 36] {رب ~~فأنظرني} ، وكل مشرك مقر بأن الله خالقه وخالق السموات والأرض وربهن2 ورب ~~ما فيهن PageV01P052 # ورازقهم، ولهذا احتج عليهم الرسل بقولهم: [16: 17] {أفمن يخلق كمن لا ~~يخلق} ، وبقولهم: [22: 72] {إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ~~ولو اجتمعوا له} ، والمشركون مقرون بذلك ولا ينكرونه. # الأصل الخامس # أن العبادة أقصى باب الخضوع والتذلل، ولم تستعمل إلا في الخضوع لله؛ لأنه ~~مولي أعظم النعم، وكان لذلك حقيقا بأقصى غاية الخضوع، كما في (الكشاف) 1. # ثم إن رأس العبادة وأساسها التوحيد لله الذي تفيده كلمته التي إليها دعت ~~جميع الرسل، وهي قول (لا إله إلا الله) ، والمراد اعتقاد معناها والعمل ~~بمقتضاها، لا مجرد قولها باللسان. # ومعناها: إفراد الله بالعبادة والإلهية، والنفي والبراءة من كل معبود ~~دونه، وقد علم الكفار هذا المعنى؛ لأنهم أهل اللسان العربي، فقالوا: [5: ~~38] {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} PageV01P053 # فصل # إذا عرفت هذه الأصول فاعلم أن الله تعالى جعل العبادة له أنواعا: # اعتقادية: وهي أساسها، وذلك أن يعتقد أنه الرب الواحد الأحد الذي له ~~الخلق والأمر، وبيده النفع والضر، وأنه الذي لا شريك له، ولا يشفع عنده أحد ~~إلا بإذنه، وأنه لا معبود بحق غيره، وغير ذلك من لوازم الإلهية. # ومنها لفظية: وهي النطق بكلمة التوحيد، فمن اعتقد ما ذكر ولم ينطق بها لم ~~يحقن دمه ولا ماله، وكان كإبليس، فإنه يعتقد التوحيد، بل ويقر به كما ~~أسلفناه عنه، إلا أنه لم يمتثل أمر الله بالسجود1 فكفر، ومن نطق بها2 ولم ~~يعتقد حقن ماله ودمه وحسابه على الله، وحكمه حكم المنافقين. # وبدنية: كالقيام والركوع والسجود في الصلاة، ومنها الصوم وأفعال الحج ~~والطواف. # ومالية: كإخراج جزء من المال امتثالا لما أمر الله تعالى به، وأنواع ~~الواجبات والمندوبات في ms33 الأموال والأبدان والأفعال والأقوال كثيرة، لكن هذه ~~أمهاتها. # وإذا تقررت هذه الأمور، فاعلم أن الله تعالى بعث الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام من أولهم إلى آخرهم يدعون العباد إلى إفراد الله تعالى بالعبادة، ~~لا إلى إثبات أنه خلقهم ونحوه، إذ هم مقرون بذلك، كما PageV01P054 # قررناه وكررناه، ولذا قالوا [7: 69] {أجئتنا لنعبد الله وحده} ، أي: ~~لنفرده بالعبادة ونخصه بها من دون آلهتنا، فلم ينكروا إلا طلب الرسل منهم ~~إفراد العبادة لله، ولم ينكروا الله تعالى، ولا قالوا إنه لا يعبد، بل ~~أقروا بأنه يعبد، وأنكروا كونه يفرد بالعبادة، فعبدوا مع الله غيره، ~~وأشركوا معه سواه، واتخذوا معه أندادا، كما قال تعالى: [2: 22] {فلا تجعلوا ~~لله أندادا وأنتم تعلمون} ، أي: وأنتم تعلمون أنه لا ند له، وكانوا يقولون ~~في تلبيتهم للحج: "لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك"، وكان ~~يسمعهم النبي صلى الله عليه وسلم عند قولهم "لا شريك لك" فيقول: "قد قد"1 ~~أي2: أفردوه جل جلاله لو تركوا قولهم: "إلا شريكا هو لك"، فنفس شركهم بالله ~~تعالى إقرار به تعالى. # كما قال تعالى: [6: 22] {أين شركائي الذين كنتم تزعمون} ، [7: 195] {قل ~~ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون} ، فنفس اتخاذ الشركاء إقرار بالله ~~تعالى، ولم يعبدوا الأنداد بالخضوع لهم والتقرب بالنذور والنحر لهم؛ إلا ~~لاعتقادهم أنها تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم لديه3. # فأرسل الله الرسل تأمرهم4 بترك عبادة كل ما سواه، وتبين أن هذا الاعتقاد ~~الذي يعتقدونه في الأنداد باطل، وأن التقرب إليهم باطل، وأن PageV01P055 # ذلك لا يكون إلا لله وحده، وهذا هو توحيد العبادة، وقد كانوا مقرين # كما عرفت في الأصل الرابع بتوحيد الربوبية، وهو أن الله هو الخالق وحده ~~والرازق وحده. # ومن هذا تعرف أن التوحيد الذي دعتهم إليه الرسل من أولهم وهو نوح عليه ~~السلام1، إلى آخرهم وهو محمد بن عبد الله (2) صلى الله عليه وسلم، هو توحيد ~~العبادة، ولذا تقول لهم الرسل: {ألا تعبدوا إلا الله} ، {اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره} # وقد كان المشركون منهم من ms34 يعبد الملائكة ويناديهم عند الشدائد، ومنهم من ~~يعبد أحجارا ويهتف بها عند الشدائد، وهي في الأصل صور رجال صالحين كانوا ~~يحبونهم ويعتقدون فيهم، فلما هلكوا صوروا صورهم تسليا بها، فلما طال عليهم ~~الأمد عبدوهم، ثم زاد الأمد طولا فعبدوا الأحجار، ومنهم من يعبد المسيح، ~~ومنهم من يعبد الكواكب، ويهتف بها عند الشدائد، فبعث الله محمدا صلى الله ~~عليه وسلم يدعوهم إلى عبادة الله56 PageV01P056 # وحده، بأن يفردوه بالعبادة كما أفردوه بالربوبية، بربوبيته للسموات ~~والأرض، وأن يفردوه بمعنى ومؤدى كلمة (لا إله إلا الله) ، معتقدين لمعناها، ~~عاملين بمقتضاها، وأن لا يدعوا مع الله أحدا، وقال تعالى: [13: 14] {له ~~دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء} # وقال تعالى: [5: 22] {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} ، أي: من شرط ~~الصدق في الإيمان بالله أن لا يتوكلوا إلا عليه، وأن يفردوه بالتوكل كما ~~يجب أن يفردوه بالدعاء والاستغفار، وأمر الله عباده أن يقولوا {إياك نعبد} ~~، ولا يصدق قائل هذا إلا إذا أفرد العبادة لله تعالى، وإلا كان كاذبا منهيا ~~عن أن يقول هذه الكلمة1؛ إذ معناها: نخصك بالعبادة ونفردك بها دون كل أحد، ~~وهو معنى قوله: [29: 56] {فإياي فاعبدون} ، [2: 41] {وإياي فاتقون} ؛ لما2 ~~عرف من علم البيان أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، أي: لا تعبدوا إلا ~~الله ولا تعبدوا غيره، ولا تتقوا إلا الله ولا تتقوا3 غيره، كما في ~~(الكشاف) . # فإفراد الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله له، ~~والنداء في الشدائد والرخاء لا يكون إلا لله وحده، والاستغاثة والاستعانة ~~بالله وحده، واللجوء إلى الله والنذر والنحر له تعالى، وجميع أنواع ~~العبادات من الخضوع والقيام تذللا لله تعالى، والركوع والسجود والطواف ~~والتجرد عن الثياب والحلق والتقصير كله لا يكون إلا لله عز وجل. ~~PageV01P057 # ومن فعل شيئا من ذلك لمخلوق حي أو ميت أو جماد أو غيره، فقد أشرك في ~~العبادة، وصار من تفعل له هذه الأمور إلها لعابديه، سواء كان ملكا أو نبيا ~~أو وليا أو شجرا أو قبرا أو ms35 جنيا أو حيا أو ميتا، وصار العابد بهذه العبادة ~~أو بأي نوع منها عابدا لذلك المخلوق مشركا بالله، وإن أقر بالله وعبده، فإن ~~إقرار المشركين بالله وتقربهم إليه لم يخرجهم عن الشرك، وعن وجوب سفك ~~دمائهم وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم غنيمة، فالله تعالى أغنى الشركاء عن ~~الشرك، لا يقبل عملا شورك فيه غيره، ولا يؤمن به من عبد معه غيره. # فصل # إذا تقرر عندك أن المشركين لم ينفعهم الإقرار بالله مع إشراكهم في ~~العبادة، ولا يغني عنهم من الله شيئا، وأن عبادتهم هي اعتقادهم فيهم أنهم ~~يضرون وينفعون، وأنهم يقربونهم إلى الله زلفى، وأنهم يشفعون لهم عند الله ~~تعالى، فنحروا لهم النحائر، وطافوا بهم ونذروا النذور عليهم، وقاموا ~~متذللين متواضعين في خدمتهم وسجدوا لهم، ومع هذا كله فهم مقرون لله ~~بالربوبية وأنه الخالق، ولكنهم لما أشركوا في عبادته، جعلهم مشركين ولم ~~يعتد بإقرارهم هذا؛ لأنه نافاه فعلهم، فلم ينفعهم الإقرار بتوحيد الربوبية، ~~فمن شأن من أقر لله تعالى بتوحيد الربوبية أن يفرده بتوحيد العبادة، فإذا ~~لم يفعل ذلك فالإقرار باطل. # وقد عرفوا ذلك وهم في طبقات النار فقالوا: [26: 97، 98] {تالله إن كنا ~~لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين} ، مع أنهم لم يسووهم به من كل وجه، ~~ولا جعلوهم خالقين ولا رازقين، لكنهم علموا وهم في قعر جهنم أن خلطهم ~~الإقرار بذرة من ذرات الإشراك في توحيد العبادة # PageV01P058 # صيرهم كمن سوى بين الأصنام وبين رب الأنام. # قال الله تعالى: [12: 106] {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} أي: ~~ما يقر أكثرهم في إقراره بالله وبأنه خلقهم وخلق السموات والأرض إلا وهو ~~مشرك بعبادة الأوثان. # بل سمى الله الرياء في الطاعات شركا، مع أن فاعل الطاعة ما قصد بها إلا ~~الله تعالى، وإنما أراد طلب المنزلة بالطاعة في قلوب الناس، فالمرائي عبد ~~الله لا غيره، لكنه خلط عبادته بطلب المنزلة في قلوب الناس، فلم يقبل له ~~عبادة وسماها شركا، كما أخرج مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله ms36 صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن ~~الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" 1، بل سمى الله التسمية ~~بعبد الحارث شركا، كما قال تعالى: [7: 159] {فلما آتاهما صالحا جعلا له ~~شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون} ، فإنه أخرج الإمام أحمد ~~والترمذي من حديث سمرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لما حملت حواء ~~وكان لا يعيش لها ولد طاف بها إبليس، وقال: لا يعيش لك ولد حتى تسميه عبد ~~الحارث، فسمته فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره، فأنزل الله الآيات2، ~~وسمى هذه التسمية شركا، وكان إبليس تسمى بالحارث"، والقصة في الدر المنثور ~~وغيره3. PageV01P059 # فصل # قد عرفت من هذا كله أن من اعتقد في شجر أو حجر أو قبر أو ملك أو جني أو ~~حي أو ميت أنه ينفع أو يضر، أو أنه يقرب إلى الله، أو يشفع عنده في حاجة من ~~حوائج الدنيا بمجرد التشفع به والتوسل به إلى الرب تعالى، إلا ما ورد في ~~حديث فيه مقال في