######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_006892 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: محمد بن عبد الوهاب #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن عبد الوهاب #META# 011.AuthorBORN :: 1115 هـ #META# 011.AuthorDIED :: 1206 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مسائل لخصها الإمام محمد بن عبد الوهاب #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الفقه الإسلامي :: مسائل فقهية :: مسائل فقهية وأصولية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: مسائل لخصها الإمام محمد بن عبد الوهاب #META# 030.LibURI :: JK_006892 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد العزيز بن زيد الرومي ، د . محمد بلتاجي ، د . سيد حجاب #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مطابع الرياض #META# 044.EdPLACE :: الرياض #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # | هذه مسائل # | لخصها الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب . | من كلام شيخ الإسلام أحمد ~~بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية رحمهما الله تعالى . | آمين ، آمين . ~~PageV01P007 صفحة فارغة PageV01P008 # | بسم الله الرحمن الرحيم # | الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم ~~بإحسان إلى يوم الدين وبعد : - | فقد كلفتنا الأمانة العامة لأسبوع الشيخ ~~محمد بن عبد الوهاب بمراجعة كتاب جمعه الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن ~~عبد الوهاب قدس الله روحه من كلام الإمام أبي العباس تقي الدين شيخ الإسلام ~~والمسلمين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي رحمه ~~الله ، وقد راجعنا النسخة المصورة من مكتبة الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن ~~عبد الرحمن آل الشيخ ويوجد أصلها في المكتبة السعودية بدخنة في المخطوطات ~~برقم 678 / 86 . | والكتاب شامل لمسائل عديدة في التوحيد بجميع أنواعه وفي ~~الفقه وأصوله والتفسير وعلومه لخصها الإمام محمد بن عبد الوهاب من غالب كتب ~~شيخ الإسلام وقد تبين لنا من خلال قراءة الكتاب أنه غير منتظم العبارات ~~ويوجد فيه انقطاع في بعض الكلام ويرجع ذلك والله أعلم إلى تصرف بعض ~~الناسخين وقد قمنا بإصلاح ما قدرنا على إصلاحه بمراجعة بعض كتب شيخ الإسلام ~~وجعلنا ذلك بين مربعين صغيرين كما قمنا بترقيم الآيات ، وبعض التعليقات ~~اليسيرة . PageV01P009 | والله نسأل أن يجعل علمنا خالصا لوجهه مقربا إليه ~~وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله على محمد . 10 - 5 - 1398 ه ، محمد بن عبد ~~العزيز النمي ، فهد بن حمين الفهد . PageV01P010 # | بسم الله الرحمن الرحيم # | ( 1 ) إن قوله : ' إنما الأعمال بالنيات ' عام ، خلافا لما عليه أكثر ~~الشراح . . . | ( 2 ) قوله في العزل : ' لا عليكم ' . . ثم ذكر القدر . . ~~أن هذا لا حجة فيه على ترك السبب . . لأن الحمل يحصل مع العزل . | ( 3 ) ~~قوله : ' لا يصيب المؤمن قضاء إلا كان خيرا له ' ، ورد عليه المعاصي ، ~~فأجاب بأن المراد ما أصاب العبد لا ما فعله ، وأنه يصير بعد التوبة خير منه ~~قبل الخطيئة . | ( 4 ) قوله : ' من سعادة بن ms001 آدم الاستخارة والرضاء الخ ' . ~~. مع ما تقدم قبله قال : الاستخارة قبله ، والرضا بعده . . . وهذا أعلى من ~~الضر والصبر . . فلذلك ذكر فيه الرضا . | ( 5 ) ذكر أن الصدق لا يكون إلا ~~بالإيمان النافي للريب والجهاد قال : وهذا هو العهد المأخوذ على الأمم له ~~صلى الله عليه وسلم ' ليؤمنن به ولينصرنه ' . | ( 6 ) ذكر أن أصل الإيمان ~~الصدق ، وأصل النفاق الكذب ، وذكر أنه يكون في الأقوال وفي الأعمال أيضا ، ~~كما يقال حملة صادقة . | ( 7 ) حديث محاجة آدم وموسى . . أن موسى إنما لام ~~على المصيبة لا على الخطيئة . PageV01P011 | ( 8 ) قوله ' عصفور من عصافير ~~الجنة ، مع أن الأطفال المسلمين في الجنة . . أن المراد الفرق بين المعين ~~وغيره كما يقال : المؤمنون في الجنة ولا يشهد لمعين . | ( 9 ) بكاؤه صلى ~~الله عليه وسلم عند موت الطفل ، وضحك الفضيل عند موت ابنه . . ألا ؟ كمل ~~الصبر مع الرحمة . . بخلاف من يبكي على فوات حظه من الميت . | ( 10 ) قال : ~~' إن السلف جعلوا سورة الإخلاص أصلا في الرد على المشبهة والمعطلة من قوله ~~: ' الله أحد الله الصمد ' . | ( 11 ) قوله : ' احرص على ما ينفعك ، واستعن ~~بالله . . الخ ' . الذي ينفع هو العبادة أو مباح يستعان به عليها وكذلك ' ~~إن الله يلوم ' يلوم على العجز . . . الخ . | ( 12 ) قراءته صلى الله عليه ~~وسلم على أبي لم تكن قراءة إبلاغ له بخصوصه . | ( 13 ) اليهود تشبه الخالق ~~بالمخلوق ، والنصارى تشبه المخلوق بالخالق . . | ( 14 ) ذكر أن محبة الله ~~أكثر ما تجيء باسم العبادة . . وإلا فقد ذكر الله محبته في القرآن في مواضع ~~، ومحبة الصالحين من محبته ، وإن كانت المحبة التي لا يستحقها غيره ، فلهذا ~~جاءت مذكورة بما يختص به من العبادة والإنابة والتبتل ونحو ذلك . . فكل هذه ~~الأسماء تتضمن محبته ، وكما أنها أصل الدين فكماله بكمالها ، كقوله : ( ~~وذروة سنامه الجهاد ) . . وهو PageV01P012 لازم المحبة الكاملة ، لقوله ~~تعالى : @QB@ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم @QE@ الآية وقال في صفة المحبين : ~~@QB@ يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم @QE@ . | ( 2 ) وهم الذين ~~يرضى الله لرضاهم ، ويغضب لغضبهم ، كما قال لأبي بكر : ( لئن كنت أغضبتهم ms002 ~~لقد أغضبت ربك ) . . إذ هم إنما يرضون لرضاه ، ويغضبون لغضبه ، وقال ما ~~ترددت في شيء . . الخ . . لأن التردد تعارض إرادتين ، وهو سبحانه يحب ما ~~يحب عبده ، ويكره ما يكره ، وقد قضى بالموت وهو يريد إماتته ، فسماه ترددا ~~. | ( 15 ) كل مولود على الفطرة ، فإنه سبحانه فطر القلوب على أنه ليس في ~~محبوباتها ومراداتها ما تطمئن إليه وتنتهي إليه إلا الله عز وجل ، وإلا ~~فكلما أحبه المحب يحبه في نفسه أن قلبه يطلب سواه ويحب أمرا غيره يتألهه ~~ويضمه إليه ، ويطمئن إليه ، ويرى ما يشبهه من أجناسه . . ولهذا قال : ^ ( ~~ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) ^ . . | ( 16 ) أين المتحابون بجلالي . . ~~تنبيه على ما في قلوبهم من إجلال الله وتعظيمه مع التحاب ، وهؤلاء هم الذين ~~جاء فيهم ( وجبت محبتي للمتحابين في والمتباذلين في . . الخ . قاله : ردا ~~على من ترك الخوف مع المحبة ) . | ( 17 ) رؤيته صلى الله عليه وسلم ربه ~~بعيني رأسه لم يثبت عنه ، ولا عن أحد من الصحابة ، ولا الأئمة المشهورين لا ~~أحمد ولا غيره ، لكن ثبت PageV01P013 عن الصحابة كأبي ذر وابن عباس وغيرهما ~~، وأحمد بن حنبل أنه رآه بفؤاده كما في صحيح مسلم . . . عن أبي عباس ' رأى ~~محمد ربه بفؤاده مرتين ' وثبت عن عائشة الإنكار ، فمن العلماء من قال : ~~أنكرت رؤية العين ، فلا منافاة ومنهم من جعلها قولين ، فمن قال : لا يرى في ~~الآخرة فهو جهمي ضال ، ومن قال يرى في الدنيا بالفؤاد لغيره صلى الله عليه ~~وسلم ، فهو مبتدع ضال ، ومن قال أنه صلى الله عليه وسلم رآه بعينه فهو غالط ~~، والحلولية والاتحادية يجمعون بين النفي والإثبات . | ( 18 ) قال في الرد ~~على متصوفة ينتسبون إلى التحقيق والتوحيد ويجرون مع القدر سبب ذلك أنه ضاق ~~نطاقهم عن كون العبد يؤمر بما يقدر عليه خلافه ، كما ضاق نطاق القدرية عنه ~~، فأثبتوا الأمر والنهي فقط ، وأولئك أثبتوا القضاء فقط ، وفي حق من شهد ~~القدر ، وهؤلاء شر من القدرية ، ولهذا لم يكن في السلف من هؤلاء أحد ، ولا ~~ريب أن المشركين يترددون بين بدعة تخالف الشرع ms003 وبين احتجاج بالقدر على ~~مخالفة الأمر . . فهؤلاء الأصناف فيهم شبه من المشركين ، وفيهم من يجمع بين ~~الأمرين ، كما قال تعالى : @QB@ وإذا فعلوا فاحشة @QE@ الآية . . وقد ذكر ~~عن المشركين ما ابتدعوا من الدين الذي فيه تحليل الحرام ، والعبادة التي لم ~~تشرع في الأنعام والأعراف ، وعمدة الكل اتباع آرائهم وأهوائهم ، وجعلهم ذلك ~~حقيقة نظير جعل المتكلمين ما ابتدعوا حقائق عقلية وأصل ضلال الكل تقديم ~~القياس على النص ، واختيار الهوى على اتباع الأمر . PageV01P014 | ( 19 ) ~~عطف الخاص على العام يكون لأسباب ، تارة لكون له خاصة ليست لسائر أفراد ~~العام ، كما في قوله : @QB@ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك @QE@ الآية ~~. . وتارة يكون العام فيه إطلاق قد لا يفهم منه العموم كقوله : ^ ( والذين ~~يؤمنون بالغيب ) ^ . . ثم قال : @QB@ والذين يؤمنون بما أنزل إليك @QE@ ~~الآية . | ( 20 ) العبادة يدخل فيها الدين كله . . ولهذا كانت ربوبية الله ~~سبحانه عامة وخاصة ولهذا كان الشرك أخفى من دبيب النمل ، وفي الصحيح تعس ~~عبد الدينار . . الخ . ووصفه بأنه إذا أعطي رضي ، وإن منع سخط . . . وهذا ~~في المال والجاه والصور . . وغير ذلك قال الخليل عليه السلام @QB@ فابتغوا ~~عند الله الرزق @QE@ . . . الآية . | ودلت النصوص على الأمر بمسألة الخالق ~~، والنهي عن مسألة المخلوق في غير موضع وكلما قوي طمع العبد في فضل الله ~~قويت عبوديته له ، كما أن طمعه في المخلوق يوجب عبوديته له . . ويأسه يوجب ~~غنى قلبه عنه ، وإعراض قلبه عن الطلب من الله يوجب انصراف قلبه عن العبودية ~~لله ، لا سيما من كان يرجو المخلوق ولا يرجو الخالق . . وإذا ذاق طعم ~~الإخلاص انقهر له هواه بلا علاج . | قال تعالى : @QB@ إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر @QE@ . . وإذا قلت PageV01P015 المحبة استلزمت إرادة ~~المحبوبات ، فإن قدر عليها حصلها ، وإن فعل المقدور عليه . . فله كأجر ~~الفاعل ( كمن دعي إلى هدر ) . . وكقوله : ( إن بالمدينة رجالا ما سرتم ~~مسيرا إلا وهم معكم حبسهم العذر ) . | فإذا ترك المقدور من الجهاد دل على ~~ضعف المحبة ، ومعلوم أن المحبوبات لا تنال إلا باحتمال المكروهات ، كما في ~~أهل الرياسة والمال . | ومن المعلوم أن المؤمن ms004 أشد حبا لله . . والإسلام أن ~~يستسلم العبد لله لا لغيره ، فمن أسلم لله ولغيره فمشرك ، ومن لم يسلم ~~فمستكبر . . والكبر ينافي العبودية كما قال : ( العظمة إزاري ، والكبرياء ~~ردائي ، فمن نازعني في واحد منهما عذبته ) فهما من خصائص الربوبية ، ~~والكبرياء أعلى من العظمة . . فلهذا جعلها كالرداء . | والشرك غالب على ~~النصارى ، والكبر غالب على اليهود . | وفي الصحيح لو كنت متخذا من أهل ~~الأرض خليلا . . الخ . قاله قبل موته بأيام ، وذلك من تمام رسالته ، فإن ~~فيه من تمام تحقيق مخالته لله التي أصلها محبة الله العبد خلافا للجهمية ، ~~ومن ذلك تحقيق توصية الله ردا على أشباه المشركين وفيه رد على من بخس ~~الصديق حقه ( وهم أضل ) المنتسبين إلى القبلة هم شر البشر . | والحديث الذي ~~فيه ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان . . الخ . جعله بثلاثة أمور تكمل ~~المحبة ، وتفريغها ، ودفع ضدها ، وكره من كره من أهل PageV01P016 العلم ~~مجالسة أقوام يكثرون الكلام في المحبة بلا خشية . . ولهذا وجد في المتأخرين ~~من ( أفضى به ) ذلك إلى ما ينافي العبودية ، ومديد إلى نوع من الربوبية ، ~~ويدعي أحده ما يتجاوز حدود الأنبياء ، ويطلب من غير الله ما لا يصلح إلا ~~لله ، وسببه ضعف تحقيق العبودية التي بينتها الرسل ، وحررها الأمر والنهي ~~الذي جاءوا به ، بل ضعف العقل الذي به يعرف العبد حقيقته ، وهو شبيه بقول ~~اليهود والنصارى @QB@ نحن أبناء الله وأحباؤه @QE@ . . فإن تعذيبهم بذنوبهم ~~يقتضي أنهم غير محبوبين . . لأن من أحبه الله استعمله فيما يحبه ، لأن فعل ~~الكبائر واحد . . فإن الله يبغض منه ذلك ، ومن ظن أن الذنوب لا تضره لكون ~~الله يحبه ، فهو كمن ظن أن السم لا يضره من مداومته عليه لصحة مزاجه . . ~~ولو تدبر الأحمق ما قصه الله في كتابه من توبة الأنبياء ، وما جهر لهم من ~~البلاء الذي فيه تطهير لهم ( دل ) على ضرر الذنوب بأصحابها ، ولو كانوا ~~أرفع الناس . | واتباع الشريعة والقيام بالجهاد من أعظم الفروق بين أهل ~~محبة الله ، وبين من يدعي محبة الله ناظرا إلى عموم ربوبيته أو متبعا لبعض ms005 ~~البدع . . فإن دعوى هذه محبة من جنس دعوى اليهود والنصارى . . بل قد تكون ~~شرا منها . . بل فيهم من النفاق الذي يكون به في الدرك الأسفل من النار . | ~~وفي التوراة والإنجيل من ذكر محبة الله ما هم متفقون عليه حتى أن عندهم إذ ~~ذلك أعظم وصايا الناموس . . ففي الإنجيل أن المسيح قال : أعظم وصايا ~~PageV01P017 المسيح أن تحب الله بكل قلبك وعقلك ونفسك . . والنصارى يدعون ~~قيامهم بهذه المحبة لما فيه من الزهد والعبادة وهم برءاء من محبة الله إذ ~~لم يتبعوا ما أحب الله ، بل اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط ~~أعمالهم . | وكثيرا من الذين اتبعوا أشياء من الزهد والعبادة وقعوا في بعض ~~ذلك من دعوى المحبة مع مخالفة الشريعة وترك الجهاد ، ويتمسكون في الدين ~~الذي يتقربون به إلى الله بنحو ما تمسك به النصارى من الكلام المتشابه ، ~~والحكايات التي لا يعرف صدق قائلها ولو صدق لم يكن معصوما ، وكل عمل أريد ~~به غير الله لم يكن لله ، وكل عمل لم يوافق شرعه ، لم يكن له ، بل لا يكون ~~لله إلا ما جمع الوصفين . . قال تعالى : @QB@ بلى من أسلم وجهه لله وهو ~~محسن @QE@ الآية . . | وقال صلى الله عليه وسلم : ' من عمل عملا ليس عليه ~~أمرنا فهو رد ' . . وقال : ' إنما الأعمال بالنيات ' . . وهذا الأصل هو أصل ~~الدين ، وبحسبه تحقيقه يكون تحقيق الدين وبه أرسل الله الرسل ، وأنزل الكتب ~~، وهي قطب الدين الذي تدور عليه رحاه . | والشرك غالب على النفوس ، كما في ~~الحديث أخفى من دبيب النمل ، وكثير ما يخالط النفوس من الشهوات ما يفسد ~~عليها تحقيق ذلك ، كما قال شداد بن أوس ' أخوف ما أخاف عليكم الرياء ~~والشهوة الخفية ، قال أبو داود هي حب الرياسة وفي الحديث ' ما ذئبان جائعان ~~أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه ' . ~~PageV01P018 | يبين أن الدين السليم لا يكون فيه هذا الحرص ، وذلك أن القلب ~~إذا ذاق حلاوة الإخلاص لم يكن شيء أحب إليه منه ، فيصير القلب منيبا إلى ~~الله خائفا منه ، كما ms006 قال تعالى : @QB@ من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب ~~منيب @QE@ . . | وإذا أخلص العبد اجتباه ربه فأحيى قلبه ، وجذبه إليه ، ~~بخلاف القلب الذي لم يخلص ، فإن فيه طلبا وإرادة ، تارة إلى الرياسة فترضيه ~~الكلمة ولو كانت باطلا وتغيظه الكلمة ولو كانت حقا ، وتارة إلى الدرهم ~~والدينار ، وأمثال ذلك فيتخذ إلهه هواه ومن لم يكن مخلصا لله بحيث يكون أحب ~~إليه مما سواه ، ( وإلا ) استعبدته الكائنات واستولت على قلبه الشياطين . . ~~وهذا أمر ضروري لا حيلة فيه ، فالقلب إن لم يكن حنيفا وإلا كان مشركا @QB@ ~~فأقم وجهك للدين حنيفا @QE@ . . الآيتين . . | وقد جعل الله آل إبراهيم ~~أئمة للحنفاء ، كما جعل آل فرعون أئمة للمشركين المتبعين أهواءهم . | ( 21 ~~) بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى ذي أهواء متفرقة وقلوب متشتتة ، ~~فألف الله به بين القلوب ، وجمع به الشمل ، ثم أنه سبحانه بين أن هذا الأصل ~~وهو الجماعة عماد لدينه : فقال : @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق ~~تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون @QE@ . . ^ ( واعتصموا بحبل PageV01P019 ~~الله جميعا ولا تفرقوا ) ^ إلى قوله ^ ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ~~) ^ إلى قوله ^ ( خالدون ) ^ . . وفي الآية الأخرى : ^ ( إن الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) ^ . . | فبرأ الله نبيه منهم وقد كره ~~صلى الله عليه وسلم من المجادلة ما يفضي إلى الاختلاف والتفرق ، فخرج على ~~قوم من أصحابه وهم يتجادلون في القدر فكأنما فقيء في وجهه حب الرمان وقال : ~~أبهذا أمرتم أم إلى هذا دعيتم . . الخ . ثم ذكر ثلاثا وسبعين فرقة ثم قال : ~~في صف الفرقة الناجية بأنهم المستمسكون بسنته وأنهم هم الجماعة . | ( 22 ) ~~مسألة رؤية الكفار ربهم في القيامة انتشر الكلام فيها بعد الثلاثمائة من ~~الهجرة وأمسك عن الكلام فيها قوم من العلماء وتكلم فيها آخرون ، فاختلفوا ~~على ثلاثة أقوال والكلام فيها قريب من مسألة محاسبة الكفار . . هل يحاسبون ~~أم لا ؟ والحساب يراد به عرض الأعمال على الكفار وتوبيخهم وزيادة العذاب ~~ونقصه بزيادة الكفر ونقصه . . فهذا ثابت بالاتفاق ويراد به وزن الحسنات ~~والسيئات ليتبين أيهما أرجح . . فالكافر لا ms007 حسنات له ، وأنما توزن أعماله ~~لتظهر خفة موازينه . | هذا المراد بالحساب . . هل الله يكلمهم أم لا . . ~~فالقرآن والحديث يدل على أنه يكلمهم كلام توبيخ فيكاد الخلاف يرتفع ~~والأقوال الثلاثة في رؤية الكفار : أحدها أن الكفار لا يرونه بحال لا ~~المظهر ولا المسر وهو قول أكثر المتأخرين . . الثاني أنه يراه من أظهر ~~التوحيد من مؤمن ومنافق قاله PageV01P020 ابن خزيمة وغيره . . الثالث أن ~~الكفار يرونه رؤية تعذيب كاللص إذا رأى السلطان ثم يحتجب عنهم ليعظم عذابهم ~~وهذا مقتضى قول من فسر اللقاء في كتاب الله بالرؤية ومن أقوى ما يتمسكون به ~~ما روى مسلم عن أبي هريرة ' قال الناس يا رسول الله هل نرى ربنا يوم ~~القيامة فذكره وفيه فيلقى العبد فيقول أفظننت أنك ملاقي قال لا وفيه ثم ~~ينادي مناد ألا تتبع كل أمة ما كانت تعبد . . فيقال ظاهرة أن الخلق كلهم ~~يرونه لكن قال ابن خزيمة اللقا هنا غير الترائي وهؤلاء يقولون أخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن الكافر يلقى ربه فيوبخه ، ثم تتبع كل أمة ما كانت ~~تعبد ، ثم يراه المؤمنون يبينه ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد ~~وفيه فيأتيهم في صورته التي يعرفون وليس فيه الرؤية إلا بعد التتبع كل أمة ~~. . الخ . وفي حديث ابن مسعود الطويل ( أن المؤمنين يقولون : أن لنا ربا ما ~~رأيناه بعد ) ففيه أنهم لم يروه قبلها والآخرون يقولون معناه لم نره في ~~هؤلاء الآلهة التي يتبع الناس ويدل عليه أن في الصحيحين أيضا عن أبي سعيد ( ~~فيأتيهم الجبار في صورة غير الصورة التي رأوه فيها أول مرة ) ففيه أنهم ~~رأوه قبل ذلك وهي الرؤية العامة . | وأبين من هذا كله أن الرؤية الأولى ~~عامة كما في حديث أبي رزين ( فتنظرون إليه وينظر إليكم فقلت كيف وهو شخص ~~واحد ونحن ملأ الأرض . . الخ . ففيه أنه لعموم الخلق كما دل عليه السياق ، ~~والرؤية متباينة تباينا عظيما لا يكاد ينضبط طرفاها ولا يجوز إطلاق القول ~~بأن الكفار يرونه من غير تقييد ، لأن الرؤية ms008 قد صار يفهم منها الكرامة ، ~~ففي إطلاقها إيهام ، وليس لأحد أن يطلق ما يوهم خلاف الحق إلا أن يكون ~~مأثورا . . PageV01P021 ولأن الحكم إذا كان عاما وفي تخصيص بعضه خروجا عن ~~القول الجميل لم يقل فإن الله خالق كل شيء ولا يقال يا خالق الكلاب مثلا ، ~~فلا يخرج أحد عن الألفاظ المأثورة ، وإن وقع نزاع في بعض معناها فإن هذا لا ~~بد منه في الأمة كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم . | ( 23 ) وإذا ~~اشتبه عليه هل هذا الفعل مما يهجر المسلم عليه أم لا . . فالواجب ترك ~~العقوبة لقوله : ' ادرأوا الحدود بالشبهات ' . . فإنك إن تخطىء في العفو ~~خير لك من أن تخطيء في العقوبة . | ( 24 ) ذكر في حديث الأفك نفقة أبي بكر ~~على مسطح . . لأن أمه بنت خالته وقال تعالى : @QB@ ولا يأتل أولوا الفضل ~~منكم @QE@ . . الآية . فجعله من ذوي القربى وهو من بعد من ذوي الأرحام ~~الذين ليس لهم فرض ولا تعصيب . . فيستدل به على أحد القولين في مذهب أحمد ~~أن ذوي الأرحام يستحقون النفقة . . فإن سبب النفقة القرابة المورثة ، وكل ~~قرابة مورثة على المشهور ، لكن أصلا أو بدلا ، فمن لا فرض له ولا تعصيب ورث ~~بدلا والحديث نص في أنهم من ذوي القربى فيدخلون في قوله : @QB@ وآت ذا ~~القربى حقه @QE@ ونظائرها وأقل ذلك النفقة على المحتاج ، وقد ذكر الله ~~الوفاء بالعهد وصلة الرحم في آيات متعددة فهذه العمومات توجب صلة كل رحم ~~قريبة أو بعيدة ، كما أن قوله : ^ ( وألو الأرحام بعضهم أولى ببعض ) ^ . . ~~يعم ميراث كل ذي رحم ، ولا فرق ، بل في الإحسان PageV01P022 والنفقة أولى . ~~. وعلى هذا ما ورد من حمل الخال للعقل ، وقوله : ( ابن أخت القوم منهم ) . ~~. وقوله : ( مولي القوم منهم ) . | ونحن في أحد القولين نورث المولى من ~~أسفل إذا عدم من هو أولى منه ، ونظيره في الولاء قولنا في أحد القولين ~~بالتوريث بالعهد عند انتفاء الرحم كما كان صلى الله عليه وسلم يورث بين ~~المهاجرين والأنصار ، ثم نسخ تقديمهم على ذوي الرحم . . فأما مع عدمهم فليس ~~في ms009 الكتاب والسنة ما ينسخ ذلك . . بل قوله : @QB@ والذين عقدت أيمانكم ~~فآتوهم نصيبهم @QE@ يقتضي توريثهم وهو قول كثير من فقهاء العراق وغيرهم ~~فعقد المواخات نظير عقد النكاح وإسلامه على يديه نظير إعتاقه له واشتراكهم ~~في الديوان وهو التناصر والجهاد كاشتراكهم في النسب . | ( 25 ) اتفق على أن ~~الأرض لا تخلو عن خراج وعشر لكن قال أبو حنيفة لا يجتمعان والجمهور يقولون ~~العشر حق الزرع لقوله تعالى : @QB@ ومما أخرجنا لكم من الأرض @QE@ . . . ~~والخراج عند أبي حنيفة هي التي يملك بيعها وهبتها وتورث . . والجندي لا ~~يملك ذلك اليوم في أرض مصر ، فمن قال أنها خراجية لا عشر عليها فقد أخطأ ~~على أبي حنيفة وخالف الإجماع ، ومن أفتى بخلو الأرض عن العشر والخراج ~~استتيب ، فإن تاب وإلا قتل ومن زعم أن الجهاد الذي على الجندي عوض عن ~~الخراج فقد أخطأ لأنهم لا يملكون بيعها ولا هبتها ، وأيضا ما يعطونه ليس ~~خراجا ولا أجرة بل لجندهم PageV01P023 المستحقون للخراج . . وإن قيل الإمام ~~أسقط عنهم لقتالهم قبل هذا لا يسقط الزكاة لوجوه : - منها أن ذلك لو جعلها ~~كالخراجية لملكوا بيعها وهبتها ، ومنها أن غايتهم أن يكونوا بمنزلة الملاك ~~، ومعلوم أن كل أرض أسلم عليها أهلها أنه لا خراج عليهم مع وجوب العشر ~~وتعيين الجهاد عليهم من تلك الأموال ، كما تعين الجهاد على الأنصار ، وكان ~~صلى الله عليه وسلم يوجب عليهم العشر في الزرع والثمار ، ويوجب عليهم ~~الجهاد بأموالهم وأنفسهم ، ولم يكن لهم رزق من بيت المال ، فإذا كان جهادهم ~~بأموالهم لا يسقط عنهم العشر الواجب لأهل الصدقات ، فكيف يسقط عن هؤلاء ولو ~~أسقط الجهاد العشر لكانوا أحق ، لما كانوا فيه من قلة المال وكثرة العدو ~~وتعدد المغازي . | ( 26 ) صلاته صلى الله عليه وسلم بالأنبياء ببيت المقدس ~~قيل أنها اللغوية ، وهي الدعاء والذكر ، وقيل الصلاة المعروفة ، وهذا أصح ، ~~لأن اللفظ يحمل على حقيقة الشرعية ، وكانت الصلاة واجبة قبل الإسراء ، وكان ~~واجبا قيام بعض الليل ، كما في سورة المزمل ثم نسخ بعد سنة بما ذكر الله في ~~آخر السورة : فاقرؤا ms010 ما تيسر منه ثم نسخ قيام الليل ليلة الإسرا ووجبت ~~الخمس . | ( 27 ) زين الشيطان لأهل الضلالة اتخاذ عاشوراء مأتما ، لإثارة ~~الفتن والفساد ولم يعرف في طوائف الإسلام أكثر كذبا وفتنا ومعاونة للكفار ~~على المسلمين من الرافضة ، وهم شر من الخوارج ، وهؤلاء قال فيهم صلى الله ~~عليه وسلم ( يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ) وأولئك يعاونون ~~اليهود والنصارى على أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P024 ~~وأمته المؤمنين كما أعانوا المشركين من الترك على ما فعلوه ببغداد وغيرها ~~بأهل البيت من ولد العباس وغيرهم فعارضهم قوم إما من النواصب المعتصبين على ~~الحسين ، وأما من الجهال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد ، فوضعوا آثارا في ~~توسيع النفقة على العيال وغير ذلك ، وإن كان أولئك أشر قصدا ، وأعظم جهلا ~~وأظهر ظلما ، لكن الله يأمر بالعدل والإحسان . | ( 28 ) المطالبة في الآخرة ~~لصاحب المال المعصوب منه لا لورثته ، كما في الصحيح ( من كان عنده لأخيه ~~مظلمة في دم أو مال أو عرض فالورثة يخلفونه في الدنيا ، فما أمكن استيفاؤه ~~في الدنيا فللورثة وما لم يمكن فليتحلله منه ) الخ فبين أن المطالبة ~~للمظلوم نفسه ولم يجعلها لورثته فالطلب للمظلوم نفسه . | ( 29 ) ثبوت الشيء ~~في العلم والتقدير ليس هو ثبوت عينه في الخارج بل العالم يعلم الشيء ويكتبه ~~ويتكلم به وليس لذاته في الخارج وجود وهذا هو تقدير الله السابق لخلقه ~~المذكور في حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم ، وغير ذلك وهو معنى قوله ( كنت ~~نبيا وآدم بين الروح والجسد ) أي كنت نبيا حينئذ وهذا والله أعلم لأن هذه ~~الحال فيها يقع التقدير الذي يكون بأيدي ملائكة الخلق قبل نفخ الروح ، كما ~~في حديث ابن مسعود فلما أخبر أن الملك يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ~~حينئذ وآدم هو أبو البشر كان من المناسب أن يكتب بعد خلق جسده ما يكون منه ~~ومحمد سيد ولده وقد جاء هذا المعنى مفسرا في حديث العرباض ( أني عند الله ~~مكتوب خاتم النبيين وأن آدم لمنجد لي في طينته وسأخبركم ms011 بأول أمري دعوة ~~إبراهيم PageV01P025 وبشارة عيسى ورؤيا أمي الخ ) وقوله منجد لي أي مطروح ~~على وجه الأرض ، وهذا العلم والكتاب هو الذي ينكره القدرية الذين كفرهم ~~الأئمة ، وقد بينه الكتاب والسنة وأجاب النبي صلى الله عليه وسلم عن السؤال ~~الوارد عليه وهو ترك العلم لأجله . | ( 30 ) لكل شيء أربع مراتب وجود في ~~الأعيان ووجود في الأذهان ووجود في اللسان ووجود في البنان ولهذا أول ما ~~نزل @QB@ اقرأ باسم ربك الذي خلق @QE@ الخ . فذكر الجميع بوجودها العيني ~~عموما ثم خصوصا ثم قال @QB@ اقرأ وربك الأكرم @QE@ الخ . فخص التعليم ~~للإنسان بعد تعميم التعليم بالقلم هو الخط ، وهو مستلزم . التعليم للفظ فإن ~~الخط يطابق وتعليم اللفظ هو البيان وهو مستلزم لتعليم العلم ، لأن العبارة ~~تطابق المعنى ، فصار تعليمه بالقلم مستلزما للمراتب الثلاث الرسمي واللفظي ~~والعلم بخلاف ما لو أطلق التعليم وذكر تعليم العلم فقط لم يكن مستوعبا ~~للمراتب . | ( 31 ) أعلم أن المذهب إذا كان باطلا في نفسه لم يمكن الناقل ~~أن ينقله على وجه متصور تصورا حقيقيا فإن هذا لا يكون إلا للحق ، فأما ~~القول الباطل فبيانه يظهر فساده ، حتى يقال كيف اشتبه على أحد ويتعجب من ~~اعتقاده ، ولا ينبغي للإنسان أن يتعجب فما من شيء يتخيل من أنواع الباطل ~~إلا وذهب إليه فريق ، ولهذا وصف الله أهل الباطل بأنهم أموات ، وأنهم صم ~~بكم ، وأنهم في قول مختلف ، وأنهم لا يعقلون . PageV01P026 | ( 32 ) قوله : ~~( مثل أمتي كمثل الغيث ) الخ . تكلم في إسناده وبتقدير صحته أنه يكون في ~~آخرها من يقارب أولها حتى يشتبه على بعض الناس أيهما خير ، كطرفي الثوب ( ~~مع القطع ) بأن الأول خير من الآخر ، ولهذا قال : لا يدرى ، ومعلوم أن هذا ~~السلب ليس عاما ، فإنه لا بد أن يكون معلوما أيهما أفضل . | ( 33 ) الآية ~~مثل العلامة ، والدلالة ، أخبر أنه جعل في هذه المصنوعات آيات ، وتارة ~~يسميها أنفسها آية كقوله : @QB@ وآية لهم الأرض الميتة @QE@ فإذا قيل : ~~تجلى بها وظهر بها كما يقال علم وعرف كان صحيحا ، ولكنه غير مأثور ، وفيه ~~إبهام وإجمال ms012 ، فإن الظهور والتجلي يفهم منه الظهور المعيني وهو مذهب ~~الاتحادية فالذي في القرآن هو الحق . | ( 34 ) قوله تعالى @QB@ ألا يعلم من ~~خلق وهو اللطيف الخبير @QE@ دلت على علمه بالأشياء من وجوه تضمنت البراهين ~~المذكورة لأهل النظر العقلي : أحدها أنه خالق لها ، والخلق هو الإبداع ~~بتقدير ، فتضمن تقديرها في العلم قبل تكوينها الثاني : أنه مستلزم للإرادة ~~والمشيئة فيلزم تصور المراد ، وهذه الطريقة المشهورة عند أكثر أهل الكلام ، ~~الثالث : أنها صادرة عنه وهو PageV01P027 سببها التام ، والعلم بالأصل ~~بوجوب العلم بالفرع ، فعلمه بنفسه يستلزم بكل ما يصدر عنه ، الرابع : أنه ~~لطيف يدرك الدقيق خبير يدرك الخفي ، وهذا هو المقتضى للعلم بالأشياء فيجب ~~وجود المقتضى لوجود السبب التام . | ( 35 ) قوله : ( حجابه النور ) الخ . ~~فمن سبحاته تحرق السموات - والأرض لولا الحجاب أيكون نوره يحفظ بالسماء ؟ | ~~( 36 ) قوله : @QB@ إن الله يمسك السماوات والأرض @QE@ الخ . وذكر آيات ثم ~~قال : وقد ثبت في الصحاح أنه يقبض السموات والأرض بيده فمن يكونان في قبضته ~~وكرسيه وسعهما ، @QB@ ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره @QE@ فبأمره ~~يقومان ، وهو الذي يمسكهما أن تزولا ، أيكون محتاجا إليهما ؟ . | ( 37 ) ~~قوله : @QB@ قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا ~~@QE@ الخ . هكذا يريد هؤلاء المتحيرون أن يفعلوا بالمؤمنين ، فيدعون من دون ~~الله ما لا ينفع ولا يضر من كل عبد من دون الله ، ويريد ويريدون أن يرتد ~~المؤمنون على أعقابهم عن الإيمان بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، ~~واليوم الآخر ، ويصيرون حائرين كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران . ~~PageV01P028 | ( 38 ) تكليم الله للعباد على ثلاثة أوجه : | 1 - من وراء ~~حجاب كموسى . | 2 - وبإرسال رسول كما أرسل الملائكة إلى الأنبياء . | 3 - ~~وبالإيحاء وهذا للأولياء فيه نصيب ، والمرتبتان الأوليتان للأنبياء خاصة . ~~| ( 39 ) قوله : @QB@ إن هي إلا أسماء سميتموها @QE@ الخ . أخبر أنهم ~~ابتدعوا أسماء لا حقيقة لها فيعبدون أسماء لا مسميات لها لأنه ليس في ~~المسمى من الألوهية ولا العزة ولا التقدير شيء ، ولم ينزل الله سلطانا بهذه ~~الأسماء . | ( 40 ) قوله : ( كان الله ولا شيء معه ، وكان ms013 عرشه على الماء ، ~~وكتب في الذكر كل شيء ) ينفي وجود المخلوقات من السموات والأرض وما فيهما ~~لا ينفي وجود العرش ، ولهذا ذهب كثير من السلف إلى أن العرش متقدم على ~~اللوح والقلم مستدلين بهذا الحديث ، وحملوا قوله : ( أول ما خلق الله القلم ~~فقال له اكتب ) الخ . على هذا الخلق المذكور في قوله : @QB@ وهو الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء @QE@ هذا نظير حديث أبي ~~رزين ' أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه ؟ ' قال : كان في عماء ، ما فوقه ~~هواء ، وما تحته هواء ، ثم خلق عرشه على الماء ، فالخلق المذكور في هذا ~~الحديث لم يدخل فيه العما ، وذكر بعضهم أن هذا PageV01P029 هو السحاب ~~المذكور في قوله : @QB@ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل @QE@ الخ . ~~وفيه آثار معروفة . | ( 41 ) العبد مأمور بالصبر على المقدور وأن يطيع ~~المأمور ، وإذا أذنب استغفر كما قال تعالى @QB@ فاصبر إن وعد الله حق ~~واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك @QE@ الآية فمن احتج بالقدر على ترك الأمر ~~وجزع مما يكره من القدر فقد عكس الإيمان والدين وإن ادعى أنه من أكبر ~~الأولياء المحققين ، تجد أحدهم أجبر الناس إذا قدر وأذل الناس إذا قهر ، ~~وأعظمهم جزعا ، لما جربه الناس من أصناف الناس ، والمؤمن إذا قدر عدل وأحسن ~~، وإذا قهر صبر واحتسب كما قال كعب : # % ليسوا مفاريحا إن نالت رماحهم % % وقال تعالى : @QB@ وإن تصبروا وتتقوا ~~لا يضركم كيدهم شيئا @QE@ الآية وكذلك في آخر السورة وفي وسطها وفي يوسف ~~@QB@ إنه من يتق ويصبر @QE@ الآية فالصبر يدخل فيه الصبر على المقدور ، ~~والتقوى فعل المأمور وترك المحظور ، فمن جمع هذا وهذا فقد جمع له الخير ، ~~بخلاف من عكس . | ( 42 ) لأهل التعطيل شبهات في العلو يعارضون بها الكتاب ~~والسنة ، والإجماع والفطر ، والدلائل العقلية ، فإنها متفقة على أنه سبحانه ~~فوق PageV01P030 مخلوقاته ، وقد فطر الله على ذلك العجايز والصبيان ، كما ~~فطرهم على الإقرار بالخالق ، قال صلى الله عليه وسلم : ( كل مولود يولد على ~~الفطرة ) الخ . هذا معنى قول عمر بن عبد العزيز ms014 عليك بدين الأعراب والصبيان ~~في الكتاب أي أن الله فطرهم على الحق ، والرسل بعثوا بتكميل الفطرة ، ~~وتقديرها ، وأعداؤهم يريدون تغييرها ، ويوردون شبهات لا يفهمها كثير من ~~الناس . | ( 43 ) ليس لأحد أن يتبع عورات العلماء ، ولا له أن يتكلم فيهم ، ~~فمن عدل عن الحجة إلى الظن والهوى فهو ظالم ، وكذلك كل من آذى المؤمنين ~~والمؤمنات بغير ما اكتسبوا ، ومن عظم حرمات الله ، وأحسن إلى عباد الله ، ~~فهو من أولياء الله . | ( 44 ) الذين استحلوا الدرهم بدرهمين يدا بيد ، أجل ~~قدرا ممن استحل النبيذ فهؤلاء فهموا من الربا نوعا ، وهؤلاء فهموا من الخمر ~~نوعا ، وهكذا من فهم من الميسر نوعا ، وشمول الميسر لأنواعه كشمول الربا ~~والخمر لأنواعهما . | ( 45 ) رجح رحمه الله فعل ذوات الأسباب في أوقات ~~النهي الأمر بتحية المسجد عام ، ونهيه عن الصلاة فيه عموم ، لكن رأيناه نهي ~~عن الصلاة عند الخطبة وهو متفق عليه ، وهذا أشد من النهي في الأوقات ، ~~فأمره بعد أن قعد أن يقوم يركع ركعتين ثم بين العموم بقوله : ' إذا جاء ~~أحدكم والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما والمنازع من أصحاب يوافق ~~عليهما ولكن أصحاب أبي حنيفة ومالك طردوا قولهم فمنعوهما PageV01P031 ولكن ~~كلام الرسول صلى الله عليه وسلم حجة لكل أحد وعليه ، بنصه وشبيهه فدل نصه ~~على التحية وقت الخطبة وقياس الأولى على التحية بعد البردين ، وعلى أن ~~الأمر بالركعتين مخصص كما خصص هنا وأولى وفي الصحيحين أنه قال : لجابر ' صل ~~ركعتين ' أي تحية المسجد فقد أمره بالصلاة ولم يعلله بالقعود ، وقوله في ~~الآخر فلا يقعد لأن العادة أنه يقعد ، واحتج النسائي على عدم وجوبهما بحديث ~~كعب بن مالك وفيه فلما سلمت قال : ' تعال فجئت فجلست ' الخ ثم ذكر حديث ~~الرجلين اللذين لم يعيدا في مسجد الخيف ، وهذا يبين أن هذا متأخر وأنه ليس ~~بمنسوخ بل لو قدر التعارض لكان هو الناسخ ويبين أن قوله : مسجد جماعة ~~المراد به الجماعة الراتبة سواء كانت تفعل في ذلك المكان دائما أو أحيانا ، ~~فإن مسجد الخيف إنما يصلي فيه في الموسم ms015 فهذا نص صحيح صريح خاص أنه أمره ~~بالإعادة وأخبر أنها نافلة كما أمر الداخل وهو يخطب أن يصلي ، والإمام أحمد ~~أعلمهم بالنصوص ، وأتبعهم لها ، فلا يكاد يخالف نصا صريحا ، وإنما قوله حيث ~~فقد ذلك فقضى بالعامة على الخاصة من غير نزاع واختلف فيما عدا ذلك ، بخلاف ~~غيره الذين لم يبلغهم ما بلغه وقوله لا صلاة في يوم مرتين يؤكد ما قلنا ، ~~فإنه إذا نهى عن ذلك ، وثبت عنه في الأحاديث الصحيحة الكثيرة أن إعادة ~~الصلاة نافلة لسبب ، وأمره بإعادتها لسبب ، وجب اتباع أمره كله ، ولم يجز ~~أن نؤمن ببعضه ، ونكفر ببعضه ، فنعجل السنة عضين . PageV01P032 | ( 46 ) ~~المنهي عنه من العادات والعبادات ثلاثة أنواع : أحدها ما لا يباح بحال ~~كالكفر بالقلب ، ومن هذا لو أكره على محرم كالميتة ، وقلنا يباح كقول ~~الأكثر وهو الأصلح وقيل لا تباح الأفعال المحرمة بالإكراه ، وقال تعالى : | ~~@QB@ ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم @QE@ أي لمن يكره على ~~الفاحشة لكن اعتقاد التحريم والكراهة للفعل لا بد منها فإن إنكاره للمنكر ~~من فعل غيره - بالقلب لا بد منه ، فكيف فعله ؟ ولهذا يكره الإنسان ابتداء ~~على ذلك ثم يفعلها باختياره ، كما في الإكراه على الحق ، فإن الحربي يقاتل ~~حتى يسلم ، ثم ينشرح صدره للإسلام ، فينفعه هذا دون الأول ، كذلك الإكراه ~~على المعاصي وهذا أصل عظيم يجب مراعاته . . الثاني ما يباح عند الضرورة ~~كالميتة ، وليس له أن يعتقد تحريمها حينئذ ، ولا يكرهها . . الثالث المباح ~~للحاجة كالحرير للنساء ويسيره للرجال ، والله أرسل رسوله رحمة للناس ، فإذا ~~كان من المحرمات ما يحتاج إليه ورجحت المصلحة أبيح ، فالصلاة وقت النهي من ~~هذا القسم فإن جنسها مباح بالإجماع ، كالعصر عند الغروب والجنايز بعد الفجر ~~والعصر ، فامتنع أنه من الذي لا يباح بحال ، أو يباح ضرورة ، فإذا كانت ~~الحاجة لمصلحة دنيوية يكون حاجة ، فالدينية أولى ، فإن ما يفوت الزوجة من ~~عدم لباسها الحرير لا نسبة إلى ما يفوته من مصالح هذه العبادات ، قال تعالى ~~: @QB@ انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض @QE@ الآية وبهذا يظهر ms016 الفرق بين ذات ~~السبب PageV01P033 وغيرها فإنه يمكن تأخيره بلا فوات مصلحة لأنه لا يمكن ~~ولا يشرع استيعاب الأوقات بالصلاة فأحق ما اعتبره للترك ، الوقت الذي فيه ~~مفسدة مشابهة المشركين . | ( 47 ) النزول في القرآن ثلاثة نزول مقيد بأنه ~~منه ، فهذا لم يرد إلا في القرآن ونزول مقيد بالسماء وهي اسم جنس كل ما علا ~~، فإذا قيد بمعين تعين ونزول مطلق ، كالسكينة والميزان ، والجمهور على أنه ~~العدل ، وعن مجاهد ما يوزن به ولا منافاة وإنزال هذا هو إنزاله في القلوب ، ~~والملائكة تنزل على قلوب المؤمنين بما يجعل فيها . | ( 48 ) شريعة الإسلام ~~الذي هو الدين الخالص لله وحده تعبيد الخلق لربهم ، كما سنه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وتغيير الأسماء الشركية إلى الأسماء الإخلاصية والأسماء ~~الكفرية إلى الأسماء الإيمانية كما سمى قيوم عبد القيوم . | ( 49 ) قوله : ~~@QB@ والله لا يحب كل مختال فخور الذين يبخلون @QE@ الآية يعم البخل كل ما ~~ينفع في الدين والدنيا من مال وعلم وغير ذلك ، فالبخيل بالعلم الذي يمنعه ~~والمختال أما يختال فلا يطلبه ، وأما يختال على بعض الناس فلا يبذله ، وهذا ~~كثير ما يقع ، وضده التواضع في طلبه ، والكرم ببذله . | ( 50 ) قوله تعالى ~~: @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله @QE@ الآية بعد قوله PageV01P034 قل كل ~~من عند الله لو اقتصر على الجمع أعرض العاص عن ذم نفسه ، والتوبة من الذنب ~~، والاستعاذة من شره ، وقام بقلبه حجة إبليس فلم تزده إلا طردا ، كما زادت ~~المشركين ضلالا حين قالوا ' لو شاء الله ما أشركنا ' ولو اقتصر على الفرق ~~لغابوا به عن التوحيد ، والإيمان بالقدر ، واللجاء إلى الله في الهداية ، ~~كما في خطبته صلى الله عليه وسلم الحمد لله نستعينه ونستغفره فيشكره ~~ويستعينه على طاعته ، ويستغفر من معصيته ، ويحمده على إحسانه ، ثم قال ~~ونعوذ بالله من شرور أنفسنا الخ . لما استغفر ما المانع استعاذ من الذنوب ~~التي لم تقع ، ثم قال : ومن سيئات أعمالنا أي من عقوباتها ثم قال : من يهده ~~الله فلا مضل له الخ . شهادة بأنه المتصرف في خلقه ففيه ms017 إثبات الصفات الذي ~~هو نظام التوحيد كل هذا مقدمة بين يدي الشهادتين فإنما يتحققان بحمد الله ~~وإعانته واستغفاره واللجاء إليه والإيمان بأقداره فهذه الخطبة عقد نظام ~~الإسلام والإيمان . | ( 51 ) كون الحسنات من الله إلى عبده فخلق الحياة ~~وأرسل الرسل وحبب إليهم الإيمان وإذا تدبرت هذا شكرت الله فزادك وإذا علمت ~~أن الشر لا يحصل إلا من نفسك تبت فزال ، الثالث أن الحسنة تضاعف ، الرابع ~~أن الحسنة يحبها الله ويرضاها فيحب أن ينعم ويحب أن يطاع ، ولهذا تأدب ~~العارفون فأضافوا النعم إليه والشر إلى محله ، كما قال إمام الحنفاء ^ ( ~~الذي خلقني فهو يهديني ) ^ إلى قوله وإذا مرضت فهو يشفيني ، الخامس أن ~~الحسنة مضافة إليه ، لأنه أحسن بها بكل اعتبار ، وأما السيئة فما قدرها إلا ~~لحكمة ، السادس أن الحسنات أمور وجودية متعلقة بالرحمة والحكمة ، ~~PageV01P035 لأنها أما فعل مأمور ، أو ترك محظور ، والترك أمر وجودي فتركه ~~لما عرف أنه ذنب ، وكراهته له ومنع نفسه منه أمور وجودية ، وأنما يثاب على ~~الترك على هذا الوجه ، وقد جعل صلى الله عليه وسلم البغض في الله من أوثق ~~عرى الإيمان ، وهو أصل الترك ، وجعل المنع لله من كمال الإيمان ، وهو أصل ~~الترك ، وكذلك براءة الخليل قومه من المشركين ومعبوديهم ليست تركا محضا بل ~~صادرا عن بغض وعداوة . . وأما السيئات . . فمنشأها من الجهل والظلم وفي ~~الحقيقة كلها ترجع إلى الجهل ، وإلا فلو تم العدم بها لم يفعله فإن هذا ~~خاصة العقل ، وقد يغفل عن هذا كله بقوة وإرادة الشهوة والغفلة ، والشهوة ~~أصل الشر ، كما قال تعالى : @QB@ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه @QE@ الآية السابع إن ابتلاءه بالذنوب عقوبة له على عدم فعل ما خلق له ~~وفطر عليه ، الثامن أن ما يصيبه من الخير والنعم لا تنحصر أسبابه يحصل ~~بعمله وبغير عمله وعمله من إنعام الله عليه ، فيرجع في ذلك إلى الله ولا ~~يرجو إلا هو ، فهو مستحق الشكر التام الذي لا يستحقه غيره ، وإنما يستحق ~~غيره من الشكر جزاء على ما يسره الله على ms018 يديه لكن لا يبلغ أن يشكر بمعصية ~~الله ، فإنه المنعم بما لا يقدر عليه مخلوق ونعمة المخلوق منه أيضا ، وجزاه ~~على الشكر والكفر لا يقدر أحد على مثله ، فإذا عرف أن ما يفتح الله للناس ~~من رحمة فلا ممسك لها ، وما يمسك فلا مرسل له من بعده صار توكله ورجاؤه إلى ~~الله وحده ، وإذا علم PageV01P036 ما يستحق من الشكر الذي لا يستحقه غيره ~~صار ، والشر انحصر سببه في النفس ، فعلم من أين يؤتى فتاب واستعان بالله ، ~~كما قال بعض السلف لا يرجون عبد إلا ربه ولا يخافن إلا ذنبه وقد تقدم قول ~~السلف ابن عباس وغيره أن ما أصابهم يوم أحد مطلقا كان بذنوبهم لم يستثن أحد ~~وهذا من فوائد تخصيص الخطاب لئلا يظن أنه عام مخصوص ، والتاسع أن السيئة ~~إذا كانت من النفس ، والسيئة خبيثة كما قال : @QB@ الخبيثات للخبيثين @QE@ ~~الآية قال جمهور السلف ، الكلمات الخبيثة للخبيثين وقال : @QB@ ومثل كلمة ~~خبيثة @QE@ ( وقال ) @QB@ إليه يصعد الكلم الطيب @QE@ والأقوال والأفعال ~~صفات القائل الفاعل ، فإذا اتصفت النفس بالخبث فحملها ما يناسبها ، فمن ~~أراد أن يجعل الحيات يعاشرن الناس كالسنانير لم يصلح بل إذا كان في النفس ~~خبث طهرت حتى تصلح للجنة كما في الصحيح من حديث أبي سعيد وفيه ( حتى إذا ~~هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة ) فإذا علم الإنسان أن السيئة من نفسه ~~لم يطمع في السعادة التامة مع ما فيه من الشر بل تحقيق قوله : ^ ( من يعمل ~~سوأ يجز به ) ^ @QB@ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره @QE@ الخ . وعلم أن الرب ~~حليم ، عليم ، رحيم ، عدل ، وأفعاله على قانون العدل والإحسان ، كما في ~~الصحيحين ، يمين الله ملأ إلى قوله والقسط بيده الأخرى ، PageV01P037 وعلم ~~فساد قول الجهمية الذين يجعلون الثواب والعقاب بلا حكمة ولا عدل إلى أن قال ~~ومن سلك مسلكهم غايته إذا عظم الأمر والنهي أن يقول كما نقل عن الشاذلي ~~يكون الجمع في قلبك مشهودا ، والفرق على لسانك موجودا ، كما يوجد في كلامه ~~وكلام غيره ، أقوال وأدعية تستلزم تعطيل الأمر والنهي ms019 مما يوجب أن يكون ~~عنده أن يجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض ، ويدعون ~~بأدعية فيها اعتداء كما في حزب الشاذلي ، وآخرون من عوامهم يجوزون أن يكرم ~~الله بكرامات الأولياء لمن هو فاجر أو كافر ، ويقولون هذه موهبة يظنونها من ~~الكرامات وهي من الأحوال الشيطانية التي يكون مثلها للسحرة والكهان ، كما ~~قال تعالى : ^ ( ولما جاءهم رسول من عند الله إلى قوله هاروت وماروت ) ^ ~~وصح قوله صلى الله عليه وسلم : ' لتتبعن سنن من كان قبلكم ' فعدل كثير من ~~المنتسبين إلى الإسلام إلى أن نبذ القرآن وراء ظهره ، واتبع ما تتلوا ~~الشياطين ، فلا يعظم أمر القرآن ونهيه ولا يوالي من أمر القرآن بموالاته ، ~~ولا يعادي من أمر القرآن بمعاداته بل يعظم من يأتي ببعض الخوارق ، ثم منهم ~~من يعرف أنه من الشيطان لكن يعظمه لهواه ، ويفضله على طريقة القرآن ، ~~وهؤلاء كفار كما قال الله فيهم @QB@ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت @QE@ الآية . | ( 52 ) قوله : من نفسك فمن ~~الفوائد أن المتعلم لا يطمئن إلى نفسه ، ولا يشتغل بملام الناس وذمهم ، بل ~~يسأل الله أن يعينه على طاعته ، ولهذا PageV01P038 كان أنفع الدعاء وأعظمه ~~الفاتحة وهي مفتاح إلى الهدى كل لحظة ويدخل فيه من أنواع الحاجات ما لا ~~يمكن إحصاؤه ، ويبينه أن الله سبحانه لم يقض علينا في القرآن قصة إلا ~~لنعتبر ، وأنما يكون الاعتبار إذا قسنا الثاني بالأول فلولا أن في النفوس ~~ما في نفوس المكذبين للرسل لم يكن بنا حاجة إلى الاعتبار بمن لا نشبهه قط ، ~~ولكن الأمر كما قال تعالى : @QB@ ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك ~~@QE@ وقوله : @QB@ أتواصوا به @QE@ وقوله : @QB@ تشابهت قلوبهم @QE@ ولهذا ~~في الحديث ' لتسلكن سنن من كان قبلكم ' الحديث وقد بين القرآن أن السيئات ~~من النفس وأعظم السيئات جحود الخالق والشرك به ، وطلب النفس أن تكون شريكة ~~له ، وكلا هذين وقع ، قال بعضهم ما من نفس إلا وفيها ما في نفس فرعون وذلك ~~أن الإنسان إذا اعتبر وتعرف أحوال الناس ms020 رأى من يبغض نظيره ، واتباعه حسدا ~~كما فعلت اليهود لما بعث الله من يدعو إلى مثل ما دعى إليه موسى ، ولهذا ~~أخبر عنهم بنظير ما أخبر به عن فرعون كما قال : @QB@ إن فرعون علا في الأرض ~~@QE@ الآية وقال : @QB@ وقضينا إلى بني إسرائيل @QE@ الآية . | ( 53 ) قوله ~~في الحديث الذي في الترمذي وصحيح الحاكم : ' للجن أحسن ردا منكم الخ ' يذكر ~~تعالى آياته الدالة على قدرته وربوبيته ، وآياته PageV01P039 التي فيها ~~إحسانه إلى عباده ، وآياته المبينة لحكمته ، وهي متلازمة ، فكما خلق فهو ~~نعمة ودليل على قدرته وحكمته لكن نعمة الرزق في المأكل والمشرب واللباس ~~والسكن ظاهر لكل أحد ، فلهذا استدل بها كما في سورة النحل وتسمى سورة النعم ~~، وكل ما خلقه فهو نعمة على المؤمنين يستحق أن يحمدوه ويشكروه عليه ، وهو ~~من آلائه ، ولهذا قال : @QB@ فبأي آلاء ربك تتمارى @QE@ وكذلك ختم كل آية ~~@QB@ فبأي آلاء ربكما تكذبان @QE@ فجميع المخلوقات أنعام من جهة أنها آيات ~~بها هدايتهم التي يسعدون بها في الدارين ، فتدلهم عليه ، وعلى وحدانيته ، ~~وقدرته ، وعلمه ، وحكمته ، ورحمته ، وهذه أفضل النعم نعمة الإيمان قال ابن ~~قتيبة : ' لما ذكرهم آلاءه ، ونبههم على قدرته ، جعل كل كلمة فاصلة بين ~~نعمتين ليفهمهم النعم ويقروا هم بها ' . | ( 54 ) إذا كان الحمد لا يقع إلا ~~نعمة فقد ثبت أنه رأس الشكر فهو أول الشكر والحمد وإن كان على نعمته وعلى ~~حكمته فالشكر بالأعمال على نعمته ، وهو عبادة له لآلهيته التي تتضمن حكمته ~~، فصار المجموع داخلا في الشكر ، ولهذا عظم القرآن أمر الشكر ، ولم يعظم ~~أمر الحمد مجردا إذا كان نوعا من الشكر وشرع الحمد الذي هو الشكر المقول ~~أمام كل خطاب مع التوحيد . | ( 55 ) المؤمن يرى أن عمله لله : لأنه إياه ~~يعبد ، وأنه بالله ، لأنه إياه يستعين فلا يطلب جزاء ولا شكورا من غير الله ~~، ولا يمن ولا يؤذي لعلمه أن الله هو المان عليه ومن الناس من يحسن إلى ~~غيره ليمن عليه أو يجزيه PageV01P040 بطاعة أو تعظيم أو غيره ، فلا عمل لله ~~، ولا بالله ، فهو كالمرائي وقد ms021 أبطل الله صدقة المنان والمرائي . | ( 56 ) ~~أما نعمة الضراء فاحتياجها إلى الصبر ظاهرا ، وأما نعمة السراء - فتحتاج ~~إلى الصبر على الطاعة فيها ، فإن فتنة السراء أعظم ، وفي الحديث : ' أعوذ ~~بك من فتنة الفقر ، وشر فتنة الغنى ، والفقر يصلح عليه خلق كثير ولا يصلح ~~على الغنى ألا أقل منهم ، ولهذا أكثر من يدخل الجنة المساكين لأن فتنة ~~الفقر أهون وكلاهما يحتاج إلى الصبر والشكر ، ولكن لما كان في السراء اللذة ~~والضراء الألم ، اشتهر ذكر الشكر في السراء والصبر في الضراء ، قال تعالى : ~~@QB@ ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة @QE@ إلى قوله @QB@ إلا الذين صبروا @QE@ ~~الآية ، فصاحب السراء أحوج إلى الشكر ، وصاحب الضراء أحوج إلى الصبر ، فإن ~~صبر هذا واجب إذا ترك استحق العقاب ، وكذلك شكر ذاك ، وأما صاحب السراء فقد ~~يكون مستحبا إذا كان عن فضول الشهوات وقد يكون واجبا لكن لإتيانه بالشكر ~~يغفر ما يغفر ، وكذلك صاحب الضر قد يكون الشكر في حقه مستحبا إذا كان شكرا ~~يصير به من السابقين المقربين ، وقد يغفر له ما قصر في الشكر لإتيانه ~~بالصبر ، فإن اجتماع الصبر والشكر جميعا يعسر على كثير من الناس . | ( 57 ) ~~أمر الله الرسل أن يكون دينهم واحدا لا يتفرقون فيه ولهذا يصدق بعضهم بعضا ~~لا يختلفون مع تنوع شرائعهم ، فمن كان من المطاعين من العلماء ، والأمراء ~~متبعا للرسل أمر بما أمروا به ودعا إليه ، PageV01P041 وأحب من دعا إليه ، ~~لأن قصده عبادة الله وحده وأن يكون الدين لله ، ومن كره أن يكون له نظير ~~يدعو إلى ذلك فهذا يطلب أن يكون هو المطاع المعبود ، وله نصيب من حال فرعون ~~، فمن طلب أن يطاع دون الله فهذا حال فرعون ، ومن طلب أن يطاع مع الله فهذا ~~يريد من الناس أن يتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله . | ( 58 ) ~~جميع الولايات مقصودها أن يكون الدين كله لله ، فإنه سبحانه إنما خلق الخلق ~~لذلك ، وذلك هو الخير ، والبر ، والتقوى ، والحسنات ، والقربات . . ~~والباقيات الصالحات والعمل الصالح ، وإن كان بين هذه الأسماء فروق لطيفة ~~ولا ms022 تتم المصلحة في الدين والدنيا إلا بالاجتماع ، وإذا اجتمعوا فلا بد من ~~أمور يفعلونها لمصلحتهم ، وأمور يجتنبونها لدفع المفسدة ، ويكونون مطيعين ~~للأمر بها والنهي عنها ، فلا بد من آمر وناهي ، وإذا كان لا بد من ذلك ~~فدخول المرء تحت طاعة الله ورسوله الذي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ~~، ويحل لهم الطيبات ، ويحرم عليهم الخبائث خير له ، وأخبر أنه أنزل الكتاب ~~بالحق والميزان وأنزل الحديد ليقوم الناس بالقسط ، ولهذا أمر صلى الله عليه ~~وسلم أمته بتولية ولاة الأمور عليهم ، وأمر ولاة الأمور أن يؤدوا الأمانة ، ~~وأن يحكموا بالعدل ، وأمر بطاعتهم فلأبي داود عن أبي سعيد مرفوعا إذا خرج ~~ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم ' وله عن أبي هريرة مثله ففيه تنبيه على ~~الوجوب فيما هو أكثر من ذلك . | ( 59 ) من المتولين من هو بمنزلة الشاهد ~~المؤتمن والمطلوب منه الصدق مثل ولاية الأموال ، والعريف الذي يخبر ولي ~~الأمر بالأحوال ، ومنهم من هو بمنزلة الآمر المطاع والمطلوب منه الصدق ~~وبالصدق في الأخبار ، PageV01P042 والعدل في الإنشاء من الأقوال والأعمال ~~تصلح جميع الأحوال ، وهما قرينان قال تعالى : @QB@ وتمت كلمة ربك صدقا ~~وعدلا @QE@ وقال في الحديث ' من صدقهم بكذبهم ، وأعانهم على ظلمهم . . ' ~~إلى آخره . | ( 60 ) الأدلة العقلية الشرعية إنما تدل على الحق وهذا ظاهر ~~يعرفه كل أحد لأن الدليل الصحيح لا يدل إلا على حق يبقي الكلام في أعيان ~~الأدلة ، وبيان انتفاء دلالتها على الباطل ، ودلالتها على الحق هو تفصيل ~~هذا الإجمال ، والمقصود هنا شيء آخر ، وهو أن نفس الدليل الذي يحتج به ~~المبطل هو بعينه إذا أعطى حقه تبين أنه يدل على فساد قول المبطل في نفس ما ~~احتج به عليه ، وهذا عجيب قد تأملته فيما شاء الله من الأدلة السمعية ، ~~والمقصود هنا أن الأدلة العقلية كذلك فأما السمعية فقد ذكرت أمورا مما احتج ~~به الجهمية والرافضة وغيرهم مثل الله أحد ، الله الصمد ، وبينت أنها تدل ~~على نقيض مطلوبهم ، وهذا مبسوط في الرد على الرازي في كتاب تأسيس التقديس ، ~~فإني لم أر لهم مثله ، جمع فيه ms023 عامة حججهم ، وكذلك . احتجاجهم على نفي ~~الرؤية بقولهم له @QB@ لا تدركه الأبصار @QE@ وكذلك قوله : ^ ( ليس كمثله ~~شيء ) ^ ونحو ذلك ، وكذلك احتجاج الشيعة بقوله : @QB@ إنما وليكم الله @QE@ ~~الآية وبقوله : ^ ( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ) ^ ونحو ~~ذلك كما بسط في منهاج أهل السنة ، والمقصود هنا PageV01P043 العقليات فإن ~~كل من له معرفة يعرف أن السمعيات إنما تدل على الإثبات ، وأما الرافضة ~~فعمدتهم على السمعيات لكن كذبوا أحاديث كثيرة جدا راج كثير منها على أهل ~~السنة ، وعسر تمييزها إلا على الأئمة العارفين بعلل الحديث متنا وسندا ، ~~كما أن الجهمية أتوا بحجج عقلية اشتبهت على أهل السنة إلا على قليل ممن له ~~خبرة بذلك . | والصفات والقدر ، ويسميان التوحيد والعدل هما أعظم وأجل ما ~~فيه في الأصول ، والحاجة إليهما أعم ومعرفة الحق فيها أنفع . | ( 61 ) ~~الأقوال التي ترغب في الفجور وتهيج القلوب إليها ، وكل ما فيه إعانة على ~~الفاحشة وترغيب فيها حرام أعظم من تحريم الندب والنياحة ، لأن ذلك يثير ~~الحزن وهذا يثير الفسق ، والحزن قد يرخص فيه بخلاف الفسق ، بل هذا من جنس ~~القيادة وفي الصحيح ( لا تنعت المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها ) ~~، وبلغ عمر أن نصرا تغنت به امرأة فأخذ شعره ثم رآه جميلا فنفاه ، فكيف لو ~~رأى من يغني بهذه الأقوال المروية في المردان مع كثرة الفجور ؟ ! فإن هؤلاء ~~من المضادين لله ولرسوله ، ولدينه ، يدعون إلى ما نهى الله عنه ، ويصدون عن ~~سبيل الله ، ويبغونها عوجا والمخالط لهم إذا ادعى السلامة لم يقبل منه ، ~~فإنه إما أن يفعل معهم ، وأما أن يقرهم ، وعلى كل حال فهو مستحق للعقوبة ، ~~وقد رفع إلى عمر بن عبد العزيز PageV01P044 أقوام يشربون الخمر فقيل إن ~~فيهم صائما فقال ابدؤا به فاجلدوه ألم يسمع قول الله تعالى : @QB@ وقد نزل ~~عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله @QE@ الآية فنهى سبحانه عن القعود ~~مع الظالمين فكيف بمعاشرتهم ؟ والرسول بعث بإصلاح العقول والأديان ، وتكميل ~~نوع الإنسان وحرم ما يغير العقل من جميع الألوان . | ( 62 ) الوسواس ms024 في ~~الصلاة نوعان : أحدهما لا يمنع من تدبر الكلم الطيب والعمل الصالح ، بل ~~بمنزلة الخواطر فلا يبطل لكن من سلم منه فهو أفضل ممن لم يسلم منه ، الأول ~~شبه حال المقربين ، والثاني : شبه حال المقتصدين . | وأما الذي يمنع الفهم ~~بحيث يصير الرجل غافلا فلا ريب أنه يمنع الثواب ، كما في حديث عمار ، وغيره ~~، والنصوص والآثار إنما تدل على أن الثواب مشروط بالحضور ، ولم تدل على ~~وجوب الإعادة لا باطنا ولا ظاهرا ، كما في حديث الصوم : ( من لم يدع قول ~~الزور والعمل . . . الخ ) وهذا هو المأثور عن أحمد وغيره من الأئمة . | ( ~~63 ) لم يكن أحد من الأنبياء نبيا قبل أن ينبأ وقوله : ( كنت نبيا وآدم بين ~~الروح والجسد ) وذلك أن في الصحيح أن الجنين إذا خلق كتب الملك رزقه وأجله ~~وعمله وشقي أو سعيد قبل نفخ الروح فيه ، فبين خلقه ونفخ روحه . بقدر حاله ~~في صحف الملائكة في تلك الحال ما سيكون من PageV01P045 أمره ، وقال تعالى ~~@QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا @QE@ الآية وقال : @QB@ وعلمك ما لم ~~تكن تعلم @QE@ وقال @QB@ وإن كنت من قبله لمن الغافلين @QE@ ففي هذه النصوص ~~وغيرها يخبر بإنعامه عليه ، وبه يتبين عظم نعم الله عليه ، وعظم قدرة الله ~~سبحانه . | ( 64 ) الأذكار والدعوات من أفضل العبادات ، والعبادات مبناها ~~على الإتباع وليس لأحد أن يسن منها غير المسنون ، ويجعله عادة راتبة ، ~~يواظب الناس عليها بل هذا ابتداع دين لم يأذن به الله . بخلاف ما يدعو به ~~المرء أحيانا من غير أن يجعله سنة . | ( 65 ) كل اسم مجهول ليس لأحد أن ~~يرقأ به فضلا عن أن يدعو به ولو عرف معناه كره الدعاء بغير العربية ، وأنما ~~يرخص فيه لمن لا يحسن العربية ، فأما جعل الألفاظ العجمية شعارا فليس من ~~دين الإسلام . | ( 66 ) من اعتدى على شريف أو غيره عوقب بالقصاص ، والتعزير ~~، أو حد القذف ويعاقب المعتدي أيضا وإن كان شريفا ، فما يشرع فيه القصاص لا ~~فرق فيه بين الشريف وغيره ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ' المسلمون تتكافأ ~~دماؤهم ويسعى بذمتهم ms025 أدناهم ' . | ( 67 ) ما ذكر من حياة الشهداء ورزقهم ~~قيل إنه مختص بهم ، والصحيح الذي عليه الأئمة أنه ليس مختصا كما دلت عليه ~~النصوص وخص الشهيد PageV01P046 بالذكر ، لكون الظان يظن أنه يموت فينكل عن ~~الجهاد ، كما نهى عن قتل الأولاد خشية الإملاق . | ( 68 ) اختلف في ولاية ~~أبي بكر هل هي بنص أو إجماع والتحقيق أنه صلى الله عليه وسلم دلهم عليها ~~بأمور متعددة من أقواله ، وأفعاله ، وأخبر بها إخبار راض حامد ، وعزم أن ~~يكتب بها عهدا ، ثم علم أن المسلمين يجتمعون ، ولهذا قال : ( يأبى الله ~~والمؤمنون إلا أبا بكر ) لأن النزاع أنما يكون لخفاء العلم أو لسوء القصد ~~وكلاهما منتفي ، وهذا أبلغ من العهد ، فصارت ثابتة بالنص والإجماع ، ~~المستند إلى ما علموه من تفضيل الله ورسوله له ، وأنه أحق ، وأن الله أمر ~~بها وأن المؤمنين يختارونها . | ( 69 ) خلق الله الخير والشر لما له في ذلك ~~من الحكمة التي باعتبارها كان فعله حسنا متقنا كقوله : ^ ( الذي أحسن كل ~~شيء خلقه ) ^ ^ ( صنع الله الذي أتقن كل شيء ) ^ فلهذا لا يضاف إليه الشر ~~مفردا إلا أن يدخل في العموم ، كقوله ^ ( خالق كل شيء ) ^ أو يضاف إلى ~~السبب كقوله : @QB@ من شر ما خلق @QE@ ، أو يحذف الفاعل كقوله @QB@ وأنا لا ~~ندري أشر أريد بمن في الأرض @QE@ الآية وقوله : @QB@ أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين @QE@ فذكر أنه فاعل النعمة ، وحذف فاعل الغضب ، ~~وأضاف PageV01P047 الضلال إليهم ، فالرب تعالى لا يمثل بخلقه ، لا في ذاته ~~ولا في صفاته ، ولا في أفعاله ، بل له المثل الأعلى . | ( 70 ) وقال في ~~احتجاج الرافضة بآية الميراث : ليس في عمومها ما يقتضي أنه صلى الله عليه ~~وسلم يورث ولا قصد بها بيان صفة المورث والوارث ، وأنما قصد بها أن المال ~~الموروث يقسم بين الوارثين على هذا التفصيل ، ولهذا لو كان الميت مسلما ~~وهؤلاء كفارا لم يرثوا بالاتفاق ، وكذلك بالعكس في قول الجماهير ، وكذلك ~~القاتل عند عامة المسلمين . وهب أن لفظ الآية عام مخصوص بأدلة أضعف من ~~كونها لم تعمه صلى الله عليه وسلم ms026 يعني في المسائل المتقدمة آنفا ، وإذا ~~خصت بنص أو إجماع خصت بنص آخر بالإجماع وقد ثبت أنه لا يورث بالسنة المقطوع ~~بها بإجماع الصحابة ، وقد جرت العادة بأن الملوك الظلمة إذا تولوا بعد من ~~أحسن إليهم وقد انتزعوا الملك منهم أعطوهم ما يكفهم عنهم وأما منع الميراث ~~فلا يعلم أن أحدا من الملوك فعله ، فعلم أن ما جرى خارجا عن العادة ~~الطبيعية في الملوك كما خرج عن العادات الشرعية في المؤمنين لاختصاصه صلى ~~الله عليه وسلم بما لم يخص به غيره ، وقوله @QB@ وورث سليمان داود @QE@ لا ~~يدل على محل النزاع ، لأن الإرث اسم جنس تحته أنواع فيستعمل في أرث العلم ~~والنبوة وغير ذلك قال تعالى : @QB@ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا @QE@ ~~الآية وداود له أولاد غير سليمان فلا يختص بما له ، والمراد أرث العلم ~~والنبوة ونحو ذلك ، وأرث المال من الأمور المشتركة كالأكل PageV01P048 ~~والشرب فلا يقص مثله عن الأنبياء ، وقوله @QB@ يرثني ويرث من آل يعقوب @QE@ ~~كذلك لأنه لا يرث من آل يعقوب أموالهم ، والنبي لا يطلب ابنا ليرث ماله ، ~~وهذا لا يصدر إلا ممن هو أقل الناس عقلا ودينا . | ( 71 ) قوله : ( ما أقلت ~~الغبراء الخ ) بتقدير ثبوته لم يرد به أنه أصدق الناس ، فإنه يلزم أن يكون ~~أصدق منه صلى الله عليه وسلم ، ولكن معناه ليس غيره أكثر تحريا للصدق منه ، ~~والصادق شيء والصديق شيء ليس لكونه صادقا بل لكونه صدق الأنبياء ، فالصديق ~~ليس فضيلته في مجرد الصدق بل إنه علم ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ~~جملة وتفصيلا وصدق ذلك تصديقا كاملا في العلم والقصد والقول والعمل ، وأبو ~~ذر لم يعلم ما أخبر به صلى الله عليه وسلم كما علمه أبو بكر ، فإنه أعرف ~~منه ، وأعظم حبا لله ورسوله ، وأعظم نصرا لله ورسوله ، وأعظم جهادا بنفسه ~~وماله ، إلى غير ذلك من الصفات التي هي كمال الصديقية . | ( 72 ) وقال في ~~قول الرافضي : إذاعة سر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل السنة في هذا ~~الباب قائمون بالقسط شهداء لله ms027 قولهم لا يتناقض ، وأما أهل البدع ففيهم من ~~التناقض ما ننبه على بعضه وذلك أن عندنا أن أهل بدر كلهم في الجنة ، وكذلك ~~أمهات المؤمنين لكن ليس من شرط ذلك سلامتهم من الخطأ والذنوب ، فما يذكر عن ~~الصحابة من السيئات كثير منه كذب ، وكثير منه كانوا مجتهدين فيه ، وما قدر ~~أنه ذنب فهو مغفور إما بتوبة أو حسنات ، أو غير ذلك ، فإنه قد قام الدليل ~~على أنهم في الجنة ، PageV01P049 ولو لم يقم لم يجز لنا القدح في استحقاقهم ~~الجنة بأمور لا نعلم أنها توجب النار فإن هذا لا يجوز في آحاد المؤمنين ~~والكلام بلا علم حرام ، ولهذا كان الإمساك عما شجر بينهم خير من الخوض فيه ~~بغير علم بحقيقة الأحوال إذ كثير منه أو أكثره بغير علم ، وهو حرام ، لو لم ~~يكن فيه هوى ومعارضة للحق وقال : ( القضاة ثلاثة الخ ) فإذا كان هذا في ~~قضاء بين اثنين في قليل المال وكثيره فكيف بين الصحابة في أمور كثيرة ، فمن ~~تكلم في هذا الباب بجهل أو بخلاف ما يعلم من الحق استوجب الوعيد ، ولو تكلم ~~بحق للهوى أو عارض به حقا آخر استوجب الوعيد ، فمن سلك سبيل أهل السنة ~~استقام ، وإلا وقع في كذب وجهل وتناقض ، ثم ذكر إنكار الرافضة توبة ~~الأنبياء والأئمة وخطبة علي لابنة أبي جهل ، وغضبه صلى الله عليه وسلم يوم ~~الحديبية لما لم يحلقوا ، ثم قال والرافضة تعمد إلى قوم متقاربين تريد أن ~~تجعل أحدهم معصوما والآخر مأثوما ، فيظهر جهلهم وتناقضهم ومن عمد إلى ~~التفريق بين المتماثلين أصابه مثل هذا كاتباع العلماء والمشايخ . | ( 73 ) ~~مذهب أهل السنة أن الأمراء الظلمة مشاركون فيما يحتاج إليهم فيه من طاعة ~~الله فيصلى خلفهم ، ويجاهد معهم ، ويستعان بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر ، ومن حكم منهم بعدل نفذ حكمه ، وإن أمكن تولية بر لم يجز تولية ~~فاجر فيجتهدون في الطاعة بحسب الإمكان ، كما قال @QB@ فاتقوا الله ما ~~استطعتم @QE@ ويعلمون أن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بصلاح العباد ، ~~فإذا اجتمع ms028 صلاح وفساد رجحوا الراجح PageV01P050 منهما وقل من خرج على دين ~~سلطان إلا كان ما تولد عن فعله من الشر أعظم من الخير ، فلا أقاموا دينا ~~ولا أبقوا دنيا ، وإن كان فيهم خلق من أهل العلم والدين ، وهذا مما يبين أن ~~ما أمر به صلى الله عليه وسلم من الصبر على جور الأئمة هو الأصلح ، فالشارع ~~أمر كلا بما هو أصلح له وللمسلمين ، فأمر الولاة بالعدل والنصح لرعيتهم ، ~~وأمر بالصبر على استيثارهم ومنازعتهم الأمر والفتن في كل زمان بحسب رجاله ، ~~والفتنة تمنع معرفة الحق وقصده والقدرة عليه ففيهما من الشبهات ما يلبس ~~الحق بالباطل ، حتى لا يتميز لكثير من الناس ، ومن الشهوات ما يمنع قصد ~~الحق ، ومن قوة الشر ما يضعف القدرة على الخير ، ولهذا يقال : ' فتنة عميا ~~صما ' . | ( 74 ) لآله صلى الله عليه وسلم على الأمة حق لا يشركهم فيه ~~غيرهم ، ويستحقون من زيادة المحبة والموالاة مالا يستحق سائر قريش وقريش ~~يستحقون مالا يستحق غيرهم من القبائل ، كما أن جنس العرب يستحقون من ذلك ما ~~لا يستحقه سائر أجناس بني آدم ، على هذا دلت النصوص : تفضيل الجملة على ~~الجملة لا يقتضي تفضيل كل فرد كالقرن الأول على الثاني ، والثاني على ~~الثالث ، وأما نفس ترتيب الثواب والعقاب على القرابة ومدح الله للمعين ~~وكرامته عنده فهذا لا يؤثر فيه النسب ، وهذا لا ينافي ما ذكرنا قبله ، كما ~~قال : ( الناس معادن . . الخ ) فالأرض إذا كان فيها معدن ذهب ومعدن فضة ~~فالأول خير ، لأنه مظنة وجود أفضل الأمرين فإن تعطل ولم يخرج ذهبا كان ما ~~يخرج الفضة أفضل منه ، ولهذا كان في بني هاشم النبي صلى الله عليه وسلم ~~الذي لا يماثله أحد في قريش ، وفي قريش الخلفاء وغيرهم ما لا نظير له في ~~العرب وفي العرب من السابقين الأولين ما لا نظير له PageV01P051 في سائر ~~الأجناس . . فالأصل المعتبر هو الإيمان والتقوى ، دون من ألغى فضيلة ~~الأنساب مطلقا ، ودون من ظن أن الله مفضل الإنسان بنسبه على من هو مثله في ~~التقوى وكلا القولين ms029 خطأ وهما متقابلان ، فالفضل بالنسب للمظنة والسبب ، ~~وبالتقوى لليقين . . والتحقيق والغاية فالأول سبب وعلامة ، والثاني يفضل به ~~لأنه تحقيق وغاية والثواب يقع على هذا لأن الحقيقة قد وجدت فلم يعلق الحكم ~~بالمظنة ، ولأن الله يعلم الأشياء على ما هي عليه ، ولهذا كان رضى الله عن ~~السابقين أفضل من الصلاة على آل محمد ، لأن الأول إخبار بما حصل والثاني ~~سؤال ما لم يحصل ، ومحمد أخبر الله تعالى أنه يصلي عليه وملائكته فالفضيلة ~~بنوع لا يستلزم الأفضلية مطلقا ، ولهذا كان في الأغنياء من هو أفضل من ~~جمهور الفقراء كإبراهيم وداود وأمثالهم وعيسى ويحيى أفضل من أكثر الأغنياء ~~. | ( 75 ) إذا تكلم فيمن دون الصحابة كالملوك المختلفين وجب أن يكون ~~الكلام بعلم وعدل ، فإن العدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال والظلم ~~محرم مطلقا لا يباح بحال ، قال تعالى : ^ ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا ~~تعدلوا ) ^ وهذه الآية نزلت بسبب بغضهم للكفار وهو بغض مأمور به فإذا كان ~~هذا قد نهى صاحبه أن يظلم من أبغضه ، فكيف في بغض مسلم بتأويل أو شبهة أو ~~هوى ، والعدل مما اتفق أهل الأرض على مدحه ، والظلم مما اتفقوا على ذمه ، ~~والله أرسل الرسل ليقوم الناس بالقسط ، وأخبر أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها ، ~~وأمر بتقواه بقدر الاستطاعة PageV01P052 ودعى المؤمنون بقوله : @QB@ ربنا ~~لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا @QE@ فقال قد فعلت فدلت هذه النصوص على أنه ~~لا يكلف نفسا إلا وسعها ، وأن المخطىء والناسي لا يؤاخذ وقال @QB@ والذين ~~يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا @QE@ الآية فمن آذى مؤمنا حيا أو ~~ميتا بغير ذنب يوجب ذلك دخل في الآية ومن كان مجتهدا لا إثم عليه فأذاه مؤذ ~~فقد آذاه بغير ما اكتسب ، ومن أذنب وتاب أو غفر له بسبب آخر فآذاه مؤذ فقد ~~آذاه بغير ما اكتسب . | ( 76 ) ذكر غير واحد الإجماع على أن الصديق أعلم ~~الأمة ، وهذا بين فإنهم لم يختلفوا في مسألة في ولايته إلا فصلها بحجة من ~~الكتاب والسنة ، كما بين لهم ms030 موته صلى الله عليه وسلم ، وموضع دفنه ، وقتال ~~مانعي الزكاة ، وأن الخلافة في قريش واستعمله صلى الله عليه وسلم على أول ~~حجة حجت من مدينته وعلم المناسك - أدق العبادات - ولولا سعة علمه بها لم ~~يستعمله ولم يستخلف غيره لا في حج ولا في صلاة ، وكتاب الصدقة التي فرضها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذه أنس من أبي بكر وهو أصح ما روي فيها ، ~~وفي الجملة لا يعرف مسألة غلط فيها ، وعرف لغيره مسائل كثيرة وتنازعوا بعده ~~في مسائل الجد والإخوة ، والعمريتين والعول ، وغير ذلك من مسائل الفرائض ~~ومسألة الحرام ، والطلاق الثلاث بكلمة ، والخلية ، والبرية ، والبته ، وغير ~~ذلك من مسائل الطلاق وفي مسائل صارت نزاعا إلى اليوم لكنه في خلافة عمر ~~نزاع محض وقوي النزاع في خلافة عثمان حتى حصل كلام غليظ من بعضهم لبعض ، ~~وفي خلافة علي صار النزاع PageV01P053 بالسيف ، ولم يعلم أنه استقر بينهم ~~نزاع في خلافة أبي بكر في مسألة واحدة ، وذلك لكمال علمه ، ثم التي خولف ~~فيها بعد موته قوله فيها أرجح . | ( 77 ) مذهب أبي ذر رضي الله عنه أن ~~الزهد واجب وأن ما أمسك عن الحاجة فهو كنز واحتج بأية براءة ، فلما توفي ~~عبد الرحمن بن عوف وخلف مالا جعل أبو ذر ذلك من الكنز ، وخالفه الجمهور ، ~~واستدلوا بقوله : ( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة . . الخ ) ولا يحول الحول ~~على مال عند أحد إلا وهو فضلة عن حاجة ، وقالوا الكنز : المال الذي لا تؤدى ~~حقوقه وقد قسم الله المواريث في القرآن وقد كان غير واحد له مال على عهده ~~صلى الله عليه وسلم ، وكان غير واحد من الأنبياء لهم مال ، وكان أبو ذر ~~يريد أن يوجب ما لا أوجبه الله مع أنه مجتهد في ذلك ، وكان عمر يقوم رعيته ~~فلا يتعدى لا الأغنياء ولا الفقراء فلما كان في خلافة عثمان رضي الله عنه ~~توسع الأغنياء في الدنيا ، وتوسع أبو ذر في الإنكار ، وهذا من أسباب الفتن ~~بين الطائفتين . | ( 78 ) الغاية الممكنة ذكر الأمور الكلية كما ms031 قال صلى ~~الله عليه وسلم : ' بعثت بجوامع الكلم ' ثم النظر في دخول الأعيان فيها أو ~~دخول نوع خاص تحت أعم منه لا بد فيه من نظر المتولي ، وقد يصيب تارة ويخطىء ~~أخرى ، فنص صلى الله عليه وسلم على الكليات ، كما جاء فيما يحرم ويحل من ~~النساء ، وكذلك الأشربة حرم كل مسكر ، وأمثال ذلك ، بل قد حصر المحرمات في ~~قوله : @QB@ قل إنما حرم ربي الفواحش @QE@ . . الآية . فكل ما يحرم تحريما ~~PageV01P054 عاما مطلقا ذكره فيها وما سواه وإن حرم في حال أبيح في أخرى ، ~~كالدم . . الخ ، وجميع الواجبات في قوله : @QB@ قل أمر ربي بالقسط @QE@ فلا ~~مصلحة في عصمة الإمام إلا وهي حاصلة بعصمة الرسول ، ولله الحمد والمنة ، ~~وكل من كان إلى اتباع السنة والحديث واتباع الصحابة أقرب كان مصلحتهم في ~~الدين والدنيا أكمل ، ومن كان أبعد كان بالعكس ولما كانت الشيعة من أبعد ~~الطوائف عن اتباع المعصوم تجدهم من أبعد الناس عن مصلحة دينهم ودنياهم حتى ~~يوجد من هو تحت سياسة أظلم الملوك أحسن حالا منهم ، ولهذا أشبهوا اليهود في ~~أحوال كثيرة منها أنهم ضربت عليهم الذلة ، فلا يعيشون إلا أن يتمسكوا بحبل ~~بعض الولاة الذي ليس بمعصوم ، فالرافضة وحدهم لا يقوم أمرهم كاليهود . | ( ~~79 ) قوله تعالى : @QB@ أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع @QE@ الآية الذي ~~يهدي إلى الحق مطلقا هو الله تعالى ، والذي لا يهدي صفة كل مخلوق ، وهذا هو ~~المقصود بالآية ، فإنه افتتح الآيات بقوله : ^ ( قل من يرزقكم من السماء ~~والأرض . . . الخ ) ^ . | ( 80 ) حديث الكسا صحيح ولا دليل فيه على العصمة ~~ولا الإمامة لأن الإرادة نوعان : إرادة دينية كقوله : @QB@ ولكن يريد ~~ليطهركم وليتم نعمته عليكم @QE@ ^ ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين ~~من قبلكم PageV01P055 ويتوب عليكم ) ^ وإرادة كونية كقوله : ^ ( فمن يرد ~~الله أن يهديه يشرح صدره ) ^ . . الآية أخبر الله أنه يريد أن يتوب على ~~المؤمنين ، وأن يطهرهم وفيهم من تاب ومن لم يتب ، ومن تطهر ومن لم يتطهر ، ~~فلا يلزم بالآية ثبوت دعوى العصمة والإمامة ، ثم أزواجه صلى الله عليه ms032 وسلم ~~مذكورات بالآية والخطاب ، وتنازعوا في آل محمد قيل : أمته ، وقيل المتقون ~~منهم ، والصحيح أنهم أهل بيته وأزواجه من آله ، وفي الصحاح أنه قال : وددت ~~أني رأيت إخواني قالوا : أو لسنا إخوانك قال : ' بل أنتم أصحابي ، وإخواني ~~قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني ' وإذا كان كذلك فأولياؤه المتقون ~~بينه وبينهم قرابة الإيمان ، والقرابة الدينية أعظم من القرابة الطينية ، ~~والقرب بين القلوب والأرواح أعظم من القرب بين الأبدان ، ومن كان فاضلا من ~~آله فهم أولياؤه بهذا الاعتبار ، لا لمجرد النسب ، والقرآن لا يدل على ثبوت ~~الطهارة وإذهاب الرجس ودعاؤه صلى الله عليه وسلم يدل على وقوعه ، فإن دعاءه ~~مجاب ، ولفظ الرجس أصله القذر ، ويراد به الشرك كقوله : ^ ( فاجتنبوا الرجس ~~من الأوثان ) ^ ويراد به الخبائث المحرمة ، كقوله ^ ( أو لحم خنزير فإنه ~~رجس ) ^ ونحن نعلم أن الله أذهب عنهم الرجس والخبائث ، وقوله : ^ ( وطهركم ~~تطهيرا ) ^ سؤال مطلق ، فمن تاب أو وقع ذنبه مكفرا أو مغفورا فقد طهره الله ~~تطهيرا . PageV01P056 | ( 81 ) قول موسى عليه السلام : @QB@ واجعل لي وزيرا ~~من أهلي @QE@ قاله قبل أن يبلغ الرسالة ، ليعاونه عليها ، ونبينا صلى الله ~~عليه وسلم بلغ الرسالة وحده وكان أبو بكر أول من آمن به ، ودعى معه إلى ~~الله ، وأسلم على يده ستة من العشرة ، ومع هذا فما دعى أن يشد أزره به ، بل ~~قام مطيعا لربه متوكلا عليه ، صابرا له كما أمره بقوله : @QB@ ولربك فاصبر ~~@QE@ . | ( 82 ) وقال في الكلام على @QB@ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما ~~تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد @QE@ ، نفى عنهم عبادة معبوده ، لأنهم إذا ~~أشركوا لم يكونوا عابدين معبوده ، وأيضا لو عينوا الله بما ليس هو وقصدوا ~~عبادة الله معتقدين أنه هو كأصحاب العجل ، والذين عبدوا عيسى والدجال ، ~~والذين يعبدون أهواءهم ، ومن عبد من هذه الأمة غير الله فهم عند أنفسهم ~~إنما يعبدون الله ، لكن هذا المعبود ليس هو الله ، وأن قصد العابد الله ~~وأيضا إذا وصفوه بما هو بريء منه كالصاحبة والولد وعبدوه كذلك فهو بريء من ~~هذا المعبود ms033 ، فإنه ليس هو الله ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ' ألا ترون ~~كيف يصرف الله عني سب قريش يسبون مذمما ، كذلك عبادة أمثالهم واقعة على ~~موصوفهم أيضا من لم يؤمن بما وصف به الرسول ربه فهو في الحقيقة لم يعبد ما ~~عبده الرسول ، وقس على هذا فلنتأمل هذه المعاني ولنتهذب . | ( 83 ) وقال في ~~دعاء آخر البقرة الذنوب والمعاصي قد تكون سببا لعدم العلم بالحنيفية السمحة ~~، فلا يعلم أنه مرفوع عنه ، أو لعدم من يفتيه بالرخصة ، PageV01P057 فلا ~~يكون مقتضى هذا الدعاء حاصلا في حقه ، لعدم العلم لا لنسخ الشريعة ، كما ~~يعاقب بأن يخفى عليه من الطعام الطعام الطيب ما هو موجود وأن العبد ليحرم ~~الرزق بالذنب يصيبه ، قد قال تعالى : @QB@ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ~~ويرزقه من حيث لا يحتسب @QE@ وهذا مما يعلم به قوله : ^ ( ومن يعمل سوءا ~~يجز به ) ^ ^ ( ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) ^ . . الآية وفي آخر خلافة ~~عثمان فصاروا في فتنة قال الله فيها @QB@ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا ~~منكم خاصة @QE@ الخ وصار ذلك سببا لمنعهم كثيرا من الطيبات ، وصاروا ~~يختصمون في متعة الحج ونحوها ، وبعضهم يعاقب من تمتع ، وكل منهم لا يعتقد ~~مخالفة الرسول ، لكن خفي العلم بسبب الذنوب ، والنزاع في الأحكام قد يكون ~~رحمة إذا لم يفض إلى شر وإن كان الحق واحدا فقد يكون من رحمة الله ببعض ~~الناس خفاؤه لما في ظهوره من الشدة ، ويكون من باب قوله : @QB@ لا تسألوا ~~عن أشياء @QE@ . . الخ ، وهكذا ما يوجد في الأسواق من الطعام والثياب . | ( ~~84 ) قوله تعالى : @QB@ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى @QE@ وما قبله ، فيه ~~ثلاثة أصول الأول . . لا تزر وازرة وزر أخرى ، الثاني . . ليس له إلا ما ~~سعى ، الثالث . . أن سعيه يرى ويجزاه الجزاء الأوفى وهذه أصول PageV01P058 ~~الإيمان بالوعد والوعيد ، وهي نتيجة الإيمان بالأمر والنهي ، بل نتيجة ~~الجزاء في الدارين ، وقد غلط فيها من غلط ، أخفهم من غلط في الأصل الأول ~~فأنكر أن الميت يعذب ببكاء الحي لتوهمهم أن الميت يحمل أزر النائحة ms034 ، وليس ~~كذلك ، بل يصل إليه ألم بنياحتها كما يعذب الإنسان بالرائحة المؤذية ، ~~والأمور المفزعة ، والحكم فيه كسائر ما يعذب به بعد الموت ، مثل مسألة منكر ~~ونكير ، وأعظمهم غلط من غلط في الثالث ، فأحبط حسناته بالكبيرة الواحدة ، ~~وأوسطهم من غلط في الأوسط ، فظنوا أنه لا ينتفع إلا بسعيه ومعلوم أنه ينتفع ~~بالصلاة عليه والدعاء له وغير ذلك وليس مناقضا للآية ، ولا مخصصا وهو شامل ~~لنا ، وإلا لم يكن في قوله أم لم ينبأ . . الخ . . فائدة ، وأيضا فإنه خبر ~~، والأخبار لا تنسخ وقال ابن عباس في الآية ، وفي رواية الوالبي ، فأدخل ~~الله الأبناء بصلاح الآباء الجنة ، ولم يذكر نسخا ، ولو ذكره فمراده نسخ ما ~~يلقى الشيطان في معنى الآية على غير الصواب فبين أنه لم يرد أن الإنسان لا ~~ينتفع بعمل غيره ، وهذا أحسن ما قيل فيها ، وسائر الأقوال ضعيفة جدا ، ~~والله سبحانه يرحم العباد بغير سعيهم أكثر مما يرحمهم بسعيهم . | ( 85 ) ~~قوله تعالى : @QB@ فلولا كانت قرية آمنت @QE@ الآية لولا : هلا ؛ هذا قول ~~أئمة العربية ، وعن ابن عباس : لم يكن ؛ فذكر أنه لم يكن قرية آمنت فنفعها ~~إيمانها إلا قوم يونس ، وهذا حق ، وقتادة ظن أن المعنى أنه نفعهم دون غيرهم ~~، وليس كذلك ، بل غيرهم لم يؤمن إيمانا ينفع ، وهؤلاء آمنوا إيمانا ينفع ~~والاستثناء حجة لنا ، لأنه منقطع ، ولو اتصل PageV01P059 لرفع ، وهو ~~كالاستثناء في قوله : ^ ( فلولا كان من القرون ) ^ . . الآية ومما يبين ذلك ~~أنها تخصيص وذم لمن لم يفعل ، وهو يقتضي أن القرى لو آمنوا نفعهم لكن لم ~~يؤمنوا ، وهذا هو الصواب ، لأنه تعالى قال : @QB@ فلما رأوا بأسنا @QE@ . . ~~الآيات فأخبر أن هذه سنته ، وسنته لا تبديل لها ، وقال : @QB@ وليست التوبة ~~للذين يعملون السيئات @QE@ . . الآية ، وهذا نفي عام ، فلو استثنى أحد لكان ~~أمة نبي التوبة وقد وسع لهم في التوبة ما لم يوسع على بني إسرائيل ، وهاتان ~~الأمتان فضلوا على العالمين ، وأيضا فإنه سبحانه عدل لا يفرق بين متماثلات ~~، وكشف العذاب عنهم حق رأوه أم لا ، فإنه نوعان نوع يتيقن معه الموت ، ونوع ms035 ~~لا يتيقن ، ومن تاب كشف عنه هذا العذاب ، والمريض تقبل توبته ما لم يغرغر ، ~~وإن كان مرضا مخوفا ، وقوله : @QB@ كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ~~@QE@ يبين أن المكشوف عذاب في الدنيا ولو لم يفسر فهو مجمل ، والقرآن فرق ~~بين النوعين فقوم يونس آمنوا إيمانا نفعهم وآمنوا قبل حضور الموت ، وغيرهم ~~إما أن يكون كاذبا في إيمانه كقوم فرعون ، وإما بعد حصول الموت كالذين قال ~~فيهم : @QB@ فلم يك ينفعهم إيمانهم @QE@ . . الآية ، وقال تعالى : @QB@ كيف ~~يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم @QE@ الآيات وفسر الازدياد كفرا بالإصرار ~~PageV01P060 إلى الموت ، فلم تقبل توبتهم عند الموت لأنه لا يمكن الرجوع عن ~~السيئات ، فينقص أو يذهب فقوله ازدادوا كقوله : استمروا ونظيرها @QB@ إن ~~الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا @QE@ الآية . . فهنا قال : @QB@ لم ~~يكن الله ليغفر لهم @QE@ وهناك قال : @QB@ لن تقبل توبتهم @QE@ فإنه لو تاب ~~من ردته قبلت توبته ، فإذا ارتد ثانية حبط الإيمان الذي غفر به ذلك الكفر ~~فبقي عليه إثم الكفر الأول والثاني فازداد كفرا وأصر إلى الموت لم يغفر له ~~، وذكر في أولها الذي ازداد كفرا بعد الكفر الأول ، فذكر الكفر المفرد ، ~~والمكرر بينهما ازدياد ، ولما قال هناك @QB@ لن تقبل توبتهم @QE@ عند الموت ~~ففيه تنبيه على أن الثاني لا يغفر بطريق الأولى ، ولما ذكر في الثاني أنهم ~~آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا كان مفهومه أنهم لو تابوا قبل الازدياد ~~قبلت توبتهم ، وإن كرروا فدل على أن قوله في الأول : @QB@ ازدادوا @QE@ ~~أراد به الإصرار ، وإلا لكان من كفر وأقام مدة ثم تاب لم تقبل ، وهو خلاف ~~قوله : @QB@ إلا الذين تابوا @QE@ الآية وخلاف مفهوم آية التكرير فإن قيل ~~ازدياده أن يأتي بما يغلظ ردته كابن أبي سرح وابن خطل قيل هذا من مسائل ~~الاجتهاد ، والكلام فيه في غير هذا الموضع وابن آدم لم يكن ندمه ندم توبة ، ~~وثمود قيل أنهم موعودون بالعذاب إذا عقروها ، وعذاب الدنيا لا يندفع بمثل ~~هذه التوبة فإن أصحاب العجل توبتهم بقتل أنفسهم ، وهم لم يتوبوا إلا ms036 خوفا ~~من عذاب الدنيا ، أو يقال توبتهم من جنس توبة آل فرعون إذا رفع عنهم العذاب ~~نكثوا ، فقوله نادمين لا يدل على توبة صادقة ثابتة ، وقوله : @QB@ فلما ~~أحسوا بأسنا @QE@ الآيات لم يذكر توبة بل اعترافا بالظلم ، والكفار ~~PageV01P061 والعصاة يعرفون أنهم ظالمون مع الأحرار ، ومجرد العلم ليس توبة ~~، بل رجوع القلب عن الذنب إلى الله وطاعته ، والتوبة عند نزول العذاب لا ~~تكون صادقة ، بل كآل فرعون باللسان من غير عمل ، وقال بعض العلماء فيمن تاب ~~عند السيف : @QB@ فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده @QE@ الآيات ~~وهؤلاء كآل فرعون أو هذا العالم رأى معاينة القتل المتحتم مثل معاينة الملك ~~، ولكن هذا مثل من قطعت حشوته فأيقن بالموت وهذا تقبل توبته على الصحيح ، ~~وتنفذ وصاياه فإن عمر أوصى في هذه الحال وغايته أنه أيقن بالموت بعد زمن ، ~~وكل أحد موقن بالموت بعد زمن طويل أو قصير ، إلا أن يقال من هؤلاء من يضطرب ~~عقله فلا يمكنه توبة صحيحة ، ومن المذنبين من لا يتوب صادقا بعد معاينة ~~عذاب الآخرة فكيف بعذاب الدنيا ؟ قال تعالى : @QB@ ولو ترى إذ وقفوا على ~~النار @QE@ الآيتين ومن الناس من يقول : أن من الذنوب ما لا يزول بالتوبة ، ~~كالذين أعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه ، والذين قيل لهم : @QB@ لن ~~تخرجوا معي أبدا @QE@ وقال الأكثرون أن ذلك لكونهم لم يتوبوا توبة تمحو مثل ~~ذلك فقوله : @QB@ إن الله يغفر الذنوب جميعا @QE@ وقال أيوب السختياني ~~وغيره المبتدع لا يرجع ، واضح بحديث الخوارج وهذا الحال من أعقبهم نفاقا في ~~قلوبهم ، ولكن ليس وصف جميعهم فليست البدعة أعظم من الردة ، لكنه مظنة ، ~~كالذين أسلموا منهم ، كان الصحابة يحذرون منهم خوفا من بقايا الردة ، فهذا ~~هو العدل في هذا الموضوع ، وقد تاب خلق كثير من رأى الخوارج والجهمية ~~والرافضة وغيرهم ، PageV01P062 لكن التوبة من الإعتقاد الذي كثر ملازمة ~~صاحبه له يحتاج إلى ما يقابله من المعرفة والعلم والأدلة ، ومما يناسب هذا ~~قوله : @QB@ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة @QE@ . . الآية وقوله : @QB@ ~~والله عليم حكيم @QE@ يدل على أنه ms037 سبحانه يعلم من القلوب ما يناسب هذا وهو ~~حكيم في حكمه أنه لا يزال بنيانهم . . الخ ، والذنوب لا بد فيها من توبة أو ~~تعذيب ولو بنقص الحسنات ، وكثير من الذنوب يحتاج صاحبها إلى معالجة قلبه ~~ومجاهدة نفسه كحال الثلاثة الذين خلفوا فكيف غيرهم ؟ . | ( 86 ) قال رحمه ~~الله هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا توجد في طائفة من كتب التفسير إلا ما هو ~~خطأ ، منها قوله تعالى : @QB@ وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون @QE@ . . ~~والآية بعدها أشكلت قراءة الفتح على كثير بسبب أنهم ظنوا أن الآية بعدها ~~جملة مبتدأة ، وليس كذلك لكنها داخلة في خبر أن ، والمعنى إذا كنتم لا ~~تشعرون أنها إذا جاءت لا يؤمنون وأنا نفعل بهم هذا لم يكن قسمهم صدقا بل قد ~~يكون كذبا ، وهو ظاهر الكلام المعروف أنها أن المصدرية ، ولو كان ونقلب الخ ~~. . كلام مبتدأ ألزم أن كل من جاءته آية قلب فؤاده ، وليس كذلك ، بل قد ~~يؤمن كثير منهم ومنها قوله : @QB@ وعبد الطاغوت @QE@ الصواب عطفه على قوله ~~@QB@ من لعنه الله @QE@ فعل ماض معطوف على ما قبله من الأفعال الماضية ، ~~لكن المتقدمة الفاعل الله مظهرا ومضمرا ، وهذا الفاعل اسم ' من عبد الطاغوت ~~' وهو PageV01P063 الضمير في عبد ، ولم يعد حرف ( من ) لأن هذه الأفعال صفة ~~لصنف واحد وهم اليهود . | ومنها قوله : @QB@ وما يتبع الذين يدعون من دون ~~الله شركاء @QE@ ظن طائفة أن ( ما ) نافية وهو خطأ بل هي حرف استفهام فإنهم ~~يدعون معه شركاء كما أخبر عنهم في غير موضع ، فالشركاء يوصفون في القرآن ~~بأنهم يدعون ، لا أنهم يتبعون وأنما يتبع الأئمة ، ولهذا قال : @QB@ إن ~~يتبعون إلا الظن @QE@ ولو أراد النفي لقال إن يتبعون إلا من ليسوا شركاء بل ~~بين أن المشرك لا علم معه ، إن هو إلا الظن والخرص ، كقوله : @QB@ قتل ~~الخراصون @QE@ . | ومنها قوله : @QB@ بأيكم المفتون @QE@ حار فيها كثير ~~والصواب المأثور عن السلف قال مجاهد الشيطان ، وقال الحسن هم أولى بالشيطان ~~من نبي الله فبين المراد وإن لم يتكلم على اللفظ كعادة السلف في الاختصار ms038 ~~مع البلاغة وفهم المعنى ، وقال الضحاك : المجنون فإن من كان به الشيطان ~~ففيه الجنون وعن الحسن الضال ، وذلك أنهم لم يريدوا بالمجنون الذي يخرق ~~ثيابه ويهذي بل لأن النبي خالف أهل العقل في نظرهم ، كما يقال : ' ما لفلان ~~عقل ' ومثل هذا رموا به أتباع الأنبياء ، كقوله : @QB@ إذا رأوهم قالوا إن ~~هؤلاء لضالون @QE@ ومثله في هذه الأمة كثير يسخرون من المؤمنين ، ويرمونهم ~~PageV01P064 بالجنون والعظائم التي هم أولى بها منهم ، قال الحسن : لقد ~~رأيت رجالا لو رأيتموهم لقلتم مجانين ، ولو رأوكم لقالوا هؤلاء شياطين ، ~~ولو رأوا أخياركم لقالوا هؤلاء لا خلاق لهم ولو رأوا شراركم لقالوا هؤلاء ~~قوم لا يؤمنون بيوم الحساب وهذا كثير في كلام السلف يصفون أهل زمانهم وما ~~هم عليه - من مخالفة - من تقدم ، فما الظن بأهل زماننا ؟ ! والذين لم ~~يفهموا هذا قالوا الباء زائدة قاله ابن قتيبة وغيره وهذا كثير كقوله : @QB@ ~~سيعلمون غدا من الكذاب الأشر @QE@ @QB@ هل أنبئكم على من تنزل الشياطين ~~@QE@ الآيات @QB@ إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون من ~~يأتيه عذاب يخزيه @QE@ الآية ، ومنها قوله : @QB@ لنخرجنك يا شعيب @QE@ . . ~~الآية وما في معناها : التحقيق أن الله سبحانه إنما يصطفي لرسالته من كان ~~خيار قومه حسن في النسب ، كما في حديث هرقل من نشأ بين قوم مشركين جهال لم ~~يكن عليه نقص إذا كان على مثل دينهم إذا كان معروفا بالصدق والأمانة وفعل ~~ما يعرفون وجوبه وترك ما يعرفون قبحه ، قال تعالى @QB@ وما كنا معذبين حتى ~~نبعث رسولا @QE@ فلم يكن هؤلاء مستوجبين العذاب ، وليس في هذا ما ينفي عن ~~القبول منهم ، ولهذا لم يذكره أحد من المشركين قادحا ، وقد اتفقوا على جواز ~~بعثة رسول لا يعرف ما جاءت به الرسل قبله من النبوة والشرائع ، وإن من لم ~~يقر بذلك بعد الرسالة فهو كافر ، PageV01P065 والرسل قبل الوحي لا تعلمه ~~فضلا أن تقر به قال تعالى : @QB@ ينزل الملائكة بالروح من أمره @QE@ الآية ~~، وقال : @QB@ يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق ~~@QE@ فجعل إنذارهم ms039 بالتوحيد كالإنذار بيوم التلاق ، كلاهما عرفوه بالوحي ، ~~وما ذكر أنه صلى الله عليه وسلم . . بغضت إليه الأوثان لا يجب أن يكون لكل ~~نبي ، فإنه سيد ولد آدم ، والرسول الذي ينشأ بين أهل الكفر الذين لا نبوة ~~لهم يكون أكمل من غيره من جهة تأييد الله له بالعلم والهدى ، وبالنص والقهر ~~كما كان نوح ، وإبراهيم ؛ ولهذا يضيف الله الأمر إليهما في مثل قوله : @QB@ ~~ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم @QE@ الآية @QB@ إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل ~~إبراهيم @QE@ الآية ، وذلك أن نوحا أول رسول بعث إلى المشركين ، وكان مبدأ ~~شركهم من تعظيم الموتى الصالحين ، وقوم إبراهيم مبدأه من عبادة الكواكب ذاك ~~الشرك الأرضي وهذا السماوي ، ولهذا سد صلى الله عليه وسلم ذريعة هذا ، وهذا ~~، ومنها قوله تعالى : @QB@ إن الذين آمنوا والذين هادوا @QE@ الآية بين ~~سبحانه وصف أهل النجاة والسعادة من الأولين والآخرين وهو الذي يدل عليه ~~اللفظ ، ويعرف به معناه من غير تناقض ، ومناسبته لما قبلها وما بعدها ويعرف ~~به قدرها وهو المعروف عن السلف ويدل عليه ما ذكروه من سبب نزولها فروى ابن ~~أبي حاتم بالأسانيد الثابتة عن سفيان عن أبي نجيح PageV01P066 عن مجاهد قال ~~سلمان : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل دين كنت معهم فذكر من ~~عبادتهم فنزلت ولم يذكر فيه أنهم من أهل النار ، كما روى بأسانيد ضعيفة ، ~~وهذا هو الصحيح كما في مسلم : إلا بقايا من أهل الكتاب والنبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يكن يجيب بما لا علم عنده ، وقد ثبت أنه أثنى على من مات في ~~الفترة ، كزيد بن عمرو وغيره ولم يذكر ابن أبي حاتم في الآية خلافا عن ~~السلف ، لكن ذكر عن ابن عباس ثم أنزل الله @QB@ ومن يبتغ غير الإسلام دينا ~~@QE@ . . الآية ومراده أن الله بين أنه لا يقبل إلا الإسلام من الأولين ~~والآخرين ، وكثير من السلف يريد بلفظ النسخ رفع ما يظن أن الآية دالة عليه ~~، فإن من المعلوم بالاضطرار من دين الرسل أن من كذب رسولا واحدا فهو كافر ، ~~فلا يتناوله ms040 قوله : ' من آمن بالله ' الخ . . لكن ظن بعض الناس أن الآية ~~فيمن بعث إليهم محمد خاصة ، فغلطوا ثم افترقوا على أقوال متناقضة ومنها ~~قوله : @QB@ من جاء بالحسنة فله خير منها @QE@ الآية ذكر أن المشهور عن ~~السلف أن الحسنة ' لا إله إلا الله ' وأن السيئة الشرك ، ثم ذكر عن السدي ~~قال : ذلك عند الحساب ألقى بدل كل حسنة عشر سيئات ، فإن بقيت سيئة واحدة ~~فجزاءه النار إلا أن يغفر الله له . قلت تضعيف الحسنة إلى عشر وإلى سبعمائة ~~ثابت في الصحاح ، وأن السيئة مثلها ، وأن الهم بالحسنة : حسنة ، والهم ~~بالسيئة لا يكتب ، فأهل القول الأول قالوه لأن أعمال البر داخلة في التوحيد ~~فإنه عبادة الله بما أمر به ، كما قال : @QB@ بلى من أسلم وجهه لله وهو ~~محسن @QE@ . . الآية وقال تعالى : PageV01P067 @QB@ ألم تر كيف ضرب الله ~~مثلا كلمة طيبة @QE@ . . الآية فالكلمة الطيبة هي التوحيد ، وهي كالشجرة ، ~~والأعمال ثمارها في كل وقت ، وكذلك السيئة هي العمل لغير الله ، وهذا هو ~~الشرك ، فإن الإنسان حارث همام لا بد له من عمل ، ولا بد له من مقصود يعمل ~~لأجله ، وإن عمل لله ولغيره فهو شرك ، والذنوب من الشرك ، فإنها طاعة ~~للشيطان ، قال : ^ ( أني كفرت بما أشركتموني من قبل ) ^ . . الآية و @QB@ ~~ألم أعهد إليكم يا بني آدم @QE@ الآية وفي الحديث ' وشر الشيطان وشركه ' ~~لكن إذا كان موحدا وفعل بعض الذنوب نقص توحيده كما قال : ' لا يزني الزاني ~~' الخ . ومن ليس بمؤمن فليس بمخلص ، وفي الحديث ' تعس عبد الدينار ' الخ ~~وحديث أبي بكر ' قل : اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا وأنا أعلم ' الخ ~~لكن لم يعدل بالله غيره فيحبه مثل حب الله بل الله أحب إليه ، وأخوف عنده ، ~~وأرجأ من كل مخلوق ، فقد خلص من الشرك الأكبر ، ومنها قوله : @QB@ بلى من ~~كسب سيئة وأحاطت به خطيئته @QE@ الآية ذكر أن المشهور أن السيئة الشرك ، ~~وقيل : الكبيرة يموت عليها قاله عكرمة قال مجاهد : هي الذنوب فتحيط بالقلب ~~، قلت : الصواب ذكر أقوال السلف ، وإن كان فيها ضعيف فالحجة ms041 تبين ضعفه ، ~~فلا يعدل عن ذكر أقوالهم لموافقتها قول طائفة من المبتدعة ، وهم ينقلون عن ~~بعض السلف أن هذه PageV01P068 الآية أخطأ فيها الكاتب كما قيل في غيرها ومن ~~أنكر شيئا من القرآن بعد تواتره استتيب فإن تاب وإلا قتل ، وأما قبل تواتره ~~عنده فلا يستتاب لكن يبين له ، وكذلك الأقوال التي جاءت الأحاديث بخلافها ~~فقها وتصوفا واعتقادا وغير ذلك ، وقول مجاهد صحيح كما في الحديث الصحيح ' ~~إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة سوداء ' الخ . . والذي يغشى القلب يسمى ~~رينا ، وطبعا ، وختما ، وقفلا ، ونحو ذلك فهذا ما أصر عليه ، وإحاطة ~~الخطيئة أحداقها به ، فلا يمكنه الخروج ، وهذا هو البسل بما كسبت نفسه ، أي ~~تحبس عما فيه نجاتها في الدارين فإن المعاصي قيد وحبس لصاحبها عن الجولان ~~في فضاء التوحيد ، وعن جني ثمار الأعمال الصالحة ومن المنتسبين إلى السنة ~~من يقول : أن صاحب الكبيرة يعذب مطلقا ، والأكثرون على خلافه ، وأن الله ~~سبحانه يزن الحسنات والسيئات ، وعلى هذا دل الكتاب والسنة ، وهو معنى الوزن ~~، لكن تفسير السيئة بالشرك هو الأظهر ، لأنه سبحانه غاير بين المكسوب ~~والمحيط ، فلو كان واحدا لم يغاير ، والمشرك له خطايا غير الشرك أحاطت به ، ~~لأنه لم يتب منها ، وأيضا قوله سيئة نكرة ، وليس المراد جنس السيئات ~~بالاتفاق ، وأيضا لفظ السيئة قد جاء في غير موضع مراد به الشرك ، وقوله : ~~سيئته أي حال سيئته ، ومكان سيئته ونحو ذلك كما في قوله : @QB@ ربنا آتنا ~~في الدنيا حسنة @QE@ أي حالا حسنة تعم الخير كله ، وهذا اللفظ يكون صفة ، ~~وقد ينقل من الوصفية إلى الاسمية ويستعمل لازما أو متعديا يقال ساء هذا ~~الأمر ، أي قبح ويقال ساءني هذا ، قال PageV01P069 ابن عباس في قوله - @QB@ ~~والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها @QE@ : عملوا الشرك ، لأنه وصفهم ~~بهذا فقط ، ولو آمنوا لكان لهم حسنات وكذا لما قال : ' كسب سيئة ' لم يذكر ~~حسنة ، وقوله تعالى @QB@ للذين أحسنوا الحسنى @QE@ أي فعلوا الحسن وهو ما ~~أمروا به كذلك السيئة تتناول المحظور فيدخل فيها الشرك . | ( 87 ) تواترت ~~الأحاديث بخروج من ms042 قال : لا إله إلا الله من النار إذا كان في قلبه من ~~الخير ما يزن شعيرة أو خردلة أو ذرة ، وكثير منهم أو أكثرهم يدخلها ، ~~وتواترت أنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله ، لكن جاءت مقيدة ~~بالإخلاص ، واليقين ، ويموت عليها ، فكلها مقيدة بهذه القيود الثقال ، ~~وأكثر من يقولها لا يعرف الإخلاص ولا اليقين ، ومن لا يعرف ذلك يخشى عليه ~~أن يفتن عنها عند الموت ، وغالبهم إنما يقولها تقليدا أو عادة ، وغالب ما ~~يفتن عند الموت أو في القبر أمثال هؤلاء ، كما في الحديث سمعت الناس يقولون ~~شيئا فقلته ، وغالب أعمال هؤلاء إنما هو تقليد أو اقتداء بأمثالهم ، وهم ~~أقرب الناس من قوله : @QB@ إنا وجدنا آباءنا على أمة @QE@ الآية فلا منافاة ~~بين الأحاديث ، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين ومات عليها امتنع أن ترجح ~~سيئاته ، فإن كان قالها على الكمال المانع من الشرك الأصغر والأكبر فهو غير ~~مصر على ذنب ، وإن كان على وجه خلص به من الأكبر ولم يأت بعدها بما يناقض ~~ذلك فهذه الحسنة لا يقاومها PageV01P070 شيء من السيئات فترجح بها الحسنات ~~، كما في حديث البطاقة ، وهذا خلاف من رجحت سيئاته ، لأن معه الشرك الأصغر ~~وأتى بعد ذلك بسيئات تنضم إلى ذلك الشرك فترجح سيئاته ، فإن السيئات تضعف ~~الإيمان ، واليقين ، فيضعف قول لا إله إلا الله ، فيمتنع الإخلاص في القلب ~~، فيصير المتكلم بها كالهادي ، أو النائم ، أو من يحسن صوته بآية من القرآن ~~من غير ذوق طعم ولا حلاوة فالذي قالها بيقين وصدق تام أما ألا يكون مصرا ~~على سيئة ، أو يكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجح حسناتهم ، والذين ~~دخلوا النار فاتهم أحد الشرطين . | ( 88 ) سورة تبت نزلت في هذا وامرأته ، ~~وهم من أشرف بطنين في قريش وهو عم علي بن أبي طالب ، وهي عمة معاوية اللذان ~~تداولا الخلافة في الأمة هذان البطنان بنو أمية ، وبنو هاشم ، وأما أبو بكر ~~وعمر فمن قبيلتين أبعد عنه صلى الله عليه وسلم ، واتفق في عهدهما ما لم ~~يتفق بعدهما ، وليس ms043 في القرآن ذم من كفر به صلى الله عليه وسلم باسمه إلا ~~هذا وامرأته ، ففيه أن الأنساب لا عبرة بها بل صاحب الشرف يكون ذمه على ~~تخلفه عن الواجب أعظم ، كما قال : @QB@ يا نساء النبي من يأت منكن @QE@ . . ~~الآية قال النحاس : تبت يدا دعاء عليه ، وتب خبر ، وفي قراءة عبد الله وقد ~~تب ، وقوله : ' وما كسب ' أي ولده فإن قوله وما كسب يتناوله ، كما في ~~الحديث ' ولده من كسبه ' واستدل بها على جواز الأكل من مال الولد ، ثم أخبر ~~أنه سيصلى أخبر بزوال الخير وحصول الشر ، والصلي الدخول والاحتراق جميعا ، ~~وقوله حمالة الحطب إن كان PageV01P071 مثلا للنميمة ، لأنها تضرم الشر ، ~~فيكون حطب القلوب وقد يقال ذنبها أعظم ، وحمل النميمة لا يوصف بالحبل في ~~الجيد ، وإن كان وصفا لحالها في الآخرة ، كما وصف بعلها هو يصلى وهي تحمل ~~الحطب عليه كما أعانته على الكفر ، فيكون من حشر الأزواج ، وفيه عبرة لكل ~~متعاونين على الإثم أو على إثم ما أو عدوان ما ويكون القرآن قد عم الأقسام ~~الممكنة في الزوجين وهي الأربعة كإبراهيم وامرأته ، وأما هذا وامرأته ، ~~وأما فرعون وامرأته ، وإما نوح ولوط ، ويستقيم أن يفسر حمل الحطب بالنميمة ~~بحمل الوقود في الآخرة كقوله : ' من كان له لسانان ' الخ . | ( 89 ) قوله ~~عز وجل : @QB@ قل نزله روح القدس من ربك @QE@ الآيتين لفظ الإنزال في ~~القرآن يرد مقيدا بأنه منه كالقرآن ، وبالإنزال من السماء ، ويراد به العلو ~~كالمطر ، ومطلقا فلا يختص بنوع بل يتناول إنزال الحديد من الجبال ، ~~والإنزال من ظهور الحيوان ، وغير ذلك فقوله : ( نزله روح القدس من ربك بيان ~~لنزول جبريل به من الله ) ، كقوله : @QB@ نزل به الروح الأمين @QE@ أي أنه ~~مؤتمن لا يزيد ولا ينقص فإن الخائن قد يفتري الرسالة ، وفيها دلالة على ~~أمور منها : بطلان قول من زعم خلقه في جسم ، كالجهمية من المعتزلة ، وغيرهم ~~فإن السلف يسمون من قال بخلقه ، ونفي الصفات والرؤية جهميا ، فإن جهما أول ~~من ظهرت عنه بدعة نفي الأسماء والصفات وبالغ في ذلك ، فله مزية ms044 المبالغة ، ~~والابتداء بكثرة إظهاره وإن كان جعد سبقه إلى بعض ذلك ، لكن المعتزلة وإن ~~وافقوه في البعض PageV01P072 فهم يخالفونه في مثل مسائل . . الإيمان ، ~~والقدر ، وبعض الصفات ، وجهم يقول أن الله لا يتكلم ، أو يتكلم مجاز وهم ~~يقولون يتكلم حقيقة ولكن قولهم في المعنى قوله ، وهو ينفي الأسماء ~~كالباطنية والفلاسفة . | ومنها بطلان قول من زعم أنه فاض من العقل الفعال ، ~~أو غيره ، وهذا أعظم كفرا وضلالا من الذي قبله . | ومنها أبطال قول ~~الأشعرية أن كلام الله معنى وهذا العربي خلق ليدل عليه سواء قالوا خلق في ~~بعض الأجسام ؛ أو ألهمه جبريل أو أخذه من اللوح ، فإن هذا لا بد له من ~~متكلم تكلم به أولا وهذا يوافق قول : أنه مخلوق ، لكن يفارقه من وجهين ~~أحدهما : أن أولئك يقولون المخلوق كلام الله وهؤلاء يقولون أنه كلام مجاز ، ~~وهذا أشر من قول المعتزلة ، بل هو قول الجهمية المحضة لكن المعتزلة ~~يوافقونهم في المعنى الثاني أنهم يقولون لله كلام قائم بذاته والخلقية ~~يقولون لا يقوم بذاته ، فالكلامية خير منهم في الظاهر ، لكن في الحقيقة لم ~~يثبتوا كلاما له غير المخلوق ، والمقصود أن الآية تبطل هذا ، والقرآن اسم ~~للعربي ، لقوله : @QB@ فإذا قرأت القرآن @QE@ وأيضا فقوله : @QB@ نزله @QE@ ~~عائد إلى قوله : @QB@ الله أعلم بما ينزل @QE@ فالذي نزله الله هو الذي ~~نزله روح القدس ، وأيضا قال : @QB@ ولقد نعلم أنهم يقولون @QE@ . . الآية ~~وهم يقولون إنما يعلمه هذا القرآن العربي بشر ، لقوله : @QB@ لسان الذي ~~يلحدون إليه @QE@ الخ . فعلم أن محمدا لم يؤلف نظمه بل سمعه من روح القدس ، ~~وروح القدس نزل به من الله ، فعلم أنه سمعه منه لم يؤلفه هو ، ونظيرها ~~PageV01P073 قوله : ^ ( هو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا ) ^ والكتاب اسم ~~للقرآن بالضرورة ، والاتفاق فإنهم أو بعضهم يفرقون بين كتاب الله وكلامه ، ~~ولفظ الكتاب يراد به المكتوب فيه ، فيكون هو الكلام ويراد به ما يكتب فيه ، ~~كقوله : @QB@ في كتاب مكنون @QE@ وقوله : @QB@ ونخرج له يوم القيامة كتابا ~~يلقاه منشورا @QE@ وقوله : @QB@ يعلمون أنه منزل من ربك @QE@ أخبار مستشهد ~~بهم ، فمن لم يقر ms045 به منا فهم خير منه من هذا الوجه ، وهذا لا ينافي ما جاء ~~عن ابن عباس وغيره أنه أنزل في ليلة القدر إلى بيت العزة في السماء الدنيا ~~، ولا ينافي أنه مكتوب في اللوح قبل نزوله سواء كتبه الله قبل أن يرسل به ~~جبرائيل أو بعده ، فإذا أنزله جملة إلى بيت العزة فقد كتبه كله قبل أن ~~ينزله ، والله يعلم ما كان ، وما يكون ، وما لا يكون لو كان كيف يكون ، وهو ~~قد كتب المقادير وأعمال العباد قبل أن يعلموها ثم يأمر بكتابتها بعد أن ~~يعلموها فيقابل بين الكتابة المتقدمة والمتأخرة فلا يكون بينهما تفاوت هكذا ~~قال ابن عباس وغيره ، فإذا كان ما يخلقه بائنا عنه قد كتبه قبل أن يخلقه ~~فكيف لا يكتب كلامه الذي يرسل به ملائكته قبل أن يرسلهم ؟ ومن قال إن ~~جبرائيل أخذه عن الكتاب لم يسمعه من الله فهو باطل من وجوه : | منها أنه ~~سبحانه كتب التوراة لموسى بيده ، فبنوا إسرائيل أخذوا كلامه من الكتاب الذي ~~كتبه ، ومحمد عن جبرائيل عن الكتاب فهم أعلى PageV01P074 بدرجة ومن قال إنه ~~ألقى إلى جبرائيل معاني وعبر بالعربي فمعناه أنه ألهمه إلهاما ، وهذا يكون ~~لآحاد المؤمنين كقوله : @QB@ وإذ أوحيت إلى الحواريين @QE@ @QB@ وأوحينا ~~إلى أم موسى @QE@ فيكون هذا أعلى من أخذ محمد ، وأيضا فإنه سبحانه قال : ~~@QB@ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح @QE@ إلى قوله وكلم الله موسى ~~تكليما وهذا يدل على أمور : على أنه يكلم العبد تكليما زائدا على الوحي ~~الذي هو قسيم التكليم الخاص ، فإن لفظ التكليم والوحي كل منهما ينقسم إلى ~~عام وخاص ، فالتكليم العام هو المقسوم في قوله : @QB@ وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا @QE@ الآية فالتكليم المطلق قسيم الوحي الخاص ، لا ~~قسما منه ، وكذلك الوحي يكون عاما فيدخل فيه التكليم الخاص ، كقوله : @QB@ ~~فاستمع لما يوحى @QE@ ويكون قسيما له كما في الشورى وهذا يبطل قول أنه معنى ~~واحد قائم بالذات فإنه لا فرق بين العام وما لموسى وفرق سبحانه في الشورى ~~بين الإيحاء وبين التكليم ms046 من وراء حجاب وبين إرسال رسول فيوحي بإذنه ما ~~يشاء . | ( 90 ) ثبت أنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب ، وأن يجمع بين ~~المرأة وعمتها ، وخالتها ، فقال طائفة : هذا نسخ للقرآن ، فإن أرادوا النسخ ~~العام الذي هو تقييد المطلق فصحيح ، وإن أرادوا النسخ الذي هو رفع الحكم ~~فضعيف ، فإنه لم يثبت أن الله أراد بقوله : ^ ( وأحل لكم ما وراء ~~PageV01P075 ذلكم ) ^ تحليل ذلك ، فإن قيل هو عام بين الدليل المخصص أن ~~الله لم يرد تلك الصور كقوله : ^ ( الزانية والزاني ) ^ الآية لم يرد به ~~الأمة ، وقوله : ^ ( يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) ^ . . لم يرد الحامل ولا ~~التي لم يدخل بها ، ولم يثبت أن السنة نسخت القرآن ، قال تعالى : ^ ( ما ~~ننسخ من آية ) ^ . . الآية فالقرآن لا ينسخه إلا مثله ، وقال كثير : السنة ~~خصت القرآن ، وهم أكثر ، وأفضل من أولئك ، وقد يقال السنة فسرت القرآن ~~ولهذا في حديث معاذ وكلام عمر وابن مسعود وغيرهما أن يحكم بكتاب الله فإن ~~لم يوجد فبسنة رسول الله فلو كان في السنة ما يقدم على دلالة القرآن لم يكن ~~كذلك ، بل السنة تفسر المراد منه ، وذلك أن قوله : ^ ( وأمهاتكم اللاتي ~~أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ) ^ كما يحتمل الاختصاص فقد يحتمل التنبيه على ~~ما يحرم من النسب ، وكذلك الجمع بين الأختين ، وذلك أن نكاح الأخت والجمع ~~بين الأختين شرع لبعض الأنبياء فإن يعقوب جمع بينهما ، وآدم كان يزوج ذكر ~~هذا البطن بأنثى الآخر ، ولم ينقل أنه زوج أحدا بعمته ، أو خالته ، لأنها ~~بمنزلة الأم ، والعمة كالعم والعم والد لقوله : ^ ( قالوا نعبد إلهك ) ^ ~~الآية فنكاح العمة والخالة أفحش من نكاح الأخت ، وكذلك الجمع بين المرأة ~~وعمتها وخالتها أقرب إلى القطيعة PageV01P076 من الجمع بين الأختين ، ~~فإنهما يتماثلان ، وكذلك نكاح العمة والخالة من الرضاع أفحش من نكاح الأخت ~~، والقرآن دل على تحريم نكاح الأم والأخت والبنت أيضا من وجهين من جهة أن ~~الأم لا تنكح ابنها من الطرفين ليس كالإرث قد يكون من أحد الجهتين ، ~~فالمرأة يرثها عمها وابن أخيها ولا ترثهما ، وإذا لم يكن ms047 لها أن تنكح ولدها ~~فكذلك الأب . | الثاني : أن أخواتكم من الرضاعة يتناول الأخت من الجهات ، ~~وصحت الأحاديث بتحريم لبن الفحل ، فتبين أن قوله : @QB@ وأخواتكم من ~~الرضاعة @QE@ يتناول أخته من أبيه فإذا حرمت عليه فهي على أبيه أولى ، فذكر ~~سبحانه الأخت ينبه بها على غيرها ، ويتبين أن هذا ليس مختصا بالأم كتحريم ~~أمهات المؤمنين ، فلو ذكرت الأم وحدها لظن هذا ، فلما ذكرت الأخت دل على ~~تعديه لأقارب الأم ، وأقارب الأب أيضا حيث كانت الأخت بالأم تارة ، وبالأب ~~أخرى ، ولما ذكر التحريم بالولادة وهو الأصل استوفي الكلام ، فلما ذكر ما ~~هو فرع عليه وشبيه به اختصر الكلام ، فذكر الأم والأخت لما ذكرنا ، ودلالة ~~القرآن على هذا لم نستقل بفهمها بل السنة بينت ذلك ، وهي لا تخالف القرآن ~~بل توافقه ، فكون قوله : @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم @QE@ من الجوامع الذي ~~لا تخصيص فيه أحسن وأدل على عظمة الكتاب من التخصيص ، ولفظ الورى بمنزلة ~~الخلق ، وهو يشعر بالتأخر والبعد ، فيكون أصله دون ما ذكر وهو متأخر عنه ، ~~فلم يكن ما ذكرنا داخلا فيما وراء ذلكم لما ذكرنا من أنه أفحش ، وهذا عرف ~~ببيان الرسول ثم تفطن له من تفطن كما في نظائره إذ كان وجوه دلالات القرآن ~~يخفى كثير منها على كثير من الناس لكن السنة بينته ، والقرآن PageV01P077 ~~هو الذي لا تنقضي عجائبه ، ولا يشبع منه العلماء ، وقد جاء عن ابن مسعود ~~وابن عباس وغيرهما أنهم إذا سمعوا حديثا عنه صلى الله عليه وسلم طلبوه من ~~القرآن ، قال مسروق ، ما نسأل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمه في القرآن لكن ~~علمنا قصر عنه ، وقال الشعبي : ما ابتدع قوم بدعة إلا وفي القرآن بيانها ، ~~وكذلك أحاديث المسح لا تخالف القرآن بل تفسره وذلك أنه أمر القائم إلى ~~الصلاة بما ذكر ، ولو قدمه قبل القيام جاز ، ذكره أحمد إجماعا ، فيجب ~~الوضوء عند القيام على المحدث ولو لبس محدثا لم يجز المسح إجماعا ، واللابس ~~على طهارة قد غسل رجليه وأتى بالمأمور به في القرآن ، فإذا أحدث فقد ms048 بينت ~~السنة أن مسحه على الخف الملبوس على طهارة يجزيه ، فأجزأته الطهارة ~~المتقدمة مع هذا المسح ، وهذا كما بينت السنة أن المستحاضة ليس خروج الدم ~~منها حدثا ، وكذلك من به سلس البول والمذي ، فقد فرق في جنس هذا ؛ تارة ~~ينقض وتارة لا إذا كان فيه عسر ، وذكره لفظ المسح في الرجلين يشعر بتخفيف ~~الأمر فيهما ، لكن التقييد بالكعبين دل على أنه أراد الغسل إذا كانا ظاهرين ~~ومن نعم الله على عباده أن هذه المواضع التي تظهر فيها المخالفة لبعض الناس ~~قد تواترت فيها السنة بما جاءت فيه ، فلم يمكن أحد أن يترك السنة إلا من لا ~~يعرفها ، وأما المواضع التي تظن فيها المخالفة وهي غلط ، كالحكم بشاهد ~~ويمين فتلك لما لم تكن متواترة لم يكن ظاهر القرآن مخالفا للسنة بل أنكر ~~قول من زعم المخالفة ، وهذا يحقق وجوب العمل بما ثبت من السنة ، فإنه لا ~~يخالف الكتاب بل يفسره . | ( 91 ) أرسل الله رسوله صلى الله عليه وسلم وقد ~~مقت أهل الأرض إلا بقايا من أهل الكتاب وماتوا أو أكثرهم قبل مبعثه ، ~~والناس إذ ذاك PageV01P078 أحد رجلين إما كتابي معتصم بكتاب مبدل ، أو مبدل ~~منسوخ ودين دارس بعضه مجهول ، وبعضه متروك وإما أمي مقبل على عبادة ما ~~استحسنه من نجم أو قبر أو تمثال أو وثن أو غير ذلك والناس في مقالات ~~يظنونها علما ، وهي جهل ، وأعمال يحسبونها صلاحا وهي فساد ، فهدى الله ~~الناس بما جاء به من البينات والهدى هداية جلت عن الوصف ، ثم أنه بعثه بدين ~~الإسلام ، وهو الصراط المستقيم ، وفرض علينا أن نسأله هدايته في كل يوم ~~وليلة في صلاتنا ، ووصفه بأنه صراط المنعم عليهم غير المغضوب عليهم وغير ~~الضالين ثم ذكر حديث عدي ابن حاتم وفيه فإن اليهود مغضوب عليهم ، والنصارى ~~. . ضالون ، فقلت فإني حنيف مسلم ، ودل القرآن على معنى هذا ووصف اليهود ~~بالغضب والنصارى بالضلال له أسباب ظاهرة وباطنة : جماعها أن كفر اليهود من ~~عدم العمل والنصارى من عدم العلم ، ومع أن الله حذرنا سبيلهم فقضى ms049 قضاء ~~نافذا أن هذه الأمة يكون فيها مضاهاة لليهود والنصارى وهم أهل الكتاب ~~ولفارس والروم وهم الأعاجم ، وكان صلى الله عليه وسلم ينهى عن التشبه ~~بهؤلاء وهؤلاء ، فكذلك أمر العبد بدوام الدعاء بالاستقامة التي لا يهودية ~~فيها ولا نصرانية أصلا ، والصراط المستقيم أمور باطنة في القلب من اعتقادات ~~وإرادات وأمور ظاهرة قد تكون عبادات وقد تكون عادات في الطعام والشراب ~~والاجتماع والافتراق وغير ذلك . | ( 92 ) قد غلط في مسمى التوحيد طوائف من ~~أهل النظر والكلام ومن أهل الإرادة والعبادة ، حتى قلبوا حقيقته ، فطائفة ~~ظنت أنه نفي الصفات ، وسمو أنفسهم أهل التوحيد ، وطائفة ظنت أنه ليس إلا ~~الإقرار PageV01P079 بتوحيد الربوبية وأطالوا الكلام في تقرير هذا الموضع ، ~~أما بدليل أن الاشتراك يوجب نقص القدرة واستقلال كل من الفاعلين بالفعل ~~محال ، وأما بغير ذلك ، ولم يعلموا أن مشركي العرب مقرون بهذا التوحيد ، ~~وهذا من التوحيد الواجب لكن لا يخلص من الشرك الذين هو أكبر الكبائر ، بل ~~لا بد أن يخلص لله الدين فيكون دينه لله ، والإله هو المألوه ، وكونه يستحق ~~ذلك مستلزما لصفات الكمال فلا يستحق أن يكون معبودا محبوبا لذاته إلا هو ، ~~فكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل وعبادة غيره وحب غيره يوجب الفساد @QB@ ~~لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا @QE@ ، وقد بينا أن هذه الآية لم يقصد ~~بها دليل التمانع فإنه يمنع وجود المفعول لإفساده بعد وجوده ثم أن طائفة ~~ممن تكلم في تحقيق التوحيد ظن أن توحيد الربوبية هو الغاية ، والفناء فيه ~~هو النهاية ، فآل بهم إلى تعطيل الأمر والنهي ، ولم يفرقوا بين الكلمات ~~الكونية التي لا يجاوزها بر ولا فاجر وبين الكلمات الدينية التي اختص بها ~~من عبده وأطاعه ، ثم أن أولئك الذين أدخلوا فيه نفي الصفات ، وهؤلاء الذين ~~أخرجوا عنه متابعة الأمر إذا حققوا . . القولين أفضى بهم إلى الوحدة ، ~~والاتحاد والحلول ، ومن أحكم الأصلين في الصفات وفي الخلق والأمر فميز بين ~~المأمور وغيره مع شمول الخلق لهما وأثبت الصفات الموجبة لمباينة المخلوقات ~~أثبت توحيد الرسل ، كما ms050 نبه عليه في سورتي الإخلاص ، ف @QB@ قل هو الله أحد ~~@QE@ فيها التوحيد العلمي الذي يدل على الأسماء والصفات فيتميز PageV01P080 ~~مثبتوا الرب الخالق الأحد الصمد من المعطلين ^ ( وقل يا أيها الكافرون ) ^ ~~فيها التوحيد العلمي فيتميز من يعبد الله من غيره ، وأن أقر كل منهما بأن ~~الله رب كل شيء ومليكه ، ويتميز المخلصون ممن أشرك به ، أو نظر إلى القدر ~~الشامل قسوى بين المؤمن والكافر ، والله سبحانه له حقوق لا يشرك فيها غيره ~~، وللرسل حقوق لا يشركهم فيها غيرهم ، وللمؤمنين على المؤمنين حقوق مشتركة ~~، قال تعالى : @QB@ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت @QE@ ويدخل في ذلك ألا يخاف إلا إياه كما قال : ^ ( ومن يطع الله ~~ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون ) ^ فجعل الخشية والتقوى لله ~~وحده ، وكذلك قوله : @QB@ ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا ~~الله @QE@ فجعل التحسب بالله وحده ، وجعل الرغبة لله وحده ، ولم يأمر قط ~~مخلوقا أن يسأل مخلوقا ، وإن أباحه في بعض المواضع ، كما في صفة الذين لا ~~يحاسبون أنهم لا يطلبون غيرهم أن يرقيهم والقرآن كله يحقق هذا الأصل ، وقد ~~بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بتحقيقه ، ونفى الشرك بكل وجه حتى في ~~الألفاظ كما قال : ( لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ) والعبادات المشروعة ~~كلها تتضمن إخلاص الدين لله تحقيقا لقوله : @QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا ~~الله مخلصين له الدين @QE@ فالصلاة لله وحده ، والصدقة لله وحده ، والصيام ~~لله وحده ، PageV01P081 والحج لله وحده ، وإلى بيت الله وحده ، فالمقصود من ~~الحج عبادة الله وحده في البقاع التي أمر الله بعبادته فيها ، ولهذا كان ~~الحج شعار الحنيفية حتى قال طائفة من السلف حنفاء لله ، أي حجاجا وقوله ~~@QB@ ومن يبتغ غير الإسلام دينا @QE@ عام في الأولين والآخرين قال تعالى : ~~@QB@ بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن @QE@ . . الآية فسرا سلام الوجه بما ~~يقتضي إخلاص القصد لله ، وهو محسن بالعمل الصالح المأمور به ، وهذان ~~الأصلان جماع الدين ، لا يعبد إلا الله ولا يعبد إلا بما شرعه ms051 ولفظ الإسلام ~~الاستسلام ، والانقياد ويتضمن الإخلاص قوله : @QB@ رجلا سلما لرجل @QE@ فمن ~~استسلم لله ولغيره فهو مشرك ومن لم يستسلم فهو مستكبر فاليهود موصوفون ~~بالكبر والنصارى بالشرك . | ( 93 ) الشهادة أن محمدا رسول الله تتضمن ~~تصديقه في كل ما أخبر به وطاعته في كل ما أمر به ، فيثبت العبد ما أثبته ~~الرسول لربه من الأسماء والصفات ، وينفي ما نفى عنه من مماثلة المخلوقات ، ~~فلا حرام إلا ما حرمه ، ولا دين إلا ما شرعه ، ولهذا ذم الله المشركين في ~~الأنعام والأعراف وغيرهما لكونهم حرموا ما لم يحرم الله ، وشرعوا دينا لم ~~يأذن به ، كما في قوله : @QB@ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام @QE@ ~~إلى آخر السورة ، وما ذكر في صدر سورة الأعراف ، وقال تعالى : @QB@ إنا ~~أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه @QE@ فمن دعى إلى غير ~~الله فقد أشرك ، ومن PageV01P082 دعى إليه بغير