######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0011369 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (المتوفى: 1206هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1206 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مبحث الاجتهاد والخلاف (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثالث) #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه والقواعد الفقهية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0011369 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-11369 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/11369 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد الرحمن بن محمد السدحان، عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين #META# 041.EdNUMBER :: - #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: جامعة الإمام محمد بن سعود، الرياض، المملكة العربية السعودية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | مقدمة # ... ### | مبحث الاجتهاد والخلاف # تأليف: الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ~~نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. # وبعد، فهذه رسالة في مبحث الاجتهاد والخلاف لشيخ الإسلام محمد بن عبد ~~الوهاب - رحمه الله تعالى - وهي منقولة باختصار من كتاب أعلام الموقعين 1 ~~لابن القيم - رحمه الله - وقد وجدنا بآخرها صفحة وربع الصفحة يبحث في ~~العقيدة وما يتصل بذلك من صفات الله، ولا صلة له بموضوع الرسالة، فآثرنا ~~تركه، ومن أحب الرجوع إليه فليرجع إلى الصورة التي نقلنا منها هذه الرسالة، ~~وهي موجودة بالمكتبة السعودية بالرياض التابعة لرئاسة إدارات البحوث ~~العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد تحت رقم، 772 – 86. وقد كتب على الصفحة ~~الأولى منها بخط الناسخ هذه العبارة: "هذه الرسالة تأليف الشيخ محمد بن عبد ~~الوهاب النجدي وهي مبحث الاجتهاد والخلاف". كما يوجد على هذه الصفحة بعض ~~الحروف اللاتينية التي قد تدل القارئ الكريم إلى موضع النسخة لمن أراد ~~الاطلاع على النسخة الأصلية. # وقد قمنا عند نقل وتصحيح هذه الرسالة بمقابلة هذه الصورة بكتاب "إعلام ~~الموقعين" لابن القيم. PageV01P003 # هذا ولا يفوتنا أن ننبه إلى أن الرسالة لها تتمة، يدل ذلك الكلمة ~~المكتوبة في آخر الصفحة التي انتهينا إليها والتي تشير إلى بداية صفحة ~~جديدة لم نجدها. # والله نسأل أن يرزقنا العلم النافع والعمل به، إنه جواد كريم، وصلى الله ~~على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # عبد الرحمن بن محمد السدحان # عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين # PageV01P004 ### | مبحث الاجتهاد والخلاف # ... # بسم الله الرحمن الرحيم # قال ابن القيم في إعلام الموقعين ": إذا قال الصحابي قولا، فإما أن ~~يخالفه صحابي آخر أو لا، فإن خالفه مثله لم يكن قول أحدهما حجة على الآخر، ~~وإن خالفه أعلم منه كالخلفاء الراشدين أو بعضهم، فهل يكون الشق الذي فيه ~~الخلفاء أو بعضهم حجة على الآخرين؟ فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن ~~أحمد، والصحيح أنه أرجح. فإن كان الأربعة في شق فلا شك أنه الصواب، ms01 وإن كان ~~أكثرهم في شق فالصواب فيه أغلب، فإن كانوا اثنين واثنين فشق أبي بكر وعمر ~~أقرب إلى الصواب، فإن اختلفا فالصواب مع أبي بكر. وهذه جملة لا يعرف ~~تفصيلها إلا من له خبرة وإطلاع، ويكفي في ذلك معرفة رجحان قول الصديق في ~~الجد والإخوة، وكون الطلاق بفم واحد مرة واحدة، وإن تلفظ فيه بالثلاث، ~~وجواز بيع أمهات الأولاد. ولا يحفظ للصديق خلاف نص واحد أبدا، ولا فتوى ولا ~~حكم مأخذهما ضعيف أبدا. # وإن لم يخالف الصحابي صحابي آخر فإما أن يشتهر قوله في الصحابة أو لا; ~~فإن اشتهر فالذي عليه جماهير الطوائف من الفقهاء أنه إجماع وحجة، وقالت ~~طائفة منهم: هو حجة وليس بإجماع، وقال بعض الفقهاء المتأخرين، لا يكون ~~إجماعا ولا حجة. وإن لم يشتهر أو لم يعلم هل اشتهر أم لا، فاختلف الناس هل ~~يكون حجة؟ # PageV01P005 # فالذي عليه جمهور الأمة أنه حجة، هذا قول جمهور الحنفية، صرح به محمد بن ~~الحسن، وهو مذهب مالك وأصحابه، وإسحاق وأبي عبيد ومنصوص أحمد ومنصوص ~~الشافعي في القديم والجديد. # والذين قالوا ليس بحجة قالوا: لأن الصحابي مجتهد يجوز عليه الخطأ، ولأن ~~الأدلة الدالة على بطلان التقليد تعم تقليد الصحابي ومن دونه، ولأن التابعي ~~إذا أدرك عمر الصحابة اعتد بخلافه، فكيف يكون قول الواحد حجة عليه، ولأن ~~الأدلة قد انحصرت في الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب، وقول ~~الصحابي ليس واحدا منها، ولأن امتيازه بكونه أفضل وأعلم لا يوجب وجوب ~~اتباعه على مجتهد آخر من التابعين. # فنقول: الكلام في مقامين: # أحدهما: في الأدلة الدالة على وجوب اتباع الصحابة رضي الله عنهم # الثاني: في الجواب عن شبه النفاة. # أما الأول فمن وجوه:- # الوجه الأول: # ما احتج به مالك، وهو قوله تعالى: {والسابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان} 1 الآية، فوجه الدلالة أن الله سبحانه ~~أثنى على من اتبعهم، فإذا قالوا قولا فاتبعهم متبع عليه قبل أن يعرف صحته ~~فهو متبع لهم، ولو كان تقليدا محضا كتقليد بعض PageV01P006 # المفتين لم يستحق من اتبعهم الرضوان ms02 إلا أن يكون عاميا، فأما العلماء فلا ~~يجوز لهم اتباعهم. # فإن قيل: اتباعهم هو أن يقول ما قالوا بالدليل، والدليل قوله: (بإحسان) ، ~~ومن قلدهم لم يتبعهم بإحسان، لأنه لو كان مطلق الاتباع محمودا لم يفرق، ~~وأيضا فيجوز أن يراد به اتباعهم في أصول الدين، وقوله: (بإحسان) أي بالتزام ~~الفرائض واجتناب المحارم، ويكون المقصود أن السابقين قد وجب لهم الرضوان ~~وإن أساؤوا; لقوله: "وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ~~ما شئتم فقد غفرت لكم" 1 وأيضا فالثناء على من اتبعهم كلهم، وذلك اتباعهم ~~فيما أجمعوا عليه، وأيضا