حق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم (1) PageV01P060 # أو نحو ذلك، فإنه قد أشرك مع الله غيره1، واعتقد ما لا يحل اعتقاده، كما ~~اعتقده المشركون في الأوثان، فضلا عمن ينذر بماله وولده لميت أو حي، أو ~~يطلب من ذلك الميت ما لا يطلب إلا من الله تعالى من الحاجات، من عافية ~~مريضه أو قدوم غائبه أو نيله لأي مطلب من المطالب، فإن هذا هو الشرك بعينه ~~الذي كان ويكون عليه عباد الأصنام. # والنذر بالمال للميت ونحوه، والنحر على القبر والتوسل به وطلب الحاجات ~~منه، هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية، وإنما كانوا يفعلونه لما يسمونه ~~وثنا وصنما، وفعله القبوريون لما يسمونه وليا وقبرا ومشهدا، والأسماء لا ~~أثر لها ولا تغير المعاني ضرورة لغوية وعقلية وشرعية، فإن من شرب الخمر ~~وسماها ماء، ما شرب إلا خمرا، وعقابه عقاب شارب الخمر، ولعله يزيد عقابه ~~للتدليس والكذب في التسمية. # وقد ثبت في الأحاديث أنه يأتي قوم ms37 يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها2، ~~وصدق صلى الله عليه وسلم، فإنه قد أتى طوائف من الفسقة يشربون الخمر ~~ويسمونها نبيذا. PageV01P061 # وأول من سمى ما فيه غضب الله وعصيانه بالأسماء المحبوبة عند السامعين ~~إبليس لعنه الله، فإنه قال لأبي البشر آدم عليه السلام: [20: 120] {يا آدم ~~هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} ، فسمى الشجرة التي نهى الله تعالى ~~آدم عن قربانها شجرة الخلد، جذبا لطبعه إليها، وهزا لنشاطه إلى قربانها، ~~وتدليسا عليه بالاسم الذي اخترعه لها، كما يسمي إخوانه المقلدون له الحشيشة ~~بلقمة الراحة، وكما يسمي الظلمة ما يقبضونه من أموال عباد الله ظلما ~~وعدوانا أدبا، فيقولون أدب القتل، أدب السرقة، أدب التهمة، بتحريف اسم ~~الظلم إلى اسم الأدب. # كما يحرفونه في بعض المقبوضات إلى اسم النفاعة، وفي بعضها إلى اسم ~~السياقة، وفي بعضها أدب المكاييل والموازين. # وكل ذلك اسمه عند الله ظلم وعدوان، كما يعرفه من شم رائحة الكتاب والسنة، ~~وكل ذلك مأخوذ عن إبليس حيث سمى الشجرة المنهي عنها شجرة الخلد. # وكذلك تسمية القبر مشهدا، ومن يعتقدون فيه وليا، لا تخرجه عن اسم الصنم ~~والوثن؛ إذ هم معاملون لها معاملة المشركين للأصنام، ويطوفون بهم طواف ~~الحجاج ببيت الله الحرام، ويستلمونهم1 استلامهم لأركان البيت، ويخاطبون ~~الميت بالكلمات الكفرية، من قولهم: على الله وعليك، ويهتفون بأسمائهم عند ~~الشدائد ونحوها. # وكل قوم لهم رجل ينادونه. # فأهل العراق والهند يدعون عبد القادر الجيلي. PageV01P062 # وأهل التهائم لهم في كل بلد ميت يهتفون باسمه، يقولون: يا زيلعي! يا ابن ~~العجيل! # وأهل مكة وأهل الطائف: يا ابن العباس! # وأهل مصر: يا رفاعي! يا بدوي! والسادة البكرية! # وأهل الجبال: يا أبا طير! # وأهل اليمن: يا ابن علوان! # وفي كل قرية أموات يهتفون بهم وينادونهم ويرجونهم لجلب الخير ودفع الضر، ~~وهذا هو بعينه فعل المشركين في الأصنام، كما قلنا في الأبيات النجدية1: # أعادوا بها معنى سواع ومثله ... يغوث وود، بئس ذلك من ود # وقد هتفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضطر بالصمد الفرد # وكم نحروا في سوحها ms38 من نحيرة ... أهلت لغير الله جهرا على عمد # وكم طائف حول القبور مقبلا ... ويستلم الأركان منهن باليد # فإن قال: إنما نحرت لله وذكرت اسم الله عليه. # فقل: إن كان النحر لله فلأي شيء قربت ما تنحره من باب مشهد من تفضله ~~وتعتقد فيه؟ هل أردت بذلك تعظيمه؟ # إن قال: نعم! # فقل له: هذا النحر لغير الله، بل أشركت مع الله تعالى غيره، وإن لم ترد ~~تعظيمه، فهل أردت توسيخ باب المشهد وتنجيس الداخلين إليه؟ PageV01P063 # أنت تعلم يقينا أنك ما أردت ذلك أصلا، ولا أردت إلا الأول، ولا خرجت من ~~بيتك إلا قصدا له، ثم كذلك دعاؤهم له. # فهذا الذي عليه هؤلاء شرك بلا ريب. # وقد يعتقدون في بعض فسقة الأحياء، وينادونه في الشدة والرخاء، وهو عاكف ~~على القبائح والفضائح، لا يحضر حيث أمر الله عباده المؤمنين بالحضور هناك، ~~ولا يحضر جمعة ولا جماعة، ولا يعود مريضا ولا يشيع جنازة، ولا يكتسب حلالا، ~~ويضم إلى ذلك دعوى علم الغيب1، ويجلب إليه إبليس جماعة قد عشش في قلوبهم ~~وباض فيها وفرخ، يصدقون بهتانه، ويعظمون شأنه، ويجعلون هذا ندا لرب ~~العالمين ومثلا. # فيا للعقول أين ذهبت؟ ويا للشرائع كيف جهلت؟ [7: 154] {إن الذين تدعون من ~~دون الله عباد أمثالكم} . # فإن قلت: أفيصير هؤلاء الذين يعتقدون في القبور والأولياء والفسقة ~~والخلعاء مشركين كالذين يعتقدون في الأصنام؟ # قلت: نعم! قد حصل منهم ما حصل من أولئك وساووهم في ذلك، بل زادوا عليهم2 ~~في الاعتقاد والانقياد والاستعباد، فلا فرق بينهم. # فإن قلت: هؤلاء القبوريون يقولون: نحن لا نشرك بالله تعالى ولا نجعل له ~~ندا، والالتجاء إلى الأولياء والاعتقاد فيهم ليس شركا! PageV01P064 # قلت: نعم! {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} ، لكن هذا جهل منهم بمعنى ~~الشرك، فإن تعظيمهم الأولياء ونحرهم النحائر لهم شرك، والله تعالى يقول: ~~{فصل لربك وانحر} أي: لا لغيره، كما يفيده تقديم الظرف1، ويقول تعالى: [72: ~~18] {وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا} # وقد عرفت بما قدمناه قريبا أنه صلى الله عليه وسلم قد سمى ms39 الرياء شركا، ~~فكيف بما ذكرناه؟! # فهذا الذي يفعلونه لأوليائهم هو عين ما فعله المشركون وصاروا به مشركين، ~~ولا ينفعهم قولهم: نحن لا نشرك بالله شيئا، لأن فعلهم أكذب قولهم. # فإن قلت: هم جاهلون أنهم مشركون بما يفعلونه. # قلت: قد صرح الفقهاء في كتب الفقه في باب الردة أن من تكلم بكلمة الكفر ~~يكفر وإن لم يقصد معناها2، وهذا دال على أنهم لا PageV01P065 # يعرفون حقيقة الإسلام، ولا ماهية التوحيد، فصاروا حينئذ كفارا كفرا ~~أصليا، فإن الله تعالى فرض على عباده إفراده بالعبادة {ألا تعبدوا إلا ~~الله} ، وإخلاصها له [98: 5] {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} ~~، ومن نادى الله ليلا ونهارا وسرا وجهارا وخوفا وطمعا، ثم نادى معه غيره ~~فقد أشرك في العبادة، فإن الدعاء من العبادة، وقد سماه الله تعالى عبادة في ~~قوله تعالى: [40: 60] {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} ~~بعد قوله: {ادعوني أستجب لكم} # فإن قلت: فإذا كانوا مشركين وجب جهادهم، والسلوك فيهم ما سلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في المشركين. # قلت: إلى هذا ذهب طائفة من أئمة العلم1، فقالوا: يجب أولا دعاؤهم إلى ~~التوحيد، وإبانة أن ما يعتقدونه ينفع ويضر، لا يغني عنهم من الله شيئا ~~وأنهم أمثالهم2، وأن هذا الاعتقاد منهم فيه شرك لا يتم الإيمان بما جاءت به ~~الرسل إلا بتركه والتوبة منه، وإفراد التوحيد اعتقادا وعملا لله وحده. # وهذا واجب على العلماء، أي: بيان أن ذلك الاعتقاد الذي تفرعت عنه النذور ~~والنحائر والطواف بالقبور شرك محرم، وأنه عين ما كان يفعله المشركون ~~لأصنامهم، فإذا أبان العلماء ذلك للأئمة والملوك، PageV01P066 # وجب على الأئمة والملوك بعث دعاة إلى الناس يدعونهم إلى إخلاص التوحيد ~~لله، فمن رجع وأقر حقن عليه دمه وماله وذراريه، ومن أصر فقد أباح الله منه ~~ما أباح لرسوله صلى الله عليه وسلم من المشركين (1) . # فإن قلت: الاستغاثة قد ثبتت في الأحاديث، فإنه قد صح أن العباد يوم ~~القيامة يستغيثون بآدم أبي البشر، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم ~~بعيسى، ms40 وينتهون إلى محمد صلى الله عليه وسلم بعد اعتذار كل واحد من ~~الأنبياء (2) ، فهذا دليل على أن الاستغاثة بغير الله ليست بمنكر. # قلت: هذا تلبيس، فإن الاستغاثة بالمخلوقين الأحياء فيما يقدرون عليه لا ~~ينكرها أحد، وقد قال الله تعالى في قصة موسى مع الإسرائيلي والقبطي: [28: ~~15] {فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه} ، وإنما الكلام في استغاثة ~~القبوريين وغيرهم بأوليائهم، وطلبهم منهم أمورا لا يقدر عليها إلا الله ~~تعالى، من عافية المريض وغيرها، بل أعجب من هذا أن القبوريين وغيرهم من ~~الأحياء من أتباع من يعتقدون فيه، قد يجعلون له حصة من الولد إن عاش، ~~ويشترون منه الحمل في بطن أمه ليعيش لهم3، ويأتون بمنكرات ما بلغ إليها ~~المشركون الأولون. # ولقد أخبرني بعض من يتولى قبض ما ينذر القبوريون لبعض أهل القبور: أنه ~~جاءه إنسان بدراهم وحلية نسائية، وقال هذه لسيده فلان يريد صاحب القبر نصف ~~مهر ابنتي؛ لأني زوجتها وكنت ملكت PageV01P067 # نصف مهرها1 فلانا يريد صاحب القبر. # وهذه النذور بالأموال وجعل قسط منها للقبر كما يجعلون شيئا من الزرع ~~يسمونه (تلما) في بعض الجهات اليمنية، وهذا شيء ما بلغ إليه عباد الأصنام، ~~وهو داخل تحت قول الله تعالى: [16: 56] {ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما ~~رزقناهم} بلا شك ولا ريب. # نعم! استغاثة العباد يوم القيامة وطلبهم من الأنبياء إنما2 يدعون الله ~~تعالى ليفصل بين العباد بالحساب حتى يريحهم من هول الموقف، وهذا لا شك في ~~جوازه، أعني طلب دعاء الله تعالى من بعض عباده لبعض، بل قد قال صلى الله ~~عليه وسلم لعمر رضي الله عنه لما خرج معتمرا: "لا تنسنا يا أخي من دعائك"3. # وأمرنا سبحانه أن ندعو للمؤمنين ونستغفر لهم في قوله تعالى: [59: 10] ~~{ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالأيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا ~~للذين} ، وقد قالت أم سليم رضي الله عنها: "يا رسول الله! خادمك أنس، ادع ~~الله