######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0011572 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (المتوفى: 1206هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1206 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مسائل لخصها الشيخ محمد بن عبد الوهاب من كلام بن تيمية (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني عشر) #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: بحوث ومسائل #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0011572 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-11572 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/11572 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: - #META# 041.EdNUMBER :: - #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: جامعة الأمام محمد بن سعود، الرياض، المملكة العربية السعودية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | مقدمة # ... # بسم الله الرحمن الرحيم # تقديم # بعد أن تقرر أن تعقد جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مؤتمرا باسم ~~الشيخ محمد بن عبد الوهاب، شكلت أمانة للإعداد لهذا المؤتمر وتقديم تصور ~~مفصل عنه، ثم وضعه موضع التنفيذ. # وقد بدأت الأمانة عملها بتحديد الهدف العام للمؤتمر بأنه التعريف بالشيخ ~~وتجلية حقيقة دعوته على مستوى العالم الإسلامي، وكشف الشبهات التي أثيرت ~~حولها في بعض البلدان الإسلامية وفي ظل ظروف تاريخية معينة. # وفي سبيل تحقيق هذا الهدف – بصورة علمية صحيحة - رأت الأمانة ضرورة جمع ~~كافة ما كتبه الشيخ من مؤلفات، وتحقيق نسبتها إليه، وتوثيقها ثم نشرها في ~~طبعة خاصة باسم الجامعة، لترسل نسخ منها بعد ذلك إلى الهيئات والباحثين ~~الذين ستوجه إليهم الدعوة للإسهام في المؤتمر. # وقد راعت الأمانة في ذلك أن كثيرا من الباحثين في البلدان الإسلامية لا ~~تتوافر لديهم مؤلفات الشيخ وآثاره العلمية مما يكون له أثر واضح بلا شك في ~~قصور أو نقص أو خطأ بعض ما قد يكتبونه عن دعوة الشيخ، ومن ثم # PageV01P003 # فلا بد أن تتوافر لديهم آثار الشيخ الصحيحة بصورة موثقة حتى يمكنهم ~~التعرف على حقيقة دعوته والكتابة الموضوعية العلمية عنها. # ومن ثم انطلقت الأمانة تجمع كل ما تيسر لها من مؤلفات الشيخ المطبوعة ~~والمخطوطة وتبحث عنها في كافة مظانها عند أفراد من أسرة الشيخ، وفي ~~المكتبات العامة والخاصة في أنحاء المملكة وخارجها. # وفي هذا المجال نشير بصفة خاصة إلى المجموعة الكبيرة من مخطوطات مؤلفات ~~الشيخ التي وجدت في المكتبة السعودية بدخنة بالرياض، وقد قامت الأمانة ~~بتصوير هذه المخطوطات. كما قامت باستحضار نسخ من مؤلفات الشيخ المطبوعة ~~وذلك بطريق الشراء والهبة، وبطريق الاتصال الشخصي والاستعارة من الأفراد ~~والهيئات بالنسبة لبعض المطبوعات التي يقل وجودها أو يندر. # وأيضا قامت بالاتصال الشخصي ببعض الأفراد الذين لهم اهتمام خاص بالشيخ ~~ودعوته ومؤلفاته أو كتبوا فيها شيئا ذا قيمة. # كما قام بعض أعضاء الأمانة في إجازة صيف 1396ه (1976م) بمراجعة المكتبات ~~الهامة في مصر وغيرها للتعرف على ما قد يكون للشيخ ms001 فيها من مؤلفات، ثم ~~العمل على استحضار ما ييسر للأمانة مهمتها من هذه المؤلفات. # PageV01P004 # ومن حصيلة ذلك كله تجمعت في أمانة المؤتمر نسخ كثيرة من مؤلفات الشيخ ~~مطبوعة ومخطوطة وفي صورة ميكروفيلم. فألفت من بين أعضائها لجنة لتصنيف هذه ~~المؤلفات، تضمنت مهمتها ما يلي: # (أ) النظر في كل مؤلف أو مخطوط والاستيثاق من أنه حقا من مؤلفات الشيخ. # (ب) حصر الموجود من نسخه المطبوعة والمخطوطة، ووصف كل نسخة. # (ج) تسجيل القسم الذي يوضع فيه (العقيدة – الفقه - السيرة – الرسائل ... ~~) . # وأيضا ألفت عدة لجان للتصحيح تضمنت مهمتها ما يلي: # (أ) مقابلة النسخ المخطوطة والمطبوعة من كل مؤلف بعضها على بعض، للحصول ~~على نسخة كاملة متكاملة هي التي تعد للطبع. # (ب) ترقيم الآيات، وذكر سورها، وضبطها شكلا. # (ج) وضع علامات الترقيم والبدء بالفقرات وإبراز العناوين حسب النظام ~~الحديث في الكتابة والطبع. # (د) تحقيق الأمر في صحة نسبة المؤلفات التي تقدم لجنة التصنيف شكا حول ~~صحة نسبتها. # وقد حرصت أمانة المؤتمر على أن تؤلف كل لجنة من لجان التصحيح من العلماء ~~المتخصصين ذوي الصلة الوثيقة بنوع وطبيعة المؤلف الذي يراجعونه، # PageV01P005 # كما حرصت على أن تجمع كل لجنة عددا من العلماء ذوي الخبرات المتكاملة في ~~مجموعها من حيث صلتها بمهمة التصحيح وإتقانها قدر الاستطاعة. وفي هذا ~~استعانت الأمانة ببعض العلماء ذوي الخبرة من غير أعضائها. # ... وبعد فهذه مؤلفات الشيخ تقدمها أمانة المؤتمر متكاملة موثقة كأول ~~ثمرة من ثمار تكوينها وعملها. وقد قصدت بجهودها فيها تجلية حقيقة دعوة ~~الشيخ وتيسير الاطلاع عليها ومراجعتها من مجموع ما كتبه دون إضافة أو حذف ~~أو تعليق، لتتيح للدارسين المنصفين الباحثين عن الحقيقة في ذاتها أن يصلوا ~~بأوثق طريق، بعيدا عن كل تزييف أو تشويه أو ادعاء باطل يحاول صاحبه أن ~~يلبسه ثوب الحق. # وترجو الأمانة أن تكون قد وفقت في عملها هذا كفاء ما بذلته من جهود. # والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى خير سبيل. # أمانة المؤتمر # PageV01P006 # (هذه ### | مسائل) لخصها الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب من كلام ms002 شيخ الإسلام ابن تيمية # رحمهما الله تعالى # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم ~~بإحسان إلى يوم الدين وبعد: # فقد كلفتنا الأمانة العامة لأسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب بمراجعة كتاب ~~الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه من كلام ~~الإمام أبي العباس تقي الدين بن تيمية الحراني الدمشقي رحمه الله، وقد ~~راجعنا النسخة المصورة من مكتبة الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل ~~الشيخ، ويوجد أصلها في المكتبة السعودية بدخنة في المخطوطات برقم 678 / 86 # والكتاب شامل لمسائل عديدة في التوحيد بجميع أنواعه وفي الفقه وأصوله ~~والتفسير وعلومه، لخصها الإمام محمد بن عبد الوهاب من غالب كتب شيخ ~~الإسلام. وقد تبين لنا من خلال قراءة الكتاب أنه غير منتظم العبارات، ويوجد ~~فيه انقطاع في بعض الكلام، ويرجع ذلك والله أعلم إلى تصرف بعض الناسخين. ~~وقد قمنا بإصلاح ما قدرنا على إصلاحه بمراجعة بعض كتب شيخ الإسلام، وجعلنا ~~ذلك بين مربعين صغيرين، كما قمنا بترقيم الآيات، وبعض التعليقات اليسيرة. # PageV01P009 # والله نسأل أن يجعل عملنا خالصا لوجهه مقربا إليه وهو حسبنا ونعم الوكيل ~~وصلى الله على محمد. # 10 / 5 / 1398? # محمد بن عبد العزيز النمي # فهد بن حمين الفهد # PageV01P010 # بسم الله الرحمن الرحيم # (1) إن قوله: "إنما الأعمال بالنيات" 1 عام # خلافا لما عليه أكثر الشراح. # (2) قوله في العزل: "لا عليكم" ثم ذكر القدر أن هذا لا حجة فيه على ترك ~~السبب. لأن الحمل يحصل مع العزل. # (3) قوله: "لا يصيب المؤمن قضاء إلا كان خيرا له" 2 # ورد عليه المعاصي، فأجاب بأن المراد ما أصاب العبد لا ما فعله، وأنه يصير ~~بعد التوبة خير منه قبل الخطيئة. # (4) قوله: "من سعادة ابن آدم الاستخارة والرضاء ... إلخ" 3 # مع ما تقدم قبله قال: الاستخارة قبله، والرضى بعده. وهذا أعلى من الضر ~~والصبر. فلذلك ذكر فيه الرضى. # (5) ذكر أن الصدق لا يكون إلا بالإيمان النافي للريب والجهاد # قال: وهذا هو العهد ms003 المأخوذ على الأمم له صلى الله عليه وسلم "ليؤمنن به ~~ولينصرنه." # (6) ذكر أن أصل الإيمان الصدق، وأصل النفاق الكذب # وذكر أنه يكون في الأقوال وفي الأعمال أيضا، كما يقال حملة صادقة. # (7) حديث محاجة آدم وموسى ... # أن موسى إنما لام على المصيبة لا على الخطيئة. PageV01P011 # (8) قوله "عصفور من عصافير الجنة" 1مع أن الأطفال المسلمين في الجنة # أن المراد الفرق بين المعين وغيره كما يقال: المؤمنون في الجنة ولا يشهد ~~لمعين. # (9) بكاؤه صلى الله عليه وسلم عند موت الطفل، وضحك الفضيل عند موت ابنه ~~... # الأكمل الصبر مع الرحمة.. بخلاف من يبكي على فوات حظه من الميت. # (10) قال: " إن السلف جعلوا سورة الإخلاص أصلا في الرد على المشبهة ~~والمعطلة من قوله: {الله أحد الله الصمد} 2. # (11) قوله: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله.." 3 إلخ # الذي ينفع هو العبادة، أو مباح يستعان به عليها، وكذلك "إن الله يلوم على ~~العجز" 4 إلخ. # (12) قراءته صلى الله عليه وسلم على أبي لم تكن قراءة إبلاغ له بخصوصه. # (13) اليهود تشبه الخالق بالمخلوق، والنصارى تشبه المخلوق بالخالق. # (14) ذكر أن محبة الله أكثر ما تجيء باسم العبادة ... # وإلا فقد ذكر الله محبته في القرآن في مواضع، ومحبة الصالحين من محبته، ~~وإن كانت المحبة التي لا يستحقها غيره، فلهذا جاءت مذكورة بما يختص به من ~~العبادة والإنابة والتبتل ونحو ذلك. فكل هذه الأسماء تتضمن محبته، وكما ~~أنها أصل الدين فكماله بكمالها، كقوله: "وذروة سنامه الجهاد" 5 وهو ~~PageV01P012 # لازم المحبة الكاملة، لقوله تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم} 1 الآية ~~وقال في صفة المحبين: {يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} 2. # وهم الذين يرضى الله لرضاهم، ويغضب لغضبهم، كما قال لأبي بكر: "لئن كنت ~~أغضبتهم لقد أغضبت ربك" 3، إذ هم إنما يرضون لرضاه، ويغضبون لغضبه. وقال: ~~"ما ترددت في شيء ... " 4 إلخ؛ لأن التردد تعارض إرادتين، وهو سبحانه يحب ~~ما يحب عبده، ويكره ما يكره، وقد قضى بالموت وهو يريد إماتته، فسماه ترددا. # (15) كل مولود على الفطرة # فإنه سبحانه فطر ms004 القلوب على أنه ليس في محبوباتها ومراداتها ما تطمئن ~~إليه وتنتهي إليه إلا الله (، وإلا فكل ما أحبه المحب يحبه في نفسه لكن ~~قلبه يطلب سواه ويحب أمرا غيره يتألهه ويضمه إليه، ويطمئن إليه، ويرى ما ~~يشبهه من أجناسه. ولهذا قال: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} 5. # (16) "أين المتحابون بجلالي" # تنبيه على ما في قلوبهم من إجلال الله وتعظيمه مع التحاب، وهؤلاء هم ~~الذين جاء فيهم "وجبت محبتي للمتحابين في والمتباذلين في. إلخ" 6 قاله: ردا ~~على من ترك الخوف مع المحبة. 7 # (17) رؤيته صلى الله عليه وسلم ربه بعيني رأسه، # لم يثبت عنه، ولا عن أحد من الصحابة، ولا الأئمة المشهورين لا أحمد ولا ~~غيره، لكن ثبت PageV01P013 # عن الصحابة كأبي ذر وابن عباس وغيرهما وأحمد بن حنبل أنه رآه بفؤاده كما ~~في صحيح مسلم عن ابن عباس: "رأى محمد ربه بفؤاده مرتين". وثبت عن عائشة ~~الإنكار، فمن العلماء من قال: أنكرت رؤية العين فلا منافاة، ومنهم من جعلها ~~قولين، فمن قال: لا يرى في الآخرة فهو جهمي ضال، ومن قال يرى في الدنيا ~~بالفؤاد لغيره صلى الله عليه وسلم فهو مبتدع ضال، ومن قال إنه صلى الله ~~عليه وسلم رآه بعينه فهو غالط، والحلولية والاتحادية يجمعون بين النفي ~~والإثبات. # (18) قال في الرد على متصوفة ينتسبون إلى التحقيق والتوحيد ويجرون مع ~~القدر: # سبب ذلك أنه ضاق نطاقهم عن كون العبد يؤمر بما يقدر عليه خلافه، كما ضاق ~~نطاق القدرية عنه، فأثبتوا الأمر والنهي فقط، وأولئك أثبتوا القضاء فقط. ~~وفي حق من شهد القدر: وهؤلاء شر من القدرية، ولهذا لم يكن في السلف من ~~هؤلاء أحد، ولا ريب أن المشركين يترددون بين بدعة تخالف الشرع وبين احتجاج ~~بالقدر على مخالفة الأمر. فهؤلاء الأصناف فيهم شبه من المشركين، وفيهم من ~~يجمع بين الأمرين، كما قال تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة} الآية. # وقد ذكر عن المشركين ما ابتدعوا من الدين الذي فيه تحليل الحرام، ~~والعبادة التي لم تشرع في الأنعام والأعراف، وعمدة الكل اتباع ms005 آرائهم ~~وأهوائهم، وجعلهم ذلك حقيقة، نظير جعل المتكلمين ما ابتدعوا حقائق عقلية. ~~وأصل ضلال الكل تقديم القياس على النص، واختيار الهوى على اتباع الأمر. # PageV01P014 # (19) عطف الخاص على العام # يكون لأسباب، تارة لكونه له خاصة ليست لسائر أفراد العام، كما في قوله: ~~{وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك} 1 الآية. وتارة يكون العام فيه إطلاق ~~قد لا يفهم منه العموم كقوله: {الذين يؤمنون بالغيب} 2 ثم قال: {والذين ~~يؤمنون بما أنزل إليك} 3 الآية. # (20) العبادة يدخل فيها الدين كله # ولهذا كانت ربوبية الله سبحانه عامة وخاصة. ولهذا كان الشرك أخفى من دبيب ~~النمل، وفي الصحيح: "تعس عبد الدينار". إلخ. ووصفه بأنه إذا أعطي رضي، وإن ~~منع سخط. وهذا في المال والجاه والصور، وغير ذلك. قال الخليل عليه السلام: ~~{فابتغوا عند الله الرزق} 4الآية. # ودلت النصوص على الأمر بمسألة الخالق، والنهي عن مسألة المخلوق في غير ~~موضع. وكلما قوي طمع العبد في فضل الله قويت عبوديته له، كما أن طمعه في ~~المخلوق يوجب عبوديته له، ويأسه يوجب غنى قلبه عنه؛ وإعراض قلبه عن الطلب ~~من الله يوجب انصراف قلبه عن العبودية لله، لا سيما من كان يرجو المخلوق ~~ولا يرجو الخالق. وإذا ذاق طعم الإخلاص انقهر له هواه بلا علاج. # قال تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} 5. وإذا قلت6: ~~PageV01P015 # المحبة استلزمت إرادة المحبوبات، فإن قدر عليها حصلها، وإن فعل المقدور ~~عليه. فله كأجر الفاعل (كمن دعي إلى هدر) . وكقوله: "إن بالمدينة رجالا ما ~~سرتم مسيرا إلا وهم معكم، حبسهم العذر" 1. # فإذا ترك المقدور من الجهاد دل على ضعف المحبة، ومعلوم أن المحبوبات لا ~~تنال إلا باحتمال المكروهات، كما في أهل الرياسة والمال. # ومن المعلوم أن المؤمن أشد حبا لله. والإسلام أن يستسلم العبد لله لا ~~لغيره، فمن أسلم لله ولغيره فمشرك، ومن لم يسلم فمستكبر. والكبر ينافي ~~العبودية كما قال: "العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني في واحد ~~منهما عذبته". فهما من خصائص الربوبية، والكبرياء أعلى من العظمة.. فلهذا ~~جعلها كالرداء. ms006 # والشرك غالب على النصارى، والكبر غالب على اليهود. # وفي الصحيح: "لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا" 2. إلخ قاله قبل موته ~~بأيام، وذلك من تمام رسالته، فإن فيه من تمام تحقيق مخالته لله التي أصلها ~~محبة الله العبد، خلافا للجهمية. ومن ذلك تحقيق توصية الله ردا على أشباه ~~المشركين، وفيه رد على من بخس الصديق حقه 3 (وهم أضل) المنتسبين إلى ~~القبلة، وهم شر البشر. # والحديث الذي فيه: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان" 4 إلخ. جعله ~~بثلاثة أمور تكمل المحبة، وتفريغها، ودفع ضدها. وكره من كره من أهل ~~PageV01P016 # العلم مجالسة أقوام يكثرون الكلام في المحبة بلا خشية.. ولهذا وجد في ~~المتأخرين من (أفضى به) ذلك إلى ما ينافي العبودية، ومديد إلى نوع من ~~الربوبية، ويدعي أحدهم ما يتجاوز حدود الأنبياء، ويطلب من غير الله ما لا ~~يصلح إلا لله، وسببه ضعف تحقيق العبودية التي بينتها الرسل، وحررها الأمر ~~والنهي الذي جاؤوا به، بل ضعف العقل الذي به يعرف العبد حقيقته، وهو شبيه ~~بقول اليهود والنصارى {نحن أبناء الله وأحباؤه} 1 فإن تعذيبهم بذنوبهم ~~يقتضي أنهم غير محبوبين، لأن من أحبه الله استعمله فيما يحبه، لأن فعل ~~الكبائر واحد، فإن الله يبغض منه ذلك، ومن ظن أن الذنوب لا تضره لكون الله ~~يحبه، فهو كمن ظن أن السم لا يضره من مداومته عليه لصحة مزاجه. ولو تدبر ~~الأحمق ما قصه الله في كتابه من توبة الأنبياء، وما جهر لهم من البلاء الذي ~~فيه تطهير لهم (دل) على ضرر الذنوب بأصحابها، ولو كانوا أرفع الناس. # واتباع الشريعة والقيام بالجهاد من أعظم الفروق بين أهل محبة الله، وبين ~~من يدعي محبة الله ناظرا إلى عموم ربوبيته أو متبعا لبعض البدع. فإن دعوى ~~هذه محبة من جنس دعوى اليهود والنصارى، بل قد تكون شرا منها. بل فيهم من ~~النفاق الذي يكون به في الدرك الأسفل من النار. # وفي التوراة والإنجيل من ذكر محبة الله ما هم متفقون عليه، حتى أن عندهم ~~إذ ms007 ذلك أعظم وصايا الناموس. ففي الإنجيل أن المسيح قال: أعظم وصايا ~~PageV01P017 # المسيح أن تحب الله بكل قلبك وعقلك ونفسك. والنصارى يدعون قيامهم بهذه ~~المحبة لما فيه من الزهد والعبادة، وهم برآء من محبة الله، إذ لم يتبعوا ما ~~أحب الله، بل اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم. # وكثير من الذين اتبعوا أشياء من الزهد والعبادة وقعوا في بعض ذلك من دعوى ~~المحبة مع مخالفة الشريعة وترك الجهاد، ويتمسكون في الدين الذي يتقربون به ~~إلى الله بنحو ما تمسك به النصارى من الكلام المتشابه، والحكايات التي لا ~~يعرف صدق قائلها ولو صدق لم يكن معصوما، وكل عمل أريد به غير الله لم يكن ~~لله، وكل عمل لم يوافق شرعه، لم يكن له، بل لا يكون لله إلا ما جمع ~~الوصفين. # قال تعالى: {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن} 1 الآية. وقال صلى الله عليه ~~وسلم: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" 2، وقال: "إنما الأعمال ~~بالنيات" 3. وهذا الأصل هو أصل الدين، وبحسب تحقيقه يكون تحقيق الدين، وبه ~~أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، وهي قطب الدين الذي تدور عليه رحاه. # والشرك غالب على النفوس، كما في الحديث: أخفى من دبيب النمل، وكثير ما ~~يخالط النفوس من الشهوات ما يفسد عليها تحقيق ذلك، كما قال شداد بن أوس: ~~"أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية" 4 قال أبو داود: هي حب ~~الرياسة، وفي الحديث:"ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء ~~على المال والشرف لدينه" 5 PageV01P018 # يبين أن الدين السليم لا يكون فيه هذا الحرص، وذلك أن القلب إذا ذاق ~~حلاوة الإخلاص لم يكن شيء أحب إليه منه، فيصير القلب منيبا إلى الله خائفا ~~منه، كما قال تعالى: {من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب} 1. # وإذا أخلص العبد اجتباه ربه فأحيا قلبه، وجذبه إليه، بخلاف القلب الذي لم ~~يخلص، فإن فيه طلبا وإرادة، تارة إلى الرياسة فترضيه الكلمة ولو كانت ~~باطلا، وتغيظه الكلمة ولو كانت حقا، ms008 وتارة إلى الدرهم والدينار، وأمثال ~~ذلك، فيتخذ إلهه هواه. ومن لم يكن مخلصا لله بحيث يكون أحب إليه مما سواه، ~~(وإلا) استعبدته الكائنات واستولت على قلبه الشياطين. وهذا أمر ضروري لا ~~حيلة فيه، فالقلب إن لم يكن حنيفا وإلا كان مشركا {فأقم وجهك للدين حنيفا} ~~2 الآيتين. وقد جعل الله آل إبراهيم أئمة للحنفاء، كما جعل آل فرعون أئمة ~~للمشركين المتبعين أهواءهم. # (21) بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى ذوي أهواء متفرقة # وقلوب متشتتة، فألف الله به بين القلوب، وجمع به الشمل، ثم إنه سبحانه ~~بين أن هذا الأصل وهو الجماعة عماد دينه، فقال: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل PageV01P019 # الله جميعا ولا تفرقوا} 1 إلى قوله {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا} ~~2 إلى قوله {خالدون} وفي الآية الأخرى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ~~لست منهم في شيء} 3. # فبرأ الله نبيه منهم. وقد كره صلى الله عليه وسلم من المجادلة ما يفضي ~~إلى الاختلاف والتفرق، فخرج على قوم من أصحابه وهم يتجادلون في القدر ~~فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان وقال: "أبهذا أمرتم أم إلى هذا دعيتم؟ " إلخ. # ثم ذكر ثلاثا وسبعين فرقة، ثم قال: في وصف الفرقة الناجية بأنهم ~~المستمسكون بسنته وأنهم هم الجماعة. # (22) مسألة رؤية الكفار ربهم في القيامة # انتشر الكلام فيها بعد الثلاثمائة من الهجرة، وأمسك عن الكلام فيها قوم ~~من العلماء، وتكلم فيها آخرون؛ فاختلفوا على ثلاثة أقوال، والكلام فيها ~~قريب من مسألة محاسبة الكفار. هل يحاسبون أم لا؟ والحساب يراد به عرض ~~الأعمال على الكفار وتوبيخهم وزيادة العذاب ونقصه بزيادة الكفر ونقصه، فهذا ~~ثابت بالاتفاق. ويراد به وزن الحسنات والسيئات ليتبين أيهما أرجح. فالكافر ~~لا حسنات له، وإنما توزن أعماله لتظهر خفة موازينه؛ هذا المراد بالحساب. # هل الله يكلمهم أم لا؟ فالقرآن والحديث يدل على أنه يكلمهم كلام توبيخ، ~~فيكاد الخلاف يرتفع. والأقوال الثلاثة في رؤية الكفار: # أحدها: أن الكفار لا يرونه بحال، لا ms009 المظهر ولا المسر، وهو قول أكثر ~~المتأخرين. # الثاني: أنه يراه من أظهر التوحيد من مؤمن ومنافق، قاله PageV01P020 # ابن خزيمة وغيره. # الثالث: أن الكفار يرونه رؤية تعذيب كاللص إذا رأى السلطان، ثم يحتجب ~~عنهم ليعظم عذابهم، وهذا مقتضى قول من فسر اللقاء في كتاب الله بالرؤية. ~~ومن أقوى ما يتمسكون به ما روى مسلم عن أبي هريرة: "قال الناس: يا رسول ~~الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فذكره. وفيه: فيلقى العبد فيقول: أفظننت أنك ~~ملاقي؟ قال: لا. وفيه: ثم ينادي مناد: ألا تتبع كل أمة ما كانت تعبد" 1 ~~فيقال: ظاهره أن الخلق كلهم يرونه، لكن قال ابن خزيمة: اللقاء هنا غير ~~الترائي، وهؤلاء يقولون أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الكافر يلقى ربه ~~فيوبخه، ثم تتبع كل أمة ما كانت تعبد، ثم يراه المؤمنون، يبينه ما في ~~الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وفيه: "فيأتيهم في صورته التي ~~يعرفون، وليس فيه الرؤية إلا بعد تتبع كل أمة" 2 إلخ. # وفي حديث ابن مسعود الطويل: "أن المؤمنين يقولون: إن لنا ربا ما رأيناه ~~بعد"، ففيه أنهم لم يروه قبلها، والآخرون يقولون معناه لم نره في هؤلاء ~~الآلهة التي يتبع الناس، ويدل عليه أن في الصحيحين أيضا عن أبي سعيد: ~~"فيأتيهم الجبار في صورة غير الصورة التي رأوه فيها أول مرة" 3 ففيه أنهم ~~رأوه قبل ذلك، وهي الرؤية العامة. # وأبين من هذا كله أن الرؤية الأولى عامة كما في حديث أبي رزين: "فتنظرون ~~إليه وينظر إليكم، فقلت: كيف وهو شخص واحد ونحن ملء الأرض؟ " 4 إلخ. ففيه ~~أنه لعموم الخلق كما دل عليه السياق. والرؤية متباينة تباينا عظيما لا يكاد ~~ينضبط طرفاها، ولا يجوز إطلاق القول بأن الكفار يرونه من غير تقييد، لأن ~~الرؤية قد صار يفهم منها الكرامة، ففي إطلاقها إيهام، وليس لأحد أن يطلق ما ~~يوهم خلاف الحق إلا أن يكون مأثورا.. PageV01P021 # ولأن الحكم إذا كان عاما وفي تخصيص بعضه خروجا عن القول الجميل لم يقل؛ ~~فإن ms010 الله خالق كل شيء ولا يقال: يا خالق الكلاب مثلا، فلا يخرج أحد عن ~~الألفاظ المأثورة، وإن وقع نزاع في بعض معناها فإن هذا لا بد منه في الأمة ~~كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم. # (23) وإذا اشتبه عليه هل هذا الفعل مما يهجر المسلم عليه أم لا. # فالواجب ترك العقوبة لقوله: "أدرؤوا الحدود بالشبهات، فإنك أن تخطئ في ~~العفو خير لك من أن تخطئ في العقوبة". (24) ذكر في حديث الإفك نفقة أبي بكر ~~على مسطح # لأن أمه بنت خالته وقال تعالى: {ولا يأتل أولو الفضل منكم} 1 الآية. # فجعله من ذوي القربى وهو من بعد من ذوي الأرحام الذين ليس لهم فرض ولا ~~تعصيب. # فيستدل به على أحد القولين في مذهب أحمد أن ذوي الأرحام يستحقون النفقة. # فإن سبب النفقة القرابة المورثة، وكل قرابة مورثة على المشهور، لكن أصلا ~~أو بدلا، فمن لا فرض له ولا تعصيب ورث بدلا، والحديث نص في أنهم من ذوي ~~القربى، فيدخلون في قوله: {وآت ذا القربى حقه} 2 ونظائرها، وأقل ذلك النفقة ~~على المحتاج. وقد ذكر الله الوفاء بالعهد وصلة الرحم في آيات متعددة، فهذه ~~العمومات توجب صلة كل رحم قريبة أو بعيدة، كما أن قوله: {وأولو الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض} 3 يعم ميراث كل ذي رحم، ولا فرق، بل في الإحسان ~~PageV01P022 # والنفقة أولى. وعلى هذا ما ورد من حمل الخال للعقل، وقوله: (ابن أخت ~~القوم منهم) . وقوله: (مولى القوم منهم) . ونحن في أحد القولين نورث المولى ~~من أسفل إذا عدم من هو أولى منه، ونظيره في الولاء قولنا في أحد القولين ~~بالتوريث بالعهد عند انتفاء الرحم كما كان صلى الله عليه وسلم يورث بين ~~المهاجرين والأنصار، ثم نسخ تقديمهم على ذوي الرحم. فأما مع عدمهم فليس في ~~الكتاب والسنة ما ينسخ ذلك.. بل قوله: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} ~~1 يقتضي توريثهم، وهو قول كثير من فقهاء العراق وغيرهم، فعقد المؤاخاة نظير ~~عقد النكاح، وإسلامه على يديه نظير إعتاقه له، واشتراكهم ms011 في الديوان وهو ~~التناصر والجهاد كاشتراكهم في النسب. # (25) اتفق على أن الأرض لا تخلو عن خراج وعشر # لكن قال أبو حنيفة: لا يجتمعان، والجمهور يقولون: العشر حق الزرع لقوله ~~تعالى: {ومما أخرجنا لكم من الأرض} 2؛ والخراج عند أبي حنيفة هي التي يملك ~~بيعها وهبتها وتورث.. والجندي لا يملك ذلك اليوم في أرض مصر، فمن قال أنها ~~خراجية لا عشر عليها فقد أخطأ على أبي حنيفة وخالف الإجماع، ومن أفتى بخلو ~~الأرض عن العشر والخراج استتيب، فإن تاب وإلا قتل. # ومن زعم أن الجهاد الذي على الجند يعوض عن الخراج فقد أخطأ؛ لأنهم لا ~~يملكون بيعها ولا هبتها، وأيضا ما يعطونه ليس خراجا ولا أجرة بل لجندهم ~~PageV01P023 # المستحقون للخراج. وإن قيل الإمام أسقط عنهم لقتالهم، قيل هذا لا يسقط ~~الزكاة لوجوه: # منها أن ذلك لو جعلها كالخراجية لملكوا بيعها وهبتها، ومنها أن غايتهم أن ~~يكونوا بمنزلة الملاك، ومعلوم أن كل أرض أسلم عليها أهلها أنه لا خراج ~~عليهم مع وجوب العشر وتعيين الجهاد عليهم من تلك الأموال، كما تعين الجهاد ~~على الأنصار، وكان صلى الله عليه وسلم يوجب عليهم العشر في الزرع والثمار، ~~ويوجب عليهم الجهاد بأموالهم وأنفسهم، ولم يكن لهم رزق من بيت المال، فإذا ~~كان جهادهم بأموالهم لا يسقط عنهم العشر الواجب لأهل الصدقات، فكيف يسقط عن ~~هؤلاء؟ ولو أسقط الجهاد العشر لكانوا أحق، لما كانوا فيه من قلة المال ~~وكثرة العدو وتعدد المغازي. # (26) صلاته صلى الله عليه وسلم بالأنبياء ببيت المقدس # قيل إنها اللغوية، وهي الدعاء والذكر، وقيل الصلاة المعروفة، وهذا أصح؛ ~~لأن اللفظ يحمل على حقيقته الشرعية. # وكانت الصلاة واجبة قبل الإسراء، وكان واجبا قيام بعض الليل، كما في سورة ~~المزمل، ثم نسخ بعد سنة بما ذكر الله في آخر السورة: {فاقرأوا ما تيسر منه} ~~1. ثم نسخ قيام الليل ليلة الإسراء ووجبت الخمس. # (27) زين الشيطان لأهل الضلالة اتخاذ عاشوراء مأتما # لإثارة الفتن والفساد، ولم يعرف في طوائف الإسلام أكثر كذبا وفتنا ~~ومعاونة للكفار على المسلمين من الرافضة. ms012 وهم شر من الخوارج، وهؤلاء قال ~~فيهم صلى الله عليه وسلم "يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان" 2 وأولئك ~~يعاونون اليهود والنصارى على أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P024 # وأمته المؤمنين كما أعانوا المشركين من الترك على ما فعلوه ببغداد وغيرها ~~بأهل البيت من ولد العباس وغيرهم، فعارضهم قوم إما من النواصب المتعصبين ~~على الحسين، وإما من الجهال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد، فوضعوا آثارا في ~~توسيع النفقة على العيال وغير ذلك، وإن كان أولئك أشر قصدا، وأعظم جهلا ~~وأظهر ظلما، لكن الله يأمر بالعدل والإحسان. # (28) المطالبة في الآخرة لصاحب المال المغصوب منه # لا لورثته، كما في الصحيح "من كان عنده لأخيه مظلمة في دم أو مال أو عرض ~~فللورثة يخلفونه في الدنيا، فما أمكن استيفاؤه في الدنيا فالورثة، وما لم ~~يمكن فليتحلله منه" إلخ، فبين أن المطالبة للمظلوم نفسه ولم يجعلها لورثته، ~~فالطلب للمظلوم نفسه. # (29) ثبوت الشيء في العلم والتقدير ليس هو ثبوت عينه في الخارج، # بل العالم يعلم الشيء ويكتبه ويتكلم به وليس لذاته في الخارج وجود، وهذا ~~هو تقدير الله السابق لخلقه المذكور في حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم، ~~وغير ذلك، وهو معنى قوله "كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد" 1 أي: كنت نبيا ~~حينئذ. وهذا والله أعلم لأن هذه الحال فيها يقع التقدير الذي يكون بأيدي ~~ملائكة الخلق قبل نفخ الروح، كما في حديث ابن مسعود. فلما أخبر أن الملك ~~يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد حينئذ، وآدم هو أبو البشر، كان من ~~المناسب أن يكتب بعد خلق جسده ما يكون منه ومحمد سيد ولده. وقد جاء هذا ~~المعنى مفسرا في حديث العرباض: "إني عند الله مكتوب خاتم النبيين وإن آدم ~~لمنجدل في طينته، وسأخبركم بأول أمري دعوة إبراهيم PageV01P025 # وبشارة عيسى ورؤيا أمي" 1 إلخ ... # وقوله منجدل أي: مطروح على وجه الأرض، وهذا العلم والكتاب هو الذي ينكره ~~القدرية الذين كفرهم الأئمة 2، وقد بينه الكتاب والسنة، وأجاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم ms013 عن السؤل الوارد عليه، وهو ترك العمل لأجله. # (30) لكل شيء أربع مراتب: # وجود في الأعيان، ووجود في الأذهان، ووجود في اللسان، ووجود في البنان، ~~ولهذا أول ما نزل {اقرأ باسم ربك الذي خلق} 3 إلخ. # فذكر الجميع بوجودها العيني عموما، ثم خصوصا، ثم قال: {اقرأ وربك الأكرم} ~~4 إلخ. # فخص التعليم للإنسان بعد تعميم التعليم بالقلم وهو الخط، وهو مستلزم ~~التعليم للفظ؛ فإن الخط يطابق، وتعليم اللفظ هو البيان، وهو مستلزم لتعليم ~~العلم، لأن العبارة تطابق المعنى، فصار تعليمه بالقلم مستلزما للمراتب ~~الثلاث الرسمي واللفظي والعلم، بخلاف ما لو أطلق التعليم وذكر تعليم العلم ~~فقط لم يكن مستوعبا للمراتب. # (31) اعلم أن المذهب إذا كان باطلا في نفسه لم يمكن الناقل أن ينقله على ~~وجه متصور تصورا حقيقيا # فإن هذا لا يكون إلا للحق، فأما القول الباطل فبيانه يظهر فساده، حتى ~~يقال: كيف اشتبه على أحد؟ ويتعجب من اعتقاده، ولا ينبغي للإنسان أن يتعجب، ~~فما من شيء يتخيل من أنواع الباطل إلا وذهب إليه فريق، ولهذا وصف الله أهل ~~الباطل بأنهم أموات، وأنهم صم بكم، وأنهم في قول مختلف، وأنهم لا يعقلون. ~~PageV01P026 # (32) قوله: "مثل أمتي كمثل الغيث" إلخ. # تكلم في إسناده، وبتقدير صحته أنه يكون في آخرها من يقارب أولها حتى ~~يشتبه على بعض الناس أيهما خير، كطرفي الثوب، (مع القطع) بأن الأول خير من ~~الآخر، ولهذا قال: (لا يدرى) ، ومعلوم أن هذا السلب ليس عاما، فإنه لابد أن ~~يكون معلوما أيهما أفضل. (33) الآية مثل العلامة، والدلالة. # أخبر أنه جعل في هذه المصنوعات آيات، وتارة يسميها أنفسها آية كقوله: ~~{وآية لهم الأرض الميتة} 1. فإذا قيل: تجلى بها وظهر بها كما يقال علم ~~وعرف، كان صحيحا، ولكنه غير مأثور، وفيه إبهام وإجمال، فإن الظهور والتجلي ~~يفهم منه الظهور العيني وهو مذهب الاتحادية، فالذي في القرآن هو الحق. # (34) قوله تعالى: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} 2 دلت على علمه ~~بالأشياء # من وجوه تضمنت البراهين المذكورة لأهل النظر العقلي: # أحدها: أنه خالق ms014 لها، والخلق هو الإبداع بتقدير، فتضمن تقديرها في العلم ~~قبل تكوينها. # الثاني: أنه مستلزم للإرادة والمشيئة فيلزم تصور المراد، وهذه الطريقة ~~المشهورة عند أكثر أهل الكلام. # الثالث: أنها صادرة عنه وهو PageV01P027 # سببها التام، والعلم بالأصل يوجب العلم بالفرع، فعلمه بنفسه يستلزم العلم ~~بكل ما يصدر عنه، # الرابع: أنه لطيف يدرك الدقيق، خبير يدرك الخفي، وهذا هو المقتضي للعلم ~~بالأشياء؛ فيجب وجود المقتضي لوجود السبب التام. # (35) قوله: "حجابه النور" إلخ. # فمن سبحاته تحرق السموات والأرض لولا الحجاب، أيكون نوره يحفظ بالسماء؟. ~~1 # (36) قوله: {إن الله يمسك السماوات والأرض} إلخ. # وذكر آيات، ثم قال: وقد ثبت في الصحاح أنه يقبض السموات والأرض بيده، فمن ~~يكونان في قبضته وكرسيه وسعهما، {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} 2 ~~فبأمره يقومان، وهو الذي يمسكهما أن تزولا، أيكون محتاجا إليهما؟. # (37) قوله: {قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على ~~أعقابنا} 3 إلخ. # هكذا يريد هؤلاء المتحيرون أن يفعلوا بالمؤمنين، فيدعون من دون الله ما ~~لا ينفع ولا يضر من كل عبد من دون الله، ويريدون أن يرتد المؤمنون على ~~أعقابهم عن الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ويصيرون ~~حائرين كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران. PageV01P028 # (38) تكليم الله للعباد على ثلاثة أوجه: # 1. من وراء حجاب كموسى. # 2. وبإرسال رسول كما أرسل الملائكة إلى الأنبياء. # 3. وبالإيحاء، وهذا للأولياء فيه نصيب والمرتبتان الأوليان للأنبياء ~~خاصة. # (39) قوله: {إن هي إلا أسماء سميتموها} 1 إلخ. # أخبر أنهم ابتدعوا أسماء لا حقيقة لها؛ فيعبدون أسماء لا مسميات لها؛ ~~لأنه ليس في المسمى من الألوهية ولا العزة ولا التقدير شيء، ولم ينزل الله ~~سلطانا بهذه الأسماء. # (40) قوله: "كان الله ولا شيء معه، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر ~~كل شيء" 2 # ينفي وجود المخلوقات من السموات والأرض وما فيهما، لا ينفي وجود العرش، ~~ولهذا ذهب كثير من السلف إلى أن العرش متقدم على اللوح والقلم، مستدلين ~~بهذا الحديث، وحملوا قوله: "أول ما خلق الله القلم فقال له: ms015 اكتب" 3 إلخ. ~~على هذا الخلق المذكور في قوله: {وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~وكان عرشه على الماء} 4. هذا نظير حديث أبي رزين: "أين كان ربنا قبل أن ~~يخلق خلقه؟ قال: كان في عماء، ما فوقه هواء، وما تحته هواء، ثم خلق عرشه ~~على الماء" 5 فالخلق المذكور في هذا الحديث لم يدخل فيه العماء؛ وذكر بعضهم ~~أن هذا PageV01P029 # هو السحاب المذكور في قوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل} 1 ~~إلخ. وفيه آثار معروفة. # (41) العبد مأمور بالصبر على المقدور، وأن يطيع المأمور، وإذا أذنب ~~استغفر # كما قال تعالى {فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد} 2 الآية. ~~فمن احتج بالقدر على ترك الأمر، وجزع مما يكره من القدر، فقد عكس الإيمان ~~والدين، وإن ادعى أنه من أكبر الأولياء المحققين. تجد أحدهم أجبر الناس إذا ~~قدر، وأذل الناس إذا قهر، وأعظمهم جزعا، لما جربه الناس من أصناف الناس، ~~والمؤمن إذا قدر عدل وأحسن، وإذا قهر صبر واحتسب، كما قال كعب: # ليسوا مفاريحا إن نالت رماحهم. وقال تعالى: {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم ~~كيدهم شيئا} 3 الآية، وكذلك في آخر السورة وفي وسطها وفي يوسف: {إنه من يتق ~~ويصبر} 4 الآية. فالصبر يدخل فيه الصبر على المقدور، والتقوى فعل المأمور ~~وترك المحظور، فمن جمع هذا وهذا فقد جمع له الخير، بخلاف من عكس. # (42) لأهل التعطيل شبهات في العلو # يعارضون بها الكتاب والسنة، والإجماع والفطر، والدلائل العقلية؛ فإنها ~~متفقة على أنه سبحانه فوق PageV01P030 # مخلوقاته، وقد فطر الله على ذلك العجايز والصبيان، كما فطرهم على الإقرار ~~بالخالق، قال صلى الله عليه وسلم "كل مولود يولد على الفطرة" 1 إلخ. هذا ~~معنى قول عمر بن عبد العزيز: عليك بدين الأعراب والصبيان في الكتاب، أي: أن ~~الله فطرهم على الحق، والرسل بعثوا بتكميل الفطرة، وتقديرها، وأعداؤهم ~~يريدون تغييرها، ويوردون شبهات لا يفهمها كثير من الناس. # (43) ليس لأحد أن يتبع عورات العلماء، # ولا له أن يتكلم فيهم؛ فمن عدل ms016 عن الحجة إلى الظن والهوى فهو ظالم، وكذلك ~~كل من آذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا. ومن عظم حرمات الله، وأحسن ~~إلى عباد الله، فهو من أولياء الله. # (44) الذين استحلوا الدرهم بدرهمين يدا بيد، أجل قدرا ممن استحل النبيذ # فهؤلاء فهموا من الربا نوعا، وهؤلاء فهموا من الخمر نوعا، وهكذا من فهم ~~من الميسر نوعا، وشمول الميسر لأنواعه كشمول الربا والخمر لأنواعهما. # (45) رجح رحمه الله فعل ذوات الأسباب في أوقات النهي. # الأمر بتحية المسجد عام، ونهيه عن الصلاة فيه عموم، لكن رأيناه نهى عن ~~الصلاة عند الخطبة وهو متفق عليه، وهذا أشد من النهي في الأوقات، فأمره بعد ~~أن قعد أن يقوم ويركع ركعتين ثم بين العموم بقوله: "إذا جاء أحدكم والإمام ~~يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما" 2 والمنازع من أصحاب 3 يوافق عليهما، ~~ولكن أصحاب أبي حنيفة ومالك طردوا قولهم فمنعوهما PageV01P031 # ولكن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم حجة لكل أحد وعليه، بنصه وشبيهه، ~~فدل نصه على التحية وقت الخطبة، وقياس الأولى على التحية بعد البردين، 1 ~~وعلى أن الأمر بالركعتين مخصص كما خصص هنا وأولى، وفي الصحيحين أنه قال: ~~لجابر "صل ركعتين" 2 أي تحية المسجد، فقد أمره بالصلاة ولم يعلله بالقعود، ~~وقوله في الآخر فلا يقعد لأن العادة أنه يقعد، واحتج النسائي على عدم ~~وجوبهما بحديث كعب بن مالك، وفيه: فلما سلمت قال: "تعال فجئت فجلست" إلخ، ~~ثم ذكر حديث الرجلين اللذين لم يعيدا في مسجد الخيف، وهذا يبين أن هذا ~~متأخر، وأنه ليس بمنسوخ، بل لو قدر التعارض لكان هو الناسخ، ويبين أن قوله: ~~مسجد جماعة المراد به الجماعة الراتبة، سواء كانت تفعل في ذلك المكان دائما ~~أو أحيانا، فإن مسجد الخيف إنما يصلى فيه في الموسم، فهذا نص صحيح صريح خاص ~~أنه أمره بالإعادة وأخبر أنها نافلة، كما أمر الداخل وهو يخطب أن يصلي، ~~والإمام أحمد أعلمهم بالنصوص، وأتبعهم لها، فلا يكاد يخالف نصا صريحا، ~~وإنما قوله حيث فقد ذلك فقضى بالعامة على الخاصة من ms017 غير نزاع، واختلف فيما ~~عدا ذلك، بخلاف غيره الذين لم يبلغهم ما بلغه، وقوله لا صلاة في يوم مرتين ~~يؤكد ما قلنا، فإنه إذا نهى عن ذلك، وثبت عنه في الأحاديث الصحيحة الكثيرة ~~أن إعادة الصلاة نافلة لسبب، وأمره بإعادتها لسبب، وجب اتباع أمره كله، ولم ~~يجز أن نؤمن ببعضه، ونكفر ببعضه، فنجعل السنة عضين. PageV01P032 # (46) المنهي عنه من العادات والعبادات ثلاثة أنواع: # أحدها: ما لا يباح بحال كالكفر بالقلب، ومن هذا لو أكره على محرم ~~كالميتة، وقلنا يباح كقول الأكثر وهو الأصلح، وقيل لا تباح الأفعال المحرمة ~~بالإكراه، وقال تعالى: {ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} 1 ~~أي لمن يكره على الفاحشة، لكن اعتقاد التحريم والكراهة للفعل لا بد منها، ~~فإن إنكاره للمنكر من فعل غيره - بالقلب لا بد منه، فكيف فعله؟ ولهذا يكره ~~الإنسان ابتداء على ذلك ثم يفعلها باختياره، كما في الإكراه على الحق؛ فإن ~~الحربي يقاتل حتى يسلم، ثم ينشرح صدره للإسلام، فينفعه هذا دون الأول. كذلك ~~الإكراه على المعاصي وهذا أصل عظيم يجب مراعاته. الثاني: ما يباح عند ~~الضرورة كالميتة، وليس له أن يعتقد تحريمها حينئذ، ولا يكرهها. # الثالث: المباح للحاجة كالحرير للنساء، ويسيره للرجال، والله أرسل رسوله ~~رحمة للناس، فإذا كان من المحرمات ما يحتاج إليه ورجحت المصلحة أبيح، ~~فالصلاة وقت النهي من هذا القسم؛ فإن جنسها مباح بالإجماع، كالعصر عند ~~الغروب، والجنايز بعد الفجر والعصر، فامتنع أنه من الذي لا يباح بحال، أو ~~يباح ضرورة، فإذا كانت الحاجة لمصلحة دنيوية يكون حاجة، فالدينية أولى، فإن ~~ما يفوت الزوجة من عدم لباسها الحرير لا نسبة إلى ما يفوته من مصالح هذه ~~العبادات، قال تعالى: {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} 2 الآية، وبهذا يظهر ~~الفرق بين ذات السبب PageV01P033 # وغيرها، فإنه يمكن تأخيره بلا فوات مصلحة؛ لأنه لا يمكن ولا يشرع استيعاب ~~الأوقات بالصلاة، فأحق ما اعتبره للترك الوقت الذي فيه مفسدة مشابهة ~~المشركين. # (47) النزول في القرآن ثلاثة: # نزول مقيد بأنه منه، فهذا ms018 لم يرد إلا في القرآن، ونزول مقيد بالسماء، وهي ~~اسم جنس كل ما علا، فإذا قيد بمعين تعين، ونزول مطلق، كالسكينة والميزان، ~~والجمهور على أنه العدل، وعن مجاهد ما يوزن به، ولا منافاة، وإنزال هذا هو ~~إنزاله في القلوب، والملائكة تنزل على قلوب المؤمنين بما يجعل فيها. # (48) شريعة الإسلام الذي هو الدين الخالص لله وحده # تعبيد الخلق لربهم، كما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتغيير الأسماء ~~الشركية إلى الأسماء الإخلاصية، والأسماء الكفرية إلى الأسماء الإيمانية، ~~كما سمى قيوم عبد القيوم. # (49) قوله: {إن الله لا يحب كل مختال فخور الذين يبخلون} # الآية، يعم البخل كل ما ينفع في الدين والدنيا من مال وعلم وغير ذلك، ~~فالبخيل بالعلم الذي يمنعه، والمختال إما يختال فلا يطلبه، وإما يختال على ~~بعض الناس فلا يبذله، وهذا كثيرا ما يقع؛ وضده التواضع في طلبه، والكرم ~~ببذله. # (50) قوله تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله} الآية بعد قوله # PageV01P034 # {قل كل من عند الله} لو اقتصر على الجمع أعرض العاصي عن ذم نفسه، والتوبة ~~من الذنب، والاستعاذة من شره، وقام بقلبه حجة إبليس فلم تزده إلا طردا، كما ~~زادت المشركين ضلالا حين قالوا: {لو شاء الله ما أشركنا} 1. ولو اقتصر على ~~الفرق لغابوا به عن التوحيد والإيمان بالقدر، واللجاء إلى الله في الهداية، ~~كما في خطبته صلى الله عليه وسلم "الحمد لله نستعينه ونستغفره" 2 فيشكره ~~ويستعينه على طاعته، ويستغفر من معصيته، ويحمده على إحسانه، ثم قال "ونعوذ ~~بالله من شرور أنفسا" 3 إلخ. # لما استغفر من المانع استعاذ من الذنوب التي لم تقع، ثم قال: "ومن سيئات ~~أعمالنا" أي من عقوباتها ثم قال: "من يهده الله فلا مضل له" إلخ. شهادة ~~بأنه المتصرف في خلقه، ففيه إثبات الصفات الذي هو نظام التوحيد، كل هذا ~~مقدمة بين يدي الشهادتين، فإنما يتحققان بحمد الله وإعانته واستغفاره ~~واللجاء إليه والإيمان بأقداره، فهذه الخطبة عقد نظام الإسلام والإيمان. # (51) كون الحسنات من الله إلى عبده # فخلق الحياة وأرسل الرسل وحبب ms019 إليهم الإيمان، وإذا تدبرت هذا شكرت الله ~~فزادك، وإذا علمت أن الشر لا يحصل إلا من نفسك تبت فزال. # الثالث: أن الحسنة تضاعف. # الرابع: أن الحسنة يحبها الله ويرضاها، فيحب أن ينعم ويحب أن يطاع، ولهذا ~~تأدب العارفون فأضافوا النعم إليه والشر إلى محله، كما قال إمام الحنفاء ~~{الذي خلقني فهو يهدين} 4 إلى قوله: {وإذا مرضت فهو يشفين} 5. # الخامس: أن الحسنة مضافة إليه، لأنه أحسن بها بكل اعتبار، وأما السيئة ~~فما قدرها إلا لحكمة. # السادس: أن الحسنات أمور وجودية متعلقة بالرحمة والحكمة، PageV01P035 # لأنها إما فعل مأمور، أو ترك محظور، والترك أمر وجودي؛ فتركه لما عرف أنه ~~ذنب، وكراهته له ومنع نفسه منه أمور وجودية، وإنما يثاب على الترك على هذا ~~الوجه. وقد جعل صلى الله عليه وسلم البغض في الله من أوثق عرى الإيمان، وهو ~~أصل الترك، وجعل المنع لله من كمال الإيمان، وهو أصل الترك؛ وكذلك براءة ~~الخليل قومه من المشركين ومعبوديهم ليست تركا محضا بل صادرا عن بغض وعداوة. # وأما السيئات، فمنشأها من الجهل والظلم، وفي الحقيقة كلها ترجع إلى ~~الجهل، وإلا فلو تم العلم بها لم يفعله فإن هذا خاصة العقل، وقد يغفل عن ~~هذا كله بقوة وإرادة الشهوة والغفلة؛ والشهوة أصل الشر، كما قال تعالى: ~~{ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه} 1 الآية. # السابع: إن ابتلاءه بالذنوب عقوبة له على عدم فعل ما خلق له وفطر عليه. # الثامن: أن ما يصيبه من الخير والنعم لا تنحصر أسبابه، يحصل بعمله وبغير ~~عمله، وعمله من إنعام الله عليه، فيرجع في ذلك إلى الله ولا يرجو إلا هو؛ ~~فهو مستحق الشكر التام الذي لا يستحقه غيره، وإنما يستحق غيره من الشكر ~~جزاء على ما يسره الله على يديه، لكن لا يبلغ أن يشكر بمعصية الله، 2 فإنه ~~المنعم بما لا يقدر عليه مخلوق ونعمة المخلوق منه أيضا، وجزاه على الشكر ~~والكفر لا يقدر أحد على مثله. # فإذا عرف أن ما يفتح الله للناس من رحمة ms020 فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل ~~له من بعده صار توكله ورجاؤه إلى الله وحده. وإذا علم PageV01P036 # ما يستحق من الشكر الذي لا يستحقه غيره صار [الشرك كله له] 1، والشر ~~انحصر سببه في النفس، فعلم من أين يؤتى، فتاب واستعان بالله، كما قال بعض ~~السلف: "لا يرجون عبد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه " وقد تقدم قول السلف ~~ابن عباس وغيره أن ما أصابهم يوم أحد مطلقا كان بذنوبهم لم يستثن أحد، وهذا ~~من فوائد تخصيص الخطاب، لئلا يظن أنه عام مخصوص. # والتاسع: أن السيئة إذا كانت من النفس، والسيئة خبيثة كما قال: {الخبيثات ~~للخبيثين} 2 الآية، قال جمهور السلف: الكلمات الخبيثة للخبيثين وقال: {ومثل ~~كلمة خبيثة} (وقال) : {إليه يصعد الكلم الطيب} 3، والأقوال والأفعال صفات ~~القائل الفاعل، فإذا اتصفت النفس بالخبث فحملها ما يناسبها، فمن أراد أن ~~يجعل الحيات يعاشرن الناس كالسنانير لم يصلح، بل إذا كان في النفس خبث طهرت ~~حتى تصلح للجنة كما في الصحيح من حديث أبي سعيد وفيه: "حتى إذا هذبوا ونقوا ~~أذن لهم في دخول الجنة" 4. فإذا علم الإنسان أن السيئة من نفسه لم يطمع في ~~السعادة التامة مع ما فيه من الشر بل تحقيق قوله: {من يعمل سوءا يجز به} 5، ~~{فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} 6 إلخ، وعلم أن الرب حليم، عليم، رحيم، عدل، ~~وأفعاله على قانون العدل والإحسان، كما في الصحيحين: "يمين الله ملأى ... ~~إلى قوله: والقسط بيده الأخرى"، PageV01P037 # وعلم فساد قول الجهمية الذين يجعلون الثواب والعقاب بلا حكمة ولا عدل إلى ~~أن قال: ومن سلك مسلكهم غايته إذا عظم الأمر والنهي أن يقول كما نقل عن ~~الشاذلي: يكون الجمع في قلبك مشهودا، والفرق على لسانك موجودا، كما يوجد في ~~كلامه وكلام غيره، أقوال وأدعية تستلزم تعطيل الأمر والنهي مما يوجب أن ~~يكون عنده أن يجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض؛ ويدعون ~~بأدعية فيها اعتداء كما في حزب الشاذلي، وآخرون من عوامهم يجوزون أن يكرم ~~الله بكرامات الأولياء لمن ms021 هو فاجر أو كافر، ويقولون هذه موهبة، يظنونها من ~~الكرامات وهي من الأحوال الشيطانية التي يكون مثلها للسحرة والكهان، كما ~~قال تعالى: {ولما جاءهم رسول من عند الله} 1 إلى قوله: {هاروت وماروت} وصح ~~قوله صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سنن من كان قبلكم" 2 فعدل كثير من ~~المنتسبين إلى الإسلام إلى أن نبذ القرآن وراء ظهره، واتبع ما تتلو ~~الشياطين، فلا يعظم أمر القرآن ونهيه ولا يوالي من أمر القرآن بموالاته؛ ~~ولا يعادي من أمر القرآن بمعاداته بل يعظم من يأتي ببعض الخوارق. ثم منهم ~~من يعرف أنه من الشيطان لكن يعظمه لهواه، ويفضله على طريقة القرآن، وهؤلاء ~~كفار كما قال الله فيهم {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون ~~بالجبت والطاغوت} 3 الآية. # (52) قوله: {من نفسك} فمن الفوائد أن المتعلم لا يطمئن إلى نفسه، ولا ~~يشتغل بملام الناس وذمهم، بل يسأل الله أن يعينه على طاعته، ولهذا ~~PageV01P038 # كان أنفع الدعاء وأعظمه الفاتحة، وهي مفتاح إلى الهدى كل لحظة، ويدخل فيه ~~من أنواع الحاجات ما لا يمكن إحصاؤه؛ ويبينه أن الله سبحانه لم يقص علينا ~~في القرآن قصة إلا لنعتبر، وإنما يكون الاعتبار إذا قسنا الثاني بالأول، ~~فلولا أن في النفوس ما في نفوس المكذبين للرسل لم يكن بنا حاجة إلى ~~الاعتبار بمن لا نشبهه قط، ولكن الأمر كما قال تعالى: {ما يقال لك إلا ما ~~قد قيل للرسل من قبلك} 1 وقوله: {أتواصوا به} وقوله: {تشابهت قلوبهم} ولهذا ~~في الحديث "لتسلكن سنن من كان قبلكم" الحديث. # وقد بين القرآن أن السيئات من النفس، وأعظم السيئات جحود الخالق والشرك ~~به، وطلب النفس أن تكون شريكة له، وكلا هذين وقع، قال بعضهم ما من نفس إلا ~~وفيها ما في نفس فرعون؛ وذلك أن الإنسان إذا اعتبر وتعرف أحوال الناس رأى ~~من يبغض نظيره وأتباعه حسدا كما فعلت اليهود لما بعث الله من يدعو إلى مثل ~~ما دعا إليه موسى، ولهذا أخبر عنهم بنظير ما أخبر به عن فرعون ms022 كما قال: {إن ~~فرعون علا في الأرض} 2 الآية وقال: {وقضينا إلى بني إسرائيل} 3 الآية. # (53) قوله في الحديث الذي في الترمذي وصحيح الحاكم "للجن أحسن ردا منكم" ~~4 إلخ # يذكر تعالى آياته الدالة على قدرته وربوبيته، وآياته PageV01P039 # التي فيها إحسانه إلى عباده، وآياته المبينة لحكمته، وهي متلازمة، فكلما ~~خلق فهو نعمة ودليل على قدرته وحكمته، لكن نعمة الرزق في المأكل والمشرب ~~واللباس والسكن ظاهر لكل أحد، فلهذا استدل بها كما في سورة النحل وتسمى ~~سورة النعم، وكل ما خلقه فهو نعمة على المؤمنين يستحق أن يحمدوه ويشكروه ~~عليه، وهو من آلائه، ولهذا قال: {فبأي آلاء ربك تتمارى} 1، وكذلك ختم كل ~~آية {فبأي آلاء ربكما تكذبان} 2 فجميع المخلوقات أنعام من جهة أنها آيات ~~بها هدايتهم التي يسعدون بها في الدارين، فتدلهم عليه، وعلى وحدانيته، ~~وقدرته، وعلمه، وحكمته، ورحمته، وهذه أفضل النعم نعمة الإيمان، قال ابن ~~قتيبة: (لما ذكرهم آلاءه، ونبههم على قدرته، جعل كل كلمة فاصلة بين نعمتين ~~ليفهمهم النعم ويقروا هم بها) . # (54) إذا كان الحمد لا يقع إلا نعمة، فقد ثبت أنه رأس الشكر؛ # فهو أول الشكر، والحمد وإن كان على نعمته وعلى حكمته فالشكر بالأعمال على ~~نعمته، وهو عبادة له لإلهيته التي تتضمن حكمته، فصار المجموع داخلا في ~~الشكر، ولهذا عظم القرآن أمر الشكر، ولم يعظم أمر الحمد مجردا إذ كان نوعا ~~من الشكر، وشرع الحمد الذي هو الشكر المقول أمام كل خطاب مع التوحيد. # (55) المؤمن يرى أن عمله لله، # لأنه إياه يعبد، وأنه بالله، لأنه إياه يستعين فلا يطلب جزاء ولا شكورا ~~من غير الله، ولا يمن ولا يؤذي لعلمه أن الله هو المان عليه، ومن الناس من ~~يحسن إلى غيره ليمن عليه أو يجزيه PageV01P040 # بطاعة أو تعظيم أو غيره، فلا عمل لله، ولا بالله، فهو كالمرائي، وقد أبطل ~~الله صدقة المنان والمرائي. # (56) أما نعمة الضراء فاحتياجها إلى الصبر ظاهر # وأما نعمة السراء، فتحتاج إلى الصبر على الطاعة فيها، فإن فتنة السراء ~~أعظم. # وفي الحديث: "أعوذ ms023 بك من فتنة الفقر، وشر فتنة الغنى" 1 والفقر يصلح عليه ~~خلق كثير ولا يصلح على الغنى ألا أقل منهم، ولهذا أكثر من يدخل الجنة ~~المساكين، لأن فتنة الفقر أهون. وكلاهما يحتاج إلى الصبر والشكر، ولكن لما ~~كان في السراء اللذة والضراء الألم، اشتهر ذكر الشكر في السراء والصبر في ~~الضراء، قال تعالى: {ولئن أذقنا الأنسان منا رحمة} 2 إلى قوله {إلا الذين ~~صبروا} الآية. فصاحب السراء أحوج إلى الشكر، وصاحب الضراء أحوج إلى الصبر، ~~فإن صبر هذا واجب إذا ترك استحق العقاب، وكذلك شكر ذاك. وأما صاحب السراء ~~فقد يكون مستحبا إذا كان عن فضول الشهوات، وقد يكون واجبا لكن لإتيانه ~~بالشكر يغفر ما يغفر. وكذلك صاحب الضر قد يكون الشكر في حقه مستحبا إذا كان ~~شكرا يصير به من السابقين المقربين، وقد يغفر له ما قصر في الشكر لإتيانه ~~بالصبر، فإن اجتماع الصبر والشكر جميعا يعسر على كثير من الناس. # (57) أمر الله الرسل أن يكون دينهم واحدا # لا يتفرقون فيه ولهذا يصدق بعضهم بعضا لا يختلفون مع تنوع شرائعهم، فمن ~~كان من المطاعين من العلماء والأمراء متبعا للرسل أمر بما أمروا به ودعا ~~إليه، PageV01P041 # وأحب من دعا إليه، لأن قصده عبادة الله وحده وأن يكون الدين لله، ومن كره ~~أن يكون له نظير يدعو إلى ذلك فهذا يطلب أن يكون هو المطاع المعبود، وله ~~نصيب من حال فرعون، ومن طلب أن يطاع دون الله فهذا حال فرعون، ومن طلب أن ~~يطاع مع الله فهذا يريد من الناس أن يتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب ~~الله. # (58) جميع الولايات مقصودها أن يكون الدين كله لله؛ # فإنه سبحانه إنما خلق الخلق لذلك، وذلك هو الخير، والبر، والتقوى، ~~والحسنات، والقربات، والباقيات الصالحات، والعمل الصالح، وإن كان بين هذه ~~الأسماء فروق لطيفة، ولا تتم المصلحة في الدين والدنيا إلا بالاجتماع، وإذا ~~اجتمعوا فلا بد من أمور يفعلونها لمصلحتهم، وأمور يجتنبونها لدفع المفسدة، ~~ويكونون مطيعين للأمر بها والنهي عنها، فلا بد من آمر ms024 وناه، وإذا كان لا بد ~~من ذلك فدخول المرء تحت طاعة الله ورسوله الذي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر، ويحل لها الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث خير له. # وأخبر أنه أنزل الكتاب بالحق والميزان وأنزل الحديد ليقوم الناس بالقسط، ~~ولهذا أمر صلى الله عليه وسلم أمته بتولية ولاة الأمور عليهم، وأمر ولاة ~~الأمور أن يؤدوا الأمانة، وأن يحكموا بالعدل، وأمر بطاعتهم؛ فلأبي داود عن ~~أبي سعيد مرفوعا: "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم" 1، وله عن أبي ~~هريرة مثله، ففيه تنبيه على الوجوب فيما هو أكثر من ذلك. # (59) من المتولين من هو بمنزلة الشاهد المؤتمن والمطلوب منه الصدق، # مثل ولاية الأموال، والعريف الذي يخبر ولي الأمر بالأحوال، ومنهم من هو ~~بمنزلة الآمر المطاع، والمطلوب منه الصدق، وبالصدق في الأخبار، PageV01P042 # والعدل في الإنشاء من الأقوال والأعمال تصلح جميع الأحوال، وهما قرينان ~~قال تعالى: {وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا} 1، وقال في الحديث "من صدقهم ~~بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم" 2 إلى آخره. # (60) الأدلة العقلية الشرعية إنما تدل على الحق، # وهذا ظاهر يعرفه كل أحد، لأن الدليل الصحيح لا يدل إلا على حق، يبقى ~~الكلام في أعيان الأدلة، وبيان انتفاء دلالتها على الباطل، ودلالتها على ~~الحق هو تفصيل هذا الإجمال. # والمقصود هنا شيء آخر، وهو أن نفس الدليل الذي يحتج به المبطل هو بعينه ~~إذا أعطى حقه تبين أنه يدل على فساد قول المبطل في نفس ما احتج به عليه، ~~وهذا عجيب قد تأملته فيما شاء الله من الأدلة السمعية، والمقصود هنا أن ~~الأدلة العقلية كذلك. # فأما السمعية فقد ذكرت أمورا مما احتج به الجهمية والرافضة وغيرهم مثل ~~{الله أحد الله الصمد} 3 وبينت أنها تدل على نقيض مطلوبهم، وهذا مبسوط في ~~الرد على الرازي في كتاب تأسيس التقديس، فإني لم أر لهم مثله، جمع فيه عامة ~~حججهم. # وكذلك احتجاجهم على نفي الرؤية بقولهم له: {لا تدركه الأبصار} 4، وكذلك ~~قوله: {ليس كمثله شيء} 5، ونحو ذلك. # وكذلك احتجاج الشيعة بقوله: {إنما وليكم الله} الآية وبقوله: "أما ms025 ترضى ~~أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى" 6 ونحو ذلك كما بسط في منهاج أهل السنة. ~~والمقصود هنا PageV01P043 # العقليات؛ فإن كل من له معرفة يعرف أن السمعيات إنما تدل على الإثبات. ~~وأما الرافضة فعمدتهم على السمعيات، لكن كذبوا أحاديث كثيرة جدا راج كثير ~~منها على أهل السنة، وعسر تمييزها إلا على الأئمة العارفين بعلل الحديث ~~متنا وسندا. كما أن الجهمية أتوا بحجج عقلية اشتبهت على أهل السنة إلا على ~~قليل ممن له خبرة بذلك. والصفات والقدر، ويسميان التوحيد والعدل هما أعظم ~~وأجل ما فيه في الأصول، والحاجة إليهما أعم، ومعرفة الحق فيها أنفع. # (61) الأقوال التي ترغب في الفجور وتهيج القلوب إليها، # وكل ما فيه إعانة على الفاحشة وترغيب فيها حرام أعظم من تحريم الندب ~~والنياحة، لأن ذلك يثير الحزن وهذا يثير الفسق، والحزن قد يرخص فيه بخلاف ~~الفسق، بل هذا من جنس القيادة، وفي الصحيح "لا تنعت المرأة المرأة لزوجها ~~حتى كأنه ينظر إليها" 1، وبلغ عمر أن نصرا تغنت به امرأة فأخذ شعره ثم رآه ~~جميلا فنفاه، فكيف لو رأى من يغني بهذه الأقوال المروية في المردان مع كثرة ~~الفجور؟! فإن هؤلاء من المضادين لله ولرسوله، ولدينه، يدعون إلى ما نهى ~~الله عنه، ويصدون عن سبيل الله، ويبغونها عوجا. والمخالط لهم إذا ادعى ~~السلامة لم يقبل منه، فإنه إما أن يفعل معهم، وإما أن يقرهم، وعلى كل حال ~~فهو مستحق للعقوبة. وقد رفع إلى عمر بن عبد العزيز PageV01P044 # أقوام يشربون الخمر، فقيل إن فيهم صائما، فقال: ابدؤوا به فاجلدوه، ألم ~~يسمع قول الله تعالى: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله} 1 ~~الآية. فنهى سبحانه عن القعود مع الظالمين، فكيف بمعاشرتهم؟ والرسول بعث ~~بإصلاح العقول والأديان، وتكميل نوع الإنسان، وحرم ما يغير العقل من جميع ~~الألوان. # (62) الوسواس في الصلاة نوعان: # أحدهما لا يمنع من تدبر الكلام الطيب والعمل الصالح، بل بمنزلة الخواطر ~~فلا يبطل، لكن من سلم منه فهو أفضل ممن لم يسلم منه. الأول شبه ms026 حال ~~المقربين. # والثاني: شبه حال المقتصدين. # وأما الذي يمنع الفهم بحيث يصير الرجل غافلا، فلا ريب أنه يمنع الثواب، ~~كما في حديث عمار. وغيره، والنصوص والآثار إنما تدل على أن الثواب مشروط ~~بالحضور، ولم تدل على وجوب الإعادة لا باطنا ولا ظاهرا، كما في حديث الصوم: ~~"من لم يدع قول الزور والعمل".. إلخ وهذا هو المأثور عن أحمد وغيره من ~~الأئمة. # (63) لم يكن أحد من الأنبياء نبيا قبل أن ينبأ # وقوله: "كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد" 2 وذلك أن في الصحيح أن الجنين ~~إذا خلق كتب الملك رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد قبل نفخ الروح فيه، فبين ~~خلقه ونفخ روحه. بقدر حاله في صحف الملائكة في تلك الحال ما سيكون من ~~PageV01P045 # أمره، وقال تعالى {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} 1 الآية، وقال: ~~{وعلمك ما لم تكن تعلم} 2 وقال: {وإن كنت من قبله لمن الغافلين} 3. ففي هذه ~~النصوص وغيرها يخبر بإنعامه عليه؛ وبه يتبين عظم نعم الله عليه، وعظم قدرة ~~الله سبحانه. # (64) الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، # والعبادات مبناها على الاتباع وليس لأحد أن يسن منها غير المسنون، ويجعله ~~عادة راتبة، يواظب الناس عليها، بل هذا ابتداع دين لم يأذن به الله. بخلاف ~~ما يدعو به المرء أحيانا من غير أن يجعله سنة. # (65) كل اسم مجهول ليس لأحد أن يرقأ به، فضلا عن أن يدعو به، # ولو عرف معناه كره الدعاء بغير العربية، وإنما يرخص فيه لمن لا يحسن ~~العربية، فأما جعل الألفاظ العجمية شعارا فليس من دين الإسلام. # (66) من اعتدى على شريف أو غيره عوقب بالقصاص # والتعزيز، أو حد القذف ويعاقب المعتدي أيضا وإن كان شريفا. فما يشرع فيه ~~القصاص لا فرق فيه بين الشريف وغيره، لقوله صلى الله عليه وسلم "المسلمون ~~تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم " 4. # (67) ما ذكر من حياة الشهداء ورزقهم # قيل إنه مختص بهم، والصحيح الذي عليه الأئمة أنه ليس مختصا كما دلت عليه ~~النصوص وخص الشهيد PageV01P046 # بالذكر، لكون الظان يظن أنه يموت ms027 فينكل عن الجهاد، كما نهي عن قتل ~~الأولاد خشية الإملاق. # (68) اختلف في ولاية أبي بكر هل هي بنص أو إجماع؟ # والتحقيق أنه صلى الله عليه وسلم دلهم عليها بأمور متعددة من أقواله، ~~وأفعاله، وأخبر بها إخبار راض حامد، وعزم أن يكتب بها عهدا، ثم علم أن ~~المسلمين يجتمعون، ولهذا قال: "يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" 1 لأن ~~النزاع إنما يكون لخفاء العلم أو لسوء القصد، وكلاهما منتف، وهذا أبلغ من ~~العهد، فصارت ثابتة بالنص والإجماع، المستند إلى ما علموه من تفضيل الله ~~ورسوله له، وأنه أحق، وأن الله أمر بها وأن المؤمنين يختارونها. # (69) خلق الله الخير والشر لما له في ذلك من الحكمة # التي باعتبارها كان فعله حسنا متقنا كقوله: {الذي أحسن كل شيء خلقه} 2، ~~{صنع الله الذي أتقن كل شيء} 3 فلهذا لا يضاف إليه الشر مفردا إلا أن يدخل ~~في العموم، كقوله {خالق كل شيء} 4، أو يضاف إلى السبب كقوله: {من شر ما ~~خلق} 5، أو يحذف الفاعل كقوله {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض} 6 ~~الآية، وقوله: {أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} 7 فذكر أنه ~~فاعل النعمة، وحذف فاعل الغضب، وأضاف PageV01P047 # الضلال إليهم، فالرب تعالى لا يمثل بخلقه، لا في ذاته ولا في صفاته، ولا ~~في أفعاله، بل له المثل الأعلى. # (70) وقال في احتجاج الرافضة بآية الميراث: # ليس في عمومها ما يقتضي أنه صلى الله عليه وسلم يورث، ولا قصد بها بيان ~~صفة المورث والوارث، وإنما قصد بها أن المال الموروث يقسم بين الوارثين على ~~هذا التفصيل؛ ولهذا لو كان الميت مسلما وهؤلاء كفارا لم يرثوا بالاتفاق، ~~وكذلك بالعكس في قول الجماهير، وكذلك القاتل عند عامة المسلمين. # وهب أن لفظ الآية عام مخصوص بأدلة أضعف من كونها لم تعمه صلى الله عليه ~~وسلم يعني في المسائل المتقدمة آنفا، وإذا خصت بنص أو إجماع خصت بنص آخر ~~بالإجماع، وقد ثبت أنه لا يورث بالسنة المقطوع بها بإجماع الصحابة، وقد جرت ~~العادة بأن الملوك الظلمة ms028 إذا تولوا بعد من أحسن إليهم وقد انتزعوا الملك ~~منهم أعطوهم ما يكفيهم عنهم، وأما منع الميراث فلا يعلم أن أحدا من الملوك ~~فعله، فعلم أن ما جرى خارج عن العادة الطبيعية في الملوك، كما خرج عن ~~العادات الشرعية في المؤمنين لاختصاصه صلى الله عليه وسلم بما لم يخص به ~~غيره. وقوله: {وورث سليمان داود} 1 لا يدل على محل النزاع، لأن الإرث اسم ~~جنس تحته أنواع، فيستعمل في إرث العلم والنبوة وغير ذلك، قال تعالى: {ثم ~~أورثنا الكتاب الذين اصطفينا} 2 الآية. وداود له أولاد غير سليمان فلا يختص ~~بماله، والمراد إرث العلم والنبوة ونحو ذلك، وإرث المال من الأمور المشتركة ~~كالأكل PageV01P048 # والشرب فلا يقص مثله عن الأنبياء. وقوله {يرثني ويرث من آل يعقوب} 1 ~~كذلك، لأنه لا يرث من آل يعقوب أموالهم، والنبي لا يطلب ابنا ليرث ماله، ~~وهذا لا يصدر إلا ممن هو أقل الناس عقلا ودينا. # (71) قوله: "ما أقلت الغبراء ... "إلخ # بتقدير ثبوته لم يرد به أنه أصدق الناس، فإنه يلزم أن يكون أصدق منه صلى ~~الله عليه وسلم، ولكن معناه: ليس غيره أكثر تحريا للصدق منه، والصادق شيء ~~والصديق شيء ليس لكونه صادقا، بل لكونه صدق الأنبياء. فالصديق ليس فضيلته ~~في مجرد الصدق، بل إنه علم ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم جملة ~~وتفصيلا، وصدق ذلك تصديقا كاملا في العلم والقصد والقول والعمل. وأبو ذر لم ~~يعلم ما أخبر به صلى الله عليه وسلم كما علمه أبو بكر فإنه أعرف منه، وأعظم ~~حبا لله ورسوله، وأعظم نصرا لله ورسوله، وأعظم جهادا بنفسه وماله، إلى غير ~~ذلك من الصفات التي هي كمال الصديقية. # (72) وقال في قول الرافضي: إذاعة سر رسول الله صلى الله عليه وسلم: # أهل السنة في هذا الباب قائمون بالقسط شهداء لله، قولهم لا يتناقض، وأما ~~أهل البدع ففيهم من التناقض ما ننبه على بعضه؛ وذلك أن عندنا أن أهل بدر ~~كلهم في الجنة، وكذلك أمهات المؤمنين، لكن ليس من شرط ذلك ms029 سلامتهم من الخطأ ~~والذنوب، فما يذكر عن الصحابة من السيئات كثير منه كذب، وكثير منه كانوا ~~مجتهدين فيه؛ وما قدر أنه ذنب فهو مغفور إما بتوبة أو حسنات، أو غير ذلك، ~~فإنه قد قام الدليل على أنهم في الجنة؛ PageV01P049 # ولو لم يقم لم يجز لنا القدح في استحقاقهم الجنة بأمور لا نعلم أنها توجب ~~النار، فإن هذا لا يجوز في آحاد المؤمنين، والكلام بلا علم حرام، ولهذا كان ~~الإمساك عما شجر بينهم خير من الخوض فيه بغير علم بحقيقة الأحوال، إذ كثير ~~منه أو أكثره بغير علم، وهو حرام، لو لم يكن فيه هوى ومعارضة للحق. وقال: ~~"القضاة ثلاثة" 1 إلخ فإذا كان هذا في قضاء بين اثنين في قليل المال ~~وكثيره، فكيف بين الصحابة في أمور كثيرة؛ فمن تكلم في هذا الباب بجهل أو ~~بخلاف ما يعلم من الحق استوجب الوعيد، ولو تكلم بحق للهوى أو عارض به حقا ~~آخر استوجب الوعيد. فمن سلك سبيل أهل السنة استقام، وإلا وقع في كذب وجهل ~~وتناقض. ثم ذكر إنكار الرافضة توبة الأنبياء والأئمة، وخطبة علي لابنة أبي ~~جهل، وغضبه صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية لما لم يحلقوا، ثم قال: ~~والرافضة تعمد إلى قوم متقاربين تريد أن تجعل أحدهم معصوما والآخر مأثوما، ~~فيظهر جهلهم وتناقضهم، ومن عمد إلى التفريق بين المتماثلين أصابه مثل هذا ~~كأتباع العلماء والمشايخ. # (73) مذهب أهل السنة أن الأمراء الظلمة مشاركون فيما يحتاج إليهم فيه من ~~طاعة الله # فيصلى خلفهم، ويجاهد معهم، ويستعان بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، ومن حكم منهم بعدل نفذ حكمه. وإن أمكن تولية بر لم يجز تولية فاجر، ~~فيجتهدون في الطاعة بحسب الإمكان، كما قال: {فاتقوا الله ما استطعتم} 2، ~~ويعلمون أن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بصلاح العباد، فإذا اجتمع ~~صلاح وفساد رجحوا الراجح PageV01P050 # منهما، وقل من خرج على دين سلطان إلا كان ما تولد عن فعله من الشر أعظم ~~من الخير، فلا أقاموا دينا ولا أبقوا دنيا، وإن كان ms030 فيهم خلق من أهل العلم ~~والدين، وهذا مما يبين أن ما أمر به صلى الله عليه وسلم من الصبر على جور ~~الأئمة هو الأصلح. فالشارع أمر كلا بما هو أصلح له وللمسلمين، فأمر الولاة ~~بالعدل والنصح لرعيتهم، وأمر بالصبر على استيثارهم، ومنازعتهم الأمر والفتن ~~في كل زمان بحسب رجاله، والفتنة تمنع معرفة الحق وقصده والقدرة عليه، ~~ففيهما من الشبهات ما يلبس الحق بالباطل، حتى لا يتميز لكثير من الناس، ومن ~~الشهوات ما يمنع قصد الحق، ومن قوة الشر ما يضعف القدرة على الخير، ولهذا ~~يقال: " فتنة عميا صما ". # (74) لآله صلى الله عليه وسلم على الأمة حق لا يشركهم فيه غيرهم، # ويستحقون من زيادة المحبة والموالاة ما لا يستحق سائر قريش، وقريش ~~يستحقون ما لا يستحق غيرهم من القبائل، كما أن جنس العرب يستحقون من ذلك ما ~~لا يستحقه سائر أجناس بني آدم. على هذا دلت النصوص: تفضيل الجملة على ~~الجملة لا يقتضي تفضيل كل فرد، كالقرن الأول على الثاني، والثاني على ~~الثالث. # وأما نفس ترتيب الثواب والعقاب على القرابة، ومدح الله للمعين وكرامته ~~عنده فهذا لا يؤثر فيه النسب، وهذا لا ينافي ما ذكرنا قبله، كما قال: ~~"الناس معادن" 1 ... إلخ. فالأرض إذا كان فيها معدن ذهب ومعدن فضة فالأول ~~خير لأنه مظنة وجود أفضل الأمرين، فإن تعطل ولم يخرج ذهبا كان ما يخرج ~~الفضة أفضل منه، ولهذا كان في بني هاشم النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا ~~يماثله أحد في قريش، وفي قريش الخلفاء وغيرهم ما لا نظير له في العرب، وفي ~~العرب من السابقين الأولين ما لا نظير له PageV01P051 # في سائر الأجناس. # فالأصل المعتبر هو الإيمان والتقوى، دون من ألغى فضيلة الأنساب مطلقا، ~~ودون من ظن أن الله مفضل الإنسان بنسبه على من هو مثله في التقوى؛ وكلا ~~القولين خطأ وهما متقابلان، فالفضل بالنسب للمظنة والسبب، وبالتقوى لليقين ~~والتحقيق والغاية؛ فالأول سبب وعلامة، والثاني يفضل به لأنه تحقيق وغاية. ~~والثواب يقع على هذا، لأن الحقيقة قد وجدت ms031 فلم يعلق الحكم بالمظنة، ولأن ~~الله يعلم الأشياء على ما هي عليه، ولهذا كان رضى الله عن السابقين أفضل من ~~الصلاة على آل محمد، لأن الأول إخبار بما حصل، والثاني سؤال ما لم يحصل. ~~ومحمد أخبر الله تعالى أنه يصلي عليه وملائكته، فالفضيلة بنوع لا يستلزم ~~الأفضلية مطلقا، ولهذا كان في الأغنياء من هو أفضل من جمهور الفقراء، ~~كإبراهيم وداود وأمثالهم، وعيسى ويحيى أفضل من أكثر الأغنياء. # (75) إذا تكلم فيمن دون الصحابة كالملوك المختلفين، وجب أن يكون الكلام ~~بعلم وعدل، # فإن العدل واجب لكل أحد على كل أحد في كل حال، والظلم محرم مطلقا لا يباح ~~بحال، قال تعالى: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا} 1. وهذه الآية ~~نزلت بسبب بغضهم للكفار، وهو بغض مأمور به، فإذا كان هذا قد نهي صاحبه أن ~~يظلم من أبغضه، فكيف في بغض مسلم بتأويل أو شبهة أو هوى؟ والعدل مما اتفق ~~أهل الأرض على مدحه، والظلم مما اتفقوا على ذمه، والله أرسل الرسل ليقوم ~~الناس بالقسط، وأخبر أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، وأمر بتقواه بقدر ~~الاستطاعة، PageV01P052 # ودعا المؤمنون بقوله: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} 1 فقال قد ~~فعلت، فدلت هذه النصوص على أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، وأن المخطئ والناسي ~~لا يؤاخذ، وقال {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا} 2 ~~الآية، فمن آذى مؤمنا حيا أو ميتا بغير ذنب يوجب ذلك دخل في الآية ومن كان ~~مجتهدا لا إثم عليه فآذاه مؤذ فقد آذاه بغير ما اكتسب، ومن أذنب وتاب أو ~~غفر له بسبب آخر فآذاه مؤذ فقد آذاه بغير ما اكتسب. # (76) ذكر غير واحد الإجماع على أن الصديق أعلم الأمة، # وهذا بين؛ فإنهم لم يختلفوا في مسألة في ولايته إلا فصلها بحجة من الكتاب ~~والسنة، كما بين لهم موته صلى الله عليه وسلم وموضع دفنه، وقتال مانعي ~~الزكاة، وأن الخلافة في قريش، واستعمله صلى الله عليه وسلم على أول حجة حجت ~~من مدينته، وعلم المناسك - أدق العبادات ms032 - ولولا سعة علمه بها لم يستعمله، ~~ولم يستخلف غيره لا في حج ولا في صلاة، وكتاب الصدقة التي فرضها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أخذه أنس من أبي بكر، وهو أصح ما روي فيها. وفي الجملة ~~لا يعرف مسألة غلط فيها، وعرف لغيره مسائل كثيرة، وتنازعوا بعده في مسائل ~~الجد والإخوة، والعمريتين والعول، وغير ذلك من مسائل الفرائض ومسألة ~~الحرام، والطلاق الثلاث بكلمة، والخلية، والبرية، والبتة، وغير ذلك من ~~مسائل الطلاق، وفي مسائل صارت نزاعا إلى اليوم، لكنه في خلافة عمر نزاع ~~محض، وقوي النزاع في خلافة عثمان حتى حصل كلام غليظ من بعضهم لبعض، وفي ~~خلافة علي صار النزاع PageV01P053 # بالسيف، ولم يعلم أنه استقر بينهم نزاع في خلافة أبي بكر في مسألة واحدة، ~~وذلك لكمال علمه، ثم التي خولف فيها بعد موته قوله فيها أرجح. # (77) مذهب أبي ذر رضي الله عنه أن الزهد واجب، # وأن ما أمسك عن الحاجة فهو كنز، واحتج بآية براءة. فلما توفي عبد الرحمن ~~بن عوف وخلف مالا جعل أبو ذر ذلك من الكنز، وخالفه الجمهور، واستدلوا ~~بقوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" 1. إلخ ولا يحول الحول على مال عند ~~أحد إلا وهو فضلة عن حاجة، وقالوا الكنز: المال الذي لا تؤدي حقوقه، وقد ~~قسم الله المواريث في القرآن، وقد كان غير واحد له مال على عهده صلى الله ~~عليه وسلم، وكان غير واحد من الأنبياء لهم مال، وكان أبو ذر يريد أن يوجب ~~ما لا أوجبه الله، مع أنه مجتهد في ذلك. وكان عمر يقوم رعيته فلا يتعدى لا ~~الأغنياء ولا الفقراء، فلما كان في خلافة عثمان رضي الله عنه توسع الأغنياء ~~في الدنيا، وتوسع أبو ذر في الإنكار، وهذا من أسباب الفتن بين الطائفتين. # (78) الغاية الممكنة ذكر الأمور الكلية # كما قال صلى الله عليه وسلم "بعثت بجوامع الكلم" 2، ثم النظر في دخول ~~الأعيان فيها، أو دخول نوع خاص تحت أعم منه لا بد فيه من نظر المتولي، وقد ~~يصيب تارة ويخطئ ms033 أخرى، فنص صلى الله عليه وسلم على الكليات، كما جاء فيما ~~يحرم ويحل من النساء، وكذلك الأشربة حرم كل مسكر، وأمثال ذلك، بل قد حصر ~~المحرمات في قوله: {قل إنما حرم ربي الفواحش} 3 الآية. فكل ما يحرم تحريما ~~PageV01P054 # عاما مطلقا ذكره فيها، وما سواه وإن حرم في حال أبيح في أخرى، كالدم. ~~إلخ، وجميع الواجبات في قوله: {قل أمر ربي بالقسط} 1، فلا مصلحة في عصمة ~~الإمام إلا وهي حاصلة بعصمة الرسول، ولله الحمد والمنة، وكل من كان إلى ~~اتباع السنة والحديث واتباع الصحابة أقرب كان مصلحتهم في الدين والدنيا ~~أكمل، ومن كان أبعد كان بالعكس. ولما كانت الشيعة من أبعد الطوائف عن اتباع ~~المعصوم تجدهم من أبعد الناس عن مصلحة دينهم ودنياهم، حتى يوجد من هو تحت ~~سياسة أظلم الملوك أحسن حالا منهم، ولهذا أشبهوا اليهود في أحوال كثيرة، ~~منها أنهم ضربت عليهم الذلة، فلا يعيشون إلا أن يتمسكوا بحبل بعض الولاة ~~الذي ليس بمعصوم، فالرافضة وحدهم لا يقوم أمرهم كاليهود. # (79) قوله تعالى: {أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع} # الآية. الذي يهدي إلى الحق مطلقا هو الله تعالى، والذي لا يهدي صفة كل ~~مخلوق، وهذا هو المقصود بالآية، فإنه افتتح الآيات بقوله: {قل من يرزقكم من ~~السماء والأرض} 2 إلخ. # (80) حديث الكسا صحيح، ولا دليل فيه على العصمة ولا الإمامة # لأن الإرادة نوعان: إرادة دينية كقوله: {ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته ~~عليكم} 3، {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم PageV01P055 # ويتوب عليكم} 1، وإرادة كونية كقوله: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره} ~~2 الآية. أخبر الله أنه يريد أن يتوب على المؤمنين، وأن يطهرهم، وفيهم من ~~تاب ومن لم يتب، ومن تطهر ومن لم يتطهر، فلا يلزم بالآية ثبوت دعوى العصمة ~~والإمامة، ثم أزواجه صلى الله عليه وسلم مذكورات بالآية والخطاب، وتنازعوا ~~في آل محمد قيل: أمته، وقيل المتقون منهم، والصحيح أنهم أهل بيته وأزواجه ~~من آله. وفي الصحاح أنه قال: "وددت أني رأيت إخواني. قالوا: أو ms034 لسنا ~~إخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواني قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم ~~يروني" 3 وإذا كان كذلك فأولياؤه المتقون بينه وبينهم قرابة الإيمان، ~~والقرابة الدينية أعظم من القرابة الطينية، والقرب بين القلوب والأرواح ~~أعظم من القرب بين الأبدان، ومن كان فاضلا من آله فهم أولياؤه بهذا ~~الاعتبار، لا لمجرد النسب، والقرآن لا يدل على ثبوت الطهارة وإذهاب الرجس، ~~ودعاؤه صلى الله عليه وسلم يدل على وقوعه، فإن دعاءه مجاب، ولفظ الرجس أصله ~~القذر، ويراد به الشرك كقوله: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} 4، ويراد به ~~الخبائث المحرمة، كقوله {أو لحم خنزير فإنه رجس} 5. ونحن نعلم أن الله أذهب ~~عنهم الرجس والخبائث، وقوله: {ويطهركم تطهيرا} 6 سؤال مطلق، فمن تاب أو وقع ~~ذنبه مكفرا أو مغفورا، فقد طهره الله تطهيرا. PageV01P056 # (81) قول موسى عليه السلام {واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي} # قاله قبل أن يبلغ الرسالة، ليعاونه عليها، ونبينا صلى الله عليه وسلم بلغ ~~الرسالة وحده، وكان أبو بكر أول من آمن به، ودعا معه إلى الله، وأسلم