######OpenITI# #META# max: 1588 #META# المؤلف: سعيد بن أحمد الكندي (1207ه) #META# comp: 1 #META# authno: 601 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : التفسير الميسر ¶ المؤلف : سعيد بن أحمد الكندي (1207ه) ¶ شهرته : سعيد الكندي ¶ المحقق : مصطفى بن محمد شريفي ومحمد بن موسى باباعمي ¶ شهرته : ¶ دار النشر : ¶ البلد : سلطنة عمان ¶ الطبعة : ¶ سنة الطبع : ¶ عدد الأجزاء : 3 ¶ التصنيف : ¶ العلم : ¶ ملاحظات : #META# ndata: بسم اللهBF8319E6ي 1207ه #META# شهرته: سعيد الكندي #META# inf: ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع #META# ad: 99999 #META# المحقق: مصطفى بن محمد شريفي ومحمد بن موسى باباعمي #META# archive: 1 #META# bkord: 108 #META# cat: التفاسير #META# البلد: سلطنة عمان #META# Lng: سعيد بن أحمد الكندي #META# auth: سعيد بن أحمد الكندي #META# الكتاب: التفسير الميسر #META# عدد الأجزاء: 3 #META# iso: التفسير الميسر لسعيد الكندي #META# bk: التفسير الميسر لسعيد الكندي #META# bkid: 75 #META# ScrapeDate: 13-03-2020 #META# ScrapedFrom: ShamelaIbadiyya #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # مقدمة # {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما}. والصلاة ~~والسلام على النبي الكريم محمد، الذي خاطبه رب الجلال بقوله: {طه مآ أنزلنا ~~عليك القرءان لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى}. # وبعد، فإنه لم يحظ كتاب من الكتب السماوية ولا البشرية بما حظي به القرآن ~~الكريم من عناية: حفظا، وتدبرا، وتفسيرا... حتى عز على الباحث عد التصانيف ~~التي ألفت في القرآن وعلومه، واستحال على العالم حصر التفاسير التي عنيت ~~بشرح آيه وسوره. # وتفسير الشيخ سعيد بن أحمد الكندي (1207ه/1792م)، يعد من بين هذه ~~المشاركات المباركة في حركة التفسير، غير أنه لم يكتب له أن يطبع أو يعرف ~~لدى الأوساط العلمية، لظروف نجهلها. إلى أن من الله تعالى بأهل الفضل، ~~فوفروا لنا نسخة مخطوطة يتيمة من هذا التفسير القيم؛ فاستعنا بالله على ~~الشروع في إعداده للطبع، آملين أن يكون لبنة في المكتبة الإسلامية بعامة، ~~ونموذجا لجهود الإباضية في مجال التفسير بخاصة. # ملاحظات حول الأسلوب والمنهج والمضمون # 1- سهولة أسلوب التفسير وبساطته، بحيث يفهمه كل من له معرفة ولو يسيرة ~~باللغة العربية. # 2- العرض المحبك للعبارات، مما يسهل على القارئ تتبع المعاني. # 3- إحكام منهج العرض، واطراده في جميع الكتاب. # 4- خلوه من الاختلافات اللغوية والفقهية والكلامية؛ مما يجعله مرجعا ~~للخاصة والعامة. # 5- اقترابه من نوع التفسير الهدائي، رغم تقدمه في العصر. # 6- كونه تفسيرا كاملا غير منقوص ولا مخروم. PageV01P001 # 7- اعتماده المقصد التربوي كلما وجد لذلك سبيلا، فرغم كونه تفسيرا ~~مختصرا، إلا أنه لا يخلو من اللفتات التربوية التي تفيد الفرد والمجتمع؛ ~~فهو يتوسع أحيانا في تفسير بعض الآيات بمباحث مهمة في مجال التربية ~~والتوجيه. مثال ذلك: # ... «{الذين إذا أصابتهم مصيبة} مكروه، {قالوا إنا لله} إقرار له بالملك، ~~ولا يسخط عليه ما يفعله في ملكه، {وإنا إليه راجعون} إقرار على أنفسنا وما ~~خولناه بالفناء، وأن الأمور كلها راجعة إليه، وليس الصبر بالاسترجاع ~~باللسان بل بالقلب بتصور ما خلق لأجله، وأنه راجع إلى ربه، وبذكر نعم الله ~~عليه فيرى أن ما بقي ms0001 عليه أضعاف ما استرده منه فيهون على نفسه ويستسلم له». # مصادر الكتاب # أشار المصنف في نهاية تفسيره إلى الكتب التي اعتمدها، بقوله: «وقد نسخته ~~من كتاب يسمى “مدارك التنزيل” (¬1) ، وكتاب “معالم التنزيل” (¬2) ، ومن ~~كتاب “أنوار التنزيل وأسرار التأويل” المعروف ب“البيضاوي” (¬3) ، ومن كتاب ~~“جوامع الجامع” (¬4) ، وكلها من تفاسير القوم، وزدت فيه أشياء من كتب ~~أصحابنا، وشيئا من عندي، ما أرجوه أنه خارج على معاني الصواب، وحذفت منها ~~ما حذفت طلبا للإيجاز». # وهذه الفقرة رغم اختصارها تدل على الأمانة العلمية التي تحلى بها الشيخ ~~الكندي رحمه الله، فهو لم ينسب العمل إليه، وقد وضح لنا منهجه في تفسيره بدقة. # طريقته في الاختصار # ¬__________ # (¬1) - ... لأبي بركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي الحنفي. # (¬2) - ... لأبي محمد حسين بن مسعود الفراء، أو ابن الفراء، البغوي ~~الملقب بمحيي السنة. # (¬3) - ... لناصر الدين، أبي الخير عبد الله بن عمر بن محمد بن علي ~~البيضاوي الشافعي. # (¬4) - ... لأمين الدين، أبي علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي. PageV01P002 # 1- لا يتعرض المصنف لبعض الجوانب التي كثيرا ما يوردها المفسرون. فبتتبع ~~الكتاب يتضح لنا أنه لا يغوص في أوجه القراءات والتخريجات اللغوية، ~~والبلاغية، والنحوية، والكلامية، التي كثيرا ما لا يفهمها العامة من الناس. # 2- أحيانا يعزف عن الاختصار إلى التطويل في بعض مسائل تزكية النفس، مما ~~يقربه من التفسير الصوفي، في محتواه ولغته. # ... وكمثال على استعماله للمصطلحات الصوفية ما ذكره في تفسير قوله تعالى: ~~{له الأسماء الحسنى} [الحشر: 24]: «لأنها دالة على محاسن المعاني، فليتأمل ~~معاني هذه الأسماء والصفات لتنكشف له أسرارها، فتحتها معان مدفونة لا تنكشف ~~إلا للموقنين». # تفسير الكندي وعلاقته بالفكر الإباضي # نتبين من خلال تفسير الكندي روح الفكر الإباضي، فنجد مؤلفنا في الآيات ~~التي تتعلق بالآراء العقدية عند الإباضية يبرز رأيه بوضوح، ويدع المصدر ~~الذي اعتمده جانبا، مثال ذلك: # - مسألة القضاء والقدر: يقول البيضاوي في تفسير الآية الثانية من سورة ~~التغابن: «{فمنكم كافر} مقدر كفره، موجه إليه ما يحمله عليه، {ومنكم مؤمن} ~~مقدر إيمانه، موفق لما يدعوه اليه» (¬1) . # ويقول الشيخ الكندي: ms0002 «{فمنكم كافر} مقدر كفره، ناه عما يحمله عليه، ~~{ومنكم مؤمن} مقدر إيمانه، آمر بما يدعوه اليه». فهنا يظهر رأي الإباضية ~~بوضوح في قضية الجبر أو الاختيار. # - مسألة رؤية الله عز وجل: يقول البيضاوي في تفسير الآية 23 من سورة ~~القيامة: «{إلى ربها ناظرة} تراه مستغرقة في مطالعة جماله بحيث تغفل عما ~~سواه...»إلخ (¬2) . # ويقول الكندي فيها: «{إلى ربها ناظرة} منتظرة ثوابه». # وصف النسخة المعتمدة # ¬__________ # (¬1) - ... البيضاوي: تفسير، ج4/ ص204. # (¬2) - ... البيضاوي: تفسير، ج4 / ص 233. PageV01P003 # - - الورقة الأولى غير مرقمة، وتحمل التمليكة، منها كلمات منمحية. # - - الناسخ: سيف بن مالك بن سيف اليعربي وغيره، حيث يقول الناسخ: «ونسخته ~~لنفسي بخط يدي وبخط غيري». # - - تاريخ النسخ والمكان: غير مذكورين. غير أن المالك الأخير للنسخة، وضع ~~تاريخ شرائه الكتاب وهو: يوم 27 ربيع الأول 1278ه؛ ولا شك أن بين هذا ~~التاريخ وتاريخ النسخ زمن غير قليل حتى ينتقل الكتاب من ناسخه سيف بن مالك ~~ربما بعد موته إلى حفيد المؤلف: قيس بن سليمان الكندي، ثم يموت هذا ~~ليشتريه من ترائكه: سيف بن أحمد بن سليمان الكندي. وهذا يدفعنا إلى القول ~~إن هذه النسخة التي بين أيدينا قريبة جدا من عهد المؤلف الذي توفي سنة 1207ه. # - - أصل النسخة: بخط المصنف، حيث يقول الناسخ: «هذا ما أردت نسخه، ووجدته ~~مكتوبا بخط الشيخ سعيد بن أحمد الكندي». # - - الخط مشرقي صعب المراس، ورديء في كثير من الأحيان. # - - عدد الأوراق: 341 ورقة، أي 682 صفحة. # - - عدد الأسطر في الصفحة: متذبذب بين 28 و 31 سطرا. # - - عدد الكلمات في السطر: متذبذب بين 12 و 20 كلمة. # - - المقاس: 24 سم × 18 سم. # - - التمليكات: # ... المالك الأول: الناسخ سيف بن مالك بن سيف اليعربي، لأنه نسخه لنفسه. # ... المالك الثاني: حفيد المصنف: قيس بن سليمان بن الشيخ سعيد ابن أحمد ~~الكندي. لأن المالك الأخير قال: «صار ملكا لي بالشراء من ترائك الشيخ الثقة ~~قيس بن سليمان...». # ... المالك الثالث: سيف بن أحمد بن سليمان الكندي. # عملنا في التحقيق: # - - عنوان التفسير غير وارد في جميع الكتاب، ولذلك وضعنا العنوان ms0003 ~~باجتهادنا، ونسبناه إلى مصنفه، فكان كالتالي: «تفسير القرآن الكريم للشيخ ~~سعيد بن أحمد الكندي». PageV01P004 # - - المخطوط كله مرقم بقلم الرصاص حسب الصفحات، لا حسب الأوراق كما اعتيد ~~في المخطوطات. وقد وضعنا رقم الصفحة في المخطوط بين معقوفين في متن ~~المطبوع؛ مثل: [258]. # - - كثيرا ما لا يستطيع الناسخ فهم الأصل الذي نقل منه فيضيف كلمة “لعله” ~~قبل الكلمة التي لم يفهمها في المتن، وقد وضعناها بين قوسين في كل الكتاب: ~~(لعله) (¬1) . وكل ما يحتمل أنه من إضافة الناسخ نضعه بين قوسين، سواء كان ~~كلمة أو جملة، مثال ذلك: «والعدل عن المقصد (لعله القصد)». «أو فاتركم ~~(لعله فاتركهم) في أرض الله». # - - قد يكتب الناسخ نصا في الحاشية ولا يحيل إليه في متن الكتاب، فنجتهد ~~في إدراجه في محله. # - - يبدو أن الناسخ لا يراعي معنى النص فيخطئ في النقل، مما جعلنا نلقى ~~عنتا كبيرا في ضبط النص، وقد نبقى مع كلمة أو عبارة واحدة مدة طويلة ~~نناقشها، ونقلبها على وجوهها، ونرجع إلى مصادر التفسير الأخرى، وقد نظفر ~~ببغيتنا وقد لا نظفر، خاصة إذا كانت العبارة مما انفرد به المصنف، ولم نجد ~~لها مثيلا عند غيره. ومثال ذلك في تفسير آية عرض الأمانة على السماوات ~~والأرض والجبال من سورة الأحزاب نجد عبارة بهذا الرسم: «لا جرم فالما فالما ~~أدى لها والقائم بحقوقها...» وبعد طول بحث تبين أنه يقصد «لا جرم فالمؤدي ~~لها والقائم بحقوقها...». # - - لا نصحح الخطأ في متن الكتاب عموما وإنما نذكر الصواب في الهامش، ~~إلا إذا كان الخطأ واضحا بديهيا، لا شك فيه فإننا نصححه في المتن ونشير إلى ~~الخطإ في الهامش، وخاصة ما يتعلق بالإعجام والهمزات كما سنوضحه. وأما إذا ~~لم نتأكد من المعنى فإننا نحيل إلى الهامش، ونضع الاحتمالات الصائبة ~~الممكنة. # ¬__________ # (¬1) - ... ينصح القارئ أثناء مطالعته بعدم قراءة (لعله) حتى لا يختل ~~عليه تتبعه للمعنى. PageV01P005 # - - الإعجام (تنقيط الحروف) في المخطوط متذبذب، فأحيانا يضع النقاط، ~~وكثيرا ما يهملها، فنضعها باجتهادنا حسب ما يقتضيه السياق إذا تأكدنا من ~~المعنى، ونظرا لكثرتها فإننا نصححها في ms0004 المتن دون أن نشير إلى ذلك في ~~الهامش حتى لا نثقل الكتاب بكثرة الإحالات. # وهذه نماذج من أخطائه في الإعجام والهمزات وغيرهما: # نوع الخطأ ... تفصيل نوع الخطأ ... النموذج ... الصواب # التنقيط ... إهمال التنقيط أصلا ... رسد ... = رشد # إهمال التنقيط في البعض وكتابة البعض ... النواب ... = الثواب # التكتبر ... = التكبير # الخطأ في التنقيط ... يشال ... = يسأل # شايخات ... = سائحات # قلب المعنى رأسا على عقب ... مفاجرهم ... = مفاخرهم # الهمزات (¬1) ... الألف المقصورة والياء ... الهدي ... = الهدى # الألف المقصورة والممدودة ... أسارا ... = أسارى # دنيى ... = دنيا # الألف المقصورة والهمزة ... يتجزى ... = يتجزأ # الهمزة وأحرف العلة ... ساير ... = سائر # التبري ... = التبرؤ # الألف بعد الواو (غير واو الجماعة) ... أرجوا ... = أرجو # واو الجماعة إذا عقبها ضمير متصل يضيف لها ألفا ... ليبلغواهم ... = ~~ليبلغوهم # يحتقروانهم ... = يحتقرونهم # يدعوانهم ... = يدعونهم # همزة الوصل في أول الفعل أحيانا لا يكتبهما ... «ودعوه مخلصين» ... = ~~«وادعوه مخلصين» # لتفت ... = التفت # بتدروا ... = ابتدروا # أمثلة لأخطاء أخرى في الهمزات ... الجزا ... = الجزاء # اطمنانية ... = اطمئنانية # المستهزاء ... = المستهزئ # قراة ... = قراءة # نباء ... = نبأ # لأولياءيه ... = لأوليائه # الجزوء ... = الجزء # أخطاء أخرى (¬2) ... وصل الكلمات أو فكها ... فيحال ... = في حال # عنما ... = عما # التاء والهاء ... مناجات ... = مناجاة # التورات ... = التوراة # ¬__________ # (¬1) - ... كل ما يتعلق برسم الهمزات نصححه حسب الرسم الإملائي، دون أن ~~نشير إلى ذلك، كما هو متعارف عليه في علم التحقيق. # (¬2) - ... في مثل هذه الأخطاء اعتمدنا الرسم الإملائي دون الإحالة إلى ~~التصحيح في الهامش. PageV01P006 # الجمع بين عدة أخطاء (¬1) ... نفتاالاض ... = الانقباض # وأخيرا، فهذا مجهود مقل ومستعجل في تحقيق هذا التفسير القيم، ونحن لا ~~ندعي الكمال في اجتهادنا، آملين أن نحصل على نسخ أخرى للمخطوط، فنعيد أو ~~يعيد غيرنا تحقيقه من جديد؛ وهكذا العمل العلمي الدؤوب دوما في ازياد ~~وتصحيح وتنقيح... ولا يضمن التواصل العلمي إلا النقد العلمي البناء، الذي ~~ننتظره بفارغ صبر، شاكرين لكل من يخلص لنا النصح، ولكل من يدعو لنا عن ظهر الغيب. # والله نسأل أن يقيل عثراتنا، وأن يأجر كل من سعى لإخراج هذا التفسير في ~~صورته المكتملة، ونذكر على رأسهم: سعادة المستشار، صاحب الأفضال الظاهرة في ~~مجال العلم والتحقيق: # الذي زودنا بمخطوط الكتاب. وأستاذنا مرشد الجيل فضيلة ms0005 الدكتور محمد ابن ~~صالح ناصر، الذي كان لنا نعم السند في كل خطوات التحقيق. # كما لا ننسى جهود الإخوة الطلبة: سليمان بابزيز، إسماعيل ابن عيسى، مسعود ~~حامي، قاسم أوبكة وغيرهم ممن ساعدنا في تصفيف النص، ومقارنته... # {ربنا لا تؤاخذنآ إن نسينآ أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما ~~حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، واعف عنا، ~~واغفر لنا، وارحمنآ، أنت مولانا، فانصرنا على القوم الكافرين} # المحققان ... ... # القرارة يوم 11 جمادى الأولى 1418ه # 14 سبتمبر 1998م # [سورة] الفاتحة # ¬__________ # (¬1) - ... وهذا من أعجب الأخطاء التي وقع فيها الناسخ فقد وضع مكان ~~الفاء قافا، ومكان التاء باء، والألف واللام وهمزة الوصل تتقدم من وسط ~~الكلمة إلى أولها!، وحل اللغز في كلمة كهذه ليس بالأمر الهين. PageV01P007 # بسم الله الرحمن الرحيم (¬1) [1] # {الحمد لله} أي: فرض حمده على عباده، وحمد الله: هو الثناء عليه بصفاته ~~الحسنى. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كتبت في وجه الورقة الأولى من المخطوط وهي غير مرقمة عبارة ~~تحمل اسم المالك الأول للكتاب ومالكه الثاني، وهي كالتالي: # ... «...ت [انمحاء، تقديره: اشتريت] هذا الكتاب بالشراء الصحيح من ترائك ~~الشيخ الثقة: قيس بن سليمان ...يخ [انمحاء تقديره: بن الشيخ] العالم سعيد ~~بن أحمد بن الكندي. وهو الآن ملكي وأنا الأقل [كذا] لله تعالى، ... ~~[انمحاء] بن أحمد بن سليمان الكندي بيدي. تاريخ يوم 27 من شهر ربيع الأول ~~سنة 1278ه». # ... وفي ظهر نفس الورقة كتب ما يلي: # ... «[ق]وله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ ~~أشده} ورد في آيتين متجانستين [في] اللفظ في الأنعام. و“سبحان” معناه: لا ~~تقربوا أي لا تتعرضوا لمال اليتيم. منعهم منع تحريم [و]زجر وتهديد، لقوله ~~في سورة الأنعام: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} فكانت هذه واحدة [مم]ا ~~تلاه عليهم، فقد حرم عليهم الدخول في مال اليتيم إلا بشريطة هي أن ينزلوا ~~بالمنزلة التي حدها [ل]هم، وهي قوله: {إلا بالتي هي أحسن}، أي بالطريقة ~~المستقيمة فيدخلوا أنفسهم في ماله وينبسطوا». # ... وهذه العبارة ms0006 ليست من تفسير الكندي، كما سيتضح لنا في تفسير سورة ~~الأنعام، (الآية:152)، وفي تفسير سورة الإسراء (الآية: 34). ويبدو أنها من ~~إضافة الناسخ، ويقصد بقوله: «و“سبحان”» سورة الإسراء. # ... كما يوجد تحتها بيتان من الشعر، وهما: # ... «تبين أخي في الله قولي فإنني ... ... على النصح في ذات الإله مع العتبى # ... وأهديه صرفا في عموم أولي النهى ... ... كذا في خصوص من عموم أولي ~~القربى» PageV01P008 رب العالمين(2)} الرب المالك، وقيل: الخالق، والعالمين ~~جمع عالم، وقيل: الدنيا عالم واحد من ثمانية عشر ألف عالم، وقيل: لا يحصي ~~عدد العالمين أحد إلا الله؛ وقال الله: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} (¬1) . # {الرحمن} “فعلان” من “رحم”، وهو الذي وسعت رحمته كل شيء، وكذا ~~{الرحيم(3)} “فعيل” منه. # {مالك يوم الدين(4)} أي: قاضي يوم الجزاء، وقيل: المالك، والملك: هو ~~القادر على اختراع الأعيان من العدم إلى الوجود، ولا يقدر عليه أحد إلا ~~الله. وهذه الأوصاف التي أجريت على الله سبحانه وتعالى من كونه ربا أي ~~مالكا للعالمين، ومنعما للنعم كلها، ومالكا للأمر كله، أي (¬2) يوم الثواب ~~والعقاب، بعد الدلالة على اختصاص الحمد به في قوله: {الحمد لله} دليل على ~~أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه بالحمد والثناء عليه. # {إياك نعبد وإياك نستعين(5)} أي لا نعبد إلا إياك، ولا نشرك في عبادتنا ~~غيرك، {وإياك نستعين} أي: لا نستعين إلا بك، لا بأنفسنا وحولنا وقوتنا، ~~فعمل الأول هو العمل لله، وعمل الثاني هو العمل بالله؛ والعمل لله يوجب ~~تحقيق العبادة، والعمل بالله يوجب تصحيح الإرادة. {اهدنا الصراط ~~المستقيم(6)} أي: ثبتنا، وقيل: أي أرشدنا وثبتنا على المنهاج الواضح، وهو ~~طريق الحق وملة الإسلام. {صراط الذين أنعمت عليهم} أي: صراط المسلمين، {غير ~~المغضوب عليهم} من اليهود والمستوجبين لغضب الله، وغضب الله هو عقوبته. ~~{ولا الضالين(7)} من النصارى، أي غير الكافرين والمنافقين؛ والمنعم عليه ~~والمغضوب عليه متضادان لا يستويان. قيل: وأصل الضلال والهلاك والغيبوبة، ~~يقال: ضل الماء في اللبن، إذا هلك وغاب به. # سورة البقرة # قيل: مدنية، وهي مائتان وسبع وثمانون ms0007 آية. # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة المدثر: 39. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: - «أي». PageV01P009 # ألم(1)} ونظائرها قيل: إنها أسماء للسور، وقيل: إنها اسم الله الأعظم، ~~وقيل: إنها من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، وفائدة ذكرها طلب الإيمان ~~بها، كما قال: {آمنا به كل من عند ربنا} (¬1) الله، وقيل غير ذلك. # {ذلك الكتاب} أي ذلك الكتاب الكامل، {لا ريب} لا شك فيه أنه من عند الله ~~وأنه الحق الصدق، وحقيقة الريبة قلق النفس واضطرابها، ومنه قوله عليه ~~الصلاة والسلام: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (¬2) ، فإن الشك ريبة، وإن ~~الصدق اطمئنانية، أي: فإن كون الأمر مسلوك (¬3) فيه كما تقلق (¬4) له النفس ~~ولا تستقر، وكونه صحيحا صادقا مما تطمئن له القلوب وتسكن، {ألا بذكر الله ~~تطمئن القلوب} (¬5) ، والمعنى: أنه من وضوح دلالته بحيث لا ينبغي أن يرتاب ~~فيه، إذ لا مجال للريبة فيه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة آل عمران: 7. ولعل الصواب حذف كلمة “الله”. # (¬2) - ... رواه الترمذي في صفة القيامة والرقائق والورع، رقم 2442، ~~بسند: حدثنا أبو موسى الأنصاري حدثنا عبد الله بن إدريس حدثنا شعبة عن بريد ~~بن أبي مريم عن أبي الحوراء السعدي، عن الحسن بن علي، وبزيادة: «فإن الصدق ~~طمأنينة وإن الكذب ريبة». قال وهذا حديث حسن صحيح. ورواه النسائي في آداب ~~القضاة، وفي الأشربة؛ وأحمد في مسند أهل البيت، وفي باقي مسند المكثرين؛ ~~والدارمي في المقدمة والبيوع. انظر: العالمية: موسوعة الحديث. # (¬3) - ... كذا في الأصل، والصواب: «مشكوكا». # (¬4) - ... كتب الناسخ في الهامش: «لعله: بهما تقلق». # (¬5) - ... سورة الرعد: 28. PageV01P010 # فيه هدى} وإنما قيل: {هدى للمتقين}، والمتقون: مهتدون به إلا الفاسقون، ~~ولم يقل: هدى للضالين؛ لأنهم فريقان: فريق علم بقاءهم على الضلالة، وفريق ~~علم أن مسيرهم إلى الهدى، وهو هدى لهؤلاء فحسب، فلو جيء بالعبارة المفصحة ~~عن ذلك لقيل: هدى للسائرين إلى الهدى، فاختصر الكلام بإجرائه على الطريقة ~~التي ذكرنا، فقيل: {هدى [2] للمتقين(2)} والمتقي في الشريعة: هو الذي يقي ~~نفسه تعاطي ما تستحق به العذاب، ويقال: اتقى بترسه، أي: جعله حاجزا بين ~~نفسه وبين ما ms0008 يقصده، فكان التقي يجعل امتثال أوامر الله والاجتناب عما نهاه ~~عنه، حاجزا بينه وبين العذاب، (لعله) (¬1) أي: هو بيان ورشد لأهل التقوى، ~~والتقوى: عبارة عن مقتضى الخوف، مع أن فيه تصدير للسورة التي هي أولى ~~الزهراوين (¬2) ، # ¬__________ # (¬1) - ... هذه الكلمة كثيرا ما ترد في النص، ويبدو أنها من إضافة الناسخ ~~لما لم يفهمه من نسخة الأم؛ لذلك وضعناها بين قوسين، لأنها ليست من وضع ~~المؤلف. # (¬2) - ... ثبت هذا الاسم من الحديث الشريف، فقد روى أحمد في مسنده، باقي ~~مسند الأنصار، رقم 21897 قال: حدثنا وكيع حدثنا بشير بن مهاجر عن عبد الله ~~بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «تعلموا ~~البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة. تعلموا البقرة وآل ~~عمران فإنهما هما الزهراوان يجيئان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان ~~أو كأنهما فرقان من طير صواف تجادلان عن صاحبهما». وروى نحوه أيضا في باقي ~~مسند الأنصار. والدارمي في كتاب فضائل القرآن. العالمية: موسوعة الحديث، ~~مادة البحث: «الزهراوان».. PageV01P011 # وسنام القرآن (¬1) . بذكر أولياء الله. # والمتقي في اللغة اسم فاعل من قولهم: وقاء فاتقى، ففاؤها واو ولامها ياء، ~~فإذا بنيت من ذلك “افتعل” قلبت الواو ياء وأدغمتها في التاء الأخرى، فقلت: ~~اتقى. والوقاية فرط الصيانة، وقيل: لا كمال أكمل ما (¬2) للحق واليقين، ولا ~~نقص أنقص مما للباطل والشبهة. وقيل لعالم: فيم لذتك؟ قال: «في حجة تتحر ~~اتضاحا، وفي شبهة تتضاءل افتضاحا». ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين، فقرر ~~بذلك كونه يقينا لا يحوم الشك حوله، وحقا {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا ~~من خلفه} (¬3) ، والمتقي في الشريعة هو الذي يقي نفسه تعاطي ما يستحق به ~~العقاب من فعل أو ترك (¬4) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... روى الترمذي في سننه، رقم 2803 قال: حدثنا محمود بن غيلان ~~حدثنا حسين الجعفي عن زائدة عن حكيم بن جبير عن أبي صالح عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «لكل شيء سنام وإن سنام القرآن ~~سورة البقرة وفيها آية هي ms0009 سيدة آي القرآن هي آية الكرسي». قال أبو عيسى هذا ~~حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير وقد تكلم شعبة في حكيم بن ~~جبير وضعفه. رورى نحوه أحمد في مسند البصريين؛ والدارمي في فضائل القرآن. ~~العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «سنام القرآن». # (¬2) - ... كذا في الأصل، والصواب: «مما». # (¬3) - ... سورة فصلت: 42. # (¬4) - ... في الأصل: «أو اترك» وهو خطأ. PageV01P012 # الذين} هم الذين {يؤمنون} يصدقون {بالغيب} بما غاب عنهم مما أنبأهم به ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - من أمر البعث والثواب والعقاب وغير ذلك، فهو ~~بمعنى الغائب. وحقيقة الإيمان في الشرع هو المعرفة بالله وصفاته وبرسله، ~~وبجميع ما جاءت به رسله؛ وكل عارف بشيء فهو مصدق به، لأن الإيمان هو ~~التصديق، والمؤمن هو المصدق، والمصدق هو المقر المعترف بالإسلام. والتصديق ~~من الإيمان الطاعة والعمل لله بما أمر. {ويقيمون الصلاة} يتشمرون لأدائها ~~من غير فتور ولا توان؛ أو أريد بإقامتها تعديل أركانها. وقيل: للداعي مصل ~~تشبيها في تخشعه بالراكع الساجد، ويقال: أقام بالأمر، وأقام الأمر، أتى به ~~معطيا حقوقه. {ومما رزقناهم ينفقون(3)} المراد به الزكاة لاقترانه بالصلاة ~~التي هي أختها، أو غيرها من الإنفاق في سبيل الخير لمجيئه مطلقا. # {والذين يؤمنون بما أنزل إليك} يعني: القرآن، {وما أنزل من قبلك} سائر ~~الكتب المنزلة قبله، {وبالآخرة هم يوقنون(4)} الإيقان العلم بانتفاء الشك. # {أولئك على هدى من ربهم} أي منحوه وأعطوه من عنده، وهو اللطف والتوفيق ~~على أعمال البر. {وأولئك هم المفلحون(5)} أي الظافرون بما طلبوا، الناجون ~~عما هربوا، فالفلاح درك البغية، والمفلح والفائز من البغية كأنه الذي ~~انفتحت له وجوه الظفر. # { PageV01P013 إن الذين كفروا} والكفر سبر (¬1) الحق بالجحود وغيره، ~~والكفر هو التغطية للحق والستر عليه، وإظهار خلافه، كما يقال: «كفر فلان ~~حقه»، إذا أنكره وجحده وغطاه، فالكفر التغطية، فالكفر تغطية الحق، فغطوه ~~وجحدوه. وكفر نعمة الله: جحدها وسترها، والمكفر: المجحود النعمة مع إحسانه، ~~وكافره حقه: جحده، والتكفير في المعاصي كالإحباط [3] في الثواب. # {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} بهمزتين كوفي[كذا]، و«سواء» بمعنى ~~الاستواء، كأنه ms0010 قيل: إن الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه، والإنذار ~~التخويف من عقاب الله، {لا يؤمنون(6)}. # {ختم الله على قلوبهم} قيل: الختم التغطية، لأن في الاستيثاق من الشيء ~~يضرب الخاتم عليه تغطية له لئلا يطلع عليه. وقال ابن عباس: «طبع الله على ~~قلوبهم، فلا يعقلون الخير»، يعني أن الله طبع عليها فجعلها حيث لا يخرج ~~منها ما فيها من الكفر، ولا يدخلها ما ليس فيها من الإيمان؛ وحاصل الختم ~~والطبع والرين والحجاب والعمى والصمم والغطاء خلق الظلمة والضيق في صدر ~~العبد عندنا، فلا يؤمن ما دامت تلك الظلمة في قلبه. وقال بعضهم: إن إسناد ~~الختم إلى الله تعالى مجاز، والخاتم في الحقيقة الكافر، إلا أنه تعالى لما ~~كان هو قدره ومكنه أسند إليه الختم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... قال في اللسان: «السبر: التجربة، وسبر الشيء سبرا: حزره ~~وخبره»، ثم قال: «قال المؤرج... السبر: العداوة، قال: وهذا غريب»، ويبدو أن ~~المؤلف يقصد بالسبر المعنى الثاني الغريب، فهو أقرب إلى السياق. ابن منظور: ~~لسان العرب المحيط، قدم له العلامة الشيخ عبد الله العلايلي، أعاد بناء على ~~الحرف الأول من الكلمة: يوسف خياط، نشر دار الجيل، ودار لسان العرب، بيروت، ~~1408ه/1988م، ج3/85. PageV01P014 # وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة} البصر: نور العين، وهو ما يبصر به ~~الرائي، كما أن البصيرة نور القلب، وهو ما به يستبصر ويتأمل؛ وكأنهما ~~جوهران لطيفان خلقهما الله تعالى، فيهما آلتين (¬1) للإبصار والاستبصار. ~~والغشاوة: الغطاء. والأسماع داخلة في حكم الختم، لا في حكم التغشية. قال ~~أبو منصور: «الكافر لما لم يسمع قول الحق، ولم ينظر في نفسه وغيره من ~~المخلوقات، ليرى آثار الحدث، فيعلم أن لا بد له من صانع، جعل كأن على بصره ~~وسمعه غشاوة، وإن لم يكن ذلك حقيقة». والغشاوة: فعالة من “غشاه”، إذا غطاه. # {ولهم عذاب عظيم(7)} ومعنى التنكير أن على أبصارهم نوعا من التغطية غير ~~ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن آيات الله، ولهم من بين الآلام ~~العظام نوع عظيم من العذاب، لا يعلم كنهه إلا الله، والفرق بين العظيم ms0011 ~~والكبير أن العظيم يقابل الحقير، والكبير يقابل الصغير. والعذاب قيل ما ~~يمنع الإنسان عن مراده، كأنهم منعوا عن مرادهم الحقيقي، إلا أنهم لم يعلموا ~~به، ولذلك قال: {وما يشعرون}، (لعله) لأنهم تركوا التفكر عن (¬2) حقيقة ~~مآلهم فصاروا معذبين في الدنيا والآخرة في المعنى، لأن ما بهم من دنياهم ~~ليس بثابت، فليس بشيء في الحقيقة؛ والمؤمنون بضد ذلك، فهم منعمون في الدنيا ~~والآخرة، لأن ما ينالهم من المكروهات في الدنيا ليس بباق، ولهم الثواب عليه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «آلتان»، أو: «خلق الله تعالى ~~فيهما آلتين». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «في». PageV01P015 # ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر} افتتح سبحانه بذكر الذين ~~أخلصوا دينهم لله، وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم؛ ثم ثنى بالكافر قلوبا ~~وألسنة؛ ثم ثلث بالمنافقين الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وهم أخبث ~~الكفرة، لأنهم خلطوا (¬1) بالكفر استهزاء وخداعا، ولذا نزل فيهم: {إن ~~المنافقين في الدرك الأسفل من النار} (¬2) . {وما هم بمؤمنين(8)} إنكارا ~~لما ادعوه من الإيمان ونفيه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «خلطوا الإيمان بالكفر». # (¬2) - ... سورة النساء: 145. PageV01P016 # يخادعون الله} يظهرون غير ما في نفوسهم، فالخداع إظهار غير ما في النفس. ~~{والذين [4] آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم} أي وما يعاملون تلك المعاملة ~~المشبهة بمعاملة المخادعين لأنفسهم، لأن ضررها يلحقهم، وحاصل خداعهم وهو ~~العذاب في الآخرة يرجع إليهم؛ فكأنهم خدعوا أنفسهم. والنفس ذات الشيء ~~وحقيقته، والخداع من الله في قوله: {وهو خادعهم} (¬1) أي يظهر لهم ويجعل ~~لهم من النعيم في الدنيا خلاف ما يغيب عنهم من عذاب الآخرة؛ وقيل: أصل ~~الخدع الفساد، معناه يفسدون (لعله) ما أظهروا من الإيمان بما أضمروا من ~~الكفر؛ {وهو خادعهم}: (لعله) أي يفسد عليهم (لعله) يعني في الدنيا، لما ~~(لعله) يصيروا إليه من عذاب الآخرة. ثم قيل: للقلب والروح «النفس»، لأن ~~النفس بهما، وللدم نفس، لأن قوامها بالدم، وللماء نفس لفرط حاجتها إليه؛ ~~والمراد بالأنفس هاهنا ذواتهم، والمعنى: لمخادعتهم ذواتهم، لأن الخداع لاصق ~~بهم، لا يعدوهم إلى غيرهم. {وما يشعرون(9)} ms0012 أن حاصل خداعهم يرجع إليهم، ~~والشعور على الشيء (¬2) علم حس من الشعار وهو ثوب يلي الجسد، ومشاعر ~~الإنسان حواسه لأنها آلات الشعور، والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس، ~~وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النساء: 142. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «بالشيء». PageV01P017 # في قلوبهم مرض} أي شك أو نفاق، لأن الشك تردد بين الأمرين، والمنافق ~~متردد؛ في الحديث: «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين» (¬1) ، ~~والمريض متردد بين الحياة والموت، ولأن المرض ضد الصحة، والفساد يقابل ~~الصحة، فصار المرض اسما لكل فساد؛ والشك والنفاق فساد في القلب. {فزادهم ~~الله مرضا} أي ضعفا عن الانتصار، وعجزا على الاقتدار؛ وقيل: المراد به خلق ~~النفاق في حالة البقاء بخلق أمثاله، كما عرف في زيادة الإيمان؛ وقيل: لأن ~~الآيات كانت تنزل تترى آية بعد آية، كلما كفروا بآية ازدادوا كفرا ونفاقا، ~~وذلك معنى قوله: {وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم} (¬2) . ~~{ولهم عذاب أليم} أي مؤلم، يخلص وجعه إلى قلوبهم {بما كانوا يكذبون(10)}، ~~أي بكذبهم في قولهم (¬3) : {آمنا بالله وباليوم الآخر، وما هم بمؤمنين}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه مسلم في صحيحه، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، رقم 4990. ~~عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مثل المنافق كمثل الشاة ~~العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة». وفي رواية: «تكر في ~~هذه مرة وفي هذه مرة». ورواه النسائي في كتاب الإيمان وشرائعه. وأحمد في ~~مسند المكثرين من الصحابة من عدة طرق؛ والدارمي في كتاب المقدمة. العالمية: ~~موسوعة الحديث، مادة البحث: «مثل المنافق». # (¬2) - ... سورة التوبة: 125. # (¬3) - ... في الأصل: «قلولهم»، وهو خطأ. PageV01P018 # وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض} الفساد خروج الشيء عن حال استقامته ~~وكونه منتفعا به، وضده الصلاح، وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة؛ ~~والفساد في الأرض هيج الحروب والفتن، لأن في ذلك فسادا في الأرض وانتفاء ~~الاستقامة على أحوال الناس، والزروع والمنافع الدينية والدنيوية. {قالوا: ~~إنما نحن مصلحون(11)} أي إن صفة المصلحين حصلت لنا، وتمحضت من غير شائبة ms0013 ~~قادح فيها من وجه من وجوه الفساد، وذلك ظنا منهم وحرصا بلا قيام دليل، ولو ~~قابلوا أحوالهم بالدليل لاستبان لهم فسادها عيانا. # {ألا إنهم هم المفسدون} أنفسهم بالكفر، والناس بالتعويق عن الإيمان، [5] ~~{ولكن لا يشعرون(12)} أي لا يعلمون أنهم مفسدون، لأنهم يظنون أن الذي هم ~~عليه من إبطال الحق صلاح، قد رد الله ما ادعوه من جملة المصلحين أبلغ ردا (¬1) . # {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا: أنؤمن كما آمن السفهاء} نصحوا ~~من وجهين: أحدهما تقبيح ما كانوا عليه لبعده من الصواب، وجره إلى الفساد، ~~وثانيها (¬2) تبصيرهم لطريق السداد، وكان من جوابهم أن سفهوهم وجهلوهم ~~لتمادي جهلهم، وفيه تسلية للعالم مما يلقى من الجهلة. وذكر الناس أي كما ~~آمن الكاملون في الإنسانية، أو جعل المؤمنون كأنهم الناس على الحقيقة، ومن ~~عداهم كالبهائم، وإنما سفهوهم وهم العقلاء المراجيح لأنهم جمع لجهلهم ~~اعتقدوا (¬3) أن ما هم فيه هو الحق، وأن ما عداه باطل، ومن ركب متن الباطل ~~كان سفيها. والسفه سخافة العقل، وخفة الحلم؛ وقيل: السفيه خفيف العقل، رقيق ~~الحلم، وقولهم: ثوب سفيه، أي رقيق. # {ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون(13)} إنهم هم السفهاء. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «رد». # (¬2) - ... كذا في الأصل، والأصوب: «وثانيهما». # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «اعتقادهم»، أو «أنهم اعتقدوا». PageV01P019 # وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا} بيانا لمذهب المنافقين، {وإذا خلوا ~~إلى شياطينهم} رؤوسهم الذين ماثلوا الشياطين في تمردهم، والشيطان: المتمرد ~~العاتي من الجن والإنس، وأصله البعد، يقال: بئر شيطان، أي بعيدة قعر العمق؛ ~~وسمي الشيطان شيطانا لامتداده في الشر وبعده من الخير، {قالوا: إنا معكم} ~~أي مصاحبوكم وموافقوكم على دينكم، {إنما نحن مستهزئون(14)} توكيد لقوله: ~~{إنا معكم}، وقوله: {إنما نحن مستهزئون} رد للإسلام، لأن المستهزئ بالشيء ~~المستخف به منكر له، والاستهزاء السخرية والاستخفاف، {الله يستهزئ بهم} أي ~~يجازيهم على استهزائهم، فسمى جزاء الاستهزاء باسمه، كقوله: {وجزاء سيئة ~~سيئة مثلها} (¬1) ، {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} (¬2) ، فسمى جزاء ~~السيئة سيئة، وجزاء الاعتداء اعتداء، وإن لم يكن ms0014 الجزاء سيئة والاعتداء ~~(¬3) ؛ وهذا لأن الاستهزاء على الله تعالى لا يجوز من حيث الحقيقة، لأنه من ~~باب العبث وتعالى عنه، ويجوز في المعنى استهزاؤه بهم خذلانه لهم، وترك ~~نصرته إياهم، كما تركوا دينه، ولم يحتلفوا (¬4) به، على معنى المقابلة ~~والمجازاة، لأنهم إذا تركوا دينه فقد اتخذوه هزؤا، وإن لم يستهزئوا ~~بألسنتهم؛ وقيل: معناه إهانتهم لأن المستهزئ غرضه (¬5) بالشيء غرضه إدخال ~~الهوان والحقارة عليه. { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الشورى: 40. # (¬2) - ... سورة البقرة: 194. # (¬3) - ... كذا في الأصل، والصواب: «ولا اعتداء». # (¬4) - ... كذا في الأصل، ولم نجد هذه الكلمة في كتب اللغة ولعل الصواب: ~~«ولم يحتفلوا به»، أي لم يبالوا، قال ابن منظور في اللسان: «وما حفله، وما ~~حفل به، يحفل حفلا، وما احتفل به، أي ما بالى، والحفل: المبالاة، يقال: ما ~~أحفل بفلان،: أي ما أبالي به». ابن منظور: لسان العرب، ج1/676. # (¬5) - ... كذا في الأصل، والصواب: - «غرضه»، فتكون العبارة: «لأن ~~المستهزئ بالشيء غرضه إدخال الهوان...». PageV01P020 # ويمدهم} يمهلهم {في طغيانهم} في غلوهم وكفرهم {يعمهون(15)} أي: يعمهون ~~ويترددون، والعمه محرك تردد في الضلال، والتحير في منازعة أو طريق، لا يعرف الحجة. # {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} أي استبدلوها به، واختاروها عليه، ~~وفيه دليل على جواز البيع تعاطيا، لأنهم لم يتلفظوا بلفظ الشراء، ولكن ~~تركوا الهدى بالضلالة [6] عن اختيار، وسمى ذلك شراء (¬1) ، فصار دليلا على ~~أن من أخذ شيئا من غيره وترك عوضه برضاه فقد اشتراه وإن لم يتكلم به. ~~وضلالة (¬2) : الجور عن القصد، [و]فقد (¬3) الاهتداء، يقال: ضل منزله، ~~واستعير للذهاب عن الصواب في الدين، {فما ربحت تجارتهم} الربح الفضل على ~~رأس المال، والتجارة صناعة التاجر، وهو الذي يبيع ويشتري للربح، {وما كانوا ~~مهتدين(16)} لطريق التجارة، كما يكون التجار المتصرفون العالمون بما يرشح ~~بربح فيه ويخسروا، والمعنى أن مطلوب التجار سلامة رأس المال والربح، وهؤلاء ~~قد أضاعوها (¬4) ، فرأس مالهم الهدى، ولم يبق لهم مع الضلالة، وإذا لم تبق ~~لهم إلا الضلالة لم يوصفوا بإصابة الربح وإن ظفروا بالأعراض الدنيوية، لأن ~~الضال خاسر، ولأنه لا يقال لمن لم يسلم له رأس ms0015 ماله: قد ربح. # {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا} لما جاء بحقيقة صفتهم عقبها بضرب المثل ~~زيادة في الكشف، وتتميما للبيان، ولضرب الأمثال في إبراز خفيات المعاني، ~~ورفع الأستار عن الحقائق، بائير (¬5) ظاهر، ولقد كثر في الكتب السماوية ومن ~~سور الإنجيل سورة الأمثال، والمثل في أصل كلامهم هو، وهو [كذا] النظير؛ ~~يقال: مثل ومثل. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «شرى». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الأصوب: «والضلالة». # (¬3) - ... في الأصل: «ققد»، وهو خطأ. # (¬4) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «أضاعوهما». # (¬5) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «بأسلوب»، أو «بتعبير» حسب ما ~~يتبادر من السياق. PageV01P021 # فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون(17)} ~~فالمنافق خابط في ظلمات الكفر أبدا، ولكن المراد ما استضاؤوا به قليلا من ~~الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم، ووراء استضاءتهم بنور هذه الكلمة ~~ظلمة النفاق المخفية، المفضية إلى ظلمة العقاب السرمدي؛ وللآية تفسير آخر، ~~وهو أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى، عقب ذلك بهذا التمثيل ~~ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد، والضلالة التي ~~اشتروها بذهاب الله بنورهم، وتركه إياهم في الظلمات. # { PageV01P022 صم بكم عمي} أي هم صم، كانت حواسهم سليمة ولكن لما سدوا عن ~~الإصاخة (¬1) إلى الحق مسامعهم، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم، وأن ينظروا ~~ويتبصروا بعيونهم (¬2) ، جعلوا كأنما انقبت حشاعرهم (¬3) ؛ أو أنهم حينما ~~لم يستعملوها فيما جعلت له، كأنهم عدموها فصارت كلا شيء، وكأنهم خلقوا ~~(لعلة) بغير آذان وبغير ألسن وبغير أعين، وإن وجدت صورها بهم، لأن تلك ~~الآلات أريدت (لعلة) لا لغيرها. وقدم ذكر الصم على البكم، لأن من لم يسمع ~~الحق لتصاممه عنه لم يفهم معانيه، ومن لم يفهم معانيه لم يستطع أن ينطق به؛ ~~وقدم ذكر البكم على العمي، لأن من لم يستطع أن ينطق بالحق لم يقدر أن يعمل ~~به، وهذه الأحوال متلازمة لا ينفك بعضها من بعض، لأن من استمع علم، ومن علم ~~عمل. {فهم لا يرجعون(18)} لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو عن الضلالة ~~بعد أن اشتروها، أو ms0016 أراد أنهم متحيرون، بقوا خامدين [7] في مكاناتهم لا ~~يبرحون، ولا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «الإضاحة»، وهو خطأ، والإصاخة الاستماع، قال في ~~اللسان: «أصاخ له يصيخ إصاخة: استمع وأنصت لصوت... ويروى بالسين». ابن ~~منظور: لسان العرب، ج3/498. # (¬2) - ... يمكن أن نقرأ: «بعيوبهم»، ورسم الكلمة في الأصل هكذا: ~~«بعتوبهم»، وهو خطأ. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ويبدو أن الناسخ متأكد مما كتبه فقد كتب حاء ~~صغيرة تحت حرف الحاء من كلمة «حشاعرهم»، ولا معنى له، ولعل الصواب: «انتفت ~~مشاعرهم»، بدليل ما يأتي من السياق. PageV01P023 # أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق} ثنى الله سبحانه في شأنهم بتمثيل ~~آخر، لزيادة الكشف والإفصاح، وشبه المنافق في التمثيل الأول بالمستوقذ ~~نارا، وإظهاره الإيمان بالإضاءة، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار، وهنا شبه ~~دين الإسلام بالصيب، لأن القلوب تحيى به حياة الأرض بالمطر. {يجعلون ~~أصابعهم في آذانهم من الصواعق} الصاعقة قصفة رعد تنفض معها شقة من نار، ~~قالوا: تنقدح من السحاب إذا اصطكت أجرامه، وهي نار لطيفة حديدة لا تمر بشيء ~~إلا أتت عليه، إلا أنها مع حدتها سريعة الخمود؛ يحكى أنها سقطت على نخلة ~~فأحرقت نحو نصفها ثم طفئت. ويقال: صعقته الصاعقة، إذا أهلكته، فصعق أي مات، ~~إما بشدة الصوت أو بالإحراق. {حذر الموت} الموت فساد بنية الحيوان، أو عرض ~~لا يصح معه إحساس، معاقب للحياة. {والله محيط بالكافرين(19)} يعني أنهم لا ~~يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به. # { PageV01P024 يكاد البرق} أي يقرب، يقال: كاد يفعل إذا قرب ولم يفعل، ~~{يخطف أبصارهم} الخطف الأخذ بسرعة، و«كاد» يستعمل لتقريب الفعل، {كلما أضاء ~~لهم مشوا فيه} هذا تمثيل لشدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصيب، ~~وما هم فيها من غاية التحير والجهل، لما يأتون وما يذرون، إذا صادفوا من ~~البرق خفقه مع خوف أن يخطف أبصارهم، انتهضوا لتلك الخفقة فخطوا خطوات ~~يسيرة، فإذا. . . (¬1) خفي لمعانه بقوا واقفين، {وإذا أظلم عليهم قاموا} ~~وقفوا وثبتوا في مكانهم متحيرين، فالله شبههم في نفاقهم بقوم كانوا في ~~مفازة (¬2) في ليلة ms0017 مظلمة أصابهم مطر، فيه ظلمات، لا يقدر على المشي (¬3) ~~فيها، فالماء القرآن لأنه حياة الجنان، والظلمات صفة الكفر، والبرق صفة ~~الهدى. {ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير(20)} ~~أي إن الله قادر على كل شيء. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كلمة غير واضحة في الأصل، رسمها: «وفير»، والمعنى كامل ~~بحذفها. # (¬2) - ... قال في اللسان: «المفاز والمفازة: البرية القفر، وتجمع ~~المفاوز». ابن منظور: لسان العرب، ج4/1144. # (¬3) - ... في الأصل: «المسىء»، وهو خطأ. PageV01P025 # يا أيها الناس اعبدوا ربكم} أكثر النداء في القرآن من الله لعباده، من ~~أوامره ونواهيه، ووعده ووعيده، أمور عظام، وخطوب جسام، يجب عليهم أن ~~يتيقظوا لها، ويميلوا بقلوبهم إليها، وهم عنها غافلون، وعن معانيها ساهون، ~~فاقتضت الحال أن ينادوا ياءكدالابلغ(؟)[كذا]، فقال: {اعبدوا ربكم}، قيل: كل ~~عبادة في القرآن فهو توحيد، ومن وحد الله تعالى فقد عيده، ومن عبده فقد ~~وحده. {الذي خلقكم} الخلق إيجاد المعدوم على تقدير واستواء، {والذين من ~~قبلكم} احتج عليهم بأنه خالقهم وخالق من كان من قبلهم، لأنهم كانوا مقرين ~~بذلك، وإذا تقرر ذلك معهم في [8] عقائدهم، اقتضى الحال أن لا يستحق العبادة ~~سواه، فقيل لهم: إن كنتم مقرين بأنه خالقكم فاعبدوه ولا تعبدوا الأصنام؛ ~~ومما يدخل في اسم الأصنام والآلهة عبادة الأهوية بغير الحق، كما قال: ~~{أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} (¬1) ، {لعلكم تتقون(21)} أي اعبدوه على رجاء ~~أن تتقوا، فتنجوا بسببه من العذاب، وقيل: لعل بمعنى كي. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الجاثية: 23. PageV01P026 # الذي جعل لكم الأرض فراشا} بساطا، تقعدون عليها، وتنامون وتتقلبون، ~~{والسماء بناء} سقفا، {وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ~~فلا تجعلوا لله أندادا} أمثالا تعبدونهم (¬1) كعبادة الله، وهو متعلق ~~بالأمر، أي اعبدوا ربكم الذي جعل لكم هذا لتستعينوا به على العبادة، فلا ~~تجعلوا له ندا، لأن أصل العبادة وأساسها التوحيد، وأن لا يجعل له ند ولا ~~شريك في شيء، لأنه لم يشاركه أحد في ما جعله وخلقه وأنعم به عليكم، {وأنتم ~~تعلمون(22)} أنه لا يخلق ولا يرزق ولا يستحق العبادة غيره، فكيف ms0018 وأنتم من ~~أهل العلم، وجعل الأصنام لله أندادا غاية الجهل، ولما احتج عليهم بما يثبت ~~الوحدانية، ويبطل الإشراك، [احتج] بخلقهم أحياء قادرين، وخلق الأرض التي هي ~~مكانهم ومستقرهم، وخلق السماء التي هي كالقبة المضروبة على هذا القرار وما ~~سواه عز وجل، من شبه عقد النكاح التكافؤ بين المقلة والمظلة (¬2) بإنزال ~~الماء منها عليها، والإخراج به من بطنها من الثمار رزقا لهم، فهذا كله دليل ~~موصل إلى التوحيد، مبطل للإشراك، لأن المخلوقات عاجزة لا تقدر على إيجاد ~~شيء، فكيف تستحق أن تعبد، ثم عطف على إثبات نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- فقال: # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «تعبدوانهم»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولم يتضح لنا معنى العبارة. PageV01P027 # وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا} العبد اسم لمملوك من جنس العقلاء، ~~أي إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله، {فأتوا بسورة} أي فهاتوا أنتم بسورة ~~{من مثله} والسورة الطائفة من القرآن المترجمة التي أقلها ثلاث آيات، ~~وواوها إن كانت أصلا فإما أن يسمى بسورة (¬1) المدينة وهي حائطها، لأنها ~~طائفة من القرآن محدودة محجورة على حبالها كالبلد المسور، أو لأنها محتوية ~~على فنون من العلم، وأجناس من الفوائد، كاحتواء سورة المدينة على ما فيها؛ ~~وإما أن تسمى بالسورة التي هي الرتبة، لأن السور بمنزلة المنازل والمراتب، ~~يترقى منها المماري؛ أو لرفعة شأنها، وجلالة محلها في الدين؛ وإن كانت ~~منقلبة عن همزة فلأنها قطعة وطائفة من القرآن كالسؤرة، وكالتي (¬2) هي ~~البقية من الشيء من مثله، على صفته في البيان الغريب وعلو شأنه. # {وادعوا شهداءكم من دون الله} أي غير الله، أي ادعوا الذين اتخذتموهم ~~آلهة من دون الله، وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أنكم على الحق، أو ~~من يشهد لكم بأنه مثل القرآن، {إن كنتم صادقين(23)} [9] أن ذلك مختلق. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، أنث المصنف هذه الكلمة، والصواب تذكيرها، ومنه ~~قوله تعالى: {فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله ~~العذاب} [الحديد:13]، وقد ناقش ابن منظور قضية اشتقاق السورة، ms0019 وأورد أقوال ~~اللغويين فيها. انظر: ابن منظور: لسان العرب، ج3/237-238. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «والتي»، فتكون العبارة اللاحقة ~~شرحا لمعنى «السؤرة» بالهمزة. انظر: المصدر نفسه. PageV01P028 # فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة} لما ~~أرشدهم إلى الجهة التي منها يتعرفون صدق النبيء - عليه السلام - قال لهم: ~~فإذا لم تعارضوه وبان عجزكم، ووجب تصديقه، فآمنوا وخافوا العذاب المعد لمن ~~كذب؛ ومعنى قوله: {وقودها الناس والحجارة}، فإنها نار ممتازة عن غيرها من ~~النيران، بأنها تتقد بالناس والحجارة، وهي حجارة الكبريت فهي أشد توقدا ~~(¬1) ، وأبطأ خمودا، وأنتن رائحة، وألصق بالبدن؛ {أعدت للكافرين(24)} هيئت لهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «توقد»، وهو خطأ. PageV01P029 # وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات} لأن الإيمان الحقيقي يقتضي العمل ~~بالصالحات دون المفسدات، والصالحات كل ما استقام من الأعمال بدليل العلم، ~~قال معاذ: «العمل الصالح الذي فيه أربعة أشياء: العلم، والنية، والصبر، ~~والإخلاص»؛ {أن لهم جنات} تنكيرها أن الجنة اسم لدار الثواب كلها، وهي ~~مشتملة على جنان كثيرة، مرتبة مراتب بحسب أعمال العاملين، لكل طبقة منهم ~~جنات من تلك الجنان؛ والجنة البستان الذي فيه أشجار مثمرة، سميت بها ~~لاجتنانها وتسترها بالأشجار، {تجري من تحتها الأنهار}: الماء الجاري من ~~النعمة العظمى، ولذا قرن الجنات بذكر الأنهار الجارية، وقدمه على سائر ~~نعوتها، {كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل} من ~~قبل في الدنيا؛ وقيل: الثمار في الجنة متشابهة في اللون مختلفة في الطعم، ~~فإذا رزقوا ثمرة بعد أخرى ظنوا أنها الأولى، فإذا طعموا منها وجدوها على ~~غير صفة الأولى، كما قال: {وأتوا به متشابها} في اللون مختلفا في الطعم، ~~وقيل: يشبه بعضها بعضا في الجودة وكلها خيار لا رذالة فيها؛ وقيل: تشبه ~~ثمرة الدنيا غير أنها أطيب؛ وقيل: متشابها في الاسم مختلفا في الطعم؛ قال ~~ابن عباس: «ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسامي»، {وأوتوا به متشابها ~~ولهم فيها (¬1) أزواج مطهرة} من مساوئ الأخلاق وسائر الأقذار والأنجاس، ~~{وهم فيها خالدون(25)} الخلد: البقاء الدائم الذي لا ms0020 ينقطع، ولذا قيل: يرسل ~~الله إلى عباده في الجنة كتابا فيه بشارة البقاء من الحي الذي لا يموت إلى ~~الحي الذي لا يموت. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: + «فيها»، وهو خطأ. PageV01P030 # إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة} أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ~~ترك من يستحيي أن يتمثل بها لحقارتها، وضرب المثل صنعه، من ضرب اللبن وضرب ~~الخاتم. {فما فوقها} فما تجاوزها، {فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه} المثل ~~{الحق}، الحق: الثابت الذي لا يسوغ إنكاره ولا بطلانه ولا ذهابه، وهو من ~~الحقيقة التي هي ضد الظاهر الوهمي، وضده الباطل الذاهب الزاهق الممتحق، ~~يقال: حق الأمر إذا ثبت، {من ربهم. وأما الذين كفروا فيقولون ماذا} أي شيء؟ ~~{أراد الله بهذا مثلا} (¬1) [10] إنكار (¬2) منهم لذلك. {يضل به} بالمثل ~~{كثيرا} من الضالين، أو إضلالا كثيرا، {ويهدي به كثيرا} بيان أن المؤمنين ~~الذين عادتهم الإنصاف والنظر في الأمور بناظر العقل، إذا سمعوا بهذا ~~التمثيل علموا أنه الحق، وأن الكفار الذين غلبهم الجهل، والهوى على عقولهم، ~~كابروا وعاندوا وقضوا عليه بالبطلان، وقابلوه بالإنكار، وأن ذلك سبب هدى ~~المؤمنين وضلال الكافرين الفاسقين؛ والعجب منهم كيف أنكروا ذلك. وما زال ~~الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور وأجناس الأرض، فقالوا: «أجمع من ~~ذره»، و«وأجرء من الذباب»، و«أسمع من قراد» (¬3) ، و«أضعف من فراشة»، و«آكل ~~من السوس»، و«أضعف من بعوضة»، و«أعز من مخ البعوض» (¬4) ؛ ولكن ديدن ~~المحجوج والمبهوت (¬5) أن يرضى لفرط الحيرة بدفع الواضح، وإنكار اللائح. { # ¬__________ # (¬1) - ... في الحاشية السفلية من المخطوط عبارة بخط الناسخ: «قالوا: ~~دمعت فقلت». ولا محل لها من النص. # (¬2) - ... كذا في الأصل، والصواب: «إنكارا»، لأنه حال. # (¬3) - ... قال في المنجد: «قيل: إنه يسمع أخفاف الإبل من مسيرة يوم ~~فيتحرك». ص 992. # (¬4) - ... قال في المنجد: «يضرب فيها لما يندر وجوده أو لا يكون». ص 1000. # (¬5) - ... في الأصل: «ولمبهوت»، وهو خطأ. PageV01P031 # وما يضل به} (لعله) قيل: الإضلال هو الصرف عن الحق إلى الباطل، وقيل: هو ~~الإهلاك. {إلا الفاسقين(26)} الفسق: الخروج عن القصد، وفي الشريعة الخروج ~~عن الأمر بارتكاب الكبيرة، وهو النازل ms0021 بين المنزلتين: منزلة المؤمن ~~والمشرك. # {الذين} صفة لهم {ينقضون عهد الله} النقض: الفسخ، وفك التركيب والكسر، ~~والعهد الموثق ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد، كأنه أمر وصاهم به، ~~{من بعد ميثاقه} أصله من الوثاقة، وهي إحكام الشيء، {ويقطعون ما أمر الله ~~به أن يوصل} أي قطع الوصل الذي به نظام العالم وصلاحه، وقيل: الإيمان بمحمد ~~- صلى الله عليه وسلم - وبجميع الرسل، لأنهم قالوا: {نؤمن ببعض ونكفر ببعض} ~~(¬1) ، وإذا قطع تولد منه الفساد. {ويفسدون في الأرض} بعد إصلاحها، أي ~~خلقها الله صالحة، منتفعا بها للتزود للمعاد، {أولئك هم الخاسرون(27)} أي ~~خسروا ما خلق الله لهم من النعم، حيث كفروها فلم ينتفعوا بها، بل حاق بهم ~~ضررها، لأنهم ازدادوا بها عذابا، وخسروا إهمال العقل عن النظر، واقتناص ما ~~يفيدهم الحياة (¬2) الأبدية. # {كيف تكفرون بالله} بعد نصب الدلائل، ووضوح البراهين، ثم ذكر الدليل ~~فقال: {وكنتم أمواتا} يقال لعادم الحياة أصلا ميت، {فأحياكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم} كما قال: {ربنا أمتنا اثنتين، وأحييتنا اثنيتن} (¬3) ، فانظر بين ~~الموتتين والحياتين ولما بينهما من التفاوت، {ثم إليه ترجعون(28)} إلى ~~الجزاء على قدر الأعمال. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النساء: 150. # (¬2) - ... كذا في الأصل، والصواب: «للحياة». # (¬3) - ... سورة غافر: 11. PageV01P032 # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} أي لأجلكم ولانتفاعكم به في دنياكم ~~ودينكم، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فالنظر فيه، وما فيه من العجائب ~~الدالة على صانع قادر، حكيم عليم، وما فيه من التذكير بالآخرة، لأن ملاذها ~~تذكر ثوابها، ومكارهها تذكر عقابها، فقد خلق الله له السراء والضراء ~~مطيتين، ليتوصل بهما إلى دار الثواب، وكلها في حق المطيع الشاكر نعم، وكلها ~~في حق من كفرها نقم, {ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات} معنى [11] ~~تسويتهن تعديل خلقهن وتقويمه، وإخلاؤه من العوج والفطور. {وهو بكل شيء ~~عليم(29)} فمن ثم خلقهن خلقا مستويا محكما، من غير تفاوت مع خلق ما في ~~الأرض، على حسب حاجات أهلها ومنافعهم، ولم يخلق شيئا عبثا لأنه حكيم عليم، ~~ولكن عقول الخلق تقصر عن إدراك بعض معلوماته ms0022 بالأشياء وما فيها، وما خلقت له. # { PageV01P033 وإذ قال ربك للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة} وهو من ~~يخلف غيره، وقيل: سموا خليفة لأنهم خليفة الله في أرضه لإقامة أحكامه ~~وتنفيذ قضاياه. {قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} بغير حق، ~~كما فعل بنو الجان، فقاسوا بالشاهد على الغائب، وهو تعجب أو استكشاف لما ~~خفي عليهم من الحكمة. {ونحن نسبح} (لعله) نعيذك عما لا يليق بك، {بحمدك} ~~ملتبسين به، {ونقدس لك} نطهر نفوسنا عن المعاصي، لك: لأجلك، أو نقدسك، ~~كأنهم علموا أطباع الخليقة أنها تؤول إلى المنازعة في الربوبية، وهو من ~~الفساد في الأرض، ولعله قد سبقهم خلق فيها قبلهم، فعصوا وتعالوا عليه ~~بارتكاب ما (لعله) نهى وترك ما أمر، ولذلك قيل واستدل بقوله: {والجان ~~خلقناه من قبل} (¬1) أي من قبل آدم. {قال: إني أعلم ما لا تعلمون(30)} أي ~~أعلم من الحكم فيه ما هو خفي عليكم، يعني يكون فيهم الأنبياء والعلماء ~~والأولياء، وما خلق الله لهم، وفيهم من الحكم مما لم يخلق لكم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الحجر: 27. PageV01P034 # وعلم آدم الأسماء كلها} يحتمل: علمه بأسمائها، وقيل: علمه صنعة كل شيء، ~~ويحتمل علمه بمعانيها وما خلقت له، لأن المعاني (لعله) وما تراد له أخص من ~~الأسماء، (لعله) مما يحتاج له من أمر دينه ودنياه؛ وقيل: اسم ما كان وما ~~يكون إلى يوم القيامة؛ وقيل: علمه أحوالها وما يتعلق بها من المنافع ~~الدينية والدنيوية، ويحتمل أن يكون علمه اسم ما ينفعه ويضره عاجلا وآجلا، ~~ليستعمل النافع ويجتنب الضار، وهو لم يخلق إلا لهذا لأن ما عداه باطل. {ثم ~~عرضهم على الملائكة} أي سألهم وقد علم عجزهم عن الإنباء على سبيل التبكيت، ~~{فقال: أنبئوني} أخبروني {بأسماء هؤلاء} تبكيت لهم، وتنبيه على قصورهم، ~~وليس لعلم الأسماء جدوى بغير معرفة المعاني، بل لكل معنى اسم، {إن كنتم ~~صادقين(31)} في زعمكم أني أستخلف في الأرض مفسدين سافكين، وكنتم أعلم وأفضل ~~منهم، وفيه رد عليهم وبيان أن فيمن يستخلفه من الفوائد العلمية التي هي ~~أصول الفوائد كلها ما ms0023 يستأهلون لأجله أن يستخلفوا ويفضلوا. # {قالوا: سبحانك} تنزيها لك أن يخفى عليك شيء، أو عن الاعتراض عليك في ~~تدبيرك، وأفادتنا الآية أن العلم بالمعلومات وحقائقها، وما تراد له وخلقت ~~لأجله، والحق من الباطل، وما يستقيم به الدين ويقتضيه، فوق التحلي ~~بالعبادة، مع جهل هذا. {لا علم لنا إلا ما علمتنا} أي ليس لنا من العلم إلا ~~ما علمتنا إياه، {إنك أنت العليم} غير معلم، {الحكيم(32)} فيما [12] قضيت ~~وقدرت، والحكيم المحكم للأمر كيلا يطرق إليه الفساد والنقص فيبطل، وقيل: ~~الحكيم المحكم لمبتدعاته الذي لا يفعل إلا ما فيه حكمة بالغة. # { PageV01P035 قال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم} أخبرهم، فسمى آدم كل شيء ~~باسمه، وذكر الحكمة التي لأجلها يخلق (¬1) ، {فلما أنبأهم بأسمائهم} (لعله) ~~فلما ظهر فضل آدم سمى كل شيء باسمه، ويحتمل أنه علمهم كل شيء بمعناه، وما ~~يراد به وله؛ وقيل: أخبر الملائكة بأسمائهم أي باسم كل شيء، ومنافعه ~~ومضاره، وخواصه، وفي هذا أن تعليمه... (¬2) الأسماء كلها بما فيها من ~~المعاني، ونتق (¬3) لسانه بذلك معجزة أقامها الله (لعله) للملائكة دالة على ~~نبوة وجلالة قدره وتفضيله عليهم. {قال: ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات ~~والأرض} أي ما غاب فيهما عنكم، مما كان ومما يكون، وهو قوله لهم: {إني أعلم ~~ما لا تعلمون}، حين عاضوا في خلق الخليفة، وعلم الله من الخليفة ما يكون ~~منها، وما تصلح له من العلوم العقلية والاكتسابية، مما لم يجعل لهم. {وأعلم ~~ما تبدون وما كنتم تكتمون(33)} ما تظهرون بألسنتكم، وتسرون بقلوبكم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «لأجلها خلق». # (¬2) - ... كلمة غير واضحة، رسمها: «تعم»، ويبدو أن حذفها لا يخل ~~بالمعنى. # (¬3) - ... كذا في الأصل، والصواب: «ونطق». PageV01P036 # وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم} أي اخضعوا له، وأقروا له بالفضل، ~~والسجود الحقيقي طاعة الله، ويحتمل ذلك بمعنى الائتمام به في الطاعة لما ~~صار أعلمهم، وحقيق بالعالم أن يؤتم به؛ وقيل: على معنى الانحناء تعبدا من ~~الله لهم بذلك؛ وقيل: إن المأمور به وضع الوجه على الأرض؛ وفي الآية دلالة ~~على فضل آدم ms0024 على جميع الملائكة، لأنه (لعله) قدمه عليهم إذ أمرهم بالسجود ~~له، ولا يجوز تقديم المفضول على الفاضل، ولو لم يكن سجود الملائكة له على ~~وجه التعظيم لشأنه وتقديمه عليهم، لم يكن لامتناع إبليس عن السجود له، ~~وقوله: {أرأيتك هذا الذي كرمت علي} (¬1) ، وقوله: {أنا خير منه} (¬2) وجه. ~~{فسجدوا إلا إبليس أبى} امتنع مما أمر به، (لعله) وسمي إبليس لأنه إبليس ~~(¬3) من رحمة الله، {واستكبر} تكبر عنه، {وكان من الكافرين(34)} في علم ~~الله (لعله) أو صار كافرا بإيبائه واستكباره. # {وقلنا: يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا ~~هذه الشجرة} اختلف في الشجرة ما هي؟ قيل: السنبلة، وقيل: شجرة العنب، وقيل: ~~شجرة التين، وقيل: شجرة العلم[كذا]، وفيها من كل شيء؛ {فتكونا من ~~الظالمين(35)} من الذين ظلموا أنفسهم، بوضع أمر الله غير موضعه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الإسراء: 62. # (¬2) - ... سورة الأعراف: 12. # (¬3) - ... كذا في الأصل، والصواب: «أبلس». قال في اللسان: «وأبلس من ~~رحمة الله، أي يئس وندم، ومنه سمي إبليس، وكان اسمه: عزازيل، وفي التنزيل ~~العزيز: {يومئذ يبلس المجرمون}، وإبليس لعنه الله: مشتق منه لأنه أبلس من ~~رحمة الله، أي أويس». ابن منظور: لسان العرب، ج1/256. PageV01P037 # فأزلهما الشيطان عنها} عن الجنة، بمعنى أذهبهما عنها، وأبعدهما فأخرجهما، ~~{فأخرجهما مما كانا فيه} من النعيم والكرامة، أو من نعمة الطاعة، {وقلنا: ~~اهبطوا بعضكم لبعض عدو} والضمير لآدم وزوجته، وإبليس فيما قيل، {ولكم في ~~الأرض مستقر} استقرار {ومتاع} وتمتع بما أوتوا {إلى حين(36)} إلى الموت. ~~قال ابن أدهم (لعله ابن آدم) (¬1) : «أورثتنا تلك الأكلة حزنا طويلا»، قال ~~غيره: «لا يعبأ بالحزن الفاني إذا أعقبته السلامة». # {فتلقى} تلقن، والتلقي هو قبول [13] عن فطنة وفهم؛ وقيل: هو التعلم، ~~ومعنى تلقي الكلمات استقبالها بالأخذ والقبول والعمل بها، أي أخذها من ربه ~~على سبيل الطاعة. {آدم من ربه كلمات} وهن قوله: {ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم ~~تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} (¬2) ، وهو دخوله في الجملة قولا ~~وعملا ونية، بعد أن خرج منها. {فتاب عليه} فرجع عليه بالرحمة، {إنه ms0025 هو ~~التواب} لمن تاب إليه {الرحيم(37)} بعباده، من حيث تفضل عليهم بالتوبة ~~والإمهال، ولم يؤاخذهم على ذنب تابوا منه. # {قلنا: اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى} بيان وحجة، {فمن تبع ~~هداي} بالقبول {فلا خوف عليهم} من العقاب، {ولا هم يحزنون(38)} على فوت ~~الثواب، أو لا يحزنون على ما يفوتهم من أمر الدنيا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... هذه العبارة من إضافة الناسخ، كما هو واضح، إلا أنه أخطأ في ~~احتماله، بدليل ما سيأتي في قوله: «قال غيره»، أي قال غير ابن أدهم من ~~العارفين، أو الحكماء... وليس المقصود غير ابن آدم. # (¬2) - ... سورة الأعراف: 23. PageV01P038 # والذين كفروا وكذبوا بآياتنا} بحججنا إذا بلغتهم، {أولئك أصحاب النار} أي ~~أهلها ومستحقوها، لأنهم خلقوا لها، وخلقت لهم، كما قال: {ولقد ذرأنا ~~لجهنم...}الآية (¬1) ، {هم فيها خالدون(39)} لأنه لا مطمع في الخروج منها ~~بعد الدخول فيها. # {يا بني إسرائيل} قيل: هو يعقوب، وقيل: معنى إسرائيل: عبد الله، وقيل: هو ~~صفوة الله، {اذكروا} أي احفظوا الذكر، {نعمتي التي أنعمت عليكم} ذكرهم ~~النعمة بأن يطيعوه بها ولا يكفروها، ولا يبخلوا بها بشكرها، لكن عظموها ولا ~~تغفلوا عنها، وهي جميع النعم التي لله على عباده، {وأوفوا بعهدي} أدوه ~~وافيا، بامتثال أمري {أوف بعهدكم} بما عاهدتكم عليه من التوفيق على الطاعة، ~~والجزاء عليها تخليدا أبديا، {وإياي فارهبون(40)} فلا تنقضوا عهدي، ولا ~~تتعرضوا لخذلاني لكم عن الطاعة في الدنيا، واستحقاق التخليد في الآخرة، ولا ~~مرهوب سواه في الحقيقة عند أولي النهى، والأمر لهم بالرهبة منه نهي منه لهم ~~عن الرهبة من غيره، {وآمنوا بما أنزلت} يعني القرآن أو تأويله، {مصدقا لما ~~معكم} موافقا وشاهدا لما معكم من التوراة، يعني في التوحيد والعبادة ~~والنبوات والأخبار، {ولا تكونوا أول كافر به} أي أول من كفر به، أو ولا يكن ~~كل واحد منكم أول كافر به، وهذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن ~~به، لمعرفتهم به على سبيل المسارعة والمسابقة إلى الخيرات، {ولا تشتروا ~~بآياتي} ولا تستبدلوا، بتغييرها وتحريفها وترك العمل بها، {ثمنا قليلا} هو ~~عرض ms0026 الأدنى، {وإياي (¬2) فاتقون(41)} فخافوني وارهبوني، (لعله) لا قوة ~~الرئاسة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الأعراف: 179. وتمام الآية: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن ~~والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا ~~يسمعون بها}. # (¬2) - ... في الأصل: «وياي»، وهو خطأ. PageV01P039 # ولا تلبسوا الحق بالباطل} لبس الحق بالباطل خلطه، كأن المعنى: ولا تكتبوا ~~في التوراة ما ليس منها، فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم، حتى لا ~~يميز بين حقها وباطلكم، أو ولا تجعلوا الحق ملتبسا مشتبها بباطلكم الذي ~~تهوونه، أو لا تغطوا (¬1) الحق بالباطل وتسترونه، {وتكتموا الحق} أي ولا ~~تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمان الحق، {وأنتم تعلمون(42)} في حال علمكم ~~أنكم لا تسبون الحق بالباطل، كاتمون الحق، وهو أقبح لهم، لأن ارتكاب النهي ~~على العلم أقبح. # {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} المفروضتين، وهي مأخوذة من النماء، وقيل: ~~من التطهير، [14] وكلاهما موجودان فيها التطهير والنماء للمال. {واركعوا مع ~~الراكعين(43)} جاز أن يراد بالركوع الصلاة، كما يعبر عنها بالسجود، وأن ~~يكون أمر بالصلاة مع المصلين في الجماعة. # {أتأمرون الناس} توبيخا لهم وتعجبا من حالهم، {بالبر} أي سعة الخير، ومنه ~~البر لسعته ويتناول كل خير، {وتنسون أنفسكم} وتتركونها من البر، {وأنتم ~~تتلون الكتاب} وعيد لمخالفة القول العمل، {أفلا تعقلون(44)} قبح ما قدمتهم ~~عليه، حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه، وهو توبيخ عظيم؛ والعقل مأخوذ من ~~عقال الدابة، وهو ما يشد به ركبة البعير فيمنعه عن الشرود، وكذلك العقل ~~يمنع صاحبه من الكفر والجحود. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «لا تغطون»، وهو خطأ. PageV01P040 # واستعينوا} على حوائجكم إلى الله {بالصبر والصلاة} أي بالجمع بينهما، وأن ~~تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة، محتملين لمشاقها، وما يجب فيها من إخلاص ~~القلب ودفع الوسواس (¬1) الشيطانية، والهواجس النفسانية، ومراعاة الأدب ~~والخشوع، واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبار السماوات والأرض؛ أو ~~واستعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها، والالتجاء إلى الصلاة عند ~~وقوعها؛ وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أحزنه أمر فزع إلى ~~الصلاة (¬2) . # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «الوساوس». # (¬2) - ... كذا في الأصل، والصواب: ms0027 «حزبه». فقد روى أحمد في مسنده، باقي ~~مسند الأنصار، رقم: 22210، حدثنا إسماعيل بن عمر وخلف بن الوليد قالا حدثنا ~~يحيى بن زكريا يعني ابن زائدة عن عكرمة بن عمار عن محمد بن عبد الله الدؤلي ~~قال قال عبد العزيز أخو حذيفة قال حذيفة: كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا حزبه أمر صلى. العالمية: موسوعة الحديث، موضوع البحث: «الصلاة ~~تقوم سلوك الإنسان». PageV01P041 # وقيل: الصبر الصوم، لأنه حبس على المفطرات؛ وقيل: الصلاة الدعاء، أي ~~استعينوا على البلايا بالصبر والالتجاء إلى الدعاء، والابتهال إلى الله في ~~دفعه، والتضرع، ولأن الصوم يزهده في الدنيا، والصلاة ترغبه على الآخرة، ~~{وإنها لكبيرة} لشاقة ثقيلة، {إلا على الخاشعين(45)} يعني المؤمنين ~~المتواضعين، وأصل الخشوع: السكون، فالخاشع ساكن إلى طاعة الله، لأنهم ~~يتوقعون ما ادخر للصابرين على متاعبها، فتهون عليهم، ألا ترى إلى قوله: ~~{الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم} أي يتوقعون لقاء ثوابه، ونيل ما عنده إن ~~امتثلوا، ويخافون عقابه إن خالفوا أمره، وأما من لم يوقن بالجزاء ولم يرج ~~الثواب كانت عليه مشقة، والخشوع الإخبات، وأما الخضوع فاللين والانقياد. ~~{وأنهم إليه راجعون(46)} مجازون على أعمالهم كيف كانت. # {يا بني إسرائيل} (لعله) وهم المتمسكون بدين قوم موسى على ما يدل عليه ~~معاني ما بعده، {اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على ~~العالمين(47)} على الجم الغفير من الناس، والمراد الكثرة، أو على عالمي ~~زمانهم، أو فضلهم على سائر الحيوانات كما قال: {ولقد (¬1) كرمنا بني آدم ~~وحملناهم... } تمام الآية (¬2) . # {واتقوا يوما لا تجزي} أي يوم القيامة {نفس} مؤمنة {عن نفس} كافرة {شيئا} ~~أي لا تقضي عنها شيئا من الحقوق التي لزمتها شيئا، {ولا يقبل منها شفاعة} ~~عن أن يطمع في الشفاعة مرتكب الكبائر، {ولا يؤخذ منها عدل} أي فدية لأنها ~~معادلة للمفدي؛ أو ولا يقبل منها عمل بطاعة لأنها غير مطيعة {ولا هم ~~ينصرون(48)} يعانون. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «والقد»، وهو خطأ. # (¬2) - ... سورة الإسراء: 70. وتمام الآية: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم ~~في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على ms0028 كثير ممن خلقنا تفضيلا}. PageV01P042 # وإذ نجيناكم [15] من آل فرعون} أي نجينا أسلافكم وآباءكم الذين هم (¬1) ~~سبب إيجادكم، {يسومونكم سوء العذاب} يكلفونكم ويذيقونكم سوء العذاب، أشد ~~العذاب وأسوءه، بدليل قوله: {يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم} يتركون ~~بناتكم أحياء للخدمة، وقيل: إنما فعلوا لهم ذلك لأن الكهنة أنذروا فرعون ~~بأنه يولد مولود يزول ملكه بسببه، فلم يغن عنه اجتهاده، {وفي ذلكم بلاء} ~~صنيعهم، محنة إن أشير بذلك إلى صنيع فرعون، ونعمة إن أشير به إلى الإنجاء. ~~{من ربكم} لأنه هو المقدر ذلك لهم، {عظيم(49)}. # {وإذ فرقنا} فصلنا بين بعضه بعض حتى صارت مسالك لكم، {بكم البحر ~~فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون} اقتصر على ذكر الآل (لعله) للعلم بأن فرعون ~~أولى بالغرق، {وأنتم تنظرون(50)} إلى ذلك وتشاهدونه. # {وإذ واعدنا موسى} قيل: وعده الله الوحي، ووعد هو المجيء للميقات إلى ~~الطور، {أربعين ليلة} لأن الشهور عددها (¬2) بالليالي، {ثم اتخذتم العجل} ~~إلها {من بعده (¬3) وأنتم ظالمون(51)} بوضعكم العبادة غير موضعها. # {ثم عفونا عنكم} محونا عنكم ذنوبكم، {من بعد ذلك} (لعله) أي الاتخاذ (¬4) ~~، {لعلكم تشكرون(52)} لكي تشكروا النعمة في العفو عنكم. # {وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان} الجامع بين كونه كتابا منزلا وفرقانا ~~يفرق بين الحق والباطل وهو التوراة، {لعلكم تهتدون(53)} لكي تهتدوا ~~بالكتاب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «الذينهم». # (¬2) - ... يمكن أن نقرأ في الأصل: «غررها»، ولا معنى له. # (¬3) - ... في الأصل: - «من بعده». # (¬4) - ... أحال الناسخ إلى الهامش وكتب: «الاتحاد»، والصواب ما أثبتناه. PageV01P043 # وإذ قال موسى لقومه}: عباد العجل، {يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم ~~العجل} معبودا، {فتوبوا إلى بارئكم} خالقكم الذي خلق الخلق أبرياء من ~~التفاوت؛ وفيه تقريع لما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم ~~أبرياء من التفاوت إلى عبادة البقر الذي هو مثل في الغباوة والبلادة، ~~{فاقتلوا أنفسكم} فرض عليهم قتل أنفسهم إذ ظلموا أنفسهم باتخاذهم العجل، ~~وكان ذلك توبة لهم، إذ قال: {فتبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم}، فلما قتلوا ~~أنفسهم كان ذلك توبة الله عليهم، وكانت تلك طاعة عليهم؛ يبتلي الله خلقه ~~بما يشاء، {ذلكم خير ms0029 لكم عند بارئكم} (¬1) ، {فتاب عليكم إنه هو التواب ~~الرحيم(54)} يغفر الذنوب وإن كثرت. # {وإذ قلتم: يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} عيانا، {فأخذتكم ~~الصاعقة} أي الموت؛ قيل: هي نار نزلت من السماء فأحرقتهم. روي أن السبعين ~~الذين اختارهم موسى، وكانوا معه عند الانطلاق إلى الجبل، فقالوا له: نحن لم ~~نعبد العجل كما عبده هؤلاء فأرنا الله جهرة، فقال موسى: سألته عن ذلك فأباه ~~علي، قالوا: إنك رأيت الله، فلن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فبعث الله ~~عليهم صاعقة فأحرقتهم. # {وأنتم تنظرون(55)} إليها حين نزلت، {ثم بعثناكم} أحييناكم، {من بعد ~~موتكم لعلكم تشكرون(56)} فيما بقي من العمر، قيل: هو (¬2) الشكر، هو الطاعة ~~بجميع الجوارح في السر والعلانية؛ وقيل: شكر كل نعمة أن لا نعصي الله بعد ~~تلك النعمة؛ وقيل: حقيقة الشكر: العجز عن الشكر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... هذه الآية غير مفسرة في المتن. # (¬2) - ... كذا في الأصل، والصواب: - «هو»، أي: «قيل: الشكر هو الطاعة». PageV01P044 # وظللنا عليكم الغمام} قيل: ذلك في التيه، سخر الله لهم السحاب يسير سيرهم ~~[16] يظلهم (¬1) من حر الشمس، وذلك أنه لم يكن لهم في التيه كن (¬2) يسترهم ~~فشكوا إلى موسى، فأرسل الله غماما أبيض رقيقا أطيب من غمام المطر فيما قيل. ~~{وأنزلنا عليكم المن} قيل: كان ينزل عليهم مثل الثلج؛ وقال الزجاج: «جملة ~~المن ما يمن الله من غير تعب». {والسلوى} قيل: كان يبعث عليهم طيورا سمانى ~~(¬3) . {كلوا من طيبات} لذيذات، أو حلاوات، {ما رزقناكم وما ظلمونا} أي ما ~~ضره ظلمهم جل وعز وتعالى عن ذلك، {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون(57)} لأن وبال ~~ظلمهم راجع ضرره إليهم على أنفسهم. # {وإذ قلنا}: لهم بعدما خرجوا من التيه، {ادخلوا هذه القرية} الأرض ~~المقدسة، {فكلوا منها حيث شئتم رغدا} واسعا، {وادخلوا الباب سجدا} قيل: ~~أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكرا لله وتواضعا. {وقولوا حطة} أي ~~حطوا التعالي على الله، وأسلموا له وقال عكرمة: «هو قول لا إله إلا الله» ~~وهو صحيح. {نغفر لكم خطاياكم} جمع خطيئة وهي الذنب، {وسنزيد المحسنين(58)} ms0030 ~~كما قال: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} (¬4) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يضلهم»، وهو خطأ. # (¬2) - ... قال في اللسان: «الكن والكنة، والكنان، وقاء كل شيء وستره. ~~والكن البيت أيضا، والجمع أكنان، وأكنة... وفي التنزيل العزيز: {وجعل لكم ~~من الجبال أكنانا}»، ثم قال: «الكن: ما يرد الحر والبرد من الأبنية ~~والمساكن». ابن منظور: لسان العرب: ج5/304-305. # (¬3) - ... نوع من الطير، قال في اللسان: «السمانى: طائر، واحدته: ~~سماناة، وقد يكون السمانى واحدا. قال الجوهري: ولا تقل: سمانى، بالتشديد». ~~ج3/209. # (¬4) - ... سورة يونس: 26. PageV01P045 # فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم} يعني مكان «حطة» قولا غيرها وهو ~~ضدها؛ {فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا} عذابا، {من السماء بما كانوا ~~يفسقون(59)} بسبب فسقهم. # {وإذ استسقى موسى لقومه} (لعله) أي اذكروا نعمتي في إجابتي دعاء نبيكم في ~~شأنكم، {فقلنا: اضرب بعصاك الحجر} قيل: إنهم عطشوا في التيه فدعا لهم موسى ~~بالسقيا، فقيل له: اضرب بعصاك الحجر، {فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا} قيل: ~~على عدد الأسباط، {قد علم كل أناس مشربهم} عينهم التي يشربون منها، {كلوا ~~واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين(60)} قيل: العثو أشد ~~الفساد. # { PageV01P046 وإذ قلتم: يا موسى لن نصبر على طعام واحد} قيل: هو ما ~~رزقوه من المن والسلوى؛ {فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها} ~~هو ما أنبتته الأرض من أطايب البقول مما يأكله الناس، {وقثائها} قيل: ~~الخيار، {وفومها} قيل: الحنطة أوالثوم، وقيل: الحبوب التي تؤكل كلها؛ ~~{وعدسها وبصلها قال: أتستبدلون الذي هو أدنى} أقرب منزلة وأدون مقدارا، ~~{بالذي هو خير} أرفع وأجل، {اهبطوا مصرا} من الأمصار، {فإن لكم ما سألتم} ~~أي الذي سألتموه يكون في الأمصار لا في التيه، ويحتمل سؤالهم هذا لمباشرة ~~الأسباب، وهم قد أمروا بالعبادة والانقطاع فيها، والله أعلم بتأويل كتابه؛ ~~ويدل على أنهم منقطعون عن الأمصار بدليل قوله: {اهبطوا مصرا}. {وضربت عليهم ~~الذلة} أي جعلت الذلة محيطة بهم، مشتملة عليهم، فهم فيها يعمهون؛ ~~{والمسكنة} أي الهوان والفقر، أو فقر القلب؛ سمي الفقير مسكينا لأن (¬1) ~~الفقر أسكنه وأقعده عن ms0031 الحركة، وقيل: الذلة فقر القلب، {وباءوا بغضب من ~~الله} أي صاروا [17] أحقاء بغضبه، {ذلك} إشارة إلى ما تقدم من ضرب الذلة ~~والمسكنة والغضب، {بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين} أي ذلك ~~بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء، وقتلهم لهم يخرج على معنيين: قتلهم بتفويت ~~أرواحهم، وقتلهم بالتخطئة لدينهم كما جاء عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «خلع المؤمن كقتله، ومن خلع مؤمنا فقد قتله} (¬2) ، وهذ أعم من ~~الناس في بعضهم بعض. والنبيء بمعنى النبأ (¬3) # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «الان». # (¬2) - ... لم نعثر عليه في الكتب التسعة، وإنما الوارد في الحديث ~~«...