إذنه فقد ابتدع ، والشرك ~~بدعة ، والمبتدع يؤول إلى الشرك ، ولهذا لم يوجد مبتدع إلا وفيه نوع من ~~الشرك كما قال تعالى : @QB@ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا @QE@ . . الآية ~~وقال : @QB@ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ~~@QE@ فقرن بعدم إيمانهم بالله واليوم الآخر أنهم لا يحرمون ما حرمه الرسول ~~، ولا يدينون دين الحق . | ( 94 ) أصل دين المسلمين أنه لا يخص بقعة بقصد ~~العبادة إلا المساجد وأما ما عليه المشركون وأهل الكتاب من تعظيم بقاع ~~غيرها كحراء ونحوه هو مما جاء الإسلام بإزالته ، ثم المساجد تشترك في ~~العبادة إلا ما خص به المسجد الحرام من الطواف ونحوه ، فإن خصائصه لا يشركه ~~فيها مسجد ، كما أنه لا يصلى إلى غيره ، وإذا كان مثل مقام نبينا في مثل ~~غار حراء الذي ابتديء فيه بإنزال القرآن لا يشرع قصده فكيف بغيره فمن جعل ~~شيئا من ذلك قربة فقد ابتدع غير سبيله صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه ، وشرع ~~من الدين ما لم يأذن به الله ، ولهذا جاء الاعتكاف الشرعي في المساجد بدل ~~ما كان يفعل قبل الإسلام من المجاورة بحراء ونحوه فأما العكوف والمجاورة ms052 ~~عند قبر نبي أو غيره أو مقامه فليس من دين المسلمين ، وأما المسجد الأقصى ~~فهو أحد الثلاثة التي تشد إليها الرحال ، ولا يشرع السفر إلى غيرها ، ولو ~~نذره لم يجب بالنذر باتفاق الأئمة وليس بالمدينة مسجد يشرع إتيانه إلا مسجد ~~قباء ، وكان الفقهاء من أهل المدينة لا يقصدون شيئا من تلك الأماكن إلا ~~قباء خاصة ، وثبت أن ابن عمر إذا أتى بيت المقدس دخل وصلى PageV01P083 فيه ~~ولا يقرب الصخرة وكذلك نقل عن غير واحد من السلف كعمر بن عبد العزيز ~~والأوزاعي والثوري وغيرهم ، وذكر بعض من صنف من المناسك استحباب زيارة ~~مساجد مكة ، وقد كتبت دعاء في منسك كتبته في أول عمري ثم تبين لي أن هذا ~~كله من البدع . | ( 95 ) كل أمر يكون المقتضى لفعله على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يكون موجودا لو كان مصلحة ولم يفعله علم أنه ليس بمصلحة ~~كالآذان في العيدين فإن هذا لما أحدثه بعض الأمراء أنكره المسلمون ، لأنه ~~بدعة ، فلو لم يكن كونه بدعة دليلا على كراهته ، وإلا لقيل هذا ذكر لله ~~ودعاء إلى عبادته ، فيدخل في عموم قوله : @QB@ واذكروا الله كثيرا @QE@ ~~وقوله : ^ ( ومن أحسن قولا ممن دعى إلى الله وعمل صالحا ) ^ والاستدلال ~~بهذا أقوى من الاستدلال على حسن أكثر البدع ، بل يقال ترك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سنة ، كما أن فعله سنة ، فلما أمر بالآذان في الجمعة ، ~~وتركه في العيدين ، فذلك كالزيادة في عدد الركعات المكتوبة ولا يقال هذا ~~زيادة عمل صالح بل يقال كل بدعة ضلالة ، ومثل ما حدثت الحاجة إليه بتفريط ~~من الناس تقديم الخطبة في العيد ، فإنه لما فعله بعض الأمراء أنكره ~~المسلمون ، لأنه بدعة ، فاعتذر من أحدثه بأن الناس ينفضون قبل سماع الخطبة ~~فيقال سببه تفريطك فإن الخطبة مقصدها التذكير وتعليم الدين ، وأنت قصدك ~~إقامة رياستك ، وإن قصدت صلاحهم لم تعلمهم ما ينفعهم ، وأما ما تركه من ~~المصالح لأجل مفسدة قد زالت كقيام رمضان جماعة PageV01P084 لما خاف يفرض ، ~~أو جمع القرآن لما زال المانع ms053 وهو أن الوحي لا يزال ينزل ، ويغير الله ما ~~يشاء ويحكم ما يريد ، فلو جمع في مصحف لتعذر أو تعسر تغييره كل وقت ، فلما ~~استقرت الشريعة ، وأمن من زيادة الإيجاب والتحريم ، والمقتضى للعمل قائم ~~بسنته ، فعمل المسلمون بمقتضى سنته ، وصار كنفي عمر أهل الكتاب من الجزيرة ~~، وكذلك قوله : ( خذوا العطا ما كان عطا فإذا كان عوضا عن دين أحدكم فلا ~~تأخذوه ) فلما صار الأمراء يعطونه لمن أعانهم على الهوى وكان الامتناع منه ~~اتباعا للسنة ، وإن كان محدثا وكذلك قتال مانعي الزكاة ، ومن فهم هذا ~~المعنى انحل عنه كثير من شبه البدع فإنه قد روي عنه صلى الله عليه وسلم ما ~~أحدث قوم بدعة إلا نزع الله عنهم من السنة مثلها وقد أشرت إلى هذا فيما ~~تقدم ، وبينت أن الشرائع أحد أغذية القلوب ، فمتى اغتذت بالبدع لم يبق فيها ~~فضل للسنن ، وعامة الأمراء إنما أحدثوا أنواعا من السياسات من أخذ أموال لا ~~تجوز وعقوبات لا تجوز لأنهم فرطوا في المشروع من الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر ، وإلا فلو قبضوا ما يسوغ قبضه ، ووضعوه موضعه لإقامة دين الله ~~وأقاموا الحدود على القريب والبعيد لما احتاجوا إلى المكوس ، والعقوبات ~~الجائرة ، ولا إلى من يحفظهم من العبيد والمستعبدين ، كما كان الخلفاء ~~وغيرهم من أمراء بعض الأقاليم ، وكذلك العلماء إذا أقاموا كتاب الله وفهموا ~~ما فيه وأقاموا الحكمة التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجدوا ~~في ذلك ما يحيط بعلمه الناس ، ولميزوا بين المحق والمبطل بوصف الشهادة التي ~~جعلها الله لهذه الأمة ، ولا استغنوا عما أحدث المبتدعون من الحجج التي ~~يزعمون أنهم ينصرون بها أصل الدين ، وعن الرأي الفاسد الذي يزعم القياسيون ~~أنهم يتممون به فروع الدين . PageV01P085 | ( 96 ) أكثر الناس لا يدرك فساد ~~البدع إذا كانت من جنس العبادات ، أو من جنس الأعياد ، بل أولو الألباب ~~يدركون بعض ما فيها من الفساد ، والواجب اتباع ما أنزل الله وإن لم تدرك ~~الحكمة ، فمن أحدث عملا في يوم كصوم أول خميس من رجب أو ms054 صلاة أول ليلة جمعة ~~منه ، وما يتبعه من إحداث زينة ، وتوسيع في نفقة ، فلا بد أن يتبع هذا ~~اعتقاد في القلب أن العمل في ذلك له مزية ، ولولاه لما انبعث القلب إلى ذلك ~~فإن الترجيح من غير مرجح ممتنع ، وهذا المعنى قد شهد له الشرع بالاعتبار في ~~هذا الحكم ، فهو من المعاني المناسبة المؤثرة ، فإن مجرد المناسبة مع ~~الاقتران يدل على العلة عند من يقول بالمناسب الغريب ، وهم كثير من الفقهاء ~~، ومن لا يقول إلا بالمؤثر يكتفي بمجرد المناسبة حتى يدل الشرع أن مثل ذلك ~~الوصف مؤثر في هذا الحكم ، وهو قول كثير منهم ، وهؤلاء إذا رأوا الحكم ~~المنصوص فيه معنى قد أثر في مثل ذلك الحكم في موضع آخر عللوا المنصوص به ~~وقال كثير منهم إن الحكم المنصوص لا يعلل إلا بوصف دل الشرع على أنه معلل ~~به وتلخيص الفرق أنا إذا رأينا الشارع دل على العلة كقوله إنها من الطوافين ~~. . الخ . فهذه يعمل بموجبها باتفاق الطوائف الثلاثة ، فلو قال لا ألبس هذا ~~الثوب الذي تمن علي به حنث بما كانت منته مثله ، وهو ثمنه ، وأما إذا رأينا ~~الشارع قد حكم بحكم لم يعلله لكن علل نظيره أو نوعه مثل أنه جوز للأب أن ~~يزوج ابنته الصغيرة البكر بلا إذنها ، وقد رأيناه جوز له الاستيلاء على ~~مالها لكونها صغيرة ، فهل علة ولاية النكاح الصغر أم قد تكون أخرى وهي ~~البكارة مثلا ، فهذه هي المؤثرة أي قد بين تأثيرها في حكم ، وسكت عنه في ~~آخر نظيره ، فالفريقان الأولان يقولان بها وهو في الحقيقة إثبات لها ~~PageV01P086 بالقياس والفريق الثالث لا يقول بها إلا بدلالة خاصة لجواز أن ~~يكون النوع الواحد له علل مختلفة ، ومنه نهيه عن البيع على بيع أخيه ، ~~وسومه على سومة ، فيعلل بفساد ذات البين كما علل به في قوله : ( لا تنكح ~~المرأة على عمتها ) وأما إذا رأيناه حكم بحكم فيه وصف مناسب لم يذكره ولا ~~علل به نظيره فهذا الوصف المناسب الغريب فجوز اتباعه الفريق الأول خاصة ، ~~وهو ms055 إدراك لعلة الشارع بالعقل ، والذي قبله بالقياس والأول بكلامه ، ومع ~~هذا فقد تعلم على الحكم المعين بالسبر وبدلالات أخرى فإذا تبين هذا ~~فمسألتنا من باب العلة المنصوصة في موضع المؤثرة في موضع آخر ، وذلك أنه ~~صلى الله عليه وسلم نهى عن تخصيص أوقات بصلاة أو صيام وأباح ذلك على غير ~~التخصيص كقيام ليلة الجمعة وصيام نهارها وتقدم رمضان ، فوجه الدلالة أن ~~المفسدة تنشأ من تخصيص مالا خصيصة له ، إذ لا ينبعث التخصيص إلا عن اعتقاد ~~الاختصاص ، ومن قال إذا أخصها بلا اعتقاد فلا بد أن يكون الباعث إما موافقة ~~غيره وإما اتباع العادة وإما خوف اللوم ، فهذا العمل مستلزم إما لاعتقاد هو ~~ضلال ، أو عمل دين لغير الله ثم الإعتقاد يتبعه تعظيم في القلب ولو خواطر ~~متقابلة فمن حيث اعتقاد أنه بدعة يقتضي عدم التعظيم ، ومن شعوره بما روي ~~فيه أو فعل بعض الناس له ، أو بما يظهر له فيه من المنفعة يقوم بقلبه عظمته ~~، فعلمت أن فعل البدع يناقض الاعتقادات الواجبة ، وينازع الرسل ما جاءوا به ~~، وأنها تورث في القلب نفاقا ، ولو كان خفيفا مثل من عظم أبا جهل ، وابن ~~أبي لرياسته أو إحسانه ، فإذا ذمه الرسول أو أمر بإهانته فمن لم يخلص ~~إيمانه وإلا بقي في قلبه منازعة ولهذا قيل البدع مشتقة من الكفر ، ومنها أن ~~البدع تنقص الرغبة في السنن فيفعلها كأنها عادة ووظيفة ، فيفوت ما فيها من ~~المغفرة والرحمة والخشوع ، PageV01P087 وإجابة الدعاء وغير ذلك ، ومنها ~~جهالة الناس بدين المرسلين ، وانتشار زرع الجاهلية ومنها مسارعة الطبع إلى ~~الانحلال من ربقة الاتباع لأن النفس فيها نوع من الكبر فتحب أن تخرج من ~~العبودية بحسب الإمكان ، كما قال أبو عثمان ما ترك أحد سنة إلا تكبر في ~~نفسه . | ( 97 ) العيد يكون اسما لنفس المكان ، ولنفس الزمان ، ولنفس ~~الاجتماع ، وهذه الثلاثة قد أحدث منها أشياء ، أما الزمان فثلاثة أنواع ~~ويدخل فيها بدع أعياد المكان والأفعال . | أحدها يوم لم تعظمه الشريعة أصلا ~~، ولا جرى فيه ما يوجب تعظيمه ، مثل ليلة الرغايب ms056 . . | الثاني ما جرى فيه ~~حادثة كيوم الغدير ، ولم يكن في السلف لا أهل البيت ولا غيرهم من يعظمه إذ ~~الأعياد من الشرائع فيجب فيها الاتباع ، وكذلك ما أحدث في المولد إما ~~مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى ، وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم ، ~~ويصحب هذه الأعمال من الريا والكبر والاشتغال عن المشروع ما يفسد حال ~~صاحبها كما في الحديث ، ( ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم ) ومن ~~الأعمال ما فيه خير لاشتماله على أنواع من المشروع وفيه شر من بدعة وغيرها ~~فيكون ذلك العمل شرا بالنسبة إلى الإعراض عن الدين بالكليه كحال المنافقين ~~والفاسقين ، وهذا قد ابتلي به أكثر الأمة في الأزمان المتأخرة ، فعليك هنا ~~بأدبين أحدهما الحرص على التمسك بالسنة في خاصتك ومن أطاعك ، واعرف المعروف ~~، وانكر المنكر ، الثاني الدعوة إلى السنة بحسب الإمكان فإذا رأيت من يعمل ~~هذا ولا يتركه إلا إلى شر منه فلا تدع إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر منه أو ~~PageV01P088 بترك واجب أو مندوب تركه أضر من فعل ذلك المكروه ، فإذا كان ~~الفاعلون للبدع معيبون ، فالتاركون للسنن كذلك ، فإن منها ما يكون واجبا ~~مطلقا ، ومنها مقيدا كالنافلة ، فإنها لا تجب ، ولكن من أراد أن يصليها وجب ~~عليه الإتيان بأركانها وكما يجب على من أتى الذنوب من الكفارات ، وما يجب ~~على من كان إماما أو مفتيا من الحقوق وعامتها يجب تعليمها ، والحض عليها ، ~~والدعاء إليها ، وكثير من المنكرين للبدع تجدهم مقصرين في فعل السنن فلا ~~ينهي عن منكر إلا ويؤمر بمعروف يغنى عنه كما يؤمر بعبادة الله عن عبادة ما ~~سواه ، والنفوس خلقت لتعمل ، وإنما الترك المقصود لغيره ، فتفطن لحقيقة ~~الدين وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح والمفاسد بحيث تعرف مراتب ~~المعروف والمنكر حتى تقدم أهمها عند الازدحام فإن هذا حقيقة العلم بما جاءت ~~به الرسل وهذا خاصة العلماء . . | الثالث ما هو معظم في الشرع كيوم عاشوراء ~~ويوم عرفة ويومي العيدين وعشر رمضان ، فيحدث فيه مما يعتقد أنه فضيلة ما ~~يصير منكرا ms057 ينهي عنه ، وأما المكانية فأيضا ثلاثة أقسام . | أحدها ما لا ~~خصوص له فقصده للعبادة والاجتماع فيه لدعاء أو غير ذلك ضلال بين ، وهذا ~~أقبح من الذي قبله ، فإنه يشبه عبادة الأوثان ، أو نوع منها أو ذريعة ، ~~وكانت الطواغيت الكبار التي تشد إليها الرحال ثلاثة اللات والعزى ومناة ، ~~وكل واحد منها لمصر من أمصار العرب ، ومن أراد معرفة أحوال المشركين قبل ~~مبعثه صلى الله عليه وسلم ، وحقيقة الشرك الذي ذمه الله وأنواعه حتى يتبين ~~له تأويل القرآن ، ويعرف ما كرهه PageV01P089 الله ورسوله فلينظر سيرة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأحوال العرب في زمانه وما ذكره الأزرقي في أخبار ~~مكة وغيره من العلماء ، ولما كان للمشركين سدرة فذكر الحديث فأنكر مجرد ~~مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها معلقين عليها سلاحهم فكيف بما ~~هو أطم من ذلك من مشابهة المشركين أو هو الشرك بعينه . | الثاني ما له ~~خصوصية لا يقتضي اتخاذه عيدا ولا الصلاة ولا غيرها عنده كقبور الأنبياء ~~والصالحين وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والسلف النهي عن اتخاذها ~~عيدا عموما وخصوصا وبينوا معنى العيد فأما العموم فقوله : ( لا تتخذوا قبري ~~عيدا ولا بيوتكم قبورا ) عكس ما يفعله المشركون ، ثم أن أفضل التابعين من ~~أهل البيت نهى الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره ، واستدل بالحديث ، فتبين أن ~~قصده للدعاء ونحوه اتخاذ له عيدا ، وكذلك أبي عمر الحسن ابن الحسن شيخ أهل ~~بيته كره أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه عند غير دخول المسجد ورآه ~~من اتخاذه عيدا ، وكان للمشركين أمكنة ينتابونها للاجتماع ، فلما جاء ~~الإسلام محى ذلك . | ( 98 ) سبب عبادة اللات سبب تعظيم قبر رجل صالح وهذه ~~هي العلة في تغليظه صلى الله عليه وسلم في النهي عن اتخاذ قبور الصالحين ~~مساجد ، ونهيه عن الصلاة في المقبرة ، وقد نبه عليها بقوله : ( اللهم لا ~~تجعل قبري وثنا يعبد ) وقد ذكر هذه العلة الشافعي ، وأبو بكر الأثرم ، ~~وغيرهما PageV01P090 من العلماء ، وهي التي أوقعت كثير من الأمم إما في ~~الشرك الأكبر ms058 أو ما دونه ، فإن الشرك بقبر الذي يعتقد نبوته أو صلاحه أعظم ~~من أن يشرك بخشبة أو حجر على تمثاله ، ولهذا تجد قوما كثيرا يتضرعون عندها ~~، ويتعبدون بقلوبهم عبادة لا يعبدونها في المسجد ولا في السحر ، فهذه ~~المفسدة هي التي حسم صلى الله عليه وسلم مادتها حتى نهى عن الصلاة في ~~المقبرة مطلقا ، وإن لم يقصد بركة البقعة ، كما يقصد بركة المساجد الثلاثة ~~، كما نهي عن الصلاة وقت الطلوع والغروب والاستواء ، لأنها الأوقات التي ~~يقصد المشركون بركة الصلاة للشمس فيها فنهى المسلم عن الصلاة حينئذ ، وإن ~~لم يقصد ذلك الوقت سدا للذريعة فأما إذا قصد الصلاة عند قبور الصالحين ~~متبركا فهذا عين المحادة لله ورسوله ، والمخالفة لدينه ، وابتداع دين لم ~~يأذن الله به ، فنهى صلى الله عليه وسلم من اتخاذها مساجد ، وعن الصلاة ~~عندها ، وعن اتخاذها عيدا ، ودعى الله أن لا يجعل قبره وثنا يعبد ، واتخاذ ~~المكان عيدا هو اعتياد إتيانه لعبادة أو غيرها ، وتقدم النهي الخاص عن ~~الصلاة عندها وإليها ، وذكرنا ما في دعاء المرء لنفسه من الفرق بين قصدها ~~لأجل الدعاء والدعاء ضمنا وتبعا . | ( 99 ) الله سبحانه يقرن بين الشرك ~~والكذب كما يقرن بين الصدق والإخلاص ولهذا في الصحيح عدلت شهادة الزور ~~الإشراك بالله ثم قرأ قوله : @QB@ فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول ~~الزور حنفاء لله غير مشركين به @QE@ وقال : ^ ( ويوم يناديهم فيقول أين ~~شركائي الذين كنتم PageV01P091 تزعمون ) ^ إلى قوله ^ ( وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون ) @QB@ وقوله @QE@ ( أئفكا آلهة دون الله تريدون ) ^ وقوله : ^ ( إن ~~الله لا يهدي من هو كاذب كفار ) ^ وقوله : ^ ( إن الذين اتخذوا العجل ) ^ . ~~. الآية قال أبو قلابة هي لكل مبتدع من هذه الأمة إلى يوم القيمة ، وكل من ~~كان أقرب إلى الشرك كان أقرب إلى الكذب كالرافضة الذين هم أكذب طوائف أهل ~~الأهواء وأعظمهم شركا . | ( 100 ) الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهته ~~قاعدة عظيمة عامة ، وتمامها بالجواب عما يعارضها ، فإن من الناس من يقول ~~البدع تنقسم إلى قسمين لقول عمر نعمة البدعة وبأشياء أحدثت بعده صلى ms059 الله ~~عليه وسلم وليست مكروهة للأدلة من الإجماع والقياس ، وربما ضم إلى ذلك من ~~لم يحكم أصول العلم ما عليه كثير من الناس من العادة بمنزلة من إذا قيل لهم ~~^ ( تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ~~) ^ وما أكثر ما قد يحتج به من يتميز من المنتسبين إلى علم أو عبادة بحجج ~~ليست من أصول العلم ، وقد يجد ذو العلم له مستندا من الأدلة الشرعية والله ~~يعلم أن قوله لها وعلمه بها ليس مستندا إلى ذلك ، وإنما يذكرها دفعا لمن ~~يناظره والمجادلة المحمودة أنما هي إبداء المدارك التي هي مستند الأقوال ~~والأعمال ، وأما إظهار غير ذلك فنوع من النفاق في العلم والعمل ، وهذه ~~PageV01P092 قاعدة دلت عليها السنة والإجماع مع الكتاب ، قال الله تعالى : ~~@QB@ أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله @QE@ فمن ندب إلى ~~شيء يتقرب به إلى الله أو أوجبه بقوله أو فعله من غير أن شرعه الله فقد شرع ~~من الدين ما لم يأذن به الله ، فمن اتبعه في ذلك فقد اتخذ شريكا لله شرع من ~~الدين ما لم يأذن به الله ، وقد يغفر له لأجل تأويله إذا كان مجتهدا ~~الاجتهاد الذي يعفى معه عن المخطيء ، لكن لا يجوز اتباعه في ذلك ، كما قال ~~تعالى : @QB@ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله @QE@ الآية فمن ~~أطاع أحدا في دين لم يأذن به الله من تحليل أو تحريم أو استحباب أو إيجاب ~~فقد لحقه من هذا الذم نصيب كما يلحق الأمر الناهي ، ثم قد يكون كلا منهما ~~معفوا عنه فيتخلف الذم لفوات شرطه أو وجود مانعه ، وإن كان المقتضى له ~~قائما ، ويلحق الذم من تبين له الحق فتركه ، أو قصر في طلبه فلم يتبين له ، ~~أو أعرض عن طلبه لهوى ، أو كسل ونحو ذلك ، وأيضا فإن الله عاب على المشركين ~~شيئين : أحدهما أنهم أشركوا به ما لم ينزل به سلطانا ، الثاني تحريمهم ما ~~لم يحرمه كما بينه صلى الله عليه ms060 وسلم في حديث عياض عند مسلم ، وقال تعالى ~~: ^ ( سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من ~~شيء ) ^ فجمعوا بين الشرك والتحريم ، والشرك يدخل فيه كل عبادة لم يأذن بها ~~الله ، فإن PageV01P093 المشركين يزعمون أن عبادتهم إما واجبة وإما مستحبة ~~، ثم منهم من عبد غير الله فيتقرب به إلى الله ، ومنهم من ابتدع دينا عبد ~~به الله كما أحدثه النصارى من العبادات ، وأصل الضلال في أهل الأرض إنما ~~نشأ من هذين : إما اتخاذ دين لم يشرعه الله أو تحريم ما لم يحرمه ، ولهذا ~~كان الأصل الذي بنى عليه أحمد وغيره مذهبهم أن الأعمال عبادات وعادات ~~فالأصل في العبادات أن لا يشرع منها إلا ما شرعه الله ، والأصل في العادات ~~أن لا يحظر منها إلا ما حظره الله ، وهذه المواسم المحدثة إنما هي عنها لما ~~أحدث فيها من الدين الذي يتقرب به إلى الله . | ( 101 ) من جوز أن يطلب من ~~المخلوق كما يطلب من الخالق من كشف الشدائد فكفره شر من كفر عباد الأصنام ، ~~فإنهم لا يطلبون منها كما يطلب من الله ، كما قال تعالى : @QB@ قل أرأيتكم ~~إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة @QE@ الآيتين فبين أنه إذا جاء عذاب ~~الله ، أو أتت الساعة لا يطلبون إلا الله في كشف الشدائد وإنزال الفوائد ، ~~وقال تعالى : @QB@ وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه @QE@ ~~الآية . . وقد وقع في كثير من ذلك من وقع من العامة ونحوهم ممن فيه زهد ~~وصلاح ، ودين الإسلام مبني على أصلين أن لا نعبد إلا الله ، الثاني أن ~~نعبده بما شرع لا نعبده بالبدع كما قال الفضيل في قوله تعالى : @QB@ ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا @QE@ قال : أخلصه وأصوبه أن العمل إذا كان خالصا ~~ولم يكن صوابا لم يقبل ، PageV01P094 وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل ~~والخالص أن يكون الله ، والصواب أن يكون على السنة ، ولهذا قال الإمام أحمد ~~أصول الإسلام تدور على ثلاثة أحاديث قوله : ' الحلال بين والحرام بين ' ~~وقوله : ' إنما الأعمال ms061 بالنيات ' وقوله : ' من عمل عملا ليس عليه أمرنا ~~فهو رد ' وأهل الضلال يخالفون هذين الأصلين فيعبدون غير الله ويبتدعون ~~عبادة لم يأذن بها الله ، كما في سورة الأنعام والأعراف وبراءة وغيرهن من ~~السور . | ( 102 ) ما بين الخلق من الأسباب الكسبية التي بها يتساءلون ، ~~ويشفع بعضهم إلى بعض هي من جنس المشاركة ، والسبب الآخر الولادة ، فالأسباب ~~والصلات التي بينهم لا تخرج عن سبب خلقي وهو الولادة ، أو كسبي من جنس ~~المشاركة ، والمعاوضة ، ولهذا افتتح سورة النساء بقوله : @QB@ يا أيها ~~الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة @QE@ الآية فذكر في السورة حكم ~~الأسباب من هذا ، وهذا ، فذكر ما يتعلق بالولادة من القرابة والرحم ، وما ~~يتعلق بذلك من المواريث والمناكح ، وكذلك ما يحصل بينهم بالعقود من المناكح ~~والمواريث والوصايا على اليتامى ، فالنسب من الأول ، والصهر من الثاني ، ~~كما قال : @QB@ وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا @QE@ فافتتحها ~~بقوله : @QB@ الذي خلقكم من نفس واحدة @QE@ ثم قال : @QB@ اتقوا الله الذي ~~تساءلون به @QE@ أي تتعاهدون وتتعاقدون والأرحام ، فدخل في الأول ما بينهم ~~من التساؤل والتعاقد الذي يجمع المعاوضة والمشاركة وفي الثاني الولادة ~~وفروعها ، وقد نزه الله نفسه المقدسة عنهما ، فقال ^ ( وقل الحمد ~~PageV01P095 لله الذي لم يتخذ ولدا ) ^ الآية وقال : ^ ( تبارك الذي نزل ~~الفرقان على عبده ) ^ الآيتين وقال : ^ ( وجعلوا لله شركاء الجن ) ^ ~~الآيتين وقال : ^ ( قل هو الله أحد الله الصمد ) ^ إلى آخرها . | ومن هنا ~~ضل من ضل من المشركين وأشباههم من المتفلسفة حيث جعلوا لله ما نسبوه إليه ~~نسب الولادة ، أو جعلوه كالشريك ولهذا كانوا يتخذون هؤلاء شفعاء ، فإنهم ~~يعبدونهم ليقربونهم إلى الله زلفى ، ويتخذونهم وسيطا ووسائل كما يتخذون ذلك ~~عند المخلوقين ، فهذا أصل مادة هؤلاء الجهلة الضلال ونحوهم ، والقرآن قد ~~حسم هذه المادة ، وجرد التوحيد ، وبين أنه لا نسبة بين المخلوق والخالق إلا ~~نسبة العبودية المحضة ، كما قال : ^ ( بل عباد مكرمون ) ^ وقال : ^ ( لن ~~يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ) ^ الآية وقال : ^ ( تكاد السموات يتفطرن ~~منه ) ^ . . الآية . | ( 103 ) المشركون من الصائبة ونحوهم لما عبدوا ms062 ~~الكواكب والملائكة ، وجعلوها وسائط بين الله وبين خلقه ، جادلوا الحنفاء ~~الذين يتبعون الرسل ولا يعبدون إلا الله فقالوا : نحن نتخذ الروحانيين ~~وسائط ، وأنتم تتخذون البشر فأخذ يعارضهم طائفة كالشهرستاني في الملل ~~والنحل وغيره ، ويذكرون PageV01P096 أن توسط البشر أولى من توسط الروحانيين ~~فبنوا معارضتهم على أصل فاسد ، وهو مقايسة وسائط أولئك بوسائط الحنفاء ، ~~وهذا جهل بدين الحنفاء ، فإنه ليس بينهم وبين الله واسطة في العبادة ، ~~وإنما الرسل بلغتهم أمر الله فهم وسائط في التبليغ ، كدليل الحاج ، وإمام ~~الصلاة ، وبعض من دخل دين الصائبة والمشركين ظنوا أن شفاعة الرسول لأمته لا ~~تحتاج إلى دعاء منه بل الرحمة التي تفيض على الرسول تفيض على المستشفع من ~~غير شعور من الرسول ولا دعاء منه ومثلوا ذلك بانعكاس شعاع الشمس إذا وقع ~~على جسم صقيل ، ثم انعكس على غيره ، وكما أن انعكاس الشعاع يحتاج إلى ~~المحاذاة فكذلك الفيض لا بد فيه من توجه الإنسان إلى النفوس الفاضلة ، ~~وجعلوا الفائدة في زيارة قبورهم من هذا الوجه ، وقالوا إن الأرواح المفارقة ~~تجتمع هي والأرواح الزائرة ، فيقوى تأثيرها ، وهذه المعاني ذكرها طائفة من ~~الفلاسفة ، ومن أخذ عنهم كابن سينا وأبي حامد وغيرهم ، وهذه من أصول عباد ~~الأصنام ، وهي من المقاييس التي قال فيها بعض السلف : ما عبدت الشمس والقمر ~~إلا بالمقاييس . | ( 104 ) ومما يبين حكمة الشريعة أنها كسفينة نوح أن ~~الذين خرجوا عن المشروع خرجوا إلى الشرك ، وطائفة منهم يصلون للميت ، ويدعو ~~أحدهم الميت ، فيقول اغفر لي وارحمني ، ومنهم من يستقبل القبر ويصلي لله ~~مستدبرا الكعبة ، ويقول القبر قبلة الخاصة والكعبة قبلة العامة ، وهذا ~~يقوله : من هو أكثر عبادة وزهدا ، وهو شيخ متبوع ، ولعله أمثل أصحاب شيخه ، ~~لقوله في شيخه وآخر من أعيان الشيوخ المتبوعين أصحاب الصدق والاجتهاد في ~~العبادة والزهد يأمر المريد أول ما يتوب أن يذهب إلى قبر PageV01P097 الشيخ ~~فيعكف عليه عكوف أهل التماثيل عليها ، وجمهور هؤلاء المشركين بالقبور يجدون ~~عند عبادة القبور من الرقة والخشوع وحضور القلب ما لا يجدونه في المساجد ، ~~وآخرون يحجون إلى ms063 القبور وطائفة صنفوا كتبا وسموها مناسك حج المشاهد ، ~~وآخرون يسافرون إلى قبور المشايخ وإن لم يسموه منسكا وحجا ، فالمعنى واحد ~~وبعض الشيوخ المشهورين بالزهد والصلاح صنف كتاب الاستغاثة بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم في المنام ، وذكر في مناقب هذا الشيخ أنه حج مرة وكان قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم منتهى قصده ، ثم رجع ولم يذهب إلى الكعبة ، وجعل هذا من ~~مناقبه وبسبب الخروج عن الشريعة صار بعض الشيوخ ممن يقصده القضاة والعلماء ~~قيل عنه إنه كان يقول : البيوت المحجوجة ثلاثة مكة ، وبيت المقدس ، والبد ~~الذي بالهند الذي للمشركين . لأنه يعتقد أن دين اليهود والنصارى حق وجاء ~~بعض إخواننا العارفين قبل أن يعرف حقيقته ، فقال له أريد أن أسلك على يدك ~~فقال له على دين اليهود ، أو النصارى ، أو المسلمين ، فقال له : واليهود ~~والنصارى أليسوا كفارا ؟ قال لا تشدد عليهم ولكن الإسلام أفضل ، ومن الناس ~~من يجعل مقبرة الشيخ كعرفات يسافرون إليها وقت الموسم ، فيعرفون بها كما ~~يفعل بالمغرب والمشرق ، وهؤلاء وأمثالهم صلاتهم ونسكهم لغير الله فليسوا ~~على ملة إبراهيم والاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته موجود في ~~كلام بعض الناس ، مثل يحيى الصرصري ومحمد بن النعمان ، وهؤلاء لهم صلاح لكن ~~ليسوا من أهل العلم بل جروا على عادة كعادة من يستغيث بشيخه في الشدائد ~~ويدعوه ، وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم وله فضل وعلم وزهد إذا نزل به أمر ~~خطا إلى جهة الشيخ عبد القادر خطوات واستغاث به وهذا يفعله كثير من الناس ، ~~PageV01P098 وهؤلاء مستندهم مع العادة قول طائفة قبر معروف أو غيره ترياق ~~مجرب ، ومعهم أن طائفة استغاثوا بحي أو ميت فرأوه أتى في الهوى ، وقضى بعض ~~الحوائج ، وهذا كثير واقع في المشركين الذين يدعون الملائكة أو الأنبياء أو ~~الكواكب والأوثان فإن الشيطان يتمثل لهم ، ولو ذكرت ما أعلم من الوقائع ~~الموجودة في زماننا من هذا لطال المقال ، وقد طاف هذا بجوابه يعني الذي ذكر ~~فيه جواز الاستغاثة بالنبي على علماء مصر ليوافقه واحد منهم فما وافقوه ms064 ، ~~وطلب منهم أن يخالفوا الجواب الذي كتبته فما خالفوه مع أن قوما كان لهم غرض ~~، وفيهم جهل بالشرع قاموا في ذلك قياما عظيما ، واستعانوا بمن له غرض من ~~ذوي السلطان مع فرط تعصبهم ، وكثرة جمعهم ، وقوة سلطانهم ومكائدة شيطانهم . ~~| ( 105 ) لما استحل طائفة من الصحابة والتابعين الخمر كقدامة وأصحابه ظنوا ~~أنها تباح لمن عمل صالحا على ما فهموا من آية المائدة ، اتفق علماء كعمر ~~وعلي وغيرهما على أنهم يستتابون ، فإن أصروا على الاستحلال كفروا وإن أقروا ~~بالتحريم جلدوا فلم يكفروهم بالاستحلال ابتداء لأجل الشبهة حتى يبين لهم ~~الحق فإن أصروا كفروا ، ولهذا كنت أقول للجهمية الذين نفوا أن يكون الله ~~فوق العرش أنا لو وافقتكم كنت كافرا ، وأنتم عندي لا تكفرون ، لأنكم جهال ~~ونحن نعلم بالضرورة أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يشرع لأمته أن يدعوا ~~أحدا من الأحياء ولا الأموات لا الأنبياء ولا غيرهم ، لا بلفظ الاستغاثة ، ~~ولا بلفظ الاستعاذة ولا غيرهما كما أنه لم يشرع لهم السجود لميت ، ولا إلى ~~غير ميت ونحو ذلك بل نعلم أنه نهى عن ذلك كله ، وأنه من الشرك الذي حرمه ~~الله ورسوله ، لكن PageV01P099 لغلبة الجهل ، وقلة العلم بآثار الرسالة في ~~كثير من المتأخرين ، لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول ؛ ~~ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل دين الإسلام إلا تفطن له ، وقال ~~هذا أصل دين الإسلام وكان بعض أكابر الشيوخ العارفين من أصحابنا يقول : هذه ~~أعظم ما بينته لنا . | ( 106 ) الله سبحانه لم يذكر في كتابه المشاهد بل ~~ذكر المساجد ، وأنها خالصة له ، كما قال : @QB@ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا ~~وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين @QE@ وقال : @QB@ ما كان ~~للمشركين أن يعمروا مساجد الله @QE@ الآيتين وقال : @QB@ ولولا دفع الله ~~الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله @QE@ ~~. . الآية . ولم يذكر بيوت الشرك كبيوت المشاهد ، وبيوت النار ، والأصنام ، ~~لأن الصوامع والبيع لأهل الكتاب ، فالممدوح من ذلك ما كان مبينا ms065 قبل النسخ ~~والتبديل ، كما أثنى على اليهود والنصارى . . والصابئين الذين كانوا قبل ~~النسخ والتبديل يؤمنون بالله واليوم الآخر ويعملون صالحا ، فبيوت الأوثان ~~والمقابر لم يذكر الله شيئا منها إلا في قصة من لعنهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، وذكر أنهم شرار الخلق عند الله يوم القيامة فجمعوا بين التصاوير ~~والمقابر . | ( 107 ) جاء في القرآن نسبة المسيح إلى أمه لينفي نسبه إلى ~~غيرها ، لا كما PageV01P100 زعمت النصارى ، ولا كما زعمت اليهود ، وأبلغ ~~منه قوله : @QB@ قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم ~~وأمه @QE@ . . الآية خص المسيح وأمه من أهل الأرض ، لأنهما اتخذا إلهين ~~فخصا لنفي هذا الشرك ، ولم يكن تنقصا لهما وقال تعالى : @QB@ ولا يأمركم أن ~~تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا @QE@ . . الآية . | فتخصيصه تنبيه على من ~~دونهم ، ومن هذا قوله : ( لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله ولا أنا إلا أن ~~يتغمدني الله برحمة منه وفضل ) فتخصيصه لتحقيق العموم وكذلك قوله : @QB@ ~~ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك @QE@ . . الآية فذكر ~~الملائكة تنبيها على أن هذه الدعوى لا تجوز لأحد من الخلق ، ولو قدر وقوعه ~~من ملك لكان جزاؤه جهنم ، فكيف بغيره ؟ وهذا التحقيق إفراد لله بالآلهية ، ~~ومنه قوله : @QB@ ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون @QE@ والأنبياء ~~معصومون ولكن المقصود بيان أن الشرك لو صدر من أفضل الخلق لأحبط عمله ، ~~فكيف بغيره ؟ وكذلك قوله : @QB@ لئن أشركت ليحبطن عملك @QE@ خوطب بذلك أفضل ~~الخلق لبيان عظم هذا الذنب ، لا لغض قدر المخاطب ، كقوله : @QB@ ولو تقول ~~علينا بعض الأقاويل @QE@ الآيات وقوله : ^ ( فإن يشاء الله يختم على قلبك ) ~~^ PageV01P101 وفي الحديث ( أن الله لو عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو ~~غير ظالم ، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ) فهذا في بيان عدل ~~الرب وإحسانه وتقصير الخلق عن واجب حقه من الملائكة والأنبياء . | ( 108 ) ~~وقال في الكلام على قوله تعالى @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه @QE@ ~~الآيتين لما ذكر أن من السلف من ذكر أنهم من الملائكة ، ومنهم من ms066 ذكر معهم ~~الإنس ، ومنهم من ذكر أنهم من الجن ، يذكرون جنس المراد به الآية على ~~التمثيل كما يقول الترجماني لمن سأله عن الخبز فيريه رغيفا والآية هنا قصد ~~بها التعميم لكل ما يدعى من دون الله ، فكل من دعى ميتا أو غائبا من ~~الأنبياء والصالحين سواء كان بلفظ الاستغاثة أو غيرها فقد تناولته هذه ~~الآية ، كما تتناول من دعى الملائكة والجن ومعلوم أن هؤلاء يكونون وسائط ~~فيما يقدره الله بأفعالهم ، ومع هذا فقد نهى عن دعائهم ، وبين أنهم لا ~~يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله لا يرفعونه بالكلية ولا يحولونه عن ~~موضع إلى موضع ، أو من حال إلى حال ، كتغيير صفته أو قدره ولهذا قال : @QB@ ~~ولا تحويلا @QE@ فذكر نكرة تعم أنواع التحويل ، وقال تعالى : @QB@ وأنه كان ~~رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا @QE@ كان أحدهم إذا نزل ~~بوادي يقول : أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهائه فقالت الجن الإنس تستعيذ بنا ~~فازدادوا رهقا ، وقد نص الأئمة كأحمد وغيره على أنه لا تجوز الاستعاذة ~~بمخلوق ، وهذا مما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق ، لما ثبت عنه ~~صلى الله عليه وسلم PageV01P102 أنه استعاذ بكلمات الله ، وأمر بذلك ، فإذا ~~كان لا يجوز ذلك فأن لا يجوز أن يقال أنت خير مستعاذ يستعاذ به أولى ، ~~فالاستعاذة والاستجارة والاستغاثة كلها من نوع الدعاء والطلب ، وهي ألفاظ ~~متقاربة ، ولما كانت الكعبة بيت الله الذي يدعى ويذكر عنده ، فإنه سبحانه ~~يستجار به هناك ، وقد يستمسك بأستار الكعبة كما يتعلق المتعلق بأذيال من ~~يستجير به ، كما قال عمر وابن سعيد أن الحرم لا يعيذ عصيا ، ولا فارا بدم ، ~~ولا فارا بخربة وفي الصحيح يعوذ عائذ بهذا البيت والمقصود أن كثير من ~~الضالين يستغيثون بمن يحسنون به الظن . . ولا يتصور أن يقضي لهم أكثر ~~مطالبهم ، كما أن ما تخبر به الشياطين من الأمور الغائبة لا يصدقون في أكثر ~~بل يصدقون في واحدة ، ويكذبون في أضعافها ويقضون لهم حاجة واحدة ويمنعونهم ~~أضعافهم ويكون فيما أخبروا به ms067 وأعانوا عليه إفساد حال الرجال في الدين ~~والدنيا ، ويكون فيه شبهة للمشركين كما يخبر الكاهن ونحوه والله سبحانه جعل ~~الرسول مبلغا لأمره ، ونهيه ، ووعده ، ووعيده وهؤلاء يجعلون الرسل والمشايخ ~~يدبرون العالم بقضاء الحاجات وكشف الكربات وليس هذا من دين المسلمين بل ~~النصارى تقول هذا في المسيح وحده شبهة الاتحاد والحلول ، ولهذا لم يقولوه ~~في إبراهيم وموسى وغيرهم مع أنهم في غاية الجهل في ذلك ، فإن الآيات التي ~~بعث بها موسى أعظم ، ولو كان هذا ممكنا لم يكن للمسيح خاصية به بل موسى أحق ~~، ولهذا كنت أتنزل مع علماء النصارى إلى أن أطالبهم بالفرق بين المسيح ~~وغيره ، من جهة الإلهية ، فلا يجدون فرقا بل أبين لهم أن ما جاء به موسى من ~~الآيات أعظم ، فإن كان حجة في دعوى الإلهية فموسى أحق ، وأما ولادته من غير ~~أب فهو يدل على قدرة الخالق لا على أن المخلوق أفضل من غيره . PageV01P103 ~~| ( 109 ) إذا كان الكلام في سياق التوحيد ، ونفي خصائص الرب عما سواه لم ~~يجز أن يقال ، هذا سوء عبارة في حق من دون الله من الأنبياء ، والملائكة ، ~~فإن المقام أجل من ذلك ، وكلما سوى الله يتلاشى عند تجريد توحيده والنبي ~~صلى الله عليه وسلم كان من أعظم الناس تقريرا لما يقال على هذا الوجه ، وإن ~~كان هو المسلوب كما قالت عائشة لما أخبرها ببراءتها : والله لا أقوم إليه ~~ولا أحمده ، ولا أحمد إلا الله وفي لفظ بحمد الله لا بحمدك فأقرها صلى الله ~~عليه وسلم وأبوها على ذلك ، لأن الله سبحانه الذي أنزل براءتها بغير فعل ~~أحد ، قال حبان قلت لابن المبارك : إني لأستعظم هذا القول ، قال : ولت ~~الحمد أهله وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد قول الأسير اللهم إني أتوب ~~إليك ولا أتوب إلى محمد ، قال عرف الحق لأهله ، وكان يعلم أصحابه تجريد ~~التوحيد ، فقال : لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ، ولكن قولوا ما شاء ~~الله ثم شاء محمد ، وقال له رجل ما شاء الله وشئت فقال : أجعلتني لله ندا ms068 ؟ ~~بل ما شاء الله وحده ، وما أحدثه الله بغير فعل منه إضافة إلى الله وحده ~~كما قال لكعب بن مالك : لما قال له وما أمن عندك أمن عند الله ؟ قال بل من ~~عند الله ومعلوم أنه لو كان من عند النبي صلى الله عليه وسلم لكان من عند ~~الله بمعنى أنه خلقه ، فجميع الحادثات من عنده بهذا الاعتبار ، ولكن ~~المقصود أنه صلى الله عليه وسلم يصدر عنه فعل في هذه التوبة إلا أنه بلغ ~~الرسالة . | ( 110 ) وقال في الكلام على قوله : @QB@ قل أبالله وآياته ~~ورسوله @QE@ . . الآية تدل على أن الاستهزاء بالله كفر ، وبآياته كفر ، ~~وبالرسول كفر ، PageV01P104 من جهة الاستهزاء بالله وحده كفر بالضرورة فلم ~~يكن ذكر الآيات والرسول شرطا ، فعلم أن الاستهزاء بالرسول كفر وإلا لم يكن ~~لذكره فائدة ، وكذلك الآيات وأيضا فالاستهزاء بهذه الأمور متلازم ، ~~والضالون مستخفون بتوحيد الله تعالى ، يعظمون دعاء غيره من الأموات وإذا ~~أمروا بالتوحيد ، ونهوا عن الشرك ، استخفوا به ، كما قال تعالى : @QB@ وإذا ~~رأوك إن يتخذونك إلا هزوا @QE@ . . الآية فاستهزؤا بالرسول لما نهاهم عن ~~الشرك ، وما زال المشركون يسبون الأنبياء ، ويصفونهم بالسفاهة والضلال ~~والجنون إذا دعوهم إلى التوحيد ، لما في أنفسهم من عظيم الشرك ، وهكذا تجد ~~من فيه شبه منهم إذا رأى من يدعو إلى التوحيد استهزأ بذلك لما عنده من ~~الشرك ، قال الله تعالى : @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله @QE@ فمن أحب مخلوقا مثل ما يحب الله ، فهو مشرك ، ويجب ~~الفرق بين الحب في الله والحب مع الله ، وهؤلاء الذين اتخذوا القبور أوثانا ~~تجدهم يستهزؤن بما هو من توحيد الله ، وعبادته ، ويعظمون ما اتخذوه من دون ~~الله شفعاء ، ويحلف أحدهم اليمين الغموس كاذبا ، ولا يجترىء أن يحلف بشيخه ~~كاذبا ، وكثير من طوائف متعددة يرى أحدهم أن استغاثته بالشيخ إما عند قبره ~~، أو غير قبره أنفع له من أن يدعو الله في المسجد عند السحر ، ويستهزيء بمن ~~يعدل عن طريقته إلى التوحيد ، وكثير منهم يخربون المساجد ويعمرون المشاهد ، ~~فهل هذا ms069 إلا من استخفافهم بالله وبآياته ، ورسوله ، وتعظيمهم للمشرك وإذا ~~كان لهذا وقف ولهذا PageV01P105 وقف كان وقف الشرك أعظم عندهم مضاهاة ~~لمشركي العرب الذين ذكرهم الله في قوله : @QB@ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث ~~والأنعام نصيبا @QE@ الآية فيفضلون ما يجعل لغير الله على ما يجعل لله ، ~~ويقولون : الله غني وآلهتنا فقيرة ، وهؤلاء إذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه ~~يبكي عنده ، ويخشع ، ويتضرع ما لا يحصل له مثله في الجمعة والصلوات الخمس ~~وقيام الليل فهل هذا إلا من حال المشركين لا الموحدين . . ومثل هذا أنه إذا ~~سمع أحدهم سماع الأبيات حصل له من الخشوع والحضور ما لا يحصل له عند الآيات ~~بل يستثقلونها ويستهزؤن بها وبمن يقرؤها مما يحصل لهم به أعظم نصيب من قوله ~~: ^ ( قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن ) ^ والذين يجعلون دعاء الموتى ~~أفضل من دعاء الله ، منهم من يحكي أن بعض المريدين استغاث بالله فلم يغثه ، ~~واستغاث بشيخه فأغاثه ، وأن بعض المأسورين دعى الله فلم يخرجه ، فدعى بعض ~~الموتى فجاءه فأخرجه إلى بلاد الإسلام ، وآخر قال : قبر فلان هو الترياق ~~المجرب ، ومنهم من إذا نزل به شدة لا يدعو إلا شيخه قد لهج به كما لهج ~~الصبي بذكر أمه ، وقد قال تعالى للموحدين @QB@ فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا ~~الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا @QE@ وقد قال شعيب : ^ ( يا قومي أرهطي أعز ~~عليكم من الله ) ^ وقال تعالى : @QB@ لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ~~@QE@ . PageV01P106 | ( 111 ) نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الرقا التي ~~فيها شرك كالتي فيها استعاذة بالجن ، كما قال تعالى : @QB@ وأنه كان رجال ~~من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا @QE@ ولهذا نهى العلماء عن ~~التعازيم ، والأقسام التي يستعملها بعض الناس في حق المصروع وغيره التي ~~تتضمن الشرك ، بل نهوا عن كل ما لا يعرف معناه من ذلك خشية أن يكون فيه شرك ~~، ومن قال لغيره أسألك بكذا ، فإما أن يكون مقسما فلا يجوز بغير الله ، ~~وإلا فهو من باب السؤال به ، فتبين أن السائل لله بخلقه أما ms070 أن يكون حالفا ~~بمخلوق ، وذلك لا يجوز ، وأما أن يكون سائلا به وتقدم تفصيله وأما إذا أقسم ~~على الله مثل أن يقول أقسمت عليك يا رب لتفعلن كذا كما كان البراء بن مالك ~~وغيره من السلف يفعله ، وفي الصحيح رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره . ~~فهذا ، من الإقسام عليه تعالى به ليس إقساما عليه بمخلوق ، ومعنى قوله : ~~أسألك بالرحم ليس إقسام لكن بسبب الرحم لأنها توجب حقوقا لسؤال الثلاثة ~~بأعمالهم الصالحة وكسؤالنا بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته في ~~حياته ، ومنه ما روي عن علي أن عبد الله بن جعفر إذا سأله بحق جعفر أعطاه ، ~~ومنه الحديث الذي أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا . . الخ ، فحق ~~السائلين والعابدين الإجابة والإثابة ، فذلك سؤال له بأفعاله كالاستعاذة ~~بنحو ذلك ، كقوله أعوذ برضاك من سخطك ، وبمعافاتك من عقوبتك ، وبك منك لا ~~أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ، فالاستعاذة بمعافاته التي هي فعله ~~من السؤال بإثابته التي هي فعله ، وقوله في الحديث ونستشفع بالله عليك ، ~~وتسبيحه صلى الله عليه وسلم PageV01P107 وتعليمه له أنه لا يستشفع بالله ~~على خلقه على كل تقدير ، طلب منه ما لا يقدر عليه وطلب منه ما لا يطلب إلا ~~من الله ، ولا يقدر عليه إلا الله ، وطلب منه ما هو أعظم استخفافا بالله ، ~~وانتقاصا له من طلب شفاعة الله إلى عبده فإنه ممكن ، لكن طلب من الله ما ~~فيه سؤال لغيره ، وهو سبحانه قادر عليه بلا سؤال وهو غني عن المخلوقات ، ~~سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وعظم ذلك حتى رؤي ذلك في وجوه أصحابه ~~فإذا كان لا يجوز أن يطلب من الله أن يسأل غيره إذ هو قادر على فعل الغير ~~بلا سؤال فكيف إذا كان المطلوب فعل نفسه ؟ فلم يطلب فعل نفسه منه ، بل طلبه ~~من بعض عباده ، وليس عندهم إلا الشفاعة ، وهم لا يشفعون إلا من بعد إذنه ، ~~فتبين أن ليس لهم من الأمر شيء . | ( 112 ) كونه صلى الله عليه ms071 وسلم يستفتح ~~بصعاليك المهاجرين ليس معناه أنه يسأل الله بهم ، أو يقسم بهم عليه ، بل ~~يستنصر بدعائهم ، كما قال لسعد : وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم بصلاتهم ~~ودعواتهم وإخلاصهم ، وأما استغاثة الجمل به ليجيره من ظلم أهله ، فهو طلب ~~منه أن يشكيه ، فأشكاه بمنعهم من أذاه ، وأما استغاثة الصحابة في القحط به ~~، فاستغاثوا به ليدعو لهم ، كما يستغيث به الناس يوم القيامة ليدعو لهم ، ~~والكلام في الأحكام الشرعية لا يقبل من الباطل أو التدليس ما ينفق عند أهل ~~البدع الذين لم يرثوا علومهم من أنوار النبوة ، كالفلاسفة الذين يكونون ~~أكثر الخائضين في العلم ضلالا وافتراقا ، وليس هذا شأن ما ورث عن الأنبياء ~~إلا أن يدخل فيه الكذب والتحريف ، والدين محفوظ بحفظ الله له ، كما قال ~~تعالى : @QB@ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون @QE@ ولما PageV01P108 ~~كانت ألفاظ القرآن منقولة بالتواتر بخلاف بعض الحديث ، وطمع الشيطان في ~~تحريف معانيه ، وتغيير ألفاظ الرسول بالزيادة والنقص ، أقام الله من يحفظ ~~بهم دينه يحملون العلم الموروث عنه فينفون عنه تحريف الغالين وانتحال ~~المبطلين وتأويل الجاهلين ، فبينوا ما أدخل أهل الكذب والغلط في ألفاظ ~~الحديث ، وما أدخل أهل التحريف في معاني القرآن والحديث ، كما قال صلى الله ~~عليه وسلم : ' لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من ~~خذلهم حتى تقوم الساعة ' . | ( 113 ) وقال في الكلام على إهداء الثواب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ، الأعمال لا تعمل إلا لله ، ولا يطلب أجرها إلا ~~منه ، وإن وصل بها نفع عظيم إلى الأنبياء وغيرهم فإنهم دعوا إلى عبادته ، ~~وبينوا أن الجزاء عليه لا عليهم ، كما قال تعالى : ^ ( فإنما عليك البلاغ ~~وعلينا الحساب ) ^ . . وكثير من الضلال يطلبون الجزاء من الأولياء ، كأنهم ~~يعبدونهم ، أو كأنهم عملوا لأجلهم ، فصاروا شبه النصارى نزلوا المخلوق بعد ~~موته منزلة الخالق ، لأن الأولياء في حياتهم لا يمكنون أحدا من الإشراك بهم ~~، كما قال المسيح عليه السلام : @QB@ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به @QE@ . . ~~الآية وقال : @QB@ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب ms072 والحكم والنبوة ثم ~~يقول للناس @QE@ . . الآيتين . . ولهذا كان خاتم الرسل المبعوث بملة ~~إبراهيم قد أقام الحنفية كما نعت بذلك في الكتب كقوله : ( ولن أقبضه حتى ~~أقيم به PageV01P109 الملة العوجا ) . . الخ . . وقال : ( لا تطروني كما ~~أطرت النصارى ) . . الخ ثم ذكر الأحاديث التي قالها في مرضه ، وقبله ، وفي ~~الصحيحين عنه ( لتركبن سنن من كان قبلكم ) الحديث وقد شرحنا هذا الحديث ~~وتكلمنا على جملة مما وقع من ذلك والمقصود هنا أن النصارى فيهم إشراك وغلو ~~وابتداع ، كقوله : @QB@ اتخذوا أحبارهم @QE@ . . الآية . . وقوله @QB@ ~~ورهبانية ابتدعوها @QE@ وقوله @QB@ لا تغلوا في دينكم @QE@ فصار ذلك في ~~كثير من هذه الأمة ومثله هؤلاء الذين يهدون العبادات إلى الأنبياء لطلب ~~الأجر منهم ، أما إشراكهم فقد ضاهوا المخلوق بالخالق ، وأما الابتداع فهذا ~~العمل لم يسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والغلو حيث جعلوا في البشر ~~شوبا من الربوبية ، والإلهية ، والغنى عن صاحبه إلى النفع ، وهم في تقربهم ~~إلى غير الله بالأعمال يشبهون المتوكلين على غير الله المستغيثين بغيره ، ~~والفقر للمخلوق وصف لازم لا يفارقه في الدنيا ، ولا في الآخرة ، بل العبد ~~محتاج إلى الله من جهة ربوبيته فلا يستعين بغيره ومن جهة الألوهية فلا يعبد ~~غيره ، كما قال تعالى : @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ فإن لم يعبده خسر ~~الدنيا والآخرة وإن لم يعنه على عبادته لم يقدر عليها ، وإذا كان الخلق ~~كلهم فقراء إلى الله ، والله يرحمهم بما شاء من الأسباب ، ومن ذلك دعاء ~~بعضهم لبعض ، وإحسان بعضهم إلى بعض ، والدعاء يكون من الأدنى للأعلى بلا ~~غضاضة على الأعلى ، فالله الذي أمرنا بالصلاة PageV01P110 والسلام على نبيه ~~، وهو الذي يثيبنا على ذلك ، بل لله عليه أكمل النعم والمنة ، ونعمته عليه ~~أكمل نعمة أنعمها على مخلوق ، وما من به علينا من الثواب على الصلاة عليه ، ~~وعلى سائر أعمالنا فقد من عليه بمثله لدعائه لنا إلى ذلك ، والخالق إذا ~~تقربنا إليه فذلك إحسانا منا إلى أنفسنا ، وهو الذي أعاننا عليه ، وإن كان ~~يحب ذلك فحبه إياه منه على العامل فإنه الذي خلق ذلك كله ms073 ، فعلى العبد أن ~~يلاحظ التوحيد والأنعام ، قال تعالى : @QB@ فادعوه مخلصين له الدين الحمد ~~لله رب العالمين @QE@ وهؤلاء جعلوا الهدية له صلى الله عليه وسلم بمنزلة ~~الهدية إلى الله ، وكأنهم يتقربون إليه كما يتقربون إلى الله ، فجعلوا ~~المخلوق كأنه الرب الغني عنهم المجازي لهم ، وجعلوا الرب محتاجا إلى ~~عبادتهم ، وأنهم يبلغون ضره ونفعه ، والمؤمنون وأولهم أبو بكر يطلبون أجر ~~أعمالهم من الله ، لا من مخلوق مع قوله أن أمن الناس علي في صحبته وذات يده ~~أبو بكر ، ونزل فيه قوله : @QB@ وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما ~~لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى @QE@ والله ~~سبحانه لكمال إحسانه إلينا أمرنا بالجهاد ، وأخبر أنه نصر له ، وبالصدقة ~~وأخبر أنها قرض له وذلك ممتنع من جهة ربوبيته ، ولكن يصح من جهة الألوهية ~~التي أقر بها الموحدون . | ( 114 ) وسئل رحمه الله عن دعوة ذي النون معناها ~~؟ ولم كانت موجبة لكشوف الكرب ؟ وهل لذلك شروط غير لفظها وكيف يتحقق القائل ~~لها في الكرب بمعنى النفي والإثبات ليوجب الكشف ؟ وما مناسبة PageV01P111 ~~ذكر ظلمه مع التوحيد ؟ وهل الاعتراف مع التوحيد موجب للغفران وكشف الكرب ؟ ~~وهل اعترافه بذلك الذنب المعين يوجب كشف كربة نزلت بذنوب أوجب تأخيرها إلى ~~ذلك الوقت سعة حلم الله أم لا بد عند قولها من استحضار جميع الذنوب ؟ وهل ~~مجرد الاعتراف كاف بدون التوبة ؟ وما السر في أن الفرج يجيء عند انقطاع ~~الرجاء من الخلق ؟ وما الحيلة في انصراف القلب عنهم وتعلقه بالله ؟ وما ~~المعنى على ذلك ؟ أجاب عن الأولى بأن لفظ الدعاء والدعوة في القرآن يتناول ~~دعاء العبادة ودعاء المسألة ، وفسر قوله : @QB@ ادعوني أستجب لكم @QE@ ~~بالوجهين . . وفي حديث النزول من يدعوني فأستجيب له ، من يسألني فأعطيه من ~~يستغفرني فأغفر له والمستغفر سائل والسائل داعي لكن ذكر السائل لدفع الشر ~~بعد السائل للخير ، وذكرهما بعد الداعي الذي يتناولهما وغيرهما من عطف ~~الخاص على العام ، وسماها دعوة لتضمنها للنوعين ، فقوله : @QB@ لا إله إلا ~~أنت @QE@ اعتراف بتوحيد الآلهية ، وهو يتضمن النوعين ms074 ، فإن الآلهة هو ~~المستحق لأن يدعى بالنوعين ، وقوله @QB@ إني كنت من الظالمين @QE@ . . ~~اعتراف بالذنب متضمن طلب المغفرة فالسائل يسأل تارة بصيغة الطلب ، وتارة ~~بصيغة الخبر ، أما بوصف حاله ، أو حال المسئول ، أو بهما ، وهو من حسن ~~الأدب في السؤال ، كقول أيوب : @QB@ مسني الضر وأنت أرحم الراحمين @QE@ ~~والسؤال بالحال أبلغ من جهة العلم والبيان ، وبالطلب أظهر من جهة القصد ، ~~والإرادة ، فلهذا كان غالب الدعاء من القسم الثاني ، لأن السائل يتصور ~~مراده ، فيسأله بالمطابقة فإن تضمن وصف حال PageV01P112 السائل والمسئول ~~فهو أكمل ، كقوله : ^ ( قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ) ^ . . الخ . ~~وفيه وصف لحال نفسه المقتضي حاجته إلى المغفرة ، ووصف ربه أنه لا يقدر على ~~هذا غيره ، وفيه التصريح بالمطلوب ، وفيه وصف الرب بما يقتضي الإجابة ، وهو ~~وصفه بالمغفرة والرحمة ، فهذا ونحوه أكمل الأنواع ، فمقام يونس ، ومن أشبهه ~~، مقام اعتراف بأن ما أصابه بذنبه ، والمقصود دفع الضر والاستغفار رجاء ~~بالقصد . | الثاني فلم يذكر صيغة الطلب لاستشعاره أنه مسيء أدخل الضر على ~~نفسه فناسب ذكر ما يرفع سببه من الاعتراف ، وهذا يبين بالكلام على قوله ( ~~سبحانك ) ، فإنه يتضمن التعظيم والتنزيه ، والمقام يقتضي تنزيهه عن العقوبة ~~بغير ذنب ، فقوله : @QB@ لا إله إلا أنت @QE@ فيه انفراده بالآلهية ، وهي ~~تتضمن كمال العلم والقدرة ، والرحمة والحكمة ، ففيها إثبات إحسانه إلى ~~العباد ، فإن الآله هو المألوه ، والمألوه الذي يستحق أن يعبد ، وكونه ~~يستحق ذلك هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية ~~الحب ، المخضوع له غاية الخضوع ، والتسبيح يتضمن تعظيمه وتنزيهه عن الظلم ، ~~وغيره من النقائص ، فإن الظالم أنما يظلم لحاجته ، أو جهله والله غني عن كل ~~شيء ، عليم بكل شيء ، وهو غني بنفسه ، وكلما سواه فقير إليه وهذا كمال ~~العظمة . . أجاب عن الثانية بأن ذلك لأن الضر لا يكشفه إلا الله والذنوب ~~سبب الضر ، والاستغفار يزيل سببه ، وقوله : @QB@ إني كنت من الظالمين @QE@ ~~اعتراف واستغفار والتهليل تحقيق لتوحيد الآلهية ، فإن الخير لا يوجب له إلا ~~مشيئة الله ، والمعوق له عن العبد ذنوبه ، وما ms075 خرج عن قدرة العبد فهو من ~~الله ، وإن كان الكل بقدره ، لكنه جعل الطاعة PageV01P113 سببا للنجاة ~~والسعادة ، فمشاهدة التوحيد تفتح باب الخير ، والاستغفار يغلق باب الشر ، ~~والرجاء لا تعلق بمخلوق ولا بقوة العبد ، ولا علمه ، فإن ذلك شرك ، ولهذا ~~يذكر الأسباب ويأمر بأن لا يعتمد عليها ، ولهذا قال : @QB@ وما جعله الله ~~إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله @QE@ فمن جعل مع ~~الله إلها آخر ، قعد مذموما مخذولا والقائل لا إله إلا الله بلسانه ، ~~فقولها مخلصا من قلبه له حقيقة أخرى ، وبحسب تحقيقها تكمل الطاعة ، كما قال ~~: @QB@ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه @QE@ . . الآيتين فمن جعل ما يألهه هو ما ~~يهواه فقد اتخذ إلهه هواه ، ولهذا قال الخليل : @QB@ لا أحب الآفلين @QE@ ~~بين أنه يغيب عن عابده ، فلا يعلم حاله ، وكلما حقق العبد الإخلاص في قول ~~لا إله إلا الله خرج من قلبه تأله ما يهواه ، ويصرف عنه المعاصي ، كما قال ~~تعالى : @QB@ كذلك لنصرف عنه السوء @QE@ الآية وفي الصحيح : ( من قالها ~~مخلصا من قلبه حرمه الله على النار ) ، فمن دخلها لم يحقق إخلاصها المحرم ~~له على النار ، والشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل ، ولهذا أمر أن ~~يقول في كل صلاة @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ والشيطان يأمر بالشرك ، ~~والنفس تطيعه ، فلا تزال تلتفت إلى غير الله ، إما خوفا ، وإما رجاء ، فلا ~~يزال مفتقرا إلى تخليص توحيده من شوائب الشرك وفي الحديث يقول الشيطان : ( ~~أهلكت الناس بالذنوب فأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار فلما رأيت ذلك ~~بثثت فيهم الأهواء فهم يذنبون PageV01P114 ولا يستغفرون لأنهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا ) فالذي اتبع هواه بغير هدى من الله له نصيب ممن اتخذ آلهه ~~هواه ، فصار فيه شرك منعه من الاستعاذة ، وأما من حقق التوحيد والاستغفار ~~فلا بد أن يرفع عنه الشر ، وفي الصحيح قوله في صلاته : ( اللهم اغفر لي ما ~~قدمت - إلى قوله لا إله إلا أنت ) فهنا قدم الدعاء ، وختمه بالتوحيد لأنه ~~أفضل الأمرين بخلاف مالم يقصد فيه هذا فإن ms076 تقديم التوحيد أفضل وأهل التوحيد ~~هم الذين لم يعبدوا إلا إياه ، ولم يتوكلوا إلا عليه ، وقول المكروب لا إله ~~إلا أنت قد يستحضر في ذلك أحد النوعين ، فإن همته منصرفة لدفع ضره أي لا ~~يكشف الضر غيرك مع إعراضه عن توحيد الإلهية فإن استحضره في ذلك كان عابدا ~~لله متوكلا عليه محققا إياك نعبد وإياك نستعين ، فإذا سبق إلى القلب قصد ~~السؤال ناسب السؤال باسم الرب وإن سبق قصد العبادة فاسم الله أولى ، وكذلك ~~إذا بدا بالثناء ، ولهذا قال يونس عليه السلام ( لا إله إلا أنت ) الخ وقال ~~آدم ( ربنا ظلمنا أنفسنا ) فإن يونس ذهب مغاضبا فكان ذلك المناسب أي هو ~~الذي يستحق العبادة دون غيره ، ولا يطاع الهوى فإن ذلك يضعف الإخلاص ، وهذا ~~يتضمن برآة ما سوى الله من الإلهية سواء قدر ذلك هوى النفس أو طاعة الخلق ، ~~أو غير ذلك ، والعبد يقول ذلك فيما يظنه ، وهو غير مطابق ، وما يريده وهو ~~غير حسن ، وآدم لم يكن عنده من منازعة الإرادة ما يزاحم الإلهية ، بل ظن ~~صدق الشيطان فكانا محتاجين إلى أن يريهما ربوبيته تكمل علمهما وقصدهما حتى ~~لا يفترا ، ويونس كمل تحقيق الآلهية ومحو الهوى الذي يتخذ إلها ، وأيضا مثل ~~هذه الحال تعرض لمن تعرض له فيبقى فيه نوع معارضة للقدر ، ومعارضة له ~~سبحانه في خلقه ، وأمره ووساوس في حكمته ورحمته فيحتاج إلى أن يتقي الآراء ~~الفاسدة PageV01P115 والأهواء الفاسدة فيعلم أن الحكمة والعدل فيما اقتضاه ~~علمه سبحانه وحكمته ، لا في ما اقتضاه علم العبد وحكمته ، ويكون هواه تبعا ~~لما يأمر الله به قال تعالى : @QB@ فلا وربك @QE@ الآية وقال تعالى : @QB@ ~~قل إن كان آباؤكم @QE@ . . الآية فإذا كان الإيمان لا يحصل حتى يحكم الرسول ~~ويسلم له ويكون هواه تبعا لما جاء به ، ويكون الرسول والجهاد مقدما على حب ~~الإنسان نفسه وماله وأهله فكيف في تحكيمه تعالى ؟ والتسليم له ، فمن رأى من ~~يستحق العذاب في ظنه فغفر له فكره ذلك فهو إما عن إرادة تخالف الحكم ، أو ~~ظن يخالف العلم ، والله ms077 عليم حكيم فلم يبق لكراهة ما فعله وجه ، وهذا يكون ~~فيما أمر به ، وفيما خلقه ولم يأمرنا أن نكرهه بخلاف توبته على عباده ~~وإنجائهم من العذاب فإنه يحب التوابين ، فكراهة هذا من نوع اتباع الإرادة ~~المزاحمة للإلهية فعلى صاحبها أن يحققه ولإنالة مراداتنا المخالفة . وقوله ~~هل الاعتراف مع التوحيد موجب لغفرانها وكشف الكربة ؟ فالموجب له مع التوحيد ~~هو التوبة المأمور بها فإن الشرك لا يغفر إلا بها ، وأما الاعتراف على وجه ~~الخضوع لله من غير توبة فهما في نفس الاستغفار الذي لا توبة معه ، فهذا لا ~~يؤنس ، ولا يقطع له بالمغفرة فإنه داع ، وفي الصحيح ( ما من رجل يدعو الله ~~بدعوة الخ ) فمثل هذا الدعاء قد تحصل معه المغفرة أو صرف شر آخر أو حصول ~~خير آخر ، وقوله : الاعتراف بالذنب المعين يوجب رفع ما حصل بذنوب أم لا بد ~~من استحضار جميعها : فهذا مبني على أصول أحدها أن التوبة تصح من ذنب ~~PageV01P116 مع الإصرار على آخر ، وهذا هو المعروف عن السلف والخلف . . ~~والثاني أن من تاب من بعض فإن التوبة إنما تقتضي مغفرة ما تاب منه . . ~~والثالث أن الإنسان قد يستحضر ذنوبا فيتوب منها ، وقد يتوب توبة مطلقة فإن ~~كانت نية التوبة العامة فهي تتناول كل ما رآه ذنبا إلا أن يعارض هذا معارض ~~مثل أن يكون بعضها لو استحضره لم يتب منه لقوة إرادته ، أو اعتقاد أنه حسن ~~، وأما التوبة العامة وهي أن يتوب توبة مجملة ، ولا تلتزم التوبة من كل ذنب ~~فهذا لا يوجب دخول كل فرد ولا يمنع دخوله كاللفظ المطلق ، والناس في غالب ~~أحوالهم لا يتوبون توبة عامة مع حاجتهم إلى ذلك وأنها واجبة على كل عبد في ~~كل حال وقوله : ما السبب في أن الفرج يأتي عند انقطاع الرجاء عن الخلق وما ~~الحيلة في صرف القلب عنه ؟ فسببه تحقيق توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية ، ~~فالأول لا خالق إلا الله ، والراجي لمخلوق طالب بقلبه لما يريده منه وهو ~~عاجز وهذا من الشرك الذي لا يغفر فمن كمال ms078 نعمته وإحسانه إلى المؤمنين أن ~~يمنع حصول مطالبهم بالشرك حتى يصرف قلوبهم إلى التوحيد ، ثم إن وحده العبد ~~توحيد الآلهية حصلت له سعادة الدنيا والآخرة وإن كان ممن قيل فيه : @QB@ ~~وإذا مسكم الضر @QE@ الآية فإن ما حصل له من وحدانيته حجة عليه كما احتج ~~سبحانه على المشركين بذلك في غير موضع فمن تمام نعمة الله على المؤمنين أن ~~ينزل بهم من الضر ما يلجئهم إلى توحيده فيدعونه مخلصين له الدين فيحصل لهم ~~من التوكل والإنابة وذوق طعم الإيمان والبراءة من الشرك ما هو أعظم نعمة من ~~زوال الضر فإن ذلك نعم دنيوية قد يحصل للكافر منها أعظم مما للمؤمن ، وأما ~~ما يحصل للمخلصين فأعظم من أن يعبر عن كنهه مقال ، أو يستحضر تفصيله بال ، ~~ولكل مؤمن من ذلك نصيب بقدر إيمانه فالذي يحصل لأهل PageV01P117 الإيمان ~~عند تجريد التوحيد لا يعرفه بالذوق إلا من له منه نصيب ، وهذا هو حقيقة ~~الإسلام ، وقطب رحى القرآن ، به أرسل الله الرسل ، وأنزل الكتب . | ( 115 ) ~~الراجي يرجى حصول الخير ودفع الشر ، والرجا مقرون بالتوكل ، والتوكل لا ~~يجوز إلا على الله ، فلا يأتي بالحسنات إلا هو ولا يذهب بالسيئات إلا هو ~~قال تعالى : @QB@ ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ~~@QE@ . . الآية وقال : @QB@ الذين قال لهم الناس @QE@ . . الآية أي كافينا ~~في دفع البلاء وأولئك أمروا أن يقولوا حسبنا الله في جلب النعماء ومن توكل ~~على غير الله ورجاه خذل من جهته ، وحرم @QB@ مثل الذين اتخذوا من دون الله ~~أولياء كمثل العنكبوت @QE@ الآية @QB@ لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد ~~مذموما مخذولا @QE@ ^ ( واتخذوا من دون الله آلهة ليكون لهم عزا كلا ) ^ ~~الآية @QB@ ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء @QE@ . . الآية @QB@ ~~فابتغوا عند الله الرزق @QE@ . . الآية . . والراجي يكون راجيا تارة بعمل ~~يعمله فهذا نوع من العبادة ، وتارة باعتماد قلبه عليه وسؤاله له ، فهو نوع ~~من الاستغاثة يوضحه أن كل خير ونعمة فهي من الله ، وكل شر PageV01P118 ~~مندفع عنه فالله يمنعه ، ويكشفه وما جرى من الأسباب على ms079 يد خلقه فهو خالق ~~الأسباب كلها ، ومن عرف هذا حق المعرفة انفتح له باب توحيد الله ، وعلم أنه ~~لا يستحق أن يدعى غيره ، ولا فرق بين الأسباب العلوية والسفلية ، وملائكته ~~قال فيهم @QB@ لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى @QE@ فالصادر عنهم إما قول وإما عمل فالقول ~~لا يسبقونه به ، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ، فعلينا أن نكون معه ومع رسله ~~هكذا ، فلا نقول حتى يقول ، ولا نعبده إلا بما أمر ، وأعلى من هذا أن لا ~~نفعل إلا ما أمر ، فلا تكون أعمالنا إلا واجبة أو مستحبة ، والاستعانة تكون ~~على الأعمال ، وأما التوكل فأعم من ذلك ، يكون لجلب المنفعة ، ودفع المضرة ~~، فمن لم يفعل ما أمر به لم يكن مستعينا بالله ، وعلى ذلك فيكون قد ترك ~~العبادة والاستعانة عليها ، فترك التوكل في هذا الموضع ومن ظن أن الإيمان ~~بالقدر ينافي الأمر كالإباحية المشركية والقدرية المجوسية أو ظن أن التكليف ~~معه غير معقول بل الشارع أطيع لمحض المشيئة وجعل ذلك حجة على أن الأفعال لم ~~تتضمن أسبابا مناسبة للأمر والنهي ، ففساد قوله معلوم بضرورة العقل مع ~~الكتاب ، والسنة ، والإجماع فالعبد عليه أن يصبر على ما قدر من المصائب ، ~~ويستغفر من المعايب ، ويشكر على المواهب ، فيجمع بين الإيمان بالقدر ، ~~والشرع وبين الصبر والشكر ، والاستغفار والمحتج بالقدر إذا اعتدى عليه ~~تناقض وظهر فساد قوله . | ( 116 ) التسبيح المتضمن تنزيهه عن السوء ونفي ~~النقص يتضمن تعظيمه PageV01P119 العظمة الموجبة براءته من الظلم ، فالظالم ~~يظلم لحاجته ، أو لجهله ، والله غني عن كل شيء عليم بكل شيء ، وهذا كمال ~~العظمة ، وقوله صلى الله عليه وسلم : سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ~~هاتان الكلمتان إحداهما مقرونة بالتحميد ، والأخرى بالتعظيم فقرن بين الحمد ~~والتعظيم ، كما قرن بين الجلال والإكرام ، إذ ليس كل معظم محمودا محبوبا ~~ولا كل محبوب محمودا معظما ، والعبادة تتضمن كمال الحب المتضمن معنى الحمد ~~، وكمال الذل المتضمن معنى التعظيم ، ففيها إجلاله ، وإكرامه ، وهو سبحانه ~~المستحق للجلال والإكرام ، ومن ms080 الناس من يحسب الجلال الصفات السلبية ~~والإكرام الصفات الثبوتية ، والتحقيق أن كلاهما صفات ثبوتية ، وإثبات ~~الكمال يستلزم نفي النقائص ، لكن ذكر نوعي الثبوت وهو ما يستحق أن يحب ، ~~وما يستحق أن يعظم كقوله : @QB@ إن الله هو الغني الحميد @QE@ @QB@ إن ربي ~~غني كريم @QE@ وكذلك قوله @QB@ وله الحمد @QE@ فقرن التسبيح بالتحميد ~~والتهليل بالتكبير ، كما في الأذان ثم أن كل واحد من النوعين يتضمن الآخر ~~إذا أفرد ، فإن التسبيح ، والتحميد يتضمن التعظيم ، ويتضمن إثبات ما يحمد ~~عليه وذاك يستلزم الإلهية فإنها تتضمن كونه محبوبا بل تتضمن أنه لا يستحق ~~كمال الواجب إلا هو ، والحمد هو الإخبار عن المحمود بالصفات التي يستحق أن ~~يحب ، فالإلهية تتضمن كمال الحمد ولهذا كان الحمد مفتاح الخطاب ، وسبحان ~~الله فيها إثبات عظمته ، ولهذا قال : PageV01P120 @QB@ فسبح باسم ربك ~~العظيم @QE@ وقال اجعلوها في ركوعكم ، وقال أما الركوع فعظموا فيه الرب ، ~~وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء ، فيجعل التعظيم في الركوع أخص منه ~~بالسجود ، وقوله : ( لا إله إلا الله والله أكبر ) ففي الإلهية محامدة ، ~~وفي الكبرياء إثبات عظمته فإن الكبرياء تتضمن العظمة لكن الكبرياء أكمل ، ~~وهي كالرداء ومعلوم أن الرداء أشرف ، فلما كان التكبير أبلغ صرح بلفظه وفي ~~سبحان الله التصريح بالتنزيه من السوء المتضمن للتعظيم ، فصار كل واحدة ~~متضمنة معنى الأخريين إذا أفردتا وعند الاقتران تعطى كل كلمة خاصتها ، ~~وكذلك الدعاء باسم الرب أو باسم الله أو لوصف حال السائل ، أو حال المسئول ~~لكل نوع منها خاصة . | ( 117 ) قال رحمه الله بعد ما ذكر آيات احتج بها ~~الجبرية وآيات احتج بها القدرية : وكل من الطائفتين تتناول نصوص الأخرى ~~بتأويلات فاسدة ، وتضم إلى النصوص التي احتجت بها أمورا لا تدل عليها ، ~~وأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان وأئمة المسلمين فآمنوا بالكتاب كله ، ~~ولم يحرفوا شيئا من النصوص ، وقوله : ( إن الله جميل يحب الجمال ) أي يجب ~~أن يتجمل له العبد ، كقوله : @QB@ خذوا زينتكم عند كل مسجد @QE@ ويكره أن ~~يصلي عريانا ، أو المرأة مكشوفة الرأس ولو تزين لمعصية لم يحب ذلك ، ~~والمؤمن يظهر نور الإيمان ms081 على وجهه ، ويكسي محبة ومهابة ، والمنافق عكسه ، ~~وأما الصورة المجردة مشتهاة كالنساء أولا فقد صح أن الله لا ينظر إلى صوركم ~~الخ ، وقوله : ( إن الله جميل ) الخ قاله جوابا بالتسائل في PageV01P121 ~~بيان ما يحبه الله وما يكرهه ، فإنه لما ذكر الكبر سأله السامع عن جمال ~~الثوب والنعل ، وحسن ثوبه ونعله أنما يحصل بفعله وقصده ليس شيئا مخلوقا فيه ~~بغير كسبه كصورته ومعلوم أن الله إذا خلق شخصا أكبر من شخص إما في جسمه ، ~~وإما في عقله وذكائه لم يكن هذا مبغضا ، فإنه خلق بغير اختياره ، بخلاف ما ~~إذا تكبر بذلك أو بغيره فإنه من عمله ، والمقصود هنا ذكر ما يحبه الله ، ~~ويرضاه الذي يثاب أصحابه عليه ، ومعلوم أن الفرق بين مطلق الإرادة والمحبة ~~موجود في الناس ، وغيرهم من الجهمية والقدرية إنما لم يفرقوا بين ما يشاء ~~وما يجب ، لأنهم لا يثبتون لله محبة لبعض الأمور المخلوقة دون بعض ، وفرحا ~~بتوبة التائب وكان أول من أنكره الجعد فضحى به خالد القسري فقال : أنه زعم ~~أن الله لم يكلم موسى تكليما ، ولم يتخذ إبراهيم خليلا ، فإن الخلة من ~~توابع المحبة ، فمن زعم أن الله لا يحب ولا يحب لم يكن للخلة عنده معنى ، ~~والرسل صلوات الله وسلامه عليهم جاءوا بإثبات هذا الأصل ، وهو أن الله يحب ~~بعض الأمور المخلوقة ، ويسخط بعضها ، فإن الجهمية والقدرية تجعل الجميع ~~بالنسبة إليه سواء : القدرية يقولون يقصد نفع العبد لكونه حسنا ، ولا يقصد ~~الظلم لكونه قبيحا ، والجهمية يقولون : إذا كان لا فرق بالنسبة إليه بين ~~هذا وهذا امتنع أن يكون عنده شيء حسن ، وشيء قبيح ، وأنما يرجع ذلك إلى ~~أمور صافية للعباد فالحسن بالنسبة إلى العبد ما يلائمه ، وما ترتب عليه ~~ثواب يلائمه ، والقبيح بالعكس ومن هنا جعلوا المحبة والإرادة سواء فلو ~~أثبتوا أنه سبحانه يحب ويفرح بحصول محبوبه كما أخبر به الرسول PageV01P122 ~~تبين لهم حكمته ، وتبين لهم أيضا أنه يفعل الأفعال بحكمة ، فإن الجهمية ~~قالوا : إذا كانت الأشياء بالنسبة إليه سواء امتنع أن يفعله لحكمة ، ~~والمعتزلة ms082 يقولون يفعل لحكمة تعود إلى العباد فقالت الجهمية تلك يعود إليه ~~منها حكم أم لا الأول خلاف أصلكم ، والثاني ممتنع فيمتنع أن أحدا يختار ~~الحسن على القبيح إن لم يكن له من فعل الحسن معنى يعود إليه ثم أن هذه ~~الصفة من أعظم صفات الكمال ، وكذلك كونه محبوبا لذاته هو أصل دين الرسل ~~فإنهم كلهم دعوا إلى عبادة الله وحده ، وأن لا إله إلا هو ، والإله المستحق ~~للعبادة ، وهو لا يكون إلا بتعظيم ومحبة ، وإلا فمن عمل لغيره لعوض بلا ~~محبة له لم يكن عابدا له ، وهؤلاء الذين ينكرون أنه يحب ، أو يحب آخر أمرهم ~~أنه لا يبقى عندهم فرق بالنسبة إلى الله بين أوليائه وأعدائه ، ولا بين ~~الإيمان والكفر فإن كانوا من الصوفية الذين ينكرون الكمال في فناء العبد عن ~~حظوظه ودخلوا في مقام الفناء في توحيد الربوبية ، وإن كانوا من المتكلمين ~~صاروا من المستقلين للعبادة وفي قلوبهم مرتع للشياطين ، لم لا ينعم بالثواب ~~بدون هذا فإذا أجابوا بجوابهم كان من أبرد الأجوبة وأسمجها ، فإن هذا يقال ~~في المتناظرين لا في رب العالمين ، فلا أحد إلا مقر بفعله ، ثم يقال قد حصل ~~بطلب الألذ من شقاوة الأكثرين ما كان خلقهم في الجنة ابتداء لأن إن كان من ~~المرجئة استرسلت نفسه في المحرمات وترك الواجبات بخلاف من وجد حلاوة ~~الإيمان بمحبة الله وحبه للعبادات ، فإن هذا هو الإسلام الذي به يشهد العبد ~~أن لا إله إلا الله وهؤلاء يدعون محبة الله في الابتداء ويعظمونها ويستحبون ~~السماع بالغنا والدف لأنه يحرك محبة الله وإذا حقق أمرهم وجدت محبتهم تشبه ~~محبة المشركين لا محبة الموحدين ، فإن محبة الموحدين بمتابعة الرسول ~~والجهاد في سبيل الله وهؤلاء أكثرهم PageV01P123 يكره متابعة الرسول ، وهم ~~من أبعد الناس عن الجهاد ومحبتهم التي يدعون من جنس محبة المشركين الذين ~~صلاتهم عند البيت مكاء وتصديه ويجتهدون في دعاء مشايخهم في حياتهم وعند ~~قبورهم فأولئك أنكروا المحبة وهؤلاء دخلوا في محبة المشركين ، فنفس محبته ~~أصل عبادته ، والشرك فيها أصل الشرك ms083 في عبادته أولئك فيهم شبه من النصارى ~~وفيهم شرك من جنس شرك النصارى ولهذا كان مشايخ الصوفية العارفون يوصون ~~كثيرا بمتابعة العلم قال بعضهم ما ترك أحد شيئا من السنة إلا لكبر في نفسه ~~، وهو كما قال فإنه إذا لم يكن متبعا لما جاء به الرسول كان متبعا لهواه ~~بغير هدي من الله وهذا عيش النفس ، وهو من الكبر ، فإنه شعبة من قول الذين ~~قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله . | ( 118 ) العقوبات شرعت ~~رحمة من الله بعباده ولهذا ينبغي لمن يعاقب على الذنوب أن يقصد بذلك ~~الإحسان إلى المعاقب ، والرحمة له ، كما يقصد الوالد تأديب ولده ، فإنه صلى ~~الله عليه وسلم قال أنما أنا لكم بمنزلة الوالد . | وقال تعالى : @QB@ ~~النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم @QE@ وفي قراءة أبي ( وهو ~~أب لهم ) والقراءة المشهورة تدل عليه ، فلولا أنه كالأب لم تكن نساؤه ~~كالأمهات ، والأنبياء أطباء الدين والقرآن أنزله الله شفاء فالذي يعاقب ~~عقوبة شرعية نائب له ، فعليه أن يفعل كفعله ولهذا قال تعالى : @QB@ كنتم ~~خير أمة أخرجت للناس @QE@ قال أبو هريرة : خير PageV01P124 الناس للناس ~~تأتون بهم في السلاسل تدخلونهم الجنة ، أخبر أنهم خير الأمم لبني آدم ~~يعاقبونهم بالقتل والأسر للإحسان إليهم ، وهكذا الراد على أهل البدع من ~~الرافضة وغيرهم إذا لم يقصد بيان الحق وهدى الخلق لم يكن عمله صالحا ، وإذا ~~كان المسلم الذي يقاتل الكافر قد يقاتله شجاعة وحمية وذلك ليس في سبيل الله ~~فكيف بأهل البدع ، وإذا كان الذنب متعلقا بالله ورسوله فهو حق محض لله فيجب ~~أن يكون الإنسان في هذا قاصدا لوجه الله متبعا لرسوله ليكون عمله صوابا ~~خالصا ، وهو معنى قوله : @QB@ ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن ~~@QE@ والأمر بالسنة والنهي عن البدعة أمر بمعروف ونهي عن منكر ، وهو من ~~أفضل الأعمال الصالحة فيجب أن يبتغي به وجه الله ، وأن يكون مطابقا للأمر ~~وفي الحديث : من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر فينبغي أن يكون عليما فيما ~~يأمر به عليما ms084 فيما ينهى عنه رفيقا فيما يأمر به ، رفيقا فيما ينهى عنه ، ~~حليما فيما يأمر به حليما فيما ينهى عنه فالعلم قبل الأمر ، والرفق مع ~~الأمر ، والحكم بعد الأمر ، فإن لم يكن عالما لم يكن له أن يقف ما ليس له ~~به علم ، وإن لم يرفق فهو كالطبيب الذي يغلظ على المريض فلا يقبل منه . . ، ~~وكالمؤدب الغليظ الذي لا يقبل منه الولد ، قال تعالى : @QB@ فقولا له قولا ~~لينا لعله يتذكر أو يخشى @QE@ ثم إذا أمر أو نهى فلا بد أن يؤذى في العادة ~~فعليه أن يصبر ، ويحلم ، كما قال تعالى : ^ ( وأمر بالمعروف وانه عن المنكر ~~PageV01P125 واصبر على ما أصابك ) ^ وقد أمر الله نبيه بالصبر على أذى ~~المشركين في غير موضع وهو إمام الآمرين والناهين ، وإن أمر ونهى طلبا ~~لرياسة نفسه ولطائفته وتنقيص غيره كان ذلك حمية لا يفعله لله ، وإذا فعل ~~ذلك رياء كان عمله حابطا ، ثم إذا رد عليه وأوذي وغرضه فاسد طلبت نفسه ~~الانتصار لها ، وأتاه الشيطان فكان مبدأ عمله لله وصار له هوى يطلب أن ~~ينتصر بمن اعتدى وهكذا يصيب أصحاب المقالات إذا كان كل يعتقد أن الحق معه ~~فأكثرهم صار له في ذلك هوى لا يقصد أن تكون كلمة الله هي العليا ، وأن يكون ~~الدين كله لله بل يغضب على من خالفه وإن كان معذورا ، ويرضى عمن وافقه ولو ~~كان جاهلا سيء القصد ، فتصير الموالاة والمعاداة على الهوى لا على دين الله ~~ورسوله ، وهذه حال الكفار الذين لا يطلبون إلا هواهم يقولون ، هذا صديقنا ~~وهذا عدونا قال الله تعالى : ^ ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين ~~كله لله ) ^ فإذا لم يكن الدين كله لله كانت فتنة ، وأصل الدين أن يكون ~~الحب لله ، والبغض لله ، وهذا أنما يكون بمتابعة الرسول . . وصاحب الهوى ~~يعميه الهوى ، ويصمه ، فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك . . ولا يطلبه ، ~~ويكون مع ذلك معه شبهة دين أن الذي يرضى ويغضب له هو السنة فإذا قدر أن ~~الذي معه هو الحق المحض دين الإسلام ولم ms085 يكن قصده أن يكون الدين كله لله ، ~~ولا في سبيله فكيف إذا كان كنظيره معه حق وباطل ، ومع خصمه كذلك ، وهذا حال ~~المختلفين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ، ولهذا PageV01P126 قال الله ~~تعالى فيهم @QB@ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ~~وما أمروا إلا ليعبدوا الله @QE@ . . الآية وقال : @QB@ كان الناس أمة ~~واحدة @QE@ يعني فاختلفوا كما في سورة يونس ، وكذلك في قراءة بعض الصحابة ~~وهذا قول الجمهور من الصحابة والتابعين أنهم كانوا على الإسلام ، وتفسير ~~عطية عن ابن عباس لا يثبت عن عباس . | ( 119 ) ثبت عن ابن عباس أنه قال : ~~كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام ، وقال : وما كان الناس إلا ~~أمة واحدة فاختلفوا فذمهم على الاختلاف بعد أن كانوا على دين واحد ، فعلم ~~أنه كان حقا ، والاختلاف في دين الله نوعان : | أحدهما : أن يكون كله ~~مذموما كقوله : @QB@ إن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد @QE@ . | ~~الثاني : أن يكون بعضهم على الحق كقوله : @QB@ ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ~~ومنهم من كفر @QE@ ولكن إذا أطلق الاختلاف فالجميع مذموم كقوله : ^ ( ولا ~~يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ) ^ إنما هلك من كان قبلكم ~~بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبياءهم ، ولهذا فسروا الاختلاف في هذا بأنه ~~كله مذموم ، قال الفرا في اختلافهم وجهان : PageV01P127 أحدهما كفر بعضهم ~~ببعض الكتاب . . والثاني تبديل ما بدلوا وهو كما قال ، فإن المختلفين كل ~~منهم يكون معه حق وباطل فيكفر بالحق الذي مع الآخر ، ويصدق الباطل الذي معه ~~، وهو تبديل ، فالاختلاف لا بد أن يجمع النوعين ولهذا ذكر كل من السلف نوعا ~~من هذا . | أحدهما الاختلاف في اليوم الذي يكون فيه الاجتماع فاليوم الذي ~~أمروا به الجمعة فعدلت عنه الطائفتان ، فهذه أخذت السبت ، وهذه الأحد قال ~~صلى الله عليه وسلم : فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له ، وهذا ~~الحديث يطابق قوله : @QB@ فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق ~~@QE@ ثم ذكر حديث الاستفتاح اللهم رب جبرئيل . . الخ والحديث بين أن الله ~~هدى