على ~~يده ستة من العشرة، ومع هذا فما دعا أن يشد أزره به، بل قام مطيعا لربه ~~متوكلا عليه، صابرا له كما أمره بقوله: {ولربك فاصبر} 1. # (82) وقال في الكلام على {قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا ~~أنتم عابدون ما أعبد} : # نفى عنهم عبادة معبوده، لأنهم إذا أشركوا لم يكونوا عابدين معبوده، وأيضا ~~لو عينوا الله بما ليس هو وقصدوا عبادة الله معتقدين أنه هو كأصحاب العجل، ~~والذين عبدوا عيسى والدجال، والذين يعبدون أهواءهم، ومن عبد من هذه الأمة ~~غير الله فهم عند أنفسهم إنما يعبدون الله، لكن هذا المعبود ليس هو الله، ~~وإن قصد العابد الله، وأيضا إذا وصفوه بما هو بريء منه كالصاحبة والولد ~~وعبدوه كذلك فهو بريء من هذا المعبود، فإنه ليس هو الله، كما قال صلى الله ~~عليه وسلم: "ألا ترون كيف يصرف الله عني سب قريش، يسبون مذمما" 2، كذلك ~~عبادة أمثالهم واقعة على موصوفهم، أيضا من ms035 لم يؤمن بما وصف به الرسول ربه، ~~فهو في الحقيقة لم يعبد ما عبده الرسول. وقس على هذا، فلنتأمل هذه المعاني ~~ولنتهذب. # (83) وقال في دعاء آخر البقرة: الذنوب والمعاصي قد تكون سببا لعدم العلم ~~بالحنيفية السمحة، # فلا يعلم أنه مرفوع عنه، أو لعدم من يفتيه بالرخصة PageV01P057 # فلا يكون مقتضى هذا الدعاء حاصلا في حقه، لعدم العلم، لا لنسخ الشريعة؛ ~~كما يعاقب بأن يخفى عليه من الطعام الطيب ما هو موجود، وأن العبد ليحرم ~~الرزق بالذنب يصيبه، قد قال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب} 1. وهذا مما يعلم به قوله: {من يعمل سوءا يجز به} 2، {فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره} 3 الآية. وفي آخر خلافة عثمان فصاروا في فتنة قال ~~الله فيها: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} 4 إلخ. وصار ذلك ~~سببا لمنعهم كثيرا من الطيبات، وصاروا يختصمون في متعة الحج ونحوها، وبعضهم ~~يعاقب من تمتع، وكل منهم لا يعتقد مخالفة الرسول، لكن خفي العلم بسبب ~~الذنوب. والنزاع في الأحكام قد يكون رحمة إذا لم يفض إلى شر، وإن كان الحق ~~واحدا فقد يكون من رحمة الله ببعض الناس خفاؤه، لما في ظهوره من الشدة، ~~ويكون من باب قوله: {لا تسألوا عن أشياء} 5 إلخ، وهكذا ما يوجد في الأسواق ~~من الطعام والثياب. # (84) قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} وما قبله # فيه ثلاثة أصول: # الأول: لا تزر وازرة وزر أخرى. # الثاني: ليس له إلا ما سعى. # الثالث: أن سعيه يرى ويجزاه الجزاء الأوفى. # وهذه أصول PageV01P058 # الإيمان بالوعد والوعيد، وهي نتيجة الإيمان بالأمر والنهي، بل نتيجة ~~الجزاء في الدارين. وقد غلط فيها من غلط، أخفهم من غلطكم في الأصل الأول، ~~فأنكر أن الميت يعذب ببكاء الحي لتوهمهم أن الميتيجمل أوزار النائحة، وليس ~~كذلك، بل يصل إليه ألم بنياحتها، كما يعذب الإنسان بالرائحة المؤذية ~~والأمور المفزعة، والحكم فيه كسائر ما يعذب به بعد الموت، مثل مسألة منكر ~~ونكير، وأعظمهم غلط من ms036 غلط في الثالث، فأحبط حسانته بالكبيرة الواحدة، ~~وأوسطهم من غلط في الأوسط، فظنوا أنه لا ينتفع إلا بسعيه، ومعلوم أنه ينتفع ~~بالصلاة عليه والدعاء له وغير ذلك، وليس مناقضا للآية ولا مخصصا، وهو شامل ~~لنا، وإلا لم يكن في قوله {أم لم ينبأ} . إلخ. فائدة، وأيضا فإنه خبر، ~~والأخبار لا تنسخ. # وقال ابن عباس في الآية، وفي رواية الوالبي: فأدخل الله الأبناء بصلاح ~~الآباء الجنة، ولم يذكر نسخا، ولو ذكره فمراده نسخ ما يلقي الشيطان في معنى ~~الآية على غير الصواب، فبين أنه لم يرد أن الإنسان لا ينتفع بعمل غيره، ~~وهذا أحسن ما قيل فيها، وسائر الأقوال ضعيفة جدا، والله سبحانه يرحم العباد ~~بغير سعيهم أكثر مما يرحمهم بسعيهم. # (85) قوله تعالى {فلولا كانت قرية آمنت} الآية: # لولا: هلا; هذا قول أئمة العربية، وعن ابن عباس لم يكن; فذكر أنه لم يكن ~~قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس، وهذا حق. وقتادة ظن أن المعنى أنه ~~نفعهم دون غيرهم، وليس كذلك، بل غيرهم لم يؤمن إيمانا ينفع، وهؤلاء آمنوا ~~إيمانا ينفع، والاستثناء حجة لنا، لأنه منقطع، ولو اتصل # PageV01P059 # لرفع، وهو كالاستثناء في قوله: {فلولا كان من القرون} 1 الآية. # ومما يبين ذلك أنها تخصيص وذم لمن لم يفعل، وهو يقتضي أن القرى لو آمنوا ~~نفعهم، لكن لم يؤمنوا؛ وهذا هو الصواب، لأنه تعالى قال: {فلما رأوا بأسنا} ~~الآيات فأخبر أن هذه سنته، وسنته لا تبديل لها. وقال: {وليست التوبة للذين ~~يعملون السيئات} 2 الآية، وهذا نفي عام، فلو استثني أحد لكان أمة نبي ~~التوبة، وقد وسع لهم في التوبة ما لم يوسع على بني إسرائيل، وهاتان الأمتان ~~فضلوا على العالمين. وأيضا فإنه سبحانه عدل لا يفرق بين متماثلات، وكشف ~~العذاب عنهم حق رأوه أم لا، فإنه نوعان نوع يتيقن معه الموت، ونوع لا ~~يتيقن، ومن تاب كشف عنه هذا العذاب، والمريض تقبل توبته ما لم يغرغر، وإن ~~كان مرضا مخوفا. وقوله: {كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا} 3 يبين ms037 ~~أن المكشوف عذاب في الدنيا ولو لم يفسر فهو مجمل، والقرآن فرق بين النوعين، ~~فقوم يونس آمنوا إيمانا نفعهم وآمنوا قبل حضور الموت، وغيرهم إما أن يكون ~~كاذبا في إيمانه كقوم فرعون، وإما بعد حصول الموت كالذين قال فيهم: {فلم يك ~~ينفعهم إيمانهم} 4 الآية. وقال تعالى: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد ~~إيمانهم} 5 الآيات، وفسر الازدياد كفرا بالإصرار PageV01P060 # إلى الموت، فلم تقبل توبتهم عند الموت لأنه لا يمكن الرجوع عن السيئات، ~~فينقص أو يذهب، فقوله ازدادوا كقوله: استمروا. ونظيرها: {إن الذين آمنوا ثم ~~كفروا ثم آمنوا ثم كفروا} 1 الآية. فهنا قال: {لم يكن الله ليغفر لهم} 2، ~~وهناك قال: {لن تقبل توبتهم} فإنه لو تاب من ردته قبلت توبته، فإذا ارتد ~~ثانية حبط الإيمان الذي غفر به ذلك الكفر، فبقى عليه إثم الكفر الأول ~~والثاني، فازداد كفرا وأصر إلى الموت لم يغفر له. وذكر في أولها الذي ازداد ~~كفرا بعد الكفر الأول، فذكر الكفر المفرد، والمكرر بينهما ازدياد. ولما قال ~~هناك {لن تقبل توبتهم} عند الموت ففيه تنبيه على أن الثاني لا يغفر بطريق ~~الأولى، ولما ذكر في الثاني أنهم آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا كان ~~مفهومه أنهم لو تابوا قبل الازدياد قبلت توبتهم وإن كرروا، فدل على أن قوله ~~في الأول: (ازدادوا) أراد به الإصرار، وإلا لكان من كفر وأقام مدة ثم تاب ~~لم تقبل، وهو خلاف قوله: {إلا الذين تابوا} الآية، وخلاف مفهوم آية ~~التكرير. فإن قيل: ازدياده أن يأتي بما يغلظ ردته كابن أبي سرح وابن خطل، ~~قيل هذا من مسائل الاجتهاد، والكلام فيه في غير هذا الموضع، وابن آدم لم ~~يكن ندمه ندم توبة، وثمود قيل إنهم موعودون بالعذاب إذا عقروها، وعذاب ~~الدنيا لا يندفع بمثل هذه التوبة، فإن أصحاب العجل توبتهم بقتل أنفسهم، وهم ~~لم يتوبوا إلا خوفا من عذاب الدنيا، أو يقال توبتهم من جنس توبة آل فرعون ~~إذا رفع عنهم العذاب نكثوا، فقوله نادمين لا يدل على توبة صادقة ms038 ثابتة، ~~وقوله: {فلما أحسوا بأسنا} الآيات، لم يذكر توبة بل اعترافا بالظلم. ~~والكفار PageV01P061 # والعصاة يعرفون أنهم ظالمون مع الأحرار، ومجرد العلم ليس توبة، بل رجوع ~~القلب عن الذنب إلى الله وطاعته، والتوبة عند نزول العذاب لا تكون صادقة، ~~بل كآل فرعون باللسان من غير عمل. وقال بعض العلماء فيمن تاب عند السيف: ~~{فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده} 1 الآيات وهؤلاء كآل فرعون أو هذا ~~العالم رأى معاينة القتل المتحتم مثل معاينة الملك، ولكن هذا مثل من قطعت ~~حشوته فأيقن بالموت، وهذا تقبل توبته على الصحيح، وتنفذ وصاياه، فإن عمر ~~أوصى في هذه الحال، وغايته أنه أيقن بالموت بعد زمن، وكل أحد موقن بالموت ~~بعد زمن طويل أو قصير، إلا أن يقال من هؤلاء من يضطرب عقله فلا يمكنه توبة ~~صحيحة، ومن المذنبين من لا يتوب صادقا بعد معاينة عذاب الآخرة، فكيف بعذاب ~~الدنيا؟ # قال تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على النار} 2 الآيتين. ومن الناس من يقول: ~~إن من الذنوب ما لا يزول بالتوبة، كالذين أعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم ~~يلقونه، والذين قيل لهم: {لن تخرجوا معي أبدا} 3. وقال الأكثرون إن ذلك ~~لكونهم لم يتوبوا توبة تمحو مثل ذلك؛ فقوله: { (إن الله يغفر الذنوب جميعا} ~~4، وقال أيوب السختياني وغيره: المبتدع لا يرجع، واضح بحديث الخوارج؛ وهذا ~~حال من أعقبهم نفاقا في قلوبهم، ولكن ليس وصف جميعهم، فليست البدعة أعظم من ~~الردة، لكنه مظنة، كالذين أسلموا منهم، كان الصحابة يحذرون منهم خوفا من ~~بقايا الردة. فهذا هو العدل في هذا الموضوع، وقد تاب خلق كثير من رأي ~~الخوارج والجهمية والرافضة وغيرهم، PageV01P062 # لكن التوبة من الاعتقاد الذي كثر ملازمة صاحبه له يحتاج إلى ما يقابله من ~~المعرفة والعلم والأدلة. ومما يناسب هذا قوله: {لا يزال بنيانهم الذي بنوا ~~ريبة} 1 الآية وقوله: {والله عليم حكيم} 2 يدل على أنه سبحانه يعلم من ~~القلوب ما يناسب هذا، وهو حكيم في حكمه أنه لا يزال بنيانهم. إلخ، والذنوب ~~لا بد فيها ms039 من توبة أو تعذيب ولو بنقص الحسنات. وكثير من الذنوب يحتاج ~~صاحبها إلى معالجة قلبه ومجاهدة نفسه كحال الثلاثة الذين خلفوا، فكيف ~~غيرهم؟ # (86) قال رحمه الله هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا توجد في طائفة من كتب ~~التفسير إلا ما هو خطأ: # منها قوله تعالى {وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون} والآية بعدها: ~~أشكلت قراءة الفتح على كثير بسبب أنهم ظنوا أن الآية بعدها جملة مبتدأة، ~~وليس كذلك، لكنها داخلة في خبر أن، والمعنى: إذا كنتم لا تشعرون أنها إذا ~~جاءت لا يؤمنون، وأنا نفعل بهم هذا، لم يكن قسمهم صدقا، بل قد يكون كذبا. ~~وهو ظاهر الكلام المعروف أنها أن المصدرية، ولو كان "ونقلب" إلخ كلام مبتدأ ~~ألزم أن كل من جاءته آية قلب فؤاده، وليس كذلك، بل قد يؤمن كثير منهم. # ومنها قوله: {وعبد الطاغوت} الصواب عطفه على قوله {من لعنه الله} فعل ماض ~~معطوف على ما قبله من الأفعال الماضية، لكن المتقدمة الفاعل الله مظهرا ~~ومضمرا، وهذا الفاعل اسم " من عبد الطاغوت " وهو PageV01P063 # الضمير في عبد، ولم يعد حرف (من) لأن هذه الأفعال صفة لصنف واحد وهم ~~اليهود. # ومنها قوله: {وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء} 1، ظن طائفة أن ~~(ما) نافية وهو خطأ، بل هي حرف استفهام؛ فإنهم يدعون معه شركاء كما أخبر ~~عنهم في غير موضع، فالشركاء يوصفون في القرآن بأنهم يدعون، لا أنهم يتبعون ~~وإنما يتبع الأئمة، ولهذا قال: {إن يتبعون إلا الظن} 2 ولو أراد النفي لقال ~~إن يتبعون إلا من ليسوا شركاء، بل بين أن المشرك لا علم معه، إن هو إلا ~~الظن والخرص، كقوله: {قتل الخراصون} 3. # ومنها قوله: {بأيكم المفتون} 4 حار فيها كثير، والصواب المأثور عن السلف ~~قال مجاهد: الشيطان، وقال الحسن: هم أولى بالشيطان من نبي الله، فبين ~~المراد وإن لم يتكلم على اللفظ كعادة السلف في الاختصار مع البلاغة وفهم ~~المعنى. وقال الضحاك: المجنون، فإن من كان به الشيطان ففيه الجنون. وعن ~~الحسن: الضال، وذلك أنهم ms040 لم يريدوا بالمجنون الذي يخرق ثيابه ويهذي، بل لأن ~~النبي خالف أهل العقل في نظرهم، كما يقال: " ما لفلان عقل "، ومثل هذا رموا ~~به أتباع الأنبياء، كقوله: {وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون} 5 ومثله في ~~هذه الأمة كثير يسخرون من المؤمنين، ويرمونهم PageV01P064 # بالجنون والعظائم التي هم أولى بها منهم. قال الحسن: لقد رأيت رجالا لو ~~رأيتموهم لقلتم مجانين، ولو رأوكم لقالوا هؤلاء شياطين، ولو رأوا أخياركم ~~لقالوا هؤلاء لا خلاق لهم، ولو رأوا شراركم لقالوا هؤلاء قوم لا يؤمنون ~~بيوم الحساب. وهذا كثير في كلام السلف يصفون أهل زمانهم وما هم عليه - من ~~مخالفة - من تقدم، فما الظن بأهل زماننا؟! والذين لم يفهموا هذا قالوا ~~الباء زائدة، قاله ابن قتيبة وغيره، وهذا كثير كقوله: {سيعلمون غدا من ~~الكذاب الأشر} 1، {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين} 2 الآيات، {إن تسخروا ~~منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه} 3 الآية. # ومنها قوله: {لنخرجنك يا شعيب} 4 الآية وما في معناها: التحقيق أن الله ~~سبحانه إنما يصطفي لرسالته من كان خيار قومه حسنا في النسب، كما في حديث ~~هرقل: من نشأ بين قوم مشركين جهال لم يكن عليه نقص إذا كان على مثل دينهم ~~إذا كان معروفا بالصدق والأمانة، وفعل ما يعرفون وجوبه وترك ما يعرفون ~~قبحه، قال تعالى {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} 5، فلم يكن هؤلاء ~~مستوجبين العذاب، وليس في هذا ما ينفي عن القبول منهم، ولهذا لم يذكره أحد ~~من المشركين قادحا. وقد اتفقوا على جواز بعثة رسول لا يعرف ما جاءت به ~~الرسل قبله من النبوة والشرائع، وإن من لم يقر بذلك بعد الرسالة فهو كافر، ~~PageV01P065 # والرسل قبل الوحي لا تعلمه فضلا أن تقر به، قال تعالى: {ينزل الملائكة ~~بالروح من أمره} 1 الآية، وقال: {يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده ~~لينذر يوم التلاق} 2، فجعل إنذارهم بالتوحيد كالإنذار بيوم التلاق، كلاهما ~~عرفوه بالوحي. # وما ذكر أنه صلى الله عليه وسلم ms041 بغضت إليه الأوثان لا يجب أن يكون لكل ~~نبي، فإنه سيد ولد آدم، والرسول الذي ينشأ بين أهل الكفر الذين لا نبوة لهم ~~يكون أكمل من غيره من جهة تأييد الله له بالعلم والهدى، وبالنص والقهر، كما ~~كان نوح وإبراهيم، ولهذا يضيف الله الأمر إليهما في مثل قوله: {ولقد أرسلنا ~~نوحا وإبراهيم} 3 الآية، {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم} 4 الآية؛ ~~وذلك أن نوحا أول رسول بعث إلى المشركين، وكان مبدأ شركهم من تعظيم الموتى ~~الصالحين، وقوم إبراهيم مبدؤه من عبادة الكواكب، ذاك الشرك الأرضي وهذا ~~السماوي، ولهذا سد صلى الله عليه وسلم ذريعة هذا، وهذا. # ومنها قوله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا} 5 الآية: بين سبحانه ~~وصف أهل النجاة والسعادة من الأولين والآخرين، وهو الذي يدل عليه اللفظ، ~~ويعرف به معناه من غير تناقض، ومناسبته لما قبلها وما بعدها، ويعرف به ~~قدرها، وهو المعروف عن السلف. ويدل عليه ما ذكروه من سبب نزولها، فروى ابن ~~أبي حاتم بالأسانيد الثابتة عن سفيان عن أبي نجيح PageV01P066 # عن مجاهد قال سلمان: "سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل دين كنت معهم ~~فذكر من عبادتهم فنزلت ولم يذكر فيه أنهم من أهل النار"، كما روي بأسانيد ~~ضعيفة، وهذا هو الصحيح كما في مسلم: إلا بقايا من أهل الكتاب، والنبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن يجيب بما لا علم عنده، وقد ثبت أنه أثنى على من مات ~~في الفترة، كزيد بن عمرو وغيره، ولم يذكر ابن أبي حاتم في الآية خلافا عن ~~السلف، لكن ذكر عن ابن عباس: ثم أنزل الله {ومن يبتغ غير الأسلام دينا} 1 ~~الآية، ومراده أن الله بين أنه لا يقبل إلا الإسلام من الأولين والآخرين. ~~وكثير من السلف يريد بلفظ النسخ رفع ما يظن أن الآية دالة عليه، فإن من ~~المعلوم بالاضطرار من دون الرسل أن من كذب رسولا واحدا فهو كافر، فلا ~~يتناوله قوله: {من آمن بالله} إلخ. # لكن ظن بعض الناس أن ms042 الآية فيمن بعث إليهم محمد خاصة، فغلطوا؛ ثم افترقوا ~~على أقوال متناقضة ومنها قوله: {من جاء بالحسنة فله خير منها} 2 الآية. ذكر ~~أن المشهور عن السلف أن الحسنة " لا إله إلا الله "، وأن السيئة الشرك. ثم ~~ذكر عن السدي قال: ذلك عند الحساب ألقى بدل كل حسنة عشر سيئات، فإن بقيت ~~سيئة واحدة فجزاؤه النار إلا أن يغفر الله له. قلت تضعيف الحسنة إلى عشر ~~وإلى سبعمائة ثابت في الصحاح، وأن السيئة مثلها، وأن الهم بالحسنة حسنة، ~~والهم بالسيئة لا يكتب؛ فأهل القول الأول قالوه لأن أعمال البر داخلة في ~~التوحيد؛ فإنه عبادة الله بما أمر به، كما قال: {بلى من أسلم وجهه لله وهو ~~محسن} 3 الآية. وقال تعالى: PageV01P067 # {ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة} 1 الآية، فالكلمة الطيبة هي ~~التوحيد، وهي كالشجرة، والأعمال ثمارها في كل وقت، وكذلك السيئة هي العمل ~~لغير الله، وهذا هو الشرك. فإن الإنسان حارث همام لا بد له من عمل، ولا بد ~~له من مقصود يعمل لأجله، وإن عمل لله ولغيره فهو شرك، والذنوب من الشرك؛ ~~فإنها طاعة للشيطان، قال: {إني كفرت بما أشركتمون من قبل} 2 الآية، و {ألم ~~أعهد إليكم يا بني آدم} 3 الآية، وفي الحديث: "وشر الشيطان وشركه" 4، لكن ~~إذا كان موحدا وفعل بعض الذنوب، نقص توحيده كما قال: "لا يزني الزاني" إلخ. ~~ومن ليس بمؤمن فليس بمخلص، وفي الحديث: "تعس عبد الدينار" 5 إلخ، وحديث أبي ~~بكر "قل: اللهم أني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا وأنا أعلم" إلخ، لكن لم يعدل ~~بالله غيره فيحبه مثل حب الله، بل الله أحب إليه، وأخوف عنده، وارجأ من كل ~~مخلوق، فقد خلص من الشرك الأكبر. # ومنها قوله: {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته} 6 الآية، ذكر أن المشهور ~~أن السيئة الشرك، وقيل: الكبيرة يموت عليها، قاله عكرمة. قال مجاهد: هي ~~الذنوب فتحيط بالقلب، قلت: الصواب ذكر أقوال السلف، وإن كان فيها ضعيف ~~فالحجة تبين ضعفه، فلا ms043 يعدل عن ذكر أقوالهم لموافقتها قول طائفة من ~~المبتدعة، وهم ينقلون عن بعض السلف أن هذه PageV01P068 # أحد رجلين، إما كتابي معتصم بكتاب مبدل أو مبدل منسوخ، ودين دارس بعضه ~~مجهول وبعضه متروك، وإما أمي مقبل على عبادة ما استحسنه من نجم أو قبر أو ~~تمثال أو وثن أو غير ذلك، والناس في مقالات يظنونها علما وهي جهل، وأعمال ~~يحسبونها صلاحا وهي فساد، فهدى الله الناس بما جاء به من البينات والهدى ~~هداية جلت عن الوصف. # ثم إنه بعثه بدين الإسلام، وهو الصراط المستقيم، وفرض علينا أن نسأله ~~هدايته في كل يوم وليلة في صلاتنا، ووصفه بأنه صراط المنعم عليهم غير ~~المغضوب عليهم وغير الضالين، ثم ذكر حديث عدي بن حاتم وفيه فإن اليهود ~~مغضوب عليهم، والنصارى ضالون. فقلت: فإني حنيف مسلم، ودل القرآن على معنى ~~هذا. ووصف اليهود بالغضب والنصارى بالضلال له أسباب ظاهرة وباطنة جماعها: ~~أن كفر اليهود من عدم العمل، والنصارى من عدم العلم. ومع أن الله حذرنا ~~سبيلهم فقضى قضاء نافذا أن هذه الأمة يكون فيها مضاهاة لليهود والنصارى، ~~وهم أهل الكتاب، ولفارس والروم وهم الأعاجم. وكان صلى الله عليه وسلم ينهى ~~عن التشبه بهؤلاء وهؤلاء، فكذلك أمر العبد بدوام الدعاء بالاستقامة التي لا ~~يهودية فيها ولا نصرانية أصلا، والصراط المستقيم أمور باطنة في القلب من ~~اعتقادات وإرادات، وأمور ظاهرة قد تكون عبادات وقد تكون عادات في الطعام ~~والشراب والاجتماع والافتراق وغير ذلك. # (92) قد غلط في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر والكلام، # ومن أهل الإرادة والعبادة، حتى قلبوا حقيقته؛ فطائفة ظنت أنه نفي الصفات، ~~وسمو أنفسهم أهل التوحيد، وطائفة ظنت أنه ليس إلا الإقرار # PageV01P069 # ابن عباس في قوله: {والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها} 1: عملوا ~~الشرك، لأنه وصفهم بهذا فقط، ولو آمنوا لكان لهم حسنات. وكذا لما قال: {كسب ~~سيئة} لم يذكر حسنة، وقوله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى} 2 أي فعلوا الحسن، ~~وهو ما أمروا به؛ كذلك السيئة تتناول المحظور فيدخل فيها الشرك. # (87) تواترت الأحاديث بخروج ms044 من قال: "لا إله إلا الله" من النار # إذا كان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة أو خردلة أو ذرة، وكثير منهم أو ~~أكثرهم يدخلها، وتواترت أنه يحرم على النار من قال: "لا إله إلا الله"، لكن ~~جاءت مقيدة بالإخلاص واليقين، ويموت عليها، فكلها مقيدة بهذه القيود ~~الثقال. وأكثر من يقولها لا يعرف الإخلاص ولا اليقين، ومن لا يعرف ذلك يخشى ~~عليه أن يفتن عنها عند الموت. وغالبهم إنما يقولها تقليدا أو عادة؛ وغالب ~~ما يفتن عند الموت أو في القبر أمثال هؤلاء، كما في الحديث: "سمعت الناس ~~يقولون شيئا فقلته"، وغالب أعمال هؤلاء إنما هو تقليد أو اقتداء بأمثالهم، ~~وهم أقرب الناس من قوله: {إنا وجدنا آباءنا على أمة} 3 الآية؛ فلا منافاة ~~بين الأحاديث؛ فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين ومات عليها امتنع أن ترجح ~~سيئاته، فإن كان قالها على الكمال المانع من الشرك الأصغر والأكبر فهو غير ~~مصر على ذنب، وإن كان على وجه خلص به من الأكبر ولم يأت بعدها بما يناقض ~~ذلك فهذه الحسنة لا يقاومها PageV01P070 # شيء من السيئات فترجح بها الحسنات، كما في حديث البطاقة، وهذا خلاف من ~~رجحت سيئاته، لأن معه الشرك الأصغر وأتى بعد ذلك بسيئات تنضم إلى ذلك الشرك ~~فترجح سيئاته؛ فإن السيئات تضعف الإيمان واليقين، فيضعف قول "لا إله إلا ~~الله"، فيمتنع الإخلاص في القلب، فيصير المتكلم بها كالهادي، أو النائم، أو ~~من يحسن صوته بآية من القرآن من غير ذوق طعم ولا حلاوة. فالذي قالها بيقين ~~وصدق تام إما ألا يكون مصرا على سيئة، أو يكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه ~~رجح حسناتهم، والذين دخلوا النار فاتهم أحد الشرطين. # (88) سورة تبت نزلت في هذا وامرأته # وهم من أشرف بطنين في قريش، وهو عم علي بن أبي طالب، وهي عمة معاوية، ~~اللذان تداولا الخلافة في الأمة، هذان البطنان بنو أمية وبنو هاشم، وأما ~~أبو بكر وعمر فمن قبيلتين أبعد عنه صلى الله عليه وسلم، واتفق في عهدهما ما ~~لم يتفق بعدهما. ms045 وليس في القرآن ذم من كفر به صلى الله عليه وسلم باسمه إلا ~~هذا وامرأته. ففيه أن الأنساب لا عبرة بها، بل صاحب الشرف يكون ذمه على ~~تخلفه عن الواجب أعظم، كما قال: {يا نساء النبي من يأت منكن} 1 الآية قال ~~النحاس: {تبت يدا} دعاء عليه، {وتب} خبر، وفي قراءة عبد الله: {وقد تب} ، ~~وقوله: {وما كسب} أي: ولده، فإن قوله: {وما كسب} يتناوله، كما في الحديث: ~~"ولده من كسبه"، واستدل بها على جواز الأكل من مال الولد. ثم أخبر أنه ~~سيصلى، أخبر بزوال الخير وحصول الشر، والصلي الدخول والاحتراق جميعا، ~~وقوله: {حمالة الحطب} إن كان PageV01P071 # مثلا للنميمة لأنها تضرم الشر، فيكون حطب القلوب. وقد يقال: ذنبها أعظم، ~~وحمل النميمة لا يوصف بالحبل في الجيد، وإن كان وصفا لحالها في الآخرة، كما ~~وصف بعلها هو يصلى، وهي تحمل الحطب عليه كما أعانته على الكفر، فيكون من ~~حشر الأزواج. وفيه عبرة لكل متعاونين على الإثم أو على إثم ما أو عدوان ما. ~~ويكون القرآن قد عم الأقسام الممكنة في الزوجين وهي الأربعة، كإبراهيم ~~وامرأته، وإما هذا وامرأته، وإما فرعون وامرأته، وإما نوح ولوط. ويستقيم أن ~~يفسر حمل الحطب بالنميمة بحمل الوقود في الآخرة كقوله: "من كان له لسانان" ~~إلخ. # (89) قوله (: {قل نزله روح القدس من ربك} # الآيتين: لفظ الإنزال في القرآن يرد مقيدا بأنه منه كالقرآن، وبالإنزال ~~من السماء، ويراد به العلو كالمطر، ومطلقا فلا يختص بنوع بل يتناول إنزال ~~الحديد من الجبال، والإنزال من ظهور الحيوان، وغير ذلك. فقوله: {نزله روح ~~القدس من ربك} بيان لنزول جبريل به من الله كقوله: {نزل به الروح الأمين} ~~أي: أنه مؤتمن لا يزيد ولا ينقص، فإن الخائن قد يفتري الرسالة. وفيها دلالة ~~على أمور منها: بطلان قول من زعم خلقه في جسم، كالجهمية من المعتزلة ~~وغيرهم؛ فإن السلف يسمون من قال بخلقه، ونفى الصفات والرؤية جهميا. فإن ~~جهما أول من ظهرت عنه بدعة نفي الأسماء والصفات وبالغ في ذلك، فله مزية ~~المبالغة، ms046 والابتداء بكثرة إظهاره، وإن كان جعد سبقه إلى بعض ذلك، لكن ~~المعتزلة وإن وافقوه في البعض # PageV01P072 # فهم يخالفونه في مثل مسائل الإيمان والقدر، وبعض الصفات. وجهم يقول: إن ~~الله لا يتكلم، أو يتكلم مجازا، وهم يقولون: يتكلم حقيقة؛ ولكن قولهم في ~~المعنى قوله، وهو ينفي الأسماء كالباطنية والفلاسفة. # ومنها بطلان قول من زعم أنه فاض من العقل الفعال أو غيره، وهذا أعظم كفرا ~~وضلالا من الذي قبله. # ومنها إبطال قول الأشعرية أن كلام الله معنى، وهذا العربي خلق ليدل عليه، ~~سواء قالوا خلق في بعض الأجسام، أو ألهمه جبريل، أو أخذه من اللوح، فإن هذا ~~لا بد له من متكلم تكلم به أولا، وهذا يوافق قول: أنه مخلوق، لكن يفارقه من ~~وجهين: # أحدهما: أن أولئك يقولون: المخلوق كلام الله، وهؤلاء يقولون: إنه كلام ~~مجازا، وهذا أشر من قول المعتزلة بل هو قول الجمهية المحضة، لكن المعتزلة ~~يوافقونهم في المعنى. # الثاني: أنهم يقولون: لله كلام قائم بذاته، والخلقية يقولون: لا يقوم ~~بذاته، فالكلامية خير منهم في الظاهر، لكن في الحقيقة لم يثبتوا كلاما له ~~غير المخلوق. والمقصود أن الآية تبطل هذا، والقرآن اسم للعربي، لقوله: ~~{فإذا قرأت القرآن} 1. # وأيضا فقوله: {نزله} عائد إلى قوله: {والله أعلم بما ينزل} 2؛ فالذي نزله ~~الله هو الذي نزله روح القدس. وأيضا قال: {ولقد نعلم أنهم يقولون} 3 الآية، ~~وهم يقولون: إنما يعلمه هذا القرآن العربي بشر، لقوله: {لسان الذي يلحدون ~~إليه} 4 إلخ. # فعلم أن محمدا لم يؤلف نظمه، بل سمعه من روح القدس، وروح القدس نزل به من ~~الله، فعلم أنه سمعه منه لم يؤلفه هو. ونظيرها PageV01P073 # قوله: {وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا} 1. والكتاب اسم للقرآن ~~بالضرورة والاتفاق، فإنهم أو بعضهم يفرقون بين كتاب الله وكلامه. ولفظ ~~الكتاب يراد به المكتوب فيه، فيكون هو الكلام، ويراد به ما يكتب فيه، ~~كقوله: {في كتاب مكنون} 2 وقوله: {ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه ~~منشورا} 3 وقوله: {يعلمون أنه منزل من ربك} 4 إخبار مستشهد ms047 بهم، فمن لم يقر ~~به منا فهم خير منه من هذا الوجه. وهذا لا ينافي ما جاء عن ابن عباس وغيره ~~أنه أنزل في ليلة القدر إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ولا ينافي أنه ~~مكتوب في اللوح قبل نزوله، سواء كتبه الله قبل أن يرسل به جبرائيل أو بعده؛ ~~فإذا أنزله جملة إلى بيت العزة فقد كتبه كله قبل أن ينزله، والله يعلم ما ~~كان، وما يكون، وما لا يكون لو كان كيف يكون. وهو قد كتب المقادير وأعمال ~~العباد قبل أن يعملوها، ثم يأمر بكتابتها بعد أن يعملوها، فيقابل بين ~~الكتابة المتقدمة والمتأخرة، فلا يكون بينهما تفاوت، هكذا قال ابن عباس ~~وغيره. فإذا كان ما يخلقه بائنا عنه قد كتبه قبل أن يخلقه، فكيف لا يكتب ~~كلامه الذي يرسل به ملائكته قبل أن يرسلهم؟ ومن قال إن جبرائيل أخذه عن ~~الكتاب لم يسمعه من الله فهو باطل من وجوه: # منها أنه سبحانه كتب التوراة لموسى بيده، فبنو إسرائيل أخذوا كلامه من ~~الكتاب الذي كتبه، ومحمد عن جبرائيل عن الكتاب، فهم أعلى PageV01P074 # درجة، ومن قال: إنه ألقى إلى جبرائيل معاني وعبر بالعربي فمعناه أنه ~~ألهمه إلهاما، وهذا يكون لآحاد المؤمنين كقوله: {وإذ أوحيت إلى الحواريين} ~~1، {وأوحينا إلى أم موسى} 2، فيكون هذا أعلى من أخذ محمد. وأيضا فإنه ~~سبحانه قال: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح} 3 إلى قوله: {وكلم الله ~~موسى تكليما} 4، وهذا يدل على أمور: على أنه يكلم العبد تكليما زائدا على ~~الوحي الذي هو قسيم التكليم الخاص؛ فإن لفظ التكليم والوحي كل منهما ينقسم ~~إلى: عام وخاص؛ فالتكليم العام هو المقسوم في قوله: {وما كان لبشر أن يكلمه ~~الله إلا وحيا} 5 الآية؛ فالتكليم المطلق قسيم الوحي الخاص، لا قسما منه؛ ~~وكذلك الوحي يكون عاما فيدخل فيه التكليم الخاص، كقوله: {فاستمع لما يوحى} ~~6، ويكون قسيما له كما في الشورى. وهذا يبطل قول أنه معنى واحد قائم ~~بالذات، فإنه لا فرق بين العام، وما لموسى، وفرق سبحانه ms048 في الشورى بين ~~الإيحاء، وبين التكليم من وراء حجاب، وبين إرسال رسول فيوحي بإذنه ما يشاء. # (90) ثبت أنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، # وأن يجمع بين المرأة وعمتها، وخالتها، فقال طائفة: هذا نسخ للقرآن؛ فإن ~~أرادوا النسخ العام الذي هو تقييد المطلق فصحيح، وإن أرادوا النسخ الذي هو ~~رفع الحكم فضعيف، فإنه لم يثبت أن الله أراد بقوله: {وأحل لكم ما وراء ~~PageV01P075 # ذلكم} 1 تحليل ذلك. # فإن قيل هو عام بين الدليل المخصص أن الله لم يرد تلك الصور كقوله: ~~{الزانية والزاني} 2 الآية، لم يرد به الأمة، وقوله: {يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء} 3 لم يرد الحامل، ولا التي لم يدخل بها، ولم يثبت أن السنة نسخت ~~القرآن، قال تعالى: {ما ننسخ من آية} 4 الآية، فالقرآن لا ينسخه إلا مثله. # وقال كثير: السنة خصت القرآن وهم أكثر، وأفضل من أولئك، وقد يقال: السنة ~~فسرت القرآن؛ ولهذا في حديث معاذ وكلام عمر وابن مسعود وغيرهما أن يحكم ~~بكتاب الله، فإن لم يوجد فبسنة رسول الله. فلو كان في السنة ما يقدم على ~~دلالة القرآن لم يكن كذلك، بل السنة تفسر المراد منه، وذلك أن قوله: ~~{وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} 5 كما يحتمل الاختصاص فقد ~~يحتمل التنبيه على ما يحرم من النسب، وكذلك الجمع بين الأختين؛ وذلك أن ~~نكاح الأخت والجمع بين الأختين شرع لبعض الأنبياء، فإن يعقوب جمع بينهما، ~~وآدم كان يزوج ذكر هذا البطن بأنثى الآخر، ولم ينقل أنه زوج أحدا بعمته، أو ~~خالته، لأنها بمنزلة الأم، والعمة كالعم، والعم والد لقوله: {قالوا نعبد ~~إلهك} 6 الآية، فنكاح العمة والخالة أفحش من نكاح الأخت، وكذلك الجمع بين ~~المرأة وعمتها وخالتها أقرب إلى القطيعة PageV01P076 # من الجمع بين الأختين، فإنهما يتماثلان، وكذلك نكاح العمة والخالة من ~~الرضاع أفحش من نكاح الأخت. والقرآن دل على تحريم نكاح الأم والأخت والبنت ~~أيضا من وجهين: من جهة أن الأم لا تنكح ابنها من الطرفين ليس كالإرث قد ~~يكون من أحد ms049 الجهتين، فالمرأة يرثها عمها وابن أخيها ولا ترثهما، وإذا لم ~~يكن لها أن تنكح ولدها، فكذلك الأب. # الثاني: أن {أخواتكم من الرضاعة} يتناول الأخت من الجهات، وصحت الأحاديث ~~بتحريم لبن الفحل، فتبين أن قوله: {وأخواتكم من الرضاعة} 1 يتناول أخته من ~~أبيه، فإذا حرمت عليه فهي على أبيه أولى، فذكر سبحانه الأخت ينبه بها على ~~غيرها. ويتبين أن هذا ليس مختصا بالأم كتحريم أمهات المؤمنين، فلو ذكرت ~~الأم وحدها لظن هذا، فلما ذكرت الأخت دل على تعديه لأقارب الأم وأقارب الأب ~~أيضا، حيث كانت الأخت بالأم تارة، وبالأب أخرى. ولما ذكر التحريم بالولادة ~~وهو الأصل استوفي الكلام، فلما ذكر ما هو فرع عليه وشبيه به اختصر الكلام؛ ~~فذكر الأم والأخت لما ذكرنا، ودلالة القرآن على هذا لم نستقل بفهمها بل ~~السنة بينت ذلك، وهي لا تخالف القرآن بل توافقه، فكون قوله: {وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم} 2 من الجوامع الذي لا تخصيص فيه أحسن وأدل على عظمة الكتاب من ~~التخصيص، ولفظ الورى بمنزلة الخلق، وهو يشعر بالتأخر والبعد، فيكون أصله ~~دون ما ذكر وهو متأخر عنه، فلم يكن ما ذكرنا داخلا فيما وراء ذلكم لما ~~ذكرنا من أنه أفحش؛ وهذا عرف ببيان الرسول ثم تفطن له من تفطن كما في ~~نظائره إذ كان وجوه دلالات القرآن يخفى كثير منها على كثير من الناس، لكن ~~السنة بينته. والقرآن PageV01P077 # هو الذي لا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء، وقد جاء عن ابن مسعود ~~وابن عباس وغيرهما أنهم إذا سمعوا حديثا عنه صلى الله عليه وسلم طلبوه من ~~القرآن، قال مسروق: ما نسأل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمه في القرآن، لكن ~~علمنا قصر عنه، وقال الشعبي: ما ابتدع قوم بدعة إلا وفي القرآن بيانها. # وكذلك أحاديث المسح لا تخالف القرآن بل تفسره، وذلك أنه أمر القائم إلى ~~الصلاة بما ذكر، ولو قدمه قبل القيام جاز، ذكره أحمد إجماعا؛ فيجب الوضوء ~~عند القيام على المحدث، ولو لبس محدثا لم يجز المسح إجماعا. واللابس ms050 على ~~طهارة قد غسل رجليه وأتى بالمأمور به في القرآن، فإذا أحدث فقد بينت السنة ~~أن مسحه على الخف الملبوس على طهارة يجزيه؛ فأجزأته الطهارة المتقدمة مع ~~هذا المسح. وهذا كما بينت السنة أن المستحاضة ليس خروج الدم منها حدثا، ~~وكذلك من به سلس البول والمذي، فقد فرق في جنس هذا تارة ينقض وتارة لا، إذا ~~كان فيه عسر. وذكره لفظ المسح في الرجلين يشعر بتخفيف الأمر فيهما، لكن ~~التقييد بالكعبين دل على أنه أراد الغسل إذا كانا ظاهرين، ومن نعم الله على ~~عباده أن هذه المواضع التي تظهر فيها المخالفة لبعض الناس قد تواترت فيها ~~السنة بما جاءت فيه، فلم يمكن أحد أن يترك السنة إلا من لا يعرفها. # وأما المواضع التي تظن فيها المخالفة وهي غلط، كالحكم بشاهد ويمين، فتلك ~~لما لم تكن متواترة لم يكن ظاهر القرآن مخالفا للسنة، بل أنكر قول من زعم ~~المخالفة، وهذا يحقق وجوب العمل بما ثبت من السنة، فإنه لا يخالف الكتاب بل ~~يفسره. # (91) أرسل الله رسوله صلى الله عليه وسلم وقد مقت أهل الأرض إلا بقايا من ~~أهل الكتاب، # وماتوا أو أكثرهم قبل مبعثه، والناس إذ ذاك # PageV01P078 # أحد رجلين، إما كتابي معتصم بكتاب مبدل أو مبدل منسوخ، ودين دارس بعضه ~~مجهول وبعضه متروك، وإما أمي مقبل على عبادة ما استحسنه من نجم أو قبر أو ~~تمثال أو وثن أو غير ذلك، والناس في مقالات يظنونها علما وهي جهل، وأعمال ~~يحسبونها صلاحا وهي فساد، فهدى الله الناس بما جاء به من البينات والهدى ~~هداية جلت عن الوصف. # ثم إنه بعثه بدين الإسلام، وهو الصراط المستقيم، وفرض علينا أن نسأله ~~هدايته في كل يوم وليلة في صلاتنا، ووصفه بأنه صراط المنعم عليهم غير ~~المغضوب عليهم وغير الضالين، ثم ذكر حديث عدي بن حاتم وفيه فإن اليهود ~~مغضوب عليهم، والنصارى ضالون. فقلت: فإني حنيف مسلم، ودل القرآن على معنى ~~هذا. ووصف اليهود بالغضب والنصارى بالضلال له أسباب ظاهرة وباطنة جماعها: ~~أن كفر اليهود من ms051 عدم العمل، والنصارى من عدم العلم. ومع أن الله حذرنا ~~سبيلهم فقضى قضاء نافذا أن هذه الأمة يكون فيها مضاهاة لليهود والنصارى، ~~وهم أهل الكتاب، ولفارس والروم وهم الأعاجم. وكان صلى الله عليه وسلم ينهى ~~عن التشبه بهؤلاء وهؤلاء، فكذلك أمر العبد بدوام الدعاء بالاستقامة التي لا ~~يهودية فيها ولا نصرانية أصلا، والصراط المستقيم أمور باطنة في القلب من ~~اعتقادات وإرادات، وأمور ظاهرة قد تكون عبادات وقد تكون عادات في الطعام ~~والشراب والاجتماع والافتراق وغير ذلك. # (92) قد غلط في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر والكلام، # ومن أهل الإرادة والعبادة، حتى قلبوا حقيقته؛ فطائفة ظنت أنه نفي الصفات، ~~وسمو أنفسهم أهل التوحيد، وطائفة ظنت أنه ليس إلا الإقرار # PageV01P079 # بتوحيد الربوبية، وأطالوا الكلام في تقرير هذا الموضع، إما بدليل أن ~~الاشتراك يوجب نقص القدرة، واستقلال كل من الفاعلين بالفعل محال، وإما بغير ~~ذلك، ولم يعلموا أن مشركي العرب مقرون بهذا التوحيد، وهذا من التوحيد ~~الواجب، لكن لا يخلص من الشرك الذي هو أكبر الكبائر، بل لا بد أن يخلص لله ~~الدين فيكون دينه لله. والإله هو المألوه، وكونه يستحق ذلك مستلزما لصفات ~~الكمال؛ فلا يستحق أن يكون معبودا محبوبا لذاته إلا هو، فكل عمل لا يراد به ~~وجهه فهو باطل؛ وعبادة غيره وحب غيره يوجب الفساد: {لو كان فيهما آلهة إلا ~~الله لفسدتا} 1. وقد بينا أن هذه الآية لم يقصد بها دليل التمانع، فإنه ~~يمنع وجود المفعول لإفساده بعد وجوده. ثم إن طائفة ممن تكلم في تحقيق ~~التوحيد ظن أن توحيد الربوبية هو الغاية، والفناء فيه هو النهاية، فآل بهم ~~إلى تعطيل الأمر والنهي، ولم يفرقوا بين الكلمات الكونية التي لا يجاوزها ~~بر ولا فاجر، وبين الكلمات الدينية التي اختص بها من عبده وأطاعه. ثم إن ~~أولئك الذين أدخلوا فيه نفي الصفات، وهؤلاء الذين أخرجوا عنه متابعة الأمر ~~إذا حققوا القولين أفضى بهم إلى الوحدة والاتحاد والحلول. ومن أحكم الأصلين ~~في الصفات وفي الخلق والأمر، فميز بين المأمور وغيره مع شمول ms052 الخلق لهما، ~~وأثبت الصفات الموجبة لمباينة المخلوقات، أثبت توحيد الرسل، كما نبه عليه ~~في سورتي الإخلاص؛ ف {قل هو الله أحد} 2 فيها التوحيد العلمي الذي يدل على ~~الأسماء والصفات؛ فيتميز PageV01P080 # مثبتو الرب الخالق الأحد الصمد من المعطلين، و {قل يا أيها الكافرون} 1 ~~فيها التوحيد العلمي؛ فيتميز من يعبد الله من غيره، وإن أقر كل منهما بأن ~~الله رب كل شيء ومليكه؛ ويتميز المخلصون ممن أشرك به، أو نظر إلى القدر ~~الشامل فسوى بين المؤمن والكافر. والله سبحانه له حقوق لا يشرك فيها غيره، ~~وللرسل حقوق لا يشركهم فيها غيرهم، وللمؤمنين على المؤمنين حقوق مشتركة، ~~قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ~~2؛ ويدخل في ذلك ألا يخاف إلا إياه كما قال: {ومن يطع الله ورسوله ويخش ~~الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} 3، فجعل الخشية والتقوى لله وحده، وكذلك ~~قوله: {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله} 4 فجعل ~~التحسب بالله وحده، وجعل الرغبة لله وحده، ولم يأمر قط مخلوقا أن يسأل ~~مخلوقا، وإن أباحه في بعض المواضع، كما في صفة الذين لا يحاسبون، أنهم لا ~~يطلبون غيرهم أن يرقيهم. والقرآن كله يحقق هذا الأصل؛ وقد بعث الله ~~محمداصلى الله عليه وسلم بتحقيقه، ونفى الشرك بكل وجه حتى في الألفاظ كما ~~قال: "لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد" 5. والعبادات المشروعة كلها تتضمن ~~إخلاص الدين لله تحقيقا لقوله: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين} 6 فالصلاة لله وحده، والصدقة لله وحده، والصيام لله وحده، ~~PageV01P081 # والحج لله وحده، وإلى بيت الله وحده، فالمقصود من الحج عبادة الله وحده ~~في البقاع التي أمر الله بعبادته فيها، ولهذا كان الحج شعار الحنيفية، حتى ~~قال طائفة من السلف: حنفاء لله، أي حجاجا. وقوله {ومن يبتغ غير الأسلام ~~دينا} 1 عام في الأولين والآخرين، قال تعالى: {بلى من أسلم وجهه لله وهو ~~محسن} 2 الآية. فسر إسلام الوجه بما يقتضي إخلاص القصد لله، وهو محسن ms053 ~~بالعمل الصالح المأمور به. وهذان الأصلان جماع الدين، لا يعبد إلا الله، ~~ولا يعبد إلا بما شرعه. ولفظ الإسلام: الاستسلام والانقياد، ويتضمن الإخلاص ~~قوله: {ورجلا سلما لرجل} 3، فمن استسلم لله ولغيره فهو مشرك، ومن لم يستسلم ~~فهو مستكبر. فاليهود موصوفون بالكبر والنصارى بالشرك. # (93) الشهادة أن محمدا رسول الله تتضمن تصديقه في كل ما أخبر به، # وطاعته في كل ما أمر به؛ فيثبت العبد ما أثبته الرسول لربه من الأسماء ~~والصفات، وينفي ما نفى عنه من مماثلة المخلوقات. فلا حرام إلا ما حرمه، ولا ~~دين إلا ما شرعه. ولهذا ذم الله المشركين في الأنعام والأعراف وغيرهما ~~لكونهم حرموا ما لم يحرم الله، وشرعوا دينا لم يأذن به، كما في قوله: ~~{وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام} 4 إلى آخر السورة، وما ذكر في صدر ~~سورة الأعراف، وقال تعالى: {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى ~~الله بإذنه} 5، فمن دعا إلى غير الله فقد أشرك، ومن PageV01P082 # دعا إليه بغير إذنه فقد ابتدع؛ والشرك بدعة، والمبتدع يؤول إلى الشرك، ~~ولهذا لم يوجد مبتدع إلا وفيه نوع من الشرك كما قال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا} 1 الآية، وقال: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر ولا يحرمون} 2، فقرن بعدم إيمانهم بالله واليوم الآخر أنهم لا يحرمون ~~ما حرمه الرسول، ولا يدينون دين الحق. # (94) أصل دين المسلمين أنه لا يخص بقعة بقصد العبادة إلا المساجد، # وأما ما عليه المشركون وأهل الكتاب من تعظيم بقاع غيرها كحراء ونحوه هو ~~مما جاء الإسلام بإزالته. ثم المساجد تشترك في العبادة إلا ما خص به المسجد ~~الحرام من الطواف ونحوه، فإن خصائصه لا يشركه فيها مسجد، كما أنه لا يصلى ~~إلى غيره. وإذا كان مثل مقام نبينا في مثل غار حراء الذي ابتدئ فيه بإنزال ~~القرآن لا يشرع قصده، فكيف بغيره؟ فمن جعل شيئا من ذلك قربة فقد ابتدع غير ~~سبيله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وشرع من الدين ما لم يأذن به الله؛ ~~ولهذا جاء ms054 الاعتكاف الشرعي في المساجد بدل ما كان يفعل قبل الإسلام من ~~المجاورة بحراء ونحوه. فأما العكوف والمجاورة عند قبر نبي أو غيره أو مقامه ~~فليس من دين المسلمين. وأما المسجد الأقصى فهو أحد الثلاثة التي تشد إليها ~~الرحال، ولا يشرع السفر إلى غيرها؛ ولو نذره لم يجب بالنذر باتفاق الأئمة. ~~وليس بالمدينة مسجد يشرع إتيانه إلا مسجد قباء؛ وكان الفقهاء من أهل ~~المدينة لا يقصدون شيئا من تلك الأماكن إلا قباء خاصة. وثبت أن ابن عمر إذا ~~أتى بيت المقدس دخل وصلى PageV01P083 # فيه ولا يقرب الصخرة. وكذلك نقل عن غير واحد من السلف كعمر بن عبد العزيز ~~والأوزاعي والثوري وغيرهم. وذكر بعض من صنف من المناسك استحباب زيارة مساجد ~~مكة، وقد كتبت دعاء في منسك كتبته في أول عمري، ثم تبين لي أن هذا كله من ~~البدع. # (95) كل أمر يكون المقتضي لفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يكون موجودا لو كان مصلحة ولم يفعله علم أنه ليس بمصلحة # كالأذان في العيدين، فإن هذا لما أحدثه بعض الأمراء أنكره المسلمون، لأنه ~~بدعة، فلو لم يكن كونه بدعة دليلا على كراهته، وإلا لقيل: هذا ذكر لله ~~ودعاء إلى عبادته، فيدخل في عموم قوله: {واذكروا الله كثيرا} 1، وقوله: ~~{ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا} 2. والاستدلال بهذا أقوى من ~~الاستدلال على حسن أكثر البدع، بل يقال: ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سنة، كما أن فعله سنة، فلما أمر بالأذان في الجمعة، وتركه في العيدين، فذلك ~~كالزيادة في عدد الركعات المكتوبة، ولا يقال: هذا زيادة عمل صالح، بل يقال: ~~كل بدعة ضلالة. ومثل ما حدثت الحاجة إليه بتفريط من الناس تقديم الخطبة في ~~العيد، فإنه لما فعله بعض الأمراء أنكره المسلمون، لأنه بدعة، فاعتذر من ~~أحدثه بأن الناس ينفضون قبل سماع الخطبة، فيقال: سببه تفريطك؛ فإن الخطبة ~~مقصدها التذكير وتعليم الدين، وأنت قصدك إقامة رياستك، وإن قصدت صلاحهم لم ~~تعلمهم ما ينفعهم. وأما ما تركه من المصالح ms055 لأجل مفسدة قد زالت، كقيام ~~رمضان جماعة PageV01P084 # لما خاف أن يفرض، أو جمع القرآن لما زال المانع وهو أن الوحي لا يزال ~~ينزل، ويغير الله ما يشاء ويحكم ما يريد، فلو جمع في مصحف لتعذر أو تعسر ~~تغييره كل وقت، فلما استقرت الشريعة، وأمن من زيادة الإيجاب والتحريم، ~~والمقتضى للعمل قائم بسنته، فعمل المسلمون بمقتضى سنته، وصار كنفي عمر أهل ~~الكتاب من الجزيرة، وكذلك قوله: "خذوا العطاء ما كان عطاء، فإذا كان عوضا ~~عن دين أحدكم فلا تأخذوه"، فلما صار الأمراء يعطونه لمن أعانهم على الهوى ~~كان الامتناع منه اتباعا للسنة، وإن كان محدثا، وكذلك قتال مانعي الزكاة. ~~ومن فهم هذا المعنى انحل عنه كثير من شبه البدع، فإنه قد روي عنه صلى لله ~~عليه وسلم: "ما أحدث قوم بدعة إلا نزع الله عنهم من السنة مثلها" 1. وقد ~~أشرت إلى هذا فيما تقدم، وبينت أن الشرائع أحد أغذية القلوب، فمتى اغتذت ~~بالبدع لم يبق فيها فضل للسنن. وعامة الأمراء إنما أحدثوا أنواعا من ~~السياسات من أخذ أموال لا تجوز، وعقوبات لا تجوز، لأنهم فرطوا في المشروع ~~من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلا فلو قبضوا ما يسوغ قبضه، ووضعوه ~~موضعه لإقامة دين الله، وأقاموا الحدود على القريب والبعيد، لما احتاجوا ~~إلى المكوس، والعقوبات الجائرة، ولا إلى من يحفظهم من العبيد والمستعبدين، ~~كما كان الخلفاء وغيرهم من أمراء بعض الأقاليم. وكذلك العلماء إذا أقاموا ~~كتاب الله وفهموا ما فيه وأقاموا الحكمة التي بعث بها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، لوجدوا في ذلك ما يحيط بعلمه الناس، ولميزوا بين المحق والمبطل ~~بوصف الشهادة التي جعلها الله لهذه الأمة، ولاستغنوا عما أحدث المبتدعون من ~~الحجج التي يزعمون أنهم ينصرون بها أصل الدين، وعن الرأي الفاسد الذي يزعم ~~القياسيون أنهم يتممون به فروع الدين. PageV01P085 # (96) أكثر الناس لا يدرك فساد البدع # إذا كانت من جنس العبادات، أو من جنس الأعياد، بل أولو الألباب يدركون ~~بعض ما فيها من الفساد؛ والواجب اتباع ما أنزل الله ms056 وإن لم تدرك الحكمة. ~~فمن أحدث عملا في يوم كصوم أول خميس من رجب، أو صلاة أول ليلة جمعة منه، ~~وما يتبعه من إحداث زينة، وتوسيع في نفقة، فلا بد أن يتبع هذا اعتقاد في ~~القلب أن العمل في ذلك له مزية، ولولاه لما انبعث القلب إلى ذلك؛ فإن ~~الترجيح من غير مرجح ممتنع، وهذا المعنى قد شهد له الشرع بالاعتبار في هذا ~~الحكم، فهو من المعاني المناسبة المؤثرة، فإن مجرد المناسبة مع الاقتران ~~يدل على العلة عند من يقول بالمناسب الغريب، وهم كثير من الفقهاء؛ ومن لا ~~يقول إلا بالمؤثر يكتفي بمجرد المناسبة حتى يدل الشرع أن مثل ذلك الوصف ~~مؤثر في هذا الحكم، وهو قول كثير منهم، وهؤلاء إذا رأوا الحكم المنصوص فيه ~~معنى قد أثر في مثل ذلك الحكم في موضع آخر عللوا المنصوص به. وقال كثير ~~منهم إن الحكم المنصوص لا يعلل إلا بوصف دل الشرع على أنه معلل به. وتلخيص ~~الفرق أنا إذا رأينا الشارع دل على العلة كقوله: "إنها من الطوافين" إلخ، ~~فهذه يعمل بموجبها باتفاق الطوائف الثلاثة؛ فلو قال: لا ألبس هذا الثوب ~~الذي تمن علي به، حنث بما كانت منته مثله، وهو ثمنه. وأما إذا رأينا الشارع ~~قد حكم بحكم لم يعلله لكن علل نظيره أو نوعه، مثل أنه جوز للأب أن يزوج ~~ابنته الصغيرة البكر بلا إذنها، وقد رأيناه جوز له الاستيلاء على مالها ~~لكونها صغيرة، فهل علة ولاية النكاح الصغر؟ أم قد تكون أخرى وهي البكارة ~~مثلا، فهذه هي المؤثرة أي: قد بين تأثيرها في حكم، وسكت عنه في آخر نظيره، ~~فالفريقان الأولان يقولان بها، وهو في الحقيقة إثبات لها # PageV01P086 # بالقياس. والفريق الثالث لا يقول بها إلا بدلالة خاصة لجواز أن يكون ~~النوع الواحد له علل مختلفة، ومنه نهيه عن البيع على بيع أخيه، وسومه على ~~سومه، فيعلل بفساد ذات البين كما علل به في قوله: "لا تنكح المرأة على ~~عمتها" 1. وأما إذا رأيناه حكم بحكم فيه وصف مناسب لم ms057 يذكره، ولا علل به ~~نظيره، فهذا الوصف المناسب الغريب، فجوز اتباعه الفريق الأول خاصة، وهو ~~إدراك لعلة الشارع بالعقل، والذي قبله بالقياس، والأول بكلامه. ومع هذا فقد ~~تعلم علة الحكم المعين بالسبر وبدلالات أخرى، فإذا تبين هذا، فمسألتنا من ~~باب العلة المنصوصة في موضع، المؤثرة في موضع آخر، وذلك أنه صلى الله عليه ~~وسلم نهى عن تخصيص أوقات بصلاة أو صيام، وأباح ذلك على غير التخصيص كقيام ~~ليلة الجمعة وصيام نهارها وتقدم رمضان، فوجه الدلالة أن المفسدة تنشأ من ~~تخصيص ما لا خصيصة له، إذ لا ينبعث التخصيص إلا عن اعتقاد الاختصاص. ومن ~~قال إذا أخصها بلا اعتقاد، فلا بد أن يكون الباعث إما موافقة غيره، وإما ~~اتباع العادة، وإما خوف اللوم، فهذا العمل مستلزم إما لاعتقاد هو ضلال، أو ~~عمل دين لغير الله. ثم الاعتقاد يتبعه تعظيم في القلب ولو خواطر متقابلة، ~~فمن حيث اعتقاد أنه بدعة يقتضي عدم التعظيم، ومن شعوره بما روي فيه أو فعل ~~بعض الناس له، أو بما يظهر له فيه من المنفعة يقوم بقلبه عظمته، فعلمت أن ~~فعل البدع يناقض الاعتقادات الواجبة، وينازع الرسل ما جاؤوا به، وأنها تورث ~~في القلب نفاقا ولو كان خفيفا، مثل من عظم أبا جهل، وابن أبي لرياسته أو ~~إحسانه، فإذا ذمه الرسول أو أمر بإهانته، فمن لم يخلص إيمانه وإلا بقي في ~~قلبه منازعة؛ ولهذا قيل: البدع مشتقة من الكفر. ومنها أن البدع تنقص الرغبة ~~في السنن فيفعلها كأنها عادة ووظيفة، فيفوت ما فيها من المغفرة والرحمة ~~والخشوع، PageV01P087 # وإجابة الدعاء وغير ذلك. ومنها جهالة الناس بدين المرسلين، وانتشار زرع ~~الجاهلية. ومنها مسارعة الطبع إلى الانحلال من ربقة الاتباع، لأن النفس ~~فيها نوع من الكبر فتحب أن تخرج من العبودية بحسب الإمكان، كما قال أبو ~~عثمان: ما ترك أحد سنة إلا تكبر في نفسه. # (97) العيد يكون اسما لنفس المكان، ولنفس الزمان، ولنفس الاجتماع: # وهذه الثلاثة قد أحدث منها أشياء: أما الزمان فثلاثة أنواع، ويدخل فيها ~~بدع أعياد المكان والأفعال: ms058 # أحدها: يوم لم تعظمه الشريعة أصلا، ولا جرى فيه ما يوجب تعظيمه، مثل ليلة ~~الرغايب. الثاني: ما جرى فيه حادثة كيوم الغدير، ولم يكن في السلف لا أهل ~~البيت ولا غيرهم من يعظمه، إذ الأعياد من الشرائع فيجب فيها الاتباع. وكذلك ~~ما أحدث في المولد إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى، وإما محبة للنبي صلى ~~الله عليه وسلم. ويصحب هذه الأعمال من الرياء والكبر والاشتغال عن المشروع ~~ما يفسد حال صاحبها كما في الحديث: "ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم" ~~1. ومن الأعمال ما فيه خير لاشتماله على أنواع من المشروع، وفيه شر من بدعة ~~وغيرها، فيكون ذلك العمل شرا بالنسبة إلى الإعراض عن الدين بالكلية كحال ~~المنافقين والفاسقين، وهذا قد ابتلي به أكثر الأمة في الأزمان المتأخرة؛ ~~فعليك هنا بأدبين: أحدهما: الحرص على التمسك بالسنة في خاصتك ومن أطاعك، ~~واعرف المعروف، وأنكر المنكر. الثاني: الدعوة إلى السنة بحسب الإمكان فإذا ~~رأيت من يعمل هذا ولا يتركه إلا إلى شر منه، فلا تدع إلى ترك منكر بفعل ما ~~هو أنكر منه، أو PageV01P088 # بترك واجب أو مندوب تركه أضر من فعل ذلك المكروه. فإذا كان الفاعلون ~~للبدع معيبين، فالتاركون للسنن كذلك؛ فإن منها ما يكون واجبا مطلقا، ومنها ~~مقيدا كالنافلة، فإنها لا تجب، ولكن من أراد أن يصليها وجب عليه الإتيان ~~بأركانها، وكما يجب على من أتى الذنوب من الكفارات، وما يجب على من كان ~~إماما أو مفتيا من الحقوق، وعامتها يجب تعليمها، والحض عليها، والدعاء ~~إليها. وكثير من المنكرين للبدع تجدهم مقصرين في فعل السنن، فلا ينهى عن ~~منكر إلا ويؤمر بمعروف يغني عنه، كما يؤمر بعبادة الله عن عبادة ما سواه، ~~والنفوس خلقت لتعمل، وإنما الترك مقصود لغيره. فتفطن لحقيقة الدين، وانظر ~~ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح والمفاسد، بحيث تعرف مراتب المعروف ~~والمنكر حتى تقدم أهمها عند الازدحام؛ فإن هذا حقيقة العلم بما جاءت به ~~الرسل، وهذا خاصة العلماء. # الثالث: ما هو معظم في الشرع كيوم عاشوراء ms059 ويوم عرفة ويومي العيدين وعشر ~~رمضان، فيحدث فيه مما يعتقد أنه فضيلة ما يصير منكرا ينهى عنه. # وأما المكانية فأيضا ثلاثة أقسام: أحدها: ما لا خصوص له، فقصده للعبادة ~~والاجتماع فيه لدعاء أو غير ذلك ضلال بين؛ وهذا أقبح من الذي قبله، فإنه ~~يشبه عبادة الأوثان، أو نوع منها أو ذريعة. وكانت الطواغيت الكبار التي تشد ~~إليها الرحال ثلاثة: اللات والعزى ومناة، وكل واحد منها لمصر من أمصار ~~العرب. ومن أراد معرفة أحوال المشركين قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم، ~~وحقيقة الشرك الذي ذمه الله وأنواعه، حتى يتبين له تأويل القرآن، ويعرف ما ~~كرهه # PageV01P089 # الله ورسوله، فلينظر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأحوال العرب في ~~زمانه وما ذكره الأزرقي في أخبار مكة وغيره من العلماء. ولما كان للمشركين ~~سدرة فذكر الحديث، فأنكر مجرد مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها ~~معلقين عليها سلاحهم، فكيف بما هو أطم من ذلك من مشابهة المشركين؟ أو هو ~~الشرك بعينه؟ # الثاني: ما له خصوصية لا يقتضي اتخاذه عيدا ولا الصلاة ولا غيرها عنده، ~~كقبور الأنبياء والصالحين؛ وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم والسلف ~~النهي عن اتخاذها عيدا عموما وخصوصا، وبينوا معنى العيد. فأما العموم ~~فقوله: "لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا " 1 عكس ما يفعله المشركون. ~~ثم أن أفضل التابعين من أهل البيت 2 نهى الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره، ~~واستدل بالحديث، فتبين أن قصده للدعاء ونحوه اتخاذ له عيدا، وكذلك أبي عمر ~~الحسن بن الحسن شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه ~~عند غير دخول المسجد، ورآه من اتخاذه عيدا، وكان للمشركين أمكنة ينتابونها ~~للاجتماع، فلما جاء الإسلام محا ذلك. # (98) سبب عبادة اللات # سبب تعظيم قبر رجل صالح، وهذه هي العلة في تغليظه صلى الله عليه وسلم في ~~النهي عن اتخاذ قبور الصالحين مساجد، ونهيه عن الصلاة في المقبرة، وقد نبه ~~عليها بقوله: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" 3. وقد ذكر هذه العلة الشافعي ms060 ~~وأبو بكر الأثرم وغيرهما PageV01P090 # من العلماء، وهي التي أوقعت كثيرا من الأمم إما في الشرك الأكبر أو ما ~~دونه، فإن الشرك بقبر الذي يعتقد نبوته أو صلاحه أعظم من أن يشرك بخشبة أو ~~حجر على تمثاله؛ ولهذا تجد قوما كثيرا يتضرعون عندها، ويتعبدون بقلوبهم ~~عبادة لا يعبدونها في المسجد ولا في السحر. فهذه المفسدة هي التي حسم صلى ~~الله عليه وسلم مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا، وإن لم يقصد ~~بركة البقعة، كما يقصد بركة المساجد الثلاثة، كما نهى عن الصلاة وقت الطلوع ~~والغروب والاستواء، لأنها الأوقات التي يقصد المشركون بركة الصلاة للشمس ~~فيها، فنهى المسلم عن الصلاة حينئذ، وإن لم يقصد ذلك الوقت سدا للذريعة. ~~فأما إذا قصد الصلاة عند قبور الصالحين متبركا فهذا عين المحادة لله ~~ورسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن الله به؛ فنهى صلى الله عليه ~~وسلم من اتخاذها مساجد، وعن الصلاة عندها، وعن اتخاذها عيدا، ودعا الله أن ~~لا يجعل قبره وثنا يعبد. واتخاذ المكان عيدا هو اعتياد إتيانه لعبادة أو ~~غيرها، وتقدم النهي الخاص عن الصلاة عندها وإليها، وذكرنا ما في دعاء المرء ~~لنفسه من الفرق بين قصدها لأجل الدعاء، والدعاء ضمنا وتبعا. # (99) الله سبحانه يقرن بين الشرك والكذب كما يقرن بين الصدق والإخلاص، # ولهذا في الصحيح: "عدلت شهادة الزور الإشراك بالله. ثم قرأ قوله: ~~{فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به} ~~1") وقال: {ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم PageV01P091 # تزعمون 1 إلى قوله {وضل عنهم ما كانوا يفترون} 2 وقوله: {أإفكا آلهة دون ~~الله تريدون} 3 وقوله: {إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} 4 وقوله: {إن ~~الذين اتخذوا العجل} 5 الآية. قال أبو قلابة: هي لكل مبتدع من هذه الأمة ~~إلى يوم القيمة، وكل من كان أقرب إلى الشرك كان أقرب إلى الكذب، كالرافضة ~~الذين هم أكذب طوائف أهل الأهواء، وأعظمهم شركا. # (100) الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهته قاعدة عظيمة عامة، # وتمامها بالجواب ms061 عما يعارضها؛ فإن من الناس من يقول البدع تنقسم إلى ~~قسمين لقول عمر: "نعمت البدعة" وبأشياء أحدثت بعده صلى الله عليه وسلم ~~وليست مكروهة للأدلة من الإجماع والقياس، وربما ضم إلى ذلك من لم يحكم أصول ~~العلم ما عليه كثير من الناس من العادة، بمنزلة من إذا قيل لهم {تعالوا إلى ~~ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} 6؛ وما أكثر ~~ما قد يحتج به من يتميز من المنتسبين إلى علم أو عبادة بحجج ليست من أصول ~~العلم. وقد يبدي ذو العلم له مستندا من الأدلة الشرعية والله يعلم أن قوله ~~لها وعلمه بها ليس مستندا إلى ذلك، وإنما يذكرها دفعا لمن يناظره، ~~والمجادلة المحمودة إنما هي إبداء المدارك التي هي مستند الأقوال والأعمال، ~~وأما إظهار غير ذلك فنوع من النفاق في العلم والعمل؛ وهذه PageV01P092 # قاعدة دلت عليها السنة والإجماع مع الكتاب، قال الله تعالى: {أم لهم ~~شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} 1. فمن ندب إلى شيء يتقرب به ~~إلى الله أو أوجبه بقوله أو فعله من غير أن شرعه الله، فقد شرع من الدين ما ~~لم يأذن به الله؛ فمن اتبعه في ذلك فقد اتخذ شريكا لله شرع من الدين ما لم ~~يأذن به الله، وقد يغفر له لأجل تأويله إذا كان مجتهدا الاجتهاد الذي يعفى ~~معه عن المخطئ، لكن لا يجوز اتباعه في ذلك، كما قال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله} 2 الآية. فمن أطاع أحدا في دين لم يأذن به ~~الله من تحليل أو تحريم أو استحباب أو إيجاب، فقد لحقه من هذا الذم نصيب، ~~كما يلحق الآمر الناهي. ثم قد يكون كلا منهما معفوا عنه فيتخلف الذم لفوات ~~شرطه أو وجود مانعه، وإن كان المقتضي له قائما؛ ويلحق الذم من تبين له الحق ~~فتركه، أو قصر في طلبه فلم يتبين له، أو أعرض عن طلبه لهوى أو كسل ونحو ~~ذلك. وأيضا فإن الله عاب على المشركين ms062 شيئين: أحدهما: أنهم أشركوا به ما لم ~~ينزل به سلطانا، الثاني: تحريمهم ما لم يحرمه، كما بينه صلى الله عليه وسلم ~~في حديث عياض عند مسلم، وقال تعالى: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما ~~أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} 3 فجمعوا بين الشرك والتحريم، والشرك ~~يدخل فيه كل عبادة لم يأذن بها الله، فإن PageV01P093 # المشركين يزعمون أن عبادتهم إما واجبة وإما مستحبة، ثم منهم من عبد غير ~~الله فيتقرب به إلى الله، ومنهم من ابتدع دينا عبد به الله كما أحدثه ~~النصارى من العبادات؛ وأصل الضلال في أهل الأرض إنما نشأ من هذين: إما ~~اتخاذ دين لم يشرعه الله، أو تحريم ما لم يحرمه؛ ولهذا كان الأصل الذي بنى ~~عليه أحمد وغيره مذهبهم أن الأعمال عبادات وعادات: فالأصل في العبادات أن ~~لا يشرع منها إلا ما شرعه الله، والأصل في العادات أن لا يحظر منها إلا ما ~~حظره الله. وهذه المواسم المحدثة إنما هي منها لما أحدث فيها من الدين الذي ~~يتقرب به إلى الله. # (101) من جوز أن يطلب من المخلوق كما يطلب من الخالق، # من كشف الشدائد، فكفره شر من كفر عباد الأصنام، فإنهم لا يطلبون منها كما ~~يطلب من الله، كما قال تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم ~~الساعة} 1 الآيتين، فبين أنه إذا جاء عذاب الله، أو أتت الساعة لا يطلبون ~~إلا الله في كشف الشدائد وإنزال الفوائد، وقال تعالى: {وإذا مسكم الضر في ~~البحر ضل من تدعون إلا إياه} 2 الآية. # وقد وقع في كثير من ذلك من وقع من العامة ونحوهم ممن فيه زهد وصلاح. ودين ~~الإسلام مبني على أصلين: أن لا نعبد إلا الله، الثاني: أن نعبده بما شرع، ~~لا نعبده بالبدع، كما قال الفضيل في قوله تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملا} ~~3 قال: أخلصه وأصوبه؛ إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، ~~PageV01P094 # وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، والخالص أن يكون لله، ms063 والصواب أن ~~يكون على السنة. ولهذا قال الإمام أحمد: أصول الإسلام تدور على ثلاثة ~~أحاديث قوله: "الحلال بين والحرام بين" 1، وقوله: "إنما الأعمال بالنيات" ~~2، وقوله: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" 3. وأهل الضلال يخالفون ~~هذين الأصلين، فيعبدون غير الله ويبتدعون عبادة لم يأذن بها الله، كما في ~~سورة الأنعام والأعراف وبراءة وغيرهن من السور. # (102) ما بين الخلق من الأسباب الكسبية التي بها يتساءلون، ويشفع بعضهم ~~إلى بعض هي من جنس المشاركة، والسبب الآخر الولادة؛ فالأسباب والصلات التي ~~بينهم لا تخرج عن سبب خلقي وهو الولادة، أو كسبي من جنس المشاركة ~~والمعاوضة؛ ولهذا افتتح سورة النساء بقوله: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي ~~خلقكم من نفس واحدة} 4 الآية، فذكر في السورة حكم الأسباب من هذا وهذا، ~~فذكر ما يتعلق بالولادة من القرابة والرحم، وما يتعلق بذلك من المواريث ~~والمناكح، وكذلك ما يحصل بينهم بالعقود من المناكح والمواريث والوصايا على ~~اليتامى. فالنسب من الأول، والصهر من الثاني، كما قال: {وهو الذي خلق من ~~الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا} 5، فافتتحها بقوله: {الذي خلقكم من نفس ~~واحدة} 6، ثم قال: {واتقوا الله الذي تساءلون به} 7 أي: تتعاهدون وتتعاقدون ~~والأرحام، فدخل في الأول ما بينهم من التساؤل والتعاقد الذي يجمع المعاوضة ~~والمشاركة، وفي الثاني الولادة وفروعها. وقد نزه الله نفسه المقدسة عنهما، ~~فقال {وقل الحمد PageV01P095 # لله الذي لم يتخذ ولدا} 1 الآية، وقال: {تبارك الذي نزل الفرقان على ~~عبده} 2 الآيتين، وقال: {وجعلوا لله شركاء الجن} 3 الآيتين، وقال: {قل هو ~~الله أحد الله الصمد} 4 إلى آخرها. # ومن هنا ضل من ضل من المشركين وأشباههم من المتفلسفة، حيث جعلوا لله ما ~~نسبوه إليه نسب الولادة، أو جعلوه كالشريك، ولهذا كانوا يتخذون هؤلاء ~~شفعاء، فإنهم يعبدونهم ليقربوهم إلى الله زلفى، ويتخذونهم وسيطا ووسائل كما ~~يتخذون ذلك عند المخلوقين؛ فهذا أصل مادة هؤلاء الجهلة الضلال ونحوهم. ~~والقرآن قد حسم هذه المادة، وجرد التوحيد، وبين أنه لا نسبة بين المخلوق ~~والخالق إلا نسبة العبودية ms064 المحضة كما قال: {بل عباد مكرمون} 5، وقال: {لن ~~يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله} 6 الآية، وقال: {تكاد السماوات يتفطرن ~~منه} 7 الآية. # (103) المشركون من الصابئة ونحوهم لما عبدوا الكواكب والملائكة # وجعلوها وسائط بين الله وبين خلقه، جادلوا الحنفاء الذين يتبعون الرسل، ~~ولا يعبدون إلا الله، فقالوا: نحن نتخذ الروحانيين وسائط، وأنتم تتخذون ~~البشر؛ فأخذ يعارضهم طائفة كالشهرستاني في الملل والنحل وغيره، ويذكرون ~~PageV01P096 # أن توسط البشر أولى من توسط الروحانيين، فبنوا معارضتهم على أصل فاسد، ~~وهو مقايسة وسائط أولئك بوسائط الحنفاء، وهذا جهل بدين الحنفاء، فإنه ليس ~~بينهم وبين الله واسطة في العبادة، وإنما الرسل بلغتهم أمر الله فهم وسائط ~~في التبليغ، كدليل الحاج، وإمام الصلاة. وبعض من دخل دين الصابئة والمشركين ~~ظنوا أن شفاعة الرسول لأمته لا تحتاج إلى دعاء منه بل الرحمة التي تفيض على ~~الرسول تفيض على المستشفع من غير شعور من الرسول ولا دعاء منه، ومثلوا ذلك ~~بانعكاس شعاع الشمس إذا وقع على جسم صقيل، ثم انعكس على غيره، وكما أن ~~انعكاس الشعاع يحتاج إلى المحاذاة، فكذلك الفيض لا بد فيه من توجه الإنسان ~~إلى النفوس الفاضلة؛ وجعلوا الفائدة في زيارة قبورهم من هذا الوجه، وقالوا: ~~إن الأرواح المفارقة تجتمع هي والأرواح الزائرة، فيقوى تأثيرها، وهذه ~~المعاني ذكرها طائفة من الفلاسفة ومن أخذ عنهم كابن سينا وأبي حامد وغيرهم؛ ~~وهذه من أصول عباد الأصنام، وهي من المقاييس التي قال فيها بعض السلف: ما ~~عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس. # (104) ومما يبين حكمة الشريعة أنها كسفينة نوح، # أن الذين خرجوا عن المشروع خرجوا إلى الشرك. وطائفة منهم يصلون للميت، ~~ويدعو أحدهم الميت، فيقول: اغفر لي وارحمني، ومنهم من يستقبل القبر، ويصلي ~~لله مستدبرا الكعبة، ويقول القبر: قبلة الخاصة، والكعبة قبلة العامة، وهذا ~~يقوله من هو أكثر عبادة وزهدا، وهو شيخ متبوع، ولعله أمثل أصحاب شيخه، ~~لقوله في شيخه؛ وآخر من أعيان الشيوخ المتبوعين أصحاب الصدق والاجتهاد في ~~العبادة والزهد يأمر المريد أول ما يتوب أن يذهب إلى قبر ms065 # PageV01P097 # الشيخ فيعكف عليه عكوف أهل التماثيل عليها. وجمهور هؤلاء المشركين ~~بالقبور يجدون عند عبادة القبور من الرقة والخشوع وحضور القلب ما لا يجدونه ~~في المساجد. وآخرون يحجون إلى القبور. وطائفة صنفوا كتبا وسموها مناسك حج ~~المشاهد. وآخرون يسافرون إلى قبور المشايخ، وإن لم يسموه منسكا وحجا ~~فالمعنى واحد. وبعض الشيوخ المشهورين بالزهد والصلاح صنف كتاب الاستغاثة ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم في المنام. وذكر في مناقب هذا الشيخ أنه حج مرة، ~~وكان قبر النبي صلى الله عليه وسلم منتهى قصده، ثم رجع ولم يذهب إلى ~~الكعبة، وجعل هذا من مناقبه. وبسبب الخروج عن الشريعة، صار بعض الشيوخ ممن ~~يقصده القضاة والعلماء قيل عنه إنه كان يقول: البيوت المحجوجة ثلاثة: مكة، ~~وبيت المقدس، والبلد الذي بالهند الذي للمشركين، لأنه يعتقد أن دين اليهود ~~والنصارى حق، وجاء بعض إخواننا العارفين قبل أن يعرف حقيقته، فقال له: أريد ~~أن أسلك على يدك، فقال له: على دين اليهود أو النصارى أو المسلمين؟ فقال ~~له: واليهود والنصارى أليسوا كفارا؟ قال: لا تشدد عليهم، ولكن الإسلام ~~أفضل. ومن الناس من يجعل مقبرة الشيخ كعرفات، يسافرون إليها وقت الموسم، ~~فيعرفون بها، كما يفعل بالمغرب والمشرق. # وهؤلاء وأمثالهم صلاتهم ونسكهم لغير الله، فليسوا على ملة إبراهيم. ~~والاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته موجود في كلام بعض الناس، ~~مثل يحيى الصرصري ومحمد بن النعمان، وهؤلاء لهم صلاح لكن ليسوا من أهل ~~العلم، بل جروا على عادة كعادة من يستغيث بشيخه في الشدائد ويدعوه. وكان ~~بعض الشيوخ الذين أعرفهم وله فضل وعلم وزهد، إذا نزل به أمر خطا إلى جهة ~~الشيخ عبد القادر خطوات واستغاث به؛ وهذا يفعله كثير من الناس. # PageV01P098 # وهؤلاء مستندهم مع العادة قول طائفة: قبر معروف أو غيره: ترياق مجرب. ~~ومعهم أن طائفة استغاثوا بحي أو ميت فرأوه أتى في الهواء، وقضى بعض ~~الحوائج؛ وهذا كثير واقع في المشركين الذين يدعون الملائكة أو الأنبياء أو ~~الكواكب والأوثان، فإن الشيطان يتمثل لهم. ولو ذكرت ما أعلم ms066 من الوقائع ~~الموجودة في زماننا من هذا لطال المقال، وقد طاف هذا بجوابه يعني الذي ذكر ~~فيه جواز الاستغاثة بالنبي على علماء مصر ليوافقه واحد منهم فما وافقوه، ~~وطلب منهم أن يخالفوا الجواب الذي كتبته فما خالفوه مع أن قوما كان لهم ~~غرض، وفيهم جهل بالشرع قاموا في ذلك قياما عظيما، واستعانوا بمن له غرض من ~~ذوي السلطان مع فرط تعصبهم، وكثرة جمعهم، وقوة سلطانهم ومكائد شيطانهم. # (105) لما استحل طائفة من الصحابة والتابعين الخمر كقدامة وأصحابه ظنوا ~~أنها تباح لمن عمل صالحا # على ما فهموا من آية المائدة، اتفق علماء كعمر وعلي وغيرهما على أنهم ~~يستتابون، فإن أصروا على الاستحلال كفروا، وإن أقروا بالتحريم جلدوا؛ فلم ~~يكفروهم بالاستحلال ابتداء لأجل الشبهة، حتى يبين لهم الحق؛ فإن أصروا ~~كفروا، ولهذا كنت أقول للجهمية الذين نفوا أن يكون الله فوق العرش: أنا لو ~~وافقتكم كنت كافرا، وأنتم عندي لا تكفرون، لأنكم جهال ونحن نعلم بالضرورة ~~أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدا من الأحياء ولا ~~الأموات، لا الأنبياء ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بلفظ الاستعاذة ولا ~~غيرهما، كما أنه لم يشرع لهم السجود لميت، ولا إلى غير ميت ونحو ذلك، بل ~~نعلم أنه نهى عن ذلك كله، وأنه من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، لكن # PageV01P099 # لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين، لم يمكن ~~تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول; ولهذا ما بينت هذه المسألة قط ~~لمن يعرف أصل دين الإسلام إلا تفطن له، وقال: هذا أصل دين الإسلام. وكان ~~بعض أكابر الشيوخ العارفين من أصحابنا يقول: هذه أعظم ما بينته لنا. # (106) الله سبحانه لم يذكر في كتابه المشاهد بل ذكر المساجد، # وأنها خالصة له، كما قال: {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ~~وادعوه مخلصين له الدين} 1، وقال: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله} ~~2 الآيتين، وقال: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع ms067 ~~وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله} 3 الآية. # ولم يذكر بيوت الشرك كبيوت المشاهد، وبيوت النار والأصنام، لأن الصوامع ~~والبيع لأهل الكتاب، فالممدوح من ذلك ما كان مبينا قبل النسخ والتبديل، كما ~~أثنى على اليهود والنصارى والصابئين الذين كانوا قبل النسخ والتبديل يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ويعملون صالحا. فبيوت الأوثان والمقابر لم يذكر الله ~~شيئا منها إلا في قصة من لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم وذكر أنهم شرار ~~الخلق عند الله يوم القيامة، فجمعوا بين التصاوير والمقابر. # (107) جاء في القرآن نسبة المسيح إلى أمه لينفي نسبه إلى غيرها، لا كما ~~PageV01P100 # زعمت النصارى، ولا كما زعمت اليهود، وأبلغ منه قوله: {قل فمن يملك من ~~الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه} 1 الآية، خص المسيح وأمه ~~من أهل الأرض، لأنهما اتخذا إلهين، فخصا لنفي هذا الشرك، ولم يكن تنقصا ~~لهما. وقال تعالى: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا} 2 ~~الآية. # فتخصيصه تنبيه على من دونهم، ومن هذا قوله: "لن يدخل أحد منكم الجنة ~~بعمله، ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل" 3 فتخصيصه لتحقيق ~~العموم، وكذلك قوله: {ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك ~~نجزي الظالمين} 4 الآية، فذكر الملائكة تنبيها على أن هذه الدعوى لا تجوز ~~لأحد من الخلق، ولو قدر وقوعه من ملك لكان جزاؤه جهنم، فكيف بغيره؟ وهذا ~~التحقيق إفراد لله بالإلهية، ومنه قوله: {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا ~~يعملون} 5. والأنبياء معصومون ولكن المقصود بيان أن الشرك لو صدر من أفضل ~~الخلق لأحبط عمله، فكيف بغيره؟ وكذلك قوله: {لئن أشركت ليحبطن عملك} 6، ~~خوطب بذلك أفضل الخلق لبيان عظم هذا الذنب، لا لغض قدر المخاطب، كقوله: ~~{ولو تقول علينا بعض الأقاويل} 7 الآيات، وقوله: {فإن يشأ الله يختم على ~~قلبك} 8. PageV01P101 # وفي الحديث: "إن الله لو عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم، ولو ~~رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم" 1، فهذا في بيان عدل الرب وإحسانه، ms068 ~~وتقصير الخلق عن واجب حقه من الملائكة والأنبياء. # (108) وقال في الكلام على قوله تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه} 2 # الآيتين: لما ذكر أن من السلف من ذكر أنهم من الملائكة، ومنهم من ذكر ~~معهم الإنس، ومنهم من ذكر أنهم من الجن، يذكرون جنس المراد به الآية على ~~التمثيل، كما يقول الترجماني لمن سأله عن الخبز فيريه رغيفا، والآية هنا ~~قصد بها التعميم لكل ما يدعى من دون الله. فكل من دعا ميتا أو غائبا من ~~الأنبياء والصالحين سواء كان بلفظ الاستغاثة أو غيرها فقد تناولته هذه ~~الآية، كما تناول من دعا الملائكة والجن. ومعلوم أن هؤلاء يكونون وسائط ~~فيما يقدره الله بأفعالهم، ومع هذا فقد نهى عن دعائهم، وبين أنهم لا يملكون ~~كشف الضر عن الداعين ولا تحويله، لا يرفعونه بالكلية ولا يحولونه من موضع ~~إلى موضع، أو من حال إلى حال، كتغيير صفته أو قدره، ولهذا قال: {ولا ~~تحويلا} فذكر نكرة تعم أنواع التحويل. وقال تعالى: {وأنه كان رجال من الأنس ~~يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} 3، كان أحدهم إذا نزل بواد يقول: أعوذ ~~بعظيم هذا الوادي من سفهائه، فقالت الجن: الأنس تستعيذ بنا، فازدادوا رهقا، ~~وقد نص الأئمة كأحمد وغيره على أنه لا تجوز الاستعاذة بمخلوق، وهذا مما ~~استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق، لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P102 # أنه استعاذ بكلمات الله، وأمر بذلك، فإذا كان لا يجوز ذلك فأن لا يجوز أن ~~يقال: أنت خير مستعاذ يستعاذ به أولى. فالاستعاذة والاستجارة والاستغاثة ~~كلها من نوع الدعاء والطلب، وهي ألفاظ متقاربة، ولما كانت الكعبة بيت الله ~~الذي يدعى ويذكر عنده، فإنه سبحانه يستجار به هناك، وقد يستمسك بأستار ~~الكعبة كما يتعلق المتعلق بأذيال من يستجير به، كما قال عمر وابن سعيد: إن ~~الحرم لا يعيذ عصيا، ولا فارا بدم، ولا فارا بخربة. وفي الصحيح "يعوذ عائذ ~~بهذا البيت " 1 والمقصود أن كثيرا من الضالين يستغيثون بمن يحسنون به الظن، ~~ولا يتصور ms069 أن يقضي لهم أكثر مطالبهم، كما أن ما تخبر به الشياطين من الأمور ~~الغائبة لا يصدقون في أكثر بل يصدقون في واحدة، ويكذبون في أضعافها، ويقضون ~~لهم حاجة واحدة ويمنعونهم أضعافها، ويكون فيما أخبروا به وأعانوا عليه ~~إفساد حال الرجال في الدين والدنيا، ويكون فيه شبهة للمشركين كما يخبر ~~الكاهن ونحوه. والله سبحانه جعل الرسول مبلغا لأمره، ونهيه، ووعده، ووعيده، ~~وهؤلاء يجعلون الرسل والمشايخ يدبرون العالم بقضاء الحاجات، وكشف الكربات، ~~وليس هذا من دين المسلمين، بل النصارى تقول هذا في المسيح وحده شبهة ~~الاتحاد والحلول، ولهذا لم يقولوه في إبراهيم وموسى وغيرهم مع أنهم في غاية ~~الجهل في ذلك، فإن الآيات التي بعث بها موسى أعظم، ولو كان هذا ممكنا لم ~~يكن للمسيح خاصية به بل موسى أحق، ولهذا كنت أتنزل مع علماء النصارى إلى أن ~~أطالبهم بالفرق بين المسيح وغيره من جهة الإلهية، فلا يجدون فرقا، بل أبين ~~لهم أن ما جاء به موسى من الآيات أعظم، فإن كان حجة في دعوى الإلهية فموسى ~~أحق، وأما ولادته من غير أب فهو يدل على قدرة الخالق لا على أن المخلوق ~~أفضل من غيره. PageV01P103 # (109) إذا كان الكلام في سياق التوحيد، ونفي خصائص الرب عما سواه # لم يجز أن يقال: هذا سوء عبارة في حق من دون الله من الأنبياء والملائكة، ~~فإن المقام أجل من ذلك، وكل ما سوى الله يتلاشى عند تجريد توحيده، والنبي ~~صلى الله عليه وسلم كان من أعظم الناس تقريرا لما يقال على هذا الوجه، وإن ~~كان هو المسلوب، كما قالت عائشة لما أخبرها ببراءتها: "والله لا أقوم إليه ~~ولا أحمده، ولا أحمد إلا الله" 1، وفي لفظ "بحمد الله لا بحمدك"، فأقرها ~~صلى الله عليه وسلم وأبوها على ذلك، لأن الله سبحانه الذي أنزل براءتها ~~بغير فعل أحد. قال حبان: قلت لابن المبارك: إني لاستعظم هذا القول، قال: ~~ولت الحمد أهله. وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد قول الأسير: "اللهم إني ~~أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد، قال: ms070 عرف الحق لأهله" 2 وكان يعلم أصحابه ~~تجريد التوحيد، فقال: "لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما ~~شاء الله ثم شاء محمد" 3 وقال له رجل: ما شاء الله وشئت، فقال: "أجعلتني ~~لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده". وما أحدثه الله بغير فعل منه أضافه إلى ~~الله وحده كما قال لكعب بن مالك لما قال له: أو من عندك أو من عند الله؟ ~~قال: "بل من عند الله"، ومعلوم أنه لو كان من عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~لكان من عند الله بمعنى أنه خلقه، فجميع الحادثات من عنده بهذا الاعتبار، ~~ولكن المقصود أنه صلى الله عليه وسلم لم يصدر عنه فعل في هذه التوبة إلا ~~أنه بلغ الرسالة. # (110) وقال في الكلام على قوله: {قل أبالله وآياته ورسوله} 4 # الآية: تدل على أن الاستهزاء بالله كفر، وبآياته كفر، وبالرسول كفر ~~PageV01P104 # من جهة الاستهزاء بالله وحده كفر بالضرورة، فلم يكن ذكر الآيات والرسول ~~شرطا، فعلم أن الاستهزاء بالرسول كفر وإلا لم يكن لذكره فائدة، وكذلك ~~الآيات؛ وأيضا فالاستهزاء بهذه الأمور متلازم. والضالون مستخفون بتوحيد ~~الله تعالى، يعظمون دعاء غيره من الأموات وإذا أمروا بالتوحيد، ونهوا عن ~~الشرك، استخفوا به، كما قال تعالى: {وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا} 1 ~~الآية؛ فاستهزؤوا بالرسول لما نهاهم عن الشرك. وما زال المشركون يسبون ~~الأنبياء، ويصفونهم بالسفاهة والضلال والجنون إذا دعوهم إلى التوحيد، لما ~~في أنفسهم من عظيم الشرك. وهكذا تجد من فيه شبه منهم إذا رأى من يدعو إلى ~~التوحيد استهزأ بذلك لما عنده من الشرك، قال الله تعالى: {ومن الناس من ~~يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} 2، فمن أحب مخلوقا مثل ما يحب ~~الله، فهو مشرك. ويجب الفرق بين الحب في الله والحب مع الله، وهؤلاء الذين ~~اتخذوا القبور أوثانا تجدهم يستهزؤون بما هو من توحيد الله وعبادته، ~~ويعظمون ما اتخذوه من دون الله شفعاء، ويحلف أحدهم اليمين الغموس كاذبا، ~~ولا يجترئ أن يحلف بشيخه كاذبا. ms071 وكثير من طوائف متعددة يرى أحدهم أن ~~استغاثته بالشيخ إما عند قبره، أو غير قبره، أنفع له من أن يدعو الله في ~~المسجد عند السحر، ويستهزئ بمن يعدل عن طريقته إلى التوحيد. وكثير منهم ~~يخربون المساجد ويعمرون المشاهد؛ فهل هذا إلا من استخفافهم بالله وبآياته، ~~ورسوله، وتعظيمهم للشرك؛ وإذا كان لهذا وقف ولهذا PageV01P105 # وقف كان وقف الشرك أعظم عندهم، مضاهاة لمشركي العرب الذين ذكرهم الله في ~~قوله: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا} 1 الآية؛ فيفضلون ما ~~يجعل لغير الله على ما يجعل لله، ويقولون: الله غني وآلهتنا فقيرة. وهؤلاء ~~إذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه يبكي عنده، ويخشع، ويتضرع ما لا يحصل له ~~مثله في الجمعة والصلوات الخمس وقيام الليل، فهل هذا إلا من حال المشركين، ~~لا الموحدين. # ومثل هذا أنه إذا سمع أحدهم سماع الأبيات حصل له من الخشوع والحضور ما لا ~~يحصل له عند الآيات، بل يستثقلونها ويستهزئون بها وبمن يقرؤها مما يحصل لهم ~~به أعظم نصيب من قوله: {قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون} 2. والذين ~~يجعلون دعاء الموتى أفضل من دعاء الله، منهم من يحكي أن بعض المريدين ~~استغاث بالله فلم يغثه، واستغاث بشيخه فأغاثه، وأن بعض المأسورين دعا الله ~~فلم يخرجه، فدعا بعض الموتى فجاءه فأخرجه إلى بلاد الإسلام، وآخر قال: قبر ~~فلان هو الترياق المجرب. ومنهم من إذا نزل به شدة لا يدعو إلا شيخه، قد لهج ~~به كما لهج الصبي بذكر أمه، وقد قال تعالى للموحدين: {فإذا قضيتم مناسككم ~~فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا} 3 وقد قال شعيب: {قال يا قوم ~~أرهطي أعز عليكم من الله} 4. وقال تعالى: {لأنتم أشد رهبة في صدورهم من ~~الله} 5. PageV01P106 # (111) نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الرقى التي فيها شرك # كالتي فيها استعاذة بالجن، كما قال تعالى: {وأنه كان رجال من الأنس ~~يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} 1؛ ولهذا نهى العلماء عن التعازيم، ~~والأقسام التي يستعملها بعض الناس في حق المصروع وغيره التي ms072 تتضمن الشرك، ~~بل نهوا عن كل ما لا يعرف معناه من ذلك خشية أن يكون فيه شرك. ومن قال ~~لغيره: أسألك بكذا، فإما أن يكون مقسما فلا يجوز بغير الله، وإلا فهو من ~~باب السؤال به. فتبين أن السائل لله بخلقه إما أن يكون حالفا بمخلوق، وذلك ~~لا يجوز، وأما أن يكون سائلا به وتقدم تفصيله. وأما إذا أقسم على الله مثل ~~أن يقول: أقسمت عليك يا رب لتفعلن كذا، كما كان البراء بن مالك وغيره من ~~السلف يفعله، وفي الصحيح: "رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره" 2، فهذا ~~من الإقسام عليه تعالى به ليس إقساما عليه بمخلوق. ومعنى قوله: أسألك ~~بالرحم ليس إقساما لكن بسبب الرحم لأنها توجب حقوقا، لسؤال الثلاثة ~~بأعمالهم الصالحة، وكسؤالنا بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته في ~~حياته، ومنه ما روي عن علي أن عبد الله بن جعفر إذا سأله بحق جعفر أعطاه، ~~ومنه الحديث الذي أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا. إلخ # فحق السائلين والعابدين الإجابة والإثابة، فذلك سؤال له بأفعاله ~~كالاستعاذة بنحو ذلك، كقوله: أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك ~~منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك؛ فالاستعاذة بمعافاته التي ~~هي فعله من السؤال بإثابته التي هي فعله، وقوله في الحديث "ونستشفع بالله ~~عليك"3، وتسبيحه صلى الله عليه PageV01P107 # وسلم وتعليمه له أنه لا يستشفع بالله على خلقه على كل تقدير، طلب منه ما ~~لا يقدر عليه، وطلب منه ما لا يطلب إلا من الله، ولا يقدر عليه إلا الله، ~~وطلب منه ما هو أعظم استخفافا بالله، وانتقاصا له من طلب شفاعة الله إلى ~~عبده فإنه ممكن، لكن طلب من الله ما فيه سؤال لغيره، وهو سبحانه قادر عليه ~~بلا سؤال وهو غني عن المخلوقات، سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وعظم ذلك ~~حتى رؤي ذلك في وجوه أصحابه. فإذا كان لا يجوز أن يطلب من الله أن يسأل ~~غيره إذ هو قادر على فعل ms073 الغير بلا سؤال، فكيف إذا كان المطلوب فعل نفسه؟ ~~فلم يطلب فعل نفسه منه، بل طلبه من بعض عباده، وليس عندهم إلا الشفاعة، وهم ~~لا يشفعون إلا من بعد إذنه، فتبين أن ليس لهم من الأمر شيء. # (112) كونه صلى الله عليه وسلم يستفتح بصعاليك المهاجرين ليس معناه أنه ~~يسأل الله بهم # أو يقسم بهم عليه، بل يستنصر بدعائهم، كما قال لسعد: "وهل تنصرون وترزقون ~~إلا بضعفائكم، بصلاتهم ودعواتهم وإخلاصهم"1. وأما استغاثة الجمل به ليجيره ~~من ظلم أهله، فهو طلب منه أن يشكيه، فأشكاه بمنعهم من أذاه. وأما استغاثة ~~الصحابة في القحط به، فاستغاثوا به ليدعو لهم، كما يستغيث به الناس يوم ~~القيامة ليدعو لهم. والكلام في الأحكام الشرعية لا يقبل من الباطل أو ~~التدليس ما ينفق عند أهل البدع الذين لم يرثوا علومهم من أنوار النبوة، ~~كالفلاسفة الذين يكونون أكثر الخائضين في العلم ضلالا وافتراقا، وليس هذا ~~شأن ما ورث عن الأنبياء إلا أن يدخل فيه الكذب والتحريف، والدين محفوظ بحفظ ~~الله له، كما قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} 2. ولما ~~PageV01P108 # كانت ألفاظ القرآن منقولة بالتواتر بخلاف بعض الحديث، وطمع الشيطان في ~~تحريف معانيه، وتغيير ألفاظ الرسول بالزيادة والنقص، أقام الله من يحفظ بهم ~~دينه، يحملون العلم الموروث عنه، فينفون عنه تحريف الغالين وانتحال ~~المبطلين، وتأويل الجاهلين؛ فبينوا ما أدخل أهل الكذب والغلط في ألفاظ ~~الحديث، وما أدخل أهل التحريف في معاني القرآن والحديث، كما قال صلى الله ~~عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من ~~خذلهم حتى تقوم الساعة" 1. # (113) وقال في الكلام على إهداء الثواب للنبي صلى الله عليه وسلم: # الأعمال لا تعمل إلا لله، ولا يطلب أجرها إلا منه، وإن وصل بها نفع عظيم ~~إلى الأنبياء وغيرهم فإنهم دعوا إلى عبادته، وبينوا أن الجزاء عليه لا ~~عليهم، كما قال تعالى: {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} 2. وكثير من ~~الضلال يطلبون الجزاء من الأولياء كأنهم يعبدونهم، أو كأنهم عملوا لأجلهم، ms074 ~~فصاروا شبه النصارى نزلوا المخلوق بعد موته منزلة الخالق، لأن الأولياء في ~~حياتهم لا يمكنون أحدا من الإشراك بهم، كما قال المسيح عليه السلام: {ما ~~قلت لهم إلا ما أمرتني به} 3 الآية، وقال: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله ~~الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا} 4 الآيتين. ولهذا كان خاتم ~~الرسل المبعوث بملة إبراهيم قد أقام الحنيفية كما نعت بذلك في الكتب كقوله: ~~"ولن أقبضه حتى أقيم به PageV01P109 # الملة العوجاء". إلخ. وقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى" 1 إلخ. ثم ذكر ~~الأحاديث التي قالها في مرضه، وقبله، وفي الصحيحين عنه: "لتركبن سنن من كان ~~قبلكم" 2 الحديث، وقد شرحنا هذا الحديث، وتكلمنا على جملة مما وقع من ذلك. ~~والمقصود هنا أن النصارى فيهم إشراك وغلو وابتداع، كقوله: {اتخذوا أحبارهم} ~~الآية..، وقوله {ورهبانية ابتدعوها} وقوله {لا تغلوا في دينكم} ؛ فصار ذلك ~~في كثير من هذه الأمة. ومثله هؤلاء الذين يهدون العبادات إلى الأنبياء لطلب ~~الأجر منهم، أما إشراكهم فقد ضاهوا المخلوق بالخالق، وأما الابتداع فهذا ~~العمل لم يسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، والغلو حيث جعلوا في البشر ~~شوبا من الربوبية والإلهية، والغنى عن صاحبه إلى النفع. وهم في تقربهم إلى ~~غير الله بالأعمال يشبهون المتوكلين على غير الله المستغيثين بغيره. والفقر ~~للمخلوق وصف لازم لا يفارقه في الدنيا، ولا في الآخرة، بل العبد محتاج إلى ~~الله من جهة ربوبيته، فلا يستعين بغيره، ومن جهة الألوهية فلا يعبد غيره، ~~كما قال تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} 3؛ فإن لم يعبده خسر الدنيا ~~والآخرة، وإن لم يعنه على عبادته لم يقدر عليها. وإذا كان الخلق كلهم فقراء ~~إلى الله، والله يرحمهم بما شاء من الأسباب، ومن ذلك دعاء بعضهم لبعض، ~~وإحسان بعضهم إلى بعض؛ والدعاء يكون من الأدنى للأعلى بلا غضاضة على ~~الأعلى، فالله الذي أمرنا بالصلاة PageV01P110 # والسلام على نبيه، وهو الذي يثيبنا على ذلك، بل لله عليه أكمل النعم ~~والمنة، ونعمته عليه أكمل نعمة أنعمها على مخلوق، وما من ms075 به علينا من ~~الثواب على الصلاة عليه، وعلى سائر أعمالنا، فقد من عليه بمثله لدعائه لنا ~~إلى ذلك، والخالق إذا تقربنا إليه فذلك إحسانا منا إلى أنفسنا، وهو الذي ~~أعاننا عليه، وإن كان يحب ذلك فحبه إياه منه على العامل، فإنه الذي خلق ذلك ~~كله، فعلى العبد أن يلاحظ التوحيد والأنعام، قال تعالى: {فادعوه مخلصين له ~~الدين الحمد لله رب العالمين} 1. وهؤلاء جعلوا الهدية له صلى الله عليه ~~وسلم بمنزلة الهدية إلى الله، وكأنهم يتقربون إليه كما يتقربون إلى الله، ~~فجعلوا المخلوق كأنه الرب الغني عنهم المجازي لهم، وجعلوا الرب محتاجا إلى ~~عبادتهم، وأنهم يبلغون ضره ونفعه. والمؤمنون وأولهم أبو بكر يطلبون أجر ~~أعمالهم من الله، لا من مخلوق مع قوله "إن أمن الناس علي في صحبته وذات ~~يده: أبو بكر" 2 ونزل فيه قوله: {وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما ~~لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى} 3 والله ~~سبحانه لكمال إحسانه إلينا أمرنا بالجهاد، وأخبر أنه نصر له، وبالصدقة ~~وأخبر أنها قرض له، وذلك ممتنع من جهة ربوبيته؛ ولكن يصح من جهة الألوهية ~~التي أقر بها الموحدون. # (114) وسئل رحمه الله عن دعوة ذي النون معناها، # ولم كانت موجبة لكشوف الكرب؟ وهل لذلك شروط غير لفظها؟ وكيف يتحقق القائل ~~لها في الكرب بمعنى النفي والإثبات ليوجب الكشف؟ وما مناسبة PageV01P111 # ذكر ظلمه مع التوحيد؟ وهل الاعتراف مع التوحيد موجب للغفران وكشف الكرب؟ ~~وهل اعترافه بذلك الذنب المعين يوجب كشف كربة نزلت بذنوب أوجب تأخيرها إلى ~~ذلك الوقت سعة حلم الله، أم لا بد عند قولها من استحضار جميع الذنوب؟ وهل ~~مجرد الاعتراف كاف بدون التوبة؟ وما السر في أن الفرج يجيء عند انقطاع ~~الرجاء من الخلق؟ وما الحيلة في انصراف القلب عنهم وتعلقه بالله؟ وما ~~المعنى على ذلك؟ # أجاب عن الأولى بأن لفظ الدعاء والدعوة في القرآن يتناول دعاء العبادة ~~ودعاء المسألة، وفسر قوله: {ادعوني أستجب لكم} 1 بالوجهين. # وفي حديث النزول: "من يدعوني ms076 فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني ~~فأغفر له؟ " 2 والمستغفر سائل، والسائل داع، لكن ذكر السائل لدفع الشر بعد ~~السائل للخير، وذكرهما بعد الداعي الذي يتناولهما وغيرهما من عطف الخاص على ~~العام، وسماها دعوة لتضمنها للنوعين، فقوله: {لا إله إلا أنت} : اعتراف ~~بتوحيد الآلهية، وهو يتضمن النوعين، فإن الإله هو المستحق لأن يدعى ~~بالنوعين. وقوله {إني كنت من الظالمين} 3: اعتراف بالذنب متضمن طلب ~~المغفرة. فالسائل يسأل تارة بصيغة الطلب، وتارة بصيغة الخبر، إما بوصف ~~حاله، أو حال المسؤول، أو بهما، وهو من حسن الأدب في السؤال، كقول أيوب ~~{مسني الضر وأنت أرحم الراحمين} 4. والسؤال بالحال أبلغ من جهة العلم ~~والبيان، وبالطلب أظهر من جهة القصد والإرادة؛ فلهذا كان غالب الدعاء من ~~القسم الثاني، لأن السائل يتصور مراده، فيسأله بالمطابقة، فإن تضمن وصف حال ~~PageV01P112 # السائل والمسؤول فهو أكمل، كقوله: "قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا " ~~1 إلخ. # وفيه وصف لحال نفسه المقتضي حاجته إلى المغفرة، ووصف ربه أنه لا يقدر على ~~هذا غيره، وفيه التصريح بالمطلوب، وفيه وصف الرب بما يقتضي الإجابة، وهو ~~وصفه بالمغفرة والرحمة. فهذا ونحوه أكمل الأنواع. فمقام يونس ومن أشبهه، ~~مقام اعتراف بأن ما أصابه بذنبه، والمقصود دفع الضر والاستغفار رجاء ~~بالقصد. # الثاني: فلم يذكر صيغة الطلب لاستشعاره أنه مسيء أدخل الضر على نفسه، ~~فناسب ذكر ما يرفع سببه من الاعتراف، وهذا يبين بالكلام على قوله: {سبحانك} ~~فإنه يتضمن التعظيم والتنزيه، والمقام يقتضي تنزيهه عن العقوبة بغير ذنب، ~~فقوله: {لا إله إلا أنت} : فيه انفراده بالإلهية، وهي تتضمن كمال العلم ~~والقدرة، والرحمة والحكمة. ففيها إثبات إحسانه إلى العباد، فإن الإله هو ~~المألوه، والمألوه الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق ذلك هو بما اتصف به من ~~الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع. ~~والتسبيح يتضمن تعظيمه وتنزيهه عن الظلم وغيره من النقائص، فإن الظالم إنما ~~يظلم لحاجته أو جهله، والله غني عن كل شيء، عليم بكل شيء، وهو غني بنفسه، ms077 ~~وكل ما سواه فقير إليه، وهذا كمال العظمة. # أجاب عن الثانية: بأن ذلك لأن الضر لا يكشفه إلا الله، والذنوب سبب الضر، ~~والاستغفار يزيل سببه، وقوله: {إني كنت من الظالمين} : اعتراف واستغفار، ~~والتهليل تحقيق لتوحيد الإلهية، فإن الخير لا يوجب له إلا مشيئة الله، ~~والمعوق له عن العبد ذنوبه، وما خرج عن قدرة العبد فهو من الله، وإن كان ~~الكل بقدره، لكنه جعل الطاعة PageV01P113 # سببا للنجاة والسعادة. فمشاهدة التوحيد تفتح باب الخير، والاستغفار يغلق ~~باب الشر، والرجاء لا تعلق بمخلوق ولا بقوة العبد ولا علمه، فإن ذلك شرك، ~~ولهذا يذكر الأسباب ويأمر بأن لا يعتمد عليها، ولهذا قال: {وما جعله الله ~~إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله} 1. فمن جعل مع ~~الله إلها آخر، قعد مذموما مخذولا، والقائل لا إله إلا الله بلسانه، فقولها ~~مخلصا من قلبه له حقيقة أخرى، وبحسب تحقيقها تكمل الطاعة، كما قال: {أفرأيت ~~من اتخذ إلهه هواه} 2 الآيتين، فمن جعل ما يألهه هو ما يهواه فقد اتخذ إلهه ~~هواه، ولهذا قال الخليل {لا أحب الآفلين} 3 بين أنه يغيب عن عابده، فلا ~~يعلم حاله. وكلما حقق العبد الإخلاص في قول لا إله إلا الله خرج من قلبه ~~تأله ما يهواه، ويصرف عنه المعاصي، كما قال تعالى: {كذلك لنصرف عنه السوء} ~~4 الآية. وفي الصحيح: "من قالها مخلصا من قلبه حرمه الله على النار " 5 فمن ~~دخلها لم يحقق إخلاصها المحرم له على النار، والشرك في هذه الأمة أخفى من ~~دبيب النمل، ولهذا أمر أن يقول في كل صلاة {إياك نعبد وإياك نستعين} 6. ~~والشيطان يأمر بالشرك، والنفس تطيعه، فلا تزال تلتفت إلى غير الله، إما ~~خوفا، وإما رجاء، فلا يزال مفتقرا إلى تخليص توحيده من شوائب الشرك. وفي ~~الحديث يقول الشيطان: "أهلكت الناس بالذنوب فأهلكوني بلا إله إلا الله ~~والاستغفار، فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء، فهم يذنبون PageV01P114 # ولا يستغفرون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا". فالذي اتبع هواه بغير هدى ~~من ms078 الله له نصيب ممن اتخذ إلهه هواه، فصار فيه شرك منعه من الاستعاذة. وأما ~~من حقق التوحيد والاستغفار فلا بد أن يرفع عنه الشر؛ وفي الصحيح قوله في ~~صلاته: "اللهم اغفر لي ما قدمت - إلى قوله لا إله إلا أنت" فهنا قدم ~~الدعاء، وختمه بالتوحيد، لأنه أفضل الأمرين، بخلاف ما لم يقصد فيه هذا، فإن ~~تقديم التوحيد أفضل. وأهل التوحيد هم الذين لم يعبدوا إلا إياه، ولم ~~يتوكلوا إلا عليه. وقول المكروب: لا إله إلا أنت، قد يستحضر في ذلك أحد ~~النوعين، فإن همته منصرفة لدفع ضره أي لا يكشف الضر غيرك، مع إعراضه عن ~~توحيد الإلهية؛ فإن استحضره في ذلك كان عابدا لله، متوكلا عليه، محققا ~~{إياك نعبد وإياك نستعين} . فإذا سبق إلى القلب قصد السؤال ناسب السؤال ~~باسم الرب، وإن سبق قصد العبادة فاسم الله أولى؛ وكذلك إذا بدأ بالثناء، ~~ولهذا قال يونس عليه السلام: {لا إله إلا أنت} إلخ، وقال آدم: {ربنا ظلمنا ~~أنفسنا} ؛ فإن يونس ذهب مغاضبا فكان ذلك المناسب، أي: هو الذي يستحق ~~العبادة دون غيره، ولا يطاع الهوى فإن ذلك يضعف الإخلاص. وهذا يتضمن براءة ~~ما سوى الله من الإلهية، سواء قدر ذلك هوى النفس أو طاعة الخلق، أو غير ~~ذلك، والعبد يقول ذلك فيما يظنه، وهو غير مطابق، وما يريده وهو غير حسن. ~~وآدم لم يكن عنده من منازعة الإرادة ما يزاحم الإلهية، بل ظن صدق الشيطان ~~فكانا محتاجين إلى أن يريهما ربوبيته تكمل علمهما وقصدهما حتى لا يفترا. ~~ويونس كمل تحقيق الإلهية ومحو الهوى الذي يتخذ إلها. وأيضا مثل هذه الحال ~~تعرض لمن تعرض له فيبقى فيه نوع معارضة للقدر، ومعارضة له سبحانه في خلقه، ~~وأمره ووساوس في حكمته ورحمته، فيحتاج إلى أن يتقي الآراء الفاسدة # PageV01P115 # والأهواء الفاسدة فيعلم أن الحكمة والعدل فيما اقتضاه علمه سبحانه ~~وحكمته، لا في ما اقتضاه علم العبد وحكمته، ويكون هواه تبعا لما يأمر الله ~~به، قال تعالى: {فلا وربك} الآية، وقال تعالى: {قل إن كان آباؤكم} ms079 1 الآية. ~~فإذا كان الإيمان لا يحصل حتى يحكم الرسول، ويسلم له، ويكون هواه تبعا لما ~~جاء به، ويكون الرسول والجهاد مقدما على حب الإنسان نفسه وماله وأهله، فكيف ~~في تحكيمه تعالى والتسليم له؟ فمن رأى من يستحق العذاب في ظنه فغفر له فكره ~~ذلك، فهو إما عن إرادة تخالف الحكم، أو ظن يخالف العلم، والله عليم حكيم، ~~فلم يبق لكراهة ما فعله وجه، وهذا يكون فيما أمر به، وفيما خلقه ولم يأمرنا ~~أن نكرهه، بخلاف توبته على عباده وإنجائهم من العذاب، فإنه يحب التوابين، ~~فكراهة هذا من نوع اتباع الإرادة المزاحمة للإلهية، فعلى صاحبها أن يحققه ~~ولإنالة مراداتنا المخالفة. # وقوله: هل الاعتراف مع التوحيد موجب لغفرانها وكشف الكربة؟ فالموجب له مع ~~التوحيد هو التوبة المأمور بها، فإن الشرك لا يغفر إلا بها، وأما الاعتراف ~~على وجه الخضوع لله من غير توبة فهما في نفس الاستغفار الذي لا توبة معه، ~~فهذا لا يؤنس، ولا يقطع له بالمغفرة فإنه داع، وفي الصحيح: "ما من رجل يدعو ~~الله بدعوة إلخ"، فمثل هذا الدعاء قد تحصل معه المغفرة أو صرف شر آخر أو ~~حصول خير آخر. وقوله: الاعتراف بالذنب المعين يوجب رفع ما حصل بذنوب أم لا ~~بد من استحضار جميعها؟ فهذا مبني على أصول: أحدها: أن التوبة تصح من ذنب ~~PageV01P116 # مع الإصرار على آخر، وهذا هو المعروف عن السلف والخلف. # والثاني: أن من تاب من بعض فإن التوبة إنما تقتضي مغفرة ما تاب منه. # والثالث: أن الإنسان قد يستحضر ذنوبا فيتوب منها، وقد يتوب توبة مطلقة. ~~فإن كانت نية التوبة العامة فهي تتناول كل ما رآه ذنبا إلا أن يعارض هذا ~~معارض، مثل أن يكون بعضها لو استحضره لم يتب منه لقوة إرادته، أو اعتقاد ~~أنه حسن. وأما التوبة العامة وهي أن يتوب توبة مجملة، ولا تلتزم التوبة من ~~كل ذنب، فهذا لا يوجب دخول كل فرد، ولا يمنع دخوله كاللفظ المطلق؛ والناس ~~في غالب أحوالهم لا يتوبون توبة عامة مع حاجتهم ms080 إلى ذلك، وأنها واجبة على ~~كل عبد في كل حال. # وقوله: ما السبب في أن الفرج يأتي عند انقطاع الرجاء عن الخلق؟ وما ~~الحيلة في صرف القلب عنه؟ فسببه تحقيق توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية، ~~فالأول لا خالق إلا الله، والراجي لمخلوق طالب بقلبه لما يريده منه وهو ~~عاجز، وهذا من الشرك الذي لا يغفر، فمن كمال نعمته وإحسانه إلى المؤمنين أن ~~يمنع حصول مطالبهم بالشرك حتى يصرف قلوبهم إلى التوحيد. ثم إن وحده العبد ~~توحيد الإلهية حصلت له سعادة الدنيا والآخرة، وإن كان ممن قيل فيه: {وإذا ~~مسكم الضر} الآية، فإن ما حصل له من وحدانيته حجة عليه، كما احتج سبحانه ~~على المشركين بذلك في غير موضع. فمن تمام نعمة الله على المؤمنين أن ينزل ~~بهم من الضر ما يلجئهم إلى توحيده فيدعونه مخلصين له الدين، فيحصل لهم من ~~التوكل والإنابة وذوق طعم الإيمان والبراءة من الشرك ما هو أعظم نعمة من ~~زوال الضر؛ فإن ذلك نعم دنيوية قد يحصل للكافر منها أعظم مما للمؤمن، وأما ~~ما يحصل للمخلصين فأعظم من أن يعبر عن كنهه مقال، أو يستحضر تفصيله بال. ~~ولكل مؤمن من ذلك نصيب بقدر إيمانه؛ فالذي يحصل لأهل # PageV01P117 # الإيمان عند تجريد التوحيد لا يعرفه بالذوق إلا من له منه نصيب، وهذا هو ~~حقيقة الإسلام، وقطب رحى القرآن، به أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب. # (115) الراجي يرجو حصول الخير ودفع الشر، # والرجاء مقرون بالتوكل، والتوكل لا يجوز إلا على الله، فلا يأتي بالحسنات ~~إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، قال تعالى: {ولو أنهم رضوا ما آتاهم ~~الله ورسوله وقالوا حسبنا الله} 1 الآية، وقال: {الذين قال لهم الناس} 2 ~~الآية، أي: كافينا في دفع البلاء، وأولئك أمروا أن يقولوا حسبنا الله في ~~جلب النعماء، ومن توكل على غير الله ورجاه خذل من جهته وحرم، {مثل الذين ~~اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت} 3 الآية، {لا تجعل مع الله إلها ~~آخر فتقعد مذموما مخذولا} 4، {واتخذوا من دون الله آلهة ms081 ليكونوا لهم عزا} 5 ~~الآية، {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء} 6 الآية، {فابتغوا عند الله ~~الرزق} 7 الآية. # والراجي يكون راجيا تارة بعمل يعمله، فهذا نوع من العبادة، وتارة باعتماد ~~قلبه عليه وسؤاله له، فهو نوع من الاستغاثة، يوضحه أن كل خير ونعمة فهي من ~~الله، وكل شر PageV01P118 # مندفع عنه فالله يمنعه، ويكشفه، وما جرى من الأسباب على يد خلقه فهو خالق ~~الأسباب كلها. ومن عرف هذا حق المعرفة انفتح له باب توحيد الله، وعلم أنه ~~لا يستحق أن يدعى غيره، ولا فرق بين الأسباب العلوية والسفلية. وملائكته ~~قال فيهم {لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} 1 فالصادر عنهم إما قول وإما عمل، فالقول ~~لا يسبقونه به، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى. فعلينا أن نكون معه ومع رسله ~~هكذا، فلا نقول حتى يقول، ولا نعبده إلا بما أمر، وأعلى من هذا أن لا نفعل ~~إلا ما أمر، فلا تكون أعمالنا إلا واجبة أو مستحبة. والاستعانة تكون على ~~الأعمال، وأما التوكل فأعم من ذلك، يكون لجلب المنفعة، ودفع المضرة، فمن لم ~~يفعل ما أمر به لم يكن مستعينا بالله، وعلى ذلك فيكون قد ترك العبادة ~~والاستعانة عليها، فترك التوكل في هذا الموضع. ومن ظن أن الإيمان بالقدر ~~ينافي الأمر كالإباحية المشركية والقدرية المجوسية، أو ظن أن التكليف معه ~~غير معقول بل الشارع أطيع لمحض المشيئة، وجعل ذلك حجة على أن الأفعال لم ~~تتضمن أسبابا مناسبة للأمر والنهي، ففساد قوله معلوم بضرورة العقل مع ~~الكتاب والسنة والإجماع. فالعبد عليه أن يصبر على ما قدر من المصائب، ~~ويستغفر من المعايب، ويشكر على المواهب، فيجمع بين الإيمان بالقدر والشرع، ~~وبين الصبر والشكر والاستغفار، والمحتج بالقدر إذا اعتدى عليه تناقض وظهر ~~فساد قوله. # (116) التسبيح المتضمن تنزيهه عن السوء ونفي النقص يتضمن تعظيمه ~~PageV01P119 # العظمة الموجبة براءته من الظلم؛ فالظالم يظلم لحاجته، أو لجهله، والله ~~غني عن كل شيء، عليم بكل شيء، وهذا كمال ms082 العظمة. وقوله صلى الله عليه وسلم: ~~"سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" 1، هاتان الكلمتان إحداهما مقرونة ~~بالتحميد، والأخرى بالتعظيم، فقرن بين الحمد والتعظيم، كما قرن بين الجلال ~~والإكرام، إذ ليس كل معظم محمودا محبوبا، ولا كل محبوب محمودا معظما، ~~والعبادة تتضمن كمال الحب المتضمن معنى الحمد، وكمال الذل المتضمن معنى ~~التعظيم، ففيها إجلاله وإكرامه، وهو سبحانه المستحق للجلال والإكرام. # ومن الناس من يحسب الجلال الصفات السلبية والإكرام الصفات الثبوتية، ~~والتحقيق أن كليهما صفات ثبوتية، وإثبات الكمال يستلزم نفي النقائص، لكن ~~ذكر نوعي الثبوت وهو ما يستحق أن يحب، وما يستحق أن يعظم كقوله: {إن الله ~~هو الغني الحميد} ، {فإن ربي غني كريم} وكذلك قوله: {وله الحمد} فقرن ~~التسبيح بالتحميد والتهليل بالتكبير كما في الأذان. ثم إن كل واحد من ~~النوعين يتضمن الآخر إذا أفرد، فإن التسبيح والتحميد يتضمن التعظيم، ويتضمن ~~إثبات ما يحمد عليه، وذاك يستلزم الإلهية؛ فإنها تتضمن كونه محبوبا، بل ~~تتضمن أنه لا يستحق كمال الواجب إلا هو. والحمد هو الإخبار عن المحمود ~~بالصفات التي يستحق أن يحب، فالإلهية تتضمن كمال الحمد، ولهذا كان الحمد ~~مفتاح الخطاب، وسبحان الله فيها إثبات عظمته، ولهذا قال: PageV01P120 # {فسبح باسم ربك العظيم} 1 وقال: "اجعلوها في ركوعكم"، وقال: "أما الركوع ~~فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء"، فيجعل التعظيم في ~~الركوع أخص منه بالسجود، وقوله: (لا إله إلا الله والله أكبر) ففي الإلهية ~~محامده، وفي الكبرياء إثبات عظمته؛ فإن الكبرياء تتضمن العظمة لكن الكبرياء ~~أكمل، وهي كالرداء ومعلوم أن الرداء أشرف، فلما كان التكبير أبلغ صرح ~~بلفظه، وفي "سبحان الله" التصريح بالتنزيه من السوء المتضمن للتعظيم، فصار ~~كل واحدة متضمنة معنى أخريين إذا أفردتا، وعند الاقتران تعطى كل كلمة ~~خاصتها؟ وكذلك الدعاء باسم الرب أو باسم الله أو لوصف حال السائل، أو حال ~~المسؤول لكل نوع منها خاصة. # (117) قال رحمه الله بعد ما ذكر آيات احتج بها الجبرية وآيات احتج بها ~~القدرية: # وكل من الطائفتين تتناول نصوص الأخرى بتأويلات فاسدة، وتضم ms083 إلى النصوص ~~التي احتجت بها أمورا لا تدل عليها، وأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان ~~وأئمة المسلمين فآمنوا بالكتاب كله، ولم يحرفوا شيئا من النصوص. وقوله: "إن ~~الله جميل يحب الجمال" 2 أي: يجب أن يتجمل له العبد، كقوله: {يا بني آدم ~~خذوا زينتكم عند كل مسجد} 3، ويكره أن يصلي عريانا، أو المرأة مكشوفة ~~الرأس، ولو تزين لمعصية لم يحب ذلك. والمؤمن يظهر نور الإيمان على وجهه، ~~ويكسى محبة ومهابة، والمنافق عكسه، وأما الصورة المجردة مشتهاة كالنساء أو ~~لا فقد صح "أن الله لا ينظر إلى صوركم" 4 إلخ. وقوله: "إن الله جميل" إلخ ~~قاله جوابا بالتساؤل في PageV01P121 # بيان ما يحبه الله وما يكرهه، فإنه لما ذكر الكبر سأله السامع عن جمال ~~الثوب والنعل، وحسن ثوبه ونعله إنما يحصل بفعله وقصده ليس شيئا مخلوقا فيه ~~بغير كسبه كصورته. # ومعلوم أن الله إذا خلق شخصا أكبر من شخص إما في جسمه، وإما في عقله ~~وذكائه لم يكن هذا مبغضا؛ فإنه خلق بغير اختياره، بخلاف ما إذا تكبر بذلك ~~أو بغيره فإنه من عمله، والمقصود هنا ذكر ما يحبه الله ويرضاه الذي يثاب ~~أصحابه عليه، ومعلوم أن الفرق بين مطلق الإرادة والمحبة موجود في الناس، ~~وغيرهم من الجهمية والقدرية إنما لم يفرقوا بين ما يشاء وما يحب، لأنهم لا ~~يثبتون لله محبة لبعض الأمور المخلوقة دون بعض، وفرحا بتوبة التائب. وكان ~~أول من أنكره الجعد فضحى به خالد القسري فقال: إنه زعم أن الله لم يكلم ~~موسى تكليما، ولم يتخذ إبراهيم خليلا. فإن الخلة من توابع المحبة، فمن زعم ~~أن الله لا يحب ولا يحب لم يكن للخلة عنده معنى. والرسل صلوات الله وسلامه ~~عليهم جاؤوا بإثبات هذا الأصل، وهو أن الله يحب بعض الأمور المخلوقة، ويسخط ~~بعضها، فإن الجهمية والقدرية تجعل الجميع بالنسبة إليه سواء، القدرية ~~يقولون يقصد نفع العبد لكونه حسنا، ولا يقصد الظلم لكونه قبيحا. # والجهمية يقولون: إذا كان لا فرق بالنسبة إليه بين هذا، وهذا امتنع أن ~~يكون عنده ms084 شيء حسن وشيء قبيح، وإنما يرجع ذلك إلى أمور إضافية 1 للعباد؛ ~~فالحسن بالنسبة إلى العبد ما يلائمه، وما ترتب عليه ثواب يلائمه، والقبيح ~~بالعكس؛ ومن هنا جعلوا المحبة والإرادة سواء. فلو أثبتوا أنه سبحانه يحب ~~ويفرح بحصول محبوبه كما أخبر به الرسول PageV01P122 # تبين لهم حكمته، وتبين لهم أيضا أنه يفعل الأفعال بحكمة. فإن الجهمية ~~قالوا: إذا كانت الأشياء بالنسبة إليه سواء امتنع أن يفعله لحكمة، ~~والمعتزلة يقولون يفعل لحكمة تعود إلى العباد، فقالت الجهمية تلك يعود إليه ~~منها حكم أم لا؟ الأول خلاف أصلكم، والثاني ممتنع، فيمتنع أن أحدا يختار ~~الحسن على القبيح إن لم يكن له من فعل الحسن معنى يعود إليه. ثم إن هذه ~~الصفة من أعظم صفات الكمال، وكذلك كونه محبوبا لذاته هو أصل دين الرسل؛ ~~فإنهم كلهم دعوا إلى عبادة الله وحده، وأن لا إله إلا هو، والإله المستحق ~~للعبادة، وهو لا يكون إلا بتعظيم ومحبة، وإلا فمن عمل لغيره لعوض بلا محبة ~~له لم يكن عابدا له. # وهؤلاء الذين ينكرون أنه يحب أو يحب، آخر أمرهم أنه لا يبقى عندهم فرق ~~بالنسبة إلى الله بين أوليائه وأعدائه، ولا بين الإيمان والكفر. فإن كانوا ~~من الصوفية الذين ينكرون الكمال في فناء العبد عن حظوظه، ودخلوا في مقام ~~الفناء في توحيد الربوبية، وإن كانوا من المتكلمين صاروا من المستقلين ~~للعبادة وفي قلوبهم مرتع للشياطين، لم لا ينعم بالثواب بدون هذا؟ فإذا ~~أجابوا بجوابهم كان من أبرد الأجوبة وأسمجها، فإن هذا يقال في المتناظرين ~~لا في رب العالمين، فلا أحد إلا مقر بفعله، ثم يقال قد حصل بطلب الألذ من ~~شقاوة الأكثرين ما كان خلقهم في الجنة ابتداء، لأنه إن كان من المرجئة ~~استرسلت نفسه في المحرمات وترك الواجبات، بخلاف من وجد حلاوة الإيمان بمحبة ~~الله وحبه للعبادات، فإن هذا هو الإسلام الذي به يشهد العبد أن لا إله إلا ~~الله. وهؤلاء يدعون محبة الله في الابتداء ويعظمونها ويستحبون السماع ~~بالغنا والدف لأنه يحرك محبة الله، وإذا ms085 حقق أمرهم وجدت محبتهم تشبه محبة ~~المشركين لا محبة الموحدين. فإن محبة الموحدين بمتابعة الرسول والجهاد في ~~سبيل الله، وهؤلاء أكثرهم # PageV01P123 # يكره متابعة الرسول، وهم من أبعد الناس عن الجهاد، ومحبتهم التي يدعون من ~~جنس محبة المشركين الذين صلاتهم عند البيت مكاء وتصديه، ويجتهدون في دعاء ~~مشايخهم في حياتهم وعند قبورهم، فأولئك أنكروا المحبة، وهؤلاء دخلوا في ~~محبة المشركين، فنفس محبته أصل عبادته، والشرك فيها أصل الشرك في عبادته، ~~أولئك فيهم شبه من النصارى وفيهم شرك من جنس شرك النصارى؛ ولهذا كان مشايخ ~~الصوفية العارفون يوصون كثيرا بمتابعة العلم، قال بعضهم: ما ترك أحد شيئا ~~من السنة إلا لكبر في نفسه، وهو كما قال، فإنه إذا لم يكن متبعا لما جاء به ~~الرسول كان متبعا لهواه بغير هدى من الله، وهذا عيش النفس، وهو من الكبر، ~~فإنه شعبة من قول الذين قالوا: لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله. # (118) العقوبات شرعت رحمة من الله بعباده، # ولهذا ينبغي لمن يعاقب على الذنوب أن يقصد بذلك الإحسان إلى المعاقب، ~~والرحمة له، كما يقصد الوالد تأديب ولده، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~"إنما أنا لكم بمنزلة الوالد". # وقال تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم} 1، وفي ~~قراءة أبي (وهو أب لهم) ، والقراءة المشهورة تدل عليه؛ فلولا أنه كالأب لم ~~تكن نساؤه كالأمهات. والأنبياء أطباء الدين، والقرآن أنزله الله شفاء، ~~فالذي يعاقب عقوبة شرعية نائب له، فعليه أن يفعل كفعله، ولهذا قال تعالى: ~~{كنتم خير أمة أخرجت للناس} 2. قال أبو هريرة: "خير PageV01P124 # الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل تدخلونهم الجنة"، أخبر أنهم خير الأمم ~~لبني آدم، يعاقبونهم بالقتل والأسر للإحسان إليهم. وهكذا الراد على أهل ~~البدع من الرافضة وغيرهم، إذا لم يقصد بيان الحق وهدى الخلق لم يكن عمله ~~صالحا. وإذا كان المسلم الذي يقاتل الكافر قد يقاتله شجاعة وحمية وذلك ليس ~~في سبيل الله، فكيف بأهل البدع؟ وإذا كان الذنب متعلقا بالله ورسوله فهو حق ~~محض لله، فيجب أن ms086 يكون الإنسان في هذا قاصدا لوجه الله، متبعا لرسوله ليكون ~~عمله صوابا خالصا، وهو معنى قوله: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو ~~محسن} 1. والأمر بالسنة والنهي عن البدعة أمر بمعروف ونهي عن منكر، وهو من ~~أفضل الأعمال الصالحة، فيجب أن يبتغي به وجه الله، وأن يكون مطابقا للأمر. ~~وفي الحديث: "من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فينبغي أن يكون عليما فيما ~~يأمر به، عليما فيما ينهى عنه، رفيقا فيما يأمر به، رفيقا فيما ينهى عنه، ~~حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه"، فالعلم قبل الأمر، والرفق مع ~~الأمر، والحكم بعد الأمر. فإن لم يكن عالما لم يكن له أن يقفو ما ليس له به ~~علم، وإن لم يرفق فهو كالطبيب الذي يغلظ على المريض فلا يقبل منه.. ~~وكالمؤدب الغليظ الذي لا يقبل منه الولد، قال تعالى: {فقولا له قولا لينا ~~لعله يتذكر أو يخشى} 2 ثم إذا أمر أو نهى فلا بد أن يؤذى في العادة، فعليه ~~أن يصبر ويحلم، كما قال تعالى: {وأمر بالمعروف وانه عن PageV01P125 # المنكر واصبر على ما أصابك} 1. # وقد أمر الله نبيه بالصبر على أذى المشركين في غير موضع، وهو إمام ~~الآمرين والناهين. وإن أمر ونهى طلبا لرياسة نفسه ولطائفته وتنقيص غيره كان ~~ذلك حمية لا يفعله لله، وإذا فعل ذلك رياء كان عمله حابطا. ثم إذا رد عليه ~~وأوذي وغرضه فاسد طلبت نفسه الانتصار لها، وأتاه الشيطان فكان مبدأ عمله ~~لله وصار له هوى يطلب أن ينتصر بمن اعتدى. وهكذا يصيب أصحاب المقالات إذا ~~كان كل يعتقد أن الحق معه، فأكثرهم صار له في ذلك هوى لا يقصد أن تكون كلمة ~~الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، بل يغضب على من خالفه وإن كان ~~معذورا، ويرضى عمن وافقه ولو كان جاهلا سيئ القصد، فتصير الموالاة ~~والمعاداة على الهوى لا على دين الله ورسوله؛ وهذه حال الكفار الذين لا ~~يطلبون إلا هواهم يقولون: هذا صديقنا وهذا عدونا. قال الله تعالى: ~~{وقاتلوهم ms087 حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} 2. فإذا لم يكن الدين كله ~~لله كانت فتنة، وأصل الدين أن يكون الحب لله، والبغض لله، وهذا إنما يكون ~~بمتابعة الرسول. # وصاحب الهوى يعميه الهوى، ويصمه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك، ولا ~~يطلبه؛ ويكون مع ذلك معه شبهة دين أن الذي يرضى ويغضب له هو السنة، فإذا ~~قدر أن الذي معه هو الحق المحض دين الإسلام ولم يكن قصده أن يكون الدين كله ~~لله ولا في سبيله، فكيف إذا كان كنظيره معه حق وباطل، ومع خصمه كذلك، وهذا ~~حال المختلفين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، ولهذا PageV01P126 # قال الله تعالى فيهم: {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم ~~البينة وما أمروا إلا ليعبدوا الله} 1 الآية، وقال: {كان الناس أمة واحدة} ~~يعني فاختلفوا كما في سورة يونس، وكذلك في قراءة بعض الصحابة، وهذا قول ~~الجمهور من الصحابة والتابعين أنهم كانوا على الإسلام، وتفسير عطية عن ابن ~~عباس لا يثبت عن ابن عباس. # (119) ثبت عن ابن عباس أنه قال: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على ~~الإسلام" # وقال: " {وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا} فذمهم على الاختلاف بعد ~~أن كانوا على دين واحد، فعلم أنه كان حقا". # والاختلاف في دين الله نوعان: # أحدهما: أن يكون كله مذموما كقوله: {وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي ~~شقاق بعيد} 2. # الثاني: أن يكون بعضهم على الحق كقوله: {ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم ~~من كفر} 3. ولكن إذا أطلق الاختلاف فالجميع مذموم، كقوله: {ولا يزالون ~~مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} 4، "إنما هلك من كان قبلكم بكثرة ~~سؤالهم واختلافهم على أنبياءهم"، ولهذا فسروا الاختلاف في هذا بأنه كله ~~مذموم، قال الفراء في اختلافهم وجهان: PageV01P127 # أحدهما: كفر بعضهم ببعض الكتاب. # والثاني: بديل ما بدلوا، وهو كما قال، فإن المختلفين كل منهم يكون معه حق ~~وباطل، فيكفر بالحق الذي مع الآخر، ويصدق الباطل الذي معه، وهو تبديل؛ ~~فالاختلاف لا بد أن يجمع النوعين؛ ms088 ولهذا ذكر كل من السلف نوعا من هذا: # أحدهما: الاختلاف في اليوم الذي يكون فيه الاجتماع، فاليوم الذي أمروا به ~~الجمعة، فعدلت عنه الطائفتان، فهذه أخذت السبت، وهذه الأحد. قال صلى الله ~~عليه وسلم: "فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له" 1. وهذا الحديث ~~يطابق قوله: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق} 2. ثم ذكر ~~حديث الاستفتاح: "اللهم رب جبرائيل" إلخ، والحديث بين أن الله هدى المؤمنين ~~لغير ما كان فيه المختلفون، فلا كانوا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، وهو مبين أن ~~الاختلاف كله مذموم. # الثاني: القبلة، فمنهم من يصلي إلى المشرق، ومنهم من يصلي إلى المغرب، ~~وكلاهما مذموم ولم يشرعه الله. # الثالث: إبراهيم، قالت اليهود كان يهوديا، وقالت النصارى كان نصرانيا، ~~وكلاهما من الاختلاف المذموم. # والرابع: عيسى عليه السلام، جعله اليهود (ابن البغي) ، والنصارى إلها. # الخامس: الكتب المنزلة، آمن هؤلاء ببعض، وهؤلاء ببعض. # السادس: الدين، أخذ هؤلاء بدين، وهؤلاء بدين، ومن هذا الباب PageV01P128 # قوله: {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء} 1 الآية. وعن ابن عباس قال: ~~"اختصمت يهود المدينة ونصارى نجران عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت ~~اليهود: ليست النصارى على شيء، ولن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا، وكفروا ~~بالإنجيل وعيسى، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء، وكفروا بموسى ~~والتوراة. فأنزل الله هذه الآية". واختلاف أهل البدع هو من هذا النمط، ~~فالخارجي يقول: ليس الشيعي على شيء، والشيعي يقول: ليس الخارجي على شيء، ~~والقدري النافي يقول: ليس المثبت على شيء، والقدري الجبري المثبت يقول: ليس ~~النافي على شيء، ثم الوعيدية، والمرجئة كذلك، بل يوجد شيء من هذا بين أهل ~~المذاهب الأصولية، والفروعية، المنتسبين إلى السنة؛ فالكلابي يقول: ليس ~~الكرامي على شيء، والكرامي يقول: ليس الكلابي على شيء، والأشعري يقول: ليس ~~السالمي على شيء، والسالمي يقول: ليس الأشعري على شيء. # وكذلك أهل المذاهب الأربعة وغيرها، لا سيما وكثير منهم قد تلبس ببعض ~~المقالات الأصولية، وخلط هذا بهذا، فالحنبلي والشافعي والمالكي يخلط بمذهب ~~مالك والشافعي وأحمد شيئا ms089 من أصول الأشعرية والسالمية وغير ذلك ويضيفه إلى ~~مذهب مالك والشافعي وأحمد، وكذلك الحنفي يخلط بمذهب أبي حنيفة شيئا من أصول ~~المعتزلة والكرامية والكلابية، ويضيفه إلى مذهب أبي حنيفة، وهذا من جنس ~~الرفض والتشيع، لكنه تشيع في تفضيل بعض الطوائف والعلماء، لا في تفضيل بعض ~~الصحابة. والواجب على كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن PageV01P129 # محمدا رسول الله أن يكون أصل قصده توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له، ~~وطاعة رسوله، يدور على ذلك ويتبعه أين وجده، ويعلم أن أفضل الخلق بعد ~~الأنبياء هم الصحابة، فلا ينتصر لشخص انتصارا مطلقا عاما إلا لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ولا لطائفة انتصارا مطلقا عاما إلا لأصحابه. # فإن الهدى يدور مع الرسول حيث دار، ويدور مع أصحابه دون أصحاب غيره حيث ~~داروا؛ فإذا أجمعوا لم يجمعوا على خطأ قط، بخلاف أصحاب عالم من العلماء، بل ~~كل قوم قالوا قولا لم يقله غيرهم من الأمة لا يكون إلا خطأ. فإن الدين الذي ~~بعث الله به رسوله ليس مسلما لعالم واحد وأصحابه، ولو كان كذلك لكان ذلك ~~الشخص نظير رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو شبيه بقول الرافضة في ~~المعصوم، ولا بد أن يكون الصحابة والتابعون يعرفون ذلك الحق الذي بعث به ~~الرسول قبل وجود المتبوعين الذين تنتسب المذاهب إليهم في الفروع والأصول، ~~ويمتنع أن يكون هؤلاء جاؤوا بحق يخالف ما جاء به الرسول، ويمتنع أن يكون ~~أحدهم علم من جهة الرسول ما يخالف الصحابة والتابعين، فأولئك لم يجتمعوا ~~على ضلالة. والمقصود أن الله سبحانه ذكر أن المختلفين جاءهم العلم، وجاءتهم ~~البينة بل كانوا قاصدين البغي عالمين بالحق، ونظيره قوله: {إن الدين عند ~~الله الأسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا ~~بينهم ومن يكفر بآيات الله} 1 الآية. وقال: {ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ ~~صدق} 2 الآية. وقوله: {ولقد آتينا بني إسرائيل PageV01P130 # الكتاب والحكم والنبوة} 1 إلى قوله {لقوم يوقنون} . فهذه المواضع تبين أن ~~المختلفين ms090 ما اختلفوا حتى جاءهم العلم والبينات، فاختلفوا للبغي لا لاشتباه ~~الحق بالباطل، وهذه حال أهل الأهواء كلهم لا يختلفون إلا من بعد أن يظهر ~~الحق ويجيئهم، ثم كل يبغي على الآخر فيكذب بما معه من الحق مع علمه بأنه ~~حق، ويصدق بما مع نفسه من الباطل مع العلم بأنه باطل. # ولهذا كان أهل الاختلاف المطلق كلهم مذمومون، فإنه ما منهم إلا من خالف ~~حقا واتبع باطلا، ولهذا أمر الله الرسل أن تدعو إلى دين واحد، وهو الإسلام، ~~ولا يتفرقوا فيه، قال تعالى {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا} 2 إلى قوله ~~{كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} 3، وقال: {يا أيها الرسل كلوا من ~~الطيبات} 4 إلى قوله {فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا} 5 كتبا اتبع كل قوم كتابا ~~مبتدعا غير كتاب الله، فصاروا متفرقين، لأن أهل الاختلاف ليسوا على ~~الحنيفية المحضة، التي هي الإسلام المحض الذي هو إخلاص الدين لله الذي في ~~قوله: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء} 6 الآية. وقال: ~~{فأقم وجهك للدين حنيفا} 7 الآيتين، فنهاه أن يكون من المشركين، من الذين ~~فرقوا دينهم وكانوا شيعا، وأعاد حرف من لأن الثاني بدل من الأول والبدل هو ~~المقصود بالكلام، وما قبله توطئة له، وقال: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ~~ربك ولذلك PageV01P131 # خلقهم} 1.فأخبر أن أهل الرحمة لا يختلفون، وذكر في غير موضع أن دين ~~الأنبياء كلهم الإسلام، كما قال عن نوح: {وأمرت أن أكون من المسلمين} 2. ~~وتنوع الشرائع لا يمنع أن يكون الدين واحدا، فإن الذي بعث به محمد صلى الله ~~عليه وسلم هو دين الإسلام أولا وآخرا، وكانت القبلة في أول الأمر بيت ~~المقدس، ثم صارت الكعبة، وفي كلا الحالين الدين واحد؛ فهكذا سائر ما شرع ~~للأنبياء قبلنا. # ولهذا حيث ذكر الله الحق في القرآن جعله واحدا، وجعل الباطل متعددا ~~كقوله: {اهدنا الصراط المستقيم} 3 إلى آخرها. ثم ذكر آيات ثم قال: وهذا ~~يطابق ما في كتاب الله من أن الاختلاف المطلق ms091 كله مذموم، بخلاف المقيد الذي ~~قال فيه: {فمنهم من آمن ومنهم من كفر} 4، وقوله: {هذان خصمان اختصموا في ~~ربهم} 5 نزلت في المقتتلين يوم بدر. وقد تدبرت كتب الاختلاف التي يذكر فيها ~~المقالات مثل كتاب الأشعري والشهرستاني والوراق، أو مع انتصار لبعض الأقوال ~~كسائر ما صنف أهل الكلام، فرأيت عامة الاختلاف الذي فيها من الاختلاف ~~المذموم، وأما الحق الذي بعث الله به رسوله وكان عليه السلف فلا يوجد فيها، ~~وليس ذلك لأنهم يعرفونه ولا يذكرونه، بل لا يعرفونه، والحاذق منهم الذي ~~غرضه الحق يصرح بالحيرة في آخر عمره إذ لم يجد في الاختلافات التي نظر فيها ~~وناظر ما هو حق محض. وكثير منهم ترك الجميع، ويرجع إلى دين العامة كما قال ~~أبو المعالي وقت السياق: لقد خضت البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ~~PageV01P132 # ودخلت في الذي نهوا عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن ~~الجويني. وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي. وكذلك أبو حامد في آخر عمره استقر ~~أمره على الحيرة، وكذلك الشهرستاني مع أنه أخبر هؤلاء بالمقالات، وصنف فيها ~~كتابه المعروف قال فيه الأبيات: # لعمري لقد طفت المعاهد كلها.. إلخ. # فأخبر أنه لم يجد إلا شاكا مرتابا، أو من اعتقد ثم ندم لما تبين له خطؤه، ~~الأول الجهل البسيط، كظلمات في بحر لجي إلخ. وهذا دخل في المركب ثم تبين له ~~أنه جهل فندم. وكذلك الآمدي الغالب عليه الحيرة. وأما الرازي فهو في الكتاب ~~الواحد بل في الموضع الواحد منه ينصر قولا، وفي موضع آخر منه أو من كتاب ~~آخر ينصر نقيضه، ولهذا استقر أمره على الشك والحيرة، ثم ذكر أبياته: # نهاية إقدام العقول عقال.. إلخ. # وقوله: فما رأيتها تشفي عليلا، ولا تروي غليلا، وهو صادق فيما أخبر به ~~أنه لم يستفد من بحوثه في الطرق الكلامية والفلسفية سوى جمع قيل وقالوا، ~~وأنه لم يجد فيها ما يشفي عليلا، ولا يروي غليلا، فإن من تدبر كتبه كلها لم ~~يجد فيها مسألة واحدة من مسائل أصول الدين ms092 موافقة للحق الذي يدل عليه ~~المنقول والمعقول، بل يذكر في المسألة عدة أقوال، والقول الحق لا يعرفه فلا ~~يذكره، وكذا غيره من أهل الكلام، بل هم مختلفون في الكتاب، من الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا. والذين يذكرون ذلك إما نقلا مجردا للأقوال، وإما بحثا ~~وذكرا للجدال، مختلفون في الكتاب، كل منهم موافق بعضا ويرد بعضا، ويجعل ما ~~يوافق رأيه هو المحكم الذي يجب اتباعه، وما يخالف رأيه هو المتشابه الذي ~~يجب تأويله # PageV01P133 # أو تفويضه. هذا موجود في كلام من صنف في الكلام يذكر النصوص التي يحتج ~~بها، ويحتج عليها، ثم تجده يتأول النصوص التي تخالفه تأويلا لو فعله غيره ~~لأقام القيامة عليه. ويتأول الآيات بما يعلم بالاضطرار أن الرسول لم يرده، ~~وبما لا يدل عليه اللفظ أصلا، وكثير ممن سمع ذم الكلام مجملا، وذم الطائفة ~~الفلانية مجملا، ولا يعرف التفاصيل؛ من الفقهاء وأهل الحديث ومن كان متوسطا ~~في الكلام لم يصل إلى الغايات التي منها تفرقوا، تجده يذم القول وقائله ~~بعبارة ويقبله بعبارة، ويقرأ كتب التفسير والفقه وشروح الحديث وفيها تلك ~~المقالات التي يذمها فيقبلها من أشخاص أخر ذكروها بعبارة أخرى، أو في ضمن ~~تفسير آية أو حديث أو غير ذلك، هذا مما يوجد كثيرا، والسالم من سلمه الله، ~~حتى إن كثيرا من هؤلاء يعظم أئمة ويذم أقوالا، وقد يلعن قائلها أو يكفره، ~~وقد قالها تلك الأئمة الذين يعظمهم، ولو علم أنهم قالوا لما لعن القائل، ~~وكثير منها يكون قد قاله النبي صلى الله عليه وسلم. ولو ذكرت ما أعرفه من ~~ذلك لذكرت خلقا، ولا أستثني واحدا من أهل البدع لا من المشهورين بالبدع ~~الكبار من معتزلي ورافضي ونحوهم، ولا من المنتسبين إلى السنة من كرامي، ~~وأشعري، ونحوهم، وكذلك من صنف على طرائقهم من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم. ~~هذا كله رأيته في كتبهم في مسائل الصفات والقرآن، ومسائل القدر ومسائل ~~الأسماء والأحكام، والإيمان والإسلام، ومسائل الوعد والوعيد وغير ذلك. # ومن أجمع الكتب التي رأيتها في المقالات، كتاب الأشعري ذكر فيه ms093 من ~~المقالات وتفاصيلها ما لم يذكره غيره، وذكر فيه مذهب أهل السنة بحسب فهمه، ~~وليس في جنسه أقرب إليهم منه، ويذكر منه أمرا مجملا تلقاه عن زكريا الساجي ~~وبعض عن # PageV01P134 # حنبلية بغداد ونحوهم، ونصر في الصفات طريقة ابن كلاب لأنها أقرب إلى الحق ~~من قول المعتزلة، ويذكر مقالة ابن كلاب من خبره، ونظر في كتبه، ويذكر ~~مقالات المعتزلة مفصلة، ويذكر قول كل واحد منهم، وما بينهم من النزاع في ~~الدق والجل، فإذا جاء إلى مقالة أهل السنة ذكر أمرا مجملا، فإنه لم يكن ~~خبيرا بالسنة والحديث، وأقوال الصحابة والتابعين، وغيرهم، وتفسير السلف ~~للقرآن، مع أنه من أعرف المصنفين في الاختلاف بذلك، وهو أعرف به من جميع ~~أصحابه كالقاضي أبي بكر وابن فورك وابن إسحاق، وهؤلاء أعلم به من أبي ~~المعالي وذويه، ومن الشهرستاني، ولهذا ما يذكره من مذهب أهل السنة ناقص عما ~~يذكره الأشعري، فإن الأشعري أعلم من هؤلاء كلهم لذلك نقلا وتوجيها. وأما ~~الاختلاف العملي وهو الاختلاف باليد والسيف والعصا، فهو داخل في الاختلاف، ~~والخوارج والروافض والمعتزلة ونحوهم، يدخلون في النوعين، والملوك الذين ~~يقاتلون على محض الدنيا يدخلون في الثاني. والذين يتكلمون في العلم ولا ~~يدعون إلى قول ابتدعوه ولا يحاربون عليه لا بيد ولا بلسان، هؤلاء أهل العلم ~~وخطؤهم مغفور إلا أن يدخلهم هوى، وعدوان، أو تفريط في بعض الأمور فيكون ذلك ~~من ذنوبهم. # فإن العبد مأمور بالتزام الصراط المستقيم في كل أموره، وقد شرع الله ~~تعالى أن نسأله ذلك في كل صلاة، وهو أفضل الدعاء وأفرضه وأجمعه لكل خير، ~~وكل أحد محتاج إليه، فلهذا أوجبه الله على العبد في كل صلاة، فإنه إن هدي ~~هدي مجملا مثل إقراره بأن الإسلام حق، فهو محتاج إلى التفصيل في كل ما ~~يقوله ويفعله ويعتقده، فيثبته أو ينفيه، أو يحبه أو يبغضه، ويأمر به أو ~~ينهى عنه، أو يحمده أو يذمه. والمقصود بيان ما ذكره الله في كتابه من ذم # PageV01P135 # الاختلاف، وأن أهل الكلام يردون باطلا بباطل، مثاله تنازعهم في مسائل ms094 ~~الأسماء والأحكام، والوعد والوعيد؛ فالخوارج والمعتزلة تقول: صاحب الكبائر ~~إذا لم يتب مخلد في النار، ليس معه إيمان، ثم الخوارج تقول: كافر. # والمعتزلة توافقهم على الحكم لا الاسم، والمرجئة تقول: هو تام الإيمان ~~إيمانه كإيمان الأنبياء، وهذا نزاع في الاسم. ثم تقول فقهاؤهم قول الجماعة ~~في أهل الكبائر لا ينازعونهم الحكم في الآخرة، وينازعون أيضا فيمن قال ولم ~~يفعل، وكثير من متكلمتهم يقول: لا نعلم أن أحدا من أهل القبلة من أهل ~~الكبائر يدخل النار، بل يجوز أن يدخلها جميع الفساق، ويجوز أن لا يدخلها ~~أحد منهم، ويجوز دخول بعضهم، ويقول: من أذنب وتاب لا نقطع بقبول توبته، بل ~~يجوز أن يدخل النار، فهم يقفون في هذا كله، ولهذا سموا الواقفة، وهذا قول ~~القاضي أبي بكر وغيره من الأشعرية وغيرهم، فيحتج أولئك بنصوص الوعيد ~~وعمومها. # وقالوا: الفساق لا يدخلون في الوعد لأنهم لا حسنات لهم، لأنهم ليسوا من ~~المتقين، وقال تعالى: {إنما يتقبل الله من المتقين} 1، وقال: {لا تبطلوا ~~صدقاتكم بالمن والأذى} 2، وقال: {لا ترفعوا أصواتكم} الآية، وقال: {ذلك ~~بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} 3، فهذه النصوص ~~وغيرها تدل على أن الماضي من العمل PageV01P136 # قد يحبط بالسيئات، وأن العمل لا يقبل إلا مع التقوى، والوعد إنما هو ~~للمؤمنين وليسوا منهم، بدليل قوله: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم} 1 ونحو ذلك، وبقوله: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" 2 ونحو ~~ذلك. وتقول المرجئة: إنما يتقبل الله من المتقين المراد من اتقى الشرك، ~~والأعمال لا تحبط إلا بالكفر لقوله: {لئن أشركت ليحبطن عملك} 3، {ومن يكفر ~~بالأيمان فقد حبط عمله} 4، وقوله: {ثم أورثنا الكتاب} الآيتين، وقوله: {ذلك ~~بأنهم كرهوا ما أنزل الله} 5 في الكفار لأنه قال: {والذين كفروا فتعسا لهم} ~~6 الآية، وكذلك قوله {إن الذين ارتدوا على أدبارهم} إلى قوله {فأحبط ~~أعمالهم} ، أخبر أنهم ارتدوا بعد بيان الهدى، وأن الشيطان سول لهم وأملى ~~لهم أي: وسع لهم في العمر، فكان سبب وعدهم للكفار. # ولهذا ms095 فسرها السلف بالمنافقين وباليهود، قالت الوعيدية: إنما وصفهم بمجرد ~~كراهة ما أنزل، والكراهة عمل القلب. وعند الجهمية الإيمان بمجرد تصديق ~~القلب لا عمله؛ وعند فقهاء المرجئة قول اللسان مع التصديق، وعلى القولين ~~أعمال القلوب ليست من الإيمان عندهم، فيمكن أن يصدق بقلبه ولسانه مع كراهته ~~ما أنزل الله، فلا يكون كافرا عندهم؛ والآية تتناوله فيدل على فساد قولهم. ~~قالوا: وأما قولكم المتقون PageV01P137 # الذين اتقوا الشرك، فهذا خلاف القرآن، لأن الله يقول: {إن المتقين في ~~جنات ونعيم} 1، {إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} 2، {ومن يتق الله يجعل ~~له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} 3، {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر ~~عنكم سيئاتكم} 4، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} 5، قال ابن ~~مسعود وغيره: " {حق تقاته} أن يطاع فلا يعصى، وأن يشكر فلا يكفر، وأن يذكر ~~فلا ينسى" وقال: {فاتقوا الله ما استطعتم} 6 وهي مفسرة لتلك؛ ومن قال من ~~السلف، ناسخة، فمعناه رافعة لما يظن أن المراد يعجز عنه. فإن الله لم يأمر ~~بهذا قط، ومن قال: إن الله أمر به، فقد غلط. والنسخ في عرف السلف يدخل فيه ~~كل ما فيه نوع رفع لحكم، أو ظاهر، أو ظن دلالة، حتى إنهم يسمون تخصيص ~~العالم نسخا، ومنهم من يسمي الاستثناء نسخا إذا تأخر نزوله. # وقد قال تعالى: {فينسخ الله ما يلقي الشيطان} 7، فهذا رفع لما ألقاه ~~الشيطان، ولم ينزله الله، لكن غايته أن يظن أن الله أنزله، وقال: {إن الذين ~~اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان} 8 الآيتين فمن كان الشيطان لا يزال يمده ~~في الغي وهو لا يتفكر ولا يبصر، كيف يكون من المتقين؟ ومن آخر ما نزل، ~~وقيل: إنها آخر PageV01P138 # آية نزلت {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} 1 الآية. وقال طلق ابن حبيب ~~- ومع هذا كان سعيد بن جبير ينسبه إلى الإرجاء -: "التقوى أن تعمل بطاعة ~~الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من ~~الله، تخاف عقاب الله". ms096 # وبالجملة فكون المتقين هم الفاعلون للفرائض المجتنبون للمحارم هو من ~~العلم العام الذي يعرفه المسلمون خلفا عن سلف. ثم ذكر أن أهل السنة وسط، ~~وذكر بعض دلائلهم، منها قوله: {وأقم الصلاة طرفي النهار} 2 الآية. فلو كانت ~~الحسنة لا تقبل من صاحب السيئة لم تمحها، وثبت بالكتاب والسنة المتواترة، ~~فلو كانت الكبيرة تحبط الحسنات لم يبق حسنة توزن معها. وثبت أن بغيا سقت ~~كلبا فغفر لها. قالوا: وابنا آدم لم يكن أحدهما مشركا، لكن لم يقصد التقرب ~~إلى الله بالطيب من ماله، كما في الأثر، فلهذا لم يتقبل منه قربانه. وقال ~~تعالى: {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا} 3 الآية، فجعل هذا ~~من موانع قبول النفقة دون مطلق الذنوب، ويقولون: من نفي عنه الإيمان فلتركه ~~بعض واجباته، ولا يلزم أن لا يبقى منه شيء، بل دلت النصوص على بقاء بعضه، ~~ويخرج من النار من بقي معه بعضه، ومعلوم أن العبادات فيها واجب، فالحج فيه ~~واجب، إذا تركه نقص حجه، ولا يفسده إلا الجماع. # فكذلك لا يزيل الإيمان كله إلا الكفر المحض، وما دونه قد يحبط بعض العمل ~~كالمن والأذى، فإنه يبطل الصدقة، لا سائر PageV01P139 # الأعمال. والذين كرهوا ما أنزل الله كفار، وأعمال القلب من الإيمان، ~~وكراهة ما أنزل الله كفر. ودخول الظالم لنفسه الجنة لا يمنع أن يعذب قبله. ~~وقوله: {لا يصلاها إلا الأشقى} 1 لا يخلو إما أن يكون الصلي نوعا من ~~التعذيب، كما قيل: إنه الإحاطة، وأهل القبلة لا تحرق منهم مواضع السجود، أو ~~تكون نارا مخصوصة، ومثاله تنازع القدرية النافية والمجبرة فقالوا جميعا: ~~الإرادة هي المحبة، فقالت النافيه: هو يحب العمل الصالح ويكره الكفر ~~والفسوق والعصيان، فلا يكون مريدا له لقوله: {ولا يرضى لعباده الكفر} 2، ~~{والله لا يحب الفساد} 3. # (120) من أصيب بمصيبة بسبب ما جاء به الرسول فبذنوبه، # ليس لأحد أن يعيب ما جاء به، لكون فيه جهاد الكفار والمنافقين. كما أنه ~~لا يجوز أن يقول أحد بسببه نزول القرآن ونزوله بكلام العرب اختلفت ms097 الأمة في ~~التأويل، واقتتلوا إلى أمثال ذلك، فإن هذا من كلام الكفار. والذين قالوا ~~لرسلهم إنا تطيرنا بكم، فقالوا لهم: {طائركم معكم} وقال تعالى عن آل فرعون: ~~{فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ~~ألا إنما طائرهم عند الله} 4، وقال كما أمر بالجهاد وإن من الناس من يبطىء ~~عنه: {أينما تكونوا يدرككم الموت} 5.. PageV01P140 # الآية. والحسنات والسيئات، هنا النعم، والمصائب كقوله {وبلوناهم بالحسنات ~~والسيئات} 1 الآية ولهذا قال: {ما أصابك} ولم يقل ما أصبت، وقال: {وإن ~~تصبهم حسنة} إلخ، قيل: الضمير يعود على المنافقين، وقيل: على اليهود، وقيل: ~~على الطائفتين. والتحقيق أنه يعود على من قال هذا، من أي صنف كان، ولهذا لم ~~يعين قائله، لأنه دائما يقوله بعض الناس. # فإن الطاعنين على ما جاء به الرسول من كافر ومنافق، بل ومن في قلبه مرض، ~~أو عنده جهل يقول مثل هذا، فكثير يقوله فيما جاء به الرسول ولا يعلم أنه ~~جاء به، لظنه خطأ من قاله، ويكون هو المخطئ. فإذا أصابهم نصر ورزق قالوا: ~~هذا من عند الله، ولا يضيفه إلى ما جاء به الرسول، وإن كان سببا له، وإن ~~أصابهم نقص وخوف وظهور عدو قالوا: هذا من عندك، لأنه أمر بالجهاد فتطيروا ~~به، كما تطير آل فرعون بما جاء به موسى. والسلف ذكروا المعنيين، وعن ابن ~~عباس: بشؤمك، وعن زيد: بسوء تدبيرك. قال تعالى: {قل كل من عند الله} 2، ~~قال: ابن عباس: "الحسنة والسيئة، الحسنة أنعم بها عليك، والسيئة ابتلاك ~~بها"، {فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} 3 قيل لم يفقهوا ولم ~~يكادوا، وقيل فقهوه بعد أن كانوا لا يفقهونه، كقوله: {فذبحوها وما كادوا ~~يفعلون} 4 فالمنفي بها مثبت، والمثبت بها منفي، وهذا هو المشهور، وعليه ~~عامة الاستعمال. وقد يقال يراد بها هذا تارة، وهذا PageV01P141 # تارة، إن حرصت بإثبات الفعل فقد وجد، فإذا لم يأت إلا النفي المحض كقوله: ~~{لم يكد يراها} فهذا نفي مطلق لا قرينة معه تدل على الإثبات، فيفرق بين ms098 ~~مطلقها ومقيدها، هذه الأقوال الثلاثة للنحاة. # وقد وصف الله المنافقين بعدم الفقه في مثل قوله: {هم الذين يقولون لا ~~تنفقوا على من عند رسول الله} 1 الآية لكن قوله: {حديثا} نكرة في سياق ~~النفي، فيعم كما في قوله: {لا يكادون يفقهون حديثا} 2 ومعلوم أنهم لا بد أن ~~يفقهوا بعض الأقوال، وإلا فلا يعيش الإنسان بدون ذلك، فعلم أنهم يفقهون بعد ~~أن كادوا لم يفقهوا. وكذلك في الرؤية، وهذا أظهر الأقوال وأشهرها، والمراد: ~~هؤلاء لو فقهوا القرآن لعلموا أنك ما أمرتهم إلا بخير، ولا نهيتهم إلا عن ~~شر، وأن المصيبة لم تكن بسببك بل بذنوبهم. وأما رواية كروم 3 عن يعقوب: ~~{فمن نفسك} فمعناها يناقض القراءة المتواترة، فلا يعتمد عليها، ومعنى الآية ~~قوله "يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم" 4 إلخ. ومعنى الآية متناول لكل ~~من نسب ما أصابه من المصيبة إلى ما أمر الله به ورسوله كائنا من كان. # (121) كل من استفرغ وسعه استحق الثواب، # وكذلك الكفار من بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به وبما أنزل ~~عليه، واتقى الله ما استطاع، كما فعل النجاشي وغيره، ولم تمكنه الهجرة، ولا ~~التزام جميع الشرائع لكونه ممنوعا من الهجرة، ومن إظهار دينه، وليس عنده ~~PageV01P142 # من يعلمه الشرائع، فهذا مؤمن من أهل الجنة، كما كان مؤمن آل فرعون مع ~~قومه، وكامرأة فرعون، بل وكما كان يوسف مع أهل مصر، فإنهم كفار ولم يمكنه ~~أن يفعل معهم كل ما يعرفه من الإسلام، فإنه دعاهم إلى التوحيد والإيمان، ~~فلم يجيبوه. قال تعالى: {ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك ~~مما جاءكم به} 1 الآية. وكذلك النجاشي وهو وإن كان ملك النصارى فلم يطعه ~~قومه في الدخول في الإسلام، بل إنما دخل معه نفر منهم، ولهذا لما مات لم ~~يكن هناك من يصلي عليه، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "إن أخا ~~لكم صالحا من أهل الحبشة مات" 2. وكثير من شرائع الإسلام أو أكثرها لم يكن ~~دخل ms099 فيها لعجزه عن ذلك، فلم يهاجر ولم يجاهد، ولا حج البيت، بل قد روي أنه ~~لم يكن يصلي الخمس، ولا يصوم رمضان، ولا يؤدي الزكاة الشرعية، لأن ذلك كان ~~يظهر عند قومه فينكرونه ولا يمكنه مخالفتهم. ونحن نعلم قطعا أنه لم يكن ~~يمكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن. # والله قد فرض على نبيه ألا يحكم بينهم إلا بما أنزل الله، وحذره أن ~~يفتنوه عن بعض ما أنزل الله مثل الحكم في الزنى بالرجم، وفي الديات بالعدل، ~~والتسوية في الدماء بين الشريف والوضيع، النفس بالنفس والعين بالعين وغير ~~ذلك، والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن، وكثيرا ما يتولى الرجل ~~بين المسلمين والتتار قاضيا، بل وإماما وفي نفسه أمور من العدل يريد أن ~~يعمل بها فلا يمكنه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وعمر بن عبد العزيز ~~عودي، وأوذي على بعض ما أقامه من العدل، وقيل إنه سم على ذلك، فالنجاشي ~~وأمثاله سعداء PageV01P143 # في الجنة، وإن لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون عليه، بل يحكمون ~~بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها، ولهذا جعل الله هؤلاء من أهل الكتاب قال ~~تعالى: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله} 1 الآية قيل نزلت في النجاشي، ~~يروى عن جابر، وابن عباس، وأنس، ومنهم من قال فيه وفي أصحابه، كما قال ~~الحسن وهذا مراد الصحابة، لكن هو المطاع، فإن لفظ الآية لفظ الجمع. وقال ~~عطاء في أربعين من أهل نجران وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم على دين ~~عيسى فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر هؤلاء من بالمدينة مثل ابن ~~سلام، وسلمان وغيرهما، لأنهم صاروا من المؤمنين فلا يقال فيهم: {وإن من أهل ~~الكتاب} ، كما يقال عن الصحابة الذين كانوا مشركين، وإن من المشركين لمن ~~يؤمن بالله، فدل على أن هؤلاء من جملة أهل الكتاب، وقد آمنوا بالرسول، كما ~~قال: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن} 2 فهو من العدو، ولكن آمن ولم ~~تمكنه الهجرة وإظهار الإيمان والتزام شرائعه، ms100 فسماه مؤمنا، لأنه فعل من ~~الإيمان ما يقدر عليه، لما قال تعالى في العاجز عن الهجرة: {إلا المستضعفين ~~من الرجال والنساء} 3 الآية، فأولئك كانوا عاجزين عن إظهار دينهم، فسقط ~~عنهم ما عجزوا عنه. # فإذا كان هذا فيمن كان مشركا، فما تظن بمن كان كتابيا، وقوله: {من قوم ~~عدو لكم وهو مؤمن} ، قيل: هو الذي عليه لباس أهل الحرب، مثل من يكون في ~~صفهم PageV01P144 # فيعذر القاتل، لأنه مأمور بقتاله فيسقط عنه الدم وتجب الكفارة وهو قول ~~الشافعي، وقيل: هو من أسلم ولم يهاجر، وهو قول أبي حنيفة، وسواء عرف أنه ~~مؤمن وقتل خطأ أو ظن أنه كافر، وهذا ظاهر الآية. وقيل في قوله: {وإن من أهل ~~الكتاب لمن يؤمن بالله} 1 الآية، نزلت في ابن سلام وأصحابه كما نقل عن ابن ~~زيد وغيره؛ وبعضهم قال في مؤمني أهل الكتاب فإن أراد من كان في الظاهر ~~معدودا منهم فهو القول الأول، وإن أراد العموم فهو الثاني، وهو ضعيف؛ فإن ~~هؤلاء لا يقال فيهم: {وإن من أهل الكتاب} لأنهم من جملة الصحابة، ولهم أجور ~~مثل أجور المؤمنين، بل يؤتون أجرهم مرتين، وهم ملتزمون جميع الشرائع، ~~فأمرهم أعظم من أن يقال لهم أجرهم عند ربهم، وأيضا فإن أمرهم ظاهر معروف، ~~فأي فائدة في الإخبار بهم، وهذا مما يبين أن المظهرين للإسلام - فيهم منافق ~~لا يصلى عليه كما نزل في ابن أبي وأمثاله، وأن من هو في أرض الكفر قد يكون ~~مؤمنا يصلى عليه كالنجاشي، وشبه هذا قوله {ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا ~~لهم منهم المؤمنون} 2 الآية. قيل: ابن سلام وأصحابه، وهذا والله أعلم من ~~نمط الذي قبله، لأن المقصود من هو منهم في الظاهر، وهو مؤمن كمؤمن آل ~~فرعون، ولهذا قال: {وأكثرهم الفاسقون} ، ولهذا قال: {لن يضروكم إلا أذى} ~~وهذا عائد إلى جميعهم، لا إلى أكثرهم، ولهذا قال: {يولوكم الأدبار} وقد ~~يقاتلون وفيهم من يكتم إيمانه، وهو مكره على القتال، ويبعث يوم القيامة على ~~نيته كما في الصحيح في الجيش الذي ms101 يغزو الكعبة فيخسف PageV01P145 # بهم كلهم، ويبعثون على نياتهم، وهذا في ظاهر الأمر، وإن قتل وحكم عليه ~~بحكم الكفار، فإنه يبعث على نيته، كما أن المنافقين منا يبعثون على نياتهم، ~~فالجزاء يوم القيامة على ما في القلوب. ولا خلاف بين المسلمين أن من كان في ~~دار الحرب وقد آمن وعجز عن الهجرة لا يجب عليه ما يعجز عنه، وكذلك ما لم ~~يعلم حكمه، فلو لم يعلم وجوب الصلاة أو الزكاة وبقي مدة لم يفعل لم يجب ~~القضاء في أظهر القولين، وهو مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر، وأحد الوجهين في ~~مذهب أحمد، وكذلك سائر الواجبات، ولو لم يعلم تحريم الخمر فشربها لم يحد ~~بإجماع المسلمين، وكذلك لو عامل بما يستحله من ربا أو ميسر ثم تبين له ~~التحريم بعد القبض، وكذلك لو تزوج نكاحا يعتقد صحته على عادته ثم تبين له ~~أنه أخل ببعض شروطه كمن تزوج في عدة. # وأصل هذا كله أن الشرائع هل تلزم من لم يعلم أم لا تلزم إلا بعد العلم؟ ~~أو يفرق بين الشرائع الناسخة والمبتدأة؟ فيه ثلاثة أقوال هي ثلاثة أوجه في ~~مذهب أحمد. ومن صلى في الموضع المنهي عنه قبل علمه بالنهي هل يعيد؟ فيه ~~روايتان عن أحمد. والصواب في هذا كله أن الحكم لا يثبت إلا مع التمكن من ~~العلم، وأنه لا يقضي ما لم يعلم وجوبه، وهذا يطابق الأصل الذي عليه السلف ~~والجمهور أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها؛ فالوجوب مشروط بالقدرة، والعقوبة ~~لا تكون إلا على ترك مأمور وفعل محظور، وبعد قيام الحجة. # (122) العدل محمود محبوب باتفاق أهل الأرض، # وهو من المعروف الذي تعرفه القلوب. والظلم من المنكر الذي تبغضه القلوب ~~وتذمه. والله سبحانه أرسل الرسل؛ ليقوم الناس بالقسط، وأمر الله نبيه أن ~~يحكم بالقسط، # PageV01P146 # وبما أنزل الله، فدل على أن القسط هو ما أنزل الله. ولكن العدل يتنوع ~~بتنوع الشرائع، ولهذا قال: {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله} 1 ~~إلى قوله: {أفحكم الجاهلية يبغون} 2 الآية، فذكر أنه أنزل ms102 القرآن، وأن يحكم ~~بينهم بما أنزل الله ولا يتبع أهواءهم عما جاءه من الكتاب، وأخبر أنه جعل ~~لكل شيء شرعة ومنهاجا. جعل له صلى الله عليه وسلم ما في القرآن من الشرعة ~~والمنهاج، وأمره أن يحكم به، وحذره أن يفتنوه عن بعض ما فيه، وأخبر أن ذلك ~~حكم الله، ومن ابتغى غيره فقد ابتغى حكم الجاهلية، وقال: {ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون} 3. # لا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم به فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بما ~~يراه هو عدلا من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر؛ فإنه ما من أمة إلا ~~وتأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه كإبراهيم، بل كثير من ~~المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم كسوالف البادية، وأمر المطاعين، ~~ويرونه أنه هو الذي يبتغي الحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر إذا ~~عرفوا ما أنزل الله فلم يلتزموه، بل استحلوا الحكم بغيره فهم كفار، وإلا ~~كانوا جهالا كما تقدم. وأما من كان ملتزما لحكم الله باطنا وظاهرا، لكن عصى ~~واتبع هواه، فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة. وهذه الآية مما يحتج بها ~~الخوارج على تكفير ولاة الأمر يحكمون بغير ما أنزل الله، ثم يزعمون أن ~~اعتقادهم هو حكم الله، وقد تكلم الناس على ما يطول ذكره هنا، والذي ذكرته ~~يدل عليه سياق الآية. PageV01P147 # والمقصود أن الحكم بالعدل واجب مطلقا، والحكم بما أنزل الله على محمد هو ~~عدل خاص، وهو أكمل أنواع العدل، فمن لم يلتزمه فهو كافر. وهذا واجب على ~~الأمة في كل ما تنازعت فيه من الأمور الاعتقادية، والعملية، قال الله ~~تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين} 1 الآية. # (123) الرافضة سلكوا في الصحابة مسلك التفرق # والهوا بعضهم وغلوا فيه، وبعضهم غلوا في معاداته. وقد سلك ما يشبه هذا ~~كثير من الناس في أمرائهم وعلمائهم وشيوخهم، فيحصل منهم رفض في غير ~~الصحابة. فهذا كله من التفرق والتشيع الذي نهى الله عنه، فقال: {إن الذين ~~فرقوا دينهم ms103 وكانوا شيعا} 2 الآية، وقال: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا ~~واختلفوا} 3 الآيات. قال ابن عباس: "تبيض وجوه أهل السنة، وتسود وجوه أهل ~~البدعة"، ولهذا كان أبو أمامة الباهلي وغيره يتأولها في الخوارج. # وقد أمر الله المؤمنين أن يعتصموا بكتابه وبدينه وبالإسلام وبالإخلاص، ~~وبعهده، وبالجماعة، وهذه كلها منقولة عن الصحابة والتابعين، وكلها صحيحة. ~~فالقرآن يأمر بدين الإسلام وذلك عهده، والاعتصام به جميعا إنما يكون في ~~الجماعة، ودين الإسلام حقيقته الإخلاص. ثم المعاصي الذي يعرف صاحبها أنه ~~عاص يتوب، والمبتدع الذي يظن أنه على حق ضرره على المسلمين أعظم من ضرر ~~الظلمة الذين PageV01P148 # يعلمون أن الظلم محرم، فنهى صلى الله عليه وسلم عن قتال الأمراء الظلمة، ~~وأمر بقتال الخوارج، وهذا مما يستدل به على أنه ليس كل ظالم باغ يجوز ~~قتاله. ومن أسباب ذلك أن الظالم الذي يستأثر بالمال والولايات لا يقاتل في ~~العادة إلا لأجل الدنيا، فلم يكن قتالهم ليكون الدين كله لله، ولا من جنس ~~قتال قطاع الطريق الذين قال فيهم: "من قتل دون ماله فهو شهيد"؛ لأن أولئك ~~معادون لجميع الناس، وجميع الناس يعينون على قتالهم، ولو قدر أنه ليس كذلك، ~~فليسوا ولاة أمر قادرين على الفعل، بل يريدون أموال الناس ودماءهم، فهم ~~مبتدون الناس بالقتال بخلاف ولاة الأمور، فإنهم لا يبدؤون الرعية بالقتال، ~~وفرق بين من تقاتله دفعا وبين من تقاتله ابتداء. # ولهذا هل يجوز في الفتنة قتال الدفع؟ فيه عن أحمد روايتان؛ لتعارض الآثار ~~والمعاني. وبالجملة فالعادة المعروفة أن الخروج على ولاة الأمور لطلب ما في ~~أيديهم من المال، والإمارة، وهذا قتال على الدنيا، ولهذا قال أبو برزة في ~~فتنة ابن الزبير والقراء مع الحجاج، وفتنة مروان: إنما يقاتلون على الدنيا، ~~وأما أهل البدع كالخوارج فهم يريدون إفساد دين الناس، فقتالهم قتال عن ~~الدين لتكون كلمة الله هي العليا. # (124) تواتر النقل، وعلم بالاضطرار من دين الرسول واتفقت عليه الأمة أن ~~أصل الإسلام وأول ما يؤمر به الخلق شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن ~~محمدا رسول ms104 الله، ومنه يصير الكافر مسلما والعدو وليا، ثم إن كان من قلبه ~~دخل في الإيمان، وإن قاله بلسانه دون قلبه فهو في ظاهر الإسلام. وكما أنهما ~~أصلا الدين فهما أيضا تمام فروعه، فهما الفرق بين أهل الجنة # PageV01P149 # وأهل النار، قال تعالى في الجنة: {أعدت للذين آمنوا بالله ورسله} 1. وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر منازل عالية في الجنة قيل: "يا رسول ~~الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. فقال: بلى والذي نفسي بيده، ~~رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" 2. وقال تعالى: {يا بني آدم إما يأتينكم ~~رسل منكم يقصون عليكم آياتي} 3 الآيتين. # وقال: {قلنا اهبطوا منها} الآيتين. ثم ذكر آيات كثيرة. ثم قال: وذلك أن ~~المقصود الذي خلق له الخلق عبادة الله وحده، والطريق إلى ذلك هم رسل الله؛ ~~فبالإيمان بالله ورسله يتم المقصود والوسيلة، وبدون أحدهما لا يحصل ذلك. ~~فمن لم يهتد بنور الرسالة، واكتفى برأيه ورأي من جنسه، فإنه في الشبهات ~~والضلالات والتفرق والاختلاف الذي لا يحيط به إلا الله، كما تجده في ~~الخارجين عن حقيقة الرسالة من الكفار والمسلمين، وهم الذين تفرقوا على ~~الأنبياء كما قال: "إنما هلك الذين من قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على ~~أنبيائهم" 4، وقال الله سبحانه: {ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق} 5 الآية، ~~وقال: {كان الناس أمة واحدة} 6 الآية، وقال: {ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ~~ومنهم من كفر} 7، وقال: PageV01P150 # {فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون} 1، وكذلك في سورة ~~الأنبياء، وقال: {فاختلف الأحزاب من بينهم} 2، وقال: {شرع لكم من الدين ما ~~وصى به نوحا} 3 الآية. وهذا المعنى قد ثناه الله في كتابه، بين فيه أن دينه ~~واحد، وهو الإسلام العام والإيمان العام، وأنه أمر رسله بالاجتماع فيه ~~والائتلاف، ونهاهم عن التفرق فيه والاختلاف، وهو الذي أمر به الأولين ~~والآخرين، فمن خرج عنه كفر بجميع الرسل ولو آمن ببعض الرسالة دون بعض، أو ~~ببعض الكتب والرسل كما عليه المبتدعة في الإسلام وغيرهم، ومن سلك سبيلهم من ~~أهل التحريف ms105 والتبديل في المسلمين. ويدخل في هؤلاء السبعون فرقة في اليهود ~~والأحد والسبعون في النصارى، واثنتان والسبعون في المسلمين، كما قال صلى ~~الله عليه وسلم في أحاديث متعددة، وقال في الناجية: "وهي الجماعة"، وفي ~~رواية: "هو من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" 4. فوصفهم بالاجتماع ~~واتباع الصحابة، وهذا هو السنة والجماعة، فمن خرج عنه فهو من أهل التفرق ~~والاختلاف الذين اختلفوا في الكتاب واختلفوا على الأنبياء، والله أعلم. # (125) سئل رحمه الله عن رجل متمسك بالسنة، ويحصل له ريبة في تفضيل ~~الثلاثة على علي # لقوله عليه السلام له: "أنت مني وأنا منك " 5، وقوله: "أنت مني بمنزلة ~~هارون من موسى" 6 وقوله: "لأعطين الراية PageV01P151 # رجلا يحب الله ورسوله" 1.. إلخ # وقوله: "من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد ما عاداه. ~~إلخ" 2، وقوله: "أذكركم الله في أهل بيتي" 3، وقوله سبحانه: {فقل تعالوا ~~ندع أبناءنا وأبناءكم} 4 الآية، وقوله: {هذان خصمان اختصموا في ربهم} 5 ~~الآية، ولقوله: {هل أتى على الإنسان} الآية. فأجاب: # يجب أن يعلم أولا أن التفضيل إذا ثبت للفاضل من الخصائص ما لا يوجد مثله ~~للمفضول، فإذا استويا وانفرد أحدهما بخصائص كان أفضل، وأما الأمور المشتركة ~~فلا توجب تفضيله على غيره. وإذا كان كذلك ففضائل الصديق التي ميز بها لم ~~يشركه فيها غيره، وفضائل علي مشتركة، وذلك أن قوله: "لو كنت متخذا من أهل ~~الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا" 6، وقوله: "لا يبقى في المسجد خوخة إلا ~~سدت، إلا خوخة أبي بكر" 7، وقوله: "إن أمن الناس علي في صحبته وذات يده أبو ~~بكر" 8. وهذا فيه ثلاث خصائص لم يشركه فيها أحد: أنه ليس لأحد منهم عليه في ~~صحبته وماله مثل ما لأبي بكر. الثانية: قوله: لا يبقين في المسجد.. إلخ. # وهذا تخصيص له دون سائرهم، وأراد بعض الكذابين أن يروي لعلي مثل ذلك، ~~والصحيح لا يعارضه الموضوع. الثالثة: قوله: "لو كنت متخذا خليلا" نص في أنه ~~لا أحد من البشر استحق الخلة لو أمكنت إلا هو، ولو كان ms106 غيره أفضل منه لكان ~~أحق بها لو تقع. وكذلك أمره له أن يصلي بالناس مدة مرضه من الخصائص. ~~PageV01P152 # وكذلك تأميره له من المدينة على الحج ليقيم السنة ويمحو آثار الجاهلية، ~~فإنه من خصائصه. وكذلك قوله في الحديث الصحيح: "ادع لي أباك وأخاك حتى أكتب ~~لأبي بكر كتابا" 1. وأمثال هذه الأحاديث كثيرة تبين أنه لم يكن في الصحابة ~~من يساويه. وأما قوله: "أنت مني وأنا منك" 2 فقد قالها لغيره، وقالها ~~لجليبيب والأشعريين. وقال تعالى {ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم} 3، ~~وقوله: "من غشنا فليس منا" 4، "ومن حمل علينا السلاح فليس مني " 5 يقتضي أن ~~من يترك هذه الكبائر يكون منا، فكل مؤمن كامل الإيمان فهو من النبي والنبي ~~منه. وقوله في ابنة حمزة: "أنت مني وأنا منك" 6 وقوله لزيد: "أنت أخونا ~~ومولانا" 7 لا يختص بزيد بل كل مواليه كذلك، وكذلك قوله: "لأعطين الراية" ~~إلخ. هو أصح حديث يروى في فضله، وزاد فيه بعض الكذابين أنه أخذها أبو بكر ~~وعمر فهربا. # وفي الصحيح أن عمر قال: "ما أحببت الإمارة إلا يومئذ" 8 فهذا الحديث رد ~~على الناصبة الواقفين في علي، وليس هذا من خصائصه، بل كل مؤمن كامل الإيمان ~~يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، قال تعالى: {فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه} 9 وهم الذين قاتلوا أهل الردة، وإمامهم أبو بكر، وفي ~~الصحيح: "أنه سأله أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قال: فمن الرجال؟ قال: ~~أبوها" 10 وهذا من خصائصه. # وأما قوله: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى" 11 قاله في غزوة ~~تبوك لما استخلفه على المدينة، فقيل: استخلفه لبغضه إياه. وكان النبي ~~PageV01P153 # صلى الله عليه وسلم إذا غزا استخلف رجلا من أمته، وكان بالمدينة رجال من ~~المؤمنين القادرين، وفي غزوة تبوك لم يأذن لأحد، فلم يتخلف أحد إلا لعذر أو ~~إلا عاص، فكان ذلك الاستخلاف ضعيفا فطعن به المنافقون بهذا السبب، فبين له ~~أني لم استخلفك لنقص عندي، فإن موسى استخلف هارون وهو ms107 شريكه في الرسالة، ~~أفما ترضى بذلك؟ ومعلوم أنه استخلف غيره قبله، وكانوا منه بهذه المنزلة، ~~فلم يكن هذا من خصائصه. ولو كان هذا الاستخلاف أفضل من غيره لم يخف على ~~علي، ولما لحقه يبكي، ومما يبين ذلك أنه بعد هذا أمر عليه أبا بكر سنة تسع. ~~وكونه بعثه لنبذ العهود ليس من خصائصه، لأن العادة لما جرت أنه لا ينبذ ~~العهود ولا يعقدها إلا رجل من أهل بيته، أي الشخص من عترته ينبذها حصل ~~المقصود، ولكنه أفضل بني هاشم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أحق ~~الناس بالتقدم من سائرهم. # فلما أمر أبا بكر بعد قوله: "أما ترضى" إلخ، علمنا أنه لا دلالة فيه على ~~أنه بمنزلة هارون من كل وجه، وإنما شبهه به في الاستخلاف خاصة، وذلك ليس من ~~خصائصه، وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بإبراهيم وعيسى، وشبه ~~عمر بنوح وموسى عليهم السلام، لما أشارا في الأسرى، وهذا أعظم من تشبيه علي ~~بهارون، ولم يوجب ذلك أن يكونا بمنزلة أولئك الرسل؛ والتشبيه بالشيء ~~لمشابهته في بعض الوجوه كثير في الكتاب والسنة وكلام العرب. # وأما قوله: "من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه" 1 إلخ، فهذا ~~ليس في شيء من الأمهات إلا في الترمذي، وليس فيه إلا من "كنت مولاه فعلي ~~مولاه"، وأما الزيادة فليست في الحديث؛ وسئل عنها الإمام أحمد فقال: زيادة ~~كوفية. ولا ريب PageV01P154 # أنها كذب لوجوه: أحدها أن الحق لا يدور مع معين إلا النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # وأما قوله يوم غدير خم: "أذكركم الله في أهل بيتي" 1 فليس من الخصائص، بل ~~هو مساو لجميع أهل البيت. وأبعد الناس عن هذه الوصية الرافضة؛ فإنهم يعادون ~~العباس وذريته، بل يعادون جمهور أهل البيت ويعينون الكفار عليهم. # وأما آية المباهلة فليست من الخصائص، بل دعا عليا وفاطمة وابنيهما، ولم ~~يكن ذلك لأنهم أفضل الأمة، بل لأنهم أخص أهل بيته كما في حديث الكساء: ~~"اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم ms108 الرجس، وطهرهم تطهيرا" 2، فدعا لهم ~~وخصهم، والأنفس يعبر عنها بالنوع الواحد كقوله: {لولا إذ سمعتموه ظن ~~المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا} 3 وقال {فاقتلوا أنفسكم} أي يقتل بعضكم ~~بعضا. وقوله: "أنت مني وأنا منك" 4 ليس المراد أنه من ذاته، ولا ريب أنه ~~أعظم الناس قدرا من الأقارب، فله من مزية القرابة والإيمان ما لا يوجد ~~لبقية القرابة، فدخل في ذلك المباهلة، وذلك لا يمنع أن يكون في غير الأقارب ~~من هو أفضل منه، لأن المباهلة وقعت في الأقارب. وقوله: {هذان خصمان} إلخ. ~~فهي مشتركة بين علي وحمزة وعبيدة، بل سائر البدريين يشاركونهم فيها. # وأما سورة {هل أتى} فمن قال: إنها نزلت فيه، وفي فاطمة PageV01P155 # وابنيهما، فهذا كذب، لأنها مكية، وزواج علي وفاطمة في المدينة، يكذب هذا ~~القول، والحسن والحسين إنما ولدا بالمدينة. وبتقدير صحته فليس فيه أن من ~~أطعم مسكينا، ويتيما، وأسيرا أفضل الصحابة، بل الآية عامة مشتركة فيمن فعل ~~هذا، وتدل على استحقاقه للثواب على هذا العمل، مع أن غيره من الأعمال من ~~الإيمان بالله والصلاة في وقتها والجهاد أفضل منه. # (126) ذكر رحمه الله حديث: "إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا ~~يسمع التأذين، فإذا قضي التأذين أقبل ... إلى قوله: فليسجد سجدتين" 1. # أخبر أن هذا التذكير والوسواس من الشيطان، وذكر قبله سورة الناس وأمره ~~بالسجدتين ولم يؤثمه، والوسواس الخفيف لا يبطلها إجماعا، وإذا كان الأغلب ~~فهل يعيد؟ اختاره ابن حامد، والصحيح الذي عليه الجمهور لا إعادة، فالحديث ~~عام مطلق في كل وسواس، ولم يأمر بالإعادة، لكن ينقص أجره بقدر ذلك، قال ابن ~~عباس: "ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها" وذكر حديث عمار أن "الرجل لينصرف ~~من صلاته ولم يكتب له منها إلا عشرها إلا تسعها إلا ثمنها، حتى قال: إلا ~~نصفها" 2، وهو حجة على ابن حامد. وأداء الواجب له مقصودان: # أحدهما: براءة الذمة بحيث يندفع العقاب، فهذا لا تجب عليه الإعادة؛ فإن ~~مقصود الإعادة حصول الثواب المجرد وهو شأن التطوع، ولكن حصول الحسنات ~~الماحية للسيئات ms109 مع القبول الذي عليه الثواب يكفر عنه، وما لا ثواب فيه لا ~~يكفر، وإن برئت منه الذمة، كما في الحديث: "رب صائم ليس له من صيامه إلا ~~الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر والتعب" 3 PageV01P156 # ولم يحصل له منفعة لكن برئت الذمة فاندفع العقاب، فكان على حاله لم يزدد ~~بذلك خيرا، والصوم شرع لتحصل التقوى، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~كتب عليكم الصيام} 1 الآية، وقال صلى الله عليه وسلم: "الصيام جنة، فإذا ~~كان أحدكم صائما فلا يرفث، ولا يجهل. فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل: إني ~~صائم" 2. قيل: يقول في نفسه، وقيل: بلسانه، وقيل: يفرق بين الفرض والنفل، ~~والصحيح أنه بلسانه كما دل عليه الحديث، وهو زجر لمن بدأه بالعدوان. # وفي الصحيح: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع ~~طعامه وشرابه" 3 بين أن الله لم يحرم عليه الأكل لحاجته إلى ترك الطعام، ~~كما يحرم السيد على عبده بعض ماله، بل المقصود محبة الله، وهي حصول التقوى، ~~فإذا لم يأت به فقد أتى ما ليس فيه محبة ورضى، فلا يثاب عليه، لكن لم يعاقب ~~عقوبة التارك. والحسنات المقبولة له تكفر السيئات، وفي الصحيح: "الصلوات ~~الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، كفارة لما بينهن إذا اجتنبت ~~الكبائر"4 ولو كفر الجميع بالخمس لم يحتج إلى الجمعة، لكن التكفير بالحسنات ~~المقبولة، وغالب الناس لا يكتب له من الصلاة إلا بعضها، فيكفر ذلك بقدره، ~~والباقي يحتاج إلى تكفير، ولهذا جاء: "إن أول ما يحاسب عليه العبد يوم ~~القيامة من أعماله الصلاة، فإن كملت وإلا قيل: انظروا هل من تطوع. فإن كان ~~له تطوع أكملت به الفريضة. ثم يصنع في سائر الأعمال كذلك" 5. وتكميل ~~الفرائض بالتطوع مطلق، فإنه إذا ترك بعض الواجبات استحق العقوبة، فإذا كان ~~له من جنسه تطوع سد مسده، فلا يعاقب. PageV01P157 # وإن كان ثوابه ناقصا وله تطوع سد مسده، فيكمل به ثوابه، وهو في الدنيا ~~يؤمر بالإعادة حيث تمكن، أو ms110 يجبره بما ينجبر به كسجدتي السهو، وكالدم فيما ~~ترك من واجبات الحج، وكمثل صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وذلك ~~لأنه إذا أمكنه أن يأتي بالواجب كان ذلك عليه، ولم يكن برئ من عهدته، بل هو ~~مطلوب به كما لو لم يفعل، بخلاف ما إذا تعذر يوم الجزاء، فإنه لم يبق هناك ~~إلا الحسنات؛ ولهذا كان الجمهور على أن من ترك واجبا من الصلاة عمدا فعليه ~~الإعادة ما دام يمكن فعلها، وهو إعادة في الوقت، وفي حديث المسيء: "ارجع ~~فصل فإنك لم تصل" 1، فدل على أن من ترك الواجب لم يكن ما فعل صلاة بل يؤمر ~~بالصلاة، لأنها لم تكن بمقامة المأمور بها في قوله {فإذا اطمأننتم فأقيموا ~~الصلاة} 2. فإن قيل ففي حديث رفاعة الذي في السنن أنه جعل ما ترك يؤاخذ ~~بتركه فقط، قيل: وكذلك نقول يثاب على ما فعل، وليس كالتارك، ويؤمر بالإعادة ~~لدفع العقوبة. فإن قيل: فإذا لم يكن فعله مفردا طاعة لم يثب عليه، قيل: ~~فعله وهو لم يثب عليه يعلم أنه لا يجوز، أو كان ساهيا كالذي يصلي بلا وضوء ~~ويسهو عن القرآن فيثاب، ولا يعاقب، ولكن يؤمر بالإعادة لأنه لم يفعل ما أمر ~~به، وكالنائم إذا استيقظ، وأما إذا أمر بالإعادة فقد علم أنه لا يجوز فعله ~~مفردا فلا يؤمر به مفردا. # فإن قيل: فإن ترك الواجب عمدا؟ قيل: هذا مستحق للعقاب، وقد يكون إثمه ~~كإثم التارك للصلاة، والمسلم لا يصلي إلى غير قبلة، أو بغير وضوء، ومع هذا ~~فقد يمكن إذا لم يفعله استخفافا بل مع الاعتراف بأنه مذنب PageV01P158 # أن يثاب على ما فعل، كمن ترك بعض واجبات الحج. فإن قيل: الفقهاء يقولون ~~بطلت صلاته، قيل: الباطل في عرفهم ضد الصحيح، والصحيح عندهم ما حصل المقصود ~~وبرئت به الذمة. فإن قيل في سؤال يؤمرون بالإعادة، ومن ترك شيئا من واجبات ~~الإيمان لا يؤمر بالإعادة، قيل: ليس الأمر بالإعادة مطلقا، بل يؤمر ~~بالممكن، فإن أمكنت الإعادة وإلا أمر بفعل الحسنات، كتارك الجمعة، فإنه ms111 لو ~~أمر بالظهر فلا يسد مسدها، ولا يزول الإثم، وكذلك من ترك واجبا في الحج ~~عمدا فإنه يؤمر به إن أمكن في الوقت، وإلا أمر بالدم، ولا يسقط عنه الإثم ~~مطلقا، بل هذا يمكنه من البدل، وعليه أن يتوب منه توبة تغسل إثمه. ومن ذلك ~~أن يأتي بحسنات تمحوه، وكذلك من فوت واجبا لا يمكنه استدراكه، وأما إذا ~~أمكن استدراكه فعله بنفسه. وهكذا نقول فيمن ترك بعض واجبات الإيمان، بل كل ~~مأمور تركه فقد ترك جزءا من إيمانه، فيستدركه بحسب الإمكان، فإن فات وقته ~~تاب وفعل حسنات غيره، ولهذا اتفقوا على إمكان إعادة الصلاة في الوقت الخاص ~~والمشترك، كمن يصلي الظهر بعد دخول العصر، ويؤخر العصر إلى الاصفرار فتصح ~~صلاته، وعليه إثم التأخير، وهو من المذمومين في قوله: {فويل للمصلين رضي ~~الله عنهالذين هم عن صلاتهم ساهون} 1 وقوله: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا ~~الصلاة} 2 فإنه تأخيرها عن وقتها الذي يجب فعلها فيه، فإنه إضاعة لها، وسهو ~~عنها بلا نزاع أعلمه، وجاءت به الآثار عن الصحابة والتابعين، وقال صلى الله ~~عليه وسلم في PageV01P159 # الأمراء الذين يؤخرونها: "صلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم نافلة" ~~1؛ وهم إنما كانوا يؤخرون الظهر إلى وقت العصر، والعصر إلى الاصفرار، وهم ~~مذمومون، لكن ليسوا كمن تركها، أو فوتها حتى غابت الشمس، فإن هؤلاء أمر صلى ~~الله عليه وسلم بقتالهم ونهى عن قتال أولئك، فدل على صحة صلاتهم. وفي ~~الصحيح عنه: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " 2 ~~مع أن في الصحيح عنه: "تلك صلاة المنافق.." إلخ.. واتفقوا على أن من نام عن ~~صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، ويقضي على الفور عند الجمهور، والشافعي ~~يجعله على التراخي، ومن نسي بعض واجباتها فهو كمن نسيها، كما فعل عمر ~~وعثمان لما صلوا بالناس ثم ذكروا أنهم جنبا، فأعادوا ولم يأمروا الناس ~~بالإعادة. وأما من فوتها عمدا عالما بوجوبها، أو فوت بعض واجباتها التي ~~يعلم، ففيه نزاع، قيل: يصليها وهو قول الجمهور، ms112 ومالك وغيره من أهل المدينة ~~يقولون: ما لم يكن فرضا واجبا، وهو الذي يسمونه سنة يعيد في الوقت، كمن صلى ~~بالنجاسة، وأما الفرض كالركوع والطهارة فيعيد بعد الوقت. # (127) قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله جميل يحب الجمال" 3، # جوابا للسائل في بيان ما يحبه الله ويكرهه من الأفعال، فإنة قال: "لا ~~يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر"، والكبر من كسب العبد، فخاف ~~السائل أن يكون ما يتجمل به الإنسان فيكون أجمل به ممن لم يعمل مثله من ~~الكبر، فقال: إني أحب أن يكون ثوبي حسنا، ونعلي حسنا، وحسن ثوبه ونعله حاصل ~~بفعله، ليس كصورته فقال: "إن الله جميل يحب الجمال"، ففرق بين الكبر الذي ~~ذمه الله وبين الجمال الذي يحبه الله، والله إذا خلق شخصا PageV01P160 # أعظم من شخص إما في جسمه أو قوته أو عقله لم يكن هذا مبغضا لأنه بغير ~~اختيار العبد، وبخلاف ما إذا تكبر بذلك أو بغيره فإنه من عمله. فإنه إذا ~~خلق جميل الصورة لم يكن ذلك من عمله يحمد عليه أو يذم، كما أنه إذا خلق ~~أسود أو قصيرا لم يحمد على ذلك ولم يذم، ولهذا لما كان المنافقون لهم جمال ~~في الصورة بدون الإيمان شبههم بالخشب المسندة اليابسة التي لا تثمر. وقد ~~تكون الصورة عونا على الإيمان كالقوة والمال فيحمد إذا استعان بهما على ~~الطاعة، ويكون فيه الجمال الذي يحبه الله، والأسود إذا فعل ما يحبه الله من ~~الجمال كان فيه الجمال الذي يحبه الله، والمقصود بيان ما يحبه الله، ~~ويكرهه. وأول من أنكر المحبة والتكليم الجعد بن درهم، وطوائف أقروا أنه ~~يحب، وأنكروا أنه يحب غيره، ومحبة المؤمنين لربهم أمر موجود في الفطر ~~والقلوب، وثبت أن التذاذهم يوم القيامة بالنظر إلى الله أعظم لذة في الجنة، ~~والإنسان في الدنيا يجد في قلبه بذكر الله، وذكر محامده وآلائه، وعبادته من ~~اللذة ما لا يجده بشيء آخر. # وفي الحديث: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما هي؟ قال: مجالس ~~الذكر"1، ومن هذا ms113 قوله: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" 2، فإن ~~هذا كان أعظم مجالس الذكر. والمنكرون للرؤية ينكرون هذه اللذة، وقد يفسرها ~~من يتأول الرؤية بمزيد العلم على لذة العلم، كالذي في الدنيا بذكره لكن تلك ~~أكمل، وهذا قول متصوفي الفلاسفة، والنفاة، كالفارابي وكأبي حامد وأمثاله. ~~وأما أبو المعالي وابن عقيل ونحوهما فمنكرون أن يتلذذ أحد بالنظر إليه ~~سبحانه، وقال أبو المعالي: يمكن أن يحصل مع النظر إليه لذة ببعض المخلوقات، ~~وهذا ونحوه PageV01P161 # مما أنكر على ابن عقيل؛ فإنه كان فاضلا ذكيا، ولكن تتلون آراؤه في هذه ~~المواضع، ولهذا يوجد في كلامه كثيرا مما يوافق فيه المعتزلة والجهمية وهذا ~~من ذاك. وكذا أبو المعالي بنى هذا على أصل الجهمية الذي وافقهم فيه ~~الباقلاني والقاضي أبو يعلى وغيرهما، أن الله لا تحب ذاته، ويزعمون أن ~~الخلاف في ذلك مع الصوفية. والسلف كلهم متفقون على أن الله سبحانه يستحق أن ~~يحب، وليس شيء أحق بأن يحب من الله سبحانه، بل لا يصلح أن يحب غيره إلا ~~لأجله، وكل ما يحب المؤمن من طعام وشراب وغيره لا ينبغي له أن يفعله إلا ~~ليستعين به على عبادته. وما من مؤمن إلا وفي قلبه حب الله، وهو يجد نفسه ~~محتاجة إلى الله في تحصيل مطالبه، ويجد في قلبه محبة لله غير هذه، فهو ~~محتاج إليه من جهة أنه ربه، ومن جهة أنه إلهه، قال تعالى: {إياك نعبد وإياك ~~نستعين} 1 فلا بد أن يكون العبد عابدا لله، ولا بد أن يكود مستعينا به، ~~ولهذا فرض الله على كل مسلم أن يقولها في صلاته، وهي بين العبد والرب. وروي ~~عن الحسن: "أن الله أنزل مائة كتاب، وأربع كتب جمع سرها في الأربعة، وجمع ~~سر الأربعة في القرآن، وجمع سر القرآن في الفاتحة، وجمع سر الفاتحة في ~~هاتين الكلمتين" ولهذا ثناها الله سبحانه في كتابه في غير موضع، كقوله: ~~{فاعبده وتوكل عليه} وقد قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله والذين ms114 آمنوا أشد حبا لله} 2، فأخبر أن المؤمنين أشد ~~PageV01P162 # حبا لله من المشركين لآلهتهم، وأنهم يحبونهم كحب الله، ومعلوم أنهم يحبون ~~آلهتهم محبة قوية، كما قال: {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} 1. وإذا عرف ~~أنه متصف بصفات الكمال، كان حبه أشد مع قطع النظر بلغ عن نفعه 2. # (128) الله سبحانه يحب عباده المؤمنين فيريد الإحسان إليهم، # وهم يحبونه فيريدون طاعته، وفي الصحيح: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه ~~من ولده" 3 إلخ. وما من مؤمن إلا ويجد في قلبه للرسول صلى الله عليه وسلم ~~محبة لا توجد لغيره، حتى إنه إذا سمع محبوبا له يسبه هان عليه عداوته ~~ومهاجرته، بل قتله، وإن لم يفعل ذلك لم يكن مؤمنا، قال الله تعالى: {لا تجد ~~قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} 4 الآية؛ بل ~~قال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم} 5 الآية، فتوعد من كان الأهل ~~والمال أحب إليه من الله ورسوله، وجهاد في سبيله. وفي الصحيح: "ثلاث من كن ~~فيه وجد حلاوة الإيمان" 6 إلخ. هذه الحلاوة لا يكون من محبة العوض الذي لم ~~يحصل بعد، بل الفاعل الذي لا يعمل إلا للكراء لا يجد حال العمل إلا التعب. ~~فلو كان لا معنى لمحبة الله ورسوله إلا محبة ما يصير إليه لم يكن هناك ~~حلاوة يجدها المؤمن في قلبه، وهو في دار التكليف، وهذا خلاف الشرع والفطرة. ~~فالله فطر العباد على ملة إبراهيم الحنيفية، وأصلها محبة الله وحده، فما من ~~PageV01P163 # فطرة لم تفسد إلا وهي تجد فيها محبة الله تعالى. ولكن قد تفسد الفطرة إما ~~لكبر وغرض فاسد كفرعون، وإما بأن يشرك معه غيره في المحبة كما قال تعالى: ~~{ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} 1. وأما أهل ~~التوحيد ففي قلوبهم محبة لله لا يماثله فيها غيره، ولهذا كان الرب محمودا ~~حمدا مطلقا على كل ما فعله، وحمدا خاصا على إحسانه إلى الحامد، فهذا حمد ~~الشكر، والأول حمده على ما فعله كما قال: {الحمد ms115 لله الذي خلق السماوات ~~والأرض} 2 الآية. # والحمد ضد الذم، والحمد خبر من محاسن المحمود مقرون بمحبته، والذم خبر ~~بمساوئ المذموم مقرون ببغضه، وهو سبحانه له الحمد في الأولى والآخرة. وأول ~~ما نطق به آدم " الحمد لله رب العالمين " وأول ما سمع من ربه يرحمك ربك، ~~وآخر دعوى أهل الجنة "الحمد لله رب العالمين"، وأول ما يدعى إلى الجنة ~~الحمادون، ونبينا صاحب لواء الحمد; آدم فمن دونه تحت لوائه، وهو صاحب ~~المقام المحمود، فلا تكون عبادة إلا بحب المعبود، ولا حمد إلا بحب المحمود، ~~وهو سبحانه المعبود المحمود. وأول نصف الفاتحة الذي للرب حمده، وآخره ~~عبادته، وقال صلى الله عليه وسلم: "أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" ~~3، فجمع بين التوحيد، والتحميد، كما قال تعالى: {فادعوه مخلصين له الدين ~~الحمد لله رب العالمين} 4. والخطب لا بد فيها من الحمد والتوحيد، وكذلك ~~PageV01P164 # التشهد أوله ثناء، وآخره الشهادتان. وإذا كان العباد يحبونه ويثنون عليه ~~فهو سبحانه أحق بحمد نفسه، والثناء على نفسه، والمحبة لنفسه، كما قال أفضل ~~الخلق: "لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" فلا ثناء من مثن أعظم ~~من ثناء الرب على نفسه، ولا حب لمحبوب من محبه أعظم من محبة الرب لنفسه. ~~وكل ما يحبه من عباده فهو تابع لحبه لنفسه. # فالمؤمن إذا كان يحب ما يحبه لله فهو تبع لمحبة الله، فكيف الرب تعالى ~~فيما يحبه من مخلوقاته؟ إنما يحبه تبعا لحبه لنفسه، وخلق المخلوقات لحكمته ~~التي يحبها، فما خلق شيئا إلا لحكمة، فهو سبحانه أحسن كل شيء خلقه، وقال: ~~{صنع الله الذي أتقن كل شيء} 1. وليس في أسمائه إلا اسم مدح، ولهذا كلها ~~حسنى، والحسنى خلاف السوأى. والحسن محبوب ممدوح، فالمقصود بالخلق ما يحبه، ~~ويرضاه، وذلك ممدوح، ولكن قد يكون من لوازم ما يحبه وسائله، فإن وجود ~~الملزوم بدون اللازم ممتنع، كما يمتنع وجود العلم، والإرادة بلا حياة، ms116 ~~ولهذا إذا ذكر باسم خاص قرن بالخير، كالضار النافع، فيجمع بين الاسمين لما ~~في العموم والشمول الدال على وحدانيته، وأنه وحده يفعل هذه الأشياء، ولهذا ~~لا يدعى بأحدهما وحده، بل يذكران جميعا؛ ولهذا كل نعمة منه فضل، وكل نعمة ~~منه عدل، والإحسان بيده اليمنى والعدل بيده الأخرى، وكلتا يديه يمنى ~~مباركة؛ والمقسطون يوم القيامة على يمينه. والمقصود أنه سبحانه إذا خلق ما ~~يبغضه لحكمة يحبها فهو مريد لكل ما خلقه وإن كان مما خلق ببغضه إنما خلقه ~~PageV01P165 # لغيره، والفرق بين المحبة والمشيئة مذهب السلف. # (129) الناس لهم في طلب العلم والدين طريقان مبتدعان وطريق شرعي: # فالشرعي النظر فيما جاء به الرسول والاستدلال بأدلته، والعمل به، فلا ~~يكفي علم بلا عمل، ولا عمل بلا علم، بل يكفي أحدهما، وهي متضمنة الأدلة ~~العقلية، فإن الرسول بين بالبراهين العقلية ما يتوقف. وأما المبتدعان ~~فأحدهما طريق أهل الكلام البدعي، والرأي البدعي؛ فإن فيه باطلا كثيرا. ~~وكثير من أهله يفرطون فيما أمروا به من الأعمال، فينحرفون إلى اليهودية ~~الباطلة. والثاني طريق أهل العبادة البدعية فينحرفون إلى النصرانية، فهم في ~~فساد من جهة العمل ومن نقص العلم. وكثير ما يقدح أحدهما في الأخرى، والكل ~~يدعي اتباع الرسول ولا يوافق هؤلاء، {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ~~ولكن كان حنيفا مسلما} 1 الآية. # ما كان الرسول على طريقة هؤلاء، ولا هؤلاء. وكثير من أهل النظر يزعمون أن ~~العلم يحصل به بلا عبادة. وكثير من أهل العبادة يزعمون أن طريق الرياضة ~~يحصل للعارف بلا تعلم، وكلا الفريقين غالط؛ فإن لتزكية النفس تأثيرا عظيما ~~في حصول العلم، لكن لا بد من النظرة والتدبر. ولو تعبد الإنسان ما عسى أن ~~يتعبد، ولم يعرف من جهة محمد ما خصه PageV01P166 # الله به لم يعلم، وكذلك لو نظر لم يحصل له المطلوب إلا بالتعلم من جهته، ~~ولا يحصل العلم النافع إلا مع العمل، وإلا فقد قال تعالى: {فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم 1، وذكر آيات، وقال: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به} الآيات، ~~وذكر آيات، ms117 وقال تعالى للرسول الذي كان أزكى الناس نفسا، وأكملهم عقلا قبل ~~الوحي: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} 2 الآية وقال: {وإن اهتديت فبما ~~يوحي إلي ربي} 3، وقال: {فإما يأتينكم مني هدى} ..الآيات.? # وقال: {ومن يعش عن ذكر الرحمن} 4 الآيتين، قال المفسرون: يعش عنه: لا ~~يلتفت إليه. فكل من عشي عن القرآن قيض له شيطانا يضله، ولو تعهد، قال ابن ~~عباس: يعمى، وقال أبو عبيدة: تظلم عينه، واختاره ابن قتيبة، والعشا: ضعف ~~البصر، ولهذا قال: {يعش} ، وقول من قال: يعرض صحيح من جهة المعنى؛ فإن يعش ~~مضمن يعرض، ولهذا عدي بعن، كما يقال أنت أعمى عن محاسن فلان، إذا أعرضت فلم ~~تنظر إليها، فقوله {يعش} أي: يكون أعشى عنها، وهو دون الأعمى، فلم ينظر ~~إليها إلا نظرا ضعيفا، وهذا حال أهل الضلال الذين لم ينتفعوا بالقرآن، ~~فإنهم لا ينظرون فيه كنظرهم في كلام أئمتهم، لأنهم يحسبون أنه لا يحصل ~~المقصود، ولهذا لا تجد في كلام من لم PageV01P167 # يتبع الكتاب والسنة بيان الحق لكثرة ما فيه من وساوس الشياطين، كما قال ~~بعضهم في كتاب المحصل للرازي: # محصل في أصول الدين حاصله من بعد تحصيله أصل بلا دين # أصل الضلالات والشد المبين وما فيه فأكثره وحي الشياطين # (130) المنحرفون في الصحابة وغيرهم صنفان: # القادحون بما يغفره الله، والمادحون الذين يجعلون السعي المغفور من السعي ~~المشكور. وعثمان تقابلت فيه الخوارج والشيعة وطائفة من بني أمية وغيرهم، ~~لكن الغالين فيه أقل غلوا من الغالين في علي؛ وفي غالب الأمور تجد بدع ~~هؤلاء أشنع من بدع أولئك. وعقوبة الآخرة تندفع بعشرة أسباب: الأول: التوبة. ~~والثاني: الاستغفار الذي من جنس الدعاء. الثالث: الأعمال الصالحة؛ فإن ~~الحسنات يذهبن السيئات، لكن الحسنات على حسب ما في قلب صاحبها من الإيمان، ~~وربما مثل أحد ذهبا ينفقه الإنسان ولا يصير مثل مد. الرابع: الدعاء ~~للمؤمنين، مثل صلاة المسلمين على الميت ودعائهم له. والخامس: دعاء النبي ~~صلى الله عليه وسلم واستغفاره في حياته وبعد مماته، كشفا عنه يوم القيامة. ~~السادس: ما ms118 يهدى للميت من العمل الصالح. السابع: المصائب التي تكفر ~~الخطايا. والصحابة أصيبوا بمصائب منها الفتن مع أنهم أقل فتنا ممن بعدهم، ~~فإنه كلما تأخر العصر عن النبوة كثر التفرق والاختلاف، ولهذا لم يحدث في ~~خلافة عثمان بدعة ظاهرة، فلما قتل تفرقوا، وحدثت بدعتان: بدعة الخوارج ~~وبدعة الروافض. ثم في إمارة ابن الزبير وعبد الملك حدثت بدعة المرجئة ~~والقدرية. ثم لما كان في آخر # PageV01P168 # عصر التابعين حدثت بدعة الجهمية وبدعة المشبهة. ولم يكن على عهد الصحابة ~~شيء من هذا. وكذلك فتن السيف، فإنهم في ولاية معاوية متفقون يغزون العدو، ~~فلما مات قتل الحسين، وحوصر ابن الزبير بمكة، وفتنة الحرة. ثم لما مات يزيد ~~جرت فتنة بالشام بين مروان والضحاك بمرج راهط، ثم وثب المختار على ابن زياد ~~فقتله، وجرت فتنة مصعب بن الزبير، وقتل المختار، وجرت فتنة. ثم ذهب عبد ~~الملك إلى مصعب فقتله وجرت فتنة. ثم أرسل الحجاج إلى ابن الزبير فحاصره ثم ~~قتله، وجرت فتنة. ثم تولى الحجاج العراق فخرج عليه ابن الأشعث وكانت فتنة ~~كبيرة، وهذا كله بعد موت معاوية. ثم جرت فتنة ابن المهلب بخراسان، وقتل زيد ~~بن علي بالكوفة في فتن أخر. ثم قام أبو مسلم وغيره بخراسان وجرت حروب وفتن ~~يطول وصفها. ثم هلم جرا، فلم يكن ملك من ملوك المسلمين خير من معاوية. وروى ~~الأثرم عن قتادة قال: لو أصبحتم في مثل عمل معاوية، لقال أكثركم هذا ~~المهدي. ثم ذكر مثله عن مجاهد والأعمش. وفضائله، وعدله، وحسن سيرته كثير، ~~وفي الصحيح أن ابن عباس قال لمن قال له: إن معاوية أوتر بركعة: "أصاب، إنه ~~فقيه". # وقال أبو الدرداء: "ما رأيت أشبه صلاة بصلاة رسول الله من إمامكم هذا، ~~يعني معاوية". فهذا كلام ابن عباس وأبي الدرداء وهما هما. والمقصود أن ~~الفتن التي بين الأمة والذنوب التي لها بعد الصحابة أكثر وأعظم، ومع هذا ~~فمكفرات الذنوب موجودة. وأما الصحابة فأكثرهم ما دخل في فتنة، قال أحمد ثنا ~~ابن علية عن أيوب عن ابن سيرين قال ms119 "هاجت الفتنة والصحابة عشرة آلاف فما ~~حضرها منهم مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين" وهذا من أصح إسناد # PageV01P169 # على وجه الأرض، وابن سيرين من أورع الناس في منطقه، ومراسيله من أصح ~~المراسيل. وقال أحمد: ثنا إسماعيل ثنا منصور بن عبد الرحمن قال الشعبي: "لم ~~يشهد الجمل من الصحابة إلا أربعة، فإن جاؤوا بخامس فأنا كذاب" وقال أحمد: ~~ثنا أمية بن خالد قال: "قيل لشعبة: إن أبا شيبة روى عن الحكم عن عبد الرحمن ~~بن أبي ليلى قال: شهد صفين من أهل بدر سبعون. فقال: كذب والله، لقد ذاكرت ~~الحكم في ذلك فما وجدناه شهد صفين من أهل بدر غير خزيمة". قلت: هذا النفي ~~يدل على قلة من حضرها، وقيل حضرها سهل بن حنيف وأبو أيوب. وروى ابن بطة عن ~~بكير عن الأشج: "أن رجالا من أهل بدر لزموا بيوتهم بعد قتل عثمان، فلم ~~يخرجوا إلا لقبورهم". # التاسع 1: ما يحصل في الآخرة من كرب يوم القيامة. # العاشر 2: المقاصة في القنطرة بعد الصراط كما في الصحيحين. فهذه الأسباب ~~لا تفوت المؤمنين كلها إلا القليل فكيف الصحابة؟ ووصى العلماء بالإمساك عما ~~شجر بينهم، لأنا لا نسأل عن ذلك، قال عمر بن عبد العزيز: "تلك دماء طهر ~~الله يدي منها، فلا أحب أن أخضب بها لساني". لكن إذا قدح فيهم مبتدع ~~بالباطل، فلا بد من الذب عنهم بعلم وعدل، وقوله: زاد في الأذان يوم الجمعة ~~وهو بدعة، فعلي ممن وافق على ذلك ولم يغيره في ولايته كما غير غيره، ولو ~~أزاله لنقل، فإن قيل: لأن الناس لا يوافقونه، قيل: فهو دليل على أن الناس ~~وافقوا على استحسانها، ولو قدر أن في الصحابة PageV01P170 # من أنكره، فهو من مسائل الاجتهاد. وقوله: هي بدعة، إن أراد أنه لم يفعل ~~قبله، فقتال أهل القبلة كذلك. فإن قيل: بل البدعة ما فعله بغير دليل شرعي، ~~قيل: من أين لكم أن عثمان فعله بغير ذلك؟ وعلي أحدث في خلافته العيد الثاني ~~بالجامع، وابن عباس عرف بالبصرة في خلافة علي ولم يذكر ms120 عنه أنه أنكره، ~~والنداء الأول اتفق عليه الناس، كما اتفقوا على ما سن عمر من جمع الناس في ~~رمضان على إمام واحد. وأما ما سنه علي من العيد ففيه نزاع، وأحمد بن حنبل ~~وكثير من العلماء يتبعون عليا فيما سنه، وآخرون من العلماء كمالك وغيره لا ~~يتبعون عليا فيما سنه، وكلهم متفقون على اتباع عمر وعثمان فيما سناه. # ومن هذا الباب ما يذكر مما فعله عمر من تضعيف الصدقة التي هي جزية في ~~المعنى على نصارى بني تغلب، وأمثال ذلك. # (131) لفظ الآية لا يخالف ما تواتر من السنة، # فإن المسح جنس تحته نوعان: الإسالة وغيرها، تقول العرب: تمسحت للصلاة، ~~فما كان بالإسالة فهو الغسل، وإذا خص أحد النوعين باسم الغسل فقد يخص الآخر ~~باسم المسح. ولهذا نظائر مثل لفظ: "ذوي الأرحام" يعم العصبة وغيرهم، ثم لما ~~كان للعصبة وذوي الفروض اسما يخصهما بقي لفظ "ذوي الأرحام" مختصا في العرف، ~~لا يرث بفرض ولا تعصيب. وكذلك لفظ الجائز والمباح يعم ما ليس بحرام، ثم قد ~~يختص بأحد الأقسام الخمسة. وكذلك لفظ الحيوان يتناول الإنسان ثم قد يخص ~~بغيره. ومثل هذا كثير، ومنه لفظ المسح، وفي القرآن ما يدل على أنه لم يرد ~~بمسح الرجلين المسح الخاص، فإنه قال {إلى الكعبين} ، ولم يقل إلى الكعاب ~~كما قال إلى المرافق، فدل على أنه ليس في # PageV01P171 # كل رجل كعب، بل كعبان؛ فيكون أمر بالمسح إلى العظمين الناتئين، وهذا هو ~~الغسل؛ فإن من يسمح المسح الخاص يجعل المسح لظهور القدمين. وفي ذكره الغسل ~~في العضوين الأولين، والمسح في الآخرين تنبيه على أن هذين يجب فيهما المسح ~~العام، فتارة يجزئ الخاص كما في العمامة والخفين، وتارة المسح الكامل. ~~وتواتر عنه صلى الله عليه وسلم غسل الرجلين، والمسح على الخفين. وفيه تنبيه ~~على قلة الصب في الرجل، لأن السرف يعتاد فيها وفية اختصار الكلام، فإن ~~المعطوف والمعطوف عليه إذا كان فعلاهما من جنس واحد اكتفي بذكر أحدهما ~~كقوله: {يطوف عليهم ولدان} إلى قوله {وحور عين} وهن لا ms121 يطاف لهن لكن المعنى ~~يؤتى بهذا، وبهذا. وهم قد يحذفون ما يدل الظاهر على جنسه لا على نفسه، ~~كقوله: {يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما} 1 والمعنى ~~يعذب الظالمين، والآية فيها قراءتان، ومن قرأه بالخفض يكون المعنى فامسحوا ~~برؤوسكم، وامسحوا أرجلكم إلى الكعبين. # فقوله: مسحت الرجل ليس مرادفا لمسحت بالرجل، فإذا عدي بالباء أريد به ~~معنى الإلصاق أي ألصقت بها شيئا، وإذا قيل مسحتها لم يقتض ذلك بل مجرد ~~المسح، وهو لم يرد مجرد المسح باليد إجماعا، فتعين أنه أراد المسح بالماء ~~وهو مجمل فسرته السنة. وبالجملة فالقرآن ليس فيه نفي إيجاب الغسل، بل فيه ~~إيجاب المسح، فلو قدر أن السنة أوجبت قدرا زائدا على القرآن لم يكن دفعا ~~لموجب القرآن، فكيف إذا فسرته السنة والسنة تفسر القرآن، وتقضي على ما ~~يفهمه بعضهم من ظاهر القرآن؟ وقولهم: إن الفرض مسح الرجلين PageV01P172 # إلى الكعبين مجتمع الساق والقدم، لا يدل عليه القرآن بوجه من الوجوه، ~~فإنه أوجب المسح بالرؤوس وبالأرجل إلى الكعبين مع إيجاب غسل الوجوه والأيدي ~~إلى المرافق، فظاهره أن في كل يد مرفقا، وفي كل رجل كعبين، فهذا على قراءة ~~الخفض. # وأما على قراءة النصب فالعطف إنما يكون على المحل إذا كان المعنى واحدا، ~~كقول الشاعر: # معاوي إننا بشر فاسمح فلسنا بالجبال ولا الحديدا # فلو كان معنى مسحت برأسي ورجلي مسحت رأسي ورجلي لأمكن كونه على المحل، ~~والمعنى مختلف، فعلم أن قوله: {وأرجلكم} بالنصب عطف على {وأيديكم} ، فعلم ~~أنهم لم يتمسكوا بظاهر القرآن، وهذا حال سائر أهل الأقوال الضعيفة إذا حقق ~~الأمر عليهم لم يوجد في ظاهر القرآن ما يخالف السنة، كقول الخوارج لا يصلى ~~في سفر الأمن إلا أربعا، ومن قال: لا يحكم بشاهد ويمين وبين أن ما دل عليه ~~ظاهر القرآن حق، وأنه ليس بعام مخصوص، فإنه ليس هناك عموم لفظي، بل مطلق ~~كقوله: {اقتلوا المشركين} فإنه عام في الأعيان مطلق في الأحوال، وقوله: ~~{يوصيكم الله في أولادكم} . # وقال في آية المتعة: ليس في ms122 الآية لفظ صريح يحلها، فإنه قال: {وأحل لكم ~~ما وراء ذلكم} الآية. # فقوله: {فما استمتعتم به منهن} يتناول كل مدخول بها تعطى جميع الصداق، ~~بخلاف المطلقه قبل الدخول، وليس لتخصيص الآية بالموقت معنى بل في المؤبد ~~أولى، فلا بد من # PageV01P173 # دلالتها عليه إما بالتخصيص وإما بالعموم، يدل عليه ذكره بعد نكاح الإماء، ~~فدل على أنه في كل نكاح الحرائر مطلقا. فإن قيل: ففي قراءة طائفة "فما ~~استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى"، قيل: أولا: ليست متواترة، فإن كان هذا نزل ~~فهو منسوخ، ونزوله لما كانت مباحة؛ فليس في الآية ما يدل على أن الاستمتاع ~~بها إلى أجل حلال، فإنه لم يقل: وأحل لكم أن تستمتعوا بهن إلى أجل مسمى، بل ~~قال: {فما استمتعتم به منهن} الآية، فتتناول ما وقع من الاستمتاع سواء كان ~~حلالا أو وطء شبهة، ولهذا يجب المهر في النكاح الفاسد بالسنة والاتفاق. ~~فإذا اعتقد حل المتعة وفعلها فعليه المهر، وأما الاستمتاع المحرم فلم ~~تتناوله الآية. والقرآن إنما أباح الزوجة وملك اليمين، فإنها لو كانت زوجة ~~لتوارثا، ولوجبت عليها عدة الوفاة، ولحقها الطلاق الثلاث؛ والمتمتع بها ~~ليست زوجة ولا ملك فتكون حراما بنص القرآن. # وقال في آية الميراث: ليس في عمومها ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم ~~يورث، لأن الخطاب شامل للمقصودين به، وليس فيه أنه صلى الله عليه وسلم ~~مخاطب بها، وإن لم يعلم أن المعين مقصود لم يشمله، وكاف الجماعة في القرآن ~~تارة تكون للنبي وللمؤمنين، وتارة تكون لهم دونه كقوله: {واعلموا أن فيكم ~~رسول الله} 1 الآية، وقوله: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} 2 الآية، وقوله: ~~{أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم} 3، فلم لا يجوز ~~PageV01P174 # أن تكون الكاف في {يوصيكم الله في أولادكم} مثل هذا؟ فإن قيل: ما ذكر فيه ~~ما يقتضي اختصاص الأمة، فإنه لما خاطبهم بطاعته علم أنه ليس داخلا، وقيل: ~~وكذلك آية الفرائض، لما قال: {آباؤكم وأبناؤكم} ، وكذلك قوله: {غير مضار} ، ~~ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله ms123 قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية ~~لوارث" 1 واتفقت الأمة عليه حتى ظن بعض الناس أن آية الوصية نسخت به. # وأما السلف والجمهور فقالوا: الناسخ آية الفرائض; إن الله قدر فرائض ~~محدودة منع من تعديلها، والآية لم يقصد بها بيان من يرث، ومن لا يرث، ولا ~~بيان صفة الموروث والوارث، وإنما قصد بها أن المال الموروث يقسم بين ~~الوارثين على هذا التفصيل، ولهذا لو كان الميت مسلما وهؤلاء كفارا لم يرثوا ~~إجماعا، وكذلك بالعكس، وكذلك لو كان عبدا وهم أحرار، والعكس، وإذا علم أن ~~في الموتى من يرثه أولاده ومن لا يرثه ولم يذكر صفة الوارث والموروث، علم ~~أنه لم يقصد بها بيان ذلك، وهذا كقوله: "فيما سقت السماء العشر" 2 قصد به ~~الفرق بين ما يجب فيه العشر ونصفه، فلا يحتج به على صدقة الخضروات، وقوله: ~~{وأحل الله البيع وحرم الربا} 3 قصد به الفرق بينهما، ما يجوز بيعه وما لا ~~يجوز، فلا يستدل به على جواز بيع كل شيء، ولو قدر العموم فقد خص منه الولد ~~الكافر والعبد والقاتل بأدلة أضعف من خروجه صلى الله عليه وسلم منها. ~~وبالجملة فإذا خصصت بنص أو إجماع خصت بنص آخر إجماعا، وفي تخصيص عموم ~~القرآن إذا لم يكن مخصوصا بخبر الواحد خلاف، ومن سلك هذا PageV01P175 # قال: عموم مخصوص، ومن سلك الأول لم يسلم ظهور العموم. فهي عامة في ~~الأولاد والموتى مطلقة في الموروثين، والشروط لم تتعرض لها الآية كقوله: ~~{اقتلوا المشركين} عام في الأشخاص، مطلق في المكان والأحوال. فالخطاب ~~المقيد لهذا المطلق خطاب مقيد مبين لحكم شرعي. وقوله: {وورث سليمان داود} ~~1، وقوله: {يرثني ويرث من آل يعقوب} 2 يدل على جنس الإرث لا على إرث المال، ~~فالاستدلال به عليه جهل بوجه الدلالة. # وأما آية الطهارة فليس فيها أن الله أذهب عنهم الرجس كلهم، ومن قاله فقد ~~كذب على الله؛ وأيضا إنما فيها الأمر لهم بما يوجب طهارتهم، وذهاب الرجس ~~عنهم، فإن الإرادة فيها كقوله: {يريد الله ليبين لكم} الآية، ms124 وكقوله: {ما ~~يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم} 3، ومعناها الأمر ~~والمحبة، ليست إرادة لمشيئته المستلزمة لوقوع المراد، وهذا على قول هؤلاء ~~الشيعة القدرية أظهر، فعندهم أنه يريد ما لا يكون، وحديث الكساء يرد عليهم ~~من وجهين: # أحدهما: الدعاء بذلك، ولو وقع لأثنى على الله بوقوعه، وشكره لا يقتصر على ~~الدعاء. # والثاني: أنه قادر على إذهاب الرجس عنهم. # ومما يبين تضمنها للأمر والنهي قوله في سياق الكلام: {يا نساء النبي من ~~يأت منكن} الآية، فدل على أنه أمر ونهي، وأن أزواجه من أهل بيته، فالسياق ~~في خطابهن، ويدل PageV01P176 # على أنه عم غيرهن لذكره بصيغة التذكير لما اجتمع المذكر والمؤنث، وهؤلاء ~~خصوا بكونهم من أهل البيت فلهذا خصهم بالدعاء، كما أن مسجد قباء أسس على ~~التقوى فتناول اللفظ لمسجده أولى. واختلف هل أزواجه من آله؟ هما روايتان عن ~~أحمد: أصحهما أنهن من آله، لما في الصحيحين: "اللهم صل على محمد، وعلى ~~أزواجه، وذريته" إلى آخره، وتحريم الصدقة، من التطهير الذي أراده الله، ~~لأنها أوساخ الناس. وقوله في آية المودة غلط، ابن عباس من كبار أهل البيت، ~~وأعلمهم بتفسير القرآن يدل عليه أنه لم يقل إلا المودة لذوي القربى كما في ~~آية الخمس، والرسول لا يسأل أجرا أصلا، وإنما أجره على الله، وعلى المسلمين ~~موالاتهم، لكن بأدلة أخرى، والآية مكية قبل تزوج علي بفاطمة. وأما آية ~~الابتهال فخصهم لأنهم أقرب إليه من غيرهم، فإنه لم يكن له ولد ذكر إذ ذاك، ~~وبناته لم يبق منهن إلا فاطمة، فإن المباهلة سنة تسع، وهي تدل على كمال ~~اتصالهم به لحديث الكساء، ولا يقتضي أن يكون الواحد منهم أفضل من سائر ~~المؤمنين ولا أعلم؛ لأن ذلك بكمال الإيمان والتقوى، لا بقرب النسب. وحديث ~~المؤاخاة موضوع وقوله: # {وأنفسنا وأنفسكم} كقوله: {ولا تقتلوا أنفسكم} وقوله لعلي: "أنت مني وأنا ~~منك" 1 قاله لغيره، وقوله: {ومن قتله منكم متعمدا} فالقائلون بوجوب الجزاء ~~على المخطئ يستدلون بالسنة والآثار، والقياس على القتل خطأ ويقولون: خص ~~الله PageV01P177 # المتعمد لذكره ms125 من الأحكام ما يختص به من الانتقام، ومثله: {وإذا ضربتم في ~~الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} ~~1 أراد قصر العدد والأركان، وهو يتعلق بالسفر، والخوف؛ ولا يلزم من اختصاص ~~المجموع بالأمرين أن لا يثبت أحدهما مع أحد الأمرين، وله نظائر. # (132) قال تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم ~~يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} 2، # فإن المماثل له إما أن يقول: الله أوحى إلي، أو يقول: أوحي إلي، أو ألقي ~~إلي، ولا يسمى القائل، أو يضيفه إلى نفسه؛ فإنه إذا جعله من الشياطين لم ~~يقبل، ومن جعله من الملائكة داخل فيما يضيف إلى الله؛ فتبين كيف جعل ~~الأولين في حيز الذي جعله وحيا من الله، أو وحيا ولم يسم الموحي، فإنهما ~~جنس واحد، في ادعاء جنس الأنباء، وجعل الآخر في حيز بهؤلاء الثلاثة المدعون ~~لجنس النبوة، وقد تقدم قبلهم الكذب لها، فهذا يعم جميع أصول الكفر، وهذه هي ~~أصول البدع التي تردها. وهذه الضلالات إنما تطرق من لم يعتصم بالكتاب ~~والسنة كما قال الزهري: كان علماؤنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، وقال ~~مالك: السنة سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، وذلك أنها هي ~~الصراط المستقيم الذي يوصل العباد إلى الله، والرسول هو الهادي الخريت. ومن ~~أصول الإيمان: الله 3 PageV01P178 # يثبت الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة وفي الآخرة، كما قال تعالى: ~~{ضرب الله مثلا كلمة طيبة} 1 الآية، والكلمة أصل العقيدة، فالاعتقاد الكلمة ~~التي يعتقدها المرء، وأطيب الكلم كلمة التوحيد، وأخبث الكلم كلمة الشرك، ~~ولهذا قال سبحانه: {ما لها من قرار} . ولهذا كلما بحث الباحث، وعمل العامل ~~على هذه الكلمات والعقائد الخبيثة لا يزداد إلا ضلالا وعلما ببطلانها، ~~ولهذا قال: {والذين كفروا أعمالهم كسراب} 2 الآية وهؤلاء يعيبون منازعهم، ~~إما بعدم التمييز بين الحديث الصحيح وغيره، وإما لأن اتباع الحديث في مسائل ~~الأصول لا يفيد ذلك، أو لا يفي به، ms126 فالأمر يرجع إلى أحد أمرين: إما ريب في ~~الإسناد، أو أن ما فهموه لا يعلم من اللفظ لما فيه من الاحتمال. ولا ريب أن ~~هذا عمدة كل زنديق منافق يبطل العلم الذي بعث الله به رسله، تارة يقول: لا ~~نعلم أنهم قالوه، وتارة يقول: لا نعلم ما أرادوا بهذا القول، ولمعنى انتفاء ~~العلم بقولهم لم نستفد علما من جهتهم، فيتمكن بعد ذلك أن يقول ما يقول آمنا ~~أن نعارض بآثار الأنبياء، وهذا عين الطعن في النبوة. # ولما بلغ الإمام أحمد عن ابن أبي قتيلة أنه قال: أصحاب الحديث قوم سوء، ~~فقام أحمد وهو ينفض ثوبه ويقول: زنديق زنديق؛ فإنه عرف مغزاه. وعيب ~~المنافقين للعلماء وبما جاء به الرسول قديم، من المنافقين الذين كانوا على ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم يدعون القراء فقالوا: ما رأينا مثل ~~قرائنا هؤلاء إلخ. والصحابة يعلمون ما جاء به، وفيه بيان الحجة على بطلان ~~كفر كل كافر، وبيان PageV01P179 # ذلك بقياس صحيح أحق وأحسن بيانا من مقاييس أولئك الكفار، كما قال: {ولا ~~يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} 1. أخبر سبحانه أن الكفار لا ~~يأتون بقياس عقل لباطلهم إلا جاء الله بالحق، وجاء من البيان والدليل وضرب ~~المثل ما هو أحسن كشفا للحق من قياسهم. وجميع ما يقولونه مندرج في علم ~~الصحابة، والآية ذكرها الله بعد قوله: {وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا ~~هذا القرآن مهجورا وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ~~ونصيرا} 2 فبين أن من هجر القرآن فهو من أعداء الرسل، وأن هذا الأمر لا بد ~~منه إلى قوله {ويوم يعض الظالم على يديه} إلى قوله {خذولا} . والله أرسل ~~محمدا صلى الله عليه وسلم إلى العالمين، وضرب الأمثال فيما أرسله به ~~لجميعهم، كما قال: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم ~~يتذكرون} 3 فأخبر أنه ضربها لجميعهم، وإلا فالمخاطبين بحسب الحاجات كالسلاح ~~في القتال، فإذا كان العدو في تحصنهم على غير ما كانت عليه فارس ms127 والروم كان ~~جهادهم على ما توجبه الشريعة التي مبناها على تحري ما هو لله أطوع وللعبد ~~أنفع، كرمي أهل الطائف بالمنجنيق، وكاتخاذ الخندق. وما أمر به الرسول فهو ~~من الدين الذي شرعه الله، وإن تنازع أولو الأمر في بعضه، وسواء فعل على ~~عهده صلى الله عليه وسلم أو لا، فما فعل بعده بأمره من قتال المرتدين ~~والخوارج المارقين، وفارس والروم PageV01P180 # والترك وإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وغير ذلك هو من سنته، ~~ولهذا قال عمر بن عبد العزيز: "سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة ~~الأمور بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله". # وكما أن الله بين في كتابه مخاطبة أهل الكتاب، وأقام عليهم الحجة برسالة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وما حرفوا وبدلوا، وصدق بما جاءت به الرسل حتى إذا ~~سمع ذلك العالم منهم المنصف وجده من أبين الحجة والمحاجة؛ ولا تنفع إلا مع ~~العدل، وإلا فالظالم يجحد الحق الذي يعلمه، ويمتنع عن النظر والاستماع، وهو ~~معرض كما أن الإحساس الظاهر كذلك. وطالب العلم يجتهد في طلبه من طرقه، ~~ولهذا سمي مجتهدا، ولهذا قال تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي ~~أحسن إلا الذين ظلموا منهم} 1 فالظالم ليس علينا مجادلته بالتي هي أحسن، ~~فإن حرفوا الكلم أمكن معرفة ذلك، كما قال تعالى: {قل فأتوا بالتوراة} ~~الآية، وإذا ذكروا حجة عقلية فهمت أيضا، وبين ما في القرآن من ردها كالنسخ ~~قال الله تعالى: {قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} 2. ~~وعلى بعض ما في الآية اعتماد جميع المتكلمين حيث قالوا: التكليف إما تابع ~~للمشيئة أو للمصلحة، وعلى التقديرين فهو جائز. ثم بين سبحانه وقوعه بتحريم ~~الحلال في التوراة، وقد أحلها لإسرائيل، وأنه تحليل بخطاب ليس لمجرد البقاء ~~على الأصل حتى يكون نسخا كما ادعاه بعضهم. والكلام الذي يخالف القرآن ~~PageV01P181 # أو يوافقه من كلام أهل الكتاب والصابئين والمشركين، فالقرآن فيه تفصيل كل ~~شيء، كما قال تعالى: {ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء} 1، ومعلوم ms128 ~~أن الأمة مأمورة بتبليغ القرآن لفظه ومعناه، وتبليغه لغير العرب بالترجمة. ~~وإذا تدبر المؤمن العليم سائر مقالات الفلاسفة وغيرهم من الأمم وجد القرآن ~~والسنة كاشفا لأحوالهم، مبينا لحقهم، مميزا بين حق ذلك وباطله، والصحابة ~~أعلم الخلق به، وهم أقوم الخلق بجهاد الكفار والمنافقين، كما قال ابن ~~مسعود: "من كان مستنا فليستن بمن مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة. أولئك ~~أصحاب محمد كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوما ~~اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، ~~فإنهم كانوا على الهدى المستقيم". # فأخبر عنهم بكمال بر القلوب مع كمال عمق العلم، وهذا قليل في المتأخرين ~~كما يقال: من العجائب فقيه صوفي، وعالم زاهد، فإن أهل بر القلوب يقترن بهم ~~كثير لعدم المعرفة التي توجب النهي عن الشر، والجهاد، 2 وأهل التعمق في ~~العلم قد يذكرون من معرفة الشرور والشبهات ما يوقعهم في الغي والضلال. ~~وأكثر المتعمقين في العلم من المتأخرين يقترن به التكلف المذموم من ~~المتكلمين والمتعبدين، وهو القول والعمل بلا علم، وطلب ما لا يدرك، خلافا ~~لما عليه الصحابة، وهذا من من الله على هذه الأمة، كما في أثر المسيح " أهب ~~لهم من علمي وحلمي"، وهذا من خواص متابعة الرسول، فمن كان له أتبع كان فيه ~~أكمل، PageV01P182 # كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله} 1 إلى ~~آخر السورة. ثم ذكر حديثي أبي موسى وابن عمر، فدل الكتاب والسنة على أن ~~الله يؤتي أتباع الرسول من فضله ما لم يؤته لأهل الكتابين، فكيف بغيرهم؟ ~~والمقصود ذكر الطريقة العلمية والعملية، فمتى كان غير الرسول قادرا على علم ~~ذلك أو بيانه أو محبة نفاذه فهو أعلم بذلك، وأحرص على الهدى، وأقدر منه على ~~بيانه. # (133) اعلم أن الله سبحانه علم آدم الأسماء كلها، # وميز كل مسمى باسم يدل على ما يفصله من الاسم المشترك، وما يخصه دون ما ~~سواه، ويبين به ما يرتسم معناه في النفس. ومعرفة حدود الأسماء واجبة، لأن ~~بها قيام ms129 مصلحة الآدميين في المنطق الذي جعله الله رحمة لهم، لا سيما حدود ~~ما أنزل الله من الأسماء كالخمر والربا، فهذه الحدود هي المميزة بين ما ~~يدخل في المسمى وما يدل عليه من الصفات، وبين ما ليس كذلك. ولهذا ذم الله ~~من سمى الأشياء بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، كآلهة الأوثان. فالأسماء ~~المنطقية سمعية، أما نفس تصور معانيها في الباطن ففطري، يعرف بالحس الباطن ~~والظاهر، وبإدراك الحس وشهوده يبصر الإنسان الأشياء بباطنه وظاهره، وبسمعه ~~يعلم أسماءها، وبفؤاده يعقل الصفات المشتركة والمختصة. والله أخرجنا من ~~بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا، وجعل لنا السمع والأبصار والأفئدة، فأما الحدود ~~المتكلفة فليس فيها فائدة لا في العقل، ولا في الحس، ولا في السمع، إلا ما ~~هو كالأسماء مع التطويل أو ما هو كالتمييز بسائر الصفات. والله سبحانه علم ~~الإنسان البيان كما قال تعالى: PageV01P183 # {الرحمن علم القرآن خلق الأنسان علمه البيان} 1، وقال: {وعلم آدم الأسماء ~~كلها} 2، وقال: {علم الأنسان ما لم يعلم} 3. والبيان بيان القلب واللسان، ~~كما أن العمى والبكم يكون بالقلب واللسان، كما قال تعالى: {صم بكم عمي} ، ~~وقال صلى الله عليه وسلم: "فإنما شفاء العي السؤال " 4. وفي الأثر: "العي ~~عن القلب لا عن اللسان" وقال: "شر العمى عمى القلب". # وكان ابن مسعود يقول: "إنكم في زمان كثير فقهاؤه قليل خطباؤه، وسيأتي ~~عليكم زمان قليل فقهاؤه كثير خطباؤه". وأما بيان اللسان وخطابه فيحمد منه ~~البلاغ ويذم منه (التشدق والتفيهق) 5 وتبين الأشياء بالقلب ضد اشتباهها ~~عليه، كقوله: "الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشتبهات"، وقرئ {ولتستبين ~~سبيل المجرمين} 6 بالرفع والنصب أي: تستبين أنت سبيلهم، فالأشياء لتستبين ~~الأشياء، وهم يقولون بين الشيء، وبينته وتبين وتبينته، واستبان، واستبنته، ~~كل هذا يستعمل لازما ومتعديا، فقوله: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} 7 هنا ~~متعد، وقوله: {فاحشة مبينة} فهنا لازم، فالبيان بمعنى تبيين الشيء، وبمعنى ~~بينت الشيء، أي: أوضحته، وهذا هو الغالب، كقوله: "إن من البيان لسحرا" 8 ~~PageV01P184 # أو المقصود ببيان الكلام حصول البيان للقلب، والذي لا يستبين ms130 له فهو كما ~~قال: {والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى} 1، وقال: {يبين الله ~~لكم أن تضلوا} 2، وقوله: {قل إني على بينة من ربي} 3. فأما الأشياء ~~المعلومة التي ليس في زيادة وصفها إلا كثرة كلام وتفيهق وتشدق، والتكلم ~~والإفصاح بما يستقبح ذكره، فهذا مما ينهى عنه، كقوله: "إن الله يبغض البليغ ~~من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تخلل البقرة بلسانها " 4. وفي الحديث: ~~"الحياء والعي شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق" 5. # وأما متى أدخل أحدهما الحد ما أخرجه الآخر أو بالعكس، فهذا علم يستفاد به ~~حد الاسم، ومعرفة عمومه وخصوصه، مثل الكلام في حد الخمر هل هو عصير العنب ~~المشتد أو كل مسكر، وحد الغيبة، ونحو ذلك. وقوله: "الكبر بطر الحق"، وغمط ~~الناس، فقوله: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام" لم يذكره للاستدلال على منازع ~~بهذا التركيب، بل أراد أن يبين لهم أن جميع المسكرات داخلة في مسمى الخمر، ~~فهو كقوله في حديث أبي موسى، لما سئل عن أنواع فقال: "كل مسكر حرام" 6، ~~فأراد أن يبين لهم بالكلمة الجامعة، وهي القضية الكلية أن كل مسكر خمر، ثم ~~جاء بما كانوا يعلمونه من أن كل خمر حرام ليثبت تحريم المسكر في قلوبهم، ~~كما صرح به في قوله: "كل مسكر حرام"، ولو اقتصر على قوله: "كل مسكر حرام" ~~لتأوله متأول على أنه أراد القدح الآخر كما تأوله بعضهم، ولهذا قال أحمد: ~~قوله: "كل مسكر خمر" أبلغ؛ فإنهم لا يسمون القدح PageV01P185 # الآخر خمرا، ولو قال: "كل مسكر خمر" لتأوله بعضهم على أنه يشبه الخمر في ~~التحريم فلما قال: "وكل خمر حرام" علم أنه أراد به دخوله في اسم الخمر التي ~~حرمها الله. # (134) وقال في كلامه على علم المنطق وعلم الكلام لما ذكر أن في كلامهم ~~شيئا من الحق: # وكذلك أعمالهم مع أن ما يأمرون به من العلوم والأعمال والأخلاق لا تكفي ~~في النجاة من عذاب الله، فضلا عن أن تكون محصلة لنعيم الآخرة. ثم ذكر ~~الآيات منها قوله: {فمن أظلم ms131 ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ~~ينالهم نصيبهم من الكتاب} 1 الآيات، وكذلك قوله: {فلما جاءتهم رسلهم ~~بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم} 2 إلى آخر السورة، فأخبر هنا بمثل ما ~~في الأعراف؛ فإن هؤلاء المعرضين عما جاءت به الرسل، لما رأوا بأس الله وحده ~~تركوا الشرك. وكذلك أخبر عن فرعون وهو كافر بالتوحيد والرسالة، وقال: {وإذ ~~أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} 3 الآيات، وهذا في القرآن في مواضع ~~يبين أن الرسل أمروا بالتوحيد بعبادته وحده لا شريك له، ونهوا عن عبادة شيء ~~سواه أو اتخاذه إلها، ويخبر أن أهل السعادة أهل التوحيد، وأن المشركين أهل ~~الشقاء، وبين أن الذين لم يؤمنوا بالرسالة مشركون؛ فعلم أن التوحيد ~~والإيمان بالرسالة متلازمان، وكذلك الإيمان باليوم الآخر، فالثلاثة ~~متلازمة، ولهذا يجمع بينهم في مثل قوله: {ولا تتبع أهواء PageV01P186 # الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون} 1، ~~وأخبر عن جميع الأشقياء أن الرسل أنذرتهم باليوم الآخر، وأخبر أن من آمن ~~بالرسل، وأصلح من الأولين والآخرين فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ومثل ~~قوله: {إن الذين آمنوا والذين هادوا} الآية، فذكر أن المؤمنين من هؤلاء هم ~~أهل النجاة والسعادة، وكذلك الإيمان بالرسل كلهم متلازم، وذلك: {إن الذين ~~يكفرون بالله ورسله} الآية. فهذه الأصول الثلاثة التوحيد والإيمان بالرسل ~~واليوم الآخر متلازمة، وقال: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الأنس ~~والجن} 2 الآيات، أخبر أن جميع الأنبياء لهم أعداء يوحي بعضهم إلى بعض ~~القول المزخرف، وهو المزين بغروره به، والغرور التلبيس، وهذا شأن كل كلام، ~~وكل عمل يخالف ما جاءت به الرسل من أمر المتفلسفة والمتكلمين وغيرهم من ~~الأولين والآخرين. ثم قال: {ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~وليرضوه} 3، فأخبر أن كلام أعداء الرسل يصغي إليه الذين لا يؤمنون بالآخرة؛ ~~فعلم أن مخالفة الرسل وترك الإيمان بالآخرة متلازمان؛ فمن لم يؤمن بها صغى ~~إلى زخرفة أعدائهم فخالف الرسل، كما هو موجود في أصناف الكفار والمنافقين ~~في هذه الأمور، ms132 ولهذا قال: {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم} الآيتين. ~~أخبر أنهم يقولون إذا جاء تأويله: PageV01P187 # جاءت رسل ربنا بالحق، وهذا كقوله: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا} ~~1 الآيات. أخبر أن الذين تركوا اتباع آياته يصيبهم ذلك، فتبين أن أصل ~~السعادة والنجاة من العذاب هو التوحيد، واتباع الرسل، والإيمان بالآخرة، ~~والعمل الصالح، وهذه الأمور ليست في حكمتهم، ليس فيها التوحيد، بل كل شرك ~~في العالم إنما حدث برأي جنسهم إذ بينوا ما في الأرواح والأجسام من القوى ~~والطبائع، وأن صناعة الطلاسم والشرك يورث منافع ويدفع مضار، فهم الآمرون ~~بالشرك والفاعلون له، ومن لم يأمر منهم به لم ينه عنه، بل يقر هؤلاء ~~وهؤلاء، وإن رجح الموحدين ترجيحا ما، فقد يرجح غيره من المشركين، وقد يعرض ~~عن الأمرين جميعا. فتدبر هذا فإنه نافع جدا. وقد رأيت من مصنفاتهم في عبادة ~~الملائكة والأنفس المفارقة أنفس الأنبياء وغيرهم، ما هو أصل الشرك. وإن ~~ادعوا التوحيد، فهو بالقول لا بالعمل. التوحيد لا بد فيه من الإخلاص في ~~العبادة، وهذا شيء لا يعرفونه. وتوحيدهم الذي يدعونه هو التعطيل، وفيه من ~~الكفر والضلال ما هو من أعظم أسباب الإشراك؛ فلو كانوا موحدين بالكلام فهو ~~لا يكفي بالنجاة والسعادة، بل لا بد أن يعبد الله وحده، ويتخذه إلها دون ما ~~سواه، وهو معنى قول لا إله إلا الله، فكيف وهم في الكلام معطلون. # وأما الإيمان بالرسل فالذين دخلوا في الملل منهم آمنوا ببعض صفات الرسل، ~~وكفروا ببعض، وأما اليوم الآخر فأحسنهم حالا من يقر بمعاد الأرواح، وقد ~~أضلوا بشبهاتهم من المنتسبين إلى الملل ما لا يحيط به إلا الله. وإذا كان ~~ما تحصل به السعادة والنجاة ليس عندهم كان ما يأمرون PageV01P188 # به من الأخلاق والأعمال والسياسات هو كما قال الله تعالى: {يعلمون ظاهرا ~~من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} 1. والقوم وإن كان لهم ذكاء ~~وفطنة، وفيهم زهد وأخلاق، فهذا لا يوجب السعادة والنجاة إلا بالأصول ~~المتقدمة، وإنما قوة الذكاء بمنزلة قوة البدن والإرادة، ms133 فالذي يؤتى فضائل ~~علمية وإرادية بدون تلك الأصول بمنزلة من يعطى قوة في بدنه بدونها، وأهل ~~الرأي والعلم بمنزلة أهل الملك والإمارة، وكل منهم لا ينفعه ذلك إلا ~~بالأصول المتقدمة؛ فمن لم يأت بها خلد في العذاب إذا قامت عليه الحجة ~~بالرسل، ولما كان كل واحد من أهل الملك والعلم قد يعارضون الرسل وقد ~~يتابعونهم، ذكرهم الله في كتابه في غير موضع، فذكر فرعون، والذي حاج ~~إبراهيم في ربه، والملأ من قوم نوح وغيرهم، وذكر قول علمائهم كقوله: {فلما ~~جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم} 2 الآية، وقال: {ما يجادل ~~في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد} 3 الآيات، إلى ~~قوله: {الذين يجادلون في آيات الله} الآيات، ولهذا قال ابن عباس: "كل سلطان ~~في القرآن فهو الحجة" وذكر في (حم غافر) من حال مخالفي الرسل من الملوك ~~والعلماء واستكبارهم ما فيه عبرة، مثل قوله {إن الذين يجادلون في آيات الله ~~بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر} 4 الآية، وقوله: {ألم تر إلى الذين ~~يجادلون في آيات الله أنى يصرفون} 5 وذكر في سورة الأنعام والأعراف وعامة ~~السور PageV01P189 # المكية، وطائفة من السور المدنية حالهم، فإنها تشمل على خطابهم، وضرب ~~الأمثال والمقاييس لهم، وذكر قصصهم، وقصص الأنبياء وأتباعهم معهم، ولهذا ~~قال تعالى: {ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه} 1 الآية، فأخبر بما مكنوا فيه ~~من أصناف الإدراكات والحركات، وأن ذلك لم يغن عنهم حيث جحدوا بالرسالة، ~~ولهذا حدثني ابن الخضيري عن أبيه شيخ الحنفية في زمنه قال: كان فقهاء بخارى ~~يقولون في ابن سينا: كان كافرا ذكيا، وقال تعالى: {أولم يسيروا في الأرض ~~فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة} 2 الآية؛ والقوة ~~تعم قوة الإدراك النظرية، وقوة الحركة العملية، وفي الآية الأخرى {كانوا ~~أشد منهم قوة وأثاروا الأرض} 3، فأخبر بفضلهم في الكم والكيف، وقال عن ~~أتباع هؤلاء الأئمة من أهل الملك والعلم المخالفين للرسل: {يوم تقلب وجوههم ~~في النار} ms134 الآيات وقال: {وإذ يتحاجون في النار} الآيات. ومثل هذا في القرآن ~~كثير. # وذكر ما في المنتسبين إلى أتباع الرسل من العلماء، والعباد، والملوك، من ~~النفاق والضلال في مثل قوله: {يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار ~~والرهبان} 4 الآيات، وقوله: {ويصدون عن سبيل الله} يستعمل لازما ومتعديا، ~~والوصفان يجتمعان فيهم، وقوله: {ألم تر PageV01P190 # إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت} 1 الآية. وفي ~~الحديث: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة" 2 إلخ، فتبين أن في من ~~يقرأ القرآن مؤمنين ومنافقين. وإذا كانت سعادة الأولين والآخرين هي باتباع ~~المرسلين، فمن المعلوم أن أحق الناس بذلك أعلمهم بآثارهم، وأتبعهم لها، وهم ~~الطائفة الناجية من كل أمة، وهم أهل السنة والحديث من هذه الأمة. وأهل ~~الكلام أكثر الناس شكا، وأضعفهم علما ويقينا؛ وهذا أمر يشهدونه من أنفسهم ~~ويشهده الناس منهم، وشواهده أعظم من أن تذكر هنا. # وقيل إن الأشعري مع كونه أقربهم إلى السنة والحديث وأعلمهم به صنف في آخر ~~عمره كتابا في تكافؤ الأدلة يعني أدلة أهل الكلام، قال أبو حامد: أكثر ~~الناس شكا عند الموت أصحاب الكلام، والرازي من أعظم الناس في باب الحيرة ~~لكن هو مسرف فيه، بحيث أنه يتهم في التشكيك، والشك في الباطل خير من الثبات ~~على اعتقاده، لكن قل أن ثبت أحد على باطل محض، بل لا بد فيهم من نوع من ~~الحق. وتوجد الردة فيهم كثيرا كالنفاق، وهذا إذا كان في المقالات الخفية ~~فقد يقال: لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، لكن يقع ذلك في طوائف منهم ~~في أمور يعلم العامة والخاصة، بل اليهود والنصارى يعلمون أن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم بعث بها وكفر من خالفها، مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ~~ونهيه عن عبادة غيره، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل أمره بالصلوات ~~الخمس وتعظيم شأنها، ومثل معاداة المشركين وأهل الكتاب، ومثل تحريم الفواحش ~~والميسر، ونحو ذلك؛ ثم تجد كثيرا من PageV01P191 # رؤوسهم وقعوا في هذه الأنواع فكانوا ms135 مرتدين، وإن كانوا قد يتوبون كالأقرع ~~وعيينة ونحوهما، فإن فيهم من يتهم بالنفاق ومرض القلب، هم لما فيه من العلم ~~يشبهون ابن أبي سرح لما ارتد ثم عاد إلى الإسلام. # ومن صنف في المشركين، أحسن أحواله أن يكون عاد إلى الإسلام، وكثير منهم ~~هكذا تجده تارة يرتد ردة صريحة، وتارة يعود مع مرض في قلبه ونفاق؛ ~~والحكايات عنهم بذلك مشهورة، وقد ذكر ابن قتيبة منها طرفا. وصنف الرازي ~~كتابه في عبادة الكواكب والأصنام، وأقام الأدلة على حسنه ورغب فيه، وهذه ~~ردة عن الإسلام إجماعا. # (135) العلم يحصل في النفس كما يحصل سائر الإدراكات والحركات بما يجعله ~~الله من الأسباب وعاء # وعامة ذلك من الملائكة، فإن الله ينزل بها على قلوب عباده من العلم ~~والقوة وغير ذلك ما يشاء، كما قال صلى الله عليه وسلم لحسان: "اللهم أيده ~~بروح القدس" 1، وقال تعالى: {وأيدهم بروح منه} . وذكر صلى الله عليه وسلم ~~فيمن لم يطلب القضاء بعث الله له ملكا يسدده. وقال ابن مسعود: "كنا نتحدث ~~أن السكينة تنطق على لسان عمر"، وقال: "إن للملك لمة وللشيطان لمة. فلمة ~~الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق، ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق" ~~هذا محفوظ عنه، وربما رفعه بعضهم، وهو جامع لأصول ما يكون من العبد من علم ~~وعمل، وذلك أن العبد له قوة الشعور وقوة الإرادة والحركة، وإحداهما أصل ~~الثانية مستلزمة لها، والثانية مستلزمة للأولى ومكملة لها، فبالأولى ~~PageV01P192 # يصدق بالحق ويكذب بالباطل، وبالثانية يحب النافع ويبغض الضار. والله ~~سبحانه خلق عباده على الفطرة التي فيها معرفة الحق والتصديق به، ومعرفة ~~الباطل والتكذيب به، ومعرفة النافع والمحبة له، ومعرفة الضار والبغض له؛ ~~فما كان حقا موجودا صدقت به الفطرة، وما كان حقا نافعا أحبته واطمأنت إليه، ~~وذلك هو المعروف، وما كان باطلا معدوما كذبت به الفطرة وأبغضته وأنكرته، ~~قال تعالى: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر} 1. # والإنسان حارث همام، فهو دائم يهم ويعمل، لكن لا يعمل إلا لما يرجو به ~~منفعة أو دفع مضرة؛ لكن قد يكون ذلك ms136 الرجاء مبنيا على اعتقاد باطل إما في ~~نفس المقصود فلا يكون نافعا ولا ضارا، وإما في الوسيلة فلا يكون طريقا ~~إليه، هذا جهل؛ وقد يعلم أن الشيء يضره ويفعله، ويعلم أنه ينفعه ويتركه، ~~لأن ذلك العلم عارضه ما في نفسه من طلب لذة أخرى، أو دفع ألم آخر، فيكون ~~جاهلا ظالما حيث قدم هذا على ذلك، ولهذا قال أبو العالية: "سألت أصحاب محمد ~~عن قوله: {يعملون السوء بجهالة} فقالوا: كل من عصى الله فهو جاهل"، فإذا ~~كان الإنسان لا يتحرك إلا لرجاء وإن كان راهبا لم يسع إلا بما يزيل ذلك، ~~والرجاء لا يكون إلا بما يلقى في نفسه من الإيعاد للخير الذي هو طلب ~~المحبوب وفوات المكروه. فكل بني آدم له اعتقاد، فيه تصديق بشيء، وتكذيب ~~بشيء، وله قصد وإرادة لما يرجوه مما هو عنده محبوب ممكن الوصول إليه، والله ~~خالق العبد ليصدق بالحق، ويقصد الخير فيرجوه بعمله، فإذا كذب بالحق، ولم ~~يرج PageV01P193 # الخير فيقصده ويعمل له كان خاسرا بترك التصديق بالحق وطلب الخير، فكيف ~~إذا كذب بالحق وكره إرادة الخير؟ فكيف إذا صدق بالباطل وأراد الشر؟ فذكر ~~ابن مسعود أن لقلب ابن آدم لمة من الملك ولمة من الشيطان، فلمة الملك تصديق ~~بالحق، وهو ما كان من جنس الاعتقاد الصحيح، وإيعاد بالخير، وهو ما كان من ~~جنس إرادة الخير. ولمة الشيطان من جنس الاعتقاد الفاسد، وهو التكذيب بالحق ~~وإيعاد بالشر، وهو ما كان من جنس إرادة الشر وظن وجوده، إما مع رجائه إن ~~كان مع هوى النفس، وإما مع خوفه إن كان غير محبوب لها؛ وكل من الرجاء ~~والخوف مستلزم للآخر. فمبدأ العلم والحق والإرادة الصالحة من لمة الملك، ~~ومبدأ الاعتقاد الباطل والإرادة الفاسدة من لمة الشيطان، قال تعالى: ~~{الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء} ، وقال: {إنما ذلكم الشيطان يخوف ~~أولياءه} أي يخوفكم أولياءه، وقال: {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم} الآية. ~~والشيطان وسواس خناس، إذا ذكر العبد ربه خنس، وإذا غفل عن ذكره وسوس، فلهذا ~~كان ذكر الله سببا ms137 ومبدأ لنزول العلم والحق والإرادة الصالحة في القلب، ~~وكانت الغفلة عن ذكر الله سببا ومبدأ لنزول الاعتقاد الباطل والإرادة ~~الفاسدة في القلب. # ومن ذكر الله تعالى تلاوة كتابه، وفهمه، ومذاكرة العلم كما قال معاذ: ~~"ومذاكرته تسبيح". # وتنازع أهل الكلام في حصول العلم في القلب عقيب النظر في الدليل، وقال ~~بعضهم: # PageV01P194 # ذلك على سبيل التولد، وقال آخرون: بل يفعله الله. والنظر إما متضمن ~~للعلم، وإما موجب له، وهذا صحيح بناء على أن الله معلم كل علم، لكنه مجمل ~~ليس فيه بيان السبب الخاص المضاف إلى الملائكة في الجملة؛ فإن الله سبحانه ~~يدبر أمر السماء والأرض بملائكته التي هي السفراء في أمره، ولفظ الملائكة ~~يدل على ذلك، وبذلك أخبرت الأنبياء، وشهد الكتاب والسنة من ذلك بما لا يتسع ~~له هذا الموضع، ولكن يعلم أن المبدأ في شعور النفس وحركاتها هم الملائكة ~~والشياطين. فالملك يلقي التصديق بالحق والأمر بالخير، والشيطان يلقي ~~التكذيب بالحق، والأمر بالشر. والتصديق والتكذيب مقرون بالنظر، كما أن ~~الأمر والنهي مقرون بالإرادة، فإذا كان النظر في دليل هاد كالقرآن وسلم من ~~معارضات الشياطين تضمن العلم والهدى؛ ولهذا أمر العبد بالاستعاذة عند ~~القراءة. وإذا كان النظر في دليل مضل، والناظر يعتقد صحته بأن يكون مقدمتاه ~~أو إحداهما متضمنة للباطل أو يكونان صحيحين لكن التأليف غير مستقيم، صار في ~~القلب به اعتقاد فاسد، وهو غالب الشبهات المخالفة للكتاب والسنة. وإذا كان ~~الناظر لا بد له من متصور فيه، والنظر في نفس المتصور المطلوب حكمه لا يفيد ~~علما، بل ربما حصل له بسببه أنواع من الشبهات يحسبها أدلة لفرط تعطش القلب ~~إلى معرفة حكم تلك المسألة. وأما النظر المفيد للعلم هو ما كان في دليل ~~هاد، والدليل الهادي على العموم هو كتاب الله وسنة نبيه. فالذي جاءت به ~~الشريعة من نوعي النظر هو ما ينفع، وهو بذكر الله وما نزل من الحق؛ فإذا ~~أراد النظر في الأدلة المطلقة من غير تعيين مطلوب # PageV01P195 # ففي كتاب الله وتدبره، كما قال تعالى: {قد جاءكم من الله ms138 نور} الآيتين، ~~وقال: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} 1 الآية، وأما النظر في مسألة ~~معينة لطلب حكمها، والعبد لا يعرف ما يدله عليه، فهذا النظر لا يفيد، بل قد ~~يقع له تصديقات يحسبها حقا، وهي من إلقاء الشيطان، وقد يقع له تصديقات من ~~إلقاء الملك. وكذلك إذا كان النظر في دليل هاد وهو القرآن، فقد يفهم مقصود ~~الدليل فيهتدي، وقد لا يفهمه أو يحرفه عن مواضعه فيضل به، ويكون ذلك من ~~إلقاء الشيطان، كما قال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ~~ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} 2، وقال {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا} ، ~~وقال: {فزادتهم رجسا إلى رجسهم} ، وقال: {والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر ~~وهو عليهم عمى} 3. فالناظر في الدليل كالمترائي للهلال، قد يراه، وقد لا ~~يراه لعشى في بصره، وكذلك عمى القلب، فأمر الله بما ينزل على قلبه الأسباب ~~الهادية، ويصرف عنه الأسباب المعوقة وهو ذكر الله، وذكر الله يعطي الإيمان، ~~وهو أصل الإيمان، والله سبحانه رب كل شيء ومليكه، وهو معلم كل علم وواهبه. ~~فكما أن نفسه أصل لكل موجود فذكره والعلم به PageV01P196 # أصل لكل علم وذكر في القلب. والقرآن يعطي العلم المفصل فيزيد الإيمان، ~~كما قال جندب: "تعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا". ولهذا ~~كان أول ما نزل: {اقرأ باسم ربك} ، فأمره أن يقرأ باسمه فتضمن الأمر بذكر ~~الله، وبما أنزل من الحق، وقال: {باسم ربك} إلى قوله {ما لم يعلم} : ذكر ~~سبحانه أنه خلق أكرم الأعيان الموجودة عموما وخصوصا، وهو الإنسان، وأنه ~~المعلم للعلم عموما وخصوصا للإنسان، وذكر التعليم بالقلم لأنه آخر المراتب ~~يستلزم تعلم القول والعلم الذي في القلب. # وحقيقة الأمر أن العبد مفتقر إلى ما يسأله من الهدى، فبذكر الله ~~والافتقار إليه يهديه الله، كما قال: "يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته" 1، ~~وكما في حديث الاستفتاح: "اللهم رب جبرائيل ... "إلخ. # ولا بد أن يكون عند الناظر من العلم الثابت ما لا يحتاج إلى نظر، فيكون ~~أصلا للتفكر ms139 الذي يطلب به معلوم آخر، ولهذا كان الذكر متعلقا بالله والتفكر ~~في مخلوقاته، وفي الأثر: "تفكروا في المخلوقات، ولا تفكروا في الخالق"، لأن ~~التفكير في الأمثال والمقاييس، وذلك يكون في الأمور المتشابهة، وهي ~~المخلوقات، وأما الخالق جل جلاله وسبحانه وتعالى فليس له شبيه، فالتفكير ~~الذي مبناه على القياس ممتنع فيه، وإنما هو معلوم بالفطرة، فيذكره العبد، ~~وبذلك يحصل من العلم به أمور عظيمة، أعني العلم به نفسه؛ ولهذا كان كثير من ~~أرباب العبادة يأمرون بملازمة الذكر، ويجعلونه باب الوصول إلى الحق، وهذا ~~حسن إذا ضموا إليه اتباع القرآن والسنة واتباع ذلك. وكثير من أرباب النظر ~~يأمرون به، ويجعلونه الطريق إلى معرفة الحق. والنظر صحيح إذا كان في دليل ~~حق، فكل من الطريقين فيها حق، لكن يحتاج إلى الحق التي في الأخرى، ويجب ~~PageV01P197 # تنزيه كل منهما عما دخل فيهما من الباطل، وذلك باتباع الرسل. وقد بسطنا ~~الكلام في هذا في غير هذا الموضع، وبينا ما جاءت به الشريعة من الطريقة ~~الكاملة الجامعة، والمقصود هنا أن الإنسان يحس بأنه عالم كما يحس الطعام ~~والشراب، كذلك العلم طعام القلب وشرابه كما في الحديث: "إن كل مؤدب يحب أن ~~تؤتي مأدبته، وإن مأدبة الله هي القرآن" 1 كما قال تعالى: {أنزل من السماء ~~ماء فسالت أودية بقدرها} 2 الآية، وكما في قوله: "مثل ما بعثني الله به من ~~الهدى والعلم كمثل الغيث" 3 الحديث، فضرب مثل الهدى والعلم الذي ينزل على ~~القلوب بالماء الذي ينزل على الأرض، وكما أن لله ملائكة موكلة بالسحاب فله ~~ملائكة موكلة بالهدى، هذا رزق الأجساد وهذا رزق القلوب، ولهذا قال الحسن في ~~قوله: {ومما رزقناهم ينفقون} : "من أعظم النفقة نفقة العلم". وقال كعب بن ~~عجرة: "ألا أهدي لك هدية"، ثم ذكر حديث الصلاة على النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # وقال معاذ: "عليكم بالعلم، فإن طلبه عبادة، وتعلمه لله حسنة، وبذله لأهله ~~قربة، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، والبحث عنه جهاد، ومذاكرته تسبيح"؛ ولهذا ~~كان معلم الخير يستغفر له كل ms140 شيء، وعكسه أولئك الذين يلعنهم الله ويلعنهم ~~اللاعنون، والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. # ختم الكتاب سنة 1227. قال كاتب الأصل: آخر ما وجدت من خط ملخصه محمد بن ~~عبد الوهاب، رحمه الله وعفا عنه بمنه وكرمه. PageV01P198 # وأنا أقول: قد تم نسخه من الأصل في ش سنة 1357?، وقد اجتهدت فيما أشكل، ~~فشوشت عليه، وما جزمت عليه فأصلحته، فمن وجد بخطي شيئا يحتاج إلى تصليح من ~~خطأ وغيره فجزاه الله خيرا يصلحه، وله الأجر والثواب. وصلى الله على محمد ~~وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين. PageV01P199 ms141