له"4. # وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يطلبون الدعاء منه صلى الله عليه وسلم وهو ~~حي، وهذا أمر ms41 متفق على جوازه، والكلام في طلب القبوريين من الأموات أو من ~~الأحياء الذين لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولا PageV01P068 # موتا ولا حياة ولا نشورا أن يشفوا مرضاهم، ويردوا غائبهم، وينفسوا عن ~~حبلاهم، وأن يسقوا زرعهم، ويدروا ضروع مواشيهم، ويحفظوها من العين، ونحو ~~ذلك من المطالب التي لا يقدر عليها أحد إلا الله تعالى. # هؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم: [7: 197] {والذين تدعون من دونه لا ~~يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون} ، [7: 194] {إن الذين تدعون من دون الله ~~عباد أمثالكم} ، فكيف يطلب الإنسان من الجماد أو من حي الجماد خير منه لأنه ~~لا تكليف عليه، وهذا يبين ما فعله المشركون الذين حكى الله ذلك عنهم في ~~قوله تعالى: [6: 136] {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا ~~هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا} الآية، وقال: [16: 59] {ويجعلون لما لا ~~يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون} # فهؤلاء القبوريون والمعتقدون في جهال الأحياء وضلالهم سلكوا مسالك ~~المشركين حذو القذة بالقذة1، فاعتقدوا فيهم ما لا يجوز أن يعتقد إلا في ~~الله، وجعلوا لهم جزءا من المال، وقصدوا قبورهم من ديارهم البعيدة ~~للزيارة2، وطافوا حول قبورهم وقاموا خاضعين عند قبورهم، وهتفوا بهم عند ~~الشدائد، ونحروا تقربا إليهم. # وهذه هي أنواع العبادات التي عرفناك، ولا أدري هل فيهم من يسجد لهم؟ لا ~~أستبعد أن فيهم من يفعل ذلك، بل أخبرني من أثق به أنه رأى من يسجد على عتبة ~~باب مشهد الولي الذي يقصده تعظيما له PageV01P069 # وعبادة، ويقسمون بأسمائهم، بل إذا حلف من عليه حق باسم الله تعالى لم ~~يقبلوا منه، فإذا حلف باسم ولي من أوليائهم قبلوه وصدقوه، وهكذا كان عباد ~~الأصنام [39: 45] {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون} # وفي الحديث الصحيح: "من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" 1، وسمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رجلا يحلف باللات فأمره أن يقول: "لا إله إلا ~~الله"2، وهذا يدل على أنه ارتد بالحلف بالصنم، ms42 فأمره أن يجدد إسلامه، فإنه ~~قد كفر بذلك، كما قررناه في سبل السلام شرح بلوغ المرام، وفي منحة الغفار3. # فإن قلت: لا سواء، لأن هؤلاء قد قالوا (لا إله إلا الله) ، وقد قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ~~فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها"4. PageV01P070 # وقال لأسامة بن زيد: "لم قتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ " 1، وهؤلاء ~~يصلون ويصومون ويزكون ويحجون بخلاف المشركين. # قلت: قال صلى الله عليه وسلم: "إلا بحقها"، وحقها: إفراد الإلهية ~~والعبودية لله تعالى. # والقبوريون لم يفردوا الإلهية والعبادة، فلم تنفعهم كلمة الشهادة، فإنها ~~لا تنفع إلا مع التزام معناها، كما لم ينفع اليهود قولها لإنكارهم بعض ~~الأنبياء. # وكذلك من جعل غير من أرسله الله نبيا، لم تنفعه كلمة الشهادة، ألا ترى أن ~~بني حنيفة كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويصلون، ~~ولكنهم قالوا: إن مسيلمة نبي، فقاتلهم الصحابة وسبوهم، فكيف بمن يجعل للولي ~~خاصة الإلهية ويناديه للمهمات؟! # وهذا أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه حرق أصحاب عبد الله ابن ~~سبأ، وكانوا يقولون نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ولكنهم ~~غلوا في علي رضي الله عنه، واعتقدوا فيه ما يعتقد القبوريون وأشباههم، ~~فعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أحدا من العصاة، فإنه حفر لهم الحفائر، وأجج ~~لهم نارا، وألقاهم فيها وقال: # لما رأيت الأمر أمرا منكرا ... أججت ناري ودعوت قنبرا # وقال الشاعر في عصره: # لترم بي المنية حيث شاءت ... إذا لم ترم بي في الحفرتين # إذا ما أججوا فيهن نارا ... رأيت الموت نقدا غير دين PageV01P071 # والقصة في فتح الباري وغيره من كتب الحديث والسير1. # وقد وقع إجماع الأمة على أن من أنكر البعث كفر وقتل، ولو قال لا إله إلا ~~الله، فكيف بمن يجعل لله ندا؟! # فإن قلت: قد أنكر صلى الله عليه وسلم على أسامة قتله لمن قال (لا إله إلا ~~الله) ، كما ms43 هو معروف في كتب الحديث والسير. # قلت: لا شك أن من قال: (لا إله إلا الله) من الكفار حقن دمه وماله حتى ~~يتبين منه ما يخالف ما قاله، ولذا أنزل الله في قصة محلم بن جثامة [4: 94] ~~{يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا} الآية2، فأمرهم الله ~~تعالى بالتثبت في شأن من قال كلمة التوحيد، فإن تبين التزامه لمعناها كان ~~له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وإن تبين خلافه لم يحقن دمه وماله بمجرد ~~التلفظ. # وهكذا كل من أظهر التوحيد وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يخالف ذلك، ~~فإذا تبين لم تنفعه هذه الكلمة بمجردها، ولذلك لم تنفع اليهود ولا نفعت ~~الخوارج مع ما انضم إليها من العبادة التي يحتقر الصحابة عبادتهم إلى ~~جنبها، بل أمر صلى الله عليه وسلم بقتلهم، وقال: "لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ~~عاد" 3، وذلك لما خالفوا بعض الشريعة وكانوا شر PageV01P072 # القتلى تحت أديم السماء، كما ثبتت به الأحاديث1. # فثبت أن مجرد قول كلمة التوحيد غير مانع من ثبوت شرك من قالها؛ لارتكابه ~~ما يخالفها من عبادة غير الله. # فإن قلت: القبوريون وغيرهم من الذين يعتقدون في فسقة الناس وجهالهم من ~~الأحياء يقولون نحن لا نعبد هؤلاء، ولا نعبد إلا الله وحده، ولا نصلي لهم، ~~ولا نصوم ولا نحج. # قلت: هذا جهل بمعنى العبادة، فإنها ليست منحصرة في ما ذكرت، بل رأسها ~~وأساسها الاعتقاد، وقد حصل في قلوبهم ذلك، بل يسمونه معتقدا، ويصنعون له ما ~~سمعته مما تفرع عن الاعتقاد من دعائهم وندائهم والتوسل بهم والاستغاثة بهم ~~والاستعانة والحلف والنذر، وغير ذلك. # وقد ذكر العلماء أن من تزيا بزي الكفار صار كافرا2، ومن تكلم PageV01P073 # بكلمة الكفر صار كافرا1، فكيف بمن بلغ هذه الرتبة اعتقادا وقولا وفعلا. # فإن قلت: هذه النذور والنحائر ما حكمها؟ # قلت: قد علم كل عاقل أن الأموال عزيزة عند أهلها، يسعون في جمعها ولو ~~بارتكاب كل معصية، ويقطعون الفيافي من أدنى الأرض والأقاصي، فلا يبذل أحد ~~من ماله شيئا إلا ms44 معتقدا لجلب نفع أكثر منه أو دفع ضر، فالناذر للقبر ما ~~أخرج ماله إلا لذلك، وهذا اعتقاد باطل، ولو عرف الناذر بطلان ما أراده ما ~~أخرج درهما، فإن الأموال عزيزة عند أهلها، قال تعالى: [47: 36 37] {ولا ~~يسألكم أموالكم إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم} # فالواجب تعريف من أخرج النذر بأنه إضاعة لماله، وأنه لا ينفعه ما يخرجه ~~ولا يدفع عنه ضررا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إن النذر لا يأتي بخير، ~~وإنما يستخرج به من البخيل"2، ويجب رده إليه. # وأما القابض للنذر فإنه حرام عليه قبضه؛ لأنه أكل لمال الناذر بالباطل، ~~لا في مقابلة شيء، وقد قال تعالى: [2: 188] {ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل} ، ولأنه تقرير للناذر على شركه وقبح اعتقاده ورضاه بذلك، ولا يخفى ~~حكم الراضي بالشرك، [4: 48] {إن الله لا يغفر أن يشرك به} الآية، فهو مثل ~~حلوان الكاهن ومهر البغي، ولأنه تدليس على الناذر، وإيهام له أن الولي ~~ينفعه ويضره. PageV01P074 # فأي تقرير لمنكر أعظم من قبض النذر على الميت؟ وأي تدليس أعظم؟ وأي رضا ~~بالمعصية العظمى أبلغ من هذا؟ وأي تصيير لمنكر معروفا أعجب من هذا؟ وما ~~كانت النذور للأصنام والأوثان إلا على هذا الأسلوب، يعتقد الناذر جلب النفع ~~في الصنم ودفع الضرر، فينذر له جزورا من ماله، ويقاسمه في غلات أطيانه، ~~ويأتي به إلى سدنة الأصنام فيقبضونه منه، ويوهمونه حقية عقيدته، وكذلك يأتي ~~بنحيرته فينحرها بباب بيت الصنم. # وهذه الأفعال هي التي بعث الله الرسل لإزالتها ومحوها وإتلافها والنهي ~~عنها. # فإن قلت: إن الناذر قد يدرك النفع ودفع الضرر بسبب إخراجه للنذر وبذله! # قلت: كذلك الأصنام، قد يدرك منها ما هو أبلغ من هذا، وهو الخطاب من جوفها ~~والإخبار ببعض ما يكتمه الإنسان، فإن كان هذا دليلا على حقية القبور وصحة ~~الاعتقاد فيها؛ فليكن دليلا على حقية الأصنام، وهذا هدم للإسلام وتشييد ~~لأركان الأصنام. # والتحقيق: أن لإبليس وجنوده من الجن والإنس أعظم العناية في إضلال ~~العباد، وقد مكن الله إبليس من الدخول في الأبدان والوسوسة في الصدور ms45 ~~والتقام القلب بخرطومه، وكذلك يدخل أجواف الأصنام ويلقي الكلام في أسماع ~~الأقوام، ومثله يصنعه في عقائد القبوريين1، PageV01P075 # فإن الله تعالى قد أذن له أن يجلب بخيله ورجله على بني آدم وأن يشاركهم ~~في الأموال والأولاد. # وثبت في الأحاديث: أن الشيطان يسترق السمع بالأمر الذي يحدثه الله، ~~فيلقيه إلى الكهان، وهم الذين يخبرون بالمغيبات ويزيدون فيما يلقيه الشيطان ~~من عند أنفسهم مائة كذبة1. # ويقصد شياطين الجن شياطين الإنس من سدنة القبور وغيرهم فيقولون: إن الولي ~~فعل وفعل، يرغبونهم فيه ويحذرونهم منه، وترى العامة ملوك الأقطار وولاة ~~الأمصار معززين لذلك ويولون العمال لقبض النذور، وقد يتولاها من يحسنون فيه ~~الظن من عالم أو قاض أو مفت أو شيخ صوفي، فيتم التدليس لإبليس، وتقر عينه ~~بهذا التلبيس. # فإن قلت: هذا أمر عم