ms086 المؤمنين لغير ما كان فيه المختلفون ، فلا كانوا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء ~~، وهو مبين أن الاختلاف كله مذموم . | الثاني القبلة فمنهم من يصلي إلى ~~المشرق ، ومنهم من يصلي إلى المغرب ، وكلاهما مذموم ولم يشرعه الله . . | ~~الثالث إبراهيم قالت اليهود كان يهوديا ، وقالت النصارى كان نصرانيا ، ~~وكلاهما من الاختلاف المذموم . | والرابع عيسى عليه السلام جعله اليهود ( ~~بغيا ) والنصارى إلها . . | الخامس الكتب المنزلة آمن هؤلاء ببعض ، وهؤلاء ~~ببعض . . | السادس الدين أخذ هؤلاء بدين ، وهؤلاء بدين ، ومن هذا الباب ~~PageV01P128 قوله : ^ ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء ) ^ الآية وعن ~~ابن عباس قال : اختصمت يهود المدينة ونصارى نجران عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقالت اليهود ليست النصارى على شيء ، ولن يدخل الجنة إلا من كان ~~يهوديا ، وكفروا بالإنجيل ، وعيسى ، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ~~وكفروا بموسى ، والتوراة ، فأنزل الله هذه الآية ، واختلاف أهل البدع هو من ~~هذا النمط فالخارجي يقول : ليس الشيعي على شيء ، والشيعي يقول : ليس ~~الخارجي على شيء ، والقدري النافي يقول : ليس المثبت على شيء ، والقدري ~~الجبري المثبت يقول ليس النافي على شيء ثم الوعيدية ، والمرجئة كذلك ، بل ~~يوجد شيء من هذا بين أهل المذاهب الأصولية ، والفروعية ، المنتسبين إلى ~~السنة ، فالكلابي يقول : ليس الكرامي على شيء والكرامي يقول : ليس الكلابي ~~على شيء ، والأشعري يقول : ليس السالمي على شيء ، والسالمي يقول ليس ~~الأشعري على شيء ، وكذلك أهل المذاهب الأربعة وغيرها ، لا سيما وكثير منهم ~~قد تلبس ببعض المقالات الأصولية ، وخلط هذا بهذا ، فالحنبلي والشافعي ~~والمالكي يخلط بمذهب مالك والشافعي وأحمد شيئا من أصول الأشعرية والسالمية ~~وغير ذلك ويضيفه إلى مذهب مالك والشافعي وأحمد وكذلك الحنفي يخلط بمذهب أبي ~~حنيفة شيئا من أصول المعتزلة ، والكرامية ، والكلابية ، ويضيفه إلى مذهب ~~أبي حنيفة ، وهذا من جنس الرفض والتشيع ، لكنه تشيع في تفضيل بعض الطوائف ~~والعلماء ، لا في تفضيل بعض الصحابة ، والواجب على كل مسلم يشهد أن لا إله ~~إلا الله ، وأن PageV01P129 محمدا رسول الله أن يكون أصل قصده توحيد الله ~~بعبادته وحده لا شريك ms087 له ، وطاعة رسوله يدور على ذلك ، ويتبعه أين وجده ، ~~ويعلم أن أفضل الخلق بعد الأنبياء هم الصحابة فلا ينتصر لشخص انتصارا مطلقا ~~عاما إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا لطائفة انتصارا مطلقا عاما ~~إلا لأصحابه فإن الهدى يدور مع الرسول حيث دار ويدور مع أصحابه دون أصحاب ~~غيره حيث داروا ، فإذا أجمعوا لم يجمعوا على خطأ قط ، بخلاف أصحاب عالم من ~~العلماء بل كل قوم قالوا قولا لم يقله غيرهم من الأمة لا يكون إلا خطأ ، ~~فإن الدين الذي بعث الله به رسوله ليس مسلما لعالم واحد وأصحابه ، ولو كان ~~كذلك لكان ذلك الشخص نظير رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو شبيه بقول ~~الرافضة في المعصوم ولا بد أن يكون الصحابة والتابعون يعرفون ذلك الحق الذي ~~بعث به الرسول قبل وجود المتبوعين الذين تنتسب المذاهب إليهم في الفروع ~~والأصول ، ويمتنع أن يكون هؤلاء جاءوا بحق يخالف ما جاء به الرسول ، ويمتنع ~~أن يكون أحدهم علم من جهة الرسول ما يخالف الصحابة والتابعين فأولئك لم ~~يجتمعوا على ضلالة ، والمقصود أن الله سبحانه ذكر أن المختلفين جاءهم العلم ~~، وجاءتهم البينة بل كانوا قاصدين البغي عالمين بالحق ، ونظيره قوله : @QB@ ~~إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما ~~جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله @QE@ . . الآية وقال @QB@ ولقد ~~بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق @QE@ . . الآية وقوله ^ ( ولقد آتينا بني ~~إسرائيل PageV01P130 الكتاب والحكم والنبوة ) ^ إلى قوله ^ ( إلى قوم ~~يوقنون ) ^ فهذه المواضع تبين أن المختلفين ما اختلفوا حتى جاءهم العلم ~~والبينات ، فاختلفوا للبغي لا لاشتباه الحق بالباطل ، وهذه حال أهل الأهواء ~~كلهم لا يختلفون إلا من بعد أن يظهر الحق ، ويجيئهم ثم كل يبغي الآخر فيكذب ~~بما معه من الحق مع علمه بأنه حق ، ويصدق بما مع نفسه من الباطل مع العلم ~~بأنه باطل ، ولهذا كان أهل الاختلاف المطلق كلهم مذمومون ، فإنه ما منهم ~~إلا من خالف حقا واتبع باطلا ، ولهذا أمر الله الرسل أن تدعوا إلى ms088 دين واحد ~~، وهو الإسلام ، ولا يتفرقوا فيه ، قال تعالى ^ ( شرع لكم من الدين ما وصى ~~به نوحا ) ^ إلى قوله ^ ( كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ) ^ وقال : ^ ( ~~يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ) ^ إلى قوله ^ ( فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا ~~) ^ كتبا اتبع كل قوم كتابا مبتدعا غير كتاب الله ، فصاروا متفرقين ، لأن ~~أهل الاختلاف ليسوا على الحنفية المحضة ، التي هي الإسلام المحض الذي هو ~~إخلاص الدين لله الذي في قوله : ^ ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين حنفاء ) ^ الآية وقال ^ ( فأقم وجهك للدين حنيفا ) ^ الآيتين فنهاه ~~أن يكون من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ، وأعاد حرف من لأن ~~الثاني بدل من الأول والبدل هو المقصود بالكلام ، وما قبله توطئه له ، وقال ~~: ^ ( ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك PageV01P131 خلقهم ) ^ ~~فأخبر أن أهل الرحمة لا يختلفون ، وذكر في غير موضع أن دين الأنبياء كلهم ~~الإسلام ، كما قال عن نوح : ^ ( وأمرت أن أكون من المسلمين ) ^ وتنوع ~~الشرائع لا يمنع أن يكون الدين واحدا فإن الذي بعث به محمد صلى الله عليه ~~وسلم هو دين الإسلام أولا وآخرا وكانت القبلة في أول الأمر بيت المقدس ، ثم ~~صارت الكعبة وفي كلا الحالين الدين واحد فهكذا سائر ما شرع للأنبياء قبلنا ~~، ولهذا حيث ذكر الله الحق في القرآن جعله واحدا ، وجعل الباطل متعددا ~~كقوله : ^ ( اهدنا الصراط المستقيم ) ^ إلى آخرها ثم ذكر آيات ثم قال وهذا ~~يطابق ما في كتاب الله من أن الاختلاف المطلق كله مذموم ، بخلاف المقيد ~~الذي قال فيه : فمنهم من آمن ومنهم من كفر ، وقوله ^ ( هذان خصمان اختصموا ~~في ربهم ) ^ نزلت في المقتتلين يوم بدر وقد تدبرت كتب الاختلاف التي يذكر ~~فيها المقالات مثل كتاب الأشعري ، والشهرستاني ، والوراق ، أو مع انتصار ~~لبعض الأقوال كسائر ما صنف أهل الكلام فرأيت عامة الاختلاف الذي فيها من ~~الاختلاف المذموم وأما الحق الذي بعث الله به رسوله وكان عليه السلف فلا ~~يوجد فيها ، وليس ذلك لأنهم يعرفونه ولا يذكرونه ، بل لا يعرفونه ، والحاذق ~~منهم ms089 الذي غرضه الحق يصرح بالحيرة في آخر عمره إذ لم يجد في الاختلافات ~~التي نظر فيها وناظر ما هو حق محض ، وكثير منهم ترك الجميع ويرجع إلى دين ~~العامة كما قال أبو المعالي وقت السياق : لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل ~~الإسلام وعلومهم ، PageV01P132 ودخلت في الذي نهوا عنه والآن إن لم ~~يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي ، ~~وكذلك أبو حامد في آخر عمره استقر أمره على الحيرة ، وكذلك الشهرستاني مع ~~أنه أخبر هؤلاء بالمقالات ، وصنف فيها كتابه المعروف قال فيه الأبيات : | ~~لعمري لقد طفت المعاهد كلها . . الخ . | فأخبر أنه لم يجد إلا شاكا مرتابا ~~، أو من اعتقد ثم ندم لما تبين له خطأه ، الأول الجهل البسيط ، كظلمات في ~~بحر لجي الخ . وهذا دخل في المراكب ثم تبين له أنه جهل فندم ، وكذلك الآمدي ~~الغالب عليه الحيرة ، وأما الرازي فهو في الكتاب الواحد بل في الموضع ~~الواحد منه ينصر قولا ، وفي موضع آخر منه أو من كتاب آخر ينصر نقيضه ولهذا ~~استقر أمره على الشك والحيرة ، ثم ذكر أبياته : نهاية إقدام العقول عقال ~~الخ . | وقوله : فما رأيتها تشفي عليلا ، ولا تروي غليلا ، وهو صادق فيما ~~أخبر به أنه لم يستفد من بحوثه في الطرق الكلامية والفلسفية سوى جمع قيل ~~وقالوا ، وأنه لم يجد فيها ما يشفي عليلا ، ولا يروي غليلا ، فإن من تدبر ~~كتبه كلها لم يجد فيها مسألة واحدة من مسائل أصول الدين موافقة للحق الذي ~~يدل عليه المنقول والمعقول بل يذكر في المسألة عدة أقوال ، والقول الحق لا ~~يعرفه فلا يذكره ، وكذا غيره من أهل الكلام ، بل هم مختلفون في الكتاب من ~~الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ، والذين يذكرون ذلك إما نقلا مجردا للأقوال ~~، وإما بحثا وذكرا للجدل ، مختلفون في الكتاب ، كل منهم موافق بعضا ويرد ~~بعضا ، ويجعل ما يوافق رأيه هو المحكم الذي يجب اتباعه ، وما يخالف رأيه هو ~~المتشابه الذي يجب تأويله PageV01P133 أو تفويضه ، هذا موجود في كلام من ~~صنف ms090 في الكلام يذكر النصوص التي يحتج بها ، ويحتج عليها ثم تجده يتأول ~~النصوص التي تخالفه تأويلا لو فعله غيره لأقام القيامة عليه ، ويتأول ~~الآيات بما يعلم بالاضطرار أن الرسول لم يرده ، وبما لا يدل عليه اللفظ ~~أصلا ، وكثير ممن سمع ذم الكلام مجملا ، وذم الطائفة الفلانية مجملا ، ولا ~~يعرف التفاصيل من الفقهاء ، وأهل الحديث ومن كان متوسطا في الكلام لم يصل ~~إلى الغايات التي منها تفرقوا تجده يذم القول ، وقائله بعبارة ويقبله ~~بعبارة ويقرأ كتب التفسير والفقه وشروح الحديث وفيها تلك المقالات التي ~~يذمها فيقبلها من أشخاص أخر ذكروها بعبارة أخرى ، أو في ضمن تفسير آية أو ~~حديث أو غير ذلك هذا مما يوجد كثيرا ، والسالم من سلمه الله حتى أن كثير من ~~هؤلاء يعظم أئمة ، ويذم أقوالا وقد يلعن قائلها أو يكفره ، وقد قالها تلك ~~الأئمة الذين يعظمهم ، ولو علم أنهم قالوا لما لعن القائل ، وكثير منها ~~يكون قد قاله النبي صلى الله عليه وسلم ، ولو ذكرت ما أعرفه من ذلك لذكرت ~~خلقا ولا أستثني واحدا من أهل البدع لا من المشهورين بالبدع الكبار من ~~معتزلي ورافضي ونحوهم ، ولا من المنتسبين إلى السنة من كرامي ، وأشعري ، ~~ونحوهم وكذلك من صنف على طرائقهم من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم هذا كله ~~رأيته في كتبهم في مسائل الصفات والقرآن ومسائل القدر ومسائل الأسماء ~~والأحكام ، والإيمان والإسلام ومسائل الوعد والوعيد وغير ذلك ومن أجمع ~~الكتب التي رأيتها في المقالات كتاب الأشعري ذكر فيه من المقالات وتفاصيلها ~~ما لم يذكره غيره ، وذكر فيه مذهب أهل السنة بحسب فهمه وليس في جنسه أقرب ~~إليهم منه ويذكر منه أمرا مجملا تلقاه عن زكريا الساجي ، وبعض عن ~~PageV01P134 حنبلية بغداد ونحوهم ونصر في الصفات طريقة ابن كلاب لأنها أقرب ~~إلى الحق من قول المعتزلة ، ويذكر مقالة ابن كلاب من خبره ، ونظر في كتبه ، ~~ويذكر مقالات المعتزلة مفصلة ، ويذكر قول كل واحد منهم ، وما بينهم من ~~النزاع في الدق والجل ، فإذا جاء إلى مقالة أهل السنة ذكر أمرا مجملا ms091 فإنه ~~لم يكن خبيرا بالسنة والحديث ، وأقوال الصحابة ، والتابعين وغيرهم وتفسير ~~السلف للقرآن مع أنه من أعرف المصنفين في الاختلاف بذلك ، وهو أعرف به من ~~جميع أصحابه كالقاضي أبي بكر وابن فورك وابن إسحاق وهؤلاء أعلم به من أبي ~~المعالي ، وذويه ، ومن الشهرستاني ولهذا ما يذكره من مذهب أهل السنة ناقص ~~عما يذكره الأشعري ، فإن الأشعري أعلم من هؤلاء كلهم لذلك نقلا وتوجيها ، ~~وأما الاختلاف العملي وهو الاختلاف باليد . . والسيف . . والعصا ، فهو داخل ~~في الاختلاف والخوارج ، والروافض ، والمعتزلة ونحوهم ، يدخلون في النوعين ~~والملوك الذين يقاتلون على محض الدنيا يدخلون في الثاني ، والذين يتكلمون ~~في العلم ولا يدعون إلى قول ابتدعوه ولا يحاربون عليه لا بيد ولا بلسان ~~هؤلاء أهل العلم وخطأهم مغفور إلا أن يدخلهم هوى ، وعدوان ، أو تفريط في ~~بعض الأمور فيكون ذلك من ذنوبهم ، فإن العبد مأمور بالتزام الصراط المستقيم ~~في كل أموره ، وقد شرع الله تعالى أن نسأله ذلك في كل صلاة ، وهو أفضل ~~الدعاء وأفرضه وأجمعه لكل خير وكل أحد محتاج إليه فلهذا أوجبه الله على ~~العبد في كل صلاة ، فإنه إن هدي هدى مجملا مثل إقراره بأن الإسلام حق فهو ~~محتاج إلى التفصيل في كل ما يقوله ويفعله ، ويعتقده ، فيثبته ، أو ينفيه أو ~~يحبه أو يبغضه ، ويأمر به أو ينهى عنه ، أو يحمده أو يذمه ، والمقصود بيان ~~ما ذكره الله في كتابه من ذم PageV01P135 الاختلاف وأن أهل الكلام يردون ~~باطلا بباطل ، مثاله تنازعهم في مسائل الأسماء ، والأحكام ، والوعد ، ~~والوعيد ، فالخوارج والمعتزلة تقول صاحب الكبائر إذا لم يتب مخلد في النار ~~، ليس معه إيمان ، ثم الخوارج تقول كافر . . والمعتزلة توافقهم على الحكم ~~لا الإسم ، والمرجئة تقول هو تام الإيمان إيمانه كإيمان الأنبياء ، وهذا ~~نزاع في الاسم ، ثم تقول فقهاؤهم قول الجماعة في أهل الكبائر لا ينازعونهم ~~في الحكم في الآخرة ، وينازعون أيضا فيمن قال ولم يفعل ، وكثير من متكلمتهم ~~يقول لا نعلم أن أحدا من أهل القبلة من أهل الكبائر يدخل النار ، بل يجوز ~~أن يدخلها ms092 جميع الفساق ويجوز أن لا يدخلها أحد منهم ، ويجوز دخول بعضهم ، ~~ويقول من أذنب ، وتاب لانقطع بقبول توبته ، بل يجوز أن يدخل النار ، فهم ~~يقفون في هذا كله ، ولهذا سموا الواقفة ، وهذا قول القاضي أبو بكر وغيره من ~~الأشعرية ، وغيرهم فيحتج أولئك بنصوص الوعيد وعمومها ، وقالوا : الفساق لا ~~يدخلون في الوعد لأنهم لا حسنات لهم ، لأنهم ليسوا من المتقين ، وقال تعالى ~~: @QB@ إنما يتقبل الله من المتقين @QE@ وقال : @QB@ لا تبطلوا صدقاتكم ~~بالمن والأذى @QE@ وقال : @QB@ لا ترفعوا أصواتكم @QE@ الآية وقال : @QB@ ~~ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم @QE@ فهذه ~~النصوص ، وغيرها تدل على أن الماضي من العمل PageV01P136 قد يحبط بالسيئات ~~، وأن العمل لا يقبل إلا مع التقوى ، والوعد إنما هو للمؤمنين ليسوا منهم ، ~~بدليل قوله : ^ ( إنما المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) ^ ونحو ~~ذلك وبقوله : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ونحو ذلك وتقول المرجئة ، ~~إنما يتقبل الله من المتقين المراد من اتقى الشرك ، والأعمال لا تحبط إلا ~~بالكفر لقوله : @QB@ لئن أشركت ليحبطن عملك @QE@ @QB@ ومن يكفر بالإيمان ~~فقد حبط عمله @QE@ وقوله @QB@ ثم أورثنا الكتاب @QE@ الآيتين وقوله @QB@ ~~ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله @QE@ في الكفار لأنه قال والذين كفروا فتعسا ~~لهم الآية وكذلك قوله @QB@ إن الذين ارتدوا على أدبارهم @QE@ إلى قوله @QB@ ~~فأحبط أعمالهم @QE@ أخبر أنهم ارتدوا بعد بيان الهدى ، وأن الشيطان سول لهم ~~وأملا لهم أي وسع لهم في العمر ، فكان سبب وعدهم للكفار ، ولهذا فسرها ~~السلف بالمنافقين ، وباليهود قالت الوعيدية إنما وصفهم بمجرد كراهة ما أنزل ~~، والكراهة عمل القلب ، وعند الجهمية الإيمان بمجرد تصديق القلب لا عمله ، ~~وعند فقهاء المرجئة قول اللسان مع التصديق وعلى القولين أعمال القلوب ليست ~~من الإيمان عندهم ، فيمكن أن يصدق بقلبه ولسانه مع كراهته ما أنزل الله ، ~~فلا يكون كافر عندهم ، والآية تتناوله فيدل على فساد قولهم ، قالوا وأما ~~قولكم المتقون PageV01P137 الذين اتقوا الشرك فهذا خلاف القرآن ، لأن الله ~~يقول : @QB@ إن المتقين في جنات ونعيم @QE@ @QB@ إني أعوذ بالرحمن منك إن ~~كنت تقيا @QE@ @QB@ ومن ms093 يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ~~@QE@ @QB@ إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم @QE@ @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته @QE@ قال ابن مسعود وغيره : حق تقاته ~~أن يطاع فلا يعصى ، وأن يشكر فلا يكفر وأن يذكر فلا ينسى وقال : @QB@ ~~فاتقوا الله ما استطعتم @QE@ وهي مفسرة لتلك ، ومن قال من السلف ، ناسخة ، ~~فمعناه رافعة لما يظن أن المراد يعجز عنه ، فإن الله لم يأمر بهذا قط ، ومن ~~قال إن الله أمر به فقد غلط ، والنسخ في عرف السلف يدخل فيه كل ما فيه نوع ~~رفع لحكم ، أو ظاهر ، أو ظن دلالة ، حتى أنهم يسمون تخصيص العالم نسخا ، ~~ومنهم من يسمي الاستثناء نسخا إذا تأخر نزوله ، وقد قال تعالى : @QB@ فينسخ ~~الله ما يلقي الشيطان @QE@ فهذا رفع لما ألقاه الشيطان ، ولم ينزله الله ، ~~لكن غايته أن يظن أن الله أنزله ، وقال @QB@ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف ~~من الشيطان @QE@ الآيتين فمن كان الشيطان لا يزال يمده في الغي وهو لا ~~يتفكر ولا يبصر كيف يكون من المتقين ، ومن آخر ما نزل ، وقيل : إنها آخر ~~PageV01P138 آية نزلت @QB@ واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله @QE@ . . الآية ~~وقال طلق ابن حبيب - ومع هذا كان سعيدا بن جبير ينسبه إلى الإرجاء - التقوى ~~أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجوا ثواب الله ، وأن تترك معصية الله ~~على نور من الله تخاف عقاب الله ، وبالجملة فكون المتقين هم الفاعلون ~~للفرائض المجتنبون للمحارم هو من العلم العام الذي يعرفه المسلمون خلفا عن ~~سلف ، ثم ذكر أن أهل السنة وسط ، وذكر بعض دلائلهم منها قوله : ^ ( وأقم ~~الصلاة طرفي النهار ) ^ . . الآية فلو كانت الحسنة لا تقبل من صاحب السيئة ~~لم تمحها وثبت بالكتاب ، والسنة المتواترة ، فلو كانت الكبيرة تحبط الحسنات ~~لم يبق حسنة توزن معها ، وثبت أن بغيا سقت كلبا فغفر لها قالوا : وابنا آدم ~~لم يكن أحدهما مشركا ، لكن لم يقصد التقرب إلى الله بالطيب من ماله ، كما ~~في الأثر ، فلهذا لم يتقبل ms094 منه قربانه ، وقال تعالى : @QB@ وما منعهم أن ~~تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا @QE@ . . الآية فجعل هذا موانع قبول ~~النفقة دون مطلق الذنوب ، ويقولون من نفى عنه الإيمان فلتركه بعض واجباته ~~ولا يلزم أن لا يبقى منه شيء ، بل دلت النصوص على بقاء بعضه ، ويخرج من ~~النار من بقي معه بعضه ، ومعلوم أن العبادات فيها واجب ، فالحج فيه واجب ، ~~إذا تركه نقص حجه ، ولا يفسده إلا الجماع ، فكذلك لا يزيل الإيمان كله إلا ~~الكفر المحض وما دونه قد يحبط بعض العمل كالمن والأذى ، فإنه يبطل الصدقة ، ~~لا سائر PageV01P139 الأعمال والذين كرهوا ما أنزل الله كفار وأعمال القلب ~~من الإيمان ، وكراهة ما أنزل الله كفر ، ودخول الظالم لنفسه الجنة لا يمنع ~~أن يعذب قبله وقوله : @QB@ لا يصلاها إلا الأشقى @QE@ لا يخلو إما أن يكون ~~الصلى نوعا من التعذيب كما قيل : إنه الإحاطة ، وأهل القبلة لا تحرق منهم ~~مواضع السجود ، أو تكون نارا مخصوصة ومثاله تنازع القدرية النافية والمجبرة ~~فقالوا جميعا : الإرادة هي المحبة فقالت النافية هو يحب العمل الصالح ويكره ~~الكفر والفسوق والعصيان ، فلا يكون مريدا له لقوله : @QB@ ولا يرضى لعباده ~~الكفر @QE@ @QB@ والله لا يحب الفساد @QE@ . | ( 120 ) من أصيب بمصيبة بسبب ~~ما جاء به الرسول فبذنوبه ، ليس لأحد أن يعيب ما جاء به ، لكون فيه جهاد ~~الكفار والمنافقين ، كما أنه لا يجوز أن يقول أحد بسببه نزول القرآن ونزوله ~~بكلام العرب اختلفت الأمة في التأويل ، واقتتلوا إلى أمثال ذلك ، فإن هذا ~~من كلام الكفار ، والذين قالوا لرسلهم إنا تطيرنا بكم ، فقالوا لهم @QB@ ~~طائركم معكم @QE@ وقال تعالى عن آل فرعون : ^ ( فإذا جاءتهم الحسنة قالوا ~~لنا هذه وإن تصيبهم سيئة يطيرون بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ) ~~^ وقال كما أمر بالجهاد وإن من الناس من يبطى عنه : @QB@ أينما تكونوا ~~يدرككم الموت @QE@ . . PageV01P140 الآية والحسنات والسيئات ، هنا النعم ، ~~والمصائب كقوله @QB@ وبلوناهم بالحسنات والسيئات @QE@ الآية ولهذا قال ما ~~أصابك ، ولم يقل ما أصبت ، وقال : وإن تصبهم حسنة الخ قيل الضمير يعود على ~~المنافقين ، وقيل على ms095 اليهود ، وقيل على الطائفتين ، . . والتحقيق أنه يعود ~~على من قال هذا من أي صنف كان ولهذا لم يعين قائله ، لأنه دائما يقوله بعض ~~الناس ، فإن الطاعنين على ما جاء به الرسول من كافر ومنافق ، بل ومن في ~~قلبه مرض ، أو عنده جهل يقول مثل هذا ، فكثير يقوله فيما جاء به الرسول ولا ~~يعلم أنه جاء به ، لظنه خطأ من قاله ، ويكون هو المخطىء ، فإذا أصابهم نصر ~~ورزق قالوا : هذا من عند الله ، ولا يضيفه إلى ما جاء به الرسول ، وإن كان ~~سببا له ، وإن أصابهم نقص ، وخوف ، وظهور عدو قالوا : هذا من عندك ، لأنه ~~أمر بالجهاد فتطيروا به ، كما تطير آل فرعون بما جاء به موسى ، والسلف ~~ذكروا المعنيين ، وعن ابن عباس بشؤمك وعن زيد بسوء تدبيرك قال تعالى : @QB@ ~~قل كل من عند الله @QE@ قال ابن عباس : الحسنة ، والسيئة ، الحسنة أنعم بها ~~عليك ، والسيئة ابتلاك بها @QB@ فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ~~@QE@ ، قيل لم يفقهوا ، ولم يكادوا وقيل فقهوه بعد أن كادوا لا يفقهونه ، ~~كقوله : @QB@ فذبحوها وما كادوا يفعلون @QE@ فالمنفي بها مثبت ، والمثبت ~~بها منفي ، وهذا هو المشهور ، وعليه عامة الاستعمال ، وقد يقال يراد بها ~~هذا تارة ، وهذا PageV01P141 تارة ، إن حرصت بإثبات الفعل فقد وجد ، فإذا ~~لم يأت إلا النفي المحض كقوله : @QB@ لم يكد يراها @QE@ فهذا نفي مطلق لا ~~قرينة معه تدل على الإثبات ، فيفرق بين مطلقها ومقيدها ، هذه الأقوال ~~الثلاثة للنحاة ، وقد وصف الله المنافقين بعدم الفقه في مثل قوله : @QB@ هم ~~الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله @QE@ الآية لكن قوله : @QB@ ~~حديثا @QE@ نكرة في سياق النفي ، فيعم كما في قوله : @QB@ لا يكادون يفقهون ~~قولا @QE@ ومعلوم أنهم لا بد أن يفقهوا بعض الأقوال ، وإلا فلا يعيش ~~الإنسان بدون ذلك فعلم أنهم يفقهون بعد أن كادوا لم يفقهوا ، وكذلك في ~~الرؤية ، وهذا أظهر الأقوال ، وأشهرها ، والمراد : هؤلاء لو فقهوا القرآن ~~لعلموا أنك ما أمرتهم إلا بخير ، ولا نهيتهم إلا عن شر وأن المصيبة لم تكن ~~بسببك بل بذنوبهم ms096 ، وأما رواية كروم عن يعقوب فمن نفسك فمعناها يناقض ~~القراءة المتواترة ، فلا يعتمد عليها ، ومعنى الآية قوله يا عبادي إنما هي ~~أعمالكم أحصيها لكم الخ . ومعنى الآية متناول كل من نسب ما أصابه من ~~المصيبة إلى ما أمر الله به ورسوله كائنا من كان . | ( 121 ) كل من استفرغ ~~وسعه استحق الثواب وكذلك الكفار من بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ~~فآمن به وبما أنزل عليه ، واتقى الله ما استطاع ، كما فعل النجاشي وغيره ، ~~ولم تمكنه الهجرة ، ولا التزام جميع الشرائع لكونه ممنوعا من الهجرة ، ومن ~~إظهار دينه ، وليس عنده PageV01P142 من يعلمه الشرائع فهذا مؤمن من أهل ~~الجنة ، كما كان مؤمن آل فرعون مع قومه ، وكامرأة فرعون ، بل وكما كان يوسف ~~مع أهل مصر ، فإنهم كفار ولم يمكنه أن يفعل معهم كل ما يعرفه من الإسلام ، ~~فإنه دعاهم إلى التوحيد ، والإيمان ، فلم يجيبوه قال تعالى : @QB@ ولقد ~~جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به @QE@ الآية . ~~وكذلك النجاشي ، وهو وإن كان ملك النصارى فلم يطعه قومه في الدخول في ~~الإسلام ، بل إنما دخل معه نفر منهم ، ولهذا لما مات لم يكن هناك من يصلي ~~عليه فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال إن أخا لكم صالحا من أهل ~~الحبشة مات وكثير من شرائع الإسلام أو أكثرها لم يكن دخل فيها لعجزه عن ذلك ~~، فلم يهاجر ولم يجاهد ، ولا حج البيت بل قد روى أنه لم يكن يصلي الخمس ، ~~ولا يصوم رمضان ولا يؤدي الزكاة الشرعية ، لأن ذلك كان يظهر عند قومه ~~فينكرونه ولا يمكنه مخالفتهم ونحن نعلم قطعا أنه لم يكن يمكنه أن يحكم ~~بينهم بحكم القرآن ، والله قد فرض على نبيه ألا يحكم بينهم إلا بما أنزل ~~الله ، وحذره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله مثل الحكم في الزنا بالرجم ، ~~وفي الديات بالعدل ، والتسوية في الدماء بين الشريف والوضيع ، النفس بالنفس ~~والعين بالعين وغير ذلك ، والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن ، ~~وكثيرا ms097 ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيا بل وإماما وفي نفسه أمور ~~من العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه ، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، ~~وعمر بن عبد العزيز عودي ، وأوذي على بعض ما أقامه من العدل ، وقيل إنه سم ~~على ذلك ، فالنجاشي وأمثاله سعداء PageV01P143 في الجنة ، وإن لم يلتزموا ~~من شرائع الإسلام ما لا يقدرون عليه ، بل يحكمون بالأحكام التي يمكنهم ~~الحكم بها ، ولهذا جعل الله هؤلاء من أهل الكتاب قال تعالى : @QB@ وإن من ~~أهل الكتاب لمن يؤمن بالله @QE@ الآية قيل نزلت في النجاشي ، يروى عن جابر ~~، وابن عباس وأنس ، ومنهم من قاله فيه وفي أصحابه ، كما قال الحسن ، وهذا ~~مراد الصحابة ، لكن هو المطاع ، فإن لفظ الآية لفظ الجمع ، وقال عطاء في ~~أربعين من أهل نجران ، وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم على دين عيسى ~~فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ولم يذكر هؤلاء من بالمدينة مثل ابن ~~سلام ، وسلمان وغيرهما ، لأنهم صاروا من المؤمنين فلا يقال فيهم وإن من أهل ~~الكتاب ، كما يقال عن الصحابة الذين كانوا مشركين ، وإن من المشركين لمن ~~يؤمن بالله ، فدل على أن هؤلاء من جملة أهل الكتاب ، وقد آمنوا بالرسول ، ~~كما قال ^ ( وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ) ^ فهو من العدو ، ولكن آمن ~~ولم تمكنه الهجرة وإظهار الإيمان ، والتزام شرائعه ، فسماه مؤمنا ، لأنه ~~فعل من الإيمان ما يقدر عليه ، لما قال تعالى في العاجز عن الهجر @QB@ إلا ~~المستضعفين من الرجال والنساء @QE@ الآية فأولئك كانوا عاجزين عن إظهار ~~دينهم ، فسقط عنهم ما عجزوا عنه ، فإذا كان هذا فيمن كان مشركا ، فما تظن ~~بمن كان كتابيا ، وقوله من قوم عدو لكم وهو مؤمن ، قيل هو الذي عليه البأس ~~أهل الحرب ، مثل من يكون في صفهم PageV01P144 فيعذر القاتل ، لأنه مأمور ~~بقتاله فيسقط عنه الدم وتجب الكفارة وهو قول الشافعي ، وقيل هو من أسلم ولم ~~يهاجر ، وهو قول أبي حنيفة ، وسواء عرف أنه مؤمن وقتل خطأ أو ظن أنه كافر ، ~~وهذا ظاهر الآية ms098 ، وقيل في قوله : @QB@ وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ~~@QE@ الآية نزلت في ابن سلام ، وأصحابه كما نقل عن ابن زيد وغيره ، وبعضهم ~~قال في مؤمني أهل الكتاب ، فإن أراد من كان في الظاهر معدودا منهم فهو ~~القول الأول وإن أراد العموم فهو الثاني ، وهو ضعيف فإن هؤلاء لا يقال فيهم ~~: ( وإن من أهل الكتاب ) لأنهم من جملة الصحابة ، ولهم أجور مثل أجور ~~المؤمنين ، بل يؤتون أجرهم مرتين ، وهم ملتزمون جميع الشرائع فأمرهم أعظم ~~من أن يقال لهم أجرهم عند ربهم وأيضا فإن أمرهم ظاهر معروف فأي فائدة في ~~الإخبار بهم وهذا مما يبين أن المظهرين للإسلام - فيهم منافق لا يصلى عليه ~~كما نزل في ابن أبي ، وأمثاله ، وأن من هو في أرض الكفر قد يكون مؤمنا يصلى ~~عليه ، كالنجاشي ، وشبه هذا قوله @QB@ ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم ~~منهم المؤمنون @QE@ الآية قيل ابن سلام ، وأصحابه ، وهذا والله أعلم من نمط ~~الذي قبله ، لأن المقصود من هو منهم في الظاهر ، وهو مؤمن كمؤمن آل فرعون ، ~~ولهذا قال : @QB@ وأكثرهم الفاسقون @QE@ ولهذا قال : @QB@ لن يضروكم إلا ~~أذى @QE@ وهذا عائد إلى جميعهم ، لا إلى أكثرهم ، ولهذا قال يولوكم الإدبار ~~وقد يقاتلون وفيهم من يكتم إيمانه ، وهو مكره على القتال ، ويبعث يوم ~~القيامة على نيته كما في الصحيح في الجيش الذي يغزو الكعبة فيخسف ~~PageV01P145 بهم كلهم ، ويبعثون على نياتهم ، وهذا في ظاهر الأمر ، وإن قتل ~~وحكم عليه بحكم الكفار ، فإنه يبعث على نيته كما أن المنافقين منا يبعثون ~~على نياتهم ، فالجزاء ، يوم القيامة على ما في القلوب ولا خلاف بين ~~المسلمين أن من كان في دار الحرب وقد آمن وعجز عن الهجرة لا يجب عليه ما ~~يعجز عنه ، وكذلك ما لم يعلم حكمه ، فلو لم يعلم وجوب الصلاة أو الزكاة ~~وبقي مدة لم يفعل لم يجب القضاء في أظهر القولين ، وهو مذهب أبي حنيفة ، ~~وأهل الظاهر ، وأحد الوجهين في مذهب أحمد ، وكذلك سائر الواجبات ولو لم ~~يعلم تحريم الخمر فشربها لم يحد بإجماع ms099 المسلمين ، وكذلك لو عامل بما ~~يستحله من ربا أو ميسر ثم تبين له التحريم بعد القبض ، وكذلك لو تزوج نكاحا ~~يعتقد صحته على عادته ثم تبين له أنه أخل ببعض شروطه كمن تزوج في عده ، ~~وأصل هذا كله أن الشرائع هل تلزم من لم يعلم أم لا تلزم إلا بعد العلم أو ~~يفرق بين الشرائع الناسخة ، والمبتدأة فيه ثلاثة أقوال هي ثلاثة أوجه في ~~مذهب أحمد ، ومن صلى في الموضع المنهي عنه قبل علمه بالنهي هل يعيد ؟ فيه ~~روايتان عن أحمد ، والصواب في هذا كله أن الحكم لا يثبت إلا مع التمكن من ~~العلم ، وأنه لا يقضي ما لم يعلم وجوبه ، وهذا يطابق الأصل الذي عليه السلف ~~، والجمهور أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها ، فالوجوب مشروط بالقدرة ، ~~والعقوبة لا تكون إلا على ترك مأمور وفعل محظور ، وبعد قيام الحجة . | ( ~~122 ) العدل محمود محبوب باتفاق أهل الأرض ، وهو من المعروف الذي تعرفه ~~القلوب والظلم من المنكر الذي تبغضه القلوب وتذمه ، والله سبحانه أرسل ~~الرسل ليقوم الناس بالقسط وأمر الله نبيه أن يحكم بالقسط ، PageV01P146 ~~وبما أنزل الله فدل على أن القسط هو ما أنزل الله ، ولكن العدل يتنوع بتنوع ~~الشرائع ، ولهذا قال : @QB@ وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ~~@QE@ إلى قوله : @QB@ أفحكم الجاهلية يبغون @QE@ الآية فذكر أنه أنزل ~~القرآن ، وأن يحكم بينهم بما أنزل الله ولا يتبع أهواءهم عما جاءه من ~~الكتاب وأخبر أنه جعل لكل شيء شرعة ومنهاجا ، جعل له صلى الله عليه وسلم ما ~~في القرآن من الشرعة والمنهاج ، وأمره أن يحكم به وحذره أن يفتنوه عن بعض ~~ما فيه ، وأخبر أن ذلك حكم الله ، ومن ابتغى غيره فقد ابتغى حكم الجاهلية ، ~~وقال : @QB@ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون @QE@ لا ريب أن ~~من لم يعتقد وجوب الحكم به فهو كافر ، فمن استحل أن يحكم بما يراه هو عدلا ~~من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر ، فإنه ما من أمة إلا وتأمر بالحكم ~~بالعدل وقد يكون ms100 العدل في دينها ما رآه كإبراهيم ، بل كثير من المنتسبين ~~إلى الإسلام يحكمون . . بعاداتهم كسوالف البادية ، وأمر المطاعين ويرونه ~~أنه هو الذي يبتغي الحكم به دون الكتاب ، والسنة ، وهذا هو الكفر إذا عرفوا ~~ما أنزل الله فلم يلتزموه ، بل استحلوا الحكم بغيره فهم كفار ، وإلا كانوا ~~جهالا كما تقدم ، وأما من كان ملتزما لحكم الله باطنا ، وظاهرا لكن عصى ~~واتبع هواه فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة ، وهذه الآية مما يحتج بها ~~الخوارج على تكفير ولاة الأمر يحكمون بغير ما أنزل الله ثم يزعمون أن ~~اعتقادهم هو حكم الله ، وقد تكلم الناس على ما يطول ذكره هنا ، والذي ذكرته ~~يدل عليه سياق الآية ، PageV01P147 والمقصود أن الحكم بالعدل واجب مطلقا ، ~~والحكم بما أنزل الله على محمد هو عدل خاص ، وهو أكمل أنواع العدل ، فمن لم ~~يلتزمه فهو كافر ، وهذا واجب على الأمة في كل ما تنازعت فيه من الأمور ~~الاعتقادية ، والعملية ، قال الله تعالى : @QB@ كان الناس أمة واحدة فبعث ~~الله النبيين @QE@ . . الآية . | ( 123 ) الرافضة سلكوا في الصحابة مسلك ~~التفرق والوا بعضهم وغلوا فيه ، وبعضهم غلوا في معاداته ، وقد سلك ما يشبه ~~هذا كثير من الناس في أمرائهم وعلمائهم وشيوخهم ، فيحصل منهم رفض في غير ~~الصحابة ، فهذا كله من التفرق والتشيع الذي نهى الله عنه ، فقال : @QB@ إن ~~الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا @QE@ . . الآية وقال @QB@ ولا تكونوا كالذين ~~تفرقوا واختلفوا @QE@ . . الآيات . . قال ابن عباس : تبيض وجوه أهل السنة ، ~~وتسود وجوه أهل البدعة ، ولهذا كان أبو أمامة الباهلي وغيره يتأولها في ~~الخوارج ، وقد أمر الله المؤمنين أن يعتصموا بكتابه ، وبدينه ، وبالإسلام ~~وبالإخلاص ، وبعهده ، وبالجماعة وهذه كلها منقولة عن الصحابة والتابعين ، ~~وكلها صحيحة ، فالقرآن يأمر بدين الإسلام وذلك عهده ، والاعتصام به جميعا ~~إنما يكون في الجماعة ودين الإسلام حقيقته الإخلاص ثم المعاصي الذي يعرف ~~صاحبها أنه عاص يتوب ، والمبتدع الذي يظن أنه على حق ضرره على المسلمين ~~أعظم من ضرر الظلمة الذين PageV01P148 يعلمون أن الظلم محرم ، فنهى صلى ~~الله عليه وسلم عن قتال الأمراء الظلمة ، وأمر ms101 بقتال الخوارج ، وهذا مما ~~يستدل به على أنه ليس كل ظالم باغ يجوز قتاله ، ومن أسباب ذلك أن الظالم ~~الذي يستأثر بالمال والولايات لا يقاتل في العادة إلا لأجل الدنيا ، فلم ~~يكن قتالهم ليكون الدين كله لله ، ولا من جنس قتال قطاع الطريق الذين قال ~~فيهم من قتل دون ماله فهو شهيد ، لأن أولئك معادون لجميع الناس ، وجميع ~~الناس يعينون على قتالهم ، ولو قدر أنه ليس كذلك ، فليسوا ولاة أمر قادرين ~~على الفعل بل يريدون أموال الناس ودماءهم فهم مبتدون الناس بالقتال بخلاف ~~ولاة الأمور ، فإنهم لا يبدؤون الرعية بالقتال وفرق بين من تقاتله دفعا ~~وبين من تقاتله ابتداء ، ولهذا هل يجوز في الفتنة قتال الدفع ؟ فيه عن أحمد ~~روايتان ، لتعارض الآثار والمعاني ، وبالجملة فالعادة المعروفة أن الخروج ~~على ولاة الأمور لطلب ما في أيديهم من المال ، والإمارة ، وهذا قتال على ~~الدنيا ولهذا قال أبو برزة في فتنة ابن الزبير ، والقراء مع الحجاج وفتنة ~~مروان إنما يقاتلون على الدنيا ، وأما أهل البدع كالخوارج فهم يريدون إفساد ~~دين الناس فقتالهم قتال عن الدين لتكون كلمة الله هي العليا . | ( 124 ) ~~تواتر النقل ، وعلم بالاضطرار من دين الرسول واتفقت عليه الأمة أن أصل ~~الإسلام وأول ما يؤمر به الخلق شهادة أن لا إله إلا الله ، وشهادة أن محمدا ~~رسول الله فيه يصير الكافر مسلما والعدو وليا ، ثم إن كان من قلبه دخل في ~~الإيمان ، وإن قاله بلسانه دون قلبه فهو في ظاهر الإسلام ، وكما أنهما أصلا ~~الدين فهما أيضا تمام فروعه فهما الفرق بين أهل الجنة ، PageV01P149 وأهل ~~النار ، قال تعالى في الجنة : @QB@ أعدت للذين آمنوا بالله ورسله @QE@ وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر منازلا عالية في الجنة قيل : يا رسول ~~الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم فقال بلى والذي نفسي بيده رجال ~~آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ) وقال تعالى : @QB@ يا بني آدم إما يأتينكم ~~رسل منكم يقصون عليكم آياتي @QE@ الآيتين . | وقال : @QB@ قلنا اهبطوا منها ~~@QE@ . . الآيتين ثم ذكر آيات كثيرة ، ثم قال ms102 : وذلك أن المقصود الذي خلق ~~له الخلق عبادة الله وحده ، والطريق إلى ذلك هم رسل الله فبالإيمان بالله ، ~~ورسله يتم المقصود ، والوسيلة ، وبدون أحدهما لا يحصل ذلك فمن لم يهتد بنور ~~الرسالة واكتفى برأيه ورأى من جنسه فإنه في الشبهات والضلالات والتفرق ~~والاختلاف الذي لا يحيط به إلا الله كما تجده في الخارجين عن حقيقة الرسالة ~~من الكفار ، والمسلمين ، وهم الذين تفرقوا على الأنبياء كما قال : ( إنما ~~هلك الذين من قبلكم بكثرة سؤالهم ، واختلافهم على أنبيائهم ) وقال الله ~~سبحانه @QB@ ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق @QE@ الآية وقال @QB@ كان الناس ~~أمة واحدة @QE@ الآية وقال : @QB@ ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ~~@QE@ وقال : PageV01P150 @QB@ فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم ~~فرحون @QE@ وكذلك في سورة الأنبياء ، وقال : @QB@ فاختلف الأحزاب من بينهم ~~@QE@ وقال : @QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا @QE@ الآية وهذا المعنى ~~قد ثناه الله في كتابه ، بين فيه أن دينه واحد ، وهو الإسلام العام ~~والإيمان العام ، وأنه أمر رسله بالاجتماع فيه ، والائتلاف ، ونهاهم عن ~~التفرق فيه والاختلاف ، وهو الذي أمر به الأولين والآخرين فمن خرج عنه كفر ~~بجميع الرسل ولو آمن ببعض الرسالة دون بعض ، أو ببعض الكتب والرسل كما عليه ~~المبتدعة في الإسلام وغيرهم ، ومن سلك سبيلهم من أهل التحريف والتبديل في ~~المسلمين ، ويدخل في هؤلاء السبعون فرقة في اليهود ، والأحد والسبعون في ~~النصارى ، واثنتان والسبعون في المسلمين ، كما قال صلى الله عليه وسلم في ~~أحاديث متعددة ، وقال في الناجية ، وهي الجماعة ، وفي رواية هو من كان على ~~مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي ، فوصفهم بالاجتماع ، واتباع الصحابة ، وهذا ~~هو السنة والجماعة فمن خرج عنه فهو من أهل التفرق والاختلاف الذين اختلفوا ~~في الكتاب واختلفوا على الأنبياء ، والله أعلم . | ( 125 ) سئل رحمه الله ~~عن رجل متمسك بالسنة ، ويحصل له ريبة في تفضيل الثلاثة على علي ، لقوله ~~عليه السلام له : ( أنت مني وأنا منك ) وقوله : ( أنت مني بمنزلة هارون من ~~موسى ) وقوله : ( لأعطين الراية PageV01P151 رجلا يحب الله ورسوله ) . . ~~الخ ms103 وقوله : ( من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد ما ~~عاداه . . الخ ) وقوله : ( أذكركم الله في أهل بيتي ) ، وقوله سبحانه @QB@ ~~فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم @QE@ الآية ، وقوله : @QB@ هذان خصمان ~~اختصموا في ربهم @QE@ الآية ولقوله : @QB@ هل أتى على الإنسان @QE@ الآية ~~فأجاب : يجب أن يعلم أولا أن التفضيل إذا ثبت للفاضل من الخصائص ما لا يوجد ~~مثله للمفضول فإذا استويا وانفرد أحدهما بخصائص كان أفضل وأما الأمور ~~المشتركة فلا توجب تفضيله على غيره ، وإذا كان كذلك ففضائل الصديق التي ميز ~~بها لم يشركه فيها غيره ، وفضائل علي مشتركة ، وذلك أن قوله : ( لو كنت ~~متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ) وقوله : ( لا يبقى في ~~المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر ) وقوله : ( إن أمن الناس علي في ~~صحبته ، وذات يده أبو بكر ) وهذا فيه ثلاث خصائص لم يشركه فيها أحد : أنه ~~ليس لأحد منهم عليه في صحبته وماله مثل ما لأبي بكر ، الثانية قوله : لا ~~يبقين في المسجد . . الخ . وهذا تخصيص له دون سائرهم وأراد بعض الكذابين أن ~~يروى لعلي مثل ذلك ، والصحيح لا يعارضه الموضوع ، الثالثة قوله لو كنت ~~متخذا خليلا نص في أنه لا أحد من البشر استحق الخلة لو أمكنت إلا هو ولو ~~كان غيره أفضل منه لكان أحق بها لو تقع ، وكذلك أمره له أن يصلي بالناس مدة ~~مرضه من الخصائص ، PageV01P152 وكذلك تأميره له من المدينة على الحج ليقيم ~~السنة ويمحو آثار الجاهلية ، فإنه من خصائصه وكذلك قوله في الحديث الصحيح ~~أدع لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا وأمثال هذه الأحاديث كثيرة تبين ~~أنه لم يكن في الصحابة من يساويه وأما قوله : ( أنت مني وأنا منك ) فقد ~~قالها لغيره ، وقالها لجليبيب والأشعرين ، وقال تعالى @QB@ ويحلفون بالله ~~إنهم لمنكم وما هم منكم @QE@ وقوله : ( من غشنا فليس منا ) ( ومن حمل علينا ~~السلاح فليس مني ) يقتضي أن من يترك هذه الكبائر يكون منا فكل مؤمن كامل ~~الإيمان فهو من النبي والنبي منه ، وقوله في ms104 ابنة حمزة ( أنت مني وأنا منك ~~) وقوله لزيد ( أنت أخونا ومولانا ) لا يختص بزيد بل كل مواليه كذلك ، ~~وكذلك قوله : لأعطين الراية الخ . هو أصح حديث يروى في فضله ، وزاد فيه بعض ~~الكذابين أنه أخذها أبو بكر وعمر فهربا ، وفي الصحيح أن عمر قال : ما أحببت ~~الإمارة إلا يومئذ فهذا الحديث رد على الناصبة الواقفين في علي وليس هذا من ~~خصائصه ، بل كل مؤمن كامل الإيمان يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، ~~قال تعالى : @QB@ فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه @QE@ وهم الذين قاتلوا ~~أهل الردة ، وإمامهم أبو بكر وفي الصحيح أنه سأله أي الناس أحب إليك ؟ قال ~~عائشة قال فمن الرجال : قال أبوها ، وهذا من خصائصه . | وأما قوله : ( أما ~~ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ) قاله في غزوة تبوك لما استخلفه ~~على المدينة فقيل استخلفه لبغضه إياه وكان النبي PageV01P153 صلى الله عليه ~~وسلم إذا غزا استخلف رجلا من أمته ، وكان بالمدينة رجال من المؤمنين ~~القادرين وفي غزوة تبوك لم يأذن لأحد ، فلم يتخلف أحد إلا لعذر أو عاصي ، ~~فكان ذلك الاستخلاف ضعيفا فطعن به المنافقون بهذا السبب ، فبين له أني لم ~~أستخلفك لنقص عندي ، فإن موسى استخلف هارون ، وهو شريكه في الرسالة أفما ~~ترضى بذلك ؟ ومعلوم أنه استخلف غيره قبله ، وكانوا منه بهذه المنزلة ، فلم ~~يكن هذا من خصائصه ، ولو كان هذا الاستخلاف أفضل من غيره لم يخف على علي ~~ولما لحقه يبكي ، ومما يبين ذلك أنه بعد هذا أمر عليه أبا بكر سنة تسع ، ~~وكونه بعثه لنبذ العهود ليس من خصائصه ، لأن العادة لما جرت أنه لا ينبذ ~~العهود ولا يعقدها إلا رجل من أهل بيته ، أي الشخص من عترته ينبذها حصل ~~المقصود ولكنه أفضل بني هاشم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أحق ~~الناس بالتقدم من سائرهم ، فلما أمر أبا بكر بعد قوله : أما ترضى . . الخ . ~~علمنا أنه لا دلالة فيه على أنه بمنزلة هارون من كل وجه ، وإنما شبهه به في ~~الاستخلاف خاصة ms105 وذلك ليس من خصائصه ، وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم أبا ~~بكر بإبراهيم وعيسى وشبه عمر بنوح وموسى عليهم السلام ، لما أشارا في ~~الأسرى وهذا أعظم من تشبيه علي بهارون ، ولم يوجب ذلك أن يكونا بمنزلة ~~أولئك الرسل ، والتشبيه بالشيء لمشابهته في بعض الوجوه كثير في الكتاب ~~والسنة وكلام العرب ، وأما قوله : ( من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال ~~من والاه الخ ) . فهذا ليس في شيء من الأمهات إلا في الترمذي ، وليس فيه ~~إلا من كنت مولاه فعلي مولاه ، وأما الزيادة فليست في الحديث وسئل عنها ~~الإمام أحمد فقال ، زيادة كوفية ، ولا ريب PageV01P154 أنها كذب لوجوه : ~~أحدها أن الحق لا يدور مع معين إلا النبي صلى الله عليه وسلم . | وأما قوله ~~يوم غدير خم أذكركم الله في أهل بيتي فليس من الخصائص بل هو مساو لجميع أهل ~~البيت وأبعد الناس عن هذه الوصية الرافضة ، فإنهم يعادون العباس ، وذريته ، ~~بل يعادون جمهور أهل البيت ، ويعينون الكفار عليهم . | وأما آية المباهلة ~~فليست من الخصائص بل دعي عليا وفاطمة ، وابنيهما ولم يكن ذلك لأنهم أفضل ~~الأمة ، بل لأنهم أخص أهل بيته كما في حديث الكسا اللهم هؤلاء أهل بيتي ~~فأذهب عنهم الرجس ، وطهرهم تطهيرا ، فدعى لهم ، وخصهم ، والأنفس يعبر عنها ~~بالنوع الواحد كقوله : @QB@ لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم ~~خيرا @QE@ وقال @QB@ فاقتلوا أنفسكم @QE@ أي يقتل بعضكم بعضا ، وقوله أنت ~~مني وأنا منك ليس المراد أنه من ذاته ، ولا ريب أنه أعظم الناس قدرا من ~~الأقارب ، فله من مزية القرابة والإيمان ما لا يوجد لبقية القرابة ، فدخل ~~في ذلك المباهلة وذلك لا يمنع أن يكون في غير الأقارب من هو أفضل منه لأن ~~المباهلة وقعت في الأقارب ، وقوله : @QB@ هذان خصمان @QE@ الخ . فهي مشتركة ~~بن علي ، وحمزة ، وعبيدة ، بل سائر البدريين يشاركونهم فيها . | وأما سورة ~~@QB@ هل أتى @QE@ فمن قال : إنها نزلت فيه ، وفي فاطمة ، PageV01P155 ~~وابنيهما ، فهذا كذب لأنها مكية وزواج علي وفاطمة في المدينة يكذب هذا ~~القول والحسن والحسين إنما ولدا بالمدينة ، وبتقدير ms106 صحته فليس فيه أن من ~~أطعم مسكينا ، ويتيما ، وأسيرا أفضل الصحابة بل الآية عامة مشتركة فيمن فعل ~~هذا ، وتدل على استحقاقه للثواب على هذا العمل ، مع أن غيره من الأعمال من ~~الإيمان بالله والصلاة في وقتها والجهاد أفضل منه . | ( 126 ) ذكر رحمه ~~الله حديث إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين ، ~~فإذا قضي التأذين أقبل إلى قوله فليسجد سجدتين أخبر أن هذا التذكير ~~والوسواس من الشيطان ، وذكر قبله سورة الناس وأمره بالسجدتين ولم يؤثمه ~~والوسواس الخفيف لا يبطلها إجماعا ، وإذا كان الأغلب فهل يعيد ؟ اختاره بن ~~حامد ، والصحيح الذي عليه الجمهور لا إعادة فالحديث عام مطلق في كل وسواس ، ~~ولم يأمر بالإعادة لكن ينقص أجره بقدر ذلك ، قال ابن عباس ، ليس لك من ~~صلاتك إلا ما عقلت منها ، وذكر حديث عمار أن الرجل لينصرف من صلاته ولم ~~يكتب له منها إلا عشرها إلا تسعها إلا ثمنها حتى قال إلا نصفها ، وهو حجة ~~على ابن حامد ، وأداء الواجب له مقصودان : أحدهما : براءة الذمة بحيث يندفع ~~العقاب ، فهذا لا تجب عليه الإعادة فإن مقصود الإعادة حصول الثواب المجرد ~~وهو شأن التطوع ، ولكن حصول الحسنات الماضية للسيئات مع القبول الذي عليه ~~الثواب يكفر عنه وما لا ثواب فيه لا يكفر ، وإن برئت منه الذمة كما في ~~الحديث ' رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ، ورب قائم حظه من ~~قيامه السهر والتعب ، PageV01P156 ولم يحصل له منفعة لكن برئت الذمة فاندفع ~~العقاب فكان على حاله لم يزدد بذلك خيرا ، والصوم شرع لتحصل التقوى ، كما ~~قال تعالى : @QB@ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام @QE@ . . الآية ~~وقال صلى الله عليه وسلم ( الصيام جنة ، فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ، ~~ولا يجهل ، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل إني صائم ) قيل : يقول في نفسه ، ~~وقيل : بلسانه ، وقيل يفرق بين الفرض ، والنفل ، والصحيح أنه بلسانه كما دل ~~عليه الحديث ، وهو زجر لمن بدأه بالعدوان وفي الصحيح ' من لم يدع قول الزور ~~والعمل به ms107 فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ' بين أن الله لم يحرم ~~عليه الأكل لحاجته إلى ترك الطعام كما يحرم السيد على عبده بعض ماله ، بل ~~المقصود محبة الله ، وهي حصول التقوى ، فإذا لم يأت به فقد أتى ما ليس فيه ~~محبة ، ورضى فلا يثاب عليه لكن لم يعاقب عقوبة التارك والحسنات المقبولة له ~~تكفر السيئات ، وفي الصحيح الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان ~~إلى رمضان كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر ، ولو كفر الجميع بالخمس لم ~~يحتج إلى الجمعة ، لكن التكفير بالحسنات المقبولة ، وغالب الناس لا يكتب له ~~من الصلاة إلا بعضها ، فيكفر ذلك بقدره والباقي يحتاج إلى تكفير ، ولهذا ~~جاء إن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من أعماله الصلاة فإن أكملت ~~وإلا قيل انظروا هل من تطوع فإن كان له تطوع أكملت به الفريضة ، ثم يصنع في ~~سائر الأعمال كذلك ، وتكميل الفرائض بالتطوع مطلق ، فإنه إذ ترك بعض ~~الواجبات استحق العقوبة ، فإذا كان له من جنسه تطوع سد مسده ، فلا يعاقب ، ~~PageV01P157 وإن كان ثوابه ناقصا وله تطوع سد مسده ، فيكمل به ثوابه ، وهو ~~في الدنيا يؤمر بالإعادة حيث تمكن ، أو يجبره بما ينجبر به كسجدتي السهو ، ~~وكالدم فيما ترك من واجبات الحج ، وكمثل صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو ~~والرفث وذلك لأنه إذا أمكنه أن يأتي بالواجب كان ذلك عليه ، ولم يكن بريء ~~من عهدته ، بل هو مطلوب به كما لو لم يفعل بخلاف ما إذا تعذر يوم الجزاء ، ~~فإنه لم يبق هناك إلا الحسنات ، ولهذا كان الجمهور على أن من ترك واجبا من ~~الصلاة عمدا فعليه الإعادة مادام يمكن فعلها ، وهو إعادة في الوقت ، وفي ~~حديث المسيء ' ارجع فصل فإنك لم تصل ، فدل على أن من ترك الواجب لم يكن ما ~~فعل صلاة بل يؤمر بالصلاة ، لأنها لم تكن بمقامة المأمور بها في قوله @QB@ ~~فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة @QE@ : فإن قيل ففي حديث رفاعة الذي في السنن ~~أنه جعل ما ترك يؤاخذ بتركه فقط ، قيل ms108 : وكذلك نقول يثاب على ما فعل ، وليس ~~كالتارك ، ويؤمر بالإعادة لدفع العقوبة ، فإن قيل فإذا لم يكن فعله مفردا ~~طاعة لم يثب عليه قيل فعله وهو لم يثب عليه يعلم أنه لا يجوز ، أو كان ~~ساهيا كالذي يصلي بلا وضوء ويسهو عن القرآن فيثاب ، ولا يعاقب ، ولكن يؤمر ~~بالإعادة لأنه لم يفعل ما أمر به ، وكالنائم إذا استيقظ ، وأما إذا أمر ~~بالإعادة فقد علم أنه لا يجوز فعله مفردا فلا يؤمر به مفردا ، فإن قيل : ~~فإن ترك الواجب عمدا قيل هذا مستحق للعقاب ، وقد يكون إثمه كإثم التارك ~~للصلاة والمسلم لا يصلي إلى غير قبلة ، أو بغير وضوء ، ومع هذا فقد يمكن ~~إذا لم يفعله استخفافا بل مع الاعتراف بأنه مذنب PageV01P158 أن يثاب على ~~ما فعل ، كمن ترك بعض واجبات الحج ، فإن قيل : فالفقهاء يقولون بطلت صلاته ~~قيل : الباطل في عرفهم ضد الصحيح ، والصحيح عندهم ما حصل المقصود وبرئت به ~~الذمة ، فإن قيل في سؤال يؤمرون بالإعادة ومن ترك شيئا من واجبات الإيمان ~~لا يؤمر بالإعادة قيل ليس الأمر بالإعادة مطلقا ، بل يؤمر بالممكن ، فإن ~~أمكنت الإعادة وإلا أمر بفعل الحسنات ، كتارك الجمعة ، فإنه لو أمر بالظهر ~~فلا يسد مسدها ، ولا يزول الإثم ، وكذلك من ترك واجبا في الحج عمدا فإنه ~~يؤمر به إن أمكن في الوقت وإلا أمر بالدم ، ولا يسقط عنه الإثم مطلقا ، بل ~~هذا يمكنه من البدل ، وعليه أن يتوب منه توبة تغسل إثمه ومن ذلك أن يأتي ~~بحسنات تمحوه ، وكذلك من فوت واجبا لا يمكنه استدراكه ، وأما إذا أمكن ~~استدراكه فعله بنفسه ، وهكذا نقول فيمن ترك بعض واجبات الإيمان ، بل كل ~~مأمور تركه فقد ترك جزءا من إيمانه ، فيستدركه بحسب الإمكان ، فإن فات وقته ~~تاب وفعل حسنات غيره ولهذا اتفقوا على إمكان إعادة الصلاة في الوقت الخاص ، ~~والمشترك كمن يصلي الظهر بعد دخول العصر ، ويؤخر العصر إلى الاصفرار فتصح ~~صلاته ، وعليه إثم التأخير وهو من المذمومين في قوله : @QB@ فويل للمصلين ~~الذين هم عن صلاتهم ساهون @QE@ وقوله ms109 @QB@ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ~~@QE@ فإنه تأخيرها عن وقتها الذي يجب فعلها فيه ، فإنه إضاعة لها ، وسهو ~~عنها بلا نزاع أعلمه ، وجاءت به الآثار عن الصحابة والتابعين ، وقال صلى ~~الله عليه وسلم في PageV01P159 الأمراء الذين يؤخرونها ( صلوا الصلاة ~~لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم نافلة ) وهم إنما كانوا يؤخرون الظهر إلى وقت ~~العصر والعصر إلى الاصفرار وهم مذمومون ، لكن ليسوا كمن تركها ، أو فوتها ~~حتى غابت الشمس ، فإن هؤلاء أمر صلى الله عليه وسلم بقتالهم ونهى عن قتال ~~أولئك ، فدل على صحة صلاتهم ، وفي الصحيح عنه من أدرك ركعة من العصر قبل أن ~~تغرب الشمس فقد أدرك العصر ، مع أن في الصحيح عنه تلك صلاة المنافق . . الخ ~~. . واتفقوا على أن من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها ، ويقضي ~~على الفور عند الجمهور ، والشافعي يجعله على التراخي ، ومن نسي بعض ~~واجباتها فهو كمن نسيها ، كما فعل عمر وعثمان لما صلوا بالناس ، ثم ذكروا ~~أنهم جنبا فأعادوا ولم يأمروا الناس بالإعادة ، وأما من فوتها عمدا عالما ~~بوجوبها أو فوت بعض واجباتها التي يعلم ففيه نزاع ، قيل يصليها وهو قول ~~الجمهور ، ومالك وغيره من أهل المدينة يقولون ما لم يكن فرضا واجبا ، وهو ~~الذي يسمونه سنة يعيد في الوقت ، كمن صلى بالنجاسة ، وأما الفرض كالركوع ~~والطهارة فيعيد بعد الوقت . | ( 127 ) قوله صلى الله عليه وسلم ( إن الله ~~جميل يحب الجمال ) جوابا للسائل في بيان ما يحبه الله ، ويكرهه من الأفعال ~~، فإنه قال لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر ، والكبر من كسب ~~العبد ، فخاف السائل أن يكون ما يتجمل به الإنسان فيكون أجمل به ممن لم ~~يعمل مثله من الكبر ، فقال إني أحب أن يكون ثوبي حسنا ، ونعلي حسنا ، وحسن ~~ثوبه ونعله حاصل بفعله ، ليس كصورته فقال : إن الله جميل يحب الجمال ، ففرق ~~بين الكبر الذي ذمه الله وبين الجمال الذي يحبه الله ، والله إذا خلق شخصا ~~PageV01P160 أعظم من شخص إما في جسمه أو قوته ، أو عقله لم يكن ms110 هذا مبغضا ~~لأنه بغير اختيار العبد ، وبخلاف ما إذا تكبر بذلك أو بغيره فإنه من عمله ، ~~فإنه إذا خلق جميل الصورة لم يكن ذلك من عمله يحمد عليه ، أو يذم ، كما أنه ~~إذا خلق أسود أو قصيرا يحمد على ذلك ، ولم يذم ولهذا لما كان المنافقون لهم ~~جمال في الصورة بدون الإيمان شبههم بالخشب المسندة اليابسة التي لا تثمر ، ~~وقد تكون الصورة عونا على الإيمان كالقوة والمال فيحمد إذا استعان بهما على ~~الطاعة ، ويكون فيه الجمال الذي يحبه الله ، والأسود إذا فعل ما يحبه الله ~~من الجمال كان فيه الجمال الذي يحبه الله ، والمقصود بيان ما يحبه الله ، ~~ويكرهه وأول من أنكر المحبة والتكليم الجعد ابن درهم ، وطوائف أقروا أنه ~~يحب ، وأنكروا أنه يحب غيره ، ومحبة المؤمنين لربهم أمر موجود في الفطر ، ~~والقلوب وثبت أن التذاذهم يوم القيامة بالنظر إلى الله أعظم لذة في الجنة ، ~~والإنسان في الدنيا يجد في قلبه بذكر الله ، وذكر محامده ، وآلائه ، ~~وعبادته من اللذة ما لا يجده بشيء آخر ، وفي الحديث إذا مررتم برياض الجنة ~~فارتعوا قالوا وما هي ؟ قال مجالس الذكر ، ومن هذا قوله : ( ما بين بيتي ~~ومنبري روضة من رياض الجنة ) فإن هذا كان أعظم مجالس الذكر والمنكرون ~~للرؤية ينكرون هذه اللذة ، وقد يفسرها من يتأول الرؤية بمزيد العلم على لذة ~~العلم ، كالذي في الدنيا بذكره لكن تلك أكمل ، وهذا قول متصوفوا الفلاسفة ، ~~والنفاة ، كالفارابي وكأبي حامد ، وأمثاله ، وأما أبو المعالي وابن عقيل ~~ونحوهما فمنكرون أن يتلذذ أحد بالنظر إليه سبحانه ، وقال أبو المعالي يمكن ~~أن يحصل مع النظر إليه لذة ببعض المخلوقات ، وهذا ونحوه مما PageV01P161 ~~أنكر على ابن عقيل ، فإنه كان فاضلا ذكيا ولكن تتلون آراؤه في هذه المواضع ~~، ولهذا يوجد في كلامه كثيرا مما يوافق فيه المعتزلة ، والجهمية ، وهذا من ~~ذاك ، وكذا أبو المعالي بنى هذا على أصل الجهمية الذي وافقهم فيه الباقلاني ~~والقاضي أبو يعلي ، وغيرهما أن الله لا تحب ذاته ، ويزعمون أن الخلاف في ~~ذلك مع الصوفية ، والسلف كلهم ms111 متفقون على أن الله سبحانه يستحق أن يحب ، ~~وليس شيء أحق بأن يحب من الله سبحانه بل لا يصلح أن يحب غيره إلا لأجله ، ~~وكل ما يحب المؤمن من طعام وشراب وغيره لا ينبغي له أن يفعله إلا ليستعين ~~به على عبادته ، وما من مؤمن إلا وفي قلبه حب الله ، وهو يجد نفسه محتاجة ~~إلى الله في تحصيل مطالبه ، ويجد في قلبه محبة لله غير هذه ، فهو محتاج ~~إليه من جهة أنه ربه ، ومن جهة أنه إلهه ، قال تعالى : @QB@ إياك نعبد ~~وإياك نستعين @QE@ فلا بد أن يكون العبد عابدا لله ، ولا بد أن يكون ~~مستعينا به ، ولهذا فرض الله على كل مسلم أن يقولها في صلاته ، وهي بين ~~العبد والرب ، وروى عن الحسن أن الله أنزل مائة كتاب ، وأربع كتب جمع سرها ~~في الأربعة وجمع سر الأربعة في القرآن ، وجمع سر القرآن في الفاتحة وجمع سر ~~الفاتحة في هاتين الكلمتين ، ولهذا ثناها الله سبحانه في كتابه في غير موضع ~~، كقوله : ^ ( فاعبده وتوكل عليه ) ^ وقد قال تعالى : @QB@ ومن الناس من ~~يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله @QE@ ~~فأخبر أن المؤمنين أشد PageV01P162 حبا لله من المشركين لآلهتهم وأنهم ~~يحبونهم كحب الله ، ومعلوم أنهم يحبون آلهتهم محبة قوية ، كما قال : @QB@ ~~وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم @QE@ وإذا عرف أنه متصف بصفات الكمال ، كان ~~حبه أشد مع قطع النظر بلغ عن نفعه . | ( 128 ) الله سبحانه يحب عباده ~~المؤمنين فيريد الإحسان إليهم ، وهم يحبونه فيريدون طاعته ، وفي الصحيح ، ~~لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ، الخ . وما من مؤمن إلا ويجد في ~~قلبه للرسول صلى الله عليه وسلم محبة لا توجد لغيره ، حتى إنه إذا سمع ~~محبوبا له يسبه هان عليه عداوته ، ومهاجرته ، بل قتله وإن لم يفعل ذلك لم ~~يكن مؤمنا ، قال الله تعالى : @QB@ لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله @QE@ الآية بل قال تعالى : @QB@ قل إن كان ~~آباؤكم وأبناؤكم @QE@ الآية فتوعد ms112 من كان الأهل والمال أحب إليه من الله ~~ورسوله ، وجهاد في سبيله ، وفي الصحيح : ' ثلاث من كن فيه وجد حلاوة ~~الإيمان . . الخ . هذه الحلاوة لا يكون من محبة العوض الذي لم يحصل بعد ، ~~بل الفاعل الذي لا يعمل إلا للكرى لا يجد حال العمل إلا التعب ، فلو كان لا ~~معنى لمحبة الله ورسوله إلا محبة ما يصير إليه لم يكن هناك حلاوة يجدها ~~المؤمن في قلبه ، وهو في دار التكليف ، وهذا خلاف الشرع ، والفطرة ، فالله ~~فطر العباد على ملة إبراهيم الحنيفية ، وأصلها محبة الله وحده ، فما من ~~PageV01P163 فطرة لم تفسد إلا وهي تجد فيها محبة الله تعالى ، ولكن قد تفسد ~~الفطرة إما لكبر وغرض فاسد كفرعون ، وإما بأن يشرك معه غيره في المحبة كما ~~قال تعالى @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~@QE@ وأما أهل التوحيد ففي قلوبهم محبة لله لا يماثله فيها غيره ولهذا كان ~~الرب محمودا حمدا مطلقا على كل ما فعله ، وحمدا خاصا على إحسانه إلى الحامد ~~، فهذا حمد الشكر ، والأول حمده على ما فعله كما قال : @QB@ الحمد لله الذي ~~خلق السماوات والأرض @QE@ الآية . . والحمد ضد الذم ، والحمد خبر من محاسن ~~المحمود مقرون بمحبته ، والذم خبر بمساويء المذموم مقرون ببغضه وهو سبحانه ~~له الحمد في الأولى والآخرة وأول ما نطق به آدم ' الحمد لله رب العالمين ' ~~وأول ما سمع من ربه يرحمك ربك ، وآخر دعوى أهل الجنة الحمد لله رب العالمين ~~، وأول ما يدعى إلى الجنة الحمادون ، ونبينا صاحب لواء الحمد ؛ آدم فمن ~~دونه تحت لوائه ، وهو صاحب المقام المحمود ، فلا تكون عبادة إلا بحب ~~المعبود ، ولا حمدا إلا بحب المحمود ، وهو سبحانه المعبود المحمود ، وأول ~~نصف الفاتحة الذي للرب حمده ، وآخره عبادته ، وقال صلى الله عليه وسلم : ' ~~أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ' فجمع بين التوحيد ، والتحميد ، كما ~~قال تعالى : @QB@ فادعوه مخلصين له الدين ms113 الحمد لله رب العالمين @QE@ ~~والخطب لا بد فيها من الحمد والتوحيد ، وكذلك PageV01P164 التشهد أوله ثناء ~~وآخره الشهادتان ، وإذا كان العباد يحبونه ويثنون عليه فهو سبحانه أحق بحمد ~~نفسه ، والثناء على نفسه ، والمحبة لنفسه ، كما قال أفضل الخلق ' لا أحصي ~~ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ' فلا ثناء من مثني أعظم من ثناء الرب ~~على نفسه ، ولا حب لمحبوب من محبة أعظم من محبة الرب لنفسه ، وكل ما يحبه ~~من عباده فهو تابع لحبه لنفسه فالمؤمن إذا كان يحب ما يحبه لله فهو تبع ~~لمحبة الله ، فكيف الرب تعالى فيما يحبه من مخلوقاته ؟ إنما يحبه تبعا لحبه ~~لنفسه ، وخلق المخلوقات لحكمته التي يحبها ، فما خلق شيئا . . إلا لحكمه ~~فهو سبحانه أحسن كل شيء خلقه ، وقال : ^ ( صنع الله الذي أتقن كل شيء ) ^ ~~وليس في أسمائه إلا اسم مدح ، ولهذا كلها حسنى ، والحسنى خلاف السوآى ، ~~والحسن محبوب ممدوح ، فالمقصود بالخلق ما يحبه ، ويرضاه ، وذلك ممدوح ولكن ~~قد يكون من لوازم ما يحبه وسائله ، فإن وجود الملزوم بدون اللازم ممتنع ، ~~كما يمتنع وجود العلم ، والإرادة بلا حياة ، ولهذا إذا ذكر باسم خاص قرن ~~بالخير ، كالضار النافع فيجمع بين الاسمين لما في العموم والشمول الدال على ~~وحدانيته وأنه وحده يفعل هذه الأشياء ولهذا لا يدعى بأحدهما وحده ، بل ~~يذكران جميعا ولهذا كل نعمة منه فضل ، وكل نعمة منه عدل ، والإحسان بيده ~~اليمنى والعدل بيده الأخرى وكلتا يديه يمنى مباركة ، والمقسطون يوم القيامة ~~على يمينه ، والمقصود أنه سبحانه إذا خلق ما يبغضه لحكمة يحبها فهو مريد ~~لكل ما خلقه وإن كان مما خلق ببغضه إنما خلقه PageV01P165 لغيره ، والفرق ~~بين المحبة والمشيئة مذهب السلف . | ( 129 ) الناس لهم في طلب العلم والدين ~~طريقان مبتدعان ، وطريق شرعي فالشرعي النظر فيما جاء به الرسول والاستدلال ~~بأدلته ، والعمل به ، فلا يكفي علم بلا عمل ، ولا عمل بلا علم بل يكفي ~~أحدهما ، وهي متضمنة الأدلة العقلية ، فإن الرسول بين بالبراهين العقلية ما ~~يتوقف ، وأما المبتدعان فأحدهما طريق أهل الكلام البدعي ، والرأي ms114 البدعي ~~فإن فيه باطلا كثيرا وكثير من أهله يفرطون فيما أمروا به من الأعمال ، ~~فينحرفون إلى اليهودية الباطلة ، والثاني طريق أهل العبادة البدعية ~~فينحرفون إلى النصرانية ، فهم في فساد من جهة العمل ومن نقص العلم ، وكثير ~~ما يقدح أحدهما في الأخرى ، والكل يدعي اتباع الرسول ولا يوافق هؤلاء ، ~~@QB@ ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما @QE@ الآية . ~~. ما كان الرسول على طريقة هؤلاء ، ولا هؤلاء ، وكثير من أهل النظر يزعمون ~~أن العلم يحصل به بلا عبادة ، وكثير من أهل العبادة يزعمون أن طريق الرياضة ~~يحصل للعارف بلا تعلم ، وكلا الفريقين غالط ، فإن لتزكية النفس تأثيرا ~~عظيما في حصول العلم ، لكن لا بد من النظرة والتدبر ، ولو تعبد الإنسان ما ~~عسى أن يتعبد ، ولم يعرف من جهة محمد ما خصه PageV01P166 الله به لم يعلم ~~وكذلك لو نظر لم يصل له المطلوب إلا بالتعلم من جهته ، ولا يحصل العلم ~~النافع إلا مع العمل ، وإلا فقد قال تعالى : @QB@ فلما زاغوا أزاغ الله ~~قلوبهم @QE@ وذكر آيات وقال : @QB@ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به @QE@ ~~الآيات ، وذكر آيات وقال تعالى للرسول الذي كان أزكى الناس نفسا ، وأكملهم ~~عقلا قبل الوحي @QB@ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا @QE@ الآية وقال : ~~@QB@ وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي @QE@ وقال : @QB@ فإما يأتينكم مني هدى ~~@QE@ الآيات وقال : @QB@ ومن يعش عن ذكر الرحمن @QE@ . . الآيتين ، قال ~~المفسرون : يعش عنه لا يلتفت إليه فكل من عشى عن القرآن قيض له شيطانا يضله ~~، ولو تعهد ، قال ابن عباس يعمى ، وقال أبو عبيدة تظلم عينه ، واختاره ابن ~~قتيبة والعشى ضعف البصر ولهذا قال يعش ، وقول من قال : يعرض صحيح من جهة ~~المعنى فإن يعش مضمن يعرض ، ولهذا عدي بعن ، كما يقال أنت أعمى عن محاسن ~~فلان إذا أعرضت فلم تنظر إليها ، فقوله يعش أي يكن أعشى عنها ، وهو دون ~~الأعمى ، فلم ينظر إليها إلا نظرا ضعيفا ، وهذا حال أهل الضلال الذين لم ~~ينتفعوا بالقرآن فإنهم لا ينظرون فيه كنظرهم في كلام أئمتهم ، لأنهم يحسبون ~~أنه ms115 لا يحصل المقصود ، ولهذا لا تجد في كلام من لم PageV01P167 يتبع الكتاب ~~والسنة بيان الحق لكثرة ما فيه من وساوس الشياطين كما قال بعضهم في كتاب ~~المحصل للرازي . # % محصل في أصول الدين حاصله % % من بعد تحصيله أصل بلا دين % % أصل ~~الضلالات والشد المبين وما فيه فأكثره وحي الشياطين . | ( 130 ) المنحرفون ~~في الصحابة وغيرهم صنفان : القادحون بما يغفره الله ، والمادحون الذين ~~يجعلون السعي المغفور من السعي المشكور ، وعثمان تقابلت فيه الخوارج ~~والشيعة وطائفة من بني أمية وغيرهم لكن الغالين فيه أقل غلوا من الغالين في ~~علي ، وفي غالب الأمور تجد بدع هؤلاء أشنع من بدع أولئك ، وعقوبة الآخرة ~~تندفع بعشرة أسباب ، الأول التوبة والثاني الاستغفار الذي من جنس الدعاء ، ~~الثالث الأعمال الصالحة فإن الحسنات يذهبن السيئات ، لكن الحسنات على حسب ~~ما في قلب صاحبها من الإيمان وربما مثل أحد ذهبا ينفقه الإنسان ولا يصير ~~مثل مد الرابع الدعاء للمؤمنين مثل صلاة المسلمين على الميت ودعائهم له ، ~~والخامس دعاء النبي صلى الله عليه وسلم واستغفاره في حياته ، وبعد مماته ~~كشفا عنه يوم القيامة السادس . . ما يهدي للميت من العمل الصالح . . السابع ~~المصائب التي تكفر الخطايا ، والصحابة أصيبوا بمصائب منها الفتن مع أنهم ~~أقل فتنا ممن بعدهم ، فإنه كلما تأخر العصر عن النبوة كثر التفرق ، ~~والاختلاف ، ولهذا لم يحدث في خلافة عثمان بدعة ظاهرة فلما قتل تفرقوا ، ~~وحدثت بدعتان بدعة الخوارج ، وبدعة الروافض ثم في إمارة ابن الزبير وعبد ~~الملك حدثت بدعة المرجئة ، والقدرية ، ثم لما كان في آخر PageV01P168 عصر ~~التابعين حدثت بدعة الجهمية ، وبدعة المشبهة ، ولم يكن على عهد الصحابة شيء ~~من هذا وكذلك فتن السيف فإنهم في ولاية معاوية متفقون يغزون العدو فلما مات ~~قتل الحسين ، وحوصر ابن الزبير بمكة وفتنة الحرة ، ثم لما مات يزيد جرت ~~فتنة بالشام بين مروان والضحاك بمرج راهط ، ثم وثب المختار على ابن زياد ~~فقتله ، وجرت فتنة مصعب بن الزبير ، وقتل المختار وجرت فتنة ثم ذهب عبد ~~الملك إلى مصعب فقتله وجرت فتنة ثم أرسل ms116 الحجاج إلى ابن الزبير فحاصره ثم ~~قتله ، وجرت فتنة ثم تولى الحجاج العراق فخرج عليه ابن الأشعث وكانت فتنة ~~كبيرة ، وهذا كله بعد موت معاوية ، ثم جرت فتنة ابن المهلب بخراسان ، وقتل ~~زيد بن علي بالكوفة في فتن أخر ، ثم قام أبو مسلم وغيره بخراسان وجرت حروب ~~وفتن يطول وصفها ثم هلم جرا فلم يكن ملك من ملوك المسلمين خير من معاوية ، ~~وروى الأثرم عن قتادة قال لو أصبحتم في مثل عمل معاوية لقال أكثركم هذا ~~المهدي ، ثم ذكر مثله عن مجاهد ، والأعمش وفضائله ، وعدله ، وحسن سيرته ~~كثير ، وفي الصحيح أن ابن عباس قال لمن قال له إن معاوية أوتر بركعة أصاب ، ~~أنه فقيه وقال أبو الدرداء ما رأيت أشبه صلاة بصلاة رسول الله من إمامكم ~~هذا يعني معاوية فهذا كلام ابن عباس ، وأبي الدرداء وهما هما ، والمقصود أن ~~الفتن التي بين الأمة والذنوب التي لها بعد الصحابة أكثر وأعظم ، ومع هذا ~~فمكفرات الذنوب موجودة ، وأما الصحابة فأكثرهم ما دخل في فتنة قال أحمد ثنا ~~ابن علية عن أيوب عن ابن سيرين قال هاجت الفتنة والصحابة عشرة آلاف فما ~~حضرها منهم مائة ، بل لم يبلغوا ثلاثين وهذا من أصح إسناد PageV01P169 على ~~وجه الأرض ، وابن سيرين من أرو الناس في منطقه ومراسيله من أصح المراسيل ، ~~وقال أحمد ثنا إسماعيل ثنا منصور بن عبد الرحمن قال الشعبي لم يشهد الجمل ~~من الصحابة إلا أربعة فإن جاءوا بخامس فأنا كذاب وقال أحمد ثنا أمية بن ~~خالد قال قيل لشعبة إن أبا شيبة روى عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ~~قال شهد صفين من أهل بدر سبعون فقال كذب والله لقد ذكرت الحكم في ذلك فما ~~وجدناه شهد صفين من أهل بدر غير خزيمة قلت هذا النفي يدل على قلة من حضرها ~~وقيل حضرها سهل بن حنيف ، وأبو أيوب وروى ابن بطة عن بكير عن الأشج أن ~~رجالا من أهل بدر لزموا بيوتهم بعد قتل عثمان فلم يخرجوا إلا لقبورهم . ~~التاسع . . ما ms117 يحصل في الآخرة من كرب يوم القيامة . . العاشر . . المقاصة ~~في القنطرة بعد الصراط كما في الصحيحين فهذه الأسباب لا تفوت المؤمنين كلها ~~إلا القليل فكيف الصحابة ؟ ووصى العلماء بالإمساك عما شجر بينهم ، لأنا لا ~~نسأل عن ذلك ، قال عمر بن عبد العزيز ( تلك دماء طهر الله يدي منها فلا أحب ~~أن أخضب بها لساني ) لكن إذا قدح فيهم مبتدع بالباطل فلا بد من الذب عنهم ~~بعلم ، وعدل ، وقوله : ' زاد في الأذان يوم الجمعة وهو بدعة ، فعلي ممن ~~وافق على ذلك ولم يغيره في ولايته كما غيره ، ولو أزاله لنقل ، فإن قيل : ~~لأن الناس لا يوافقونه قيل : فهو دليل على أن الناس وافقوا على استحسانها ، ~~ولو قدر أن في الصحابة PageV01P170 من أنكره فهو من وسائل الاجتهاد ، وقوله ~~هي بدعة ، إن أراد أنه لم يفعل قبله فقتال أهل القبلة كذلك ، فإن قيل : بل ~~البدعة ما فعله بغير دليل شرعي قيل : من أين لكم أن عثمان فعله بغير ذلك ؟ ~~وعلي أحدث في خلافته العيد الثاني بالجامع وابن عباس عرف بالبصرة في خلافة ~~علي ، ولم يذكر عنه أنه أنكره ، والنداء الأول اتفق عليه الناس ، كما ~~اتفقوا على ما سن عمر من جمع الناس في رمضان على إمام واحد وأما ما سنه علي ~~من العيد ففيه نزاع وأحمد بن حنبل وكثير من العلماء يتبعون عليا فيما سنه ، ~~وآخرون من العلماء كمالك وغيره لا يتبعون عليا فيما سنه ، وكلهم متفقون على ~~اتباع عمر وعثمان فيما سناه ، ومن هذا الباب ما يذكر مما فعله عمر من تضعيف ~~الصدقة التي هي جزية في المعنى على نصارى بني تغلب ، وأمثال ذلك . | ( 131 ~~) لفظ الآية لا يخالف ما تواتر من السنة ، فإن المسح جنس تحته نوعان : ~~الإسالة وغيرها تقول العرب تمسحت للصلاة فما كان بالإسالة فهو الغسل وإذا ~~خص أحد النوعين باسم الغسل فقد يخص الآخر باسم المسح ولهذا نظائر مثل لفظ ~~ذوي الأرحام يعم العصبة وغيرهم ، ثم لما كان للعصبة وذوي الفروض اسما ~~يخصهما بقي لفظ ذوي الأرحام مختص ms118 في العرف لا يرث بفرض ولا تعصيب ، وكذلك ~~لفظ الجائز ، والمباح يعم ما ليس بحرام ثم قد يختص بأحد الأقسام الخمسة ، ~~وكذلك لفظ الحيوان يتناول الإنسان ثم قد يخص بغيره ، ومثل هذا كثير ، ومنه ~~لفظ المسح ، وفي القرآن ما يدل على أنه لم يرد بمسح الرجلين المسح الخاص ، ~~فإنه قال إلى الكعبين ، ولم يقل إلى الكعاب كما قال إلى المرافق ، فدل على ~~أنه ليس في PageV01P171 كل رجل كعب ، بل كعبان فيكون أمر بالمسح إلى ~~العظمين الناتئين ، وهذا هو الغسل ، فإن من المسح الخاص يجعل المسح لظهور ~~القدمين ، وفي ذلك الغسل في العضوين الأولين ، والمسح في الآخرين تنبيه على ~~أن هذين يجب فيهما المسح العام ، فتارة يجزيء الخاص كما في العمامة والخفين ~~، وتارة المسح الكامل ، وتواتر عنه صلى الله عليه وسلم غسل الرجلين ، ~~والمسح على الخفين ، وفيه تنبيه على قلة الصب في الرجل لأن الصرف يعتاد ~~فيها وفيه اختصار الكلام ، فإن المعطوف والمعطوف عليه إذا كان فعلاهما من ~~جنس واحد اكتفى بذكر أحدهما كقوله : @QB@ يطوف عليهم ولدان @QE@ إلى قوله ~~@QB@ وحور عين @QE@ ، وهن لا يطاف لهن لكن المعنى يؤتى بهذا ، وبهذا ، وهم ~~قد يحذفون ما يدل الظاهر على جنسه لا على نفسه ، كقوله : @QB@ يدخل من يشاء ~~في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما @QE@ والمعنى يعذب الظالمين ، ~~والآية فيها قراءتان ومن قرأه بالخفض فقوله : مسحت الرجل ليس مرادفا لمسحت ~~بالرجل فإذا عدى بالباء أريد به معنى الإلصاق أي ألصقت بها شيئا ، وإذا قيل ~~مسحتها لم يقتض ذلك بل مجرد المسح ، وهو لم يرد مجرد المسح باليد إجماعا ، ~~فتعين أنه أراد المسح بالماء وهو مجمل فسرته السنة ، وبالجملة فالقرآن ليس ~~فيه نفي إيجاب الغسل ، بل فيه إيجاب المسح فلو قدر أن السنة أوجبت قدرا ~~زائد على القرآن لم يكن دفعا لموجب القرآن ، فكيف إذا فسرته السنة والسنة ~~تفسر القرآن وتقضي على ما يفهمه بعضهم من ظاهر القرآن وقولهم إن الفرض مسح ~~الرجلين PageV01P172 إلى الكعبين مجتمع الساق ، والقدم لا يدل عليه القرآن ~~بوجه من الوجوه ms119 ، فإنه أوجب المسح بالرؤوس وبالأرجل إلى الكعبين مع إيجابه ~~غسل الوجوه والأيدي إلى المرافق ، فظاهره أن في كل يد مرفقا ، وفي كل رجل ~~كعبين ، فهذا على قراءة الخفض . . وأما على قراءة النصب فالعطف أنما يكون ~~على المحل إذا كان المعنى واحدا ، كقول الشاعر : # % معاوي إننا بشر فاسمح % % فلسنا بالجبال ولا الحديد % % فلو كان معنى ~~مسحت برأسي ورجلي مسحت رأسي ورجلي لأمكن كونه على المحل ، والمعنى مختلف ~~فعلم أن قوله ، وأرجلكم بالنصب عطف على وأيديكم ، فعلم أنهم لم يتمسكوا ~~بظاهر القرآن ، وهذا حال سائر أهل الأقوال الضعيفة إذا حقق الأمر عليهم لم ~~يوجد في ظاهر القرآن ما يخالف السنة كقول الخوارج لا يصلى في سفر الأمن إلا ~~أربعا ، ومن قال : لا يحكم بشاهد ويمين وبين أن ما دل عليه ظاهر القرآن حق ~~، وأنه ليس بعام مخصوص ، فإنه ليس هناك عموم لفظي ، بل مطلق كقوله : @QB@ ~~اقتلوا المشركين @QE@ فإنه عام في الأعيان مطلق في الأحوال ، وقوله @QB@ ~~يوصيكم الله في أولادكم @QE@ وقال في آية المتعة ليس في الآية لفظ صريح ~~يحلها فإنه قال : @QB@ وأحل لكم ما وراء ذلكم @QE@ الآية فقوله : @QB@ فما ~~استمتعتم به منهن @QE@ يتناول كل مدخول بها تعطى جميع الصداق بخلاف المطلقة ~~قبل الدخول ، وليس لتخصيص الآية بالموقت معنى بل في المؤبد ، أولى ، فلا بد ~~من PageV01P173 دلالتها عليه إما بالتخصيص وإما بالعموم ، يدل عليه ذكره ~~بعد نكاح الإماء ، فدل على أنه في كل نكاح الحرائر مطلقا ، فإن قيل ففي ~~قراءة طائفة ( فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى ) قيل أولا ليست متواترة ~~، فإن كان هذا نزل فهو منسوخ ونزوله لما كانت مباحة فليس في الآية ما يدل ~~على أن الاستمتاع بها إلى أجل حلال فإنه لم يقل وأحل لكم أن تستمتعوا بهن ~~إلى أجل مسمى ، بل قال فيما @QB@ استمتعتم به منهن @QE@ الآية فتتناول ما ~~وقع من الاستمتاع سواء كان حلالا ، أو وطء شبهة ، ولهذا يجب المهر في ~~النكاح الفاسد بالسنة ، والاتفاق ، فإذا اعتقد حل المتعة وفعلها فعليه ~~المهر ، وأما الاستمتاع المحرم فلم تتناوله ms120 الآية ، والقرآن إنما أباح ~~الزوجة وملك اليمين ، فإنها لو كانت زوجة لتوارثا ولوجبت عليها عدة الوفاة ~~، ولحقها الطلاق الثلاث ، والمتمتع بما ليست زوجة ولا ملك فتكون حراما بنص ~~القرآن ، وقال في آية الميراث ليس في عمومها ما يدل على أنه صلى الله عليه ~~وسلم يورث ، لأن الخطاب شامل للمقصودين به ، وليس فيه أنه صلى الله عليه ~~وسلم مخاطب بها ، وإن لم يعلم أن المعين مقصود لم يشمله ، وكاف الجماعة في ~~القرآن تارة تكون للنبي ، وللمؤمنين ، وتارة تكون لهم دونه ، كقوله : @QB@ ~~واعلموا أن فيكم رسول الله @QE@ الآية وقوله : @QB@ لقد جاءكم رسول من ~~أنفسكم @QE@ الآية وقوله : @QB@ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا ~~أعمالكم @QE@ فلم يجوز PageV01P174 أن تكون الكاف في يوصيكم الله في ~~أولادكم مثل هذا ؟ فإن قيل ما ذكر فيه ما يقتضي اختصاص الأمة ، فإنه لما ~~خاطبهم بطاعته علم أنه ليس داخلا ، وقيل وكذلك آية الفرائض ، لما قال ~~آباؤكم وأبناؤكم ، وكذلك قوله غير مضار ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : ' ~~إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث ' واتفقت الأمة عليه حتى ظن ~~بعض الناس أن آية الوصية نسخت به . | وأما السلف والجمهور فقالوا الناسخ ~~آية الفرائض ؛ إن الله قدر فرائض محدودة منع من تعديلها ، والآية لم يقصد ~~بها بيان من يرث ، ومن لا يرث ، ولا بيان صفة الموروث والوارث وإنما قصد ~~بها أن المال الموروث يقسم بين الوارثين على هذا التفضيل ، ولهذا لو كان ~~الميت مسلما وهؤلاء كفارا لم يرثوا إجماعا ، وكذلك بالعكس وكذلك لو كان ~~عبدا وهم أحرار ، والعكس ، وإذا علم أن في الموتى من يرثه أولاده ومن لا ~~يرثه ولم يذكر صفة الوارث والموروث علم أنه لم يقصد بها بيان ذلك ، وهذا ~~كقوله : ( فيما سقت السماء العشر ) قصد به الفرق بين ما يجب فيه العشر ~~ونصفه فلا يحتج به على صدقة الخضروات ، وقوله : @QB@ وأحل الله البيع وحرم ~~الربا @QE@ قصد به الفرق بينهما ، لا يجوز بيعه وما لا يجوز فلا يستدل به ~~على جواز بيع كل شيء ms121 ولو قدر العموم فقد خص منه الولد الكافر والعبد ~~والقاتل بأدلة أضعف من خروجه صلى الله عليه وسلم منها وبالجملة فإذا خصصت ~~بنص أو إجماع خصت بنص آخر إجماعا ، وفي تخصيص عموم القرآن ، إذا لم يكن ~~مخصوصا بخبر الواحد خلاف ومن سلك هذا PageV01P175 قال عموم مخصوص ، ومن سلك ~~الأول لم يسلم ظهور العموم فهي عامة في الأولاد والموتى مطلقة في الموروثين ~~، والشروط لم تتعرض لها الآية كقوله اقتلوا المشركين عام في الأشخاص ، مطلق ~~في المكان ، والأحوال ، فالخطاب المقيد لهذا المطلق خطاب مقيد مبين لحكم ~~شرعي وقوله : @QB@ وورث سليمان داود @QE@ وقوله : @QB@ يرثني ويرث من آل ~~يعقوب @QE@ يدل على جنس الإرث لا على إرث المال فالاستدلال به عملية جهل ~~بوجه الدلالة ، وأما آية الطهارة فليس فيها أن الله أذهب عنهم الرجس كلهم ، ~~ومن قاله : فقد كذب على الله ، وأيضا إنما فيها الأمر لهم بما يوجب طهارتهم ~~، وذهاب الرجس عنهم ، فإن الإرادة فيها كقوله : @QB@ يريد الله ليبين لكم ~~@QE@ الآية وكقوله : @QB@ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ~~ليطهركم @QE@ ومعناها الأمر والمحبة ، ليست إرادة لمشيئته المستلزمة لوقوع ~~المراد ، وهذا على قول هؤلاء الشيعة القدرية أظهر فعندهم أنه يريد مالا ~~يكون وحديث الكسا يرد عليهم من وجهين : أحدهما الدعاء بذلك ، ولو وقع لأثنى ~~على الله بوقوعه ، وشكره لا يقتصر على الدعاء والثاني أنه قادر على إذهاب ~~الرجس عنهم ومما يبين تضمنها للأمر والنهي قوله في سياق الكلام : @QB@ يا ~~نساء النبي من يأت منكن @QE@ الآية فدل على أنه أمر ونهي ، وأن أزواجه من ~~أهل بيته فالسياق في خطابهن ويدل PageV01P176 على أنه عم غيرهن لذكره بصيغة ~~التذكير لما اجتمع المذكر والمؤنث ، وهؤلاء خصوا بكونهم من أهل البيت فلهذا ~~خصهم بالدعاء ، كما أن مسجد قباء أسس على التقوى فتناول اللفظ لمسجده أولى ~~، واختلف أهل أزواجه من آله هما روايتان عن أحمد : أصحهما أنهن من آله ، ~~لما في الصحيحين اللهم صلي على محمد ، وعلى أزواجه ، وذريته إلى آخره ، ~~وتحريم الصدقة ، من التطهير الذي أراده الله ، لأنها أوساخ ms122 الناس ، وقوله ~~في آية المودة غلط ، ابن عباس من كبار أهل البيت ، وأعلمهم بتفسير القرآن ~~يدل عليه أنه لم يقل إلا المودة لذوي القربى كما في آية الخمس ، والرسول لا ~~يسأل أجرا أصلا ، وأنما أجره على الله وعلى المسلمين موالاتهم ، لكن بأدلة ~~أخرى والآية مكية قبل تزوج علي بفاطمة وأما آية الابتهال فخصهم لأنهم أقرب ~~إليه من غيرهم ، فإنه لم يكن له ولد ذكر إذ ذلك وبناته لم يبق منهن إلا ~~فاطمة فإن المباهلة سنة تسع ، وهي تدل على كمال اتصالهم به لحديث الكساء ، ~~ولا يقتضي أن يكون الواحد منهم أفضل من سائر المؤمنين ، ولا أعلم لأن ذلك ~~بكمال الإيمان ، والتقوى لا بقرب النسب ، وحديث المؤاخاة موضوع وقوله : ~~@QB@ وأنفسنا وأنفسكم @QE@ كقوله : @QB@ ولا تقتلوا أنفسكم @QE@ وقوله لعلي ~~: ( أنت مني وأنا منك ) قاله لغيره ، وقوله : @QB@ ومن قتله منكم متعمدا ~~@QE@ فالقائلون بوجوب الجزاء على المخطيء يستدلون بالسنة ، والآثار ، ~~والقياس على القتل خطأ ويقولون خص الله PageV01P177 المتعمد لذكره من ~~الأحكام ما يختص به من الانتقام ومثله : @QB@ وإذا ضربتم في الأرض فليس ~~عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا @QE@ أراد ~~قصر العدد والأركان ، وهو يتعلق بالسفر ، والخوف ، ولا يلزم من اختصاص ~~المجموع بالأمرين أن لا يثبت أحدهما مع أحد الأمرين وله نظائر . | ( 132 ) ~~قال تعالى : ^ ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح ~~إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ) ^ فإن المماثل له إما أن يقول ~~الله أوحى إلي ، أو يقول أوحى إلي ، أو ألقى إلي ، ولا يسمى القائل أو ~~يضيفه إلى نفسه فإنه إذا جعله من الشياطين لم يقبل ، ومن جعله من الملائكة ~~داخل فيما يضيف إلى الله ، فتبين كيف جعل الأولين في حيز الذي جعله وحيا من ~~الله ، أو وحيا ولم يسم الموحى فإنهما جنس واحد ، في إدعا جنس الأنباء ، ~~وجعل الآخر في حيز بهؤلاء الثلاثة المدعون لجنس النبوة ، وقد تقدم قبلهم ~~الكذب لها فهذا يعم جميع أصول الكفر ، وهذه هي ms123 أصول البدع التي تردها وهذه ~~الضلالات إنما تطرق من لم يعتصم بالكتاب والسنة كما قال الزهري ، كان ~~علماؤنا يقولون . . الاعتصام بالسنة نجاة ، وقال مالك : السنة سفينة نوح من ~~ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق ، وذلك أنها هي الصراط المستقيم الذي يوصل ~~العباد إلى الله ، والرسول هو الهادي الخريت ، ومن أصول الإيمان الله ~~PageV01P178 يثبت الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة وفي الآخرة ، كما ~~قال تعالى : @QB@ ضرب الله مثلا كلمة طيبة @QE@ الآية والكلمة أصل العقيدة ~~، فالاعتقاد الكلمة التي يعتقدها المرء ، وأطيب الكلم كلمة التوحيد ، وأخبث ~~الكلم كلمة الشرك ، ولهذا قال سبحانه : @QB@ ما لها من قرار @QE@ ولهذا كل ~~ما بحث الباحث ، وعمل العامل على هذه الكلمات والعقائد الخبيثة لا يزداد ~~إلا ضلالا ، وعلما ببطلانها ، ولهذا قال : @QB@ والذين كفروا أعمالهم كسراب ~~@QE@ الآية وهؤلاء يعيبون منازعهم ، إما بعدم التمييز بين الحديث الصحيح ~~وغيره ، وأما لأن اتباع الحديث في مسائل الأصول لا يفيد ذلك ، أو لا يفي به ~~، فالأمر يرجع إلى أحد أمرين إما ريب في الإسناد ، أو أن ما فهموه لا يعلم ~~من اللفظ لما فيه من الاحتمال ، ولا ريب أن هذا عمدة كل زنديق منافق يبطل ~~العلم الذي بعث الله به رسله تارة ، يقول لا نعلم أنهم قالوه ، وتارة يقول ~~لا نعلم ما أرادوا بهذا القول ، ولمعنى انتفاء العلم بقولهم لم نستفد علما ~~من جهتهم فيتمكن بعد ذلك أن يقول ما يقول آمنا أن نعارض بآثار الأنبياء ، ~~وهذا عين الطعن في النبوة ولما بلغ الإمام أحمد عن ابن أبي قتيلة أنه قال ~~أصحاب الحديث قوم سوء فقام أحمد وهو ينفض ثوبه ويقول : زنديق زنديق فإنه ~~عرف مغزاه ، وعيب المنافقين للعلماء ، وبما جاء به الرسول قديم من ~~المنافقين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنهم يدعون ~~القراء فقالوا : ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء الخ . والصحابة يعلمون ما جاء ~~به ، وفيه بيان الحجة على بطلان كفر كل كافر وبيان PageV01P179 ذلك بقياس ~~صحيح أحق وأحسن بيانا من مقاييس أولئك الكفار ، كما قال : @QB@ ولا يأتونك ms124 ~~بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا @QE@ أخبر سبحانه أن الكفار لا يأتون ~~بقياس عقل لباطلهم إلا جاء الله بالحق ، وجاء من البيان والدليل وضرب المثل ~~ما هو أحسن كشفا للحق من قياسهم ، وجميع ما يقولون مندرج في علم الصحابة ، ~~والآية ذكرها الله بعد قوله : @QB@ وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا ~~القرآن مهجورا وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ~~ونصيرا @QE@ فبين أن من هجر القرآن فهو من أعداء الرسل ، وأن هذا الأمر لا ~~بد منه إلى قوله @QB@ ويوم يعض الظالم على يديه @QE@ إلى قوله @QB@ خذولا ~~@QE@ ، والله أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم إلى العالمين ، وضرب الأمثال ~~فيما أرسله به لجميعهم ، كما قال : @QB@ ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من ~~كل مثل لعلهم يتذكرون @QE@ فأخبر أنه ضربها لجميعهم ، وإلا فالمخاطبين بحسب ~~الحاجات كالسلاح في القتال ، فإذا كان العدو في تحصنهم على غير ما كانت ~~عليه فارس والروم كان جهادهم على ما توجبه الشريعة التي مبناها على تحري ما ~~هو لله أطوع ، وللعبد أنفع كرمي أهل الطائف بالمنجنيق ، وكاتخاذ الخندق ، ~~وما أمر به الرسول فهو من الدين الذي شرعه الله ، وإن تنازع أولو الأمر في ~~بعضه وسواء فعل على عهده صلى الله عليه وسلم أو لا ، فما فعل بعده بأمره من ~~قتال المرتدين ، والخوارج المارقين ، وفارس والروم ، PageV01P180 والترك ، ~~وإخراج اليهود ، والنصارى من جزيرة العرب ، وغير ذلك هو من سنته ، ولهذا ~~قال عمر بن عبد العزيز من رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمور بعده ~~سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله ، وكما أن الله بين في كتابه مخاطبة أهل ~~الكتاب وأقام عليهم الحجة برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، وما حرفوا ~~وبدلوا ، وصدق بما جاءت به الرسل حتى إذا سمع ذلك العالم منهم المنصف وجده ~~من أبين الحجة المحاجة ولا تنفع إلا مع العدل ، وإلا فالظالم يجحد الحق ~~الذي يعلمه ، ويمتنع عن النظر والاستماع ، وهو معرض كما أن الإحساس الظاهر ~~كذلك وطالب العلم يجتهد في طلبه من ms125 طرقه ، ولهذا سمي مجتهدا ، ولهذا قال ~~تعالى @QB@ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم ~~@QE@ فالظالم ليس علينا مجادلته بالتي هي أحسن ، فإن حرفوا الكلم أمكن ~~معرفة ذلك ، كما قال تعالى : @QB@ قل فأتوا بالتوراة @QE@ الآية وإذ ذكروا ~~حجة عقلية فهمت أيضا ، وبين ما في القرآن من ردها كالنسخ قال الله تعالى : ~~@QB@ قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم @QE@ وعلى بعض ما ~~في الآية اعتماد جميع المتكلمين حيث قالوا : التكليف إما تابع للمشيئة أو ~~للمصلحة ، وعلى التقديرين فهو جائز ، ثم بين سبحانه وقوعه بتحريم الحلال في ~~التوراة وقد أحلها لإسرائيل ، وأنه تحليل بخطاب ليس لمجرد البقاء على الأصل ~~حتى يكون نسخا ، كما ادعاه بعضهم ، والكلام الذي يخالف القرآن PageV01P181 ~~أو يوافقه من كلام أهل الكتاب والصابئين ، والمشركين فالقرآن فيه تفصيل كل ~~شيء ، كما قال تعالى : ^ ( ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء ) ^ ~~ومعلوم أن الأمة مأمورة بتبليغ القرآن لفظه ومعناه ، وتبليغه لغير العرب ~~بالترجمة ، وإذا تدبر المؤمن العليم سائر مقالات الفلاسفة وغيرهم من الأمم ~~وجد القرآن والسنة كاشفا لأحوالهم ، مبينا لحقهم ، مميزا بين حق ذلك وباطله ~~والصحابة أعلم الخلق به ، وهم أقوم الخلق بجهاد الكفار ، والمنافقين كما ~~قال ابن مسعود من كان مستنا فليستن بمن مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة ~~أولئك أصحاب محمد ، كانوا أبر هذه الأمة قلوبا ، وأعمقها علما ، وأقلها ~~تكلفا قوما اختارهم الله لصحبة نبيه ، ولإقامة دينه ، فاعرفوا لهم حقهم ، ~~وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ، فأخبر عنهم بكمال بر ~~القلوب مع كمال عمق العلم ، وهذا قليل في المتأخرين كما يقال : من العجائب ~~فقيه صوفي ، وعالم زاهد ، فإن أهل بر القلوب يقترن بهم كثير ، لعدم المعرفة ~~التي توجب النهي عن الشر والجهاد ، وأهل التعمق في العلم قد يذكرون من ~~معرفة الشرور والشبهات ، ما يوقعهم في الغي والضلال ، وأكثر المتعمقين في ~~العلم من المتأخرين يقترن به التكلف المذموم من المتكلمين ، والمتعبدين ، ~~وهو القول والعمل بلا علم ، وطلب ما لا يدرك ms126 ، خلافا لما عليه الصحابة ، ~~وهذا من من الله على هذه الأمة ، كما في أثر المسيح ' أهب لهم من علمي ~~وحلمي ' وهذا من خواص متابعة الرسول ، فمن كان له أتبع كان فيه أكمل ، ~~PageV01P182 كما قال تعالى : @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله @QE@ إلى آخر السورة ثم ذكر حديثي أبي موسى ، وابن عمر ، فدل الكتاب ~~والسنة على أن الله يؤتي أتباع الرسول من فضله ما لم يؤته لأهل الكتابين ، ~~فكيف بغيرهم ؟ والمقصود ذكر الطريقة العلمية والعملية ، فمتى كان غير ~~الرسول قادرا على علم ذلك أو بيانه أو محبة نفاذه فهو أعلم بذلك ، وأحرص ~~على الهدى ، وأقدر منه على بيانه . | ( 133 ) اعلم أن الله سبحانه علم آدم ~~الأسماء كلها ، وميز كل مسمى باسم يدل على ما يفصله من الاسم المشترك ، وما ~~يخصه دون ما سواه ويبين به ما يرتسم معناه في النفس ، ومعرفة حدود الأسماء ~~واجبة ، لأن بها قيام مصلحة الآدميين في المنطق الذي جعله الله رحمة لهم ، ~~لا سيما حدود ما أنزل الله من الأسماء كالخمر والربا فهذه الحدود هي ~~المميزة بين ما يدخل في المسمى وما يدل عليه من الصفات ، وبين ما ليس كذلك ~~، ولهذا ذم الله من سمى الأشياء بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان ، كآلهة ~~الأوثان ، فالأسماء المنطقية سمعية ، أما نفس تصور معانيها في الباطن ففطري ~~يعرف بالحس الباطن ، والظاهر ، وبإدراك الحس وشهوده يبصر الإنسان الأشياء ~~بباطنه ، وظاهره ، وبسمعه . بعلم أسمائها وبفؤاده يعقل الصفات المشتركة ، ~~والمختصة ، والله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا ، وجعل لنا السمع ~~والأبصار ، والأفئدة فأما الحدود المتكلفة فليس فيها فائدة لا في العقل ، ~~ولا في الحس ، ولا في السمع ، إلا ما هو كالأسماء مع التطويل أو ما هو ~~كالتمييز بسائر الصفات ، والله سبحانه علم الإنسان البيان كما قال تعالى : ~~PageV01P183 @QB@ الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان @QE@ وقال ~~@QB@ وعلم آدم الأسماء كلها @QE@ وقال : @QB@ علم الإنسان ما لم يعلم @QE@ ~~والبيان بيان القلب واللسان ، كما أن العمى والبكم يكون بالقلب واللسان ، ~~كما قال تعالى ms127 : @QB@ صم بكم عمي @QE@ وقال صلى الله عليه وسلم ' فإنما ~~شفاء العي السؤال ' ، وفي الأثر ' العي عن القلب لا عن اللسان ' وقال : ( ~~شر العمى عمى القلب ) وكان ابن مسعود يقول ، إنكم في زمان كثير فقهاؤه قليل ~~خطباؤه ، وسيأتي عليكم زمان قليل فقهاؤه كثير خطباؤه وأما بيان اللسان ~~وخطابه فيحمد منه البلاغ ويذم منه ( التشدق والتفهيق ) وتبين الأشياء ~~بالقلب ضد اشتباهها عليه ، كقوله الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات ، ~~وقرىء @QB@ ولتستبين سبيل المجرمين @QE@ بالرفع والنصب أي تستبين أنت ~~سبيلهم ، فالأشياء لتستبين الأشياء ، وهم يقولون بين الشيء ، وبينته وتبين ~~وتبينته ، واستبان . . واستبنته ، كل هذا يستعمل لازما ومتعديا ، فقوله : ~~@QB@ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا @QE@ هنا متعد وقوله : @QB@ فاحشة مبينة ~~@QE@ فهنا لازم ، فالبيان بمعنى تبيين الشيء وبمعنى بينت الشيء ، أي أوضحته ~~، وهذا هو الغالب ، كقوله : ' إن من البيان لسحرا ' PageV01P184 أو المقصود ~~ببيان الكلام حصول البيان للقلب ، والذي لا يستبين له فهو كما قال : @QB@ ~~والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى @QE@ وقال : @QB@ يبين الله ~~لكم أن تضلوا @QE@ وقوله : @QB@ قل إني على بينة من ربي @QE@ فأما الأشياء ~~المعلومة التي ليس في زيادة وصفها إلا كثرة كلام ، وتفهيق ، وتشدق ، ~~والتكلم والإفصاح بما يستقبح ذكره فهذا مما ينهى عنه ، كقوله : ' إن الله ~~يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تخلل البقرة بلسانها ' وفي ~~الحديث الحياء والعي شعبتان من الإيمان ، والبذا والبيان شعبتان من النفاق ~~، وأما متى أدخل أحدهما الحد ما أخرجه الآخر أو بالعكس فهذا علم يستفاد به ~~حد الاسم ، ومعرفة عمومه ، وخصوصه ، مثل الكلام في حد الخمر هل هو عصير ~~العنب المشتد أو كل مسكر ، وحد الغيبة ، ونحو ذلك ، وقوله الكبر بطر الحق ، ~~وغمط الناس ، فقوله : ' كل مسكر خمر ، وكل خمر حرام ' لم يذكره للاستدلال ~~على منازع بهذا التركيب ، بل أراد أن يبين لهم أن جميع المسكرات داخلة في ~~مسمى الخمر ، فهو كقوله في حديث أبي موسى ، لما سئل عن أنواع فقال : كل ~~مسكر حرام ، فأراد أن يبين لهم بالكلمة الجامعة وهي القضية الكلية أن ms128 كل ~~مسكر خمر ، ثم جاء بما كانوا يعلمونه من أن كل خمر حرام ليثبت تحريم المسكر ~~في قلوبهم ، كما صرح به في قوله كل مسكر حرام ، ولو اقتصر على قوله كل مسكر ~~حرام لتأوله متأول على أنه أراد القدح الآخر كما تأوله بعضهم ، ولهذا قال ~~أحمد : قوله : كل مسكر خمر أبلغ فإنهم لا يسمون القدح PageV01P185 الآخر ~~خمرا ، ولو قال كل مسكر خمر لتأوله بعضهم على أنه يشبه الخمر في التحريم ~~فلما قال وكل خمر حرام علم أنه أراد به دخوله في اسم الخمر التي حرمها الله ~~. | ( 134 ) وقال في كلامه على علم المنطق وعلم الكلام لما ذكر أن في ~~كلامهم شيئا من الحق ، وكذلك أعمالهم مع أن ما يأمرون به من العلوم ~~والأعمال والأخلاق لا تكفي في النجاة من عذاب الله فضلا عن أن تكون محصلة ~~لنعيم الآخرة ، ثم ذكر الآيات منها قوله : ^ ( ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) ^ الآيات وكذلك قوله : ~~@QB@ فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم @QE@ إلى آخر ~~السورة فأخبر هنا بمثل ما في الأعراف ، فإن هؤلاء المعرضين عما جاءت به ~~الرسل لما رأوا بأس الله وحده تركوا الشرك ، وكذلك أخبر عن فرعون وهو كافر ~~بالتوحيد والرسالة ، وقال : @QB@ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ~~@QE@ الآيات وهذا في القرآن في مواضع يبين أن الرسل أمروا بالتوحيد بعبادته ~~وحده لا شريك له ، ونهوا عن عبادة شيء سواه أو اتخاذه إلها ، ويخبر أن أهل ~~السعادة أهل التوحيد ، وأن المشركين أهل الشقاء ، وبين أن الذين لم يؤمنوا ~~بالرسالة مشركون فعلم أن التوحيد والإيمان بالرسالة متلازمان ، وكذلك ~~الإيمان باليوم الآخر فالثلاثة متلازمة ، ولهذا يجمع بينهم ، في مثل قوله : ~~^ ( ولا تتبع أهواء PageV01P186 الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون ~~بالآخرة وهم بربهم يعدلون ) ^ وأخبر عن جميع الأشقياء أن الرسل أنذرتهم ~~باليوم الآخر ، وأخبر أن من آمن بالرسل ، وأصلح من الأولين والآخرين فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون ومثل قوله : ^ ( إن ms129 الذين آمنوا والذين هادوا ) ^ ~~الآية فذكر أن المؤمنين من هؤلاء هم أهل النجاة والسعادة ، وكذلك الإيمان ~~بالرسل كلهم متلازم ، وذلك : ^ ( إن الذين يكفرون بالله ورسله ) ^ الآية ~~فهذه الأصول الثلاثة التوحيد والإيمان بالرسل واليوم الآخر متلازمة ، وقال ~~: ^ ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن ) ^ الآيات أخبر أن ~~جميع الأنبياء لهم أعداء يوحي بعضهم إلى بعض القول المزخرف وهو المزين ~~بغروره به والغرور التلبيس وهذا شأن كل كلام ، وكل عمل يخالف ما جاءت به ~~الرسل من أمر المتفلسفة والمتكلمين وغيرهم من الأولين والآخرين ، ثم قال : ~~^ ( ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه ) ^ فأخبر أن كلام ~~أعداء الرسل يصغي إليه الذين لا يؤمنون بالآخرة ، فعلم أن مخالفة الرسل ، ~~وترك الإيمان بالآخرة متلازمان ، فمن لم يؤمن بها صغى إلى زخرفة أعدائهم ~~فخالف الرسل كما هو موجود في أصناف الكفار ، والمنافقين في هذه الأمور ~~ولهذا قال : ^ ( ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم ) ^ الآيتين أخبر أنهم ~~يقولون إذا جاء تأويله PageV01P187 جاءت رسل ربنا بالحق ، وهذا كقوله : ^ ( ~~فمن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ) ^ الآيات أخبر أن الذين تركوا اتباع ~~آياته يصيبهم ذلك ، فتبين أن أصل السعادة والنجاة من العذاب هو التوحيد ~~واتباع الرسل ، والإيمان . . بالآخرة والعمل الصالح ، وهذه الأمور ليست في ~~حكمتهم ليس فيها التوحيد بل كل شرك في العالم إنما حدث برأي جنسهم إذا ~~بينوا ما في الأرواح والأجسام من القوى والطبائع ، وأن صناعة الطلاسم ~~والشرك يورث منافع ويدفع مضار ، فهم الآمرون بالشرك والفاعلون له ، ومن لم ~~يأمر منهم به لم ينه عنه ، بل يقر هؤلاء وهؤلاء وإن رجح الموحدين ترجيحا ما ~~فقد يرجح غيره من المشركين ، وقد يعرض عن الأمرين جميعا ، فتدبر هذا فإنه ~~نافع جدا وقد رأيت من مصنفاتهم في عبادة الملائكة ، والأنفس المفارقة أنفس ~~الأنبياء وغيرهم ما هو أصل الشرك ، وإن ادعوا التوحيد فهو بالقول لا بالعمل ~~، التوحيد لا بد فيه من الإخلاص في العبادة ، وهذا شيء لا يعرفونه ، ~~وتوحيدهم الذي يدعونه هو التعطيل ، وفيه من الكفر والضلال ما ms130 هو من أعظم ~~أسباب الإشراك ، فلو كانوا موحدين بالكلام فهو لا يكفي بالنجاة والسعادة بل ~~لا بد أن يعبد الله وحده ، ويتخذه إلها دون ما سواه ، وهو معنى قول لا إله ~~إلا الله فكيف وهم في الكلام معطلون ، وأما الإيمان بالرسل فالذين دخلوا في ~~الملل منهم آمنوا ببعض صفات الرسل ، وكفروا ببعض ، وأما اليوم الآخر ~~فأحسنهم حالا من يقر بمعاد الأرواح ، وقد أضلوا بشبهاتهم من المنتسبين إلى ~~الملل ما لا يحيط به إلا الله ، وإذا كان ما تحصل به السعادة والنجاة ليس ~~عندهم كان ما يأمرون PageV01P188 به من الأخلاق والأعمال والسياسات هو كما ~~قال الله تعالى : @QB@ يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم ~~غافلون @QE@ والقوم وإن كان لهم ذكاء وفطنة ، وفيهم زهد ، وأخلاق ، فهذا لا ~~يوجب السعادة والنجاة إلا بالأصول المتقدمة وإنما قوة الذكاء بمنزلة قوة ~~البدن والإرادة ، فالذي يؤتى فضائل علمية وإرادية بدون تلك الأصول بمنزلة ~~من يعطى قوة في بدنه بدونها ، وأهل الرأي والعلم بمنزلة أهل الملك والإمارة ~~، وكل منهم لا ينفعه ذلك إلا بالأصول المتقدمة فمن لم يأت بها خلد في ~~العذاب إذا قامت عليه الحجة بالرسل ، ولما كان كل واحد من أهل الملك والعلم ~~قد يعارضون الرسل وقد يتابعونهم ذكر الله في كتابه في غير موضع ، فذكر ~~فرعون ، والذي حاج إبراهيم في ربه والملأ من قوم نوح ، وغيرهم ، وذكر قول ~~علمائهم ، كقوله : @QB@ فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من ~~العلم @QE@ الآية وقال : @QB@ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا ~~يغررك تقلبهم في البلاد @QE@ الآيات إلى قوله @QB@ الذين يجادلون في آيات ~~الله @QE@ الآيات ولهذا قال ابن عباس : كل سلطان في القرآن فهو الحجة وذكر ~~في ( حم غافر ) من حال مخالفي الرسل من الملوك والعلماء واستكبارهم ما فيه ~~عبرة ، مثل قوله @QB@ الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في ~~صدورهم إلا كبر @QE@ الآية وقوله : @QB@ ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات ~~الله أنى يصرفون @QE@ وذكر في سورة الأنعام ، والأعراف وعامة السور ms131 ~~PageV01P189 المكية ، وطائفة من السور المدنية حالهم فإنها تشتمل على ~~خطابهم ، وضرب الأمثال والمقاييس لهم وذكر قصصهم ، وقصص الأنبياء وأتباعهم ~~معهم ، ولهذا قال تعالى : ^ ( ولقد مكناهم في ما إن مكناكم فيه ) ^ الآية ~~فأخبر بما مكنوا فيه من أصناف الإدراكات ، والحركات وأن ذلك لم يغن عنهم ~~حيث جحدوا بالرسالة ، ولهذا حدثني ابن الخضيري عن أبيه شيخ الحنفية في زمنه ~~قال : كان فقهاء بخارى يقولون في ابن سينا : كان كافرا ذكيا ، وقال تعالى : ~~^ ( أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم ~~كانوا هم أشد منهم قوة ) ^ الآية والقوة تعم قوة الإدراك النظرية ، وقوة ~~الحركة العملية ، وفي الآية الأخرى ^ ( كانوا أشد منهم قوة وآثارا في الأرض ~~) ^ فأخبر بفضلهم في الكم والكيف ، وقال عن اتباع هؤلاء الأئمة من أهل ~~الملك والعلم المخالفين للرسل @QB@ يوم تقلب وجوههم في النار @QE@ الآيات ~~وقال : @QB@ وإذ يتحاجون في النار @QE@ الآيات ومثل هذا في القرآن كثير ، ~~وذكر ما في المنتسبين إلى اتباع الرسل من العلماء ، والعباد ، والملوك من ~~النفاق ، والضلال في مثل قوله : @QB@ يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من ~~الأحبار والرهبان @QE@ الآيات وقوله : @QB@ ويصدون عن سبيل الله @QE@ ~~يستعمل لازما ومتعديا والوصفان يجتمعان فيهم ، وقوله : ^ ( ألم تر ~~PageV01P190 إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ) ^ ~~الآية وفي الحديث ' مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ' الخ فتبين ~~أن في من يقرأ القرآن مؤمنين ومنافقين ، وإذا كانت سعادة الأولين والآخرين ~~هي باتباع المرسلين فمن المعلوم أن أحق الناس بذلك أعلمهم بآثارهم ، ~~وأتبعهم لها وهم الطائفة الناجية من كل أمة ، وهم أهل السنة والحديث من هذه ~~الأمة ، وأهل الكلام أكثر الناس شكا ، وأضعفهم علما ويقينا ، وهذا أمر ~~يشهدونه من أنفسهم ويشهده الناس منهم ، وشواهده أعظم من أن تذكر هنا ، وقيل ~~إن الأشعري مع كونه أقربهم إلى السنة والحديث وأعلمهم به صنف في آخر عمره ~~كتابا ، وكما في الأدلة يعني أدلة أهل الكلام ، قال أبو حامد أكثر الناس ~~شكا عند الموت أصحاب الكلام والرازي من أعظم الناس في ms132 باب الحيرة لكن هو ~~مسرف فيه ، له تهمه في التشكيك والشك في الباطل خير من الثبات على اعتقاده ~~، لكن قل أن ثبت أحد على باطل محض ، بل لا بد فيهم من نوع من الحق ، وتوجد ~~الردة فيهم كثيرا كالنفاق ، وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال لم ~~تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها ، لكن يقع ذلك في طوائف منهم في أمور يعلم ~~العامة والخاصة ، بل اليهود والنصارى . . يعلمون أن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم بعث بها وكفر من خالفها مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له ، ونهيه ~~عن عباده غيره ، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام ، ومثل أمره بالصلوات الخمس ~~تعظيم شأنها ، ومثل معاداة المشركين ، وأهل الكتاب ، ومثل تحريم الفواحش ~~والميسر ، ونحو ذلك ، ثم تجد كثيرا من PageV01P191 رؤسهم وقعوا في هذه ~~الأنواع فكانوا مرتدين ، وإن كانوا قد يتوبون كالأقرع وعيينة ونحوهما ، فإن ~~فيهم من يتهم بالنفاق ومرض القلب ، هم لما فيه من العلم يشبهون ابن أبي سرح ~~لما ارتد ثم عاد إلى الإسلام ، ومن صنف في المشركين أحسن أحواله أن يكون ~~عاد إلى الإسلام ، وكثير منهم هكذا تجده تارة يرتد ردة صريحة ، وتارة يعود ~~مع مرض في قلبه ونفاق ، والحكايات عنهم بذلك مشهورة ، وقد ذكر ابن قتيبة ~~منها طرفا ، وصنف الرازي كتابه في عبادة الكواكب والأصنام وأقام الأدلة على ~~حسنه ورغب فيه ، وهذه ردة عن الإسلام إجماعا . | ( 135 ) العلم يحصل في ~~النفس كما يحصل سائر الإدراكات والحركات بما يجعله الله من الأسباب وعاء ، ~~وعامة ذلك من الملائكة ، فإن الله ينزل بها على قلوب عباده من العلم والقوة ~~وغير ذلك ما يشاء ، كما قال صلى الله عليه وسلم لحسان ' اللهم أيده بروح ~~القدس ' ، وقال تعالى : @QB@ وأيدهم بروح منه @QE@ وذكر صلى الله عليه وسلم ~~فيمن لم يطلب القضا بعث الله له ملكا يسدده ، وقال ابن مسعود ( كنا نتحدث ~~أن السكينة تنطق على لسان عمر ) وقال أن للملك لمة ، وللشيطان لمة . . فلمة ~~الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق ، ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب ms133 بالحق ~~هذا محفوظ عنه ، وربما رفعه بعضهم ، وهو جامع لأصول ما يكون من العبد من ~~علم وعمل ، وذلك أن العبد له قوة الشعور وقوة الإرادة والحركة ، وإحداهما ~~أصل الثانية مستلزمة لها ، والثانية مستلزمة للأولى ، ومكملة لها فبالأولى ~~PageV01P192 يصدق بالحق ويكذب بالباطل وبالثانية يحب النافع ويبغض الضار ، ~~والله سبحانه خلق عباده على الفطرة التي فيها معرفة الحق والتصديق به ، ~~ومعرفة الباطل والتكذيب به ، ومعرفة النافع والمحبة له ، ومعرفة الضار ~~والبغض له ، فما كان حقا موجودا صدقت به الفطرة وما كان حقا نافعا أحبته ~~واطمأنت إليه ، وذلك هو المعروف ، وما كان باطلا معدوما كذبت به الفطرة ~~وأبغضته وأنكرته قال تعالى : @QB@ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر @QE@ ~~والإنسان حارث همام ، فهو دائم يهم ويعمل لكن لا يعمل إلا لما يرجو به ~~منفعة ، أو دفع مضرة لكن قد يكون ذلك الرجاء مبنيا على اعتقاد باطل إما في ~~نفس المقصود فلا يكون نافعا ولا ضارا وإما في الوسيلة فلا يكون طريقا إليه ~~، هذا جهل ، وقد يعلم أن الشيء يضره ويفعله ، ويعلم أنه ينفعه ويتركه ، لأن ~~ذلك العلم عارضه ما في نفسه من طلب لذة أخرى ، أو دفع ألم آخر ، فيكون ~~جاهلا ظالما حيث قدم هذا على ذلك ، ولهذا قال أبو العالية : سألت أصحاب ~~محمد عن قوله : @QB@ يعملون السوء بجهالة @QE@ فقالوا : كل من عصى الله فهو ~~جاهل ، فإذا كان الإنسان لا يتحرك إلا لرجا وإن كان راهبا لم يسع إلا بما ~~يزيل ذلك والرجاء لا يكون إلا بما يلقى في نفسه من الإيعاد للخير الذي هو ~~طلب المحبوب وفوات المكروه ، فكل بني آدم له اعتقاد ، فيه تصديق بشيء ، ~~وتكذيب بشيء ، وله قصد وإرادة لما يرجوه مما هو عنده محبوب ممكن الوصول ~~إليه والله خالق العبد ليصدق بالحق ، ويقصد الخير فيرجوه بعمله ، فإذا كذب ~~بالحق ، ولم يرج PageV01P193 الخير فيقصده ويعمل له كان خاسرا بترك التصديق ~~بالحق ، وطلب الخير ، فكيف إذا كذب بالحق وكره إرادة الخير فكيف إذا صدق ~~بالباطل وأراد الشر ؟ فذكر ابن مسعود أن لقلب ابن آدم ms134 لمة من الملك ، ولمة ~~من الشيطان فلمة الملك تصديق بالحق ، وهو ما كان من جنس الإعتقاد الصحيح ~~وإيعاد بالخير ، وهو ما كان من جنس إرادة الخير ولمة الشيطان من جنس ~~الإعتقاد الفاسد ، وهو التكذيب بالحق وإيعاد بالشر وهو ما كان من جنس إرادة ~~الشر ، وظن وجوده أما مع رجاءه إن كان مع هوى النفس وأما مع خوفه إن كان ~~غير محبوب لها ، وكل من الرجا والخوف مستلزم للآخر ، فمبدأ العلم والحق ~~والإرادة الصالحة من لمة الملك ومبدأ الإعتقاد الباطل ، والإرادة الفاسدة ~~من لمة الشيطان قال تعالى : @QB@ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ~~@QE@ ، وقال : @QB@ إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه @QE@ أي يخوفكم أولياءه ~~، وقال : @QB@ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم @QE@ الآية ، والشيطان وسواس ~~خناس ، إذا ذكر العبد ربه خنس ، وإذا غفل عن ذكره وسوس ، فلهذا كان ذكر ~~الله سببا ، ومبدأ لنزول العلم ، والحق والإرادة الصالحة في القلب ، وكانت ~~الغفلة عن ذكر الله سببا ومبدأ لنزول الإعتقاد الباطل ، والإرادة الفاسدة ~~في القلب ، ومن ذكر الله تعالى تلاوة كتابه ، وفهمه ، ومذاكرة العلم كما ~~قال معاذ ، ومذاكرته تسبيح ، وتنازع أهل الكلام في حصول العلم في القلب ~~عقيب النظر في البديل ، وقال بعضهم PageV01P194 ذلك على سبيل التولد ، وقال ~~آخرون بل يفعله الله ، والنظر إما متضمن للعلم ، وأما موجب له ، وهذا صحيح ~~بناء على أن الله معلم كل علم ، لكنه مجمل ليس فيه بيان السبب الخاص المضاف ~~إلى الملائكة في الجملة ، فإن الله سبحانه يدبر أمر السماء والأرض بملائكته ~~، التي هي السفراء في أمره ، ولفظ الملائكة يدل على ذلك ، وبذلك أخبرت ~~الأنبياء ، وشهد الكتاب والسنة من ذلك بما لا يتسع له هذا الموضع ولكن يعلم ~~أن المبدأ في شعور النفس وحركاتها هم الملائكة والشياطين ، فالملك يلقي ~~التصديق بالحق والأمر بالخير ، والشيطان يلقى التكذيب بالحق ، والأمر بالشر ~~، والتصديق والتكذيب مقرون بالنظر ، كما أن الأمر والنهي مقرون بالإرادة ، ~~فإذا كان النظر في دليل هادي كالقرآن وسلم من معارضات الشياطين تضمن العلم ~~والهدى ، ولهذا أمر العبد بالاستعاذة عند القراءة ، وإذا كان النظر ms135 في دليل ~~مضل ، والناظر يعتقد صحته بأن يكون مقدمتاه أو أحدهما متضمنة للباطل ~~ويكونان صحاح لكن التأليف غير مستقيم ؛ صار في القلب به اعتقاد فاسد وهو ~~غالب الشبهات المخالفة للكتاب والسنة ، وإذا كان الناظر لا بد له من متصور ~~فيه والنظر في نفس المتصور المطلوب حكمه لا يفيد علما بل ربما حصل له بسببه ~~أنواع من الشبهات يحسبها أدلة لفرط تعطش القلب إلى معرفة حكم تلك المسألة ، ~~وأما النظر المفيد للعلم هو ما كان في دليل هادي ، والدليل الهادي على ~~العموم هو كتاب الله وسنة نبيه ، فالذي جاءت به الشريعة من نوعي النظر هو ~~ما ينفع وهو بذكر الله ، وما نزل من الحق ، فإذا أراد النظر في الأدلة ~~المطلقة من غير تعيين مطلوب PageV01P195 ففي كتاب الله وتدبره ، كما قال ~~تعالى : @QB@ قد جاءكم من الله نور @QE@ الآيتين وقال : @QB@ وكذلك أوحينا ~~إليك روحا من أمرنا @QE@ الآية وأما النظر في مسألة معينة لطلب حكمها ~~والعبد لا يعرف ما يدله عليه فهذا النظر لا يفيد ، بل قد يقع له تصديقات ~~يحسبها حقا ، وهي من إلقاء الشيطان ، وقد يقع له تصديقات من إلقاء الملك ، ~~وكذلك إذا كان النظر في دليل هادي وهو القرآن فقد يفهم مقصود الدليل فيهتدي ~~وقد لا يفهمه أو يحرفه عن مواضعه فيضل به ، ويكون ذلك من إلقاء الشيطان ، ~~كما قال تعالى : @QB@ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد ~~الظالمين إلا خسارا @QE@ وقال @QB@ يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا @QE@ وقال ~~: @QB@ فزادتهم رجسا إلى رجسهم @QE@ وقال : @QB@ والذين لا يؤمنون في ~~آذانهم وقر وهو عليهم عمى @QE@ فالناظر في الدليل كالمترائي للهلال ، قد ~~يراه ، وقد لا يراه لعشى في بصره ، وكذلك عمى القلب ، فأمر الله بما ينزل ~~على قلبه الأسباب الهادية ، ويصرف عنه الأسباب المعوقة وهو ذكر الله ، وذكر ~~الله يعطي الإيمان ، وهو أصل الإيمان ، والله سبحانه رب كل شيء ومليكه ، ~~وهو معلم كل علم وواهبه فكما أن نفسه أصل لكل موجود فذكره والعلم به ~~PageV01P196 أصل لكل علم وذكر في القلب ، والقرآن ms136 يعطي العلم المفصل فيزيد ~~الإيمان ، كما قال جندب : ' تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا ~~إيمانا ' ولهذا كان أول ما نزل اقرأ باسم ربك ، فأمره أن يقرأ باسمه فتضمن ~~الأمر بذكر الله ، وبما أنزل من الحق ، وقال ( باسم ربك إلى قوله ما لم ~~يعلم ) ذكر سبحانه أنه خلق الأعيان الموجودة عموما وخصوصا ، وهو الإنسان ، ~~وأنه المعلم للعلم عموما وخصوصا للإنسان ، وذكر التعليم بالقلم لأنه آخر ~~المراتب يستلزم تعلم القول والعلم الذي في القلب ، وحقيقة الأمر أن العبد ~~مفتقر إلى ما يسأله من الهدى فبذكر الله والافتقار إليه يهديه الله ، كما ~~قال : ( يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته ) وكما في حديث الاستفتاح ، اللهم ~~رب جبرائيل . . الخ . . ولا بد أن يكون عند الناظر من العلم الثابت ما لا ~~يحتاج إلى نظر ، فيكون أصلا للتفكر الذي يطلب به معلوم آخر ولهذا كان الذكر ~~متعلقا بالله والتفكر في مخلوقاته ، وفي الأثر تفكروا في المخلوقات ، ولا ~~تفكروا في الخالق ، لأن التفكير في الأمثال والمقاييس وذلك يكون في الأمور ~~المتشابهة ، وهي المخلوقات ، وأما الخالق جل جلاله وسبحانه وتعالى فليس له ~~شبيه ، فالتفكير الذي مبناه على القياس ممتنع فيه ، وإنما هو معلوم بالفطرة ~~، فيذكره العبد وبذلك يحصل من العلم به أمور عظيمة ، أعني العلم به نفسه ، ~~ولهذا كان كثير من أرباب العبادة يأمرون بملازمة الذكر ويجعلونه باب الوصول ~~إلى الحق وهذا حسن إذا ضموا إليه اتباع القرآن والسنة ، واتباع ذلك وكثير ~~من أرباب النظر يأمرون به ، ويجعلونه الطريق إلى معرفة الحق ، والنظر صحيح ~~إذا كان في دليل حق ، فكل من الطريقين فيها حق ، لكن يحتاج إلى الحق التي ~~في الأخرى ، ويجب PageV01P197 تنزيه كل منهما عما دخل فيهما من الباطل ، ~~وذلك باتباع الرسل وقد بسطنا الكلام في هذا في غير هذا الموضع ، وبينا ما ~~جاءت به الشريعة من الطريقة الكاملة الجامعة ، والمقصود هنا أن الإنسان يحس ~~بأنه عالم كما يحس الطعام والشراب ، كذلك العلم طعام القلب وشرابه كما في ~~الحديث ' أن كل أدب يجب أن تؤتي مأدبته ، وأن ms137 مأدبة الله هي القرآن ' . | ~~كما قال تعالى : ^ ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ) ^ الآية وكما ~~في قوله : ( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث ) الحديث ~~فضرب مثل الهدى والعلم الذي ينزل على القلوب بالماء الذي ينزل على الأرض ~~وكما أن لله ملائكة موكلة بالسحاب فله ملائكة موكلة بالهدى هذا رزق الأجساد ~~وهذا رزق القلوب ، ولهذا قال الحسن في قوله : @QB@ ومما رزقناهم ينفقون ~~@QE@ من أعظم النفقة نفقة العلم وقال كعب بن عجرة ألا أهدي لك هدية ، ثم ~~ذكر حديث الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال معاذ ، عليكم بالعلم ~~فإن طلبه عبادة ، وتعلمه لله حسنة ، وبذله لأهله قربة ، وتعليمه لمن لا ~~يعلمه صدقة ، والبحث عنه جهاد ، ومذكراته تسبيح ولهذا كان معلم الخير ~~يستغفر له كل شيء ، وعكسه أولئك الذين يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ، ~~والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا . ختم الكتاب ~~سنة 1227 قال كاتب الأصل آخر ما وجدت من خط ملخصه محمد بن عبد الوهاب - ~~رحمه الله وعفى عنه بمنه وكرمه . PageV01P198 | وأنا أقول قد تم نسخه من ~~الأصل في ش سنة 1357 ه وقد اجتهدت فيما أشكل فشوشت عليه ، وما جزمت عليه ، ~~فأصلحته فمن وجد بخطي شيئا يحتاج إلى تصليح من خطأ وغيره فجزاه الله خيرا ~~يصلحه وله الأجر والثواب . | وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما ~~كثيرا دائما إلى يوم الدين . PageV01P199 ms138