فالثناء على من اتبعهم لا يقتضي وجوبه وإنما يدل ~~على جواز تقليدهم، وذلك دليل على جواز تقليد العالم كما هو مذهب طائفة، أو ~~الأعلم كقول أخرى، أما الدليل على وجوب اتباعهم فليس في الآية ما يقتضيه. # فالجواب من وجوه: # أحدها: أن الاتباع لا يستلزم الاجتهاد لوجوه: # أحدها: أن الاتباع المأمور به في القرآن كقوله: {فاتبعوني يحببكم الله} 2 ~~{واتبعوه لعلكم تهتدون} 3 {ويتبع غير سبيل المؤمنين} 4 ونحوه لا يتوقف على ~~الاستدلال على صحة القول مع الاستغناء عن القائل. PageV01P007 # الثاني: أنه لو كان المراد اتباعهم في الاستدلال لم يكن فرق بين السابقين ~~وبين جميع الخلائق، لأن اتباع موجب الدليل يجب أن يتبعه 1 كل أحد. # الثالث: أنه إما أن تجوز مخالفتهم في قولهم بعد الاستدلال أو لا، فإن لم ~~تجز فهو المطلوب، وإن جازت فقد خولفوا في تخصيص الحكم واتبعوا في حسن ~~الاستدلال، فليس جعل من فعل ذلك متبعا لموافقتهم في الاستدلال بأولى من ~~جعله مخالفا لمخالفته في عين الحكم. # الرابع: أن من خالفهم في الحكم الذي أفتوا به لا يكون متبعا لهم أصلا، ~~بدليل أن من خالف مجتهدا لا يصح أن يقال اتبعه، وإن أطلق ذلك فلا بد من ~~تقييده بأن يقال: اتبعه في الاستدلال أو الاجتهاد. # الخامس: أن الاتباع افتعال من التبع، وكون الإنسان تابعا لغيره نوع ~~افتقار إليه ومشي خلفه، وكل واحد من المجتهدين ليس متبعا ms03 للآخر. # السادس: أن الآية قصد بها مدح السابقين والثناء عليهم، وبيان استحقاقهم ~~أن يكونوا أئمة متبوعين، وبتقدير ألا يكون قولهم موجبا للموافقة ولا مانعا ~~من المخالفة لا يكون لهم هذا المنصب. # السابع: أن من خالفهم في خصوص الحكم لم يتبعهم في ذلك الحكم ولا فيما ~~استدلوا به عليه، فلا يكون متبعا لهم بمجرد مشاركتهم في صفة عامة وهي مطلق ~~الاستدلال والاجتهاد، لا سيما وتلك لا اختصاص لها به، PageV01P008 # لأن ما ينفي الاتباع، أخص مما يثبته، وإذا وجد الفارق الأخص والجامع ~~الأعم وكلاهما مؤثر، كان التفريق أولى. # وأما قوله: {بإحسان} فليس المراد به أن يجتهد، وافق أو خالف، لأنه إذا ~~خالف لم يتبع فضلا عن أن يكون بإحسان، ولأن مطلق الاجتهاد ليس فيه اتباع ~~لهم، لكن الاتباع لهم اسم يدخل فيه كل من وافقهم في الاعتقاد والقول، فلا ~~بد مع ذلك أن يكون المتبع محسنا بأداء الفرائض واجتناب المحارم، لئلا يقع ~~اغترار بمجرد الموافقة قولا، وأيضا فلا بد أن يحسن المتبع لهم القول فيهم، ~~اشترط الله ذلك لعلمه بأن سيكون أقوام ينالون منهم، وهذا مثل قوله بعد أن ~~ذكر المهاجرين والأنصار {والذين جاءوا من بعدهم} 1 الآية. وأما تخصيص ~~اتباعهم بأصول الدين دون فروعه فلا يصح، لأن الاتباع عام، ولأن من اتبعهم ~~في أصول الدين فقط لو كان متبعا لهم على الإطلاق لكنا متبعين للمؤمنين من ~~أهل الكتابين، ولم يكن فرق بين اتباع السابقين من هذه الأمة وغيرها. # وأيضا فإنه إذا قيل: فلان يتبع فلانا، ولم يقيد ذلك بقرينة لفظية ولا ~~حالية، فإنه يقتضي اتباعه في كل الأمور التي يتأتى فيها الاتباع، لأن من ~~اتبعه في حال وخالفه في أخرى لم يكن وصفه بأنه متبع بأولى من وصفه بأنه ~~مخالف، ولأن الرضوان حكم تعلق باتباعهم فيكون الاتباع سببا له، لأن الحكم ~~المعلق بما هو مشتق يقتضي أن ما منه الاشتقاق سبب، وإذا كان اتباعهم سببا ~~للرضوان اقتضى الحكم في جميع موارده، ولأن الاتباع يؤذن بكون PageV01P009 # الإنسان تبعا لغيره وفرعا عليه، وأصول ms04 الدين ليست كذلك، ولأن الآية تضمنت ~~الثناء عليهم وجعلهم أئمة لمن بعدهم، فلو لم يتناول إلا اتباعهم في أصول ~~الدين لم يكونوا أئمة في ذلك لأن ذلك معلوم مع قطع النظر عن اتباعهم. # وأما قولهم إن الثناء على من اتبعهم كلهم، فنقول: الآية اقتضت الثناء على ~~كل من اتبع كل واحد منهم، كما أن قوله: { (والسابقون الأولون} 1 {والذين ~~اتبعوهم} يقتضي حصول الرضوان لكل واحد من السابقين والذين اتبعوهم في قوله: ~~{رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري} 2 وكذلك في قوله: {اتبعوهم} ~~لأنه حكم علق عليهم في هذه الآية، فقد تناولهم مجتمعين ومنفردين. # وأيضا فإن الأصل في الأحكام المعلقة بأسماء عامة ثبوتها لكل فرد فرد من ~~تلك المسميات كقوله: {وأقيموا الصلاة} وقوله: {لقد رضي الله عن المؤمنين} 3 ~~وقوله {وكونوا مع الصادقين} 4. # وأيضا فإن الأحكام المعلقة على المجموع يؤتى فيها باسم يتناول المجموع ~~دون الأفراد، كقوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} 5 وقوله {كنتم خير ~~أمة} 6 وقوله {يتبع غير سبيل المؤمنين} 7 فإن لفظ (الأمة) PageV01P010 # ولفظ (سبيل المؤمنين) لا يمكن توزيعه على أفراد الأمة وأفراد المؤمنين، ~~بخلاف لفظ (السابقين) فإنه يتناول كل فرد من السابقين. # وأيضا فالآية تعم اتباعهم مجتمعين ومنفردين في كل ممكن، فمن اتبع جماعتهم ~~إذا اجتمعوا، واتبع آحادهم فيما وجد عنهم مما لم يخالفه فيه غيره منهم، فقد ~~صدق عليه أنه اتبع السابقين، أما من خالف بعض السابقين فلا يصح أن يقال ~~اتبع السابقين، لوجود مخالفته لبعضهم، لا سيما إذا خالف هذا مرة وهذا مرة. ~~وبهذا يظهر الجواب عن اتباعهم إذا اختلفوا، فإن اتباعهم هناك قول بعض تلك ~~الأقوال باجتهاد واستدلال، إذ هم مجتمعون على تسويغ كل واحد من الأقوال لمن ~~أدى اجتهاده إليه، فقد قصد اتباعهم أيضا. # أما إذا قال قولا ولم يخالفه غيره فلا يعلم أن السابقين سوغوا خلاف ذلك ~~القول. وأيضا فالآية تقتضي اتباعهم مطلقا، فلو فرضنا أن الطالب عثر على نص ~~يخالف قول أحد منهم، فقد علمنا أنه لو ms05 ظفر بذلك النص لم يعدل عنه، أما إذا ~~رأينا رأيا، فقد يجوز أن يخالف ذلك الرأي. # وأيضا فلو لم يكن اتباعهم إلا فيما أجمعوا عليه، لم يحصل اتباعهم إلا ~~فيما قد علم أنه من دين الإسلام بالاضطرار، لأن السابقين الأولين خلق عظيم، ~~ولم يعلم أنهم أجمعوا إلا على ذلك، فيكون هذا الوجه هو الذي قبله، وقد تقدم ~~بطلانه، إذ الاتباع في هذا غير مؤثر. # وأيضا فجميع السابقين قد مات منهم أناس في