البلاد، واجتمعت عليه سكان الأغوار والأنجاد، وطبق ~~الأرض شرقا وغربا، ويمنا وشاما، وجنوبا وعدنا، بحيث لا تجد بلدة من بلاد ~~الإسلام إلا وفيها قبور ومشاهد وأحياء، يعتقدون فيها ويعظمونها وينذرون ~~لها، ويهتفون بأسمائها ويحلفون بها، ويطوفون بفناء القبور، ويسرجونها ~~ويلقون عليها الأوراد والرياحين، ويلبسونها الثياب، ويصنعون كل أمر يقدرون ~~عليه من العبادة لها، وما في معناها من التعظيم والخضوع والخشوع والتذلل ~~والافتقار إليها. # بل هذه مساجد المسلمين غالبها لا يخلو عن قبر أو قريب منه، أو مشهد يقصده ~~المصلون في أوقات الصلاة، يصنعون فيه ما ذكر أو بعض ما ذكر، ولا يسع عقل ~~عاقل أن هذا منكر يبلغ إلى ما ذكرت من PageV01P076 # الشناعة، ويسكت عليه علماء الإسلام الذين ثبتت لهم الوطأة في جميع جهات ~~الدنيا. # قلت: إن أردت العدل والإنصاف، وتركت متابعة الأسلاف، وعرفت أن الحق ما ~~قام عليه الدليل، لا ما اتفق عليه العوالم جيلا بعد جيل، وقبيلا بعد قبيل، ~~فاعلم أن هذه الأمور التي ندندن حول إنكارها، ونسعى في هدم منارها، صادرة ~~عن العامة الذين إسلامهم تقليد الآباء بلا دليل، ومتابعتهم لهم من غير فرق ~~بين دبير وقبيل1، ينشأ الواحد فيهم فيجد أهل قريته وأصحاب بلدته يلقنونه في ~~الطفولية ms46 أن يهتف باسم من يعتقدون فيه، ويراهم ينذرون عليه، ويعظمونه، ~~ويرحلون به إلى محل قبره، ويلطخونه بترابه، ويجعلونه طائفا على قبره، فينشأ ~~وقد قر في قلبه عظمة ما يعظمونه، وقد صار أعظم الأشياء عنده من يعتقدونه. # فنشأ على هذا الصغير، وشاخ عليه الكبير، ولا يسمعون من أحد عليهم من ~~نكير، بل ترى ممن يتسم بالعلم، ويدعي الفضل، وينتصب للقضاء والفتيا ~~والتدريس، أو الولاية أو المعرفة أو الإمارة والحكومة، معظما لما يعظمونه، ~~مكرما لما يكرمونه، قابضا للنذور، آكلا ما ينحر على القبور، فيظن العامة أن ~~هذا دين الإسلام، وأنه رأس الدين والسنام2. # ولا يخفى على أحد يتأهل للنظر، ويعرف بارقة من علم الكتاب PageV01P077 # والسنة والأثر، أن سكوت العالم أو العالم1 على وقوع منكر ليس دليلا على ~~جواز ذلك المنكر. # ولنضرب لك مثلا من ذلك؛ وهي هذه المكوس المسماة بالمجابي، المعلوم من ~~ضرورة الدين تحريمها، قد ملأت الديار والبقاع، وصارت أمرا مأنوسا، لا يلج ~~إنكارها إلى سمع من الأسماع، وقد امتدت أيدي المكاسين في أشرف البقاع، في ~~مكة أم القرى، يقبضون من القاصدين لأداء فريضة الإسلام، ويلقون في البلد ~~الحرام كل فعل حرام، وسكانها من فضلاء الأنام، والعلماء والحكام ساكتون على ~~الإنكار، معرضون عن الإيراد والإصدار، أفيكون السكوت من العلماء، بل من ~~العالم2 دليلا على حل أخذها وإحرازها؟ هذا لا يقوله من له أدنى إدراك. # بل أضرب لك مثلا آخر؛ هذا حرم الله الذي هو أفضل بقاع الدنيا بالاتفاق ~~وإجماع العلماء، أحدث فيه بعض ملوك الشراكسة الجهلة الضلال هذه المقامات ~~الأربعة، التي فرقت عبادات العباد، واشتملت على ما لا يحصيه إلا الله عز ~~وجل من الفساد، وفرقت عبادات المسلمين، وصيرتهم كالملل المختلفة في الدين، ~~بدعة قرت بها عين إبليس اللعين، وصيرت المسلمين ضحكة الشياطين، وقد سكت ~~الناس عليها، ووفد علماء الآفاق والأبدال والأقطاب إليها3، وشاهدها كل ذي ~~عينين، وسمع بها كل ذي أذنين. PageV01P078 # أفهذا السكوت دليل على جوازها؟ هذا لا يقوله من له إلمام بشيء من ~~المعارف1، كذلك سكوتهم على هذه الأشياء ms47 الصادرة من القبوريين. PageV01P079 # فإن قلت: يلزم من هذا أن الأمة قد اجتمعت على ضلالة، حيث سكتت عن إنكارها ~~لأعظم جهالة. # قلت: حقيقة الإجماع اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر ~~بعد عصره، وفقهاء المذاهب الأربعة يحيلون الاجتهاد من بعد الأربعة1، وإن ~~كان هذا قولا باطلا وكلاما لا يقوله إلا من كان للحقائق جاهلا، فعلى زعمهم ~~لا إجماع أبدا من بعد الأئمة الأربعة، فلا يرد السؤال؛ فإن هذا الابتداع ~~والفتنة بالقبور لم يكن على عهد أئمة المذاهب الأربعة، وعلى ما نحققه ~~فالإجماع وقوعه محال. # فإن الأمة المحمدية قد ملأت الآفاق، وصارت في كل أرض وتحت كل نجم، ~~فعلماؤها المحققون لا ينحصرون، ولا يتم لأحد معرفة أحوالهم، فمن ادعى ~~الإجماع بعد انتشار الدين وكثرة علماء المسلمين فإنها دعوى كاذبة، كما قاله ~~أئمة التحقيق2. PageV01P080 # ثم لو فرض أنهم علموا بالمنكر وما أنكروه، بل سكتوا عن إنكاره، لما دل ~~سكوتهم على جوازه؛ فإنه قد علم من قواعد الشريعة أن وظائف الإنكار ثلاثة: # أولها: الإنكار باليد، وذلك بتغيير المنكر وإزالته. # ثانيها: الإنكار باللسان مع عدم استطاعة التغيير باليد. # ثالثها: الإنكار بالقلب عند عدم استطاعة التغيير باليد واللسان. # فإن انتفى أحدها لم ينتف الآخر، ومثاله: مرور فرد من أفراد علماء الدين ~~بأحد المكاسين وهو يأخذ أموال المظلومين، فهذا الفرد من علماء الدين لا ~~يستطيع التغيير على هذا الذي يأخذ أموال المساكين باليد ولا باللسان؛ لأنه ~~إنما يكون سخرية لأهل العصيان، فانتفى شرط الإنكار بالوظيفتين، ولم يبق إلا ~~الإنكار بالقلب الذي هو أضعف الإيمان، فيجب على من رأى ذلك العالم ساكتا عن ~~الإنكار مع مشاهدة ما يأخذه ذلك الجبار، أن يعتقد أنه تعذر عليه الإنكار ~~باليد واللسان، وأنه قد أنكر بقلبه. # فإن حسن الظن بالمسلمين أهل الدين واجب، والتأويل لهم ما أمكن ضربة لازب، ~~فالداخلون إلى الحرم الشريف، والمشاهدون لتلك الأبنية الشيطانية التي فرقت ~~شمل1 الدين، وشتتت صلوات المسلمين معذورون عن الإنكار إلا بالقلب، كالمارين ~~على المكاسين وعلى القبوريين. # ومن هنا يعلم اختلال ما ms48 استمر عند أئمة الاستدلال من قولهم في ~~PageV01P081 # بعض ما يستدلون عليه بالإجماع1: إنه وقع ولم ينكر، فكان إجماعا. # ووجه اختلاله أن قولهم: (ولم ينكر) رجم بالغيب؛ فإنه قد يكون أنكرته قلوب ~~كثيرة تعذر عليها الإنكار باليد واللسان، وأنت تشاهد في زمانك أنه كم من ~~أمر يقع لا تنكره بلسانك ولا بيدك، وأنت منكر له بقلبك، ويقول الجاهل إذا ~~رآك تشاهده: سكت فلان عن الإنكار، يقوله إما لائما أو متأسيا بسكوته، ~~فالسكوت لا يستدل به عارف، وكذا يعلم اختلال قولهم في الاستدلال: (فعل فلان ~~كذا، وسكت الباقون فكان إجماعا) ، مختلا من جهتين: # الأولى: دعوى أن سكوت الباقين تقرير لفعل فلان؛ لما عرفت من عدم دلالة ~~السكوت على التقرير. # الثانية: قولهم: (فكان إجماعا) ؛ فإن الإجماع اتفاق مجتهدي (2) أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، والساكت لا ينسب إليه وفاق ولا خلاف، حتى يعرب عنه ~~لسانه. # قال بعض الملوك وقد أثنى الحاضرون على شخص من عماله وفيهم رجل ساكت ما لك ~~لا تقول كما يقولون؟ فقال: إن تكلمت خالفتهم. # فما كل سكوت رضى؛ فإن هذه منكرات أسسها من بيده السيف والسنان، ودماء ~~العباد وأموالهم تحت لسانه وقلمه، وأعراضهم تحت قوله وكلمه، فكيف يقوى فرد ~~من الأفراد على دفعه عما أراد؟ PageV01P082 # فإن هذه القباب والمشاهد التي صارت أعظم ذريعة إلى الشرك والإلحاد، وأكبر ~~وسيلة إلى هدم الإسلام وخراب بنيانه، غالب، بل كل من يعمرها هم الملوك ~~والسلاطين والرؤساء والولاة، إما على قريب لهم أو على من يحسنون الظن فيه، ~~من فاضل أو عالم أو صوفي أو فقير أو شيخ أو كبير، ويزوره الناس الذين ~~يعرفونه زيارة الأموات، من دون توسل به ولا هتف باسمه، بل يدعون له ~~ويستغفرون، حتى ينقرض من يعرفه أو أكثرهم، فيأتي من بعدهم فيجد قبرا قد شيد ~~عليه البناء، وسرجت عليه الشموع، وفرش بالفراش الفاخر، وأرخيت عليه الستور، ~~وألقيت عليه الأوراد والزهور، فيعتقد أن ذلك لنفع أو لدفع ضر، ويأتيه ~~السدنة يكذبون على الميت بأنه فعل وفعل، وأنزل بفلان الضرر، وبفلان ms49 النفع، ~~حتى يغرسوا في جبلته كل باطل، ولهذا الأمر ثبت في الأحاديث النبوية اللعن ~~على من أسرج على القبور، وكتب عليها وبنى عليها1، وأحاديث ذلك واسعة ~~معروفة، فإن ذلك في نفسه منهي عنه، ثم هو ذريعة إلى مفسدة عظيمة. ~~PageV01P083 # فإن قلت: هذا قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عمرت عليه قبة عظيمة ~~أنفقت فيها الأموال. # قلت: هذا جهل عظيم بحقيقة الحال، فإن هذه القبة ليس بناؤها منه صلى الله ~~عليه وسلم، ولا من أصحابه، ولا من تابعيهم، ولا تابعي التابعين، ولا من ~~علماء أمته وأئمة ملته، بل هذه القبة المعمولة على قبره صلى الله عليه وسلم ~~من أبنية بعض ملوك مصر المتأخرين، وهو قلاوون الصالحي المعروف بالملك ~~المنصور، في سنة ثمان وسبعين وستمائة، ذكره في (تحقيق النصرة بتلخيص معالم ~~دار الهجرة) (1) ، فهذه أمور دولية لا دليلية، يتبع فيها الآخر الأول. # وهذا آخر ما أردناه مما أوردناه لما عمت البلوى، واتبعت الأهواء وأعرض ~~العلماء عن النكير، الذي يجب عليهم، ومالوا إلى ما مالت العامة إليه، وصار ~~المنكر معروفا والمعروف منكرا، ولم نجد من الأعيان ناهيا عن ذلك ولا زاجرا ~~(2) . # فإن قلت: قد يتفق للأحياء أو للأموات اتصال جماعة بهم، يفعلون ~~PageV01P084 # خوارق من الأفعال يتسمون بالمجاذيب، فما حكم ما يأتون به من تلك الأمور؟ ~~فإنها مما جبلت القلوب إلى الاعتقاد بها. # قلت: أما المتسمون بالمجاذيب الذين يلوكون لفظ الجلالة بأفواههم، ~~ويقولونها بألسنتهم، ويخرجونها عن لفظها العربي، فهم من أجناد إبليس ~~اللعين، ومن أعظم حمر الكون الذين ألبستهم الشياطين حلل التلبيس والتزيين، ~~فإن إطلاق لفظ الجلالة منفردا عن إخبار عنها بقولهم (الله الله) ليس بكلام ~~ولا توحيد، وإنما هو تلاعب بهذا اللفظ الشريف (1) ، بإخراجه عن لفظه ~~العربي، ثم إخلاؤه عن معنى من المعاني، ولو أن رجلا عظيما صالحا يسمى بزيد ~~وصار جماعة يقولون (زيد زيد) لعد ذلك استهزاء وإهانة وسخرية، ولا سيما إذا ~~زادوا إلى ذلك تحريف اللفظ. # ثم انظر هل أتى في لفظة من الكتاب والسنة ذكر الجلالة بانفرادها ~~PageV01P085 # سحيق. ms50 # ثم قد يضيفون إلى الجلالة الشريفة أسماء جماعة من الموتى، مثل (ابن ~~علوان) و (أحمد بن الحسين) و (عبد القادر) و (العيدروس) ، بل قد انتهى ~~الحال إلى أنهم يفرون إلى أهل القبور من الظلم والجور، كعلي رومان وعلي ~~الأحمر، وأشباههما، وقد صان الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ~~وأهل الكساء وأعيان الصحابة عن إدخالهم في أفواه هؤلاء الجهلة الضلال، ~~فيجمعون أنواعا من الجهل والشرك والكفر. # فإن قلت: إنه قد يتفق من هؤلاء الذين يلوكون لفظ الجلالة، ويضيفون إليها ~~عمل أهل الخلاعة والبطالة، خوارق عادات وأمور1 تظن كرامات، كطعن أنفسهم ~~بالآلات الحادة، وحملهم لمثل الحنش والحية والعقرب، وأكلهم النار، ومسهم ~~إياها بالأيدي، وتقلبهم فيها بالأجسام. # قلت: هذه أحوال شيطانية، وإنك لملبس عليك أن ظننتها كرامات للأموات، أو ~~حسنات للأحياء؛ لما هتف هذا الضال بأسمائهم، وجعلهم أندادا وشركاء لله ~~تعالى في الخلق والأمر، فهؤلاء الموتى أنت تفرض أنهم أولياء الله تعالى. ~~PageV01P086 # فهل يرضى ولي الله أن يجعله المجذوب أو السالك شريكا له تعالى وندا؟ إن ~~زعمت ذلك فقد جئت شيئا إدا، وصيرت هؤلاء الأموات مشركين، وأخرجتهم وحاشاهم ~~عن ذلك عن دائرة الإسلام والدين، حيث جعلتهم أندادا لله، راضين فرحين، ~~وزعمت أن هذه كرامات لهؤلاء المجاذيب الضلال المشركين، التابعين لكل باطل، ~~المنغمسين في بحار الرذائل، الذين لا يسجدون لله سجدة، ولا يذكرون الله ~~وحده. # فإن زعمت هذا، فقد أثبت الكرامات للمشركين الكافرين وللمجانين، وهدمت ~~بذلك ضوابط الإسلام وقواعد الدين المبين والشرع المتين. # وإذا عرفت بطلان هذين الأمرين علمت أن هذه أحوال شيطانية، وأفعال ~~طاغوتية، وأعمال إبليسية، يفعلها الشياطين لإخوانهم من هؤلاء الضالين، ~~معاونة من الفريقين على إغواء العباد. # وقد ثبت في الأحاديث أن الشياطين والجان يتشكلون بأشكال الحية والثعبان1، ~~وهذا أمر مقطوع بوقوعه، فهم الثعابين التي يشاهدها الإنسان في أيدي ~~المجاذيب، وقد يكون ذلك من باب السحر2 وهو أنواع، وتعلمه ليس بالعسير، بل ~~بابه الأعظم هو الكفر بالله وإهانة ما عظمه الله، من جعل مصحف في كنيف ~~ونحوه. # فلا يغتر من ms51 يشاهد ما يعظم في عينيه من أحوال المجاذيب من الأمور التي ~~يراها خوارق، فإن للسحر تأثيرا عظيما في الأفعال، وهكذا الذين PageV01P087 # يقلبون الأعيان بالأسحار وغيرها، وقد ملأ سحرة فرعون الوادي بالثعابين ~~والحيات، حتى أوجس في نفسه خيفة موسى عليه السلام، وقد وصفه الله بأنه سحر ~~عظيم، والسحر يفعل أعظم من هذا؛ فإنه قد ذكر ابن بطوطة وغيره أنه شاهد في ~~بلاد الهند قوما توقد لهم النار العظيمة، فيلبسون الثياب الرقيقة، ويخوضون ~~في تلك النار، ويخرجون وثيابهم كأنها لم يمسها شيء. # بل ذكر أنه رأى إنسانا عند بعض ملوك الهند أتى بولدين معه، ثم قطعهما ~~عضوا عضوا، ثم رمى بكل عضو إلى جهة فرقا، حتى لم ير أحد شيئا من تلك ~~الأعضاء، ثم صاح وبكى، فلم يشعر الحاضرون إلا وقد نزل كل عضو على انفراده، ~~وانضم إلى الآخر، حتى قام كل واحد منهما على عادته حيا سويا، ذكر هذا في ~~رحلته، وهي رحلة بسيطة وقد اختصرت، طالعتها بمكة عام ست وثلاثين ومائة ~~وألف، وأملاها علينا العلامة مفتي الحنفية في المدينة، السيد محمد بن أسعد ~~رحمه الله. # وفي الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني1 بسنده: أن ساحرا كان عند الوليد بن ~~عقبة، فجعل يدخل في جوف بقرة ويخرج، فرآه جندب رضي الله عنه، PageV01P088 # فذهب إلى بيته فاشتمل على سيفه، فلما دخل الساحر في البقرة، قال جندب: ~~أتأتون السحر وأنتم تبصرون، ثم ضرب وسط البقرة، فقطعها، وقطع الساحر معها، ~~فانذعر الناس، فحبسه الوليد، وكتب بذلك إلى عثمان رضي الله عنه، وكان على ~~السجن رجل نصراني، فلما رأى جندبا يقوم الليل ويصبح صائما، قال النصراني: ~~والله إن قوما هذا شرهم لقوم صدق، فوكل بالسجن رجلا، ودخل الكوفة فسأل عن ~~أفضل أهلها، فقالوا: الأشعث بن قيس، فاستضافه فرأى أبا محمد يعني الأشعث ~~ينام الليل ويصبح فيدعو بغدائه، فخرج من عنده وسأل: أي أهل الكوفة أفضل؟ ~~فقالوا: جرير بن عبد الله، فوجده ينام، ثم يصبح فيدعو بغدائه. فاستقبل ~~القبلة فقال: ربي رب جندب، وديني دين جندب، وأسلم. # وأخرجها ms52 البيهقي1 في السنن الكبرى بمغايرة في القصة، فذكر بسنده إلى أبي ~~الأسود2: "أن الوليد بن عقبة كان في العراق يلعب بين يديه ساحر، فكان يضرب ~~رأس الرجل ثم يصيح به، فيقوم صارخا، فيرد إليه رأسه، فقال الناس: سبحان ~~الله! يحيي الموتى! ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان من الغد اشتمل ~~على سيفه، فذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب عنقه، وقال: إن كان ~~صادقا PageV01P089 # فليحي نفسه! فأمر به الوليد دينارا صاحب السجن فسجنه"1. # بل أعجب من هذا ما أخرجه الحافظ البيهقي بإسناده في قصة طويلة، وفيها: ~~"أن امرأة تعلمت السحر من الملكين ببابل هاروت وماروت، وأنها أخذت قمحا، ~~فقالت له بعد أن ألقته: [اطلع، فطلع، فقالت: أحقل، فأحقل، ثم تركته، ثم ~~قالت إيبس، فيبس، ثم قالت له: اطحن، فأطحن] ، ثم قالت له: اختبز فاختبز، ~~وكانت لا تريد شيئا إلا كان"2. # والأحوال الشيطانية لا تنحصر، وكفى بما يأتي به الدجال، والمعيار اتباع ~~الكتاب والسنة ومخالفتهما3. PageV01P090 # انتهى ما أوردناه ولله الحمد أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا1، وصلى الله على ~~سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ~~ذكره الغافلون. # جاء في آخر طبعة رئاسة الإفتاء: # تم الكتاب والحمد لله. # وقد قوبل على نسخة خطية ضمن مجموعة تحتوي على كتب قيمة، وهي من مكتبة ~~سماحة مفتي الديار السعودية ورئيس قضاتها العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل ~~الشيخ رحمه الله تعالى، والنسخة المذكورة محفوظة في مكتبة الرياض السعودية ~~برقم 307/ 86. # وقد قام بتلك المقابلة وبالتصحيح والتعليق إسماعيل بن محمد الأنصاري، ~~وإلى المخطوطة المذكورة يرمز في بعض تعليقاته بحرف (خ) . PageV01P091 # شرح الصدور بتحريم رفع القبور # تصنيف # الإمام محمد بن علي الشوكاني # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله ~~المطهرين وصحبه المكرمين. # وبعد: # فاعلم أنه إذا وقع الخلاف بين المسلمين في أن هذا الشيء بدعة أو غير ~~بدعة، أو مكروه أو غير مكروه، أو محرم أو غير محرم، أو غير ذلك، فقد اتفق ms53 ~~المسلمون سلفهم وخلفهم من عصر الصحابة إلى عصرنا هذا وهو القرن الثالث عشر ~~منذ البعثة المحمدية أن الواجب عند الاختلاف في أي أمر من أمور الدين بين ~~الأئمة المجتهدين هو الرد إلى كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم، الناطق (1) بذلك الكتاب العزيز [4: 59] {فإن تنازعتم في شيء فردوه ~~إلى الله والرسول} ، ومعنى الرد إلى الله سبحانه الرد إلى كتابه، ومعنى ~~الرد إلى رسوله صلى الله عليه وسلم الرد إلى سنته بعد وفاته، وهذا مما لا ~~خلاف فيه بين جميع المسلمين، فإذا قال مجتهد من المجتهدين: هذا حلال، وقال ~~الآخر: هذا حرام، فليس أحدهما أولى بالحق من الآخر، وإن كان أكثر منه علما ~~أو أكبر منه سنا أو أقدم منه عصرا؛ لأن كل واحد منهما فرد من أفراد عباد ~~الله، ومتعبد بما في الشريعة المطهرة مما في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم، ومطلوب منه ما طلب الله من غيره من العباد، وكثرة علمه وبلوغه ~~درجة الاجتهاد أو PageV01P097 # مجاوزته لها لا يسقط عنه شيئا من الشرائع التي شرعها الله لعباده، ولا ~~يخرجه من جملة المكلفين من العباد، بل العالم كلما ازداد علما كان تكليفه ~~زائدا على تكليف غيره، ولو لم يكن من ذلك إلا ما أوجبه الله عليه من البيان ~~للناس، وما كلفه به من الصدع بالحق وإيضاح ما شرعه الله لعباده: [3: 187] ~~{وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} ، [2: ~~159] {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس ~~في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} # فلو لم يكن لمن رزقه الله طرفا من العلم إلا كونه مكلفا بالبيان للناس ~~لكان كافيا فيما ذكرناه من كون العلماء لا يخرجون عن دائرة التكليف، بل ~~يزيدون بما علموه تكليفا، وإذا أذنبوا كان ذنبهم أشد من ذنب الجاهل وأكثر ~~عقابا، كما حكاه الله سبحانه عمن عمل سوءا بجهالة ومن عمله بعلم، وكما حكاه ~~في كثير من الآيات عن علماء اليهود حيث أقدموا على ms54 مخالفة ما شرعه الله ~~لهم، مع كونهم يعلمون الكتاب ويدرسونه، ونعى ذلك عليهم في مواضع متعددة من ~~كتابه، وبكتهم أشد تبكيت، وكما ورد في الحديث الصحيح: "إن من أول من تسعر ~~بهم جهنم: العالم الذي يأمر الناس ولا يأتمر، وينهاهم ولا ينتهي"1. # وبالجملة فهذا أمر معلوم، أن العلم وكثرته وبلوغ حامله إلى أعلى درجات ~~العرفان لا يسقط عنه شيئا من التكاليف الشرعية، بل يزيدها PageV01P098 # عليه شدة، ويخاطب بأمور لا يخاطب بها الجاهل، ويكلف بتكاليف غير تكاليف ~~الجاهل، ويكون ذنبه أشد وعقوبته أعظم، وهذا لا ينكره أحد ممن له أدنى تمييز ~~بعلم الشريعة1، والآيات والأحاديث الواردة في هذا المعنى لو جمعت لكانت ~~مؤلفا مستقيما2، ومصنفا حافلا، وليس ذلك من غرضنا في هذا البحث، بل غاية ~~الغرض