لعن المؤمن كقتله ومن رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله». البخاري كتاب الأدب، ~~حديث رقم: 5640. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «المنبئ».. PageV01P047 # لأنه يخبر عن الله تعالى، فعيل بمعنى مفعل، أو بمعنى مفعل؛ ومن نبأ: أي ~~ارتفع، والنبوة: المكان المرتفع. {بغير الحق} عندهم أيضا فإنهم لو أنصفوا ~~لم يذكروا شيئا يستحقون به القتل عندهم أي يقتلونهم مبطلين. {ذلك} الكفر ~~والقتل، {بما عصوا وكانوا يعتدون(61)} بسبب ارتكابهم أنواع المعاصي، ~~واعتدائهم حدود الله في كل شيء مع كفرهم بآيات الله. # {إن الذين آمنوا} قيل: بألسنتهم من غير مواطأة للقلوب، وهم المنافقون، ~~{والذين هادوا} قيل: هاد إذا تاب، لقولهم: {إنا هدنا إليك} (¬1) . ~~{والنصارى} سموا نصارى لأنهم نصروا المسيح لقولهم: {نحن أنصار الله} (¬2) . ~~{والصابئين} الخارجين من دين مشهور إلى غيره، من صبأ إذا خرج من الدين، وهم ~~قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الملائكة، وقيل: هم يقرأون ~~الزبور. {من آمن بالله واليوم الآخر} من هؤلاء إيمانا خالصا، {وعمل صالحا ~~فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون(62)} قيل: لا خوف عليهم ~~في الدنيا، ولا هم يحزنون في الآخرة. # {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور} قيل: إن موسى - عليه السلام - ~~جاءهم بالألواح فرأوا ما فيها من التكاليف الشاقة حتى كبرت عليهم وأبوا ~~قبولها فأمر جبريل - عليه السلام - فقلع الطور ورفعه فظلله فوقهم، وقال لهم ~~موسى: إن قبلتم وإلا ألقي عليكم، حتى قبلوا، والله أعلم بتأويل ms0032 كتابه، ~~{خذوا ما آتيناكم بقوة} بجد واجتهاد ومواضبة وعزيمة، فوصى الله عباده بذلك، ~~لأن طبعهم التراخي والتثاقل عن طلب ما يجب عليهم من طلب السؤال لما يلزمهم ~~في دين خالقهم، وأنهم لا يبلغوه (¬3) بدون القوة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأعراف: 56. # (¬2) - ... سورة آل عمران: 52. # (¬3) - ... كذا في الأصل، والصواب: «لا يبلغونه». PageV01P048 # واذكروا ما فيه} واحفظوا ما في الكتاب من معانيه وأسراره وادرسوه ولا ~~تنسوه ولا تغفلوا عنه وعن التدبر والعمل بما فيه. {لعلكم تتقون(63)} لكي ~~تنجوا من الهلاك في الدينا، والعذاب في العقبى، لأن ليس إلى التقوى سبيل ~~إلا بالعلم. {ثم (¬1) توليتم} ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به؛ {من بعد ~~ذلك} من بعد القبول أ[و] من بعد الأمر بالقوة بأخذ ما أوتوا، {فلولا فضل ~~الله عليكم ورحمته} بتأخير العذاب عنكم، أو بتوفيقكم للتوبة، {لكنتم من ~~الخاسرين(64)} (لعله) الرحمة وذهاب[كذا] الدنيا والآخرة المستوجبين عقوبة ~~الدنيا والآخرة. # {ولقد علمتم} حال {الذين اعتدوا} عن الحد {منكم (¬2) في السبت} مصدر سبتت ~~اليهود إذا عظمت يوم السبت، وقد اعتدوا فيه، أي جاوزوا [18] ما حد لهم فيه ~~من التجرد للعبادة وتعظيمه، واشتغلوا بالصيد، وذلك أن الله تعالى نهاهم أن ~~يصيدوا في السبت بما ابتلاهم، فما كان يبقى حوت في البحر إلا أخرج خرطومه ~~في السبت، فإذا مضى تفرقت، فحفروا حياضا عند البحر وشرعوا اليها الجداول، ~~وكانت الحيتان تدخلها يوم السبت لأمنها من الصيد وكانوا يسدون مشارعها من ~~البحر فيصطادونها يوم الأحد، فذلك الحبس في الحياض اعتداءهم فيه، والله ~~أعلم بتأويل كتابه. {فقلنا لهم: كونوا} بتكويننا إياكم، {قردة خاسئين(65)} ~~صغارا مطرودين، والخساء: الإبعاد. {فجعلناها} يعني المسخة، {نكالا} عبرة ~~لكل من اعتبرها، تنكل أي تمنعه، والمسخ (لعله) صوري ومعنوي، {لما بين ~~يديها} لما قبلها، {وما خلفها} وما بعدها من الأمم والقرون، {وموعظة ~~للمتقين(66)} الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم، أو لكل متق سمعها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «فإن توليتم»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: - «منكم». PageV01P049 # وإذ قال موسى لقومه: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} البقرة الأنثى من ~~البقر، ويقال: هي مأخوذة من ms0033 البقر وهو الشق، سميت به لأنها تشق الأرض، أي ~~تشقها للحراثة. قال بعض المفسرين: أول القصة مؤخر في التلاوة، وهو قوله: ~~{وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها}، وذلك أن رجلا موسرا قتلوه بنو عمه ليرثوه ~~وطرحوه على باب مدينة، ثم جاءوا يطلبون بديته فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة ~~ويضربوه ببعضها ليحيى فيخبرهم بقاتله. {قالوا: أتتخذنا هزوا} أتجعلنا مكان ~~هزء، أي اتستهزئ بنا؟ نحن نسألك عن أمر القتيل وتأمرنا بذبح البقرة! وإنما ~~قالوا ذلك لبعد ما بين الأمرين في الظاهر، ولم يدروا ما الحكمة فيه. {قال: ~~أعوذ بالله} أي أمتنع بالله، العياذ واللياذ من حال واحد، {أن أكون من ~~الجاهلين(67)} لأن الهزؤ في مثل هذا من باب الجهل والسفه. # {قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} أي ما حالها وما صفتها، {قال: إنه ~~يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر} لا مسنة ولا فتية، {عوان} نصف، {بين ذلك} ~~أي ما بين ذكر الفارض والبكر. {فافعلوا ما تؤمرون(68)} أي يؤمرون به. # {قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها، قال: إنه يقول إنها بقرة صفراء ~~فاقع لونها} الفقوع نصوع الصفرة، ولذلك يقال: أصفر فاقع. {تسر ~~الناظرين(69)} أي تعجبهم. # {قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا} إن البقر ~~الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا. {وإنا إن شاء الله لمهتدون ~~(¬1) (70)} لمعرفتها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «المهتدون»، وهو خطأ. PageV01P050 # قال: إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض} أي لم تذلل للكراب (¬1) ~~وإثارة الأرض. {ولا تسقي الحرث} ولا هي من النواضح، {مسلمة} عن العيوب ~~وآثار العمل، {لا شية فيها} لا لمعة في نقبتها (¬2) من لون آخر سوى [19] ~~الصفرة. {قالوا: الآن جئت بالحق} أي بحقيقة وصف البقرة. {فذبحوها} أي ~~فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها فذبحوها، {وما كادوا يفعلون(71)} ~~لغلاء ثمنها، أو لخوف الفضيحة في ظهور القاتل؛ وقيل: وما كانوا (¬3) (لعله) ~~يجدونها باجتماع وصفها؛ وقيل: وما كادوا يفعلون من شدة اضطرابهم واختلافهم. # {وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها} فاختلفتم واختصمتم في شأنها. {والله ms0034 مخرج ~~ما كنتم تكتمون(72)} مظهر ما كتمتم من أمر القتل. # {فقلنا: اضربوه ببعضها} ببعض البقرة، {كذلك يحيي الله الموتى}، روي أنهم ~~لما ضربوه قام بإذن الله وقال: «قتلني فلان وفلان» لابني عمه ثم سقط ميتا ~~فاخذا وقتلا. {ويريكم آياته} دلائله على أنه قادر على كل شيء. {لعلكم ~~تعقلون(73)} تعملون على قضية عقولكم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... قال في اللسان: «وكرب الأرض يكربها كربا وكرابا: قلبها للحرث، ~~وأثارها للزرع». ابن منظور: لسان العرب، ج5/237. # (¬2) - ... قال في اللسان: «والشية: سواد في بياض، أو بياض في سواد. ~~الجوهري وغيره: الشية كل لون يخالف لون معظم لون الفرس وغيره، وأصله من ~~الوشي... والجمع شيات». ابن منظور: لسان العرب، ج6/934، مادة: “وشي”. # ... والنقبة: اللون. المنجد، ص 829. # (¬3) - ... كتب الناسخ: «وما كادوا»، فشطب عليه وصححه ب«وما كانوا»، ~~ويبدو أن الصواب هو ما شطب عليه. PageV01P051 # ثم قست قلوبكم} استيعاب القسو من بعد ما يوجب لين القلوب ورقتها، وصفة ~~القلوب بالقسوة مثل لنبوها عن الاعتبار والاتعاظ؛ وقيل: قست يبست وجفت ~~وجفاف القلب خروج الرحمة واللين عنه؛ وقيل: غلظت؛ وقيل: اسودت. [20] {من ~~بعد ذلك} من بعد ما تقدم من الآيات المذكورة. {فهي كالحجارة} فهي في قسوتها ~~مثل الحجارة، {أو أشد قسوة} منها، {وإن من الحجارة} بيان لزيادة قسوة ~~قلوبهم عليها. {لما يتفجر منه الأنهار} التفجر التفتح بالكثرة. {وإن منها ~~لما يشقق فيخرج منه الماء} يعني أن من الحجارة فيه جروف واسعة يندفق منها ~~الماء الكثير (¬1) ، ومنها ما ينشق انشقاقا بالطول والعرض فينبع منه الماء ~~أيضا، وقلوبهم لا تندى ولا يخرج منها ما يوجب القسوة وهي الأمراض[كذا]. ~~{وإن منها لما يهبط} يتردى من أعلاه، {من خشية الله} قيل: هو مجاز عن ~~انقيادها لأمر الله، وأنها لا تمتنع عما يريد فيها (¬2) ، وقلوب هؤلاء لا ~~تنقاد ولا تفعل ما أمرت به؛ وقيل: المراد به ما أمرت به حقيقة الخشية، على ~~معنى أنه يخلق فيها الحياة والتمييز، وليس شرط خلق الحياة والتمييز في ~~الجسم أن يكون على بنية مخصوصه (لعله) عند أهل السنة، وعلى هذا قوله: {لو ms0035 ~~أنزلنا [21] هذا القرآن على جبل...} (¬3) الآية، بشيء (¬4) ، # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «اكثير»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «منها». # (¬3) - ... سورة الحشر: 21. وتمام الآية: {...لرأيته خاشعا متصدعا من ~~خشية الله}. # (¬4) - ... في الأصل هذه الكلمة غير واضحة، وأثبتناها حسب السياق.. PageV01P052 # وقلوبهم لا تخشى وهو هد ووعيد وتعليم أن ليس ما يتولد من القلوب القاسية ~~إلا الباطل، فإن قيل: حجر جماد لا يفهم كيف يخشى؟ قيل: الله تعالى يفهمها ~~ويلهمها فتخشى بإلهامه؛ ومذهب أهل السنة أن لله علما في الجمادات وسائر ~~الحيوانات سوى العقلاء، لا يقف عليه غيره فلها صلاة وتسبيح وخشية كما قال: ~~{وإن من شيء إلا يسبح بحمده} (¬1) ، فيجب على المرء الإيمان به ويكل علمه ~~إلى الله. {وما الله بغافل عما تعملون(74)} وهو هد ووعيد وتعليم أن ليس ما ~~يتولد من القلوب القاسية إلا الباطل (¬2) . # {أفتطمعون} (¬3) الخطاب لرسول الله والمؤمنين، {أن يؤمنوا لكم} أن يؤمنوا ~~لأجل دعوتكم. {وقد كان فريق منهم} طائفة ممن سلف، {يسمعون كلام الله} وهي ~~الكتب الخالية. {ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه} من بعد ما فهموه. {وهم ~~يعلمون(75)} أنهم كاذبون مفترون، والمعنى إن كفر هؤلاء وحرفوا فهم سابقه ~~(¬4) في ذلك، وكأن الحجة قامت على الجميع بقيامها على طائفة منهم؛ وإذا كان ~~هذا حال علمائهم فما طمعكم بسفلتهم!. # {وإذا لقوا الذين آمنوا} أي المنافقون لقوا المخلصين، {قالوا: آمنا} ~~بأنكم على الحق. {وإذا خلا بعضهم} الذين لم ينافقوا {إلى بعض} الذين نافقوا ~~{قالوا}: عاتبين عليهم، {أتحدثونهم} أتخبرون أصحاب محمد، {بما فتح الله ~~عليكم} مما بين لكم في التوراة من صفة محمد، {ليحاجوكم به عند ربكم} ~~ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه، {أفلا تعقلون(76)} أن هذه حجة عليكم ~~حيث تعترفون به ثم تتابعونه. {أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما ~~يعلنون(77)} ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الإسراء: 44. # (¬2) - ... كذا في الأصل، والعبارة مكررة كما هو واضح. # (¬3) - ... في الأصل: «فتطمعون» وهو خطأ. # (¬4) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «كسابقيهم». PageV01P053 # ومنهم أميون} لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحقق (لعله: ms0036 ويتحققوا) ~~ما فيها. جمع أمي منسوب إلى الأم، كأنه يأتي على ما اتصل من الأم لم يتعلم ~~كتابة ولا قراءة. {لا يعلمون الكتاب} التوراة، {إلا أماني} إلا ما هم عليه ~~من أمانيهم أن الله يعفو عنهم ويرحمهم ولا تمسهم النار إلا أياما (¬1) ~~معدودة، أو إلا أكاذيب مختلقة سمعوها من علمائهم فيقبلوها على التقليد؛ ~~ومنه قول عثمان: «ما تمنيت منذ أسلمت»؛ أو إلا ما يقرؤون من قولهم: «تمنى ~~كتاب الله أول ليلة»، أي لا يعلمون [كذا] هؤلاء حقيقة للمنزل، وإنما يقرؤون ~~أشياء أخذوها من أحبارهم. وقيل: الأماني جمع أمنية، وهي في الأصل ما يقدره ~~الإنسان في نفسه من منى إذا قدر، ولذلك يطلق على الكذب وعلى ما يتمنى؛ ~~وقيل: لا يعلمون إلا التلاوة المجردة. {وإن هم إلا يظنون(78)} [22] أي ~~يشكون، وهم متمكنون من العلم بالحق لا يدرون حقائقه. # {فويل} ويل كلمة يقولها كل واقع في هلكة؛ وقيل: هو دعاء الكفار على ~~أنفسهم بالويل؛ وقيل: شدة العذاب. {للذين يكتبون الكتاب} المحرف، {بأيديهم} ~~من تلقاء أنفسهم، من غير أن يكون حقا؛ والكتاب جامع للتنزيل والتأويل. {ثم ~~يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا} عرضا فانيا، {فويل لهم مما ~~كتبت أيديهم} من الكذب، {وويل لهم مما يكسبون(79)} من الثمن القليل. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «الا ياما»، وهو خطأ. PageV01P054 # وقالوا: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل: أتخذتم عند الله عهدا} أي ~~عهد إليكم أنه لا يعذبكم إلا ما قدرتموه، ولعلهم خيل لهم الشيطان أنه لا ~~يعذبهم إلا قدر ما عصوا من تكذيبهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ~~يخرجون من النار إلى الجنة، ولعلهم أثبتوا الأعمال الصالحة التي عملوها مع ~~كفرهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما زعم من زعم من أهل القبلة ~~وتأولوا هذا التأويل. {فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا ~~تعلمون(80)}. # {بلى} إثبات لما بعد النفي وهو لن تمسنا النار، أي تمسكم أبدا، بدليل ~~قوله: {هم فيها خالدون}. {من كسب سيئة} كبيرة وهي ضد الحسنة، ms0037 {وأحاطت به ~~خطيئته} أي استولت عليه واشتملت جملة أحواله حتى صارت كالمحيطة به مثل ~~الحائط يستولي على ما فيه، ومتى أحاطت به خطيئة صار مخذولا مستدرجا محبوط ~~الأعمال، فرائضها وفضائلها، مأخوذا بصغائر الذنوب وكبائرها، لأنه عاص فلا ~~تقوم منه طاعة أبدا إلا أن يتوب. {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون(81)}. # {والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون(82)} ~~أنبأ الله مآل الفريقين. # {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل} الميثاق: العهد المؤكد غاية التوكيد. {لا ~~تعبدون إلا الله} ولا تشركون به شيئا من طاعة الشيطان ولا غيره، ~~{وبالوالدين إحسانا} أي وأحسنوا بهما، {وذي القربى واليتامى والمساكين ~~وقولوا للناس حسنا} قيل: الحق، وقيل: حسن الخلق، وقيل: قولوا للناس ما ~~تحبون أن يقال لكم. {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم} عن الميثاق ~~ورفضتموه، {إلا قليلا منكم} إلا الأقل أقاموا بما عليهم، {وأنتم ~~معرضون(83)} عن الوفاء بما يجب عليكم. # { PageV01P055 وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من ~~دياركم} أي لا يفعل ذلك بعضكم ببعض؛ وقيل: لا تسيئوا جوار من جاوركم ~~فتلجئوهم إلى الخروج بسوء جواركم. {ثم أقررتم} بالميثاق واعترفتم بلزومه، ~~{وأنتم تشهدون(84)} [23] عليها، كما يقول فلان مقر (¬1) على نفسه بكذا ~~شاهدا عليها. # {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم} غير مراقبين ~~ميثاق الله. {تظاهرون} أي تتعاونون، {عليهم بالإثم والعدوان} بالمعصية ~~والظلم، {وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض ~~الكتاب} بفداء الأسارى، {وتكفرون ببعض} بالقتل والإجلاء، قيل: أخذ الله ~~عليهم أربعة عهود: ترك القتل وترك الإخراج وترك المظاهرة وفداء الأسير، ~~فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء. {فما جزاء من يفعل ذلك منكم} هو ~~إشارة إلى الإيمان ببعض والكفر ببعض، {إلا خزي} فضيحة وهوان لأن الخزي ~~والهوان والعذاب في الدنيا حال بكل من عبد الشيطان عند من تحقق أمرهم ولم ~~تغره ظواهر الأمور، {في الحياة الدنيا} ما دام حيا إلا أن يتوب، {ويوم ~~القيامة يردون إلى أشد العذاب} وهو الذي لا روح فيه ولا فرج، ms0038 أو إلى أشد من ~~عذاب الدنيا، {وما الله بغافل عما تعملون(85)}. # {أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة} اختاروها على الآخرة اختيار ~~المشتري، {فلا يخفف عنهم} يهون {العذاب ولا هم ينصرون(86)}. # {ولقد آتينا موسى الكتاب} التوراة، {وقفينا} أتبعنا من القفا، {من بعده ~~بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات} المعجزات الواضحات، {وأيدناه بروح ~~القدس} قيل: بجبريل، لأنه يأتي بما فيه حياة القلوب، {أفكلما جاءكم رسول ~~بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم} تعظمتم عن قبوله، {ففريقا كذبتم وفريقا ~~تقتلون(87)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «مقرا». PageV01P056 # وقالوا: قلوبنا غلف} جمع أغلف، أي هي خلقة مغشاة بأغطية لا يتوصل إليها ~~ما جاء به محمد ولا تفقهه، مستعار من الأغلف؛ وقيل: قلوبنا أوعية لكل علم ~~فلا نحتاج إلى علمك. قال الكلبي: «معناه أوعية لكل علم فلا تسمع حديثا إلا ~~وعته إلا حديثك لا نعقله ولا نعيه، ولو كان فيه خير لوعته وفهمته». {بل ~~لعنهم الله} (لعله) طردهم وأبعدهم عن خير الدارين، {بكفرهم} فرد الله عليهم ~~أن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك، لأنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق، ~~بل إنما طردهم عن رؤية الحق كفرهم وزيغهم فصار ذلك حجابا على قلوبهم كما ~~قال: {بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} (¬1) . {فقليلا} منهم، {ما ~~يؤمنون(88)} أو فإيمانا قليلا يؤمنون أي غير خالص، كما قال: {ولا يذكرون ~~الله إلا قليلا} (¬2) أي غير خالص؛ وقيل: إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض؛ وقيل: ~~«غلف» تخفيف «غلف» وقرئ به جمع غلاف، أي قلوبنا أوعية [24] للعلوم فنحن ~~مستغنون بما عندنا عن غيره، أو أوعية للعلم فلو كان ما جئت به حقا لقبلنا. # {ولما جاءهم كتاب من عند الله} أي القرآن، {مصدق} موافق، {لما معهم} من ~~كتابهم لا يخالفه. {وكانوا من قبل} يعني القرآن، {يستفتحون على الذين ~~كفروا} يستنصرون على المشركين من غيرهم إذا قاتلوهم، قالوا: اللهم انصرنا ~~بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته في التوراة، ويقولون لأعدائهم ~~من المشركين: قد أطل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد ~~وإرم. ms0039 {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} بغيا وحسدا وحرصا على الرئاسة، ~~{فلعنة الله على الكافرين(89)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة المطففين: 14. # (¬2) - ... سورة النساء: 142. PageV01P057 # بئسما اشتروا به أنفسهم} بئس ما باعوا به حظ أنفسهم أي اختاروا الكفر ~~والنار على الإيمان والجنة. {أن يكفروا بما أنزل الله} القرآن، {بغيا} أي ~~حسدا وطلبا لما ليس لهم. {أن ينزل الله} بأن ينزل، أو على أن ينزل، أي ~~حسدوه على أن ينزل الله. {من فضله} الذي هو الوحي، {على من يشاء من عباده} ~~وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - ، {فباءوا بغضب على غضب} فصاروا أحقاء ~~بغضب مترادف، {وللكافرين عذاب مهين(90)} مذل في الدنيا والآخرة. # {وإذا قيل لهم} لهؤلاء اليهود أو غيرهم، {آمنوا بما أنزل الله} يعني ~~القرآن أو غيره، {قالوا: نؤمن بما أنزل علينا} أي التوراة، {ويكفرون بما ~~وراءه} أي يكفرون بما وراء التوراة، {وهو الحق مصدقا لما معهم} غير مخالف ~~له، {قل: فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين(91)} قيل: تولوا ~~قتلة الأنبياء فسموا قاتلين. # {ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل} إلها {من بعده} من بعد خروج ~~موسى إلى الطور، {وأنتم ظالمون(92)} أي وضعتم العبادة غير موضعها. # { PageV01P058 وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم ~~بقوة} قد سبق تفسيره، {واسمعوا} ما أمرتم به في التوراة، {قالوا: سمعنا} ~~قولك، {وعصينا} أمرك؛ وطابق قوله جوابهم من حيث أنه قال لهم: اسمعوا سماع ~~تقبل وطاعة، فقالوا: سمعنا ولكن لا سماع طاعة. قال أهل المعاني: إنهم لم ~~يقولوا هذا بألسنتهم، ولكن لما سمعوا وتلقوه بالعصيان نسب ذلك إلى القول ~~اتساعا. {وأشربوا في قلوبهم العجل} أي تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما ~~يتداخل الصبغ الثوب، معناه: دخل في قلوبهم حب العجل وخالطها كإشراب اللون ~~لشدة الملازمة، فلأن مشروب اللون إذا اختلط بياضه بالحمرة. وقوله: {في ~~قلوبهم} بيان بمكان. {بكفرهم} بسبب كفرهم، {قل: بئسما [25] يأمركم به ~~إيمانكم} بالتوراة، لأنه ليس في التوراة عبادة العجل. وإضافة الأمر إلى ~~إيمانهم تهكم وتشكك في صحة (لعله) إيمانهم، وقدح في صحة دعواهم له، ms0040 وكذا ~~إضافة الإيمان إليهم. {إن كنتم مؤمنين(93)} تشكيك في إيمانهم، وقدح في صحة ~~دعواهم، أي بئس إيمان يأمر بعبادة العجل. # { PageV01P059 قل: إن كانت لكم الدار الآخرة} أي الجنة، {عند الله (¬1) ~~خالصة} لكم خاصة، {من دون الناس} أي ليس لأحد سواكم، كما قال: {وقالوا لن ~~يدخل الجنة... }الآية (¬2) . {فتمنوا الموت إن كنتم صادقين(94)} في ما ~~تقولون، لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها تخلصا من دار ذات ~~الشوائب، كما قيل: عن عمار بصفين: «الآن ألاقي الأحبة محمدا - صلى الله ~~عليه وسلم - وأصحابه». وقال حذيفة حين احتضر: «مرحبا حبيب جاء على فاقة لا ~~أفلح من ندم»، أي على التمني، سيما إذا علم أنها سلامة، وقال: «لا أبالي ~~سقطت على الموت أو سقط الموت علي». # {ولن يتمنوه أبدا} لن يتمنوه ما عاشوا، {بما قدمت أيديهم} من الكفر ~~(لعله) ولعلمهم أنهم في دعواهم كاذبون. {والله عليم بالظالمين(95)} تهديد لهم. # {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا} لأنهم لا يؤمنون ~~بعاقبة، ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا، فحرصهم عليها لا يستبعد، لأنها ~~جنتهم، {يود أحدهم} يريد ويتمنى، {لو يعمر ألف سنة} بيان لزيادة حرصهم، ~~{وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر} أي وما أحدهم بمن يزحزحه من النار ~~تعميره، {والله بصير بما يعملون(96)} لأنهم لم يستعملوا أنفسهم في حال ~~التعمير في الطاعة، وإنما يزيدهم عذابا، وفيه توبيخ عظيم، لأن حرص المشركين ~~على الحياة غير مستبعد لأنها جنتهم ولم يؤمنوا بعاقبة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «عند الله». # (¬2) - ... سورة البقرة: 111، وتمامها: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان ~~هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}. PageV01P060 # قل: من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك} فإن جبريل نزل القرآن على ~~قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ وخص القلب لأنه محل الحفظ، ولو أنصفوا ~~لأحبوه وشكروا له صنيعه في إنزاله ما ينفعهم. {بإذن الله مصدقا لما بين ~~يديه وهدى وبشرى للمؤمنين(97)}. # {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو ~~للكافرين(98)} (لعله) ms0041 يعني من كان عدوا لأحد هؤلاء فإنه عدو للكل، لأن ~~الكافر بالواحد كافر بالكل. # {ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون(99)} الخارجون ~~عن الطاعة. # {أوكلما عاهدوا عهدا نبذه} نقضه ورفضه، وقال: {فريق منهم} لأن منهم من لم ~~ينقض، {بل أكثرهم لا يؤمنون(100)} بالتوراة وليس من الدين في شيء، فلا ~~يعدون نقص المواثيق دينا، ولا يبالون به. {ولما جاءهم رسول من عند الله} ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - ، {مصدق لما معهم نبذ [26] فريق من الذين ~~أوتوا الكتاب} أي التوراة، والذين أوتوا الكتاب اليهود، {كتاب الله} يعني ~~التوراة، لأنهم بكفرهم برسول الله المصدق لما معهم كافرون (¬1) به نابذون ~~لها؛ أو كتاب الله: القرآن نبذوه بعد ما لزمهم تلقيه بالقبول. {وراء ~~ظهورهم} مثل لتركهم و إعراضهم عنه، مثل ما يرمى به وراء الظهور استغناء عنه ~~وقلة التفات إليه. {كأنهم لا يعلمون(101)} أنه كتاب الله. وقيل: كانوا ~~يقرؤون التوراة ولايعملون (¬2) بها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «كافرين»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «يعملوا»، وهو خطأ. PageV01P061 # واتبعوا ما تتلو الشياطين} أي نبذ اليهود كتاب الله واتبعوا كتب السحر ~~(لعله) مما وسوست به الشياطين، {على ملك سليمان وما كفر سليمان} تكذيب ~~للشياطين، ودفع لما (لعله) بهتت به سليمان من اعتقاد السحر والعمل به. ~~{ولكن الشياطين كفروا} هم الذين كفروا باستعمال السحر وتدوينه. {يعلمون ~~الناس السحر} قصدا لإغوائهم وإضلالهم. (لعله) وقيل: معنى السحر العلم ~~والحدق بالشيء؛ وقيل: السحر عبارة عن التمويه والتخييل؛ وقيل: إنه يؤثر في ~~فلت الأعنان، فيجعل الآدمي على صورة الحمار والأصح أنه تخيل؛ قال الله: ~~{يخيل إليه من سحرهم (¬1) } (¬2) لكنه يؤثر في الأبدان، (لعله) بالأمراض ~~والموت، والحيوان، والكلام تأثيره النطاع، والنفوس؛ وقد يسمع الإنسان ما ~~يكره فيحمر ويغضب فهو بمنزلة العوارض والعلل التي تؤثر في (لعله) الأبدان. ~~{وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت} ومن جواب أبي سعيد: «وقلت: ما ~~يقول في الملكين هاروت وماروت اللذين يعلمان الناس يبرأ منهما أم كيف الوجه ~~فيهما؟ أنهما كانا من الملائكة فالملائكة عليهم السلام في ولاية الله ms0042 ~~وطاعته، وقال الله فيهم: {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال ~~فإن الله عدو للكافرين} (¬3) . فمن عادى ملائكة الله فقد عادى الله عز وجل، ~~وقد عرفنا من قول أبي الحسن رحمه الله قول الله تعالى: {يعلمون الناس ~~السحر} إنما أولئك الشياطين، {وما أنزل على الملكين} معنا أنه ما أنزل ~~السحر على الملكين هاروت وماروت، {وما يعلمان من أحد} أي ما يعلمان هما ~~أحدا السحر، وإنما كانا يقولان: السحر كذا وكذا فلا تكفر، فلا تفعل كذا ~~فتكفر». # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «سحره» وهو خطأ. # (¬2) - ... سورة طه: 66. # (¬3) - ... سورة البقرة: 98. PageV01P062 # رجع: {وما يعلمان من أحد حتى يقولا} ينبهاه وينصحاه ويقولا له: {إنما نحن ~~فتنة} ابتلاء واختبار، {فلا تكفر} بتعلمه والعمل به على وجه يكون كفرا، ~~{فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} أي علم السحر الذي يكون ~~سببا في التفريق بين الزوجين. {وما هم بضارين به} بالسحر، {من أحد إلا بإذن ~~الله} بقضاء به ومشيئته. {ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم} في الآخرة، {ولقد ~~(¬1) [27] علموا} أي اليهود، {لمن اشتراه} أي استبدل ما يتلوا الشياطين على ~~كتاب الله. {ما له في الآخرة من خلاق} نصيب بسبب حبوط أعماله بارتكاب ما ~~نهى الله عنه، {ولبئس ما شروا به أنفسهم} باعوها، وإنما نفى العلم منهم ~~بقوله: {لو كانوا يعلمون(102)} مع إثباته لهم: {ولقد علموا} على سبيل ~~التوكيد القسمي (¬2) لأن معناه لو كانوا يعلمون (¬3) بعلمهم، جعلهم حين لم ~~يعملوا به كأنهم لا يعلمون. # {ولو أنهم آمنوا} برسول الله والقرآن، {واتقوا} الله فتركوا ما هم عليه، ~~{لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون(103)} أن ثواب الله خير مما هم فيه. # {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا} وأحسنوا ~~سماع ما يكلمكم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويلقي إليكم من الحكمة ~~بآذان وأذهان حاضرة، حتى لا تحتاجوا إلى الاستعارة وطلب المراعاة. ~~{وللكافرين عذاب أليم(104)} # {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ~~ربكم والله يختص برحمته ms0043 من يشاء} يعني أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم ~~فيحسدونكم، وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي، والله يختص بالنبوة من ~~يشاء، {والله ذو الفضل العظيم(105)} فيه إشعار بأن إيتاء النبوة من الفضل ~~العظيم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «والقد»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «لقسمى»، وهو خطأ. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «يعملون». PageV01P063 # ما ننسخ من آية أو ننسها} قيل: يجوز نسخ التلاوة، والحكم دون التلاوة، ~~والتلاوة دون الحكم. {نأت بخير منها} نأت بآية خير منها للعباد، أي بآية ~~العمل بها أكثر للثواب. {أو مثلها} وقيل: أو مثلها في المنفعة والثواب، وكل ~~ما نسخ إلى الأيسر فهو أسهل في العمل وأسلم، وما نسخ في الأشق فهو أخطر، ~~وفي الثواب أكبر في ذلك إذ لا فضيلة لبعض الآيات على البعض. {ألم تعلم أن ~~الله على كل شيء قدير(106)}. # {ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض} فهو يملك أموركم ويدبرها، وهو ~~أعلم بتعبدكم به من ناسخ ومنسوخ. {وما لكم من دون الله من ولي} يلي أموركم، ~~{ولا نصير(107)} ناصر يمنعكم من العذاب. # {أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر ~~بالإيمان فقد ضل سواء السبيل(108)} قصده ووسطه. # {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا} أي لأجل ~~الحسد، وهو الأسف على الخير عند الغير، {من عند أنفسهم} من قبل شهواتهم لا ~~من قبل التدين والميل مع الحق، {من بعد ما تبين لهم الحق} أي بعد علمهم ~~بأنكم على الحق، {فاعفوا واصفحوا} فاسلكوا معهم عن المجاراة سبيل العفو ~~والصفح عما يكون منهم من العدواة، {حتى يأتي الله بأمره} بالقتال، أو بما ~~يشاء، {إن الله على كل شيء قدير(109)} فهو يقدر على الانتقام منهم. # {وأقيموا الصلاة [28] وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند ~~الله إن الله بما تعملون بصير(110)} ترغيبا وتهييجا لفعل الخير. # {وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} قيل: قالت اليهود: لن ~~يدخل الجنة إلا من كان ms0044 هودا، و قالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان ~~نصارى، وذلك واجب على كل متدين أن يدين لله أن كل من خالفه في دينه فهو في النار. # { PageV01P064 تلك أمانيهم} أشير بها إلى الأماني المذكورة (لعله) وهي ~~شهواتهم الباطلة التي تمنوها على [الله] بغير الحق. {قل: هاتوا برهانكم إن ~~كنتم صادقين(111)} في دعواكم. # {بلى} إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة. {من أسلم وجهه لله} من أخلص ~~نفسه له لا يشرك به غيره، والمعنى: أي ليس كما قالوا بل الحكم الإسلام، ~~وإنما يدخل الجنة من أسلم وجهه لله، أخلص دينه أو أخلص عبادته لله، أو خضع ~~وتواضع لله. وأصل الإسلام الاستسلام والخضوع. وخص الوجه لأنه إذا جاد بوجهه ~~في السجود لم يبخل بسائر جوارحه. {وهو محسن} في عمله، {فله أجره عند ربه ~~ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون(112)}. # {وقالت اليهود: ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى: ليست اليهود على ~~شيء}، على شيء يصح ويعتد به من أمر دين أو دنيا، مبالغة عظيمة، كقولهم: ~~«أقل من لا شيء»، لأن دنياهم في الحقيقة إذا كانوا على غير دين تزيدهم ~~خسرانا، فصار ما عليه من أمر دنياهم أمورا وهمية مضمحلة لا ثبات لها، ولا ~~تعد سببا مع الباقي، عدمه كوجوده بل أشد تخسرا؛ وكذلك قوله تعالى: {لستم ~~على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم} (¬1) . {وهم ~~يتلون الكتاب} أي وهم على خلاف ما وجدوا في كتابهم، وحق على من حمل التوراة ~~أو الإنجيل أو غيرهما وآمن به أن لا يكفر بالباقي، لأن كل واحد من الكتابين ~~مصدق للآخر. {كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم} أي الجهله الذين لا علم ~~عندهم ولا كتاب، كعبدة الأصنام والمعطلة، قالوا لأهل كل دين ليسوا على شيء، ~~وهذا توبيخ عظيم لهم حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم. {فالله ~~يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون(113)} أي بين المختلفين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة المائدة: 68. PageV01P065 # ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر ms0045 فيها اسمه وسعى في خرابها} هذا تهدد ~~(¬1) من الله لكل من منع مسجدا من مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في ~~خرابها بلهو أو لغو، أو خوض في باطل، أو عمل من أعمال الدنيا يمنع الذاكرين ~~الله بصلاة أو قراءة أو فكر، أو يشغلهم أو [29] يؤذيهم بأكل طعام أو شراب ~~أو إدخال صبيان أو مجانين أو من لا يعقل على غير ضرورة، أو يجعل فيها مدارس ~~لتعليم الصبيان أو قربها، وكان ذلك مما يمنع الذاكرين لله فيها أو يشغلهم؛ ~~وكذلك حضور العوام الذين ديدنهم الخوض لأكل فطور أو هجور، أو عزاء ميت، أو ~~تفريق شيء من الفواكه، أو أكل نذر، فكل هذا ومثله وما أشبهه من السعي في ~~خرابها والمنع عن عمارتها، وإن كان قد سبق عمل الناس بما ذكرنا وما أشبهه ~~بلا حجة من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا أثر صحيح ولا حجة عقل، وقد قال الله ~~تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو ~~والآصال} (¬2) ، وقال: {وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود} (¬3) ~~فأين هذا وعمل الناس اليوم في مساجدهم؟ {أولئك} المانعون حقا الظالمون لها ~~صدقا. {ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا ~~مساجد الله، المعنى ما الحق إلا كذلك، لولا ظلم الكفر وعتوهم، {لهم في ~~الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم(114)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... قد يستعمل لفظ “التهدد” بدل “التهديد”، قال في اللسان: ~~«والتهدد والتهديد والتهداد: من الوعيد والتخوف». ابن منظور: لسان العرب، ~~ج6/781. # (¬2) - ... سورة النور: 36. # (¬3) - ... سورة الحج: 26. في الأصل: «والعاكفين»، وهو خطأ، وفي سورة ~~البقرة: 125: {أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود}. PageV01P066 # ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا} يعني: تولية وجوهكم شطر القبلة، {فثم ~~وجه الله} أي الجهة التي أمر بها، والمعنى أنكم إذا منعتم أن تصلوا في ~~المسجد الحرام فقد جعلت لكم الأرض مسجدا فصلوا في أي بقعة شئتم من بقاعها، ~~وافعلوا التولية فيها فإن التولية ممكنة في كل مكان. {إن الله واسع ms0046 ~~عليم(115)} أي هو واسع الرحمة يريد التوسعة على عباده، وهو عليم بمصالحهم. # {وقالوا: اتخذ الله ولدا سبحانه} نزه وعظم نفسه، {بل له ما في السماوات ~~والأرض} أي هو خالقه ومالكه، {كل له قانتون(116)} منقادون مقرون له ~~بالربوبية، وقيل: مذللون مسخرون لما خلقوا له، لا يمتنع شيء عن تكوينه ~~وتقديره. # {بديع السماوات والأرض} أي مخترعهما ومبدعهما، لا على مثال سبق، وكل من ~~فعل ما لم يسبق إليه يقال له أبدع، ولهذا قيل: لمن خالف السنة والجماعة: ~~مبتدع، لأنه يأتي في دين الإسلام بما لم يسبقه إليه الصحابة والتابعون. ~~{وإذا قضى أمرا} أي حكم أو قدر، {فإنما يقول له كن فيكون(117)} معناه أن ما ~~قضاه من الأمور، وأراد كونه إنما يتكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا ~~توقف، كالمأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل ولا يكون منه إيباء. # { PageV01P067 وقال الذين لا يعلمون: لولا يكلمنا الله} هلا يكلمنا، {أو ~~تأتينا آية} استكبارا وعتوا، {كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت ~~قلوبهم} في العمى، فلما تشابهت العقائد تشابهت الأقوال والأعمال لأنها ~~نتائجها. {قد بينا الآيات لقوم يوقنون(118)} يطلبون اليقين [30] من حجة عقل ~~أو كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس صحيح أو رأي، فما بان لهم فيه اليقين ~~وانشرحت له صدورهم واطمأنت به نفوسهم فهو الحق اتبعوه، وما بان لهم فيه ~~الباطل رفضوه، وما اشتبه عليهم أنه حق أو باطل وفقوا عنه ولم يقطعوا فيه، ~~وردوا علمه إلى الله؛ أو يوقنون الحقائق لا يعتريهم شبهة ولا عناد. # {إنا أرسلناك بالحق} ولم نرسلك عبثا ولا لعبا، وتفسيره ما بعده، {بشيرا} ~~للمؤمنين بالثواب، {ونذيرا} للكافرين بالعقاب، {ولا تسأل عن أصحاب ~~الجحيم(119)} ولا نسألك عنهم ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلغت، وبلغت جهدك في ~~دعوتهم؛ وقيل: و«تسأل» على النهي، ومعناه تعظيم ما وقع فيه الكفار من ~~العذاب؛ و«الجحيم» معظم النار. # {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} أي لا يرضون عنك وإن ~~أبلغت جهدك في رضاهم حتى تترك دينك وتتبع دينهم، وهذه سنة ms0047 الله في ~~المختلفين في الدين لا يرضى أهل ملة عن غيرها من الملل، ولا تقر عينها، ولا ~~ترضى عنها حتى تتبع ملتها. {قل: إن هدى الله} الذي رضي لعباده، {هو الهدى} ~~أي الإسلام، وهو الهدى كله ليس وراءه هدى، {ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي ~~جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير(120)} فلا يمنعه من عذابه مانع. # { PageV01P068 الذين آتيناهم الكتاب} هو العاملون بما علموا، {يتلونه حق ~~تلاوته} أي يقرؤونه حق قراءته في الترتيب وأداء الحروف، والتدبر والتفكر، ~~أو يعملون به ويؤمنون بما في مضمونه. ويوجد عن عبد الله بن إباض في تفسير ~~هذه الآية قال: «وحق تلاوته الإيمان به ووضع الكتاب مواضعه حتى يحل ما أحل ~~الله، ويحرم ما حرم الله، ويحكم بحكم الكتاب، ويضع الأمور مواضعها في جميع ~~ما جاء من الله على ما جاء من الله، فيما تخيره[كذا]، وجعل الكفر به تحريف ~~الكلم عن مواضعه». {أولئك يؤمنون به} أي صفة الذين يتلونه حق تلاوته هم ~~الذين يؤمنون به، وإيمانهم به يقتضي التدبر لمعانيه، والتدبر لمعانيه يقتضي ~~العمل بما فيه، والإخلاص لله تعالى، وأما الذين لا يؤمنون به لا يتلونه، ~~وإن تلوه لا يتدبرون لمعانيه (¬1) ، وإن تدبروا لم يعملوا، وإن عملوا لم ~~يخلصوا. {ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون(121)} حيث اشتروا الضلالة بالهدى. # {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على ~~العالمين(122)} على عالمي زمانكم، وقيل: على عالمي أجناس الحيوان، وهو ~~تفضيل عظيم إن شكر النعمة التي فضل بها وخص بها على غيره، وأفضلها العقل ~~المركب فيه، لأن به يستوجب غنى الدارين. # {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا} أمر الله به ونهى عنه، ليست لأحد ~~في شيء مما قضى الله به ورسوله. [31] {ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ~~ولا هم ينصرون(123)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «معانيه». PageV01P069 # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات} اختبره بأوامر ونواه، {فأتمهن} قام بهن حق ~~القيام، وأداهن حق التأدية من غير تفريط ولا تقصير ونحوه: ms0048 {وإبراهيم الذي ~~وفى} (¬1) ، خلاف الذين قال فيهم: {فما رعوها حق رعايتها} (¬2) ، وقال: ~~{وما (¬3) قدروا الله حق قدره} (¬4) . {قال: إني جاعلك للناس إماما} لأن كل ~~من ابتلاه الله بشيء من دينه فأتمه وقام به حق القيام ولم يضيعه، ولا ضيع ~~شيئا فرضه الله عليه فواجب أن يؤتم به، لأنه سالك طريقة الحق، فواجب أن ~~تقتفى منه أقواله وأحواله ويكون إماما وحجة لمن اتبعه وحجة على من خالفه، ~~وطوبى لمن كان إماما للمتقين، يسمو عليهم بالمسارعة والمسابقة إلى الخيرات ~~كما قال: {واجعلنا للمتقين إماما} (¬5) ؛ وهذا هو الجاه الحقيقي، إذ أمر ~~الله تعالى كافة الخلق من الجن والإنس أن يذعنوا وينقادوا إلى طاعته، ومن ~~خالفه ظاهره الله وملائكته وأهل طاعته عليه، وأين يكون الجاه الوهمي مع ~~هذا!. {قال: ومن ذريتي قال: لا ينال عهدي الظالمين(124)} أي لا يرتقي لهذه ~~الدرجة الفاضلة من هو ظالم لنفسه، لأن من كان ظالما لنفسه لكان لغيرها ~~أظلم، وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة والإمام إنما هو لكشف الظلمة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النجم: 37. # (¬2) - ... سورة الحديد: 27. # (¬3) - ... في الأصل: «فما»، وهو خطأ. # (¬4) - ... سورة الأنعام: 91. # (¬5) - ... سورة الفرقان: 74. PageV01P070 # وإذ جعلنا البيت مثابة للناس} مثابة: مرجعا يثاب إليه كل عام، أي وقلنا ~~له: اتخذوا منه موضع صلاة يصلون فيه للناس مباءة ومرجعا للحجاج والعمار، ~~(لعله) والقائمين والعاكفين والركع السجود، يحصلون به الثواب. {وأمنا} أي ~~ذا أمن، {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} للصلاة. عن النخعي: «الحرم كله ~~مقام إبراهيم». {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل} أمرناهما، {أن طهرا بيتي} ~~قيل: طهراه من كل ما يعبد من دون الله، للعابدين الله لأنه موضع للعبادة، ~~{للطائفين والعاكفين والركع السجود(125)}. # {وإذ قال إبراهيم: رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله} (لعله) المتقين، ~~{من الثمرات} لأنه لم يكن لهم ثمرة، {من آمن منهم بالله واليوم الآخر} ~~(لعله) دعا للمؤمنين خاصة، {قال}: الله تعالى، {ومن كفر فأمتعه قليلا} ~~(لعله) أي سأرزق الكافر قليلا إلى منتهى أجله، وذلك أن الله تعالى وعد ~~الرزق للخلق (لعله) كافة، مؤمنهم وكافرهم، وإنما (لعله) قيل بالقلة لأن ~~متاع ms0049 الدنيا قليل. {ثم أضطره} (لعله) ألجئه وأدفعه، {إلى عذاب النار} دفع ~~المضطر الذي لا يملك الامتناع إلى عذاب النار، {وبئس المصير(126)}. # {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت ~~السميع العليم(127)} (لعله) دلالة على أنهما بنيا الكعبة مسجدا لا مسكنا ~~لأنهما التمسا القبول، {ربنا واجعلنا مسلمين} موحدين، ومعناه زدنا إخلاصا ~~وإذعانا، {لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك، وأرنا} علمنا [32] {مناسكنا} شرائع ~~ديننا وأعلام حجنا؛ وقيل: متعبداتنا، {وتب علينا} قالا هذه الكلمة انقطاعا ~~إلى الله، {إنك أنت التواب الرحيم(128)}. # { PageV01P071 ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك} (لعله) ~~لأنه[كذا] من القرآن كلام متصل، {ويعلمهم الكتاب والحكمة} الحكمة: ما تكمل ~~بها نفوسهم الروحانية، وتمحو بها نفوسهم الجسمانية، وهي العلم والعمل، ولا ~~يكون الرجل حكيما حتى يجمعهما. {ويزكيهم} ويطهرهم من جلي الشرك وخفيه، ~~(لعله) ومن صفات أنفسهم، {إنك أنت العزيز} (لعله) الغالب، {الحكيم(129)} ~~تضع الأمور مواضعها. # {ومن يرغب عن ملة إبراهيم} أي يترك دينه وشريعته، {إلا من سفه نفسه} ~~استبعاد وإنكار لأن يكون أحد يرغب عن الملة الواضحة الغراء، إلا من جهل ~~نفسه الذي لم يفكر في عاقبته، ومن عبد غير الله فقد جهل نفسه، {ولقد ~~اصطفيناه في الدنيا} أي بعمل الصافي الخالص من الأعمال، {وإنه في الآخرة ~~لمن الصالحين(130)} حجة وبيان لذلك، فإن من كان صفوة الله في العباد مشهود ~~له بالاستقامة والصلاح يوم القيامة كان حقيقا بالاتباع لا يرغب عنه إلا ~~سفيه متسفه، أذل نفسه بالجهل والإعراض عن النظر. # {إذ قال له ربه: أسلم} أذعن وأطع، وأخلص دينك لله، {قال: أسلمت لرب ~~العالمين(131)} كأنه قال: اذكر ذلك الوقت ليعلم أنه المصطفى الصالح المستحق ~~للإمامة والتقدم، وأنه نال بالمبادرة إلى الإذعان، وإخلاص (¬1) السر حين ~~دعاه ربه، أو خطر بباله دلائله المؤدية إلى الإسلام. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الهامش: «يعني بكلمة الإخلاص لا إله إلا الله»، ويبدو أنها ~~من إضافة الناسخ. PageV01P072 # ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم} أي: اختار لكم؛ ~~وقيل: أعطاكم الدين الذي هو صفوة ms0050 الأديان، {الدين} أي: فرض عليكم دين ~~الإسلام، وهو أن توحدوه وتعبدوه وتطيعوه، ولا تعصوه ولا تتعالوا عليه في ~~شيء، ولا تشركوا به شيئا من هوى نفس وطاعة شيطان، وغرور دنيا. {فلا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون(132)} فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على ~~الإسلام، فإن الأمور بالخواتم، والنهي في ظاهر الكلام وقع على الموت، وإنما ~~هو في الحقيقة عن ترك الإسلام، معناه داوموا على الإسلام حتى لا يصادفكم ~~الموت إلا وأنتم مسلمون. # {أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت} والخطاب للمؤمنين، يعني ما شهدتم ~~ذلك، وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي. {إذ قال لبنيه: ما تعبدون من ~~بعدي قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا} نفي ~~واعتقاد عن أن يعبدوا غيره من آلهة، {ونحن له مسلمون(133)}. # {تلك أمة قد خلت لها ما [33] كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا ~~يعملون(134)} (لعله) يعني يسأل كل عن عمله لا عن عمل غيره. # {وقالوا: كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل: بل ملة إبراهيم حنيفا} الحنيف ~~المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق، معناه بل نتبع ملة ابراهيم حنيفا. قال ~~مجاهد: «الحنيفية اتباع ملة إبرهيم فيما أتى به من الشريعة التي صار بها ~~إماما للناس. {وما كان من المشركين(135)} تعريض بأهل الكتاب وغيرهم، لأن ~~كلا منهم يدعي اتباع إبراهيم وهو على شرك جلي أو خفي. PageV01P073 # ثم علم المؤمنين طريق الإيمان، فقال جل ذكره: {قولوا آمنا بالله} يحمل ~~الخطاب للكافرين وغيرهم، {وما أنزل إلينا (¬1) وما أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق (¬2) ويعقوب والأسباط} الأسباط: قيل: أولاد يعقوب. {وما ~~أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم} أي نؤمن ~~بالكل، لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى، {ونحن له ~~مسلمون(136)} لله مخلصون. # {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا} عما تدعونهم إليه، ~~{فإنما هم في شقاق} فما هم إلا في شقاق الحق وهو المناوأة والمخالفة، فإن ~~كل واحد من ms0051 المتخالفين في شق غير شق الآخر. قال ابن عباس: «في خلاف»، قال: ~~«شاق إذا خالف كل واحد أحدا في شق غير شق صاحبه». {فسيكفيكهم الله} ضمان من ~~الله لإظهار رسوله عليهم، وهذا عام لكل من دعا إلى الإسلام فلم يقبل المدعى ~~منه ويحاول في معاداته فسيكفيه الله شره، {وهو السميع العليم(137)}. # {صبغة الله} أي أصبغنا الله صبغته، وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها، ~~فإنه حلية الإنسان المؤمن، كما أن الصبغة حلية المصبوغ، (لعله) لأنه يظهر ~~أثر الدين على المتدين كما يظهر أثر الصبغ على الثوب. {ومن أحسن من الله ~~صبغة} أي لا صبغة أحسن من صبغته، ولا تطهير أحسن من تطهيره، كما قال: {بل ~~الله يزكي من يشاء} (¬3) . {ونحن له عابدون(138)}. # {قل}: يا محمد، {أتحاجوننا في الله} في توحيده وربوبيته، {وهو ربنا وربكم ~~ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون(139)} أي موحدون. قيل الإخلاص أن ~~يخلص العبد دينه وعمله لله، فلا يشرك به في دينه أن (لعله) يعمله من أجل الناس. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «وما أنزل إلينا». # (¬2) - ... في الأصل: + «وإسحاق». # (¬3) - ... سورة النساء: 49. PageV01P074 # أم تقولون: إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو ~~نصارى قل}: يا محمد، {أأنتم أعلم أم الله} يعنى أن الله شهد لهم بملة ~~الإسلام، {ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله} أي كتم شهادة الله التي ~~عنده أنه شهد بها، وهي شهادته لإبراهيم بالحنيفية. {وما الله بغافل عما ~~تعملون(140)}. # {تلك أمة قد [34] خلت لها ما كسبت} (لعله) لم يبق لها إلا كسبها، {ولكم ~~ما (¬1) كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون(141)} بل نسألكم عن أعمالكم. # {سيقول السفهاء من الناس} السفهاء من الناس، كل من خالف دين الله في شيء ~~منه، ولو بحرف واحد، فهو سفيه في دينه، وإن كان غير سفيه في أمور أخرى، ~~وعلى هذا فالناس كلهم سفهاء إلا المخلصون. {ما ولاهم} ما صرفهم، {عن قبلتهم ~~التي كانوا عليها} يعنون بيت المقدس، والقبلة "فعلة" من المقابلة؛ {قل لله ~~المشرق والمغرب} والأرض كلها له، {يهدي ms0052 من يشاء إلى صراط مستقيم(142)} وهو ~~ما ترتضيه الحكمة وتقتضيه المصلحة، من التوجه إلى بيت المقدس تارة والكعبة أخرى. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «ما»، وهو خطأ. PageV01P075 # وكذلك جعلناكم أمة وسطا} خيارا، وقيل للخيار وسط، لأن الأطراف يتسارع ~~إليها الخلل والأوساط محمية؛ قال أبو سعيد: «كذلك قوله: {أوسطهم} (¬1) ~~أفضلهم، وكذلك قوله: {أمة وسطا}، قال: خيارا فيما قيل»؛ {لتكونوا شهداء على ~~الناس} أي تشهدون أعمالهم من بر وفجور، فتضعون كلا منزلته، وتوفونه حقه، ~~{ويكون الرسول عليكم شهيدا} كما كنتم شهداء على الناس، {وما (¬2) جعلنا ~~القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه} إلا ~~امتحانا وابتلاء، لنعلم الثابت على الإسلام الصادق فيه، ممن هو على حرف ~~ينكص على عقبيه لقلقه؛ وكذلك جعل كل فتنة حلت على أحد من خلقه امتحانا ~~وابتلاء، ليعلم الثابت من خلقه على دينه، ليزداد بذلك إيمانا، ويعذب من ~~ينقلب على عقبيه، كأنه سبق في علمه تحويل القبلة سببا لهداية قوم وضلالة ~~آخرين، لأن تبديل العادات وترك المألوفات ثقيل على النفوس، إلا عباد الله ~~المخلصين، وقليل ما هم؛ {وإن كانت لكبيرة} وإن كانت التحويلة لكبيرة ثقيلة ~~شاقة، {إلا على الذين هدى الله} إلا على الثابتين الصادقين في اتباع ~~الرسول، وجميع الطاعة كبيرة شاقة، (لعله) ولا سيما الانقلاب من المنسوخ إلى ~~الناسخ، إلا على المهتدين؛ {وما كان الله ليضيع} (لعله) وذلك قيل: إن أناسا ~~قالوا للمسلمين: «أخبرونا عن صلاتكم نحو بيت المقدس إن كانت هدى، فقد ~~تحولتم عنها، وإن كانت ضلالة فقد دنتم لله بها، ومن مات منكم عليها فقد مات ~~على الضلالة!، فقال المسلمون: إن الهدى ما أمر الله به، والضلالة ما نهى ~~عنه، {إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم(143)} لا يضيع أجورهم؛ والرأفة ~~أشد من الرحمة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... يقصد قوله تعالى: {قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون}. سورة ~~القلم: 28. # (¬2) - ... في الأصل: - «ما»، وهو خطأ. PageV01P076 # قد نرى تقلب وجهك في السماء} يتوقع من ربه نزول الوحي عليه والتحولة إلى ~~الكعبة موافقة لإبراهيم ومخالفة لليهود؛ {فلنولينك} (لعله) ms0053 فلنعطينك، {قبلة ~~ترضاها} تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة، التي أضمرتها لا الهوائية ~~الجسمانية الشيطانية، ولذلك وافقت مشيئة الله وحكمته، (لعله) ويرجى له ~~الثواب على ما طلب من ذلك؛ و (¬1) {فول وجهك شطر [35] المسجد الحرام} أي ~~نحوه، {وحيث ما كنتم} من الأرض وأردتم الصلاة؛ {فولوا وجوهكم شطره، وإن ~~الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق} أن التحويل، تحويل التوجه إلى الكعبة ~~هو الحق المنزل، {من ربهم وما الله بغافل عما يعملون(144)} فالأول: وعيد ~~للكافرين بالعقاب على الجحود والإيباء، والثاني: وعد للمؤمنين بالثواب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، والصواب: - «و». PageV01P077 # ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب} أراد ذوي العناد منهم، { بكل آية} برهان ~~قاطع، والمعنى لو أتاهم بكل آية من آيات الله، ليس آية دون آية. {ما تبعوا ~~قبلتك} لأن تركهم اتباعك ليس على شبهة تزيلها بإيراد الحجة، إنما هو من ~~مكابرة وعناد مع علمهم لما في كتبهم من نعتك أنك على الحق، وهكذا عادة كل ~~من كان ديدنه الحمق والعناد، {وما أنت بتابع قبلتهم} حسم لأطماعهم إذ كانوا ~~اضطربوا في ذلك وقالوا: لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجوا أن يكون صاحبنا الذي ~~ننتظره، {وما بعضهم بتابع قبلة بعض} يعني أنهم مع اتفاقهم على مخالفتك، ~~مختلفون بأنفسهم في شأن القبلة، لا يرجى اتفاقهم كما لا يرجى موافقتهم لك، ~~فاليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى مطلع الشمس؛ {ولئن اتبعت أهواءهم من ~~بعد ما جاءك من العلم} أي من بعد وضوح البرهان، {إنك إذا لمن ~~الظالمين(145)} لمن المرتكبين الظلم الفاحش، وفي ذلك لطف للسامعين وتهييج ~~للثبات على الحق، وتحذير لمن يترك الدليل بعد إنارته، ويتبع الهوى؛ والخطاب ~~متوجه لجميع المتعبدين، وكل ما لم يقم الدليل بجوازه فهو اتباع الهوى. # {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه} أي الرسول أو القرآن، {كما يعرفون ~~أبناءهم} مبالغة لارتفاع الشك من قلوبهم، ومعرفة الأبناء من غيرهم مع ~~آبائهم ليس فيها للشك مجال. {وإن فريقا منهم} من الذين لم يسلموا، {ليكتمون ~~الحق} حسدا وعنادا، {وهم يعلمون(146)} ذلك لأن الله بينه في كتابهم، {الحق ~~من ربك} كل ms0054 ما ثبت من عند الله فهو الحق، وما لم يثبت من عنده فهو الباطل ~~الذي لا ثبات له ولا أصل؛ {فلا تكونن من الممترين(147)} الشاكين. # { PageV01P078 ولكل} من أهل الشرائع والأديان أو الأهواء، {وجهة} قبلة ~~وطريقة متوجهون إليها، {هو موليها}، هو موليها وجهه؛ {فاستبقوا} أنتم أيها ~~المؤمنون، أي: تسابقوا إلى {الخيرات} لكل من المخلوقين وجهة هو مستقبلها ~~وساع إليها من أمر الدارين، من خير وشر؛ وأمر الله المؤمنين أن يتوجهوا نحو ~~الخيرات ويتسابقوا إليها، ومن كان أسبق كان أفضل، {أين ما تكونوا} أنتم ~~وأعداؤكم، {يأت بكم الله جميعا} [36] أي يجمعكم يوم القيامة فيفصل بين ~~المحق والمبطل، وفيه وعد للمحق ووعيد للمشاقق المبطل، {إن الله على كل شيء ~~قدير(148)}. # {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله ~~بغافل عما تعملون(149)} (¬1) . # {ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم ~~شطره، لئلا يكون للناس عليكم حجة} أي لا تكون حجة لمبطل على محق في شيء، بل ~~الحجة التامة له على جميع من خالفه؛ {إلا الذين ظلموا منهم} قيل: والذين ~~ظلموا من الناس فلا يكونون عليكم حجة، و“إلا” ههنا بمعنى الواو؛ وقيل: {إلا ~~الذين ظلموا منهم} فهم مشركو مكة أنهم قالوا لما صرف قبلتهم إلى الكعبة: إن ~~محمدا قد تحير في دينه فلا تتبعوه، والله أعلم بتأويل كتابه؛ {فلا تخشوهم} ~~ويحتمل: {والذين ظلموا منهم فلا تخشوهم} فلا تخافوا مطاعنتهم في دينكم ~~فإنهم لا يضرونكم، {واخشوني} فلا تخالفوا أمري، {ولأتم نعمتي عليكم} ~~بهدايتي إياكم حتى أزحزحكم عن النار وأدخلكم الجنة التي هي دار القرار، وهو ~~تمام النعمة، {ولعلكم تهتدون(150)} ولكي تهتدوا إلى الحق. # { # ¬__________ # (¬1) - ... هذه الآية غير واردة في التفسير. PageV01P079 # كما أرسلنا فيكم رسولا منكم} من مثلكم في الخلق، {يتلو عليكم آياتنا} أي ~~آيات القرآن، {ويزكيكم} ويطهركم من خبائث الشيطان، {ويعلمكم الكتاب} أي: ~~تنزيله وتأويله، {والحكمة} أي: العمل على مقتضى العلم، {ويعلمكم ما لم ~~تكونوا تعلمون(151)} بالفكر والنظر والاستدلال والاستنباط، {فاذكروني} أي: ~~وحدوني واعبدوني ولاتشركوا ms0055 بي شيئا، {أذكركم} بالتوفيق على الطاعة والثواب ~~عليها، {واشكروا لي} أطيعوني في جميع ما أنعمت به عليكم، {ولا تكفرون(152)} ~~ولا تجحدوا نعمائي. # {يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر} على الأمر والنهي، {والصلاة} التي ~~هي أم العبادات، ومعراج المؤمنين، وقوام الدين ومناجاة رب العالمين، {إن ~~الله مع الصابرين(153)} بالنصر والمعونة. # {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء} لمن قتل على طاعته، ~~وسبيله طاعته كما قال: {قيل: ادخل الجنة، قال: يا ليت قومي يعلمون بما غفر ~~لي ربي وجعلني من المكرمين} (¬1) ، وإن كان قيل: إن الآية نزلت فيمن قتل في ~~المعركة مجاهدا في سبيل الله، فأفضل منه من قتل أو مات في طلب العلم والذب ~~عن الشريعة، وأفضل منهم الأنبياء والرسل عليهم السلام، {بل أحياء ولكن لا ~~تشعرون(154)} لا تعلمون ذلك قبل أن يخبركم الله به، لأن حياة الشهيد لا ~~تعلم حسا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة يس: 27. PageV01P080 # ولنبلونكم} ولنصيبنكم بذلك إصابة، تشبه فعل المختبر لأحوالكم هل تصبرون ~~على ما أنتم عليه من الطاعة أم لا، {بشيء} بقليل من كل واحدة من هذه [37] ~~البلايا وطرف منه (¬1) ، وقلل ليؤذن أن كل بلاء أصاب الإنسان وإن جل ~~ففوقه من (¬2) يقل إليه[كذا]، ويريهم أن رحمته معهم في كل حال؛ وأعلمهم ~~بوقوع البلوى قبل وقوعها ليوطنوا أنفسهم عليها، {من الخوف} من خوف العدو، ~~أو الله، {والجوع} أي القحط، أو صوم رمضان، {ونقص من الأموال} بذهابها بشيء ~~من الآفات أو بالزكاة، {والأنفس} بالقتل والموت، أو بالمرض والشيب، ~~{والثمرات} وإهلاك ثمرات الحرث، أو موت الأولاد الذين هم ثمرات الأكباد، ~~{وبشر الصابرين(155)} على هذه البلايا، والمسترجعين عند البلايا، لأن ~~الاسترجاع الحقيقي بتسليم وصبر وإذعان، في الحديث: «من استرجع عند المصيبة، ~~جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفا صالحا يرضاه» (¬3) . وطفئ سراج ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، فقيل: ~~أمصيبة هي؟ قال: «نعم كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة» (¬4) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «منها»، أي من البلايا. # (¬2) - ... يمكن أن نقرأ: ms0056 «ما». # (¬3) - ... لم نعثر عليه في الكتب التسعة. وأما الأحاديث الواردة في ~~الاسترجاع عند المصيبة وأن الله يخلف للمؤمن ما هو خير له، فهي كثيرة، منها ~~ما جاء عن أم سلمة أنها قالت سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~«ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله {إنا لله وإنا إليه راجعون} ~~اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا أخلف الله له خيرا منها...». ~~رواه مسلم في صحيحه، كتاب الجنائز، رقم: 1525. العالمية: موسوعة الحديث. # (¬4) - ... لم نعثر عليه في الكتب التسعة. PageV01P081 # الذين إذا أصابتهم مصيبة} مكروه، {قالوا إنا لله} إقرار له بالملك، ولا ~~يسخط عليه ما يفعله في ملكه، {وإنا إليه راجعون(156)} إقرار على أنفسنا وما ~~خولناه بالفناء، وأن الأمور كلها راجعة إليه، وليس الصبر بالاسترجاع ~~باللسان، بل بالقلب بتصور ما خلق لأجله، وأنه راجع إلى ربه، وبذكر نعم الله ~~عليه، فيرى أن ما بقي عليه أضعاف ما استرده منه، فيهون على نفسه ويستسلم له. # {أولئك عليهم صلوات من ربهم} الصلاة: الرحمة، فوضعت موضع الرأفة، وجمع ~~بينها وبين الرحمة، كقوله: {رأفة ورحمة} (¬1) ، {رؤوف رحيم} (¬2) والمعنى ~~عليهم رأفة بعد رأفة، {ورحمة} بعد رحمة، {وأولئك هم المهتدون(157)} لطريق ~~الصواب حيث استرجعوا، وأذعنوا لأمر الله، وردوا الملك إلى مالكه، والأمانة ~~إلى أهلها. # {إن الصفا والمروة} هما علمان لمن تطوف بهما، {من شعائر الله} من أعلام ~~دينه ومناسكه ومتعبداته، {فمن حج البيت} قصد، {أو اعتمر} زار الكعبة، ~~فالحج: القصد، والاعتمار: الزيارة، ثم غلبا على قصد البيت وزيارته للنسكين، ~~وهما في المعاني كالنجم والبيت في الأعيان؛ {فلا جناح عليه} فلا إثم، وأصله ~~من جنح، أي: مال عن القصد، {أن يطوف بهما} أي يتطوف، وأصل الطواف: المشي ~~حول الشيء، والمراد هنا السعي بينهما؛ {ومن تطوع خيرا} أي فعل غير المفرض ~~عليه من زكاة وصلاة وطواف وغيره من أعمال الطاعات، {فإن الله شاكر ~~عليم(158)} مجاز على القليل كثيرا، والشكر من الله أن يعطي فوق ما يستحق من ~~شكر اليسير، ويعطي الكثير. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الحديد: ms0057 27. وتمامها: {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ~~ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها ~~حق رعايتها}. # (¬2) - ... في مثل قوله تعالى: {ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم}. ~~التوبة: 117. PageV01P082 # إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات} من الآيات الشاهدة بالحق و (¬1) ~~عليه، والكتمان يحتمل كفرانهم للآيات، لأن الكفر هو التغطية، ويحتمل [38] ~~كتمانهم لغيرهم ما يجب إظهاره لغيرهم، {والهدى} أي الإسلام، {من بعد ما ~~بيناه} وضحناه، لأن الحق واضح جلي سهل يسير على من طلبه، وكله خفي على من ~~تعامى عنه، {للناس (¬2) في الكتاب} المنزل لم يدع فيه موضع إشكال، فعمدوا ~~إلى ذلك المبين فكتموه أو حرفوه؛ {أولئك يلعنهم الله ويلعنهم ~~اللاعنون(159)} الذين يتأتى منهم اللعن، أي يسألون الله أن يلعنهم؛ وقيل: ~~جميع ما خلق الله يلعنه غضبا لله، كما أن المطيع كل شيء يستغفر له رضى لله. # {إلا الذين تابوا} عن الكتمان وترك الإيمان، {وأصلحوا} ما أفسدوا من ~~أمورهم، لأن ترك الإيمان والكتمان من الفساد في الدين، {وبينوا} وأظهروا ما ~~كتموا، وفسروا بأصح تفسير، أو عملوا بمقتضاه، فإن ذلك من البيان، وضده ~~الكفر؛ {فأولئك أتوب عليهم} أقبل توبتهم، {وأنا التواب} الرجاع لقلوب عبادي ~~المنصرفة (لعله) عني إلي، {الرحيم(160)} الرحيم بهم بعد إقبالهم علي. # {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار} الذين ماتوا على إصرارهم على الكفر ~~{أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين(161)} المراد بالناس: ~~المؤمنون والكافرون، إذ يلعن بعضهم بعضا، لم يبق لهم خليل قط. # {خالدين فيها} في اللعنة أو في النار، إلا أنها أضمرت تفخيما لشأنها ~~وتهويلا، {لا يخفف عنهم العذاب (¬3) ، ولا هم ينظرون(162)} أي: لا يمهلون ~~أو لا ينتظرون ليعتذروا، أو لا ينظر إليهم نظر رحمة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: - «و» # (¬2) - ... في الأصل: - «للناس»، وهو خطأ. # (¬3) - ... في الأصل: - «العذاب»، وهو خطأ. PageV01P083 # وإلهكم إله واحد} أي: إله من عبده ومن عبد غيره، واحد لا ثاني له، {لا ~~إله إلا هو} تقرير بالوحدانية بنفي غيره وإثباته، {الرحمن الرحيم(163)} أي ~~المولي لجميع النعم أصولها وفروعها، ms0058 ولا شيء سواه بهذه الصفة، فما سواه إما ~~نعمة وإما منعم عليه. # {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار} في اللون والطول ~~والقصر، أو تعاقبهما في الذهاب والمجيء، {والفلك التي تجري في البحر بما ~~ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيى به الأرض بعد موتها} ~~يبسها، {وبث} فرق {فيها من كل دابة، وتصريف الرياح} قبولا ودبورا، وجنوبا ~~وشمالا، وفي أحوالها حارة وباردة، وعاصفة ولينة، وعقيما، ولواقح، وتارة ~~بالرحمة، وطورا بالعذاب، {والسحاب المسخر} المذلل المنقاد لمشيئة الله ~~فيمطر حيث شاء {بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون(164)} ينظرون بعيون ~~عقولهم ويعتبرون، ويستدلون بهذه الأشياء على قدرة موجدها، وحكمة مبدعها ~~ووحدانية منشئها (لعله) ولو لم يسبق معرفة الخلق لهذه الآيات وأمثالها ~~لأبهرت عقولهم عند رؤيتها في أول مرة؛ في الحديث: «ويل لمن قرأ [39] هذه ~~الآية فمج بها» (¬1) ، أي لم يتفكر فيها ولم يعتبرها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لم نعثر عليه في الكتب التسعة. PageV01P084 # ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا} أي مع هذا البرهان النير من الناس ~~[من] يتخذ أندادا، أمثالا من الأصنام، أو الأهوية الضالة، لقوله: {أفرأيت ~~من اتخذ إلهه هواه} (¬1) أو الشيطان، كقوله: {لا تعبد الشيطان} (¬2) ؛ ~~{يحبونهم} يعظمونهم ويخضعون لهم، تعظيم المحبوب {كحب الله} كتعظيم الله ~~والخضوع له، أي: يحبون الأصنام كما يحبون الله يعني يسوون بينهم وبينه في ~~محبتهم، لأنهم كانوا يقرون بالله ويعبدونه في أحوال، ويعبدون وينقادون ~~لآلهتهم في أحوال؛ وقيل: يحبونهم كحب المؤمنين الله؛ {والذين آمنوا أشد حبا ~~لله} لأنه لا تنقطع محبتهم لله في شدة ولا رخاء، ومحبة الكافرين الأنداد ~~فإنها لأغراض فاسدة موهومة، تزول بأدنى سبب، كما قال: {وإذا مسكم الضر في ~~البحر ضل من تدعون إلا إياه} (¬3) ، فهذا في الدنيا، وفي الآخرة قال: ~~{وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم، وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم ~~فيكم شركاء، لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون} (¬4) . # {ولو يرى} ذلك لرأيت أمرا عظيما (¬5) ، {الذين ظلموا} إشارة إلى متخذي ~~الأنداد، {إذ يرون العذاب} عند الموت أو ms0059 في الآخرة {أن القوة لله جميعا} لم ~~تبق لذي قوة قوته إلا الله، {وأن الله شديد العذاب(165)} أي ولو يعلم هؤلاء ~~الذين ارتكبوا الظلم العظيم باتخاذهم الأنداد، أن القدرة كلها لله على كل ~~شيء من الثواب والعقاب دون أندادهم، ويعلمون شدة عقابه للظالمين إذا عاينوا ~~العذاب لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الجاثية: 23. # (¬2) - ... سورة مريم: 44. # (¬3) - ... سورة الإسراء: 67. # (¬4) - ... سورة الأنعام: 94. # (¬5) - ... نلاحظ أن المصنف فسر هذه الآية على رواية ورش: {ولو ترى...} ~~بأسلوب الخطاب، وهي على رواية حفص بأسلوب الغائب. PageV01P085 # إذ تبرأ الذين اتبعوا} وهم الأنداد المتبوعون، {من الذين اتبعوا} من ~~الأتباع العابدين (¬1) غير الله، {ورأوا العذاب} أي بتراء، وفي حال رؤيتهم ~~العذاب، {وتقطعت بهم الأسباب(166)} الوصلات التي كانوا يتواصلون بها، ~~والأرحام التي كانوا يتعاطفون بها، والمعنى: زال عنهم كل سبب يمكن أن يتوصل ~~به من مودة أو عهد أو قرابة، التي كانت من الاتفاق على دين واحد، والأغراض ~~الداعية (¬2) الباطلة الزاهقة عند بيان الحقائق وانكشافها، لأن الظواهر ~~تنمحق والبواطن تتحقق. # {وقال الذين اتبعوا} أي الأتباع، {لو أن لنا كرة} رجعة إلى الدنيا، ~~{فنتبرأ منهم} على سبيل المجاراة لأنهم يتعذبون ببراءتهم من بعضهم بعض، ~~{كما تبرءوا منا} أي بترك طاعتهم وعبادتهم والانقياد إليهم، كما تركونا ~~ووحدونا، لأنا علمنا أنهم لا ينفعونا إن عبدناهم، ولا يضرونا إن تركناهم، ~~وفي هذا يدخل جميع ما يشغل عن طاعة الله من جميع معاصي الله التي تعود ~~عليهم حسرات [40] كما قال: {كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم} أي: أن ~~أعمالهم التي يحسبونها شيئا، ولم يجدوها (¬3) كما حسبوها تنقلب حسرات ~~عليهم، فلا يرون إلا حسرات مكان أعمالهم؛ {وما هم بخارجين من النار(167)} ~~بل هم فيها دائمون، باقون ببقاء الله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «لعابدين»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولم يظهر معنى هذه الكلمة في هذا السياق، ولعل ~~صوابها: «المتداعية»، من «تداعى البناء والحائط للخراب، إذا تكسر وآذن ~~بانهدام». أي أن الأغراض الباطلة تتداعى وتتحطم أمام الحق. انظر: ابن ~~منظور: لسان العرب، 2/988، ms0060 مادة «دعا». # (¬3) - ... في الأصل: «يجددوها»، وهو خطأ. PageV01P086 # يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا} أي كلوا مما أحل الله لكم ~~منها، والحلال جميع المباح لأن أصله كان حلالا، إلا ما حرمه الله عليهم ~~بالاستثناء، وله أن يركب الحلال مباحا له من المأكولات والمشروبات ~~والمركوبات والمنكوحات، (لعله): وهو مراده فيهم ذلك. {ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان} طرقه التي يدعوكم إليها إلى ارتكاب ما نهاكم الله عنه؛ والخطوة في ~~الأصل ما بين قدمي الخاطي، يقال: اتبع خطواته إذا اقتدى به واستن بسنته. ~~{إنه لكم عدو مبين(168)} ظاهر العدواة غرور، (لعله) ولا تناقض هذه الآية ~~قوله: {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت} (¬1) أي الشيطان، إنه عدو للناس ~~حقيقة، ووليهم فإنه يريهم في الظاهر الموالاة ويزين لهم أعمالهم، ويريد ~~بذلك هلاكهم. # {إنما يأمركم} بيان لوجوب الانتهاء عن اتباعه، وظهور عداوته، أي لا ~~يأمركم بخير قط، إنما يأمركم {بالسوء} بالقبح، لأنها تسوء فاعلها، ~~{والفحشاء} وما يتجاوز الحد في القبح من العظائم؛ وقيل السوء ما لا حد فيه، ~~والفحشاء ما فيه حد. {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون(169)} هو جميع ~~الكذب، ويدخل فيه استعمال الجوارح لما لم تخلق له، وكل ما يضاف إلى الله ~~مما لا يجوز عليه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البقرة: 257. PageV01P087 # وإذا قيل لهم} أي للناس، {اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا} ~~وجدنا {عليه آباءنا} فإنهم كانوا خيرا منا وأعلم، فرد الله عليهم بقوله: ~~{أولو كان آباؤهم} معناه التعجب: أيتبعونهم ولو كان آباؤهم!... {لا يعقلون ~~شيئا} قطعا من أمر دينهم ودنياهم لأنهم لا يعقلون عاقبة شيء ولما خلق له ~~ذلك الشيء من جميع المخلوقات، وإنما هو كالبهائم التي لا تسمع {إلا دعاء ~~ونداء، صم بكم عمي فهم لا يعقلون} «شيئا»: من الأشياء نفى عنهم عن (¬1) أن ~~يعقلوا شيئا، لأنهم وإن عقلوا ما عقلوه من غير الدين لم ينتفعوا به في ~~دينهم إذ لم يعقلوا جميع اللوازم، لأن الدين لا يتجزأ، ولذلك (¬2) في قوله ~~تعالى: {لا يعلمون شيئا} (¬3) . {ولا يهتدون(170)} (لعله) لشيء من الصواب. ms0061 # {ومثل الذين كفروا} أي: ومثل داعي الذين كفروا، {كمثل الذي ينعق} يصيح، ~~{بما لا يسمع إلا دعاء ونداء} والمعنى أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس ~~النغمة ودوي الصوت، من غير إصغاء أذهان ولا استبصار، كالبهائم التي لا تسمع ~~إلا نداء الناعق ونداء الذي هو تصويت [41] لها وزجر لها، ولا تفقه شيئا آخر ~~كما يفهم العقلاء؛ والنعيق: التصويت، يقال: نعق المؤذن ونعق الراعي بالضأن؛ ~~والنداء: ما يسمع، والدعاء قد يسمع وقد لا يسمع. {صم بكم عمي} عن الحق، ~~{فهم لا يعقلون(171)} الموعظة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: - «عن». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «ومثل ذلك». # (¬3) - ... في قوله تعالى: {أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون}. ~~سورة المائدة: 104. PageV01P088 # يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه ~~تعبدون(172)} أمر الله المؤمنين أن يتحروا طيبات ما رزقوا ويقوموا بحقوقها، ~~فقال: {واشكروا لله} على ما رزقكم وأحل لكم، {إن كنتم إياه تعبدون}، فإن ~~عبادته لا تتم إلا بالشكر لإتمامه، وهو عدم عند انعدامه. وعن النبي - عليه ~~السلام - : «يقول الله إني والإنس والجن في نبإ عظيم أخلق ويعبد غيري، ~~وأرزق ويشكر غيري» (¬1) . # {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله} أي: ~~ذبح للأصنام، فذكر عليه غير اسم الله؛ {فمن اضطر غير باغ} للذة وشهوة، {ولا ~~عاد} متعد غير الحاجة، وأصل البغي قصد الفساد، وأصل العدوان الظلم ومجاوزة ~~الحد، {فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم(173)}. # {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما ~~يأكلون في بطونهم إلا النار} لأنه إذا أكل ما يلتبس بالنار لكونها عقوبة ~~عليه، فكأنه أكل النار، {ولا يكلمهم الله يوم القيامة} كلام رضى، وبما ~~يسرهم، إنما يتوعدهم بالنار، وهو (لعله) ما يجدونه في كتابهم من ديوان ~~سيئاتهم، {ولا يزكيهم} ولا يطهرهم من رجس ذنوبهم من حيث لم يطهروا أنفسهم ~~منها، {ولهم عذاب أليم(174)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لم نعثر عليه في الكتب التسعة. PageV01P089 # أولئك الذين اشتروا ms0062 الضلالة بالهدى} (لعله) لما لم ينتفع بعمله فصار ~~وجوده أشد عليه من عدمه، {والعذاب بالمغفرة} لكتمان الحق للأغراض الدنيوية؛ ~~{فما أصبرهم على النار(175)}؟ فأي شيء صبرهم واضطرهم على عمل يؤدي إلى ~~النار، وهذا استفهام معناه التوبيخ، فقد سمى الله الضلالة نارا، فقد باعوا ~~نعم الدارين بعذاب الدارين؛ قيل: فما أصبرهم على عمل أهل النار، أي: ما ~~أدوهم (¬1) عليه؛ {ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق} (لعله) يعني: ذلك العذاب ~~بأن الله نزل الكتاب بالحق، فأنكروه وكفروا به؛ {وإن الذين اختلفوا في ~~الكتاب} أي بالدين، فقالوا في بعضها حق، وفي بعضها باطل، {لفي شقاق} خلاف ~~{بعيد(176)} عن الحق. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «ما أدومهم». PageV01P090 # ليس البر أن تولوا} أي: ليس البر توليتكم {وجوهكم قبل المشرق والمغرب} ~~(لعله) أي: أن يقوم المصلي يصلي على غير تقوى، {ولكن البر من (¬1) آمن ~~بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، وآتى المال على حبه} قيل: ~~إن الهاء راجعة إلى المال، الذي أعطى المال في حال صحته وحجيته المال؛ وقال ~~ابن مسعود: «أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر». وقيل: هي ~~عائدة إلى الله، أي على حب الله [42]، {ذوي القربى واليتامى} المراد ~~الفقراء من ذوي القربى، واليتامى المحتاجين، {والمساكين وابن السبيل} ~~المسافر المنقطع عن ماله، (لعله) وفي خ (¬2) ابن السبيل المسافر الذي انقطع ~~عنه ما يكفيه في سفره، وسمي ابن السبيل لملازمته له، و(لعله)الضيف، صرح به ~~السلف؛ {والسائلين وفي الرقاب} في معاونة المكاتبين إذا كانوا أهلا لذلك، ~~وأنت أهل للبذل، {وأقام الصلاة} المكتوبة، {وآتى (¬3) الزكاة} المفروضة، ~~قيل: هو توكيد للأول، وقيل: المراد بالأول نوافل الصدقات والمبار، ~~{والموفون بعهدهم إذا عاهدوا} الله والناس، {والصابرين في البأساء} ~~الشدائد، {والضراء} المرض والزمانة (¬4) ، { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «من»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعله يقصد بالحرف “خ” «نسخة». # (¬3) - ... في الأصل: «وإيتاء»، وهو خطأ. # (¬4) - ... الزمانة: الآفة، قال في اللسان: «والزمانة آفة في الحيوانات، ~~ورجل زمن أي مبتلى بين الزمانة. والزمانة: العاهة. زمن يزمن زمنا وزمنة ~~وزمانة فهو زمن، والجمع: زمنون؛ ms0063 وزمين والجمع: زمنى، لأنه جنس للبلايا التي ~~يصابون بها ويدخلون فيها وهم لها كارهون...»..ابن منظور: لسان العرب، 3/49 ~~PageV01P091 وحين البأس} وقت القتال؛ {أولئك الذين صدقوا} (لعله) إيمانهم ~~اللفظي باتباع الحق وطلب البر وترك الشهوات، {وأولئك هم المتقون(177)} عن ~~الكفر وسائر الرذائل؛ والآية كما ترى جامعة للكمالات الإنسانية بأسرها، ~~دالة عليها صريحا وضمنا، فإنها بكثرتها وتشعبها منحصرة في ثلاثة أشياء: صحة ~~الاعتقاد، وحسن المعاشرة، وتهذيب النفس. # {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص} عبارة عن المساواة، {في القتلى} ~~المعنى فرض عليكم اعتبار المماثلة والمساواة بين القتلى، {الحر بالحر ~~والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى، فمن عفي له من أخيه شيء} أي ترك له وصفح ~~عنه من الواجب عليه وهو القصاص، وهذه توصية للعافي والمعفو عنه جميعا؛ ~~{فاتباع بالمعروف، وأداء إليه بإحسان} يعني: أن الولي إذا أعطي له شيء من ~~مال أخيه، يعني القاتل بطريق الصلح، فليأخذه بمعروف من غير تعنيف، وليؤده ~~القاتل إليه بلا تسويف، {ذلك} (¬1) الحكم المذكور من العفو وأخذ الدية؛ ~~{تخفيف من ربكم ورحمة} فإنه قيل: كان في التوراة القتل لا غير، وفي الإنجيل ~~العفو (لعله) بغير بدل لا غير؛ وأبيح لنا (¬2) القصاص والعفو وأخذ المال ~~بطريق الصلح توسعة وتيسيرا؛ {فمن اعتدى بعد ذلك} التخفيف، فيجاوز ما شرع له ~~من قتل غير القاتل، أو القتل بعد أخذ الدية، {فله عذاب أليم(178)} في ~~الدنيا والآخرة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «ذلكم»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «النا»، وهو خطأ. PageV01P092 # ولكم في القصاص حياة} لكلام فصيح [كذا] لما فيه من الغرابة، إذ القصاص ~~قتل وتفويت للحياة، وقد جعل طراقا للحياة، (لعله) لأن بالمجازاة يكف الخلق ~~بعضهم عن بعض الاعتداء، لأن أكثرهم لا يردعهم خوف الله تعالى، لأنه إذا هم ~~بالقتل فعلم أنه يقتص منه، فارتدع سلم صاحبه من القتل، وسلم هو من القود، ~~[43] فكان القصاص سبب حياة نفسين؛ وقيل: كانوا في الجاهلية يقتلون بالمقتول ~~غير قاتله، فتثور الفتنة ويقع بينهم التناصر؛ وفي تعريف القصاص وتنكير ~~الحياة بلاغة بينة، لأن المعنى: ولكم في هذا الجنس من الحكم ms0064 الذي هو ~~القصاص، حياة عظيمة، {يا أولي الألباب لعلكم تتقون(179)} تعملون عمل أهل ~~التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به، وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة ~~ومن يقوم مقامهم بذلك. # {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت} أي: إذا دنا منه وظهرت أماراته، {إن ترك ~~خيرا} مالا كثيرا، وسمي خيرا لأنه يعين على الوصول إلى دار الخير وهي ~~الجنة، كما سميت نعمة الدنيا نعمة لأنها توصل إلى النعمة الأبدية. {الوصية ~~للوالدين والأقربين بالمعروف} (لعله) أي: الشيء الذي يعرف العقلاء أنه لا ~~جور فيه ولا حيف، {حقا على المتقين(180)} أي: حق ذلك على أهل التقوى. # {فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه} قيل: إنه الورثة ~~والوصي، أو أحدهما، {إن الله سميع عليم(181)}. # {فمن خاف من موص جنفا} ميلا عن الحق بالخطإ في الوصية، {أو إثما} تعمد ~~للحيف، {فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم(182)}. # { PageV01P093 يا أيها الذين آمنوا كتب} أي فرض {عليكم الصيام كما كتب ~~على الذين من قبلكم لعلكم تتقون(183)} المعاصي بالصيام، فالصائم أمنع لنفسه ~~وأردع لها من مواقعة السوء؛ {أياما معدودات فمن كان منكم مريضا} لا يقدر أن ~~يصوم، أو يخاف من الصوم زيادة المرض، {أو على سفر فعدة من أيام أخر} قال ~~أبو سعيد: «ولا يخرج في معنى الاعتبار في الإفطار، إلا بمعنى صرف المشقات، ~~وكذلك القصر في الصلاة». {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} قيل: ~~الإطعام منسوخ، وليس على العبد إلا الصيام إن قدر، وإن لم يقدر فلا إطعام ~~عليه؛ وقيل: إذا عجز عنه صيم عنه وأطعم عنه؛ {فمن تطوع خيرا} فزاد على ~~مقدار الفدية، {فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون(184)}. # {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} أي ~~أنزل هداية للناس إلى الحق، وهو آيات واضحات مكشوفات مما يهدي إلى الحق، ~~ويفرق بين الحق والباطل؛ ذكر أولا أنه هدي، ثم ذكر أنه من جملة ما هدى به ~~الله، وفرق به بين الحق والباطل من ms0065 وحيه وكتبه السماوية الفارقة بين الهدى ~~والضلال؛ {فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من ~~(¬1) أيام أخر يريد الله بكم اليسر} فيما تعبدكم به، لأن دينه كله يسر ~~لأوليائه، وكله مشقة على أعدائه، {ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة [44] ~~ولتكبروا الله على ما هداكم} ولتعظموا الله على ما هداكم من أمر دينه، ~~{ولعلكم تشكرون(185)} كي تشكروا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «من»، وهو خطأ. PageV01P094 # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب} علما وإجابة، لتعاليه عن القرب مكانا وهو ~~قريب لمن سأل؛ {أجيب دعوة الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي} إذا دعوتهم ~~للإيمان والطاعة، كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم، {وليؤمنوا بي لعلهم ~~يرشدون(186)} كأن إجابة الدعوة مستجابة لمن استجاب لله تعالى فيما أوجبه ~~عليه، لأنه قال: {وإذا سألك عبادي} كأنه الذين يعبدونه ولا يشركون به شيئا، ~~ثم قال: {فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي} فصح ذلك للمؤمنين المستجيبين لله ~~تعالى، وقال في آية أخرى: {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} (¬1) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الرعد: 14. PageV01P095 # أحل لكم ليلة الصيام الرفث} الجماع {إلى نسائكم} زوجاتكم وإمائكم، {هن ~~لباس لكم وأنتم لباس لهن} قيل: لباس أي ستر عن الحرام، {علم الله أنكم كنتم ~~تختانون أنفسكم} تظلمونها بالجماع وتنقصون حظها من الخير، والاختيان: من ~~الخيانة، كالاكتساب: من الكسب، {فتاب عليكم} حين تبتم، {وعفا عنكم} ما ~~فعلتم قبل الرخصة، {فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا ~~حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى ~~الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} العكوف: هو الإقامة على ~~الشيء، والاعتكاف في الشرع: هو الإقامة في المسجد على عبادة الله؛ {تلك ~~حدود الله} حدود الله ما منع الله عنها من مخالفتها، {فلا تقربوها} نهى أن ~~نقرب الحد الحاجز بين الحق والباطل لئلا يدانى الباطل فضلا أن يتخطاه، كما ~~قال - عليه السلام - : «إن لكل ملك حمى وحمى الله محارمه، فمن رتع حول ~~الحمى يوشك أن يقع فيه» (¬1) ، # ¬__________ # (¬1) - ... رواية البخاري عن النعمان بن بشير: ms0066 سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: «الحلال بين والحرام بين وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير ~~من الناس فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات كراع ~~يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ألا وإن لكل ملك حمى ألا إن حمى الله في ~~أرضه محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد ~~الجسد كله ألا وهي القلب». وراه البخاري، في كتاب الإيمان، حديث رقم 50، ~~وفي كتاب البيوع؛ ورواه مسلم في كتاب المساقاة؛ والترمذي في كتاب البيوع، ~~وغيرهم..& PageV01P096 وهو أبلغ من قوله: «فلا تعتدوها»، ويجوز أن يريد ~~بحدود الله محارمه ومناهيه؛ {كذلك يبين الله آياته} شرائعه، {للناس لعلهم ~~يتقون(187)}. # {ولا تأكلوا أموالكم بينكم} أي لا يأكل بعضكم مال بعض، {بالباطل} أصل ~~الباطل الشيء الذاهب بالوجه الذي لم يحبه الله ولم يشرعه، {وتدلوا بها إلى ~~الحكام} ولا تلقوا أمرها إلى الحكام، {لتأكلوا} بالتحاكم، {فريقا} طائفة ~~{من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون(188)} أنكم على الباطل، وارتكاب ~~المعصية مع العلم بقبحها أقبح، وصاحبه بالتوبيخ أحق. # {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} أي معالم يؤقت بها الناس ~~مزارعهم [45] ومتاجرهم ومحال ديونهم وصومهم وفطرهم وزكاتهم، وعدد نسائهم ~~وحيضهن، ومدد حملهن وغير ذلك؛ ومعالم الحج يعرف بها وقته، {وليس البر بأن ~~تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها} أي ~~باشروا الأمور من وجوهها التي تحب أن تباشر منها، أي الأمور كان، ولا تعكس ~~انعكاسا على أم الرأس، كقوله: {أفمن يمشي مكبا على وجهه} (¬1) . {واتقوا ~~الله} فيما تعبدكم به {لعلكم تفلحون(189)} لتفوزوا بالنعيم السرمدي. # {وقاتلوا في سبيل الله} لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه، {الذين يقاتلونكم} ~~الكفرة كلهم، بعد الدعوة إلى أن يرجعوا إلى ما خالفوا فيه الحق، حتى يكون ~~الدين كله لله لا شريك له فيه، ويدخل في هذا الخطاب مقاتلة الأعداء (¬2) ~~الباطن إبليس وأعوانه، حتى لا يتابعوا فيما يوسوسون فيه، {ولا تعتدوا} بترك ~~ما أمرتم به وفعل ما نهيتم عنه؛ وقيل: ms0067 ولا تعتدوا بقتال من نهيتم عن قتاله، ~~أو بالمثلة أو بالمفاجأة من غير دعوة، {إن الله لا يحب المعتدين(190)} ما ~~حده وفرضه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الملك: 22. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «أعداء»، بالتنكير على أنه مضاف. PageV01P097 # واقتلوهم حيث ثقفتموهم} وجدتموهم، والثقف: وجود على وجه الأخذ والغلبة، ~~{وأخرجوهم من حيث أخرجوكم} من مكة وغيرها، {والفتنة أشد من القتل} والفتنة ~~هاهنا: فعل معصية الله ظاهرا بين ظهراني الإسلام، مع القدرة على تغييرها ~~وإنكارها، وهي أشد من قتال فاعليها، لأن ذلك يرجى انكشافها (¬1) ، ويطاع ~~الله ولايعصى إلا سريرة، فإن ذلك لايضر إلا فاعلها. {ولا تقاتلوهم عند ~~المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} أي ولا تبدأوا بقتالهم في الحرم حتى ~~يبتدئوا. {فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين(191)}. # {فإن انتهوا} عن معاصي الله، {فإن الله غفور} لما سلف من ذنوبهم ~~{رحيم(192)} بقبول توبتهم. # {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} معصية يجب إنكارها، {ويكون الدين لله} ~~خالصا، ليس للشيطان نصيب، أي لا يعبد دونه شيء ظاهرا: هوى ولا شيطان ولا ~~نفس ولا دنيا، {فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين(193)} أنفسهم بحب ~~الأدنى. # {الشهر الحرام بالشهر الحرام} أي: وهذا الشهر بذاك الشهر وهتكه بهتكه، ~~يعني تهتكون حرمته عليهم كما هتكوا حرمته عليكم، {والحرمات قصاص} أي: كل ~~حرمة يجزي يجزي (¬2) فيها القصاص، من هتك حرمة أي حرمة كانت اقتص منه بأن ~~تهتك له حرمة (¬3) ، فحين هتكوا حرمة شهركم فافعلوا بهم [46] نحو ذلك؛ وأكد ~~ذلك بقوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} أي: بعقوبة ~~مماثلة لعداواتهم. {واتقوا الله} في ما حده وفرضه وبينه، {واعلموا أن الله ~~مع المتقين(194)} بالنصر والتوفيق. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «انكشفافهاها». # (¬2) - ... كذا في الأصل: والصواب - «يجزي». # (¬3) - ... يمكن أن نقرأ: «حرمه». PageV01P098 # وأنفقوا في سبيل الله} في رضى الله، {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} ~~التهلكة كل ما عاقبته إلى الهلاك، معناه أن ذلك العبد إذا واقع المعصية أو ~~السيئة، ثم تعرض له معصية أخرى فيركبها من أجل فعله المعصية السابقة منه، ~~ثم يمضي قدما بترك الطاعات للمعصية ms0068 الماضية منه، ويركب المعاصي للمعصية ~~التي سبقت منه، فذلك هو إلقاؤه بيده إلى التهلكة. وحثه مع ذلك وأمره فقال: ~~{وأحسنوا} أي وتوبوا من المعصية كلها الأولى والآخرة، ولا تتركوا شيئا من ~~الطاعة لمعصية، ولا تركبوا شيئا من المعصية لمعصية، {إن الله يحب ~~المحسنين(195)} لأنفسهم بالطاعة. # { PageV01P099 وأتموا الحج والعمرة لله} أدوهما تامين بشرائطهما لوجه ~~الله بلا توان، {فإن أحصرتم} يقال: أحصر فلان إذا منعه أمر، من خوف أو مرض ~~أو عجز، وحصر إذا حبسه عدو عن المضي، وعندنا الإحصار يثبت لكل منع كان، ~~لظاهر النص. {فما استيسر من الهدي} يعني فإن منعتم من المضي إلى البيت ~~وأنتم محرمون لحج أو عمرة فعليكم إذا أردتم التحلل ما استيسر من الهدي، من ~~بعير أو بقرة أو شاة، {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} أي لا ~~تحلقوا (¬1) الرأس حتى تعلموا أن الهدي الذي بعثتموه إلى الحرم بلغ محله. ~~{فمن كان منكم مريضا} فمن كان به مرض يحوجه إلى الحلق، {أو به أذى من رأسه} ~~وهو القمل أو الجراحة، {ففدية من صيام} ثلاثة أيام {أو صدقة} ستة مساكين، ~~{أو نسك} شاة؛ {فإذا أمنتم} الإحصار، {فمن تمتع} استمتع {بالعمرة إلى الحج} ~~استمتاعه باستباحة ما كان محرما عليه إلى أن يحرم بالحج، {فما استيسر من ~~الهدي} هدي المتعة، {فمن لم يجد} المتعة، {فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة ~~إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن (¬2) أهله حاضري المسجد الحرام ~~واتقوا الله} فيما تعبدكم به، {واعلموا أن الله شديد العقاب(196)} لمن لم يتقه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «تحلق تحلق». # (¬2) - ... في الأصل: - «يكن»، وهو خطأ. PageV01P100 # الحج أشهر معلومات}[47] (¬1) ، معروفات عند الناس لا يشكلن عليهم، ولا ~~يحتجن إلى تخصيص بتفسير. {فمن فرض فيهن الحج (¬2) } ألزم نفسه بالإحرام ~~فيهن، {فلا رفث} وهو الجماع وما تولد من أسبابه، {ولا فسوق} هو المعاصي، ~~{ولا جدال في الحج} ولا مراء مع الرفقاء والخدم والمكارين ولا غيرهم، وإنما ~~أمر باجتناب ذلك وهو واجب الاجتناب في كل حال لأنه مع الحج أسمج، أي: ~~أقبح، ms0069 كلبس الحرير في الصلاة والتطريب في قراءة القرآن، ثم حث على فعل ~~الخير عقيب النهي عن الشر، وأن يستعملوا مكان القبيح من الكلام الحسن، ~~ومكان الفسوق البر والتقوى، ومكان الجدال الوفاق وحسن الأخلاق، فقال: {وما ~~تفعلوا من خير يعلمه الله} واعلموا بأنه عالم به يجازيكم عليه. وقيل: كان ~~أهل اليمن لا يتزودون ويقولون: نحن متوكلون، فيكونون كلا على الناس فنزل ~~فيهم: {وتزودوا} أي: وتزودوا واتقوا الاستطعام وإبرام الناس والتثقيل ~~عليهم. {فإن خير الزاد التقوى} أي الاتقاء عن الإبرام والتثقيل، وتزودوا ~~للمعاد باتقاء المحظورات (¬3) فإن خير الزاد اتقاؤها، {واتقون} (¬4) وخافوا ~~عقابي {يا أولي الألباب(197)} فإن قضية اللب تقوى الله، ثم أمرهم بأن ~~المقصود منها هو الله فتبرأوا عن كل شيء سواه، وهو مقتضى العقل المعرى عن ~~شوائب الهوى، فلذلك خص أولي الألباب بهذا الخطاب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل إعادة لفقرة سابقة من 16 سطرا، وتبدأ ب: «التهلكة كل ~~ما عاقبته إلى الهلاك...»، وتنتهي بقوله: «... لمن لم يتقه. {الحج أشهر ~~معلومات}». # (¬2) - ... في الأصل: - «الحج»، وهو خطأ. # (¬3) - ... في الأصل: «المحصورات»، وهو خطأ. # (¬4) - ... في الأصل: «وتقون»، وهو خطأ. PageV01P101 # ليس عليكم جناح أن تبتغوا} في موسم الحج، {فضلا من ربكم} عطاء منه وتفضلا ~~[48] وهو النفع والربح في التجارة والكراء. {فإذا أفضتم} دفعتم بكثرة وهو ~~من إفاضة الماء وهو صبه، {من عرفات فاذكروا الله} بالتلبية والتهليل ~~والتكبير أو بصلاة المغرب، {عند المشعر الحرام} والمشعر: العلم، لأنه معلم ~~للعبادة، {واذكروه كما هداكم} أي اذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة، ~~واذكروه كما علمكم، {وإن كنتم من قبله} من قبل الهدى {لمن الضالين(198)} ~~الجاهلين، لا تعرفون كيف تذكرونه. # {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله} لذنوبكم، أو من التقصير في ~~أعمال الحج، {إن الله غفور رحيم(199)} بكم. # {فإذا قضيتم مناسككم} عباداتكم التي أمرتم بها في الحج، {فاذكروا الله ~~كذكركم آباءكم} أي فاذكروا الله ذكرا، مثل ذكركم آباءكم، والمعنى: فأكثروا ~~ذكر الله وبالغوا فيه، كما تفعلون في ذكر آبائكم ومفاخرهم وأيامهم. {أو أشد ~~ذكرا} أي: أكثر من ذكر الآباء ms0070 والدنيا كلها، لأنه إذا أحب شيئا أكثر ذكره ~~بلسانه وبقلبه، وإذا أمروا أن يذكروا الله كذكرهم آباءهم بعد فراغهم من ~~مناسكهم فكيف ما داموا في حالها!. {فمن الناس من يقول} فمن الذين يشهدون ~~الحج من يسأل الله حظوظ الدنيا للتمتمع بها لا غير، ولا يسأله لأمر آخرته. ~~{ربنا آتنا في الدنيا} أي اجعل إيتاءنا أي إعطاءنا في الدنيا خاصة يعني: ~~الجاه والغنى للتمتع لا للتزود، ولم يسألوه حسنة كما سأله المؤمنون، لأنهم ~~لا يريدون بسؤالهم الآخرة، ولأن الحسنة من الطاعة، وهؤلاء مقتصرون على ~~الحظوظ العاجلة، ويحتمل هذا السؤال منهم بلسان المقال، ويحتمل بلسان الحال. ~~{وما له في الآخرة من خلاق(200)} من نصيب. # { PageV01P102 ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة} عافية ومالا ~~وعلما وعبادة وتوفيقا عليهما، {وفي الآخرة حسنة} عفوا ومغفرة وجنة، {وقنا ~~عذاب النار(201)} احفظنا من عذاب جهنم، لأنهم كانوا وجلون منها، {أولئك} ~~الداعون بالحسنتين، {لهم نصيب مما كسبوا} من أعمالهم الحسنة، أو إن لكل ~~فريق نصيبا من جنس ما كسبوا. {والله سريع الحساب(202)} يوشك أن يقيم ~~القيامة ويحاسب العباد، فبادروا [إلى] إكثار الذكر وطلب الآخرة؛ ووصف نفسه ~~بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم وكثرة أعمالهم ليدل على كمال قدرته، ~~ووجوب الحذر من نقمته. # {واذكروا الله في أيام معدودات} أيام التشريق، وقيل: المعلومات هن العشر، ~~والمعدودات هن أيام التشريق، وقيل: المعلومات والمعدودات هن أيام العشر ~~والتشريق. {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن ~~اتقى} الصيد والرفث والفسوق، أي مخير في التعجل والتأخر، وإن كان التأخر ~~أفضل، فقد يقع التخيير بين الفاضل والأفضل، كما خير المسافر بين الصوم ~~والإفطار وإن كان الصوم أفضل. {واتقوا الله} في جميع الأمور، {واعلموا أنكم ~~إليه تحشرون(203)} لأن من علم بذلك علما لا شك أخلص العمل لله. # { PageV01P103 ومن الناس من يعجبك} يروقك ويعظم في قلبك، ومنه “الشيء ~~العجيب” الذي يعظم في النفس، {قوله في الحياة الدنيا} بلسان مقاله، أو ~~بلسان حاله، والآية في المنافقين. {ويشهد الله على ما في ms0071 قلبه} يحلف ويقول: ~~الله شاهد على ما في قلبي من محبتك ومن الإسلام، أو يشهد الله بعمله الذي ~~هو خلاف قوله أو اعتقاده بقلبه، {وهو ألد الخصام(204)} شديد الجدال ~~والعداوة [49] للمسلمين. والخصام: المخاصمة، ويشهد عليه بذلك لسان حاله؛ ~~ويشهد عليه بذلك قوله: {وإذا تولى} عنك وذهب بعد إلانة القول، {سعى في ~~الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل} الزرع والحيوان، أو إذا كان واليا ~~فعل ما يفعله ولاة السوء، من الفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل؛ وقيل ~~يظهر الظلم حتى يمنع الله بشؤم ظلمه القطر فيهلك الحرث والنسل. {والله لا ~~يحب الفساد(205)}. # {وإذا قيل له اتق الله} في الإفساد والهلاك، {أخذته العزة بالإثم} حملته ~~النخوة وحمية الجاهلية على الإثم الذي ينهى عنه، وألزمته ارتكابه، وأخذته ~~العزة من أجل الإثم الذي في قلبه. {فحسبه جهنم} أي كافيه، {ولبئس ~~المهاد(206)} الفراش. # {ومن الناس من يشري نفسه} يبيعها، {ابتغاء مرضاة الله} لم يكن منه سعي ~~إلا ابتغاء مرضاته، كالعبد المملوك الذي لا يملك شيئا، ماله ونفسه لمولاه ~~ليس لنفسه ولا لهواه منه شيء إلا ما كان من الحق. {والله رءوف ~~بالعباد(207)} الذين شروا أنفسهم لله. # {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم} وهو الاستسلام والطاعة لله، ~~{كافة} لا يخرج أحد منكم بده عن طاعته، أو يدخلوا في الطاعات كلها. {ولا ~~تتبعوا خطوات الشيطان} وساوسه، {إنه لكم عدو مبين(208)} ظاهر العداوة. # { PageV01P104 فإن زللتم} ملتم عن الدخول في السلم، {من بعد ما جاءتكم ~~البينات} أي الحجج الواضحة، {فاعلموا أن الله عزيز} غالب لا يمنعه شيء من ~~عذابكم، {حكيم(209)} لا يعذب إلا بحق. وروي أن قارئا قرأها: «غفور رحيم» ~~فسمعه أعرابي لم يقرأ القرآن فأنكره، وقال: ليس هذا كلام الله إذ الحكيم لا ~~يذكر الغفران عند الزلل والعصيان. # {هل ينظرون} ما ينتظرون، {إلا أن يأتيهم الله} أي أمره وبأسه، أي لا ~~يقلعون من الزلل إلى أن يأتيهم أمر الله، {في ظلل} جمع ظلة وهو ما أظلك، ~~{من الغمام} يحتمل هذا أن يكون مجازا، والغمام في الحقيقة سكرات ms0072 الموت، ~~{والملائكة} بقبض أرواحهم، ويحتمل {في ظلل من الغمام} في حال جهلهم ~~وعصيانهم وسكراتهم بسبب شهواتهم، أو يأتيهم أمر الله في غير حال تخوف، ~~والله أعلم بتأويل كتابه. {وقضي الأمر} بقضاء آجالهم، وتم أمر هلاكهم، وهو ~~فرع منه. {وإلى الله ترجع الأمور(210)} أي أنه ملك العباد بعض الأمور ملكا ~~وهميا لا ثبات له ولا حقيقة، والحقيقة بأن مرجع الأمور إليه يوم النشور. # { PageV01P105 سل بني إسرائيل} سؤال تقريع كما يسأل الكفرة يوم القيامة. ~~{كم آتيناهم من آية بينة} واضحة، {ومن يبدل نعمة الله} هي آياته هي العلم، ~~وهو أجل نعمة من الله، لأنه أسباب الهدى من الضلالة والنجاة من الهلاك ~~والغنى من الفقر والسلامة من العذاب في الحياتين، وتبديلهم إياها أن الله ~~أتاهم بها ليكون أسباب هداهم، فجعلوها أسباب ضلالتهم وكفرهم، كقوله: ~~{فزادتهم رجسا إلى رجسهم...} الآية (¬1) . {من بعد ما جاءته} من بعد ما ~~عرفها وتمكن من معرفتها وصحت عند، لأنه إذا لم يعرفها ويعرف المراد بها ~~فكأنها غائبة عنه. {فإن الله شديد العقاب(211)} له في الدارين. # {زين للذين كفروا الحياة الدنيا} حسنت في أعينهم، وسرت محبتها في قلوبهم ~~حتى تهالكوا عليها وأعرضوا عن غيرها، والمزين في الحقيقة هو الله إذ ما من ~~شيء إلا وهو فاعله؛ وقيل: المزين هو الشيطان زينها لهم وحسنها في أعينهم ~~بوساوسه، وحببها إليهم فلا يريدون غيرها غيرها (¬2) . {ويسخرون من الذين ~~آمنوا} يريد فقراء المؤمنين، أي يسترذلونهم ويستهزؤون بهم ويسفهونهم على ~~رفضهم الدنيا وإقبالهم على العقبى، {والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة} لأنهم ~~في عليين وهم في [50] أسفل سافلين، {والله يرزق من يشاء بغير حساب(212)} في ~~الدنيا والآخرة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة التوبة: 125. وتمامها: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من ~~يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون، ~~وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون}. # (¬2) - ... كذا في الأصل، والصواب: - «غيرها». PageV01P106 # كان الناس أمة واحدة} قال أبو سعيد: «فجاء في التأويل أنهم كانوا أمة ~~واحدة في معرفته تبارك وتعالى، يعبدونه بمعرفته ms0073 ولم يكن لهم غير ذلك قبل أن ~~يبعث الله الرسل، ولم يكن لهم في مخالفة ذلك ولا الشك فيه ولا في شيء منه ~~إلا بالاعتراف له بآياته وشواهد فضله وعدله وقدرته وحكمته وما أظهر من ~~آياته، ولم يكونوا قبل ذلك ليبلغوا إلى ما لم يأتهم به الرسل من الأمر ~~والنهي الذي يتعبدهم الله به، ولا بالكتب التي ينزلها الله عليهم، ولا ~~بالرسل التي يرسلها الله إليهم، وإنما كانت العبادة له قبل الرسل له تبارك ~~وتعالى، بصحة المعرفة له وإخلاص الطاعة له، والعبادة بالاستسلام له ~~والإيمان به وبآياته. قال الله تبارك تعالى: {كان الناس أمة واحدة} على هذا ~~فاختلفوا في عبادته قبل أن يرسل إليهم الرسل، منهم الشاك ومنهم الجاحد ~~ومنهم المعطل ومنهم العابد معه غيره. قال: {فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} فجاءت ~~الرسل والكتب عن الله مبشرة لمن أطاعه وعبده، وشاهدة له بالصواب والثواب؛ ~~ومنذرة لمن عصاه وشاهدة عليه بباطله ومخالفته، وبالعقاب على ذلك. {فبعث ~~الله النبيين مبشرين} المؤمنين بالثواب، {ومنذرين} الكافرين بالعقاب، ~~{وأنزل معهم الكتاب} مع كل واحد كتابه، {بالحق ليحكم} الله أو الكتاب ~~أوالنبيء المنزل عليهم. {بين الناس فيما اختلفوا فيه} في دين الإسلام، {وما ~~اختلف فيه إلا الذين أوتوه} أي الكتاب المنزل لإزالة الاختلاف، أي [ما] ~~ازدادوا إلا اختلافا لما أنزل عليهم الكتاب. {من بعد ما جاءتهم البينات} ~~الواضحات على صدقه، {بغيا بينهم} حسدا بينهم وظلما، لحرصهم على الدنيا وقلة ~~الإنصاف منهم. PageV01P107 # قال الغزالي: “فأنزل الله العلم ليجمعهم ويؤلف بينهم على طاعته فأمرهم أن ~~يتآلفوا بالعلم فتحاسدوا وتخالفوا إذا (¬1) أراد كل واحد أن يتفرد بالرئاسة ~~وقبول القول فرد بعضهم على بعض”. {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه} ~~أي فهدي الله الذين آمنوا بالحق الذي اختلف فيه من اختلف، {من الحق بإذنه} ~~بإرادته من أهل طاعته، {والله يهدي من يشاء} فلا هداية إلا لمن هداه الله ~~إلى الهدى، ولا هدى من الله أبدا إلا لمن آمن به، ms0074 ولا يكون مؤمنا إلا حتى ~~يوافق سبيل الإيمان» هذا من قول أبي سعيد. انتهى. {إلى صراط مستقيم(213)} ~~أي إلى الحق. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «إذ». PageV01P108 # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم} أي: إن إتيان ذلك متوقع منتظر، ~~{مثل الذين خلوا} مضوا أي حالهم التي هي مثل في الشدة؛ {من قبلكم} أي: ~~أخبارهم وما حل بهم من البلوى، {مستهم} بيان للمثل {البأساء} أي: البؤس، ~~{والضراء} المرض والجوع، {وزلزلوا} وحركوا بأنواع البلايا، وأزعجوا إزعاجا ~~شديدا شبيها بالزلازلة (¬1) . {حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه} إلى ~~الغاية التي قال الرسول ومن معه من المؤمنين: {متى نصر الله} أي: بلغ بهم ~~الضجر ولم يبق لهم صبر، ومعناه: طلب النصر وتميتنه (¬2) واستطالة زمان ~~الشدة، وفي هذه الغاية دليل على تناهي الأمر في الشدة وتماديه في العظم، ~~لأن الرسول ومن معه مع علو شأنهم واصطبارهم وضبطهم لأنفسهم، فإذا لم يبق ~~لهم صبر حتى ضجروا وضجوا، كان ذلك الغاية في الشدة التي لا مطمع وراءها، ~~فقيل لهم: {ألا إن نصر الله قريب(214)} وفيه إشارة إلى أن الوصل إلى الله ~~والفوز بالكرامة عنده برفض [51] الهوى واللذات ومكابدة الشدائد والرياضات، ~~كما قال - عليه السلام - : «حفت الجنة بالمكاره، والنار بالشهوات» (¬3) . # {يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم(215)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «بالزلازل»، أو «بالزلزلة». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «وتمنيه». # (¬3) - ... رواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، رقم 5049. ~~والترمذي في صفة الجنة، رقم 2482، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا ~~الوجه. وأحمد في باقي مسند المكثرين، والدارمي في كتاب الرقاق. وكلهم عن ~~أنس بن مالك. PageV01P109 # كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} جميع ما ~~كلفه الله العباد تأباه نفوسهم ومكروه في طباعهم وهو مناط صلاحهم، وسبب ~~فلاحهم. {وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم} وهو جميع ما نهوا عنه، فالنفس ~~تحبه وتهواه وهو ms0075 يفضي بها إلى الردى وإنما قال: «عسى» لأن النفس إذا ارتاضت ~~تنعكس لأمر عليها[كذا]، {والله يعلم} ما فيه صلاحكم {وأنتم لا تعلمون(216)} ~~ذلك فبادروا إلى ما يأمركم به وإن شق عليكم. # {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله} ~~أي: منع المشركين [له] وأصحابه عن البيت، {وكفر به} أي بالله، {والمسجد ~~الحرام} عطف على سبيل الله، {وإخراج أهله} أي أهل المسجد الحرام، {منه أكبر ~~عند الله والفتنة أكبر من القتل، ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن ~~دينكم} إخبار عن دوام معاداة المشركين للمسلمين، وأنهم لا ينفكون عنها حتى ~~يردوهم عن دينهم. {إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر ~~فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون(217)} سموا أصحابها لأنها خلقت لهم وخلقوا لها. # {إن الذين آمنوا والذين هاجروا} جميع حظوظ النفس، {وجاهدوا في سبيل الله} ~~جهاد الظاهر والباطن، {أولئك يرجون رحمة الله} معناه أولئك يستحقون أن ~~يرجوا (¬1) رحمة الله، لأن من رجا طلب، ومن خاف هرب. {والله غفور ~~رحيم(218)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «أن يرجون»، وهو خطأ. PageV01P110 # يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير} بسبب المخالفة لدينه، ~~{ومنافع للناس} بالتجارة في الخمر ونيل المطامع بلا كد في الميسر، وقيل: ~~ذلك قبل التحريم، {وإثمهما أكبر من نفعهما} لأن إثمها يخلد صاحبه في النار، ~~{ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو} أي: الفضل، أي: أنفقوا ما فضل عن قدر ~~الحاجة وكان التصدق بالفضل في أول الإسلام، فنسخ بآية الزكاة، وقيل: العفو ~~القبض [و]الجهد، وهو أن ينفق ما لا يبلغ إنفاقه من الجهد واستفراغ الوسع، ~~{كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون(219) في الدنيا والآخرة} فتأخذون ~~بالأصلح والأنفع منهما وتجتنبون ما يضركم فعله ولا ينفعكم عمله، وتتفكرون ~~بالحقائق والبواطن لا الأمور الوهمية. # {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير} أي مداخلتهم على وجه الصلاح لهم ~~ولأموالهم خير من محمايتهم (¬1) وتركهم ضياعا، {وإن تخالطوهم فإخوانكم} في ~~الدين لأنهم فطروا على الإسلام، {والله يعلم ms0076 المفسد} لأموالهم وأحوالهم، ~~{من المصلح} لها، فتجاريه على حسب مداخلته فاحذروه ولا تتحروا غير الصلاح ~~ولا تعلموا فيهم إلا به، {ولو شاء الله لأعنتكم} لحملكم على العنت وهو ~~المشقة، {إن الله عزيز} غالب، {حكيم(220)} لا يكلف إلا وسعهم. # {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا ~~تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم} ثم بين علة ~~ذلك فقال: {أولئك يدعون إلى النار} أي يدعون إلى ما يؤدي إليها، {والله ~~يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون(221)} ~~فيتعظون. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «مجانبتهم». PageV01P111 # ويسألونك عن المحيض قل هو أذى [52] فاعتزلوا النساء في المحيض ولا ~~تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب ~~التوابين} التواب كلما أذنب تاب، {ويحب المتطهرين(222) نساؤكم حرث لكم ~~فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر ~~المؤمنين(223)}. # {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} ولا تجعلوه حاجزا لما حلفتم عليه، أي ~~ولا تجعلوا الحلف بالله مانعا لكم من البر والتقوى، {أن تبروا وتتقوا ~~وتصلحوا بين الناس} بقول يدخل بين الناس بالصلح ويبر قسمه، ولا يقبل ~~باليمين فلا يصلح بين الناس ولكن يصلح ويكفر يمينه (¬1) ، {والله سميع ~~عليم(224) لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} قيل: هو أن يحلف على شيء ~~يظنه على ما حلف عليه والأمر بخلافه، {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} كسب ~~القلب العقد والنية. {والله غفور حليم(225)}. # {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور ~~رحيم(226) وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم(227)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، والعبارة غير واضحة المعنى. PageV01P112 # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله ~~في أرحامهن} قيل: كان الرجل إذا طلق زوجته ثلاثا في أول الإسلام كان أحق ~~بردها ما كانت في العدة، ثم نسخت هذه الآية بقوله: {الطلاق مرتان}. {إن كن ~~يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن} فيما جعل ms0077 الله عليهن من العدة ~~للأزواج في الطلاق، فيما لا يبلغ إلى علمه إلا بعولتهن من انقضاء (¬1) ~~عدتهن وغير انقضائها، فلا يحل لها أن تقول: إن عدتها قد انقضت بحيض أو ~~بولادة، فيما يمكن صدق قولها في ذلك، وهي لم تنقض عدتها فتكون... (¬2) ؛ ~~{في ذلك إن أرادوا إصلاحا} وهو المعشارة (¬3) بالمعروف، {ولهن مثل الذي ~~عليهن} ويجب لهن من الحق على الرجال و (¬4) المهر والنفقة، وحسن العشرة ~~وترك المضارة، مثل الذي يجب لهم عليهن، من الأمر والنهي؛ {بالمعروف} بالوجه ~~الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس، فلا يكلف أحد الزوجين صاحبه ما ليس ~~له؛ والمراد بالمماثلة: الواجب في كونه حسنة لا في جنس الفعل، فلا يجب عليه ~~إذا غسلت ثيابه أو خبزت له، أن يفعل نحو ذلك، ولكن تقابله بما يليق بالرجال (¬5) . # {وللرجال عليهن درجة} زيادة في الحق، وفضيلة بالقيام بأمرها، وإن اشتركا ~~في اللذة والاستمتاع، أو بالإنفاق وملك النكاح، وقيل: بالعقل، وقيل: ~~بالطلاق، وقيل: بالرجعة، وقيل غير ذلك، {والله عزيز} لا يتعرض عليه في ~~أموره، {حكيم(228)} لا يأمر إلا بما هو صواب وحسن. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «النقصاء»، ولا معنى له. # (¬2) - ... في العبارة سقط واضح. # (¬3) - ... كذا في الأصل، والصواب: «المعاشرة». # (¬4) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: - «و». # (¬5) - ... لعل الأصوب: «ولكن يقابلها بما يليق بالنساء». PageV01P113 # الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ~~آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} إلا أن يعلم الزوجان ترك ~~إقامة حدود الله فيما يلزمهما من واجب الزوجية، لما يحدث من نشوز المرأة ~~وسوء خلقها، {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} ~~قيل: إن ذلك في الخلع على سبيل ما يرجو أن الطاعة في ذلك، والخروج من ~~المعصية، فلا جناح عليه أن يقبل فديتها ما لم ترد عليه أكثر بما نقدها مما ~~تدع له مما عليه لها؛ {تلك حدود الله} أي ما حد من النكاح واليمين والإيلاء ~~والطلاق والخلع وغير ذلك، {فلا تعتدوها} فلا تجاوزوها بالمخالفة، {ومن ms0078 يتعد ~~حدود الله فأولئك هم الظالمون(229)} الضارون أنفسهم. # {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح ~~عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله} كان في ظنهما أنهما يقيمان ~~حدود الله، ولكن للظن علامات وأمارات، فإذا كان الغالب على ظنهما أنهما ~~يقيمان حدود الله فيما يجب لهما وعليهما، في حال معاشرتهما بعضهما لبعض، ~~{وتلك [53] حدود الله يبينها لقوم يعلمون(230)} يفهمون ما بين لهم. # {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا ~~تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه} بتعريضها لعقاب الله؛ ~~{ولا تتخذوا آيات الله هزوا} أي جدوا في التعليم لها والفهم لما فيها، ~~والأخذ بها والعمل بما فيها، وراعوها حق رعايتها، وإلا فقد اتخذتموها هزؤا، ~~ويقال لمن لم يجد في الأمر، إنما أنت لاعب وهازئ، وقيل: لا تستخفوا بأوامره ~~ونواهيه. # { PageV01P114 واذكروا نعمة الله عليكم} كالعقل والإسلام، ونتائجها؛ {وما ~~أنزل عليكم من الكتاب والحكمة} من القرآن والسنة، وذكرها مقابلتها بالشكر، ~~والقيام بحقها؛ {يعظكم به (¬1) } بما أنزل عليكم، {واتقوا الله} فيما ~~امتحنكم به، {واعلموا أن الله بكل شيء عليم(231)} من الذكر والاتقاء ~~والاتعاظ وغير ذلك، وهو أبلغ، وعد ووعيد. # {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا ~~بينهم بالمعروف} بما يحسن في الدين والمروءة، {ذلك يوعظ به من كان منكم ~~يؤمن بالله واليوم الآخر} فالموعظة فالمواعظ (¬2) إنما تنجع فيهم؛ {ذلكم ~~أزكى لكم وأطهر} من أدناس الآثام، وذلك أنه إذا كان في نفس كل واحد منهما ~~علاقة حب، لم يؤمن أن يتجاوز ذلك إلى غير ما أحل الله لهما؛ {والله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون(232)}. # {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى ~~المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة ~~بولدها ولا مولود له بولده، وعلى الوارث مثل ذلك، فإن أرادا فصالا عن تراض ~~منهما وتشاور} والمشاورة: استخراج الرأي، والمشاورة في الأمر غير ~~الاستبداد؛ {فلا جناح عليهما. ms0079 وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح ~~عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون ~~بصير(233)}. # {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن} بعد موت أزوجهن، ~~{أربعة أشهر وعشرا، فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم} أيها الأيمة والحكام، ~~{فيما فعلن في أنفسهن} من التعريض للخطاب، {بالمعروف} بالوجه الذي لا ينكره ~~الشرع، {والله بما تعملون خبير(234)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «به»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب حذف إحدى الكلمتين. PageV01P115 # و (¬1) لا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم} ~~أو سترتم وأضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم، لا معرضين ولا مصرحين. ~~{علم الله أنكم ستذكرونهن} لا تصبرون عن (¬2) السكوت عنهن، وعن الرغبة ~~فيهن؛ {ولكن لا تواعدوهن سرا} جماعا، لأنه مما يسر، أي لا تقولوا في العدة: ~~إني قادر على هذا العمل، {إلا أن تقولوا قولا معروفا} وهو أن تعرضوا ولا ~~تصرحوا؛ {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} حتى تنقضي عدتها ~~وسميت العدة كتابا لأنه لكل أجل كتاب، {واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم ~~(¬3) } من العزم على ما لا يجوز وما يجوز؛ {فاحذروه واعلموا أن الله غفور ~~حليم(235)} لا يعاجلكم (¬4) بالعقوبة. # {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة، ~~ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، متاعا بالمعروف حقا على ~~المحسنين(236)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «و»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كتب فوق «عن» حرف: «على». # (¬3) - ... في الأصل: «نفوسكم» وهو خطأ. # (¬4) - ... في الأصل: «يعاجالكم». وهو خطأ. PageV01P116 # وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة، فنصف ما فرضتم، إلا ~~أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح، وأن تعفوا أقرب للتقوى} أي عفوا ~~(¬1) الزوج بإعطاء كل المهر خير له، وعفوا (¬2) المرأة بإسقاط المهر كله ~~خير لها، {ولا تنسوا الفضل بينكم} أي: ولا تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض، ~~فإنكم مجازون عليه، أو الفضل المتقدم الساري من بعضكم لبعض، واشكروه ~~وكافئوه عليه، وكذلك ينبغي للعبد، ومنه أن لا ms0080 ينسى فضلا عن شكر ما أسدي ~~إليه من الله، أو على يد أحد من خلقه أو بسبب [54] من الأسباب، أن لا ينسى ~~ذلك المسبب ويراعيه حقه، ولا يغيره ولا يحوله إلا لشيء أفضل منه، فإنه إن ~~فعل ذلك رجي له من الله تمام تلك النعمة، كما (¬3) قال النبيء - صلى الله ~~عليه وسلم - : «إذا تنازلتم (¬4) ... (¬5) »؛ {إن الله بما تعملون ~~بصير(237)} فيجازيكم على تفضلكم. # {حافظوا على الصلوات} داوموا عليها بمواقيتها وأركانها وشرائطها، ~~{والصلاة الوسطى} هي مخصوصة (¬6) من بين الصلوات لفضلها وشرفها؛ {وقوموا ~~لله قانتين(238)} مطيعين خاشعين، لأن الصلاة طاعة، فلا يستقيم أن يأتي ~~بالطاعة على غير طاعة الله، في جميع أمره، لأن القبول إنما يرجى عند كمال ~~الطاعة. # {فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله} صلوا صلاة الأمن ~~{كما علمكم}، مثل ما علمكم {ما لم تكونوا تعلمون(239)} من صلاة الأمن. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «عفو الزوج». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «عفو المرأة». # (¬3) - ... في الأصل: «كمال»، وهو خطأ، إذ لا معنى له في هذا السياق. # (¬4) - ... يمكن أن نقرأ في «تباريتم». # (¬5) - ... بياض في الأصل قدر كلمتين. # (¬6) - ... في الأصل: «مخصواصة»، وهو خطأ. PageV01P117 # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير ~~إخراج، فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز ~~حكيم(240)} قيل: إن هذه [الآية] منسوخة، ومعناه (¬1) : أن حق الذين يتوفون ~~منكم عن أزواجهم، أن يوصوا قبل أن يحتضروا بأن يتمتع أزواجهم بعدهم حولا ~~كاملا، أي: ينفق عليهن من تركته، ولا يخرجن من مساكنهن، وكان ذلك مشروعا في ~~أول الإسلام. # {وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين(241)} لأنهم هم القائمون بحقوق ~~الله وحقوق عباده، ومن سواهم لا يتأتى منهم ذلك، وإلا فجميع الواجبات واجبة ~~على المتعبدين، [و]كل ما تخصه من اللوازم، {كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم ~~تعقلون(242)}. # {ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فقال لهم الله: ~~موتوا} أي: فأماتهم ميتة رجل واحد بأمر الله ومشيئته، وتلك ميتة ms0081 خارجة عن ~~العادة، وفيه تشجيع للمسلمين على الجهاد، وأن الموت إذا لم يكن منه بد ولم ~~ينفع منه مفر، فأولى أن يكون في سبيل الله؛ {ثم أحياهم} ليعتبروا أنه لا ~~مفر من حكم الله وقضائه؛ {إن الله لذو فضل على الناس} حيث يبصرهم ما ~~يعتبرون به كما بصر أولئك، وكما بصركم باقتصاص خبرهم، أو لذو فضل على ~~الناس، من حيث أحيى أولئك ليعتبروا فيفوزوا، ولو شاء لتركهم موتى إلى يوم ~~النشور. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «ومعناها». PageV01P118 # ولكن أكثر الناس لا يشكرون(243)} فضل الله، لأنهم لا يعرفون النعم إلا ~~بعد فقدانها، والدليل على أنه ساق هذه القصة بعثا على الجهاد، أتبعه من ~~الأمر بالقتال في سبيل الله، وهو قوله: {وقاتلوا في سبيل الله} فحض على ~~الجهاد بعد الإعلام، لأن الفرار من الموت لا يغني، وهذا الخطاب لأمة محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - ، أو لمن أحياهم، {واعلموا أن الله سميع عليم(244)}. # {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} ابتغاء رضاه، ويخرج هذا في بذل المال ~~والنفس وجميع الطاعة لله تعالى، وإن كانت الآية مراد بها إخراج المال، لقول ~~بعض أهل العلم: «أقرضوا الله من أنفسكم ساعات، يردها عليكم في الجنان ~~خالدات»؛ {فيضاعفه له أضعافا كثيرة} لا يعلم كنهها إلا الله، {والله يقبض ~~ويبسط} يقتر الرزق على عباده، ويقبض وسعه عليهم، فلا تبخلوا عليه بما وسع ~~عليكم، لا ببذلكم الضيقة، ولا بتركه السعة، {وإليه ترجعون(245)} فيجازيكم ~~على ما قدمتم. # { PageV01P119 ألم تر إلى الملإ} الأشراف، لأنهم يملؤون القلوب جلالة، ~~والعيون مهابة، {من بني إسرائيل من بعد موسى، إذ قالوا لنبي لهم: ابعث لنا ~~ملكا} أنهض للقتال معنا أميرا، نصدر في تدبير الحرب عن رأيه، وننتهي إلى ~~أمره، لأن الأمور لا تتأتى بأميرين؛ {نقاتل في سبيل الله؛ قال: هل عسيتم إن ~~كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا} المعنى: ما أتوقعه أنكم لا تقاتلون وتجبنون، ~~وإنه كما توقع فيهم، وإنه صائب في توقعه؛ وقيل: عن النبيء - صلى الله عليه ~~وسلم - إنه قال: «اتقوا فراسة المؤمن ms0082 فإنه ينظر بنور الله» (¬1) . # {قالوا: وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله} وأي داع لنا إلى ترك القتال؟ ~~وأي غرض لنا فيه!. {وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال} ~~أي: أجيبوا إلى ملتمسهم؛ {تولوا إلا قليلا منهم} وهم أهل خشية الله، {والله ~~عليم بالظالمين(246)} وعيد لهم على ظلمهم بترك الجهاد. # { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - : «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» ثم قرأ: {إن ~~في ذلك لآيات للمتوسمين}. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب إنما نعرفه من هذا ~~الوجه. وقد روي عن بعض أهل العلم في تفسير هذه الآية: {إن في ذلك لآيات ~~للمتوسمين} قال للمتفرسين. كتاب تفسير القرآن، رقم: 3052. PageV01P120 # وقال لهم نبيهم: إن الله قد بعث [55] لكم طالوت ملكا؛ قالوا: أنى يكون له ~~الملك علينا} حسدا منهم له، {ونحن أحق بالملك منه} طلبا للتريس، {ولم يؤت ~~سعة من المال} استحقارا له، وتعاليا عليه؛ {قال: إن الله اصطفاه عليكم} أي: ~~اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم، ولا اعتراض على حكمه؛ ثم ذكر مصلحتين ~~أنفع مما ذكروا من النسب والمال، وهو العلم المبسوط والجسامة، فقال: {وزاده ~~بسطة في العلم والجسم} قيل: كان أعلم بني إسرائيل بالحرب والديانات في ~~وقته، وأطول من كل إنسان برأسه ومنكبه، والبسطة: السعة والامتداد، والملك ~~لا بد أن (¬1) يكون من أهل العلم، فإن الجاهل مزدرى غير منتفع به، ويفسد ~~أكثر مما يصلح من أمر الدين والدنيا، وأن يكون جسيما شجاعا، لأنه أعظم في ~~النفوس، وأهيب في القلوب؛ {والله يؤتي ملكه من يشاء} أي: الملك له غير ~~منازع فيه، فهو يؤتيه من يشاء وليس ذلك بالوراثة، {والله واسع عليم(247) ~~(¬2) } واسع الفضل والعطاء. # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «الابدان»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: - «عليم» وهو خطأ. PageV01P121 # ثم طلبوا من نبيئهم آية على اصطفاء الله طالوت: {و (¬1) قال لهم نبيهم إن ~~آية ملكه أن يأتيكم التابوت} صندوق التوراة، قيل: وكان موسى إذا قاتل قدمه ~~(¬2) ، فكانت تسكن نفوس بني إسرائيل ms0083 ولا يفرون، {فيه سكينة من ربكم} سكون ~~واطمئنانية، {وبقية} قيل: هي زضاص (¬3) الألواح، وعصا موسى وثيابه، وشيء من ~~التوراة، ونعلا موسى، وعمامة هارون، {مما ترك آل موسى وآل هارون} أي: مما ~~تركه موسى وهارون، والآل مقحم لتقحيم شأنهما قبل ذلك؛ {تحمله الملائكة} ~~يعني: التابوت، قيل: كان رفعه الله بعد موسى، فنزلت به الملائكة تحمله، وهم ~~ينظرون إليه؛ {إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين(248)} إن في رجوع التابوت ~~إليكم علامة أن الله قد ملك طالوت عليكم إن كنتم مصدقين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «و» وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل صواب العبارة: «إذا قاتل جعله قدامه». # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «رصاص». PageV01P122 # فلما فصل طالوت بالجنود} قيل: سألوا أن يجري لهم نهرا، {قال: إن الله ~~مبتليكم بنهر} مختبركم بنهر، أي: يعاملكم معاملة المختبر له، ليتميز المحقق ~~في الجهاد من المعذر؛ {فمن شرب منه} كرعا (¬1) ، {فليس مني} فليس من أتباعي ~~وأشياعي وأهل ديني، {ومن لم يطعمه}لم يذقه، من طعم الشيء إذا ذاقه، {فإنه ~~مني إلا من اغترف غرفة بيده} معناه: الرخصة في اغترف الغرفة باليد دون ~~الكرع، والدليل عليه: {فشربوا منه} أي: فكرعوا {إلا قليلا منهم}، روي: أن ~~من اقتصر على الغرفة كفته كشربة وأروته، ومن لم يقتصر عليه عطشه، واسود ~~شفته (¬2) ، ولم يقدر أن يمضي، وهكذا الدنيا لما صد الأجرة (¬3) . {فلما ~~جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت} هو جبار، ~~{وجنوده، قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله} يوقنون بثواب الشهادة، {كم من ~~فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين(249)} إيقانا بوعد ~~الله إياهم. # {ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا: ربنا} أي: قال الذين يظنون أنهم ملاقوا ~~الله {أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا} لتقوية قلوبنا، وإلقاء الرعب في صدور ~~عدونا، {وانصرنا على القوم الكافرين(250)} وذلك قالوا ببراء (¬4) منهم من ~~الحول والقوة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كرع في الماء، يكرع، كروعا وكرعا: تناوله بفيه من موضعه من ~~غير أن يشرب بكفيه ولا بإناء؛ وفي الحديث: «إن كان عندك ماء ms0084 بات في شنه، ~~وإلا كرعنا». ابن منظور: لسان العرب، 5/245. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «ومن لم يقتصر عليها عطشته، ~~واسودت شفته». # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «لما تصد عن الآخرة». # (¬4) - ... كذا في الأصل، ولعل صواب العبارة: «بترائي الحول والقوة منهم». PageV01P123 # فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة} النبوة ~~وفصل الخطاب، {وعلمه مما يشاء} لما يكون له آلة وعاملا به؛ {ولولا دفع الله ~~الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} ولولا أن الله يدفع فساد بعض الناس ببعض، ~~ويكف بهم فسادهم لغلب المفسدون وفسدت الأرض، وبطلت منافعها والحرث والنسل، ~~أو ولولا أن الله ينصر المسلمين على الكافرين لفسدت الأرض، بغلبة الكفار، ~~وقتل الأبرار، وتخريب البلاد، وتعذيب العباد، أو ولولا العلماء الذين يصلح ~~بهم الأرض لفسدت بالجهل، لأنه لا يتأتى الصلاح إلا بالعلم، والفساد لا يكون ~~إلا من نتيجة الجهل؛ وفي الحقيقة ما عمل بالجهل فهو فاسد، ومعناه: أن الله ~~لا يترك الناس يفسدون الأرض بدون دفع من بعضهم، ما لم ينقض أجل الدنيا، لأن ~~ذلك خرق [56] للحكمة الإلهية، لأن ذلك مما يؤول إلى فساد الدنيا والدين، ~~فكيف وأن الدين متيسر لمن طلبه؛ {و (¬1) لكن الله ذو فضل على ~~العالمين(251)} بإزالة الفساد عنهم. # {تلك آيات الله} يعني القصص التي اقتصها، والأخبار التي أوردها، {نتلوها ~~عليك بالحق} باليقين الذي لا شك فيه، {وإنك لمن المرسلين(252)} حيث يخبر عنها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «و» وهو خطأ. PageV01P124 # تلك الرسل} إشارة إلى جماعة الرسل التي ذكرت قصصها في هذه السورة، من آدم ~~إلى داود، أو التي ثبت علمها عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ ~~{فضلنا بعضهم على بعض} بالخصائص وراء الرسالة لاستوائهم فيها، كما أن ~~المؤمنين مستوون في صفة الإيمان، ويتفاوتون في الطاعات بعد الإيمان، وكما ~~أن العلماء يتفاوتون في القرائح؛ ثم بين ذلك بقوله: {منهم من كلم الله} أي: ~~كلمه الله، يعني: من فضله بأن كلمه بما يشاء وكيف شاء، {ورفع بعضهم درجات} ~~يعني: ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء، وكان بعدها تفاوتهم ms0085 في الفضل، أفضل ~~[كذا] منهم بدرجات كبيرة، وهو مأجور على عمل ما أوتي، فلذلك فضل به على ~~سائره؛ {وآتينا عيسى ابن مريم البينات} كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه ~~والأبرص، بخصائص خصوا بها[كذا]، {وأيدناه بروح القدس} قويناه بجبريل، أو ~~بالإنجيل، {ولو شاء الله ما اقتتل} أي: اختلف، لأنه سبب لتقاتل {الذين من ~~بعدهم} من بعد الرسل، {من بعد ما جاءتهم البينات} المعجزات الطاهرات، {ولكن ~~اختلفوا} بمشيئتي. ثم بين الاختلاف فقال: {فمنهم من آمن ومنهم من كفر} ~~بمشيئتي، يقول: أجريت أمور رسلي على هذا، أي: لم يجتمع لأحد منهم طاعة جميع ~~من أرسله الله إليهم في حياته وبعد وفاته، بل اختلفوا عليهم، فمنهم من آمن ~~ومنهم من كفر {ولو شاء الله ما اقتتلوا} لم يقع بينهم اختلاف فيقتتلوا، ~~{ولكن الله يفعل ما يريد(253)}. # {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه} ~~يشترى منه للحياة الأبدية، {ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون(254)} ~~أنفسهم، بتركهم التقديم ليوم حاجتهم. # { PageV01P125 الله لا إله إلا هو} أي: لا مستحق للعبادة إلا هو، لأن ~~الإله هو المستحق أن يعبد؛ {الحي} الباقي الذي لا سبيل عليه للفناء؛ ~~{القيوم} الدائم القائم بتدبير الخلق وحفظه، وقيل: «القيوم» القائم في خلقه ~~بما فيه صلاحهم ونفعهم ورشدهم، {لا تأخذه سنة} نعاس، وهو ما يتقدم النوم، ~~والفتور، {ولا نوم} عن المضل، السنة: ثقل في الرأس، والنعاس: في العين، ~~والنوم: في القلب، فهو تأكيد للقيوم، لأن من جاز عليه ذلك استحال أن يكون ~~قيوما؛ {له ما في السماوات وما في الأرض} ملكا وملكا؛ {من ذا الذي يشفع ~~عنده إلا بإذنه} هو بيان لملكه وملكوته؛ {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} ما ~~كان قبلهم وما يكون بعدهم، أو على العكس؛ {ولا يحيطون بشيء من علمه} ~~ومعلوماته، والإحاطة بالشيء علما، أن يعلم كما هو على الحقيقة؛ {إلا بما ~~شاء} إلا بما علم. # { PageV01P126 وسع كرسيه السماوات والأرض} أي: علمه، ومنه الكراسة ~~لتضمنها العلم، والكراسي: العلماء، وسمي العلم كرسيا تسمية بمكانه الذي ms0086 هو ~~كرسي العالم، وهو كقوله: {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما} (¬1) أو عرشه أو ~~قدرته؛ {ولا يئوده} ولا يثقله ولا يشق عليه {حفظهما} حفظ السماوات والأرض، ~~ومن حفظ السماوات والأرض حفظ من فيها من الخلائق وغيرها؛ {وهو العلي} في ~~ملكه وسلطانه، {العظيم(255)} في عزه وجلاله وامتنانه، والعلي: المتعالي عن ~~الصفات التي لا تليق به، [و]العظيم: المتصف بالصفات التي تليق به، فهما ~~جامعان لكمال التوحيد؛ وإنما ترتبت الجمل في أنه الكرسي بلا حرف عطف، لأنها ~~وردت على سبيل البيان، فالأولى: بيان القيامة بتدبير الخلق، وكونه مهيمنا ~~عليه غير ساه عنه، والثانية: لكونه مالكا لما يدبره، والثالثة: لكبرياء ~~شأنه، والرابعة: لإحاطته بأحوال [57] الخلق، والخامسة: لسعة علمه وتعلقه ~~بالمعلومات، (لعله) وتعلق المعلومات به كلها، أو لجلالة وعظم قدره، وهذه ~~الآية مشتملة على أمهات المسائل الآلهية، فإنها دالة على أنه تعالى موجود، ~~واحد في الإلهية، متصف بالحياة، واجب الوجود لذاته، موجود لغيره، إذ ~~القيوم: هو القائم بنفسه، المقيم لغيره، منزه عن التحيز والجور، مبرأ عن ~~التغير والفتور، ولا يناسب الأشباح، ولا يعتري به ما يعتري الأرواح، مالك ~~الملك والملكوت، ومبدع الأصول والفروع، ذو البطش الشديد الذي لا يشفع عنده ~~إلا من أذن له، العالم وحده بالأشياء كلها جليها وخفيها، كلها وجزئها، واسع ~~الملك والقدرة كلما يصح أن يملك ويقدر عليه، لايؤوده شاق، ولا يشغله شأن، ~~متعال عن أن ندركه، وهو عظيم لا يحيط به فهم، ولذلك قال - عليه السلام - : ~~«إن أعظم آية في القرآن # ¬__________ # (¬1) - ... سورة غافر: 7. PageV01P127 # آية الكرسي» (¬1) . # {لا إكراه في الدين} أي: لا إجبار على الدين يعني أمور الدين جارية ~~على... (¬2) والأخبار ونحوه، {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض...} الآية (¬3) ~~، قيل: لو شاء لأجبرهم. {قد تبين الرشد من الغي} قد تميز الإيمان من الكفر ~~بالدليل؛ {فمن يكفر بالطاغوت} بالشيطان، وقيل: كل ما عبد من دون الله، ~~وقيل: كل ما يطغي الإنسان، “فاعول” من الطغيان، {ويؤمن بالله فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى} أي: تمسك واعتصم بالعقد الوثيق المحكم في الدين، والوثقى ~~تأنيث للأوثق، ms0087 هي الأشد من الحبل الوثيق المحكم المأمون، {لا انفصام لها} ~~لا انقطاع للعروة، وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر، والاستدلال بالشاهد المحسوس، ~~حتى يتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينيه، فيحكم اعتقاده؛ والمعنى: فقد عقد ~~لنفسه من الدين عقدا وثيقا لا تحله شبهة، {والله سميع} لإقراره، ~~{عليم(256)} لاعتقاده. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لم نجده بهذا اللفظ، وإنما جاء في حديث طويل أن أبا ذر قال: ~~قلت: يا نبي الله أيما نزل عليك أعظم؟ قال: {الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم} آية الكرسي. مسند الإمام أحمد رقم: 21257. العالمية: موسوعة ~~الحديث، مادة البحث: «الكرسي». # (¬2) - ... بياض في الأصل قدر ثلاث كلمات. # (¬3) - ... سورة يونس: 99؛ وتمامها: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم ~~جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين}. PageV01P128 # الله ولي الذين آمنوا} أي: ناصرهم ومتولي أمورهم، {يخرجهم من الظلمات} ~~يحفظهم بولايته لهم وبتوفيقه إياهم، من ظلمات الكفر والضلالة {إلى النور} ~~إلى الإيمان والهداية، كما قال: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} ~~(¬1) وكأن هذه الآية تقتضي (¬2) بقوم كانوا كفارا فآمنوا؛ {والذين كفروا} ~~أي: الذين ارتدوا من الإسلام إلى الكفر، {أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من ~~النور إلى الظلمات} الله ولي المؤمنين يخرجهم من الشبهة في الدين إن وقعت ~~لهم، بما يهديهم، ويوفقهم بتوفيقه لحلها، حتى يخرجوا منها إلى نور اليقين، ~~والذين كفروا أولياؤهم الشياطين، يخرجونهم من نور البينات الذي يظهر لهم، ~~إلى ظلمات الشك والشبهات، لأن المعصية على الإصرار عليها تنتج معاصي، ~~والطاعة على التوبة تنتج طاعات، وذلك لأن المؤمن يتبع الملهم الذي يلهمه ~~الحق، ويرفض الوساوس الطاغوتية، والذي في قلبه مرض، على العكس من هذا يتبع ~~هواه بغير بيان، ويترك الحق وإن نازله، والأول يرفض ما يهواه، وقد أسس ~~بنيانه على التقوى؛ {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون(257)} حكم من الله ~~لهم بالتخليد. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة محمد: 17. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «تختص». PageV01P129 # ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه} في معارضة ربوبية ربه، {أن آتاه ~~الله الملك} الوهمي، يعني: أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر، فحاج لذلك؛ ~~{إذ ms0088 قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت} كأنه قال له: من ربك؟ قال: ربي الذي ~~يحيي ويميت، {قال} الذي حاج، نمرود أو غيره من المردة {أنا أحيي وأميت} ~~يريد أعفي عن القتل وأقتل، فانقطع اللعين [58] بهذا عند الخاصة، فزاد ~~إبراهيم ما لا يتأتى فيه التلبيس على الضعفاء؛ {قال إبراهيم: فإن الله يأتي ~~بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب} إن كنت تقول (¬1) إلها، {فبهت الذي ~~كفر} تحير ودهش؛ {والله لا يهدي القوم الظالمين(258)} أي: لا يوفقهم للحجة، ~~لأن الظالم لا يلقي حجة، فإن احتج بحجة الباطل، غلبته حجة الحق، لقوله: {بل ~~نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق} (¬2) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... في العبارة سقط واضح، ولعل صوابها: «إن كنت تقول: إنك إله». # (¬2) - ... سورة الأنبياء: 18. PageV01P130 # أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها} ساقطة مع سقوفها، وكل مرتفع ~~يسمى عرشا؛ {قال: أنى يحيي} كيف يحيي، {هذه الله بعد موتها؟ فأماته الله ~~مائة عام، ثم بعثه} أي: أحياه، {قال} له قائل: {كم لبثت؟ قال: لبثت يوما أو ~~بعض يوم} بناء على الظن، وفيه دليل على جواز الاجتهاد. روى أنه مات ضحى، ~~وبعث بعد مائة سنة قبل غيبوبة الشمس، فقال: قبل النظر إلى الشمس يوما، ثم ~~التفت فرأى بقية من الشمس، فقال: «أو بعض يوم». {قال: بل لبثت مائة عام، ~~فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه} لم يتغير، معناه: لم تغيره السنون، ~~{وانظر إلى حمارك} كيف تفرقت عظامه ونخرت، وكان له حمار قد ربطه، فمات ~~وبقيت عظامه؛ {ولنجعلك آية للناس} ليعتبروا بك من رآك منهم بعين اليقين، ~~ومن رآك منهم بعلم اليقين؛ {وانظر إلى العظام} عظام الحمار أو عظام الموتى، ~~{كيف ننشزها} نحركها، ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب؛ {ثم نكسوها لحما} نجعل ~~اللحم مجازا كاللباس؛ {فلما تبين له قال: أعلم أن الله على كل شيء ~~قدير(259)}. # {وإذ قال إبراهيم: رب أرني كيف تحيي الموتى؟ قال: أولم تؤمن؟ قال: بلى ~~ولكن ليطمئن قلبي} لما أن أراد أن يتعرف باليقين قدرة الله، لم يذمه الله، ~~{قال: ms0089 فخذ أربعة من الطير} قيل: طاوسا وديكا وغرابا وحمامة، {فصرهن إليك} ~~أي: اضممهن إليك؛ {ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا} جزئهن، وفرق أجزاءهن على ~~الجبال التي بحضرتك؛ {ثم ادعهن يأتينك سعيا} ساعيات مسرعات، {واعلم أن الله ~~عزيز حكيم(260)} لا يعجزه ولا يغلبه شيء. # { PageV01P131 مثل الذين ينفقون أموالهم} فيه إضمار، تقديره: «مثل صدقات ~~الذين ينفقون أموالهم»، {في سبيل الله} أراد سبيل الله الجهاد، وجميع أبواب ~~الخير الخيرة؛ {كمثل حبة أنبتت سبع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة والله ~~يضاعف لمن يشاء} أي: يضاعف تلك المضاعفة لمن يشاء، لا لكل منفق لتفاوت ~~أحوالهم، أو يزيد على سبع مائة لمن يشاء؛ قال أبو المؤثر: «وقد قيل: إن ~~الأضعاف ألف ألف»، {والله واسع} لا حد لوسعه، {عليم(261)} عليم بمن يستحق ~~الأضعاف. # {الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا} هو أن ~~تعتد (¬1) على من أحسن (¬2) إليه بإحسانه ويريه أنه اصطنعه، وواجب عليه حقا ~~له، وكانوا يقولون: إذا صنعتم صنيعة فانسوها، {ولا أذى} هو أن يتطاول عليه ~~بسبب ما أعطاه، {لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون(262)} لا ~~خوف من العذاب، ولا حزن بفوات الثواب. # {قول معروف} رد جميل، {ومغفرة} ونيل مغفرة من الله بسبب رد الجميل، {خير ~~من صدقة يتبعها أذى} منه، {والله غني حليم(263)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «يعتد»، بضمير الغائب. # (¬2) - ... كتب فوق الكلمة: «حسن». PageV01P132 # يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، [59] كالذي ينفق ~~ماله رئاء الناس، ولا يؤمن بالله واليوم الآخر} يريد أن الرياء يبطل الصدقة ~~ولا تكون النفقة مع النفقة من فعل المؤمنين، وهذا للمنافقين، لأن الكافر ~~معلن كفره غير مراء؛ {فمثله كمثل صفوان عليه تراب} أي: حجر أملس عليه تراب، ~~{فأصابه وابل} مطر عظيم، {فتركه صلدا} أجرد وأملس نقيا من التراب، والصلد: ~~الحجر الصلب الأملس، الذي لا شيء عليه، فهذا مثل ضربه الله لنفقة المنافق ~~والمرائي، والممن الذي يمن بصدقته ويؤذي، {لا يقدرون على شيء} أي: لا يفدون ms0090 ~~على ثواب شيء {مما كسبوا} لا يجدون ثواب شيء مما أنفقوا وعملوا، {والله لا ~~يهدي القوم الكافرين(264)} ما داموا مختارين الكفر. # { PageV01P133 ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من ~~أنفسهم} أي: وتصديقا للإسلام وتحقيقا للجزاء من أصل أنفسهم، لأنه إذا أنفق ~~المسلم ماله في سبيل الله، علم أن تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه، ومن ~~إخلاص قلبه. وفي خ (¬1) {وتثبيتا من أنفسهم} معناه: وليثبتوا (¬2) من ~~أنفسهم ببذل المال الذي هو أخ الروح، وبذله أشق على النفس من أكثر العبادات ~~الشاقة، ويجوز أن يراد وتصديقا للإسلام، وتحقيقا للجزاء من أصل أنفسهم، ~~لأنه إذا أنفق المسلم ماله في سبيل الله علم أن تصديقه بالثواب من أصل نفسه ~~وإخلاص قلبه؛ {كمثل جنة} بستان، {بربوة} مكان مرتفع، وخصها لأن الشجر فيها ~~أزكى وأحسن ثمرا، {أصابها وابل فآتت أكلها} ثمرها {ضعفين} ضعفي ما كانت ~~تثمر، قيل: بسبب الوابل؛ {فإن لم يصبها وابل فطل} مطر صغير القطر يكفيها، ~~لكرم منبتها؛ أو مثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة، ونفقتهم الكبيرة ~~(¬3) والقليلة بالوابل والطل، وكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكل الجنة، ~~فكذلك نفقتهم كثيرة كانت أو قليلة بعد أن يطلب بها رضى الله، زاكية عند ~~الله، زائدة في زلفاهم وحسن حالهم عند الله. {والله بما تعملون بصير(265)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لعله يقصد بالخاء: نسخة ما. # (¬2) - ... يمكن أن نقرأ: «وليميتوا». # (¬3) - ... كذا في الأصل، والأصوب: «الكثيرة»، لأنها تقابل: «القليلة»؛ ~~وإلا فإن «الكبيرة» تقابل «الصغيرة». PageV01P134 # أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب، تجري من تحتها الأنهار، له ~~فيها من كل الثمرات} يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيها، ولأن ~~النخيل والأعناب لما كانا أكرم الشجر وأكثرها منافع خصها بالذكر، وجعل ~~الجنة منها، وإن كانت محتوية على سائر الأشجار تغليبا لهما على غيرهما، ~~{وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء} أولاد صغار؛ {فأصابها إعصار} ريح تستدير في ~~الأرض ثم تستطع (¬1) نحو السماء كالعمود، {فيه نار فاحترقت} هذا مثل لمن ~~يعمل الأعمال الحسنة رياء، فإذا كان يوم القيامة وجدها محبطة، ms0091 فيتحسر عند ~~ذلك حسرة من كانت [له] جنة جامعة للثمار فبلغ الكبر، وله (¬2) أولاد ضعاف ~~والجنة معاشهم، فهلكت بالصاعقة؛ قال الحسن: «هذا مثل قل والله من يعقله من ~~الناس، إلا شيخ كبير ضعف جسمه وكثر صبيانه، أفقر ما يكون إلى جنته، وأن ~~أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا»، {كذلك يبين ~~الله لكم الآيات} بالأمثال (¬3) في التوحيد والدين، {لعلكم تتفكرون(266)} ~~فتعلمون أن مقدار حاجة الإنسان إلى عمله، عند فوات رحمة الله عنه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «تصعد»، أو «تسطع». # (¬2) - ... في الأصل: «واله»، وهو خطأ. # (¬3) - ... في الأصل: «با الأمثال»، وهو خطأ. PageV01P135 # يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم} من خيار مكسوباتكم، {ومما ~~أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث} ولا تقصدوا المال الرديء {منه ~~تنفقون} تخصونه بالإنفاق، {ولستم بآخذيه} أي: «لا تنفقوا في فرض ربك خبثا، ~~فإنك لو أردت شراءه لم تأخذه حتى تحط من ثمنه» من القاموس نقلا، لا تأخذونه ~~في حقوقكم، {إلا أن تغمضوا فيه} إلا أن تتسامحوا في أخذه، وتترخصوا فيه، من ~~قولك: أغمض [60] فلان عن بعض حقه، إذا غض بصره؛ قيل: كانوا يتصدقون بحشف ~~التمر، وشراره فنهوا عنه، {واعلموا أن الله غني} عن صدقاتكم، {حميد(267)} ~~مستحق للحمد. # {الشيطان يعدكم} في الإنفاق {الفقر} ويقول لكم: إن عاقبة إنفاقكم أن ~~تفتقروا، والوعد يستعمل في الخير والشر، {ويأمركم بالفحشاء} يغركم على ~~البخل ومنع الصدقات، إغراء الآمر للمأمور، {والله يعدكم} في الإنفاق {مغفرة ~~منه} لذنوبكم، وكفارة لها، {وفضلا} وأن يخلف عليكم أفضل ما أنفقتم، {والله ~~واسع} يوسع على من يشاء، {عليم(268)} بأفعالكم ونياتكم. # {يؤتي الحكمة من يشاء} علم القرآن والسنة، أو العلم النافع الموصل إلى ~~رضى الله والعمل به، والحكيم عند الله العالم العامل؛ قال قائل: الإصابة في ~~القول والفعل، وهو موافق للأول؛ وقال ابن عباس: «هو علم القرآن»؛ قال ~~الحسن: «من أعطي القرآن فكأنما أدرجت النبوة بين جنبيه، إلا أنه لم يوح ~~إليه»؛ {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، وما يذكر ms0092 إلا أولو ~~الألباب(269)} وما يتعظ بمواعظ (¬1) الله إلا ذوو العقول السليمة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «بمواعض»، وهو خطأ. PageV01P136 # وما أنفقتم من نفقة} يعم جميع ما أنفق حتى الذي ينفقه على نفسه وأهله، ~~{أو نذرتم من نذر} في سبيل الله، أو سبيل الشيطان، {فإن الله يعلمه} لا ~~يخفى عليه، فيجازيكم عليه؛ {وما للظالمين من أنصار(270)} ممن ينصرهم من ~~الله، ويمنعهم من عقابه. # {إن تبدوا الصدقات فنعما هي} فنعم شيئا إبداؤها، {وإن تخفوها وتؤتوها ~~الفقراء، فهو خير لكم} فالإخفاء خير لكم في حال، فالإبداء (¬1) أفضل في ~~حال، والإخفاء أفضل في حال، {ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون ~~خبير(271)}. # {ليس عليك هداهم} قيل: نزل هذا في الفقراء، وذلك على قول من يجيز تسليم ~~الزكاة إلى غير الأولياء؛ قال محمد بن روح: قد يقال نزلت فيمن يتصدق عليه، ~~{ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم} فهو لأنفسكم لا ينتفع ~~به غيركم، فلا تمنوا به على الناس ولا تعجبوا به؛ {وما تنفقون إلا ابتغاء ~~وجه الله} وليست نفقتكم إلا ابتغاء وجه الله، فما بالكم تمنون بها وتنفقون ~~الخبيث؟!