######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_006890 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: محمد بن عبد الوهاب #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن عبد الوهاب #META# 011.AuthorBORN :: 1115 هـ #META# 011.AuthorDIED :: 1206 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مختصر زاد المعاد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: سيرة النبي صلى الله عليه وسلم :: كتب سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: مختصر زاد المعاد #META# 030.LibURI :: JK_006890 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مطابع الرياض #META# 044.EdPLACE :: الرياض #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # | ( بسم الله الرحمن الرحيم ، وبه الثقة والعصمة ) # | الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . | أما بعد : فإن الله سبحانه وتعالى هو ~~المتفرد بالخلق والاختيار . قال الله تعالى : @QB@ وربك يخلق ما يشاء ~~ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون @QE@ ( القصص : آية ~~68 ) والمراد بالاختيار : هو الاجتباء والاصطفاء ، وقوله : @QB@ ما كان لهم ~~الخيرة @QE@ أي : ليس هذا الاختيار إليهم ، فكما أنه المتفرد بالخلق ، فهو ~~المتفرد بالاختيار منه ، فإنه أعلم بمواقع اختياره ، كما قال تعالى : @QB@ ~~الله أعلم حيث يجعل رسالته @QE@ الأنعام : ( الآية 124 ) وكما قال تعالى : ~~@QB@ وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم أهم يقسمون رحمة ~~ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ~~@QE@ الزخرف ( الآية : 31 ) فأنكر سبحانه عليهم تخيرهم ، وأخبر أن ذلك إلى ~~الذي قسم بينهم معيشتهم ، ورفع بعضهم فوق بعض درجات . وقوله : @QB@ سبحان ~~الله وتعالى عما يشركون @QE@ نزه نفسه عما اقتضاه شركهم من اقتراحهم ~~واختيارهم . ولم يكن شركهم متضمنا لإثبات خالق سواه حتى ينزه نفسه عنه . ~~والآية مذكورة بعد قوله : @QB@ فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون ~~من المفلحين @QE@ ( القصص الآية : 67 ) . PageV01P007 | وكما أنه خلقهم ~~اختار منهم هؤلاء ، وهذا الاختيار راجع إلى حكمته سبحانه ، وعلمه بمن هو ~~أهل له ، لا إلى اختيار هؤلاء واقتراحهم . | وهذا الاختيار في هذا العالم ~~من أعظم آيات ربوبيته وأكبر شواهد وحدانيته ، وصفات كماله ، وصدق رسله . | ~~ومن هذا اختياره من الملائكة المصطفين منهم ، كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم : ' اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السموات والأرض ، عالم ~~الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما ~~اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ' . | وكذلك ~~اختياره سبحانه الأنبياء من ولد آدم ، واختياره الرسل منهم ، واختياره أولي ~~العزم منهم ، وهم الخمسة المذكورون في سورتي الأحزاب والشورى واختياره منهم ~~الخليلين : إبراهيم ومحمدا صلى الله عليهما ms001 وسلم وعليهم أجمعين . ومن هذا ~~اختياره سبحانه ولد إسماعيل من أجناس بني آدم ، ثم اختار منهم بني كنانة من ~~خزيمة ، ثم اختار من ولد كنانة قريشا ، ثم اختار من قريش بني هاشم ، ثم ~~اختار من بني هاشم سيد ولد آدم محمدا صلى الله عليه وسلم ، واختار أمته على ~~سائر الأمم . | كما في ' المسند ' عن معاوية بن حيدة مرفوعا : ' أنتم توفون ~~سبعين أمة ، أنتم خيرها وأكرمها على الله ' . PageV01P008 | وفي ' مسند ~~البزار ' من حديث أبي الدرداء مرفوعا : ' إن الله سبحانه قال لعيسى بن مريم ~~: | إني باعث بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا ، وإن أصابهم ما ~~يكرهون احتسبوا وصبروا ، ولا حلم ولا علم . قال : يا رب كيف هذا ولا حلم ~~ولا علم ؟ قال : أعطيهم من حلمي وعلمي . PageV01P009 # | 1 ( فصل : اختص الله نفسه بالطيب ) # | والمقصود أن الله سبحانه اختار من كل جنس أطيبه ، فاختصه لنفسه ، فإنه ~~سبحانه وتعالى طيب لا يحب إلا الطيب ، ولا يقبل من القول والعمل والصدقة ~~إلا الطيب . | وبهذا يعلم عنوان سعادة العبد وشقاوته ، فإن الطيب لا يناسبه ~~إلا الطيب ولا يرضى إلا به ، ولا يسكن إلا إليه ، ولا يطمئن قلبه إلا به . ~~| فله من الكلام الكلام الطيب الذي لا يصعد إلى الله إلا هو ، وهو أشد نفرة ~~عن الفحش في المقال والكذب والغيبة والنميمة والبهت وقول الزور وكل كلام ~~خبيث . | وكذلك لا يألف من الأعمال إلا أطيبها ، وهي التي أجمعت على حسنها ~~الفطر السليمة مع الشرائع النبوية ، وزكتها العقول الصحيحة ، مثل أن يعبد ~~الله وحده لا شريك له ، ويؤثر مرضاته على هواه ، ويتحبب إليه بجهده ، ويحسن ~~إلى خلقه ما استطاع ، فيفعل بهم ما يحب أن يفعلوه به . | وله من الأخلاق ~~أطيبها ، كالحلم والوقار ، والصبر والرحمة . PageV01P010 والوفاء والصدق ، ~~وسلامة الصدر ، والتواضع ، وصيانة الوجه عن بذله وتذلله لغير الله . | ~~وكذلك لا يختار من المطاعم إلا أطيبها ، وهو الحلال الهنيء الذي يغذي البدن ~~والروح أحسن تغذية مع سلامة العبد من تبعته . | وكذلك لا يختار من المناكح ~~إلا أطيبها ، ومن الأصحاب إلا ms002 الطيبين . فهذا ممن قال الله فيهم : @QB@ ~~الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم ~~تعملون @QE@ ( النحل الآية : 32 ) ومن الذين تقول لهم خزنة الجنة : @QB@ ~~سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين @QE@ ( الزمر الآية : 73 ) . وهذه الفاء ~~تقتضي السببية ، أي : بسبب طيبكم فادخلوها . | وقال تعالى : ^ ( الخبيثات ~~للخبيثين . والخبيثون للخبيثات . والطيبات للطيبين . والطيبون للطيبات . ~~أولئك مبرؤن مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم ) ^ ( النور الآية : 26 ) . | ~~ففسرت بأن الكلمات الخبيثات للخبيثين ، والكلمات الطيبات للطيبين . | وفسرت ~~بالنساء الطيبات للرجال الطيبين وبالعكس ، وهي تعم ذلك وغيره . | والله ~~سبحانه جعل الطيب بحذافيره في الجنة ، وجعل الخبيث بحذافيره في النار ، ~~فدار أخلصت للطيب ، ودار أخلصت للخبيث ، ودار مزج فيها الخبيث بالطيب ، وهي ~~هذه الدار ، فإذا كان يوم المعاد ، ميز الله الخبيث من الطيب ، فعاد الأمر ~~إلى دارين فقط . PageV01P011 | والمقصود أن الله جعل للشقاوة والسعادة ~~عنوانا يعرفان به ، وقد يكون في الرجل مادتان ، فأيهما غلبت عليه كان من ~~أهلها ، فإن أراد الله أن بعبده خيرا طهره قبل الموافاة فلا يحتاج إلى ~~تطهيره بالنار . وحكمته تعالى تأبى أن يجاوره العبد في داره بخبائثه ، ~~فيدخله النار طهرة له ، وإقامة هذا النوع فيها على حسب سرعة زوال الخبائث ~~وبطئها . | ولما كانت المشرك خبيث الذات ، لم تطهره النار ، كالكلب إذا دخل ~~البحر . | ولما كان المؤمن الطيب بريئا من الخبائث ، كانت النار حراما عليه ~~، إذ ليس فيه ما يقتضي تطهيره ، فسبحان من بهرت حكمته العقول . PageV01P012 # | 1 ( فصل : في وجوب معرفة هدي الرسول ) # | ومن ها هنا يعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء ~~به ، فإنه لا سبيل إلى الفلاح إلا على يديه ، ولا إلى معرفة الطيب من ~~الخبيث على التفصيل إلا من جهته ، فأي حاجة فرضت وضرورة عرضت ، فضرورة ~~العبد إلى الرسول فوقها بكثير . | وما ظنك بمن إن غاب عنك هديه ، وما جاء ~~به طرفة عين فسد قلبك ، ولكن لا يحس بهذا إلا قلب حي ، وما لجرح بميت إيلام ~~. وإذا كانت السعادة معلقة بهديه صلى الله عليه وسلم ، فيجب ms003 على كل من أحب ~~نجاة نفسه أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن خطة الجاهلين . | ~~والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم ، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم . PageV01P013 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في الوضوء ) # | كان صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة في غالب أحيانه ، وربما صلى ~~الصلوات بوضوء واحد . | وكان يتوضأ بالمد تارة وبثلثيه تارة ، وبأزيد منه ~~تارة . وكان من أيسر الناس صبا لماء الوضوء ، ويحذر أمته من الإسراف فيه ، ~~وصح عنه أنه توضأ مرة مرة ، ومرتين مرتين ، وثلاثا ثلاثا . | وفي بعض ~~الأعضاء مرتين ، وبعضها ثلاثا ، وكان يتمضمض ويستنشق تارة بغرفة ، وتارة ~~بغرفتين ، وتارة بثلاث ، وكان يصل بين المضمضة والاستنشاق ، وكان يستنشق ~~باليمنى وينتثر باليسرى ، وكان يمسح رأسه كله تارة ، وتارة يقبل بيديه ~~ويدبر بهما . ولم يصح عنه أنه اقتصر على مسح بعض رأسه ألبتة ، ولكن كان إذا ~~مسح على ناصيته كمل على العمامة ، ولم يتوضأ إلا تمضمض واستنشق ، ولم يحفظ ~~عنه أنه أخل بهما مرة واحدة . وكذلك الوضوء مرتبا متواليا ، ولم يخل به مرة ~~واحدة ، وكان يغسل رجليه إذا لم يكونا في خفين ولا جوربين ، ويمسح أذنيه مع ~~رأسه ظاهرهما وباطنهما . PageV01P014 | وكل حديث في أذكار الوضوء التي تقال ~~عليه فكذب ، غير التسمية في أوله ، وقول : ' أشهد أن لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني ~~من المتطهرين ' . في آخره . | وحديث آخر في سنن النسائي : ' سبحانك اللهم ~~وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ' . | ولم يكن يقول في ~~أوله : نويت . ولا أحد من الصحابة البتة . ولم يتجاوز الثلاث قط . | وكذلك ~~لم يثبت عنه أنه تجاوز المرفقين والكعبين . | ولم يكن يعتاد تنشيف أعضائه . ~~| وكان يخلل لحيته أحيانا ولم يواظب على ذلك ، وكذلك تخليل الأصابع ولم يكن ~~يحافظ عليه ، وأما تحريك الخاتم فروي فيه حديث ضعيف . | وصح عنه أنه مسح في ~~الحضر والسفر ، ووقت للمقيم يوما وليلة ms004 ، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن ، ~~وكان يمسح ظاهر الخفين ومسح على الجوربين ، ومسح على العمامة مقتصرا عليها ~~ومع الناصية ولكن يحتمل أن يكون خاصا بحال الحاجة ، ويحتمل العموم وهو أظهر ~~. | ولم يكن يتكلف ضد حاله التي عليها قدماه ، بل إن كانتا في الخفين مسح ، ~~وإن كانتا مكشوفتين غسل . | وكان يتيمم بضربة واحدة للوجه والكفين ، ويتيمم ~~بالأرض التي يصلي عليها ترابا كانت أو سبخة أو رملا . وصح عنه أنه قال : ' ~~حيثما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره ' . PageV01P015 | ~~ولما سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك قطعوا تلك الرمال وماؤهم في غاية القلة ~~، ولم يرو عنه أنه حمل معه التراب ، ولا أمر به ، ولا فعله أحد من الصحابة ~~. ومن تدبر هذا قطع بأنه كان يتيمم بالرمل . | ولم يصح عنه التيمم لكل صلاة ~~ولا أمر به ، بل أطلق التيمم وجعله قائما مقام الوضوء . PageV01P016 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في الصلاة ) # | كان صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة قال : الله أكبر ، ولم يقل ~~شيئا قبلها ، ولا تلفظ بالنية ، ولا استحبه أحد من التابعين ولا الأئمة ~~الأربعة . | وكان دأبه في إحرامه لفظة : الله أكبر . لا غيرها ، وكان يرفع ~~يديه معها ممدودتي الأصابع مستقبلا بهما القبلة إلى فروع أذنيه ، وروي إلى ~~منكبيه ، ثم يضع اليمنى على ظهر اليسرى [ فوق الرسغ والساعد ، ولم يصح عنه ~~موضع وضعهما ، لكن ذكر أبو داود عن علي : من السنة وضع الكف على الكف في ~~الصلاة تحت السرة ] . | وكان يستفتح تارة ب : ' اللهم باعد بيني وبين ~~خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب ، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء ~~والثلج والبرد ، اللهم نقني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من ~~الدنس ' . | وتارة يقول : ' وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما ~~وما أنا من المشركين ، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا ~~شريك له ، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ' . PageV01P017 | ' اللهم أنت ~~الملك لا إله إلا أنت ، أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي ، واعترفت بذنبي ، ~~فاغفر لي ms005 ذنوبي جميعا ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، واهدني لأحسن الأخلاق ~~لا يهدي لأحسنها إلا أنت ، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت ، ~~لبيك وسعديك ، والخير في يديك ، والشر ليس إليك ، أنا بك وإليك ، تباركت ~~وتعاليت ، أستغفرك وأتوب إليك ' . | ولكن المحفوظ أنه في قيام الليل . | ~~وتارة يقول : ' اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل . . ' إلى آخره . وقد ~~تقدم . | وتارة يقول : ' اللهم لك الحمد ، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ~~' إلى آخره . ثم ذكر نوعين آخرين ، ثم قال : فكل هذه الأنواع قد صحت عنه . ~~| وروي عنه أنه كان يستفتح ب ' سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك وتعالى ~~جدك ، ولا إله غيرك ' . ذكره أهل ' السنن ' والذي قبله أثبت منه . ولكن صح ~~عن عمر أنه يستفتح به في مقام النبي صلى الله عليه وسلم ويجهر به ، يعلمه ~~الناس . | قال أحمد : أذهب إلى ما روي عن عمر ، ولو أن رجلا استفتح ببعض ما ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم كان حسنا . PageV01P018 | وكان يقول بعد ~~ذلك : ' أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ' ثم يقرأ الفاتحة . وكان يجهر ب ' ~~بسم الله الرحمن الرحيم ' تارة ويخفيها أكثر . | وكانت قراءته مدا ، يقف ~~عند كل آية ويمد بها صوته ، فإذا فرغ من قراءة الفاتحة قال : ' آمين ' فإن ~~كان يجهر بالقراءة رفع بها صوته ، وقالها من خلفه . | وكان له سكتتان : ~~سكتة بين التكبيرة والقراءة ، واختلف في الثانية ، فروي بعد الفاتحة ، وروي ~~قبل الركوع . | وقيل : بل سكتتان غير الأولى ، والظاهر أنهما اثنتان فقط ، ~~وأما الثالثة فلطيفة ، لأجل تراد النفس ، فمن لم يذكرها ، فلقصرها . | فإذا ~~فرغ من قراءة الفاتحة أخذ في سورة غيرها ، وكان يطيلها تارة ويخففها لعارض ~~من سفر أو غيره ، ويتوسط فيها غالبا . | وكان يقرأ في الفجر بنحو ستين آية ~~إلى مئة ، وصلاها بسورة ( ق ) ، وصلاها بسورة ( الروم ) ، وصلاها ب ( إذا ~~الشمس كورت ) وصلاها بسورة ( إذا زلزلت الأرض ) في الركعتين كلتيهما ، ~~وصلاها ( بالمعوذتين ) ، وكان في السفر ، وصلاها : فاستفتح سورة ( المؤمنون ~~) حتى إذا بلغ ذكر موسى وهارون في الركعة الأولى ، أخذته سعلة ms006 فركع . | ~~وكان يصليها يوم الجمعة ب ( ألم السجدة ) و ( هل أتى على الإنسان ) لما ~~اشتملتا عليه من المبدأ والمعاد ، وخلق آدم ، ودخول الجنة والنار ، وذكر ما ~~كان وما يكون في يوم الجمعة ، كما كان يقرأ في المجامع العظام ، كالأعياد ~~والجمعة بسورة ( ق ) ، و ( اقتربت ) و ( سبح ) و ( الغاشية ) . PageV01P019 # | 1 ( فصل ) # | وأما الظهر ، فكان يطيل قراءتهما أحيانا ، حتى قال أبو سعيد : كانت ~~صلاة الظهر تقام ، فيذهب الذاهب إلى البقيع ، فيقضي حاجته ، ثم يأتي أهله ~~فيتوضأ ، ويدرك النبي صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى ما يطيلها . ~~رواه مسلم ، وكان يقرأ فيها تارة بقدر ( آلم تنزيل ) السجدة ، وتارة ب ( ~~سبح اسم ربك الأعلى ) ، ( والليل إذا يغشى ) ( والسماء ذات البروج ) . | ~~وأما العصر ، فعلى النصف من قراءة الظهر إذا طالت ، وبقدرها إذا قصرت . | ~~وأما المغرب ، فكان هديه فيها خلاف عمل الناس اليوم ، فإنه صلاها مرة ب ( ~~الأعراف ) في الركعتين ، ومرة ب ( الطور ) ، ومرة ب ( المرسلات ) . | وأما ~~المداومة على قراءة قصار المفصل فيها ، فهو من فعل مروان ، ولهذا أنكر عليه ~~زيد بن ثابت . | قال ابن عبد البر : روي عنه أنه قرأ في المغرب ب ( آلمص ) ~~وب ( الصافات ) ، وب ( الدخان ) و ( سبح اسم ربك الأعلى ) ، وب ( التين ) ~~وب ( المعوذتين ) و ب ( المرسلات ) وهو مشهور وأنه كان يقرأ فيها بقصار ~~المفصل ؛ وكلها آثار صحاح مشهورة . PageV01P020 | وأما عشاء الآخرة ، فقرأ ~~صلى الله عليه وسلم فيها ب ( التين ) ووقت لمعاذ فيها : ب ( الشمس وضحاها ) ~~وب ( سبح اسم ربك الأعلى ) ، ( والليل إذا يغشى ) ونحوها ولهذا أنكر عليه ~~قراءته فيها ب ( البقرة ) وقال له : ' أفتان أنت يا معاذ ' ؟ فتعلق ~~النقارون بهذه الكلمة ، ولم يلتفتوا إلى ما قبلها ولا ما بعدها . | وأما ~~الجمعة ، فكان يقرأ فيها بسورتي ( الجمعة ) و ( المنافقون ) وسورتي : ( سبح ~~) و ( الغاشية ) . وأما الاقتصار على قراءة أواخر السورتين فلم يفعله قط . ~~| وأما الأعياد ، فتارة يقرأ ب ( ق ) و ( اقتربت ) كاملتين ، وتارة ب ( سبح ~~) و ( الغاشية ) وهذا الهدي الذي استمر عليه إلى أن لقي الله عز وجل . | ~~ولهذا أخذ به الخلفاء ms007 ، فقرأ أبو بكر في الفجر سورة ( البقرة ) حتى سلم ~~قريبا من طلوع الشمس . | وكان بعده عمر يقرأ فيها ب ( يوسف ) و ( النحل ) و ~~( هود ) و ( بني إسرائيل ) ونحوها . | وأما قوله : ' أيكم أم بالناس فليخفف ~~' ، فالتخفيف أمر نسبي يرجع فيه إلى ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ، لا ~~إلى شهوات المأمومين . | وهديه الذي كان يواظب عليه ، هو الحاكم في كل ما ~~تنازع فيه المتنازعون . PageV01P021 | وكان لا يعين سورة بعينها لا يقرأ ~~إلا بها ، إلا في الجمعة والعيدين . | وكان من هديه قراءة السورة ، وربما ~~قرأها في الركعتين . وأما قراءة أواخر السور وأوساطها ، فلم يحفظ عنه . | ~~وأما قراءة السورتين في الركعة ، فكان يفعله في النافلة . | وأما قراءة ~~سورة واحدة في ركعتين معا ، فقلما كان يفعله . | وكان يطيل الركعة الأولى ~~على الثانية من كل صلاة ، وربما كان يطيلها ، حتى لا يسمع وقع قدم . | فإذا ~~فرغ من القراءة ، رفع يديه وكبر راكعا ، ووضع كفيه على ركبتيه كالقابض ~~عليهما ، ووتر يديه ، فنحاهما عن جنبيه ، وبسط ظهره ومده ، واعتدل فلم ينصب ~~رأسه ولم يخفضه ، بل حيال ظهره . | وكان يقول : ' سبحان ربي العظيم ' . ~~وتارة يقول مع ذلك ، أو مقتصرا عليه : ' سبحانك اللهم ربنا وبحمدك ، اللهم ~~اغفر لي ' . | وكان ركوعه المعتاد مقدار عشر تسبيحات ، وسجوده كذلك ، وتارة ~~يجعل الركوع والسجود بقدر القيام ، ولكن كان يفعله أحيانا في صلاة الليل ~~وحده . | فهديه الغالب تعديل الصلاة وتناسبها . وكان يقول أيضا في ركوعه : ~~' سبوح قدوس رب الملائكة والروح ' . وتارة يقول : ' اللهم لك ركعت ، وبك ~~آمنت ، ولك أسلمت ، خشع لك سمعي ، وبصري ومخي ، وعظمي ، وعصبي ' وهذا إنما ~~حفظ عنه في قيام الليل . ثم يرفع رأسه PageV01P022 قائلا : ' سمع الله لمن ~~حمده ' . ويرفع يديه ، وكان دائما يقيم صلبه ، إذا رفع من الركوع ، وبين ~~السجدتين ، ويقول : ' لا تجزيء صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع ~~والسجود ' . | وكان إذا استوى قال : ' ربنا ولك الحمد ' وربما قال : ' ربنا ~~لك الحمد ' وربما قال : ' اللهم ربنا لك الحمد ' . | وأما الجمع بين اللهم ~~والواو ، فلم يصح . | وكان من هديه ms008 إطالة هذا الركن بقدر الركوع ، فصح عنه ~~أنه كان يقول فيه : ' اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض ، وملء ~~ما بينهما ، وملء ما شئت من شيء بعد ، أهل الثناء والمجد ، أحق ما قال ~~العبد ، وكلنا لك عبد ، لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ~~ذا الجد منك الجد ' . | وصح عنه أنه كان يقول فيه : ' اللهم اغسلني من ~~خطاياي بالماء والثلج والبرد ، ونقني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب ~~الأبيض من الدنس ، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب ' ~~. | وصح عنه أنه كرر فيه قوله : ' لربي الحمد ، لربي الحمد ' . حتى كان ~~بقدر ركوعه . PageV01P023 | وذكر مسلم عن أنس : كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا قال : ' سمع الله لمن حمده ' قام حتى نقول : قد أوهم . ثم ~~يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول : قد أوهم . فهذا هديه المعلوم : وتقصير ~~هذين الركنين مما تصرف فيه أمراء بني أمية حتى ظن أنه من السنة . ~~PageV01P024 # | 1 ( فصل ) # | ثم كان يكبر ويخر ساجدا ، ولا يرفع يديه . وكان يضع ركبتيه ثم يديه ~~بعدهما ، ثم جبهته وأنفه . هذا هو الصحيح فكان أول ما يقع منه على الأرض ~~الأقرب إليها فالأقرب ، وأول ما يرتفع الأعلى فالأعلى ، فإذا رفع ، رفع ~~رأسه أول ، ثم يديه ، ثم ركبتيه ، وهكذا عكس فعل البعير . وهو نهى عن ~~التشبه بالحيوانات في الصلاة ، فنهى عن بروك كبروك البعير ، والتفات ~~كالتفات الثعلب ، وافتراش كافتراش السبع ، وإقعاء كإقعاء الكلب ، ونقر كنقر ~~الغراب ، ورفع الأيدي وقت السلام كأذناب الخيل الشمس . | وكان يسجد على ~~جبهته وأنفه دون كور العمامة ، ولم يثبت عنه السجود عليه ، وكان يسجد على ~~الأرض كثيرا ، وعلى الماء والطين ، وعلى الخمرة المتخذة من خوص النخل ، ~~وعلى الحصير المتخذ منه ، وعلى الفروة المدبوغة . | وكان إذا سجد مكن جبهته ~~وأنفه من الأرض ، ونحى يديه عن جنبيه ، وجافاهما حتى يرى بياض إبطيه ، وكان ~~يضع يديه حذو منكبيه وأذنيه ، ويعتدل في سجوده ، ويستقبل بأطراف أصابع ~~رجليه القبلة ، ويبسط كفيه وأصابعه ، ولا يفرج بينهما ، ولا يقبضهما ms009 . | ~~وكان يقول : ' سبحان ربي الأعلى ' وأمر به ، ويقول : ' سبحانك اللهم ربنا ~~وبحمدك ، اللهم اغفر لي ' ويقول : ' سبوح قدوس رب PageV01P025 الملائكة ~~والروح ' . وكان يقول : ' اللهم لك سجدت ، وبك آمنت ، ولك أسلمت ، سجد وجهي ~~للذي خلقه وصوره ، وشق سمعه وبصره ، تبارك الله أحسن الخالقين ' . | وكان ~~يقول : ' اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله ، وأوله وآخره ، وعلانيته وسره ' ~~. | وكان يقول : ' اللهم اغفر لي خطاياي وجهلي ، وإسرافي في أمري ، وما أنت ~~أعلم به مني ، اللهم اغفر لي جدي وهزلي ، وخطاياي وعمدي وكل ذلك عندي ، ~~اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت ، وما أسررت وما أعلنت أنت إلهي لا إله إلا ~~أنت ' . وأمر بالاجتهاد في الدعاء في السجود ، وقال : ' إنه قمن أن يستجاب ~~لكم ' . PageV01P026 # | 1 ( فصل ) # | ثم يرفع رأسه مكبرا غير رافع يديه ، ثم يجلس مفترشا يفرش اليسرى ، ~~ويجلس عليها ، وينصب اليمنى ، ويضع يديه على فخذيه ، ويجعل مرفقيه على ~~فخذيه ، وطرف يده على ركبته ، ويقبض اثنتين من أصابعه ، ويحلق حلقة ، ثم ~~يرفع إصبعه يدعو بها ، ويحركها ، ثم يقول : ' اللهم اغفر لي وارحمني ، ~~واجبرني ، واهدني ، وارزقني ' هكذا ذكره ابن عباس عنه . | وذكر حذيفة عنه ~~أنه كان يقول : ' رب اغفر لي ' ثم ينهض على صدور قدميه وركبتيه ، معتمدا ~~على فخذيه ، فإذا نهض افتتح القراءة ولم يسكت ، كما يسكت عند الإستفتاح . | ~~ثم يصلي الثانية كالأولى إلا في أربعة أشياء : السكوت والإستفتاح ، وتكبيرة ~~الإحرام ، وتطويلها . | فإذا جلس للتشهد ، وضع يده اليسرى على فخذه الأيسر ~~، ويده اليمنى على فخذه الأيمن ، وأشار بالسبابة ، وكان لا ينصبها نصبا ، ~~ولا ينيمها ، بل يحنيها شيئا يسيرا ، ويحركها ، ويقبض الخنصر والبنصر ويحلق ~~الوسطى مع الإبهام ويرفع السبابة يدعو بها ، ويرمي بصره إليها ، ويبسط الكف ~~اليسرى على الفخذ اليسرى ، ويتحامل عليها . وأما صفة جلوسه ، فكما تقدم بين ~~السجدتين سواء . PageV01P027 | وأما حديث ابن الزبير الذي رواه مسلم : كان ~~إذا قعد في الصلاة جعل قدمه الأيسر بين فخذه وساقه ، وفرش قدمه الأيمن . ~~فهذا في التشهد الأخير . ذكر ابن الزبير أنه يفرش اليمنى ، وذكر أبو حميد ~~أنه ينصبها ، وهذا ms010 والله أعلم ليس باختلاف ، فإنه كان لا يجلس عليها ، بل ~~يخرجها عن يمينه ، فتكون بين المنصوبة والمفروشة ، أو يقال : كان يفعل هذا ~~وهذا ، فكان ينصبها ، وربما فرشها أحيانا ، وهو أروح لهما . | ثم كان يتشهد ~~دائما في هذه الجلسة ، ويعلم أصحابه أن يقولوا : ' التحيات لله والصلوات ~~والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى ~~عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله ' وكان يخففه جدا كأنه يصلي على الرضف ، ولم ينقل عنه في حديث قط ~~أنه كان يصلي عليه وعلى آله فيه ، ولا يستعيذ فيه من عذاب القبر ، وعذاب ~~جهنم ، وفتنة المحيا والممات ، وفتنة المسيح الدجال ، ومن استحبه فإنما ~~فهمه من عمومات قد تبين موضعها وتقييدها بالتشهد الأخير . | ثم كان ينهض ~~مكبرا على صدور قدميه ، وعلى ركبتيه معتمدا على فخذيه . | وفي ' صحيح مسلم ~~' وبعض طرق البخاري ، أنه كان يرفع يديه في هذا الموضع ، ثم كان يقرأ ~~الفاتحة وحدها ، ولم يثبت عنه أنه قرأ في الأخيرتين بعد الفاتحة شيئا . ~~PageV01P028 | ولم يكن من هديه الالتفات في الصلاة . وفي ' صحيح البخاري ' ~~أنه سئل عنه ، فقال : ' هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد ' وكان ~~يفعله في الصلاة أحيانا لعارض ، لم يكن من فعله الراتب ، كالتفاته إلى ~~الشعب الذي بعث إليه الطليعة والله أعلم . وكان يدعو بعد التشهد ، وقبل ~~السلام ، وبذلك أمر في حديث أبي هريرة ، وحديث فضالة . | وأما الدعاء بعد ~~السلام مستقبل القبلة أو المأمومين ، فلم يكن ذلك من هديه أصلا وعامة ~~الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها . وهذا هو اللائق ~~بحال المصلي ، فإنه مقبل على ربه ، فإذا سلم زال ذلك . ثم كان صلى الله ~~عليه وسلم يسلم عن يمينه : ' السلام عليكم ورحمة الله ' وعن يساره كذلك ، ~~هذا كان فعله الراتب ، وروي عنه أنه كان يسلم تسليمة واحدة من تلقاء وجهه ، ~~لكن لم يثبت ، وأجود ما فيه حديث عائشة وهو في ' السنن ' ، لكنه في قيام ~~الليل ، وهو حديث معلول ، على أنه ليس صريحا ms011 في الاقتصار على التسليمة ~~الواحدة . | وكان يدعو في صلاته فيقول : ' اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ~~، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال ، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات ، ~~اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم ' . | وكان يقول في صلاته أيضا : ' ~~اللهم اغفر لي ذنبي ، ووسع لي في داري ، وبارك لي في ما رزقتني ' . | وكان ~~يقول : ' اللهم إني أسألك الثبات في الأمر ، والعزيمة على الرشد ، وأسألك ~~شكر نعمتك ، وحسن عبادتك ، وأسألك قلبا سليما ، وأسألك PageV01P029 لسانا ~~صادقا ، وأسألك من خير ما تعلم ، وأعوذ بك من شر ما تعلم ، وأستغفرك لما ~~تعلم ' . | والمحفوظ في أدعيته كلها ( في الصلاة ) بلفظ الإفراد . | وكان ~~إذا قام في الصلاة طأطأ رأسه ، ذكره أحمد ، وكان في التشهد لا يجاوز بصره ~~إشارته ، وقد جعل الله قرة عينه ونعيمه في الصلاة ، فكان يقول : ' يا بلال ~~أرحنا بالصلاة ' ولم يشغله ذلك عن مراعاة المأمومين مع كمال حضور قلبه . | ~~وكان يدخل في الصلاة وهو يريد إطالتها ، فيسمع بكاء الصبي ، فيخففها مخافة ~~أن يشق على أمه ، وكذلك كان يصلي الفرض وهو حامل أمامة بنت ابنته على عاتقه ~~، إذا قام حملها ، وإذا ركع وسجد وضعها ، وكان يصلي فيجيء الحسن والحسين ، ~~فيركبان على ظهره ، فيطيل السجدة كراهية أن يلقيه عن ظهره ، وكان يصلي ~~فتجيء عائشة ، فيمشي ، فيفتح لها الباب ، ثم يرجع إلى مصلاه . | وكان يرد ~~السلام بالإشارة . | وأما حديث ' من أشار في صلاته فليعدها ' فحديث باطل . ~~| وكان ينفخ في صلاته ، ذكره أحمد ، وكان يبكي فيها ، ويتنحنح لحاجة . | ~~وكان يصلي حافيا تارة ، ومنتعلا أخرى وأمر بالصلاة في النعل PageV01P030 ~~مخالفة لليهود ، وكان يصلي في الثوب الواحد تارة ، وفي الثوبين تارة وهو ~~أكثر . | وقنت في الفجر بعد الركوع شهرا ثم ترك ، وكان قنوته لعارض ، فلما ~~زال تركه ، فكان هديه القنوت في النوازل خاصة ، وتركه عند عدمها ، ولم يكن ~~يخصه بالفجر ، بل كان أكثر قنوته فيه لأجل ما يشرع فيه من الطول ، ولقربها ~~من السحر وساعة الإجابة ، والتنزل الإلهي . PageV01P031 # | 1 ( فصل ) # | وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ms012 قال : ' إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما ~~تنسون ، فإذا نسيت فذكروني ' وكان سهوه من تمام النعمة على أمته ، وإكمال ~~دينهم ، ليقتدوا به ، فقام من اثنتين في الرباعية . | فلما قضى صلاته ، سجد ~~قبل السلام ، فأخذ منه أن من ترك شيئا من أجزاء الصلاة التي ليست بأركان ~~سجد له قبل السلام ، وأخذ من بعض طرقه أنه إذا ترك ذلك ، وشرع في ركن لم ~~يرجع . وسلم من ركعتين في إحدى صلاتي العشي ، ثم تكلم ، ثم أتمها ، ثم سلم ~~، ثم سجد . ثم سلم . | وصلى وسلم ، وانصرف وقد بقي من الصلاة ركعة ، فقال ~~له طلحة : نسيت ركعة . فرجع فدخل المسجد ، فأمر بلالا فأقام ، فصلى للناس ~~ركعة ، ذكره أحمد . | وصلى الظهر خمسا ، فقالوا : صليت خمسا . فسجد بعد ما ~~سلم . وصلى العصر ثلاثا ثم دخل منزله ، فذكره الناس ، فخرج فصلى بهم ركعة ، ~~ثم سلم ، ثم سجد ، ثم سلم . | هذا مجموع ما حفظ عنه ، وهي خمسة مواضع . | ~~ولم يكن من هديه تغميض عينيه في الصلاة ، وكرهه أحمد وغيره ، وقالوا : هو ~~من فعل اليهود . وأباحه جماعة ، والصواب أن الفتح إن كان لا يخل بالخشوع ، ~~فهو أفضل ، وإن حال بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرف وغيره ، فهناك ~~لا يكره . PageV01P032 | وكان إذا سلم استغفر ثلاثا ، ثم قال : ' اللهم أنت ~~السلام ، ومنك السلام ، تباركت يا ذا الجلال والإكرام ' ولا يمكث مستقبل ~~القبلة إلا مقدار ما يقول ذلك ، ويسرع الانفتال إلى المأمومين . | وكان ~~ينفتل عن يمينه وعن يساره ، ثم كان يقبل على المأمومين بوجهه ، ولا يخص ~~ناحية منهم دون ناحية . وكان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس ~~حسناء . | وكان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة : ' لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ' . | ' اللهم لا ~~مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ، ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله ، لا إله إلا الله ، ولا نعبد إلا إياه ، له النعمة ، ~~وله الفضل ، وله الثناء الحسن ms013 ، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ، ولو كره ~~الكافرون ' . | وندب أمته إلى أن يقولوا في دبر كل صلاة مكتوبة : سبحان ~~الله . ثلاثا وثلاثين ، والحمد لله . ثلاثا وثلاثين ، والله أكبر . ثلاثا ~~وثلاثين ؛ وتمام المائة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله ~~الحمد ، وهو على كل شيء قدير . | وذكر أبن حبان في ' صحيحه ' عن الحارث بن ~~مسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' إذا صليت الصبح ، فقل قبل ~~أن تتكلم : اللهم أجرني من النار . سبع مرات ، فإنك إن مت من يومك كتب الله ~~لك جوارا من النار ، وإذا صليت المغرب ، فقل قبل أن تتكلم : اللهم ~~PageV01P033 أجرني من النار ، سبع مرات ، فإنك إن مت من ليلتك ، كتب الله ~~لك جوارا من النار ' . | وكان إذا صلى إلى جدار ؛ جعل بينه وبينه قدر ممر ~~الشاة ، ولم يكن يتباعد منه ، بل أمر بالقرب من السترة ، وكان إذا صلى إلى ~~عود ، أو عمود ، أو شجرة ، جعله على حاجبه الأيمن ، أو الأيسر ، ولم يصمد ~~له صمدا ، وكان يركز الحربة في السفر ، والبرية ، فيصلي إليها ، فتكون ~~سترته ، وكان يعرض راحلته ، فيصلي إليها ، وكان يأخذ الرحل ، فيعدله ، ~~ويصلي إلى آخرته ، وأمر المصلي أن يستتر ؛ ولو بسهم ، أو عصا ، فإن لم يجد ~~، فليخط خطا بالأرض ، فإن لم تكن سترة ، فقد صح عنه أنه : ' يقطع الصلاة ~~المرأة والحمار والكلب الأسود ' ، ومعارض هذا صحيح ليس بصريح ، أو صريح ليس ~~بصحيح . وكان يصلي وعائشة نائمة في قبلته ، وليس كالمار ، فإن الرجل يحرم ~~عليه المرور ، ولا يكره له أن يكون لابثا بين يدي المصلي . PageV01P034 | ~~وكان صلى الله عليه وسلم يحافظ على عشر ركعات في الحضر دائما ، وهي التي ~~قال فيها ابن عمر : حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات : ~~ركعتين قبل الظهر ، وركعتين بعدها ، وركعتين بعد المغرب ، وركعتين بعد ~~العشاء في بيته ، وركعتين قبل صلاة الفجر . ولما فاتته الركعتان بعد الظهر ~~، قضاهما في وقت النهي بعد العصر ، وكان يصلي أحيانا قبل الظهر أربعا ، ~~وأما الركعتان ms014 قبل المغرب ، فصح عنه أنه قال : ' صلوا قبل المغرب ركعتين ' ~~وقال في الثالثة : ' لمن شاء ' كراهة أن يتخذها الناس سنة ، وهذا هو الصواب ~~؛ أنها مستحبة ، وليست بسنة راتبة . | وكان يصلي عام السنن والتطوع الذي لا ~~سبب له في بيته لا سيما سنة المغرب ، فإنه لم ينقل عنه أنه فعلها في المسجد ~~ألبتة ، وله فعلها في المسجد ، وكان محافظته على سنة الفجر أشد من جميع ~~النوافل ، وكذلك لم يكن يدعها هي والوتر ، لا حضرا ولا سفرا ، ولم ينقل عنه ~~أنه صلى في السفر سنة راتبة غيرهما . | وقد اختلف الفقهاء أيهما آكد ؟ وسنة ~~الفجر تجري مجرى بداية العمل ، والوتر خاتمته ، ولذلك كان يصليهما بسورتي ( ~~الإخلاص ) وهما الجامعتان لتوحيد العلم والعمل ، وتوحيد المعرفة والإرادة ، ~~وتوحيد الإعتقاد والقصد ، ف ( قل هو الله أحد ) متضمنة لما يجب إثباته له ~~تعالى من الأحدية PageV01P035 المنافية لمطلق الشركة بوجه من الوجوه ، ونفي ~~الولد والوالد المقرر لكمال صمديته وغناه وأحديته ، ونفي الكفء المتضمن ~~لنفي الشبيه والمثيل والنظير ، فتضمنت إثبات كل كمال ، ونفي كل نقص ، ونفي ~~إثبات شبيه له أو مثيل في كماله ، ونفي مطلق الشرك ، وهذه الأصول هي مجامع ~~التوحيد العلمي الذي يباين صاحبه جميع فرق الضلال والشرك ، ولهذا كانت تعدل ~~ثلث القرآن ، فإن مداره على الخبر والإنشاء ، والإنشاء ثلاثة : أمر ، ونهي ~~، وإباحة . والخبر نوعان : خبر عن الخالق تعالى ، وأسمائه ، وصفاته ، ~~وأحكامه ، وخبر عن خلقه . فأخلصت سورة الإخلاص للخبر عنه ، وعن أسمائه ~~وصفاته ، فعدلت ثلث القرآن ، وخلصت قارئها من الشرك العلمي كما خلصته سورة ~~( قل يا أيها الكافرون ) من الشرك العملي ، ولما كان العلم قبل العمل وهو ~~إمامه وسائقه ، والحاكم عليه كانت ( قل هو الله أحد ) تعدل ثلث القرآن ، و ~~( قل يا أيها الكافرون ) تعدل ربع القرآن . ولما كان الشرك العملي أغلب على ~~النفوس لمتابعة الهوى ، وكثير منها ترتكبه مع علمها بمضرته ، وقلعه منها ~~أشد من قلع الشرك العلمي ، لأنه يزول بالحجة ، ولا يمكن صاحبه أن يعلم ~~الشيء على غير ما هو عليه ، جاء التأكيد والتكرير في ( قل يا ms015 أيها الكافرون ~~) ولهذا كان يقرأ بهما في ركعتي الطواف ، لأن الحج شعار التوحيد ، ويفتح ~~بهما عمل النهار ، ويختم بهما عمل الليل . | وكان يضطجع بعد سنة الفجر على ~~شقه الأيمن ، وقد غلا فيها طائفتان ، فأوجبها طائفة من أهل الظاهر ، وكرهها ~~جماعة ، وسموها بدعة ، وتوسط فيها مالك وغيره ، فلم يروا بها بأسا لمن ~~فعلها راحة ، وكرهوها لمن فعلها استنانا . PageV01P036 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في قيام الليل ) # | لم يكن صلى الله عليه وسلم يدع صلاة الليل حضرا ولا سفرا ، وإذا غلبه ~~نوم أو وجع ، صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة ، فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ~~يقول : في هذا دليل على أن الوتر لا يقضى ، لفوات محله ، كتحية المسجد ، ~~والكسوف ، والاستسقاء ، لأن المقصود به أن يكون آخر صلاة الليل وترا . وكان ~~قيامه بالليل إحدى عشرة ركعة ، أو ثلاث عشرة ركعة ، حصل الاتفاق على إحدى ~~عشرة ركعة ، واختلف في الركعتين الأخيرتين ، هل هما ركعتا الفجر ، أم ~~غيرهما ؟ . | فإذا انضاف ذلك إلى عدد ركعات الفرض ، والسنن الراتبة التي ~~كان يحافظ عليها ، جاء مجموع ورده الراتب بالليل والنهار ، أربعين ركعة ، ~~كان يحافظ عليها دائما ، وما زاد على ذلك فغير راتب . | فينبغي للعبد أن ~~يواظب على هذا الورد دائما إلى الممات ، فما أسرع الإجابة ، وأعجل فتح ~~الباب لمن يقرعه كل يوم وليلة أربعين مرة ، والله المستعان . | وكان إذا ~~استيقظ من الليل قال : ' لا إله إلا أنت سبحانك اللهم أستغفرك لذنبي ، ~~وأسألك رحمتك ، اللهم زدني علما ، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني ، وهب لي من ~~لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ' . PageV01P037 | وكان إذا انتبه من نومه قال : ~~الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ' ثم يتسوك ، وربما قرأ ~~عشر الآيات من آخر سورة ( آل عمران ) من قوله : @QB@ إن في خلق السماوات ~~والأرض @QE@ ثم يتطهر ، ثم يصلي ركعتين خفيفتين ، وأمر بذلك في حديث أبي ~~هريرة . وكان يقوم إذا انتصف الليل ، أو قبله بقليل ، أو بعده بقليل ، وكان ~~يقطع ورده تارة ، ويصله تارة ، وهو الأكثر ، فتقطيعه ms016 كما قال ابن عباس : ~~إنه بعد ما صلى ركعتين انصرف ، فنام ، فعل ذلك ثلاث مرات في ست ركعات ، كل ~~ذلك يستاك ويتوضأ ثم أوتر بثلاث . | وكان وتره أنواعا ، منها : هذا ، ومنها ~~: أن يصلي ثماني ركعات يسلم بعد كل ركعتين ، ثم يوتر بخمس سردا متواليات ، ~~لا يجلس إلا في آخرهن ، ومنها : تسع ركعات يسرد منهن ثمانيا ، لا يجلس إلا ~~في الثامنة ، يجلس فيذكر الله ، ويحمده ، ويدعوه ، ثم ينهض ولا يسلم ، ثم ~~يصلي التاسعة ، ثم يقعد فيتشهد ويسلم ، ثم يصلي بعدها ركعتين بعد ما يسلم . ~~ومنها أن يصلي سبعا ، كالتسع المذكورة ، ثم يصلي بعدها ركعتين جالسا . | ~~ومنها : أن يصلي مثنى مثنى ، ثم يوتر بثلاث لا يفصل بينهن ، فهذا رواه أحمد ~~، عن عائشة ، أنه : كان يؤتر بثلاث لا فصل فيهن . وفيه نظر ، ففي ' صحيح ~~ابن حبان ' عن أبي هريرة مرفوعا : ' لا توتروا بثلاث ، أوتروا بخمس أو سبع ~~، ولا تشبهوا بصلاة المغرب ' قال الدارقطني وإسناده كلهم ثقات . قال حرب : ~~سئل أحمد عن الوتر ؟ قال : يسلم في الركعتين ، وإن لم يسلم ، رجوت ألا يضره ~~، إلا أن التسليم أثبت عن PageV01P038 النبي صلى الله عليه وسلم . وقال في ~~رواية أبي طالب : أكثر الحديث وأقواه ركعة ، فأنا أذهب إليها . | ومنها ما ~~رواه النسائي ، عن حذيفة أنه : صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~صلاة رمضان ، فركع ، فقال في ركوعه : ' سبحان ربي العظيم ' مثل ما كان ~~قائما ، الحديث . وفيه : فما صلى إلا أربع ركعات ، حتى جاء بلال يدعوه إلى ~~الغداة . وأوتر أول الليل ووسطه ، وآخره ، وقام ليلة بآية يتلوها ، ويرددها ~~حتى الصباح @QB@ إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم @QE@ ' المائدة : 118 ' . | وكانت صلاته بالليل ثلاثة أنواع : أحدها ~~: وهو أكثرها ، صلاته قائما . الثاني : أنه كان يصلي قاعدا . الثالث : أنه ~~كان يقرأ قاعدا ، فإذا بقي يسير من قراءته قام فركع قائما ، وثبت عنه أنه ~~كان يصلي ركعتين بعد الوتر جالسا تارة ، وتارة يقرأ فيهما جالسا ، فإذا ~~أراد أن يركع قام فركع . | وقد أشكل هذا على ms017 كثير ، وظنوه معارضا لقوله : ~~اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا ' قال أحمد : لا أفعله ولا أمنع من فعله ، ~~قال : وأنكره مالك . والصواب أن الوتر عبادة مستقلة . فتجري الركعتان بعده ~~مجرى سنة المغرب من المغرب ، فهما تكميل للوتر . | ولم يحفظ عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قنت في الوتر ، إلا في حديث رواه ابن ماجة ، قال أحمد : ليس ~~يروى فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء ، ولكن كان عمر يقنت من السنة ~~إلى السنة . PageV01P039 | وروى أهل ' السنن ' حديث الحسن بن علي ، وقال ~~الترمذي : حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي الحوراء السعدي ~~انتهى ، والقنوت في الوتر محفوظ عن عمر ، وأبي ، وابن مسعود . وذكر أبو ~~داود والنسائي ، من حديث أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كان ~~يقرأ في الوتر ب ( سبح اسم ربك الأعلى ) و ( قل يا أيها الكافرون ) و ( قل ~~هو الله أحد ) فإذا سلم قال : ' سبحان الملك القدوس ' ثلاث مرات يمد صوته ~~في الثالثة ويرفع . | وكان صلى الله عليه وسلم يرتل السورة حتى تكون أطول ~~من أطول منها ، والمقصود من القرآن تدبره وتفهمه ، والعمل به . وتلاوته ، ~~وحفظه وسيلة إلى معانيه ، كما قال بعض السلف : أنزل القرآن ليعمل به ، ~~فاتخذوا تلاوته عملا . قال شعبة : حدثنا أبو جمرة قال : قلت لابن عباس : ~~إني رجل سريع القراءة ، وربما قرأت القرآن في الليلة مرة أو مرتين . قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما : لأن أقرأ سورة واحدة ، أعجب إلي من أن أفعل ذلك ~~الذي تفعل ، فإن كنت فاعلا لا بد ، فاقرأ قراءة تسمع أذنيك ، ويعيه قلبك . ~~وقال إبراهيم : قرأ علقمة على عبد الله ، فقال : رتل فداك أبي وأمي ، فإنه ~~زين القرآن . | وقال عبد الله : لا تهذوا القرآن هذ الشعر ، ولا تنثروه نثر ~~الدقل ، وقفوا عند عجائبه ، وحركوا به القلوب ، ولا يكن هم أحدكم آخر ~~السورة . وقال : إذا سمعت الله يقول : @QB@ يا أيها الذين آمنوا @QE@ فاصغ ~~لها سمعك ، فإنه خير تؤمر به ، أو شر تصرف عنه . وقال عبد ms018 الرحمن بن أبي ~~ليلى : دخلت علي امرأة وأنا أقرأ ( سورة هود ) فقالت لي : يا عبد الرحمن ~~PageV01P040 هكذا تقرأ سورة هود ؟ ! والله إني فيها منذ ستة أشهر وما فرغت ~~من قراءتها . | وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسر بالقرآن في صلاة ~~الليل تارة ، ويجهر تارة ، ويطيل القيام تارة ، ويخففه تارة ، وكان يصلي ~~التطوع بالليل والنهار على راحلته في السفر ، قبل أي وجه توجهت به ، فيركع ~~ويسجد عليها إيماء ، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه . PageV01P041 # | 1 ( فصل ) # | روى البخاري في ' صحيحه ' عن عائشة قالت : ما رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يصلي سبحة الضحى وإني لأسبحها . وفي ' الصحيحين ' عن أبي هريرة ~~قال : أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر ، ~~وركعتي الضحى ، وأن أوتر قبل أن أرقد . ولمسلم عن زيد بن أرقم مرفوعا : ' ~~صلاة الأوابين حين ترمض الفصال ' ، أي : يشتد حر النهار ، فتجد الفصال حر ~~الرمضاء ، فقد أوصى بها ، وكان يستغني عنها بقيام الليل . قال مسروق : كنا ~~نصلي في المسجد ، فنبقى بعد قيام ابن مسعود ، ثم نقوم فنصلي الضحى ، فبلغه ~~، فقال : لم تحملون عباد الله ما لم يحملهم الله ؟ إن كنتم لا بد فاعلين ~~ففي بيوتكم . وقال سعيد بن جبير : إني لأدع صلاة الضحى وأنا أشتهيها ، ~~مخافة أن أراها حتما علي . | وكان من هديه صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه ~~، سجود الشكر عند تجدد نعمة تسر ، أو اندفاع نقمة ، وكان صلى الله عليه ~~وسلم إذا مر بآية سجدة كبر وسجد ، وربما قال في سجوده : ' سجد وجهي للذي ~~خلقه وصوره ، وشق سمعه وبصره بحوله وقوته ' ولم ينقل عنه أنه كان يكبر ~~للرفع من هذا السجود ، ولا تشهد ، ولا سلم ألبتة . وصح عنه أنه سجد في ( ~~ألم تنزيل ) وفي ( ص ) وفي ( إقرأ ) وفي ( النجم ) وفي ( إذا السماء انشقت ~~) وذكر أبو داود ، عن عمرو بن العاص ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أقرأه خمس عشرة سجدة ، منها ثلاث في المفصل ، وفي PageV01P042 ( سورة الحج ~~) سجدتين . وأما حديث ابن عباس ، أنه ms019 صلى الله عليه وسلم لم يسجد في المفصل ~~منذ تحول إلى المدينة ، فهو حديث ضعيف ، في إسناده أبو قدامة الحارث بن ~~عبيد ، ولا يحتج بحديثه ، وأعله ابن القطان بمطر الوراق ، وقال : كان يشبه ~~في سوء الحفظ ، محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وعيب على مسلم إخراج ~~حديثه . انتهى . ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه لأنه ينتقي من أحاديث هذا ~~الضرب ما يعلم أنه حفظه ، كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه ، ~~فمن الناس من صحح جميع أحاديث هؤلاء الثقات ، ومنهم من ضعف جميع حديث السيء ~~الحفظ ، فالأولى طريقة الحاكم وأمثاله ، والثانية طريقة ابن حزم وأشكاله ، ~~وطريقة مسلم هي طريقة أئمة هذا الشأن . PageV01P043 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في الجمعة وذكر خصائص يومها ) # | صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ' أضل الله عن الجمعة من كان ~~قبلنا وكان لليهود يوم السبت ، وكان للنصارى يوم الأحد ، فجاء الله بنا ~~فهدانا ليوم الجمعة ، فجعل الجمعة والسبت والأحد ، وكذلك هم لنا تبع يوم ~~القيامة ، نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة ، المقضي لهم ~~قبل الخلائق ' . | وللترمذي وصححه عن أبي هريرة مرفوعا : | خير يوم طلعت ~~فيه الشمس يوم الجمعة ، فيه خلق آدم ، وفيه أدخل الجنة ، وفيه أخرج منها ، ~~ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة ' . ورواه في ' الموطأ ' ، وصححه ~~الترمذي أيضا بلفظ : ' خير يوم طلعت فيه الشمس ، فيه خلق آدم ، وفيه أهبط ، ~~وفيه تيب عليه ، وفيه مات ، وفيه تقوم الساعة ، وما من دابة إلا وهي مصيخة ~~يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة ، إلا الجن والإنس ، ~~وفيها ساعة لا يصادفها عبد مسلم ، وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه الله ~~إياه ' . PageV01P044 قال كعب : ذلك في كل سنة يوم . فقلت : بل كل جمعة . ~~فقرأ التوراة فقال : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال أبو هريرة : ~~ثم لقيت عبد الله بن سلام ، فحدثته بمجلسي مع كعب ، فقال : لقد علمت أي ~~ساعة هي ms020 . قلت : فاخبرني بها . قال : هي آخر ساعة في يوم الجمعة . فقلت : ~~كيف ؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' لا يصادفها عبد مسلم وهو ~~يصلي ' وتلك الساعة لا يصلى فيها . فقال ابن سلام : ألم يقل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ' من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي ' ؟ ~~وفي لفظ في ' مسند أحمد ' في حديث أبي هريرة قال : قيل للنبي صلى الله عليه ~~وسلم : لأي شيء سمي يوم الجمعة ؟ قال : لأن فيها طبعت طينة أبيك آدم ، ~~وفيها الصعقة والبعثة ، وفيها البطشة ، وفي آخره ثلاث ساعات ، منها ساعة من ~~دعا الله فيها استجيب له ' . | وذكر ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن كعب بن ~~مالك قال : كنت قائد أبي حين كف بصره ، فإذا خرجت به إلى الجمعة ، فسمع ~~الأذان لها ، استغفر لأبي أمامة أسعد بن زرارة ، فكنت حينا أسمع ذلك منه ، ~~فقلت : إن عجزا أن لا أسأله . فقلت : يا أبتاه أرأيت استغفارك لأسعد ابن ~~زرارة كلما سمعت الأذان بالجمعة ؟ قال : أي بني كان أسعد أول من جمع بنا ~~بالمدينة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في هزم النبيت من حرة ~~بني بياضة ، في نقيع يقال له نقيع الخضمات . قلت : وكم أنتم يومئذ ؟ قال : ~~أربعون رجلا . قال البيهقي : هذا حسن صحيح الإسناد . انتهى . | ثم قدم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فأقام بقباء يوم الإثنين PageV01P045 ~~والثلاثاء والأربعاء والخميس ، وأسس مسجدهم ، ثم خرج يوم الجمعة ، فأدركته ~~الجمعة في بني سالم بن عوف ، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي قبل ~~تأسيس مسجده . | قال ابن إسحاق : وكانت أول خطبة خطبها فيما بلغني عن أبي ~~سلمة ابن عبد الرحمن - ونعوذ بالله أن نقول على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما لم يقل - أنه قام فيهم ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : ' أما ~~بعد أيها الناس ، فقدموا لأنفسكم ، تعلمن والله ليصعقن أحدكم ، ثم ليدعن ~~غنمه ، ليس لها راع ، ثم ليقولن له ربه ليس بينه وبينه ترجمان ، ولا حاجب ~~يحجبه ms021 دونه ، ألم يأتك رسولي فبلغك ، وآتيتك مالا ، وأفضلت عليك ؟ فما قدمت ~~لنفسك ؟ فلينظرن يمينا وشمالا ، فلا يرى شيئا ، ثم لينظرن قدامه فلا يرى ~~غير جهنم ، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل ، ومن لم ~~يجد فبكلمة طيبة ، فإن بها تجزى الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، ~~والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . | قال بن إسحاق : ثم خطب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مرة أخرى ، فقال : ' إن الحمد لله أحمده وأستعينه ، نعوذ ~~بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله ، فلا مضل له ، ومن ~~يضلل ، فلا هادي له ، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . إن أحسن ~~الحديث كتاب الله ، قد أفلح من زينه الله في قلبه ، وأدخله في الإسلام بعد ~~الكفر ، فاختاره على ما سواه من أحاديث الناس ، إنه أحسن الحديث وأبلغه ، ~~أحبوا ما أحب الله ، أحبوا الله من كل قلوبكم ، ولا تملوا كلام الله وذكره ~~، ولا تقس PageV01P046 عنه قلوبكم ، فإنه من كل ما يخلق الله يختار ويصطفي ~~، قد سماه الله خيرته من الأعمال ، ومصطفاه من العباد ، والصالح من الحديث ~~، ومن كل ما أوتي الناس من الحلال والحرام ، فاعبدوا الله ولا تشركوا به ~~شيئا ، واتقوه حق تقاته ، واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم ، وتحابوا ~~بروح الله بينكم ، إن الله يبغض أن ينكث عهده ، والسلام عليكم ورحمة الله ~~وبركاته ' . PageV01P047 # | 1 ( فصل ) # | وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تعظيم هذا اليوم وتشريفه ، وتخصيصه ~~بخصائص منها : أنه يقرأ في فجره ب ( آلم ) السجدة و ( هل أتى على الإنسان ) ~~فإنهما تضمنتا ما كان وما يكون في يومها . | ومنها : استحباب كثرة الصلاة ~~فيه على النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي ليلته ، لأن كل خير نالته أمته في ~~الدنيا والآخرة ، فعلى يديه ، وأعظم كرامة تحصل لهم يوم الجمعة : فإن فيه ~~بعثهم إلى منازلهم في الجنة ، وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوها ، وقربهم من ~~ربهم يوم المزيد ، وسبقهم إلى الزيادة بحسب قربهم من الإمام يوم الجمعة ، ~~وتبكيرهم ms022 إليها . | ومنها : الاغتسال في يومها ، وهو أمر مؤكد جدا ، ووجوبه ~~أقوى من وجوب الوضوء من مس الذكر ، والرعاف ، والقيء ، ووجوب الصلاة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير . | ومنها : الطيب والسواك ، ~~ولها مزية فيه على غيره . ومنها : التبكير ، والاشتغال بذكر الله تعالى ، ~~والصلاة إلى خروج الإمام . | ومنها : الإنصات للخطبة وجوبا . ومنها : قراءة ~~( الجمعة ) و ( المنافقين ) أو ( سبح ) و ( الغاشية ) . | ومنها : أن يلبس ~~فيه أحسن ثيابه ، ومنها : أن للماشي إليها بكل خطوة عمل سنة ، أجر صيامها ~~وقيامها . ومنها : أنه يكفر السيئات . | ومنها : ساعة الإجابة . ~~PageV01P048 | وكان صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه ، وعلا صوته ، ~~واشتد غضبه ، حتى كأنه منذر جيش يقول : صبحكم ومساكم . وكان يقول في خطبته ~~: ' أما بعد ' ، ويقصر الخطبة ، ويطيل الصلاة ، وكان يعلم أصحابه في خطبته ~~قواعد الإسلام وشرائعه ، ويأمرهم وينهاهم في خطبته إذا عرض له أمر ، كما ~~أمر الداخل وهو يخطب أن يصلي ركعتين ، وإذا رأى بهم ذا فاقة من حاجة ، ~~أمرهم بالصدقة ، وحضهم عليها . وكان يشير في خطبته بإصبعه السبابة عند ذكر ~~الله ودعائه . | وكان يستسقي إذا قحط المطر في خطبته ، ويخرج إذا اجتمعوا ، ~~فإذا دخل المسجد ، سلم عليهم ، فإذا صعد المنبر ، استقبلهم بوجهه ، وسلم ~~عليهم ثم يجلس ، ويأخذ بلال في الأذان ، فإذا فرغ ، قام وخطب ، ويعتمد على ~~قوس أو عصا ، وكان منبره ثلاث درجات ، وكان قبل اتخاذه يخطب إلى جذع ، ولم ~~يوضع المنبر في وسط المسجد ، بل في جانبه الغربي ، بينه وبين الحائط قدر ~~ممر الشاة ، وكان إذا جلس عليه في غير الجمعة ، أو خطب قائما يوم الجمعة ، ~~استدار أصحابه إليه بوجوههم ، وكان يقوم فيخطب ، ثم يجلس جلسة خفيفة ، ثم ~~يقوم فيخطب الثانية ، فإذا فرغ منها أخذ بلال في الإقامة . | وكان يأمر ~~بالدنو منه والإنصات ، ويخبر أن الرجل إذا قال لصاحبه : أنصت . فقد لغا ، ~~ومن لغا فلا جمعة له . | وكان إذا صلى الجمعة دخل منزله ، فصلى ركعتين ~~سنتها ، وأمر من صلاها أن يصلي بعدها أربعا . قال شيخنا : إذا صلى في ~~المسجد صلى أربعا ms023 ، وإن صلى في بيته صلى ركعتين . PageV01P049 # | 1 ( فصل ) # | وكان يصلي العيدين في المصلى ، وهو الذي على باب المدينة الشرقي ، الذي ~~يوضع فيه محمل الحاج ، ولم يصل العيد بمسجده إلا مرة أصابهم مطر - إن ثبت ~~الحديث - وهو في ' سنن أبي داود ' . وكان يلبس أجمل ثيابه ، ويأكل في عيد ~~الفطر قبل خروجه تمرات ، ويأكلهن وترا ، وأما في الأضحى فكان لا يطعم حتى ~~يرجع من المصلى ، فيأكل من أضحيته ، وكان يغتسل للعيد - إن صح - وفيه ~~حديثان ضعيفان ، لكن ثبت عن ابن عمر مع شدة اتباعه للسنة . | وكان يخرج ~~ماشيا والعنزة تحمل بين يديه ، فإذا وصل نصبت ليصلي إليها ، فإن المصلى لم ~~يكن فيه بناء ، وكان يؤخر صلاة عيد الفطر ، ويعجل الأضحى . وكان ابن عمر مع ~~شدة اتباعه للسنة ، لا يخرج حتى تطلع الشمس ، ويكبر من بيته إلى المصلى . | ~~وكان صلى الله عليه وسلم إذا انتهى إلى المصلى ، أخذ في الصلاة ، بغير أذان ~~ولا إقامة ، ولا قول : ' الصلاة جامعة ' ولم يكن هو ولا أصحابه يصلون إذا ~~انتهوا إلى المصلى ، لا قبلها ولا بعدها . | وكان يبدأ بالصلاة قبل الخطبة ~~، فيصلي ركعتين ، يكبر في الأولى سبعا متوالية بتكبيرة الإحرام ، يسكت بين ~~كل تكبيرتين سكتة يسيرة ، ولم يحفظ عنه ذكر معين بين التكبيرات ، ولكن ذكر ~~عن ابن مسعود أنه قال : PageV01P050 يحمد الله ، ويثني عليه ، ويصلي على ~~النبي صلى الله عليه وسلم . وكان ابن عمر يرفع يديه مع كل تكبيرة . | وكان ~~صلى الله عليه وسلم إذا أتم التكبير أخذ في القراءة ، فقرأ في الأولى ~~الفاتحة ، ثم ( ق ) ، وفي الثانية ( اقتربت ) وربما قرأ فيهما ب ( سبح ) و ~~( الغاشية ) ولم يصح عنه غير ذلك فإذا فرغ من القراءة كبر وركع ، ثم يكبر ~~في الثانية خمسا متوالية ، ثم أخذ في القراءة ، فإذا انصرف ، قام مقابل ~~الناس وهم جلوس على صفوفهم ، فيعظهم ويأمرهم وينهاهم ، وإن كان يريد أن ~~يقطع بعثا قطعه ، أو يأمر بشيء أمر به ، ولم يكن هناك منبر ، وإنما كان ~~يخطب على الأرض . وأما قوله في حديث في ' الصحيحين ' : ثم ms024 نزل فأتى النساء ~~. إلى آخره ، فلعله كان يقوم على مكان مرتفع . وأما منبر المدينة ، فأول من ~~أخرجه مروان بن الحكم ، فأنكر عليه ، وأما منبر اللبن والطين ، فأول من ~~بناه كثير بن الصلت في إمارة مروان على المدينة . | ورخص النبي صلى الله ~~عليه وسلم لمن شهد العيد أن يجلس للخطبة ، وأن يذهب ، ورخص لهم إذا وقع ~~العيد يوم الجمعة أن يجتزئوا بصلاة العيد عن الجمعة ، وكان يخالف الطريق ~~يوم العيد . | وروي أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر ~~أيام التشريق : ' الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، والله أكبر ، ~~الله أكبر ، ولله الحمد ' . PageV01P051 # | 1 ( فصل ) # | ولما كسفت الشمس ، خرج إلى المسجد مسرعا فزعا يجر رداءه ، وكان كسوفها ~~في أول النهار على مقدار رمحين أو ثلاثة من طلوعها ، فتقدم فصلى ركعتين ، ~~قرأ في الأولى بالفاتحة وسورة طويلة ، وجهر بالقراءة ، ثم ركع ، فأطال ~~الركوع ، ثم رفع ، فأطال القيام وهو دون القيام الأول ، وقال لما رفع رأسه ~~من الركوع : ' سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد ' ثم أخذ في القراءة ، ~~ثم ركع فأطال الركوع ، وهو دون الركوع الأول ، ثم سجد ، فأطال السجود ، ثم ~~فعل في الأخرى مثل ما فعل في الأولى ، فاستكمل في الركعتين أربع ركوعات ، ~~وأربع سجدات . | ورأى في صلاته تلك الجنة والنار ، وهم أن يأخذ عنقودا من ~~الجنة ، فيريهم إياه ، ورأى أهل العذاب في النار ، فرأى امرأة تخدشها هرة ~~ربطتها حتى ماتت جوعا وعطشا ، ورأى عمرو بن مالك يجر أمعاءه في النار ، ~~وكان أول من غير دين إبراهيم ، ورأى فيها سارق الحاج يعذب ، ثم انصرف فخطب ~~خطبة بليغة ، فروى الإمام أحمد أنه لما سلم حمد الله وأثنى عليه ، وشهد أن ~~لا إله إلا الله ، وشهد أنه عبده ورسوله ثم قال : | ' أيها الناس أنشدكم ~~بالله إن كنتم تعلمون أني قصرت عن شيء من تبليغ رسالات ربي لما أخبرتموني ~~ذلك ' ؟ فقام رجال ، فقالوا : نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك ، ونصحت لأمتك ، ~~وقضيت الذي عليك . ثم قال : ' أما بعد ms025 ، فإن رجالا يزعمون أن كسوف هذه ~~الشمس ، وكسوف PageV01P052 هذا القمر ، وزوال هذه النجوم عن مطالعها لموت ~~رجال عظماء من أهل الأرض ، وإنهم قد كذبوا ، ولكنها آيات من آيات الله ~~تبارك وتعالى ، يعتبر بها عباده ، فينظر من يحدث له منهم توبة ، وايم الله ~~لقد رأيت منذ قمت ما أنتم لاقوه من أمر دنياكم وآخرتكم ، وإنه والله لا ~~تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا ، آخرهم الأعور الدجال ، ممسوح العين ~~اليسرى ، كأنها عين أبي تحيي - لشيخ حينئذ من الأنصار ، بينه وبين حجرة ~~عائشة - وأنه متى يخرج ، فسوف يزعم أنه الله ، فمن آمن به وصدقه واتبعه ، ~~لم ينفعه صالح من عمله سلف ، ومن كفر به وكذبه ، لم يعاقب بسيء من عمله سلف ~~، وإنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس ، وإنه يحصر المؤمنين ~~في بيت المقدس ، فيزلزلون زلزالا شديدا ، ثم يهلكه الله عز وجل وجنوده ، ~~حتى إن جذم الحائط أو قال : أصل الحائط ، أو أصل الشجرة لينادي : يا مؤمن ~~يا مسلم هذا يهودي - أو قال : هذا كافر - فتعال فاقتله . قال : ولن يكون ~~ذلك حتى تروا أمورا يتفاقم شأنها في أنفسكم ، وتسألون بينكم : هل كان نبيكم ~~ذكر لكم منها ذكرا ؟ وحتى تزول جبال عن مراتبها ، ثم على أثر ذلك القبض ' . ~~| وقد روي عنه أنه صلاها كل ركعة بثلاث ركوعات ، أو أربع ركوعات ، أو كل ~~ركعة بركوع واحد ، ولكن كبار الأئمة لا يصححون ذلك ويرونه غلطا . | وأمر في ~~الكسوف بذكر الله ، والصلاة ، والدعاء ، والاستغفار ، والصدقة ، والعتاقة . ~~PageV01P053 # | 1 ( فصل ) # | وثبت عنه أنه استسقى على وجوه . | أحدها : يوم الجمعة على المنبر في ~~أثناء الخطبة . | الثاني : أنه وعد الناس يوما يخرجون فيه إلى المصلى ، ~~فخرج لما طلعت الشمس متواضعا متبذلا متخشعا متوسلا متضرعا ، فلما وافى ~~المصلى صعد المنبر - إن صح ففي القلب منه شيء - فحمد الله وأثنى عليه ، ~~وكبره ، وكان مما حفظ من خطبته ودعائه : | ' الحمد لله رب العالمين ، ~~الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، لا إله إلا الله يفعل ما يريد ، اللهم ~~أنت الله لا إله إلا أنت ms026 تفعل ما تريد ، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت ، ~~أنت الغني ونحن الفقراء ، أنزل علينا الغيث ، واجعل ما أنزلته علينا قوة ~~لنا ، وبلاغا إلى حين ' ثم رفع يديه وأخذ في التضرع والابتهال والدعاء ، ~~وبالغ في الرفع حتى بدا بياض إبطيه ، ثم حول إلى الناس ظهره ، واستقبل ~~القبلة ، وحول إذ ذاك رداءه ، وهو مستقبل القبلة ، فجعل الأيمن على الأيسر ~~وعكسه ، وكان الرداء خميصة سوداء ، وأخذ في الدعاء مستقبل القبلة ، والناس ~~كذلك ، ثم نزل فصلى بهم ركعتين كالعيد من غير نداء ، قرأ في الأولى بعد ~~الفاتحة ب ( سبح ) وفي الثانية ب ( الغاشية ) . | الثالث : أنه استسقى على ~~منبر المدينة في غير الجمعة ، ولم يحفظ عنه فيه صلاة . PageV01P054 | ~~الرابع : أنه استسقى وهو جالس في المسجد رفع يديه ، ودعا الله عز وجل . | ~~الخامس : أنه استسقى عند أحجار الزيت قريبا من الزوراء وهو خارج باب المسجد ~~الذي يدعى اليوم : ' باب السلام ' نحو قذفة حجر ، منعطف عن يمين الخارج من ~~المسجد . | السادس : أنه استسقى في بعض غزواته لما سبقه المشركون إلى الماء ~~، فأصاب المسلمين العطش ، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال ~~بعض المنافقين : لو كان نبيا لاستسقى لقومه ، كما استسقى موسى لقومه . ~~فبلغه ذلك ، فقال : ' أوقد قالوها ؟ عسى ربكم أن يسقيكم ' ثم بسط يديه فدعا ~~، فما رد يديه حتى أظلمهم السحاب ، وأمطروا وأغيث صلى الله عليه وسلم في كل ~~مرة . واستسقى مرة ، فقام أبو لبابة ، فقال : يا رسول الله إن التمر في ~~المرابد . فقال : ' اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا ، فيسد ثعلب ~~مربده بإزاره ' فأمطرت فاجتمعوا إلى أبي لبابة . فقالوا : إنها لن تقلع حتى ~~تقوم عريانا ، فتسد ثعلب مربدك بإزارك . ففعل ، فأقلعت السماء ، ولما كثر ~~المطر سألوه الاستصحاء ، فاستصحى لهم ، وقال : ' اللهم حوالينا ولا علينا ، ~~اللهم على الظراب ، والآكام والجبال ، وبطون الأودية ، ومنابت الشجر ' . | ~~وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى المطر قال : ' صيبا نافعا ' ويحسر ثوبه ~~حتى يصيبه من المطر ، فسئل عن ذلك ، فقال : ' لأنه حديث عهد بربه ' . ~~PageV01P055 | قال الشافعي : أخبرني ms027 من لا أتهم ، عن يزيد بن الهاد ، أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سال السيل ، قال : ' اخرجوا بنا إلى هذا ~~الذي جعله الله طهورا ، فنتطهر منه ، ونحمد الله عليه ' وأخبرني من لا أتهم ~~، عن إسحاق بن عبد الله ، أن عمر كان إذا سال السيل ذهب بأصحابه إليه ، ~~وقال : ما كان ليجيء من مجيئه أحد ، إلا تمسحنا به . وكان صلى الله عليه ~~وسلم إذا رأى الغيم والريح ، عرف ذلك في وجهه ، فأقبل وأدبر ، فإذا أمطرت ~~سري عنه ، وكان يخشى أن يكون فيه العذاب . PageV01P056 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في سفره وعباداته فيه ) # | كانت أسفاره صلى الله عليه وسلم دائرة بين أربعة أسفار : سفر لهجرته ، ~~وسفر للجهاد ، وهو أكثرها ، وسفر للعمرة ، وسفر للحج . | وكان إذا أراد ~~سفرا أقرع بين نسائه ، ولما حج سافر بهن جميعا ، وكان إذا سافر ، خرج من ~~أول النهار ، وكان يستحب الخروج يوم الخميس ، ودعا الله أن يبارك لأمته في ~~بكورها ، وكان إذا بعث سرية أو جيشا ، بعثهم من أول النهار ، وأمر ~~المسافرين إذا كانوا ثلاثة أن يؤمروا أحدهم ، ونهى أن يسافر الرجل وحده ، ~~وأخبر أن ' الراكب شيطان ، والراكبان شيطانان ، والثلاثة ركب ' وذكر عنه ~~أنه كان يقول حين ينهض للسفر : ' اللهم إليك توجهت ، وبك اعتصمت ، اللهم ~~اكفني ما أهمني وما لا أهتم له ، اللهم زودني التقوى ، واغفر لي ذنبي ، ~~ووجهني للخير أينما توجهت ' . وكان إذا قدمت له دابته ليركبها يقول : ' بسم ~~الله ' حين يضع رجله في الركاب ، فإذا استوى على ظهرها قال : ' الحمد لله ~~الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ، وإنا إلى ربنا لمنقلبون ' ثم يقول : ~~الحمد لله ، الحمد لله ، الحمد لله ' ، ثم يقول : ' الله أكبر ، الله أكبر ~~، الله أكبر ' ثم يقول : ' سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي ، وإنه لا يغفر ~~الذنوب إلا أنت ' PageV01P057 وكان يقول : ' اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا ~~البر والتقوى ، ومن العمل ما ترضى ، اللهم هون علينا سفرنا هذا ، واطو عنا ~~بعده ، اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة ms028 في الأهل ، اللهم إني أعوذ بك ~~من وعثاء السفر ، وكآبة المنقلب ، وسوء المنظر في الأهل والمال ' وإذا رجع ~~قالهن ، وزاد : ' آيبون ، تائبون ، عابدون لربنا حامدون ' وكان هو وأصحابه ~~إذا علوا الثنايا كبروا ، وإذا هبطوا الأودية سبحوا . | وكان إذا أشرف على ~~قرية يريد دخولها يقول : ' اللهم رب السموات السبع ، وما أظللن ، ورب ~~الأرضين السبع وما أقللن ، ورب الشياطين وما أضللن ، ورب الرياح وما ذرين ، ~~أسألك خير هذه القرية ، وخير أهلها ، وخير ما فيها ، وأعوذ بك من شرها ، ~~وشر أهلها ، وشر ما فيها ' . | وكان يقصر الرباعية ، وقال أمية بن خالد : ~~إنا نجد صلاة الحضر ، وصلاة الخوف في القرآن ، ولا نجد صلاة السفر . فقال ~~له ابن عمر : يا أخي إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ، ولا نعلم شيئا ~~، فإنما نفعل كما رأينا محمدا صلى الله عليه وسلم يفعل . | وكان من هديه ~~صلى الله عليه وسلم الاقتصار على الفرض ، ولم يحفظ عنه أنه صلى السنة قبلها ~~ولا بعدها إلا سنة الفجر والوتر ، ولكن لم يمنع من التطوع قبلها ولا بعدها ~~، فهو كالتطوع المطلق ، لا أنه سنة راتبة للصلاة . وثبت عنه أنه صلى يوم ~~الفتح ثمان ركعات ضحى . | وكان من هديه صلى الله عليه وسلم صلاة التطوع على ~~راحلته أين PageV01P058 توجهت به ، وكان يوميء في ركوعه . وكان إذا أراد أن ~~يرتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى العصر ، فإن زالت قبل أن يرتحل صلى ~~الظهر ، ثم ركب . وكان إذا أعجله السير أخر المغرب حتى يجمع بينهما وبين ~~العشاء ، ولم يكن من هديه الجمع راكبا ولا حال نزوله . PageV01P059 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في قراءة القرآن ) # | كان له حزب لا يخل به ، وكانت قراءته ترتيلا حرفا حرفا ، ويقطع قراءته ~~آية آية ، ويمد عند حروف المد ، فيمد الرحمن ، ويمد الرحيم . وكان يستعيذ ~~في أول القراءة ، فيقول : ' أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ' . وربما قال : ~~' اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه ' . وكان يحب ~~أن يسمع القرآن من غيره ms029 ، وأمر ابن مسعود ، فقرأ وهو يسمع ، وخشع حتى ذرفت ~~عيناه . وكان يقرأ قائما وقاعدا ومضطجعا ومتوضئا ومحدثا إلا الجنابة ، وكان ~~يتغنى به ، ويرجع صوته أحيانا . وحكى ابن المغفل ترجيعه آ آ آ ثلاث مرات ، ~~ذكره البخاري . وإذا جمعت هذا إلى قوله : ' زينوا القرآن بأصواتكم ' . ~~وقوله : ' ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن ' علمت أن ~~هذا الترجيع منه اختيار لا لهز الناقة ، وإلا لم يحكه ابن المغفل اختيارا ~~ليتأسى به ويقول : كان يرجع في قراءاته . | والتغني على وجهين : | أحدهما : ~~ما اقتضته الطبيعية من غير تكلف ، فهذا جائز وإن أعان طبيعته بفضل تزيين ، ~~كما قال أبو موسى للنبي صلى الله عليه وسلم : PageV01P060 ' لو علمت أنك ~~تستمع لحبرته لك تحبيرا ' أي : لحسنته لك تحسينا ، وهذا هو الذي كان السلف ~~يفعلونه ، وعليه تحمل الأدلة كلها . | والثاني : ما كان صناعة من الصنائع ، ~~كما يتعلم أصوات الغناء بأصناف الألحان على أوزان مخترعة ، فهذه هي التي ~~كرهها السلف ، وأدلة الكراهة إنما تتناول هذا . PageV01P061 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في زيارة المرضى ) # | كان يعود من مرض من أصحابه ، وعاد غلاما كان يخدمه من أهل الكتاب وعاد ~~عمه وهو مشرك ، وعرض عليهما الإسلام فأسلم اليهودي . | وكان يدنو من المريض ~~، ويجلس عند رأسه ويسأله عن حاله ، وكان يمسح بيده اليمنى على المريض ، ~~ويقول : ' اللهم رب الناس ، أذهب البأس ، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا ~~شفاؤك شفاء لا يغادر سقما ' . وكان يدعو للمريض ثلاثا ، كما قال : ' اللهم ~~اشف سعدا ' ثلاثا ، وكان إذا دخل على المريض يقول : ' لا بأس ، طهور إن شاء ~~الله ' وربما قال : ' كفارة وطهور ' . | وكان يرقي من كان به قرحة أو جرح ~~أو شكوى فيضع سبابته بالأرض ، ثم يرفعها ويقول : ' بسم الله تربة أرضنا ~~بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا ' وهذا في ' الصحيحين ' وهو يبطل اللفظة ~~التي جاءت في حديث السبعين ألفا ' لا يرقون ' وهو غلط من الراوي . | ولمن ~~يكن من هديه أن يخص يوما بالعيادة ، لا وقتا ، بل شرع لأمته عيادة المريض ms030 ~~ليلا ونهارا . وكان يعود من الرمد وغيره ، وكان أحيانا يضع يده على جبهة ~~المريض ، ثم يمسح صدره وبطنه ، ويقول : ' اللهم اشفه ' . وكان يمسح وجهه ~~أيضا ، وإذا أيس من المريض قال : ' إنا لله وإنا إليه راجعون ' . ~~PageV01P062 | وكان هديه في الجنائز أكمل هدي مخالفا لهدي سائر الأمم ~~مشتملا على الإحسان إلى الميت وإلى أهله وأقاربه ، وعلى إقامة عبودية الحي ~~فيما يعامل به الميت ، فكان من هديه إقامة عبودية الرب تعالى على أكمل ~~الأحوال ، وتجهيز الميت إلى الله تعالى على أحسن الأحوال ، ووقوفه وأصحابه ~~صفوفا يحمدون الله ، ويستغفرون له ، ثم يمشي بين يديه إلى أن يودعوه حفرته ~~، ثم يقوم هو وأصحابه على قبره سائلين له الثبات ، ثم يتعاهده بالزيارة إلى ~~قبره ، والسلام عليه ، والدعاء له . | فأول ذلك تعاهده في مرضه ، وتذكيره ~~الآخرة ، وأمره بالوصية والتوبة ، وأمر من حضره بتلقينه شهادة أن لا إله ~~إلا الله ، لتكون آخر كلامه ، ثم نهى عن عادة الأمم التي لا تؤمن بالبعث من ~~لطم الخدود ، ورفع الصوت بالندب والنياحة ، وتوابع ذلك . | وسن الخشوع ~~للموت ، والبكاء الذي لا صوت معه ، وحزن القلب ، وكان يفعله ويقول : ' تدمع ~~العين ، ويحزن القلب ، ولا نقول إلا ما يرضي الرب ' وسن لأمته الحمد ~~والاسترجاع والرضا عن الله . | وكان من هديه الإسراع بتجهيز الميت إلى الله ~~، وتطهيره وتنظيفه وتطييبه ، وتكفينه في ثياب البياض ، ثم يؤتى به إليه ، ~~فيصلي عليه بعد أن كان يدعى له عند احتضاره ، فيقيم عنده حتى يقضي ، ثم ~~يحضر تجهيزه ، ويصلي عليه ، ويشيعه إلى قبره ، ثم رأى أصحابه أن ذلك يشق ~~عليه ، فكانوا يجهزون ميتهم ، ثم يحملونه إليه ، فيصلي عليه خارج المسجد ، ~~وربما كان يصلي أحيانا عليه في المسجد ، كما صلى على سهيل بن بيضاء وأخيه ~~فيه . PageV01P063 | وكان من هديه تغطية وجه الميت إذا مات وبدنه ، وتغميض ~~عينيه وكان ربما يقبل الميت ، كما قبل عثمان بن مظعون وبكى . | وكان يأمر ~~بغسل الميت ثلاثا أو خمسا أو أكثر بحسب ما يراه الغاسل ، ويأمر بالكافور في ~~الغسلة الأخيرة . | وكان لا يغسل الشهيد قتيل المعركة ms031 ، وكان ينزع عنهم ~~الجلود والحديد ، ويدفنهم في ثيابهم ، ولم يصل عليهم ، وأمر أن يغسل المحرم ~~بماء وسدر . ويكفن في ثوبي إحرامه ، ونهى عن تطييبه ، وتغطية رأسه ، وكان ~~يأمر من ولي الميت أن يحسن كفنه ، ويكفنه في البياض ، وينهى عن المغالاة في ~~الكفن ، وإذا قصر الكفن عن ستر جميع البدن غطى رأسه ، وجعل على رجليه شيئا ~~من العشب . | وكان إذا قدم إليه ميت سأل : هل عليه دين ؟ فإن لم يكن عليه ~~دين صلى عليه ، وإن كان عليه دين ، لم يصل عليه ، وأمر أصحابه أن يصلوا ~~عليه ، فإن صلاته شفاعة ، وشفاعته موجبة ، والعبد مرتهن بدينه لا يدخل ~~الجنة حتى يقضى عنه ، فلما فتح الله عليه كان يصلي على المدين ، ويتحمل ~~دينه ، ويدع ماله لورثته . | فإذا أخذ في الصلاة عليه ، كبر ، وحمد الله ، ~~وأثنى عليه . وصلى ابن عباس على جنازة ، فقرأ بعد التكبيرة الأولى بالفاتحة ~~، وجهر بها ، وقال : لتعلموا أنها سنة . | قال شيخنا : لا تجب قراءتها ، بل ~~هي سنة . وذكر أبو أمامة بن سهل عن جماعة من الصحابة الصلاة على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيها . PageV01P064 | وروى يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن سعيد ~~المقبري ، عن أبي هريرة أنه سأل عبادة بن الصامت عن صلاة الجنازة ، فقال : ~~أنا والله أخبرك ، تبدأ فتكبر ، ثم تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~وتقول : اللهم إن عبدك فلانا كان لا يشرك بك ، وأنت أعلم به ، إن كان محسنا ~~فزد في إحسانه ، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه ، اللهم لا تحرمنا أجره ولا ~~تضلنا بعده . | ومقصود الصلاة عليه الدعاء ، ولذلك حفظ عنه ، ونقل من ~~الدعاء ما لم ينقل من قراءة الفاتحة ، والصلاة على النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، وحفظ من دعائه : | ' اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك ، وحبل جوارك ، ~~فقه فتنة القبرة ، وعذاب النار ، وأنت أهل الوفاء ، والحق ، فاغفر له ، ~~وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم ' . | وحفظ من دعائه أيضا : ' اللهم أنت ربها ~~، وأنت خلقتها ، وأنت رزقتها ، وأنت هديتها للإسلام ، وأنت قبضت روحها ، ~~تعلم سرها وعلانيتها ، جئنا شفعاء فاغفر ms032 لها ' وكان يأمر بإخلاص الدعاء ~~للميت . | وكان يكبر أربع تكبيرات ، وصح عنه أنه كبر خمسا ، وكان الصحابة ~~يكبرون أربعا وخمسا وستا . قال علقمة : قلت لعبد الله : إن ناسا من أصحاب ~~معاذ قدموا من الشام ، فكبروا على ميت لهم خمسا ، فقال : ليس على الميت في ~~التكبير وقت ، كبر ما كبر الإمام ، فإذا انصرف الإمام فانصرف . | قيل ~~للإمام أحمد : أتعرف عن أحد من الصحابة أنهم كانوا يسلمون PageV01P065 ~~تسليمتين على الجنازة ؟ قال : لا ، ولكن عن ستة من الصحابة أنهم كانوا ~~يسلمون تسليمة واحدة خفيفة عن يمينه ، فذكر ابن عمر وابن عباس وأبا هريرة . ~~| وأما رفع اليدين فقال الشافعي : ترفع للأثر ، والقياس على السنة في ~~الصلاة . ويريد بالأثر ما روي عن ابن عمر وأنس أنهما كانا يرفعان أيديهما ~~كلما كبرا على الجنازة . وكان إذا فاتته الصلاة على الجنازة صلى على القبر ~~، فصلى مرة على قبر بعد ليلة ، ومرة بعد ثلاث ، ومرة بعد شهر ، ولم يوقت في ~~ذلك وقتا ، ومنع منها مالك إلا للولي إذا كان غائبا . | وكان يقوم عند رأس ~~الرجل ، ووسط المرأة ، وكان يصلي على الطفل ، وكان لا يصلي على من قتل نفسه ~~، ولا على من غل من الغنيمة ، واختلف عنه في الصلاة على المقتول حدا ~~كالزاني . فصح عنه أنه صلى على الجهنية التي رجمها ، واختلف في ماعز ، فإما ~~أن يقال : لا تعارض بين ألفاظه ، فإن الصلاة فيه هي الدعاء ، وترك الصلاة ~~عليه تركها على جنازته تأديبا وتحذيرا . وإما أن يقال : إذا تعارضت ألفاظه ~~عدل عنها إلى الحديث الآخر . | وكان إذا صلى عليه تبعه إلى المقابر ماشيا ~~أمامه ، وسن للراكب أن يكون وراءها ، وإن كان ماشيا يكون قريبا منها ، إما ~~خلفها ، أو أمامها ، أو عن يمينها ، أو عن شمالها . وكان يأمر بالإسراع بها ~~حتى إن كانوا ليرملون بها رملا ، وكان يمشي إذا تبعها ، ويقول : ' لم أكن ~~لأركب والملائكة يمشون ' فإذا انصرف فربما ركب . PageV01P066 | وكان لا ~~يجلس حتى توضع ، وقال : ' إذا تبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع ' . | ولم ~~يكن من هديه الصلاة على كل ms033 ميت غائب ، وصح عنه أنه صلى على النجاشي صلاته ~~على الميت ، وتركه سنة ، كما أن فعله سنة ، فإن كان الغائب مات ببلد لم يصل ~~عليه فيه ، صلي عليه ، فإن النجاشي مات بين الكفار . | وصح عنه أنه أمر ~~بالقيام للجنازة لما مرت به ، وصح عنه أنه قعد ، فقيل : القيام منسوخ . ~~وقيل : الأمران جائزان ، وفعله بيان للاستحباب ، وتركه بيان للجواز . وهذا ~~أولى . | وكان من هديه أن لا يدفن الميت عند طلوع الشمس ، ولا عند غروبها ، ~~ولا حين قيامها . | وكان من هديه اللحد ، وتعميق القبر ، وتوسيعه من عند ~~رأس الميت ورجليه ، ويذكر عنه أنه كان إذا وضع الميت في القبر قال : ' بسم ~~الله وبالله ، وعلى ملة رسول الله ' وفي رواية : ' بسم الله ، وفي سبيل ~~الله ، وعلى ملة رسول الله ' . | ويذكر عنه أنه كان يحثو على الميت إذا دفن ~~من قبل رأسه ثلاثا ، وكان إذا فرغ من دفن الميت ، قام على قبره هو وأصحابه ~~، وسأل له التثبيت ، وأمرهم بذلك . | ولم يكن يجلس يقرأ على القبر ولا يلقن ~~الميت ، ولم يكن من هديه تعلية القبور ، ولا بناؤها ، ولا تطيينها ، ولا ~~بناء القباب عليها ، وقد PageV01P067 بعث علي بن أبي طالب أن لا يدع تمثالا ~~إلا طمسه . ولا قبرا مشرفا إلا سواه ، فسنته تسوية هذه القبور المشرفة كلها ~~. | ونهى أن يجصص القبر ، وأن يبنى عليه ، وأن يكتب عليه ، وكان يعلم من ~~أراد أن يعرف قبره بصخرة ، ونهى عن اتخاذ القبور مساجد ، وإيقاد السرج ~~عليها ، ولعن فاعله ، ونهى عن الصلاة إليها ، ونهى أن يتخذ قبره عيدا . | ~~وكان هديه أن لا تهان القبور وتوطأ ، ويجلس عليها ، ويتكأ عليها ، ولا تعظم ~~بحيث تتخذ مساجد وأعيادا وأوثانا . | وكان يزور قبور أصحابه للدعاء لهم ، ~~والاستغفار لهم ، وهذه هي الزيارة التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأمرهم إذا زاروها أن يقولوا : ' السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين ~~والمسلمين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، نسأل الله لنا ولكم العافية ' . ~~| وكان يقول ويفعل عند زيارتها من جنس ما يقوله عند الصلاة عليه ms034 ، فأبى ~~المشركون إلا دعاء الميت والإشراك به ، وسؤاله الحوائج ، والاستعانة به ، ~~والتوجه إليه عكس هديه صلى الله عليه وسلم فإنه هدي توحيد وإحسان إلى الميت ~~. | وكان من هديه تعزية أهل الميت ، ولم يكن من هديه أن يجتمع ويقرأ له ~~القرآن ، لا عند القبر ، ولا غيره . | وكان من هديه أن أهل الميت لا ~~يتكلفون الطعام للناس ، بل أمر أن يصنع الناس لهم طعاما ، وكان من هديه ترك ~~نعي الميت ، بل كان ينهى عنه ، ويقول : ' هو من عمل أهل الجاهلية ' . ~~PageV01P068 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف ) # | أباح الله له قصر أركان الصلاة وعددها إذا اجتمع الخوف والسفر ، وقصر ~~العدد وحده إذا كان سفرا لا خوف معه ، وقصر الأركان وحدها إذا كان خوفا لا ~~سفر معه ، وبهذا تعلم الحكم في تقييد القصر في الآية بالضرب في الأرض ~~والخوف . | وكان من هديه في صلاة الخوف إذا كان العدو بينه وبين القبلة أن ~~يصف المسلمين خلفه صفين ، فيكبر ويكبرون جميعا ، ثم يركعون ويرفعون جميعا ، ~~ثم يسجد أول الصف الذي يليه خاصة ، ويقوم الصف المؤخر مواجه العدو ، فإذا ~~نهض للثانية سجد الصف المؤخر سجدتين ، ثم قاموا فتقدموا إلى مكان الصف ~~الأول ، وتأخر الصف الأول مكانهم ، لتحصل فضيلة الصف الأول للطائفتين ، ~~وليدرك الصف الثاني معه السجدتين في الثانية ، وهذا غاية العدل ، فإذا ركع ~~صنع الطائفتان كما صنعوا أول مرة ، فإذا جلس للتشهد سجد الصف المؤخر سجدتين ~~، ولحقوه في التشهد ، فسلم بهم جميعا . وإن كان العدو في غير جهة القبلة ~~فإنه تارة يجعلهم فرقتين : فرقة بإزاء العدو ، وفرقة تصلي معه ، فتصلي معه ~~إحدى الفرقتين ركعة ، ثم تنصرف في صلاتها إلى مكان الفرقة الأخرى ، وتجيء ~~الأخرى PageV01P069 إلى مكان هذه ، فتصلي معه الركعة الثانية ، ثم يسلم ، ~~وتقضي كل طائفة ركعة ركعة بعد سلام الإمام ، وتارة يصلي بإحدى الطائفتين ~~ركعة ، ثم يقوم إلى الثانية ، وتقضي هي ركعة وهو واقف ، وتسلم قبل ركوعه ، ~~وتأتي الطائفة الأخرى ، فتصلي معه الركعة الثانية ، فإذا جلس في التشهد ، ~~قامت ، فقضت ركعة ms035 وهو ينتظرها في التشهد ، فإذا تشهدت ، سلم بهم . | وتارة ~~كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعتين ويسلم بهم ؛ وتأتي الأخرى فيصلي بهم ~~ركعتين ويسلم بهم ، وتارة كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعة ، ثم تذهب ولا ~~تقضي شيئا ، وتجيء الأخرى ، فيصلي بهم ركعة ولا تقضي شيئا ، فيكون له ~~ركعتان ، ولهم ركعة ركعة ، وهذه الأوجه كلها تجوز الصلاة بها . | قال أحمد ~~: ستة أوجه أو سبعة تروى فيها كلها جائزة . وظاهر هذا أنه جوز أن تصلي كل ~~طائفة معه ركعة ، ولا تقضي شيئا ، وهذا مذهب جابر ، وابن عباس ، وطاوس ، ~~ومجاهد ، والحسن ، وقتادة ، والحكم ، وإسحاق . | وقد روي فيها صفات أخر ~~ترجع كلها إلى هذه ، وقد ذكرها بعضهم عشرا ، وذكرها ابن حزم نحو خمسة عشر ~~صفة ، والصحيح ما ذكرنا ، وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة ، جعلوا ~~ذلك وجوها من فعل النبي صلى الله عليه وسلم . PageV01P070 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في الزكاة ) # | كان هديه صلى الله عليه وسلم فيها أكمل هدي في وقتها وقدرها ونصابها ، ~~ومن تجب عليه ، ومصرفها ، قد راعى فيها مصلحة أرباب الأموال ، ومصلحة ~~المساكين ، وجعلها الله سبحانه وتعالى طهرة للمال ولصاحبه ، وقيد النعمة ~~بها على الأغنياء ، فما زالت النعمة بالمال عن من أدى زكاته ، بل يحفظه ~~عليه وينميه . | ثم إنه جعلها في أربعة أصناف من المال وهي أكثر الأموال ~~دورا بين الخلق ، وحاجتهم إليها ضرورية . | أحدها : الزرع والثمار . | ~~والثاني : بهيمة الأنعام ، الإبل والبقر والغنم . | الثالث : الجوهران ~~اللذان بهما قوام العالم ، وهما الذهب والفضة . | الرابع : أموال التجارة ~~على اختلاف أنواعها . | ثم إنه أوجبها في كل عام ، وجعل حول الثمار والزرع ~~عند كمالهما واستوائهما ، وهذا أعدل ما يكون ، إذ وجوبها كل شهر أو جمعة ~~مما يضر بأرباب الأموال ، ووجوبها في العمرة مرة مما يضر بالمساكين . ثم ~~إنه فاوت PageV01P071 بين مقادير الواجب بحسب السعي في التحصيل ، فأوجب ~~الخمس فيما صادفه الإنسان مجموعا محصلا وهو الركاز ، ولم يعتبر له حولا ، ~~وأوجب نصفه وهو العشر فيما كان مشقة تحصيله فوق ذلك ، وذلك في الثمار ~~والزروع التي ms036 يباشر حرثها ، ويتولى الله سقيها بلا كلفة من العبد ، وأوجب ~~نصف العشر فيما يتولى العبد سقيه بالكلفة والدوالي والنواضح ونحوهما ، ~~وأوجب نصف ذلك وهو ربع العشر فيما كان النماء فيه موقوفا على عمل متصل من ~~رب المال ، متتابع بالضرب في الأرض تارة ، وبالإدارة تارة ، وبالتربص تارة ~~. | ثم إنه لما كان لا يحتمل كل مال المواساة ، جعل للمال الذي تحتمله ~~المواساة نصبا مقدرة المواساة فيها ، لا تجحف بأرباب الأموال ، وتقع موقعها ~~من المساكين ، فجعل للورق مائتي درهم ، وللذهب عشرين مثقالا ، وللحبوب ~~والثمار خمسة أوسق وهي خمسة أحمال من أحمال إبل العرب ، وللغنم أربعين شاة ~~، وللبقر ثلاثين ، وللإبل خمسا ، لكن لما كان نصابها لا يحتمل المواساة من ~~جنسه ، أوجب فيه شاة . فإذا تكررت الخمس خمس مرات ، وصارت خمسا وعشرين ، ~~احتمل نصابها واحدا منها ، ثم إنه لما قدر سن هذا الواجب في الزيادة ~~والنقصان بحسب كثرة الإبل وقلتها من ابن مخاض وبنت مخاض ، وفوقه ابن لبون ~~وبنت لبون ، وفوقه الحق والحقة ، وفوقه الجذع والجذعة ، وكلما كثرت الإبل ~~زاد السن إلى أن يصل السن إلى منتهاه ، فحينئذ جعل زيادة عدد الواجب في ~~مقابلة زيادات عدد المال ، فاقتضت حكمته أن جعل في الأموال قدرا يحتمل ~~المواساة ، ولا يجحف بها ، ويكفي المساكين ، فوقع الظلم من الطائفتين ؛ ~~الغني بمنعه ما أوجب PageV01P072 عليه ، والآخذ بأخذه ما لا يستحقه ، فتولد ~~من بين الطائفتين ضرر عظيم على المساكين . | والله سبحانه تولى قسمة الصدقة ~~بنفسه ، وجزأها ثمانية أجزاء يجمعها صنفان . | أحدهما : من يأخذ لحاجة ، ~~فيأخذ بحسب شدة الحاجة وضعفها ، وكثرتها وقلتها ، وهم الفقراء والمساكين ، ~~وفي الرقاب ، وابن السبيل . | والثاني : من يأخذ لمنفعته وهم العاملون ~~عليها ، والمؤلفة قلوبهم ، والغارمون لإصلاح ذات البين ، والغزاة في سبيل ~~الله ، فإن لم يكن الآخذ محتاجا ، ولا منفعة فيه للمسلمين ؛ فلا سهم له في ~~الزكاة . PageV01P073 # | 1 ( فصل ) # | وكان إذا علم من الرجل أنه من أهلها أعطاه ، وإن سأله منها من لا يعرف ~~حاله أعطاه بعد أن يخبره أنه لا حظ فيها لغني ، ولا لقوي مكتسب . | وكان من ms037 ~~هديه تفريقها على المستحقين في بلد المال ، وما فضل عنهم منها حمل إليه ~~ففرقه ، وكذلك كان يبعث سعاته إلى البوادي ، ولم يكن يبعثهم إلى القرى ، بل ~~أمر معاذا أن يأخذها من أهل اليمن ويعطيها فقراءهم . | ولم يكن من هديه أن ~~يبعث سعاته إلا إلى أهل الأموال الظاهرة من المواشي والزرع والثمار ، وكان ~~يبعث الخارص يخرص على أهل النخيل تمر نخيلهم ، وعلى أهل الكروم كرومهم ، ~~وينظر كم يجيء منه وسقا ، فيحسب عليهم من الزكاة بقدره ، وكان يأمر الخارص ~~أن يدع لهم الثلث أو الربع ، فلا يخرصه لما يعرو النخيل من النوائب . وكان ~~هذا الخرص لكي تحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار ، وتفرق ، وليتصرف فيها ~~أربابها بما شاؤوا ، ويضمنوا قدر الزكاة . | ولم يكن من هديه أخذها من ~~الخيل ، ولا الرقيق ، ولا البغال ، ولا الحمير ، ولا الخضراوات ، ولا ~~المباطخ ، ولا المقاثي والفواكه التي لا تكال ، ولا تدخر ، إلا العنب ~~والرطب ، فلم يفرق بين رطبه ويابسه ، وكان إذا جاء الرجل بالزكاة دعا له ، ~~فتارة يقول : ' اللهم بارك فيه وفي إبله ' وتارة يقول : ' اللهم صل عليه ' ~~. PageV01P074 | ولم يكن من هديه أخذ كرائم الأموال بل وسطه ، وكان ينهى ~~المتصدق أن يشتري صدقته ، وكان يبيح للغني أن يأكل منها إذا أهداها إليه ~~الفقير ، وكان أحيانا يستدين لمصالح المسلمين على الصدقة ، وكان يسم إبل ~~الصدقة بيده ، وإذا عراه أمر ، استسلف الصدقة من أربابها ، كما استسلف من ~~العباس صدقة عامين . | وفرض زكاة الفطر عليه وعلى من يمونه من صغير وكبير ~~صاعا من تمر أو شعير أو أقط أو زبيب ، وروي عنه : ' صاعا من دقيق ' وروي ~~عنه : ' نصف صاع من بر ' . مكان الصاع من هذه الأشياء ، ذكره أبو داود ، ~~وفي ' الصحيحين ' أن معاوية هو الذي قوم ذلك . | وكان من هديه إخراجها قبل ~~صلاة العيد ، وفي ' الصحيحين ' عن ابن عمر قال : أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة . وفي ' السنن ' ~~عنه : ' من أداها قبل الصلاة ، فهي زكاة مقبولة ، ومن أداها بعد الصلاة ms038 ، ~~فهي صدقة من الصدقات ' ومقتضى هذين الحديثين أنه لا يجوز تأخيرها عن صلاة ~~العيد ، وأنها تفوت بالفراغ من الصلاة ، وهذا هو الصواب ، ونظيره ترتيب ~~الأضحية على صلاة الإمام ، لا على وقتها ، وأن من ذبح قبلها ، فهي شاة لحم ~~. | وكان من هديه تخصيص المساكين بها ، ولم يكن يقسمها على الأصناف ~~الثمانية ، ولا فعله أحد من أصحابه ، ولا من بعدهم . PageV01P075 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في صدقة التطوع ) # | كان أعظم الناس صدقة بما ملكت يده ، ولا يستكثر شيئا أعطاه لله ، ولا ~~يستقله ، وكان لا يسأل أحد شيئا عنده إلا أعطاه ، قليلا كان أو كثيرا ، ~~وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما أخذه ، وكان إذا عرض له ~~محتاج ، آثره على نفسه ، تارة بطعامه ، وتارة بلباسه . | وكان يتنوع في ~~أصناف إعطائه وصدقته ، فتارة بالهدية ، وتارة بالصدقة ، وتارة بالهبة ، ~~وتارة بشراء الشيء ، ثم يعطي البائع السلعة والثمن ، وتارة يقترض الشيء ، ~~فيرد أكثر منه ، ويقبل الهدية ، ويكافيء عليها بأكثر منها ، تلطفا وتنوعا ~~في ضروب الإحسان بكل ممكن ، وكان إحسانه بما يملكه وبحاله وبقوله ، فيخرج ~~ما عنده ، ويأمر بالصدقة ، ويحض عليها ، فإذا رآه البخيل ، دعاه حاله إلى ~~البذل . | وكان من خالطه لا يملك نفسه عن السماحة ، ولذلك كان أشرح الخلق ~~صدرا ، وأطيبهم نفسا ، فإن للصدقة والمعروف تأثيرا عجيبا في شرح الصدر ، ~~فانضاف ذلك إلى ما خصه الله به من شرح صدره بالرسالة وخصائصها وتوابعها ، ~~وشرح صدره حسا ، وإخراج حظ الشيطان منه . | وأعظم أسباب شرح الصدر التوحيد ~~، وعلى حسب كماله وقوته وزيادته PageV01P076 يكون انشراح صدر صاحبه ، قال ~~الله تعالى : @QB@ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه @QE@ ( ~~سورة الزمر : 22 ) . | وقال تعالى : @QB@ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا @QE@ الآية ( سورة الأنعام : ~~125 ) . | ومنها النور الذي يقذفه الله في القلب ، وهو نور الإيمان ، وفي ~~الترمذي مرفوعا ' إذا دخل النور القلب انفسخ وانشرح ' الحديث . | ومنها ~~العلم ، فإنه يشرح الصدر ، ويوسعه ، وليس هذا ms039 لكل علم ، بل للموروث عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم . | ومنها الإنابة إلى الله ، ومحبته بكل القلب ~~، وللمحبة تأثير عجيب في انشراح الصدر ، وطيب النفس ، وكلما كانت المحبة ~~أقوى ، كان الصدر أشرح ، ولا يضيق إلا عند رؤية البطالين . ومنها دوام ~~الذكر ، فللذكر تأثير عجيب في انشراح الصدر . ومنها الإحسان إلى الخلق ، ~~ونفعهم بما يمكنه من المال والجاه ، والنفع بالبدن ، وأنواع الإحسان . | ~~ومنها الشجاعة ، فإن الشجاع منشرح الصدر . | وأما سرور الروح ولذتها ، ~~فمحرم على كل جبان ، كما هو محرم على كل بخيل ، وعلى كل معرض عن الله ، ~~غافل عن ذكره ، جاهل به وبدينه ، متعلق القلب بغيره ، ولا عبرة بانشراح صدر ~~هذا لعارض ، ولا بضيق صدر هذا لعارض ، فإن العوارض تزول بزوال أسبابها ، ~~وإنما المعول على الصفة التي قامت بالقلب توجب انشراحه وحبسه ، فهي الميزان ~~. | ومنها بل من أعظمها إخراج دغل القلب من الصفات المذمومة ، ومنه ترك ~~فضول النظر والكلام ، والاستماع والخلطة ، والأكل والنوم . PageV01P077 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في الصيام ) # | لما كان المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات ، لتستعد لطلب ما فيه ~~غاية سعادتها ، وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية ، ويكسر الجوع ~~والظمأ من حدتها ، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين ، وتضييق ~~مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب ، فهو لجام المتقين ، ~~وجنة المحاربين ، ورياضة الأبرار المقربين ، وهو لرب العالمين من بين ~~الأعمال ، فإن الصائم لا يفعل شيئا ، وإنما يترك شهوته ، فهو ترك المحبوبات ~~لمحبة الله ، وهو سر بين العبد وربه ، إذ العباد قد يطلعون على ترك ~~المفطرات الظاهرة ، وأما كونه ترك ذلك لأجل معبوده ، فأمر لا يطلع عليه بشر ~~، وذلك حقيقة الصوم . | وله تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة ، والقوى ~~الباطنة عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة ، واستفراغ المواد الرديئة ~~المانعة لها من صحتها ، فهو من أكبر العون على التقوى ، كما قال تعالى : ~~@QB@ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ~~لعلكم تتقون @QE@ ( البقرة : 183 ) . | وأمر صلى الله ms040 عليه وسلم من اشتدت ~~شهوته للنكاح ، ولا قدرة له عليه بالصيام ، وجعله وجاء هذه الشهوة . ~~PageV01P078 | وكان هديه صلى الله عليه وسلم فيه أكمل هدي ، وأعظمه تحصيلا ~~للمقصود ، وأسهله على النفوس ، ولما كان فطم النفوس عن شهواتها ومألوفاتها ~~من أشق الأمور ، تأخر فرضه إلى ما بعد الهجرة ، وفرض أولا على وجه التخيير ~~بينه وبين أن يطعم كل يوم مسكينا ، ثم حتم الصوم ، وجعل الإطعام للشيخ ~~الكبير والمرأة إذا لم يطيقا ، ورخص للمريض والمسافر أن يفطرا ، ويقضيا ، ~~والحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما كذلك ، وإن خافتا على ولديهما زادتا ~~مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم ، فإن فطرهما لم يكن لخوف مرض ، وإنما كان ~~مع الصحة ، فجبر بإطعام مسكين ، كفطر الصحيح في أول الإسلام . | وكان من ~~هديه صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادة ، وكان ~~جبريل يدارسه القرآن في رمضان ، وكان يكثر فيه من الصدقة والإحسان ، وتلاوة ~~القرآن ، والصلاة ، والذكر ، والاعتكاف . | وكان يخصه من العبادات بما لا ~~يخص به غيره ، حتى إنه ليواصل فيه أحيانا ليوفر ساعات ليله ونهاره على ~~العبادة . | وكان ينهى أصحابه عن الوصال ، فيقولون له : إنك تواصل ؟ فيقول ~~: ' لست كهيئتكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ' نهى عنه رحمة للأمة ، ~~وأذن فيه إلى السحر . PageV01P079 # | 1 ( فصل ) # | وكان من هديه أن لا يدخل في صوم رمضان إلا برؤية محققة ، أو بشهادة ~~شاهد ، فإن لم يكن رؤية ولا شهادة ، أكمل عدة شعبان ثلاثين ، وكان إذا حال ~~ليلة الثلاثين دون منظره سحاب أكمل شعبان ثلاثين ، ولم يكن يصوم يوم ~~الإغمام ، ولا أمر به ، بل أمر بإكمال عدة شعبان ولا يناقض هذا قوله : ' ~~فإن غم عليكم فاقدروا له ' فإن القدر : هو الحساب المقدور ، والمراد به ~~الإكمال . | وكان من هديه الخروج منه بشهادة اثنين ، وإذا شهد شاهدان ~~برؤيته بعد خروج وقت العيد ، أفطر ، وأمرهم بالفطر ، وصلى العيد من الغد في ~~وقتها . | وكان يعجل الفطر ، ويحث عليه ، ويتسحر ويحث عليه ، ويؤخره ويرغب ~~في تأخيره ، وكان يحض على الفطر على التمر ، فإن لم ms041 يجده ، فعلى الماء . | ~~ونهى الصائم عن الرفث والصخب والسباب ، وجواب السباب ، وأمره أن يقول لمن ~~سابه : إني صائم . | وسافر في رمضان ، فصام ، وأفطر ، وخير أصحابه بين ~~الأمرين ، وكان يأمرهم بالفطر إذا دنوا من العدو ، ولم يكن من هديه تقدير ~~المسافة التي يفطر فيها الصائم بحد ، وكان الصحابة حين ينشئون السفر يفطرون ~~PageV01P080 من غير اعتبار مجاوزة البيوت ، ويخبرون أن ذلك هديه وسنته صلى ~~الله عليه وسلم . | وكان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ، فيغتسل بعد الفجر ~~ويصوم ، وكان يقبل بعض أزواجه وهو صائم في رمضان ، وشبه قبلة الصائم ~~بالمضمضة بالماء ، ولم يصح عنه صلى الله عليه وسلم التفريق بين الشاب ~~والشيخ . | وكان من هديه إسقاط القضاء عمن أكل أو شرب ناسيا ، وأن الله هو ~~الذي أطعمه وسقاه ، والذي صح عنه تفطير الصائم به : هو الأكل والشرب ، ~~والحجامة والقيء ، والقرآن دل على الجماع ، ولم يصح عنه في الكحل شيء . | ~~وصح عنه أنه يستاك وهو صائم ، وذكر أحمد عنه أنه كان يصب على رأسه الماء ~~وهو صائم ، وكان يتمضمض ويستنشق وهو صائم ، ومنع الصائم من المبالغة في ~~الاستنشاق ، ولا يصح عنه أنه احتجم وهو صائم . قال أحمد : وروي عنه أنه قال ~~في الإثمد : ' ليتقه الصائم ' ولا يصح ، قال ابن معين : حديث منكر . ~~PageV01P081 # | 1 ( فصل ) # | وكان يصوم حتى يقال : لا يفطر . ويفطر حتى يقال : لا يصوم . وما استكمل ~~صيام شهر غير رمضان ، وما كان يصوم في شهر أكثر مما كان يصوم في شعبان ، ~~ولم يكن يخرج عنه شهر حتى يصوم منه ، وكان يتحرى صيام الإثنين والخميس . ~~وقال ابن عباس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفطر أيام البيض في ~~حضر ولا سفر . ذكره النسائي . وكان يحض على صيامها . | وأما صيام عشر ذي ~~الحجة ، فقد اختلف عنه فيه ، وأما صيام ستة أيام من شوال ، فصح عنه أنه قال ~~: ' صيامها مع رمضان يعدل صيام الدهر ' . وأما يوم عاشوراء ، فإنه كان ~~يتحرى صومه على سائر الأيام ، ولما قدم المدينة وجد اليهود تصومه وتعظمه ، ~~فقال : ' نحن ms042 أحق بموسى منكم ' فصامه وأمر بصيامه ، وذلك قبل فرض رمضان ، ~~فلما فرض رمضان قال : ' من شاء صامه ومن شاء تركه ' . وكان من هديه إفطار ~~يوم عرفة بعرفة ثبت عنه ذلك في ' الصحيحين ' وروي عنه أنه نهى عن صوم يوم ~~عرفة بعرفة رواه أهل ' السنن ' وصح عنه أن ' صيامه يكفر السنة الماضية ~~والباقية ' ذكره مسلم . | ولم يكن من هديه صيام الدهر ، بل قد قال : ' من ~~صام الدهر لا صام ولا أفطر ' وكان يدخل على أهله ، فيقول : ' هل عندكم شيء ~~' ؟ فإن قالوا : لا . قال : ' إني إذا صائم ' وكان أحيانا ينوي صوم التطوع ~~، PageV01P082 | ثم يفطر . وأما حديث عائشة ، أنه قال لها ولحفصة : ' اقضيا ~~يوما مكانه ' فهو حديث معلول ، وكان إذا نزل على قوم وهو صائم أتم صيامه ، ~~كما فعل لما دخل على أم سليم ، ولكن أم سليم عنده بمنزلة أهل بيته . وفي ' ~~الصحيح ' عنه أنه قال : ' إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم ، فليقل : إني ~~صائم ' وكان من هديه كراهة تخصيص يوم الجمعة بالصوم . PageV01P083 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف ) # | لما كان صلاح القلب ، واستقامته في طريق سيره إلى الله تعالى متوقفا ~~على جمعيته على الله ، ولم شعثه بإقباله بالكلية على الله ، فإن شعث القلب ~~لا يلمه إلا الإقبال على الله ، وكان فضول الشراب والطعام ، وفضول مخالطة ~~الأنام ، وفضول المنام ، وفضول الكلام مما يزيده شعثا ، ويشتته في كل واد ، ~~ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى ، ويضعفه ، أو يعوقه ويوقفه ، اقتضت حكمة ~~العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب ، ~~ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوقة له عن سيره إلى الله ، وشرعه بقدر ~~المصلحة بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأخراه ، ولا يضره ، وشرع لهم ~~الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله ، والانقطاع عن الخلق ، ~~والاشتغال به وحده ، فيصير أنسه بالله بدلا عن أنسه بالخلق ، فيعده بذلك ~~لأنسه به يوم الوحشة في القبر . | ولما كان هذا المقصود إنما يتم مع الصوم ~~، شرع الاعتكاف في ms043 أفضل أيام الصوم وهو العشر الأخير من رمضان ، ولم يذكر ~~الله سبحانه الاعتكاف إلا مع الصوم ، ولا فعله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلا مع الصوم . وأما الكلام ، فإنه شرع للأمة حبس اللسان عن كل ما لا ~~ينفع في الآخرة ، PageV01P084 وأما فضول المنام ، فإنه شرع لهم من قيام ~~الليل ما هو من أفضل السهر وأحمده عاقبة ، وهو السهر المتوسط الذي ينفع ~~القلب والبدن ، ولا يعوق العبد عن مصلحته ، ومدار رياضة أرباب الرياضات ~~والسلوك على هذه الأركان الأربعة ، وأسعدهم بها من سلك فيها المنهاج ~~المحمدي ، فلم ينحرف انحراف الغالين ، ولا قصر تقصير المفرطين ، وقد ذكرنا ~~هديه في صيامه وقيامه وكلامه ، فلنذكر هديه في اعتكافه . | كان صلى الله ~~عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل ، وتركه مرة ~~فقضاه في شوال ، واعتكف مرة في العشر الأول ، ثم الأوسط ، ثم العشر الأواخر ~~يلتمس ليلة القدر ، ثم تبين له أنها في العشر الأواخر ، فداوم على الاعتكاف ~~حتى لحق بربه عز وجل ، وكان يأمر بخباء ، فيضرب له في المسجد يخلو فيه لربه ~~عز وجل ، وكان إذا أراد الاعتكاف صلى الفجر ، ثم دخله ، فأمر به مرة ، فضرب ~~له ، فأمر أزواجه بأخبيتهن فضربت ، فلما صلى الفجر ، نظر فرأى تلك الأخبية ~~، فأمر بخبائه فقوض ، وترك الاعتكاف في رمضان حتى اعتكف العشر الأول من ~~شوال ، وكان يعتكف كل سنة عشرة أيام ، فلما كان العام الذي قبض فيه ، اعتكف ~~عشرين يوما ، وكان يعارضه جبريل بالقرآن كل سنة مرة ، فلما كان ذلك العام ~~عارضه به مرتين ، وكان يعرض عليه القرآن أيضا في كل سنة مرة ، فعرض عليه ~~تلك السنة مرتين ، وكان إذا اعتكف دخل قبته وحده ، وكان لا يدخل بيته إلا ~~لحاجة الإنسان ، ويخرج رأسه إلى بيت عائشة فترجله وهي حائض ، وكان بعض ~~أزواجه تزوره وهو معتكف ، فإذا قامت تذهب ، قام معها يقلبها ، وكان ذلك ~~ليلا ، ولم يكن PageV01P085 يباشر امرأة من نسائه وهو معتكف لا بقبلة ولا ~~غيرها ، وكان إذا اعتكف طرح له فراشه وسريره في ms044 معتكفه . | وكان إذا خرج ~~لحاجته ، مر بالمريض وهو في طريقه ، فلا يعرج عليه ولا يسأل عنه ، واعتكف ~~مرة في قبة تركية ، وجعل على سدتها حصيرا ، كل هذا تحصيل لمقصود الاعتكاف ~~عكس ما يفعله الجهال من اتخاذ المعتكف موضع عشرة ، ومجلبة للزائرين ، فهذا ~~لون ، والاعتكاف المحمدي لون . PageV01P086 # | 1 ( فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في حجه وعمره ) # | اعتمر صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة أربع عمر كلهن في ذي القعدة . | ~~الأولى : عمرة الحديبية سنة ست ، فصده المشركون عن البيت ، فنحر وحلق حيث ~~صد هو وأصحابه وحلوا . | الثانية : عمرة القضية في العام المقبل دخلها ، ~~فأقام بها ثلاثا ، ثم خرج . | الثالثة : عمرته التي قرنها مع حجته . | ~~الرابعة : عمرته من الجعرانة ، ولم يكن في عمره عمرة واحدة خارجا من مكة ، ~~كما يفعله كثير من الناس اليوم ، وإنما كانت عمره كلها داخلا إلى مكة ، وقد ~~أقام بعد الوحي بمكة ثلاث عشر سنة لم ينقل عنه أنه اعتمر خارجا من مكة ، ~~ولم يفعله أحد على عهده قط إلا عائشة ، لأنها أهلت بالعمرة ، فحاضت فأمرها ~~فقرنت ، وأخبرها أن طوافها بالبيت وبالصفا والمروة قد وقع عن حجها وعمرتها ~~، فوجدت في نفسها أن ترجع صواحبها بحج وعمرة مستقلين ، فإنهن كن متمتعات ، ~~ولم يحضن ، ولم يقرن ، وترجع هي بعمرة في ضمن حجتها ، فأمر أخاها أن يعمرها ~~من التنعيم تطييبا لقلبها ، وكانت عمره كلها في أشهر الحج مخالفا لهدي ~~المشركين فإنهم يكرهون العمرة فيها ، وهذا دليل على أن الاعتمار في أشهر ~~الحج PageV01P087 أفضل منه في رجب بلا شك ، وأما في رمضان ، فموضع نظر ، ~~وقد صح عنه أن ' عمرة في رمضان تعدل حجة ' وقد يقال : كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يشتغل في رمضان من العبادات بما هو أهم من العمرة مع ما في ~~ترك ذلك من الرحمة لأمته ، فإنه لو فعل لبادرت الأمة إلى ذلك ، فكان يشق ~~عليها الجمع بين العمرة والصوم ، وكان يترك كثيرا من العمل وهو يحب أن ~~يعمله خشية المشقة عليهم . | ولم يحفظ عنه أنه اعتمر ms045 في السنة إلا مرة ~~واحدة ، ولا خلاف أنه صلى الله عليه وسلم لم يحج بعد الهجرة إلا حجة واحدة ~~سنة عشر ، ولما نزل فرض الحج ، بادر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~غير تأخير ، فإن فرضه تأخر إلى سنة تسع أو عشر . وأما قوله تعالى : @QB@ ~~وأتموا الحج والعمرة لله @QE@ ' البقرة : 196 ' فإنها وإن نزلت سنة ست ، ~~فليس فيها فريضة الحج وإنما فيها الأمر بإتمامه وإتمام العمرة ، بعد الشروع ~~فيهما . | ولما عزم صلى الله عليه وسلم على الحج أعلم الناس أنه حاج ، ~~فتجهزوا للخروج معه ، وسمع بذلك من حول المدينة ، فقدموا يريدون الحج ، مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووافاه في الطريق خلائق لا يحصون ، وكانوا ~~من بين يديه ومن خلفه ، وعن يمينه وعن شماله مد البصر ، وخرج من المدينة ~~نهارا بعد الظهر لست بقين من ذي القعدة بعد أن صلى الظهر بها أربعا ، ~~وخطبهم قبل ذلك خطبة علمهم فيها الإحرام ، وواجباته وسنته ، فصلى الظهر ، ~~ثم ترجل ، وادهن ، ولبس إزاره ورداءه ، وخرج فنزل بذي الحليفة ، فصلى بها ~~العصر ركعتين . | ثم بات بها ، وصلى بها المغرب والعشاء ، والصبح والظهر ، ~~وكان PageV01P088 نساؤه كلهن معه ، وطاف عليهن تلك الليلة ، فلما أراد ~~الإحرام ، اغتسل غسلا ثانيا لإحرامه ، ثم طيبته عائشة بيدها بذريرة وطيب ~~فيه مسك في بدنه ورأسه حتى كان وبيص المسك يرى في مفارقه ولحيته ، ثم ~~استدامه ، ولم يغسله ، ثم لبس إزاره ورداءه ، ثم صلى الظهر ركعتين ، ثم أهل ~~بالحج والعمرة في مصلاه . ولم ينقل أنه صلى للإحرام ركعتين . | وقلد قبل ~~الإحرام بدنه نعلين ، وأشعرها في جانبها الأيمن ، فشق صفحة سنامها ، وسلت ~~الدم عنها . | وإنما قلنا : إنه أحرم قارنا . لبضعة وعشرين حديثا صريحة ~~صحيحة في ذلك ، ولبد رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه بالغسل وهو ~~بالمعجمة : وهو ما يغسل به الرأس من خطمي ونحوه يلبد به الشعر حتى لا ينتشر ~~، وأهل في مصلاه ، ثم ركب ناقته ، فأهل أيضا ثم أهل أيضا لما استقلت به على ~~البيداء ، وكان يهل بالحج والعمرة ms046 تارة ، وبالحج تارة ، لأن العمرة جزء منه ~~، فمن ثم قيل : قرن . وقيل : تمتع . وقيل أفرد . وقول ابن حزم : إن ذلك قبل ~~الظهر بيسير . وهم منه ، والمحفوظ أنه إنما أهل بعد الظهر ، ولم يقل أحد قط ~~: إن إحرامه كان قبل الظهر . فلا أدري من أين له هذا . | ثم لبى ، فقال : ' ~~لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، ، ~~لا شريك لك ' ورفع صوته بهذه التلبية حتى سمعها أصحابه ، وأمرهم بأمر الله ~~له أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية . وكان حجه على رحل لا محمل وزاملته تحته ، ~~وقد اختلف في جواز ركوب المحرم في المحمل والعمارية ونحوهما . PageV01P089 ~~| وخيرهم صلى الله عليه وسلم عند الإحرام بين الأنساك الثلاثة ، ثم ندبهم ~~عند دنوهم من مكة إلى فسخ الحج والقران إلى العمرة لمن لم يكن معه هدي ، ثم ~~حتم ذلك عليهم عند المروة . | وولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر ، ~~فأمرها أن تغتسل ، وتستثفر بثوب وتحرم وتهل . | ففيه جواز غسل المحرم ، وأن ~~الحائض تغتسل ، وأن الإحرام يصح من الحائض . | ثم سار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو يلبي بتلبيته المذكورة ، والناس معه يزيدون فيها وينقصون ، ~~وهو يقرهم . | فلما كان بالروحاء ، رأى حمار وحش عقيرا قال : ' دعوه ، فإنه ~~يوشك أن يأتي صاحبه ' فجاء صاحبه ، فقال : ' شأنكم به ' فأمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أبا بكر ، فقسمه بين الرفاق ، ففيه جواز أكل المحرم صيد ~~الحلال إذا لم يصد لأجله ، ويدل على أن الصيد يملك بالإثبات . | ثم مضى حتى ~~إذا كان بين الرويثة والعرج إذا ظبي حاقف في ظل فيه سهم ، فأمر رجلا أن يقف ~~عنده لا يريبه أحد ، والفرق بينه وبين الحمار أنه لم يعلم أن الذي صاده ~~حلال . | ثم سار حتى إذا نزل بالعرج ، وكانت زاملته وزاملة أبي بكر واحدة ~~مع غلام لأبي بكر ، فطلع الغلام وليس معه البعير ، فقال : أين بعيرك ؟ قال ~~: أضللته البارحة . فقال أبو بكر : بعيرا واحدا وتضله ! فطفق يضربه ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يبتسم ms047 ، ويقول : ' انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع ~~' . PageV01P090 | ثم مضى حتى إذا كان بالأبواء ، أهدى له الصعب بن جثامة ~~عجز حمار وحش ، فرده ، وقال : ' إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم ' . | فلما ~~مر بوادي عسفان قال : ' يا أبا بكر أي واد هذا ' ؟ قال : وادي عسفان . قال ~~: ' لقد مر به هود وصالح على بكرين أحمرين خطمهما الليف ، وأزرهما العباء ، ~~وأرديتهما النمار يلبون يحجون البيت العتيق ' ذكره أحمد . | فلما كان بسرف ~~حاضت عائشة ، وقال لأصحابه بسرف : ' من لم يكن معه هدي ، فأحب أن يجعلها ~~عمرة ، فليفعل ، ومن كان معه هدي فلا ' وهذه رتبة أخرى فوق رتبة التخيير ~~عند الميقات ، فلما كان بمكة ، أمر أمرا حتما من لا هدي معه أن يجعلها عمرة ~~، ويحل من إحرامه ، ومن معه هدي أن يقيم على إحرامه ، ولم ينسخ ذلك شيء ~~ألبتة ، بل سأله سراقة بن مالك عن هذه العمرة التي أمرهم بالفسخ إليها : هل ~~هي لعامهم ذلك أم للأبد ؟ فقال : ' بل للأبد ' قال : ثم نهض رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى أن نزل بذي طوى وهي المعروفة بآبار الزاهر ، فبات بها ~~ليلة الأحد لأربع خلون من ذي الحجة ، وصلى بها الصبح ، ثم اغتسل من يومه ، ~~ونهض إلى مكة ، فدخلها نهارا من أعلاها من الثنية العليا التي تشرف على ~~الحجون ، وكان في العمرة يدخلها من أسفلها ، ثم سار حتى دخل المسجد ، وذلك ~~ضحى . وذكر الطبري أنه دخل من باب بني عبد مناف الذي يسمى باب بني شيبة ، ~~وذكر أحمد أنه كان إذا دخل مكانا من دار يعلى استقبل البيت ، ودعا ، وذكر ~~الطبري أنه كان إذا نظر إلى البيت قال : ' اللهم زد هذا البيت تشريفا ~~وتعظيما وتكريما ومهابة ' . PageV01P091 | وروي عنه أنه كان عند رؤيته يرفع ~~يديه ، ويكبر ، ويقول : ' اللهم أنت السلام ، ومنك السلام ، حينا ربنا ~~بالسلام ، اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما ، وتكريما ومهابة ، وزد من ~~حجه أو اعتمره تكريما وتشريفا وتعظيما وبرا ' وهو مرسل . | فلما دخل المسجد ~~، عمد إلى البيت ، ولم يركع تحية المسجد ، فإن تحية المسجد ms048 الحرام الطواف ، ~~فلما حاذى الحجر ، استلمه ، ولم يزاحم عليه ، ولم يتقدم عنه إلى جهة الركن ~~اليماني ، ولم يرفع يديه ، ولم يقل : نويت بطوافي هذا الأسبوع كذا وكذا . ~~ولا افتتحه بالتكبير ، ولا حاذى الحجر بجميع بدنه ، ثم انفتل عنه وجعله على ~~شقه الأيمن ، بل استقبله واستلمه ، ثم أخذ على يمينه ، ولم يدع عند الباب ، ~~ولا تحت الميزاب ، ولا عند ظهر الكعبة وأركانها ، ولا وقت للطواف ذكرا ~~معينا ، بل حفظ عنه بين الركنين : ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة ~~حسنة وقنا عذاب النار ) . | ورمل في طوافه هذه الثلاثة الأشواط ، وقارب بين ~~خطاه ، واضطبع بردائه ، فجعله على أحد كتفيه ، وأبدى كتفه الآخر ومنكبه ، ~~وكلما حاذى الحجر الأسود أشار إليه ، واستلمه بمحجنه وقبل المحجن ، وهو عصا ~~محنية الرأس . | وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه استلم الركن اليماني ، ~~ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قبله ، ولا قبل يده عند استلامه ، ~~وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قبل الحجر الأسود ، وثبت عنه أنه استلمه ~~بيده ، فوضع يده عليه ، ثم قبلها ، وثبت عنه أنه استلمه بمحجنه ، فهذه ثلاث ~~PageV01P092 صفات . وذكر الطبراني بإسناد جيد أنه إذا استلم الركن قال : ' ~~بسم الله والله أكبر ' وكلما أتى على الحجر الأسود قال : ' الله أكبر ' . ~~ولم يستلم صلى الله عليه وسلم ، ولم يمس من الأركان إلا اليمانيين فقط . | ~~فلما فرغ من طوافه جاء إلى خلف المقام ، فقرأ @QB@ واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى @QE@ ' البقرة : 125 ' فركع ركعتين ، والمقام بينه وبين البيت ، قرأ ~~فيهما بعد الفاتحة ب ' سورتي الإخلاص ' وقراءته الآية بيان منه المراد منها ~~لله بفعله ، فلما فرغ من صلاته أقبل على الحجر ، فاستلمه ، ثم خرج إلى ~~الصفا من الباب الذي يقابله ، فلما دني منه قرأ @QB@ إن الصفا والمروة من ~~شعائر الله @QE@ ' أبدأ بما بدأ الله به ' وللنسائي ' ابدؤوا ' على الأمر . ~~| ثم رقى عليه حتى رأى البيت ، فاستقبل القبلة ، فوحد الله وكبره ، وقال : ~~' لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل ms049 ~~شيء قدير ، لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب ~~وحده ' ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات ، ثم نزل إلى المروة يمشي ~~فلما انصبت قدماه سعى حتى إذا جاوز الوادي وأصعد ، مشى ، وذلك قبل الميلين ~~الأخضرين في أول المسعى ، والظاهر أن الوادي لم يتغير عن وضعه . | فكان صلى ~~الله عليه وسلم إذا وصل المروة رقى عليها ، واستقبل البيت ، وكبر الله ~~ووحده ، وفعل كما فعل على الصفا ، فلما أكمل سعيه عند المروة ، أمر كل من ~~لا هدي معه أن يحل حتما ، وأمرهم أن يحلوا الحل كله ، وأن يبقوا كذلك إلى ~~يوم التروية ، ولم يحل من أجل هديه ، PageV01P093 وهناك قال : ' لو استقبلت ~~من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ، ولجعلتها عمرة ' وهناك دعا للمحلقين ~~بالمغفرة ثلاثا ، وللمقصرين مرة . | وأما نساؤه فأحللن ، وكن قارنات إلا ~~عائشة ، فإنها لم تحل من أجل تعذر الحل بالحيض ، وأمر من أهل كإهلاله أن ~~يقيم على إحرامه إن كان معه هدي ، وأن يحل إن لم يكن معه هدي . | وكان يصلي ~~مدة مقامه إلى يوم التروية بمنزله بالمسلمين بظاهر مكة ، فأقام أربعة أيام ~~يقصر الصلاة ، فلما كان يوم الخميس ضحى توجه بمن معه من المسلمين إلى منى ، ~~فأحرم بالحج من كان أحل منهم من رحالهم ، ولم يدخلوا إلى المسجد ، بل ~~أحرموا ومكة خلف ظهورهم . | فلما وصل إلى منى ، نزل وصلى بها الظهر والعصر ~~وبات بها ، فلما طلعت الشمس ، سار إلى عرفة ، وأخذ على طريق ضب على يمين ~~طريق الناس اليوم ، وكان من الصحابة الملبي ، ومنهم المكبر ، وهو يسمع ولا ~~ينكر ، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة بأمره ، وهي قرية شرقي عرفات ، وهي ~~خراب اليوم ، فنزل فيها حتى إذا زالت الشمس أمر بناقته القصواء فرحلت ، ثم ~~سار حتى أتى بطن الوادي من أرض عرنة . | فخطب الناس وهو على راحلته خطبة ~~عظيمة ، قرر فيها قواعد الإسلام ، وهدم فيها قواعد الشرك والجاهلية ، وقرر ~~فيها تحريم المحرمات التي اتفقت الملل على تحريمها وهي الدماء والأموال ~~والأعراض ، ووضع ms050 فيها أمور الجاهلية تحت قدميه ، ووضع فيها ربا الجاهلية ~~كله وأبطله ، وأوصاهم بالنساء خيرا وذكر الحق الذي لهن وعليهن ، وأن الواجب ~~لهن الرزق ، والكسوة بالمعروف ، ولم يقدر ذلك تقديرا ، وأباح للأزواج ~~PageV01P094 ضربهن إذا أدخلن إلى بيوتهن من يكرهه أزواجهن ، وأوصى فيها ~~الأمة بالاعتصام بكتاب الله ، وأخبر أنهم لن يضلوا ما داموا معتصمين به ، ~~ثم أخبرهم أنهم مسؤولون عنه ، واستنطقهم بماذا يقولون ، وبماذا يشهدون ؟ ~~فقالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت . فرفع أصبعه إلى السماء ، واستشهد ~~الله عليهم ثلاث مرات ، وأمرهم أن يبلغ شاهدهم غائبهم وخطب خطبة واحدة ولم ~~تكن خطبتين جلس بينهما . | فلما أتمها ، أمر بلالا فأذن ، ثم أقام ، فصلى ~~الظهر ركعتين أسر فيهما القراءة وكان يوم الجمعة ، فدل على أن المسافر لا ~~يصلي الجمعة ، ثم أقام ، فصلى العصر ركعتين أيضا ، ومعه أهل مكة ، فصلوا ~~بصلاته قصرا وجمعا ، وفيه أوضح دليل على أن سفر القصر لا يتحدد بمسافة ~~معلومة . | فلما فرغ من صلاته ، ركب حتى أتى الموقف ، فوقف في ذيل الجبل ~~عند الصخرات ، واستقبل القبلة ، وجعل حبل المشاة بين يديه ، وكان على بعيره ~~، فأخذ في الدعاء والتضرع والابتهال إلى غروب الشمس ، وأمر الناس أن يرفعوا ~~عن بطن عرنة ، وأخبر أن ' عرفة كلها موقف ' وأرسل إلى الناس أن يكونوا على ~~مشاعرهم ، ويقفوا بها ، فإنها من إرث أبيهم إبراهيم ، وكان في دعائه رافعا ~~يديه إلى صدره ، كاستطعام المسكين ، وأخبرهم ' أن خير الدعاء يوم عرفة ' . ~~| وذكر من دعائه صلى الله عليه وسلم في الموقف : ' اللهم لك الحمد كالذي ~~تقول ، وخيرا مما نقول : اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي ، وإليك مآبي ~~، ولك رب تراثي ، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ، PageV01P095 ووسوسة ~~الصدر ، وشتات الأمر ، اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح ' ذكره ~~الترمذي . | ومما ذكر من دعائه هناك : ' اللهم إنك تسمع كلامي ، وترى مكاني ~~، وتعلم سري وعلانيتي ولا يخفى عليك شيء من أمري ، أنا البائس الفقير ، ~~المستغيث المستجير ، الوجل المشفق ، المقر المعترف بذنوبه ، أسألك مسألة ~~المسكين ، وأبتهل إليك ابتهال المذنب ms051 الذليل ، وأدعوك دعاء الخائف الضرير ~~من خضعت لك رقبته ، وفاضت لك عيناه ، وذل جسده ، ورغم أنفه لك ، اللهم لا ~~تجعلني بدعائك رب شقيا ، وكن بي رؤوفا رحيما يا خير المسئولين ، ويا خير ~~المعطين ' ذكره الطبراني . | وذكر أحمد من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، ~~عن جده : كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ' لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، بيده الخير ، وهو على كل شيء ~~قدير ' وأسانيد هذه الأدعية فيها لين . | وهنا أنزلت عليه : @QB@ اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا @QE@ ' المائدة ~~: 3 ' . | وهناك سقط رجل عن راحلته ، فمات فأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يكفن في ثوبيه ، ولا يمس بطيب وأن يغسل بماء وسدر ، ولا يغطى رأسه ~~ولا وجهه ، وأخبر أن الله تعالى يبعثه يوم القيامة يلبي . | وفيه اثنا عشر ~~حكما : | الأول : وجوب غسل الميت . PageV01P096 | الثاني : أنه لا ينجس ~~بالموت ، لأنه لو تنجس ، لم يزده غسله إلا نجاسة . | الثالث : أن الميت ~~يغسل بماء وسدر . | الرابع : أن تغير الماء بالطاهرات لا يسلبه طهوريته . | ~~الخامس : إباحة الغسل للمحرم . | السادس : أن المحرم غير ممنوع من الماء ~~والسدر . | السابع : أن الكفن مقدم على الميراث وعلى الدين ، لأنه صلى الله ~~عليه وسلم أمر أن يكفن في ثوبيه ولم يسأل عن وارثه ولا عن دين عليه . | ~~الثامن : جواز الاقتصار في الكفن على ثوبين . | التاسع : أن المحرم ممنوع ~~من الطيب . | العاشر : أن المحرم ممنوع من تغطية رأسه . | الحادي عشر : منع ~~المحرم من تغطية وجهه وبإباحته قال ستة من الصحابة ، واحتج المبيحون بأقوال ~~هؤلاء ، وأجابوا عن قوله : ' لا تخمروا وجهه ' بأن هذه اللفظ غير محفوظة . ~~| الثاني عشر : بقاء الإحرام بعد الموت . | فلما غربت الشمس ، واستحكم ~~غروبها بحيث ذهبت الصفرة ، أفاض من عرفة ، وأردف أسامة بن زيد خلفه ، وأفاض ~~بالسكينة وضم إليه زمام ناقته حتى إن رأسها ليضرب طرف رحله ، وهو يقول : ' ~~أيها الناس عليكم السكينة ، فإن البر ليس بالإيضاع ' أي : بالإسراع . | ~~وأفاض ms052 من طريق المأزمين ، ودخل عرفة من طريق ضب ، وهكذا PageV01P097 كانت ~~عادته صلوات الله وسلامه عليه في الأعياد أن يخالف الطريق ، ثم جعل يسير ~~العنق وهو ضرب من المسير ليس بالسريع ولا البطيء فإذا وجد فجوة - وهو ~~المتسع - نص سيره ، أي : رفعه فوق ذلك ، وكلما أتى ربوة من الربى أرخى ~~للناقة زمامها قليلا حتى تصعد . | وكان يلبي في مسيره ذلك لا يقطع التلبية ~~، فلما كان في أثناء الطريق نزل ، فبال وتوضأ وضوءا خفيفا ، فقال له أسامة ~~: الصلاة يا رسول الله . قال : ' المصلى أمامك ' . | ثم سار حتى أتى مزدلفة ~~فتوضأ وضوء الصلاة ، ثم أمر بالأذان ، فأذن المؤذن ، ثم أقام ، فصلى المغرب ~~قبل حط الرحال ، وتبريك الجمال ، فلما حطوا رحالهم أمر ، فأقيمت الصلاة ، ~~ثم صلى العشاء بإقامة بلا أذان ، ولم يصل بينهما شيئا ، ثم نام حتى أصبح . ~~| ولم يحي تلك الليلة ، ولا صح عنه في إحياء ليلتي العيدين شيء ، وأذن في ~~تلك الليلة لضعفة أهله أن يتقدموا إلى منى قبل طلوع الفجر ، وكان عند ~~غيبوبة القمر ، وأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس ، وأما الحديث ~~الذي فيه أن أم سلمة رمت قبل الفجر ، فحديث منكر أنكره أحمد وغيره ، ثم ذكر ~~حديث سودة ، وأحاديث غيره ، ثم قال : | ثم تأملنا فإذا أنه لا تعارض بين ~~هذه الأحاديث ، فإنه أمر الصبيان أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس ، فإنه ~~لا عذر لهم في تقديم الرمي ، أما من قدمه من النساء ، فرمين قبل طلوع الشمس ~~للعذر ، والخوف عليهن من المزاحمة ، وهذا الذي دلت عليه السنة : جواز الرمي ~~قبل طلوع الشمس PageV01P098 لعذر من مرض أو كبر ، وأما القادر الصحيح ، فلا ~~يجوز له ذلك . والذي دلت عليه السنة إنما هو التعجيل بعد غيبوبة القمر لا ~~نصف الليل ، وليس مع من حده بالنصف دليل . | فلما طلع الفجر صلاها في أول ~~الوقت - لا قبله قطعا - بأذان وإقامة ، ثم ركب حتى أتى موقفه عند المشعر ~~الحرام ، فاستقبل القبلة ، وأخذ في الدعاء والتضرع والتكبير والتهليل ~~والذكر حتى أسفر جدا ، ووقف صلى الله ms053 عليه وسلم في موقفه ، وأعلم الناس أن ~~مزدلفة كلها موقف ، ثم سار مردفا للفضل وهو يلبي في مسيره ، وانطلق أسامة ~~على رجليه في سباق قريش . | وفي طريقه ذلك أمر ابن عباس أن يلقط له حصى ~~الجمار سبع حصيات ، ولم يكسرها من الجبل تلك الليلة ، كما يفعله من لا علم ~~عنده ، ولا التقطها بالليل ، فالتقط له سبعا من حصى الخذف ، فجعل ينفضهن في ~~كفه ، ويقول : ' أمثال هؤلاء فارموا ، وإياكم والغلو في الدين ، فإنما أهلك ~~من كان قبلكم الغلو في الدين ' ، فلما أتى بطن محسر حرك ناقته وأسرع السير ~~، وهذه كانت عادته في المواضع التي نزل بها بأس الله بأعدائه ، فإن هناك ~~أصاب أصحاب الفيل ما قص الله ، ولذلك سمي وادي محسر ، لأن الفيل حسر فيه ، ~~أي : أعيى وانقطع عن الذهاب إلى مكة . | وكذلك فعل في سلوكه الحجر . ومحسر ~~: برزخ بين منى ومزدلفة ، لا من هذه ، ولا من هذه ، وعرنة : برزخ بين عرفة ~~والمشعر الحرام فبين كل مشعرين برزخ ليس منهما ، فمنى من الحرم وهي مشعر ، ~~ومحسر من الحرم ، وليس بمشعر ، ومزدلفة : حرم ومشعر ، وعرنة ليست مشعرا ، ~~وهي من الحل ، وعرفة حل ومشعر . PageV01P099 | وسلك الطريق الوسطى بين ~~الطريقين وهي التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى منى ، فأتى جمرة العقبة ~~، فوقف في أسفل الوادي ، وجعل البيت عن يساره ، ومنى عن يمينه ، واستقبل ~~الجمرة وهو على راحلته ، فرماها راكبا بعد طلوع الشمس واحدة بعد واحدة يكبر ~~مع كل حصاة وحينئذ قطع التلبية وبلال وأسامة معه أحدهما آخذ بخطام ناقته ، ~~والآخر يظله بثوبه من الحر ، وفيه جواز استظلال المحرم بالمحمل ونحوه . ~~PageV01P100 # | 1 ( فصل ) # | ثم رجع إلى منى ، فخطب خطبة بليغة أعلمهم فيها بحرمة يوم النحر وتحريمه ~~وفضله ، وحرمة مكة على جميع البلاد ، وأمر بالسمع والطاعة لمن قادهم بكتاب ~~الله ، وأمر الناس بأخذ مناسكهم عنه ، وقال : ' لعلي لا أحج بعد عامي هذا ' ~~وعلمهم مناسكهم ، وأنزل المهاجرين والأنصار منازلهم ، وأمر الناس أن لا ~~يرجعوا بعده كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض ، وأمر بالتبليغ عنه ، وأخبر أنه ' ~~رب ms054 مبلغ أوعى من سامع ' وقال في خطبته : ' لا يجني جان إلا على نفسه ' ~~وأنزل المهاجرين عن يمين القبلة ، والأنصار عن يسارها ، والناس حولهم ، ~~وفتح الله له أسماع الناس حتى سمعه أهل منى في منازلهم ، وقال في خطبته تلك ~~: ' اعبدوا ربكم ، وصلوا خمسكم ، وصوموا شهركم ، وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا ~~جنة ربكم ' وودع حينئذ الناس ، فقالوا : حجة الوداع . | ثم انصرف إلى ~~المنحر بمنى ، فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده وكان ينحرها قائمة معقولة يدها ~~اليسرى ، وكان عددها عدد سني عمره ، ثم أمسك ، وأمر عليا أن ينحر ما بقي من ~~المائة ، ثم أمره أن يتصدق بجلالها وجلودها ولحومها في المساكين ، وأمره أن ~~لا يعطي الجزار في جزارتها شيئا منها ، وقال : ' نحن نعطيه من عندنا ' وقال ~~: ' من شاء اقتطع ' . | فإن قيل ففي ' الصحيحين ' عن أنس في حجته ، ونحر ~~صلى الله عليه وسلم بيده سبع بدن قياما ؟ قيل : يخرج على أحد وجوه ثلاثة : ~~PageV01P101 | أحدها : أنه لم ينحر بيده أكثر من سبع بدن ، وأنه أمر من نحر ~~إلى تمام ثلاث وستين ، ثم زال عن ذلك المكان وأمر عليا ، فنحر ما بقي . | ~~الثاني : أن يكون أنس لم يشاهد إلا السبع ، وشاهد جابر تمام النحر . | ~~الثالث : أنه نحر بيده منفردا سبعا ، ثم أخذ هو وعلي الحربة معا فنحرا كذلك ~~تمام ثلاث وستين كما قال غرفة بن الحارث الكندي : أنه شاهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم يومئذ قد أخذ بأعلى الحربة ، وأمر عليا فأخذ بأسفلها ، ونحرا بها ~~البدن . ثم انفرد علي بنحر الباقي من المائة ، والله أعلم . | ولم ينقل أحد ~~أنه صلى الله عليه وسلم ، ولا أصحابه جمعوا بين الهدي والأضحية ، بل كان ~~هديهم هو ضحاياهم ، فهو هدي بمنى ، وأضحية بغيرها ، وأما قول عائشة : ضحى ~~عن نسائه بالبقر ، فهو هدي أطلق عليه اسم الأضحية ، فإنهن كن متمتعات ، ~~وعليهن الهدي ، وهو الذي نحره عنهن ، لكن في قصة نحر البقرة عنهن وهن تسع ~~إشكال وهو : إجزاء البقرة عن أكثر من سبعة ، وهذا الحديث جاء بثلاثة ألفاظ ~~. | أحدها : بقرة واحدة بينهن . | الثاني : أنه ms055 ضحى عنهن يومئذ بالبقر . | ~~الثالث : دخل علينا يوم النحر بلحم بقر ، فقلت : ما هذا ؟ فقيل : ذبح رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه . PageV01P102 | وقد اختلف في عدد من ~~تجزيء عنهم البدنة والبقرة ، فقيل : سبعة ، وقيل : عشرة . وهو قول إسحاق ، ~~ثم ذكر أحاديث ، ثم قال : وهذه الأحاديث تخرج على أحد وجوه ثلاثة إما أن ~~يقال : أحاديث السبعة أكثر وأصح ، وإما أن يقال : عدل البعير بعشرة من ~~الغنم في الغنائم ، لأجل تعديل القسمة ، وأما في الهدايا والضحايا ، فهو ~~تقدير شرعي ، وإما أن يقال : ذلك يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والإبل ~~والله أعلم . | ونحر صلى الله عليه وسلم بمنحره بمنى ، وأعلمهم أن ' منى ~~كلها منحر ' وأن ' فجاج مكة طريق ومنحر ' وفيه دليل على أن النحر لا يختص ~~بمنى ، بل حيث نحر من فجاج مكة أجزأه ، لقوله : ' وقفت ها هنا وعرفة كلها ~~موقف ' وسئل أن يبنى له بمنى مظلة من الحر ، فقال : ' لا منى مناخ من سبق ' ~~وفيه دليل على اشتراك المسلمين فيها ، وأن من سبق إلى مكان ، فهو أحق به ~~حتى يرتحل عنه ، ولا يملك بذلك . | فلما أكمل نحره ، استدعى بالحلاق ، فحلق ~~رأسه ، وقال : ' يا معمر أمكنك رسول الله من شحمة أذنه ، وفي يدك الموسى ' ~~فقال : أما والله يا رسول الله إن ذلك لمن نعمة الله علي ومنه قال : ' أجل ~~' . ذكره أحمد وقال له : ' خذ ' وأشار إلى جانبه الأيمن ، ثم قسمه بين من ~~يليه ، ثم أشار إليه ، فحلق الأيسر ، ثم قال : ' هاهنا أبو طلحة ؟ ' فدفعه ~~إليه . | ودعا للمحلقين بالمغفرة ثلاثا ، وللمقصرين مرة ، وهو دليل على أن ~~الحلق نسك ليس بإطلاق من محظور . PageV01P103 # | 1 ( فصل ) # | ثم أفاض إلى مكة قبل الظهر راكبا ، فطاف طواف الإفاضة ، ولم يطف غيره ، ~~ولم يسع معه ، هذا هو الصواب ، ولم يرمل فيه ، ولا في طواف الوداع ، وإنما ~~رمل في طواف القدوم . | ثم أتى زمزم وهم يسقون ، فقال : ' لولا أن يغلبكم ~~الناس لنزلت فسقيت معكم ' ثم ناولوه الدلو ، فشرب وهو قائم ، قيل : لأن ~~النهي عن الشرب قائما على وجه الاختيار ms056 ، وقيل : للحاجة وهو أظهر ، وفي ' ~~الصحيح ' عن ابن عباس : طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ~~على بعير يستلم الركن بمحجن ، وفيه مثله من حديث جابر ، وفيه : لأن يراه ~~الناس ، وليشرف ، وليسألوه ، فإن الناس غشوه . وهذا ليس بطواف الوداع ، ~~فإنه طافه ليلا ، ولا طواف القدوم ، فإنه رمل فيه ، ولم يقل أحد : رملت به ~~راحلته . ثم رجع إلى منى . | واختلف هل صلى الظهر بها أو بمكة ؟ وطافت ~~عائشة في ذلك اليوم طوافا واحدا ، وسعت سعيا واحدا أجزأها عن حجها وعمرتها ~~، وطافت صفية ذلك اليوم ، ثم حاضت فأجزأها ذلك عن طواف الوداع ، فاستقرت ~~سنته صلى الله عليه وسلم إذا حاضت المرأة قبل الطواف أن تقرن وتكتفي بطواف ~~واحد ، وسعي واحد ، وإن حاضت بعد طواف الإفاضة أجزأها عن طواف الوداع . ثم ~~رجع إلى منى من يومه ذلك فبات بها ، فلما أصبح انتظر زوال الشمس ، فلما ~~زالت مشى إلى الجمرة ولم يركب فبدأ PageV01P104 بالجمرة الأولى التي تلي ~~مسجد الخيف ، فرماها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة يقول مع كل حصاة : الله ~~أكبر ، ثم تقدم عن الجمرة أمامها حتى أسهل فقام مستقبل القبلة ، ثم رفع ~~يديه ، ودعا دعاء طويلا بقدر سورة البقرة ، ثم أتى الوسطى ، فرماها كذلك . ~~| ثم انحدر ذات اليسار مما يلي الوادي ، فوقف مستقبل القبلة رافعا يديه ~~يدعو قريبا من وقوفه الأول ، ثم أتى جمرة العقبة ، فاستبطن الوادي وجعل ~~البيت عن يساره ، فرماها بسبع حصيات كذلك ، ثم رجع ، ولم يقف عندها ، فقيل ~~: لضيق المكان . وقيل - وهو أصح - : إن دعاءه كان في نفس العبادة ، فلما ~~رماها ، فرغ الرمي ، والدعاء في صلب العبادة أفضل . ولم يزل في نفسي هل كان ~~يرمي قبل الصلاة أو بعدها ، والذي يغلب على الظن أنه قبلها ، لأن جابرا ~~وغيره قالوا : كان يرمي إذا زالت الشمس . PageV01P105 # | 1 ( فصل ) # | فقد تضمنت حجته صلى الله عليه وسلم ست وقفات للدعاء : على الصفا ، وعلى ~~المروة ، وبعرفة ، وبمزدلفة ، وعند الجمرة الأولى ، وعند الجمرة الثانية . ~~| وخطب بمنى خطبتين ، يوم النحر وتقدمت ، والثانية في أوسط ms057 أيام التشريق ، ~~واستأذنه العباس أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته ، فأذن له ، ~~واستأذنه رعاء الإبل في البيتوتة خارج منى عند الإبل ، فأرخص لهم أن يرموا ~~يوم النحر ، ثم يجمعوا رمي يومين بعده يرمونه في أحدهما . قال مالك : ظننت ~~أنه قال : في أول يوم منهما ، ثم يرمون يوم النفر . وقال ابن عيينة في هذا ~~الحديث : رخص للرعاء أن يرموا يوما ، ويدعوا يوما ، فيجوز للطائفتين بالسنة ~~ترك المبيت بمنى ، وأما الرمي ، فإنهم لا يتركونه ، بل لهم أن يؤخروه إلى ~~الليل ، ولهم أن يجمعوا رمي يومين في يوم . | ومن له مال يخاف ضياعه ، أو ~~مريض يخاف من تخلفه عنه ، أو كان مريضا لا يمكنه البيتوتة ، سقطت عنه ~~بتنبيه النص على هؤلاء ، ولم يتعجل في يومين ، بل تأخر حتى أكمل الرمي في ~~الأيام الثلاثة ، و أفاض يوم الثلاثاء بعد الظهر إلى المحصب ، وهو الأبطح ، ~~وهو خيف بني كنانة ، فوجد أبا رافع قد ضرب قبته هناك ، وكان على ثقله ~~توفيقا من الله عز وجل دون أن يأمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~فصلى به الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء ، ورقد رقدة ، ثم نهض إلى مكة ، ~~فطاف للوداع ليلا سحرا . PageV01P106 | ورغبت إليه عائشة تلك الليلة أن ~~يعمرها عمرة مفردة ، فأخبرها أن طوافها بالبيت وبالصفا والمروة قد أجزأها ~~عن حجها وعمرتها ، فأبت إلا أن تعتمر عمرة مفردة ، فأمر أخاها أن يعمرها من ~~التنعيم ، ففرغت من عمرتها ليلا ، ثم وافت المحصب مع أخيها في جوف الليل ، ~~فقال : ' فرغتما ' ؟ قالت : نعم . فنادى بالرحيل ، فارتحل الناس . | وفي ~~حديث الأسود في ' الصحيح ' عنها : فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~مصعد من مكة ، وأنا منهبطة عليها ، أو أنا مصعدة وهو منهبط منها . ففيه ~~أنهما تلاقيا ، وفي الأول أنه انتظرها في منزله ، فإن كان حديث الأسود ~~محفوظا ، فصوابه : لقيني وأنا مصعدة من مكة وهو منهبط إليها . فإنها قضت ~~عمرتها ، ثم أصعدت لميعاده ، فوافته وقد أخذ في الهبوط إلى مكة للوداع ، ~~وله وجه غير هذا . واختلف في التحصيب هل ms058 هو سنة أو منزل اتفاق ؟ ~~PageV01P107 # | 1 ( فصل ) # | ويرى كثير من الناس أن دخول البيت من سنن الحج ، اقتداء بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم ، والذين تدل عليه سنته أنه لم يدخله في حجته ، ولا في ~~عمرته ، وإنما دخله عام الفتح ، وكذلك الوقوف في الملتزم الذي روي عنه أنه ~~فعله يوم الفتح ، وأما ما رواه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، ~~عن جده أنه وضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه وبسطهما ، وقال : هكذا رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يفعله . فهذا يحتمل أن يكون وقت الوداع ، وأن يكون ~~في غيره ، ولكن قال مجاهد وغيره : يستحب أن يقف في الملتزم بعد طواف الوداع ~~، وكان ابن عباس يلتزم ما بين الركن والباب . | وفي ' صحيح البخاري ' أنه ~~صلى الله عليه وسلم لما أراد الخروج ، ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت وهي ~~شاكية ، وأرادت الخروج ، فقال لها ' إذا أقيمت صلاة الصبح ، فطوفي على ~~بعيرك والناس يصلون ' . ففعلت ولم تصل حتى خرجت ، وهذا محال أن يكون يوم ~~النحر ، فهو طواف الوداع بلا ريب ، فظهر أنه صلى الصبح يومئذ بمكة ، وسمعته ~~أم سلمة يقرأ ب ( الطور ) ثم ارتحل راجعا إلى المدينة . | فلما كان ~~بالروحاء لقي ركبا ، فسلم عليهم ، وقال : ' من القوم ' ؟ فقالوا : المسلمون ~~. قالوا : فمن القوم ؟ فقال : ' رسول الله صلى الله عليه وسلم ' ~~PageV01P108 فرفعت إليه امرأة صبيا لها من محفة ، فقالت : يا رسول الله ~~ألهذا حج ؟ قال : ' نعم ولك أجر ' . | فلما أتى ذا الحليفة ، بات بها ، ~~فلما رأى المدينة كبر ثلاث مرات ، وقال : ' لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، آيبون تائبون عابدون ~~ساجدون ، لربنا حامدون ، صدق الله وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ' ~~ثم دخلها نهارا من طريق المعرس وخرج من طريق الشجرة . PageV01P109 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في الهدايا والضحايا والعقيقة ) # | وهي مختصة بالأزواج الثمانية المذكورة في ' سورة الأنعام ' وهذا مأخوذ ~~من القرآن من أربع آيات @QB@ أحلت لكم بهيمة الأنعام ms059 @QE@ ' المائدة : 1 ' ~~الثانية : @QB@ ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام @QE@ ' ~~الحج : 34 ' الثالثة : @QB@ ومن الأنعام حمولة وفرشا @QE@ ' الأنعام : 142 ~~' الآية والتي تليها . الرابعة : قوله @QB@ هديا بالغ الكعبة @QE@ ' ~~المائدة : 95 ' فدل على أن الذي يبلغ الكعبة من الهدي هو هذه الأزواج ~~الثمانية ، وهذا استنباط علي بن أبي طالب رضي الله عنه . | والذبائح التي ~~هي عبادة ثلاث : الهدي والأضحية والعقيقة ، فأهدى صلى الله عليه وسلم الغنم ~~، وأهدى الإبل ، وأهدى عن نسائه البقر والهدي في مقامه ، وفي حجته ، وفي ~~عمرته ، وكانت سنته تقليد الغنم دون إشعارها ، وإذا بعث بهديه وهو مقيم ، ~~لم يحرم منه شيئا كان منه حلالا ، وإذا أهدى الإبل قلدها وأشعرها ، فيشق ~~صفحة سنامها الأيمن يسيرا حتى يسيل الدم ، وإذا بعث بهدي أمر رسوله إذا ~~أشرف على عطب شيء منه أن ينحر ، ثم يضع نعله في دمه ، ثم يجعله على حد ~~صفحته ولا يأكل منه ولا أحد من رفقته ، ثم يقسم لحمه ، ومنعه من هذا الأكل ~~سدا للذريعة لئلا يقصر في حفظه . PageV01P110 | وشرك بين أصحابه في الهدي ~~البدنة عن سبعة ، والبقرة عن سبعة ، وأباح لسائق الهدي ركوبه بالمعروف إذا ~~احتاج حتى يجد غيره ، وقال علي : يشرب من لبنها ما فضل عن ولدها . | وكان ~~هديه نحر الإبل قياما معقولة يدها اليسرى ، وكان يسمي الله عند نحره ويكبر ~~، وكان يذبح نسكه بيده وربما وكل في بعضه ، وكان إذا ذبح الغنم ، وضع قدميه ~~على صفاحها ، ثم سمى وكبر ونحر ، وأباح لأمته أن يأكلوا من هداياهم ~~وضحاياهم ، ويتزودوا منها ، ونهاهم أن يدخروا منها بعد ثلاث لدافة دفت ~~عليهم ذلك العام . وربما قسم لحم الهدي ، وربما قال : ' من شاء اقتطع ' . ~~واستدلوا به على جواز النهبة في النثار في العرس ونحوه ، وفرق بينهما بما ~~لا يتبين ، وكان من هديه ذبح هدي العمرة عند المروة ، وهدي القران بمنى ، ~~ولم ينحر هديه قط إلا بعد أن حل ، ولم ينحره أيضا إلا بعد طلوع الشمس وبعد ~~الرمي ، فهذه أربعة أمور مرتبة يوم النحر أولها : الرمي ، ثم النحر ، ثم ms060 ~~الحلق ، ثم الطواف ، ولم يرخص في النحر قبل طلوع الشمس البتة . PageV01P111 # | 1 ( فصل ) # | وأما هديه صلى الله عليه وسلم في الأضاحي ، فإنه لم يكن يدع الأضحية ، ~~وكان يضحي بكبشين ينحرهما بعد الصلاة ، وأخبر أن من ذبح قبلها ، فليس من ~~النسك في شيء ، وإنما هو لحم قدمه لأهله هذا الذي ندين الله به ، لا ~~الاعتبار بوقت الصلاة ، وأمرهم أن يذبحوا الجذع من الضأن ، والثني مما سواه ~~، وروي عنه أنه قال : ' كل أيام التشريق ذبح ' ولكنه منقطع ، وهو مذهب عطاء ~~والحسن والشافعي ، واختاره ابن المنذر . | وكان من هديه اختيار الأضحية ~~واستحسانها وسلامتها من العيوب ، ونهى عن أن يضحى بعضباء الأذن والقرن ، أي ~~: مقطوع الأذن ، ومكسور القرن النصف فما زاد ، ذكره أبو داود ، وأمر أن ~~تستشرف العين ، والأذن ، أي : ينظر إلى سلامتها . | وأن لا يضحى بعوراء ، ~~ولا مقابلة ، ولا مدابرة ، ولا شرقاء ، ولا خرقاء . والمقابلة : التي يقطع ~~مقدم أذنها ، والمدابرة : التي يقطع مؤخر أذنها ، والشرقاء : التي شقت ~~أذنها ، والخرقاء : التي خرقت أذنها . ذكره أبو داود . | وكان من هديه أن ~~يضحي في المصلى ، وذكر أبو داود عنه أنه ذبح يوم النحر كبشين أقرنين أملحين ~~موجوئين ، فلما وجههما قال : PageV01P112 ' وجهت وجهي للذي فطر السموات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين ، لا شريك له ، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ، اللهم منك ولك عن ~~محمد وأمته ، بسم الله والله أكبر ' ثم ذبح ، وأمر الناس إذا ذبحوا أن ~~يحسنوا الذبحة ، وإذا قتلوا أن يحسنوا القتلة ، وقال : ' إن الله كتب ~~الإحسان على كل شيء ' . ومن هديه أن الشاة تجزيء عن الرجل وعن أهل بيته . ~~PageV01P113 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في العقيقة ) # | في ' الموطأ ' أنه سئل عنها فقال : ' لا أحب العقوق ' كأنه كره الاسم ، ~~وصح عنه من حديث عائشة : ' عن الغلام شاتان ، وعن الجارية شاة ' وقال : ' ~~كل غلام رهينة بعقيقته ، تذبح عنه يوم السابع ، ويحلق رأسه ويسمى ' والرهن ~~في اللغة : الحبس ، قيل : محبوسا عن الشفاعة لأبويه ، والظاهر أنه مرتهن ms061 في ~~نفسه محبوس من خير يراد به ، ولا يلزم منه أن يعاقب في الآخرة . وقد يفوت ~~الولد خير بسبب تفريط الأبوين ، كترك التسمية عند الجماع ، وذكر أبو داود ~~في ' المراسيل ' عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~في عقيقة الحسن والحسين ' أن يبعثوا إلى بيت القابلة برجل ، وكلوا وأطعموا ~~ولا تكسروا منها عظما ' . قال الميموني : تذاكرنا لكم يسمى الصبي ؟ فقال ~~أبو عبد الله : يروى عن أنس أنه يسمى لثلاثة ، وأما سمرة ، فقال : يسمى ~~اليوم السابع . PageV01P114 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في الأسماء والكنى ) # | ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ' إن أخنع اسم عند الله عز وجل ~~رجل تسمى ملك الأملاك ، لا مالك إلا الله ' وثبت عنه : إن أحب الأسماء إلى ~~الله عبد الله وعبد الرحمن ، وأصدقها حارث وهمام ، وأقبحها حرب ومرة ' وثبت ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ' لا تسمين غلامك يسارا ولا رباحا ولا ~~نجيحا ولا أفلح ، فإنك تقول : أثم هو ؟ فلا يكون ، فيقول : لا ' . | وثبت ~~عنه أنه غير اسم عاصية ، وقال : ' أنت جميلة ' وكان اسم جويرة برة ، فغيره ~~باسم جويرية ، وقالت زينب بنت أم سلمة : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يسمى بهذا الاسم ، وقال : ' لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم ' ~~وغير اسم أبي الحكم بأبي شريح ، وغير اسم أصرم بزرعة ، وغير اسم حزن جد ابن ~~المسيب بسهل ، فأبى ، وقال : السهل يوطأ ويمتهن . | وقال أبو داود : وغير ~~النبي صلى الله عليه وسلم اسم العاص وعزيز وعتلة وشيطان والحكم وغراب وحباب ~~وشهاب ، فسماه هشاما ، وسمى PageV01P115 حربا سلما ، وسمى المضطجع المنبعث ~~، وأرضا عفرة سماها خضرة وشعب الضلالة سماه شعب الهدى ، وبنو مغوية سماهم ~~بني رشدة . | ولما كانت الأسماء قوالب للمعاني دالة عليها ، اقتضت الحكمة ~~أن يكون بينها وبينها ارتباط وتناسب ، وأن لا يكون المعني معها بمنزلة ~~الأجنبي المحض ، فإن الحكمة تأبى ذلك ، والواقع يشهد بخلافه ، بل للأسماء ~~تأثير في المسميات ، وللمسميات تأثر عن أسمائها ms062 في الحسن والقبح ، والخفة ~~والثقل ، واللطافة والكثافة ، كما قيل : # % وقل أن أبصرت عيناك ذا لقب % إلا ومعناه إن فكرت في لقبه % % وكان صلى ~~الله عليه وسلم يحب الاسم الحسن ، وأمر إذا أبردوا إليه بريدا أن يكون حسن ~~الاسم ، حسن الوجه ، وكان يأخذ المعاني من أسمائها في المنام واليقظة ، كما ~~رأى أنه هو وأصحابه في دار عقبة بن رافع ، فأتوا برطب من رطب ابن طاب ، ~~فأوله أن العاقبة لهم في الدنيا ، والرفعة في الآخرة ، وأن الدين الذي ~~اختاره الله لهم قد أرطب وطاب . وتأول سهولة الأمر يوم الحديبية من مجيء ~~سهيل ، وندب جماعة إلى حلب شاة ، فقام رجل يحلبها ، فقال : ' ما اسمك ' ؟ ~~قال : مرة . فقال : ' اجلس ' فقام آخر ، فقال : ' ما اسمك ' ؟ قال أظنه : ~~حرب . قال : ' اجلس ' فقام آخر ، فقال : ' ما اسمك ' ؟ قال : يعيش . قال : ~~' احلبها ' . | وكان يكره الأمكنة المنكرة الأسماء ، ويكره العبور فيها ، ~~كما مر بين جبلين ، فسأل عن اسمهما ، فقالوا : فاضح ومخزي . فعدل عنهما . ~~PageV01P116 | ولما كان بين الأسماء والمسميات من الارتباط والتناسب ~~والقرابة ما بين قوالب الأشياء وحقائقها ، وما بين الأرواح والأجسام ، عبر ~~العقل من كل منهما إلى الآخر ، كما كان إياس بن معاوية وغيره يرى الشخص ، ~~فيقول : ينبغي أن يكون اسمه كيت وكيت . فلا يكاد يخطيء ، وضد هذا العبور من ~~اسمه إلى مسماه ، كما سأل عمر رجلا عن اسمه ، فقال : جمرة . فقال : واسم ~~أبيك ؟ فقال : شهاب . قال : فمنزلك ؟ قال بحرة النار . قال : فأين مسكنك ؟ ~~قال : بذات لظى . قال : اذهب فقد احترق مسكنك . قال : فذهب فوجد الأمر كذلك ~~. كما عبر النبي صلى الله عليه وسلم عن اسم سهيل إلى سهولة أمرهم ، وأمر ~~أمته بتحسين أسمائهم ، وأخبر أنهم يدعون يوم القيامة بها ، وتأمل كيف اشتق ~~للنبي صلى الله عليه وسلم من وصفه اسمان مطابقان لمعناه وهما أحمد ومحمد ، ~~فهو لكثرة ما فيه من الصفات المحمودة وشرفها وفضلها على صفات غيره أحمد ، ~~وكذلك تكنيته لأبي الحكم بأبي جهل ، وكذلك تكنية الله عز وجل لعبد العزى ~~بأبي لهب لما كان مصيره إلى ذات ms063 لهب ، ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم ~~المدينة ، واسمها يثرب ، سماها طيبة لما زال عنها من معنى التثريب . ولما ~~كان الاسم الحسن يقتضي مسماه قال صلى الله عليه وسلم لبعض العرب : ' يا بني ~~عبد الله إن الله قد أحسن اسمكم واسم أبيكم ' فانظر كيف دعاهم إلى عبودية ~~الله بذلك . | وتأمل أسماء الستة المتبارزين يوم بدر ، فالوليد له بداية ~~الضعف ، وشيبة له نهايته ، وعتبة من العتب ، وأقرانهم علي وعبيدة والحارث ، ~~العلو والعبودية والسعي الذي هو الحرث ، ولذلك كان أحب الأسماء إلى الله ~~PageV01P117 ما اقتضى أحب الأوصاف إليه ، فإضافة العبودية إلى اسمه ' الله ~~' و ' الرحمن ' أحب إليه من إضافتها إلى ' القادر ' و ' القاهر ' وغيرهما ، ~~وهذا لأن التعلق الذي بين العبد وربه إنما هو العبودية المحضة ، والتعلق ~~بين الله وبين العبد بالرحمة المحضة ، فبرحمته كان وجوده وكماله ، والغاية ~~التي أوجده لأجلها أن يتألهه وحده محبة وخوفا ورجاء . ولما كان كل عبد ~~متحركا بالإرادة ، والهم مبدأ الإرادة ، وترتب على إرادته حرثه وكسبه ، كان ~~أصدق الأسماء همام وحارث . ولما كان الملك الحق لله وحده ، كان أخنع اسم ~~عند الله ، وأغضبه له اسم ' شاهان شاه ' أي ملك الملوك ، وسلطان السلاطين ، ~~فإن ذلك ليس لأحد غير الله عز وجل فتسمية غيره بهذا باطل ، والله لا يحب ~~الباطل . وقد ألحق بعضهم بهذا قاضي القضاة ، ويليه في القبح سيد الناس ، ~~لأن ذلك ليس لأحد إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم . | ولما كان مسمى ~~الحرب والمرارة أكره شيء للنفوس ، كان أقبح الأشياء حربا ومرة . وعلى قياسه ~~حنظلة وحزن وما أشبههما ولما كانت أخلاق الأنبياء أشرف الأخلاق ، كانت في ~~أسمائهم أحسن الأسماء ، فندب النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى التسمي ~~بأسمائهم ، كما في سنن أبي داود والنسائي عنه : ' تسموا بأسماء الأنبياء ' ~~ولو لم يكن فيه إلا أن الاسم يذكر بمسماه ، ويقتضي التعلق بمعناه ، لكفى به ~~مصلحة . | وأما النهي عن تسمية الغلام بيسار ونحوه ، فهو لمعنى آخر أشار ~~إليه في الحديث ، وهو قوله : ' فإنك تقول : أثم هو ؟ ' إلى آخره ms064 ، والله ~~أعلم هل هي من تمام الحديث أو مدرجة ؟ فإن هذه الأسماء لما كانت قد توجب ~~تطيرا ، وقد PageV01P118 تقطع الطيرة على المتطيرين ، فاقتضت حكمة الرؤوف ~~بأمته أن يمنعهم من أسباب توجب سماع المكروه أو وقوعه هذا إلى ما ينضاف إلى ~~ذلك من تعليق ضد الاسم عليه بأن يسمى يسارا من هو من أعسر الناس ، ونجيحا ~~من لا نجاح معه ، ورباح من هو من الخاسرين ، فيكون قد وقع في الكذب عليه ~~وعلى الله . وأمر آخر وهو أن يطالب بمقتضى اسمه ، فلا يوجد ، فيجعل ذلك ~~سببا لسبه ، كما قيل : # % سموك من جهلهم سديدا % والله ما فيك من سداد % % وهذا كما أن من المدح ~~ما يكون ذما موجبا لسقوط الممدوح عند الناس ، فإنه يمدح بما ليس فيه ، ~~فتطالبه النفوس بما مدح به ، وتظنه عنده ، فلا تجده كذلك فينقلب ذما ، ولو ~~ترك لغير مدح لم تحصل تلك المفسدة ، وأمر آخر وهو اعتقاد المسمى أنه كذلك ، ~~فيقع في تزكية نفسه كما نهى أن تسمى برة ، فعلى هذا تكره التسمية بالرشيد ~~والمطيع والطائع وأمثال ذلك . | وأما تسمية الكفار بذلك ، فلا يجوز التمكين ~~منه ولا دعاؤهم بشيء من ذلك . | وأما الكنية ، فهي نوع تكريم ، وكنى النبي ~~صلى الله عليه وسلم صهيبا بأبي يحيى ، وعليا بأبي تراب ، وكنى أخا أنس وهو ~~صغير بأبي عمير ، وكان هدية تكنية من له ولد ، ومن لا ولد له ، ولم يثبت ~~عنه أنه نهى عن كنية إلا الكنية بأبي القاسم ، فاختلف فيه ، فقيل : لا يجوز ~~مطلقا ، وقيل : لا يجوز الجمع بينها وبين اسمه ، وفيه حديث صححه الترمذي ، ~~وقيل : PageV01P119 يجوز الجمع بينهما ، لحديث علي : إن ولد لي من بعدك ولد ~~أسميه باسمك ، وأكنيه بكنيتك ؟ قال : ' نعم ' صححه الترمذي . وقيل : المنع ~~منه مختص بحياته . | والصواب أن التكني بكنيته ممنوع منه ، والمنع في حياته ~~أشد ، والجمع بينهما ممنوع منه ، وحديث علي في صحته نظر ، والترمذي فيه نوع ~~تساهل في التصحيح . وقد قال علي : إنها رخصة له . وهذا يدل على بقاء المنع ~~لمن سواه . وحديث عائشة : ' ما ms065 الذي أحل اسمي ، وحرم كنيتي ' غريب ، لا ~~يعارض بمثله الحديث الصحيح . وكره قوم من السلف الكنية بأبي عيسى ، وأجازه ~~آخرون ، فروى أبو داود عن زيد بن أسلم أن عمر ضرب ابنا له تكنى بأبي عيسى ~~وأن المغيرة تكنى بأبي عيسى ، فقال عمر : أما يكفيك أن تكنى بأبي عبد الله ~~؟ فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كناني بذلك ، فقال : إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وإنا ~~لفي جلجلتنا . فلم يزل يكنى بأبي عبد الله حتى هلك . | ونهى عن تسمية العنب ~~كرما ، وقال : ' الكرم قلب المؤمن ' وهذا لأن هذه اللفظة تدل على كثرة ~~الخير والمنافع ، وقال : ' لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا وإنها ~~العشاء ، وإنهم يسمونها العتمة ' وقال : ' لو يعلمون ما في العتمة والصبح ~~لأتوهما ولو حبوا ' والصواب أنه لم ينه عن إطلاق هذا الاسم بالكلية ، وإنما ~~نهى عن أن يهجر اسم العشاء ، وهذا محافظة منه على الاسم الذي سمى الله به ~~العبادات ، فلا تهجر ، PageV01P120 ويؤثر عليها غيرها ، كما فعله المتأخرون ~~ونشأ به من الفساد ما الله به عليم ، وهذا لمحافظته على تقديم ما قدمه الله ~~. | وبدأ في العيد بالصلاة ، ثم النحر وبدأ في أعضاء الوضوء بالوجه ، ثم ~~اليدين ، ثم الرأس ، ثم الرجلين ، وقدم زكاة الفطر على صلاة العيد ، لقوله ~~: @QB@ قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى @QE@ ' سورة الأعلى : 14 ، 15 ' ~~ونظائره كثيرة . PageV01P121 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ المنطق واختيار الألفاظ ) # | كان يتخير في خطابه ، ويختار لأمته أحسن الألفاظ وأبعدها من ألفاظ أهل ~~الجفاء والفحش ، فلم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا صخابا ولا فظا . وكان يكره ~~أن يستعمل اللفظ الشريف في حق من ليس كذلك ، وأن يستعمل اللفظ المكروه في ~~حق من ليس من أهله . | فمن الأول منعه أن يقال للمنافق : سيد ، ومنه أن ~~يسمى العنب كرما ، ومنعه من تسمية أبي جهل بأبي الحكم ، وكذلك تغييره لاسم ~~أبي الحكم من الصحابة وقال ms066 : ' إن الله هو الحكم وإليه الحكم ' ومنه نهيه ~~المملوك أن يقول لسيده : ربي . وللسيد أن يقول لمملوكه : عبدي وأمتي . وقال ~~لمن ادعى أنه طبيب : ' أنت رفيق ، وطبيبها الذي خلقها ' ، والجاهلون يسمون ~~الكافر الذي له علم بشيء من الطب حكيما ، ومنه قوله للذي قال : ومن يعصهما ~~فقد غوى : ' بئس الخطيب أنت ' ومنه قوله : ' لا تقولوا : ما شاء الله وشاء ~~فلان ' وفي معناه قول من لا يتوقى الشرك : أنا بالله وبك ، وأنا في حسب ~~الله وحسبك ، وما لي إلا الله وأنت ، وأنا متوكل على الله وعليك ، وهذا من ~~الله ومنك ووالله وحياتك . وأمثال هذه الألفاظ التي يجعل قائلها المخلوق ~~ندا لله ، وهي أشد منعا وقبحا من قوله : ما شاء الله وشئت . PageV01P122 | ~~فأما إذا قال : أنا بالله ، ثم بك ، وما شاء الله ثم شئت ، فلا بأس كما في ~~حديث الثلاثة : ' لا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك ' . | وأما القسم ~~الثاني وهو أن تطلق ألفاظ الذم على من ليس من أهلها ، فمثل نهيه عن سب ~~الدهر ، وقال : ' إن الله هو الدهر ' وفيه ثلاث مفاسد . | أحدها : سب من ~~ليس بأهل . | الثانية : أن سبه متضمن للشرك ، فإنه إنما سبه لظنه أنه يضر ~~وينفع ، وأنه ظالم ، وأشعار هؤلاء في سبه كثيرة جدا ، وكثير من الجهال يصرح ~~بلعنه . | الثالثة : أن السب إنما يقع على من فعل هذه الأفعال التي لو اتبع ~~الحق فيها أهواءهم لفسدت السموات والأرض ، وإذا وافقت أهواءهم حمدوا الدهر ~~، وأثنوا عليه . | ومن هذا قوله : ' لا يقولن أحدكم : تعس الشيطان . فإنه ~~يتعاظم حتى يكون مثل البيت ، ويقول : صرعته بقوتي . ولكن ليقل : باسم الله ~~، فإنه يتصاغر حتى يكون مثل الذباب ' وفي حديث آخر : ' إن العبد إذا لعن ~~الشيطان يقول : إنك لتلعن ملعنا ' ومثل هذا قول : أخزى الله الشيطان ، وقبح ~~الله الشيطان . فإن ذلك كله يفرحه ، ويقول : علم ابن آدم أني نلته بقوتي . ~~وذلك مما يعينه على إغوائه ، فأرشد النبي صلى الله عليه وسلم من مسه شيء من ~~الشيطان : أن يذكر الله ، ويذكر اسمه ، ويستعيذ بالله منه ms067 ، فإن ذلك أنفع ~~له ، وأغيظ للشيطان . | ومن ذلك نهيه أن يقول الرجل : خبثت نفسي . ولكن ~~يقول : PageV01P123 لقست نفسي ، ومعناها واحد ، أي : غثيت نفسي ، وساء ~~خلقها ، فكره لهم لفظ الخبث لما فيه من القبح والشناعة . | ومنه نهيه عن ~~قول القائل بعد فوات الأمر : لو أني فعلت كذا وكذا . وقال : ' إنها تفتح ~~عمل الشيطان ' وأرشده إلى ما هو أنفع منها ، وهو أن يقول : ' قدر الله وما ~~شاء فعل ' . وذلك لأن قوله : لو كنت فعلت كذا لم يفتني ما فاتني ، أو لم ~~أقع فيما وقعت فيه . كلام لا يجدي عليه فائدة ، فإنه غير مستقبل لما استدبر ~~، وغير مستقيل عثرته بلو ، وفي ضمنها أن الأمر لو كان كما قدره في نفسه ، ~~لكان غير ما قضاه الله ، ووقوع خلاف المقدر محال ، فقد تضمن كلامه كذبا ~~وجهلا ومحالا ، وإن سلم من التكذيب بالقدر ، لم يسلم من معارضته بلو . فإن ~~قيل : فتلك الأسباب التي تمناها من القدر أيضا ؟ قيل : هذا حق ، ولكن هذا ~~ينفع قبل وقوع القدر المكروه ، فإذا وقع ، فلا سبيل إلى دفعه أو تخفيفه ، ~~بل وظيفته في هذه الحال أن يستقبل الفعل الذي يدفع به أو يخفف ولا يتمنى ما ~~لا مطمع في وقوعه ، فإنه عجز محض ، والله يلوم على العجز ، ويحب الكيس ، ~~وهو مباشرة الأسباب فهي تفتح عمل الخير ، وأما العجز ، فيفتح عمل الشيطان ، ~~فإنه إذا عجز عما ينفعه صار إلى الأماني الباطنة ، ولهذا استعاذ النبي صلى ~~الله عليه وسلم من العجز والكسل ، وهما مفتاح كل شر ، ويصدر عنهما الهم ~~والحزن ، والجبن والبخل ، وضلع الدين ، وغلبة الرجال ، فمصدرها كلها عن ~~العجز والكسل ، وعنوانها ' لو ' فإن المتمني من أعجز الناس وأفلسهم ، وأصل ~~المعاصي كلها العجز ، فإن العبد يعجز عن أسباب الطاعات ، وعن الأسباب التي ~~تبعده عن المعاصي وتحول بينه وبينها ، فجمع PageV01P124 في هذا الحديث ~~الشريف أصول الشر وفروعه ، ومبادئه وغاياته ، وموارده ومصادره ، وهو مشتمل ~~على ثمان خصال ، كل خصلتين قرينتان ، فقال : ' أعوذ بك من الهم والحزن ' ~~وهما قرينان ، فإن المكروه الوارد على القلب إما أن ms068 يكون سببه أمرا ماضيا ، ~~فهو يحدث الحزن ، وإما توقع مستقبل ، فهو يورث الهم ، وكلاهما من العجز ، ~~فإن ما مضى لا يدفع بالحزن ، بل بالرضى والحمد ، والصبر والإيمان بالقدر . ~~وقول العبد : ' قدر الله وما شاء فعل ' . | وما يستقبل لا يدفع بالهم ، بل ~~إما أن يكون له حيلة في دفعه ، فلا يعجز عنه ، وإما أن لا يكون له حيلة ، ~~فلا يجزع عنه ، ويلبس له لباسه من التوحيد والتوكل والرضى بالله ربا فيما ~~يحب ويكره ، والهم والحزن يضعفان العزم ، ويوهنان القلب ، ويحولان بين ~~العبد وبين الاجتهاد فيما ينفعه ، فهما حمل ثقيل على ظهر السائر . | ومن ~~حكمة العزيز الحكيم تسليط هذين الجندين على القلوب المعرضة عنه ليردها عن ~~كثير من معاصيها ، ولا تزال هذه القلوب في هذا السجن حتى تخلص إلى فضاء ~~التوحيد والإقبال على الله ولا سبيل إلى خلاص القلب من ذلك إلا بذلك ، ولا ~~بلاغ إلا بالله وحده ، فإنه لا يوصل إليه إلا هو ولا يدل عليه إلا هو . ~~وإذا قام العبد في أي مقام كان ، فبحمده وحكمته أقامه فيه ، ولم يمنع العبد ~~حقا هو له ، بل منعه ليتوسل إليه بمحابه فيعطيه ، وليرده إليه وليعزه ~~بالتذلل له ، وليغنيه بالافتقار إليه ، وليجبره بالانكسار بين يديه وليوليه ~~بعزله أشرف الولايات ، وليشهده حكمته في قدرته ، ورحمته في عزته ، وإن منعه ~~عطاء ، وعقوبته تأديب ، وتسليط أعدائه عليه سائق يسوقه إليه والله أعلم حيث ~~يجعل مواقع عطائه ، وأعلم حيث PageV01P125 يجعل رسالته . @QB@ وكذلك فتنا ~~بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين @QE@ ' سورة الأنعام : 53 ' فهو سبحانه أعلم بمحال التخصيص ، فمن ~~رده المنع إليه ، انقلب عطاء ، ومن شغله عطاؤه عنه ، انقلب منعا ، وهو ~~سبحانه وتعالى أراد منا الاستقامة ، واتخاذ السبيل إليه ، وأخبرنا أن هذا ~~المراد لا يقع حتى يريد من نفسه إعانتنا ومشيئتنا له ، كما قال تعالى : ^ ( ~~وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين ) ^ ' سورة التكوير : 19 ' . فإن ~~كان مع العبد روح أخرى نسبتها إلى روحه كنسبة روحه إلى جسده يستدعى بها ms069 ~~إرادة الله من نفسه أن يفعل به ما يكون به العبد فاعلا ، وإلا فمحله غير ~~قابل للعطاء ، وليس معه إناء يوضع فيه العطاء ، فمن جاء بغير إناء ، رجع ~~بالحرمان ، فلا يلومن إلا نفسه . | والمقصود أنه صلى الله عليه وسلم استعاذ ~~من الهم والحزن ، وهما قرينان ، ومن العجز والكسل ، وهما قرينان ، فإن تخلف ~~صلاح العبد وكماله عنه إما أن يكون لعدم قدرته عليه ، فهو عجز ، أو يكون ~~قادرا لكن لا يريده ، فهو كسل ، وينشأ عن هاتين الصفتين فوات كل خير ، ~~وحصول كل شر ، ومن ذلك الشر تعطيله عن النفع ببدنه وهو الجبن ، وعن النفع ~~بماله وهو البخل ، ثم ينشأ له من ذلك غلبتان غلبة بحق وهي غلبة الدين ، ~~وغلبة بباطل وهي غلبة الرجال ، وكل هذه ثمرة العجز والكسل . ومن هذا قوله ~~في الحديث الصحيح للذي قضى عليه ، فقال : ' حسبي الله ونعم الوكيل ' إن ~~الله يلوم على العجز ، ولكن عليك بالكيس ، فإذا غلبك أمر ، فقل : ' حسبي ~~الله ونعم الوكيل ' فهذا قالها بعد عجزه عن الكيس PageV01P126 الذي لو قام ~~به ، لقضي له على خصمه ، فلو فعل الأسباب ، ثم غلب ، فقالها لوقعت موقعها ، ~~كما أن إبراهيم الخليل لما فعل الأسباب المأمور بها ولم يعجز بترك شيء منها ~~، ثم غلبه العدو ، وألقوه في النار قال : ( حسبي الله ونعم الوكيل ) فوقعت ~~الكلمة موقعها ، فأثرت أثرها . | وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه يوم أحد لما قيل لهم بعد انصرافهم من أحد : ( إن الناس قد جمعوا ~~لكم فاخشوهم ) فتجهزوا وخرجوا لهم ، ثم قالوا ، فأثرت أثرها ، ولهذا قال ~~الله تعالى : @QB@ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن ~~يتوكل على الله فهو حسبه @QE@ ' سورة الطلاق : 3 ' وقال الله تعالى : @QB@ ~~واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون @QE@ ' سورة المائدة : 11 ' . | ~~فالتوكل والحسب بدون القيام بالأسباب المأمور بها عجز محض ، وإن كان مشوبا ~~بنوع من التوكل ، فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزا ، ولا عجزه توكلا ، ~~بل يجعل توكله من جملة الأسباب التي لا يتم المقصود ms070 إلا بها كلها . | ومن ~~هاهنا غلط طائفتان . إحداهما : زعمت أن التوكل وحده سبب مستقل ، فعطلت ~~الأسباب التي اقتضتها حكمة الله . الثانية : قامت بالأسباب وأعرضت عن ~~التوكل ، والمقصود أنه صلى الله عليه وسلم أرشد العبد إلى ما فيه غاية ~~كماله أن يحرص على ما ينفعه ويبذل جهده وحينئذ ينفعه التحسب بخلاف من فرط ، ~~ثم قال : حسبي الله ونعم الوكيل . فإن الله يلومه ، ولا يكون في هذه الحال ~~حسبه ، فإنما هو حسب من اتقاه ، ثم توكل عليه . PageV01P127 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في الذكر ) # | كان أكمل الناس ذكرا لله عز وجل ، بل كان كلامه كله في ذكر الله وما ~~والاه ، وكان أمره ونهيه وتشريعه ذكرا منه لله ، وإخباره عن أسماء الرب ~~وصفاته ، وأحكامه وأفعاله ، ووعده ووعيده ذكرا منه له ، وثناؤه عليه بآلائه ~~وتمجيده وتسبيحه وتحميده ذكرا منه له ، وسكوته ذكرا منه له بقلبه ، فكان ~~ذكره لله يجري مع أنفاسه قائما وقاعدا ، وعلى جنبه ، وفي مشيه وركوبه وسيره ~~ونزوله ، وظعنه وإقامته . | وكان إذا استيقظ قال : ' الحمد لله الذي أحيانا ~~بعد ما أماتنا وإليه النشور ' . | ثم ذكر أحاديث رويت فيما يقول إذا استيقظ ~~، وإذا استفتح الصلاة ، وإذا خرج من بيته ، وإذا دخل المسجد ، وما يقول في ~~المساء والصباح ، وعند لبس الثوب ، ودخول المنزل ، ودخول الخلاء ، والوضوء ~~والأذان ، ورؤية الهلال ، والأكل ، والعطاس . PageV01P128 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم عند دخوله منزله ) # | لم يكن يفجأ أهله بغتة يتخونهم ، ولكن كان يدخل على علم منهم ، وكان ~~يسلم عليهم ، وإذا دخل بدأ بالسواك ، وسأل عنهم ، وربما قال : ' هل عندك من ~~غداء ' ؟ وربما سكت حتى يحضر بين يديه ما تيسر . | وثبت عنه أن رجلا سلم ~~عليه وهو يبول ، فلم يرد عليه ، وأخبر أن الله سبحانه وتعالى يمقت على ~~الحديث على الغائط ، وكان لا يستقبل القبلة ، ولا يستدبرها بغائط ، ولا بول ~~، ونهى عن ذلك . PageV01P129 # | 1 ( فصل ) # | ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه سن الأذان بترجيع وغير ترجيع ، وشرع ~~الإقامة مثنى وفرادى ، ولكن كلمة الإقامة ms071 : ' قد قامت الصلاة ' لم يصح عنه ~~إفرادها ألبتة ، وكذلك الذي صح عنه تكرار لفظ التكبير في أول الأذان ، ولم ~~يصح عنه الاقتصار على مرتين ، وشرع لأمته عند الأذان خمسة أنواع . | أحدها ~~: أن يقولوا كما يقول المؤذن إلا في الحيعلة ، فأبدلها ب ' لا حول ولا قوة ~~إلا بالله ' ولم يجيء عنه الجمع بينهما ، ولا الاقتصار على الحيعلة ، وهذا ~~مقتضى الحكمة ، فإن كلمات الأذان ذكر ، وكلمة الحيعلة دعاء إلى الصلاة ، ~~فسن للسامع أن يستعين على هذه الدعوة بكلمة الإعانة . | الثاني : أن يقول : ~~' رضيت بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا ' وأخبر أن من قال ذلك : ~~' غفر له ذنبه ' . | الثالث : أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ~~فراغه من إجابة المؤذن ، وأكملها ما علمه أمته ، وإن تحذلق المتحذلقون . | ~~الرابع : أن يقول بعد الصلاة عليه : ' اللهم رب هذه الدعوة التامة ، ~~والصلاة القائمة ، آت محمدا الوسيلة والفضيلة ، وابعثه مقاما محمودا ' . ~~PageV01P130 | الخامس : أن يدعو لنفسه بعد ذلك ، وفي ' السنن ' عنه : ' ~~الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة ' قالوا : فما نقول يا رسول الله ؟ قال ~~: ' سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة ' . حديث صحيح . | وكان يكثر ~~الدعاء في عشر ذي الحجة ، ويأمر فيه بالإكثار من التهليل والتكبير والتحميد ~~، ويذكر عنه أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام ~~التشريق ، فيقول : ' الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، والله أكبر ~~، الله أكبر ، ولله الحمد ' . وهذا وإن كان لا يصح إسناده ، فالعمل عليه ، ~~ولفظه هكذا بشفع التكبير ، وأما كونه ثلاثا ، فإنما روي عن جابر وابن عباس ~~، من فعلهما ثلاثا نسقا فقط ، وكلاهما حسن ، قال الشافعي : وإن زاد ، فقال ~~: الله أكبر كبيرا ، والحمد لله كثيرا ، وسبحان الله بكرة وأصيلا . كان ~~حسنا . PageV01P131 # | 1 ( فصل ) # | وكان إذا وضع يده في الطعام قال : ' بسم الله ' ، وأمر بذلك ، ويقول إن ~~نسي : ، بسم الله في أوله وآخره ' . حديث صحيح . والصحيح وجوب التسمية عند ~~الأكل ، وتاركها شريكه الشيطان في طعامه وشرابه ، وأحاديث الأمر بها صحيحة ~~صريحة ، ولا معارض لها ، ولا إجماع ms072 يسوغ مخالفتها . | وهل تزول مشاركة ~~الشيطان بتسمية أحد الجماعة ؟ فنص الشافعي على إجزاء تسمية الواحد ، وقد ~~يقال : لا ترتفع مشاركة الشيطان للآكل إلا بتسميته هو . وللترمذي وصححه عن ~~عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل طعاما في ستة من أصحابه ، ~~فجاء أعرابي ، فأكله بلقمتين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' أما ~~إنه لو سمى لكفاكم ' ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه سموا ، ~~ولهذا جاء في حديث حذيفة : حضرنا طعاما ، فجاءت جارية ، كأنها تدفع ، فذهبت ~~لتضع يدها ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها ، ثم جاء أعرابي ، ~~فأخذ بيده ، فقال : ' إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه ، ~~وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها ، فأخذت بيدها ، فجاء بهذا الأعرابي ~~ليستحل به ، فأخذت بيده ، والذي نفسي بيده إن يده لفي يدي مع يديهما ' ، ثم ~~ذكر اسم الله وأكل . ولكن قد يجاب بأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن وضع يده ~~، ولكن الجارية ابتدأت . وأما مسألة رد السلام ، وتشميت PageV01P132 العاطس ~~ففيهما نظر ، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم : ' إذا عطس أحدكم فحمد الله ، ~~فحق على كل من سمعه أن يشمته ' وإن سلم الحكم فيهما ، فالفرق بينهما وبين ~~مسألة الآكل ظاهر ، فإن الشيطان إنما يتوصل إلى مشاركته الأكل ، فإذا سمى ~~غيره ، قلت مشاركة الشيطان له ، وتبقى المشاركة بينه وبين من لم يسم . ~~ويذكر عنه أنه كان إذا شرب تنفس في الإناء ثلاثة أنفاس يحمد الله في كل نفس ~~، ويشكره في آخرهن . وما عاب طعاما قط ، بل إن كرهه تركه وسكت ، وربما قال ~~: ' أجدني أعافه ' ، أي : لا أشتهيه . | وكان يمدح الطعام أحيانا كقوله : ' ~~نعم الإدام الخل ' ، لمن قال : ما عندنا إلا خل . تطييبا لقلب من قدمه ، لا ~~تفضيلا له على سائر الأنواع ، وكان إذا قرب إليه الطعام وهو صائم قال : ' ~~إني صائم ' ، وأمر من قدم إليه الطعام وهو صائم أن يصلي ، أي : يدعو لمن ~~قدمه ، وإن كان مفطرا أن يأكل منه . | وإذا دعي إلى طعام ، وتبعه ms073 أحد ، ~~أعلم به رب المنزل ، فقال : ' إن هذا تبعنا ، فإن شئت أن تأذن له ، وإن شئت ~~رجع ' وكان يتحدث على طعامه ، كما قال لربيبه : ' سم الله ، وكل مما يليك ' ~~، وربما كان يكرر على أضيافه عرض الأكل عليهم مرارا كما يفعله أهل الكرم ، ~~كما في حديث أبي هريرة في اللبن . وكان إذا أكل عند قوم ، لم يخرج حتى يدعو ~~لهم . وذكر أبو داود عنه في قصة أبي الهيثم : فأكلوا فلما فرغوا قال : ' ~~أثيبوا أخاكم ' قالوا : يا رسول الله ، وما إثابته ' ؟ قال : ' إن الرجل ~~إذا دخل بيته ، فأكل طعامه ، وشرب شرابه فدعوا له ، فذلك إثابته ' . ~~PageV01P133 | وصح عنه أنه دخل منزله ليلة ، فالتمس طعاما ، فلم يجده ، ~~فقال : ' اللهم أطعم من أطعمني ، واسق من سقاني ' . وكان يدعو لمن يضيف ~~المساكين ، ويثني عليهم ، وكان لا يأنف من مؤاكله أحد صغيرا كان أو كبيرا ، ~~حرا أو عبدا ، ويأمر بالأكل باليمنى ، وينهى عن الشمال ، ويقول : ' إن ~~الشيطان يأكل بشماله ، ويشرب بشماله ' ومقتضاه تحريم الأكل بها ، وهو ~~الصحيح ، وأمر من شكوا إليه : أنهم لا يشبعون . أن يجتمعوا على طعامهم ، ~~ولا يتفرقوا ، وأن يذكروا اسم الله عليه ، وروي عنه أنه قال : ' أذيبوا ~~طعامكم بذكر الله عز وجل والصلاة ، ولا تناموا عليه ، فتقسو قلوبكم ' وأحر ~~به أن يكون صحيحا ، والتجربة تشهد به . PageV01P134 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في السلام والاستئذان وتشميت ~~العاطس ) # | في ' الصحيحين ' عنه : ' إن أفضل الإسلام إطعام الطعام ، وأن تقرأ ~~السلام على من عرفت ومن لم تعرف ' . | وفيهما : ' إن آدم لما خلقه الله قال ~~له : اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة فسلم عليهم ، واستمع ما يحيونك ، ~~فإنها تحيتك وتحية ذريتك . فقال : السلام عليكم . فقالوا : السلام عليكم ~~ورحمة الله . فزادوه : ورحمة الله ' . | وفيهما : ' أنه أمر بإفشاء السلام ~~، وأنهم إذا أفشو السلام تحابوا ، وأنهم لا يدخلون الجنة حتى يؤمنوا ، ولا ~~يؤمنوا حتى يتحابوا ' . وقال البخاري في ' صحيحه ' : قال عمار : ثلاث من ~~جمعهن فقد جمع الإيمان : الإنصاف من نفسك ، وبذل السلام للعالم ، والإنفاق ~~من الإقتار . | وقد تضمنت هذه ms074 الثلاث أصول الخير وفروعه ، فإن الإنصاف يوجب ~~عليه أداء حقوق الله كاملة ، وأداء حقوق الناس كذلك ، ويعاملهم بما يحب أن ~~يعاملوه به ، ويدخل فيه إنصافه من نفسه ، فلا يدعي لها ما ليس لها ، ولا ~~يخفيها بتدسيه لها بمعاصي الله . PageV01P135 | والمقصود أن إنصافه من نفسه ~~يوجب عليه معرفة ربه ، ومعرفة نفسه ، وأن لا يزاحم بها مالكها ، ولا يقسم ~~إرادته بين مراد سيده ومرادها ، وهي قسمة ضيزى ، مثل قسمة الذين قالوا : ~~@QB@ هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما ~~كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون @QE@ ' سورة الأنعام : 136 ' . ~~فلينظر العبد لا يكون من أهل هذه القسمة وهو لا يشعر ، فإنه خلق ظلوما ~~جهولا ، وكيف يطلب الإنصاف ممن وصفه الظلم والجهل ؟ ! وكيف ينصف الخلق من ~~لم ينصف الخالق ، كما في الأثر : ابن آدم ما أنصفتني ، خيري إليك نازل ، ~~وشرك إلي صاعد . وفي أثر آخر : ابن آدم ما أنصفتني ، خلقتك وتعبد غيري ، ~~وأرزقك . وتشكر سواي . ثم كيف ينصف غيره من لم ينصف نفسه وظلمها أقبح الظلم ~~وهو يظن أنه يكرمها ؟ ! | وبذل السلام يتضمن التواضع ، لا يتكبر على أحد ، ~~والإنفاق من الإقتار لا يصدر إلا عن قوة ثقة بالله وقوة يقين ، وتوكل ورحمة ~~، وزهد وسخاء نفس ، وتكذيب بوعد من يعده الفقر ، ويأمره بالفحشاء . | وثبت ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه مر بصبيان ، فسلم عليهم ، وذكر الترمذي أنه مر ~~بجماعة نسوة ، فألوى بيده بالتسليم ، وقال أبو داود عن أسماء بنت يزيد : مر ~~علينا النبي صلى الله عليه وسلم في نسوة ، فسلم علينا . وهي رواية حديث ~~الترمذي ، والظاهر أن القصة واحدة ، وأنه سلم عليهن بيده . وفي البخاري : ~~أن الصحابة ينصرفون من الجمعة ، فيمرون على عجوز في طريقهم ، فيسلمون عليها ~~، فتقدم لهم طعاما من أصول PageV01P136 السلق والشعير ، وهذا هو الصواب في ~~مسألة السلام على النساء يسلم على العجوز ، وذوات المحارم دون غيرهن . | ~~وفي ' صحيح البخاري ' : ' يسلم الصغير على الكبير ، والمار على القاعد ، ~~والراكب على الماشي ، والقليل على الكثير ' . وفي الترمذي ms075 : ' يسلم الماشي ~~على القائم ' . وفي ' مسند البزار ' عنه : ' والماشيان أيهما بدأ فهو أفضل ~~' . وفي ' سنن أبي داود ' عنه : ' إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام ' ~~. | وكان من هديه السلام عند المجيء إلى القوم ، والسلام عند الانصراف عنهم ~~، وثبت عنه أنه قال : ' إذا قعد أحدكم فليسلم ، وإذا قام ، فليسلم ، فليست ~~الأولى بأحق من الآخرة ' وذكر أبو داود عنه : ' إذا لقي أحدكم صاحبه ، ~~فليسلم عليه ، فإن حال بينهما شجرة أو جدار ، ثم لقيه ، فليسلم عليه أيضا ' ~~. | وقال أنس : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتماشون ، فإذا ~~لقيتهم شجرة أو أكمة تفرقوا يمينا وشمالا ، وإذا التقوا من ورائها ، سلم ~~بعضهم على بعض . | ومن هديه أن الداخل إلى المسجد يبتديء بركعتين ، ثم يجيء ~~فيسلم ، فتكون تحية المسجد قبل تحية أهله ، فإن تلك حق الله ، والسلام ~~عليهم حق لهم ، وحق الله تعالى في مثل هذا أولى بالتقديم بخلاف الحقوق ~~المالية ، فإن فيها نزاعا ، والفرق بينهما حاجة الآدمي ، وعدم اتساع المال ~~لأداء الحقين . وعلى هذا فيسن لداخل المسجد إذا كان فيه جماعة ثلاث تحيات ~~مرتبة . PageV01P137 | إحداها : أن يقول عند دخوله : بسم الله والصلاة ~~والسلام على رسول الله . ثم يصلي تحية المسجد ، ثم يسلم على القوم . وكان ~~إذا دخل على أهله بالليل سلم تسليما لا يوقظ النائم ، ويسمع اليقظان ، ذكره ~~مسلم ، وذكر الترمذي عنه : ' السلام قبل الكلام ' ، ولأحمد عن ابن عمر ~~مرفوعا : ' السلام قبل السؤال ، فمن بدأ بالسؤال قبل السلام ، فلا تجيبوه ' ~~ويذكر عنه : ' لا تأذنوا لمن لم يبدأ بالسلام ' . | وكان إذا أتى باب قوم ~~لم يستقبل الباب ، ولكن من ركنه الأيمن ، أو الأيسر ، فيقول : ' السلام ~~عليكم ' . وكان يسلم بنفسه على من يواجهه ويحمل السلام للغائب ، ويتحمل ~~السلام كما تحمله من الله لخديجة ، وقال للصديقة الثانية : ' هذا جبريل ~~يقرأ عليك السلام ' . وكان من هديه انتهاء السلام إلى : ' وبركاته ' ، وكان ~~من هديه أن يسلم ثلاثا كما في البخاري وعن أنس ، ولعله في الكثير الذي لا ~~تبلغهم المرة ، وإذا ظن أنه لم يحصل الإسماع بالأول والثاني . | ومن ms076 تأمل ~~هديه علم أن التكرير أمر عارض . | وكان يبدأ من لقيه بالسلام ، وإذا سلم ~~عليه أحد رد عليه مثلها أو أحسن على الفور إلا لعذر مثل قضاء الحاجة ، ولم ~~يكن يرد بيده ، ولا برأسه ، ولا بإصبعه إلا في الصلاة ، فإنه ثبت عنه الرد ~~فيها بالإشارة . | وكان هديه في الإبتداء : ' السلام عليكم ورحمة الله ' ، ~~ويكره أن يقول المبتديء : عليك السلام . وكان يرد على المسلم : ' وعليكم ~~السلام ' بالواو ، ولو حذف الراد الواو ، فقالت طائفة : لا يسقط به . ~~PageV01P138 فرض الرد ، لأنه مخالف للسنة ، ولأنه لا يعلم هل هو رد أو ~~ابتداء تحية . وذهبت طائفة إلى أنه رد صحيح ، نص عليه الشافعي ، واحتج له ~~بقوله تعالى : @QB@ قالوا سلاما قال سلام @QE@ ' سورة الذاريات : 25 ' . أي ~~: سلام عليكم لا بد من هذا ، ولكن حسن الحذف في الرد لأجل الحذف في ~~الإبتداء ، واحتج له برد الملائكة على آدم المتقدم . PageV01P139 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في السلام على أهل الكتاب ) # | صح عنه : ' لا تبدؤهم بالسلام ، وإذا لقيتموهم في الطريق ، فاضطروهم ~~إلى أضيق الطريق ' لكن قد قيل : إنه في قضية خاصة لما سار إلى بني قريظة ~~قال : ' لا تبدؤهم بالسلام ' فهل هو عام لأهل الذمة ، أو يختص بمن كانت ~~حاله كأولئك ؟ لكن في ' صحيح مسلم ' : ' لا تبدأوا اليهود ولا النصارى ~~بالسلام ، وإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه ' والظاهر أن هذا ~~عام . | واختلف في الرد عليهم ، والصواب وجوبه ، والفرق بينهم ، وبين أهل ~~البدع أنا مأمورون بهجرهم ، وثبت عنه أنه مر على مجلس فيه أخلاط من ~~المسلمين والمشركين ، فسلم عليهم ، وكتب إلى هرقل وغيره ب ' السلام على من ~~اتبع الهدى ' ويذكر عنه : أنه ' يجزيء عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ، ~~ويجزيء عن الجلوس أن يرد أحدهم ' فذهب إلى هذا من قال : الرد فرض كفاية . ~~لكن ما أحسنه لو كان ثابتا ! فإن فيه سعيد بن خالد ، قال أبو زرعة : ضعيف . ~~وكذلك قال أبو حاتم . | وكان من هديه إذا بلغه أحد السلام عن غيره أن يرد ~~عليه ms077 وعلى المبلغ ، ومن هديه ترك السلام ابتداء وردا على من أحدث حدثا حتى ~~يتوب . PageV01P140 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في الاستئذان ) # | صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ' الاستئذان ثلاثا ، فإن أذن لك ، ~~وإلا فارجع ' وصح عنه : ' إنما جعل الاستئذان من أجل البصر ' وصح عنه أنه ~~أراد أن يفقأ عين الذي نظر إليه من حجرته ، وقال : ' إنما جعل الاستئذان من ~~أجل البصر ' وصح عنه التسليم قبل الاستئذان فعلا وتعليما ، واستأذن عليه ~~رجل فقال : أألج ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل : ' اخرج إلى ~~هذا فعلمه الاستئذان ، فقل له : قل السلام عليكم أأدخل ' ؟ فسمعه الرجل ، ~~فقال ذلك ، فأذن له ، فدخل . وفيه رد على من قال : يقدم الاستئذان ، وعلى ~~من قال : إن وقعت عينه على صاحب المنزل قبل دخوله بدأ بالسلام وإلا ~~بالاستئذان . | ومن هديه أنه إذا استأذن ثلاثا ولم يؤذن له ، انصرف . وهو ~~رد على من يقول : إن ظن أنهم لم يسمعوه زاد على الثلاث ، وعلى من قال : ~~يعيده بلفظ آخر . | ومن هديه أن المستأذن إذا قيل له : من أنت ؟ قال : فلان ~~ابن فلان ، أو يذكر كنيته ، ولا يقول : أنا . وروى أبو داود عنه : ' أن ~~رسول الرجل إلى الرجل إذنه ' . وذكره البخاري تعليقا ، ثم ذكر ما يدل على ~~اعتبار PageV01P141 الإذن بعد الدعوة ، وهو حديث دعاء أهل الصفة ، وقوله : ~~فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا . وقالت طائفة : إن الحديثين على حالين ، فإن ~~جاء المدعو على الفور ، لم يحتج للاستئذان ، وإن تراخى ، احتاج إليه . وقال ~~آخرون : إن كان عند الداعي من قد أذن له قبل مجيء المدعو لم يحتج للاستئذان ~~وإلا استأذن . وكان إذا دخل إلى مكان يحب الانفراد فيه ، أمر من يمسك الباب ~~، فلا يدخل عليه أحد إلا بإذن . | وأما الاستئذان الذي أمر الله به ~~المماليك ، ومن لم يبلغ الحلم في العورات الثلاث قبل الفجر ووقت الظهيرة ~~وعند النوم ، فكان ابن عباس يأمر به ، ويقول : ترك الناس العمل به . وقالت ~~طائفة : الآية منسوخة ، ولم تأت بحجة ، وقالت طائفة : أمر ندب ms078 ، وليس معها ~~ما يدل على صرف الأمر عن ظاهره ، وقالت طائفة : المأمور به النساء خاصة ، ~~وهذا ظاهر البطلان ، وقالت طائفة : عكس هذا ، نظرا إلى لفظ ' الذين ' ولكن ~~سياق الآية يأباه فتأمله . | وقالت طائفة : كان الأمر لعلة وزال بزوالها ~~وهي الحاجة ، فروى أبو داود في ' سننه ' أن نفرا قالوا لابن عباس : كيف ترى ~~هذه الآية ولا يعمل بها أحد ؟ فقال : إن الله حليم رؤوف بالمؤمنين يحب ~~الستر ، وكان الناس ليس لبيوتهم ستور ولا حجال فربما دخل الخادم أو الولد ، ~~أو يتيمة الرجل ، والرجل على أهله ، فأمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات ~~، فجاءهم الله تعالى بالستور والخير فلم أر أحدا يعمل بذلك بعد . وقد أنكر ~~بعضهم ثبوته ، وطعن في عكرمة ، ولم يصنع شيئا ، PageV01P142 وطعن في عمرو ~~بن أبي عمرو ، وقد احتج به صاحبا الصحيح ، فإنكاره تعنت لا وجه له . | ~~وقالت طائفة : الآية محكمة لا دافع لها . | والصحيح أن الحكم معلل بعلة قد ~~أشارت إليها الآية ، فإن كان هناك ما يقوم مقام الاستئذان من فتح باب فتحه ~~دليل على الدخول ، أو رفع ستر ، أو تردد الداخل ونحوه ، أغنى عن الاستئذان ~~، وإن لم يكن ما يقوم مقامه ، فلا بد منه ، فإذا وجدت العلة ، وجد الحكم ، ~~وإذا انتفت انتفى . PageV01P143 # | 1 ( فصل ) # | ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ' إن الله يحب العطاس ، ويكره ~~التثاؤب ، فإذا عطس أحدكم وحمد الله كان حقا ، على كل مسلم سمعه أن يقول له ~~: يرحمك الله ، وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان ، فإذا تثاءب أحدكم ، ~~فليرده ما استطاع ، فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك الشيطان ' ذكره البخاري . وفي ~~' صحيحه ' أيضا : ' إذا عطس أحدكم ، فليقل : الحمد لله ، وليقل له أخوه أو ~~صاحبه : يرحمك الله . فإذا قال له : يرحمك الله . فليقل : يهديكم الله ~~ويصلح بالكم ' . | وفي ' صحيح مسلم ' : ' إذا عطس أحدكم ، فحمد الله ، ~~فشمتوه ، وإن لم يحمد الله ، فلا تشمتوه ' . وفي ' صحيحه ' : ' حق المسلم ~~على المسلم ست : إذا لقيته ، فسلم عليه ، وإذا دعاك فأجبه ، وإذا استنصحك ، ~~فانصح له ، وإذا عطس وحمد الله فشمته ms079 ، وإذا مات فاتبعه ، وإذا مرض فعده ' ~~. وللترمذي عن ابن عمر : علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العطاس أن ~~نقول : ' الحمد لله على كل حال ' . وذكر مالك عن نافع عن ابن عمر : إذا عطس ~~أحدكم ، فقيل له : يرحمك الله . فليقل : يرحمنا الله وإياكم ، ويغفر لنا ~~ولكم . وظاهر الحديث المبدوء به أن التشميت فرض عين اختاره ابن أبي زيد ، ~~ولا دافع له . | ولما كان العاطس قد حصل له بالعطاس نعمة ومنفعة بخروج ~~الأبخرة المحتقنة ، شرع له صلى الله عليه وسلم حمد الله على هذه النعمة مع ~~بقاء PageV01P144 أعضائه على هيئتها بعد هذه الزلزلة التي هي للبدن كزلزلة ~~الأرض لها . وكان إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه ، وخفض بها صوته ، ويذكر ~~عنه : أن التثاؤب الرفيع ، والعطسة الشديدة من الشيطان . | وصح عنه أنه عطس ~~عنده رجل ، فقال : ' يرحمك الله ' ثم عطس أخرى ، فقال له : ' الرجل مزكوم ' ~~لفظ مسلم ، ولفظ الترمذي أنه قاله بعد العطسة الثالثة ، وقال : حديث صحيح . ~~ولأبي داود عن أبي هريرة موقوفا : شمت أخاك ثلاثا ، فما زاد فهو زكام . فإن ~~قيل : الذي فيه زكام أولى أن يدعى له ! قيل : يدعى له كما يدعى للمريض ، ~~وأما سنة العطاس الذي يحبه الله وهو نعمة ، فإنه إلى تمام الثلاث ، وقوله : ~~' الرجل مزكوم ' تنبيه على الدعاء له بالعافية ، وفيه اعتذار من ترك تشميته ~~. | وإذا حمد الله فسمعه بعضهم دون بعض ، فالصواب أن يشمته من لم يسمعه إذا ~~تحقق أنه حمد الله ، والنبي صلى الله عليه وسلم قال : ' فإن حمد الله ، ~~فشمتوه ' ، وإذا نسي الحمد ، فقال ابن العربي : لا يذكره . وظاهر السنة ~~يقوي هذا القول : والنبي صلى الله عليه وسلم لم يذكره ، وهو أولى بفعل ~~السنة وتعليمها . وصح عنه أن اليهود كانوا يتعاطسون عنده يرجون أن يقول لهم ~~: يرحمكم الله . فيقول : ' يهديكم الله ويصلح بالكم ' . PageV01P145 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في آداب السفر ) # | صح عنه أنه قال : ' إذا هم أحدكم بالأمر ، فليركع ركعتين ' الحديث فعوض ~~أمته بهذا عما كان عليه ms080 أهل الجاهلية من زجر الطير ، والاستقسام بالأزلام ~~الذي نظيره هذه القرعة التي يفعلها إخوان المشركين يطلبون بها علم ما قسم ~~لهم في الغيب . ولهذا سمي استقساما ، فعوضهم بهذا الدعاء - الذي هو توحيد ~~وتوكل ، وسؤال للذي لا يأتي بالحسنات إلا هو ، ولا يصرف السيئات إلا هو - ~~عن التطير والتنجيم ، واختيار المطالع ونحوه ، فهذا الدعاء هو طالع أهل ~~السعادة لا طالع أهل الشرك @QB@ الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون ~~@QE@ ' سورة الحجر : 96 ' . وتضمن الإقرار بصفات كماله والإقرار بربوبيته ، ~~والتوكل عليه ، واعتراف العبد بعجزه عن العلم بمصالح نفسه ، وقدرته عليها ، ~~وإرادته لها . ولأحمد عن سعد مرفوعا : ' إن من سعادة ابن آدم استخارة الله ~~ورضاه بما قضى الله ، وإن من شقاوة ابن آدم ترك استخارة الله وسخطه بما قضى ~~الله ' فتأمل كيف وقع المقدور مكتنفا بأمرين : التوكل الذي هو مضمون ~~الاستخارة قبله ، والرضى بما يقضي الله بعده . | وكان إذا ركب راحلته كبر ~~ثلاثا ، ثم قال : ( سبحان الذي سخر PageV01P146 لنا هذا وما كنا له مقرنين ~~، وإنا إلى ربنا لمنقلبون ) ، ثم يقول : ' اللهم إني أسألك في سفري هذا ~~البر والتقوى ، ومن العمل ما ترضى ، اللهم هون علينا السفر ، واطو عنا بعده ~~، اللهم أنت الصاحب في السفر ، والخليفة في الأهل ، اللهم اصحبنا في سفرنا ~~، واخلفنا في أهلنا ' وكان إذا رجع قال : ' آيبون تائبون إن شاء الله ~~عابدون لربنا حامدون ' . وذكر أحمد عنه أنه إذا دخل البلد قال : ' توبا ~~توبا ، لربنا أوبا ، لا يغادر حوبا ' . | وكان إذا وضع رجله في الركاب ~~لركوب دابته قال : ' بسم الله ' فإذا استوى على ظهرها قال : ' الحمد لله ' ~~، ثم يقول : ( سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ) . | وكان إذا ~~ودع أصحابه في السفر يقول لأحدهم : ' أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم ~~عملك ' ، وقال له رجل : إني أريد سفرا . قال : ' أوصيك بتقوى الله ، ~~والتكبير على كل شرف ' . وكان هو وأصحابه إذا علوا الثنايا كبروا ، وإذا ~~هبطوا سبحوا ، فوضعت الصلاة على ذلك . وقال أنس : كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا علا ms081 شرفا من الأرض أو نشزا قال : ' اللهم لك الشرف على كل شرف ، ~~ولك الحمد على كل حال ' . وكان يقول : ' لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ~~ولا جرس ' . | وكان يكره للمسافر وحده أن يسير بالليل ، وقال : ' لو يعلم ~~الناس ما في الوحدة ما سار أحد وحده بليل ' ، بل كان يكره السفر للواحد ، ~~وأخبر أن ' الواحد شيطان والاثنان شيطانان ، والثلاثة ركب ' وكان يقول : ' ~~إذا نزل أحدكم منزلا فليقل : أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق . فإنه ~~لا يضره شيء حتى يرتحل منه ' وكان يقول : ' إذا سافرتم في PageV01P147 ~~الخصب ، فأعطوا الإبل حظها من الأرض ، وإذا سافرتم في السنة ، فأسرعوا ~~عليها السير ، وإذا عرستم ، فاجتنبوا الطريق ، فإنها طرق الدواب ، ومأوى ~~الهوام بالليل ' . وكان ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن ~~يناله العدو ، وكان ينهى المرأة أن تسافر بغير محرم ولو مسافة بريد ، ويأمر ~~المسافر إذا قضى نهمته من سفره أن يعجل الرجوع إلى أهله ، وينهى أن يطرق ~~الرجل أهله ليلا إذا طالت غيبته عنهم ، وإذا قدم من سفر تلقي بالولدان من ~~أهل بيته ، وكان يعتنق القادم من سفر ، ويقبله إذا كان من أهله . | قال ~~الشعبي : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدموا من سفر تعانقوا ~~، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين . PageV01P148 # | 1 ( فصل ) # | ثبت عنه أنه علمهم خطبة الحاجة : ' إن الحمد لله نحمده ونستعينه ~~ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا - وفي لفظ - : وسيئات أعمالنا ، من ~~يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل ، فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ' ثم يقرأ الثلاث الآيات : @QB@ يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن @QE@ الآية ' سورة آل عمران : 102 ' ~~@QB@ يا أيها الناس اتقوا ربكم @QE@ الآية ' سورة النساء : 1 ' @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم @QE@ ~~الآية ' سورة الأحزاب : 70 ، 71 ' . قال شعبة : قلت لأبي إسحاق : هذه في ~~خطبة النكاح أو في غيره ؟ قال ms082 : في كل حاجة . | وقال : ' إذا أفاد أحدكم ~~امرأة أو خادما أو دابة ، فليأخذ بناصيتها ، وليدع الله بالبركة ، ويسم ~~الله عز وجل ، وليقل : اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلت عليه ، وأعوذ بك ~~من شرها وشر ما جبلت عليه ' . | وكان يقول للمتزوج : ' بارك الله لك ، ~~وبارك عليك ، وجمع بينكما في خير ' . | وصح عنه أنه قال : ' ما من رجل رأى ~~مبتلى ، فقال : الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به ، وفضلني على كثير ممن ~~خلق تفضيلا . إلا لم يصبه ذلك البلاء كائنا ما كان ' . PageV01P149 | وذكر ~~عنه أنه ذكرت الطيرة عنده فقال : ' أحسنها الفأل ، ولا ترد مسلما ، فإذا ~~رأيت من الطيرة ما تكره ، فقل : اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ، ولا يدفع ~~السيئات إلا أنت ، ولا حول ولا قوة إلا بك ' . PageV01P150 # | 1 ( فصل ) # | وصح عنه : ' الرؤيا الصالحة من الله ، والرؤيا السوء من الشيطان ، فمن ~~رأى رؤيا يكره منها شيئا ، فلينفث عن يساره ، وليتعوذ بالله من الشيطان ، ~~فإنها لا تضره ، ولا يخبر بها أحدا ، فإن رأى رؤيا حسنة ، فليستبشر ولا ~~يخبر بها إلا من يحب ' وأمر من رأى ما يكره أن يتحول عن جنبه الذي كان عليه ~~، وأمره أن يصلي ، فأمره بخمسة أشياء : أن ينفث عن يساره ، وأن يستعيذ ~~بالله من الشيطان ، ولا يخبر بها أحدا ، وأن يتحول عن جنبه الذي كان عليه ، ~~وأن يقوم يصلي ، وقال : ' الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر ، فإذا عبرت وقعت ~~، ولا يقصها إلا على واد أو ذي رأي ' ويذكر عنه أنه كان يقول للرائي : ' ~~خيرا رأيت ' ثم يعبرها . PageV01P151 # | 1 ( فصل : فيما يقوله ويفعله من بلي بالوسواس ) # | عن عبد الله بن مسعود يرفعه : ' إن للملك بقلب ابن آدم لمة ، وللشيطان ~~لمة ، فلمة الملك إيعاد بالخير ، وتصديق بالحق ، ورجاء صالح ثواب ، ولمة ~~الشيطان إيعاد بالشر ، وتكذيب بالحق ، وقنوط من الخير ، فإذا وجدتم لمة ~~الملك ، فاحمدوا الله ، واسألوه من فضله ، وإذا وجدتم لمة الشيطان ، ~~فاستعيذوا بالله واستغفروه ' . | وقال له عثمان بن أبي العاص : قد حال ~~الشيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي ؟ قال ms083 : ' ذاك شيطان يقال له : خنزب ، ~~فإذا أحسسته ، فتعوذ بالله ، واتفل عن يسارك ثلاثا ' . | وشكا إليه الصحابة ~~أن أحدهم يجد في نفسه ما لأن يكون حممة أحب إليه من أن يتكلم به ، فقال : ' ~~الله أكبر ، الله أكبر ، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة ' وأرشد من ~~بلي بشيء من وسوسة التسلسل في الفاعلين إذا قيل له : هذا الله خلق الخلق ، ~~فمن خلق الله ؟ أن يقرأ ^ ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن ، وهو بكل شيء ~~عليم ) ^ ' سورة الحديد : 3 ' وكذلك قال ابن عباس لأبي زميل وقد سأله : ما ~~شيء أجده في صدري ؟ قال : ما هو ؟ قال : قلت : والله لا أتكلم به ، فقال : ~~أشيء من شك ؟ PageV01P152 قلت : بلى ، قال : ما نجا من ذلك أحد فإذا وجدت ~~في نفسك شيئا ، فقل : @QB@ هو الأول والآخر والظاهر @QE@ الآية . فأرشدهم ~~بالآية إلى بطلان التسلسل ببديهة العقل ، وأن سلسلة المخلوقات في ابتدائها ~~تنتهي إلى أول ليس قبله شيء ، كما تنتهي في آخرها إلى آخر ليس بعده شيء ، ~~كما أن ظهوره : هو العلو الذي ليس فوقه شيء ، وبطونه هو : الإحاطة التي لا ~~يكون دونه فيها شيء ، ولو كان قبله شيء يكون مؤثرا فيه ، لكان هو الرب ~~الخلاق ، فلا بد أن ينتهي الأمر إلى خالق غني عن غيره ، وكل شيء فقير إليه ~~، قائم بنفسه ، وكل شيء قائم به ، موجود بذاته ، قديم لا أول له ، وكل ما ~~سواه فوجوده بعد عدمه ، باق بذاته ، وبقاء كل شيء به . | وقال صلى الله ~~عليه وسلم : ' لا يزال الناس يتساءلون حتى يقول قائلهم : هذا الله خلق ~~الخلق ، فمن خلق الله ؟ فمن وجد من ذلك شيئا ، فليستعذ بالله ، ولينته ' . ~~وقال تعالى : @QB@ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله @QE@ الآية ' ~~سورة فصلت : 26 ' . ولما كان الشيطان نوعين : نوعا يرى عيانا وهو الإنسي ، ~~ونوعا لا يرى وهو الجني ، أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يكتفي ~~من شر الإنسي بالإعراض والعفو والدفع بالتي هي أحسن ، وشر الجني بالاستعاذة ~~، وجمع بين النوعين في ( سورة الأعراف ) و ( المؤمنين ) و ms084 ( فصلت ) . # % فما هو إلا الاستعاذة ضارعا % أو الدفع بالحسنى هما خير مطلوب % # % فهذا دواء الداء من شر ما يرى % % وذاك دواء الداء من شر محجوب % % ~~PageV01P153 # | 1 ( فصل ) # | وأمر صلى الله عليه وسلم من اشتد غضبه أن يطفيء جمرة الغضب بالوضوء ~~والقعود إن كان قائما ، والاضطجاع إن كان قاعدا ، والاستعاذة بالله من ~~الشيطان ، ولما كان الغضب والشهوة جمرتين من نار في قلب ابن آدم أمر أن ~~يطفئهما بما ذكر ، كقوله تعالى : @QB@ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ~~@QE@ الآية ' سورة البقرة : 44 ' ، وهذا إنما يحمل عليه شدة الشهوة ، ~~فأمرهم بما يطفئوا به جمرتها ، وهو الاستعانة بالصبر والصلاة ، وأمر تعالى ~~بالاستعاذة من الشيطان عند نزغاته . | ولما كانت المعاصي كلها تتولد من ~~الغضب والشهوة ، وكان نهاية قوة الغضب القتل ، ونهاية قوة الشهوة الزنا ، ~~قرن بينهما في سورة ' الأنعام ' و ' الإسراء ' و ' الفرقان ' . | وكان صلى ~~الله عليه وسلم إذا رأى ما يحب قال : ' الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ~~' وإذا رأى ما يكره قال : ' الحمد لله على كل حال ' ، وكان يدعو لمن تقرب ~~إليه بما يحب ، فلما وضع له ابن عباس وضوءه قال : ' اللهم فقهه في الدين ، ~~وعلمه التأويل ' . وقال لأبي قتادة لما دعمه بالليل لما مال عن راحلته : ' ~~حفظه الله بما حفظت به نبيه ' وقال : ' من صنع إليه معروف فقال لفاعله : ~~جزاك الله خيرا . فقد أبلغ في الثناء ' وقال للذي أقرضه لما وفاه : ' بارك ~~الله لك في أهلك ومالك ، إنما جزاء السلف PageV01P154 الحمد والأداء ' وإذا ~~أهديت إليه هدية كافأ بأكثر منها ، وإن لم يردها اعتذر إلى مهديها ، كقوله ~~للصعب ' إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم ' . | وأمر أمته إذا سمعوا نهيق ~~الحمار : أن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم ، وإذا سمعوا صياح الديك : ~~أن يسألوا الله من فضله . ويروى : أنه أمرهم بالتكبير عند الحريق ، فإنه ~~يطفئه ، وكره لأهل المجلس أن يخلو مجلسهم من ذكر الله عز وجل ، وقال : ' من ~~قعد مقعدا لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة ، ومن اضطجع مضجعا لا ~~يذكر الله ms085 فيه كانت عليه من الله ترة ' والترة : الحسرة . وقال : ' من جلس ~~مجلسا فكثر فيه لغطه ، فقال قبل أن يقوم من مجلسه : سبحانك اللهم وبحمدك ، ~~أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك ، وأتوب إليك إلا غفر له ما كان في مجلسه ~~ذلك ' وفي سنن أبي داود أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوله إذا أراد أن يقوم ~~من المجلس ، فسئل عنه ، فقال : ' ذلك كفارة لما يكون في المجلس ' . ~~PageV01P155 # | 1 ( فصل : في ألفاظ كان صلى الله عليه وسلم يكره أن تقال ) # | فمنها : خبثت نفسي ، أو جاشت ، ومنها أن يسمى العنب كرما ، وقول الرجل ~~: هلك الناس ، وقال : ' إذا قال ذلك ، فهو أهلكهم ' ، وفي معناه : فسد ~~الناس ، وفسد الزمان ونحوه . ونهى أن يقال : مطرنا بنوء كذا وكذا ، وما شاء ~~الله وشئت . | ومنها أن يحلف بغير الله ، ومنها أن يقول في حلفه : هو يهودي ~~أو نحوه إن فعل كذا ، ومنها أن يقول للسلطان : ملك الملوك ، ومنها قول ~~السيد : عبدي وأمتي ، ومنها سب الريح ، ومنها سب الحمى ، وسب الديك ، ~~والدعاء بدعوى الجاهلية ، كالدعاء إلى القبائل والعصبية لها ، ومثله التعصب ~~للمذاهب والطرائق والمشايخ ، ومنها تسمية العشاء بالعتمة ، تسمية غالبة ~~يهجر بها لفظ العشاء . | ومنها سباب المسلم ، وأن يتناجى اثنان دون الثالث ~~، وأن تخبر المرأة زوجها بمحاسن امرأة أخرى ، ومنها قول : اللهم اغفر لي إن ~~شئت . ومنها الإكثار من الحلف ، وأن يقول : قوس قزح ، وأن يسأل أحدا بوجه ~~الله ، وأن تسمى المدينة يثرب ، وأن يسأل الرجل فيم ضرب امرأته إلا إذا دعت ~~الحاجة إليه ، ومنها أن يقول : صمت رمضان كله ، وقمت الليل كله . ~~PageV01P156 | ومن الألفاظ المكروهة الإفصاح عن الأشياء التي ينبغي الكناية ~~عنها ، وأن يقال : أطال الله بقاءك . ونحو ذلك ، ومنها أن يقول الصائم : ~~وحق الذي خاتمه على فمي . فإنما يختم على فم الكافر ، وأن يقول للمكوس ~~حقوقا ، أو لما ينفقه في طاعة : خسرت كذا ، وأن يقول : أنفقت في هذه الدنيا ~~مالا كثيرا ، ومنها أن يقول المفتي : أحل الله كذا وحرم كذا . في مسائل ~~الاجتهاد ، ومنها أن تسمى ms086 أدلة القرآن والسنة مجازات ، ولا سيما إذا أضاف ~~إلى ذلك تسمية شبه المتكلمين قواطع عقلية ، فلا إله إلا الله كم حصل بهاتين ~~التسميتين من إفساد الدين والدنيا ! ومنها أن يحدث الرجل بما يكون بينه ~~وبين أهله كما يفعله السفلة . | ومما يكره من الألفاظ : زعموا وذكروا ~~وقالوا . ونحوه ، وأن يقال للسلطان : خليفة الله ، فإن الخليفة إنما يكون ~~عن غائب والله سبحانه خليفة الغائب في أهله . | وليحذر كل الحذر من طغيان ' ~~أنا ' و ' لي ' و ' عندي ' فإن هذه ابتلي بها إبليس وفرعون وقارون ف ( أنا ~~خير منه ) لإبليس و ( لي ملك مصر ) لفرعون و ( على علم عندي ) لقارون ، ~~وأحسن ما وضعت ' أنا ' في القول العبد : أنا العبد المذنب المستغفر المعترف ~~. ونحوه ، و ' لي ' في قوله : لي الذنب ، ولي الجرم ، ولي الفقر ، والذل ، ~~و ' عندي ' في قوله : اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي ، وكل ذلك عندي . ~~PageV01P157 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في الجهاد والغزوات ) # | لما كان الجهاد ذروة سنام الإسلام ، ومنازل أهله أعلى المنازل في الجنة ~~، كما لهم الرفعة في الدنيا ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذروة ~~العليا منه ، فاستولى على أنواعه كلها ، فجاهد في الله حق جهاده بالقلب ~~والجنان ، والدعوة والبيان ، والسيف والسنان ، فكانت ساعاته موقوفة على ~~الجهاد ، ولهذا كان أعظم العالمين عند الله قدرا . | وأمره تعالى بالجهاد ~~من حين بعثه ، فقال : @QB@ فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا @QE@ ' ~~سورة الفرقان : 52 ' فهذه سورة مكية أمره فيها بالجهاد بالبيان ، وكذلك ~~جهاد المنافقين إنما هو بالحجة وهو أصعب من جهاد الكفار ، وهو جهاد الخواص ~~، وأفراد العالم والمعاونون عليه ، وإن كانوا هم الأقلين عددا ، فهم ~~الأعظمون عند الله قدرا . | ولما كان من أفضل الجهاد قول الحق مع شدة ~~المعارض مثل أن يتكلم به عند من يخاف سطوته ، كان للرسل صلوات الله وسلامه ~~عليهم من ذلك الحظ الأوفر ، وكان له صلى الله عليه وسلم من ذلك أكمله وأتمه ~~، ولما كان جهاد أعداء الله فرعا على جهاد النفس ، كما قال ms087 صلى الله عليه ~~وسلم : ' المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله ' كان جهادها مقدما . فهذان ~~عدوان PageV01P158 قد امتحن العبد بجهادهما ، وبينهما عدو ثالث لا يمكنه ~~جهادهما إلا بجهاده وهو واقف بينهما يثبط عن جهادهما وهو الشيطان ، قال ~~الله تعالى : @QB@ إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا @QE@ الآية ' فاطر : 6 ~~' . | والأمر بذلك تنبيه على استفراغ الوسع في محاربته ، فهذه ثلاثة أعداء ~~أمر العبد بمحاربتها ، وسلطت عليه امتحانا من الله ، وأعطي العبد مددا وقوة ~~، وبلي أحد الفريقين بالآخر ، وجعل بعضهم لبعض فتنة ، ليبلو أخبارهم ، ~~فأعطى عباده الأسماع والأبصار والعقول والقوى ، وأنزل عليهم كتبه ، وأرسل ~~إليهم رسله ، وأمدهم بملائكته ، وأمرهم بما هو من أعظم العون لهم على حرب ~~عدوهم ، وأخبرهم أنهم إن امتثلوه فلن يزالوا منصورين وأنه إن سلط عليهم ، ~~فلتركهم بعض ما أمروا به ، ثم لم يؤيسهم بل أمرهم أن يداووا جراحهم ، ~~ويعودوا إلى مناهضة عدوهم بصبرهم ، وأخبرهم أنه مع المتقين منهم ، ومع ~~المحسنين ، ومع الصابرين ، ومع المؤمنين ، وأنه يدافع عن عباده المؤمنين ما ~~لا يدافعون عن أنفسهم ، بل بدفاعه عنهم انتصروا ، ولولا ذلك لاجتاحهم عدوهم ~~. | وهذه المدافعة بحسب إيمانهم ، فإن قوي إيمانهم قويت ، فمن وجد خيرا ~~فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك ، فلا يلومن إلا نفسه . وأمرهم أن يجاهدوا ~~فيه حق جهاده ، كما أمرهم أن يتقوه حق تقاته ، وكما أن حق تقاته أن يطاع ~~فلا يعصى ، ويذكر فلا ينسى ، ويشكر فلا يكفر ، فحق جهاده أن يجاهد نفسه ~~ليسلم قلبه ولسانه وجوارحه لله وبالله ، لا لنفسه ولا بنفسه ، ويجاهد ~~شيطانه بتكذيب وعده ومعصية أمره ، فإنه يعد بالأماني ، ويمني الغرور ، ~~ويأمر بالفحشاء ، وينهى عن الهدى وأخلاق PageV01P159 الإيمان كلها ، فينشأ ~~له من هذين الجهادين قوة وعدة يجاهد بهما أعداء الله بقلبه ولسانه ويده ~~وماله ، لتكون كلمة الله هي العليا . | واختلفت عبارات السلف في حق الجهاد ~~، فقال ابن عباس : هو استفراغ الطاقة فيه ، وأن لا يخاف في الله لومة لائم ~~. | وقال ابن المبارك : مجاهدة النفس والهوى . | ولم يصب من قال : إن ~~الآيتين منسوختان . لظنه تضمنهما ما ms088 لا يطاق ، وحق تقاته وحق جهاده : هو ما ~~يطيقه كل عبد في نفسه ، وذلك يختلف باختلاف أحوال المكلفين . وتأمل كيف عقب ~~الأمر بذلك بقوله : @QB@ هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج @QE@ ' ~~سورة الحج : 78 ' والحرج : الضيق . وقال صلى الله عليه وسلم : ' بعثت ~~بالحنيفية السمحة ' فهي في التوحيد ، سمحة في العمل ، وقد وسع الله سبحانه ~~على عباده غاية التوسعة في دينه ورزقه وعفوه ومغفرته ، فبسط عليهم التوبة ~~ما دامت الروح في الجسد ، وجعل لكم سيئة كفارة ، وجعل لكم ما حرم عوضا من ~~الحلال ، وجعل لكل عسر يمتحنهم به يسرا قبله ويسرا بعده ، فكيف يكلفهم ما ~~لا يسعهم ، فضلا عما لا يطيقونه . PageV01P160 # | 1 ( فصل ) # | إذا عرف هذا ، فالجهاد على أربع مراتب : جهاد النفس ، وهو أيضا أربع ~~مراتب . | أحدها : أن يجاهدها على تعلم الهدى . | الثانية : على العمل به ~~بعد علمه . | الثالثة : على الدعوة إليه ، وإلا كان من الذين يكتمون ما ~~أنزل الله . | الرابعة : على الصبر على مشاق الدعوة ، ويتحمل ذلك كله لله ، ~~فإذا استكمل هذه الأربع صار من الربانيين ، فإن السلف مجمعون على أن العالم ~~لا يكون ربانيا حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلمه . | المرتبة الثانية : جهاد ~~الشيطان ، وهو مرتبتان : | أحدهما : جهاده على دفع ما يلقي من الشبهات . | ~~الثانية : على دفع ما يلقي من الشهوات ، فالأولى بعدة اليقين ، والثانية ~~بعدة الصبر ، قال تعالى : @QB@ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ~~وكانوا بآياتنا يوقنون @QE@ ' السجدة : 24 ' . | المرتبة الثالثة : جهاد ~~الكفار والمنافقين ، وهو أربع مراتب ، بالقلب واللسان والمال والنفس ، ~~وجهاد الكفار أخص باليد ، وجهاد المنافقين أخص باللسان . | المرتبة الرابعة ~~: جهاد أرباب الظلم والمنكرات والبدع ، وهو PageV01P161 ثلاث مراتب . ~~الأولى باليد إذا قدر ، فإن عجز انتقل إلى اللسان ، فإن عجز جاهد بقلبه . | ~~فهذه ثلاث عشرة مرتبة من الجهاد ، و ' من مات ولم يغز ، ولم يحدث نفسه ~~بالغزو مات على شعبة من النفاق ' ولا يتم الجهاد إلا بالهجرة ، ولا الهجرة ~~والجهاد إلا بالإيمان ، والراجون لرحمة الله هم الذين قاموا بهذه الثلاثة ، ~~قال الله تعالى : @QB@ إن الذين ms089 آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله ~~أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم @QE@ ' البقرة 218 ' . | وكما أن ~~الإيمان فرض على كل أحد ، ففرض عليه هجرتان في كل وقت : هجرة إلى الله عز ~~وجل بالإخلاص ، وهجرة إلى رسوله بالمتابعة ، وفرض عليه جهاد نفسه وشيطانه ~~لا ينوب فيه أحد عن أحد . | وأما جهاد الكفار والمنافقين ، فقد يكتفي فيه ~~ببعض الأمة . PageV01P162 # | 1 ( فصل ) # | وأكمل الخلق عند الله عز وجل من كمل مراتب الجهاد كلها ، ولهذا كان ~~أكمل الخلق عند الله وأكرمهم على الله خاتم أنبيائه محمدا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، فإنه كمل مراتبه ، وجاهد في الله حق جهاده ، وشرع فيه من ~~حين بعثه الله إلى أن توفاه ، فإنه لما أنزل عليه : @QB@ يا أيها المدثر قم ~~فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر @QE@ ' سورة المدثر : 1 - 4 ' . شمر عن ساق ~~الدعوة ، وأقام أتم قيام ، ودعا إلى الله ليلا ونهارا سرا وجهارا ، ولما ~~أنزل عليه @QB@ فاصدع بما تؤمر @QE@ ' سورة الحجر : 94 ' صدع بأمر الله ، ~~لا تأخذه في الله لومة لائم ، فدعا إلى الله الكبير والصغير ، والحر والعبد ~~، والذكر والأنثى ، والجن والإنس . | ولما صدع بأمر الله ، وصرح لقومه ~~بالدعوة ، وبادأهم بسب آلهتهم ، وعيب دينهم ، اشتد أذاهم له ولمن استجاب له ~~، وهذه سنة الله عز وجل في خلقه ، كما قال تعالى : @QB@ ما يقال لك إلا ما ~~قد قيل للرسل من قبلك @QE@ ' سورة فصلت : 43 ' وقال تعالى : @QB@ وكذلك ~~جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن @QE@ الآية . ' سورة الأنعام : 112 ~~' وقال تعالى : @QB@ كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو ~~مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون @QE@ ' سورة الذاريات : 52 ، 53 ' فعزى ~~الله سبحانه نبيه بذلك وأن له أسوة بمن تقدمه ، وعزى أتباعه بقوله : @QB@ ~~أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم @QE@ الآية ' ~~سورة البقرة : 214 ' وقوله : ^ ( آلم . PageV01P163 أحسب الناس أن يتركوا ~~أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ) ^ إلى قوله : ^ ( أوليس الله بأعلم بما في ~~صدور العالمين ) ^ ' العنكبوت : 1 - 10 ms090 ' . | فليتأمل العبد سياق هذه ~~الآيات ، وما تضمنته من العبر وكنوز الحكم ، فإن الناس إذا أرسل إليهم ~~الرسل بين أمرين : إما أن يقول أحدهم : آمنا ، وإما أن لا ، بل يستمر على ~~السيئات ، فمن قال : آمنا ، فتنه ربه ، والفتنة : الابتلاء والاختبار ، ~~ليتبين الصادق من الكاذب ، ومن لم يقل : آمنا ، فلا يحسب أنه يفوت الله ~~ويسبقه ، فمن آمن بالرسل ، عاداه أعداؤهم ، وآذوه ، فابتلي بما يؤلمه ، ومن ~~لم يطعهم عوقب في الدنيا والآخرة . | فلا بد من حصول الألم لكل نفس ، لكن ~~المؤمن يحصل له الألم ابتداء ، ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة ، ~~والمعرض تحصل له اللذة ابتداء ، ثم يصير إلى الألم الدائم ، وسئل الشافعي ~~رحمه الله : أيما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى ؟ فقال : لا يمكن حتى يبتلى ~~. والله عز وجل ابتلى أولي العزم من رسله ، فلما صبروا مكنهم ، فلا يظن أحد ~~أنه يخلص من الألم ألبتة فأعقلهم من باع ألما مستمرا بألم منقطع ، وأسفههم ~~من باع الألم المنقطع اليسير بالألم المستمر العظيم . | فإن قيل : كيف ~~يختار العاقل هذا ؟ قيل : الحامل له على هذا النقد والنسيئة ، والنفس موكلة ~~بالعاجل ^ ( كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة ) ^ ' سورة القيامة : 20 ، ~~21 ' . ^ ( إن هؤلاء يحبون العاجلة ) ^ الآية . ' الدهر : 27 ' . | وهذا ~~يحصل لكل أحد ، فإن الإنسان لا بد له أن يعيش مع الناس ، ولهم إرادات ~~يطلبون منه موافقتهم عليها ، فإن لم يفعل آذوه ، PageV01P164 وعذبوه ، وإن ~~وافقهم حصل له الأذى والعذاب ، تارة منهم ، وتارة من غيرهم ، كمن عنده دين ~~وتقى حل بين قوم ظلمة لا يتمكنون من ظلمهم إلا بموافقته لهم ، أو سكوته ~~عنهم ، فإن فعل سلم من شرهم في الابتداء ، ثم يتسلطون عليه بالإهانة والأذى ~~أضعاف ما كان يخافه ابتداء لو أنكر عليهم ، وإن سلم منهم ، فلا بد أن يهان ~~على يد غيرهم . | فالحزم كل الحزم الأخذ بما قالته عائشة رضي الله عنها ~~لمعاوية : ' من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس ، ومن أرضى ~~الناس بسخط الله ، لم يغنوا عنه من الله شيئا ' . | ومن تأمل أحوال ms091 العالم ~~، رأى هذا كثيرا ، فيمن يعين الرؤساء وأهل البدع هربا من عقوبتهم ، فمن ~~وقاه الله شر نفسه ، امتنع من الموافقة على المحرم ، وصبر على عداوتهم ، ثم ~~تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة ، كما كانت لمن ابتلي من العلماء وغيرهم ~~. | ولما كان الألم لا مخلص منه ألبتة ، عزى الله سبحانه من اختار الألم ~~المنقطع بقوله : @QB@ من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع ~~العليم @QE@ ' سورة العنكبوت : 5 ' فضرب لهذا الألم المنقطع أجلا وهو يوم ~~لقائه ، فيلتذ العبد أعظم لذة بما تحمل من الألم لأجله ، وأكد هذا العزاء ~~برجاء اللقاء ، ليحمل العبد اشتياقه إلى ربه على تحمل الألم العاجل ، بل ~~ربما غيبه الشوق عن شهود والإحساس به ، ولهذا سأل صلى الله عليه وسلم ربه ~~الشوق إلى لقائه ، وشوقه من أعظم النعم ، ولكن لهذه النعمة أقوال وأعمال ~~هما السبب الذي تنال به ، والله سبحانه سميع لتلك الأقوال ، عليم بتلك ~~الأعمال ، عليم بمن يصلح لهذه النعمة ، كما قال تعالى : ^ ( وكذلك ~~PageV01P165 فتنا بعضهم ببعض ) ^ الآية . ' سورة الأنعام : 53 ' فإذا فاتت ~~العبد نعمة ، ليقرأ على نفسه : ^ ( أليس الله بأعلم بالشاكرين ) ^ ' سورة ~~الأنعام : 53 ' ثم عزاهم تعالى بعزاء آخر ، وهو أن جهادهم فيه إنما هو ~~لأنفسهم ، وأنه غني عن العالمين ، فمصلحة هذا الجهاد ترجع إليهم لا له ~~سبحانه ، ثم أخبر أنه يدخلهم بجهادهم وإيمانهم في زمرة الصالحين ، ثم أخبر ~~عن حال الداخل في الإيمان بلا بصيرة ، وأنه يجعل فتنة الناس ، أي أذاهم له ~~ونيلهم إياه بالألم الذي لا بد منه ، كعذاب الله الذي فر منه المؤمنون ~~بالإيمان ، فإذا جاء نصر الله لجنده قال : إني معكم . والله أعلم بما انطوى ~~عليه صدره من النفاق . | والمقصود أن الحكمة اقتضت أنه سبحانه لا بد أن ~~يمتحن النفوس ، فيظهر طيبها من خبيثها ، إذ النفس في الأصل جاهلة ظالمة ، ~~وقد حصل لها بذلك من الخبث ما يحتاج خروجه إلى التصفية ، فإن خرج في هذه ~~الدار ، وإلا ففي كير جهنم ، فإذا نقي العبد أذن له في دخول الجنة . ~~PageV01P166 # | 1 ( فصل ms092 ) # | ولما دعا إلى الله ، استجاب له عباد الله من كل قبيلة ، فكان حائز قصب ~~سبقهم صديق الأمة أبو بكر ، فآزره في دين الله ، ودعا معه إلى الله ، ~~فاستجاب لأبي بكر عثمان وطلحة وسعد . | وبادرت إلى الاستجابة صديقة النساء ~~خديجة ، وقامت بأعباء الصديقية ، وقال لها : ' لقد خشيت على نفسي ' فقالت : ~~أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا . ثم استدلت بما فيه من الصفات على أن من ~~كان كذلك ، لم يخزه الله أبدا ، فعلمت بفطرتها ، وكمال عقلها أن الأعمال ~~الصالحة ، والأخلاق الفاضلة تناسب كرامة الله وإحسانه ، لا تناسب الخزي . | ~~وبهذا العقل استحقت الصديقة أن يرسل إليها ربها السلام منه مع رسوليه جبريل ~~ومحمد عليهما السلام . | وبادر إلى الإسلام علي بن أبي طالب ، وهو ابن ثمان ~~سنين ، وقيل : أكثر . وكان في كفالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذه من ~~عمه إعانة له في سنة محل . | وبادر زيد بن حارثة حب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، وكان غلاما لخديجة ، فوهبته له ، وجاء أبوه وعمه في فدائه ، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' فهلا غير ذلك ' فأخيره ، فإن ~~اختاركم فهو لكم ، PageV01P167 وإن اختارني ، فوالله ما أنا بالذي أختار ~~على من اختارني أحدا ' قالا : قد رددتنا على النصف ، وأحسنت . فدعاه فخيره ~~، فقال : ما أنا بالذي أختار عليك أحدا . قالا : ويحك يا زيد ، أتختار ~~العبودية على الحرية ، وعلى أهل بيتك ؟ قال : نعم لقد رأيت من هذا الرجل ~~شيئا ما أنا بالذي أختار عليه أحدا أبدا ، فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أخرجه إلى الحجر ، فقال : ' أشهدكم أن زيدا ابني أرثه ويرثني ' ، ~~فلما رأيا ذلك طابت نفوسهما وانصرفا ، ودعي زيد بن محمد حتى جاء الله ~~بالإسلام ، فنزلت : @QB@ ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله @QE@ ' سورة ~~الأحزاب : 5 ' فدعي من يومئذ زيد بن حارثة . قال معمر عن الزهري : ما علمنا ~~أحدا أسلم قبل زيد . | وأسلم ورقة بن نوفل ، وفي ' جامع الترمذي ' : أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه في المنام في هيئة حسنة . | ودخل ms093 الناس ~~في دين الله واحدا بعد واحد ، وقريش لا تنكر ذلك حتى بادأهم بعيب دينهم ، ~~وسب آلهتهم ، فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة ، فحمى الله رسوله ~~بأبي طالب ، لأنه كان شريفا معظما فيهم ، وكان من حكمة أحكم الحاكمين بقاؤه ~~على دين قومه لما في ذلك من المصالح التي تبدو لمن تأملها . | وأما أصحابه ~~، فمن كانت له عشيرة تحميه ، امتنع بهم ، وسائرهم تصدوا له بالعذاب ، ومنهم ~~عمار وأمه وأهل بيته ، فإنهم عذبوا في الله ، وكان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا مر بهم وهم يعذبون يقول : ' صبرا يا آل ياسر ، فإن موعدكم الجنة ' ~~ومنهم بلال ، فإنه عذب في الله أشد PageV01P168 العذاب ، هان عليهم ، وهانت ~~عليه نفسه في الله ، وكان كلما اشتد به العذاب يقول : أحد أحد . فيمر به ~~ورقة بن نوفل ، فيقول : إي والله يا بلال أحد أحد ، أما والله لئن قتلتموه ~~لأتخذنه حنانا . | ولما اشتد أذاهم على المؤمنين ، وفتن منهم من فتن ، أذن ~~الله سبحانه لهم في الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة ، وكان أول من هاجر إليها ~~عثمان ، ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانوا اثني ~~عشر رجلا ، وأربع نسوة خرجوا متسللين سرا فوفق الله لهم ساعة وصولهم إلى ~~الساحل سفينتين ، فحملوهم ، وكان مخرجهم في رجب من السنة الخامسة من المبعث ~~، وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤا ساحل البحر ، فلم يدركوهم ، ثم بلغهم أن ~~قريشا قد كفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعوا ، فلما كانوا دون ~~مكة بساعة ، بلغهم أنهم أشد ما كانوا عداوة ، فدخل من دخل منهم بجوار . وفي ~~تلك المرة دخل ابن مسعود ، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في ~~الصلاة ، فلم يرد عليه ، هذا هو الصواب ، كذا قال ابن إسحاق قال فلما بلغهم ~~أن ذلك باطل ، لم يدخل أحد منهم إلا بجوار أو مستخفيا ، وكان ممن قدم منهم ~~، فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة ، فشهد بدرا ، وأحدا . فذكر منهم ابن ~~مسعود . | وحديث زيد بن أرقم أجيب عنه ms094 بجوابين : | أحدهما : أن النهي ثبت ~~بمكة ، ثم أذن فيه بالمدينة ، ثم نهى عنه . | الثاني : أن زيدا من صغار ~~الصحابة ، وكان هو وجماعة يتكلمون في الصلاة على عادتهم ، ولم يبلغهم النهي ~~، فلما بلغهم انتهوا . ثم اشتد البلاء من قريش على من قدم من الحبشة وغيرهم ~~، وسطت بهم عشائرهم ، PageV01P169 فأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في الخروج إلى أرض الحبشة مرة ثانية ، فكان خروجهم الثاني أشق عليهم ، ~~ولقوا من قريش أذى شديدا ، وصعب عليهم ما بلغهم عن النجاشي من حسن جواره ~~لهم . | فكان عدة من خرج في هذه المرة ثلاثة وثمانين رجلا إن كان عمار بن ~~ياسر فيهم ، ومن النساء تسع عشرة امرأة ، قلت : قد ذكر في هذه الثانية ~~عثمان وجماعة ممن شهد بدرا ، فإما أن يكون وهما ، وإما أن تكون لهم قدمة ~~أخرى قبل بدر ، فيكون لهم ثلاث قدمات ، ولذلك قال ابن سعد وغيره ، إنهم لما ~~سمعوا مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلا ، ~~ومن النساء ثمان ، فمات منهم رجلان بمكة ، وحبس بمكة سبعة وشهد بدرا منهم ~~أربعة وعشرون رجلا ، فلما كان شهر ربيع الأول سنة سبع من الهجرة كتب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كتابا إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام مع عمرو بن ~~أمية فأسلم ، وقال : لو قدرت أن آتيه لأتيته ، وكتب إليه أن يزوجه أم حبيبة ~~، وكانت فيمن هاجر مع زوجها عبيد الله بن جحش ، فتنصر هناك ، ومات نصرانيا ~~، فزوجه النجاشي إياها ، وأصدقها عنه أربعمائة دينار ، وكان الذي ولي ~~تزويجها خالد بن سعيد بن العاص ، وكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يبعث إليه من بقي عنده من أصحابه ، ويحملهم ، فحملهم في سفينتين مع عمرو ~~بن أمية ، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر ، فوجدوه قد ~~فتحها . | وعلى هذا فيزول الإشكال الذي بين حديث ابن مسعود ، وحديث زيد بن ~~أرقم ، ويكون تحريم الكلام بالمدينة ، فإن قيل : فما أحسنه لولا ~~PageV01P170 أن ابن إسحاق قد قال ما حكيتم عنه ms095 أن ابن مسعود أقام بمكة ؟ ~~قيل : قد ذكر ابن سعد أنه أقام بمكة يسيرا ، ثم رجع إلى الحبشة ، وهذا هو ~~الأظهر ، لأنه لم يكن له بمكة من يحميه ، فتضمن هذا زيادة أمر خفي على ابن ~~إسحاق ، وابن إسحاق لم يذكر من حدثه ، وابن سعد أسنده إلى المطلب بن عبد ~~الله بن حنطب ، فزال الإشكال ولله الحمد . | وقد ذكر ابن إسحاق في هذه ~~الهجرة أبا موسى الأشعري ، وأنكر هذا عليه الواقدي وغيره ، وقالوا : كيف ~~يخفى هذا على من دونه ؟ قلت ؛ ليس هذا مما يخفى على من دونه فضلا عنه ؟ ! ~~وإنما نشأ الوهم أن أبا موسى هاجر من اليمن إلى عند جعفر وأصحابه ، ثم قدم ~~معهم ، فعده ابن إسحاق لأبي موسى هجرة ، ولم يقل : إنه هاجر من مكة لينكر ~~عليه . PageV01P171 # | 1 ( فصل ) # | وانحاز المسلمون إلى النجاشي آمنين ، فبعثت قريش في آثارهم عبد الله ~~ابن أبي ربيعة ، وعمرو بن العاص بهدايا للنجاشي ليردهم عليهم ، وتشفعوا ~~إليه بعظماء جنده ، فأبى ذلك ، فوشوا إليه أنهم يقولون في عيسى قولا عظيما ~~، يقولون : إنه عبد ، فاستدعاهم ومقدمهم جعفر بن أبي طالب ، فلما أرادوا ~~الدخول عليه ، قال جعفر : يستأذن عليك حزب الله ، فقال للآذن : قل له يعيد ~~استئذانه . فأعاده . فلما دخلوا ، قال : ما تقولون في عيسى ؟ فتلا عليه ~~جعفر صدرا من ( كهيعص ) فأخذ النجاشي عودا من الأرض ، فقال : ما زاد عيسى ~~على هذا ولا مثل هذا العود ، فتناخرت بطارقته حوله ، قال : وإن نخرتم ، وإن ~~نخرتم . قال : اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي ، من سبكم غرم . والسيوم بلسانهم ~~الآمنون . وقال للرسولين : لو أعطيتموني دبرا من ذهب - يقول : جبلا من ذهب ~~- ما أسلمتهم إليكما . ثم أمر ، فردت عليهما هداياهما ، ورجعا مقبوحين . | ~~ثم أسلم حمزة وجماعة كثيرون ، فلما رأت قريش أن أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يعلو الأمور ، أجمعوا على أن يتعاقدوا على بني هاشم وبني المطلب ~~أن لا يبايعوهم ، ولا يناكحوهم ، ولا يكلموهم ، ولا يجالسوهم حتى يسلموا ~~إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكتبوا بذلك صحيفة ، وعلقوها في سقف ms096 ~~الكعبة كتبها بغيض بن عامر بن هاشم ، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، فشلت يده ، فانحازوا مؤمنهم وكافرهم PageV01P172 إلى الشعب إلا أبا ~~لهب ، فإنه ظاهر قريشا عليهم ، وذلك سنة سبع من البعثة ، وبقوا محبوسين ~~مضيقا عليهم جدا نحو ثلاث سنين ، حتى بلغهم الجهد ، وسمع أصوات صبيانهم ~~بالبكاء من وراء الشعب . | وهناك عمل أبو طالب قصيدته اللامية ، وقريش بين ~~راض وكاره ، فسعى في نقضها كل من كان كارها لها ، واطلع الله رسوله على أمر ~~صحيفتهم وأنه سلط عليها الأرضة ، فأكلت ما فيها من قطيعة وظلم إلا ذكر الله ~~عز وجل ، فأخبر بذلك عمه ، فخرج إلى قريش وأخبرهم ، وقال : إن كان كاذبا ~~خلينا بينكم وبينه ، وإن كان صادقا رجعتم . قالوا : أنصفت . فأنزلوها ، ~~فلما رأوا الأمر كذلك ، ازدادوا كفرا إلى كفرهم . | وخرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ومن معه من الشعب ، ومات أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر ، ~~وماتت خديجة بعده بثلاثة أيام ، وقيل غير ذلك ، فاشتد البلاء على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من سفهاء قومه ، فخرج إلى الطائف رجاء أن ينصروه عليهم ~~، ودعا إلى الله ، فلم ير من يؤوي ، ولم ير ناصرا ، وآذوه أشد الأذى ، ~~ونالوا منه ما لم ينل قومه ، ومعه زيد بن حارثة ، فأقام بينهم عشرة أيام لا ~~يدع أحدا من أشرافهم إلا كلمه ، فقالوا : اخرج من بلدنا . وأغروا به ~~سفهاءهم ، فوقفوا له سماطين ، وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه ، ~~وزيد يقيه بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه ، فانصرف إلى مكة محزونا . | وفي ~~مرجعه ذلك دعا بالدعاء المشهور : ' اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ~~' الخ . . . . PageV01P173 | فأرسل ربه تبارك وتعالى إليه ملك الجبال ~~يستأمره أن يطبق الأخشبين على أهل مكة ، وهما جبلاهما اللذان هي بينهما ، ~~فقال : ' بل أستأني بهم لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئا ~~' . | فلما نزل بنخلة في مرجعه ، قام يصلي من الليل ، فصرف الله إليه نفرا ~~من الجن ، فاستمعوا قراءته ولم يشعر بهم حتى نزل عليه : @QB@ وإذ صرفنا ms097 ~~إليك نفرا من الجن @QE@ الآية ' سورة الأحقاف : 29 ' وأقام بنخلة أياما ، ~~قال له زيد : كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك ؟ يعني قريشا قال : ' يا زيد إن ~~الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا ، وإن الله ناصر دينه ، ومظهر نبيه ' . | ~~فلما انتهى إلى مكة ، أرسل رجلا من خزاعة إلى مطعم بن عدي ' أدخل في جوارك ~~' ؟ فقال : نعم . فدعا بنيه وقومه ، وقال : البسوا السلاح ، وكونوا عند ~~أركان البيت ، فإني قد أجرت محمدا . | فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام ، فقام المطعم على راحلته ، ~~فنادى : يا معشر قريش إني قد أجرت محمدا ، فلا يهجه أحد منكم . | فانتهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الركن ، فاستلمه ، وصلى ركعتين ، وانصرف ~~إلى بيته ومطعم وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته . PageV01P174 # | 1 ( فصل ) # | ثم أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم بجسده على الصحيح من المسجد ~~الحرام إلى البيت المقدس راكبا على البراق صحبة جبرائيل ، فنزل هناك ، وصلى ~~بالأنبياء إماما ، وربط البراق بحلقة باب المسجد ، وقيل : إنه نزل بيت لحم ~~، ولا يصح عنه ذلك ألبتة . | ثم عرج به تلك الليلة من بيت المقدس إلى ~~السماء الدنيا ، فاستفتح له جبرائيل ، ففتح لهما ، فرأى هناك آدم أبا البشر ~~صلى الله عليه وسلم ، فسلم عليه ، فرد عليه السلام ، ورحب به ، وأقر بنبوته ~~، وأراه الله أرواح السعداء من بنيه عن يمينه ، وأرواح الأشقياء عن يساره . ~~| ثم عرج به إلى السماء الثانية ، فرأى فيها يحيى وعيسى ، ثم عرج به إلى ~~السماء الثالثة ، فرأى فيها يوسف ، ثم إلى الرابعة ، فرأى فيها إدريس ، ثم ~~إلى الخامسة ، فلقي فيها هارون ، ثم إلى السادسة ، فلقي فيها موسى ، فلما ~~جاوزه بكى ، فقيل له : ما يبكيك ؟ قال : لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من ~~أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي ، ثم إلى السابعة ، فلقي فيها إبراهيم ، ثم ~~رفعت له سدرة المنتهى ، ثم رفع له البيت المعمور ، ثم عرج به إلى الجبار جل ~~جلاله ، فدنا منه حتى @QB@ كان قاب قوسين ms098 أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ~~@QE@ . | وفرض عليه خمسين صلاة ، فرجع حتى مر على موسى فقال : PageV01P175 ~~بم أمرت ؟ قال : ' بخمسين صلاة ' قال : إن أمتك لا تطيق ذلك ، ارجع إلى ربك ~~، فاسأله التخفيف لأمتك ، فالتفت إلى جبريل كأنه يستشيره ، فأشار : أن نعم ~~إن شئت . فعلا به جبرائيل حتى أتى به الجبار تبارك وتعالى وهو مكانه . هذا ~~لفظ البخاري في ' صحيحه ' . | وفي بعض الطرق : فوضع عنه عشرا ، ثم نزل حتى ~~مر بموسى ، فأخبره ، فقال : ارجع إلى ربك ، فاسأله التخفيف ، فلم يزل يتردد ~~بين موسى وبين الله تبارك وتعالى حتى جعلها خمسا فأمره موسى بالرجوع وسؤال ~~التخفيف . قال : ' قد استحييت من ربي ، ولكني أرضى وأسلم ' فلما نفذ ، نادى ~~مناد : ' قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي ' . | واختلف الصحابة : هل رأى ~~ربه تلك الليلة أم لا ؟ فصح عن ابن عباس أنه رآه ، وصح عنه أنه قال : رآه ~~بفؤاده ، وصح عن عائشة وابن مسعود إنكار ذلك ، وقالا : إن قوله @QB@ ولقد ~~رآه نزلة أخرى @QE@ إنما هو جبرائيل ، وصح عن أبي ذر أنه سأله : هل رأيت ~~ربك ؟ قال : ' نور أنى أراه ' أي : حال بيني وبين رؤيته النور ، كما في ~~اللفظ الآخر : ' رأيت نورا ' . | وحكى الدارمي اتفاق الصحابة أنه لم يره . ~~| قال شيخ الإسلام : وليس قول ابن عباس مناقضا لهذا ، ولا قوله : رآه ~~بفؤاده . وقد صح عنه : ' رأيت ربي تبارك وتعالى ' لكن هذا في المدنية في ~~منامه . | وعلى هذا بنى الإمام أحمد ، فقال : نعم رآه ، فإن رؤيا الأنبياء ~~PageV01P176 حق ولا بد ، ولم يقل : إنه رآه في يقظته ، لكن مرة قال : رآه ، ~~ومرة قال : رآه بفؤاده ، وحكيت عنه رواية من تصرف بعض أصحابه أنه رآه بعيني ~~رأسه ، وهذه نصوصه موجودة ليس فيها ذلك ، وأما قوله ابن عباس : إنه رآه ~~بفؤاده مرتين ، فإن كان استناده إلى قوله : @QB@ ما كذب الفؤاد ما رأى @QE@ ~~ثم قال : @QB@ ولقد رآه نزلة أخرى @QE@ والظاهر أنه مستنده ، فصح عنه صلى ~~الله عليه وسلم أن هذا المرئي جبرائيل رآه في صورته مرتين ، وقول ابن عباس ~~هذا ، هو ms099 مستند أحمد في قوله : رآه بفؤاده . | وأما قوله : ^ ( ثم دنى ~~فتدلى ) ^ فهذا غير الدنو والتدلي في قصة الإسراء ، فالذي في القرآن ~~جبرائيل كما قالت عائشة وابن مسعود ، والسياق يدل عليه ، فإنه قال : @QB@ ~~علمه شديد القوى @QE@ إلى آخره . | وأما ' الدنو ' و ' التدلي ' في الحديث ~~، فهو صريح أنه دنو الرب تبارك وتعالى وتدليه . | فلما أصبح صلى الله عليه ~~وسلم في قومه ، أخبرهم ، فاشتد تكذيبهم له ، وسألوه أن يصف لهم بيت المقدس ~~، فجلاه الله حتى عاينه ، وطفق يخبرهم عنه ، ولا يستطيعون أن يردوا عليه ، ~~وأخبرهم عن عيرهم ، في مسراه ورجوعه ، وعن وقت قدومها ، والبعير الذي ~~يقدمها ، فكان الأمر كما قال ، فلم يزدهم ذلك إلا ثبورا . | ونقل ابن إسحاق ~~عن عائشة ومعاوية أنهما قالا : إن الإسراء بروحه ، ولكن ينبغي أن يعلم ~~الفرق بين أن يقال : كان الإسراء مناما ، وبين ذلك وبينهما فرق عظيم ، وهما ~~لم يقولا إن الإسراء كان مناما فإن ما يراه النائم قد يكون PageV01P177 ~~أمثالا مضروبة للمعلوم في الصور المحسوسة ، فيرى كأنه قد عرج به إلى السماء ~~، أو ذهب به إلى مكة ، وروحه لم تصعد ، ولم يذهب ، وإنما ملك الرؤيا ضرب له ~~المثال ، والذين قالوا : عرج بروحه . لم يريدوا أنه كان مناما ، وإنما ~~أرادوا أن الروح عرج بها حقيقة ، وباشرت منه جنس ما تباشر بعد المفارقة ، ~~لكن لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام خرق العوائد حتى يشق ~~بطنه وهو حي لا يتألم ، عرج بذات روحه حقيقة من غير إماتة ، ومن سواه لا ~~تنال روحه ذلك إلا بعد الموت ، فإن الأنبياء إنما استقرت أرواحهم في الرفيق ~~الأعلى بعد موتهم ، ومع هذا فلها إشراف على البدن بحيث يرد السلام على من ~~سلم عليه ، وبهذا التعلق رأى موسى يصلي في قبره ، ورآه في السماء . | ~~ومعلوم أنه لم يعرج به من قبره ، ثم رد عليه ، بل ذلك مقام روحه واستقرارها ~~، وقبره مقام بدنه واستقراره إلى معاد الأرواح إلى أجسادها ، ومن كثف ~~إدراكه عن هذا ، فلينظر إلى الشمس في علو محلها وتأثيرها في ms100 الأرض وحياة ~~النبات والحيوان بها ، وشأن الروح فوق هذا . # % فقل للعيون الرمد إياك أن تري % % سنا الشمس فاستغشي ظلام اللياليا % % ~~قال ابن عبد البر : كان بين الإسراء والهجرة سنة وشهران انتهى . وكان ~~الإسراء مرة ، وقيل : مرتين ، مرة يقظة ، ومرة مناما ، وأرباب هذا كأنهم ~~أرادوا أن يجمعوا بين حديث شريك وغيره ، لقوله فيه : ' ثم استيقظت وأنا في ~~المسجد ' وقوله فيه : ' وذلك قبل أن يوحى إليه ' PageV01P178 | ومنهم من ~~قال : ثلاث مرات . وكل هذا خبط ، وهذه طريقة ضعفاء الظاهرية من أرباب النقل ~~، والصواب الذي عليه أئمة أهل النقل أن الإسراء كان مرة واحدة ، ويا عجبا ~~لهؤلاء كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة تفرض عليه الصلاة خمسين . | وقد ~~غلط الحفاظ شريكا في ألفاظ من حديث الإسراء ، ومسلم أورد المسند منه ، ثم ~~قال : فقدم وأخر وزاد ونقص . ولم يسرد الحديث ، وأجاد رحمه الله . ~~PageV01P179 # | 1 ( فصل : في مبدأ الهجرة التي فرق الله بها بين أوليائه وأعدائه ~~وجعلها مبدأ لإعزاز دينه ونصرة رسوله ) # | قال الزهري : حدثني محمد بن صالح ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، ويزيد بن ~~رومان وغيرهما قالوا : أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث سنين ~~من أول نبوته مستخفيا ، ثم أعلن في الرابعة ، فدعا الناس إلى الإسلام عشر ~~سنين يوافي الموسم كل عام يتبع الحاج في منازلهم ، وفي المواسم بعكاظ ومجنة ~~وذي المجاز يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة ، فلا يجد ~~أحدا ينصره ، ولا يجيبه حتى إنه ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة ، ~~فيقول : ' يا أيها الناس قولوا : لا إله إلا الله . تفلحوا وتملكوا بها ~~العرب ، وتدين لكم بها العجم فإذا متم كنتم ملوكا في الجنة ' وأبو لهب ~~وراءه يقول : لا تطيعوه ، فإنه صابيء كذاب . فيردون على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أقبح الرد ، ويؤذونه ، ويقولون : عشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك ، ~~وهو يدعوهم إلى الله ، ويقول : ' اللهم لو شئت لم يكونوا هكذا ' قال : وكان ~~من سمي لنا من القبائل الذين عرض نفسه عليهم ms101 بنو عامر بن صعصعة ، ومحارب بن ~~خصفة ، وفزارة ، وغسان ، ومرة ، وحنيفة ، وسليم ، وعبس ، وبنو نضر ، ~~PageV01P180 وبنو البكاء ، وكندة ، وكلب ، والحارث بن كعب ، وعذره ، ~~والحضارمة ، فلم يستجب منهم أحد . | وكان مما صنع الله لرسوله أن الأوس ~~والخزرج كانوا يسمعون من حلفائهم يهود المدينة أن نبيا سيخرج في هذا الزمان ~~فنتبعه ، ونقتلكم معه قتل عاد وإرم ، وكانت الأنصار يحجون كما كانت العرب ~~تحج دون اليهود ، فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى ~~الله ، وتأملوا أحواله ، قال بعضهم لبعض : تعلمون والله يا قوم أن هذا الذي ~~توعدكم به اليهود ، فلا يسبقنكم إليه . وكان سويد بن الصامت من الأوس قد ~~قدم مكة ، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يبعد ثم قدمها أنس بن ~~رافع في فتية من بني عبد الأشهل يطلبون الحلف ، فدعاهم إلى الإسلام ، فقال ~~إياس بن معاذ وكان شابا : يا قوم هذا والله خير ما جئنا له . فضربه أنس ~~وانتهره ، فسكت ، فانصرفوا إلى المدينة . | ثم إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لقي عند العقبة في الموسم ستة نفر كلهم من الخزرج : أسعد بن زرارة ، ~~وجابر بن عبد الله ، وعوف بن الحارث ، ورافع بن مالك ، وقطبة بن عامر ، ~~وعقبة بن عامر ، فدعاهم إلى الإسلام ، فأسلموا ، ثم رجعوا إلى المدينة ، ~~فدعوا الناس إلى الإسلام ، ففشى فيها حتى لم يبق دار إلا وقد دخلها الإسلام ~~، فلما كان العام المقبل ، جاء منهم اثنا عشر رجلا الستة الأول خلا جابر ، ~~ومعهم معاذ بن الحارث أخو عوف ، وذكوان بن عبد قيس ، وأقام بمكة حتى هاجر ، ~~فهو مهاجري PageV01P181 أنصاري ، وعبادة بن الصامت ، ويزيد بن ثعلبة ، وأبو ~~الهيثم بن التيهان ، وعويمر بن ساعدة . قال أبو الزبير عن جابر : إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لبث عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في الموسم ومجنة ~~وعكاظ : ' من يؤويني ومن ينصرني حتى أبلغ رسالات ربي وله الجنة ' ؟ فلا يجد ~~أحدا حتى إن الرجل ليرحل من مصر أو اليمن إلى ذي رحمه ، فيأتيه قومه ، ~~فيقولون : احذر ms102 غلام قريش . ويمشي بين رجالهم يدعوهم إلى الله وهم يشيرون ~~إليه بالأصابع حتى بعثنا الله من يثرب ، فيأتيه الرجل منا ، فيؤمن به ، ~~ويقرئه القرآن ، فينقلب إلى أهله ، فيسلمون بإسلامه ، فأجمعنا ، وقلنا : ~~حتى متى رسول الله يطرد في جبال مكة . فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم ، ~~فواعدنا بيعة العقبة ، فقال له العباس : ما أدري ما هؤلاء القوم إني ذو ~~معرفة بأهل يثرب . فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين ، فلما نظر العباس في ~~وجوهنا قال : هؤلاء قوم لا نعرفهم ، هؤلاء أحداث ، فقلنا : يا رسول الله ~~علام نبايعك ؟ قال : ' على السمع والطاعة في النشاط والكسل ، وعلى النفقة ~~في العسر واليسر ، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وعلى أن تقوموا ~~في الله لا تأخذكم فيه لومة لائم ، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم ، ~~وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة ' فقمنا ~~نبايعه ، فأخذ بيده أسعد بن زرارة فقال : رويدا يا أهل يثرب إنا لم نضرب ~~إليه أكباد المطي إلا ونحن نعلم أنه رسول الله ، وأن إخراجه اليوم مفارقة ~~العرب كافة ، وأن تعضكم السيوف ، فإما تصبرون على ذلك ، فخذوه وأجركم على ~~الله ، وإما تخافون من أنفسكم خيفة ، فذروه فهو أعذر لكم عند الله . فقالوا ~~: أمط عنا يدك ، فوالله لا نذر PageV01P182 هذه البيعة ، ولا نستقيلها . ~~فقمنا إليه رجلا رجلا فأخذ علينا يعطينا بذلك الجنة . | ثم انصرفوا إلى ~~المدينة ، وبعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم ، ومصعب بن ~~عمير يعلمان القرآن ، ويدعوان إلى الله ، فنزلا على أسعد بن زرارة ، وكان ~~مصعب بن عمير يؤمهم ، وجمع بهم لما بلغوا أربعين ، فأسلم على يديهما بشر ~~كثير ، منهم أسيد بن حضير ، وسعد بن معاذ ، وأسلم بإسلامهما يومئذ جميع بني ~~عبد الأشهل إلا الأصيرم فتأخر إسلامه إلى يوم أحد فأسلم حينئذ ، وقاتل حتى ~~قتل ولم يسجد لله سجدة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' عمل قليل ~~وأجر كثير ' ، وكثر الإسلام في المدينة وظهر . | ثم رجع مصعب إلى مكة ووافى ~~الموسم ذاك العام خلق كثير من ms103 الأنصار من المسلمين والمشركين ، وزعيم القوم ~~البراء بن معرور ، فكانت بيعة العقبة ، وكان أول من بايعه البراء بن معرور ~~، وكانت له اليد البيضاء إذ أكد العقد وبادر إليه ، واختار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم منهم تلك الليلة اثني عشر نقيبا ، فلما تمت البيعة استأذنوه ~~على أن يميلوا على أهل منى بأسيافهم فلم يأذن لهم ، وصرخ الشيطان على ~~العقبة بأبعد صوت سمع : يا أهل الجباجب هل لكم في محمد والصبأة معه قد ~~اجتمعوا على حربكم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' هذا أزب العقبة ~~، أما والله يا عدو الله لأتفرغن لك ' ، ثم أمرهم أن ينفضوا إلى رحالهم ، ~~فلما أصبحوا غدت عليهم أشراف قريش فقالوا : بلغنا أنكم لقيتم صاحبنا ~~البارحة وواعدتموه أن تبايعوه على حربنا ، وايم الله ما حي من العرب أبغض ~~PageV01P183 إلينا من أن تنشب بيننا وبينه الحرب منكم . فانبعث من هناك من ~~المشركين يحلفون بالله : ما كان هذا . وجعل ابن أبي يقول : هذا باطل ، وما ~~كان قومي ليفتاتوا علي بمثل هذا ، لو كنت بيثرب ما صنع قومي هذا حتى ~~يؤامروني . فرجعت قريش ، ورحل البراء إلى بطن يأجج وتلاحق أصحابه من ~~المسلمين وطلبتهم قريش ، فأدركوا سعد بن عبادة ، فجعلوا يضربونه حتى أدخلوه ~~مكة ، فجاء مطعم بن عدي ، والحارث بن حرب بن أمية ، فخلصاه منهم ، وتشاورت ~~الأنصار حين فقدوه أن يكروا إليه ، فإذا هو قد طلع عليهم فرحلوا جميعا . | ~~وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين في الهجرة إلى المدينة ، فبادر ~~الناس ، فكان أول من خرج إليها أبو سلمة وامرأته ، ولكنها حبست عنه سنة ~~وحيل بينها وبين ولدها ، ثم خرجت بعد بولدها إلى المدينة ، وشيعها عثمان بن ~~أبي طلحة . | ثم خرج الناس أرسالا ، ولم يبق بمكة إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأبو بكر وعلي - أقاما بأمره لهما - وإلا من احتبسه المشركون ~~كرها ، وأعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جهازه ينتظر متى يؤمر ، وأعد أبو ~~بكر جهازه . | فلما رأى المشركون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ms104 قد ~~خرجوا وساقوا الذراري والأموال إلى المدينة ، وأنها دار منعة وأهلها أهل ~~بأس ، خافوا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ، فيشتد عليهم أمره ، ~~فاجتمعوا في دار الندوة ، وحضرهم إبليس في صورة شيخ من أهل نجد مشتمل ~~الصماء في كسائه ، فأشار كل واحد برأي PageV01P184 والشيخ لا يرضاه ، حتى ~~قال أبو جهل : أرى أن نأخذ من كل قبيلة غلاما جلدا ، ثم نعطيه سيفا صارما ، ~~ثم يضربونه ضربة رجل واحد ، فلا تدري بنو عبد مناف ما تصنع بعد ذلك ، ونسوق ~~ديته . | قال الشيخ : هذا والله الرأي . فتفرقوا عليه ، فجاءه جبريل فأخبره ~~؛ وأمره أن لا ينام في مضجعه تلك الليلة . | وجاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى أبي بكر نصف النهار في ساعة لم يكن يأتيه فيها متقنعا ، فقال له : ~~' أخرج من عندك ' فقال : إنما هم أهلك يا رسول الله ، فقال : ' إن الله قد ~~أذن لي في الخروج ' فقال أبو بكر : الصحبة يا رسول الله ، قال : ' نعم ' . ~~قال : فخذ بأبي وأمي إحدى راحلتي هاتين . فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : ' بالثمن ' وأمر عليا أن يبيت في مضجعه تلك الليلة ، واجتمع أولئك ~~النفر يتطلعون من صير الباب يريدون بياته ويأتمرون أيهم يكون أشقاها ، فخرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذره على رؤوسهم ~~وهو يتلو : @QB@ وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا ~~يبصرون @QE@ ' سورة يس : 9 ' ومضى إلى بيت أبي بكر ، فخرجا من خوخة فيه ~~ليلا ، وجاء رجل فرأى القوم ببابه . فقال : ما تنتظرون ؟ قالوا : محمدا . ~~قال : خبتم وخسرتم قد والله مر بكم ، وذر على رؤوسكم التراب . فقاموا ~~ينفضون عن رؤوسهم ، فلما أصبحوا قام علي عن الفراش فسألوه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال : لا علم لي به . | ثم مضى وأبو بكر إلى غار ثور ~~فدخلاه ، وضرب العنكبوت على بابه ، وكانا قد استأجرا ابن أريقط الليثي ، ~~وكان ماهرا بالطريق وهو على PageV01P185 دين قومه ، وأمناه على ذلك ، وسلما ~~إليه راحلتيهما ، وواعداه الغار ms105 بعد ثلاث ، وجدت قريش في طلبهما ، وأخذوا ~~معهم القافة حتى انتهوا إلى باب الغار ، وكان عامر بن فهيرة يرعى عليهما ~~غنما لأبي بكر ، ومكثا فيه ثلاثا حتى خمدت عنهما نار الطلب ، ثم جاءهما ابن ~~أريقط بالراحلتين فارتحلا ، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة ، وسار الدليل ~~أمامها وعين الله تصحبهما ، وإسعاده ينزلهما ويرحلهما . | ولما أيس ~~المشركون منهما جعلوا لمن جاء بهما دية كل واحد منهما ، فجد الناس في الطلب ~~والله غالب على أمره ، فلما مروا بحي بني مدلج مصعدين من قديد بصر بهم رجل ~~من الحي ، فقال لهم : لقد رأيت بالساحل أسودة ما أراها إلا محمدا وأصحابه . ~~ففطن سراقة ، فأراد أن يكون له الظفر خاصة ، وقد سبق له من الظفر ما لم يكن ~~في حسابه ، فقال : بل هما فلان وفلان ، خرجا في طلب حاجة لهما . | ثم مكث ~~قليلا ، ثم قام فدخل خباءه وقال لخادمه : اخرجي بالفرس من وراء الخباء ~~وموعدك وراء الأكمة ، ثم أخذ رمحه وخفض عاليه يخط به الأرض حتى ركب فرسه ، ~~فلما قرب منهم ؛ وسمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو ~~بكر يكثر الالتفات ، قال أبو بكر : يا رسول الله هذا سراقة قد رهقنا . فدعا ~~عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فساخت يدا فرسه في الأرض ، فقال : قد ~~علمت أن الذي أصابني بدعائكما فادعوا الله لي ، ولكما علي أن أرد الناس ~~عنكما . فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق فرسه ، وسأله أن يكتب ~~له كتابا ، فكتب له أبو بكر بأمره في أديم ، وكان معه إلى يوم فتح مكة ، ~~فجاء PageV01P186 بالكتاب فوفى له رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ' ~~اليوم يوم وفاء وبر ' وعرض عليهما الزاد والحملان ، فقالا : لا حاجة لنا به ~~ولكن عم عنا الطلب . فقال : قد كفيتم ، ورجع فوجد الناس في الطلب ، فجعل ~~يقول : قد استبرأت لكم الخبر ، فكان أول النهار جاهدا عليهما ، وآخره حارسا ~~لهما ، ثم مرا في مسيرهما ذلك بخيمتي أم معبد الخزاعية ، وذكر القصة ثم قال ~~: وأصبح ms106 صوت عاليا بمكة يسمعونه ولا يرون القائل : # % جزى الله رب الناس خير جزائه % % رفيقين حلا خيمتي أم معبد % # % هما نزلا بالبر وارتحلا به % % فأفلح من أمسى رفيق محمد % # % فيا لقصي ما زوى الله عنكم % % به من فخار لا يجازى وسؤدد % # % سلوا أختكم عن شاتها وإنائها % % فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد % # % دعاها بشاة حائل فتحلبت % % له بصريح ضرة الشاة مزيد % # % نبي يرى ما لا يرى الناس حوله % % ويتلو كتاب الله في كل مشهد % # % وإن قال في يوم مقالة غائب % % فتصديقها في ضحوة اليوم أو غد % # % ترحل عن قوم فزالت عقولهم % % وحل على قوم بنور مجدد % # % هداهم به بعد الضلالة ربهم % % وأرشدهم من يتبع الحق يرشد % # % ليهن أبا بكر سعادة جده % % بصحبته من يسعد الله يسعد % # % ويهن بني كعب مكان فتاتهم % % ومقعدها للمؤمنين بمرصد % % قالت أسماء : ~~ما درينا أين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل من الجن من ~~أسفل مكة ، فأنشد هذه الأبيات ، والناس يتبعونه يسمعون صوته وما يرونه ، ~~حتى خرج من أعلاها . قالت : فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأن وجهه إلى المدينة . PageV01P187 # | 1 ( فصل ) # | وبلغ الأنصار مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ، فكانوا ~~يخرجون كل يوم إلى الحرة ، فإذا اشتد حر الشمس رجعوا إلى منازلهم . | فلما ~~كان يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر من نبوته ~~خرجوا على عادتهم ، فلما حميت الشمس رجعوا ، وصعد رجل من اليهود على أطم من ~~آطام المدينة لبعض شأنه ، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~مبيضين يزول بهم السراب ، فصرخ بأعلى صوته : يا بني قيلة هذا صاحبكم قد جاء ~~، هذا جدكم الذي تنتظرون . فثار الأنصار إلى السلاح ليتلقوه ، وسمعت الوجبة ~~والتكبير في بني عمرو بن عوف ، وكبر المسلمون فرحا بقدومه ، وخرجوا للقائه ~~، وتلقوه وحيوه بتحية النبوة ، وأحدقوا به مطيفين حوله ، والسكينة تغشاه ، ~~والوحي ينزل عليه : والله @QB@ هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة ~~بعد ذلك ظهير @QE@ ' سورة ms107 التحريم : 4 ' . | فسار حتى نزل بقباء في بني ~~عمرو بن عوف ، فنزل على كلثوم بن الهدم ، وقيل : على سعد بن خيثمة . فأقام ~~فيهم أربع عشرة ليلة ، وأسس مسجد قباء ، وهو أول مسجد أسس بعد النبوة ، ~~فلما كان يوم الجمعة ركب بأمر الله ، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف ، ~~فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي ، ثم ركب فأخذوا بخطام راحلته : هلم ~~إلى العدد والعدة والسلاح والمنعة . فقال : ' خلوا سبيلها فإنها مأمورة ' ~~فلم تزل سائرة به لا يمر بدار من دور الأنصار إلا رغبوا إليه في النزول ~~عليهم PageV01P188 ويقول : ' دعوها فإنها مأمورة ' ، فسارت حتى وصلت موضع ~~مسجده اليوم فبركت ولم ينزل عنها حتى نهضت ، وسارت قليلا ، ثم التفتت ورجعت ~~في موضعها الأول فبركت ، فنزل عنها وذلك في بني النجار أخواله . وكان من ~~توفيق الله لها ، فإنه أحب أن ينزل عليهم ليكرمهم بذلك ، فجعلوا يكلمونه في ~~النزول عليهم ، وبادر أبو أيوب إلى رحله فأدخله بيته ، فجعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول : ' المرء مع رحله ' وجاء أسعد بن زرارة ، فأخذ ناقته ~~فكانت عنده ، وأصبح كما قال قيس بن صرمة الأنصاري - وكان ابن عباس يختلف ~~إليه يتحفظها - : # % ثوى في قريش بضع عشرة حجة % % يذكر لو يلقى حبيبا مواتيا % # % ويعرض في أهل المواسم نفسه % % فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا % # % فلما أتانا واستقرت به النوى % % وأصبح مسرورا بطيبة راضيا % # % وأصبح لا يخشى ظلامة ظالم % % بعيد ولا يخشى من الناس باغيا % # % بذلنا له الأموال من حل مالنا % % وأنفسنا عند الوغى والتآسيا % # % نعادي الذي عادى من الناس كلهم % % جميعا وإن كان الحبيب المصافيا % # % ونعلم أن الله لا رب غيره % % وأن كتاب الله أصبح هاديا % قال ابن عباس ~~: كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ، فأمر بالهجرة ، وأنزل عليه : @QB@ ~~وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ~~@QE@ ' سورة الإسراء : 80 ' قال قتادة : أخرجه PageV01P189 الله من مكة إلى ~~المدينة مخرج صدق ونبي الله يعلم أن لا طاقة له ms108 بهذا الأمر إلا بسلطان ، ~~فسأل الله سلطانا نصيرا ، وأراه الله دار الهجرة وهو بمكة ، فقال : ' أريت ~~دار هجرتكم بسبخة ذات نخل بين لابتين ' . | قال البراء : أول من قدم علينا ~~من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير ، وابن أم مكتوم ، ~~فجعلا يقرئان الناس القرآن ، ثم جاء عمار بن ياسر ، وبلال ، وسعد ، ثم جاء ~~عمر بن الخطاب في عشرين راكبا ، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما ~~رأيت الناس فرحوا بشيء فرحهم به ، حتى رأيت النساء والصبيان والإماء يقولون ~~: هذا رسول الله قد جاء . فأقام في منزل أبي أيوب حتى بنى حجرته ومسجده ، ~~وبعث صلى الله عليه وسلم وهو في منزل أبي أيوب ، زيد بن حارثة وأبا رافع ~~وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة ، فقدما عليه بفاطمة ، وأم كلثوم ~~ابنتيه ، وسودة زوجته ، وأسامة بن زيد ، وأمه أم أيمن . | وأما زينب ، فلم ~~يمكنها زوجها أبو العاص من الخروج ، وخرج عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال ~~أبي بكر وفيهم عائشة فنزلوا في بيت حارثة بن النعمان . PageV01P190 # | 1 ( فصل : في بناء المسجد ) # | قال الزهري : بركت ناقته صلى الله عليه وسلم عند موضع مسجده وهو يومئذ ~~يصلي فيه رجال من المسلمين ، وكان مربدا ليتيمين في حجر أسعد بن زرارة ، ~~فساومهما فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالا : بل نهبه لك . فأبى ~~حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير ، وكان جدارا ليس له سقف وقبلته إلى بيت ~~المقدس ، وكان يصلي فيه ويجمع أسعد بن زرارة قبل مقدم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، وكان فيه شجر غرقد ونخل ، وقبور للمشركين ، فأمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالقبور فنبشت ، وبالنخل والشجر فقطع ، وصفت في قبلة المسجد ~~، وجعل طوله مما يلي القبلة مائة ذراع إلى المؤخرة ، وفي الجانبين مثل ذلك ~~أو دونه ، وجعل أساسه قريبا من ثلاثة أذرع ، ثم بنوه باللبن ، ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يبني معهم ، وينقل اللبن والحجارة بنفسه ويقول : # % اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة % % فاغفر للأنصار ms109 والمهاجرة % % وكان ~~يقول : # % هذا الحمال لا حمال خيبر % % هذا أبر ربنا وأطهر % % PageV01P191 | ~~وجعلوا يرتجزون وهم ينقلون اللبن ، وجعل بعضهم يقول في رجزه : # % لئن قعدنا والرسول يعمل % لذاك منا العمل المضلل % % وجعل قبلته إلى ~~بيت المقدس ، وجعل له ثلاثة أبواب بابا في مؤخره ، وبابا يقال له : باب ~~الرحمة ، والباب الذي يدخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجعل عمده ~~الجذوع وسقفه الجريد ، وقيل له : ألا تسقفه ؟ فقال : ' لا عريش كعريش موسى ~~' ، وبنى بيوتا إلى جانبه بيوت أزواجه باللبن ، وسقفها بالجذوع والجريد ، ~~فلما فرغ من البناء بنى بعائشة في البيت الذي بناه لها شرقي المسجد ، وجعل ~~لسودة بيتا آخر . | ثم آخى بين المهاجرين والأنصار ، وكانوا تسعين رجلا ، ~~نصفهم من المهاجرين ، ونصفهم من الأنصار على المواساة ، ويتوارثون بعد ~~الموت إلى وقعة بدر ، فلما نزلت ^ ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ) ^ ~~الآية ' سورة الأحزاب : 6 ' رد التوارث إلى الرحم وقيل : إنه آخى بين ~~المهاجرين ثانية ، واتخذ عليا أخا ، والأول أثبت . ولو كان ذلك ، لكان أحق ~~الناس بأخوته الصديق الذي قال فيه : ' لو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت ~~أبا بكر خليلا ، ولكن أخي وصاحبي ' . وهذه الأخوة وإن كانت عامة كما قال : ~~' وددت أنا قد رأينا إخواننا ' قالوا : ألسنا إخوانك ؟ قال : ' أنتم أصحابي ~~، وإخواني قوم يأتون من بعدي ، يؤمنون بي ولم يروني ' فللصديق من هذه ~~الأخوة أعلى مراتبها كما له من الصحبة أعلى مراتبها ، ووادع من بالمدينة من ~~اليهود ، وكتب بينه وبينهم كتابا ، وبادر PageV01P192 حبرهم عبد الله بن ~~سلام ، فدخل في الإسلام ، وأبى عامتهم إلا الكفر ، وكانوا ثلاث قبائل : ~~قينقاع ، والنضير ، وقريظة ، وحاربه الثلاثة ، فمن على قينقاع ، وأجلى ~~النضير ، وقتل قريظة وسبى ذريتهم ، ونزلت سورة الحشر في النضير ، والأحزاب ~~في قريظة . | وكان يصلي إلى بيت المقدس ، وقال لجبريل : ' وددت أن الله صرف ~~وجهي عن قبلة اليهود ' فقال : ' إنما أنا عبد فادع ربك واسأله ' ، فجعل ~~يقلب وجهه في السماء يرجو ذلك ، فأنزل الله عليه : @QB@ قد نرى تقلب وجهك ~~في السماء @QE@ الآية ' سورة البقرة : 144 ' وذلك بعد ms110 ستة عشر شهرا من ~~مقدمه المدينة قبل بدر بشهرين ، وكان في ذلك حكم عظيمة ، ومحنة للمسلمين ~~والمشركين واليهود والمنافقين ، فأما المسلمون ، فقالوا : @QB@ آمنا به كل ~~من عند ربنا @QE@ . وهم الذين هدى الله ، ولم تكن كبيرة عليهم ، وأما ~~المشركون ، فقالوا : كما رجع إلى قبلتنا يوشك أن يرجع إلى ديننا وما رجع ~~إليها إلا أنها الحق . وأما اليهود ، فقالوا : خالف قبلة الأنبياء قبله . ~~وأما المنافقون ، فقالوا : ما يدري أين يتوجه إن كانت الأولى حقا فقد تركها ~~، وإن كانت الثانية هي الحق ، فقد كان على باطل . وكثرت أقاويل السفهاء من ~~الناس ، وكانت كما قال الله تعالى : ^ ( وإنها لكبيرة إلا على الذين هدى ~~الله ) ^ ' سورة البقرة : 143 ' وكانت محنة من الله ليرى من يتبع الرسول ~~ممن ينقلب على عقبيه ، ولما كان شأن القبلة عظيما وطأ سبحانه قبلها أمر ~~النسخ وقدرته عليه ، وأنه يأتي بخير من المنسوخ أو مثله ، ثم عقبه بالتوبيخ ~~لمن تعنت على رسوله ، ولم ينقد له . | ثم ذكر اختلاف اليهود والنصارى ~~وشهادة بعضهم على بعض بأنهم PageV01P193 ليسوا على شيء ، وحذر عباده من ~~موافقتهم واتباع أهوائهم ، ثم ذكر كفرهم به وقولهم : أن له ولد سبحانه ~~وتعالى . | ثم أخبر أنه له المشرق والمغرب ، فأينما ولى عباده وجوههم فثم ~~وجهه وهو الواسع العليم ، فلعظمته وسعته وإحاطته أينما توجه العبد ، فثم ~~وجه الله ، ثم أخبر أنه لا يسأل رسوله عن أصحاب الجحيم الذين لا يتابعونه . ~~| ثم أخبره أن أهل الكتاب لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم ، ثم ذكر أهل الكتاب ~~نعمته عليهم ، وخوفهم بأسه ، ثم ذكر خليله باني بيته ، وأثنى عليه ، وأخبر ~~أنه جعله إماما للناس ، ثم ذكر بيته الحرام وبناء خليله له ، وفي ضمن هذا ~~أن بانيه كما هو إمام للناس ، فكذلك البيت الذي بناه إمام لهم . | ثم أخبر ~~أنه لا يرغب عن ملة هذا الإمام إلا أسفه الناس ، ثم أمر عباده أن يأتموا به ~~، ويؤمنوا بما أنزل إليه وإلى النبيين ، ثم رد على من قال : إن إبراهيم ~~وأهله كانوا هودا أو نصارى ، وجعل هذا ms111 كله توطئة بين يدي تحويل القبلة ، ~~وأكد سبحانه الأمر مرة بعد مرة ، وأمر به حيث كان رسوله ومن حيث خرج . | ~~وأخبر سبحانه أن الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم الذي هداهم لهذه القبلة ~~، وأنها لهم وأنهم أهلها ، لأنها أفضل القبل ، وهم أفضل الأمم ، كما اختار ~~لهم أفضل الرسل ، وأفضل الكتب وأخرجهم من خير القرون وخصهم بأفضل الشرائع ، ~~ومنحهم خير الأخلاق ، وأسكنهم خير الأرض ، PageV01P194 وجعل منازلهم في ~~الجنة خير المنازل ، وموقفهم في القيامة خير المواقف ، فهم على تل عال ~~والناس تحتهم ، فسبحان من يختص برحمته من يشاء ، وذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء ، والله ذو الفضل العظيم ، وأخبر سبحانه أنه فعل ذلك ، لئلا يكون ~~للناس عليهم حجة ، ولكن الظالمين يحتجون عليهم بتلك الحجج التي ذكرت ، ولا ~~تعارض الرسل إلا بها وأمثالها . وكل من قدم على أقوال الرسول سواها ، فحجته ~~من جنس حجج هؤلاء ، وأخبر سبحانه أنه فعل ذلك ليتم نعمته عليهم ، وليهديهم ~~، ثم ذكر نعمته عليهم بإرسال رسوله ، وإنزال كتابه ، ليزكيهم به ، ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة ، ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون . | ثم أمرهم بذكره وشكره إذ ~~بهما يستوجبون تمام النعمة والمزيد ، ويستجلبون ذكره ومحبته لهم ، ثم أمرهم ~~بما لا يتم ذلك لهم إلا بالاستعانة به ، وهو الصبر والصلاة ، وأخبر أنه مع ~~الصابرين ، وأتم نعمته عليهم مع القبلة بأن شرع لهم الأذان في اليوم ~~والليلة خمس مرات ، وزادهم في الظهر والعصر والعشاء ركعتين أخريين بعد أن ~~كانت ثنائية ، وكل هذا بعد مقدمه المدينة . PageV01P195 # | 1 ( فصل ) # | فلما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، وأيده الله بنصره ~~وبالمؤمنين ، وألف بين قلوبهم بعد العداوة ، فمنعته أنصار الله ، وكتيبة ~~الإسلام من الأسود والأحمر ، وبذلوا أنفسهم دونه ، وقدموا محبته على محبة ~~الآباء والأبناء والأزواج ، وكان أولى بهم من أنفسهم ؛ رمتهم العرب واليهود ~~عن قوس واحدة ، وشمروا لهم عن ساق العداوة ، وصاحوا بهم من كل جانب ، والله ~~تعالى يأمرهم بالصبر والعفو والصفح حتى قويت الشوكة ، واشتد الجناح ، فأذن ~~لهم حينئذ في القتال ، ولم يفرضه عليهم ، فقال ms112 تعالى : @QB@ أذن للذين ~~يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير @QE@ ' سورة الحج : 39 ' ~~وقيل : إن هذا بمكة ، لأن السورة مكية . وهذا غلط لوجوه : | أحدها : أن ~~الله لم يأذن في القتال بمكة . | الثاني : أن السياق يدل على أن الإذن بعد ~~إخراجهم من ديارهم بغير حق . | الثالث : أن قوله : @QB@ هذان خصمان اختصموا ~~في ربهم @QE@ الآية نزلت في الذين تبارزوا يوم بدر . | الرابع : أنه خاطبهم ~~فيها ب @QB@ يا أيها الذين آمنوا @QE@ والخطاب بذلك كله مدني . PageV01P196 ~~| الخامس : أنه أمر فيها بالجهاد الذي يعم اليد وغيره ، ولا ريب أن الأمر ~~المطلق بالجهاد بعد الهجرة . | السادس : أن الحاكم روى في ' مستدركه ' عن ~~ابن عباس بإسناد على شرطهما ، قال : لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من مكة ، قال أبو بكر : أخرجوا نبيهم إنا لله وإنا إليه راجعون ليهلكن ، ~~فأنزل الله عز وجل : @QB@ أذن للذين يقاتلون @QE@ الآية وهي أول آية نزلت ~~في القتال . انتهى . | وسياق السورة يدل على أن فيها المكي والمدني ، فإن ~~قصة إلقاء الشيطان في أمنيته مكية ، والله أعلم . | ثم فرض عليهم القتال ~~لمن قاتلهم ، فقال تعالى : @QB@ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم @QE@ ~~' سورة البقرة : 190 ' ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة وكان محرما ، ثم ~~مأذونا به ، ثم مأمورا به لمن بدأهم بالقتال ، ثم مأمورا به لجميع المشركين ~~، إما فرض عين على أحد القولين ، أو كفاية على المشهور . | والتحقيق أن جنس ~~الجهاد فرض عين ، إما بالقلب ، وإما باللسان ، وإما باليد ، وإما بالمال ، ~~فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنوع ، وأما الجهاد بالنفس ، ففرض ~~كفاية ، وأما بالمال ، ففي وجوبه قولان ، والصحيح وجوبه ، لأن الأمر ~~بالجهاد به وبالنفس في القرآن سواء ، وعلق النجاة من النار والمغفرة ، ~~ودخول الجنة به ، فقال تعالى : @QB@ يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على ~~تجارة تنجيكم من عذاب أليم @QE@ الآيات ' سورة الصف : 10 ' وأخبر سبحانه ~~أنه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ، PageV01P197 وأعاضهم عليها الجنة ~~، وأن هذا العقد والوعد قد أودعه أفضل كتبه ، ثم أكده بإعلامهم أنه لا أحد ~~أوفى ms113 بعهده منه تبارك وتعالى ، ثم أكده بأن أمرهم أن يستبشروا بذلك ، ثم ~~أعلمهم بأنه هو الفوز العظيم ، فليتأمل العاقل مع ربه ما أجل هذا العقد ، ~~فإن الله عز وجل هو المشتري ، والثمن الجنة ، والذي جرى على يديه هذا العقد ~~أشرف رسله ، من الملائكة ومن البشر ، وإن سلعة هذا شأنها لقد هيئت لأمر ~~عظيم . # % قد هيؤوك لأمر لو فطنت له % % فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل % % مهر ~~الجنة والمحبة بذل النفس والمال لمالكهما ، فما للجبان المعرض المفلس وسوم ~~هذه السلعة ، بالله ما هزلت فيستامها المفلسون ، ولا كسدت فينفقها بالنسيئة ~~المعسرون ، لقد أقيمت للعرض في سوق من يزيد ، فلم يرض ربها لها بثمن دون ~~بذل النفوس ، فتأخر البطالون ، وقام المحبون ينتظرون أيهم يصلح أن تكون ~~نفسه الثمن ، فدارت السلعة بينهم ، ووقعت في يد @QB@ أذلة على المؤمنين ~~أعزة على الكافرين @QE@ ' المائدة : 57 ' . | لما كثر المدعون للمحبة ~~طولبوا بإقامة البينة ، فلو يعطى الناس بدعواهم ، لادعى الخلي حرقة الشجي ، ~~فتنوع المدعون في الشهود ، فقيل : لا تثبت هذه الدعوى إلا ببينة @QB@ قل إن ~~كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله @QE@ ' سورة آل عمران : 31 ' فتأخر ~~الخلق كلهم ، وثبت أتباع الرسول في أفعاله وأقواله ، وهديه وأخلاقه ، ~~وطولبوا بعدالة البينة ، فقيل : لا تقبل العدالة إلا بتزكية @QB@ يجاهدون ~~في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم @QE@ ' سورة المائدة : 57 ' فتأخر أكثر ~~المدعين للمحبة ، وقام المجاهدون ، فقيل لهم : إن PageV01P198 نفوس المحبين ~~وأموالهم ليست لهم ، فسلموا ما وقع عليه العقد ، وعقد التبايع يوجب التسليم ~~من الجانبين . | فلما رأى التجار عظمة المشتري ، وقدر الثمن ، وجلالة من ~~جرى العقد على يديه ، ومقدار الكتاب الذي أثبت فيه ، عرفوا أن للسلعة شأنا ~~ليس لغيرها ، فرأوا من الغبن الفاحش أن يبيعوها بثمن بخس دراهم معدودة ، ~~تذهب لذتها ، وتبقى تبعتها ، فعقدوا مع المشتري بيعة الرضوان من غير خيار ، ~~فلما تم العقد وسلموا المبيع ، قيل : قد صارت نفوسكم وأموالكم لنا ، والآن ~~قد رددناها عليكم أوفر ما كانت ، وأضعاف أموالكم معها @QB@ ولا تحسبن الذين ~~قتلوا في سبيل الله أمواتا @QE@ الآية ' سورة ms114 آل عمران : 169 ' لم نبتع ~~منكم نفوسكم وأموالكم إلا ليظهر الجود والكرم في قبول البيع والإعطاء عليه ~~أجل الأثمان ، ثم جمعنا لكم بين الثمن والمثمن . | وتأمل قصة جابر وجمله ~~كيف وفاه الثمن ، وزاده ، ورد عليه البعير ، فذكره بهذا حال الله مع أبيه ، ~~وأخبره أن الله أحياه وكلمه كفاحا ، وقال : ' يا عبدي تمن علي أعطك ' ~~فسبحان من عظم جوده وكرمه أن يحيط به الخلائق لقد أعطى السلعة وأعطى الثمن ~~ووفق لتكميل العقد ، وقبل المبيع على عيبه ، وأعطى عليه أجل الأثمان ، ~~واشترى عبده من نفسه بماله ، وجمع له بين الثمن والمثمن ، وأثنى عليه ، ~~ومدحه بهذا العقد ، وهو الذي وفقه له وشاءه منه : # % فحي هلا إن كنت ذا همة فقد % % حدى بك حادي الشوق فاطو المراحلا % # % وقل لمنادي حبهم ورضاهم % % إذا ما دعى لبيك ألفا كواملا % % ~~PageV01P199 # % ولا تنظر الأطلال من دونهم فإن % % نظرت إلى الأطلال عدن حوائلا % # % وخذ منهم زادا إليهم وسر على % % طريق الهدى والحب تصبح واصلا % # % ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد % % ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا % # % وأحي بذكراهم سراك إذا ونت % % ركابك فالذكرى تعيدك عاملا % # % وإما تخافن الكلال فقل لها % % أمامك ورد الوصف فابغي المناهلا % # % وخذ قبسا من نورهم ثم سر به % % فنورهم يهديك ليس المشاعلا % # % وحي على واد الأراك فقل به % % عساك تراهم ثم إن كنت قائلا % # % وإلا ففي نعمان عند معرف الأحبة % % فاطلبهم إذا كنت سائلا % # % وإلا ففي جمع بليلته فإن % % تفت فمنى يا ويح من كان غافلا % # % وحي على جنات عدن فإنها % % منازلك الأولى بها كنت نازلا % # % ولكن سباك الكاشحون لأجل ذا % % وقفت على الأطلال تبكي المنازلا % # % وحي على يوم المزيد بجنة الخلود % % فجد بالنفس إن كنت باذلا % # % فدعها رسوما دارسات فما بها % % مقيل وجاوزها فليست منازلا % # % وخذ يمنة عنها على المنهج الذي % % عليه سرى وفد المحبة آهلا % # % وقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة % % فعند اللقا ذا الكد يصبح زائلا % # % فما هي إلا ساعة ثم تنقضي % % ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا % % لقد ~~حرك الداعي إلى الله وإلى دار ms115 السلام النفوس الأبية ، والهمم PageV01P200 ~~العالية ، وأسمع منادي الإيمان من كانت له أذن واعية وأسمع والله من كان ~~حيا ، فهزه السماع إلى منازل الأبرار وحدا به في طريق سيره ، فما حطت به ~~رحاله إلا بدار القرار . | فقال : ' انتدب الله لمن خرج في سبيله ، لا ~~يخرجه إلا إيمان بي ، وتصديق برسلي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو ~~أدخله الجنة ، ولولا أن أشق على أمتي ، ما قعدت خلف سرية ، ولوددت أني أقتل ~~في سبيل الله ، ثم أحيا ، ثم أقتل ، ثم أحيا ، ثم أقتل ' . | وقال : ' مثل ~~المجاهد في سبيل الله ، كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله ، لا يفتر عن ~~صيام ولا صلاة حتى يرجع ' . وقال : ' غدوة في سبيل الله ، أو روحة ، خير من ~~الدنيا وما فيها ' وقال : ' الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنة ينجي ~~الله به من الهم والغم ' . | وقال : أنا زعيم - أي : كفيل - لمن آمن بي ~~وأسلم ، وجاهد في سبيل الله ببيت في ربض الجنة ، وبيت في وسط الجنة ، وبيت ~~في أعلى الجنة ، من فعل ذلك لم يدع للخير مطلبا ، ولا من الشر مهربا ، يموت ~~حيث شاء أن يموت ' . | وقال : ' من قاتل في سبيل الله - من رجل مسلم - فواق ~~ناقة ، وجبت له الجنة ' . | وقال : ' إن في الجنة مائة درجة ، أعدها الله ~~للمجاهدين في سبيل الله بين كل درجتين ، كما بين السماء والأرض ، فإذا ~~سألتم الله ، فاسألوه الفردوس ، فإنه أوسط الجنة ، وأعلى الجنة ، وفوقه عرش ~~الرحمن ، ومنه تفجر أنهار الجنة ' . PageV01P201 | وقال : من أعان مجاهدا ~~في سبيل الله ، أو غارما في غرمه ، أو مكاتبا في رقبته ، أظله الله في ظله ~~يوم لا ظل إلا ظله ' وقال : ' من اغبرت قدماه في سبيل الله ، حرمها الله ~~على النار ' وقال : ' لا يجتمع شح وإيمان في قلب رجل ، ولا يجتمع غبار في ~~سبيل الله ، ودخان جهنم في وجه عبد ' . | وقال : ' رباط يوم وليلة خير من ~~صيام شهر وقيامه ، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله ، وأجري عليه رزقه ~~، وأمن الفتان ' وقال لرجل حرس ms116 المسلمين ليلة على ظهر فرسه من أولها إلى ~~الصباح لم ينزل إلا لصلاة أو قضاء حاجة ' قد أوجبت ، فلا عليك ألا تعمل ~~بعدها ' . | وذكر أبو داود عنه : ' من لم يغز ، ولم يجهز غازيا ، أو يخلف ~~غازيا في أهله بخير ، أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة ' . | وفسر أبو ~~أيوب الأنصاري الإلقاء باليد إلى التهلكة بترك الجهاد . | وصح عنه : أن ~~النار أول ما تسعر بالعالم والمنفق والمقتول في الجهاد إذا فعلوا ذلك ليقال ~~. PageV01P202 # | 1 ( فصل ) # | وكان يستحب القتال أول النهار ، كما يستحب الخروج للسفر أوله ، فإذا لم ~~يقاتل أول النهار ، أخر القتال حتى تزول الشمس ، وتهب الرياح ، وينزل النصر ~~. | وكان يبايع أصحابه في الحرب على أن لا يفروا ، وربما بايعهم على الموت ~~، وبايعهم على الجهاد ، كما بايعهم على الإسلام ، وبايعهم على الهجرة ، ~~وبايعهم على التوحيد ، والتزام طاعة الله ورسوله ، وبايع نفرا من أصحابه ~~على أن لا يسألوا الناس شيئا ، وكان السوط يسقط من يد أحدهم ، فينزل فيأخذه ~~، ولا يقول لأحد : ناولني إياه . | وكان يشاور أصحابه في الجهاد ، ولقاء ~~العدو ، وتخير المنازل ، وكان يتخلف في ساقتهم في المسير ، فيزجي الضعيف ، ~~ويردف المنقطع ، وكان أرفق الناس بهم في السير ، وإذا أراد غزوة ، ورى ~~بغيرها ويقول ' الحرب خدعة ' وكان يبعث العيون يأتونه بخبر عدوه ، ويطلع ~~الطلائع ، ويبث الحرس ، وإذا لقي عدوه ، وقف ودعا واستنصر الله ، وأكثر هو ~~وأصحابه من ذكر الله ، وخفضوا أصواتهم . | وكان يرتب الجيش والمقاتلة ، ~~ويجعل في كل جنبة كفءا لها ، وكان يبارز بين يديه بأمره ، وكان يلبس للحرب ~~عدته ، وربما ظاهر بين درعين ، وكان له ألوية ، وكان إذا ظهر على قوم ، نزل ~~بعرصتهم ثلاثا ، ثم قفل . PageV01P203 وإذا أراد أن يغير ، انتظر ، فإن سمع ~~في الحي أذانا ، لم يغر وإلا أغار ، وكان ربما يبيت عدوه ، وربما فاجأهم ~~نهارا ، وكان يحب الخروج يوم الخميس بكرة النهار ، وكان العسكر إذا نزل ~~انضم بعضهم إلى بعض ، حتى لو بسط عليهم كساء لعمهم . | وكان يرتب الصفوف ، ~~ويعبئهم للقتال بيده ويقول : ' تقدم يا فلان ، تأخر يا فلان ' وكان ms117 يستحب ~~للرجل أن يقاتل تحت راية قومه . | وكان إذا لقي العدو يقول : ' اللهم منزل ~~الكتاب ، ومجري السحاب ، وهازم الأحزاب اهزمهم ، وانصرنا عليهم ' وربما قال ~~: @QB@ سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر @QE@ ~~' سورة القمر : 45 ، 46 ' . | وكان يقول : ' اللهم أنزل نصرك ' ، ويقول : ' ~~اللهم أنت عضدي وأنت نصيري ، بك أقاتل ' وكان إذا اشتد البأس وقصده العد ~~ويعلم بنفسه ، ويقول : ' أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب ' ، وإذا ~~اشتد ، اتقوا به . | وكان أقربهم إلى العدو ، وكان يجعل لأصحابه شعارا في ~~الحرب يعرفون به ، وكان شعارهم مرة : أمت أمت ، ومرة : يا منصور ، ومرة : ~~حم لا ينصرون . | وكان يلبس الدرع والخوذة ، ويتقلد السيف ، ويحمل الرمح ~~والقوس العربية ويتترس بالترس ، ويحب الخيلاء في الحرب ، وقال : ' إن منها ~~ما يحب الله ، ومنها ما يبغض الله ، فأما التي يحب الله ، فاختيال الرجل ~~بنفسه عند اللقاء ، واختياله عند الصدقة ، وأما التي يبغض الله عز وجل ، ~~فاختياله في البغي والفجور ' وقاتل مرة بالمنجنيق ، نصبه على أهل الطائف ، ~~PageV01P204 وكان ينهى عن قتل النساء والولدان ، وينظر في المقاتلة ، فمن ~~رآه أنبت ، قتله ، وإلا استحياه . | وكان إذا بعث سرية يوصيهم بتقوى الله ، ~~ويقول : ' سيروا بسم الله وفي سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ، ولا ~~تمثلوا ولا تغدروا ، ولا تغلوا ولا تقتلوا وليدا ' وكان ينهى عن السفر ~~بالقرآن إلى أرض العدو ، ويأمر أمير سريته أن يدعو عدوه قبل القتال ، إما ~~إلى الإسلام والهجرة ، أو الإسلام دون الهجرة ، ويكونون كأعراب المسلمين ~~ليس لهم نصيب في الفيء ، أو بذل الجزية ، فإن هم أجابوا إليه ، قبل منهم ، ~~وإلا استعان بالله وقاتلهم . | وكان إذا ظفر بعدوه أمر مناديا ، فجمع ~~الغنائم كلها ، فبدأ بالأسلاب فأعطاها لأهلها ، ثم أخرج خمس الباقي ، فوضعه ~~حيث أراه الله وأمر به ، من مصالح المسلمين ، ثم يرضخ من الباقي لمن لا سهم ~~له من النساء والصبيان والعبيد ، ثم قسم الباقي بالسوية بين الجيش للفارس ~~ثلاثة أسهم ، وللراجل سهم ، هذا هو الصحيح . | وكان ينفل من صلب الغنيمة ~~بحسب ما يراه من المصلحة ms118 ، وجمع لسلمة بن الأكوع في بعض مغازيه بين سهم ~~الراجل والفارس فأعطاه خمسة لعظم غنائه ، وكان يسوي بين الضعيف والقوي في ~~القسمة ما عدا النفل ، وكان إذا أغار في أرض العدو ، بعث سرية بين يديه ، ~~فما غنمت أخرج خمسه ، ونفلها ربع الباقي ، وقسم الباقي بينها وبين سائر ~~الجيش ، وإذا جع فعل ذلك ، ونفلها الثلث ، ومع ذلك كان يكره النفل ويقول : ~~PageV01P205 ' ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم ' ، وكان له سهم من الغنيمة ~~يدعى الصفي إن شاء عبدا ، وإن شاء فرسا يختاره قبل القسم . | قالت عائشة : ~~كانت صفية من الصفي . رواه أبو داود ، وكان سيفه ذو الفقار من الصفي ، وكان ~~يسهم لمن غاب لمصلحة المسلمين ، كما أسهم لعثمان من بدر لتمريض ابنته ، ~~فقال : ' إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله ' ، فضرب له بسهمه وأجره ~~. | وكانوا يشترون معه في الغزو ويبيعون وهو يراهم ولا ينهاهم ، وكانوا ~~يستأجرون الأجراء للغزو ، وذلك على نوعين . أحدهما : أن يخرج الرجل ، ~~ويستأجر من يخدمه . الثاني : أن يستأجر من يخرج للجهاد ، ويسمون ذلك ~~الجعائل ، وفيها قال صلى الله عليه وسلم : ' للغازي أجره ، وللجاعل أجره ، ~~وأجر الغازي ' ، وكانوا يتشاركون في الغنيمة ، على نوعين أيضا . أحدهما : ~~شركة الأبدان . | والثاني : أن يدفع الرجل بعيره أو فرسه يغزو عليه على ~~النصف مما يغنم حتى ربما اقتسما السهم فأصاب أحدهما قدحه ، والآخر نصله ~~وريشه . قال ابن مسعود : اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر ، فجاء ~~سعد بأسيرين ولم أجيء أنا وعمار بشيء . | وكان يبعث السرية فرسانا تارة ، ~~ورجالا أخرى ، ولا يسهم لمن قدم بعد الفتح ، وكان يعطي سهم ذوي القربى في ~~بني هاشم وبني المطلب دون إخوتهم من عبد شمس ونوفل ، وقال : ' إنما بنو ~~المطلب ، وبنو هاشم شيء واحد ' وشبك بين أصابعه ، وقال : ' إنهم لم ~~يفارقونا في جاهلية PageV01P206 ولا إسلام ' ، وكان المسلمون يصيبون معه في ~~مغازيهم العسل والعنب والطعام فيأكلونه ولا يرفعونه في المغانم . وقيل لابن ~~أبي أوفى : هل كنتم تخمسون الطعام ؟ فقال : أصبنا طعاما يوم خيبر ، وكان ~~الرجل يجيء فيأخذ منه مقدار ms119 ما يكفيه ، ثم ينصرف . وقال بعض الصحابة : كنا ~~نأخذ الجوز في الغزو ، ولا نقسمه ، حتى إن كنا لنرجع إلى رحالنا ، وأجربنا ~~منه مملوءة ، وكان ينهى عن النهبى والمثلة ، وقال : ' من انتهب نهبة فليس ~~منا ' . | وكان ينهى أن يركب الرجل دابة من الفيء ، فإذا أعجفها ردها فيه ~~وأن يلبس ثوبا من الفيء فإذا أخلقه رده فيه ، ولم يمنع من الانتفاع به حال ~~الحرب ، وكان يشدد في الغلول جدا ويقول : ' عار ونار وشنار على أهله يوم ~~القيامة ' ، ولما أصيب غلامه مدعم ، قال بعض الصحابة : هنيئا له الجنة . ~~فقال ' كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم ~~تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا ' فجاء رجل بشراك أو شراكين لما سمع ذلك ~~فقال : ' شراك أو شراكان من نار ' . | وقال لمن كان على ثقله وقد مات : ' ~~هو في النار ' فذهبوا ينظرون ، فوجدوا عباءة قد غلها ، وقالوا في بعض ~~غزواتهم : فلان شهيد ، وفلان شهيد . حتى مروا على رجل ، فقالوا : وفلان ~~شهيد ، فقال : ' كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة ' ثم قال : ~~' يا ابن الخطاب اذهب فناد في الناس إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون ' وكان ~~إذا أصاب غنيمة أمر بلالا ، فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم ، فيخمسها ~~ويقسمها ، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : PageV01P207 ' أسمعت بلالا ينادي ؟ ' فقال : نعم ، قال : ' فما منعك ~~أن تجيء به ؟ ' فاعتذر فقال : ' كن أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله عنك ~~' ، وأمر بتحريق متاع الغال ، وضربه وحرقه الخليفتان بعده ، فقيل : منسوخ ~~للأحاديث التي ذكرت ، ولم يجيء التحريق فيها ، وقيل - وهو الصواب - : إنه ~~من باب التعزير والعقوبات المالية الراجعة إلى اجتهاد الأئمة كقتل شارب ~~الخمر في الثالثة والرابعة . PageV01P208 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في الأسارى ) # | كان يمن على بعضهم ، ويقتل بعضهم ، ويفادي بعضهم بالمال ، وبعضهم ~~بأسارى المسلمين ، فعل ذلك كله بحسب المصلحة ، واستأذنه الأنصار أن يتركوا ~~لعمه العباس فداءه فقال : ' لا تدعوا منه درهما ' ، ورد ms120 سبي هوازن عليهم ~~بعد القسمة ، واستطاب قلوب الغانمين وعوض من لم يطب من ذلك بكل إنسان ست ~~فرائض . | وذكر أحمد عن ابن عباس أن بعضهم لم يكن له مال ، فجعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة ، فدل على جواز ~~الفداء بالعمل . والصواب الذي عليه هديه وهدي أصحابه استرقاق العرب ، ووطء ~~إمائهن بملك اليمين من غير اشتراط الإسلام ، وكان يمنع التفريق في السبي ~~بين الوالدة وولدها ، ويعطي أهل البيت جميعا كراهة أن يفرق بينهم . | وثبت ~~عنه أنه قتل جاسوسا من المشركين ، ولم يقتل حاطبا لما جس ، وذكر شهوده بدرا ~~، فاستدل به من لا يرى قتل الجاسوس ، واستدل به من يرى قتله ، كمالك ، ~~لتعليله بعلة مانعة من القتل ولو منع الإسلام لم يعلل بها ، والحكم إذا علل ~~بالأعم كان الأخص عديم التأثير . PageV01P209 | وكان هديه عتق عبيد ~~المشركين إذا خرجوا إلى المسلمين فأسلموا . | وكان من هديه أن من أسلم على ~~شيء في يده فهو له ، ولم يكن يرد على المسلمين أعيان أموالهم التي أخذها ~~الكفار بعد إسلامهم . | وثبت عنه أنه قسم أرض قريظة والنضير ، ونصف خيبر ~~بين الغانمين ، وعزل نصف خيبر لمن نزل به من الوفود والأمور ونوائب ~~المسلمين ، ولم يقسم مكة ، فقالت طائفة : لأنها دار النسك ، فهي وقف من ~~الله على عباده . | وقالت طائفة : الإمام مخير في الأرض بين قسمتها ، وبين ~~وقفها لفعله صلى الله عليه وسلم ، قالوا : والأرض لا تدخل في الغنائم ~~المأمور بقسمتها ، لأن الله لم يحلها لغير هذه الأمة ، وأحل لهم ديار ~~الكفار وأرضهم ، كقوله تعالى @QB@ كذلك وأورثناها بني إسرائيل @QE@ ' سورة ~~الشعراء : 60 ' والنبي صلى الله عليه وسلم قسم وترك ، وعمر لم يقسم ، بل ~~ضرب عليها خراجا مستمرا للمقاتلة ، فهذا معنى وقفها ليس الوقف الذي يمنع من ~~نقل الملك ، بل يجوز بيعها كما هو عمل الأمة ، وقد أجمعوا على أنها تورث ، ~~ونص أحمد على جواز جعلها صداقا ، والوقف إنما امتنع بيعه لإبطال حق البطون ~~الموقوف عليهم ، والمقاتلة حقهم في خراج الأرض ، فلا يبطل ms121 بالبيع ، ونظيره ~~بيع رقبة المكاتب ، وقد انعقد فيه سبب الحرية بالكتابة ، فإنه ينتقل إلى ~~المشتري مكاتبا كما كان عند البائع . | ومنع صلى الله عليه وسلم من إقامة ~~المسلم بين المشركين إذا قدر على الهجرة وقال : ' أنا بريء من كل مسلم يقيم ~~بين أظهر المشركين ' قيل : PageV01P210 يا رسول الله ولم ؟ قال : ' لا ~~تراآى نارهما ' وقال : ' من جامع المشرك ، وسكن معه فهو مثله ' ، وقال : ' ~~لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ، ولا تنقطع التوبة ، حتى تطلع الشمس من ~~مغربها ' وقال : ' ستكون هجرة بعد هجرة ، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر ~~إبراهيم عليه السلام ، ويبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضوهم تقذرهم نفس ~~الله ويحشرهم الله مع القردة والخنازير ' . PageV01P211 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في الأمان والصلح ومعاملة رسل ~~الكفار وأخذ الجزية ومعاملة أهل الكتاب والمنافقين ووفائه بالعهد ) # | ثبت عنه أنه قال : ' ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ، فمن أخفر ~~مسلما ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه يوم ~~القيامة صرفا ولا عدلا ' . | وثبت عنه أنه قال : ' من كان بينه وبين قوم ~~عهد ، فلا يحلن عقدة ، ولا يشهدها حتى يمضي أمده ، أو ينبذ إليهم على سواء ~~' وقال : ' من أمن رجلا على نفسه فقتله ، فأنا بريء من القاتل ' ويذكر عنه ~~: ' ما نقض قوم العهد إلا أديل عليهم العدو ' . | ولما قدم المدينة ، صار ~~الكفار معه ثلاثة أصناف : قسم صالحهم على أن لا يحاربوه ولا يمالوا عليه ، ~~وقسم حاربوه ، وقسم لم يصالحوه ولم يحاربوه ، بل انتظروا ما يؤول إليه أمره ~~، ثم من هؤلاء من كان يحب ظهوره ، وانتصاره في الباطن ، ومنهم من يحب ظهور ~~عدوه عليه ، ومنهم من دخل معه في الظاهر ، وهو عدوه في الباطن ، فعامل كل ~~طائفة بما أمره به ربه تعالى . | فصالح يهود المدينة ، فحاربته قينقاع بعد ~~بدر ، وشرقوا بوقعتها ، PageV01P212 وأظهروا البغي والحسد ، ثم نقض بنو ~~النضير ، فغزاهم وحصرهم ، وقطع نخلهم وحرقه ، ثم نزلوا على أن يخرجوا من ~~المدينة ، ولهم ما حملت الإبل إلا السلاح ، وذكر الله قصتهم في ms122 سورة الحشر ~~، ثم نقضت قريظة ، وهم أغلظ اليهود كفرا ، ولذلك جرى عليهم ما لم يجر على ~~إخوانهم ، فهذا حكمه في يهود المدينة . وكانت غزوة كل طائفة منهم عقب غزوة ~~من الكبار ، فبنو قينقاع عقب بدر ، وبنو النضير عقب أحد ، وقريظة عقب ~~الخندق . وأما أهل خيبر فسيأتي ذكرهم . | وكان هديه إذا صالح قوما ، فنقض ~~بعضهم ، وأقرهم الباقون ، ورضوا به ، غزا الجميع ، كما فعل بقريظة والنضير ~~وأهل مكة ، فهذه سنته في أهل العهد . | وعلى هذا ينبغي أن يجرى أهل الذمة ~~كما صرح به أصحاب أحمد وغيرهم ، وخالف أصحاب الشافعي ، فخصوا نقض العهد بمن ~~نقضه وفرقوا بينهما بأن عقد الذمة آكد ، والأول أصوب ، وبهذا أفتينا ولي ~~الأمر لما أحرق النصارى أموال المسلمين بالشام ، وعلم بذلك من علم منهم ، ~~وواطؤوا عليه ، ولم يعلموا به ولي الأمر ، وأن حده القتل حتما ، ولا يخير ~~الإمام فيه ، كالأسير بل صار القتل له حدا . | والإسلام لا يسقط القتل إذا ~~كان حدا ممن هو تحت الذمة ملتزما أحكام الملة ، بخلاف الحربي إذا أسلم فهذا ~~له حكم ، والذمي الناقض له حكم آخر ، وهذا الذي تقتضيه نصوص أحمد ، وأفتى ~~به شيخنا في غير موضع . PageV01P213 | وكان هديه إذا صالح قوما ، فانضاف ~~إليهم عدو له ، فدخلوا معهم ، وانضاف إليه آخرون ، صار حكم من حارب من دخل ~~معه من الكفار حكم من حاربه ، وبهذا السبب غزا أهل مكة ، وبهذا أفتى شيخ ~~الإسلام بغزو نصارى المشرق لما أعانوا عدو المسلمين على قتالهم ، وأمدوهم ~~بالمال والسلاح ورآهم بذلك ناقضين للعهد ، فكيف إذا أعان أهل الذمة ~~المشركين على حرب المسلمين . | وكانت تقدم عليه رسل أعدائه ، وهم على ~~عداوتهم ، فلا يهيجهم ، ولما قدم عليه رسولا مسيلمة ، فتكلما بما قالا ، ~~قال : ' لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما ' فجرت سنته أن لا يقتل رسول ~~. وكان هديه أيضا أن لا يحبس الرسول عنده إذا اختار دينه ، بل يرده ، كما ~~قال أبو رافع : بعثتني قريش إليه ، فوقع في قلبي الإسلام ، فقلت : يا رسول ~~الله لا أرجع . فقال : ' إني لا أخيس بالعهد ms123 ، ولا أحبس البرد ، ارجع إليهم ~~، فإن كان في قلبك الذي فيه الآن فارجع ' . | قال أبو داود : وكان هذا في ~~المدة التي شرط أن يرد إليهم من جاءه منهم ، وأما اليوم فلا يصلح هذا . وفي ~~قوله : ' لا أحبس البرد ' إشعار بأن هذا يختص بالرسل مطلقا ، وأما رده من ~~جاء مسلما ، فهذا إنما يكون مع الشرط . وأما الرسل فلهم حكم آخر . | ومن ~~هديه أن أعداءه إذا عاهدوا واحدا من أصحابه على عهد لا يضر بالمسلمين بغير ~~رضاه أمضاه ، كما عاهدوا حذيفة وأباه أن لا يقاتلاهم معه صلى الله عليه ~~وسلم ، فقال : ' انصرفا نفي لهم بعهدهم ، ونستعين الله عليهم ' . ~~PageV01P214 | وصالح قريشا عشر سنين على أن من جاءه مسلما رده ، ومن جاءهم ~~من عنده لا يردونه ، واللفظ عام في الرجال والنساء ، فنسخ الله ذلك في ~~النساء ، وأمر بامتحانهن ، فإن علموها مؤمنة لم ترد ، ويرد مهرها . | وأمر ~~المسلمين أن يردوا على من ارتدت امرأته إليهم مهرا إذا عاقبوا بأن يجب ~~عليهم رد مهر المهاجرة ليردوه إلى من ارتدت امرأته ولا يردونها إلى زوجها ، ~~فهذا هو العقاب ، وليس من العذاب في شيء . | ففيه أن خروج البضع من ملك ~~الزوج متقوم ، وأنه بالمسمى لا بمهر المثل ، وأن أنكحة الكفار صحيحة ، وأنه ~~لا يجوز رد المسلمة المهاجرة ، ولو شرط ، وأن المسلمة لا يحل لها نكاح ~~الكافر ، وأن المسلم له أن يتزوج المهاجرة إذا اعتدت ، وآتاها مهرها ، ففيه ~~أبين دلالة على خروج البضع من ملك الزوج ، وانفساخ النكاح بالهجرة وفيه ~~تحريم نكاح المشركة هذه أحكام استفيدت من الآية بعضها مجمع عليه ، وبعضها ~~مختلف فيه ، وليس لمن ادعى نسخها حجة ، فإن الشرط إن اختص بالرجال لم يدخلن ~~، فنهى عن ردهن . | وأمر برد المهر ، وأن يرد منه على من ارتدت امرأته ~~إليهم المهر الذي أعطاها ، ثم أخبر أن ذلك حكمه الذي يحكم به بين عباده ، ~~وأنه صادر . عن علمه وحكمته ، ولم يأت عنه ما ينافيه بعده ، ولما صالحهم ~~على رد الرجال كان صلى الله عليه وسلم يمكنهم أن يأخذوا من أتى ms124 إليه منهم ، ~~ولا يكرهه على العود ، ولا يأمره به ، وكان إذا قتل منهم ، أو أخذ مالا وقد ~~فصل عن يده ، ولما يلحق بهم لم ينكر عليه ذلك ، ولم يضمنه لهم ، لأنه ليس ~~تحت قهره ولا أمره بذلك ولم يقتض عقد الصلح الأمان على النفوس PageV01P215 ~~والأموال إلا ممن هو تحت قهره كما ضمن لبني جذيمة ما أتلف خالد ، وأنكره ~~وتبرأ منه . | ولما كان خالد متأولا وكان غزاهم بأمره صلى الله عليه وسلم ، ~~ضمنهم بنصف دياتهم لأجل التأويل والشبهة ، وأجراهم في ذلك مجرى أهل الكتاب ~~الذين عصموا بالذمة لا بالإسلام ، ولم يقتض عقد الصلح أن ينصرهم على من ~~حاربهم ممن ليس في قبضته ، ففيه أن المعاهدين إذا غزاهم من ليس تحت يد ~~الإمام ، وإن كان مسلما أنه لا يجب على الإمام رده ، ولا ضمان ما أتلف . | ~~وأخذ الأحكام المتعلقة بالحرب والمصالح والسياسات من هديه أولى من الآراء ، ~~وعلى هذا فإذا كان بين بعض ملوك المسلمين ، وبعض أهل الذمة عهد ، جاز لملك ~~آخر لا عهد بينه وبينهم أن يغزوهم ، كما أفتى به شيخ الإسلام في نصارى ~~ملطية ، مستدلا بقصة أبي بصير ، وكذلك صالح أهل خيبر لما ظهر عليهم على أن ~~يجليهم منها ، ولهم ما حملت ركابهم ، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الصفراء والبيضاء والسلاح ، واشترط أن لا يكتموا ، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ، ~~فغيبوا مسكا ، فيه مال لحيي بن أخطب احتمله معه حين أجليت النضير ، فسأل عم ~~حيي عنه ، فقال : أذهبته النفقات والحروب ، فقال : ' العهد قريب ، والمال ~~أكثر من ذلك ' فدفعه إلى الزبير ، فمسه بعذاب ، فقال : رأيت حييا يطوف في ~~خربة ها هنا ، فوجدوه فيها ، فقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابني أبي ~~الحقيق ، أحدهما زوج صفية بنت حيي ، وسبى نساءهم وذراريهم ، وقسم أموالهم ~~بالنكث وأراد أن يجليهم ، فقالوا : دعنا نكون فيها نصلحها ، فنحن أعلم بها ~~، ولم يكن له ولا لأصحابه غلمان يكفونهم ، فدفعها إليهم على الشطر من ~~PageV01P216 كل ما يخرج منها من تمر أو زرع ولهم الشطر ، وعلى أن يقرهم ms125 ما ~~شاء ، ولم يعمهم بالقتل ، كما عم قريظة لاشتراك أولئك في نقض العهد . | ~~وأما هؤلاء ، فالذين علموا بالمسك وغيبوه ، وشرطوا له أنه إن ظهر فلا ذمة ~~لهم ، قتلهم بشرطهم ، ولم يعم أهل خيبر ، فإنه من المعلوم أن جميعهم لم ~~يعلموا بالمسك ، فهذا نظير الذمي والمعاهد إذا نقض ، ولم يماله عليه غيره . ~~| ودفعه الأرض على النصف دليل ظاهر على جواز المساقاة والمزارعة ، وكون ~~الشجر نخلا لا أثر له ألبتة ، فحكم الشيء حكم نظيره ، فبلد الأعناب وغيرها ~~حكم شجرها حكم النخل سواء . وفيه أنه لا يشترط كون البذر من رب الأرض ، ~~فإنه لم يعطهم بذرا ألبتة ، وهذا مقطوع به ، حتى قال بعض أهل العلم : لو ~~قيل باشتراط كونه من العامل لكان أقوى . والذين اشترطوه من رب الأرض ليس ~~معهم حجة أصلا أكثر من القياس على المضاربة ، وهذا إلى أن يكون حجة عليهم ~~أقرب ، فإن في المضاربة يعود رأس المال إلى المالك ، ولو شرط في المزارعة ~~فسدت عندهم ، فأجروا البذر مجرى سائر المغل وأيضا فإن البذر جار مجرى الماء ~~والمنافع ، فإن الزرع لا يتكون به وحده ، بل لا بد من السقي والعمل ، ~~والبذر يموت وينشيء الله الزرع من أجزاء أخر تكون معه من الماء والريح ~~والشمس والتراب والعمل ، فحكمه حكم هذه الأجزاء ، وأيضا فإن الأرض نظير رأس ~~المال ، وهذا يقتضي أن يكون المزارع أولى بالبذر فالذي جاءت به السنة هو ~~الموافق للقياس . | وفيها عقد الهدنة من غير توقيت ، بل ما شاء الإمام ، ~~ولم يجيء بعده PageV01P217 ما ينسخه ألبتة ، لكن لا يحاربهم حتى يعلمهم على ~~سواء ، ليستووا هو وهم في العلم بنقض العهد . | وفيه جواز تعزير المتهم ~~بالعقوبة ، فإن الله سبحانه قادر أن يدل رسوله صلى الله عليه وسلم على ~~الكنز ، ولكن أراد أن يسن للأمة عقوبة المتهمين ، ويوسع لهم طرق الأحكام ~~رحمة بهم وتيسيرا عليهم . وفيه الأخذ بالقرائن لقوله : ' العهد قريب والمال ~~أكثر من ذلك ' وكذلك فعل نبي الله سليمان في تعيين أم الطفل ، وهو صلى الله ~~عليه وسلم لم يقصها علينا - أي ms126 : قصة سليمان - لنتخذها سمرا ، بل لنعتبر ~~بها في الأحكام ، بل الحكم بالقسامة ، وتقديم أيمان مدعى القتل هو من هذا ~~استنادا إلى القرائن الظاهرة ، بل ومنه رجم الملاعنة استنادا إلى اللوث ~~الظاهر الذي حصل بالتعانه ونكولها . | ومنه قبول شهادة أهل الكتاب على ~~المسلمين في الوصية في السفر ، وأن وليي الميت إذا اطلعا على خيانة من ~~الوصيين ، جاز لهما أن يحلفا ، ويستحقا ما حلفا عليه ، واللوث في الأموال ~~نظير اللوث في الدماء ، وأولى بالجواز منه ، وعلى هذا إذا اطلع الرجل ~~المسروق ماله على بعضه في يد خائن معروف ولم يبين أنه اشتراه من غيره ، جاز ~~له أن يحلف أن بقية ماله عنده ، وأنه صاحب السرقة استنادا إلى اللوث الظاهر ~~نظير حلف أولياء المقتول في القسامة ، بل أمر الأموال أخف . | ولذلك ثبتت ~~بشاهد ويمين ، وشاهد وامرأتين بخلاف الدماء ، والقرآن والسنة يدلان على هذا ~~وهذا ، وليس مع من ادعى النسخ حجة أصلا ، فإنه في سورة المائدة وهي من آخر ~~ما نزل ، وحكم بموجبها الصحابة بعده . PageV01P218 | ومن هذا استدلال شاهد ~~يوسف بالقميص ، وحكاه الله مقررا له ، والتأسي بهذا وأمثاله في إقرار الله ~~له لا في مجرد حكايته . | ولما أقرهم صلى الله عليه وسلم كان يبعث كل عام ~~من يخرص عليهم الثمار ، فينظر كم يجيء منها ، فيضمنهم نصيب المسلمين ، ~~ويتصرفون فيها ، وكان يكتفي بخارص واحد ، ففيه خرص الثمر وقسمته خرصا على ~~رؤوس النخل ، ويصير نصيب أحدهما معلوما وإن لم يتميز بعد ، لمصلحة الثمار . ~~| وعلى أن القسمة إفراز لا بيع ، وعلى جواز الاكتفاء بخارص واحد ، وقاسم ~~واحد ، وعلى أن لمن الثمار في يده أن يتصرف فيها بعد الخرص ، ويضمن نصيب ~~شريكه . | فلما كان زمن عمر ذهب ابنه عبد الله إلى ماله بخيبر ، فعدوا عليه ~~، وألقوه من فوق بيت ، وفكوا يده ، فأجلاهم عمر إلى الشام ، وقسمها بين ~~أهلها . PageV01P219 # | 1 ( فصل ) # | وأما هديه في عقد الذمة ، وأخذ الجزية ، فلم يأخذ جزية إلا بعد نزول ( ~~براءة ) في السنة الثامنة ، فلما نزلت آية الجزية أخذها من المجوس وأهل ~~الكتاب ، ولم يأخذها ms127 من يهود خيبر ، فظن من غلط أنه مختص بأهل خيبر ، وهذا ~~من عدم فقهه ، فإنه صالحهم قبل نزول الآية ، ثم أمره الله أن يقاتل أهل ~~الكتاب حتى يعطوا الجزية ، فلم يدخلوا في ذلك ، لأن العقد تم قبلها على ما ~~بينهم وبينه ، فلم يطالبهم بغيره ، وطالب سواهم ممن لم يكن له عهد ، فلما ~~أجلاهم عمر ، تغير ذلك العقد ، وصار لهم حكم غيرهم من أهل الكتاب ، ولما ~~كان في بعض الدول التي خفيت فيها السنة ، أظهر طائفة منهم كتابا قد عتقوه ~~وزوروه ، فيه : أنه صلى الله عليه وسلم أسقط عن أهل خيبر الجزية وفيه شهادة ~~علي بن أبي طالب ، وسعد بن معاذ ، وجماعة من الصحابة فراج على من جهل السنة ~~، وظنوا صحته ، فأجروا حكمه حتى ألقي إلى شيخ الإسلام ، وطلب منه أن يعين ~~على تنفيذه ، فبصق عليه ، واستدل على كذبه بعشرة أوجه . | منها أن سعدا ~~توفي قبل خيبر . | ومنها أن الجزية لم تكن نزلت بعد . | ومنها أنه أسقط ~~عنهم الكلف والسخر ، ولم يكونا في زمنه صلى الله عليه وسلم ، وإنما هي من ~~وضع الملوك الظلمة ، واستمر الأمر عليها . PageV01P220 | ومنها أن هذا ~~الكتاب لم يذكره أحد من أهل العلم ، لا من أهل السير ولا من أهل الحديث ، ~~ولا غيرهم ، ولا أظهروه في زمان السلف لعلمهم أنهم يعرفون كذبه ، فلما خفيت ~~السنة زوروا ذلك ، وساعدهم بعض الخائنين لله ولرسوله ، ولم يستمر ، حتى كشف ~~الله أمره ، وبين خلفاء الرسل بطلانه ، ولم يأخذ الجزية من عباد الأصنام ، ~~فقيل : لا تؤخذ من كافر غير هؤلاء ، ومن دان دينهم اقتداء بأخذه وتركه ، ~~وقيل : تؤخذ من عبدة الأصنام من العجم دون العرب ، والأول قول الشافعي ~~وأحمد في رواية . | والثاني : قول أبي حنيفة وأحمد في أخرى ، ويقولون : لم ~~يأخذها من العرب ، لأنها فرضت بعد إسلامهم ، ولم يبق بأرض العرب مشرك ، ~~ولهذا غزا بعد الفتح تبوك ، ولو كان بأرض العرب مشركون لكانوا يلونه ، ~~وكانوا أولى بالغزو من الأبعدين ، ومن تأمله علم أن الأمر كذلك ، قالوا : ~~وقد أخذها من المجوس ، ولا يصح ms128 أن لهم كتابا ورفع ، ولا فرق بين عباد ~~الأصنام ، وعباد النار بل أهل الأوثان فيهم من التمسك بدين إبراهيم ما لم ~~يكن في عباد النار ، بل عباد النار أعداء إبراهيم ، وعلى هذا تدل السنة كما ~~في ' صحيح مسلم ' : ' إذا لقيت عدوك من المشركين ، فادعهم إلى إحدى ثلاث ' ~~إلى آخره . | وقال المغيرة لعامل كسرى : أمرنا نبينا أن نقاتلكم حتى تعبدوا ~~الله ، أو تؤدوا الجزية . | وقال صلى الله عليه وسلم لقريش : ' هل لكم في ~~كلمة تدين لكم بها العرب ، وتؤدي العجم إليكم الجزية ' ؟ قالوا : ما هي ؟ ~~قال : ' لا إله إلا الله ' . PageV01P221 | وصالح أهل نجران على ألفي حلة ، ~~وعارية ثلاثين درعا وثلاثين فرسا ، وثلاثين بعيرا ، وثلاثين من كل صنف من ~~كل أصناف السلاح يغزون بها والمسلمون ضامنون لهم حتى يردوها عليهم إن كان ~~باليمن كيد أو غدرة ، على أن لا يهدم لهم بيعة ، ولا يخرج لهم قس ولا ~~يفتنون عن دينهم ما لم يحدثوا حدثا أو يأكلوا الربا ، ففيه انتقاض عهد أهل ~~الذمة بإحداث الحدث ، أو أكل الربا إذا شرط عليهم . | ولما وجه معاذا إلى ~~اليمن أمره أن يأخذ من كل محتلم دينارا أو قيمته من المعافري وهي ثياب ~~باليمن ، ففيه أنها غير مقدرة الجنس ولا القدر ، بل بحسب حاجة المسلمين ، ~~وحال من تؤخذ منه ، ولم يفرق صلى الله عليه وسلم ولا خلفاؤه بين العرب ~~وغيرهم ، أخذها من مجوس هجر وهم عرب ، فإن العرب كل طائفة منهم تدين بدين ~~من جاورها من الأمم ، فكانت عرب البحرين مجوسا ، وتنوخ وبهرة وبنو تغلب ~~نصارى ، فلم يعتبر آباءهم ولا متى دخلوا في دين أهل الكتاب ، وثبت عنه أن ~~من الأنصار من تهود أبناؤهم بعد نسخ شريعة موسى فأراد آباؤهم إكراههم على ~~الإسلام ، فأنزل الله : @QB@ لا إكراه في الدين @QE@ الآية ' سورة البقرة : ~~256 ' ، وقوله : ' خذ من كل حالم دينارا ' دليل على أنها لا تؤخذ من صبي ~~ولا امرأة ، واللفظ الذي روي : ' من كل حالم أو حالمة ' لا يصح وصله ، وهو ~~منقطع ، وهذه الزيادة لم يذكرها سائر الرواة ms129 ، ولعلها من تفسير بعضهم . ~~PageV01P222 # | 1 ( فصل : في ترتيب هديه مع الكفار والمنافقين من حين بعث إلى أن لقي ~~الله عز وجل ) # | أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى أن يقرأ باسم ربه الذي خلقه ، وذلك ~~أول نبوته ، ثم أنزل عليه : @QB@ يا أيها المدثر قم فأنذر @QE@ ' سورة ~~المدثر : 1 ، 2 ' فأرسله بها ، ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين ، فأنذر ~~قومه ، ثم أنذر من حولهم من العرب ثم أنذر العرب قاطبة ، ثم أنذر العالمين ~~، فأقام بضع عشرة سنة ينذر بغير قتال ، ويؤمر بالصبر ، ثم أذن له في الهجرة ~~، ثم أذن له في القتال ، ثم أمره أن يقاتل من قاتله ، ثم أمره أن يقاتل ~~المشركين حتى يكون الدين كله لله . | ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ~~ثلاثة : أهل هدنة ، وأهل حرب ، وأهل ذمة ، فأمره أن يفي لأهل الهدنة ما ~~استقاموا ، فإن خاف نبذ إليهم ، وأمره أن يقاتل من نقض عهده ، ونزلت ( ~~براءة ) ببيان الأقسام الثلاثة ، فأمره بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية ~~، وأمره بجهاد الكفار والمنافقين ، فجاهد الكفار بالسيف ، والمنافقين ~~بالحجة ، وأمره بالبراءة من عهود الكفار ، وجعلهم ثلاثة أقسام : قسم أمره ~~الله بقتالهم وهم الناقضون ، وقسم لهم عهد موقت لم ينقضوه ، فأمره بإتمامه ~~PageV01P223 إلى مدته ، وقسم لهم عهد مطلق أو لا عهد لهم ، ولم يحاربوه ، ~~فأمره أن يؤجلهم أربعة أشهر ، فإذا انسلخت قاتلهم وهي المذكورة في قوله : ~~@QB@ فإذا انسلخ الأشهر الحرم @QE@ ' سورة التوبة : 6 ' وأولها : العاشر من ~~ذي الحجة يوم الأذان ، وآخرها العاشر من ربيع الآخر ، وليست الأربعة ~~المذكورة في قوله : @QB@ منها أربعة حرم @QE@ ولم يسير المشركين فيها ، ~~فإنه لا يمكن لأنها غير متوالية ، وقد أمر بعد انسلاخ الأربعة بقتالهم ، ~~فقاتل الناقض ، وأجل من لا عهد له ، أو له عهد مطلق أربعة أشهر ، وأمره أن ~~يتم للموفي عهده إلى مدته ، فأسلموا كلهم ، ولم يقيموا كفارا إلى مدتهم ، ~~وضرب على أهل الذمة الجزية ، فاستقر أمرهم معه ثلاثة أقسام : محاربين ، ~~وأهل عهد ، وأهل ذمة ، ثم صار أهل العهد إلى الإسلام ، فصاروا قسمين : ~~محاربين ، وأهل ms130 ذمة ، فصار أهل الأرض ثلاثة أقسام : مسلم ، ومسالم ، وخائف ~~محارب . | وأما سيرته في المنافقين ، فأمر أن يقبل علانيتهم ، ويجاهدهم ~~بالحجة ، ويعرض عنهم ، ويغلظ ويبلغ بالقول البليغ إلى نفوسهم ، ونهي أن ~~يصلى عليهم ، وأن يقوم على قبورهم ، وأخبر أنه إن استغفر لهم أو لم يستغفر ~~لهم ، فلن يغفر الله لهم . PageV01P224 # | 1 ( فصل ) # | وأما سيرته مع أوليائه ، فأمر أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي يريدون وجهه ، وأن لا تعدو عيناه عنهم ، وأن يعفو عنهم ، ~~ويستغفر لهم ، ويشاورهم ، ويصلي عليهم ، وأمر بهجر من عصاه وتخلف عنه حتى ~~يتوب كما هجر الثلاثة ، وأمر أن يقيم الحدود فيهم على الشريف والوضيع . | ~~وأمر في دفع عدوه من شياطين الإنس أن يدفع بالتي هي أحسن ، فيقابل الإساءة ~~بالإحسان ، والجهل بالحلم ، والظلم بالعفو ، والقطيعة بالصلة ، وأخبر أنه ~~إن فعل عاد العدو كأنه ولي حميم . | وأمر في دفع عدوه من شياطين الجن ~~بالاستعاذة ، وجمع له هذين الأمرين في ثلاثة مواضع في ( الأعراف ) ، و ( ~~المؤمنين ) ، و ( حم السجدة ) وجمع له في آية ( الأعراف ) مكارم الأخلاق ~~كلها ، فإن ولي الأمر له مع الرعية ثلاثة أحوال : فعليهم حق يلزمهم له ، ~~وأمر عليه أن يأمرهم به ، ولا بد من تفريط منهم في حقه ، فأمر بأن يأخذ مما ~~عليهم مما سمحت به أنفسهم وهو العفو ، وأمر بأن يأمرهم بالعرف ، وهو ما ~~تعرفه العقول السليمة ، والفطر المستقيمة ، وأيضا يأمرهم بالعرف لا العنف ، ~~وأمر بأن يقابل جهلهم بالإعراض ، فهذه سيرته مع أهل الأرض جنهم وإنسهم ، ~~مؤمنهم وكافرهم . PageV01P225 # | 1 ( فصل : في سياق مغازيه ) # | أول لواء عقده لحمزة في رمضان على رأس سبعة أشهر من الهجرة وبعثه في ~~ثلاثين من المهاجرين خاصة ، يعترض عيرا لقريش : جاءت من الشام ، فيها أبو ~~جهل في ثلاثمئة ، فلما التقوا حجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني ، وكان حليفا ~~للفريقين . | ثم بعث عبيدة بن الحارث في سرية إلى بطن رابغ في شوال في ستين ~~من المهاجرين ، فلقي أبا سفيان في مائتين ، فكان بينهم رمي ، ولم يسلوا ~~السيوف ، وكان سعد أول من ms131 رمى بسهم في سبيل الله ، وقدمها ابن إسحاق على ~~سرية حمزة . | ثم بعث سعدا إلى الحرار على رأس تسعة أشهر في عشرين راكبا ، ~~يعترضون عيرا لقريش ، فلما بلغوه ، وجدوها مرت بالأمس ، ثم غزا بنفسه غزوة ~~الأبواء وهي أول غزوة غزاها بنفسه ، خرج في المهاجرين خاصة يعترض عيرا ~~لقريش ، فلم يلق كيدا . | ثم غزا أبواط في شهر ربيع في مائتين من أصحابه ~~يعترض عيرا لقريش ، حتى بلغ أبواط فلم يلق كيدا فرجع . PageV01P226 | ثم ~~خرج على رأس ثلاثة عشر شهرا لطلب كرز بن جابر لما أغار على سرح المدينة ، ~~حتى بلغ سفوان من ناحية بدر ، ففاته كرز . | ثم خرج على رأس ستة عشر شهرا ~~في مائة وخمسين من المهاجرين ، يعترض عيرا لقريش ذاهبة إلى الشام ، فبلغ ذا ~~العشيرة ، فوجدها قد فاتته وهي التي خرج في طلبها لما رجعت ، فكانت وقعة ~~بدر . | ثم بعث عبد الله بن جحش إلى نخلة في اثني عشر رجلا من المهاجرين ، ~~كل اثنين يعتقبان على بعير ، فوصلوا إلى بطن نخلة يرصدوا عيرا لقريش ، وأضل ~~سعد وعتبة بن غزان بعيرا لهما ، فتخلفا في طلبه ، ونفذوا إلى بطن نخلة ، ~~فمرت بهم عير لقريش ، فقالوا : نحن في آخر يوم من رجب ، وإن تركناهم الليلة ~~دخلوا الحرم . | ثم أجمعوا على ملاقاتهم ، فرمى أحدهم عمرو بن الحضرمي ، ~~فقتله وأسروا عثمان والحكم ، وأفلت نوفل ، وعزلوا الخمس ، فكان أول خمس في ~~الإسلام ، فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم واشتد إنكار قريش ، ~~وزعموا أنهم وجدوا مقالا ، واشتد على المسلمين ذلك ، فأنزل الله عز وجل : ~~@QB@ يسألونك عن الشهر الحرام @QE@ الآية ' البقرة : 217 ' ، يقول سبحانه : ~~هذا وإن كان كبيرا ، فما ارتكبتموه أنتم من الكفر ، والصد عن سبيل الله ~~وبيته ، وإخراج المسلمين الذين هم أهله منه ، والشرك الذي أنتم عليه ، ~~والفتنة التي حصلت منكم أكبر عند الله ، والأكثر فسروا ' الفتنة ' هنا ~~بالشرك ، وحقيقتها : أنها الشرك الذي يدعو صاحبه إليه ، ويعاقب من لم يفتتن ~~به . PageV01P227 ولهذا يقال لهم في النار : @QB@ ذوقوا فتنتكم @QE@ ' سورة ~~الذاريات : 14 ' قال ابن عباس ms132 : تكذيبكم ، وحقيقته : ذوقوا نهاية فتنتكم ، ~~كقوله : @QB@ ذوقوا ما كنتم تكسبون @QE@ ' سورة الزمر : 24 ' . | ومنه قوله ~~تعالى : @QB@ إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات @QE@ ' سورة البروج : 10 ' ~~فسرت بإحراق المؤمنين بالنار ، واللفظ أعم ، وحقيقته : عذبوا المؤمنين ~~ليفتنوهم عن دينهم . | وأما الفتنة المضافة إلى الله كقوله : @QB@ فتنا ~~بعضهم ببعض @QE@ ' سورة الأنعام : 53 ' @QB@ إن هي إلا فتنتك @QE@ ' سورة ~~الأعراف : 155 ' فهي الامتحان بالنعم والمصائب ، فهذه لون وفتنة المشركين ~~لون ، وفتنة المؤمن في ولده وماله وجاره لون آخر . | والفتنة بين أهل ~~الإسلام ، كأهل الجمل وصفين لون آخر ، وهي التي أمر فيها صلى الله عليه ~~وسلم باعتزال الطائفتين . | وقد تأتي مرادا بها المعصية ، كقوله تعالى : ~~@QB@ ألا في الفتنة سقطوا @QE@ ' سورة التوبة : 50 ' أي : وقعوا في فتنة ~~النفاق ، وفروا إليها من فتنة بنات بني الأصفر . | والمقصود أنه سبحانه حكم ~~بين أوليائه وأعدائه بالعدل ، ولم يؤيس أولياءه إذا كانوا متأولين أو ~~مقصرين تقصيرا يعفر لهم في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات والهجرة . ~~PageV01P228 # | 1 ( فصل ) # | فلما كان في رمضان من هذه السنة بلغه صلى الله عليه وسلم خبر العير ~~المقبلة من الشام ، فندب للخروج إليها ولم يحتفل لها ، لأنه خرج مسرعا في ~~ثلاثمئة وبضعة عشر رجلا معهم فرسان على سبعين بعيرا ، يعتقبونها ، وبلغ ~~الصريخ مكة ، فخرجوا كما قال تعالى : @QB@ بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل ~~الله @QE@ ' سورة الأنفال : 47 ' فجمعهم الله على غير ميعاد ، كما قال ~~تعالى : @QB@ ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد @QE@ الآية ' سورة الأنفال : ~~41 ' ، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خروجهم استشار أصحابه . | ~~فتكلم المهاجرون ، فأحسنوا ، ثم استشارهم ثانيا ، فتكلم المهاجرون ، ثم ~~استشارهم ثالثا ، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم ، فبادر سعد بن معاذ ، فتكلم ~~بكلامه المشهور ، وقال المقداد كلامه المشهور ، فسر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بما سمع من أصحابه وقال : ' سيروا ، وابشروا ، فإن الله وعدني ~~إحدى الطائفتين ، وإني قد رأيت مصارع القوم ' . | فسار إلى بدر ، فلما طلع ~~المشركون وتراءى الجمعان ، قام ورفع يديه ، واستنصر ربه ، واستنصر المسلمون ~~الله ، واستغاثوه ، فأوحى الله إليه : @QB@ أني ممدكم ms133 بألف من الملائكة ~~مردفين @QE@ ' سورة الأنفال : 9 ' قرىء بكسر الدال وفتحها ، فقيل : المعنى ~~أنهم ردف لكم ، وقيل : يردف بعضهم بعضا لم يأتوا دفعة واحدة ، فإن قيل : ~~هنا ذكر ألفا ، وفي ( آل عمران ) ثلاثة آلاف وخمسة ؟ قيل : فيه قولان : ~~PageV01P229 | أحدهما : أنه يوم أحد ، وهو معلق على شرط ، ففات وفات ~~الإمداد . | والثاني : يوم بدر ، وحجته أن السياق يدل عليه ، كقوله : @QB@ ~~ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون إذ تقول ~~للمؤمنين ألن يكفيكم @QE@ الآية إلى قوله : ^ ( وما جعله الله إلا بشرى ~~ولتطمئن قلوبكم به ) ^ ' سورة آل عمران : 132 - 135 ' . فلما استغاثوه ~~أمدهم بألف ، ثم بثلاثة ، ثم بخمسة ، وكان متابعة الإمداد أحسن موقعا وأقوى ~~لنفوسهم ، وأسر لها . | وقال أهل القول الأول : القصة في سياق أحد ، ودخول ~~بدر اعتراض ، فذكرهم نعمته ببدر ، ثم عاد إلى قصة أحد ، وأخبر عن قول رسوله ~~لهم : @QB@ ألن يكفيكم @QE@ الآية ، ثم وعدهم أنهم إن صبروا واتقوا أمدهم ~~بخمسة آلاف ، فهذا من قول رسوله ، والذي ببدر من قوله تعالى ؛ وهو مطلق ، ~~وذاك معلق ، والكلام في قصة أحد مستوفاة مطولة ، وفي ( الأنفال ) قصة بدر ~~مستوفاة مطولة ، يوضحه قوله : @QB@ ويأتوكم من فورهم هذا @QE@ قال مجاهد : ~~يوم أحد ، وهذا يستلزم أن يكون الإمداد فيه ، فلا يصح قوله : إن الإمداد ~~يوم بدر ، والإتيان من فورهم يوم أحد . | ولما عزموا على الخروج ، ذكروا ما ~~بينهم وبين بني كنانة من الحرب ، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك ، ~~وقال : @QB@ لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم @QE@ ' سورة الأنفال ~~: 49 ' من أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه ، فلما تعبوا للقتال ورأى جند الله ~~قد نزلت من السماء ، فر ، ونكص على عقبيه ، فقالوا : إلى أين يا سراقة ، ~~ألم تكن قلت إنك جار لنا ؟ فقال : @QB@ إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله ~~والله شديد العقاب @QE@ وصدق PageV01P230 في قوله : @QB@ إني أرى ما لا ~~ترون @QE@ وكذب في قوله : @QB@ إني أخاف الله @QE@ . وقيل : خاف أن يهلك ~~معهم وهو أظهر . ولما رأى المنافقون ومن في قلبه مرض قلة ms134 حزب الله ، وكثرة ~~أعدائه ، ظنوا أن الغلبة بالكثرة ، فقالوا : @QB@ غر هؤلاء دينهم @QE@ ، ~~فأخبر سبحانه أن النصر بالتوكل لا بالكثرة ولا بالعدد ، وأنه عزيز لا يغالب ~~حكيم ينصر المستحق وإن كان ضعيفا . | وفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~شأن بدر والأسرى في شوال ، ثم نهض صلوات الله عليه بعد ذلك بسبعة أيام إلى ~~بني سليم ، فبلغ ماء يقال له : الكدر ، فأقام عليه ثلاثا ، ثم انصرف . | ~~ولما رجع فل المشركين إلى مكة نذر أبو سفيان ألا يمس رأسه ماء حتى يغزو ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرج في مائتي راكب حتى بلغ طرف المدينة ، ~~وبات ليلة عند سلام بن مشكم ، فبطن له خبر الناس ، فلما أصبح قطع أصوارا من ~~النخل ، وقتل رجلا من الأنصار وحليفا له ، فخرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في طلبه ففاته ، وطرح الكفار سويقا كثيرا يتخففون به ، فسميت غزوة ~~السويق . | ثم غزا نجدا يريد غطفان ، فأقام هناك صفرا كله من السنة الثالثة ~~ثم انصرف ولم يلق حربا ، ثم خرج يريد قريشا ، فبلغ بحران ، معدنا بالحجاز ، ~~فلم يلق حربا ، فأقام هناك ربيع الآخر وجمادى الأولى ، ثم انصرف . | ثم غزا ~~بني قينقاع ، ثم قتل كعب بن الأشرف ، وأذن في قتل من وجد من اليهود لنقضهم ~~العهد ، ومحاربتهم الله ورسوله . | ولما قتل الله أشراف قريش ببدر ورأس ~~فيهم أبو سفيان ، جمع PageV01P231 الجموع ، وأقبل بهم إلى المدينة ، فنزل ~~قريبا من أحد . وكانت وقعة أحد المشهورة ، واستعرض الشباب يومئذ ، فرد من ~~استصغره عن القتال ، منهم ابن عمر ، وأسامة ، وزيد بن ثابت ، وعرابة بن أوس ~~، وأجاز من رآه مطيقا ، منهم سمرة بن جندب ، ورافع بن خديج ، ولهما خمس ~~عشرة سنة ، فقيل : أجاز من أجاز لبلوغه . وجعلوا حد البلوغ بالسن خمس عشرة ~~سنة ، وقالت طائفة : أجازهم لإطاقتهم ، ولا تأثير للبلوغ وعدمه في ذلك ، ~~قالوا : وفي بعض ألفاظ حديث ابن عمر : فلما رآني مطيقا أجازني . | ثم ذكر ~~قصة الأصيرم ، وكلام أبي سفيان على الجبل ، وهي ما روى البخاري في ' صحيحه ~~' عن البراء ms135 بن عازب رضي الله عنهما ، قال : أشرف أبو سفيان ، قال : أفي ~~القوم محمد ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ' لا تجيبوه ' قال : أفي القوم ابن ~~أبي قحافة ؟ فقال : ' لا تجيبوه ' ، فقال : أفي القوم ابن الخطاب ؟ فقال : ~~' لا تجيبوه ' فقال : إن هؤلاء قد قتلوا ، فلو كانوا أحياء لأجابوا . فلم ~~يملك عمر نفسه ، فقال : كذبت يا عدو الله أبقى الله تعالى لك ما يخزيك ~~ويسوؤك . | قال أبو سفيان : أعل هبل ، أعل هبل . فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم : ' أجيبوه ' قالوا : ما نقول ؟ قال : ' قولوا : الله أعلى وأجل ' قال ~~أبو سفيان : لنا العزى ولا عزى لكم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' ~~أجيبوه ' ، قالوا : ما نقول ؟ قال : ' قولوا : الله مولانا ولا مولى لكم ' ~~. قال أبو سفيان : يوم بيوم بدر ، والحرب سجال ، فأجابه عمر : لا سواء ~~قتلانا في الجنة ، وقتلاكم في النار . ثم قال أبو سفيان : وستجدون مثله لم ~~آمر بها ولم تسؤني . فأمر بجوابه عند افتخاره بآلهته وشركه ، PageV01P232 ~~تعظيما للتوحيد ، وإعلاما بعزة إله المسلمين ، ولم يأمرهم بإجابته أو نهاهم ~~حين قال : أفيكم محمد ؟ الخ . . . لأن كلمهم لم يبرد بعد في طلب القوم ، ~~ونار غيظهم متوقدة ، فلما قال : كفيتموهم . حمي عمر ، وقال : كذبت ، يا عدو ~~الله ، ، ففيه من الشجاعة ، والتعرف إلى العدو في تلك الحال ، ما يؤذن ~~بالبسالة ، وأنه وقومه جديرون بعدم الخوف ، فكان في جوابه من الغيظ للعدو ، ~~والفت في عضده ما ليس في جوابه حين سأل عنهم ، فترك الجواب الأول أحسن ، ~~وذكره ثانيا أحسن ، وأيضا ففي ترك إجابته إهانة له ، فلما منته نفسه موتهم ~~، وحصل له من الكبر والإعجاب ما حصل ، كان في جوابه إهانة وإذلال ، فلم يكن ~~مخالفا لقوله صلى الله عليه وسلم : ' لا تجيبوه ' . PageV01P233 # | 1 ( فصل : في ما اشتملت عليه هذه الغزوة من الأحكام ) # | منها أن الجهاد يلزم بالشروع فيه ، فمن لبس لأمته ، ليس له أن يرجع . | ~~ومنها أنه لا يجب الخروج إذا طرق العدو في الديار . ومنها أنه لا يأذن لمن ~~لا يطيق القتال من الصبيان ، ومنها جواز الغزو بالنساء ms136 ، والاستعانة بهن في ~~الجهاد ، وجواز الانغماس في العدو ، كما فعل أنس بن النضر وغيره ، وأن ~~الإمام إذا جرح صلى بهم قاعدا وصلوا وراءه قعودا ، وأن الدعاء بالشهادة ، ~~وتمنيها ليس من المنهي عنه كما فعل ابن جحش ، وأن المسلم إذا قتل نفسه ، ~~فهو من أهل النار كقزمان ، وأن الشهيد لا يغسل ، ولا يصلى عليه ، ولا يكفن ~~في غير ثيابه إلا أن يسلبها ، وأنه إذا كان جنبا غسل كحنظلة ، وأن الشهداء ~~يدفنون في مصارعهم لأمره برد القتلى إليها ، وجواز دفن الاثنين والثلاثة في ~~القبر الواحد ، وهل دفنهم في ثيابهم استحباب أو وجوب ؟ الثاني : أظهر ، ~~ومنها أن المعذور كالأعرج يجوز له الخروج ، وأن المسلمين إذا قتلوا مسلما ~~في الجهاد يظنونه كافرا ، فديته في بيت المال ، لأنه أراد أن يدي أبا حذيفة ~~بن اليمان . | وأما الحكم التي في هذه الوقعة ، فقد أشار سبحانه إلى ~~أمهاتها في سورة ( آل عمران ) من قوله : @QB@ وإذ غدوت من أهلك @QE@ إلى ~~تمام الستين آية . PageV01P234 | فمنها تعريفهم عاقبة المعصية والفشل ~~والتنازع ليستيقظوا ويحذروا من أسباب الخذلان ، وأن حكمة الله جرت بأن ~~الرسل وأتباعهم يدالون مرة ، ويدال عليهم أخرى ، لكن يكون لهم العاقبة ، ~~فلو انتصروا دائما دخل معهم المؤمن وغيره ولم يتميزوا ولو انتصر غيرهم ~~دائما لم يحصل المقصود . | قال الله تعالى : @QB@ ما كان الله ليذر ~~المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب @QE@ ' سورة آل عمران ~~: 179 ' أي : ما كان الله ليذركم على هذا من التباس المؤمنين بالمنافقين ~~حتى يميزهم @QB@ وما كان الله ليطلعكم على الغيب @QE@ الذي يميز به بينهم ~~بل يريد سبحانه أن يميزهم تمييزا مشهودا . وقوله : @QB@ ولكن الله يجتبي من ~~رسله من يشاء @QE@ استدراك لما نفى من إطلاعهم على الغيب ، أي : سوى الرسل ~~، فإنه يطلعهم على ما يشاء كما في سورة الجن ، فسعادتكم بالإيمان بالغيب ~~الذي يطلع عليه رسله ، فإن آمنتم به واتقيتم فلكم أعظم الأجر . | ومنها ~~استخراج عبودية أوليائه في السراء والضراء ، فإذا ثبتوا على الطاعة فيما ~~أحبوا وكرهوا ، فهم ليسوا كمن يعبده على حرف ms137 . | ومنها أنه لو بسط لهم ~~النصر دائما لكانوا كما يكونون لو بسط لهم الرزق ، فهو المدبر لهم ، كما ~~يليق بحكمته ، إنه بهم خبير بصير . ومنها أنهم إذا انكسروا له استوجبوا ~~النصر ، فإن خلعة النصر مع ولاية الذل ، كما قال تعالى : @QB@ ولقد نصركم ~~الله ببدر وأنتم أذلة @QE@ ' سورة آل عمران : 123 ' @QB@ ويوم حنين إذ ~~أعجبتكم كثرتكم @QE@ الآية ' سورة التوبة : 26 ' ، PageV01P235 ومنها أنه ~~هيأ لعباده منازل لا تبلغها أعمالهم ، ولا يبلغونها إلا بالبلاء ، فقيضه ~~لهم ، كما وفقهم للأعمال الصالحة . | ومنها أن العافية الدائمة ، والنصر ~~والغنى يورث ركونا إلى العاجلة ، ويثبط النفوس ، ويعوقها عن السير إلى الله ~~، فإذا أراد الله كرامة عبد قيض له من البلاء ما يكون دواء لهذا . | ومنها ~~أن الشهادة عنده من أعلى المراتب ، وهو سبحانه يحب أن يتخذ من أوليائه ~~شهداء . | ومنها أنه سبحانه إذا أراد هلاك أعدائه قيض أسبابا يستوجبون بها ~~الهلاك . بغيهم ومبالغتهم في أذى أوليائه ، فيمحص به أولياءه من ذنوبهم ، ~~ويكون من أسباب محق أعداء الله ، وذكر سبحانه ذلك في قوله : @QB@ ولا تهنوا ~~ولا تحزنوا @QE@ إلى قوله : @QB@ ويمحق الكافرين @QE@ ' سورة آل عمران : ~~139 - 142 ' فجمع بين تشجيعهم ، وحسن التعزية ، وذكر الحكم الباهرة التي ~~اقتضت إدالة الكفار ، فقال : @QB@ إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ~~@QE@ ' سورة آل عمران : 140 ' ، أي : ما بالكم تحزنون وتهنون عند هذا ، وقد ~~مسهم مثله في سبل الشيطان . ثم أخبر أنه يداول أيام هذه الحياة ، لأنها عرض ~~حاضر يقسمها بين أوليائه وأعدائه بخلاف الآخرة ، ثم ذكر حكمة أخرى ، وهي ~~تمييز المؤمن من المنافق ، فيعلمهم علم شهادة ، لأن العلم الغيبي لا يترتب ~~عليه ثواب ولا عقاب ، ثم ذكر حكمة أخرى ، وهي اتخاذه منهم شهداء ، وقوله : ~~@QB@ والله لا يحب الظالمين @QE@ ، تنبيه لطيف على أن الذين انخذلوا عن ~~نبيه يوم أحد ، لم يتخذ منهم شهداء ، لأنه لا يحبهم ، ثم ذكر حكمة أخرى ، ~~وهي تمحيص المؤمنين من الذنوب ، وأيضا من المنافقين ، ثم ذكر PageV01P236 ~~حكمة أخرى ، وهي محق الكافرين . ثم أنكر حسبانهم دخول الجنة بدون الجهاد ، ~~والصبر ms138 ، وقوله : @QB@ ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم @QE@ ' سورة آل ~~عمران : 142 ' أي : ولما يقع منكم ، فيكون الجزاء على الواقع المعلوم ، ثم ~~وبخهم على هزيمتهم من أمر كانوا يتمنونه ، ومنها أن هذه الواقعة مقدمة بين ~~يدي موته صلى الله عليه وسلم ، والشاكرون هم الذين عرفوا قدر النعمة ، ~~فثبتوا عليها حين مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل لهم العاقبة ، ~~ثم أخبر أنه جعل لكل نفس أجلا ، ثم أخبر أن كثيرا من الأنبياء قتلوا ، وقتل ~~معهم أتباع لهم كثيرون ، فما وهن من بقي منهم ، أو ما وهنوا عند القتل ، ~~والصحيح أنها تتناول الفريقين ، ثم أخبر سبحانه عما استنصر به الأنبياء ~~وأممهم من اعترافهم ، وتوبتهم واستغفارهم ، وسؤالهم التثبيت لأقدامهم ، ~~والنصر على أعدائهم فقال : @QB@ وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ~~ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين @QE@ ' ~~سورة آل عمران : 147 ' فسألوا من الله مغفرة ذنوبهم وتثبيت أقدامهم ونصرهم ~~لما علموا أنهم إنما يدال عليهم بذنوبهم ، وأن الشطيان يستزلهم ، ويهزمهم ~~بها ، وأنها نوعان : تقصير في حق ، أو تجاوز في حد ، وان النصر منوط ~~بالطاعة @QB@ قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا @QE@ ، ثم ~~علموا أنه سبحانه وتعالى إن لم يثبت أقدامهم ، وينصرهم ، لم يقدروا على ذلك ~~، سألوه ما هو بيده ، فوفوا المقامين حقهما : مقام المقتضي ، وهو التوحيد ~~والالتجاء إليه ، ومقام إزالة المانع من النصر ، وهو الذنوب والإسراف ، ثم ~~حذرهم سبحانه من طاعة العدو وأنهم إن فعلوا ذلك خسروا الدارين ، وفيه تعريض ~~بمن أطاعهم من المنافقين لما انتصروا يوم أحد ، ثم أخبر سبحانه أنه مولى ~~المؤمنين PageV01P237 وخير الناصرين ، فمن والاه ، فهو المنصور ، ثم أخبر ~~أنه سيلقي في قلوب أعدائهم الرعب الذي يمنعهم من الهجوم عليهم ، وذلك بسبب ~~الشرك ، وعلى قدر الشرك يكون الرعب ، والمؤمن الذي لم يلبس إيمانه بالشرك ، ~~له الأمن والهدى . | ثم أخبر بصدق وعده في النصر ، وأنهم لو استمروا على ~~الطاعة ، لاستمر النصر ، ولكن انخلعوا عن عصمة الطاعة ، ففارقتهم النصرة ، ~~فصرفهم ابتلاء وتعريفا لهم بعاقبة المعصية ms139 ، ثم أخبر بعفوه عنهم بعد ذلك . ~~قيل للحسن : كيف عفا وقد سلط عليهم ؟ فقال : لولا عفوه لاستأصلهم ، ولكن ~~بعفوه دفعهم بعد أن أجمعوا على استئصالهم . ثم ذكرهم بحالهم حال الفرار ~~مصعدين ، أي : جادين في الهرب ، أو صاعدين في الجبل لا يلوون على نبيهم ~~وأصحابه ، والرسول يدعوهم في أخراهم : ' إلي عباد الله أنا رسول الله ' ~~فأثابهم بهذا الفرار غما بعد غم : غم الفرار ، وغم صرخة الشيطان أن محمدا ~~قتل ، وقيل : جازاكم غما بما غممتم رسوله بفراركم ، والأول أظهر لوجوه : | ~~الأول : قوله : @QB@ لكي لا تأسوا على ما فاتكم @QE@ إلى آخره ، تنبيها على ~~الحكمة هي نسيانهم الحزن على ما فاتهم من الظفر ، وما أصابهم من الهزيمة ، ~~وهذا إنما يحصل بغم يعقبه غم آخر . | الثاني : مطابقة الواقع فحصل غم فوات ~~الغنيمة ، ثم غم الهزيمة ، ثم غم الجراح والقتل ، ثم سماع قتل النبي ، ثم ~~ظهور العدو على الجبل ، وليس المراد غمين اثنين ، بل غما متتابعا لتمام ~~الابتلاء . | الثالث : أن قوله : @QB@ بغم @QE@ من تمام الثواب ، لا أنه ~~سبب للثواب ، PageV01P238 والمعنى : أثابكم غما متصلا بغم جزاء على ما وقع ~~من الهرب وإسلام النبي ، وترك الاستجابة له ، ومخالفته في لزوم المركز ، ~~وتنازعهم وفشلهم وكل واحد يوجب غما يخصه ومن لطفه بهم أنها من موجبات ~~الطباع التي تمنع من النصر المستقر ، فقيض ما أخرجها من القوة إلى الفعل ، ~~فترتبت عليها آثارها ، فعلموا أن التوبة منها ، والاحتراز منها ، ودفعها ~~بأضدادها متعين ، وربما صحت الأجساد بالعلل . | ثم إنه سبحانه رحمهم ، فغيب ~~عنهم الغم بالنعاس ، وهو في الحرب علامة النصر ، كما أنزله يوم بدر ، وأخبر ~~أن من لم يصبه فهو ممن أهمته نفسه لا دينه ولا نبيه ولا أصحابه ، وأنهم ~~@QB@ يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية @QE@ . | وفسر هذا الظن بأنه سبحانه ~~لا ينصر رسوله ، وأن أمره سيضمحل ، وفسر أن ما أصابهم لم يكن بقدر الله ، ~~ولا حكمة له فيه ، ففسر بإنكار الحكمة إنكار القدر وإنكار إتمام دينه ، ~~وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المشركون والمنافقون في ( سورة الفتح ) ، وإنما ~~كان هذا الظن ms140 ظن السوء والجاهلية لأنه ظن لا يليق بالله وصفاته وأسمائه ~~وحكمته وحمده ، وتفرده بالربوبية والإلهية وصدقه في وعده ، فمن ظن أنه لا ~~يتم أمر رسوله ، وأنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة ، يضمحل معها الحق ~~اضمحلالا لا يقوم بعده ، فقد ظن به ظن السوء ، ونسبه إلى خلاف ما يليق ~~بكماله وصفاته ، ومن أنكر أن يكون ذلك بقدره ، فما عرفه ولا عرف ملكه ، ~~وكذلك من PageV01P239 أنكر الحكمة التي يستحق عليها الحمد في ذلك ، بل زعم ~~أنها مشيئة مجردة فذلك ظن الذين كفروا ، فويل للذين كفروا من النار . | ~~وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم وفي غيرهم ، ولا يسلم من ~~ذلك إلا من عرف الله ، وعرف أسماءه وصفاته وموجب حمده وحكمته ، فمن قنط من ~~رحمته ، فقط ظن به ظن السوء ، ومن جوز عليه أنه يعذب المحسن ، ويسوي بينه ~~وبين عدوه ، فقد ظن به ذلك ، ومن ظن أنه يترك خلقه سدى من الأمر والنهي ، ~~فقد ظن به ظن السوء ، وكذلك من ظن أنه لا يثيبهم ولا يعاقبهم ، ولا يبين ~~لهم ما اختلفوا فيه ، وكذلك من ظن أنه يضيع العمل الصالح بلا سبب من العبد ~~، ويعاقبه بما لا صنع له فيه ، أو جوز عليه أن يؤيد أعداءه بالمعجزات التي ~~يؤيد بها الرسل ، وأنه يحسن منه كل شيء حتى يخلد في النار من أفنى عمره في ~~طاعته ، وينعم من أنفد عمره في معصيته ، وكلاهما في الحسن سواء لا يعرف ~~امتناع أحدهما إلا بخبر صادق ، وإلا فالعقل لا يقضي بقبح أحدهما وحسن الآخر ~~، وكذلك من ظن أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل ، وترك الحق ~~لم يخبر به إلا برمز من بعيد ، وصرح دائما بالباطل ، وأراد من خلقه أن ~~يتعبوا أذهانهم في تحريف كلامه ، وأحالهم في معرفة أسمائه وصفاته على ~~عقولهم ، لا على كتابه ، بل أراد أن لا يحملوا كلامه على ما يعرفون من ~~لغتهم مع قدرته على التصريح بالحق ، وإزالة الألفاظ التي توقع في اعتقاد ~~الباطل ، وظن أنه وسلفه عبروا عن ms141 الحق دون الله ورسوله ، وأن الهدى في ~~كلامهم ، وأن كلام الله لا يؤخذ من ظاهره إلا الضلال ، PageV01P240 فهذا من ~~سوء الظن بالله ، فكل من هؤلاء من الظانين بالله ظن السوء ، ومن الظانين ~~بالله غير الحق ظن الجاهلية ، ومن ظن أنه يكون في ملكه ما لا يشاء ، ولا ~~يقدر عليه فقد ظن به ظن السوء ، ومن ظن أنه كان معطلا من الأزل إلى الأبد ~~عن الفعل ، ولا يوصف به حينئذ ثم صار قادرا عليه ، فقد ظن به ظن السوء ، ~~ومن ظن أنه لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم الموجودات ، فقد ظن به ظن السوء ، ~~ومن ظن أنه لا إرادة له ، ولا كلام يقوم به ، وأنه لم يكلم أحدا ، ولا ~~يتكلم أبدا ، ولا له أمر ولا نهي يقوم به ، فقد ظن به ظن السوء ، ومن ظن ~~أنه ليس فوق سماواته على عرشه وأن الأمكنة بالنسبة إليه سواء ، ومن قال : ~~سبحان ربي الأسفل ، كمن قال : سبحان ربي الأعلى . فقد ظن به أقبح الظن ، ~~ومن ظن أنه يحب الكفر والفسوق والعصيان ، كما يحب الطاعة ، فقد ظن به ظن ~~السوء ، ومن ظن أنه لا يحب ولا يرضى ولا يغضب ، ولا يوالي ولا يعادي ، ولا ~~يقرب من أحد ولا يقرب منه أحد ، فقد ظن به ظن السوء ، وكذلك من ظن أنه يسوي ~~بين المتضادين ، أو يفرق بين المتساويين من كل وجه ، أو يحبط طاعات العمر ~~بكبيرة تخلده في نار الجحيم ، وبالجملة فمن ظن به خلاف ما وصف به نفسه ، أو ~~وصفه به رسله ، أو عطل ما وصف به نفسه ، فقد ظن به ظن السوء ، كمن ظن أن له ~~ولدا أو شريكا أو شفيعا بدون إذنه ، أو أن بينه وبين خلقه وسائط ، يرفعون ~~حوائجهم إليه ، أو أن ما عنده ينال بالمعصية كما ينال بالطاعة ، أو ظن أنه ~~إذا ترك لأجله شيئا لم يعوضه خيرا منه ، أو ظن أنه يعاقب بمحض المشيئة بغير ~~سبب من العبد ، أو ظن أنه إذا صدقه في الرغبة والرهبة أنه يخيبه ، أو ظن ms142 ~~أنه يسلط على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أعداءه تسليطا مستقرا في حياته ~~ومماته . PageV01P241 | فلما مات استبدوا بالأمر دون وصيه وأهل بيته ، ~~وكانت العزة لأعدائه وأعدائهم بلا ذنب لأوليائه ، وهو يقدر على نصرهم ، ثم ~~جعل المبدلين مضاجعين له في حفرته تسلم أمته عليه وعليهم ، وكل مبطل وكافر ~~مقهور ، فهو يظن بربه هذا الظن ، فأكثر الخلق بل كلهم إلا ما شاء الله ~~يظنون بالله غير الحق ظن السوء ، ومن فتش نفسه رآه فيها كامنا كمون النار ~~في الزناد ، فاقدح من زناد من شئت ينبئك شرره عما في زناده ، فمستقل ~~ومستكثر ، وفتش نفسك هل أنت سالم . . # % فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة % % وإلا فإني لا إخالك ناجيا % فليعتن ~~اللبيب الناصح لنفسه بهذا الموضع ، وليتب إلى الله ويستغفره كل وقت من ظنه ~~بربه ظن السوء . | والمقصود الكلام على قوله تعالى : @QB@ يظنون بالله غير ~~الحق ظن الجاهلية @QE@ ' سورة آل عمران : 154 ' ثم أخبر عن الكلام الصادر ~~عن ظنهم وهو قولهم : ^ ( هل لنا من الأمر من شيء ) ^ . | وقولهم : ^ ( لو ~~كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا ) ^ فليس مقصودهم بهذا إثبات القدر ، ~~ولو كان ذلك لم يذموا ، ولما حسن الرد عليهم بقوله : @QB@ قل إن الأمر كله ~~لله @QE@ ولهذا قال غير واحد : إن ظنهم هذا التكذيب بالقدر ، وظنهم أن ~~الأمر لو كان إليهم لما أصابهم القتل ، فأكذبهم بقوله : @QB@ إن الأمر كله ~~لله @QE@ فلا يكون إلا ما سبق به قضاؤه ، فلو كتب القتل على من كان في بيته ~~لخرج إلى مضجعه ولا بد ، وهذا من أظهر الأشياء إبطالا لقول القدرية . ~~PageV01P242 | ثم أخبر تعالى عن حكمة أخرى وهي ابتلاء ما في صدورهم ، وهو ~~اختبار ما فيها من الإيمان والنفاق ، فالمؤمن لا يزداد بذلك إلا إيمانا ، ~~والمنافق ومن في قلبه مرض يظهر على جوارحه ، ثم ذكر حكمة أخرى ، وهي تمحيص ~~ما في قلوب المؤمنين ، وهو تنقيتها ، فإن القلوب يخالطها من غلبة الطبع ~~وميل النفس ، وحكم العادة ، وتزيين الشيطان ، واستيلاء الغفلة ما يضاد ما ~~فيها من الإيمان ms143 ، فلو تركت في عافية دائمة لم تتخلص من هذا ، فكانت نعمته ~~عليهم بهذه الكسرة تعادل النعمة بالنصرة ، ثم أخبر تعالى عمن تولى من ~~المؤمنين ، أنه بسبب ذنوبهم استزلهم الشيطان فإن الأعمال جند للعبد وجند ~~عليه ، ففرار الإنسان من عدو يطيقه إنما هو بجند من عمله . | ثم أخبر أنه ~~عفا عنهم لأن الفرار لم يكن عن شك وإنما كان لعارض ، ثم كرر سبحانه أن هذا ~~بأعمالهم فقال : @QB@ أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها @QE@ الآية ' ~~سورة آل عمران : 165 ' وذكر هذا بعينه فيما هو أعم من ذلك في السور المكية ~~وقال : @QB@ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير @QE@ ' ~~سورة الشورى : 30 ' وقال : @QB@ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من ~~سيئة فمن نفسك @QE@ ' سورة النساء : 78 ' فالنعمة فضله ، والسيئة عدله ، ~~وختم الآية بقوله : ^ ( إن الله على كل شيء قدير ) ^ بعد قوله : @QB@ هو من ~~عند أنفسكم @QE@ إعلاما بعموم قدرته مع عدله ، ففيه إثبات القدر والسبب ~~فأضاف السبب إلى نفوسهم ، وعموم القدرة إلى نفسه ، فالأول ينفي الجبر ، ~~والثاني ينفي إبطال القدر ، فهو مشاكل قوله : @QB@ لمن شاء منكم أن يستقيم ~~وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين @QE@ PageV01P243 ' سورة التكوير ~~' : 28 ' وفي ذكر قدرته نكتة لطيفة ، وهي أن الأمر بيده ، فلا تطلبوا كشف ~~أمثاله من غيره ، وكشف هذا ووضحه بقوله : @QB@ وما أصابكم يوم التقى ~~الجمعان فبإذن الله @QE@ ' سورة آل عمران : 166 ' وهو الإذن القدري ، ثم ~~أخبر عن حكمة هذا التقدير وهو أن يعلم المؤمنين من المنافقين علم عيان ، ~~فتكلم المنافقون بما في نفوسهم ، فسمعه المؤمنون ، وسمعوا رد الله عليهم ~~وعرفوا مؤدي النفاق وما يؤول إليه ، فلله كم من حكمة في ضمن هذه القصة ~~ونعمة ، وكم فيها من تحذير وإرشاد ، ثم عزاهم عمن قتل منهم أحسن تعزية فقال ~~: @QB@ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله @QE@ الآيات ' سورة آل عمران : 169 - ~~173 ' فجمع لهم بين الحياة الدائمة ، والقرب منه وأنهم ms144 عنده ، وجريان الرزق ~~المستمر عليهم ، وفرحهم بما آتاهم من فضله وهو فوق الرضى ، واستبشارهم ~~بإخوانهم الذين باجتماعهم بهم يتم سرورهم ونعيمهم ، واستبشارهم بما يجدد ~~لهم كل وقت من كرامته . | وذكرهم سبحانه في هذه المحنة بما هو من أعظم نعمه ~~عليهم ، التي إن قابلوا بها كل محنة تلاشت ، وهي إرسال رسول من أنفسهم ، ~~فكل بلية بعد هذا الخير العظيم أمر يسير جدا ، فأعلمهم أن المصيبة من ~~أنفسهم ، ليحذروا ، وأنها بقدره ليوحدوا ويتكلوا ، وأخبرهم بما له من الحكم ~~لئلا يتهموه في قدره ، وليتعرف إليهم بأنواع أسمائه وصفاته ، وذكرهم بما هو ~~أعظم من النصر والغنيمة ، وعزاهم عن قتلاهم لينافسوهم ، ولا يحزنوا عليهم ، ~~فله الحمد كما هو أهله ، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله . PageV01P244 # | 1 ( فصل ) # | ولما انقضت الحرب ، انكفأ المشركون ، فظن المسلمون أنهم قصدوا المدينة ~~، فشق عليهم ، ثم نادى أبو سفيان : موعدكم الموسم ببدر . فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : ' قولوا : نعم ' ثم انصرفوا . | فلما كانوا ببعض ~~الطريق تلاوموا فقالوا : أصبتم شوكتهم ، ثم تركتموهم يجمعون لكم ، فارجعوا ~~نستأصلهم ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنادى في الناس ، ~~وندبهم إلى المسير ، وقال : ' لا يخرج معنا إلا من شهد القتال ' فاستجاب ~~المسلمون على ما بهم ، فاستأذنه جابر لحبس أبيه إياه ، فأذن له ، فساروا ~~حتى بلغوا حمراء الأسد ، فقال أبو سفيان لبعض من يريد المدينة من المشركين ~~: هل لك أن تبلغ محمدا رسالة ، وأوقر لك راحلتك زبيبا إذا أتيت مكة ؟ قال : ~~نعم . قال : أبلغه أنا جمعنا الكرة لنستأصله وأصحابه . فلما بلغهم قوله ~~قالوا : @QB@ حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم ~~يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم @QE@ ' سورة آل عمران : ~~174 ، 175 ' . | وكانت وقعة أحد في شوال سنة ثلاث فأقام بقية السنة ، فلما ~~استهل المحرم ، بلغه أن طليحة وسلمة ابني خويلد قد سارا في من أطاعهما ~~يدعوان إلى حربه ، فبعث أبا سلمة ومعه مائة وخمسون ، فأصابوا إبلا وشاء ، ~~ولم يلقوا كيدا . PageV01P245 | فلما كان خامس المحرم ، بلغه أن خالد ms145 بن ~~سفيان الهذلي قد جمع له الجموع ، فبعث إليه عبد الله بن أنس فقتله . | فلما ~~كان في صفر ، قدم عليه قوم من عضل والقارة ، فذكروا أن فيهم إسلاما ، ~~وسألوه أن يبعث معهم من يعلمهم الدين ، فبعث معهم ستة فيهم خبيب ، وأمر ~~عليهم مرثدا ، فكان ما كان . | وفي هذا الشهر كانت وقعة بئر معونة . | وفي ~~ربيع الأول كانت غزوة بني النضير ، وزعم الزهري أنها كانت بعد بدر بستة ~~أشهر ، وهذا وهم منه أو غلط عليه ، بل الذي لا شك فيه أنها بعد أحد ، والتي ~~بعد بدر قينقاع ، وقريظة بعد الخندق ، وخيبر بعد الحديبية ، فله مع اليهود ~~أربع غزوات . | ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ذات الرقاع في ~~جمادى الأولى ، وهي غزوة نجد ، يريد قوما من غطفان وصلى بهم يومئذ صلاة ~~الخوف ، هكذا قال ابن إسحاق وجماعة في تاريخ هذه الغزوة ، وهو مشكل ، ~~والظاهر أن أول صلاة صلاها للخوف بعسفان ، كما في حديث صححه الترمذي ، وصح ~~أنه صلاها بذات الرقاع ، فعلم أنها بعد عسفان ولا خلاف أن عسفان بعد الخندق ~~، ويؤيده أن أبا هريرة وأبا موسى حضراها فلما كان في شعبان أو في ذي القعدة ~~، خرج صلى الله عليه وسلم لميعاد أبي سفيان فانتهى إلى بدر ، وأقام ينتظر ~~المشركين ، وخرجوا حتى إذا كانوا على مرحلة من مكة رجعوا ، وقالوا : العام ~~عام جدب . | ثم خرج صلى الله عليه وسلم في ربيع سنة خمس إلى دومة الجندل ، ~~فهجم على ماشيتهم ، وجاء الخبر اليهود في دومة ، فتفرقوا . PageV01P246 | ~~ثم بعث بريدة الأسلمي في شعبان إلى بني المصطلق وهي غزوة المريسيع ، - وهو ~~الماء - واصطفوا للقتال ، وتراموا ساعة ، ثم أمر أصحابه ، فحملوا حملة رجل ~~واحد ، فانهزم المشركون ، وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء ~~والذراري والمال . | وفيها سقط عقد لعائشة ، فاحتبسوا في طلبه ، فنزلت آية ~~التيمم ، وفي الحديث الذي رواه الطبراني أن أبا بكر قال : يا بنية في كل ~~سفر تكونين علينا عناء . فأنزل الله عز وجل آية التيمم ، وهذا يدل على أن ~~التيمم ms146 بعد هذه القصة ، لكن قصة الإفك بسبب فقد العقد ، فاشتبه على بعضهم ~~إحدى القصتين بالأخرى . | وأما قصة الإفك ، فهي في هذه الغزوة إلى أن قال : ~~فأشار علي بفراقها تلويحا لا تصريحا لما رأى أن ما قيل مشكوك فيه ، فأشار ~~بترك الشك ليتخلص رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغم الذي لحقه بكلام ~~الناس . | وأشار أسامة بإمساكها لما علم من حب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لها ولأبيها ، ولما علم من عفتها وديانتها ، وأن الله لا يجعل حبيبة ~~نبيه وبنت صديقه بالمنزل التي قالها أهل الإفك . | كما قال أبو أيوب وغيره ~~من سادات الصحابة : ( سبحانك هذا بهتان عظيم ) . | وتأمل ما في تسبيحهم في ~~هذا المقام من المعرفة بالله وتنزيهه أن يجعل لرسوله امرأة خبيثة . | فإن ~~قيل : فما باله صلى الله عليه وسلم توقف وسأل ؟ قيل : هذا PageV01P247 من ~~تمام الحكم الباهرة التي جعل الله هذه القصة سببا لها وابتلاء لرسوله ، ~~ولجميع الأمة إلى يوم القيامة ، ليرفع بها أقواما ، ويضع بها آخرين ، ~~فاقتضى تمام الامتحان بأن حبس الوحي عن نبيه شهرا لتظهر حكمته ، على أكمل ~~الوجوه ، ويزداد الصادقون إيمانا وثباتا على العدل وحسن الظن ، ويزداد ~~المنافقون إفكا ونفاقا ، وتظهر سرائرهم ، ولتتم العبودية المرادة منها ومن ~~أبويها ، وتتم نعمة الله عليهم ، ولتشتد الفاقة منهم إلى الله والذل له ، ~~والرجاء له ، ولينقطع رجاؤها من المخلوقين ، ولهذا وفت هذا المقام حقه ، ~~ولو أطلع الله رسوله على الفور ، لفاتت هذه الأمور والحكم ، وأضعافها ~~وأضعاف أضعافها . | وأيضا فإن الله أحب أن تظهر منزلة رسوله عنده وأهل بيته ~~، و أن يتولى بنفسه الدفاع ، والرد على الأعداء وذمهم بأمر لا يكون لرسوله ~~فيه عمل . | وأيضا فإنه المقصود بالأذى ، فلا يليق أن يشهد ببراءتها ، وكان ~~عنده من القرائن أكثر مما عند المؤمنين ، ولكن لكمال ثباته وصبره ورفقه ، ~~وفى مقام الصبر حقه . | ولما جاء الوحي حد من صرح بالإفك إلا ابن أبي مع ~~أنه رأس الإفك ، فقيل : لأن الحدود كفارة ، وهذا ليس كذلك ، وقد وعد ~~بالعذاب الأليم فيكفيه عن الحد ms147 ، وقيل : الحد لم يثبت عليه ببينة ، فإنه ~~إنما يذكره بين أصحابه . وقيل : حد القذف حق الآدمي لا يستوفى إلا بمطالبة ~~، وإن قيل : إنه حق لله ، فلا بد من مطالبة المقذوف ، وقيل : تركه لمصلحة ~~أعظم PageV01P248 من إقامته ، كما ترك قتله مع ظهور نفاقه ، وهي تأليف قومه ~~، وعدم تنفيرهم عن الإسلام . ولعله تركه لهذه الوجوه . | وفي مرجعهم من هذه ~~الغزوة قال ابن أبي : @QB@ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ~~@QE@ ' سورة المنافقون : 8 ' . PageV01P249 # | 1 ( فصل : في غزوة الخندق ) # | وهي سنة خمس في شوال ، وسببها أن اليهود لما رأوا انتصار المشركين يوم ~~أحد ، وعلموا بميعاد أبي سفيان فخرج ثم رجع ، خرج أشرافهم إلى قريش ~~يحرضونهم على غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأجابتهم قريش ، ثم خرجوا ~~إلى غطفان ، فدعوهم واستجابوا لهم ، ثم طافوا في قبائل العرب ، ثم ذكر ~~القصة إلى أن ذكر قصة العرنيين ، وقال : | فيها من الفقه جواز شرب أبوال ~~الإبل ، وطهارة بول مأكول اللحم ، والجمع للمحارب بين قطع يده ورجله وقتله ~~إذا أخذ المال ، وأنه يفعل بالجاني كما فعل ، فإنهم سملوا عين الراعي وسمل ~~أعينهم ، فظهر أن القصة محكمة ، وإن كانت قبل الحدود ، فالحدود نزلت ~~بتقريرها . PageV01P250 # | 1 ( فصل : في قصة الحديبية ) # | وذكر القصة إلى أن قال : وجرى الصلح على وضع الحرب عشر سنين ، وأن يرجع ~~عنهم عامه ذلك ، فإذا كان العام المقبل خلوا بينه وبين مكة ، فأقام بها ~~ثلاثا ، وأن لا يدخلها إلا بسلاح الراكب والسيوف في القرب ، ومن أتاهم لم ~~يردوه ، ومن أتى من المسلمين منهم ردوه . | وفي قصة الحديبية أنزل الله ~~فدية الأذى في كعب بن عجرة . | وفيها دعا للمحلقين بالمغفرة ثلاثا ، ~~وللمقصرين مرة . | وفيها نحر البدنة ، والبقرة عن سبعة . | وفيها أهدى جمل ~~أبي جهل ليغيظ به المشركين . | وفيها أنزلت سورة الفتح . | فلما رجع جاءه ~~نساء مؤمنات ، فنهاه الله عن إرجاعهن ، فقيل : هذا نسخ للشرط في النساء ، ~~وقيل : تخصيص للسنة بالقرآن . وهو عزيز جدا ، وقيل : لم يقع الشرط إلا على ~~الرجال خاصة ، فأراد المشركون تعميمه ، فأنزل الله ms148 تعالى ذلك . PageV01P251 ~~| وفيها من الفقه اعتماره صلى الله عليه وسلم في أشهر الحج وأن الإحرام ~~بالعمرة من الميقات . | وأما حديث ' من أحرم بعمرة من بيت المقدس غفر له ' ~~فلا يثبت . | ومنها أن سوق الهدي سنة في العمرة المفردة أفضل ، وأن إشعار ~~الهدي سنة لا مثلة . | ومنها استحباب مغايظة أعداء الله . | ومنها أن ~~الأمير ينبغي له أن يبعث العيون أمامه نحو العدو . | ومنها أن الاستعانة ~~بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة للحاجة ، لأن عيينة الخزاعي كافر . | ~~ومنها استحباب المشاورة . | وسبي الذرية المنفردين عن الرجال قبل القتال . ~~| ومنها رد الكلام الباطل ولو نسب إلى غير مكلف في قولهم : خلأت القصواء . ~~| ومنها استحباب الحلف على الخبر الديني الذي يريد تأكيده ، وحفظ عنه صلى ~~الله عليه وسلم الحلف في أكثر من ثمانين موضعا ، وأمره الله تعالى بالحلف ~~على صدق ما أخبر به في ثلاثة مواضع في ( يونس ) و ( سبأ ) و ( التغابن ) . ~~| ومنها أن المشركين وأهل الفجور إذا طلبوا أمرا يعظمون به حرمات ~~PageV01P252 الله ، أجيبوا إليه ، وإن منعوا غيره ، فمن التمس المعاونة على ~~محبوب لله تعالى أجيب ما لم يترتب على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه ، ~~وهذا من أدق المواضع وأصعبها ، ولذلك ضاق عنه من الصحابة من ضاق ، وأجاب ~~الصديق فيها بجواب النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك يدل على أنه أفضل ~~الصحابة ، وأكملهم وأعرفهم بالله ورسوله ودينه ، وأشدهم موافقة له ، ولذلك ~~لم يسأل عمر إلا النبي ، والصديق خاصة . | وعند أحمد في القصة أنه كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الحرم وهو مضطرب في الحل ، وفيه كالدلالة ~~على أن المضاعفة متعلقة بجميع الحرم لا تختص بالمسجد ، وأن قوله : ' صلاة ~~في المسجد الحرام ' كقوله تعالى : @QB@ فلا يقربوا المسجد الحرام @QE@ ' ~~سورة التوبة : 28 ' وقوله : ^ ( بسم الله الرحمن الرحيم سبحان الذي أسرى ~~بعبده ليلا من المسجد الحرام ) ^ ' سورة الإسراء : 1 ' . | ومنها أن من نزل ~~قريبا من مكة ، ينبغي له أن ينزل في الحل ، ويصلي في الحرم ، وكذلك كان ابن ~~عمر يصنع . | ومنها ابتداء الإمام بطلب ms149 الصلح إذا رأى المصلحة للمسلمين فيه ~~، وفي قيام المغيرة على رأسه صلى الله عليه وسلم - ولم تكن عادته - سنة عند ~~قدوم رسل الكفار من إظهار العز وتعظيم الإمام ، وليس من النوع المذموم ، ~~كما أن الفخر والخيلاء في الحرب ليس من المذموم . | وفي بعث البدن في وجه ~~الرسول الآخر دليل على استحباب إظهار شعائر الإسلام لرسل الكفار ، وفي قوله ~~صلى الله عليه وسلم للمغيرة : ' أما الإسلام PageV01P253 فأقبل ، وأما ~~المال ، فلست منه في شيء ' دليل على أن مال المشرك المعاهد معصوم وأنه لا ~~يملك ، بل يرد عليه ، فإن المغيرة صحبهم على الأمان ، ثم غدر ، فلم يتعرض ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأموالهم ، ولا ذب عنها ، ولا ضمنها لهم ، ~~لأن ذلك قبل إسلام المغيرة . | وفي قول الصديق لعروة : ' امصص بظر اللات ' ~~دليل على جواز التصريح باسم العورة إذا كان فيه مصلحة ، كما أمر أن يصرح ~~لمن ادعى بدعوى الجاهلية بهن أبيه ، فلكل مقام مقال . | ومنها احتمال قلة ~~أدب رسول الكفار للمصلحة ، لأنه لم يقابل عروة على أخذه بلحيته . | ومنها ~~طهارة النخامة ، والماء المستعمل ، واستحباب التفاؤل لقوله : ' سهل أمركم ' ~~لما جاء سهيل ، وأن مصالحة المشرك بما فيه ضيم جائز للمصلحة . | ومنها أن ~~من حلف ، أو نذر ، أو وعد ولم يعين وقتا لم يكن على الفور . | ومنها أن ~~الحلق نسك ، وأنه أفضل من التقصير ، وأنه نسك في العمرة كالحج ، وأنه نسك ~~في المحصر . | وأن المحصر ينحر هديه حيث أحصر من الحل أو الحرم ، وأنه لا ~~يجب أن يواعد من ينحره في الحرم إذا لم يصل إلى محله لقوله : @QB@ والهدي ~~معكوفا أن يبلغ محله @QE@ ' سورة الفتح : 25 ' . PageV01P254 | ومنها أن ~~الذي نحروا فيه من الحل للآية ، لأن الحرم كله محل نحر الهدي . | ومنها أن ~~المحصر لا يجب عليه القضاء ، وسميت التي بعدها عمرة القضية ، لأنها التي ~~قاضاهم عليها . | ومنها أن الأمر المطلق على الفور ، وإلا لم يغضب لتأخرهم ~~عن الأمر . | وإنما كان تأخيرهم من السعي المغفور لا المشكور ، وقد غفر ~~الله لهم ، وأوجب لهم الجنة . | ومنها ms150 أن الأصل مشاركته في الأحكام إلا ما ~~خص ، لقول أم سلمة . | ومنها جواز الصلح على رد من جاء من المسلمين من ~~الرجال ، إلا النساء ، فإنه لا يجوز وهو موضع النسخ خاصة بنص القرآن ، فلا ~~سبيل إلى دعوى النسخ في غيره . | ومنها أن خروج البضع عن ملك الزوج متقوم ، ~~وأنه بالمسمى لا بمهر المثل . | ومنها أن الشرط لا يتناول من خرج إلى غير ~~بلاد الإمام ، وإذا جاء إلى بلد الإمام لا يجب رده بدون الطلب . | ومنها ~~أنه إذا قتل الذين تسلموه لم يضمنه ولا الإمام . | ومنها أنه إذا كان بين ~~بعض ملوك المسلمين وبين النصارى عهد ، جاز لملك آخر أن يغزوهم ، كما أفتى ~~به شيخ الإسلام ابن تيمية مستدلا بقصة أبي بصير . PageV01P255 | والذي في ~~هذه القصة من الحكم أكبر وأجل من أن يحيط به إلا الله . | فمنها أنها مقدمة ~~بين يدي الفتح الأعظم ، وهذه عادته سبحانه في الأمور العظام شرعا وقدرا أن ~~يوطيء بين يديها بمقدمات . | ومنها أنها من أعظم الفتوح ، فإن الناس ~~اختلطوا وتناظروا ودخل في الإسلام في هذه المدة ما شاء الله وتلك الشروط من ~~أكبر الجند التي أقامها المشترطون لحزبهم ، فذلوا من حيث طلبوا العز ، وعز ~~المسلمون من حيث انكسروا لله ، فانقلب العز بالباطل ذلا بحق . | ومنها ما ~~سببه الله سبحانه للمؤمنين من زيادة الإيمان ، والإذعان على ما كرهوا ، وما ~~حصل لهم من الرضا بالقضاء وانتظار وعد الله ، وشهود منته بالسكينة في تلك ~~الحال التي تزعزع الجبال . | ومنها أنه سبحانه جعله سببا للمغفرة لرسوله ، ~~ولإتمام نعمته عليه ، وهدايته ونصره ، وانشراح صدره به مع ما فيه من الضيم ~~، ولهذا ذكره سبحانه جزاء وغاية ، وإنما يكون ذلك على فعل قام بالرسول ~~والمؤمنين . | وتأمل وصفه قلوب المؤمنين في هذا الموطن الذي اضطربت فيه ، ~~فازدادوا بالسكينة إيمانا ، ثم أكد بيعتهم لرسوله أنها بيعة له ، وأن من ~~نكثها ، فعلى نفسه ، وكل مؤمن فقد بايع الله على لسان رسوله على الإيمان ~~وحقوقه ، ثم ذكر ظن الأعراب ، وأنه من جهلهم به سبحانه ، ثم أخبر برضاه ms151 عن ~~المؤمنين بالبيعة ، وأنه حينئذ علم ما في قلوبهم من صدق الطاعة ، فأنزل ~~الله السكينة عليهم وأثابهم بالفتح والمغانم الكثيرة ، أول ذلك خيبر ، ~~PageV01P256 ثم استمرت إلى الأبد ، وكف الأيدي عنهم ، قيل : أهل مكة ، وقيل ~~: اليهود حين هموا بقتال من بالمدينة بعد خروج الصحابة ، وقيل : أهل خيبر ~~وحلفائهم من أسد وغطفان ، والصحيح تناولها للجميع ، وقال : @QB@ ولتكون آية ~~للمؤمنين @QE@ ' سورة الفتح : 20 ' قيل : كف الأيدي ، وقيل : فتح خيبر . ثم ~~جمع لهم مع ذلك كله الهداية . | ثم وعدهم مغانم كثيرة وفتوحا أخرى لم ~~يقدروا ذلك الوقت عليها ، قيل : مكة ، وقيل : فارس والروم ، وقيل : ما بعد ~~خيبر من المشرق والمغرب . | ثم ذكر أنهم لو قاتلهم الذين كفروا لولوا ~~الأدبار ، وأنها سنته ، فإن قيل : فيوم أحد ، قيل : هو وعد معلق بشرط ، وهو ~~الصبر والتقوى ، ففات يوم أحد بالفشل المنافي للصبر ، والمعصية المنافية ~~للتقوى ، ثم ذكر كف الأيدي لأجل الرجال والنساء المذكورين ، فدفع العذاب ~~عنهم بهؤلاء ، كما دفعه برسوله لما كان بين أظهرهم . | ثم أخبر عما في ~~قلوبهم من الحمية التي مصدرها الجهل والظلم ، وأخبر بإنزاله في قلوب ~~أولياءه من السكينة ما يقابل الحمية ، وإلزامهم كلمة التقوى ، وهي جنس تعم ~~كل كلمة يتقى بها الله وأعلاه كلمة الإخلاص . | ثم أخبر أنه @QB@ أرسل ~~رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله @QE@ الآية ، فقد تكفل لهذا ~~الأمر بالتمام والإظهار ، فلا تظنوا ما وقع لغير ذلك ، ثم ذكر رسوله وحزبه ~~ومدحهم بأحسن المدح ، والرافضة تصفهم بضده . PageV01P257 # | 1 ( فصل : في غزوة خيبر ) # | قال موسى بن عقبة : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من ~~الحديبية ، مكث عشرين ليلة أو قريبا منها ، ثم خرج إلى خيبر ، واستخلف على ~~أهل المدينة سباع بن عرفطة ، وقدم أبو هريرة حينئذ فوافى سباع بن عرفطة في ~~صلاة الصبح ، فسمعه يقرأ في الأولى ( كهيعص ) وفي الثانية ( ويل للمطففين ) ~~فقال في صلاته : ويل لأبي فلان ، له مكيالان إذا كال كال بالناقص ، وإذا ~~اكتال اكتال بالوافي . ثم زوده سباع ، فقدم على رسول الله صلى الله عليه ms152 ~~وسلم فكلم المسلمين فأشركوه وأصحابه في سهمانهم ، ولما قدمها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم صلى الصبح . | ثم ركب فخرج أهل خيبر بمساحيهم ومكاتلهم ، ~~لأرضهم ولا يشعرون فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' الله أكبر ، خربت ~~خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم ، فساء صباح المنذرين ' . | ثم ذكر حديث ~~إعطائه عليا الراية ، ومبارزته مرحبا ، وذكر قصة عامر بن الأكوع ، ثم ~~حاصرهم فجهد المسلمون ، فذبحوا الحمر فنهاهم . | ثم صالحهم على أن يجلوا ~~منها ولهم ما حملت ركابهم ، وله الصفراء والبيضاء ، واشترط أن من كتم أو ~~غيب ، فلا ذمة له ، فغيبوا مسكا لحيي PageV01P258 ثم ذكر الحديث ، فلما ~~أراد إجلاءهم ، قالوا : دعنا فيها ، فأعطاهم إياها على الشطر مما يخرج منها ~~ما بدا له أن يقرهم ، ولم يقتل بعد الصلح إلا ابن أبي الحقيق للنكث . | ~~وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية ، وكانت تحت ابن أبي الحقيق ، وعرض ~~عليها الإسلام ، فأسلمت ، فأعتقها ، وجعل عتقها صداقها . | وقسم خيبر على ~~ستة وثلاثين سهما ، كل سهم مائة سهم ، فكان له وللمسلمين النصف ، والنصف ~~الآخر لنوائبه ، وما ينزل به من أمور المسلمين ، قال البيهقي : لأن شطرها ~~فتح صلحا ، وهذا بناء منه على أصل الشافعي أنه يجب قسم الأرض المفتتحة عنوة ~~. | ومن تأمل تبين أنها كلها عنوة ، وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه . | ~~والإمام مخير في الأرض بين قسمها ووقفها ، وقسم بعضها ووقف بعض ، وقد فعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم الأنواع الثلاثة ، فقسم قريظة والنضير ، ولم يقسم ~~مكة ، وقسم شطر خيبر ، وترك شطرها ، ولم يغب من أهل الحديبية إلا جابر فقسم ~~له ، وقدم عليه جعفر وأصحابه ، ومعهم الأشعريون ، وسمته امرأة من اليهود في ~~شاة أهدتها له ، فلم يعاقبها ، وقيل : قتلها بعد ما مات بشر بن البراء ، ~~وكان بين قريش تراهن ، منهم من يقول : يظهر ، ومنهم من يقول : يظهر ~~الحليفان ويهود خيبر ، وكان الحجاج بن علاط قد أسلم ، وشهدها ، ثم ذكر قصته ~~. PageV01P259 | وفيها من الفقه القتال في الأشهر الحرم ، لأنه خرج إليها ~~في المحرم . | ومنها قسم المغانم للفارس ms153 ثلاثة ، وللراجل سهم . | ومنها أنه ~~يجوز لآحاد الجيش إذا وجد طعاما أن يأكله ، ولا يخمسه لأخذ ابن المغفل جراب ~~الشحم . | ومنها أن المدد إذا لحق به بعد الحرب لا يسهم له إلا بإذن الجيش ~~، لأنه كلم أصحابه لأهل السفينة . | ومنها تحريم لحوم الحمر ، وعلل بأنها ~~رجس ، وهذا مقدم على من علل بغير ذلك ، كقول من قال : إنها لم تخمس ، أو : ~~إنها تأكل العذرة . | وجواز عقد المهادنة عقدا جائزا ، للإمام فسخه متى شاء ~~، وتعليق الأمان بالشرط ، وتقرير أرباب التهم بالعقوبة . | ومنا الأخذ ~~بالقرائن لقوله : ' المال كثير ، والعهد قريب ' ، وأن من كان القول قوله ، ~~إذا قامت قرينة على كذبه ، لم يلتفت إلى قوله . | ومنها أن أهل الذمة إذا ~~خالفوا شيئا مما شرط عليهم ، لم يبق لهم ذمة ، وأن من أخذ قبل القسم لم ~~يملكه ، وإن كان دون حقه ، لقوله : ' شراك من نار ' . | ومنها جواز التفاؤل ~~، بل استحبابه كما تفاءل بالمساحي في خرابها ، وأن النقض يسري في حق النساء ~~والذرية إذا كانوا طائفة لهم شوكة ، أما إذا كان واحدا من طائفة لم يوافقوه ~~فلا يسري إلى زوجته وأولاده كما أن من أهدر دماءهم ممن يسبه لم يسب نساءهم ~~وذريتهم ، فهذا هديه في هذا وهذا . PageV01P260 | ومنها جعل عتق الأمة ~~صداقها بغير إذنها ، ولا شهود ، ولا ولي ، ولا لفظ تزويج ، وكذب الإنسان ~~على نفسه وعلى غيره إذا لم يتضمن ضرر الغير إذا توصل به إلى حقه كما فعل ~~الحجاج ، ومنها قبول هدية الكافر . | ثم انصرف إلى وادي القرى وبه يهود ، ~~فلما نزل نزلوا استقبلتهم يهود بالرمي ، فقتل مدعم ، فقالوا : هنيئا له ~~الجنة ، فقال : ' كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من ~~المغانم ، لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا ' . | ثم عبأ أصحابه ودعا أهل ~~الوادي إلى الإسلام ، فبرز رجل منهم ، فبرز إليه الزبير ، فقتله ، ثم برز ~~آخر ، فبرز إليه علي ، فقتله ، حتى قتل منهم أحد عشر مبارزة ، كلما قتل ~~منهم رجل دعا من بقي إلى الإسلام ، فقاتلهم حتى أمسوا ثم غدا عليهم ، فلم ms154 ~~ترتفع الشمس قدر رمح حتى فتحت عنوة ، وعامل اليهود على الأرض والنخل ، فلما ~~بلغ أهل تيماء خيبر وفدك ووادي القرى صالحوه ، وأقاموا في أموالهم ، ووادي ~~القرى إلى المدينة حجاز ، ومن وراءه من الشام ، ثم انصرف إلى المدينة ، ~~فلما كان ببعض الطريق عرس ، وقال لبلال : ' إكلأ لنا الفجر ' ، وذكر الحديث ~~. وروي أنها في مرجعه من الحديبية ، وقيل : مرجعه من تبوك . | ففيه أن من ~~نام عن صلاة أو نسيها ، فوقتها حين يستيقظ أو يذكرها وأن الرواتب تقضى ، ~~وأن الفائتة يؤذن لها ، ويقام ، وقضاء الفائتة جماعة ، وأن القضاء على ~~الفور لقوله : ' فليصلها إذا ذكرها ' وتأخيرها عن المعرس ، لأن مكان ~~الشيطان ، ولأنه لا يفوت المبادرة ، فإنهم في شأنها . PageV01P261 | وفيه ~~تنبيه على اجتناب الصلاة في أمكنة الشيطان ، كالحمام بطريق الأولى . | ولما ~~رجعوا رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم ، وأقام بالمدينة إلى شوال ، يبعث ~~السرايا ، منها سرية ابن حذافة الذي أمر أصحابه بدخول النار ، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ' لو دخلوها ما خرجوا منها ، إنما الطاعة في ~~المعروف ' . | فإن قيل : كيف ذلك وهم متأولون طاعة الله ورسوله ؟ قيل : لما ~~هموا بالمبادرة من غير اجتهاد مع علمهم أن الله نهاهم عن قتل أنفسهم ، لم ~~يعذروا . وإذا كان هذا فيمن عذب نفسه طاعة لأولي الأمر المأمور بطاعتهم ، ~~فكيف بمن عذب مسلما لا يجوز تعذيبه طاعة لأولي الأمر ؟ وإذا كانوا لو ~~دخلوها ما خرجوا منها مع قصدهم طاعة الله فكيف بمن حمله على ما لا يجوز من ~~الطاعة الرغبة والرهبة الدنيوية ؟ وكيف بمن دخلها من إخوان الشيطان ، ~~وأوهموا الجهال أنه من ميراث إبراهيم الخليل عليه السلام ؟ ! . PageV01P262 # | 1 ( فصل : في غزوة الفتح الأعظم ) # | الذي أعز الله به دينه ورسوله وحرمه الأمين ودخل الناس به في دين الله ~~أفواجا . | خرج له صلى الله عليه وسلم سنة ثمان لعشر مضين من رمضان . | ثم ~~ذكر القصة : | وفيها من الفقه أن أهل العهد إذا حاربوا من في ذمة الإمام ~~صاروا حربا له ، فله أن يبيتهم ، ولا يعلمهم على السواء ، وإنما ذلك إذا ~~خاف ms155 منهم الخيانة ، فإذا تحققها فلا . | وفيها انتقاض عهد الجميع بذلك إذا ~~رضوا به ، كما أنهم يدخلون في العهد تبعا . | وفيها جواز الصلح عشر سنين ، ~~والصواب أنه يجوز فوق ذلك للحاجة والمصلحة ، وأن الإمام إذا سئل فسكت لم ~~يكن بذلا ، لأن أبا سفيان ، سأله تجديد العهد ، فسكت . | وفيها أن الرسول ~~لا يقتل ، لأن أبا سفيان ممن نقض ، وقتل الجاسوس المسلم ، وتجريد المرأة ~~كلها للحاجة ، وأن الرجل إذا نسب المسلم لكفر أو نفاق متأولا غضبا لله لا ~~لهواه ، لم يأثم ، وأن الكبيرة العظيمة قد تكفر PageV01P263 بالحسنة ~~الكبيرة ، كما قال تعالى : ^ ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) ^ ' سورة هود : ~~115 ' وبالعكس لقوله تعالى : @QB@ لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى @QE@ ' ~~سورة البقرة : 264 ' وقوله : @QB@ أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون @QE@ ' ~~سورة الحجرات : 3 ' . | ثم قرر قصة حاطب ، وقصة ذي الخويصرة وأمثاله ، ثم ~~قال : ومن له لب يعلم قدر هذه المسألة ، وشدة الحاجة إليها ، ويطلع منها ~~على باب عظيم من معرفة الله وحكمته ، وفيها دخول مكة للقتال المباح بغير ~~إحرام ، ولا خلاف أنه لا يدخل من أراد النسك إلا بإحرام وأما ما عداهما فلا ~~واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله . | وفيها التصريح بأن مكة فتحت عنوة ، وقتل ~~سابه صلى الله عليه وسلم . | وقوله : ' إن الله حرم مكة ، ولم يحرمها الناس ~~' مع قوله : ' إن إبراهيم حرم مكة ' هذا التحريم قدري شرعي سبق تقديره يوم ~~خلق الله العالم ، ثم ظهر أمره على لسان إبراهيم ، قوله : ' لا يسفك بها دم ~~' هو الدم الذي يباح في غيرها ، كتحريم عضد الشجر . | وفي لفظ ' لا يعضد ~~شوكها ' وهذا ظاهر جدا في تحريم قطع الشوك والعوسج ، ولكن جوزوا قطع اليابس ~~لأنه بمنزلة الميتة ، وفي لفظ ' لا يخبط شوكها ' صريح في تحريم قطع الورق . ~~| وقوله : ' لا يختلى خلاها ' لا خلاف أن المراد ما نبت بنفسه والخلا : ~~الحشيش الرطب ، واستثناء الأذخر دليل على العموم ، ولا تدخل الكمأة وما غيب ~~في الأرض ، لأنه كالثمر . PageV01P264 | وقوله : ' ولا ينفر صيدها ' صريح ~~في تحريم السبب إلى قتل الصيد ، واصطياده بكل سبب ms156 حتى أنه لا ينفره عن ~~مكانه ، لأنه حيوان محترم في هذا المكان قد سبق إلى مكانه ، فهو أحق به ، ~~ففي هذا أن الحيوان المحترم إذا سبق إلى مكانه لم يزعج عنه . | وقوله : ' ~~لا تلتقط ساقطتها ، إلا لمنشد ' فيه أن لقطة الحرم لا تملك ، ولا تلتقط إلا ~~للتعريف ، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد ، فليعرفها أبدا حتى يأتي صاحبها ، ~~وهذا هو الصحيح ، والحديث صريح فيه ، والمنشد : المعرف ، والناشد : الطالب ~~. ومنه قوله : ' إصاخة الناشد للمنشد ' وكونه لم يدخل البيت حتى محيت الصور ~~، ففيه كراهة الصلاة في المكان المصور فيه ، وهو أحق بها من الحمام ، لأنه ~~بيت الشيطان ، وأما الصور فمظنة الشرك ، وغالب شرك الأمم من جهة الصور ~~والقبور . | وفي القصة جواز أمان المرأة للرجل والرجلين كأم هانيء ، وقتل ~~من تغلظت ردته من غير استتابة لقصة ابن أبي سرح . PageV01P265 # | 1 ( فصل : في غزوة حنين ) # | قال ابن إسحاق : لما سمعت هوازن بالفتح ، جمع مالك بن عوف هوازن ، ~~واجتمعت إليه ثقيف وجشم ، وفيهم دريد بن الصمة ليس فيه إلا رأيه ، ثم ذكر ~~القصة . | ثم قال : وعد الله رسوله أنه إذا فتح مكة ، دخل الناس في دين ~~الله أفواجا ، فاقتضت الحكمة أن أمسك الله قلوب هوازن ومن معهم وأتباعهم ~~ليظهر أمر الله من تمام النصر ولتكون غنائمهم شكرانا لأهل الفتح ، وليظهر ~~قهره لهؤلاء الذين لم يلق المسلمون مثلهم ، فلا يقاومهم بعد أحد من العرب . ~~| وأذاقهم أولا مرارة الهزيمة مع قوتهم ليطامن رؤوسا رفعت بالفتح ، ولم ~~تدخل حرمه كما دخله رسوله صلى الله عليه وسلم منحنيا على فرسه حتى إن ذقنه ~~يكاد أن يمس سرجه ، وليبين لمن قال : لن نغلب اليوم من قلة . أن النصر من ~~عنده ، فلما انكسرت قلوبهم ، أرسل إليها خلع الجبر مع بريد @QB@ ثم أنزل ~~الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين @QE@ . | وقد اقتضت حكمته أن خلع ~~النصر إنما تفيض على أهل الانكسار ^ ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في ~~الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين PageV01P266 ونمكن لهم في الأرض ونري ~~فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا ms157 يحذرون ) ^ ' سورة القصص : 5 ، 6 ' . ~~| وافتتح غزو العرب ببدر ، وختمه بها ، وقاتلت الملائكة فيهما ، ورمى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالحصباء فيهما ، وبهما طفئت جمرة العرب ، فبدر ~~خوفتهم ، وكسرت حدتهم ، وهذه استفرغت قواهم . | وفيها استعارة سلاح المشرك ~~، وأن من تمام التوكل استعمال الأسباب ، وأن ضمان الله له العصمة ، لا ~~ينافي تعاطي الأسباب ، كما أخبر أنه يظهر دينه لا يناقض أنواع الجهاد . | ~~وشرطه ضمان العارية هل هو إخبار عن شرعه أو ضمانه بنفسه ؟ اختلف فيه ، ~~وفيها عقر مركوب العدو إذا أعان على قتله ؛ وليس من تعذيب الحيوان المنهي ~~عنه ، وعفوه صلى الله عليه وسلم عمن هم بقتله ، ومسحه صدره ودعاؤه له ، ~~وجواز الانتظار بالقسمة إسلام الكفار ، ليرد عليهم ما أخذ منهم ، ففيه دليل ~~أن الغنيمة إنما تملك بالقسمة ، فلو مات أحد قبلها أو إحرازها بدار الإسلام ~~، رد نصيبه على الغانمين ، وهذا مذهب أبي حنيفة ، ونص أحمد أن النفل يكون ~~من أربعة الأخماس ، وهذا الإعطاء منه ، فهو أولى من تنفيل الثلث بعد الخمس ~~والربع بعده . | ولما عميت أبصار ذي الخويصرة وأضرابه عن الحكمة قال قائلهم ~~: اعدل . | والإمام نائب عن المسلمين يتصرف في مصالحهم وقيام الدين ، فإن ~~تعين ذلك لاستجلاب أعداء الإسلام إليه ، ليأمن شرهم ساغ ذلك بل PageV01P267 ~~تعين ، ومبنى الشريعة باحتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاها ، وتحصيل أكمل ~~المصلحتين بتفويت أدناهما ، بل بناء مصالح الدنيا والدين على هذين . | ~~وفيها بيع الرقيق ، بل الحيوان ببعض نسيئة ومتفاضلا ، وأن المتعاقدين إذا ~~جعلا أجلا غير محدود جاز وهذا هو الراجح إذ لا محذور ولا غرر . وقوله : ' ~~من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه ' اختلفوا هل هو بالشرع أو الشرط ؟ ~~ومأخذ النزاع هل قاله بمنصب الرسالة كقوله : ' من زرع بأرض قوم بغير إذنهم ~~، فليس له من الزرع شيء ، وله نفقته ' ، أو بمنصب الفتيا كقوله : ' خذي ما ~~يكفيك وولدك بالمعروف ' أو بمنصب الإمامة فيكون مصلحة في ذلك الوقت ، فيلزم ~~من بعده مراعاة ذلك بحسب المصلحة ؟ . | ومن هنا اختلفوا في كثير من المواضع ~~كقوله : ' من أحيا أرضا ms158 ميتة فهي له ' . | وفيها الاكتفاء في هذه بشاهد من ~~غير يمين ، وأنه لا يشترط التلفظ بأشهد . | وفيها أن السلب لا يخمس ، وأنه ~~من أصل الغنيمة ، وأنه يستحقه من لا يسهم له من امرأة وصبي ، وأنه يستحق ~~سلب جميع من قتل وإن كثروا . PageV01P268 # | 1 ( فصل : في غزوة الطائف ) # | لما انهزمت ثقيف دخلوا حصنهم ، وتهيئوا للقتال وسار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، فنزل قريبا من حصنهم ، فرموا المسلمين بالنبل رميا شديدا كأنه ~~رجل جراد ، حتى أصيب من المسلمين اثنا عشر رجلا ، فارتفع صلى الله عليه ~~وسلم إلى موضع مسجد الطائف اليوم ، فحاصرهم ثمانية عشر يوما أو بضعا وعشرين ~~يوما ، ونصب عليهم المنجنيق وهو أول من رمى به في الإسلام ، وأمر بقطع ~~الأعناب ، فوقع الناس فيها يقطعون . | قال ابن سعد : فسألوه أن يدعها لله ~~وللرحم ، فقال صلى الله عليه وسلم : ' فإني أدعها لله وللرحم ' فنادى ~~مناديه : أيما عبد نزل إلينا فهو حر . فخرج منهم بضعة عشر رجلا فيهم أبو ~~بكرة ، فدفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه ، فشق ذلك على أهل ~~الطائف ، ولم يؤذن له في فتحها ، فأمر صلى الله عليه وسلم بالرحيل ، فضج ~~الناس من ذلك ، وقالوا : نرحل ، ولم تفتح الطائف ؟ فقال : ' اغدوا على ~~القتال ' فغدوا ، فأصابهم جراحات ، فقال : ' إنا قافلون إن شاء الله ' ~~فسروا بذلك ، وجعلوا يرحلون ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك ، فلما ~~استقلوا قال : PageV01P269 قولوا : ' آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون ' ~~قيل : يا رسول الله ، ادع الله على ثقيف . فقال : ' اللهم اهد ثقيفا وائت ~~بهم ' . | ثم خرج إلى الجعرانة ، ودخل منها محرما بعمرة ، ثم رجع إلى ~~المدينة . | ولما قدم المدينة من تبوك في رمضان ، وفد عليه في ذلك الشهر ~~وفد ثقيف ، فكان من حديثهم أنه لما انصرف عنهم اتبعه عروة بن مسعود ، ~~فأدركه قبل أن يدخل المدينة ، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام ، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' إن فيهم نخوة الامتناع الذي كان ~~منهم ' فقال : أنا أحب إليهم من أبصارهم . وكان فيهم ms159 كذلك محببا مطاعا ، ~~فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم ، فلما أشرف ~~عليهم ودعاهم ، رموه بالنبل من كل وجه ، فقتل ، فقيل له : ما ترى في دمك ؟ ~~فقال : شهادة أكرمني الله بها ، فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم ، فادفنوني معهم . فدفن ~~معهم ، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه : ' إن مثله في ~~قومه كمثل صاحب يس في قومه ' ثم أقامت ثقيف بعد قتله أشهرا . ثم رأوا أنهم ~~لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب ، فأجمعوا على أن يرسلوا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم رجلا كما أرسلوا عروة ، فكلموا عبد ياليل ، فأبى وخشي ~~أن يصنع به كما صنعوا بعروة ، فبعثوا معه رجلين من الأحلاف ، وثلاثة من بني ~~مالك منهم عثمان بن أبي العاص ، فلما دنوا من المدينة ، ونزلوا قناة لقوا ~~بها المغيرة بن شعبة ، فاشتد ليبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلقيه ~~أبو بكر فقال : أقسم عليك لا تسبقني . ففعل ، فدخل أبو بكر على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، فأخبره ثم PageV01P270 خرج المغيرة إليهم ، فروح ~~الظهر معهم ، فضرب عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبة في ناحية المسجد ~~، وكان خالد بن سعيد الذي يمشي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم . ~~| وكان فيما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع لهم اللات لا ~~يهدمها ثلاث سنين ليسلموا بتركها من سفهائهم فأبى ، فما برحوا يسألونه فأبى ~~حتى سألوه شهرا فأبي أن يدعها شيئا مسمى . | وكان فيما سألوا أن يعفيهم من ~~الصلاة ، وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم ، فقال : ' أما كسر أوثانكم ~~بأيديكم ، فسنعفيكم عنه ، وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه ' فلما ~~أسلموا أمر عليهم عثمان ابن أبي العاص ، وكان من أحدثهم سنا إلا أنه كان ~~أحرص على التفقه في الدين . | فلما توجهوا إلى بلادهم بعث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم معهم ms160 أبا سفيان والمغيرة لهدم الطاغية ، فلما دخل المغيرة ~~علاها بالمعول ، وقام دونه بنو مغيث خشية أن يرمى كعروة ، وخرجت نساء ثقيف ~~حسرا يبكين عليها ، ولما هدمها أخذ مالها وكان ابن عروة وقارب بن الأسود ~~قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الوفد حين قتل عروة يريدان فراق ~~ثقيف فأسلما ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' توليا من شئتما ' ~~قالا : لا نتولى إلا الله ورسوله . قال : ' وخالكما أبا سفيان بن حرب ' ~~فقالا : وخالنا أبا سفيان ، فلما أسلم أهل الطائف ، سأل ابن عروة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يقضي دين أبيه من مال الطاغية ، فقال : نعم ، فقال ~~PageV01P271 قارب : وعن الأسود يا رسول الله فاقضه ، وعروة والأسود أخوان ~~لأب وأم ، فقال رسول الله : ' إن الأسود مات مشركا ' فقال قارب بن الأسود : ~~يا رسول الله ، لكن تصل مسلما ذا قرابة يعني نفسه ، وإنما الدين علي . فقضى ~~دين عروة والأسود من مالها . | وفيه من الفقه جواز القتال في الأشهر الحرم ~~، فإنه صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة في آخر رمضان ، وأقام بمكة تسع عشر ~~ليلة . | ثم خرج إلى هوازن ، وقاتلهم وفرغ منه ، ثم خرج إلى الطائف ، ~~فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة أو ثمان عشر في قول ابن سعد ، فإذا تأملت ذلك ~~عرفت أن بعض الحصار في ذي القعدة ولا بد ، لكن لم يبتديء القتال إلا في ~~شوال ، وفرق بين الابتداء والاستدامة . | ومنها جواز غزو الرجل وأهله معه ، ~~لأن معه في هذه الغزوة أم سلمة وزينب . | ومنها جواز نصب المنجنيق على ~~الكفار ، وإن أفضى إلى قتل النساء والذرية . | ومنها قطع شجرهم إذا كان ~~يضعفهم ويغيظهم . | ومنها أن العبد إذا أبق وألحق بالمسلمين ، صار حرا ، ~~حكاه ابن المنذر إجماعا . | ومنها أن الإمام إذا حاصر حصنا ، ورأى المصلحة ~~في الرحيل فعل . | ومنها أنه أحرم من الجعرانة بالعمرة ، وهي السنة لمن ~~دخلها من طريق PageV01P272 الطائف ، وأما الخروج من مكة إلى الجعرانة ليحرم ~~منها بعمرة ، فلم يستحبه أحد من أهل العلم . | ومنها كمال رأفته ورحمته ms161 صلى ~~الله عليه وسلم في دعائه لثقيف بالهدى ، وقد حاربوه ، وقتلوا جماعة من ~~أصحابه ، وقتلوا رسوله إليهم . | ومنها كمال محبة الصديق له ، ومحبة التقرب ~~إليه بكل ممكن ، وهذا يدل على جواز سؤال الرجل أخاه أن يؤثره بقربة من ~~القرب ، وأنه يجوز له ذلك ، وقول من قال : لا يجوز . لا يصح ، وقد آثرت ~~عائشة عمر بدفنه في بيتها ، وسألها ذلك ، فلم تكره له السؤال ، ولا لها ~~البذل . | ومنها أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك بعد القدرة على إبطالها ~~يوما واحدا فإنها شعائر الكفر ، وهي أعظم المنكرات ، وهذا حكم المشاهد التي ~~بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا تعبد من دون الله ، والأحجار التي تقصد ~~للتعظيم ، والتبرك والنذر والتقبيل ، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض ~~مع القدرة ، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ، ومنات الثالثة الأخرى ، أو ~~أعظم شركا عندها وبها وبالله المستعان . ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت ~~يعتقد أنها تخلق وترزق أو تحيي أو تميت ، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما ~~يفعله إخوانهم من المشركين عند طواغيتهم اليوم ، فاتبع هؤلاء سنن من كان ~~قبلهم حذو القذة بالقذة ، وأخذوا مأخذهم شبرا بشبر وذراعا بذراع ، وغلب ~~الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل وخفاء العلم ، وصار المعروف منكرا ~~والمنكر معروفا ، والسنة بدعة والبدعة سنة ، ونشأ في ذلك الصغير ، وهرم ~~عليه الكبير ، وطمست الأعلام ، PageV01P273 واشتدت غربة الإسلام ، وقل ~~العلماء ، وغلب السفهاء ، وتفاقم الأمر ، واشتد البأس ، وظهر الفساد في ~~البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ، ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية ~~بالحق قائمين ، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين ، إلى أن يرث الله الأرض ومن ~~عليها وهو خير الوارثين . | ومنها جواز صرف الإمام أموال المشاهد في الجهاد ~~والمصالح ، وأن يعطيها للمقاتلة ، ويستعين بأثمانها على مصالح المسلمين ، ~~وكذا الحكم في وقفها ، وهذا مما لا يخالف فيه أحد من أئمة الإسلام . ~~PageV01P274 # | 1 ( فصل ) # | ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، ودخلت سنة تسع ، بعث ~~المصدقين يأخذون الصدقات من الأعراب ، فبعث عيينة إلى بني تميم ، وبعث ms162 عدي ~~بن حاتم إلى طيء وبني أسد ، وبعث مالك بن نويرة على صدقات بني حنظلة ، وفرق ~~صدقات بني سعد على رجلين ، فبعث الزبرقان إلى ناحية ، وقيس بن عاصم إلى ~~ناحية ، وبعث العلاء إلى البحرين ، وبعث عليا إلى نجران . | وفيها كانت ~~غزوة تبوك ، وكانت في رجب ، في زمن عسرة من الناس ، وجدب من البلاد ، حين ~~طابت الثمار . | وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يخرج في غزوة إلا ~~كنى عنها إلا ما كان منها لبعد السفر وشدة الزمان ، فقال ذات يوم للجد بن ~~قيس : ' هل لك في جلاد بني الأصفر ؟ ' فقال : ائذن ولا تفتني ، فما من رجل ~~أشد عجبا بالنساء مني ، وإني أخشى إن رأيت نساءهم أن لا أصبر . فأعرض عنه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ' قد أذنت لك ' ، ففيه نزلت الآية : ~~@QB@ ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني @QE@ ' سورة التوبة : 50 ' وقال قوم ~~من المنافقين بعضهم لبعض : لا تنفروا في الحر . فأنزل الله فيهم : @QB@ ~~وقالوا لا تنفروا في الحر @QE@ ' سورة التوبة : 81 ' . | فأمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالجهاد ، وحض أهل الغنى على PageV01P275 النفقة ، ~~فأنفق عثمان ثلاثمائة بعير بعدتها وألف دينار ، وجاء البكاؤون وهم سبعة ، ~~يستحملون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : @QB@ لا أجد ما أحملكم عليه ~~تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون @QE@ وأرسل أبا موسى ~~أصحابه إليه ليحملهم فوافاه غضبان ، فقال : ' والله لا أحملكم ولا أجد ما ~~أحملكم عليه ' ثم أتاه إبل ، فأرسل إليهم ، فقال : ' ما أنا حملتكم ، ولكن ~~الله حملكم ، وإني والله لا أحلف على يمين ، فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت ~~عن يميني ، وأتيت الذي هو خير ' وقام رجل فصلى من الليل وبكى ، ثم قال : ~~اللهم إنك أمرت بالجهاد ، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه ، وإني ~~أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها من مال أو جسد أو عرض . ثم أصبح ، ~~فقال صلى الله عليه وسلم : ' أين المتصدق هذه الليلة ؟ ' فلم يقم أحد ، ثم ~~ردها ms163 ، فقام إليه الرجل فأخبره فقال : ' أبشر والذي نفس محمد بيده ، لقد ~~كتبت في الزكاة المتقبلة ' وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم فلم يعذرهم ~~. | وكان ابن أبي قد عسكر على ثنية الوداع في حلفائه من اليهود والمنافقين ~~، فيقال : ليس عسكره بأقل العسكرين . واستخلف صلى الله عليه وسلم على ~~المدينة محمد بن مسلمة ، فلما سار تخلف ابن أبي . | واستخلف علي بن أبي ~~طالب على أهله ، فقال : تخلفني مع النساء والصبيان ؟ فقال : ' أما ترضى أن ~~تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي ' . | وتخلف نفر من غير ~~شك ، منهم كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، PageV01P276 ومرارة بن الربيع ، ~~وأبو خيثمة ، وأبو ذر ، ثم لحقه أبو خيثمة ، وأبو ذر ، ووافاها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في ثلاثين ألفا ، والخيل عشرة آلاف ، وأقام بها عشرين ~~ليلة يقصر الصلاة ، وهرقل يومئذ بحمص ، ورجع أبو خيثمة إلى أهله بعد ما سار ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما ، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في ~~حائطه ، قد رشت كل واحدة منهما عريشها ، وبردت له فيه ماء ، وهيأت له فيه ~~طعاما ، فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما أعدتا ، فقال : ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والريح والحر ، وأبو خيثمة في ظل ~~بارد ، وطعام مهيأ ، وامرأة حسناء ، ما هذا بالنصف ؟ والله لا أدخل عريش ~~واحدة منكما ، حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم . فقدم ناضحه ~~فارتحله ، ثم خرج حتى أدركه حين نزل تبوك . | وكان عمير بن وهب أدركه في ~~الطريق ، فترافقا حتى إذا دنوا قال له أبو خيثمة : إن لي ذنبا فلا عليك أن ~~تتخلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل ، حتى إذا دنا قال ~~الناس : هذا راكب على الطريق ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' كن ~~أبا خيثمة ' قالوا : يا رسول الله : هو والله أبو خيثمة . فلما أناح أقبل ، ~~فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخبره خبره ، فقال له خيرا ms164 ، ~~ودعا له . | وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بديار ثمود قال : ' ~~لا تشربوا من مائها ، ولا تتوضؤوا منه للصلاة ، وما كان من عجين فأعلفوه ~~الإبل ، ولا يخرجن أحد منكم إلا ومعه صاحب له ' ففعلوا إلا أن رجلين خرج ~~أحدهما لحاجته ، والآخر في طلب بعيره ، فخنق الذي خرج PageV01P277 لحاجته ~~على مذهبه ، واحتملت الريح طالب البعير حتى ألقته في جبلي طيء ، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ' ألم أنهكم ؟ ' ثم دعا للذي خنق فشفي ، وأهدت ~~الآخر طيء لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة . | قال الزهري : ~~لما مر بالحجر ، سجى ثوبه على وجهه ، واستحث راحلته ثم قال : ' لا تدخلوا ~~بيوت الذين ظلموا أنفسهم إلا وأنتم باكون خوفا أن يصيبكم ما أصابهم ' وفي ' ~~الصحيح ' أنه أمر بإهراق الماء ، وأن يستقوا من البئر التي كانت تردها ~~الناقة . | قال ابن إسحاق : وأصبح الناس لا ماء معهم ، فدعا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، فأرسل الله إليه سحابة ، فأمطرت حتى ارتووا ، ثم مضى فجعل ~~يتخلف الرجل ، فيقولون : تخلف فلان ، فيقول : ' دعوه فإن يك فيه خيرا ~~فسيلحقه الله بكم ، وإن يك غير ذلك ، فقد أراحكم الله منه ' ، وتلوم على ~~أبي ذر بعيره فأخذ متاعه على ظهره ، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في بعض منازله قال رجل يا رسول الله : هذا رجل يمشي على الطريق وحده ، فلما ~~تأملوه قالوا : يا رسول الله أبو ذر ، فقال : ' رحم الله أبا ذر ، يمشي ~~وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده ' . وفي ' صحيح ابن حبان ' أن أبا ذر لما ~~حضرته الوفاة ، بكت امرأته ، فقال : ما يبكيك ؟ فقالت : تموت بفلاة من ~~الأرض ، وليس عندي ثوب يسعك كفنا ، ولا يدان لي في تغسيلك ، فقال : لا تبكي ~~، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنفر أنا فيهم : ' ليموتن ~~رجل منكم بفلاة من الأرض ، يشهده عصابة من المسلمين ' وليس من أولئك أحد ~~إلا مات في PageV01P278 قرية ، فأنا الرجل ، والله ما كذبت ، ولا كذبت ~~فأبصري الطريق . قالت : فكنت ms165 أشتد إلى الكثيب أتبصر ، ثم أرجع فأمرضه ، ~~فبينا نحن كذلك إذا أنا برجال على رحالهم كأنهم الرخم تخب بهم رواحلهم قالت ~~: فأشرت إليهم فأسرعوا حتى وقفوا علي فقالوا : يا أمة الله ، مالك ؟ قالت : ~~امرؤ من المسلمين يموت تكفنونه قالوا : من هو ؟ قلت : أبو ذر ، قالوا : ~~صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : نعم . ففدوه بآبائهم وأمهاتهم ، ~~وأسرعوا إليه حتى دخلوا عليه ، فقال : أبشروا فإني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، وحدثهم بالحديث . . . . ثم قال : أما إنه لو كان عندي ثوب ~~يسعني كفنا لي أو لامرأتي لم أكفن إلا في ثوب هو لي أو لها ، وإني أنشدكم ~~الله أن يكفنني رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو بريدا أو نقيبا . وليس منهم ~~إلا من قارف بعض ما قال إلا فتى من الأنصار قال : يا عم أنا أكفنك في ردائي ~~هذا أو في ثوبين في عيبتي من غزل أمي . قال : أنت تكفنني . فكفنه وقاموا ~~عليه ، ودفنوه في نفر كلهم يمان . | وفي ' صحيح مسلم ' أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال قبل وصوله إلى تبوك : ' إنكم ستأتون غدا إن شاء الله ~~عين تبوك ، وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار ، فمن جاءها منكم فلا يمس من ~~مائها شيئا حتى آتي ' ، قال فجئنا وقد سبق إليها رجلان ، والعين مثل الشراك ~~تبض بشيء من مائها ، فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ' هل مسستما من ~~مائها شيئا ؟ ' قالا : نعم ، فسبهما ، وقال لهما ما شاء الله أن يقول ، ثم ~~غرفوا بأيديهم من العين قليلا قليلا ، حتى اجتمع في شيء ، ثم غسل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فيه وجهه ويديه ، ثم أعاده فيها ، فجرت العين بماء ~~PageV01P279 كثير فاستقى الناس ، ثم قال : ' يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة ~~أن ترى ما ها هنا قد مليء جنانا ' . | ولما انتهى إلى تبوك أتاه صاحب أيلة ~~، فصالحه وأعطاه الجزية ، وأتاه أهل جربا وأذرح ، فأعطوه الجزية ، وكتب ~~لصاحب أيلة : ' بسم الله الرحمن الرحيم : هذا أمنة من الله ومن ms166 محمد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليحنه ابن رؤبة ، وأهل أيلة لسفنهم وسيارتهم في ~~البر والبحر لهم ذمة الله ، وذمة النبي ، ومن كان معهم من أهل الشام ، وأهل ~~اليمن ، وأهل البحر ، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه ، ~~وإنه لمن أخذه من الناس ، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ، ولا طريقا ~~يريدونه من بر أو بحر ' . | ثم بعث خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى أكيدر ~~بن عبد الملك الكندي صاحب دومة الجندل وقال : ' إنك ستجده يصيد البقر ' ~~فمضى خالد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين في ليلة مقمرة وهو على سطح ومعه ~~امرأته ، فباتت بقر الوحش تحك بقرونها باب القصر ، فقالت امرأته : هل رأيت ~~مثل هذا قط . قال : لا والله . فركب فرسه ومعه نفر من أهل بيته ، منهم أخ ~~له يقال له حسان فلما خرجوا تلقتهم خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~فأخذته ، وقتلوا أخاه وعليه قباء مخوص بالذهب ، فاستلبه خالد ، وبعث به إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قدم بالأكيدر على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، فحقن دمه وصالحه على الجزية ، وكان نصرانيا ، وقال ابن سعد ، ~~أجاره خالد من القتل ، ومع خالد أربعمائة وعشرون فارسا على أن يفتح له دومة ~~الجندل ، ففعل ، وصالحه على ألفي بعير وثمانمائة رأس PageV01P280 وأربعمائة ~~درع ، وأربعمائة رمح ، فعزل رسول الله صلى الله عليه وسلم صفيه ، ثم قسم ~~الغنيمة ، فأخرج الخمس ، ثم قسم ما بقي على أصحابه فكان لكل واحد منهم خمس ~~فرائض . | وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك بضع عشرة ليلة ، ثم ~~قفل . | وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قمت من جوف الليل وأنا في غزوة ~~تبوك ، فرأيت شعلة من نار ، فأتيتها ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأبو بكر وعمر ، وإذا ذو البجادين قد مات ، وقد حفروا له ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في حفرته ، وأبو بكر وعمر يدليانه إليه وهو يقول : ' أدليا ~~إلي أخاكما ' فأدلياه إليه ms167 ، فلما هيأه لشقه قال : ' اللهم إني قد أمسيت ~~راضيا عنه ، فارض عنه ' . قال ابن مسعود : يا ليتني كنت صاحب الحفرة . | ~~وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال : أتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جبريل وهو بتبوك ، فقال : يا محمد اشهد جنازة معاوية بن معاوية المزني ~~. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونزل جبريل في سبعين ألفا من ~~الملائكة ، فوضع جناحه الأيمن على الجبال فتواضعت ، ووضع جناحه الأيسر على ~~الأرضين فتواضعت ، حتى نظر إلى مكة والمدينة ، فصلى عليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وجبريل والملائكة عليهم السلام ، فلما فرغ قال : ' يا جبريل ~~بم بلغ معاوية هذه المنزلة ' ؟ قال : بقراءة ( قل هو الله أحد ) قائما ~~وقاعدا ، وراكبا وماشيا . رواه ابن السني والبيهقي . PageV01P281 | وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا ~~قطعتم واديا إلا كانوا معكم ' قالوا : وهم بالمدينة ؟ قال : ' نعم حبسهم ~~العذر ' . | ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا من تبوك إلى المدينة ~~، حتى إذا كان ببعض الطريق مكر به بعض المنافقين ، فتآمروا أن يطرحوه من ~~عقبة في الطريق ، فلما بلغها أرادوا سلوكها معه ، فأخبر خبرهم ، فقال للناس ~~: ' من شاء أن يأخذ بطن الوادي فإنه أوسع لكم ' ، وأخذ العقبة ، وأخذ الناس ~~بطن الوادي إلا أولئك النفر وتلثموا ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر فمشيا معه ، وأمر عمارا أن يأخذ بزمام ~~الناقة ، وأمر حذيفة أن يسوقها فبينا هم يسوقون ، إذ سمعوا وكزة القوم من ~~ورائهم فأمر حذيفة بردهم فرجع ومعه محجن ، فضرب به وجوه رواحلهم ، وأبصرهم ~~متلثمين ، ولا يشعر إلا أنه فعل المسافر ، فرعبوا حين أبصروا حذيفة ، وظنوا ~~أن مكرهم قد ظهر ، فأسرعوا حتى خالطوا الناس ، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لحذيفة : ' هل عرفت منهم أحدا ' ؟ قال : عرفت راحلة فلان وفلان ، ~~وكانت ظلمة ، فقال : ' هل علمت شأنهم ' ؟ قال : لا . قال : ' فإنهم مكروا ~~ليسيروا معي ، حتى إذا طلعت في العقبة طرحوني ' فقال له حذيفة ms168 : أو لا تضرب ~~أعناقهم ؟ قال : ' أكره أن يتحدث الناس أن محمدا قد وضع يده في أصحابه ' ثم ~~أمر بكتمانه . | وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك ، حتى إذا كان ~~بينه . وبين المدينة ساعة . | وكان أهل مسجد الضرار أتوه وهو يتجهز إلى ~~تبوك ، فقالوا : إنا قد PageV01P282 بنينا مسجدا لذي العلة والليلة المطيرة ~~، ونحب أن تصلي فيه . فقال : ' إني على جناح سفر ، ولو قدمنا إن شاء الله ~~أتيناكم ' ، فجاءه خبر المسجد من السماء ، فدعا مالك بن الدخشم ومعن بن عدي ~~، فقال : ' انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله ، فاهدماه وحرقاه بالنار ' ~~فخرجا مسرعين ، حتى أتيا بني سالم فقال مالك لمعن : أنظرني حتى أخرج بنار ~~من أهلي فدخل فأخذ سعفا فأشعل فيه نارا ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه وفيه أهله ~~، فحرقاه وهدماه ، وتفرق عنه أهله ، فأنزل الله سبحانه : @QB@ والذين ~~اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين @QE@ ' سورة التوبة : 108 ' ~~. | فلما دنى من المدينة ، خرج الناس لتلقيه ، وخرج النساء والصبيان ~~والولائد يقلن : # % طلع البدر علينا % % من ثنيات الوداع % # % وجب الشكر علينا % % ما دعا لله داع % % وبعضهم يروي هذا عند مقدمه ~~مهاجرا وهو وهم ، لأن ثنيات الوداع من ناحية الشام . فلما أشرف على المدينة ~~قال : ' هذه طابة ' وقال ' هذا أحد جبل يحبنا ونحبه ' فلما دخل بدأ بالمسجد ~~، فصلى فيه ركعتين ، ثم جلس فيه للناس ، فجاءه المخلفون يعتذرون إليه ، ~~ويحلفون له وكانوا بضعا وثمانين رجلا ، فقبل منهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم ~~إلى خالقهم ، وفيهم نزل قوله تعالى : @QB@ يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليه ~~@QE@ الآية ' سورة التوبة : 95 - 98 ' وما بعدها . PageV01P283 # | 1 ( فصل : في الإشارة إلى ما تضمنته هذه القصة من فوائد ) # | فمنها جواز القتال في الشهر الحرام إن كان خروجه في رجب محفوظا . | ~~ومنها إعلام الإمام الرعية بالأمر الذي يضرهم إخفاؤه ، وستر غيره عنهم ~~للمصلحة . | ومنها أن الإمام إذا استنفر الجيش لزم النفير ، ولم يجز لأحد ~~التخلف إلا بإذنه ، ولا يشترط في الوجوب تعيين كل واحد بعينه ، وهذا أحد ~~المواضع الثلاثة التي يصير الجهاد فيها فرض ms169 عين . | والثاني : إذا حاصر ~~العدو البلد . | والثالث : إذا حضر بين الصفين . | ومنها وجوب الجهاد ~~بالمال كما يجب بالنفس ، وهذا هو الصواب الذي لا ريب فيه وجاء مقدما على ~~الجهاد بالنفس في كل موضع إلا موضعا واحدا ، وهذا يدل على أنه آكد من ~~الجهاد بالنفس ، وإذا وجب الحج بالمال على العاجز بالبدن ، فوجوب الجهاد ~~بالمال أولى . | ومنها ما برز به عثمان من النفقة العظيمة . | ومنها أن ~~العاجز بماله لا يعذر ، حتى يبذل جهده ، فإنه سبحانه PageV01P284 إنما نفى ~~الحرج عن العاجزين بعد أن أتوا رسوله ليحملهم ، ثم رجعوا باكين . | ومنها ~~استخلاف الإمام إذا سافر رجلا من الرعية ، ويكون من المجاهدين لأنه من أكبر ~~العون لهم . | ومنها أن الماء الذي بآبار ثمود لا يجوز شربه ، ولا الطهارة ~~به ، ولا الطبخ به ولا العجين به ، ويجوز أن يسقى البهائم إلا ما كان من ~~بئر الناقة ، وكانت معلومة باقية إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~ثم استمر علم الناس بها قرنا بعد قرن إلى وقتنا هذا ، فلا ترد الركبان بئرا ~~غيرها . | ومنها أن من مر بديار المغضوب عليهم ، والمعذبين ، لا ينبغي له ~~أن يدخلها ، ولا يقيم بها بل يسرع السير ، ويتقنع بثوبه حتى يجاوزها ، ولا ~~يدخل عليهم إلا أن يكون باكيا معتبرا . | ومنها أنه صلى الله عليه وسلم كان ~~يجمع بين الصلاتين في السفر ، وفي هذه القصة جمع التقديم في حديث معاذ ، ~~وذكرنا علته ، ولم يجيء عنه جمع التقديم في سفر إلا هذا ، وصح عنه جمع ~~التقديم بعرفة قبل دخوله عرفة . | ومنها جواز التيمم بالرمل ، فإنه صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه ، قطعوا تلك الرمال ، ولم يحملوا معهم ترابا ، وتلك ~~مفاوز معطشة ، وشكوا فيها العطش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . | ~~ومنها أنه أقام بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة ، ولم يقل : لا يقصر ~~PageV01P285 رجل إذا أقام أكثر من ذلك ، قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم ~~أن للمسافر أن يقصر ، ما لم يجمع إقامة ، وإن أتى عليه سنون . | ومنها جواز ~~بل استحباب حنث الحالف ms170 في يمينه إذا رأى غيرها خيرا منها ، وإن شاء قدم ~~الكفارة ، وإن شاء أخرها . | ومنها انعقاد اليمين في حال الغضب إذا لم يخرج ~~بصاحبه إلى حد لا يعلم معه ما يقول ، وكذلك ينفذ حكمه ، وتصح عقوده ، فلو ~~بلغ به الغضب إلى حد الإغلاق لم تنعقد يمينه ، ولا طلاقه . | ومنها قوله : ~~' ما أنا حملتكم ' الخ قد يتعلق به الجبري ، ولا متعلق له به ، وإنما هو ~~مثل قوله : ' والله لا أعطي أحدا شيئا ، ولا أمنع ، وإنما أنا قاسم أضع حيث ~~أمرت ' ، فإنه إنما يتصرف بالأمر . | ومنها أن أهل العهد إذا أحدث أحدهم ~~حدثا فيه ضرر على الإسلام وأهله ، انتقض عهده في ماله ونفسه ، وإذا لم يقدر ~~عليه الإمام ، فدمه وماله هدر ، وهو لمن أخذه كما في صلح أهل أيلة . | ~~ومنها الدفن بالليل كما دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا البجادين إذا ~~كان لضرورة أو مصلحة راجحة . | ومنها أن الإمام إذا بعث سرية ، فغنمت ، كان ~~ما حصل لها بعد الخمس ، فإنه صلى الله عليه وسلم قسم غنيمة دومة الجندل بين ~~السرية بخلاف ما إذا خرجت السرية من الجيش في حال الغزو ، وأصابت ذلك بقوة ~~الجيش ، فإن ما أصابوه يكون غنيمة للجميع بعد الخمس والنفل ، وهذا كان هديه ~~صلى الله عليه وسلم . PageV01P286 | ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : ' إن ~~بالمدينة أقواما ' الخ ، وهذا من الجهاد بالقلب ، وهو أحد مراتبه الأربع . ~~| ومنها تحريق أمكنة المعصية كما حرق مسجد الضرار ، وكل مكان مثله فواجب ~~على الإمام تعطيله إما بهدم أو تحريق ، وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وضع ~~له ، وإذا كان هذا شأن مساجد الضرار ، فمشاهد الشرك أحق وأوجب ، وكذا بيوت ~~الخمارين ، وأرباب المنكرات ، وقد حرق عمر قرية بكمالها يباع فيها الخمر ، ~~وحرق حانوت رويشد وسماه فويسقا ، وحرق قصر سعد لما احتجب فيه عن الرعية ، ~~وهم صلى الله عليه وسلم بتحريق بيوت تاركي الجمعة والجماعة ، وإنما منعه من ~~فيها ممن لا تجب عليه . | ومنها أن الوقف لا يصح على غير قربة ، وعلى هذا ~~فيهدم المسجد ms171 الذي بني على قبر كما ينبش الميت إذا دفن في المسجد ، فلا ~~يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر ، فهذا دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله ~~، وغربته بين الناس كما ترى . PageV01P287 # | 1 ( فصل : في حديث الثلاثة الذين خلفوا وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ~~ومرارة بن الربيع ) # | قال بعض الشارحين : أول أسمائهم مكة ، وآخر أسمائهم عكة . | روينا في ' ~~الصحيحين ' واللفظ للبخاري رحمه الله تعالى عن كعب بن مالك رضي الله عنه ~~قال : لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا في غزوة ~~تبوك غير أني تخلفت في غزوة بدر ، ولم يعاتب أحدا تخلف عنها ، إنما خرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش ، حتى جمع الله تعالى بينهم ~~وبين عدوهم على غير ميعاد ، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام ، وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن ~~كانت بدر أذكر في الناس منها ، كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ، ولا أيسر ~~حين تخلفت عنه في تلك الغزوة ، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط ، حتى ~~جمعتهما في تلك الغزوة . | ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة ~~إلا ورى بغيرها ، حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في حر شديد ، واستقبل سفرا بعيدا ومفازا ، وعدوا كثيرا ، فجلى للمسلمين ~~أمرهم ليتأهبوا PageV01P288 أهبة عدوهم ، فأخبرهم بوجهه الذي يريد ، ~~والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير ، ولا يجمعهم كتاب حافظ ~~يريد الديوان . قال كعب رضي الله عنه : فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أنه ~~سيخفى ما لم ينزل فيه وحي الله تعالى ، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال ، وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~، والمسلمون معه ، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم ، فأرجع ولم أقض شيئا ، فأقول ~~في نفسي : أنا قادر عليه ، فلم يزل يتمادى حتى اشتد بالناس ms172 الجد . | فأصبح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا ، والمسلمون معه ، ولم أقض من جهازي ~~شيئا ، فقلت : أتجهز بعده بيوم أو يومين ، ثم ألحقهم . فغدوت بعد أن فصلوا ~~لأتجهز ، ولم أقض شيئا ، فلم يزل يتمادى بي حتى أسرعوا ، وتفارط الغزو ، ~~فهممت أن أرتحل فأدركهم ، فليتني فعلت ، فلم يقدر لي ذلك ، فكنت إذا خرجت ~~في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يحزنني أني لا أرى لي ~~أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق ، أو رجلا ممن عذر الله تعالى من ~~الضعفاء ، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى بلغ تبوك ، فقال ~~وهو جالس في القوم بتبوك : ' ما فعل كعب بن مالك ' ؟ فقال رجل من بني سلمة ~~: يا رسول الله حبسه برده والنظر في عطفيه ، فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه ~~: بئس ما قلت ، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا . فسكت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم . | قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا ~~حضرني همي ، PageV01P289 فطفقت أتذكر الكذب ، فأقول : بماذا أخرج من سخطه ~~غدا ، وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي ، فلما قيل : إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل حتى عرفت أني لم أخرج منه أبدا ~~بشيء فيه كذب ، فأجمعت صدقه . | وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما ~~، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد ، فركع فيه ركعتين ، ثم جلس للناس ، ~~فلما فعل ذلك ، جاءه المخلفون ، فطفقوا يعتذرون إليه ، ويحلفون له ، وكانوا ~~بضعة وثمانين رجلا ، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم ، ~~واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى ، فجئته ، فلما سلمت عليه تبسم ~~تبسم المغضب ثم قال : ' تعال ' فجئت أمشي حتى جلست بين يديه ، فقال لي : ' ~~ما خلفك ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك ' فقلت : بلى إني والله يا رسول الله لو ~~جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر ، ولقد أعطيت جدلا ~~، ولكني والله ms173 لقد علمت لو حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ، ليوشكن الله ~~أن يسخطك علي ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله ~~تعالى ، لا والله ما كان لي من عذر ، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني ~~حين تخلفت عنك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' أما هذا ، فقد صدق ~~، فقم حتى يقضي الله فيك ' ، فقمت ، وثار رجال من بني سلمة ، فاتبعوني ~~فقالوا لي : والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ، ولقد عجزت أن لا ~~تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المتخلفون ، ~~فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك . فوالله ~~PageV01P290 مازالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع ، فأكذب نفسي ، ثم قلت : هل ~~لقي هذا معي أحد ؟ قالوا : رجلان قالا مثل ما قلت ، فقيل لهما مثل ما قيل ~~لك . فقلت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري ، وهلال بن أمية ~~الواقفي . فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا رضي الله عنهما ففيهما أسوة ~~فمضيت حين ذكروهما لي ، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا أيها ~~الثلاثة من بين من تخلف عنه ، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا ، حتى تنكرت لي ~~في نفسي الأرض فما هي التي أعرف . | فلبثنا على ذلك خمسين ليلة ، فأما ~~صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان ، وأما أنا فكنت أشب القوم ، ~~وأجلدهم ، وكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين ، وأطوف في الأسواق ، ولا ~~يكلمني أحد ، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأسلم عليه وهو في مجلسه ~~بعد الصلاة ، وأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ، ثم أصلي ~~قريبا منه ، فأسارقه النظر ، فإذا أقبلت إلى صلاتي أقبل إلي ، وإذا التفت ~~نحوه أعرض عني ، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار ~~حائط أبي قتادة رضي الله عنه ، وهو ابن عمي ، وأحب الناس إلي ، فسلمت عليه ~~، فوالله ما رد علي السلام ، فقلت له : يا ms174 أبا قتادة : أنشدك بالله هل ~~تعلمني أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ؟ فسكت ، فعدت فناشدته ، فقال ~~رضي الله عنه : الله ورسوله أعلم ، ففاضت عيناي ، وتوليت حتى تسورت الجدار ~~، فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم ~~بالطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدل على كعب بن مالك ؟ PageV01P291 فطفق ~~الناس يشيرون له إلي حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان فإذا فيه : | ~~أما بعد : فإنه قد بلغني أن صاحبك جفاك ، ولم يجعلك الله تعالى بدار هوان ~~ولا مضيعة ، فالحق بنا نواسيك . فقلت لما قرأته : وهذا أيضا من البلايا ~~فتيممت بها التنور ، فسجرته بها حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين ، إذا ~~رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فيقول : إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك ، فقلت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ فقال : لا ~~بل اعتزلها ، ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك ، فقلت لامرأتي : ~~الحقي بأهلك فكوني معهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . | قال كعب : فجاءت ~~امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله ~~إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ' لا ولكن ~~لا يقربك ' ، قالت : والله ما به حركة إلى شيء ، والله مازال يبكي مذ كان ~~إلى يومه هذا ، فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه ، فقلت : والله لا ~~استأذنت فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما يدريني ما يقول رسول الله ~~إذا استأذنته فيها ، وأنا رجل شاب . فلبثت بذلك عشر ليال حتى كملت لنا ~~خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا ، فلما صليت ~~صلاة الفجر صبح خمسين ليلة ، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا ؛ فبينما أنا جالس ~~على الحال التي ذكر الله عز وجل ، قد ضاقت علي نفسي ، وضاقت علي الأرض بما ms175 ~~رحبت ، سمعت صارخا PageV01P292 أوفى على جبل سلع بأعلى صوته يقول : يا كعب ~~بن مالك أبشر . قال : فخررت ساجدا ، وعرفت أن قد جاء فرج ، وآذن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بتوبة الله تعالى علينا حين صلى صلاة الفجر ، فذهب ~~الناس يبشروننا ، وذهب قبل صاحبي مبشرون ، وركض رجل إلي فرسا ، وسعى ساع من ~~أسلم فأوفى على الجبل ، فكان الصوت أسرع من الفرس . | فلما جاءني الذي سمعت ~~صوته يبشرني ، نزعت له ثوبي ، فكسوته إياهما ببشراه والله ما أملك غيرهما ~~يومئذ ، واستعرت ثوبين فلبستهما ، وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة ، يقولون : ليهنك توبة ~~الله تعالى عليك يا كعب . حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جالس حوله الناس ، فقام إلي طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يهرول ، ~~حتى صافحني وهنأني ، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره ، وكان كعب لا ~~ينساها لطلحة ، فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق ~~وجهه من السرور : ' أبشر بخير يوم مر عليك مذ ولدتك أمك ' قال : قلت : أمنك ~~يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال : ' لا بل من عند الله ' . | وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه ، حتى كأنه قطعة قمر ، وكنا ~~نعرف ذلك منه ، فلما جلست بين يديه ، قلت : يا رسول الله إن من توبتي أن ~~انخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله . | فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: ' أمسك عليك بعض مالك ، فهو خير لك ' قلت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر ، ~~فقلت : يا رسول الله إن الله إنما أنجاني بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث ~~إلا صدقا ما بقيت ، PageV01P293 فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه ~~الله تعالى في صدق الحديث أحسن مما أبلاني ، وما تعمدت مذ ذكرت ذلك لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذبا وإني لأرجو أن يحفظني الله ~~تعالى فيما بقيت ، وأنزل الله تعالى على ms176 رسوله : @QB@ لقد تاب الله على ~~النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ ~~قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم وعلى الثلاثة الذين خلفوا ~~حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من ~~الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم يا أيها ~~الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين @QE@ ' سورة التوبة : 117 - 119 ~~' . | فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في ~~نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك ~~الذين كذبوا ، فإن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال ~~لأحد فقال الله عز وجل : @QB@ سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا ~~عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم ~~لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين @QE@ ' ~~سورة التوبة : 96 ، 97 ' . | اعلم وفقنا الله وإياك لما يرضيه من العمل أن ~~في حديث كعب هذا فوائد : | فمنها جواز إخبار الرجل عن تفريطه في الطاعة ، ~~وما آل إليه أمره ، وفيه من النصيحة ما هو أهم الأمور . PageV01P294 | ~~ومنها استحباب رد غيبة المسلم كما فعل معاذ رضي الله عنه . | ومنها ملازمة ~~الصدق ، وإن شق فعاقبته إلى خير . | ومنها استحباب ركعتين في المسجد عند ~~القدوم من السفر قبل كل شيء . | ومنها أنه يستحب للقادم من سفر إذا كان ~~مقصودا أن يجلس لمن يقصده في موضع بارز كالمسجد ونحوه . | ومنها جريان ~~أحكام الناس على الظاهر ، والله يتولى السرائر . | ومنها هجران أهل البدع ~~والمعاصي الظاهرة ، وترك السلام عليهم تحقيرا لهم وزجرا . | ومنها استحباب ~~بكائه على نفسه إذا بدرت منه معصية ، وحق له أن يبكي . | ومنها جواز إحراق ~~ورقة فيها ذكر الله تعالى لمصلحة ، كما فعل كعب رضي الله عنه . | ومنها أن ~~كنايات الطلاق كقوله : الحقي بأهلك . لا يقع إلا بالنية . | ومنها ms177 جواز ~~خدمة المرأة زوجها من غير إلزام ووجوب . | ومنها استحباب سجود الشكر عند ~~حصول نعمة ، أو اندفاع نقمة ظاهرة ، والتصدق عند ذلك . | ومنها استحباب ~~التبشير والتهنئة ، وإكرام المبشر بكسوة ونحوها . PageV01P295 | ومنها ~~استحباب القيام للوارد إكراما له إذا كان من أهل الفضل بأي نوع كان ، وجواز ~~سرور القوم بذلك كما سر كعب بقيام طلحة رضي الله عنهما ، وليس بمعارض بحديث ~~: ' من سره أن يتمثل له الرجال قياما ، فليتبوأ مقعده من النار ' لأن هذا ~~الوعيد للمتكبرين ومن يغضب إذا لم يقم له ، وقد كان صلى الله عليه وسلم ~~يقوم لفاطمة رضي الله عنها سرورا بها ، وتقوم له كرامة ، وكذلك كل قيام ~~أثمر الحب في الله تعالى ، والسرور لأخيك بنعمة الله ، والبر لمن يتوجه بره ~~، والأعمال بالنيات ، والله أعلم . | ومنها مدح الإنسان نفسه بما هو فيه ~~إذا لم يكن فخرا . | ومنها أن العقبة كانت من أفضل المشاهد . | ومنها أن ~~ديوان الجيش لم يكن في حياته صلى الله عليه وسلم ، وأول من دون الدواوين ~~عمر . | ومنها أن فرصة القربة إذا حضرت فالحزم في انتهازها ، فإن العزائم ~~سريعة الانتقاض ، والله سبحانه يعاقب من فتح له بابا إلى الخير فلم ينتهزه ~~بأن يحول بين قلبه وبين إرادته . قال تعالى : @QB@ يا أيها الذين آمنوا ~~استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء ~~وقلبه @QE@ ' سورة الأنفال : 24 ' وصرح سبحانه بهذا في قوله : @QB@ ونقلب ~~أفئدتهم @QE@ ' سورة الأنعام : 110 ' وقال : @QB@ فلما زاغوا أزاغ الله ~~قلوبهم @QE@ ' سورة الصف : 5 ' وقال : @QB@ وما كان الله ليضل قوما بعد إذ ~~هداهم حتى يبين لهم ما يتقون @QE@ ' التوبة : 116 ' وهو كثير في القرآن . | ~~ومنها أنه لم يتخلف عنه صلى الله عليه وسلم إلا من هو مغموص عليه ~~PageV01P296 في النفاق أو رجل من أهل الأعذار أو من خلفه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم . | ومنها أن الإمام لا ينبغي له أن يهمل من تخلف عنه في ~~بعض الأمور بل يذكره ليراجع الطاعة ، فإنه صلى الله عليه وسلم قال : ' ما ~~فعل كعب ms178 ' ؟ ولم يذكر سواه استصلاحا له وإهمالا للمنافقين . | ومنها جواز ~~الطعن في الرجل بما يغلب على اجتهاد الطاعن ذبا عن الله ورسوله . ومنه طعن ~~أهل الحديث فيمن طعنوا فيه ، وطعن أهل السنة في أهل البدع . | ومنها جواز ~~الرد على هذا الطاعن إذا غلب على ظن الراد أنه وهم كما رد معاذ ولم ينكر ~~صلى الله عليه وسلم على واحد منهما . | ومنها أن السنة للقادم من سفر أن ~~يدخل البلد على وضوء ، وأن يبدأ ببيت الله قبل بيته فيصلي ركعتين . | ومنها ~~ترك الإمام رد السلام على من أحدث حدثا . | ومنها معاتبة المطاع من يعز ~~عليه ، فإنه عاتب الثلاثة دون غيرهم . وقد أكثر الناس مدح عتاب الأحبة . | ~~ومنها توفيق الله لكعب وصاحبيه فيما جاؤوا به من الصدق ، ولم يخذلهم حتى ~~كذبوا ، فصلحت عاجلتهم ، وفسدت عاقبتهم والصادقون تعبوا في العاجلة بعض ~~التعب ، فأعقبهم صلاح العاقبة ، وعلى هذا قامت الدنيا والآخرة . ~~PageV01P297 | وفي نهيه صلى الله عليه وسلم عن كلامهم خاصة دليل على صدقهم ~~وكذب الباقين ، فأراد تأديب الصادقين . وأما المنافقون فهذا الدواء لا يعمل ~~في مرضهم ، وهكذا يفعل الرب سبحانه بعباده في عقوبات جرائمهم . فمن هان ~~عليه ، خلى بينه وبين معاصيه ، فكلما أحدث ذنبا أحدث له نعمة . | وقوله : ' ~~حتى تسورت حائط أبي قتادة ' فيه دليل على دخول الإنسان دار صاحبه وجاره ، ~~إذا علم رضاه بلا إذن ، وفي أمره لهم باعتزال النساء كالبشارة بالفرج من ~~جهة كلامه لهم ، ومن أمره لهم بالاعتزال . | وفي قوله : ' الحقي بأهلك ' ~~دليل على أنه لا يقع بهذه اللفظة وأمثالها طلاق ما لم ينوه ، وفي سجوده لما ~~سمع صوت المبشر دليل أن تلك عادة الصحابة ، وهي سجود الشكر عند النعم ~~المتجددة والنقم المندفعة ، وقد سجد صلى الله عليه وسلم حين بشره جبريل أن ~~من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا ، وسجد حين شفع لأمته ، فشفعه الله ~~فيهم ثلاث مرات ، وسجد أبو بكر لما جاءه قتل مسيلمة ، وسجد علي حين وجد ذا ~~الثدية ، وفي استباق صاحب الفرس والراقي على سلع دليل ms179 على حرص القوم على ~~الخير ، وتسابقهم في مسرة بعضهم بعضا . ومنها أن إعطاء المبشر من مكارم ~~الأخلاق ، وجواز إعطاء البشير جميع ثيابه ، واستحباب تهنئة من تجددت له ~~نعمة دينية ، والقيام إليه ، ومصافحته فهذه سنة مستحبة ، وجائز في النعم ~~الدنيوية لمن تجددت له . وأن الأولى أن يقال : ليهنك ما أعطاك الله . ونحوه ~~، فإن فيه تولية النعمة ربها ، والدعاء لمن نالها بالتهني بها . ~~PageV01P298 | وفيه أن خير أيام العبد على الإطلاق يوم توبته ، وقبول الله ~~لها ، وفي سروره صلى الله عليه وسلم ، كمال شفقته على الأمة . | وفيه ~~استحباب الصدقة عند التوبة وأن من نذر الصدقة بماله كله لم يلزمه إخراج ~~جميعه ، وفيه عظم مقدار الصدق ، وتعليق سعادة الدارين به ، وقد قسم سبحانه ~~الخلق قسمين سعداء ، وهم أهل الصدق والتصديق ، وأشقياء وهم أهل الكذب ~~والتكذيب ، وهو تقسيم حاصر مطرد منعكس . | وقوله : @QB@ لقد تاب الله على ~~النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ ~~قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم @QE@ ' سورة التوبة : 117 ' ~~هذا من أعظم ما يعرف قدر التوبة ، وأنها غاية كمال المؤمن ، فإن الله ~~سبحانه وتعالى أعطاهم هذا الكمال بعد آخر الغزوات . | ولا يعرف هذا حق ~~معرفته إلا من عرف الله وحقوقه فسبحان من لا يسع العباد غير عفوه ومغفرته ، ~~وكرر توبته عليهم مرتين فتاب عليهم أولا بالتوفيق لها ، وثانيا بقبولها ، ~~فالخيرات كلها منه وبه وله . PageV01P299 # | 1 ( فصل : في حجة أبي بكر رضي الله عنه ) # | سنة تسع بعد مقدمه من تبوك ، خرج بثلثمائة رجل من المسلمين . فنزلت ( ~~براءة ) في نقض ما كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين من ~~العهد فخرج علي على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلحق أبا بكر ، ~~فلما رآه قال : أمير أو مأمور ؟ قال : بل مأمور بعثني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أقرأ براءة على الناس ، وأنبذ إلى كل ذي عهد عهده . قال علي : | ~~بعثت بأربع : لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ، ولا يطوف ms180 بالبيت عريان ، ولا ~~يجتمع مسلم وكافر في المسجد الحرام بعد عامه هذا ، ومن كان بينه وبين النبي ~~صلى الله عليه وسلم عهد ، فعهده إلى مدته . | قال ابن إسحاق : ولما افتتح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، وفرغ من تبوك ، وأسلمت ثقيف ، ضربت ~~إليه وفود العرب من كل وجه ، فذكر وفد بني تميم ، ووفد طيء ، ووفد بني عامر ~~، ووفد عبد القيس ، ووفد بني حنيفة ، ووفد كندة ، ووفد الأشعريين ، ووفد ~~الأزد ، ووفد أهل نجران ، ووفد همدان ، ووفد نصارى نجران وغيرهم . ثم ذكر ~~هديه في مكاتباته إلى الملوك ثم ذكر هديه في الطب . PageV01P300 | ثم ذكر ~~هديه في العلاج بالأدوية الروحانية المفردة والمركبة منها ، ومن الأدوية ~~الطبيعية ، فقال : روى مسلم عن ابن عباس مرفوعا : ' العين حق ولو كان شيء ~~سابق القدر لسبقته العين ' وفي ' صحيحه ' أيضا عن أنس أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رخص في الرقية من العين والحمة والنملة . | وروى مالك عن ~~ابن شهاب ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال : رأى عامر بن ربيعة سهلا ~~يغتسل ، فقال : والله ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة . فلبط سهل ، فأتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عامرا ، فتغيظ عليه ، وقال : ' علام يقتل أحدكم ~~أخاه ألا بركت ؟ اغتسل له ' فغسل عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف ~~رجليه ، وداخلة إزاره في قدح ، ثم صب عليه فراح سهل مع الناس . | وذكر عبد ~~الرزاق ، عن معمر ، عن ابن طاووس ، عن أبيه مرفوعا . ' العين حق ، وإذا ~~استغسل أحدكم ، فليغتسل ' ووصله صحيح . قال الترمذي : يؤمر العائن بقدح ، ~~فيدخل كفه فيه ، فيتمضمض ، ثم يمجه في القدح ، ويغسل وجهه في القدح ، ثم ~~يغسل يده اليسرى ، فيصب على ركبته اليمنى في القدح ، ثم يدخل يده اليمنى ، ~~فيصب على ركبته اليسرى ، ثم يغسل داخلة إزاره ، ولا يوضع القدح في الأرض ، ~~ثم يصب على رأس المصاب من خلفه صبة واحدة . | والعين عينان : عين إنسية ، ~~وعين جنية ، فقد صح عن أم سلمة أنه صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية ~~في وجهها ms181 سفعة ، فقال : ' استرقوا لها ، PageV01P301 فإن بها النظرة ' قال ~~البغوي : سفعة ، أي : نظرة من الجن يقول : بها عين أصابتها من نظر الجن ، ~~أنفذ من أسنة الرماح . | وكان صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الجان ، ومن عين ~~الإنسان ، فأبطلت طائفة ممن قل نصيبهم من السمع والعقل أمر العين ، وعقلاء ~~الأمم على اختلاف مللهم ، لا تدفع أمر العين ، وإن اختلفوا في سببه . | ولا ~~ريب أن الله سبحانه خلق في الأجسام والأرواح قوى وطبائع مختلفة ، وجعل في ~~كثير منها خواص وكيفيات مؤثرة ، ولا يمكن لعاقل إنكار تأثير الأرواح في ~~الأجسام ، فإنه أمر مشاهد . | وليست العين هي الفاعلة ، وإنما التأثير ~~للروح ولشدة ارتباطها بالعين نسب الفعل إليها ، وروح الحاسد مؤذية للمحسود ~~أذى بينا ، ولهذا أمر الله رسوله أن يستعيذ به من شره ، وأشبه الأشياء بهذا ~~الأفعى ، فإن السم كامن بالقوة فيها ، فإذا قابلت عدوها ، انبعثت منها قوة ~~غضبية ، فمنها ما يؤثر في إسقاط الجنين ، ومنها ما يؤثر في طمس البصر ، كما ~~قال صلى الله عليه وسلم في الأبتر وذي الطفيتين من الحيات : ' إنهما ~~يلتمسان البصر ، ويسقطان الحبل ' والتأثير غير موقوف على الاتصالات الجسمية ~~، ونفس العائن لا يتوقف تأثيرها على الرؤية ، بل قد يكون أعمى ، فيوصف له ~~الشيء ، وكثير منهم يؤثر بالوصف من غير رؤية ، فكل عائن حاسد ، وليس كل ~~حاسد عائنا ، فلما كان الحاسد أعم كانت الاستعاذة منه وهي سهام تخرج من نفس ~~الحاسد والعائن ، فإن صادفته مكشوفا ، أثرت فيه ، وإن كان حذرا شاكي السلاح ~~، لم تؤثر ، وربما ردت السهام على صاحبها PageV01P302 بمثابة الرمي الحسي ~~سواء . وقد يعين الرجل نفسه ، وقد يعين بغير إرادته ، بل بطبعه وهذا أردأ ~~ما يكون . | ولأبي داود في ' سننه ' عن سهل بن حنيف قال : مررنا بسيل ~~فاغتسلت فيه ، فخرجت محموما فقال صلى الله عليه وسلم : ' مروا أبا ثابت ~~فليتعوذ ' فقلت : يا سيدي والرقى صالحة ؟ فقال : ' لا رقية إلا في نفس ، أو ~~حمة ، أو لدغة ' والنفس : العين ، واللدغة : ضربة العقرب ونحوها . فمن ~~التعوذات والرقى : الإكثار من قراءة المعوذتين والفاتحة وآية الكرسي ms182 ، ومن ~~التعوذات النبوية : ' أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا ~~فاجر من شر ما خلق ، وذرأ وبرأ ، ومن شر ما ينزل من السماء ، ومن شر ما ~~يعرج فيها ، ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها ، ومن شر فتن ~~الليل والنهار ، ومن شر طوارق الليل إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن ' . | ~~ومنها : ' أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات ~~الشياطين وأن يحضرون ' . | ومنها : ' اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم ، ~~وكلماتك التامة من شر ما أنت آخذ بناصيته ، اللهم أنت تكشف المأثم والمغرم ~~، اللهم لا يهزم جندك ، ولا يخلف وعدك سبحانك وبحمدك ' . | ومنها : ' أعوذ ~~بوجه الله العظيم الذي لا شيء أعظم منه ، وبكلماته التامات التي لا يجاوزهن ~~بر ولا فاجر وأسماء الله الحسنى ، ما علمت منها PageV01P303 وما لم أعلم من ~~شر ما خلق وذرأ وبرأ ، ومن شر كل ذي شر لا أطيق شره ، ومن شر كل ذي شر أنت ~~آخذ بناصيته إن ربي على صراط مستقيم ' وإن شاء قال : تحصنت بالله الذي لا ~~إله إلا هو إلهي وإله كل شيء ، واعتصمت بربي ورب كل شيء ، وتوكلت على الحي ~~الذي لا يموت واستدفعت الشر بلا حول ولا قوة إلا بالله ، حسبي الله ونعم ~~الوكيل ؛ حسبي الرب من العباد ، حسبي الخالق من المخلوق ، حسبي الرازق من ~~المرزوق ، حسبي الله وكفى ، سمع الله لمن دعا ، ليس وراء الله مرمى ، حسبي ~~الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم . | ومن جرب هذه ~~التعوذات ، عرف منفعتها ، وهي تمنع وصول العين ، وترفعها بعد وصولها بحسب ~~قوة إيمان قائلها وقوة نفسه ، فإنها سلاح ، والسلاح بضاربه . | وإذا خشي ~~العائن ضرر عينه فليقل : ' اللهم بارك عليه ' ، كما أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عامرا أن يقوله لسهل ، ومما يدفعها قول : ' ما شاء الله لا قوة ~~إلا بالله ' كان عروة إذا رأى شيئا يعجبه أو دخل حائطا من حيطانه قالها . | ~~ومنها رقية جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم التي ms183 في ' صحيح مسلم ' : ' بسم ~~الله أرقيك من كل شيء يؤذيك ، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك بسم ~~الله أرقيك ' . | ثم ذكر هديه في العلاج لكل شكوى بالرقية الإلهية ، فذكر ~~فيه حديث أبي داود عن أبي الدرداء رفعه : ' من اشتكى منكم شيئا فليقل : ~~ربنا الله PageV01P304 الذي في السماء ' الخ . . . . ثم ذكر رقية جبريل ~~المتقدمة ، ثم ذكر هديه في رقية القرحة والجراح ، وذكر ما في ' الصحيحين ' ~~أنه صلى الله عليه وسلم قال : ' إذا اشتكى الإنسان ، أو كان به قرحة ، أو ~~جرح قال بإصبعه هكذا ' ووضع سفيان سبابته بالأرض ، ثم رفعها ' وقال : بسم ~~الله تربة أرضنا بريقة بعضنا ، يشفى سقيمنا بإذن ربنا ' وهل المراد تربة ~~الأرض كلها أو أرض المدينة ؟ فيه قولان . PageV01P305 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج المصيبة ) # | قال الله تعالى : @QB@ وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا ~~إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم ~~المهتدون @QE@ ' سورة البقرة : 156 ، 157 ' ثم ذكر حديث الاسترجاع ، ثم قال ~~: | وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب وأنفعه له فإنها تضمنت أصلين إذا تحقق ~~بهما تسلى عن مصيبته . | أحدهما : أن العبد وماله ملك لله جعله عنده عارية ~~. | والثاني : أن المرجع إلى الله ولا بد أن يخلف الدنيا ، فإذا كانت هذه ~~البداية والنهاية ، ففكره فيهما من أعظم علاج هذا الداء . ومنه أن يعلم أن ~~ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه . | ومنها أن ربه أبقى ~~له مثله أو أفضل ، وادخر له إن صبر ما هو أفضل من المصيبة بأضعاف ، وأنه لو ~~شاء لجعلها أعظم مما هي . | ومنه إطفاؤها ببرد التأسي ، فلينظر عن يمينه ~~وعن يساره ، وأن سرور الدنيا أحلام ، إن أضحكت قليلا ، أبكت كثيرا . | ومنه ~~العلم أن الجزع لا يرد بل يضاعف . | ومنه أن يعلم أن فوات ما ضمن الله على ~~الصبر والاسترجاع أعظم منها . PageV01P306 | ومنه أن يعلم أن الجزع يشمت ~~عدوه ، ويسوء صديقه ، ويغضب ربه . | ومنه أن يعلم أن ما يعقب ms184 الصبر ~~والاحتساب من اللذة أضعاف ما يحصل له من نفع الفائت لو بقي له . | ومنه أن ~~يروح قلبه برجاء الخلف . | ومنه أن يعلم أن حظه منها ما يحدثه ، فمن رضي ~~فله الرضى ، ومن سخط فله السخط . | ومنه أن يعلم أن آخر صبر الجزوع إلى ~~الصبر الاضطراري ، وهو غير محمود ، ولا مثاب . | ومنه أن يعلم أن من أنفع ~~الأدوية موافقة ربه فيما أحبه ورضيه له وأنها خاصية المحبة . | ومنه أن ~~يوازن بين أعظم اللذتين وأدومهما لذة تمتعه بما أصيب به ، ولذة تمتعه بثواب ~~الله . | ومنه العلم بأن المبتلي أحكم الحاكمين ، وأرحم الراحمين ، وأنه لم ~~يبتله ليهلكه ، بل ليمتحن إيمانه ، وليسمع تضرعه ، وليراه طريحا ببابه . | ~~ومنه أن يعلم أن المصائب سبب لمنع الأداء المهلكة ، كالكبر والعجب والقسوة ~~. | ومنه أن يعلم أن مرارة الدنيا حلاوة الآخرة ، وبالعكس وإن خفي عليك هذا ~~، فانظر قول الصادق المصدوق : ' حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات ~~' وفي هذا المقام تفاوتت عقول الخلائق ، وظهرت حقائق الرجال . PageV01P307 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الكرب والهم والحزن ) # | في ' الصحيحين ' عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول عند الكرب : ' لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب ~~العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم ' . ~~| وللترمذي عن أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ' يا حي يا ~~قيوم برحمتك أستغيث ' . | وله عن أبي هريرة كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا أهمه أمر رفع طرفه إلى السماء وقال : ' سبحان الله العظيم ' وإذا ~~اجتهد في الدعاء قال : ' يا حي يا قيوم ' . | ولأبي داود عن أبي بكر الصديق ~~مرفوعا : ' دعوات المكروب اللهم رحمتك أرجو ، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين ~~، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت ' . وله عن أسماء بنت عميس قالت : قال ~~لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ألا أعلمك كلمات تقولينهن عند الكرب : ~~الله ربي لا أشرك به شيئا ms185 ' ، وفي رواية ' سبع مرات ' . | ولأحمد عن ابن ~~مسعود مرفوعا قال : ' ما أصاب عبدا هم ولا حزن PageV01P308 فقال : اللهم ~~إني عبدك ، وابن عبدك ، وابن أمتك ناصيتي بيدك ، ماض في حكمك ، عدل في ~~قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو علمته ~~أحدا من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ~~ربيع قلبي ، ونور صدر ، وجلاء حزني ، وذهاب همي . إلا أذهب الله همه وحزنه ~~، وأبدله مكانه فرحا ' . | وللترمذي عن سعد مرفوعا : ' دعوة ذي النون لم ~~يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له ' . وفي رواية : ' إني لأعلم ~~كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه كلمة أخي يونس ' . | ولأبي داود أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال لأبي أمامة : ' ألا أعلمك كلاما إذا أنت قلته أذهب ~~الله عز وجل همك ، وقضى دينك ؟ قل إذا أصبحت وإذا أمسيت : اللهم إني أعوذ ~~بك من الهم والحزن ، وأعوذ بك من العجز والكسل ، وأعوذ بك من الجبن والبخل ~~، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال ' قال : ففعلت ذلك ، فأذهب الله عز ~~وجل همي ، وقضى عني ديني . | ولأبي داود عن ابن عباس مرفوعا : ' من لزم ~~الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ، ومن كل ضيق مخرجا ، ورزقه من حيث لا ~~يحتسب ' . | وفي ' السنن ' : ' عليكم بالجهاد ، فإنه باب من أبواب الجنة ~~يدفع الله به عن النفوس الهم والغم ' . | وفي ' المسند ' أنه صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى PageV01P309 الصلاة ويذكر عن ابن عباس ~~مرفوعا : ' من كثرت همومه وغمومه ، فليكثر من قول : لا حول ولا قوة إلا ~~بالله ' . | وفي ' الصحيحين ' ' إنها كنز من كنوز الجنة ' . | وهذه الأدوية ~~تتضمن خمسة عشر نوعا من الدواء ، فإن لم تقو على إذهاب الهم والغم والحزن ، ~~فهو قد استحكم : | الأول : توحيد الربوبية . | الثاني : توحيد الألوهية . | ~~الثالث : التوحيد العلمي . | الرابع : تنزيه الرب تعالى عن أن يظلم عبده ، ~~أو يأخذه بلا سبب من العبد يوجب ذلك . | الخامس : اعتراف العبد بأنه ms186 هو ~~الظالم . | السادس : التوسل بأحب الأشياء إلى الله ، وهو أسماؤه وصفاته ، ~~ومن أجمعها لمعاني الأسماء والصفات ' الحي القيوم ' . | السابع : الاستعانة ~~به وحده . | الثامن : إقرار العبد له بالرجاء . | التاسع : تحقيق التوكل ~~والاعتراف بأن ناصيته بيده ، وأنه ماض فيه حكمه ، عدل فيه قضاؤه . | العاشر ~~: أن يرتع قلبه في رياض القرآن كالربيع للحيوان ، وأن يستضيء به في ظلم ~~الشبهات ويتعزى به عن كل مصيبة ، ويستشفى به من أدواء صدره ، فيكون جلاء ~~حزنه ، وشفاء همه وغمه . PageV01P310 | الحادي عشر : الاستغفار . | الثاني ~~عشر : التوبة . | الثالث عشر : الجهاد . | الرابع عشر : الصلاة . | الخامس ~~عشر : البراءة من الحول والقول وتفويضها إلى الله . PageV01P311 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الفزع والأرق ) # | روى الترمذي عن بريدة قال : اشتكى خالد ، فقال : يا رسول الله ما أنام ~~الليل من الأرق . فقال : ' إذا أويت إلى فراشك ، فقل : اللهم رب السموات ~~السبع ، وما أظلت ، ورب الأرضين السبع وما أقلت ، ورب الشياطين وما أضلت ، ~~كن لي جارا من شر خلقك كلهم جميعا أن يفرط علي أحد منهم ، أو يبغي علي ، عز ~~جارك ، وجل ثناؤك ، ولا إله غيرك ' . | وفيه من حديث عمرو بن شعيب أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، كان يعلمهم من الفزع : ' أعوذ بكلمات الله ~~التامات من غضبه ، وشر عباده ، ومن همزات الشياطين ، وأعوذ بك رب أن يحضرون ~~' وكان عبد الله بن عمر يعلمهن من عقل من بنيه ، ومن لم يعقل كتبه ، فعلقه ~~عليه . | ويذكر من حديث عمرو بن شعيب مرفوعا : ' إذا رأيتم الحريق فكبروا ، ~~فإن التكبير يطفئه ' الحريق سببه النار التي خلق منها الشيطان ، وفيه من ~~الفساد ما يناسب الشيطان والنار تطلب بطبعها العلو والفساد ، وهذان هدي ~~الشيطان ، وإليهما يدعو وبهما يهلك بني آدم ، وكبرياء الرب عز وجل تقمع ~~الشيطان ، فإذا كبر المسلم ربه ، طفيء الحريق ، وقد جربنا نحن وغيرنا هذا ~~فوجدناه كذلك . PageV01P312 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ الصحة ) # | قال الله تعالى : @QB@ وكلوا واشربوا ولا تسرفوا @QE@ ' سورة الأعراف : ~~30 ' فأرشدهم إلى إدخال ما يقيم ms187 البدن من الطعام والشراب عوض ما تحلل منه ، ~~وأن يكون بقدر ما ينتفع به البدن في الكمية والكيفية ، فحفظ الصحة في هاتين ~~الكلمتين . | ولما كانت الصحة والعافية من أجل النعم ، بل العافية المطلقة ~~أجل النعم على الإطلاق ، فحقيق بك حفظها . | ولهذا قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم : ' نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ ' وفي الترمذي ~~وغيره مرفوعا : ' من أصبح معافى في جسده ، آمنا في سربه ، عنده قوت يومه ، ~~فكأنما حيزت له الدنيا ' وفيه أيضا مرفوعا : ' أول ما يسأل عنه العبد يوم ~~القيامة من النعيم أن يقال : ألم نصح لك جسمك ؟ ونروك من الماء البارد ' . ~~| ومن هنا قال من قال من السلف في قوله : @QB@ ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ~~@QE@ ' سورة التكاثر : 8 ' قال : عن الصحة . | ولأحمد مرفوعا : ' سلوا الله ~~اليقين والمعافاة ، فما أوتي أحد بعد اليقين خيرا من العافية ' فجمع بين ~~عافيتي الدين والدنيا ، PageV01P313 | وفي ' سنن النسائي ' مرفوعا : ' سلوا ~~الله العفو والعافية والمعافاة ، فما أوتي أحد بعد اليقين خيرا من معافاة ' ~~وهذه الثلاثة تتضمن إزالة الشرور الماضية بالعفو ، والحاضرة بالعافية ، ~~والمستقبلة بالمعافاة . | ولم يكن من عادته صلى الله عليه وسلم حبس النفس ~~على نوع واحد من الأغذية ، فإنه مضر ولو أنه أفضل الأغذية ، بل يأكل ما جرت ~~عادة أهل بلده بأكله . | قال أنس : ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~طعاما قط إن اشتهاه أكله ، وإلا تركه . ومتى أكل الإنسان ما لا يشتهي ، كان ~~تضرره به أكثر من نفعه ، وكان يحب اللحم ، وأحبه إليه الذراع ، ومقدم الشاة ~~وهو أخف وأسرع انهضاما . | وكان يحب الحلوى والعسل ، واللحم والحلوى والعسل ~~من أنفع الأغذية . | وكان يأكل من كل فاكهة بلده عند مجيئها ، وهو من أسباب ~~حفظ الصحة ، فإن الله سبحانه بحكمته جعل في كل بلد من الفاكهة ما يكون من ~~أسباب صحة أهلها ، وقل من احتمى عن فاكهة بلده خشية السقم إلا وهو من أسقم ~~الناس جسما . | وصح عنه أنه قال : ' لا آكل متكئا ' وقال : ' إنما أجلس كما ~~يجلس العبد ، وآكل ms188 كما يأكل العبد ' وفسر بالتربع ، وبالإتكاء على الشيء ، ~~وفسر بالاتكاء على الجنب ، والثلاثة من الاتكاء . | وكان يأكل بأصابعه ~~الثلاث ، وهو أنفع ما يكون . PageV01P314 | وكان يشرب العسل الممزوج بالماء ~~البارد ، وصح عنه أنه نهى عن الشرب قائما . وصح عنه أنه أمر من فعله أن ~~يستقيء ، وصح عنه أنه شرب قائما فقيل : نسخ النهي ، وقيل : تبين أنه ليس ~~للتحريم . وقيل : يشرب قائما للحاجة . | وكان يتنفس في الشراب ثلاثا ويقول ~~: ' إنه أروى وأمرأ ، وأبرأ ' أي : أشد ريا . وأبرأ : من البرء ، وهو ~~الشفاء ، أي : يبريء من العطش ، وأمرأ : من مري الطعام والشراب في بدنه : ~~إذا دخله وخالطه بسهولة ولذة ونفع ، ومنه : @QB@ فكلوه هنيئا مريئا @QE@ ~~هنيئا في عاقبته ، مريئا في مذاقته . | وللترمذي عنه صلى الله عليه وسلم : ~~' لا تشربوا نفسا واحدا كشرب البعير ، ولكن اشربوا مثنى ، وسموا الله إذا ~~شربتم ، واحمدوا إذا أنتم فرغتم ' . | وفي ' الصحيح ' عنه : ' غطوا الإناء ~~، وأوكوا السقاء ، فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء ، لا يمر بإناء ليس ~~عليه غطاء ولا سقاء ، ليس عليه وكاء إلا وقع فيه من ذلك الداء ' قال الليث ~~بن سعد أحد رواه الحديث : الأعاجم عندنا يتقون تلك الليلة في كانون الأول . ~~| وصح عنه أنه أمر بتخمير الإناء ولو أن يعرض عليه عودا . | وصح عنه أنه ~~أمر عند الإيكاء والتغطية بذكر اسم الله ، ونهي عن الشرب من فم السقاء ، ~~وعن النفس في الإناء والنفخ فيه ، وعن الشرب من ثلمة القدح ، وكان لا يرد ~~الطيب وقال : ' من عرض عليه ريحان ، PageV01P315 فلا يرده ، فإنه طيب الريح ~~، خفيف المحمل ' ولفظ أبي داود والنسائي : ' من عرض عليه طيب ' وفي ' مسند ~~البزار ' عنه صلى الله عليه وسلم : ' إن الله طيب يحب الطيب ، ونظيف يحب ~~النظافة ، كريم يحب الكرم ، جواد يحب الجود ، فنظفوا أفناءكم وساحاتكم ، ~~ولا تشبهوا باليهود يجمعون الأكباء في دورهم ' - الأكب : الزبالة - | وفي ~~الطيب من الخاصية أن الملائكة تحبه ، والشياطين تنفر عنه ، فالأرواح الطيبة ~~تحب الأرواح الطيبة ، والأرواح الخبيثة تحب الأرواح الخبيثة ، ف @QB@ ~~الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات ms189 ~~@QE@ وهذا وإن كان في الرجال والنساء ، فإنه يتناول الأعمال والأقوال ، ~~والمطاعم والمشارب والملابس والروائح ، إما بعموم لفظه ، وإما بعموم معناه ~~. PageV01P316 # | 1 ( فصل : في هديه صلى الله عليه وسلم في أقضيته ) # | وليس الغرض ذكر التشريع العام وإن كانت أقضيته الخاصة عامة ، وإنما ~~الغرض ذكر هديه في الحكومات الجزئية التي فصل بها بين الخصوم ، ونذكر معها ~~قضايا من أحكامه الكلية ، فثبت عنه أنه حبس في تهمة ، ففي حديث عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا قتل عبده متعمدا ، فجلده النبي صلى الله عليه ~~وسلم مائة جلدة ، ونفاه سنة ، وأمره أن يعتق رقبة ، ولم يقده به . | ولأحمد ~~عن أنس عن سمرة مرفوعا : ' من قتل عبده قتلناه ' فإن كان محفوظا كان هذا ~~إلى الإمام تعزيرا بحسب المصلحة . | وأمر رجلا بملازمة غريمه ، ذكره أبو ~~داود . | وروى أبو عبيد أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل القاتل ، وصبر ~~الصابر . قال أبو عبيد : أي : بحبسه حتى يموت ، وذكر عبد الرزاق في ' مصنفه ~~' عن علي : يحبس الممسك في السجن حتى يموت . وحكم في العرنيين بقطع أيديهم ~~وأرجلهم ، وسمل أعينهم ، كما سملوا عين الراعي ، وتركهم حتى ماتوا جوعا ~~وعطشا ، كما فعلوا بالراعي . | وفي ' صحيح مسلم ' أن رجلا اعترف بقتل رجل ، ~~فدفعه إلى أخيه ، PageV01P317 فلما ولى قال : ' إن قتله فهو مثله ' فرجع ~~فقال : إنما أخذته بأمرك ، فقال صلى الله عليه وسلم : ' أما تريد أن يبوء ~~بإثمك وإثم صاحبك ؟ ' فقال : بلى . فخلى سبيله . قيل : معناه إذا قيد منه ، ~~سقط ما عليه ، فصار هو والمستقيد بمنزلة واحدة ، وفيه التعريض بالعفو ، ~~وقيل : إن كان لم يرد قتل أخيه فقتله به ، فهو متعمد مثله . ويدل على هذا ~~ما روى الإمام أحمد عن أبي هريرة مرفوعا وفيه : والله يا رسول الله ما أردت ~~قتله . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للولي : ' أما إنه إن كان صادقا ، ~~ثم قتلته دخلت النار ' ، فخلى سبيله ، وحكم في يهودي رض رأس جارية بين ~~حجرين أن يرض رأسه بين حجرين . | وفيه دليل على قتل الرجل بالمرأة ، وأن ms190 ~~الجاني يفعل به كما فعل ، وأن القتل غيلة لا يشترط فيه إذن الولي ، وهذا ~~مذهب مالك ، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ، ومن قال : فعله لنقض العهد . ~~لا يصح لأنه لا يرض رأسه ، وقضى في امرأة رمت أخرى بحجر ، فقتلتها وما في ~~بطنها بغرة عبد أو وليدة في الجنين ، ودية المقتولة على عصبة القاتلة . | ~~وفي البخاري أنه قضى في جنين امرأة بغرة عبد أو وليدة ، ثم إن التي قضى ~~عليها توفيت ، فقضى أن ميراثها لبنيها وزوجها ، وأن العقل على عصبتها ، وفي ~~هذا أن شبه العمد لا قود فيه ، وأن العاقلة تحمل الغرة تبعا للدية ، وأن ~~الزوج لا يدخل معهم ، ولا أولادها ، وحكم فيمن تزوج امرأة أبيه بقتله ، ~~وأخذ ماله ، وهو مذهب أحمد ، وهو الصحيح ، وقال الثلاثة : حده حد الزاني ، ~~وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى وأحق ، وحكم PageV01P318 فيمن اطلع ~~في بيته رجل بغير إذنه ، فحذفه بحصاة ، أو عود ، ففقأ عينه أن لا شيء عليه ~~. | وثبت عنه أنه قضى بإهدار دم أم ولد الأعمى لما قتلها مولاها على سبه ~~صلى الله عليه وسلم ، وقتل جماعة من اليهود على سبه وأذاه . قال أبو بكر ~~لأبي برزة لما أراد قتل من سبه : ليست لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم . | وفي ذلك بضعة عشر حديثا بين صحاح وحسان ومشاهير . قال مجاهد عن ~~ابن عباس : أيما مسلم سب الله ، أو سب أحدا من الأنبياء ، فقد كذب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، وهي ردة يستتاب صاحبها ، فإن رجع وإلا قتل . | ~~وفي ' الصحيحين ' أنه عفى عمن سمه صلى الله عليه وسلم . | وأنه لم يقتل من ~~سحره ، وصح عن عمر وحفصة وجندب قتل الساحر ، وصح عنه في الأسرى أنه قتل ~~بعضا وفادى بعضا ، ومن على بعض ، واسترق بعضا ، لكن لم يعرف أنه استرق ~~بالغا ، وهذه أحكام لم تنسخ ، بل مخير فيها الإمام بحسب المصلحة ، وحكم في ~~اليهود بعدة قضايا ، فعاهدهم أول مقدمه ، ثم حاربته قينقاع ، فظفر بهم ، ~~ومن عليهم ، ثم النضير ، فأجلاهم ، ثم قريظة ms191 فقتلهم ، ثم حارب أهل خيبر ، ~~فظفر بهم . PageV01P319 # | 1 ( فصل : في حكمه بالغنائم ) # | حكم صلى الله عليه وسلم أن للفارس ثلاثة أسهم ، وللراجل سهم ، وحكم أن ~~السلب للقاتل ، وكان طلحة وسعيد بن زيد لم يشهدا بدرا ، فقسم لهما فقالا : ~~وأجورنا ؟ فقال : ' وأجوركما ' ولم يختلف أحد أن عثمان تخلف على امرأته ~~رقية ، فأسهم له ، فقال : وأجري ؟ فقال : ' وأجرك ' قال ابن حبيب : هذا خاص ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وأجمعوا أنه لا يقسم لغائب . | قلت : قد قال ~~أحمد ومالك وجماعة من السلف والخلف : إن الإمام إذا بعث أحدا في مصالح ~~الجيش أسهم له ، ولم يخمس السلب ، وجعله من أصل الغنيمة ، وحكم به بشهادة ~~واحد ، وكانت الملوك تهدي إليه ، فيقبل هداياهم ، ويقسمها بين أصحابه ، ~~وأهدى له أبو سفيان هدية ، فقبل . | وذكر أبو عبيد عنه أنه رد هدية عامر بن ~~مالك ، وقال : ' إنا لا نقبل هدية مشرك ' . وقال : إنما قبل هدية أبي سفيان ~~، لأنها زمن الهدنة ، وكذلك المقوقس ، لأنه أكرم حاطبا ، ولم يؤيسه من ~~إسلامه ، ولم يقبل هدية مشرك محارب له قط . قال سحنون : إذا أهدى أمير ~~الروم هدية إلى الإمام فلا بأس ، وهي له خاصة . وقال الأوزاعي : بين ~~المسلمين ، ويكافئه من بيت المال . وقال أحمد : حكمها حكم الغنيمة . ~~PageV01P320 # | 1 ( فصل : في حكمه صلى الله عليه وسلم في قسمة الأموال ) # | وهي ثلاثة : الزكاة والغنيمة والفيء . | فأما الزكاة والغنائم ، فد ~~تقدم حكمها ، وبينا أنه لم يكن يستوعب الأصناف الثمانية ، وأنه ربما وضعها ~~في واحد . | وأما الفيء ، فقسمه يوم حنين في المؤلفة وبعث إليه علي من ~~اليمن بذهيبة ، فقسمها بين أربعة نفر . | وفي ' السنن ' أنه وضع سهم ذوي ~~القربى في بني هاشم وبني المطلب ، وترك بني نوفل وعبد شمس ، وقال : ' إنا ~~وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام ، وإنما نحن وهم شيء واحد ' وشبك ~~بين أصابعه ، ولم يقسمه على السواء كالميراث ، بل يصرفه فيهم بحسب المصلحة ~~فيزوج منه عزبهم ، ويقضي منه عن غارمهم ، ويعطي منه فقيرهم ، والذي يدل ~~عليه هديه أنه يجعل مصارف الخمس كمصارف الزكاة ms192 لا يخرج بها عن الأصناف ~~المذكورة ، لا أنه يقسمه بينهم كالميراث ، ومن تأمل سيرته لم يشك في ذلك . ~~| واختلف في الفيء هل كان ملكا له يتصرف فيه كيف يشاء أو لم يكن . | والذي ~~تدل عليه سنته أنه يتصرف فيه بالأمر ، لا تصرف المالك PageV01P321 بإرادته ~~، فإن الله سبحانه خيره بين أن يكون عبدا رسولا ، وبين أن يكون ملكا رسولا ~~، فاختار العبودية ، والفرق أن العبد لا يتصرف إلا بالأمر ، والملك الرسول ~~له أن يعطي من يشاء ، ويمنع من يشاء ، كما قال تعالى لسليمان : @QB@ هذا ~~عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب @QE@ ' سورة ص آية : 39 ' أي : أعط من شئت ~~، وامنع من شئت ، وهذه المرتبة التي عرضت على نبينا ، فرغب عنها ، وقال : ' ~~والله إني لا أعطي أحدا ، ولا أمنع أحدا إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت ' ~~ولهذا كان ينفق منه على نفسه وأهله نفقة سنتهم ، ويجعل الباقي في الكراع ~~والسلاح في سبيل الله عز وجل ، وهذا هو الذي وقع فيه النزاع إلى اليوم . | ~~وأما الزكاة والغنائم والمواريث ، فلم يشكل على ولاة الأمر بعده ما أشكل ~~عليهم من الفيء ولولا الإشكال ما طلبت فاطمة ميراثها ، وقد قال تعالى : ^ ( ~~ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم ) ^ . إلى قوله : ~~@QB@ فأولئك هم المفلحون @QE@ ' سورة الحشر آية 7 - 9 ' فأخبر سبحانه أن ما ~~أفاء الله على رسوله بجملته لمن ذكر في هؤلاء الآيات ، ولم يخص خمسه ~~بالمذكورين ، بل عم وأطلق واستوعب ، فيصرف على المصارف الخاصة ، وهم أهل ~~الخمس ، ثم على المصارف العامة ، وهم المهاجرون والأنصار وأتباعهم إلى يوم ~~القيامة . | فالذي عمل به هو وخلفاؤه هو المراد من الآيات ، ولهذا قال عمر ~~: ما أحد أحق بهذا المال من أحد ، وما أنا أحق به من أحد ، والله ما من أحد ~~من المسلمين إلا وله فيه نصيب إلا عبد مملوك ، ولكنا على منازلنا ~~PageV01P322 من كتاب الله ، وقسمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~فالرجل وبلاؤه في ms193 الإسلام ، والرجل وقدمه في الإسلام ، والرجل وغناؤه في ~~الإسلام ، والرجل وحاجته ، ووالله لئن بقيت لهم ليأتين الراعي بجبل صنعاء ~~حظه من هذا المال ، وهو يرعى مكانه . فهؤلاء المسمون في آية الفيء هم ~~المسمون في آية الخمس ولم يدخل المهاجرون والأنصار وأتباعهم في آية الخمس ~~لأنهم المستحقون بجملة الفيء ، وأهل الخمس لهم استحقاقان خاص من الخمس ، ~~وعام من الفيء ، فإنهم داخلون في النصيبين وكما أن قسمة الفيء بين من جعل ~~له ، ليس قسمة الأملاك المطلقة ، بل بحسب الحاجة والنفع فكذلك الخمس بين ~~أهله والتنصيص على الأصناف الخمسة يفيد إدخالهم ، وأنهم لا يخرجون من أهل ~~الفيء ، وأن الخمس لا يعدوهم إلى غيرهم ، كما أن الفيء في آية الحشر ~~للمذكورين فيها لا يتعداهم إلى غيرهم ، ولهذا أفتى أئمة الإسلام كمالك ~~وأحمد وغيرهما أن الرافضة لا حق لهم في الفيء . | والله سبحانه جعل أهل ~~الخمس هم أهل الفيء وعينهم اهتماما بشأنهم ، وتقديما لهم ، ولما كانت ~~الغنائم خاصة لأهلها نص على خمسها لأهل الخمس ، ولما كان الفيء لا يختص ~~بأحد جعله لهم ، وللمهاجرين والأنصار وتابعيهم . PageV01P323 # | 1 ( فصل : في حكمه في رسل العدو أن لا يقتلوا ولا يحبسوا وفي النبذ إلى ~~من عاهده على سواء إذا خاف منه النقض ) # | ثبت أنه قال لرسولي مسيلمة لما قالا : نقول إنه رسول الله . ' لولا أن ~~الرسل لا تقتل لقتلتكما ' . | وثبت عنه أنه قال لأبي رافع ، وقد أرسلته ~~قريش إليه وأراد أن لا يرجع ، فقال : ' إني لا أخيس بالعهد ، ولا أحبس ~~البرد ، ولكن ارجع ، فإن كان في نفسك الذي فيها الآن فارجع ' . | وثبت أنه ~~رد إليهم أبا جندل ، وجاءت سبيعة الأسلمية ، فخرج زوجها في طلبها ، فأنزل ~~الله تعالى : @QB@ يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ~~فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ~~@QE@ ' سورة الممتحنة آية : 10 ' فاستحلفها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه لم يخرجها إلا الرغبة في الإسلام ، وأنها لم تخرج لحدث أحدثته في قومها ~~، ولا بغضا لزوجها ، فحلفت فأعطى زوجها مهرها ، ولم ms194 يردها عليه . | وقال ~~تعالى : @QB@ وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب ~~الخائنين @QE@ ' سورة الأنفال : الآية 59 ' . PageV01P324 | وقال صلى الله ~~عليه وسلم : ' من كان بينه وبين قوم عهد ، فلا يحلن عقدا ولا يشدنه ، حتى ~~يمضي أمده ، أو ينبذ إليهم على سواء ' صححه الترمذي . | وثبت عنه أنه قال : ~~' المسلمون تتكافؤ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ' . | وفي حديث آخر : ' يجير ~~على المسلمين أدناهم ، ويرد عليهم أقصاهم ' . | فهذه أربع قضايا ذكر منها ~~أن ' المسلمين يد على من سواهم ' وهذا يمنع تولية الكفار شيئا من الولايات ~~. | وقوله : ' يرد عليهم أقصاهم ' يوجب أن السرية إذا غنمت بقوة جيش كانت ~~الغنيمة بينهم ، وأن ما صار في بيت المال من الفيء لقاصيهم ودانيهم وإن كان ~~سبب أخذه دانيهم . | وأخذ الجزية من نصارى نجران وأيلة من العرب ومن أهل ~~دومة ، وأكثرهم عرب ، وأخذها من أهل الكتاب باليمن وهم يهود ، وأخذها من ~~المجوس ، ولم يأخذها من مشركي العرب ، قال أحمد والشافعي : لا تؤخذ إلا من ~~أهل الكتاب والمجوس . | وقالت طائفة : تؤخذ من الأمم كلهم أهل الكتاب ~~بالقرآن ، والمجوس بالسنة ، ومن عداهم يلحق بهم ، لأن المجوس أهل شرك لا ~~كتاب لهم ، وإنما لم يأخذها من مشركي العرب ، لأنهم أسلموا كلهم قبل نزولها ~~، ولا نسلم أن كفر عبدة الأوثان أغلظ من كفر المجوس ، بل كفر المجوس ~~PageV01P325 أغلظ ، فإن عبدة الأوثان مقرون بتوحيد الربوبية ، وأنهم إنما ~~يعبدون آلهتهم لتقربهم إلى الله ، ولم يكونوا يقولون بصانعين ولا يستحلون ~~نكاح الأمهات والبنات والأخوات ، وكانوا على بقايا من دين إبراهيم ، وكان ~~له صحف وشريعة والمجوس لا يعرف عنهم التمسك بشيء من شرائع الأنبياء . | ~~وكتب صلى الله عليه وسلم إلى أهل هجر والملوك ، يدعوهم إلى الإسلام أو ~~الجزية ، ولم يفرق بين عربي وغيره . | وأمر معاذا أن يأخذ من كل حالم ~~دينارا أو قيمته معافريا ، وهي ثياب باليمن ، وعمر جعلها أربعة دنانير ، ~~فرسول الله صلى الله عليه وسلم علم ضعف أهل اليمن ، وعمر علم غنى أهل الشام ~~، وثبت عنه أنه استباح غزو قريش ms195 من غير نبذ عهد إليهم لما عدت حلفاؤهم على ~~حلفائه ، فغدروا بهم ، فرضيت قريش ، وألحق ردأهم في ذلك بمباشرهم . ~~PageV01P326 # | 1 ( فصل : في أحكامه في النكاح وتوابعه ) # | ثبت عنه أنه رد نكاح ثيب زوجها أبوها وهي كارهة . | وفي ' السنن ' عنه ~~أنه خير بكرا زوجها أبوها وهي كارهة ، وثبت عنه : ' لا تنكح البكر حتى ~~تستأذن ، وإذنها أن تسكت ' وقضى بأن اليتيمة تستأمر ، ' ولا يتم بعد احتلام ~~' فدل على جواز نكاح اليتيمة ، وعليه يدل القرآن . | وفي ' السنن ' عنه : ' ~~لا نكاح إلا بولي ' ، وفيها أيضا : ' لا تزوج المرأة نفسها ، فإن الزانية ~~هي التي تزوج نفسها ' ، وحكم أن المرأة إذا زوجها وليان ، فهي للأول . | ~~وثبت عنه أنه قضى في رجل تزوج امرأة ، ولم يفرض لها صداقا ، ولم يدخل بها ~~حتى مات أن لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط ولها الميراث ، وعليها العدة ~~أربعة أشهر وعشرا . | وفي ' الترمذي ' أنه قال لرجل ' إذا أزوجك فلانة ' ~~قال : نعم . وقال للمرأة : ' أترضين أن أزوجك فلانا ' ؟ قالت : نعم ، فزوج ~~أحدهما صاحبه ، فدخل بها ، ولم يفرض لها صداقا ، ولم يعطها شيئا ، فلما كان ~~عند موته عوضها سهما له بخيبر ، فتضمنت هذه الأحكام جواز النكاح ~~PageV01P327 من غير تسمية الصداق ، وجواز الدخول قبل التسمية ، واستقرار ~~مهر المثل بالموت ، وإن لم يدخل بها ، ووجوب عدة الوفاة ، وإن لم يدخل ، ~~وبه أخذ ابن مسعود ، وأهل العراق ، وتضمنت جواز تولي طرفي العقد ، ويكفي أن ~~يقول : زوجت فلانا بفلانة . مقتصرا على ذلك ، وأمر من أسلم وتحته أكثر من ~~أربع أن يختار منهن أربعا ، وأمر من أسلم وتحته أختان أن يختار إحداهما ~~فتضمن صحة نكاح الكفار ، وأنه يختار من يشاء من السوابق واللواحق وهو قول ~~الجمهور ، وذكر الترمذي وحسنه عنه : ' إذا تزوج العبد بغير إذن مواليه فهو ~~عاهر ' انتهى . | والله أعلم وأحكم ، والحمد لله رب العالمين . 11 ~~PageV01P328 ms196