من هذا ونهاية القصد منه هو بيان أن العالم كالجاهل في التكاليف ~~الشرعية والتعبد بما في الكتاب والسنة، مع ما أوضحناه لك من التفاوت بين ~~الرتبتين، رتبة العالم ورتبة الجاهل في كثير من التكاليف واختصاص العالم ~~منهما3 بما لا يجب على الجاهل. # وبهذا يتقرر لك أن ليس لأحد من العلماء المختلفين، أو من التابعين لهم ~~والمقتدين بهم أن يقول: الحق ما قاله فلان دون فلان، أو فلان أولى بالحق من ~~فلان، بل الواجب عليه إن كان ممن له فهم وعلم وتمييز أن يرد ما اختلفوا فيه ~~إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن كان دليل الكتاب والسنة ~~معه فهو على الحق وهو الأولى بالحق (4) ، ومن كان دليل الكتاب والسنة عليه ~~لا له كان هو المخطئ، ولا ذنب عليه في هذا الخطأ، إن كان قد وفى الاجتهاد ~~حقه، بل هو معذور، بل مأجور، كما ثبت في الحديث الصحيح أنه: "إذا اجتهد ~~الحاكم فأصاب فله أجران، وإن PageV01P099 # اجتهد فأخطأ فله أجر"1، فناهيك بخطأ يؤجر عليه فاعله، ولكن هذا إنما هو ~~للمجتهد نفسه إذا أخطأ، ولكن لا يجوز لغيره أن يتبعه في خطئه، ولا يعذر ~~كعذره، ولا يؤجر كأجره، بل واجب على من عداه من ms55 المكلفين أن يترك الاقتداء ~~به في الخطأ ويرجع إلى الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة. # وإذا وقع الرد لما اختلف فيه أهل العلم إلى الكتاب والسنة كان من معه ~~دليل الكتاب والسنة هو الذي أصاب الحق ووافقه، وإن كان واحدا، والذي لم يكن ~~معه دليل الكتاب والسنة هو الذي لم يصب الحق، بل أخطأه، وإن كان عددا ~~كثيرا، فليس لعالم ولا لمتعلم ولا لمن يفهم وإن كان مقصرا أن يقول: إن الحق ~~بيد من يقتدى به من العلماء، إن كان دليل الكتاب والسنة بيد غيره، فإن ذلك ~~جهل عظيم، وتعصب ذميم، وخروج من دائرة الإنصاف بالمرة؛ لأن الحق لا يعرف ~~بالرجال، بل الرجال يعرفون بالحق، وليس أحد من العلماء المجتهدين والأئمة ~~المحققين بمعصوم، ومن لم يكن معصوما فإنه يجوز عليه الخطأ كما يجوز عليه ~~الصواب، فيصيب تارة ويخطئ أخرى، ولا يتبين صوابه من خطئه إلا بالرجوع إلى ~~دليل الكتاب والسنة، فإن وافقهما فهو مصيب، وإن خالفهما فهو مخطئ، ولا خلاف ~~في هذه الجملة بين جميع المسلمين أولهم وآخرهم، سابقهم ولاحقهم، كبيرهم ~~وصغيرهم، وهذا يعرفه كل من له أدنى حظ من العلم، وأحقر نصيب من العرفان، ~~ومن لم يفهم هذا ويعترف به فليتهم نفسه، ويعلم أنه قد جنى على نفسه بالخوض ~~فيما ليس من شأنه، والدخول فيما لا تبلغ إليه قدرته، ولا ينفذ فيه فهمه، ~~PageV01P100 # وعليه أن يمسك قلمه ولسانه، ويشتغل بطلب العلم، ويفرغ نفسه لطلب علوم ~~الاجتهاد التي يتوصل بها إلى معرفة الكتاب والسنة وفهم معانيهما، والتمييز ~~بين دلائلهما، ويجتهد في البحث في السنة وعلومها، حتى يتميز عنده صحيحها من ~~سقيمها، ومقبولها من مردودها، وينظر في كلام الأئمة الكبار من سلف هذه ~~الأمة وخلفها حتى يهتدي بكلامهم إلى الوصول إلى مطلوبه1، فإنه إن لم يفعل ~~هذا وقدم الاشتغال بما قدمنا، ندم على ما فرط فيه قبل أن يتعلم هذه العلوم ~~غاية الندم، وتمنى أنه أمسك عن التكلم بما لا يعنيه، وسكت عن الخوض فيما لا ~~يدريه، وما أحسن ما أدبنا ms56 به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه من ~~قول "رحم الله امرءا قال خيرا أو صمت"2، وهذا في الذي تكلم في العلم قبل أن ~~يفتح الله عليه بما لا بد منه، وشغل نفسه بالتعصب للعلماء، وتصدر للتصويب ~~والتخطئة في شيء لم يعلمه ولا فهمه حق فهمه، ولم يقل خيرا ولا صمت، فلم ~~يتأدب بالأدب الذي أرشد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وإذا تقرر لك من مجموع ما ذكرناه وجوب الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى ~~الله عليه وسلم بنص الكتاب العزيز وإجماع المسلمين أجمعين، عرفت أن من زعم ~~من الناس أنه يمكن معرفة المخطئ من العلماء من غير هذه الطريق PageV01P101 # عند اختلافهم في مسألة من المسائل، فهو مخالف لما في كتاب الله، ومخالف ~~لإجماع المسلمين أجمعين، فانظر أرشدك الله إلى أي جناية جنى على نفسه بهذا ~~الزعم الباطل، وأي مصيبة وقع فيها بهذا الخطأ الفاحش، وأى بلية جلبها عليه ~~القصور والتقصير، وأي محنة شديدة ساقها إليه التكلم فيما ليس من شأنه؟ # وها أنا أوضح لك مثالا لما ذكرناه من الاختلاف بين أهل العلم، ومن كيفية ~~الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ليتبين المصيب من ~~المخطئ، ومن بيده الحق ومن بيده غيره، حتى تعرف الحق حق معرفته، ويتضح لك ~~غاية الاتضاح، فإن الشيء إذا ضربت له الأمثلة وصورت له الصور بلغ من الوضوح ~~والجلاء إلى غاية لا يخفى معها على من له فهم صحيح وعقل رجيح، فضلا عمن لم ~~يكن له في العلم نصيب، وفي العرفان حظ، ولنجعل هذه المسألة التي جعلناها ~~مثالا لما ذكرناه وإيضاحا لما أمليناه: هى المسألة التي لهج بالكلام فيها ~~أهل عصرنا ومصرنا، خصوصا في هذه الأيام لأسباب لا تخفى، وهي: مسألة رفع ~~القبور والبناء عليها، كما يفعله الناس من بناء المساجد والقباب على ~~القبور. # فنقول: # اعلم أنه قد اتفق الناس، سابقهم ولاحقهم، وأولهم وآخرهم من لدن الصحابة ~~رضي الله عنهم إلى هذا الوقت: أن رفع القبور ms57 والبناء عليها بدعة من البدع ~~التي ثبت النهي عنها، واشتد وعيد رسول الله لفاعلها كما يأتي بيانه ولم ~~يخالف في ذلك أحد من المسلمين أجمعين، # PageV01P102 # لكنه وقع للإمام يحي بن حمزة مقالة تدل على أنه يرى أنه لا بأس بالقباب ~~والمشاهد على قبور الفضلاء، ولم يقل بذلك غيره، ولا روي عن أحد سواه، ومن ~~ذكرها من المؤلفين في كتب الفقه من الزيدية فهو جري على قوله واقتداء به، ~~ولم نجد القول بذلك ممن عاصره، أو تقدم عصره عليه، لا من أهل البيت ولا من ~~غيرهم، وهكذا اقتصر صاحب البحر الذي هو مدرس كبار الزيدية، ومرجع مذهبهم ~~ومكان البيان لخلافهم في ذات بينهم، وللخلاف بينهم وبين غيرهم، بل اشتمل ~~على غالب أقوال المجتهدين وخلافاتهم في المسائل الفقهية، وصار هو المرجوع ~~إليه في هذه الأعصار وهذه الديار لمن أراد معرفة الخلاف في المسائل، وأقوال ~~القائلين بإثباتها أو نفيها من المجتهدين، فإن صاحب هذا الكتاب الجليل لم ~~ينسب هذه المقالة أعني جواز رفع القباب والمشاهد على قبور الفضلاء إلا إلى ~~الإمام يحيى وحده، فقد قال ما نصه: # مسألة: الإمام يحيى: لا بأس بالقباب والمشاهد على قبور الفضلاء والملوك ~~لاستعمال المسلمين ولم ينكر. انتهى. # فقد عرفت من هذا أنه لم يقل بذلك إلا الإمام يحيى، وعرفت دليله الذي ~~استدل به، وهو استعمال المسلمين مع عدم النكير، ثم ذكر صاحب البحر هذا ~~الدليل الذي استدل به الإمام يحيى في الغيث واقتصر عليه، ولم يأت بغيره. # فإذا عرفت هذا، تقرر لك أن هذا الخلاف واقع بين الإمام يحيى وبين سائر ~~العلماء، من الصحابة والتابعين، ومن المتقدمين من أهل البيت والمتأخرين، ~~ومن أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، ومن جميع # PageV01P103 # المجتهدين أولهم وآخرهم1، ولا يعترض هذا بحكاية من حكى قول الإمام يحيى ~~في مؤلفه ممن جاء بعده من المؤلفين، فإن مجرد حكاية القول لا يدل على أن ~~الحاكي يختاره ويذهب إليه، فإن وجدت قائلا من بعده من أهل العلم يقول بقوله ~~هذا ويرجحه، فإن كان مجتهدا كان قائلا بما ms58 قاله الإمام يحيى، ذاهبا إلى ما ~~ذهب إليه بذلك الدليل الذي استدل به، وإن كان غير مجتهد فلا اعتبار ~~بموافقته؛ لأنها إنما تعتبر أقوال المجتهدين لا أقوال المقلدين. # فإذا أردت أن تعرف هل الحق ما قاله الإمام يحيى، أو ما قاله غيره من أهل ~~العلم، فالواجب عليك رد هذا الاختلاف إلى ما أمرنا الله بالرد إليه، وهو ~~كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. # فإن قلت: بين لي العمل في هذا الرد حتى تتم الفائدة، ويتضح الحق من غيره، ~~والمصيب من المخطئ في هذه المسألة. # قلت: افتح لما أقوله سمعا، وأرهف له ذهنا، وها أنا أوضح لك الكيفية ~~المطلوبة، وأبين لك ما لا يبقى عندك بعده ريب، ولا يصاحب ذهنك وفهمك عنده ~~لبس، فأقول: # قال الله سبحانه: [59: 7] {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا} ، فهذه الآية فيها الإيجاب على العباد بالائتمار بما أمر به ~~PageV01P104 # الرسول صلى الله عليه وسلم والأخذ به، والانتهاء عما نهى عنه صلى الله ~~عليه وسلم وتركه، وقال الله سبحانه: [3: 31] {قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله} ، ففي هذه الآية: تعليق محبة الله الواجبة على كل ~~عبد من عباده باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك هو المعيار الذي ~~يعرف به محبة العبد لربه على الوجه المعتبر، وأنه السبب الذي يستحق به ~~العبد أن يحبه الله، وقال الله سبحانه: [4: 80] {من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله} ، ففي هذه الآية: أن طاعة الرسول طاعة لله، وقال: [4: 69] {ومن يطع ~~الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} ، فأوجب هذه السعادة لمن أطاع الله ~~ورسوله، وهى أن يكون من هؤلاء الذين هم أرفع العباد درجة عنده، وأعلاهم ~~منزلة، وقال: [4: 13 14] {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده ~~يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين} (، وقال سبحانه: [24: 52] {ومن يطع ~~الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم ms59 الفائزون} ، وقال سبحانه: {وأطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول} ، وأنزل الله على رسوله أن يقول: {فاتقوا الله ~~وأطيعون} والآيات الدالة عل هذا المعنى