######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0031457 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (المتوفى: 1206هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1206 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: مختصر زاد المعاد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: السيرة والشمائل #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0031457 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-31457 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/31457 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1407هـ - 1987م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الريان للتراث - القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: 208 #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | مقدمة الناشر مختصر زاد المعاد # مقدمة الناشر إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له ~~والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ~~أجمعين. # أما بعد. فإن كتاب زاد المعاد في خير هدى العباد من خير ما ألفه الإمام ~~العلامة المحدث ابن قيم الجوزية ومن المعارف الرائعة التي تشهد له بالإمامة ~~ووفرة العلم والتحرر من التقليد. وقد عرض فيه المؤلف- رحمه الله- صورة ~~واضحة لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وهديه، وتصرفاته العامة والخاصة ~~بأسلوب بسيط وسهل ليقتدي به المسلم ويسير على منهاج النبي الكريم. ثم جاء ~~منقذ الأمة من الضلالة شيخ الإسلام إمام الدعوة في جزيرة العرب، فانتقى من ~~كتاب زاد المعاد هذا المختصر الطيب لينتفع به المسلمون في شئونهم الدينية ~~والدنيوية فعلى كل مسلم أن يتخذ زادا لمعاده وقدوة لسلوكه ليحقق قوله عز ~~وجل {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ~~وذكر الله كثيرا} [الأحزاب: 21] الأحزاب. . # PageV01P003 ### | ترجمة المؤلف # ترجمة المؤلف هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي ~~الحنبلي. ولد في بلدة (العيينة) شمال الرياض سنة 1115ه و1703م. # حفظ القرآن قبل بلوغه العاشرة. درس الفقه الحنبلي والتفسير والحديث على ~~والده، واعتنى بدراسة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، رحمهما الله ~~حج مكة وزار المدينة وأخذ العلم بها عن الشيخ عبد الله بن إبراهيم، وزار ~~البصرة والشام وأخذ العلم عن كبار علمائها وقد رأى الشيخ ما بالبلاد التي ~~وصل إليها من العقائد والعادات الفاسدة والبدع الضالة فعزم على القيام ~~بدعوته ونادى بالرجوع إلى كتاب الله وتعاليم الرسول وحارب البدع ونادى بهدم ~~الأضرحة والمزارات وإزالة معالمها اقتداء بما كانت عليه أيام رسول الله ~~ولاقى الكثير من الأذى حتى جاء نصر الله وسمي بحق المجدد والمصلح. # وانتقل الشيخ المصلح محمد بن عبد الوهاب إلى جوار ربه شهر ذي القعدة سنة ~~1206هجرية مخلفا وراءه ms001 العمل الصالح رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح ~~جناته. # PageV01P004 ### | ترجمة الإمام ابن القيم # ترجمة الإمام ابن القيم هو محمد ابن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز ~~الزرعي ثم الدمشقي أبو عبد الله، شمس الدين المعروف بابن قيم الجوزية. # ولد سنة 691ه وتربى في بيت علم وفضل وتلقى مبادئ العلوم عن أبيه وأخذ ~~العلم عن كثير من علماء عصره ولا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية وقد لازمه ~~وتتلمذ عليه. وقد شهد له العلماء بالتفوق في فقه الكتاب والسنة ودقائق ~~الاستنباط منهما. وأصول الدين، وعني بالحديث وفنونه ورجاله قال ابن حجر ~~عنه: كان جريء اللسان, واسع العلم، عارفا بالخلاف ومذهب السلف. # وقال نعمان الألوسي البغدادي. لم أشاهد مثله في عبادته وعلمه بالقرآن ~~والحديث وحقائق الإيمان وليس هو بالمعصوم ولكن لم أر في معناه مثله وقد ~~امتحن وأوذي مرات وحبس مع شيخه ابن تيمية في المرة الأخيرة بالقلعة منفردا ~~ولم يفرج عنه إلا بعد موت الشيخ. # وقال ابن كثير: (وكان حسن القراءة والخلق كثير التودد لا يحسد أحدا ولا ~~يؤذيه ولا يستعيبه ولا يحقد على أحد وكنت من أحب الناس له وأحب الناس إليه) ~~. # وقال برهان الدين الزرعي (ما تحت أديم السماء أوسع علما منه) وقد صنف ~~تصانيف كثيرة جدا منها تهذيب سنن أبي داود. الكلم الطيب وأعلام الموقعين ~~وبدائع الفوائد وحادي الأرواح والداء والدواء والطرق الحكمية وإغاثة ~~اللهفان والروح وطريق الهجرتين وغير ذلك كثير. توفي رحمه الله ليلة الخميس ~~13 رجب سنة 751 هجرية ودفن بدمشق بجوار والده في مقبرة (باب الصغير) . # PageV01P005 ### | مقدمة المؤلف # بسم الله الرحمن الرحيم # وبه الثقة والعصمة الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. # أما بعد: فإن الله سبحانه وتعالى هو المتفرد بالخلق والاختيار. قال الله ~~تعالى: {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما ~~يشركون} [القصص: 68] (1) والمراد بالاختيار: هو الاجتباء والاصطفاء، وقوله: ~~{ما كان لهم الخيرة} [القصص: 68] أي: ms002 ليس هذا الاختيار إليهم، فكما أنه ~~المتفرد بالخلق، فهو المتفرد بالاختيار منه، فإنه أعلم بمواقع اختياره، كما ~~قال تعالى: {الله أعلم حيث يجعل رسالته} [الأنعام: 124] (2) وكما قال ~~تعالى: {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم - أهم يقسمون ~~رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض ~~درجات} [الزخرف: 31 - 32] (3) فأنكر سبحانه عليهم تخيرهم، وأخبر أن ذلك إلى ~~الذي قسم بينهم معيشتهم، ورفع بعضهم فوق بعض درجات. # وقوله: {سبحان الله وتعالى عما يشركون} [القصص: 68] نزه نفسه عما اقتضاه ~~شركهم من اقتراحهم واختيارهم، ولم يكن شركهم متضمنا لإثبات خالق سواه حتى ~~ينزه نفسه عنه. والآية مذكورة بعد قوله: {فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى ~~أن يكون من المفلحين} [القصص: 67] (4) . # وكما أنه خلقهم اختار منهم هؤلاء، وهذا الاختيار راجع إلى حكمته سبحانه، ~~وعلمه بمن هو أهل له، لا إلى اختيار هؤلاء واقتراحهم. # وهذا الاختيار في هذا العالم من أعظم آيات ربوبيته وأكبر شواهد وحدانيته، ~~وصفات كماله، وصدق رسله. # ومن هذا اختياره من الملائكة المصطفين منهم، كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: PageV01P006 # «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب ~~والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه ~~من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» (1) . # وكذلك اختياره سبحانه الأنبياء من ولد آدم، واختياره الرسل منهم، ~~واختياره أولي العزم منهم، وهم الخمسة المذكورون في سورتي الأحزاب والشورى ~~(2) واختياره منهم الخليلين: إبراهيم ومحمدا صلى الله عليهما وسلم وعليهم ~~أجمعين. # ومن هذا اختياره سبحانه ولد إسماعيل من أجناس بني آدم، ثم اختار منهم بني ~~كنانة من خزيمة، ثم اختار من ولد كنانة قريشا ثم اختار من قريش بني هاشم ثم ~~اختار من بني هاشم سيد ولد آدم محمدا صلى الله عليه وسلم، واختار أمته على ~~سائر الأمم. كما في المسند عن معاوية بن حيدة مرفوعا: أنتم توفون (3) سبعين ~~أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله. # وفي " مسند البزار " من ms003 حديث أبي الدرداء مرفوعا: «إن الله سبحانه قال ~~لعيسى بن مريم: إني باعث بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن ~~أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم قال: يا رب كيف هذا ولا ~~حلم ولا علم؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي» ### | فصل اختص الله نفسه بالطيب # فصل # اختص الله نفسه بالطيب والمقصود أن الله سبحانه اختار من كل جنس أطيبه، ~~فاختصهم لنفسه، فإنه سبحانه وتعالى طيب لا يحب إلا الطيب، ولا يقبل من ~~القول والعمل والصدقة إلا الطيب. # وبهذا يعلم عنوان سعادة العبد وشقاوته، فإن الطيب لا يناسبه إلا الطيب ~~ولا يرضى إلا به، ولا يسكن إلا إليه، ولا يطمئن قلبه إلا به. # فله من الكلام الكلام الطيب الذي لا يصعد إلى الله إلا هو PageV01P007 # ، وهو أشد نفرة عن الفحش في المقال والكذب والغيبة والنميمة والبهت وقول ~~الزور وكل كلام خبيث. # وكذلك لا يألف من الأعمال إلا أطيبها، وهي التي أجمعت على حسنها الفطر ~~السليمة مع الشرائع النبوية، وزكتها العقول الصحيحة، مثل أن يعبد الله وحده ~~لا شريك له، ويؤثر مرضاته على هواه، ويتحبب إليه بجهده، ويحسن إلى خلقه ما ~~استطاع، فيفعل بهم ما يحب أن يفعلوه به. # وله من الأخلاق أطيبها، كالحلم والوقار، والصبر والرحمة، والوفاء والصدق، ~~وسلامة الصدر، والتواضع، وصيانة الوجه عن بذل وتذلله لغير الله. # وكذلك لا يختار من المطاعم إلا أطيبها، وهو الحلال الهنيء الذي يغذي ~~البدن والروح أحسن تغذية مع سلامة العبد من تبعته. # وكذلك لا يختار من المناكح إلا أطيبها، ومن الأصحاب إلا الطيبين. فهذا ~~ممن قال الله فيهم: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ~~ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} [النحل: 32] (1) ومن الذين تقول لهم خزنة ~~الجنة: {سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} [الزمر: 73] (2) وهذه الفاء ~~تقتضي السببية، أي: بسبب طيبكم فادخلوها. وقال تعالى: {الخبيثات للخبيثين ~~والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما ~~يقولون لهم مغفرة ورزق كريم} [النور: 26] (3) . # ففسرت بالكلمات الخبيثات للرجال الخبيثين، والكلمات الطيبات للرجال ~~الطيبين. ms004 # وفسرت بالنساء الطيبات للرجال الطيبين وبالعكس، وهي تعم ذلك وغيره. # والله سبحانه جعل الطيب بحذافيره في الجنة، وجعل الخبيث بحذافيره في ~~النار، فدار أخلصت للطيب، ودار أخلصت للخبيث، ودار مزج فيها الخبيث بالطيب، ~~وهي هذه الدار، فإذا كان يوم المعاد، ميز الله الخبيث من الطيب، فعاد الأمر ~~إلى دارين فقط. # والمقصود أن الله جعل للشقاوة والسعادة عنوانا يعرفان به، وقد يكون في ~~الرجل مادتان، فأيهما غلبت عليه كان من أهلها، فإن أراد الله بعبده خيرا ~~طهره قبل الموافاة فلا يحتاج إلى تطهيره بالنار. وحكمته تعالى تأبى أن ~~يجاوره العبد في داره PageV01P008 # بخبائثه، فيدخله النار طهرة له، وإقامة هذا النوع فيها على حسب سرعة زوال ~~الخبائث وبطئها. # ولما كان المشرك خبيث الذات، لم تطهره النار، كالكلب إذا دخل البحر. # ولما كان المؤمن الطيب بريئا من الخبائث، كانت النار حراما عليه، إذ ليس ~~فيه ما يقتضي تطهيره، فسبحان من بهرت حكمته العقول. ### | فصل في وجوب معرفة هدي الرسول # فصل # في وجوب معرفة هدي الرسول ومن ههنا يعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى ~~معرفة الرسول وما جاء به، فإنه لا سبيل إلى الفلاح إلا على يديه، ولا إلى ~~معرفة الطيب من الخبيث على التفصيل إلا من جهته، فأي حاجة فرضت وضرورة ~~عرضت، فضرورة العبد إلى الرسول فوقها بكثير. # وما ظنك بمن إن غاب عنك هديه، وما جاء به طرفة عين فسد قلبك، ولكن لا يحس ~~بهذا إلا قلب حي، # وما لجرح بميت إيلام (1) # وإذا كانت السعادة معلقة بهديه صلى الله عليه وسلم، فيجب على كل من أحب ~~نجاة نفسه أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن خطة الجاهلين. # والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ~~والله ذو الفضل العظيم. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الوضوء] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في الوضوء كان صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل ~~صلاة في غالب أحيانه، وربما صلى الصلوات بوضوء واحد. ms005 # وكان يتوضأ بالمد تارة وبثلثيه تارة، وبأزيد منه تارة (2) . وكان من أيسر ~~الناس صبا لماء الوضوء، ويحذر أمته من الإسراف فيه، وصح عنه أنه توضأ مرة ~~مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا. # وفي بعض الأعضاء مرتين، وبعضها ثلاثا. وكان يتمضمض ويستنشق تارة بغرفة، ~~وتارة بغرفتين، وتارة بثلاث، وكان يصل بين المضمضة والاستنشاق. وكان يستنشق ~~باليمين PageV01P009 # وينتثر باليسرى، وكان يمسح رأسه كله تارة، وتارة يقبل بيديه ويدبر بهما. ~~ولم يصح أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة، ولكن كان إذا مسح على ناصيته ~~كمل على العمامة، ولم يتوضأ إلا تمضمض واستنشق، ولم يحفظ عنه أنه أخل بهما ~~مرة واحدة. وقد صرح الإمام ابن القيم في أكثر من موضع من كتبه: بوجوب ~~المضمضة والاستنشاق. وكذلك الوضوء مرتبا متواليا، ولم يخل به مرة واحدة، ~~وكان يغسل رجليه إذا لم يكونا في جوربين أو خفين، ويمسح أذنيه مع رأسه ~~ظاهرهما وباطنهما. # وكل حديث في أذكار الوضوء التي تقال عليه كذب، غير التسمية في أوله، ~~وقول: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين» في آخره. # وحديث آخر في سنن النسائي «سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت ~~أستغفرك وأتوب إليك» ولم يكن يقول في أوله: نويت. ولا أحد من الصحابة ~~ألبتة. ولم يتجاوز الثلاث قط. # وكذلك لم يثبت عنه أنه تجاوز المرفقين والكعبين. ولم يكن يعتاد تنشيف ~~أعضائه. # وكان يخلل لحيته أحيانا ولم يواظب على ذلك، وكذلك تخليل الأصابع ولم يكن ~~يحافظ عليه، وأما تحريك الخاتم فروي فيه حديث ضعيف. # وصح عنه أنه مسح في الحضر والسفر، ووقت للمقيم يوما وليلة، وللمسافر ~~ثلاثة أيام ولياليهن، وكان يمسح ظاهر الخفين ومسح على الجوربين (1) ومسح ~~على العمامة مقتصرا عليها ومع الناصية ولكن يحتمل أن يكون خاصا بحال ~~الحاجة، ويحتمل العموم وهو أظهر. ولم يكن يتكلف ضد حاله التي عليها قدماه، ~~بل إن كانتا في الخفين مسح، وإن كانتا مكشوفتين غسل. # وكان ms006 يتيمم بضربة واحدة للوجه والكفين، ويتيمم بالأرض التي يصلي عليها ~~ترابا كانت أو سبخة أو رملا. # وصح عنه أنه قال: «حيثما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره» ~~PageV01P010 # ولما سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك قطعوا تلك الرمال وماؤهم في غاية ~~القلة، ولم يرو عنه أنه حمل معه التراب، ولا أمر به، ولا فعله أحد من ~~أصحابه. ومن تدبر هذا قطع بأنه كان يتيمم بالرمل. # وجعله قائما مقام الوضوء (1) . .. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الصلاة] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في الصلاة كان صلى الله عليه وسلم إذا قام ~~إلى الصلاة قال: الله أكبر، ولم يقل شيئا قبلها، ولا تلفظ بالنية، ولا ~~استحبه أحد من التابعين ولا الأئمة الأربعة. # وكان دأبه في إحرامه لفظة: الله أكبر. لا غيرها، وكان يرفع يديه معها ~~ممدودتي الأصابع مستقبلا بهما القبلة إلى فروع أذنيه، وروي إلى منكبيه، ثم ~~يضع اليمنى على ظهر اليسرى فوق الرسغ والساعد، ولم يصح عنه موضع وضعهما، ~~لكن ذكر أبو داود عن علي: من السنة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة ~~(2) . # وكان يستفتح تارة ب: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق ~~والمغرب، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد، اللهم نقني من ~~الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس» وتارة يقول: «وجهت وجهي ~~للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ~~ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين» # «اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي، واعترفت ~~بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن ~~الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا ~~أنت، لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس PageV01P011 # إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك» ولكن المحفوظ ~~أنه في قيام الليل. # وتارة يقول: «اللهم رب جبريل ms007 وميكائيل وإسرافيل. .» إلى آخره. وقد تقدم ~~(1) . # وتارة يقول: «اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن» إلى آخره ~~(2) . ثم ذكر (3) نوعين آخرين، ثم قال: فكل هذه الأنواع قد صحت عنه. # وروي عنه أنه كان يستفتح ب «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك ~~ولا إله غيرك» ذكره أهل " السنن " والذي قبله أثبت منه. ولكن صح عن عمر أنه ~~يستفتح به في مقام النبي صلى الله عليه وسلم ويجهر به، يعلمه الناس. قال ~~أحمد أذهب إلى ما روي عن عمر، ولو أن رجلا استفتح ببعض ما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان حسنا. # وكان يقول بعد ذلك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم يقرأ الفاتحة. # وكان يجهر ب " بسم الله الرحمن الرحيم " تارة ويخفيها أكثر. # وكانت قراءته مدا، يقف عند كل آية ويمد بها صوته، فإذا فرغ من قراءة ~~الفاتحة قال: " آمين " فإن كان يجهر بالقراءة رفع بها صوته، وقالها من ~~خلفه. # وكان له سكتتان: سكتة بين التكبيرة والقراءة، واختلف في الثانية، فروي ~~بعد الفاتحة، وروي أنها قبل الركوع. # وقيل: بل سكتتان غير الأولى، والظاهر أنهما اثنتان فقط، وأما الثالثة ~~فلطيفة، لأجل تراد النفس، فمن لم يذكرها، فلقصرها. # فإذا فرغ من قراءة الفاتحة أخذ في سورة غيرها، وكان يطيلها تارة ويخففها ~~لعارض من سفر أو غيره، ويتوسط فيها غالبا. PageV01P012 ### | فصل في قراءة صلاة الفجر # فصل # في قراءة صلاة الفجر وكان يقرأ في الفجر بنحو ستين آية إلى مائة، وصلاها ~~ب (سورة ق) (1) وصلاها ب (سورة الروم) ، وصلاها ب {إذا الشمس كورت} ~~[التكوير: 1] (2) وصلاها بسورة {إذا زلزلت الأرض} [الزلزلة: 1] (3) في ~~الركعتين كلتيهما، وصلاها (بالمعوذتين) ، وكان في السفر، وصلاها: فاستفتح ~~سورة (المؤمنون) حتى إذا بلغ ذكر موسى وهارون في الركعة الأولى، أخذته سعلة ~~فركع. # وكان يصليها يوم الجمعة ب (الم السجدة) و {هل أتى على الإنسان} [الإنسان: ~~1] لما اشتملتا عليه من المبدأ والمعاد، وخلق آدم، ودخول الجنة والنار، ~~وذكر ما كان وما يكون في يوم الجمعة، كما كان يقرأ في ms008 المجامع العظام، ~~كالأعياد والجمعة ب (سورة ق) ، و (اقتربت) و (سبح) و (الغاشية) . ### | فصل في هديه في القراءة في باقي الصلوات # فصل # في هديه في القراءة في باقي الصلوات وأما الظهر، فكان يطيل قراءتها ~~أحيانا، حتى قال أبو سعيد: كانت صلاة الظهر تقام، فيذهب الذاهب إلى البقيع، ~~فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله فيتوضأ، ويدرك النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الركعة الأولى مما يطيلها. رواه مسلم، وكان يقرأ فيها تارة بقدر {الم - ~~تنزيل} [السجدة: 1 - 2] السجدة (4) وتارة ب {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: ~~1] {والليل إذا يغشى} [الليل: 1] (5) والسماء ذات البروج (6) . # وأما العصر، فعلى النصف من قراءة الظهر إذا طالت، وبقدرها إذا قصرت. # وأما المغرب، فكان هديه فيها خلاف عمل الناس اليوم، فإنه صلاها مرة ~~PageV01P013 # ب (الأعراف) في الركعتين، ومرة ب (الطور) (1) ومرة ب (المرسلات) (2) . # وأما المداومة على قراءة قصار المفصل فيها، فهو من فعل مروان (3) . ولهذا ~~أنكر عليه زيد بن ثابت قال ابن عبد البر روي عنه أنه قرأ في المغرب ب ~~(المص) (4) وب (الصافات) ، وب (الدخان) و {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] ~~وب (التين) (5) وب (المعوذتين) وب (المرسلات) وأنه كان يقرأ فيها بقصار ~~المفصل ; وكلها آثار صحاح مشهورة. # وأما عشاء الآخرة، فقرأ صلى الله عليه وسلم فيها ب (التين) (6) ووقت ~~لمعاذ فيها: ب {والشمس وضحاها} [الشمس: 1] وب {سبح اسم ربك الأعلى} ~~[الأعلى: 1] {والليل إذا يغشى} [الليل: 1] ونحوها. # وأنكر عليه قراءته فيها ب (البقرة) وقال له: «أفتان أنت يا معاذ؟» فتعلق ~~النقارون (7) بهذه الكلمة، ولم يلتفتوا إلى ما قبلها وما بعدها. # وأما الجمعة، فكان يقرأ فيها بسورتي (الجمعة) و (المنافقين) (8) وسورتي: ~~(سبح) و (الغاشية) (9) . # وأما الأعياد، فتارة يقرأ ب (ق) و (اقتربت) (10) كاملتين، وتارة ب (سبح) ~~و (الغاشية) (11) وهذا الهدي الذي استمر عليه إلى أن لقي الله عز وجل. # ولهذا أخذ به الخلفاء، فقرأ أبو بكر في الفجر سورة (البقرة) حتى سلم ~~قريبا من طلوع الشمس (12) . وكان بعده عمر يقرأ فيها ب (يوسف) و (النحل) و ~~(هود) و (بني إسرائيل) ms009 ونحوها. # وأما قوله: «أيكم أم الناس فليخفف» فالتخفيف أمر نسبي يرجع فيه إلى ما ~~فعله النبي صلى الله عليه وسلم، لا إلى شهوات المأمومين. # وهديه الذي كان يواظب عليه، هو الحاكم في كل ما تنازع فيه المتنازعون. # وكان لا يعين سورة بعينها لا يقرأ PageV01P014 # إلا بها، إلا في الجمعة والعيدين. # وكان من هديه قراءة السورة، وربما قرأها في الركعتين. وأما قراءة أواخر ~~السور وأوساطها، فلم يحفظ عنه. # وأما قراءة السورتين في الركعة، فكان يفعله في النافلة. وأما قراءة سورة ~~واحدة في ركعتين معا، فقلما كان يفعله. # وكان يطل الركعة الأولى على الثانية من كل صلاة، وربما كان يطيلها، حتى ~~لا يسمع وقع قدم. ### | فصل في ركوعه صلى الله عليه وآله وسلم # فصل # في ركوعه صلى الله عليه وآله وسلم فإذا فرغ من القراءة، رفع يديه وكبر ~~راكعا، ووضع كفيه على ركبتيه كالقابض عليهما، ووتر يديه، فنحاهما عن جنبيه، ~~وبسط ظهره ومده، واعتدل فلم ينصب رأسه ولم يخفضه، بل حيال ظهره. # فلم ينصب رأسه ولم يخفضه، بل حيال ظهره. وكان يقول: «سبحان ربي العظيم» ~~(1) وتارة يقول مع ذلك، أو مقتصرا عليه: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم ~~اغفر لي» وكان ركوعه المعتاد مقدار عشر تسبيحات، وسجوده كذلك، وتارة يجعل ~~الركوع والسجود بقدر القيام، ولكن كان يفعله أحيانا في صلاة الليل وحده. ~~فهديه الغالب تعديل الصلاة وتناسبها. # وكان يقول أيضا في ركوعه: «سبوح قدوس رب الملائكة والروح» (2) وتارة ~~يقول: «اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري ومخي، ~~وعظمي، وعصبي» (3) وهذا إنما حفظ عنه في قيام الليل. # ثم يرفع رأسه قائلا: سمع الله لمن حمده ويرفع يديه، وكان دائما يقيم ~~صلبه، إذا رفع من الركوع، وبين السجدتين، ويقول: «لا تجزئ صلاة لا يقيم ~~الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود» وكان إذا استوى قال: «ربنا ولك الحمد» ~~وربما PageV01P015 # قال: «اللهم ربنا لك الحمد» وأما الجمع بين اللهم والواو، فلم يصح (1) . # وكان من هديه إطالة هذا الركن بقدر الركوع، فصح عنه أنه ms010 كان يقول فيه: ~~«اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت ~~من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع ~~لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» (2) وصح عنه أنه ~~كان يقول فيه: «اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد، ونقني من ~~الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي ~~كما باعدت بين المشرق والمغرب» # وصح عنه أنه كرر فيه قوله: «لربي الحمد، لربي الحمد» (3) . # حتى كان بقدر ركوعه. # وذكر مسلم عن أنس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: «سمع الله ~~لمن حمده» قام حتى نقول: قد أوهم. ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول: قد ~~أوهم فهذا هديه المعلوم، وتقصير هذين الركنين مما تصرف فيه أمراء بني أمية ~~حتى ظن أنه من السنة. ### | [فصل في كيفية سجوده] # فصل ثم كان يكبر ويخر ساجدا، ولا يرفع يديه. وكان يضع ركبتيه ثم يديه ~~بعدهما، ثم جبهته وأنفه. هذا هو الصحيح (4) فكان أول ما يقع منه على الأرض ~~الأقرب إليها فالأقرب، وأول ما يرتفع الأعلى فالأعلى، فإذا رفع رأسه أول، ~~ثم يديه، ثم ركبتيه، وهكذا عكس فعل البعير. وهو نهي عن التشبه بالحيوانات ~~في الصلاة، فنهى عن بروك كبروك البعير، والتفات كالتفات الثعلب، وافتراش ~~كافتراش السبع، وإقعاء كإقعاء الكلب، ونقر كنقر الغراب، ورفع الأيدي وقت ~~السلام كأذناب الخيل الشمس. # وكان يسجد على جبهته وأنفه دون كور العمامة، ولم يثبت عنه PageV01P016 # السجود عليه، وكان يسجد على الأرض كثيرا، وعلى الماء والطين، وعلى الخمرة ~~المتخذة من خوص النخل، وعلى الحصير المتخذ منه، وعلى الفروة المدبوغة. # وكان إذا سجد مكن جبهته وأنفه من الأرض، ونحى يديه عن جنبيه، وجافاهما ~~حتى يرى بياض إبطيه، وكان يضع يديه حذو منكبيه وأذنيه، ويعتدل في سجوده، ~~ويستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، ويبسط كفيه وأصابعه، ولا يفرج بينهما، ~~ولا يقبضهما. وكان يقول: «سبحان ربي الأعلى» (1) وأمر ms011 به، ويقول: «سبحانك ~~اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» (2) ويقول: «سبوح قدوس رب الملائكة ~~والروح» (3) . # وكان يقول: «اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه ~~وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين» (4) وكان يقول: «اللهم ~~اغفر لي ذنبي كله دقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسره» (5) وكان يقول: ~~«اللهم اغفر لي خطاياي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم ~~اغفر لي جدي وهزلي، وخطاياي وعمدي وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما ~~أخرت، وما أسررت وما أعلنت أنت إلهي لا إله إلا أنت» وأمر بالاجتهاد في ~~الدعاء في السجود، وقال: «إنه قمن أن يستجاب لكم» ### | فصل في كيفية جلوسه وإشارته في التشهد # فصل ثم يرفع رأسه مكبرا غير رافع يديه، ثم يجلس مفترشا يفرش اليسرى، ~~ويجلس عليها، وينصب اليمنى، ويضع يديه على فخذيه، ويجعل مرفقيه على فخذيه، ~~وطرف يده على ركبتيه، ويقبض اثنتين من أصابعه، وحلق حلقة، ثم يرفع إصبعه ~~يدعو بها، ولا يحركها، ثم يقول: «اللهم اغفر لي وارحمني، واجبرني، واهدني، ~~وارزقني» هكذا ذكره ابن عباس عنه. # وذكر حذيفة عنه أنه كان يقول: «رب اغفر لي» ثم ينهض على صدور PageV01P017 # قدميه وركبتيه، معتمدا على فخذيه، فإذا نهض افتتح القراءة ولم يسكت، كما ~~يسكت عند الاستفتاح. ثم يصلي الثانية كالأولى إلا في أربعة أشياء: السكوت ~~والاستفتاح، وتكبيرة الإحرام، وتطويلها. # فإذا جلس للتشهد، وضع يده اليسرى على فخذه الأيسر، ويده اليمنى على فخذه ~~الأيمن، وأشار بالسبابة، وكان لا ينصبها نصبا، ولا يقيمها، بل يحنيها شيئا ~~يسيرا، ولا يحركها، ويرفعها يدعو بها، ويرمي بصره إليها، ويبسط اليسرى على، ~~ويتحامل عليها. # وأما صفة جلوسه، فكما تقدم بين السجدتين سواء. # وأما حديث ابن الزبير الذي رواه مسلم كان إذا قعد في الصلاة جعل قدمه ~~الأيسر بين فخذه وساقه، وفرش قدمه الأيمن. فهذا في التشهد الأخير. ذكر ابن ~~الزبير أنه يفرش اليمين، وذكر أبو حميد أنه ينصبها، وهذا والله أعلم ليس ~~باختلاف، فإنه كان لا يجلس عليها، ms012 بل يخرجها عن يمينه، فتكون بين المنصوبة ~~والمفروشة، أو يقال: كان يفعل هذا وهذا، فكان ينصبها، وربما فرشها أحيانا، ~~وهو أروح. # ثم كان يتشهد دائما بهذه الجلسة، ويعلم أصحابه أن يقولوا: «التحيات لله ~~والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا ~~عبده ورسوله» وكان يخففه جدا كأنه يصلي على الرضف (1) ولم ينقل عنه في حديث ~~قط أنه كان يصلي عليه وعلى آله فيه، ولا يستعيذ فيه من عذاب القبر، وعذاب ~~جهنم، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال، ومن استحبه فإنما فهمه ~~من عمومات قد تبين موقعها وتقييدها بالتشهد الأخير. # ثم كان ينهض مكبرا على صدور قدميه، وعلى ركبتيه، معتمدا على فخذيه. وفي " ~~صحيح مسلم " وبعض طرق البخاري أنه كان يرفع يديه في هذا الموضع، ثم كان ~~يقرأ الفاتحة وحدها، ولم يثبت عنه أنه قرأ في الأخيرتين بعد الفاتحة شيئا. # ولم يكن من هديه الالتفات في الصلاة. وفي " صحيح البخاري " أنه سئل عنه، ~~فقال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد» وكان يفعله في الصلاة ~~أحيانا لعارض، لم يكن PageV01P018 # من فعله الراتب، كالتفاته إلى الشعب الذي بعث إليه الطليعة (1) والله ~~أعلم. وكان يدعو بعد التشهد، وقبل السلام، وبذلك أمر في حديث أبي هريرة ~~وحديث فضالة. # وأما الدعاء بعد السلام مستقبل القبلة أو المأمومين، فلم يكن ذلك من هديه ~~أصلا وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها. وهذا ~~هو اللائق بحال المصلي، فإنه مقبل على ربه، فإذا سلم زال ذلك. ثم كان صلى ~~الله عليه وسلم «يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وعن يساره كذلك» ، ~~هذا كان فعله الراتب، وروي عنه أنه كان يسلم تسليمة واحدة من تلقاء وجهه، ~~لكن لم يثبت، وأجود ما فيه حديث عائشة وهو في " السنن "، لكنه في قيام ~~الليل، وهو حديث معلول، على أنه ليس صريحا في الاقتصار على التسليمة ~~الواحدة. # وكان يدعو في صلاته فيقول: «اللهم ms013 إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك ~~من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ ~~بك من المأثم والمغرم» وكان يقول في صلاته أيضا: «اللهم اغفر لي ذنبي، ووسع ~~لي في داري، وبارك لي في ما رزقتني» وكان يقول: «اللهم إني أسألك الثبات في ~~الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأسألك قلبا ~~سليما، وأسألك لسانا صادقا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما ~~تعلم، وأستغفرك لما تعلم» # والمحفوظ في أدعيته كلها في الصلاة بلفظ الإفراد. # «وكان إذا قام في الصلاة طأطأ رأسه» ، ذكره أحمد، «وكان في التشهد لا ~~يجاوز بصره إشارته» ، وقد جعل الله قرة عينه ونعيمه في الصلاة، فكان يقول: ~~«يا بلال أرحنا بالصلاة» ولم يشغله ذلك عن مراعاة المأمومين مع كمال حضور ~~قلبه. # «وكان يدخل في الصلاة وهو يريد إطالتها، فيسمع بكاء الصبي، فيخففها مخافة ~~أن يشق على أمه» ، وكذلك «كان يصلي الفرض وهو حامل أمامة بنت ابنته على ~~عاتقه، إذا قام حملها، وإذا ركع وسجد وضعها» ، «وكان يصلي فيجيء الحسن ~~والحسين فيركبان على ظهره، فيطيل السجدة كراهية أن يلقيه عن ظهره» ، «وكان ~~يصلي فتجيء عائشة فيمشي، فيفتح لها الباب، ثم يرجع PageV01P019 # إلى مصلاه» . # «وكان يرد السلام بالإشارة» (1) . وأما حديث «من أشار في صلاته فليعدها» ~~فحديث باطل. وكان ينفخ في صلاته، ذكره أحمد وكان يبكي فيها، ويتنحنح لحاجة. # «وكان يصلي حافيا تارة، ومنتعلا أخرى» (2) وأمر بالصلاة في النعل مخالفة ~~اليهود وكان يصلي في الثوب الواحد تارة، وفي الثوبين تارة وهو أكثر. # وقنت في الفجر بعد الركوع شهرا ثم ترك، وكان قنوته لعارض، فلما زال تركه، ~~فكان هديه القنوت في النوازل خاصة، وتركه عند عدمها، ولم يكن يخصه بالفجر، ~~بل كان أكثر قنوته فيه لأجل ما يشرع فيه من الطول، ولقربها من السحر وساعة ~~الإجابة، والتنزل الإلهي. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في سجود السهو] # فصل وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما ms014 أنا بشر أنسى كما تنسون، ~~فإذا نسيت فذكروني» وكان لسهوه من تمام النعمة على أمته، وإكمال دينهم، ~~ليقتدوا به، فقام من اثنتين في الرباعية. # فلما قضى صلاته، سجد قبل السلام، فأخذ منه أن من ترك شيئا من أجزاء ~~الصلاة التي ليست بأركان سجد له قبل السلام، وأخذ من بعض طرقه أنه إذا ترك ~~ذلك، وشرع في ركن لم يرجع. # «وسلم من ركعتين في إحدى صلاتي العشاء، ثم تكلم، ثم أتمها، ثم سلم، ثم ~~سجد ثم سلم. وصلى وسلم، وانصرف وقد بقي من الصلاة ركعة، فقال له طلحة: نسيت ~~ركعة. فرجع فدخل المسجد، فأمر بلالا فأقام، فصلى للناس ركعة» ، ذكره أحمد. # صلى الظهر خمسا، فقالوا: صليت خمسا. فسجد بعد ما سلم. # وصلى العصر ثلاثا ثم دخل منزله، فذكره الناس، فخرج فصلى بهم ركعة، ثم ~~سلم، ثم سجد، ثم سلم. # هذا مجموع ما حفظ عنه، وهي خمسة مواضع. # ولم يكن من هديه تغميض عينيه في الصلاة، وكرهه أحمد وغيره، وقالوا: هو من ~~فعل اليهود وأباحه جماعة، والصواب أن الفتح إن كان لا يخل بالخشوع، فهو ~~أفضل، وإن حال بينه وبين الخشوع PageV01P020 # لما في قبلته من الزخرف وغيره، فهناك لا يكره. # «وكان إذا سلم استغفر ثلاثا» ، ثم قال: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، ~~تباركت يا ذا الجلال والإكرام» (1) ولا يمكث مستقبل القبلة إلا بقدر ذلك، ~~ويسرع الانفتال إلى المأمومين. وكان ينقل عن يمينه وعن يساره، ثم كان يقبل ~~على المأمومين بوجهه، ولا يخص ناحية منهم دون ناحية. # وكان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حسناء. وكان يقول في دبر ~~كل صلاة مكتوبة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، ~~وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ~~ذا الجد منك الجد، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد ~~إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين ms015 ~~له الدين، ولو كره الكافرون» وندب أمته إلى أن يقولوا في دبر كل صلاة ~~مكتوبة: «سبحان الله. ثلاثا وثلاثين، والحمد لله. ثلاثا وثلاثين، والله ~~أكبر ثلاثا وثلاثين ; وتمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له ~~الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» (2) . # وذكر ابن حبان في " صحيحه " عن الحارث بن مسلم قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «إذا صليت الصبح، فقل قبل أن تتكلم: اللهم أجرني من النار ~~سبع مرات، فإنك إن مت من يومك كتب الله لك جوازا من النار، وإذا صليت ~~المغرب، فقل قبل أن تتكلم: اللهم أجرني من النار، سبع مرات، فإنك إن مت من ~~ليلتك، كتب الله لك جوازا من النار» # وكان إذا صلى إلى جدار ; جعل بينه وبينه قدر ممر الشاة، ولم يكن يتباعد ~~منه، بل «أمر بالقرب من السترة» ، «وكان إذا صلى إلى عود، أو عمود، أو ~~شجرة، جعله على حاجبه الأيمن، أو الأيسر، ولم يصمد له صمدا،» «وكان يركز ~~الحربة في السفر، والبرية، فيصلي إليها، فتكون سترته» ، «وكان يعرض راحلته، ~~فيصلي إليها» ، «وكان يأخذ الرحل، فيعدله، ويصلي PageV01P021 # إلى آخرته» ، «وأمر المصلي أن يستتر ; ولو بسهم، أو عصا، فإن لم يجد، ~~فليخط خطا بالأرض» ، فإن لم تكن سترة، فقد صح عنه أنه: «يقطع الصلاة المرأة ~~والحمار والكلب الأسود» ومعارضه صحيح ليس بصريح، أو صريح ليس بصحيح. # وكان يصلي وعائشة نائمة في قبلته، وليس كالمار، فإن الرجل يحرم عليه ~~المرور، ولا يكره له أن يكون لابثا بين يدي المصلي. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في السنن الرواتب والتطوعات] # فصل وكان صلى الله عليه وسلم يحافظ على عشر ركعات في الحضر دائما، وهي ~~التي قال فيها ابن عمر: «حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات: ~~ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء ~~في بيته، وركعتين قبل صلاة الفجر» «ولما فاتته الركعتان بعد الظهر، قضاهما ~~في وقت النهي بعد العصر» ، «وكان يصلي ms016 أحيانا قبل الظهر أربعا» ، وأما ~~الركعتان قبل المغرب، فصح عنه أنه قال: «صلوا قبل المغرب ركعتين وقال في ~~الثالثة: لمن شاء كراهة أن يتخذها الناس سنة» ، وهذا هو الصواب ; أنها ~~مستحبة، وليست سنة راتبة. وكان يصلي عامة السنن والتطوع الذي لا سبب له في ~~بيته لا سيما سنة المغرب، فإنه لم ينقل عنه أنه فعلها في المسجد ألبتة، وله ~~فعلها في المسجد، وكان محافظته على سنة الفجر أشد من جميع النوافل، وكذلك ~~لم يكن يدعها هي والوتر، لا حضرا ولا سفرا، ولم ينقل عنه أنه صلى في السفر ~~سنة راتبة غيرهما. # وقد اختلف الفقهاء أيهما آكد؟ وسنة الفجر تجري مجرى بداية العمل، والوتر ~~خاتمته، ولذلك كان يصليهما بسورتي (الإخلاص) و (الكافرون) وهما الجامعتان ~~لتوحيد العلم والعمل، وتوحيد المعرفة والإرادة، وتوحيد الاعتقاد والقصد، ف ~~{قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] متضمنة لما يجب إثباته له تعالى من الأحدية ~~المنافية لمطلق الشركة بوجه من الوجوه، ونفي الولد والوالد المقرر لكمال ~~صمديته وغناه ووحدانيته، ونفي الكفء المتضمن لنفي الشبيه والمثيل والنظر، ~~فتضمنت إثبات كل كمال، ونفي كل نقص، ونفي إثبات شبيه له أو مثيل في كماله، ~~ونفي مطلق الشركة، وهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي الذي يباين صاحبه ~~جميع فرق الضلال والشرك، ولهذا كانت تعدل ثلث القرآن، فإن مداره على الخبر ~~والإنشاء، والإنشاء # PageV01P022 # ثلاثة: أمر، ونهي، وإباحة. والخبر نوعان: خبر عن الخالق تعالى، وأسمائه، ~~وصفاته، وأحكامه، وخبر عن خلقه. فأخلصت سورة الإخلاص للخبر عنه، وعن أسمائه ~~وصفاته، فعدلت ثلث القرآن، وخلصت قارئها من الشرك العلمي كما خلصته سورة ~~{قل يا أيها الكافرون} [الكافرون: 1] من الشرك العملي، ولما كان العلم قبل ~~العمل وهو إمامه وسائقه، والحاكم عليه كانت {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] ~~تعدل ثلث القرآن، و {قل يا أيها الكافرون} [الكافرون: 1] تعدل ربع القرآن. # ولما كان الشرك العملي أغلب على النفوس لمتابعة الهوى، وكثير منها ترتكبه ~~مع علمها بمضرته، وقلعه أشد من قلع الشرك العلمي، لأنه يزول بالحجة، ولا ~~يمكن صاحبه أن يعلم الشيء ms017 على غير ما هو عليه، جاء التأكيد والتكرير في {قل ~~يا أيها الكافرون} [الكافرون: 1] ولهذا كان يقرأ بهما في ركعتي الطواف، لأن ~~الحج شعار التوحيد، ويفتح بهما عمل النهار، ويختم بهما عمل الليل. # وكان يضطجع بعد سنة الفجر على شقه الأيمن، وقد غلا فيها طائفتان، فأوجبها ~~طائفة من أهل الظاهر، وكرهها جماعة، وسموها بدعة، وتوسط فيها مالك وغيره، ~~فلم يروا بها بأسا لمن فعلها راحة، وكرهوها لمن فعلها استسنانا. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في قيام الليل] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في قيام الليل لم يكن صلى الله عليه وسلم يدع ~~صلاة الليل حضرا ولا سفرا، وإذا غلبه نوم أو وجع، صلى من النهار اثنتي عشرة ~~ركعة، فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: في هذا دليل على أن الوتر لا ~~يقضى، لفوات محله، كتحية المسجد، والكسوف، والاستسقاء، لأن المقصود به أن ~~يكون آخر صلاة الليل وترا. # وكان قيامه بالليل إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة، حصل الاتفاق على ~~إحدى عشرة ركعة، واختلف في الركعتين الأخيرتين، هل هما ركعتا الفجر، أم ~~غيرهما؟ . # فإذا انضاف ذلك إلى عدد ركعات الفرض، والسنن الراتبة التي كان يحافظ ~~عليها، جاء مجموع ورده الراتب بالليل والنهار، أربعين ركعة، كان يحافظ ~~عليها دائما، وما زاد على ذلك فغير راتب. # فينبغي للعبد أن يواظب على هذا الورد دائما إلى الممات، فما أسرع ~~الإجابة، # PageV01P023 # وأعجل فتح الباب لمن يقرعه كل يوم وليلة أربعين مرة، والله المستعان. # «وكان إذا استيقظ من الليل قال: لا إله إلا أنت سبحانك اللهم أستغفرك ~~لذنبي، وأسألك رحمتك، اللهم زدني علما، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي ~~من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب» # «وكان إذا انتبه من نومه قال: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه ~~النشور ثم يتسوك، وربما قرأ عشر الآيات من آخر سورة (آل عمران) من قوله: ~~{إن في خلق السماوات والأرض} [آل عمران: 190] ثم يتطهر، ثم يصلي ركعتين ~~خفيفتين،» وأمر بذلك في ms018 حديث أبي هريرة «وكان يقوم إذا انتصف الليل، أو ~~قبله بقليل، أو بعده بقليل» ، وكان يقطع ورده تارة، ويصله تارة، وهو ~~الأكثر، فتقطيعه كما قال ابن عباس: «إنه بعد ما صلى ركعتين انصرف، فنام، ~~فعل ذلك ثلاث مرات في ست ركعات، كل ذلك يستاك ويتوضأ ثم أوتر بثلاث.» # وكان وتره أنواعا، منها: هذا، ومنها: أن «يصلي ثماني ركعات يسلم بعد كل ~~ركعتين، ثم يوتر بخمس سردا متواليات، لا يجلس إلا في آخرهن» ، «ومنها: تسع ~~ركعات يسرد منهن ثمانيا، لا يجلس إلا في الثامنة، يجلس فيذكر الله، ويحمده، ~~ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة، ثم يقعد فيتشهد ويسلم، ثم يصلي ~~بعدها ركعتين بعد ما يسلم» . ومنها أن «يصلي سبعا، كالتسع المذكورة، ثم ~~يصلي بعدها ركعتين جالسا» . # ومنها: أن «يصلي مثنى مثنى، ثم يوتر بثلاث لا يفصل بينهن» ، فهذا رواه ~~أحمد، عن عائشة، أنه: «كان يوتر بثلاث لا فصل فيهن» . وفيه نظر، ففي " صحيح ~~ابن حبان " عن أبي هريرة مرفوعا: «لا توتروا بثلاث، أوتروا بخمس أو سبع، ~~ولا تشبهوا بصلاة المغرب» قال الدارقطني وإسناده كلهم ثقات. قال حرب: سئل ~~أحمد عن الوتر ; قال: يسلم في الركعتين، وإن لم يسلم، رجوت ألا يضره، إلا ~~أن التسليم أثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال في رواية أبي طالب: ~~أكثر الحديث وأقواه ركعة، فأنا أذهب إليها. # ومنها ما رواه النسائي عن حذيفة أنه: «صلى مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في صلاة رمضان، فركع، فقال في ركوعه: # PageV01P024 # سبحان ربي العظيم مثل ما كان قائما» ، الحديث (1) . وفيه: «فما صلى إلا ~~أربع ركعات، حتى جاء بلال يدعوه إلى الغداة» . وأوتر أول الليل ووسطه، ~~وآخره، وقام ليلة بآية يتلوها، ويرددها حتى الصباح {إن تعذبهم فإنهم عبادك ~~وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} [المائدة: 118] (2) . # وكانت صلاته بالليل ثلاثة أنواع: أحدها: وهو أكثرها، صلاته قائما. ~~الثاني: أنه كان يصلي قاعدا. الثالث: أنه كان يقرأ قاعدا، فإذا بقي يسير من ~~قراءته قام فركع قائما، وثبت عنه ms019 أنه كان يصلي ركعتين بعد الوتر جالسا ~~تارة، وتارة يقرأ فيهما جالسا، فإذا أراد أن يركع قام فركع. # وقد أشكل هذا على كثير، وظنوه معارضا لقوله: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل ~~وترا» قال أحمد لا أفعله ولا أمنع من فعله، قال: وأنكره مالك والصواب أن ~~الوتر عبادة مستقلة. فتجري الركعتان بعده مجرى سنة المغرب من المغرب، فهما ~~تكميل للوتر. # ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قنت في الوتر، إلا في حديث رواه ابن ~~ماجه قال أحمد: ليس يروى فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء، ولكن كان ~~عمر يقنت من السنة إلى السنة. # وروى أهل " السنن " حديث الحسن بن علي وقال الترمذي حديث حسن لا نعرفه ~~إلا من هذا الوجه من حديث أبي هريرة (3) السعدي انتهى، والقنوت في الوتر ~~محفوظ عن عمر، وأبي، وابن مسعود وذكر أبو داود والنسائي من حديث أبي بن كعب ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان يقرأ في الوتر ب (سبح) و {قل يا ~~أيها الكافرون} [الكافرون: 1] و {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] فإذا سلم ~~قال: " سبحان الملك القدوس " ثلاث مرات يمد صوته في الثالثة ويرفع» وكان ~~صلى الله عليه وسم يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها، والمقصود من ~~القرآن تدبره وتفهمه، والعمل به. وتلاوته، وحفظه PageV01P025 # وسيلة إلى معانيه، كما قال بعض السلف: أنزل القرآن ليعمل به، فاتخذوا ~~تلاوته عملا. # قال شعبة: حدثنا أبو حمزة قال: قلت لابن عباس: إني رجل سريع القراءة، ~~وربما قرأت القرآن في الليلة مرة أو مرتين. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~لأن أقرأ سورة واحدة، أعجب إلي من أن أفعل ذلك الذي تفعل، فإن كنت فاعلا لا ~~بد، فاقرأ قراءة تسمع أذنيك، ويعيه قلبك. وقال إبراهيم: قرأ علقمة على عبد ~~الله، فقال: رتل فداك أبي وأمي، فإنه زين القرآن. وقال عبد الله: لا تهذوا ~~القرآن هذ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه، وحركوا به ~~القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة. وقال: ms020 إذا سمعت الله يقول: يا أيها ~~الذين آمنوا فأصغ لها سمعك، فإنه خير تؤمر به، أو شر تنهى عنه. وقال عبد ~~الرحمن بن أبي ليل: دخلت علي امرأة وأنا أقرأ (سورة هود) فقالت لي: يا عبد ~~الرحمن هكذا تقرأ سورة هود؟ ! والله إني فيها منذ ستة أشهر وما فرغت من ~~قراءتها. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسر بالقرآن في صلاة الليل تارة، ~~ويجهر تارة، ويطيل القيام تارة، ويخففه تارة، وكان يصلي التطوع بالليل ~~والنهار على راحلته في السفر، قبل أي وجه توجهت به، فيركع ويسجد عليها ~~إيماء، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الضحى] # فصل روى البخاري في صحيحه عن عائشة قالت: «ما رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يصلي سبحة الضحى وإني لأسبحها. # » وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: «أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم ~~بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد» # ولمسلم عن زيد ابن أرقم مرفوعا: «صلاة الأوابين حين ترمض الفصال» أي: ~~يشتد حر النهار، فتجد الفصال حر الرمضاء، فقد أوصى بها، وكان يستغني عنها ~~بقيام الليل. # قال مسروق: كنا نصلي في المسجد، فنبقى بعد قيام ابن مسعود، ثم نقوم فنلي ~~الضحى، فبلغه، فقال: لم تحملون عباد الله ما لم يحملهم الله؟ إن كنتم لا بد ~~فاعلين ففي بيوتكم. # وقال سعيد بن جبير: إني لأدع صلاة الضحى وأنا أشتهيها، # PageV01P026 # مخافة أن أراها حتما علي. # «وكان من هديه صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه، سجود الشكر عند تجدد نعمة ~~تسر، أو اندفاع نقمة» ، «وكان صلى الله عليه وسلم إذا مر بآية سجدة - كبر ~~وسجد، وربما قال في سجوده: سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره بحوله ~~وقوته» ولم ينقل عنه أنه كان يكبر للرفع من هذا السجود، ولا تشهد، ولا سلم ~~ألبتة. وصح عنه أنه سجد في (الم تنزيل) وفي (ص) وفي (اقرأ) وفي (النجم) وفي ~~{إذا السماء انشقت} [الانشقاق: ms021 1] وذكر أبو داود، عن عمرو بن العاص أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة، منها ثلاث في المفصل، وفي ~~(سورة الحج) سجدتين. # وأما حديث ابن عباس، أنه صلى الله عليه وسلم لم يسجد في المفصل منذ تحول ~~إلى المدينة، فهو حديث ضعيف، في إسناده أبو قدامة الحارث بن عبيد، ولا يحتج ~~بحديثه، وأعله ابن القطان بمطر الوراق، وقال: كان يشبه في سوء الحفظ، محمد ~~بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعيب على مسلم إخراج حديثه. انتهى. # ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم ~~أنه حفظه، كما يطرح من أحاديث اليقظة ما يعلم أنه غلط فيه، فمن الناس من ~~صحح جميع أحاديث هؤلاء الثقات، ومنهم من ضعف جميع حديث السيئ الحفظ، ~~فالأولى طريقة الحاكم وأمثاله، والثانية طريقة ابن حزم وأشكاله، وطريقة ~~مسلم هي طريقة أئمة هذا الشأن. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الجمعة] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في الجمعة وذكر خصائص يومها صح عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا وكان لليهود يوم ~~السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة، فجعل ~~الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم لنا تبع يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل ~~الدنيا والأولون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق» # وللترمذي وصححه عن أبي هريرة مرفوعا: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم ~~الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة ~~إلا في يوم الجمعة» . # PageV01P027 # ورواه في الموطأ وصححه الترمذي أيضا بلفظ: «خير يوم طلعت فيه الشمس، فيه ~~خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من ~~دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة، ~~إلا الجن والإنس، وفيها ساعة لا يصادفها عبد مسلم، وهو يصلي يسأل الله شيئا ~~إلا أعطاه الله إياه» # قال ms022 كعب: ذلك في كل سنة يوم. فقلت: بل كل جمعة. فقرأ التوراة فقال: صدق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو هريرة: ثم لقيت عبد الله بن سلام ~~فحدثته بمجلسي مع كعب، فقال: لقد علمت أي ساعة هي قلت: فأخبرني بها. قال: ~~هي آخر ساعة في يوم الجمعة. فقلت: كيف؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي» وتلك الساعة لا يصلى فيها. فقال ابن ~~سلام: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جلس مجلسا ينتظر الصلاة ~~فهو في صلاة حتى يصلي» وفي لفظ في مسند أحمد في حديث أبي هريرة قال: «قيل ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: لأي شيء سمي يوم الجمعة؟ قال: لأن فيها طبعت ~~طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة والبعثة، وفيها البطشة، وفي آخره ثلاث ساعات، ~~منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له» # وذكر ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبي حين كف ~~بصره، فإذا خرجت به إلى الجمعة، فسمع الأذان لها، استغفر لأبي أمامة أسعد ~~بن زرارة، فكنت حيا أسمع ذلك منه، فقلت: إن عجزا أن لا أسأله. فقلت: يا ~~أبتاه أرأيت استغفارك لأسعد بن زرارة كلما سمعت الأذان بالجمعة؟ قال: أي ~~بني كان أسعد أول من جمع بنا بالمدينة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، في هزم النبيت من حرة بني بياضة، في نقيع يقال له نقيع الخضمات. قلت: ~~وكم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلا. قال البيهقي هذا حسن صحيح الإسناد. ~~انتهى. # ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأقام بقباء يوم الاثنين ~~والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجدهم، ثم خرج يوم الجمعة، فأدركته ~~الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي قبل تأسيس ~~مسجده. # قال ابن إسحاق: وكانت أول خطبة خطبها فيما بلغني عن أبي سلمة بن عبد ~~الرحمن - وأعوذ بالله أن أقول # PageV01P028 # على رسول الله صلى الله عليه وسلم ms023 ما لم يقل - «أنه قام فيهم، فحمد الله، ~~وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد أيها الناس، فقدموا لأنفسكم، تعلمن والله ~~ليصعقن أحدكم، ثم ليدعن غنمه، ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه ليس بينه ~~وبينه ترجمان، ولا حاجب يحجبه دونه، ألم يأتك رسولي فبلغك، وآتيتك مالا، ~~وأفضلت عليك فما قدمت لنفسك؟ فلينظرن يمينا وشمالا، فلا يرى شيئا، ثم ~~لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق ~~تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة، فإن بها تجزى الحسنة بعشر أمثالها ~~إلى سبعمائة ضعف، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. # » قال ابن إسحاق: ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة أخرى، فقال: ~~«إن الحمد لله أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات ~~أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل، فلا هادي له، وأشهد أن لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له. إن أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلح من زينه ~~الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، فاختاره على ما سواه من أحاديث ~~الناس، إنه أحسن الحديث وأبلغه، أحبوا ما أحب الله، أحبوا الله من كل ~~قلوبكم، ولا تملوا كلام الله وذكره، ولا تقس عنه قلوبكم، فإنه من كل ما ~~يخلق الله يختار ويصطفي، قد سماه الله خيرته من الأعمال، ومصطفاه من ~~العباد، والصالح من الحديث، ومن كل ما أوتي الناس من الحلال والحرام، ~~فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، واتقوه حق تقاته، واصدقوا الله صالح ما ~~تقولون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، إن الله يبغض أن ينكث عهده، ~~والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» ### | فصل في تعظيم يوم الجمعة # فصل # في تعظيم يوم الجمعة وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تعظيم هذا اليوم ~~وتشريفه، وتخصيصه بخصائص منها: أنه يقرأ في فجره ب {الم} [السجدة: 1] ~~السجدة) و {هل أتى على الإنسان} [الإنسان: 1] فإنهما تضمنتا ما كان وما ~~يكون في يومها. # ومنها: استحباب كثرة الصلاة فيه على النبي صلى ms024 الله عليه وسلم، وفي ~~ليلته، لأن كل خير نالته أمته في الدنيا والآخرة، فعلى يديه، وأعظم كرامة ~~تحصل لهم يوم الجمعة: فإن فيه بعثهم إلى منازلهم # PageV01P029 # في الجنة، وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوها، وقربهم من ربهم يوم القيامة، ~~وسبقهم إلى الزيادة بحسب قربهم من الإمام يوم الجمعة، وتبكيرهم إليها. # ومنها: الاغتسال في يومها، وهو أمر مؤكد جدا، ووجوبه أقوى من وجوب الوضوء ~~من مس الذكر، والرعاف، والقيء، ووجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ~~في التشهد الأخير. # ومنها: الطيب والسواك، ولها مزية فيه على غيره. # ومنها التبكير، والاشتغال بذكر الله تعالى، والصلاة إلى خروج الإمام. # ومنها: الإنصات للخطبة وجوبا. # ومنها: قراءة (الجمعة) و (المنافقين) أو (سبح) و (الغاشية) . # ومنها: أن يلبس فيه أحسن ثيابه. # ومنها: أن للماشي إليها بكل خطوة عمل سنة، أجر صيامها وقيامها. # ومنها: أنه يكفر السيئات. # ومنها: ساعة الإجابة. # وكان صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، ~~حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم. «وكان يقول في خطبته: " أما بعد» ، ~~ويقصر الخطبة، ويطيل الصلاة، وكان يعلم أصحابه في خطبته قواعد الإسلام ~~وشرائعه، ويأمرهم وينهاهم في خطبته إذا عرض له أمر، كما أمر الداخل وهو ~~يخطب أن يصلي ركعتين، وإذا رأى بهم ذا فاقة من حاجة، أمرهم بالصدقة، وحضهم ~~عليها. وكان يشير في خطبته بإصبعه السبابة عند ذكر الله ودعائه. # وكان يستسقي إذا قحط المطر في خطبته، ويخرج إذا اجتمعوا، فإذا دخل ~~المسجد، سلم عليهم، فإذا صعد المنبر، استقبلهم بوجهه، وسلم عليهم ثم يجلس، ~~ويأخذ بلال في الأذان، فإذا فرغ، قام وخطب، ويعتمد على قوس أو عصا، وكان ~~منبره ثلاث درجات، وكان قبل اتخاذه يخطب إلى جذع، ولم يوضع المنبر في وسط ~~المسجد، بل في جانبه الغربي، بينه وبين الحائط قدر ممر شاة، وكان إذا جلس ~~عليه في غير الجمعة، أو خطب قائما يوم الجمعة، استدار أصحابه إليه بوجوههم، ~~وكان يقوم فيخطب، ثم يجلس جلسة خفيفة، ثم يقوم فيخطب الثانية، فإذا ms025 فرغ ~~منها أخذ بلال في الإقامة. # وكان يأمر بالدنو منه والإنصات، ويخبر أن الرجل إذا قال لصاحبه: أنصت. ~~فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له. # وكان إذا صلى الجمعة دخل منزله، فصلى ركعتين # PageV01P030 # سنتها، وأمر من صلاها أن يصلي بعدها أربعا. قال شيخنا: إذا صلى في المسجد ~~صلى أربعا، وإن صلى في بيته صلى ركعتين. ### | [في هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة العيدين] # وكان يصلي العيدين في المصلى، وهو الذي على باب المدينة الشرقي، الذي ~~يوضع فيه محمل الحاج، ولم يصل العيد بمسجده إلا مرة أصابهم مطر - إن ثبت ~~الحديث - وهو في "سنن أبي داود " وكان يلبس أجمل ثيابه، ويأكل في عيد الفطر ~~قبل خروجه تمرات، ويأكلهن وترا، وأما في الأضحى فكان لا يطعم حتى يرجع من ~~المصلى، فيأكل من أضحيته، وكان يغتسل للعيد - إن صح - وفيه حديثان ضعيفان، ~~لكن ثبت عن ابن عمر مع شدة اتباعه للسنة. # وكان يخرج ماشيا والعنزة تحمل بين يديه، فإذا وصل نصبت ليصلي إليها، فإن ~~المصلى لم يكن فيه بناء، وكان يؤخر صلاة عيد الفطر، ويعجل الأضحى. وكان ابن ~~عمر مع شدة اتباعه للسنة، لا يخرج حتى تطلع الشمس، ويكبر من بيته إلى ~~المصلى. # وكان صلى الله عليه وسلم إذا انتهى إلى المصلى، أخذ في الصلاة، بغير أذان ~~ولا إقامة، ولا قول: " الصلاة جامعة " ولم يكن هو ولا أصحابه يصلون إذا ~~انتهوا إلى المصلى، لا قبلها ولا بعدها. # وكان يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، فيصلي ركعتين، يكبر في الأولى سبعا ~~متوالية بتكبيرة الإحرام، بين كل تكبيرتين سكتة يسيرة، ولم يحفظ عنه ذكر ~~معين بين التكبيرات، ولكن ذكر عن ابن مسعود أنه قال: يحمد الله، ويثني ~~عليه، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم. وكان ابن عمر يرفع يديه مع كل ~~تكبيرة. # وكان صلى الله عليه وسلم إذا أتم التكبير أخذ في القراءة، فقرأ في الأولى ~~الفاتحة، ثم (ق) وفي الثانية (اقتربت) وربما قرأ فيهما ب (سبح) و (الغاشية) ~~ولم يصح عنه غير ذلك فإذا ms026 فرغ من القراءة كبر وركع، ثم يكبر في الثانية ~~خمسا متوالية، ثم أخذ في القراءة، فإذا انصرف، قام مقابل الناس وهم جلوس ~~على صفوفهم، فيعظهم ويأمرهم وينهاهم، وإن كان يريد أن يقطع بعثا قطعه، أو ~~يأمر بشيء أمر به، ولم يكن هناك منبر، وإنما كان يخطب على الأرض. # وأما قوله في حديث في "الصحيحين «ثم نزل فأتى النساء» . إلى آخره، فلعله ~~كان يقوم على مكان مرتفع. وأما منبر المدينة، فأول من أخرجه # PageV01P031 # مروان بن الحكم فأنكر عليه، وأما منبر اللبن والطين، فأول من بناه كثير ~~بن الصلت في إمارة مروان على المدينة. # ورخص النبي صلى الله عليه وسلم لمن شهد العيد أن يجلس للخطبة، وأن يذهب، ~~ورخص لهم إذا وقع العيد يوم الجمعة أن يجتزئوا بصلاة العيد عن الجمعة، وكان ~~يخالف الطريق يوم العيد. # «وروي أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام ~~التشريق: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ~~ولله الحمد» ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف] # فصل ولما كسفت الشمس، خرج إلى المسجد مسرعا فزعا يجر رداءه، وكان كسوفها ~~في أول النهار على مقدار رمحين أو ثلاثة من طلوعها، فتقدم فصلى ركعتين، قرأ ~~في الأولى بالفاتحة وسورة طويلة، وجهر بالقراءة، ثم ركع، فأطال الركوع، ثم ~~رفع، فأطال القيام وهو دون القيام الأول، وقال لما رفع رأسه من الركوع: ~~«سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد» ثم أخذ في القراءة، ثم ركع فأطال ~~الركوع، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، فأطال السجود، ثم فعل في الأخرى مثل ~~ما فعل في الأولى، فاستكمل في الركعتين أربع ركوعات، وأربع سجدات. # ورأى في صلاته تلك الجنة والنار، وهم أن يأخذ عنقودا من الجنة، فيريهم ~~إياه، ورأى أهل العذاب في النار، فرأى امرأة تخدشها هرة ربطتها حتى ماتت ~~جوعا وعطشا، ورأى عمرو بن مالك (1) يجر أمعاءه في النار، وكان أول من غير ~~دين إبراهيم، ورأى فيها سارق الحاج ms027 يعذب، ثم انصرف فخطب خطبة بليغة، فروى ~~الإمام أحمد أنه لما سلم حمد الله وأثنى عليه، وشهد أن لا إله إلا الله، ~~وشهد أنه عبده ورسوله ثم: «أيها الناس أنشدكم بالله إن كنتم تعلمون أني ~~قصرت عن شيء من تبليغ رسالات ربي لما أخبرتموني ذلك؟ فقام رجال، فقالوا: ~~نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك، وقضيت الذي عليك ثم قال: أما ~~بعد، فإن رجالا يزعمون أن كسوف هذه الشمس، PageV01P032 # وكسوف هذا القمر، وزوال هذه النجوم عن مطالعها لموت رجال عظماء من أهل ~~الأرض، وإنهم قد كذبوا، ولكنها آيات من آيات الله تبارك وتعالى، يعتبر بها ~~عباده، فينظر من يحدث له منهم توبة، وايم الله لقد رأيت منذ قمت ما أنتم ~~لاقوه من أمر دنياكم وآخرتكم، وإنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون ~~كذابا، آخرهم الأعور الدجال، ممسوح العين اليسرى، كأنها عين أبي يحيى الشيخ ~~حينئذ من الأنصار، بينه وبين حجرة عائشة - وإنه متى يخرج، فسوف يزعم أنه ~~الله، فمن آمن به وصدقه واتبعه، لم ينفعه صالح من عمله سلف، ومن كفر به ~~وكذبه، لم يعاقب بسيئ من عمله سلف، وإنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم ~~وبيت المقدس، وإنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس، فيزلزلون زلزالا شديدا، ثم ~~يهلكه الله عز وجل وجنوده، حتى إن جذم الحائط أو قال: أصل الحائط، أو أصل ~~الشجرة، لينادي: يا مؤمن يا مسلم هذا يهودي - أو قال: هذا كافر - فتعال ~~فاقتله. قال: ولن يكون ذلك حتى تروا أمورا يتفاقم (1) شأنها في أنفسكم، ~~وتسألون بينكم: هل كان نبيكم ذكر لكم منها ذكرا؟ وحتى تزول جبال عن ~~مراتبها، ثم على أثر ذلك القبض» # وقد روي عنه أنه صلاها كل ركعة بثلاث ركوعات، أو أربع ركوعات، أو كل ركعة ~~بركوع واحد، ولكن كبار الأئمة لا يصححون ذلك ويرونه غلطا. وأمر في الكسوف ~~بذكر الله، والصلاة، والدعاء، والاستغفار، والصدقة، والعتاقة. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء] # فصل وثبت عنه أنه استسقى على وجوه. ms028 أحدهما: يوم الجمعة على المنبر في ~~أثناء الخطبة. الثاني: أنه وعد الناس يوما يخرجون فيه إلى المصلى، فخرج لما ~~طلعت الشمس متواضعا متبذلا متخشعا متوسلا متضرعا، فلما وافى المصلى صعد ~~المنبر - إن صح ففي القلب منه شيء - فحمد الله وأثنى عليه، وكبره، وكان مما ~~حفظ من خطبته ودعائه: «الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين ~~لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت PageV01P033 # تفعل ما تريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، ~~أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلته علينا قوة لنا، وبلاغا إلى حين ثم رفع ~~يديه وأخذ في التفرع والابتهال والدعاء» ، وبالغ في الرفع حتى بدا بياض ~~إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة، وحول إذ ذاك رداءه، وهو ~~مستقبل القبلة، فجعل الأيمن على الأيسر وعكسه، وكان الرداء خميصة سوداء، ~~وأخذ في الدعاء مستقبل القبلة، والناس كذلك، ثم نزل فصلى بهم ركعتين كالعيد ~~من غير نداء، قرأ في الأولى بعد الفاتحة ب (سبح) وفي الثانية ب (الغاشية) . ~~الثالث: أنه استسقى على منبر المدينة في غير الجمعة، ولم يحفظ عنه فيه ~~صلاة. الرابع: أنه استسقى وهو جالس في المسجد رفع يديه، ودعا الله عز وجل. ~~الخامس: أنه استسقى عند أحجار الزيت قريبا من الزوراء وهو خارج باب المسجد ~~الذي يدعى اليوم: " باب السلام " نحو قذفة حجر، ينعطف عن يمين الخارج من ~~المسجد. السادس: «أنه استسقى في بعض غزواته لما سبقه المشركون إلى الماء، ~~فأصاب المسلمين العطش، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعض ~~المنافقين: لو كان نبيا لاستسقى لقومه، كما استسقى موسى لقومه. فبلغه ذلك، ~~فقال: أو قد قالوها؟ عسى ربكم أن يسقيكم ثم بسط يديه فدعا، فما رد يديه حتى ~~أظلهم السحاب، وأمطروا وأغيث صلى الله عليه وسلم في كل مرة» . «واستسقى ~~مرة، فقام أبو لبابة، فقال: يا رسول الله إن التمر في المرابد. فقال: اللهم ~~اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا، ms029 فيسد ثعلب مربده بإزاره فأمطرت فاجتمعوا ~~إلى أبي لبابة. فقالوا: إنها لن تقلع حتى تقوم عريانا، فتسد ثعلب مربدك ~~بإزارك. ففعل، فأقلعت السماء» ، ولما كثر المطر سألوه الاستصحاء، فاستصحا ~~لهم، وقال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الظراب، والآكام والجبال، ~~وبطون الأودية، ومنابت الشجر» وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى المطر قال: ~~«صيبا نافعا» وحسر ثوبه حتى يصيبه من المطر، فسئل عن ذلك، فقال: «لأنه حديث ~~عهد بربه» # قال الشافعي أخبرني من لا أتهم، عن يزيد بن عبد الهادي، «أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا سال السيل، قال: اخرجوا بنا إلى هذا الذي جعله الله ~~طهورا، فنتطهر منه، ونحمد # PageV01P034 # الله عليه» وأخبرنا من لا أتهم، عن إسحاق بن عبد الله، أن عمر كان إذا ~~سال السيل ذهب بأصحابه إليه، وقال: ما كان ليجيء من مجيئه أحد، إلا تمسحنا ~~به. وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى الغيم والريح، عرف ذلك في وجهه، فأقبل ~~وأدبر، فإذا أمطرت سري عنه، وكان يخشى أن يكون فيه العذاب. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في سفره وعباداته فيه] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في سفره وعباداته فيه كانت أسفاره صلى الله ~~عليه وسلم دائرة بين أربعة أسفار: سفر لهجرته، وسفر للجهاد، وهو أكثرها، ~~وسفر للعمرة، وسفر للحج. # وكان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، ولما حج سافر بهن جميعا، وكان إذا ~~سافر، خرج من أول النهار، وكان يستحب الخروج يوم الخميس، ودعا الله أن ~~يبارك لأمته في بكورها، وكان إذا بعث سرية أو جيشا، بعثهم من أول النهار، ~~وأمر المسافرين إذا كانوا ثلاثة أن يؤمروا أحدهم، ونهى أن يسافر الرجل ~~وحده، وأخبر أن الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب وذكر عنه ~~أنه كان يقول حين ينهض للسفر: «اللهم إليك توجهت، وبك اعتصمت، اللهم اكفني ~~ما أهمني وما لا أهتم له، اللهم زودني التقوى، واغفر لي ذنبي، ووجهني للخير ~~أينما توجهت» وكان إذا قدمت له دابته ليركبها يقول: «بسم ms030 الله حين يضع رجله ~~في الركاب» ، فإذا استوى على ظهرها قال: «الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما ~~كنا له مقرنين، وإنا إلى ربا لمنقلبون ثم يقول: الحمد لله، الحمد الله، ~~الحمد لله ثم يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ثم يقول: " سبحانك إني ~~ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» # وكان يقول: «اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ~~ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في ~~السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة ~~المنظر، وسوء المنقلب في الأهل والمال» وإذا رجع قالهن، وزاد: «آيبون، ~~تائبون، عابدون لربنا حامدون» وكان هو وأصحابه إذا علوا الثنايا كبروا، ~~وإذا هبطوا الأودية سبحوا. وكان إذا أشرف على قرية يريد دخولها يقول: ~~«اللهم رب السموات السبع، # PageV01P035 # وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب ~~الرياح وما ذرين، أسألك خير هذه القرية؟ وخير أهلها، وخير ما فيها، وأعوذ ~~بك من شرها، وشر أهلها، وشر ما فيها» وكان يقصر الرباعية، وقال أمية بن ~~خالد إنا نجد صلاة الحضر، وصلاة الخوف في القرآن، ولا نجد صلاة السفر. فقال ~~له ابن عمر يا أخي إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم، ولا نعلم شيئا، ~~فإنما نفعل كما رأينا محمدا صلى الله عليه وسلم يفعل. # وكان من هديه صلى الله عليه وسلم الاقتصار على الفرض، ولم يحفظ عنه أنه ~~صلى السنة قبلها ولا بعدها إلا سنة الفجر والوتر، ولكن لم يمنع من التطوع ~~قبلها ولا بعدها، فهو كالتطوع المطلق، لا أنه سنة راتبة للصلاة. # وثبت عنه أنه صلى يوم الفتح ثمان ركعات ضحى. # وكان من هديه صلى الله عليه وسلم صلاة التطوع على راحلته أين توجهت به، ~~وكان يومئ في ركوعه. وكان إذا أراد أن يرتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر ~~إلى العصر، فإن زالت قبل أن يرتحل صلى الظهر، ثم ركب. وكان إذا ms031 أعجله السير ~~أخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء، ولم يكن من هديه الجمع راكبا ولا ~~حال نزوله. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في قراءة القرآن] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في قراءة القرآن كان له حزب لا يخل به، وكانت ~~قراءته ترتيلا حرفا حرفا، ويقطع قراءته آية آية، ويمد عند حروف المد، فيمد ~~الرحمن، ويمد الرحيم. وكان يستعيذ في أول القراءة، فيقول: «أعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم» وربما قال: «اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ~~ونفخه ونفثه» وكان يحب أن يسمع القرآن من غيره، وأمر ابن مسعود، فقرأ وهو ~~يسمع، وخشع حتى ذرفت عيناه. وكان يقرأ قائما وقاعدا ومضطجعا ومتوضئا ومحدثا ~~إلا الجنابة، وكان يتغنى به، ويرجع صوته أحيانا. وحكى ابن المغفل ترجيعه، ~~ذكره البخاري، وإذا جمعت هذا إلى قوله: «زينوا القرآن بأصواتكم» وقوله: ما ~~أذن الله لشيء كإذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن علمت أن هذا الترجيع منه ~~اختيار لا لهز الناقة، وإلا لم يحكه ابن المغفل اختيارا ليتأسى به ويقول: ~~كان يرجع في قراءاته. # PageV01P036 # والتغني على وجهين: # أحدهما. ما اقتضته الطبيعة من غير تكلف، فهذا جائز وإن أعان طبيعته بفضل ~~تزيين، «كما قال أبو موسى للنبي صلى الله عليه وسلم: لو علمت أنك تستمع ~~لحبرته لك تحبيرا» أي: لحسنته لك تحسينا، وهذا هو الذي كان السلف يفعلونه، ~~وعليه تحمل الأدلة كلها. # والثاني: ما كان صناعة من الصنائع، كما يتعلم أصوات الغناء بأصناف ~~الألحان على أوزان مخترعة، فهذه هي التي كرهها السلف، وأدلة الكراهة إنما ~~تتناول هذا. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في زيارة المرضى] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في زيارة المرضى كان يعود من مرض من أصحابه، ~~وعاد غلاما كان يخدمه من أهل الكتاب وعاد عمه وهو مشرك، وعرض عليهما ~~الإسلام فأسلم اليهودي. # وكان يدنو من المريض، ويجلس عند رأسه ويسأله عن حاله، وكان يمسح بيده ~~اليمنى على المريض، ويقول: «اللهم رب الناس، أذهب الباس، ms032 واشف أنت الشافي ~~لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما» (1) وكان يدعو للمريض ثلاثا، كما ~~قال: «اللهم اشف سعدا ثلاثا» وكان إذا دخل على المريض يقول: «لا بأس طهور ~~إن شاء الله» (2) وربما قال: «كفارة وطهور» # وكان يرقي من كان به قرحة أو جرح أو شكوى فيضع سبابته بالأرض، ثم يرفعها ~~ويقول: «بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا» وهذا في " ~~الصحيحين " وهو يبطل اللفظة التي جاءت في حديث السبعين ألفا " لا يرقون " ~~وهو غلط من الراوي. # ولم يكن من هديه أن يخص يوما بالعيادة، ولا وقتا، بل شرع لأمته عيادة ~~المريض ليلا ونهارا. وكان يعود من الرمد وغيره، وكان أحيانا يضع يده على ~~جبهة المريض، ثم يمسح صدره وبطنه، ويقول: «اللهم اشفه» وكان يمسح وجهه ~~أيضا، وإذا أيس من المريض قال: «إنا لله وإنا إليه راجعون» # وكان هديه في الجنائز أكمل هدي مخالفا لهدي سائر الأمم مشتملا على ~~الإحسان إلى الميت وإلى أهله وأقاربه، PageV01P037 # وعلى إقامة عبودية الحي فيما يعامل به الميت، فكان من هديه عبودية الرب ~~تعالى على أكمل الأحوال، وتجهيز الميت إلى الله تعالى على أحسن الأحوال، ~~ووقوفه وأصحابه صفوفا يحمدون الله، ويستغفرون له، ثم يمشي بين يديه إلى أن ~~يودعوه حفرته ثم يقوم هو وأصحابه على قبره سائلين له الثبات، ثم يتعاهده ~~بالزيارة إلى قبره، والسلام عليه، والدعاء له. # فأول ذلك تعاهده في موضعه، وتذكيره الآخرة، وأمره بالوصية والتوبة، وأمر ~~من حضره بتلقينه شهادة أن لا إله إلا الله، لتكون آخر كلامه، ثم نهى عن ~~عادة الأمم التي لا تؤمن بالبعث من لطم الخدود، ورفع الصوت بالندب ~~والنياحة، وتوابع ذلك. # وسن الخشوع للموت، والبكاء الذي لا صوت معه، وحزن القلب، وكان يفعله ~~ويقول: «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب» وسن لأمته ~~الحمد والاسترجاع والرضا عن الله. # وكان من هديه الإسراع بتجهيز الميت إلى الله، وتطهيره وتنظيفه وتطييبه، ~~وتكفينه في ثياب البياض، ثم يؤتى به إليه، فيصلي عليه بعد ms033 أن كان يدعي له ~~عند احتضاره، فيقيم عنده حتى يقضي، ثم يحضر تجهيزه، ويصلي عليه، ويشيعه إلى ~~قبره، ثم رأى أصحابه أن ذلك يشق عليه، فكانوا يجهزون ميتهم، ثم يحملونه ~~إليه، فيصلي عليه خارج المسجد، وربما كان يصلي أحيانا عليه في المسجد، كما ~~صلى على سهيل بن بيضاء وأخيه فيه. # وكان من هديه تغطية وجه الميت إذا مات وبدنه، وتغميض عينيه وكان ربما ~~يقبل الميت، كما قبل عثمان بن مظعون وبكى. # وكان يأمر بغسل الميت ثلاثا أو خمسا أو أكثر بحسب ما يراه الغاسل، ويأمر ~~بالكافور في الغسلة الأخيرة. # وكان لا يغسل الشهيد قتيل المعركة، وكان ينزع عنهم الجلود والحديد، ~~ويدفنهم في ثيابهم، ولم يصل عليهم، وأمر أن يغسل المحرم بماء وسدر. ويكفن ~~في ثوبي إحرامه، ونهى عن تطييبه، وتغطية رأسه، وكان يأمر من ولي الميت أن ~~يحسن كفنه، ويكفنه في البياض، وينهى عن المغالاة في الكفن، وإذا قصر الكفن ~~عن ستر جميع البدن غطى رأسه، وجعل على رجليه شيئا من العشب. # وكان إذا قدم إليه ميت سأل: هل عليه دين؟ فإن لم يكن عليه دين صلى عليه، ~~وإن كان عليه دين، لم يصل عليه، وأمر أصحابه أن يصلوا عليه فإن صلاته ~~شفاعة، # PageV01P038 # وشفاعته موجبة، والعبد مرتهن بدينه لا يدخل الجنة حتى يقضى عنه، فلما فتح ~~الله عليه كان يصلي على المدين، ويتحمل دينه، ويدع ماله لورثته. # فإذا أخذ في الصلاة عليه، كبر، وحمد الله، وأثنى عليه. وصلى ابن عباس على ~~جنازة، فقرأ بعد التكبيرة الأولى بالفاتحة، وجهر بها، وقال: لتعلموا أنها ~~سنة. # قال شيخنا: لا تجب قراءتها، بل هي سنة. وذكر أبو أمامة بن سهل عن جماعة ~~من الصحابة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيها. # وروى يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة «أنه سأل عبادة ~~بن الصامت عن صلاة الجنازة، فقال: أنا والله أخبرك، تبدأ فتكبر، ثم تصلي ~~على النبي صلى الله عليه وسلم، وتقول: اللهم إن عبدك فلانا كان لا يشرك بك، ms034 ~~وأنت أعلم به، إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه، ~~اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده» . # ومقصود الصلاة عليه الدعاء، ولذلك حفظ عنه، ونقل من الدعاء ما لم ينقل من ~~قراءة الفاتحة، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وحفظ من دعائه: ~~اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك، وحبل جوارك، فقه فتنة القبر، وعذاب النار، ~~وأنت أهل الوفاء، والحق، فاغفر له، وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم. # وحفظ من دعائه أيضا: اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت رزقتها، وأنت ~~هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها، تعلم سرها وعلانيتها، جئنا شفعاء فاغفر ~~لها وكان يأمر بإخلاص الدعاء للميت. # وكان يكبر أربع تكبيرات، وصح عنه أنه كبر خمسا، وكان الصحابة يكبرون ~~أربعا وخمسا وستا. قال علقمة: قلت لعبد الله: إن ناسا من أصحاب معاذ قدموا ~~من الشام، فكبروا على ميت لهم خمسا، فقال: ليس على الميت في التكبير وقت، ~~كبر ما كبر الإمام، فإذا انصرف الإمام فانصرف. # قيل للإمام أحمد: أتعرف عن أحد من الصحابة أنهم كانوا يسلمون تسليمتين ~~على الجنازة قال: لا، ولكن عن ستة من الصحابة أنهم كانوا يسلمون تسليمة ~~واحدة خفيفة عن يمينه، فذكر ابن عمر وابن عباس وأبا هريرة. # وأما رفع اليدين فقال الشافعي: ترفع للأثر، والقياس على السنة في الصلاة، ~~ويريد بالأثر ما روي عن ابن عمر # PageV01P039 # وأنس أنهما كانا يرفعان أيديهما كلما كبرا على الجنازة. # وكان إذا فاتته الصلاة على الجنازة صلى على القبر، فصلى مرة على قبر بعد ~~ليلة، ومرة بعد ثلاث، ومرة بعد شهر، ولم يوقت في ذلك وقتا، ومنع منها مالك ~~إلا للولي إذا كان غائبا. وكان يقوم عند رأس الرجل، ووسط المرأة، وكان يصلي ~~على الطفل، وكان لا يصلي على من قتل نفسه، ولا على من غل من الغنيمة، ~~واختلف عنه في الصلاة على المقتول حدا كالزاني. # فصح عنه «أنه صلى على الجهنية التي رجمها» ، واختلف في ماعز، فإما أن ~~يقال: لا تعارض بين ألفاظه، فإن الصلاة فيه ms035 هي الدعاء، وترك الصلاة عليه ~~تركها على جنازته تأديبا وتحذيرا. وإما أن يقال: إذا تعارضت ألفاظه عدل ~~عنها إلى الحديث الآخر. # وكان إذا صلى عليه تبعه إلى المقابر ماشيا أمامه، وسن للراكب أن يكون ~~وراءها، وإن كان ماشيا يكون قريبا منها، إما خلفها، أو أمامها، أو عن ~~يمينها، أو عن شمالها. وكان يأمر بالإسراع بها حتى إن كانوا ليرملون بها ~~رملا، وكان يمشي إذا تبعها، ويقول: «لم أكن لأركب والملائكة يمشون» فإذا ~~انصرف فربما ركب. # وكان لا يجلس حتى توضع، وقال: «إذا تبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع» # ولم يكن من هديه الصلاة على كل ميت غائب، «وصح عنه أنه صلى على النجاشي ~~صلاته على الميت» ، وتركه سنة، كما أن فعله سنه، فإن كان الغائب مات ببلد ~~لم يصل عليه فيه، صلي عليه، فإن النجاشي مات بين الكفار. # «وصح عنه أنه أمر بالقيام للجنازة لما مرت به» ، «وصح عنه أنه قعد» ، ~~فقيل: القيام منسوخ. وقيل: الأمران جائزان، وفعله بيان للاستحباب، وتركه ~~بيان للجواز. وهذا أولى. # وكان من هديه أن لا يدفن الميت عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها، ولا حين ~~قيامها. # وكان من هديه اللحد، وتعميق القبر، وتوسيعه من عند رأس الميت ورجليه، ~~ويذكر عنه أنه كان إذا وضع الميت في القبر قال: «بسم الله وبالله، وعلى ملة ~~رسول الله» وفي رواية: «بسم الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله» # ويذكر عنه أنه كان يحثو على الميت إذا دفن من قبل رأسه ثلاثا، وكان إذا ~~فرغ من دفن الميت، قام على قبره هو وأصحابه، وسأل له التثبيت، وأمرهم بذلك. # ولم يكن يجلس يقرأ على القبر ولا يلقن # PageV01P040 # الميت، ولم يكن من هديه تعلية القبور، ولا بناؤها، ولا تطيينها، ولا بناء ~~القباب عليها، وقد بعث علي بن أبي طالب «أن لا يدع تمثالا إلا طمسه. ولا ~~قبرا مشرفا إلا سواه» (1) فسنت تسوية هذه القبور المشرفة كلها. # ونهى أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يكتب عليه، وكان يعلم من أراد ms036 - ~~أن يعرف قبره بصخرة، ونهى عن اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها، ولعن ~~فاعله، (ونهى عن الصلاة إليها، «ونهى أن يتخذ قبره عيدا» (2) . # وكان هديه أن لا تهان القبور وتوطأ، ويجلس عليها، ويتكأ عليها، ولا تعظم ~~بحيث تتخذ مساجد وأعيادا وأوثانا. # وكان يزور قبور أصحابه للدعاء لهم، والاستغفار لهم، وهذه هي الزيارة التي ~~سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرهم إذا زاروها أن يقولوا: «السلام ~~عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ~~نسأل الله لنا ولكم العافية» (3) . # وكان يقول ويفعل عند زيارتها من جنس ما يقوله عند الصلاة عليه، فأبى ~~المشركون إلا دعاء الميت والإشراك به، وسؤاله الحوائج، والاستعانة به، ~~والتوجه إليه عكس هديه صلى الله عليه وسلم فإنه هدي توحيد وإحسان إلى ~~الميت. # وكان من هديه تعزية أهل الميت، ولم يكن من هديه أن يجتمع ويقرأ له ~~القرآن، لا عند القبر، ولا غيره. # وكان من هديه أن أهل الميت لا يتكلفون الطعام للناس، بل أمر أن يصنع ~~الناس لهم طعاما، وكان من هديه ترك نعي الميت، بل كان ينهى عنه، ويقول: هو ~~من عمل أهل الجاهلية ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف أباح الله له قصر أركان الصلاة ~~وعددها إذا اجتمع الخوف والسفر، وقصر العدد وحده إذا كان سفرا لا خوف معه، ~~وقصر الأركان وحدها إذا كان خوفا لا سفر معه، وبهذا تعلم الحكمة في تقييد ~~القصر في الآيات PageV01P041 # بالضرب في الأرض والخوف. # وكان من هديه في صلاة الخوف إذا كان العدو بينه وبين القبلة أن يصف ~~المسلمين خلفه صفين، فيكبر ويكبرون جميعا، ثم يركعون ويرفعون جميعا، ثم ~~يسجد أول الصف الذي يليه خاصة، ويقوم الصف المؤخر مواجه العدو، فإذا نهض ~~للثانية سجد الصف المؤخر سجدتين، ثم قاموا فتقدموا إلى مكان الصف الأول، ~~وتأخر الصف الأول مكانهم، لتحصل فضيلة الصف الأول للطائفتين، وليدرك الصف ~~الثاني معه السجدتين في الثانية، ms037 وهذا غاية العدل، فإذا ركع صنع الطائفتان ~~كما صنعوا أول مرة، فإذا جلس للتشهد سجد الصف المؤخر سجدتين، ولحقوه في ~~التشهد، فسلم بهم جميعا. # وإن كان العدو في غير جهة القبلة فإنه تارة يجعلهم فرقتين: فرقة بإزاء ~~العدو، وفرقة تصلي معه، فتصلي معه إحدى الفرقتين ركعة، ثم تنصرف في صلاتها ~~إلى مكان الفرقة الأخرى، وتجيء الأخرى إلى مكان هذه، فتصلي معه الركعة ~~الثانية، ثم يسلم، وتقف كل طائفة ركعة ركعة بعد سلام الإمام، وتارة يصلي ~~بإحدى الطائفتين ركعة، ثم يقوم إلى الثانية، وتقضي هي ركعة وهو واقف، وتسلم ~~قبل ركوعه، وتأتي الطائفة الأخرى، فتصلي معه الركعة الثانية، فإذا جلس في ~~التشهد، قامت، فقضت ركعة وهو ينتظرها في التشهد، فإذا تشهدت، سلم بهم. # وتارة كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعتين ويسلم بهم ; وتأتي الأخرى فيصل ~~بهم ركعتين ويسلم بهم، وتارة كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعة، ثم يذهب ولا ~~تقضي شيئا، وتجيء الأخرى، فيصلي بهم ركعة ولا تقضي شيئا، فيكون له ركعتان، ~~ولهم ركعة ركعة، وهذه الأوجه كلها تجوز الصلاة بها. # قال أحمد: ستة أوجه أو سبعة تروى فيها كلها جائزة. وظاهر هذا أنه جوز أن ~~تصلي كل طائفة معه ركعة، ولا تقضي شيئا، وهذا مذهب جابر، وابن عباس وطاوس ~~ومجاهد والحسن وقتادة، والحكم، وإسحاق. # وقد روي فيها صفات أخر ترجع كلها إلى هذه، وقد ذكرها بعضهم عشرا، وذكرها ~~ابن حزم نحو خمسة عشر صفة، والصحيح ما ذكرنا، وهؤلاء كلما رأوا اختلاف ~~الرواة في قصة، جعلوا ذلك وجوها من فعل النبي صلى الله عليه وسلم. # PageV01P042 ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الزكاة] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في الزكاة كان هديه صلى الله عليه وسلم أكمل ~~هدي في وقتها وقدرها ونصابها، ومن تجب عليه، ومصرفها، قد راعى فيها مصلحة ~~أرباب الأموال، ومصلحة المساكين، وجعلها الله سبحانه وتعالى طهرة للمال ~~ولصاحبه، وقيد النعمة بها على الأغنياء، فما زالت النعمة بالمال عن من أدى ~~زكاته، بل يحفظه عليه وينميه. # ثم إنه ms038 جعلها في أربعة أصناف من المال وهي أكثر الأموال دورا بين الخلق، ~~وحاجتهم إليها ضرورية. الأول: الزرع والثمار. والثاني: بهيمة الأنعام، ~~الإبل والبقر والغنم. الثالث: الجوهران اللذان بهما قوام العالم، وهما ~~الذهب والفضة. الرابع: أموال التجارة على اختلاف أنواعها. ثم إنه أوجبها في ~~كل عام، وجعل حول الثمار والزرع عند كمالهما واستوائهما، وهذا أعدل ما ~~يكون، إذ وجوبها كل شهر أو جمعة مما يضر بأرباب الأموال، ووجوبها في العمر ~~مرة مما يضر بالمساكين. # ثم إنه فاوت بين مقادير الواجب بحسب السعي في التحصيل، فأوجب الخمس فيما ~~صادفه الإنسان مجموعا محصلا وهو الركاز، ولم يعتبر له حولا، وأوجب نصفه وهو ~~العشر فيما كان مشقة تحصيله فوق ذلك، وذلك في الثمار والزروع التي يباشر ~~حرثها، ويتولى الله سقيها بلا كلفة من العبد، وأوجب نصف العشر فيما يتولى ~~العبد سقيه بالكلفة والدوالي والنواضح ونحوهما، وأوجب نصف ذلك وهو ربع ~~العشر فيما كان النماء فيه موقوفا على عمل متصل من رب المال، متتابع بالضرب ~~في الأرض تارة، وبالإدارة تارة، وبالتربص تارة ثم إنه لما كان لا يحتمل كل ~~مال المواساة، جعل للمال الذي تحتمله المواساة نصبا مقدرة المواساة فيها، ~~لا تجحف بأرباب الأموال، وتقع موقعها من المساكين، فجعل للورق مائتي درهم، ~~وللذهب عشرين مثقالا، وللحبوب والثمار خمسة أوسق وهي خمسة أحمال من أحمال ~~إبل العرب، وللغنم أربعين شاة، وللبقر ثلاثين، وللإبل خمسة، لكن لما كان ~~نصابها لا يحتمل المواساة من جنسه، أوجب فيه شاة. # فإذا تكررت الخمس خمس مرات، وصارت خمسا وعشرين، احتمل نصابها # PageV01P043 # واحدا منها، ثم إنه لما قدر سن هذا الواجب في الزيادة والنقصان بحسب كثرة ~~الإبل وقلتها من ابن مخاض وبنت مخاض، وفوقه ابن لبون وبنت لبون، وفوقه الحق ~~والحقة، وفوقه الجذع والجذعة، وكلما كثرت الإبل زاد السن إلى أن يصل السن ~~إلى منتهاه، فحينئذ جعل زيادة عدد الواجب في مقابلة زيادات عدد المال، ~~فاقتضت حكمته أن جعل في الأموال قدرا يحتمل المواساة، ولا يجحف بها، ويكفي ~~المساكين، فوقع الظلم من ms039 الطائفتين ; الغني بمنعه ما أوجب عليه، والآخذ ~~بأخذه ما لا يستحقه، فتولد من بين الطائفتين ضرر عظيم على المساكين. # والله سبحانه تولى قسمة الصدقة بنفسه، وجزأها ثمانية أجزاء يجمعها صنفان. # أحدهما: من يأخذ لحاجة، فيأخذ بحسب شدة الحاجة وضعفها، وكثرتها وقلتها، ~~وهم الفقراء والمساكين، وفي الرقاب، وابن السبيل. الثاني: من يأخذ لمنفعته ~~وهم العاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، والغارمون لإصلاح ذات البين، والغزاة ~~في سبيل الله، فإن لم يكن الآخذ محتاجا، ولا منفعة فيه للمسلمين ; فلا سهم ~~له في الزكاة. ### | [فصل في من يعطى الصدقة] # فصل وكان إذا علم من الرجل أنه من أهلها أعطاه، وإن سأله منها من لا يعرف ~~حاله أعطاه بعد أن يخبره أنه لا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب. # وكان من هديه تفريقها على المستحقين في بلد المال، وما فضل عنهم منها حمل ~~إليه ففرقه، وكذلك كان يبعث سعاته إلى البوادي، ولم يكن يبعثهم إلى القرى، ~~بل أمر معاذا أن يأخذها من أهل اليمن ويعطيها فقراءهم. # ولم يكن من هديه أن يبعث سعاته إلا إلى أهل الأموال الظاهرة من المواشي ~~والزرع والثمار، وكان يبعث الخارص يخرص على أهل النخل تمر نخيلهم، وعلى أهل ~~الكروم كرومهم، وينظر كم يجيء منه وسقا، فيحسب عليهم من الزكاة بقدره، وكان ~~يأمر الخارص أن يدع لهم الثلث أو الربع، فلا يخرصه لما يعرو النخيل من ~~النوائب. # وكان هذا الخرص لكي تحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمار، وتفرق، وليتصرف فيها ~~أربابها بما شاءوا، ويضمنوا قدر الزكاة. # ولم يكن من هديه أخذها من الخيل، ولا الرقيق، ولا البغال، ولا الحمير، ~~ولا الخضراوات، ولا المباطخ، ولا المقاثي والفواكه التي # PageV01P044 # لا تكال، ولا تدخر، إلا العنب الرطب، فلم يفرق بين رطبه ويابسه، وكان إذا ~~جاء الرجل بالزكاة دعا له، فتارة يقول: «اللهم بارك فيه وفي إبله» وتارة ~~يقول: «اللهم صل عليه» # ولم يكن من هديه أخذ كرائم الأموال بل وسطه، وكان ينهى المتصدق أن يشتري ~~صدقته، وكان يبيح للغني أن يأكل منها إذا أهداها إليه ms040 الفقير، وكان أحيانا ~~يستدين لمصالح المسلمين على الصدقة، وكان يسم إبل الصدقة بيده، وإذا عراه ~~أمر، استسلف الصدقة من أربابها، كما استسلف من العباس صدقة عامين. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في زكاة الفطر] # وفرض زكاة الفطر عليه وعلى من يمونه من صغير وكبير صاعا من تمر أو شعير ~~أو أقط أو زبيب، وروي عنه: «صاعا من دقيق» وروي عنه: «نصف صاع من بر» مكان ~~الصاع من هذه الأشياء، ذكره أبو داود، وفي " الصحيحين " أن معاوية هو الذي ~~قوم ذلك. # وكان من هديه إخراجها قبل صلاة العيد، وفي " الصحيحين " عن ابن عمر قال: ~~«أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى ~~الصلاة» . # وفي " السنن " عنه: «من أداها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها ~~بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات» ومقتضى هذين الحديثين أنه لا يجوز ~~تأخيرها عن صلاة العيد، وأنها تفوت بالفراغ من الصلاة، وهذا هو الصواب، ~~ونظيره ترتيب الأضحية على صلاة الإمام، لا على وقتها، وأن من ذبح قبلها، ~~فهي شاة لحم. # وكان من هديه تخصيص المساكين بها، ولم يكن يقسمها على الأصناف الثمانية، ~~ولا فعله أحد من أصحابه، ولا من بعدهم. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في صدقة التطوع] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في صدقة التطوع كان أعظم الناس صدقة بما ملكت ~~يده، ولا يستكثر شيئا أعطاه لله، ولا يستقله، وكان لا يسأل أحد شيئا عنده ~~إلا أعطاه، قليلا كان أو كثيرا، وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور ~~الآخذ بما أخذه، وكان إذا عرض له محتاج، آثره على نفسه، تارة بطعامه، وتارة ~~بلباسه. # وكان يتنوع في أصناف إعطائه وصدقته، فتارة بالهدية، وتارة بالصدقة، وتارة ~~بالهبة، وتارة بشراء الشيء، ثم يعطي البائع السلعة والثمن، وتارة يقترض # PageV01P045 # الشيء، فيرد أكثر منه، ويقبل الهدية، ويكافئ عليها بأكثر منها، تلطفا ~~وتنوعا في ضروب الإحسان بكل ممكن، وكان إحسانه بما يملكه وبحاله وبقوله، ~~فيخرج ما عنده، ms041 ويأمر بالصدقة، ويحض عليها، فإذا رآه البخيل، دعاه حاله إلى ~~البذل. # وكان من خالطه لا يملك نفسه عن السماحة، ولذلك كان أشرح الخلق صدرا، ~~وأطيبهم نفسا، فإن للصدقة والمعروف تأثرا عجيبا في شرح الصدر، فانضاف ذلك ~~إلى ما خصه الله به من شرح صدره بالرسالة وخصائصها وتوابعها، وشرح صدره ~~حسا، وإخراج حظ الشيطان منه. # وأعظم أسباب شرح الصدر التوحيد، وعلى حسب كماله وقوته وزيادته يكون ~~انشراح صدر صاحبه، قال الله تعالى: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على ~~نور من ربه} [الزمر: 22] (1) . وقال تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح ~~صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} [الأنعام: 125] (2) . # ومنها النور الذي يقذفه الله في القلب، وهو نور الإيمان، وفي الترمذي ~~مرفوعا «إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح» الحديث. # ومنها العلم، فإنه يشرح الصدر، ويوسعه، وليس هذا لكل علم، بل للموروث عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. # ومنها الإنابة إلى الله، ومحبته بكل القلب، والمحبة تأثير عجيب في انشراح ~~الصدر، وطيب النفس، وكلما كانت المحبة أقوى، كان الصدر أشرح، ولا يضيق إلا ~~عند روية البطالين. # ومنها دوام الذكر، فللذكر تأثير عجيب في انشراح الصدر. # ومنها الإحسان إلى الخلق، ونفعهم بما يمكنه من المال والجاه، والنفع ~~بالبدن، وأنواع الإحسان. # ومنها الشجاعة، فإن الشجاع منشرح الصدر. # وأما سرور الروح ولذتها، فمحرم على كل جبان، كما هو محرم على كل بخيل، ~~وعلى كل معرض عن الله، غافل عن ذكره، جاهل به وبدينه، متعلق القلب بغيره، ~~ولا عبرة بانشراح صدر هذا لعارض، ولا بضيق صدر هذا لعارض، فإن العوارض تزول ~~بزوال أسبابها، وإنما المعول على الصفة التي قامت بالقلب توجب انشراحه ~~وحبسه، فهي الميزان. # ومنها بل من أعظمها PageV01P046 # إخراج دغل القلب من الصفات المذمومة، ومنه ترك فضول النظر والكلام، ~~والاستماع والخلطة، والأكل والنوم. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الصيام] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في الصيام لما كان المقصود من الصيام حبس ~~النفس عن الشهوات، لتستعد لطلب ms042 ما فيه غاية سعادتها، وقبول ما تزكو به مما ~~فيه حياتها الأبدية، ويكسر الجوع والظمأ من حدتها، ويذكرها بحال الأكباد ~~الجائعة من المساكين، وتضييق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام ~~والشراب، فهو لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار المقربين، وهو ~~لرب العالمين من بين الأعمال، فإن الصائم لا يفعل شيئا، وإنما يترك شهوته، ~~فهو ترك المحبوبات لمحبة الله، وهو سر بين العبد وربه، إذ العباد قد يطلعون ~~على ترك المفطرات الظاهرة، وأما كونه ترك ذلك، لأجل معبوده، فأمر لا يطلع ~~عليه بشر، وذلك حقيقة الصوم. # وله تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة عن التخليط ~~الجالب لها المواد الفاسدة، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها، ~~فهو من أكبر العون على التقوى، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب ~~عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 183] (1) . # وأمر صلى الله عليه وسلم من اشتدت شهوته للنكاح، ولا قدرة له عليه ~~بالصيام، وجعله وجاء هذه الشهوة (2) . # وكان هديه صلى الله عليه وسلم فيه أكمل هدي، وأعظمه تحصيلا للمقصود، ~~وأسهله على النفوس، ولما كان فطم النفوس عن شهواتها ومألوفاتها من أشق ~~الأمور، تأخر فرضه إلى ما بعد الهجرة، وفرض أولا على وجه التخيير بينه وبين ~~أن يطعم كل يوم مسكينا، ثم حتم الصوم، وجعل الإطعام للشيخ الكبير والمرأة ~~إذا لم يطيقا، ورخص للمريض والمسافر أن يفطرا، ويقضيا، والحامل والمرضع إذا ~~خافتا على PageV01P047 # أنفسهما كذلك، وإن خافتا على ولديهما زادتا مع القضاء إطعام مسكين لكل ~~يوم، فإن فطرهما لم يكن لخوف مرض، وإنما كان مع الصحة، فجبر بإطعام مسكين، ~~كفطر الصحيح في أول الإسلام. # وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادة، ~~وكان جبريل يدارسه القرآن في رمضان، وكان يكثر فيه من الصدقة والإحسان، ~~وتلاوة القرآن، والصلاة، والذكر، والاعتكاف. وكان يخصه من العبادات بما لا ~~يخص به غيره، حتى أنه ليواصل فيه أحيانا ليوفر ساعات ليله ونهاره على ~~العبادة. # وكان ينهى ms043 أصحابه عن الوصال، فيقولون له: إنك تواصل؟ فيقول: «لست كهيئتكم ~~إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» نهى عنه رحمة للأمة، وأذن فيه إلى السحر. # فصل وكان من هديه أن لا يدخل في صوم رمضان إلا برؤية محققة، أو بشهادة ~~شاهد، فإن لم يكن رؤية ولا شهادة، أكمل عدة شعبان ثلاثين، وكان إذا حال ~~ليلة الثلاثين دون منظره سحاب أكمل شعبان ثلاثين، ولم يكن يصوم يوم ~~الإغمام، ولا أمر به، بل أمر بإكمال عدة شعبان ولا يناقض هذا قوله: «فإن غم ~~عليكم فاقدروا له» فإن القدر: هو الحساب المقدور، والمراد به الإكمال. # وكان من هديه الخروج منه بشهادة اثنين، وإذا شهد شاهدان برؤيته بعد خروج ~~وقت العيد، أفطر، وأمرهم بالفطر، وصلى العيد من الغد في وقتها. # وكان يعجل الفطر، ويحث عليه، ويتسحر ويحث عليه ويؤخره ويرغب في تأخيره، ~~وكان يحض على الفطر على التمر، فإن لم يجده، فعلى الماء. # ونهى الصائم عن الرفث والصخب والسباب، وجواب السباب، وأمره أن يقول لمن ~~سابه: إني صائم (1) . # وسافر في رمضان، فصام، وأفطر، وخير أصحابه بين الأمرين، وكان يأمرهم ~~بالفطر إذا دنوا من العدو، ولم يكن من هديه تقدير المسافة التي يفطر فيها ~~الصائم بحد، PageV01P048 # وكان الصحابة حين ينشئون السفر يفطرون من غير اعتبار مجاوزة البيوت، ~~ويخبرون أن ذلك هديه وسنته صلى الله عليه وسلم. # «وكان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، فيغتسل بعد الفجر ويصوم» ، «وكان ~~يقبل بعض أزواجه وهو صائم في رمضان» ، وشبه قبلة الصائم بالمضمضة بالماء، ~~ولم يصح عنه صلى الله عليه وسلم التفريق بين الشاب والشيخ. # وكان من هديه إسقاط القضاء عمن أكل أو شرب ناسيا، وأن الله هو الذي أطعمه ~~وسقاه، والذي صح عنه تفطير الصائم به: هو الأكل والشرب، والحجامة والقيء، ~~والقرآن دل على الجماع، ولم يصح عنه في الكحل شيء. # وصح عنه أنه يستاك وهو صائم، وذكر أحمد عنه «أنه كان يصب على رأسه الماء ~~وهو صائم، وكان يتمضمض ويستنشق وهو صائم، ومنع الصائم من المبالغة في ~~الاستنشاق» ms044 ، «ولم يصح عنه أنه احتجم وهو صائم. # » قال أحمد: وروي عنه أنه قال في الإثمد: ليتقه الصائم ولا يصح، قال ابن ~~معين حديث منكر. # فصل وكان يصوم حتى يقال: لا يفطر. ويفطر حتى يقال: لا يصوم. وما استكمل ~~صيام شهر غير رمضان، وما كان يصوم في شهر أكثر مما كان يصوم في شعبان، ولم ~~يكن يخرج عنه شهر حتى يصوم منه، وكان يتحرى صيام الاثنين والخميس (1) . # وقال ابن عباس: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفطر أيام البيض في ~~حضر ولا سفر.» ذكره النسائي (2) . وكان يحض على صيامها. # وأما صيام عشر ذي الحجة، فقد اختلف عنه فيه، وأما صيام ستة أيام من شوال، ~~فصح عنه أنه قال: «صيامها مع رمضان يعدل صيام الدهر» وأما يوم عاشوراء، ~~«فإنه كان يتحرى صومه على سائر الأيام، ولما قدم المدينة وجد اليهود تصومه ~~وتعظمه، فقال: نحن أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه، وذلك قبل فرض رمضان، ~~فلما فرض رمضان قال: من شاء صامه ومن شاء تركه» # وكان من هديه إفطار يوم عرفة بعرفة ثبت PageV01P049 # عنه ذلك في الصحيحين وروي عنه «أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة» رواه أهل ~~" السنن " وصح عنه أن صيامه يكفر السنة الماضية والباقية ذكره مسلم ولم يكن ~~من هديه صيام الدهر، بل قد قال: «من صام الدهر لا صام ولا أفطر. # » «وكان يدخل على أهله، فيقول: هل عندكم شيء فإن قالوا: لا قال: إني إذا ~~صائم» وكان أحيانا ينوي صوم التطوع، ثم يفطر. # وأما حديث عائشة أنه قال لها ولحفصة اقضيا يوما مكانه فهو حديث معلول، ~~وكان إذا نزل على قوم وهو صائم أتم صيامه، كما فعل لما دخل على أم سليم ~~ولكن أم سليم عنده بمنزلة أهل بيته. # وفي الصحيح عنه أنه قال: «إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم، فليقل: إني ~~صائم وكان من هديه كراهة تخصيص يوم الجمعة بالصوم» . ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف] # فصل # في هديه صلى الله عليه ms045 وسلم في الاعتكاف لما كان صلاح القلب، واستقامته ~~في طريق ومسيره إلى الله تعالى متوقفا على جمعيته على الله، ولم شعثه ~~بإقباله بالكلية على الله، فإن شعث القلب لا يلمه إلا الإقبال على الله، ~~وكانت فضول الشراب والطعام، وفضول مخالطة الأنام، وفضول المنام، وفضول ~~الكلام مما يزيده شعثا، ويشتته في كل واد، ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى، ~~ويضعفه، أو يعوقه ويوقفه، اقتضت حكمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من ~~الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات ~~المعوقة له عن سيره إلى الله، وشرعه بقدر المصلحة بحيث ينتفع به العبد في ~~دنياه وأخراه، ولا يضره، وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب ~~على الله، والانقطاع عن الخلق، والاشتغال به وحده، فيصير أنسه بالله بدلا ~~عن أنسه بالخلق، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبر. # ولما كان هذا المقصود إنما يتم مع الصوم، شرع الاعتكاف في أفضل أيام ~~الصوم وهو العشر الأخير من رمضان، ولم يذكر الله سبحانه الاعتكاف إلا مع ~~الصوم، ولا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مع الصوم. # وأما الكلام، فإنه شرع # PageV01P050 # للأمة حبس اللسان عن كل ما لا ينفع في الآخرة، وأما فضول المنام، فإنه ~~شرع لهم من قيام الليل ما هو من أفضل السهر وأحمده عاقبة، وهو السهر ~~المتوسط الذي ينفع القلب والبدن، ولا يعوق العبد عن مصلحته، ومدار رياضة ~~أرباب الرياضات والسلوك على هذه الأركان الأربعة، وأسعدهم بها من سلك فيها ~~المنهاج المحمدي، فلم ينحرف انحراف الغالين، ولا قصر تقصير المفرطين، وقد ~~ذكرنا هديه في صيامه وقيامه وكلامه، فلنذكر هديه في اعتكافه. # «كان صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان» (1) حتى توفاه ~~الله عز وجل، وتركه مرة فقضاه في شوال، واعتكف مرة في العشر الأول، ثم ~~الأوسط، ثم العشر الأواخر يلتمس ليلة القدر، ثم تبين له أنها في العشر ~~الأواخر، فداوم على الاعتكاف حتى لحق بربه عز وجل، وكان يأمر بخباء، فيضرب ~~له في ms046 المسجد يخلو فيه لربه عز وجل، وكان إذا أراد الاعتكاف صلى الفجر، ثم ~~دخله، فأمر به مرة، فضرب له، فأمر أزواجه بأخبيتهن فضربت، فلما صلى الفجر، ~~نظر فرأى تلك الأخبية، فأمر بخبائه ففوض، وترك الاعتكاف في رمضان حتى اعتكف ~~العشر الأول من شوال، وكان يعتكف كل سنة عشرة أيام، «فلما كان العام الذي ~~قبض فيه، اعتكف عشرين يوما» (2) وكان يعارضه جبريل بالقرآن كل سنة مرة، ~~فلما كان ذلك العام عارضه به مرتين، وكان يعرض عليه القرآن أيضا في كل سنة ~~مرة، فعرض عليه تلك السنة مرتين، وكان إذا اعتكف دخل قبته وحده، وكان لا ~~يدخل بيته إلا لحاجة الإنسان، ويخرج رأسه إلى بيت عائشة فترجله وهي حائض، ~~وكان بعض أزواجه تزوره وهو معتكف، فإذا قامت تذهب، قام معها يقلبها، وكان ~~ذلك ليلا، ولم يكن يباشر امرأة من نسائه وهو معتكف لا بقبلة ولا غيرها، ~~وكان إذا اعتكف طرح له فراشه وسريره في معتكفه. # وكان إذا خرج لحاجته، مر بالمريض وهو في طريقه، فلا يعرج عليه إلا أن ~~يسأل عنه، واعتكف مرة في قبة تركية، وجعل على سدتها حصيرا، كل هذا تحصيل ~~لمقصود PageV01P051 # الاعتكاف عكس ما يفعله الجهال من اتخاذ المعتكف موضع عشرة، ومجلبة ~~للزائرين، فهذا لون، والاعتكاف المحمدي لون. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في حجه وعمرته] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في حجه وعمرته اعتمر صلى الله عليه وسلم بعد ~~الهجرة أربع عمر كلهن في ذي القعدة. # الأولى: عمرة الحديبية سنة ست، فصده المشركون عن البيت، فنحر وحلق حيث صد ~~هو وأصحابه وحلوا. الثانية: عمرة القضية في العام المقبل دخلها، فأقام بها ~~ثلاثا، ثم خرج. الثالثة: عمرته التي قرنها مع حجته. الرابعة: عمرته من ~~الجعرانة، ولم يكن في عمره عمرة واحدة خارجا من مكة، كما يفعله كثير من ~~الناس اليوم، وإنما كانت عمره كلها داخلا إلى مكة، وقد أقام بعد الوحي بمكة ~~ثلاث عشر سنة لم ينقل عنه أنه اعتمر خارجا من مكة، ولم يفعله ms047 أحد على عهده ~~قط إلا عائشة، لأنها أهلت بالعمرة، فحاضت فأمرها فقرنت، وأخبرها أن طوافها ~~بالبيت وبالصفا والمروة قد وقع عن حجها وعمرتها، فوجدت في نفسها أن ترجع ~~صواحبها بحج وعمرة مستقلين، فإنهن كن متمتعات، ولم يحضن، ولم يقرن، وترجع ~~هي بعمرة في ضمن حجتها، فأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم تطييبا لقلبها، ~~وكانت عمره كلها في أشهر الحج مخالفا لهدي المشركين فإنهم يكرهون العمرة ~~فيها، وهذا دليل على أن الاعتمار في أشهر الحج أفضل منه في رجب بلا شك، ~~وأما في رمضان، فموضع نظر، وقد صح عنه «أن عمرة في رمضان تعدل حجة» (1) وقد ~~يقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتغل في رمضان من العبادات بما هو ~~أهم من العمرة مع ما في ترك ذلك من الرحمة لأمته، فإنه لو فعل لبادرت الأمة ~~إلى ذلك، فكان يشق عليها الجمع بين العمرة والصوم، وكان يترك كثيرا من ~~العمل وهو يحب أن يعمله خشية المشقة عليهم. ولم يحفظ عنه أنه اعتمر في ~~السنة إلا مرة واحدة، ولا خلاف أنه صلى الله عليه وسلم لم يحج بعد الهجرة ~~إلا حجة واحدة سنة عشر، ولما نزل فرض الحج، بادر إليه رسول PageV01P052 # الله صلى الله عليه وسلم من غير تأخير، فإن فرضه تأخر إلى سنة تسع أو ~~عشر. # وأما قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] (1) فإنها وإن ~~نزلت سنة ست، فليس فيها فريضة الحج وإنما فيها الأمر بإتمامه وإتمام ~~العمرة، بعد الشروع فيهما. # ولما عزم صلى الله عليه وسلم على الحج أعلم الناس أنه حاج، فتجهزوا ~~للخروج معه، وسمع بذلك من حول المدينة، فقدموا يريدون الحج، مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ووافاه في الطريق خلائق لا يحصون، وكانوا من بين يديه ~~ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله مد البصر، وخرج من المدينة نهارا بعد الظهر ~~لست بقين من ذي القعدة بعد أن صلى الظهر بها أربعا، وخطبهم قبل ذلك خطبة ~~علمهم فيها الإحرام، وواجباته وسننه، فصلى الظهر، ثم ترجل، ms048 وادهن، ولبس ~~إزاره ورداءه، وخرج فنزل بذي الحليفة، فصلى بها العصر ركعتين. ### | فصل في إحرامه # فصل ثم بات بها، وصلى بها المغرب والعشاء، والصبح والظهر، وكان نساؤه ~~كلهن معه، وطاف عليهن تلك الليلة، فلما أراد الإحرام، اغتسل غسلا ثانيا ~~لإحرامه، ثم طيبته عائشة بيدها بذريرة وطيب فيه مسك في بدنه ورأسه حتى كان ~~وبيص المسك يرى في مفارقه ولحيته، ثم استدامه، ولم يغسله، ثم لبس إزاره ~~ورداؤه، ثم صلى الظهر ركعتين، ثم أهل بالحج والعمرة في مصلاه. ولم ينقل أنه ~~صلى للإحرام ركعتين. # وقلد قبل الإحرام بدنه نعلين، وأشعرها في جانبها الأيمن، فشق صفحة ~~سنامها، وسلت الدم عنها. # وإنما قلنا: إنه أحرم قارنا. لبضعة وعشرين حديثا صريحة صحيحة في ذلك، ~~ولبد رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه بالغسل وهو بالمعجمة: وهو ما يغسل ~~به الرأس من خطمي ونحوه يلبد به الشعر حتى لا ينتشر، وأهل في مصلاه، ثم ركب ~~ناقته، فأهل أيضا ثم أهل أيضا لما استقلت به على البيداء، وكان يهل بالحج ~~والعمرة تارة، وبالحج تارة، لأن العمرة جزء منه، فمن ثم قيل: قرن. وقيل: ~~تمتع. وقيل: أفرد. وقول ابن حزم إن PageV01P053 # ذلك قبل الظهر بيسير. وهم منه، والمحفوظ أنه إنما أهل بعد الظهر، ولم يقل ~~أحد قط: إن إحرامه كان قبل الظهر. فلا أدري من أين له هذا. # ثم لبى، فقال: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة ~~لك والملك، لا شريك لك» ورفع صوته بهذه التلبية حتى سمعها أصحابه، وأمرهم ~~بأمر الله له أن يرفعوا أصواتهم بها وكان حجه على رحل لا محمل وزاملته ~~تحته، وقد اختلف في جواز ركوب المحرم في المحمل والعمارية ونحوهما. # وخيرهم صلى الله عليه وسلم عند الإحرام بين الأنساك الثلاثة، ثم ندبهم ~~عند دنوهم من مكة إلى فسخ الحج والقران إلى العمرة لمن لم يكن معه هدي، ثم ~~حتم ذلك عليهم عند المروة. # وولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر فأمرها أن تغتسل، وتستثفر بثوب ~~وتحرم ms049 وتهل. # ففية جواز غسل المحرم، وأن الحائض تغتسل، وأن الإحرام يصح من الحائض. # ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسم وهو يلبي بتلبيته المذكورة، والناس ~~معه يزيدون فيها وينقصون، وهو يقرهم. # فلما كان بالروحاء، رأى حمار وحش عقيرا قال: «دعوه، فإنه يوشك أن يأتي ~~صاحبه فجاء صاحبه، فقال: شأنكم به فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ~~بكر فقسمه بين الرفاق،» ففيه جواز أكل المحرم صيد الحلال إذا لم يصد لأجله، ~~ويدل على أن الصيد يملك بالإثبات. # ثم مضى حتى إذا كان بين الرويثة والعرج إذا ظبي حاقف في ظل فيه سهم، فأمر ~~رجلا أن يقف عنده لا يريبه أحد، والفرق بينه وبين الحمار أنه لم يعلم أن ~~الذي صاده حلال. # ثم سار حتى إذا نزل بالعرج، وكانت زاملته وزاملة أبي بكر واحدة مع غلام ~~لأبي بكر، فطلع الغلام وليس معه البعير، فقال: أين بعيرك؟ قال: أضللته ~~البارحة. فقال أبو بكر: بعيرا واحدا وتضله! فطفق يضربه ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يبتسم، ويقول: «انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع» # - 91 - ثم مضى حتى إذا كان بالأبواء، أهدى له الصعب بن جثامة عجز حمار ~~وحش، فرده، وقال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم» فلما مر بوادي عسفان قال: ~~«يا أبا بكر أي واد هذا؟ قال: وادي عسفان. قال: لقد مر به هود وصالح على ~~بكرين أحمرين خطمهما الليف، وأزرهما العباء، وأرديتهما النمار يلبون يحجون ~~البيت العتيق» ذكره # PageV01P054 # أحمد. # فلما كان بسرف حاضت عائشة وقال لأصحابه بسرف: «من لم يكن معه هدي، فأحب ~~أن يجعلها عمرة، فليفعل، ومن كان معه هدي فلا» وهذه رتبة أخرى فوق رتبة ~~التخيير عند الميقات، فلما كان بمكة، أمر أمرا حتما من لا هدي معه أن ~~يجعلها عمرة، ويحل من إحرامه، ومن معه هدي أن يقيم على إحرامه، ولم ينسخ ~~ذلك شيء البتة، بل «سأله سراقة بن مالك عن هذه العمرة التي أمرهم بالفسخ ~~إليها: هل هي لعامهم ذلك أم للأبد؟ فقال بل ms050 للأبد» قال: ثم نهض رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى أن نزل بذي طوى وهي المعروفة بآبار الزاهر، فبات ~~بها ليلة الأحد لأربع خلون من ذي الحجة، وصلى بها الصبح، ثم اغتسل من يومه، ~~ونهض إلى مكة، فدخلها نهارا من أعلاها من الثنية العليا التي تشرف على ~~الحجون، وكان في العمرة يدخلها من أسفلها، ثم سار حتى دخل المسجد، وذلك ~~ضحى. # وذكر الطبري أنه دخل من باب بني عبد مناف الذي يسمى باب بني شيبة، وذكر ~~أحمد أنه كان إذا دخل مكانا من دار يعلى استقبل البيت، ودعا، وذكر الطبري ~~أنه كان إذا نظر إلى البيت قال: «اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما ~~وتكريما ومهابة» # وروي عنه أنه كان عند رؤيته يرفع يديه، ويكبر، ويقول: «اللهم أنت السلام، ~~ومنك السلام، حينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما، ~~وتكريما ومهابة، وزد من حجه أو اعتمره تكريما وتشريفا وتعظيما وبرا» وهو ~~مرسل. # فلما دخل المسجد، عمد إلى البيت، ولم يركع تحية المسجد، فإن تحية المسجد ~~الحرام الطواف، فلما حاذى الحجر، استلمه، ولم يزاحم عليه، ولم يتقدم عنه ~~إلى جهة الركن اليماني، ولم يرفع يديه، ولم يقل: نويت بطوافي هذا الأسبوع ~~كذا وكذا. ولا افتتحه بالتكبير، ولا حاذى الحجر بجميع بدنه، ثم انفتل عنه ~~وجعله على شقه الأيمن، بل استقبله واستلمه، ثم أخذ على يمينه، ولم يدع عند ~~الباب، ولا تحت الميزاب، ولا عند ظهر الكعبة وأركانها، ولا وقت للطواف ذكرا ~~معينة، بل حفظ عنه بين الركنين: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ~~وقنا عذاب النار} [البقرة: 201] # ورمل فيطوافه هذه الثلاثة الأشواط، وقارب بين خطاه، واضطبع بردائه، فجعله ~~على أحد كتفيه، وأبدى # PageV01P055 # كتفه الآخر ومنكبه، وكلما حاذى الحجر الأسود أشار إليه، واستلمه بمحجنه ~~وقبل المحجن، وهو عصا محنية الرأس. # وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه استلم الركن اليماني، ولم يثبت عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه قبله، ولا قبل يده عند استلامه، وثبت عنه صلى الله عليه ms051 ~~وسلم أنه قبل الحجر الأسود، وثبت عنه أنه استلمه بيده، فوضع يده عليه، ثم ~~قبلها، وثبت عنه أنه استلمه بمحجنه، فهذه ثلاث صفات وذكر الطبراني بإسناد ~~جيد أنه إذا استلم الركن قال: «بسم الله والله أكبر» وكلما أتى على الحجر ~~الأسود قال: «الله أكبر» ولم يستلم صلى الله عليه وسلم، ولم يمس من الأركان ~~إلا اليمانيين فقط. # فلما فرغ من طوافه جاء إلى خلف المقام، فقرأ {واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى} [البقرة: 125] (1) فركع ركعتين، والمقام بينه وبين البيت، قرأ فيهما ~~بعد الفاتحة ب " سورتي الإخلاص " وقراءته الآية بيان منه المراد منها لله ~~بفعله، فلما فرغ من صلاته أقبل على الحجر، فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا من ~~الباب الذي يقابله، فلما دني منه قرأ « {إن الصفا والمروة من شعائر الله} ~~[البقرة: 158] أبدأ بما بدأ الله به» وللنسائي: «ابدءوا» على الأمر. # ثم رقي عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: «لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ~~لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» ثم دعا ~~بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة يمشي فلما انصبت قدماه ~~سعى حتى إذا جاوز الوادي وأصعد، مشى، وذلك قبل الميلين الأخضرين في أول ~~المسعى، والظاهر أن الوادي لم يتغير عن وضعه. # فكان صلى الله عليه وسلم إذا وصل المروة رقي عليها ; واستقبل البيت، وكبر ~~الله ووحده، وفعل كما فعل على الصفا، فلما أكمل سعيه عند المروة، أمر كل من ~~لا هدي معه أن يحل حتما، وأمرهم أن يحلوا الحل كله، وأن يبقوا كذلك إلى يوم ~~التروية، ولم يحل من أجل هديه، وهناك قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ~~لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة» وهناك دعا للمحلقين بالمغفرة ثلاثا، ~~وللمقصرين مرة. # وأما نساؤه فأحللن، وكن قارنات إلا عائشة، فإنها لم تحل من أجل تعذر الحل ~~بالحيض، وأمر من أهل كإهلاله أن يقيم على ms052 PageV01P056 # إحرامه إن كان معه هدي، وأن يحل إن لم يكن معه هدي. # وكان يصلي مدة مقامه إلى يوم التروية بمنزله بالمسلمين بظاهر مكة، فأقام ~~أربعة أيام يقصر الصلاة، فلما كان يوم الخميس ضحى توجه بمن معه من المسلمين ~~إلى منى، فأحرم بالحج من كان أحل منهم من رحالهم، ولم يدخلوا إلى المسجد، ~~بل أحرموا ومكة خلف ظهورهم. # فلما وصل إلى منى، نزل وصلى بها الظهر والعصر وبات بها، فلما طلعت الشمس، ~~سار إلى عرفة، وأخذ على طريق ضب على يمين طريق الناس اليوم، وكان من ~~الصحابة الملبي، ومنهم المكبر، وهو يسمع ولا ينكر، فوجد القبة قد ضربت له ~~بنمرة بأمره، وهي قرية شرقي عرفات، وهي خراب اليوم، فنزل فيها حتى إذا زالت ~~الشمس أمر بناقته القصواء فرحلت، ثم سار حتى أتى بطن الوادي من أرض عرنة. # فخطب الناس وهو على راحلته خطبة عظيمة، قرر فيها قواعد الإسلام، وهدم ~~فيها قواعد الشرك والجاهلية، وقرر فيها تحريم المحرمات التي اتفقت الملل ~~على تحريمها وهي الدماء والأموال والأعراض، ووضع فيها أمور الجاهلية تحت ~~قدميه، ووضع فيها ربا الجاهلية كله وأبطله، وأوصاهم بالنساء خيرا وذكر الحق ~~الذي لهن وعليهن، وأن الواجب لهن الرزق، والكسوة بالمعروف، ولم يقدر ذلك ~~تقديرا، وأباح للأزواج ضربهن إذا أدخلن إلى بيوتهن من يكرهه أزواجهن، وأوصى ~~فيها الأمة بالاعتصام بكتاب الله، وأخبر أنهم لن يضلوا ما داموا معتصمين ~~به، ثم أخبرهم أنهم مسئولون عنه ; واستنطقهم بماذا يقولون، وبماذا يشهدون ; ~~فقالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فرفع أصبعه إلى السماء، واستشهد ~~الله عليهم ثلاث مرات، وأمرهم أن يبلغ شاهدهم غائبهم وخطب خطبة واحدة ولم ~~تكن خطبتين جلس بينهما. # فلما أتمها، أمر بلالا فأذن، ثم أقام، فصلى الظهر ركعتين أسر فيهما ~~القراءة وكان يوم الجمعة، فدل على أن المسافر لا يصلي الجمعة، ثم أقام، ~~فصلى العصر ركعتين أيضا، ومعه أهل مكة، فصلوا بصلاته قصرا وجمعا، وفيه أوضح ~~دليل على أن سفر القصر لا يتحدد بمسافة معلومة. # فلما فرغ من صلاته، ركب ms053 حتى أتى الموقف، فوقف في ذيل الجبل عند الصخرات، ~~واستقبل القبلة، وجعل حبل المشاة بين # PageV01P057 # يديه، وكان على بعيره، فأخذ في الدعاء والتفرع والابتهال إلى غروب الشمس، ~~وأمر الناس أن يرفعوا عن بطن عرنة، وأخبر أن «عرفة كلها موقف» وأرسل إلى ~~الناس أن يكونوا على مشاعرهم، ويقفوا بها، فإنها من أثر إرث أبيهم إبراهيم، ~~وكان في دعائه رافعا يديه إلى صدره، كاستطعام المسكين، وأخبرتم أن «خير ~~الدعاء يوم عرفة» # وذكر من دعائه صلى الله عليه وسلم في الموقف: «اللهم لك الحمد كالذي ~~تقول، وخيرا مما نقول، اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي، وإليك مآبي، ~~ولك رب ترابي، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر، وشتات ~~الأمر، اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح» ذكره الترمذي. # ومما ذكر من دعائه هناك: «اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري ~~وعلانيتي ولا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث ~~المستجير، الوجل المشفق، المقر المعترف بذنوبه، أسألك مسألة المسكين، ~~وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير من خضعت لك ~~رقبته، وفاضت لك عيناه، وذل جسده، ورغم أنفه لك، اللهم لا تجعلني بدعائك رب ~~شقيا، وكن بي رءوفا رحيما يا خير المسئولين، ويا خير المعطين» ذكره ~~الطبراني. # وذكر أحمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: كان أكثر دعاء النبي ~~صلى الله عليه وسلم يوم عرفة «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك ~~وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير» وأسانيد هذه الأدعية فيها ~~لين. # وهنا أنزلت عليه: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا} [المائدة: 3] (1) . # وهناك سقط رجل عن راحلته، فمات فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يكفن في ثوبيه، ولا يمس بطيب وأن يغسل بماء وسدر، ولا يغطى رأسه ولا وجهه، ~~وأخبر أن الله تعالى يبعثه يوم القيامة يلبي. وفيه اثنا عشر حكما: الأول: ~~وجوب غسل الميت. الثاني: أنه لا ms054 ينجس بالموت، لأنه لو تنجس، لم يزده غسله ~~إلا نجاسة. الثالث: أن الميت يغسل بماء وسدر. الرابع: أن تغير الماء ~~بالطاهرات لا يسلبه طهوريته. الخامس: إباحة الغسل للمحرم. السادس: أن ~~المحرم PageV01P058 # غير ممنوع من الماء والسدر. السابع: أن الكفن مقدم على الميراث وعلى ~~الدين، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر أن يكفن في ثوبيه ولم يسأل عن وارثه ~~ولا عن دين عليه. الثامن: جواز الاقتصار في الكفن على ثوبين. التاسع: أن ~~المحرم ممنوع من الطيب. العاشر: أن المحرم ممنوع من تغطية رأسه. الحادي ~~عشر: منع المحرم من تغطية وجهه وبإباحته قال ستة من الصحابة، واحتج ~~المبيحون بأقوال هؤلاء، وأجابوا عن قوله: «لا تخمروا وجهه» بأن هذه اللفظة ~~غير محفوظة. الثاني عشر: بقاء الإحرام بعد الموت. فلما غربت الشمس، واستحكم ~~غروبها بحيث ذهبت الصفرة، أفاض من عرفة، وأردف أسامة بن زيد خلفه، وأفاض ~~بالسكينة وضم إليه زمام ناقته حتى إن رأسها ليضرب طرف رجليه، وهو يقول: ~~«أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالإيضاع» أي: بالإسراع. # وأفاض من طريق المأزمين، ودخل عرفة من طريق ضب، وهكذا كانت عادته صلوات ~~الله وسلامه عليه في الأعياد أن يخالف بين الطريق، ثم جعل يسير العنق وهو ~~ضرب من المسير ليس بالسريع ولا البطيء فإذا وجد فجوة - وهو المتسع - نص ~~سيره، أي: رفعه فوق ذلك، وكلما أتى ربوة من الربى أرخى للناقة زمامها قليلا ~~حتى تصعد. # وكان يلبي في مسيره ذلك لا يقطع التلبية، فلما كان في أثناء الطريق نزل، ~~فبال وتوضأ وضوءا خفيفا، فقال له أسامة: الصلاة يا رسول الله. قال: «المصلى ~~أمامك» ثم سار حتى أتى مزدلفة فتوضأ وضوء الصلاة، ثم أمر بالأذان، فأذن ~~المؤذن، ثم أقام، فصلى المغرب قبل حط الرحال، وتبريك الجمال، فلما حطوا ~~رحالهم أمر، فأقيمت الصلاة، ثم صلى العشاء بإقامة بلا أذان، ولم يصل بينهما ~~شيئا، ثم نام حتى أصبح. # ولم يحيي تلك الليلة، ولا صح عنه في إحياء ليلتي العيدين شيء، وأمر في ~~تلك الليلة بضعفة أهله أن ms055 يتقدموا إلى منى قبل طلوع الفجر، وكان عند غيبوبة ~~القمر، وأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس، وأما الحديث الذي فيه أن ~~أم سلمة رمت قبل الفجر، فحديث منكر أنكره أحمد وغيره، ثم ذكر حديث سودة ~~وأحاديث غيره، ثم قال: # ثم تأملنا فإذا أنه لا تعارض بين هذه الأحاديث، فإنه أمر الصبيان أن لا ~~يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس، فإنه # PageV01P059 # لا عذر لهم في تقديم الرمي، أما من قدمه من النساء: فرمين قبل طلوع الشمس ~~للعذر، والخوف عليهن من المزاحمة، وهذا الذي دلت عليه السنة: جواز الرمي ~~قبل طلوع الشمس لعذر من مرض أو كبر، وأما القادر الصحيح "، فلا يجوز له ~~ذلك. والذي دلت عليه السنة إنما هو التعجيل بعد غيبوبة القمر لا نصف الليل، ~~وليس مع من حده بالنصف دليل. # فلما طلع الفجر صلاها في أول الوقت - لا قبله قطعا - بأذان وإقامة، ثم ~~ركب حتى أتى موقفه عند المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، وأخذ في الدعاء ~~والتضرع والتكبير والتهليل والذكر حتى أسفر جدا، ووقف صلى الله عليه وسلم ~~في موقفه، وأعلم الناس أن مزدلفة كلها موقف، ثم سار مردفا للفضل وهو يلبي ~~في مسيره، وانطلق أسامة على رجليه في سباق قريش. # وفي طريقه ذلك أمر ابن عباس أن يلقط له حصى الجمار سبع حصيات، ولم يكسرها ~~من الجبل تلك الليلة، كما يفعله من لا علم عنده، ولا التقطها بالليل، ~~فالتقط له سبعا من حصى الحذف، فجعل ينفضهن في كفه، ويقول: «أمثال هؤلاء ~~فارموا، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» ~~فلما أتى بطن محسر حرك ناقته وأسرع السير، وهذه كانت عادته في المواضع التي ~~نزل بها بأس الله بأعدائه، فإن هناك أصاب أصحاب الفيل ما قص الله، ولذلك ~~سمي وادي محسر، لأن الفيل حسر فيه، أي: أعيا وانقطع عن الذهاب إلى مكة. # وكذلك فعل في سلوكه الحجر. ومحسر: برزخ بين منى ومزدلفة، والمشعر الحرام ~~لا من هذه، ولا من هذه، وعرفة: برزخ بين عرفة ms056 والمشعر الحرام ليس منهما، ~~فمنى من الحرم وهي مشعر، ومحسر من الحرم، وليس بمشعر، ومزدلفة: حرم ومشعر، ~~وعرفة ليست مشعرا، وهي من الحل، وعرفة حل ومشعر. # وسلك الطريق الوسطى بين الطريقين وهي التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى ~~أتى منى، فأتى جمرة العقبة، فوقف في أسفل الوادي، وجعل البيت عن يساره، ~~ومنى عن يمينه، واستقبل الجمرة وهو على راحلته، فرماها راكبا بعد طلوع ~~الشمس واحدة بعد واحدة يكبر مع كل حصاة وحينئذ قطع التلبية وبلال # PageV01P060 # وأسامة معه أحدهما آخذ بخطام ناقته، والآخر يظلله بثوبه من الحر، وفيه ~~جواز استظلال الحرم بالمحمل ونحوه. # فصل ثم رجع إلى منى، فخطب خطبة بليغة أعلمهم فيها بحرمة يوم النحر ~~وتحريمه وفضله، وحرمة مكة على جميع البلاد، وأمر بالسمع والطاعة لمن قادهم ~~بكتاب الله، وأمر الناس بأخذ مناسكهم عنه، وقال: «لعلي لا أحج بعد عامي ~~هذا» وعلمهم مناسكهم، وأنزل المهاجرين والأنصار منازلهم، وأمر الناس أن لا ~~يرجعوا بعده كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض، وأمر بالتبليغ عنه، وأخبر أنه «رب ~~مبلغ أوعى من سامع» وقال في خطبته: «لا يجني جان إلا على نفسه» وأنزل ~~المهاجرين عن يمين القبلة، والأنصار عن يسارها، والناس حولهم، وفتح الله له ~~أسماع الناس حتى سمعه أهل منى في منازلهم، وقال في خطبته تلك: «اعبدوا ~~ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم» وودع ~~حينئذ الناس، فقالوا: حجة الوداع. # ثم انصرف إلى المنحر بمنى، فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده وكان ينحرها قائمة ~~معقولة يدها اليسرى، وكان عددها عدد سني عمره، ثم أمسك، وأمر عليا أن ينحر ~~ما بقي من المائة، ثم أمره أن يتصدق بجلالها وجلودها ولحومها في المساكين، ~~وأمره أن لا يعطي الجزار في جزارتها شيئا منها، وقال: «نحن نعطيه من عندنا ~~وقال: من شاء اقتطع» فإن قيل ففي " الصحيحين " عن أنس في حجته: «ونحر صلى ~~الله عليه وسلم بيده سبع بدن قياما» قيل: يخرج على أحد وجوه ثلاثة: # أحدها: أنه لم ينحر بيده أكثر من سبع، وأنه ms057 أمر من نحر إلى تمام ثلاث ~~وستين، ثم زال عن ذلك المكان وأمر عليا، فنحر ما بقي. الثاني: أن يكون أنس ~~لم يشاهد إلا السبع، وشاهد جابر تمام النحر. الثالث: أنه نحر بيده منفردا ~~سبعا، ثم أخذ هو وعلي الحربة معا فنحرا كذلك تمام ثلاث وستين كما قال غرفة ~~بن الحارث الكندي أنه شاهد النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ قد أخذ بأعلى ~~الحربة، وأمر عليا فأخذ بأسفلها، ونحرا بها البدن. ثم انفرد # PageV01P061 # علي بنحر الباقي من المائة كما قال جابر، والله أعلم. # ولم ينقل أحد أنه صلى الله عليه وسلم، ولا أصحابه جمعوا بين الهدي ~~والأضحية، بل كان هديهم هو ضحاياهم، فهو هدي بمنى، وأضحية بغيرها، وأما قول ~~عائشة: «ضحى عن نسائه بالبقر،» فهو هدي أطلق عليه اسم الأضحية، فإنهن كن ~~متمتعات، وعليهن الهدي، وهو الذي نحره عنهن، لكن في قصة نحر البقرة عنهن ~~وهن تسع إشكال وهو: إجزاء البقرة عن أكثر من سبعة، وهذا الحديث جاء بثلاثة ~~ألفاظ. # أحدها: بقرة واحدة بينهن. الثاني: أنه ضحى عنهن يومئذ بالبقر. الثالث: ~~دخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ فقيل: ذبح رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن أزواجه. وقد اختلف في عدد من تجزئ عنهم البدنة والبقرة، فقيل: ~~سبعة، وقيل: عشرة. وهو قول إسحاق، ثم ذكر أحاديث، ثم قال: وهذه الأحاديث ~~تخرج على أحد وجوه ثلاثة إما أن يقال ; أحاديث السبعة أكثر وأصح، وإما أن ~~يقال: عدل البعير بعشرة من الغنم في الغنائم، لأجل تعديل القسمة، وأما في ~~الهدايا والضحايا، فهو تقدير شرعي، وإما أن يقال: ذلك يختلف باختلاف ~~الأزمنة والأمكنة والإبل والله أعلم. # ونحر صلى الله عليه وسلم بمنحره بمنى وأعلمهم أن «منى كلها منحر» وأن ~~«فجاج مكة طريق ومنحر» وفيه دليل على أن النحر لا يختص بمنى، بل حيث نحر من ~~فجاج مكة أجزأه، لقوله: «وقفت ههنا وعرفة كلها موقف» وسئل أن يبنى له بمنى ~~مظلة من الحر، فقال: «لا منى مناخ من سبق» وفيه دليل ms058 على اشتراك المسلمين ~~فيها، وأن من سبق إلى مكان، فهو أحق به حتى يرتحل عنه، ولا يملك بذلك. # فلما أكمل نحره، استدعى بالحلاق، فحلق رأسه، وقال: «يا معمر أمكنك رسول ~~الله من شحمة أذنه، وفي يدك الموسى، فقال: أما والله يا رسول الله إن ذلك ~~لمن نعمة الله علي ومنه قال: أجل» ذكره أحمد وقال له: " خذ " وأشار إلى ~~جانبه الأيمن، ثم قسمه بين من يليه، ثم أشار إليه، فحلق الأيسر، ثم قال: " ~~ههنا أبو طلحة؟ " فدفعه إليه. # ودعا للمحلقين بالمغفرة ثلاثا، وللمقصرين مرة، وهو دليل على أن الحلق نسك ~~ليس بإطلاق من محصور. # PageV01P062 # فصل ثم أفاض إلى مكة قبل الظهر راكبا، فطاف طواف الإفاضة، ولم يطف غيره، ~~ولم يسع معه، هذا هو الصواب، ولم يرمل فيه، ولا في طواف الوداع، وإنما رمل ~~في طواف القدوم. # ثم أتى زمزم وهم يسقون، فقال: «لولا أن يغلبكم الناس لنزلت فسقيت معكم» ~~ثم ناولوه الدلو، فشرب وهو قائم، قيل: لأن النهي عن الشرب قائما على وجه ~~الاختيار، وقيل: للحاجة وهو أظهر، وفي " الصحيح " عن ابن عباس «طاف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على بعيره يستلم الركن بمحجنه،» ~~وفيه مثله من حديث جابر، وفيه: لأن يراه الناس، وليشرف، وليسألوه، فإن ~~الناس غشوه. وهذا ليس بطواف الوداع، فإنه طافه ليلا، ولا طواف القدوم، فإنه ~~رمل فيه، ولم يقل أحد: رملت به راحلته. ثم رجع إلى منى. # واختلف هل صلى الظهر بها أو بمكة؟ وطافت عائشة في ذلك اليوم طوافا واحدا، ~~وسعت سعيا واحدا أجزأها عن حجها وعمرتها، وطافت صفية ذلك اليوم، ثم حاضت ~~فأجزأها ذلك عن طواف الوداع، فاستقرت سنته صلى الله عليه وسلم إذا حاضت ~~المرأة قبل الطواف أن تقرن وتكتفي بطواف واحد، وسعي واحد، وإن حاضت بعد ~~طواف الإفاضة أجزأها عن طواف الوداع. # ثم رجع إلى منى من يومه ذلك فبات بها، فلما أصبح انتظر زوال الشمس، فلما ~~زالت مشى إلى الجمرة ولم يركب فبدأ - 105 - بالجمرة الأولى التي ms059 تلي مسجد ~~الخيف، فرماها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة يقول مع كل حصاة: الله أكبر، ثم ~~تقدم عن الجمرة أمامها حتى أسهل فقام مستقبل القبلة، ثم رفع يديه، ودعا ~~دعاء طويلا بقدر سورة البقرة، ثم أتى الوسطى، فرماها كذلك. # ثم انحدر ذات اليسار مما يلي الوادي، فوقف مستقبل القبلة رافعا يديه يدعو ~~قريبا من وقوفه الأول، ثم أتى جمرة العقبة، فاستبطن الوادي وجعل البيت عن ~~يساره، فرماها بسبع حصيات كذلك، ثم رجع، ولم يبق عندها، فقيل: لضيق المكان. ~~وقيل - وهو أصح -: إن دعاءه كان في نفس العبادة، قبل الفراغ منها، فلما رمى ~~جمرة العقبة، # PageV01P063 # فرغ الرمي، والدعاء في صلب العبادة أفضل. ولم يزل في نفسي هل كان يرمي ~~قبل الصلاة أو بعدها، والذي يغلب على الظن أنه قبلها، لأن جابرا وغيره ~~قالوا: كان يرمي إذا زالت الشمس. ### | [فصل قد تضمنت حجته صلى الله عليه وسلم ست وقفات للدعاء] # فصل فقد تضمنت حجته صلى الله عليه وسلم ست وقفات للدعاء: على الصفا، وعلى ~~المروة، وبعرفة، وبمزدلفة، وعند الجمرة الأولى، وعند الجمرة الثانية. # وخطب بمنى خطبتين، يوم النحر وتقدمت، والثانية في أوسط أيام التشريق، ~~واستأذنه العباس أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له، واستأذنه ~~رعاء الإبل في البيتوتة خارج منى عند الإبل، فأرخص لهم أن يرموا يوم النحر، ~~ثم يجمعوا رمي يومين بعده يرمونه في أحدهما. قال مالك: ظننت أنه قال: في ~~أول يوم منهما، ثم يرمون يوم النفر. وقال ابن عيينة في هذا الحديث: رخص ~~للرعاء أن يرموا يوما، ويدعوا يوما، فيجوز للطائفتين بالسنة ترك المبيت ~~بمنى، وأما الرمي، فإنهم لا يتركونه، بل لهم أن يؤخروه إلى الليل، ولهم أن ~~يجمعوا رمي يومين في يوم. # ومن له مال يخاف ضياعه، أو مريض يخاف من تخلفه عنه، أو كان مريضا لا ~~يمكنه البيتوتة، سقطت عنه بتنبيه النص على هؤلاء، ولم يتعجل في يومين، بل ~~تأخر حتى أكمل الرمي في الأيام الثلاثة، وأفاض يوم الثلاثاء بعد الظهر إلى ~~المحصب، وهو ms060 الأبطح، وهو خيف بني كنانة ; فوجد أبا رافع قد ضرب قبته هناك، ~~وكان على ثقله توفيقا من الله عز وجل دون أن يأمره به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فصلى به الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، ورقد رقدة، ثم نهض إلى ~~مكة، فطاف للوداع ليلا سحرا. # ورغبت إليه عائشة تلك الليلة أن يعمرها عمرة مفردة، فأخبرها أن طوافها ~~بالبيت وبالصفا والمروة قد أجزأها عن حجها وعمرتها، فأبت إلا أن تعتمر عمرة ~~مفردة، فأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم، ففرغت من عمرتها ليلا، ثم وافت ~~المحصب مع أخيها في جوف الليل، فقال: فرغتما؟ قالت: نعم فنادى بالرحيل، ~~فارتحل الناس. # وفي حديث الأسود في " الصحيح " عنها: «فلقيني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو # PageV01P064 # مصعد من مكة، وأنا منهبطة عليها، أو أنا مصعدة وهو منهبط منها» . ففيه ~~أنهما تلاقيا، وفي الأول أنه انتظرها في منزله، فإن كان حديث الأسود ~~محفوظا، فصوابه: لقيني وأنا مصعدة من مكة وهو منهبط إليها. فإنها قضت ~~عمرتها، ثم أصعدت لميعاده، فوافته وقد أخذ في الهبوط إلى مكة للوداع، وله ~~وجه غير هذا. واختلف في التحصيب هل هو سنة أو منزل اتفاق؟ على قولين. # فصل ويرى كثير من الناس أن دخول البيت من سنن الحج؛ اقتداء بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم، والذي تدل عليه سنته أنه لم يدخله في حجة ولا في عمرة، ~~وإنما دخله عام الفتح، وكذلك الوقوف في الملتزم الذي روي عنه أنه فعله يوم ~~الفتح، وأما ما رواه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنه ~~وضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه وبسطهما وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يفعله-فهذا يحتمل أن يكون وقت الوداع، وأن يكون في غيره، ولكن ~~قال مجاهد وغيره: يستحب أن يقف في الملتزم بعد طواف الوداع. وكان ابن عباس ~~يلتزم ما بين الركن والباب. وفي " صحيح البخاري " أنه صلى الله عليه وسلم ~~لما أراد الخروج، ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت وهي شاكية، وأرادت ms061 الخروج، ~~فقال لها: «إذا أقيمت صلاة الصبح، فطوفي على بعيرك والناس يصلون» . ففعلته، ~~ولم تصل حتى خرجت، وهذا محال أن يكون يوم النحر، فهو طواف الوداع بلا ريب، ~~فظهر أنه صلى الصبح يومئذ بمكة، وسمعته أم سلمة يقرأ ب " الطور "، ثم ارتحل ~~راجعا إلى المدينة، «فلما كان بالروحاء، لقي ركبا، فسلم عليهم، وقال: من ~~القوم؟ فقالوا: المسلمون، قالوا: فمن القوم؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فرفعت إليه امرأة صبيا لها من محفة، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ ~~قال: نعم، ولك أجر» . فلما أتى ذا الحليفة، بات بها، فلما رأى المدينة، كبر ~~ثلاث مرات، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، ~~وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق ~~الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» . ثم # PageV01P065 # دخلها نهارا من طريق المعرس، وخرج من طريق الشجرة. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الهدايا والضحايا والعقيقة] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في الهدايا والضحايا والعقيقة وهي مختصة ~~بالأزواج الثمانية المذكورة في " سورة الأنعام "، وهذا مأخوذ من القرآن من ~~أربع آيات: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} [المائدة: 1] (1) الثانية: {ليذكروا ~~اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} [الحج: 34] (2) الثالثة: {ومن ~~الأنعام حمولة وفرشا} [الأنعام: 142] (3) الآية، والتي تليها الرابعة قوله: ~~{هديا بالغ الكعبة} [المائدة: 95] (4) . فدل على أن الذي يبلغ الكعبة من ~~الهدي هو هذه الأزواج الثمانية، وهذا استنباط علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه. والذبائح التي هي عبادة ثلاث: الهدي، والأضحية، والعقيقة، فأهدى صلى ~~الله عليه وسلم الغنم، وأهدى الإبل، وأهدى عن نسائه البقر والهدي في مقامه، ~~وفي حجته، وفي عمرته، وكانت سنته تقليد الغنم دون إشعارها، وإذا بعث بهديه ~~وهو مقيم، لم يحرم منه شيئا كان منه حلالا، وإذا أهدى الإبل، قلدها ~~وأشعرها، فيشق صفحة سنامها الأيمن يسيرا حتى يسيل الدم، وإذا بعث بهدي أمر ~~رسوله إذا أشرف على عطب شيء منه أن ينحر، ثم يصبغ ms062 نعله في دمه، ثم يجعله ~~على صفحته، ولا يأكل منه ولا أحد من رفقته، ثم يقسم لحمه، ومنعه من هذا ~~الأكل سدا للذريعة؛ لئلا يقصر في حفظه. وشرك بين أصحابه في الهدي، البدنة ~~عن سبعة، والبقرة عن سبعة، وأباح لسائق الهدي ركوبه بالمعروف إذا احتاج حتى ~~يجد غيره، وقال علي: يشرب من لبنها ما فضل عن ولدها. وكان هديه ينحر الإبل ~~قياما معقولة يدها اليسرى، وكان يسمي الله عند نحره ويكبر، وكان يذبح نسكه ~~بيده، وربما وكل في بعضه، وكان إذا ذبح الغنم وضع قدميه على صفاحها، ثم سمى ~~وكبر ونحر، وأباح لأمته أن يأكلوا من هداياهم وضحاياهم، ويتزودوا منها، ~~ونهاهم أن يدخروا منها بعد ثلاث لدافة دفت عليهم ذلك العام. وربما ~~PageV01P066 # قسم لحم الهدي، وربما قال: «من شاء اقتطع» ، واستدل به على جواز النهبة ~~في النثار في العرس ونحوه، وفرق بينهما بما لا يتبين، وكان هديه ذبح هدي ~~العمرة عند المروة، وهدي القران بمنى، ولم ينحر هديه قط إلا بعد أن حل، ولم ~~ينحره أيضا إلا بعد طلوع الشمس وبعد الرمي، فهذه أربعة أمور مرتبة يوم ~~النحر، أولها: الرمي، ثم النحر، ثم الحلق، ثم الطواف، ولم يرخص في النحر ~~قبل طلوع الشمس البتة. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الأضاحي] # فصل وأما هديه صلى الله عليه وسلم في الأضاحي، فإنه لم يكن يدع الأضحية، ~~وكان يضحي بكبشين ينحرهما بعد الصلاة، وأخبر أن من ذبح قبلها، فليس من ~~النسك في شيء، وإنما هو لحم قدمه لأهله هذا الذي ندين لله به، لا الاعتبار ~~بوقت الصلاة، وأمرهم أن يذبحوا الجذع من الضأن، والثني مما سواه، وروي عنه ~~أنه قال: «كل أيام التشريق ذبح» ، ولكنه منقطع، وهو مذهب عطاء والحسن ~~والشافعي، واختاره ابن المنذر. وكان من هديه اختيار الأضحية، واستحسانها، ~~وسلامتها من العيوب، ونهى عن أن يضحى بعضباء الأذن والقرن، أي مقطوع الأذن ~~ومكسور القرن -النصف فما زاد - ذكره أبو داود. وأمر أن تستشرف العين ~~والأذن، أي ينظر إلى سلامتها. ms063 ولا يضحى بعوراء، ولا مقابلة، ولا مدابرة، ~~ولا شرقاء، ولا خرقاء. والمقابلة: التي قطع مقدم أذنها، والمدابرة: التي ~~قطع مؤخر أذنها، والشرقاء: التي شقت أذنها، والخرقاء: التي خرقت أذنها، ~~ذكره أبو داود. # وكان من هديه أن يضحي بالمصلى، وذكر أبو داود عن جابر أنه ذبح يوم النحر ~~كبشين أقرنين أملحين موجوءين، فلما وجههما قال: «وجهت وجهي للذي فطر ~~السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي ~~لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين، اللهم منك ~~ولك عن محمد وأمته، بسم الله والله أكبر» ، ثم ذبح، وأمر الناس إذا ذبحوا ~~أن يحسنوا الذبحة، وإذا قتلوا أن يحسنوا القتلة، وقال: «إن الله كتب ~~الإحسان على كل شيء» . ومن هديه أن الشاة تجزئ عن الرجل وعن أهل بيته. # PageV01P067 ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في العقيقة] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في العقيقة في " الموطأ " أنه سئل عنها، ~~فقال: «لا أحب العقوق» ، كأنه كره الاسم، وصح عنه من حديث عائشة: «عن ~~الغلام شاتان، وعن الجارية شاة» ، «كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم ~~السابع، ويحلق رأسه ويسمى» (1) . والرهن في اللغة: الحبس، قيل: محبوسا عن ~~الشفاعة لأبويه، والظاهر أنه مرتهن في نفسه محبوس من خير يراد به، ولا يلزم ~~منه أن يعاقب في الآخرة. وقد يفوت الولد خير بسبب تفريط الأبوين، كترك ~~التسمية عند الجماع، وذكر أبو داود في " المراسيل " عن جعفر بن محمد، عن ~~أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في عقيقة الحسن والحسين «أن يبعثوا ~~إلى بيت القابلة برجل، وكلوا وأطعموا، ولا تكسروا منها عظما» . قال ~~الميموني: تذاكرنا لكم يسمى الصبي؟ فقال أبو عبد الله: يروى عن أنس أنه ~~يسمى لثلاثة، وأما سمرة فقال: يسمى اليوم السابع. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الأسماء والكنى] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في الأسماء والكنى ثبت عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: «إن أخنع اسم عند ms064 الله عز وجل رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك ~~إلا الله» (2) . وثبت عنه: «إن أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، ~~وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرة» . وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «لا تسمين غلامك يسارا، ولا رباحا، ولا نجيحا، ولا أفلح، فإنك تقول: ~~أثم هو؟ فلا يكون، فيقول: لا» . وثبت عنه أنه غير اسم عاصية، وقال أنت ~~جميلة، وكان اسم جويرية: برة، فغيره باسم جويرية، وقالت زينب بنت أم سلمة: ~~نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمى بهذا الاسم، وقال: «لا تزكوا ~~أنفسكم، الله أعلم بأهل البر منكم» ، وغير اسم أبي الحكم بأبي شريح، وغير ~~اسم أصرم بزرعة، وغير اسم PageV01P068 # حزن جد ابن المسيب بسهل، فأبى، وقال: السهل يوطأ ويمتهن. وقال أبو داود: ~~وغير النبي صلى الله عليه وسلم اسم العاص، وعزيز، وعتلة، وشيطان، والحكم، ~~وغراب، وحباب، وشهاب، فسماه هشاما، وسمى حربا سلما، وسمى المضطجع المنبعث، ~~وأرضا عفرة سماها خضرة، وشعب الضلالة سماه شعب الهداية، وبنو مغوية سماهم ~~بني رشدة. ولما كانت الأسماء قوالب للمعاني دالة عليها، اقتضت الحكمة أن ~~يكون بينها وبينها ارتباط وتناسب، وأن لا يكون المعنى معها بمنزلة الأجنبي ~~المحض، فإن الحكمة تأبى ذلك، والواقع يشهد بخلافه، بل للأسماء تأثير في ~~المسميات، وللمسميات تأثر عن أسمائها في الحسن والقبح، والخفة والثقل، ~~واللطافة والكثافة، كما قيل: # وقل أن أبصرت عيناك ذا لقب ... إلا ومعناه إن فكرت في لقبه # وكان صلى الله عليه وسلم يحب الاسم الحسن، وأمر إذا أبردوا إليه بريدا أن ~~يكون حسن الاسم، حسن الوجه، وكان يأخذ المعاني من أسمائها في المنام ~~واليقظة، كما رأى أنه هو وأصحابه في دار عقبة بن رافع، فأتوا برطب من رطب ~~ابن طاب، فأوله أن العاقبة لهم في الدنيا، والرفعة في الآخرة، وأن الدين ~~الذي اختاره الله لهم قد أرطب وطاب. وتأول سهولة الأمر يوم الحديبية من ~~مجيء سهيل، وندب جماعة إلى حلب شاة، فقام رجل يحلبها، فقال: «ما اسمك "؟ ~~قال: مرة. فقال: ms065 " اجلس " فقام آخر، فقال: " ما اسمك "؟ قال- أظنه-: حرب. ~~قال: " اجلس " فقام آخر، فقال: " ما اسمك "؟ قال: يعيش، قال: " احلبها» . ~~وكان يكره الأمكنة المنكرة الأسماء، ويكره العبور فيها، كما مر بين جبلين، ~~فسأل عن اسمهما، فقالوا: فاضح ومخزي. فعدل عنهما. ولما كان بين الأسماء ~~والمسميات من الارتباط والتناسب والقرابة ما بين قوالب الأشياء وحقائقها، ~~وما بين الأرواح والأجسام، عبر العقل من كل منهما إلى الآخر، كما كان إياس ~~بن معاوية وغيره يرى الشخص، فيقول: ينبغي أن يكون اسمه كيت وكيت، فلا يكاد ~~يخطئ، وضد هذا العبور من اسمه إلى مسماه، كما سأل عمر رجلا عن اسمه، فقال: ~~جمرة. فقال: واسم أبيك؟ فقال: شهاب. قال: فمنزلك؟ قال بحرة النار. قال: ~~فأين مسكنك؟ قال: بذات لظى. قال: اذهب فقد # PageV01P069 # احترق مسكنك، قال: فذهب فوجد الأمر كذلك. كما عبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن اسم سهيل إلى سهولة أمرهم، وأمر أمته بتحسين أسمائهم، وأخبر أنهم ~~يدعون يوم القيامة بها، وتأمل كيف اشتق للنبي صلى الله عليه وسلم من وصفه ~~اسمان مطابقان لمعناه وهما أحمد ومحمد، فهو لكثرة ما فيه من الصفات ~~المحمودة وشرفها وفضلها على صفات غيره أحمد، وكذلك تكنيته لأبي الحكم بأبي ~~جهل، وكذلك تكنية الله عز وجل لعبد العزى بأبي لهب لما كان مصيره إلى ذات ~~لهب، ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، واسمها يثرب، سماها طيبة ~~لما زال عنها من معنى التثريب. ولما كان الاسم الحسن يقتضي مسماه قال صلى ~~الله عليه وسلم لبعض العرب: «يا بني عبد الله، إن الله قد أحسن اسمكم واسم ~~أبيكم» . فانظر كيف دعاهم إلى عبودية الله بذلك. وتأمل أيضا الستة ~~المتبارزين يوم بدر، فالوليد له بداية الضعف، وشيبة له نهاية، وعتبة من ~~العتب، وأقرانهم علي وأبو عبيدة والحارث، العلو والعبودية والسعي الذي هو ~~الحرث؛ ولذلك كان أحب الأسماء إلى الله ما اقتضى أحب الأوصاف إليه، فإضافة ~~العبودية إلى اسمه " الله " و " الرحمن " أحب إليه من إضافتها إلى " القادر ~~" و " القاهر " وغيرها، وهذا ms066 لأن التعلق الذي بين العبد وربه إنما هو ~~العبودية المحضة، والتعلق بين الله وبين العبد بالرحمة المحضة، فبرحمته كان ~~وجوده وكماله، والغاية التي أوجده لأجلها أن يتألهه وحده محبة وخوفا ورجاء. ~~ولما والهم مبدأ الإرادة، وترتب على إرادته حرثه وكسبه، كان أصدق الأسماء ~~اسم همام وحارث. ولما كان الملك الحق لله وحده، كان أخنع اسم عند الله ~~وأغضبه له اسم " شاهان شاه " أي ملك الملوك، وسلطان السلاطين، فإن ذلك ليس ~~لأحد غير الله عز وجل، فتسمية غيره بهذا باطل، والله لا يحب الباطل. وقد ~~ألحق بعضهم بهذا قاضي القضاة، ويليه في القبح سيد الناس؛ لأن ذلك ليس لأحد ~~إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما كان مسمى الحرب والمرارة أكره شيء ~~للنفوس، كان أقبح الأشياء حربا ومرة. وعلى قياسه حنظلة وحزن، وما أشبههما، ~~ولما كانت أخلاق الأنبياء أشرف الأخلاق، كانت في أسمائهم أحسن الأسماء، ~~فندب النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى التسمي بأسمائهم، كما في سنن أبي ~~داود والنسائي عنه: «تسموا بأسماء الأنبياء» ، ولو لم يكن فيه # PageV01P070 # إلا أن الاسم يذكر بمسماه، ويقتضي التعلق بمعناه، لكفى به مصلحة. وأما ~~النهي عن تسمية الغلام بيسار ونحوه، فهو لمعنى آخر أشار إليه في الحديث، ~~وهو قوله: «فإنك تقول: أثم هو؟» ، إلى آخره، والله أعلم هل هي من تمام ~~الحديث أو مدرجة، فإن هذه الأسماء لما كانت قد توجب تطيرا، وقد تقطع الطيرة ~~على المتطيرين، فاقتضت حكمة الرءوف بأمته أن يمنعهم من أسباب توجب سماع ~~المكروه أو وقوعه، هذا إلى ما ينضاف إلى ذلك من تعليق ضد الاسم عليه بأن ~~يسمى يسارا من هو من أعسر الناس، ونجيحا من لا نجاح معه، ورباحا من هو من ~~الخاسرين، فيكون قد وقع في الكذب عليه وعلى الله. وأمر آخر وهو أن يطالب ~~بمقتضى اسمه، فلا يوجد، فيجعل ذلك سببا لسبه، كما قيل: # سموك من جهلهم سديدا ... والله ما فيك من سداد # وهذا كما أن من المدح ما يكون ذما موجبا لسقوط الممدوح عند ms067 الناس، فإنه ~~يمدح بما ليس فيه، فتطالبه النفوس بما مدح به، وتظنه عنده، فلا تجده كذلك ~~فينقلب ذما، ولو ترك لغير مدح لم تحصل تلك المفسدة، وأمر آخر وهو اعتقاد ~~المسمى أنه كذلك، فيقع في تزكية نفسه كما نهى أن تسمى برة، فعلى هذا تكره ~~التسمية بالرشيد والمطيع والطائع وأمثال ذلك. وأما تسمية الكفار بذلك، فلا ~~يجوز التمكين منه ولا دعاؤهم بشيء من ذلك. وأما الكنية، فهي نوع تكريم، ~~وكنى النبي صلى الله عليه وسلم صهيبا بأبي يحيى، وعليا بأبي تراب، وكنى أخا ~~أنس وهو صغير بأبي عمير، وكان هديه تكنية من له ولد، ومن لا ولد له، ولم ~~يثبت عنه أنه نهى عن كنية إلا الكنية بأبي القاسم، فاختلف فيه، فقيل: لا ~~يجوز مطلقا، وقيل: لا يجوز الجمع بينها وبين اسمه، وفيه حديث صححه الترمذي، ~~وقيل: يجوز الجمع بينهما؛ لحديث علي: «إن ولد لي من بعدك ولد أسميه باسمك، ~~وأكنيه بكنيتك؟ قال: " نعم» ، صححه الترمذي. وقيل: المنع منه مختص بحياته. ~~والصواب أن التكني بكنيته ممنوع منه، والمنع في حياته أشد، والجمع بينهما ~~ممنوع منه، وحديث علي في صحته نظر، والترمذي فيه نوع تساهل في التصحيح. وقد ~~قال علي: إنها رخصة له، وهذا يدل على بقاء المنع لمن # PageV01P071 # سواه. وحديث عائشة: «ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي» -غريب، لا يعارض بمثله ~~الحديث الصحيح. وكره قوم من السلف الكنية بأبي عيسى، وأجازه آخرون، فروى ~~أبو داود عن زيد بن أسلم أن عمر ضرب ابنا له تكنى بأبي عيسى، وكني المغيرة ~~بأبي عيسى فقال عمر: أما يكفيك أن تكنى بأبي عبد الله؟ فقال: إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كناني بذلك، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وإنا لفي جلجلتنا (1) . فلم يزل ~~يكنى بأبي عبد الله حتى هلك. ونهى عن تسمية العنب كرما، وقال: «الكرم قلب ~~المؤمن» (2) وهذا لأن هذه اللفظة تدل على كثرة الخير والمنافع، وقال: «لا ~~يغلبنكم ms068 الأعراب على اسم صلاتكم، ألا وإنها العشاء، وإنهم يسمونها العتمة» ~~. وقال: «لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا» . والصواب أنه ~~لم ينه عن إطلاق هذا الاسم بالكلية، وإنما نهى عن أن يهجر اسم العشاء، وهذا ~~محافظة منه على الاسم الذي سمى به العبادات، فلا تهجر ويؤثر عليها غيرها، ~~كما فعله المتأخرون في هجران ألفاظ النصوص، وإيثار المصطلحات الحادثة ~~عليها، ونشأ بسبب هذا من الجهل والفساد ما الله به عليم، وهذا لمحافظته على ~~تقديم ما قدمه الله. وبدأ في العيد بالصلاة ثم نحر، وبدأ في أعضاء الوضوء ~~بالوجه، ثم اليدين، ثم الرأس، ثم الرجلين، وقدم زكاة الفطر على صلاة العيد؛ ~~لقوله: {قد أفلح من تزكى - وذكر اسم ربه فصلى} [الأعلى: 14 - 15] (3) ~~ونظائره كثيرة. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ المنطق واختيار الألفاظ] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ المنطق واختيار الألفاظ كان يتخير في ~~خطابه، ويختار لأمته أحسن الألفاظ وأبعدها من ألفاظ أهل الجفاء والفحش، فلم ~~يكن فاحشا ولا متفحشا ولا صخابا ولا فظا. وكان يكره أن يستعمل اللفظ الشريف ~~في حق من ليس كذلك، وأن PageV01P072 # يستعمل اللفظ المكروه في حق من ليس من أهله. فمن الأول منعه أن يقال ~~للمنافق: سيد، ومنعه أن يسمى العنب كرما، ومنعه من تسمية أبي جهل بأبي ~~الحكم، وكذلك تغييره لاسم أبي الحكم من الصحابة بأبي شريح، وقال: «إن الله ~~هو الحكم وإليه الحكم» ، ومنه نهيه المملوك أن يقول لسيده: ربي، وللسيد أن ~~يقول لمملوكه: عبدي وأمتي. وقال لمن ادعى أنه طبيب: «أنت رفيق، وطبيبها ~~الذي خلقها» . والجاهلون يسمون الكافر الذي له علم بشيء من الطبيعة: حكيما، ~~ومنه قوله للذي قال: ومن يعصهما فقد غوى: «بئس الخطيب أنت» . ومنه قوله: ~~«لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان» ، وفي معناه قول من لا يتوقى الشرك: ~~أنا بالله وبك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما لي إلا الله وأنت، وأنا متوكل ~~على الله وعليك، وهذا من الله ومنك، ووالله ms069 وحياتك، وأمثال هذه الألفاظ ~~التي يجعل قائلها المخلوق ندا لله، وهي أشد منعا وقبحا من قوله: ما شاء ~~الله وشئت. فأما إذا قال: أنا بالله، ثم بك، وما شاء الله ثم شئت - فلا ~~بأس، كما في حديث الثلاثة: «لا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك» . وأما ~~القسم الثاني وهو أن تطلق ألفاظ الذم على من ليس من أهلها، فمثل نهيه عن سب ~~الدهر، وقال: «إن الله هو الدهر» ، وفيه ثلاث مفاسد، أحدها: سب من ليس ~~بأهل. الثانية: أن سبه متضمن للشرك، فإنه ما سبه إلا لظنه أنه يضر وينفع، ~~وأنه ظالم، وأشعار هؤلاء في سبه كثيرة جدا، وكثير من الجهال يصرح بلعنه. ~~الثالثة: أن السب إنما يقع على فاعل هذه الأفعال التي لو اتبع الحق فيها ~~أهواءهم لفسدت السماوات والأرض، وإذا وافقت أهواءهم حمدوا الدهر، وأثنوا ~~عليه. ومن هذا قوله: «لا يقولن أحدكم: تعس الشيطان؛ فإنه يتعاظم حتى يكون ~~مثل البيت ويقول: صرعته بقوتي، ولكن ليقل: باسم الله، فإنه يتصاغر حتى يكون ~~مثل الذباب» . وفي حديث آخر: «إن العبد إذا لعن الشيطان يقول: إنك لتلعن ~~ملعنا» . وهذا قول: أخزى الله الشيطان، وقبح الله الشيطان. فإن ذلك كله ~~يفرحه، ويقول: علم ابن آدم أني نلته بقوتي. وذلك ما يعينه على إغوائه، ~~فأرشد النبي صلى الله عليه وسلم من مسه شيء من الشيطان: أن يذكر الله، ~~ويذكر اسمه، ويستعيذ بالله منه، فإن ذلك # PageV01P073 # أنفع له، وأغيظ للشيطان. ومن ذلك نهيه أن يقول الرجل: خبثت نفسي، ولكن ~~يقول: لقست نفسي، ومعناهما واحد، أي: غثت نفسي، وساء خلقها، فكره لهم لفظ ~~الخبث؛ لما فيه من القبح والشناعة. ومنه نهيه عن قول القائل بعد فوات ~~الأمر: لو أني فعلت كذا وكذا، وقال: «إنها تفتح عمل الشيطان» ، وأرشده إلى ~~ما هو أنفع منها، وهو أن يقول: «قدر الله وما شاء فعل» (1) وذلك لأن قوله: ~~لو كنت فعلت كذا لم يفتني ما فاتني، أو لم أقع فيما وقعت فيه - كلام لا ~~يجدي عليه فائدة، فإنه غير ms070 مستقبل لما استدبر، وغير مستقيل عثرته ب " لو "، ~~وفي ضمنها أن الأمر لو كان كما قدره في نفسه لكان غير ما قضاه الله، ووقوع ~~خلاف المقدر محال، فقد تضمن كلامه كذبا وجهلا ومحالا، وإن سلم من التكذيب ~~بالقدر، لم يسلم من معارضته ب " لو ". فإن قيل: فتلك الأسباب التي تمناها ~~من القدر أيضا، قيل: هذا حق، ولكن هذا ينفع قبل وقوع القدر المكروه، فإذا ~~وقع فلا سبيل إلى دفعه أو تخفيفه، بل وظيفته في هذه الحال أن يستقبل فعله ~~الذي يدفع به أو يخفف أثر ما وقع، ولا يتمنى ما لا مطمع في وقوعه، فإنه عجز ~~محض، والله يلوم على العجز، ويحب الكيس، وهو مباشرة الأسباب، فهي تفتح عمل ~~الخير، وأما العجز فيفتح عمل الشيطان، فإنه إذا عجز عما ينفعه صار إلى ~~الأماني الباطنة؛ ولهذا استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من العجز والكسل، ~~وهما مفتاح كل شر، ويصدر عنهما الهم والحزن، والجبن والبخل، وضلع الدين، ~~وغلبة الرجال، فمصدرها كلها عن العجز والكسل، وعنوانها " لو "؛ فلذلك قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن " لو " تفتح عمل الشيطان» . فالمتمني من ~~أعجز الناس وأفلسهم، وأصل المعاصي كلها العجز، فإن العبد يعجز عن أسباب ~~الطاعات، وعن الأسباب التي تبعده عن المعاصي وتحول بينه وبينها، فجمع في ~~هذا الحديث الشريف أصل الشر وفروعه، ومبادئه وغاياته، وموارده ومصادره، وهو ~~مشتمل على ثمان خصال، كل خصلتين منها قرينتان، فقال: «أعوذ بك من الهم ~~والحزن» وهما قرينان، فإن المكروه الوارد على القلب إما أن يكون سببه أمرا ~~ماضيا، PageV01P074 # فهو يحدث الحزن، وإما أن يكون توقع مستقبل، فهو يورث الهم، وكلاهما من ~~العجز، فإن ما مضى لا يدفع بالحزن، بل بالرضى والحمد، والصبر، والإيمان ~~بالقدر. وقول العبد: قدر الله وما شاء فعل، وما يستقبل لا يدفع بالهم، بل ~~إما أن تكون له حيلة في دفعه، فلا يعجز عنه، وإما أن لا يكون له حيلة في ~~دفعه، فلا يجزع، ويلبس له لباسه من التوحيد والتوكل والرضى بالله ربا فيما ms071 ~~يحب ويكره، والهم والحزن يضعفان العزم، ويوهنان القلب، ويحولان بين العبد ~~وبين الاجتهاد فيما ينفعه، فهما حمل ثقيل على ظهر السائر. ومن حكمة العزيز ~~الحكيم تسليط هذين الجنديين على القلوب المعرضة عنه ليردها عن كثير من ~~معاصيها، ولا تزال هذه القلوب في هذا السجن حتى تخلص إلى فضاء التوحيد ~~والإقبال على الله، ولا سبيل إلى خلاص القلب من ذلك إلا بذلك، ولا بلاغ إلا ~~بالله وحده، فإنه لا يوصل إليه إلا هو، ولا يدل عليه إلا هو. وإذا أقام ~~العبد في أي مقام كان، فبحمده وحكمته أقامه فيه، ولم يمنع العبد حقا هو له، ~~بل منعه ليتوسل إليه بمحابه فيعطيه، وليرده إليه وليعزه بالتذلل له، ~~وليغنيه بالافتقار إليه، وليجبره بالانكسار بين يديه، وليوليه بعزله أشرف ~~الولايات، وليشهده حكمته في قدرته، ورحمته في عزته، وإن منعه عطاء، وعقوبته ~~تأديب، وتسليط أعدائه عليه سائق يسوقه إليه، والله أعلم حيث يجعل مواقع ~~عطائه، وأعلم حيث يجعل رسالته {وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من ~~الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين} [الأنعام: 53] (1) فهو ~~سبحانه أعلم بمحال التخصيص، فمن رده المنع إليه، انقلب عطاء، ومن شغله ~~عطاؤه عنه، انقلب منعا، وهو سبحانه وتعالى أراد منا الاستقامة، واتخاذ ~~السبيل إليه، وأخبرنا أن هذا المراد لا يقع حتى يريد من نفسه إعانتنا ~~ومشيئتنا له، كما قال تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} ~~[التكوير: 29] (2) . فإن كان مع العبد روح أخرى نسبتها إلى روحه كنسبة روحه ~~إلى جسده يستدعي بها إرادة الله من نفسه أن يفعل به ما يكون به العبد ~~فاعلا، وإلا فمحله غير قابل للعطاء، وليس معه إناء يوضع فيه العطاء، فمن ~~جاء بغير إناء رجع PageV01P075 # بالحرمان، فلا يلومن إلا نفسه. والمقصود أنه صلى الله عليه وسلم استعاذ ~~من الهم والحزن، وهما قرينان، ومن العجز والكسل، وهما قرينان، فإن تخلف ~~صلاح العبد وكماله عنه إما أن يكون لعدم قدرته عليه، فهو عجز، أو يكون ~~قادرا لكن لا يريده، فهو كسل، وينشأ عن ms072 هاتين الصفتين فوات كل خير، وحصول ~~كل شر، ومن ذلك الشر تعطيله عن النفع ببدنه وهو الجبن، وعن النفع بماله وهو ~~البخل، ثم ينشأ له من ذلك غلبتان غلبة بحق وهي غلبة الدين، وغلبة بباطل وهي ~~غلبة الرجال، وكل هذه ثمرة العجز والكسل. ومن هذا قوله في الحديث الصحيح ~~للذي قضى عليه، فقال: «حسبي الله ونعم الوكيل، إن الله يلوم على العجز، ~~ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر، فقل حسبي الله ونعم الوكيل» فهذا قالها ~~بعد عجزه عن الكيس الذي لو قام به لقضي له على خصمه، فلو فعل الأسباب ثم ~~غلب فقالها، لوقعت موقعها، كما أن إبراهيم الخليل لما فعل الأسباب المأمور ~~بها ولم يعجز بترك شيء منها، ثم غلبه العدو، وألقوه في النار قال: حسبي ~~الله ونعم الوكيل -فوقعت الكلمة موقعها، فأثرت أثرها. وكذلك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه يوم أحد لما قيل لهم بعد انصرافهم من أحد: {إن ~~الناس قد جمعوا لكم} [آل عمران: 173] فتجهزوا وخرجوا لهم، ثم قالوها، فأثرت ~~أثرها؛ ولهذا قال الله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا - ويرزقه من حيث ~~لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق: 2 - 3] (1) وقال الله ~~تعالى: {واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [المائدة: 11] (2) ~~فالتوكل والحسب بدون القيام بالأسباب المأمور بها عجز محض، وإن كان مشوبا ~~بنوع من التوكل، فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزا، ولا عجزه توكلا، بل ~~يجعل توكله من جملة الأسباب التي لا يتم المقصود إلا بها كلها. ومن هنا غلط ~~طائفتان، إحداهما: زعمت أن التوكل وحده سبب مستقل، فعطلت الأسباب التي ~~اقتضتها حكمة الله. الثانية: قامت بالأسباب وأعرضت عن التوكل، والمقصود أنه ~~صلى الله عليه وسلم أرشد العبد إلى ما فيه غاية كماله، أن يحرص على ما ~~ينفعه ويبذل PageV01P076 # جهده، وحينئذ ينفعه التحسب، بخلاف من فرط ثم قال: حسبي الله ونعم الوكيل، ~~فإن الله يلومه، ولا يكون في هذه الحال حسبه، فإنما هو حسب من اتقاه ثم ~~توكل عليه. ### | [فصل ms073 في هديه صلى الله عليه وسلم في الذكر] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في الذكر كان أكمل الناس ذكرا لله عز وجل، بل ~~كان كلامه كله في ذكر الله وما والاه، وكان أمره ونهيه وتشريعه للأمة ذكرا ~~منه لله، وإخباره عن أسماء الرب وصفاته، وأحكامه وأفعاله، ووعده ووعيده ~~ذكرا منه له، وثناؤه عليه بآلائه وتمجيده وتسبيحه وتحميده ذكرا منه له، ~~وسكوته ذكرا منه له بقلبه، فكان ذاكرا لله في كل أحيانه، وكان ذكره لله ~~يجري مع أنفاسه قائما وقاعدا، وعلى جنبه، وفي مشيه، وركوبه، وسيره، ونزوله، ~~وظعنه، وإقامته. وكان إذا استيقظ قال: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما ~~أماتنا وإليه النشور» (1) . # ثم ذكر أحاديث رويت فيما يقول إذا استيقظ، وإذا استفتح الصلاة، وإذا خرج ~~من بيته، وإذا دخل المسجد، وما يقول في المساء والصباح، وعند لبس الثوب، ~~ودخول المنزل، ودخول الخلاء، والوضوء والأذان، ورؤية الهلال، والأكل، ~~والعطاس. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم عند دخوله منزله] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم عند دخوله منزله لم يكن ليفجأ أهله بغتة ~~يتخونهم، ولكن كان يدخل على علم منهم، وكان يسلم عليهم، وإذا دخل بدأ ~~بالسواك، وسأل عنهم، وربما قال: «هل عندكم من غداء؟» وربما سكت حتى يحضر ~~بين يديه ما تيسر. وثبت عنه أن رجلا سلم عليه وهو يبول، فلم يرد عليه، ~~وأخبر «أن الله سبحانه وتعالى يمقت الحديث على الغائط» ، وكان لا يستقبل ~~القبلة، ولا يستدبرها بغائط، ولا بول، ونهى عن ذلك. PageV01P077 ### | [في هديه صلى الله عليه وسلم في الأذان] # فصل ثبت عنه أنه سن الأذان بترجيع وغير ترجيع، وشرع الإقامة مثنى وفرادى، ~~ولكن كلمة الإقامة: " قد قامت الصلاة " لم يصح عنه إفرادها لبتة، وكذلك ~~الذي صح عنه تكرار لفظ التكبير في أول الأذان، ولم يصح عنه الاقتصار على ~~مرتين، وشرع لأمته عند الأذان خمسة أنواع، أحدها: أن يقولوا مثل ما قال ~~المؤذن إلا في الحيعلتين، فأبدلها ب " لا حول ولا قوة إلا بالله "، ولم يجئ ms074 ~~عنه الجمع بينهما، ولا الاقتصار على الحيعلة، وهذا مقتضى الحكمة، فإن كلمات ~~الأذان ذكر، وكلمة الحيعلة دعاء إلى الصلاة، فسن للسامع أن يستعين على هذه ~~الدعوة بكلمة الإعانة. الثاني: أن يقول: «رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، ~~وبمحمد رسولا» ، وأخبر أن من قال ذلك: «غفر له ذنبه» (1) . الثالث: أن يصلي ~~على النبي صلى الله عليه وسلم بعد فراغه من إجابة المؤذن، وأكملها ما علمه ~~أمته، وإن تحذلق المتحذلقون. الرابع: أن يقول بعد الصلاة عليه: «اللهم رب ~~هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه ~~مقاما محمودا» (2) . الخامس: أن يدعو لنفسه بعد ذلك، وفي " السنن " عنه: ~~«الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة (3) قالوا: فما نقول يا رسول الله؟ ~~قال: سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة» . حديث صحيح. وكان يكثر الدعاء ~~في عشر ذي الحجة، ويأمر فيه بالإكثار من التهليل والتكبير والتحميد، ويذكر ~~عنه أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق، ~~فيقول: الله أكبر الله أكبر، لا إلله الا الله، الله أكبر الله أكبر، ولله ~~الحمد. وهذا وإن كان لا يصح إسناده، فالعمل عليه، ولفظه هكذا، يشفع ~~التكبير، وأما كونه ثلاثا، فإنما روي عن جابر وابن عباس من فعلهما فقط، ~~وكلاهما حسن. قال الشافعي: وإن زاد PageV01P078 # فقال: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا - كان ~~حسنا. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في آداب الطعام] # فصل وكان إذا وضع يده في الطعام قال: بسم الله (1) وأمر بذلك، ويقول: ~~«إذا نسي فليقل: بسم الله في أوله وآخره» (2) . حديث صحيح. والصحيح وجوب ~~التسمية عند الأكل، وتاركها شريكه الشيطان في طعامه وشرابه، وأحاديث الأمر ~~بها صحيحة صريحة، ولا معارض لها، ولا إجماع يسوغ مخالفتها. وهل تزول مشاركة ~~الشيطان بتسمية أحد الجماعة؟ فنص الشافعي على إجزاء تسمية الواحد، وقد ~~يقال: لا ترفع مشاركة الشيطان للآكل إلا بتسميته هو. وللترمذي وصححه عن ~~عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل طعاما في ستة من ms075 أصحابه، فجاء ~~أعرابي، فأكله بلقمتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما إنه لو ~~سمى لكفاكم» . ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه سموا؛ ولهذا جاء ~~في حديث حذيفة: حضرنا طعاما، فجاءت جارية كأنها تدفع، فذهبت لتضع يدها، ~~فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدها، ثم جاء أعرابي، فأخذ بيده، فقال: ~~«إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه، وإنه جاء بهذه الجارية ~~ليستحل بها، فأخذت بيدها، فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به، فأخذت بيده، والذي ~~نفسي بيده، إن يده لفي يدي مع يديهما، ثم ذكر اسم الله وأكل» . ولكن قد ~~يجاب بأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن وضع يده، ولكن الجارية ابتدأت. وأما ~~مسألة رد السلام وتشميت العاطس ففيها نظر، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم: ~~«إذا عطس أحدكم فحمد الله، فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته» ، وإن سلم الحكم ~~فيهما، فالفرق بينهما وبين مسألة الأكل ظاهر، فإن الشيطان إنما يتوصل إلى ~~مشاركته الأكل، فإذا سمى غيره، قلت مشاركة الشيطان له، وتبقى المشاركة بينه ~~وبين من لم يسم. ويذكر عنه أنه كان إذا شرب تنفس في الإناء PageV01P079 # ثلاثة أنفاس يحمد الله في كل نفس، ويشكره في آخرهن. وما عاب طعاما قط، بل ~~إن كرهه تركه، وسكت، وربما قال: أجدني أعافه، أي لا أشتهيه. وكان يمدح ~~الطعام أحيانا كقوله: نعم الإدام الخل، لمن قال: ما عندنا إلا خل؛ تطييبا ~~لقلب من قدمه، لا تفضيلا له على سائر الأنواع. وكان إذا قرب إليه الطعام ~~وهو صائم قال: إني صائم، وأمر من قدم إليه الطعام وهو صائم أن يصلي، أي: ~~يدعو لمن قدمه، وإن كان مفطرا أن يأكل منه. وإذا دعي إلى طعام، وتبعه أحد، ~~أعلم به رب المنزل، فقال: إن هذا تبعنا، فإن شئت أن تأذن له، وإن شئت رجع، ~~وكان يتحدث على طعامه، كما قال لربيبه: «سم الله، وكل مما يليك» ، وربما ~~كان يكرر على أضيافه عرض الأكل عليهم مرارا كما يفعله أهل ms076 الكرم، كما في ~~حديث أبي هريرة في اللبن. وكان إذا أكل عند قوم، لم يخرج حتى يدعو لهم. ~~وذكر أبو داود عنه في قصة أبي الهيثم: فأكلوا فلما فرغوا. قال: «أثيبوا ~~أخاكم. قالوا: يا رسول الله، وما إثابته؟ قال: إن الرجل إذا دخل بيته، فأكل ~~طعامه، وشرب شرابه، فدعوا له، فذلك إثابته» . وصح عنه أنه دخل منزله ليلة، ~~فالتمس طعاما، فلم يجده، فقال: «اللهم أطعم من أطعمني، واسق من سقاني» . ~~وكان يدعو لمن يضيف المساكين، ويثني عليهم، وكان لا يأنف من مؤاكلة أحد ~~صغيرا كان أو كبيرا، حرا أو عبدا، ويأمر بالأكل باليمنى، وينهى عن الشمال، ~~ويقول: «إن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله» . ومقتضاه تحريم الأكل بها، ~~وهو الصحيح، وأمر من شكوا إليه أنهم لا يشبعون أن يجتمعوا على طعامهم ولا ~~يتفرقوا، وأن يذكروا اسم الله عليه. وروي عنه أنه قال: «أذيبوا طعامكم بذكر ~~الله عز وجل والصلاة، ولا تناموا عليه فتقسوا قلوبكم» . وأحرى به أن يكون ~~صحيحا، والتجربة تشهد به. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في السلام والاستئذان] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في السلام والاستئذان في " الصحيحين " عنه: ~~«إن أفضل الإسلام أن تطعم الطعام، وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» . ~~وفيهما: «إن آدم لما خلقه الله قال # PageV01P080 # له: اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة فسلم عليهم، واستمع ما يحيونك، ~~فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليكم ورحمة ~~الله. فزادوه: ورحمة الله» (1) . وفيهما: أنه أمر بإفشاء السلام، وأنهم إذا ~~أفشوا السلام تحابوا، وأنهم لا يدخلون الجنة حتى يؤمنوا، ولا يؤمنوا حتى ~~يتحابوا. وقال البخاري في صحيحه: قال عمار: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: ~~الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار. وقد تضمنت هذه ~~الكلمات أصول الخير وفروعه، فإن الإنصاف يوجب عليه أداء حقوق الله كاملة، ~~وأداء حقوق الناس كذلك، ويعاملهم بما يحب أن يعاملوه به، ويدخل في هذا ~~إنصافه نفسه من نفسه، فلا يدعي لها ما ليس ms077 لها، ولا يخبثها بتدنيسه لها ~~بمعاصي الله. والمقصود أن الإنصاف من نفسه يوجب عليه معرفة ربه، ومعرفة ~~نفسه، ولا يزاحم بها مالكها، ولا يقسم مراده بين مراد سيده ومرادها، وهي ~~قسمة ضيزى، مثل قسمة الذين قالوا: {هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان ~~لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون} ~~[الأنعام: 136] (2) . فلينظر العبد لا يكون من أهل هذه القسمة بين نفسه ~~وشركائه وبين الله، لجهله وظلمه، وإلا لبس عليه وهو لا يشعر، فإنه خلق ~~ظلوما جهولا، وكيف يطلب الإنصاف ممن وصفه الظلم والجهل! وكيف ينصف الخلق من ~~لم ينصف الخالق، كما في الأثر: «ابن آدم ما أنصفتني، خيري إليك نازل، وشرك ~~إلي صاعد» . وفي أثر آخر: «ابن آدم ما أنصفتني، خلقتك وتعبد غيري، وأرزقك ~~وتشكر سواي» . ثم كيف ينصف غيره من لم ينصف نفسه بل قد ظلمها أقبح الظلم ~~وهو يظن أنه يكرمها! وبذل السلام للعالم يتضمن التواضع، وأنه لا يتكبر على ~~أحد، والإنفاق من الإقتار لا يصدر إلا عن قوة ثقة بالله، وقوة يقين، وتوكل ~~ورحمة، وزهد وسخاء نفس، وتكذيب بوعد من يعده الفقر، ويأمره بالفحشاء. ~~PageV01P081 # وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه «مر بصبيان فسلم عليهم» . وذكر الترمذي ~~«أنه مر بجماعة نسوة، فألوى بيده بالتسليم» . وقال أبو داود عن أسماء بنت ~~يزيد: «مر علينا النبي صلى الله عليه وسلم في نسوة، فسلم علينا» . وهي ~~رواية حديث الترمذي، والظاهر أن القصة واحدة، وأنه سلم عليهن بيده. وفي ~~البخاري: أن الصحابة كانوا ينصرفون من الجمعة، فيمرون على عجوز في طريقهم، ~~فيسلمون عليها، فتقدم لهم طعاما من أصول السلق والشعير، وهذا هو الصواب في ~~مسألة السلام على النساء؛ يسلم على العجوز وذوات المحارم دون غيرهن. وفي " ~~صحيح البخاري ": «يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والراكب على ~~الماشي، والقليل على الكثير» . وفي الترمذي: «يسلم الماشي على القائم» . ~~وفي " مسند البزار " عنه: «والماشيان أيهما بدأ فهو أفضل» . وفي " سنن أبي ~~داود " عنه: «إن أولى ms078 الناس بالله من بدأهم بالسلام» . وكان من هديه السلام ~~عند المجيء إلى القوم، والسلام عند الانصراف عنهم، وثبت عنه أنه قال: «إذا ~~قعد أحدكم فليسلم، وإذا قام، فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة» (1) . ~~وذكر أبو داود عنه: «إذا لقي أحدكم صاحبه، فليسلم عليه، فإن حال بينهما ~~شجرة أو جدار ثم لقيه فليسلم عليه أيضا» . وقال أنس: كان أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يتماشون، فإذا لقيتهم شجرة أو أكمة تفرقوا يمينا ~~وشمالا، وإذا التقوا من ورائها، سلم بعضهم على بعض. ومن هديه أن الداخل إلى ~~المسجد يبتدئ بركعتين، ثم يجيء فيسلم، فتكون تحية المسجد قبل تحية أهله، ~~فإن تلك حق الله، والسلام عليهم حق لهم، وحق الله تعالى في مثل هذا أولى ~~بالتقديم بخلاف الحقوق المالية، فإن فيها نزاعا، والفرق بينهما حاجة ~~الآدمي، وعدم اتساع المال لأداء الحقين. وعلى هذا فيسن لداخل المسجد إذا ~~كان فيه جماعة ثلاث تحيات مرتبة. أحدها: أن يقول عند دخوله: بسم الله ~~والصلاة والسلام على رسول الله، ثم يصلي تحية المسجد، ثم يسلم على القوم. ~~وكان إذا دخل على أهله بالليل سلم تسليما لا يوقظ النائم، ويسمع اليقظان. ~~ذكره مسلم، وذكر الترمذي عنه: «السلام قبل الكلام» ، ولأحمد عن ابن عمر ~~PageV01P082 # مرفوعا: «السلام قبل السؤال، فمن بدأ بالسؤال قبل السلام، فلا تجيبوه» ، ~~ويذكر عنه: «لا تأذنوا لمن لم يبدأ السلام» . وكان إذا أتى باب قوم لم ~~يستقبل الباب، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، فيقول: السلام عليكم. وكان ~~يسلم بنفسه على من يواجهه، ويتحمل السلام كما تحمله من الله لخديجة، وقال ~~للصديقة الثانية: «هذا جبريل يقرأ عليك السلام» . وكان من هديه انتهاء ~~السلام إلى: " وبركاته "، وكان من هديه أن يسلم ثلاثا كما في البخاري عن ~~أنس، ولعله في الكثير الذي لا تبلغهم المرة، وإذا ظن أنه لم يحصل الإسماع ~~بالأول والثاني. ومن تأمل هديه علم أن التكرير أمر عارض. وكان يبدأ من لقيه ~~بالسلام، وإذا سلم عليه أحد رد عليه مثلها أو أحسن على الفور، ms079 إلا لعذر مثل ~~قضاء الحاجة، ولم يكن يرد بيده، ولا برأسه، ولا بإصبعه إلا في الصلاة، فإنه ~~ثبت عنه الرد فيها بالإشارة. وكان هديه في الابتداء: السلام عليكم ورحمة ~~الله. ويكره أن يقول المبتدئ: عليك السلام. وكان يرد على المسلم: وعليكم ~~السلام، بالواو، ولو حذف الراد الواو، فقالت طائفة: لا يسقط به فرض الرد؛ ~~لأنه مخالف للسنة، ولأنه لا يعلم هل رد أو ابتدأ التحية. وذهبت طائفة إلى ~~أنه صحيح، نص عليه الشافعي، واحتج له بقوله تعالى: {فقالوا سلاما قال سلام} ~~[الذاريات: 25] (1) أي: سلام عليكم لا بد من هذا، ولكن حسن الحذف في الرد ~~لأجل الحذف في الابتداء، واحتج له برد الملائكة على آدم المتقدم. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في السلام على أهل الكتاب] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في السلام على أهل الكتاب صح عنه: «لا ~~تبدءوهم بالسلام، وإذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيق الطريق» ، لكن ~~قد قيل: إنه في قضية خاصة لما سار إلى بني قريظة قال: «لا تبدءوهم بالسلام» ~~، فهل هو عام في أهل الذمة، أو يختص بمن كان حاله كأولئك؟ لكن في " صحيح ~~مسلم ": «لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق ~~فاضطروه إلى PageV01P083 # أضيقه» . والظاهر أن هذا عام. واختلف في الرد عليهم، والصواب وجوبه، ~~والفرق بينهم، وبين أهل البدع أنا مأمورون بهجرهم، وثبت عنه أنه مر على ~~مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين، فسلم عليهم، وكتب إلى هرقل وغيره ب: ~~«السلام على من اتبع الهدى» ، ويذكر عنه: «تجزئ عن الجماعة إذا مروا أن ~~يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجلوس أن يرد أحدهم» ، فذهب إلى هذا من قال: الرد ~~فرض كفاية، لكن ما أحسنه لو كان ثابتا! فإن فيه سعيد بن خالد، قال أبو ~~زرعة: ضعيف. وكذلك قال أبو حاتم. وكان من هديه إذا بلغه أحد السلام عن غيره ~~أن يرد عليه وعلى المبلغ، ومن هديه ترك السلام ابتداء وردا على من أحدث ~~حدثا حتى يتوب. ### | [فصل في ms080 هديه صلى الله عليه وسلم في الاستئذان] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في الاستئذان صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «الاستئذان ثلاثا، فإن أذن لك، وإلا فارجع» (1) . وصح عنه: «إنما جعل ~~الاستئذان من أجل البصر» (2) . وصح عنه أنه أراد أن يفقأ عين الذي نظر إليه ~~من شق حجرته، وقال: «إنما جعل الاستئذان من أجل البصر» وصح عنه التسليم قبل ~~الاستئذان فعلا وتعليما، واستأذن عليه رجل فقال: أألج؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لرجل: «اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان، فقل له: قل: السلام ~~عليكم، أأدخل؟» (3) . فسمعه الرجل، فقال ذلك، فأذن له، فدخل. وفيه رد على ~~من قال: يقدم الاستئذان، وعلى من قال: إن وقعت عينه على صاحب المنزل قبل ~~دخوله بدأ بالسلام وإلا بالاستئذان. وكان من هديه أنه إذا استأذن ثلاثا ولم ~~يؤذن، انصرف، وهو رد على من يقول: إن ظن أنهم لم يسمعوه زاد على الثلاث، ~~وعلى من قال: يعيده بلفظ آخر. ومن هديه أن المستأذن إذا قيل له: من أنت؟ ~~فيقول: فلان ابن فلان، أو يذكر كنيته، ولا يقول: أنا. وروى أبو داود عنه: ~~«أن رسول الرجل إلى الرجل إذن له» . وذكره PageV01P084 # البخاري تعليقا، ثم ذكر ما يدل على اعتبار الاستئذان بعد الدعوة، وهو ~~حديث دعاء أهل الصفة، وفيه: فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا. وقالت طائفة: إن ~~الحديثين على حالين، فإن جاء المدعو على الفور، لم يحتج للاستئذان، وإن ~~تراخى احتاج إليه. وقال آخرون: إن كان عند الداعي من قد أذن له قبل مجيء ~~المدعو لم يحتج للاستئذان وإلا استأذن. # وكان إذا دخل إلى مكان يحب الانفراد فيه، أمر من يمسك الباب، فلا يدخل ~~عليه أحد إلا بإذن. وأما الاستئذان الذي أمر الله به المماليك، ومن لم يبلغ ~~الحلم في العورات الثلاث قبل الفجر ووقت الظهيرة وعند النوم، فكان ابن عباس ~~يأمر به، ويقول: ترك الناس العمل به. وقالت طائفة: الآية منسوخة، ولم تأت ~~بحجة، وقالت طائفة: أمر ندب، وليس معها ما يدل على صرف ms081 الأمر عن ظاهره، ~~وقالت طائفة: المأمور به النساء خاصة، وهذا ظاهر البطلان، وقالت طائفة عكس ~~هذا، نظروا إلى لفظ " الذين "، ولكن سياق الآية يأباه، فتأمله. وقالت ~~طائفة: كان الأمر لعلة وزال بزوالها وهي الحاجة، فروى أبو داود في " سننه " ~~أن نفرا قالوا لابن عباس: كيف ترى هذه الآية التي أمرنا فيها بما أمرنا ولا ~~يعمل بها أحد؟ فقال ابن عباس: إن الله حكيم رءوف بالمؤمنين يحب الستر، وكان ~~الناس ليس لبيوتهم ستور ولا حجال، فربما دخل الخادم أو الولد، أو يتيمة ~~الرجل، والرجل على أهله، فأمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات، فجاءهم ~~الله تعالى بالستور والخير، فلم أر أحدا يعمل بذلك بعد. وقد أنكر بعضهم ~~ثبوته، وطعن في عكرمة، ولم يصنع شيئا، وطعن في عمرو بن أبي عمرو، وقد احتج ~~به صاحبا الصحيح، فإنكاره تعنت لا وجه له. وقالت طائفة: الآية محكمة لا ~~دافع لها. والصحيح أن الحكم معلل بعلة قد أشارت إليها الآية، فإن كان هناك ~~ما يقوم مقام الاستئذان من فتح باب فتحه دليل على الدخول، أو رفع ستر، أو ~~تردد الداخل والخارج ونحوه - أغنى ذلك عن الاستئذان، وإن لم يكن ما يقوم ~~مقامه، فلا بد منه، فإذا وجدت العلة، وجد الحكم، وإذا انتفت انتفى. # PageV01P085 # فصل ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله يحب العطاس، ويكره ~~التثاؤب، فإذا عطس أحدكم وحمد الله كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له: ~~يرحمك الله، وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما ~~استطاع، فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان» . ذكره البخاري. وفي " صحيحه ~~" أيضا: «إذا عطس أحدكم، فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك ~~الله. فإذا قال له: يرحمك الله. فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم» . وفي " ~~صحيح مسلم «إذا عطس أحدكم فحمد الله، فشمتوه، وإن لم يحمد الله، فلا ~~تشمتوه» . وفي " صحيحه ": «حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته، فسلم عليه، ~~وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك، فانصح له، وإذا عطس ms082 وحمد الله فشمته، وإذا ~~مات فاتبعه، وإذا مرض فعده» . وللترمذي عن ابن عمر: «علمنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عند العطاس أن نقول: الحمد لله على كل حال» . وذكر مالك عن ~~نافع عن ابن عمر: إذا عطس أحدكم، فقيل له: يرحمك الله. فليقل: يرحمنا الله ~~وإياكم، ويغفر لنا ولكم. وظاهر الحديث المبدوء به أن التشميت فرض عين. ~~اختاره ابن أبي زيد، ولا دافع له. ولما كان العاطس قد حصل له بالعطاس نعمة ~~ومنفعة بخروج الأبخرة المحتقنة، شرع له صلى الله عليه وسلم حمد الله على ~~هذه النعمة مع بقاء أعضائه على هيئتها بعد هذه الزلزلة التي هي للبدن ~~كزلزلة الأرض لها. وكان إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه، وخفض بها صوته، ~~ويذكر عنه: «أن التثاؤب الرفيع، والعطسة الشديدة من الشيطان» . وصح عنه إنه ~~«عطس عنده رجل، فقال: يرحمك الله، ثم عطس أخرى، فقال له: الرجل مزكوم» ، ~~لفظ مسلم، ولفظ الترمذي أنه قال بعد العطسة الثالثة، وقال: حديث صحيح. ~~ولأبي داود عن أبي هريرة موقوفا: شمت أخاك ثلاثا، فما زاد فهو زكام، فإن ~~قيل: الذي فيه زكام أولى أن يدعى له! قيل: يدعى له كما يدعى للمريض، وأما ~~سنة العطاس الذي يحبه الله وهو نعمة، فإنه إلى تمام الثلاث، وقوله في هذا ~~الحديث: # PageV01P086 # «الرجل مزكوم» ، تنبيه على الدعاء له بالعافية، وفيه اعتذار من ترك ~~تشميته بعد الثلاث. وإذا حمد الله فسمعه بعضهم دون بعض، فالصواب أن يشمته ~~من لم يسمعه إذا تحقق أنه حمد الله، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإن ~~حمد الله فشمتوه» ، وإذا نسي الحمد، فقال ابن العربي: لا يذكره. وظاهر ~~السنة يقوي هذا القول، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يذكره، وهو أولى بفعل ~~السنة وتعليمها. وصح عنه «أن اليهود كانوا يتعاطسون عنده يرجون أن يقول ~~لهم: يرحمكم الله، فيقول: يهديكم الله ويصلح بالكم.» ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في آداب السفر] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في آداب السفر ms083 صح عنه أنه قال: «إذا هم أحدكم ~~بالأمر، فليركع ركعتين» . الحديث (1) فعوض أمته بهذا عما كان عليه أهل ~~الجاهلية من زجر الطير، والاستقسام بالأزلام الذي نظيره هذه القرعة التي ~~يفعلها إخوان المشركين يطلبون بها علم ما قسم لهم في الغيب؛ ولهذا سمي ~~استقساما، فعوضهم بهذا الدعاء الذي هو توحيد وتوكل، وسؤال للذي لا يأتي ~~بالحسنات إلا هو، ولا يصرف السيئات إلا هو -عن التطير والتنجيم واختيار ~~المطالع ونحوه، فهذا الدعاء هو طالع أهل السعادة، لا طالع أهل الشرك {الذين ~~يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون} [الحجر: 96] (2) . وتضمن الإقرار ~~بصفات كماله، والإقرار بربوبيته، والتوكل عليه، واعتراف العبد بعجزه عن ~~العلم بمصالح نفسه، وقدرته عليها، وإرادته لها. ولأحمد عن سعد مرفوعا: «إن ~~من سعادة ابن آدم استخارة الله، والرضى بما قضى الله، وإن من شقاوة ابن آدم ~~ترك استخارة الله، وسخطه بما قضى الله» . فتأمل كيف وقع المقدور مكتنفا ~~بأمرين: التوكل الذي هو مضمون الاستخارة قبله، والرضى بما يقضي الله بعده. ~~«وكان إذا ركب راحلته كبر ثلاثا، ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا ~~PageV01P087 # له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، ثم يقول: اللهم إني أسألك في سفري ~~هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا السفر، واطو عنا ~~بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في ~~سفرنا، واخلفنا في أهلنا. وكان إذا رجع قال: آيبون، تائبون، عابدون، لربنا ~~حامدون» (1) . وذكر أحمد عنه «أنه إذا دخل البلد قال: توبا، لربنا أوبا، لا ~~يغادر حوبا.» «وكان إذا وضع رجله في الركاب لركوب دابته قال: بسم الله، ~~فإذا استوى على ظهرها قال: الحمد لله، ثم يقول: سبحان الذي سخر لنا هذا وما ~~كنا له مقرنين.» وكان إذا ودع أصحابه في السفر يقول لأحدهم: «أستودع الله ~~دينك وأمانتك وخواتيم عملك» . «وقال له رجل: إني أريد سفرا. قال: أوصيك ~~بتقوى الله، والتكبير على كل شرف» . «وكان هو وأصحابه إذا علوا الثنايا ~~كبروا، وإذا هبطوا سبحوا، فوضعت الصلاة على ms084 ذلك.» وقال أنس: «كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا علا شرفا من الأرض أو نشزا قال: اللهم لك الشرف على كل ~~شرف، ولك الحمد على كل حال.» وكان يقول: «لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ~~ولا جرس» (2) . وكان يكره للمسافر وحده أن يسير بالليل، وقال: «لو يعلم ~~الناس ما في الوحدة ما سار أحد وحده بليل» . بل كان يكره السفر للواحد، ~~وأخبر أن «الواحد شيطان والاثنين شيطانان، والثلاثة ركب» . وكان يقول: «إذا ~~نزل أحدكم منزلا فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فإنه لا ~~يضره شيء حتى يرتحل منه» (3) . وكان يقول: «إذا سافرتم في الخصب، فأعطوا ~~الإبل حقها من الأرض، وإذا سافرتم في السنة، فأسرعوا عليها، وإذا عرستم ~~فاجتنبوا الطرق، فإنها طرق الدواب، ومأوى الهوام بالليل» . «وكان ينهى أن ~~يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو» ، «وكان ينهى المرأة أن ~~تسافر بغير محرم ولو مسافة بريد» (4) «ويأمر المسافر إذا قضى نهمته من سفره ~~أن يعجل الرجوع إلى PageV01P088 # أهله» (1) «وينهى أن يطرق الرجل أهله ليلا» (2) إذا طالت غيبته عنهم، ~~وإذا قدم من سفر تلقي بالولدان من أهل بيته، «وكان يعتنق القادم من السفر، ~~ويقبله إذا كان من أهله» . قال الشعبي: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا قدموا من سفر تعانقوا، «وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ~~ركعتين» (3) . # فصل ثبت عنه أنه علمهم خطبة الحاجة: «إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ~~ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا» - وفي لفظ - «ومن سيئات أعمالنا، من ~~يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل، فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ثم يقرأ الثلاث الآيات: {يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} [آل عمران: 102] (4) الآية، {يا ~~أيها الناس اتقوا ربكم} [النساء: 1] (5) الآية، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله وقولوا قولا سديدا - يصلح لكم أعمالكم} [الأحزاب: 70 - 71] (6) .» قال ~~شعبة: قلت لأبي إسحاق: هذه في خطبه ms085 النكاح أو في غيره؟ قال: في كل حاجة. ~~وقال: «إذا قاد أحدكم امرأة أو خادما أو دابة، فليأخذ بناصيتها، وليدع الله ~~بالبركة، وليسم الله عز وجل، وليقل: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلت ~~عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلت عليه» (7) . وكان يقول للمتزوج: «بارك ~~الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير» (8) . وصح عنه أنه قال: «ما من ~~رجل رأى مبتلى، فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ~~ممن خلق تفضيلا، إلا لم يصبه ذلك البلاء كائنا ما كان» (9) . PageV01P089 # وذكر عنه أنه ذكرت الطيرة عنده، فقال: «أحسنها الفأل، ولا ترد مسلما، ~~فإذا رأيت من الطيرة ما تكره، فقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا ~~يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك» . # فصل وصح عنه: «الرؤيا الصالحة من الله، والرؤيا السوء من الشيطان، فمن ~~رأى رؤيا يكره منها شيئا، فلينفث عن يساره، وليتعوذ بالله من الشيطان، ~~فإنها لا تضره، ولا يخبر بها أحدا، فإن رأى رؤيا حسنة، فليستبشر، ولا يخبر ~~بها إلا من يحب» . وأمر من رأى ما يكره أن يتحول من جنبه الذي كان عليه، ~~وأمره أن يصلي، فأمره بخمسة أشياء: أن ينفث عن يساره، وأن يستعيذ بالله من ~~الشيطان، ولا يخبر بها أحدا، وأن يتحول عن جنبه الذي كان عليه، وأن يقوم ~~يصلي، وقال: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت، ولا يقصها ~~إلا على واد أو ذي رأي» . ويذكر عنه أنه كان يقول للرائي: «خيرا رأيت» . ثم ~~يعبرها. ### | فصل فيما يقوله ويفعله من بلي بالوساوس # فصل # فيما يقوله ويفعله من بلي بالوساوس عن عبد الله بن مسعود يرفعه: «إن ~~للملك بقلب ابن آدم لمة، وللشيطان لمة، فلمة الملك إيعاد بالخير، وتصديق ~~بالحق، ورجاء صالح ثواب، ولمة الشيطان إيعاد بالشر، وتكذيب بالحق، وقنوط من ~~الخير، فإذا وجدتم لمة الملك، فاحمدوا الله، واسألوه من فضله، وإذا وجدتم ~~لمة الشيطان، فاستعيذوا بالله واستغفروه» . وقال له عثمان بن ms086 أبي العاص: قد ~~حال الشيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي؟ قال: «ذاك شيطان يقال له: خنزب (1) ~~فإذا أحسسته، فتعوذ بالله، واتفل عن يسارك ثلاثا» (2) . «وشكا إليه الصحابة ~~أن أحدهم يجد في نفسه لأن يكون حممة أحب إليه من أن PageV01P090 # يتكلم به، فقال: الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى ~~الوسوسة.» «وأرشد من بلي بشيء من وسوسة التسلسل في الفاعلين إذا قيل له: ~~هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ - أن يقرأ {هو الأول والآخر والظاهر ~~والباطن وهو بكل شيء عليم} [الحديد: 3] » (1) . وكذلك قال ابن عباس لأبي ~~زميل وقد سأله: ما شيء أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قال: قلت: والله لا أتكلم ~~به، فقال: أشيء من شك؟ قلت: بلى، قال: ما نجا من ذلك أحد حتى أنزل الله عز ~~وجل: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك} ~~[يونس: 94] (2) الآية، فإذا وجدت في نفسك شيئا، فقل: {هو الأول والآخر ~~والظاهر} [الحديد: 3] الآية. فأرشدهم بالآية إلى بطلان التسلسل ببديهة ~~العقل، وأن سلسلة المخلوقات في ابتدائها تنتهي إلى أول ليس قبله شيء، كما ~~تنتهي في آخرها إلى آخر ليس بعده شيء، كما أن ظهوره: هو العلو الذي ليس ~~فوقه شيء، وبطونه هو: الإحاطة التي لا يكون دونه فيها شيء، ولو كان قبله ~~شيء يكون مؤثرا فيه، لكان ذلك هو الرب الخلاق، فلا بد أن ينتهي الأمر إلى ~~خالق غني عن غيره، كل شيء فقير إليه، قائم بنفسه، وكل شيء قائم به، موجود ~~بذاته، وكل شيء موجود به قديم، لا أول له، وكل ما سواه فوجوده بعد عدمه باق ~~بذاته، وبقاء كل شيء به، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الناس يتساءلون ~~حتى يقول قائلهم: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيء، ~~فليستعذ بالله، ولينته» . وقال تعالى: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ ~~بالله} [فصلت: 36] (3) الآية ولما كان الشيطان نوعين: نوعا يرى عيانا وهو ~~الإنسي، ونوعا لا يرى وهو الجني ms087 - أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ~~أن يكتفي من شر الإنسي بالإعراض والعفو والدفع بالتي هي أحسن، ومن شر الجني ~~بالاستعاذة، وجمع بين نوعين في (سورة الأعراف) و (المؤمنون) و (فصلت) . # فما هو إلا الاستعاذة ضارعا ... أو الدفع بالحسنى هما خير مطلوب ~~PageV01P091 # فهذا دواء الداء من شر ما يرى ... وذاك دواء الداء من شر محجوب ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم فيما يقوله عند الغضب] # فصل «وأمر صلى الله عليه وسلم من اشتد غضبه أن يطفئ جمرة الغضب بالوضوء ~~والقعود إن كان قائما، والاضطجاع إن كان قاعدا، والاستعاذة بالله من ~~الشيطان» . ولما كان الغضب والشهوة جمرتين من نار في قلب ابن آدم أمر أن ~~يطفئهما بما ذكر، كقوله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} ~~[البقرة: 44] (1) الآية، يحمل عليه شدة الشهوة، فأمرهم بما يطفئوا به ~~جمرتها، وهو الاستعانة بالصبر والصلاة، وأمر تعالى بالاستعاذة من الشيطان ~~عند نزغه. ولما كانت المعاصي كلها تتولد من الغضب والشهوة، وكان نهاية قوة ~~الغضب القتل، ونهاية قوة الشهوة الزنا، قرن بينهما في سورة " الأنعام " و " ~~الإسراء " و " الفرقان ". وكان صلى الله عليه وسلم «إذا رأى ما يحب قال: ~~الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وإذا رأى ما يكره قال: الحمد لله على ~~كل حال» . وكان يدعو لمن تقرب إليه بما يحب، فلما وضع له ابن عباس وضوءه ~~قال: «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل» . ودعا لأبي قتادة لما دعمه ~~بالليل لما مال عن راحلته: «حفظك الله بما حفظت به نبيه» . وقال: «من صنع ~~إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرا، فقد أبلغ في الثناء» . وقال للذي ~~أقرضه لما وفاه: «بارك الله لك في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الحمد ~~والأداء» . وكان صلى الله عليه وسلم إذا أهديت له هدية كافأ بأكثر منها، ~~وإن لم يردها اعتذر إلى مهديها، كقوله للصعب: «إنا لم نرده عليك إلا أنا ~~حرم» . «وأمر أمته إذا سمعوا نهيق الحمار أن يستعيذوا بالله من الشيطان ~~الرجيم، وإذا سمعوا صياح الديك ms088 أن يسألوا الله من فضله» . «ويروى أنه أمرهم ~~بالتكبير عند الحريق» ، فإنه يطفئه، وكره لأهل المجلس أن يخلو مجلسهم من ~~ذكر الله عز وجل، وقال: «من قعد مقعدا لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ~~ترة، ومن اضطجع مضجعا لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة» . والترة: ~~الحسرة. وقال: «من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه: ~~سبحانك PageV01P092 # اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك -إلا غفر له ~~ما كان في مجلسه ذلك» . وفي سنن أبي داود أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول ~~ذلك إذا أراد أن يقوم من المجلس، فسئل عنه، فقال: «ذلك كفارة لما يكون في ~~المجلس» . ### | [فصل في ألفاظ كان صلى الله عليه وسلم يكره أن تقال] # فصل # في ألفاظ كان صلى الله عليه وسلم يكره أن تقال فمنها: خبثت نفسي، أو ~~جاشت، ومنها أن يسمى العنب كرما، وقول الرجل: هلك الناس، وقال: «إذا قال ~~ذلك، فهو أهلكهم» وفي معناه: فسد الناس، وفسد الزمان ونحوه. ونهى أن يقال: ~~«مطرنا بنوء كذا وكذا» ، «وما شاء الله وشئت» (1) . ومنها أن يحلف بغير ~~الله، ومنها أن يقول في حلفه: هو يهودي ونحوه إن فعل كذا، ومنها أن يقول ~~للسلطان: ملك الملوك، ومنها قول السيد: عبدي وأمتي، ومنها سب الريح، ومنها ~~سب الحمى، وسب الديك، والدعاء بدعوى الجاهلية، كالدعاء إلى القبائل ~~والعصبية لها، ومثله التعصب للمذهب والطريقة والمشايخ، ومنها تسمية العشاء ~~بالعتمة، تسمية غالبة يهجر بها اسم العشاء. ومنها سباب المسلم، وأن يتناجى ~~اثنان دون الثالث، وأن تخبر المرأة زوجها بمحاسن امرأة أخرى، ومنها قول: ~~اللهم اغفر لي إن شئت، ومنها الإكثار من الحلف، وأن يقول: قوس قزح، وأن ~~يسأل أحدا بوجه الله، وأن تسمى المدينة يثرب، وأن يسأل الرجل فيم ضرب ~~امرأته إلا إذا دعت الحاجة إليه، ومنها أن يقول: صمت رمضان كله، وقمت الليل ~~كله. ومن الألفاظ المكروهة الإفصاح عن الأشياء التي ينبغي الكناية عنها، ~~وأن ms089 يقال: أطال الله بقاءك، ونحو ذلك، ومنها أن يقول الصائم: وحق الذي ~~خاتمه على فمي. فإنما يختم على فم الكافر، وأن يقول للمكوس حقوقا، ولما ~~ينفقه في طاعة: خسرت كذا، وأن يقول: أنفقت في هذه الدنيا مالا كثيرا، ومنها ~~أن يقول المفتي: أحل الله كذا، وحرم كذا في مسائل الاجتهاد، ومنها أن تسمى ~~أدلة القرآن والسنة PageV01P093 # مجازات، ولا سيما إذا أضاف إلى ذلك تسمية شبه المتكلمين قواطع عقلية، فلا ~~إله إلا الله، كم حصل بهاتين التسميتين من إفساد الدين والدنيا! ومنها أن ~~يحدث الرجل بما يكون بينه وبين أهله كما يفعله السفلة. ومما يكره من ~~الألفاظ: زعموا، وذكروا وقالوا، ونحوه، وأن يقال للسلطان: خليفة الله؛ فإن ~~الخليفة إنما يكون عن غائب، والله سبحانه خليفة الغائب في أهله. وليحذر كل ~~الحذر من طغيان " أنا " و " لي " و " عندي " فإن هذه ابتلي بها إبليس ~~وفرعون وقارون ف {أنا خير منه} [الأعراف: 12] لإبليس، و {لي ملك مصر} ~~[الزخرف: 51] لفرعون، و {على علم عندي} [القصص: 78] لقارون، وأحسن مما وضعت ~~" أنا " في قول العبد: أنا العبد المذنب المستغفر المعترف، ونحوه، و " لي " ~~في قوله: لي الذنب، ولي الجرم، ولي الفقر، والذل، و " عندي " في قوله: ~~«اغفر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي» . ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الجهاد والغزوات] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في الجهاد والغزوات لما كان الجهاد ذروة سنام ~~الإسلام، ومنازل أهله أعلى المنازل في الجنة، كما لهم الرفعة في الدنيا، ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذروة العليا منه، واستولى على ~~أنواعه كلها، فجاهد في الله حق جهاده بالقلب والجنان، والدعوة والبيان، ~~والسيف والسنان، وكانت ساعاته موقوفة على الجهاد؛ ولهذا كان أعظم العالمين ~~عند الله قدرا. وأمره تعالى بالجهاد من حين بعثه، فقال: {فلا تطع الكافرين ~~وجاهدهم به جهادا كبيرا} [الفرقان: 52] (1) . فهذه سورة مكية أمره فيها ~~بالجهاد بالبيان، وكذلك جهاد المنافقين إنما هو بالحجة وهو أصعب من جهاد ~~الكفار، وهو جهاد خواص ms090 الأمة، وورثة الرسل، والقائمون به أفراد في العالم، ~~والمعاونون عليه -وإن كانوا هم الأقلين عددا- فهم الأعظمون قدرا. ولما كان ~~من أفضل الجهاد قول الحق مع شدة المعارض مثل أن يتكلم به عند من يخاف ~~سطوته، كان للرسل صلوات الله وسلامه عليهم من ذلك الحظ الأوفر، وكان له صلى ~~الله عليه وسلم من PageV01P094 # ذلك أكمله وأتمه، ولما كان جهاد أعداء الله في الخارج فرعا على جهاد ~~النفس، كما قال صلى الله عليه وسلم: «المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله» ~~(1) كان جهادها مقدما. فهذان عدوان قد امتحن العبد بجهادهما، وبينهما عدو ~~ثالث لا يمكنه جهادهما إلا بجهاده، وهو واقف بينهما يثبط العبد عن جهادهما، ~~وهو الشيطان، قال الله تعالى: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا} [فاطر: 6] ~~(2) . والأمر باتخاذه عدوا تنبيه على استفراغ الوسع في محاربته، فهذه ثلاثة ~~أعداء أمر العبد بمحاربتها، وسلطت عليه امتحانا من الله، وأعطي العبد مددا ~~وقوة، وبلي أحد الفريقين بالآخر، وجعل بعضهم لبعض فتنة، ليبلو أخبارهم، ~~فأعطى عباده الأسماع والأبصار والعقول والقوى، وأنزل عليهم كتبه، وأرسل ~~إليهم رسله، وأمدهم بملائكته، وأمرهم بما هو من أعظم العون لهم على حرب ~~عدوهم، وأخبرهم أنهم إن امتثلوه لم يزالوا منصورين على عدوه وعدوهم، وأنه ~~إن سلطه عليهم؛ فلتركهم بعض ما أمروا به، ثم لم يؤيسهم، بل أمرهم أن يداووا ~~جراحهم، ويعودوا إلى مناهضة عدوهم بصبرهم، وأخبرهم أنه مع المتقين منهم، ~~ومع المحسنين، ومع الصابرين، ومع المؤمنين، وأنه يدافع عن عباده المؤمنين ~~ما لا يدافعون عن أنفسهم، بل بدفاعه عنهم انتصروا، ولولا ذلك لاجتاحهم ~~عدوهم. وهذه المدافعة بحسب إيمانهم، فإن قوي إيمانهم قويت، فمن وجد خيرا ~~فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه. وأمرهم أن يجاهدوا فيه ~~حق جهاده، كما أمرهم أن يتقوه حق تقاته، وكما أن حق تقاته أن يطاع فلا ~~يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر - فحق جهاده أن يجاهد نفسه؛ ليسلم ~~قلبه ولسانه وجوارحه لله وبالله، لا لنفسه ولا بنفسه، ويجاهد شيطانه بتكذيب ~~وعده ms091 ومعصية أمره، فإنه يعد الأماني، ويمني الغرور، ويأمر بالفحشاء، وينهى ~~عن الهدى وأخلاق الإيمان كلها، فينشأ له من هذين الجهادين قوة وعدة، يجاهد ~~بها أعداء الله بقلبه ولسانه ويده وماله؛ لتكون كلمة الله هي العليا. ~~واختلفت PageV01P095 # عبارات السلف في حق الجهاد، فقال ابن عباس: هو استفراغ الطاقة فيه، وأن ~~لا يخاف في الله لومة لائم. وقال ابن المبارك: هو مجاهدة النفس والهوى. ولم ~~يصب من قال: إن الآيتين منسوختان؛ لظنه تضمنهما ما لا يطاق، وحق تقاته وحق ~~جهاده: هو ما يطيقه كل عبد في نفسه، وذلك يختلف باختلاف أحوال المكلفين. ~~وتأمل كيف عقب الأمر بذلك بقوله: {هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج} [الحج: 78] (1) والحرج: الضيق. وقال صلى الله عليه وسلم: «بعثت ~~بالحنيفية السمحة» ، فهي حنيفية في التوحيد، سمحة في العمل، وقد وسع الله ~~سبحانه على عباده غاية التوسعة في دينه ورزقه وعفوه ومغفرته، فبسط عليهم ~~التوبة ما دامت الروح في الجسد، وجعل لكل سيئة كفارة، وجعل لكل ما حرم عوضا ~~من الحلال، وجعل لكل عسر يمتحنهم به يسرا قبله ويسرا بعده، فكيف يكلفهم ما ~~لا يسعهم، فضلا عما لا يطيقونه. ### | فصل في أنواع الجهاد # فصل إذا عرف هذا، فالجهاد على أربع مراتب: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، ~~وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين. # فجهاد النفس وهو أيضا أربع مراتب: # أحدها: أن يجاهدها على تعلم الهدى. الثانية: على العمل به بعد علمه. ~~الثالثة: على الدعوة إليه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله. ~~الرابعة: على الصبر على مشاق الدعوة، ويتحمل ذلك كله لله، فإذا استكمل هذه ~~الأربع صار من الربانيين، فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يكون ربانيا ~~حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلمه، ويدعو إليه. المرتبة الثانية: جهاد ~~الشيطان، وهو مرتبتان: أحداهما: جهاده على دفع ما يلقي من الشبهات. ~~الثانية: على دفع ما يلقي من الشهوات، فالأول يكون بعده اليقين، والثاني ~~يكون بعده الصبر، قال تعالى: {منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا ~~بآياتنا يوقنون} [السجدة: 24] (2) . والمرتبة الثالثة: ms092 جهاد الكفار ~~والمنافقين، وهو أربع مراتب، بالقلب واللسان والمال والنفس، وجهاد ~~PageV01P096 # الكفار أخص باليد، وجهاد المنافقين أخص باللسان. المرتبة الرابعة: جهاد ~~أرباب الظلم والمنكرات والبدع، وهو ثلاث مراتب: الأولى باليد إذا قدر، فإن ~~عجز انتقل إلى اللسان، فإن عجز جاهد بقلبه. فهذه ثلاث عشرة مرتبة من ~~الجهاد، و «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق» ~~. ولا يتم الجهاد إلا بالهجرة، ولا الهجرة والجهاد إلا بالإيمان، والراجون ~~لرحمة الله هم الذين قاموا بهذه الثلاثة، قال تعالى: {إن الذين آمنوا ~~والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور ~~رحيم} [البقرة: 218] (1) . وكما أن الإيمان فرض على كل أحد، ففرض عليه ~~هجرتان في كل وقت: هجرة إلى الله عز وجل بالإخلاص، وهجرة إلى رسوله ~~بالمتابعة، وفرض عليه جهاد نفسه وشيطانه فهذا كله فرض عين لا ينوب فيه أحد ~~عن أحد. وأما جهاد الكفار والمنافقين، فقد يكتفى فيه ببعض الأمة. # وأكمل الخلق عند الله عز وجل، من أكمل مراتب الجهاد كلها؛ ولهذا كان أكمل ~~الخلق عند الله وأكرمهم على الله خاتم أنبيائه محمد، فإنه كمل مراتبه، ~~وجاهد في الله حق جهاده، وشرع فيه من حين بعثه الله إلى أن توفاه، فإنه لما ~~أنزل عليه: {يا أيها المدثر - قم فأنذر - وربك فكبر - وثيابك فطهر} ~~[المدثر: 1 - 4] (2) شمر عن ساق الدعوة، وقام في ذات الله أتم قيام، ودعا ~~إلى الله ليلا ونهارا، سرا وجهارا، ولما أنزل عليه {فاصدع بما تؤمر} ~~[الحجر: 94] (3) صدع بأمر الله، لا تأخذه في الله لومة لائم، فدعا إلى الله ~~الكبير والصغير، والحر والعبد، والذكر والأنثى، والجن والإنس. ولما صدع ~~بأمر الله، وصرح لقومه بالدعوة، وبادأهم بسب آلهتهم، وعيب دينهم، اشتد ~~أذاهم له ولمن استجاب له، وهذه سنة الله عز وجل في خلقه، كما قال تعالى: ~~{ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} [فصلت: 43] (4) . وقال تعالى: ~~{وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن} [الأنعام: 112] (5) وقال ~~تعالى: PageV01P097 # {كذلك ما أتى الذين ms093 من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون - أتواصوا ~~به بل هم قوم طاغون} [الذاريات: 52 - 53] (1) . فعزى الله سبحانه نبيه ~~بذلك، وأن له أسوة بمن تقدمه، وعزى أتباعه بقوله: {أم حسبتم أن تدخلوا ~~الجنة} [آل عمران: 142] (2) وقوله: {الم - أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ~~آمنا وهم لا يفتنون} [العنكبوت: 1 - 2]-إلى قوله -: {أوليس الله بأعلم بما ~~في صدور العالمين} [العنكبوت: 10] (3) . فليتأمل العبد سياق هذه الآيات، ~~وما تضمنته من العبر وكنوز الحكم، فإن الناس إذا أرسل إليهم الرسل بين ~~أمرين: إما أن يقول أحدهم: آمنا، وإما أن لا يقولوا ذلك، بل يستمر على ~~السيئات، فمن قال: آمنا، فتنه ربه، والفتنة: الابتلاء والاختبار؛ ليبين ~~الصادق من الكاذب، ومن لم يقل: آمنا، فلا يحسب أنه يفوت الله ويسبقه، فمن ~~آمن بالرسل، عاداه أعداؤهم، وآذوه، فابتلي بما يؤلمه، ومن لم يطعهم عوقب في ~~الدنيا والآخرة. فلا بد من حصول الألم لكل نفس، لكن المؤمن يحصل له الألم ~~ابتداء، ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، والمعرض تحصل له اللذة ~~ابتداء، ثم يصير إلى الألم الدائم، وسئل الشافعي رحمه الله: أيما أفضل ~~للرجل، أن يمكن أو يبتلى؟ فقال: لا يمكن حتى يبتلى. والله عز وجل ابتلى ~~أولي العزم من رسله، فلما صبروا مكنهم، فلا يظن أحد أنه يخلص من الألم ~~البتة، وإنما يتفاوت أهل الآلام في العقول، فأعقلهم من باع ألما عظيما ~~مستمرا بألم منقطع يسير، وأسفههم من باع الألم المنقطع اليسير بالألم ~~المستمر العظيم. فإن قيل: كيف يختار العاقل هذا؟ قيل: الحامل له على هذا ~~النقد والنسيئة، والنفس موكلة بالعاجل {كلا بل تحبون العاجلة - وتذرون ~~الآخرة} [القيامة: 20 - 21] (4) {إن هؤلاء يحبون العاجلة} [الإنسان: 27] ~~(5) . وهذا يحصل لكل أحد، فإن الإنسان لا بد له أن يعيش مع الناس، ولهم ~~إرادات يطلبون منه موافقتهم عليها، فإن لم يفعل آذوه وعذبوه، وإن وافقهم ~~حصل له الأذى والعذاب، تارة منهم، وتارة من غيرهم، كمن عنده دين وتقى حل ~~بين قوم فجار ظلمة لا يتمكنون من PageV01P098 # فجورهم وظلمهم إلا ms094 بموافقة لهم، أو سكوته عنهم، فإن فعل سلم من شرهم في ~~الابتداء، ثم يتسلطون عليه بالإهانة والأذى أضعاف ما كان يخافه ابتداء لو ~~أنكر عليهم، وإن سلم منهم، فلا بد أن يهان على يد غيرهم. فالحزم كل الحزم: ~~الأخذ بما قالته عائشة رضي الله عنها لمعاوية: من أرضى الله بسخط الناس، ~~كفاه الله مؤنة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله، لم يغنوا عنه من الله ~~شيئا. ومن تأمل أحوال العالم، رأى هذا كثيرا، فيمن يعين الرؤساء وأهل البدع ~~هربا من عقوبتهم، فمن وقاه الله شر نفسه، امتنع من الموافقة على المحرم، ~~وصبر على عداوتهم، ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، كما كانت للرسل ~~لمن ابتلي من العلماء وغيرهم. ولما كان الألم لا مخلص منه البتة، عزى الله ~~سبحانه من اختار الألم اليسير المنقطع على الألم العظيم المستمر بقوله: {من ~~كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم} [العنكبوت: 5] (1) ~~. فضرب لهذا الألم المنقطع أجلا وهو يوم لقائه، فيلتذ العبد أعظم لذة بما ~~تحمل من الألم لأجله، وأكد هذا العزاء برجاء اللقاء؛ ليحمل العبد اشتياقه ~~إلى ربه على تحمل الألم العاجل، بل ربما غيبه الشوق عن شهود الألم والإحساس ~~به؛ ولهذا سأل صلى الله عليه وسلم ربه الشوق إلى لقائه، وشوقه من أعظم ~~النعم، ولكن لهذه النعمة أقوال وأعمال هما السبب الذي تنال به، والله ~~سبحانه سميع لتلك الأقوال، عليم بتلك الأعمال، وهو عليم بمن يصلح لهذه ~~النعمة، كما قال تعالى: {وكذلك فتنا بعضهم ببعض} [الأنعام: 53] (2) فإذا ~~فاقت العبد نعمة، فليقرأ على نفسه: {أليس الله بأعلم بالشاكرين} [الأنعام: ~~53] (3) . ثم عزاهم تعالى بعزاء آخر، وهو إنما جهادهم فيه إنما هو لأنفسهم، ~~وأنه غني عن العالمين، فمصلحة هذا الجهاد ترجع إليهم لا له سبحانه، ثم أخبر ~~أنه يدخلهم بجهادهم وإيمانهم في زمرة الصالحين، ثم أخبر عن حال الداخل في ~~الإيمان بلا بصيرة، وأنه يجعل فتنة الناس - أي أذاهم له ونيلهم إياه بالألم ~~الذي لا بد منه - كعذاب الله الذي فر ms095 منه PageV01P099 # المؤمنون بالإيمان، فإذا جاء نصر الله لجنده، قال: إني معكم. والله أعلم ~~بما انطوى عليه صدره من النفاق. والمقصود أن الحكمة اقتضت أنه سبحانه لا بد ~~أن يمتحن النفوس، فيظهر طيبها من خبيثها، إذ النفس في الأصل جاهلة ظالمة، ~~وقد حصل لها بذلك من الخبث ما يحتاج خروجه إلى التصفية، فإن خرج في هذه ~~الدار، وإلا ففي كير جهنم، فإذا نقي العبد أذن له في دخول الجنة. ### | [فصل في دعوة الرسول قومه إلى دينه] # فصل ولما دعا إلى الله، استجاب له عباد الله من كل قبيلة، فكان حائز قصب ~~سبقهم صديق الأمة أبو بكر، فآزره في دين الله، ودعا معه إلى الله، فاستجاب ~~لأبي بكر عثمان وطلحة وسعد. وبادرت إلى الاستجابة صديقة النساء خديجة، ~~وقامت بأعباء الصديقية، وقال لها: «لقد خشيت على نفسي» ، فقالت: أبشر، ~~فوالله لا يخزيك الله أبدا. ثم استدلت بما فيه من الصفات على أن من كان ~~كذلك، لم يخزه الله أبدا، فعلمت بفطرتها وكمال عقلها، أن الأعمال الصالحة ~~والأخلاق الفاضلة تناسب كرامة الله وإحسانه، لا تناسب الخزي. وبهذا العقل ~~استحقت أن يرسل إليها ربها السلام منه مع رسوليه جبريل ومحمد عليهما ~~السلام. وبادر إلى الإسلام علي بن أبي طالب وهو ابن ثمان سنين، وقيل أكثر، ~~وكان في كفالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذه من عمه إعانة له في سنة ~~محل. وبادر زيد بن حارثة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان غلاما ~~لخديجة، فوهبته له، وجاء أبوه وعمه في فدائه، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «فهلا غير ذلك قالوا: ما هو؟ قال: أدعوه فأخيره، فإن اختاركم فهو ~~لكم، وإن اختارني، فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني أحدا، قالا: ~~قد رددتنا على النصف وأحسنت. فدعاه، فخيره، فقال: ما أنا بالذي أختار عليك ~~أحدا. قالا: ويحك يا زيد، أتختار العبودية على الحرية وعلى أهل بيتك؟ قال: ~~نعم؛ لقد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذي أختار عليه أحدا أبدا، ms096 فلما ~~رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه إلى الحجر، فقال: أشهدكم أن ~~زيدا ابني، أرثه ويرثني، فلما رأى ذلك طابت أنفسهما # PageV01P100 # وانصرفا» . ودعي زيد بن محمد، حتى جاء الله بالإسلام، فنزلت: {ادعوهم ~~لآبائهم هو أقسط عند الله} [الأحزاب: 5] (1) فدعي من يومئذ زيد بن حارثة. ~~قال معمر عن الزهري: ما علمنا أحدا أسلم قبل زيد. وأسلم ورقة بن نوفل، وفي ~~" جامع الترمذي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه في المنام في هيئة ~~حسنة» . ودخل الناس في دين الله واحدا بعد واحد، وقريش لا تنكر ذلك حتى ~~بادأهم بعيب دينهم، وسب آلهتهم، فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة، ~~فحمى الله رسوله بأبي طالب؛ لأنه كان شريفا معظما فيهم، وكان من حكمة أحكم ~~الحاكمين بقاؤه على دين قومه لما في ذلك من المصالح التي تبدو لمن تأملها. ~~وأما أصحابه، فمن كانت له عشيرة تحميه امتنع بهم، وسائرهم تصدوا له ~~بالعذاب، ومنهم عمار وأمه وأهل بيته، فإنهم عذبوا في الله، وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا مر بهم وهم يعذبون يقول: «صبرا يا آل ياسر، فإن ~~موعدكم الجنة» . ومنهم بلال، فإنه عذب في الله أشد العذاب، هان عليهم، ~~وهانت عليه نفسه في الله، وكان كلما اشتد به العذاب يقول: أحد أحد، فيمر به ~~ورقة بن نوفل، فيقول: إي والله يا بلال أحد أحد، أما والله لئن قتلتموه ~~لأتخذنه حنانا. ولما اشتد أذاهم على المؤمنين، وفتن منهم من فتن، أذن الله ~~سبحانه لهم في الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة، وكان أول من هاجر إليها عثمان ~~ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا اثنى عشر رجلا ~~وأربع نسوة، خرجوا متسللين سرا، فوفق الله لهم ساعة وصولهم إلى الساحل ~~سفينتين، فحملوهم، وكان مخرجهم في رجب من السنة الخامسة من المبعث، وخرجت ~~قريش في آثارهم حتى جاءوا ساحل البحر، فلم يدركوهم، ثم بلغهم أن قريشا قد ~~كفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعوا، فلما ms097 كانوا دون مكة بساعة، ~~بلغهم أنهم أشد ما كانوا عداوة، فدخل من دخل منهم بجوار. وفي تلك المرة ~~«دخل ابن مسعود، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، فلم يرد ~~عليه» ، هذا هو الصواب، كذا قال ابن إسحاق، قال: وبلغ أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الذين خرجوا إلى الحبشة إسلام أهل مكة، فأقبلوا PageV01P101 # لما بلغهم من ذلك، حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن ذلك كان باطلا، فلم يدخل ~~أحد منهم إلا بجوار أو مستخفيا، وكان ممن قدم منهم، فأقام بها حتى هاجر إلى ~~المدينة، فشهد بدرا - وأحدا، فذكر منهم ابن مسعود. وحديث زيد بن أرقم أجيب ~~عنه بجوابين: أحدهما: أن النهي ثبت بمكة، ثم أذن فيه بالمدينة، ثم نهي عنه. ~~الثاني: أن زيدا من صغار الصحابة، وكان هو وجماعة يتكلمون في الصلاة على ~~عادتهم، ولم يبلغهم النهي، فلما بلغهم انتهوا. ثم اشتد البلاء من قريش على ~~من قدم من الحبشة وغيرهم، وسطت بهم عشائرهم، فأذن لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الخروج إلى الحبشة مرة ثانية، فكان خروجهم الثاني أشق عليهم، ~~ولقوا من قريش أذى شديدا، وصعب عليهم ما بلغهم عن النجاشي من حسن جواره ~~لهم. فكان عدة من هاجر في هذه المرة ثلاثة وثمانين رجلا إن كان عمار بن ~~ياسر فيهم، ومن النساء تسع عشرة امرأة، قلت: قد ذكر في هذه الثانية عثمان ~~وجماعة ممن شهد بدرا، فإما أن يكون وهما، وإما أن تكون لهم قدمة أخرى قبل ~~بدر، فيكون لهم ثلاث قدمات؛ ولذلك قال ابن سعد وغيره: إنهم لما سمعوا مهاجر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلا، ومن النساء ~~ثمان، فمات منهم رجلان بمكة، وحبس بمكة سبعة، وشهد بدرا منهم أربعة وعشرون ~~رجلا، فلما كان شهر ربيع الأول سنة سبع من الهجرة كتب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كتابا إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام مع عمرو بن أمية، فأسلم، ~~وقال: لو قدرت أن آتيه ms098 لأتيته، وكتب إليه أن يزوجه أم حبيبة، وكانت فيمن ~~هاجر مع زوجها عبيد الله بن جحش، فتنصر هناك، ومات نصرانيا، فزوجه النجاشي ~~إياها، وأصدقها عنه أربعمائة دينار، وكان الذي ولي تزويجها خالد بن سعيد بن ~~العاص، وكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه من بقي عنده ~~من أصحابه، ويحملهم، فحملهم في سفينتين مع عمرو بن أمية، فقدموا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فوجدوه قد فتحها. وعلى هذا فيزول الإشكال ~~الذي بين حديث ابن مسعود وحديث زيد بن أرقم، ويكون تخريج الكلام بالمدينة، ~~فإن قيل: فما أحسنه لولا أن ابن إسحاق قد قال ما حكيته عنه أن ابن مسعود ~~أقام بمكة. قيل: قد ذكر # PageV01P102 # ابن سعد أنه أقام بمكة يسيرا، ثم رجع إلى الحبشة، وهذا هو الأظهر؛ لأنه ~~لم يكن له بمكة من يحميه، فتضمن هذا زيادة أمر خفي على ابن إسحاق، وابن ~~إسحاق لم يذكر من حدثه، وابن سعد أسنده إلى المطلب بن عبد الله بن حنطب، ~~فزال الإشكال ولله الحمد. وقد ذكر ابن إسحاق في هذه الهجرة أبا موسى ~~الأشعري، وأنكر هذا عليه الواقدي وغيره، وقالوا: كيف يخفى هذا على من دونه ~~فضلا عنه؟ قلت: ليس هذا مما يخفى علي من دونه فضلا عنه، وإنما نشأ الوهم أن ~~أبا موسى هاجر من اليمن إلى عند جعفر وأصحابه، ثم قدم معهم، فعد ابن إسحاق ~~ذلك لأبي موسى هجرة، ولم يقل: إنه هاجر من مكة لينكر عليه. ### | فصل في الهجرة إلى الحبشة # فصل وانحاز المسلمون إلى النجاشي آمنين، فبعثت قريش في أثرهم عبد الله بن ~~أبي ربيعة وعمرو بن العاص بهدايا للنجاشي ليردهم عليهم، وتشفعوا إليه ~~بعظماء بطارقته، فأبى ذلك، فوشوا إليه أنهم يقولون في عيسى قولا عظيما، ~~يقولون: إنه عبد، فاستدعاهم ومقدمهم جعفر بن أبي طالب، فلما أرادوا الدخول ~~عليه، قال جعفر: يستأذن عليك حزب الله، فقال للآذن: قل لهذا يعيد استئذانه، ~~فأعاده. فلما دخلوا، قال: ما تقولون في عيسى؟ فتلا عليه جعفر ms099 صدرا من ~~(كهيعص) ، فأخذ النجاشي عودا من الأرض، وقال: ما زاد عيسى على هذا، ولا مثل ~~هذا العود، فتناخرت البطارقة حوله، قال: وإن نخرتم والله، قال: اذهبوا ~~فأنتم سيوم بأرضي، من سبكم غرم - والسيوم بلسانهم: الآمنون - وقال ~~للرسولين: لو أعطيتموني دبرا من ذهب - يقول: جبلا من ذهب - ما أسلمتهم ~~إليكما، ثم أمر فردت عليهما هداياهما، ورجعا مقبوحين. ثم أسلم حمزة وجماعة ~~كثيرون، فلما رأت قريش أن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلو والأمور ~~تتزايد، أجمعوا على أن يتعاقدوا على بني هاشم وبني المطلب ألا يبايعوهم، ~~ولا يناكحوهم، ولا يكلموهم، ولا يجالسوهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وكتبوا بذلك صحيفة، وعلقوها في سقف الكعبة، وكتبها بغيض بن ~~عامر بن هاشم، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشلت يده، # PageV01P103 # فانحازوا مؤمنهم وكافرهم إلى الشعب، إلا أبا لهب، فإنه ظاهر قريشا عليهم، ~~وذلك سنة سبع من البعثة، وبقوا محبوسين مضيقا عليهم جدا نحو ثلاث سنين، حتى ~~بلغهم الجهد، وسمع أصوات صبيانهم بالبكاء من وراء الشعب. وهناك عمل أبو ~~طالب قصيدته اللامية، وقريش بين راض وكاره، فسعى في نقضها بعض من كان كارها ~~لها، وأطلع الله رسوله على أمر صحيفتهم، وأنه سلط عليها الأرضة، فأكلت ما ~~فيها من قطيعة وظلم إلا ذكر الله عز وجل، فأخبر بذلك عمه، فخرج إلى قريش ~~وأخبرهم، وقال: إن كان كاذبا خلينا بينكم وبينه، وإن كان صادقا رجعتم. ~~قالوا: أنصفت. فأنزلوها، فلما رأوا الأمر كذلك، ازدادوا كفرا إلى كفرهم. ~~وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الشعب، ومات أبو طالب بعد ~~ذلك بستة أشهر، وماتت خديجة بعده بثلاثة أيام، وقيل غير ذلك، فاشتد البلاء ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفهاء قومه، فخرج إلى الطائف رجاء أن ~~ينصروه عليهم، ودعا إلى الله، فلم ير من يؤوي، ولم ير ناصرا، وآذوه أشد ~~الأذى، ونالوا منه ما لم ينل منه قومه، ومعه زيد بن حارثة، فأقام بينهم ~~عشرة ms100 أيام لا يدع أحدا من أشرافهم إلا كلمه، فقالوا: اخرج من بلدنا. وأغروا ~~به سفهاءهم، فوقفوا له سماطين، وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه، ~~وزيد يقيه بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه، فانصرف إلى مكة محزونا. وفي مرجعه ~~ذلك دعا بالدعاء المشهور: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني ~~على الناس» . فأرسل ربه تبارك وتعالى إليه ملك الجبال يستأمره أن يطبق ~~الأخشبين على أهل مكة، وهما جبلاها اللذان هي بينهما، فقال: بل أستأني بهم؛ ~~لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئا. فلما نزل بنخلة في ~~مرجعه، قام يصلي من الليل، فصرف الله إليه نفرا من الجن، فاستمعوا قراءته، ~~ولم يشعر بهم حتى نزل عليه: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن} [الأحقاف: 29] ~~(1) . وأقام بنخلة أياما، فقال له زيد: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟ يعني ~~قريشا. قال: يا زيد، إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا، وإن الله ناصر ~~دينه، ومظهر نبيه. فلما انتهى إلى مكة، أرسل رجلا من PageV01P104 # خزاعة إلى مطعم بن عدي: أدخل في جوارك "؟ فقال: نعم. فدعا بنيه وقومه، ~~وقال: البسوا السلاح، وكونوا عند أركان البيت، فإني قد أجرت محمدا. فدخل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد ~~الحرام، فقام المطعم على راحلته، فنادى: يا معشر قريش، إني قد أجرت محمدا، ~~فلا يهجه أحد منكم. فانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الركن، ~~فاستلمه، وصلى ركعتين، وانصرف إلى بيته ومطعم وولده محدقون به بالسلاح حتى ~~دخل بيته. ### | فصل في الإسراء # فصل ثم أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم بجسده -على الصحيح -من المسجد ~~الحرام إلى البيت المقدس راكبا على البراق صحبة جبرائيل، فنزل هناك، وصلى ~~بالأنبياء إماما، وربط البراق بحلقة باب المسجد، وقيل: إنه نزل بيت لحم، ~~ولا يصح عنه ذلك البتة. ثم عرج به تلك الليلة من بيت المقدس إلى السماء ~~الدنيا، فاستفتح له جبرائيل، ففتح لهما، فرأى هناك آدم أبا البشر، فسلم ~~عليه، ms101 فرد عليه السلام، ورحب به، وأقر بنبوته، وأراه الله أرواح السعداء من ~~بنيه عن يمينه، وأرواح الأشقياء عن يساره. ثم عرج به إلى السماء الثانية، ~~فرأى فيها يحيى وعيسى، ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فرأى فيها يوسف، ثم ~~إلى الرابعة، فرأى فيها إدريس، ثم إلى الخامسة، فلقي فيها هارون، ثم إلى ~~السادسة، فرأى فيها موسى، فلما جاوزه بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي ~~لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتى. ثم إلى ~~السابعة، فلقي فيها إبراهيم، ثم رفعت له سدرة المنتهى، ثم رفع له البيت ~~المعمور، ثم عرج به إلى الجبار جل جلاله، فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو ~~أدنى (1) فأوحى إلى عبده ما أوحى. وفرض عليه خمسين صلاة، فرجع حتى مر على ~~موسى فقال: بم أمرت؟ قال: بخمسين صلاة، قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، ارجع ~~إلى ربك فاسأله التخفيف PageV01P105 # لأمتك، فالتفت إلى جبريل يستشيره، فأشار: أن نعم إن شئت. فعلا به جبرائيل ~~حتى أتى به الجبار تبارك وتعالى وهو مكانه. هذا لفظ البخاري في " صحيحه ". ~~وفي بعض الطرق: فوضع عنه عشرا، ثم نزل حتى مر بموسى، فأخبره، فقال: ارجع ~~إلى ربك، فاسأله التخفيف، فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله تبارك وتعالى ~~حتى جعلها خمسا، فيأمره بالرجوع وسؤال التخفيف، قال: قد استحييت من ربي، ~~ولكن أرضى وأسلم " فلما بعد، نادى مناد: قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي. ~~واختلف الصحابة: هل رأى ربه تلك الليلة أم لا؟ فصح عن ابن عباس أنه رآه، ~~وصح عنه أنه قال: رآه بفؤاده، وصح عن عائشة وابن مسعود إنكار ذلك، وقالا: ~~{ولقد رآه نزلة أخرى} [النجم: 13] إنما هو جبرائيل، وصح عن أبي ذر أنه ~~سأله: هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه أي: حال بيني وبين رؤيته النور، كما ~~في اللفظ الآخر: رأيت نورا. وحكى الدارمي اتفاق الصحابة أنه لم يره. قال ~~شيخ الإسلام: وليس قول ابن عباس مناقضا لهذا، ولا قوله: رآه بفؤاده. ms102 وقد صح ~~عنه: رأيت ربي تبارك وتعالى لكن هذا في المدينة في منامه. وعلى هذا بنى ~~الإمام أحمد، فقال: نعم رآه حقا، فإن رؤيا الأنبياء حق ولا بد، ولم يقل: ~~إنه رآه في يقظته، لكن مرة قال: رآه، ومرة قال: رآه بفؤاده، وحكيت عنه ~~رواية من تصرف بعض أصحابه أنه رآه بعيني رأسه، وهذه نصوص أحمد موجودة ليس ~~فيها ذلك، وأما قول ابن عباس: أنه رآه بفؤاده مرتين، فإن كان استناده إلى ~~قوله: {ما كذب الفؤاد ما رأى} [النجم: 11] ثم قال: {ولقد رآه نزلة أخرى} ~~[النجم: 13] والظاهر أنه مستنده، فصح عنه صلى الله عليه وسلم أن هذا المرئي ~~جبرائيل، رآه في صورته مرتين، وقول ابن عباس هذا هو مستند أحمد في قوله: ~~رآه بفؤاده. وأما قوله: {ثم دنا فتدلى} [النجم: 8] فهذا غير الدنو والتدلي ~~في قصة الإسراء، فالذي في القرآن جبرائيل كما قالت عائشة وابن مسعود، ~~والسياق يدل عليه، فإنه قال: {علمه شديد القوى} [النجم: 5] إلى آخره. وأما ~~" الدنو " و " التدلي " في الحديث، فهو صريح أنه دنو الرب تبارك وتعالى ~~وتدليه (1) . PageV01P106 # فلما أصبح صلى الله عليه وسلم في قومه أخبرهم، فاشتد تكذيبهم له، وسألوه ~~أن يصف لهم بيت المقدس، فجلاه الله حتى عاينه، وطفق يخبرهم عنه، ولا ~~يستطيعون أن يردوا عليه، وأخبرهم عن عيرهم، في مسراه ورجوعه، وعن وقت ~~قدومها، وعن البعير الذي يقدمها، فكان الأمر كما قال، فلم يزدهم ذلك إلا ~~نفورا. ونقل ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية أنهما قالا: إنما كان الإسراء ~~بروحه، ولكن ينبغي أن يعلم الفرق بين أن يقال: كان الإسراء مناما، وبين أن ~~يقال: كان بروحه دون جسده، وبينهما فرق عظيم؛ فإن ما يراه النائم قد يكون ~~أمثالا مضروبة للمعلوم في الصور المحسوسة، فيرى كأنه قد عرج به إلى السماء، ~~أو ذهب به إلى مكة، وروحه لم تصعد، ولم يذهب، وإنما ملك الرؤيا ضرب له ~~المثال، والذين قالوا: بروحه، لم يريدوا أنه كان مناما، وإنما أرادوا أن ~~الروح عرج بها حقيقة، وباشرت منه جنس ما ms103 تباشر بعد المفارقة، لكن لما كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام خرق العوائد حتى يشق بطنه وهو حي لا ~~يتألم، عرج بذات روحه حقيقة من غير إماتة، ومن سواه لا تنال روحه ذلك إلا ~~بعد الموت، فإن الأنبياء إنما استقرت أرواحهم في الرفيق الأعلى مع روحه، ~~ومع هذا فلها إشراف على البدن بحيث يرد السلام على من سلم عليه، وبهذا ~~التعلق رأى موسى يصلي في قبره، ورآه في السماء. ومعلوم أنه لم يعرج بموسى ~~من قبره، ثم رد إليه، بل ذلك مقام روحه واستقرارها، وقبره مقام بدنه ~~واستقراره إلى يوم معاد الأرواح إلى أجسادها، ومن كثف إدراكه عن هذا، ~~فلينظر إلى الشمس في علو محلها وتأثيرها في الأرض وحياة النبات والحيوان ~~بها، وشأن الروح فوق هذا. # فقل للعيون الرمد إياك أن تري ... سنا الشمس فاستغشي ظلام اللياليا # قال ابن عبد البر: كان بين الإسراء والهجرة سنة وشهران. انتهى. وكان ~~الإسراء مرة، وقيل: مرتين، مرة يقظة، ومرة مناما، وأرباب هذا كأنهم أرادوا ~~أن يجمعوا بين حديث شريك وغيره؛ لقوله فيه: ثم استيقظت وأنا في المسجد، ~~وقوله فيه: وذلك قبل أن يوحى إليه (1) . PageV01P107 # ومنهم من قال: ثلاث مرات. وكل هذا خبط، وهذه طريقة ضعفاء الظاهرية من ~~أرباب النقل، والصواب الذي عليه أئمة أهل النقل أن الإسراء كان مرة واحدة، ~~ويا عجبا لهؤلاء كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة تفرض عليه الصلاة ~~خمسين. وقد غلط الحفاظ شريكا في ألفاظ من حديث الإسراء، ومسلم أورد المسند ~~منه، ثم قال: فقدم وأخر وزاد ونقص. ولم يسرد الحديث، وأجاد رحمه الله. ### | [فصل في مبدأ الهجرة التي فرق الله بها بين أوليائه وأعدائه] # فصل # في مبدأ الهجرة التي فرق الله بها بين أوليائه وأعدائه وجعلها مبدأ ~~لإعزاز دينه ونصرة رسوله قال الترمذي: حدثني محمد بن صالح، عن عاصم بن ~~عمران بن قتادة، ويزيد بن رومان، وغيرهما، قالوا: أقام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثلاث سنين من أول نبوته مستخفيا، ثم ms104 أعلن في الرابعة، فدعا الناس ~~إلى الإسلام عشر سنين يوافي الموسم كل عام يتبع الحاج في منازلهم، وفي ~~المواسم بعكاظ ومجنة وذي المجاز، يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ~~ولهم الجنة، فلا يجد أحدا ينصره ولا يجيبه، حتى إنه ليسأل عن القبائل ~~ومنازلها قبيلة قبيلة، ويقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله، ~~تفلحوا وتملكوا بها العرب، وتدين لكم بها العجم، وإذا آمنتم كنتم ملوكا في ~~الجنة» . وأبو لهب وراءه يقول: لا تطيعوه، فإنه صابئ كذاب. فيردون على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أقبح الرد ويؤذونه، ويقولون: عشيرتك أعلم بك حيث ~~لم يتبعوك، وهو يدعوهم إلى الله، ويقول: «اللهم لو شئت لم يكونوا هكذا» . ~~قال: وكان ممن يسمى لنا من القبائل الذين عرض نفسه عليهم بنو عامر بن ~~صعصعة، ومحارب بن خصفة، وفزارة، وغسان، ومرة، وحنيفة، وسليم، وعبس، وبنو ~~نضر، وبنو البكاء، وكندة، وكلب، والحارث بن كعب، وعذرة، والحضارمة، فلم ~~يستجب منهم أحد. وكان مما صنع الله لرسوله أن الأوس والخزرج كانوا يسمعون ~~من حلفائهم يهود المدينة أن نبيا سيخرج # PageV01P108 # في هذا الزمان، فنتبعه، ونقتلكم معه قتل عاد وإرم، وكانت الأنصار يحجون ~~البيت كما كانت العرب تحجه دون اليهود، فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يدعو الناس إلى الله، وتأملوا أحواله، قال بعضهم لبعض: تعلمون والله ~~يا قوم أن هذا الذي توعدكم به اليهود، فلا يسبقنكم إليه. وكان سويد بن ~~الصامت من الأوس قد قدم مكة، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ~~يبعد، ولم يجب، حتى قدم أنس بن رافع في فتية من بني عبد الأشهل يطلبون ~~الحلف، فدعاهم إلى الإسلام، فقال إياس بن معاذ وكان شابا: يا قوم، هذا ~~والله خير مما جئنا له، فضربه أنس وانتهره، فسكت، ثم لم يتم لهم الحلف ~~فانصرفوا إلى المدينة. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي عند العقبة ~~في الموسم ستة نفر في الأنصار، كلهم من الخزرج: أسعد بن زرارة، وجابر بن ms105 ~~عبد الله بن رئاب، وعوف بن الحارث، ورافع بن مالك، وقطبة بن عامر، وعقبة بن ~~عامر، فدعاهم إلى الإسلام، فأسلموا، ثم رجعوا إلى المدينة، فدعوا الناس إلى ~~الإسلام، فلما كان العام المقبل، جاء منهم اثنا عشر رجلا؛ الستة الأول خلا ~~جابر، ومعهم معاذ بن الحارث أخو عوف، وذكوان بن عبد قيس، وقد أقام بمكة حتى ~~هاجر، فهو مهاجري أنصاري، وعبادة بن الصامت، ويزيد بن ثعلبة، وأبو الهيثم ~~بن التيهان، وعويمر بن مالك، قال أبو الزبير عن جابر: إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لبث عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في الموسم ومجنة وعكاظ: «من ~~يؤويني ومن ينصرني حتى أبلغ رسالات ربي وله الجنة؟» . فلا يجد أحدا، حتى إن ~~الرجل ليرحل من مصر أو اليمن إلى ذي رحمه، فيأتيه قومه، فيقولون: احذر غلام ~~قريش. ويمشي بين رجالهم يدعوهم إلى الله وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى ~~بعثنا الله من يثرب، فيأتيه الرجل منا، فيؤمن به، ويقرئه القرآن، فينقلب ~~إلى أهله، فيسلمون بإسلامه، فاجتمعنا وقلنا: حتى متى رسول الله يطرد في ~~جبال مكة! فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم، فواعدناه بيعة العقبة، فقال له ~~العباس: ما أدري ما هؤلاء القوم، إني ذو معرفة بأهل يثرب، فاجتمعا عنده من ~~رجل ورجلين، فلما نظر العباس في وجوهنا قال: هؤلاء قوم لا نعرفهم، هؤلاء ~~أحداث، فقلنا: يا رسول الله علام نبايعك؟ # PageV01P109 # قال: «على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، ~~وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقوموا في الله لا تأخذكم ~~فيه لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه ~~أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة» . فقمنا نبايعه، فأخذ بيده أسعد بن ~~زرارة وهو أصغرهم، فقال: رويدا يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد المطي ~~إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وأن ~~تعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك، فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم ~~تخافون من أنفسكم خيفة، فذروه ms106 فهو أعذر لكم عند الله. قالوا: أمط عنا يدك، ~~فوالله لا نذر هذه البيعة، ولا نستقيلها. فقمنا إليه رجلا رجلا، فأخذ علينا ~~يعطينا بذلك الجنة. ثم انصرفوا إلى المدينة، وبعث معهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ابن أم مكتوم، ومصعب بن عمير يعلمان الناس القرآن، ويدعوان إلى ~~الله، فنزلا على أسعد بن زرارة، وكان مصعب يؤمهم، وجمع بهم لما بلغو ~~أربعين، فأسلم على يديهما بشر كثير، منهم أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ، ~~وأسلم بإسلامهما يومئذ جميع بني عبد الأشهل، إلا الأصيرم، تأخر إسلامه إلى ~~يوم أحد، فأسلم حينئذ، وقاتل حتى قتل ولم يسجد لله سجدة، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «عمل قليل، وأجر كثير» . وكثر الإسلام في المدينة ~~وظهر. ثم رجع مصعب إلى مكة، ووافى الموسم ذاك العام خلق كثير من الأنصار من ~~المسلمين والمشركين، وزعيم القوم البراء بن معرور، فكانت بيعة العقبة، وكان ~~أول من بايعه البراء بن معرور، وكانت له اليد البيضاء، إذ أكد العقد وبادر ~~إليه، واختار رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم تلك الليلة اثنى عشر ~~نقيبا، فلما تمت البيعة استأذنوه على أن يميلوا على أهل العقبة بأسيافهم، ~~فلم يأذن لهم، وصرخ الشيطان على العقبة بأبعد صوت سمع: يا أهل الجباجب هل ~~لكم في محمد والصباة معه قد اجتمعوا على حربكم، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «هذا أزب العقبة، أما والله يا عدو الله لأتفرغن لك» . ثم أمرهم ~~أن ينفضوا إلى رحالهم، فلما أصبحوا غدت عليهم أشراف قريش، فقالوا: بلغنا ~~أنكم لقيتم صاحبنا البارحة وواعدتموه أن تبايعوه على حربنا، وايم الله، ما ~~حي من العرب أبغض إلينا من أن تنشب بيننا وبينه الحرب منكم. فانبعث من هناك ~~من المشركين يحلفون # PageV01P110 # بالله: ما كان هذا. وجعل ابن أبي يقول: هذا باطل، وما كان قومي ليفتاتوا ~~علي بمثل هذا، لو كنت بيثرب ما صنع قومي هذا حتى يؤامروني. فرجعت قريش، ~~ورحل البراء إلى بطن يأجج، وتلاحق أصحابه من المسلمين وطلبتهم قريش، ms107 ~~فأدركوا سعد بن عبادة، فجعلوا يضربونه حتى أدخلوه مكة، فجاء مطعم بن عدي ~~والحارث بن حرب بن أمية، فخلصاه منهم، وتشاورت الأنصار حين فقدوه أن يكروا ~~إليه، فإذا هو قد طلع عليهم، فرحلوا جميعا. وأذن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم للمسلمين في الهجرة إلى المدينة، فبادر الناس إلى ذلك، فكان أول من ~~خرج إليها أبو سلمة وامرأته، ولكنها احتبست عنه سنة وحيل بينها وبين ولدها، ~~ثم خرجت بعد بولدها إلى المدينة، وشيعها عثمان بن أبي طلحة. ثم خرج الناس ~~أرسالا، ولم يبق بمكة إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعلي ~~-أقاما بأمره لهما - وإلا من احتبسه المشركون كرها، وأعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جهازه ينتظر متى يؤمر، وأعد أبو بكر جهازه. فلما رأى ~~المشركون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرجوا وساقوا الذراري ~~والأموال إلى المدينة، وأنها دار منعة وأهلها أهل بأس، خافوا خروج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فيشتد عليهم أمره، فاجتمعوا في دار الندوة، ~~وحضرهم إبليس في صورة شيخ من أهل نجد، مشتمل الصماء في كسائه، فأشار كل ~~واحد برأي، والشيخ لا يرضاه، حتى قال أبو جهل: أرى أن تأخذوا من كل قبيلة ~~غلاما جلدا، ثم نعطيه سيفا صارما، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فلا تدري بنو ~~عبد مناف ما تصنع بعد ذلك، ونسوق إليهم ديته. فقال الشيخ: هذا والله الرأي. ~~فتفرقوا عليه، فجاءه جبريل فأخبره بذلك، وأمره أن لا ينام في مضجعه تلك ~~الليلة. وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر نصف النهار في ساعة ~~لم يكن يأتيه فيها متقنعا، فقال له: «أخرج من عندك» ، فقال: إنما هم أهلك ~~يا رسول الله، فقال: «إن الله قد أذن لي في الخروج» . فقال أبو بكر: الصحبة ~~يا رسول الله، قال: «نعم» . قال: فخذ بأبي وأمي إحدى راحلتي هاتين. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بالثمن» . وأمر عليا أن يبيت في مضجعه تلك ~~الليلة، واجتمع أولئك ms108 النفر يتطلعون من صير # PageV01P111 # الباب يريدون بياته، ويأتمرون أيهم يكون أشقاها، فخرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فأخذ حفنة من البطحاء، فجعل يذره على رءوسهم وهم لا يرونه وهو ~~يتلو: {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون} ~~[يس: 9] (1) . ومضى إلى بيت أبي بكر، فخرجا من خوخة فيه ليلا، وجاء رجل ~~فرأى القوم ببابه. فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمدا. قال: خبتم وخسرتم، قد ~~والله مر بكم، وذر على رءوسكم التراب. فقاموا ينفضون عن رءوسهم، فلما ~~أصبحوا قام علي من الفراش، فسألوه عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا ~~علم لي به. ثم مضى وأبو بكر إلى غار ثور، فدخلاه، وضرب العنكبوت بيتا على ~~بابه، وكانا قد استأجرا ابن أريقط الليثي، وكان هاديا ماهرا بالطريق وهو ~~على دين قومه، وأمناه على ذلك، وسلما إليه راحلتيهما، وواعداه الغار بعد ~~ثلاث، وجدت قريش في طلبهما، وأخذوا معهم القافة حتى انتهوا إلى باب الغار ~~فوقفوا عليه، وكان عامر بن فهيرة يرعى عليهما غنما لأبي بكر، ومكثا فيه ~~ثلاثا حتى خمدت عنهما نار الطلب، ثم جاءهما ابن أريقط بالراحلتين فارتحلا، ~~وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة، وسار الدليل أمامهما، وعين الله تصحبهما، ~~وإسعاده ينزلهما ويرحلهما. ولما أيس المشركون منهما جعلوا لمن جاء بهما دية ~~كل واحد منهما، فجد الناس في الطلب، والله غالب على أمره، فلما مروا بحي ~~بني مدلج مصعدين من قديد، بصر بهم رجل من الحي، فقال لهم: لقد رأيت بالساحل ~~أسودة ما أراها إلا محمدا وأصحابه. ففطن سراقة، فأراد أن يكون له الظفر ~~خاصة، وقد سبق له من الظفر ما لم يكن في حسابه، فقال: بل هما فلان وفلان، ~~خرجا في طلب حاجة لهما، ثم مكث قليلا، ثم قام فدخل خباءه، وقال لخادمه: ~~اخرجي بالفرس من وراء الخباء، وموعدك وراء الأكمة، ثم أخذ رمحه وخفض عاليه ~~يخط به الأرض حتى ركب فرسه، فلما قرب منهم، وسمع قراءة النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو لا يلتفت، وأبو ms109 بكر يكثر الالتفات، قال أبو بكر: يا رسول الله، ~~هذا سراقة قد رهقنا. فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فساخت يدا ~~فرسه في الأرض، فقال: قد علمت أن الذي PageV01P112 # أصابني بدعائكما فادعوا الله لي، ولكما علي أن أرد الناس عنكما، فدعا له ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأطلق، وسأله أن يكتب له كتابا، فكتب له ~~أبو بكر بأمره في أديم، وكان معه إلى يوم فتح مكة، فجاء بالكتاب فوفى له ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: اليوم يوم وفاء وبر، وعرض عليهما ~~الزاد والحملان، فقالا: لا حاجة لنا به ولكن عم عنا الطلب، فقال: قد كفيتم، ~~ورجع فوجد الناس في الطلب، فجعل يقول: قد استبرأت لكم الخبر، فكان أول ~~النهار جاهدا عليهما، وآخره حارسا لهما، ثم مرا في مسيرهما ذلك بخيمتي أم ~~معبد الخزاعية، ثم الكعبية، فسألوها الزاد، فلم يصيبوا عندها شيئا، وكانوا ~~مسنتين، فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى شاة في خيمتهم وسألها: ~~«هل بها لبن» ؟ قالت: هي أجهد من ذلك إنما خلفها عن الغنم الجهد، فدعا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فمسح بيده ضرعها وسمى الله تعالى، ودعا فتفاجت ~~عليه ودرت، ودعا بإناء بيربص الرهط، فحلب فيه حتى علته الرغوة وسقاها وسقى ~~أصحابه وشرب آخرهم، ثم غادره عندها، وارتحلوا عنها ثم قال: وأصبح صوت عاليا ~~بمكة يسمعونه ولا يرون القائل: # جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد # هما نزلا بالبر وارتحلا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد # فيالقصي ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا يجازى وسؤدد # سلوا أختكم عن شأنها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد # دعاها بشاة حائل فتحلبت ... له بصريح ضرة الشاة مزبد # نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مشهد # وإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في ضحوة اليوم أو غد # ترحل عن قوم فزالت عقولهم ... وحل على القوم بنور مجدد # هداهم به بعد الضلالة ربهم ms110 ... وأرشدهم من يتبع الحق يرشد # ليهن أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من يسعد الله يسعد # ويهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد # قالت أسماء: ما درينا أين توجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ أقبل ~~رجل من # PageV01P113 # الجن من أسفل مكة، فأنشد هذه الأبيات، والناس يتبعونه يسمعون صوته ولا ~~يرونه، حتى خرج من أعلاها. # قالت أسماء: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وأن وجهه إلى المدينة. ### | [فصل في قدوم النبي المدينة] # فصل وبلغ الأنصار مخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة، فكانوا ~~يخرجون كل يوم إلى الحرة ينتظرونه، فإذا اشتد حر الشمس رجعوا إلى منازلهم. # فلما كان يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر من نبوته ~~خرجوا على عادتهم، فلما حميت الشمس رجعوا، وصعد رجل من اليهود على أطم من ~~آطام المدينة لبعض شأنه، فرأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ~~مبيضين يزول بهم السراب، فصرخ بأعلى صوته: يا بني قيلة هذا صاحبكم قد جاء، ~~هذا جدكم الذي تنتظرون. فثار الأنصار إلى السلاح ليتلقوه، وسمعت الوجبة ~~والتكبير في بني عمرو بن عوف، وكبر المسلمون فرحا بقدومه، وخرجوا للقائه، ~~فتلقوه وحيوه بتحية النبوة، وأحدقوا به مطيفين حوله، والسكينة تغشاه، ~~والوحي ينزل عليه: {فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ~~ذلك ظهير} [التحريم: 4] (1) . # فسار حتى نزل بقباء في بني عمرو بن عوف، فنزل على كلثوم بن الهدم وقيل: ~~على سعد بن خيثمة، والأول أثبت، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، وأسس مسجد ~~قباء، وهو أول مسجد أسس بعد النبوة، فلما كان يوم الجمعة ركب بأمر الله له، ~~فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي، ~~ثم ركب فأخذوا بخطام راحلته: هلم إلى العدد والعدة والسلاح والمنعة، فقال: ~~«خلوا سبيلها فإنها مأمورة» ، فلم تزل سائرة به لا تمر بدار من دور الأنصار ~~إلا رغبوا إليه في النزول عليهم ويقول: «دعوها فإنها ms111 مأمورة» ، فسارت حتى ~~وصلت موضع مسجده اليوم فبركت ولم ينزل عنها حتى نهضت، وسارت قليلا، ثم ~~التفتت ورجعت في موضعها الأول فبركت، فنزل عنها وذلك في بني النجار أخواله. # وكان من توفيق PageV01P114 # الله لها، فإنه أحب أن ينزل عليهم ليكرمهم بذلك، فجعلوا يكلمونه في ~~النزول عليهم، وبادر أبو أيوب إلى راحلته فأدخله بيته، فجعل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول: «المرء مع رحله» ، وجاء أسعد بن زرارة، فأخذ ~~ناقته فكانت عنده، وأصبح كما قال قيس بن صرمة الأنصاري - وكان ابن عباس ~~يختلف إليه يتحفظ منه هذه الأبيات -: # ثوى في قريش بضع عشرة حجة ... يذكر لو يلقى حبيبا مواتيا # ويعرض في أهل المواسم نفسه ... فلم ير من يؤوي ولم ير واعيا # فلما أتانا واستقرت به النوى ... وأصبح مسرورا بطيبة راضيا # وأصبح لا يخشى ظلامة ظالم ... بعيد ولا يخشى من الناس باغيا # بذلنا له الأموال من حل مالنا ... وأنفسنا عند الوغى والتآسيا # نعادي الذي عادى من الناس كلهم ... جميعا وإن كان الحبيب المصافيا # ونعلم أن الله لا رب غيره ... وأن كتاب الله أصبح هاديا # قال ابن عباس: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة، فأمر بالهجرة، ~~وأنزل عليه: {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك ~~سلطانا نصيرا} [الإسراء: 80] (1) . # قال قتادة: أخرجه الله من مكة إلى المدينة مخرج صدق ونبي الله يعلم أنه ~~لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل الله سلطانا نصيرا، وأراه الله دار ~~الهجرة وهو بمكة، فقال: «أريت دار هجرتكم بسبخة ذات نخل بين لابتين» . قال ~~البراء: أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصعب ~~بن عمير، وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئان الناس القرآن، ثم جاء عمار بن ياسر، ~~وبلال، وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين راكبا، ثم جاء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فما رأيت الناس فرحوا بشيء فرحهم به، حتى رأيت النساء ~~والصبيان والإماء يقولون: هذا رسول الله قد جاء. # فأقام في منزل ms112 أبي أيوب حتى بنى مسجده وحجره، وبعث - صلى الله عليه وسلم ~~- وهو في منزل أبي أيوب، خالد بن زيد، وأبا رافع وأعطاهما بعيرين وخمسمائة ~~درهم إلى مكة، فقدما عليه بفاطمة، وأم كلثوم ابنتيه، وسودة زوجته، وأسامة ~~بن زيد، وأم أيمن. # وأما زينب، فلم يمكنها زوجها PageV01P115 # أبو العاص من الخروج، وخرج عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال أبي بكر وفيهم ~~عائشة، فنزلوا في بيت حارثة بن النعمان. ### | [فصل في بناء المسجد] # فصل # في بناء المسجد قال الزهري: بركت ناقته - صلى الله عليه وسلم - عند موضع ~~مسجده وهو يومئذ يصلي فيه رجال من المسلمين، وكان مربدا ليتيمين في حجر ~~أسعد بن زرارة، فساومهما فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالا: بل ~~نهبه لك، فأبى حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير، وكان جدارا ليس له سقف ~~وقبلته إلى بيت المقدس، وكان يصلي فيه ويجمع أسعد بن زرارة قبل مقدم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وكان فيه شجر غرقد ونخل، وقبور للمشركين، فأمر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقبور فنبشت، وبالنخل والشجر فقطع، ~~وصفت في قبلة المسجد، وجعل طوله مما يلي القبلة مائة ذراع إلى مؤخره، وفي ~~الجانبين مثل ذلك أو دونه، وجعل أساسه قريبا من ثلاثة أذرع، ثم بنوه ~~باللبن، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبني معهم، وينقل اللبن ~~والحجارة بنفسه وهو يقول: # اللهم لا عيش إلا عيش الآخره ... فاغفر للأنصار والمهاجره # وكان يقول: # هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهره # وجعلوا يرتجزون وهم ينقلون اللبن، وجعل بعضهم يقول في رجزه: # لئن قعدنا والرسول يعمل ... لذاك منا العمل المضلل # وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب بابا في مؤخره، وبابا ~~يقال له: باب الرحمة، والباب الذي يدخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وجعل عمده الجذوع وسقفه الجريد، وقيل له: ألا تسقفه؟ فقال: «لا عريش كعريش ~~موسى» ، وبنى بيوتا إلى جانبه بيوت أزواجه باللبن، وسقفها بالجذوع والجريد، ~~فلما فرغ من البناء بنى بعائشة في ms113 البيت الذي بناه لها شرقي المسجد، وجعل ~~لسودة بيتا آخر. # ثم آخى بين المهاجرين والأنصار، وكانوا تسعين رجلا، من المهاجرين، ونصفهم ~~من الأنصار على المواساة، ويتوارثون بعد الموت إلى وقعة بدر، فلما نزلت # PageV01P116 # {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض} [الأحزاب: 6] (1) الآية رد التوارث إلى ~~الرحم وقيل: إنه آخى بين المهاجرين ثانية، واتخذ عليا أخا، والثابت الأول. ~~ولو كان ذلك، لكان أحق الناس بأخوته الصديق الذي قال فيه: «لو كنت متخذا من ~~أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخي وصاحبي» ، وهذه الأخوة وإن ~~كانت عامة كما قال: «وددت أن قد رأينا إخواننا، قالوا: ألسنا إخوانك؟ قال: ~~أنتم أصحابي، وإخواني قوم يأتون من بعدي، يؤمنون بي ولم يروني» ، فللصديق ~~من هذه الأخوة أعلى مراتبها كما له من الصحبة أعلى مراتبها، ووادع من ~~بالمدينة من اليهود وكتب بينه وبينهم كتابا، وبادر حبرهم عبد الله بن سلام ~~ودخل في الإسلام، وأبى عامتهم إلا الكفر، وكانوا ثلاث قبائل: بنو قينقاع ~~وبنو النضير وبنو قريظة، وحاربه الثلاثة، فمن على بني قينقاع، وأجلى بني ~~النضير، وقتل بني قريظة وسبى ذريتهم، ونزلت سورة الحشر في بني النضير، ~~والأحزاب في بني قريظة. # وكان يصلي إلى بيت المقدس، وقال لجبريل: وددت أن يصرف الله وجهي عن قبلة ~~اليهود، فقال: إنما أنا عبد فادع ربك واسأله، فجعل يقلب وجهه في السماء ~~يرجو ذلك، فأنزل الله عليه: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} [البقرة: 144] ~~(2) الآية، وذلك بعد ستة عشر شهرا من مقدمه المدينة قبل بدر بشهرين، وكان ~~في ذلك حكم عظيمة، ومحنة للمسلمين والمشركين واليهود والمنافقين، فأما ~~المسلمون، فقالوا: {آمنا به كل من عند ربنا} [آل عمران: 7] وهم الذين هدى ~~الله، ولم تكن كبيرة عليهم، وأما المشركون، فقالوا: كما رجع إلى قبلتنا ~~يوشك أن يرجع إلى ديننا وما رجع إليها إلا أنه الحق، وأما اليهود، فقالوا: ~~خالف قبلة الأنبياء قبله، وأما المنافقون، فقالوا: ما يدري أين يتوجه إن ~~كانت الأولى حقا فقد تركها، وإن كانت الثانية هي الحق، فقد كان على ms114 باطل. ~~وكثرت أقاويل السفهاء من الناس، وكانت كما قال الله تعالى: {كانت لكبيرة ~~إلا على الذين هدى} [البقرة: 143] (3) وكانت محنة من الله ليرى من يتبع ~~الرسول ممن ينقلب على عقبيه، PageV01P117 # ولما كان شأن القبلة عظيما وطأ سبحانه قبلها أمر النسخ وقدرته عليه، وأنه ~~يأتي بخير من المنسوخ أو مثله، ثم عقبه بالتوبيخ لمن تعنت على رسوله، ولم ~~ينقد له، ثم ذكر اختلاف اليهود والنصارى وشهادة بعضهم على بعض بأنهم ليسوا ~~على شيء، وحذر عباده من موافقتهم واتباع أهوائهم، ثم ذكر كفرهم به وقولهم: ~~أن له ولد سبحانه وتعالى، ثم أخبر أنه له المشرق والمغرب، فأينما يولي ~~عباده وجوههم فثم وجهه وهو الواسع العليم، فلعظمته وسعته وإحاطته أينما ~~توجه العبد، فثم وجه الله، ثم أخبر أنه لا يسأل رسوله عن أصحاب الجحيم ~~الذين لا يتابعونه، ثم أخبره أن أهل الكتاب لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، ~~ثم ذكر أهل الكتاب نعمته عليهم، وخوفهم بأسه، ثم ذكر خليله باني بيته، ~~وأثنى عليه، وأخبر أنه جعله إماما للناس، ثم ذكر بيته الحرام وبناء خليله ~~له، وفي ضمن هذا أن بانيه كما هو إمام الناس، فكذا البيت الذي بناه إمام ~~لهم، ثم أخبر أنه لا يرغب عن ملة هذا الإمام إلا أسفه الناس، ثم أمر عباده ~~أن يأتموا به، ويؤمنوا بما أنزل إليه وإلى النبيين، ثم رد على من قال: إن ~~إبراهيم وأهل بيته كانوا هودا أو نصارى، وجعل هذا كله توطئة بين يدي تحويل ~~القبلة، وأكد سبحانه الأمر مرة بعد مرة، وأمر به حيث كان رسوله ومن حيث ~~خرج، وأخبر سبحانه أن الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم هو الذي هداهم ~~لهذه القبلة، وأنها لهم وهم أهلها، لأنها أفضل القبل، وهم أفضل الأمم، كما ~~اختار لهم أفضل الرسل، وأفضل الكتب وأخرجهم في خير القرون، وخصهم بأفضل ~~الشرائع، ومنحهم خير الأخلاق، وأسكنهم خير الأرض، وجعل منازلهم في الجنة ~~خير المنازل، وموقفهم في القيامة خير المواقف، فهم على تل عال والناس ~~تحتهم، فسبحان من ms115 يختص برحمته من يشاء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ~~ذو الفضل العظيم، وأخبر سبحانه أنه فعل ذلك، لئلا يكون للناس عليهم حجة، ~~ولكن الظالمين يحتجون عليهم بتلك الحجج التي ذكرت، ولا يعارضون الملحدون ~~الرسل إلا بها وبأمثالها. # وكل من قدم على أقوال الرسول سواها، فحجته من جنس حجج هؤلاء، وأخبر ~~سبحانه أنه فعل ذلك ليتم نعمته عليهم، وليهديهم، ثم # PageV01P118 # ذكر نعمه عليهم بإرسال رسوله، وإنزال كتابه، يزكيهم به، ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة، ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون. # ثم أمرهم بذكره وشكره إذ بهما يستوجبون لهم محبته لهم، ثم أمرهم بما لا ~~يتم لهم ذلك إلا بالاستعانة به، وهو الصبر والصلاة، وأخبر أنه مع الصابرين، ~~وأتم نعمته عليهم مع القبلة بأن شرع لهم الأذان في اليوم والليلة خمس مرات، ~~وزادهم في الظهر والعصر والعشاء ركعتين أخريين بعد أن كانت ثنائية، وكل هذا ~~بعد مقدمه المدينة. ### | فصل في أحوال رسول الله والمسلمين عندما استقر بالمدينة # فصل فلما استقر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، وأيده الله ~~بنصره وبالمؤمنين، وألف بين قلوبهم بعد العداوة، فمنعته أنصار الله، وكتيبة ~~الإسلام من الأسود والأحمر، وبذلوا أنفسهم دونه، وقدموا محبته على محبة ~~الآباء والأبناء والأزواج، وكان أولى بهم من أنفسهم، رمتهم العرب واليهود ~~عن قوس واحدة، وشمروا لهم عن ساق العداوة، وصاحوا بهم من كل جانب، والله ~~تعالى يأمرهم بالصبر والعفو والصفح حتى قويت الشوكة، واشتد الجناح، فأذن ~~لهم حينئذ في القتال، ولم يفرضه عليهم، فقال تعالى: {أذن للذين يقاتلون ~~بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير} [الحج: 39] (1) وقيل: إن هذا بمكة، ~~لأن السورة مكية، وهذا غلط لوجوه: # أحدها: أن الله لم يأذن في القتال بمكة. # الثاني: أن السياق يدل على أن الإذن بعد إخراجهم من ديارهم بغير حق. # . الثالث: أن قوله: {هذان خصمان} [الحج: 19] نزلت في الذين تبارزوا يوم ~~بدر. # الرابع: أنه خاطبهم فيها بقوله: يا أيها الذين آمنوا، والخطاب بذلك كله ~~مدني. # الخامس: أنه أمر فيها بالجهاد الذي يعم اليد وغيره، ولا ms116 ريب أن الأمر ~~المطلق بالجهاد إنما كان بعد الهجرة. # السادس: أن الحاكم روى في " مستدركه " عن ابن عباس بإسناده على شرطهما، ~~قال: لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة، قال أبو بكر: ~~أخرجوا نبيهم إنا لله وإنا إليه راجعون ليهلكن فأنزل الله عز وجل: {أذن ~~للذين يقاتلون} [الحج: 39] الآية PageV01P119 # وهي أول آية نزلت في القتال. انتهى. # وسياق السورة يدل على أن فيها المكي والمدني، فإن قصة إلقاء الشيطان في ~~أمنيته مكية، والله أعلم. # ثم فرض عليهم قتال من قاتلهم، فقال تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين ~~يقاتلونكم} [البقرة: 190] (1) ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة وكان محرما، ~~ثم مأذونا به، ثم مأمورا به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأمورا به، لجميع ~~المشركين، إما فرض عين على أحد القولين، أو كفاية على المشهور. # والتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين، إما بالقلب، وإما باللسان، وإما باليد، ~~وإما بالمال، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع، وأما الجهاد ~~بالنفس، ففرض كفاية، وأما بالمال، ففي وجوبه قولان، والصحيح وجوبه، لأن ~~الأمر بالجهاد به وبالنفس في القرآن سواء، وعلق النجاة من النار والمغفرة، ~~ودخول الجنة به، فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ~~تنجيكم من عذاب أليم} [الصف: 10] (2) الآيات، وأخبر سبحانه أنه اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم، وأعاضهم عنها الجنة، وأن هذا العقد والوعد قد ~~أودعه أفضل كتبه، ثم أكده بإعلامهم أنه لا أحد أوفى بعهده منه تبارك ~~وتعالى، ثم أكده بأن أمرهم أن يستبشروا بذلك، ثم أعلمهم أن ذلك هو الفوز ~~العظيم، فليتأمل العاقل مع ربه ما أجل هذا العقد، فإن الله - عز وجل - هو ~~المشتري، والثمن الجنة، والذي جرى على يديه هذا العقد أشرف رسله، وأكرمهم ~~عليه من الملائكة ومن البشر، وإن سلعة هذا شأنها لقد هيئت، لأمر عظيم. # قد هيؤوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل # مهر الجنة والمحبة بذل النفس والمال لمالكهما، فما للجبان المعرض المفلس، ~~وسوم هذه السلعة بالله ما ms117 هزلت فيسنامها المفلسون، وما كسدت فيبيعها ~~بالنسيئة المعسرون، لقد أقيمت للعرض في سوق من يريد، فلم يرض ربها لها بثمن ~~دون بذل النفوس، فتأخر البطالون، وقام المحبون ينتظرون أيهم يصلح أن تكون ~~نفسه الثمن، فدارت السلعة بينهم، ووقعت في يد {أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين} [المائدة: 54] (3) لما كثر المدعون للمحبة طولبوا PageV01P120 # بإقامة البينة، فلو يعطى الناس بدعواهم، لادعى الخلي حرقة الشجي، فتنوع ~~المدعون في الشهود، فقيل: لا نثبت هذه الدعوة إلا ببينة {قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31] (1) فتأخر الخلق كلهم، وثبت ~~أتباع الرسول في أفعاله وأقواله، وهديه وأخلاقه، وطولبوا بعدالة البينة، ~~فقيل: لا تقبل العدالة إلا بتزكية {يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة ~~لائم} [المائدة: 54] (2) فتأخر أكثر المدعين للمحبة، وقام المجاهدون، فقيل ~~لهم: إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم، فسلموا ما وقع عليه العقد، وعقد ~~التبايع يوجب التسليم من الجانبين. # فلما رأى التجار عظمة المشتري، وقدر الثمن، وجلالة من جرى العقد على ~~يديه، ومقدار الكتاب الذي أثبت فيه، عرفوا أن لهذه السلعة شأنا ليس لغيرها، ~~فرأوا من الغبن الفاحش أن يبيعوها بثمن بخس دراهم معدودة، تذهب لذتها، ~~وتبقى تبعتها، فعقدوا مع المشتري بيعة الرضوان رضا واختيارا من غير ثبوت ~~خيار، فلما تم العقد وسلموا المبيع، قيل: قد صارت نفوسكم وأموالكم لنا، ~~والآن قد رددناها عليكم أوفر ما كانت، وأضعاف أموالكم معها {ولا تحسبن ~~الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا} [آل عمران: 169] (3) الآية لم نتبع منكم ~~نفوسكم وأموالكم طلبا للربح عليكم، بل ليظهر أثر الجود والكرم في قبول ~~البيع والإعطاء عليه أجل الأثمان، ثم جمعنا لكم بين الثمن والمثمن. # وتأمل قصة جابر وجمله كيف وفاه الثمن، وزاده، ورد عليه البعير، فذكره ~~بهذا الفعل حال الله مع أبيه، وأخبره أن الله أحياه وكلمه كفاحا، وقال: «يا ~~عبدي تمن علي أعطيك» فسبحان من عظم جوده وكرمه أن يحيط به علم الخلائق، لقد ~~أعطى السلعة وأعطى الثمن، ووفقه لتكميل العقد، وقبل المبيع على عيبه، وأعطى ~~عليه أجل ms118 الأثمان، واشترى عبده من نفسه بماله، وجمع له بين الثمن والمثمن، ~~وأثنى عليه، ومدحه بهذا العقد، وهو الذي وفقه له وشاءه منه: # فحيهل إن كنت ذا همة فقد ... حدى بك حادي الشوق فاطوي المراحلا ~~PageV01P121 # وقل لمنادي حبهم ورضاهم ... اذا ما دعى لبيك ألفا كواملا # ولا تنظر الأطلال من دونهم فإن ... نظرت إلى الأطلال عدن حوائلا # وخذ منهم زادا إليهم وسر على ... طريق الهدى والحب تصبح واصلا # ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد ... ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا # واحيي بذكراهم سراك إذا ونت ... ركابك فالذكرى تعيدك عاملا # وإما تخافن الكلال فقل لها ... أمامك ورد الوصل فابغي المناهلا # وخذ قبسا من نورهم ثم سر به ... فنورهم يهديك ليس المشاعلا # وحي على واد الأراك فقل به ... عساك تراهم ثم إن كنت قائلا # وإلا ففي نعمان عند معرف الأح ... بة فاطلبهم إذا كنت سائلا # وإلا ففي جمع بليلته فإن ... تفت فمنى يا ويح من كان غافلا # وحي على جنات عدن فإنها ... منازلك الأولى بها كنت نازلا # ولكن سباك الكاشحون لأجل ذا ... وقفت على الأطلال تبكي المنازلا # وحي على يوم المزيد بجنة الخ ... لود فجد بالنفس إن كنت باذلا # فدعها رسوما دارسات فما بها ... مقيل وجاوزها فليست منازلا # وخذ يمنة عنها على المنهج الذي ... عليه سرى وفد المحبة آهلا # وقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة ... فعند اللقا ذا الكد يصبح زائلا # فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا # لقد حرك الداعي إلى الله وإلى دار السلام النفوس الأبية، والهمم العالية، ~~وأسمع منادي الإيمان من كانت له أذن واعية وأسمع الله من كان حيا، فهزه ~~السماع إلى منازل الأبرار وحدا به في طريق سيره، فما حطت به رحاله إلا بدار ~~القرار. # فقال: «انتدب الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا إيمان بي، وتصديق ~~برسلي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة، ولولا أن أشق على ~~أمتي، ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ms119 ثم أقتل، ~~ثم أحيا، ثم أقتل» (1) وقال: «مثل المجاهد في سبيل الله، كمثل الصائم ~~القائم القانت بآيات الله، PageV01P122 # لا يفتر عن صيام ولا صلاة حتى يرجع» # وقال: «غدوة في سبيل الله، أو روحة، خير من الدنيا وما فيها» # وقال: «الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنة ينجي الله به من الهم ~~والغم» (1) وقال: «أنا زعيم، أي: كفيل - لمن آمن بي وأسلم، وجاهد في سبيل ~~الله ببيت في ربض الجنة، وبيت في وسط الجنة، وبيت في أعلى الجنة، من فعل ~~ذلك لم يدع للخير مطلبا، ولا من الشر مهربا، يموت حيث يشاء أن يموت» (2) . # وقال: «من قاتل في سبيل الله - من رجل مسلم - فواق ناقة، وجبت له الجنة» ~~(3) . # وقال: «إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين ~~كل درجتين، كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس، فإنه ~~أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة» (4) ~~وقال: «من أعان مجاهدا في سبيل الله، أو غارما في غرمه، أو مكاتبا في ~~رقبته، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» (5) . # وقال: «من اغبرت قدماه في سبيل الله، حرمها الله على النار» (6) وقال: ~~«لا يجتمع شح وإيمان في قلب رجل، ولا يجتمع غبار في سبيل الله، ودخان جهنم ~~في وجه عبد» # وقال: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله ~~الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان» # «وقال لرجل حرس المسلمين ليلة على ظهر فرسه من أولها إلى الصباح لم ينزل ~~إلا لصلاة أو قضاء حاجة قد أوجبت، فلا عليك ألا تعمل بعدها» (7) وذكر أبو ~~داود عنه: «من لم يغز، ولم يجهز غازيا، أو يخلف غازيا في أهله بخير، أصابه ~~الله بقارعة قبل يوم القيامة» (8) وفسر أبو أيوب الأنصاري الإلقاء باليد ~~إلى التهلكة بترك الجهاد. وصح عنه: PageV01P123 # إن النار أول ما تسعر بالعالم والمنفق والمقتول في الجهاد إذا فعلوا ذلك ~~ليقال. ### | [فصل في هديه صلى الله ms120 عليه وسلم في القتال] # فصل وكان يستحب القتال أول النهار، كما يستحب الخروج للسفر، فإذا لم ~~يقاتل أول النهار، أخر القتال حتى تزول الشمس، وتهب الرياح، وينزل النصر. # وكان يبايع أصحابه في الحرب على أن لا يفروا، وربما بايعهم على الموت، ~~وبايعهم على الجهاد، كما بايعهم على الإسلام، وبايعهم على الهجرة، وبايعهم ~~على التوحيد، والتزام طاعة الله ورسوله، وبايع نفرا من أصحابه على أن لا ~~يسألوا الناس شيئا، وكان السوط يسقط من يد أحدهم، فينزل له فيأخذه، ولا ~~يقول لأحد: ناولني إياه. # وكان يشاور أصحابه في الجهاد، ولقاء العدو، وتخير المنازل، وكان يتخلف في ~~ساقتهم في المسير، فيزجي الضعيف، ويردف المنقطع، وكان أرفق الناس بهم في ~~المسير، وإذا أراد غزوة، ورى بغيرها ويقول: «الحرب خدعة» ، وكان يبعث ~~العيون يأتون بخبر عدوه، ويطلع الطلائع، ويبث الحرس، وإذا لقي عدوه، وقف ~~ودعا واستنصر الله، وأكثر هو وأصحابه من ذكر الله، وخفضوا أصواتهم. # وكان يرقب الجيش والمقاتلة، ويجعل في كل جنبة كفئا لها، وكان يبارز بين ~~يديه بأمره، وكان يلبس للحرب عدته، وربما ظاهر بين درعين، وكان له ألوية، ~~وكان إذا ظهر على قوم، نزل بعرصتهم ثلاثا، ثم قفل. # وكان إذا أراد أن يغير، انتظر، فإن سمع في الحي أذانا، لم يغر وإلا أغار، ~~وكان ربما يبيت عدوه، وربما فاجأهم نهارا، وكان يحب الخروج يوم الخميس بكرة ~~النهار، وكان العسكر إذا نزل انضم بعضهم إلى بعض، حتى لو بسط عليهم كساء ~~لعمهم. # وكان يرتب الصفوف، ويعبئهم للقتال، ويقول: تقدم يا فلان، تأخر يا فلان، ~~وكان يستحب للرجل أن يقاتل تحت راية قومه. # وكان إذا لقي العدو يقول: «اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم ~~الأحزاب اهزمهم، وانصرنا عليهم» وربما قال: {سيهزم الجمع ويولون الدبر - بل ~~الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر} [القمر: 45 - 46] (1) وكان يقول: «اللهم ~~أنزل نصرك» ، وكان يقول: «اللهم PageV01P124 # أنت عضدي وأنت نصيري، بك أقاتل» وكان إذا اشتد البأس وقصده العدو يعلم ~~بنفسه، ويقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» ، وإذا ms121 اشتد البأس، ~~اتقوا به. # وكان أقربهم إلى العدو، وكان يجعل لأصحابه شعارا في الحرب يعرفون به إذا ~~تكلموا، وكان شعاره مرة: أمت أمت، ومرة: يا منصور أمت، ومرة: حم لا ينصرون. ~~وكان يلبس الدرع والخوذة، ويتقلد السيف، ويحمل الرمح والقوس العربية ويتترس ~~بالترس، ويحب الخيلاء في الحرب، وقال: «إن منها ما يحب الله، ومنها ما يبغض ~~الله، فأما التي يحبها الله، فاختيال الرجل بنفسه عند اللقاء، واختياله عند ~~الصدقة، وأما التي يبغض الله عز وجل، فاختيال الرجل في البغي والفجور» ، ~~وقاتل مرة بالمنجنيق، فنصبه مرة على أهل الطائف، وكان ينهى عن قتل النساء ~~والولدان، وينظر في المقاتلة، فمن رآه أنبت، قتله، وإلا استحياه. # وكان إذا بعث سرية يوصيهم بتقوى الله، ويقول: «سيروا بسم الله وفي سبيل ~~الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تمثلوا ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا ~~وليدا» ، وكان ينهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو، ويأمر أمير السرية أن ~~يدعو عدوه قبل القتال، إما إلى الإسلام والهجرة، أو الإسلام دون الهجرة، ~~ويكونون كأعراب المسلمين ليس لهم نصيب في الفيء، أو بذل الجزية، فإن هم ~~أجابوا إليه، قبل منهم، وإلا استعان بالله وقاتلهم. # وكان إذا ظفر بعدوه أمر مناديا، فجمع الغنائم كلها، فبدأ بالأسلاب ~~فأعطاها لأهلها، ثم أخرج خمس الباقي، فوضعه حيث أراه الله وأمره به، من ~~مصالح الإسلام، ثم يرضخ من الباقي لمن لا سهم له من النساء والصبيان ~~والعبيد، ثم قسم الباقي بالسوية بين الجيش للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم، ~~هذا هو الصحيح. # وكان ينفل من صلب الغنيمة بحسب ما يراه من المصلحة، وجمع لسلمة بن الأكوع ~~في بعض مغازيه بين سهم الراجل والفارس فأعطاه خمسة لعظم غنائه، وكان يسوي ~~بين الضعيف والقوي في القسم ما عدا النفل، وكان إذا أغار في أرض العدو، ~~وبعث سرية بين يديه، فما غنمت أخرج خمسه، ونفلها ربع الباقي، وقسم الباقي ~~بينها وبين سائر الجيش، وإذا رجع فعل ذلك، ونفلها الثلث، ومع ذلك كان يكره ~~النفل ويقول: «ليرد # PageV01P125 # قوي المؤمنين ms122 على ضعيفهم» ، وكان له سهم من الغنيمة يدعى الصفي إن شاء ~~عبدا، وإن شاء فرسا يختاره قبل القسم. # قالت عائشة: كانت صفية منه، أي: من الصفي رواه أبو داود، وكان سيفه ذو ~~الفقار من الصفي، وكان يسهم لمن غاب عن الوقعة لمصلحة المسلمين، كما أسهم ~~لعثمان من بدر لتمريض ابنته، فقال: «إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة ~~رسوله، فضرب له بسهمه وأجره» . # وكانوا يشترون معه في الغزو ويبيعون وهو يراهم ولا ينهاهم، وكانوا ~~يستأجرون الأجراء للغزو، وذلك على نوعين: # أحدهما: أن يخرج الرجل، ويستأجر من يخدمه. في سفره. الثاني: أن يستأجر من ~~يخرج للجهاد، ويسمون ذلك الجعائل، وفيها قال صلى الله عليه وسلم: «للغازي ~~أجره، وللجاعل أجره، وأجر الغازي» ، وكانوا يتشاركون في الغنيمة، وهو على ~~نوعين أيضا: # أحدهما: شركة الأبدان. والثاني: أن يدفع الرجل بعيره إلى الرجل أو فرسه ~~يغزو عليه على النصف مما يغنم حتى ربما اقتسما السهم فأصاب أحدهما قدحه، ~~والآخر نصله وريشه. # قال ابن مسعود: اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر، فجاء سعد ~~بأسيرين ولم أجئ أنا وعمار بشيء. # وكان يبعث السرية فرسانا تارة، ورجالة أخرى، ولا يسهم لمن قدم من المدد ~~بعد الفتح، وكان يعطي سهم ذوي القربى في بني هاشم وبني المطلب دون إخوتهم ~~من عبد شمس ونوفل، وقال: «إنما بنو المطلب، وبنو هاشم شيء واحد» ، وشبك بين ~~أصابعه، وقال: «إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام» ، وكان المسلمون ~~يصيبون معه في مغازيهم العسل والعنب والطعام، فيأكلونه ولا يرفعونه في ~~المغانم. # وقيل لابن أبي أوفى: هل كنتم تخمسون الطعام؟ فقال: أصبنا طعاما يوم خيبر، ~~فكان الرجل يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه، ثم ينصرف، وقال بعض الصحابة: ~~كنا نأكل الجوز في الغزو، ولا نقسمه، حتى إن كنا لنرجع إلى رحالنا، ~~وأجربتنا منه مملوءة وكان ينهى عن النهبى والمثلة، وقال: «من انتهب نهبة ~~فليس منا» . وكان ينهى أن يركب الرجل دابة من الفيء، فإذا أعجفها ردها فيه، ~~وأن يلبس ثوبا من الفيء، حتى ms123 إذا أخلقه رده فيه، ولم يمنع من الانتفاع به ~~حال الحرب، وكان يشدد في الغلول جدا ويقول: «عار ونار وشنار على أهله يوم ~~القيامة» ، ولما أصيب غلامه مدعم، قال بعض الصحابة: # PageV01P126 # هنيئا له الجنة، فقال: كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم ~~خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا، فجاء رجل بشراك أو ~~شراكين لما سمع ذلك فقال: شراك أو شراكان من نار. # وقال لمن كان على ثقله وقد مات: «هو في النار فذهبوا ينظرون، فوجدوا ~~عباءة قد غلها» ، وقالوا في بعض غزواتهم: فلان شهيد، وفلان شهيد، حتى مروا ~~على رجل، فقالوا: وفلان شهيد، فقال: «كلا إني رأيته في النار في بردة غلها ~~أو عباءة» ، ثم قال: «يا ابن الخطاب اذهب فناد في الناس إنه لا يدخل الجنة ~~إلا المؤمنون» ثلاثا، وكان إذا أصاب غنيمة أمر بلالا، فنادى في الناس ~~فيجيئون بغنائمهم، فيخمسها ويقسمها، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أسمعت بلالا ينادي؟ فقال: نعم، قال: فما ~~منعك أن تجيء به؟ فاعتذر فقال: كن أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله منك، ~~وأمر بتحريق متاع الغال» ، وضربه وحرقه الخليفتان بعده، فقيل: منسوخ ~~للأحاديث التي ذكرت، ولم يجيء التحريق فيها، وقيل - وهو الصواب -: إنه من ~~باب التعزير والعقوبات المالية الراجعة إلى اجتهاد الأئمة بحسب المصلحة ~~كقتل شارب الخمر في الثالثة والرابعة. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الأسارى] # فصل # في هديه - صلى الله عليه وسلم - في الأسارى كان يمن على بعضهم، ويقتل ~~بعضهم، ويفادي بعضهم بالمال، وبعضهم بأسرى المسلمين، فعل ذلك كله بحسب ~~المصلحة، واستأذنه الأنصار أن يتركوا لعمه العباس فداءه فقال: «لا تدعوا ~~منه درهما» ورد سبي هوازن عليهم بعد القسمة، واستطاب قلوب الغانمين فطيبوا ~~له، وعوض من لم يطيب من ذلك بكل إنسان ست فرائض. # وذكر أحمد عن ابن عباس أن بعضهم لم يكن له مال، فجعل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فداءهم أن ms124 يعلموا أولاد الأنصار الكتابة، فدل هذا على ~~جواز الفداء بالعمل. # والصواب الذي عليه هديه وهدي أصحابه استرقاق العرب، ووطء إمائهن بملك ~~اليمين من غير اشتراط الإسلام، وكان يمنع التفريق في السبي بين الوالدة ~~وولدها، ويعطي # PageV01P127 # أهل البيت جميعا كراهة أن يفرق بينهم. # وثبت عنه أنه قتل جاسوسا من المشركين، ولم يقتل حاطبا لما جس عليه، وذكر ~~شهوده بدرا، فاستدل به من لا يرى قتل المسلم الجاسوس، واستدل به من يرى ~~قتله، كمالك وابن عقيل من أصحاب أحمد وغيرهما قالوا: لأنه علل بعلة مانعة ~~من القتل منتفية في غيره، ولو كان الإسلام مانعا من قتله لم يعلل بأخص منه، ~~لأن الحكم إذا علل بالأعم كان الأخص عديم التأثير، وهذا أقوى. # وكان هديه عتق عبيد المشركين إذا خرجوا إلى المسلمين وأسلموا. وكان من ~~هديه أن من أسلم على شيء في يده فهو له، ولم يكن يرد على المسلمين أعيان ~~أموالهم التي أخذها الكفار منهم قهرا بعد إسلامهم. ### | فصل في حكم الأراضي التي يغنمها المسلمون # فصل وثبت أنه قسم أرض بني قريظة وبني النضير، ونصف خيبر بين الغانمين، ~~وعزل نصف خيبر لمن نزل به من الوفود والأمور ونوائب الناس، ولم يقسم مكة، ~~فقالت طائفة: لأنها دار النسك، فهي وقف من الله على عباده. # وقالت طائفة: الإمام مخير في الأرض بين قسمتها، وبين وقفها لفعله - صلى ~~الله عليه وسلم - قالوا: والأرض لا تدخل في الغنائم المأمور بقسمتها بل ~~الغنائم هي الحيوان والمنقول، لأن الله لم يحلها لغير هذه الأمة، وأحل لهم ~~ديار الكفار وأرضهم، كقوله تعالى في ديار فرعون وقومه وأرضهم: {وأورثناها ~~بني إسرائيل} [الشعراء: 59] (1) والنبي - صلى الله عليه وسلم - قسم وترك، ~~وعمر لم يقسم، بل ضرب عليها خراجا مستمرا للمقاتلة، فهذا معنى وقفها ليس ~~معناه الوقف الذي يمنع من نقل الملك، بل يجوز بيعها كما هو عمل الأمة، وقد ~~أجمعوا على أنها تورث، ونص أحمد على جواز جعلها صداقا، والوقف إنما امتنع ~~بيعه لما في ذلك من إبطال حق البطون الموقوف عليهم، والمقاتلة ms125 حقهم في خراج ~~الأرض، فلا يبطل بالبيع، ونظيره بيع رقبة المكاتب، وقد انعقد فيه سبب ~~الحرية بالكتابة، فإنه ينتقل إلى المشتري مكاتبا كما كان عند البائع. # ومنع - صلى الله عليه وسلم - من إقامة المسلم بين المشركين إذا ~~PageV01P128 # قدر على الهجرة وقال: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين " ~~قيل: يا رسول الله ولم؟ قال: " لا تراءى ناراهما» # وقال: «من جامع المشرك، وسكن معه فهو مثله.» # وقال: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة، حتى تطلع ~~الشمس من مغربها.» # وقال: «ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم عليه ~~السلام، ويبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضوهم ويحشرهم الله مع القردة ~~والخنازير.» ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الأمان والصلح] # فصل # في هديه - صلى الله عليه وسلم - في الأمان والصلح، ومعاملة رسل الكفار ~~وأخذ الجزية، ومعاملة أهل الكتاب والمنافقين، ووفائه بالعهد ثبت عنه أنه ~~قال: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما، فعليه لعنة ~~الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا ~~عدلا» ، وثبت عنه أنه قال: «من كان بينه وبين قوم عهد، فلا يحلن عقدة، ولا ~~يشهدها حتى يمضي أمده، أو ينبذ إليهم على سواء.» # وقال: «من أمن رجلا على نفسه فقتله، فأنا بريء من القاتل» ، ويذكر عنه: ~~«ما نقض قوم العهد إلا أديل عليهم العدو.» # ولما قدم المدينة، صار الكفار معه ثلاثة أصناف: قسم صالحهم على أن لا ~~يحاربوه ولا يولوا عليه عدوه، وقسم حاربوه، وقسم لم يصالحوه ولم يحاربوه، ~~بل انتظروا ما يئول إليه أمره، ثم من هؤلاء من كان يحب ظهوره، وانتصاره في ~~الباطن، ومنهم من يحب ظهور عدوه عليه، ومنهم من دخل معه في الظاهر، وهو ~~عدوه في الباطن، فعامل كل طائفة بما أمره الله به. # فصالح يهود المدينة، فحاربته، فحاربته قينقاع بعد بدر، وشرقوا بوقعتها، ~~وأظهروا البغي والحسد، ثم نقض بنو النضير، فغزاهم وحصرهم، وقطع نخلهم ~~وحرقه، ثم نزلوا على أن ms126 يخرجوا من المدينة، ولهم ما حملت الإبل إلا السلاح، ~~وذكر الله قصتهم في سورة الحشر، ثم نقضت قريظة، وهم أغلظ اليهود كفرا، ~~ولذلك جرى عليهم ما لم يجر على إخوانهم، فهذا كله في يهود المدينة. # PageV01P129 # وكانت غزوة كل طائفة منهم عقب غزوة من الغزوات الكبار، فبنو قينقاع بعد ~~بدر، وبنو النضير عقب أحد، وقريظة عقب الخندق. # وكان هديه إذا صالح قوما، فنقض بعضهم عهده وصلحه، وأقرهم الباقون، ورضوا ~~به، غزا الجميع، كما فعل بقريظة والنضير وأهل مكة، فهذه سنته في أهل العهد. # وعلى هذا ينبغي أن يجري الحكم في أهل الذمة كما صرح به أصحاب أحمد ~~وغيرهم، وخالف أصحاب الشافعي، فخصوا نقض العهد بمن نقضه خاصة دون من رضي به ~~وأقر عليه، وفرقوا بينهما بأن عقد الذمة آكد، والأول أصوب، وبهذا أفتينا ~~ولي الأمر لما أحرق النصارى أموال المسلمين بالشام، وعلم بذلك من علم منهم، ~~وواطؤوا عليه، ولم يعلموا به ولي الأمر، وأن حده القتل حتما، ولا يخير ~~الإمام فيه، كالأسير بل صار القتل له حدا. # والإسلام لا يسقط القتل إذا كان حدا ممن هو تحت الذمة ملتزما أحكام ~~الملة، بخلاف الحربي إذا أسلم فهذا له حكم، والذمي الناقض له حكم آخر، وهذا ~~الذي تقتضيه نصوص أحمد، وأفتى به شيخنا في غير موضع. # وكان هديه إذا صالح قوما، فانضاف إليهم عدو له سواهم، فدخلوا معهم، ~~وانضاف إليه آخرون، صار حكم من حارب من دخل معه في عقده من الكفار حكم من ~~حاربه، وبهذا السبب غزا أهل مكة، وبهذا أفتى شيخ الإسلام بغزو نصارى المشرق ~~لما أعانوا عدو المسلمين من التتار على قتالهم، وأمدوهم بالمال والسلاح ~~ورأوهم بذلك ناقضين للعهد، فكيف إذا أعان أهل الذمة المشركين على حرب ~~المسلمين. # وكانت تقدم عليه رسل أعدائه، وهم على عداوته، فلا يهيجهم ولا يقتلهم، ~~ولما قدم عليه رسولا مسيلمة، فتكلما بما قالا، قال: «لولا أن الرسل لا تقتل ~~لضربت أعناقكما» ، فجرت سنته أن لا يقتل رسول. # وكان هديه أن لا يحبس الرسول عنده إذا ms127 اختار دينه، بل يرده، كما قال أبو ~~رافع: بعثتني قريش إليه، فوقع في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله لا ~~أرجع، فقال: «إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ارجع إليهم، فإن كان في ~~قلبك الذي فيه الآن فارجع» . قال أبو داود: وكان هذا في المدة التي اشترط ~~لهم أن يرد إليهم من جاء منهم، وأما اليوم فلا يصح هذا. # وفي # PageV01P130 # قوله: «لا أحبس البرد» إشعار بأن هذا يختص بالرسل مطلقا، أما رده لمن جاء ~~إليه منهم مسلما، فهذا إنما يكون مع الشرط. وأما الرسل فلهم حكم آخر. # ومن هديه أن أعداءه إذا عاهدوا واحدا من أصحابه على عهد لا يضر بالمسلمين ~~بغير رضاه أمضاه، كما عاهدوا حذيفة وأباه الحسيل أن لا يقاتلاهم معه - صلى ~~الله عليه وسلم - فأمضى لهم ذلك، وقال: «انصرفوا نفي لهم بعهدهم، ونستعين ~~الله عليهم» . وصالح قريشا عشر سنين على أن من جاءه مسلما رده، ومن جاءهم ~~من عنده لا يردونه، واللفظ عام في الرجال والنساء، فنسخ الله ذلك في ~~النساء، وأمر بامتحانهن، فإن علموا أنها مؤمنة لم ترد، ويرد مهرها. # وأمر المسلمين أن يردوا على من ارتدت امرأته إليهم مهرها إذا عاقبوا بأن ~~يجب عليهم رد مهر المهاجرة فيردونه إلى من ارتدت امرأته ولا يردونها إلى ~~زوجها المشرك، فهذا هو العقاب، وليس من العذاب في شيء. # ففيه أن خروج البضع من ملك الزوج متقوم، وأنه بالمسمى لا بمهر المثل، وأن ~~أنكحة الكفار صحيحة، وأنه لا يجوز رد المسلمة المهاجرة، ولو شرط، وأن ~~المسلمة لا يحل لها نكاح الكافر، وأن المسلم له أن يتزوج المهاجرة إذا ~~اعتدت، وآتاها مهرها، ففيه أبين دلالة على خروج البضع من ملك الزوج، ~~وانفساخ النكاح بالهجرة، وفيه تحريم نكاح المشركة على المسلم، كما حرم نكاح ~~المسلمة على الكافر وهذه أحكام استفيدت من هاتين الآيتين، وبعضها مجمع ~~عليه، وبعضها مختلف فيه، وليس لمن ادعى نسخها حجة، فإن الشرط مختص بالرجال، ~~ولم يدخلن، فنهى عن ردهن. # وأمر برد المهر، وأن يرد منه على ms128 من ارتدت امرأته إليهم المهر الذي ~~أعطاها، ثم أخبر أن ذلك حكمه الذي يحكم به بين عباده، وأنه صادر عن علمه ~~وحكمته، ولم يأت عنه ما ينافيه بعده، ولما صالحهم على رد الرجال كان - صلى ~~الله عليه وسلم - لا يمنعهم أن يأخذوا من أتى إليه منهم، ولا يكرهه على ~~العود، ولا يأمره به، وكان إذا قتل منهم، أو أخذ مالا وقد فصل عن يده، ولما ~~يلحق بهم لم ينكر عليه ذلك، ولم يضمنه لهم، لأنه ليس تحت قهره ولا أمره ~~بذلك ولم يقتض عقد الصلح الأمان على النفوس والأموال إلا عمن هو تحت قهره، ~~كما ضمن لبني جذيمة ما أتلفه خالد، وأنكره وتبرأ منه. # ولما كان خالد متأولا # PageV01P131 # وكان غزوهم بأمره - صلى الله عليه وسلم - ضمنهم بنصف دياتهم لأجل التأويل ~~والشبهة، وأجراهم في ذلك مجرى أهل الكتاب الذين عصموا بالذمة لا بالإسلام، ~~ولم يقتض عهد الصلح أن ينصرهم على من حاربهم ممن ليس في قبضته، ففيه أن ~~المعاهدين إذا غزاهم من ليس تحت قهر الإمام وفي يده، وإن كانوا من المسلمين ~~أنه لا يجب على الإمام ردهم عنهم، ولا ضمان ما أتلفوه. # وأخذ الأحكام المتعلقة بالحرب والمصالح والسياسات من هديه أولى من ~~الآراء، وعلى هذا فإذا كان بين بعض ملوك المسلمين، وبعض أهل الذمة عهد، جاز ~~لملك آخر لا عهد بينه وبينهم أن يغزوهم، كما أفتى به شيخ الإسلام في نصارى ~~ملطية مستدلا بقصة أبي بصير وكذلك صالح أهل خيبر لما ظهر عليهم على أن ~~يجليهم منها، ولهم ما حملت ركابهم، ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~الصفراء والبيضاء والسلاح، وشرط أن لا يكتموا ما فعلوا، فإن فعلوا فلا ذمة ~~لهم، فغيبوا مسكا، فيه مال لحيي بن أخطب احتمله معه حين أجليت النضير، فسأل ~~عم حيي عنه، فقال: أذهبته النفقات والحروب، فقال: «العهد قريب، والمال أكثر ~~من ذلك» ، فدفعه إلى الزبير، فمسه بعذاب، فقال: رأيت حييا يطوف في خربة ~~هاهنا، فوجدوه فيها، فقتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابني ms129 أبي ~~الحقيق، أحدهما زوج صفية بنت حيي، وسبى نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم ~~بالنكث وأراد أن يجليهم، فقالوا: دعنا نكون فيها نصلحها، فنحن أعلم بها، ~~ولم يكن له ولا لأصحابه غلمان يكفونهم، فدفعها إليهم على الشطر من كل ما ~~يخرج منها من ثمر وزرع ولهم الشطر، وعلى أن يقرهم فيها ما شاء، ولم يعمهم ~~بالقتل، كما عم قريظة لاشتراك أولئك في نقض العهد. # وأما هؤلاء، فالذين علموا بالمسك وغيبوه، وشرطوا له أنه إن ظهر، فلا ذمة ~~لهم، قتلهم بشرطهم، ولم يعم أهل خيبر، فإنه من المعلوم أن جميعهم لم يعلموا ~~بالمسك، فهذا نظير الذمي والمعاهد إذا نقض، ولم يمالئه عليه غيره. # ودفع الأرض على النصف دليل ظاهر في جواز المساقات والمزارعة، وكون الشجر ~~نخلا لا أثر له البتة، فحكم الشيء حكم نظيره، فبلد شجرهم الأعناب والتين، ~~وغيرهما حكم بلد شجرهم النخل سواء ولا فرق. # وفيه أنه لا يشترط كون البذر من رب الأرض، فإنه لم يعطهم # PageV01P132 # بذرا ألبتة، وهذا مقطوع به، حتى قال بعض أهل العلم: لو قيل باشتراط كونه ~~من العامل لكان أقوى، والذين اشترطوه من رب المال ليس معهم حجة أصلا أكثر ~~من القياس على المضاربة، وهذا إلى أن يكون حجة عليهم أقرب، فإن في المضاربة ~~يعود رأس المال إلى المالك ويقتسمان الباقي، ولو شرط ذلك في المزارعة، فسدت ~~عندهم، فلم يجروا البذر مجرى رأس المال، بل أجروه مجرى سائر البقل، وأيضا ~~فإن البذر جار مجرى الماء والمنافع، فإن الزرع لا يكون به وحده، بل لا بد ~~من السقي والعمل، والبذر يموت وينشئ الله الزرع من أجزاء أخر تكون معه من ~~الماء والريح والشمس والتراب والعمل، فحكمه حكم هذه الأجزاء، وأيضا فإن ~~الأرض نظير رأس المال، وهذا يقتضي أن يكون المزارع أولى بالبذر من رب الأرض ~~تشبيها له بالمضارب، فالذي جاءت به السنة هو الموافق للقياس. # وفيها عقد الهدنة من غير توقيت، بل متى شاء الإمام، ولم يجئ بعدها ما ~~ينسخه ألبتة، لكن لا يحاربهم حتى يعلمهم على سواء، ms130 ليستووا هو وهم في العلم ~~بنقض العهد. # وفيه جواز تعزير المتهم بالعقوبة، فإنه سبحانه قادر أن يدل رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم - على الكنز، ولكن أراد أن يسن للأمة عقوبة المتهمين، ويوسع ~~لهم طرق الأحكام رحمة بهم وتيسيرا عليهم. # وفيه الأخذ بالقرائن لقوله: «العهد قريب والمال أكثر من ذلك» ، وكذلك فعل ~~نبي الله سليمان في تعيين أم الطفل، وهو - صلى الله عليه وسلم - لم يقصها ~~علينا، أي: قصة سليمان لنتخذها سمرا، بل لنعتبر بها في الأحكام، بل الحكم ~~بالقسامة، وتقديم أيمان مدعي القتل هو من هذا استنادا إلى القرائن الظاهرة، ~~بل ومنه رجمه الملاعنة إذا التعن الزوج، ونكلت عن الالتعان استنادا إلى ~~اللوث الظاهر الذي حصل بالتعانه ونكولها. # ومنه قبول شهادة أهل الكتاب على المسلمين في الوصية في السفر، وأن ولي ~~الميت إذا اطلعا على خيانة من الوصيين، جاز لهما أن يحلفا، ويستحقا ما حلفا ~~عليه، وهذا اللوث في الأموال نظير اللوث في الدماء، وأولى بالجواز منه، ~~وعلى هذا إذا اطلع المسروق ماله على بعضه في يد خائن معروف ولم يتبين أنه ~~اشتراه من غيره، جاز له أن يحلف أن بقية ماله عنده، وأنه صاحب السرقة ~~استنادا إلى اللوث الظاهر نظير حلف أولياء # PageV01P133 # المقتول في القسامة، بل أمر الأموال أخف. # ولذلك ثبتت بشاهد ويمين، وشاهد وامرأتين بخلاف الدماء، والقرآن والسنة ~~يدلان على هذا وهذا، وليس مع من ادعى النسخ حجة أصلا، فإنه في سورة المائدة ~~وهي من آخر ما نزل، وحكم بموجبها الصحابة بعده. # ومن هذا استدلال شاهد يوسف بالقميص، وحكاه الله مقررا له، والتأسي بهذا ~~وأمثاله في إقرار الله له لا في مجرد حكايته. ولما أقرهم - صلى الله عليه ~~وسلم - أهل خيبر في الأرض كان يبعث كل عام من يخرص عليهم الثمار، فينظر كم ~~يجنى منها، فيضمنهم نصيب المسلمين، ويتصرفون فيها، وكان يكتفي بخارص واحد، ~~ففيه دليل على جواز خرص الثمار البادي صلاحها وعلى جواز قسمة الثمار خرصا ~~على رءوس النخل، ويصير نصيب أحدهما معلوما وإن لم يتميز بعد ms131 لمصلحة الثمار. ~~وعلى أن القسمة إفراز لا بيع، وعلى جواز الاكتفاء بخارص واحد، وقاسم واحد، ~~وعلى أن لمن الثمار في يده أن يتصرف فيها بعد الخرص، ويضمن نصيب شريكه. # زمن عمر ذهب ابنه عبد الله إلى ماله بخيبر، فعدوا عليه، وألقوه من فوق ~~بيت، وفكوا يده، فأجلاهم عمر إلى الشام، وقسمها بين من كان شهد خيبر من أهل ~~الحديبية. # فصل وأما هديه في عقد الذمة، وأخذ الجزية، فلم يأخذ جزية إلا بعد نزول ~~(براءة) في السنة الثامنة، فلما نزلت آية الجزية أخذها من المجوس وأهل ~~الكتاب، ولم يأخذها من يهود خيبر، فظن من غلط أنه مختص بأهل خيبر، وهذا من ~~عدم عمق فقهه، فإنه صالحهم قبل نزول آية الجزية، ثم أمره الله أن يقاتل أهل ~~الكتاب حتى يعطوا الجزية، فلم يدخلوا في ذلك، لأن العقد كان قديما بينه ~~وبينهم على إقرارهم وأن يكونوا عمالا في الأرض بالشطر، فلم يطالبهم بغيره، ~~وطالب سواهم ممن لم يكن له عقد كعقدهم، فلما أجلاهم عمر، تغير ذلك العقد، ~~وصار لهم حكم غيرهم من أهل الكتاب، ولما كان في بعض الدول التي أخفيت فيها ~~السنة، أظهر طائفة منهم كتابا قد عتقوه وزوروه، فيه: أنه - صلى الله عليه ~~وسلم - أسقط عن أهل خيبر الجزية وفيه # PageV01P134 # شهادة علي بن أبي طالب، وسعد بن معاذ، وجماعة من الصحابة فراج على من جهل ~~السنة، وظنوا صحته، فأجروا حكمه حتى ألقي إلى شيخ الإسلام، وطلب منه أن ~~يعين على تنفيذه، فبصق عليه، واستدل على كذبه بعشرة أوجه. # منها أن سعدا توفي قبل خيبر. # ومنها أن الجزية لم تكن نزلت بعد. # ومنها أنه أسقط عنهم الكلف والسخر، ولم يكونا في زمنه - صلى الله عليه ~~وسلم - وإنما هي من وضع الملوك الظلمة، واستمر الأمر عليها. # ومنها أن هذا الكتاب لم يذكره أحد من أهل العلم، لا من أهل السير ولا من ~~أهل الحديث، ولا غيرهم، ولا أظهروه في زمان السلف لعلمهم أنهم يعرفون كذبه، ~~فلما خفيت السنة زوروا ذلك، وساعدهم طمع بعض ms132 الخائنين لله ولرسوله، ولم ~~يستمر، حتى كشف الله أمره، وبين خلفاء الرسل بطلانه وكذبه، ولم يأخذ الجزية ~~من عباد الأصنام، فقيل: لا تؤخذ من كافر غير هؤلاء، ومن دان دينهم اقتداء ~~بأخذه وتركه، وقيل: تؤخذ من عبدة الأصنام من العجم دون العرب، والأول قول ~~الشافعي وأحمد في رواية. # والثاني: قول أبي حنيفة وأحمد في أخرى، ويقولون: لم يأخذها من العرب، ~~لأنها فرضت بعد إسلامهم، ولم يبق بأرض العرب مشرك، ولهذا غزا بعد الفتح ~~تبوك، ولو كان بأرض العرب مشركون لكانوا يلونه، وكانوا أولى بالغزو من ~~الأبعدين، ومن تأمل السير وأيام الإسلام علم أن الأمر كذلك، قالوا: وقد ~~أخذها من المجوس، ولا يصح أن لهم كتابا ورفع، ولا فرق بين عباد الأصنام، ~~وعباد النار بل أهل الأوثان فيهم من التمسك بدين إبراهيم ما لم يكن في عباد ~~النار، وعلى هذا تدل السنة كما في " صحيح مسلم ": «إذا لقيت عدوك من ~~المشركين، فادعهم إلى إحدى ثلاث» إلى آخره. . (1) . # وقال المغيرة لعامل كسرى: أمرنا نبينا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، ~~أو تؤدوا الجزية. وقال - صلى الله عليه وسلم - لقريش: «هل لكم في كلمة تدين ~~لكم بها العرب، وتؤدي العجم إليكم بها الجزية؟ قالوا: ما هي؟ قال: لا إله ~~إلا الله» . # وصالح أهل نجران على ألفي حلة وعارية، ثلاثين درعا، وثلاثين فرسا، ~~وثلاثين بعيرا، وثلاثين PageV01P135 # من كل صنف من كل أصناف السلاح يغزون بها والمسلمون ضامنون لهم حتى يردوها ~~عليهم إن كان باليمن كيدة أو غدرة، على أن لا يهدم لهم بيعة، ولا يخرج لهم ~~قس، ولا يفتنون عن دينهم ما لم يحدثوا حدثا أو يأكلوا الربا، ففيه دليل على ~~انتقاض عهد أهل الذمة بإحداث الحدث، وأكل الربا إذا شرط عليهم. # ولما وجه معاذا إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل محتلم دينارا أو قيمته من ~~المعافري وهي ثياب باليمن، ففيه أنها غير مقدرة الجنس ولا القدر، بل يجوز ~~أن تكون ثيابا وذهبا وحللا وتزيد وتنقص بحسب حاجة المسلمين، وحال من تؤخذ ~~منه، ms133 ولم يفرق - صلى الله عليه وسلم - ولا خلفاؤه في الجزية بين العرب ~~وغيرهم، بل أخذها من مجوس هجر وهم عرب، فإن العرب كل طائفة منهم تدين بدين ~~من جاورها من الأمم، فكانت عرب البحرين مجوسا لمجاورتهم فارس، وتنوخ وبهرة ~~وبنو تغلب نصارى لمجاورتهم الروم، وكانت قبائل من اليمن يهودا لمجاورتهم ~~ليهود اليمن، فلم يعتبر آباءهم ولا متى دخلوا في دين أهل الكتاب، وثبت أن ~~من الأنصار من تهود أبناؤهم بعد النسخ بشريعة عيسى، فأراد آباؤهم إكراههم ~~على الإسلام، فأنزل الله: {لا إكراه في الدين} [البقرة: 256] (1) الآية، ~~وقوله: «خذ من كل حالم دينارا» دليل على أنها لا تؤخذ من صبي ولا من امرأة، ~~واللفظ الذي روي فيه: «من كل حالم أو حالمة» لا يصح وصله، وهو منقطع، وهذه ~~الزيادة لم يذكرها سائر الرواة، ولعلها من تفسير بعضهم. ### | [فصل في ترتيب هديه مع الكفار والمنافقين من حين بعث بالدين إلى أن لقي الله عز وجل] # فصل # في ترتيب هديه مع الكفار والمنافقين من حين بعث بالدين إلى أن لقي الله ~~عز وجل أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى أن يقرأ باسم ربه الذي خلق، وذلك ~~أول نبوته، ثم أنزل عليه: {يا أيها المدثر - قم فأنذر} [المدثر: 1 - 2] (2) ~~فأرسله بها، ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، فأنذر قومه، ثم أنذر من حوله ~~من العرب قاطبة، ثم أنذر العالمين، فأقام بضع عشرة سنة ينذر بغير قتال، ~~PageV01P136 # ويؤمر بالصبر، ثم أذن له في الهجرة، ثم أذن له في القتال، ثم أمره أن ~~يقاتل من قاتله، ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله. # ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة: أهل هدنة، وأهل حرب، وأهل ~~ذمة، فأمره أن يفي لأهل الهدنة ما استقاموا، فإن خاف نبذ إليهم، وأمره أن ~~يقاتل من نقض عهده، ونزلت (براءة) ببيان الأقسام الثلاثة، فأمره بقتال أهل ~~الكتاب حتى يعطوا الجزية، وأمره بجهاد الكفار والمنافقين، فجاهد الكفار ~~بالسيف، والمنافقين بالحجة، وأمره بالبراءة من عهود الكفار، وجعلهم ثلاثة ~~أقسام: ms134 قسم أمره الله بقتالهم وهم الناقضون، وقسم لهم عهد موقت لم ينقضوه، ~~فأمره بإتمامه إلى مدته، وقسم لهم عهد مطلق أو لا عهد لهم، ولم يحاربوه، ~~فأمره أن يؤجلهم أربعة أشهر، فإذا انسلخت قاتلهم وهي المدة المذكورة في ~~قوله: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} [التوبة: 2] (1) وهي الحرم المذكورة في ~~قوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} [التوبة: 5] (2) وأولها: العاشر من ذي ~~الحجة يوم الأذان، وآخرها العاشر من ربيع الآخر، وليست الأربعة المذكورة في ~~قوله: {منها أربعة حرم} [التوبة: 36] فإن تلك واحد فرد، وثلاثة سرد: رجب ~~وذو القعدة وذو الحجة، والمحرم، ولم يسير المشركين فيها، فإنه لا يمكن ~~لأنها غير متوالية، وقد أمر بعد انسلاخ الأربعة بقتالهم، فقاتل الناقض، ~~وأجل من لا عهد له، أو له عهد مطلق أربعة أشهر، وأمره أن يتم للموفي عهده ~~إلى مدته، فأسلموا كلهم، ولم يقيموا على كفرهم إلى مدتهم، وضرب على أهل ~~الذمة الجزية، فاستقر أمرهم معه ثلاثة أقسام: محاربين، وأهل عهد، وأهل ذمة، ~~ثم صار أهل العهد إلى الإسلام، فصاروا قسمين: محاربين، وأهل ذمة، فصار أهل ~~الأرض ثلاثة أقسام: مسلم، ومسالم، وخائف محارب. # وأما سيرته في المنافقين، فأمره أن يقبل علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله ~~وأن يجاهدهم بالحجة، ويعرض عنهم، ويغلظ عليهم، ويبلغ بالقول البليغ إلى ~~نفوسهم، ونهى أن يصلي عليهم، وأن يقوم على قبورهم، وأخبره أنه استغفر لهم ~~أو لم يستغفر لهم، فلن يغفر الله لهم. PageV01P137 # فصل وأما سيرته مع أوليائه، فأمره أن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي يريدون وجهه، وأن لا تعدو عيناه عنهم، وأن يعفو عنهم، ~~ويستغفر لهم، ويشاورهم، ويصلي عليهم، وأمره بهجر من عصاه وتخلف عنه حتى ~~يتوب كما هجر الثلاثة، وأمره أن يقيم الحدود فيهم على الشريف والوضيع. # وأمره في دفع عدوه من شياطين الإنس أن يدفع بالتي هي أحسن، فيقابل ~~الإساءة بالإحسان، والجهل بالحلم، والظلم بالعفو، والقطيعة بالصلة، وأخبر ~~أنه إن فعل ذلك عاد العدو كأنه ولي حميم. # وأمره في دفع عدوه من شياطين الجن بالاستعاذة، وجمع ms135 له هذين الأمرين في ~~ثلاثة مواضع في (الأعراف) ، و (المؤمنين) ، و (حم السجدة) وجمع في آية ~~(الأعراف) مكارم الأخلاق كلها، فإن ولي الأمر له مع الرعية ثلاثة أحوال: ~~فعليهم حق يلزمهم له، ومن أمر يأمرهم به، ولا بد من تفريط وعدوان يقع منهم ~~في حقه، فأمر بأن يأخذ مما عليهم مما سمحت به أنفسهم وهو العفو، وأمر أن ~~يأمرهم بالعرف، وهو ما تعرفه العقول السليمة، والفطر المستقيمة، وأيضا ~~يأمرهم بالعرف لا بالعنف، وأمره أن يقابل جهلهم بالإعراض، فهذه سيرته مع ~~أهل الأرض جنهم وإنسهم، مؤمنهم وكافرهم. ### | فصل في سياق مغازيه # فصل # في سياق مغازيه وأول لواء عقده لحمزة في رمضان على سبعة أشهر من الهجرة ~~بعثه في ثلاثين من المهاجرين خاصة، يعترض عيرا لقريش، جاءت من الشام، فيها ~~أبو جهل في ثلاثمائة رجل، فلما التقوا حجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني وكان ~~حليفا للفريقين. # ثم بعث عبيدة بن الحارث في سرية إلى بطن رابغ في شوال في ستين من ~~المهاجرين، فلقي أبا سفيان في مائتين، فكان بينهم رمي، ولم يسلوا السيوف، ~~وكان سعد أول من رمى بسهم في سبيل الله، وقدمها ابن إسحاق على سرية حمزة. # ثم بعث سعدا إلى الحرار # PageV01P138 # على رأس تسعة أشهر في عشرين راكبا، يعترضون عيرا لقريش، فلما بلغوه، ~~وجدوها مرت بالأمس، ثم غزا بنفسه غزوة الأبواء وهي أول غزوة غزاها بنفسه، ~~خرج في المهاجرين خاصة يعترض عيرا لقريش، فلم يلق كيدا. # ثم غزا أبواط في شهر ربيع في مائتين من أصحابه يعترض عيرا لقريش، حتى بلغ ~~أبواط فلم يلق كيدا فرجع. # ثم خرج على رأس ثلاثة عشر شهرا لطلب كرز بن جابر لما أغار على سرح ~~المدينة، حتى بلغ سفوان من ناحية بدر، ففاته كرز. # ثم خرج على رأس ستة عشر شهرا في مائة وخمسين من المهاجرين، يعترض عيرا ~~لقريش ذاهبة إلى الشام، فبلغ ذا العشيرة، فوجدها قد فاتته وهي التي خرج في ~~طلبها لما رجعت من الشام، فكانت وقعة بدر. # ثم بعث عبد الله ms136 بن جحش إلى نخلة في اثني عشر رجلا من المهاجرين، كل ~~اثنين يعتقبان على بعير، فوصلوا إلى بطن نخلة يرصدون عيرا لقريش، وأضل سعد ~~وعتبة بن غزوان بعيرا لهما، فتخلفا في طلبه، ونفذوا إلى بطن نخلة، فمرت بهم ~~عير لقريش، فقالوا: نحن في آخر يوم من رجب، وإن تركناهم الليلة دخل الحرم. # ثم أجمعوا على ملاقاتهم، فرمى أحدهم عمرو بن الحضرمي، فقتله وأسروا عثمان ~~والحكم، وأفلت نوفل، وعزلوا الخمس، فكان أول خمس في الإسلام، فأنكر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ما فعلوه، واشتد إنكار قريش، وزعموا أنهم ~~وجدوا مقالا، واشتد على المسلمين ذلك، فأنزل الله عز وجل: {يسألونك عن ~~الشهر الحرام} [البقرة: 217] (1) الآية، يقول سبحانه: هذا وإن كان كبيرا، ~~فما ارتكبتموه أنتم من الكفر، والصد عن سبيل الله وبيته، وإخراج المسلمين ~~الذين هم أهله منه، والشرك الذي أنتم عليه، والفتنة التي حصلت منكم أكبر ~~عند الله، والأكثر فسروا " الفتنة " هنا بالشرك، وحقيقتها: أنها الشرك الذي ~~يدعو صاحبه إليه، ويعاقب من لم يفتتن به. # ولهذا يقال لهم في النار: {ذوقوا فتنتكم} [الذاريات: 14] (2) قال ابن ~~عباس: تكذيبكم، وحقيقته: ذوقوا نهاية فتنتكم كقوله: {ذوقوا ما كنتم تكسبون} ~~[الزمر: 24] (3) . # ومنه قوله تعالى: PageV01P139 # {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات} [البروج: 10] (1) فسرت بإحراق ~~المؤمنين بالنار، واللفظ أعم، وحقيقته: عذبوا المؤمنين ليفتنوهم عن دينهم. # وأما الفتنة المضافة إلى الله كقوله: {فتنا بعضهم ببعض} [الأنعام: 53] ~~(2) {إن هي إلا فتنتك} [الأعراف: 155] (3) فهي الامتحان بالنعم والمصائب، ~~فهذه لون وفتنة المشركين لون، وفتنة المؤمن في ولده وماله وجاره لون آخر. # والفتنة بين أهل الإسلام، كأهل الجمل وصفين لون آخر، وهي التي أمر فيها - ~~صلى الله عليه وسلم - باعتزال الطائفتين. # وقد تأتي الفتنة مرادا بها المعصية، كقوله تعالى: {ألا في الفتنة سقطوا} ~~[التوبة: 49] (4) أي: وقعوا في فتنة النفاق، وفروا إليها من فتنة بنات بني ~~الأصفر. # والمقصود أنه سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل، ولم يؤيس أولياءه ~~إذا كانوا متأولين أو مقصرين تقصيرا يغفر لهم في جنب ما فعلوه من التوحيد ~~والطاعات والهجرة. ms137 ### | فصل في غزوتي بدر وأحد # فصل فلما كان في رمضان من هذه السنة بلغه - صلى الله عليه وسلم - خبر ~~العير المقبلة من الشام، فندب للخروج إليها ولم يحتفل لها، لأنه خرج مسرعا ~~في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا معهم فرسان على سبعين بعير، يعتقبونها، وبلغ ~~الصريخ مكة، فخرجوا كما قال تعالى: {بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله} ~~[الأنفال: 47] (5) فجمعهم الله على غير ميعاد، كما قال تعالى: {ولو تواعدتم ~~لاختلفتم في الميعاد} [الأنفال: 42] (6) الآية، فلما بلغ رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - خروجهم استشار أصحابه. # فتكلم المهاجرون، فأحسنوا، ثم استشارهم ثانيا، فتكلم المهاجرون، ثم ~~استشارهم ثالثا، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ، فتكلم ~~بكلامه المشهور، فقال: إيانا تريد يا رسول الله؟ ! والذي نفسي بيده لو ~~أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادنا إلى برك ~~الغماد لفعلنا. وقال المقداد كلامه المشهور، فسر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بما سمع من PageV01P140 # أصحابه وقال: «سيروا، وأبشروا، فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، وإني قد ~~رأيت مصارع القوم» . # فسار إلى بدر، فلما طلع المشركون وتراءى الجمعان، قام ورفع يديه، واستنصر ~~ربه، واستنصر المسلمون الله، واستغاثوه، فأوحى الله إليه: {أني ممدكم بألف ~~من الملائكة مردفين} [الأنفال: 9] قرئ بكسر الدال وفتحها، فقيل: المعنى ~~إنهم ردف لكم، وقيل: يردف بعضهم بعضا لم يأتوا دفعة واحدة، فإن قيل: هنا ~~ذكر ألفا، وفي (آل عمران) بثلاثة آلاف وبخمسة، قيل: فيه قولان: # أحدهما: أنه يوم أحد، وهو معلق على شرط، ففات وفات الإمداد. # والثاني: يوم بدر، وحجته أن السياق يدل عليه، كقوله: {ولقد نصركم الله ~~ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون - إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم} ~~[آل عمران: 123 - 124] الآية إلى قوله: {وما جعله الله إلا بشرى لكم ~~ولتطمئن قلوبكم به} [آل عمران: 126] (1) . فلما استغاثوه أمدهم بألف، ثم ~~بثلاثة، ثم بخمسة، وكان متابعة الإمداد أحسن موقعا وأقوى لنفوسهم، وأسر ~~لها. # وقال أهل القول الأول: القصة في سياق أحد، ودخول بدر اعتراض، فذكرهم ~~نعمته ببدر، ثم ms138 عاد إلى قصة أحد، وأخبر عن قول رسوله لهم: {ألن يكفيكم} [آل ~~عمران: 124] الآية، ثم وعدهم أنهم إن صبروا واتقوا أن يمدهم بخمسة آلاف، ~~فهذا من قول رسوله، والإمداد الذي ببدر من قوله تعالى، وهذا بخمسة آلاف، ~~وإمداد بدر بألف، وهذا معلق على شرط، وذلك مطلق، والقصة في سورة (آل عمران) ~~هي قصة أحد مستوفاة مطولة، وبدر ذكرت فيها اعتراضا، وفي (الأنفال) قصة بدر ~~مستوفاة مطولة، فالسياق في (آل عمران) غير السياق في (الأنفال) يوضح هذا ~~هنا أن قوله: {ويأتوكم من فورهم هذا} [آل عمران: 125] قال مجاهد: يوم أحد، ~~وهذا يستلزم أن يكون الإمداد المذكور فيه، فلا يصح قوله: إن الإمداد بهذا ~~العدد كان يوم بدر، والإتيان من فورهم يوم أحد. # ولما عزمت قريش على الخروج، ذكروا ما بينهم وبين بني كنانة من الحرب، ~~فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك، وقال: {لا غالب لكم اليوم من الناس ~~وإني جار لكم} [الأنفال: 48] (2) PageV01P141 # أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه، فلما تعبوا للقتال ورأى جند الله قد نزلت ~~من السماء، فر، ونكص على عقبيه، فقالوا: إلى أين يا سراقة، ألم تكن قلت إنك ~~جار لنا؟ فقال: {إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب} ~~[الأنفال: 48] وصدق في قوله: {إني أرى ما لا ترون} [الأنفال: 48] وكذب في ~~قوله: {إني أخاف الله} [الأنفال: 48] وقيل: خاف أن يهلك معهم وهو أظهر. # ولما رأى المنافقون ومن في قلبه مرض قلة حزب الله، وكثرة أعدائه، ظنوا أن ~~الغلبة بالكثرة، فقالوا: {غر هؤلاء دينهم} [الأنفال: 49] فأخبر سبحانه أن ~~النصر بالتوكل عليه لا بالكثرة ولا بالعدد، وأنه عزيز لا يغلب حكيم ينصر ~~المستحق وإن كان ضعيفا. # وفرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من شأن بدر والأسرى في شوال، ثم ~~نهض صلوات الله عليه بنفسه بعد فراغه بسبعة أيام إلى غزو بني سليم، فبلغ ~~ماء يقال له: الكدر، فأقام عليه ثلاثا، ثم انصرف. # ولما رجع فل المشركين إلى مكة نذر أبو سفيان ألا يمس رأسه ماء ms139 حتى يغزو ~~رسول الله، فخرج في مائتي راكب حتى بلغ طرف المدينة، وبات ليلة عند سلام بن ~~مشكم، فسقاه الخمر، وبطن له خبر الناس، فلما أصبح قطع أصوارا من النخل، ~~وقتل رجلا من الأنصار وحليفا له، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~طلبه ففاته، وطرح الكفار سويقا كثيرا يتخففون به، فأخذها المسلمون فسميت ~~غزوة السويق. # ثم غزا نجدا يريد غطفان، فأقام هناك صفرا كله من السنة الثانية، ثم انصرف ~~ولم يلق حربا، فأقام في المدينة ربيع الأول، ثم خرج يريد قريشا، فبلغ ~~نجران، معدنا بالحجاز، فلم يلق حربا، فأقام هناك ربيع الآخر وجمادى الأولى، ~~ثم انصرف. # ثم غزا بني قينقاع، ثم قتل كعب بن الأشرف، وأذن في قتل من وجد من اليهود ~~لنقضهم العهد، ومحاربتهم الله ورسوله. # ولما قتل الله أشراف قريش ببدر ورأس فيهم أبو سفيان، جمع الجموع وأقبل ~~بهم إلى المدينة، فنزل قريبا من أحد، وكانت وقعة أحد المشهورة، واستعرض ~~الشباب يومئذ، فرد من استصغره عن القتال، منهم ابن عمر، وأسامة، وزيد بن ~~ثابت، وعرابة بن أوس، وأجاز من رآه مطيقا، منهم سمرة بن جندب، ورافع بن ~~خديج، ولهما خمس عشرة سنة، فقيل: أجاز من أجاز لبلوغه بالسن # PageV01P142 # خمس عشرة سنة، ورد من رده لصغره عن سن البلوغ، وقالت طائفة: أجازهم ~~لطاقتهم، ولا تأثير للبلوغ وعدمه في ذلك، قالوا: وفي بعض ألفاظ حديث ابن ~~عمر: فلما رآني مطيقا أجازني. # ثم ذكر قصة الأصيرم، وكلام أبي سفيان على الجبل، وهي ما روى البخاري في " ~~صحيحه " عن البراء بن عازب -رضي الله عنهما - قال: «أشرف أبو سفيان، قال: ~~أفي القوم محمد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لا تجيبوه، قال: أفي القوم ابن ~~أبي قحافة؟ فقال: لا تجيبوه، فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: لا تجيبوه، ~~فقال: إن هؤلاء قد قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه، ~~فقال: كذبت يا عدو الله أبقى الله تعالى لك ما يخزيك ويسوءك. # قال أبو سفيان: أعل هبل، أعل هبل. فقال ms140 النبي صلى الله عليه وسلم: ~~أجيبوه، قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل، قال أبو سفيان: لنا ~~العزى ولا عزى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجيبوه، قالوا: ما ~~نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، ~~والحرب سجال، فأجابه عمر: لا سواء قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار، ثم ~~قال أبو سفيان: وستجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. ### | فصل في ما اشتملت عليه هذه الغزوة من الأحكام # فصل # في ما اشتملت عليه هذه الغزوة من الأحكام منها أن الجهاد يلزم بالشروع ~~فيه، فمن لبس لأمته، وشرع في أسبابه ليس له أن يرجع. # ومنها أنه لا يجب الخروج إذا طرق العدو في الديار # ومنها أنه لا يأذن لمن لا يطيق القتال من الصبيان # ومنها جواز الغزو بالنساء، والاستعانة بهن في الجهاد، وجواز الانغماس في ~~العدو، كما فعل أنس بن النضر وغيره، وأن الإمام إذا خرج صلى بهم قاعدا ~~وصلوا وراءه قعودا، وأن الدعاء بالشهادة، وتمنيها ليس من المنهي عنه كما ~~فعل ابن جحش، وأن المسلم إذا قتل نفسه، فهو من أهل النار كقزمان، وأن ~~الشهيد لا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يكفن في غير ثيابه إلا أن يسلبها، وأنه ~~إذا كان جنبا غسل كحنظلة، وأن الشهداء يدفنون في مصارعهم لأمره برد القتلى ~~إليها، وجواز دفن الاثنين والثلاثة في قبر واحد، وهل دفنهم في ثيابهم ~~استحباب # PageV01P143 # أو وجوب؟ الثاني: أظهر، ومنها أن المعذور كالأعرج يجوز له الخروج، وأن ~~المسلمين إذا قتلوا مسلما يظنونه كافرا في الجهاد، فديته في بيت المال، ~~لأنه أراد أن يدي أبا حذيفة بن اليمان، فامتنع حذيفة من أخذ الدية، وتصدق ~~بها على المسلمين. # فأما الحكم التي في هذه الوقعة، فقد أشار سبحانه إلى أمهاتها في سورة (آل ~~عمران) من قوله: {وإذ غدوت من أهلك} [آل عمران: 121] إلى تمام الستين آية. # فمنها تعريفهم بسوء عاقبة المعصية والفشل والتنازع، ليتقوا ويحذروا من ~~أسباب الخذلان، وأن حكمة الله جرت بأن الرسل ms141 وأتباعهم يدالون مرة، ويدال ~~عليهم أخرى، لكن تكون لهم العاقبة، فلو انتصروا عليه دائما لم يحصل ~~المقصود، قال الله تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى ~~يميز الخبيث من الطيب} [آل عمران: 179] (1) أي: ما كان الله ليذركم على ما ~~أنتم عليه من التباس المؤمنين بالمنافقين حتى يميز أهل الإيمان من أهل ~~النفاق، كما ميزهم بالمحن يوم أحد، {وما كان الله ليطلعكم على الغيب} [آل ~~عمران: 179] الذي يميز بين هؤلاء وهؤلاء، فإنهم متميزون في علمه، وهو ~~سبحانه يريد أن يميزهم تمييزا مشهودا. وقوله: {ولكن الله يجتبي من رسله من ~~يشاء} [آل عمران: 179] استدراك لما نفاه من اطلاعهم على الغيب، أي: سوى ~~الرسل، فإنه يطلعهم على ما يشاء كما في سورة الجن، فسعادتكم بالإيمان ~~بالغيب الذي يطلع عليه رسله، فإن آمنتم به واتقيتم كان لكم أعظم الأجر. # ومنها استخراج عبودية أوليائه في السراء والضراء، وفيما يحبون وفيما ~~يكرهون فإذا ثبتوا على الطاعة فيما أحبوا وكرهوا، فهم عبيده حقا وليسوا كمن ~~يعبده على حرف. # ومنها أنه لو بسط لهم النصر دائما لكانوا كما يكونون لو بسط لهم في ~~الرزق، فهو المدبر لهم، كما يليق بحكمته، إنه بهم خبير بصير. # ومنها أنهم إذا انكسروا له استوجبوا النصر، فإن خلعة النصر مع ولاية ~~الذل، كما قال تعالى: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة} [آل عمران: 123] ~~(2) . # {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم} [التوبة: 25] (3) الآية، ومنها أنه هيأ ~~لعباده منازل لا تبلغها أعمالهم، ولا يبلغونها إلا بالبلاء، فقيضه لهم ~~بالأسباب التي توصلهم إليها من ابتلائهم PageV01P144 # وامتحانهم، كما وفقهم للأعمال الصالحة. # ومنها أن العافية الدائمة، والنصر والغنى يورث ركونا إلى العاجلة، ويثبط ~~النفوس، ويعوقها عن السير إلى الله، فإذا أراد الله كرامة عبد قيض له من ~~البلاء ما يكون دواء لهذا. # ومنها أن الشهادة عنده من أعلى مراتب أوليائه، وهو سبحانه يحب أن يتخذ من ~~أوليائه شهداء. # ومنها أنه سبحانه إذا أراد هلاك أعدائه قيض أسبابا يستوجبون بها هلاكهم، ~~ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم وطغيانهم ms142 ومبالغتهم وبغيهم في أذى أوليائه، ~~فيتمض بذلك أولياؤه من ذنوبهم، ويكون من أسباب محق أعدائه، وذكر سبحانه ذلك ~~في قوله: {ولا تهنوا ولا تحزنوا} [آل عمران: 139] إلى قوله: # {ويمحق الكافرين} [آل عمران: 141] (1) فجمع بين تشجيعهم، وحسن التعزية، ~~وذكر الحكم التي اقتضت إدالة الله الكفار عليهم، فقال: {إن يمسسكم قرح فقد ~~مس القوم قرح مثله} [آل عمران: 140] (2) أي: ما بالكم تحزنون وتهنون عند ~~هذا، وقد مسهم مثله في سبيل الشيطان. # ثم أخبر أنه يداول أيام هذه الحياة الدنيا بين الناس، وأنها عرض حاضر ~~يقسمها دولا بين أوليائه وأعدائه بخلاف الآخرة، ثم ذكر حكمة أخرى، وهي ~~تمييز المؤمن من المنافق، فيعلمهم علم رؤية ومشاهدة بعد أن كانوا معلومين ~~في غيبة، لأن العلم الغيبي لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، ثم ذكر حكمة أخرى، ~~وهي اتخاذه منهم شهداء، وقوله: {والله لا يحب الظالمين} [آل عمران: 140] ~~تنبيه لطيف على كراهته وبغضه للمنافقين انخذلوا عن نبيه يوم أحد، فلم ~~يشهدوه ولم يتخذ منهم شهداء، لأنه لا يحبهم، ثم ذكر حكمة أخرى، وهي تمحيص ~~المؤمنين من الذنوب، وأيضا من المنافقين، ثم ذكر حكمة أخرى، وهي محق ~~الكافرين. ثم أنكرعليهم حسبانهم وظنهم دخول الجنة بدون الجهاد، فقال: {أم ~~حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم} [آل عمران: 142] ~~(3) أي: ولما يقع منكم، فيكون الجزاء على الواقع المعلوم، ثم وبخهم على ~~هزيمتهم من PageV01P145 # أمر كانوا يتمنونه، ويودون لقاءه، فقال: {ولقد كنتم تمنون الموت من قبل ~~أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون} [آل عمران: 143] (1) ومنها أن هذه ~~الوقعة مقدمة بين يدي موته - صلى الله عليه وسلم - والشاكرون هم الذين ~~عرفوا قدر النعمة، فثبتوا عليها حتى ماتوا أو قتلوا، فظهر أثر هذا العتاب ~~وحكم هذا الخطاب يوم مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعل لهم ~~العاقبة، ثم أخبر أنه جعل لكل نفس أجلا، ثم أخبر أن كثيرا من الأنبياء ~~قتلوا، وقتل معهم أتباع لهم كثيرون، فما وهن من بقي منهم لما أصابهم في ~~سبيل الله، وما ضعفوا ms143 وما استكانوا بل تلقوا الشهادة بالقوة والعزيمة ~~والإقدام، ثم أخبر سبحانه عما استنصر به الأنبياء وأممهم على قومهم من ~~اعترافهم، وتوبتهم واستغفارهم، وسؤالهم ربهم التثبيت لأقدامهم، والنصر على ~~أعدائهم فقال: {وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا ~~في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين} [آل عمران: 147] (2) ~~لما علموا أن العدو إنما يدال عليهم بذنوبهم، وأن الشيطان إنما يستزلهم، ~~ويهزمهم بها، وأنها نوعان: تقصير في حق، أو تجاوز في حد، وأن النصر منوط ~~بالطاعة قالوا: {ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا} [آل عمران: 147] ~~ثم علموا أنه سبحانه وتعالى إن لم يثبت أقدامهم، وينصرهم، لم يقدروا على ~~ذلك، فسألوه ما هو بيده، فوفوا المقامين حقهما: مقام المقتضي، وهو التوحيد ~~والالتجاء إليه، ومقام إزالة المانع من النصر، وهو الذنوب والإسراف، ثم ~~حذرهم سبحانه من طاعة عدوهم الكفار والمنافقين، وأنهم إن فعلوا ذلك خسروا ~~الدارين، وفيه تعريض بمن أطاعهم من المنافقين لما انتصروا يوم أحد، ثم أخبر ~~سبحانه أنه مولى المؤمنين وخير الناصرين، فمن والاه، فهو المنصور، ثم أخبر ~~أنه سيلقي في قلوب أعدائهم الرعب الذي يمنعهم من الهجوم عليهم، وذلك بسب ~~الشرك، وعلى قدر الشرك يكون الرعب، والمؤمن الذي لم يلبس إيمانه بالشرك، له ~~الأمن والهدى. # ثم أخبر بصدق وعده في النصر، وأنهم لو استمروا على الطاعة، لاستمر النصر، ~~ولكن انخلعوا عن الطاعة، PageV01P146 # ففارقتهم النصرة، فصرفهم عن عدوهم عقوبة وابتلاء وتعريفا لهم بعاقبة ~~المعصية، ثم أخبر بعفوه عنهم بعد ذلك. قيل للحسن: كيف عفا وقد سلط عليهم ~~أعداءهم؟ فقال: لولا عفوه لاستأصلهم، ولكن بعفوه دفع عنهم عدوهم بعد أن ~~أجمعوا على استئصالهم. ثم ذكرهم بحالهم وقت الفرار مصعدين، أي: جادين في ~~الهرب، أو صاعدين في الجبل لا يلوون على نبيهم وأصحابهم، والرسول يدعوهم في ~~أخراهم: «إلى عباد الله أنا رسول الله» ، فأثابهم بهذا الفرار غما بعد غم: ~~الفرار، وغم صرخة الشيطان بأن محمدا قتل، وقيل: جازاكم غما بما غممتم رسوله ~~بفراركم عنه، والأول أظهر لوجوه: # الأول: قوله: ms144 {لكيلا تأسوا} [الحديد: 23] إلى آخره، تنبيها على حكمة هذا ~~الغم بعد الغم، وهو نسيانهم الحزن على ما فاتهم من الظفر، وما أصابهم من ~~الهزيمة، وهذا إنما يحصل بغم يعقبه غم آخر. # الثاني: أنه مطابق للواقع، فحصل غم فوات الغنيمة، ثم أعقبه غم الهزيمة، ~~ثم غم الجراح والقتل، ثم سماع قتل النبي، ثم ظهور العدو على الجبل، وليس ~~المراد غمين اثنين خاصة، بل غما متتابعا لتمام الابتلاء. الثالث: أن قوله: ~~بغم من تمام الصواب، لا أنه سبب جزاء الثواب، والمعنى: أثابكم غما متصلا ~~بغم جزاء على ما وقع من الهرب وإسلامهم النبي، وترك الاستجابة له، ومخالفته ~~في لزوم المركز، وتنازعهم وفشلهم، وكل واحد يوجب غما يخصه، ومن لطفه بهم ~~أنها من موجبات الطباع التي تمنع من النصرة المسقرة، فقيض لهم بلطفه أسبابا ~~أخرجها من القوة إلى الفعل، فترتب عليها آثارها المكروهة، فعلموا أن التوبة ~~منها، والاحتراز منها، ودفعها بأضدادها متعين، وربما صحت الأجساد بالعلل. # ثم إنه سبحانه رحمهم، فغيب عنهم الغم بالنعاس، وهو في الحرب علامة النصر، ~~كما نزل يوم بدر، وأخبر أن من لم يصبه فهو ممن أهمته نفسه لا دينه ولا نبيه ~~ولا أصحابه، وأنهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية. # وفسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وفسر بظنهم ~~أن ما أصابهم لم يكن بقدر الله، ولا حكمة له فيه، ففسر بإنكار الحكمة ~~وإنكار القدر وإنكار إتمام دينه، وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المشركون ~~والمنافقون في (سورة الفتح) ، وإنما كان هذا الظن ظن السوء # PageV01P147 # لأنه ظن لا يليق بالله وصفاته وأسمائه وحكمته وحمده، وتفرده بالربوبية ~~والألوهية وصدقه في وعده، فمن ظن أنه لا يتم أمر رسوله، وأنه يديل الباطل ~~على الحق إدالة مستقرة، يضمحل معها الحق اضمحلالا لا يقوم بعده، فقد ظن به ~~ظن السوء، ونسبه إلى خلاف ما يليق بكماله وصفاته، ومن أنكر أن يكون ذلك ~~بقدره، فما عرفه ولا عرف ملكه، وكذلك من أنكر الحكمة التي يستحق الحمد ~~عليها في ذلك، ms145 فزعم أنها مشيئة مجردة عن الحكمة، فذلك ظن الذين كفروا، فويل ~~للذين كفروا من النار. # وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم وفي غيرهم، ولا يسلم من ~~ذلك إلا من عرف الله، وعرف أسماءه وصفاته وموجب حمده وحكمته، فمن قنط من ~~رحمته، فقد ظن به ظن السوء، ومن جوز عليه أنه يعذب المحسن، ويسوي بينه وبين ~~عدوه، فقد ظن به ذلك، ومن ظن أنه يترك خلقه سدى من الأمر والنهي، فقد ظن به ~~ظن السوء. وكذلك من ظن أنه لا يثيبهم ولا يعاقبهم، ولا يبين لهم ما اختلفوا ~~فيه، وكذلك من ظن أنه يضيع العمل الصالح بلا سبب من العبد، ويعاقبه بما لا ~~صنع فيه، أو جوز عليه أن يؤيد أعداءه بالمعجزات التي يؤيد بها الرسل، وأنه ~~يحسن منه كل شيء حتى يخلد في النار من فنى عمره في طاعته، وينعم من أستنفذ ~~عمره في معصيته، وكلاهما في الحسن سواء لا يعرف امتناع أحدهما إلا بخبر ~~صادق، وإلا فالعقل لا يقضي بقبح أحدهما وحسن الآخر، وكذلك من ظن أنه أخبر ~~عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل، وترك الحق لم يخبر به وإنما رمز ~~إليه رموزا بعيدة، وصرح دائما بالتشبيه وبالباطل، وأراد من خلقه أن يتعبوا ~~أذهانهم في تحريف كلامه، وأحالهم في معرفة أسمائه وصفاته على عقولهم، لا ~~على كتابه، بل أراد منهم أن لا يحملوا كلامه على ما يعرفون من لغتهم مع ~~قدرته على التصريح بالحق، وإزالة الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل، ~~وظن أنه هو وسلفه عبروا عن الحق دون الله ورسوله، وأن الهدى والحق في ~~كلامهم، وأن كلام الله لا يؤخذ من ظاهره إلا الضلال فهذا من أسوأ الظن ~~بالله، فكل من هؤلاء من الظانين بالله ظن السوء، ومن الظانين بالله غير ~~الحق ظن الجاهلية، ومن ظن أنه يكون في ملكه ما لا يشاء، # PageV01P148 # ولا يقدر على إيجاده وتكوينه فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه متعطل من ~~الأزل إلى الأبد عن الفعل، ولا ms146 يوصف به ثم صار قادرا عليه، فقد ظن به الظن ~~السوء، ومن ظن أنه لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم الموجودات، فقد ظن به ظن ~~السوء، ومن ظن أنه لا إرادة له، ولا كلام يقوم به، ولم يكلم أحدا، ولا ~~يتكلم أبدا، ولا له أمر ولا نهي يقوم به، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه ~~ليس فوق سماواته على عرشه بائنا من خلفه، وأن الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ~~ومن قال: سبحان ربي الأسفل، كمن قال: سبحان ربي الأعلى، فقد ظن به أقبح ~~الظن، ومن ظن أنه يحب الكفر والفسوق والعصيان، كما يحب الطاعة، فقد ظن به ~~ظن السوء، ومن ظن أنه لا يحب ولا يرضى ولا يغضب، ولا يوالي ولا يعادي، ولا ~~يقرب من أحد ولا يقرب منه أحد، فقد ظن به ظن السوء، وكذلك من ظن أنه يسوي ~~بين المتضادين، أو يفرق بين المتساويين من كل وجه، أو يحبط طاعات العمر ~~بكبيرة واحدة تكون بعدها فيخلد فاعلها في النار أبد الآبدين بتلك الكبيرة، ~~فقد ظن به ظن السوء، وبالجملة فمن ظن به خلاف ما وصف به نفسه، أو وصفه به ~~رسوله، أو عطل ما وصف به نفسه، فقد ظن به ظن السوء، كمن ظن أن له ولدا أو ~~شريكا أو شفيعا بغير إذنه، أو أن بينه وبين خلقه وسائط، يرفعون حوائجهم ~~إليه، أو أن ما عنده ينال بالمعصية كما ينال بالطاعة، أو ظن أنه إذا ترك ~~لأجله شيئا لم يعوضه خيرا منه، أو ظن أنه يعاقب بمحض المشيئة بغير سبب من ~~العبد، أو ظن أنه إذا صدق في الرغبة والرهبة أنه يجيبه، أو ظن أنه يسلط على ~~رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - أعداءه تسليطا مستقرا في حياته ومماته، ~~وأنه ابتلاه بهم لا يفارقونه، فلما مات استبدوا بالأمر دون وصيته وظلموا ~~أهل بيته، وكانت العزة لأعدائه وأعدائهم بلا ذنب لأوليائه، وهو يقدر على ~~نصرهم، ثم جعل أعداءه المبدلين دينه مضاجعين له في حفرته وتسلم أمته عليه ~~وعليهم، ms147 وكل مبطل وكافر ومبتدع مقهور، فهو يظن بربه هذا الظن، فأكثر الخلق ~~بل كلهم إلا ما شاء الله يظنون بالله غير الحق ظن السوء، ومن فتش نفسه، رأى ~~ذلك فيها كامنا كمون النار في الزناد، فاقدح من زناد من شئت ينبئك شرره عما ~~في زناده، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك هل أنت سالم، # PageV01P149 # فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إخالك ناجيا # فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا الموضع، وليتب إلى الله ويستغفره كل وقت ~~من ظنه بربه ظن السوء. # والمقصود ما ساقنا إلى هذا الكلام من قوله تعالى: {يظنون بالله غير الحق ~~ظن الجاهلية} [آل عمران: 154] (1) ثم أخبر عن الكلام الصادر عن ظنهم الباطل ~~وهو قولهم: {هل لنا من الأمر من شيء} [آل عمران: 154] وقولهم: {لو كان لنا ~~من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا} [آل عمران: 154] فليس مقصودهم بهذا إثبات ~~القدر، ولو كان ذلك لم يذموا، ولما حسن الرد عليهم بقوله: {قل إن الأمر كله ~~لله} [آل عمران: 154] ولهذا قال غير واحد: إن ظنهم هذا التكذيب بالقدر، ~~وظنهم أن الأمر لو كان إليهم لما أصابهم القتل، فأكذبهم بقوله: {إن الأمر ~~كله لله} [آل عمران: 154] فلا يكون إلا ما سبق به قضاؤه، فلو كتب القتل على ~~من كان في بيته لخرج إلى مضجعه، وهذا من أظهر الأشياء إبطالا لقول القدرية. # ثم أخبر تعالى عن حكمة أخرى في هذا التقدير، وهي ابتلاء ما في صدورهم، ~~واختبار ما فيها من الإيمان والنفاق، فالمؤمن لا يزداد بذلك إلا إيمانا، ~~والمنافق ومن في قلبه مرض يظهر على جوارحه، ثم ذكر حكمة أخرى، وهي تمحيص ما ~~في قلوب المؤمنين، وهو تنقيتها، فإن القلوب يخالطها من بغلبة الطبائع وميل ~~النفس، وحكم العادة، وتزيين الشيطان، واستيلاء الغفلة ما يضاد ما فيها من ~~الإيمان، فلو كانت في عافية دائمة لم تتخلص من هذا، فكانت رحمته عليهم بهذه ~~الكسرة والهزيمة تعادل نعمته عليهم بالنصرة، ثم أخبر تعالى عمن تولى من ~~المؤمنين، وأنه بسبب ذنوبهم فاستزلهم الشيطان بتلك الأعمال، ms148 فكانت أعمالهم ~~جندا عليهم ازداد بها عدوهم قوة، فإن الأعمال جند للعبد وجند عليه، ففرار ~~الإنسان من عدو يطيقه إنما هو بجند من عمله. # ثم أخبر أنه عفا عنهم لأن هذا الفرار لم يكن عن شك وإنما كان لعارض، ثم ~~ذكر سبحانه أن هذا بأعمالهم فقال: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها} ~~[آل عمران: 165] (2) وذكر هذا بعينه فيما هو أعم من ذلك في السور المكية، ~~وقال: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} [الشورى: 30] ~~(3) PageV01P150 # وقال: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: ~~79] (1) فالنعمة فضله، والسيئة عدله، وختم الآية بقوله: {إن الله على كل ~~شيء قدير} [آل عمران: 165] بعد قوله: {هو من عند أنفسكم} [آل عمران: 165] ~~إعلاما بعموم قدرته مع عدله، ففيه إثبات القدر والسبب فأضاف السبب إلى ~~نفوسهم، وعموم القدرة إلى نفسه، فالأول ينفي الجبر، والثاني ينفي إبطال ~~القدر، فهو مشاكل قوله: {لمن شاء منكم أن يستقيم - وما تشاءون إلا أن يشاء ~~الله رب العالمين} [التكوير: 28 - 29] (2) وفي ذكر قدرته نكتة لطيفة، وهي ~~أن هذا الأمر بيده، فلا تطلبوا كشف أمثاله من غيره، وكشف هذا ووضحه بقوله: ~~{وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله} [آل عمران: 166] (3) وهو الإذن ~~الكوني القدري، ثم أخبر عن حكمة هذا التقدير وهو أن يعلم المؤمنين من ~~المنافقين علم عيان، فتكلم المنافقون بما في نفوسهم، فسمعه المؤمنون، ~~وسمعوا رد الله عليهم وعرفوا مؤدى النفاق وما يئول إليه، فلله كم من حكمة ~~في ضمن هذه القصة ونعمة، وكم فيها من تحذير وإرشاد، ثم عزاهم عمن قتل منهم ~~أحسن تعزية فقال: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء} ~~[آل عمران: 169] (4) الآيات فجمع لهم بين الحياة الدائمة، والقرب منه وأنهم ~~عنده، وجريان الرزق المستمر عليهم، وفرحهم بما آتاهم من فضله وهو فوق ~~الرضى، واستبشارهم بإخوانهم الذين باجتماعهم بهم، يتم سرورهم ونعيمهم، ~~واستبشارهم بما يجدد لهم كل وقت من نعمه وكرامته. # وذكرهم سبحانه في هذه المحنة بما هو ms149 من أعظم نعمه عليهم، التي لو قابلوا ~~بها كل محنة تنالهم وبلية لتلاشت في جنب هذه النعمة، وهي إرسال رسول من ~~أنفسهم، وكل بلية بعد هذا الخير العظيم أمر يسير جدا في جنب هذا الخير ~~الكثير، فأعلمهم أن المصيبة من عند أنفسهم، ليحذروا، وأنها بقدره ليوحدوا ~~ويتكلوا، وأخبرهم بما له من الحكم لئلا يتهموه في فضله وقدره، وليتعرف ~~PageV01P151 # إليهم بأنواع أسمائه وصفاته، وسلاهم بما أعطاهم مما هو أعظم خطرا مما ~~فاتهم من النصر والغنيمة، وعزاهم عن قتلاهم لينافسوهم فيه، ولا يحزنوا ~~عليهم، فله الحمد كما هو أهله، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله. # فصل ولما انقضت الحرب، وانكفأ المشركون، فظن المسلمون أنهم قصدوا ~~المدينة، فشق ذلك عليهم، فقال صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه: " اخرج في آثار القوم، فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون، فإن هم ~~جنبوا وامتطوا الإبل، فإنهم يريدون المدينة، فوالذي نفسي بيده لئن أرادوها، ~~لأسيرن إليهم، ثم لأناجزهم فيها "، قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا ~~يصنعون، فجنبوا الخيل، وامتطوا الإبل، ووجهوا إلى مكة ولما عزموا على ~~الرجوع إلى مكة أشرف على المسلمين أبو سفيان ثم ناداهم: موعدكم الموسم ~~ببدر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قولوا: نعم " ثم انصرفوا. # فلما كانوا ببعض الطريق تلاوموا فيما بينهم، فقالوا: أصبتم شوكتهم، ثم ~~تركتموهم يجمعون لكم، فارجعوا نستأصلهم، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فنادى في الناس، وندبهم إلى المسير، وقال: " لا يخرج معنا إلا ~~من شهد القتال "، فاستجاب له المسلمون على ما بهم، فاستأذنه جابر لحبس أبيه ~~إياه، فأذن له، فساروا حتى أتوا حمراء الأسد، فقال أبو سفيان لبعض من يريد ~~المدينة من المشركين: هل لك أن تبلغ محمدا رسالة، وأوقر لك راحلتك زبيبا ~~إذا أتيت مكة؟ قال: نعم. قال: بلغه أنا جمعنا الكرة لنستأصله وأصحابه، فلما ~~قال لهم ذلك، قالوا: {حسبنا الله ونعم الوكيل - فانقلبوا بنعمة من الله ~~وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم} [آل ms150 عمران: 173 ~~- 174] (1) . وكانت وقعة أحد في شوال سنة ثلاث، ورجع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى المدينة، فأقام بقية السنة، فلما استهل المحرم، بلغه أن ~~طليحة وسلمة ابني خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعوان بني أسد من ~~خزيمة إلى حربه، فبعث أبا سلمة ومعه مائة وخمسون، فانتهوا إلى ماء لبني أسد ~~يأوي قطن بن أبي مرثد الغنوي PageV01P152 # فأصابوا إبلا وشياها، ولم يلقوا كيدا. # فلما كان خامس المحرم، بلغه أن خالد بن سفيان الهذلي قد جمع له الجموع، ~~فبعث إليه عبد الله بن أنيس فقتله. # فلما كان في صفر، قدم عليه قوم من عضل والقارة، وذكروا أن فيهم إسلاما، ~~وسألوه أن يبعث معهم من يعلمهم الدين، فبعث معهم ستة فيهم خبيب وأمر عليهم ~~مرثد بن أبي مرثد الغنوي، فكان ما كان. # وفي هذا الشهر كانت وقعة بئر معونة. # وفي ربيع الأول كانت غزوة بني النضير، وزعم الزهري أنها كانت بعد بدر ~~بستة أشهر، وهذا وهم منه أو غلط عليه، بل الذي لا شك فيه أنها بعد أحد، ~~والتي بعد بدر قينقاع، وقريظة بعد الخندق، وخيبر بعد الحديبية، فكان فله مع ~~اليهود أربع غزوات. # ثم غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه ذات الرقاع في جمادى ~~الأولى، وهي غزوة نجد، فخرج يريد قوما من غطفان وصلى بهم يومئذ صلاة الخوف، ~~هكذا قال ابن إسحاق وجماعة من أهل السير والمغازي في تاريخ هذه الغزوة ~~وصلاة الخوف بها وتلقاه الناس عنهم، وهو مشكل جدا، والظاهر أن أول صلاة ~~صلاها للخوف بعسفان، كما في حديث صححه الترمذي، ولا خلاف بينهم أن غزوة ~~عسفان كانت بعد الخندق، وقد صح عنه أنه صلاها بذات الرقاع، فعلم أنها بعد ~~الخندق، وبعد عسفان، ويؤيد هذا أن أبا هريرة وأبا موسى شهدا ذات الرقاع كما ~~في " الصحيحين "، فلما كان شعبان، وقيل: ذي القعدة من العام القابل، خرج - ~~صلى الله عليه وسلم - لميعاد أبي سفيان بالمشركين فانتهى إلى بدر، وأقام ~~ينتظر المشركين، وخرج أبو سفيان من مكة ms151 وهم ألفان ومعهم خمسون حتى إذا ~~كانوا على مرحلة من مكة رجعوا، وقالوا: العام عام جدب. # ثم خرج - صلى الله عليه وسلم - في ربيع سنة خمس إلى دومة الجندل، فهجم ~~على ماشيتهم، وأصاب ما أصاب، وهرب من هرب، وجاء الخبر أهل دومة، فتفرقوا. # ثم بعث بريدة السلمي في شعبان إلى بني المصطلق وهي غزوة المريسيع - وهو ~~مكان لماء - واصطفوا للقتال، وتراموا ساعة، ثم أمر أصحابه، فحملوا حملة رجل ~~واحد، فانهزم المشركون، وسبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النساء ~~والذراري والمال. # وفيها سقط عقد لعائشة، فاحتبسوا في طلبه، فنزلت آية التيمم، وذكر ~~الطبراني في معجمه من حديث محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن ~~الزبير عن أبيه عن عائشة في قصة العقد أن أبا بكر قال: يا بنية في كل سفر ~~تكونين عناء وبلاء. فأنزل الله عز وجل آية التيمم، وهذا يدل على أن قصة # PageV01P153 # العقد التي نزل التيمم لأجلها بعد هذه الغزوة، وهو الظاهر، ولكن فيها ~~كانت قصة الإفك بسبب فقد العقد والتماسه، فاشتبه على بعضهم إحدى القصتين ~~بالأخرى. # وأما قصة الإفك، فهي في هذه الغزوة إلى أن قال: فأشار علي بفراقها تلويحا ~~لا تصريحا لما رأى أن ما قيل مشكوك فيه، فأشار بترك الشك والريبة إلى ~~اليقين، ليتخلص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الغم الذي لحقه بكلام ~~الناس. # وأشار أسامة بإمساكها لما علم من حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لها ولأبيها، ولما علم من عفتها وديانتها، وأن الله لا يجعل حبيبة نبيه ~~وبنت صديقه بالمنزلة التي أنزلها به أهل الإفك. # ومن قويت معرفته لله ومعرفته لرسوله وقدره عند الله في قلبه قال كما قال ~~أبو أيوب وغيره من سادات الصحابة لما سمعوا ذلك: {سبحانك هذا بهتان عظيم} ~~[النور: 16] # وتأمل ما في تسبيحهم في ذلك المقام من المعرفة بالله وتنزيهه عما لا يليق ~~به أن يجعل لرسوله امرأة خبيثة. # فإن قيل: فما باله - صلى الله عليه وسلم - توقف في أمرها وسأل؟ ms152 قيل: هذا ~~من تمام الحكم الباهرة التي جعل الله هذه القصة سببا لها وامتحانا وابتلاء ~~لرسوله، ولجميع الأمة إلى يوم القيامة، ليرفع بها أقواما، ويضع بها آخرين، ~~واقتضى تمام الامتحان بأن حبس الوحي عن نبيه شهرا ليظهر حكمته، ويظهر كمال ~~الوجود، ويزداد الصادقون إيمانا وثباتا على العدل وحسن الظن، ويزداد ~~المنافقون إفكا ونفاقا، وتظهر سرائرهم، ولتتم العبودية المرادة منها ومن ~~أبويها، وتتم نعمة الله عليهم، ولتشتد الفاقة منهم إلى الله والذل له، ~~والرجاء له، ولينقطع رجاؤه من المخلوقين، ولهذا وفت هذا المقام حقه، لما ~~قال لها أبوها: قومي إليه وقد أنزل الله عليه براءتها، فقالت: والله لا ~~أقوم إليه ولا أحمد إلا الله هو الذي أنزل براءتي. # ولو أطلع الله رسوله على الفور، لفاتت هذه الأمور والحكم، وأضعافها ~~وأضعاف أضعافها. # وأيضا فإن الله أحب أن تظهر منزلة رسوله عنده وأهل بيته، وأن يتولى بنفسه ~~الدفاع، والرد على الأعداء وذمهم وعيهم بأمر لا يكون لرسوله فيه عمل. # وأيضا فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان المقصود بالأذى، والتي ~~رميت زوجته، فلم يكن يليق به أن يشهد ببراءتها مع علمه أو ظنه الظن المقارب ~~للعلم ببراءتها، ولم يظن بها سوءا قط، وكان عنده من القرائن أكثر مما عند ~~المؤمنين، ولكن # PageV01P154 # لكمال صبره وثباته ورفقه، وفى مقام الصبر حقه. # ولما جاء الوحي ببراءتها حد من صرح بالإفك إلا ابن أبي مع أنه رأس الإفك، ~~فقيل: لأن الحدود كفارة، وهذا ليس كذلك، وقد وعد بالعذاب الأليم فيكفيه ذلك ~~عن الحد، وقيل: الحد لا يثبت إلا بالإقرار أو ببينة وهو لم يقر بالقذف ولا ~~شهد به عليه أحد، فإنه إنما كان يذكره بين أصحابه، ولم يشهدوا عليه، ولم ~~يكن يذكره بين المؤمنين. # وقيل: حد القذف حق الآدمي لا يستوفى إلا بمطالبة، وإن قيل: إنه حق لله، ~~فلا بد من مطالبة المقذوف، وعائشة لم تطالب به ابن أبي. # وقيل: تركه لمصلحة هي أعظم من إقامته، كما ترك قتله مع ظهور نفاقه، وهي ~~تأليف قومه، وعدم ms153 تنفيرهم عن الإسلام، فإنه كان مطاعا فيهم رئيسا عليهم، ~~فلم يؤمن إثارة الفتنة في حده. # ولعله تركه لهذه الوجوه كلها. # وفي مرجعهم من هذه الغزوة قال رأس المنافقين ابن أبي: {لئن رجعنا إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} [المنافقون: 8] (1) فبلغها زيد بن أرقم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجاء ابن أبي يعتذر ويحلف: ما قال، فسكت ~~عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله تصديق زيد في سورة ~~المنافقين، فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بأذنه، فقال: " أبشر فقد ~~صدقك الله "، ثم قال: " هذا الذي وفى الله بأذنه "، فقال له عمر: يا رسول ~~الله، مر عباد بن بشر أن يضرب عنقه، فقال: " فكيف إذا تحدث الناس أن محمدا ~~يقتل أصحابه ". ### | [فصل في غزوة الخندق] # فصل # في غزوة الخندق وهي سنة خمس في شوال، وسببها أن اليهود لما رأوا انتصار ~~المشركين يوم أحد، وعلموا بميعاد أبي سفيان لغزو المسلمين أنه خرج لذلك ثم ~~رجع، فخرج أشرافهم إلى قريش يحرضونهم على غزو رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فأجابتهم قريش، ثم خرجوا إلى غطفان فدعوهم واستجابوا لهم، ثم طافوا ~~في قبائل العرب، ثم ذكر القصة إلى أن ذكر قصة العرنيين، وقال: فيها من ~~الفقه جواز شرب أبوال الإبل، وطهارة بول مأكول اللحم، والجمع PageV01P155 # للمحارب بين قطع يده ورجله وقتله إذا أخذ المال، وأنه يفعل بالجاني كما ~~فعل، فإنهم لما سملوا عين الراعي سملوا أعينهم، فظهر أن القصة محكمة، وإن ~~كانت قبل أن تنزل الحدود، فالحدود نزلت بتقريرها لا بإبطالها. ### | فصل في قصة الحديبية # فصل # في قصة الحديبية وذكر القصة إلى أن قال: والصلح على وضع الحرب عشر سنين، ~~وأن يرجع عنهم عامه ذلك، فإذا كان العام المقبل قدمها وخلوا بينه وبين مكة، ~~فأقام بها ثلاثا، وأن لا يدخلها إلا بسلاح الراكب والسيوف في القرب، ومن ~~أتاهم لم يردوه، ومن أتى من المسلمين منهم ردوه. # وفي قصة الحديبية أنزل الله فدية الأذى لمن حلق رأسه بالصيام أو الصدقة ~~أو النسك في ms154 شأن كعب بن عجرة. # وفيها دعا للمحلقين ثلاثا، وللمقصرين مرة. # وفيها نحر البدنة عن عشرة، والبقرة عن سبعة. # وفيها أهدى جمل أبي جهل ليغيظ به المشركين. # وفيها أنزلت سورة الفتح. # فلما رجع إلى المدينة جاءه نساء مؤمنات، فنهاه الله عن إرجاعهن، فقيل: ~~هذا نسخ للشرط في النساء، وقيل: تخصيص للسنة بالقرآن، وهو عزيز جدا، وقيل: ~~لم يقطع الشرط إلا على الرجال خاصة، فأراد المشركون أن يعمموا في الصنفين، ~~فأبى الله تعالى ذلك. # وفيها من الفقه اعتماره - صلى الله عليه وسلم - في أشهر الحج وأن الإحرام ~~بالعمرة من الميقات أفضل، كما أن الإحرام بالحج كذلك. # وأما حديث «من أحرم بعمرة من بيت المقدس غفر له» ، فلا يثبت. # ومنها أن سوق الهدي سنة في العمرة المفردة، وأن إشعار الهدي سنة لا مثلة. # ومنها استحباب مغايظة أعداء الله. # ومنها أن الأمير ينبغي له أن يبعث العيون أمامه نحو العدو. # ومنها أن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة للحاجة، لأن عيينة ~~الخزاعي كافر. # ومنها استحباب مشورة الإمام رعيته وجيشه استخراجا لوجه الرأي، واستطابة ~~لنفوسهم، وامتثالا لأمر الله. # ومنها جواز سبي ذراري المشركين المنفردين عن الرجال قبل القتال. # ومنها رد الكلام الباطل ولو نسب إلى غير مكلف، فإنهم لما قالوا: خلأت ~~القصواء، رد عليهم وقال: " ما خلأت وما ذاك لها بخلق ". # ومنها استحباب الحلف على الخبر # PageV01P156 # الديني الذي يريد تأكيده، وقد حفظ عنه - صلى الله عليه وسلم - الحلف في ~~أكثر من ثمانين موضعا، وأمره الله تعالى بالحلف على صدق ما أخبر به في ~~ثلاثة مواضع في (يونس) و (سبأ) و (التغابن) . # ومنها أن المشركين وأهل الفجور إذا طلبوا أمرا يعظمون به حرمة من حرمات ~~الله، أجيبوا إليه، وإن منعوا غيره، فيعانون على تعظيم ما فيه حرمات الله ~~تعالى لا على كفرهم وبغيهم، ويمنعون ما سوى ذلك، فمن التمس المعاونة على ~~محبوب لله تعالى أجيب إلى ذلك كائنا من كان ما لم يترتب على ذلك المحبوب ~~مبغوض لله أعظم منه، وهذا من أدق المواضع وأصعبها وأشقها ms155 على النفوس، ولذلك ~~ضاق عنه من أصحابه من ضاق، وقال عمر ما قال، وأجاب الصديق فيها بجواب النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على أنه أفضل الصحابة، وأكملهم وأعرفهم بالله ~~ورسوله ودينه، وأشدهم موافقة له، ولذلك لم يسأل عمر إلا النبي، والصديق ~~خاصة دون سائر أصحابه. # ومنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عدل ذات اليمين إلى الحديبية، قال ~~الشافعي: بعضها من الحل، وبعضها من الحرم، وروى أحمد في هذه القصة أنه كان ~~- صلى الله عليه وسلم - يصلي في الحرم وهو مضطرب في الحل، وفيه كالدلالة ~~على أن المضاعفة متعلقة بجميع الحرم لا تختص بالمسجد، وأن قوله: صلاة في ~~مسجد الحرام، كقوله تعالى: {فلا يقربوا المسجد الحرام} [التوبة: 28] (1) ~~وقوله: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام} [الإسراء: 1] (2) . # ومنها أن من نزل قريبا من مكة، ينبغي له أن ينزل في الحل، ويصلي في ~~الحرم، وكذلك كان ابن عمر يصنع. # ومنها جواز ابتداء الإمام بطلب الصلح إذا رأى المصلحة للمسلمين فيه، وفي ~~قيام المغيرة على رأسه - صلى الله عليه وسلم - بالسيف، ولم تكن عادته أن ~~يقام على رأسه وهو قاعد - سنة يقتدى بها عند قدوم رسل الكفار من إظهار العز ~~والفخر وتعظيم الإمام، وليس هذا من النوع المذموم، كما أن الفخر والخيلاء ~~في الحرب ليس من هذا النوع المذموم في غيره. # وفي بعث البدن في وجه الرسول الآخر دليل على استحباب إظهار شعائر الإسلام ~~لرسل الكفار، وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - للمغيرة: أما PageV01P157 # الإسلام فأقبل، وأما المال، فلست منه في شيء دليل على أن مال المشرك ~~المعاهد معصوم، وأنه لا يملك، بل يرد عليه، فإن المغيرة صحبهم على أمان، ثم ~~غدر بهم، وأخذ أموالهم فلم يتعرض - صلى الله عليه وسلم - لأموالهم، ولا ذب ~~عنها، ولا ضمنها لهم، لأن ذلك قبل إسلام المغيرة. # وفي قول الصديق لعروة بن مسعود: امصص بظر اللات دليل على جواز التصريح ~~باسم العورة إذا كان فيه مصلحة، كما أمر أن يصرح لمن دعى بدعوى الجاهلية ms156 ~~بهن أبيه، ويقال له: اعضض أير أبيك ولا يكنى له، فلكل مقام مقال. # ومنها احتمال قلة أدب رسول الكفار للمصلحة، لأنه لم يقابل عروة على أخذه ~~بلحيته. # ومنها طهارة النخامة، والماء المستعمل، واستحباب التفاؤل لقوله: سهل ~~أمركم لما جاء سهيل، وأن مصالحة المشرك بما فيه ضيم جائز للمصلحة. # ومنها أن من حلف، أو نذر، أو وعد ولم يعين وقتا لم يكن على الفور بل على ~~التراخي. # ومنها أن الحلق نسك، وأنه أفضل من التقصير، وأنه نسك في العمرة كالحج، ~~وأنه نسك في عمرة المحصر، كما هو نسك في عمرة غيره. # ومنها أن المحصر ينحر هديه حيث أحصر من الحل والحرم، وأنه لا يجب عليه أن ~~يواعد من ينحره في الحرم إذا لم يصل إليه، وأنه لا يتحلل حتى يصل إلى محله ~~لقوله: {والهدي معكوفا أن يبلغ محله} [الفتح: 25] (1) ومنها أن الموضع الذي ~~نحروا فيه من الحل للآية، لأن الحرم كله محل نحر الهدي. # ومنها أن المحصر لا يجب عليه القضاء، وسميت التي بعدها عمرة القضية، ~~لأنها التي قاضاهم عليها. # ومنها أن الأمر المطلق على الفور، وإلا لم يغضب لتأخرهم عن الأمر. وإنما ~~كان تأخيرهم من السعي المغفور لا المشكور، وقد غفر الله لهم، وأوجب لهم ~~الجنة. # ومنها جواز صلح الكفار على رد من جاء منهم من المسلمين من الرجال لا ~~النساء، فإنه لا يجوز وهو موضع النسخ خاصة في هذا العقد بنص القرآن، ولا ~~سبيل إلى دعوى النسخ في غيره. # ومنها أن خروج البضع عن ملك الزوج متقوم، وأنه بالمسمى لا بمهر المثل. # ومنها أن شرط رد من جاء من الكفار إلى الإمام لا يتناول من خرج منهم ~~مسلما إلى غير بلاد الإمام، وإذا جاء إلى بلد الإمام لا يجب رده بدون ~~PageV01P158 # الطلب. # ومنها أنه إذا قتل الذين تسلموه لم يضمنه بدية ولا قود ولم يضمنه الإمام. # ومنها أنه إذا كان بين بعض ملوك المسلمين وبين أهل الذمة عهد، جاز لملك ~~آخر أن يغزوهم، كما أفتى به شيخ الإسلام ابن ms157 تيمية مستدلا بقصة أبي بصير مع ~~المشركين. # والذي في هذه القصة من الحكم أكبر وأجل من أن يحيط به إلا الله. # ومنها أنها مقدمة بين يدي الفتح الأعظم، وهذه سنته سبحانه في الأمور ~~العظام شرعا وقدرا أن يوطئ بين يديها بمقدمات وتوطئات تؤذن بها، وتدل ~~عليها. # ومنها أن هذه الهدنة من أعظم الفتوح، فإن الناس أمن بعضهم بعضا واختلط ~~المسلمون بالكفار، ونادوهم بالدعوة وأسمعوهم القرآن وناظروهم على الإسلام ~~جهرة آمنين، وظهر من كان مختفيا بالإسلام ودخل فيه مدة الهدنة من شاء الله ~~أن يدخل، فكانت تلك الشروط من أكبر الجند التي أقامها المشترطون لحزبهم، ~~فذلوا من حيث طلبوا العز، وعز المسلمون من حيث انكسروا لله، فانقلب العز ~~بالباطل ذلا بحق. # ومنها ما سببه الله سبحانه للمؤمنين من زيادة الإيمان، والإذعان على ما ~~أكرهوا، وما حصل لهم في ذلك من الرضا بالقضاء وانتظار وعد الله، وشهود منته ~~بالسكينة التي أنزلها في قلوبهم أحوج ما كانوا إليها في تلك الحال التي ~~تزعزع لها الجبال. # ومنها أنه سبحانه جعله سببا للمغفرة لرسوله، ولإتمام نعمته عليه، وهدايته ~~ونصره، وانشراح صدره به مع ما فيه من الضيم، ولهذا ذكره سبحانه جزاء وغاية، ~~وإنما يكون ذلك على فعل قام بالرسول والمؤمنين. # وتأمل وصفه قلوب المؤمنين في هذا الموطن الذي اضطربت فيه القلوب، ~~فازدادوا بالسكينة إيمانا، ثم أكد بيعتهم لرسوله أنها بيعة له، وأن من ~~نكثها، فعلى نفسه، وكل مؤمن فقد بايع الله على لسان رسوله على الإسلام ~~وحقوقه، ثم ذكر ظن الأعراب، وأنه من جهلهم به سبحانه، ثم أخبر برضاه عن ~~المؤمنين بالبيعة، وأنه علم ما في قلوبهم من صدق الطاعة، فأنزل الله ~~السكينة عليهم وأثابهم الفتح والمغانم الكثيرة، وكان أول الفتح والمغانم ~~فتح خيبر ومغانمها، ثم استمرت الفتوح والمغانم إلى الأبد، وكف الأيدي عنهم، ~~قيل: أهل مكة، وقيل: اليهود حين هموا أن يغتالوا من بالمدينة بعد خروج ~~الصحابة، وقيل: أهل # PageV01P159 # خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان، والصحيح تناولها للجميع، وقوله: {ولتكون ~~آية للمؤمنين} [الفتح: 20] (1) قيل: كف ms158 الأيدي، وقيل: فتح خيبر، ثم جمع لهم ~~مع ذلك كله الهداية. # ثم وعدهم مغانم كثيرة وفتوحا أخر لم يقدروا ذلك الوقت عليها، قيل: مكة، ~~وقيل: فارس والروم، وقيل: ما بعد خيبر من المشرق والمغرب. # ثم أخبر أنه لو قاتلهم الذين كفروا لولوا الأدبار، وأنها سنته، فإن قيل: ~~فيوم أحد، قيل: هو وعد معلق بشرط، وهو الصبر والتقوى، ففات يوم أحد بالفشل ~~المنافي للصبر، والمعصية المنافية للتقوى، ثم ذكر كف الأيدي لأجل الرجال ~~والنساء المذكورين، فدفع العذاب عنهم بهؤلاء، كما دفعه برسوله لما كان بين ~~أظهرهم. # ثم أخبر عما جعله الكفار في قلوبهم من الحمية التي مصدرها الجهل والظلم، ~~وأخبر بإنزاله في قلوب أوليائه من السكينة ما يقابل الحمية، وإلزامهم كلمة ~~التقوى، وهي جنس تعم كل كلمة يتقى بها وجه الله وأعلاه كلمة الإخلاص. ثم ~~أخبر أنه أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فقد تكفل لهذا ~~الأمر بالتمام والإظهار على جميع أديان أهل الأرض، ففي هذا تقوية لقلوبهم ~~وبشارة لهم وتثبيت، وأن يكونوا على ثقة من هذا الوعد الذي لا بد أن ينجزه، ~~فلا تظنوا أن ما وقع من الإغماض والقهر يوم الحديبية نصرة لعدوه، ولا تخليا ~~عن رسوله ودينه، كيف وقد أرسله بدينه الحق، ووعده أن يظهره على كل دين ~~سواه. ### | فصل في غزوة خيبر # فصل # في غزوة خيبر قال موسى بن عقبة: لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- المدينة من الحديبية، مكث بها عشرين ليلة أو قريبا منها، ثم خرج إلى ~~خيبر، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة، وقدم أبو هريرة حينئذ المدينة ~~فوافى سباع بن عرفطة في صلاة الصبح، فسمعه يقرأ في الأولى (كهيعص) ، وفي ~~الثانية PageV01P160 # (ويل للمطففين) فقال في صلاته: " ويل لأبي فلان، له مكيلان إذا كال كال ~~بالناقص، وإذا اكتال اكتال بالوافي "، ثم زودوا سباعا، فقدم على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فكلم المسلمين فأشركوه وأصحابه في سهمانهم، ولما قدمها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الصبح، ثم ركب ms159 المسلمون فخرج أهل خيبر ~~بمساحيهم ومكاتلهم، ولا يشعرون بل خرجوا لأرضهم، فلما رأوا الجيش قالوا: ~~محمد والله، محمد والخميس، ثم رجعوا هاربين إلى مدينتهم، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء ~~صباح المنذرين» . # ثم ذكر حديث إعطائه عليا الراية، ومبارزته مرحبا، وذكر قصة عامر بن ~~الأكوع، ثم حصرهم، فجهد المسلمون، فذبحوا الحمر فنهاهم، ثم صالحوه على أن ~~يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم، وله الصفراء والبيضاء، واشترط أن من كتم ~~أو غيب، فلا ذمة له ولا عهد، فغيبوا مسكا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب كان ~~احتمله معه إلى خيبر، ثم ذكر الحديث، فلما أراد إجلاءهم قالوا: دعنا فيها، ~~فأعطاهم إياها على شطر ما يخرج منها ما بدا له أن يقرهم، ولم يقتل بعد ~~الصلح إلا ابن أبي الحقيق الناكث. # وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية، وكانت تحت ابن أبي الحقيق، وعرض ~~عليها الإسلام، فأسلمت فأعتقها، وجعل عتقها صداقها. # وقسم خيبر على ستة وثلاثين سهما، كل سهم مائة سهم، فكان له وللمسلمين ~~النصف، والنصف الآخر لنوائبه، وما ينزل به من أمور المسلمين، قال البيهقي: ~~وهذه خيبر فتح شطرها عنوة وشطرها صلحا، فقسم ما فتح عنوة بين أهل الخميس ~~والغانمين، وعزل ما فتح صلحا لنوائبه وما يحتاج إليه من أمور المسلمين، ~~وهذا بناء منه على أصل مذهب الشافعي أنه يجب قسم الأرض المفتتحة عنوة. # ومن تأمل تبين أنها كلها عنوة، وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه، والإمام ~~مخير في الأرض بين قسمها ووقفها، وقسم بعضها ووقف بعض، وقد فعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم الأنواع الثلاثة، فقسم قريظة والنضير، ولم يقسم مكة، وقسم ~~شطر خيبر، وترك شطرها، ولم يغب من أهل الحديبية إلا جابر فقسم له، وقدم ~~عليه جعفر وأصحابه، ومعهم # PageV01P161 # الأشعريون، وسمته امرأة من اليهود في ذراع شاة أهدته له، فلم يعاقبها، ~~وقيل: قتلها بعدما مات بشر بن البراء، وكان بين قريش تراهن، منهم من يقول: ~~يظهر محمد ms160 وأصحابه، ومنهم من يقول: يظهر الحليفان ويهود خيبر، وكان الحجاج ~~بن علاط السلمي قد أسلم، وشهدها، ثم ذكر قصته. # وفيها من الفقه القتال في الأشهر الحرم؛ لأنه خرج إليها في المحرم، ومنها ~~قسم المغانم للفارس ثلاثة، وللراجل سهم، ومنها أنه يجوز لآحاد الجيش إذا ~~وجد طعاما أن يأكله، ولا يخمسه لأخذ ابن المغفل جراب الشحم الذي ولى يوم ~~خيبر، ومنها أن المدد إذا لحق بعد الحرب لا يسهم له إلا بإذن الجيش؛ لأنه ~~كلم أصحابه في أهل السفينة. # ومنها تحريم لحوم الحمر الإنسية، وعلل بأنها رجس، وهذا مقدم على من علل ~~بغير ذلك، كقول من قال: إنها لم تخمس، أو إنها تأكل العذرة. # ومنها جواز عقد المهادنة عقدا جائزا للإمام، فسخه متى شاء، ومنها جواز ~~تعليق عقد الصلح والأمان بالشرط، وتقرير أرباب التهم بالعقوبة. # ومنها الأخذ بالقرائن لقوله. " المال كثير، والعهد قريب "، وأن من كان ~~القول قوله، إذا قامت قرينة على كذبه، لم يلتفت إلى قوله. # ومنها أن أهل الذمة إذا خالفوا شيئا مما شرط عليهم لم تبق لهم ذمة، وأن ~~من أخذ من الغنيمة قبل القسمة لم يملكه وإن كان دون حقه، لقوله: «شراك من ~~نار» . # ومنها جواز التفاؤل، بل استحبابه كما تفاءل النبي صلى الله عليه وسلم ~~برؤية بالمساحي والفؤوس والمكاتل مع أهل خيبر، فإن ذلك فأل في خرابها، وأن ~~النقض يسري في حق النساء والذرية إذا كان الناقضون طائفة لهم شوكة، أما إذا ~~كان واحدا من طائفة لم يوافقه بقيتهم فهذا لا يسري النقض إلى زوجته ~~وأولاده، كما أن من أهدر دماءهم ممن يسبه لم يسر إلى نسائهم وذريتهم، فهذا ~~هديه في هذا وهذا. # ومنها جواز عتق الرجل أمته وجعل عتقها صداقها ويجعلها زوجته بغير إذنها، ~~ولا شهود، ولا ولي، ولا لفظ تزويج، وكذب الإنسان على نفسه وعلى غيره إذا لم ~~يتضمن ضرر ذلك الغير إذا كان متوصلا به إلى حقه كما فعل الحجاج، ومنها قبول ~~هدية الكافر. # ثم انصرف إلى وادي القرى وكان بها جماعة من ms161 يهود، «فلما نزلوا استقبلتهم ~~يهود بالرمي، فقتل مدعم عبد رسول # PageV01P162 # الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: هنيئا له الجنة، فقال: كلا والذي نفسي ~~بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم، لم تصبها المقاسم لتشتعل ~~عليه نارا.» # ثم عبأ أصحابه ودعا أهل الوادي إلى الإسلام، فبرز رجل منهم، فبرز إليه ~~الزبير فقتله، ثم برز رجل آخر، فبرز إليه علي فقتله، حتى قتل منهم أحد عشر ~~رجلا، كلما قتل منهم رجل دعا من بقي إلى الإسلام، فقاتلهم حتى أمسوا وغدا ~~عليهم، فلم ترتفع الشمس قدر رمح حتى أعطوا ما بأيديهم، وفتحها عنوة، وعامل ~~اليهود على الأرض والنخل، فلما بلغ يهود تيجاء ما وطئ به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أهل خيبر وفدك ووادي القرى صالحوه على الجزية، وأقاموا ~~بأيديهم أموالهم، وما دون وادي القرى إلى المدينة حجاز، ومن وراء ذلك من ~~الشام، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة، فلما كان ~~ببعض الطريق عرس، وقال لبلال: «اكلأ لنا الفجر» وذكر الحديث. وروي أنها في ~~مرجعه من الحديبية، وقيل: مرجعه من تبوك. # ففيه أن من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يستيقظ أو يذكرها والرواتب ~~تقضى، وأن الفائتة يؤذن لها ويقام، وقضاء الفائتة جماعة، وأن القضاء على ~~الفور لقوله: «فليصلها إذا ذكرها» وتأخيرها عن المعرس؛ لأنه مكان الشيطان، ~~فارتحل إلى مكان خير منه، وذلك لا يفوت المبادرة، فإنهم في شغل الصلاة وفي ~~شأنها. # وفيه تنبيه على اجتناب الصلاة في أمكنة الشيطان كالحمام بطريق الأولى. # ولما رجعوا رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم، وأقام بالمدينة إلى شوال ~~يبعث السرايا، «منها سرية ابن حذافة الذي أمر أصحابه بدخول النار، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في ~~المعروف» . فإن قيل: فلو دخلوها دخلوها طاعة لله ورسوله في ظنهم، فكانوا ~~متأولين مخطئين، فكيف يخلدون فيها؟ قيل: لما هموا بالمبادرة من غير اجتهاد ~~منهم مع علمهم أن الله نهاهم عن قتل أنفسهم لم ms162 يعذروا. وإذا كان هذا فيمن ~~عذب نفسه طاعة لولي الأمر المأمور بطاعته، فكيف بمن عذب مسلما لا يجوز ~~تعذيبه طاعة لولي الأمر؟ وإذا كان الصحابة المذكورون لو دخلوها ما خرجوا ~~منها مع قصدهم طاعة الله ورسوله بذلك الدخول، فكيف بمن حمله على ما لا يجوز # PageV01P163 # من الطاعة الرغبة والرهبة الدنيوية؟ وكيف بمن دخلها من إخوان الشيطان، ~~وأوهموا الجهال أنه من ميراث إبراهيم الخليل عليه السلام؟! . ### | فصل في غزوة الفتح العظيم # فصل # في غزوة الفتح العظيم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحرمه الأمين، ~~وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء، وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء، ~~ودخل الناس به في دين الله أفواجا. خرج له صلى الله عليه وسلم سنة ثمان ~~لعشر مضين من رمضان. ثم ذكر القصة. # ثم قال: وفيها من الفقه أن أهل العهد إذا حاربوا من هم في ذمة الإمام ~~صاروا حربا له بذلك، فله أن يبيتهم في ديارهم، ولا يحتاج أن يعلمهم على ~~سواء، وإنما يكون ذلك إذا خاف منهم الخيانة، فإذا تحققها فلا. # وفيها انتقاض عهد الجميع بذلك إذا رضوا به، كما أنهم يدخلون في العهد ~~تبعا. # وفيها جواز الصلح عشر سنين، والصواب أنه يجوز فوق ذلك للحاجة والمصلحة، ~~وأن الإمام إذا سئل ما لا يجوز بذله أو لا تجب فسكت لم يكن سكوته بذلا؛ لأن ~~أبا سفيان سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم تجديد العهد، فسكت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولم يجبه بشيء، ولم يكن بهذا السكوت معاهدا له. # وفيه أن الرسول لا يقتل؛ لأن أبا سفيان ممن نقض، وقتل الجاسوس المسلم، ~~وتجريد المرأة كلها للحاجة، وأن الرجل إذا نسب المسلم بكفر أو نفاق متأولا ~~غضبا لله لا لهواه لم يأثم، وأن الكبيرة العظيمة قد تكفر بالحسنة الكبيرة، ~~كما قال تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} [هود: 114] (1) وبالعكس كقوله ~~تعالى: {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} [البقرة: 264] (2) وقوله: {أن ~~تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} [الحجرات: 2] (3) . # ثم قرر قصة حاطب، وقصة ذي الخويصرة ms163 وأمثاله، ثم قال: ومن له لب وعقل يعلم ~~قدر هذه المسألة، وشدة الحاجة إليها، ويطلع منها على باب عظيم من معرفة ~~الله وحكمته، وفيها جواز دخول مكة للقتال المباح بغير إحرام، ولا خلاف أنه ~~لا يدخل من PageV01P164 # أراد النسك إلا بإحرام، وما عدا ذلك فلا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله. # وفيه البيان الصريح أن مكة فتحت عنوة، وقتل سابه صلى الله عليه وسلم، ~~وقوله: «إن الله حرم مكة، ولم يحرمها الناس» ، وهذا التحريم قدري شرعي سبق ~~به قدره يوم خلق العالم، ثم ظهر به على لسان خليله إبراهيم، قوله: «لا يسفك ~~بها دم» هذا التحريم لسفك الدم المختص بها هو الذي يباح في غيرها، ويحرم ~~فيها لكونها حرما كتحريم عضد الشجر، وقوله: «ولا يعضد بها شجر» ، وفي لفظ: ~~«لا يعضد شوكها» ، وهو ظاهر جدا في تحريم قطع الشوك والعوسج، لكن جوزوا قطع ~~اليابس لأنه بمنزلة الميتة، وفي لفظ: «ولا يخبط شوكها» صريح في تحريم قطع ~~الورق. # وقوله: «لا يختلى خلاها» لا خلاف أن المراد ما نبت بنفسه وأن الخلا: ~~الحشيش الرطب، والاستثناء في الإذخر دليل على العموم، ولا تدخل الكمأة فيه، ~~وما غيب في الأرض، لأنه كالثمر. # وقوله: «ولا ينفر صيدها» صريح في تحريم التسبب إلى قتل الصيد، واصطياده ~~بكل سبب حتى إنه لا ينفره عن مكانه، لأنه حيوان محترم في هذا المكان قد سبق ~~إلى مكان فهو أحق به، ففي هذا أن الحيوان المحترم إذا سبق إلى مكانه لم ~~يزعج عنه. # وقوله: «لا يلتقط ساقطتها إلا لمن عرفها» ، وفي لفظ: «لا تحل ساقطتها إلا ~~لمنشد» فيه دليل على أن لقطة الحرم لا تملك بحال، وأنها لا تلتقط إلا ~~للتعريف، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وقال في الرواية الأخرى، والشافعي ~~في قول: لا يجوز التقاطها للتمليك، وإنما يجوز لحفظها لصاحبها، فإن التقطها ~~عرفها أبدا حتى يأتي صاحبها، وهذا هو الصحيح، والحديث صريح فيه، والمنشد: ~~المعرف، والناشد: الطالب، ومنه قوله: " إصاخة الناشد للمنشد "، وفي القصة ~~أنه صلى الله عليه وسلم ms164 لم يدخل البيت حتى محيت الصور، ففيه دليل كراهة ~~الصلاة في المكان الذي فيه الصور، وهو أحق بها من الحمام، لأنه إما لكونه ~~مظنة النجاسة وإما بيت الشيطان، وأما الصور فمظنة الشرك، وغالب شرك الأمم ~~من جهة الصور والقبور. # وفي القصة جواز أمان المرأة للرجل والرجلين كما أجاز النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمان أم هانئ، وقتل المرتد تغلظت ردته من غير استتابة لقصة ابن أبي ~~سرح. # PageV01P165 ### | فصل في غزوة حنين # فصل # في غزوة حنين قال ابن إسحاق: ولما سمعت هوازن بالفتح جمع مالك بن عوف ~~هوازن، واجتمعت إليه ثقيف وجشم، وفيهم دريد بن الصمة شيخ كبير ليس فيه إلا ~~رأيه، ثم ذكر القصة. ثم قال: وعد الله رسوله أنه إذا فتح مكة دخل الناس في ~~دين الله أفواجا، فاقتضت الحكمة أن أمسك الله قلوب هوازن ومن تبعها عن ~~الإسلام، وأن يجتمعوا ويتألبوا لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمين ليظهر أمر الله وتمام إعزازه لرسوله لتكون غنائم شكرا لأهل ~~الفتح، وليظهر الله سبحانه رسوله وعباده وقهره لهذه الشوكة العظيمة التي لم ~~يلق المسلمون مثلها، فلا يقاومهم بعد أحد من العرب. # وأذاقهم أولا مرارة الهزيمة مع قوتهم ليطامن رؤساء رفعت بالفتح، ولم تدخل ~~بلده وحرمه كما دخل رسوله صلى الله عليه وسلم منحنيا على فرسه حتى إن ذقنه ~~يكاد أن تمس قربوس سرجه تواضعا لربه وخضوعا لعظمته وليبين لمن قال: لن نغلب ~~اليوم من قلة أن النصر من عنده، فلما انكسرت قلوبهم أرسل إليها خلع الجبر ~~مع بريد النصر ثم أنزل سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وقد اقتضت حكمته أن ~~خلع النصر إنما تفيض على أهل الانكسار {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في ~~الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين - ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون ~~وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون} [القصص: 5 - 6] (1) . وافتتح غزو ~~العرب ببدر، وختمه بحنين، وقاتلت الملائكة فيهما، ورمى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالحصباء فيهما، وبهما طفئت جمرة العرب، فبدر خوفتهم، وكسرت ~~حدتهم، ms165 وهذه استفرغت قواهم. # وفيها جواز استعارة سلاح المشرك، وأن من تمام التوكل استعمال الأسباب، ~~وأن ضمان الله له العصمة لا ينافي تعاطي الأسباب، كما أن إخباره أنه مظهر ~~دينه لا يناقض أنواع الجهاد. # وشرطه ضمان العارية هل هو إخبار عن شرعه في العارية أو إخبار عن ضمانها ~~بالأداء بعينها؟ اختلف فيه، وفيها عقر مركوب العدو إذا أعان على قتله ; ~~وليس هنا من تعذيب الحيوان المنهي عنه، وعفوه صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P166 # عمن هم بقتله، ومسحه صدره ودعاؤه له، وجواز الانتظار بالقسمة إسلام ~~الكفار، فيرد عليهم ما أخذ منهم، وفي هذا دليل على إن الغنيمة إنما تملك ~~بالقسمة لا بمجرد الاستيلاء عليها، فلو مات أحد قبلها أو إحرازها بدار ~~الإسلام رد نصيبه إلى بقية الغانمين، وهذا مذهب أبي حنيفة، ونص أحمد أن ~~النفل يكون من أربعة الأخماس، وهذا الإعطاء منه، فهو أولى من تنفل الثلث ~~بعد الخمس والربع بعده. # ولما عميت أبصار ذي الخويصرة وأضرابه عن هذه المصلحة والحكمة قال قائلهم: ~~اعدل. # والإمام نائب عن المسلمين يتصرف بمصالحهم وقيام الدين، فإن تعين للدفع عن ~~الإسلام، والذب عن حوزته، واستجلاب أعداء الإسلام إليه، ليأمن شرهم ساغ ذلك ~~بل تعين، ومبنى الشريعة باحتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، وتحصيل أكمل ~~المصلحتين بتفويت أدناهما، بل مبنى مصالح الدنيا والدين على هذين. # وفيها جواز بيع الرقيق، بل الحيوان بعضه ببعض نسيئة ومتفاضلا، وأن ~~المتعاقدين إذا جعلا بينهما أجلا غير محدود جاز إذا اتفقا عليه، هو الراجح ~~إذ لا محذور فيه ولا غرر. # وقوله: «من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه» اختلف هل هو مستحق بالشرع ~~أو الشرط؟ على قولين هما روايتان عن أحمد، ومأخذ النزاع هل قاله بمنصب ~~الرسالة فيكون شرعا عاما كقوله: «من زرع أرض قوم بغير إذنهم فليس له من ~~الزرع شيء، وله نفقته» ، أو بمنصب الفتيا كقوله لهند بنت عتبة: «خذي ما ~~يكفيك وولدك بالمعروف» ، أو بمنصب الإمامة فتكون مصلحة للأمة في ذلك الوقت، ~~فيلزم من بعده مراعاة ذلك بحسب المصلحة. # ومن ms166 هاهنا اختلفوا في كثير من المواضع كقوله: «من أحيا أرضا ميتة فهي له» ~~، وفيها الاكتفاء في ثبوت هذه الدعوى بشاهد من غير يمين، وأنه لا يشترط ~~التلفظ بأشهد، وفيها أن السلب لا يخمس، وأنه من أصل الغنيمة، وأنه يستحقه ~~من لا يسهم له من امرأة وصبي، وأنه يستحق سلب جميع من قتل وإن كثر. ### | فصل في غزوة الطائف # فصل # في غزوة الطائف لما انهزمت ثقيف دخلوا حصنهم، وتهيئوا للقتال وسار رسول ~~الله # PageV01P167 # ، فنزل قريبا من حصنهم، فرموا المسلمين بالنبال رميا شديدا كأنه رجل ~~جراد، حتى أصيب من المسلمين بجراحة وقتل منهم اثنا عشر رجلا، فارتفع صلى ~~الله عليه وسلم إلى موضع مسجد الطائف اليوم، فحاصرهم ثمانية عشر يوما أو ~~بضعا وعشرين ليلة، ونصب عليهم المنجنيق وهو أول من رمى به في الإسلام، وأمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع أعناب ثقيف، فوقع الناس فيها يقطعون. # قال ابن سعد: فسألوه أن يدعها لله وللرحم، فقال صلى الله عليه وسلم: ~~«فإني أدعها لله وللرحم فنادى مناديه: أيما عبد نزل إلينا فهو حر، فخرج ~~منهم بضعة عشر رجلا فيهم أبو بكرة، فدفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين ~~يمونه، فشق ذلك على أهل الطائف، ولم يؤذن له في فتحها، فأمر صلى الله عليه ~~وسلم فأذن بالرحيل، فضج الناس من ذلك، وقالوا: ولم تفتح الطائف؟ فقال: ~~اغدوا على القتال فغدوا، فأصابهم جراحات، فقال: إنا قافلون إن شاء الله ~~فسروا بذلك، وجعلوا يرحلون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك، فلما ~~استقلوا قال: قولوا: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون قيل: يا رسول الله، ~~ادع الله على ثقيف. فقال: اللهم اهد ثقيفا وائت بهم» . # ثم خرج إلى الجعرانة، ودخل منها مكة محرما بعمرة، ثم رجع إلى المدينة، ~~ولما قدم المدينة من تبوك في رمضان وفد عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف، وكان ~~من حديثهم أنه لما انصرف عنهم اتبعه عروة بن مسعود، فأدركه قبل أن يدخل ~~المدينة فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، ms167 فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «كما يتحدث قومك أنهم قاتلوك» ، وعرف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن فيهم نخوة الامتناع الذي كان منهم، فقال عروة: يا رسول الله أنا ~~أحب إليهم من أبصارهم، وكان فيهم كذلك محببا مطاعا، فخرج يدعو قومه إلى ~~الإسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف لهم على علية له ~~ودعاهم إلى الإسلام رموه بالنبل من كل وجه، فقيل له: ما ترى في دمك؟ فقال: ~~شهادة أكرمني الله بها، فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم، وادفنوني معهم فدفن معهم، ~~فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه: «إن مثله في قومه كمثل ~~صاحب يس في قومه» ثم أقامت ثقيف بعد قتله أشهرا، ثم رأوا أنهم لا طاقة لهم ~~بحرب من حولهم من العرب، فأجمعوا على أن يرسلوا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رجلا # PageV01P168 # كما أرسلوا عروة، فكلموا عبد ياليل، فأبى وخشي أن يصنع به كما صنعوا ~~بعروة فقال: لست بفاعل حتى ترسلوا معي رجالا، فبعثوا معه رجلين من الأحلاف، ~~وثلاثة من بني مالك منهم عثمان بن عفان بن أبي العاص، فلما دنوا من المدينة ~~ونزلوا قناة لقوا بها المغيرة بن شعبة، فاشتد ليبشر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فلقيه أبو بكر فقال: أقسم عليك لا تسبقني ففعل، فدخل أبو بكر ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره ثم خرج المغيرة إليهم، فروح ~~الظهر معهم، فضرب عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبة في ناحية المسجد، ~~وكان خالد بن سعيد الذي يمشي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وكان فيما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يدع لهم اللات لا ~~يهدمها ثلاث سنين ليسلموا بتركها من سفهائهم فأبى، فما برحوا يسألونه فأبى ~~حتى سألوه شهرا فأبى أن يدعها شيئا مسمى، وكان فيما سألوا أن يعفيهم من ~~الصلاة، وأن لا ms168 يكسروا أوثانهم بأيديهم، فقال: «أما كسر أوثانكم بأيديكم ~~فسنعفيكم عنه، وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه» ، فلما أسلموا أمر ~~عليهم عثمان بن أبي العاص، وكان من أحدثهم سنا إلا أنه كان أحرصهم على ~~التفقه في الدين. # فلما توجهوا إلى بلادهم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم أبا سفيان ~~والمغيرة لهدم الطاغية، فلما دخل المغيرة علاها بالمعول، وقام دونه بنو ~~مغيث خشية أن يرمى أو يصاب كعروة، وخرجت نساء ثقيف حسرا يبكين عليها، ولما ~~هدمها أخذ مالها وكان ابن عروة وقارب بن الأسود قدما على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قبل الوفد حين قتل عروة يريدان فراق ثقيف فأسلما، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «توليا من شئتما قالا: لا نتولى إلا الله ورسوله. ~~قال: وخالكما أبا سفيان بن حرب، فقالا: وخالنا أبا سفيان، فلما أسلم أهل ~~الطائف سأل ابن عروة رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يقضي دين أبيه من مال ~~الطاغية، فقال: نعم، فقال قارب: وعن الأسود يا رسول الله فاقضه، وعروة ~~والأسود أخوان لأب وأم، فقال رسول الله: إن الأسود مات مشركا فقال قارب بن ~~الأسود: يا رسول الله لكن تصل مسلما ذا قرابة - يعني نفسه - وإنما الدين ~~علي، فقضى دين عروة والأسود من مالها» . # وفيه من الفقه جواز القتال في الأشهر الحرم، فإنه صلى الله عليه وسلم خرج ~~إلى مكة في آخر # PageV01P169 # رمضان، وأقام بمكة تسع عشر ليلة، ثم خرج إلى هوازن وقاتلهم وفرغ منه، ثم ~~خرج إلى الطائف فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة أو ثمان عشر في قول ابن سعد، فإذا ~~تأملت ذلك عرفت أن بعض مدة الحصار في ذي القعدة ولا بد، لكن قد يقال: لم ~~يبتدئ القتال إلا في شوال، ويجاب بأنه لا فرق بين الابتداء والاستدامة. # ومنها جواز غزو الرجل وأهله معه؛ لأن معه في هذه الغزوة أم سلمة وزينب، ~~ومنها جواز نصب المنجنيق على الكفار ورميهم به، وإن أفضى إلى قتل من لم ~~يقاتل من ms169 النساء والذرية، ومنها قطع شجرهم إذا كان يضعفهم ويغيظهم. # ومنها أن العبد إذا أبق وألحق بالمسلمين صار حرا، حكاه ابن المنذر ~~إجماعا، ومنها أن الإمام إذا حاصر حصنا، ورأى المصلحة في الرحيل فعل، ومنها ~~أنه أحرم من الجعرانة بالعمرة، وهي السنة لمن دخلها من الطائف، وأما الخروج ~~من مكة إلى الجعرانة ليحرم منها بعمرة فلم يستحبه أحد من أهل العلم. # ومنها كمال رأفته ورحمته صلى الله عليه وسلم في دعائه لثقيف بالهدى، وقد ~~حاربوه وقتلوا جماعة من أصحابه، وقتلوا رسوله إليهم، ومنها كمال محبة ~~الصديق له، ومحبة التقرب إليه بكل ممكن، وهذا يدل على جواز سؤال الرجل أخاه ~~أن يؤثره بقربة من القرب، وأنه يجوز له ذلك، وقول من قال: لا يجوز لا يصح، ~~وقد آثرت عائشة عمر بدفنه في بيتها، وسألها ذلك فلم تكره له السؤال، ولا ~~لها البذل. # ومنها أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك بعد القدرة على إبطالها يوما واحدا ~~فإنها شعائر الكفر، وهي أعظم المنكرات، وهذا حكم المشاهد التي بنيت على ~~القبور التي اتخذت أوثانا تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم، ~~والتبرك والنذر والتقبيل لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة، ~~وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، وأعظم شركا عندها ~~وبها وبالله المستعان. # ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلق وترزق أو تحيي أو ~~تميت، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم من المشركين عند ~~طواغيتهم اليوم، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم حذو القذة بالقذة، وأخذوا ~~مأخذهم شبرا بشبر وذراعا بذراع، وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل ~~وخفاء العلم، وصار المعروف # PageV01P170 # منكرا والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير، ~~وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقل العلماء، وغلب ~~السفهاء، وتفاقم الأمر، واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ~~أيدي الناس، ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل ~~الشرك والبدع مجاهدين إلى أن يرث ms170 الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. # ومنها جواز صرف الإمام أموال المشاهد في الجهاد والمصالح، وأن يعطيها ~~للمقاتلة، ويستعين بأثمانها على مصالح المسلمين، وكذا الحكم في وقفها، وهذا ~~مما لا يخالف فيه أحد من أئمة الإسلام. ### | فصل في غزوة تبوك # فصل ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ودخلت سنة تسع، بعث ~~المصدقين يأخذون الصدقات من الأعراب، فبعث عيينة إلى بني تميم وبعث عدي بن ~~حاتم إلى طيئ وبني أسد، وبعث مالك بن نويرة على صدقات بني حنظلة، وفرق ~~صدقات بني سعد على رجلين، فبعث الزبرقان بن بدر على ناحية، وقيس بن عاصم ~~على ناحية، وبعث العلاء بن الحضرمي على البحرين، وبعث عليا إلى نجران. # وفيها كانت غزوة تبوك، وكانت في رجب في زمن عسرة من الناس، وجدب من ~~البلاد حين طابت الثمار، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يخرج في ~~غزوة إلا كنى عنها إلا ما كان من غزوة تبوك لبعد السفر وشدة الزمان، «فقال ~~ذات يوم للجد بن قيس: هل لك في جلاد بني الأصفر؟ فقال: يا رسول الله أوتأذن ~~لي ولا تفتني؟ فما من رجل أشد عجبا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساءهم ~~أن لا أصبر، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قد أذنت لك» ، ~~ففيه نزلت الآية: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني} [التوبة: 49] (1) وقال ~~قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحر، فأنزل الله فيهم: {وقالوا ~~لا تنفروا في الحر} [التوبة: 81] (2) فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بالجهاد، وحض أهل الغنى على النفقة، فأنفق عثمان ثلاثماثة بعير بعدتها ~~PageV01P171 # وألف دينار، وجاء البكاؤون وهم سبعة، يستحملون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: {لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا ~~يجدوا ما ينفقون} [التوبة: 92] وأرسل أبا موسى أصحابه إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؛ ليحملهم فوافاه غضبان، فقال: «والله لا أحملكم ولا أجد ما ~~أحملكم عليه» ، ثم أتاه ms171 إبل فأرسل إليهم فقال: «ما أنا حملتكم، ولكن الله ~~حملكم، وإني والله لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن ~~يميني، وأتيت الذي هو خير» ، وقام رجل فصلى من الليل وبكى، ثم قال: اللهم ~~إنك أمرت بالجهاد، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه، وإني أتصدق على كل ~~مسلم بكل مظلمة أصابني فيها من مال أو جسد أو عرض، ثم أصبح فقال صلى الله ~~عليه وسلم: «أين المتصدق هذه الليلة؟ فلم يقم أحد، ثم قال: أين المتصدق؟ ~~فليقم، فقام إليه الرجل فأخبره فقال: أبشر والذي نفس محمد بيده لقد كتبت في ~~الزكاة المتقبلة، وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم فلم يعذرهم» . # وكان ابن أبي قد عسكر على ثنية الوداع في حلفائه من اليهود والمنافقين، ~~فيقال: ليس عسكره بأقل العسكرين، واستخلف صلى الله عليه وسلم على المدينة ~~محمد بن مسلمة، فلما سار تخلف ابن أبي ومن كان معه، «واستخلف علي بن أبي ~~طالب على أهله، فقال: تخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكون ~~مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي» . # وتخلف نفر من المسلمين من غير شك، منهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة ~~بن الربيع وأبو خيثمة وأبو ذر، ثم لحقه أبو خيثمة وأبو ذر، ووافاها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثين ألفا من الناس، والخيل عشرة آلاف فرس، ~~وأقام بها عشرين ليلة يقصر الصلاة، وهرقل يومئذ بحمص، ورجع أبو خيثمة إلى ~~أهله بعد مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما، فوجد امرأتين له في ~~عريشين لهما في حائط، قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت له فيه ماء، ~~وهيأت له فيه طعاما، فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى المرأتين وما ~~صنعتا له، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والريح والحر، وأبو ~~خيثمة في ظل بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسناء، ما هذا بالنصف؟ والله لا أدخل ~~عريش واحدة منكما، حتى ألحق # PageV01P172 # برسول ms172 الله صلى الله عليه وسلم، ثم قدم ناضحه فارتحله، ثم خرج في طلب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك. # وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب في الطريق يطلب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال له أبو خيثمة: إن لي ذنبا فلا ~~عليك أن تتخلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل، حتى إذا دنا ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم «قال الناس: هذا راكب على الطريق مضل، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن أبا خيثمة قالوا: يا رسول الله: هو ~~والله أبو خيثمة. فلما أناح أقبل، فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وأخبره خبره، فقال له خيرا، ودعا له» . # «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر بديار ثمود قال: لا ~~تشربوا من مائها، ولا تتوضئوا منها، وما كان من عجين فأعلفوه الإبل، ولا ~~يخرجن أحد منكم إلا ومعه صاحب له، ففعلوا إلا أن رجلين من بني ساعدة خرج ~~أحدهما لحاجته، وخرج الآخر في طلب بعيره، فخنق الذي خرج لحاجته على مذهبه، ~~وحملت الريح طالب البعير حتى ألقته في جبلي طيئ، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ألم أنهكم؟ ثم دعا للذي خنق فشفي، وأهدت الآخر طيئ لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة» . # قال الزهري: لما مر بالحجر سجى ثوبه على وجهه، واستحث راحلته ثم قال: «لا ~~تدخلوا بيوت الذين ظلموا أنفسهم إلا وأنتم باكون خوفا أن يصيبكم ما أصابهم» ~~وفي " الصحيح «أنه أمر بإهراق الماء، وأن يستقوا من البئر التي كانت تردها ~~الناقة» . # قال ابن إسحاق: وأصبح الناس لا ماء معهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل الله إليه ~~سحابة، فأمطرت حتى ارتووا واحتملوا حاجتهم من الماء، ثم مضى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فجعل يتخلف عنه الرجل، فيقولون: ms173 تخلف فلان، فيقول: «دعوه ~~فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه» ، ~~وتلوم على أبي ذر بعيره فأخذ متاعه على ظهره، فلما نزل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في بعض منازله «قال رجل: يا رسول الله هذا رجل يمشي على الطريق ~~وحده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن أبا ذر، فلما تأملوا قالوا: ~~يا رسول الله أبو ذر، فقال: رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث ~~وحده» ، وفي " صحيح ابن حبان " أن # PageV01P173 # أبا ذر لما حضرته الوفاة بكت امرأته، فقال: ما يبكيك؟ فقالت: تموت بفلاة ~~من الأرض، وليس عندي ثوب يسعك كفنا أكفنك فيه، ولا يدان لي في تغسيلك، ~~فقال: لا تبكي، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنفر أنا ~~فيهم: «ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض، يشهده عصابة من المسلمين» ، وليس ~~من أولئك أحد إلا مات في قرية، فأنا الرجل، والله ما كذبت، ولا كذبت فأبصري ~~الطريق. قالت: فكنت أشتد إلى الكثيب أتبصر، ثم أرجع فأمرضه، فبينا نحن كذلك ~~إذا أنا برجال على رحالهم كأنهم الرخم تخب بهم رواحلهم، قالت: فأشرت إليهم ~~فأسرعوا حتى وقفوا علي فقالوا: يا أمة الله، ما لك؟ قلت: امرؤ من المسلمين ~~يموت تكفنونه قالوا: من هو؟ قلت: أبو ذر، قالوا: صاحب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟ قلت: نعم. ففدوه بآبائهم وأمهاتهم، وأسرعوا إليه حتى دخلوا ~~عليه، فقال لهم: أبشروا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحدثهم ~~الحديث. . . ثم قال: أما إنه لو كان عندي ثوب يسعني كفنا لي أو لامرأتي لم ~~أكفن إلا في ثوب هو لي أو لها، وإني أنشدكم الله أن لا يكفنني رجل منكم كان ~~أميرا أو عريفا أو بريدا أو نقيبا، وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد قارف ~~بعض ما قال إلا فتى من الأنصار قال: يا عم أنا أكفنك في ردائي هذا أو في ~~ثوبين في عيبتي من غزل أمي. ms174 قال: أنت تكفنني. فكفنه الأنصاري وقاموا عليه، ~~ودفنوه في نفر كلهم يمان. # وفي " صحيح مسلم " عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قبل ~~وصوله إلى تبوك: «إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها ~~حتى يضحي النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي، فجئناها ~~وقد سبقنا إليها رجلان، والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء، فسألهما رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هل مسستم من مائها شيئا؟ قالا: نعم، فسبهما النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا بأيديهم من ~~العين حتى اجتمع في شيء قال: وغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وجهه ~~ويديه، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء منهمر حتى استقى الناس، ثم قال: يوشك ~~يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا» . # ولما انتهى إلى تبوك أتاه صاحب أيلة، فصالحه وأعطاه # PageV01P174 # الجزية، وأتاه أهل جربا وأذرح، فصالحهم على الجزية، وكتب لصاحب أيلة: ~~«بسم الله الرحمن الرحيم: هذا أمنة من الله ومن محمد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليحنة بن رؤبة، وأهل أيلة لسفنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ~~ذمة الله، وذمة النبي، ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، ~~فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه لمن أخذه من الناس، ~~وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه، ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر» . # ثم بعث خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى أكيدر بن عبد الملك الكندي صاحب ~~دومة الجندل وقال: «إنك ستجده يصيد البقر» ، فمضى خالد حتى إذا كان من حصنه ~~بمنظر العين في ليلة مقمرة أقام، وجاءت بقر الوحش حتى حكت بقرونها باب ~~القصر، فخرج إليهم أكيدر في جماعة من خاصته، فتلقتهم خيل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فأخذوا أكيدر، وقتلوا أخاه حسان، فحقن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم دمه وصالحه ms175 على الجزية، وكان نصرانيا، وقال ابن سعد: أجاره خالد ~~من القتل، وكان مع خالد أربعمائة وعشرون فارسا على أن يفتح له دومة الجندل، ~~ففعل وصالحه على ألفي بعير وثمانمائة رأس وأربعمائة رمح ودرع، فعزل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم صفية خالصا، ثم قسم الغنيمة فأخرج الخمس، ثم قسم ~~ما بقي على أصحابه فكان لكل واحد منهم خمس فرائض، وأقام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بتبوك بضع عشرة ليلة، ثم قفل. # «وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قمت من جوف الليل وأنا في غزوة تبوك، ~~فرأيت شعلة نار في ناحية العسكر، فأتيتها فإذا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأبو بكر وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين قد مات، وإذا هم قد حفروا ~~له ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته، وأبو بكر وعمر يدليان إليه وهو ~~يقول: أدليا إلي أخاكما فدلياه إليه، فلما هيأه لشقه قال: اللهم إني قد ~~أمسيت راضيا عنه، فارض عنه، قال ابن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحفرة» . # وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: «أتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جبريل وهو بتبوك، فقال: يا محمد أشهد جنازة معاوية بن معاوية المزني، ~~فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل جبريل في سبعين ألفا من الملائكة، ~~فوضع جناحه الأيمن على الجبال فتواضعت، ووضع جناحه الأيسر على الأرضين ~~فتواضعت، حتى نظر إلى مكة والمدينة # PageV01P175 # ، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل والملائكة عليهم ~~السلام، فلما فرغ قال: " يا جبريل بم بلغ معاوية هذه المنزلة "؟ قال: ~~بقراءة قل هو الله أحد قائما وقاعدا، وراكبا وماشيا» رواه ابن السني ~~والبيهقي. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ~~ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم " قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال: ~~نعم حبسهم العذر» . # ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا من تبوك إلى المدينة، حتى ~~إذا كان ببعض الطريق مكر به بعض ms176 المنافقين، فتآمروا أن يطرحوه من عقبة في ~~الطريق، فلما بلغها أرادوا سلوكها معه، فأخبر خبرهم، فقال للناس: «من شاء ~~أن يأخذ بطن الوادي فإنه أوسع لكم» ، وأخذ العقبة وأخذ الناس بطن الوادي ~~إلا أولئك النفر الذين هموا بالمكر برسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~سمعوا بذلك استعدوا وتلثموا، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن ~~اليمان وعمار بن ياسر فمشيا معه، وأمر عمارا أن يأخذ بزمام الناقة وأمر ~~حذيفة أن يسوقها، فبينا هم يسوقون إذ سمعوا وكزة القوم من ورائهم قد غشوه، ~~فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر حذيفة أن يردهم فأبصر حذيفة غضب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع ومعه محجن، فضرب به وجوه رواحلهم، ~~وأبصرهم متلثمين، ولا يشعر إلا أنه فعل المسافر، فأرعبهم الله حين أبصروا ~~حذيفة، وظنوا أن مكرهم قد ظهر عليه، فأسرعوا حتى خالطوا الناس، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة: «هل عرفت منهم أحدا "؟ قال: عرفت راحلة ~~فلان وفلان، وكانت ظلمة، فقال: " هل علمت شأنهم "؟ قال: لا. قال: " فإنهم ~~مكروا ليسيروا معي، حتى إذا طلعت في العقبة طرحوني " فقال له حذيفة: ألا ~~تضرب أعناقهم؟ قال: " أكره أن يتحدث الناس إن محمدا قد وضع يده في أصحابه، ~~فسماهم لهما، وقال: اكتماهم» . # وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك حتى نزل بذي أوان وبينها ~~وبين المدينة ساعة، وكان أهل مسجد الضرار أتوه وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: ~~إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والليلة المطيرة، ونحب أن نصلي فيه قال: «إني ~~على جناح سفر، وإذا قدمنا إن شاء الله أتيناكم» ، فجاء خبر المسجد من ~~السماء، فدعا مالك # PageV01P176 # بن الدخشم ومعن بن عدي فقال: «انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله، ~~فاهدماه وحرقاه بالنار» ، فخرجا مسرعين، حتى دخلاه وفيه أهله، فحرقاه ~~وهدماه، وتفرق عنه أهله، فأنزل الله سبحانه فيه: {والذين اتخذوا مسجدا ~~ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين} [التوبة: 107] (1) فلما دنا من المدينة ~~خرج الناس لتلقيه، وخرج النساء والصبيان والولائد ms177 يقلن: # طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع # وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع # وبعضهم يروي هذا عند مقدمه مهاجرا وهو وهم (2) ؛ لأن ثنيات الوداع من ~~ناحية الشام، فلما أشرف على المدينة قال: «هذه طابة» ، وقال «هذا أحد جبل ~~يحبنا ونحبه» فلما دخل بدأ بالمسجد، فصلى فيه ركعتين، وكانت تلك عادته صلى ~~الله عليه وسلم، ثم جلس للناس، فجاءه المخلفون يعتذرون إليه، ويحلفون له، ~~فقبل منهم علانيتهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى خالقهم، وفيهم نزل قوله ~~تعالى: {يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم} [التوبة: 94] (3) الآية وما بعدها. ### | فصل في الإشارة إلى ما تضمنته هذه القصة من الفوائد # فصل # في الإشارة إلى ما تضمنته هذه القصة من الفوائد فمنها جواز القتال في ~~الشهر الحرام إن كان خروجه في رجب محفوظا على ما قاله ابن إسحاق، ومنها ~~إعلام الإمام القوم بالأمر الذي يضرهم إخفاؤه، وستره عنهم للمصلحة. # ومنها أن الإمام إذا استنفر الجيش لزم لهم النفير، ولم يجز لأحد التخلف ~~إلا بإذنه، ولا يشترط في الوجوب تعيين كل واحد منهم بعينه، وهذا أحد ~~المواضع الثلاثة التي يصير الجهاد فيها فرض عين، والثاني: إذا حاصر العدو ~~البلد، والثالث: إذا حضر بين الصفين. # ومنها وجوب الجهاد بالمال كما يجب بالنفس، وهذا هو الصواب الذي لا ريب ~~PageV01P177 # فيه، فإن الأمر بالجهاد بالمال شقين: الأمر بالجهاد بالنفس في القرآن ~~وقرينه، بل جاء مقدما على الجهاد بالنفس في كل موضع إلا موضعا واحدا، وهذا ~~يدل على أنه آكد من الجهاد بالنفس، وإذا وجب الحج بالمال على العاجز ~~بالبدن، فوجوب الجهاد بالمال أولى. # ومنها ما برز به عثمان من النفقة العظيمة، ومنها أن العاجز بماله لا يعذر ~~حتى يبذل جهده، فإنه سبحانه إنما نفى الحرج عن العاجزين بعد أن أتوا رسوله ~~ليحملهم، ثم رجعوا باكين. # ومنها استخلاف الإمام إذا سافر رجلا من الرعية، ويكون من المجاهدين لأنه ~~من أكبر العون لهم. # ومنها أن الماء الذي بآبار ثمود لا يجوز شربه، ولا الطهارة به، ولا الطبخ ~~به ولا العجين به، ms178 ويجوز أن يسقى البهائم إلا ما كان من بئر الناقة، وكانت ~~معلومة باقية إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استمر علم الناس ~~بها قرنا بعد قرن إلى وقتنا هذا، فلا ترد الركبان بئرا غيرها. # ومنها أن من مر بديار المغضوب عليهم والمعذبين لا ينبغي له أن يدخلها، ~~ولا يقيم بها بل يسرع السير، ويتقنع بثوبه حتى يجاوزها، ولا يدخل عليهم إلا ~~أن يكون باكيا معتبرا. # ومنها أنه صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الصلاتين في السفر، وقد جاء ~~جمع التقديم في هذه القصة في حديث معاذ، وذكرنا علته، ولم يجئ عنه جمع ~~التقديم في سفر إلا هذا، وصح عنه جمع التقديم بعرفة قبل دخوله عرفة. # ومنها جواز التيمم بالرمل، فإنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه قطعوا تلك ~~الرمال، ولم يحملوا معهم ترابا، وتلك مفاوز معطشة، وشكوا فيها العطش إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ومنها أنه أقام بتبوك بضعة عشر يوما يقصر الصلاة، ولم يقل للأمة: لا يقصر ~~رجل إذا أقام أكثر من ذلك، ولكن انقضت إقامته هذه المدة، وهذه الإقامة في ~~حال السفر لا تخرج عن حكم السفر سواء طالت أو قصرت إذا كان غير مستوطن ولا ~~عازم على الإقامة بذلك الموضع، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن للمسافر ~~أن يقصر ما لم يجمع إقامة، وإن أتى عليه سنون. # ومنها جواز بل استحباب حنث الحالف في يمينه إذا رأى غيرها خيرا منها، وإن ~~شاء قدم الكفارة، وإن شاء أخرها. # ومنها انعقاد اليمين في حال الغضب إذا لم يخرج بصاحبه إلى حد لا يعلم معه ~~ما يقول، وكذلك ينفذ حكمه، وتصح عقوده، فلو بلغ # PageV01P178 # به الغضب إلى حد الإغلاق لم تنعقد يمينه، ولا طلاقه. # ومنها قوله: «ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم» قد يتعلق به الجبري، ولا ~~متعلق له به، وإنما هو مثل قوله: «والله لا أعطي أحدا شيئا، ولا أمنع، ~~وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت» ، فإنه عبد الله ورسوله إنما يتصرف بالأمر، ms179 ~~فإذا أمره ربه بشيء نفذه، فالله هو المعطي والمانع والحامل، والرسول منفذ ~~لما أمر به. # ومنها أن أهل العهد إذا أحدث أحدهم حدثا فيه ضرر على الإسلام وأهله، ~~انتقض عهده في ماله ونفسه، وإذا لم يقدر عليه الإمام فدمه وماله هدر، وهو ~~لمن أخذه كما في صلح أهل أيلة. # ومنها جواز الدفن بالليل كما دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا ~~البجادين إذا كان لضرورة أو مصلحة راجحة. # ومنها أن الإمام إذا بعث سرية فغنمت غنيمة أو أسرت أسيرا أو فتحت حصنا، ~~كان ما حصل من ذلك لها بعد الخمس، فإنه صلى الله عليه وسلم قسم غنيمة دومة ~~الجندل بين السرية بخلاف ما إذا خرجت السرية من الجيش في حال الغزو، وأصابت ~~ذلك بقوة الجيش، فإن ما أصابوه يكون غنيمة للجميع بعد الخمس والنفل، وهذا ~~كان هديه صلى الله عليه وسلم. # ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا، ولا ~~قطعتم واديا إلا كانوا معكم» فهذه المعية هي بقلوبهم وهممهم، وهذا من ~~الجهاد بالقلب، وهو أحد مراتبه الأربع، وهي القلب والسان والمال والبدن. # ومنها تحريق أمكنة المعصية كما حرق مسجد الضرار، وكل مكان مثله فواجب على ~~الإمام تعطيله إما بهدم أو تحريق، وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وضع له، ~~وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار، فمشاهد الشرك أحق وأوجب، وكذا بيوت ~~الخمارين، وأرباب المنكرات، وقد حرق عمر قرية بكمالها يباع فيها الخمر، ~~وحرق حانوت رويشد الثقفي وسماه فويسقا، وحرق قصر سعد لما احتجب فيه عن ~~الرعية، وهم صلى الله عليه وسلم بتحريق بيوت تاركي الجمعة والجماعة، وإنما ~~منعه من فيها ممن لا تجب عليهم. # ومنها أن الوقوف لا يصح على غير قربة، وعلى هذا فيهدم المسجد الذي بني ~~على قبر كما ينبش الميت إذا دفن في المسجد، فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد ~~وقبر، بل أيهما طرأ على الآخر منع منه، وكان الحكم للسابق، فلو وضعا معا لم ~~يجز، ولا يصح هذا الوقف ولا يجوز، ms180 ولا تصح الصلاة # PageV01P179 # في هذا المسجد لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولعنه من اتخذ ~~القبر مسجدا، فهذا دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله، وغربته بين الناس ~~كما ترى. ### | [فصل في حديث الثلاثة الذين خلفوا] # فصل # في حديث الثلاثة الذين خلفوا (1) قال بعض الشارحين: أول أسمائهم مكة، ~~وآخر أسمائهم عكة. # روينا في " الصحيحين " واللفظ للبخاري رحمه الله تعالى عن كعب بن مالك ~~رضي الله عنه قال: «لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ~~غزاها إلا في غزوة تبوك غير أني تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلف ~~عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش، حتى جمع الله ~~تعالى بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد ~~بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت ~~عنه في تلك الغزوة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في ~~تلك الغزوة. # ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى ~~كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل ~~سفرا بعيدا ومفازا، وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، ~~فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، ~~ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد بذلك الديوان -. قال كعب رضي الله عنه: فما ~~رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أنه سيخفى ما لم ينزل فيه وحي الله تعالى، وغزا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فأنا ~~إليها أصعر، وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسلمون معه، فطفقت ~~أعدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض ms181 شيئا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه ~~إذا أردت، فلم يزل يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد. # فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا، والمسلمون معه، ولم أقض من ~~جهازي شيئا، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين، ثم ألحقهم. فغدوت بعد أن ~~فصلوا لأتجهز، ولم أقض شيئا، فلم يزل يتمادى بي حتى أسرعوا، وتفارط الغزو، ~~فهممت أن أرتحل PageV01P180 # فأدركهم، فليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا ~~عليه في النفاق، أو رجلا ممن عذر الله تعالى من الضعفاء، ولم يذكرني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: " ~~ما فعل كعب بن مالك "؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برده ~~والنظر في عطفيه، فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: بئس ما قلت، والله يا ~~رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر ~~الكذب، فأقول: بم أخرج من سخطه غدا، وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، ~~فلما قيل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما راح عني الباطل ~~حتى عرفت أني لم أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه. # وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ ~~بالمسجد، فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك، جاءه المخلفون، ~~فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى ~~الله تعالى، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال: " تعال " فجئت ~~أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: " ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك " ~~فقلت: بلى إني والله يا رسول الله لو جلست ms182 عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت ~~أني أخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله إني لقد علمت لئن ~~حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك ~~حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله تعالى، لا والله ما كان لي من ~~عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " أما هذا، فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك "، فقمت، وثار ~~رجال من بني سلمة، فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل ~~هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ~~اعتذر إليه المتخلفون، فقد # PageV01P181 # كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك. فوالله ما ~~زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع، فأكذب نفسي، ثم قلت: هل لقي هذا معي من ~~أحد؟ قالوا: رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت: من ~~هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي. فذكروا لي ~~رجلين صالحين قد شهدا بدرا رضي الله عنهما ففيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما ~~لي، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من ~~تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي ~~التي أعرف. # فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما ~~يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم، وأجلدهم، وكنت أخرج فأشهد الصلاة مع ~~المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، وأقول في نفسي: هل حرك شفتيه ~~برد السلام علي أم لا، ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت إلى ~~صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة ~~المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة ms183 رضي الله عنه، وهو ابن عمي، ~~وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا ~~قتادة: أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ فسكت، ~~فعدت فناشدته، فقال رضي الله عنه: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتوليت ~~حتى تسورت الجدار، فبينما أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من نبط أهل الشام ~~ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس ~~يشيرون له إلي حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان فإذا فيه: # أما بعد: فإنه قد بلغني أن صاحبك جفاك، ولم يجعلك الله تعالى بدار هوان ~~ولا مضيعة، فالحق بنا نواسيك. فقلت لما قرأته: وهذا أيضا من البلايا فتيممت ~~بها التنور، فسجرته بها حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي، إذا ~~رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فيقول: أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ فقال: لا بل ~~اعتزلها، ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك، # PageV01P182 # فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. # قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ~~يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه؟ ~~قال: " لا ولكن لا يقربنك "، قالت: والله ما به حركة إلى شيء، ووالله ما ~~زال يبكي مذ كان إلى يومه هذا، فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: ~~والله لا استأذنت فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يدريني ما يقول ~~رسول الله إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب. فلبثت بذلك عشر ليال حتى كملت ~~لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا، فلما ~~صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر ms184 بيت من بيوتنا ; فبينما أنا ~~جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض ~~بما رحبت، سمعت صارخا أوفى على جبل سلع بأعلى صوته يقول: يا كعب بن مالك ~~أبشر. قال: فخررت ساجدا، وعلمت أن قد جاء فرج، وأذن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بتوبة الله تعالى علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس ~~يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرسا، وسعى ساع من أسلم ~~فأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس. # فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت له ثوبي، فكسوتهما إياه ببشارته ~~والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة، ~~يقولون: لتهنك توبة الله تعالى عليك يا كعب. حتى دخلت المسجد فإذا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام إلي طلحة بن عبيد الله رضي ~~الله عنه يهرول، حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين ~~غيره - وكان كعب لا ينساها لطلحة - فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور: " أبشر بخير يوم مر عليك مذ ولدتك أمك " ~~قال: قلت: أمنك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: " لا بل من عند الله ". # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه، حتى كأنه قطعة ~~قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه، قلت: يا رسول الله إن من ~~توبتي # PageV01P183 # أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك " ~~قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقلت: يا رسول الله إن الله إنما أنجاني ~~بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، فوالله ما أعلم أحدا من ~~المسلمين أبلاه الله تعالى في صدق الحديث أحسن مما أبلاني، وما تعمدت مذ ~~ذكرت ذلك لرسول ms185 الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذبا وإني لأرجو أن ~~يحفظني الله تعالى فيما بقيت، وأنزل الله تعالى على رسوله: {لقد تاب الله ~~على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد ~~يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم - وعلى الثلاثة الذين ~~خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ~~ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم - يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 117 - 119] (1) ~~. # فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي ~~من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك ~~الذين كذبوا، فإن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال ~~لأحد فقال الله عز وجل: {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم ~~فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون - يحلفون لكم ~~لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} [التوبة: ~~95 - 96] (2) » . # اعلم وفقنا الله وإياك لما يرضيه من العمل أن في حديث كعب هذا فوائد: # منها: استحباب رد غيبة المسلم كما فعل معاذ رضي الله عنه. # ومنها: ملازمة الصدق، وإن شق فعاقبته إلى خير. # ومنها: استحباب ركعتين في المسجد عند القدوم من السفر قبل كل شيء. # ومنها: أنه يستحب للقادم من سفر إذا كان مقصودا أن يجلس لمن يقصده في ~~موضع بارز كالمسجد ونحوه. # ومنها: جريان أحكام الناس على الظاهر، والله يتولى السرائر. # ومنها: هجران أهل البدع والمعاصي الظاهرة، وترك السلام عليهم تحقيرا لهم ~~وزجرا. # ومنها: استحباب بكائه على نفسه إذا PageV01P184 # بدرت منه معصية، وحق له أن يبكي. # ومنها: جواز إحراق ورقة فيها ذكر الله تعالى لمصلحة، كما فعل كعب رضي ~~الله عنه. # ومنها: أن كنايات الطلاق كقوله: الحقي بأهلك. لا يقع إلا بالنية. # ومنها: جواز خدمة ms186 المرأة زوجها من غير إلزام ووجوب. # ومنها: استحباب سجود الشكر عند حصول نعمة، أو اندفاع نقمة ظاهرة، والتصدق ~~عند ذلك. # ومنها: استحباب التبشير والتهنئة، وإكرام المبشر بكسوة ونحوها. # ومنها: استحباب القيام للوارد إكراما له إذا كان من أهل الفضل بأي نوع ~~كان، وجواز سرور القوم بذلك كما سر كعب بقيام طلحة رضي الله عنهما، وليس ~~بمعارض بحديث: «من سره أن يتمثل له الرجال قياما، فليتبوأ مقعده من النار» ~~؛ لأن هذا الوعيد للمتكبرين ومن يغضب إذا لم يقم له، وقد كان صلى الله عليه ~~وسلم يقوم لفاطمة رضي الله عنها سرورا بها، وتقوم له كرامة، وكذلك كل قيام ~~أثمر الحب في الله تعالى، والسرور لأخيك بنعمة الله، والبر لمن يتوجه بره، ~~والأعمال بالنيات، والله أعلم. # ومنها: مدح الإنسان نفسه بما هو فيه إذا لم يكن فخرا. # ومنها: أن العقبة كانت من أفضل المشاهد. # ومنها: أن ديوان الجيش لم يكن في حياته صلى الله عليه وسلم، وأول من دون ~~الدواوين عمر. # ومنها: أن الرجل إذا أتيحت له فرصة القربة فالحزم كل الحزم في انتهازها، ~~فإن العزائم سريعة الانتقاض قلما تثبت، والله سبحانه يعاقب من فتح له بابا ~~إلى الخير فلم ينتهزه بأن يحول بينه وبين قلبه وإرادته. قال تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن ~~الله يحول بين المرء وقلبه} [الأنفال: 24] (1) وصرح سبحانه بهذا في قوله: ~~{ونقلب أفئدتهم} [الأنعام: 110] (2) وقال: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} ~~[الصف: 5] (3) وقال: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما ~~يتقون} [التوبة: 115] (4) وهو كثير في القرآن. # ومنها أنه لم يتخلف عنه صلى الله عليه وسلم إلا من هو مغموص عليه في ~~النفاق أو رجل من أهل الأعذار أو من خلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ومنها: PageV01P185 # أن الإمام لا ينبغي له أن يهمل من تخلف عنه في بعض الأمور بل يذكره ~~ليراجع الطاعة، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: ما فعل كعب "؟ ولم يذكر سواه ms187 ~~استصلاحا له وإهمالا للمنافقين. # ومنها: جواز الطعن في رجل بما يغلب على اجتهاد الطاعن ذبا عن الله ~~ورسوله. ومن هذا طعن أهل الحديث فيمن طعنوا فيه من الرواة، وطعن أهل السنة ~~في أهل البدع. # ومنها: جواز الرد على هذا الطاعن إذا غلب على ظن الراد أنه وهم وغلط كما ~~رد معاذ ولم ينكر صلى الله عليه وسلم على واحد منهما. # ومنها: أن السنة للقادم من سفر أن يدخل البلد على وضوء، وأن يبدأ ببيت ~~الله قبل بيته فيصلي ركعتين. # ومنها: ترك الإمام رد السلام على من أحدث حدثا تأديبا له وزجرا لغيره. # ومنها: معاتبة الإمام والمطاع أصحابه ومن يعز عليه، فإنه عاتب الثلاثة ~~دون غيرهم. وقد أكثر الناس من مدح عتاب الأحبة واستلذاذه والسرور به، فكيف ~~بعتاب أحب الخلق على الإطلاق إلى المعتوب عليه، فلله ما كان أحلى ذلك ~~العتاب وما أعظم ثمرته وأجل فائدته ولله ما نال به الثلاثة من أنواع ~~المسرات، وحلاوة الرضى وخلع القبول. # ومنها توفيق الله لكعب وصاحبيه فيما جاءوا به من الصدق، ولم يخذلهم حتى ~~كذبوا واعتذروا بغير الحق، فصلحت عاجلتهم، وفسدت عاقبتهم والصادقون تعبوا ~~في العاجلة بعض التعب، فأعقبهم صلاح العاقبة، وعلى هذا قامت الدنيا ~~والآخرة، فمرارات المبادئ حلاوات في العواقب، وحلاوات المبادئ مرارات في ~~العواقب. # وفي نهيه صلى الله عليه وسلم عن كلامهم بين سائر من تخلف عنه دليل على ~~صدقهم وكذب الباقين، فأراد هجر الصادقين وتأديبهم على هذا الذنب. وأما ~~المنافقون فهذا الدواء لا يعمل في مرضهم، وهكذا يفعل الرب سبحانه بعباده في ~~عقوبات جرائمهم، فيؤدب عبده المؤمن الذي يحبه وهو كريم عنده بأدنى زلة ~~وهفوة، فلا يزال مستيقظا حذرا، وأما من سقط من عينه وهان عليه، فإنه يخلي ~~بينه وبين معاصيه، فكلما أحدث ذنبا أحدث له نعمة. # وقوله: " حتى تسورت حائط أبي قتادة " فيه دليل على دخول الرجل دار صاحبه ~~وجاره، إذا علم رضاه بلا إذن، وفي أمره لهم باعتزال النساء كالبشارة بالفرج ~~من جهة كلامه لهم، ومن أمره لهم بالاعتزال. ms188 # وفي قوله: " الحقي بأهلك " دليل على # PageV01P186 # أنه لا يقع بهذه اللفظة وأمثالها طلاق ما لم ينوه، وفي سجوده لما سمع صوت ~~البشير دليل أن تلك عادة الصحابة، وهو استحباب سجود الشكر عند النعم ~~المتجددة والنقم المندفعة، وقد سجد صلى الله عليه وسلم حين بشره جبريل أن ~~من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا، وسجد حين شفع لأمته، فشفعه الله ~~فيهم ثلاث مرات، وسجد أبو بكر لما جاءه قتل مسيلمة، وسجد علي حين وجد ذا ~~الثدية مقتولا في الخوارج، وفي استباق صاحب الفرس والراقي على سلع دليل على ~~حرص القوم على الخير، واستباقهم إليه، وتنافسهم في مسرة بعضهم بعضا. وفي ~~نزع كعب ثوبيه وإعطائهما دليل على أن إعطاء المبشر من مكارم الأخلاق، وجواز ~~إعطاء البشير جميع ثيابه، واستحباب تهنئة من تجددت له نعمة دينية، والقيام ~~إليه، ومصافحته فهذه سنة مستحبة، وهو جائز لمن تجددت له نعمة دنيوية. وأن ~~الأولى أن يقال: ليهنك ما أعطاك الله، وما من الله عليك ونحو هذا الكلام، ~~فإن فيه تولية النعمة ربها، والدعاء لمن نالها بالتهني بها. # وفيه أن خير أيام العبد على الإطلاق يوم توبته، وقبول الله لها، وفي ~~سروره صلى الله عليه وسلم بذلك وفرحه به واستنارة وجهه دليل على ما جعل ~~الله في قلبه من كمال شفقته على الأمة. # وفيه استحباب الصدقة عند التوبة بما قدر عليه من المال، وفي قول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» دليل على أن من ~~نذر ماله كله يلزمه إخراج جميعه، وفيه عظم مقدار الصدق، وتعليق سعادة ~~الدارين به، وقد قسم سبحانه الخلق قسمين سعداء، وهم أهل الصدق والتصديق، ~~وأشقياء وهم أهل الكذب والتكذيب، وهو تقسيم حاصر مطرد منعكس. # وقوله: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ~~ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف ~~رحيم} [التوبة: 117] (1) هذا من أعظم ما يعرف العبد قدر التوبة، وأنها غاية ms189 ~~كمال المؤمن، فإن الله سبحانه وتعالى أعطاهم هذا الكمال بعد آخر الغزوات ~~بعد أن قضوا نحبهم، وبذلوا أنفسهم وأموالهم وديارهم لله، وكان غاية أمرهم ~~أن تاب عليهم، ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم توبة كعب خير يوم مر ~~PageV01P187 # عليه منذ ولدته أمه إلى ذلك اليوم، ولا يعرف هذا حق معرفته إلا من عرف ~~الله وحقوقه عليه وعرف ما ينبغي له من عبوديته، وعرف نفسه وصفاتها ~~وأفعالها، وأن الذي قام به من العبودية بالنسبة إلى حق ربه عليه كقطرة في ~~بحر هذا إذا سلم من الآفات الظاهرة والباطنة، فسبحان من لا يسع عباده غير ~~عفوه ومغفرته، وقرر توبته عليهم مرتين فتاب عليهم أولا بالتوفيق لها، ~~وثانيا بقبولها، فالخيرات كلها منه وبه وله. ### | فصل في حجة أبي بكر رضي الله عنه # فصل # في حجة أبي بكر رضي الله عنه سنة تسع بعد مقدمه من تبوك، خرج بثلاثمائة ~~رجل من المسلمين، وبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرين بدنة قلدها ~~وأشعرها بيده عليها ناحية ابن جندب الأسلمي، وساق أبو بكر خمس بدنات، قال ~~ابن إسحاق: فنزلت (براءة) في نقض ما كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبين المشركين من العهد الذي كانوا عليه، فخرج علي على ناقة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فلحق أبا بكر، فلما رآه قال: أمير أو مأمور؟ قال: بل مأمور ~~بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأ براءة على الناس، وأنبذ إلى كل ذي ~~عهد عهده، فأقام أبو بكر للناس حجتهم حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي ~~طالب، فأذن في الناس عند الجمرة بالذي أمره رسول الله. # أخرج الحميدي في " مسنده " من طريق زيد بن نقيع قال: سألنا عليا: بأي شيء ~~بعثت في الحجة؟ قال: بعثت بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف ~~بالبيت عريان، ولا يجتمع مسلم وكافر في البيت الحرام بعد عامه هذا، ومن كان ~~بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد، فعهده ms190 إلى مدته. # قال ابن إسحاق: ولما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وفرغ من ~~تبوك، وأسلمت ثقيف فبايعته، ضربت إليه وفود العرب آباط الإبل من كل وجه، ~~فذكر وفد بني تميم، ووفد طيء، ووفد بني عامر، ووفد عبد القيس، ووفد بني ~~حنيفة، ووفد كندة، ووفد الأشعريين، ووفد الأزد، ووفد أهل نجران، ووفد ~~همدان، ووفد نصارى نجران وغيرهم، ثم ذكر هديه في العلاج بالأدوية الروحانية ~~المفردة والمركب منها، ومن الأدوية الطبيعية، فقال: روى مسلم عن ابن عباس # PageV01P188 # مرفوعا: «العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين» وفي " صحيحه " ~~أيضا عن أنس أن «رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في الرقية من العين ~~والحمة والنملة» . # وروى مالك عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: «رأى عامر بن ~~ربيعة سهلا يغتسل، فقال: والله ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة، فلبط سهل، ~~فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عامرا، فتغيظ عليه، وقال: علام يقتل ~~أحدكم أخاه ألا بركت؟ اغتسل له فغسل عامر وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه ~~وأطراف رجليه، وداخلة إزاره في قدح، ثم صب عليه فراح سهل مع الناس» . # وذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه مرفوعا. «العين حق، وإذا ~~استغسل أحدكم، فليغتسل» ووصله صحيح. # قال الترمذي: يؤمر الرجل العائن بقدح، فيدخل كفه فيه، فيتمضمض، ثم يمجه ~~في القدح، ويغسل وجهه في القدح، ثم يغسل يده اليسرى، فيصب على ركبته اليمنى ~~في القدح، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على ركبته اليسرى، ثم يغسل داخلة ~~إزاره، ولا يوضع القدح في الأرض، ثم يصب على رأس المصاب من خلفه صبة واحدة. # والعين عينان: عين إنسية، وعين جنية، فقد صح عن أم سلمة «أنه صلى الله ~~عليه وسلم رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة، فقال: استرقوا لها، فإن بها ~~النظرة» قال البغوي: سفعة، أي: نظرة من الجن يقول: بها عين أصابتها من نظر ~~الجن، أنفذ من أسنة الرماح. # وكان صلى الله عليه وسلم يتعوذ ms191 من الجان، ومن عين الإنسان، فأبطلت طائفة ~~ممن قل نصيبهم من السمع والعقل أمر العين، وعقلاء الأمم على اختلاف مللهم، ~~لا تدفع أمر العين ولا تنكره، وإن اختلفوا في سببه وجهة تأثير العين. # ولا ريب أن الله سبحانه خلق في الأجسام والأرواح قوى وطبائع مختلفة، وجعل ~~في كثير منها خواص وكيفيات مؤثرة، ولا يمكن لعاقل إنكار تأثير الأرواح في ~~الأجسام، فإنه أمر مشاهد محسوس. # وليست العين هي الفاعلة، وإنما التأثير للروح، والأرواح مختلفة في ~~طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها ولشدة ارتباطها بالعين نسب الفعل إليها، ~~وروح الحاسد مؤذية للمحسود أذى بينا، ولهذا أمر الله رسوله أن يستعيذ به من ~~شره، وتأثير الحاسد في أذى المحسود أمر # PageV01P189 # لا ينكره إلا من هو خارج عن حقيقة الإنسانية، وأشبه الأشياء بهذا الأفعى، ~~فإن السم كامن بالقوة فيها، فإذا قابلت عدوها، انبعث منها قوة غضبية، ~~وتكيفت نفسها بكيفية خبيثة مؤذية، فمنها ما تشتد كيفيتها وتقوى حتى تؤثر في ~~إسقاط الجنين، ومنها ما يؤثر في طمس البصر، كما قال صلى الله عليه وسلم في ~~الأبتر وذي الطفيتين من الحيات: «إنهما يلتمسان البصر، ويسقطان الحبل» ~~والتأثير غير موقوف على الاتصالات الجسمية، كما يظنه من قل علمه ومعرفته ~~بالطبيعة والشريعة، بل التأثير يكون تارة بالاتصال، وتارة بالمقابلة، وتارة ~~بالرؤية، وتارة بتوجه الروح نحو من يؤثر فيها، وتارة بالأدعية والرقى ~~والتعويذات، وتارة بالوهم والتخيل، ونفس العائن لا يتوقف تأثيرها على ~~الرؤية، بل قد يكون أعمى، فيوصف له الشيء فيؤثر فيه وإن لم يره، وكثير منهم ~~يؤثر في المعين بالوصف من غير رؤية، فكل عائن حاسد، وليس كل حاسد عائنا، ~~فلما كان الحاسد أعم كانت الاستعاذة منه استعاذة من العائن، وهي سهام تخرج ~~من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمعين تصيبه تارة وتخطئه تارة، فإن ~~صادفته مكشوفا لا وقاية عليه، أثرت فيه، وإن صادفته حذرا شاكي السلاح، لم ~~تؤثر فيه، وربما ردت السهام على صاحبها، وهذا بمثابة الرمي الحسي سواء. وقد ~~يعين الرجل نفسه، وقد يعين بغير إرادته، بل بطبعه ms192 وهذا أردأ ما يكون. # ولأبي داود في " سننه «عن سهل بن حنيف قال: مررنا بسيل فدخلت فاغتسلت ~~فيه، فخرجت محموما، فنمي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مروا ~~أبا ثابت يتعوذ " فقلت: يا سيدي والرقى صالحة؟ فقال: " لا رقية إلا في نفس، ~~أو حمة، أو لدغة» والنفس: العين، واللدغة: ضربة العقرب ونحوها. فمن ~~التعوذات والرقى: الإكثار من قراءة المعوذتين والفاتحة وآية الكرسي، ~~والتعوذات النبوية نحو: «أعوذ بكلمات الله التامات من كل شيطان وهامة، ومن ~~كل عين لامة» ونحو: «أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر ~~من شر ما خلق» ، ونحو «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ~~ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض ~~ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل # PageV01P190 # والنهار، ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن» . # ومنها: «أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات ~~الشياطين وأن يحضرون» . # ومنها: «اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم، وكلماتك التامة من شر ما أنت آخذ ~~بناصيته، اللهم أنت تكشف المأثم والمغرم، اللهم لا يهزم جندك، ولا يخلف ~~وعدك سبحانك وبحمدك» . # ومنها: «أعوذ بوجه الله العظيم الذي لا شيء أعظم منه، وبكلماته التامات ~~التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر وأسماء الله الحسنى، وبأسمائه ما علمت منها ~~وما لم أعلم من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر كل ذي شر لا أطيق شره، ومن شر ~~كل ذي شر أنت آخذ بناصيته إن ربي على صراط مستقيم» ، وإن شاء قال: تحصنت ~~بالله الذي لا إله إلا هو إلهي وإله كل شيء، واعتصمت بربي ورب كل شيء، ~~وتوكلت على الحي الذي لا يموت، واستدفعت الشر بلا حول ولا قوة إلا بالله، ~~حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الرب من العباد، حسبي الخالق من المخلوق، حسبي ~~الرازق من المرزوق، حسبي الذي هو حسبي، حسبي الذي بيده ملكوت كل ms193 شيء وهو ~~يجير ولا يجار عليه، حسبي الله وكفى، وسمع الله لمن دعا، ليس وراء الله ~~مرمى، حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم. # ومن جرب هذه الدعوات والتعوذات، عرف منفعتها، وشدة الحاجة إليها، وهي ~~تمنع وصول أثر العائن، وترفعه بعد وصوله بحسب قوة إيمان قائلها وقوة نفسه ~~واستعداده وقوة توكله، فإنها سلاح، والسلاح بضاربه. # وإذا خشي العائن ضرر عينه وإصابتها للمعين فليقل: اللهم بارك عليه كما ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عامرا لما عان سهل بن حنيف أن يقول: «ألا ~~بركت» أي: قلت: اللهم بارك عليه، ومما يدفعها قول: ما شاء الله لا قوة إلا ~~بالله كان عروة إذا رأى شيئا يعجبه أو دخل حائطا من حيطانه قالها. # ومنها رقية جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم التي في " صحيح مسلم ": «بسم ~~الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك بسم الله ~~أرقيك» . # ثم ذكر هديه في العلاج لكل شكوى بالرقية الإلهية، فذكر فيه حديث أبي داود ~~عن أبي الدرداء رفعه: «من اشتكى منكم شيئا فليقل: # PageV01P191 # ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في ~~السماء، فاجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، ~~أنزل رحمة من رحمتك، وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ» ، ثم ذكر رقية ~~جبريل المتقدمة، ثم ذكر هديه في رقية القرحة والجراح، وذكر ما في الصحيحين، ~~أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اشتكى الإنسان، أو كانت به قرحة، أو جرح ~~قال بأصبعه هكذا ووضع سفيان سبابته بالأرض، ثم رفعها، وقال: بسم الله تربة ~~أرضنا بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا بإذن ربنا» وهل المراد تربة الأرض كلها أو ~~أرض المدينة؟ فيه قولان. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج حر المصيبة] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج حر المصيبة قال الله تعالى: {وبشر ~~الصابرين - الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا ms194 إنا لله وإنا إليه راجعون - ~~أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} [البقرة: 155 - 157] ~~(1) . # وفي " الصحيح " عن أم سلمة مرفوعا: «ما من أحد تصيبه مصيبة فيقول: إنا ~~لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا آجره ~~الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها» ، وهذه الكلمة من أبلغ علاج المصاب ~~وأنفعها له في عاجلته وآجلته، فإنها تضمنت أصلين إذا تحقق بهما تسلى عن ~~مصيبته. # أحدهما: أن العبد وماله ملك لله جعله عنده عارية. # والثاني: أن المرجع إلى الله ولا بد أن يخلف الدنيا، فإذا كانت هذه ~~البداية والنهاية، ففكره فيهما من أعظم علاج هذا الداء. ومن علاجه أن يعلم ~~علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. ومنه أن ~~ينظر إلى ما أصيب به، فيجد ربه أبقى له مثله أو أفضل، وادخر له إن صبر ما ~~هو أعظم من فوات تلك المصيبة بأضعاف مضاعفة، وأنه لو شاء لجعلها أعظم مما ~~هي. # ومنه إطفاؤها ببرد التأسي بأهل المصائب، فلينظر عن يمينه وعن يساره، فهل ~~يرى إلا محنة أو حسرة، وإن سرور PageV01P192 # الدنيا أحلام نوم، وإن أضحكت قليلا، أبكت كثيرا. # ومنه العلم أن الجزع لا يرد بل يضاعف. # ومنه أن يعلم أن فوات ما ضمن الله على الصبر والاسترجاع أعظم منها. # ومنه أن يعلم أن الجزع يشمت عدوه، ويسوء صديقه، ويغضب ربه. ومنه أن يعلم ~~أن ما يعاقب الصبر والاحتساب من اللذة أضعاف ما يحصل له من نفع الفائت لو ~~بقي له. # ومنه أن يروح قلبه بروح رجاء الخلف من الله، فإنه من كل شيء عوض إلا ~~الله. # ومنه أن يعلم أن حظه منها ما تحدثه له، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله ~~السخط. # ومنه أن يعلم أن آخر الجزع إلى الصبر الاضطراري، وهو غير محمود، ولا مثاب ~~عليه. # ومنه أن يعلم أن من أنفع الأدوية موافقة ربه فيما أحبه ورضيه له وأن ~~خاصية المحبة وسرها موافقة المحبوب. # ومنه أن ms195 يوازن بين أعظم اللذتين والتمتعين وأدومهما لذة تمتعه بما أصيب ~~به، ولذة تمتعه بثواب الله. # ومنه العلم بأن المبتلي أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، وأنه لم يبتله ~~ليهلكه، بل ليمتحن إيمانه، وليستمع تضرعه، وليراه طريحا ببابه. # ومنه أن يعلم أن المصائب سبب لمنع أدواء المهلكة، كالكبر والعجب والقسوة. # ومنه أن يعلم أن مرارة الدنيا هي بعينها حلاوة الآخرة، وبالعكس، فإن خفي ~~عليك هذا، فانظر قول الصادق المصدوق: «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار ~~بالشهوات» وفي هذا المقام تفاوتت عقول الخلائق، وظهرت حقائق الرجال. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الكرب والهم والحزن] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الكرب والهم والحزن في " الصحيحين " ~~عن ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند الكرب: «لا إله ~~إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله ~~رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم» . # وللترمذي عن أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يا حي يا قيوم ~~برحمتك أستغيث» . # وله عن أبي هريرة «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أهمه أمر رفع ~~طرفه إلى السماء # PageV01P193 # وقال: سبحان الله العظيم وإذا اجتهد في الدعاء قال: يا حي يا قيوم» . # ولأبي داود عن أبي بكر الصديق مرفوعا: «دعوات المكروب اللهم رحمتك أرجو، ~~فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت» ، وله عن ~~أسماء بنت عميس قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إلا أعلمك ~~كلمات تقولينهن عند الكرب: الله الله ربي لا أشرك به شيئا» وفي رواية «سبع ~~مرات» . # ولأحمد عن ابن مسعود مرفوعا قال: «ما أصاب عبدا هم ولا حزن فقال: اللهم ~~إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، ~~أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من ~~خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب ms196 عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ~~ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب همي. إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه ~~فرحا» . # وللترمذي عن سعد مرفوعا: «دعوة ذي النون إذ دعا ربه وهو في بطن الحوت: لا ~~إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا ~~استجيب له» . # وفي رواية: «إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه كلمة أخي ~~يونس» . # ولأبي داود أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي أمامة: «ألا أعلمك كلاما إذا ~~أنت قلته أذهب الله عز وجل همك، وقضى دينك؟ قال: قلت: بلى، قال: قل إذا ~~أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز ~~والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال "، ~~ففعلت، فأذهب الله عز وجل همي، وقضى عني ديني» . # ولأبي داود عن ابن عباس مرفوعا: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم ~~فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب» . # وفي " السنن ": «عليكم بالجهاد، فإنه باب من أبواب الجنة يدفع الله به عن ~~النفوس الهم والغم» . # وفي " المسند «أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» ~~، ويذكر عن ابن عباس مرفوعا: «من كثرت همومه وغمومه، فليكثر من قول: لا حول ~~ولا قوة إلا بالله» . # وفي " الصحيحين «إنها كنز من كنوز الجنة» . # وهذه الأدوية تتضمن خمسة عشر نوعا من الدواء، فإن لم تقو على إذهاب الهم ~~والغم والحزن، فهو داء قد استحكم، وتمكنت # PageV01P194 # أسبابه، ويحتاج إلى استفراغ كلي. # الأول: توحيد الربوبية. # الثاني: توحيد الألوهية. # الثالث: التوحيد العلمي. # الرابع: تنزيه الرب تعالى عن أن يظلم عبده، أو يأخذه بلا سبب من العبد ~~يوجب ذلك. # الخامس: اعتراف العبد أنه هو الظالم. # السادس: التوسل بأحب الأشياء إلى الله، وهو أسماؤه وصفاته، ومن أجمعها ~~لمعاني الأسماء والصفات " الحي القيوم ". # السابع: الاستعانة به وحده. # الثامن: إقرار العبد له بالرجاء. # التاسع: تحقيق التوكل ms197 عليه والتفويض إليه، والاعتراف له بأن ناصيته في ~~يده يصرفه كيف يشاء، وأنه ماض فيه حكمه، عدل فيه قضاؤه. # العاشر: أن يرتع قلبه في رياض القرآن، ويجعله لقلبه كالربيع للحيوان، وأن ~~يستضيء به في ظلمات الشبهات والشهوات، وأن يتسلى به عن كل فائت، ويتعزى به ~~عن كل مصيبة، ويستشفي به من أدواء صدره، فيكون جلاء حزنه، وشفاء همه وغمه. # الحادي عشر: الاستغفار. # الثاني عشر: التوبة. # الثالث عشر: الجهاد. # الرابع عشر: الصلاة. # الخامس عشر: البراءة من الحول والقوة وتفويضها إلى الله. ### | [في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الفزع والأرق] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الفزع والأرق روى الترمذي عن بريدة ~~قال: اشتكى خالد، فقال: يا رسول الله ما أنا أنام الليل من الأرق، قال: ~~«إذا أويت إلى فراشك، فقل: اللهم رب السماوات السبع، وما أظللن، ورب ~~الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، كن لي جارا من شر خلقك ~~كلهم جميعا أن يفرط علي أحد منهم، أو يبغي علي أحد، عز جارك، وجل ثناؤك، ~~ولا إله غيرك» . # وفيه من حديث عمرو بن شعيب: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم من ~~الفزع: «أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين، ~~وأعوذ بك رب أن يحضرون» وكان عبد الله بن عمرو يعلمهن من عقل من بنيه، ومن ~~لم يفعل كتبه، فعلقه عليه. # ويذكر من حديث عمرو بن شعيب مرفوعا: «إذا رأيتم الحريق فكبروا، فإن ~~التكبير يطفئه» لما كان الحريق سببه النار وهي مادة الشيطان التي خلق منها ~~وكان # PageV01P195 # فيه من الفساد العام ما يناسب الشيطان بمادته، وفعله كان للشيطان إعانة ~~عليه وتنفيذ له وكانت النار تطلب بطبعها العلو والفساد، وهذان الأمران - ~~وهما العلو في الأرض والفساد - هما هدي الشيطان، وإليهما يدعو وبهما يهلك ~~بني آدم، فالنار والشيطان كل منهما يريد العلو في الأرض والفساد، وكبرياء ~~الرب عز وجل تقمع الشيطان، فإذا كبر المسلم ربه، طفئ الحريق، وقد جربنا نحن ~~وغيرنا هذا ms198 فوجدناه كذلك. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ الصحة] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم في حفظ الصحة قال الله تعالى: {وكلوا واشربوا ~~ولا تسرفوا} [الأعراف: 31] (1) فأرشدهم إلى إدخال ما يقيم البدن من الطعام ~~والشراب عوض ما تحلل منه، وأن يكون بقدر ما ينتفع به البدن في الكمية ~~والكيفية، فمتى جاوز ذلك كان إسرافا، وكلاهما مانع من الصحة جالب للمرض ~~أعني عدم الأكل والشرب أو الإسراف فيهما، فحفظ الصحة في هاتين الكلمتين ~~الإلهيتين. # ولما كانت الصحة والعافية من أجل نعم الله على عبده وأجزل عطاياه وأوفر ~~منحه، بل العافية المطلقة من أجل النعم على الإطلاق، فحقيق بمن رزق حظا من ~~التوفيق مراعاتها وحفظها وحمايتها عما يضادها. # ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة ~~والفراغ» ، وفي الترمذي مرفوعا: «من أصبح معافى في جسده، آمنا في سربه، ~~عنده قوت يوم، فكأنما حيزت له الدنيا» وفيه أيضا مرفوعا: «أول ما يسأل عنه ~~العبد يوم القيامة من النعم أن يقال: ألم نصح لك جسمك؟ ونرويك من الماء ~~البارد» . # ومن هنا قال من قال من السلف في قوله: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} ~~[التكاثر: 8] (2) قال: عن الصحة. # ولأحمد مرفوعا: «سلوا الله اليقين والمعافاة، فما أوتي أحد بعد اليقين ~~خيرا من العافية» فجمع بين عافيتي الدنيا والدين، ولا يتم صلاح العبد في ~~الدارين إلا باليقين والعافية، فاليقين يدفع عنه عقاب الآخرة PageV01P196 # والعافية تدفع عنه أمراض الدنيا في قلبه وبدنه. # وفي " سنن النسائي " مرفوعا: «سلوا الله العفو والعافية والمعافاة، فما ~~أوتي أحد بعد اليقين خيرا من المعافاة» وهذه الثلاثة تتضمن إزالة الشرور ~~الماضية بالعفو، والحاضرة بالعافية، والمستقبلة بالمعافاة. # ولم يكن من عادته صلى الله عليه وسلم حبس النفس على نوع واحد من الأغذية، ~~فإنه مضر ولو أنه أفضل الأغذية، بل يأكل ما جرت عادة أهل بلده بأكله من ~~اللحم والفاكهة والخبز والتمر ونحو ذلك. # قال أنس: «ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما قط إن ms199 اشتهاه أكله، ~~وإلا تركه» (1) ومتى أكل الإنسان ما لا يشتهيه، كان تضرره به أكثر من نفعه، ~~وكان يحب اللحم، وأحبه إليه الذراع، ومقدم الشاة وهو أخف على المعدة وأسرع ~~انهضاما. # وكان يحب الحلواء والعسل، وهذه الثلاثة - أعني اللحم والحلوى والعسل - من ~~أنفع الأغذية للبدن والكبد والأعضاء. # وكان يأكل من فاكهة بلده عند مجيئها ولا يحتمي عنها، وهو من أسباب حفظ ~~الصحة، فإن الله سبحانه بحكمته جعل في كل بلد الفاكهة ما ينتفع به أهلها، ~~فيكون تناوله من أسباب صحة أهلها، وقل من احتمى عن فاكهة بلده خشية السقم ~~إلا وهو من أسقم الناس جسما. # وصح عنه أنه قال: «لا آكل متكئا» وقال: «إنما أجلس كما يجلس العبد، وآكل ~~كما يأكل العبد» وفسر بالتربع، وبالاتكاء على الشيء، وبالاتكاء على الجنب، ~~والأنواع الثلاثة من الاتكاء مضر. # وكان يأكل بأصابعه الثلاث، وهو أنفع ما يكون من الأكلات. # وكان يشرب العسل الممزوج بالماء البارد، وصح عنه أنه نهى عن الشرب قائما. # وصح عنه أنه أمر من فعله أن يتقيأه، وصح عنه أنه شرب قائما للحاجة. # وكان يتنفس في الشرب ثلاثا ويقول: إنه أروى وأمرأ، وأبرأ أي: أشد ريا. ~~وأبرأ: أفعل من البرء، وهو الشفاء، أي: يبرئ من العطش، وأمرأ: هو أفعل من ~~مرى الطعام والشراب في بدنه: إذا دخله وخالطه بسهولة ولذة ونفع، ومنه: ~~{فكلوه هنيئا مريئا} [النساء: 4] هنيئا في عاقبته، مريئا في مذاقته. # وللترمذي عنه صلى الله عليه وسلم: «لا تشربوا نفسا واحدا كشرب البعير، ~~ولكن اشربوا مثنى، وسموا الله إذا شربتم، واحمدوا الله إذا أنتم فرغتم» . # وفي PageV01P197 # " الصحيح " منه: «غطوا الإناء، وأوكوا السقاء، فإن في السنة ليلة ينزل ~~فيها وباء، لا يمر بإناء ليس عليه غطاء ولا سقاء، ليس عليه وكاء إلا وقع ~~فيه من ذلك الوباء» قال الليث بن سعد أحد رواة الحديث: الأعاجم عندنا يتقون ~~تلك الليلة في كانون الأول. # وصح عنه أنه أمر بتخمير الإناء ولو أن يعرض عليه عودا. # وصح عنه أنه أمر عند الإيكاء والتغطية بذكر اسم ms200 الله، ونهى عن الشرب من ~~فم السقاء، وعن النفس في الإناء والنفخ فيه، وعن الشرب من ثلمة القدح، وكان ~~يحب الطيب ولا يرده وقال: «من عرض عليه ريحان، فلا يرده، فإنه طيب الريح، ~~خفيف المحمل» ولفظ أبي داود والنسائي: «من عرض عليه طيب» وفي " مسند البزار ~~" عنه صلى الله عليه وسلم: «إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم ~~يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا أفناءكم وساحاتكم، ولا تشبهوا باليهود ~~يجمعون القمامة في دورهم» . # وفي الطيب من الخاصية أن الملائكة تحبه، والشياطين تنفر منه، فالأرواح ~~الطيبة تحب الرائحة الطيبة، والأرواح الخبيثة تحب الرائحة الخبيثة، وكل روح ~~تميل إلى ما يناسبها، ف {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات ~~للطيبين والطيبون للطيبات} [النور: 26] وهذا وإن كان في الرجال والنساء، ~~فإنه يتناول الأعمال والأقوال، والمطاعم والمشارب والملابس والروائح، إما ~~بعموم لفظه، وإما بعموم معناه. ### | [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم أقضيته وأحكامه] # فصل # في هديه صلى الله عليه وسلم أقضيته وأحكامه وليس الغرض من ذلك ذكر ~~التشريع العام وإن كانت أقضيته الخاصة عامة، وإنما الغرض ذكر هديه في ~~الأحكام الجزئية التي فصل بها بين الخصوم، ونذكر معها قضايا من أحكامه ~~الكلية، فثبت عنه أنه حبس في تهمة، ففي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~«أن رجلا قتل عبده متعمدا، فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة جلدة، ~~ونفاه سنة، وأمره أن يعتق رقبة، ولم يقده به» . # ولأحمد عن أنس عن سمرة مرفوعا: «من قتل عبده قتلناه» فإن كان محفوظا كان ~~قتله تعزيرا إلى الإمام بحسب ما يراه من المصلحة. # وأمر رجلا بملازمة غريمه، كما ذكره أبو داود. # وروي عن أبي عبيد «أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل القاتل، # PageV01P198 # وصبر الصابر» قال أبو عبيد: أي: يحبسه حتى يموت، وذكر عبد الرزاق في " ~~مصنفه " عن علي: يحبس الممسك في السجن حتى يموت. وحكم في العرنيين بقطع ~~أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، كما سملوا أعين الراعاة، وتركهم حتى ماتوا ~~جوعا وعطشا، كما فعلوا ms201 بالراعي. # وفي " صحيح مسلم «أن رجلا ادعى على آخر أنه قتل أخاه، فاعترف، فقال: دونك ~~صاحبك، فلما ولى قال: إن قتله فهو مثله، فرجع فقال: إنما أخذته بأمرك، فقال ~~صلى الله عليه وسلم: أما تريد أن تبوء بإثمك وإثم صاحبك؟ فقال: بلى. فخلى ~~سبيله» . # وفي قوله: " فهو مثله " قولان، أحدهما: أن القاتل إذا قيد منه، سقط ما ~~عليه، فصار هو والمستفيد بمنزلة واحدة، وهو لم يقل: إنه بمنزلته قبل القتل، ~~وإنما قال: " إن قتله فهو مثله " وهذا يقتضي المماثلة بعد قتله فلا إشكال ~~في الحديث، وإنما فيه التعريض لصاحب الحق بترك القود والعفو، وقيل: إن كان ~~لم يرد قتله فقتله به، فهو متعمد مثله إذ كان القاتل متعديا بالجناية، ~~والمقتص متعد بقتل من لم يتعمد القتل. # ويدل على هذا التأويل ما روى أحمد عن أبي هريرة مرفوعا وفيه: «والله يا ~~رسول الله ما أردت قتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للولي: " أما ~~إنه إن كان صادقا، ثم قتلته دخلت النار» فخلى سبيله، وحكم في يهودي رض رأس ~~جارية بين حجرين أن يرض رأسه بين حجرين. # وفيه دليل على قتل الرجل بالمرأة، وأن الجاني يفعل به كما فعل، وأن القتل ~~غيلة لا يشترط فيه إذن الولي، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدفعه ~~إلى أوليائها ولم يقل: إن شئتم فاقتلوه، وإن شئتم فاعفوا عنه، بل قتله ~~حتما، وهذا مذهب مالك، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ومن قال: إنه فعله ~~لنقض العهد لم يصح، فإن ناقض العهد لا يرضخ رأسه بالحجارة، بل يقتل بالسيف، ~~وقضى في امرأة رمت أخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها بغرة عبد أو وليدة في ~~الجنين، وجعل دية المقتولة على عصبة القاتل، وهو في " الصحيحين ". # وفي البخاري أنه قضى في جنين امرأة بغرة عبد أو وليدة، ثم إن التي قضى ~~عليها بالغرة توفيت، فقضى أن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها، ~~وفي هذا الحكم أن شبه العمد لا قيود فيه، وأن العاقلة تحمل ms202 الغرة تبعا ~~للدية، وأن العاقلة # PageV01P199 # هم العصبة، وأن زوج القاتلة لا يدخل معهم، وأن أولادها أيضا ليسوا من ~~العاقلة، وحكم فيمن تزوج امرأة أبيه بقتله، وأخذ ماله، وهو مذهب أحمد، وهو ~~الصحيح، وقال الثلاثة: حده حد الزاني، وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أولى وأحق، وحكم فيمن اطلع في بيته رجل بغير إذنه، فحذفه بحصاة، أو عود، ~~ففقأ عينه أن لا شيء عليه. # وثبت عنه أنه قضى بإهدار دم أم ولد الأعمى لما قتلها مولاها على سبه صلى ~~الله عليه وسلم، وقتل جماعة من اليهود على سبه وأذاه. قال أبو بكر لأبي ~~برزة لما أراد قتل من سبه: ليست لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وفي ذلك بضعة عشر حديثا بين صحاح وحسان ومشاهير. قال مجاهد عن ابن عباس: ~~«أيما مسلم سب الله، أو سب أحدا من الأنبياء، فقد كذب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم» وهي ردة يستتاب صاحبها، فإن رجع وإلا قتل. # وفي " الصحيحين " أنه عفا عمن سمه صلى الله عليه وسلم. # وصح عنه أنه لم يقتل من سحره من اليهود، وصح عن عمر وحفصة وجندب قتل ~~الساحر، وصح عنه في الأسرى أنه قتل بعضا وفادى بعضا، ومن على بعض، واسترق ~~بعضا، لكن لم يعرف أنه استرق بالغا، وهذه أحكام لم تنسخ، بل مخير فيها ~~الإمام بحسب المصلحة، وحكم في اليهود بعدة قضايا، فعاهدهم أول مقدمه ~~المدينة، ثم حاربته قينقاع فظفر بهم، ومن عليهم، ثم النضير، فظفر بهم ~~فأجلاهم، ثم قريظة فقتلهم، ثم حارب أهل خيبر فظفر بهم. ### | فصل في حكمه بالغنائم # فصل # في حكمه بالغنائم حكم صلى الله عليه وسلم أن للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل ~~سهم، وحكم أن السلب للقاتل، «وكان طلحة وسعيد بن زيد لم يشهدا بدرا، فقسم ~~لهما فقالا: وأجورنا؟ فقال: وأجوركم» ولم يختلف أحد أن «عثمان تخلف على ~~امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسهم له، فقال: وأجري يا ~~رسول الله؟ فقال: وأجرك» قال ابن حبيب: هذا خاص ms203 للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~وأجمعوا أنه لا يقسم لغائب. # قلت: قد قال أحمد ومالك وجماعة من السلف والخلف: إن الإمام إذا بعث أحدا ~~في مصالح الجيش، فله سهم، ولم يخمس السلب، وجعله من أصل الغنيمة، وحكم به ~~بشهادة واحد، وكانت الملوك تهدي إليه، # PageV01P200 # فيقبل هداياهم، ويقسمها بين أصحابه، وأهدى له أبو سفيان هدية، فقبل. # وذكر أبو عبيد عنه أنه «رد هدية أبي عامر، وقال: إنا لا نقبل هدية مشرك» ~~. وقال: إنما قبل هدية أبي سفيان، لأنها كانت في مدة الهدنة بينه وبين مكة، ~~وكذلك المقوقس؛ لأنه أكرم حاطبا وأقر بنبوته، ولم يؤيسه من إسلامه، ولم ~~يقبل هدية مشرك محارب له قط. # قال سحنون: إذا أهدى أمير الروم إلى الإمام فلا بأس، وهي له خاصة. وقال ~~الأوزاعي: تكون للمسلمين، ويكافئه من بيت المال. وقال أحمد حكمها حكم ~~الغنيمة. ### | [فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم في قسمة الأموال] # فصل # في حكمه صلى الله عليه وسلم في قسمة الأموال وهي ثلاثة: الزكاة، ~~والغنيمة، والفيء. # فأما الزكاة والغنائم، فقد تقدم حكمها، وبينا أنه لم يكن يستوعب الأصناف ~~الثمانية، وأنه ربما وضعها في واحد. # وأما الفيء، فقسمه يوم حنين في المؤلفة قلوبهم من الفيء ولم يعط الأنصار ~~شيئا فعتبوا عليه، فقال لهم: " ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير ~~وتنطلقون برسول الله صلى الله عليه وسلم تقودونه إلى رحالكم؟ فوالله لما ~~تنقلبون به خير مما ينقلبون به " وبعث إليه علي من اليمن بذهيبة، فقسمها ~~بين أربعة نفر. # وفي " السنن " أنه وضع سهم ذي القربى في بني هاشم وبني المطلب وترك بني ~~نوفل وعبد شمس وقال: «إنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام، وإنما ~~نحن وهم شيء واحد» وشبك بين أصابعه، ولم يقسمه بينهم على السواء، بين ~~أغنيائهم وفقرائهم، ولا كان يقسمه قسمة الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين، بل ~~يصرفه فيهم بحسب المصلحة والحاجة فيزوج منه عزبهم، ويقضي منه عن غارمهم، ~~ويعطي منه فقيرهم كفايته، والذي يدل عليه هديه أنه كان يجعل ms204 مصارف الخمس ~~كمصارف الزكاة لا يخرج بها عن الأصناف المذكورة، لا أنه يقسمه بينهم ~~كالميراث، ومن تأمل سيرته لم يشك في ذلك. # واختلف الفقهاء في الفيء هل كان ملكا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يتصرف فيه كيف يشاء أو لم يكن ملكا له؟ # على قولين في مذهب أحمد وغيره، والذي تدل عليه # PageV01P201 # سنته وهديه أنه كان يتصرف فيه بالأمر فيضعه حيث أمره الله، ويقسمه على من ~~أمر بقسمته عليهم، لا تصرف المالك بإرادته ومشيئته، فإن الله سبحانه خيره ~~بين أن يكون عبدا رسولا، وبين أن يكون ملكا رسولا، فاختار العبودية، والفرق ~~أن العبد الرسول لا يتصرف إلا بأمر سيده ومرسله، والملك الرسول له أن يعطي ~~من يشاء، ويمنع من يشاء، كما قال تعالى للملك الرسول سليمان: {هذا عطاؤنا ~~فامنن أو أمسك بغير حساب} [ص: 39] (1) أي: أعط من شئت، وامنع من شئت لا ~~نحاسبك، وهذه المرتبة التي عرضت على نبينا، فرغب عنها إلى ما هو أعلى منها ~~وهي مرتبة العبودية المحصنة، وقال: «والله إني لا أعطي أحدا، ولا أمنع أحدا ~~إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت» ولهذا كان ينفق منه على نفسه وأهله نفقة ~~سنتهم، ويجعل الباقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله عز وجل، وهذا ~~النوع من الأموال هو السهم الذي وقع بعده فيه من النزاع ما وقع إلى اليوم. # وأما الزكاة والغنائم وقسمة المواريث، فإنها معنية لأهلها لا يشركهم ~~غيرهم فيها، فلم يشكل على ولاة الأمر بعده من أمرها ما أشكل عليهم من ~~الفيء، ولم يقع فيها من النزاع ما وقع فيه، ولولا إشكال أمره لما طلبت ~~فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثها من تركته، وقد قال تعالى: ~~{ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} [الحشر: 7] إلى ~~قوله: {فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 9] (2) فأخبر سبحانه أن ما أفاء على ~~رسوله بجملته لمن ذكر في هؤلاء الآيات، ولم يخص منه ms205 خمسه بالمذكورين، بل عم ~~وأطلق واستوعب، ويصرف على المصارف الخاصة، وهم أهل الخمس، ثم على المصارف ~~العامة، وهم المهاجرون والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة. # فالذي عمل به هو وخلفاؤه هو المراد من الآيات، ولهذا قال عمر بن الخطاب ~~فيما رواه أحمد وغيره عنه: «ما أحد بأحق بهذا المال من أحد، وما أنا بأحق ~~به من أحد، والله ما من أحد من المسلمين إلا وله فيه نصيب إلا عبد مملوك، ~~ولكنا على منازلنا PageV01P202 # من كتاب الله، وقسمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالرجل وبلاؤه في ~~الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل ~~وحاجته، والله لئن بقيت لهم ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال، ~~وهو يرعى مكانه» فهؤلاء المسمون في آية الفيء هم المسمون في آية الخمس، ولم ~~يدخل المهاجرون والأنصار وأتباعهم في آية الخمس لأنهم المستحقون بجملة ~~الفيء، وأهل الخمس لهم استحقاقان خاص من الخمس، وعام من الفيء، فإنهم ~~داخلون في النصيبين وكما أن قسمته من جملة الفيء بين من جعل له، ليس قسمة ~~الأملاك التي يشترك فيها المالكون، كقسمة المواريث والوصايا والأملاك ~~المطلقة المطلقة، بل بحسب الحاجة والنفع والغناء في الإسلام والبلاء فيه، ~~فكذلك الخمس في أهله، فإن مخرجهما واحد في كتاب الله الخمس بين أهله، ~~والتنصيص على الأصناف الخمسة يفيد تحقيق إدخالهم، وأنهم لا يخرجون من أهل ~~الفيء بحال، وأن الخمس لا يعدوهم إلى غيرهم، كما أن الفيء العام في آية ~~الحشر للمذكورين فيها لا يتعداهم إلى غيرهم، فإن الله سبحانه جعل أهل الخمس ~~هم أهل الفيء وعينهم اهتماما بشأنهم، وتقديما لهم، ولما كانت الغنائم خاصة ~~بأهلها لا يشركهم فيها سواهم نص على خمسها لأهل الخمس، ولما كان الفيء لا ~~يختص بأحد دون أحد جعله لهم، وللمهاجرين والأنصار وتابعيهم، فسوى بين الخمس ~~والفيء في المصرف. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف سهم الله وسهمه في مصالح الإسلام ~~وأربعة أخماس الخمس في أهلها مقدما للأهم فالأهم، والأحوج فالأحوج. ### | [فصل حكمه في ms206 الوفاء بالعهد لعدوه وفي رسلهم أن لا يقتلوا ولا يحبسوا] # فصل # حكمه في الوفاء بالعهد لعدوه وفي رسلهم أن لا يقتلوا ولا يحبسوا، وفي ~~النبذ إلى من عاهده على سواء إذا خاف منه النقض ثبت أنه قال لرسولي مسيلمة ~~لما قالا: نقول إنه رسول الله. «لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما» وثبت عنه ~~أنه قال لأبي رافع وقد أرسلته قريش إليه وأراد أن لا يرجع، فقال: «إني لا ~~أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ولكن ارجع إلى قومك، ولم يرد النساء، فإن كان ~~في نفسك الذي فيها الآن، فارجع» . # وثبت أنه رد إليهم أبا جندل، وجاءت سبيعة الأسلمية فخرج # PageV01P203 # زوجها في طلبها، فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم ~~المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ~~ترجعوهن إلى الكفار} [الممتحنة: 10] (1) فاستحلفها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه لم يخرجها إلا الرغبة في الإسلام، وأنها لم تخرج بحدث أحدثته في ~~قومها، ولا بغضا لزوجها، فحلفت فأعطى زوجها مهرها، ولم يردها عليه. # وقال تعالى: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا ~~يحب الخائنين} [الأنفال: 58] (2) . # وقال صلى الله عليه وسلم: «من كان بينه وبين قوم عهد، فلا يحلن عقدا ولا ~~يشدنه، حتى يمضي أمده، أو ينبذه إليهم على سواء» صححه الترمذي. # وثبت عنه أنه قال: «المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم» . # وثبت عنه أنه أجار رجلين أجارتهما أم هانئ ابنة عمه، وثبت عنه أنه أجار ~~أبا العاص لما أجارته ابنته زينب، ثم قال: «يجير على المسلمين أدناهم.» ، ~~وفي حديث آخر: «يجير على المسلمين أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم» . # فهذه أربع قضايا منها أن المسلمين يد على من سواهم وهذا يمنع تولية ~~الكفار شيئا من الولايات. # وقوله: يرد عليهم أقصاهم يوجب أن السرية إذا غنمت بقوة جيش الإسلام كانت ~~الغنيمة لهم وللقاصي من الجيش إذ بقوته غنموها، وأن ما صار في بيت المال من ~~الفيء لقاصيهم ودانيهم وإن كان سبب أخذه دانيهم. # وأخذ الجزية من ms207 نصارى نجران وأيلة من العرب ومن أهل دومة وأكثرهم عرب، ~~وأخذها من أهل الكتاب باليمن وهم يهود، وأخذها من المجوس ولم يأخذها من ~~مشركي العرب، قال أحمد والشافعي: لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب والمجوس. # وقالت طائفة: تؤخذ من الأمم كلهم أهل الكتاب بالقرآن، والمجوس بالسنة، ~~ومن عداهم يلحق بهم؛ لأن المجوس أهل شرك لا كتاب لهم، فأخذها منهم دليل على ~~أخذها من جميع المشركين، وإنما لم يأخذها من مشركي العرب؛ لأنهم أسلموا ~~كلهم قبل نزولها، ولا نسلم أن كفر عبدة الأوثان أغلظ من كفر المجوس، بل كفر ~~المجوس أغلظ، فإن عبدة الأوثان مقرون بتوحيد الربوبية، وأنه لا خالق إلا ~~الله، وأنهم إنما يعبدون آلهتهم لتقربهم إلى الله، ولم يكونوا يقرون ~~بصانعين للعالم، ولا يستحلون نكاح الأمهات والبنات والأخوات، وكانوا على ~~بقايا من دين إبراهيم، وكان له صحف وشريعة والمجوس لا يعرف عنهم التمسك ~~بشيء من شرائع الأنبياء. # وكتب صلى الله عليه وسلم إلى أهل هجر والملوك، يدعوهم إلى الإسلام أو ~~الجزية، PageV01P204 # ولم يفرق بين العرب وغيرهم. # وأمر معاذا أن يأخذ من كل حالم دينارا أو قيمته معافر، وهي ثياب باليمن، ~~ثم زاد فيها عمر، فجعلها أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعين درهما على ~~أهل الورق في كل سنة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم علم ضعف أهل اليمن، ~~وعمر علم غنى أهل الشام، وثبت عنه أنه استباح غزو قريش من غير نبذ عهد ~~إليهم لما عدت حلفاؤهم على حلفائه، فغدروا بهم، فرضيت قريش، وألحق ردأهم في ~~ذلك بمباشرهم. ### | فصل في أحكامه في النكاح وتوابعه # فصل # في أحكامه في النكاح وتوابعه ثبت عنه أنه رد نكاح ثيب زوجها أبوها وهي ~~كارهة. # وفي " السنن " عنه أنه خير بكرا زوجها أبوها وهي كارهة، وثبت عنه: «لا ~~تنكح البكر حتى تستأذن، وإذنها أن تسكت» وقضى بأن اليتيمة تستأمر، «ولا يتم ~~بعد احتلام» فدل على جواز نكاح اليتيمة، وعليه يدل القرآن. # وفي " السنن " عنه: «لا نكاح إلا بولي» وفيها أيضا: «لا تزوج المرأة ~~نفسها، ms208 فإن الزانية هي التي تزوج نفسها» وحكم أن المرأة إذا زوجها وليان، ~~فهي للأول. # وثبت عنه أنه قضى في رجل تزوج، ولم يفرض لها صداقا، ولم يدخل بها حتى مات ~~أن لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط ولها الميراث، وعليها العدة أربعة أشهر ~~وعشرا. # وفي " الترمذي " أنه قال لرجل: «إذا أزوجك فلانة " قال: نعم. وقال ~~للمرأة: " أترضين أن أزوجك فلانا "؟ قالت: نعم، فزوج أحدهما صاحبه، فدخل ~~بها، ولم يفرض لها صداقا، ولم يعطها شيئا، فلما كان عند موته عوضها سهما له ~~بخيبر» فتضمنت هذه الأحكام جواز النكاح من غير تسمية الصداق، وجواز الدخول ~~قبل التسمية، واستقرار مهر المثل بالموت، وإن لم يدخل بها، ووجوب عدة ~~الوفاة، وإن لم يدخل، وبه أخذ ابن مسعود، وأهل العراق، وتضمنت جواز تولي ~~طرفي العقد، ويكفي أن يقول: زوجت فلانا بفلانة. مقتصرا على ذلك، وأمر من ~~أسلم وتحته أكثر من أربع أن يختار منهن أربعا، وأمر من أسلم وتحته أختان أن ~~يختار إحداهما فتضمن صحة نكاح الكفار، وأنه يختار من يشاء من السوابق ~~واللواحق، وهو قول الجمهور، وذكر الترمذي وحسنه عنه: «أن العبد إذا تزوج ~~بغير إذن مواليه فهو عاهر» انتهى. # والله أعلم وأحكم، والحمد لله رب العالمين. PageV01P205 ms209