حياة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وحينئذ فلا يحتاج في ذلك إلى اتباعهم للاستغناء عنه بقول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # PageV01P011 # ثم لو فرضنا أحدا يتبعهم إذ ذاك لكان من السابقين، فحاصله أن التابعين لا ~~يمكنهم اتباع جميع السابقين، وأيضا فإن معرفة قول جميع السابقين كالمتعذر، ~~وأيضا فإنهم إنما استحقوا منصب الإمامة بكونهم هم السابقين، وهذه صفة ~~موجودة في كل واحد منهم، فوجب أن يكون إماما للمتقين كما استوجب الرضوان ~~والجنة. # وأما قولهم: ليس فيها ما يوجب اتباعهم، فنقول: الآية تقتضي الرضوان عمن ~~اتبعهم بإحسان، وقد قام الدليل على أن القول في الدين بغير علم حرام، فلا ~~يكون اتباعهم قولا بغير علم، بل قولا بعلم، وهو المقصود، وحينئذ فسواء يسمى ~~تقليدا أو اجتهادا. # وأيضا فإن كان تقليد العالم للعالم حراما كما هو قول الشافعية والحنابلة ~~فاتباعهم ليس بتقليد، لأنه مرضي، وإن كان تقليدهم جائزا أو مستثنى من ~~التقليد المحرم، فلم يقل أحد إن تقليد العلماء من موجبات الرضوان، فعلم أن ~~تقليدهم خارج عن هذا، لأن تقليد العالم وإن كان جائزا فتركه إلى قول غيره ~~أو إلى اجتهاد جائز بالاتفاق، والشيء المباح لا يستحق به الرضوان، وأيضا ~~فإن رضوان الله غاية المطالب ولا ينال إلا بأفضل الأعمال، ومعلوم أن ~~التقليد ليس بأفضل الأعمال، بل الاجتهاد أفضل منه، فعلم أن اتباعهم هو أفضل ~~ما يكون في مسألة اختلفوا فيها هم ومن بعدهم، وأن اتباعهم دون من بعدهم هو ~~الموجب لرضوان الله، فلا ريب أن رجحان أحد القولين يوجب ms06 اتباعه، وقولهم ~~أرجح بلا شك. # PageV01P012 # وأيضا فإن الله أثنى على الذين اتبعوهم بإحسان، والتقليد وظيفة العامة، ~~فلو أريد التقليد الذي يجوز خلافه لكان للعامة النصيب الأوفى، وكان حظ ~~علماء الأمة من هذه الآية أبخس الحظوظ. # وأيضا فإذا كان اتباعهم موجب الرضوان لم يكن تركه موجب الرضوان، لأن ~~الجزاء لا يقتضيه وجود الشيء وضده. # وأيضا فإن طلب رضوان الله واجب، لأنه إذا لم يوجب رضوانه فإما سخطه أو ~~عفوه، والعفو بعد انعقاد سبب الخطيئة. وأيضا فإنه إنما أثنى على المتبع ~~بالرضوان، ولم يصرح بالوجوب، لأن إيجاب الاتباع يدخل فيه الاتباع بالأفعال، ~~ويقتضي تحريم مخالفتهم مطلقا، فيقتضي ذم المخطئ، وليس كذلك، أما الأقوال ~~فلا وجه لمخالفتهم فيها بعد أن ثبت أن فيها رضي الله. # وأيضا فإن القول إذا ثبت أن فيه رضى الله لم يكن رضى الله في ضده بخلاف ~~الأفعال، وقد يكون رضى الله في الأفعال المختلفة وفي الترك بحسب قصدين ~~وحالين، أما الاعتقادات والأقوال فليست كذلك، فإذا ثبت أن في قولهم رضى ~~الله لم يكن الحق إلا هو، فوجب اتباعه. فإن قيل: السابقون هم الذين صلوا ~~إلى القبلتين، أو هم أهل بيعة الرضوان ومن قبلهم، فما الدليل على اتباع من ~~أسلم بعد ذلك؟ # قيل: إذا ثبت وجوب اتباع أهل بيعة الرضوان فهو أكبر المقصود، على أنه لا ~~قائل بالفرق، وكل الصحابة سابق بالنسبة إلى من بعدهم. # PageV01P013 # الوجه الثاني: 1 # قوله تعالى: {اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون} 2 هذا قصه الله ~~سبحانه عن صاحب (يس) على سبيل الرضى بهذه المقالة، والثناء على قائلها، ~~والإقرار له عليها، وكل الصحابة رضي الله عنهم لم يسألنا أجرا، وهم مهتدون، ~~بدليل قوله تعالى: {وكنتم على شفا حفرة من النار} 3 الآية و "لعل" من الله ~~واجب، وقوله {والذين اهتدوا زادهم هدى} 4، وقوله: {سيهديهم ويصلح بالهم} 5، ~~وقوله: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} 6، وكل منهم قاتل في سبيل ~~الله، وجاهد إما بيده أو بلسانه، فيكون الله قد هداهم، ومن هداه فهو مهتد، ~~فيجب اتباعه للآية. ms07 # الوجه الثالث: # قوله سبحانه وتعالى: {واتبع سبيل من أناب} 7 وكل من الصحابة منيب إلى ~~الله، فيجب اتباع سبيله، وأقواله واعتقاداته من أكبر سبيله، والدليل عن ~~أنهم منيبون إلى الله أن الله سبحانه قد هداهم، وقد قال تعالى: {ويهدي إليه ~~من ينيب} 8. PageV01P014 # الوجه الرابع: # قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} 1 ~~فأخبر سبحانه أن من اتبع الرسول يدعو إلى الله على بصيرة، ومن دعا إلى الله ~~على بصيرة وجب اتباعه، لقوله تعالى فيما حكاه عن الجن ورضيه: {يا قومنا ~~أجيبوا داعي الله} 2. # الوجه الخامس: # قوله سبحانه وتعالى: {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى} 3 قال ~~ابن عباس في رواية أبي مالك: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، والدليل ~~عليه قوله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} 4 وحقيقة ~~الاصطفاء افتعال من التصفية، فيكون قد صفاهم من الأكدار، والخطأ من ~~الأكدار، فيكونون مصفين منه، ولا ينتقض هذا بما إذا اختلفوا، لأن الحق لم ~~يعدهم، ولا يكون قول بعضهم كدرا، لأن مخالفة الكدر وبيانه يزيل كونه كدرا. # الوجه السادس: # أن الله سبحانه شهد لهم أنهم أوتوا العلم، بقوله تعالى: {ويرى الذين ~~أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق} 5 وقوله: {حتى إذا PageV01P015 # خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا} 1 وقوله: {رفع ~~الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} 2 واللام في العلم ليست ~~للاستغراق، وإنما هي للعهد، أي العلم الذي بعث الله به نبيه صلى الله عليه ~~وسلم، وإذا كانوا قد أوتوا هذا العلم، كان اتباعهم واجبا. # الوجه السابع: # قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} 3 الآية. شهد لهم سبحانه أنهم ~~يأمرون بكل معروف، وينهون عن كل منكر، فلو كانت الحادثة في زمانهم لم يفت ~~فيها إلا من أخطأ منهم، لم يكن أحد منهم قد أمر فيها بمعروف، ولا نهى فيها ~~عن منكر، إذ الصواب معروف، والخطأ منكر من بعض الوجوه، ولولا ms08 ذلك لما صح ~~التمسك بهذه الآية على أن الإجماع حجة. # الوجه الثامن: # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} 4. قال ~~غير واحد من السلف: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولا ريب أنهم أئمة ~~الصادقين، وكل صادق بعدهم فبهم يأتم في صدقه، بل حقيقة صدقه اتباعه لهم، ~~وكونه معهم، ومعلوم أن من خالفهم في شيء وإن وافقهم في غيره لم يكن معهم ~~فيما خالفهم فيه، فتنتفي عنه المعية PageV01P016 # المطلقة، وإن ثبت له قسط من المعية فيما وافقهم فيه، فلا يصدق عليه أنه ~~معهم بهذا القسط. وهذا كما نفى الله ورسوله الإيمان المطلق عن الزاني ~~والشارب والسارق، وهذا كما أن اسم الفقيه والعالم عند الإطلاق لا يقال لمن ~~معه مسألة أو مسألتان، وإن قيل: معه شيء من العلم. ففرق بين المعية المطلقة ~~ومطلق المعية، ومعلوم أن المأمور به الأول لا الثاني، فإن الله سبحانه لم ~~يرد منا أن نكون معهم في شيء من الأشياء، وأن نحصل من المعية ما يصدق عليه ~~الاسم، وهذا غلط عظيم في فهم مراد الرب من أوامره، فإذا أمرنا بالتقوى ~~والبر والصدق والعفة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحو ذلك، ~~لم يرد منا أن نأتي من ذلك بأقل ما يطلق عليه الاسم. # الوجه التاسع: # قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا} 1. ووجه الاستدلال بالآية أنه سبحانه وتعالى أخبر أنه ~~جعلهم أمة خيارا عدلا، هذا حقيقة الوسط، فهم خير الأمم وأعدلها في أقوالهم ~~وأعمالهم وإراداتهم ونياتهم، وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرسل على ~~أممهم يوم القيامة، والله سبحانه يقبل شهادتهم عليهم فهم شهداؤه، ولهذا نوه ~~بهم، ورفع ذكرهم، وأثنى عليهم، لأنه سبحانه لما اتخذهم شهداء أعلم خلقه من ~~الملائكة وغيرهم بحال هؤلاء الشهداء، وأمر ملائكته أن تصلي عليهم، وتدعو ~~لهم، وتستغفر لهم. والشاهد المقبول عند الله هو الذي يشهد بعلم وصدق، فيخبر ~~بالحق، PageV01P017 # مستندا إلى علمه به، كما قال تعالى: {إلا من شهد بالحق وهم ms09 يعلمون} 1. ~~فقد يخبر الإنسان بالحق اتفاقا من غير علمه به، وقد يعلمه ولا يخبر به، ~~فالشاهد المقبول عند الله هو الذي يخبر به عن علم. فلو كان علمهم أن يفتي ~~أحدهم بفتوى وتكون خطأ مخالفة لحكم الله ورسوله، ولا يفتي غيره بالحق، كانت ~~هذه الأمة العدل قد أطبقت على خلاف الحق، بل انقسموا قسمين: قسما أفتى ~~بالباطل، وقسما سكت. # الوجه العاشر: # قوله تبارك وتعالى: {وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم ~~في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون ~~الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس} 2 الآية. فأخبر سبحانه وتعالى ~~أنه اجتباهم، والاجتباء كالاصطفاء، وهو افتعال من جبى الشيء يجبيه إذا ضمه ~~إليه، فهم الذين اجتباهم الله إليه، وجعلهم أهله وخاصته، ولهذا أمرهم ~~سبحانه أن يجاهدوا فيه حق جهاده فيبذلوا له أنفسهم، ويفردوه بالمحبة ~~والعبودية، ويختاروه وحده إلها معبودا محبوبا على كل ما سواه كما اختارهم ~~على من سواهم، ثم أخبر سبحانه أنه يسر عليهم دينه غاية التيسير، ولم يجعل ~~عليهم من حرج ألبئة، لكمال محبته لهم ورأفته ورحمته وحنانه بهم، ثم أمرهم ~~بلزوم ملة إمام الحنفاء أبيهم إبراهيم وهي إفراده سبحانه وحده بالعبودية ~~والتعظيم والحب PageV01P018 # والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والتفويض والاستسلام، فيكون تعلق ذلك من ~~قلوبهم به وحده لا بغيره، ثم أخبر سبحانه أنه نوه بهم وأثنى عليهم قبل ~~وجودهم، وسماهم عباده المسلمين قبل أن يظهرهم، ثم نوه بهم، وسماهم كذلك بعد ~~أن أوجدهم اعتناء بهم، ورفعة لشأنهم، وإعلاء لقدرهم، ثم أخبر سبحانه أنه ~~فعل ذلك ليشهد عليهم رسوله، ويشهدوا هم على الناس. فيكون مشهودا لهم بشهادة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم شاهدين على الأمم بقيام حجة الله عليهم، فكان ~~هذا التنويه وإشادة الذكر بهذين الأمرين الجليلين، ولهاتين الحكمتين ~~العظيمتين. والمقصود: أنهم إذا كانوا بهذه المنزلة عنده سبحانه فمن المحال ~~أن يحرمهم كلهم الصواب في مسألة، فيفتي بعضهم بالخطأ، ولا يفتي غيره ~~بالصواب، ويظفر به من بعدهم، والله ms10 المستعان. # الوجه الحادي عشر: # قوله تبارك وتعالى: {ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم} 1. أخبر ~~سبحانه عن المعتصمين به أنهم قد هدوا إلى الحق، والصحابة معتصمون بالله، ~~لقوله تعالى: {واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير} 2 ومعلوم ~~كمال تولي الله سبحانه لهم ونصره إياهم أتم نصر، وهذا يدل على أنهم اعتصموا ~~به أتم اعتصام. PageV01P019 # الوجه الثاني عشر: # قوله تعالى عن أصحاب موسى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ~~وكانوا بآياتنا يوقنون} 1. فأخبر سبحانه أنه جعل منهم أئمة يأتم بهم من ~~بعدهم، لصبرهم ويقينهم، إذ بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، فإن ~~الداعي إلى الله لا يتم له أمره إلا بيقينه للحق الذي يدعو إليه، وبصيرته ~~به، وصبره على تنفيذ الدعوة إلى الله باحتمال مشاق الدعوة، وكف النفس عما ~~يوهن عزمه؛ فمن كان بهذه المثابة كان من الأئمة الذين يهدون بأمره سبحانه، ~~وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحق وأولى بهذا الوصف من أصحاب موسى، فهم ~~أولى بمنصب هذه الإمامة. # الوجه الثالث عشر. # قوله تبارك وتعالى: {والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة ~~أعين واجعلنا للمتقين إماما} 2. وإمام بمعنى قدوة، وهو يصلح للواحد والجمع، ~~كالأمة والأسوة، وقد قيل: هو جمع آمم كصاحب وصحاب وراجل ورجال وتاجر وتجار، ~~وقيل: مصدر كقتال وضراب، أي ذوى إمام، والصواب الوجه الأول، فكل من كان من ~~المتقين وجب عليه أن يأتم بهم، والتقوى واجبة فالائتمام بهم واجب. # الوجه الرابع عشر. # ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح أنه قال: "خير القرون ~~القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" 3 فأخبر ~~PageV01P020 # صلى الله عليه وسلم أن خير القرون قرنه مطلقا، وذلك يقتضي تقديمهم في كل ~~باب من أبواب الخير، وإلا لكانوا خيرا من بعض الوجوه، فلا يكونون خير ~~القرون مطلقا، ثم هذا يتعدد في مسائل عدة، لأن من يقول ليس بحجة، يجوز عنده ~~أن يكون من بعدهم أصاب في كل مسألة قال فيها الصحابي قولا، ms11 ولم يخالفه ~~صحابي آخر، وهذا يأتي في مسائل كثيرة تفوق العد والإحصاء. # الوجه الخامس عشر: # ما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى، قال: "صليت المغرب مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء، جلسنا، فخرج ~~علينا، قال: ما زلتم هاهنا؟ قلنا: يا رسول الله صلينا معك المغرب، ثم جلسنا ~~حتى نصلي معك العشاء، قال: أحسنتم وأصبتم ورفع رأسه إلى السماء، وكان كثيرا ~~ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى ~~السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، ~~وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون" 1 ووجه الاستدلال ~~بالحديث أنه جعل نسبة أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه، ومعلوم أن ~~هذا يعطي من وجوب الاهتداء بهم ما هو نظير اهتدائهم بنبيهم صلى الله عليه ~~وسلم ونظير اهتداء أهل الأرض بالنجوم. وأيضا فإنه جعل بقاءهم بين الأمة ~~أمنة لهم وحرزا من الشر وأسبابه. PageV01P021 # الوجه السادس عشر: # ما رواه أبو عبد الله بن بطة من حديث الحسن عن أنس، قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "إن مثل أصحابي في أمتي كمثل الملح في الطعام، لا يصلح ~~الطعام إلا بالملح ". قال الحسن: فقد ذهب ملحنا فكيف نصلح. وروى ابن بطة ~~أيضا بإسنادين إلى عبد الرزاق، أخبرنا معمر عمن سمع الحسن يقول: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "مثل أصحابي في الناس كمثل الملح في الطعام". ثم ~~يقول الحسن: هيهات! ذهب ملح القوم. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن علي ~~الجعفي عن أبي موسى - يعني إسرائيل- عن الحسن، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "مثل أصحابي كمثل الملح في الطعام". قال: يقول الحسن: هل يطيب ~~الطعام إلا بالملح؟، ويقول الحسن: فكيف بقوم ذهب ملحهم؟. ووجه الاستدلال ~~أنه شبه أصحابه في صلاح دين الأمة بهم بالملح الذي صلاح الطعام به، فلو جاز ~~أن يفتوا بالخطأ، ويظفر بالصواب من بعدهم، لكان ms12 من بعدهم ملحا لهم. يوضحه: ~~أن الملح كما أنه صلاح الطعام فالصواب به صلاح الأنام، فلو أخطؤوا لاحتاج ~~ذلك إلى ملح يصلحه. # الوجه السابع عشر: # ما روى البخاري عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد # PageV01P022 # أحدهم ولا نصيفه" 1. وفي لفظ: "فوالذي نفسي بيده". وهذا خطاب منه لخالد ~~بن الوليد ولأقرانه من مسلمة الفتح والحديبية; فإذا كان مد أحد أصحابه ~~ونصيفه أفضل عند الله من مثل أحد ذهبا من مثل خالد وأضرابه من الصحابة، ~~فكيف يجوز أن يحرمهم الله الصواب، ويظفر به من بعدهم؟ # الوجه الثامن عشر: # ما روى الحميدي، حدثنا محمد بن طلحة، حدثني عبد الرحمن بن سالم ابن عبد ~~الرحمن بن عويم بن ساعدة عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"إن الله اختارني، واختار لي أصحابا، فجعل لي منهم وزراء وأنصارا وأصهارا" ~~الحديث، ومن المحال أن يحرم الله الصواب من اختارهم لرسوله، ويعطيه من ~~بعدهم. # الوجه التاسع عشر: # ما رواه أبو داود الطيالسي، حدثنا المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن ابن ~~مسعود، قال: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم ~~خير قلوب العباد، فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى ~~الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فاختارهم لصحبة نبيه ~~ونصرة دينه، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون ~~قبيحا فهو عند الله قبيح". ومن المحال أن يخطئ الحق خير قلوب العباد بعد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ويظفر به من بعدهم. PageV01P023 # وأيضا فإن ما أفتى به أحدهم، وسكت عنه الباقون، فإما أن يروه حسنا أو ~~قبيحا، فإن رأوه حسنا فهو حسن عند الله، وإن رأوه قبيحا ولم ينكروه لم تكن ~~قلوبهم من خير قلوب العباد، وكان من أنكره بعدهم خيرا منهم وأعلم، وهذا من ~~أبين المحال. # الوجه العشرون: ms13 # ما رواه أحمد وغيره عن ابن مسعود أنه قال: "من كان متأسيا فليتأس بأصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها ~~علما، وأقلها تكلفا، وأقومها هديا، وأحسنها حالا، قوم اختارهم الله لصحبة ~~نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوا آثارهم، فإنهم كانوا على ~~الهدى المستقيم". # الوجه الحادي والعشرون: # ما رواه الطبراني وأبو نعيم وغيرهما، عن حذيفة بن اليمان، أنه قال: "يا ~~معشر القراء، خذوا طريق من كان قبلكم، فوالله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقا ~~بعيدا، ولئن تركتموه يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا". # الوجه الثاني والعشرون: # ما قاله جندب بن عبد الله لفرقة دخلت عليه من الخوارج; فقالوا: ندعوك إلى ~~كتاب الله، قال: أنتم؟ قالوا: نحن، فقال: "يا أخابث خلق الله، في اتباعنا ~~تختارون الضلالة، أم في غير سنتنا تلتمسون الهدى؟ اخرجوا عني". # PageV01P024 # الوجه الثالث والعشرون: # ما رواه الترمذي من حديث العرباض بن سارية قال: "وعظنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال ~~قائل: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: عليكم ~~بالسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي" 1 الحديث، وهذا حديث حسن، إسناده ~~لا بأس به، فقرن سنة الخلفاء بسنته، وأمر باتباعها، وبالغ في الأمر بها، ~~وهذا يتناول ما أفتوا به، وسنوه للأمة، وإن لم يتقدم من نبيهم فيه شيء، ~~وإلا كان ذلك سنته، ويتناول ما أفتى به جميعهم، أو أكثرهم، أو بعضهم، لأنه ~~علق ذلك بما سنه الخلفاء الراشدون؛ ومعلوم أنهم لم يسنوا ذلك وهم خلفاء في ~~آن واحد، فعلم أن ما سنه كل واحد منهم في وقته فهو من سنة الخلفاء ~~الراشدين. # الوجه الرابع والعشرون: # ما رواه الترمذي من حديث الثوري، عن عبد الملك بن عمير عن هلال مولى ربعي ~~بن حراش، عن ربعي، عن حذيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ~~ابن أم عبد" ms14 2 قال الترمذي: هذا حديث حسن. PageV01P025 # الوجه الخامس والعشرون: # ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي قتادة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"إن يطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا" 1، وهو في حديث الميضأة الطويل 2. # الوجه السادس والعشرون: # أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر في شأن تأمير القعقاع ~~والأقرع: "لو اتفقتما على شيء لم أخالفكما" 3. # الوجه السابع والعشرون: # أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى أبي بكر وعمر فقال: "هذان السمع ~~والبصر" 4، أي هما مني بمنزلة السمع والبصر، أو هما من الدين بمنزلة السمع ~~والبصر. # الوجه الثامن والعشرون: # ما رواه أبو داود عن أبي ذر، قال: " مر فتى على عمر، فقال عمر: نعم ~~الفتى، فتبعه أبو ذر، فقال: يا فتى، استغفر لي، فقال: يا أبا ذر، أستغفر لك ~~وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: استغفر لي، قال: لا، أو ~~تخبرني، قال: إنك مررت على عمر، فقال: نعم PageV01P026 # الفتى، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول: إن الله جعل الحق ~~على لسان عمر وقلبه". # الوجه التاسع والعشرون: # ما رواه مسلم عن عائشة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "قد كان فيمن ~~خلا من الأمم أناس محدثون، فإن يكن في أمتي أحد منهم فهو عمر" 1 وهو في ~~المسند والترمذي من حديث أبي هريرة، والمحدث هو المكلم الذي يلقي الله في ~~روعه الصواب، يحدثه به الملك عن الله. # الوجه الثلاثون: # ما رواه الترمذي عن عقبة بن عامر مرفوعا: "لو كان بعدي نبي لكان عمر" 2، ~~وفي لفظ: "لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر". قال الترمذي: حديث حسن. # الوجه الحادي والثلاثون: # ما روى ابن أبي خالد عن الشعبي أن عليا (قال: "ما كنا نبعد أن السكينة ~~تنطق على لسان عمر". ورواه عمرو بن ميمون عن زر عن علي. # الوجه الثاني والثلاثون: # ما رواه واصل الأحدب عن أبي وائل عن ابن مسعود، قال: "ما رأيت عمر إلا ~~وكأن ملكا بين عينيه يسدده". ms15 PageV01P027 # الوجه الثالث والثلاثون: # ما رواه الأعمش عن شقيق، قال: قال عبد الله: "والله لو أن علم عمر وضع في ~~كفة ميزان، وجعل علم أهل الأرض في كفة لرجح علم عمر، فذكرت ذلك لإبراهيم ~~النخعي، فقال: قال عبد الله: والله إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم". # الوجه الرابع والثلاثون: # ما رواه ابن عيينة عن عبد الله بن أبي يزيد، قال: "كان ابن عباس إذا سئل ~~عن شيء فكان في القرآن أو السنة قال به، وإلا قال بما قال به أبو بكر وعمر، ~~فإن لم يكن قال برأيه". # الوجه الخامس والثلاثون: # ما رواه منصور عن زيد بن وهب عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد". كذا رواه يحيى بن يعلى ~~المحاربي عن زائدة 1 عن منصور، والصواب ما رواه إسرائيل وسفيان عن منصور عن ~~القاسم بن عبد الرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، ثم ذكر من حديث ~~عمرو بن حريث نحوه. # الوجه السادس والثلاثون: # ما رواه أبو إسحاق عن حارثة بن مضرب، قال: "كتب عمر إلى أهل الكوفة: قد ~~بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرا، وابن مسعود معلما ووزيرا، PageV01P028 # وهما من النجباء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من أهل بدر، فاقتدوا ~~بهما، واسمعوا قولهما، وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي". # الوجه السابع والثلاثون: # ما قاله عبادة بن الصامت وغيره: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على أن نقول بالحق حيث كنا، ولا نخاف في الله لومة لائم". # الوجه الثامن والثلاثون: # ما ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رقى المنبر، فقال: "إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده، ~~فاختار ما عنده ... " 1 إلخ. # الوجه التاسع والثلاثون: # ما رواه زائدة عن عاصم عن زر عن عبد الله قال: "لما قبض رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فأتاهم عمر، فقال: ms16 ~~ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يؤم الناس؟ ~~قالوا: بلى. قال: فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالوا: نعوذ بالله أن ~~نتقدم أبا بكر" إلخ. # الوجه الأربعون: # ما ثبت في الصحيح عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"بينما أنا نائم إذ أتيت بقدح لبن، فقيل لي: اشرب، فشربت منه حتى إني لأرى ~~الري يجري في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر 2 قالوا: فما أولت ذلك؟ قال: ~~العلم". PageV01P029 # الوجه الحادي والأربعون: # ما ثبت في الصحيح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم ~~فقهه في الدين" 1. # الوجه الثاني والأربعون: # أن صورة المسألة ما إذا لم يكن في الواقعة حديث، ولا اختلاف بين الصحابة ~~وإنما قال بعضهم فيها قولا ولم يعلم أنه اشتهر في الباقين، ولا أنهم ~~خالفوه، فنقول: من تأمل المسائل الفقهية، وتصرف في مداركها وارتوى من ~~مواردها، علم قطعا أن كثيرا منها قد تشتبه فيها وجوه الرأي، بحيث لا يوثق ~~فيها بظاهر مراد أو قياس صحيح ينشرح له الصدر، بل تتعارض فيها الظواهر ~~والأقيسة على وجه يقف المجتهد في أكثر المواضع، لا سيما إذا اختلف الفقهاء، ~~فإن عقولهم من أكمل العقول، فإذا وجد قول لأصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الذين هم سادات الأمة، وأعلم الناس، وقد شاهدوا التنزيل، وعرفوا ~~التأويل، كان الظن والحالة هذه بأن الصواب في جهته من أقوى الظنون، وإذا ~~كان المطلوب في الحادثة إنما هو ظن راجح، فلا شك أن الظن الذي يحصل لنا به ~~أرجح من كثير من الظنون. # الوجه الثالث والأربعون: # أن الصحابي إذا قال قولا فله مدارك ينفرد بها عنا، ومدارك نشاركه فيها، ~~فأما ما يختص به فيجوز أن يكون سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم شفاها أو ~~من صحابي آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ما انفردوا به من العلم ~~عنا أكثر من أن يحاط به، فلم يرو كل منهم PageV01P030 # كل ms17 ما سمع، وأين ما سمعه الصديق والفاروق وغيرهما من كبار الصحابة رضي ~~الله عنهم إلى ما رووه؟ فلم يرو عنه صديق الأمة مائة حديث، وهو لم يغب عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من مشاهده، بل صحبه من حين بعث، بل قبل ~~البعث إلى أن توفي. # فقول القائل: لو كان عند الصحابي في هذه الواقعة شيء عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لذكره، قول من لم يعرف سيرة القوم وأحوالهم، فإنهم كانوا يهابون ~~الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعظمونها، ويقللونها خوف الزيادة ~~والنقص، ويحدثون بالشيء سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم مرارا، ولا ~~يصرحون بالسماع. فتلك الفتوى لا تخرج عن ستة أوجه:- # أحدها: أن يكون سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم. # الثاني: أن يكون سمعها ممن سمعها منه. # الثالث: أن يكون فهمها من كتاب الله فهما خفي علينا. # الرابع: أن يكون قد اتفق عليها ملؤهم، ولم ينقل إلينا إلا قول المفتي. # الخامس: أن يكون لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد به ~~عنا، أو لقرائن حالية اقترنت بالخطاب، أو لمجموع أمور فهموها على طول ~~الزمان، من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ومشاهدة أفعاله وأحواله وسيرته، ~~وعلى هذه التقادير يكون حجة يجب اتباعها. # السادس: أن يكون فهم ما لم يرده الرسول صلى الله عليه وسلم، # PageV01P031 # وأخطأ في فهمه، ومعلوم أن وقوع احتمال من خمسة أغلب على الظن من وقوع ~~احتمال واحد معين، وليس المطلوب إلا الظن الغالب. هذا فيما انفردوا به عنا، ~~أما المدارك التي شاركناهم فيها من دلالة الألفاظ والأقيسة، فلا ريب أنهم ~~كانوا أبر قلوبا، وأعمق علما، وأقل تكلفا، وأقرب إلى أن يوفقوا لما لم نوفق ~~له نحن، لما خصهم الله به من توقد الأذهان، وفصاحة اللسان، وسعة العلم، ~~وسهولة الأخذ، وحسن الإدراك، وقلة المعارض أو عدمه، وحسن القصد وتقوى الرب. ~~وأما المتأخرون فقلوبهم 1 متفرقة، فالعربية وتوابعها قد أخذت من قوى ~~أذهانهم شعبة، والأصول شعبة، وعلم الإسناد وأحوال الرواة ms18 شعبة، وفكرهم في ~~كلام شيوخهم شعبة، إلى غير ذلك من الأمور، فإذا وصلوا إلى النصوص النبوية - ~~إن كان لهم همم تسافر إليها- وصلوا إليها بقلوب وأذهان قد كلت من السير، ~~وهذا شأن من استفرغ قواه في الأعمال غير المشروعة، تضعف قوته عند العمل ~~المشروع. # الوجه الرابع والأربعون: # أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على ~~الحق" 2. وقال علي (: "لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة، لكيلا تبطل حجج ~~الله وبيناته". فلو جاز أن يخطئ الصحابي في حكم PageV01P032 # ولا يكون في العصر ناطق بالصواب، لم يكن في الأمة قائم بالحق في ذلك ~~الحكم. # الوجه الخامس والأربعون: # إذا قالوا قولا أو بعضهم، ثم خالفهم مخالف من غيرهم كان مبتدئا لذلك ~~القول ومبتدعا له، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة ~~الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، ~~وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" 1 وقال ابن مسعود: "اتبعوا، ولا ~~تبتدعوا، فقد كفيتم، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". وقال أيضا: "إنا ~~نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر". وقال أيضا: ~~"أنا لغير الدجال أخوف عليكم من الدجال، أمور تكون من كبرائكم، فأيما مرية ~~أو رجيل أدرك ذلك الزمان، فالسمت الأول، فالسمت الأول، فأنا اليوم على ~~السنة". وقال عمر بن عبد العزيز كلاما كان مالك بن أنس وغيره من الأئمة ~~يستحسنونه ويحدثون به دائما، قال: "سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة ~~الأمر بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال طاعته وقوة على دينه، ~~ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في رأي من خالفها، فمن اقتدى بما ~~سنوا اهتدى، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ~~ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا". PageV01P033 # الوجه السادس والأربعون: # أنه لم يزل أهل العلم في كل عصر ومصر يحتجون بما هذا سبيله ولا ينكره ~~منكر، وتصانيف العلماء شاهدة بذلك، ويمتنع إطباق هؤلاء ms19 كلهم على الاحتجاج ~~بما لم يشرع الله ورسوله الاحتجاج به. فإن قيل: فما تقولون في أقوالهم في ~~تفسير القرآن، هل هي حجة؟ قيل: لا ريب أن أقوالهم في التفسير أصوب من أقوال ~~من بعدهم. فإن قيل: فنحن نجد لبعضهم أقوالا في التفسير تخالف الأحاديث ~~المرفوعة الصحاح، كما فسر علي قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم} 1 الآية ~~أنها في الحامل والحائل، والسنة الصحيحة بخلافه، وفسر ابن مسعود {وأمهات ~~نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} 2 بأن الصفة ~~ل (نسائكم) الأولى والثانية، فلا تحرم أم المرأة حتى يدخل بها، والصحيح ~~خلاف قوله، والصفة راجعة إلى قوله: (وربائبكم) الآية، وهو قول جمهور ~~الصحابة، وكما فسر ابن عباس (السجل) 3 بأنه كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~يسمى السجل، وإنما السجل الصحيفة المكتوبة، واللام مثلها في قوله {وتله ~~للجبين} 4 # وفي قوله: # فخر صريعا لليدين وللفم PageV01P034 # أي يطوي السماء كما يطوي السجل على ما فيه من الكتاب؟ قيل: الكلام في ~~تفسيره كالكلام في فتواه وصورتها، إلا أن يكون في المسألة نص يخالفه، ويقول ~~في الآية قولا لا يخالفه فيه أحد من الصحابة، علم اشتهاره أو لم يعلم، وما ~~ذكر من هذه الأمثلة فقد فيه الأمران، وهو نظير ما روي عن بعضهم من الفتاوى ~~التي تخالف النص، وهم مختلفون فيها. فإن قيل: لو كان قوله حجة بنفسه لما ~~أخطأ، ولكان معصوما، وإذا كان يفتي بالصواب تارة وبغيره أخرى، فمن أين لكم ~~أن هذه من قسم الصواب؟. قيل: الأدلة المتقدمة تدل كل انحصار الصواب في قوله ~~في الصورة المفروضة الواقعة، وهو أن من المقنع أن يقولوا في كتاب الله ~~(الخطأ المحض، ويمسك الباقون عن الصواب، فإن قولهم لم يكن بمجرده حجة، بل ~~بما انضاف إليه من القرائن. # فإن قيل: فبعض ما ذكرتم يقتضي أن التابعي إذا قال قولا، ولم يخالفه صحابي ~~ولا تابعي أن يكون حجة؟ # فالجواب: أن التابعين انتشروا انتشارا لا ينضبط، ولا يكاد يغلب على الظن ~~عدم المخالف. # وقد اختلف ms20 السلف: فمنهم من يقول: يجب اتباع التابعي فيما أفتى به كذلك، ~~ومن تأمل كتب الأئمة ومن بعدهم، وجدها مشحونة بالاحتجاج بتفسير التابعي. # PageV01P035 # وقال ابن القيم أيضا 1 إذا سئل عن مسألة فيها نص أو إجماع، فعليه أن ~~يبلغه بحسب الإمكان، فمن علم علما فكتمه، ألجمه الله بلجام من نار، فإن لم ~~يأمن غائلة الفتوى، وخاف أن يترتب عليها شيء أكبر من الإمساك عنها أمسك ~~ترجيحا لدفع أعلى المفسدتين، وقد أمسك النبي صلى الله عليه وسلم عن نقض ~~الكعبة لأجل حدثان عهد قريش بالإسلام، وأن ذلك ربما نفرهم عنه بعد الدخول ~~فيه. # وكذلك إن كان عقل السائل لا يحتمل الجواب، كما قال ابن عباس لرجل سأله عن ~~تفسير آية: وما يؤمنك أني لو أخبرتك بتفسيرها كفرت به؟ أي جحدته وأنكرته ~~فكفرت به، ولم يرد أنك تكفر بالله تعالى ورسوله. # ويجوز أن يعدل عن جواب المستفتي عما سأل عنه إلى ما هو أنفع له، ولا سيما ~~إذا تضمن جواب ما سأل عنه، قال تعالى: {يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم ~~من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من ~~خير فإن الله به عليم} 2 فسألوه عن المنفق، فأجابهم بذكر المصرف، إذ هو أهم ~~مما سألوا عنه، ونبههم عليه بالسياق، مع ذكره لهم في موضع آخر، وهو قوله ~~تعالى: {قل العفو} 3، وهو ما سهل عليهم إنفاقه، ولم يضرهم إخراجه، وقد ظن ~~بعضهم أن من ذلك قوله: PageV01P036 # {يسألونك عن الأهلة} 1 الآية، فسألوه عن سبب ظهور الهلال خفيا، ثم لا ~~يزال يتزايد فيه النور على التدريج، حتى يكمل، ثم يأخذ في النقصان، فأجابهم ~~عن حكمة ذلك من ظهور مواقيت الناس التي بها تمام مصالحهم في أحوالهم ~~ومعاشهم، ومواقيت أكبر عباداتهم، وهو الحج، فإن كانوا قد سألوا عن السبب، ~~فقد أجيبوا بما هو أنفع لهم مما سألوا عنه، وإن كانوا إنما سألوا عن حكمة ~~ذلك، فقد أجيبوا عن عين ما سألوا عنه، ولفظ سؤالهم محتمل، فإنهم قالوا: ما ~~بال الهلال يبدو دقيقا، ms21 ثم يأخذ في الزيادة حتى يتم، ثم يأخذ في النقص؟ # ومن فقه المفتي إذا سأله عن شيء فمنعه أن يدله على ما هو عوض منه، ورأيت ~~شيخنا يتحرى ذلك في فتاويه، وقد منع النبي صلى الله عليه وسلم بلالا أن ~~يشتري صاعا من التمر الجيد بصاعين من الرديء، ثم دله على الطريق المباح. ~~ولما سأله عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث، والفضل بن عباس أن يستعملهما في ~~الزكاة، ليصيبا ما يتزوجان به، منعهما من ذلك، وأمر محمية ابن جزء - وكان ~~على الخمس - أن يعطيهما منه، وهذا اقتداء منه بربه تبارك وتعالى، فإنه ~~يسأله عبده الحاجة، فيمنعه إياها، ويعطيه ما هو أصلح له، وهذا غاية الكرم ~~والحكمة. # وينبغي أن ينبهه على ما يذهب إليه الوهم من خلاف الصواب، مثال هذا: قوله ~~تعالى لنساء نبيه صلى الله عليه وسلم: {يا نساء النبي لستن كأحد ~~PageV01P037 # من النساء} 1 الآية. ومنه: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان} 2 ~~الآية، لما أخبر سبحانه بإلحاق الذرية - ولا عمل لهم - بآبائهم في الدرجة، ~~فربما توهم متوهم أنه يحط الآباء إلى درجة الذرية، فرفع هذا التوهم بقوله: ~~{وما ألتناهم من عملهم من شيء} 3 أي ما نقصنا الآباء من أجور أعمالهم، بل ~~رفعنا ذريتهم إلى درجتهم، ولم نحطهم من درجتهم، ولما كان الوهم قد يذهب إلى ~~أنه يفعل ذلك بأهل النار، قطع هذا تبارك وتعالى بقوله: {كل امرئ بما كسب ~~رهين} 4. # ومن هذا قوله تبارك وتعالى: {إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها ~~وله كل شيء} 5 فلما كان ذكر ربوبيته البلد الحرام قد يوهم الاختصاص، عقبه ~~بقوله: {وله كل شيء} 6 ومن ذلك قوله تبارك وتعالى: {ومن يتوكل على الله فهو ~~حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا} 7 فلما ذكر كفايته ~~للمتوكل عليه، فربما أوهم ذلك تعجل الكفاية وقت التوكل، فعقبه بقوله: {قد ~~جعل الله لكل شيء قدرا} 8 أي وقتا لا يتعداه، أي فهو يسوقه إلى وقته الذي ~~قدره له، ms22 فلا يستعجل المتوكل فيقول: قد توكلت ودعوت فلم أر شيئا. فالله ~~بالغ أمره في وقته الذي قدره، وهذا كثير جدا في القرآن والسنة، وهو باب ~~لطيف من أبواب فهم النصوص. PageV01P038 # وينبغي أن يذكر دليل الحكم ومأخذه، ومن تأمل فتاوى النبي صلى الله عليه ~~وسلم الذي قوله حجة بنفسه، رآها مشتملة على التنبيه على حكمة الحكم ونظيره، ~~كما سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: "أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم 1. ~~فزجر عنه"، ومن المعلوم أنه كان يعلم نقصانه بالجفاف، ولكن نبههم على علة ~~التحريم. # ومن هذا قوله لعمر وقد سأله عن قبلة امرأته، وهو صائم، قال: "أرأيت لو ~~تمضمضت، ثم مججته " 2؟ فنبه على أن مقدمة المحظور لا يلزم أن تكون محظورة. # ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على ~~خالتها، فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم" 3، ومن ذلك قوله لأبي النعمان ~~ابن بشير: "أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: نعم، قال: فاتقوا الله ~~واعدلوا بين أولادكم" 4، وقوله: "أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة" ~~5، فنبه على علة المنع بكون أحدهما عظما، وهذا تنبيه على عدم التذكية ~~بالعظام. PageV01P039 ms23