في الجملة أكثر من ثلاثين آية. # ويستفاد من جميع ما ذكرناه: أن ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ونهى عنه كان الأخذ به واتباعه واجبا بأمر الله سبحانه، وكانت الطاعة لرسول ~~الله # PageV01P105 # في ذلك طاعة لله، وكان الأمر من رسول الله أمرا من الله1. # وسنوضح لك ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير حديث من النهى ~~عن رفع القبور والبناء عليها، ووجوب تسويتها، وهدم ما ارتفع منها، ولكنا ~~هنا نبتدئ بذكر أشياء في حكم التوطئة والتمهيد لذلك، ثم ننتهي إلى ذكر ما ~~هو المطلوب، حتى يعلم من اطلع على هذا البحث أنه إذا وقع الرد فيما قاله ~~الإمام يحيى وما قاله غيره في القباب والمشاهد إلى ما أمر الله بالرد إليه، ~~وهو كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كان في ذلك ما يشفي ~~ويكفي، ويقنع ويغني ذكر بعضه، فضلا عن ذكر جميعه، وعند PageV01P106 # ذلك يتبين لكل من لهم فهم، ما في رفع القبور من الفتنة العظيمة لهذه ~~الأمة، ومن المكيدة البالغة التي كادهم الشيطان بها، وقد كاد بها من كان ~~قبلهم من الأمم السالفة، كما حكى الله سبحانه وتعالى ذلك في كتابه العزيز. # وكان أول ذلك في قوم نوح، قال الله سبحانه: [71: 21 23] {قال نوح رب إنهم ~~عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ومكروا مكرا كبارا وقالوا ~~لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} " كانوا1 ~~قوما صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال ~~أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ~~ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا ~~يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم، ثم عبدتهم العرب بعد ذلك"، وقد حكي ~~معنى هذا في صحيح البخاري عن ms60 ابن عباس رضي الله عنهما2، وقال قوم من السلف: ~~"إن هؤلاء كانوا قوما صالحين من قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم ~~صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم". # ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها: "أن أم ~~سلمة رضي الله عنها ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض ~~الحبشة، وذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله PageV01P107 # صلى الله عليه وسلم: أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل ~~الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند ~~الله"1. # وأخرج ابن جرير في تفسير قوله تعالى: [53: 19] {أفرأيتم اللات والعزى} ~~قال: "كان يلت السويق للحاج، فمات فعكفوا على قبره"2. # وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت يقول: "ألا وإن من كان قبلكم كانوا ~~يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ~~ذلك"3. # وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "لما نزل برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة على وجهه، فإذا اغتم كشفها، فقال وهو كذلك : ~~لعنة الله على اليهود والنصارى، فقد اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما ~~صنعوا" 4. # وفي الصحيحين مثله أيضا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما5. # وفيهما أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: "قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" 6. ~~PageV01P108 # وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد، ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يكون مسجدا" ~~(1) . # وأخرج الإمام أحمد في مسنده بإسناد جيد، من حديث عبد الله بن مسعود رضي ~~الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن ms61 من شرار الناس من ~~تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد" 2. # وأخرج أحمد وأهل السنن من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه: أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال: "لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" ~~3. PageV01P109 # وفي صحيح مسلم وغيره عن أبى الهياج الأسدي قال: "قال لي علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أن لا أدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته" (1) . # وفي صحيح مسلم أيضا عن ثمامة بن شفي نحو ذلك2. # وفي هذا أعظم دلالة على أن تسوية كل قبر مشرف بحيث يرتفع زيادة على القدر ~~المشروع واجبة متحتمة، فمن إشراف القبور: أن يرفع سمكها، أو يجعل عليها ~~القباب أو المساجد، فإن ذلك من المنهي عنه بلا شك ولا شبهة، ولهذا فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعث لهدمها أمير المؤمنين عليا، ثم إن أمير ~~المؤمنين بعث لهدمها أبا الهياج الأسدي في أيام خلافته. # وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن حبان من حديث ~~جابر قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يبنى ~~عليه، وأن يوطأ" (3) . # وزاد هؤلاء المخرجون لهذا الحديث عن مسلم: "وأن يكتب عليه". قال الحاكم: ~~"النهى عن الكتابة على شرط مسلم، وهي صحيحة غريبة"4. PageV01P110 # وفي هذا التصريح بالنهى عن البناء على القبور، وهو يصدق على ما بني على ~~جوانب حفرة القبر، كما يفعله كثير من الناس من رفع قبور الموتى ذراعا فما ~~فوقه؛ لأنه لا يمكن أن يجعل نفس القبر مسجدا، فذلك مما يدل على أن المراد ~~بعض ما يقربه مما يتصل به، ويصدق على من بنى قريبا من جوانب القبر كذلك، ~~كما في القباب والمساجد والمشاهد الكبيرة، على وجه يكون القبر في وسطها أو ~~في جانب منها، فإن هذا بناء على القبر، لا يخفى ذلك على من له أدنى فهم، ~~كما يقال: بنى السلطان على مدينة كذا، أو على قرية كذا ms62 سورا، وكما يقال: ~~بنى فلان في المكان الفلاني مسجدا، مع أن سمك البناء لم يباشر إلا جوانب ~~المدينة أو القرية أو المكان، ولا فرق بين أن تكون تلك الجوانب التي وقع ~~وضع البناء عليها قريبة من الوسط، كما في المدينة الصغيرة والقرية الصغيرة ~~والمكان الضيق، أو بعيدة من الوسط كما في المدينة الكبيرة والقرية الكبيرة ~~والمكان الواسع، ومن زعم أن في لغة العرب ما يمنع من هذا الإطلاق فهو جاهل ~~لا يعرف لغة العرب، ولا يفهم لسانها ولا يدري بما استعملته في كلامها. # وإذا تقرر لك هذا علمت أن رفع القبور ووضع القباب والمساجد والمشاهد ~~عليها قد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعله تارة، كما تقدم، وتارة ~~قال: "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، فدعا عليهم بأن ~~يشتد غضب الله عليهم بما فعلوه من هذه المعصية، وذلك ثابت في الصحيح1، ~~وتارة نهى عن ذلك، وتارة بعث من يهدمه، PageV01P111 # وتارة جعله من فعل اليهود والنصارى، وتارة قال: "لا تتخذوا قبري وثنا" 1، ~~وتارة قال: "لا تتخذوا قبري عيدا" 2، أي: موسما يجتمعون فيه كما صار يفعله ~~كثير من عباد القبور! يجعلون لمن يعتقدون من الأموات أوقاتا معلومة يجتمعون ~~فيها عند قبورهم، ينسكون لها المناسك، ويعكفون عليها3، كما يعرف ذلك كل أحد ~~من الناس من أفعال هؤلاء المخذولين، الذين تركوا عبادة الله الذي خلقهم ~~ورزقهم ثم يميتهم ويحييهم، وعبدوا عبدا من عباد الله، صار تحت أطباق الثرى، ~~لا يقدر على أن يجلب لنفسه نفعا ولا يدفع عنها ضرا، كما قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيما أمره الله أن يقول: [7: 188] {لا أملك لنفسي نفعا ولا ~~ضرا} ، فانظر كيف قال سيد البشر وصفوة الله من خلقه بأمر ربه: إنه لا يملك ~~لنفسه ضرا ولا نفعا، وكذلك قال فيما صح عنه: "يا فاطمة بنت محمد! لا أغني ~~عنك من الله شيئا"4. # فإذا كان هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه وفي أخص قرابته ~~به وأحبهم إليه، فما ms63 ظنك بسائر الأموات الذين لم يكونوا أنبياء معصومين، ~~ولا رسلا مرسلين؟ بل غاية ما عند أحدهم أنه فرد من أفراد هذه الأمة ~~المحمدية، وواحد من أهل هذه الملة الإسلامية، فهو أعجز وأعجز أن ينفع (5) ~~أو يدفع عنها ضررا. PageV01P112 # وكيف لا يعجز عن شيء قد عجز عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبر به ~~أمته كما أخبر الله عنه، وأمره بأن يقول للناس بأنه لا يملك لنفسه ضرا ولا ~~نفعا، وأنه لا يغنى عن أخص قرابته من الله شيئا؟ فيا عجبا! كيف يطمع من له ~~أدنى نصيب من علم أو أقل حفظ من عرفان أن ينفعه أو يضره فرد من أفراد أمة ~~هذا النبي الذي يقول عن نفسه هذه المقالة؟ والحال أنه فرد من التابعين له ~~المقتدين بشرعه. # فهل سمعت أذناك أرشدك الله بضلال عقل أكبر من هذا الضلال الذي وقع في ~~عباد أهل القبور (1) ؟! إنا لله وإنا إليه راجعون. # وقد أوضحنا هذا أبلغ إيضاح في رسالتنا التي سميناها "الدر النضيد في ~~إخلاص كلمة التوحيد"، وهي موجودة بأيدي الناس، فلا شك ولا ريب أن السبب ~~الأعظم الذي نشأ منه هذا الاعتقاد في الأموات هو ما زينه الشيطان للناس من ~~رفع القبور، ووضع الستور عليها، وتجصيصها وتزيينها بأبلغ زينة، وتحسينها ~~بأكمل تحسين، فإن الجاهل إذا وقعت عينه على قبر من القبور قد بنيت عليه قبة ~~فدخلها، ونظر على القبور (2) الستور الرائعة، والسرج المتلألئة، وقد سطعت ~~حوله مجامر الطيب، فلا شك ولا ريب أنه يمتلئ قلبه تعظيما لذلك القبر، ويضيق ~~ذهنه عن تصور ما لهذا الميت من المنزلة، ويدخله من الروعة والمهابة ما يزرع ~~في قلبه من العقائد الشيطانية، التي هي من أعظم مكائد الشيطان للمسلمين، ~~وأشد وسائله إلى ضلال العباد، ما يزلزله عن PageV01P113 # الإسلام قليلا قليلا، حتى يطلب من صاحب ذلك القبر ما لا يقدر عليه إلا ~~الله سبحانه، فيصير في عداد المشركين. # وقد يحصل له هذا الشرك بأول رؤية لذلك القبر الذي صار على تلك الصفة، ~~وعند أول زورة له؛ ms64 إذ لا بد أن يخطر بباله أن هذه العناية البالغة من ~~الأحياء بمثل هذا الميت لا تكون إلا لفائدة يرجونها منه، إما دنيوية أو ~~أخروية، فيستصغر نفسه بالنسبة إلى من يراه من أشباه العلماء زائرا لذلك ~~القبر، وعاكفا عليه ومتمسحا بأركانه (1) . # وقد يجعل الشيطان طائفة من إخوانه من بني آدم يقفون على ذلك القبر، ~~يخادعون من يأتي إليه من الزائرين، يهولون عليهم الأمر، ويصنعون أمورا من ~~أنفسهم، وينسبونها إلى الميت على وجه لا يفطن له من كان من المغفلين، وقد ~~يصنعون أكاذيب مشتملة على أشياء يسمونها كرامات لذلك الميت، ويبثونها في ~~الناس، ويكررون ذكرها في مجالسهم، وعند اجتماعهم بالناس، فتشيع وتستفيض، ~~ويتلقاها من يحسن الظن بالأموات، ويقبل عقله ما يروى عنهم من الأكاذيب، ~~فيرويها كما سمعها، ويتحدث بها في مجالسه، فيقع الجهال في بلية عظيمة من ~~الاعتقاد الشركي، وينذرون على ذلك الميت بكرائم أموالهم، ويحبسون على قبره ~~من أملاكهم ما هو أحبها إلى قلوبهم؛ لاعتقادهم أنهم ينالون بجاه ذلك الميت ~~خيرا عظيما وأجرا كبيرا، ويعتقدون أن ذلك قربة عظيمة، وطاعة نافعة، وحسنة ~~متقبلة، فيحصل بذلك مقصود أولئك الذين جعلهم الشيطان من إخوانه من بني آدم ~~على ذلك القبر. PageV01P114 # فإنهم إنما فعلوا تلك الأفاعيل، وهولوا على الناس بتلك التهاويل، وكذبوا ~~تلك الأكاذيب؛ لينالوا جانبا من الحطام من أموال الطغام الأغتام (1) ، ~~وبهذه الذريعة الملعونة والوسيلة الإبليسية تكاثرت الأوقاف على القبور، ~~وبلغت مبلغا عظيما، حتى بلغت غلات ما يوقف على المشهورين منهم ما لو اجتمعت ~~أوقافه لبلغ ما يقتاته أهل قرية كبيرة من قرى المسلمين، ولو بيعت تلك ~~الحبائس الباطلة لأغنى الله بها طائفة عظيمة من الفقراء (2) ، وكلها من ~~النذر في معصية الله، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا ~~نذر في معصية الله"3، وهى أيضا من النذر الذي لا يبتغي به وجه الله، وقد ~~قال صلى الله عليه وسلم: "النذر ما ابتغي به وجه الله"4، بل كلها من النذور ~~التي يستحق بها فاعلها غضب الله وسخطه؛ لأنها ms65 تفضي بصاحبها إلى ما يفضي به ~~اعتقاد الإلهية في الأموات من تزلزل قدم الدين؛ إذ لا يسمح بأحب أمواله ~~وألصقها بقلبه، إلا وقد زرع الشيطان في قلبه من محبة وتعظيم وتقديس ذلك ~~PageV01P115 # الطوائف بالنهي عن بناء المساجد على القبور، ثم قال: "وصرح أصحاب أحمد ~~ومالك والشافعي بتحريم ذلك، وطائفة أطلقت الكراهة، لكن ينبغي أن يحمل على ~~كراهة التحريم، إحسانا للظن بهم، وأن لا يظن بهم أن يجوزوا ما تواتر عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن فاعله والنهى عنه". انتهى. # فانظر كيف حكى التصريح عن عامة الطوائف؟ وذلك يدل على أنه إجماع من أهل ~~العلم على اختلاف طوائفهم، ثم بعد ذلك جعل أهل ثلاثة مذاهب مصرحين ~~بالتحريم، وجعل طائفة مصرحة بالكراهة، وحملها على كراهة التحريم، فكيف ~~يقال: إن بناء القباب والمشاهد على القبور لم ينكره أحد؟ # ثم انظر كيف يصح استثناء أهل الفضل برفع القباب على قبورهم، وقد صح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كما قدمناه أنه قال: "أولئك قوم إذا مات فيهم ~~العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا"، ثم لعنهم بهذا السبب. # فكيف يسوغ من مسلم أن يستثني أهل الفضل بفعل هذا المحرم الشديد على ~~قبورهم، مع أن أهل الكتاب الذين لعنهم الرسول صلى الله عليه وسلم وحذر ~~الناس ما صنعوا لم يعمروا المساجد إلا على قبور صلحائهم. # ثم هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد البشر وخير الخليقة وخاتم الرسل ~~وصفوة الله من خلقه، ينهى أمته أن يجعلوا قبره مسجدا أو وثنا أو عيدا، وهو ~~القدوة لأمته، ولأهل الفضل من القدوة به والتأسي بأفعاله وأقواله الحظ ~~الأوفر، وهم أحق الأمة بذلك وأولاهم به، وكيف يكون فعل1 PageV01P119 # بعض الأمة وصلاحه مسوغا لفعل هذا المنكر على قبره؟ وأصل الفضل ومرجعه هو ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأي فضل ينسب إلى فضله أدنى نسبة، أو يكون ~~له بجنبه أقل اعتبار؟ فإن كان هذا محرما منهيا عنه ملعونا فاعله في قبر ~~رسول الله صلى الله ms66 عليه وسلم، فما ظنك بقبر غيره من أمته؟ # وكيف يستقيم أن يكون للفضل مدخل في تحليل المحرمات وفعل المنكرات؟ اللهم ~~غفرا. # والحمد لله الذي هدانا للحق ووفقنا لاتباعه، وصلى الله على محمد عبد الله ~~ورسوله وعلى آله أجمعين. # PageV01P120 ### | شرح الصدور بتحريم رفع القبور # ... # القبر وصاحبه والمغالاة في الاعتقاد فيه، ما لا يعود به إلى الإسلام ~~سالما، نعوذ بالله من الخذلان. # ولا شك أن غالب هؤلاء المغرورين المخدوعين لو طلب منهم طالب أن ينذر بذلك ~~الذي نذر به لقبر ميت على ما هو طاعة من الطاعات وقربة من القربات لم يفعل، ~~ولا كاد. # فانظر إلى أين بلغ تلاعب الشيطان بهؤلاء، وكيف رمى بهم في هوة بعيدة ~~القعر، مظلمة الجوانب، فهذه مفسدة من مفاسد رفع القبور وتشييدها، وزخرفتها ~~وتجصيصها. # ومن المفاسد البالغة إلى حد يرمى بصاحبه إلى وراء حائط الإسلام، ويلقيه ~~على أم رأسه من أعلى مكان من الدين: أن كثيرا منهم يأتي بأحسن ما يملكه من ~~الأنعام، وأجود ما يحوزه من المواشي، فينحره عند ذلك القبر، متقربا به ~~إليه، راجيا ما يضمر حصوله له منه، فيهل به لغير الله، ويتعبد به لوثن من ~~الأوثان؛ إذ إنه لا فرق بين النحائر لأحجار منصوبة يسمونها وثنا، وبين قبر ~~لميت يسمونه قبرا، ومجرد الاختلاف في التسمية لا يغني من الحق شيئا، ولا ~~يؤثر تحليلا ولا تحريما، فإن من أطلق على الخمر غير اسمها وشربها، كان حكمه ~~حكم من شربها وهو يسميها باسمها، بلا خلاف بين المسلمين أجمعين. # ولا شك أن النحر نوع من أنواع العبادة التي تعبد الله العباد لها، ~~كالهدايا والفدية والضحايا، فالمتقرب بها إلى القبر والناحر لها عنده لم ~~يكن له غرض بذلك إلا تعظيمه وكرامته، واستجلاب الخير منه واستدفاع الشر به، ~~وهذه عبادة لا شك فيها، وكفاك من شر سماعه، ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم، إنا لله وإنا إليه راجعون، # PageV01P016 # والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا عقر في الإسلام"، قال عبد الرزاق: ~~"كانوا يعقرون عند القبر، يعني ms67 بقرا وشياها" رواه أبو داود بإسناد صحيح عن ~~أنس بن مالك1. # وبعد هذا كله، فاعلم بما سقناه من الدلالة وما هو كالتوطيد لها، وما هو ~~كالخاتمة تختم بها البحث، يقضى أبلغ قضاء وينادى أرفع نداء، ويدل أوضح ~~دلالة، ويفيد أجلى مفاد، أن ما رواه صاحب البحر عن الإمام يحيى، غلط من ~~أغاليط العلماء، وخطأ من جنس ما يقع للمجتهدين، وهذا شأن البشر، والمعصوم ~~من عصمه الله، وكل عالم يؤخذ من قوله ويترك، مع كونه رحمه الله من أعظم ~~الأئمة إنصافا، وأكثرهم تحريا للحق وإرشادا وتأثيرا، ولكننا رأيناه قد خالف ~~من عداه بما قال من جواز بناء القباب على القبور، رددنا هذا الاختلاف إلى ~~ما أوجب الله الرد إليه، وهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ~~فوجدنا في ذلك ما قدمنا ذكره من الأدلة الدالة أبلغ دلالة، والمنادية بأعلى ~~صوت بالمنع من ذلك والنهي عنه، واللعن لفاعله والدعاء عليه، واشتداد غضب ~~الله عليه، مع ما في ذلك من كونه ذريعة إلى الشرك، ووسيلة إلى الخروج عن ~~الملة كما أوضحناه، فلو كان القائل بما قاله الإمام يحيى بعض الأئمة أو ~~أكثرهم لكان قولهم ردا عليهم، كما قدمناه في أول هذا البحث، فكيف والقائل ~~به فرد من أفرادهم؟ وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل ~~أمر ليس عليه أمرنا فهو رد"2، ورفع القبور وبناء القباب والمساجد عليها ~~PageV01P017 # ليس عليه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما عرفناك ذلك فهو رد على ~~قائله، أي مردود عليه. # والذي شرع للناس هذه الشريعة الإسلامية هو الرب سبحانه بما أنزله في ~~كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. # فليس لعالم وإن بلغ من العلم إلى أرفع رتبة وأعلى منزلة أن يكون بحيث ~~يقتدى به فيما خالف الكتاب والسنة أو أحدهما، بل ما وقع منه من الخطأ بعد ~~توفية الاجتهاد حقه يستحق به أجرا، ولا يجوز لغيره أن يتابعه عليه، وقد ~~أوضحنا هذا في أول البحث بما لا يأتي ms68 التكرار له بمزيد فائدة. # وأما ما استدل به الإمام يحيى حيث قال: "لاستعمال المسلمين ذلك، ولم ~~ينكروه" فقول مردود؛ لأن علماء المسلمين مازالوا في كل عصر يروون أحاديث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في لعن من فعل ذلك، ويقررون شريعة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في تحريم ذلك في مدارسهم ومجالس حفاظهم، يرويها الآخر ~~عن الأول، والصغير عن الكبير، والمتعلم عن العالم، من لدن أيام الصحابة إلى ~~هذه الغاية، وأوردها المحدثون في كتبهم المشهورة من الأمهات والمسندات ~~والمصنفات، وأوردها المفسرون في تفاسيرهم، وأهل الفقه في كتبهم الفقهية، ~~وأهل الأخبار والسير في كتب الأخبار والسير، فكيف يقال: إن المسلمين لم ~~ينكروا على من فعل ذلك، وهم يروون أدلة النهي عنه واللعن لفاعله، خلفا عن ~~سلف في كل عصر؟ ومع هذا فلم يزل علماء الإسلام منكرين لذلك مبالغين في ~~النهي عنه. # وقد حكى ابن القيم عن شيخه تقي الدين رحمهما الله وهو الإمام المحيط ~~بمذهب سلف هذه الأمة وخلفها، أنه قد صرح عامة PageV01P018 ms69