######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_006886 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: محمد بن عبد الوهاب #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن عبد الوهاب #META# 011.AuthorBORN :: 1115 هـ #META# 011.AuthorDIED :: 1206 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مختصر السيرة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: سيرة النبي صلى الله عليه وسلم :: كتب سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: مختصر السيرة #META# 030.LibURI :: JK_006886 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد العزيز بن زيد الرومي ، د . محمد بلتاجي ، د . سيد حجاب . #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مطابع الرياض #META# 044.EdPLACE :: الرياض #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # | بسم الله الرحمن الرحيم # | الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه ~~أجمعين . | اعلم رحمك الله : أن أفرض ما فرض الله عليك معرفة دينك . الذي ~~معرفته والعمل به : سبب لدخول الجنة ، والجهل به وإضاعته : سبب لدخول النار ~~. | ومن أوضح ما يكون لذوي الفهم : قصص الأولين والآخرين : قصص من أطاع ~~الله وما فعل بهم ، وقصص من عصاه ، وما فعل بهم . فمن لم يفهم ذلك ، ولم ~~ينتفع به فلا حيلة فيه . كما قال تعالى @QB@ وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم ~~أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص @QE@ | وقال بعض السلف : ' ~~القصص جنود الله ' يعني أن المعاند لا يقدر يردها . | فأول ذلك : ما قص ~~الله سبحانه عن آدم ، وإبليس ، إلى أن هبط آدم وزوجه إلى الأرض . ففيها من ~~إيضاح المشكلات ما هو واضح لمن تأمله . وآخر القصة قوله تعالى : ^ ( قلنا : ~~اهبطوا منها جميعا ، فإما يأتينكم PageV01P007 مني هدى ، فمن تبع هداي فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون . والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ، أولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون ) ^ وفي الآية الأخرى : ^ ( فمن اتبع هداي فلا يضل ~~ولا يشقى . ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ) ^ إلى قوله : ^ ( ولعذاب ~~الآخرة أشد وأبقى ) ^ . | وهداه الذي وعدنا به : هو إرساله الرسل . وقد وفى ~~بما وعد سبحانه ، فأرسل الرسل مبشرين ومنذرين ، لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل . فأولهم : نوح . وآخرهم : نبينا صلى الله عليه وعليهم وسلم ~~. | فاحرص يا عبد الله على معرفة هذا الحبل ، الذي بين الله وبين عباده ، ~~الذي من استمسك به سلم ، ومن ضيعه عطب . | فاحرص على معرفة ما جرى لأبيك ~~آدم ، وعدوك إبليس ، وما جرى لنوح وقومه ، وهود وقومه ، وصالح وقومه ، ~~وإبراهيم وقومه ، ولوط وقومه ، وموسى وقومه ، وعيسى وقومه ، ومحمد صلى الله ~~عليهم وعليه وسلم وقومه . | واعرف ما قصه أهل العلم من أخبار النبي صلى ~~الله عليه وقومه ، وما جرى له معهم في مكة ، وما جرى له في المدينة . | ~~واعرف ما قص العلماء عن أصحابه ، وأحوالهم ms001 ، وأعمالهم . لعلك أن تعرف ~~الإسلام والكفر . فإن الإسلام اليوم غريب ، وأكثر الناس لا يميز بينه وبين ~~الكفر . وذلك هو الهلاك الذي لا يرجى معه فلاح . PageV01P008 | وأما قصة ~~آدم ، وإبليس : فلا زيادة على ما ذكر الله في كتابه . ولكن قصة ذريته . | ~~فأول ذلك : أن الله أخرجهم من صلبه أمثال الذر ، وأخذ عليهم العهود : أن لا ~~يشركوا به شيئا ، كما قال تعالى : ^ ( وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ~~ذريتهم ، وأشهدهم على أنفسهم : ألست بربكم ؟ قالوا : بلى . شهدنا ) ^ ورأى ~~فيهم الأنبياء مثل السرج . ورأى فيهم رجلا من أنورهم . فسأله عنه ؟ فأعلمه ~~أنه داود . فقال : كم عمره ؟ قال : ستون سنة . قال : وهبت له من عمري ~~أربعين سنة ، وكان عمر آدم ألف سنة . ورأى فيهم الأعمى ، والأبرص ، ~~والمبتلي . قال : يا رب ، لم لا سويت بينهم ؟ قال : إني أحب أن أشكر . فلما ~~مضى من عمر آدم ألف سنة إلا أربعين ، أتاه ملك الموت . فقال : إنه بقي من ~~عمري أربعون سنة . فقال : إنك وهبتها لابنك داود . فنسي آدم ، فنسيت ذريته ~~. وجحد آدم . فجحدت ذريته . | فلما مات آدم . بقي أولاده بعده عشرة قرون ~~على دين أبيهم ، دين الإسلام . ثم كفروا بعد ذلك . وسبب كفرهم : الغلو في ~~حب الصالحين . كما ذكر الله تعالى في قوله : @QB@ وقالوا لا تذرن آلهتكم ~~ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا @QE@ وذلك أن PageV01P009 ~~هؤلاء الخمسة قوم صالحون كانوا يأمرونهم وينهونهم . فماتوا في شهر . فخاف ~~أصحابهم من نقص الدين بعدهم . فصوروا صورة كل رجل في مجلسه ، لأجل التذكرة ~~بأقوالهم وأعمالهم إذا رأوا صورهم ، ولم يعبدوهم . ثم حدث قرن آخر ، ~~فعظموهم أشد من تعظيم من قبلهم ، ولم يعبدوهم . ثم طال الزمان ، ومات أهل ~~العلم . فلما خلت الأرض من العلماء : ألقى الشيطان في قلوب الجهال : أن ~~أولئك الصالحين ما صوروا صور مشايخهم إلا ليستشفعوا بهم إلى الله ، فعبدوهم ~~. | فلما فعلوا ذلك : أرسل الله إليهم نوحا عليه السلام ، ليردهم إلى دين ~~آدم وذريته ، الذين مضوا قبل التبديل ، فكان من أمرهم ما قص الله في ms002 كتابه ~~، ثم عمر نوح وأهل السفينة الأرض ، وبارك الله فيهم ، وانتشروا في الأرض ~~أمما وبقوا على الإسلام مدة لا ندري ما قدرها ؟ . | ثم حدث الشرك . فأرسل ~~الله الرسل . وما من أمة إلا وقد بعث الله فيها رسولا يأمرهم بالتوحيد ، ~~وينهاهم عن الشرك . كما قال تعالى : @QB@ ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن ~~اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت @QE@ وقال تعالى : ^ ( ثم أرسلنا رسلنا تترا ~~، كلما جاء أمة رسولها كذبوه ) ^ الآية . | ولما ذكر القصص في سورة الشعراء ~~ختم كل قصة بقوله : @QB@ إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين @QE@ . ~~PageV01P010 | فقص الله سبحانه ما قص لأجلنا . كما قال تعالى : @QB@ لقد ~~كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى @QE@ الآية . | ولما ~~أنكر الله على أناس من هذه الأمة - في زمن النبي صلى الله عليه وسلم - ~~أشياء فعلوها . قال : @QB@ ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد ~~وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين @QE@ الآية . | وكذلك كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقص على أصحابه قصص من قبلهم ، ليعتبروا بذلك . | وكذلك أهل ~~العلم في نقلهم سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما جرى له مع قومه ، ~~وما قال لهم ، وما قيل له . | وكذلك نقلهم سيرة الصحابة ، وما جرى لهم مع ~~الكفار والمنافقين ، وذكرهم أحوال العلماء بعدهم . كل ذلك لأجل معرفة الخير ~~والشر . | إذا فهمت ذلك : | فاعلم أن كثيرا من الرسل وأممهم لا نعرفهم . ~~لأن الله لم يخبرنا عنهم ، لكن أخبرنا عن عاد ، التي لم يخلق مثلها في ~~البلاد . فبعث الله إليهم هودا عليه السلام . فكان من أمرهم ما قص الله في ~~كتابه . وبقي التوحيد في أصحاب هود إلى أن عدم بعد مدة ، لا ندري كم هي . ~~وبقي في أصحاب صالح . إلى أن عدم مدة لا ندري كم هي ؟ . PageV01P011 | ثم ~~بعث الله إبراهيم عليه السلام ، وليس على وجه الأرض يومئذ مسلم . فجرى عليه ~~من قومه ما جرى ، وآمنت به امرأته سارة . ثم آمن له لوط عليه السلام ، ومع ~~هذا نصره الله ، ورفع قدره ، وجعله ms003 إماما للناس . | ومنذ ظهر إبراهيم عليه ~~السلام : لم يعدم التوحيد في ذريته . كما قال تعالى : @QB@ وجعلها كلمة ~~باقية في عقبه لعلهم يرجعون @QE@ . | فإذا كان هو الإمام . فنذكر شيئا من ~~أحواله . لا يستغني مسلم عن معرفتها . فنقول : | في الصحيح : أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : ' لم يكذب إبراهيم النبي صلى الله عليه وسلم قط . ~~إلا ثلاث كذبات : ثنتين في ذات الله ، قوله : @QB@ إني سقيم @QE@ وقوله : ~~@QB@ بل فعله كبيرهم هذا @QE@ وواحدة في شأن سارة . فإنه قدم أرض جبار ، ~~ومعه سارة . وكانت أحسن الناس . فقال لها : إن هذا الجبار إن يعلم أنك ~~امرأتي : يغلبني عليك ، فإن سألك . فأخبريه : أنك أختي . فإنك أختي في ~~الإسلام . فإني لا أعلم في الأرض مسلما غيري وغيرك . فلما دخل أرضه رآها ~~بعض أهل الجبار ، فأتاه . فقال : لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي أن تكون إلا ~~لك . فأرسل إليها ، فأتي بها . فقام إبراهيم إلى الصلاة . فلما دخلت عليه ، ~~لم يتمالك أن بسط يده إليها ، فقبضت يده قبضة شديدة . فقال لها : ادعي الله ~~أن يطلق يدي ، فلك الله : أن لا أضرك ، ففعلت ، فعاد . فقبضت يده ~~PageV01P012 أشد من القبضة الأولى . فقال لها مثل ذلك ، فعاد : فقبضت يده ~~أشد من القبضتين الأولتين . فقال لها : ادعي الله أن يطلق يدي ، ولك الله : ~~أن لا أضرك ، ففعلت . فأطلقت يده . ودعا الذي جاء بها ، فقال له : إنك إنما ~~جئتني بشيطان ، ولم تأتني بإنسان ، فأخرجها من أرضي ، وأعطاها هاجر . ~~فأقبلت . فلما رآها إبراهيم . انصرف ، فقال لها : مهيم ؟ قالت : خيرا . كف ~~الله يد الفاجر ، وأخدم خادما ' . | قال أبو هريرة : فتلك أمكم يا بني ماء ~~السماء . | وللبخاري : ' أن إبراهيم لما سئل عنها ؟ قال : هي أختي ، ثم رجع ~~إليها . فقال لا تكذبي حديثي . فإني أخبرتهم : أنك أختي . والله ما على ~~الأرض مؤمن غيري وغيرك . فأرسل بها إليه ، فقام إليها . فقامت تتوضأ وتصلي ~~. فقالت : اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك ، وأحصنت فرجي إلا على زوجي ، فلا ~~تسلط علي يد الكافر ، فغط حتى ركض برجله الأرض . فقالت : اللهم إن ms004 يمت ، ~~يقال : هي قتلته . فأرسل . ثم قام إليها فقامت تتوضأ وتصلي ، وتقول : اللهم ~~إن كنت آمنت بك وبرسولك ، وأحصنت فرجي إلا على زوجي ، فلا تسلط علي هذا ~~الكافر ، فغط حتى ركض برجله . فقالت : اللهم إن يمت يقال : هي قتلته . ~~فأرسل في الثانية ، PageV01P013 أو الثالثة . فقال : والله ما أرسلتم إلي ~~إلا شيطانا ، أرجعوها إلى إبراهيم ، وأعطوها هاجر ، فرجعت إلى إبراهيم ، ~~فقالت : أشعرت ؟ إن الله كبت الكافر ، وأخدم وليدة ' . | وكان عليه السلام ~~في أرض العراق . وبعد ما جرى عليه من قومه ما جرى هاجر إلى الشام ، ~~واستوطنها ، إلى أن مات فيها . وأعطته سارة الجارية التي أعطاها الجبار . ~~فواقعها . فولدت له إسماعيل عليه السلام ، فغارت سارة . فأمره الله ~~بإبعادها عنها . فذهب بها وبابنها فأسكنهما في مكة . ثم بعد ذلك وهب الله ~~له ولسارة إسحق عليه السلام ، كما ذكر الله بشارة الملائكة له ولها بإسحق . ~~ومن وراء إسحق يعقوب . | وفي الصحيح عن ابن عباس قال : ' لما كان بين ~~إبراهيم وبين أهله ما كان : خرج بإسماعيل وأم إسماعيل ، ومعه شنة فيها ماء ~~. فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة فيدر لبنها على صبيها ، حتى قدم مكة . ~~فوضعها تحت دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد - وليس بمكة يومئذ أحد ، وليس بها ~~ماء - ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاءا فيه ماء . ثم قفى إبراهيم منطلقا ، ~~فتبعته أم إسماعيل . فلما بلغوا كداء ، نادته من ورائه : يا إبراهيم ، أين ~~تذهب ، وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنيس ولا شيء ؟ فقالت له ذلك مرارا ~~، وجعل لا يلتفت إليها . فقالت له : آلله أمرك بهذا ؟ قال : نعم . قالت إذن ~~لا يضيعنا - وفي لفظ : إلى من تكلنا ؟ قال : إلى الله . قالت : رضيت - ثم ~~رجعت . فانطلق إبراهيم ، حتى إذا كان عند PageV01P014 الثنية ، حيث لا ~~يرونه ، استقبل بوجهه البيت ، ثم دعا بهؤلاء الدعوات ، ورفع يديه ، فقال : ~~@QB@ ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ~~ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم ~~يشكرون @QE@ وجعلت أم إسماعيل ترضعه ms005 . وتشرب من الشنة . فيدر لبنها على ~~صبيها . حتى إذا نفذ ما في السقاء : عطشت ، وعطش ابنها . وجعلت تنظر إليه ~~يتلوى - أو قال : يتلبط - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه . فوجدت الصفا أقرب ~~جبل إليها ، فقامت واستقبلت الوادي تنظر : هل ترى أحدا ؟ فلم تر أحدا ؟ . ~~فهبطت من الصفا ، حتى إذا بلغت الوادي : رفعت طرف درعها . ثم سعت سعي ~~الإنسان المجهود ، حتى جاوزت الوادي . ثم أتت المروة ، فقامت عليها . فنظرت ~~: هل ترى أحدا ؟ فلم تر أحدا ، ففعلت ذلك سبع مرات - قال ابن عباس : قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : فذلك سعى الناس بينهما - ثم قالت : لو ذهبت ~~فنظرت ما فعل ؟ - تعني الصبي - فذهبت فنظرت . فإذا هو على حاله ، كأنه ينشغ ~~للموت . فلم تقر نفسها . فقالت : لو ذهبت لعلي أحس أحدا ؟ فذهبت فصعدت ~~الصفا . فنظرت . فلم تحس أحدا . حتى أتمت سبعا . ثم قالت : لو ذهبت فنظرت ~~ما فعل ؟ فإذا هي بصوت . فقالت : أغث إن كان عندك خير . فإذا بجبريل . قال ~~: فقال بعقبة على الأرض . فانبثق الماء فذهبت أم إسماعيل ، فجعلت تحفر ، ~~فقال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم : يرحم الله أم إسماعيل ، لو تركت زمزم ~~- أو قال : لو لم تغرف من الماء - لكانت زمزم عينا معينا - وفي PageV01P015 ~~حديثه : فجعلت تغرف الماء في سقائها - قال : فشربت ، وأرضعت ولدها . فقال ~~لها الملك : لا تخافي الضيعة . فإن ههنا بيتا لله ، يبنيه هذا الغلام وأبوه ~~، إن الله لا يضيع أهله . وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية . تأتيه ~~السيول ، فتأخذ عن يمينه وشماله . فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم ، ~~مقبلين من طريق كداء ، فرأوا طائرا عائفا ، فقالوا : إن هذا الطائر ليدور ~~على ماء . لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء ، فأرسلوا جريا ، أو جريين . ~~فإذا هم بالماء ، فرجعوا فأخبروهم فأقبلوا ، وقالوا لأم إسماعيل : أتأذنين ~~لنا أن ننزل عندك ؟ قالت : نعم ، ولكن لا حق لكم في الماء . قالوا : نعم - ~~قال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : فألفى ذلك أم إسماعيل وهي ~~تحب الأنس - فنزلوا . وأرسلوا إلى أهليهم ms006 فنزلوا معهم . حتى إذا كان بها ~~أهل أبيات منهم ، وشب الغلام . وتعلم العربية منهم . وأنفسهم وأعجبهم حين ~~شب ، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم . وماتت أم إسماعيل . وجاء إبراهيم - بعد ~~ما تزوج إسماعيل - يطالع تركته ، فلم يجد إسماعيل . فسأل امرأته عنه ؟ ~~فقالت : خرج يبتغي لنا . ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم ؟ فقالت : نحن بشر ، ~~نحن في ضيق وشدة . فشكت إليه . قال : فإذا جاء زوجك اقرئي عليه السلام ، ~~وقولي له : يغير عتبة بابه . فلما جاء إسماعيل ، كأنه آنس شيئا فقال : هل ~~جاءكم من أحد ؟ قالت : نعم ، جاءنا شيخ - كذا وكذا - فسألنا عنك ؟ ~~PageV01P016 فأخبرته ، وسألني : كيف عيشنا ؟ فأخبرته : أنا في جهد وشدة . ~~قال : فهل أوصاك بشيء ؟ قالت : نعم . أمرني أن أقرأ عليك السلام ، ويقول : ~~غير عتبة بابك . قال : ذاك أبي . وقد أمرني أن أفارقك . الحقي بأهلك ، ~~فطلقها . وتزوج منهم امرأة أخرى ، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ، فقال ~~لأهله : إني مطلع تركتي . فجاء ، فقال لامرأته : أين إسماعيل ؟ قالت ذهب ~~يصيد . قالت : ألا تنزل فتطعم ، وتشرب ؟ قال : وما طعامكم وما شرابكم ؟ ~~قالت : طعامنا اللحم ، وشرابنا الماء . قال : اللهم بارك لهم في طعامهم ~~وشرابهم - قال : فقال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم : بركة دعوة إبراهيم ، ~~فهما لا يخلوا عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه . قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم : ولم يكن لهم يومئذ حب . ولو كان لهم حب دعا لهم فيه - وسألها ~~عن عيشهم وهيئتهم ؟ فقالت : نحن بخير وسعة وأثنت على الله . قال : إذا جاء ~~زوجك : فاقرئي عليه السلام ، ومريه يثبت عتبة بابه . فلما جاء إسماعيل قال ~~: هل أتاكم من أحد ؟ قالت : نعم . شيخ حسن الهيئة - وأثنت عليه - فسألني ~~عنك ؟ فأخبرته . فسألني : كيف عيشنا ؟ فأخبرته أنا بخير . قال : هل أوصاك ~~بشيء ؟ قالت : نعم ، هو يقرأ عليك السلام ، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك . قال ~~: ذاك أبي . وأنت العتبة ، أمرني أن أمسكك . ثم لبث عنهم ما شاء الله ، ~~فقال لأهله : إني مطلع تركتي ، فجاء . فوافق إسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة ~~قريبا من زمزم . فلما رآه ms007 قام إليه ، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد ، ~~والولد بالوالد . ثم قال : يا إسماعيل ، إن الله أمرني بأمر ، قال : فاصنع ~~ما أمرك ربك . قال : وتعينني ؟ قال : وأعينك . قال : فإن الله أمرني أن ~~أبني ههنا PageV01P017 بيتا - وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها - قال : ~~فعند ذلك رفعا القواعد من البيت . فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم ~~يبني . حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر ، فوضعه له . فقام عليه وهو ~~يبني ، وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان @QB@ ربنا تقبل منا إنك أنت ~~السميع العليم @QE@ | هذا آخر حديث ابن عباس . | فصارت ولاية البيت ومكة ~~لإسماعيل . ثم لذريته من بعده ، وانتشرت ذريته في الحجاز وكثروا . وكانوا ~~على الإسلام دين إبراهيم وإسماعيل قرونا كثيرة . ولم يزالوا على ذلك حتى ~~كان في آخر الدنيا : نشأ فيهم عمرو بن لحي . فابتدع الشرك ، وغير دين ~~إبراهيم . وتأتي قصته إن شاء الله . | وأما إسحاق عليه السلام : فإنه ~~بالشام . وذريته : هم بنو إسرائيل والروم . أما بنو إسرائيل : فأبوهم يعقوب ~~عليه السلام ابن إسحاق ، ويعقوب هو إسرائيل . | وأما الروم : فأبوهم عيص بن ~~إسحاق . | ومما أكرم الله به إبراهيم عليه السلام : أن الله لم يبعث بعده ~~نبيا إلا من ذريته ، كما قال تعالى : ^ ( وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب ) ~~^ وكل الأنبياء والرسل من ذرية إسحق . وأما إسماعيل : فلم يبعث من ذريته ~~إلا نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم ، بعثه الله إلى العالمين كافة ، وكان ~~من قبله من الأنبياء : كل نبي يبعث إلى قومه خاصة . وفضله الله على جميع ~~الأنبياء بأشياء غير ذلك . PageV01P018 | وأما قصة عمرو بن لحي ، وتغييره ~~دين إبراهيم : فإنه نشأ على أمر عظيم من المعروف والصدقة ، والحرص على أمور ~~الدين . فأحبه الناس حبا عظيما . ودانوا له لأجل ذلك ، حتى ملكوه عليهم . ~~وصار ملك مكة وولاية البيت بيده . وظنوا أنه من أكابر العلماء ، وأفاضل ~~الأولياء . ثم إنه سافر إلى الشام . فرآهم يعبدون الأوثان . فاستحسن ذلك ~~وظنه حقا . لأن الشام محل الرسل والكتب . فلهم الفضيلة بذلك على أهل الحجاز ~~وغيرهم . فرجع إلى مكة ، وقدم معه بهبل ms008 . وجعله في جوف الكعبة ، ودعا أهل ~~مكة إلى الشرك بالله . فأجابوه . وأهل الحجاز في دينهم تبع لأهل مكة ، ~~لأنهم ولاة البيت وأهل الحرم . فتبعهم أهل الحجاز على ذلك ، ظنا أنه الحق . ~~فلم يزالوا على ذلك حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بدين إبراهيم ~~عليه السلام ، وإبطال ما أحدثه عمرو بن لحي . | وكانت الجاهلية على ذلك ، ~~وفيهم بقايا من دين إبراهيم لم يتركوه كله . وأيضا يظنون أن ما هم عليه ، ~~وأن ما أحدثه عمرو : بدعة حسنة . لا تغير دين إبراهيم . وكانت تلبية نزار : ~~لبيك . لا شريك لك . إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك ، فأنزل الله : ^ ( ~~ضرب لكم مثلا من أنفسكم : هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم ، ~~فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ؟ كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون ) ~~^ . | ومن أقدم أصنامهم ' مناة ' وكان منصوبا على ساحل البحر بقديد . تعظمه ~~العرب كلها ، لكن الأوس والخزرج كانوا أشد تعظيما له من غيرهم . ~~PageV01P019 | وبسبب ذلك أنزل الله : @QB@ إن الصفا والمروة من شعائر الله ~~فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما @QE@ . | ثم اتخذوا ' ~~اللات ' في الطائف ، وقيل : إن أصله رجل صالح كان يلت السويق للحاج ، فمات ~~فعكفوا على قبره . | ثم اتخذوا ' العزى ' بوادي نخلة ، بين مكة والطائف . | ~~فهذه الثلاث أكبر أوثانهم . | ثم كثر الشرك . وكثرت الأوثان في كل بقعة من ~~الحجاز . | وكان لهم أيضا بيوت يعظمونها كتعظيم الكعبة . وكانوا كما قال ~~تعالى @QB@ لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال ~~مبين @QE@ | ولما دعاهم رسول الله إلى الله اشتد إنكار الناس له ، علمائهم ~~وعبادهم ، وملوكهم وعامتهم ، حتى إنه لما دعا رجلا إلى الإسلام قال له : ' ~~من معك على هذا ؟ قال حر وعبد ' ومعه يومئذ أبو بكر وبلال رضي الله عنهما . ~~| وأعظم الفائدة لك أيها الطالب ، وأكبر العلم وأجل المحصول - إن فهمت ما ~~صح عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ' بدأ ms009 الإسلام غريبا . وسيعود غريبا ~~كما بدأ ' . PageV01P020 | وقوله : ' لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة ~~بالقذة ، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه . قالوا : يا رسول الله ، اليهود ~~والنصارى قال : فمن ؟ ' . | وقوله : ' ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين ~~فرقة . كلها في النار إلا واحدة ' . | فهذه المسألة أجل المسائل . فمن ~~فهمها فهو الفقيه . ومن عمل بها فهو المسلم . فنسأل الله الكريم المنان أن ~~يتفضل علينا وعليكم بفهمها والعمل بها . | أما البيت المحرم : فإن إبراهيم ~~وإسماعيل عليهما السلام لما بنياه ، صارت ولايته في إسماعيل وذريته . ثم ~~غلبهم عليه أخوالهم من جرهم . ولم ينازعهم بنو إسماعيل ، لقرابتهم وإعظامهم ~~للحرمة ، أن لا يكون بها قتال . ثم إن جرهم بغوا في مكة . وظلموا من دخلها ~~، فرق أمرهم . فلما رأى ذلك بنو بكر بن عبد مناف بن كنانة ، وغبشان من ~~خزاعة ، أجمعوا على جرهم فاقتتلوا ، فغلبهم بنو بكر وغبشان ونفوهم من مكة . ~~| وكانت مكة في الجاهلية لا يقر فيها ظلم ، ولا يبغي فيه أحد إلا أخرج ، ~~ولا يريدها ملك يستحل حرمتها إلا هلك . | ثم إن غبشان - من خزاعة - وليت ~~البيت دون بني بكر . وقريش إذ ذاك حلول وصرم ، وبيوتات متفرقون في قومهم من ~~بني كنانة . فوليت PageV01P021 خزاعة البيت يتوارثون ذلك . حتى كان آخرهم ~~حليل بن حبيشة . فتزوج قصي بن كلاب ابنته . | فلما عظم شرف قصي ، وكثر بنوه ~~وماله : هلك حليل ، فرأى قصي أنه أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة وبني بكر ~~، وأن قريشا رؤوس آل إسماعيل وصريحهم ، فكلم رجالا من قريش وكنانة في إخراج ~~خزاعة وبني بكر من مكة ، فأجابوه . | وكان الغوث بن مرة بن أد بن طابخة بن ~~الياس بن مضر يلي الإجازة للناس بالحج من عرفة ، وولده من بعده . لأن أمه ~~كانت جرهمية لا تلد . فنذرت لله إن ولدت رجلا : أن تتصدق به على الكعبة ~~يخدمها . فولدت الغوث . فكان يقوم على الكعبة مع أخواله من جرهم . فولى ~~الإجازة بالناس ، لمكانه من الكعبة ، فكان إذا رفع يقول : # % اللهم إني تابع تباعة % % إن كان إثما فعلى قضاعة % % وكانت ms010 ' صوفة ' ~~تدفع بالناس من عرفة ، وتجيزهم إذا نفروا من منى . فإذا كان يوم النفر أتوا ~~رمي الجمار ورجل من صوفة يرمي لهم ، لا يرمون حتى يرمي لهم . فكان ~~المتعجلون يأتونه يقولون : ارم حتى نرمي . فيقول : لا والله . حتى تميل ~~الشمس . فإذا مالت الشمس رمى ورمى الناس معه . فإذا فرغوا من الرمي وأرادوا ~~النفر من منى أخذت صوفة بالجانبين . فلم يجز أحد حتى يمروا ، ثم يخلون سبيل ~~الناس . | فلما انقرضوا ورثهم بنو سعد بن زيد مناة من بني تميم . | وكانت ~~الإفاضة من مزدلفة في ' عدوان ' يتوارثونها . حتى كان آخرهم كرب بن صفوان ~~بن جناب : الذي قام عليه الإسلام . فلما كان ذلك العام ، PageV01P022 فعلت ~~صوفة ما كانت تفعل ، قد عرفت العرب ذلك لهم . هو دين لهم من عهد جرهم ~~وولاية خزاعة . | فأتاهم قصي بن معه من قريش وقضاعة وكنانة عند العقبة ، ~~فقال نحن أولى بهذا منكم . فقاتلوه فاقتتل الناس قتالا شديدا . ثم انهزمت ~~صوفة . وغلبهم قصي على ما كان بأيديهم . وانحازت عند ذلك خزاعة وبنو بكر عن ~~قصي ، وعرفوا أنه سيمنعهم ، كما منع صوفة ، ويحول بينهم وبين الكعبة وأمر ~~مكة . | فلما انحازوا بادأهم وأجمع لحربهم . فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا ~~. ثم تداعوا إلى الصلح ، فحكموا يعمر بن عوف ، أحد بني بكر . فقضى بينهم ~~بأن قصيا أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة . وكل دم أصابه قصي منهم موضوع ~~شدخه تحت قدميه ، وما أصابت خزاعة وبنو بكر ففيه الدية ، وأن يخلي بين قصي ~~وبين الكعبة ومكة . فسمي يومئذ يعمر الشداخ . | فوليها قصي . وجمع قومه من ~~منازلهم إلى مكة . وتملك عليهم وملكوه . لأنه أقر للعرب ما كانوا عليه ، ~~لأنه يراه دينا لا يغير ، فأقر النسأة وآل صفوان وعدوان ، ومرة بن عوف على ~~ما كانوا عليه . حتى جاء الإسلام ، فهدم ذلك كله . وفيه يقول الشاعر : # % قصي ، لعمري كان يدعى مجمعا % به جمع الله القبائل من فهر % ~~PageV01P023 | فكان قصي بن لؤي أصاب ملكا أطاع له به قومه ، فكانت إليه ~~الحجاية ، والسقاية ، والرفادة ، والندوة ، واللواء . وقطع مكة رباعا بين ms011 ~~قومه . فأنزل كل قوم منهم منازلهم . | وقيل : إنهم : هابوا قطع الشجر عن ~~منازلهم . فقطعها بيده وأعوانه ، فسمته قريش ' مجمعا ' لما جمع من أمرهم ، ~~وتيمنت بأمره . فلا تنكح امرأة منهم ولا يتزوج رجل ولا يتشاورون فيما نزل ~~بهم ، ولا يعقدون لواء حرب إلا في داره يعقده لهم بعض ولده . | فكان أمره ~~في حياته - وبعد موته - عندهم كالدين المتبع ، واتخذ لنفسه دار الندوة ، ~~فلما كبر قصي ورق عظمه - وكان عبد الدار بكره . وكان عبد مناف قد شرف في ~~زمان أبيه ، وعبد العزى وعبد الدار . فقال قصي لعبد الدار : لألحقنك بالقوم ~~، وإن شرفوا عليك . لا يدخل أحد منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها له . ولا ~~يعقد لقريش لواء لحربها إلا أنت . ولا يشرب رجل بمكة إلا من سقايتك . ولا ~~يأكل أحد من أهل الموسم طعاما إلا من طعامك . ولا تقطع قريش أمرا من أمورها ~~إلا في دارك . | فأعطاه دار الندوة ، والحجاية ، واللواء ، والسقاية ، ~~والرفادة ، وهي خرج تخرجه قريش في الموسم من أموالها إلى قصي ، فيصنع به ~~طعاما للحاج ، يأكله من لم يكن له سعة ولا زاد . لأن قصيا فرضه على قريش . ~~فقال لهم : إنكم جيران الله وأهل بيته . وإن الحاج ضيف الله ، وهم أحق ~~الضيف بالكرامة . فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم . ~~ففعلوا . PageV01P024 | وكان قصي لا يخالف ، ولا يرد عليه شيء صنعه . | ~~فلما هلك أقام بنوه أمره لا نزاع بينهم . | ثم إن بني عبد مناف أرادوا أخذ ~~ما بيد عبد الدار ، ورأوا أنهم أولى بذلك فتفرقت قريش : بعضهم معهم . ~~وبعضهم مع عبد الدار . فكان صاحب أمر عبد مناف : عبد شمس . لأنه أسنهم . ~~وصاحب أمر بني عبد الدار : عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار . فعقد ~~كل قوم حلفا مؤكدا . فأخرج بنو عبد مناف جفنة مملوءة طيبا . فغمسوا أيديهم ~~فيها ، ومسحوا بها الكعبة . فسموا ' المطيبن ' وتعاقد بنو عبد الدار ~~وحلفاؤهم فسموا ' الأحلاف ' ثم تداعوا إلى الصلح ، على أن لعبد مناف ~~السقاية والرفادة ، وأن الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار ms012 ، فرضوا . ~~وثبت كل قوم مع من حالفوا ، حتى جاء الله بالإسلام . فقال صلى الله عليه ~~وسلم : ' كل حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة ' . | وأما حلف ~~الفضول : فاجتمعوا له في دار عبد الله بن جدعان لشرفه وسنه ، وهم : بنو ~~هاشم ، وبنو المطلب ، وأسد بن عبد العزى ، وزهرة بن كلاب ، وتيم ابن مرة ، ~~تعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها ، أو ممن دخلها ، إلا قاموا ~~معه ، حتى ترد إليه مظلمته ، فقال الزبير بن عبد المطلب : # % إن الفضول تحالفوا وتعاقدوا % % أن لا يقيم ببطن مكة ظالم % # % أمر عليه تحالفوا وتعاقدوا % % فالجار والمعتر فيهم سالم % % ~~PageV01P025 | فولى السقاية والرفادة هاشم بن عبد مناف . لأن عبد شمس سفار ~~، قلما يقيم بمكة . وكان مقلا ذا ولد . وكان هاشم موسرا ، وهو أول من سن ~~الرحلتين ، رحلة الشتاء والصيف . وأول من أطعم الثريد بمكة ، فقال بعضهم : # % عمرو الذي هشم الثريد لقومه % % قوم بمكة مسنتين عجاف % % ولما مات ~~هاشم ولى ذلك المطلب بن عبد مناف . فكان ذا شرف فيهم ، يسمونه الفياض ~~لسماحته . | وكان هاشم قدم المدينة . فتزوج سلمى بنت عمرو ، من بني النجار ~~، فولدت له عبد المطلب . فلما ترعرع خرج إليه المطلب ليأتي به ، فأبت أمه . ~~فقال : إنه يلي ملك أبيه . فأذنت له . فرحل به . وسلم إليه ملك أبيه . فولى ~~عبد المطلب ما كان أبوه يلى . وأقام لقومه ما أقام آباؤه . وشرف فيهم شرفا ~~لم يبلغه أحد من آبائه . وأحبوه وعظم خطره فيهم . | ثم ذكر قصة حفر زمزم ، ~~وما فيها من العجائب . | ثم ذكر قصة نذر عبد المطلب ذبح ولده ، وما جرى ~~فيها من العجائب . | ثم ذكر الآيات التي لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ~~ولادته ، وبعدها . وما جرى له وقت رضاعة وبعد ذلك . | ثم ذكر كفالة أمه له ~~. ثم كفالة جده ، ثم كفالة عمه أبي طالب . PageV01P026 | ثم ذكر قصة بحيرى ~~الراهب وغيرها من الآيات . | ثم ذكر تزوجه خديجة ، وما ذكر لها غلامها ~~ميسرة ، وما ذكرته هي لورقة ، وقول ورقة : # % لججت وكنت في الذكرى لجوجا ms013 % لهم طالما بعث النشيجا % % إلى آخرها . | ~~ثم ذكر حكمه صلى الله عليه وسلم بين قريش في الحجر الأسود عند بنائهم ~~الكعبة . وذكر قصة بنائها . | وذكر أمر الحمس - وقال : إن قريشا ابتدعته ~~رأيا رأوه . فقالوا : نحن بنو إبراهيم ، وأهل الحرم ، وولاة البيت . فليس ~~لأحد من العرب مثل حقنا . فلا تعظموا أشياء من الحل مثلما تعظمون الحرم ، ~~لئلا تستخف العرب بحرمتكم . فتركوا الوقوف بعرفة ، والإفاضة منها ، مع ~~معرفتهم أنها من المشاعر ، ومن دين إبراهيم . ويرون لسائر العرب أن يقفوا ~~بها ، ويفيضوا منها ، إلا أنهم قالوا : نحن أهل الحرم . فلا ينبغي لنا أن ~~نخرج منه . نحن الحمس . ' الحمس ' أهل الحرم . | ثم جعلوا لمن ولدوا من ~~العرب من أهل الحرم : مثل مالهم بولادتهم إياهم . أيحل لهم ما يحل لهم . ~~ويحرم عليهم ما يحرم عليهم . | وكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم في ذلك . ~~PageV01P027 | ثم ابتدعوا في ذلك أمورا ، فقالوا : لا ينبغي للحمس أن يقطوا ~~الأقط ، ولا أن يسلو السمن وهم حرم ، ولا يدخلوا بيتا من شعر ، ولا يستظلوا ~~إلا في بيوت الآدم ما داموا حرما . | ثم قالوا : لا يبتغي لأهل الحل أن ~~يأكلوا من طعام جاءوا به من الحل إلى الحرم ، إذا جاءوا حجاجا أو عمارا . ~~ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا - أول طوافهم - إلا في ثياب الحمس . فإن لم ~~يجدوا منها شيئا طافوا بالبيت عراة . فإن لم يجد القادم ثياب أحمس : طاف في ~~ثيابه ، وألقاها إذا فرغ . ولم ينتفع بها ولا أحد غيره . فكانت العرب ~~تسميها ' اللقى ' وحملوا على ذلك العرب . فدانت به . أما الرجال : فيطوفون ~~عراة وأما النساء : فتضع المرأة ثيابها كلها إلا درعا مفرجا ثم تطوف فيه ، ~~فقالت امرأة وهي تطوف : # % اليوم يبدوا بعضه أو كله % % وما بدا منه فلا أحله % % فلم يزالوا كذلك ~~حتى جاء الله بالإسلام . فأنزل الله : @QB@ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ~~@QE@ وأنزل فيما حرموا : ^ ( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوري ~~سوءاتكم ) ^ إلى قوله @QB@ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد @QE@ إلى ~~قوله @QB@ لقوم يعلمون @QE@ . PageV01P028 | وذكر ms014 حدوث الرجوم ، وإنذار ~~الكهان به صلى الله عليه وسلم ونزول سورة الجن وقصتهم . | ثم ذكر إنذار ~~اليهود ، وأنه سبب إسلام الأنصار ، وما نزل في ذلك من القرآن . وقصة ابن ~~الهيبان ، وقوله : ' يا معشر يهود ، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير ~~إلى أرض البؤس والجوع ؟ ' وقوله : ' إنما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبي ~~قد أظل زمانه . وهذه البلدة مهاجرة ' إلى آخرها . | ثم ذكر قصة إسلام سلمان ~~الفارسي رضي الله عنه . | ثم ذكر الأربعة المتفرقين عن الشرك في طلب الدين ~~الحق : وهم ورقة بن نوفل ، وعبيد الله بن جحش ، وعثمان بن الحويرث ، وزيد ~~بن عمرو بن نفيل . | ثم ذكر وصية عيسى ابن مريم عليه السلام باتباع محمد ~~صلى الله عليه وسلم ، وما أخذ الله على الأنبياء من الإيمان به والنصر له ، ~~وأن يؤدوه إلى أممهم . فأدوا ذلك . وهو قول الله تعالى : @QB@ وإذ أخذ الله ~~ميثاق النبيين @QE@ الآية . PageV01P029 | ثم ذكر قصة بدء الوحي إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم - والقصة في الصحيحين - وفيها : أن أول ما نزل ~~عليه : @QB@ اقرأ باسم ربك الذي خلق @QE@ - إلى قوله - @QB@ ما لم يعلم ~~@QE@ ثم أنزل عليه : @QB@ يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر ~~والرجز فاهجر ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر @QE@ . | فمن فهم أن هذه أول آية ~~أرسله الله بها : عرف أنه سبحانه أمره أن ينذر الناس عن الشرك الذي يعتقدون ~~أنه عبادة الأولياء ليقربوهم إلى الله قبل إنذاره عن نكاح الأمهات والبنات ~~. وعرف أن قوله تعالى : @QB@ وربك فكبر @QE@ أمر بالتوحيد قبل الأمر ~~بالصلاة وغيرها . وعرف قدر الشرك عند الله وقدر التوحيد . | فلما أنذر صلى ~~الله عليه وسلم الناس : استجاب له القليل : وأما الأكثر : فلم يتبعوا ولم ~~ينكروا ، حتى بادأهم بالتنفير عن دينهم وبيان نقائصه وعيب آلهتهم . فاشتدت ~~عداوتهم له ولمن تبعه . وعذبوهم عذابا شديدا ، وأرادوا أن يفتنوهم عن دينهم ~~. | فمن فهم هذا : عرف أن الإسلام لا يستقيم إلا بالعداوة لمن تركه وعيب ~~دينه وإلا لو كان لأولئك المعذبين رخصة لفعلوا . | وجرى بينه وبينهم ما ms015 ~~يطول وصفه . وقص الله سبحانه بعضه في كتابه . PageV01P030 | ومن أشهر ذلك : ~~قصة عمه أبي طالب لما حماه بنفسه وماله وعياله وعشيرته . وقاسى في ذلك ~~الشدائد العظيمة . وصبر عليها ، ومع ذلك كان مصدقا له ، مادحا لدينه ، محبا ~~لمن اتبعه ، معاديا لمن عاداه ، لكن لم يدخل فيه . ولم يتبرأ من دين آبائه ~~، واعتذر عن ذلك بأنه لا يرضى بمسبة آبائه . ولولا ذلك لاتبعه . ولما مات - ~~وأراد النبي صلى الله عليه وسلم الاستغفار له - أنزل الله عليه : @QB@ ما ~~كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ~~ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم @QE@ . | فيا لها من عبرة ما أبينها ! ومن ~~عظة ما أبلغها ! ومن بيان ما أوضحه ! لما يظن كثير ممن يدعي اتباع الحق ~~فيمن أحب الحق وأهله ، من غير اتباع للحق ، لأجل غرض من أغراض الدنيا . | ~~ومما وقع أيضا : قصته صلى الله عليه وسلم معهم - لما قرأ سورة النجم ~~بحضرتهم - فلما وصل إلى قوله : ^ ( أفرأيتم اللاة والعزى ، ومناة الثالثة ~~الأخرى ؟ ) ^ ألقى الشيطان في تلاوته : تلك الغرانيق العلى . وإن شفاعتهن ~~لترتجى . وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله ، ففرحوا بذلك فرحا شديدا ~~، وتلقاها الصغير والكبير منهم ، وقالوا كلاما معناه : هذا الذي نريد ، نحن ~~نقر أن الله هو الخالق الرازق ، المدبر للأمور ، ولكن نريد شفاعتها عنده . ~~فإذا أقر بذلك فليس بيننا وبينه أي خلاف . | واستمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقرؤها . فلما بلغ السجدة سجد وسجدوا معه . وشاع الخبر : أنهم ~~صافوه ، حتى إن الخبر وصل PageV01P031 إلى الصحابة الذين بالحبشة ، فركبوا ~~البحر راجعين لظنهم أن ذلك صدق . فلما ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : خاف أن يكون قاله . فخاف من الله خوفا عظيما ، حتى أنزل الله عليه : ~~@QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في ~~أمنيته @QE@ - إلى قوله - @QB@ عذاب يوم عقيم @QE@ . | فمن عرف هذه القصة ، ~~وعرف ما عليه المشركون اليوم ، وما قاله ويقوله علماؤهم ، ولم يميز بين ~~الإسلام الذي أتى به ms016 النبي صلى الله عليه وسلم ، وبين دين قريش الذي أرسل ~~الله رسوله ينذرهم عنه ، وهو الشرك الأكبر : فأبعده الله . فإن هذه القصة ~~في غاية الوضوح ، إلا من طبع الله على قلبه وسمعه . وجعل على بصره غشاوة ، ~~فذلك لا حيلة فيه ، ولو كان من أفهم الناس ، كما قال الله تعالى في أهل ~~الفهم الذين لم يوفقوا : ^ ( ولقد مكناهم فيما إن مكناهم فيه . وجعلنا لهم ~~سمعا وأبصارا وأفئدة . فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء ~~) ^ الآية . | ثم لما أراد الله إظهار دينه ، وإعزاز المسلمين : أسلم ~~الأنصار - أهل المدينة - بسبب العلماء الذين عندهم من اليهود . وذكرهم لهم ~~النبي PageV01P032 وصفته ، وأن هذا زمانه وقدر الله سبحانه أن أولئك ~~العلماء الذين يتمنون ظهوره وينتظرونه ، ويتوعدونهم به - لمعرفتهم أن العز ~~لمن اتبعه - يكفرون به ويعادونه . فهو قول الله سبحانه : @QB@ ولما جاءهم ~~كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ~~فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين @QE@ . | فلما أسلم ~~الأنصار : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان بمكة من المسلمين ~~بالهجرة إلى المدينة . فهاجروا إليها . وأعزهم الله تعالى بعد تلك الذلة . ~~فهو قوله تعالى : @QB@ واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن ~~يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره @QE@ الآية . | وفوائد الهجرة ، ~~والمسائل التي فيها كثيرة ، لكن نذكر منها مسألة واحدة . وهي : | أن ناسا ~~من المسلمين لم يهاجروا ، كراهة مفارقة الأهل ، والوطن والأقارب ، فهو قول ~~الله تعالى : @QB@ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم ~~وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ~~ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين @QE@ . | فلما خرجت قريش إلى بدر : خرجوا معهم كرها . فقتل بعضهم ~~بالرمي ، فلما علم الصحابة : أن فلانا قتل ، وفلانا قتل ، تأسفوا على ذلك ، ~~PageV01P033 وقالوا : قتلنا إخواننا . فأنزل الله تعالى فيهم : @QB@ إن ~~الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في ~~الأرض @QE@ - إلى ms017 قوله - @QB@ وكان الله غفورا رحيما @QE@ . | فليتأمل ~~الناصح لنفسه هذه القصة ، وما أنزل الله فيها من الآيات . فإن أولئك لو ~~تكلموا بكلام الكفر ، وفعلوا كفرا ظاهرا يرضون به قومهم : لم يتأسف الصحابة ~~على قتلهم . لأن الله بين لهم - وهم بمكة - لما عذبوا قوله تعالى : @QB@ من ~~كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان @QE@ . | فلو ~~سمعوا عنهم كلاما أو فعلا يرضون به المشركين من غيره إكراه ، ما كانوا ~~يقولون ' قتلنا إخواننا ' . | ويوضحه قوله تعالى : @QB@ قالوا فيم كنتم ~~@QE@ ولم يقولوا : كيف عقديتكم ؟ أو كيف فعلكم ؟ بل قالوا : في أي الفريقين ~~كنتم ؟ فاعتذروا بقولهم : @QB@ كنا مستضعفين في الأرض @QE@ فلم تكذبهم ~~الملائكة في قولهم هذا ، بل قالوا لهم : @QB@ ألم تكن أرض الله واسعة ~~فتهاجروا فيها @QE@ ويوضحه قوله : @QB@ إلا المستضعفين من الرجال والنساء ~~والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ~~وكان الله عفوا غفورا @QE@ . PageV01P034 | فهذا في غاية الوضوح . فإذا كان ~~هذا في السابقين الأولين من الصحابة ، فكيف بغيرهم ؟ . | ولا يفهم هذا إلا ~~من فهم أن أهل الدين اليوم لا يعدونه ذنبا . | فإذا فهمت ما أنزل الله فهما ~~جيدا . وفهمت ما عند من يدعي الدين اليوم ، تبين لك أمور : | منها : أن ~~الإنسان لا يستغني عن طلب العلم . فإن هذه وأمثالها : لا تعرف إلا بالتنبيه ~~. فإذا كانت قد أشكلت على الصحابة قبل نزول الآية ، فكيف بغيرهم ؟ . | ~~ومنها : أنك تعرف أن الإيمان ليس كما يظنه غالب الناس اليوم ، بل كما قال ~~الحسن البصري - فيما روى عنه البخاري : ' ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ~~، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال ' . | نسأل الله أن يرزقنا علما ~~نافعا ، ويعيذنا من علم لا ينفع . | قال عمر بن عبد العزيز : ' يا بني ليس ~~الخير : أن يكثر مالك وولدك ، ولكن الخير : أن تعلق عن الله ، ثم تطيعه ' . ~~| ولما هاجر المسلمون إلى المدينة ، واجتمع المهاجرون والأنصار : شرع الله ~~لهم الجهاد . وقبل ذلك نهوا عنه ، وقيل لهم : ' كفوا أيديكم ' فأنزل الله ~~تعالى : ^ ( كتب عليكم القتال . وهو كره لكم ms018 . وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير ~~لكم . وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم . والله يعلم وأنتم PageV01P035 لا ~~تعلمون ) ^ فبذلوا أنفسهم وأموالهم لله تعالى ، رضي الله عنهم ، فشكر الله ~~لهم ذلك ، ونصرهم على من عاداهم . مع قلتهم وضعفهم ، وكثرة عدوهم وقوتهم . ~~| فمن الوقائع المشهورة ، التي أنزل الله فيها القرآن : وقعة بدر ، قد أنزل ~~الله فيها سورة الأنفال ، وبعدها وقعة قينقاع ، ثم وقعة أحد بعد سنة ، ~~وفيها الآيات التي في آل عمران ، وبعدها وقعة بني النضير ، وفيها الآيات ~~التي في سورة الحشر ، ثم وقعة الخندق ، وبني قريظة ، وفيها الآيات التي في ~~سورة الأحزاب . ثم وقعة الحديبية ، وفتح خيبر . وأنزل الله فيها سورة الفتح ~~. وفتح مكة . ووقعة حنين . وأنزل الله فيها سورة النصر . وذكر حنين في سورة ~~براءة . ثم غزوة تبوك . وذكرها الله في سورة براءة . | ولما دانت له العرب ~~، ودخلوا في دين الله أفواجا ، وابتدأ في قتال العجم : اختار الله له ما ~~عنده . فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعد ما أقام بالمدينة عشر ~~سنين . وقد بلغ الرسالة ، وأدى الأمانة . فوقعت الردة المشهورة . | وذلك : ~~أنه لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم : ارتد غالب من أسلم ، وحصلت ~~فتنة عظيمة ، ثبت الله فيها من أنعم عليهم بالثبات ، بسبب أبي بكر الصديق ~~رضي الله عنه . فإنه قام فيها قياما لم يدانه فيه أحد من الصحابة ، ذكرهم ~~فيه ما نسوا . وعلمهم ما جهلوا . وشجعهم PageV01P036 لما جبنوا . فثبت الله ~~به دين الإسلام ، جعلنا الله من أتباعه ، وأتباع ما حمله أصحابه . | قال ~~الله تعالى : @QB@ يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي ~~الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في ~~سبيل الله @QE@ الآية قال الحسن : هم والله أبو بكر وأصحابه . # | ( قتال أهل الردة : ) # | وصورة الردة : أن العرب افترقت في ردتها . فطائفة رجعت إلى عبادة ~~الأصنام . وقالوا : لو كان نبيا لما مات . وفرقة قالت : نؤمن بالله ولا ~~نصلي . وطائفة أقروا بالإسلام وصلوا . ولكن منعوا الزكاة . وطائفة شهدوا أن ms019 ~~لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله . ولكن صدقوا مسيلمة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أشركه معه في النبوة . | وذلك : أنه أقام شهودا شهدوا معه ~~بذلك . وفيهم رجل من أصحابه معروف بالعلم والعبادة ، يقال له : الرجال ، ~~فصدقوه لأجل ما عرفوا فيه من العلم والعبادة ففيه يقول بعضهم ممن ثبت منهم ~~: # % يا سعاد الفؤاد بنت أثال % % طال ليلي بفتنة الرجال % # % فتن القوم بالشهادة % % والله عزيز ذو قوة ومحال % % وقوم من أهل اليمن ~~، صدقوا الأسود العنسي في ادعائه النبوة . PageV01P037 | وقوم صدقوا طليحة ~~الأسدي . | ولم يشك أحد من الصحابة في كفر من ذكرنا ، ووجوب قتالهم ، إلا ~~مانع الزكاة ولما عزم أبو بكر رضي الله عنه على قتالهم . قيل له ' كيف ~~نقاتلهم . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا : لا إله إلا الله . فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ، إلا ~~بحقها ؟ قال أبو بكر : فإن الزكاة من حقها ، والله لو منعوني عقالا كانوا ~~يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه ' . | ثم زالت ~~الشبهة عن الصحابة رضي الله عنهم ، وعرفوا وجوب قتالهم ، فقاتلوهم ونصرهم ~~الله عليهم . فقتلوا من قتلوا منهم ، وسبوا نساءهم وعيالهم . | فمن أهم ما ~~على المسلم اليوم : تأمل هذه القصة التي جعلها الله من حججه على خلقه إلى ~~يوم القيامة . فمن تأمل هذا تأملا جيدا - خصوصا إذا عرف أن الله شهرها على ~~ألسنة العامة ، وأجمع العلماء على تصويب أبي بكر في ذلك ، وجعلوا من أكبر ~~فضائله ، وعلمه : أنه لم يتوقف في قتالهم ، بل قاتلهم من أول وهلة . وعرفوا ~~غزارة فهمه في استدلاله عليهم بالدليل الذي أشكل عليهم . فرد عليهم . ~~بدليلهم بعينه ، مع أن المسألة موضحة في القرآن والسنة . | أما القرآن : ~~فقوله تعالى : @QB@ فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ~~وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فخلوا سبيلهم @QE@ . PageV01P038 | وفي الصحيحين : أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال : ' أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ms020 أن لا إله إلا الله ~~، وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة . فإذا فعلوا ذلك ~~: عصموا مني دماءهم وأموالهم ، إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى ' . ~~| فهذا كتاب الله الصريح ، للعامي البليد . وهذا كلام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم . وهذا إجماع العلماء الذين ذكرت لك . | والذي يعرفك هذا جيدا : ~~هو معرفة ضده ، وهو أن العلماء في زماننا يقولون : من قال : ' لا إله إلا ~~الله ' فهو المسلم ، حرام المال والدم لا يكفر ولا يقاتل ، حتى إنهم يصرحون ~~بذلك في شأن البدو الذين يكذبون بالبعث . وينكرون الشرائع . ويزعمون أن ~~شرعهم الباطل : هو حق الله ، ولو طلب أحد منهم خصمه أن يخاصمه عند شرع الله ~~: لعدوه من أنكر المنكرات ، بل من حيث الجملة : إنهم يكفرون بالقرآن من ~~أوله إلى آخره . ويكفرون بدين الرسول كله ، مع إقرارهم بذلك بألسنتهم ، ~~وإقرارهم : أن شرعهم أحدثه آباؤهم لهم كفرا بشرع الله . | وعلماء الوقت ~~يعترفون بهذا كله . ويقولون : ما فيهم من الإسلام شعرة . وهذا القول تلقته ~~العامة عن علمائهم ، وأنكروا به ما بينه الله ورسوله . بل كفروا من صدق ~~الله ورسوله في هذه المسألة ، وقالوا : من كفر مسلما فقد كفر . والمسلم ~~عندهم : الذي ليس معه من الإسلام PageV01P039 شعرة ، إلا أنه يقول بلسانه ' ~~لا إله إلا الله ' وهو أبعد الناس عن فهمها وتحقيق مطلوبها علما وعقيدة ~~وعملا . | فاعلم - رحمك الله - أن هذه المسألة : أهم الأشياء كلها عليك . ~~لأنها هي الكفر والإسلام . فإن صدقتهم فقد كفرت بما أنزل الله على رسوله ~~صلى الله عليه وسلم ، كما ذكرنا لك من القرآن والسنة والإجماع . وإن صدقت ~~الله ورسوله عادوك وكفروك . | وهذا الكفر الصريح بالقرآن والرسول في هذه ~~المسألة : قد اشتهر في الأرض مشرقها ومغربها . ولم يسلم منه إلا أقل القليل ~~. | فإن رجوت الجنة ، وخفت من النار : فاطلب هذه المسألة ، وادرسها من ~~الكتاب والسنة ، وحررها ، ولا تقصر في طلبها ، لأجل شدة الحاجة إليها ، ~~ولأنها الإسلام والكفر . وقل : اللهم ألهمني رشدي . وفهمني عنك ، وعلمني ~~منك ، وأعذني من مضلات الفتن ما أحييتني . | وأكثر ms021 الدعاء بالدعاء الذي صح ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو به في الصلاة . وهو : ' ~~اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السموات والأرض ، عالم الغيب ~~والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف ~~فيه من الحق بإذنك . إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ' . PageV01P040 | ~~ونزيد المسألة إيضاحا ودلائل لشدة الحاجة إليها ، فنقول : | ليتفطن العاقل ~~لقصة واحدة منها . وهي أن بني حنيفة أشهر أهل الردة ، وهم الذين يعرفهم ~~العامة من أهل الردة . وهم عند الناس أقبح أهل الردة . وأعظمهم كفرا . وهم ~~- مع هذا - يشهدون : أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ويؤذنون ~~ويصلون ، ومع هذا فإن أكثرهم يظنون أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بذلك ~~، لأجل الشهود الذين شهدوا مع الرجال . | والذي يعرف هذا - ولا يشك فيه - ~~يقول : من قال : ' لا إله إلا الله ' فهو المسلم ، ولو لم يكن معه من ~~الإسلام شعرة ، بل قد تركه واستهزأ به متعمدا . فسبحان الله مقلب القلوب ~~كيف يشاء ! ! كيف يجتمع في قلب من له عقل - ولو كان من أجهل الناس - أنه ~~يعرف أن بني حنيفة كفروا ، مع أن حالهم ما ذكرنا ، وأن البدو إسلام . ولو ~~تركوا الإسلام كله ، وأنكروه ، واستهزأوا به على عمد . لأنهم يقولون : ' لا ~~إله إلا الله ' لكن أشهد أن الله على كل شيء قدير . نسأله أن يثبت قلوبنا ~~على دينه ، ولا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا ، وأن يهب لنا منه رحمة . إنه هو ~~الوهاب . PageV01P041 # | 2 ( الدليل الثاني : قصة أخرى وقعت في زمن الخلفاء الراشدين ) # | وهي أن بقايا من بني حنيفة ، لما رجعوا إلى الإسلام ، وتبرأوا من ~~مسيلمة ، وأقروا بكذبه : كبر ذنبهم عند أنفسهم ، وتحملوا بأهليهم إلى الثغر ~~لأجل الجهاد في سبيل الله ، لعل ذلك يمحوا عنهم آثار تلك الردة . لأن الله ~~تعالى يقول : @QB@ إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات @QE@ ويقول @QB@ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم ~~اهتدى @QE@ فنزلوا الكوفة . وصار لهم بها محلة ms022 معروفة ، فيها مسجد يسمى ~~مسجد بني حنيفة ، فمر بعض المسلمين على مسجدهم بين المغرب والعشاء . فسمعوا ~~منهم كلاما معناه : أن مسيلمة كان على حق ، وهم جماعة كثيرون ، لكن الذي لم ~~يقله لم ينكره على من قاله . فرفعوا أمرهم إلى عبد الله بن مسعود ، فجمع من ~~عنده من الصحابة واستشارهم : هل يقتلهم وإن تابوا ، أو يستتيبهم ؟ فأشار ~~بعضهم بقتلهم من غير استتابة . وأشار بعضهم باستتابتهم ، فاستتاب بعضهم ، ~~وقتل بعضهم ولم يستتبه . | فتأمل - رحمك الله - إذا كانوا قد أظهروا من ~~الأعمال الصالحة الشاقة ما أظهروا ، لما تبرأوا من الكفر ، وعادوا إلى ~~الإسلام . ولم يظهر منهم إلا كلمة أخفوها في مدح مسيلمة ، لكن سمعها بعض ~~المسلمين . PageV01P042 ومع هذا لم يتوقف أحد في كفرهم كلهم - المتكلم ~~والحاضر الذي لم ينكر - ولكن اختلفوا : هل تقبل توبتهم أو لا ؟ والقصة في ~~صحيح البخاري . | فأين هذا من كلام من يزعم : أنه من العلماء ، ويقول : ~~البدو ما معهم من الإسلام شعرة ، إلا أنهم يقولون : ' لا إله إلا الله ' ~~ومع ذلك يحكم بإسلامهم بذلك ؟ أين هذا مما أجمع عليه الصحابة : فيمن قال ~~تلك الكلمة ، أو حضرها ولم ينكر ؟ . # % سارت مشرقة ، وسرت مغربا % شتان بن مشرق ومغرب % % ربنا إني أعوذ بك أن ~~أكون ممن قلت فيهم : @QB@ فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ~~ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون @QE@ ولا ممن قلت فيهم : @QB@ إن ~~شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون @QE@ . PageV01P043 # | 2 ( الدليل الثالث : ما وقع في زمان الخلفاء الراشدين ) # | قصة أصحاب علي بن أبي طالب - لما اعتقدوا فيه الإلهية التي تعتقد اليوم ~~في أناس من أكفر بني آدم وأفسقهم - فدعاهم إلى التوبة فأبوا . فخد لهم ~~الأخاديد ، وملأها حطبا . وأضرم فيها النار . وقذفهم فيها وهم أحياء . | ~~ومعلوم أن الكافر - مثل اليهودي والنصراني - إذا أمر الله بقتله لا يجوز ~~إحراقه بالنار . فعلم أنهم أغلظ كفرا من اليهود والنصارى . | هذا ، وهم ~~يقومون الليل ، ويصومون النهار ، ويقرأون القرآن ، آخذين له عن أصحاب رسول ~~الله صلى الله ms023 عليه وسلم . فلما غلوا في علي ذلك الغلو : أحرقهم بالنار وهم ~~أحياء . وأجمع الصحابة وأهل العلم كلهم على كفرهم . فأين هذا ممن يقول في ~~البدو تلك المقالة ، مع اعترافه بهذه القصة وأمثالها ، واعترافه : أن البدو ~~كفروا بالإسلام كله ، إلا أنهم يقولون لا إله إلا الله ! . | واعلم أن ~~جناية هؤلاء إنما هي على الألوهية ، وما علمنا فيهم جناية على النبوة ، ~~والذين قبلهم جنايتهم على النبوة ، وما علمنا لهم جناية على الإلهية . وهذا ~~مما يبين لك شيئا من معنى الشهادتين الذين هما أصل الإسلام . PageV01P044 # | 2 ( الدليل الرابع : ما وقع في زمن الصحابة أيضا ) # | وهي قصة المختار بن أبي عبيد الثقفي . وهو رجل من التابعين ، مصاهر ~~لعبد الله بن عمر رضي الله عنه وعن أبيه ، مظهر للصلاح . فظهر في العراق ~~يطلب بدم الحسين وأهل بيته ، فقتل ابن زياد ، ومال إليه من مال ، لطلبه دم ~~أهل البيت ممن ظلمهم ابن زياد . فاستولوا على العراق ، وأظهر شرائع الإسلام ~~، ونصب القضاة والأئمة من أصحاب ابن مسعود . رضي الله عنه وكان هو الذي ~~يصلي بالناس الجمعة والجماعة ، لكن في آخر أمره : زعم أنه يوحي إليه . فسير ~~إليه عبد الله بن الزبير جيشا ، فهزموا جيشه وقتلوه ، وأمين الجيش مصعب بن ~~الزبير ، وتحته امرأة أبوها أحد الصحابة ، فدعاها مصعب إلى تكفيره فأبت . ~~فكتب إلى أخيه عبد الله يستفتيه فيها ، فكتب إليه : إن لم تبرأ منه فاقتلها ~~. فامتنعت ، فقتلها مصعب . | وأجمع العلماء كلهم على كفر المختار - مع ~~إقامته شعائر الإسلام - لما جنى على النبوة . | وإذا كان الصحابة قتلوا ~~المرأة التي هي من بنات الصحابة لما امتنعت من تكفيره ، فكيف بمن لم يكفر ~~البدو مع إقراره بحالهم ؟ فكيف بمن زعم أنهم هم أهل الإسلام ، ومن دعاهم ~~إلى الإسلام هو الكافر ؟ يا ربنا نسألك العفو والعافية . PageV01P045 # | 2 ( الدليل الخامس : ما وقع في زمن التابعين ) # | وذلك قصة الجعد بن درهم ، وكان من أشهر الناس بالعلم والعبادة . فلما ~~جحد شيئا من صفات الله - مع كونها مقالة خفية عند الأكثر - ضحى به خالد بن ~~عبد ms024 الله القسري يوم عيد الأضحى ، فقال : أيها الناس ، ضحوا تقبل الله ~~ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم ، فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ~~، ولم يكلم موسى تكليما . ثم نزل فذبحه ، ولم يعلم أن أحدا من العلماء أنكر ~~ذلك عليه . بل ذكر ابن القيم إجماعهم على استحسانه ، فقال : # % شكر الضحية كل صاحب سنة % % لله درك من أخي قربان % % فإذا كان رجل من ~~أشهر الناس بالعلم والعبادة ، أخذ العلم عن الصحابة ، أجمعوا على استحسان ~~قتله ، فأين هذا من اعتقاد أعداء الله في البدو ؟ PageV01P046 # | 2 ( الدليل السادس : قصة بني عبيد القداح ) # | فإنهم ظهروا على رأس المائة الثالثة . فادعى عبيد الله : أنه من آل علي ~~بن أبي طالب ، من ذرية فاطمة ، وتزيى بزي أهل الطاعة والجهاد في سبيل الله ~~. فتبعه أقوام من البربر من أهل المغرب . وصار له دولة كبيرة في المغرب ~~ولأولاده من بعده . ثم ملكوا مصر والشام ، وأظهروا شرائع الإسلام ، وإقامة ~~الجمعة والجماعة . ونصبوا القضاة والمفتين . لكن أظهروا الشرك ومخالفة ~~الشريعة ، وظهر منهم ما يدل على نفاقهم وشدة كفرهم . فأجمع أهل العلم : ~~أنهم كفار ، وأن دارهم دار حرب ، مع إظهارهم شعائر الإسلام . | وفي مصر من ~~العلماء والعباد أناس كثير ، وأكثر أهل مصر لم يدخل معهم فيما أحدثوا من ~~الكفر . ومع ذلك : أجمع العلماء على ما ذكرنا ، حتى أن بعض أكابر أهل العلم ~~المعروفين بالصلاح قال : لو أن معي عشرة أسهم لرميت بواحد منها النصارى ~~المحاربين . ورميت بالتسعة بني عبيد . | ولما كان زمان السلطان محمود بن ~~زنكي أرسل إليهم جيشا عظيما بقيادة صلاح الدين . فأخذوا مصر من أيديهم . ~~ولم يتركوا جهادهم بمصر لأجل من فيها من الصالحين . | فلما فتحها السلطان ~~محمود فرح المسلمون بذلك أشد الفرح . وصنف ابن الجوزي في ذلك كتابا سماه ' ~~النصر على مصر ' . PageV01P047 | وأكثر العلماء التصنيف والكلام في كفرهم ، ~~مع ما ذكرنا من إظهارهم شرائع الإسلام الظاهرة . | فانظر ما بين هذا وبين ~~ديننا الأول : أن البدو إسلام ، مع معرفتنا بما هم عليه من البراءة من ~~الإسلام كله ، إلا ms025 قول ' لا إله إلا الله ' ولا تظن أن أحدا منهم يكفر إلا ~~إن انتقل يهوديا أو نصرانيا . | فإن آمنت بما ذكر الله ورسوله ، وبما أجمع ~~عليه العلماء ، وتبرأت من دين آبائك في هذه المسألة ، وقلت : آمنت بالله ~~وبما أنزل الله ، وتبرأت مما خالفه باطنا وظاهرا ، مخلصا لله الدين في ذلك ~~، وعلم الله ذلك من قلبك ، فأبشر . ولكن اسأل الله التثبيت . واعرف أنه ~~مقلب القلوب . PageV01P048 # | 2 ( الدليل السابع : قصة التتار ) # | وذلك : أنهم بعد ما فعلوا بالمسلمين ما فعلوا ، وسكنوا بلاد المسلمين ، ~~وعرفوا دين الإسلام : استحسنوه وأسلموا . لكن لم يعملوا بما يجب عليهم من ~~شرائعه . وأظهروا أشياء من الخروج عن الشريعة ، لكنهم كانوا يتلفظون ~~بالشهادتين ، ويصلون الصلوات الخمس والجمعة والجماعة . وليسوا كالبدو ، ومع ~~هذا كفرهم العلماء ، وقاتلوهم وغزوهم . حتى أزالهم الله عن بلدان المسلمين ~~. | وفيما ذكرنا كفاية لمن هداه الله . | وأما من أراد الله فتنته : فلو ~~تناطحت الجبال بين يديه لم ينفعه ذلك . | ولو ذكرنا ما جرى من السلاطين ~~والقضاة ، من قتل من أتى بأمور يكفر بها - ولو كان يظهر شعائر الإسلام - ~~وقامت عليه البينة باستحقاقه للقتل ، مع أن في هؤلاء المقتولين من كان من ~~أعلم الناس وأزهدهم وأعبدهم في الظاهر ، مثل الحلاج وأمثاله ، ومن هو من ~~الفقهاء المصنفين ، كالفقيه عمارة . | فلو ذكرنا قصص هؤلاء لاحتمل مجلدات . ~~ولا نعرف فيهم رجلا واحدا بلغ كفره كفر البدو الذين يقول عنهم - من يزعم ~~إسلامهم - : إنه ليس معهم من الإسلام شعرة إلا قول : ' لا إله إلا الله ' ~~ولكن من يهد الله فهو المهتدي . ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا . ~~PageV01P049 | والعجب أن الكتب التي بأيديهم ، والتي يزعمون أنهم يعرفونها ~~ويعملون بها : فيها مسائل الردة . | وتمام العجب : أنهم يعرفون بعض ذلك ~~ويقرون به ، ويقولون : من أنكر البعث كفر . ومن شك فيه كفر . ومن سب الشرع ~~كفر . ومن أنكر فرعا مجمعا عليه كفر . كل هذا يقولونه بألسنتهم . | فإذا ~~كان من أنكر الأكل باليمين ، أو أنكر النهي عن إسبال الثياب ، أو أنكر سنة ~~الفجر أو الوتر : فهو كافر ms026 . ويصرحون أن من أنكر الإسلام كله وكذب به ، ~~واستهزأ بمن صدقه : فهو أخوك المسلم ، حرام الدم والمال ، مادام يقول : ' ~~لا إله إلا الله ' ثم يكفروننا ، ويستحلون دماءنا وأموالنا ، مع أنا نقول ' ~~لا إله إلا الله ' فإذا سئلوا عن ذلك ؟ قالوا : من كفر مسلما فقد كفر . | ~~ثم لم يكفهم ذلك حتى أفتوا لمن عاهدنا بعهد الله ورسوله : أن ينقض العهد ~~وله في ذلك ثواب عظيم ، ويفتون من عنده أمانة لنا ، أو مال يتيم : أنه يجوز ~~له أكل أمانتنا ، ولو كانت مال يتيم ، بضاعة عنده أو وديعة ، بل يرسلون ~~الرسائل لدهام بن دواس وأمثاله : إذا حاربوا التوحيد ونصروا عبادة الأصنام ~~، يقولون : أنت يا فلان قمت مقام الأنبياء . مع إقرارهم أن التوحيد - الذي ~~ندعو إليه ، وكفروا به وصدوا الناس عنه هو دين الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام وأن الشرك الذي نهينا الناس عنه ، ورغبوهم هم فيه ، وأمروهم بالصبر ~~على آلهتهم - أنه الشرك الذي نهى عنه الأنبياء . ولكن هذه من أكبر آيات ~~الله ، فمن لم يفهمها فليبك على نفسه . والله سبحانه وتعالى أعلم . ~~PageV01P050 # | 1 ( نسب النبي صلى الله عليه وسلم ) # # | بسم الله الرحمن الرحيم # | محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن ~~مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن ~~مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان . إلى هنا معلوم الصحة . ~~وما فوق عدنان مختلف فيه . ولا خلاف أن عدنان : من ولد إسماعيل . وإسماعيل ~~هو الذبيح على القول الصواب . والقول بأنه إسحاق باطل . | ولا خلاف أنه صلى ~~الله عليه وسلم ولد بمكة عام الفيل . وكانت وقعة الفيل تقدمة قدمها الله ~~لنبيه وبيته ، وإلا فأهل الفيل نصارى أهل الكتاب ، دينهم خير من دين أهل ~~مكة . لأنهم عباد أوثان . فنصرهم الله نصرا لا صنع للبشر فيه ، تقدمة للنبي ~~الذي أخرجته قريش من مكة ، وتعظيما للبلد الحرام . # | 2 ( قصة الفيل : ) # | وكان سبب قصة الفيل - على ms027 ما ذكر محمد بن إسحاق - أن أبرهة بن الصباح ~~كان عاملا للنجاشي ملك الحبشة على اليمن . فرأى الناس يتجهزون أيام الموسم ~~إلى مكة - شرفها الله - فبنى كنيسة بصنعاء . وكتب PageV01P051 إلى النجاشي ~~' إني بنيت لك كنيسة لم يبن مثلها ، ولست منتهيا حتى أصرف إليها حج العرب ' ~~فسمع به رجل من بني كنانة ، فدخلها ليلا . فلطخ قبلتها بالعذرة . فقال ~~أبرهة : من الذي اجترأ على هذا ؟ قيل : رجل من أهل ذلك البيت ، سمع بالذي ~~قلت . فحلف أبرهة ليسيرن إلى الكعبة حتى يهدمها . وكتب إلى النجاشي يخبره ~~بذلك ، فسأله أن يبعث إليه بفيله . وكان له فيل يقال له : محمود ، لم ير ~~مثله عظما وجسما وقوة ، فبعث به إليه ، فخرج أبرهة سائرا إلى مكة . فسمعت ~~العرب بذلك فأعظموه ، ورأوا جهاده حقا عليهم . | فخرج ملك من ملوك اليمن ، ~~يقال له : ذو نفر . فقاتله . فهزمه أبرهة وأخذه أسيرا ، فقال : أيها الملك ~~استبقني خيرا لك ، فاستحياه وأوثقه . | وكان أبرهة رجلا حليما . فسار حتى ~~إذا دنا من بلاد خثعم خرج إليه نفيل بن حبيب الخثعمي ، ومن اجتمع إليه من ~~قبائل العرب . فقاتلوهم فهزمهم أبرهة . فأخذ نفيلا ، فقال له : أيها الملك ~~، إنني دليلك بأرض العرب ، وهاتان يداي على قومي بالسمع والطاعة . فاستبقني ~~خيرا لك . فاستبقاه . وخرج معه يدله على الطريق . | فلما مر بالطائف خرج ~~إليه مسعود بن معتب في رجال من ثقيف . فقال له : أيها الملك ، نحن عبيدك . ~~ونحن نبعث معك من يدلك . فبعثوا معه بأبي رغال مولى لهم . فخرج حتى إذا كان ~~بالمغمس مات أبو رغال ، وهو الذي يرجم قبره . وبعث أبرهة رجلا من الحبشة - ~~يقال له : الأسود بن مفصود - على مقدمة خيله وأمر بالغارة على نعم الناس . ~~فجمع الأسود إليه أموال الحرم . وأصاب لعبد المطلب مائتي بعير . ~~PageV01P052 | ثم بعث رجلا من حمير إلى أهل مكة ، فقال : أبلغ شريفها أنني ~~لم آت لقتال ، بل جئت لأهدم البيت . فانطلق ، فقال لعبد المطلب ذلك . | ~~فقال عبد المطلب : ما لنا به يدان . سنخلي بينه وبين ما جاء له . فإن هذا ~~بيت الله ms028 وبيت خليله إبراهيم ، فإن يمنعه فهو بيته وحرمه . وإن يخلي بينه ~~وبين ذلك فوالله ما لنا به من قوة . | قال : فانطلق معي إلى الملك - وكان ~~ذو نفر صديقا لعبد المطلب - فأتاه ، فقال : يا ذا نفر ، هل عندك غناء فيما ~~نزل بنا ؟ فقال : ما غناء رجل أسير لا يأمن أن يقتل بكرة أو عشيا ، ولكن ~~سأبعث إلى أنيس سائس الفيل ، فإنه لي صديق ، فاسأله أن يعظم خطرك عند الملك ~~. | فأرسل إليه ، فقال لأبرهة : إن هذا سيد قريش يستأذن عليك . وقد جاء غير ~~ناصب لك ، ولا مخالف لأمرك ، وأنا أحب أن تأذن له . | وكان عبد المطلب رجلا ~~جسيما وسيما . فلما رآه أبرهة أعظمه وأكرمه . وكره أن يجلس معه على سريره ، ~~وأن يجلس تحته . فهبط إلى البساط ، فدعاه فأجلسه معه . فطلب منه أن يرد ~~عليه مائتي البعير التي أصابها من ماله . | فقال أبرهة لترجمانه ، قل له : ~~إنك كنت أعجبتني حين رأيتك ولقد زهدت فيك . قال : لم ؟ قال : جئت إلى بيت - ~~هو دينك ودين آبائك ، وشرفكم وعصمتكم - لأهدمه . فلم تكلمني فيه ، وتكلمني ~~في مائتي بعير ؟ قال : أنا رب الإبل . والبيت له رب يمنعه منك . | فقال : ~~ما كان ليمنعه مني . PageV01P053 | قال : فأنت وذاك . فأمر بإبله فردت عليه ~~. | ثم خرج ، وأخبر قريشا الخبر . وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب ، ويتحرزوا ~~في رؤوس الجبال ، خوفا عليهم من معرة الجيش . | ففعلوا . وأتى عبد المطلب ~~البيت . فأخذ بحلقة الباب ، وجعل يقول : # % يا رب ، لا أرجو لهم سواكا % % يا رب فامنع منهمو حماكا % # % إن عدو البيت من عاداكا % % فامنعهمو أن يخربوا قراكا % % وقال أيضا : # % لا هم إن المرء يمنع رحله % % وحلاله . فامنع حلالك % # % لا يغلبن صليبهم % % ومحالهم غدوا محالك % # % جروا جموعهم وبلادهم % % والفيل ، كي يسبوا عيالك % # % إن كنت تاركهم وكعبتنا % % فأمر ما بدا لك % % ثم توجه في بعض تلك ~~الوجوه مع قومه . وأصبح أبرهة بالمغمس قد تهيأ للدخول . وعبأ جيشه . وهيأ ~~فيله . فأقبل نفيل إلى الفيل . فأخذ بإذنه ، فقال : ابرك محمود . فإنك في ~~بلد الله الحرام . فبرك الفيل . فبعثوه فأبى . فوجهوه ms029 إلى اليمن ، فقام ~~يهرول . ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك . ووجهوه إلى المشرق ففعل ذلك . ~~فصرفوه إلى الحرم فبرك . وخرج نفيل يشتد حتى صعد الجبل ، فأرسل الله طيرا ~~من قبل البحر ، مع كل طائر ثلاثة أحجار . حجرين في رجليه وحجرا في منقاره . ~~فلما غشيت القوم أرسلتها عليهم . فلم تصب تلك الحجارة أحدا إلا هلك . وليس ~~كل القوم أصابت . فخرج البقية PageV01P054 هاربين يسألون عن نفيل ، ليدلهم ~~على الطريق إلى اليمن . فماج بعضهم في بعض . يتساقطون بكل طريق ، ويهلكون ~~على كل منهل . وبعث الله على أبرهة داء في جسده . فجعلت تساقط أنامله ، حتى ~~انتهى إلى صنعاء وهو مثل الفرخ . وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ثم هلك . ~~| رجعنا إلى سيرته صلى الله عليه وسلم . # | 2 ( وفاة عبد الله والد رسول الله : ) # | قد اختلف في وفاة أبيه : هل توفي بعد ولادته أو قبلها ؛ الأكثر : على ~~أنه توفي وهو حمل . ولا خلاف أن أمه ماتت بين مكة والمدينة بالأبواء ، ~~منصرفها من المدينة من زيارة أخواله . ولم يستكمل إذ ذاك ست سنين . | فكفله ~~جده عبد المطلب . ورق عليه رقة لم يرقها على أولاده . فكان لا يفارقه . وما ~~كان أحد من ولده يجلس على فراشه - إجلالا له - إلا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم . | وقدم مكة قوم من بني مدلج من القافة . فلما نظروا إليه قالوا لجده ~~: احتفظ به . فلم نجد قوما أشبه بالقدم الذي في المقام من قدمه . فقال لأبي ~~طالب اسمع ما يقول هؤلاء ، واحتفظ به . | وتوفي جده في السنة الثامنة من ~~مولده . وأوصى به إلى أبي طالب . وقيل إنه قال له : PageV01P055 # % أوصيك يا عبد مناف بعدي % % بمفرد بعد أبيه فرد % # % وكنت كالأم له في الوجد % % تدنيه من أحشائها والكبد % # % فأنت من أرجى بني عندي % % لرفع ضيم ولشد عضد % # | 2 ( عبد المطلب جد رسول الله : ) # | قال ابن إسحاق : وكان عبد المطلب من سادات قريش ، محافظا على العهود . ~~متخلقا بمكارم الأخلاق . يحب المساكين ، ويقوم في خدمة الحجيج . ويطعم في ~~الأزمات . ويقمع الظالمين . وكان يطعم ms030 حتى الوحوش والطير في رؤوس الجبال . ~~وكان له أولاد أكبرهم الحارث . توفي في حياة أبيه . وأسلم من أولاد الحارث ~~عبيدة . قتل ببدر ، وربيعة ، وأبو سفيان ، وعبد الله . | ومنهم : الزبير بن ~~عبد المطلب شقيق عبد الله . وكان رئيس بني هاشم وبني المطلب في حرب الفجار ~~، شريفا شاعرا . ولم يدرك الإسلام . وأسلم من أولاده : عبد الله . واستشهد ~~بأجنادين . وضباعة ، ومجل ، وصفية ، وعاتكة . | وأسلم منهم حمزة بن عبد ~~المطلب والعباس . | ومنهم : أبو لهب مات عقيب بدر . وله من الولد : عتيبة ~~الذي دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقتله السبع . وله عتبة ، ومعتب . ~~أسلما يوم الفتح . ومن بناته : أروى . تزوجها كرز بن ربيعة بن حبيب بن عبد ~~شمس . فولدت له عامرا وأروى . فتزوج أروى عفان بن أبي العاص بن أمية . ~~فولدت له عثمان ، ثم خلف عليها عقبة بن أبي معيط ، فولدت له الوليد بن عقبة ~~، وعاشت إلى خلافة ابنها عثمان . PageV01P056 | ومنهن : برة بنت عبد المطلب ~~، أم أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي . | ومنهن : عاتكة أم عبد الله بن أبي ~~أمية . وهي صاحبة المنام قبل يوم بدر . واختلف في إسلامها . | ومنهن : صفية ~~أم الزبير بن العوام . أسلمت وهاجرت . | وأروى أم آل جحش - عبد الله ، وأبي ~~أحمد ، وعبيد الله ، وزينب ، وحمنة . | وأم عبد المطلب : هي سلمى بنت زيد ~~من بني النجار ، تزوجها أبوه هاشم بن عبد مناف . فخرج إلى الشام - وهي عند ~~أهلها ، قد حملت بعبد المطلب - فمات بغزة . فرجع أبو رهم بن عبد العزى ~~وأصحابه إلى المدينة بتركته . وولدت امرأته سلمى : عبد المطلب . وسمته شيبة ~~الحمد . فأقام في أخواله مكرما . فبينما هو يناضل الصبيان ، فيقول : أنا ~~ابن هاشم ، سمعه رجل من قريش ، فقال لعمه المطلب : إني مررت بدور بني قيلة ~~. فرأيت غلاما يغتزي إلى أخيك . وما ينبغي ترك مثله في الغربة . فرحل إلى ~~المدينة في طلبه . فلما رآه فاضت عيناه ، وضمه إليه . وأنشد شعرا : # % عرفت شيبة والنجار قد جعلت % % أبناءها حوله بالنبل تنتضل % # % عرفت أجلاده فينا وشيمته % % ففاض مني عليه وإبل هطل % % فأردفه على ms031 ~~راحلته ، فقال : يا عم ، ذلك إلى الوالدة . فجاء إلى أمه . فسألها أن ترسل ~~به معه ، فامتنعت . فقال لها : إنما يمضي إلى ملك أبيه ، وإلى حرم الله . ~~فأذنت له . فقدم به مكة ، فقال الناس : هذا عبد المطلب . فقال : ويحكم إنما ~~هو ابن أخي هاشم . PageV01P057 | فأقام عنده حتى ترعرع . فسلم إليه ملك ~~هاشم : من أمر البيت ، والرفادة ، والسقاية ، وأمر الحجيج ، وغير ذلك . | ~~وكان المطلب شريفا مطاعا جوادا ، وكانت قريش تسميه الفياض لسخائه . وهو ~~الذي عقد الحلف بين قريش وبين النجاشي . وله من الولد : الحارث ، ومخرمة ، ~~وعباد ، وأنيس ، وأبو عمر ، وأبو رهم ، وغيرهم . | ولما مات وثب نوفل بن ~~عبد مناف على أركاح شيبة . فغصبه إياها ، فسأل رجالا من قريش النصرة على ~~عمه . فقالوا : لا ندخل بينك وبين عمك . فكتب إلى أخواله من بني النجار ~~أبياتا ، منها : # % يا طول ليلي لأحزاني وإشغالي % % هل من رسول إلى النجار أخوالي ؟ % # % بني عدي ودينار ومازنها % % ومالك عصمة الحيران عن حالي % # % قد كنت فيهم وما أخشى ظلامة ذي % % ظلم ، عزيزا مينعا ناعم البال % # % حتى ارتحلت إلى قومي ، وأزعجني % % لذاك مطلب عمي بترحالي % # % فغاب مطلب في قعر مظلمه % % ثم انبرى نوفل يعدو على مالي % # % لما رأى رجلا غابت عمومته % % وغاب أخواله عنه بلا والي % # % فاستنفروا . وامنعوا ضيم ابن أختكم % % لا تخذلوه . فما أنتم بخذالي % ~~% PageV01P058 | فلما وقف خاله أبو سعد بن عدي بن النجار على كتابه بكى . ~~وسار من المدينة في ثمانين راكبا ، حتى قدم مكة . فنزل بالأبطح ، فتلقاه ~~عبد المطلب ، وقال : المنزل يا خال : فقال : لا والله حتى ألقى نوفلا . ~~فقال : تركته بالحجر جالسا في مشايخ قومه . فأقبل أبو سعد حتى وقف عليهم . ~~فقام نوفل قائما ، فقال : يا أبا سعد ، أنعم صباحا ، فقال : لا أنعم الله ~~لك صباحا ، وسل سيفه . وقال : ورب هذا البيت ، لئن لم ترد على ابن أختي ~~أركاحه لأمكنن منك هذا السيف . فقال : رددتها عليه . فاشهد عليه مشايخ قريش ~~. ثم نزل على شيبة ، فأقام عنده ثلاثا . ثم اعتمر ورجع إلى المدينة . فقال ~~عبد المطلب : # % ويأبى مازن ms032 وأبو عدي % % ودينار ابن تيم الله ضيمي % # % بهم رد الإله على ركحي % % وكانوا في انتساب دون قومي % % فلما جرى ذلك ~~: حالف نوفل بني عبد شمس بن عبد مناف على بني هاشم ، وحالفت بنو هاشم : ~~خزاعة على بني عبد شمس ونوفل . فكان ذلك سببا لفتح مكة . كما سيأتي . | ~~فلما رأت خزاعة نصر بني النجار لعبد المطلب ، قالوا : نحن ولدناه كما ~~ولدتموه ، فنحن أحق بنصره . وذلك أن أم عبد مناف منهم . فدخلوا دار الندوة ~~وتحالفوا وكتبوا بينهم كتابا . # | 2 ( عبد الله والد رسول الله : ) # | وأما عبد الله ، والد النبي صلى الله عليه وسلم : فهو الذبيح . ~~PageV01P059 | وسبب ذلك : أن عبد المطلب أمر في المنام بحفر زمزم . ووصف له ~~موضعها . وكانت جرهم قد غلبت آل إسماعيل على مكة ، وملكوها زمانا طويلا . ~~ثم أفسدوا في حرم الله . فوقع بينهم وبين خزاعة حرب ، وخزاعة من قبائل ~~اليمن ، من أهل سبأ . ولم يدخل بينهم بنو إسماعيل . فغلبتهم خزاعة . ونفت ~~جرهما من مكة . وكانت جرهم قد دفنت الحجر الأسود ، والمقام وبئر زمزم . ~~وظهر بعد ذلك قصي بن كلاب على مكة . ورجع إليه ميراث قريش . فأنزل بعضهم ~~داخل مكة - وهم قريش الأباطح - وبعضهم خارجها - وهم قريش الظواهر - فبقيت ~~زمزم مدفونة إلى عصر عبد المطلب . فرأى في المنام موضعها . فقام يحفر . ~~فوجد فيها سيوفا مدفونة وحليا ، وغزالا من ذهب مشنفا بالدر . فعلقه عبد ~~المطلب على الكعبة . وليس مع عبد المطلب إلا ولده الحارث . فنازعته قريش ، ~~وقالوا له : أشركنا ، فقال : ما أنا بفاعل . هذا أمر خصصت به . فاجعلوا ~~بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه . | فنذر حينئذ عبد المطلب : لئن آتاه ~~الله عشرة أولاد ، وبلغوا أن يمنعوه : لينحرن أحدهم عند الكعبة . فلما تمو ~~عشرة . وعرف أنهم يمنعونه أخبرهم بنذره فأطاعوه . وكتب كل منهم اسمه في قدح ~~. وأعطوها القداح قيم هبل - وكان الذي يجيل القداح - فخرج القدح على عبد ~~الله . وأخذ عبد المطلب المدية ليذبحه . فقامت إليه قريش من ناديها فمنعوه ~~. فقال : كيف أصنع بنذري ؟ فأشاروا عليه : أن ينحر مكانه عشرا من الإبل ms033 . ~~فأقرع بين عبد الله وبينها . فوقعت القرعة عليه . فاغنم عبد المطلب ، ثم لم ~~يزل يزيد عشرا عشرا ، ولا تقع القرعة إلا عليه ، إلى أن بلغ مائة . فوقعت ~~القرعة على الإبل . فنحرت عنه . فجرت سنة . PageV01P060 | وروى عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : ' أنا ابن الذبيحين ' يعني إسماعيل عليه ~~السلام وأباه عبد الله . | ثم ترك عبد المطلب الإبل لا يرد عنها إنسانا ولا ~~سبعا . فجرت الدية في قريش والعرب مائة من الإبل . وأقرها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم . وقالت صفية بنت عبد المطلب : # % نحن حفرنا للحجيج زمزم % % سقيا الخليل وابنه المكرم % # % جبريل الذي لم يذمم % % شفاء سقم وطعام مطعم % # | 2 ( أبو طالب عم رسول الله : ) # | وأما أبو طالب : فهو الذي تولى تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~بعد جده كما تقدم ، ورق عليه رقة شديدة . وكان يقدمه على أولاده . | قال ~~الواقدي : قام أبو طالب - من سنة ثمان من مولد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى السنة العاشرة من النبوة ثلاث وأربعين - يحوطه ويقوم بأمره ، ويذب ~~عنه . ويلطف به . | وقال أبو محمد بن قدامة : كان يقر بنبوة النبي صلى الله ~~عليه وسلم . وله في ذلك أشعار . منها : # % ألا أبلغا عني على ذات بيننا % % لؤيا . وخصا من لؤي بني كعب % # % بأنا وجدنا في الكتاب محمدا % نبيا كموسى ، خط في أول الكتب % % ~~PageV01P061 # % وأن عليه في العباد محبة % % ولا خير ممن خصه الله بالحب % % ومنها : # % تعلم خيار الناس أن محمدا % وزيرا لموسى والمسيح ابن مريم % # % فلا تجعلوا لله ندا . وأسلموا % % فإن طريق الحق ليس بمظلم % % ولكنه ~~أبى أن يدين بذلك خشية العار . ولما حضرته الوفاة : دخل عليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم - وعنده أبو جهل ، وعبد الله بن أبي أمية - فقال : ' يا عم ~~قل : لا إله إلا الله ، كلمة : أحاج لك بها عند الله ' فقالا له : أترغب عن ~~ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل صلى الله عليه وسلم يرددها عليه ، وهما يرددان ~~عليه حتى كان آخر كلمة قالها : ' هو على ms034 ملة عبد المطلب ' فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : ' لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ' فأنزل الله تعالى : ^ ~~( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ، ولو كانوا أولي قربى ~~من بعد ما تبين لهم : أنهم من أصحاب الجحيم ) ^ ونزل قوله تعالى : @QB@ إنك ~~لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء @QE@ الآية . | قال ابن إسحاق : ~~وقد رثاه ولده علي بأبيات ، منها : # % أرقت لطير آخر الليل غردا % % يذكرني شجوا عظيما مجددا % PageV01P062 # % أبا طالب ، مأوى الصعاليك ، ذا الندى % % جوادا إذا ما أصدر الأمر أو ~~ردا % # % فأمست قريش يفرحون بموته % % ولست أرى حيا يكون مخلدا % # % أرادوا أمورا زيفتها حلومهم % % ستوردهم يوما من الغي موردا % # % يرجون تكذيب النبي وقتله % % وأن يفترى قدما عليه ويجحدا % # % كذبتم وبيت الله ، حتى نذيقكم % % صدور العوالي والحسام المهندا % % ~~خلف أبو طالب أربعة ذكور وابنتين . فالذكور : طالب ، وعقيل ، وجعفر ، وعلي ~~، وبين كل واحد عشر سنين . فطالب أسنهم ، ثم عقيل ، ثم جعفر ، ثم علي . | ~~فأما طالب : فأخرجه المشركون يوم بدر كرها . فلما انهزم الكفار طلب ، فلم ~~يوجد في القتلى ، ولا في الأسرى ، ولا رجع إلى مكة ، وليس له عقب . | وأما ~~عقيل : فأسر ذلك اليوم . ولم يكن له مال . ففداه عمه العباس . ثم رجع إلى ~~مكة . فأقام بها إلى السنة الثامنة . ثم هاجر إلى المدينة . فشهد مؤتة مع ~~أخيه جعفر . وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : ' وهل ترك لنا ~~عقيل من منزل ؟ ' . | واستمرت كفالة أبي طالب لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم - كما ذكرنا - فلما بلغ اثنتي عشرة سنة - وقيل : تسعا - خرج به أبو ~~طالب إلى الشام PageV01P063 في تجارة ، فرآه بحيري الراهب ، وأمر عمه أن لا ~~يقدم به الشام ، خوفا عليه من اليهود . فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى ~~المدينة . | ووقع في الترمذي : ' أنه بعث معه بلالا ' وهو غلط واضح . فإن ~~بلالا إذ ذاك لعله لم يكن موجودا . # | 2 ( خروجه إلى الشام وزواجه خديجة : ) # | فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين سنة : خرج إلى ms035 ~~الشام في تجارة لخديجة رضي الله عنها ، ومعه ميسرة غلامها . فوصل بصرى . | ~~ثم رجع فتزوج عقب رجوعه خديجة بنت خويلد . وهي أول امرأة تزوجها ، وأول ~~امرأة ماتت من نسائه . ولم ينكح عليها غيرها . وأمره جبريل : ' أن يقرأ ~~عليها السلام من ربها ويبشرها ببيت في الجنة من قصب ' . # | 2 ( تحنثه في غار حراء : ) # | ثم حبب إليه الخلاء ، والتعبد لربه ، فكان يخلو بغار حراء يتعبد فيه . ~~وبغضت إليه الأوثان ودين قومه . فلم يكن شيء أبغض إليه من ذلك . وأنبته ~~الله نباتا حسنا ، حتى كان أفضل قومه مروءة ، وأحسنهم خلقا ، PageV01P064 ~~وأعزهم جوارا وأعظمهم حلما ، وأصدقهم حديثا ، وأحفظهم لأمانة . حتى سماه ~~قومه ' الأمين ' لما جمع الله فيه من الأحوال الصالحة ، والخصال الكريمة ~~المرضية . # | 2 ( بناء الكعبة : ) # | ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وثلاثين سنة : قامت قريش ~~في بناء الكعبة حين تضعضعت . | قال أهل السير : كان أمر البيت - بعد ~~إسماعيل عليه السلام . إلى ولده ، ثم غلبت جرهم عليه . فلم يزل في أيديهم ~~حتى استحلوا حرمته - وأكلوا ما يهدي إليه . وظلموا من دخل مكة . ثم وليت ~~خزاعة البيت بعدهم ، إلا أنه كان إلى قبائل من مضر ثلاث خلال : - | الإجازة ~~بالناس من عرفة يوم الحج إلى مزدلفة ، تجيزهم صوفة . | والثانية : الإفاضة ~~من جمع ، غداة النحر إلى منى . وكان ذلك إلى يزيد بن عدوان ، وكان آخر من ~~ولي ذلك منهم أبو سيارة . | والثالثة : إنساء الأشهر الحرم ، وكان إلى رجل ~~من بني كنانة يقال له حذيفة ثم صار إلى جنادة بن عوف . | قال ابن إسحق : ~~ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وثلاثين سنة ، جمعت قريش ~~لبنيان الكعبة . وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها ، ويهابون هدمها ، وإنما كانت ~~رضما فوق القامة . فأرادوا رفعها وتسقيفها . وذلك أن قوما سرقوا كنز الكعبة ~~. وكان في بئر في جوف الكعبة . وكان البحر قد PageV01P065 رمى سفينة إلى ~~جدة لرجل من تجار الروم ، فتحطمت . فأخذوا خشبها فأعدوه لسقفها . | وكان ~~بمكة رجل قبطي نجار ، فهيأ لهم بعض ما كان يصلحها . وكانت حية تخرج ms036 من بئر ~~الكعبة التي كان يطرح فيه ما يهدى لها كل يوم ، فتتشرق على جدار الكعبة ، ~~وكانت مما يهابون . وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احزألت وكشت وفتحت ~~فاها . فبينما هي ذات يوم تتشرق على جدار الكعبة ، بعث الله إليها طائرا ~~فاختطفها . فذهب بها . فقالت قريش : إنا لنرجو أن يكون الله قد رضي ما ~~أردنا ، عندنا عامل رفيق ، وعندنا خشب . وقد كفانا الله الحية . | فلما ~~أجمعوا أمرهم في هدمها وبنائها : قام أبو وهب بن عمرو بن عائد المخزومي ~~فتناول من الكعبة حجرا . فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه ، فقال : يا معشر ~~قريش ، لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا ، لا يدخل فيها مهر بغي ، ~~ولا بيع ربا ، ولا مظلمة أحد من الناس . | ثم إن قريشا تجزأت الكعبة . | ~~فكان شق الباب : لبني عبد مناف وزهرة . وما بين الركن الأسود واليماني : ~~لبني مخزوم ، وقبائل من قريش انضافت إليهم . وكان ظهر الكعبة : لبني جمح ~~وبني سهم . وكان شق الحجر : لبني عبد الدار ، ولبني أسد بن عبد العزي ، ~~ولبني عدي . وهو الحطيم . | ثم إن الناس هابوا هدمها ، فقال الوليد بن ~~المغيرة : أنا أبدؤكم في هدمها ، فأخذ المعول . ثم قام عليها ، وهو يقول : ~~اللهم لا ترع - أو : PageV01P066 لم نزع - اللهم إنا لا نريد إلا الخير . ~~ثم هدم من ناحية الركنين . فتربص الناس تلك الليلة ، وقالوا : إن أصيب ، لم ~~نهدم منها شيئا ، ورددناها كما كانت ، وإلا فقد رضي الله ما صنعنا . فأصبح ~~الوليد من ليلته غاديا على عمله . فهدم وهدم الناس معه . | حتى إذا انتهى ~~الهدم بهم إلى الأساس - أساس إبراهيم عليه السلام - أفضوا إلى حجارة خضر ~~كالأسنة ، آخذ بعضها بعضا . فأدخل بعضهم عتلة بن حجرين منها ليقلع بها ~~أحدهما . فلما تحرك الحجر : انتفضت مكة بأسرها . فانتهوا عند ذلك الأساس . ~~| ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها ، كل قبيلة تجمع على حدة ثم ~~بنوها ، حتى بلغ البنيان موضع الحجر الأسود . فاختصموا فيه ، كل قبيلة تريد ~~أن ترفعه إلى موضعه ، حتى تحاوروا ms037 وتحالفوا ، وأعدوا للقتال ، فقربت بنو ~~عبد الدار جفنة ، مملوءة دما . تعاهدوا - هم وبنو عدي بن كعب - على الموت ، ~~وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم . فسموا ' لعقة الدم ' فمكثت قريش على ذلك أربع ~~ليال ، أو خمسا . | ثم إنهم اجتمعوا في المسجد ، فتشاوروا وتناصفوا . | ~~فزعم بعض أهل الرواية : أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن ~~مخزوم المخزومي - وكان يومئذ أسن قريش كلهم - قال : اجعلوا بينكم أول من ~~يدخل من باب المسجد . ففعلوا ، فكان أول من دخل : رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم . فلما رأوه ، قالوا : ' هذا الأمين ، رضينا به ، هذا محمد ' فلما ~~انتهى إليهم أخبروه الخبر . فقال صلى الله عليه وسلم PageV01P067 ' هلم إلي ~~ثوبا ' فأتي به . فأخذ الركن فوضعه فيه بيده . ثم قال : ' لتأخذ كل قبيلة ~~بناحية من الثوب ، ثم ارفعوا جميعا ' ففعلوا ، حتى إذ بلغوا به موضعه : ~~وضعه هو بيده صلى الله عليه وسلم . ثم بنى عليه . | وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ينقل معهم الحجارة . وكانوا يرفعون أزرهم على عواتقهم ، ~~ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبط به - أي طاح على وجهه - ونودي ~~' استر عورتك ' فما رؤيت له عورة بعد ذلك . | فلما بلغوا خمسة عشر ذراعا ~~سقفوه على ستة أعمدة . | وكان البيت يكسى القباطي . ثم كسي البرود ، وأوله ~~من كساه الديباج : الحجاج بن يوسف . | وأخرجت قريش الحجر لقلة نفقتهم . ~~ورفعوا بابها عن الأرض ، لئلا يدخلها إلا من أرادوا . وكانوا إذا أرادوا أن ~~لا يدخلها أحد لا يريدون دخوله : تركوه حتى يبلغ الباب ، ثم يرمونه . | ~~فلما بلغ صلى الله عليه وسلم أربعين سنة : بعثه الله بشيرا ونذيرا . وداعيا ~~إلى الله بإذنه وسراجا منيرا . # | 2 ( بعض ما كان عليه أهل الجاهلية ) # | ونذكر قبل ذلك شيئا من أمور الجاهلية ، وما كانت عليه قبل مبعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم . | قال قتادة ذكر لنا : أنه كان بين آدم ونوح ~~عشرة قرون . كلهم على الهدى ، وعلى شريعة من الحق . ثم اختلفوا بعد ذلك . ~~فبعث الله نوحا عليه PageV01P068 السلام ms038 . وكان أول رسول إلى أهل الأرض . ~~قال ابن عباس : في قوله تعالى : @QB@ كان الناس أمة واحدة @QE@ قال : على ~~الإسلام كلهم . وكان أول ما كادهم به الشيطان : هو تعظيم الصالحين ، وذكر ~~الله ذلك في كتابه في قوله : ^ ( وقالوا : لا تذرون آلهتكم . ولا تذرون ودا ~~، ولا سواعا ، ولا يغوث ، ويعوق ، ونسرا ) ^ قال ابن عباس : كان هؤلاء قوما ~~صالحين . فلما ماتوا في شهر : جزع عليهم أقاربهم ، فصوروا صورهم . | وفي ~~غير حديثه : ' قال أصحابهم : لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة ' قال : ~~فكان الرجل يأتي أخاه وابن عمه فيعظمه ، حتى ذهب ذلك القرن . ثم جاء قرن ~~آخر ، فعظموهم أشد من الأول . ثم جاء القرن الثالث ، فقالوا : ما عظم ~~أولونا هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله ، فعبدوهم . | فلما بعث الله ~~إليهم نوحا - وغرق من غرق - اهبط الماء هذه الأصنام من أرض إلى أرض ، حتى ~~قذفها إلى أرض جدة . فلما نضب الماء بقيت على الشط . فسفت الريح عليها ~~التراب ، حتى وارتها . # | 2 ( عمرو بن لحي أول من غير دين إبراهيم : ) # | وكان عمرو بن لحي سيد خزاعة كاهنا وله رئي من الجن فأتاه . فقال : ' ~~عجل السير والظعن من تهامة ، بالسعد والسلامة ، ائت جدة ، تجد أصناما معدة ~~، فأوردها تهامة ولا تهب ، وادع العرب إلى عبادتها تجب ' فأتى جدة ~~فاستثارها ، ثم حملها حتى أوردها تهامة . PageV01P069 | وحضر الحج ، فدعا ~~العرب إلى عبادتها ، فأجابه عوف بن عذرة ، فدفع إليه ودا فحمله . فكان ~~بوادي القرى بدومة الجندل . وسمى ابنه : عبد ود ، فهو أول من سمى به . فلم ~~يزل بنوه يسدنونه ، حتى جاء الإسلام . فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خالد بن الوليد لهدمه . فحالت بينه وبينه بنو عذرة ، وبنو عامر فقاتلهم ~~فقتلهم . ثم هدمه وجعله جذاذا . | وأجابت عمرو بن لحي مضر بن نزار . فدفع ~~إلى رجل من هذيل سواعا ، فكان بأرض يقال لها : وهاط ، من بطن نخلة ، يعبده ~~من يليه من مضر . وفي ذلك قيل : # % تراهم حول قبلتهم عكوفا % كما عكفت هذيل على سواع % % وأجابته مذحج . ~~فدفع إلى نعيم بن ms039 عمر المرادي يغوث . وكان بأكمة باليمن تعبده مذحج ومن ~~والاها . | وأجابته همدان فدفع إليهم يعوق . فكان بقرية يقال لها خيوان . ~~تعبده همدان ومن والاها من اليمن . | وأجابته حمير ، فدفع إليهم نسرا . ~~فكان بموضع بسبأ ، تعبده حمير ومن والاها . فلم تزل هذه الأصنام تعبد حتى ~~بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم فكسرها . | وفي الصحيح عن أبي هريرة قال ~~: ' قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر ~~قصبه في النار . فكان أول PageV01P070 من سيب السوائب ' وفي لفظ : ' وغير ~~دين إبراهيم ' وفي لفظ عن ابن إسحاق ' فكان أول من غير دين إبراهيم ، ونصب ~~الأوثان ' . | وكان أهل الجاهلية على ذلك ، فيهم بقايا من دين إبراهيم ، ~~مثل تعظيم البيت ، والطواف به ، والحج والعمرة ، والوقوف بعرفة ومزدلفة ، ~~وإهداء البدن ، وكانت نزار تقول في إهلالها ' لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا ~~شريك لك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك ' فأنزل الله : ^ ( ضرب لكم ~~مثلا من أنفسكم : هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم . فأنتم ~~فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ؟ كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون ) ^ . # | 2 ( صنم مناة : ) # | ومن أقدم أصنامهم : مناة . وكان منصوبا على ساحل البحر من ناحية المشلل ~~بقديد ، بين مكة والمدينة . وكانت العرب تعظمه قاطبة ، ولم يكن أحد أشد ~~تعظيما له من الأوس والخزرج ، وبسبب ذلك أنزل الله تعالى : @QB@ إن الصفا ~~والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ~~@QE@ الآية فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه فهدمها ~~عام الفتح . # | 2 ( صنم اللات : ) # | ثم اتخذوا اللات في الطائف ، قيل : إن أصل ذلك رجل كان يلت السويق ~~للحاج ، فمات . فعكفوا على قبره . وكانت صخرة مربعة ، وكان سدنتها ~~PageV01P071 ثقيف ، وكانوا قد بنوا عليها بيتا . فكان جميع العرب يعظمونها ~~، وكانت العرب تسمى زيد اللات ، وتيم اللات . وهي في موضع منارة مسجد ~~الطائف . | فلما أسلمت ثقيف . بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المغيرة بن ~~شعبة فهدمها ، وحرقها بالنار . # | 2 ms040 ( صنم العزى : ) # | ثم اتخذوا العزى . وهي أحدث من اللات . وكانت بوادي نخلة . فوق ذات عرق ~~. وبنو عليها بيتا . وكانوا يسمعون منها الصوت . وكانت قريش تعظمها . فلما ~~فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، بعث خالد بن الوليد فأتاها فعضدها ~~، وكانت ثلاث سمرات . فلما عضد الثالثة : فإذا هو بحبشية نافشة شعرها ، ~~واضعة يدها على عاتقها ، تضرب بأنيابها . وخلفها سادنها ، فقال خالد : # % يا عز كفرانك لا سبحانك % % إني رأيت الله قد أهانك % % ثم ضربها ففلق ~~رأسها ، فإذا هي حممة . ثم قتل السادن . # | 2 ( صنم هبل : ) # | وكانت لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها . وأعظمها : هبل ، وكان من ~~عقيق أحمر على صورة الإنسان . وكانوا إذا اختصموا ، أو أرادوا سفرا : أتوه ~~، فاستقسموا بالقداح عنده . وهو الذي قال فيه أبو سفيان يوم أحد ' اعل هبل ~~' فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' قولوا : الله أعلى وأجل ' . ~~PageV01P072 | وكان لهم إساف ونائلة ، قيل : أصلهما أن إسافا رجل من جرهم ، ~~ونائلة امرأة منهم ، فدخلا البيت ، ففجر بها فيه . فمسخهما الله فيه حجرين ~~، فأخرجوهما فوضعوهما ليتعظ بهما الناس ، فلما طال الأمد وعبدت الأصنام : ~~عبدا . # | 2 ( ذو الخلصة : ) # | وكان لخثعم وبجيلة صنم يقال له : ذو الخلصة ، بين مكة والمدينة . فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لجرير بن عبد الله البجلي : ' ألا تريحني من ~~ذي الخلصة ' ؟ فسار إليه بأحمس . فقاتلته همدان ، فظفر بهم وهدمه . | وكان ~~لقضاعة ولخم وجذام وعاملة وغطفان صنم في مشارف الشام . | وكان لأهل كل واد ~~بمكة صنم ، إذا أراد أحدهم سفرا كان آخر ما يصنع في منزله : أن يتمسح به . # | 2 ( صنم عم أنس : ) # | قال ابن إسحاق : وكان لخولان صنم يقال له : عم أنس ، وفيهم أنزل الله ~~@QB@ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم ~~وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى ~~شركائهم ساء ما يحكمون @QE@ | فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ~~بالتوحيد ، قالت قريش : أجعل الآلهة إلها واحدا ؟ إن هذا لشيء عجاب ms041 . | ~~وكانت العرب قد اتخذت مع الكعبة طواغيت . وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة . ~~PageV01P073 | ولما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم : وجد حول البيت ~~ثلاثمائة وستين صنما . فجعل يطعن في وجوهها وعيونها ، ويقول جاء الحق وزهق ~~الباطل ، إن الباطل كان زهوقا ، وهي تتساقط على رؤوسها ، ثم أمر بها فأخرجت ~~من المسجد وحرقت . | رجعنا إلى سيرته صلى الله عليه وسلم فنقول : # | 2 ( بدء الوحي : ) # | في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت : ' أول ما بديء برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من الوحي : الرؤيا الصادقة . فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل ~~فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء . فكان يخلو بغار حراء ، فيتحنث فيه - وهو ~~التعبد - الليالي ذوات العدد . قبل أن ينزع إلى أهله . ويتزود لذلك . ثم ~~يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها ، حتى فاجأه الحق ، وهو في غار حراء ، فجاءه ~~الملك . فقال : اقرأ ، فقلت ما أنا بقاريء . قال : فأخذني فغطني ، حتى بلغ ~~مني الجهد . ثم أرسلني . فقال : اقرأ ، فقلت : ما أنا بقاريء . فأخذني ~~فغطني الثانية ، حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني . فقال : اقرأ . فقلت : ما ~~أنا بقاريء . فأخذني الثالثة فغطني الثالثة . ثم أرسلني ، فقال لي في ~~الثالثة : @QB@ اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك ~~الأكرم @QE@ فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده ، حتى دخل ~~على خديجة بنت خويلد . فقال : زملوني ، زملوني . فزملوه حتى ذهب عنه الروع ~~. فقال لخديجة - وأخبرها الخبر - PageV01P074 لقد خشيت على نفسي . فقالت ~~خديجة : كلا والله ، ما يخزيك الله أبدا ، إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل ، ~~وتقري الضيف ، وتكسب المعدوم ، وتعين على نوائب الحق . فانطلقت به خديجة ~~حتى أتت به ورقة بن نوفل ابن أسد بن عبد العزى - ابن عم خديجة - وكان قد ~~تنصر في الجاهلية . وكان يكتب الكتاب العبراني . فيكتب من الإنجيل ~~بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب ، وكان شيخا كبيرا قد عمى . فقالت له خديجة ~~: يا ابن عم ، اسمع من ابن أخيك . فقال له ورقة : يا ابن أخي ، ماذا ترى ؟ ~~فأخبره رسول ms042 الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى . فقال له ورقة : هذا ~~الناموس الذي أنزل الله على موسى ، يا ليتني فيها جذعا ، ليتني أكون حيا إذ ~~يخرجك قومك ؟ قال : أو مخرجي هم ؟ قال : نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت ~~به إلا عودي . وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ' . | ثم أنشد ورقة : # % لججت ، وكنت في الذكرى لجوجا % لهم طالما بعث النشيجا % # % ووصف من خديجة بعد وصف % % فقد طال انتظاري يا خديجا % # % ببطن المكتين على رجائي % % حديثك أن أرى منه خروجا % # % بما خبرتنا من قول قس % % من الرهبان أكره أن يعوجا % # % بأن محمدا سيسود قوما % ويخصم من يكون له حجيجا % # % ويظهر في البلاد ضياء نور % % يقيم به البرية : أن تموجا % # % فيلقى من يحاربه خسارا % ويلقى من يسالمه فلوجا % # % فيا ليتني إذا ما كان ذاكم % % شهدت ، وكنت أولهم ولوجا % PageV01P075 # % ولوجا بالذي كرهت قريش % % ولو عجت بمكتها عجيجا % # % أرجى بالذي كرهوا جميعا % إلى ذي العرش - إن سفلوا - عروجا % # % وهل أمر السفالة غير كفر % % بمن يختار من سمك البروجا % # % فإن يبقوا وأبقى تكن أمور % % يضج الكافرون لها ضجيجا % # % وإن أهلك ، فكل فتى سيلقى % % من الأقدار متلفة خروجا % فلم يلبث ورقة ~~أن توفى ، وفتر الوحي . حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا . ~~حتى كان يذهب إلى رؤوس شواهق الجبال ، يريد أن يلقي بنفسه منها ، كلما أوفى ~~بذروة جبل تبدى له جبريل عليه السلام ، فقال : ' يا محمد ، إنك رسول الله ~~حقا ' فيسكن لذلك جأشه ، وتقر نفسه ، فيرجع ، فإذا طال عليه فترة الوحي غدا ~~لمثل ذلك ، فإذا أوفى بذروة الجبل تبدى له جبريل ، فيقول له ذلك . | فبينما ~~هو يوما يمشي إذ سمع صوتا من السماء . قال : ' فرفعت بصري ، فإذا الملك ~~الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض ، فرعبت منه ، فرجعت إلى ~~أهلي ، فقلت : دثروني . دثروني . فأنزل الله @QB@ يا أيها المدثر قم فأنذر ~~@QE@ فحمى الوحي وتتابع ' . # | 2 ( أنواع الوحي : ) # | وكان الوحي الذي يأتيه صلى الله عليه وسلم أنواع : | أحدها : الرؤيا . ~~قال عبيد ms043 بن عمر : ' رؤيا الأنبياء وحي ' ثم قرأ : @QB@ إني أرى في المنام ~~أني أذبحك @QE@ . PageV01P076 | الثاني : ما كان الملك يلقيه في روعه - أي ~~قلبه - من غير أن يراه ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ' إن روح القدس نفث ~~في روعي : أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها ، فاتقوا الله وأجملوا ~~في الطلب ، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله . فإن ما ~~عند الله لا ينال إلا بطاعته ' . | الثالث : أن الملك يتمثل له رجلا ~~فيخاطبه . وفي هذه المرتبة : كان يراه الصحابة أحيانا . | الرابع : أنه كان ~~يأتيه مثل صلصلة الجرس ، وهو أشده عليه . فيلتبس به الملك . حتى إن جبينه ~~ليتفصد عرقا في اليوم الشديد البرد . وحتى إن راحلته لتبرك به إلى الأرض . ~~وجاءه مرة وفخذه على فخذ زيد بن ثابت ، فكادت ترض . | الخامس : أن يأتيه ~~الملك في الصورة التي خلق عليها . فيوحي إليه ما شاء الله . وهذا وقع مرتين ~~، كما ذكر الله سبحانه في سورة النجم . | السادس : ما أوحاه الله له فوق ~~السموات ليلة المعراج ، من فرض الصلاة وغيرها . | قال ابن القيم رحمه الله ~~: أول ما أوحى إليه ربه : أن يقرأ باسم ربه الذي خلق . وذلك أول نبوته صلى ~~الله عليه وسلم . فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره بالتبليغ . ثم أنزل الله ~~عليه : @QB@ يا أيها المدثر قم فأنذر @QE@ فنبأه باقرأ ، وأرسله : بيا أيها ~~المدثر . ثم أمره : أن ينذر عشيرته الأقربين . ثم PageV01P077 أنذر قومه . ~~ثم أنذر من حولهم من العرب . ثم أنذر العرب قاطبة . ثم أنذر العالمين . | ~~فأقام بضعة عشر سنة ينذر بالدعوة من غير قتال ولا جزية . ويأمره الله بالكف ~~والصبر . ثم أذن له في الهجرة ، وأذن له في القتال . ثم أمره أن يقاتل من ~~قاتله ، ويكف عمن لم يقاتله . ثم أمره بقتال المشركين ، حتى يكون الدين كله ~~لله . # | 2 ( أول من آمن : ) # | ولما دعا إلى الله : استجاب له عباد الله من كل قبيلة . فكان حائز ~~السبق : صديق الأمة أبا بكر رضي الله عنه . فوازره في دين الله . ودعا معه ms044 ~~إلى الله . فاستجاب لأبي بكر عثمان وطلحة وسعد رضي الله عنهم . | وبادر إلى ~~استجابته أيضا صديقة النساء خديجة رضي الله عنها . وبادر إلى الإسلام علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه . وكان ابن ثمان سنين ، وقيل : أكثر . إذ كان في ~~كفالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أخذه من عمه . # | 2 ( شأن زيد بن حارثة : ) # | وبادر زيد بن حارثة رضي الله عنه ، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~وكان غلاما لخديجة ، فوهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوجها . ~~وقدم أبوه حارثة وعمه في فدائه ، فقالا للنبي صلى الله عليه وسلم : يا ابن ~~سيد قومه ، أنتم أهل حرم الله وجيرانه ، تفكون العاني ، وتطعمون الأسير ، ~~جئناك في ابننا عبدك . فأحسن لنا في فدائه . فقال صلى الله عليه وسلم : ' ~~فهل غير ذلك ؟ ' فقالوا : وما هو ؟ قال : ' ادعوه فأخيره ، PageV01P078 فإن ~~اختاركم فهو لكم . وإن اختارني : فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني ~~' قالوا : قد زدتنا على النصف ، وأحسنت . فدعاه . فقال : ' هل تعرف هؤلاء ؟ ~~' قال : نعم أبي وعمي . قال : ' فأنا من قد علمت . وقد رأيت صحبتي لك . ~~فاخترني ، أو اخترهما ' فقال : ما أنا بالذي أختار عليك أحدا . أنت مني ~~مكان أبي وعمي ، فقالا : ويحك يا زيد ، أتختار العبودية على الحرية ، وعلى ~~أبيك ، وعمك ، وأهل بيتك ؟ قال : نعم ، قد رأيت من هذا الرجل شيئا ، ما أنا ~~بالذي أختار عليه أحدا أبدا . فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، ~~خرج إلى الحجر . فقال : ' أشهدكم أن زيدا ابني ، أرثه ويرثني ' فلما رأى ~~ذلك أبوه وعمه طابت نفوسهما . فانصرفا . ودعي : زيد بن محمد ، حتى جاء الله ~~بالإسلام فنزلت : @QB@ ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله @QE@ قال الزهري : ~~ما علمنا أحدا أسلم قبل زيد . | وأسلم ورقة بن نوفل . وفي جامع الترمذي : ' ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه في المنام في هيئة حسنة ' . | ودخل الناس ~~في دين الله واحدا بعد واحد . وقريش لا تنكر ذلك ، حتى بادأهم بعيب دينهم ~~وسب آلهتهم ، وأنها لا تضر ولا ms045 تنفع . فحينئذ PageV01P079 شمروا له ~~ولأصحابه عن ساق العداوة . فحمى الله رسوله بعمه أبي طالب . لأنه كان شريفا ~~معظما . وكان من حكمة أحكم الحاكمين : بقاؤه على دين قومه ، لما في ذلك من ~~المصالح التي تبدو لمن تأملها . | وأما أصحابه : فمن كان له عشيرة تحميه ~~امتنع بعشيرته ، وسائرهم تصدوا له بالأذى والعذاب . منهم : عمار بن ياسر ، ~~وأمه سمية ، وأهل بيته ، عذبوا في الله . وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا مر بهم - وهم يعذبون - يقول : ' صبرا يا آل ياسر . فإن موعدكم ~~الجنة ' . # | 2 ( سمية أول شهيدة : ) # | ومر أبو جهل بسمية - أم عمار رضي الله عنهما - وهي تعذب ، وزوجها ~~وابنها . فطعنها بحربة في فرجها فقتلها . | وكان الصديق إذا مر بأحد من ~~العبيد يعذب اشتراه وأعتقه . منهم بلال . فإنه عذب في الله أشد العذاب . ~~ومنهم عامر بن فهيرة ، وجارية لبني عدي ، وكان عمر يعذبها على الإسلام . ~~فقال أبو قحافة - عثمان بن عامر - لابنه أبي بكر : يا بني ، أراك تعتق ~~رقابا ضعافا ، فلو أعتقت قوما جلدا يمنعونك ؟ فقال : إني أريد ما أريد . ~~وكان بلال كلما اشتد به العذاب يقول : أحد ، أحد . # | 2 ( ابتداء الدعوة : ) # | وقال الزهري : لما ظهر الإسلام ، أتى جماعة من كفار قريش إلى من آمن من ~~عشائرهم ، فعذبوهم وسجنوهم ، وأرادوا أن يفتنوهم عن دينهم . قال الترمذي ~~حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد PageV01P080 بن رومان ~~وغيرهم . قالوا : ' قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث سنين ~~مستخفيا . ثم أعلن في الرابعة . فدعا الناس عشر سنين ، يوافي المواسم كل ~~عام ، يتبع الناس في منازلهم . وفي المواسم بعكاظ ، ومجنة ، وذي المجاز : ~~يدعوهم أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ، ولهم الجنة ، فلا يجد أحدا ينصره ~~ويحميه . حتى ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة ، فيقول : أيها الناس ~~، قولوا : ' لا إله إلا الله ' تفلحوا وتملكوا بها العرب ، وتدين لكم بها ~~العجم . فإذا متم كنتم ملوكا في الجنة ' وأبو لهب وراءه يقول : لا تطيعوه . ~~فإنه صابيء كذاب ، فيردون على رسول الله صلى الله ms046 عليه وسلم أقبح الرد . ~~ويؤذونه ، ويقولون : عشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك . وهو يقول : ' اللهم ' ~~لو شئت لم يكونوا هكذا ' ولما نزل عليه قوله تعالى : @QB@ وأنذر عشيرتك ~~الأقربين @QE@ صعد الصفا فنادى : ' واصباحاه ' فلما اجتمعوا إليه قال : ' ~~لو أخبرتكم أن خيلا تريد أن تخرج عليكم من سفح هذا الجبل ، أكنتم مصدقي ؟ ' ~~قالوا : نعم ، ما جربنا عليك كذبا . قال ' فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ~~' فقال أبو لهب تبا لك ، ما جمعتنا إلا لهذا ؟ فأنزل الله قوله تعالى : ~~@QB@ تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب @QE@ . | قال ابن القيم ~~رحمه الله : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله مستخفيا ثلاث سنين ~~، ثم نزل عليه : @QB@ فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين @QE@ . PageV01P081 # | 2 ( أول دم أهريق : ) # | وفي السنة الرابعة : ضرب سعد بن أبي وقاص رجلا من المشركين فشجه . وذلك ~~: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يجتمعون في الشعاب . فيصلون ~~فيها . فرآهم رجل من الكفار ، ومعه جماعة من قريش . فسبوهم . وضرب سعد بن ~~أبي وقاص رجلا منهم ، فسال دمه . فكان أول دم أهريق في الإسلام . # | 2 ( استهزاء المشركين : ) # | وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلس وحوله المستضعفون من أصحابه - ~~مثل عمار بن ياسر ، وخباب بن الأرت ، وصهيب الرومي ، وبلال ، وأشباههم - ~~فإذا مرت بهم قريش استهزؤا بهم ، وقالوا : أهؤلاء جلساؤه - قد من الله ~~عليهم من بيننا ؟ فأنزل الله @QB@ أليس الله بأعلم بالشاكرين @QE@ وفيهم ~~نزل : @QB@ والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ~~ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون @QE@ وقال أبو جهل : والله لئن رأيت ~~محمدا يصلي لأطأن على رقبته . فبلغه أن رسول الله يصلي ، فأتاه . فقال : ~~ألم أنهك عن الصلاة ؟ فانتهره رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : ~~أتنتهرني وأنا أعز أهل البطحاء ؟ فنزل قوله تعالى : @QB@ أرأيت الذي ينهى ~~عبدا إذا صلى @QE@ وفي بعض الروايات ، أنه قال : ألم أنهك ؟ فو الله ما في ~~مكة أعز من نادى . PageV01P082 | وأخرج مسلم عن أبي هريرة ms047 قال : قال أبو ~~جهل ' يعفر محمد وجهه بين أظهركم ؟ فقيل : نعم ، فقال : واللات والعزى ، ~~لئن رأيته لأطأن على رقبته . فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ، ~~وزعم ليطأن رقبته ، فما فجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه ، ويتقي بيديه ، وقال ~~: بيني وبينه خندق من نار وهول وأجنحة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا ' فأنزل الله تعالى : - لا ندري ~~في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه - @QB@ كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ~~@QE@ . # | 2 ( الهجرة الأولى إلى الحبشة : ) # | وفي السنة الخامسة : أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى ~~الحبشة لما اشتد عليهم العذاب والأذى ، وقال : ' إن فيها رجلا لا يظلم ~~الناس عنده ' . | وكانت الحبشة متجر قريش . وكان أهل هذه الهجرة الأولى : ~~اثنى عشر رجلا وأربع نسوة . وكان أول من هاجر إليها : عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه ، ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم . وستر قوم ~~إسلامهم . | وممن خرج : الزبير وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وأبو سلمة ~~وامرأته رضي الله عنهم . خرجوا متسللين سرا ، فوفق الله لهم ساعة وصولهم ~~إلى الساحل سفينتين للتجار . فحملوهم إلى الحبشة ، وخرجت قريش PageV01P083 ~~في آثارهم حتى جاءوا البحر . فلم يدركوا منهم أحدا . وكان خروجهم في رجب . ~~فأقاموا بالحبشة شعبان ورمضان . ثم رجعوا إلى مكة في شوال ، لما بلغهم : أن ~~قريشا صافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفوا عنه . | وكان سبب ذلك : أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم . فلما بلغ @QB@ أفرأيتم ~~اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى @QE@ ألقى الشيطان على لسانه : ' تلك ~~الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى ' فقال المشركون : ما ذكر آلهتنا بخير ~~قبل اليوم ، وقد علمنا أن الله يخلق ويرزق ويحيي ويميت ولكن آلهتنا تشفع ~~عنده . فلما بلغ السجدة سجد ، وسجد معه المسلمون والمشركون كلهم . إلا شيخا ~~من قريش ، رفع إلى جبهته كفا من حصى فسجد عليه . وقال : يكفيني هذا . فحزن ~~النبي صلى الله عليه وسلم حزنا ms048 شديدا ، وخاف من الله خوفا عظيما ، فأنزل ~~الله : @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان ~~في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته @QE@ الآيات . | ~~ولما استمر النبي صلى الله عليه وسلم على سب آلهتهم ، عادوا إلى شر مما ~~كانوا عليه ، وازدادوا شدة على من أسلم . PageV01P084 # | 2 ( الهجرة الثانية إلى الحبشة : ) # | فلما قرب مهاجرة الحبشة من مكة ، وبلغهم أمرهم ، توقفوا عن الدخول . ثم ~~دخل كل رجل في جوار رجل من قريش . ثم اشتد عليهم البلاء والعذاب من قريش ~~وسطت بهم عشائرهم ، وصعب عليهم ما بلغهم عن النجاشي من حسن جواره . فأذن ~~لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى الحبشة مرة ثانية . فخرجوا ~~. | وكان عدة من خرج في المرة الثانية : ثلاثة وثمانين رجلا - إن كان فيهم ~~عمار بن ياسر - - ومن النساء تسع عشرة امرأة . | فلما سمعوا بمهاجر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة : رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلا ، ومن ~~النساء ثمان . ومات منهم رجلان بمكة . وحبس سبعة . وشهد بدرا منهم أربعة ~~وعشرون رجلا . # | 2 ( كتاب رسول الله إلى النجاشي يزوجه أم حبيبة : ) # | فلما كان شهر ربيع سنة سبع من الهجرة : كتب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كتابا إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام . وكتب إليه : أن يزوجه أم حبيبة ~~بنت أبي سفيان . وكانت مهاجرة مع زوجها عبيد الله بن جحش . فتنصر هناك ومات ~~نصرانيا . | وكتب إليه أيضا : أن يبعث إليه من بقي من أصحابه . فلما قرأ ~~الكتاب أسلم . وقال : لو قدرت أن آتيه لأتيته . وزوجه أم حبيبة ، وأصدقها ~~عنه أربعمائة دينار . وحمل بقية أصحابه في سفينتين . فقدموا على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بخيبر ، وقد فتحها . PageV01P085 # | 2 ( بعث قريش إلى النجاشي تطلب إرجاع المسلمين : ) # | ولما كان بعد بدر : اجتمعت قريش في دار الندوة . وقالوا : إن لنا في ~~الذين عند النجاشي ثأرا . فأجمعوا مالا ، وأهدوه إلى النجاشي ، لعله يدفع ~~إليكم من عنده ولننتدب لذلك رجلين من أهل رأيكم ms049 . فبعثوا عمرو بن العاص ~~وعمارة بن الوليد مع الهدية . فركبا البحر . فلما دخلا على النجاشي سجدا له ~~، وسلما عليه . وقالا : قومنا لك ناصحون ، وإنهم بعثونا إليك لنحذرك هؤلاء ~~الذين قدموا عليك لأنهم قوم اتبعوا رجلا كذابا . خرج فينا يزعم أنه رسول ~~الله ، ولم يتبعه إلا السفهاء فضيقنا عليهم ، وألجأناهم إلى شعب بأرضنا ، ~~لا يخرج منهم أحد ولا يدخل عليهم أحد . فقتلهم الجوع والعطش . فلما اشتد ~~عليهم الأمر ، بعث إليك ابن عمه ليفسد عليك دينك وملكك . فاحذرهم ، وادفعهم ~~إلينا لنكفيكهم ، وآية ذلك : أنهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك ، ولا يحيوك ~~بالتحية التي تحيي بها ، رغبة عن دينك . | فدعاهم النجاشي . فلما حضروا صاح ~~جعفر بن أبي طالب بالباب ' يستأذن عليك حزب الله ' فقال النجاشي : مروا هذا ~~الصائح فليعد كلامه ففعل . قال : نعم . فليدخلوا بإذن الله وذمته . فدخلوا ~~ولم يسجدوا له فقال : ما منعكم أن تسجدوا لي ؟ قالوا : إنما نسجد لله الذي ~~خلقك وملكك ، وإنما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان . فبعث الله ~~فينا نبيا صادقا ، وأمرنا بالتحية التي رضيها الله . وهي ' السلام ' تحية ~~أهل الجنة . PageV01P086 | فعرف النجاشي أن ذلك حق ، وأنه في التوراة ~~والإنجيل . | فقال : أيكم الهاتف يستأذن ؟ فقال جعفر : أنا . قال : فتكلم . ~~| قال : إنك ملك لا يصلح عندك كثرة الكلام ولا الظلم . وأنا أحب أن أجيب عن ~~أصحابي . فأمر هذين الرجلين فليتكلم أحدهما ، فتسمع محاورتنا . | فقال عمرو ~~لجعفر : تكلم . فقال جعفر للنجاشي : سله ، أعبيد نحن أم أحرار ؟ فإن كنا ~~عبيدا أبقنا من أربابنا فارددنا إليهم . فقال عمرو : بل أحرار كرام . | ~~فقال هل أهرقنا دما بغير حق فيقتص منا ؟ قال عمرو : ولا قطرة . | فقال : هل ~~أخذنا أموال الناس بغير حق ، فعلينا قضاؤها ؟ فقال عمرو : ولا قيراط . | ~~فقال النجاشي فما تطلبون منهم ؟ قال : كنا نحن وهم على أمر واحد ، على دين ~~آبائنا . فتركوا ذلك واتبعوا غيره . | فقال النجاشي : ما هذا الذي كنتم ~~عليه ، وما الذي اتبعتموه ؟ قل : واصدقني . | فقال جعفر : أما الذي كنا ~~عليه : فتركناه . وهو دين الشيطان . كنا نكفر بالله ms050 ، ونعبد الحجارة . وأما ~~الذي تحولنا إليه : فدين الله الإسلام ، جاءنا به من الله ورسول وكتاب مثل ~~كتاب ابن مريم موافقا له . | فقال : تكلمت بأمر عظيم . فعلى رسلك . ~~PageV01P087 | ثم أمر بضرب الناقوس ، فاجتمع إليه كل قسيس وراهب . فقال لهم ~~: أنشدكم الله الذي أنزل الإنجيل على عيسى ، هل تجدون بين عيسى وبين يوم ~~القيامة نبيا ؟ قالوا : اللهم نعم ، قد بشرنا به عيسى ، وقال : من آمن به ~~فقد آمن بي ، ومن كفر به فقد كفر بي . | فقال النجاشي لجعفر رضي الله عنه : ~~ماذا يقول لكم هذا الرجل وما يأمركم به ؟ وما ينهاكم عنه ؟ | فقال : يقرأ ~~علينا كتاب الله ويأمرنا بالمعروف ، وينهانا عن المنكر . ويأمرنا بحسن ~~الجوار ، وصلة الرحم ، وبر اليتيم . ويأمرنا بأن نعبد الله وحده لا شريك له ~~. | فقال : اقرأ مما يقرأ عليكم . فقرأ سورتي العنكبوت والروم . ففاضت عينا ~~النجاشي من الدمع . فقال : زدنا من هذا الحديث الطيب . فقرأ عليهم سورة ~~الكهف . | فأراد عمرو أن يغضب النجاشي . فقال : إنهم يشتمون عيسى وأمه . | ~~فقال : ما تقولون في عيسى وأمه ؟ فقرأ عليهم سورة مريم . فلما أتى على ذكر ~~عيسى وأمه : رفع النجاشي بقشة من سواكه قدر ما يقذي العين . فقال : والله ~~ما زاد المسيح على ما تقولون نقيرا . | وفيه نزل قول الله تعالى : @QB@ ~~وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ~~يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من ~~الحق @QE@ الآيات . PageV01P088 | فأقبل النجاشي على جعفر . ثم قال : ~~اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي - والسيوم الآمنون - من سبكم غرم . فلا هوادة ~~اليوم على حزب إبراهيم . # | 2 ( موت النجاشي : ) # | ولما مات النجاشي ، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم . فصلى عليه كما ~~يصلي على الجنائز . فقال المنافقون : يصلي على علج مات بأرض الحبشة . فأنزل ~~الله تعالى : @QB@ وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما ~~أنزل إليهم خاشعين لله @QE@ الآية . | وقيل : إن إرسال قريش في طلبهم كان ~~قبل الهجرة إلى المدينة . | وفي سنة خمس ms051 من النبوة استتر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في دار الأرقم ابن أبي الأرقم . # | 2 ( إسلام حمزة بن عبد المطلب : ) # | وفي السنة السادسة : أسلم حمزة بن عبد المطلب وعمر . | قال ابن إسحق : ~~مر أبو جهل برسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفا ، فآذاه ونال منه ، ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت . فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ودخل المسجد . وكانت مولاة لعبد الله بن جدعان في مسكن لها على الصفا ، ~~تسمع ما يقول أبو جهل . وأقبل حمزة من القنص متوحشا قوسه . وكان يسمى : أعز ~~قريش . فأخبرته مولاة PageV01P089 ابن جدعان بما سمعت من أبي جهل . فغضب . ~~ودخل المسجد - وأبو جهل جالس في نادي قومه - فقال له حمزة : يا مصفر استه . ~~تشتم ابن أخي وأنا على دينه ؟ ثم ضربه بالقوس فشجه موضحه . فثار رجال من ~~بني مخزوم . وثار بنو هاشم . فقال أبو جهل : دعو أبا عمارة . فإني سببت ابن ~~أخيه سبا قبيحا . فعلمت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عز . ~~فكفوا عنه بعض ما كانوا ينالون منه . # | 2 ( إسلام عمر رضي الله عنه : ) # | وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' اللهم أعز ~~الإسلام بأحب الرجلين إليك : إما عمر بن الخطاب ، أو أبي جهل بن هشام ' ~~فكان أحبهما إلى الله : عمر رضي الله عنه . | وروي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما : أنه قال لعمر رضي الله عنه : ' لم سميت الفاروق ؟ فقال : ' أسلم ~~حمزة قبلي بثلاثة أيام . ثم شرح الله صدري للإسلام . وأول شيء سمعته من ~~القرآن ووقر في صدري @QB@ الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى @QE@ فما ~~في الأرض نسمة أحب إلي من نسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فسألت عنه ؟ ~~فقيل لي : هو في دار الأرقم . فأتيت الدار - وحمزة في أصحابه جلوسا في ~~الدار ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت - فضربت الباب ، فاستجمع ~~القوم . فقال لهم حمزة : مالكم ؟ فقالوا : عمر ، فخرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ms052 . فأخذ بمجامع ثيابي . ثم نترني نترة لم أتمالك أن وقعت على ~~ركبتي . PageV01P090 فقال : ما أنت بمنته يا عمر ؟ فقلت : أشهد أن لا إله ~~إلا الله ، وأنك رسول الله ، فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد . ~~فقلت : يا رسول الله ، ألسنا على الحق ، إن متنا أو حيينا ؟ قال : بلى . ~~فقلت : ففيم الاختفاء ؟ والذي بعثك بالحق لنخرجن ، فخرجنا في صفين . حمزة ~~في صف ، وأنا في صف - له كديد ككديد الطحن - حتى دخلنا المسجد . فلما نظرت ~~إلينا قريش أصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها قط . فسماني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ' الفاروق ' . | وقال صهيب : لما أسلم عمر رضي الله عنه جلسنا ~~حول البيت حلقا ، فطفنا واستنصفنا ممن غلظ علينا . # | 2 ( حماية أبي طالب لرسول الله : ) # | ولما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزايد أمره ويقوى ، ~~ورأوا ما صنع أبو طالب به . مشوا إليه بعمارة بن الوليد ، فقالوا : يا أبا ~~طالب ، هذا أنهد فتى في قريش وأجمله . فخذه وادفع إلينا هذا الذي خالف دينك ~~ودين آبائك فنقتله ، فإنما هو رجل برجل . فقال : بئسما تسومونني ، تعطوني ~~إبنكم أربيه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه ؟ فقال المطعم بن عدي بن نوفل : يا ~~أبا طالب ، قد أنصف قومك ، وجهدوا على التخلص منك بكل طريق . قال : والله ~~ما أنصفتموني ، ولكنك أجمعت على خذلاني . فاصنع ما بدا لك . | وقال أشراف ~~مكة لأبي طالب : إما أن تخلي بيننا وبينه فنكفيكه . فإنك على مثل ما نحن ~~عليه ، أو أجمع لحربنا ، فإنا لسنا بتاركي ابن أخيك PageV01P091 على هذا ، ~~حتى نهلكه أو يكف عنا ، فقد طلبنا التخلص من حربك بكل ما نظن أنه يخلص . | ~~فبعث أبو طالب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له : يا ابن أخي ، ~~إن قومك جاءوني ، وقالوا كذا وكذا ، فأبق علي وعلى نفسك ، ولا تحملني ما لا ~~أطيق أنا ولا أنت . فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك . فقال صلى الله عليه ~~وسلم : ' والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ، ما تركت هذا ~~الأمر ms053 حتى يظهر الله ، أو أهلك في طلبه ' فقال : امض على أمرك ، فوالله لا ~~أسلمك أبدا . | ودعا أبو طالب أقاربه إلى نصرته فأجابه بنو هاشم وبنو ~~المطلب ، غير أبي لهب ، وقال أبو طالب : # % والله لن يصلوا إليك بجمعهم % % حتى أوسد في التراب دفينا % # % فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة % % وابشر وقر بذاك منك عيونا % # % ودعوتني ، وعرفت أنك ناصحي % % ولقد صدقت ، وكنت ثم أمينا % # % وعرضت دينا قد عرفت بأنه % % من خير أديان البرية دينا % # % لولا الملامة أو حذار مسبة % % لوجدتني سمحا بذاك مبينا % # | 2 ( حصار بني هاشم في الشعب : ) # | ولما اجتمعوا - مؤمنهم وكافرهم - على منع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: اجتمعت قريش . فأجمعوا أمرهم على أن لا يجالسوهم ، ولا يبايعوهم ولا ~~يدخلوا بيوتهم . حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل . وكتبوا ~~بذلك صحيفة : فيها عهود ومواثيق ' أن لا يقبلوا من بني هاشم PageV01P092 ~~صلحا أبدا ، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل ' فأمرهم أبو طالب أن ~~يدخلوا شعبه فلبثوا فيه ثلاث سنين . واشتد عليهم البلاء ، وقطعوا عنهم ~~الأسواق . فلا يتركون طعاما يدخل مكة ، ولا بيعا إلا بادروا فاشتروه . ~~ومنعوه أن يصل شيء منه إلى بني هاشم . حتى كان يسمع أصوات نسائهم يتضاغون ~~من وراء الشعب من الجوع . واشتدوا على من أسلم ممن لم يدخل الشعب ، ~~فأوثقوهم ، وعظمت الفتنة وزلزلوا زلزالا شديدا ، وكان أبو طالب إذا أخذ ~~الناس مضاجعهم ، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضطجع على فراشه ، ~~حتى يرأى ذلك من أراد اغتياله . فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو إخوانه أو ~~بني عمه فاضطجع على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأمره أن يأتي أحد ~~فرشهم . | وفي ذلك عمل أبو طالب قصيدته اللامية المشهورة التي قال فيها : # % ولما رأيت القوم لا ود فيهمو % % وقد قطعوا كل العرى والوسائل % # % وقد صارحونا بالعداوة والأذى % % وقد طاوعوا أمر العدو المزايل % # % صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة % % وأبيض عضب من تراث المقاول % # % وأحضرت عند البيت رهطي وأسرتي % % وأمسكت من أثوابه بالوصائل % # % أعوذ ms054 برب الناس من كل طاعن % % علينا بسوء ، أو ملح بباطل % # % ومن كاشح يسعى لنا بمغيظة % % ومن ملحق في الدين ما لم يحاول % # % وثور ، ومن أرسى ثبيرا مكانه % % وراق ليرقى في حراء ونازل % % ~~PageV01P093 # % وبالبيت - حق البيت - من بطن مكة % % وبالله . إن الله ليس بغافل % # % وبالحجر المسود إذ يمسحونه % % إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل % # % وموطيء إبراهيم في الصخر رطبه % % على قدميه حافيا غير ناعل % # % وأشواط بين المروتين إلى الصفا % % وما فيهما من صورة وتماثل % # % وبالمشعر الأقصى ، إذا عمدوا له % % إلال إلى مفضي الشراج القوابل % # % ومن حج بيت الله من كل راكب % % ومن كل ذي نذر ، ومن كل راجل % # % وليلة جمع والمنازل من منى % % وهل فوقها من حرمة ومنازل ؟ % # % فهل بعد هذا من معاذ لعائذ ؟ % وهل من معيذ يتقي الله عادل ؟ % # % كذبتم وبيت الله نترك مكة % % ونظعن إلا أمركم في بلابل % # % كذبتم وبيت الله نبزي محمدا % ولما نطاعن دونه ونناضل % # % ونسلمه حتى نصرع حوله % % ونذهل عن أبنائنا والحلائل % # % وينهض قوم في الحديد إليكمو % % نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل % . . . # % وإنا لعمر الله إن جد ما أرى % % لتلتبسن أسيافنا بالأماثل % # % بكفي فتى مثل الشهاب سميدع % % أخي ثقة حامي الحقيقة باسل % # % وما ترك قوم - لا أبالك - سيدا % % يحوط الذمار غير ذرب مواكل % . . . ~~PageV01P094 # % وأبيض يستسقي الغمام بوجهه % % ربيع اليتامى عصمة للأرامل % # % يلوذ به الهلاك من آل هاشم % % فهم عنده في حرمة وفواضل % . . . # % فعتبة ، لا تسمع بنا قول كاشح % % حسود كذوب ، مبغض ذي دغائل % # % ومر أبو سفيان عني معرضا % كما مر قيل من عظام المقاول % # % تفر إلى نجد وبرد مياهه % % وتزعم أني لست عنك بغافل % # % أمطعم ، لم أخذلك في يوم نجدة % % ولا معظم عند الأمور الجلائل % # % أمطعم ، إن القوم ساموك خطة % % وإني متى أوكل فلست بآكلي % # % جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا % % عقوبة شر عاجلا غير آجل % # % فعبد مناف أنتمو خير قومكم % % فلا تشركوا في أمركم كل واغل % # % وكنتم حديثا حطب قدر ، فأنتمو % % الآن حطاب أقدر ومراجل % # % فكل صديق وابن أخت نعده % % لعمري وجدنا غبه غير طائل % # % سوى أن ms055 رهطا من كلاب بن مرة % % براء إلينا من معقة خاذل % . . . # % ونعم ابن أخت القوم غير مكذب % % زهيرا حساما مفردا من حمائل % # % لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد % % وإخوته ، دأب المحب المواصل % # % فمن مثله في الناس أي مؤمل % % إذا قاسه الحكام عند التفاضل ؟ % ~~PageV01P095 # % حليم رشيد عادل ، غير طائش % % يوالي إلها ليس عنه بغافل % # % فو الله لولا أن أجيء بسبة % % تجر على أشياخنا في المحافل % # % لكنا اتبعناه على كل حالة % % من الدهر جدا ، غير قول التهازل % # % لقد علموا أن أبننا لا مكذب % % لدينا ، ولا يعنى بقول الأباطل % # % حدبت بنفسي دونه ، وحميته % % ودافعت عنه بالذرى والكلاكل % # | 2 ( نقض الصحيفة ) # | ثم بعد ذلك مشى هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي . وكان يصل بني هاشم ~~في الشعب خفية بالليل بالطعام - مشى إلى زهير بن أبي أمية المخزومي - وكانت ~~أمه عاتكة بنت عبد المطلب - وقال : يا زهير ، أرضيت أن تأكل الطعام وتشرب ~~الشراب ، وأخوالك بحيث تعلم ؟ فقال : ويحك ، فما أصنع وأنا رجل واحد ؟ أما ~~والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها قال أنا . قال : ابغنا ثالثا . قال ~~: أبو البختري بن هشام . قال : أبغنا رابعا . قال : زمعة بن الأسود . قال ~~ابغنا خامسا . قال : المطعم بن عدي . قال : فاجتمعوا عند الحجون ، وتعاقدوا ~~على القيام بنقض الصحيفة . | فقال زهير : أنا أبدأ بها ، فجاءوا إلى الكعبة ~~- وقريش محدقة بها - فنادى زهير : يا أهل مكة ، إنا نأكل الطعام ، ونشرب ~~الشراب ، ونلبس الثياب ، وبنو هاشم هلكى ، والله لا أقعد حتى تشق هذه ~~الصحيفة القاطعة الظالمة . | فقال أبو جهل : كذبت . والله لا تشق . فقال ~~زمعة : أنت والله أكذب ما رضينا كتابتها حين كتبت . PageV01P096 | وقال أبو ~~البختري : صدق زمعة ، لا نرضى ما كتب فيها ولا نقار عليه . | فقال المطعم ~~بن عدي : صدقتما . وكذب من قال غير ذلك . نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها ~~. | وقال هشام بن عمرو : نحو ذلك . | فقال أبو جهل : هذا أمر قد قضي بليل ، ~~تشور فيه بغير هذا المكان . | وبعث الله على صحيفتهم الأرضة ، فلم تترك ~~إسما ms056 لله إلا لحسته وبقي ما فيها من شرك وظلم وقطيعة . وأطلع الله رسوله ~~على الذي صنع بصحيفتهم فذكر ذلك لعمه . فقال : لا والثواقب ما كذبتني . | ~~فانطلق يمشي بعصابة من بني عبد المطلب ، حتى أتى المسجد وهو حافل من قريش . ~~فلما رأوهم ظنوا أنهم خرجوا من شدة الحصار ، وأتوا ليعطوهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم . فتكلم أبو طالب . فقال : قد حدث أمر . لعله أن يكون بيننا ~~وبينكم صلحا ، فائتوا بصحيفتكم - وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا فيها قبل أن ~~يأتوا بها ، فلا يأتون بها - فأتوا بها معجبين . لا يشكون أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مدفوع إليهم ، قالوا : قد آن لكم أن تفيئوا وترجعوا خطرا ~~لهلكة قومكم . فقال أبو طالب : لأعطينكم أمرا فيه نصف ، إن ابني أخبرني - ~~ولم يكذبني - أن الله عز وجل بريء من هذه الصحيفة التي في أيديكم ، وأنه ~~محا كل اسم له فيها ، وترك فيها غدركم ، وقطيعتكم . فإن كان ما قال حقا ، ~~فوالله لا نسلمه إليكم حتى نموت عن آخرنا . وإن كان الذي يقول باطلا ، ~~دفعناه لكم فقتلتموه ، أو استحييتموه PageV01P097 | قالوا : قد رضينا ، ~~ففتحوا الصحيفة فوجدوها كما أخبر . فقالوا : هذا سحر من صاحبكم ، فارتكسوا ~~وعادوا إلى شر ما هم عليه . | فتكلم عند ذلك النفر الذين تعاقدوا - كما ~~تقدم - وقال أبو طالب شعرا يمدح النفر الذين تعاقدوا على نقض الصحيفة . ~~ويمدح النجاشي ، منه : # % جزى الله رهطا بالحجون تتابعوا % % على ملأ ، يهدى بحزم ويرشد % # % أعان عليها كل صقر كأنه % % إذا ما مشى في رفرف الدرع أجرد % # % قعودا لدى جنب الحجون كأنهم % % مقاولة ، بل هم أعز وأمجد % % وأسلم ~~هشام بن عمرو يوم الفتح . | وخرج بنو هاشم من شعبهم وخالطوا الناس . وكان ~~خروجهم في سنة عشر من النبوة . ومات أبو طالب بعدها بستة أشهر . # | 2 ( موت خديجة وأبي طالب : ) # | وماتت خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها بعد موت أبي طالب بأيام . فاشتد ~~البلاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم من قومه بعد موت خديجة وعمه ، ~~وتجرأوا عليه ، وكاشفوه بالأذى ms057 ، وأرادوا قتله . فمنعهم الله من ذلك . | ~~قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ' حضرتهم . وقد اجتمع ~~أشرافهم في الحجر ، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقالوا : ما ~~رأينا مثل صبرنا عليه ، سفه أحلامنا . وشتم آباءنا . وفرق جماعتنا ، فبينما ~~هم في ذلك ، إذ أقبل . فاستلم الركن . فلما مر بهم غمزوه ' . PageV01P098 | ~~وفي حديث : أنه قال لهم في الثانية : ' لقد جئتكم بالذبح ' وأنهم قالوا له ~~: يا أبا القاسم ، ما كنت جهولا ، فانصرف راشدا . | فلما كان من الغد ~~اجتمعوا فقالوا : ذكرتم ما بلغ منكم ، حتى إذا أتاكم بما تكرهون تركتموه ، ~~فبينما هم كذلك ، إذ طلع عليهم ، فقالوا قوموا إليه وثبة رجل واحد ، فلقد ~~رأيت عقبة بن أبي معيط آخذا بمجامع ردائه ، وقام أبو بكر دونه وهو يبكي ، ~~يقول : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ؟ . | وفي حديث أسماء : ' فأتى ~~الصريخ إلى أبي بكر . فقالوا : أدرك صاحبك ، فخرج من عندنا وله غدائر أربع ~~، فخرج وهو يقول : ويلكم ، أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ؟ فلهوا عنه ، ~~وأقبلوا على أبي بكر . فرجع إلينا لا يمس شيئا من غدائر إلا رجع معه ' . | ~~ومرة كان يصلي عند البيت ، ورهط من أشرفهم يرونه ، فأتى أحدهم بسلا جزور . ~~فرماه على ظهره . | وكانوا يعلمون صدقه وأمانته ، وأن ما جاء به هو الحق . ~~لكنهم كما قال الله تعالى : @QB@ فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات ~~الله يجحدون @QE@ . | وذكر الزهري : أن أبا جهل ، وجماعة معه ، وفيهم ~~الأخنس بن شريق ، استمعوا قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل ، ~~PageV01P099 فقال الأخنس لأبي جهل : يا أبا الحكم : ما رأيك فيما سمعت من ~~محمد ؟ فقال : تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف : أطعموا فأطعمنا . وحملوا ~~فحملنا . وأعطوا فأعطينا . حتى إذا تجاثينا على الركب ، وكنا كفرسي رهان ، ~~قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء ! فمتى ندرك هذا ؟ والله لا نسمع له ~~أبدا ، ولا نصدقه أبدا ' . | وفي رواية : ' إني لأعلم أن ما يقول حق ، ولكن ~~بني قصي قالوا : فينا الندوة . فقلنا : نعم . قالوا : وفينا الحجابة ، ~~فقلنا : نعم ms058 . قالوا : فينا السقاية . فقلنا : نعم - وذكر نحوه . # | 2 ( سؤالهم عن الروح وأهل الكهف : ) # | وكانوا يرسلون إلى أهل الكتاب يسألونهم عن أمره ؟ . | قال ابن إسحق عن ~~ابن عباس : بعثت قريش النضر بن الحارث ، وعقبة بن أبي معيط ، إلى أحبار ~~المدينة ، فقالوا لهما : سلاهم عن محمد ، وصفا لهم صفته . فإنهم أهل الكتاب ~~. وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء . | فخرجا حتى قدما المدينة ، ~~فسألاهم عنه ؟ ووصفا لهم أمره . فقالت لهما أحبار اليهود : سلوه عن ثلاث ، ~~فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل ، وإلا فهو رجل متقول . سلوه عن فتية ذهبوا في ~~الدهر الأول : ما كان أمرهم ؟ فإنه قد كان لهم حديث عجيب . وسلوه عن رجل ~~طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها . فما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الروح ما هو ؟ ~~| فأقبلا حتى قدما مكة ، فقالوا : قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد . قد ~~أخبرنا أحبار يهود : أن نسأله عن أشياء أمرونا بها . فجاءوا PageV01P100 ~~رسول الله ، فسألوه عما أخبرهم أحبار يهود . فجاءه جبريل بسورة الكهف فيها ~~خبر ما سألوه عنه . من أمر الفتية ، والرجل الطواف ، وجاءه بقوله @QB@ ~~ويسألونك عن الروح @QE@ الآية . | قال ابن إسحاق : فافتتح السورة بحمده ~~وذكر نبوة رسوله لما أنكروا عليه من ذلك . فقال : @QB@ الحمد لله الذي أنزل ~~على عبده الكتاب @QE@ يعني أنك رسول مني ، أي تحقيق ما سألوه من نبوتك @QB@ ~~ولم يجعل له عوجا @QE@ أي أنزله معتدلا . لا خلاف فيه - وذكر تفسير السورة ~~- إلى أن قال : @QB@ أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ~~@QE@ أي : ما رأوا من قدرتي في أمر الخلائق ، وفيما وضعت على العباد من ~~حججي ما هو أعظم من ذلك وأعجب . | وعن ابن عباس : الذي آتيتك من الكتاب ~~والسنة أعظم من شأن أصحاب الكهف . قال ابن عباس : والأمر على ما ذكروا . ~~فإن مكثهم نياما ثلاثمائة سنة : آية دالة على قدرة الله ومشيئته . وهي آية ~~دالة على معاد الأبدان ، كما قال تعالى @QB@ وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن ~~وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها @QE@ وكان الناس قد ms059 تنازعوا في زمانهم ~~، هل تعاد الأرواح وحدها ؟ أم الأرواح والأبدان ؟ فجعلهم الله آية دالة على ~~معاد الأبدان ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقصتهم ، من غير أن يعلمه ~~PageV01P101 بشر ، آية دالة على نبوته . فكانت قصتهم آية دالة على الأصول ~~الثلاثة : الإيمان بالله ، ورسوله ، واليوم الآخر . ومع هذا : فمن آيات ~~الله ما هو أعجب من ذلك . | وقد ذكر الله سبحانه وتعالى سؤالهم عن هذه ~~الآيات التي سألوه عنها ليعلموا : هل هو نبي صادق ، أو كاذب ؟ فقال : ( ~~ويسألونك عن ذي القرنين ؟ قل : سأتلو عليكم منه ذكرا ) وقوله : @QB@ لقد ~~كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين @QE@ - إلى قوله - @QB@ إذ أجمعوا أمرهم ~~وهم يمكرون @QE@ . | والقرآن مملوء من إخباره بالغيب الماضي . الذي لا ~~يعلمه أحد من البشر . إلا من جهة الأنبياء ، لا من جهة الأولياء ، ولا من ~~جهة غيرهم . وقد عرفوا أنه صلى الله عليه وسلم لا يتعلم هذا من بشر . ففيه ~~آية وبرهان قاطع على صدقه ونبوته . # | 2 ( قول الوليد بن المغيرة في القرآن ' سحر ' : ) # | وعن ابن عباس قال : ' إن الوليد بن المغيرة ، جاء إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم . فقال اقرأ علي . فقرأ عليه : @QB@ إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان وإيتاء ذي القربى @QE@ الآية ( فقال : أعد ، فأعاد . فقال : والله ~~إن له لحلاوة . وإن عليه لطلاوة . وإن أعلاه لمثمر . وإن أسفله لمغدق ، ~~وإنه ليعلو ولا يعلى عليه . وإنه ليحطم ما تحته . وما يقول هذا بشر ' . ~~PageV01P102 | وفي رواية : ' وبلغ ذلك أبا جهل ، فأتاه . فقال : يا عم ، إن ~~قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا . قال : ولم ؟ قال : أتيت محمدا لتعوض مما ~~قبله . قال : قد علمت قريش أني من أكثرها مالا . قال : فقل فيه قولا يبلغ ~~قومك : أنك منكر له : قال : ماذا أقول ؟ فوالله ما فيكم أعلم بالأشعار مني ~~الخ ' . | وفي رواية أن الوليد بن المغيرة قال لهم - وقد حضر الموسم - ' ~~ستقدم عليكم وفود العرب من كل جانب ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم . فأجمعوا فيه ~~رأيا ، ولا تختلفوا ، فيكذب بعضكم بعضا . فقالوا : فأنت فقل . فقال : بل ~~قولوا وأنا أسمع . قالوا ms060 : نقول : كاهن قال : ما هو بزمزة الكهان ، ولا ~~سجعهم . قالوا نقول : مجنون ، قال : ما هو بمجنون . لقد رأينا الجنون ~~وعرفناه . فما هو بخنقه ، ولا وسوسته ولا تخالجه . قالوا : نقول شاعر . قال ~~: ما هو بشاعر . لقد عرفنا الشعر : رجزه وهزجه ، وقريضه ومقبوضه ، ومبسوطه ~~. قالوا : نقول ساحر ، قال : ما هو بساحر . لقد رأينا السحرة وسحرهم ، فما ~~هو بعقدهم ولا نفثهم ، قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : ما نقول من ~~شيء من هذا إلا عرف أنه باطل ، وإن أقرب القول ، أن تقولوا : ساحر ، يفرق ~~بين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجه ، وبين المرء وعشيرته فتفرقوا عنه بذلك ~~. فجعلوا يجلسون للناس ، لا يمر بهم أحد إلا حذروه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم . فأنزل الله في الوليد بن المغيرة @QB@ ذرني ومن خلقت وحيدا @QE@ - ~~إلى قوله - @QB@ سأصليه سقر @QE@ . PageV01P103 | ونزل في النفر الذين ~~كانوا معه يصنفون القول في رسول الله ، وفيما جاء به من عند الله : @QB@ ~~الذين جعلوا القرآن عضين @QE@ أي أصنافا . | وكانوا يسألون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الآيات ، فمنها ما يأتيهم الله به ، لحكمة أرادها الله ~~سبحانه . # | 2 ( انشقاق القمر : ) # | فمن ذلك أنهم سألوه : أن يريهم آية ، فأراهم انشقاق القمر . وأنزل قوله ~~: @QB@ اقتربت الساعة وانشق القمر @QE@ - إلى قوله - @QB@ وكل أمر مستقر ~~@QE@ فقالوا : سحركم ، انظروا إلى السفار ، فإن كانوا رأوا مثل ما رأيتم ~~فقد صدق . فقدموا من كل وجه . فقالوا : رأينا . | وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ربما طلب من الآيات - التي يقترحون - رغبة منه في إيمانهم ، ~~فيجاب بأنها : لا تستلزم الهدى . بل توجب عذاب الاستئصال لمن كذب بها . # | 2 ( سؤالهم الآيات : ) # | والله سبحانه قد يظهر الآيات الكثيرة ، مع طبعه على قلب الكافر ، ~~كفرعون ، قال تعالى : @QB@ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ~~ليؤمنن بها @QE@ - إلى قوله - @QB@ ولكن أكثرهم يجهلون @QE@ وقال تعالى ~~@QB@ وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون @QE@ الآية . ~~PageV01P104 | بين سبحانه وتعالى : أنه إنما منعه أن يرسل بها إلا أن كذب ~~بها الأولون ، فإذا كذب هؤلاء كذلك : استحقوا ms061 عذاب الاستئصال . | وروى أهل ~~التفسير ، وأهل الحديث عن ابن عباس . قال : ' سأله أهل مكة أن يجعل لهم ~~الصفا ذهبا ، وأن ينحي عنهم الجبال حتى يزرعوا . فقيل له : إن شئت نستأني ~~بهم ، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا ، فإن كفروا هلكوا ، كما هلك من قبلهم ~~. فقال : بل أستأني بهم ، فأنزل الله : @QB@ وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا ~~أن كذب بها الأولون @QE@ الآية . | وروى ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية . ~~قال : رحمة لكم أيها الأمة ، إنا لو أرسلنا بالآيات ، فكذبتم بها : أصابكم ~~ما أصاب من قبلكم . وكانت الآيات تأتيهم آية بعد آية . فلا يؤمنون بها ، ~~قال تعالى : @QB@ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ~~@QE@ الآيات . | أخبر سبحانه بأن الآيات تأتيهم فيعرضون عنها ، وأنهم سيرون ~~صدق ما جاءت به الرسل ، كما أهلك الله من كان قبلهم بالذنوب التي هي تكذيب ~~الرسل ، فإن الله سبحانه وتعالى يقول : @QB@ وما كان ربك مهلك القرى حتى ~~يبعث في أمها رسولا @QE@ الآية . وأخبر بشدة كفرهم بأنهم لو أنزل عليهم ~~كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم ، لكذبوا به . وبين سبحانه أنه لو جعل ~~الرسول ملكا لجعله على صورة الرجل ، إذ كانوا لا يستطيعون أن يروا الملائكة ~~في صورهم التي خلقوا عليها . وحينئذ يقع اللبس عليهم ، لظنهم PageV01P105 ~~الرسول بشرا لا ملكا . وقال تعالى @QB@ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من ~~الأرض ينبوعا @QE@ الآيات . | وهذه الآيات لو أجيبوا إليها ، ثم لم يؤمنوا ~~: لأتاهم عذاب الاستئصال ، وهي لا توجب الإيمان ، بل إقامة للحجة ، والحجة ~~قائمة بغيرها . وهي أيضا مما لا يصلح فإن قولهم : @QB@ حتى تفجر لنا من ~~الأرض ينبوعا @QE@ يقتضي تفجيرها بمكة ، فيصير واديا ذا زرع . والله سبحانه ~~وتعالى قضى بسابق حكمته : أن جعل بيته بواد غير ذي زرع ، لئلا يكون عنده ما ~~ترغب النفوس فيه من الدنيا . فيكون حجهم للدنيا . | وإذا كانت له جنة من ~~نخيل وعنب كان في هذا من التوسع في الدنيا ما يقتضي نقص درجته . | وكذلك ~~إذا كان له قصر من زخرف . وهو ms062 الذهب . | أما إسقاط السماء كسفا : فهذا لا ~~يكون إلا يوم القيامة . | وأما الإتيان بالله والملائكة قبيلا : فهذا لما ~~سأل قوم موسى موسى ما هو دونه : أخذتهم الصاعقة ، وقال تعالى : @QB@ يسألك ~~أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء @QE@ الآيات . | بين سبحانه : أن ~~المشركين وأهل الكتاب سألوه إنزال كتاب من السماء ، وبين أن الطائفتين لا ~~يؤمنون إذا جاءهم ذلك ، وأنهم إنما سألوه تعنتا ، فقال عن المشركين : @QB@ ~~ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس @QE@ الآية . PageV01P106 | وقال عن أهل ~~الكتاب : @QB@ فقد سألوا موسى أكبر من ذلك @QE@ - إلى قوله - @QB@ ميثاقا ~~غليظا @QE@ فهم - مع هذا - نقضوا الميثاق ، وكفروا بآيات الله ، وقتلوا ~~النبيين . فكان فيه من الاعتبار : أن الذين لا يهتدون إذا جاءتهم الآيات ~~المقترحة لم يكن في مجيئها منفعة لهم ، بل فيها وجوب عقوبة عذاب الاستئصال ~~إذا لم يؤمنوا ، وتغليظ الأمر عليهم ، كما قال تعالى : @QB@ فبظلم من الذين ~~هادوا @QE@ الآية . | ولما طلب الحواريون من المسيح المائدة ، كانت من ~~الآيات الموجبة لمن كفر بها عذابا ، لم يعذب الله به أحدا من العالمين . ~~وكان قبل نزول التوراة يهلك الله المكذبين بالرسل بعذاب الاستئصال عاجلا . ~~وأظهر آيات كثيرة لما أرسل موسى ليبقى ذكرها في الأرض . إذ كان بعد نزول ~~التوراة لم يهلك أمة بعذاب الاستئصال ، كما قال تعالى : @QB@ ولقد آتينا ~~موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى @QE@ بل كان بنو إسرائيل لما ~~كانوا يفعلون ما يفعلون - من الكفر والمعاصي - يعذب الله بعضهم ويبقي بعضهم ~~، إذ كانوا لا يتفقون على الكفر ، ولم يزل في الأرض منهم أمة باقية على ~~الصلاح . قال تعالى : @QB@ وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ~~ذلك @QE@ الآية وقال : @QB@ من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء ~~الليل وهم يسجدون @QE@ الآيتين . PageV01P107 | وكان من حكمته تعالى ورحمته ~~- لما أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم المرسلين - أن لا يهلك قومه ~~بعذاب الاستئصال ، بل عذب بعضهم بأنواع العذاب كالمستهزئين الذين قال الله ~~فيهم : @QB@ إنا كفيناك المستهزئين @QE@ الآيات . | والذي دعا عليه النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن ms063 يسلط عليه كلبا من كلابه فافترسه الأسد ، كما قال ~~تعالى : @QB@ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم ~~الله بعذاب من عنده @QE@ الآية . | فأخبر سبحانه أنه يعذب الكفار تارة ~~بأيدي المؤمنين بالجهاد والحدود ، وتارة بغير ذلك . فكان ذلك مما يوجب ~~إيمان أكثرهم ، كما جرى لقريش وغيرهم . فإنه لو أهلكهم لبادوا ، وانقطعت ~~المنفعة بهم ، ولم يبق لهم ذرية تؤمن ، بخلاف ما عذبهم به من الإذلال ~~والقهر ، فإن في ذلك ما يوجب عجزهم ، والنفوس إذا كانت قادرة على كمال ~~أغراضها ، فلا تكاد تنصرف عنها . بخلاف عجزها عنها . فإنه يدعوها إلى ~~التوبة ، كما قيل : من العصمة أن لا تقدر ، ولهذا آمن عامتهم . | وقد ذكر ~~الله في التوراة لموسى : ' إني أقسي قلب فرعون . فلا يؤمن بك لتظهر آياتي ~~وعجائبي ' . | بين أن في ذلك من الحكمة : انتشار آياته الدالة على صدق ~~أنبيائه في الأرض إذ كان موسى أخبر بتكليم الله له ، وبكتابة التوراة له ، ~~فأظهر PageV01P108 له من الآيات ما يبقي ذكره في الأرض . وكان في ضمن ذلك : ~~ومن تقسية قلب فرعون ما أوجب هلاكه وهلاك قومه . | وفرعون كان جاحدا للصانع ~~. فلذلك أوتي موسى من الآيات ما يناسب حاله . | وأما بنو إسرائيل - مع ~~المسيح - فكانوا مقرين بالكتاب الأول . فلم يحتاجوا إلى مثل ما احتاج إليه ~~موسى . ولم يكن محتاجا إلى جنس تقرير النبوة ، إذ كانت الرسل قبله جاءت بما ~~يثبت ذلك . وإنما الحاجة إلى تثبيت نبوته . | ومع هذا فقد أظهر الله على ~~يديه من الآيات مثل آيات من قبله وأعظم ، ومع هذا لم يأت بآيات الاستئصال . ~~بل بين الله في القرآن : أنها لا تنفعهم بل تضرهم . لأنه علم أن قلوبهم ~~كقلوب الأولين . كما قال تعالى : @QB@ كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول ~~إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به @QE@ الآية وقال تعالى : @QB@ كذلك قال ~~الذين من قبلهم مثل قولهم @QE@ الآية . وقال تعالى : @QB@ أكفاركم خير من ~~أولئكم @QE@ الآية . وسورة اقتربت التي ذكر فيها انشقاق القمر ، وإعراضهم ~~عن الآيات ، وقولهم : ' سحر مستمر ' وقال ms064 فيها : @QB@ ولقد جاءهم من ~~الأنباء ما فيه مزدجر @QE@ . PageV01P109 | أي يزجرهم عن الكفر زجرا شديدا ~~، إذ كان في تلك الأنباء صدق الرسل والإنذار بالعذاب الذي وقع بالمتقدمين . ~~| ولهذا يقول عقيب كل قصة @QB@ فكيف كان عذابي ونذر @QE@ أي عذابي لمن كذب ~~رسلي ، وإنذاري لهم بذلك قبل مجيئه . | ثم قال : @QB@ أكفاركم @QE@ أيتها ~~الأمة @QB@ خير من أولئكم @QE@ الذين كذبوا الرسل من قبلكم : @QB@ أم لكم ~~براءة في الزبر أم يقولون نحن جميع منتصر @QE@ وذلك : أن كونكم تعذبون ~~مثلهم . إما لكونكم لا تستحقون ما استحقوا ، أو لكون الله أخبر أنه لا ~~يعذبكم : فهذا بالنظر إلى فعل الله . وأما بالنظرة إلى قوة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وأتباعه ، فيقولون : @QB@ نحن جميع منتصر @QE@ فإنهم أكثر وأقوى ~~، كما قالوا @QB@ أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا @QE@ - إلى قوله - @QB@ ~~أثاثا ورئيا @QE@ أي أموالا ومنظرا . فقال تعالى : @QB@ سيهزم الجمع ويولون ~~الدبر @QE@ . | أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم بهزيمتهم ، وهو بمكة ، في ~~قلة من الأتباع ، وضعف منهم . ولا يظن أحد - قبل أن يهاجر - بالعادة ~~المعروفة : أن أمره يعلو ، ويقاتلهم . فكان كما أخبر . وذلك ببدر ، وتلك ~~سنة الله ، كما قال تعالى : @QB@ سنة الله التي قد خلت من قبل @QE@ الآية . ~~PageV01P110 | وحيث يظهر الكفار ويغلبون ، فإنما يكون ذلك لذنوب المؤمنين ~~التي أوجبت نقص إيمانهم ، فإذا تابوا نصرهم الله ، كما قال تعالى : @QB@ ~~ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين @QE@ . | فإذا كان من ~~تمام الحكمة والرحمة : أن لا يهلكهم بالاستئصال كالذين من قبلهم ، قال ~~تعالى : @QB@ أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر @QE@ كان لا ~~يأتي بموجب ذلك ، مع إتيانه سبحانه بما يقيم الحجة أكمل في الحكمة والرحمة ~~، إذ كان ما أتى به حصل به كمال الهدى والحجة ، وما امتنع منه دفع من عذاب ~~الاستئصال ما أوجب بقاء جمهور الأمة ، حتى يهتدوا ويؤمنوا . وكان في إرسال ~~خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم من الحكمة البالغة ، والمنن السابغة ، ما لم ~~يكن في رسالة غيره . صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين . | رجعنا إلى ~~سيرته صلى الله عليه ms065 وسلم . # | 2 ( خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف : ) # | ولما اشتد البلاء من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعد موت ~~عمه : خرج إلى الطائف ، رجاء أن يؤوه وينصره على قومه ، ويمنعوه منهم ، حتى ~~يبلغ رسالة ربه . ودعاهم إلى الله عز وجل ، فلم ير من يؤوي ولم ير ناصرا ، ~~وآذوه أشد الأذى . ونالوا منه ما لم ينل منه قومه . وكان معه زيد بن حارثة ~~مولاه . PageV01P111 | فأقام بينهم عشرة أيام . لا يدع أحدا من أشرافهم إلا ~~كلمه ، فقالوا : أخرج من بلدنا . وأغروا به سفهاءهم . فوقفوا له سماطين . ~~وجعلوا يرمونه بالحجارة وبكلمات من السفه ، هي أشد وقعا من الحجارة . حتى ~~دميت قدماه ، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه ، حتى أصابه شجاج في رأسه ، فانصرف ~~إلى مكة محزونا . | وفي مرجعه ذلك دعا بالدعاء المشهور : ' اللهم إني أشكو ~~إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ~~ربي ، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ، أو إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم ~~يكن بك غضب علي فلا أبالي ، غير أن عافيتك هي أوسع لي . أعوذ بنور وجهك ~~الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة : أن يحل علي غضبك ، ~~أو ينزل بي سخطك . لك العتبى حتى ترضى . ولا حول ولا قوة إلا بك ' . | ~~فأرسل ربه تبارك وتعالى إليه ملك الجبال ، يستأمره أن يطبق الأخشبين على ~~أهل مكة - وهما جبلاها اللذان هي بينهما - فقال : ' بل استأني بهم . لعل ~~الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده ، ولا يشرك به شيئا ' . | فلما نزل بنخلة ~~في مرجعه ، قام يصلي من الليل ما شاء الله ، فصرف الله إليه نفرا من الجن . ~~فاستمعوا قراءته ، ولم يشعر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل عليه ~~: @QB@ وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن @QE@ - إلى قوله - @QB@ أولئك في ضلال ~~مبين @QE@ . PageV01P112 | وأقام بنخلة أياما . فقال زيد بن حارثة رضي الله ~~عنه : كيف تدخل عليهم ، وقد أخرجوك ؟ - يعني قريشا - فقال ' يا زيد ، إن ~~الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا . وإن ms066 الله ناصر دينه ، ومظهر نبيه ' . | ثم ~~انتهى إلى مكة . فأرسل رجلا من خزاعة إلى المطعم بن عدي ' أدخل في جوارك ؟ ~~' فقال : نعم . فدعا المطعم بنيه وقومه ، فقال : البسوا السلاح ، وكونوا ~~عند أركان البيت . فإني قد أجرت محمدا ، فلا يهجه منكم أحد . فانتهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى الركن فاستلمه . وصلى ركعتين . وانصرف إلى ~~بيته ، والمطعم ابن عدي وولده محدقون به في السلاح ، حتى دخل بيته . # | 2 ( الإسراء والمعراج : ) # | ثم أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس راكبا على ~~البراق صحبة جبريل عليه السلام . فنزل هناك . وصلى بالأنبياء إماما ، وربط ~~البراق بحلقة باب المسجد . ثم عرج به إلى السماء الدنيا . فرأى فيها آدم . ~~ورأى أرواح السعداء عن يمينه ، والأشقياء عن شماله . ثم إلى الثانية . فرأى ~~فيها عيسى ويحيى . ثم إلى الثالثة . فرأى فيها يوسف . ثم إلى الرابعة . ~~فرأى فيها إدريس . ثم إلى الخامسة فرأى فيها هارون . ثم إلى السادسة . فرأى ~~فيها موسى . فلما جاوزه بكى ، فقيل له ما يبكيك ؟ قال : أبكي أن غلاما بعث ~~بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي ثم عرج به إلى السماء ~~السابعة . فلقي فيها إبراهيم . ثم إلى سدرة المنتهى . ثم رفع إلى البيت ~~PageV01P113 المعمور . فرأى هناك جبريل في صورته ، له ستمائة جناح . وهو ~~قوله تعالى : @QB@ ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى @QE@ . | وكلمه ربه ~~وأعطاه ما أعطاه . وأعطاه الصلاة . فكانت قرة عين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم . | فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم في قومه وأخبرهم : اشتد ~~تكذيبهم له ، وسألوه أن يصف لهم بيت المقدس ، فجلاه الله له حتى عاينه . ~~وجعل يخبرهم به . ولا يستطيعون أن يردوا عليه شيئا . وأخبرهم عن عيرهم التي ~~رآها في مسراه ومرجعه ، وعن وقت قدومها ، وعن البعير الذي يقدمها . فكان ~~كما قال . لم يزدهم ذلك إلا ثبورا . وأبى الظالمون إلا كفورا . PageV01P114 # | 1 ( فصل في الهجرة ) # | قد ذكرنا : أنه صلى الله عليه وسلم ، كان يوافي الموسم كل عام ، يتبع ~~الحاج في ms067 منازلهم ، وفي عكاظ وغيرها ، يدعوهم إلى الله . فلم يجبه أحد منهم ~~. ولم يؤوه . | فكان مما صنع الله لرسوله : أن الأوس والخزرج كانوا يسمعون ~~من حلفائهم يهود المدينة : أن نبيا يبعث في هذا الزمان ، فنتبعه ونقتلكم ~~معه قتل عاد . | وكانت الأنصار تحج ، كغيرها من العرب ، دون اليهود . فلما ~~رأى الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الله . وتأملوا ~~أحواله . قال بعضهم لبعض : تعلمون والله يا قوم أن هذا الذي توعدكم به ~~اليهود . فلا يسبقنكم إليه . وقدر الله بعد ذلك : أن اليهود يكفرون به . ~~فهو قوله تعالى @QB@ ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من ~~قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على ~~الكافرين @QE@ والآية بعدها . # | 2 ( بيعة العقبة الأولى : ) # | فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم عند العقبة : ستة نفر من ~~الأنصار كلهم من الخزرج . منهم أسعد بن زرارة ، وجابر بن عبد الله ~~PageV01P115 ابن رئاب السلمي . فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا . ثم رجعوا إلى ~~المدينة ، فدعوا إلى الإسلام . فنشأ الإسلام فيها ، حتى لم تبق دار إلا ~~دخلها . فلما كان العام المقبل : جاء منهم اثنا عشر رجلا - الستة الأول ، ~~خلا جابرا - ومعهم عبادة بن الصامت ، وأبو الهيثم بن التيهان ، وغيرهم . ~~الجميع اثنا عشر رجلا . | وكان الستة الأولون قد قالوا له - لما أسلموا - : ~~إن بين قومنا من العداوة والشر ما بينهم ، وعسى الله أن يجمعهم بك . ~~وسندعوهم إلى أمرك ، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك . وكان الأوس ~~والخزرج أخوان لأم وأب . أصلهم من اليمن من سبأ ، وأمهم قيلة بنت كاهل - ~~امرأة من قضاعة - ويقال لهم لذلك : أبناء قيله . قال الشاعر : # % بهاليل من أولاد قيلة ، لم يجد % % عليهم خليط في مخالطة عتبا % فوقعت ~~بينهم العداوة بسبب قتيل ، فلبثت الحرب بينهم مائة وعشرين سنة إلى أن ~~أطفأها الله بالإسلام . وألف بينهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك ~~قوله : @QB@ واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم ~~فأصبحتم ms068 بنعمته إخوانا @QE@ الآية . | فلما جاءه الإثنا عشرة رجلا من العام ~~الآتي - الذين ذكرنا - ومنهم اثنان من الأوس : أبو الهيثم ، وعويم بن ساعدة ~~. والباقي من الخزرج . | فلما انصرفوا بعث معهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مصعب بن عمير ، وأمره أن يقرئهم القرآن ، ويعلمهم الإسلام . فنزل على ~~أبي أمامة PageV01P116 - أسعد بن زرارة - فخرج بمصعب - في إحدى خريجاته - ~~فدخل به حائطا من حيطان بني ظفر . فجلسا فيه . واجتمع إليهما رجال ممن أسلم ~~. # | 2 ( إسلام سعد بن معاذ ، وأسيد بن حضير : ) # | فقال سعد بن معاذ - سيد الأوس - لأسيد بن حضير : اذهب إلى هذين اللذين ~~قد أتيا ليسفها ضعفاءنا ، فازجرهما . فإن أسعد بن زرارة ابن خالتي ، ولولا ~~ذلك لكفيتك ذلك . وكان سعد وأسيد سيدي قومهما . فأخذ أسيد حربته . ثم أقبل ~~إليهما . فلما رآه أسعد بن زرارة ، قال لمصعب : هذا سيد قومه قد جاءك . ~~فاصدق الله فيه ، قال مصعب : إن يكلمني أكلمه . فوقف عليهما . فقال : ما ~~جاء بكما إلينا ؟ تسفهان ضعفاءنا ؟ اعتزلا ، إن كان لكما في أنفسكما حاجة . ~~فقال له مصعب : أو تجلس فتسمع . فإن رضيت أمرا قبلته ، وإن كرهته كف عنك ما ~~تكره . فقال : أنصفت . ثم ركز حربته وجلس . فكلمه مصعب بالإسلام ، وتلا ~~عليه القرآن . قال : فوالله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم ، في ~~إشراقه وتهلله . | ثم قال : ما أحسن هذا وأجمله ! كيف تصنعون إذا أردتم أن ~~تدخلوا في هذا الدين ؟ . | قال له : تغتسل وتطهر ثوبك . ثم تشهد شهادة الحق ~~. ثم تصلي ركعتين . فقام واغتسل ، وطهر ثوبه . وتشهد وصلى ركعتين . ثم قال ~~: إن ورائي رجلا إن تبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه . وسأرشده إليكما الآن ~~- سعد بن معاذ - ثم أخذ حربته ، وانصرف إلى سعد في قومه ، وهم جلوس في ~~ناديهم . PageV01P117 | فقال سعد : أحلف بالله ، لقد جاءكم بغير الوجه الذي ~~ذهب به من عندكم . فلما وقف على النادي ، قال له سعد : ما فعلت ؟ فقال : ~~كلمت الرجلين . فوالله ما رأيت بهما بأسا . وقد نهيتهما ، فقالا : نفعل ما ~~أحببت . | وقد حدثت : أن بني حارثة خرجوا ms069 إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه - وذلك ~~: أنهم عرفوا أنه ابن خالتك - ليخفروك ، فقام سعد مغضبا ، للذي ذكر له . ~~فأخذ حربته ، فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما ، ~~فوقف عليهما متشتما . ثم قال لأسعد بن زرارة : والله يا أبا أمامة ، لولا ~~ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني ، تغشانا في دارنا بما نكره ؟ | ~~وقد كان أسعد قال لمصعب : جاءك والله سيد من ورائه قومه . إن يتبعك لم ~~يتخلف عنك منهم أحد . | فقال له مصعب : أو تقعد فتسمع ؟ فإن رضيت أمرا ~~قبلته ، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره ، قال : قد أنصفت . ثم ركز حربته فجلس ~~. | فعرض عليه الإسلام ، وقرأ عليه القرآن . قال : فعرفنا والله في وجهه ~~الإسلام قبل أن يتكلم ، في إشراقه وتهلله . ثم قال : كيف تصنعون إذا أسلمتم ~~؟ قالا : تغتسل وتطهر ثوبك ثم تشهد شهادة الحق . ثم تصلي ركعتين ، ففعل ذلك ~~. ثم أخذ حربته ، فأقبل إلى نادي قومه . فلما رأوه قالوا : نحلف بالله لقد ~~رجع بغير الوجه الذي ذهب به ، فقال : يا بني عبد الأشهل ، PageV01P118 كيف ~~أمري فيكم ؟ قالوا : سيدنا . وابن سيدنا ، وأفضلنا رأيا ، وأيمننا نقيبة . ~~قال : فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله . فما ~~أمسى فيهم رجل ولا امرأة إلا أسلموا ، إلا الأصيرم . فإنه تأخر إسلامه إلى ~~يوم أحد . فأسلم وقاتل وقتل ، ولم يسجد لله سجدة . فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم : ' عمل قليلا وأجر كثيرا ' . | فأقام مصعب في منزل أسعد يدعو ~~الناس إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء ~~مسلمون ، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ، ووائل ، وواقف . | ~~وذلك : أنهم كان فيهم قيس بن الأسلت الشاعر . وكانوا يسمعون منه ، فوقف بهم ~~عن الإسلام ، حتى كان عام الخندق ، بعد أن هاجر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم . | فلما كان من العام المقبل . وجاء موسم الحج . قال من أسلم من ~~الأنصار : حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يطرد في ms070 جبال مكة ~~ويخاف ؟ ! فخرجوا مع مشركي قومهم حجاجا . # | 2 ( بيعة العقبة الثانية : ) # | فلما وصلوا واعدوه العقبة ، من أواسط أيام التشريق للبيعة ، بعد ما ~~انقضى حجهم . فقال له العباس : ما أدري ما هؤلاء القوم الذين جاءوك ؟ إني ~~ذو معرفة بأهل يثرب . فلما كان بالليل تسللوا من رحالهم مختفين ، ومعهم عبد ~~الله بن عمرو بن حرام - أبو جابر - وهو مشرك ، وكانوا يكاتمونه الأمر . ~~فلما كانت الليلة التي واعدوا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P119 قالوا له : يا أبا جابر ، إنك شريف من أشرافنا . وإنا نرغب بك ~~أن تكون حطبا للنار غدا ، قال : وما ذلك ؟ فأخبروه الخبر . فأسلم ، وشهد ~~العقبة وكان نقيبا . | فلما مضى ثلث الليل خرجوا للميعاد ، حتى اجتمعوا ~~عنده ، من رجل ورجلين ومعه عمه العباس - وهو يومئذ على دين قومه - ولكنه ~~أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ، ويتوثق له . | فلما نظر العباس في وجوههم قال : ~~هؤلاء قوم لا نعرفهم ، هؤلاء أحداث ، وكان أول من تكلم . فقال : يا معشر ~~الخزرج - وكانت العرب تسمى الجميع الخزرج . إن محمدا منا حيث علمتم ، وقد ~~منعناه من قومنا وهو في منعة في بلده ، إلا أنه أبى إلا الانقطاع إليكم ، ~~واللحوق بكم . فإن كنتم ترون أنكم وافون بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن ~~خالفه ، فأنتم وما تحملتم . وإن كنتم ترون أنكم مسلمون وخاذلوه - بعد خروجه ~~إليكم - فمن الآن فدعوه . فإنه في عز ومنعة . | قالوا : قد سمعنا ما قلت . ~~فتكلم يا رسول الله ، وخذ لنفسك ولربك ما شئت . | فتكلم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، وقال : ' أبايعكم على أن تمنعوني - إذا قدمت عليكم - مما ~~تمنعون منه نساءكم وأبناءكم . ولكم الجنة ' . PageV01P120 | فكان أول من ~~بايعه : البراء بن معرور . فقال : والذي بعثك بالحق لنمنعك مما نمنع منه ~~أزرنا . فبايعنا يا رسول الله . فنحن أهل الحرب والحلقة ، ورثناها صاغرا عن ~~كابر . فاعترضه أبو الهيثم بن التيهان ، وقال إن بيننا وبين الناس حبالا . ~~ونحن قاطعوها ، فهل عسيت - إن أظهرك الله - : أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ ~~فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ms071 ، ثم قال : ' لا والله ، بل الدم الدم ~~، والهدم الهدم ، أنتم مني وأنا منكم . أحارب من حاربتم . وأسالم من سالمتم ~~' . | فلما قاموا يبايعونه ، أخذ بيده أصغرهم - أسعد بن زرارة - فقال : ~~رويدا يا أهل يثرب ، إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول ~~الله ، وإن إخراجه اليوم مفارقة للعرب كافة ، وقتل خياركم ، وأن تعضكم ~~السيوف . فإما أننتم تصبرون على ذلك . فخذوه وأجركم على الله ، وإما أنتم ~~تخافون من أنفسكم خيفة فذروه . فهو أعذر لكم عند الله . فقالوا ، أمط عنا ~~يدك ، فو الله ما نذر هذه البيعة ولا نستقيلها . | فقاموا إليه رجلا رجلا . ~~يأخذ منهم . ويعطيهم بذلك الجنة ، ثم كثر اللغط . فقال العباس : على رسلكم ~~: فإن علينا عيونا . | ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' أخرجوا إلي ~~منكم اثنى عشر نقيبا كفلاء على قومهم ، ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم . ~~وأنا كفيل على قومي ' . | وفي رواية : ' أن موسى اتخذ من قومه اثنى عشر ~~نقيبا ' . PageV01P121 | فكان نقيب بني النجار : أسعد بن زرارة . ونقيب بني ~~سلمة : البراء بن معرور ، وعبد الله بن عمرو بن حرام . ونقيب بني ساعدة : ~~سعد بن عبادة ، والمنذر بن عمرو . ونقيب بني زريق : رافع بن مالك بن عجلان ~~. ونقيب بني الحارث بن الخزرج : عبد الله بن رواحة ، وسعد بن الربيع . ~~ونقيب القواقل : عبادة بن الصامت : ونقيب الأوس : أسيد بن حضير ، وأبو ~~الهيثم بن التيهان . ونقيب بني عوف : سعد بن خيثمة . | وكان جميع أهل ~~العقبة : سبعين رجلا وامرأتين . | فلما بايعوه صرخ الشيطان بأنفذ صوت سمع ~~قط : يا أهل الأخاشب ، هل لكم في محمد والصبأة معه ؟ قد اجتمعوا على حربكم ~~. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' هذا أزب العقبة ، أما والله يا ~~عدو الله لأفرغن لك ' ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ارفضوا إلى ~~رحالكم ' . | فقال العباس بن عبادة بن نضلة : والذي بعثك بالحق إن شئت ~~لنميلن على أهل مكة غدا بأسيافنا ، فقال : ' لم نؤمر بذلك ، ولكن ارجعوا ~~إلى رحالكم ' فرجعوا . | فلما أصبحوا غدت عليهم جلة قريش ms072 . فقالوا : إنه ~~بلغنا أنكم جئتم صاحبنا البارحة ، تستخرجونه من بين أظهرنا ، وتبايعونه على ~~حربنا . وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا ~~وبينهم منكم . فانبعث رجال - ممن لم يعلم - يحلفون لهم بالله : ما كان من ~~هذا شيء ، والذين يشهدون ينظر بعضهم إلى بعض . وجعل عبد الله بن أبي ابن ~~سلول يقول : هذا باطل . ما كان هذا . وما كان قومي ليفتاتوا علي بمثل هذا . ~~لو كنت بيثرب ما صنع قومي هذا ، حتى يؤامروني . PageV01P122 | فقام القوم - ~~وفيهم الحارث هشام - وعليه نعلان جديدان . فقال كعب بن مالك : كلمة - كأنه ~~يريد أن يشرك بها القوم فيما قالوا - فقال : يا أبا جابر ، ما تستطيع أن ~~تتخذ - وأنت سيد من سادتنا - مثل نعلي هذا الفتى ؟ فسمعها الحارث . فخلعها ~~من رجليه . ثم رمى بهما إليه . وقال : والله لتنتعلنهما . فقال أبو جابر : ~~مه ؟ أحفظت الفتى . فاردد إليه نعليه . قال : لا أردهما إليه والله ، فأل ~~صالح . لئن صدق الفأل لأسلبنه . | فلما انفصلت الأنصار عن مكة : صح الخبر ~~عند قريش فخرجوا . في طلبهم ، فأدركوا سعد بن عبادة ، والمنذر بن عمرو . ~~فأعجزهم المنذر ومضى . وأما سعد : فقالوا له : أنت على دين محمد ؟ قال : ~~نعم ، فربطوا يديه إلى عنقه بنسعة رحله . وجعلوا يسحبونه بشعره ، ويضربونه ~~- وكان ذا جمة - حتى أدخلوه مكة . فجاء المطعم بن عدي والحارث بن حرب بن ~~أمية . فخلصاه من أيديهم . | وتشاورت الأنصار أن يكروا إليه . فإذا هو قد ~~طلع عليهم . فرحلوا إلى المدينة . | وكان الذي أسره ضرار بن الخطاب الفهري ~~، وقال : # % تداركت سعدا عنوة ، فأسرته % % وكان شفائي ، لو تداركت منذرا % # % ولو نلته طلت هناك جراحة % % أحق دماء أن تهان وتهدرا % % فأجابه حسان ~~بن ثابت رضي الله عنه : - # % فخرت بسعد الخير ، حين أسرته % % وقلت : شفائي لو تداركت منذرا % ~~PageV01P123 # % وإن امرءا يهدي القصائد نحونا % % كمستبضع تمرا إلى أهل خيبرا % # % فلا تك كالشاة التي كان حتفها % % بحفر ذراعيها . فلم ترض محفرا % # % ولا تك كالوسنان يحلم أنه % % بقرية كسرى ، أو بقرية قيصرا % # % ولا تك كالثكلى ، وكانت بمعزل ms073 % % عن الثكل . لو أن الفؤاد تفكرا % # % ولا تك كالعاوي ، وأقبل نحره % % ولم يخشه سهم من النبل مضمرا % # % أتفخر بالكتان لما لبسته % % وقد يلبس الأنباط ريطا مقصرا % # % فلولا أبو وهب لمرت قصائد % % على شرف البيداء يهوين حسرا % وسمعت قريش ~~قائلا يقول بالليل على أبي قبيس : # % فإن يسلم السعدان يصبح محمد % % بمكة لا يخشى خلاف المخالف % % قالوا : ~~من هما ؟ قال أبو سفيان : أسعد بن بكر ، أم سعد بن هزيم ؟ فلما كانت الليلة ~~القابلة ، سمعوه يقول : # % فيا سعد - سعد الأوس - كن أنت ناصرا % ويا سعد - سعد الخزرجين - ~~الغطارف % # % أجيبا إلى داعي الهدى . وتمنيا % % على الله في الفردوس منة عارف % # % فإن ثواب الله للطالب الهدى % % جنان من الفردوس ذات رفارف % % فقال ~~أبو سفيان : هذا والله سعد بن عبادة ، وسعد بن معاذ . PageV01P124 # | 2 ( الهجرة إلى المدينة : ) # | وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين في الهجرة إلى المدينة . ~~فبادروا إليها . وأول من خرج : أبو سلمة بن عبد الأسد ، وزوجته أم سلمة . ~~ولكنها حبست عنه سنة ، وحيل بينها وبين ولدها . ثم خرجت بعد هي وولدها إلى ~~المدينة . | ثم خرجوا أرسالا ، يتبع بعضهم بعضا . ولم يبق منهم بمكة أحد ~~إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ، وعلي - أقاما بأمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لهما - وإلا من احتبسه المشركون كرها . | وأعد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم جهازه ، ينتظر متى يؤمر بالخروج . وأعد أبو بكر ~~جهازه . # | 2 ( تآمر قريش بدار الندوة على قتل رسول الله : ) # | فلما رأى المشركون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تجهزوا ~~وخرجوا بأهليهم إلى المدينة : عرفوا أن الدار دار منعة ، وأن القوم أهل ~~حلقة وبأس ، فخافوا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيشتد أمره عليهم ~~. فاجتمعوا في دار الندوة ، وحضرهم إبليس في صورة شيخ من أهل نجد . ~~فتذاكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم . | فأشار كل منهم برأي ، والشيخ ~~يرده ولا يرضاه ، إلى أن قال أبو جهل : قد فرق لي فيه برأي ، ما أراكم ~~وقعتم عليه ، قالوا ms074 : ما هو ؟ قال : أرى أن نأخذ من كل قبيلة من قريش غلاما ~~جلدا . ثم نعطيه سيفا صارما ، ثم PageV01P125 يضربونه ضربة رجل واحد ، ~~فيتفرق دمه في القبائل . فلا تدري بنو عبد مناف بعد ذلك ما تصنع ، ولا ~~يمكنها معاداة القبائل كلها ، ونسوق ديته . | فقال الشيخ : لله در هذا ~~الفتى . هذا والله الرأي . فتفرقوا على ذلك . | فجاء جبريل ، فأخبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بذلك . وأمره أن لا ينام في مضجعه تلك الليلة . | وجاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر نصف النهار - في ساعة لم يكن ~~يأتيه فيها - متقنعا ، فقال : ' أخرج من عندك ' فقال : إنما هم أهلك يا ~~رسول الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' إن الله قد أذن لي في ~~الخروج ' فقال أبو بكر : الصحبة يا رسول الله . قال : ' نعم ' فقال أبو بكر ~~: فخذ - بأبي أنت وأمي - إحدى راحلتي هاتين ، فقال : ' بالثمن ' . | وأمر ~~عليا أن يبيت تلك الليلة على فراشه . | واجتمع أولئك النفر يتطلعون من صير ~~الباب ، ويرصدونه يريدون بياته ، ويأتمرون : أيهم يكون أشقاها ؟ . | فخرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم . فأخذ حفنة من البطحاء فذرها على ~~رؤوسهم ، وهو يتلو @QB@ وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم ~~فهم لا يبصرون @QE@ وأنزل الله @QB@ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين @QE@ . ~~PageV01P126 | ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر . فخرجا ~~من خوخة في بيت أبي بكر ليلا . فجاء رجل ، فرأى القوم ببابه ، فقال : ما ~~تنتظرون ؟ قالوا محمدا . قال : خبتم وخسرتم ، قد والله مر بكم ، وذر على ~~رؤوسكم التراب . قالوا : والله ما أبصرناه ، وقاموا ينفضون التراب عن ~~رؤوسهم . | فلما أصبحوا : قام علي رضي الله عنه عن الفراش ، فسألوه عن محمد ~~؟ فقال : لا علم لي به . | ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى ~~غار ثور ، فنسجت العنكبوت على بابه . | وكانا قد استأجرا عبد الله بن أريقط ~~الليثي ، وكان هاديا ماهرا - وكان على ms075 دين قومه - وأمناه على ذلك ، وسلما ~~إليه راحلتيهما ، وواعداه غار ثور بعد ثلاث . | وجدت قريش في طلبهما ، ~~وأخذوا معهم القافة ، حتى انتهوا إلى باب الغار . فوقفوا عليه . فقال أبو ~~بكر : يا رسول الله ، لو أن أحدهم نظر إلى ما تحت قدميه لأبصرنا . فقال : ' ~~ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ لا تحزن إن الله معنا ' . | وكانا يسمعان ~~كلامهم ، إلا أن الله عمى عليهم أمرهما . | وعامر بن فهيرة يرعى غنما لأبي ~~بكر ، ويتسمع ما يقال عنهما بمكة . ثم يأتيهما بالخبر ليلا . فإذا كان ~~السحر سرح مع الناس . PageV01P127 | قالت عائشة : فجهزناهما أحث الجهاز ، ~~وصنعنا لهما سفرة في جراب ، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها ، ~~فأوكت به فم الجراب ، وقطعت الأخرى عصاما للقربة ، فبذلك لقبت ' ذات ~~النطاقين ' . | ومكثا في الغار ثلاثا ، حتى خمدت نار الطلب . فجاءهما ابن ~~أريقط بالراحلتين فارتحلا ، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة . # | 2 ( قصة سراقة بن مالك : ) # | فلما أيس المشركون منهما جعلوا لمن جاء فيهما دية كل واحد منهما ، لمن ~~يأتي بهما أو بأحدهما . فجد الناس في الطلب . والله غالب على أمره . | فلما ~~مروا بحي من مدلج مصعدين من قديد . بصر بهم رجل فوقف على الحي . فقال : لقد ~~رأيت آنفا بالساحل أسودة ، وما أراها إلا محمدا وأصحابه . | ففطن بالأمر ~~سراقة بن مالك . فأراد أن يكون الظفر له . وقد سبق له من الظفر ما لم يكن ~~في حسابه . فقال : بل هما فلان وفلان ، خرجا في طلب حاجة لهما . ثم مكث ~~قليلا . ثم قام فدخل خباءه ، وقال لجاريته : أخرجي بالفرس من وراء الخباء ~~وموعدك وراء الأكمة . ثم أخذ رمحه وخفض عاليه يخط به الأرض حتى ركب فرسه . ~~فلما قرب منهم ، وسمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر يكثر ~~الالتفات ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلتفت - قال أبو بكر : يا ~~رسول الله ، هذا سراقة بن مالك قد رهقنا . فدعا عليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فساخت يدا فرسه في الأرض . PageV01P128 | فقال : قد علمت أن الذي ~~أصابني بدعائكما ms076 . فادعوا الله لي ، ولكما أن أرد الناس عنكما . فدعا له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخلصت يدا فرسه . فانطلق . وسأل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : أن يكتب له كتابا ، فكتب له أبو بكر بأمره في أديم . ~~وكان الكتاب معه إلى يوم فتح مكة . فجاء به . فوفى له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم . | فرجع . فوجد الناس في الطلب ، فجعل يقول : قد استبرأت لكم ~~الخبر ، وقد كفيتم ما هاهنا . فكان أول النهار جاهدا عليهما . وكان آخره ~~حارسا لهما . # | 2 ( قصة أم معبد : ) # | ثم مروا بخيمة أم معبد الخزاعية ، وكانت امرأة برزة جلدة ، تحتبي بفناء ~~الخيمة ثم تطعم وتسقي من مر بها ، فسألاها : هل عندها شيء يشترونه ؟ فقالت ~~والله لو عندنا شيء ما أعوزكم القرى . والشاء عازب - وكانت سنة شهباء - ~~فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة ، فقال : ' ما ~~هذه الشاة ؟ ' قالت : خلفها الجهد عن الغنم . فقال : ' هل بها من لبن ؟ ' ~~قالت : هي أجهد من ذلك . قال : ' أتأذنين لي أن أحلبها ؟ ' قالت : نعم - ~~بأبي أنت وأمي - إن رأيت بها حليبا فاحلبها . | فمسح رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بيده ضرعها ، وسمى الله ودعا . فتفاجت عليه ودرت فدعا بإناء لها ~~يربض الرهط ، فحلب فيه حتى علته الرغوة ، فسقاها فشربت حتى رويت ، وسقى ~~أصحابه حتى رووا . ثم شرب هو . وحلب فيه ثانيا فملأ الإناء . ثم غادره ~~عندها وارتحلوا . PageV01P129 | فقل ما لبثت : أن جاء زوجها يسوق أعنزا ~~عجافا يتساوكن هزالا . فلما رأى اللبن ، قال : من أين هذا ؛ والشاء عازب ، ~~ولا حلوبة في البيت ؟ | قالت : لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك ، من ~~حديثه : كيت وكيت . قال : والله إني لأراه صاحب قريش الذي تطلبه . صفيه لي ~~يا أم معبد . | قالت : ظاهر الوضاءة ، أبلج الوجه ، حسن الخلق ، لم تعبه ~~ثجلة ، ولم تزر به صعلة ، وسيم قسيم ، في عينيه دعج ، وفي أشفاره وطف ، وفي ~~صوته صحل ، وفي عنقه سطع . وفي لحيته كثاثة أحور أكحل ، أزج أقرن ، شديد ~~سواد الشعر ، إذا ms077 صمت علاه الوقار ، وإذا تكلم علاه البهاء ، أجمل الناس ~~وأبهاه من بعيد ، وأحسنه وأحلاه من قريب ، حلو المنطق ، فصل . لا نذر ولا ~~هذر ، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن ، ربعة لا تقتحمه عين من قصر ، ولا تشنؤه ~~من طول . غصن بين غصنين ، فهو أنظر الثلاثة منظرا ، وأحسنهم قدرا . له ~~رفقاء يحفون به . إذا قال استمعوا لقوله وإذا أمر تبادروا إلى أمره محفود ~~محشود . لا عابس ولا مفند . | قال أبو معبد : هذا - والله - صاحب قريش الذي ~~تطلبه . ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن ، إن وجدت إلى ذلك سبيلا . | وأصبح صوت ~~عال بمكة يسمعونه ، ولا يرون القائل ، يقول : # % جزى الله رب الناس خير جزائه % % رفيقين حلا خيمتي أم معبد % % ~~PageV01P130 # % هما نزلا بالبر ، وارتحلا به % % فأفلح من أمسى رفيق محمد % # % فيا لقصي ما زوى الله عنكمو % % به من فخار . لا يحاذى وسؤدد % # % وقد غادرت وهنا لديها بحالب % % يرد بها في مصدر ثم مورد % # % سلو أختكم عن شاتها وإنائها ؟ % فإنكموا إن تسألوا الشاة تشهد % # % دعاها بشاة حائل ، فتحلبت % % له بصريح ضرة الشاة مزبد % # % لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم % % وقدس من يسري إليه ويغتدي % # % ترحل عن قوم . فزالت عقولهم % % وحل على قوم بنور مجدد % # % هداهم به - بعد الضلالة - ربهم % % وأرشدهم ، من يتبع الحق يرشد % # % وقد نزلت منه على أهل يثرب % % ركاب هدي ، حلت عليهم بأسعد % # % نبي يرى ما لا يرى الناس حوله % % ويتلو كتاب الله في كل مشهد % # % وإن قال في يوم مقالة غائب % % فتصديقها في ضحوة اليوم أو غد % # % ليهن أبا بكر سعادة جده % % بصحبته ، من يسعد الله يسعد % # % ويهن بني كعب مكان فتاتهم % % ويقعدها للمؤمنين بمرصد % % قالت أسماء ~~بنت أبي بكر : مكثنا ثلاث ليال لا ندري : أين توجه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ؟ إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بأبيات غناء العرب ، والناس ~~يتبعونه ، ويسمعون منه ولا يرونه ، حتى خرج من أعلى مكة . فعرفنا أين توجه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم . PageV01P131 | قالت : ولما خرج أبو بكر ~~احتمل معه ماله ms078 . فدخل علينا جدي أبو قحافة - وقد ذهب بصره - فقال : إني ~~والله لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه . قلت : كلا والله ، قد ترك لنا خيرا . ~~وأخذت حجارة ، فوضعتها في كوة البيت . وقلت : ضع يدك على المال . فوضعها ، ~~وقال لا بأس . إن كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن . قالت والله ما ترك لنا ~~شيئا ، وإنما أردت أن أسكت الشيخ . # | 2 ( دخول رسول الله المدينة : ) # | ولما بلغ الأنصار مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة . كانوا ~~يخرجون كل يوم إلى الحرة ينتظرونه . فإذا اشتد حر الشمس رجعوا إلى منازلهم ~~. فلما كان يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول ، على رأس ثلاث عشرة سنة من ~~نبوته . خرجوا على عادتهم . فلما حميت الشمس رجعوا ، فصعد رجل من اليهود ~~على أطم من آطام المدينة . فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~مبيضين يزول بهم السراب . فصرخ بأعلى صوته : يا بني قيلة ، هذا صاحبكم قد ~~جاء هذا جدكم الذي تنتظرونه . فثار الأنصار إلى السلاح ليتلقوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . | وسمعت الوجبة والتكبير في بني عمرو بن عوف . وكبر ~~المسلمون فرحا بقدومه . وخرجوا للقائه ، فتلقوه وحيوه بتحية النبوة . ~~وأحدقوا به مطيفين حوله . | فلما أتى المدينة ، عدل ذات اليمين ، حتى نزل ~~بقباء في بني عمرو بن عوف ، ونزل على كلثوم بن الهدم - أو على سعد بن خيثمة ~~- فأقام PageV01P132 في بني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة . وأسس مسجد قباء . ~~وهو أول مسجد أسس بعد النبوة . | فلما كان يوم الجمعة ركب . فأدركته الجمعة ~~في بني سالم بن عوف . فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي . ثم ركب . ~~فأخذوا بخطام راحلته ، يقولون : هلم إلى القوة والمنعة والسلاح . فيقول : ' ~~خلوا سبيلها . فإنها مأمورة ' فلم تزل ناقته سائرة ، لا يمر بدار من دور ~~الأنصار ، إلا رغبوا إليه في النزول عليهم ، فيقول ' دعوها فإنها مأمورة ' ~~فسارت حتى وصلت إلى موضع مسجده اليوم ، فبركت . ولم ينزل عنها ، حتى نهضت ~~وسارت قليلا . ثم رجعت وبركت في موضعها الأول . فنزل عنها ms079 . | وذلك في بني ~~النجار ، أخواله صلى الله عليه وسلم . | وكان من توفيق الله لها . فإنه أحب ~~أن ينزل على أخواله يكرمهم . فجعل الناس يكلمونه في النزول عليهم . وبادر ~~أبو أيوب خالد بن زيد إلى رحله ، فأدخله بيته . فجعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول : ' المرء مع رحله ' وجاء أسعد بن زرارة ، فأخذ بخطام ناقته ~~. فكانت عنده . وأصبح كما قال قيس بن صرمة - وكان ابن عباس يختلف إليه ~~ليحفظها عنه : # % ثوى في قريش بضع عشرة حجة % % يذكر ، لو يلقى حبيبا مواتيا % ~~PageV01P133 # % ويعرض في أهل المواسم نفسه % % فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا % # % فلما أتانا واستقر به النوى % % وأصبح مسرورا بطيبة راضيا % # % وأصبح لا يخشى ظلامة ظالم % % بعيد ، ولا يخشى من الناس باغيا % # % بذلنا له الأموال من جل مالنا % % وأنفسنا عند الوغى والتآسيا % # % نعادي الذي عادى من الناس كلهم % % جميعا . وإن كان الحبيب المصافيا % # % ونعلم أن الله لا رب غيره % % وأن كتاب الله أصبح هاديا % وكما قال ~~حسان بن ثابت رضي الله عنه : # % قومي الذين هموا آووا نبيهمو % % وصدقوه وأهل الأرض كفار % # % إلا خصائص أقوام همو تبع % % في الصالحين مع الأنصار أنصار % # % مستبشرين بقسم الله . قولهمو % % لما أتاهم كريم الأصل مختار : % # % أهلا وسهلا . ففي أمن ، وفي سعة % % نعم النبي . ونعم القسم والجار % # % فأنزلوه بدار لا يخاف بها % % من كان جارهمو . دار هي الدار % # % وقاسموه بها الأموال ، إذ قدموا % % مهاجرين . وقسم الجاحد النار % % ~~وكما قال : # % نصرنا وآوينا النبي محمدا % على أنف راض من معد وراغم % % قال ابن عباس ~~: كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فأمر بالهجرة . وأنزل الله عليه ^ ( ~~وقل : رب ، أدخلني مدخل صدق ، وأخرجني PageV01P134 مخرج صدق . واجعل لي من ~~لدنك سلطانا نصيرا ) ^ والنبي صلى الله عليه وسلم يعلم : أن لا طاقة له ~~بهذا الأمر إلا بسلطان . فسأل الله سلطانا نصيرا ، فأعطاه . | قال البراء : ~~أول من قدم علينا : مصعب بن عمير ، وابن أم مكتوم . فجعلا يقرءان الناس ~~القرآن . ثم جاء عمار بن ياسر ، وبلال ، وسعد . ثم جاء عمر بن الخطاب ms080 في ~~عشرين راكبا . ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم . فما رأيت الناس فرحوا ~~بشيء فرحهم به ، حتى جعل النساء والصبيان والإماء يقلن : قدم رسول الله ، ~~جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم . | قال أنس : ' شهدته يوم دخل المدينة ، ~~فما رأيت يوما قط كان أحسن ولا أضوأ من اليوم الذي دخل المدينة علينا . ~~وشهدته يوم مات . فما رأيت يوما قط كان أقبح ولا أظلم من يوم مات ' . | ~~فأقام في بيت أبي أيوب حتى بنى حجره ومسجده . | وبعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم - وهو في منزل أبي أيوب - زيد بن حارثة ، وأبا رافع . وأعطاهما ~~بعيرين وخمسمائة درهم : إلى مكة ، فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه ، ~~وسودة بنت زمعة زوجه ، وأسامة بن زيد ، وأم أيمن ، وأما زينب : فلم يمكنها ~~زوجها أبو العاص بن الربيع من الخروج . وخرج عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي ~~بكر . وفيهم عائشة . PageV01P135 # | 2 ( بناء المسجد : ) # | قال الزهري : بركت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موضع مسجده ، ~~وكان مربدا لسهل وسهيل ، غلامين يتيمين من الأنصار ، كانا في حجر أسعد بن ~~زرارة . فساوم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين بالمربد ، ليتخذه ~~مسجدا . فقالا : بل نهبه لك يا رسول الله . فأبى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم . فاشتراه منهما بعشرة دنانير . | وفي الصحيح : أنه قال : ' يا بني ~~النجار ، ثامنوني بحائطكم . قالوا : لا ، والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله ~~. وكان فيه شجر غرقد ونخل ، وقبور للمشركين . فأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالقبور فنبشت ، وبالنخيل والشجر فقطع . وصفت في قبلة المسجد . وجعل ~~طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع . وفي الجانبين مثل ذلك أو دونه . ~~وأساسه قريبا من ثلاثة أذرع . ثم بنوه باللبن . وجعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يبني معهم ، وينقل اللبن والحجارة بنفسه ويقول : # % اللهم إن العيش عيش الآخرة % % فاغفر للأنصار والمهاجرة % % وكان يقول ~~: # % هذا الحمال لا حمال خيبر % % هذا أبر ربنا وأطهر % % وجعلوا يرتجزون ، ~~ويقول أحدهم في رجزه : # % ولئن ms081 قعدنا والرسول يعمل % % لذاك منا العمل المضلل % % وجعل قبلته إلى ~~بيت المقدس . وجعل له ثلاثة أبواب : باب في مؤخره ، وباب يقال له : باب ~~الرحمة ، والباب الذي يدخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P136 ~~وجعل عمده الجذوع . وسقفه الجريد . وقيل له : ألا تسقفه ؟ قال : ' عريش ~~كعريش موسى ' وبنى بيوت نسائه إلى جانبيه ، بيوت الحجر باللبن ، وسقفها ~~بالجذوع والجريد . # | 2 ( بناؤه بعائشة : ) # | فلما فرغ من البناء بني بعائشة في البيت الذي بناه لها شرقي المسجد . ~~وكان بناؤه بها في شوال من السنة الأولى ، وكان بعض الناس يكره البناء في ~~شوال . قيل : إن أصله أن طاعونا وقع في الجاهلية ، وكانت عائشة تتحرى أن ~~تدخل نساءها في شوال وتخالفهم . وجعل لسودة بيتا آخر . # | 2 ( المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين : ) # | ثم آخى بين المهاجرين والأنصار ، وكانوا تسعين رجلا . نصفهم من ~~المهاجرين ، ونصفهم من الأنصار ، آخى بينهم على المواساة ، وعلى أن ~~يتوارثوا بعد الموت ، دون ذوي الأرحام ، إلى وقعة بدر . فلما أنزل الله : ^ ~~( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) ^ رد التوارث إلى الأرحام ~~. | وقيل : أنه آخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض مؤاخاة ثانية . واتخذ عليا ~~أخا لنفسه . والأثبت الأول . | وفي الصحيح عن عائشة قالت : ' قدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المدينة وهي وبيئة . فمرض أبو بكر . وكان يقول إذا ~~أخذته الحمى : # % كل امريء مصبح في أهله % % والموت أدنى من شراك نعله % % PageV01P137 | ~~وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته ، ويقول : # % ألا ليت شعري ، هل أبيتن ليلة % % بواد وحولي إذخر وجليل ؟ % # % وهل أردن يوما مياه مجنة ؟ % وهل يبدون لي شامة وطفيل ؟ % اللهم العن ~~عتبة بن ربيعة ، وأمية بن خلف ، وشيبة بن ربيعة . كما أخرجونا من أرضنا إلى ~~أرض الوباء . فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : اللهم حبب إلينا ~~المدينة كحبنا مكة أو أشد . اللهم صححها . وبارك لنا في صاعها ومدها ، ~~وانقل حماها إلى الجحفة . فقالت : فكان المولود يولد في الجحفة . فلا يبلغ ~~الحلم حتى تصرعه الحمى ' . # | 2 ( حوادث السنة الأولى : ) # | وفي السنة ms082 الأولى : زيد في صلاة الحضر ركعتين . فصارت أربع ركعات . | ~~وفيها : نزل أهل الصفة المسجد ، وكانت مكانا في المسجد ينزل فيه فقراء ~~المهاجرين الذين لا أهل لهم ولا مال . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يفرقهم في أصحابه إذا جاء الليل ، ويتعشى طائفة منهم معه ، حتى جاء الله ~~بالغنى . | وهذه السنة الرابعة عشرة من النبوة : هي الأولى من الهجرة كما ~~تقدم . ومنها أرخ التاريخ . PageV01P138 | وتوفى فيه من الأعيان : أسعد بن ~~زرارة ، قبل أن يفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بناء المسجد . وتوفي ~~البراء بن معرور في صفر قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة . ~~وهو أول من مات من النقباء . | وفيها : توفي ضمرة بن جندب . وكان قد مرض ~~بمكة . فقال لبنيه : اخرجوا بي منها ، فخرجوا به يريد الهجرة ، فلما بلغ ~~أضاة بني عقار - أو التنعيم - مات . فأنزل الله تعالى : @QB@ ومن يخرج من ~~بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله @QE@ ~~الآية . | وكلثوم بن الهدم الذي نزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم . | ~~وفيها : وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بالمدينة من اليهود . وكتب ~~بينه وبينهم كتابا . # | 2 ( إسلام عبد الله بن سلام : ) # | وبادر عالم اليهود وحبرهم : عبد الله بن سلام فأسلم . وأبى عامتهم إلا ~~الكفر . | وكانوا ثلاث قبائل : قينقاع ، والنضير ، وقريظة . فنقض الثلاث ~~العهد . | وحاربهم . فمن على بني قينقاع ، وأجلى بني النضير . وقتل بني ~~قريظة . ونزلت سورة الحشر في بني النضير ، وسورة الأحزاب في بني قريظة . ~~PageV01P139 # | 2 ( حوادث السنة الثانية : ) # | وفي السنة الثانية : رأى عبد الله بن زيد بن عبد ربه : الأذان ، فأمره ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقيه على بلال . | وفيها : فرض صوم رمضان ~~. ونسخ صوم عاشوراء . وبقي صومه مستحبا . | وفيها : زوج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عليا فاطمة رضي الله عنهما . | وفيها : صرف الله عز وجل القبلة ~~عن بيت المقدس إلى الكعبة . # | 2 ( تحويل القبلة : ) # | وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ms083 قدم المدينة استقبل بيت المقدس ~~ستة عشر شهرا ، قبلة اليهود . وكان يحب أن يصرفه الله إلى الكعبة . وقال ~~لجبريل ذلك . فقال : إنما أنا عبد . فادع ربك واسأله . فجعل يقلب وجهه في ~~السماء ، يرجو ذلك ، حتى أنزل الله عليه : @QB@ قد نرى تقلب وجهك في السماء ~~فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام @QE@ الآيات . | وكان في ~~ذلك حكمة عظيمة ، ومحنة للناس ، مسلمهم وكافرهم . | فأما المسلمون : فقالوا ~~: @QB@ آمنا به كل من عند ربنا @QE@ وهم الذين هدى الله . ولم تكن بكبيرة ~~عليهم ( وأما المشركون فقالوا كما PageV01P140 رجع إلى قبلتنا يوشك أن يرجع ~~إلى ديننا ، وأما اليهود فقالوا ) : @QB@ ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا ~~عليها @QE@ | وأما المنافقون ، فقالوا : إن كانت القبلة الأولى حقا : فقد ~~تركها . وإن كانت الثانية هي الحق : فقد كان على باطل . | ولما كان ذلك ~~عظيما وطأ الله سبحانه قبله أمر النسخ ، وقدرته عليه ، وأنه سبحانه يأتي ~~بخير من المنسوخ أو مثله . ثم عقب ذلك بالمعاتبة لمن تعنت على رسوله ولم ~~ينقد له . ثم ذكر بعده : اختلاف اليهود والنصارى ، وشهادة بعضهم على بعض ~~بأنهم ليسوا على شيء . ثم ذكر شركهم بقولهم : اتخذ الله ولدا . | ثم أخبر : ~~أن المشرق والمغرب لله . فأينما ولى عباده وجوههم فثم وجهه . | وأخبر رسوله ~~: أن أهل الكتاب لا يرضون عنه حتى يتبع قبلتهم . | ثم ذكر خليله إبراهيم ~~وبناءه البيت بمعاونة ابنه إسماعيل عليهما السلام ، وأنه جعل إبراهيم إماما ~~للناس ، وأنه لا يرغب عن ملته إلا من سفه نفسه . | ثم أمر عباده أن يأتموا ~~به ، وأن يؤمنوا بما أنزل إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، وما أنزل ~~إليهم وإلى سائر النبيين . وأخبر : أن الله - الذي PageV01P141 يهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم - هو الذي هداهم إلى هذه القبلة التي هي أوسط القبل ، ~~وهم أوسط الأمم ، كما اختار لهم أفضل الرسل ، وأفضل الكتب . | وأخبر : أنه ~~فعل ذلك لئلا يكون للناس عليهم حجة ، إلا الظالمين ، فإنهم يحتجون عليهم ~~بتلك الحجج الباطلة الراهنة . التي لا ينبغي أن تعارض الرسل بأمثالها ، ~~وليتم نعمته ms084 عليهم ويهديهم . | ثم ذكر : نعمته عليهم بإرسال الرسول الخاتم ~~، وإنزال الكتاب ، وأمرهم بذكره وشكره ورغبهم في ذلك بأنه يذكر من ذكره ، ~~ويشكر من شكره . | وأمرهم بما لا يتم ذلك إلا به ، وهو : الاستعانة بالصبر ~~والصلاة . وأخبرهم : أنه مع الصابرين . PageV01P142 # | 1 ( فصل ) # | ولما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة ، وأيده الله ~~بنصره وبالمؤمنين . وألف بين قلوبهم بعد العداوة ، ومنعته أنصار الله من ~~الأحمر والأسود : رمتهم العرب واليهود عن قوس واحد . وشمروا لهم عن ساق ~~العداوة والمحاربة . والله يأمر رسوله والمؤمنين بالكف والعفو والصفح ، حتى ~~قويت الشوكة . فحينئذ أذن لهم في القتال ، ولم يفرضه عليهم ، فقال تعالى : ~~@QB@ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير @QE@ وهي أول ~~آية نزلت في القتال . | ثم فرض عليهم قتال من قاتلهم ، فقال تعالى : ^ ( ~~وقاتلوا في سبيل الله الذي يقاتلونكم ) ^ الآية . | ثم فرض عليهم قتال ~~المشركين كافة ، فقال : @QB@ وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ~~@QE@ الآية . # | 2 ( بعض خصائص رسول الله : ) # | وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع أصحابه في الحرب : على أن لا ~~يفروا . وربما بايعهم على الموت . وربما بايعهم على الجهاد . وربما ~~PageV01P143 بايعهم على الإسلام . وبايعهم على الهجرة قبل الفتح . وبايعهم ~~على التوحيد والتزام طاعة الله ورسوله . | وبايع نفرا من أصحابه على أن لا ~~يسألوا الناس شيئا . فكان السوط يسقط من أحدهم . فينزل فيأخذه ، ولا يسأل ~~أحدا أن يناوله إياه . | وكان يبعث البعوث يأتونه بخبر عدوه . ويطلع ~~الطلائع ، ويبث الحرس والعيون ، حتى لا يخفى عليه من أمر عدوه شيء . | وكان ~~إذا لقي عدوه دعا الله واستنصر به ، وأكثر هو وأصحابه من ذكر الله ، ~~والتضرع له . | وكان كثير المشاورة لأصحابه في الجهاد . | وكان يتخلف في ~~ساقتهم . فيزجي الضعيف ، ويردف المنقطع . | وكان إذا أراد غزوة ورى بغيرها ~~. | وكان يرتب الجيش والمقاتلة ، ويجعل في كل جنبة كفؤا لها . | وكان يبارز ~~بين يديه بأمره . وكان يلبس للحرب عدته . وربما ظاهر بين درعين كما فعل يوم ~~بدر . | وكان له ألوية . وكان إذا ظهر على قوم ms085 أقام بعرصتهم ثلاثا ثم قفل . ~~| وكان إذا أراد أن يغير : ينتظر . فإذا سمع مؤذنا لم يغر ، وإلا أغار . ~~وكان يحب الخروج يوم الخميس بكرة . | وكان إذا اشتد البأس اتقوا به ، وكان ~~أقربهم إلى العدو . PageV01P144 | وكان يحب الخيلاء في الحرب ، وينهى عن ~~قتل النساء والولدان . وينهي عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو . # | 2 ( أول لواء عقده رسول الله : ) # | وأول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم - على قول موسى بن عقبة - ~~لواء حمزة بن عبد المطلب في شهر رمضان في السنة الأولى ، بعثه في ثلاثين ~~رجلا من المهاجرين خاصة ، يعترض عيرا لقريش ، جاءت من الشام ، فيها أبو جهل ~~في ثلاثمائة رجل ، حتى بلغوا سيف البحر من ناحية العيص ، فالتقوا واصطفوا ~~للقتال فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني . وكان موادعا للفريقين . فلم ~~يقتتلوا . # | 2 ( سرية عبيدة بن الحارث : ) # | ثم بعث عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف في شوال من تلك السنة ، ~~في سرية إلى بطن رابغ في ستين رجلا من المهاجرين خاصة . فلقي أبا سفيان عند ~~رابغ . فكان بينهم الرمي . ولم يسلوا السيوف . وإنما كانت مناوشة . وكان ~~سعد بن أبي وقاص أول من رمى بسهم في سبيل الله ، ثم انصرف الفريقان . | ~~وقدم ابن إسحق سرية حمزة . # | 2 ( سرية سعد بن أبي وقاص : ) # | ثم بعث سعد بن أبي وقاص في ذي القعدة من تلك السنة إلى الخرار من أرض ~~الحجاز ، يعترضون عيرا لقريش . وعهد إليه : أن لا يجاوز الخرار ، ~~PageV01P145 وكانوا عشرين . فخرجوا على أقدامهم يسيرون بالليل ، ويكمنون ~~بالنهار . حتى بلغوا الخرار ، فوجدوا العير قد مرت بالأمس . | ثم دخلت ~~السنة الثانية . # | 2 ( غزوة الأبواء : ) # | فغزا فيها صلى الله عليه وسلم غزوة الأبواء . وكانت أول غزوة غزاها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه . خرج في المهاجرين خاصة ، يعترض عيرا ~~لقريش ، فلم يلق كيدا . | وفيها وادع بني ضمرة على أن لا يغزوهم ولا يغزوه ~~، ولا يعينوا عليه أحدا . # | 2 ( غزوة بواط : ) # | ثم غزا بواطا في ربيع الأول . خرج يعترض عيرا لقريش ، فيها ms086 أمية بن خلف ~~ومائة رجل من المشركين . فبلغ بواطا - جبلا من جبال جهينة - فرجع ولم يلق ~~كيدا . # | 2 ( خروجه لطلب كرز بن جابر : ) # | ثم خرج في طلب كرز بن جابر الفهري . وقد أغار على سرح المدينة ، ~~فاستاقه . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثره حتى بلغ سفوان من ~~ناحية بدر . وفاته كرز . # | 2 ( غزوة العشيرة : ) # | ثم خرج في جمادي الآخرة في مائة وخمسين من المهاجرين يعترضون عيرا ~~لقريش ذاهبة إلى الشام . وخرج في ثلاثين بعيرا يتعاقبونها . فبلغ ذا ~~PageV01P146 العشيرة من ناحية ينبع . فوجد العير قد فاتته بأيام . وهي التي ~~خرجوا لها يوم بدر ، لما جاءت عائدة من الشام . | وفيها : وادع بني مدلج ~~وحلفاءهم . # | 2 ( بعث عبد الله بن جحش : ) # | ثم بعث عبد الله بن جحش إلى نخلة في رجب في اثنى عشر رجلا من المهاجرين ~~كل اثنين على بعير . فوصلوا إلى نخلة ، يرصدون عيرا لقريش . وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قد كتب له كتابا . وأمره : أن لا ينظر فيه حتى يسير ~~يومين . فلما فتح الكتاب إذا فيه : ' إذا نظرت في كتابي هذا ، فامض حتى ~~تنزل بنخلة بين مكة والطائف ، فترصد قريشا ، وتعلم لنا أخبارها ' . | فأخبر ~~أصحابه بذلك ، وأخبرهم أنه لا يستكرههم ، فقالوا : سمعا وطاعة . | فلما كان ~~في أثناء الطريق ، أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرهما . فتخلفا في ~~طلبه ، ومضوا حتى نزلوا نخلة . # | 2 ( قتل عمرو بن الحضرمي : ) # | فمرت بهم عير قريش تحمل زبيبا وتجارة فيها عمرو بن الحضرمي ، فقتلوه ، ~~وأسروا عثمان ونوفلا ابني عبد الله بن المغيرة ، والحكم بن كيسان مولى بني ~~المغيرة . | فقال المسلمون : نحن في آخر يوم من رجب . فإن قاتلناهم : ~~انتهكنا الشهر الحرام وإن تركناهم الليلة : دخلوا الحرم . ثم أجمعوا على ~~ملاقاتهم . PageV01P147 فرمى أحدهم عمرو بن الحضرمي فقتله ، وأسروا عثمان ~~والحكم . وأفلت نوفل . ثم قدموا بالعير والأسيرين ، حتى عزلوا من ذلك الخمس ~~. فكان أول خمس في الإسلام ، وأول قتل في الإسلام ، وأول أسر . فأنكر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ms087 ما فعلوه . | واشتد إنكار قريش لذلك . وزعموا أنهم ~~وجدوا مقالا . فقالوا : قد أحل محمد الشهر الحرام . واشتد على المسلمين ذلك ~~، حتى أنزل الله : @QB@ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير ~~وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ~~@QE@ الآية يقول سبحانه : هذا الذي أنكرتموه - وإن كان كبيرا - فما ~~ارتكبتموه وترتكبونه من الكفر بالله ، والصد عن سبيله وبيته ، وإخراج ~~المسلمين منه : أكبر عند الله . # | 2 ( معنى الفتنة : ) # | و ' الفتنة ' هنا الشرك ، كقوله : @QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة @QE@ ~~وقوله : @QB@ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين @QE@ ~~أي لم تكن عاقبة شركهم ، وآخرة أمرهم : إلا أن أنكروه ، وتبرأوا منه . | ~~وحقيقتها : الشرك الذي يدعو إليه صاحبه ، ويعاقب من لم يفتتن به . ولهذا ~~قال تعالى : @QB@ إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا @QE@ ~~الآية ( فسرت بتعذيب المؤمنين وإحراقهم بالنار ، ليرجعوا عن دينهم ) . ~~PageV01P148 | وقد تأتي ' الفتنة ' ويراد بها : المعصية . كقوله تعالى : ~~@QB@ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني @QE@ الآية وكفتنة الرجل في أهله ~~وماله ، وولده وجاره ، وكالفتن التي وقعت بين أهل الإسلام . | وأما التي ~~يضيفها الله لنفسه : فهي بمعنى الامتحان والابتلاء والاختبار . # | 2 ( وقعة بدر الكبرى ، يوم الفرقان : ) # | فلما كان في رمضان : بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر العير ~~المقبلة من الشام مع أبي سفيان ، فيها أموال قريش . فندب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم للخروج إليها . فخرج مسرعا في ثلاثمائة وبضع عشرة رجلا . ~~ولم يكن معهم من الخيل إلا فرسان : فرس للزبير ، وفرس للمقداد بن الأسود . ~~وكان معهم سبعون بعيرا ، يعتقب الرجلان والثلاثة على بعير . واستخلف على ~~المدينة عبد الله بن أم مكتوم . | فلما كان بالروحاء : رد أبا لبابة ، ~~واستعمله على المدينة . | ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير ، والراية إلى علي ~~، وراية الأنصار إلى سعد بن معاذ . | ولما قرب من الصفراء : بعث بسبس بن ~~عمرو وعدي بن أبي الزغباء يتحسسان أخبار العير . | وبلغ أبا سفيان مخرج ~~رسول الله صلى ms088 الله عليه وسلم . فاستأجر ضمضم ابن عمرو الغفاري . وبعثه ~~حثيثا إلى مكة ، مستصرخا قريشا بالنفير إلى PageV01P149 عيرهم . فنهضوا ~~مسرعين . ولم يتخلف من أشرافهم سوى أبي لهب . فإنه عوض عنه رجلا بجعل . ~~وحشدوا فيمن حولهم من قبائل العرب . ولم يتخلف عنهم من بطون قريش إلا بني ~~عدي فلم يشهدها منهم أحد . وخرجوا من ديارهم ، كما قال تعالى : @QB@ بطرا ~~ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله @QE@ فجمعهم على غير ميعاد ، كما قال ~~تعالى : @QB@ ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد @QE@ . | ولما بلغ رسول الله ~~خروج قريش : استشار أصحابه . فتكلم المهاجرون فأحسنوا ، ثم استشارهم ثانيا ~~. فتكلم المهاجرون . ثم ثالثا . فعلمت الأنصار : أن رسول الله إنما يعنيهم ~~. فقال سعد بن معاذ : كأنك تعرض بنا يا رسول الله - وكان إنما يعنيهم ، ~~لأنهم بايعوه على أن يمنعوه في ديارهم - وكأنك تخشى أن تكون الأنصار ترى ~~عليهم : أن لا ينصروك إلا في ديارهم . وإني أقول عن الأنصار ، وأجيب عنهم . ~~فامض بنا حيث شئت ، وصل حبل من شئت ، واقطع حبل من شئت ، وخذ من أموالنا ما ~~شئت . وأعطنا ما شئت وما أخذت منها كان أحب إلينا مما تركت . فو الله لئن ~~سرت بنا حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك ، ووالله لئن استعرضت بنا هذا ~~البحر لخضناه معك . | وقال المقداد بن الأسود : إذن لا نقول كما قال قوم ~~موسى لموسى : ^ ( إذهب أنت وربك فقاتلا . إنا ههنا قاعدون ) ^ ولكن نقاتل ~~من بين يديك ، ومن خلفك ، وعن يمينك ، وعن شمالك . PageV01P150 | فأشرق وجه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بما سمع منهم . وقال : ' سيروا وأبشروا . فإن ~~الله وعدني إحدى الطائفتين . وإني قد رأيت مصارع القوم ' . | وكره بعض ~~الصحابة لقاء النفير ، وقالوا : لم نستعد لهم ، فهو قوله تعالى : @QB@ كما ~~أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق ~~بعد ما تبين @QE@ إلى قوله : @QB@ ولو كره المجرمون @QE@ . | وسار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر . | وخفض أبو سفيان . فلحق بساحل البحر . ~~وكتب إلى قريش : أن إرجعوا فإنكم إنما خرجتم لتحرزوا عيركم ms089 . فأتاهم الخبر ~~. فهموا بالرجوع . فقال أبو جهل : والله لا نرجع حتى نقدم بدرا ، فنقيم بها ~~، نطعم من حضرنا ونسقى الخمر ، وتعزف علينا القيان . وتسمع بنا العرب . فلا ~~تزال تهابنا أبدا وتخافنا . | فأشار الأخنس بن شريق عليهم بالرجوع ، فلم ~~يفعلوا . فرجع هو وبنو زهرة . فلم يزل الأخنس في بني زهرة مطاعا بعدها . | ~~وأراد بنو هاشم الرجوع . فقال أبو جهل : لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع ، ~~فساروا ، إلا طالب بن أبي طالب . فرجع . | وسار رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى نزل على ماء أدنى مياه بدر . فقال الحباب بن المنذر : إن رأيت أن ~~نسير إلى قلب - قد عرفناها - كثيرة PageV01P151 الماء عذبة ، فنزل عليها . ~~ونغور ما سواها من المياه ؟ وأنزل الله تلك الليلة مطرا واحدا ، صلب الرمل ~~. وثبت الأقدام . وربط على قلوبهم . | ومشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في موضع المعركة . وجعل يشير بيده ، ويقول : ' هذا مصرع فلان . وهذا مصرع ~~فلان إن شاء الله ' فما تعدى أحد منهم موضع إشارته صلى الله عليه وسلم . | ~~فلما طلع المشركون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' اللهم هذه قريش ~~جاءت بخيلائها وفخرها ، جاءت تحادك ، وتكذب رسولك . اللهم فنصرك الذي ~~وعدتني . اللهم أحنهم الغداة ' وقام ورفع يديه ، واستنصر ربه ، وبالغ في ~~التضرع ورفع يديه حتى سقط رداؤه . وقال ' اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم ~~إني أنشدك عهدك ووعدك . اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض بعد ' ~~. | فالتزمه أبو بكر الصديق من ورائه ، وقال : حسبك مناشدتك ربك ، يا رسول ~~الله . أبشر ، فوالذي نفسي بيده لينجزن الله لك ما وعدك . | واستنصر ~~المسلمون الله واستغاثوه . فأوحى الله إلى الملائكة : @QB@ أني معكم فثبتوا ~~الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا ~~منهم كل بنان @QE@ وأوحى الله إلى رسوله : @QB@ أني ممدكم بألف من الملائكة ~~مردفين @QE@ بكسر الدال وفتحها . قيل : إردافا لكم . وقيل : يردف بعضهم ~~بعضا ، لم يجيئوا دفعة واحدة . PageV01P152 فلما أصبحوا أقبلت قريش في ~~كتائبها . وقلل الله المسلمين في أعينهم ، حتى قال أبو ms090 جهل - لما أشار عتبة ~~بن ربيعة بالرجوع ، خوفا على قريش من التفرق والقطيعة ، إذا قتلوا أقاربهم ~~- أن ذلك ليس به . ولكنه - يعني عتبة - عرف أن محمدا وأصحابه أكلة جزور ، ~~وفيهم ابنه ، فقد تخوفكم عليه . | وقلل الله المشركين أيضا في أعين ~~المسلمين ، ليقضي الله أمرا كان مفعولا . | وأمر أبو جهل عامر بن الحضرمي - ~~أخا عمرو بن الحضرمي - أن يطلب دم أخيه . فصاح . وكشف عن استه يصرخ : ~~واعمراه ، واعمراه فحمى القوم . ونشبت الحرب . | وعدل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الصفوف . ثم انصرف وغفا غفوة . وأخذ المسلمين النعاس ، وأبو بكر ~~الصديق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرسه . وعنده سعد بن معاذ ، ~~وجماعة من الأنصار على باب العريش . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب ~~في الدرع . ويتلو هذه الآية : @QB@ سيهزم الجمع ويولون الدبر @QE@ . | ومنح ~~الله المسلمين أكتاف المشركين . فتناولوهم قتلا وأسرا . فقتلوا سبعين ، ~~وأسروا سبعين . | وخرج عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، والوليد بن عتبة : يطلبون ~~المبارزة . فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار ، فقالوا : أكفاء كرام . ما لنا ~~بكم من PageV01P153 حاجة . إنما نريد من بني عمنا . فبرز إليهم حمزة ، ~~وعبيدة بن الحارث بن المطلب ، وعلي بن أبي طالب . فقتل علي قرنه الوليد ، ~~وقتل حمزة قرنه شيبة . واختلف عبيدة وعتبة ضربتين ، كلاهما أثبت صاحبه . ~~فكر حمزة وعلي على قرن عبيدة فقتلاه . واحتملا عبيدة ، قد قطعت رجله . فقال ~~: لو كان أبو طالب حيا لعلم أنا أولى منه بقوله : # % ونسلمه حتى نصرع حوله % % ونذهل عن أبنائنا والحلائل % % ومات بالصفراء ~~. وفيهم نزلت : @QB@ هذان خصمان اختصموا في ربهم @QE@ الآية فكان علي رضي ~~الله عنه يقول : ' أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله عز وجل يوم ~~القيامة ' . | ولما عزمت قريش على الخروج : ذكروا ما بينهم وبين بني كنانة ~~من الحرب . فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك . فقال : ( لا غالب لكم ~~اليوم من الناس . وإني جار لكل ( فلما تعبأوا للقتال ، ورأى الملائكة : فر ~~ونكص على عقبيه ، فقالوا : إلى أين يا سراقة ؟ فقال : ( إني أرى ما لا ms091 ترون ~~. إني أخاف الله . والله شديد العقاب ) . | وظن المنافقون : ومن في قلبه ~~مرض : أن الغلبة بالكثرة ، فقالوا : ( غر هؤلاء دينهم ) فأخبر الله سبحانه ~~: أن النصر إنما هو بالتوكل على الله وحده . | ولما دنا العدو : قام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، فوعظ الناس . وذكرهم بما لهم في الصبر والثبات ~~من النصر . وأن الله قد أوجب الجنة لمن PageV01P154 يستشهد في سبيله . ~~فأخرج عمير بن الحمام بن الجموح تمرات من قرنه يأكلهن . ثم قال : ' لئن ~~حييت حتى آكل تمراتي هذه ، إنها لحياة طويلة ' فرمى بهن ، وقاتل حتى قتل ~~فكان أول قتيل . | وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ملء كفه ترابا ، فرمى ~~به في وجوه القوم . فلم تترك رجلا منهم إلا ملأت عينيه . فهو قوله تعالى : ~~@QB@ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى @QE@ . | واستفتح أبو جهل . فقال : ~~اللهم أقطعنا للرحم ، وأتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة . | ولما وضع ~~المسلمون أيديهم في العدو - يقتلون ويأسرون - وسعد بن معاذ واقف عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في رجال من الأنصار في العريش - رأى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في وجه سعد الكراهية . فقال : ' كأنك تكره ما يصنع الناس ؟ ~~' قال : أجل ، والله يا رسول الله ، كانت أول وقعة أوقعها الله في المشركين ~~. وكان الإثخان في القتل : أحب إلي من استبقاء الرجال . | ولما بردت الحرب ~~، وانهزم العدو ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' من ينظر لنا ما صنع ~~أبو جهل ؟ ' فانطلق ابن مسعود ، فوجده قد ضربه معوذ وعوف - ابنا عفراء - ~~حتى برد . فأخذ بلحيته ، فقال : أنت أبو جهل ؟ فقال : لمن الدائرة اليوم ؟ ~~قال : لله ورسوله . ثم PageV01P155 قال له ، هل أخزاك الله يا عدو الله ؟ ~~قال : وهل فوق رجل قتله قومه ؟ فاحتز رأسه عبد الله بن مسعود . ثم أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم . فقال : قتلته ، فقال : ' الله الذي لا إله إلا ~~هو - ثلاثا - ثم قال : الحمد لله الذي صدق وعده . ونصر عبده . وهزم الأحزاب ~~وحده . انطلق فأرنيه . فانطلقنا ، فأريته إياه . فلما وقف عليه ms092 ، قال : هذا ~~فرعون هذه الأمة ' . | وأسر عبد الرحمن بن عوف أمية بن خلف ، وابنه عليا . ~~فأبصره بلال - وكان يعذبه بمكة - فقال : رأس الكفر أمية ؟ لا نجوت إن نجا . ~~ثم استحمى جماعة من الأنصار . واشتد عبد الرحمن بهما ، يحجزهما منهم ، ~~فأدركوهم . فشغلهم عن أمية بابنه علي ، ففرغوا منه ، ثم لحقوهما ، فقال له ~~عبد الرحمن : ابرك ، فبرك ، وألقى عليه عبد الرحمن بنفسه . فضربوه بالسيوف ~~من تحته حتى قتلوه . وأصاب بعض السيوف رجل عبد الرحمن . | وكان أمية قد قال ~~له قبل ذاك : من المعلم في صدره بريش النعام ؟ فقال له : ذاك حمزة بن عبد ~~المطلب . قال : ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل . | وانقطع يومئذ سيف عكاشة بن ~~محصن . فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم جذلا من حطب ، فلما أخذه وهزه : ~~عاد في يده سيفا طويلا ، فلم يزل يقاتل به حتى قتل يوم الردة . | ولما ~~انقضت الحرب : أقبل النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى وقف على القتلى . فقال ~~: ' بئس عشيرة النبي كنتم . كذبتموني . وصدقني الناس . وخذلتموني . ونصرني ~~الناس وأخرجتموني . وآواني الناس ' . PageV01P156 | ثم أمر بهم فسحبوا حتى ~~ألقوا في القليب - قليب بدر - ثم وقف عليهم ، فقال : ' يا عتبة بن ربيعة ، ~~ويا شيبة بن ربيعة ، ويا فلان ، ويا فلان هل وجدتم ما وعدكم ربك حقا ؟ فإني ~~قد وجدت ما وعدني ربي حقا ' فقال عمر : يا رسول الله ، ما تخاطب من أقوام ~~قد جيفوا ؟ فقال ما أنت بأسمع لما أقول منهم ' . | ثم ارتحل مؤيدا منصورا ، ~~قرير العين ، معه الأسرى والمغانم . | فلما كان بالصفراء : قسم الغنائم ، ~~وضرب عنق النضر بن الحارث . | ثم لما نزل بعرق الظبية : ضرب عنق عقبة بن ~~أبي معيط . | ثم دخل المدينة مؤيدا منصورا . قد خافه كل عدو له بالمدينة . ~~| فأسلم بشر كثير من أهل المدينة ، ودخل عبد الله بن أبي رأس المنافقين ~~وأصحابه في الإسلام . | وجملة من حضر بدرا : ثلاثمائة وبضع عشرة رجلا . ~~واستشهد منهم أربعة عشر رجلا . | قال ابن إسحق : كان أناس قد أسلموا . فلما ~~هجر رسول الله صلى الله عليه وسلم حبسهم أهلهم ms093 بمكة ، وفتنوهم فافتتنوا . ~~ثم ساروا مع قومهم إلى بدر . فأصيبوا فأنزل الله فيهم : @QB@ إن الذين ~~توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم @QE@ الآية . # | 2 ( قسم غنائم بدر : ) # | ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالغنائم فجمعت ، فاختلفوا . ~~فقال من جمعها : هي لنا . وقال من هزم العدو : لولانا ما أصبتموها ، وقال ~~PageV01P157 الذين يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنتم بأحق بها ~~منا ، قال عبادة بن الصامت : فنزعها الله من أيدينا . فجعلها إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . فقسمه بين المسلمين وأنزل الله تعالى : ^ ( يسألونك ~~عن الأنفال ؟ قال الأنفال لله والرسول ) ^ الآيات . | وذكر ابن إسحاق عن ~~نبيه بن وهب . قال : ' فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسرى على أصحابه ~~. وقال : استوصوا بالأسرى خيرا ' فكان أبو عزيز بن عمير عند رجل من الأنصار ~~، فقال له أخوه مصعب : شد يدك به . فإن أخته ذات متاع . فقال أبو عزيز : يا ~~أخي ، هذه وصيتك بي ؟ فقال مصعب : إنه أخي دونك . قال عزيز : وكنت مع رهط ~~من الأنصار حين قفلوا ، فكانوا إذا قدموا طعاما خصوني بالخبز ، وأكلوا ~~التمر . لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا ، ما يقع في يد رجل ~~منهم كسرة إلا نفحني بها . قال : فأستحي فأردها على أحدهم . فيردها علي ، ~~ما يمسها . # | 2 ( أسارى بدر : ) # | واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في الأسرى ، وهم سبعون . ~~وكذلك القتلى سبعون أيضا . فأشار الصديق : أن يؤخذ منهم فدية ، تكون لهم ~~قوة . ويطلقهم ، لعل الله يهديهم للإسلام . فقال عمر : لا والله ، ما أرى ~~ذلك . ولكني أرى أن تمكننا ، فنضرب أعناقهم . فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديد ~~الشرك ، فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال PageV01P158 أبو بكر . ~~فقال : ' إن الله عز وجل ليلين قلوب رجال فيه ، حتى تكون ألين من اللين ، ~~وإن الله عز وجل ليشدد قلوب رجال فيه ، حتى تكون أشد من الحجارة . وإن مثلك ~~يا أبا بكر كمثل إبراهيم ، إذ قال : ^ ( فمن اتبعني فإنه مني ، ومن عصاني ~~فإنك غفور رحيم ms094 ) ^ وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى ، إذ قال : @QB@ إن ~~تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم @QE@ وإن مثلك يا ~~عمر ، كمثل موسى ، قال : @QB@ ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا ~~يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم @QE@ وإن مثلك يا عمر ، كمثل نوح ، قال : ~~@QB@ رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا @QE@ ثم قال : أنتم اليوم عالة ~~. فلا ينفلتن منهم أحد إلا بفداء ، أو ضرب عنق ' فأنزل الله تعالى : @QB@ ~~ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض @QE@ الآيتين . | قال عمر : ~~' فلما كان من الغد ، غدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هو ~~قاعد - هو وأبو بكر - يبكيان . فقلت : يا رسول الله ، أخبرني ما يبكيك ؟ ~~وصاحبك ؟ فإن وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد تباكيت لبكائكما ، فقال : أبكي ~~للذي عرض علي أصحابك من الغد : من أخذهم الفداء ، فقد عرض علي عذابهم أدنى ~~من هذه الشجرة - لشجرة قريبة منه - وقال : لو نزل عذاب ما سلم منه إلا عمر ~~' . | وقال الأنصار للنبي : نريد أن نترك لابن أختنا العباس فداءه ، فقال : ~~' لا تدعو منه درهما ' . | ثم دخلت السنة الثالثة من الهجرة . PageV01P159 # | 2 ( غزوة قينقاع : ) # | فكانت فيها غزوة بني قينقاع . وكانوا من يهود المدينة . فنقضوا العهد . ~~فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة . فنزلوا على حكمه ، ~~فشفع فيهم عبد الله بن أبي ابن سلول . وألح على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيهم . فأطلقهم له ، وكانوا سبعمائة رجل . وهم رهط عبد الله بن سلام . # | 2 ( غزوة أحد : ) # | وفيها كانت وقعة أحد في شوال . | وذلك : أن الله تبارك وتعالى لما أوقع ~~بقريش يوم بدر ، وترأس فيهم أبو سفيان ، لذهاب أكابرهم ، أخذ يؤلب على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين . ويجمع الجموع . فجمع قريبا من ~~ثلاثة آلاف من قريش ، والحلفاء والأحابيش . وجاءوا بنسائهم لئلا يفروا . ثم ~~أقبل بهم نحو المدينة . فنزل قريبا من جبل أحد . | فاستشار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أصحابه في الخروج ms095 إليهم . وكان رأيه أن لا يخرجوا . فإن ~~دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه السكك ، والنساء من فوق البيوت ، ووافقه ~~عبد الله بن أبي - رأس المنافقين - على هذا الرأي . فبادر جماعة من فضلاء ~~الصحابة - ممن فاته بدر - وأشاروا على رسول الله بالخروج . وألحوا عليه . ~~فنهض ودخل بيته ، ولبس لأمته ، وخرج عليهم ، فقالوا : استكرهنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على الخروج . ثم قالوا : إن أحببت أن تمكث بالمدينة ~~فافعل ، فقال : ' ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته : أن يضعها حتى يحكم الله ~~بينه وبين عدوه ' . PageV01P160 | فخرج في ألف من أصحابه ، واستعمل على ~~المدينة عبد الله بن أم مكتوم . | وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ~~رؤيا : رأى ' أن في سيفه ثلمة ، وأن بقرا تذبح . وأنه يدخل يده في درع ~~حصينة . فتأول الثلمة : برجل يصاب من أهل بيته ، والبقر : بنفر من أصحابه ~~يقتلون ، والدرع بالمدينة ' فخرج ، وقال لأصحابه : ' عليكم بتقوى الله ، ~~والصبر عند البأس إذا لقيتم العدو . وانظروا ماذا أمركم الله به فافعلوا ' ~~. | فلما كان بالشوط - بين المدينة وأحد - انخزل عبد الله بن أبي بنحو ثلث ~~العسكر ، وقال : عصاني . وسمع من غيري . ما ندري : علام نقتل أنفسنا ههنا . ~~أيها الناس ؟ فرجع . وتبعهم عبد الله بن عمرو - والد جابر - يحرضهم على ~~الرجوع . ويقول : ' قاتلوا في سبيل الله ، أو ادفعوا ، قالوا : لو نعلم ~~أنكم تقاتلون لم نرجع ' فرجع عنهم وسبهم . | وسأل نفر من الأنصار رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : أن يستعينوا بحلفائهم من يهود . فأبى . وقال : ' من ~~يخرج بنا على القوم من كثب ؟ ' | فخرج به بعض الأنصار ، حتى سلك في حائط ~~لمربع بن قيظي من المنافقين - وكان أعمى - فقام يحثو التراب في وجوه ~~المسلمين ، ويقول : لا أحل لك أن تدخل في حائطي ، إن كنت رسول الله ، ~~فابتدروه ليقتلوه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' لا تقتلوه ، ~~فهذا أعمى القلب أعمى البصر ' . PageV01P161 ونفذ حتى نزل الشعب من أحد ، ~~في عدوة الوادي الدنيا . وجعل ظهره إلى أحد . ونهى الناس عن القتال حتى ~~يأمرهم . | فلما أصبح ms096 يوم السبت تعبأ للقتال . وهو في سبعمائة ، منهم خمسون ~~فارسا واستعمل على الرماة - وكانوا خمسين - عبد الله بن جبير . وأمرهم : أن ~~لا يفارقوا مركزهم ، ولو رأوا الطير تختطف العسكر . وأمرهم : أن ينضحوا ~~المشركين بالنبل ، لئلا يأتوا المسلمين من ورائهم . | وظاهر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بين درعين . | وأعطى اللواء مصعب بن عمير ، وجعل على إحدى ~~المجنبتين الزبير بن العوام وعلى الأخرى : المنذر بن عمرو . واستعرض الشباب ~~يومئذ . فرد من استصغر عن القتال - كابن عمر ، وأسامة بن زيد ، والبراء ، ~~وزيد بن أرقم ، وزيد بن ثابت ، وعرابة الأوسي - وأجاز من رآه مطيقا . | ~~وتعبأت قريش ، وهم ثلاثة آلاف . وفيهم مائتا فارس . فجعلوا على ميمنتهم : ~~خالد بن الوليد . وعلى الميسرة : عكرمة بن أبي جهل . | ودفع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سيفه إلى أبي دجانة . | وكان أول من بدر من المشركين أبو ~~عامر - عبد عمرو بن صيفي - الفاسق . وكان يسمى الراهب . وهو رأس الأوس في ~~الجاهلية . فلما جاء الإسلام شرق به ، وجاهر بالعداوة . فذهب إلى قريش ~~يؤلبهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعدهم : بأن قومه إذا رأوه ~~أطاعوه . فلما ناداهم ، وتعرف إليهم ، قالوا : لا أنعم الله بك عينا يا ~~فاسق . فقال : لقد أصاب قومي بعدي شر . ثم قاتل المسلمين قتالا شديدا . ثم ~~أرضخهم بالحجارة . PageV01P162 | وأبلى يومئذ أبو دجانة ، وطلحة ، وحمزة ، ~~وعلي ، والنضر بن أنس ، وسعد بن الربيع بلاء حسنا . | وكانت الدولة أول ~~النهار : للمسلمين ، فانهزم أعداء الله ، وولوا مدبرين . حتى انتهوا إلى ~~نسائهم . فلما رأى ذلك الرماة ، قالوا : الغنيمة ، الغنيمة . فذكرهم أميرهم ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يسمعوا . فأخلوا الثغر ، وكر فرسان ~~المشركين عليه ، فوجدوه خاليا . فجاؤوا منه . وأقبل آخرهم حتى أحاطوا ~~بالمسلمين فأكرم الله من أكرم منهم بالشهادة - وهم سبعون - وولى الصحابة . ~~| وخلص المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجرحوه جراحات ، ~~وكسروا رباعيته ، وقتل مصعب بن عمير بن يديه . فدفع اللواء إلى علي بن أبي ~~طالب . | وأدركه المشركون يريدون قتله . فحال دونه نحو عشرة حتى ms097 قتلوا . ثم ~~جالدهم طلحة بن عبيد الله حتى أجهضهم عنه . وترس أبو دجانة عليه بظهره ، ~~والنبل يقع فيه وهو لا يتحرك . | وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان . فأتى ~~بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فردها بيده . فكانت أحسن عينيه . | وصرخ ~~الشيطان : إن محمدا قد قتل ، فوقع ذلك في قلوب كثير من المسلمين . | فمر ~~أنس بن النضر بقوم من المسلمين قد ألقوا بأيديهم ، فقالوا : قتل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال : ما تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا PageV01P163 ~~فموتوا على ما مات عليه . ثم استقبل الناس ، ولقي سعد بن معاذ ، فقال : يا ~~سعد ، إني لأجد ريح الجنة من دون أحد . فقاتل حتى قتل . ووجد به سبعون ~~جراحة . | وقتل وحشي الحبشي حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه . رماه بحربة ~~على طريقة الحبشة . | وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو المسلمين . ~~فكان أول من عرفه تحت المغفر : كعب بن مالك ، فصاح بأعلى صوته : يا معشر ~~المسلمين ، هذا رسول الله ، فأشار إليه : أن اسكت . فاجتمع إليه المسلمون . ~~ونهضوا معه إلى الشعب الذي نزل فيه . | فلما أسندوا إلى الجبل أدركه أبي بن ~~خلف على فرس له ، كان يزعم بمكة : أنه يقتل عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم . فلما اقترب منه طعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ترقوته ، فكر ~~منهزما . فقال له المشركون : ما بك من بأس . فقال : والله لو كان ما بي ~~بأهل ذي المحاز لماتوا أجمعين . فمات بسرف . | وحانت الصلاة ، فصلى بهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا . | وشد حنظلة بن أبي عامر على أبي ~~سفيان . فلما تمكن منه حمل عليه شداد بن الأسود فقتله ، وكان حنظلة جنبا . ~~فإنه حين سمع الصيحة وهو على بطن امرأته - قام من فوره إلى الجهاد ، فأخبر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن الملائكة تغسله . PageV01P164 | وكان ~~الأصيرم - عمرو بن ثابت بن وقش - يأبى الإسلام . وهو من بني عبد الأشهل . ~~فلما كان يوم أحد ، قذف الله الإسلام في قلبه ، للحسنى التي سبقت له ms098 . ~~فأسلم وأخذ سيفه . فقاتل ، حتى أثبتته الجراح ، ولم يعلم أحد بأمره . فلما ~~طاف بنوا عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم وجدوا الأصيرم - وبه رمق يسير - فقالوا ~~: والله إن هذا الأصيرم . ثم سألوه : ما الذي جاء بك ؟ أحدب على قومك ، أم ~~رغبة في الإسلام ؟ فقال : بل رغبة في الإسلام ، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت ~~. ومات من وقته . فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ' هو من ~~أهل الجنة ' ولم يصل لله سجدة قط . | ولما انقضت الحرب : أشرف أبو سفيان ~~على الجبل ، ونادى : أفيكم محمد ؟ فلم يجيبوه . فقال : أفيكم ابن أبي قحافة ~~؟ فلم يجيبوه فقال : أفيكم ابن الخطاب ؟ فلم يجيبوه . فقال : أما هؤلاء : ~~فقد كفيتموهم . فلم يملك عمر نفسه أن قال : يا عدو الله ، إن الذين ذكرتهم ~~أحياء ، وقد أبقى الله لك منهم ما يسوءك . ثم قال : اعل هبل فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : ' ألا تجيبوه ؟ ' قالوا : ما نقول ؟ قال ' قولوا : ~~الله أعلى وأجل ' ثم قال : لنا العزى ، ولا عزى لكم ، قال : ' ألا تجيبوه ؟ ~~' قالوا : ما نقول ؟ قال : ' قولوا : الله مولانا . ولا مولى لكم ' ثم قال ~~: يوم بيوم بدر . والحرب سجال ، فقال عمر : لا سواء ، قتلانا في الجنة ، ~~وقتلاكم في النار . | وأنزله الله عليهم النعاس في بدر وفي أحد . والنعاس ~~في الحرب : من الله . وفي الصلاة ، ومجالس الذكر : من الشيطان . | وقاتلت ~~الملائكة يوم أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . PageV01P165 | ففي ~~الصحيحين عن سعد قال : ' رأيت رسول الله يوم أحد ، ومعه رجلان يقاتلان ، ~~عليهما ثياب بيض ، كأشد القتال ، وما رأيتهما قبل ولا بعد ' . | ومر رجل من ~~المهاجرين برجل من الأنصار - وهو يتشحط في دمه - فقال : يا فلان : أشعرت أن ~~محمدا قتل ؟ فقال الأنصاري : إن كان قد قتل فقد بلغ ، فقاتلوا عن دينكم ، ~~فنزل : @QB@ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل @QE@ الآية . | وكان ~~يوم أحد يوم بلاء وتمحيص ، اختبر الله عز وجل به المؤمنين . وأظهر به ~~المنافقين . وأكرم فيه من أراد كرامته بالشهادة . فكان مما نزل من القرآن ~~في يوم ms099 أحد : إحدى وستون آية من آل عمران ، أولها : ^ ( وإذا غدوت من أهلك ~~تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال ) ^ الآيات . | ولما انصرفت قريش تلاوموا فيما ~~بينهم . وقالوا : لم تصنعوا شيئا ، أصبتم شوكتهم ، ثم تركتموهم ، وقد بقي ~~منهم رءوس يجمعون لكم . فارجعوا حتى نستأصل بقيتهم . | فبلغ ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . فنادى في الناس بالمسير إليهم ، وقال : ' لا يخرج ~~معنا إلا من شهد القتال ' فقال له ابن أبي : أركب معك ؟ قال : لا . | ~~فاستجاب له المسلمون - على ما بهم من القرح الشديد - وقالوا : سمعا وطاعة . ~~PageV01P166 | وقال جابر : يا رسول الله ، إني أحب أن لا تشهد مشهدا إلا ~~كنت معك . وإنما خلفني أبي على بناته ، فائذن لي أسير معك . فأذن له . | ~~فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمسلمون معه ، حتى بلغوا حمراء ~~الأسد ، فبلغ ذلك أبا سفيان ومن معه ، فرجعوا إلى مكة . وشرط أبو سفيان ~~لبعض المشركين شرطا على أنه إذا مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه : أن ~~يخوفهم ، ويذكر لهم : أن قريشا أجمعوا للكرة عليهم ليستأصلوا بقيتكم . فلما ~~بلغهم ذلك قالوا : ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) . | ثم دخلت السنة الرابعة . ~~| فكانت فيها وقعة خبيب وأصحابه ، في صفر . # | 2 ( وقعة بئر معونة : ) # | وفي هذا الشهر بعينه من السنة المذكورة : كانت وقعة أهل بئر معونة . | ~~وفي شهر ربيع الأول : كانت غزوة بني النضير ، ونزل فيها سورة الحشر . | ثم ~~دخلت السنة الخامسة . # | 2 ( غزوة المريسيع : ) # | فكانت فيها غزوة المريسيع على بني المصطلق ، فأغار عليهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، وهم غارون . فسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء ، ~~والنعم ، والشاء . PageV01P167 | وكان من جملة السبي : جويرية بنت الحارث ، ~~سيد القوم ، وقعت في سهم ثابت بن قيس . فكاتبها . فأدى عنها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، وتزوجها ، فأعتق المسلمون - بسبب هذا التزوج - مائة أهل ~~بيت من بني المصطلق . وقالوا : أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم . # | 2 ( قصة الإفك : ) # | وفي هذه الغزوة : كانت قصة الإفك . | وذلك : أن عائشة رضي الله عنها ~~خرج بها رسول الله ms100 صلى الله عليه وسلم معه بقرعة - وتلك كانت عادته مع ~~نسائه - فلما رجعوا : نزل في طريقهم بعض المنازل . فخرجت عائشة لحاجتها ، ~~ثم رجعت . ففقدت عقدا عليها ، فرجعت تلتمسه . فجاء الذين يرحلون هودجها ~~فحملوه . وهم يظنونها فيه . لأنها صغيرة السن . فرجعت - وقد أصابت العقد - ~~إلى مكانهم . فإذا ليس به داع ولا مجيب ، فقعدت في المنزل ، وظنت أنهم ~~يفقدونها ، ويرجعون إليها . فغلبتها عيناها . فلم تستيقظ إلا بقول صفوان بن ~~المعطل : إنا لله وإنا إليه راجعون ، زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ~~وكان صفوان قد عرس في أخريات الجيش ، لأنه كان كثير النوم . فلما رآها ~~عرفها - وكان يراها قبل الحجاب - فاسترجع . وأناخ راحلته ، فركبت ، وما ~~كلمها كلمة واحدة . ولم تسمع منه إلا استرجاعه . ثم سار يقود بها ، حتى قدم ~~بها . وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة . فلما رأى ذلك الناس : تكلم كل منهم ~~بشاكلته . ووجد رأس المنافقين ، عدو الله عبد الله بن أبي متنفسا . فتنفس ~~من كرب النفاق والحسد . فجعل يستحكي الإفك ، ويجمعه ويفرقه . وكان أصحابه ~~يتقربون إليه به . PageV01P168 | فلما قدموا المدينة : أفاض أهل الإفك في ~~الحديث . ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا يتكلم . ثم استشار في ~~فراقها ، فأشار عليه علي بفراقها ، وأشار عليه أسامة بإمساكها . | واقتضى ~~تمام الابتلاء : أن حبس الله عن رسوله الوحي شهرا في شأنها ، ليزداد ~~المؤمنون إيمانا ، وثباتا على العدل والصدق ، ويزداد المنافقون إفكا ونفاقا ~~، ولتتم العبودية المرادة من الصديقة وأبويها ، وتتم نعمة الله عليهم ، ~~ولينقطع رجاؤها من المخلوق ، وتيأس من حصول النصر والفرج إلا من الله . | ~~فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعندها أبواها ، فحمد الله ~~وأثنى عليه ، ثم قال : ' يا عائشة ، إن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ~~قد ألممت بذنب فاستغفري . فإن العبد إذا اعترف بذنبه . ثم تاب ، تاب الله ~~عليه ' . | قالت لأبيها : أجب عني رسول الله . قال : والله ما ادري ما أقول ~~لرسول الله . | فقالت لأمها مثل ذلك ، وقالت أمها مثل ذلك . | قالت : فقلت ~~: إن قلت إني بريئة - والله يعلم ms101 أني بريئة . لا تصدقوني . ولا أجد لي ولكم ~~مثلا . إلا أبا يوسف ، حيث قال : @QB@ فصبر جميل والله المستعان على ما ~~تصفون @QE@ . | قالت : فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأما ~~أنا : فقلت أن الله لا يقول إلا الحق . وأما أبواي : فوالذي ذهب بأنفاسهما ~~، PageV01P169 ما أقلع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا خفت أن ~~أرواحهما ستخرجان . فكان أول كلمة قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ~~أما الله يا عائشة : فقد برأك ' . | فقال أبوي : قومي إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم . قلت : والله لا أقوم إليه ، ولا أحمد إلا الله . | وكان ~~حسان رضي الله عنه ممن قيل عنه : إنه يتكلم مع أهل الإفك ، فقال يعتذر إلى ~~عائشة ، ويمدحها : # % حصان رزان ، ما تزن بريبة % % وتصبح غرثى من لحوم الغوافل % # % عقيلة حي من لؤي بن غالب % % كرام المساعي . مجدهم غير زائل % # % مهذبة ، قد طيب الله خيمها % % وطهرها من كل سوء وباطل % # % لئن كان ما قد قيل عني قلته % % فلا رفعت سوطي إلي أناملي % # % وكيف ؟ وودي ما حييت ، ونصرتي % % لآل رسول الله زين المحافل % % وكانت ~~عائشة لا ترضى أن يذكر حسان بشيء يكرهه ، وتقول : إنه الذي يقول : # % فإن أبي ، ووالدتي ، وعرضي % % لعرض محمد منكم وقاء % % PageV01P170 | ~~فأنزل الله تعالى : ^ ( إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم ) ^ إلى آخر القصة ~~. # | 2 ( غزوة الأحزاب : ) # | وفي هذه السنة - وهي سنة خمس - كانت وقعة الخندق في شوال . | وسببها : ~~أن اليهود لما رأوا انتصار المشركين يوم أحد ، خرج أشرافهم . كسلام بن أبي ~~الحقيق - وغيره إلى قريش بمكة ، يحرضونهم على غزو رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، ووعدهم من أنفسهم النصر لهم . فأجابتهم قريش . ثم خرجوا إلى غطفان . ~~فاستجابوا لهم ، ثم طافوا في قبائل العرب يدعونهم إلى ذلك فاستجاب لهم من ~~استجاب . | فخرجت قريش - وقائدهم أبو سفيان - في أربعة آلاف . ووافقهم بنو ~~سليم بمر الظهران ، وبنو أسد ، وفزارة ، وأشجع وغيرهم . وكان من وافى ~~الخندق من المشركين ، عشرة آلاف . | فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بمسيرهم ms102 إليه : استشار أصحابه فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق يحول بين ~~العدو وبين المدينة . فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم . فبادر إليه ~~المسلمون . وعمل فيه بنفسه . وكان في حفره من آيات نبوته ما قد تواتر الخبر ~~به . | وخرج صلى الله عليه وسلم عليهم ، وهم يحفرون في غداة باردة . فلما ~~رأى ما بهم من الشدة والجوع . قال : # % اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة % % فاغفر للأنصار ، والمهاجرة % % ~~PageV01P171 فقالوا مجيبين له : # % نحن الذين بايعوا محمدا % على الجهاد ما بقينا أبدا % وخرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في ثلاثة آلاف من المسلمين . فتحصن بالجبل من خلفه - ~~جبل سلع - وبالخندق أمامه . وأمر بالنساء والذراري ، فجعلوا في آطام ~~المدينة . | وانطلق حيي بن أخطب إلى بني قريظة ، فدنا من حصنهم ، فأبى كعب ~~بن أسد : أن يفتح له . فلم يزل يكلمه حتى فتح له . فلما دخل الحصن قال : ~~جئتك بعز الدهر . جئتك بقريش وغطفان وأسد ، على قاداتها لحرب محمد ، قال : ~~بل جئتني والله بذل الدهر ، جئتني بجهام قد أراق ماءه . فهو يرعد ويبرق ، ~~وليس فيه شيء . | فلم يزل به حتى نقض العهد الذي بينه وبين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم . ودخل مع المشركين . وسر بذلك المشركون ، وشرط كعب على حيي ~~: أنهم إن لم يظفروا بمحمد : أن يجيء حتى يدخل معهم في حصنهم ، فيصيبه ما ~~يصيبهم فشرط ذلك ووفى له . | وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر . ~~فبعث إليهم السعدين : - سعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة - وخوات بن جبير ، ~~وعبد الله بن رواحة ليتعرفوا الخبر . | فلما دنوا منهم وجدوهم على أخبث ما ~~يكون . وجاهروهم بالسب . ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم . | ~~فانصرفوا ولحنوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لحنا . PageV01P172 | فعظم ~~ذلك على المسلمين . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ' الله أكبر ، ~~أبشروا ، يا معشر المسلمين ' . | واشتد البلاء ، ونجم النفاق . واستأذن بعض ~~بني حارثة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذهاب إلى المدينة . وقالوا : ~~@QB@ إن بيوتنا عورة وما هي بعورة ms103 إن يريدون إلا فرارا @QE@ . | وأقام ~~المشركون محاصرين رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا . | ولم يكن بينهم ~~قتال ، لأجل الخندق ، إلا أن فوارس من قريش - منهم عمرو بن عبد ود - أقبلوا ~~نحو الخندق . فلما وقفوا عليه قالوا : إن هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها . ~~ثم تيمموا مكانا ضيقا منه ، وجالت بهم خيلهم في السبخة ، ودعوا إلى البراز ~~. فانتدب لعمرو : علي بن أبي طالب ، فبارزه . فقتله الله على يدي علي . ~~وكان من أبطال المشركين ، وانهزم أصحابه . | ولما طالت هذه الحال على ~~المسلمين : أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصالح عيينة بن حصن ، ~~والحارث بن عوف - رئيسي غطفان - على ثلث ثمار المدينة وينصرفا بقومهما . ~~وجرت المفاوضة على ذلك . واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم السعدين ، ~~فقالا : إن كان الله أمرك : فسمعا وطاعة . وإن كان شيئا تحب أن تصنعه ~~صنعناه . وإن كان شيئا تصنعه لنا فلا ، لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك ~~، وعبادة الأوثان ، وهم لا يطعمون أن يأكلوا منها ثمرة ، إلا قرى أو بيعا . ~~أفحين أكرمنا الله بالإسلام ، وأعزنا بك ، نعطيهم أموالنا ؟ والله لا ~~نعطيهم إلا السيف . PageV01P173 | فصوب رأيهما . وقال : ' إنما هو شيء ~~أصنعه لكم ، لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ' . | ثم إن الله عز وجل ~~- وله الحمد - صنع أمرا عنده خذل به العدو . | فمن ذلك : أن رجلا من غطفان ~~- يقال له : نعيم بن مسعود - جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال ~~: قد أسلمت ، فمرني بما شئت . فقال : ' إنما أنت رجل واحد ، فخذل عنا ما ~~استطعت . فإن الحرب خدعة ' . | فذهب إلى بني قريظة - وكان عشيرا لهم - فدخل ~~عليهم ، وهم لا يعلمون بإسلامه . فقال : إنكم قد حاربتم محمدا ، وإن قريشا ~~إن أصابوا فرصة انتهزوها ، وإلا انشمروا قالوا : فما العمل ؟ قال : لا ~~تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن . فقالوا قد أشرت بالرأي . ثم مضى إلى قريش ~~فقال : هل تعلمون ودي لكم ونصحي ؟ قالوا : نعم . قال : إن اليهود قد ندموا ~~على ما كان منهم ، وإنهم قد أرسلوا إلى ms104 محمد : أنهم يأخذون منكم رهائن ~~يدفعونها إليه ، ثم يمالئونه عليكم ، فإن سألوكم فلا تعطوهم . ثم ذهب إلى ~~غطفان . فقال لهم مثل ذلك . | فلما كانت ليلة السبت من شوال بعثوا إلى يهود ~~: إنا لسنا معكم بأرض مقام ، وقد هلك الكراع والخف ، فاغدوا بنا إلى محمد ~~حتى نناجزه ، فأرسلوا إليهم : إن اليوم يوم السبت ، وقد علمتم ما أصاب من ~~قبلنا حين أحدثوا فيه . ومع هذا فلا نقاتل معكم حتى تبعثوا لنا رهائن . | ~~فلما جاءتهم رسلهم قالوا : قد صدقكم والله نعيم . فبعثوا إليهم : إنا والله ~~لا نبعث إليكم أحدا . فقالت قريظة : قد صدقكم والله نعيم . فتخاذل الفريقان ~~. PageV01P174 | وأرسل الله على المشركين جندا من الريح ، فجعلت تقوض ~~خيامهم ، ولا تدع لهم قدرا إلا كفأتها ، ولا طنبا إلا قلعته ، وجندا من ~~الملائكة يزلزلون بهم ، ويلقون في قلوبهم الرعب ، كما قال الله @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ~~ريحا وجنودا لم تروها @QE@ . | وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة ~~بن اليمان يأتيه بخبرهم . فوجدهم على هذه الحال ، وقد تهيئوا للرحيل . فرجع ~~إليه ، فأخبره برحيلهم . | فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف ~~عن الخندق ، راجعا والمسلمون إلى المدينة . فوضعوا السلاح . فجاءه جبريل ، ~~وقت الظهر ، فقال : أقد وضعتم السلاح ؟ إن الملائكة لم تضع أسلحتها ، انهض ~~إلى هؤلاء - يعني بني قريظة - فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' من ~~كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة ' . | فخرج المسلمون ~~سراعا ، حتى إذا دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم ، قال : ' يا ~~إخوان القردة ، هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته ؟ وحاصرهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة ، حتى جهدهم الحصار . وقذف الله في قلوبهم ~~الرعب . فقال لهم رئيسهم كعب بن أسد : إني عارض عليكم خلالا ثلاثا ، خذوا ~~أيها شئتم : نصدق PageV01P175 هذا الرجل ونتبعه . فإنكم تعلمون : أنه النبي ~~الذي تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة قالوا لا نفارق حكم التوراة أبدا . ~~قال : فاقتلوا أبناءكم ونساءكم ms105 واخرجوا إليه مصلتي سيوفكم حتى يحكم الله ~~بينكم وبينه . قالوا : فما خير العيش بعد أبنائنا ونسائنا ؟ قال : فانزلوا ~~الليلة . فعسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوكم فيها لأنها ليلة السبت - ~~لعلنا نصيب منهم غرة : قالوا : لا نفسد سبتنا . وقد علمت ما أصاب من اعتدوا ~~في السبت . قال ما بات رجل منكم - منذ ولدته أمه ليلة من الدهر حازما . ثم ~~نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم . فحكم فيهم سعد بن معاذ فحكم ~~: أن تقتل الرجال ، وتقسم الأموال : وتسبى النساء والذراري . | وأنزل الله ~~في غزوة الخندق صدر سورة الأحزاب . وذكر قصتهم في قوله @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم @QE@ - إلى قوله - @QB@ وأورثكم أرضهم ~~وديارهم وأموالهم @QE@ . | ثم دخلت السنة السادسة . # | 2 ( صلح الحديبية : ) # | وفيها كانت وقعة الحديبية . وعدة الصحابة إذ ذاك ألف وأربعمائة . وهم ~~أهل الشجرة ، وأهل بيعة الرضوان . | خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم ~~معتمرا ، لا يريد قتالا . فلما كانوا بذي الحليفة ، قلد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الهدي ، وأشعره ، PageV01P176 وأحرم بالعمرة وبعث عينا له من ~~خزاعة يخبره عن قريش ، حتى إذا كان قريبا من عسفان أتاه عينه ، فقال : إني ~~تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا جموعا ، وهم مقاتلوك ، وصادوك عن ~~البيت . | حتى إذا كان ببعض الطريق : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ' إن ~~خالد بن الوليد بكراع الغميم ، فخذوا ذات اليمين ' . | فما شعر بهم خالد ، ~~حتى إذا هو بغبرة الجيش . فانطلق يركض نذيرا . | وانطلق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، حتى إذا كان في ثنية المرار ، التي يهبط عليهم منها : بركت ~~راحلته ، فقال الناس : حل ، حل . فقالوا : خلأت القصواء ، فقال ' ما خلأت ~~القصواء ، وما ذاك له بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل . ثم قال : والذي نفس ~~محمد بيده ، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ' . ~~| ثم زجرها فوثبت به . فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية ، على ثمد قليل الماء . ~~فلم يلبث الناس أن نزحوه ، فشكوا إليه . فانتزع سهما من ms106 كنانته . وأمرهم أن ~~يجعلوه فيه ، فو الله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه . | وفزعت قريش ~~لنزوله . فأحب أن يبعث إليهم رجلا . فدعا عمر فقال : يا رسول الله ، ليس لي ~~بمكة أحد من بني عدي بن كعب يغضب لي إن أوذيت ، فأرسل عثمان . فإن عشيرته ~~بها ، وإنه يبلغ ما أردت . فدعاه فأرسله إلى قريش ، وقال : ' أخبرهم : أنا ~~لم نأت لقتال ، وإنما جئنا PageV01P177 عمارا ، وادعهم إلى الإسلام ، وأمره ~~أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات ، فيبشرهم بالفتح ، وأن الله عز ~~وجل مظهر دينه بمكة ، حتى لا يستخفى فيها بالإيمان ' . | فانطلق عثمان . ~~فمر على قريش ، فقالوا : إلى أين ؟ فقال : بعثني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام ، ويخبركم : أنه لم يأت لقتال . وإنما ~~جئنا عمارا . قالوا : قد سمعنا ما تقول . فانفذ إلى حاجتك . | وقام إليه ~~أبان بن سعيد بن العاص ، فرحب به . وحمله على الفرس ، وأردفه أبان حتى جاء ~~مكة . | وقال المسلمون ، قبل أن يرجع : خلص عثمان من بيننا إلى البيت . ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون ' ~~قالوا : وما يمنعه يا رسول الله ، وقد خلص ؟ قال : ' ذلك ظني به : أن لا ~~يطوف بالكعبة حتى نطوف معه ' . | واختلط المسلمون بالمشركين في أمر الصلح . ~~فرمى رجل من أحد الفريقين رجلا من الفريق الآخر . فكانت معاركه . وتراموا ~~بالنبل والحجارة . وصاح الفريقان وأرتهن كل منهما من فيهم . | وبلغ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان قد قتل . فدعا إلى البيعة . فتبادروا ~~إليه ، وهو تحت الشجرة . فبايعوه على أن لا يفروا . فأخذ بيد نفسه ، وقال : ~~' هذه عن عثمان ' . PageV01P178 | ولما تمت البيعة رجع عثمان ، فقالوا له : ~~اشتفيت من الطواف بالبيت . فقال بئسما ظننتم بي . والذي نفسي بيده لو مكثت ~~بها سنة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ما طفت بها حتى يطوف . ~~ولقد دعتني قريش إلى الطواف فأبيت . فقال المسلمون : رسول الله أعلم بالله ~~، وأحسننا ظنا . | وكان عمر أخذ بيد رسول الله صلى الله ms107 عليه وسلم للبيعة ، ~~وهو تحت الشجرة ، فبايعه المسلمون كلهم . لم يتخلف إلا الجد بن قيس . | ~~وكان معقل بن يسار آخذ بغصنها يرفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ~~وكان أول من بايعه : أبو سنان وهب بن محصن الأسدي ، وبايعه سلمة بن الأكوع ~~ثلاث مرات : في أول الناس ، ووسطهم وآخرهم . | فبينا هم كذلك إذ جاء بديل ~~بن ورقاء في نفر من خزاعة - وكانوا عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من أهل تهامة - فقال : إني تركت كعب بن لؤي ، وعامر بن لؤي : قد نزلوا ~~أعداد مياه الحديبية ، معهم العوذ المطافيل . وهم مقاتلوك ، وصادوك عن ~~البيت . فقال : ' إنا لم نجيء لقتال أحد . وإنما جئنا معتمرين . وإن قريشا ~~نهكتهم الحرب ، وأضرت بهم . فإن شاءوا ماددتهم ، ويخلوا بيني وبين الناس . ~~فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا ، وإلا فقد جموا ، وإن أبوا ~~إلا القتال ، فو الذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ، ~~أو لينفذن الله أمره ' . | قال بديل : سأبلغهم ما تقول . فانطلق حتى أتى ~~قريشا ، فقال : إني قد جئتكم من عند هذا الرجل ، وسمعته يقول قولا . فإن ~~شئتم عرضته عليكم . PageV01P179 | فقال سفهاؤهم : لا حاجة لنا أن تحدثنا ~~عنه بشيء . وقال ذوو الرأي منهم : هات ما سمعته يقول . قال : سمعته يقول ~~كذا وكذا . | فقال عروة بن مسعود : إن هذا قد عرض عليكم خطة رشد ، فاقبلوها ~~ودعوني آته . فقالوا : ائته . فأتاه . فجعل يكلمه . فقال له نحوا من قوله ~~لبديل . | فقال عروة : أي محمد ، أرأيت لو استأصلت قومك ، هل سمعت بأحد من ~~العرب اجتاح أهله قبلك ؟ وإن تكن الأخرى ، فو الله إني لأرى أوشابا من ~~الناس ، خليقا أن يفروا ويدعوك . | فقال أبو بكر : امصص بظر اللات ، أنحن ~~نفر عنه وندعه ؟ | قال عروة : من ذا يا محمد ؟ قال : أبو بكر . قال : أما ~~والذي نفسي بيده ، لولا يد كانت لك عندي - لم أجزك بها - لأجبتك . | وجعل ~~يكلم النبي صلى الله عليه وسلم ويرمق أصحابه . فو الله ما انتخم النبي صلى ~~الله عليه ms108 وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم . فدلك بها وجهه وجلده وإذا ~~أمر ابتدروا أمره . وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه . وإذا تكلم خفضوا ~~أصواتهم . وما يحدون إليه النظر تعظيما له . | فرجع عروة إلى أصحابه ، فقال ~~: أي قوم ، والله لقد وفدت على الملوك - كسرى ، وقيصر ، والنجاشي - والله ~~إن رأيت ملكا يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمدا . والله ما انتخم ~~نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم ، فدلك بها وجهه وجلده . ثم أخبرهم بجميع ما ~~تقدم ، ثم قال : وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها . PageV01P180 | فقال رجل ~~من بني كنانة : دعوني آته ، فقالوا : ائته . فلما أشرف على النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، قال : ' هذا فلان ، وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له ' ~~ففعلوا . واستقبله القوم يلبون . فلما رأى ذلك ، قال : سبحان الله ! ما ~~ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت ، فرجع إلى أصحابه فأخبرهم . | فبينا هم ~~كذلك إذ جاء سهيل بن عمرو . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' قد سهل لكم ~~من أمركم ' . | فقال : هات اكتب بيننا وبينك كتابا . فدعا الكاتب - وهو علي ~~بن أبي طالب - فقال ' اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم ' فقال سهيل : أما ~~الرحمن ، فما أدري ما هو ؟ ولكن اكتب ' باسمك اللهم ' كما كنت تكتب . فقال ~~المسلمون : والله لا نكتبها إلا ' بسم الله الرحمن الرحيم ' فقال صلى الله ~~عليه وسلم : ' اكتب باسمك اللهم ' ثم قال : ' اكتب : هذا ما قاضى عليه محمد ~~رسول الله ' فقال سهيل : والله لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ، ~~ولكن اكتب ' محمد بن عبد الله ' فقال : ' إني رسول الله ، وإن كذبتموني ، ~~اكتب محمد بن عبد الله ' ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : ' على أن تخلوا ~~بيننا وبين البيت فنطوف به ' فقال سهيل : والله لا تحدث العرب أننا أخذنا ~~ضغطة ، ولكن ذاك من العام المقبل . فقال سهيل : ' وعلى أن لا يأتيك رجل منا ~~، وإن كان على دينك ، إلا رددته إلينا ' فقال المسلمون : ' سبحان الله ! ~~كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما ؟ ' . PageV01P181 | فبينا هم ms109 كذلك إذ ~~جاء أبو جندل بن سهيل ، وقد خرج من أسفل مكة يرسف في قيوده ، حتى رمى بنفسه ~~بين أظهر المسلمين . فقال سهيل : هذا أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي ، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' إنا لم نقض الكتاب بعد ' فقال : إذا ~~والله لا أصالحك على شيء أبدا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم ' فأجزه لي ~~' قال : ما أنا بمجيزه لك . قال : ' بلى فافعل ' قال : ما أنا بفاعل . قال ~~أبو جندل : يا معشر المسلمين ، كيف أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ؟ ألا ~~ترون ما لقيت ؟ - وكان قد عذب في الله عذابا شديدا - قال عمر بن الخطاب : ' ~~والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ . فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~فقلت : يا رسول الله ، ألست نبي الله ؟ قال : بلى . قلت : ألسنا على الحق ، ~~وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قلت : علام نعطي الدنية في ديننا ؟ ونرجع ~~ولما يحكم الله بيننا وبين أعدائنا ؟ فقال : إني رسول الله ، وهو ناصري . ~~ولست أعصيه . قلت : أو لست تحدثنا : أنا نأتي البيت ، ونطوف به ؟ قال : بلى ~~، أفأخبرتك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا . قال : فإنك آتيه ومطوف به . قال : ~~فأتيت أبا بكر ، فقلت له مثلما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورد ~~علي كما رد علي رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء ، وزاد : فاستمسك بغرزه ~~حتى تموت . فو الله إنه لعلى الحق . فعملت لذلك أعمالا ' . | فلما فرغ من ~~قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه ' قوموا فانحروا . ~~ثم احلقوا ' قال : فو الله ما قام منهم رجل ، حتى قالها ثلاث مرات . فلما ~~لم يقم منهم أحد ، قام ولم يكلم أحدا منهم حتى نحر بدنة ودعا حالقه . ~~PageV01P182 | فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا . وجعل بعضهم يحلق بعضا ، حتى ~~كاد بعضهم يقتل بعضا غما . ثم جاء نسوة مؤمنات ، فأنزل الله : @QB@ يا أيها ~~الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن @QE@ - حتى بلغ - @QB@ ~~بعصم الكوافر @QE@ فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك . | وفي مرجعه ~~صلى الله ms110 عليه وسلم : أنزل الله سورة الفتح : @QB@ إنا فتحنا لك فتحا مبينا ~~ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر @QE@ الآية فقال عمر أو فتح هو يا ~~رسول الله ؟ قال : نعم : قال الصحابة : هذا لك يا رسول الله ، فما لنا ؟ ~~قأنزل الله : @QB@ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا ~~مع إيمانهم @QE@ - الآيتين إلى قوله - @QB@ فوزا عظيما @QE@ . | ولما رجع ~~إلى المدينة جاءه أبو بصير - رجل من قريش - مسلما ، فأرسلوا في طلبه رجلين ~~، وقالوا : العهد الذي بيننا وبينك . فدفعه إلى الرجلين . فخرجا به ، حتى ~~بلغا ذا الحليفة ، فنزلوا يأكلون من تمر لهم . فقال أبو بصير لأحدهما : إني ~~أرى سيفك هذا جيدا . فقال : أجل ، والله إنه لجيد ، لقد جربت به ثم جربت ~~فقال : أرني أنظر إليه . فأمكنه منه . فضربه حتى برد . وفر الآخر . حتى بلغ ~~المدينة ، فدخل المسجد . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' لقد رأى ~~هذا ذعرا ' فلما انتهى إليه قال : قتل والله صاحبي ، وإني لمقتول . | فجاء ~~أبو بصير ، فقال : يا نبي الله ، قد أوفى الله ذمتك ، قد رددتني إليهم ~~فأنجاني الله منهم ، فقال صلى الله عليه وسلم : ' ويل أمة مسعر حرب ، لو ~~كان له أحد ' . PageV01P183 | فلما سمع ذلك عرف : أنه سيرده إليهم . فخرج ~~حتى أتى سيف البحر . وتفلت منهم أبو جندل . فلحق بأبي بصير . فلا يخرج من ~~قريش رجل - قد أسلم - إلا لحق به . حتى اجتمعت منهم عصابة . فو الله ما ~~يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها ، فقاتلوهم وأخذوا ~~أموالهم . فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم : ~~لما أرسل إليهم ، فمن أتاه منهم فهو آمن . # | 2 ( غزوة خيبر : ) # | ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية ، مكث بالمدينة ~~عشرين يوما ، أو قريبا منها . ثم خرج إلى خيبر . واستخلف على المدينة سباع ~~بن عرفطة . | وقدم أبو هريرة حينئذ المدينة مسلما . فوافى سباعا في صلاة ~~الصبح ، فسمعه يقرأ : @QB@ ويل للمطففين @QE@ فقال - وهو في الصلاة - : ويل ~~أبي فلان ، له مكيالان ، إذا اكتال ms111 اكتال بالوافي ، وإذا كال كال بالناقص . ~~| وقال سلمة بن الأكوع : خرجنا إلى خيبر . فقال رجل لعامر بن الأكوع : ألا ~~تسمعنا من هنياتك ؟ فنزل يحدو يقول : - # % لا هم لولا أنت ما اهتدينا % % ولا تصدقنا ولا صلينا % # % فأنزلن سكينة علينا % % وثبت الأقدام إن لاقينا % # % إنا إذا صيح بنا أتينا % % وبالصياح عولو علينا % # % وإن أرادوا فتنة أبينا % % PageV01P184 | فقال صلى الله عليه وسلم : ' ~~من هذا السائق ؟ ' قالوا : عامر بن الأكوع . قال : ' رحمه الله ' فقال رجل ~~من القوم : وجبت يا رسول الله ، لولا متعتنا به ؟ | قال : فأتينا خيبر . ~~فحاصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة . فلما تصافوا خرج مرحب يخطر بسيفه ، ~~ويقول : - # % قد علمت خيبر أني مرحب % شاكي السلاح بطل مجرب % # % إذا الحروب أقبلت تلهب % % فنزل إليه عامر ، وهو يقول : - # % قد علمت خيبر : أني عامر % % شاكي السلاح بطل مغامر % % فاختلفا ضربتين ~~. فوقع سيف مرحب في ترس عامر فعضه ، فذهب عامر يسفل له - وكان سيفه قصيرا - ~~فرجع . إليه سيفه فأصاب ركبته فمات . | قال سلمة : فقلت للنبي صلى الله ~~عليه وسلم : زعموا أن عامرا حبط عمله ، فقال : ' كذب من قال ذلك ، إن له ~~أجران - وجمع بين إصبعيه - إنه لجاهد مجاهد ، قل عربي مشى بها مثله ' . | ~~ولما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر قال : ' قفوا ' فوقف الجيش ~~. | فقال : ' اللهم رب السموات السبع وما أظللن ، ورب الأرضين السبع وما ~~أقللن ، ورب الشياطين وما أضللن ، ورب الرياح وما أذرين . PageV01P185 فإنا ~~نسألك خير هذه القرية ، وخير أهلها ، وخير ما فيها . ونعوذ بك من شر هذه ~~القرية ، وشر أهلها ، وشر ما فيها . اقدموا باسم الله ' . | فحاصرهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قريبا من عشرين ليلة . وكانت أرضا وخمة شديدة الحر ~~. فجهد المسلمون جهدا شديدا . فقام النبي صلى الله عليه وسلم فيهم . فوعظهم ~~وحضهم على الجهاد . | وكان فيهم عبد أسود ، فقال : يا رسول الله ، إني رجل ~~أسود اللون ، قبيح الوجه ، منتن الريح ، لا مال لي ، فإن قاتلت هؤلاء حتى ~~أقتل أدخل الجنة ؟ قال : ' نعم ' فتقدم . فقاتل حتى قتل ، فقال النبي صلى ms112 ~~الله عليه وسلم لما رآه : ' لقد حسن الله وجهك ، وطيب ريحك . وكثر مالك ' ~~وقال : ' لقد رأيت زوجتيه من الحور العين تتنازعان جبة عليه . وتدخلان فيما ~~بين جلده وجبته ' . | فافتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضها ، ثم تحول ~~إلى الكتيبة ، والوطيح ، والسلالم . فإن خيبر كانت جانبين : الأول : الشق ~~والنطاة ، الذي افتتح أولا . والثاني : ما ذكرنا . | فحاصرهم حتى إذا ~~أيقنوا بالهلكة : سألوه الصلح . ونزل إليه سلام ابن أبي الحقيق فصالحهم على ~~حقن الدماء وعلى الذرية ، ويخرجون من خيبر ، ويخلون ما كان لهم من مال وأرض ~~، وعلى الصفراء والبيضاء والحلقة ، إلا ثوابا على ظهر إنسان . PageV01P186 ~~| فلما أراد أن يجليهم قالوا : نحن أعلم بهذه الأرض منكم . فدعنا نكون فيها ~~. فأعطاهم إياها ، على شطر ما يخرج من ثمرها وزرعها . | ثم قسمها على ستة ~~وثلاثين سهما ، كل سهم مائة سهم ، فكانت ثلاثة آلاف وستمائة سهم . نصفها ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم وما ينزل به من أمور المسلمين . والنصف ~~الآخر : قسمه بين المسلمين . # | 2 ( قدوم جعفر بن أبي طالب وصحبه من الحبشة : ) # | وفي هذه الغزوة قدم عليه ابن عمه جعفر بن أبي طالب وأصحابه . ومعهم ~~الأشعريون : أبو موسى ، وأصحابه . | قال أبو موسى : بلغنا مخرج رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، ونحن باليمن . فخرجنا مهاجرين إليه - أنا وأخوان لي - ~~في بضع وخمسين رجلا من قومي . فركبنا سفينة . فألقتنا إلى النجاشي ، ~~فوافقنا جعفرا وأصحابه عنده ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعثنا وأمرنا بالإقامة ، فأقيموا معنا . فأقمنا حتى قدمنا فتح خيبر . وكان ~~ناس يقولون لنا : سبقناكم بالهجرة . فدخلت أسماء بنت عميس على حفصة . فدخل ~~عليها عمر وعندها أسماء . فقال : من هذه ؟ قالت : أسماء . قال : الحبشية ~~هذه ؟ البحرية هذه ؟ قالت أسماء : نعم ، قال : سبقناكم بالهجرة . نحن أحق ~~برسول الله منكم . فغضبت ، وقالت : كلا والله ، لقد كنتم مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، يطعم جائعكم ، ويعظ جاهلكم . وكنا في أرض البعداء البغضاء ~~. وذلك في ذات الله وفي رسوله ، وأيم الله لا أطعم طعاما ، ولا أشرب شرابا ms113 ~~حتى أذكر ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما PageV01P187 جاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت له ذلك . فقال : ما قلت له ؟ قالت : قلت له ~~كذا وكذا . قال : ليس بأحق بي منكم . له ولأصحابه هجرة واحدة ، ولكم أنتم - ~~يا أهل السفينة - هجرتان ' . | فكان أبو موسى وأصحاب السفينة يأتونها ~~أرسالا ، يسألونها عن هذا الحديث ، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ، ولا أعظم ~~في أنفسهم مما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم . # | 2 ( محاصرة رسول الله بعض اليهود بوادي القري : ) # | ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر إلى وادي القرى . وكان ~~به جماعة من اليهود ، وانضاف إليهم جماعة من العرب . | فلما نزلوا ~~استقبلتهم يهود بالرمي ، وهم على غير تعبئة . فقتل مدعم - عبد لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم - كان رفاعة بن زيد الجذامي وهبه لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم - فقال الناس : هنيئا له الجنة . فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : ' كلا ، والذي نفسي بيده . إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من ~~المغانم لم تصبها القسمة : لتشتعل عليه نارا ' فلما سمع ذلك الناس ، جاء ~~رجل بشراك أو شراكين . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' شراك من نار ~~، أو شراكان من نار ' . | فعبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للقتال ~~وصفهم ، ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا . وبرز رجل منهم . فبرز إليه الزبير بن ~~العوام فقتله . ثم برز آخر فبرز إليه علي فقتله . حتى قتل منهم أحد عشر ~~رجلا . فقاتلهم حتى أمسوا . ثم غدا عليهم ، فلم ترتفع الشمس قدر رمح حتى ~~افتتحها عنوة . وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا . فقسمه في أصحابه . ~~PageV01P188 | وترك الأرض والنخل بأيدي اليهود وعاملهم عليها . | ولما رجع ~~إلى المدينة رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم من النخيل . | قالت عائشة ~~رضي الله عنها : ' لما فتحت خيبر قلنا : الآن نشبع من التمر ' . # | 2 ( بعث سرية إلى الحرقات : ) # | ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى الحرقات من جهينة . فلما ~~دنو منهم : بعث ms114 الأمير الطلائع . فلما رجعوا بخبرهم أقبل حتى دنا منهم ليلا ~~، وقد هدأوا ، ثم قام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله . ثم قال : ' ~~أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له ، وأن تطيعوني ولا تعصوني ، ولا تخالفوا ~~أمري . فإنه لا رأي لمن لا يطاع ، ثم رتبهم . فقال : يا فلان أنت وفلان ، ~~ويا فلان أنت وفلان ، لا يفارق كل منكم صاحبه وزميله ، وإياكم أن يرجع أحد ~~منكم ، فأقول : أين صاحبك ؟ فيقول : لا أدري . فإذا كبرت فكبروا ، وجردوا ~~السيوف . ثم كبروا وحملوا حملة واحدة . وأحاطوا بالقوم ، وأخذتهم سيوف الله ~~. # | 2 ( عمرة القضية : ) # | فلما كان في ذي القعدة من السنة السابعة : خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم معتمرا عمرة القضية . حتى إذا بلغ يأجج وضع الأداة كلها ، إلا الجحف ~~والمجان والنبل والرماح . ودخلوا بسلاح الراكب - السيوف - وبعث جعفر بن أبي ~~طالب بين يديه إلى ميمونة بنت الحارث يخطبها . فجعلت أمرها إلى العباس . ~~فزوجه إياها . PageV01P189 | فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمر ~~أصحابه أن يكشفوا عن المناكب ويسعوا في الطواف ، ليرى المشركون قوتهم - ~~وكان يكايدهم بكل ما استطاع - فوقف أهل مكة - الرجال والنساء والصبيان - ~~ينظرون إليه وإلى أصحابه ، وهم يطوفون بالبيت . وعبد الله بن رواحة آخذ ~~بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتجز يقول : # % خلو بني الكفار عن سبيله % % خلوا فكل الخير في رسوله % # % قد أنزل الرحمن في تنزيله % % في صحف تتلى على رسوله % # % بأن خير القتل في سبيله % % يا رب إني مؤمن بقيله % # % إني رأيت الحق في قبوله % % اليوم نضربكم على تأويله % # % كما ضربناكم على تنزيله % % ضربا يزيل الهام عن مقيله % # % ويذهل الخليل عن خليله % % فأقام بمكة ثلاثا . ثم أتاه سهيل بن عمرو ، ~~وحويطب بن عبد العزى ، فصاح حويطب : نناشدك الله والعقد ، لما خرجت من ~~أرضنا . فقد مضت الثلاث فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا رافع فأذن ~~بالرحيل . | ثم دخلت السنة الثامنة . # | 2 ( فكانت فيها غزوة مؤتة : ) # | وسببها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الحارث ms115 بن عمير بكتاب ~~إلى ملك الروم - أو بصرى - فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني - فقتله - ولم ~~يقتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم رسول PageV01P190 غيره - فاشتد ذلك ~~عليه . فبعث البعوث . واستعمل عليهم زيد بن حارثة ، وقال : ' إن أصيب زيد : ~~فجعفر بن أبي طالب على الناس ، وإن أصيب جعفر : فعبد الله بن رواحة ' ~~فتجهزوا . وهم ثلاثة آلاف . | فلما حضر خروجهم ، ودع الناس أمراء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وسلموا عليهم . فبكى عبد الله بن رواحة . فقالوا : ما ~~يبكيك ؟ قال أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم ، ولكني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله ، يذكر فيها النار : @QB@ ~~وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا @QE@ ولست أدري كيف لي بالصدور ~~بعد الورود ؟ فقال المسلمون : صحبكم الله ودفع عنكم . وردكم إلينا صالحين . ~~فقال ابن رواحة : # % لكنني أسأل الرحمن مغفرة % % وضربة ذات فرع تقذف الزبدا % # % أو طعنة بيدي حران مجهزة % % بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا % # % حتى يقال ، إذا مروا على جدثني : % يا أرشد الله من غاز . وقد رشدا % % ~~ثم مضوا حتى نزلوا معان . فبلغهم أن هرقل بالبلقاء في مائة ألف من الروم ~~وانضم إليه من لخم وجذام وبلي وغيرهم مائة ألف . | فأقاموا ليلتين ينظرون ~~في أمرهم . | وقالوا نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره . فإما ~~أن يمدنا ، وإما أن يأمرنا بأمره . PageV01P191 | فشجعهم عبد الله بن رواحة ~~، وقال : والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون : الشهادة . وما نقاتل ~~الناس بقوة ولا كثرة ، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به ~~فانطلقوا . فإنما هي إحدى الحسنيين : إما ظفر . وإما شهادة . | فمضى الناس ~~، حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم الجموع . فانحاز المسلمون إلى مؤتة . ~~ثم اقتتلوا عندها والراية في يد زيد . فلم يزل يقاتل بها حتى شاط في رماح ~~القوم . فأخذها جعفر فقاتل بها . حتى إذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه ~~فعقرها . ثم قاتل حتى قطعت يمينه . فأخذ الراية بيساره ، فقطعت يساره ، ~~فاحتضن الراية حتى ms116 قتل . وله ثلاث وثلاثون سنة . رضي الله عنهم . | ثم ~~أخذها عبد الله بن رواحة . فتقدم بها ، وهو على فرسه ، فجعل يستنزل نفسه ~~ويقول : # % أقسم بالله لتنزلنه % % لتنزلن أو لتكرهنه % # % يا طالما قد كنت مطمئنه % إن أجلب الناس وشدوا الرنه % # % مالي أراك تكرهين الجنة % % ويقول أيضا : # % يا نفس إن لم تقتلي تموتي % % هذا حمام الموت قد صليت % # % وما تمنيت فقد أعطيت % % إن تفعلي فعلهما هديت % % ثم نزل . فأتاه ~~فناداه ابن عم له بعرق من لحم . فقال : شد بهذا صلبك ، فإنك لقيت في أيامك ~~هذه ما لقيت ، فأخذها فانتهس منها نهسة ، PageV01P192 ثم سمع الحطمة في ~~ناحية الناس . فقال : وأنت في الدنيا ؟ فألقاها من يده وتقدم . فقاتل حتى ~~قتل . | ثم أخذ الراية خالد بن الوليد . فدافع القوم وخاشى بهم ، ثم ~~انحازوا ، وانصرف الناس . | وقال ابن عمر : وجدنا ما بين صدر جعفر ومنكبه ، ~~وما أقبل منه : تسعين جراحة . | وقال زيد بن أرقم : كنت يتيما لعبد الله بن ~~رواحة . فخرج بي في سفره ذلك مردفي على حقيبة رحله . فوالله إنه ليسير ذات ~~ليلة ، إذ سمعته وهو ينشد شعرا : # % إذا أديتني وحملت رحلي % % مسيرة أربع بعد الحساء % # % فشأنك فانعمي ، وخلاك ذم % % ولا أرجع إلى أهلي ورائي % # % وجاء المسلمون وغادروني % % بأرض الشام مستنهي الثواء % # % وردك كل ذي نسب قريب % % إلى الرحمن منقطع الإخاء % # % هنالك لا أبالي طلع بعل % % ولا نخل أسافلها روائي % % قال : فبكيت . ~~فخفقني بالسوط ، وقال : ما عليك يا لكع ، أن يرزقني الله الشهادة ، وترجع ~~بين شعبتي الرحل ؟ . PageV01P193 # | 2 ( غزوة الفتح الأعظم : ) # | وكانت سنة ثمان في رمضان . | وسببها : أن بكرا عدت على خزاعة على مائهم ~~' الوتير ' فبيتوهم ، وقتلوا منهم . وكان في صلح الحديبية : ' أن من أحب : ~~أن يدخل في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ، ومن أحب : أن يدخل في ~~عقد قريش فعل ' فدخلت بنو بكر في عقد قريش ، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . ثم إن بني بكر وثبوا على خزاعة ليلا بماء ، يقال له : ~~الوتير ، قريبا من مكة ms117 . وأعانت قريش بني بكر بالسلاح . وقاتل معهم بعضهم ~~مستخفيا ليلا ، حتى لجأت خزاعة إلى الحرم . | فلما انتهوا إليه قالت بنو ~~بكر لنوفل بن معاوية الديلي - وكان يومئذ قائدهم - : يا نوفل ، إنا قد ~~دخلنا الحرم إلهك إلهك . فقال كلمة عظيمة لا إله له اليوم . يا بني بكر ، ~~أصيبوا ثأركم . فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم . أفلا تصيبون ثأركم فيه ؟ | ~~فخرج عمرو بن سالم الخزاعي ، حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المدينة . فوقف عليه ، وهو جالس في المسجد بين ظهراني أصحابه ، فقال : # % يا رب إني ناشد محمدا % حلف أبينا وأبيه الأتلدا % # % قد كنتموا ولدا وكنا والدا % ثمت أسلمنا . ولم ننزع يدا % # % فانصر هداك الله نصرا أيدا % % وادع عباد الله يأتوا مددا % # % فيهم رسول الله ، قد تجردا % % أبيض مثل البدر ، يسمو صعدا % % ~~PageV01P194 # % إن سيم خسفا وجهه تربدا % في فيلق كالبحر يجري مزبدا % # % إن قريشا أخلفوك الموعدا % % ونقضوا ميثاقك المؤكدا % # % وجعلوا لي في كداء رصدا % وزعموا أن لست أدعو أحدا % # % وهم أذل وأقل عددا % هم بيتونا بالوتير هجدا % # % وقتلونا ركعا وسجدا % % فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' نصرت يا ~~عمرو بن سالم ' . | ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة ، حتى قدموا على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فأخبروه بما أصيب منهم ، وبمظاهرة ~~قريش بني بكر عليهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس : ' كأنكم ~~بأبي سفيان قد جاءكم ليشد العقد ، ويزيد في المدة . بعثته قريش . وقد رهبوا ~~للذي صنعوا ' . | ثم قدم أبو سفيان . فدخل على ابنته أم حبيبة . فلما ذهب ~~ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه . فقال : يا بنية ، ~~ما أدري : أرغبت بي عن هذا الفراش ، أم رغبت به عني ؟ قالت : بل هو فراش ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنت مشرك نجس . فقال : والله لقد أصابك ~~بعدي شر . ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فكلمه فلم يرد ~~عليه شيئا ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه في ms118 أن يكلم النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال : ما أنا فاعل . ثم أتى عمر فقال : أنا أشفع لكم ؟ والله لو لم أجد ~~إلا الذر ، لجاهدتكم به . ثم دخل على علي ، وعنده فاطمة - والحسن غلام يدب ~~بين يديها - فقال ، يا علي ، إنك أمس القوم بي رحما ، وإني جئت في حاجة ، ~~فلا أرجعن خائبا . اشفع لي إلى PageV01P195 محمد . فقال ، قد عزم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على أمر ، ما نستطيع أن نكلمه فيه . فقال لفاطمة : هل ~~لك أن تأمري ابنك هذا ، فيجير بين الناس . فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر ؟ ~~فقالت : ما يبلغ ابني ذلك . وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~. | فقال : يا أبا الحسن ، إني رأيت الأمور قد اشتدت علي ، فانصحني . | قال ~~: والله ما أعلم شيئا يغني عنك ، ولكنك سيد بني كنانة ، فقم وأجر بين الناس ~~، ثم الحق بأرضك . | فقال : أو ترى ذلك مغنيا عني شيئا ؟ قال : لا ، والله ~~ما أظنه ، ولكن ما أجد لك غير ذلك . | فقام أبو سفيان في المسجد ، فقال : ~~يا أيها الناس ، إني قد أجرت بين الناس . ثم ركب بعيره ، وانصرف عائدا إلى ~~مكة . | فلما قدم على قريش قالوا : ما وراءك ؟ قال : جئت محمدا فكلمته ، فو ~~الله ما رد علي شيئا . ثم جئت ابن أبي قحافة . فلم أجد فيه خيرا . ثم جئت ~~عمر بن الخطاب ، فوجدته أدنى العدو - يعني : أعدى العدو - ثم جئت عليا ~~فوجدته ألين القوم . وقد أشار علي بكذا وكذا . ففعلت . قالوا : فهل أجاز ~~ذلك محمد ؟ قال : لا . قالوا ويلك ، والله إن زاد الرجل على أن لعب بك . | ~~وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز ، وقال : ' اللهم خذ ~~العيون والأخبار عن قريش ، حتى نبغتها في بلادها ' . PageV01P196 | فكتب ~~حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش كتابا ، يخبرهم فيه بمسير رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم . ودفعه إلى سارة - مولاة لبني عبد المطلب - فجعلته في رأسها . ~~ثم فتلت عليه قرونها . وأتى الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من السماء ~~. فأرسل ms119 رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا والزبير إلى المرأة ، فأدركاها ~~بروضة خاخ . فأنكرت . ففتشا رحلها ، فلم يجدا فيه شيئا . فهدداها . فأخرجته ~~من قرون رأسها . فأتيا به رسول الله صلى الله عليه وسلم . فدعا حاطبا . ~~فقال : ' ما هذا يا حاطب ؟ ' فقال : لا تعجل علي يا رسول الله . والله إني ~~لمؤمن بالله ورسوله . ما ارتددت ولا بدلت ، ولكني كنت امرءا ملصقا في قريش ~~، لست من أنفسهم . ولي فيهم أهل وعشيرة وولد . وليس لي فيهم قرابة يحمونهم ~~. وكان من معك لهم قرابات يحمونهم . فأحببت أن أتخذ عندهم يدا . قد علمت أن ~~الله مظهر رسوله ، ومتم له أمره . | فقال عمر : يا رسول الله ، دعني أضرب ~~عنقه ، فإنه قد خان الله ورسوله . وقد نافق ، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : ' إنه قد شهد بدرا وما يدريك يا عمر ؟ لعل الله اطلع على أهل بدر ، ~~فقال : اعملوا ما شئتم . فقد غفرت لكم ' . | فذرفت عينا عمر ، وقال : الله ~~ورسوله أعلم . | ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعمى الله الأخبار ~~عن قريش ، لكنهم على وجل . فكان أبو سفيان يتجسس ، هو وحكيم بن حزام ، ~~وبديل بن ورقاء . PageV01P197 | وكان العباس قد خرج قبل ذلك بأهله وعياله ~~مسلما مهاجرا . فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجحفة . فلما نزل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران نزل العشاء ، فأمر الجيش فأوقد النيران ~~. فأوقد أكثر من عشرة آلاف نار . فركب العباس بغلة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم . وخرج يلتمس ، لعله يجد بعض الحطابة ، أو أحدا يخبر قريشا ، ليخرجوا ~~يستأمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يدخلها عنوة . | قال : فو ~~الله إني لأسير عليها ، إذ سمعت كلام أبي سفيان ، وبديل ، يتراجعان ، يقول ~~أبو سفيان : ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا . | قال : يقول بديل : ~~هذه والله خزاعة ، حمشتها الحرب . | قال : يقول أبو سفيان : خزاعة أقل وأذل ~~من أن تكون هذه نيرانها . | فقلت : أبا حنظلة ؟ فعرف صوتي ، فقال : أبا ~~الفضل ؟ قلت : نعم . قال : مالك ، فداك أبي ms120 وأمي ؟ قال قلت : هذا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في الناس واصباح قريش والله ، قال : فما الحيلة ؟ . | ~~قلت : والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك . فاركب في عجز هذه البغلة ، حتى آتيه ~~بك ، فاستأمنه لك . فركب خلفي . ورجع صاحباه . فجئت به . فكلما مررت بنار ~~من نيران المسلمين ، قالوا : من هذا ؟ فإذا رأونا قالوا : عم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على بغلته . حتى مررت بنار عمر ، فقال : من هذا ؟ وقام إلي ~~. فلما رأى أبا سفيان قال : عدو الله ؟ الحمد لله الذي أمكن الله منك بغير ~~عقد ولا عهد . PageV01P198 | ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~. وركضت البغلة فسبقته ، واقتحمت عنها . فدخلت على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، ودخل عليه عمر . فقال : يا رسول الله ، هذا أبو سفيان ، قد أمكن ~~الله منه بغير عقد ولا عهد ، فدعني أضرب عنقه . فقلت : يا رسول الله ، إني ~~قد أجرته . | فلما أكثر عمر ، قلت : مهلا يا عمر . فوالله لو كان من بني ~~عدي بن كعب ما قلت هذا . قال : مهلا يا عباس . فوالله لإسلامك كان أحب إلي ~~من إسلام الخطاب لو أسلم . وما بي إلا أني عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب . فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : ' اذهب به يا عباس إلى رحلك . فإذا أصبحت فائتني به ' . | ففعلت . ~~ثم غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : ' ويحك يا أبا سفيان ~~، ألم يأن لك أن تعلم : أن لا إله إلا الله ؟ ' قال : بأبي أنت وأمي ، ما ~~أحلمك وأكرمك وأوصلك ! ! والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى ~~عني شيئا بعد . قال : ' ويحك يا أبا سفيان ، ألم يأن لك أن تعلم : أني رسول ~~الله ؟ ' قال : بأبي أنت وأمي ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك . أما هذه ففي ~~النفس حتى الآن منها شيء . | فقال له العباس : ويحك . أسلم قبل أن يضرب ~~عنقك . قال : فشهد شهادة الحق ، فأسلم . | فقال العباس ms121 : إن أبا سفيان رجل ~~يحب الفخر ، فاجعل له شيئا ، قال PageV01P199 ' نعم من دخل دار أبي سفيان ~~فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ' . | فلما ~~ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' يا عباس ، احبسه بمضيق ~~الوادي عند خطم الجبل ، حتى تمر به جنود الله فيراها ' قال : فخرجت حتى ~~حبسته . ومرت القبائل على راياتها . حتى مر به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في كتيبته الخضراء - لكثرة الحديد وظهوره فيها - فيها المهاجرون ~~والأنصار ، لا يرى منهم إلا الحدق . فقال : سبحان الله ! يا عباس . من ~~هؤلاء ؟ قلت هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار . قال : ما لأحد بهؤلاء ~~طاقة . | وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة ، فلما مر بأبي سفيان ، قال : ~~اليوم يوم الملحمة . اليوم تستحل الحرمة . اليوم أذل الله قريشا . فذكره ~~أبو سفيان لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال ' كذب سعد . ولكن هذا ~~اليوم يوم تعظم فيه الكعبة ، اليوم أعز الله قريشا ' ثم نزع اللواء من سعد ~~. ودفعه إلى قيس ابنه . | ومضى أبو سفيان . فلما جاء قريشا صرخ بأعلى صوته ~~: هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن . ~~قالوا : قاتلك الله ، وما تغني عنا دارك ؟ قال : ومن أغلق عليه بابه فهو ~~آمن . ومن دخل المسجد فهو آمن . | فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد . | ~~وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل مكة من أعلاها ، PageV01P200 | ~~وأمر خالد بن الوليد فدخلها من أسفلها ، وقال : ' إن عرض لكم أحد من قريش ~~فاحصدوهم حصدا ، حتى توافوني على الصفا ' . | فما عرض لهم أحد إلا أناموه . ~~| وتجمع سفهاء قريش مع عكرمة بن أبي جهل ، وصفوان بن أمية ، وسهيل بن عمرو ~~، بالخندمة ليقاتلوا . وكان حماس بن قيس يعد سلاحا قبل مجيء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم . فقالت له امرأته : والله ما يقوم لمحمد وأصحابه شيء فقال ~~: والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم ، ثم قال : # % إن يقبلوا اليوم فمالي علة % % هذا ms122 سلاح كامل وإله % # % وذو غرارين سريع السلة % % ثم شهد الخندمة . فلما لقيهم المسلمون من ~~أصحاب خالد بن الوليد ، ناوشوهم شيئا من قتال ، فأصيب من المشركين اثنى عشر ~~، ثم انهزموا . فدخل حماس على امرأته ، فقال : اغلقي علي بابي . فقالت : ~~وأين ما كنت تقول ؟ فقال : # % إنك لو شهدت يوم الخندمه % إذ فر صفوان . وفر عكرمة % # % وأبو يزيد قائم كالمؤتمة % % واستقبلتنا بالسيوف المسلمة % # % يقطعن كل ساعد وجمجمة % % ضربا فلا يسمع إلا غمغمه % # % لهم نهيت خلفنا وهمهمة % % لم تنطقي باللوم أدنى كلمه % وقال أبو هريرة ~~: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم . فدخل مكة . فبعث الزبير على إحدى ~~المجنبتين . وبعث خالدا على المجنبة الأخرى . PageV01P201 | وبعث أبا عبيدة ~~ابن الجراح على الحسر . فأخذوا بطن الوادي ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في كتيبته . وقد وبشت قريش أوباشها ، وقالوا : نقدم هؤلاء . فإذا كان لهم ~~شيء كنا معهم ، وإن أصيبوا أعطيناه الذي سألنا . فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ' يا أبا هريرة ' ، فقلت : لبيك يا رسول الله . قال : ' اهتف ~~لي بالأنصار . ولا يأتيني إلا أنصاري ' فهتفت بهم ، فجاء . فأطافوا برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم . فقال : ' أترون إلى أوباش قريش وأتباعهم ؟ - ثم ~~قال بيديه إحداهما على الأخرى - احصدوهم حصدا ، حتى توافوني على الصفا ' ~~قال أبو هريرة : فانطلقنا . فما يشاء أحد منا أن يقتل منهم ما شاء إلا قتل ~~. وركزت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجون عند مسجد الفتح . ثم ~~نهض والمهاجرون والأنصار بين يديه وخلفه وحوله ، حتى دخل المسجد . فأقبل ~~إلى الحجر فاستلمه . ثم طاف بالبيت . وفي يده قوس ، وحول البيت وعليه ، ~~ثلاثمائة وستون صنما . فجعل يطعنها بالقوس ، ويقول : ^ ( جاء الحق وزهق ~~الباطل . إن الباطل كان زهوقا . جاء الحق وما يبديء الباطل وما يعيد ) ^ ~~والأصنام تتساقط على وجوهها . | وكان طوافة على راحلته ، ولم يكن محرما ~~يومئذ ، فاقتصر على الطواف . | فلما أكمله دعا عثمان بن طلحة ، فأخذ منه ~~مفتاح الكعبة . فأمر بها ففتحت . فدخلها . فرأى فيها الصور ، ورأى صورة ~~إبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام . فقال : ' قاتلهم ms123 الله ، والله إن ~~استقسما بها قط ' وأمر بالصور فمحيت . ثم أغلق عليه الباب ، هو وأسامة ، ~~وبلال . فاستقبل PageV01P202 الجدار الذي يقابل الباب . حتى إذا كان بينه ~~وبينه قدر ثلاثة أذرع وقف وصلى هناك . ثم دار في البيت ، وكبر في نواحيه ، ~~ووحد الله . ثم فتح فتح الباب ، وقريش قد ملأت المسجد صفوفا ، ينظرون ماذا ~~يصنع بهم ؟ فأخذ بعضادتي الباب ، وهم تحته . فقال : ' لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له . صدق وعده . ونصر عبده . وأعز جنده . وهزم الأحزاب وحده . ألا ~~كل مأثرة ، أو مال ، أو دم ، فهو تحت قدمي هاتين ، إلا سدانة البيت ، ~~وسقاية الحاج . ألا وقتل الخطأ شبه العمد - السوط والعصا - ففيه الدية ~~مغلظة ، مائة من الإبل ، أربعون منها في بطونها أولادها . يا معشر قريش ، ~~إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية ، وتعظمها بالآباء . الناس من آدم ، ~~وآدم من تراب ' ثم تلي هذه الآية : @QB@ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر ~~وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله ~~عليم خبير @QE@ . | ثم قال : ' يا معشر قريش ، ما ترون أني فاعل بكم ؟ ~~قالوا : خيرا ، أخ كريم ، وابن أخ كريم . قال : فإني أقول لكم كما قال يوسف ~~لإخوته : لا تثريب عليكم اليوم ، اذهبوا فأنتم الطلقاء ' . | ثم جلس في ~~المسجد ، فقام إليه علي - ومفتاح الكعبة في يده - فقال : يا رسول الله ، ~~اجمع لنا الحجابة مع السقاية . صلى الله عليك . فقال صلى الله عليه وسلم : ~~' أين عثمان بن طلحة ؟ فدعي له ، فقال : هاك مفتاحك يا عثمان ، اليوم يوم ~~بر ووفاء ' . | وأمر بلالا أن يصعد على الكعبة فيؤذن - وأبو سفيان بن حرب ، ~~وعتاب بن أسيد ، والحارث بن هشام ، وأشراف قريش جلوس بفناء الكعبة - فقال ~~PageV01P203 عتاب : لقد أكرم الله أسيدا أن لا يكون سمع هذا . فقال الحارث ~~: أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته . فقال أبو سفيان : لا أقول شيئا ، لو ~~تكلمت لأخبرت عني هذه الحصبا . فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم . فقال ~~: ' قد علمت الذي قلتم ' ثم ذكر ذلك لهم . فقال ms124 الحارث وعتاب : نشهد أنك ~~رسول الله . والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا . فنقول : أخبرك . | ثم ~~دخل صلى الله عليه وسلم دار أم هانيء فاغتسل . وصلى ثمان ركعات ، صلاة ~~الفتح . وكان أمراء الإسلام إذا فتحوا بلدا صلوا هذه الصلاة . | ولما استقر ~~الفتح : أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس كلهم ، إلا تسعة نفر . ~~فإنه أمر بقتلهم ، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة : عبد الله بن أبي سرح ، ~~وعكرمة بن أبي جهل ، وعبد العزى بن خطل ، والحارث بن نفيل ، ومقيس بن صبابة ~~، وهبار بن الأسود ، وقينتان لابن خطل ، وسارة مولاة لبني عبد المطلب . | ~~فأما ابن أبي سرح : فجاء فارا إلى عثمان . فاستأمن له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم . فقبل منه ، بعد أن أمسك عنه ، رجاء أن يقوم إليه بعض الصحابة ~~فيقتله . | وأما عكرمة : فاستأمنت له امرأته بعد أن هرب ، وعادت به ، فأسلم ~~وحسن إسلامه . | وأما ابن خطل ، ومقيس ، والحارث ، وإحدى القينتين : فقتلوا ~~. | وأما هبار : ففر ثم جاء فأسلم . وحسن إسلامه . PageV01P204 | واستؤمن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لسارة ، ولإحدى القينتين . فأسلمتا . | فلما ~~كان الغد من يوم الفتح : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس خطيبا ~~. فحمد الله وأثنى عليه . ثم قال : ' أيها الناس ، إن الله حرم مكة يوم خلق ~~السموات والأرض . فلا يحل لامريء يؤمن بالله واليوم الآخر : أن يسفك بها ~~دما ، أو يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقولوا له : إن الله أذن لرسوله . ولم يأذن لك . وإنما أحلت لي ساعة من ~~نهار ' . | وهم فضالة بن عمير بن الملوح الليثي أن يقتل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، وهو يطوف . فلما دنا منه ، قال ' أفضالة ؟ ' قال : نعم فضالة ~~يا رسول الله ، قال : ' ماذا تحدث به نفسك ؟ ' قال . لا شيء . كنت أذكر ~~الله ، فضحك صلى الله عليه وسلم . ثم قال : ' استغفر الله ' ثم وضع يده على ~~صدره ، فسكن قلبه . وكان فضالة يقول : والله ما رفع يده عن صدري حتى ما ms125 من ~~خلق الله شيء أحب إلي منه ، قال فضالة : فرجعت إلى أهلي . فمررت بامرأة كنت ~~أتحدث إليها ، فقالت : هلم إلى الحديث . فقال : لا . وانبعث فضالة يقول : # % قالت : هلم إلى الحديث . فقلت : لا % % يأبى الإله عليك والإسلام % # % لو قد رأيت محمدا وقبيله % % بالفتح يوم تكسر الأصنام % # % لرأيت دين الله أضحى بينا % والشراك يغشى وجهه الإظلام % % PageV01P205 ~~| وفر يومئذ صفوان بن أمية ، وعكرمة بن أبي جهل . فأستأمن عمير بن وهب رسول ~~الله لصفوان ، فلحقه . وهو يريد أن يركب البحر فرده . | واستأمنت أم حكيم ~~بنت الحارث بن هشام لزوجها عكرمة ، فلحقت به باليمن فردته . | ثم أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد الخزاعي فجدد أنصاب الحرم . | وبعث ~~صلى الله عليه وسلم سراياه إلى الأوثان التي حول مكة فكسرت كلها ، منها ~~اللات والعزى ومناة . ونادى مناديه بمكة : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ~~: فلا يدع في بيته صنما إلا كسره . # | 2 ( هدم عمرو بن العاص صنم سواع : ) # | وبعث عمرو بن العاص في شهر رمضان إلى سواع - وهو لهذيل - قال : فأتيته ~~وعنده السادن ، فقال : ما تريد ؟ قلت : أهدمه قال : لا تقدر على ذلك ، قلت ~~: لم ؟ قال : تمنع . قلت حتى الآن أنت على الباطل ؟ ويحك . وهل يسمع أو ~~يبصر ؟ فدنوت منه فكسرته . وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته . فلم نجد فيه ~~شيئا . فقلت للسادن : كيف رأيت ؟ قال : أسلمت لله . # | 2 ( بعث سعد بن زيد لهدم مناة : ) # | ثم بعث سعد بن زيد بن مالك بن عبد بن كعب بن عبد الأشهل ، الأشهلي ~~الأنصاري ، في شهر رمضان إلى مناة . وكانت عند قديد بالمشلل ، للأوس ~~والخزرج وغسان وغيرهم . PageV01P206 | فخرج في عشرين فارسا ، حتى انتهى ~~إليها . وعندها سادنها ، فقال : ما تريد ؟ قال : هدمها . قال : أنت وذاك . ~~فأقبل سعد يمشي إليها ، وتخرج إليه امرأة عريانة سوداء ، ثائرة الرأس ، ~~تدعو بالويل ، وتضرب صدرها . | فقال لها السادن : مناة ، دونك بعض عصاتك . ~~فضربها سعد فقتلها ، وأقبل إلى الصنم فهدمه . ولم يجدوا خزانتها شيئا . # | 2 ( غزوة حنين : ) # | قال ابن إسحاق : لما سمعت هوازن بالفتح ms126 ، جمعها مالك بن عوف النصري مع ~~هوازن ثقيف كلها . | فلما أجمع مالك السير إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، ساق مع الناس أموالهم ونساءهم وذراريهم . فلما نزل بأوطاس ، اجتمعوا ~~إليه . وفيهم دريد بن الصمة ، الجشمي ، وهو شيخ كبير ، ليس فيه إلا رأيه ، ~~وكان شجاعا مجربا . | فقال : بأي واد أنتم ؟ قالوا : بأوطاس . قال : نعم ~~مجال الجيل . لا حزن ضرس ، ولا سهل دهس ، مالي أسمع رغاء البعير ، ونهاق ~~الحمير ، وبكاء الصغير . ويعار الشاء ؟ قالوا : ساق مالك مع الناس أبناءهم ~~ونساءهم وأموالهم . | قال : أين مالك ؟ فدعي له ، فقال : إنك قد أصبحت رئيس ~~قومك . وإن هذا يوم له ما بعده من الأيام . فلم فعلت هذا ؟ قال : أردت أن ~~أجعل خلف كل رجل أهله وماله ، ليقاتل عنهم . قال : راعي ضأن والله ، ~~PageV01P207 وهل يرد المنهزم شيء ؟ إنها إن كانت لك : لم ينفعك إلا رجل ~~بسيفه ورمحه . وإن كانت عليك : فضحت في أهلك ومالك . ثم قال : ما فعلت كعب ~~وكلاب ؟ قالوا : لم يشهدها منهم أحد . قال : غاب الحد والجد ، لو كان يوم ~~علاء ورفعة لم يغيبوا . ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب . فمن شهدها ؟ ~~قالوا عمرو بن عامر ، وعوف بن عامر . قال : ذانك الجذعان من عامر ، لا ~~ينفعان ولا يضران . يا مالك ، إنك لم تصنع بتقديم البيضة - بيضة هوازن - ~~إلى نحور الخيل شيئا . أرفعهم إلى ممتنع بلادهم ، وعلياء قومهم . ثم الق ~~الصبا على متون الخيل . فإن كانت لك : لحق بك من ورائك . وإن كانت عليك : ~~ألفاك ذاك وقد أحرزت أهلك ومالك . | قال : والله لا أفعل ، إنك قد كبرت ~~وكبر عقلك . والله لتطيعنني يا معشر هوازن ، أو لأتكئن على هذا السيف حتى ~~يخرج من ظهري ، وكره أن يكون لدريد فيها ذكر ، أو رأي . | قالوا : أطعناك . ~~فقال دريد : هذا يوم لم أشهده ، ولم يفتني . # % يا ليتني فيها جذع % % أخب فيها وأضع % # % أقود ووطفا الزمع % % كأنها شاة صدع % % ثم قال مالك : إذا رأيتموهم ، ~~فاكسروا جفون سيوفكم ، ثم شدوا شدة رجل واحد . PageV01P208 | ثم بعث عيونا ~~من رجاله ، فأتوه وقد ms127 تفرقت أوصالهم من الرعب والهلع . فقال لهم : ويلكم ، ~~ما شأنكم ؟ قالوا : رأينا رجالا بيضا على خيل بلق . والله ما تماسكنا أن ~~أصابنا ما ترى . فو الله ما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد . | ولما ~~سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : بعث إليهم عبد الله بن حدرد ~~الأسلمي . وأمره أن يداخلهم حتى يعلم علمهم . فانطلق . فداخلهم حتى علم ما ~~هم عليه . فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره الخبر . | فلما أراد ~~المسير ، ذكر له : أن عند صفوان ابن أمية أدراعا وسلاحا - وهو يومئذ مشرك - ~~فقال له : ' يا أبا أمية ، أعرنا سلاحك هذا ، نلق فيه عدونا غدا ' فقال : ~~أغصبا يا محمد ؟ قال : ' بل عارية مضمونة ، حتى نؤديها إليك ' فأعطاه مائة ~~درع بما يكفيها من السلاح . فخرج صلى الله عليه وسلم . ومعه ألفان من أهل ~~مكة ، وعشرة آلاف من أصحابه الذين فتح الله بهم مكة . فكانوا اثنى عشر ألفا ~~. واستعمل عتاب بن أسيد على مكة . | فلما استقبلوا وادي حنين ، انحدروا في ~~واد من أودية تهامة أجوف في عماية الصبح . قال جابر : وكانوا قد سبقونا ~~إليه ، فكمنوا في شعابه ومضايقه . قد تهيئوا . فو الله ما راعنا إلا ~~الكتائب ، قد شدوا علينا شدة رجل واحد ، فانشمر الناس راجعين لا يلوى أحد ~~على أحد . وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين ، ثم قال : ' ~~أيها الناس : هلموا إلي ، أنا رسول الله ، أنا محمد بن عبد الله ' . ~~PageV01P209 | وبقي معه نفر من المهاجرين ، وأهل بيته ، فاجتلد الناس . فو ~~الله ما رجعت الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسرى عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم . | وكانوا حين رأوا كثرتهم قالوا : ' لن نغلب اليوم عن قلة ' ~~فوقع بهم ما وقع ابتلاء من الله لقولهم ذلك . | قال ابن إسحاق : ولما وقعت ~~الهزيمة : تكلم رجال من جفاة أهل مكة بما في أنفسهم من الضغن ، فقال أبو ~~سفيان ، لا تنتهي هزيمتهم دون البحر ، وصرخ جبلة بن الحنبل : ألا بطل السحر ~~اليوم . فقال له أخوه صفوان بن ms128 أمية - وكان بعد مشركا - اسكت ، فض الله فاك ~~. فو الله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن . | ~~وذكر ابن إسحق عن شيبة بن عثمان الحجبي . قال : ' لما كان يوم الفتح قلت : ~~أسير مع قريش إلى هوازن ، لعلي أصيب من محمد غرة . فأكون أنا الذي قمت بثأر ~~قريش كلها ، وأقول : لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا تبعه ، ما اتبعته ~~أبدا . فلما اختلط الناس ، اقتحم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بغلته ~~وأصلت السيف ، فدنوت أريد ما أريد ، ورفعت سيفي حتى كدت أسوره . فرفع لي ~~شواظ من نار كالبرق ، كاد أن يمحشني فوضعت يدي على بصري خوفا عليه . فالتفت ~~إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم . فناداني ' يا شيب ، أدن ' فدنوت ، فمسح ~~صدري . ثم قال : ' اللهم أعذه من الشيطان ' فو الله لهو كان ساعتئذ أحب إلي ~~من سمعي وبصري ونفسي . ثم قال : ' أدن ، فقاتل ' فتقدمت أمامه أضرب بسيفي . ~~PageV01P210 الله يعلم أني أحب أن أقيه بنفسي . ولو لقيت تلك الساعة أبي ~~لأوقعت به السيف . فجعلت ألزمه فيمن لزمه ، حتى تراجع الناس ، وكروا كرة ~~رجل واحد . وقربت بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فاستوى عليها . وخرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثرهم حتى تفرقوا ، في كل وجه . ورجع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى معسكره ، فدخل خباءه . فدخلت عليه ، ما دخل ~~عليه غيري ، حبا لرؤية وجهه ، وسرورا به . فقال ' يا شيب ، الذي أراد الله ~~لك ، خير من الذي أردت لنفسك ' . | قال العباس : إني لمع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم - وكنت امرءا جسيما شديد الصوت - فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم - حين رأى ما رأى من الناس - ' إلي أيها الناس ، أنا النبي لا ~~كذب . أنا ابن عبد المطلب ' فلم أر الناس يلوون على شيء . فقال : ' أي عباس ~~، اهتف بأصحاب السمرة ' فناديت : يا أصحاب السمرة ، يا أصحاب سورة البقرة . ~~فكان الرجل يريد أن يرد بعيره فلا يقدر . فيأخذ سلاحه ، ويقتحم عن ms129 بعيره . ~~ويخلي سبيله . ويؤم الصوت ، فأتوا من كل ناحية : لبيك ، لبيك . حتى إذا ~~اجتمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مائة استقبلوا الناس ، ~~فاقتتلوا . فكانت الدعوة أولا : ' يا للأنصار ، يا للأنصار ' ، ثم خلصت ~~الدعوة : ' يا لبني الحارث بن الخزرج ' ، وكانوا صبرا عند الحرب . | وفي ~~صحيح مسلم : ' ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات . PageV01P211 ~~فرمى بها وجوه القوم . ثم قال : انهزموا ، ورب محمد . فما هو إلا أن رماهم ~~، فما زلت أرى حدهم كليلا ، وأمرهم مدبرا ' . | ولما انهزم المشركون أتوا ~~الطائف ، ومعهم مالك بن عوف . وعسكر بعضهم بأوطاس . وبعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في أثر من توجه نحو أوطاس أبا عامر الأشعري ، فأدرك بعضهم ~~فناوشوه القتال ، فهزمهم الله تعالى . وقتل أبو عامر . فأخذ الراية أبو ~~موسى الأشعري . فلما بلغ الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' اللهم ~~اغفر لأبي عامر . واجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك ' . | وأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالسبي والغنائم أن يجمع . وكان السبي ستة آلاف ~~رأس ، والإبل : أربعة وعشرين ألفا ، والغنم : أربعين ألف شاة ، وأربعة آلاف ~~أوقية فضة . | فأستأتى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقدموا موالين ~~مسلمين ، بضعة عشرة ليلة . ثم بدأ بالأموال فقسمها . وأعطى المؤلفة قلوبهم ~~أول الناس فأعطى أبا سفيان مائة من الإبل . وأربعين أوقية . وأعطى ابنه ~~يزيد مثل ذلك . وأعطى ابنه معاوية مثل ذلك . وأعطى حكيم بن حزام مائة من ~~الإبل . ثم سأله مائة أخرى فأعطاه . | وذكر ابن إسحاق أصحاب المائة وأصحاب ~~الخمسين . | ثم أمر زيد بن ثابت بإحصاء الغنائم والناس ، ثم فضها على الناس ~~. | قال ابن إسحاق : حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن أبي ~~سعيد الخدري رضي الله عنه قال : ' لما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P212 من أعطى من تلك العطايا في قريش وقبائل العرب ، ولم يكن في ~~الأنصار منها شيء ، وجدت الأنصار في أنفسهم . حتى كثرت منهم القالة ، حتى ~~قال قائلهم : لقى والله ms130 رسول الله قومه . فدخل عليه سعد بن عبادة ، فذكر له ~~ذلك . فقال : ' فأين أنت من ذلك يا سعد ؟ ' قال : يا رسول الله ، ما أنا ~~إلا من قومي . قال : ' فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة ' فجاء رجال من ~~المهاجرين . فتركهم فدخلوا . وجاء آخرون فردهم فلما اجتمعوا ، أتاه سعد ~~فأخبره . فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله ، وأثنى عليه بما ~~هو أهله . ثم قال : ' يا معشر الأنصار ، ما مقاله بلغتني عنكم ؟ وجدة ~~وجدتموها في أنفسكم ؟ ألم آتكم ضلالا . فهداكم الله بي ؟ وعالة فأغناكم ~~الله بي وأعداء فألف الله بين قلوبكم بي ؟ ' . | قالوا الله ورسوله أمن ~~وأفضل . | ثم قال : ' ألا تجيبوني يا معشر الأنصار ؟ ' . | قالوا : بماذا ~~نجيبك يا رسول الله ؟ ولله ولرسوله المن والفضل . | قال : ' أما والله ، لو ~~شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم ، أتيتنا مكذبا فصدقناك ، ومخذولا فنصرناك ، ~~وطريدا فآويناك ، وعائلا فآسيناك . أوجدتم علي يا معشر الأنصار في أنفسكم ~~في لعاعة من الدنيا ، تألفت بها قوما ليسلموا ، ووكلتكم إلى إسلامكم ؟ ألا ~~ترضون يا معشر الأنصار : أن يذهب الناس بالشاء والبعير ، وترجعون أنتم ~~برسول الله إلى رحالكم ؟ فو الذي نفس محمد بيده ، لما تنقلبون به خير مما ~~ينقلبون به ، PageV01P213 ولولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار . ولو سلك ~~الناس شعبا وواديا ، وسلكت الأنصار شعبا وواديا ، لسلكت شعب الأنصار ~~وواديها . الأنصار شعار . والناس دثار . اللهم ارحم الأنصار ، وأبناء ~~الأنصار ، وأبناء أبناء الأنصار ' . | قال : فبكى القوم ، حتى أخضلوا لحاهم ~~، وقالوا : رضينا برسول الله قسما وحظا . ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وتفرقوا . | وقدمت الشيماء بنت الحارث - أخت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من الرضاعة - فقالت : يا رسول الله ، أنا أختك ، فبسط لها رداءه . ~~وأجلسها عليه . وقال : ' إن أحببت فعندي مكرمة ، وإن أحببت أن أمتعك وترجعي ~~إلى قومك ' فقالت : بل تمنعني ، وتردني إلى قومي ففعل وأسلمت . فأعطاها ~~ثلاثة أعبد وجارية ونعما وشاء . # | 2 ( المن على سبي هوازن : ) # | وقدم وفد هوازن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم أربعة عشر رجلا ~~. فسألوه : أن يمن ms131 عليهم بالسبي والأموال ، فقال : ' إن معي من ترون ، وإن ~~أحب الحديث إلي أصدقه . فأبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم ، أم أموالكم ؟ ' ، ~~فقالوا : ما كنا نعدل بالأحساب شيئا . فقال : ' إذا صليت الغداة فقوموا ، ~~فقولوا : إنا نستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم على المؤمنين ، ~~وبالمؤمنين على رسول الله أن يرد إلينا سبينا ' . | فلما صلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الغداة قاموا ، فقالوا ذلك ، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : ' أما ما كان لي ولبني عبد المطلب : فهو لكم ، وسأسأل لكم الناس ' . ~~PageV01P214 | فقال المهاجرون والأنصار : ما كان لنا فهو لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم . | وقال الأقرع بن حابس : أما أنا وبنو تميم فلا . وقال ~~عيينة بن حصن : أما أنا وبنو فزارة فلا . وقال العباس بن مرداس : أما أنا ~~وبنو سليم فلا فقالت بنو سليم : ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، فقال العباس : وهنتموني . | فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ~~إن هؤلاء القوم قد جاءوا مسلمين . وقد استأنيت بسبيهم ، وقد خيرتهم ، فلم ~~يعدلوا بالأنباء والنساء شيئا . فمن كان عنده شيء فطابت نفسه بأن يرده ، ~~فسبيل ذلك . ومن أحب أن يستمسك بحقه فليرده عليهم . وله بكل فريضة ست فرائض ~~من أول ما يفيء الله علينا ' فقال الناس : قد طيبنا ذلك لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم . فقال : ' إنا لا نعرف من رضي منكم ممن لم يرض ، فارجعوا ~~حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم . فردوا عليهم أبناءهم ونساءهم ، وكسى النبي ~~صلى الله عليه وسلم السبي قبطية قبطية ' . PageV01P215 # | 1 ( فصل ) # | لما أتم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه فتح مكة : اقتضت ~~حكمة الله أن أمسك قلوب هوازن عن الإسلام ، لتكون غنائمهم شكرانا لأهل ~~الفتح ، وليظهر حزبه على الشوكة التي لم يلق المسلمون مثلها . فلا يقاومهم ~~أحد بعد من العرب . وأذاق المسلمين أولا مرارة الكسرة ، مع قوة شوكتهم ، ~~ليطامن رؤوسا رفعت بالفتح ، ولم تدخل حرمه كما دخله رسوله صلى الله عليه ~~وسلم واضعا رأسه ، منحنيا على فرسه ، حتى إن ذقنه ms132 ليكاد يمس قربوس سرجه ~~تواضعا لربه . وليبين سبحانه - لمن قال : ' لن نغلب اليوم عن قلة ' - أن ~~النصر إنما هو من عنده سبحانه ، وأن من يخذله فلا ناصر له غيره . وأنه ~~سبحانه الذي تولى نصر دينه ، لا كثرتكم . فلما انكسرت قلوبهم ، أرسل إليه ~~خلع الجبر مع بريد النصر : @QB@ ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى ~~المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها @QE@ وقد اقتضت حكمته أن خلع النصر إنما ~~تفيض على أهل الانكسار : @QB@ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين @QE@ . # | 2 ( غزوة الطائف : ) # | ولما أراد المسير إلى الطائف - وكانت في شوال سنة ثمان - بعث الطفيل بن ~~عمرو إلى ذي الكفين - صنم عمرو بن حممة الدوسي - يهدمه ، وأمره أن يستمد ~~قومه ويوافيه بالطائف - فخرج سريعا . فهدمه وجعل PageV01P216 يحثو النار في ~~وجهه ويقول : - # % يا ذا الكفين ، لست من عبادكا % % ميلادنا أكبر من ميلادكا % # % إني حشوت النار في فؤادكا % % وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعا . ~~فوافوا النبي صلى الله عليه وسلم بالطائف - بعد مقدمه بأربعة أيام - وقدم ~~بدبابة ومنجنيق . | قال ابن سعد : لما انهزموا من أوطاس دخلوا حصنهم ، ~~وتهيأوا للقتال . وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم . فنزل قريبا من حصن ~~الطائف . وعسكر هناك . فرموا المسلمين بالنبل رميا شديدا ، كأنه رجل جراد ، ~~حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة . وقتل منهم اثنا عشر رجلا . فارتفع صلى ~~الله عليه وسلم إلى موضع مسجد الطائف اليوم . فحاصرهم ثمانية عشر يوما . ~~ونصب عليهم المنجنيق - وهو أول من رمى به في الإسلام - وأمر بقطع أعناب ~~ثقيف . فوقع الناس فيها يقطعون ، فسألوه : أن يدعها لله وللرحم . فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ' فإني أدعها لله وللرحم ' . | ونادى مناديه : ' ~~أيما عبد نزل من الحصن ، وخرج إلينا . فهو حر ' فخرج منهم بضعة عشر رجلا ، ~~فيهم أبو بكرة بن مسروح ، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودفع كل ~~منهم إلى رجل من المسلمين يمونه . | ولم يؤذن في فتح الطائف . فأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عمر بن ms133 الخطاب رضي الله عنه ، فأذن بالرحيل ، فضج ~~الناس من ذلك ، وقالوا ، PageV01P217 نرحل ، ولم يفتح علينا ؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ' فاغدوا على القتال فغدوا ، فأصابهم جراحات . ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' إنا قافلون إن شاء الله ' فسروا بذلك . ~~وجعلوا يرحلون ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك . | فلما ارتحلوا ~~واستقلوا قال : ' قولوا : آيبون ، تائبون ، عابدون ، لربنا حامدون ' وقيل : ~~يا رسول الله ، ادع الله على ثقيف ، فقال : ' اللهم اهد ثقيفا وائت بهم ' . ~~| ثم خرج إلى الجعرانة . فدخل منها إلى مكة محرما بعمرة فقضاها ثم رجع إلى ~~المدينة . PageV01P218 # | 1 ( فصل ) # | قال ابن إسحق : وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من تبوك في ~~رمضان . وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف . | وكان من حديثهم : ' أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عنهم : اتبع أثره عروة بن مسعود ، حتى ~~أدركه قبل أن يدخل المدينة . فأسلم ، وسأله : أن يرجع إلى قومه بالإسلام ، ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' إن فيهم نخوة الامتناع ' فقال : ~~يا رسول الله ، أنا أحب إليهم من أبكارهم . وكان فيهم كذلك محببا مطاعا . | ~~فخرج يدعوهم إلى الإسلام ، رجاء أن لا يخالفوه ، لمنزلته فيهم . فلما أشرف ~~لهم على علية - وقد دعاهم إلى الإسلام - رموه بالنبل من كل وجه . فأصابه ~~سهم فقتله ، فقيل له : ما ترى في دمك ؟ فقال : كرامة أكرمني الله بها ، ~~وشهادة ساقها الله إلي . فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا في سبيل ~~الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم . فادفنوني معهم ، ~~فدفنوه معهم . فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' إن مثله في ~~قومه كمثل صاحب يس في قومه ' . | ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة شهرا . ثم ~~ائتمروا بينهم . ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب . وقد ~~أسلموا وبايعوا . فأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا ~~، كما أرسلوا عروة . PageV01P219 | فكلموا عبد ياليل بن عمرو ، وعرضوا عليه ms134 ~~ذلك ، فأبى ، وخشى أن يصنع به كما صنع بعروة . فقال : لست فاعلا حتى ترسلوا ~~معي رجالا . فأجمعوا أن يرسلوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بني مالك ، ~~منهم عثمان بن أبي العاص . فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة ، ألفوا بها ~~المغيرة بن شعبة . فاشتد ليبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومهم . ~~فلقيه أبو بكر ، فقال : أقسمت عليك بالله ، لا تسبقني إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، حتى أكون أنا أحدثه ، ففعل . ثم خرج المغيرة إلى أصحابه ، ~~فروح الظهر معهم . وعلمهم كيف يحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلم ~~يفعلوا إلا بتحية الجاهلية . فضرب عليهم قبة في ناحية المسجد . | وكان فيما ~~سألوه : أن يدع لهم اللات لا يهدمها ثلاث سنوات ، فأبى . فما برحوا يسألونه ~~سنة ، فيأبى . حتى سألوه شهرا واحدا . فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى . ~~وإنما يريدون بذلك - فيما يظهرون - أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم ، ~~ويكرهون أن يروعوهم بهدمها ، حتى يدخلهم الإسلام . فأبى إلا أن يبعث أبا ~~سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمانها . | فلما أسلموا أمر عليهم عثمان ~~بن أبي العاص - وكان من أحدثهم سنا - وذلك : أنه كان من أحرصهم على التفقه ~~في الدين ، وتعلم القرآن . | فلما توجهوا راجعين بعث معهم أبا سفيان ~~والمغيرة بن شعبة ، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة : أن يقدم أبا سفيان ~~، فأبى ، وقال : ادخل أنت على قومك . وأقام أبو سفيان بماله بذي الهدم . ~~فلما دخل المغيرة علاها PageV01P220 يضربها بالمعول . وقام دونه بنو مغيث ، ~~خشية أن يرمى ، كما فعل بعروة ، وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها . فلما ~~هدمها أخذ مالها وحليها وأرسل به إلى أبي سفيان . # | 2 ( ما في غزوة الطائف من الفقه : ) # | فيها من الفقه : جواز القتال في الأشهر الحرم . ونسخ تحريم ذلك . | ~~وفيها : أنه لا يجوز إبقاء مواضع الطواغيت والشرك بعد القدرة عليها يوما ~~واحدا . فإنها شعائر الكفر . وهي أعظم المنكرات ، وهكذا حكم المشاهد التي ~~بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا تعبد من دون الله ، وكذلك الأحجار ~~والأشجار التي ms135 تقصد للتعظيم والتبرك والنذر . لها وكثير منها بمنزلة اللات ~~والعزى ، أو أعظم شركا عندها ، وبها . | ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت ~~يعتقد أنها تخلق وترزق ، وتميت وتحيي . وإنما كانوا يفعلون عندها ما يفعله ~~إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم ، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم . ~~وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل وخفاء العلم ، وغلبة التقاليد . ~~وصار المعروف منكرا ، والمنكر معروفا ، والسنة بدعة والبدعة سنة ، ونشأ في ~~ذلك الصغير وهرم عليه الكبير . وطمست الأعلام . واشتدت غربة الإسلام . | ~~ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين ، ولأهل الشرك والبدع ~~مجاهدين ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين . PageV01P221 ~~| وفيها : صرف الإمام الأموال التي تصير إلى هذه المشاهد من عابديها . فيجب ~~على الإمام أن يصرفها في الجهاد ومصالح المسلمين ، وكذلك أوقافها تصرف في ~~مصالح المسلمين . PageV01P222 # | 1 ( فصل : حوادث سنة تسع ) # | ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، ودخلت سنة تسع ، بعث ~~المصدقين يأخذون الصدقات من الأعراب . | وفيها : بعث عليا رضي الله عنه إلى ~~صنم طي ليهدمه . فشنوا الغارة على محلة آل حاتم مع الفجر . فهدموه . وملأوا ~~أيديهم من السبي والنعم والشاء . وفي السبي سفانة أخت عدي بن حاتم ، وهرب ~~عدي إلى الشام . ووجدوا في خزانته ثلاثة أسياف ، وثلاثة أدرع . وقسم علي ~~الغنائم في الطريق ، ولم يقسم السبي من آل حاتم حتى قدم بهم المدينة . | ~~قال عدي : ما كان رجل من العرب أشد كراهة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مني ، حين سمعت به . وكنت رجلا شريفا نصرانيا . وكنت أسير في قومي بالمرباع ~~. وكنت في نفسي على دين . فقلت لغلام لي راع لإبلي : اعدد لي من إبلي ~~أجمالا ذللا سمانا . فإذا سمعت بجيش محمد قد وطيء هذه البلاد فآذني . ~~فأتاني ذات غداة ، فقال : ما كنت صانعا إذا غشيتك خيل محمد فاصنع الآن . ~~فإني قد رأيت رايات ، فسألت عنها ؟ فقالوا : هذه جيوش محمد . قلت : قرب لي ~~أجمالي . فاحتملت بأهلي وولدي ، ثم قلت : ألحق بأهل ديني من النصارى بالشام ms136 ~~، وخلفت بنتا لحاتم في الحاضرة . فلما قدمت الشام أقمت بها ، وتخالفني خيل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتصيب ابنة حاتم ، فقدم بها على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في سبايا من طيء . PageV01P223 | وقد بلغ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هربي إلى الشام . فمر بها . فقالت : يا رسول الله ، غاب ~~الوافد ، وانقطع الوالد ، وأنا عجوز كبيرة . ما بي من خدمة ، فمن علي . من ~~الله عليك . فقال : ' من وافدك ؟ . قالت : عدي بن حاتم ، قال : ' الذي فر ~~من الله ورسوله ؟ ' - وكررت عليه القول ثلاثة أيام - قالت : فمن علي ، ~~وسألته الحملان ، فأمر لها به وكساها وحملها وأعطاها نفقة . | فأتتني . ~~فقالت : لقد فعل فعلة ما كان أبوك يفعلها . ائته راغبا أو راهبا ، فقد أتاه ~~فلان فأصاب منه ، وأتاه فلان فأصاب منه . قال : فأتيته ، وهو جالس في ~~المسجد . فقال القوم : هذا عدي بن حاتم - وجئت بغير أمان ولا كتاب - فأخذ ~~بيدي - وكان قبل ذلك قال : ' إني لأرجو أن يجعل الله يده في يدي ' - فقام ~~إلي ، فلقيته امرأة ومعها صبي . فقالا : إن لنا إليك حاجة . فقام معهما حتى ~~قضى حاجتهما . ثم أخذ بيدي حتى أتى داره . فألقت له الوليدة وسادة . فجلس ~~عليها ، وجلست بين يديه . فحمد الله وأثنى عليه . ثم قال : ' ما يفرك ؟ ~~أيفرك : أن يقال : ' لا إله إلا الله ؟ ' فهل تعلم من إله سوى الله ؟ ' ~~فقلت : لا فتكلم ساعة . ثم قال : ' أيفرك أن يقال : الله أكبر ؟ وهل تعلم ~~شيئا أكبر من الله ؟ ' قلت : لا ، قال : ' فإن اليهود مغضوب عليهم . ~~والنصارى ضالون ' ، فقلت : فإني حنيف مسلم . فرأيت وجهه ينبسط فرحا . | ثم ~~أمر بي فأنزلت عند رجل من الأنصار . وجعلت آتيه طرفي النهار . فبينا أنا ~~عنده ، إذ جاءه قوم في ثياب من صوف من هذه النمار ، فصلى ثم قام . ~~PageV01P224 فحث بالصدقة عليهم ، وقال : ' أيها الناس ، ارضخوا من الفضل ~~ولو بصاع ، ولو بنصف صاع ، ولو بقبضة ، ولو ببعض قبضة ، يقي أحدكم وجهه حر ~~جهنم - أو النار - ولو بتمرة ، ولو بشق تمرة . فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة ms137 . ~~فإن أحدكم لاق الله ، فقائل له ما أقول لكم : ألم أجعل لك مالا وولدا ؟ ~~فيقول : بلى ، فيقول : أين ما قدمت لنفسك ؟ فلينظر قدامه وخلفه وعن يمينه ~~وعن شماله . فلا يجد شيئا يقي به وجهه حر جهنم ، ليق أحدكم وجهه النار ، ~~ولو بشق تمرة ، فإن لم يجد فبكلمة طيبة . فإني لا أخاف عليكم الفاقة . فإن ~~الله ناصركم ومعطيكم ، حتى تسير الظعينة ما بين يثرب والحيرة ، ما تخاف على ~~مطيتها السرق ' . | فجعلت أقول : فأين لصوص طيء ؟ # | 2 ( قصة كعب بن زهير : ) # | قال ابن إسحاق : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف كتب ~~بجير بن زهير إلى أخيه كعب : يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل ~~رجالا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه ، وأن من بقي من شعراء قريش - ابن الزبعرى ~~، وهبيرة بن أبي وهب - قد هربوا في كل وجه . فإن كان لك في نفسك حاجة فطر ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا ، وإن ~~أنت لم تفعل فانج إلى نجائبك . وكان قد قال : - # % ألا بلغا عني بجيرا رسالة % % فهل لك فيما قلت ؛ ويحك . هل لكا ؟ % ~~PageV01P225 # % فبين لنا ، إن كنت لست بفاعل % % على أي شيء غير ذلك دلكا ؟ % # % على خلق لم تلف أما ولا أبا % عليه . ولم تلقى عليه أخا لكا % # % فإن أنت لم تفعل . فلست بآسف % % ولا قائل ، إما عثرت : لعالكا % # % سقأك بها المأمون كأسا روية % % وأنهلك المأمون منها وعلكا % % فلما ~~أتت بجيرا كره أن يكتمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : ' سقاك بها المأمون ، صدق والله . وإنه لكذوب ، أنا ~~المأمون ' ولما سمع - على خلق لم تلف أما ولا أبا عليه - قال : ' أجل لم ~~يلف عليه أباه ولا أمه ' . | ثم قال بجير بن زهير : - # % من مبلغ كعبا ، فهل لك في التي % % تلوم عليها باطلا ، وهي أحزم ؟ % # % إلى الله - لا العزى ولا اللات - وحده % % فتنجو إذا كان النجاء وتسلم ~~% # % لدى يوم لا ينجو ، وليس بمفلت ms138 % % من الناس إلا طاهر القلب مسلم % % ~~PageV01P226 # % فدين زهير - وهو لا شيء - دينه % % ودين أبي سلمى علي محرم % % فلما ~~بلغ كعبا ضاقت عليه الأرض . وأشفق على نفسه ، فلما لم يجد من شيء بدا ، قال ~~قصيدته التي مدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم خرج حتى قدم ~~المدينة . فنزل على رجل كان بينه وبينه معرفة . فغدا به إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم . فذكر لي أنه قام فجلس إليه - وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يعرفه - فقال : يا رسول الله ، إن كعب بن زهير قد جاء ~~ليستأمنك تائبا مسلما ، فهل أنت قابل منه ، إن أنا جئتك به ؟ قال نعم ' قال ~~: أنا كعب بن زهير . | فحدثني عاصم بن عمرو : أنه وثب عليه رجل من الأنصار ~~. فقال : يا رسول الله ، دعني وعدو الله أضرب عنقه . فقال : ' دعه عنك ، ~~فقد جاء تائبا نازعا عما كان عليه ' فغضب كعب على هذا الحي من الأنصار ، ~~وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير . فقال قصيدته التي أولها ~~: - # % بانت سعاد ، فقلبي اليوم متبول % % متيم إثرها لم يفد مكبول % % ومنها ~~: # % أمست سعاد بأرض لا يبلغلها % % إلا العتاق النجيبات المراسيل % % إلى ~~أن قال : # % تسعى الغواة جنابيها ، وقولهمو : % إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول % # % وقال كل صديق كنت آمله % % لا ألهينك . إني عنك مشغول % % PageV01P227 # % فقلت : خلو سبيلي . لا أبا لكموا % % فكل ما قدر الرحمن مفعول % # % نبئت أن رسول الله أوعدني % % والعفو عند رسول الله مأمول % # % مهلا ، هداك الذي أعطاك نافلة ال % % قرآن فيها مواعيظ وتفصيل % # % لا تأخذني بأقول الوشاة . ولم % % أذنب ، وإن كثرت في الأقاويل % % إلى ~~أن قال : # % إن الرسول لنور يستضاء به % % وصارم من سيوف الله مسلول % # % في فتية من قريش قال قائلهم % % ببطن مكة - لما أسلموا - زولوا % # % زالوا . فما زال إنكاس ولا كشف % % عند اللقاء ، ولا ميل معازيل % # % يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم % % ضرب إذا عرد السود التنابيل % # % شم العرانين ، أباطل لبوسهمو % % من نسيج داود في الهيجا سرابيل % # % ليسوا مفاريح إن نالت ms139 رماحهمو % % قوما ، وليسو مجازيعا إذا نيلوا % # % لا يقع الطعن إلا في نحورهمو % % وما لهم عن حياض الموت تهليل % % قال ~~عاصم بن عمرو : فلما قال : إذا عرد السود التنابيل ، وإنما عنانا معشر ~~الأنصار ، فقال بعد أن أسلم يمدح الأنصار : - # % من سره كرم الحياة فلا يزل % % في مقنب من صالح الأنصار % # % ورثوا المكارم كابرا عن كابر % % إن الخيار هموا بني الأخيار % # % الذائدين الناس عن أديانهم % % بالمشرفي وبالقنا الخطار % % ~~PageV01P228 # % والبائعين نفوسهم لنبيهم % % يوم الهياج وفتنة الكفار % # % والناظرين بأعين محمرة % % كالجمر غير كليلة الإبصار % # % والباذلين نفوسهم لنبيهم % % للموت يوم تعانق وكرار % # % يتطهرون ، يرونه نسكا لهم % % بدماء من علقوا من الكفار % # % قوم إذا خوت النجوم فإنهم % % للطارقين النازلين مقارى % % PageV01P229 # | 1 ( فصل ) # # | 2 ( في غزوة تبوك : ) # | قال ابن إسحق : كانت في زمان عسرة من الناس ، وجدب من البلاد ، حين ~~طابت الثمار ، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم . وكان صلى الله عليه ~~وسلم قلما يخرج في غزوة إلا ورى بغيرها ، إلا ما كان منها ، فإنه جلاها ~~للناس لبعد الشقة ، وشدة الزمان . | فقال ذات يوم - وهو في جهازه - للجد بن ~~قيس ' هل لك في جلاد بني الأصفر ؟ ' فقال : يا رسول الله ، أو تأذن لي ولا ~~تفتنني ؛ فقد عرف قومي أنه ما من رجل أشد عجبا بالنساء مني ، وإني أخشى إن ~~رأيت نساء بني الأصفر ، أن لا أصبر ، فقال : ' قد أذنت لك ' ففيه نزلت : ~~@QB@ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني @QE@ الآية . | وقال قوم من ~~المنافقين ، بعضهم لبعض : لا تنفروا في الحر ، فنزل : @QB@ وقالوا لا ~~تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا @QE@ الآية . | ثم إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حض أهل الغنى على النفقة . فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا ~~. وأنفق عثمان ثلاثمائة بعير بأحلاسها ، وأقتابها وعدتها ، وألف دينار عينا ~~. PageV01P230 | وجاء البكاءون - وهم سبعة - يستحملون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم . فقال : ' لا أجد ما أحملكم عليه ' تولوا وأعينهم تفيض من الدمع ~~حزنا . أن لا يجدوا ما ينفقون . | وقام علبة بن يزيد ، فصلى من الليل وبكى ms140 ~~. ثم قال : ' اللهم إنك أمرت بالجهاد ، ورغبت فيه ، ثم لم تجعل عندي ما ~~أتقوى به مع رسولك ، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه ، وإني أتصدق على ~~كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها : من مال ، أو جسد أو عرض ، ثم أصبح مع ~~الناس . فقال النبي صلى الله عليه وسلم أين المتصدق هذه الليلة ؟ فلم يقم ~~أحد ، ثم قال : أين المتصدق ؟ فلم يقم . فقام إليه فأخبره ، فقال صلى الله ~~عليه وسلم : أبشر ، فو الذي نفس محمد بيده ، لقد كتبت في الزكاة المتقبلة ' ~~. | وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم ، فلم يعذرهم . | واستخلف على ~~المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري . فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~تخلف عبد الله بن أبي ومن كان معه ، وتخلف نفر من المسلمين من غير شك ولا ~~ارتياب ، منهم الثلاثة - كعب بن مالك . وهلال بن أمية . ومرارة ابن الربيع ~~- وأبو خيثمة السالمي ، وأبو ذر . . ثم لحقاه . وشهدها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في ثلاثين ألفا من الناس ، والخيل عشرة آلاف فرس . وأقام بها ~~عشرين ليلة يقصر الصلاة ، وهرقل يومئذ بحمص . | قال ابن إسحاق : ولما خرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خلف عليا على أهله . فقال المنافقون : ما ~~خلفه إلا استثقالا له ، وتخففا منه ، فأخذ سلاحه ولحق به بالجرف ، فقال : ~~يا نبي الله : زعم المنافقون : أنك PageV01P231 ما خلفتني إلا استثقالا ، ~~فقال : ' كذبوا ، ولكني خلفتك لما تركت ورائي ، فارجع فاخلفني في أهلي ~~وأهلك ، أولا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ إلا أنه لا نبي بعدي ~~' فرجع . | ودخل أبو خيثمة إلى أهله في يوم حار ، بعد ما سار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أياما ، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائط ، قد رشت ~~كل واحدة منهما عريشها ، وبردت له ماء ، وهيأت له طعاما . فلما دخل قام على ~~باب العريش ، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا . فقال : رسول الله في الضح ~~والريح والحر ، وأبو خيثمة في ظل بارد ، وطعام مهيىء ، وامرأة حسناء ؟ ما ~~هذا بالنصف ms141 . ثم قال : والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . فهيئا لي زادا ، ففعلتا . ثم قدم ناضحة فارتحله ، ثم ~~خرج حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل تبوك . | وقد كان عمير ~~بن وهب الجمحي أدرك أبا خيثمة ، في الطريق فترافقا ، حتى إذا دنوا من تبوك ~~، قال أبو خيثمة له : إن لي ذنبا . فلا عليك أن تتخلف عني حتى آتي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، ففعل . حتى إذا دنا من رسول الله ، قال الناس : ~~هذا راكب على الطريق مقبل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' كن أبا ~~خيثمة ' قالوا : يا رسول الله ، هو والله ، هو والله أبو خيثمة . فلما أناخ ~~أقبل فسلم على رسول الله . فقال له : ' أولى لك يا أبا خيثمة ' فأخبره ~~الخبر ، فقال له خيرا ، ودعا له . | وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~، لما مر بالحجر - من ديار ثمود - قال : ' لا تدخلوا على هؤلاء القوم ~~المعذبين ، إلا أن تكونوا PageV01P232 باكين ، فإن لم تكونوا باكين فلا ~~تدخلوا عليهم ، لا يصيبكم مثل ما أصابهم ' وقال : ' لا تشربوا من مائها ~~شيئا ، ولا تتوضؤا منه للصلاة وما كان من عجين عجنتموه فأعلفوه لإبل ولا ~~تأكلون منه شيئا ، وأمرهم أن يهريقوا الماء ، وأن يستقوا من البئر التي ~~كانت تردها الناقة ' . | وفي صحيح مسلم عن أبي حميد الساعدي قال : ' ~~انطلقنا حتى قدمنا تبوك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ستهب عليكم ~~الليلة ريح شديدة . فلا يقم أحد منكم . فمن كان له بعير فليشد عقاله . فهبت ~~ريح شديدة ، فقام رجل . فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طيء ' . | قال ابن ~~إسحاق : وأصبح الناس ولا ماء معهم . فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، فدعا الله . فأرسل الله سحابة . فأمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا ~~حاجتهم من الماء . | ثم سار حتى إذا كان ببعض الطريق جعلوا يقولون : تخلف ~~فلان ، فيقول : ' دعوه ، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم ، وإن يك غير ذلك ~~فقد أراحكم ms142 الله منه ' . | وتلوم على أبي ذر بعيره . فلما أبطأ عليه أخذ ~~متاعه على ظهره ، ثم خرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيا . | ~~ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض منازله . فنظر ناظر من المسلمين ~~فقال : يا رسول الله ، إن هذا الرجل يمشي على الطريق . فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ' كن أبا ذر ' فلما تأملوه . قالوا : يا رسول الله ، هو ~~والله أبو ذر . فقال : ' رحم الله أبا ذر . يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويبعث ~~وحده ' . PageV01P233 | وفي صحيح ابن حبان عن أم ذر قالت ' لما حضرت أبا ذر ~~الوفاة بكيت ، فقال : ما يبكيك ؟ فقلت : ومالي لا أبكي ، وأنت تموت بفلاة ~~من الأرض ، وليس عندي ثوب يسعك كفنا ، ولا يدان لي في تغيبك ؟ فقال : أبشري ~~ولا تبكي ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنفر - وأنا فيهم ~~- : ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض ، يشهده عصابة من المسلمين . وليس من ~~أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية وجماعة ، فأنا ذلك الرجل ، فو الله ما ~~كذبت ولا كذبت . فأبصري الطريق . فكنت أشتد إلى الكثيب أتبصر ، ثم أرجع ~~فأمرضه . فبينا أنا وهو كذلك ، إذا أنا برجال على رحالهم ، كأنهم الرخم ، ~~تخب بهم رواحلهم ، قالت : فأشرت إليهم . فأسرعوا إلي حتى وقفوا علي . ~~فقالوا : يا أمة الله ، ما لك ؟ قلت : امرؤ من المسلمين يموت تكفنونه . ~~قالوا : من هو ؟ قلت : أبو ذر ، قالوا : صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~؟ قلت : نعم ، ففدوه بآبائهم وأمهاتهم ، وأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه . ~~فقال لهم : أبشروا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم - وذكر الحديث - ~~ثم قال : وإنه لو كان عندي ثوب يسعني كفنا لي ولامرأتي لم أكفن إلا في ثوب ~~هو لي ، أو لها . فإني أنشدكم الله أن لا يكفنني رجل منكم كان أميرا أو ~~عريفا ، أو بريدا أو نقيبا . وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد قارف بعض ما ~~قال إلا فتى من الأنصار ، قال : يا عم ، أنا أكفنك في ms143 ردائي هذا . وفي ~~ثوبين في عيبتي من غزل أمي ، قال : فأنت تكفنني ، فكفنه الأنصاري ، وأقاموا ~~عليه ودفنوه في نفر كلهم يمان ' . | ولما انتهن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى تبوك ، أتاه صاحب أيلة ، فصالحه وأعطاه ، الجزية ، وأتاه أهل جربا ~~وأذرح . فأعطوه الجزية ، وكتب لهم كتابا . فهو عندهم . PageV01P234 | ثم ~~بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة ، وقال لخالد : ' إنك تجده يصيد البقر ' ~~فخرج خالد ، حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين في ليلة مقمرة - وهو على سطح ~~له - فبانت البقر تحك بقرونها باب القصر . فقالت له امرأته : هل رأيت مثل ~~هذا قط ؟ قال : لا والله . قالت : فمن يترك مثل هذه ؟ قال : لا أحد . ثم ~~نزل فأمر بفرسه فأسرج له ، وركب معه نفر من أهل بيته . فلما خرجوا ، تلقتهم ~~خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذته وقتلوا أخاه . وقدم به خالد على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحقن له دمه . وصالحه على الجزية ، ثم خلى ~~سبيله . فرجع إلى قريته . | قال ابن إسحق : فأقام رسول الله بتبوك بضع عشرة ~~ليلة . ثم انصرف إلى المدينة . قال : وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث ~~التميمي : أن ابن مسعود كان يحدث ، قال : ' قمت من جوف الليل ، وأنا مع ~~رسول الله في غزوة تبوك ، فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر ، فاتبعتها ~~أنظر إليها . فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر . وإذا عبد ~~الله ذو البجادين - والبجاد الكساء الأسود - المزني قد مات ، وإذا هم قد ~~حفروا له ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته ، وأبو بكر وعمر ، ~~يدليانه إليه . وهو يقول : أدليا إلي أخاكما . فأدلياه إليه . فلما هيأه ~~لشقه ، قال : اللهم إني قد أمسيت راضيا عنه ، فارض عنه ' قال : يقول عبد ~~الله بن مسعود : ' يا ليتني كنت صاحب الحفرة ' . | وأقبل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من تبوك ، حتى كان بينه وبين المدينة ساعة . وكان أصحاب ~~مسجد الضرار أتوه - وهو يتجهز إلى تبوك - PageV01P235 فقالوا : يا رسول ~~الله ، إنا بنينا مسجدا لذي ms144 العلة والحاجة ، والليلة المطيرة . وإنا نحب أن ~~تصلي فيه . فقال : ' إني على جناح سفر ، ولو قدمنا إن شاء الله لأتيناكم ' ~~. | فلما نزل بذي أوان ، جاءه خبر المسجد من السماء فدعا مالك بن الدخشم ~~ومعن بن عدي . فقال : ' انطلقنا إلى هذا المسجد الظالم أهله ، فاهدماه ، ~~وحرقاه ' فخرجا مسرعين حتى أتيا بني سالم بن عوف - وهم رهط مالك بن الدخشم ~~- فقال لمعن : أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي فدخل إلى أهله فأخذ سعفا ~~من النخل فأشعل فيه نارا ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه ، وفيه أهله ، فحرقاه ~~وهدماه ، وأنزل الله سبحانه : @QB@ والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا ~~وتفريقا بين المؤمنين @QE@ - إلى قوله - @QB@ والله عليم حكيم @QE@ . | قال ~~ابن عباس في الآية : هم أناس من الأنصار ابتنوا مسجدا ، فقال لهم أبو عامر ~~الفاسق : ابنوا مسجدكم ، واستعدوا ما استطعتم من قوة ومن سلاح . فإني ذاهب ~~إلى قيصر ملك الروم ، فآت بجند من الروم ، فأخرج محمدا وأصحابه . فلما ~~فرغوا من بنائه : أتوا النبي صلى الله عليه وسلم . فقالوا : إنا قد فرغنا ~~من بناء مسجدنا . ونحب أن تصلي فيه ، وتدعو بالبركة . فأنزل الله عز وجل : ~~@QB@ لا تقم فيه أبدا @QE@ - إلى قوله - @QB@ لا يزال بنيانهم الذي بنوا ~~ريبة في قلوبهم @QE@ يعني الشك @QB@ إلا أن تقطع قلوبهم @QE@ يعني بالموت . ~~| ولما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة ، خرج الناس لتلقيه ، ~~والنساء والصبيان والولائد يقلن : PageV01P236 # % طلع البدر علينا % % من ثنيات الوداع % # % وجب الشكر علينا % % ما دعا لله داع % % وكانت غزوة تبوك آخر غزوة ~~غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه . وأنزل الله فيها سورة براءة . ~~| وكانت تسمى في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وبعده ' المبعثرة ' لما ~~كشفت من سرائر المنافقين وخبايا قلوبهم . | وفي غزوة تبوك : كانت قصة تخلف ~~كعب بن مالك ، ومرارة بن الربيع ، وهلال ابن أمية الواقفي . ممن شهدوا بدرا ~~. ولم يكن لهم عذر في التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما عاد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، جاء المعذرون من ms145 الأعراب من ~~المنافقين ، يحلفون أنهم كانوا معذورين . فقبل منهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، وأرجأ كعب بن مالك وصاحبيه حتى أنزل الله في شأنهم وفي توبتهم ~~- وكانوا من خيار المؤمنين - : @QB@ لقد تاب الله على النبي والمهاجرين ~~والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ~~ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم وعلى الثلاثة الذين خلفوا @QE@ الآيتين . ~~خلفهم الله وأخر توبتهم ليمحصهم ويطهرهم من ذنب تأخرهم . لأنهم كانوا من ~~الصادقين . # | 2 ( وفود العرب إلى رسول الله : ) # | ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك ، وأسلمت ثقيف . ضربت ~~إليه أكباد الإبل ، تحمل وفود العرب من كل وجه ، في سنة تسع . وكانت تسمى ~~سنة الوفود . PageV01P237 | قال ابن إسحاق : وإنما كانت العرب تربص ~~بالإسلام أمر هذا الحي من قريش ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم . | ~~وذلك : أن قريشا كانوا إمام الناس وهداتهم ، وأهل البيت والحرم ، وصريح ولد ~~إسماعيل عليه السلام ، وقادة العرب لا ينكرون ذلك . وكانت قريش هي التي ~~نصبت لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما افتتحت مكة ، ودانت له قريش ~~. عرفت العرب : أن لا طاقة لهم بحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولا ~~عداوته ، فدخلوا في دين الله أفواجا . كما قال تعالى : @QB@ إذا جاء نصر ~~الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره ~~إنه كان توابا @QE@ . # | 2 ( وفد بني تميم : ) # | فقدم عليه عطارد بن حاجب التميمي ، في أشراف من بني تميم ، جاءوا في ~~أسرى بني تميم ، الذين أخذتهم سرية عيينة بن حصن الفزاري في المحرم من هذه ~~السنة . وكان عيينة قد أخذ أحد عشر رجلا ، وإحدى وعشرين امرأة ، وثلاثين ~~صبيا . وساقهم إلى المدينة . فقدم رؤساء بني تميم فيهم . فلما دخلوا المسجد ~~، نادوا رسو ل الله صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات - وهو في بيته - أن ~~أخرج إلينا . فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأنزل الله فيهم ~~@QB@ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ms146 أكثرهم لا يعقلون ولو أنهم صبروا ~~حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم @QE@ . | فلما خرج إليهم ~~قالوا : جئنا لنفاخرك ، فائذن لشاعرنا وخطيبنا . قال ' أذنت لخطيبكم ' فقام ~~عطارد . فخطب . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P238 لثابت بن ~~قيس بن شماس : ' قم ، فأجب الرجل ' فقام ثابت فخطب وأجابه . وقام الزبرقان ~~بن بدر فقال : # % نحن الكرام ، فلا حي يعادلنا % % منا الملوك . وفينا تنصب البيع % # % وكم قسرنا من الأجياد كلهمو % % عند النهاب ، وفضل العز يتبع % # % ونحن يطعم عند القحط مطعمنا % % من الشواء إذا لم يؤنس القزع % % إلى ~~أن قال : - # % إنا أبينا ، ولم يأبى لنا أحد % % إنا كذلك عند الفخر نرتفع % % في ~~أبيات ذكرها . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان : ' قم ، فأجب ~~الرجل ' فقام ، فقال : # % إن الذوائب من فهر وإخوتهم % % قد بينوا سننا للناس تتبع % # % يرضى بها كل من كانت سريرته % % تقوى الإله ، وكل الخير يصطنع % # % قوم إذا حاربوا ضروا عدوهمو % % أو حاولوا النفع في أشياعهم : نفعوا % # % سجية ، تلك منهم غير ، محدثة % % إن الخلائق - فاعلم - شرها البدع % # % إن كان في الناس سباقون بعدهمو % % فكل سبق لأدنى سبقهم تبع % % إلى أن ~~قال : - # % لا يبخلون على جار بفضلهمو % % ولا يمسهموا من مطمع طبع % % ~~PageV01P239 # % لا يفخرون إذا نالوا عدوهمو % % وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع % # % نسموا إذا الحرب نالتنا مخالبها % % إذ الزعانف من أظافرها خشعوا % % ~~إلى أن قال : - # % أكرم بقوم رسول الله شيعتهم % % إذا تفرقت الأهواء والشيع % # % أهدي لهم مدحتي قلب ، ووازره % % فيما أحب : لسان حائك صنع % % وقال ~~الزبرقان أيضا : - # % أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا % % إذا احتفلوا عند احتضار المواسم % # % فإنا ملوك الناس في كل موطن % % وأن ليس في أرض الحجاز كدارم % # % وإنا نذود المعلمين إذا انتخوا % % ونضرب رأس الأغيد المتفاخم % # % وأن لنا المرباع في كل غارة % % تغير بنجد ، أو بأرض الأعاجم % % ~~فأجابه حسان بن ثابت رضي الله عنه : - # % هل المجد إلا السؤدد العود والندى % % وجاه الملوك ، واحتمال العظائم ؟ ~~% # % نصرنا وآوينا النبي محمدا % على أنف راض من معد وراغم % % PageV01P240 ~~| إلى أن قال : - # % ونحن ms147 ضربنا الناس حتى تتابعوا % % على دينه بالمرهفات الصوارم % # % ونحن ولدنا من قريش عظيمها % % ولدنا نبي الخير من آل هاشم % # % بني دارم ، لا تفخروا . إن فخركم % % يعود وبالا عند ذكر المكارم % # % هبلتم ، علينا تفخرون ؟ وأنتم % % لنا خول . ما بين ظئر وخادم % # % فإن كنتموا جئتم لحقن دمائكم % % وأموالكم : أن تقسموا في المقاسم % # % فلا تجعلوا لله ندا . وأسلموا % % ولا تلبسوا زيا كزي الأعاجم % % فلما ~~فرغ حسان ، قال الأقرع بن حابس : إن هذا الرجل لمؤتى . لخطيبه أخطب من ~~خطيبنا ، ولشاعره أشعر من شاعرنا ، ولأصواتهم أحلى من أصواتنا . فلما فرغ ~~القوم أسلموا ، وجوزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأحسن جوائزهم . # | 2 ( وفد طيء : ) # | وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد طيء ، فيهم زيد الخيل - وهو ~~سيدهم - فعرض عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام فأسلموا وحسن ~~إسلامهم . | قال ابن إسحاق : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما ~~حدثني من لا أتهم من رجال طيء - ' ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ، ~~PageV01P241 ثم جاءني ، إلا رأيته دون ما يقال فيه ، إلا زيد الخيل . فأنه ~~لم يبلغ كل ما فيه ' . | ثم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم ' زيد الخير ~~' وأقطعه ' فيدا ' وأرضين معه ، وكتب له بذلك كتابا . فخرج من عنده راجعا ~~إلى قومه ، فلما انتهى إلى ماء من مياه نجد - يقال له ' فردة ' - أصابته ~~الحمى بها فمات . فعمدت امرأته إلى ما كان معه من الكتب التي أقطع له بها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحرقتها بالنار . # | 2 ( وفد عبد القيس : ) # | وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الجارود العبدي في وفد عبد ~~القيس ، وكان نصرانيا ، فقال يا رسول الله ، إني على ديني . وإني تارك ديني ~~لدينك ، فتضمن لي بما فيه ؟ قال : ' نعم . أنا ضامن لذلك ، إن الذي أدعوك ~~إليه خير من الذي كنت عليه ' فأسلم وأسلم أصحابه . فكان حسن الإسلام صلبا ~~في دينه ، حتى هلك ، وقد أدرك الردة . وكان في الوفد ' الأشج ' الذي قال له ~~رسول الله صلى الله ms148 عليه وسلم : ' إن فيك لخصلتين يحبهما الله : الحلم ، ~~والأناة ' . | وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي ~~- قبل فتح مكة - إلى المنذر بن ساوى العبدي ، فأسلم وحسن إسلامه . ثم هلك ~~بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قبل ردة أهل البحرين . والعلاء عنده ~~أمير الرسول صلى الله عليه وسلم على البحرين . PageV01P242 # | 2 ( وفد بني حنيفة ، فيهم مسيلمة : ) # | وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني حنيفة ، فيهم مسيلمة ~~الكذاب ، فأتوه وخلفوا مسيلمة في رحالهم ، فلما أسلموا ذكروا مكانه ، ~~فقالوا : يا رسول الله ، إنا قد خلفنا صاحبا لنا في رحالنا يحفظها لنا . ~~فأمر له بمثل ما أمر به للقوم ، وقال : ' أما إنه ليس بشركم مكانا ' يعني ~~لحفظه ضيعة أصحابه . ثم انصرفوا فلما انتهوا إلى اليمامة ، ارتد عدو الله ~~وتنبأ ، وقال : إني أشركت في الأمر معه . وقال للوفد : ألم يقل لكم : ' أما ~~إنه ليس بشركم مكانا ؟ ' ما ذاك إلا لما كان يعلم أني أشركت في الأمر معه . ~~ثم جعل يسجع لهم السجعات ، مضاهاة للقرآن ، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالنبوة . | وكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم : من ~~مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله ، أما بعد . فإني أشركت في الأمر معك ~~. وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصفها ، ولكن قريشا قوم لا يعدلون . | فكتب ~~إليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ' من محمد رسول الله ، إلى ~~مسيلمة الكذاب ، السلام على من اتبع الهدى . أما بعد ، فإن الأرض لله ~~يورثها من يشاء من عباده ، والعاقبة للمتقين ' . | وقال للرجلين الذين أتيا ~~بكتابه : ما تقولان أنتما ؟ فقالا : نقول كما قال . فقال : ' أما والله ، ~~لولا أن الرسل لا تقتل ، لضربت رقابكما ' وذلك في آخر سنة عشر . ~~PageV01P243 # | 2 ( حجة أبي بكر بالناس : ) # | ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد رجوعه من تبوك - بقية رمضان ~~وشوال وذا القعدة - ثم بعث أبا بكر رضي الله عنه أميرا على الحج ليقيم ~~للناس حجهم . وأهل الشرك ms149 على دينهم ومنازلهم من حجهم . فخرج أبو بكر في ~~ثلاثمائة من المدينة . وبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرين بدنة ~~. قلدها وأشعرها بيده . ثم نزلت سورة براءة في نقض ما بين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه . فأرسل بها علي بن ~~أبي طالب على ناقته العضباء ، ليقرأ براءة على الناس . وينبذ إلى كل ذي عهد ~~عهده . فلما لقي أبا بكر قال له : ' أمير أو مأمور ؟ فقال علي : بل مأمور ' ~~فلما كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب . فقال : ' يا أيها الناس ، لا ~~يدخل الجنة كافر ، ولا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان . ومن ~~كان له عهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو إلى مدته ' . PageV01P244 # | 2 ( حجة الوداع : ) # | فلما دخل ذو القعدة ، تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم للحج ، وأمر ~~الناس بالجهاز له . وأمرهم أن يلقوه . فخرج معه من كان حول المدينة وقريبا ~~منها . وخرج المسلمون من القبائل القريبة والبعيدة حتى لقوه في الطريق ، ~~وفي مكة ، وفي منى وعرفات ، وجاء علي من اليمن مع أهل اليمن . وهي حجة ~~الوداع . | فخرج لها لخمس بقين من ذي القعدة في آخر سنة عشر . فمضى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، وساق معه الهدي . فأرى الناس مناسكهم ، وعلمهم ~~سنن حجهم . وهو صلى الله عليه وسلم يقول لهم ويكرر عليهم ' أيها الناس خذوا ~~عني مناسككم . فلعلكم لا تلقوني بعد عامكم هذا ' . | ولما كانت بمنى خطب ~~الناس خطبته التي بين فيها ما بين : ' فحمد الله وأثنى عليه . ثم قال : ~~أيها الناس : اسمعوا قولي . فإني لا أدري ، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا . ~~أيها الناس ، إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم . ~~وكل ربا موضوع . وأول ربا أضعه : ربا العباس بن عبد المطلب . فإنه موضوع ~~كله . وإن كل دم في الجاهلية موضوع ، وأول دم أضعه : دم ربيعة بن الحارث بن ~~عبد المطلب . وإني تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لم ms150 تضلوا - كتاب الله ، ~~وأنتم مسئولون عني . فما أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أنك قد بلغت ، وأديت ، ~~ونصحت . فجعل يرفع إصبعه إلى السماء ، وينكبها إليهم ، ويقول : اللهم اشهد ~~- ثلاث مرات ' . PageV01P245 | وكانت هذه الحجة تسمى ' حجة الوداع ' لأنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يحج بعدها . | فلما انقضى حجه ، رجع إلى المدينة . ~~فأقام صلى الله عليه وسلم بقية ذي الحجة والمحرم وصفر . | ثم ابتدأ برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وجعه الذي مات فيه في آخر صفر . # | 2 ( بعث أسامة بن زيد إلى البلقاء : ) # | ولما كان يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة . أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الناس بالتهيؤ لغزو الروم . فلما كان من الغد دعا ~~أسامة بن زيد . وأمره أن يسير إلى موضع مقتل أبيه زيد بن حارثة ، وأن يوطيء ~~الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين . فتجهز الناس ، وأوعب مع أسامة ~~المهاجرون والأنصار . | ثم استبطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس في ~~بعث أسامة - وهو في وجعه - فخرج عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر - وكان ~~المنافقون قد قالوا في إمارة أسامة : أمر غلاما حدثا على جلة المهاجرين ~~والأنصار . فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا . وخرج عاصبا ~~رأسه - وكان قد بدأ به الوجع - فصعد المنبر ' فحمد الله وأثنى عليه ، ثم ~~قال : أيها الناس ، أنفذوا بعث أسامة ، فلئن طعنتم في إمارته فقد طعنتم في ~~إمارة PageV01P246 أبيه . وأيم الله إن كان لخليقا للإمارة . وأن ابنه من ~~بعده لخليق للأمارة ، وإن كان أبوه لمن أحب الناس إلي . وإن هذا لمن أحب ~~الناس إلي من بعده ' ثم نزل . | وانكمش الناس في جهازهم . فاشتد برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وجعه . وخرج أسامة بجيشه ، فعسكر بالجرف ، وتتام إليه ~~الناس . فأقاموا لينظروا ما الله تبارك وتعالى قاض في رسوله صلى الله عليه ~~وسلم . # | 2 ( مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم : ) # | قال ابن إسحاق : حدثت عن أسامة قال : ' لما ثقل برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، هبطت وهبط الناس ms151 معي إلى المدينة ، فدخلت على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، وقد أصمت ، فلا يتكلم . وجعل يرفع يده إلى السماء ثم ~~يضعها علي . أعرف أنه يدعو لي ' . | قال ابن إسحاق : وحدثت عن أبي مويهبة ~~مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' بعثني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من جوف الليل . فقال : يا أبا مويهبة ، قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا ~~البقيع ، فانطلق معي . فانطلقت معه . فلما وقف عليه قال : السلام عليكم يا ~~أهل المقابر ، ليهن لكم ما أصبحتم فيما أصبح الناس فيه . أقبلت الفتن مثل ~~قطع الليل المظلم ، يتبع أخراها أولاها ، الآخرة شر من الأولى . ثم أقبل ~~علي ، فقال : إني قد أعطيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها . فخيرت بين ~~ذلك وبين لقاء ربي والجنة . فقلت : بأبي أنت وأمي ، فخذ مفاتيح خزائن ~~الدنيا وتخلد فيها ، ثم الجنة . قال : لا والله ، يا أبا مويهبة . قد اخترت ~~لقاء ربي والجنة . ثم استغفر لأهل البقيع ، ثم انصرف ' . PageV01P247 | ~~فبدأ به وجعه . فلما استعز به ، دعا نساءه فاستأذنهن : أن يمرض في بيت ~~عائشة رضي الله عنها ، فأذن له . | وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : ~~' خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إن الله خير عبدا بين الدنيا ~~وبين ما عنده ، فاختار ذلك العبد ما عند الله ، فبكى أبو بكر ، فتعجبنا ~~لبكائه : أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خير ! فكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هو المخير . وكان أبو بكر أعلمنا . فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : إن من أمن الناس علي في صحبته وماله : أبو بكر . ولو ~~كنت متخذا خليلا - غير ربي - لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن أخوة الإسلام ~~ومودته . لا يبقين في المسجد باب إلا سد ، إلا باب أبي بكر ' . | وفي ~~الصحيح : ' أن ابن عباس وأبا بكر مرا بمجلس للأنصار ، وهم يبكون . فقالا : ~~ما يبكيكم ؟ قالوا : ذكرنا مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم منا . فدخل ~~على النبي صلى الله عليه وسلم . فأخبره بذلك ms152 . فخرج ، وقد عصب على رأسه ~~بحاشية برد . فصعد المنبر - ولم يصعده بعد ذلك اليوم - فحمد الله ، وأثنى ~~عليه ، ثم قال : أوصيكم بالأنصار خيرا . فإنهم كرشي وعيبتي . وقد قضوا الذي ~~عليهم . وبقي الذي لهم . فاقبلوا من محسنهم . وتجاوزوا عن مسيئهم ' . | وفي ~~الصحيح عن أبي موسى الأشعري قال : ' اشتد مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~، فقال : مروا أبا بكر ، فليصل بالناس ، قالت عائشة : يا رسول الله ، إنه ~~رجل رقيق ، إذا قام مقامك لا يسمع الناس ، فلو أمرت عمر ؟ قال : مروا أبا ~~بكر فليصل بالناس ، فعادت . فقال : PageV01P248 مروا أبا بكر فليصل بالناس ~~، فإنكن صواحب يوسف . فأتاه الرسول . فصلى بالناس في حياة النبي صلى الله ~~عليه وسلم . قالت : ووالله ما أقول إلا أني أحب أن يصرف ذلك عن أبي بكر ، ~~وعرفت أن الناس لا يحبون رجلا قام مقامه أبدا . وأن الناس سيتشاءمون به في ~~كل حدث كان . فكنت أحب أن يصرف ذلك عن أبي بكر ' . # | 2 ( موت رسول الله صلى الله عليه وسلم : ) # | قال الزهري : حدثني أنس ، قال : ' كان يوم الاثنين الذي قبض فيه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، خرج إلى الناس ، وهم يصلون الصبح فرفع الستر ~~وفتح الباب . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقام على باب عائشة . ~~فكاد المسلمون يفتنون في صلاتهم - فرحا به ، حين رأوه ، وتفرجو عنه - فأشار ~~إليهم : أن اثبتوا على صلاتكم ، قال : وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سرورا ، لما رأى من هيأتهم في صلاتهم . وما رؤى أحسن منه هيئة تلك الساعة . ~~قال : ثم رجع ، وانصرف الناس ، وهم يرون أنه قد أفرق من وجعه . وخرج أبو ~~بكر إلى أهله بالسنح . فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الضحى ~~من ذلك اليوم ' . | قال ابن إسحاق : قال الزهري حدثني سعيد بن المسيب عن ~~أبي هريرة قال : ' لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عمر . فقال : ~~إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفي ، ~~وإن رسول الله صلى ms153 الله عليه وسلم والله ما مات ، ولكنه قد ذهب إلى ربه ، ~~كما ذهب موسى بن عمران . فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ، ثم رجع إليهم بعد ~~أن قيل مات . والله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P249 بعد ~~حين ، كما رجع موسى ، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنه قد مات . قال : ~~وأقبل أبو بكر ، حتى نزل على باب المسجد . حين بلغه الخبر - وعمر يكلم ~~الناس - فلم يلتفت إلى شيء ، حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~بيت عائشة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى في ناحية البيت ، عليه برد ~~حبرة . فأقبل حتى كشف عن وجهه . ثم أقبل عليه فقبله ثم قال : بأبي أنت وأمي ~~، أما الموتة التي كتبها الله عليك : فقد ذقتها ، ثم لن تصيبك بعدها موتة ~~أبدا . ثم رد البرد على وجهه . وخرج - وعمر يكلم الناس - فقال : على رسلك ~~يا عمر ، أنصت . فأبى إلا أن يتكلم . فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على ~~الناس . فلما سمع الناس كلام أبي بكر أقبلوا عليه ، وتركوا عمر . فحمد الله ~~تعالى ، وأثنى عليه . ثم قال : أيها الناس ، إنه من كان يعبد محمدا . فإن ~~محمدا قد مات . ومن كان يعبد الله تعالى ، فإن الله حي لا يموت . قال : ثم ~~تلا هذه الآية ؛ ^ ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ، أفإن مات أو ~~قتل : انقلبتم على أعقابكم ؟ ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا . ~~وسيجز الله الشاكرين ) ^ الآية . | قال : فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن ~~هذه الآية نزلت ، حتى تلاها أبو بكر يومئذ ، قال : وأخذها الناس عن أبي بكر ~~، فإنما هي في أفواههم . قال أبو هريرة فقال عمر : فو الله ما هو إلا أن ~~سمعت أبا بكر تلاها . فعثرت حتى وقعت إلى الأرض ، ما تحملني رجلاي ، ~~فاحتملني رجلان ، وعرفت أن رسول الله قد مات ' . PageV01P250 # | 2 ( حديث السقيفة : ) # | فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم : انحاز هذا الحي من الأنصار ~~إلى سعد بن عبادة في سقيفة ms154 بني ساعدة . واعتزل علي بن أبي طالب ، والزبير ~~بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة . وانحاز المهاجرون إلى أبي ~~بكر وعمر ، ومعهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل . فأتى آت إلى أبي بكر ~~وعمر ، فقال : إن هذا الحي من الأنصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة ~~قد انحازوا إليه . فإن كان لكم بأمر الناس من حاجة ، فأدركوا الناس قبل أن ~~يتفاقم أمرهم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته لم يفرغ من أمره ، ~~قد أغلق دونه الباب أهله . فقال عمر لأبي بكر : انطلق بنا إلى إخواننا ~~هؤلاء من الأنصار ، حتى ننظر ما هم عليه . | قال ابن إسحاق : وكان من حديث ~~السقيفة : أن عبد الله بن أبي بكر حدثني عن محمد بن شهاب الزهري عن عبيد ~~الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال : أخبرني عبد الرحمن بن ~~عوف - وكنت في منزله بمنى أنتظره ، وهو عند عمر في آخر حجة حجها عمر - قال ~~: فرجع عبد الرحمن من عند عمر ، فوجدني في منزله بمنى أنتظره ، وكنت أقرئه ~~القرآن . فقال لي : لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين فقال : هل لك في فلان ؟ ~~يقول : والله لو قد مات عمر لقد بايعت فلانا . والله ما كانت بيعة أبي بكر ~~إلا فلتة فتمت . فغضب عمر ، وقال : إني - إن شاء الله - لقائم العشية في ~~الناس ، فمحذرهم من هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم قال عبد الرحمن : ~~فقلت لا تفعل ، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغائهم ، وإنهم الذين يغلبون ~~على قربك PageV01P251 حين تقوم في الناس . وإني أخشى أن تقوم فتقول مقالة ~~يطيرها أولئك عنك كل مطير ، ولا يعوها ولا يضعوها على مواضعها . فأمهل ، ~~حتى تقدم المدينة . فإنها دار السنة ، وتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ~~ما قلت بالمدينة متمكنا ، فيعي أهل الفقه مقالتك ، ويضعوها على مواضعها . ~~فقال عمر : أما والله - إن شاء الله - لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة ~~. | قال ابن عباس : فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة ms155 . فلما كان يوم الجمعة ~~، عجلت الرواح حين زالت الشمس . فأجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا ~~إلى ركن المنبر ، فجلست حذوه ، تمس ركبتاي ركبتيه . فلم أنشب أن خرج عمر . ~~| فقلت لسعيد : ليقولن الساعة على هذا المنبر مقالة لم يقلها منذ استخلف ~~فأنكر علي سعيد ذلك . وقال : وما عسى أن يقول مما لم يقل قبله ؟ فجلس على ~~المنبر . | فلما سكت المؤذن ، قام ، فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال : ~~أما بعد ، فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها . ولا أدري : لعلها بين ~~يدي أجلي ؟ فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته . ومن خشي أن ~~لا يعيها ، فلا أحل لأحد أن يكذب علي . إن الله بعث محمدا صلى الله عليه ~~وسلم بالحق ، وأنزل عليه الكتاب ، فكان مما أنزل عليه : آية الرجم ، ~~فقرأناها ووعيناها . وعقلناها . ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا ~~بعده . فأخشى - إن طال بالناس زمان - أن يقول قائل : والله ما نجد آية ~~الرجم في كتاب الله ، فيضلو بترك فريضة قد أنزلها الله . وإن الرجم في كتاب ~~الله حق على من زنا ، إذا أحصن ، من PageV01P252 الرجال والنساء ، إذا قامت ~~البينة ، أو كان الحبل أو الاعتراف . ثم إنا قد كنا نقرأ فيما نقرأ من ~~الكتاب : ^ ( لا ترغبوا عن آبائكم ، فإنه كفر بكم - أو كفر لكم - أن ترغبوا ~~عن آبائكم ) ^ إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' لا تطروني كما ~~أطري عيسى ابن مريم ، فإنما أنا عبد ، فقولوا : عبد الله ورسوله ' ثم إنه ~~قد بلغني أن فلانا قال : لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانا . فلا ~~يغترن مرؤ يقول : إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمت - ألا وإنها والله قد ~~كانت كذلك ، إلا أن الله وقى شرها ، وليس فيكم من تنقطع الأعناق إليه مثل ~~أبي بكر . فمن بايع رجلا عن غير مشورة المسلمين . فإنه لا بيعة له هو ، ولا ~~الذي بايعه ، تغرة أن يقتلا . إنه كان من خبرنا - حين توفى الله ms156 نبيه محمدا ~~صلى الله عليه وسلم - : أن الأنصار خالفونا ، فاجتمعوا بأشرافهم في سقيفة ~~بني ساعدة . وتخلف عنا علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ومن معهما . ~~واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر . فقلت لأبي بكر : انطلق بنا إلى إخواننا ~~هؤلاء الأنصار . فانطلقنا نؤمهم ، حتى لقينا منهم رجلان صالحان . فذكرا لنا ~~ما تمالأ عليه القوم . وقالا لنا : أين تريدون يا معاشر المهاجرين ؟ قلنا : ~~نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار . فقالا : لا عليكم ، ألا تقربوهم يا معشر ~~المهاجرين ، اقضوا أمركم . قال : قلت : والله لنأتينهم . PageV01P253 | ~~فانطلقنا ، حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة . فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل ، ~~فقلت : من هذا ؟ فقالوا : سعد بن عبادة . قلت : ماله ؟ قالوا وجع . فلما ~~جلسنا ، تشهد خطيبهم . فأثنى على الله عز وجل بما هو له أهل ، ثم قال : أما ~~بعد ، فنحن أنصار الله ، وكتيبة الإسلام ، وأنتم يا معشر المهاجرين ، رهط ~~منا . وقد دفت دافة من قومكم . قال : وإذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا ~~، ويغتصبونا الأمر . | فلما سكت أردت أن أتكلم - وقد زورت في نفسي مقالة قد ~~أعجبتني ، أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر . وكنت أداري منه بعض الحد . | ~~فقال أبو بكر : على رسلك يا عمر ، فكرهت أن أعصيه . فتكلم - وهو كان أعلم ~~مني وأحكم وأحلم وأوقر - فو الله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا ~~قالها في بديهته ، أو أفضل . حتى سكت . | فقال : أما بعد ، فما ذكرتم فيكم ~~من خير : فأنتم له أهل . ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش . ~~هم أوسط العرب نسبا ودارا . وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين . فبايعوا الآن ~~أيهما شئتم . فأخذ بيدي ، وبيد أبي عبيدة عامر بن الجراح - وهو جالس بيننا ~~- فلم أكره شيئا مما قال غيرها ، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ~~ذلك إلى إثم ، أحب إلى من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر . | قال : فقال ~~قائل من الأنصار : أنا جذيلها المحكك وغذيقها المرجب ، منا أمير ومنكم أمير ~~، يا معشر قريش . PageV01P254 | قال : فكثر اللغط ، وارتفعت ms157 الأصوات ، حتى ~~خشينا الاختلاف . | فقلت : ابسط يدك يا أبا بكر . فبسطها ، فبايعته . ثم ~~بايعه المهاجرون . ثم بايعه الأنصار . ونزونا على سعد بن عبادة . | فقال ~~قائل منهم : قتلتم سعد بن عبادة . قال : فقلت : قتل الله سعد بن عبادة . # | 2 ( بيعة العامة لأبي بكر : ) # | ولما بويع أبو بكر في السقيفة ، وكان الغد ، جلس أبو بكر على المنبر . ~~فقام عمر قبل أبي بكر فتكلم فحمد الله ، وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال ~~أيها الناس . إني قد قلت لكم بالأمس مقالة ، ما كانت وما وجدتها في كتاب ~~الله . ولا كانت عهدا عهده إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولكني قد ~~كنت أرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدبر أمرنا - يقول : يكون آخرنا ~~- وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى رسوله صلى الله عليه وسلم . فإن ~~اعتصمتم به هداكم الله لما كان هدى له رسوله . إن الله قد جمعكم على خيركم ~~- صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وثاني اثنين إذ هما في الغار - ~~فقوموا فبايعوه . فبايع الناس أبا بكر البيعة العامة ، بعد بيعة السقيفة . ~~| ثم تكلم أبو بكر رضي الله عنه . فحمد الله ، وأثنى عليه بالذي هو أهله . ~~ثم قال : ' أما بعد ، أيها الناس ، فإني قد وليت عليكم . ولست بخيركم ، فإن ~~أحسنت فأعينوني . وإن أسأت فقوموني . الصدق أمانة ، والكذب خيانة . والضعيف ~~فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله . والقوي فيكم ضعيف ، حتى آخذ ~~الحق منه ، إن شاء الله . PageV01P255 لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ~~ضربهم الله بالذل . ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء . ~~أطيعوني ما أطعت الله ورسوله . فإذ عصيت الله ورسوله ، فلا طاعة لي عليكم ' ~~. # | 2 ( فضيلة أبي بكر الصديق وخلافته الراشدة : ) # | وعن ربيعة - أحد الصحابة - رضي الله عنهم قال : قلت لأبي بكر رضي الله ~~عنه : ' ما حملك على أن تلي أمر الناس ، وقد نهيتني أن أتأمر على اثنين ؟ ~~قال : لم أجد من ذلك بدا ، خشيت على أمة ms158 محمد الفرقة ' وفي رواية : ' تخوفت ~~أن تكون فتنة ، تكون بعدها ردة ' . | وعن عائشة رضي الله عنها ، قالت : ' ~~لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم اشرأب النفاق ، وارتدت العرب ، ~~وانحازت الأنصار ، فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها . فما ~~اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بفضلها ' . | وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه ~~قال : ' والذي لا إله إلا هو ، لولا أن أبا بكر استخلف ، ما عبد الله - ثم ~~قال الثانية ، ثم قال الثالثة - فقيل له : مه ، يا أبا هريرة . فقال إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام . ~~فلما نزل بذي خشب قبض رسول الله ، وارتدت العرب . واجتمع إليه الصحابة . ~~فقالوا : رد هؤلاء توجه هؤلاء إلى الروم ، وقد ارتدت العرب حول المدينة ؟ ~~فقال : والذي لا إله إلا هو ، لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم PageV01P256 ، ما رددت جيشا وجهه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، ولا حللت لواء عقده . فوجه أسامة . فجعل لا يمر بقبائل يريدون ~~الارتداد ، إلا قالوا : لولا أن لهؤلاء قوة ، ما خرج مثل هؤلاء من عندهم . ~~ولكن ندعم حتى يلقوا الروم . فلقوا الروم ، فهزموهم . ورجعوا سالمين . ~~فثبتوا على الإسلام . ولله الحمد . # | 2 ( قصة الردة . أعاذنا الله منها : ) # | قد تقدم من رسول الله صلى الله عليه وسلم إخباره بالفتن الكائنة بعده ، ~~وإنذاره عنها ، وإخباره خاصة عن الردة . | من ذلك : ما في الصحيح عن أبي ~~سعيد الخدري رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' بينا ~~أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب . فكرهتهما . فنفختهما . فطارا ~~فأولتهما كذابين يخرجان ' . | وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ثلاث من نجا منهن فقد نجا : من موتي ~~، ومن قتل خليفة مصطبر بالحق معطيه ، ومن الدجال ' . | وفي الصحيح عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال : ' لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان ~~أبو بكر ، وكفر من ms159 كفر من العرب ، قال عمر لأبي بكر : كيف تقاتل الناس ، ~~وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس ، حتى يقولوا ~~: لا إله إلا الله . فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ، إلا بحقها ؟ ~~فقال أبو بكر : فإن الزكاة من حقها . والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة ~~والزكاة ، والله لو منعوني عناقا PageV01P257 كانوا يؤدونها إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لقاتلهم على منعها . قال عمر : فما هو إلا أن رأيت الله ~~قد شرح صدر أبي بكر للقتال ، فعرفت أنه الحق . قال عمر : والله لرجح إيمان ~~أبي بكر بإيمان هذه الأمة جميعا في قتال أهل الردة ' . | وذكر يعقوب بن ~~سعيد بن عبيد ، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن جماعة قالوا : ' كان أبو ~~بكر أمير الشاكرين : الذين ثبتوا على دينهم وأمير الصابرين : الذين صبروا ~~على جهاد عدوهم - وهم أهل الردة - وذلك : أن العرب افترقت في ردتها . فقالت ~~فرقة : لو كان نبيا ما مات . وقالت فرقة : انقضت النبوة بموته . فلا نطيع ~~أحدا بعده . وفي ذلك يقول قائلهم : # % أطعنا رسول الله ما كان بيننا % % فيا لعباد الله ، ما لأبي بكر ؟ % # % أيورثها بكرا إذا مات بعده % % فتلك لعمر الله قاصمة الظهر % % وقالت ~~فرقة : نؤمن بالله . وقال بعضهم : نؤمن بالله ، ونشهد أن محمدا رسول الله ، ~~ولكن لا نعطيكم أموالنا . | فجادل الصحابة أبا بكر رضي الله عنهم ، وقالوا ~~: احبس جيش أسامة ، فيكون أمانا بالمدينة ، وأرفق بالعرب حتى يتفرج هذا ~~الأمر . فلو أن طائفة ارتدت ، قلنا : قاتل بمن معك من ارتد . وقد أصفقت ~~العرب على الارتداد . وقدم على أبي بكر عيينة بن حصن ، والأقرع بن حابس في ~~رجال من أشراف العرب . فدخلوا على رجال من المهاجرين ، فقالوا : إنه قد ~~ارتد عامة من ورائنا عن الإسلام . وليس في أنفسهم أن يؤدوا إليكم ~~PageV01P258 ما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإن ~~تجعلوا لنا جعلا كفيناكم . فدخل الصحابة على أبي بكر ، فعرضوا عليه ذلك . ~~وقالوا : نرى أن تطعم الأقرع وعيينة طعمة يرضيان بها ، ويكفيانك ms160 من ورءهما ~~، حتى يرجع إلينا أسامة وجيشه ، ويشتد أمرك ، فإنا اليوم قليل في كثير . | ~~فقال أبو بكر : فهل ترون غير ذلك ؟ فقالوا : لا . | قال : قد علمتم أن من ~~عهد نبيكم إليكم : المشورة فيما لم يمض فيه أمر من نبيكم ، ولا نزل به ~~الكتاب عليكم . وأنا رجل منكم ، تنظرون فيما أشير به عليكم . وإن الله لن ~~يجمعكم على ضلالة . فتجتمعون على الرشد في ذلك . | فأما أنا : فأرى أن ننبذ ~~إلى عدونا . فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر . وألا ترشون على الإسلام ، ~~فنجاهد عدوه كما جاهدهم . والله لو منعوني عقالا ، لرأيت أن أجاهدهم عليه ~~حتى آخذه . وأما قدوم عيينة وأصحابه إليكم : فهذا أمر لم يغب عنه عيينة ، ~~هو راضيه ، ثم جاءوا له . ولو رأوا ذباب السيف ، لعادوا إلى ما خرجوا منه ، ~~أو أفناهم السيف ، فإلى النار . قتلناهم على حق منعوه وكفر اتبعوه . فبان ~~للناس أمرهم . | فقالوا له : أنت أفضلنا رأيا ، ورأينا لرأيك تبع . | فأمر ~~أبو بكر رضي الله عنه الناس بالتجهز ، وأجمع على المسير بنفسه . | وقد كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم - لما صدر من الحج سنة عشر - وقدم المدينة : ~~أقام حتى رأى هلال المحرم سنة إحدى عشرة . فبعث المصدقين في العرب . ~~PageV01P259 # | 2 ( نفع الله طيئا بعدي بن حاتم : ) # | فلما بلغهم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم : اختلفوا . فمنهم من ~~رجع . ومنهم من أدى إلى أبي بكر ، منهم عدي بن حاتم ، كانت عنده إبل عظيمة ~~من صدقات قومه ، فلما ارتد من ارتد ، وارتدت بنو أسد - وهم جيرانهم - ~~اجتمعت طيء إلى عدي . فقالوا : إن هذا الرجل قد مات ، وقد انتقض الناس بعده ~~، وقبض كل قوم ما كان في أيديهم من صدقاتهم ، فنحن أحق بأموالنا من شذاذ ~~الناس . | فقال : ألم تعطوا العهد طائعين غير مكرهين ؟ | قالوا : بلى ، ~~ولكن حدث ما ترى ، وقد ترى ما صنع الناس . | فقال : والذي نفس عدي بيده ، ~~لا أخيس بها أبدا . فإن أبيتم ، فو الله لأقاتلنكم . فليكونن أول قتيل يقتل ~~على وفاء ذمته : عدي بن حاتم ، أو يسلمها ms161 . فلا تطعموا أن يسب حاتم في قبره ~~، وعدي ابنه من بعده . فلا يدعونكم غدر غادر إلى أن تغدروا . فإن للشيطان ~~قادة عند موت كل نبي يستخف بها أهل الجهل ، حتى يحملهم على قلائص الفتنة . ~~وإنما هي عجاجة لا ثبات لها ، ولا ثبات فيها . إن لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خليفة من بعده يلي هذا الأمر . وإن لدين الله أقواما سينهضون به ~~ويقومون ، بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذؤابتيه في السماء . لئن ~~فعلتم ليقارعنكم عن أموالكم ونسائكم بعد قتل عدي وغدركم ، فأي قوم أنتم عند ~~ذلك ؟ . | فلما رأوا منه الجد كفوا عنه . وأسلموا له . PageV01P260 | فلما ~~كان زمن عمر : رأى من عمر جفوة . فقال له عدي : ما أراك تعرفني ؟ قال عمر : ~~بلى والله . والله يعرفك في السماء . أعرفك والله ، أسلمت إذ كفروا ، ووفيت ~~إذ غدروا ، وأقبلت إذا أدبروا . وأيم الله أعرفك . # | 2 ( قتال أهل الردة : ) # | ولما كان من العرب ما كان ، ومنع من منع منهم الصدقة . جد بأبي بكر ~~الجد في قتالهم . وأراه الله رشده فيهم . وعزم على الخروج بنفسه . فخرج في ~~مائة من المهاجرين والأنصار ، وخالد يحمل اللواء ، حتى نزل بقعاء ، يريد أن ~~يتلاحق الناس ، ويكون أسرع لخروجهم . ووكل بالناس محمد بن مسلمة يستحثهم . ~~وأقام ببقعاء أياما ينتظر الناس . ولم يبق أحد من المهاجرين والأنصار إلا ~~خرج . | فقال عمر : ارجع يا خليفة رسول الله ، تكن للمسلمين فئة ، فإنك إن ~~تقتل يرتد الناس ، ويعلو الباطل الحق . فدعا زيد بن الخطاب ليستخلفه ، فقال ~~: قد كنت أرجو أن أرزق الشهادة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم ~~أرزقها . وأنا أرجو أن أرزقها في هذا الوجه . وإن أمير الجيش لا ينبغي أن ~~يباشر القتال بنفسه . | فدعا أبا حذيفة بن عتبة ، فعرض عليه ذلك ، فقال ~~مثلما قال زيد . فدعا سالما مولى أبي حذيفة ، فأبى عليه . فدعا خالدا فأمره ~~على الناس ، وكتب معه هذا الكتاب . | ' بسم الله الرحمن الرحيم . | ' هذا ~~ما عهد أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلى خالد ms162 PageV01P261 ~~ابن الوليد ، حين بعثه لقتال من رجع عن الإسلام إلى ضلالة الجاهلية ، ~~وأماني الشيطان . وأمره : أن يبين لهم الذي لهم في الإسلام والذي عليهم ، ~~ويحرض على هداهم . فمن أجابه قبل منه ، وإنما يقاتل من كفر بالله على ~~الإيمان بالله . فإذا أجاب إلى الإيمان ، وصدق إيمانه : لم يكن له عليه سبل ~~. وكان الله حسيبه بعد في عمله . ولا يقبل من أحد شيئا أعطاه إياه إلا ~~الإسلام ، والدخول فيه ، والصبر به وعليه . ولا يدخل في أصحابه حشوا من ~~الناس ، حتى يعرف : علام اتبعوه ، وقاتلوا معه ؟ فإني أخشى أن يكون معكم ~~ناس يتعوذون بكم ، ليسوا منكم ، ولا على دينكم . فيكونون عونا عليكم . ~~وأرفق بالمسلمين في مسيرهم ومنازلهم ، وتفقدهم . ولا تعجل بعض الناس عن بعض ~~في المسير ، ولا في الارتحال . واستوص بمن معك من الأنصار خيرا . فإن فيهم ~~ضيقا ومرارة وزعارة ، ولهم حق وفضيلة وسابقة ووصية من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم . فاقبل من محسنهم ، وتجاوز من مسيئهم ' . | ويروى أن أبا بكر ~~كتب مع هذا كتابا آخر ، وأمر خالدا أن يقرأه في كل مجمع . وهو : # | 2 ( كتاب أبي بكر لأمرائه : ) # | ' بسم الله الرحمن الرحيم | من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، إلى من بلغه كتابي هذا ، من عامة الناس أو خاصتهم ، أقام على إسلام ~~أو راجع عنه . سلام على من اتبع الهدى ، ولم يرجع بعد الهدى إلى الضلالة ~~والعمى . فإني أحمد PageV01P262 إليكم الله الذي لا إله إلا هو . وأشهد أن ~~لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، الهادي غير المضل . أرسله ~~بالحق من عنده إلى خلقه ، بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه ؛ وسراجا ~~منيرا . لينذر من كان حيا ؛ ويحق القول على الكافرين . فهدى الله بالحق من ~~أجاب إليه ؛ وضرب بالحق من أدبر عنه ؛ حتى صاروا إلى الإسلام طوعا وكرها . ~~ثم أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك أجله . وقد كان الله بين له ~~ذلك لأهل الإسلام في الكتاب الذي أنزل عليه ، فقال : @QB@ إنك ميت وإنهم ~~ميتون ms163 @QE@ وقال : @QB@ وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالد ~~@QE@ الآية وقال للمؤمنين : @QB@ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~@QE@ الآية فمن كان إنما يعبد محمدا ، فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد ~~الله وحده ، لا شريك له ، فإن الله له بالمرصاد ، حي قيوم لا يموت ، ولا ~~تأخذه سنة ولا نوم ، حافظ لأمره ، منتقم من عدوه ومجزيه ، وإني أوصيكم أيها ~~الناس بتقوى الله . وأحضكم على حظكم ونصيبكم من الله ، وما جاء به نبيكم ~~صلى الله عليه وسلم . وأن تهتدوا بهداه وتعتصموا بدين الله . فإن كل من لم ~~يحفظ الله ضائع ، وكل من لم يصدقه كاذب ، وكل من لم يسعده الله شقي ، وكل ~~من لم يرزقه محروم ، وكل من لم ينصره الله مخذول ، فاهتدوا بهدى الله ربكم ~~. فإنه من يهدي الله فهو المهتدي . ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ' . ~~PageV01P263 | ' وإنه قد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه ، بعد أن أقر ~~بالإسلام ، وعمل به ، اغترارا بالله ، وجهالة بأمر الله ، وطاعة للشيطان . ~~قال الله تعالى : @QB@ إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ~~ليكونوا من أصحاب السعير @QE@ وإني قد بعثت إليكم خالدا في المهاجرين ~~والأنصار ، والتابعين لهم بإحسان . وأمرته أن لا يقاتل أحدا حتى يدعوه إلى ~~داعية الله . فمن دخل في دين الله وعمل صالحا قبل ذلك منه ، ومن أبى فلا ~~يبقي على أحد ، ويحرقهم بالنار ، ويسبي الذراري والنساء ' . | وعن عروة بن ~~الزبير قال : ' جعل أبو بكر يوصي خالدا ، ويقول : عليك بتقوى الله ، والرفق ~~بمن معك . فإن معك أهل السابقة من المهاجرين والأنصار . . فشاورهم . ثم لا ~~تخالفهم . وقدم أمامك الطلائع ترتد لك المنازل . وسر في أصحابك على تعبئة ~~جيدة . فإن أعطاك الله الظفر على أهل اليمامة ، فأقل البقيا عليهم ، إن شاء ~~الله ، وإياك أن تلقاني غدا بما يضيق به صدري منك . اسمع عهدي ووصيتي . ولا ~~تغيرن على دار سمعت فيها أذانا ، حتى تعلم ما هم عليه ' . | ' واعلم أن ~~الله يعلم من سريرتك ما يعلم من علانيتك . واعلم ms164 أن رعيتك تعمل بما تراك ~~تعمل ' . | ' تعاهد جيشك ، وانههم عما لا يصلح لهم . فإنما تقاتلون من ~~تقاتلون بأعمالكم . وبهذا نرجو لكم النصر على أعدائكم . سر على بركة الله ~~تعالى ' . PageV01P264 # | 2 ( ذكر مسير خالد إلى بزاخة وغيرها : ) # | لما سار خالد إلى بزاخة ، كان عدي بن حاتم معه ، وقد انضم إليه من طيء ~~ألف ، فنزلوا بزاخة . وكانت جديلة معرضة عن الإسلام - وهي بطن من طيء - ~~وكان عدي بن حاتم رضي الله عنه من الغوث . وقد همت جديلة أن ترتد ، فجاءهم ~~مكنف بن زيد الخيل . فقال : أتريدون أن تصيروا سبة على قومكم ؟ ولم يرجع ~~رجل واحد من طيىء ، وهذا عدي معه ألف رجل من طيىء ، فكسرهم . | فلما نزل ~~خالد بزاخة ، قال لعدي : ألا نسير إلى جديلة ؟ قال : يا أبا سليمان ، أقاتل ~~معك بيدين أحب إليك ، أم بيد واحدة ؟ فقال : بل بيدين . قال : فإن جديلة ~~إحدى يدي ، فكف عنهم . فكف عنهم . | فجاءهم عدي . فدعاهم إلى الإسلام ، ~~فأسلموا . فحمد الله . وسار بهم إلى خالد . فلما رآهم صاح في أصحابه السلاح ~~. فلما جاءوا حلوا ناحية ، فجاءهم خالد ورحب بهم . فاعتذروا إليه . وقالوا ~~: نحن لك حيث شئت . فجزاهم خيرا . فلم يرتد من طيىء رجل واحد . | فسار خالد ~~على تعبئته ، وطلب إليه عدي أن يجعل قومه مقدمة أصحابه . فقال : أخاف أن ~~أقدمهم ، فإذا ألجمهم القتال انكشفوا ، فانكشف من معنا . ولكن دعني أقدم ~~قوما صبرا ، لهم سوابق . | فقال عدي : الرأي ما رأيت - فقدم المهاجرين ~~والأنصار . | ولم يزل يقدم الطلائع منذ خرج من بقعاء حتى قدم اليمامة . ~~PageV01P265 | وأمر عيونه أن يختبروا كل من مروا بهم عند مواقيت الصلاة ~~بالأذان لها ، فيكون ذلك دليلا على إسلامهم . | فلما انتهوا إلى طليحة ~~الأسدي وجدوه وقد ضربت له قبة ، وأصحابه حوله . فضرب خالد خيام عسكره على ~~ميل أو نحوه ، وخرج يسير على فرس ، معه نفر من الصحابة . فوقف قريبا من ~~العسكر . ودعا بطليحة فخرج إليه . فقال : إن من عهد خليفتنا إلينا : أن ~~ندعوك إلى الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن ms165 تعود إلى ما ~~خرجت منه . فأبى طليحة . | وكان عيينة بن حصن قد قال له : لا أبا لك . هل ~~أنت مرينا ؟ - يعني نبوتك - فقد رأيت ورأينا ما كان يأتي محمدا . قال : نعم ~~، فبعث عيونا له ، لما أقبل خالد إليهم ، قبل أن يسمع الناس بإقباله . فقال ~~: إن بعثتم فارسين على فرسين ، أغرين محجلين ، من بني نصر بن قعين ، أتوكم ~~من القوم بعين . فبعثوا كذلك ، فلقيا عينا لخالد . فأتوا به . فزادهم فتنة ~~. | فلما أبى طليحة أن يجيب خالدا ، انصرف خالد إلى معسكره . فاستعمل تلك ~~الليلة على حرسه مكنف بن زيد الخيل ، وعدي بن حاتم . فلما كان من السحر نهض ~~خالد . فعبأ أصحابه ، ووضع ألويته مواضعها . ودفع اللواء الأعظم إلى زيد بن ~~الخطاب . فتقدم به . وتقدم ثابت بن قيس بن شماس بلواء الأنصار . وطلبت طيء ~~لواء . فعقد لهم خالد لواء ، ودفعه إلى عدي . | فلما سمع طليحة الحركة عبأ ~~أصحابه . حتى إذا استوت الصفوف ، زحف بهم خالد حتى دنا من طليحة . فأخرج ~~طليحة أربعين غلاما جلدا ، PageV01P266 فأقامهم في الميمنة ، وقال : اضربوا ~~حتى تأتوا الميسرة . فتضعضع الناس . ولم يقتل أحد حتى أقامهم في الميسرة ، ~~ففعلوا مثل ذلك ، وانهزم المسلمون . | فقال خالد : يا معشر المسلمين ، الله ~~، الله . واقتحم وسط القوم ، وكر معه أصحابه . فاختلطت الصفوف ، ونادى ~~يومئذ مناد من طيء ، عندما حمل أولئك الأربعون : يا خالد ، عليك بسلمى وأجا ~~- جبلي طيء - فقال : بل إلى الله الملتجأ ، ثم حمل فما رجع ، حتى لم يبق من ~~الأربعين رجل واحد . وتراد الناس بعد الهزيمة ، واشتد القتال . وأسر حبال ~~بن أبي حبال ، فأرادوا أن يبعثوا به إلى أبي بكر . فقال اضربوا عنقي ، ولا ~~تروني محمديكم هذا ، فضربوا عنقه . | ولما اشتد القتال : تزمل طليحة بكساء ~~له ، وهم ينتظرون أن ينزل عليه الوحي فلما طال ذلك على أصحابه ، وهدتهم ~~الحرب ، جعل عيينة يقاتل ويذمر الناس ، حتى إذا ألح المسلمون عليهم السيف ، ~~أتى طليحة ، وهو في كسائه . فقال : لا أبا لك ، هل أتاك جبريل بعد ؟ قال : ~~لا والله . قال : تبا لك سائر اليوم . ثم ms166 رجع عيينة فقاتل ، وجعل يحض ~~أصحابه على القتال ، وقد ضجوا من وقع السيوف . فلما طال ذلك عليهم . جاء ~~إلى طليحة وهو متلفف بكسائه ، فجبذه جبذة شديدة جلس منها . وقال : قبح الله ~~هذه من نبوة ، ما قيل لك بعد شيء ؟ قال : بلى ، قد قيل لي : إن لك رحى ~~كرحاه ، وأمرا لن تنساه . | فقال عيينة : أظن أن قد علم الله أنه سيكون لك ~~حديث لن تنساه ، يا بني فزارة هكذا - وأشار تحت الشمس - انصرفوا . هذا ~~والله كذاب . PageV01P267 ما بورك لنا ولا له فيما يطلب . فانصرفت فزارة ، ~~وذهب عيينة وأخوه في آثارهما . فأدرك عيينة فأسر . وأفلت أخوه . | ولما رأى ~~طليحة ما فعل أصحابه خرج منهزما . فجعل أصحابه يقولون : ماذا تأمرنا ؟ وقد ~~كان أعد فرسه ، وهيأ امرأته . فوثب على فرسه وحمل امرأته وراءه . ثم ولى ~~هاربا . قال : من استطاع منكم أن يفعل هكذا فليفعل ، ثم هرب حتى قدم الشام ~~. | وذكر : أنه قال لأصحابه ، لما رأى انهزامهم : ويلكم ، ما يهزمكم ؟ فقال ~~له رجل : أنا أخبرك ، إنه ليس منا رجل إلا وهو يحب أن صاحبه يموت قبله ، ~~وإنا نلقى قوما كلهم يحب أن يموت قبل صاحبه . | ولما ولى طليحة هاربا ، ~~تبعه عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم . وكان طليحة قد أعطى الله عهدا : أن لا ~~يسأله أحد النزول إلا فعل . فلما أدبر ناداه عكاشة بن محصن : يا طليحة ، ~~فعطف عليه ، فقتل عكاشة ، ثم أدركه ثابت ، فقتله أيضا طليحة . ثم لحق ~~المسلمون أصحاب طليحة فقتلوا وأسروا . وصاح خالد : لا يطبخن رجل قدرا ، ولا ~~يسخنن ماء ، إلا وأثفيته رأس رجل . PageV01P268 | وتلطف رجل من بني أسد حتى ~~وثب على عجز راحلة خالد ، فقال : أنشدك الله ، أن لا يكون هلاك مضر على يدك ~~، يا خالد حكمك في بني أسد . | فنادى خالد : من قام فهو آمن . فقام الناس ~~كلهم . | وسمعت بذلك بنو عامر . فأعلنوا الإسلام . | وأمر خالد بالحظائر أن ~~تبنى ، ثم أوقد فيها النار ، ثم أمر بالأسرى فألقيت فيها . وألقى فيها ~~يومئذ حامية بن سبيع الذي استعمله رسول الله صلى الله ms167 عليه وسلم على صدقات ~~قومه . | وأخذت أم طليحة ، فعرض عليها الإسلام ، فوثبت . وأخذت فحمة من ~~النار ، وهي تقول : يا موت عم صباحا ، كافحته كفاحا ، إذا لم أجد براحا . | ~~وذكر الواقدي : أن خالدا جمع الأسرى في الحظائر . ثم أضرمها عليهم فاحترقوا ~~أحياء . ولم يحرق أحدا من فزارة . | فقيل لبعض أهل العلم : لم حرق هؤلاء من ~~بين أهل الردة ؟ فقال : بلغته عنهم مقالة سيئة ، وثبتوا على ردتهم . | وعن ~~ابن عمر قال : شهدت بزاخة مع خالد . فأظفرنا الله على طليحة . وكنا كلما ~~أغرنا على قوم سبينا الذراري ، واقتسمنا الأموال ' . # | 2 ( ذكر رجوع بني عامر وغيرهم إلى الإسلام : ) # | ولما أوقع الله ببني أسد وفزارة ما أوقع ببزاخة ، بث خالد السرايا ، ~~ليصيبوا من قدروا عليه ممن هو على ردته . وجعلت العرب تسير إلى خالد ، رغبة ~~في الإسلام ، وخوفا من السيف . PageV01P269 | فمنهم من أصابته السرية ، ~~فيقول : جئت راغبا في الإسلام ، وقد رجعت إلى ما خرجت منه . | ومنهم من ~~يقول : ما رجعنا ، ولكن منعنا أموالنا ، فقد سلمناها ، فليأخذ منها حقه . | ~~ومنهم من مضى إلى أبي بكر ، ولم يقرب خالدا . | ثم عمد خالد إلى جبلي طيء - ~~أجا وسلمى - فأتته عامر وغطفان يدخلون الإسلام ، ويسألونه الأمان على ~~مياههم وبلادهم . وأظهروا التوبة . وأقاموا الصلاة . وأقروا بالزكاة . | ~~فأمنهم خالد . وأخذ عليهم العهود والمواثيق : لتبايعن على ذلك أبناءكم ~~ونساءكم آناء الليل وآناء النهار . | فقالوا : نعم ، نعم . | وبعث بعيينة ~~إلى أبي بكر مجموعة يداه في وثاقه ، فجعل غلمان المدينة ينخسونه بالجريد ، ~~ويضربونه . ويقولون : أي عدو الله ، أكفرت بالله بعد إيمانك ؟ فيقول والله ~~ما كنت آمنت بالله قط . | وأخذ خالد من بني عامر وغيرهم من أهل الردة - ممن ~~بايعه على الإسلام - كل ما ظهر من سلاحهم ، واستحلفهم على ما غيبوا منه ، ~~فإذا حلفوا تركهم ، وإن أبو شدهم أسرى حتى أتوا بما عندهم . فأخذ منهم ~~سلاحا كثيرا . فأعطاه أقواما يحتاجون إليه في قتال عدوهم ، وكتبه عليهم ثم ~~ردوه بعد . | وحدث يزيد بن أبي شريك الفزاري عن أبيه قال : قدمت مع أسد ~~وغطفان على أبي بكر ms168 وافدا ، حين فرغ خالد منهم . فقال أبو بكر : ~~PageV01P270 ' اختاروا بين خصلتين : حرب مجلية ، أو سلم مخزية . فقال خارجة ~~بن حصن : هذه الحرب المجلية قد عرفناها ، فما السلم المخزية ؟ قال : تشهدون ~~أن قتلانا في الجنة ، وقتلاكم في النار . وأن تردوا علينا ما أخذتم منا ، ~~ولا نرد عليكم ما أخذنا منكم . وأن تدوا قتلانا ، كل قتيل مائة بعير ، منها ~~أربعون في بطونها أولادها . ولا ندي قتلاكم . ونأخذ منكم الحلقة والكراع ، ~~وتلحقون بأذناب الإبل حتى يرى الله خليفة نبيه والمؤمنين ما شاء فيكم ، أو ~~يرى منكم إقبالا لما خرجتم منه . | فقال خارجة : نعم ، يا خليفة رسول الله ~~. | فقال أبو بكر : عليكم عهد الله وميثاقه أن تقوموا بالقرآن آناء الليل ~~وآناء النهار . وتعلمون أولادكم ونساءكم ، ولا تمنعوا فرائض الله في ~~أموالكم . قالوا نعم ' . | قال عمر : يا خليفة رسول الله ، كل ما قلت كما ~~قلت ، إلا أن يدوا من قتل منا ، فإنهم قوم قتلوا في سبيل الله . | فتتابع ~~الناس على قول عمر . | فقبض أبو بكر كل ما قدر عليه من الحلقة والكراع . | ~~فلما توفي ، رأى عمر : أن الإسلام قد ضرب بجرانه . فدفعه إلى أهله وإلى ~~ورثة من مات منهم . # | 2 ( مسير خالد إلى اليمامة : ) # | فلما فرغ خالد من بزاخة وبني عامر ، أظهر أن أبا بكر عهد إليه : أن ~~يسير إلى أرض بني تميم ، وإلى اليمامة ، فقال ثابت بن قيس - وهو ~~PageV01P271 على الأنصار ، وخالد على جماعة المسلمين - ما عهد إلينا ذلك ، ~~وليس بنا قوة . وقد كل المسلمون ، وعجف كراعهم . فقال خالد : لا أستكره ~~أحدا ، وسار بمن تبعه . | وأقامت الأنصار يوما أو يومين ، ثم تلاومت فيما ~~بينها . وقالت : والله ما صنعنا شيئا . والله لئن أصيب القوم ليقولن ~~خذلتموهم ، وإنها لمسبة عارها باق إلى آخر الدهر . ولئن أصابوا فتحا إنه ~~لخير منعتموه . فابعثوا إلى خالد يقيم حتى تلحقوا . فبعثوا إليه فأقام حتى ~~لحقوه . فاستقبلهم في كثرة من المسلمين حتى نزلوا . | وساروا جميعا حتى ~~انتهوا إلى البطاح ، من أرض بني تميم . فلم يجدوا بها جمعا . ففرق خالد ~~السرايا في ms169 نواحيها . فأتت سرية منهم بنو حنظلة - وسيدهم مالك بن نويرة - ~~وكان قد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم مصدقا على قومه . فجمع صدقاتهم . ~~فلما بلغته وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، جفل إبل الصدقة - أي ردها إلى ~~أهلها فلذلك سمي الجفول - وجمع قومه ، فقال : إن هذا الرجل قد هلك ، فإن ~~قام قائم بعده : رضي منكم أن تدخلوا في أمره ، ولم يطلب ما مضى ، ولم ~~تكونوا أعطيتم الناس أموالكم . فتسارع إليه جمهورهم . | فقام فيهم قعنب - ~~سيد بني يربوع - فقال : يا بني تميم ، لا ترجعوا في صدقاتكم ، فيرجع الله ~~في نعمه عليكم ، ولا تتجردوا للبلاء ، وقد ألبسكم الله العافية ولا ~~تستشعروا خوف الكفر ، وأنتم في أمن الإسلام . إنكم أعطيتم قليلا من كثير . ~~والله مذهب الكثير بالقليل . ومسلط على أموالكم غدا من يأخذها على غير ~~الرضى ، وإن منعتموها قتلتم . فأطيعوا الله واعصوا مالكا . PageV01P272 | ~~فقام مالك ، فقال : يا بني تميم ، إنما رددت عليكم أموالكم إكراما لكم . ~~وإنه لا يزال يقوم منكم قائم يخطئني . والله ما أنا بأحرصكم على المال ، ~~ولا بأجزعكم من الموت ، ولا بأخفاكم شخصا إن أقمت ، ولا بأخفاكم رحلة إن ~~هربت . فترضوه عند ذلك وأسندوا أمرهم إليه ، وأبى الله إلا أن يتم أمره ~~فيهم . وقال مالك في ذلك : # % وقال رجال : سدد اليوم مالك % % وقال رجال : مالك لم يسدد % # % فقلت : دعوني : لا أبا لأبيكموا % % فلم أخط رأيا في المعاد ولا البد % # % فدونكموها . إنها صدقاتكم % % مصررة أخلافها لم تجرد % # % سأجعل نفسي دون ما تحذرونه % % فأرهنكم يوما بما قلت يدي % # % فإن قام بالأمر المجرد قائم % % أطعنا ، وقلنا : الدين دين محمد % % ~~ولما بلغ ذلك أبا بكر والمسلمين حنقوا عليه . وعاهد الله خالد لئن أخذه ~~ليجعلن هامته أثفية للقدر . | فلما وصلتهم السرية - مع طلوع الشمس - فزعوا ~~إلى السلاح - وقالوا : من أنتم ؟ قالوا نحن عباد الله المسلمون ، قالوا : ~~ونحن عباد الله المسلمون . قالوا : فضعوا السلاح . ففعلوا . فأخذوهم . ~~وجاءوا بهم إلى خالد . | فقال له أبو قتادة : - وهو مع السرية - أقاتل أنت ~~هؤلاء قال : نعم . قال : إنهم اتقونا بالإسلام ، أذنا ms170 فأذنوا ، وصلينا ~~فصلوا . وكان من عهد أبي بكر ' أيما دار غشيتموها ، فسمعتم الأذان فيها ~~بالصلاة : فأمسكوا عن أهلها حتى تسألوهم : ماذا نقموا ؟ وماذا يبغون ؟ وإن ~~لم تسمعوا الأذان : فشنوا عليها الغارة ، فاقتلوا وحرقوا ' . PageV01P273 | ~~فأمر بهم خالد فقتلوا ، وأمر برأس مالك ، فجعل أثفية للقدر ، ورثاه أخوه ~~متمم بقصائد كثيرة . | وروى أن عمر قال له : ' لوددت أن رثيت أخي زيدا بمثل ~~ما رثيت به أخاك مالكا ' فقال متمم : لو علمت أن أخي صار حيث صار أخوك ما ~~رثيته . فقال عمر : ' ما عزاني أحد عن أخي بمثل تعزيته ' . # | 2 ( ذكر ردة أهل اليمامة مفتونين بمسيلمة الكذاب : ) # | عن رافع بن خديج قال : ' قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وفود العرب ~~، فلم يقدم علينا وفد أقسى قلوبا ، ولا أحرى أن لا يكون الإسلام يقر في ~~قلوبهم - من بني حنيفة ، وكان مسيلمة مع الوفد ' . | فلما انصرفوا إلى ~~اليمامة ادعى أن النبي صلى الله عليه وسلم أشركه في النبوة ، وكتب إليه : ~~من مسلمة رسول الله إلى محمد رسول الله ، أما بعد ، فإني أشركت في الأمر ~~معك . وإنا لنا نصف الأرض ، ولقريش نصفها ، ولكن قريش قوم يعتدون . فكتب ~~إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم . | ' بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلى مسيلمة الكذاب . أما بعد ، فإن الأرض ~~لله يورثها من يشاء من عباده . والعاقبة للمتقين ' . | وجد بعدو الله ضلاله ~~، بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأصفقت معه بنو حنيفة على ذلك ، ~~إلا أفذاذا من ذوي عقولهم . | وكان من أعظم ما فتن به قومه : شهادة الرجال ~~بن عنفوة له بإشراك النبي صلى الله عليه وسلم إياه في الأمر . وكان الرجال ~~من الوفد الذين قدموا PageV01P274 على النبي صلى الله عليه وسلم . فقرأ ~~القرآن ، وتعلم السنن . قال ابن عمر ' وكان من أفضل الوفد عندنا ، فكان ~~أعظم فتنة على أهل اليمامة من غيره ، لما كان يعرف به ' . | قال رافع بن ~~خديج : كان بالرجال من الخشوع ولزوم قراءة القرآن والخير - فيما يرى - شيء ms171 ~~عجب ' وكان ابن عمر اليشكري من أشرافهم ، وكان صديقا للرجال . وكان مسلما ~~يكتم إسلامه . فقال شعرا . فشا في اليمامة حتى كانت الوليدة والصبي ينشدونه ~~: # % يا سعاد الفؤاد ، بنت أثال % % طال ليلي بفتنة الرجال % # % إنها يا سعاد من حدث الدهر % % عليكم كفتنة الدجال % # % فتن القوم بالشهادة % % والله عزيز ذو قوة ومحال % # % لا يساوى الذين يقول من الأمر % % قبالا وما احتذى من قبال % # % إن ديني دين النبي % % وفي القوم رجال على الهدى أمثالي % # % أهلك القوم محكم بن طفيل % % ورجال ليسوا لنا برجال % # % بزهم أمرهم مسيلمة اليوم % % فلن يرجعوه أخرى الليالي % # % قلت للنفس ، إذ تعاظمها الصبر % % وساءت مقالة الأنذال % # % ربما تجزع النفوس من الأمر % % له فرجة كحل العقال % # % إن تكن ميتتي على فطرة الله حنيفا % فإنني لا أبالي % % فبلغ ذلك ~~مسيلمة ومحكم ، وأشرافهم ، فطلبوه ففاتهم . ولحق بخالد . فأخبره بحالهم . ~~ودله على عوراتهم . PageV01P275 | وعظمة فتنة بني حنيفة بكذابهم . إذ كان ~~يدعو لمريضهم ، ويبرك على مولودهم . ولا ينهاهم عن الاغترار به ما يريهم ~~الله ما يحل به من الخيبة والخسران . | جاءه رجل بمولود ، فمسح رأسه . فقرع ~~وقرع كل مولود به . | وجاءه آخر ، فقال : إني ذو مال . وليس لي مولود يبلغ ~~سنتين حتى يموت ، إلا هذا المولود ، وهو ابن عشر سنين . ولي مولود ولد أمس ~~. فأحب أن تبارك فيه ، وتدعو أن يطيل الله عمره . قال : سأطلب لك . فرجع ~~الرجل إلى منزله مسرورا . فوجد الأكبر قد تردى في بئر . ووجد الأصغر في نزع ~~الموت . فلم يمس ذلك اليوم حتى ماتا جميعا . وتقول أمهما : لا والله ، ما ~~لأبي ثمامة عند إلهه منزلة محمد . | وحفرت بنو حنيفة بئرا فاستعذبوها ، ~~فأتوا مسيلمة . وطلبوا أن يبارك فيها ، فبصق فيها فعادت ملحا أجاجا . | ~~وكان الصديق رضي الله عنه قد عهد إلى خالد - إذا فرغ من أسد وغطفان ~~والضاحية - أن يقصد اليمامة ، وأكد عليه في ذلك . فلما أظفر الله خالدا بهم ~~، تسلل بعضهم إلى المدينة ، يسألون أبا بكر : أن يبايعهم على الإسلام . ~~فقال بيعتي وإياكم وأماني لكم : أن تلحقوا بخالد . فمن كتب إلي ms172 خالد : أنه ~~حضر معه اليمامة ، فهو آمن . وليبلغ شاهدكم غائبكم . ولا تقدموا علي . | ~~قال ابن الجهم : أولئك الذين لحقوا به : هم الذين انكسروا بالمسلمين يوم ~~اليمامة ثلاث مرات . وكانوا على المسلمين بلاء . PageV01P276 | قال شريك ~~الفزاري : كنت ممن شهد بزاخة ، مع عيينة بن حصن . ثم رزقني الله الإنابة ، ~~فجئت أبا بكر . فأمرني بالمسير إلى خالد . وكتب معي إليه . | ' أما بعد ، ~~فقد جاءني كتابك ، تذكر ما أظفرك الله بأسد وغطفان . وإنك سائر إلى اليمامة ~~. فاتق الله وحده لا شريك له . وعليك بالرفق بمن معك من المسلمين ، كن لهم ~~كالوالد . وإياك يا ابن الوليد ونخوة بني المغيرة . فإني عصيت فيك من لم ~~أعصه في شيء قط ، فانظر بني حنيفة . فإنك لم تلق قوما يشبهونهم . كلهم عليك ~~. ولهم بلاد واسعة . فإذا قدمت فباشر الأمر بنفسك . واستشر من معك من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم . واعرف لهم فضلهم . فإذا لقيت القوم . فأعد ~~للأمور أقرانها . فإن أظفرك الله بهم ، فإياك والإبقاء عليهم . أجهز على ~~جريحهم ، واطلب مدبرهم ، واحمل أسيرهم على السيف . وهول فيهم القتل . ~~وحرقهم بالنار ، وإياك أن تخالف أمري . والسلام ' . | ولما اتصل بأهل ~~اليمامة مسير خالد إليهم ، بعد الذي صنع بأمثالهم ، حيرهم ذلك ، وجزع له ~~محكم بن طفيل سيدهم . وهم أن يرجع إلى الإسلام ، ثم استمر على ضلالته . ~~وكان صديقا لزياد بن لبيد الأنصاري . | فقال له خالد : لو ألقيت إليه شيئا ~~تكسره به ؟ فإنه سيدهم ، وطاعتهم بيده . فبعث إليه هذه الأبيات : # % يا محكم بن طفيل ، قد أتيح لكم % % لله در أبيكم حية الوادي % # % يا محكم بن طفيل ، إنكم نفر % % كالشاء أسلمها الراعي لآساد % % ~~PageV01P277 # % ما في مسيلمة الكذاب من عوض % % من دار قوم وإخوان وأولاد % # % فاكفف حنيفة عنه ، قبل نائحه % % تعفي فوارس قوم شجوها بادي % # % لا تأمنوا خالدا بالبرد متعجرا % تحت العجاجة ، مثل الأغطف العادي % # % ويل اليمامة ، ويل لا فراق له % % إن جالت الخيل فيها بالقنا الصادي % # % والله لا تنثني عنكم أعنتها % % حتى تكونوا كأهل الحجر أو عاد % % ~~ووردت على محكم ، وقيل له : هذا ms173 خالد في المسلمين . | قال : رضي خالد أمرا ~~، ورضينا غيره . وما ينكر خالد أن يكون في بني حنيفة من أشرك في الأمر ؟ ~~فسيرى - إن قدم علينا - يلق قوما ليسوا كمن لقى . | ثم خطبهم ، فقال : إنكم ~~تلقون قوما يبذلون أنفسهم دون صاحبهم ، فابذلوا نفوسكم دون صاحبكم . | وكان ~~عمير بن ضابيء في أصحاب خالد . ولم يكن من أهل حجر ، كان من أهل ملهم . ~~فقال له خالد : تقدم إلى قومك فاكسرهم . | فأتاهم ، فقال : ' يا أهل ~~اليمامة ، أظلكم خالد في المهاجرين والأنصار قد تركت القوم والله يتبايعون ~~على فتح اليمامة . قد قضوا وطرا من أسد وغطفان ، PageV01P278 وأنتم في ~~أكفهم . وقولهم ' لا قوة إلا بالله ' إني رأيت أقواما إن غلبتموهم بالصبر ~~غلبوكم بالنصر . وإن غلبتموهم على الحياة غلبوكم على الموت . وإن غلبتموهم ~~بالعدد غلبوكم بالمدد ، لستم والقوم سواء . الإسلام مقبل ، والشرك مدبر . ~~وصاحبهم نبي ، وصاحبكم كذاب . ومعهم السرور ، ومعكم الغرور . فالآن - ~~والسيف في غمده ، والنبل في جفيره - قبل أن يسل السيف ، ويرمي بالسهم ' ~~فكذبوه واتهموه . | وقام ثمامة بن أثال فيهم . فقال : ' اسمعوا مني . ~~وأطيعوا أمري ، ترشدوا . إنه لا يجتمع نبيان بأمر واحد . إن محمدا لا نبي ~~بعده ، ولا نبي يرسل معه . ثم قرأ : ^ ( بسم الله الرحمن الرحيم . حم . ~~تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم . غافر الذنب ، وقابل التوب . شديد ~~العقاب ، ذي الطول . لا إله إلا هو . إليه المصير ) ^ الآيات - هذا كلام ~~الله عز وجل . أين هذا من : يا ضفدع يا ضفدعين . نقي ، كم تنقين ؟ نصفك في ~~الماء ونصفك في الطين . لا الشراب تمنعين ولا الماء تكدرين ، ولا الطين ~~تفارقين . لنا نصف الأرض ، ولقريش نصفها . ولكن قريشا قوم يعتدون . والله ~~إنكم لترون هذا ما يخرج من إل . وقد استحق محمدا أمرا أذكره به خرجت معتمرا ~~، فأخذتني رسله في غير عهد ولا ذمة . فعفا عن دمي . فأسلمت وأذن لي في ~~الخروج إلى بيت الله . فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقام بهذا ~~الأمر رجل من بعده ، هو أفقههم في أنفسهم . لا تأخذه PageV01P279 في الله ~~لومة لائم . ثم ms174 بعث إليكم رجلا ، لا يسمى باسمه . ولا باسم أبيه ، يقال له ~~: ' سيف الله ' معه سيوف لله كثيرة ، فانظروا في أمركم ' . | فآذاه القوم ~~جميعا ، أو من آذاه منهم . وقال ثمامة في ذلك : # % مسيلمة ، ارجع . ولا تمحك % فإنك في الأمر لم تشرك % # % كذبت على الله في وحيه % % وكان هواك هوى الأنوك % # % ومناك قومك أن يمنعوك % % وإن يأتهم خالد تترك % # % فما لك من مصعد في السماء % % ومالك في الأرض من مسلك % # | 2 ( ذكر تقديم خالد الطلائع من البطاح : ) # | لما سار خالد من البطاح ، وجاء أرض بني تميم : قدم مائتي فارس ، عليهم ~~معن بن عدي ، وقدم عينين له أمامه . | وذكر الواقدي : أن خالدا لما قدم ~~العرض قدم مائتي فارس ، وقال : من أصبتم من الناس فخذوه . | فانطلقوا . ~~وأخذوا مجاعة بن مرارة ، في ثلاثة وعشرين رجلا من قومه ، خرجوا في طلب رجل ~~أصاب فيهم دما ، وهم لا يشعرون بإقبال خالد . فسألوهم ممن أنتم ؟ فقالوا : ~~من بني حنيفة . فقالوا : ما تقولون في صاحبكم ؟ فشهدوا أنه رسول الله . ~~فقالوا لمجاعة : ما تقول أنت ؟ فقال : ما كنت أقرب مسيلمة . وقد قدمت على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وما غيرت ولا بدلت . فضرب خالد أعناقهم . حتى ~~إذا بقي سارية بن عامر ، قال : يا خالد ، إن كنت تريد بأهل اليمامة خيرا أو ~~شرا ، فاستبق مجاعة . وكان شريفا . فلم يقتله . وترك أيضا سارية . وأمر ~~بهما فأوثقا في جوامع من حديد . PageV01P280 | وكان يدعو مجاعة - وهو كذلك ~~- فيتحدث معه ، وهو يظن أن خالدا يقتله . فقال : يا ابن المغيرة ، إن لي ~~إسلاما ، والله ما كفرت . وأعاد كلامه الأول . | فقال خالد : إن بين القتل ~~والترك منزلة ، وهي الحبس ، حتى يقضي الله في حربنا ما هو قاض ، ودفعه إلى ~~أم متمم زوجته ، وأمرها أن تحسن إساره . | فظن مجاعة أن خالدا يريد حبسه ~~لأجل أن يخبره عن عدوه ويشير عليه . | فقال : يا خالد ، لقد علمت أني قدمت ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبايعته على الإسلام ، وأنا اليوم على ~~ما كنت عليه أمس . فإن يكن كذاب ms175 خرج فينا ، فإن الله يقول : @QB@ ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى @QE@ الآية . | فقال : يا مجاعة ، تركت اليوم ما كنت عليه ~~بالأمس . وكان رضاك بأمر هذا الكذاب ، وسكوتك عنه - وأنت أعز أهل اليمامة ، ~~وقد بلغك مسيري - إقرارا له ، ورضى بما جاء به . فهلا أبديت عذرا ، فتكلمت ~~فيمن تكلم ؟ فقد تكلم ثمامة . فرد وأنكر ، وتكلم اليشكري . فإن قلت : أخاف ~~قومي ، فهلا عمدت إلي ، أو بعثت إلي رسولا ؟ . | فقال : إن رأيت يا ابن ~~المغيرة أن تعفو عن هذا كله ؟ . | فقال : قد عفوت عن دمك ، ولكن في نفسي من ~~تركك حرج . | فقال له ذات يوم : أخبرني عن صاحبك ، ما الذي يقرئكم ؛ هل ~~تحفظ منه شيئا ؟ قال : نعم ، فذكر له شيئا من رجزه . فضرب خالد بإحدى ~~PageV01P281 يديه على الأخرى ، وقال : يا معشر المسلمين ، اسمعوا إلى عدو ~~الله ، كيف يعارض القرآن ؟ | فقال : ويحك ، يا مجاعة ، أراك سيدا عاقلا ، ~~تسمع إلى كتاب الله . ثم انظر كيف عارضه عدو الله ؟ فقرأ عليه خالد : ^ ( ~~بسم الله الرحمن الرحيم . سبح اسم ربك الأعلى . الذي خلق فسوى ) ^ الآيتان ~~. | ثم قال خالد : أفما كان في هذا لكم ناه ، ولا زاجر ؟ ثم قال : هات من ~~كذب الخبيث . فذكر له بعض رجزه . | فقال خالد : وقد كان عندكم حقا ، وكنتم ~~تصدقونه ؟ . | فقال : لو لم يكن عندنا حقا ، لما لقيك أكثر من عشرة آلاف ~~سيف ، يضاربونك حتى يموت الأعجل . | فقال خالد : إذا يكفيناهم الله ، ويقر ~~دينه ، فإياه يعبدون ، ودينه يؤيدون . | قال عبيد الله بن عبد الله : لما ~~أشرف خالد ، وأجمع أن ينزل عقرباء ، ودفع الطلائع أمامه ، فرجعوا إليه . ~~فأخبروه : أن مسيلمة ومن معه قد نزلوا عقرباء . فشاور أصحابه : أن يمضي إلى ~~اليمامة ، أو ينتهي إلى عقرباء . فأجمعوا أن ينتهي إلى عقرباء فزحف خالد ~~بالمسلمين إليها . وكان المسلمون يسألون عن الرجال ابن عنفوه ، فإذا الرجال ~~على مقدمة مسيلمة ، فلعنوه وشتموه . PageV01P282 | فلما فرغ خالد من ضرب ~~عسكره - وبنو حنيفة تسوي صفوفها - نهض خالد إلى صفوفه فصفها . وقدم رايته ~~مع زيد بن الخطاب . ودفع راية الأنصار إلى ثابت بن قيس ms176 بن شماس . فتقدم بها ~~. | وجعل على ميمنته : أبا حذيفة بن عتبة ، وعلى ميسرته : شجاع بن وهب . ~~واستعمل على الخيل البراء بن مالك ، ثم عزله . واستعمل أسامة بن زيد . | ~~فأقبل بنو حنيفة ، وقد سلوا السيوف ، فقال خالد : يا معشر المسلمين : ~~أبشروا ، فقد كفاكم الله أمر عدوكم ، ما سلوا السيوف من بعد إلا ليرهبوا . ~~| فقال مجاعة : كلا ، يا أبا سليمان ، ولكنها الهندوانية ، خشوا تحطمها ، ~~وهي غداة باردة ، فأبرزوها للشمس لتسخن متونها . فلما دنوا من المسلمين ~~نادوا : إنا نعتذر إليكم من سلنا سيوفنا . والله ما سللناها ترهيبا ، ولكن ~~غداة باردة ، فخشينا تحطمها ، فأردنا أن نسخن من متونها إلى أن نلقاكم ، ~~فسترون . | فاقتتلوا قتالا شديدا . وصبر الفريقان صبرا طويلا ، حتى كثر ~~القتل والجراح في الفريقين . | واستحر القتل في المسلمين وحملة القرآن . ~~حتى فنوا إلا قليلا . وهزم كل من الفريقين حتى دخل المسلمون عسكر المشركين ~~، والمشركون عسكر المسلمين مرارا . وجعل زيد بن الخطاب - ومعه الراية - ~~يقول : اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به مسيلمة . وأعتذر إليك من فرار ~~أصحابي . وجعل يشتد بالراية في نحور العدو . ثم ضارب بسيفه حتى قتل . رحمه ~~الله ورضي عنه . PageV01P283 | فأخذ الراية سالم مولى أبي حذيفة ، فقال ~~المسلمون : إنا نخاف أن نؤتي من قبلك . فقال : بئس حامل القرآن أنا ، إذا ~~أتيتم من قبلي . | ونادت الأنصار ثابت بن قيس - ومعه رايتهم - : ' الزمها . ~~فإنها ملاك القوم فتقدم سالم فحفر لرجليه حتى بلغ أنصاف ساقيه ، وحفر ثابت ~~لرجليه مثل ذلك ، ثم لزما رايتيهما . | ولقد كان الناس يتفرقون في كل وجه ، ~~وإن سالما وثابتا لقائمان حتى قتل سالم ، وقتل أبو حذيفة مولاه . | قال ~~وحشي بن حرب : اقتتلنا قتالا شديدا ، حتى رأيت شهب النار تخرج من خلال ~~السيوف ، حتى سمعت لها صوتا كالأجراس . | وقال ضمرة بن سعيد المازني - وذكر ~~ردة بني حنيفة - لم يلق المسلمون عدوا أشد نكاية منهم ، لقوهم بالموت ~~الناقع ، والسيوف قد أصلتوها قبل النبل وقبل الرماح . فكان المعول يومئذ ~~على أهل السوابق . | وقال ثابت بن قيس يومئذ : يا معشر الأنصار ، الله ، ~~الله في ms177 دينكم ، علمنا هؤلاء أمرا ما كنا نحسنه . ثم أقبل على المسلمين ، ~~وقال أف لكم ولما تصنعون . | ثم قال : خلوا بيننا وبينهم أخلصونا . فأخلصت ~~الأنصار . فلم تكن لهم ناهية ، حتى انتهوا إلى محكم بن الطفيل فقتلوه . ثم ~~انتهوا إلى الحديقة فدخلوها ، فقاتلوا أشد القتال ، حتى اختلطوا فيها . | ~~ثم صاح ثابت صيحة : يا أصحاب سورة البقرة . PageV01P284 | وأوفى عباد بن ~~بشر على نشز . فصاح بأعلا صوته : أنا عباد بن بشر ، يا للأنصار . أنا عباد ~~، إلي إلي . فأجابوه لبيك لبيك ، حتى توافوا عنده . فقال : فداكم أبي وأمي ~~، حطموا جفون السيوف . ثم حطم جفن سيفه فألقاه . وحطمت الأنصار جفون سيوفها ~~. ثم قال : حملة صادقة ، اتبعوني . فخرج أمامهم ، حتى ساقوا بني حنيفة ~~منهزمين ، حتى انتهوا إلى الحديقة ، فأغلق عليهم . ثم إن الله فتح الحديقة ~~، فاقتحم عليهم المسلمون . | وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : ' ~~دخلنا الحديقة ، حين جاء وقت الظهر ، واستحر القتل ، فأمر خالد المؤذن ، ~~فأذن على جدار الحديقة بالظهر . والقوم مقبلون على القتل ، حتى انقطعت ~~الحرب بعد العصر . فصلى بنا خالد الظهر والعصر . | ثم بعث السقاة يطوفون ~~على القتلى ، فطفت معهم . فمررت بعامر بن ثابت ، وإلى جنبه رجل من بني ~~حنيفة به جراح ، فسقيت عامرا . فقال الحنفي : اسقني فدى لك أبي وأمي . فقلت ~~: لا ، ولا كرامة ، ولكني أجهز عليك . قال : أحسنت ، أسألك مسألة لا شيء ~~عليك فيها . قلت : ما هي ؟ قال : أبو ثمامة ، ما فعل ؟ قلت والله قتل ، قال ~~: نبي ضيعه قومه . | ولما قتل منهم من قتل ، وكانت لهم أيضا في المسلمين ~~مقتلة عظيمة ، قد أبيح أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقيل : ~~لا تغمدوا السيوف ، وفينا وفيهم عين تطرف . وكان فيمن بقي من المسلمين ~~جراحات كثيرة . PageV01P285 | فلما أمسى مجاعة ، أرسل إلى قومه ليلا : أن ~~ألبسوا السلاح النساء والذرية ، ثم إذا أصبحتم فقوموا مستقبلي الشمس على ~~حصونكم ، حتى يأتيكم أمري . وبات المسلمون يدفنون قتلاهم . فلما فرغوا ، ~~جعلوا يتكمدون بالنار من الجراح . | فلما أصبحوا أمر خالد ، فسيق مجاعة في ~~الحديد ، يعرفهم القتلى فمر ms178 برجل وسيم ، فقال : يا مجاعة ، أهو هذا ؟ قال : ~~هذا أكرم منه ، هذا محكم بن الطفيل . إن الذي تبتغون ؛ لرجل أصيفر أخينس ، ~~فوجدوه فوقف عليه خالد . فحمد الله كثيرا ، وأمر به فألقي في البئر التي ~~كان يشرب منها . | وكان خالد يرى أنه لم يبق منهم أحد إلا من لا عتاد عنده ~~. فقال : يا مجاعة ، هذا صاحبكم الذي فعل بكم الأفاعيل . ما رأيت عقولا ~~أضعف من عقول أصحابك ، مثل هذا فعل بكم ما فعل ؟ . | فقال مجاعة : قد كان ~~ذلك ، ولا تظن أن الحرب انقطعت ، وإن قتلته . إن جماعة الناس ، وأهل ~~البيوتات لفي الحصون ، فانظر . فرفع خالد رأسه . فإذا السلاح والخلق الكثير ~~على الحصون ، فرأى أمرا غمه ، ثم استند ساعة . ثم أدركته الرجولة . فقال ~~لأصحابه : يا خيل الله اركبي . يا صاحب الراية قدمها . | فقال مجاعة : إني ~~لك ناصح . وإن السيف قد أفناك . فتعال أصالحك عن قومي . وقد أخل بخالد مصاب ~~أهل السابقة ، ومن كان يعرف عنده الغناء فقد رق وأحب الموادعة ، مع عجف ~~الكراع . PageV01P286 | فاصطلحوا على الصفراء والبيضاء ، والحلقة والكراع ، ~~ونصف السبي . | ثم قال مجاعة : إني آت القوم فعارض عليهم ما صنعت . قال : ~~فانطلق . فذهب ، ثم رجع . فأخبره : أنهم أجازوه . | فلما بان لخالد أنما هم ~~النساء والصبيان ، قال : ويلك يا مجاعة ، خدعتني . فقال : قومي ، فما أصنع ~~؟ وما وجدت من ذلك بدا . | وقال أسيد بن حضير وغيره لخالد : اتق الله ، ولا ~~تقبل الصلح . فقال : إنه قد أفناكم السيف . قالوا : وأفنى غيرنا أيضا . قال ~~: ومن بقي منكم جريح . قالوا : ومن بقي من القوم جرحى ، لا ندخل في الصلح ~~أبدا . أغد بنا عليهم ، حتى يظفرنا الله بهم ، أو نبيد عن آخرنا . احملنا ~~على كتاب أبي بكر ' إن أظفرك الله بهم ، فلا تبق منهم أحدا ' . | فبينا هم ~~على ذلك ، إذ جاء كتاب أبي بكر يقطر الدم ، وفيه : ' إن أظفرك الله بهم ، ~~فلا تستبق رجلا مرت عليه الموسى ' . | فتكلمت الأنصار في ذلك ، وقالوا : ~~أمر أبي بكر فوق أمرك . | فقال : إني والله ما ابتغيت في ذلك إلا الذي هو ms179 ~~خير . رأيت أهل السابقة وأهل القرآن قد قتلوا . ولم يبق معي إلا من لا بقاء ~~له على السيف لو لج عليهم . فقبلت الصالح ، مع أنهم قد أظهروا الإسلام ، ~~واتقوا بالراح . | وتم الصلح . وكتب إلى أبي بكر يعتذر إليه . PageV01P287 ~~| فتكلم عمر في شأن خالد بكلام غليظ فقال أبو بكر : دع عنك هذا . فقال : ~~سمعا وطاعة . وقال أبو بكر : ليته حملهم على السيف . فلن يزالوا من كذابهم ~~في بلية إلى يوم القيامة ، إلا أن يعصمهم الله . | وكانت وقعة اليمامة في ~~ربيع الأول سنة اثنتى عشرة . | وذكر عمر يوما وقعة اليمامة ، ومن قتل فيها ~~من أهل السابقة . فقال ' ألحت السيوف على أهل السوابق ، ولم يكن المعول ~~يومئذ إلا عليهم . خافوا على الإسلام أن يكسر بابه ، فيدخل منه إن ظهر ~~مسيلمة . فمنع الله الإسلام بهم حتى قتل عدوه . وأظهر كلمته ، وقدموا - ~~رحمهم الله - على ما يسرون به من ثواب جهادهم من كذب على الله وعلى رسوله . ~~فاستحر بهم القتل . فرحم الله تلك الوجوه ' . | وقال يعقوب بن سعيد بن عبيد ~~والزهري . قتل من بني حنيفة أكثر من سبعة آلاف ، وكان داؤهم خبيثا ، ~~والطاريء منهم على الإسلام عظيما . فاستأصل الله شأفتهم ، والحمد لله رب ~~العالمين . # | 2 ( ذكر ردة بني سليم : ) # | ذكر الواقدي - من حديث سفيان بن أبي العرجاء السليمي . وكان عالما بردة ~~قومه - قال : أهدى ملك من ملوك غسان إلى النبي صلى الله عليه وسلم لطيمة ~~فيها مسك وعنبر ، وخيل . فخرجت بها الرسل ، حتى إذا كانت بأرض بني سليم ~~بلغتهم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم . فتشجع بعض بني سليم على أخذها ~~والردة ، وأبى بعضهم ذلك ، وقال إن كان محمد قد مات فإن الله حي لا يموت . ~~فانتهب الذين ارتدوا منهم اللطيمة . PageV01P288 | فلما ولي أبو بكر رضي ~~الله عنه : كتب إلى معن بن حاجر ، فاستعمله على من أسلم من بني سليم . وكان ~~قد قام في ذلك قياما حسنا ، ذكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر ~~الناس ما قال الله لنبيه : @QB@ إنك ميت وإنهم ميتون ms180 @QE@ ، وقال : @QB@ ~~وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل @QE@ مع آي من كتاب الله . فاجتمع ~~إليه بشر من بني سليم . وانحاز أهل الردة منهم ، فجعلوا يغيرون على الناس . # | 2 ( قتل الفجاءة وتحريقه : ) # | فلما بدا لأبي بكر أن يوجه خالدا ، كتب إلى معن أن يلحق بخالد ، ~~ويستعمل على عمله أخاه طريفة بن حاجر ، ففعل . وأقام طريفة يكالب من ارتد ~~بمن معه من المسلمين ، إذ قدم الفجاءة - واسمه إياس بن عبد الله بن عبد ~~ياليل - على أبي بكر . فقال : إني مسلم ، وقد أردت جهاد من ارتد ، فاحملني ~~، فلو كان عندي قوة لم أقدم عليك . | فسر أبو بكر بمقدمه ، وحمله على ~~ثلاثين بعيرا . وأعطاه سلاحا . فخرج يستعرض المسلم والكافر ، يقتلهم ويأخذ ~~أموالهم . ويصيب من امتنع منهم . ومعه رجل من بني الشريد . يقال له : نجبة ~~بن أبي الميثاء ، مع قوم من أهل الردة . فلما بلغ أبا بكر خبره ، كتب إلى ~~طريفة بن حاجر : | ' بسم الله الرحمن الرحيم . من أبي بكر إلى طريفة ، سلام ~~عليك . | أما بعد ، فإن عدو الله الفجاءة أتاني . فزعم أنه مسلم وسألني : ~~أن أقويه على قتال من ارتد عن الإسلام . فحملته وسلحته ، وقد انتهى إلي ~~PageV01P289 من يقين الخبر أن عدو الله قد استعرض الناس : المسلم والمرتد ، ~~يأخذ أموالهم ويقتل من خالفه منهم . فسر إليه بمن معك من المسلمين ، حتى ~~تقتله ، أو تأخذه . فتأتيني به ' . | فقرأ طريفة الكتاب على قومه . فحشدوا ~~إلى الفجاءة . فقدم عليه ابن المثنى ، فقتل نجبة ، وهرب منه إلى الفجاءة . ~~ثم زحف طريفة إلى الفجاءة فتصادما . فلما رأى الفجاءة الخلل في أصحابه ، ~~قال : يا طريفة ، والله ما كفرت . وإني لمسلم . وما أنت بأولى بأبي بكر مني ~~، أنت أميره وأنا أميره . قال طريفة : إنت كنت صادقا فالق السلاح ، ثم ~~انطلق إلى أبي بكر . فأخبره خبرك . فوضع السلاح فأوثقه طريفة في جامعة . ~~فقال : لا تفعل . فقال طريفة : هذا كتاب أبي بكر إلي . فقال الفجاءة : سمعا ~~وطاعة . فبعث به في جامعته مع عشرة من بني سليم . فأرسل به أبو بكر إلى ms181 بني ~~جشم ، فحرقته بالنار . | وقدم على أبي بكر - رضي الله عنه - قبيصة - أحد ~~بني الظربان - فذكر أنه مسلم ، ولم يرتد فأمره أن يقاتل بمن معه من ارتد ، ~~فرجع قبيصة . فاجتمع إليه ناس كثير . فخرج يتبع بهم أهل الردة ، يقتلهم حيث ~~وجدهم ، حتى مر ببيت حميضة بن الحكم الشريدي . فوجده غائبا ، يجمع أهل ~~الردة . ووجد جارا له مرتدا . فقتله واستاق ماله . | فلما أتى حميضة أخبره ~~أهله بخبر جاره . فخرج في طلبهم . فأدركهم . فقال لقبيصة : قتلت جاري ؟ ~~فقال : إن جارك ارتد عن الإسلام . | فقال : أمن بين من كفر تعدو على جار ~~لجأ إلي لأمنعه ؟ PageV01P290 | فقال قبيصة : قد كان ذلك . فطعنه حميضة ~~بالرمح ، فوقع عن بعيره ، ثم قتله . وكان قبيصة قد فرق أصحابه قبل أن يلحقه ~~حميضة . | وكتب أبو بكر رضي الله عنه إلى خالد : ' إن أظفرك الله ببني ~~حنيفة ، فأقل اللبث فيهم ، حتى تنحدر إلى بني سليم ، فتطأهم وطأة يعرفون ~~بها ما منعوا . فإنه ليس بطن من العرب أنا أغيظ عليه مني عليهم ، فإن أظفرك ~~الله بهم ، فلا آلوك فيهم : أن تحرقهم بالنار ، وهول فيهم القتل حتى يكون ~~نكالا لهم ' . | وسمعت بنو سليم بإقبال خالد . فاجتمع منهم بشر كثير . ~~واستجلبوا من بقي من العرب مرتدا . وكان الذي جمعهم : أبو شجرة بن عبد ~~العزى . فانتهى خالد إلى جمعهم مع الصبح . فصاح خالد في أصحابه ، وأمرهم ~~بلبس السلاح . ثم صفهم . وصفت بنو سليم . وقد كل المسلمون وعجف كراعهم ~~وخفهم . وجعل خالد يلي القتال بنفسه ، حتى أثخن فيهم القتل . ثم حمل عليه ~~حملة واحدة ، فانهزموا . وأسر منهم بشر كثير . ثم حظر لهم الحظائر وحرقهم ~~فيها . | وجرح أبو شجرة يومئذ في المسلمين جراحات كثيرة . وقال في ذلك ~~أبياتا ، منها : # % فرويت رمحي من كتيبة خالد % % وإني لأرجو بعدها أن أعمرا % % ثم أسلم . ~~وجعل يعتذر . ويجحد أن يكون قال البيت المتقدم | فلما كان زمن عمر رضي الله ~~عنه قدم المدينة ، وأناخ راحلته بصعيد بني قريظة ثم أتى عمر - وهو يقسم بين ~~الفقراء - فقال : يا أمير المؤمنين ، PageV01P291 أعطني . فإني ms182 ذو حاجة . ~~فقال : من أنت : قال : أنا أبو شجرة . قال : يا عدو الله ، ألست الذي تقول ~~: فرويت رمحي - البيت ؟ عمر سوء . والله ما عشت لك يا خبيث . ثم جعل يعلوه ~~بالدرة على رأسه ، حتى سبقه عدوا ، وعمر في طلبه . حتى أتى راحلته فارتحلها ~~. ثم اشتد بها في حرة شوزان ، فما استطاع أن يقرب عمر حتى توفى . | وكان ~~إسلامه لا بأس به . وكان إذا ذكر عمر : ترحم عليه ، ويقول : ما رأيت أحدا ~~أهيب من عمر رضي الله عنه . # | 2 ( ذكر ردة أهل البحرين : ) # | قال عيسى بن طلحة : لما ارتدت العرب - بعد وفاة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم - قال كسرى : من يكفيني أمرالعرب ؟ فقد مات صاحبهم ، وهم الآن ~~يختلفون بينهم ، إلا أن يريد الله بقاء ملكهم ، فيجتمعون على أفضلهم . | ~~قالوا : ندلك على أكمل الرجال ، مخارق بني النعمان ، ليس في الناس مثله . ~~وهو من أهل بيت دانت لهم العرب ، وهؤلاء جيرانك ، بكر ابن وائل . | فأرسل ~~إليهم . وأخذ منهم ستمائة ، الأشرف فالأشرف . | وارتد أهل هجر عن الإسلام . ~~فقام الجارود بن المعلي في قومه ، فقال : ألستم تعلمون ما كنت عليه من ~~النصرانية ؟ وإني لم آتكم قط إلا بخير ، PageV01P292 وإن الله تعالى بعث ~~نبيه ، ونعى له نفسه ، فقال : @QB@ إنك ميت وإنهم ميتون @QE@ وقال : @QB@ ~~وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل @QE@ الآية . | وفي لفظ أنه قال : ~~ما شهادتكم على موسى ؟ قالوا : نشهد أنه رسول الله . قال : فما شهادتكم على ~~عيسى ؟ قالوا : نشهد أنه رسول الله . قال : وأنا أشهد أن لا إله إلا الله ، ~~وأن محمدا عبده ورسوله . عاش كما عاشوا ، ومات كما ماتوا . وأتحمل شهادة من ~~أبى أن يشهد على ذلك منكم . فلم يرتد من عبد القيس أحد . | وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قد استعمل أبان بن سعيد على البحرين . وعزل العلاء بن ~~الحضرمي . فقال : أبلغوني مأمني ، فأشهد أمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، فأحيا بحياتهم ، وأموت بموتهم . | فقالوا : لا تفعل ، فأنت أعز ~~الناس علينا ، وهذا علينا وعليك فيه مقالة ms183 ، يقال : فر من القتال . فأبى . ~~وانطلق في ثلاثمائة رجل يبلغونه المدينة . | فقال له أبو بكر رضي الله عنه ~~: ألا ثبت مع قوم لم يبدلوا ولم يرتدوا ؟ | فقال : ما كنت لأعمل لأحد بعد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم . | فدعا أبو بكر العلاء بن الحضرمي . فبعثه ~~إلى البحرين في ستة عشر راكبا ، وقال : امض ، فإن أمامك عبد القيس ، فسار . ~~ومر بثمامة بن أثال . فأمده برجال من قومه بني سحيم ، ثم لحق به . | فنزل ~~العلاء بحصن يقال له : جواثي ، وكان مخارق قد نزل بمن معه من بكر بن وائل : ~~حصن المشقر - حصن عظيم لعبد القيس - فسار إليهم PageV01P293 العلاء ، فيمن ~~اجتمع إليه . فقالتهم قتالا شديدا ، حتى كثر القتلى في الفريقين ، والجارود ~~بن المعلى بالخط يبعث البعوث إلى العلاء . وبعث مخارق : الحطم بن شريح - ~~أحد بني قيس بن ثعلبة - إلى مرزبان الخط يستمده فأمده بالأساورة . فنزل ~~الحطم ردم القداح - وكان حلف أن لا يشرب الخمر حتى يرى هجرا - وأخذ ~~المرزبان الجارود رهينة عنده . وسار الحطم وأبجر العجلي حتى حصروا العلاء ~~بجواثي . فقال عبد الله بن حذف ، وكان من صالحي المسلمين : # % ألا أبلغ أبا بكر رسولا % وسكان المدينة أجمعينا % # % فهل لكموا إلى نفر يسير % % قعود في جواثي محصرينا % # % كأن دماءهم في كل فج % شعاع الشمس يغشى الناظرين % # % توكلنا على الرحمن . إنا % % وجدنا النصر للمتوكلينا % % فمكثوا على ~~ذلك محصورين . | فسمع العلاء وأصحابه ذات ليلة لغطا في العسكر ، فقالوا : ~~لو علمنا أمرهم ؟ فقال عبد الله بن حذف : أنا أعلم لكم علمهم ، فدلوه بحبل ~~. فأقبل حتى يدخل على أبجر العجلي - وأمه منهم - قال : ما جاء بك ؟ لا أنعم ~~الله بك عينا . | قال : جاء بي الضر والجوع ، وأردت اللحاق بأهلي ، فزودني ~~. فقال : أفعل ، على أني أظنك والله غير ذلك . بئس ابن الأخت أنت ~~PageV01P294 سائر الليلة . فزوده وأعطاه نعلين . وأخرجه من العسكر ، وخرج ~~معه حتى برز . فمضى كأنه لا يريد الحصن حتى أبعد . ثم عطف . فأخذ بالجبل ~~فصعد . | فقالوا : ما وراءك ؛ قال : تركتهم سكارى ، قد نزل بهم تجار معهم ~~خمر ms184 ، فاشتروا منهم . فإن كان لكم بهم حاجة فالليلة . | فنزلوا إليهم . ~~فبيتوهم فقتلوهم . فلم يفلت منهم أحد . | ووثب الحطم فوضع رجله في الركابات ~~، وجعل يقول : من يحملني ؟ فسمعه عبد الله بن حذف . فأقبل يقول : أبا ضبيعة ~~؟ قال : نعم . قال : أنا أحملك ، فلما دنا منه قتله . وقطعت رجل أبجر ~~العجلي . فمات منها . | وانهزم فلهم فاعتصموا بمفروق الشيباني . | ثم سار ~~العلاء إلى مدينة دارين فقاتلهم قتالا شديدا ، وضيق عليهم . فلما رأى ذلك ~~مخارق ومن معه ، قالوا : إن خلوا عنا رجعنا من حيث جئنا . | فشاور العلاء ~~أصحابه ، فأشاروا بتخليتهم . فخرجوا فلحقوا ببلادهم . وطلب أهل دارين الصلح ~~. فصالحهم العلاء على ثلث ما في أيديهم من أموالهم ، وما كان خارجا منها ~~فهو له . | وطفقت بكر بن وائل تنادي : يا عبد القيس ، أتاكم مفروق في جماعة ~~بكر بن وائل . فقال عبد الله بن حذف : # % لا توعدونا بمفروق وأسرته % % إن يأتنا يلق منا سنة الحطم % % ~~PageV01P295 # % فالنخل ظاهرها خيل . وباطنها % % خيل تكدس بالفرسان في النعم % # % وإن ذا الحي من بكر ، وإن كثروا % % لأمة داخلون النار في أمم % % ثم ~~سار العلاء إلى الخط ، حتى نزل إلى الساحل . فجاءه نصراني ، فقال : مالي إن ~~دللتك على مخاضة تخوض منها الخيل إلى دارين ؟ قال : وما تسأني ؟ قال : أهل ~~بيت بدارين ، قال هم لك . | فخاض به . فظفر بهم عنوة ، وسبا أهلها . | وقيل ~~: حبس لهم البحر ، حتى خاضوه ، وكانت تجري فيه السفن قبل . ثم جرت بعد . | ~~ويروى : أن العلاء وأصحابه جأروا إلى الله ، وتضرعوا إليه في حبس البحر . ~~فأجاب الله دعاءهم . وكان دعاؤهم : ' يا أرحم الراحمين . يا كريم ، يا حليم ~~، يا أحد ، يا صمد ، يا حي ، يا محي الموتى ، يا حي يا قيوم ، لا إله إلا ~~أنت يا ربنا ' فأجازوا ذلك الخليج بإذن الله جميعا يمشون على مثل رملة . ~~فقال عفيف بن المنذر في ذلك : # % ألم تر أن الله ذلل بحره % % وأنزل بالكفار إحدى الجلائل % # % دعونا الذي شق البحار . فجاءنا % % بأعظم من فلق البحار الأوائل % % ~~ولما رأى ذلك أهل الردة من أهل البحرين ، صالحوا على ms185 ما صالح عليه أهل هجر ~~. | ولما ظهر العلاء على أهل الردة والمجوس : بعث رجالا من عبد القيس إلى ~~أبي بكر رضي الله عنه . فنزلوا على طلحة ، والزبير رضي الله عنهما . ~~PageV01P296 وأخبروهما بقيامهم في أهل الردة . ثم دخلوا على أبي بكر ، وحضر ~~طلحة والزبير . فقالوا : يا خليفة رسول الله ، إنا قوم أهل إسلام . وليس ~~شيء أحب إلينا من رضاك . ونحن نحب أن تعطينا أرضا من البحر وطواحين . | ~~وكلمه في ذلك طلحة والزبير ، فأجاب . | وقالوا : اكتب لنا كتابا ، فكتب . | ~~فانطلقوا بالكتاب إلى عمر رضي الله عنه . فلما قرأه : تفل في الكتاب ومحاه ~~. | ودخل طلحة والزبير ، فقالا : والله ما ندري ، أنت الخليفة أم عمر ؟ | ~~فقال أبو بكر : وما ذاك ؟ فأخبروه . فقال أبو بكر : لئن كان عمر كره شيئا ~~من ذلك ، فإني لا أفعله . | فبينما هم على ذلك إذ جاء عمر . | فقال له أبو ~~بكر : ما كرهت من هذا ؟ | قال : كرهت أن تعطي الخاصة دون العامة . وأنت ~~تقسم على الناس ، فتأبى أن تفضل أهل السابقة ، وتعطي هؤلاء قيمة عشرين ألفا ~~دون الناس . | فقال أبو بكر : وفقك الله ، وجزاك خيرا . هذا هو الحق . ~~PageV01P297 # | 2 ( ذكر ردة أهل دبا وأزد عمان : ) # | وذلك : أنهم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمين . فبعث ~~إليهم مصدقا يقال له : حذيفة بن محصن البارقي ، ثم الأزدي . من أهل دبا . ~~وأمره : ' أن يأخذ الصدقة من أغنيائهم ، ويردها على فقرائهم ' ففعل ذلك ~~حذيفة . | فلما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم منعوا الصدقة ، وارتدوا ~~. فدعاهم حذيفة إلى التوبة . فأبوا . وجعلوا يرتجزون . # % لقد أتانا خبر ردي . . . % % # % أمست قريش كلها نبيي . . . % % # % ظلم ، لعمر الله عبقري . . . % % فكتب حذيفة إلى أبي بكر يأمرهم . ~~فاغتاظ غيظا شديدا ، وقال : ' من لهؤلاء ؟ ويل لهم ' . | ثم بعث إليهم ~~عكرمة بن أبي جهل - وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد استعمله على سفلى بني ~~عامر بن صعصعة مصدقا - فلما بلغته وفاة النبي صلى الله عليه وسلم انحاز إلى ~~تبالة في أناس من العرب ، ثبتوا على الإسلام . وكان مقيما بتبالة في ms186 أرض ~~كعب بن ربيعة . | فجاءه كتاب أبي بكر : ' سر فيمن قبلك من المسلمين إلى أهل ~~دبا ' . فسار عكرمة في نحو ألفين من المسلمين . وكان رأس أهل الردة : لقيط ~~بن مالك PageV01P298 الأزدي . فلما بلغه مسير عكرمة ، بعث ألف رجل من الأزد ~~يلقونه . وبلغ عكرمة : أنهم جموع كثيرة . فبعث طليعة . وكان للعدو أيضا ~~طليعة . فالتقت الطليعتان . فتناوشوا ساعة ، ثم انكشف أصحاب لقيط . وقتل ~~منهم نحو مائة رجل . وبعث أصحاب عكرمة فارسا بخبره . فأسرع عكرمة حتى لحق ~~طليعته . ثم زحفوا جميعا . وسار على تعبئة ، حتى أدرك القوم . فاقتتلوا ~~ساعة . ثم هزمهم عكرمة ، وأكثر فيهم القتل . ورجع فلهم إلى لقيط بن مالك ، ~~فأخبروه : أن عكرمة مقبل . | فقوي جانب حذيفة ومن معه من المسلمين فناهضهم ~~. وجاء عكرمة . فقاتل معهم . فانهزم العدو حتى دخلوا مدينة دبا . فحصرهم ~~المسلمون شهرا . وشق عليهم الحصار ، إذ لم يكونوا قد أخذوا له أهبة . | ~~فأرسلوا إلى حذيفة . يسألونه الصلح . فقال : لا ، إلا بين حرب مجلية ، أو ~~سلم مخزية . قالوا : أما الحرب المجلية ، فقد عرفناها ، فما السلم المخزية ~~؟ قال : تشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ، وأن كل ما أخذناه ~~منكم فهو لنا ، وما أخذتموه فهو رد لنا . وأنا على حق وأنتم على باطل وكفر ~~، ونحكم فيكم بما رأينا . فأقروا بذلك . | فقال : اخرجوا عزلا ، لا سلاح ~~معكم ، ففعلوا . فدخل المسلمون حصنهم . فقال حذيفة : إني قد حكمت فيكم : أن ~~أقتل أشرافكم ، وأسبي ذراريكم . PageV01P299 | فقتل من أشرافهم مائة رجل ، ~~وسبى ذراريهم . | وقدم حذيفة بسبيهم المدينة . وهم ثلاثمائة من المقاتلة ، ~~وأربعمائة من الذرية والنساء . | وأقام عكرمة بدبا عاملا عليها لأبي بكر . ~~| فلما قدم حذيفة بسبيهم : أنزلهم أبو بكر رضي الله عنه دار رملة بنت ~~الحارث ، وهو يريد أن يقتل من بقي من المقاتلة . والقوم يقولون : والله ما ~~رجعنا عن الإسلام ، ولكن شححنا على أموالنا ، فيأبى أبو بكر أن يدعهم بهذا ~~القول . وكلمه فيهم عمر . وكان رأيه أن لا يسبوا . | فلم يزالوا موقوفين في ~~دار رملة حتى مات أبو بكر . فدعاهم عمر ، فقال : انطلقوا إلى ms187 أي بلاد شئتم ~~، فأنتم قوم أحرار . | فخرجوا حتى نزلوا البصرة . | وكان فيهم أبو صفرة - ~~والد المهلب - وهو غلام يومئذ . | ولما قدم غزو أهل دبا أعطاهم أبو بكر ~~خمسة دنانير . PageV01P300 # | 1 ( السنة الثانية عشرة ) # # | 2 ( مسير خالد إلى العراق : ) # | ولما دخلت السنة الثانية من خلافة أبي بكر رضي الله عنه ، وهي سنة اثنى ~~عشرة من الهجرة : كتب إلى خالد : ' إذا فرغت من اليمامة ، فسر إلى العراق ، ~~فقد وليتك حرب فارس ' . | فسار إليه في بضعة وثلاثين ألفا . فصالح أهل ~~السواد ثم سار إلى الأبلة وخرج كسرى في مائة وعشرين ألفا فالتقى مع خالد ، ~~فهزم الله المشركين من الفرس . وكتب خالد إلى كسرى ' أما بعد ، فأسلموا ~~تسلموا ، وإلا فأدوا الجزية ، وإلا فقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون ~~الحياة ' فصالحوه . | وفيها حج أبو بكر رضي الله عنه بالناس ، ثم رجع إلى ~~المدينة . # | 2 ( حوادث السنة الثالثة عشرة : ) # | ثم دخلت سنة ثلاث عشرة . | فبعث أبو بكر رضي الله عنه الجنود إلى الشام ~~. وأمر عليهم يزيد بن أبي سفيان ، وأبا عبيدة عامر بن الجراح ، وشرحبيل بن ~~حسنة ، وعمرو بن العاص . ونزلت الروم بأعلى فلسطين في سبعين ألفا . | ~~فكتبوا إلى أبي بكر يخبرونه ويستمدونه . فأمر خالدا - وهو بالحيرة - أن يمد ~~أهل الشام بمن معه من أهل القوة ، ويستخلف على ضعفة الناس رجلا منهم . ~~PageV01P301 | فسار خالد بأهل القوة ، ورد الضعفة إلى المدينة . | واستخلف ~~على من أسلم بالعراق : المثنى بن حارثة . | وسار حتى وصل إلى الشام ، ~~ففتحوا بصرى . وهي أول مدينة فتحت . | ثم اجتمع المشركون من الروم ، فانحاز ~~المسلمون إلى أجنادين ، فكانت الوقعة المشهورة ، وكان النصر للمسلمين . # | 2 ( موت الصديق رضي الله عنه : ) # | وفي هذه السنة : مات الصديق ، ليلة الثلاثاء ، لسبع عشرة ليلة مضت من ~~جمادى الآخرة . | وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر ، واثنتين وعشرين ليلة . ~~| واستخلف على الناس عمر بن الخطاب . وقال : ' اللهم إني وليتهم خيرهم ، ~~ولم أرد بذلك إلا إصلاحهم ، ولم أرد محاباة عمر . فاخلفني فيهم . فهم عبادك ~~، ونواصيهم بيدك ، أصلح لهم واليهم ، واجعله من خلفائك الراشدين ms188 ، يتبع هدي ~~نبيه صلى الله عليه وسلم . وأصلح له رعيته ' . | ثم دعاه . فقال : ' يا عمر ~~، إن لله حقا في الليل لا يقبله في النهار ، وحقا في النهار لا يقبله في ~~الليل . وإنها لا تقبل نافلة حتى تؤدى فريضة . وإنما ثقلت موازين من ثقلت ~~موازينه : باتباعهم الحق ، وثقله عليهم . وحق لميزان لا يوضع فيه غير الحق ~~غدا : أن يكون ثقيلا . فإذا حفظت وصيتي ، لم يكن غائب أحب إليك من الموت . ~~وهو نازل بك . وإن ضيعتها ، فلا غائب أكره إليك منه ، ولست تعجزه ' . ~~PageV01P302 | وورث منه أبوه أبو قحافة السدس . | ولما ورد كتاب أبي بكر ~~رضي الله عنه إلى أمراء الأجناد باستخلاف عمر بايعوه . | ثم ساروا إلى ' ~~فحل ' بناحية الأردن . وقد اجتمع بها الروم . فكانت وقعة ' فحل ' المشهورة ~~، ونصر الله المسلمين . وانحاز المشركون إلى دمشق . # | 2 ( حوادث السنة الرابعة عشرة : ) # | ثم دخلت السنة الرابعة عشرة : | وفيها : ساروا إلى دمشق وعليهم خالد . ~~فأتى كتاب عمر رضي الله عنه بعزل خالد ، وتأمير أبي عبيدة بن الجراح . | ~~وفيها : أمر عمر بصلاة التراويح جماعة . وقدم جرير بن عبد الله في ركب من ~~بجيلة ، فأشار عليه عمر بالخروج إلى العراق . فسار بهم جرير إلى العراق . ~~فلما قرب من المثنى بن حارثة ، كتب إليه : ' أقبل ، فإنما أنت مدد لي ' . | ~~فقال جرير : أنت أمير ، وأنا أمير . ثم اجتمعا . فكانت وقعة البويب ~~المشهورة . | ثم إن عمر أمر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه على العراق ، ~~وكتب له وأوصاه . فقال : ' يا سعد بن وهيب ، لا يغرنك من الله أن قيل : خال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه . فإن الله لا يمحو السيء بالسيء . ~~ولكن يمحو السيء بالحسن . وإن الله ليس بينه وبين أحد نسب PageV01P303 إلا ~~بطاعته . فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء . الله ربهم وهم عباده . ~~يتفاضلون بالعافية . ويدركون ما عند الله بالطاعة . فانظر الأمر الذي رأيت ~~عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعث إلى أن فارقنا عليه . فالزمه . ~~فإنه الأمر ' وكتب إلى المثنى وجرير : أن يجتمعنا ms189 إليه . فسار سعد بمن معه ~~. فنزل بشراف ، واجتمع إليه الناس . # | 2 ( حوادث السنة الخامسة عشرة : ) # | ثم دخلت السنة الخامسة عشرة . # | 2 ( فتح القادسية : ) # | فلما انحسر الشتاء سار سعد إلى القادسية ، وكتب إلى عمر يستمده ، فبعث ~~إليه بالمغيرة بن شعبة ، في جيش من أهل المدينة . وكتب إلى أبي عبيدة : أن ~~يمده بألف . | وسمع بذلك رستم بن الفرخزاد . فخرج بنفسه في مائة وعشرين ~~ألفا ، سوى التبع والرقيق ، حتى نزل القادسية . وبينه وبين المسلمين جسر ~~القادسية ، وقيل : كانوا ثلاثمائة ألف ، ومعهم ثلاثة وثلاثون فيلا . واجتمع ~~المسلمون حتى صاروا ثلاثين ألفا . فكانت وقعة القادسية المشهورة التي نصر ~~الله فيها المسلمين . وهزم المشركين . | فلما هزم الله الفرس ، كتب عمر إلى ~~سعد : ' أن أعد للمسلمين دار هجرة . وإنه لا يصلح للعرب إلا حيث يصلح ~~للبعير والشاه ، وفي منابت العشب . فانظر فلاة إلى جانب بحر ' . | فبعث سعد ~~عثمان بن حنيف ، فارتاد لهم موضع الكوفة اليوم ، فنزلها PageV01P304 سعد ~~بالناس . ثم كتب عمر إلى سعد : ' أن ابعث إلى أرض الهند - يريد البصرة - ~~جندا ، فلينزلوها ' . | فبعث إليها عتبة بن غزوان في ثلاثمائة رجل حتى ~~نزلها . وهو الذي بصر البصرة . | وفي هذه السنة : كانت وقعة اليرموك ~~المشهورة بالشام . | وخرج عمر إلى الشام ، ونزل الجابية . فصالح نصارى بيت ~~المقدس - وكانوا قد أبوا أن يجيبوا إلى الصلح مع أبي عبيدة ، حتى يكون عمر ~~يعقدون الصلح معه - فصالحهم . واشترط عليهم إجلاء الروم إلى ثلاث . واجتمع ~~إليه أمراء الأجناد . | فلما رجع إلى المدينة وضع الديوان . فأعطى العطايا ~~على مقدار السابقة . فبدأ بالعباس ، حرمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم . ~~ثم بالأقرب فالأقرب . # | 2 ( حوادث السنة السادسة : ) # | ثم دخلت السنة السادسة عشرة . | فيها : كتب عمر التاريخ . واستشار ~~الصحابة في مبدئه . فمنهم من قال : نبدأ من بدء النبوة ، ومنهم من قال : من ~~الوفاة ، ومنهم من قال : من الهجرة . فجعله عمر من الهجرة . # | 2 ( حوادث السنة السابعة عشرة : ) # | ثم دخلت السنة السابعة عشرة : | فكان فيها فتوح كثيرة شرقا وغربا . ~~PageV01P305 | وفيها فتحت تستر ، التي وجد فيها جسد دانيال عليه ms190 السلام . ~~وكان المشركون يستسقون به . | وفيه : تزوج عمر أم كلثوم بنت علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنهم ، طلبا لصهر رسول الله صلى الله عليه وسلم . # | 2 ( حوادث السنة الثامنة عشرة : ) # | ثم دخلت السنة الثامنة عشرة : | فيها : أصاب الناس مجاعة شديدة ، وتسمى ~~عام الرمادة ، لكثرة ما هلك فيها من الناس والبهائم جوعا . فاستسقى عمر ~~بالناس . وسأل العباس أن يدعو الله . ويؤمن عمر والناس على دعائه . فأزال ~~الله القحط . | وفيها وقع طاعون عمواس بالشام ، وقد هلك فيه خمسة وعشرون ~~ألفا . | ومات فيه أبو عبيدة عامر بن الجراح ، ومعاذ بن جبل ، ويزيد بن أبي ~~سفيان رضي الله عنهم . | فلما بلغ عمر موتهم : أمر على الشام معاوية بن أبي ~~سفيان . # | 2 ( حوادث السنة التاسعة عشرة : ) # | ثم دخلت السنة التاسعة عشرة . | فتح فيها فتوح كثيرة شرقا وغربا . # | 2 ( حوادث السنة العشرين : ) # | ثم دخلت السنة العشرون : PageV01P306 | وفيها : فتحت مصر والإسكندرية . ~~| وفيها : أجلى عمر رضي الله عنه اليهود من الحجاز إلى أذرعات وغيرها . # | 2 ( حوادث السنة الحادية والعشرين : ) # | ثم دخلت السنة الحادية والعشرون : | وفيها كان فتح نهاوند ، وأميرها ~~النعمان بن مقرن ، وقتل يومئذ . | وفيها : مات خالد بن الوليد رضي الله عنه ~~بحمص . | وفيها : مات عمرو بن معدي كرب ، وطليحة بن خويلد الأسدي - الذي ~~كان تنبأ . ثم أسلم وحسن إسلامه ، وأبلى في قتال الفرس بلاء حسنا - قتلا مع ~~النعمان بن مقرن بنهاوند . # | 2 ( حوادث السنة الثانية والعشرين : ) # | ثم دخلت السنة الثانية والعشرون : | وفيها : دخل الأحنف بن قيس خراسان ~~، وحارب يزدجرد آخر ملوك الفرس . فهزمه الله فيها . | وفيها : اعتمر عمر . ~~فتلقاه نافع بن الحارث . وكان عامله على مكة ، فقال له عمر : من خلفت ؟ قال ~~: ابن أبزى ، قال عمر : ومن أبزى ؟ قال : مولى لنا . قال : ومولى أيضا ؟ ~~قال : إنه قاريء للقرآن ، عالم بالفرائض . فقال عمر : سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول : ' إن الله يرفع بهذا القرآن أقواما ، ويضع به آخرين ~~' . PageV01P307 # | 2 ( حوادث السنة الثالثة والعشرين : ) # | ثم دخلت السنة الثالثة والعشرون : | وفيها : قتل عمر رضي الله عنه . في ms191 ~~صلاة الصبح من يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة . ودفن يوم الأحد ~~هلال المحرم سنة أربع وعشرين . | ولما رجع من الحج في آخرها قام خطيبا . ~~فقال : ' إني رأيت كأن ديكا أحمر نقرني نقرتين أو ثلاثا ، ولا أرى في ذلك ~~إلا حضور أجلي ' . | ثم خرج إلى السوق ، فلقيه أبو لؤلؤة المجوسي ، غلام ~~المغيرة بن شعبة ، وكان صانعا يعمل الأرحاء . فقال له : ألا تكلم مولاي يضع ~~عني من خراجي ؟ قال : وكم خراجك ؟ قال : دينار . قال : إنك لعامل محسن ، ~~فقال : وسع الناس عدلك وضاق بي ، وأضمر قتل عمر ، فاصطنع له خنجرا ذا حدين ~~وشحذه وسمه . ثم أتى به الهرمزان . فقال : كيف ترى هذا ؟ قال : أرى أنك لا ~~تضرب به أحدا إلا قتلته . PageV01P308 فلما كبر عمر رضي الله عنه في صلاة ~~الصبح ، طعنه ثلاث طعنات . وقصة مقتله في الصحيحين . | وكانت خلافته عشر ~~سنين وستة أشهر وأربع ليال ، أو خمس . | وبموته انفتح باب الفتنة إلى اليوم ~~. | وقال عبد الله بن سلام لعمر رضي الله عنهما : إني أرى في التوراة : أنك ~~باب من أبواب جهنم ، قال : فسر لي قال : أنت باب من أبوابها مغلقا ، لئلا ~~يقتحمها الناس فإذا مت انفتح . | وفتح الله على يديه من بلاد الكفار ألفا ~~وستة وثلاثين مدينة ، وخرب أربعة آلاف بيعة وكنيسة . وبنى أربعة آلاف مسجد ~~. ودون الدواوين ، ومصر الأمصار . ووضع الخراج ، وأرخ التاريخ . | وله ~~الفضائل المشهورة ، والسوابق المأثورة . رحمه الله ورضي عنه . # | 2 ( حوادث سنة أربع وعشرين : ) # | ثم دخلت السنة الرابعة والعشرون : | فاستخلف فيها عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه ، لغرة هلال المحرم - أو لثلاث من المحرم - بعد دفن عمر بثلاثة ~~أيام . | أسلم قديما . وكان من ذوي السابقة ، ومن ذوي الشرف والعلم . هاجر ~~الهجرتين . وصلى القبلتين . وزوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإبنتين . ~~ولم ينكح ابنتي نبي من آدم إلى قيام الساعة غيره . وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقدمه ويستحي منه ، ويقول : ' مالي لا أستحي ممن تستحي منه ~~ملائكة السماء ؟ ' . PageV01P309 | وفي هذه السنة : توفي سراقة بن ms192 مالك ، ~~وأم الفضل زوجة العباس ، وأم أيمن بركة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~. ورضي الله عنهم . # | 2 ( حوادث سنة خمس وعشرين : ) # | ثم دخلت السنة الخامسة والعشرون : | فتوفي فيها عبد الله بن أم مكتوم ~~المؤذن ، وعمير بن وهب بن خلف الجمحي ، الذي حزر المسلمين يوم بدر . ثم ~~تعاهد هو وصفوان بن خلف الجمحي على اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم . ~~فذهب إلى المدينة ، بدعوى افتداء ابنه وهب الذي كان أسر يوم بدر . فلما دخل ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم قص عليه رسول الله ما تعاهد هو وصفوان ~~عليه . فشهد شهادة الحق وأسلم . | وفيها توفي عروة بن حزام العاشق . # | 2 ( حوادث سنة ست وعشرين : ) # | ثم دخلت السنة السادسة والعشرون . | وفيها غزا عبد الله بن سعد بن أبي ~~سرح إفريقية ، ومعه العبادلة - عبد الله بن نافع بن قيس ، وعبد الله بن ~~نافع بن الحصين ، وعبد الله بن الزبير - فلقي جرجس ملك البربر في مائتي ألف ~~. فقتل جرجس . قتله عبد الله بن الزبير . وفتح الله على المسلمين . | وفيها ~~: مات خارجة بن زيد الأنصاري الذي تكلم بعد الموت . وكان من كلامه : خلت ~~ليلتان . بقيت أربع ، بئر أريس ، وما بئر أريس ؟ . PageV01P310 | وفيها ~~اعتمر عثمان ، فكلمه أهل مكة أن يحول الساحل إلى جدة . وقالوا : هي أقرب ~~إلى مكة وأوسع . وكانوا يرسون قبل ذلك في الشعيبه فخرج عثمان إلى جدة فرآها ~~، وحول الساحل إليها . # | 2 ( حوادث سنة سبع وعشرين : ) # | ثم دخلت السنة السابعة والعشرون . | وفيها - على قول ابن جرير - كان ~~فتح أفريقية والأندلس على يد عبد الله بن سعد بن أبي سرح . | وفيها : عزل ~~عثمان رضي الله عنه عمرو بن العاص عن مصر ، وولى عليها عبد الله بن سعد بن ~~أبي سرح . | وفيها : مات عبد الله بن كعب بن عمرو رضي الله عنه . وكان من ~~أهل بدر . # | 2 ( حوادث سنة ثمان وعشرين : ) # | ثم دخلت السنة الثامنة والعشرون . | فيها غزا معاوية بن أبي سفيان ~~البحر ، ومعه عبادة بن الصامت ، وامرأته أم حرام بنت ملحان ms193 - أخت أم سليم - ~~فسقطت عن دابة لها فهلكت . وهي التي نام رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~بيتها وقت قيلولة . فاستيقظ وهو يضحك ، فسألته ؟ فقال : ' ناس من أمتي ~~عرضوا علي غزاة في سبيل الله ، يركبون ثبج البحر ، ملوكا على الأسرة - أو ~~كالملوك على الأسرة - فقالت : ادع الله أن يجعلني منهم . فقال : أنت منهم . ~~ثم نام ، PageV01P311 ثم استيقظ وهو يضحك ، فسألته ؟ فقال مثل قوله . فقالت ~~: ادع الله أن يجعلني منهم . فقال : أنت من الأولين ' . | وفيها : غزا ~~معاوية قبرس . فصالحه أهلها . # | 2 ( حوادث سنة تسع وعشرين : ) # | ثم دخلت السنة التاسعة والعشرون . | فيها : شكى الناس إلى عثمان رضي ~~الله عنه ضيق مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر بتوسعته ، وبناه ~~بالحجارة المنقوشة ، والقصة - وهي الجص - وفيها وسع المسجد الحرام كذلك . | ~~وفيها : مات سليمان بن ربيعة الباهلي رضي الله عنه . وكان عمر رضي الله عنه ~~ولاه قضاء المدائن ، فمكث أربعين يوما لم يختصم إليه اثنان . # | 2 ( حوادث سنة ثلاثين : ) # | ثم دخلت سنة ثلاثين . | وفيها وقع خاتم رسول الله من يد عثمان بن عفان ~~رضي الله عنه في بئر أريس ، فنزحت ولم يوجد . فحزن لذلك أشد الحزن . فوقع ~~من الرعية الخلل على عثمان بعدها . | وفيها : غزا سعيد بن العاص من الكوفة ~~خراسان ، ومعه حذيفة بن اليمان ، والحسن ، والحسين ، وعبد الله بن عمر ، ~~وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم . ~~PageV01P312 | وفيها : كان ما كان من أمر أبي ذر الغفاري رضي الله عنه ، ~~وشدة إنكاره على معاوية وأهل الشام في الاستمتاع بما أنعم الله عليهم ، ~~والتوسع فيما أباح لهم ، وأفاء عليهم من الأموال . وأنه يرى : أن لا يبيت ~~أحد من المسلمين وعنده درهم ولا دينار وإلا كان من الذين يكنزون الذهب ~~والفضة . | فكتب معاوية في شأنه إلى عثمان . فكتب عثمان بإشخاص أبي ذر إلى ~~المدينة ، ومحاولة بعض دعاة الفتنة الالتفاف حول أبي ذر . فهرب منهم إلى ~~الربذة بإذن عثمان وفي طاعته . وأقام بها حتى مات رضي الله عنه . | وفيها ms194 : ~~زاد عثمان النداء الثالث يوم الجمعة على الزوراء حين كثر الناس . فثبت ~~الأمر على ذلك إلى اليوم . والزوراء دار كانت له بالمدينة . | وفيها مات ~~أبي بن كعب : سيد القراء ، وأحد القراء الأربعة . # | 2 ( حوادث سنة إحدى وثلاثين : ) # | ثم دخلت السنة الحادية والثلاثون . | وفيها : قتل يزدجرد آخر ملوك ~~الفرس ، وهو الذي مزق كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي دعاه فيه إلى ~~الإسلام . فدعا عليه أن يمزق الله ملكه . | وفيها : فتح حبيب بن مسلمة ~~الفهري أرمينية . | وقال الواقدي : كان في هذه السنة غزوة الصواري في البحر ~~. وكان فيها : محمد بن أبي حذيفة ، ومحمد بن أبي بكر . فأظهرا عيب عثمان ~~وما غير وما خالف أبا بكر وعمر . ويقولان : دمه حلال . PageV01P313 # | 2 ( حوادث سنة اثنين وثلاثين : ) # | ثم دخلت السنة الثانية والثلاثون . | فيها غزا معاوية بلاد الروم ، حتى ~~بلغ مضيق القسطنطينية . | وفيها : مات عبد الرحمن بن عوف ، وعبد الله بن ~~مسعود ، وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري - جندب بن جنادة - والعباس بن عبد ~~المطلب ، وأبو سفيان بن حرب . رضي الله عنهم . # | 2 ( حوادث سنة ثلاث وثلاثين : ) # | ثم دخلت السنة الثالثة والثلاثون . | وفيها : ذكر أهل العراق عثمان ~~بالسوء ، وتكلموا فيه بكلام خبيث في مجلس سعيد بن عامر . فكتب في أمرهم إلى ~~عثمان . فكتب يأمره بإجلائهم إلى الشام . فلما قدموا على معاوية أكرمهم ~~وتألفهم . ونصحهم . فأجابه متكلمهم بكلام فيه شناعة . ثم نصحهم فتمادوا في ~~غيهم وجهالتهم وشرهم . فنفاهم معاوية عن الشام . وكانوا عشرة : كميل بن ~~زياد ، والأشتر النخعي - مالك بن يزيد - وعلقمة بن قيس النخعي ، وثابت بن ~~قيس النخعي ، وجندب بن زهير العامري ، وجندب بن كعب الأزدي ، وعروة بن ~~الجعد ، وعمرو بن الحمق الخزاعي ، وصعصعة بن صوحان ، وأخوه زيد بن صوحان ، ~~وابن الكواء . فأووا إلى الجزيرة . واستقروا بحمص حتى كانت الفتنة التي ~~قادوها لقتل عثمان . | وفيها : مات المقداد بن عمرو رضي الله عنه . ~~PageV01P314 # | 2 ( حوادث سنة أربع وثلاثين : ) # | ثم دخلت السنة الرابعة والثلاثون : | فيها : تكاتب المنحرفون عن عثمان ~~- وكان جمهورهم من أهل الكوفة - وتواعدوا أن يجتمعوا ms195 لمناظرته فيما نقموا ~~عليه . فبعثوا إليه منهم من يناظره فيما فعل من تولية من ولى وعزل من عزل . ~~حتى شق عليه ذلك جدا . فبعث إلى أمراء الأجناد ، فأحضرهم عنده . واستشارهم ~~. فكل أشار برأي ، ثم انتهى الأمر بأن قرر عماله على ما كانوا عليه . وتألف ~~قلوب هؤلاء . وأمر بهم أن يبعثوا إلى الغزو وإلى الثغور . فلم يمنعهم ذلك ~~من التمادي في غيهم . | وفيها : توفي أبو طلحة الأنصاري ، وعبادة بن الصامت ~~رضي الله عنهما . # | 2 ( حوادث سنة خمس وثلاثين : ) # | ثم دخلت السنة الخامسة والثلاثون . | وفيها : مات من الصحابة عمار بن ~~ربيعة ، أسلم قديما وشهد بدرا رضي الله عنه . | وفيها : كان خروج جماعة من ~~أهل مصر ومن وافقهم على عثمان . | وأصل الفتنة ومنبعها : كان من عبد الله ~~بن سبأ - رجل يهودي من أهل صنعاء ، أظهر الإسلام ليخفي به حقده عليه وكفره ~~به في زمن عثمان - وكان ينتقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم . فبدأ ~~بالحجاز ، ثم البصرة ، ثم الكوفة ، ثم الشام . فلم يقدر على ما يريد . ~~فأخرجوه حتى أتى مصر . فغمز على عثمان ، وقاد الفتنة . وأشعل نارها ، محادة ~~لله ولرسوله ، حتى PageV01P315 كانت البلية الكبرى بمحاصرة عثمان رضي الله ~~عنه ، واغتياله ، وهو يتلو كتاب الله تعالى . وكان بيد أولئك المجرمين ~~الخوارج في ذي الحجة من هذه السنة . رضي الله عنه . | وبقتله وقعت الفتنة ~~العظيمة التي أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والناس في بقايا من ~~شرها إلى اليوم . | ويروى : أن عثمان رضي الله عنه صلى في الليلة التي حوصر ~~فيها ونام ، فأتاه آت في منامه ، فقال له : قم فاسأل الله أن يعيذك من ~~الفتنة التي أعاذ منها صالحي عباده . فقام فصلى ، ودعاه . فاشتكى ، فما خرج ~~إلا جنازته . | قال أهل السير : لما كان من أمر عثمان ما كان ، قعد علي بن ~~أبي طالب في بيته ، فأتاه الناس ، وهم يقولون : علي أمير المؤمنين . فقال : ~~ليس ذلك إليكم ، إنما هو إلى أهل بدر . فأتاه أهل بدر . فلما رأى ذلك علي ~~خرج فبايعه الناس . ولم يدخل في ms196 طاعته معاوية وأهل الشام ، فهم علي بالشخوص ~~إليهم . # | 2 ( وقعة الجمل : ) # | وبلغ الخبر عائشة - وهي حاجة - ومعها طلحة ، والزبير . فخرجوا ~~PageV01P316 إلى البصرة يريدون الإصلاح بين الناس ، واجتماع الكلمة . وأرسل ~~علي عمار بن ياسر وابنه الحسن بن علي إلى الكوفة يستنفرون الناس ليكونوا مع ~~علي ، فاستنفروهم ، فنفروا . وخرج علي من المدينة في ستمائة رجل . فالتقى - ~~هو والحسن - بذي قار ، ثم التقوا - هم وطلحة والزبير - قرب البصرة . وكان ~~في العسكرين ناس من الخوارج . فخافوا من تمالؤ العسكرين عليهم . فتحيلوا ~~حتى أثاروا الحرب بينهما من غير رأي . فكانت وقعة الجمل المشهورة . لأن ~~عائشة كانت في هودج . على جمل . وعقر الجمل ذلك اليوم . فأمر علي بحمل ~~الهودج ، فحمله محمد بن أبي بكر ، وعمار بن ياسر . فأدخل محمد يده في ~~الهودج ، فقالت من ذا الذي يتعرض لحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ~~أحرقه الله بالنار . فقال : يا أختاه ، قولي بنار الدنيا . فقالت : بنار ~~الدنيا ، فكان الأمر كذلك . | وكانت وقعة الجمل في جمادى الآخرة سنة ست ~~وثلاثين . | ثم التقى علي وعائشة . فاعتذر كل منهما للآخر . ثم جهزها إلى ~~المدينة . وأمر لها بكل شيء ينبغي لها . وأرسل معها أربعين امرأة من نساء ~~أهل البصرة المعروفات . | وفي هذه السنة : مات حذيفة بن اليمان ، وأبو رافع ~~مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقدامة بن مظعون رضي الله عنهم . # | 2 ( حوادث سنة سبع وثلاثين : ) # | ثم دخلت السنة السابعة والثلاثون . | فسار علي رضي الله عنه ، والتقى ~~هو وأهل الشام بصفين ، لسبع بقين PageV01P317 من المحرم - وصفين اسم موضع ~~بين الشام والعراق - فكانت به الوقعة المشهورة . فلما اشتد البلاء على ~~الفريقين ، وطال أياما ، وكثر القتل بينهم : رفع أهل الشام المصاحف على ~~رؤوس الرماح ، ونادوا : ' ندعوكم إلى كتاب الله ' فسر الناس ؛ وأنابوا إلى ~~الحكومة . | فحكم أهل الشام عمرو بن العاص . وحكم علي بن أبي طالب أبا موسى ~~الأشعري رضي الله عنهما . وكتبوا بينهم العهود بالرضى بما يحكم به الحكمان ~~. فلما حل الموعد في رمضان توافوا بأذرح ، بدومة الجندل . فلم يتفق الحكمان ~~على ms197 شيء . | وانصرف علي رضي الله عنه إلى العراق ، ومعاوية رضي الله عنه ~~إلى الشام . | فلما وصل علي الكوفة خرجت عليه الخوارج ؛ وكفروه حيث رضى ~~بالتحكيم . وقالوا : لا حكم إلا الله . واجتمعوا بحروراء - اسم موضع ~~بالعراق - فسموا الحرورية ، فأرسل علي إليهم عبد الله بن عباس فأتاهم . قال ~~: ' فلم أر قوما أشد اجتهادا منهم ؛ ولا أكثر عبادة ' فقال : ما تنقمون ؟ ~~قالوا : ثلاث . | إحداهن : أنه حكم الرجال في أمر الله ، وقد قال الله ~~تعالى : @QB@ إن الحكم إلا لله @QE@ الآية . | والثانية : أنه قاتل ، ولم ~~يسب ولم يغنم . فإن كانوا مؤمنين ، فما حل لنا قتالهم ؛ وإن كانوا كافرين . ~~فقد حلت لنا أموالهم وسبيهم . PageV01P318 | والثالثة : أنه محا نفسه من ~~أمير المؤمنين . فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين . | فقال لهم ~~: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله الحكم ، وحدثتكم من سنة نبيكم ما لا ~~تنكرون ، أترجعون ؟ قالوا : نعم . | فقلت : أما قولكم : إنه حكم الرجال في ~~دين الله ، فإن الله تعالى يقول : @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا ~~الصيد وأنتم حرم @QE@ - إلى قوله - @QB@ يحكم به ذوا عدل منكم @QE@ وقال ~~تعالى : @QB@ وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ~~@QE@ أنشدكم الله ، أفتحيكم الرجال في إصلاح ذات بينهم ، وحقن دمائهم ~~وأموالهم : أحق ، أم في أرنب ثمنها ربع درهم ، أو بضع امرأة ؟ فقالوا : ~~اللهم بلى ، في حقن دمائهم ، وإصلاح ذات بينهم . فقلت : أخرجت من هذه ؟ ~~فقالوا : اللهم نعم . | وأما قولكم : إنه قاتل ولم يسب ولم يغنم ، أفتسبون ~~أمكم ، وتستحلون منها ما تستحلونه من غيرها ؟ فإن قلتم : نعم ، فقد كفرتم . ~~وإن زعمتم أنها ليست لكم بأم ، فقد كفرتم . لأن الله يقول : @QB@ وأزواجه ~~أمهاتهم @QE@ فإن كنتم تترددون بين ضلالتين ، فاختاروا أيتهما شئتم . أخرجت ~~من هذه ؟ قالوا : اللهم نعم . PageV01P319 | قال : وأما قولكم : إنه محا ~~نفسه من ' أمير المؤمنين ' فإن النبي صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية - ~~أراد أن يكتب بينه وبين قريش في الصلح . فقال لعلي : ' اكتب : هذا ما قاضى ~~عليه محمد رسول الله . فقالوا : لو نعلم أنك رسول ms198 الله ، ما صددناك عن ~~البيت ، ولا قاتلناك ، ولكن اكتب : محمد بن عبد الله . فقال : امح يا علي . ~~واكتب ؛ محمد بن عبد الله . فقال : والله لا أمحوك أبدا . قال : فأرني ~~موضعه ، فأراه ذلك . فمحاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ' فو الله ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من علي . أخرجت من هذه ؟ قالوا : اللهم ~~نعم ' . | فرجع منهم أربعة آلاف . وخرج عليه باقيهم . فقاتلوه ، فقتل منهم ~~مقتلة عظيمة . وأمر بالتماس المخدج ذي الثدية . فلما وجده سجد لله شكرا . | ~~وفي هذه السنة مات خباب بن الأرت ، وخزيمة ذو الشهادتين ، وسفينة مولى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح رضي الله عنهم . # | 2 ( حوادث سنة ثمان وثلاثين : ) # | ثم دخلت السنة الثامنة والثلاثون . | فيها : قتل محمد بن أبي بكر وأحرق ~~. | وفيها : مات سهل بن حنيف ، وصهيب الرومي . | ثم دخلت السنة الأربعون : ~~PageV01P320 | وفيها : كتب معاوية إلى علي : ' أما إذا شئت فلك العراق . ~~ولي الشام . ونكف السيف عن هذه الأمة . ولا نهريق دماء المسلمين ' ففعل . ~~وتراضيا رضي الله عنهما على ذلك . | وفيها : قتل علي رضي الله عنه . قتله ~~ابن ملجم - رجل من الخوارج - لما خرج لصلاة الصبح ، لثلاث عشرة بقيت من ~~رمضان . | فبايع الناس ابنه الحسن . فبقي خليفة نحو سبعة أشهر . ثم سار إلى ~~معاوية . فلما التقى الجمعان ، علم الحسن : أن لن تغلب إحدى الفئتين حتى ~~يذهب أكثر الأخرى . فصالح معاوية . وترك الأمر له ، وبايعه على أشياء ~~اشترطها . فأعطاه معاوية إياها وأضعافها . | وجرى مصداق ما صح عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال في الحسن : ' إن ابني هذا سيد . ولعل الله أن ~~يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ' . | وصح عنه أنه قال في الخوارج : ~~' يخرجون على حين فرقة بين الناس ، تقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق ' . | ~~وصح عنه صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة : أنه نهى عن القتال في الفتنة ~~. وأخبر صلى الله عليه وسلم بوقوعها ، وحذر منها . | فحصل بمجموع ما ذكرنا ~~: أن الصواب مع ms199 سعد بن أبي وقاص ، وابن عمر ، وأسامة بن زيد ، وأكثر ~~الصحابة الذين قعدوا واعتزلوا الطائفتين . | وأن علي بن أبي طالب وأصحابه : ~~أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه . وأن الفريقين كلهم لم يخرجوا من الإيمان ~~. PageV01P321 | وأن الذين خرجوا من الإيمان : إنما هم أهل النهروان . | ~~وأن ما فعل الحسن بن علي رضي الله عنهما : أحب إلى الله مما فعل أبوه علي . ~~لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمدحه على ترك واجب ، أو مستحب . | ~~وأجمع أهل السنة على السكوت عما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم . ولا يقال ~~فيهم إلا الحسنى . فمن تكلم في معاوية أو غيره من الصحابة فقد خرج عن ~~الإجماع . والله سبحانه وتعالى أعلم . | وكان هذا العام يسمى عام الجماعة ، ~~لاجتماع المسلمين فيه على إمام واحد ، بعد الفرقة . وهو عام إحدى وأربعين ~~في ربيع الأول . فاجتمعوا على معاوية رضي الله عنه ، ودعي من يومئذ أمير ~~المؤمنين . ورجع الحسن بن علي رضي الله عنهما إلى المدينة . # | 2 ( ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين : ) # | فيها مات عمرو بن العاص رضي الله عنه بمصر ، وهو واليها . # | 2 ( ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين : ) # | فيها مات عبد الله بن سلام رضي الله عنه . # | 2 ( ثم دخلت سنة أربع وأربعين : ) # | فماتت فيها أم حبيبة بنت أبي سفيان ، أم المؤمنين رضي الله عنهما . # | 2 ( ثم دخلت سنة خمس وأربعين : ) # | فماتت فيها حفصة بنت عمر ، أم المؤمنين ، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم . ~~PageV01P322 # | 2 ( ثم دخلت سنة ست وأربعين : ) # | فمات فيها محمد بن مسلمة . رضي الله عنه . # | 2 ( ثم دخلت سنة سبع وأربعين : ) # | فمات فيها قيس بن عاصم رضي الله عنه . # | 2 ( حوادث سنة تسع وأربعين : ) # | ثم دخلت سنة تسع وأربعين : | وفيها : كانت غزوة يزيد بن معاوية بن أبي ~~سفيان الروم ، حتى بلغ قسطنطينية . ومعه ابن عباس ، وابن عمر ، وابن الزبير ~~، وأبو أيوب الأنصاري . | وفيها : مات الحسن بن علي ، وجويرية بنت الحارث ~~أم المؤمنين ، وصفية بنت حييي أم المؤمنين ، وجبير بن مطعم ، وحسان بن ثابت ~~، ودحية بن ms200 خليفة الكلبي ، وكعب بن مالك ، وعمرو بن أمية الضمري ، وعقيل بن ~~أبي طالب ، وعتبان بن مالك ، والمغيرة بن شعبة . رضي الله عنهم أجميعن . # | 2 ( ثم دخلت سنة إحدى وخمسين : ) # | فمات فيها سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، وجرير بن عبد الله البجلي . ~~رضي الله عنهم . # | 2 ( ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين : ) # | فمات فيها أبو أيوب زيد بن خالد الأنصاري غازيا ، ودفن عند سور ~~PageV01P323 القسطنطينية ، وكان النصارى يستسقون بقبره رضي الله عنه . ~~وبرأه الله من عقائد النصارى . ومات بها أبو موسى الأشعري ، وعمران بن حصين ~~رضي الله عنهما . # | 2 ( ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين : ) # | فمات فيها صعصعة بن ناجية الصحابي ، الذي يقال : إنه أحيا أربعمائة ~~موءودة في الجاهلية ، وزياد بن سمية رضي الله عنهم . # | 2 ( ثم دخلت سنة أربع وخمسين : ) # | فماتت فيها سودة بنت زمعة أم المؤمنين ، وأبو قتادة الأنصاري ، وحكيم ~~بن حزام رضي الله عنهم . # | 2 ( ثم دخلت سنة خمس وخمسين : ) # | فمات فيها سعد بن مالك ، والأرقم بن أبي الأرقم - الذي كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام مختبئا في داره - وسحبان وائل ، ~~البليغ الذي يضرب به المثل في الفصاحة . # | 2 ( ثم دخلت سنة ست وخمسين : ) # | فدعا فيها معاوية الناس إلى بيعة ابنه يزيد . # | 2 ( ثم حوادث سنة سبع وخمسين : ) # | فمات فيها عثمان بن حنيف رضي الله عنه . # | 2 ( ثم دخلت سنة ثمان وخمسين : ) # | فمات فيها سعيد بن العاص - أحد الأجواد السبعة - وعبد الرحمن بن أبي ~~بكر ، وعبد الله بن عباس - أحد الأجواد السبعة رضي الله عنهم . # | 2 ( حوادث سنة ستين : ) # | ثم دخلت سنة ستين : PageV01P324 | فمات فيها معاوية بن أبي سفيان . وصح ~~أن أبا هريرة مات قبلها بسنة ، وأنه كان يقول : ' اللهم إني أعوذ بك من رأس ~~الستين ، وإمارة الصبيان ' . | واستخلف معاوية ابنه يزيد ، فجرت الفتنة ~~الثانية . ولم تزل الفتنة قائمة سنين ، حتى اجتمع الناس على عبد الملك بن ~~مروان . | فأول ما جرى في أيام يزيد : مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما ~~وأهل بيته في ms201 يوم عاشوراء سنة إحدى وستين . | ثم بعدها : جرت وقعة الحرة ~~العظيمة بالمدينة ، قتلوا أهلها . وأباحوها ثلاثة أيام . | ثم بعد ذلك : ~~توجهوا إلى مكة لقتال عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما . فحاصروها . فلم ~~يزالوا محاصريها حتى بلغهم موت يزيد . فلما مات يزيد افترق الناس افتراقا ~~كثيرا . كما قيل : # % وتشعبوا شعبا بكل جزيرة % % فيها أمير المؤمنين ومنبر % % وثبت مروان ~~بالشام ، وخرج المختار بن أبي عبيد الثقفي المبيد المفسد بالعراق ، ونجدة ~~بن عويمر باليمامة . | والمشهور بأمير المؤمنين في هذه السنين : عبد الله ~~بن الزبير بمكة . وبايع له أكثر الناس . | فلما مات مروان تولى بعده ابنه ~~عبد الملك سنة خمس وستين . | ولما تولى تصدى لحرب عبد الله بن الزبير . ~~فجرى بينهما ما يطول ذكره . وآخره : أنه وجه لقتال ابن الزبير جيشا عليهم ~~الحجاج بن يوسف الثقفي ، فحصره بمكة ، ثم قتله رضي الله عنه ، سنة ثلاث ~~وسبعين . | فاجتمع الناس بعده على عبد الملك بن مروان . فلم يزل واليا كذلك ~~إلى PageV01P325 سنة ست وثمانين . فمات واستخلف ولده الوليد . فبقي في ~~الخلافة سبع سنين وأشهرا . | وفي أيامه مات أنس بن مالك رضي الله عنه ، ~~والحجاج بن يوسف . ثم ولى بعده أخوه سليمان بن عبد الملك . فبقي سنتين ~~وأشهرا . | واستخلف عمر بن عبد العزيز . فبايعه الناس سنة تسع وتسعين في ~~صفر . | فسار رحمه الله سيرة الخلفاء الراشدين . وأحيا السنن وأمات البدع . ~~وبقي في الخلافة رشيدا مهديا سنتين وأشهرا ، ومات في رجب سنة إحدى ومائة . ~~| ومات في أيامه ابنه عبد الملك . وكان يشبه أباه رحمهما الله . | ثم تولى ~~بعده : يزيد بن عبد الملك . فبقي أربع سنين وشهرا واحدا . وتوفي سنة خمس ~~ومائة . | ثم تولى بعده : أخوه هشام بن عبد الملك . فبقي تسع عشرة سنة ~~وأشهرا . | وفي خلافته ظهر الجعد بن درهم ، أول من قال بخلق القرآن . ~~وأظهره في دمشق . فطلبه بنو أمية . فهرب منهم إلى الكوفة . فلما أظهر قوله ~~هناك : أخذه خالد بن عبد الله القسري . قتله يوم عيد الأضحى من سنة أربع ~~وعشرين ومائة . خطب الناس ، فقال ms202 : أيها الناس ضحوا . تقبل الله ضحاياكم . ~~فإني مضح بالجعد بن درهم . إنه زعم : أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا . ولم ~~يكلم موسى تكليما . تعالى الله عما قال الجعد علوا كبيرا . ثم نزل فذبحه في ~~أصل المنبر . | وتوفى هشام بن عبد الملك سنة خمس وعشرين ومائة . | ثم تولى ~~بعده : ابن أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك . فبقي سنة أو أقل أو أكثر . ~~ثم قتل سنة ست وعشرين ومائة . PageV01P326 | ثم تولى بعده : ابن عمه يزيد ~~بن الوليد بن عبد الملك . فبقي خمسة أشهر وتوفي في ذي القعدة - أو في أول ~~ذي الحجة - من سنة ست وعشرين ومائة . | وبعده انقضت الخلافة التامة . ولم ~~تجتمع الأمة بعده على إمام واحد إلى اليوم . وهو آخر الخلفاء الاثنى عشر ، ~~الذين ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : ' لا يزال أمر ~~هذه الأمة عزيزا ، ينصرون على من ناوأهم إلى اثنى عشر خليفة . كلهم من قريش ~~' . | وفي لفظ لمسلم : ' إن هذا الأمر لا ينقض ، حتى يمضي فيهم اثنا عشر ~~خليفة ' . | وعند البزار ' لا يزال أمر أمتي قائما ، حتى يمضي اثنا عشر ~~خليفة ' . | وفي لفظ : ' لا يزال الإسلام عزيزا منيعا إلى اثنى عشر خليفة ' ~~. | وعند أبي داود : ' قالوا : ثم يكون ماذا ؟ قال : ثم يكون الهرج ' . | ~~فلما مات يزيد : طلب الأمر أخوه إبراهيم ، فبايعه أخوه . ولم ينتظم له أمر ~~. | فطلب الأمر مروان بن محمد بن مروان - الذي يقال له مروان الحمار - ~~فبايعه بعض الناس في صفر سنة سبع وعشرين ومائة . | ولم يزل في حروب وتخبيط ~~إلى آخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة - يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة - ~~فقتل في كنيسة أبي صير . وكانت مدة خلافته : خمس سنين وعشرة أشهر وعشرة ~~أيام . وهو آخر من ولى الخلافة من بني أمية . # | 2 ( دولة بني العباس : ) # | ثم قامت دولة بني العباس . | وفي هذه السنين : وقعت الفتنة الثالثة ~~التي لم يرقع الخرق بعدها إلى اليوم . PageV01P327 | فأول من قام من بني ~~العباس : السفاح ، واسمه عبد الله بن محمد بن علي بن ms203 عبد الله بن عباس . ~~فبقي نحو ست سنين ثم مات . وعهد إلى أخيه المعروف بالمنصور . فبقي فيها ~~اثنتين وعشرين سنة . ثم توفي . وعهد إلى ابنه المعروف بالمهدي ، فبقي نحو ~~عشر سنين ، ثم مات . | وقام بعده ابنه : موسى ، المسمى بالهادي ، فبقي سنة ~~وشهرا ، ثم توفي . | وقام بعده أخوه هارون ، المسمى بالرشيد ، فبقي أكثر من ~~عشرين سنة ، ثم مات . | وقام بعده : ابنه المسمى بالأمين - وأمه زبيدة بنت ~~جعفر بن المنصور - وبقي نحو ثلاث سنين . ثم قتله عسكر أخيه المأمون . | ~~وقام بعده : المأمون . وهو الذي جر على المسلمين كثيرا من الفتن في العقائد ~~. فترجم كتب اليونان في الفلسفة . وأظهر القول بخلق القرآن وألزم الناس ~~القول به ، وامتحن الإمام أحمد وغيره من الأئمة رحمهم الله في ذلك . # | 2 ( بدء تأليف الكتب : ) # | وفي أيام عمر بن عبد العزيز : كتب إلى أبي بكر بن حزم بالمدينة : ' ~~انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجمعه ، فإني خفت دروس ~~العلم ، وذهاب العلماء ' . | وفي أيام المنصور : شرع العلماء في تصنيف كتب ~~التفسير والحديث . | فصنف ابن جريج بمكة ، ومالك بن أنس بالمدينة ، وعمرو ~~الأوزاعي بالشام ، وحماد بن سلمة بالبصرة ، وسفيان الثوري بالكوفة ، ومعمر ~~بن المثنى باليمن . PageV01P328 | وصنف محمد بن إسحاق المغازي . وصنف أبو ~~حنيفة النعمان بن ثابت الرأي . | وقبل هذا : كان الأئمة يتكلمون من حفظهم ، ~~ويروون العلم صحفا غير مرتبة . والله سبحانه وتعالى أعلم . | والحمد لله رب ~~العالمين . وصلى الله وسلم وبارك على خاتم سيد المرسلين محمد ، وعلى آله ~~وصحبه أجمعين . * * * | وكان الفراغ من نسخ هذا الكتاب الشريف يوم الأربعاء ~~، لإحدى عشرة خلت من شهر رجب سنة 1309 على يد الفقير إلى ربه : سليمان بن ~~سحمان غفر الله له ولوالديه وللمسلمين والمسلمات . والمؤمنين والمؤمنات . | ~~اللهم صل على محمد وآل وصحبه وسلم . | وكان الفراغ من مراجعة هذا الكتاب ~~ومقابلته وترقيم الآيات وتخريج الأحاديث وتعليق ما رأينا الحاجة داعية إلى ~~إيضاحه يوم الأربعاء السابع والعشرين من شهر ربيع الآخر عام 1398 ه . وصلى ~~الله على محمد وآله وصحبه ms204 وسلم . المراجعون . 11 PageV01P329 ms205