، وقيل معناه: النهي، أي: ولا تنفقوا إلا لابتغاء وجه الله، {وما ~~تنفقوا من خير يوف إليكم} ثوابه أضعافا، فما بالكم تبخلون!؛ {وأنتم لا ~~تظلمون(272)} لا تنقصون أجره. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «وفا الإبداء»، وهو خطأ. PageV01P137 # للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} هم الذين أحصرهم الجهاد، أو طلب ~~العلم، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أوخوف التباعة من الضرب في ~~الأرض عن طلب الرزق، كأنهم ليسوا بأهل مال ولا احتيال، {لا يستطيعون ضربا ~~في الأرض} للكسب؛ {يحسبهم الجاهل} بحالهم، {أغنياء من التعفف} مستغنين من ~~أجل تعففهم عن المسألة، {تعرفهم بسيماهم} بعلاماتهم، {لا يسألون الناس ~~إلحافا} إلجاجا، والإلجاج (¬1) : هو اللزوم، وأن لا يفارق إلا بشيء يعطاه، ~~وفي الحديث: «أن الله يحب الحيي الحليم المتعفف، ويبغض البديء السائل ~~الملحف» (¬2) ، وقيل معناه: إنهم إن سألوا بتلطف ولم يلحوا، {وما تنفقوا من ~~خير فإن الله به عليم(273)}. # {الذين ينفقون أموالهم ms0093 بالليل والنهار سرا وعلانية} يعني: يعمون الأوقات ~~والأحوال بالصدقة، لحرصهم على الخير، وكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا ~~قضاءها (¬3) ولم يؤخروه، ولم يتعلقوا بوقت ولا حال؛ {فلهم أجرهم عند ربهم، ~~ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون(274)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «والاجاج»، وهو خطأ. # (¬2) - ... لم نجده بهذا اللفظ، وفي رواية عن عمران بن حصين قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إن الله يحب عبده المؤمن الفقير ~~المتعفف أبا العيال». رواه ابن ماجه في كتاب الزهد، 4111. العالمية: موسوعة ~~الحديث، مادة البحث: «المتعفف». # (¬3) - ... في الأصل: «قضاهاء»، وهو خطأ. PageV01P138 # الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه} أي: يصرعه ~~{الشيطان}، أي: المصروع، لأنه يخبط في المعاملة، فجوزي على المقابلة، ~~والخبط: الضرب على غير استواء كخبط العشواء {من المس} من الجنون، يقال: مس ~~الرجل، فهو ممسوس [61] إذا كان مجنونا؛ {ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل ~~الربا وأحل الله البيع وحرم الربا} فيه دليل على أن القياس يهدمه النص مع ~~خلافه له؛ {فمن جاءه موعظة من ربه} بذكر وتخويف، {فانتهى فله ما سلف وأمره ~~إلى الله، ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون(275)}. # {يمحق الله الربا} ينقصه ويهلكه ب[إذهاب]بركته (¬1) ، ويهلك المال الذي ~~يدخل فيه. {ويربي الصدقات} وينميها ويزيدها، أي: يزيد المال الذي أخرجت منه ~~الصدقة ويبارك فيه، {والله لا يحب كل كفار أثيم(276)}. # {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم ~~عند ربهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون(277)}. # {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا} أخذوا ما شرطوا ~~على الناس من الربا وبقيت لهم بقايا، فأمروا أن يتركوها ولا يطالبوا بها، ~~{إن كنتم مؤمنين(278)} كاملي الإيمان، فإن دليل كماله امتثال المأمور به. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «ويهلكه ببركته» وفيه سقط واضح. PageV01P139 # فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} فاعلموا بها، من أذان (¬1) ~~بالشيء إذا علم؛ قال بعض أهل المعاني: حرب الله لأهل (¬2) العصاة: الخذلان ~~لهم في الدنيا، والنار لهم في العقبى؛ وحرب رسول الله ms0094 - صلى الله عليه وسلم ~~- لهم: السيف والبراءة منهم؛ {وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون} ~~المديونين بطلب الزيادة عليها، {ولا تظلمون(279)} بالنقصان منها. # {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، وأن تصدقوا} بالإبراء، وقيل: ~~بالانتظار، لقوله - عليه السلام - : «لا يحل دين امرء مسلم فيؤخره، إلا كان ~~[له] بكل يوم صدقة» (¬3) ، {خير لكم} يوم القيامة {إن كنتم تعلمون(280)}. # {واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا ~~يظلمون(281)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «ذان»، وهو خطأ، وفي اللسان: أذان بالشيء إذنا ~~وأذنا وأذانة: علم. ابن منظور: لسان، 1/39. # (¬2) - ... في الأصل: «الأهل»، وهو خطأ. # (¬3) - ... رواه ابن ماجه في كتاب الأحكام، رقم 2409، عن بريدة الأسلمي ~~بلفظ: «من أنظر معسرا كان له بكل يوم صدقة، ومن أنظره بعد حله كان له مثله ~~في كل يوم صدقة». وروى نحوه أحمد في مسند البصريين، عن عمران بن حصين، وفي ~~باقي مسند الأنصار عن بريدة أيضا. PageV01P140 # يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} وهذا الخطاب ~~وارد للمؤمنين وفيهم، إذا وقعت المعاملة بينهم، وإن وقعت فيمن سواهم، ~~فالأحرى إثبات الأشهاد حذرا عن (¬1) إتلاف المال، {وليكتب بينكم كاتب ~~بالعدل} أي: كاتب مأمون على ما يكتب، لا يزيد على ما يجب أن يكتب ولاينقص، ~~وفيه أن يكون الكاتب فقيها عالما بالشرط حتى يجيء مكتوبهم معدلا بالشرع، ~~وهو أمر للمتداينين (¬2) بتخير الكاتب، ولا يستكتبوا إلا فقيها دينا؛ {ولا ~~يأب كاتب} ولا يمتنع واحد من الكتاب {أن يكتب كما علمه الله} كتابة ~~الوثائق، لا يبدل ولا يغير؛ {فليكتب} تلك الكتابة لا يعدل عنها، {وليملل ~~الذي عليه الحق} ولا يكن الممل إلا من وجب (¬3) عليه الحق، لأنه هو المشهود ~~على ثباته في ذمته وإقراره، فيكون ذلك إقرارا على نفسه بلسانه، والإملال ~~والإملاء لغتان، {وليتق الله ربه} فلا يمتنع عن الإملاء، فيكون جحودا لكل ~~حقه، {ولا يبخس منه شيئا} ولا ينقص شيئا منه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «على عن»، ولعل الأصوب: «من». # (¬2) - ... في الأصل: «اللمتدينين»، وهو خطأ. # (¬3) - ... في ms0095 الأصل: «حب»، وهو خطأ. PageV01P141 # فإن كان الذي عليه الحق سفيها} مجنونا لأن السفه خفة في العقل، أو محجورا ~~عليه لتبذيره وجهله في التصرف، {أو ضعيفا} صبيا، {أو لا يستطيع أن يمل هو} ~~بعي أو لخرس، {فليملل وليه} الذي يلي أمره، ويقوم به {بالعدل} بالصدق ~~والحق؛ {واستشهدوا شهيدين} واطلبوا أن يشهد لكم شهيدان على الدين {من ~~رجالكم} من رجال المؤمنين، و[من أهل] الحرية والبلوغ؛ {فإن لم يكونا رجلين، ~~فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} ممن تعرفون عدالتهم، فإن من يكذب على ~~الله أولى أن يكون مردود الشهادة، {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} ~~لأجل أن تنسى إحداهما الشهادة فتذكرها الأخرى، ومعنى «تضل» أي: تنسى، يريد ~~إذا نسيت إحداهما شهادتها تذكرها الأخرى. # {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} لأداء الشهادة أو للتحمل، لئلا تتوي (¬1) ~~حقوقهم، وقد توجد، عن أبي سعيد فيما [62] أرجو أنه قال: إذا أداها وحملها. # {ولا تسأموا} ولا تملوا {أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله، ذلكم أقسط ~~عند الله} أي: أعدل لأنه أمر به، واتباع أمره أعدل من تركه، {وأقوم ~~للشهادة} وأعون، {وأدنى ألا ترتابوا} أحرى أو أقرب من انتفاء الريب للشهادة ~~والحاكم وصاحب الحق، فإنه قد يقع الشك في المقدار والصفات، وإذا رجعوا إلى ~~المكتوب يزال ذلك؛ وألف «أدنى» منقلبة من واو، لأنه من الدنو؛ {إلا أن تكون ~~تجارة حاضرة} إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة، أو إلا أن تكون المعاملة ~~تجارة حاضرة {تديرونها بينكم} أي: تتعاطونها يدا بيد، {فليس عليكم جناح ألا ~~تكتبوها} معنى: إلا أن تتبايعوا يدا بيد، فلا بأس ألا تكتبوا، لأنه لا ~~يتوهم في التداين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... توى يتوي توى والتوى: الهلاك، وفي الصحاح: هلاك المال. انظر: ~~ابن منظور: لسان العرب، 1/339. PageV01P142 # وأشهدوا إذا تبايعتم} هذا التبايع، يعني: التجارة الحاضرة على أن الإشهاد ~~كاف فيه دون الكتابة، والأمر (¬1) للندب. {ولا يضار كاتب ولا شهيد} نهى ~~الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما، وعن التحريف والزيادة ~~والنقصان والنهي عن الضرر بهما، بأن تعجلا عن ms0096 مهم، ويلزأ (¬2) أو يعطي ~~الكاتب حقه من الجعل، أو يحمل الشهيد مؤنة مجيئه من بلد، {وإن تفعلوا} وإن ~~تضاروا، {فإنه فسوق بكم واتقوا الله} في مخالفة أوامره، {ويعلمكم الله} ~~شرائع دينه وإصلاح دنياكم، {والله بكل شيء عليم(282)} لا يلحقه سهو ولا قصور. # {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة، فإن أمن بعضكم بعضا} ~~فإن أمن بعض الدائنين بعض المديونين بحسن ظنه فيه، فلم يتوثق بالكتابة ~~والشهود والرهن، {فليؤد الذي اؤتمن أمانته} دينه، {وليتق الله ربه} في ~~إنكار حقه؛ وكأن في هذه الآية دلالة على أن الأمر بالإشهاد والكتابة ~~للحقوق، وقبض الرهن للندب لا للوجوب؛ {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه ~~آثم قلبه} أي: فاجر قلبه، قيل: ما وعد الله على شيء كإيعاده على كتمان ~~الشهادة، قال: فإنه أثم قلبه، وأراد به منه مسخ القلب، ونعوذ بالله منه، ~~وصف القلب بالإثم لأنه رئيس الأعضاء، والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله، ~~وإن فسدت فسد الجسد كله، فكأنه قد تمكن الإثم في أصل نفسه، وملك أشرف مكان ~~منه، {والله بما تعملون عليم(283)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «للأمر»، وهو خطأ. # (¬2) - ... لزأ يلزأ لزأ الإناء: ملأه، والماشية: أشبعها، ولزأ فلانا: ~~أعطاه. انظر: المنجد في اللغة والأعلام، 719. PageV01P143 # لله ما في السماوات وما في الأرض، وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ~~يحاسبكم به الله، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} قيل: لما نزلت هذه الآية ~~اشتد ذلك على المسلمين، لأن ذلك من أشد البلوى، إذا كان يؤخذ بما توسوس به ~~النفس، إلى أن نزلت: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، لها ما كسبت، وعليها ما ~~اكتسبت}، {والله على كل شيء قدير(284)}. # {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} أي: لم يؤمن ببعض، ويكفر ببعض، ~~{والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله} ~~أي: لا نفرق بين أحد منهم، فنؤمن ببعض ونكفر ببعض؛ {وقالوا سمعنا} قولك، ~~{وأطعنا} أمرك، {غفرانك} أي: اغفر لنا غفرانك {ربنا وإليك المصير(285)} ~~المرجع، وفيه إقرار بالبعث ms0097 والجزاء. # { PageV01P144 لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} ووسعها طاقتها، وطاقتها ما ~~تقدر عليه، وقيل: الوسع ما وسع (¬1) الإنسان ولا يضيق عليه؛ {لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت} ينفعها ما كسبت من خير، ويضرها ما اكتسبت من شر، وخص ~~الخير بالكسب والشر بالاكتساب، لأن “الافتعال” للانكماش، والنفس تنكمش في ~~الشر وتتكلف للخير؛ {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا} تركنا أمرا من أوامرك سهوا، ~~{أو أخطأنا} على غير تعمد؛ {ربنا ولا تحمل علينا إصرا} عباء يأصر (¬2) ~~حامله، أي: يحبسه مكانه لثقله، استعير لتكليف الشاق، من نحو قتل الأنفس ~~وغير ذلك، {كما حملته على الذين من قبلنا} كاليهود؛ {ربنا ولا تحملنا ما لا ~~طاقة لنا به} من العقوبات النازلة بمن قبلنا، وقيل معناه: لا تفعل بنا فعلا ~~يحول بيننا وبين طاعتك، لقوله: {واعف عنا} امح سيئاتنا، {واغفر لنا} واستر ~~ذنوبنا، {وارحمنا أنت مولانا} متولي أمورنا، {فانصرنا على القوم ~~الكافرين(286)} فمن حق المولى أن ينصر عبيده. # سورة آل عمران # بسم الله الرحمن الرحيم # {ألم(1) الله لا إله إلا هو} تقديره لا إله في الوجود لأهل العبادة إلا ~~هو {الحي القيوم(2)} القائم على كل الموجودات، {نزل عليك الكتاب} القرآن ~~{بالحق مصدقا لما بين يديه} لما قبله، {وأنزل التوراة والإنجيل(3) من قبل} ~~قبل القرآن، {هدى للناس وأنزل الفرقان} المفرق بين الحق والباطل، {إن الذين ~~كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام(4)} ذو عقوبة شديدة، ~~{إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء(5)}. # {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء} أي: صوركم لنفسه وعبادته[كذا]، {لا ~~إله إلا هو العزيز الحكيم(6)} في تدبيره. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «سع»، وهو خطأ. # (¬2) - ... أصر يأصر أصرا: عطفه وكسره، أو ثقل عليه. انظر: ابن منظور: ~~لسان العرب، 1/76. PageV01P145 # هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات} ظاهرة عبارتها لا تحتمل ~~معاني، وإنما تحتمل معنى واحدا، {هن أم الكتاب} مبينات مفصلات، وسميت ~~محكمات من الإحكام، كأنه أحكمها، فمنع الخلق من التصرف فيها، لظهورها ووضوح ~~معناها، وهن أصل الكتاب لتحمل ms0098 (¬1) المتشابهات عليها وترد إليها؛ {وأخر} ~~وآيات أخر {متشابهات} مشتبهات محتملات لمعاني، ومثال ذلك: {الرحمن على ~~العرش استوى} (¬2) فالاستواء يكون بمعنى: الجلوس، وبمعنى: القدرة ~~والاستيلاء، ولا يجوز الأول على الله بدليل المحكم وهو قوله: {ليس كمثله ~~شيء} (¬3) وإنما لم يكن كل القرآن محكما لما في المتشابه من الابتلاء ~~والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل، وبين المجتهد في الطلب والمقصر، ~~ولما في تقادح العلماء وإتعابهم القرائح في استخراج معانيه ورده إلى المحكم ~~من الفوائد الجلية والعلوم الجمة، ونيل الدرجات عند الله تعالى. # {فأما الذين في قلوبهم زيغ} أي: ميل عن الحق وهذا لاتباع الباطل؛ ~~{فيتبعون ما تشابه منه} فيتعلمون بالمتشابه الذي يحتمل ما يذهب إليه ~~المبتدع بتأويل الضلال، ولا يطابقه في حكم {ابتغاء الفتنة} طلب أن يفتنوا ~~الناس عن دينهم ويضلوهم؛ قيل عن مجاهد إنه قال: ابتغاء الشبهات واللبس. ~~{وابتغاء تأويله} وطلب أن يؤولوه التأويل الذي يشتهونه، وكأنهم يريدون أن ~~يكونوا متمسكين بالكتاب، وتابعين لهوى الأنفس، وكل من عصى الله بتأويل ضلال ~~لحقته هذه الصفة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «التحمل»، وهو خطأ. # (¬2) - ... سورة طه: 5. # (¬3) - ... سورة الشورى: 11. PageV01P146 # وما يعلم تأويله إلا الله} أي: لا يهتدي إلى تأويله الحق الذي يجب أن ~~يحمل عليه إلا الله؛ {والراسخون في العلم} والذين رسخوا، أي: ثبتوا فيه ~~وتمكنوا وعضوا فيه (¬1) بضرس قاطع. قال الواسطي: «هم الذين رسخوا بأرواحهم ~~في غيب الغيب، وفي سر السر، بعرفهم ما عرفهم، وخاضوا بحر العلم بالفهم لطلب ~~الزيادة، فانكشف لهم من مذخور الخزائن والمخزون تحت كل حرف وآية من الفهم ~~والعجائب [ب]النظر، فاستخرجوا الدرر والجواهر، ونطقوا بالحكمة». # {يقولون آمنا به} وهو ثناء منه تعالى عليهم بالإيمان على التسليم، ~~واعتقاد الحقية بلا تكييف {يقولون آمنا به}، أي: بالمتشابه والمحكم، {كل} ~~من متشابهه ومحكمه {من عند ربنا} وقولهم [64] هذا وإيمانهم به يدل على ~~علمهم بتأويله، وكل من كان سالما في دينه ولم ينقض إيمانه بشيء من الظلم، ~~فهو (¬2) من الراسخين في العلم، وإن كان فوق كل ذي علم عليم. {وما يذكر إلا ~~أولو الألباب(7)} أصحاب ms0099 العقول، وهو مدح للراسخين بإلقاء (¬3) الذهن وحسن ~~التأمل. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، والأصح: «عليه». # (¬2) - ... في الأصل: «فهوا» بزيادة الألف، وهو خطأ. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعله يقصد إلقاء الذهن في ملكوت الله، والغوص ~~والتعمق في العلوم الشرعية لاستنباط الأدلة من مكامنها. ويمكن أن نقرأ: ~~«بإنقاء» بمعنى: تنقيته وتنظيفه من الأدران. PageV01P147 # ربنا لا تزغ قلوبنا} لا تملها عن الحق، بخلق الميل في القلوب {بعد إذ ~~هديتنا} للإيمان، {وهب لنا من لدنك رحمة} رحمة بعد رحمة من عندك بالتوفيق ~~والتثبيت، {إنك أنت الوهاب(8)} تعطي بلا استحقاق، {ربنا إنك جامع الناس ~~ليوم} أي: تجمعهم لحساب يوم الجزاء، {لا ريب فيه} لا شك في إتيانه، {إن ~~الله (¬1) لا يخلف الميعاد(9)} لأن الإلهية (¬2) تنافي خلف الميعاد. # {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله} من عذابه ~~{شيئا} لأنهم لم يريدوا بها وجه الله تعالى مثل المؤمنين، وإنما أرادوا بها ~~زينة وتكاثرا في الأموال والأولاد؛ {وأولئك هم وقود النار(10)} حطبها. # {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم} الدأب: (¬3) مصدر، دأب في العمل إذا ~~أكدح [كذا] فيه، فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله، تقديره: دأب ~~هؤلاء الكفرة في تكذيب الحق، كدأب من قبلهم من آل فرعون وغيرهم، والمعنى: ~~لن تغني عنهم مثل ما لم تغن عن آل فرعون، {كذبوا بآياتنا} تفسير لدأبهم مما ~~فعلوا، أو فعل بهم، كأنه جواب لمن يسأل عن حالهم؛ {فأخذهم الله بذنوبهم} ~~بسبب ذنوبهم، وأخذه إياهم هلاكهم بغضب وعقوبة. {والله شديد العقاب(11)} في ~~الدارين لمن عصاه. # {قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم} من الجهنام: وهي بئر عميقة ~~العقر (¬4) . {وبئس المهاد(12)} المستقر جهنم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «إنك»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «لان لالهية». # (¬3) - ... في الأصل: «الدب»، وهو خطأ. # (¬4) - ... كذا في الأصل والصواب: «القعر». PageV01P148 # قد كان لكم آية} أي: بيان، {في فئتين التقتا، فئة تقاتل في سبيل الله} ~~وهم المؤمنون، {وأخرى كافرة يرونهم مثليهم} يرى المشركون المسلمين مثلي ~~المشركين ألفا، ومثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفا وعشرين، أراهم الله إياهم ~~مع قلتهم ms0100 أضعافهم، ليهابوهم ويجبنوا عن قتالهم، وكأن ذلك مدد (¬1) من الله ~~لهم، كما أمدهم بالملائكة، {رأي العين} يعني: رؤية ظاهره مكشوفة، وذلك من ~~قدرة الله سبحانه أن يريهم القليل كثيرا، مثل رأي العين، ليقضي الله [أمره] ~~وينفذ فيهم مشيئته. {والله يؤيد بنصره من يشاء} كما أيد المسلمين بتكثيرهم ~~في عين العدو؛ {إن في ذلك} في تكثير القليل، وتعظيم الحقير وبالعكس، ~~{لعبرة} لعظة {لأولي الأبصار(13)} لذوي البصائر. # {زين للناس حب الشهوات} الشهوة: توقان النفس إلى الشيء، والشهوة: مسترذلة ~~عند الحكماء، مذموم من اتبعها، شاهد على نفسه بالبهيمية، وأزيد عليها ~~بقوله: {من النساء والبنين، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل ~~المسومة والأنعام والحرث، ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن ~~المآب(14)} المرجع، فيه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة؛ ثم زهدهم في ~~الدنيا وقال: {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم} من الذي تقدم، معناه: أخبركم بعمل ~~خير من السعي لما تقدم. {للذين اتقوا} الله بترك ما زين للناس مما حرمه ~~الله عليهم. {عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وأزواج ~~مطهرة ورضوان من الله، والله بصير بالعباد(15)}؛ {الذين يقولون} بلسان ~~مقالهم وحالهم: {ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار(16)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لعل الأصوب أن تكون العبارة هكذا: «وكان ذلك مددا من الله». PageV01P149 # الصابرين} على المصائب والطاعات، {والصادقين} قولا بإخبار الحق، وفعلا ~~بإحكام [65] العمل، ونية بإمضاء العزم، {والقانتين} المطيعين، {والمنفقين ~~والمستغفرين بالأسحار(17)}. # {شهد الله} أي: علم {أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم} علموا ~~أنه: {قائما بالقسط}، قيما بالعدل فيما قسم وقضى، وقدر من الأرزاق والآجال، ~~والأمر والنهي، والثواب والعقاب؛ {لا إله إلا هو العزيز الحكيم(18)} فوافق ~~علمهم علمه في ذلك. # {إن الدين عند الله الإسلام} أي: الاستسلام والانقياد والطاعة له من ~~عبيده، وعليهم؛ {وما اختلف الذين أوتوا الكتاب} أي: أهل الكتاب من اليهود ~~والنصارى، واختلافهم إنما تركوا الإسلام وهو التوحيد؛ {إلا من بعد ما جاءهم ~~العلم بغيا بينهم} أي: ما كان ذلك الاختلاف إلا حسدا بينهم، وطلبا للرئاسة ~~وحظوظ الدنيا، ms0101 واستتباع كل فريق أناسا. {ومن يكفر بآيات الله} بحججه ~~ودلائله، {فإن (¬1) الله سريع الحساب(19)} سريع المجازاة بالخذلان في ~~الدنيا، وبالنار في العقبى. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «إن»، وهو خطأ. PageV01P150 # فإن حاجوك} جادلوك في أن دين الله الإسلام؛ {فقل: أسلمت وجهي لله} أي: ~~أخلصت نفسي وجملتي لله وحده، لم أجعل فيها لغيره شركا، بأن أعبده وأدعوه ~~ولا أدعوا إلها معه، يعني: أن ديني دين التوحيد، وهو الدين القيم الذي ثبت ~~عندكم صحته كما ثبت عندي، وما جئت بشيء بديع حتى تجادلوني فيه؛ {ومن ~~اتبعني} أي: أسلمت أنا ومن اتبعني. {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين}: ~~والذين لا كتاب لهم، وقيل: إنهم العرب، {أأسلمتم؟ فإن أسلموا} فإن انقادوا ~~وأذعنوا، (لعله) واستسلموا لأمر الله على ما يوافق طبع النفوس، أو يخالفها؛ ~~{فقد اهتدوا} فقد أصابوا الرشد، حيث خرجوا من الضلال إلى الهدى. {وإن تولوا ~~فإنما عليك البلاغ} أي: ليس عليك هداهم، وإنما عليك إبلاغهم، {والله بصير ~~بالعباد(20)} فيجازيهم على كفرهم. # {إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق، ويقتلون الذين ~~يأمرون بالقسط من الناس} والقتل: هو معروف، ويخرج من معناه التبرؤ من الذين ~~يأمرونهم بالقسط ومعاداتهم، كما قيل: البراءة من المؤمن كقتله؛ {فبشرهم ~~بعذاب أليم(21)}. # {أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة} إحباطها في الدنيا عدم ~~التوفيق للخير، وفي الآخرة بعدم الثواب؛ {وما لهم من ناصرين(22)} يمنعونهم ~~من عذابه. # {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب} بقيام حجة تقوم عليهم من كتاب ~~من كتب الله؛ {يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم؛ ثم يتولى فريق منهم وهم ~~معرضون(23)}. # { PageV01P151 ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات} أي: ~~ذلك التولي بسبب تسهيلهم على أنفسهم من العقاب، وطمعهم في الخروج من النار ~~بعد أيام قلائل، {وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون(24)} قد غر الشيطان لعنه ~~الله أكثر الخلق، بافترائهم الكذب بألسنتهم و قلوبهم، بما خيل إليهم من ~~الأماني الكاذبة، واعتقدوا أنهم ينجون من عذاب الله وينعمون بالثواب من قبل ~~استحقاقهم ذلك من قبل ما عملوه ms0102 من الأعمال، وأنفقوا من أموال، وأتعبوا فيه ~~الأبدان، مع تعديهم لأكثر الحدود، ولعلهم أصغوا إلى المتشابه من الكتاب ولم ~~يبنوا (¬1) دينهم على أم الكتاب وأصول الدين، تساهلا لموافقة الشهوات ~~وارتكاب الشبهات. {فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت} ~~جزاء ما [66] كسبت، وفي ذلك وعد لمن أطاع، ووعيد لمن عصى؛ {وهم لا ~~يظلمون(25)} بزيادة في سيئاتهم، ونقصان من حسناتهم. # {قل اللهم مالك الملك} أصل ملك الدارين: القلوب السليمة فمن رزقها فقد ~~أوتي الملك الحقيقي، ومن حرمها بسوء كسبه فقد أذله، ولم يعزه بانتزاعها منه ~~وإن كان له من الملك الوهمي نصيب، بدليل قوله في الآية: {بيدك الخير}، ~~{تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء} قال بأن يكون لك ~~بك ومعك بين يديك؛ {وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير(26)}. # {تولج الليل في النهار، وتولج النهار في الليل، وتخرج الحي من الميت، ~~وتخرج الميت من الحي، وترزق من تشاء بغير حساب(27)} لا يعرف الخلق عدده ~~ومقداره، وإن كان معلوما عند الله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل كلمة غير واضحة ولعل الصواب: ما أثبتناه. PageV01P152 # لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء} نهوا أن يوالوا الكافرين، لقربة بينهم ~~{من دون المؤمنين} يعني: أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة، أي: سعة عن ~~موالات الكافرين، فلا تؤثروهم عليهم، {ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء} ~~ومن يوالي الكفرة، فليس من ولاية الله في شيء، يعني: أنه منسلخ عن ولاية ~~الله رأسا، لأن موالاة الولي، وموالاة عدوه متنافيان، فلا تستحق من الله ~~شيئا في الدنيا ولا في الآخرة، إلا الاستدراج في الدنيا، وعذاب النار في ~~الآخرة؛ وقيل: ليس من دين الله في شيء. {إلا أن تتقوا منهم تقاة} إلا أن ~~تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه، وهذه رخصة في موالاتهم عند الخوف، ~~والمراد بهذه الموالاة: المحالفة الظاهرة، والقلب مطمئن بالعداوة. {ويحذركم ~~الله نفسه} أي: ذاته، فلا تتعرضوا لسخطه بالمخالفة، وهذا وعد شديد. {وإلى ~~الله المصير(28)} أي: مصيركم إليه، ms0103 والعذاب معد لديه لمن خالف. # {قل: إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله، ويعلم ما في السماوات ~~وما في الأرض والله على كل شيء قدير(29)}. # {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، وما عملت من سوء تود لو أن بينها ~~وبينه أمدا بعيدا} أي: والذي عملته من سوء، تود لو تباعد ما بينها وبينه، ~~{ويحذركم الله نفسه} لتكونوا على بال منه، لا تغفلون عنه، وعن ما تعبدكم به ~~طرفة عين. {والله رءوف بالعباد(30)}. # { PageV01P153 قل: إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} المحبة: ميل ~~النفس إلى الشيء لكمال إدراك فيه، بحيث يحملها على ما تقربه إليه، والعبد ~~إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله، وأن كل ما يراه كمالا من نفسه أو ~~غيره، فهو من الله وبالله وإلى الله، لم يكن حبه إلا لله وفي الله، وذلك ~~تقصي إرادة طاعته والرغبة فيما يقر به، فلذلك فسرت المحبة: بإرادة الطاعة، ~~وجعلت ملتزمة لاتباع الرسول في عبادته، والحرص على مطاوعته، {يحببكم الله} ~~ومعنى حب الله لعباده: هوكشف الحجاب عن قلوبهم، حتى يروا صفاته وأفعاله ~~بقلوبهم، وإلى تمكينه إياه (¬1) من القرب منه، {ويغفر لكم ذنوبكم} وعد ~~غفران الذنوب باتباع الرسول، {والله غفور رحيم(31)}. # {قل: أطيعوا الله والرسول} هي علامة المحبة؛ {فإن تولوا} أعرضوا (¬2) عن ~~قبول الطاعة، {فإن الله لا يحب الكافرين(32)} لا يحبهم وهم في غضبه وبغضه ~~وعذابه وسخطه وعداوته، لا يزالون على (¬3) ذلك في الدنيا ولا (¬4) في ~~الآخرة إلا من تاب. # {إن الله اصطفى} اختار، “افتعل” من الصفوة: وهي الخالص من كل شيء؛ {آدم ~~ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين(33)} على عالمي زمانهم [67]. ~~{ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم(34)}. # {إذ قالت امرأة عمران: رب إني نذرت لك}، أوجبت {ما في بطني محررا} أي: ~~معتقا أومخلصا لله، مفرغا للعبادة، وكلما أخلص فهو محرر، يقال: حررت العبد، ~~إذا عتقته وخلصته عن الرق؛ {فتقبل مني} والتقبل أخذ الشيء على الرضى به، ~~{إنك أنت السميع العليم(35)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ms0104 ولعل الصواب: «إياهم». # (¬2) - ... في الأصل: «عرضوا»، وهو خطأ. # (¬3) - ... في الأصل: مكتوب فوق «على» حرف «عن». # (¬4) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: - «لا». PageV01P154 # فلما وضعتها، قالت: رب إني وضعتها أنثى، والله أعلم بما وضعت} تعظيما ~~لموضوعها، والله أعلم بالشيء الذي وضعت، وما علق به من عظائم الأمور. {وليس ~~الذكر كالأنثى (¬1) وإني سميتها مريم، وإني أعيذها بك} أجيرها، {وذريتها من ~~الشيطان الرجيم(36)}. # {فتقبلها ربها} قبل الله مريم، ورضي بها في النذر، {بقبول حسن وأنبتها ~~نباتا حسنا} مجاز عن التربية الحسنة. قال ابن عطاء: «ما كانت ثمرته مثل ~~عيسى؛ فذلك أحسن النبات»، ويحتمل {أنبتها نباتا حسنا} أي: حسن خلقها، وهذا ~~هو النبات الحقيقي؛ {وكفلها} ضمن القيام بأمرها، وقيل: كفلها الله، {زكريا} ~~أي: جعله كافلا لها وضامنا لمصالحها، ليتوفر له الثواب بكفالتها وتربيتها. ~~{كلما دخل عليها زكريا المحراب، وجد عندها رزقا} يحتمل ها هنا الرزق أن ~~يكون من المأكول، ويحتمل أن يكون علما وحكمة من غير تعليم معلم. {قال: يا ~~مريم أنى لك هذا}؟ من أين لك هذا الرزق؟ {قالت: هو من عند الله} وإن كان ~~أتاها ذلك الرزق بسبب، فليس للأسباب مع أهل التحقيق معنى؛ فلذلك قالت: «هو ~~من عند الله» {إن الله يرزق من يشاء بغير حساب(37)} بغير تقدير. # {هنالك} في ذلك المكان، لما رأى حال مريم في كرامتها على الله، ومنزلها ~~رغب أن يكون له ذرية طيبة، {دعا زكريا ربه، قال: رب هب لي من لدنك ذرية ~~طيبة} الطيب من الناس ما طاب عمله، {إنك سميع الدعاء(38)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «كأنثى»، وهو خطأ. PageV01P155 # فنادته الملائكة، وهو قائم يصلي في المحراب} قال ابن عطاء: «ما فتح الله ~~على عبده حالة سنية إلا باتباع الأوامر وإخلاص الطاعات، ولزوم المحاريب». ~~{أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة} بآية {من الله وسيدا} هو الذي يسود ~~قومه، أي: يفوقهم في الشرف والعلم والعبادة، وقيل: السيد إذا جاد بالمكونين ~~عوضا بالمكون؛ {وحصورا} مبالغة في حبس النفس عن الشهوات والملاهي، وقيل: ~~إنه مر بصبيان يلعبون فدعوه إلى اللعب فقال: «ما ms0105 للعب خلقت» وقيل: هو الذي ~~لا يقرب النساء مع القدرة حصرا لنفسه، ومنعا لها من الشهوات. {ونبيا من ~~الصالحين(39)}. # {قال رب أنى يكون لي غلام} استعظام للقدرة لا تشكك، {وقد بلغني الكبر ~~وامرأتي عاقر؛ قال: كذلك الله يفعل ما يشاء(40)} من الأفعال الخارقة ~~للعادة. # {قال: رب اجعل لي آية؛ قال: آيتك ألا تكلم الناس} أن لا تقدر على كلام ~~الناس، {ثلاثة أيام إلا رمزا} الإشارة بعضو، أو إنما خص تكليم الناس، ~~ليعلمه أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم، خاصة مع إبقاء قدرته على ~~التكلم بذكر الله ولذا قال: {واذكر ربك كثيرا، وسبح بالعشي والإبكار(41)} ~~يعني: بالتسبيح، صلاة الفرائض، أو دم في كل وقتك. # {وإذ قالت الملائكة: يا مريم إن الله اصطفاك} اختارك بشارة لها، {وطهرك} ~~مما يستقذر منه الأفعال والأقوال والنيات [68]؛ {واصطفاك على نساء ~~العالمين(42)}. # {يا مريم اقنتي لربك} أديمي (¬1) الطاعة، {واسجدي واركعي مع ~~الراكعين(43)} أي: ولتكن صلاتك مع المصلين في الجماعة، وأنظمي نفسك في جملة ~~المصلين، وكوني في عدادهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «ادمي»، وهو خطأ. PageV01P156 # ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك} يعني: أن ذلك من الغيوب التي لم تعرفها ~~إلا بالوحي، {وما كنت لديهم} معناه: محاضرا (¬1) معهم، {إذ يلقون أقلامهم} ~~أزلامهم، وهي قدحهم التي طرحوها في النهر مقترعين، وهي الأقلام التي كانوا ~~يكتبون التوارة بها، اختاروها للقرعة تبركا بها، {أيهم يكفل مريم} من عدم ~~الكافل لها. {وما كنت لديهم إذ يختصمون(44)} في شأنها، تنافسا في التكفل بها. # و{إذ قالت الملائكة: يا مريم إن الله يبشرك بكلمة} بآية {منه، اسمه ~~المسيح عيسى ابن مريم، وجيها} ذا جاه وقدر، لأنه إمام (¬2) المتقين {في ~~الدنيا والآخرة} لأن كل من أطاع الله، فهو وجيه في الدنيا والآخرة؛ لكن ~~للعاملين درجات على قدر الأعمال، {ومن المقربين(45)}. # {ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين(46) قالت: رب أنى يكون لي ولد ~~ولم يمسسني بشر؛ قال: كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا؛ فإنما يقول له ~~كن فيكون(47)}. # {ويعلمه الكتاب} تلاوة وتأويلا، {والحكمة والتوراة والإنجيل(48) ms0106 ورسولا ~~إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم، أني أخلق لكم من الطين كهيئة ~~الطير} أي: أقدر لكم شيئا مثل صورة الطير، {فأنفخ فيه؛ فيكون طيرا بإذن ~~الله، وأبرئ الأكمه} الذي ولد أعمى، {والأبرص، وأحيي الموتى بإذن الله، ~~وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم ~~مؤمنين(49) ومصدقا لما بين يدي من التوراة، ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم، ~~وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون(50)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «حاضرا». # (¬2) - ... في الأصل: «الإمام»، وهو خطأ. PageV01P157 # إن الله ربي وربكم فاعبدوه} إقرار بالعبودية، ونفي للربوبية عن نفسه. ~~{هذا صراط مستقيم(51)} يؤدي صاحبه إلى النعيم المقيم. # {فلما أحس عيسى منهم الكفر} علم منهم كفرا لا شبهة فيه، كعلم ما يدرك ~~بالحواس؛ {قال: من أنصاري إلى الله}؟ من ينصرني إلى إظهار دينه؟ {قال ~~الحواريون} حواري الرجل: صفوته وخالصته، قيل: سموا بذلك لنقاء قلوبهم، ~~ويقال للنساء الحصر: الحواريات، لنظافتهن وخلوص ألوانهن؛ {نحن أنصار الله} ~~أعوان دينه، {آمنا بالله، واشهد بأنا مسلمون(52)}. # {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول؛ فاكتبنا مع الشاهدين(53)} مع الذين ~~يشهدون لك بالوحدانية، أو يشهدون للناس وعليهم على حسب أعمالهم، وبتلك ~~النيات والأقوال والأعمال صاروا حواريين. # {ومكروا} أي: كفار بني إسرائيل، الذين أحس منهم الكفر. {ومكر الله} أي: ~~جازاهم على مكرهم، ولا يجوز إضافة المكر إلى الله إلا على معنى الجزاء، ~~لأنه مذموم عند الخلق، وعلى هذا الخداع والاستهزاء أقوى؛ {والله خير ~~الماكرين(54)} أقوى المجازين، وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب. # {إذ قال الله يا عيسى: إني متوفيك} أي: مستوفي أجلك؛ ومعناه: إني عاصمك ~~من أن يقتلك الكفار، ومميتك حتف أنفك، لا قتلا بأيديهم، {ورافعك إلي} رافعك ~~لطاعتي، إلى درجة الكرامة، {ومطهرك من الذين كفروا} أي: من عملهم، {وجاعل ~~الذين اتبعوك [69] فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} بالحجة البالغة؛ وعد ~~من الله (لعله) لكل مؤمن. {ثم إلي مرجعكم؛ فأحكم بينكم فيما كنتم فيه ~~تختلفون(55)}. # { PageV01P158 فأما الذين كفروا؛ فأعذبهم عذابا ms0107 شديدا في الدنيا} بكل ما ~~يسوؤهم ويسرهم فيها، لأنه لا ثواب لهم فيه، خلاف سعي المؤمنين. {والآخرة} ~~بعذاب النار، {وما لهم من ناصرين(56)} يدفع عنهم ذلك. # {وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم} على كسبهم ومتاعبهم؛ ~~فينسيهم الجزاء تعبهم، خلاف الكافرين، {والله لا يحب الظالمين(57)}. # {ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم(58)} القرآن، لأنه لا ينطق إلا ~~بالحكمة. {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب؛ ثم قال له: كن ~~فيكون(59)؛ الحق من ربك؛ فلا تكن من الممترين(60)} الشاكين. # {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم؛ فقل: تعالو} نجمع {ندع أبناءنا ~~وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم؛ ثم نبتهل} قيل: نتضرع في ~~الدعاء؛ وقيل: ثم نبتهل، أي: نتباهل بأن نقول: بهلة (¬1) الله على الكاذب ~~منا ومنكم؛ والبهلة بالضم والفتح: اللعنة، بهله الله: لعنه وأبعده من ~~رحمته، وقولك: أبهله إذا أهمله؛ {فنجعل لعنة الله على الكاذبين(61)}. # {إن هذا لهو القصص الحق، وما من إله إلا الله، وإن الله لهو العزيز ~~الحكيم(62)؛ فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين(63)} الذين يعبدون غير ~~الله، ويدعون الناس إلى غير عبادة الله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «بلهه»، وهو خطأ. PageV01P159 # قل يا أهل الكتاب: تعالوا إلى كلمة سواء} أي: مستوية مستقيمة، {بيننا ~~وبينكم ألا نعبد إلا الله} وما يراد من العباد إلا هذه الكلمة، قولا وعملا ~~ونية، {ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله} أي: لا ~~يطيع بعضنا بعضا على غير طاعة الله؛ {فإن تولوا فقولوا: اشهدوا بأنا ~~مسلمون(64)} أي: لزمتكم الحجة، فوجب عليكم أن تعترفوا وتسلموا: بأنا مسلمون دونكم. # {يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم؟ وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من ~~بعده} قيل: زعم كل فريق من اليهود والنصارى أنه كان منهم، وجادلوا رسول ~~الله والمؤمنين فيه؛ فقيل لهم: إن اليهودية إنما حدثت بعد نزول التوراة، ~~والنصرانية بعد نزول الإنجيل؛ فكيف يكون إبراهيم لم يحدث إلا من بعده ~~بأزمنة {أفلا تعقلون(65)}. # {ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به ms0108 علم} مما نطق به التوراة والإنجيل؛ ~~{فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم} لم يذكر في كتابكم من دين إبراهيم، ~~{والله يعلم وأنتم لا تعلمون(66)}. # {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا} أي: ما كان على دين أحد الملتين، ~~{ولكن كان حنيفا} مائلا عن الأديان كلها إلى الدين المستقيم، {مسلما وما ~~كان من المشركين(67)}. # {إن أولى الناس بإبراهيم} إن أخصهم به وأقربهم منه {للذين اتبعوه} في ~~زمانه وبعده؛ {وهذا النبي} خصوصا، خص بالذكر لخصوصيته (¬1) بالفضل، {والذين ~~آمنوا} من أمته مدحا لهم وإلحاقا به، وإن كانوا دونه في الدرجة. {والله ولي ~~المؤمنين(68)} متولي أمورهم وناصرهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «لخصواصيته»، وهو خطأ. PageV01P160 # ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم، وما يضلون إلا أنفسهم} وما يعود ~~وبال الإضلال إلا عليهم، لأن العذاب يضاعف عليهم بضلاهم وإضلالهم، {وما ~~يشعرون(69)} أنهم يضلون [70] أنفسهم. # {يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله}؟ بالتوراة والإنجيل، وكفرهم بها ~~لأنهم لا يؤمنون بما نطقت به، من صحة نبوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وغيرها. {وأنتم تشهدون(70)} تعلمون ذلك. # {يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل}؟ تخلطون الإيمان بالكفر، أي: ~~تسترونه به، من لبس الشيء: إذا استتر به، ومن لبس الحق بالباطل جوزي بإلباس ~~الباطل بالحق لقوله: {وللبسنا عليهم ما يلبسون} (¬1) فلذلك لا يعلمون ~~ضلالهم. {وتكتمون الحق} أي: لايظهرونه بالقول ولا بالعمل؛ {وأنتم ~~تعلمون(71)} أنه حق. # {وقالت طائفة من أهل الكتاب} فيما بينهم: {آمنوا بالذي أنزل على الذين ~~آمنوا} أي: القرآن، على من آمن، {وجه النهار} أي: أوله، {واكفروا (¬2) آخره ~~لعلهم يرجعون(72)} لعل المسلمين يقولون: ما رجعوا وهم أهل كتاب وعلم، إلا ~~لأمر تبين لهم؛ فيرجعون برجوعكم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأنعام: 9. وتمامها: {ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ~~وللبسنا عليهم ما يلبسون}. # (¬2) - ... في الأصل: «وكفروا» وهو خطأ. PageV01P161 # ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم} وهذا لسان كل أمة إن نطقت بمقالها أو ~~بحالها. {قل: إن الهدى هدى الله، أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم} أي: ولا ~~تظهروا إيمانكم، بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، ms0109 إلا لأهل دينكم دون غيره؛ ~~أراد أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله، مثل ما أوتيتم، ولا ~~تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين، لئلا يزيدهم ثباتا، ودون ~~المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام، {أو يحاجوكم عند ربكم} ولا يؤمنوا لغير ~~أتباعكم؛ إن المسلمين يحاجوكم (¬1) يوم القيامة بالحق، ويغالبونكم عند الله ~~بالحجة. {قل: إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم(73)}. # {يختص برحمته} بالإسلام {من يشاء} من يعلم أنه من أهليته، {والله ذو ~~الفضل العظيم(74)} يؤتي كل ذي فضل فضله. {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه ~~بقنطار يؤده إليك} من خوفه على نفسه من تباعته، {ومنهم من إن تأمنه بدينار ~~لا يؤده إليك} من استخفافه بأمر الله فيه؛ {إلا ما دمت عليه قائما} إلا مدة ~~دوامك عليه قائما على رأسه ملازما له؛ {ذلك بأنهم قالوا: ليس علينا في ~~الأميين سبيل} أي: تركهم أداء الحقوق بسبب قولهم: {ليس علينا في الأميين ~~سبيل} أي: لا يتطرق إثم ولا ذم في شأن الأميين، يعنون الذين ليسوا من أهل ~~كتابهم؛ فكأنهم صاروا في حقهم لا يعلمون شيئا، لما عدموا المعرفة بكتابهم. ~~{ويقولون على الله الكذب} بادعائهم إن ذلك في كتابهم {وهم يعلمون(75)} أي: ~~أنهم كاذبون. # {بلى من أوفى بعهده واتقى} نفيا لقولهم وردا لما نفوه؛ {فإن الله يحب ~~المتقين(76)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «يحاجونكم». PageV01P162 # إن الذين يشترون} يستبدلون {بعهد الله} بما عاهدوه عليه من الإيمان. ~~{وأيمانهم ثمنا قليلا} متاع الدنيا، {أولئك لا خلاق لهم في الآخرة} أي: لا ~~نصيب، {ولا يكلمهم الله} أي: لا يلهمهم الخير، بإعراضهم عما يدلهم الملهم، ~~أو لا يعطيهم كتابهم بيمينهم، {ولا ينظر إليهم يوم القيامة} نظر رحمة، {ولا ~~يزكيهم} ولا يطهرهم من أدناس ما تدنسوا به من أقذار الذنوب؛ والمعنى: لا ~~يغفر لهم، {ولهم عذاب أليم(77)} في الدارين (¬1) . # {وإن منهم} من أهل الكتاب {لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب} يقبلونها (¬2) ~~بقراءته عن الصحيح إلى المحرف، والمراد: تحريفهم {لتحسبوه من الكتاب} أي: ~~من التوراة، {وما هو من ms0110 الكتاب} وليس هو منه. {ويقولون: هو من عند الله} ~~أي: هو حق، {وما هو من عند الله} [71]، لأنه أمر هوى. {ويقولون على الله: ~~الكذب، وهم يعلمون(78)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «الدرين»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «يقلبونها». PageV01P163 # ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة؛ ثم يقول للناس: كونوا ~~عبادا لي من دون الله} ما يصح منه ذلك، ولكن يصح منه أن يقول: {ولكن كونوا ~~ربانيين} أي: ولكن يقول: كونوا علماء حكماء، والربانيين معلمين عاملين، ~~{بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون(79)} بسبب كونهم عالمين، وبسبب ~~كونهم دارسين للعلم، كانت الربانية التي هي قوة التمسك بطاعة الله، مسببة ~~عن العلم والدراسة؛ وكفى به دليلا على خيبة سعي من جهد نفسه في جمع العلم ~~ثم لم يجعله ذريعة إلى العمل؛ فكان كمن غرس شجرة حسناء، تؤنقه بمنظرها، ولا ~~تنفعه بثمرتها؛ وقيل معنى يدرسون: يدرسونه على الناس، كقوله: {لتقرأه على ~~الناس} (¬1) . # {ولا يأمركم} معناه: ما كان لبشر أن يستنبئه الله، ونصبه (¬2) للدعاء إلى ~~اختصاص الله بالعبادة وترك الأنداد، ثم يأمر الناس أن يكونوا عبادا له؛ ~~ويأمركم {أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا، أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم ~~مسلمون(80)}؟ # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الإسراء: 106. وتمامها: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس ~~على مكث ونزلناه تنزيلا}. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «وينصبه». PageV01P164 # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين} قيل: هو على ظاهره من أخذ الميثاق على ~~النبيين، وقيل: أولاد النبيين. {لما آتيتكم من كتاب وحكمة؛ ثم جاءكم رسول ~~مصدق لما معكم} للكتاب الذي معكم، {لتؤمنن به ولتنصرنه} أي: الرسول، وقيل: ~~هو محمد - صلى الله عليه وسلم - . {قال: أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري} ~~قبلتم عهدي؟ وسمي إصرا لأنه مما يؤصر، أي: يشد ويعقل، والإصر: العهد ~~الثقيل. {قالوا: أقررنا؛ قال: فاشهدوا} فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار، ~~{وأنا معكم من الشاهدين(81)} وأنا على ذلكم من إقراركم وتشاهدكم من ~~الشاهدين، وهذا توكيد عليهم وتحذير من الرجوع، إذا علموا بشاهدة الله عليهم. # {فمن تولى بعد ذلك} الميثاق والتوكيد، ونقض العهد بعد قبوله، ms0111 والإعراض عن ~~الإيمان بالنبي الجائي؛ {فأولئك هم الفاسقون(82)} المتمردون الخارجون من ~~الإيمان إلى الكفر. # {أفغير دين الله يبغون؟ وله أسلم} خضع وانقاد {من في السماوات والأرض ~~طوعا وكرها، وإليه يرجعون(83)} أفتعرفون (¬1) عن الجم الغفير، وكلهم أسلموا ~~له، وأنتم كلكم خلقة. {قل: آمنا بالله وما أنزل علينا، وما أنزل على ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ~~ربهم، لا نفرق بين أحد منهم} في الإيمان بهم كلهم، كما فعلت اليهود ~~والنصارى. {ونحن له مسلمون(84)} موحدون مخلصون أنفسنا له، لا نجعل له شريكا ~~في عبادتنا. # {ومن يبتغ غير الإسلام دينا} يعنى: التوحيد، وإسلام الوجه لله؛ {فلن يقبل ~~منه} أي: كل ما يفعل لغير الله فهو مردود على فاعله، {وهو في الآخرة من ~~الخاسرين(85)} من الذين خسروا الدارين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الكلمة غير واضحة في الأصل، وهي غامضة في هذا السياق، ويمكن ~~أن نقرأ: «أفتفرقون». PageV01P165 # كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم، وشهدوا أن الرسول حق، وجاءهم ~~البينات} بقيام الحجج أي: لا يصح أن يهديهم بعد ما تولوا عن البينات، ما ~~داموا متولين. {والله لا يهدي القوم الظالمين(86)} ما داموا مختارين الكفر. # {أولئك [72] جزاؤهم} أي: عقوبتهم، {أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس ~~أجمعين(87)} المطيعين والعاصين، {خالدين فيها} في اللعنة، {لا يخفف عنهم ~~العذاب ولا هم ينظرون(88)} أي: جزاؤهم الإبعاد من الله والملائكة والناس ~~أجمعين، أي: ليس لهم في الحقيقة ناصر من دون الله إلى شيء ينفعهم، وإنما ~~أمورهم التي هم عليها أمور وهمية. # {إلا الذين تابوا من بعد ذلك} الكفر، {وأصلحوا} ما أفسدوا، {فإن الله ~~غفور رحيم(89)} لهم لا لمن سواهم، بدليل قوله: # {إن الذين كفروا بعد إيمانهم؛ ثم ازدادوا كفرا، لن تقبل توبتهم} عند ~~البأس؛ {وأولئك هم الضالون(90)} طريق الهدى، {إن الذين كفروا وماتوا وهم ~~كفار؛ فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا، ولو افتدى به، أولئك لهم عذاب ~~أليم وما لهم من ناصرين(91)}. # {لن تنالوا البر} لم تبلغوا حقيقة البر، ولن تكونوا أبرارا، أو لن تنالوا ~~بر الله وهو ms0112 ثوابه ورضاه؛ {حتى تنفقوا مما (¬1) تحبون} حتى تكون نفقتكم من ~~أموالكم ومحابكم التي تحبونها وتؤثرونها. قال الواسطي: «الوصول إلى البر ~~بإنفاق بعض المحاب، وإلى الرب بالتخلي عن الكونين، والحاصل أنه لا وصول إلى ~~المطلوب إلا بإخراج المحبوب». {وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم(92)} ~~وذلك عام فيها تبسطه اليد من خير وشر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «ما»، وهو خطأ. PageV01P166 # كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل} أي: كل أنواع الطعام، والمعنى: المطاعم ~~كلها لم تزل حلالا لبني إسرائيل من قبل إنزال التوراة وتحريم ما حرم عليهم ~~منها لظلمهم وبغيهم. {إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة} ~~قيل: لحوم الإبل وألبانها، وكان أحب الطعام إليه. {قل: فأتوا بالتوراة ~~فاتلوها إن كنتم صادقين(93)} أمر بأن يحاجهم ويسكتهم بما هو ناطق به، وما ~~هم مقرون به، من أن تحريم ما حرم عليهم حادث بسبب ظلمهم وبغيهم، لا تحريم ~~قديم كما يدعونه. # {فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون(94)} المكابرون ~~الذين لا ينصفون من أنفسهم، ولا يلتفتون إلى البينات. # {قل: صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم} وهي ملة الإسلام التي عليها محمد ومن ~~آمن معه، حتى تتخلصوا من اليهودية التي ورطتكم في فساد دينكم ودنياكم، حيث ~~اضطرتكم إلى تحريف كتاب الله لتسوية أغراضكم، وتحريم الطيبات التي أحلها ~~لإبراهيم ومن اتبعه؛ وإنما دعاهم إلى اتباع ملة إبراهيم لأن في اتباع ملة ~~إبراهيم اتباعه. {حنيفا} مائلا عن الأديان الباطلة. {وما كان من ~~المشركين(95)} برأه الله من كل الشرك جليا كان أو خفيا. # {إن أول بيت وضع للناس} جعل متعبدا لهم، سبق جميع البيوت الموضوعة للتعبد ~~لله. {للذي ببكة مباركا} كثير الخير، لما يحصل للحاج والمعتمر من الثواب. ~~{وهدى للعالمين(96)} لأنه قبلتهم ومتعبدهم. # {فيه آيات بينات} علامات واضحات، كانحراف الطيور عن مواراة البيت على مدى ~~الأعصار[كذا]. {مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت ~~من استطاع إليه سبيلا، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين(97)}. # { PageV01P167 قل يا أهل ms0113 الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما ~~تعملون(98) قل يا أهل الكتاب لم تصدون} الصد: المنع، وقيل: لم تصرفون [73] ~~عن دين الله. {عن سبيل الله من آمن} عن دين حق، علم أنه سبيل الله التي أمر ~~بسلوكها؛ {تبغونها عوجا} اعوجاجا وميلا عن القصد والاستقامة، {وأنتم شهداء} ~~أنها سبيل الله التي لا يصد عنها، إلا ضال مضل. {وما الله بغافل عما ~~تعملون(99)} وعيد لكل صاد عن دين الله. # {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب} فرقة منهم، ~~كأنهم فرق متعادون كلها في النار، بدليل قوله: {يردوكم بعد إيمانكم ~~كافرين(100)}. # {وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله} ينبهكم ويعظكم ~~ويزيح شبهكم. {ومن يعتصم بالله} ومن يتمسك بدينه ويمتنع به، أو يلتجيء إليه ~~في مجامع أموره؛ {فقد هدي إلى صراط مستقيم(101)} موصل إلى النعمة الأبدية. # {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته} هو القيام بالواجب، والاجتناب ~~عن المحارم، وقيل: هو أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر ولا ينسى، ~~ونحوه قوله: {فاتقوا الله ما استطعتم} (¬1) أي: بالغوا في التقوى، حتى لا ~~تتركوا من المستطاع شيئا. {ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون(102)} أمر بالثبات ~~على الطاعة، حتى يدركهم الموت وهم على حال الإسلام. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة التغابن: 16. PageV01P168 # واعتصموا بحبل الله} تمسكوا بالقرآن، لقوله - عليه السلام - : «حبل الله ~~المتين لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد، من قال به صدق، ومن عمل به ~~رشد، ومن اعتصم به فقد هدي إلى صراط مستقيم» (¬1) . {جميعا ولا تفرقوا} أي: ~~لا تفعلوا ما يكون عليه التفرق، ويزول بسببه الاجتماع، وهو أمر بالتعاون ~~على البر والتقوى، ومن فرق عن الاجتماع بهوى، أو بعمى فلن يحظ إلا حظه، ولن ~~يضر إلا نفسه؛ ثم ذكرهم بنعمة الاجتماع فقال: # {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته ~~إخوانا} كانوا في الجاهلية بينهم العداوة والحروب، وهو من العذاب الأدنى، ~~وهو سر الافتراق، فألف الله بين قلوبهم بالإسلام، وقذف في قلوبهم المحبة؛ ms0114 ~~فتحابوا وصاروا إخوانا متعاونين على الشيطان وحزبه، وذلك سر الاجتماع. ~~{وكنتم على شفا حفرة من النار} وكنتم مشفين على أن تقعوا في نار جهنم لما ~~كنتم عليه من الكفر لأن كل من عمل معصية، فهو على شفا حفرة من النار، لأنه ~~ليس بينها وبينه إلا الموت، ولا يدري متى وصوله، وإذا مات وقع فيها؛ ~~{فأنقذكم منها} بالإسلام فنقلكم من حال الخوف والهلاك، إلى حال الأمن ~~والسلامة. {كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون(103)} بها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه الترمذي، رقم 2831، والدارمي رقم 3197، وكلاهما في كتاب ~~فضائل القرآن وعن علي. العالمية: موسوعة الحديث. PageV01P169 # ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف} بما استحسنه الشرع ~~والعقل، وعد من الله، إذ لا تخلو الأرض من قائم بحجة الله، {وينهون عن ~~المنكر} عما استقبحه الشرع والعقل. {وأولئك هم المفلحون(104)} هم الأخصاء ~~بالفلاح الكامل؛ قال - عليه السلام - : «من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر؛ ~~فهو خليفة الله في أرضه، وخليفة [74] رسوله، وخليفة أوليائه، وخليفة كتابه» ~~(¬1) . {ولا تكونوا كالذين تفرقوا} بالعداوة كأهل الكتاب وغيرهم، ~~{واختلفوا} في الديانة، {من بعد ما جاءهم البينات} الموجبة للاتفاق على ~~كلمة واحدة، وهي كلمة الحق؛ فلم يتمسكوا بها. {وأولئك لهم عذاب عظيم(105)} ~~في الدنيا بتعاديهم، وسائر عذاب الله لهم، وفي الآخرة بجهنم. # {يوم تبيض وجوه، وتسود وجوه؛ فأما الذين اسودت وجوههم} يقال لهم: {أكفرتم ~~بعد إيمانكم؟ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون(106)}. # {وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون(107)}. # {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما} فيأخذ أحدا بغير ~~جرم، أو يزيد في عقاب مجرم، أو ينقص من ثواب محسن، وقال: {للعالمين(108)} ~~على معنى: ما يريد شيئا من الظلم لأحد من خلقه، ولا يتصور منه الظلم ~~للعالم، لأنه كله خلقه وملكه للعالمين، أي: لا يعاملهم معاملة من يريد ~~ظلمهم. {ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور(109)} ~~فيجازي كلا على جنس عمله وقدره. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لم نعثر عليه عند الربيع ولا في الكتب التسعة. PageV01P170 # كنتم خير أمة} ms0115 كأنه قيل: وجدتم خير أمة، أو كنتم في علم الله أو في اللوح ~~خير أمة، {أخرجت} أظهرت {للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون ~~بالله، ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم} لكان الإيمان خيرا لهم مما هم ~~عليه، لأنهم إنما آثروا دينهم عن دين الإسلام حبا للرئاسة، واستتباع ~~العوام، ولو آمنوا لكان لهم من الرئاسة والأتباع وحظوظ الدنيا مع الفوز بما ~~وعدوه على الإيمان به من إيتاء الأجر مرتين. {منهم المؤمنون} وهم الأقلون، ~~{وأكثرهم الفاسقون(110)}. # {لن يضروكم إلا أذى} إلا ضررا مقتصرا على أذى، بمعنى: طعن في الدين، أو ~~تهديد ونحو (¬1) ذلك. {وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار} بثبات عزائمكم، وعدم ~~ثبات عزائمهم؛ {ثم لا ينصرون(111)}. # {ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا} وجدوا، {إلا بحبل من الله} إلا معتصمين ~~بحبل من الله، وهو رحمته الواسعة يجمع الخلق؛ {وحبل من الناس} والحبل العهد ~~والذمة، والمعنى: ضربت عليهم الذلة في كل حال، إلا في حال اعتصامهم بحبل ~~الله وحبل الناس، يعني: ذمة الله وذمة المسلمين، أن (¬2) لا عز لهم قط، إلا ~~هذه الواحدة، وهي التجاؤهم إلى الذمة، لما قبلوه من الحرية. {وباءوا بغضب ~~من الله} استوجبوه، {وضربت عليهم} محيطة بهم إحاطة البيت المضروب على أهله، ~~{المسكنة} الفقر، أو خوفه، لأن الفقر مع اليسار هو الفقر بعينه. {ذلك بأنهم ~~كانوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون الأنبياء بغير حق} أي: ذلك كائن عليهم ~~بسبب كفرهم. {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون(112)} لأن المعصية تفضي إلى ~~معاصي، ما لم ينزع العاصي منها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «نحوا»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «أي»، أو «إذ». PageV01P171 # ليسوا سواء} ليس أهل الكتاب مستوين، {من أهل الكتاب أمة قائمة} جماعة ~~مستقيمة عادلة، {يتلون آيات الله} للتفهم والتدبر والتفكر، {آناء الليل} ~~ساعاته، {وهم يسجدون(113)} ينقادون ويذعنون لما تقتضيه الآيات المتلوة. # {يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر [75] ~~ويسارعون في الخيرات} تفسير لما أثمرت لهم التلاوة، لأن العلم أولا والعمل ~~ثانيا. {وأولئك من الصالحين(114)} الذين صلحت أحوالهم حكما من الله ms0116 لهم ~~بالثناء والصلاح. {وما يفعلوا من خير} وإن قل {فلن (¬1) يكفروه} فلن تحرموا ~~جزاءه، {والله عليم بالمتقين(115)} بشارة للمتقين بجزيل الثواب؛ ثم أخذ في ~~صفة ضدهم فقال: # {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله} من عذابه ~~{شيئا، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون(116)}. # {مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا} في المفاخر والمكارم، وكسب الثناء ~~وحسن الذكر بين الناس، وما يتقربون به إلى الله مع كفرهم؛ {كمثل ريح فيها ~~صر} برد شديد {أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته} بعدما أتعبوا في تأسيسه ~~أنفسهم، وأنفقوا في عمارته أموالهم. {وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم ~~يظلمون(117)} ظلموها حيث لم يأتوا بها على الوجه الذي يستحق به الثواب. # { # ¬__________ # (¬1) - في الأصل: - «فلن»، وهو خطأ. PageV01P172 # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة} بطانة الرجل: خصيصته وصفيه، شبه ~~ببطانة الثوب، كما يقال: فلان شعاري، وفي الحديث: «الأنصار شعار، والناس ~~دثار» (¬1) . {من دونكم} من دون أبناء جنسكم وهم المؤمنون؛ وكل من اتخذ من ~~دونه (¬2) بطانة فسوف تنكشف له عداوته منه، إذا خالفه فيما لا يهواه، ولو ~~بعد حين، تصديقا لكتاب الله، {لا يألونكم خبالا} لا يقصرون في فساد دينكم، ~~والخبال: الفساد. {ودوا ما عنتم} أي: تمنوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد ~~الضرر وأبلغه. {قد بدت البغضاء} أي: ظهرت أمارة العداوة {من أفواههم}، ~~لأنهم لا يتمالكون مع ضبطهم أنفسهم، أن ينفلت من أنفسهم ما يعلم به بغضهم ~~للمسلمين، مع التفرس لما يقتضيه مضمون كلامهم، تصريحا وتلويحا لأن “كل إناء ~~بما فيه يرشح”، والنفس مجبولة على النطق بما في ضميرها. { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه الشيخان وغيرهما عن عبدالله بن زيد بن عاصم، ومناسبة ~~الحديث أنه لما أفاء الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين قسم ~~في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ~~ما أصاب الناس، فخطبهم فقال: «يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله ~~بي...» إلى أن يقول بعد حديث طويل: «الأنصار شعار والناس دثار». والشعار ms0117 ~~الثوب الذي يلي الجلد من الجسد، والدثار الثوب الذي فوق غيره من الثياب. ~~البخاري: كتاب المغازي، رقم 3985؛ ومسلم: كتاب الزكاة رقم 1785؛ وابن ماجه: ~~كتاب المقدمة، رقم 160؛ وأحمد: مسند المدنيين، رقم 15874. العالمية: موسوعة ~~الحديث، مادة البحث: «دثار». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «من دونهم»، أي من دون المؤمنين. PageV01P173 # وما تخفي صدورهم} من البغض لكم {أكبر} مما بدا. {قد بينا لكم الآيات} ~~الدالة على وجوب الإخلاص في الدين، وموالاة أولياء الله ومعاداة أعداء ~~الله، والدلالة على صفة أعدائكم. {إن كنتم تعقلون(118)} ما بين لكم بالتفكر ~~والتدبر. # {ها أنتم} ها أنتم “ها” تنبيه، و“أنتم” كناية للمخاطبين، {أولاء} يريد ~~أنتم أيها المؤمنون. {تحبونهم ولا يحبونكم} بيان لخطئهم في محبتهم لمن ~~يبغضهم. {وتؤمنون بالكتاب كله} أي: كتابهم، أو كتابكم، {وإذا لقوكم قالوا: ~~آمنا} نفاقا، {وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} من أجله تأسفا ~~وتحسرا، حيث لم يجدوا إلى التشفي سبيلا، وعض الأنامل عبارة من (¬1) شدة ~~الغيظ، وهذا من مجاري الأمثال، وإن لم يكن عض. {قل: موتوا بغيظكم} دعاء ~~عليهم بدوام الغيظ عليهم، وزيادته إلى الموت، فيضاعف قوة الإسلام وأهله، ~~حتى يهلكوا به. {إن الله عليم بذات الصدور(119)} ذاتها، أي: حقيقتها، أو ~~النية التي تخفى على الحفظة (لعله) الكاتبين. # { # ¬__________ # (¬1) - كذا في الأصل ولعل الصواب: «عن» PageV01P174 إن تمسسكم حسنة ~~تسؤهم، وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها} بيان لتناهي عداوتهم إلى حد الحسد، مما ~~نالهم من خير ومنفعة، وشمتوا بما أصابهم من ضر وشدة، وذلك طمع كل عدو [76] ~~والمس مستعار للإصابة؛ {وإن تصبروا} على عداوتهم أو على مساوئ التكليف، ~~{وتتقوا} موالاتهم (¬1) ، أو ما حرم الله عليكم. {لا يضركم كيدهم شيئا} ~~بحفظ الله وفضله. {إن الله بما يعملون محيط(120)} لا ينسى منه شيئا، ولا ~~ينفلت عليه منه شيء لإحاطته به. {وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين} تنزلهم ~~{مقاعد} أي: مراصد {للقتال، والله سميع عليم(121)} فلم تكتف بالمؤمنين من ~~دون سياسيته وحده. # {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا} (لعلها) همة طبع لا همة فعل، كما قال: ~~{وهم بها} (¬2) حين ms0118 همت به، لأنها لو كانت عزيمة لما ثبتت معها (لعله) ~~الولاية، لأنه قال: {والله وليهما} فلم يخرجهما من ولايته، ولو كانا اعتقدا ~~الإفشال لما ثبتا على ولاية (¬3) الله. {وعلى الله فليتوكل المؤمنون(122)} ~~أمرهم سبحانه بأن لا يتوكلوا إلا عليه، ولا يفوضوا أمرهم إلا إليه. # {ولقد نصركم الله ببدر} بما أمدكم به من الملائكة، وبتقوية قلوبكم، ~~وإلقاء الرعب في قلوب أعدائكم، وذلك تذكير ببعض ما أفادهم التوكل. {وأنتم ~~أذلة} أقلاء؛ {فاتقوا الله} في الثبات، {لعلكم تشكرون(123)} ما أنعم عليكم ~~بتقواكم ونصره. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «مولاتهم»، وهو خطأ. # (¬2) - ... سورة يوسف: 24؛ وتمامها: {ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى ~~برهان ربه}. # (¬3) - في الأصل: «والايه»، وهو خطأ. PageV01P175 # إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة ~~منزلين(124)} إنكارا أن لايكفيهم ذلك. {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من ~~فورهم هذا} من ساعتهم هذه، {يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ~~مسومين(125)} معلمين، {وما جعله الله} وما جعل إمدادكم بالملائكة، {إلا ~~بشرى لكم} إلا بشارة لكم بالنصر، يحتمل أنهم يرونهم بدليل هذه الآية، ~~ويحتمل أنهم لا يرونهم بدليل قوله: {بجنود لم تروها} (¬1) وهذه البشارة قول ~~الرسول - عليه السلام - لهم، {ولتطمئن قلوبكم به} ولتسكن إليه من الخوف. ~~{وما النصر إلا من عند الله}، لا من العدة والعدد، يعني: لا تخيلوا [كذا] ~~بالنصر على الملائكة والجند، وهو تنبيه على أنه لا حاجة في نصرهم إلى مدد، ~~وإنما أمدهم ووعد لهم بشارة لهم، وربطا على قلوبهم، كقول إبراهيم: {قال: ~~بلى ولكن ليطمئن قلبي} (¬2) . {العزيز} الذي لا يغالب في أقضيته، ~~{الحكيم(126)} الذي ينصر ويخذل، بوسط وبغير وسط (¬3) ، على مقتضى الحكمة ~~والمصلحة. # {ليقطع طرفا من الذين كفروا} ليقبض منهم بقتل بعض وأسر آخرين، وقيل: ~~ليهدم ركنا من أركان الشرك بالقتل والأسر. {أو يكبتهم} أو يخربهم، والكبت: ~~الهلاك ورد العدو بغيظه. {فينقلبوا خائبين(127)} خاسرين، لم ينالوا شيئا ~~مما كانوا يرجون. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة التوبة: 40. # (¬2) - ... سورة البقرة: 260. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعله يقصد: «بواسطة وبغير واسطة». PageV01P176 # ليس لك من الأمر شيء} اعترض ms0119 (¬1) ، {أو يتوب عليهم، أو يعذبهم} المعنى: ~~إن الله مالك أمرهم إما أن يهلكهم أو يكبتهم، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو ~~يعذبهم إن أصروا، وإنما أنت عبد مأمور بإنذارهم وجهادهم. {فإنهم ~~ظالمون(128)} قد استحقوا التعذيب بظلمهم، {ولله ما في السماوات وما في ~~الأرض} خلقا وملكا. {يغفر لمن يشاء} لمن تاب، {ويعذب من يشاء} لمن أصر. ~~{والله غفور رحيم(129)} لمن تاب. # {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا [77] الله ~~لعلكم تفلحون(130)} راجين الفلاح، {واتقوا} ما يقود صاحبه من الفعل ~~للمناهي، والترك للأوأمر، إلى {النار} بامتثال الأمر، {التي أعدت ~~للكافرين(131)} بالتحرر عن متابعتهم، وتعاطي أفعالهم. # {وأطيعوا الله والرسول لعلكم} لكي، {ترحمون(132)}. # {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} ومعنى المسارعة إلى المغفرة و الجنة: ~~الإقبال على ما يستحق به المغفرة، كالإسلام والتوبة والإخلاص. {وجنة عرضها ~~السماوات والأرض} أي: عرضها كعرضهما، وذكر العرض للمبالغة في وصفها بالسعة، ~~على طريقة التمثيل، لأنه دون الطول. وعن ابن عباس: «كسبع سماوات وسبع أرضين ~~لو وصل بعضها ببعض». {أعدت للمتقين(133)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «اعتراض». PageV01P177 # الذين ينفقون في السراء والضراء} في الأحوال كلها؛ {والكاظمين الغيظ} ~~الممسكين الغيظ عن الإمضاء في وقت وجوبه، يقال: كظم القربة: إذا ملأها وشد ~~فاها، ومنه كظم الغيظ: وهو أن يمسك على ما في نفسه منه بالصبر، ولا يظهر له ~~أثرا، والغيظ يوقد حرارة القلب من الغضب، {والعافين عن الناس} أي: إذا جنى ~~عليهم أحد لم يؤاخذوه، {والله يحب المحسنين(134)}. عن الثوري: «الإحسان: أن ~~يحسن إلى المسيء؛ فإن الإحسان إلى المحسن متاجرة». # { PageV01P178 والذين إذا فعلوا فاحشة} أي: ركبوا كبيرة، {أو ظلموا ~~أنفسهم} بارتكاب صغيرة، {ذكروا الله} تذكروا وعيده أوحكمه أو حقه العظيم. ~~وقال محبوب: «إنه سمع مشايخه المسلمين يقولون في هذه الآية: {ذكروا الله} ~~يقولون: عظم الله عندهم، وجل في نفوسهم أن يقيموا على حرام طرفة عين، {ولم ~~يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون}»؛ {فاستغفروا لذنوبهم} فتابوا عنها لقبحها ~~نادمين، {ومن يغفر (¬1) الذنوب إلا الله} فيه تطيب لنفوس العباد، وتنشيط ms0120 ~~بالتوبة وبعث عليها، وردع عن اليأس والقنوط، وبيان لسعة رحمته وقرب مغفرته ~~من التائب، وإشعار بأن الذنوب وإن جلت فإن عفوه أجل. {ولم يصروا على ما ~~فعلوا} ولم يقيموا على قبح أفعالهم، {وهم يعلمون(135)} مع قيام الحجة عليهم ~~بذلك، ولن يهلك على الله في دينه معنا إلا مصر على ذنبه، قادر (¬2) على ~~الخروج منه بعينه، فلم يخرج منه، لأن التوبة في الجملة مما لا يقدر على ~~الوصول إلى علمه، كالتوبة من الشيء لعينه، والتوبة (¬3) من الذنب كمن لا ~~ذنب له، والعاجز عن الشيء معذور عنه. # {أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم، وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ~~ونعم أجر العاملين(136)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يغفروا»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل صواب العبارة: «ولن يهلك الله في دينه إلا ~~مصرا على ذنبه، قادرا على الخروج منه...». # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «والتائب» ليكون التشبيه سائغا، ~~كما وردت العبارة في الأثر. PageV01P179 # قد خلت من قبلكم سنن} ما سنه في أمم المكذبين من وقائعه، {فسيروا في ~~الأرض، فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين(137)} فتعتبروا بها. {هذا} أي: ~~القرآن {بيان للناس وهدى} أي: إرشاد إلى التوحيد، {وموعظة} ترغيب وترهيب ~~{للمتقين(138)} عن الشرك. # {ولا تهنوا} ولا تضعفوا عن الجهاد والمجاهدة، {ولا تحزنوا وأنتم الأعلون} ~~وحالكم أنكم أعلى منهم، {إن كنتم مؤمنين(139)} أي: ولا تهنوا إن صح ~~إيمانكم، يعني: أن صحة الإيمان توجب قوة القلب، والثقة بوعد الله، وقلة ~~المبالات بأعدائه، وإن أديل عليه، بدليل [78] قوله: # {إن يمسسكم قرح} أي: جراحة؛ {فقد مس القوم قرح مثله} أي: إن نالوا منكم؛ ~~فقد نلتم منهم قبله؛ ثم لم يضعف ذلك قلوبهم، ولم يمنعهم عن معاودتكم إلى ~~القتال؛ فأنتم أولى أن لا تضعفوا، {فإنهم يألمون كما تألمون، وترجون من ~~الله ما لا يرجون} (¬1) ، {وتلك الأيام نداولها} نصرفها {بين الناس} أي: ~~نصرف ما فيها من النعم والنقم. {وليعلم الله الذين آمنوا} أي: نداولها ~~بضروب من التدبير، وليعلم الله المؤمنين، مميزين بالصبر والإيمان من غيرهم، ~~كما علمهم قبل الوجود، {ويتخذ منكم شهداء} ms0121 ليتخذ منكم من يصلح للشهادة على ~~الناس، كما قال: {لتكونوا شهداء على الناس} (¬2) ، والشاهد لا يكون إلا ~~محقا، أو للقتل في سبيله، {والله لا يحب الظالمين(140)} والله لا يحب من ~~ليس من هؤلاء الثابتين على الإيمان المجاهدين في سبيله، وهم المنافقون ~~والكافرون. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النساء: 104. # (¬2) - ... سورة البقرة: 143؛ وتمامها: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا ~~شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا...}. PageV01P180 # وليمحص الله الذين آمنوا} التمحيص: التطهير والتصفية من خبائث الكفر، ~~{ويمحق الكافرين(141)} ويهلكهم؛ يعني: إن كانت الدولة على المؤمنين، ~~فللاستشهاد والتمحيص والتمييز وغير ذلك، مما هو صلاح لهم، وإن كان على ~~الكافرين، فلمحقهم ومحو آثارهم. # {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة} أي: لا تحسبوا، {ولما يعلم الله} أي: ولم ~~يعلم الله {الذين جاهدوا منكم} أي: ولما يجاهدوا؛ وفيه ضرب من التوقع، ~~{ويعلم الصابرين(142)} أي: قبل مجاهدتكم وصبركم. # {ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه} أي: تتمنون ملاقاة العدو ~~للجهاد؛ يعني: كنتم تتمنون الموت قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدته؛ {فقد ~~رأيتموه وأنتم تنظرون(143)} أي: رأيتموه معاينين، مشاهدين له، حين قتل ~~إخوانكم بين أيديكم، وشارفتم أن تقتلوا، وهذا توبيخ لهم تمنيهم الموت، وعلى ~~ما تسببوا له من خروج رسول الله بإلحاحهم عليه؛ ثم انهزامهم عنه. # {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} فسيخلوا كما خلوا، وكما أن ~~أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم؛ فعليكم أن تتمسكوا بدينه بعد خلوه، ~~لأن المقصود من بعث الرسل تبليغ الرسالة وإلزام الحجة لا وجوده بين أظهر ~~قومه؛ {أفإن (¬1) مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه؛ ~~فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين(144)} الذين لم ينقلبوا، وسماهم ~~شاكرين لأنهم شكروا نعمة الإسلام فيما فعلوا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «فإن» وهو خطأ. PageV01P181 # وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله} أي: بعلمه، أو بأن يأذن لملك الموت ~~في قبض روحه؛ والمعنى: أن موت الأنفس محال أن يكون إلا بمشية الله؛ وفيه ~~تحريض على الجهاد وتشجيع على لقاء العدو؛ وإعلام بأن الحذر لا ينفع، وأن ms0122 ~~أحدا لا يموت قبل بلوغ أجله، وإن خاض المهالك واقتحم المعارك، {كتابا ~~مؤجلا} لا ينسخه إلا وصول أجله، {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها} ميسر لمن ~~يريده؛ {ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها} ميسر لمن يريده، ويحتمل {نؤته ~~منها} أي: من الدنيا ما قدرناه له، ولا ينقص ذلك، إرادته وعمله وسعيه كان ~~للدنيا أو للآخرة؛ بل يجزي كما قال: {وسنجزي الشاكرين(145)}. # {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير} أي: ربانيون [79]، {فما وهنوا} فما ~~فتروا عند قتل نبيهم، أو قتل بعضهم {لما أصابهم} من الشدائد {في سبيل الله، ~~وما ضعفوا} بسبب ما أصيبوا عن الجهاد، {وما استكانوا} وما خضعوا لعدوهم، ~~{والله يحب الصابرين(146)} على جهاد الكافرين، أو على مشاق التكليف. # {وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا} وما كان قولهم مع ~~ثباتهم وقوتهم، في الدين وكونهم ربانيين، إلا هذا القول، وهو إضافة الذنوب ~~والإسراف على أنفسهم هضما لها، وإضافة ما أصابهم إلى سوء أعمالهم ~~والاستغناء عنها؛ ثم طلب التثبت في مواطن الحرب، والنصر على العدو، ~~{وإسرافنا في أمرنا} تجاوزنا حد العبودية، {وثبت أقدامنا} على دينك، ~~{وانصرنا على القوم الكافرين(147)} من جن وإنس. # { PageV01P182 فآتاهم الله ثواب الدنيا} تيسير أسبابها للطاعة، {وحسن ~~ثواب الآخرة} المغفرة والجنة؛ فخص بالحسن دلالة على فضله وتقدمه، وأنه هو ~~المعتد عنده. {والله يحب المحسنين(148)} لا غيرهم. # {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم} يرجعوكم ~~إلى الكفر، {فتنقلبوا خاسرين(149)} الدنيا والآخرة؛ {بل الله مولاكم} متولي ~~أموركم وناصركم؛ فاستغنوا عن نصرة غيره، {وهو خير الناصرين(150)}. # {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب} الخوف، والشيطان يلقي في قلوب ~~المؤمنين الخوف، لقوله تعالى: {الذين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم...} (¬1) إلى تمامها. {بما أشركوا بالله} بسبب إشراكهم، أي شرك ~~كان؛ {ما لم ينزل به سلطانا} حجة، وهو اتباع الشيطان ونظرهم إلى الأسباب؛ ~~فإن من لا ينظر إلى الأسباب يجعل الله في قلبه الثبات. {ومأواهم} ومرجعهم ~~{النار وبئس مثوى الظالمين(151)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة آل عمران: ms0123 173؛ وتمامها: {...فزادهم إيمانا وقالوا: ~~حسبنا الله ونعم الوكيل}. PageV01P183 # ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم} تقتلونهم، وقيل: حسه: أبطل حسه بالقتل، ~~{بإذنه} بأمره وعلمه؛ {حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر} أي: اختلفتم، ~~{وعصيتم} أمر نبيكم، بترككم المركز، أو اشتغالكم بالغنيمة {من بعد ما أراكم ~~ما تحبون} من الظفر وقهر الكفار. {منكم من يريد الدنيا} وهم الذين تركوا ~~المركز لطلب الغنيمة، {ومنكم من يريد الآخرة} وهم الثابتون على الطاعة؛ {ثم ~~صرفكم عنهم} أي: كف معونته عنكم فغلبوكم؛ {ليبتليكم} ليمحص صبركم على ~~المصائب، وثباتكم عندها وحقيقته ليعاملكم معاملة المختبر، لأنه يجازي على ~~ما يعمله العبد، لا على ما يعلمه منه؛ {ولقد عفا عنكم} حيث ندمتم على ما ~~فرط منكم، {والله ذو فضل على المؤمنين(152)} بالعفو عنهم وقبول توبتهم، أو ~~هو متفضل عليهم في جميع الأحوال، سواء أديل بهم، أو أديل عليهم، لأن ~~الابتلاء رحمة، كما أن النصرة رحمة. # { PageV01P184 إذ تصعدون} تبالغون في الذهاب، صعيد الأرض، والإصعاد: ~~الذهاب في الأرض؛ {ولا تلوون على أحد} ولا تلتفتون، وهو عبارة عن غاية ~~انهزامهم، وخوف عدوهم؛ {والرسول يدعوكم} يقول: إلي عباد الله.. إلي عباد ~~الله.. أنا رسول الله، من يكر فله الجنة. {في أخراكم} ساقتكم (¬1) وجماعتكم ~~الآخرى، وهي المتأخرة؛ {فأثابكم} فجازاكم الله [80] {غما} حين صرفكم عنهم، ~~وابتلاكم {بغم}، بسبب غم أذقتموه رسول الله بعصيانكم أمره، أو غما بعد غم، ~~وغما متصلا بغم، من الاغتمام بما أرجف به من قتل رسول الله، والجروح ~~والقتل، وظفر المشركين، وفوت الغنيمة والنصر، {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} ~~لتعتادوا على تجرع الغموم؛ فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع، {ولا ~~ما أصابكم}، ولا على مصيب من المضار، {والله خبير بما تعملون(153)} عالم ~~بعملكم لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وهذا ترغيب في الطاعة وترهيب عن ~~المعصية. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الساقة: الموكب، مؤخر الجيش؛ يقال: فلان في ساقة الجيش: أي في ~~مؤخره وهي نقيض المقدمة. المنجد في اللغة الأعلام، 365. PageV01P185 # ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا} ثم أنزل الله الأمن على المؤمنين، ~~وأزال ms0124 عنهم الخوف الذي كان بهم، حتى يعشوا (¬1) وغلبهم النوم؛ والأصل: ~~«أنزل عليكم نعاسا ذا أمنة»، إذ النعاس ليس هو الأمن. {يغشى طائفة منكم} هم ~~أهل الصدق واليقين، {وطائفة} هم المنافقون {قد أهمتهم أنفسهم}، ما بهم إلا ~~هم أنفسهم، وخلاصها الجسد[ي]... (¬2) البهيمية لا الروحانية، لأنه ما خلق ~~إلا للاهتمام للنفس (لعله) الروحانية، كما قال: {قد أفلح من زكاها وقد خاب ~~من دساها} (¬3) ، وقد قال أيضا ذما لهم: {فأنساهم أنفسهم أولئك هم ~~الفاسقون} (¬4) ؛ لا هم الدين، ولا هم رسول الله والمسلمين. {يظنون بالله ~~غير الحق} غير الظن الحق، الذي يجب أن يظن به، وهو أن لا ينصر محمدا {ظن ~~الجاهلية}، الظن المختص بالملة الجاهلية، وكل من حقق ظنا على غير صحة فهو ~~من ظن الجاهلية المنهي عنه؛ أو ظن أهل الجاهلية، أي: لا يظن مثل ذلك الظن ~~إلا أهل الشرك الجاهلون بالله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل مع الشكل، ولعل الصواب: «نعسوا»، حسب السياق في ~~تفسير قوله تعالى: {أمنة نعاسا}. # (¬2) - ... في الأصل كلمة غير مفهومة، رسمها: «اوانه». # (¬3) - ... سورة الشمس: 9-10. # (¬4) - ... سورة الحشر: 19. PageV01P186 # يقولون: هل لنا من الأمر من شيء} هل لنا معاشر المسلمين من أمر الله نصيب ~~قط، يعنون: النصر والغلبة على العدو. {قل: إن الأمر كله لله} أي: الغلبة ~~الحقيقية لله وأوليائه، {فإن حزب الله هم الغالبون} (¬1) . {يخفون في ~~أنفسهم، ما لا يبدون لك} خوفا من السيف، {يقولون}: في أنفسهم، أو بعضهم ~~لبعض منكرين لقولك لهم: {إن الأمركله لله}. {لو كان لنا من الأمر} من {شيء ~~ما قتلنا ها هنا} أي: لو كان كما قال محمد: إن الأمر كله لله ولأوليائه ~~وإنهم الغالبون، لما غلبنا قط. # {قل: لو كنتم في بيوتكم} أي: من علم الله منه أنه يقتل في هذه المعركة، ~~وكتب ذلك في اللوح، لم يكن بد من وجوده، ولو قعدتم في بيوتكم {لبرز} من ~~بينكم {الذين كتب عليهم القتل، إلى مضاجعهم} إلى مصارعهم، ليكون ما اته ~~(¬2) يكون، والمعنى: أن الله كتب في اللوح قتل من يقتل من المؤمنين، وكتب ~~مع ms0125 ذلك أنهم الغالبون؛ لعلمه أن العاقبة في الغلبة لهم؛ وإن دين الإسلام ~~يظهر على الدين كله، وأن ما ينكبون به في بعض الأوقات تمحيص لهم، كما قال: ~~{وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم} وليمتحن ما في صدور ~~المؤمنين من الإخلاص، ويمحص ما في قلوبهم، ويظهر سرائرها من الإخلاص أو ~~النفاق. {والله عليم بذات الصدور(154)} قبل إظهارها، وفيه وعد ووعيد، ~~وتنبيه على أنه غني عن الابتلاء، وإنما فعل ذلك لتمرين المؤمنين وإظهار حال ~~المنافقين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة المائدة: 56؛ وتمامها: {ومن يتول الله ورسوله والذين ~~آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «ما كتب أنه سيكون». PageV01P187 # إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان} جمع المسلمين والكافرين، {إنما ~~استزلهم الشيطان} دعاهم إلى الذلة (¬1) ، [81] وحملهم عليها ببعض ما كسبوا، ~~{استزلهم الشيطان}: طلب زلتهم ودعاهم إلى الزلل، {ببعض ما كسبوا} من ~~ذنوبهم، والمعنى: أن الذين آمنوا يوم أحد كان السبب في انهزامهم، أنهم ~~كانوا أطاعوا الشيطان؛ فاقترفوا ذنوبا، فلذلك منعتهم التأييد والتوفيق في ~~تقوية القلوب حتى تولوا، وقال الحسن: «استزلهم بقبول ما زين لهم من ~~الهزيمة»، وقوله: {ببعض ما اكتسبوا} مثل قوله: {ويعفو عن كثير} (¬2) . ~~{ولقد عفا الله عنهم} غفر لهم بعدما استغفروا. {إن الله غفور حليم(155)} لا ~~يعاجل بالعقوبة. # {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم} في النسب، ~~أوالنفاق، {إذا ضربوا في الأرض} سافروا فيها للتجارة أو غيرها، {أو (¬3) ~~كانوا غزى}: جمع غاز، وأصابهم موت أو قتل، {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما ~~قتلوا، ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم} أي: لا يكونوا كهؤلاء في النطق بذلك ~~القول واعتقاده، {ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم} خاصة، ويصون منها قلوبكم، ~~والحسرة: الندامة على فوت محبوب. {والله يحيي ويميت} رد لقولهم: إن الأسباب ~~تقطع الآجال. {والله بما تعملون بصير(156)} فيجازيكم على حسب أعمالكم. # {ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة، خير مما ~~يجمعون(157)} المجموع الفائت، لأنه لم يكن جمعه لله. {ولئن متم أو ms0126 قتلتم ~~لإلى (¬4) الله تحشرون(158)}، لإلى معبودكم الذي توجهتم إليه وبذلتم مهجتكم لوجهه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «الزلة». # (¬2) - ... سورة الشورى: 30. # (¬3) - ... في الأصل: «لو» وهو خطأ. # (¬4) - ... في الأصل: «لا الى»، وهو خطأ. PageV01P188 # فبما رحمة من الله لنت لهم} «ما» مزيدة للتوكيد والدلالة على أن اللينة ~~(¬1) لهم ما كان إلا برحمة من الله، ومعنى الرحمة ربطه على جأشه وتوفيقه ~~للرفق والتلطف بهم. {ولو كنت فظا} جافيا، {غليظ القلب} قاسيه، {لانفضوا من ~~حولك} لتفرقوا عنك، حتى لا يبقى حولك أحد منهم؛ {فاعف عنهم} ما كان منهم ~~مما يختص بك، {واستغفر لهم} فيما يختص بحق الله إذا تابوا، إتماما للشفقة ~~عليهم، {وشاورهم في الأمر} في أمر الحرب ونحوه، مما لم ينزل عليك فيه وحي، ~~تطيبا لنفوسهم وترويحا لقلوبهم ورفعا لأقدارهم، وكشفا للآراء الصائبة، ~~وهضما للنفس على الاستبداد، وطلبا لعلم ما لم يعلمه الله، [و]في الحديث: ~~«ما تشاور قوم قط، إلا هدوا لأرشد أمرهم» (¬2) . وعن أبي هريرة: «ما رأيت ~~أحدا أكثر مشاورة من الصحابة»؛ ومعنى شاورت فلانا: أظهرت ما عندي وما عنده ~~من الرأي، وفيه دلالة على جواز الاجتهاد، وبيان أن القياس حجة، وعلى أن ~~الإحاطة بالعلم محال، وكل واحد من الخلق يخصه بعلم لم يخص به الآخر، وإن ~~كان أفضل منه وأعلم منه بغيره. {فإذا عزمت} فإذا قطعت الرأي على شيء بعد ~~الشورى، {فتوكل على الله} في إمضاء أمرك على الأرشد، لا على المشورة. {إن ~~الله يحب المتوكلين(159)} عليه، والتوكل: الاعتماد على الله، وتفويض الأمر ~~إليه. وقال ذو النون: «خلع الأرباب، وقطع الأسباب». # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «النيه». # (¬2) - ... لم نعثر عليه عند الربيع ولا في الكتب التسعة. PageV01P189 # إن ينصركم الله فلا غالب لكم} إنما يدرك نصر الله، من تبرأ من حوله ~~وقوته، واعتصم بربه وقدرته، {وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده} من ~~بعد خذلانه إياكم؛ هذا تنبيه على أن الأمر كله لله، وعلى وجوب التوكل عليه، ~~{وعلى الله فليتوكل المؤمنون(160)} وليخص المؤمنون ربهم بالتوكل عليه، [82] ~~والتفويض إليه لعلمهم أنه لا ناصر سواه، ms0127 ولا رزق إلا من لدنه. وقيل: حقيقة ~~التوكل: أن لا تعصي الله من أجل رزقك، ولا تطلب لنفسك ناصرا غيره، ولا ~~لعملك شاهدا غيره؛ ولأن إيمانه يقتضي ذلك. # {وما كان لنبي أن يغل} يعني أن النبوة تنافي الغلول، روي أن قطيفة حمراء ~~فقدت يوم بدر مما أصيب من المشركين، فقال بعض المنافقين: لعل رسول الله ~~أخذها؛ فنزلت: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} أي: يأت بالشيء الذي غله، ~~أو بمثله حاملا على ظهره، أو يأت بما احتمل من وباله. {ثم توفى كل نفس ما ~~كسبت} يعطى جزاؤها وافيا. {وهم لا يظلمون(161)} جزاء كل على قدر كسبه. # {أفمن اتبع رضوان الله} أي: رضاء الله {كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم ~~وبيس المصير(162)}. # {هم درجات عند الله} هم متفاوتون كما تتفاوت الدرجات، أو ذو درجات، ~~والمعنى: تفاوت منازل المثابين منهم، ومنازل المعاقبين أو التفاوت بين ~~الثواب والعقاب، {والله بصير بما يعملون(163)} عالم بأعمالهم ودرجاتها، ~~فيجازيهم علىحسبها. # { PageV01P190 لقد من الله على المؤمنين} على من آمن مع رسول الله من ~~قومه، وخص المؤمنين منهم لأنهم هم المنتفعون بمبعثه لا غير؛ {إذ بعث فيهم ~~رسولا من أنفسهم} من جنسهم، عربيا مثلهم، والمنة في ذلك من حيث أنه إذا كان ~~منهم كان اللسان واحدا؛ فيسهل أخذ ما يجب عليهم أخذه عنه. وكانوا واقفين ~~على أحواله في الصدق والأمانة؛ فكان ذلك أقرب لهم الى تصديقه. {يتلو عليهم ~~آياته ويزكيهم} من دنس الطباع وسوء العقائد، {ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن ~~كانوا من قبل} مبعثة (¬1) الرسول، {لفي ضلال} عمى وجهالة، {مبين(164)} ظاهر ~~لا شبهة [فيه]، ولكن لا يبين ظهور الضلالة إلا بعد التعليم. # {أولما أصابتكم مصيبة} يريد ما أصابهم يوم أحد، {قد أصبتم مثليها} يوم ~~بدر، {قلتم: أنى هذا}؟ من أين هذا؟ {قل: هو من عند أنفسكم}، من قبل ~~اختياركم وكسبكم، {إن الله على كل شيء قدير(165)}. # {وما أصابكم يوم التقى الجمعان} جمعكم وجمع المشركين، {فبإذن الله} بعلمه ~~وقضائه، {وليعلم المؤمنين(166)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «مبعث»، ms0128 أو «بعثة». PageV01P191 # وليعلم الذين نافقوا} وهو كائن ليميز المؤمنين من المنافقين، وليظهر ~~إيمان هؤلاء ونفاق هؤلاء، {وقيل لهم} للمنافقين: {تعالوا قاتلوا في سبيل ~~الله} أي: جاهدوا للآخرة كما يجاهد المؤمنون، {أو ادفعوا} أي: قاتلوا دفعا ~~عن انفسكم وأهليكم وأموالكم، إن لم تقاتلوا للآخرة، {قالوا: لو نعلم قتالا ~~لاتبعناكم} أي: لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالا لاتبعناكم؛ يعنون أن ما أنتم ~~فيه لخطإ رأيكم ليس لشيء، ولا يقال لمثله: قتال، إنما هو إلقاء النفس في ~~التهلكة. {هم للكفر يومئذ (¬1) أقرب منهم للإيمان} يعني: أنهم كانوا ~~يتظاهرون بالإيمان قبل ذلك، وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم؛ فلما انخذلوا ~~عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا بان تباعدهم بذلك عن الإيمان المظنون ~~بهم، واقتربوا من الكفر؛ أو هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل [83] ~~الإيمان، {يقولون: بأفواههم ما ليس في قلوبهم} وأن إيمانهم موجود في ~~أفواههم، معدوم من قلوبهم باشتغالها بضده. {والله أعلم بما يكتمون(167)} من ~~النفاق. # {الذين قالوا لإخوانهم} في النسب أو في الدين، {وقعدوا} وقعد هؤلاء ~~القائلون عن الجهاد: {لو أطاعونا ما قتلوا} أطاعنا إخواننا فيما أمرناهم به ~~من الانصراف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والقعود، {قل: فادرءوا عن ~~أنفسكم الموت إن كنتم صادقين(168)} بأن الحذر يغني عن القدر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «يومئذ». PageV01P192 # ولا تحسبن (¬1) الذين قتلوا في سبيل الله} في الجهاد، وفي إحياء دين ~~الله، ويخرج في جميع طاعة الله تعالى، {أمواتا، بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون(169)} قيل: أحياء في الدين، وقيل: في الذكر، وقيل: يرزقون مثل [ما] ~~يرزق سائر الأحياء، يأكلون ويشربون؛ وهو تأكيد لكونهم أحياء، وصف حالهم ~~التي هم عليها من التنعم برزق الله تعالى فيما قيل؛ والله أعلم بحقيقة حالهم. # {فرحين بما آتاهم الله من فضله} وهو التوفيق في الشهادة، وما ساق إليهم ~~من الكرامة والتفضيل على غيرهم، من كونهم أحياء مقربين. يروى عن النبيء - ~~صلى الله عليه وسلم - : «لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف ~~طير خضر، تدور في أنهار الجنة وتأكل ms0129 من ثمارها، وتأوي في قناديل من ذهب ~~معلقة في ظل العرش» (¬2) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: + «تحسبن» وهو تكرار. # (¬2) - ... عن مسروق قال سألنا عبد الله عن هذه الآية: {ولا تحسبن الذين ~~قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} قال أما إنا قد سألنا ~~عن ذلك فقال: «أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من ~~الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل...». مسلم: كتاب الإمارة، رقم ~~3500؛ الترمذي: كتاب تفسير القرآن، رقم 2937؛ ابن ماجه: كتاب الجهاد، رقم ~~2791؛ الدارمي: كتاب الجهاد، رقم 2303. العالمية: موسوعة الحديث، مادة ~~البحث: «قناديل معلقة». PageV01P193 # ويستبشرون} ويفرحون، {بالذين} بإخوانهم المجاهدين الذين {لم يلحقوا بهم} ~~لم يقتلوا، فيلحقوا بهم {من خلفهم}، يريد الذين من خلفهم قد بقوا بعدهم، من ~~إخوانهم الذين تركوهم أحياء في الدنيا، على مناهج الدين والجهاد، ولعلمهم ~~أنهم إذا اسشتهدوا أو لحقوا بهم، نالوا من الكرامة ما نالوا هم، وهم قد ~~تقدموهم. {ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون(170)} المعنى: أنهم يستبشرون بما ~~تبين لهم من أمر الآخرة، وحال من تركوا خلفهم من المؤمنين، وهو أنهم إذا ~~ماتوا أو قتلوا، كانوا أحياء حياة لا يكدرها خوف وقوع محذور، وحزن فوات ~~محبوب. والآية تدل على الإنسان غير الهيكل المحسوس، بل هو جوهر مدرك بذاته ~~لا يفنى بخراب البدن؛ ولا يوقف عليه إدراكه وتألمه والتذاذه، ويؤيد ذلك ~~قوله تعالى في آل فرعون (¬1) . # {يستبشرون بنعمة من الله وفضل} يسرون بما أنعم الله عليهم، وبما تفضل ~~عليهم من زيادة الكرامة، {وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين(171)} بل يوفر عليهم. # {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح} الجرح، {للذين ~~أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم(172)}. # {الذين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا} ~~اطمئنانية (¬2) وإيقانا، {وقالوا: حسبنا الله} كافينا الله، أي: الذي ~~يكفينا الله، يقال: حسبه الشيء إذا كفاه، وهو بمعنى: المحسب. {ونعم ~~الوكيل(173)} نعم الموكول إليه هو. # { # ¬__________ # (¬1) - ... يشير إلى قوله تعالى: {وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار ~~يعرضون عليها غدوا وعشيا ms0130 ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب}. ~~غافر: 45-46. # (¬2) - ... في الأصل: «اطمانيه»، وهو خطأ. PageV01P194 # فانقلبوا بنعمة من الله} وهو السلامة، وحذر العدو منهم، {وفضل} وهو الربح ~~في التجارة، {لم يمسسهم سوء} لم يلقوا ما يسوءهم من كيد عدو، {واتبعوا ~~رضوان الله} بحربهم وخروجهم إلى وجه العدو، على إثر تثبيطه، {والله ذو فضل ~~عظيم(174)} قد تفضل عليهم بالتوفيق فيما فعلوا. # {إنما ذلكم الشيطان} أي: إنما ذلكم المثبط هو الشيطان، {يخوف أولياءه} ~~المنافقين [84] {فلا تخافوهم} أي: أولياءه، {وخافون إن كنتم مؤمنين(175)} ~~لأن الإيمان به يقتضي أن يؤثر العبد خوف الله على خوف غيره. # {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر، إنهم لن يضروا الله شيئا} يعني: أنهم ~~لا يضرون لمسارعتهم (¬1) في الكفر غير أنفسهم، وما وبال ذلك عائدا على ~~غيرهم... (¬2) بقوله: {يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة} أي: نصيبا من ~~الثواب، {ولهم} بدل الثواب، {عذاب عظيم(176)} وذلك أبلغ ما ضر به الإنسان نفسه. # {إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان} أي: استبدلوا به، {لن يضروا الله شيئا ~~ولهم عذاب أليم(177)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «بمسارعتهم». # (¬2) - ... يبدو أن في العبارة سقطا تقديره: «ويؤيد ذلك بقوله...». PageV01P195 # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم، إنما نملي لهم ~~ليزدادوا (¬1) إثما ولهم عذاب مهين(178)} أي: إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ~~على إثمهم في الآخرة، وليس لهم فيه منفعة في الدنيا، ولا خير في الآخرة، بل ~~ليتضاعف عليهم العذاب بتسببه في الدنيا بمزاولتهم له، وجمعهم إياه، لأنه ما ~~زاد على الكفاية، فهو زيادة عذاب في الدنيا والآخرة في حق العاصين؛ وكذلك ~~سعيهم لما لا بد لهم منه، أعني: العاصين هو عذاب لهم في الدنيا والآخرة، ~~لأنهم لم يؤجروا به لأن أعمالهم محبوطة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «ليزداوا»، وهو خطأ. PageV01P196 # ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه} من اختلاط المؤمنين الخلص ~~والمنافقين، {حتى يميز الخبيث من الطيب} قيل: الخطاب لعامة المخلصين ~~والمنافقين في عصره. والمعنى: لا يترككم مختلطين، لا يعرف مخلصكم ومنافقكم ~~حتى يميز ms0131 المنافق من المخلص بالوحي إلى نبيه، وبإخباره إلى (¬1) أحوالكم، ~~أو بالتكاليف الشاقة التي لا يصبر عليها ولا يذعن لها إلا الخلص المخلصون ~~منكم؛ كبذل الأموال والأنفس في سبيل الله، ليختبر بواطنكم ويظهر ما على ~~عقائدكم. {وما كان الله ليطلعكم على الغيب} وما كان الله ليؤتي أحدا منكم ~~علم الغيوب؛ فلا يتوهم عند إخبار الرسول من نفاق الرجل وإخلاص الآخر أنه ~~يطلع على ما في القلوب اطلاع الله، فيخبر عن كفرها وإيمانها، {ولكن الله ~~يجتبي من رسله من يشاء} أي: ولكن الله يرسل الرسول فيوحي إليه من يخبره أن ~~في الغيب كذا، وأن فلانا في قلبه نفاق، وأن فلانا في قلبه إخلاص، فيعلم ذلك ~~من جهة إخبار الله، لا من جهة نفسه. {فآمنوا بالله ورسله} بصفة الإخلاص، ~~ويحتمل في تأويل هذه الآية، أي: لا يكون المؤمنون كلهم علماء بدين الله، ~~ولكن يختص من عباده، رسلا وعلماء بدينه؛ فإذا بلغتهم حجة من حجج الله، من ~~رسول الله أو نبيء أو عالم أو جاهل فيما لا يسع جهله أو حجة عقل، فواجب على ~~المؤمنين الإيمان بها والتصديق لها. {وإن تؤمنوا وتتقوا} النفاق، {فلكم أجر ~~عظيم(179)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «عن». PageV01P197 # ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله} من علم ومال، أو مهجة ~~نفس أو غريزة عقل، {هو خيرا لهم، بل هو شر لهم} لأن أحوالهم ستزول عنهم، ~~ويبقى عليهم وبال البخل. {سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} تفسيرا لقوله: ~~{بل هو شر لهم} أي: سيجعل ما منعوه عن الحق طوقا في أعناقهم؛ كما جاء في ~~الحديث: «من منع زكاة ماله يصير حية ذكرا أقرع له نابان، فيطوق (¬1) في ~~عنقه فينهشه ويدفعه إلى النار» (¬2) . {ولله ميراث السماوات والأرض} وله ما ~~فيهما مما يتوارثه فيهما من مال وغيره، فما لهم يبخلون عليه بملكه، ولا ~~[85] ينفقونه في سبيله، {والله بما تعملون خبير(180)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «فيوطوق»، وهو خطأ. # (¬2) - ... رواه الربيع في كتاب الزكاة والصدقة، باب [58] الوعيد في منع ~~الزكاة رقم 343 بلفظ: ms0132 «من كثر ماله ولم يزكه جاءه يوم القيامة في صورة شجاع ~~أقرع له زبيبتان موكل بعذابه حتى يقضي الله بين الخلائق». ورواه البخاري عن ~~أبي هريرة في كتاب تفسير القرآن، رقم 4199، بلفظ: «من آتاه الله مالا فلم ~~يؤد زكاته مثل له ماله شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة يأخذ ~~بلهزمتيه يعني بشدقيه يقول أنا مالك أنا كنزك ثم تلا هذه الآية: {ولا يحسبن ~~الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله...} إلى آخر الآية». وبرقم 1315، ~~ومسلم والنسائي وابن ماجه، وكلهم في كتاب الزكاة، وغيرهم... العالمية: ~~موسوعة الحديث، مادة البحث: «شجاع أقرع». PageV01P198 # لقد سمع الله قول الذين قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء} قيل: قال ذلك ~~اليهود حين سمعوا قوله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} (¬1) ~~وقالوا إن إله محمد يستقرض منا، فنحن إذن أغنياء وهو فقير. ومعنى سماع الله ~~له أنه لم يخف عليه، وأنه أعد له كفافه من العقاب. {سنكتب ما قالوا، وقتلهم ~~الأنبياء بغير حق، ونقول: ذوقوا عذاب الحريق(181) ذلك بما قدمت أيديكم، وأن ~~الله ليس بظلام للعبيد(182)}. # {الذين قالوا إن الله عهد إلينا} أمرنا في التوراة وأوصانا {ألا نؤمن ~~لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار} أي: نقرب قربانا، فتنزل نار من ~~السماء فتأكله؛ فإن جئتنا به صدقناك؛ والقربان: كل ما يتقرب العبد به من ~~نسك أو غيره، قد حرم الله على بني إسرائيل زكاة أموالهم ولم يحلها لغني ولا ~~فقير منهم، وإنما كا[نوا] يخرجون زكاتهم ويجمعونها، ثم تنزل عليها نار من ~~السماء فتأكلها؛ وهذه دعوى باطلة وافتراء على الله، لأن أكل النار القربان ~~سبب لإيمان المرسول الآتي به، لكونه معجزة؛ فهو إذن وسائر المعجزات سواء. ~~وكانت القرابين والغنائم لا تحل لبني إسرائيل، وكانوا إذا قربوا أو غنموا ~~غنيمة، جاءت نار بيضاء من السماء بلا دخان، ولها دوي ووجيف (¬2) فتحرق ذلك ~~القربان وتلك الغنيمة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البقرة: 245؛ وتمامها: {...فيضاعفه له أضعافا كثيرة ~~والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون}. وسورة الحديد: 11؛ وتمامها: {...فيضاعفه ~~له وله أجر كريم}. # (¬2) - ... أي ms0133 لها دوي وسرعة، قال في اللسان: «الوجف سرعة السير. وجف ~~البعير والفرس يجف وجفا ووجيفا : أسرع. والوجيف دون التقريب من السير. ~~الجوهري: الوجيف ضرب من سير الإبل والخيل...». ابن منظور: لسان، 6/882. PageV01P199 # قل: قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات} بالمعجزات سوى القربان، {وبالذي ~~قلتم} أي: بالقربان، يعني: قد جاء أسلافكم الذين أنتم على ملتهم، وراضون ~~بفعلهم؛ {فلم قتلتموهم} أي: إن كان امتناعكم عن الإيمان لأجل هذا، فلم لم ~~تؤمنوا بالذين أتوا به؟ ولم قتلتموهم {إن كنتم صادقين(183)} في قولكم. # {فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك} فإن كذبك اليهود فلا يهولنك، فقد فعلت ~~الأمم بأنبيائها كذلك، {جاءوا بالبينات} بالمعجزات الظاهرات، {والزبر} جمع ~~زبور، من الزبر: وهو الكتابة، أي: بالكتب المزبورة، يعني: المكتوبة، ~~واحدها: زبور، مثل رسول ورسل. {والكتاب المنير(184)} المضيء عند الله، ~~فيكون ذلك علامة القبول، وإذا لم تقبل بقيت على حالها وعند المؤمنين. # { PageV01P200 كل نفس ذائقة الموت} وعد ووعيد للمصدق والمكذب. {وإنما ~~توفون أجوركم يوم القيامة} أي: تعطون ثواب أعمالكم على الكمال يوم القيامة؛ ~~فإن الدنيا ليست بدار جزاء. {فمن زحزح} بعد {عن النار وأدخل الجنة فقد فاز} ~~ظفر بالخير، وقيل: فقد حصل له الفوز المطلق، المتناول لكل ما يقارنه، ولا ~~غاية للفوز وراء النجاة من سخط الرب، وعذاب النيران، ونيل رضى الله ونعيم ~~الجنان. {وما الحياة الدنيا} (ولذاتها وشهواتها إلا متاع الغرور والخداع ~~الذي لا حقيقة له وهو المتاع الرديء الذي يدلس به على طالبه حتى يشتريه، ~~حتى يتبين له رداءته؛ والشيطان هو المدلس الغرور) (¬1) . {إلا متاع ~~الغرور(185)} شبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به على المستام (¬2) ، ويغر حتى ~~يشتريه ثم ينكشف له فساده ورداءته، فيراه عين اليقين. والشيطان هو المدلس ~~الغرور، وعن سعيد بن جبير: «إنما هذا لمن آثرها على الآخرة، فأما من طلب ~~الآخرة بها فإنها متاع بلاغ»، وعن الحسن: «كخضرة النبات، ولعب البنات، لا ~~حاصل لها». وقال قتاده: «هي متاع متروكة، ويوشك أن يضمحل بأهلها». # { # ¬__________ # (¬1) - ... العبارة التي بين قوسين مكتوبة في الحاشية بخط الناسخ، لكن ms0134 لم ~~يحل إليها في المتن، ووضعناها في المكان المناسب باجتهادنا مع مراعاة ~~المعنى. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «المشتري». PageV01P201 # لتبلون} لتختبرن {في أموالكم} بالإنفاق في سبيل الله، وبما يقع فيها من ~~الآفات، {وأنفسكم} بالقتل والأسر والجراح، والفرائض البدنية الظاهرة ~~والباطنة، وما يرد عليها من أنواع العلل والمصائب والمخاوف، ووسواس ~~الشيطان، {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} يعني: اليهود والنصارى، ~~{ومن الذين [86] أشركوا أذى كثيرا} كالطعن في الدين، وصد من أراد الإيمان، ~~وتخطئة من آمن، والسخرية والاستهزاء والهمز واللمز والاستخفاف ونحو ذلك. ~~{وإن تصبروا} على ما ابتليتم به وعلى المكافاة بمثل ما فعل فيكم، {وتتقوا} ~~مخالفة أمر الله، {فإن ذلك من عزم الأمور(186)} مرجو الأمور وواجباتها، ~~وقال عطاء: «من حقيقة الإيمان». خوطب المؤمنون بذلك ليعلمهم أن الدنيا ذات ~~عيوب، وليوطنوا أنفسهم على احتمال ما سيلقون من الشدائد والصبر عليها، حتى ~~إذا لقوها وهم مستعدون لا يرهقه من تصيبه الشدة منهم بغتة فينكرها. ثم بين ~~لهم إيجاب التعليم إن أجنح إليه فقال: # { PageV01P202 وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا ~~تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم} فنبذوا الميثاق وتأكيده عليهم، لم يراعوه ولم ~~يلتفتوا إليه، والنبذ وراء الظهر مثل في الطرح وترك الإعداد؛ وهو دليل على ~~أنه يجب على العلماء أن يبينوا الحق للناس وما علموه وأن لا يكتموا منه ~~شيئا لغرض فاسد، من تسهيل على الظلمة وتطيب لنفوسهم، ولجر منفعة أو دفع ~~مغرم أو لنحل بالعلم، وفي الحديث: «من كتم علما [عن] أهله ألجم بلجام من ~~نار» (¬1) وذلك إذا احتيج إليه؛ وقيل: ما أخذ الله على أهل الجهل أن ~~يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا. {واشتروا به ثمنا قليلا فبيس ما ~~يشترون(187)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه الترمذي وغيره عن أبي هريرة، بلفظ: «من سئل عن علم علمه ~~ثم كتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار». وفي الباب عن جابر وعبد الله بن ~~عمرو. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن. الترمذي: سنن، كتاب العلم، ~~رقم 2573. أبو داود: كتاب العلم. ms0135 ابن ماجه: مقدمة. أحمد: مسند باقي ~~المكثرين. العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «لجام من نار». PageV01P203 # لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا} فعلوا، وقيل: أعطوا على قراءة: «آتوا»، ~~{ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} قيل: من النفاق من إذا مدح بشيء ليس فيه ~~فأعجبه، {فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب} بمنجاة منه، {ولهم عذاب أليم(188)} ~~روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل اليهود عن شيء مما في ~~التوراة، فكتموا الحق وأخبروه بخلافه، وأروه أنهم صدقوا واستحمدوا وفرحوا ~~بما فعلوا، فأطلع الله رسوله على ذلك، وسلاه بما أنزل من وعيدهم، أي: لا ~~تحسبن اليهود الذين يفرحون بما فعلوا من تدليهم عليك، ويحبون أن يحمدوا بما ~~لم يفعلوا من إخبارك بالصدق عما سألتهم عنه ناجين من العذاب، وقيل: هم ~~المنافقون يفرحون بما أتوا من إظهار الإيمان للمسلمين وتوصلهم بذلك إلى ~~أغراضهم، ويستحمدون إليهم بالإيمان الذي لم يفعلوه على الحقيقة. وفيه وعيد ~~لمن يأتي بحسنة فيفرح بها فرح إعجاب، ويحب أن يحمده الناس بما ليس فيه، ~~ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان ~~حتى لا يحب أن يحمده أحد على العمل لله» (¬1) . # {ولله ملك السماوات والأرض، والله على كل شيء قدير(189)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لم نعثر عليه في الربيع ولا في الكتب التسعة. PageV01P204 # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات} لأدلة واضحة على ~~صانع قديم عليم حكيم قادر، {لأولي الألباب(190)} لمن خلص عقله عن الهوى ~~خلوص اللب عن القشر، فيرى أن العرض المحدث في الجوهر يدل على حدوث الجواهر، ~~لأن كل جوهر لا ينفك عن عرض حادث، وما لا يخلو عن الحادث (¬1) فهو حادث ثم ~~حدوثها يدل على محدثها، وحسن صنعها يدل على علمه، وإتقانه يدل على حكمته، ~~[87] وبقاؤه يدل على قدرته. قال - عليه السلام - : «ويل لمن قرأها ولم ~~يتفكر فيها» (¬2) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل جملة: «وما لا يخلو عن الحادث» مكررة. # (¬2) - ... لم نعثر عليه في الربيع ولا في الكتب التسعة. PageV01P205 # الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} ms0136 قيل: هذا في الصلاة قياما ~~عند القدرة، وقعودا قاعدين عند العجز عن القيام، وعلى جنوبهم عند العجز ~~عن القيام والقعود. {ويتفكرون في خلق السماوات والأرض} ما يدل عليه اختراع ~~هذه الأجرام العظام وإبداع صنعتها، وما دبر فيها مما تكل الأفهام عن إدراك ~~بعض عجائبه على عظم شأن الصانع وكبرياء سلطانه. وقال - عليه السلام - : ~~«لا عبادة كالتفكر» (¬1) ، وقيل: «الفكرة تذهب الغفلة، وتحدث للقلب الخشية، ~~وما حليت القلوب بمثل الأحزان، ولا استنارت بمثل الفكر». {ربنا ما خلقت هذا ~~باطلا} والمعنى: ما خلقته عبثا من غير حكمة بل خلقته لحكم عظيمة، من جملتها ~~أن يكون مبدأ لوجود الإنسان وسببا لمعاشه، ودليلا يدله على معرفتك، ويحثه ~~على طاعتك، لينال الحياة الأبدية، والسعادة السرمدية إن أطاعك، ويستحق ~~العقاب إن عصاك. {سبحانك} تنزيها لك عن الوصف بخلق الباطل، {فقنا عذاب ~~النار(191)} كأنهم قالوا ما خلقت الخلق إلا ليعبدوك، ويوحدوك ثم ليعادوا ~~للجزاء إما للثواب وإما للعذاب. # {ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته} أهنته أو هلكته أو فضحته، {وما ~~للظالمين من أنصار(192)} ينصرونهم من عذابك. # {ربنا إننا سمعنا مناديا} هو الرسول - عليه السلام - ، أو القرآن، أو كل ~~دليل كان من حجة العقل أو غيره، {ينادي للإيمان} لأجل الإيمان {أن آمنوا ~~بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا} كبائرنا، {وكفر عنا سيئاتنا} صغائرنا، ~~{وتوفنا مع الأبرار(193)} مخصوصين بصحبتهم، معدودين في جملتهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لم نعثر عليه في الربيع ولا في الكتب التسعة. PageV01P206 # ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك} كأنهم سألوه التوفيق فيما يحفظ عليهم ~~أسباب إنجاز الميعاد، {ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد(194)}. # {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى، بعضكم من ~~بعض، فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي} بسبب إيمانهم ~~بالله، {وقاتلوا} جاهدوا {وقتلوا} واستشهدوا، {لأكفرن عنهم سيئاتهم ~~ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ثوابا من عند الله والله عنده حسن ~~الثواب(195)} أي: لا يقدر على الثواب الحقيقي غيره. # {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد(196)} والمعنى: لا ms0137 تنظر إلى ما ~~الكفرة عليه من السعة والحظ وصحة الأبدان وقوتها، ولا تغتر بظاهر ما ترى من ~~تبسطهم في مكاسبهم ومتاجرهم ومزارعهم، {متاع قليل} قليل من جنب ما فاتهم من ~~نعيم الآخرة، أو في جنب ما أعد الله للمؤمنين من الثواب، أو أراد أنه قليل ~~في نفسه لانقضائه، وكل زائل قليل، وروي أنه - عليه السلام - قال: «ما ~~الدنيا في الآخرة، إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم» (¬1) . {ثم مأواهم ~~جهنم وبيس المهاد(197)} وساء ما مهدوا لأنفسهم. # {لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا} ~~النزل: ما يقام للنازل، {من عند الله، وما عند الله خير للأبرار(198)} مما ~~ينقلب فيه الفجار من القليل الزائل، أي: لا بقاء لتمتعهم، لكن ذلك للذين اتقوا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها، رقم 5101؛ والترمذي في ~~كتاب الزهد، رقم 2245؛ وأحمد في مسند الشاميين من عدة طرق، وكلهم عن ~~المستورد بن شداد. PageV01P207 # وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم} من القرآن، {وما أنزل ~~إليهم} من الكتابين [88]، {خاشعين لله، لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا} ~~دنيا فانية، {أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب(199)} لنفوذ ~~علمه في كل شيء. # {يا أيها الذين آمنوا اصبروا} على الدين وتكاليفه، ولا تدعوه لشدة ولا ~~رخاء؛ والصبر: حبس النفس عن المكروه، {وصابروا} أعداء الله من جن وإنس على ~~الجهاد، لاتكونوا أقل منهم صبرا، {ورابطوا} أنفسكم على الطاعة كما قال - ~~عليه السلام - : «من الرباط انتظار الصلاة بعد الصلاة» (¬1) ، وقيل: داوموا ~~واثبتوا، {واتقوا الله لعلكم تفلحون(200)} واتقوه بالتبرء عما سواه، لكي ~~تفلحوا غاية الفلاح، واتقوا القبائح لعلكم تفلحون بنيل المقامات الثلاث ~~المرتبة التي هي: الصبر على مضض الطاعات، ومصابرة النفس في رفض العادات، ~~ومرابطة الشر على جناب الحق، لترصد الواردات المعبر عنها بالشريعة والطريقة ~~والحقيقة. # سورة النساء # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه الربيع عن أنس بن مالك بلفظ: «ألا أخبركم بما يمحو الله ~~به الخطايا ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء ms0138 على المكاره وكثرة الخطى إلى ~~المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط» قالها ثلاثا. كتاب ~~الطهارة، باب [16] في فضائل الوضوء، رقم 98. ورواه مسلم؛ والترمذي؛ ~~والنسائي وكلهم في كتاب الطهارة؛ وأحمد في باقي مسند المكثرين؛ ومالك في ~~الموطإ، كتاب النداء للصلاة. PageV01P208 # يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة} فرعكم من أصل واحد، ~~{وخلق منها زوجها وبث} ونشر {منهما رجالا كثيرا ونساء} وذلك مما يدل على ~~القدرة العظيمة، ومن قدر على نحوه كان قادرا على كل شيء؛ ومن المقدورات ~~عقاب الكفار، فالنظر فيه يؤدي إلى أن نتقي القادر عليه، ونخشى عقابه، ولأنه ~~يدل على النعمة السابغة عليهم، فحقهم أن يتقوه في كفرانها. {واتقوا الله ~~الذي تساءلون به والأرحام} واتقوا الأرحام أن تقطعوها؛ المعنى: أنهم كانوا ~~يقرون بأن لهم خالقا، وكانوا يتساءلون بذكر الله والرحم، فقيل: لهم اتقوا ~~ربكم الذي خلقكم، واتقوا الذي تتناشدون به، واتقوا الأرحام فلا تقطعوها، ~~واتقوا الله الذي تتعاطفون باذكاره (¬1) وادكار الرحم؛ وفي هذا أن صلة ~~الرحم من الله بمكان. {إن الله كان عليكم رقيبا(1)}. # {وآتوا اليتامى أموالهم} بعد بلوغهم واستئناس رشدهم، {ولا تتبدلوا الخبيث ~~بالطيب} ولا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم، {ولا ~~تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} أي: مضافة إلى أموالكم. والمعنى: ولا تضموها ~~إليها في الإنفاق حتى لا تفرقوا بين أموالكم وأموالهم ، قلة مبالاة ~~[و]تسوية بينه وبين الحلال. قال أبو سعيد: {ولا تأكلوا أموالهم إلى ~~أموالكم}، يعني مع أموالكم، {إنه كان حوبا كبيرا(2)} ذنبا عظيما. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «بادكاره»، بالدال المهملة، ~~وأصلها من فعل: «اذتكر»، علىوزن “افتعل”، أدغمت الذال في التاء، وقلبت ~~دالا، ومثل ذلك قوله تعالى: {فهل من مدكر}. سورة القمر: 15، 22... PageV01P209 # وإن خفتم ألا تقسطوا} أي: لا تعدلوا، أقسط: أي اعدل، {في اليتامى فانكحوا ~~ما طاب لكم من النساء} انكحوا مقدارا يمكنكم الوفاء بحقه، لأنه لا يطيب ما ~~لا يقام بحقه، {مثنى وثلاث ورباع؛ فإن خفتم ألا تعدلوا} بين هذه (¬1) ~~الأعداد، {فواحدة أو ما ملكت أيمانكم} إن خفتم ms0139 ألا تقوموا بحق الواحدة، ~~{ذلك أدنى ألا تعولوا(3)} أي: أقرب من أن لا تميلوا ولا تجوروا، وقيل: أن ~~لا تكثر (¬2) عيالكم، لأن من كثر عياله لزمه عولهم؛ وفي ذلك ما تصعب عليه ~~المحافظة على حدود الورع، وكسب الحلال، وقيل: لعل المراد بالعيال الأزواج، ~~وإن أريد الأولاد فلأن التسري مظنة قلة الولد، بالإضافة إلى التزوج لجواز ~~العزل فيه، كتزوج واحدة بالإضافة إلى تزوج الأربع!! هذا عن البيضاوي. # {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} أي: أعطوهن مهورهن عن طيبة أنفسكم، {فإن طبن ~~لكم عن شيء منه نفسا} فإن وهبن لكم شيئا من الصداق، طيبات نفوسهن به، غير ~~مضطرات [89] إلى الهبة من سوء أخلاقكم ومعاشرتكم، أو لا مخدوعات، وفي ذلك ~~دليل على ضيق المسلك في ذلك، ووجوب الاحتياط حيث بني الشرط على طيب النفس، ~~فقيل: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا} ولم يقل: «فإن وهبن». إعلاما بأن ~~المراعى هو تجافي نفسها. {فكلوه هنيئا} لا إثم فيه، {مريئا(4)} لإذاقته ~~(¬3) ؛ أو هنيئا في الدنيا بلا مطالبة، مريئا في العقبى بلا تبعة، وهما ~~صفتان، من هنؤ الطعام ومرئه: إذا كان سائغا لا تنغيص فيه، وهذه عبارة عن ~~المبالغة في الإباحة وإزالة التبعة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «هذا»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «تكثروا». # (¬3) - ... في الأصل كلمة غير واضحة رسمها: «لابأفته»، أو «لادأفته»، ~~وأثبتناها حسب اجتهادنا. PageV01P210 # ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} فقد قيل ذلك في النساء والصبيان، لا يملكون ~~ما يكون به العون على الطاعة من الأموال، فيبذرونها ويتلفونها؛ فيكون ذلك ~~ضياعا في المال. وسماهم سفهاء استخفافا لعقلهم، واستهجانا لجهلهم. {التي ~~جعل الله لكم قياما} أي: قواما لأبدانكم ومعاشا لأهلكم وأولادكم وأنموذجا ~~لدينكم، وقيل: المال سلاح المؤمن. وفي المعنى: يخرج ذلك في الوارث إذا لم ~~يؤد لوازمه من ماله وخلف لوارثه، لأنه إذا منع إتيانه في حياته فأولى ~~بالمنع بعد موته؛ {وارزقوهم فيها} أي: أطعموهم واكسوهم لمن يجب عليكم رزقه ~~ومؤنته، أو المعنى: الصدقة لمن لا تجب له. {واكسوهم وقولوا لهم قولا ~~معروفا(5)} عذرا عن تسليم ما يطلبون، ms0140 وكل ما سكنت إليه النفس لحسنه عقلا أو ~~شرعا من قول أو عمل فهو معروف؛ وما أنكرته لقبحه فهو منكر. # {وابتلوا اليتامى} اختبروا عقولهم، وذوقوا [كذا] أحوالهم ومعرفتهم ~~بالتصرف، {حتى إذا بلغوا النكاح} أي: الحلم، لأنه يصلح للنكاح عنده ولطلب ~~ما هو مقصود به وهو التوالد. {فإن آنستم منهم} تبينتم، {رشدا} هداية في ~~التصرفات، وصلاحا في المعاملات؛ {فادفعوا إليهم أموالهم} من غير تأخير ~~وتبكير؛ الرشد يبين أن المراد رشد مخصو[ص]، وهو الرشد في (لعله) التصرفات ~~والتجارة، وقيل: الرشد في الدين. أمر بدفع المال إليهم بعد البلوغ واستئناس ~~الرشد. {ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا} ولا تأكلوها مسرفين ومبادرين ~~كبرهم، {ومن كان غنيا؛ فليستعفف ومن كان فقيرا، فليأكل بالمعروف؛ فإذا ~~دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم} بأنهم (¬1) قبضوها فإنه أنفى للتهمة، ~~وأبعد من الخصومة ووجوب الضمان، {وكفى بالله حسيبا(6)} محاسبا ومجازيا ~~وشاهدا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: +«بأنهم»، وهو خطأ. PageV01P211 # للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، وللنساء نصيب مما ترك الوالدان ~~والأقربون} هم المتوارثون من ذوي القربات (¬1) دون غيرهم. {مما قل منه (¬2) ~~أو كثر} كان قليلا ما تركوا أو كثيرا، {نصيبا مفروضا(7)} مقطوعا. # {وإذا حضر القسمة} أي: قسمة التركة، {أولو القربى} ممن لا يرث، {واليتامى ~~والمساكين} من الأجانب، {فارزقوهم} فأعطوهم {منه} مما ترك الوالدان ~~والأقربون، قيل: هو ندب لم ينسخ، وقيل: كان واجبا ثم نسخ بآية الميراث. وفي ~~الجامع في تأويل قوله تعالى: {وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى ~~والمساكين فارزقوهم منه} يقول للورثة: أعطوهم منه، ثم يقسم وليس شيء مؤقت ~~(¬3) ، نسختها آية الميراث، {وقولوا لهم قولا معروفا(8)} عذرا جميلا وعدة حسنة. # {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم؛ فليتقوا الله ~~وليقولوا قولا سديدا(9)} قيل: المراد بهم الأوصياء، أمروا بأن يخشوا الله، ~~فيخافوا على من في حجورهم من اليتامى، فيشفقوا عليهم خوفهم على ذريتهم [90] ~~لو تركوهم ضعافا، وأن يقدروا ذلك في أنفسهم ويصوروه حتى لا يجسروا على خلاف ~~الشفقة والرحمة، لأنه «كما تدين تدان»، والقول السديد قول: لا إله إلا الله ms0141 ~~وأن محمدا رسول الله وما جاء به فهو الحق وهو صفة تقوى الله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «القرابات». # (¬2) - ... في الأصل: - «منه»، وهو خطأ. # (¬3) - ... كذا في الأصل، والعبارة المنقولة غير واضحة. PageV01P212 # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا} أي: ~~يأكلون ما يجر إلى النار فكأنه نار، روي أنه: «يبعث آكل مال اليتيم يوم ~~القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأذنيه، فيعرف الناس أنه كان يأكل ~~مال اليتيم في الدنيا». {وسيصلون} أي: سيدخلون. يقولون: صلى النار: قاسى ~~حرها، وصليته: شويته، وأصليته فصليته: ألقيته فيها، {سعيرا(10)} نارا من ~~النيران. # {يوصيكم الله} يعهد إليكم ويأمركم ويفرض عليكم لأن الوصية... (¬1) أمر ~~وفرض، {في أولادكم} في شأن ميراثهم، وقيل: في ميراثهم وعطيتكم لهم في ~~الحياة. {للذكر مثل حظ الأنثيين؛ فإن كن نساء فوق اثنتين، فلهن ثلثا ما ~~ترك؛ وإن كانت واحدة فلها النصف، ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن ~~كان له ولد؛ فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث؛ فإن كان له إخوة ~~فلأمه السدس، من بعد وصية يوصي بها أو دين، آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم ~~أقرب لكم نفعا} المعنى: فرض الله الفرائض على ما هو عنده حكمة، ولو وكل ذلك ~~إليكم لم تعلموا أيهم لكم أنفع؛ فوضعتم أنتم الأموال على غير حكمة؛ ~~والتفاوت في السهام بتفاوت المنافع، وأنتم لا تدرون تفاوتها فتولى الله ذلك ~~فضلا منه، ولم يكلها إلى اجتهادكم لعجزكم عن معرفة المقادير، {فريضة من ~~الله إن الله كان عليما} بالأشياء قبل خلقها، {حكيما(11)} في كل ما فرض ~~وقسم من المواريث وغيرها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... ثلاث كلمات غير واضحة، رسمها: «بوا منه لعل»، والمعنى كامل ~~بدونهما. PageV01P213 # ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد؛ فإن كان لهن ولد فلكم الربع ~~مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين؛ ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن ~~لكم ولد؛ فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم، من بعد وصية توصون بها أو ms0142 ~~دين؛ وإن كان رجل} يعني: الميت وهو اسم “كان”، أي: وإن كان رجل موروث منه ~~كلالة، أو {يورث} خبر كان، و{كلالة} حال من الضمير في “يورث”، والكلالة: ~~تنطلق (¬1) على من لم يخلف ولدا ولا والدا، وعلى من ليس بولد ولا والد من ~~المخلفين، وهو في الأصل مصدر بمعنى الكلالة: وهو ذهاب القوة؛ {أو امرأة} ~~على رجل، {وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس؛ فإن كانوا أكثر من ذلك فهم ~~شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين، غير مضار} لورثته بوصيته، ~~{وصية من الله} لعباده، {والله عليم} بمن جار أو عدل في وصيته، {حليم(12)} ~~لا يعاجل بالعقوبة. # {تلك} إشارة إلى الأحكام التي ذكرت في باب اليتامى والوصايا والمواريث. ~~{حدود الله} سماها حدودا لأن الشرائع الحدود المضروبة للمكلفين، لا يجوز ~~لهم أن يتجاوزوها، {ومن يطع الله} في ما حد و فرض؛ {ورسوله} فيما سن، ~~{يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم(13) ومن ~~يعص الله ورسوله، ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها، وله عذاب مهين(14)} ~~لهوانه عند الله. # {واللاتي} جمع التي، {يأتين الفاحشة} بالزنا لزيادتها في القبح على كثير ~~من القبائح {من نسائكم [91] فاستشهدوا عليهن أربعة منكم، فإن شهدوا ~~فأمسكوهن في البيوت} فاحبسوهن، {حتى يتوفاهن الموت، أو يجعل الله لهن ~~سبيلا(15)} قيل: السبيل الحد في حق البكر بالجلد والتغرب، وفي الثيب ~~بالرجم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الأصوب: «تطلق». PageV01P214 # واللذان} يريد الزاني والزانية، {يأتيانها منكم} أي: الفاحشة، {فآذوهما} ~~بالتوبيخ والتعيير، وقولوا لهما: أما استحييتما من الله؟!، أما خفتما ~~الله؟!، وهو تخوفهما (¬1) الله وعقوبتهما، عسى أن يتوبا فيكون داعيا إلى ~~الله وإلى دينه. {فإن تابا وأصلحا} ما فسدا (¬2) وهدما من منار الإسلام، ~~{فأعرضوا عنهما} فاقطعوا التوبيخ والمذمة، لأنهما صارا في حال ما يستحقان ~~به المدح. {إن الله كان توابا (¬3) رحيما(16)} يقبل توبة التائب ويرحمه؛ ~~فاقبلوا توبته وترحموا عليه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «تخويفهما». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «ما أفسدا». # (¬3) - ... في الأصل: «ثوابا»، وهو ms0143 خطأ. PageV01P215 # إنما التوبة} هي من “تاب الله عليه” إذا قبل توبته، أي: إنما قبولها {على ~~الله}، وليس المراد به الوجوب، إذ لا يجب على الله شيء، ولكنه تأكيد للوعد، ~~يعني أن يكون لا محالة كالواجب الذي لا يترك. {للذين يعملون السوء} الذنب، ~~لأنه تسوء عاقبة فاعله ومرتكبه، {بجهالة} أي: يعملون (¬1) السوء جاهلين ~~سفهاء، لأن ارتكاب القبيح يدعو إلى السفه. وقيل: من عصى الله فهو جاهل حتى ~~ينزع عن جهالته، وقيل: جهالته اختياره اللذة الفانية على اللذة الباقية، ~~وقيل: لم يجهل أنه ذنب ولكن جهل كنه عقوبته. {ثم يتوبون من قريب} وهو قبل ~~معاينة أحوال الموت؛ {فأولئك يتوب الله عليهم} وعد وإعلام بأن الغفران كائن ~~لا محالة، مهما كانت التوبة في ذلك الوقت لأنها تكون باختيار العبد لا ~~اضطرارا (¬2) ، حتى يعاين أحوال الهلاك، فإذا تاب في ذلك الحين فإنها تكون ~~اضطرارا (¬3) . {وكان الله عليما} بعزمهم على التوبة، {حكيما(17)} حكم بأن ~~يكون الندم توبة. # {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال: إني ~~تبت الآن} أي: ولا توبة للذين يذنبون ويسوفون توبتهم إلى أن يزول حال ~~التكليف، بحضور أسباب الموت لأنها توبة اضطرار، ولا تصح التوبة إلا لمختار ~~لأنها عمل، {ولا الذين يموتون وهم كفار} قيل: هم المشركون والمنافقون. ~~{أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما(18)} هيأنا، من العتيد وهو الحاضر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يعلمون»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «لاضطرارا»، وهو خطأ. # (¬3) - ... في الأصل: «اضطرار»، وهو خطأ، فهو خبر “تكون” منصوب. PageV01P216 # يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها، ولا تعضلوهن ~~لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} وهو أن يعاضلها (¬1) بسوء العشرة لتفتدي منه. ~~قيل: كان الرجل إذا تزوج امرأة ولم تكن من حاجته، حبسها مع سوء العشرة ~~ليرثها، أو لتفتدي منه بمالها وتختلع، كما يفعله بعض الجهلة في بعض أزواجهم ~~ليرثها. وقيل: كان وارث الرجل يرث زوجته أيضا وإن كرهت، فأنزل الله: {يا ~~أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها}. {إلا أن يأتين بفاحشة} ~~إلا أن ms0144 تكون سوء العشرة من جهتهن فقد عذر في قبول الفدية. {مبينة، وعاشروهن ~~بالمعروف} وهو الإنصاف في المبيت والنفقة والإجمال في القول ورفع الأذى، ~~{فإن كرهتموهن} من قبل اختلاف القلوب والأحوال؛ {فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل ~~الله فيه} ذلك الشيء أو في الكره، {خيرا كثيرا(19)} قيل المعنى: فإن ~~كرهتموهن فلا تفارقوهن لكراهة الأنفس [92] وحدها، وليكن نظركم إلى ما هو ~~أصلح للدين وأدنى إلى الخير، والمعنى: فإن كرهتموهن فاصبروا عليهن وإن كان ~~أسلم للدين وعسى فيه الخير لقوله: {وعسى (¬2) أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} ~~(¬3) وليكن السعي للنظر في أسباب الصلاح. # {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} إن أوجب النظر ذلك وكان أصلح لأسباب ~~الدين، {وآتيتم إحداهن قنطارا} مالا؛ {فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا ~~وإثما مبينا(20)} بينا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... يمكن أن نقرأ: «يعاملها». # (¬2) - ... في الأصل: «فعسى»، وهو خطأ. # (¬3) - ... سورة البقرة: 216. PageV01P217 # وكيف تأخذونه، وقد أفضى بعضكم إلى بعض} أي: خلا بلا حائل، {وأخذن منكم ~~ميثاقا غليظا(21)} وهو الإمساك بالمعروف والتسريح بالإحسان، والله أخذ هذا ~~الميثاق على عباده لأجله فهو كأخذهن، أو قول النبي - عليه السلام - : ~~«استوصوا بالنساء خيرا؛ فإنهن عوان في أيديكم، أخذتموهن بأمانة الله، ~~واستحللتم فروجهن بكلمة الله» (¬1) . # {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف، إنه كان فاحشة ~~ومقتا} قيل: بغضا، {وساء سبيلا(22)} وبئس الطريق طريقا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... دمج المصنف حديثين في حديث واحد: # ... الأول: «...واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن خلقن من ضلع وإن أعوج شيء في ~~الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج؛ فاستوصوا بالنساء ~~خيرا». البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء؛ وكتاب النكاح. مسلم: كتاب الرضاع. ~~الترمذي: كتاب الرضاع؛ وكتاب تفسير القرآن. ابن ماجه: كتاب النكاح. ~~العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «استوصوا بالنساء». # ... الثاني: ما ورد في حجة الوداع: «...فاتقوا الله في النساء فإنكم ~~أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله...» مسلم: كتاب الحج، ~~رقم 2137. أبو داود: كتاب المناسك، رقم 1628. ابن ماجه: المناسك، رقم 3065. ~~أحمد: مسند البصريين، رقم 19774. الدارمي: كتاب المناسك، رقم 1778. ~~العالمية: موسوعة الحديث، مادة ms0145 البحث: «أخذتموهن بأمان الله». PageV01P218 # حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات ~~الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وأخواتكم من الرضاعة، وأمهات نسائكم، ~~وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فإن لم تكونوا ~~دخلتم بهن فلا جناح عليكم، وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم، وأن تجمعوا ~~بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما(23)} قيل: إن أهل ~~الجاهلية كانوا يعرفون هذه المحرمات إلا نكاح امرأة الأب، والجمع بين ~~الأختين، ولذا قال فيهما: {إلا ما قد سلف}. # {والمحصنات من النساء} قيل: المتزوجات، لأنهن أحصن فروجهن بالتزوج، كأنهن ~~جعلن عليها حصنا لئلا يستباح سلطان الشهوة. {إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله ~~عليكم} أي: كتب الله ذلك كتابا عليكم وفرضه فرضه (¬1) . {وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم} سوى ما حرم، {أن تبتغوا بأموالكم محصنين} متعففين {غير مسافحين} لئلا ~~تضيعوا أموالكم، وتفقروا أنفسكم في ما لا يحل لكم؛ فتخسروا دنياكم ودينكم، ~~والإفساد أعظم من الجمع بين الخسرانين؛ والإحصان: العفة وتحصين النفس من ~~الحرام؛ والمسافح: الزاني، من السفح وهو صب المني. {فما استمتعتم} ما ~~أنفقتم وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح الصحيح، {به منهن فآتوهن أجورهن ~~فريضة} أي: فرض ذلك فريضة، {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من (¬2) بعد ~~الفريضة} فيما تحط عنه من المهر، أو تهب له. {إن الله كان عليما} بالأشياء ~~قبل خلقها، {حكيما(24)} فيما فرض من عقد النكاح الذي به حفظت الأنساب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل ولعل الصواب: - «فرضه»، أو يصحح: «فرضا». # (¬2) - ... في الأصل: - «من»، وهو خطأ. PageV01P219 # ومن لم يستطع منكم طولا} فضلا، يقال لفلان: علي طول أي: علي فضل، {أن ~~ينكح المحصنات المؤمنات} الحرائر المسلمات، {فمن ما ملكت أيمانكم من ~~فتياتكم المؤمنات} أي: فينكح مملوكة من الإماء المسلمات، {والله أعلم ~~بإيمانكم} فيه تنبيه على قبول ظاهر إيمانهن. {بعضكم من بعض} أي: (¬1) لا ~~تستنكفوا من نكاح الإماء، فكلكم بنوا آدم، وهو تحذير عن التعيير بالأنساب ~~والتفاخر بالأحساب. # {فانكحوهن بإذن أهلهن} مواليهن (¬2) ، {وآتوهن أجورهن بالمعروف} وأدوا ~~إليهن مهورهن بغير مطل وضرار، ms0146 {محصنات} عفائف، {غير مسافحات} زوان علانية، ~~{ولا متخذات [93] أخدان} زوان سرا، والأخدان: الأخلاء في السر. {فإذا أحصن} ~~بالتزويج، {فإن أتين بفاحشة} زنا، {فعليهن نصف ما على المحصنات} أي: ~~الحرائر، {من العذاب} من الحد. {ذلك لمن خشي العنت منكم} لمن خاف الإثم ~~الذي يؤدي إليه غلبة الشهوة؛ وأصل العنت: انكسار العظم بعد الجبر؛ واستعير ~~لكل مشقة وضرر، ولا ضرر أعظم من مواقعة الإثم؛ وعن ابن عباس: «هو الزنا، ~~لأنه سبب الهلاك». {وأن تصبروا} أي: وصبركم على نكاح الإماء، {خير لكم}، ~~لأن فيه إرقاق الولد، وفي الحديث: «الحرائر صلاح البيت، والإماء (¬3) هلاك ~~البيت» (¬4) ، {والله غفور} يستر المحفوظ، {رحيم(25)} يكشف المحذور. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الحاشية: «والأعضاء عن البواطن»، ولم يظهر محلها من المتن، ~~إذ لم يحل إليها. # (¬2) - ... في الأصل: «موالهن»، وهو خطأ. # (¬3) - ... في الأصل: «لاماء»، وهو خطأ. # (¬4) - ... لم نعثر عليه في الربيع ولا في الكتب التسعة. PageV01P220 # يريد الله ليبين لكم} ما هو خفي عليكم من مصالحكم، وأفاضل أعمالكم، وما ~~يقربكم إليه، {ويهديكم سنن الذين من قبلكم} وأن يهديكم مناهج من كان قبلكم ~~من الأنبياء والصالحين، والطرق التي سلكوها في دينهم، لتقتدوا بهم، {ويتوب ~~عليكم} ويوفقكم للتوبة عما كنتم عليه من الخلاف، {والله عليم} بمصالح ~~عباده، {حكيم(26)} فيما شرع لهم. # {والله يريد أن يتوب عليكم} إرادة علم وأمر، لأن الله فرض على جميع ~~المذنبين أن يتوبوا إليه، خلاف المتتبعين للشهوات، كما قال: {ويريد الذين ~~يتبعون الشهوات}، يعم جميع أهل الباطل؛ {أن تميلوا ميلا عظيما(27)} يعني: ~~الفجرة، فإن اتباع الشهوات الائتمار لها، وأما المتعاطي لما سوغه الشرع ~~منها دون غيره فهو متبع له في الحقيقة لا لها، والميل: هو الميل عن القصد ~~للحق، ولا ميل أعظم منه، بمساعدتهم وموافقتهم على اتباع الشهوات. # {يريد الله أن يخفف عنكم} أي: يسهل عليكم في أحكام الشرع مؤنه سهلة ~~بإحلال نكاح الأمة وغيره والرخص. {وخلق الإنسان ضعيفا(28)} لا يصبر عن ~~الجماع، يحتمل هذا الوصف لجنس الكافر كما قال: {والعصر إن الإنسان لفي خسر} ~~(¬1) لأن من أيده الله ببصيرة لا يكون ms0147 ضعيفا، لأن من خفف الله عليه لا يجوز ~~إلا أن يكون قويا، لما يسره (¬2) الله له وخففه عليه، ولكن جميع الشهوات ~~مؤتيها حقيقة في حق المطيع وجميع العصاة ضعفاء عن المخالفة للشهوات، لقوله: ~~{ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} لا يصبر عن الجماع. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة العصر: 1-2. # (¬2) - ... في الأصل: «سره»، وهو خطأ. PageV01P221 # يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} بما لم تتحه ~~الشريعة، {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} إلا ما صح به [عن] طيبة النفس؛ ~~والتراضي: رضى المتبايعين. {ولا تقتلوا أنفسكم} من كان من جنسكم من ~~المؤمنين، لأن المؤمنين كنفس واحدة، أو لا يقتل الرجل نفسه كما يفعله بعض ~~الجهلة؛ أو لا تتبعوا هواها فتقتلوها؛ أو لا ترتكبوا ما يوجب القتل، وكل ~~ذلك يخرج بالحق وللحق وفي الحق. {إن الله كان بكم رحيما(29)} ولرحمته بكم ~~نبهكم على ما فيه صيانة أموالكم وبقاء أبدانكم لعبادته. # {ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا، وكان ذلك على الله ~~يسيرا(30)} قال أبو سعيد: «فموافقة الظلم والعداون لما يخرج على غير وجه ~~الرضى وتعارف المتعارفين في ذلك من أفعالهم في أموال بعضهم البعض، هو من ~~وجه العدوان والظلم؛ وما كان من العدوان والظلم فقد ثبت فيه مجملا الوعيد ~~واللعن من الله»، فلذلك ذهب حسب من ذهب إلى أنه كبير، ولم ينزله منزلة ~~الصغير، لأنه قد ثبت فيه الوعيد واللعن، وصار لا يحمل (لعله) على غيره. # {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه، نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا ~~كريما(31)} حسن التوفيق، ومثله: {وقل رب أدخلني مدخل صدق} (¬1) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الإسراء: 80. PageV01P222 # ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} بما خص به بعضكم دون بعض، لأن ~~ذلك التفضيل قسمة من الله صادرة عن حكمة وتدبير، وعلم بأحوال العباد، وما ~~ينبغي لكل من بسط في الرزق أو قبض أن يرضى بما قسم له، ويسعى لما خلق له، ~~ولا يحسد غيره على ما خص به؛ فالحسد: أن يتمنى [94] أن يكون ذلك الشيء ms0148 له ~~ويزول عن صاحبه؛ والغبطة: أن يتمنى مثل ما لغيره، وهو مرخص فيه في حال ما ~~يمكن، وأما فيما لا يمكن مثل أن يتمنى الرجال ما للنساء، أو النساء ما ~~للرجال، فذلك ما لا يجوز؛ ولعل النهي متوجه في ذلك، وذلك مما يروى أن أم ~~سلمة وغيرها قالت: «يا ليتنا كنا رجالا، فجاهدنا وغزونا وكان لنا مثل أجر ~~الرجال». # {للرجال نصيب مما اكتسبوا، وللنساء نصيب مما اكتسبن} معناه: أن الرجال ~~والنساء في الأجر في الآخرة سواء؛ وذلك أن الحسنة تكون بعشر أمثالها، يستوي ~~فيها الرجال والنساء، وإن فضل الرجال في الدنيا على النساء في حال؛ وقيل: ~~معنى {للرجال نصيب مما اكتسبوا} من أمر الجهاد، {وللنساء نصيب مما اكتسبن} ~~من طاعة الأزواج، وحفظ الزينة، وعلى مشقة الولادة ورضاع الولد وتربيته. ~~{واسألوا الله من فضله} قيل: من رزقه، وقيل: من عبادته، وهو سؤال التوفيق ~~للعبادة، ولا تتمنوا ما للناس من الفضل. {إن الله كان بكل شيء عليما(32)} ~~فالتفضيل عن علم بمواضع الاستحقاق. # { PageV01P223 ولكل} أحد، أو لكل مال، {جعلنا موالي} وارثا يلونه، {مما ~~ترك الوالدان والأقربون} أي: من مال تركه الوالدان والأقرب ون. {والذين ~~عقدت (¬1) أيمانكم} عاقدتهم، والمعاقدة: المحالفة، وذلك قيل: إن الرجل كان ~~في الجاهلية يعاقد الرجل، فيقول: دمي دمك، وحزبي حزبك، وسلمي سلمك، وترثني ~~وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من مال ~~الحليف، وكان ذلك ثابتا في أول الإسلام لقوله تعالى: {فآتوهم نصيبهم} أي: ~~أعطوهم حظهم من الميراث؛ ثم نسخ ذلك بقوله: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض في كتاب الله} (¬2) . {إن الله كان على كل شيء شهيدا(33)} أي: هو عالم ~~الغيب والشهادة، وهو أبلغ وعد ووعيد. # {الرجال قوامون على النساء} يقومون عليهن بالأمر والنهي والإصلاح، كما ~~يقوم الولاة على الرعايا. {بما فضل الله بعضهم على بعض} بالعقل والعزم ~~والحزم والنبوة والخلافة والإمامة وغير ذلك، مما خصوا به دونهن. {وبما ~~أنفقوا من أموالهم، فالصالحات قانتات} مطيعات قائمات بما عليهن للأزواج، ~~{حافظات للغيب} بحواجب الغيب، وهو خلاف ms0149 الشهادة؛ أي: إذا كان الأزواج غير ~~شاهدين لهن، حفظن ما يجب عليهن حفظه في حال الغيبة، من الفروج والبيوت ~~والأموال؛ وقيل: للغيب: للأسرار. {بما حفظ الله} بما حفظهن الله، خبر؛ أو ~~أوصى بهن الأزواج؛ أو بما حفظهن الله وعصمهن ووفقهن بحفظ الغيب؛ أو بحفظ ~~الله إياهن حيث صيرهن كذلك. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «عاقدت»، على قراءة ورش، والملاحظ أن المصنف اعتمد ~~عموما على رواية حفص، ففضلنا إثباتها على ما جرى عليه في غالب الكتاب. # (¬2) - ... سورة الأنفال: 80. PageV01P224 # واللاتي تخافون نشوزهن} عصيانهن، وترفعهن عن طاعة الأزواج، {فعظوهن} ~~خوفوهن عقوبة الله، والعظة: كلام يلين القلوب القاسية، ويرغب الطبائع ~~النافرة، {واهجروهن} إن لم يؤثر فيهن الوعظ، وذلك بمعنى الأدب يراد به لا ~~غير. {في المضاجع} في المراقد، أي: لا تدخلوهن تحت اللحف، أو هو كناية عن ~~الجماع، أو هو أن يوليها ظهره في المضجع، لأنه لم يقل: «عن المضاجع»، ~~{واضربوهن} ضربا غير مبرح. أمر بوعظهن أولا، ثم بهجرانهن في المضاجع ثانيا، ~~ثم بالضرب ثالثا، إن لم يؤثر فيهن الوعظ والهجران؛ فالأول أرفق من الثاني، ~~والثاني أرفق من الثالث، والثالث [95] أرفق من الطلاق، والطلاق أولى من ~~العصيان فيهن. {فإن أطعنكم} بترك النشوز، {فلا تبغوا عليهن سبيلا} فأزيلوا ~~عنهن التعرض بالأذى، {إن الله كان عليا كبيرا(34)} أي: إن علت أيديكم عليهن ~~فاعلموا أن قدرته عليكم أعظم من قدرتكم عليهن؛ فاجتنبوا ظلمهن؛ أو {إن الله ~~كان عليا كبيرا} وإنكم تعصونه على علو شأنه وكبرياء سلطانه، ثم تتوبون ~~فيتوب عليكم؛ فأنتم أحق بالعفو عمن يجني عليكم، إذا رجع فا (¬1) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، وفيه سقط واضح. PageV01P225 # وإن خفتم شقاق بينهما} عداوة وخلافا، {فابعثوا حكما من أهله} رجلا يصلح ~~للحكومة والإصلاح بينهما، {وحكما من أهلها} وإنما كان بعث الحكمين من ~~أهلهما، لأن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال، وأطلب للصلاح، ونفوس الزوجين ~~أسكن إليهم، فيبرزان ما في ضمائرهما من الحب والبغض، وإرادة الصحبة ~~والفرقة، والضمير في {إن يريدا إصلاحا} للحكمين وفي: {يوفق الله بينهما} ~~للزوجين، أي: إن قصدا إصلاح ذات البين، وكانت ms0150 نيتهما صحيحة بورك في ~~وساطتهما، وأوقع الله بحسن سعيهما بين الزوجين الألفة والوفاق، وألقى في ~~نفوسهما المودة والاتفاق. أو الضميران للحكمين، أي: إن قصدا إصلاح ذات ~~البين والنصيحة للزوجين، {يوفق الله بينهما} فيتفقان على الكلمة الواحدة، ~~حتى يتم المراد. أو الضميران للزوجين إن يريدا إصلاح ما بينهما وطلب الخير، ~~وأن يزول عنهما الشقاق يلقي الله بينهما الألفة، وأبدلهما بالشقاق الوفاق، ~~وبالبغضاء المودة، وقد وعد الله التوفيق لمن أراد الإصلاح منهما، {إن الله ~~كان عليما خبيرا(35)} بإرادة الحكمين والخصمين. # { PageV01P226 واعبدوا الله} العبودية، أن يوحدوه ويطيعوه في الأحوال ~~كلها، مخلصين له الدين حنفاء، {ولا تشركوا به شيئا} صنما، أو شيئا من الشرك ~~جليا أو خفيا، أو شيئا من كبائر الذنوب. {وبالوالدين إحسانا} أحسنوا بهما ~~إحسانا، بالقول والفعل والإنفاق عليهما، مع القدرة عند الاحتياج، {وبذي ~~القربى} وبكل من بينكم وبينه قربى، من أخ أو عم أو غيرهما، {واليتامى ~~والمساكين والجار ذي القربى} قيل: الجار النسيب، وقيل: القريب الجوار، ~~{والجار الجنب} الذي جواره أبعد، أو الأجنبي، {والصاحب بالجنب} قيل: الصاحب ~~في السفر، أو الذي صحبك أن حصل بجنبك، إما رفيقا في السفر، أو شريكا في ~~تعلم علم، أو غيره، أو قاعدا إلى جنبك في مجلس أو مسجد، فعليه أن يراعى ~~حقه. {وابن السبيل} المسافر به، أو الضيف، {وما ملكت أيمانكم} العبيد ~~والإماء وبقية الحيوانات. {إن الله لا يحب من كان مختالا} متكبرا، يأنف عن ~~القيام بأمر الله، {فخورا(36)} يعدد مناقبه كبرا، وهو التياه الجهول الذي ~~يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه؛ والفخور: الذي يفخر بكثرة ماله. # {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} أي: يبخلون بذات أيديهم، وبما في ~~أيد[ي] غيرهم، فيأمرونهم بأن يبخلوا به مقتا للسخاء، قيل البخل: أن يأكل ~~بنفسه، ولا يؤكل غيره، والشح: أن يأكل (¬1) ولا يؤكل، والسخاء: أن يأكل ~~ويؤكل، ويجوز أن يؤكل ولا يأكل، إلا إذا كان الأكل أفضل من الإمساك. ~~{ويكتمون ما آتاهم الله من فضله} ويخفون ما أنعم الله عليهم به من مال أو ~~علم، {وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا(37)} أي: ms0151 يهانون به. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «أن لا يأكل»، وإلا فلا فرق بين ~~البخل والشح. PageV01P227 # والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس}[96] رئاء الناس أي: المراآة والفخار، ~~وليقال: إنهم أسخياء، لا لوجه الله، أي: للفخر وليقال (¬1) : ما أجودهم! لا ~~ابتغاء وجه الله، {ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} إيمانا بالقلوب، ~~{ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا(38)} كل من استجاب له في دعوة وأطاعه ~~كان قرينه، لأن الشيطان لا يفارق أحدا من الإنس المؤمنين والكافرين منهم ~~طرفة عين، ولكن إذا لم يطعه ولم يتابعه في وساوسه كان وجوده كعدمه، لأنه لا ~~يضره مقارنته بل تنفعه، لأنه إذا دعاه ووسوس له فلم يتابعه كان ذلك من أكبر ~~الجهاد، وكان له درجات، وللشيطان بدعوته له دركات. # {وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر، وأنفقوا مما رزقهم الله} ~~معناه: وأي تبعة ووبال عليهم في الإيمان والإنفاق في سبيل الله، وهو ذم ~~وتوبيخ، {وكان الله بهم عليما(39)} فيجازيهم على إيمانهم، وإنفاقهم في ~~الآخرة. # {إن الله لا يظلم مثقال ذرة} لا ينقص من الأجر ولا يزيد في العقاب أصغر ~~شيء كالذرة، وهي النملة الصغيرة، وقيل: كل جزء من أجزاء الهباء في الكوة ~~(¬2) ذرة؛ وفي هذا دلالة على أنه لو نقص من الأجر أدنى شيء، أو يزيد على ~~المستحق من العقاب لكان ظلما؛ والمثقال: “مفعال” من الثقل. {وإن تك حسنة} ~~وإن يك مثقال الذرة حسنة {يضاعفها} يضاعف ثوابها، {ويؤت من لدنه أجرا ~~عظيما(40)} ويعطى صاحبها من عنده على سبيل التفضل ثوابا عظيما، وما وصفه ~~الله بالعظم فمن يعرف مقداره مع أنه سمى متاع الدنيا قليلا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «واليقال»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، والمقصود بالكوة: الشعاع الذي يدخل البيت من ~~خلال الكوة، لا الكوة نفسها. PageV01P228 # فكيف} يصنع هؤلاء الكفرة، {إذا جئنا من كل أمة بشهيد} يشهد عليهم بما ~~فعلوا، وهو نبيهم أو عالم زمانهم، {وجئنا بك} يا محمد {على (¬1) هؤلاء} أي: ~~أمتك {شهيدا(41)} أي: شاهدا على من آمن، وعلى من كفر. وعن ابن مسعود أنه ms0152 ~~قرأ سورة النساء على النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ قوله: {وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا} فبكى رسول الله، وقال: «حسبنا» (¬2) ، فانظر في هذه ~~الحالة إذا كان الشاهد يبكي لهول هذه المقالة، فماذا ينبغي أن يصنع المشهود ~~عليه، والانتهاء عن كل ما يستحى منه على رؤوس الأشهاد. # {يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض} لو يدفنون فتسوى ~~بهم الأرض كما تسوى بالموتى، {ولا يكتمون الله حديثا(42)} أي: لا يقدرون ~~على كتمانه، لأن جوارحهم تشهد عليهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: -«على»، وهو خطأ. # (¬2) - ... رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن، عن عبدالله بن مسعود قال: ~~قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم - : «اقرأ علي»، قلت: «يا رسول الله ~~آقرأ، عليك وعليك أنزل»؟ قال: «نعم»، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه ~~الآية: { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} قال: ~~«حسبك الآن»، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان. رقم 4662. ورواه البخاري أيضا ~~في كتاب تفسير القرآن. ومسلم: صلاة المسافرين. الترمذي: تفسير القرآن. ابن ~~ماجه: الزهد. أحمد: مسند المكثرين من الصحابة. العالمية: موسوعة الحديث، ~~مادة البحث: «{وجئنا بك على هؤلاء شهيدا}». PageV01P229 # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} أي: لا تقربوها في ~~هذه الحالة {حتى تعلموا} بالقلوب {ما تقولون} أي: تقرؤون، ومن ذلك أن يأتي ~~الصلاة وهو مشغول البال، إلا ما لا يقدر على دفعه بقوة البشر، من الوساوس ~~الشيطانية. {ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} وفي الآية تنبيه على أن ~~المصلي ينبغي أن يتحرر عما يلهيه، ويشغل قلبه ويزكي نفسه مما يجب تطهيرها ~~منه. {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم ~~النساء فلم تجدوا ماء} تقدرون على استعماله لعدمه أو بعده، أو فقد آلة ~~الوصول إليه، أو لمانع، أو خوف من حية أو سبع أو عدو؛ {فتيمموا صعيدا طيبا؛ ~~فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا} بالترخيص والتيسير، {غفورا(43)} ~~عن الخطإ والتقصير لمن تاب منه. ms0153 # {ألم تر} من رؤية القلب [97]، {إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب} حظا من ~~علم التوراة، {يشترون الضلالة} يستبدلونها بالهدى {ويريدون أن تضلوا} أنتم ~~أيها المؤمنون {السبيل(44)} أي: سبيل الحق. # {والله أعلم} منكم {بأعدائكم} وقد أخبركم بعداوة هؤلاء؛ فاحذروهم، ولا ~~تنتصحوهم في أموركم، {وكفى بالله وليا} في النفع، {وكفى بالله نصيرا(45)} ~~في الدفع. # { PageV01P230 من الذين هادوا} بيان للذين أوتوا نصيبا من الكتاب، ~~{يحرفون الكلم عن مواضعه} يميلونه ويزيلونه عن مواضعه، لأنهم إذا بدلوه ~~ووضعوا مكانه كلما غيره، فقد أمالوه عن مواضعه التي وضعها الله فيها ~~وأزالوه عنها. {ويقولون: سمعنا} قولك، {وعصينا} أمرك، قيل: أسروا به، ~~{واسمع} قولنا، {غير مسمع} أي: اسمع منا ولا نسمع منك، {غير مسمع} أي: غير ~~مقبول منك، وقيل: كانوا يقولون للنبي - عليه السلام - : اسمع، ثم يقولون ~~(¬1) في أنفسهم: لا سمعت. {وراعنا} يحتمل راعنا نكلمك، أي: ارقبنا (¬2) ~~وانتظرنا، وقيل: غير ذلك، {ليا بألسنتهم} فتلا بها وتحريفا، أي: يفتلون ~~بألسنتهم الحق إلى الباطل، أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما ~~يظهرونه من التوقير نفاقا {وطعنا في الدين} أي: قدحا فيه هو قولهم (¬3) : ~~«لو كان نبيا حقا لأخبرنا بما نعتقد فيه». {ولو أنهم قالوا: سمعنا وأطعنا} ~~ولم يقولوا: وعصينا، {واسمع}، ولم يلحقوا به {غير مسمع، وانظرنا} مكان ~~راعنا، {لكان} قولهم ذلك، {خيرا لهم} عند الله {وأقوم} وأعدل؛ {ولكن لعنهم ~~الله بكفرهم} طردهم وأبعدهم عن مراشد أمورهم، بسبب اختيارهم الكفر؛ {فلا ~~يؤمنون إلا قليلا(46)} لأن منهم [من] قد آمن أولا إيمانا قليلا ضعيفا لا ~~ينفع، أو إيمانا بشيء دون شيء. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يقولو» وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «اراقبنا»، وهو خطأ. # (¬3) - ... في الأصل: «قلولهم»، وهو خطأ. PageV01P231 # يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا} (¬1) يعني: القرآن، {مصدقا ~~لما معكم} يعني: التوراة، {من قبل أن نطمس وجوها} قال ابن عباس: «يجعلها ~~كخف البعير»، وقال قتادة: «يعمها» (¬2) ، والمراد بالوجه: العين؛ {فنردها ~~على أدبارها} فنجعلها على هيئة أدبارها، وهي الأقفاء مطموسة، وفي الحقيقة ~~هي عين القلب التي يبصر بها حقائق الأشياء، والرد ms0154 على أدبارها هو الضلال عن ~~الحق، كما قال: {أفمن يمشي مكبا على وجهه...} (¬3) الآية. {أو نلعنهم كما ~~لعنا أصحاب السبت} فنجعلهم قردة وخنازير، {وكان أمر الله} أي: المأمور به، ~~{مفعولا(47)} كائنا لا محالة ما أوعد إن لم يؤمنوا. # {إن الله لا يغفر أن يشرك به} إن مات عليه، بأي شرك كان، {ويغفر ما دون ~~ذلك} إن تاب منه بلسان مقاله، أو لسان حاله، أو يخرج في هذا الصغائر لمن ~~اجتنب الكبائر، والأول يعم الكبائر. {لمن يشاء} وأهل مشيئته التائبون، {ومن ~~يشرك بالله} أي شرك كان؛ {فقد افترى إثما عظيما(48)} كذب كذبا عظيما، وهو ~~مفتر في زعمه أن العبادة يستحقها غير الله سبحانه، وقد استحق به عذابا عظيما. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «أنزلنا»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «يعميها». # (¬3) - ... سورة الملك: 22؛ وتمامها: {أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن ~~يمشي سويا على صراط مستقيم}. PageV01P232 # ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} ويدخل فيها كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء ~~العمل، وزيادة الطاعة والتقوى، {بل الله يزكي من يشاء} إعلام بأن تزكية ~~الله هي التي يعتد بها، لا تزكية الإنسان نفسه، لأنه هو العالم بمن هو أهل ~~للتزكية، ونحوه: {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} (¬1) ونحوه: {صبغة ~~الله ومن أحسن من الله صبغة} (¬2) . {ولا يظلمون فتيلا(49)} قدر فتيل، هو ~~ما يحدث بفتل الأصابع من الوسخ. # {انظر كيف يفترون على الله الكذب} في زعمهم أنهم عند الله أزكياء مع ~~ارتكابهم لشيء من مناهيه، {وكفى به إثما مبينا(50)} ظاهرا غير [98] خفي. # {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت} أي: الأصنام، ~~وكل ما عبد من دون الله. ومن كتب أصحابنا: «وسألته عن الجبت والطاغوت فقال: ~~أما الجبت فحيي بن أخطب»، {والطاغوت} الشيطان، {ويقولون للذين كفروا: هؤلاء ~~أهدى من الذين آمنوا سبيلا(51)}. # {أولئك الذين لعنهم الله} أبعدهم من رحمته، {ومن يلعن الله؛ فلن تجد له ~~نصيرا(52)} يعتد بنصره. ثم وصف اليهود بالبخل والحسد، وهما من شر الخصال: ~~يمنعون مالهم، ويتمنون مال غيرهم، ms0155 فقال: {أم لهم نصيب من الملك؛ فإذا لا ~~يؤتون الناس نقيرا(53)} أي: لو كان لهم نصيب من الملك أي: ملك أهل الدنيا ~~أو ملك الله، فإذا لا يؤتون أحدا مقدار نقير، لفرط بخلهم؛ والنقير: النقرة ~~في ظهر النواة، وهو مثل في القلة كالفتيل. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النجم: 32. # (¬2) - ... سورة البقرة: 138. PageV01P233 # أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله} بل أيحسدون رسول الله ~~والمؤمنين على إنكار الحسد واستقباحه؟ وكانوا يحسدونهم على ما أتاهم الله ~~من الهداية والنصرة، والغلبة وازدياد العز، والتقدم كل يوم. {فقد آتينا آل ~~إبراهيم الكتاب والحكمة، وآتيناهم ملكا عظيما(54) فمنهم من آمن به، ومنهم ~~من صد عنه} أعرض عنه، مع علمه بصحته، {وكفى بجهنم سعيرا(55)} للمعرضين. # {إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا، كلما نضجت جلودهم} احترقت، ~~{بدلناهم جلودا غيرها} غير الجلود المحترقة، قيل: تبدل في ساعة مائة مرة، ~~{ليذوقوا (¬1) العذاب} ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع؛ والعذاب في الحقيقة للنفس ~~العاصية المدركة الآلة (¬2) . {إن الله كان عزيزا} غالبا بالانتقام، لا ~~يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين، {حكيما(56)} فيما يفعل. # {والذين آمنوا وعملوا الصالحات، سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا، لهم فيها أزواج مطهرة} من كل ما تكرهه النفوس وتعافه، ~~لأنها وما فيها بالعكس، {وندخلهم ظلا ظليلا(57)}. # {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} قيل: قد دخل في هذا الأمر ~~أداء الفرائض التي هي أمانة الله تعالى التي حملها الإنسان، وحفظ الحواس ~~التي هي ودائع الله. {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، إن الله نعما ~~يعظكم به} قيل: نعم شيء يعظكم به. وقيل: نعما يعظكم به ذاك، وهو المأمور به ~~من أداء الأمانات (¬3) والعدل في الحكم، {إن الله كان سميعا بصيرا(58)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «ليذقوا» وهو خطأ. # (¬2) - ... يمكن أن نقرأ: «الإله». # (¬3) - ... في الأصل: «الأمات»، وهو خطأ. PageV01P234 # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} أي: ~~الولاة والعلماء، لأن أمرهم ينفذ على الأمراء، {فإن تنازعتم في شيء فردوه ~~إلى الله} أي: إلى كتابه، ms0156 {والرسول} إلى سنته، {إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر} أي: إن الإيمان يوجب الطاعة دون العصيان، ودلت على أن طاعة ~~الأمراء واجبة إذا وافقوا (¬1) الحق؛ فإذا خالفوه فلا طاعة لهم، لقوله - ~~عليه السلام - : «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (¬2) ، {ذلك} إشارة إلى ~~الرد، أي: الرد إلى الكتاب والسنة، {خير} لكم عاجلا، {وأحسن تأويلا(59)} عاقبة. # {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك} ~~يعني: المنافقين، {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} إلى من يحكم بغير الحق، ~~وقيل: هو كعب بن الأشرف [99] سماه الله طاغوتا لإفراطه في الطغيان، ~~والطواغيت: الشياطين، أو جعل اختيار التحاكم إلى غير رسول الله، على ~~التحاكم إليه تحاكما إلى الشياطين، بدليل قوله: {وقد أمروا أن يكفروا به ~~ويريد الشيطان أن يضلهم} عن الحق، {ضلالا بعيدا(60)} مستمر (¬3) إلى الموت، ~~أو يعسر التخلص منه. # {وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول} للتحاكم. {رأيت ~~المنافقين يصدون عنك صدودا(61)} يعرضون عنك إلى غيرك. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «فوافقوا»، وهو خطأ. # (¬2) - ... رواه أحمد عن علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ~~طاعة لمخلوق في معصية الله عز وجل». مسند العشرة المبشرين بالجنة، رقم ~~1041؛ مسند المكثرين من الصحابة، رقم 3694؛ مسند البصريين، رقم 19732، 19735. # (¬3) - ... في الأصل: «مستمر». PageV01P235 # فكيف إذا أصابتهم مصيبة} الموت {بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله، ~~إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا(62)} بين الخصمين. # {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم} من المرض والنفاق والهوى بغير ~~الحق، وضد ما قالوا. {فأعرض عنهم، وعظهم} بالموعظة الحسنة، {وقل لهم في ~~أنفسهم قولا بليغا(63)} يبلغ فيهم بإقامة الحجة عليهم، ويجافيهم عن الإقامة ~~على إعراضهم، وينصح لهم ويبالغ فيهم بالترغيب والترهيب. # {وما أرسلنا من رسول} أي: رسولا قط، {إلا ليطاع بإذن الله} بتوفيقه في ~~طاعته وتيسيره، أو بسبب إذن الله في طاعته، وبأنه أمر، وبأنه المبعوث إليهم ~~أن يطيعوه. {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم} بالمخالفة، {جاءوك} تائبين من ~~النفاق، معتذرين عما ارتكبوا من الشقاق. {فاستغفروا الله، واستغفر لهم ~~الرسول ms0157 لوجدوا الله توابا} أي: التائب عليهم، {رحيما(64)} حيث يقبل التوبة ~~ممن عصاه. # { PageV01P236 فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} فيما اختلف ~~بينهم، واختلط والتبس عليهم حكمه، ومنه الشجر لتدخل (¬1) أغصانه، {ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا} ضيقا، {مما قضيت} أي: لا تضيق صدورهم من حكمك، أو ~~شكا، لأن الشاك في ضيق من أمره، حتى يلوح له اليقين، وقيل: سخطا، أي: لم ~~ترض أنفسهم بذلك. {ويسلموا تسليما(65)} وينقادوا لقضائك انقيادا وحقيقة، ~~سلم نفسه له وأسلمها، أي: جعلها سالمة له خالصة، و«تسليما» مصدر مؤكد للفعل ~~بمنزلة تكريره، كأنه قيل: وينقادوا لحكمك انقيادا لا شبهة فيه، بظاهرهم ~~وباطنهم، والمعنى: لا يكونون مؤمنين حتى يرضوا بحكمك وقضائك، وهو علامة ~~لانشراح صدورهم؛ فما كانوا مؤمنين أبدا حتى يستكملوا جميع ما قسم الله ~~(لعله) به عليه، فكيف يؤمن بالله ولم يحكم الله ورسوله، ووجد في نفسه حرجا ~~مما قضى به، ولم يسلم تسليما!. # {ولو أنا كتبنا عليهم} على المنافقين، {أن اقتلوا أنفسكم} أي: تعرضوا ~~بالقتل (¬2) بالجهاد، أو لو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من ~~قتلهم أنفسهم. {أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه} لنفاقهم، {إلا قليل منهم، ~~ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به} من اتباع رسول الله، والانقياد لحكمه، {لكان ~~خيرا لهم} في الدارين، {وأشد تثبيتا(66)} لإيمانهم، وأبعد من الاضطراب. ~~{وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما(67)} في الدارين، {ولهديناهم صراطا ~~مستقيما(68)} أي: لثبتناهم على الدين الحق. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «لتداخل». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «للقتل». PageV01P237 # ومن يطع الله والرسول، فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين} كأفاضل صحابة الأنبياء، والصديق: المبالغ في الصدق بظاهره [100] ~~بالمعاملة، وباطنه بالمراقبة، أو الذي يصدق قوله بفعله. يروى عن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - : «لا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند ~~الله صديقا» (¬1) . {والشهداء} والذين استشهدوا في سبيل الله، أو شهداء على ~~الناس، {والصالحين} ومن صلحت أحوالهم، وحسنت أعمالهم، {وحسن أولئك ~~رفيقا(69)} أي: وما أحسن أولئك رفيقا. {ذلك ms0158 الفضل من الله وكفى بالله ~~عليما(70)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... نصه عند مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - : «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي ~~إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، ~~وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وما ~~يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» مسلم: كتاب البر ~~والصلة والآداب، رقم4721، ورقم 4720. وروى نحوه البخاري في كتاب الأدب. ~~الترمذي: كتاب البر والصلة. أبو داود: كتاب الأدب. ابن ماجه: كتاب المقدمة. ~~أحمد: مسند المكثرين من الصحابة، من عدة طرق. مالك: الموطأ، كتاب الجامع. ~~الدارمي: كتاب الرقاق. العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «الصدق». PageV01P238 # يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم} يقال: أخذ حذره إذا تيقظ واحترز من ~~المخوف، كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه، ويعصم روحه، والمعنى: ~~احذروا واحترزوا من العدو. {فانفروا ثبات} فاخرجوا إلى العدو جماعات ~~متفرقة، سرية بعد سرية، فالثبات: الجماعات، واحدها (¬1) ثبتة، {أو انفروا ~~جميعا(71)} أي: مجتمعين، أو انفروا ثبات إذا لم يعم النفير، وانفروا جميعا ~~إذا عم النفير. # {وإن منكم لمن ليبطئن} نزلت في المنافقين، وإنما قال: «منكم» لاجتماعهم ~~مع المؤمنين في إظهار الإيمان لا في حقيقته، «ليبطئن» ليتأخرن وليتثاقلن عن ~~الخروج إلى الجهاد، ويجوز أن يكون منقولا من بطؤ؛ فيكون المعنى: ليبطئن ~~غيره، والتبطئة عن الغزو. {فإن أصابتكم مصيبة} دنيوية لأن الآية في الذين ~~آمنوا. {قال} المبطئ: {قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا(72)} حاضرا، ~~فيصيبني مثل ما أصابهم. # {ولئن أصابكم فضل من الله} فتح أو غنيمة، {ليقولن} هذا المبطئ متلهفا على ~~ما فاته من الغنيمة، لا طلبا للمثوبة: {كأن لم تكن بينكم وبينه مودة} أي: ~~معرفة سابقة، {يا ليتني كنت معهم} والمعنى: كأن لم تتقدم له معكم مودة، لأن ~~المنافقين كانوا يوادون المؤمنين في الظاهر، وإن كان (¬2) يبغون لهم ~~الغوائل في الباطن. {فأفوز فوزا عظيما(73)} فآخذ من الغنيمة حظا ms0159 وافرا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «واحدهاها»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «كانوا». PageV01P239 # فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون} يبيعون (¬1) {الحياة الدنيا بالآخرة}، ~~والمراد المؤمنون، الذين يستحبون الآجلة على العاجلة، ويستبدلونها بها، أي: ~~إن صد الذين مرضت قلوبهم وضعفت نياتهم عن القتال، فليقاتل الثابتون ~~المخلصون، أو يشترون؛ والمراد: المنافقون الذين يشترون الحياة الدنيا ~~بالآخرة، وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق، ويخلصوا الإيمان بالله ~~والرسول، ويجاهدوا في سبيل الله حق جهاده. {ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل} ~~إذا أتى بالأمر على وجهه، {أو يغلب؛ فسوف نؤتيه أجرا عظيما(74)} وعد ~~المقاتل في سبيل الله ظافرا أو مظفورا به إيتاء الأجر العظيم على اجتهاده ~~في إعزاز دين الله. # {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله} أي: وأي شيء لكم تاركين القتال، وقد ~~ظهرت دواعيه، {والمستضعفين} أي: في سبيل الله، في خلاص المستضعفين من ~~المسلمين من أيدي الكفار. و«سبيل الله» عام في كل خير، وخلاص المستضعفين من ~~المسلمين من أيدي الكفار، ومن كل نائبة عضتهم، من أعظم الخير وأخصه، ~~والمستضعفون: هم الذين أسلموا بمكة، وصدهم المشركون عن الهجرة، وعن القيام ~~بأمر دينهم ظاهرا، فبقوا بين أظهرهم مستذلين مستضعفين، يلقون منهم الأذى ~~الشديد، [101] {من الرجال والنساء والولدان} ذكر الولدان، تنحيلا [كذا] ~~بإفراط ظلمهم، حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين، إرغاما لآبائهم ~~وأمهاتهم، أو لرجاء بقائهم على الإيمان بعد بلوغهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يبغون»، وهو خطأ، وهو عكس المراد. PageV01P240 # الذين يقولون: ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها، واجعل لنا من ~~لدنك وليا} يتولى أمرنا ويستنقذنا من أعدائنا، {واجعل لنا من لدنك ~~نصيرا(75)} ينصرنا عليهم؛ كانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه؛ فيسر الله ~~لبعضهم الخروج إلى المدينة، وبقي بعضهم إلى الفتح، حتى جعل الله لهم من ~~لدنه خير ولي وناصر، وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ فتولاهم أحسن ~~التولي ونصرهم أقوى النصر. # {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله} في طاعته، {والذين كفروا يقاتلون في ~~سبيل الطاغوت} أي: الشيطان، وفي الحقيقة يقاتلون في هواء (¬1) أنفسهم، ~~{فقاتلوا أولياء ms0160 الشيطان} أي: الكفار الظاهرين والباطنين، {إن كيد الشيطان} ~~أي: وساوسه، وقيل: الكيد: السعي في فساد الحال خفية على جهة الاحتيال. {كان ~~ضعيفا(76)}، لأنه غرور لا يؤول إلى محصول كالجفاء السجري [كذا]، أو كيده في ~~مقابلة نصر الله ضعيف، ولأن كيده للمؤمنين بالإضافة إلى كيد الله للكافرين ~~ضعيف، لا يؤبه به؛ فلا تخافوا أولياءه، فإن اعتمادهم على أضعف شيء وأوهنه، ~~وكيده ضعيف لمن خالفه وقابله (¬2) بالذكر، لأنه لا سبيل له عليه، {إنما ~~سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} (¬3) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «أهواء». # (¬2) - ... يمكن أن نقرأ: «قاتله». # (¬3) - ... سورة النحل: 100. PageV01P241 # ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم} أي: عن القتال، {وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة؛ فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية ~~الله} يخافون أن يقاتلهم الكفار، كما يخافون أن ينزل الله عليهم بأسه، لا ~~شكا في الدين ولا رغبة فيه، ولكن نفورا عن الأخطار بالأرواح، أو خوفا من ~~الموت، أي: يخشون الناس مثل أهل خشية الله، أي: مشبهين لأهل خشية الله، {أو ~~أشد خشية} أو أشد خشية من أهل خشية الله، «أو» للتخيير، أي إن قلت: خشيتهم ~~الناس كخشيتهم الله فأنت مصيب، وإن قلت: إنها أشد فأنت مصيب، لأنهم حصل لهم ~~مثلها وزيادة. # {وقالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال؟ لولا أخرتنا إلى أجل قريب} هلا ~~أمهلتنا إلى الموت، فنموت على الفرش، وهو سؤال عن وجه الحكمة في فرض القتال ~~عليهم، أو لتأخير القتال عنهم، من حال إلى حال، كما قالوا: {لا تنفروا في ~~الحر} (¬1) . {قل متاع الدنيا قليل، والآخرة خير لمن اتقى} متاع الدنيا ~~قليل زائل، ومتاع الآخرة كثير دائم، والكثير إذا كان على شرف الزوال فهو ~~قليل، فكيف القليل الزائل. {ولا تظلمون فتيلا(77)} ولا تنقصون أدنى شيء من ~~أجوركم على مشاق القتل؛ فلا ترغبوا عنه. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة التوبة: 81. PageV01P242 # ثم أخبر أن الحذر لا ينجي من القدر بقوله: {أينما تكونوا يدرككم الموت، ~~ولو كنتم في بروج} حصون أو قصور، {مشيدة} مرفعة (¬1) ، والبروج في الأصل: ms0161 ~~بيوت على أطراف القصر، من “تبرجت المرأة” إذا أظهرت زينتها. {وإن تصبهم ~~حسنة} نعمة من خصب أو رخاء، {يقولوا: هذه من عند الله} ينسبوها إلى الله، ~~{وإن تصبهم سيئة} بلية من شدة أو قحط، {يقولوا: هذه من عندك} أضافوها إليك، ~~وقالوا: هي من عندك، وما كانت إلا بشؤمك، وذلك أن المنافقين [102] واليهود ~~كانوا إذا أصابهم خير حمدوا الله، وإذا أصابهم مكروه نسبوه إلى محمد، ~~فكذبهم الله بقوله: {قل: كل من عند الله} أي: كل ذلك، فهو يبسط الأرزاق ~~ويقبضها؛ {فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون} يفهمون {حديثا(78)}؛ فيعلمون ~~أن الله هو الباسط القابض. وكل ذلك صادر عن حكمة؛ فنفى عنهم فقه كل حديث ~~وهو كقوله: {لا يعقلون شيئا...} (¬2) . # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل ولعل الصواب: «مرفوعة». # (¬2) - ... سورة البقرة: 170؛ وتمامها: {وإذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل ~~الله. قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا؛ أو لو كان آباؤهم لا يعقلون ~~شيئا ولا يهتدون}. PageV01P243 # ثم قال: {ما أصابك} يا إنسان، خطابا عاما، وقيل: خاصا للنبي - عليه ~~السلام - ، والمراد غيره، {من حسنة} من نعمة وإحسان، {فمن الله} تفضلا منه ~~وامتنانا، {وما أصابك من سيئة} من بلية ومصيبة، {فمن نفسك} فمن عندك، أي: ~~مما كسبت يداك، {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} (¬1) . ويحتمل هذا ~~الخطاب لكل متعبد، ف{ما أصابك من حسنة} أي: طاعة، {فمن الله} أي: من فضله، ~~{وما أصابك من سيئة} أي: معصية فمن نفسك، لأن المعاصي لا تحال على الله، ~~وإن كانت وقعت بقضائه، لأنه زجر وحذر غاية التحذير. {وأرسلناك للناس رسولا} ~~لا مقدرا حتى ينسبوا إليك الشدة، أو أرسلناك للناس رسولا فإليك تبليغ ~~الرسالة، وليس لك الحسنة والسيئة. {وكفى بالله شهيدا(79)} بأنك رسوله. # {من يطع الرسول فقد أطاع الله}، لأنه لا يأمر ولا ينهى إلا بما أمر الله ~~به ونهى عنه، فكانت طاعته في أوامره ونواهيه طاعة الله، {ومن تولى} عن ~~الطاعات، فأعرض عنها {فما أرسلناك عليهم حفيظا(80)} تحفظ عليهم أعمالهم، ~~وتحاسبهم عليها وتعاقبهم، أو تحفظهم عن العصيان. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الشورى: ms0162 30. PageV01P244 # ويقولون} ويقول المنافقون إذا أمرتم بشيء: {طاعة}، أي... (¬1) {فإذا ~~برزوا} خرجوا {من عندك، بيت طائفة منهم} زور وسوى، فهو من البيتوتة، لأنه ~~قضاء الأمر وتدبيره بالليل، {غير الذي تقول} خلاف ما قلت أو أمرت به، ~~{والله يكتب ما يبيتون} يثبته في صحائف أعمالهم ويجازيهم عليه؛ {فأعرض عنهم ~~وتوكل على الله} في شأنهم، فإن الله يكفيك معرتهم، المعرة: المشقة والمساءة ~~(¬2) ، وينتقم لك منهم إذا قوي أمر الإسلام. {وكفى بالله وكيلا(81)} مكافئا ~~لمن توكل عليه. # {أفلا يتدبرون القرآن} أفلا يتأملون في معانيه ومبانيه، والتدبر: التأمل ~~والنظر في أدبار الأمر وما يؤول إليه في عاقبته؛ ثم استعمل في كل تأمل، ~~ومعنى تدبر القرآن: تأمل معانيه، والتفكر بصرف القلب بالنظر في الدلائل؛ ~~وهذا يرد قول من زعم من الروافض أن القرآن لا يفهم معناه إلا بتفسير ~~الرسول. {ولو كان من عند غير الله} كما زعم الكفار، {لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا(82)} أي: تناقضا من حيث التوحيد والتشريك والتحليل، وتفاوت من حيث ~~البلاغة، فكان بعضه بالغا حد الإعجاز، وبعضه قاصرا عنه يمكن معارضته؛ ومن ~~حيث المعاني فكان بعضه إخبارا لغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه إخبارا ~~مخالفا للمخبر عنه، وبعضه دالا على معنى صحيح عند علماء المعاني، وبعضه ~~دالا على معنى فاسد غير ملائم؛ فلما تناسب كله فصاحة فاتت قوى الفصحاء، ~~وصحة معان، وصدق إخبار، علم أنه من جهة الله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في العبارة سقط واضح. # (¬2) - ... في المنجد: المساءة: من ساء سواء وسوء ومساء ومساءة الأمر ~~فلانا: أحزنه أو فعل به ما يكره... PageV01P245 # وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف} هم ناس من ضعفة المسلمين [103] الذين ~~لم يكن فيهم خبرة بالأحوال، أو المنافقون كانوا إذا غلبهم خير من اسرابا ~~(¬1) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أمن وسلامة، أو خوف وخلل، ~~{أذاعوا به} أفشوه، وكانت إذاعتهم مفسدة، يقال: أذاع السر. {ولو ردوه إلى ~~الرسول، وإلى أولي الأمر منهم} يعني: كبار الصحابة البصراء بأمور الدين، ~~{لعلمه} لعلم تدبير ما أخبروا به، {الذين يستنبطونه منهم} يستخرجون تدبيره ~~بفطنهم وتجاربهم، ms0163 ومعرفتهم بالأمور، وتفرسهم في عواقبها، رد حكمه في ~~الوقائع إلى استنباطهم، فألحق رتبتهم برتبة الأنبياء، (لعله) في كشف حكم ~~الله. {ولولا فضل الله عليكم} بإرسال الرسول، {ورحمته} بإنزال الكتاب، ~~{لاتبعتم الشيطان} فيما يلقي إليكم من الوساوس، والموجبة (¬2) لضعف اليقين ~~والبصيرة. {إلا قليلا(83)} منكم وهو أهل البصائر النافذة، من ذوي الصدق ~~(لعله) واليقين. {إلا قليلا}لم يتبعوه، وكانوا آمنوا بالعقل؛ ومن ذلك دليل ~~على أن ليس بأشد على الشيطان من العالم، وأن مصيده من الجهلة الذين لا ~~يعلمون حدود ما أنزل الله على رسوله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل ولعل صواب العبارة: «إذا بلغهم خبر من أسرار ~~رسول الله (ص)»، وهو ما يتناسب وتفسير الآية. # (¬2) - ... يمكن أن نقرأ: «والموحية»، ولعل الأصوب حذف واو العطف. PageV01P246 # فقاتل في سبيل الله} لما تقدم في الآي قبلها تثبيطهم عن القتال قال: ~~{فقاتل في سبيل الله} وإن أفردوك وأوحدوك. {لا تكلف إلا نفسك} أي: لا تكلف ~~إلا تقويم نفسك، كما قال: {عليكم أنفسكم} (¬1) وهذه رحمة من الله من بها ~~على عباده. {وحرض المؤمنين} وما عليك في شأنهم إلا التحريض على القتال ~~فحسب، {عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا} أي: بطشهم وشدتهم، بقتال المؤمنين ~~الكافرين، {والله أشد بأسا} من الذين كفروا، {وأشد تنكيلا(84)} تعذيبا. # {من يشفع شفاعة حسنة} هي الشفاعة في دفع شر، أو جلب نفع، مع جوازها شرعا، ~~{يكن له نصيب منها} من ثواب الشفاعة، {ومن يشفع شفاعة سيئة} هي خلاف ~~الشفاعة الحسنة. قال ابن عباس: «ما لها مفسر غيري، معناه: من أمر بالتوحيد ~~وضده»، {يكن له كفل} نصيب، {منها وكان الله على كل شيء مقيتا(85)} مقتدرا، ~~من أقات على الشيء إذا اقتدر عليه، أو حفيظا، من القوت (¬2) ، لأنه يمسك ~~النفس ويحفظها. # {وإذا حييتم} أي: سلم عليكم؛ فإن التحية في ديننا بالسلام في الدارين، ~~{بتحية؛ فحيوا بأحسن منها أو ردوها؛ إن الله كان على كل شيء حسيبا(86)} أي: ~~يحاسبكم على كل شيء من التحية وغيرها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة المائدة: 105. # (¬2) - ... في اللسان: «القوت ما يمسك الرمق... وفي أسماء الله ms0164 تعالى ~~“المقيت” هو الحفيظ، وقيل: المقتدر، وقيل: هو الذي يعطي أقوات الخلائق...». ~~للتوسع انظر: ابن منظور: لسان العرب، 5/183. PageV01P247 # الله لا إله إلا هو ليجمعنكم} معناه: الله، والله ليجمعنكم، {إلى يوم ~~القيامة} أي: ليحشرنكم إليه، {لا ريب فيه، ومن أصدق من الله حديثا(87)} أي: ~~لا أحد أصدق منه في إخباره ووعده ووعيده، لاستحالة الكذب عليه لقبحه، لكونه ~~إخبارا (¬1) عن الشيء بخلاف ما هو عليه. # {فما لكم في المنافقين فئتين} أي: ما لكم اختلفتم في شأن قوم قد نافقوا ~~نفاقا ظاهرا، وتفرقتم فيهم فرقتين؛ وما لكم لم تقطعوا القول بكفرهم؛ قيل: ~~إن فرقة سمتهم مشركين، وفرقة سمتهم مؤمنين، فرد الله عليهم، وأخبر أنهم ~~ليسوا بمشركين ولا مؤمنين، ولكنهم منافقون، وأخبر أنه {أركسهم بما كسبوا}، ~~ثم قال عتابا لهم: {أتريدون أن تهدوا من أضل الله}، لأنه يوقع العتاب ها ~~هنا على من سماهم مؤمنين، ثم قال: {ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء} ~~فسماهم كفارا، ثم قال: {فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله} ~~فقد انقطعت [104] الولاية بين المؤمنين والكفار حتى يهاجروا في سبيل الله. ~~{والله أركسهم بما كسبوا} أي نكسهم وردهم إلى الكفر بما كسبوا، {أتريدون أن ~~تهدوا} أن تجعلوهم مهتدين، {من أضل الله } من جعله الله ضالا، أو تريدون أن ~~تسموهم مهتدين، وقد أظهر الله ضلالهم، فيكون تعبيرا لمن سماهم مهتدين. {ومن ~~يضلل الله فلن تجد له سبيلا(88)} طريقا إلى الهداية. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «إخبار»، وهو خطأ. PageV01P248 # ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء} في الكفر، {فلا تتخذوا منهم ~~أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا} عن الإيمان {فخذوهم واقتلوهم ~~حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا(89)} وإن بدلوا (¬1) لكم ~~الولاية والنصرة فلا تصدقوهم. # {إلا الذين يصلون إلى قوم} أي ينتهون إليهم، ويتصلون بهم، {بينكم وبينهم ~~ميثاق} أي فاقتلوهم إلا من اتصل بقوم بينكم وبينهم ميثاق، {أو جاءوكم} عطف ~~على صفة «قوم»، أي: إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين، أو قوم ممسكين عن ~~القتال لا لكم ms0165 ولا عليهم. {حصرت صدورهم} الحصر: الضيق والانقباض، أي: ضاقت، ~~{أن يقاتلوكم} عن أن يقاتلوكم، {أو يقاتلوا قومهم} معكم، {ولو شاء الله ~~لسلطهم عليكم} بتقوية قلوبهم، وإزالة الحصر عنها، {فلقاتلوكم} عطف على ~~«سلطهم». {فإن اعتزلوكم} فإن لم يعترضوا لكم، {فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم ~~السلم} أي: الانقياد والاستسلام، {فما جعل الله لكم عليهم سبيلا(90)} إلى ~~القتال. # {ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم} بالنفاق، {ويأمنوا قومهم} بالوفاق، {كل ~~ما ردوا إلى الفتنة} كلما دعاهم قوم إلى قتال المسلمين، {أركسوا فيها} ~~قلبوا فيها أقبح قلب وأشنعه، وكانوا شرا فيها من كل عدو. {فإن لم يعتزلوكم} ~~فإن لم يعتزلوا قتالكم، {ويلقوا إليكم السلم} عطف على «لم يعتزلوكم»، أي: ~~ولم ينقادوا لكم بطلب الصلح. {ويكفوا أيديهم} عطف عليه أيضا، أي: ولم ~~يمسكوا عن قتالكم. {فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم} حيث تمكنتم منهم وظفرتم ~~بهم. {وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا(91)} حجة واضحة لظهور عداوتهم، ~~وانكشاف حالهم في الكفر والغدر، وإضرارهم بالمسلمين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ويمكن أن نقرأ: «بذلوا»، ولعل الصواب: «أبدوا لكم». PageV01P249 # وما كان لمؤمن} وما صح له ولا استقام ولا لاق بحاله، كقوله: {وما كان ~~لنبي أن يغل} (¬1) . {أن يقتل مؤمنا} ابتداء غير قصاص، {إلا خطأ، ومن قتل ~~مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} محكوم بإسلامها، وإن كانت صغيرة فيما قيل، قد ~~جعل الله تكفير (¬2) القتل التحرير، لأن ذلك حياء إذا العبد مفقود لنفسه ~~موجود لسيده (¬3) ، فالإعتاق إيجاد لا يقدر الإنسان على أكثر منه، فيقابل ~~الإعدام بالإيجاد، وذلك سلوك طريق المضادة. {ودية مسلمة إلى أهله} مؤداة ~~إلى ورثته يقسمونها كما يقسمون الميراث، لا فرق بينها وبين سائر التركة في ~~كل شيء، فيقضى منها الدين، وتنفذ الوصية، وإذا لم يبق وارث كانت في بيت ~~المال، والدية على العاقلة، والكفارة على القاتل. {إلا أن يصدقوا} إلا أن ~~يتصدقوا عليه بالدية، أي: يعفوا عنه، وفي الحديث: «إن كل معروف صدقة» (¬4) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة آل عمران: 161. # (¬2) - ... في الأصل: «تفكير»، وهو خطأ. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل صواب العبارة: «لأن ذلك حياة العبد، إذ ms0166 ~~العبد مفقود بنفسه، موجود بسيده». # (¬4) - ... رواه البخاري عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «كل معروف صدقة». كتاب الأدب، رقم 5562. مسلم: ~~كتاب الزكاة، رقم 1673. الترمذي: كتاب البر والصلة، رقم 1893. أبو داود: ~~كتاب الأدب، رقم 4296. أحمد باقي مسند المكثرين، رقم 14182، 14348، ~~17992... PageV01P250 # فإن كان من قوم عدو لكم} عن أبي سعيد: «عن قول الله: {فإن كان من قوم عدو ~~لكم وهو مؤمن؛ فتحرير رقبة مؤمنة...} الآية. {فمن لم يجد فصيام شهرين ~~متتابعين}، فقد قيل في هذا: إنه في كفارة الخطإ، وكفارة ذلك عتق رقبة مؤمنة ~~موحدة؛ فمن [105] لم يجد عتق رقبة فصيام شهرين متتابعين». قال أبو عبد ~~الله: «في قول الله: {وإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة} ~~قال: هو أن يكون رجل مؤمن يقتل رجلا من المسلمين خطأ وورثة المقتول من أهل ~~الحرب، فلا يلزمه إلا تحرير رقبة مؤمنة، كما قال الله، فإن المقتول خطأ ~~وارثه من قوم أعداء لكم، أي: كفرة». {وهو مؤمن} أي: المقتول مؤمن، {فتحرير ~~رقبة مؤمنة} يعني: إذا أسلم الحربي من دار الحرب ولم يهاجر إلينا، فقتله ~~مسلم خطأ تجب الكفارة بقتله للعصمة الإسلامية ولا تجب الدية لأن وارثه (¬1) ~~محاربون، لم يثبت لهم عهد ولا ذمة، {وإن كان} أي: المقتول {من قوم بينكم}، ~~بين المسلمين، {وبينهم ميثاق} عهد؛ {فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة ~~مؤمنة} أي: وإن كان المقتول ذميا فحكمه حكم المسلم. {فمن لم يجد} رقبة، أي: ~~لم يملكها، ولا ما يتوصل به إليه، {فصيام شهرين متتابعين توبة من الله} ~~قبولا منه ورحمة، من “تاب الله عليه” إذا قبل توبته. {وكان الله عليما ~~حكيما(92)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل ولعل الصواب: «ورثته». PageV01P251 # ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه} أي: ~~انتقم منه، وطرده من رحمته، {وأعد له عذابا عظيما(93)} لارتكابه أمرا ~~عظيما. في الحديث: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل أمرئ مسلم» (¬1) ، ~~لأن الدنيا وما فيها جعلت آلة للمؤمن، ولم يجعل ms0167 المؤمن آلة (لعله) لعوام ~~الدنيا مع أهل التحقيق. # {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا} فتثبتوا، بمعنى ~~الاستفعال، أي: اطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تتهوكوا (¬2) فيه. {ولا ~~تقولوا لمن ألقى إليكم السلام} وهو الاستسلام، {لست مؤمنا تبتغون عرض ~~الحياة الدنيا} تطلبون الغنيمة التي هي حطام سريع النفاد، فهو الذي يدعوكم ~~إلى ترك التثبت وقلة البحث عن حال من تقتلونه، {فعند الله مغانم كثيرة} ~~يغنمكموها، تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام، {كذلك كنتم من قبل} أول ما ~~دخلتم في الإسلام، سمعت من أفواهكم: كلمة الشهادة؛ فحصنت دماءكم وأموالكم، ~~من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم (¬3) . {فمن الله عليكم} ~~بالاستقامة والاشتهار بالإيمان، فافعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل بكم، ~~أو كذلك كنتم من قبل لا تتبينون قبل أن يبين الله لكم، {فتبينوا إن الله ~~كان بما تعملون خبيرا(94)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه الترمذي في كتاب الديات، عن عبد الله بن عمرو، رقم 1315. ~~النسائي: كتاب تحريم الدم من عدة طرق. ابن ماجه: كتاب الديات. # (¬2) - ... الأهوك: هو الأحمق، وقد هوك هوكا. ورجل هواك ومتهوك: أي ~~متحير. وفي الحديث: «أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟...» بمعنى ~~أمتحيرون؟. انظر: ابن منظور: لسان العرب، 6/845. # (¬3) - ... في الأصل: «لا ألسنتكم»، وهو خطأ. PageV01P252 # لا يستوي القاعدون} عن الجهاد، {من المؤمنين غير أولي الضرر} من مرض أو ~~عاهة من عمى أو عرج أو زمانة (¬1) أو نحوها، تنبيها على أن القاعد من أولي ~~الضرر، شريك للمجاهد في الأجر، إذا كانت نيته أن يجاهد إن لو لم يكن به ~~ذلك. {والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم} لا مساواة بينهم وبين من ~~قعد عن الجهاد من غير علة، وفائدته تذكير ما بينهما من التفاوت ترغيبا ~~للقاعد من غير علة في الجهاد، رفعا لرتبته، وأنفة عن انحطاط منزلته. {فضل ~~الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين} قال أبو سعيد: «إنما عذر عن ~~الجهاد عند القدرة على الجهاد من الكافة بجهاد البعض، ولو اجتمعوا كلهم على ~~ترك الجهاد وهم قادرون عليه كانوا بذلك هالكين ms0168 مضيعين لما لزمهم من ترك ~~الجهاد». {درجة، وكلا وعد الله الحسنى} أي: المثوبة الحسنى وهي الجنة، وإن ~~كان المجاهدون مفضلين على القاعدين درجة بزيادة عملهم. {وفضل الله ~~المجاهدين على القاعدين} بعذر أو بغير عذر، {أجرا عظيما(95) درجات منه ~~[106] ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما(96)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سبق شرحها صفحة: 86 من هذا التفسير. PageV01P253 # إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم} أي: في حال ظلمهم أنفسهم بالكفر ~~وترك الهجرة، {قالوا} قال الملائكة للمتوفين: {فيم كنتم} في أي: شيء كنتم ~~من أمر دينكم، ومعناه التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين، وذلك كل ~~كافر يوبخ على ما كفر به، ويقر في ذلك الحين بما أنكر، ويسأل الرجوع إلى ~~الدنيا ليصلح ما أفسد. {قالوا: كنا مستضعفين} عن الهجرة {في الأرض؛ قالوا} ~~أي: الملائكة موبخين لهم: {ألم تكن أرض الله واسعة، فتهاجروا فيها} أرادوا: ~~إنكم كنتم قادرين على الخروج من أرض الشرك إلى أرض الإسلام، وإلى الرسول - ~~عليه السلام - ، وهذا يدل على أن الإنسان إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من ~~إقامة أمر الدين لبعض العوائق، وعلم أن في غير بلده أقوم بحق الله، وجبت ~~عليه المهاجرة؛ وفي الحديث: «من فر بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبرا من ~~الأرض، استوجب الجنة» (¬1) . {فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا(97)}. # {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة} في الخروج ~~منها، لفقرهم أو عجزهم؛ وفيه دليل على وجوب الاحتيال لإقامة الدين. {ولا ~~يهتدون سبيلا(98)} ولا معرفة لهم بالمسالك. # {فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم، وكان الله عفوا غفورا(99)}، وذكر الولدان ~~وهم غير متعبدين، كأنه أمر بإخراج أولاد المؤمنين مع القدرة، من دار الشرك ~~إلى دار الإسلام، خوفا عن أن يدركهم التعبد وهم بين ظهرانيهم، فيؤول عليهم ~~الضرر الديني والدنيوي، ومن قبل ما يخاف عليهم منهم، في حال طفولتهم؛ أو ~~الولدان الذين بلغ سنهم وكمل عقلهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لم نقف عليه في الربيع ولا في الكتب التسعة. PageV01P254 # ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما} أي: ms0169 متحولا يتحول إليه؛ ~~وقيل: متزحزحا عما يكره، وقيل: مهاجرا وطريقا، يراغم بسلوكه قومه، أي: ~~يفارقهم على رغم أنوفهم، والرغم: الذل والهوان، وأصله لصوق الأنف بالرغام، ~~وهو التراب، يقال: راغمت الرجل، إذا فارقته، وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه ~~بذلك. {كثيرا وسعة} في الرزق، أو في إظهار الدين. {ومن يخرج من بيته مهاجرا ~~إلى الله ورسوله} إلى حيث أمر الله ورسوله، {ثم يدركه الموت} قبل بلوغه ~~مهاجره، {فقد وقع أجره على الله} أي: حصل له الأجر بوعد الله، {وكان الله ~~غفورا رحيما(100)} قالوا: كل هجرة لطلب علم، أو حج، أو جهاد، أو فرار إلى ~~بلد يزداد فيه طاعة وزهدا؛ فهي هجرة إلى الله ورسوله؛ وإن أدركه الموت في ~~طريقه، قد وقع أجره على الله. # {وإذا ضربتم في الأرض} سائرين، {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} من ~~أعدد (¬1) ركعاتها، {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} إن خشيتم أن يفتنكم ~~الذين كفروا، بقتل أو جرح أو أخذ، وقد رخص للمسافر ولزمه اليوم القصر، مع ~~الخوف وعدمه، {إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا(101)} فتحرروا عنهم لئلا ~~يضروكم في دين أو دنيا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «عدد». PageV01P255 # وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة، فلتقم طائفة منهم معك} فاجعلهم طائفتين، ~~فلتقم أحدهما (¬1) معك، فصل بهم، وتقوم طائفة تجاه العدو، {وليأخذوا ~~أسلحتهم؛ فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم} أي إذا صلت هذه الطائفة التي معك ~~ركعة، فليرجعوا ليقفوا بإزاء العدو، {ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا؛ فليصلوا ~~معك، [107] وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم ~~وأمتعتكم} أي: تمنوا أن ينالوا منكم في صلاتكم، فليميلوا (¬2) عليكم ميلة ~~واحدة، وهكذا أعداء الباطن مترصدون للغفلة من الإنسان. {فيميلون عليكم ميلة ~~واحدة}، كما قال: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته} (¬3) . {ولا جناح عليكم} والجناح: الإثم، وجنحت: إذا ~~عدلت عن القصد، {إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم، ~~وخذوا حذركم} قد أمر الله نبيه - صلى ms0170 الله عليه وسلم - والمؤمنين بالصلاة ~~جماعة في وقت القتال، تنبيها على عظم فضلها، وأن لا تترك إلا مع عدمها، ~~ورخص لهم في وضع الأسلحة إن ثقل عليهم حملها، بسبب ما يؤذيهم من مطر، أو ~~يضعفهم من مرض. وأمرهم مع ذلك أن يأخذوا الحذر لئلا يغفلوا، فيهجم عليهم ~~العدو. {إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا(102)} أخبر أنه يهين عدوهم لتقوى ~~قلوبهم. إن الأمر بالحذر ليس لتوقع غلبتهم عليهم، وإنما هو تعبد من الله تعالى. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «إحداهما». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «ليميلوا». # (¬3) - ... سورة الحج: 52. PageV01P256 # فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم} أي: دوموا على ~~ذكر الله في جميع الأحوال، أو فإذا أردتم الصلاة فصلوا قياما، إن قدرتم ~~عليه، وقعودا إن عجزتم عن القيام ومضطجعين إن (¬1) عجزتم عن القعود. {فإذا ~~اطمأننتم} سكنتم بزوال الخوف، {فأقيموا الصلاة} فأتموها بطائفة واحدة، أو ~~إذا اطمأنتم بالصحة فأتموا بالقيام والقعود والركوع والسجود. {إن الصلاة ~~كانت على المؤمنين كتابا موقوتا(103)} مكتوبا محدودا، بأحوال موصوفة في ~~أوقات محدودة. # {ولا تهنوا} ولا تضعفوا ولا تتوانوا {في ابتغاء القوم} في طلب الكفار، ~~{إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون} لأنهم شبهكم في الخلق، ومثلكم ~~في الطبع مباينوكم في الخاصية، كما قال: {وترجون من الله ما لا يرجون} أي: ~~ليس ما تجدون من الألم بالجرح والقتل مختصا بكم، بل هو مشترك بينكم وبينهم، ~~ويصيبهم كما يصيبكم، ثم إنهم يصبرون عليه، فما لكم لا تصبرون مثل صبرهم، مع ~~أنكم أجدر منهم بالصبر لأنكم ترجون من الله مالا يرجون من إظهار دينكم على ~~سائر الأديان، ومن الثواب العظيم؛ وذلك تنبيه من الله تعالى، وحث للمؤمن ~~على الصبر إن نالته شدة في قيام بشيء من واجباته، ويراعي بصبره صبر من ~~يحتمل المشاق على دنيا فانية عقابها الخسران، والذهاب والعتاب والعذاب، بل ~~يكون أشد صبرا وأثبت عزيمة، لأنه لا يقاس ما يرجوه من مولاه، من التوفيق في ~~الدنيا والثواب العظيم في الآخرة، مع ظن من يسعى للدنيا وحطامها، ms0171 وما يؤول ~~عليه (¬2) من الخسران للدنيا والآخرة. {وكان الله عليما} بما يجد المؤمنون، ~~{حكيما(104)}، لأنه لا يأمركم ولا ينهاكم إلا بما يعلم أن فيه صلاحكم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «عن»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «إليه». PageV01P257 # إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله} على قدر ~~دعاويهم، أو لتنزلهم منازلهم، من أمين أو خائن، تحذيرا له عن أن يخاصم ~~الخائن لقوله: {ولا تكن للخائنين} أي: لأجل الخائنين، {خصيما(105)} مخاصما، ~~{واستغفر الله} مما هممت به، {إن الله كان غفورا رحيما(106)}. # {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم} يخونونها بالمعصية، جعلت معصية ~~العصاة خيانة منهم لأنفسهم، لأن الضرر راجع عليهم. {إن الله لا يحب من كان ~~خوانا أثيما(107)} خوانا مبالغا في الخيانة مصرا عليها، «أثيما» منهمكا فيه ~~[108]، وإذا عثرت من رجل على سيئة، فاعلم أن لها أخوات في حق أكثر الخلق، ~~إلا الذين آمنوا، فإنهم إن بدت منهم زلة يسرعون إلى الانقلاع منها بالتوبة. # {يستخفون} يستترون {من الناس} حياء منهم، وخوفا من ضررهم، وطمعا لما في ~~أيديهم، {ولا يستخفون من الله} ولا يستحيون منه، {وهو معهم} وهو عالم بهم، ~~مطلع عليهم، لا يخفى عليه خاف من سرهم، وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ما ~~هم فيه من قلة الحياء والخشية من ربهم، مع علمهم أنه معهم أين ما كانوا، ~~{إذ يبيتون} يدبرون، وأصله أن يكون خفية، ولذلك أسند إلى البيات، لأن الفعل ~~فيه أخفى، {ما لا يرضى من القول} وهو دليل على أن الكلام هو المعنى القائم ~~بالنفس، حيث سمى التدبير قولا، أو كان قولا منهم لبعضهم بعض، {وكان الله ~~بما يعملون محيطا(108)} عالما علم إحاطة لا يخفى عليه منه شيء. # { PageV01P258 ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل ~~الله عنهم يوم القيامة} فمن يخاصم عنهم في الآخرة إذا أخذهم الله بعذابه، ~~{أم من (¬1) يكون عليهم وكيلا(109)} حافظا من بأس الله وعذابه، فكأن أحدا ~~من المؤمنين جادل عن أحد من المنافقين في حقوق ثبتت عليهم في الإسلام، ms0172 ~~فعاتبهم الله بذلك، بدليل قوله: # {ومن يعمل سوءا} ذنبا، {أو يظلم نفسه} يترك ما تعبده الله به، أو بارتكاب ~~(¬2) ، (لعله) شيء من محرماته. {ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما(110) ~~ومن يكسب إثما} ولم يتب منه، {فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما ~~حكيما(111)}. # {ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا} أي: يبرئ منه نفسه من غير توبة ~~منه، إلا ظنا منه أنه لا يعاقبه عليه، ويستصغره أو يتهاون به، أو لا يظنه ~~أنه ذنب، أو يرمي به على غيره، ويقول: أنا ليس (¬3) فعلته، وإنما فعله ~~فلان. {فقد احتمل بهتانا} كذبا عظيما، {وإثما مبينا(112)} ذنبا ظاهرا. # {ولولا فضل الله عليك ورحمته} أي: عصمته ولطفه من الاطلاع على شرهم، ~~{لهمت طائفة منهم أن يضلوك} عن القضاء بالحق، وتوخي طريق العدل، {وما يضلون ~~إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء} أي: لا يملكون من ضرك شيئا لم يرده الله ~~فيك. {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم} من أمور الدين ~~والشرائع، أو من خفيات الأمور، وضمائر القلوب. {وكان فضل الله عليك (¬4) ~~عظيما(113)} فيما علمك وأنعم عليك. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «أمن». # (¬2) - ... في الأصل: «برتكاب»، وهو خطأ. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ونلاحظ فيه خطأ في التركيب، ولعل الصواب: ~~«ويقول: أنا لم أفعله». # (¬4) - ... في الأصل: - «عليك» وهو سهو. PageV01P259 # لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف (¬1) أو إصلاح بين ~~الناس} الإصلاح بالتأليف بينهم بالمودة. ويروى عن علي أنه قال: «إن الله ~~فرض عليكم زكاة جاهكم، كما فرض عليكم زكاة ما ملكت أيمانكم». {ومن يفعل ذلك ~~ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما(114)} ابتغاء: طلب رضى الله، وخرج ~~عنه من فعل ذلك رياء أو تروسا (¬2) ، ووصف الأجر بالعظم تنبيها على حقارة ~~ما لحقه من المكروه، وفاته من أعراض الدنيا في جنته. # {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى} ومن يخالف الرسول من بعد ~~وضوح الدليل، وظهور الرشد، {ويتبع غير سبيل المؤمنين} أي: السبيل الذي هم ~~عليه من ms0173 الدين الحنيفي الحقيقي. {نوله ما تولى} نجعله وليا لما تولى من ~~الضلال، وندعه وما اختاره في الدنيا، {ونصله جهنم} في العقبى، {وساءت ~~مصيرا(115)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «أمعروف»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في اللسان: الترس من السلاح: المتوقى بها؛ أو خشبة توضع خلف ~~الباب. وجمعه أتراس وتراس وتروسا. ابن منظور: 1/317. ولم يتضح محل الكلمة ~~في هذا السياق، وربما يقصد: إنما فعل ذلك اتقاء لشر، أو خوفا لأن يذكره ~~الناس بسوء. PageV01P260 # إن الله لا يغفر أن يشرك به} قال أبو سعيد في تأويل هذه الآية: «فمن قامت ~~[109] عليه الحجة، وبلغته المعرفة، فخالف بعد بلوغ الحجة والمعرفة ببيان ~~الحق من الباطل، والضلال من الهدى، فيفعل (¬1) ما قد نهي عنه كان مشاققا ~~لله ولرسوله والمسلمين، متبعا لغير سبيل المؤمنين، ولا عذر له، ولا يعلم في ~~ذلك اختلافا». {ويغفر ما دون ذلك} الصغائر، {لمن يشاء} لمن اجتنب الكبائر، ~~وهو يقتضي جميع الكبائر التي لم يتب منها، {ومن يشرك بالله} بأي شرك كان، ~~{فقد ضل ضلالا بعيدا(116)} عن محجة الصواب. # {إن يدعون من دونه} ما يعبدون من دون الله، {إلا إناثا} جمع أنثى، وهي ~~اللات والعزى ومناة؛ قيل: ولم يكن حي من أحياء العرب، إلا ولهم صنم يعبدونه ~~يسمونه أنثى بني فلان، وقيل: كانوا يقولون في أصنامهم هن بنات الله، {وإن ~~يدعون} يعبدون {إلا شيطانا}، لأنه هو الذي أغراهم على عبادة الأصنام، ~~فأطاعوه، فجعلت طاعتهم له عبادة، وقيل: المراد به الملائكة لقولهم: ~~الملائكة بنات الله، {مريدا(117)} خارجا عن الطاعة، عازبا عن الخير، ومنه ~~الأمرد. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «فيعل»، وهو خطأ. PageV01P261 # لعنه الله؛ وقال: لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا} مقطوعا واجبا لي، ~~{ولأضلنهم} بالدعاء إلى الضلالة، والتزيين والوسوسة، ولو كان إنفاذ الضلالة ~~إليه لأضل الكل، {ولأمنينهم} ولألقين في قلوبهم الأماني الباطلة، من طول ~~الأعمار وبلوغ الآمال، {ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام} البتك: القطع، ~~والتبتيك للتكثير والتكرير، أي: لأحملنهم على أن يقطعوا آذان الأنعام، ~~{ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} عن وجهه، صفة أو صورة؛ ويندرج فيه ما قيل من ~~فقء عين ms0174 الحامي (¬1) ، وخصي العبيد، والوشم والوشر (¬2) ، واللواط والسحق ~~(¬3) ، ونحو ذلك ويغير فطرة الله التي هي الإسلام، لقوله: {لا تبديل لخلق ~~الله} (¬4) ، وعبادة الشمس والقمر واستعمال الجوارح والقوى فيما لا يعود ~~على النفس كمالا، ولا يوجب لها من الله زلفى. {ومن يتخذ الشيطان وليا من ~~دون الله} وأجاب إلى ما دعاه إليه، {فقد خسر خسرانا مبينا(119)} في ~~الدارين. # {يعدهم} يوسوس لكل واحد منهم على ما يقتضيه طبعه، ويميل إليه بهواه، ~~ويقبل منه، {ويمنيهم} ما لا ينالون، لقوله: {وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا(120)} هو أن يري شيئا يظهر خلافه. # {أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا(121} معدلا ومقرا (¬5) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... «الحامي: الفحل من الإبل يضرب الضراب المعدودة، قيل: عشرة ~~أبطن، فإذا بلغ ذلك قالوا: هذا حام، أي حمى ظهره، فيترك فلا ينتفع منه ~~بشيء، ولا يمنع من ماء ولا مرعى. الجوهري...: # ... فقأت لها عين الفحيل عيافة ... وفيهن رعلاء المسامع والحامي». # ... ابن منظور: لسان العرب، 1/731، مادة “حما”. # (¬2) - ... في المنجد: وشر يشر وشرا أسنانه: حددها ورققها. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «السحاق». # (¬4) - ... سورة الروم: 30. # (¬5) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «ومفرا». PageV01P262 # والذين آمنوا وعملوا الصالحات} ولم يتبعوا الشيطان في الأمر بالكفر، ~~{سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، وعد الله حقا ومن ~~أصدق من الله قيلا(122)} قولا، وفائدة هذه التوكيدات، مقابلة مواعيد ~~الشيطان الكاذبة لقرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه. # {ليس بأمانيكم} ليس الأمر على شهواتكم أيها المشركون والمنافقون، {ولا ~~أماني أهل الكتاب}، وقيل: ليس ما وعد الله من الثواب ينال بأمانيكم أيها ~~المسلمون، ولا بأماني أهل الكتاب، وإنما ينال بالإيمان والعمل الصالح؛ ~~وقيل: ليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب، وصدقه العمل. {من يعمل ~~سوءا يجز به، ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا(123)} وهذا وعيد ~~للمفسدين. # {ومن يعمل من الصالحات} بما تعبده الله منها، وما تقرب إليه من النوافل؛ ~~{من ذكر أو أنثى} إذ لا فرق بينهما في العمل، {وهو مؤمن؛ فأولئك يدخلون ~~الجنة ولا يظلمون نقيرا(124)} لا يظلمون أعمال ms0175 السوء فترادون (¬1) عذابا ~~فوق ما يستحقونه، ولا أعمال (¬2) الصالحات فينقصون. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «فيردون». # (¬2) - ... في الأصل: «ولاعمال». PageV01P263 # ومن أحسن دينا} [110] من أحسن منه دينا، {ممن أسلم وجهه لله} أخلص نفسه ~~لله وجعلها سالمة له، لا يعرف لها ربا ومعبودا سواه، {وهو محسن} عامل ~~للحسنات، وقيل في الحديث: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن ~~تراه فإنه يراك» (¬1) . {واتبع ملة إبراهيم حنيفا} مائلا عن الأديان ~~الباطلة، {واتخذ الله إبراهيم خليلا(125)} عبارة عن اصطفائه واختصاصه ~~بكرامة شبه كرامة الخليل عند خليله؛ والخليل هو في الأصل: المخال الذي ~~يخالك، أي: يوافقك في خلالك، أو يداخلك خلال منزلك، أو يسد خللك، كما تسد ~~خلله؛ فالخلة: صفاء مودة توجب الاختصاص بتخلل الأسرار؛ والمحبة أصفى، لأنها ~~من حبة القلب؛ والمعنى: تأكيد وجوب اتباع طريقته، لأن من بلغ من الزلفى عند ~~الله أن اتخذه خليلا كان جديرا بأن تتبع ملته وطريقته، ليكون الله خليله. ~~وهذه الصفات شريفة لا تنال إلا بتزكية النفوس من رذائل الأخلاق؛ وفي مضمون ~~هذه (¬2) : المراد من الخلق أن يكونوا كلهم أخلاء الله، لأنهم المخاطبون أن ~~يأتموا بمن كان على هذه المنزلة الشريفة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه الإمام الربيع بن حبيب عن أنس بلفظ: «الإحسان أن تعمل ~~لله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك». حديث رقم 56، باب [9] في ~~الإيمان والإسلام والشرائع. ورواه البخاري: كتاب الإيمان، رقم 48؛ كتاب ~~تفسير القرآن، رقم 4404. مسلم والترمذي والنسائي كلهم في كتاب الإيمان. أبو ~~داود: كتاب السنة. ابن ماجه: المقدمة. أحمد: مسند العشرة؛ باقي مسند ~~المكثرين؛ مسند الشاميين. العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «الإحسان». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «هذا». PageV01P264 # ولله ما في السماوات وما في الأرض} دليل على أن اتخاذه خليلا باحتياج ~~الخليل إليه، لا لاحتياجه تعالى، لأنه منزه عن ذلك. {وكان الله بكل شيء ~~محيطا(126)} إحاطة علم وقدرة. # {ويستفتونك في النساء} الإفتاء: تبيين المبهم، {قل: الله يفتيكم فيهن، ~~وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن} ~~قيل: ms0176 من صداقهن، {وترغبون أن تنكحوهن} أي: في نكاحهن لمالهن وجمالهن بأقل ~~من صداقهن، وقيل: حقهن من الميراث؛ لأنهم كانوا لا يورثون النساء، {وترغبون ~~أن تنكحوهن، والمستضعفين من الولدان} أي: اليتامى. قيل: كانوا في الجاهلية ~~إنما يورثون الرجل القوام بالأمور، دون الأطفال والنساء. والمعنى: يفتيكم ~~في يتامى النساء، وفي المستضعفين من الصبيان أن تعطوهم حقوقهم، وفي {أن ~~تقوموا لليتامى بالقسط} أي: بالعدل في أنفسهم وفي مواريثهم، تعطوا كل ذي حق ~~منهم حقه. {وأن تقوموا لليتامى بالقسط} في إصلاحهم، وإصلاح أموالهم، لأنهم ~~لا يستقيمون بأنفسهم من دون قائم؛ {وما تفعلوا من خير} من عدل وبر؛ {فإن ~~الله كان به عليما(127)} أي: يجازيكم عليه كان قليلا أو كثيرا. # { PageV01P265 وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا} توقعت منه ذلك، لما لاح ~~لها من مخايله، وما رأته تجافيا عنها، وترفعا عن صحبتها كراهة لها، ومنعا ~~لحقوقها، {أو إعراضا} بأن يقل محادثتها ومؤانستها، بسبب كبر سن أو دمامة، ~~أو شيء في خلق أو خلق، أو ملال أو طموح عين إلى أخرى، أو غير ذلك؛ {فلا ~~جناح عليهما أن يصلحا بينهما} صلحا، أن يتصالحا على [أن] تطيب له نفسا عن ~~القسمة، أو عن بعضها، أو تهب له بعض المهر أو كله، أو النفقة، {والصلح خير} ~~من الفرقة، أو من النشوز، أو من الخصومة في كل شيء، أو الصلح خير من ~~الخيور، كما أن الخصومة شر من الشرور. ومن آثار أصحابنا قال في هذه الآية: ~~«فمعي أنه قيل: إن هذا في الرجل يكون عنده الزوجة، فيتزوج عليها غيرها، ~~ويميل عنها إليها لمحبة، فوسع (¬1) الله للرجل ذلك إذا كان عن رأي زوجته ~~ورضاها أن يتزوج عليها إذا اصطلحا على ذلك، على ما اصطلحا عليه من إيثار ~~الآخرة (¬2) عليها في [111] معاشرة، أو مؤنة إذا رضيت بذلك. وأخبر أن الصلح ~~على ذلك إن اتفقا خير من المشاق والفراق، فإن لم يتفقا ولم يصطلحا، فليس ~~إلا الحكم من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان بين الزوجين». هكذا وجدته في ~~زيادة جامع ابن جعفر، وأظنه ms0177 أنه عن أبي سعيد. # { # ¬__________ # (¬1) - ... يمكن أن نقرأ: «بوسع». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الأصوب: «الأخرى»، أي الزوجة الأخرى. PageV01P266 # وأحضرت الأنفس الشح} أي: جعل الشح حاضرا لها، لا يغيب عنها أبدا؛ ولا ~~تنفك عنه، يعني: مطبوعة عليه، والمراد أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمها ~~ببيتها، والرجل لا تكاد نفسه تسمح بأن يقسم لها إذا رغب عنها، فكل واحد ~~منهما يطلب ما فيه راحته، ثم حث على مخالفة الطبع ومتابعة الشرع، بقوله: ~~{وإن تحسنوا} بالعفو والمسامحة، وترك الشح، أو الإقامة على المعاشرة ~~لنسائكم، وإن كرهتموهن إذا كان في الإمساك يرجى صلاح أكثر من الفرقة، ~~{وتتقوا} النشوز أو الإعراض، وما يؤدي إلى الأذى والخصومة، {فإن الله كان ~~بما تعملون} من الإحسان والصبر والتقوى، {خبيرا(128)} فيثيبكم عليه. قيل: ~~كان عمران الخارجي من أدم بني آدم، وأمرأته من أجملهم، فنظرت إليه، وقالت: ~~«الحمد لله على أنني وإياك من أهل الجنة»، قال: «كيف»؟ قالت: «لأنك رزقت ~~مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، والجنة موعدة للشاكرين والصابرين». # { PageV01P267 ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء} ولن تستطيعوا العدل ~~بين النساء والتسوية، حتى لا يقع ميل البتة، فتمام العدل أن يسوى بينهن في ~~المحبة والجماع، وذلك لا يطاق في قوى الشر، بل واجب أن يسوى بينهن في ~~المبيت وفي أداء الواجب لهن؛ وكان - عليه السلام - يقسم بين نسائه، فيعدل ~~فيقول: «هي قسمتي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك» (¬1) ، يعني: ~~المحبة، {ولو حرصتم} بالغتم في تحري ذلك، {فلا تميلوا كل الميل} بترك ~~المستطاع، “فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله”. {فتذروها كالمعلقة} أي: ~~فتقدعوا (¬2) الآخرى كالمنوطة، وهي التي ليست بذات بعل، ولا مطلقة، {وإن ~~تصلحوا} بينهن، {وتتقوا} الجور، {فإن الله كان غفورا} لما لا يستطاع فعله، ~~{رحيما(129)}. # {وإن يتفرقا} أي: إن لم يصطلح الزوجان على شيء، وتفرقا بالخلع، أو ~~بتطليقه إياها، وإيفائه مهرها ونفقة عدتها، {يغن الله كلا} كل واحد منهما، ~~{من سعته} من غناه، أي: يرزقه زوجا خيرا من زوجه، وعيشا أهنأ من عيشه. ~~{وكان الله واسعا} من ms0178 حيث أحل استبدال الأزواج، {حكيما(130)} بالإذن في ~~السراح، فالسعة: الغنى والقدرة، والواسع: الغني المقتدر، ثم بين غناه ~~وقدرته بقوله: # {ولله ما في السماوات وما في الأرض} خلقا، والمتملكون عبيده رقا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها، في كتاب النكاح، رقم ~~1059. والدارمي في كتاب النكاح، رقم 2110. # (¬2) - ... في اللسان: قدع يقدع قدعا والقدع: هو الكف والمنع والكبح؛ وفي ~~الحديث: «اقدعوا هذه النفوس فإنها طلعة». ابن منظور: لسان، 5/34. PageV01P268 # ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب} هو اسم للجنس، ويتناول الكتب السماوية، ~~{من قبلكم} من القرون الخالية، {وإياكم أن اتقوا الله} المعنى: أن هذه وصية ~~قديمة من الله لعباده، لستم بها مخصوصين، لأنهم بالتقوى يوحدونه، وبه ~~يسعدون ويفوزون. {وإن تكفروا} المعنى: أمرناهم وأمرناكم بالتقوى، وقلنا ~~لهم: {وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا} عن ~~خلقه وعن عبادتهم إن أطاعوه، فلا يزيد في ملكه شيء، وإن كفروا فلا ينقص من ~~سلطانه شيء، {حميدا(131)} مستحقا لأن يحمد لكثرة نعمه، وإن لم يحمده أحد. ~~وتكرير [112] قوله: {ولله (¬1) ما في السماوات وما في الأرض} تقرير لما هو ~~موجب توحيده وتقواه، لأن الخلق لما كان كله له وهو خالقهم ومالكهم، فحقه أن ~~يكون مطاعا في خلقه غير معصي، وفيه دليل على أن التقوى أصل الخير كله في ~~الدنيا والآخرة، وأن الكفر أصل الشر كله في الدنيا والآخرة. # {ولله ما في السماوات وما في الأرض، وكفى بالله وكيلا(132)} فاتخذوه ~~وكيلا ولا تتكلوا على غيره، وحقيقة التوكل: الانقطاع إلى الله بالكلية. ثم ~~خوفهم وبين قدرته بقوله: # {إن يشأ يذهبكم} يعذبكم {أيها الناس} إن عصيتموه، {ويأت بآخرين} ويوجد ~~إنسا آخرين مكانكم، أو خلقا آخرين غير الإنس أطوع منكم. {وكان الله على ذلك ~~قديرا(133)} بليغ القدرة. # {من كان يريد ثواب الدنيا} كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة، {فعند الله ~~ثواب الدنيا والآخرة} فما له يطلب أحدهما دون الآخر، والذي يطلبه أخسهما، ~~لأن من جاهد لله خالصا لم تخطئه الغنيمة، وله من ثواب الآخرة، {وكان الله ~~سميعا بصيرا(134)} هو ms0179 وعد ووعيد. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «لله» وهو سهو. PageV01P269 # يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط} مجتهدين في إقامة العدل، حتى ~~لا يقع منكم ميل إلى الهوى، {شهداء لله} تشهدون للمحقين بالحق، وعلى ~~الكافرين بالكفر، أو تقيمون شهادتكم لوجه الله، {ولو على أنفسكم} ومن ~~القيام فأولى بالمرء نفسه (¬1) ، وعلى كل أحد أن يقوم لها وعليها، بما يرجو ~~لها به الفكاك، وبما يرجوا أن يسلم به من الهلاك، ثم عليه القيام بعد ذلك ~~على أهله وأقاربه الأقرب فالأقرب، على ما يبلغ إليه طوله من القيام لهم ~~بالقسط وعليهم، ثم بعد ذلك حيث بلغت قدرته، ليس معه لذلك غاية، ولا له معه ~~نهاية، حتى يموت على ذلك إن شاء الله. # ومن القيام بالقسط لله أن يشهد له بالوحدانية، وأنه رب معبود، وعلى نفسه ~~أنه عبد له، ويندرج في هذه الشهادة الشهادة بالحقوق والتحقيق، {أو الوالدين ~~والأقربين} أي: ولو كانت الشهادة على أقاربكم، {إن يكن} المشهود عليه ~~{غنيا}، فلا تمنع الشهادة عليه لغناه طلبا لرضاه، {أو فقيرا}، فلا يمنعها ~~ترحما عليه، {فالله أولى بهما} بالغني والفقير، أي: بالنظر لهما والرحمة. ~~{فلا تتبعوا الهوى} إرادة أن تعدلوا عن الحق، من العدول، وكراهة {أن ~~تعدلوا} بين الناس، من العدل أن تلووا (بواوين) {وإن تلووا} ألسنتكم عن ~~شهادة الحق أو حكومة العدل، {أو تعرضوا}، وقيل: بواو واحدة وضم اللام من ~~الولاية، {فإن الله كان بما تعملون خبيرا(135)} إن أطعتموه أو عصيتموه؛ ~~وذلك يتناول الترغيب والتخويف. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل صواب العبارة: «ومن القيام بالقسط أن يبدأ ~~المرء بنفسه». PageV01P270 # يا أيها الذين آمنوا} خطاب لمن آمن باللسان، {آمنوا} أي: صدقوا بالقلوب، ~~وذلك بمعنى اليقين والمعرفة، {بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله} ~~أي: القرآن، {والكتاب الذي أنزل من قبل} أي: جنس ما أنزل على الأنبياء قبله ~~من الكتب. قال أبو سعيد: «إنما وجدنا تأكيد الإيمان من كتاب الله؛ إنما ~~وجدناه إيمان التصديق واليقين أو المعرفة، وإنما يخاطب بذلك المقرين ~~بالجملة». {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ms0180 الآخر} أي: ومن لم ~~يصدق بشيء من ذلك بقلبه، {فقد ضل ضلالا بعيدا(136)} لأن الكفر ببعضه كفر بكله. # {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا (¬1) لم يكن ~~الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا(137)} أي: طريقا إلى الجنة. # [113] {بشر المنافقين} أي: أخبرهم، والبشارة: كل خبر تتغير بشرة (¬2) ~~الوجه سارا كان أو غير سار، {بأن لهم عذابا أليما(138)} في الدارين. # {الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أيبتغون (¬3) عندهم ~~العزة}؛ كان المنافقون يوالون الكفرة يطلبون منهم المنعة والنصرة. {فإن ~~العزة لله جميعا(139)} لأن الله مالك الأمور كلها، ومالك قلوب الكافرين ~~الذين يريدون منها العزة. # { # ¬__________ # (¬1) - في الأصل: لم يذكر هذه الآية «ثم ازدادوا كفرا» وهو سهو من ~~الناسخ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «يغير بشرة» أو «تتغير به بشرة ~~الوجه». # (¬3) - ... في الأصل: «أيبغون»وهو خطأ. PageV01P271 # وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها} ~~قيل: دخل في هذه [الآية] كل محدث في الدين، وكل مبتدع إلى يوم القيامة. ~~{فلا تقعدوا معهم} أي: لا تشركوهم في كفرهم واستهزائهم، {حتى يخوضوا في ~~حديث غيره} حتى يشرعوا في كلام غير الفكر (¬1) ، {إنكم إذا مثلهم} في ~~الوزر، إذا قعدتم معهم لأجل استماع الخوض والاستهزاء، أو رضيتم بفعلهم. {إن ~~الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا(140)} لاجتماعهم في الكفر ~~والخوض والاستهزاء. # {الذين يتربصون} ينتظرون {بكم}، ما يحدث بكم، من ظفر أو عكسه، {فإن كان ~~لكم فتح من الله} نصر وغنيمة، {قالوا: ألم نكن معكم} مظاهرين فأشركونا في ~~الغنيمة، {وإن كان للكافرين نصيب} سمى ظفر المسلمين فتحا، تعظيما لشأنهم، ~~لأنه أمر عظيم تفتح له أبواب السماء؛ و[سمى] ظفر الكافرين نصيبا تخسيسا ~~لحظهم، لأنه قطعة من العذاب تصيبهم، {قالوا} الكفار: {ألم نستحوذ عليكم} ~~الاستحواذ من الاستيلاء والغلبة، كما قال: {استحوذ عليهم الشيطان} (¬2) أي: ~~استولى عليهم وغلبهم، يقول: ألم نخبركم بعودة محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه وبإطلاعكم على سرهم؛ وقيل: يقول المنافقون للكفار: ألم نغلبكم على ~~رأيكم، {ونمنعكم من المؤمنين} ms0181 بأن ثبطناهم عنكم، وخيلنا لهم ما ضعفت قلوبهم ~~به، وقصروا في قتالكم؛ فهاتوا نصيبا مما أصبتم، {فالله يحكم بينكم} أيها ~~المؤمنون والمنافقون، {يوم القيامة} فيدخل المنافقين النار والمؤمنين ~~الجنة، {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا(141)} بل لهم عليهم ~~السبيل. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «الكفر». # (¬2) - ... سورة المجادلة: 19. PageV01P272 # إن المنافقين يخادعون الله} أي: يفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان ~~وإبطان الكفر. {وهو خادعهم} وهو خادعهم بالاستدراج والإملاء من حيث لا ~~يعلمون، وكان ذلك منه على سبيل الجزاء، لما أن أظهروا الإيمان بالظاهر ~~وأخفوا المعاصي، أظهر الله لهم النعم الظاهرة، وألبس عليهم ما يلبسون على ~~أنفسهم، حيث تصامموا وتعاموا عن الحق، فيرون أنهم مهتدون. {وإذا قاموا إلى ~~الصلاة قاموا كسالى} متثاقلين كراهة، لا يريدون بها وجه الله، ولا يرجون ~~عليها ثوابا، ولا يخافون من تركها عقابا؛ ثم فسر إقبالهم إليها كسالى ~~بقوله: {يراءون الناس} أي: يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة، {ولا يذكرون ~~الله إلا قليلا(142)} إذ المرائي لا يفعل إلا بحضرة من يرائيه، وهو أقل ~~أحواله، أو لأن ذكرهم باللسان قليل بالإضافة إلى الذكر بالقلب. وقيل: ~~المراد بالذكر الصلاة، وقيل: الذكر فيها، فإنهم لا يذكرون فيها غير تكبيرة ~~الإحرام والتسليم. وقيل: لا يذكرون الله بإخلاص. وقيل: لا يذكرون الله في ~~جميع الأحوال كما يجب عليهم، بل يذكرونه في شيء دون شيء، وذلك لا ينفع. # { PageV01P273 مذبذبين} أي: مترددين (¬1) حياري، يعني: ذبذبهم الشيطان ~~والهوى، بين الإيمان والكفر؛ فهم مترددون بينهما متحيرون، يعملون الطاعات ~~عقيب المعاصي، والمعاصي [113] عقيب الطاعات (¬2) مثل التي نقضت غزلها من ~~بعد قوة أنكاثا (¬3) . {بين ذلك}، بين عمل الكفر والإيمان، {لا إلى هؤلاء} ~~لا منسوبين إلى أهل الشرك بإظهارهم الإيمان بالألسنة، {ولا إلى هؤلاء} ولا ~~إلى أهل الإيمان لأنهم لم يعملوا عملهم، أو لا صائرين إلى أحدهم بالكلية. ~~{ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا(143)} طريقا إلى الهدى. # {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين} فإنه ~~صنيع المنافقين وديدنهم فلا تشبهوا بهم، {أتريدون أن تجعلوا لله ms0182 عليكم ~~سلطانا مبينا(144)} حجة بينة في تعذيبكم. # {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} أي: في الطبق الذي في قعر جهنم، ~~والنار: سبع دركات سميت (¬4) بذلك لأنها متداركة، متتابعة بعضها فوق بعض؛ ~~وقيل: في توابيت من حديد مقفلة عليهم، تتوقد فيه (¬5) النار؛ وإنما كان ~~المنافق أشد عذابا من الكافر، لأنه مثله في الكفر، وضم إلى كفره الاستهزاء ~~بالإسلام وأهله. {ولن تجد لهم نصيرا(145)} يمنعهم من العذاب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «مرددين». وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «الطاعطات»، وهو خطأ. # (¬3) - ... اقتباس من قوله تعالى: {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد ~~قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة}. سورة ~~النحل: 92. # (¬4) - ... في الأصل: «سمت»، وهو خطأ. # (¬5) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «فيها». PageV01P274 # إلا الذين تابوا} من نفاقهم، {وأصلحوا} ما أفسدوا، {واعتصموا بالله} ~~ووثقوا به، كما يثق المؤمنون الخلص، وهم المنقطعون إليه بالكلية، {وأخلصوا ~~دينهم لله} لا يبتغون بطاعتهم إلا رضاه عنهم، {فأولئك مع المؤمنين} رفاقهم ~~في الدارين، له ما لهم، {وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما(146)} ~~فيشاركونهم فيهم. ثم استفهم مقررا أنه لا يعذب المؤمن الشاكر فقال: # {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم} نعم الله {وآمنتم}، أيتشفى به غيظا؟ ~~(¬1) أو يدفع ضرا؟ أو يستجلب به نفعا؟ وهو الغني المتعالي عن النفع والضر، ~~وإنما يعاقب المصر بكفره، لأن إصراره كسوء مزاج، يؤدي إلى مرض؛ فإذا أزاله ~~بالإيمان والشكر، ونقى عنه نفسه، يخلص من اتبعته (¬2) . {وكان الله شاكرا} ~~يجزيكم (¬3) على شكركم، أو يقبل اليسير من العمل ويعطى الجزيل من الثواب، ~~{عليما(147)} عالما بما تصنعون. # {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم} أي: ومن ظلم لا يحب الله ~~الجهر منه، {وكان الله سميعا عليما(148)} بظلم الظالم؛ ثم حث على العفو، ~~وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء، وإن كان على وجه الانتصار، فقال: # {إن تبدوا خيرا} أي: تظهروه، {أو تخفوه} أو تسروه، {أو تعفوا عن سوء} أي: ~~عن مظلمة؛ أي: تمحوه عن قلوبكم اختيارا للثواب. {فإن الله كان عفوا ms0183 ~~قديرا(149)} أي: أنه لم يزل يعفو عن الآثام مع قدرته على الانتقام؛ فعليكم ~~أن تقتدوا بسنته وتتصفوا بأوصافه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «غيضا»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «تبعاته». # (¬3) - ... في الحاشية كتبت كلمة «الحزوء» وهي غير مفهومة بعد «يجزيكم». PageV01P275 # إن الذين يكفرون بالله ورسله، ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله} بأن ~~يؤمنوا بالله، ويكفروا برسله، {ويقولون: نؤمن ببعض، ونكفر ببعض} كاليهود ~~كفروا بعيسى ومحمد والإنجيل والقرآن، وكالنصارى كفروا بمحمد والقرآن، وكذلك ~~من رد حجة عالم أقام عليه بشيء من دين الله، أو رد حقا ألهمه الله إياه من ~~عقله، أو أعرض عن آية من آيات الله تعالى، فهو داخل في معنى هذه الآية. ~~{ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا(150)} أي: ذنبا (¬1) وسطا بين الإيمان ~~والكفر. # {أولئك هم الكافرون} هو الكاملون في الكفر، لأن الكفر بواحد كفر بالكل؛ ~~{حقا} تأكيد لمضمون الجملة، كقولك: هذا عبد الله حقا، أي: حق ذلك، وهو ~~كونهم كاملين في الكفر، أو هو صفة لمصدر الكافرين هم الذين كفروا حقا ثابتا ~~يقينا [114] لا شك فيه، {وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا(151)} معجلا ومؤجلا. # {والذين آمنوا بالله ورسله} كلهم، ولم يردوا حجة الله [لما] قامت عليهم، ~~{ولم يفرقوا بين أحد منهم} لمن وصفهم [كذا]، {أولئك سوف يؤتيهم أجورهم} في ~~الدارين بإيمانهم بالله وكتبه ورسله. {وكان الله غفورا رحيما(152)} (لعله) ~~يعني: من الرسل، والمؤمنون يقولون: {لا نفرق بين أحد من رسله} (¬2) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «دينا». # (¬2) - ... سورة البقرة: 285. والعبارة من قوله: «(لعله) يعني» إلى آخر ~~الآية، غير واضحة إذ كثر فيها التشطيب وإعادة الكتابة فوق الكلمات المشطوبة نفسها. PageV01P276 # يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء} قيل: كتابا محررا بخط ~~سماوي على ألواح، كما كانت التوراة، أو كتابا نعاينه حين ينزل، أو كتابا ~~إلينا بإعياننا... (¬1) بأنك رسول الله وإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت. ~~قال الحسن: «لو سألوه لكي يتبينوا الحق لأعطاهم، وفيما آتاهم كفاية». {فقد ~~سألوا موسى أكبر من ذلك} أي: أعظم من ذلك؛ وإنما أسند السؤال ms0184 إليهم وإن وجد ~~من آبائهم، لكونهم راضين بسؤالهم جهرة، {فقالوا: أرنا الله جهرة} عيانا؛ ~~{فأخذتهم الصاعقة} قيل: نار جاءت من السماء فأهلكتهم {بظلمهم} على أنفسهم، ~~بسؤال شيء في غير موضعه، أو بالتحكم على نبيهم، {ثم اتخذوا العجل} إلها، ~~{من بعد ما جاءتهم البينات؛ فعفونا عن ذلك} تفضلا، ولم نستأصلهم بالهلاك، ~~قيل: هذا استدعاء إلى التوبة، معناه: أولئك الذين أجرموا تابوا فعفونا ~~عنهم، فتوبوا أنتم حتى نعفو عنكم مثلهم. {وآتينا موسى سلطانا مبينا(153)} ~~حجة ظاهرة. # {ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم} بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوا، {وقلنا ~~لهم} والطور مظل عليهم: {ادخلوا الباب سجدا} متواضعين منقادين، غير متعالين ~~على الله وعلى رسله وكتبه، {وقلنا لهم: لا تعدوا} لا تجاوزوا الحد، {في ~~السبت} معناه: لا تعدوا لا تظلموا باصطياد (¬2) الحيتان فيه. {وأخذنا منهم ~~ميثاقا غليظا(154)} قيل: قولهم سمعنا وأطعنا، أو خلقهم على الفطرة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... فراغ في الأصل قدر كلمة، تقديرها: «يثبت». # (¬2) - ... في الأصل: «باصياد»، وهو خطأ. PageV01P277 # فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق} بغير ~~سبب يستحقون القتل، {وقولهم: قلوبنا غلف} أي: محجوبة لا يتوصل إليها شيء من ~~الذكر والوعظ، وقيل: أوعية للعلوم، أو {في أكنة مما تدعونا إليه} (¬1) ، ~~فقال مكذبا لهم: {بل طبع الله عليها بكفرهم} فجعلها محجوبة عن العلم، لما ~~فيها من التجاهل، أي: منعها الإلطاف، وخذلها بسبب كفرهم، فصارت كالمطبوع ~~عليها، {فلا يؤمنون إلا قليلا(155)} منهم، أو إيمانا غير خالص، ولا منتفع ~~به إلا في دار الدنيا، أو الإيمان ببعض والكفر ببعض، كما قال: {أفتؤمنون ~~ببعض الكتاب وتكفرون ببعض}؟ (¬2) وكأن هذا أصح. # {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما(156)} هو النسبة إلى الزنا. # {وقولهم: إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله} سمي مسيحا قيل: لأن ~~جبريل - عليه السلام - مسحه بالبركة، أو لأنه كان يمسح المريض والأكمه ~~والأبرص فيبرأ، فسمي مسيحا بمعنى الماسح. {وما قتلوه وما صلبوه، ولكن شبه ~~لهم؛ وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم، إلا اتباع الظن} ~~اتباع الظن ليس من جنس ms0185 العلم، {وما قتلوه يقينا(157) بل رفعه الله إليه ~~وكان الله عزيزا حكيما(158)}. # {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته} قيل: ليس أحد من أهل الكتاب ~~إلا ليؤمنن به قبل موته، يعني: إذا عاين أسباب الموت، حين لا ينفعه إيمانه، ~~لانقطاع وقت التكليف والاختيار. {ويوم (¬3) القيامة [116] يكون عليهم ~~شهيدا(159)} كما قال: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد} (¬4) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة فصلت: 5. # (¬2) - ... سورة البقرة: 85. # (¬3) - ... في الأصل: «ويو» وهو خطأ. # (¬4) - ... سورة النساء: 41. PageV01P278 # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم} دينية ودنيوية كما ~~قال: {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} (¬1) والمعنى: ما حرمنا عليهم ~~الطيبات إلا لظلم عظيم ارتكبوه، وهو ما عدد قبل هذا. {وبصدهم عن سبيل الله} ~~وبصرفهم أنفسهم وغيرهم عن الإيمان، {كثيرا(160)} خلقا كثيرا. # {وأخذهم الربا، وقد نهوا عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل، وأعتدنا ~~للكافرين منهم عذابا أليما(161)} في الدارين. # {لكن الراسخون في العلم} أي: الثابتون فيه المتقنون لدقائقه، {منهم} من ~~أهل الكتاب، {والمؤمنون} من المهاجرين والأنصار، {يؤمنون بما أنزل إليك وما ~~أنزل من قبلك} القرآن وما تقدمه، {والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة ~~والمؤمنون بالله واليوم الآخر، أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما(162)} في الدارين. # {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده، وأوحينا إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط} قيل: أولاده، {وعيسى وأيوب ويونس ~~وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا(163)}. # {ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل، ورسلا لم نقصصهم عليك} الذين خصهم بالذكر ~~مع اشتمال النبيين عليهم تعظيما لهم، {وكلم الله موسى تكليما(164)}. # {رسلا مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} تنبيه ~~على أن بعثة الأنبياء إلى الناس ضرورة، لقصور الكل عن إدراك جزئيات ~~المصالح، والأكثر عن إدراك كلياتها، وفيه دليل على أن الله تعالى لا يعذب ~~الخلق إلا بعد بعثه الرسل لقوله: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} (¬2) . ~~{وكان الله عزيزا حكيما(165)} في بعث الرسل للإنذار. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأنعام: 146. # (¬2) - ... سورة الإسراء: 15. PageV01P279 # ولما نزل {إنا أوحينا إليك...} قالوا: ما نشهد لك بهذا فنزل: {لكن الله ms0186 ~~يشهد بما أنزل إليك} ومعنى شهادة الله بما أنزل إليه: إثباته لصحته بإظهار ~~المعجزات، كما تثبت الدعاوى بالبينات، إذ الحكيم لا يؤيد الكاذب بالمعجزة، ~~{أنزله بعلمه} بعلمه الذي يحتاج إليه الناس، في معاشهم ومعادهم، {والملائكة ~~يشهدون} لك بالنبوءة، وفيه تنبيه على أنهم يودون أن يعلموا صحة دعوى ~~النبوءة على وجه يستغني عن النظر والتأمل، وهذا النوع من خواص الملك، ولا ~~سبيل للإنسان إلى العلم بأمثال ذلك سوى الذكر والنظر؛ فلو أتى هؤلاء بالنظر ~~الصحيح لعرفوا نبوتك وشهدوا بها. {وكفى بالله شهيدا(166)} شاهدا وإن لم ~~يشهد غيره. # {إن الذين كفروا} بتكذيب محمد - صلى الله عليه وسلم - ، {وصدوا عن سبيل ~~الله} ومنعوا الناس عن سبيل الحق، {قد ضلوا ضلالا بعيدا(167)} عن الحق، لا ~~يستطيعون الرجوع إلى الهدى، ولا يرجى لهم ما داموا على الكفر. # {إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم} ما داموا على الكفر، {ولا ~~ليهديهم طريقا(168) إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا، وكان ذلك على الله ~~يسيرا(169)} مقيمين على الإصرار لا تقع منهم (لعله) طاعة، ولا يتأتى منهم ~~إلا ما يقربهم إلى جهنم، ويبعدهم من الجنة والرحمة. # {يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم؛ فآمنوا خيرا لكم وإن ~~تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض} لا يتضرر بكفركم كما لا ينتفع ~~بإيمانكم، {وكان الله عليما} بأحوالكم، [117] {حكيما(170)} في ما دبر لكم. # { PageV01P280 يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم} لا تجاوزوا (¬1) الحد ~~فغلت اليهود في حط المسيح عن منزلته، حتى قالوا: إنه ابن الزنى، وغلت ~~النصارى في رفعه عن مقداره حيث جعلوه ابن الله، {ولا تقولوا على الله إلا ~~الحق} وهو تنزيه عما لا يليق به. {إنما المسيح عيسى ابن مريم} لا ابن الله، ~~{رسول الله، وكلمته} أي: آيته {ألقاها إلى مريم} أي: أعلمها، {وروح منه} ~~سمي روحا:، لأنه كان يحيي الأموات أو القلوب، {فآمنوا بالله ورسله؛ ولا ~~تقولوا: ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد ~~له ما في السماوات وما ms0187 في الأرض} بيان لتنزيهه مما نسب إليه، [وال]معنى أن ~~كل ما فيهما خلقه وملكه؛ فكيف يكون بعض ملكه جزءا منه؟، إذ النبوة والملك ~~لا يجتمعان، على أن الجزء إنما يصح في الأجسام، وهو يتعالى عن أن يكون ~~جسما. {وكفى بالله وكيلا(171)} حافظا ومدبرا لهما ولما فيهما. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «تجاوزا»، وهو خطأ. PageV01P281 # لن يستنكف المسيح} أي: لم يأنف ولن يتعظم، والاستنكاف: التكبر مع الأنفة، ~~{أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون} أي: الكروبيون الذين حول العرش، ~~كجبريل ومكائيل وإسرافيل ومن في طبقتهم، والمعنى: والملائكة المقربون أن ~~يكونوا عبادا لله. واختلف في الأفضل من الملائكة والمؤمنين من البشر؛ فقيل: ~~الملائكة، لأنهم لا يعصون الله أبدا، وقيل: المؤمنون من البشر أفضل، لأنهم ~~تعبدوا بقهر البواعث النفسانية، والدواعي الجسدانية، فكانت طاعتهم أشق ~~لكونها مع الصوارف، بخلاف طاعة الملائكة، لأنهم جبلوا عليها، فكانت أزيد ~~ثوابا، ولقول الله تعالى: {أولئك هم خير البرية} (¬1) ، والملائكة من ~~البرية؛ وقيل: إن خواص البشر وهم الأنبياء عليهم الصلاة [والسلام] والرسل ~~أفضل من خواص الملائكة، وهم الرسل، كجبريل وميكائيل وعزرائيل (¬2) ونحوهم؛ ~~وخواص الملائكة أفضل من عوام المؤمنين من البشر؛ وعوام المؤمنين من البشر ~~أفضل من عوام الملائكة. {ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر} والاستكبار دون ~~الاستنكاف، {فسيحشرهم إليه جميعا(172)}، فيجازيهم على استنكافهم ~~واستكبارهم. # {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم} في الدارين، {ويزيدهم ~~من فضله، وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما} في الدارين، ~~{ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا(173)} ينصرهم من عذابه. # {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم} أي: رسول يبهر المنكر بالإعجاز، ~~{وأنزلنا إليكم نورا مبينا(174)} قرآنا يستضاء به في ظلمات الحيرة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البينة: 7. # (¬2) - ... في الأصل: «عزائل»، وهو خطأ. PageV01P282 # فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به} امتنعوا به من زيغ الشيطان، ~~{فسيدخلهم في رحمة منه} ثواب قدره بإزاء إيمانه وعمله، ورحمة منه لا قضاء ~~لحق واجب {وفضل} إحسان زائد عليه، {ويهديهم إليه صراطا مستقيما(175)} غير ~~معوج ولا زائغ ولا متردد. # {يستفتونك، قل الله يفتيكم ms0188 في الكلالة إن أمرؤ هلك ليس له ولد وله أخت ~~فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد، فإن كانتا اثنتين فلهما ~~الثلثان مما ترك، وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين ~~الله لكم أن تضلوا} أي: يبين الله لكم ضلاكم الذي من شأنكم إذا خليتم من ~~طباعكم، لتميلوا عنه وتهووا خلافه، {والله بكل شيء عليم(176)} يعلم الأشياء ~~بكنهها قبل كونها وبعده. # سورة المائدة # بسم الله الرحمن الرحيم # {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} يقال: وفى بالعهد، ووافى به، ~~والعقد: العهد الموثق شبه بعقد الحبل ونحوه، وهي عقود الله التي عقدها على ~~عباده، وألزمها إياهم، من مواجب التكليف والعقود، التي تتعاقدها الناس من ~~المبايعة والمناكحة وغيرها. {أحلت لكم بهيمة الأنعام، إلا ما يتلى عليكم ~~غير محلي الصيد وأنتم حرم} كأنه قيل: أحللنا لكم بعض الأنعام، في حال ~~امتناعكم من الصيد، وأنتم محرمون لئلا يضيق عليكم، {إن الله يحكم ما ~~يريد(1)} لا ينازع في حكمه، بل يحب الإذعان لحكمه، لأنه هو العالم بمصالح عباده. # { PageV01P283 يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله} (لعله) بالقول، ~~أو العمل، أو النية؛ جمع شعيرة: وهو اسم ما أشعر، أي: جعل شعارا و علما ~~للنسك من مواقف الحج، ومرامي الجمار، والمطاف والمسعى، والأفعال التي هي ~~علامات الحاج يعرف بها من الإحرام، والطواف والسعي والحلق والنحر، وقيل: ~~دين الله، لقوله: {ومن يعظم شعائر الله} (¬1) أي: دينه، وقيل: فرائضه التي ~~حدها لعباده، فليس للعباد إحلال ما حرمه الله، ولا حجر ما أباحه الله، وليس ~~[لهم] إلا التسليم لأحكامه جل وعلا. {ولا الشهر الحرام} أي: ولا شهر الحج، ~~{ولا الهدي} هو ما هدي إلى البيت؛ فتقرب به إلى الله من النسائك، {ولا ~~القلائد} جمع قلادة: وهو ما قلد به الهدي من نعل أو عروة؛ مراده أو لحاء ~~شجر أو غيره. {ولا آمين البيت الحرام} ولا تجلوا قوما قاصدين المسجد ~~الحرام، وهم الحجاج والعمار، ويدخل في ذلك جميع القاصدين لبيوت الله ~~للطاعة، وإجلاء [كذا] ms0189 هذه الأشياء أن يتهاون بحرمة الشعائر، أو أن يحال ~~بينها وبين المتنسكين بها، أو أن تحدثوا في (¬2) أشهر الحج ما تصدون به ~~الناس عن الحج، وأن يتعرض للهدي بالغصب، أو بالمنع من بلوغ محله، وأما ~~القلائد فجاز أن يراد (¬3) ذوات القلائد. {يبتغون فضلا من ربهم} أي: ثوابا، ~~{ورضوانا} وأن يرضى عنهم، أي: لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم، تعظيما لهم، ومن ~~تعرض لأذاهم أو صدهم عن ذلك، فقد تعدى أمر الله فيهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الحج: 32. # (¬2) - ... في الأصل: + «في»، وهو خطأ. # (¬3) - ... في الأصل: «يردا»، وهو خطأ. PageV01P284 # وإذا حللتم فاصطادوا} إباحة للاصطياد بعد حظره عليهم، بقوله {غير محلي ~~الصيد وأنتم حرم}. {ولا يجرمنكم} ولا يحملنكم، أو لا يكسبنكم {شنآن قوم} ~~أي: شدة بغضهم وعداوتهم، {أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا} وأجرم أي: ~~كسب، ولا يكسبنكم بغض قوم لأن صدوكم الاعتداء لتعتدوا عليهم بغير ما أمر ~~الله، ولا يحملنكم عليه، {وتعاونوا على البر والتقوى} قيل: البر: متابعة ~~الأمر، والتقوى: (لعله) مجانبة النهي. {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} ~~الإثم: ترك المأمور، والعدوان: فعل المحظور، وقيل: الإثم: الكفر، والعدوان: ~~الظلم. {واتقوا (¬1) الله} عباد الله، {إن الله شديد العقاب(2)} في الدارين ~~لمن عاون على الإثم والعدوان، ولم يعاون على البر والتقوى. # {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم (¬2) الخنزير، وما أهل لغير الله به} أي: ~~رفع الصوت به لغير الله، وهو قولهم: باسم اللات والعزى، أو نحو ذلك عند ~~ذبحه، {والمنخنقة والموقوذة (¬3) والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، إلا ما ~~ذكيتم وما ذبح على النصب} قيل: كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت، يذبحون ~~[119] عليها، يعظموها بذلك ويتقربون به إليها، تسمى الأنصاب واحدها نصب، أو ~~هو جمع، والواحد نصاب. قال أبو سعيد: «فأجمع أهل التأويل أنه ما ذبح من ~~الأنعام الحلال أصلها، ولم يذكر اسم الله عليها بشيء من الآلهة غير الله، ~~أنها حرام، وأنها لاحقة بقوله: {وما ذبح على النصب}، {وما أهل به لغير ~~الله} (¬4) ». # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «وتقوا»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «والحم»، وهو خطأ. # (¬3) - ... في الأصل: «والموقواذة»، ms0190 وهو خطأ. # (¬4) - ... سورة البقرة: 173. PageV01P285 # وأن تستقسموا بالأزلام}: هو طلب القسم، والحكم، من الأزلام (¬1) هي ~~القداح المعلمة؛ قيل: كان أحدهم إذا أراد سفرا أو غزوا أو تجارة أو نكاحا ~~أو غير ذلك، تعمد إلى قداح ثلاثة على واحد منها مكتوب: «أمرني ربي»، وعلى ~~الآخر: «نهاني ربي»، والثالث غفل؛ فإن خرج الآمر مضى لحاجته، وإن خرج ~~الناهي أمسك، وإن خرج الغفل أعاده؛ فمعنى الاستقسام بالأزلام، طلب معرفة ~~قسم له مما لم يقسم له. قال الزجاج: «لا فرق بين هذا، وبين قول المنجمين: ~~لا تخرج من أجل نجم كذا، واخرج لطلوع نجم كذا»، وقيل: هو الميسر. {ذلكم ~~فسق} أي: الاستقسام بالأزلام خروج عن الطاعة، ويحتمل أن يعود إلى كل محرم ~~في الآية. # {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم} يئسوا منه أن يبطلوه أو يغلبوه، لأن ~~الله وفى بعهده من إظهاره على الدين كله، أو لا يطمعوا (¬2) في الارتقاء به ~~مع وقوف أنفسهم في بحبوحة هواهم، {فلا تخشوهم} بعد إظهار الدين وزوال الخوف ~~من الكفار، وانقلابهم مغلوبين بعد ما كانوا غالبين، {واخشون} أي: أخلصوا ~~إلي الخشية. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «والأزلام هي...». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «يطمعون». PageV01P286 # اليوم أكملت لكم دينكم} بالنصر والإظهار على الأديان كلها، أو بالتنصيص ~~على قواعد العقائد، والتوفيق على أصول الشرائع، وقوانين الاجتهاد، وأكملت ~~لكم ما تحتاجون له في تكليفكم، من تعليم الحلال والحرام، والتوقيف على ~~شرائع الإسلام وقوانين القياس. {وأتممت عليكم نعمتي} بالهداية والتوفيق، أو ~~بكمال الدين وهدم منار الجاهلية ومناسكهم، {ورضيت لكم الإسلام دينا} أي: ~~اخترته لكم من بين الأديان، {فمن اضطر} متصل بذكر المحرمات؛ وقوله: {ذلكم ~~فسق} اعتراض أكد به معنى التحريم، وكذا ما بعده، لأن تحريم هذه الخبائث من ~~جملة الدين الكامل، والنعمة التامة، والإسلام المرضي دون غيره من الملل. ~~{في مخمصة} أي: جهد في مجاعة، والمخمصة: خلو البطن من الغذاء؛ نقول: رجل ~~خميص البطن: إذا كان طاويا خاويا. {غير متجانف لإثم} غير مائل له ومنحرف ~~إلى إثم، وعلامته أن يأكل متلذذا مجاوزا ms0191 أخذ (¬1) الرخصة؛ {فإن الله غفور} ~~لا يؤاخذه لما هو مضطر إليه، {رحيم(3)} بإباحة المحظور للمعذور. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الأصوب: «مجاوزا حد». PageV01P287 # يسألونك ماذا أحل لهم} من المطاعم، كأنهم حين تلي عليهم ما حرم عليهم من ~~خبيثات المطاعم سألوه عما أحل لهم منها، فقال: {قل: أحل لكم الطيبات} ما لم ~~تستخبثه الطباع السليمة، وهو ما أحل في الشرع؛ فقد بين الله لأولي الألباب ~~في هذا أن ما حرمه الله تعالى لخلقه هي ضد الطيبات، وهي الخبائث التي هي ~~عمل تصيب (¬1) الشيطان وأعوانه من الغاوين. {وما علمتم من الجوارح} أي: ~~الكواسب للصيد من سباع البهائم والطير، {مكلبين} المكلب: هو مؤدب (¬2) ~~الجوارح ومعلمها، مشتق من الكلب، لأن التأديب في الكلاب أكثر. {تعلمونهن}، ~~وفيه دليل على أن كل آخذ علما لا يأخذه إلا من أفقههم علما، فكم من آخذ عن ~~غير متقن قد ضيع أيامه، وعض عند انكشاف الحقائق أنامله [120]. {مما علمكم ~~الله} أي: من العلم الذي علمكم الله من علم التكليب، {فكلوا مما أمسكن ~~عليكم} الإمساك على صاحبه أن لا يأكل منه[كذا]؛ فإن أكل منه لم يؤكل، إذا ~~كان صيد كلب. {واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله} واحذروا مخالفة أمره ~~فيما أمركم به، {إن الله سريع الحساب(4)} إنه محاسبكم عن أفعالكم، فيجازيكم ~~في الدنيا بالخذلان، وفي العقبى بالنار. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، وحذف كلمة «تصيب» لا يخل بالمعنى. # (¬2) - ... في الأصل: «المؤدب»، وهو خطأ. PageV01P288 # اليوم أحل لكم الطيبات} كرره تأكيدا للمنة، {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل ~~لكم وطعامكم حل لهم} فلا عليكم أن تطعموهم، لأنه لو كان حراما عليهم طعام ~~المؤمنين لما متاع لهم اطعامهم (¬1) . قال أبو سعيد: «فاجتمعت الأمة ~~بأسرها، لا نعلم بينهم في ذلك اختلافا، أن الطعام هاهنا هو اللحوم من أيدي ~~أهل الكتاب، من ذبائحهم، وأنهم مأمونون على ذلك، وجائز من عندهم شراء ~~اللحوم» انتهى. فإن قيل: كيف شرع لهم حل طعامنا وهم كفار ليسوا من أهل ~~الشرع؟ يروى عن الزجاج أنه قال: «معناه حلال لكم أن تطعموهم، حرام ms0192 عليكم أن ~~تزوجوهم». {والمحصنات من المؤمنات}: هي الحرائر والعفائف، والمحصن: هو ~~مأخوذ اسمه ممن يحصن عن عدوه لئلا يأخذه، كأنه أحصن دينه عن الوقوع في ~~الإثم من أسباب الجماع. {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا ~~آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين} متزوجين غير زانين، {ولا متخذي أخدان} ~~صدائق (¬2) ، والخدن: يقع على الذكر والأنثى، {ومن يكفر بالإيمان} شرائع ~~الإسلام، وما أحل الله وما حرم، أو بشيء من ذلك، {فقد حبط} بطل {عمله وهو ~~في الآخرة من الخاسرين(5)} خسر دنياه وآخرته. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «لما أباح لهم إطعامهم». # (¬2) - ... في اللسان والمنجد لم يجمع “الصديق” على ما جمعه الناسخ إنما ~~الصحيح: الصديق جمع أصدقاء وصدقاء وصدقان، وجج: أصادق بمعنى الخل والحبيب. PageV01P289 # يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة؛ فاغسلوا وجوهكم} أي: إذا أردتم ~~القيام إلى الصلاة، كقوله: {فإذا قرأت القرآن} (¬1) قيل: كان الوضوء لكل ~~صلاة واجبا، ولو من غير نقض للوضوء أول ما فرض ثم نسخ؛ وقيل: تقديره: إذا ~~قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون. {وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم ~~وأرجلكم إلى الكعبين، وإن كنتم جنبا فاطهروا، وإن كنتم مرضى أو على سفر أو ~~جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا ~~طيبا} فيه إيجاب فرض التطهير من النجاسات بالماء لأجل أداء الصلاة، بذكره ~~للغائط، فثبت التطهر بالماء لوجوده من جميع النجاسات، فإن عدم كان التيمم ~~بدله، يقوم مقامه. {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم ~~من حرج} أي: ضيق، {ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم} وليتم برخصه ~~إنعامه عليكم بعزائمه[كذا]، {لعلكم تشكرون(6)} توفون حق النعم. # {واذكروا نعمة الله عليكم} بالإسلام لتذكركم المنعم، وترغبكم في شكره، ~~وأنه ما بكم من نعمة فمنه، لتستعينوا بها على عبادته، {وميثاقه الذي واثقكم ~~به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله} في نقضه، {إن الله عليم بذات ~~الصدور(7)} بسرائرها من الخير والشر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الإسراء: 98، في الأصل: «إذا قرأت»، وهو خطأ. وتمام ~~الآية: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ ms0193 بالله من الشيطان الرجيم}. PageV01P290 # يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط} بين الأنام، {ولا ~~يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا} أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل ~~فيهم لعداوتهم؛ {اعدلوا هو أقرب للتقوى} أي: العدل أقرب إلى التقوى؛ نهاهم ~~أولا أن تحملهم البغضاء على ترك العدل، ثم استأنف فصرح لهم الأمر بالعدل ~~تأكيدا وتشديدا، ثم استأنف فذكر لهم [121] وجه الأمر، وهو قوله: {اعدلوا هو ~~أقرب للتقوى}. {واتقوا الله} فيما أمر ونهى، {إن الله خبير بما تعملون(8)} ~~وعد ووعيد، ولذا ذكر بعدها آية الوعد، وهو قوله: # {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم(9)} ما وصفه ~~الله بالعظم فهو جدير أن تعظمه القلوب. {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك ~~أصحاب الجحيم(10)} لا يفارقونها. # {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم ~~أيديهم} بالقتل، يقال: بسط إليه لسانه إذا شتمه، وبسط إليه يده إذا بطش به، ~~{ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء} (¬1) ؛ {فكف أيديهم عنكم} وذلك ~~يذكرهم (¬2) الله نعمته ليطيعوه ويتقوه، كما قال: {واتقوا الله وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون(11)} واجب ذكر نعم الله في كل شيء، وهذه النعمة من أخص ما ~~أنعم الله بها على عباده، إذ لو خلى الله الخلق واختيارهم في بعضهم بعض، من ~~البغي والضر في دينهم وأنفسهم وأموالهم وأمر معاشهم لما انتظم أمر العالم، ~~وما بقي على ظهر الأرض من دابة، ولبطلت الحكمة في إيجاد خلقه لغير معنى، ~~ولكن الله رحيم بخلقه، قد تفضل عليهم برأفته ورحمته؛ ولو سلط الله على ابن ~~آدم بعوضة، أو أصغر منها جرما، لأهلكته في أسرع حال. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الممتحنة: 2. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «ليذكرهم». PageV01P291 # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل، وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا} النقيب: ~~هو الذي (لعله) المختار من القوم، وهو [الذي] ينقب عن أحوال القوم ويفتش ~~عنها، {وقال الله: إني معكم} أي: ناصركم ومعينكم. {لئن أقمتم الصلاة وآتيتم ~~الزكاة، وآمنتم برسلي وعزرتموهم} أي: نصرتموهم وقويتموهم، وأصله الذب (¬1) ~~، {وأقرضتم الله ms0194 قرضا حسنا} قيل: هو كل فعل خير، ومخالفة النفس عن كل قبيح، ~~{لأكفرن عنكم سيئاتكم} صغائر أعمالكم، {ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار} أي: من فعل ذلك جوزي بهذا؛ {فمن كفر بعد ذلك منكم} أي: بعد ذلك ~~الشرط المؤكد المعلق بالوعد العظيم؛ {فقد ضل سواء السبيل(12)} أخطأ طريق ~~الحق. تعم من كفر قبل ذلك فقد ظل سواء السبيل أيضا؛ ولكن الضلال بعده أقبح ~~وأعظم، وسواء كل شيء: وسطه. # {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم} طردناهم (¬2) ، وأخرجناهم من رحمتنا، ~~{وجعلنا قلوبهم قاسية} يابسة لا رحمة فيها ولا لين، والقسوة: خلاف اللين ~~والرقة؛ وقرئ: قسية أي: ردية، (لعله) مغشوشة. {يحرفون الكلم عن مواضعه} ~~يفسرونها على غير ما أنزلت عقوبة لهم. وهو بيان لقسوة قلوبهم، لأنه لا قسوة ~~أشد من الافتراء على الله، وتغيير وحيه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في المنجد: الذب: ذب ذبا عنه: دفع عنه، ومنع وحامى، أي: ~~الدفاع عن الأهل والقوم. # (¬2) - ... في الأصل: «اطردناهم»، وهو خطأ. PageV01P292 # ونسوا حظا} والمعنى: أنهم حرفوا التوراة، وتركوا حظهم مما أنزل عليهم ~~فيها، فلم يتأولوه على تأويله، فتركوه ولم ينالوه، يعني: أن إعراضهم عن ~~التوراة إغفال حظ عظيم. {مما ذكروا به} أو تركوا نصيب أنفسهم، مما أمروا به ~~من الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبعثته. {ولا تزال تطلع على خائنة ~~منهم} أي: عادة الخلق الخيانة وقلة الوفاء بما تعبدهم الله به، ومعاملتهم ~~لبعضهم بعض، فلا ينبغي أن يستنكر ذلك منهم؛ لأنه من طبعهم، والوفاء منهم ~~نادر قليل. {إلا قليلا منهم} وهم الذين آمنوا منهم، {فاعف عنهم (¬1) واصفح} ~~ولا تخن مثل ما خانوا، وأحسن إليهم بفعل ما أمرك به فيهم. {إن الله يحب ~~المحسنين(13)}. # {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم} هو الإيمان بالله والرسل وما ~~جاءوا به؛ {فنسوا حظا مما ذكروا به} أي: تركوا حظهم [122] الوافر الباقي، ~~باشتغالهم بالفاني الناقص، {فأغرينا} فألصقنا وألزمنا، من غرى بالشيء، إذا ~~لزمه ولصق به، ومنه الغراء الذي يلصق به، {بينهم} فرق النصارى المختلفين ~~{العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} بالأهواء المختلفة، والجدل في الدين؛ ms0195 ~~فكل فرقة تكفر الأخرى، {وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون(14)} (¬2) عند ~~الموت، أو في القيامة بالجزاء والعقاب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... هنا إحالة إلى الحاشية كتب فيها: «يحتمل». # (¬2) - ... في الأصل: «يصعنون»، وهو خطأ. PageV01P293 # يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا} محمد - صلى الله عليه وسلم - ، {يبين لكم ~~كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب} من نحو صفة رسول الله، {ويعفو عن كثير} ~~مما تفعلون، لا يؤاخذكم به، أو يعرض عن كثير مما أخفيتم فلا يبينه. {قد ~~جاءكم من الله نور وكتاب مبين(15)} يريد القرآن، لكشفه ظلمات الشرك والشك، ~~ولإبانته ما كان خافيا على الناس من الهدى. # {يهدي به الله} بالقرآن، {من اتبع رضوانه}، من طلب به رضى الله، {سبل ~~السلام} طرق السلامة والنجاة من عذاب الله في الدارين، {ويخرجهم من الظلمات ~~إلى النور} من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام، {بإذنه، ويهديهم إلى صراط ~~مستقيم(16)} طريق هو أقرب الطرق إلى الله وأرفقها، وتوصل إليه لا محالة. # {لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم} معناه: قطع القول على ~~أن الله هو المسيح لا غير. قيل: كان في النصارى قوم يقولون بذلك، أو لأن ~~مذهبهم يؤدي إليه، حيث اعتقدوا أنه يخلق ويحيي ويميت، أو يستحق العبادة من ~~دون الله. {قل: فمن يملك من الله شيئا} فمن يمنع من قدرته ومشيئته شيئا، ~~{إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه، ومن في الأرض جميعا} أي: أراد أن ~~يهلك من ادعوه إلها من المسيح وأمه، يعني: أن المسيح عبد مخلوق كسائر ~~العباد، وعطف «من في الأرض» على «المسيح وأمه» إبانة أنهما من جنسهم لا ~~تفاوت بينهما وبينهم، والمعنى: أن من اشتمل عليه رحم الأمومية متى يفارقه ~~نقص البشرية؟! ومن لاحت عليه شواهد الحدثية أنى يليق به نعت الربوبية؟! ولو ~~قطع البقاء عن جميع ما أوجد، لم يعد نقص إلى الصمدية (¬1) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، مع الشكل، ونلاحظ أن في العبارة خللا. PageV01P294 # ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء} أي: يخلق من ذكر ~~وأنثى، ويخلق من ms0196 أنثى بلا ذكر، كما خلق عيسى، ويخلق من غير ذكر ولا أنثى، ~~كما خلق آدم؛ أو يخلق ما يشاء كخلق الطير على يد عيسى معجزة له؛ فلا اعتراض ~~عليه، لأنه الفعال لما يريد، {والله على كل شيء قدير(17)} لا يعجزه شيء من ~~الأشياء. # {وقالت اليهود والنصارى: نحن أبناء الله وأحباؤه} أي: أعزة عليه كالابن ~~على الأب، أو أشياع ابني الله عزير والمسيح، {قل: فلم يعذبكم بذنوبكم} أي: ~~فإن صح أنكم أبناء الله وأحباؤه، فلم تعذبون بذنوبكم بالمسخ والنار أياما ~~معدودة على زعمكم، وأنتم مقرون بذلك، وهل يمسخ الأب ولده، وهل يعذب الوالد ~~ولده بالنار؟؛ ثم قال ردا عليهم: {بل أنتم بشر ممن خلق} ممن تعبده بالأمر ~~والنهي، {يغفر لمن يشاء} لمن تاب عن الكفر ويثيبه. {ويعذب من يشاء} من كفر ~~ولم يتب منه. {ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير(18)} فيه ~~تنبيه على عبودية المسيح، لأن الملك والنبوءة متنافيان. # { PageV01P295 يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم} الشرائع، {على ~~فترة من الرسل} أي: جاءكم على حين فتور (¬1) من إرسال الرسل، وانقطاع من ~~الوحي؛ لأن سنن الشرائع تموت وتندرس، إذا تباعدت المدد من أيام الرسل على ~~قلة العاملين بها، ويظهر حزب الشيطان [123] على حزب الله. {أن تقولوا: ما ~~جاءنا من بشير ولا نذير}، لأنه تطاولت الأيام، وقدم أمر الرسول، نسوا ~~البشير والنذير المنزولين عليه، بعث الله عليهم الرسول بشيرا ونذيرا، ليجدد ~~الأمر عليهم اندراسه (¬2) . {فقد جاءكم} أي: لا تعتذروا فقد جاءكم، {بشير} ~~للمؤمنين، {ونذير} للكافرين، والمعنى: الامتنان عليهم بأن الرسول بعث إليهم ~~حين انطمست آثار الوحي، أحوج ما يكونون إليه ليهشوا (¬3) إليه، ويعدوا (¬4) ~~أعظم نعمة من الله، ويلزمهم الحجة فلا يعتلوا غدا بأنه لم يرسل إليهم من ~~يحييهم (¬5) من بعد موتهم، ويوقظهم من رقدهم، وينبههم عن غفلتهم. {والله ~~على كل شيء قدير(19)} وذلك من أدل الأشياء على إثبات قدرة الله على جميع ~~الأشياء الموجودات، أو المعدومات أو المتوهمات. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «فتوور»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «لتجدد الأمر عليهم بعد ms0197 انداراسه». # (¬3) - ... في اللسان: «الجوهري: هششت بفلان بالكسر، أهش هشاشة، إذا خففت ~~إليه وارتحت له وفرحت به، ورجل هش بش». ابن منظور: لسان العرب، مادة «هشش». # (¬4) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «ويعدوه». # (¬5) - ... في الأصل: «يحيهم»، وهو خطأ، لأنه لا موجب للجزم. PageV01P296 # وإذ قال موسى لقومه: يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء}، ~~لأنه لما جعل فيهم أنبياء كان أتم للنعمة وألزم للحجة، لإزاحة الشبهة. ~~{وجعلكم ملوكا} ومن تمام النعمة أن جعلكم مالكين غير مملوكين، وقيل: الملك: ~~هو من له مسكن واسع فيه ماء جار، وقيل: من له بيت وخدم، أو لأنهم كانوا ~~مملوكين في أيدي (¬1) القبط؛ فأنقذكم الله، فسمى إنقاذهم ملكا، وقيل عن ابن ~~عباس أنه قال: «أصحاب خدم وحشم»؛ وعندي أن ذلك يعم من كان مخلى بينه وبين ~~أشغاله الدينية والدنيوية، وهو اسم يستغرق اسم الحرية عن استخدام العبودية. ~~{وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين(20)} من فلق البحر وإغراق العدو، ~~وإنزال المن والسلوى، وتظليل الغمام، أو بما خصهم الله من فضله على سائرهم، ~~أو أراد عالمي زمانهم. # {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة} أي: المطهرة والمباركة، وهي أرض بيت ~~المقدس، سميت بذلك لأنها كانت قرار الأنبياء ومسكن المؤمنين. {التي كتب ~~الله لكم} قسمها لكم وسماها، أو كتب في اللوح المحفوظ أنها مساكن لكم، أو ~~جعل عاقبة ثوابها لكم إن امتثلتم الأمر. {ولا ترتدوا على أدباركم} ولا ~~ترجعوا على أعقابكم، مدبرين منهزمين من خوف الجبابرة جبنا، أو لا ترتدوا ~~على أدباركم في دينكم؛ {فتنقلبوا خاسرين(21)} الدارين. # {قالوا يا موسى: إن فيها قوما جبارين} الجبار، “فعال” من جبره على الأمر، ~~بمعنى أجبره عليه، وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد ولو شخص واحد، ~~ولو فعل في هزته أو تهمته ما لا يجوز دخل عليه اسم الجبار (¬2) . {وإنا لن ~~ندخلها} بالقتال، {حتى يخرجوا منها} بغير قتال، {فإن يخرجوا منها فإنا ~~داخلون(22)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «أيد». # (¬2) - ... كذا في الأصل، والعبارة غير واضحة المعنى. PageV01P297 # قال رجلان من الذين يخافون} الله ويخشونه، ms0198 {أنعم الله عليهما} بالخوف ~~منه: {ادخلوا عليهم الباب؛ فإذا دخلتموه فإنكم غالبون} لأنهم أجسام لا قلوب ~~فيها، لأن قلوبهم لما رانت عليها معاصيهم، لم يكن لها حكم، والمؤمنون: ~~المتقون لم يجعلوا حكما لأجسامهم، لأنها خادمة لقلوبهم؛ فالأجسام تحيى ~~وتقوى بالقلوب إذا أطاعتها، والقلوب تموت بطاعة الأجسام. {وعلى الله ~~فتوكلوا إن كنتم مؤمنين(23)} إذ الإيمان به يقتضي التوكل عليه، وهو قطع ~~العلائق، وترك الخضوع للخلائق، إلا ما كان لله. # {قالوا يا موسى: إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها؛ فاذهب أنت وربك ~~فقاتلا إنا ها هنا قاعدون(24)} مخالفة لأمره. # {قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي} قيل معناه: وأخي لا يملك إلا نفسه، ~~وقيل: لا تطيعني إلا نفسي وأخي. {فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين(25)} ~~فافصل بيننا وبينهم، بأن تحكم لنا بما وعدتنا، وتحكم عليهم بما هم [124] ~~أهله، وهو في معنى الدعاء عليهم، والبراءة منهم. # {قال: فإنها محرمة عليهم} لا يدخلونها، قيل: معناه تلك البلدة محرمة ~~أبدا، لم يرد بها تحريم تعبد، وإنما أراد تحريم منع، {أربعين سنة}، فإذا ~~مضى الأربعون كان ما كتب، {يتيهون في الأرض} عاقبهم الله بحرمان التوفيق ~~لما خالفوا أمره، لا يهتدون طريقا إلا طريق جهنم ما داموا مصممين على ~~كفرهم؛ وكأنهم في الظاهر يسيرون، وفي الحقيقة ناكصون على أعقابهم، مرتدون ~~عن مقصدهم، مكبون على وجوههم، ولا يرون أنهم ناكصون مكبون على وجوههم، لأن ~~ظلمات معاصيهم أعمت نور بصائرهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم، وهو معنى ~~الاستدراج. {فلا تأس على القوم الفاسقين(26)} فلا تحزن عليهم فإنهم فاسقون. # { PageV01P298 واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق} أي: بالصدق، {إذ قربا ~~قربانا} ما يتقرب به إلى الله من نسك أو صدقة، يقال: قرب وتقرب. {فتقبل من ~~أحدهما، ولم يتقبل من الآخر}، لأنه سخط حكم الله، ولم يخلص النية في ~~قربانه، أو كان عاصيا غير متق فلا يقبل منه، وإن أراد بذلك القربان وجه ~~الله، لأنه عاص، ولا تقبل طاعة من عاص (¬1) ، وانظر في عملهما في الصورة ~~الظاهرة كأنه متوازن، وإنما بتقوى القلوب ms0199 تباين، فصار هذا مقبولا منه، وهذا ~~مردودا عليه مضروبا [به] وجهه؛ فهذا في حقيقة حسنة، وهذا في حقيقة سيئة ~~(¬2) . {قال: لأقتلنك} توعد بالقتل لفرط الحسد، ولعل في أمانيه لينال بقتله ~~ما لا ينال في حياته. {قال: إنما يتقبل الله من المتقين(27)} فإنما أولى من ~~قتل نفسه لانسلاخها من لباس التقوى. # {لئن بسطت إلي يدك لتقتلني، ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك، إني أخاف الله ~~رب العالمين(28)} ولم يجرمنه شنآن أخيه على أن يجور عليه خوفا من الله تعالى. # {إني أريد أن تبوء} تحمل أو ترجع {بإثمي} بإثم قتلي إذا قتلتني، {وإثمك} ~~الذي لأجله لم يتقبل قربانك؛ {فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاء ~~الظالمين(29)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «لأنه عاصي، ولا تقبل طاعة من عاصي»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «فهذا في حقيقته حسنة، وهذا في ~~حقيقته سيئة». PageV01P299 # فطوعت (¬1) له نفسه قتل أخيه} فوسعته وسرته وطاوعته وشانعته (¬2) ~~وعاونته، من «طاوع له المرتع»: إذا اتسع. {فقتله، فأصبح من الخاسرين(30)} ~~دنيا ودينا. # {فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه} عورة أخيه؛ ~~{قال: يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب، فأواري سوأة أخي}؟ لأهتدي ~~لما اهتدى إليه. {فأصبح من النادمين(31)}. قد بعث الله غرابا يبحث في الأرض ~~ليريه كيف يواري سوأة أخيه، لما عجزت دلائله عن الدليل، وقد أقام عليه ~~الحجة بفعله، ليتأسى به، (لعله) لأمر دينه ودنياه. # {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل، أنه من قتل نفسا بغير نفس، أو فساد ~~في الأرض} يريد بغير نفس وبغير فساد في الأرض، من كفر أو زنا أو قطع طريق ~~أو نحو ذلك؛ {فكأنما قتل الناس جميعا} ومن قتل نفسين، فكأنما قتل الناس ~~مرتين، وكذلك ما زاد. {ومن أحياها} حماها عن القتل، أو أخرجها من ضلال إلى ~~هدى؛ {فكأنما أحيا الناس جميعا} قيل للحسن: «يا أبا سعيد هل لنا كما كان ~~لبني إسرائيل؟» قال: «أي والذي لا إله غيره، ما كان دماء بني إسرائيل أكرم ~~على الله من دمائنا». ms0200 {ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات} بالآيات الواضحات؛ {ثم ~~إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون(32)} متجاوزون. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «وطوعت»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «وتابعته». أو لعله من «شنعت ~~وأشنعت، وتشنعت الناقة: شمرت في سيرها وأسرعت وجدت»، بمعنى سرعته نفسه إلى ~~فعلته. أو من تشنعت الفرس والراحلة: ركبتها وعلوتها، أي ركبته نفسه لفعل ~~الشر. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة «شنع». PageV01P300 # إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو ~~يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، ذلك لهم خزي في ~~الدنيا، ولهم [125] في الآخرة عذاب عظيم(33) إلا الذين تابوا من قبل أن ~~تقدروا عليهم، فاعلموا أن الله غفور رحيم(34)}. # {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} أي: القربة ~~فعلية[كذا]، من توسل إلى فلان بكذا أي: تقرب إليه. {وجاهدوا في سبيله لعلكم ~~تفلحون(35)}. # {إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه} حتى أعمالهم ~~الطاعة التي عملوها لله داخلة في هذا، {ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما ~~تقبل منهم ولهم عذاب أليم(36)}. # {يريدون أن يخرجوا من النار، وما هم بخارجين منها، ولهم عذاب مقيم(37)} ~~هذا الوعيد متوجه على كل كافر كفر نعيم، أو كفر شرك، لأنه قال: {إن الذين ~~كفروا} أبهم القول وأعمه في الفريقين، ومن خص به كافر الشرك دون كافر ~~النعيم فعليه إقامة الدليل، وقال الله فيهم: {يريدون أن يخرجوا من النار ~~وما هم بخارجين منها، ولهم عذاب مقيم} فقد شهد الله عليهم بالإقامة فيها، ~~وأن لا خروج منها بعد الدخول فيها للعذاب؛ أعاذنا الله من ذلك. # {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله ~~عزيز حكيم(38) فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح} برد المسروق، {فإن الله يتوب ~~عليه إن الله غفور رحيم(39)}. # {ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض، يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء، ~~والله على كل شيء قدير(40)} يعذب من يشاء من مات على ms0201 كفره، ويغفر لمن يشاء ~~من تاب من كفره. # { PageV01P301 يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر، من الذين ~~قالوا: آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم} إيمان تصديق حقيقي، وهم المنافقون؛ ~~لأن إيمان قلوبهم (لعله) يقتضي ترك مسارعتهم للكفر، والمبادرة إلى (لعله) ~~المسارعة للخير؛ وانظر كيف سماهم الله كفرة. {ومن الذين هادوا سماعون ~~للكذب} أي: قائلون للكذب، كقول المصلي: «سمع الله لمن حمده» أي: قبل، وقيل: ~~معناه لأجل الكذب، أي: يسمعون منك ليكذبوك؛ إنهم كانوا يسمعون من الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - ثم يخرجون ويقولون: سمعنا منه كذا، فلم (¬1) يسمعوا ~~ذلك منه. {سماعون لقوم آخرين لم يأتوك} أي: سماعون منك لأجل قوم آخرين من ~~اليهود، وجهوهم (¬2) عيونا ليبلغوهم ما سمعوا منك. # {يحرفون الكلم من بعد مواضعه} أي: يزيلونه ويميلونه عن مواضعه التي وضعها ~~الله فيها؛ فيهملونه بغير مواضع[كذا]، بعد أن كان ذا مواضع عالية؛ {يقولون: ~~إن أوتيتم هذا} المحرف المزال عن مواضعه؛ {فخذوه} واعلموا أنه الحق، ~~واعملوا به، {وإن لم تؤتوه}، وأفتاكم بخلافه، {فاحذروا} وإياكم وإياه، فهو ~~الباطل. {ومن يرد الله فتنته} ضلاله، {فلن تملك له من الله شيئا} من أمر ~~دين ولا دنيا. {أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} عن الكفر، لعلمه ~~منهم اختيار الكفر. {لهم في الدنيا خزي} لا ينفك الخزي عن كل من كان في ~~قلبه خزي. {ولهم في الآخرة عذاب عظيم(41)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «وهم لم يسمعوا ذلك منه». # (¬2) - ... في الأصل: «وجهوههم»، وهو خطأ. PageV01P302 # سماعون للكذب أكالون للسحت} هو كل ما لا يحل كسبه، وهو من سحته: إذا ~~استأصله، لأنه مسحوت البركة، كما قال: {يمحق الله الربا} (¬1) ، وقال: ~~{فيسحتكم بعذاب} (¬2) أي: يهلككم به. {فإن جاءوك فاحكم بينهم، أو أعرض ~~عنهم} قيل: كان مخيرا إذا تحاكم إليه أهل الكتاب بين أن يحكم بينهم وبين أن ~~لا يحكم؛ وقيل: نسخ التخيير بقوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} (¬3) . ~~{وإن تعرض عنهم، فلن يضروك شيئا، وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط، إن الله يحب ~~المقسطين(42)} العادلين. ms0202 # [126] {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله} تنبيه على أنهم ما ~~قصدوا بالتحكم معرفة الحق وإقامة الشرع، وإنما طلبوا به ما يكون أهون ~~عليهم، وإن لم يكن حكم الله في زعمهم. {ثم يتولون (¬4) من بعد ذلك، وما ~~أولئك بالمؤمنين(43)} (لعله) أي: بمصدقين بك، ولا بكتابهم كما يدعون. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البقرة: 276. # (¬2) - ... سورة طه: 61. # (¬3) - ... سورة المائدة: 49. # (¬4) - ... في الأصل: «يقولون» وهو خطأ. PageV01P303 # إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور} يبين ما استبهم من الأحكام، {يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا} أي: أسلموا، أو انقادوا لحكم الله وما أنزل في ~~التوراة، {للذين هادوا} تابوا من الكفر، {والربانيون والأحبار} أي: العلماء ~~والزهاد السالكون طريقة أنبيائهم، فسمى العالم حبرا لما عليه من حال العلم، ~~وبهائه وأماراته ودلائله. {بما استحفظوا} استودعوا {من كتاب الله}، الضمير ~~في «استحفظوا» للأنبياء، والربانيين والأحبار جميعا؛ والاستحفاظ من الله، ~~أي: كلفهم الله حفظه، أو بسبب أمر الله إياهم بأن يحافظوا (¬1) كتابه من ~~التضييع والتحريف، أو للربانيين والأحبار، والاستحفاظ من الأنبياء. {وكانوا ~~عليه (¬2) شهداء} أنه كذلك، وقيل: أنه رقباء عن التبديل فيه. # {فلا تخشوا الناس} نهي للحكام عن خشيتهم غير الله في حكوماتهم، وإمضائها ~~على خلاف ما أمروا به من العدل، لخشية سلطان ظالم، أو خيفة أذية (¬3) أحد، ~~{واخشون} في مخالفة أمري، {ولا تشتروا بآياتي} ولاتستبدلوا بآيات الله ~~وأحكامه {ثمنا قليلا} وهو الرشوة، وابتغاء الجاه، والخوف من الخلق ورضاهم. ~~{ومن لم يحكم بما أنزل الله} مستهينا به، أو منكرا له، أو مستبدلا به. ~~{فأولئك هم الكافرون(44)} فكل من لم يحكم بما أنزل الله، ولم يرض بحكم ~~الله، فهو كافر ظالم فاسق. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «يحفظوا». # (¬2) - ... في الأصل: - «عليه». # (¬3) - ... أذية مصدر آذى، في اللسان: «آذاه يؤذيه أذى وأذاة وأذية، ~~وتأذيت به». ابن منظور: لسان العرب، مادة «أذي». PageV01P304 # وكتبنا عليهم فيها} وفرضنا عليهم في التوراة، {أن النفس بالنفس، والعين ~~بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن} وسائر الجوارح قياس ~~عليها في القصاص، [بدليل] قوله تعالى: {والجروح قصاص} فهذا تعميم بعد تخصص ~~فيما يمكن الاقتصاص ms0203 منه، {والجروح قصاص فمن تصدق به} من أصحاب الحق بالقصاص ~~وعفي عنه، {فهو كفارة له} فالتصدق به كفارة للمتصدق بإحسانه إذا كان مؤمنا. ~~{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون(45)}. # {وقفينا على آثارهم} على آثار النبيين، ومعنى قفيت الشيء بالشيء: جعلته ~~في أثره، كأنه جعل في قفاه، {بعيسى ابن مريم، مصدقا لما بين يديه} لما ~~تقدمه {من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من ~~التوراة وهدى وموعظة للمتقين(46)} لأنهم هم المنتفعون به. # { PageV01P305 وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الفاسقون(47)} الخارجون عن الطاعة، والفاسق هو الذي ~~فسق بفعله، وخرج من دخوله فيما أقر به بفسقه، كما يقال: فسقت الرطبة: إذا ~~خرجت من قشرتها، {وأنزلنا إليك} يا محمد، {الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه}، لما تقدمه نزولا، وإنما قيل: لما قبل الشيء هو بين يديه، لأن ما ~~تأخر عنه يكون وراءه وخلفه، فما تقدم عليه يكون قدامه وبين يديه {من ~~الكتاب} المراد به جنس الكتب المنزلة، لأن القرآن مصدق لجميع كتب الله، ~~فكان حرف التعريف فيه للجنس؛ ومعنى تصديقه للكتب: موافقتها في التوحيد ~~والعبادة، {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون} (¬1) ، {ومهيمنا عليه} وشاهدا، لأنه يشهد له بالصحة والثبات، ~~{فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق} بالانحراف ~~عنه إلى ما [127] يشتهونه، أي: لا تعرض عما جاءك من الحق، ولا تتبع ~~أهواءهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأنبياء: 25. PageV01P306 # لكل جعلنا منكم شرعة} شريعة، وهي الطريقة إلى الماء؛ شبه بها الدين، لأنه ~~طريق إلى ما هو سبب الحياة الأبدية، وقرئ بفتح الشين، {ومنهاجا} طريقا ~~واضحا في الدين، يجرون عليه، {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة} جماعة متفقة ~~على شريعة واحدة في جميع الأعصار، من غير نسخ وتحويل، {ولكن} أراد ~~{ليبلوكم} ليعاملكم معاملة المختبر، {في ما آتاكم} من الشرائع المختلفة ~~المناسبة لكل قرن وعصر، هل تعملون بها مذعنين لها، معتقدين ms0204 أن اختلافها ~~يقتضي الحكمة الإلهية؛ أم تزيغون عن الحق، وتفرطون في العمل كما زاغ من زغ ~~من أهل الكتابين. {فاستبقوا الخيرات} فابتدروها وتساكفوا (¬1) نحوها قبل ~~الفوات بالوفاة بجميع ما آتاكم من الأمور الدينية والدنيوية؛ والمراد ~~بالخيرات: كل ما يعبد الله به، ويتوسل به إليه، {إلى الله مرجعكم جميعا ~~فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون(48)} فيجازيكم على حسب ما عملتم. # {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم، واحذرهم أن يفتنوك} أي: ~~يصرفوك، فإن تخييلاتهم مزلة للافتتان، {عن بعض ما أنزل الله إليك} من ~~دقائقه وغوامضه، فإنهم لا يطمعون منك في جميعه، بل لا يطمعون منك في ~~الظواهر، {فإن تولوا} عن الحكم بما أنزل الله إليك، ومالوا إلى سواه، ~~{فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم} أي: يعاقبهم بالتولي عن ~~الحق، والتعامي منه ببعض ذنوبهم، أي: فاعلم أن إعراضهم من أجل أن الله يريد ~~أن يعجل لهم العقوبات في الدنيا ببعض ذنوبهم، {وإن كثيرا من الناس ~~لفاسقون(49)} لخارجون عن بر الله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولم أجد في لسان العرب لمادة “سكف” معنى يليق ~~بهذا السياق، انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة “سكف”، 3/172. ولعل ~~الصواب: «تسابقوا». PageV01P307 # أفحكم الجاهلية يبغون}؟ الذي هو متابعة الهوى بغير الحق، والجاهلية: ضد ~~الإسلام، {ومن أحسن} أي: لا أحد أحسن {من الله حكما لقوم يوقنون(50)} فإنهم ~~هم الذين يتدبرون الأمور، ويتحققون حقائق الأشياء بتفكرهم، فيعلمون (¬1) أن ~~لا أحسن حكما من الله. # {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء} أي: لا تتخذوهم ~~أولياء تنصرونهم، وتستنصرون بهم، وتؤاخذونهم، وتعاشرونهم معاشرة المؤمنين؛ ~~ثم علل النهي بقوله: {بعضهم أولياء بعض} في العون والنصرة بالباطل، ويدهم ~~واحدة على المسلمين ودينهم، وكلهم أعداء للمؤمنين، وفيه دليل على أن الكفر ~~كله ملة واحدة، {ومن يتولهم منكم} فيوافقهم ويعينهم، {فإنه منهم} من ~~جملتهم، وحكمه في الوعيد حكمهم، {إن الله لا يهدي القوم الظالمين(51)} قد ~~حكم على المتولي لهم أنه منهم بولايته إياهم، وخرج من جملة المؤمنين، ودخل ~~في جملة الكافرين بكفره ms0205 وفسقه، وهذا تشديد من الله في وجوب مجانبة المخالف ~~في الدين، كما جاء في الحديث: «لا ترااي ناراصما»[كذا!]. {فترى الذين في ~~قلوبهم مرض} هوى، وهو المؤثر معهم على ما سواه [كذا]، {يسارعون فيهم} في ~~معاونتهم على المسلمين وموالاتهم، {يقولون} أي: في أنفسهم، لقوله: {على ما ~~أسروا}. {نخشى أن تصيبنا دائرة} أي: حادثة تدور بالحال التي يكونون (¬2) ~~عليها المسلمون، معناه نخشى أن يدور (لعله) الدهر علينا بمكروه، فنحتاج إلى ~~نصرتهم؛ ثم (لعله) وعد الله، فقال: {فعسى الله أن يأتي بالفتح} لرسول الله ~~على أعدائه، وإظهار المسلمين، {أو أمر من عنده} لا يعلم كنهه إلا هو، ~~{فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم} من النفاق {نادمين(52)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «فيعملون»، ولا معنى له. # (¬2) - ... كذا في الأصل، والأصوب: «يكون». PageV01P308 # ويقول الذين آمنوا} في وقت ما ينزل على المنافقين من الدائرة والتدمير. ~~{أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم} أي: أقسموا بأغلاظ ~~الأيمان إنهم أولياؤكم ومعاضدوكم [128] على الكفار، و«جهد أيمانهم» مصدر في ~~تقدير الحال، أي: مجتهدين في توكيدها، يريد أن المؤمنين حينئذ يتعجبون من ~~كذبهم وحلفهم بالباطل. قال الله تعالى: {حبطت أعمالهم} ضاعت أعمالهم التي ~~عملوها رياء وسمعة، إلا إيمانا وعقيدة، {فأصبحوا خاسرين(53)} في الدنيا ~~والآخرة لفوات المعونة، ودوام العقوبة. # {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه} من يرجع منكم عن دين الإسلام ~~إلى دين الكفر، {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} تقديره: فسوف يأتي ~~الله بقوم مكانهم (¬1) ؛ ومحبة الله لعبده أصل محبة له، وكأن الله تعالى ~~وعد أن يخلف مكان من يرتد عن دينه بقوم يطيعونه في أرضه، مكان طاعة من أريد ~~قبل الارتداد؛ وهكذا شبه الله في خلقه لمن يدبر الكتاب، لأن حجة الله لا ~~تموت في أرضه إلى يوم القيامة؛ وقيل: لا تعدم الأرض من الأبدال إذا مات ~~منهم أحد أو ارتد أبدل الله مكانه. {أذلة على المؤمنين} عاطفين عليهم ~~متذللين لهم، {أعزة على الكافرين} أشداء على الكافرين، والعزاز: الأرض ~~الصلبة، فهم مع المؤمنين كالولد لوالده، والعبد لسيده، ومع ms0206 الكافرين كالسبع ~~على فريسته. {يجاهدون} مجاهدة الظاهر والباطن، {في سبيل الله} في طاعته، ~~{ولا يخافون لومة لائم} ولا يتركون المجاهدة لخوف الإثم، ولا لمذمة ذام. ~~{ذلك} الوصف المذكور، {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم(54)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الأصوب: «مكانكم». PageV01P309 # إنما وليكم} «إنما» تفيد اختصاصهم بالمولاة، والمعنى: إنما وليكم الذي ~~يتولى تدبيركم، ويلي أموركم {الله ورسوله والذين آمنوا} الذين هذه صفاتهم: ~~وهم راكعون (¬1) {الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون(55)}. # {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون(56)} أصل ~~الحزب القوم يجتمعون لأمر حزبهم، ومن يتولهم فقد تولى حزب الله واعتضد بمن ~~لا يغالب. # {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا} يعني أن ~~اتخاذهم دينكم هزوا ولعبا لا يصح أن يقابل باتخاذهم أولياء بل يقابل ذلك ~~بالبغضاء والمنابذة، {من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء ~~واتقوا الله} في موالاة الكافرين، {إن كنتم مؤمنين(57)} حقا، لأن الإيمان ~~حقا يأبى موالاة أعداء الدين. # {وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا} أي: الصلاة أو المناداة، ~~وفيه دليل على أن الأذان مشروع للصلاة، {ذلك بأنهم قوم لا يعقلون(58)} لأن ~~لعبهم وهزؤهم من أفعال السفهاء والجهلة، فكأنه لاعقل لهم، ومن سمع الأذان ~~للصلاة، ولم يجب من غير عذر، واستخف به، أو تنقص بفاعله، فقد اتخذ آيات ~~الله هزؤا. # {قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما ~~أنزل من قبل} يعني هل تعيبون منا وتنكرون إلا الإيمان بالله وبالكتب ~~المنزلة كلها، {وأن أكثركم فاسقون(59)}، والمعنى: عاديتمونا لأنا اعتقادنا ~~توحيد الله وصدق أنبيائه، وفسقكم لمخالفتكم في ذلك. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: حذف عبارة «وهم راكعون». PageV01P310 # قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله} أي: ثوابا، والمثوبة وإن كانت ~~مختصة بالإحسان ولكنها وضعت موضع العقوبة، كقوله: {فبشرهم بعذاب أليم} (¬1) ~~؛ وكان اليهود يزعمون أن المسلمين مستوجبون للعقوبة، فقيل لهم: {من لعنه ~~الله} شر عقوبة في الحقيقة من ms0207 أهل الإسلام في زعمهم، {وغضب عليه} وعذبه، ~~[129] {وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت} أي: الشيطان، أي: عاقبهم ~~بسبب مخالفتهم إياه، بأن جعلهم عباد الشيطان. {أولئك شر مكانا} جعلت ~~الشرارة للمكان، وهي لأهله للمبالغة، {وأضل عن سواء السبيل(60)} عن قصد ~~الطريق الموصل إلى الجنة. # {وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به} أي: دخلوا ~~كافرين وخرجوا كافرين، وتقديره ملتبسين بالكفر لا منفكين عنه، وكذلك قد ~~دخلوا وهم قد خرجوا، معناه: دخلوا فيما دخلوا فيه كافرين، وخرجوا فيما ~~خرجوا منه من الأمور كافرين، معناه: لا يزايلهم الكفر، كانوا ملازمين ~~للأمور أم تاركيها. {والله أعلم بما كانوا يكتمون(61)} من النفاق. # {وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان}، قيل: الإثم ما يختص بهم، ~~والعدوان ما يتعداهم إلى غيرهم؛ والمسارعة في الشيء: الشروع فيه بسرعة عن ~~فواته عنهم، لأن الهوى قادهم إليه، {وأكلهم السحت لبيس ما كانوا ~~يعملون(62)} لبيس شيئا عملوه. # {لولا} هلا {ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ~~ما كانوا يصنعون(63)} هذا ذم للعلماء، والأول للعامة؛ وعن ابن عباس: «هي ~~أشد آية في القرآن، حيث أنزل تارك النهي عن المنكر منزلة مرتكب المنكر». # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة آل عمران: 21. PageV01P311 # وقالت اليهود: يد الله مغلولة، غلت أيديهم، ولعنوا بما قالوا، بل يداه ~~مبسوطتان}، روي أن اليهود لما كذبوا رسول الله كف الله ما بسط عليهم من ~~السعة، وكانوا من أكثر الناس مالا؛ فعند ذلك قال فنحاص: يد الله مغلولة، ~~ورضي بقوله الآخرون، فأشركوا فيه، وغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود، ~~ومنه قوله: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} (¬1) ، و[من]لم ينظر في علم ~~البيان تحير في تأويل أمثال هذه الآية؛ وقوله: {غلت أيديهم} دعاء عليهم ~~بالبخل، ومن ثم كانوا أبخل خلق الله؛ وقال بعض أهل المعاني قولهم: «يد الله ~~مغلولة» قلة الثقة بوعد الله، واطمئنانهم بمكاسبهم وما في أيديهم، وقوله: ~~{بل يداه مبسوطتان} قيل: رحمته لأهل الطاعة، وعقوبته على أهل المعصية، وقيل ~~معنى: {بل يداه مبسوطتان} يعني: نعمتيه نعمة الدين ونعمة ms0208 الدنيا، قالوا: ~~النعمة الظاهرة والنعمة الباطنة. {ينفق كيف يشاء} تأكيد للوصف بالكرم، ~~ودلالة على أنه لا ينفق إلا على مقتضى الحكمة. {وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل ~~إليك من ربك طغيانا وكفرا} أي: يزدادون عند قيام الحجة طغيانا وكفرا بردهم ~~لها. {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} عقوبة وعذابا معجلا ~~لهم؛ وأما من عادى أعداء الله، أو عادوه على دينه، فذلك ابتلاء يبتلي به من ~~يشاء، وله زيادة ثواب إن صبر، وزيادة دركات عذاب لمن كفر. {كلما أوقدوا ~~نارا للحرب أطفأها الله} كلما أرادوا حرب الرسول وإثارة شر عليه، ردهم الله ~~بأن أوقع بينهم منازعة كف بها عنه شرهم، لأنهم تجمعهم كلمة الحق. {ويسعون ~~في الأرض فسادا} ويجتهدون في دفع الإسلام، {والله لا يحب المفسدين(64)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الإسراء: 29. PageV01P312 # ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا} وقرنوا إيمانهم بالتقوى. {لكفرنا عنهم ~~سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم(65)}. # {ولو أنهم أقاموا التوراة [130] والإنجيل} أقاموا أحكامهما وحدودها وما ~~فيها، وإلا فهما مستقيمان في الحقيقة بإقامة الله إياهما من غير إقامتهم ~~إياهما، وإقامته (لعله) القيام به، والذب عنه (¬1) . {وما أنزل إليهم من ~~ربهم} من سائر كتب الله، لأنهم مكلفون الإيمان بجميعها، فكأنما أنزلت ~~إليهم، وقيل: هو القرآن، وقيل: هو كل حجة من حجج الله قامت عليهم، من حجة ~~عقل أو غيره. {لأكلوا من فوقهم} حلالا طيبا، يعني: من الثمار، أو من ما ~~أنزل من السماء من رزق. {ومن تحت أرجلهم} يعني: الزروع، أو هذا عبارة عن ~~التوسعة؛ ودليل الآية (¬2) على أن العمل بطاعة الله سبب لسعة الرزق؛ وهو ~~كقوله: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء ~~والأرض} (¬3) ، {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} (¬4) ~~، {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا...} (¬5) الآية، {وأن لو استقاموا على ~~الطريقة...} (¬6) الآية، ومعنى هذه الآيات مخصوصة (¬7) # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «وإقامتهما (لعله) القيام بهما، ~~والذب عنهما». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «وفي الآية دليل...». # (¬3) - ... سورة الأعراف: 96. # (¬4) - ... سورة الطلاق: 2-3. # (¬5) - ... سورة نوح: 10. وتمامها ms0209 وهو محل الشاهد: {...يرسل السماء عليكم ~~مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا}. # (¬6) - ... سورة الجن: 16؛ وتمامها: {وأن لو استقاموا على الطريقة ~~لأسقيناهم ماء غدقا}. # (¬7) ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «مخصوص»، والضمير يعود إلى «معنى».. PageV01P313 # لأهل الطاعة، ضاق عليهم الرزق أو اتسع، (لعله) ولا يكون رزق المؤمن إلا ~~واسعا وإن ضاق، لأن ثوابه الجنة، ولايكون رزق الكافر إلا ضيقا، لأن الدنيا ~~متاعها قليل، كما قال: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا} (¬1) . {منهم ~~أمة مقتصدة} قيل: هي الأمة المؤمنة، عادلة غير غالية ولا مقصرة، {وكثير ~~منهم ساء ما يعملون(66)} وكثير منهم ما أسوء عملهم. # {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} جميع ما أنزل إليك، غير مراقب ~~في تبليغه أحدا، ولا خائف أن ينالك مكروه. {وإن لم تفعل} وإن لم تبلغ جميعه ~~كما أمرتك، {فما بلغت رسالته} فلم تبلغ إذا ما كلفتك من أداء الرسالة، ولم ~~تؤد منها شيئا في الحقيقة، وذلك أن بعضها ليس بأولى بالأداء من بعض؛ فإذا ~~لم تؤد بعضها، فكأنما أغفلت أداءها جميعا، كما أن من لم يؤمن ببعضها، كان ~~كمن لا يؤمن بكلها، لكونها في حكم شيء واحد، لدخولها تحت خطاب واحد؛ والشيء ~~الواحد لا يكون مبلغا غير مبلغ، ولا مؤمنا به غير مؤمن به، هذا ما لا يجوز، ~~{والله يعصمك من الناس} من إغوائهم وإضلالهم إياك، {إن الله لا يهدي القوم ~~الكافرين(67)} لا يمكنهم ما يريدون من دين ولا دنيا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة طه: 124. PageV01P314 # قل يا أهل الكتاب: لستم على شيء} في الحقيقة على دين ولا دنيا يعتد به، ~~حتى يسمى شيئا لبطلانه، لأنهم خسروا الحالين، وإنما هم فيما هم عليه من أمر ~~دنياهم أمور وهمية لا حقيقة لها، بمنزلة اللهو واللعب الذي لا يثمر فائدة، ~~بل يثمر التعب والتعذيب. {حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ~~ربكم} أي: القرآن أي: تقيموا أحكامها وما يجب عليكم فيها، {وليزيدن كثيرا ~~منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا} بكفرانهم بما ms0210 فيه، {فلا تأس على ~~القوم الكافرين(68)} فلا تتأسف عليهم فإن ضرر ذلك يعود عليهم. # {إن الذين آمنوا} بألسنتهم، {والذين هادوا والصابئون والنصارى} قيل: ~~ارتفع «الصابئون» بالابتداء. {من آمن بالله واليوم الآخر} بقلوبهم، {وعمل ~~صالحا} بالتوحيد، وصدق إيمانه بالعمل [131] الصالح، {فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون(69)}. # {لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل} (لعله) بالتوحيد، {وأرسلنا إليهم رسلا} ~~ليقفونهم (¬1) على ما يأتون (لعله) ويذرون في دينهم، {كلما جاءهم رسول بما ~~لا تهوى أنفسهم} بما يخالف هواهم، ويضاد شهواتهم من مشاق التكليف، والعمل ~~بالشرائع. {فريقا كذبوا وفريقا يقتلون(70)} ففريق شأنهم التكذيب، وفريق ~~شأنهم القتل. # {وحسبوا ألا تكون فتنة} حسبوا أن لا يصيبهم من أمر الله عذاب بسبب ~~التكذيب والقتل لأنبياء الله؛ أو وحسبوا أن لا يكون التكذيب والقتل معصية، ~~بما خيل لهم الشيطان، {فعموا وصموا} فعموا عن الحق باتباع أهوائهم، {ثم تاب ~~الله عليهم} لما تابوا؛ {ثم عموا وصموا كثير منهم} من حيث أنهم ارتدوا على ~~أدبارهم، {والله بصير بما يعملون(71)} فيجازيهم بحسب أعمالهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «ليوقفوهم». PageV01P315 # لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم؛ وقال المسيح: يا بني ~~إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم} لم يفرق عيسى بينه وبينهم، في أنه عبد ~~مربوب. {إنه من يشرك بالله} في عبادته غير الله، شرك الجحود أو شرك الطاعة، ~~{فقد حرم الله عليه الجنة} التي هي دار الموحدين المطيعين، {ومأواه} ومرجعه ~~{النار} التي أعدت للكافرين، {وما للظالمين من أنصار(72)} ينصرهم ويحميهم ~~من عذاب الله ويدخلهم الجنة. # {لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة} أي: ثالث ثلاثة آلهة، {وما من ~~اله إلا إله واحد} أي: وما إله قط في الوجود، إلا إله موصوف بالوحدانية، لا ~~ثاني له، وهو الله وحده لا شريك له؛ {وإن لم ينتهوا عما يقولون} بلسان ~~المقال أو بلسان الحال، {ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم(73)} في ~~الدارين. # {أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه} أفلا يتوبون بعد هذه الشهادة المكررة ~~(¬1) عليهم بالوحدانية لله وبإشراكهم به وهذا الوعيد الشديد مما ms0211 هم عليه، ~~وفيه تعجب من إصرارهم. {والله غفور رحيم(74)} يغفر لمن تاب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «المكرر»، وهو خطأ. PageV01P316 # ما المسيح ابن مريم إلا رسول} فيه نفي الألوهية، {قد خلت من قبله الرسل} ~~أي: ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا من قبله، لم يكن منه لأنه إله ~~بل لله (¬1) إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى على يده، {وأمه صديقة} ~~أي: وما أمه أيضا إلا كبعض النساء المصدقات للأنبياء، المؤمنات بهم، {كانا ~~يأكلان الطعام} لأن من احتاج إلى الاغتذاء وما يتبعه من الهضم والنقص، لم ~~يكن إلا جسما مركبا من لحم وعظم يدل علمه على أنه مصنوع مؤلف كغيره من ~~الأجسام. {انظر كيف نبين لهم الآيات} أي: الأعلام من الأدلة الظاهرة على ~~بطلان ما هم عليه من الكفر، {ثم انظر أنى يؤفكون(75)} كيف يصرفون عن استماع ~~الحق وتأمله بعد هذا البيان. # {قل: أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا} كل ما يعبد من ~~دون الله من هوى الأنفس وغيرها، وهذا شاهد ثان (¬2) ؛ لا يملك لعامله ضرا ~~ولا نفعا. {والله هو السميع العليم(76)} القادر على الضر والنفع. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: « الله »، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «ثاني»، وهو خطأ. PageV01P317 # قل يا أهل الكتاب: لا تغلوا في دينكم} الغلو: مجاوزة الحد، فغلو النصارى ~~رفعه فوق قدره باستحقاق الألوهية؛ وغلو اليهود وضعه عن استحقاق النبوة. ~~{غير الحق} أي: علوا باطلا، وقوله {غير الحق} أي: في دينكم (لعله) المخالف ~~[132] للحق؛ وذلك بأنهم خالفوا الحق، (لعله) في دينهم، لأن الغلو في الدين ~~غلوان: حق، وهو أن يفحص عن حقائقه، وينقش (¬1) عن أباحر [كذا] معانيه، ~~ويجتهد في تحصيل حججه، كما يفعل المتكلمون من أهل العدل والتوحيد، وغلو ~~باطل وهو أن يتجاوز الحق، ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة واتباع الشبهة، كما ~~يفعل أهل الأهواء والبدع. {ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل، وأضلوا ~~كثيرا وضلوا عن سواء السبيل(77)} عن قصد السبيل. # {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم} أي: ms0212 ~~أنزل لعنهم على ألسنتهما بما أوحي إليهما، {ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون(78)} ذلك اللعن بعصيانهم واعتدائهم؛ ثم فسر المعصية والاعتداء ~~بقوله: {كانوا لا يتناهون} لا ينهى بعضهم بعضا {عن منكر فعلوه، لبئس ما ~~كانوا يفعلون(79)}، وفيه دليل على أن ترك المنكر من العظائم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعلها من البحث والاستخراج، قال في اللسان: ~~«ونقش عن الشوكة ينقشها نقشا، وانتقشها: أخرجها من رجله، وبه سمي المنقاش». ~~ابن منظور: لسان العرب، 6/704، مادة «نقش». PageV01P318 # ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا، لبئس ما قدمت لهم أنفسهم} بئس ما ~~قدموا من العمل لأنفسهم في معادهم، {أن سخط الله عليهم} لبئس شيئا قدموه ~~لأنفسهم، {سخط الله عليهم} أي: موجب سخط الله أبد الآباد، وهذا مذ قارفوا ~~المعصية أعظم شيء عليهم، كما أن رضاه عن المؤمنين أبد الآباد أكبر شيء. ~~{وفي العذاب هم خالدون(80)} (لعله) لا محيد لهم عنه في الدنيا ولا في ~~الآخرة، إلا بالتوبة إذا تابوا في الحياة. # {ولو كانوا يؤمنون بالله} إيمانا خالصا بلا نفاق، {والنبي} محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - ، {وما أنزل إليه} يعني: القرآن، {ما اتخذوهم أولياء} ما ~~استقام لهم أن يتخذوا المشركين أولياء، يعني: أن موالاة (¬1) المشركين تدل ~~على نفاقهم، {ولكن كثيرا منهم فاسقون(81)} متمردون في كفرهم ونفاقهم، ~~ومعناه: ولو كان هؤلاء اليهود يؤمنون بالله وبموسى وبما أنزل إليه، يعني: ~~التوراة، ما اتخذوا المشركين أولياء، كما لم يوالهم المسلمون؛ {ولكن كثيرا ~~منهم فاسقون} خارجون عن دينهم، فلا دين لهم يعتد به أصلا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «مولاه»، وهو خطأ. PageV01P319 # لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا} إذا اعتبرت ~~أحوالهم، {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا: إنا نصارى} لم يرد ~~به جميع النصارى، لأنهم في عداوتهم للمسلمين كاليهود في قتلهم المسلمين ~~وأسرهم، وتخريب بلادهم، وهدم مساجدهم، لا ولا كرامة لهم، بل الآية فيمن ~~أسلم منهم مثل النجاشي وأصحابه؛ وقيل: نزلت في جميع اليهود وجميع النصارى، ~~لأن اليهود أقسى قلبا، والنصارى ألين قلبا منهم (لعله) وأقل مظاهرة. {ذلك ~~بأن ms0213 منهم قسيسين ورهبانا} أي: سبب مودة النصارى للذين آمنوا، لأن منهم ~~علماء وعبادا يعطفون قومهم لموادة المؤمنين، {وأنهم لا يستكبرون(82)} لا ~~يتعظمون عن الإيمان والإذعان للحق، وفيه دليل على أن العلم أنفع شيء، ~~وأهداه إلى الخير. # {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من ~~الحق} وصفهم برقة القلوب، وأنهم يبكون عند استماع القرآن؛ {يقولون: ربنا ~~آمنا} بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبما جاء به، {فاكتبنا [133] مع ~~الشاهدين(83)} مع المحقين المصدقين الصادقين. # {وما لنا لا نؤمن بالله} إنكار واستبعاد لانتفاء الإيمان، مع قيام موجبه، ~~وهو الطمع في إنعام الله عليهم بصحبة الصالحين، {وما جاءنا من الحق، ونطمع ~~أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين(84)} في سعيهم وجزائهم. # { PageV01P320 فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها}، لأنه من سلك طريق الجنة صار كأنه فيها، كقوله لصدهم: {فما أصبرهم ~~على النار}! (¬1) ، أو لأن مصيرهم في الآخرة إليها. {وذلك جزاء ~~المحسنين(85)} الذين أحسنوا النظر والعمل، واعتادوا الإحسان في الأمور. # {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم(86)} هؤلاء ضد الأولين. # {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن ~~الله لا يحب المعتدين(87) وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا، واتقوا الله ~~الذي أنتم به مؤمنون(88)} لأن الإيمان به يوجب تقواه وامتثال أمره. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البقرة: 175. PageV01P321 # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} اللغو في اليمين: الساقط الذي لا ~~يتعلق به حكم، وهو أن يحلف على شيء يرى أنه كذلك، وليس كما ظن، وقيل: ما ~~يجري على اللسان بلا قصد، وقيل: هو أن يحلف الرجل ببعض اليمين، ثم يمسك عن ~~تمامها خوف الإثم؛ فهذا هو اللغو الذي لا يؤاخذ به، وأما من أتم اليمين فقد ~~عقدها، وقد وجبت الكفارة عليه إن كان كاذبا؛ وليس هو كما قيل: إن اللغو في ~~الأيمان مثل قول الرجل: «لا والله»، «وبلى والله»، ولا يريد بهذا يمينا، ~~وأن هذا اللغو لا يؤاخذ به، ولكن كل ما حلف به الإنسان ms0214 فهو له أو عليه. ~~{ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} أي: بتعقيدكم الأيمان، وهو توثيقها؛ ~~والعقد: العزم على الوفاء، والمعنى: {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم} إذا حنثتم، ~~وإذا كان لا يؤاخذ بالأيمان من غير عقد، فكذلك لا يثاب على أيمانه بغير ~~عقد؛ {فكفارته إطعام عشرة مساكين} وهو أن يغديهم ويعشيهم؛ وقيل: يجوز أن ~~يعطيهم بطريق التمليك، وهو ما حد في الشرع، {من أوسط ما تطعمون أهليكم} ~~قيل: الأوسط (لعله) الخبز والخل، وإلا على الخبز (لعله) النجب (¬1) ، والكل ~~مجزي. { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، وقد بحثنا في اللسان عن معنى للكلمة يوافق ~~السياق فلم نجد. PageV01P322 # أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم} فبروا فيها ولا تحنثوا، إذا لم يكن ~~الحنث خيرا، قيل: أراد به ترك الحلف، أي: (لعله) لا تحلفوا، وقيل: أراد به ~~إذا (لعله) حلفتم فلا تحنثوا، والمراد به حفظ اليمين عن الحنث؛ وقيل: ~~احفظوا كيف حلفتم بها، ولا تنسوها تهاونا بها، وقيل: إذا حلف وحنث ليحفظها ~~حتى يكفرها، {كذلك يبين الله لكم آياته}، أعلام شريعته وأحكامه، {لعلكم ~~تشكرون(89)} نعمته فيما علمكم، فتعملوا به. # {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} القمار، {والأنصاب} الأصنام، ~~لأنها تنصب فتعبد، {والأزلام}: وهي القداح التي مر ذكرها، {رجس} نجس أو ~~خبيث مستقذر {من عمل الشيطان} لأنه يحمل عليه، فصار كأنه عمله؛ {فاجتنبوه ~~لعلكم تفلحون(90)}. # { PageV01P323 إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في ~~الخمر والميسر، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة} ذكر ما يتولد منهما من ~~الوبال، وهو [134] وقوع التعدي والتباغض، من أصحاب الخمر والقمر، وما ~~يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله، وعن مراعاة أوقات الصلاة، وخص (¬1) من ~~بين الذكر لزيادة درجتها، كأنه قال: وعن الصلاة خصوصا. وانظر إلى أحوال ~~الشيطان كيف يزين فعل معصية لتكون سببا لركوب معاصي، وتركا لما فرض الله، ~~وعقوبة في الدنيا، وهي العداوة والتباغض، وإضاعة المال في المعاصي، وعذاب ~~النار في الآخرة لمن لم يتب؛ {فهل أنتم منتهون(91)}؟ من أبلغ ms0215 ما ينهى به، ~~كأنه قيل: قد تلى عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والزواجر، فهل أنتم مع ~~هذه الصوارف منتهون؟ أو أنتم على ما كنتم عليه، كأن لم توعظوا أو لم ~~تنزجروا. # {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول، واحذروا} الشيطان، وكونوا حذرين منه، ~~لأنهم إذا حذروا دعاهم الحذر إلى عمل الحسنات واتقاء السيئات؛ {فإن توليتم} ~~عن الطاعة والحذر، {فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين(92)} أي: ليس ~~على رسولنا إلا إبلاغكم بالآيات البينات. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «خصت». PageV01P324 # ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} من الخمر قبل ~~التحريم، {إذا ما اتقوا} الشرك {وآمنوا} بالله {وعملوا الصالحات} بعد ~~الإيمان؛ {ثم اتقوا} الخمر والميسر بعد التحريم، {وآمنوا} بتحريمها؛ {ثم ~~اتقوا} سائر المحرمات؛ أو الأول: عن الشرك، والثاني: عن المحرمات، والثالث: ~~عن الشبهات؛ أو لأنهم أرادوا بأكل الطعام الحلال وجه الله، فلم تبق عليهم ~~تباعة؛ ليس كمثل الذين طعموا وتقووا به على المعاصي كقوله: {قل هي للذين ~~آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة} (¬1) ، {وأحسنوا} ولم يسيئوا ~~{والله يحب المحسنين(93)}. # {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد، تناله أيديكم ~~ورماحكم} معنى يبلو: يختبر (¬2) ، وهو من الله تعالى لإظهار ما علم من ~~العبد، على ما علم، لا ليعلم ما لم يعلم، {ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن ~~اعتدى بعد ذلك، فله عذاب أليم(94)} فالوعيد لاحق به، فإن من لا يملك حاشيه ~~(¬3) الصبر في مثل ذلك، ولا يراعي حكم الله فيه، فكيف به فيما تكون النفس ~~أميل إليه وأحرص عليه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «واهي للذين آمنوا خالصة يوم القيامة»، وهو خطأ. ~~سورة الأعراف: 32. # (¬2) - ... في الأصل: «ويحتبز». # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «جأشه»، و«الجأش: النفس، وقيل: ~~القلب، وقيل: رباطه وشدته عند الشيء، تسمعه لا تدري ما هو». ابن منظور: ~~لسان العرب، 1/390، مادة «جأش». PageV01P325 # يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} أي: محرمون، {ومن قتله ~~منكم متعمدا} أي: ذاكرا لإجرامه، أو عالما أن ما يقتله مما يحرم قتله عليه؛ ~~{فجزاء ms0216 مثل ما قتل من النعم} معناه: أنه يجب عليه مثل ذلك الصيد من النعم، ~~وأراد ما يقرب من الصيد المقتول، شبها من حيث الخلقة لا من حيث القيمة، ~~{يحكم به ذوا عدل منكم} حكمان عادلان، {هديا بالغ الكعبة، أو كفارة طعام ~~مساكين، أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره} ليذوق سوء عاقبة هتكه لحرمة ~~الإحرام، لعل ذلك يكون ردعا؛ والوبال: المكروه والضرر الذي ينال في العاقبة ~~من عمل سوء لثقله عليه، {عفا الله عما سلف} قبل التحريم؛ {ومن عاد} إلى ~~قتله بعد له (¬1) التحريم؛ {فينتقم الله منه} بالجزاء، وهذا من أشد الوعيد، ~~{والله عزيز ذو انتقام(95)} لمن جاوز الحدود. # {أحل لكم صيد البحر، وطعامه متاعا لكم وللسيارة} وللمسافرين، {وحرم عليكم ~~صيد البر ما دمتم حرما، واتقوا الله [135] الذي إليه تحشرون(96)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: - «له». أو «بعد ما بان له ~~التحريم». PageV01P326 # جعل الله الكعبة البيت الحرام} سمي البيت الحرام: لأن الله حرمه وعظم ~~حرمته، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إن الله حرم مكة يوم خلق ~~السماوات والأرض» (¬1) على ما يروى عنه؛ {قياما للناس} أي: انتعاشا لهم في ~~أمر دينهم، {والشهر الحرام} والشهر الذي يؤدى فيه الحج، {والهدي} ما يهدى ~~إلى مكة، {والقلائد} والمقلد منه خصوصا، وهو البدن فالثواب فيه أكثر، وبهاء ~~الحج معه أظهر؛ {ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض، ~~وأن الله بكل شيء عليم(97)} أي: جعل ذلك لتعلموا أن الله يعلم مصالح ما في ~~السماوات وما في الأرض، وكيف لا؛ وهو بكل شيء عليم. {اعلموا أن الله شديد ~~العقاب} لمن عصاه حيا وميتا {وأن الله غفور رحيم(98)} لمن تاب وآمن وعمل ~~صالحا، ثم اهتدى. # {ما على الرسول إلا البلاغ} تشديد في إيجاب القيام بما أمر به، وأن ~~الرسول قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ، وقامت عليكم الحجة، ولزمتكم ~~الطاعة، وما بقي إلا اختياركم فلا عذر لكم في التفريط، {والله يعلم ما ~~تبدون وما تكتمون(99)} فلا يخفى عليه نفاقكم ووفاقكم. # { # ¬__________ ms0217 # (¬1) - ... رواه البخاري في كتاب المغازي، رقم3971، عن مجاهد أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قام يوم الفتح فقال: «إن الله حرم مكة يوم خلق ~~السموات والأرض فهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة...». وانظر: البخاري: ~~كتاب الحج، كتاب الجزية والموادعة. مسلم: كتاب الحج. النسائي: مناسك الحج. ~~ابن ماجه: كتاب المناسك. أحمد: مسند بني هاشم؛ مسند المدنيين. PageV01P327 # قل: لا يستوي الخبيث} وهو كل ما زجر عنه الشرع، {والطيب} كل ما أباحه؛ ~~فلا تسووا في الحكم بينهما، {ولو أعجبك كثرة الخبيث}، ومالت نفسك إليه؛ ~~{فاتقوا الله} وآثروا الطيب وإن قل على الخبيث وإن كثر؛ وقيل: هو علم في ~~حلال المال وحرامه، وصالح العمل وطالحه، وجيد الناس ورديئهم، {ياأولي ~~الألباب} أي: العقول الخالصة، {لعلكم تفلحون(100)}. # كانوا يسألون النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أشياء امتحانا؛ فنزل: {يا ~~أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} معانيها وتأويلها، ~~{وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن، تبد لكم} أي: وإن تسألوا عن هذه ~~التكاليف الصعبة في زمان الوحي، وهو ما دام الرسول بين أظهركم، تبد لكم تلك ~~التكاليف التي تسؤكم، أي: تغمكم وتشق عليكم، وتؤمروا بتحملها؛ فتعرضون ~~أنفسكم لغضب الله بالتفريط فيها، {عفا الله عنها} عفا الله عما سلف من ~~مسألتكم، {والله غفور حليم(101)} لا يعاقب إلا بعد الإنذار. # {قد سألها قوم من قبلكم، ثم أصبحوا بها كافرين(102)} صاروا بسببها ~~كافرين، قيل: «إن الله فرض فرائض، فلا تسبقوها، ونهى عن أشياء فلا ~~تنتهكوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وترك أشياء، فلم ينزل بها حكم من غير ~~نسيان، فلا تبحثوا عنها». # { PageV01P328 ما جعل الله من بحيرة} أي: ما أنزل الله، ولا أمر به (¬1) ~~، {ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام}، قيل: كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة ~~خمسة أبطن، آخرها ذكر، شقوا أذنها، وامتنعوا من الانتفاع بها، وسموها ~~«بحيرة»؛ وكان الرجل يقول: إذا قدمت من سفري، أو برئت من مرضي فناقتي ~~سائبة، وحرم الانتفاع بها؛ وكان الرجل إذا أعتق عبدا، قال: هو سائبة، فلا ~~عقل ms0218 بينه وبينه (¬2) . وكانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن، فإن كان السابع ~~ذكرا، أكله الرجال، وإن كان أنثى أرسلت في الغنم؛ وكذا إن كان ذكرا وأنثى، ~~وقالوا: وصلت أخاها، وإذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن، قالوا: [136] قد ~~حمى ظهره، فلا يركب، ولا يحمل عليه، ولا يمنع من جاء، ولا يرعى، ومعنى «ما ~~جعل»: ما شرع ذلك ولا أمر به، {ولكن الذين كفروا} بتحريمهم ما حرموا، ~~{يفترون على الله الكذب} في نسبتهم هذا التحريم إليه، {وأكثرهم لا ~~يعقلون(103)} أن الله لم يحرم ذلك وهم عوامهم، أو أن صاحب العقل السليم لا ~~يحرم ما أحله الله. # {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول} أي: هلموا إلى حكم ~~الله ورسوله، بأن هذه الأشياء غير محرمة، {قالوا: حسبنا ما وجدنا عليه ~~آباءنا} أي: كافينا ذلك؛ {أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا، ولا ~~يهتدون(104)} أي: لا يعلمون شيئا من الأشياء في الحقيقة من أمر دين ولا ~~دنيا، والاقتداء إنما يصح بالعالم المهتدي، وإنما يعرف اهتداؤه بالحجة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «والاامر»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «بيني وبينه»؛ أو «بينه وبين عبده». PageV01P329 # يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم} أي: عليكم إصلاح أنفسكم، وتزكيتها ~~وتقويمها على المحجة، {لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} قيل: كان المؤمنون تذهب ~~أنفسهم حسرة على أهل العناد من الكفرة، يتمنون دخولهم في الاسلام، فقيل ~~لهم: {عليكم أنفسكم}، وما كلفتم من إصلاحها، لا يضركم ضلالهم في دينكم، إذا ~~كنتم مهتدين، وليس المراد ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، {إلى الله ~~مرجعكم جميعا، فينبئكم بما كنتم تعملون(105)} فيه وعد لمن اهتدى ووعيد لمن ضل. # {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت} أي: مرض الموت، ~~{حين الوصية (¬1) اثنان ذوا عدل منكم} من أهل دينكم، {أو آخران من غيركم} ~~من غير أهل دينكم، قيل: هو منسوخ {إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة ~~الموت تحبسونهما من بعد الصلاة، فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ~~ولو كان ms0219 ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين(106)}. # {فإن عثر} اطلع {على أنهما استحقا} استوجبا {إثما} بخيانتهما بأيمانهما ~~الكاذبة إثما، {فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم} من الذين ~~استحق عليهم الإثم، ومعناه: من الذين جني عليهم، وهم أهل الميت وعشيرته، ~~{الأوليان} الأحقان بالشهادة، لقرابتهما ومعرفتهما، {فيقسمان بالله ~~لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا} في أيماننا وقولنا: إن شهادتنا أحق ~~من شهادتهما، {إنا إذا لمن الظالمين(107)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «حين الوصية». PageV01P330 # ذلك أدنى} أقرب (¬1) {أن يأتوا بالشهادة على وجهها} كما حملوها بلا خيانة ~~فيها، أي: ذلك الذي حكمتما به من رد اليمين أجدر وأحرى أن يأتي الشاهدان ~~بالشهادة على وجهها، {أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم} قيل: أن ترد ~~اليمين على المدعين بعد أيمانهم، فيفتضحوا بظهور الخيانة واليمين الكاذبة، ~~وقيل: أي: تكرر أيمان شهود آخرين بعد أيمانهم، فيفتضحوا بظهور كذبهم؛ ~~{واتقوا الله} في الخيانة واليمين الكاذبة، {واسمعوا} سمع قبول وإجابة، ~~{والله لا يهدي القوم الفاسقين(108)}. # {يوم يجمع الله الرسل فيقول: ماذا أجبتم}؟ هو سؤال توبيخ لمن أنكرهم، ~~{قالوا لا علم لنا} بإخلاص (¬2) قومنا، {إنك أنت علام الغيوب(109)}، أو بما ~~أحدثوا بعدنا، [و]دليله: {كنت أنت الرقيب عليهم}، أو قالوا ذلك تأدبا، أي: ~~علمنا ساقط مع علمك، أو مغمور (¬3) ؛ فكأنه لا علم لنا، والمعنى: أي أنت ~~الذي تعلم ما غاب ونحن لا نعلم [137] إلا ما نشاهد. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «قرب»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «بالإخلاص»، وهو خطأ. # (¬3) - ... في الأصل: «مغمورا»، وهو خطأ. PageV01P331 # إذ قال الله: يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك} وذكر النعمة شكرها، ~~وشكرها إظهارها، {وعلى والدتك} حيث أوجدتها، وكانت سببا لإيجادك، فكانت ~~نعمتي عليها نعمة عليك؛ أو بما عمهما به جميعا من النعمة؛ ثم ذكر النعم ~~فقال: {إذ أيدتك} أي: قويتك، قال الغرالي: «التأييد: هو عبارة عن تقوية ~~أمره بالبصيرة من داخل، وبقوة البطش ومساعدة الأسباب من خارج»؛ و(لعله) ~~نعمة التأييد {بروح القدس} لكل مؤمن، إلا من يأباها ولم يقبلها، {بروح ~~القدس} بجبريل - عليه السلام - ، وأضافه ms0220 إلى القدس، لأنه سبب الطهر من ~~أدناس الآثام، دليله: {تكلم الناس في المهد} أي: تكلمهم طفلا، إعجازا، ~~{وكهلا} وتبليغا. {وإذ علمتك الكتاب} أي الخط، {والحكمة} أي: العلم والفهم، ~~{والتوراة} يحتمل أنه علمه تنزيلها، ويحتمل علمه بها إيمانه بها، ~~{والإنجيل، وإذ تخلق} تقدر وتصور {من الطين كهيئة} كصورة {الطير بإذني، ~~فتنفخ فيها فتكون طيرا} حيا يطير {بإذني، وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني، وإذ ~~تخرج الموتى} من القبور أحياء {بإذني؛ وإذ كففت} منعت {بني إسرائيل عنك} ~~حين هموا بقتلك، بسبب {إذ جئتهم بالبينات؛ فقال الذين كفروا منهم: إن هذا} ~~ما هذا {إلا سحر مبين(110)} يعني: ما جاءوا بحق. # {وإذ أوحيت} أي: ألهمتهم، وقذفت في قلوبهم {إلى الحواريين} الخواص أو ~~الأصفياء، {أن آمنوا بي وبرسولي؛ قالوا: آمنا واشهد بأننا مسلمون(111)} ~~مخلصون، من «أسلم وجهه». # {إذ قال الحواريون: يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك} هل يفعل {أن ينزل ~~علينا مائدة من السماء؟ قال: اتقوا الله إن كنتم مؤمنين(112)} إذ الإيمان ~~يوجب التقوى. # { PageV01P332 قالوا: نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا، ونعلم أن قد ~~صدقتنا} أي: نعلم صدقك عيانا، كما علمناه يقينا، {ونكون عليها من ~~الشاهدين(113)} بما عاينا؛ ولما كان السؤال لزيادة العلم لا للتعنت، كما ~~سأل إبراهيم إذ قال: {رب أرني كيف تحيي الموتى} (¬1) ، {قال عيسى ابن مريم: ~~اللهم} أصله يا الله، فحذف «الياء»، وعوض منه «الميم» {ربنا أنزل علينا ~~مائدة من السماء تكون لنا عيدا} العيد: السرور العائد، {لأولنا وآخرنا وآية ~~منك، وارزقنا وأنت خير الرازقين(114)} خير من يرزق، لأنه خالق الرزق ومعطيه ~~بلا عرض (¬2) . # {قال الله: إني منزلها عليكم، فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا} من لم ~~يعط مثل ما أعطوا، {لا أعذبه أحدا من العالمين(115)} في الدارين. # {وإذ قال الله: يا عيسى ابن مريم، أأنت قلت للناس: اتخذوني وأمي إلهين من ~~دون الله}؟ أي: أطيعوني وأمي في غير طاعة الله، لأن من أطاع أحدا فيما أمره ~~به، على غير طاعة الله؛ فكأنه في المعنى قد اتخذه إلها، وعبده من دون الله؛ ms0221 ~~{قال: سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق؛ إن كنت قلته فقد علمته} ~~ولم يقل: «لم أقل» رعاية لأدب الحضرة؛ ومن أمر أحدا بمعصية، فكأنه قال له ~~أن يتخذه إلها من دون الله، هكذا في المعنى. {تعلم ما في نفسي، ولا أعلم ما ~~في نفسك} ذاتك، ونفس الشيء: ذاته؛ وقيل: (لعله) تعلم ما أعلم، ولا (¬3) ~~أعلم ما تعلم؛ وقيل: لا أعلم ما في علمك؛ وقيل: تعلم ما عندي، ولا أعلم ما ~~عندك؛ {إنك أنت علام الغيوب(116)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البقرة: 260. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «عوض». # (¬3) - ... في الأصل: «والا»، وهو خطأ. PageV01P333 # ما قلت لهم إلا ما [138] أمرتني به} قد نزه نفسه عن أن يقول لهم خلاف ~~أمره: {أن اعبدوا الله ربي وربكم، وكنت عليهم شهيدا} على أعمالهم {ما دمت ~~فيهم؛ فلما توفيتني، كنت أنت الرقيب عليهم} الحفيظ {وأنت على كل شيء ~~شهيد(117) إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم(118)}. # {قال الله: هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم، لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا، رضي الله عنهم} بأداء ما أوجبه عليهم {ورضوا عنه} بما ~~جازاهم به، أو بما قضى به لهم وعليهم. {ذلك الفوز العظيم(119)}. # {لله ملك السماوات والأرض وما فيهن، وهو على كل شيء قدير(120)}. # سورة الأنعام # بسم الله الرحمن الرحيم # {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور؛ ثم الذين ~~كفروا بربهم يعدلون(1)} يسوون به الأوثان، تقول: عدلت هذا بذا، أي: ساويته؛ ~~والمعنى: أن الله حقيق بالحمد على ما خلق، لأنه ما خلقه إلا نعمة؛ ثم الذين ~~كفروا به يعدلون، فيكفرون نعمته. {هو الذي خلقكم من طين، ثم قضى أجلا} أي: ~~حكم أجل الموت، {وأجل مسمى عنده} أجل القيامة، وقيل غير ذلك، {ثم أنتم ~~تمترون(2)} تشكون. # {وهو الله في السماوات وفي الأرض} متعلق بمعنى اسم الله، كأنه قيل: وهو ~~المعبود فيهما، ليس مستحق للعبادة غيره، لأن غيره خلقه وملكه، وهو المعروف ~~بالإلهية فيهما وفي غيرهما. {يعلم سركم وجهركم ويعلم ما ms0222 تكسبون(3)} فالسر: ~~ما أكنته الصدور، والجهر: ما ظهر من الألسن، وما تكسبون ما عملته الجوارح. # { PageV01P334 وما تأتيهم من آية من آيات ربهم} وما يظهر لهم دليل قط من ~~الأدلة التي يجب فيها النظر والاعتبار؛ {إلا كانوا عنها معرضين(4)} تاركين ~~للنظر لا يلتفتون إليه (لعله) خوفهم وتدبرهم في العواقب. # {فقد كذبوا بالحق لما جاءهم} أي: بما هو أعظم آية وأكبرها وهو القرآن؛ ~~{فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون(5)} أي: أنباء الشيء الذي كانوا ~~به يستهزئون، وهو القرآن، أي: أخباره وأحواله، يعني: سيعلمون بأي شيء ~~استهزؤوا، وذلك عند خروج أرواحهم، أو يوم القيامة، {ألم يروا} يعني: ~~المكذبين {كم أهلكنا من قبلهم من قرن} هو مدة انقضاء كل أهل عصر، {مكناهم ~~في الأرض ما لم نمكن لكم} التمكين: التمليك، أي: لم يعطوا كما أعطي من ~~تقدم، من البسطة في الأجسام، والسعة في الأموال، والاستظهار بأسباب الدنيا، ~~{وأرسلنا السماء عليهم مدرارا، وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم} أي: عاشوا في ~~الخصب بين الأنهار والثمار، وسقنا الغيث المدرار {فأهلكناهم بذنوبهم} ولم ~~يغن ذلك عنهم شيئا، لأنهم لم يريدوا به الله؛ {وأنشأنا من بعدهم قرنا ~~آخرين(6)} وخلقنا من بعد هلاكهم أمة أخرى، وفيه دلالة على أنه سبحانه لا ~~يتعاظمه أن ينفي عالما، وينشئ عالما آخر، كقوله: {فلا يخاف عقباها} (¬1) ، ~~{ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس} كتابا من عند الله، {فلمسوه بأيديهم} أي: ~~عاينوه ومسوه بأيديهم، وذكر اللمس [139] ولم يذكر المعاينة، لأن اللمس أبلغ ~~في إيقاع العلم من الرؤية، (لعله) فالسحر يجري على المرئي، ولا يجري على ~~الملموس بأيديهم. { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الشمس: 15. PageV01P335 # لقال الذين كفروا: إن هذا إلا سحر مبين(7)} تعنتا وعنادا للحق بعد ظهوره ~~لأن نور البصيرة أعماها ملازمة الهوى؛ فلم يستطيعوا أن يبصروا بها الحق. # {وقالوا: لولا} هلا {أنزل عليه ملك؟ ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر} لقضي ~~أمر إهلاكهم، لأنهم لا يتبعون الحق، ولو أنزل عليهم ملك، {ثم لا ينظرون(8)} ~~لا يمهلون بعد نزوله طرفة عين، لأنهم لا يؤمنون عند مشاهدة تلك الآية التي ~~لا ms0223 شيء أبين منها؛ فتقتضي الحكمة استئصالهم. # {ولو جعلناه ملكا} ولو جعلنا الرسول ملكا كما اقترحوا؛ لأنهم كانوا تارة ~~يقولون: «لولا أنزل على محمد ملك»؛ وتارة يقولون: «ما هذا إلا بشر مثلكم، ~~ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة» {لجعلناه رجلا}، لأرسلناه في صورة رجل، كما كان ~~ينزل جبريل على رسول الله عليهما السلام، {وللبسنا عليهم ما يلبسون}، ~~لأشكلنا عليهم من أمره؛ فيقولون إذا رأوا الملك في صورة إنسان: هذا إنسان ~~وليس بملك، كما قالوا حين رأوا الآيات البينات: إن هذا إلا سحر مبين؛ يقال: ~~لبست الأمر على القوم، ألبسه إذا شبهته عليهم، وأشكلته عليهم، فصار ~~الأمركالمغرى عليهم، كأنه استوى حجاب عن عين صورته. يروى عن ابن عباس قال: ~~«فرقوا دينهم، وحرفوا الكلم عن مواضعه، فلبس الله عليهم كما لبسوا على ~~أنفسهم»، قال غيره: «وتلبيسه على أنفسهم (لعله) هو عين التلبيس من الله ~~لهم، لأنهم في الحقيقة لا فاعل إلا الله». # {ولقد استهزئ برسل من قبلك} كما استهزئ بك يا محمد، تعزية له، {فحاق} ~~فأحاط {بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون(10)} فأحاط بهم الشيء الذي ~~كانوا يستهزئون، به وهو الحق، حيث أهلكوا من أجل الاستهزاء به. # { PageV01P336 قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين(11)} ~~سيروا لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين، ومعنى السير في الأرض: معناه ~~(¬1) هو التفكر بالقلوب في عاقبة من مضى؛ وقيل: سافروا فيها ثم انظروا ~~بأبصاركم، وتفكروا بقلوبكم كيف كان عاقبة المكذبين. # {قل: لمن ما في السماوات والأرض؟ قل: لله} تقرير لهم، أي: هو الله لا ~~خلاف بيني وبينكم، ولا يقدرون أن يضيفوا شيئا منه إلى غيره، {كتب على نفسه ~~الرحمة} التزمها تفضلا وإحسانا، أي: أوجبها على ذاته في هدايتكم إلى ~~معرفته، ونصب الأدلة لكم على توحيده، بما أنتم تعرفون به من خلق السماوات ~~والأرض، وقيل: أوجب الرحمة على نفسه في إمهاله عباده ليتداركوا ما فرط ~~منهم. والمراد بالرحمة: ما يعم الدارين، ومن ذلك الهداية إلى معرفته، ~~والعلم بتوحيده؛ بنصب الأدلة، وإنزال الكتب وإمهال الكفرة، وذلك ترغيب ms0224 منه ~~للمتولين عنه إلى الإقبال عليه، وإخبار بأنه رحيم بالعباد، لا يعجل العقوبة ~~منه تعالى، ويقبل الإنابة والتوبة. {ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه، ~~الذين خسروا أنفسهم} بتضييع رأس مالهم، وهو الفطرة الأصلية، [140] والعقل ~~السليم، {فهم لا يؤمنون(12)} «الفاء» للدلالة على أن عدم إيمانهم سبب ~~لخسرانهم؛ فإن إبطال العقل باتباع الحواس والوهم، والانهماك في التقليد، ~~وإغفال النظر، أدى بهم إلى الإصرار على الكفر، والامتناع عن الايمان. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، والصواب: - «معناه»، لأنه تكرار لما سبق. PageV01P337 # وله ما سكن في الليل والنهار} ما سكن وتحرك فيهما، فاكتفى بأحد الضدين، ~~وقيل: من السكنى حتى يعم الجميع. ذكر في الأول السماوات والأرض، وذكر هنا ~~الليل والنهار؛ فالأول يجمع المكان، والثاني يجمع الزمان، وهما ظرفان بجميع ~~الموجودات من الأجسام والأعراض، {وهو السميع العليم(13)} يسمع كل مسموع، ~~ويعلم كل معلوم. # {قل: أغير الله أتخذ وليا}؟ ناصرا ومعبودا، {فاطر السماوات والأرض} ~~مخترعها، وقيل عن ابن عباس: «ما عرفت معنى الفاطر، حتى اختصم إلي أعرابيان ~~في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: ابتدعتها» {وهو يطعم ولا يطعم} وهو ~~يرزق ولا رازق لمرزوق غيره، أي: المنافع كلها من عنده، ولا يجوز عليه ~~الانتفاع، {قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم} لأن النبي سابق أمته في ~~الاسلام كقوله: {وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} (¬1) فهو إمام أمته كافة، ~~والإسلام بمعنى الاستسلام. {ولا تكونن من المشركين(14)} والمعنى: أمرت ~~بالإسلام، ونهيت عن الشرك، خفيه وجليه، وصغيره وكبيره، لأن جميع المعاصي ~~يدخل عليه اسم الشرك بدليل قوله: {قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم ~~عظيم(15)}. # {من يصرف عنه} العذاب {يومئذ فقد رحمه} الله الرحمة العظمى، وهي النجاة ~~من العذاب، والفوز بالجنة، {وذلك الفوز المبين(16)} النجاة الظاهرة. # {وإن يمسسك الله بضر} من مرض أو فقر، أو نحوهما؛ {فلا كاشف له إلا هو؛ ~~وإن يمسسك بخير} من غنى أو صحة أو نحوهما؛ {فهو على كل شيء قدير(17)} قادر ~~على إدامته وإزالته وغير ذلك. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأنعام: 163. PageV01P338 # وهو القاهر} الغالب المقتدر، وفي ms0225 القهر: زيادة معنى على القدرة، وهو منع ~~غيره عن بلوغ مراده، {فوق عباده} عالي عليهم بالقدرة والقهر، {وهو الحكيم} ~~في تدبير أموره، {الخبير(18)} العليم. # {قل: أي شيء أكبر شهادة؟ قل: الله} أي: الله أكبر شهادة، وفيه دليل على ~~جواز إطلاق الشيء على الله، لأن الشيء اسم للموجود، ولا يطلق على المعدوم، ~~والله تعالى موجود فيكون شيئا، ولذا يقال: الله تعالى شيء لا كالأشياء، ~~{شهيد بيني وبينكم} على ما أقول، أي: يشهد لي بالحق، وعليكم بالباطل، ~~{وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} لأنذركم به يا أهل مكة، وسائر ~~من بلغه من الأسود والأحمر، أو من الثقلين؛ أو لأنذركم أيها الموجودون، ومن ~~بلغه إلى يوم القيامة؛ في الحديث: «من بلغه القرآن، فكأنما رأى محمد (¬1) - ~~صلى الله عليه وسلم - وأقام عليه الحجة به» (¬2) ، لأنه معجز مخالف لكلام ~~الآدميين، وقيل: من بلغه القرآن فكأنما كلمه الله تعالى، أو شيء منه، وقيل: ~~إن المعنى ومن بلغ أن يكون إماما من آل محمد فهو ينذر أيضا بالقرآن، {أئنكم ~~لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى} استفهام إنكار وتبكيت، {قل: لا أشهد} إن ~~شهدوا {قل: إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون(19)} [141] بالقول أو ~~العمل أو النية. # {الذين آتيناهم الكتاب} يعني: اليهود والنصارى، {يعرفونه} أي: الله تعالى ~~أو رسوله، تجليته ونعته الثابت في الكتابين، {كما يعرفون أبناءهم؛ الذين ~~خسروا أنفسهم} بتنقيصها عن الكمال، {فهم لا يؤمنون(20)} بتضييعهم ما به ~~يكتسب الإيمان، فلم تغن معرفتهم به. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «محمد»، وهو خطأ. # (¬2) - ... لم نعثر عليه في الربيع ولا في الكتب التسعة ولا في الجامع ~~الصغير وزياداته. PageV01P339 # ومن أظلم} استفهام يتضمن معنى النفي، أي: لا أحد أظلم لنفسه، والظلم: وضع ~~الشيء في غير موضعه، وأشنعه اتخاذ المخلوق معبودا، وهو من الكذب قولا أو ~~فعلا أو اعتقادا؛ ومن عصاه، فكأنه قد اتخذ غيره معبودا في المعنى، لأنه ~~اتخذ إلهه هواه، {ممن افترى} اختلق {على الله كذبا} فيصفه بما لا يليق به، ~~أو فعل فعلا يناقض الإيمان به، {أو ms0226 كذب بآياته} لأنه في المعنى سواء كذب ~~على الله، أو كذب بآياته؛ لأن المكذب كاذب، والكاذب مكذب؛ وآياته: حججه ~~الواضحات، سواء كانت من التنزيل أو التأويل، أو حجة العقل، {إنه لا يفلح ~~الظالمون(21)} لا سبيل لهم إلى الفلاح، لأنهم لم يقصدوا سبيله وإنما قصدوا ~~سبيل الظلم والهلاك. # {ويوم نحشرهم جميعا، ثم نقول للذين أشركوا} ما كان من الشرك، من شرك ~~الجحود، أو شرك الطاعة وهو طاعة إبليس، وكل متعبد لا يخلو من أحد الطاعتين: ~~إما طاعة الله فلا سبيل عليه ولا لائمة؛ وإما طاعة الشيطان، فلا سلامة له. # {أين شركاؤكم}؟ آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله، وهو النفس والهوى ~~والشيطان، {الذين كنتم تزعمون(22)}. # { PageV01P340 ثم لم تكن فتنتهم} كفرهم، {إلا أن قالوا: والله ربنا ما ~~كنا مشركين(23)} ثم لم تكن عاقبة كفرهم الذي لزموه أعمارهم، وقاتلوا عليه، ~~إلا جحوده والتبرء منه، والحلف على الانتفاء من التدين به؛ أو ثم لم يكن ~~جوابهم إلا أن قالوا، فسمي فتنة، لأنه كذب، ويحلفون عليه مع علمهم أنه لا ~~ينفع عن فرط الحيرة والدهشة. كما يقولون: {ربنا أخرجنا منها} (¬1) ، وقد ~~أيقنوا بالخلود. والفتنة ها هنا: المعذرة. وإنما يصح وقوع الكذب منهم مع ~~اطلاعهم على حقائق الأمور، ومعارفهم الضرورية، لما يلحقهم من الدهش ~~والحسرة، من أهوال ذلك اليوم وشدائده، والمبتلى قد ينطق بما لا ينفعه، من ~~غير روية وفكر في عاقبة. # {انظر كيف كذبوا على أنفسهم} بقولهم: {ما كنا مشركين} تبرؤوا من الشرك ~~وكان فعلهم، واعتدوا بالباطل {وضل عنهم} يقال: ضلت الضالة إذا غابت، فلم ~~تهتد سبيلا، {ما كانوا يفترون(24)} من آلهة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة المؤمنون: 107. PageV01P341 # ومنهم من يستمع إليك} استماع الهائم حين تتلوا القرآن، {وجعلنا على ~~قلوبهم أكنة} أغطية: جمع كنان، وهو الغطاء، وهو ما يستر الشيء، وهو معنى ~~صدهم عن قبول ما يستمعونه منه، {أن يفقهوه} كراهة، أن يفقهوه {وفي آذانهم ~~وقرا} ثقلا، يمنع من السمع، {وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها} يعتقدون أنها ~~ليست بآية، من قبل تعاميهم عنها بالهوى، {حتى إذا جاءوك يجادلونك، ms0227 يقول ~~الذين كفروا}: المعنى: أنه بلغ تكذيبهم الآيات، إلى أنهم يجادلونك ~~ويناكرونك، وفسر مجادلتهم بأنهم يقولون: {إن هذا} ما القرآن، أو ما رأوا من ~~الآيات {إلا أساطير الأولين(25} فيجعلون كلام [142] الله أكاذيب؛ ~~والأساطير: الأباطيل، وأصله: السطر، بمعنى: الخط؛ وقيل: أسطورة، وهي (لعله) ~~السيرة. # {وهم ينهون عنه} ينهون الناس عن القرآن واتباعه، والإيمان به، (لعله) أو ~~عن ما رأوا من الآيات، {وينأون عنه} ويبعدون عنه بأنفسهم، فيضلون ويضلون، ~~{وإن يهلكون إلا أنفسهم} أي: لا يتعداهم الضرر، {وما يشعرون(26)} أي: ما ~~يعلمون بإهلاكهم، لأنهم يحسبون أنهم على شيء. # {ولو ترى}، ولو ترى لشاهدت أمرا عظيما، {إذ وقفوا على النار} أو يدخلونها ~~فيعرفون مقدار عنائها، لرأيت أمرا مشنعا؛ {فقالوا: يا ليتنا نرد} إلى ~~الدنيا، تمنوا الرد إلى الدنيا ليؤمنوا، {ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من ~~المؤمنين(27)} واعدين الإيمان كأنهم قالوا: ونحن نؤمن ولا نكذب. # { PageV01P342 بل} للإضراب عن الوفاء بما تمنوا، {بدا لهم} وقوله: {بل} ~~رد لقولهم، كقوله: {كلا} أي: ليس على ما قالوا: إنهم لو ردوا لآمنوا، {بل ~~بدا لهم} ظهر لهم عقوبة، {ما كانوا يخفون} عن الناس من نفاقهم {من قبل} في ~~الدنيا، من قبائحهم وفضائحهم، {ولو ردوا} إلى الدنيا بعد وقوفهم على النار؛ ~~{لعادوا لما نهوا عنه} أي: كل منهم عاد إلى فعل مثل ما كان يفعله من قبل من ~~الكفر، لأن الطبع يقود، {وإنهم لكاذبون(28)} فيما وعدوا من أنفسهم لانفون [كذا]. # {وقالوا} أي: ولو ردوا لكفروا ولقالوا: {إن هي إلا حياتنا الدنيا}، كما ~~كانوا يقولون قبل وقوفهم على النار؛ أو وقوفهم على النار كناية لأحوال ~~الموت، لأنه حين تنزع روحه يرى ما يرى من أحوال القيامة، {وما نحن ~~بمبعوثين(29)} لأنهم كانوا قبل وقوفهم على النار لم يؤمنوا بالبعث، وهذا من ~~أشد العناد من العصاة، لأنهم وقفوا على النار، فلو ردوا لعادوا لما نهوا ~~عنه، وقالوا: {إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين}. # { PageV01P343 ولو ترى إذ وقفوا على ربهم} مجاز عن الحبس للتوبيخ ~~والسؤال، كما يوقف العبد الجاني بين يدي ms0228 سيده ليعاتبه، أو وقفوا على جزاء ~~ربهم، أو عرفوه حق التعريف، أو وقفوا على حكمه وقضائه، وهو عند الموت، وما ~~بعده، لأنهم كانوا {إذا قيل لهم اسجدوا للرحمن، قالوا: وما الرحمن}؟ (¬1) ، ~~{قال: أليس هذا} البعث والجزاء {بالحق} بالكائن الموجود؛ وهذا (لعله) تعيير ~~لهم على التكذيب للبعث؛ {قالوا: بلى وربنا} بالحق أقروا، وأكدوا الإقرار ~~باليمين، {قال} الله: {فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون(30)} حكم الله عليهم ~~بالعذاب، بعد ما أقام عليهم الحجة، فأقروا بها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الفرقان: 60؛ وتمامها: {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن ~~قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا}. PageV01P344 # قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} إذ فاتهم النعيم، واستوجبوا العذاب ~~المقيم، ولقاء الله البعث وما يتبعه، {حتى إذا جاءتهم الساعة} أي: القيامة، ~~لأن مدة تأخرها مع تأبد ما بعدها كساعة، أو جاءهم الموت في تلك الساعة ~~{بغتة}، قيل: بغتتهم الساعة بغتة، وهو: ورود الشيء على صاحبه من غير علمه ~~بوقته، {قالوا: يا حسرتنا} معناه: يا حسرة احضري فهذا أوانك، {على ما ~~فرطنا} قصرنا، {فيها} في الساعة، أي: قصرنا في شأنها، وفي الإيمان بها، ~~{وهم يحملون أوزارهم} آثامهم، {على ظهورهم}، خص الظهر، لأن المعروف حمل ~~الأثقال عليه، كما عرف الكسب بالأيدي، وهو مجاز عن اللزوم على وجه لا ~~يفارقهم؛ وقيل: إن الكافر إذا [143] خرج من قبره، استقبله أقبح شيء صورة، ~~وأخبثه ريحا، فيقول: «أنا عملك السيئ، فطال ما ركبتني في الدنيا، وأنا ~~أركبك اليوم»، {ألا ساء ما يزرون(31)} لبئس شيء يحملونه، وأفاد «ألا» تعظيم ~~ما يذكر بعده، وقيل: أي: لبئس الحمل ما حملوا. # { PageV01P345 وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو} أي: باطل وغرور، لا بقاء ~~لها؛ أي: والحياة الدنيا تعبر هنا بالباطل، كما قال: {أولئك الذين اشتروا ~~(¬1) الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب} (¬2) (لعله) وعملها ~~كاسمها، جواب لقولهم: {إن هي إلا حياتنا الدنيا}. واللعب: ترك ما ينفع لما ~~لا ينفع، واللهو: الميل عن الجد إلى الهزل؛ قيل: ما أهل الحياة الدنيا إلا ~~أهل لهو ولعب، وقيل: ما أعمال الحياة الدنيا إلا ms0229 لعب ولهو، لأنها لا تعقب ~~منفعة كما تعقب أعمال الآخرة المنافع العظيمة، {وللدار الآخرة} قرئ: {ولدار ~~الآخرة} على الإضافة، أضاف الدار على الآخرة، ويضاف الشيء إلى نفسه عند ~~اختلاف اللفظين، كقوله: {وحب الحصد} (¬3) ، وقولهم: ربيع الأول، ومسجد ~~الخليع. سميت الدنيا لدنوها، و(لعله) قيل: لدناءتها {خير للذين يتقون} وفيه ~~دليل على أن ما سوى أعمال المتقين لعب ولهو. {أفلا تعقلون(32)} دوام الآخرة ~~وخلوص منافعها ولذاتها على الدنيا، وقوله: {للذين يتقون} على أن ليس من ~~أعمال المتقين لعب ولهو. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يشترون»، وهو خطأ. # (¬2) - ... سورة البقرة: 86. # (¬3) - ... سورة ق: 9. PageV01P346 # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون} من التكذيب والأقوال الكاذبة، {فإنهم لا ~~يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون(33)} المعنى: أن تكذيبك أمر راجع ~~إلى الله، لأنك رسوله المصدق بالمعجزات، فهم لا يكذبونك في الحقيقة، وإنما ~~يكذبون الله، وتكذيب الرسل تكذيب للمرسل، {ولقد كذبت رسل من قبلك} تسلية ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو دليل على أن قوله: {فإنهم لا ~~يكذبونك} ليس بنفي لتكذيبه، {فصبروا على ما كذبوا وأوذوا} (¬1) فصبروا على ~~تكذيبهم وإيذائهم؛ {حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله} لما حكم به، وقد ~~حكم في كتابه بنصر أنبيائه، فقال: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، ~~إنهم لهم المنصرون، وإن جندنا لهم الغالبون} (¬2) ولا نقض لمواعيده، {ولقد ~~جاءك من نبإ المرسلين(34)} بعض أنبائهم وقصصهم، وما كابدوا من مصابرة ~~المشركين؛ قيل: وكان يكبر على النبي - صلى الله عليه وسلم - كفر قومه ~~وإعراضهم، ويحب مجيء الآيات ليسلموا فنزل: # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: لم يذكر مقطع هذه الآية بل شرحها مباشرة وهو سهو من ~~الناسخ. # (¬2) - ... سورة الصافات: 171-173. PageV01P347 # وإن كان كبر عليك} شق عليك؛ {إعراضهم} عن الإسلام، {فإن استطعت أن تبتغي ~~نفقا} منفذا تنفذ فيه إلى ما تحت الأرض، حتى تطلع لهم آية يؤمنون بها {في ~~الأرض، أو سلما في السماء فتأتيهم} منها {بآية}، فافعل، والمعنى: أنك لا ~~تستطيع ذلك، والمراد بيان حرصه على إسلام قومه، وأنه لو استطاع أن يأتيهم ~~بآية من تحت الأرض، أو من فوق ms0230 السماء، لأتى بها رجاء إيمانهم، وقيل: ~~فتأتيهم بآية أفضل مما أتيناهم به، يريد أنه لا آية أفضل منه، {ولو شاء ~~الله لجمعهم على الهدى} لجعلهم يختارون الهدى، ولكن لما علم منهم أنهم ~~يختارون الكفر لم يشأ أن يجمعهم على ذلك، كذا قال أبو منصور؛ {فلا تكونن من ~~الجاهلين(35)} بالحرص على ما لا يكون، والجزع في مواطن الصبر؛ فإن ذلك من ~~دأب [144] الجهلة. # ثم أخبر أن حرصه على هدايتهم لا ينفع لعدم سمعهم كالموتى بقوله: {إنما ~~يستجيب الذين يسمعون} إنما يجيب الذين يسمعون دعاءك إلى الإسلام بفهم ~~وتأمل، كما قال: {أو ألقى السمع وهو شهيد} (¬1) ، {والموتى} أي: الكفار ~~(¬2) ، {يبعثهم الله ثم إليه يرجعون(36)} فحينئذ يسمعون، وأما قبل ذلك فلا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة ق: 37. # (¬2) - ... الموتى لفظ عام، وتخصيصه بالكفار لا دليل عليه. PageV01P348 # وقالوا: لولا نزل عليه} هلا أنزل عليه {آية من ربه} أي: آية مما اقترحوه، ~~كما قال: {أو تكون لك جنة من نخيل وعنب...} (¬1) الآيات؛ أو آية أخرى سوى ~~ما أنزل من الآيات المتكاثرة، لعدم اعتدادهم بها، {قل: إن الله قادر على أن ~~ينزل آية} بما اقترحوا، {ولكن أكثرهم لا يعلمون(37)} على أن الله قادر على ~~أن ينزل تلك الآية، أو لا يعلمون ما عليهم في الآية من البلاء لو أنزلت. # {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم} في الخلق ~~والموت، والاحتياج إلى مدبر يدبر أمر (¬2) مراشدها، وقيل: أمم أمثالكم يفقه ~~بعضهم عن بعض، وقيل: أمم أمثالكم في التوحيد والمعرفة، {ما فرطنا في الكتاب ~~من شيء} يحتاجون إليه من أمر دين أو دنيا؛ فهو مشتمل على ما يحتاج إليه، ~~عبارة وإشارة، ودلالة واقتضاء، {ثم إلى ربهم يحشرون(38)} فيجب الجزاء لكل ~~عامل حسب عمله؛ وحشر الدواب موتها فيما قيل. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الإسراء: 90- 93. وتمامها: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر ~~لنا من الأرض ينبوعا، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها ~~تفجيرا، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة ~~قبيلا، أو يكون ms0231 لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل ~~علينا كتابا نقرؤه، قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا}!. # (¬2) - ... في الأصل: «أمرا»، وهو خطأ. PageV01P349 # والذين كذبوا بآياتنا صم} لا يسمعون مثل هذه الآيات الدالة على ربوبيته ~~وكمال علمه وعظم قدرته، سماعا تتأثر به نفوسهم، {وبكم} لا ينطقون بالحق، ~~خابطون {في الظلمات} أي: في ظلالات الجهل والحيرة والكفر، غافلون عن تأمل ~~ذلك والتفكر فيه، {من يشأ الله يضلله} من اختار منهم الكفر، {ومن يشأ يجعله ~~على صراط مستقيم(39)} من اختار منهم الإيمان. # {قل: أرأيتكم} قل أرأيتم، و«الكاف» للتأكيد، يقول: أرأيتك إن فعلت كذا ~~ماذا تفعل؟، {إن أتاكم عذاب الله} في الدنيا قبل الموت أو عنده، {أو أتتكم ~~الساعة، أغير الله تدعون}؟ أي: تخصون آلهتكم بالدعوة، منتصرين بها في ذلك ~~الحين؛ {إن كنتم صادقين(40)} في أن الأصنام آلهة، فادعوها لتخلصكم. # {بل إياه تدعون} بل تخصونه بالدعاء دون الآلهة في ذلك الحين، {فيكشف ما ~~تدعون إليه} أي: تدعونه إلى السفه (¬1) ، {إن شاء} إن أراد أن يتفضل عليكم ~~{وتنسون ما تشركون(41)} وتتركون آلهتكم، أو لا تذكرون آلهتكم في ذلك الوقت. # {ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك} رسلا، فكذبوهم، {فأخذناهم بالبأساء ~~والضراء لعلهم يتضرعون(42)} يتذللون ويتخشعون لربهم، ويتوبون عن ذنوبهم؛ ~~فالنفوس تتخشع عند نزول الشدائد. والتضرع: السؤال بالتذلل. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، كتبها الناسخ فوق كلمة مشطوبة «الشفعة»، ولعل ~~الصواب: «الشفقة». PageV01P350 # فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا} أي: هلا تضرعوا بالتوبة!، ومعناه: نفي ~~التضرع، كأنه قيل: فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا، ولكنه جاء ب«لولا» ليفيد ~~أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع؛ {ولكن قست قلوبهم} فكان سبب منع التضرع ~~إليه قسوة قلوبهم، {وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون(43)} فصاروا معجبين ~~بأعمالهم، أو زين لهم سوء أعمالهم فرأوه حسنا. # { PageV01P351 فلما نسوا ما ذكروا به} من البأساء والضراء، أي: تركوا ~~الاتعاظ به، ولم يزجرهم؛ {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} [145] من الصحة والسعة ~~وصنوف النعم؛ وهذا فتح استدراج ومكر، أي: (لعله) بدلنا مكان ms0232 البلاء والشدة، ~~الرخاء والصحة. {حتى إذا فرحوا بما أوتوا} من الخير والنعم فرحا، بمعنى ~~الركون إليه، والاعتماد عليه والثقة به، والطمأنينة بوجوده، دون وعد الله؛ ~~{أخذناهم بغتة} أخذ تعذيب فجاءة، أمن ما كانوا وأعجب ما كانت الدنيا ~~لهم[كذا]، {فإذا هم مبلسون(44)} آيسون من كل خير متحيرون، وأصله الإطراق ~~حزنا لما أصابه، ندما على ما فاته، قال أبو عبيدة: «المبلس: النادم الحزين، ~~وأصل الإبلاس: الإطراق من الحزن والندم»؛ وروي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - : «إذا رأيت الله يعطي لأحد ما يحب، وهو مقيم على معصية، فإنما ~~ذلك استدراج»، ثم تلا: {فلما نسوا ما ذكروا به...} الآية» (¬1) ؛ { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه أحمد عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج»، ~~ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم ~~أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون}. مسند ~~الشاميين، رقم 16673. العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «نسوا».. PageV01P352 # فقطع دابر القوم الذين ظلموا} هلكوا عن آخرهم، ولم يترك منهم أحد، ~~{والحمد لله رب العالمين(45)} إيذان لوجوب الحمد لله عند هلاك الظلمة، وأنه ~~من أجل النعم، وأجزل القسم؛ ثم دل على قدرته، وتوحيده بقوله: # {قل: أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم} بأن أصمكم وأعماكم، فلم تسمعوا، ~~ولم تبصروا عواقب ما يضركم ولا ينفعكم، {وختم على قلوبكم} فشلت العقول ~~والتمييز (¬1) . {من إله غير الله يأتيكم به؟ انظر كيف نصرف الآيات} نكررها ~~تارة من جهة المقدمات العقلية، وتارة من جهة الترغيب والترهيب، وتارة ~~بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدمين، وقيل: يبين الآيات والعلامات الدالة ~~على التوحيد والنبوة، {ثم هم يصدفون(46)} يعرضون عن الآيات بعد ظهورها؛ ~~والصدف: الإعراض عن الشيء. # {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة} بأن لم تظهر أماراته، {أو جهرة} ~~بأن ظهرت أماراته، {هل يهلك إلا القوم الظالمون(47)}؟ ما يهلك هلاك تعذيب ~~وسخط، إلا الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم. {وما ms0233 نرسل المرسلين إلا مبشرين} ~~المؤمنين بالجنة، {ومنذرين} الكافرين بالعذاب، {فمن آمن وأصلح} دام على ~~إيمانه؛ {فلا خوف عليهم} من العذاب، {ولا هم يحزنون(48)} بفوت الثواب. # {والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب} في الدارين، جعل العذاب ماسا كأنه ~~حي يفعل بهم ما يؤمر، {بما كانوا يفسقون(49)} بسبب فسقهم، وخروجهم عن ~~الطاعة بالكفر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «من التمييز»، أو: «فسلب العقول ~~والتمييز». PageV01P353 # قل: لا أقول لكم عندي خزائن الله} أي: قسمه بين الخلق وأرزاقه، نزل ذلك ~~فيما قيل حين اقتراحوا الآيات، وأمره أن يقول لهم: {لا أقول لكم: عندي ~~خزائن الله} أي: خزائن رزقه، فأعطيكم ما تريدون، {ولا أعلم الغيب، ولا أقول ~~لكم: إني ملك} لا أدعي ما يستبعد في العقول، أن يكون لبشر من ملك خزائن ~~الله وعلم الغيوب، ولا أنني من جنس الملائكة، أو أقدر على ما يقدرون عليه، ~~وإنما أدعى ما كان لكثير من البشر، وهو النبوة والرسالة البشرية، {إن أتبع ~~إلا ما يوحى إلي} تبرءا من دعوى الألوهية والملكية، وأدعي النبوة التي هي ~~من كمالات البشر، {قل: هل يستوي الأعمى والبصير}؟ مثل للعالم والجاهل؛ ~~{أفلا تتفكرون(50)}؟ فلا تكونوا ضالين، أشباه العميان. # {وأنذر به} أي: خوف بما يوحى إليك، {الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم}، ~~هم المؤمنون بالبعث وما بعده؛ وقيل: «يخافون» أي: يعلمون، لأن خوفهم إنما ~~كان من علمهم، {ليس لهم من دونه [146] ولي ولا شفيع}، يعلمون ذلك علم حقيقي ~~(¬1) ، {لعلهم يتقون(51)} فينتهون عما نهوا عنه، وإنما نفى الشفاعة لغيره ~~مع أن الأنبياء والأولياء يشفعون، لأنهم لا يشفعون إلا بإذنه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «علما حقيقيا». PageV01P354 # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} أثنى عليهم بأنهم يواصلون ~~دعاء ربهم، أي: عبادته، ويواضبون عليها، والمراد بذكر الغداة والعشي: ~~الدوام، أي: في [أي] وقت كانوا، وعلى أي حال كانوا، أو معناه يصلون (¬1) ~~صلاة الصبح والعصر، أو الصلوات الخمس، ووسمهم بالإخلاص في عبادتهم بقوله: ~~{يريدون وجهه} فالوجه يعبر عن ذات الشيء وحقيقته، قيل: نزلت في فقراء ~~المسلمين. {ما ms0234 عليك من حسابهم من شيء} إذ بواطنهم لم تطلع عليها، {وما من ~~حسابك عليهم من شيء} قيل: إن ذلك طعنوا في دينهم وإخلاصهم (¬2) ؛ فقال: ~~حسابهم عليهم لازم لهم لا يتعداهم إليك، كما أن حسابك عليك لا يتعداك ~~إليهم، {فتطردهم فتكون من الظالمين(52)}. # {وكذلك فتنا بعضهم ببعض} ومثل ذلك الفتن العظيم، ابتلينا الأغنياء ~~بالفقراء، والعلماء المحقين بالجهلة التاركين، فيسخروا منهم فتكون ذلك فتنة ~~عليهم، {ليقولوا: أهؤلاء من الله عليهم من بيننا} أي: أنعم الله عليهم ~~بالإيمان، ونحن المقدمون والرؤساء وهم الفقراء، إنكارا لأن يكونوا على تلك ~~المنزلة السيئة، وهم يقولون: إنهم من أراذلهم؛ فرد الله عليهم فقال: {أليس ~~الله بأعلم بالشاكرين(53)}؟! بمن يشكر نعمته ومن لا يشكرها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: + «يصلون»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «ذلك لأنهم طعنوا في دينهم ~~وإخلاصهم». PageV01P355 # وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا، فقل: سلام عليكم} الذين يؤمنون، هم ~~الذين يدعون ربهم؛ وصفهم بالإيمان بالقرآن واتباع الحجج، بعدما وصفهم ~~بالمواضبة على العبادة، وأمره بأن يبدأهم بالتسليم، أو يبلغهم سلام الله ~~إليهم، ويبشرهم بسعة رحمة الله وفضله، بعد النهي عن طردهم، إيذانا بأنهم ~~الجامعون لفضيلتي العلم والعمل، ومن كان كذلك ينبغي أن يقرب ولا يطرد، ويعز ~~ولا يذل، ويبشر من الله بالسلامة في الدنيا، والرحمة في الآخرة. # {كتب ربكم على نفسه الرحمة} من جملة ما يقول لهم ليبشرهم بسعة رحمة الله ~~وقبول التوبة منه، ومعناه: وعدكم بالرحمة وعدا مؤكدا، وقيل: {كتب ربكم على ~~نفسه الرحمة} أي: على ذاته، لا على شيء سواه، وقيل: {كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة} يقول: حكم ربكم بالرحمة لمن أطاعه؛ {أنه من عمل منكم سوءا} ذنبا، ~~تسوء عاقبة راكبه؛ {بجهالة} قيل: لا يعرف حلال ذلك الشيء من حرامه، ولم تقم ~~عليه الحجة بذلك، فمن جهالته ركب ذلك الأمر، {ثم تاب من بعده وأصلح} أي: ~~طلب السؤال، ولو بالخروج مع القدرة على ذلك، أو دان بالسؤال مع العجز ~~والتوبة من ذلك مع القدرة، أو تاب في الجملة مع العجز عن التوبة منه بعينه، ms0235 ~~{ثم تاب من بعده} من بعد السوء أو العمل، وأصلح وأخلص توبته، {فإنه غفور ~~رحيم(54)} لمن تاب قبل الموت. # { PageV01P356 وكذلك نفصل الآيات} آيات القرآن في صفة المطيعين ~~والمجرمين، بالدلائل والعلامات والسمات، {ولتستبين سبيل المجرمين(55)} ~~والمعنى: ومثل ذلك التفصيل البين نفصل آيات القرآن، ونلخصها في صفة أحوال ~~المجرمين: من هو مطبوع على طبعه لا ترجى موافقته، ومن يرجي إسلامه؛ ~~ولتستوضح سبيلهم، فتعامل كلا منهم بما [147] يجب أن يعامل به، أو لتحذره عن ~~أن يسلكه (¬1) ، فصلنا ذلك التفصيل. # {قل: إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله} أي: زجرت وصرفت بأدلة ~~العقل والسمع عن عبادة ما تعبدون من دون الله، وهو في المعنى يتناول كل ~~معصية لله تعالى، بما تهواه النفس بغير الحق، بدليل قوله: {قل: لا أتبع ~~أهواءكم} أي: لا أجري في طريقتكم التي سلكتموها في دينكم، من اتباع الهوى ~~دون اتباع الدليل، وهو بيان للسبب الذي منه وقعوا في الضلال، وفي مضمون ~~الآية دليل على أنهم يعبدون هوى أنفسهم بدليل قوله: {قل: لا أتبع أهواءكم}، ~~{قد ضللت إذا} أي: إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال {وما أنا من المهتدين(56)} ~~وما أنا من أهل الهدى، يعني: إنكم كذلك، وإن فعلت ذلك فقد تركت سبيل الحق، ~~وسلكت طريق الهوى، ولما نفى أن يكون الهوى متبعا، نبه على ما يجب اتباعه بقوله: # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «لنحذرك عن أن تسلكه». PageV01P357 # قل: إني على بينة من ربي} أي: إني على معرفة ربي، وإنه لا معبود سواه، ~~أي: على بينة من ربي، أي: على بصيرة وبرهان فيما أمر ونهى، على حجة واضحة، ~~{وكذبتم به} حيث أشركتم به غيره، {ما عندي ما تستعجلون به} يعني: العذاب ~~الذي استعجلوه في قوله: {فأمطر علينا حجارة من السماء} (¬1) ، {إن الحكم ~~إلا لله} في تأخير عذابكم. {يقص الحق} أي: يقول الحق النافون [كذا]، يقضي ~~الحق، أي: القضاء الحق في كل ما يقضي من التأخير والتعجيل، {وهو خير ~~الفاصلين(57)} القاضين. # {قل لو أن عندي} أي: في قدرتي وإمكاني، {ما ms0236 تستعجلون به} من العذاب، ~~{لقضي الأمر بيني وبينكم} لأهلكتكم عاجلا، غضبا لله، {والله أعلم ~~بالظالمين(58)} بأحوالهم في الدركات. # {وعنده مفاتح الغيب} أي: خزائن الغيب {لا يعلمها إلا هو} المفاتح جمع: ~~مفتح، وهو المفتاح، وهي خزائن العذاب والرزق، أو ما غاب عن العباد من ~~الثواب والعقاب والآجال والأحوال، جعل للغيب مفاتح على طريق الاستعارة، لأن ~~المفاتح يتوصل بها إلى ما في المخازن المستوثق منها بالإغلاق والإقفال، ومن ~~علم مفاتحها وكيفية فتحها توصل إليها؛ فأراد أنه هو المتوصل إلى المغيبات، ~~وعاجدة [كذا] لا يتوصل إليها غيره، {ويعلم ما في البر} من النبات والدواب، ~~{والبحر} من الحيوان والجواهر وغيرهما، {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها} يريد ~~ساقطة وثابتة (¬2) ، يعلم عددها وأحوالها قبل السقوط وبعده، {ولا حبة في ~~ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس} قيل: هو عبارة عن كل شيء، {إلا في كتاب ~~مبين(59)} وهو علم الله، أو اللوح. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأنفال: 32. # (¬2) - ... يمكن أن نقرأ: «ونابتة». PageV01P358 # وهو الذي يتوفاكم بالليل} أي: يقبض أنفسكم عن التصرف بالتمام في المنام، ~~{ويعلم ما جرحتم بالنهار} خص الليل بالنوم، والنهار بالكسب، جريا على ~~المعتاد، {ثم يبعثكم فيه} ثم يوقظكم في النهار، {ليقضى أجل مسمى} ليوفر ~~الآجال على الاستكمال، {ثم إليه مرجعكم، ثم ينبئكم بما كنتم تعملون(60)} ~~وقيل: الآية خطاب للكفرة، والمعنى: يلقون كالجيف بالليل، وكاسبون للأيام ~~بالنهار [كذا]، كما قال: {أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم ~~نائمون، أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون} (¬1) وليس هم من ~~الدين في شيء (¬2) . # {وهو القاهر فوق عباده} لا يتحرك متحرك ولا يسكن ساكن إلا بمشيئته ~~وإرادته، {ويرسل [148] عليكم حفظة} ملائكة حافظين لأعمالكم وهم الكرام ~~الكاتبون، ليكون ذلك أزجر للعباد عن ارتكاب الفساد، إذا تفكروا أن صحائفهم ~~تعرض عليهم على رؤوس الأشهاد؛ ويحتمل: يحفظونكم عن أن تزيغوا عن ما قدره ~~الله لكم وعليكم من أمر الدين والدنيا، لأنه لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، ~~ويجب الاستسلام لقهره، والرجاء لعفوه، والخوف من عذابه، لأنه القاهر فوق ~~عباده، {حتى ms0237 إذا جاء أحدكم الموت} «حتى» لغاية حفظ الأعمال، أي: ذلك دأب ~~الملائكة مع المكلف مدة الحياة، إلى أن يأتيه الممات؛ يعني: أعوان ملك ~~الموت، يقبضونه بأمر ملك الموت؛ فكان ملك الموت يؤتيه [كذا]، لأنهم يقبضون ~~عن أمره (¬3) لقوله: {قل يتوفاكم ملك الموت} (¬4) .{توفته رسلنا وهم لا ~~يفرطون(61)} لايجاوزون ما حد لهم بزيادة أو بنقصان. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأعراف: 97-98. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «وهم ليسوا من الدين في شيء». # (¬3) - ... في الأصل: «عن مره». # (¬4) - ... سورة السجدة: 11. PageV01P359 # ثم ردوا إلى الله} إلى حكمه وجزائه، {مولاهم} مالكهم الذي يلي ~~أمورهم.{الحق} الثابت، العدل الذي لا يحكم إلا بالحق. {ألا له الحكم} ليس ~~[هنالك] حكم مع حكمه. {وهو أسرع الحاسبين(62)} لا يشغله حساب عن حساب، ~~وقيل: «الرد إلى من رباك، خير من البقاء مع من أذاك». # {قل: من ينجيكم من ظلمات البر والبحر} من مخاوفهما وشدائدهما وأهوالهما، ~~{تدعونه تضرعا} معلنين الضراعة، {وخفية} أي: مسرين في أنفسكم خيفة حيث كان، ~~{لئن أنجانا} أي: أخلصنا (¬1) {من هذه} المحنة والظلمة، {لنكونن من ~~الشاكرين(63)} المطيعين لك، والشكر: هو معرفة النعمة أنها من الله، مع ~~القيام بحقها. # {قل: الله ينجيكم منها ومن كل كرب} غم وحزن، أي: لولا فضل الله ورحمته ~~لترادفت عليهم الكروب، والكرب: هو غاية الغم الذي يأخذ النفس؛ {ثم أنتم ~~تشركون(64)} تكفرون ولا تشكرون، يريد: أنهم يقرون أن الذي يدعونه (¬2) عند ~~الشدة هو الذي ينجيكم؛ ثم إن كشفها عنكم تشركون معه الأصنام، التي قد علمتم ~~أنها لا تضر ولا تنفع. # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «أخلصنات»، وهو خطأ، ولعل الأصوب: «خلصنا». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «أنكم تقرون أن الذي تدعونه عند ~~الشدة ينجيكم». PageV01P360 # قوله تعالى: {قل: هو القادر} هو الذي عرفتموه قادرا، وهو الكامل القدرة ~~{على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} كما أمطر على قوم لوط، وعلى أصحاب ~~الفيل الحجارة، {أو من تحت أرجلكم} كما أغرق فرعون، وخسف بقارون، وعن ابن ~~عباس: «يريد: من فوقكم السلاطين الظلمة، {أو من تحت أرجلكم} أي: من كان ~~أسفل منكم». {أو ms0238 يلبسكم شيعا} أو يخلطكم فرقا مختلفين على أهواء شتى، كل ~~فرقة منكم مشايعة لإمام، وذلك الافتراق هو عين العذاب، ومعنى خلطهم: أن ~~ينشب القتال بينهم، فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال، {ويذيق بعضكم بأس ~~بعض} يقتل بعضكم بعضا، والبأس: السيف؛ {انظر كيف نصرف الآيات} بالوعد ~~والوعيد، {لعلهم يفقهون(65)} يتعلمون، فيعلمون عواقب الأمور، وما صرف ذلك ~~عنهم إلا رحمته التي وسعت كل شيء. # {وكذب به قومك} بالقرآن، {وهو الحق} أي: الصدق، {قل: لست عليكم ~~بوكيل(66)} بحفيظ وكل إلى أمركم، إنما [أنا] منذر، {لكل نبإ} لكل شيء تنبأ ~~به؛ {مستقر} وقت استقرار، {وسوف تعلمون(67)} مآل العاقبة، وفيه تهديد. # { PageV01P361 وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا} بالباطل؛ {فأعرض عنهم} ~~فأعرض عن باطلهم، {حتى يخوضوا في حديث غيره} مما أباحه الله لهم، {وإما ~~ينسينك الشيطان} يثقل عليك القيام من مجالسهم، (لعله) ويحليه لك، {فلا تقعد ~~بعد الذكرى مع القوم الظالمين(68)} يعني: إذا جلست معهم تأسيا فقم من عندهم ~~بعدما ذكرت، وفيه بيان النهي واقع عن مجالستهم (¬1) ؛ فلا تقعد معهم بعد ~~الذكرى. ويجوز أن يراد: وإن أنساك الشيطان قبل النهي قبح مجالستهم فلا تقعد ~~معهم بعد أن ذكرناك (¬2) قبحها، (لعله) ونبهناك عليه؛ ويخرج في المعنى إذا ~~ذكرك الملهم فلا تصغ إلى الوسواس الشيطاني. # {وما على الذين يتقون من حسابهم} الذين يخوضون في القرآن {من شيء، ولكن} ~~عليهم أن يذكروهم {ذكرى} إذا سمعوهم يخوضون، {لعلهم يتقون(69)} الخوض حياء ~~أو خوفا منهم، أو من الله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «بيان أن النهي واقع على ~~مجالستهم». # (¬2) - ... في الأصل: «ادكرناك». PageV01P362 # وذر الذين اتخذوا دينهم} الذي كلفوه ودعوا إليه، وهو دين الإسلام، {لعبا ~~ولهوا} أي: بنوا أمر دينهم على التشهي، ويدينوا (¬1) بما لا يعود عليهم ~~بنفع عاجلا وآجلا، واتخذوا دينهم الذي كلفوه لعبا ولهوا، حيث سخروا به. ~~واللهو: (لعله) ما يشغل الإنسان من هوى أو طرب. {وغرتهم الحياة الدنيا} ~~بظاهرها المزخرف، حيث لم يفكروا في بواطنها، وما تؤول إليه، {وذكر به} وعظ ~~بالقرآن {أن تبسل نفس بما كسبت} مخافة أن ms0239 تسلم إلى الهلكة، وترتهن سوء ~~كسبها؛ و أصل الإبسال: المنع، وأبسله: أسلمه للهلكة، وربه إلى نفسه ~~وكله[كذا]. {ليس لها من دون الله ولي} ينصرها بالقوة، {ولا شفيع؛ وإن تعدل ~~كل عدل} وإن تفد كل فداء، والعدل: الفدية، لأن الفادي يعدل المفدي بمثله، ~~{لا يؤخذ منها} لا يقبل منها؛ {أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا} أي: سلموا ~~إلى العذاب بسبب أعمالهم القبيحة، وعقائدهم الزائغة، {لهم شراب من حميم} ~~أي: ماء حار، {وعذاب أليم بما كانوا يكفرون(70)} والمعنى: هم بين ماء ~~يتجرجر (¬2) في بطونهم، ونار تشتعل بأبدانهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «ودانوا». # (¬2) - ... في اللسان: «جرجر: ضج وصاح... وفي الحديث: “الذي يشرب في ~~الإناء [كذا] الفضة والذهب إنما يجرجر في بطنه نار جهنم” أي يحدر فيه، فجعل ~~الشرب والجرع جرجرة، وهو صوت وقوع الماء في الجوف». ابن منظور: لسان العرب، 1/438. PageV01P363 # قل: أندعو} أنعبد {من دون الله ما لا ينفعنا} ما لايقدر على نفعنا إن ~~دعوناه، {ولا يضرنا} إن تركناه، {ونرد على أعقابنا} راجعين من الإسلام إلى ~~الشرك {بعد إذ هدانا الله} للإسلام، وأنقذنا من عبادة الأصنام؛ {كالذي ~~استهوته الشياطين} كالذي ذهبت به مردة الجن، والعيلان (¬1) في المهامه (¬2) ~~، وهو استفعال من “هوى في الأرض” إذا ذهب هاويا في مهاويها، وقيل: ذهبت ~~الشياطين بهواه وعمله، أو استوهمته وحيرته، أو زينت له هواه؛ {في الأرض} في ~~المهمه (¬3) ، {حيران} استهوته تائها ضالا عن الجادة لا يدري كيف يصنع، ~~[و]لا يهتدي إلى مخرج منه. {له} لهذا المستهوى {أصحاب} رفقاء، {يدعونه إلى ~~الهدى} إلى أن يهدوه إلى الطريق، {ائتنا} وقد تعسف للمهمه تابعا للجن، لا ~~يجيبهم ولا يأتيهم، وهذا مبني على ما يقال: إن الجن تستهوي الإنسان، ~~والعيلان (¬4) تستولي عليه، فشبه به الضال عن طريق الإسلام، التابع لخطوات ~~الشيطان؛ والمسلمون يدعونه إلى الإسلام فلا يلتفت إليهم. {قل: إن هدى الله} ~~وهو الإسلام {هو الهدى} وحده، وما سواه ضلال، {وأمرنا لنسلم لرب ~~العالمين(71)} لنذعن وننقاد إلى حكمه وعبادته. # {وأن أقيموا الصلاة واتقوه} فيما أمر ونهى، {وهو الذي إليه ms0240 تحشرون(72)} ~~ترجعون. # { # ¬__________ # (¬1) - ... «العيلان: الذكر من الضباع». ابن منظور: لسان العرب، 4/945. # (¬2) - ... «والمهمه: المفازة البعيدة، والجمع: المهامه... الليث: ~~المهمه: الفلاة بعينها، لا ماء بها ولا أنيس». ابن منظور: لسان العرب، ~~5/545. مادة «مهه». # (¬3) - ... في الأصل: «المهمة»، وهو خطأ. # (¬4) - ... في الأصل: «الغيلان»، ولم نجد في اللسان معنى لهذه الكلمة غير ~~أنه اسم لرجل. PageV01P364 # وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق} بالحكمة، {ويوم يقول: كن فيكون، ~~قوله الحق} أي: لا يكون شأن من السماوات والأرض، وسائر المكونات، إلا عن ~~حكمة وصواب. {وله الملك يوم ينفخ في الصور} قيل: هو القرن بلغة اليمن، أو ~~جمع صورة، {عالم الغيب} السر، {والشهادة} والعلانية، {وهو الحكيم} الذي لا ~~يخلق إلا لحكمة (¬1) ، {الخبير(73)}. # {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر: أتتخذ أصناما آلهة} استفهام توبيخ، أي: ~~اتتخذها آلهة وهي لا [150] تستحق الإلهية، {إني أراك} بعين البصيرة {وقومك، ~~في ضلال مبين(74)} ظاهر الضلالة. # {وكذلك} أي: وكما أريناه قبح الشرك، {نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} ~~أي: عجائبها وبدائعها، وقيل: هو ربوبيتها وملكها. والملكوت أبلغ من الملك، ~~و“التاء” فيه للمبالغة، وقيل: ملكها خلقها الظاهر، وملكوتها سرها الذي خلقت ~~لأجله؛ فالملك يرى بالبصر، والملكوت يرى بالبصيرة، ولذلك اختص به إبراهيم ~~وأمثاله دون غيرهم؛ {وليكون من الموقنين(75)} لأن من تفكر في المخلوقات ~~أيقن بالخالق. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الحاشية: «بيان إلا لحكم». PageV01P365 # فلما جن عليه الليل} أي: أظلم، {رأى كوكبا} قيل: وكان أبوه وقومه يعبدون ~~الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن ينبههم على الخطإ في دينهم، وأن ~~يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤد إلى تشابه ~~المخلوقات، من أحوال [من] ليس بإله، لقيام دليل الحدوث فيها، وأن لها محدثا ~~أحدثها، ومدبرا دبر طلوعها وأفولها، وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها؛ فلما ~~رأى الكوكب الدري الذي كانوا يعبدونه، {قال: هذا ربي} أي قال لهم: هذا ربي ~~في زعمكم؛ {فلما أفل، قال: لا أحب الآفلين(76)} أي: لا أحب عبادة الأرباب ~~المتغيرين. # {فلما رأى القمر بازغا، قال: هذا ربي، فلما أفل، قال: لئن لم يهدني ربي ~~لأكونن من القوم ms0241 الضالين(77)} استعجز نفسه، واستعان بربه في درك الحق، فإنه ~~لا يهتدي إليه إلا بتوفيقه. # {فلما رأى الشمس بازغة، قال: هذا ربي هذا أكبر؛ فلما أفلت، قال: يا قوم ~~إني بريء مما تشركون(78) إني وجهت وجهي} خالصا {للذي فطر السماوات والأرض ~~حنيفا، وما أنا من المشركين(79)} أحدا من خلقه؛ قال أبو محمد: «يعني: أهل ~~الزيغ، والاعوجاج عن الحق». # {وحاجه قومه} في توحيد الله، ونفي الشركاء عنه. {قال: أتحاجوني في الله} ~~في توحيده، {وقد هداني} إلى التوحيد، {ولا أخاف ما تشركون به} (لعله) من ~~أصنامكم، وينضم تحت معنى هذه الآية الدنيا وما فيها، بل يعم ما سوى الخالق، ~~{إلا أن يشاء ربي شيئا} إلا أن يقدر علي أمرا، لأنه لاحول ولاقوة إلا به، ~~{وسع ربي كل شيء علما} أي: علم كل معلوم، {أفلا تتذكرون(80)} فتميزوا بين ~~القادر والعاجز. # { PageV01P366 وكيف أخاف ما أشركتم} أي: المعنى كيف أخاف عاقبة معاص (¬1) ~~فعلتموها ولم أفعلها، {ولا تخافون أنكم أشركتم بالله، ما لم ينزل به عليكم ~~سلطانا} حجة، والمعنى: ما تنكرون على الآمن في موضع الأمن، ولا تنكرون على ~~أنفسكم الخوف في موضع الخوف، {فأي الفريقين}: الموحدين والمشركين، {أحق ~~بالأمن} (لعله) أنا وأهل ديني أم أنتم؟ {إن كنتم تعلمون(81)} (لعله) ~~التمييز بين موضع الخوف والأمن. # {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، أولئك لهم الأمن، وهم مهتدون(82)} ~~(لعله) أوضح حجة الفريقين. # {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم} بعد أن اختارها {على قومه} باختيارهم ما ~~سواها؛ {نرفع درجات من نشاء} نرفع من نشاء بالعلم والعقل والفهم، {إن ربك ~~حكيم} يفعل الأمور المحكمة، {عليم(83)} من هو أهل للحكمة. # {ووهبنا له إسحاق ويعقوب، كلا هدينا، ونوحا هدينا من قبل، ومن ذريته ~~داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون، وكذلك نجزي المحسنين(84)} أي: ~~هديناهم بإحسانهم، كذلك نجزي كل محسن، كما جزينا من ذكرنا لأن جميع العباد ~~معنا على منزلة واحدة [151] (لعله) إذ أنزلوا في حال واحد. # {وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس} قيل: هو إدريس، وله اسمان، مثل: يعقوب ~~وإسرائيل، {كل من الصالحين(85)} الكاملين في الصلاح، وهو ms0242 الإتيان بما ~~ينبغي، والتحرر عما لا ينبغي. # {وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا، وكلا فضلنا على العالمين(86)} على عالمي ~~زمانهم، باختيارهم عمل الفضائل. # {ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم} اخترناهم واصطفيناهم، ~~{وهديناهم} لما أن اختاروا الهدى {إلى صراط مستقيم(87)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «معاصي». PageV01P367 # ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده} وأهل مشيئته من عباده من اختار ~~منهم الهدى، {ولو أشركوا} بشيء من المعاصي، الذين سماهم مع فضلهم وتقدمهم، ~~وما رفع لهم من الدرجات، {لحبط} لبطل وذهب {عنهم ما كانوا يعملون(88)} ~~لبطلت أعمالهم، لأن الحسنة والسيئة ضدان، لا يستقيمان في شخص واحد كقوله: ~~{لئن أشركت ليحبطن عملك} (¬1) . # {أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم} والحكمة (¬2) أو فهم الكتاب، ~~{والنبوة} وهي أعلى مراتب البشر؛ {فإن يكفر بها} بآيات القرآن، {هؤلاء} أي: ~~قومك؛ {فقد وكلنا بها قوما} هم الأنبياء المذكورون ومن تابعهم، بدليل قوله: ~~{أولئك الذين هدى الله، فبهداهم اقتده} ومعنى: توكيلهم بها، أنهم وفقوا ~~للإيمان بها، والقيام بحقوقها، كما يوكل الرجل بالشيء ليقوم به ويتعهده ~~ويحافظ عليه، وفيه إيذان على أن حجة الله لا تعدم من قائم بها، {ليسوا بها ~~بكافرين(89)}. # {أولئك الذين هدى الله} أي: الأنبياء الذين مر ذكرهم؛ {فبهداهم اقتده} ~~فاختص هداهم بالاقتداء، ولا يقتدى إلا بهم، والمراد ب“هداهم” طريقتهم في ~~الإيمان بالله وتوحيده وأصول الدين، دون الشرائع والفروع والرأي والنوافل، ~~لأنها مختلفة؛ فإنها ليست هدى مضافا إلى الكل، ولا يمكن التأسي بهم فيها ~~جميعا. {قل: لا أسألكم عليه}، علي بتبليغ الوحي والدعاء إلى التوحيد ~~{أجرا}، لأنه من اللازم عليه تبليغه، {إن هو إلا ذكرى للعالمين(90)} ما ~~القرآن إلا عظة للجن والإنس. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الزمر: 65. # (¬2) - ... في الأصل: «الحلمة»، وهو خطأ. PageV01P368 # وما قدروا الله حق قدره} ما عرفوه حق معرفته في الرحمة على عباده حين ~~أنكروا بعثة الرسل والوحي إليهم، وذلك من أعظم رحمته؛ {إذ قالوا ما أنزل ~~الله على بشر من شيء} أنكروا الرسل وما جاءوا به، وإنكارهم لرسالة الرسل، ~~إنكار في المعنى لوحدانية الله. {قل: من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ms0243 نورا ~~وهدى للناس، تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا} بإبداء ما تشتهونه ~~وإخفاء ما تكرهونه، {وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم} من أمر دينكم ~~ودنياكم، {قل: الله} أي: الزم توحيده وطاعته وعبادته؛ {ثم ذرهم} أي: اتركهم ~~وعبادتهم {في خوضهم} باطلهم، {يلعبون(91)} اللعب ما فيه تعب النفوس، ~~وعذابها في الدنيا، مع العذاب الأكبر. # {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} كثير المنافع والفوائد التي لا حد لها من دين ~~ودنيا، {مصدق الذي بين يديه} ما قبله من الكتب، {ولتنذر أم القرى} مكة، ~~وسميت أم القرى لأنها سرة الأرض وقبلة أهل القرى، وأعظمها شأنا، ولأن الناس ~~يؤمونها، {ومن حولها} ما سواها من أهل الأرض من المتعبدين، {والذين يؤمنون ~~بالآخرة} يصدقون بالعاقبة، ويخافونها وأصل الدين: خوف العاقبة؛ {يؤمنون به} ~~فإن من صدق بالآخرة خاف[152] العاقبة، ولا يزال الخوف يحمله على النظر ~~والتدبر، حتى يؤمن بالنبي والكتاب، {وهم على صلاتهم يحافظون(92)} خصت ~~الصلاة بالذكر لأنها عماد الدين؛ فمن حافظ عليها، حافظ على أخواتها ظاهرا ~~وباطنا. # { PageV01P369 ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا} تأول الكتاب على غير ~~تأويله، أو عمل بما يخالفه، {أو قال: أوحي إلي، ولم يوح إليه شيء} قيل: هو ~~مسيلمة الكذاب وأمثاله، ويدخل في معنى هذه الآية: من جعل الوسوسة إلهاما، ~~وقال: إنها حق من الله، لأن الإلهام يخرج في معنى الوحي، {ومن قال: سأنزل ~~مثل ما أنزل الله. ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت} شدائده وسكراته، من ~~“غمره الماء”: إذا غشيه، (لعله) لرأيت أمرا فظيعا، وغمرة كل شيء: معظمه ~~(¬1) ، وأصلها الشيء الذي يغمر الأشياء ويغطيها؛ {والملائكة باسطوا أيديهم} ~~بالعذاب والضرب، {أخرجوا أنفسكم} أي: يبسطون إليهم أيديهم، يقولون: هاتوا ~~أرواحكم، أخرجوها إلينا من أجسادكم، وهو عبارة عن التشديد في الإزهاق من ~~غير إمهال، أو أخرجوها مما هي فيه من العذاب، توبيخا لهم؛ {اليوم تجزون ~~عذاب الهون} أراد وقت الإماتة، ويعذبون به من شدة النزع، وقيل: يعذبون بضرب ~~الملائكة وجوههم وأدبارهم، ويلقى إليهم عذاب الهون بأعمالهم، بدليل قوله: ~~{بما كنتم تقولون على الله غير الحق} ms0244 وكأن هذا العذاب عند النزع مخصوص به ~~العصاة دون المطيعين، لأنهم لم يعصوا فيستحقوا العذاب بسببه، {وكنتم عن ~~آياته تستكبرون(93)} عن قبولها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «مغطيه». PageV01P370 # ولقد جئتمونا فرادى} بلا ثواب مما خولوه، لأنهم لم يريدوا به وجه الله، ~~{كما خلقناكم (¬1) أول مرة} عراة مما خولوه؛ وكأنهم لم ينعم عليهم بنعمة، ~~من حيث إنهم كفروها ولم يشكروها، {وتركتم ما خولناكم} لم يزدكم قربة، بل ~~زادكم بعدا وغضبا وخسارا {وراء ظهوركم} في الدنيا لأهلها، ولم تتزودوا منه ~~لهذا السفر، {وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم} أي: ادعيتم، {أنهم فيكم ~~شركاء} معاونوكم ومناصروكم من دوننا، وهو هواء أنفسهم وما عبدوه من دون ~~الله، {لقد تقطع بينكم} أي: وقع التقطع بينكم، أي: تقطع وصلكم؛ وذلك مثل ~~قوله: {وتقطعت بهم الأسباب} (¬2) أي: المواصلات والبين، {وضل عنكم} ضاع ~~وبطل، {ما كنتم تزعمون(94)} أنها شفعاؤكم عند الله أو دونه. # {إن الله فالق الحب والنوى} للنبت، {يخرج الحي من الميت} النبات من الحب، ~~{ومخرج الميت من الحي} الحب من النبات، أو المؤمن من الكافر، والكافر من ~~المؤمن، {ذلكم الله} المحيي المميت: هو الله الذي تحق له الربوبية لا ~~الأصنام، {فأنى تؤفكون(95)} فكيف تصرفون عنه إلى غيره، بعد وضوح الدليل. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «خلقنا» وهو خطأ. # (¬2) - ... سورة البقرة: 166. PageV01P371 # فالق الإصباح} أي: شاق عمود الصبح عن سواد الليل، {وجعل (¬1) الليل سكنا} ~~يسكن فيه خلقه عن كد المعيشة، إلى راحة الأجسام؛ {والشمس والقمر حسبانا} ~~أي: جعلهما علمي حسبان، لأن حساب الأوقات يعلم بدورهما وسيرهما، ومعناه: ~~جعل الشمس والقمر بحساب معلوم، لا يجاوزانه حتى ينتهيا (¬2) إلى أقصى ~~منازلهما، {ذلك تقدير العزيز} الذي قهرهما وسخرهما {العليم(96)} بتدبيرهما ~~وتدويرهما. # {وهو الذي جعل لكم النجوم} [153] أي: خلقها لكم لا تتقدم ولا تتأخر عن ~~منازلها وسيرها، {لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر} ظلمات الليل في البر ~~والبحر؛ {قد فصلنا الآيات} بيناها فصلا فصلا {لقوم يعلمون(97)} فإنهم ~~المنتفعون بها. # {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة} من آدم، {فمستقر} فوق الأرض، {ومستودع} ~~تحتها، {قد ms0245 فصلنا الآيات لقوم يفقهون(98)} يتفكرون، فيسمون إلى درجة أهل الفقه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «وجاعل»، كتبها برواية ورش، والملاحظ أنه اعتمد في ~~تفسيره رواية حفص عموما. # (¬2) - ... في الأصل: «ينتهيان»، وهو خطأ. PageV01P372 # وهو الذي أنزل من السماء ماء؛ فأخرجنا به نبات كل شيء} نبت كل صنف؛ ~~{فأخرجنا منه خضرا، نخرج منه حبا متراكبا، ومن النخل من طلعها قنوان} هو ~~العذق {دانية} من المجتني قريبة، {وجنات من أعناب والزيتون والرمان، مشتبها ~~وغير متشابه} طعما ولونا وقدرا. {انظروا إلى ثمره إذا أثمر} إذا أخرج ثمره ~~كيف نخرجه ضعيفا لا ينتفع به، {وينعه} نضجه، أي: انظروا إلى حال نضجه، كيف ~~يعود منتفعا به، {إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون(99)} أي: بالآيات على وجود ~~القادر الحكيم (¬1) وتوحيده؛ فإن حدوث الأجناس المختلفة، والأنواع اامفننة ~~من أصل واحد، ونقلها من حال إلى حال، لا يكون إلا بإحداث قادر يعلم ~~تفاصيلها على ما تقتضيه حكمته، مما يكون من أحوالها، ولا يعوقه عن فعله ند ~~يعارضه، أو ضد يعانده؛ ولذلك عقبه بتوبيخ من أشرك به، والرد عليه. # {وجعلوا لله شركاء الجن} أي: أطاعوهم فيما سولوا لهم من شركهم؛ فجعلوهم ~~شركاء لله كما قال: {بما أشركتمون من قبل} (¬2) . {وخلقهم} وخلق الله الجن؛ ~~فكيف يكون المخلوق شريكا لخالقه، {وخرقوا له} أي: اختلقوا، يقال: خلق الإفك ~~واختلقه وخرقه واخترقه: بمعنى، (لعله) والتخريق هو الكذب، {بنين} (لعله) ~~كقول أهل الكتابين، {وبنات} كقول بعض العرب في الملائكة {بغير علم} من غير ~~أن يعلموا حقيقة ما قالوا من خطإ أو صواب، ولكن رميا بقول عن جهالة، وجهلا ~~منهم بعظمة الله {سبحانه وتعالى عما يصفون(100)} تنزيه له عن الشريك ~~والولد. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل صواب العبارة: «يستدلون بالآيات على وجود ~~القادر الحكيم». # (¬2) - ... سورة إبراهيم: 22. PageV01P373 # بديع السماوات والأرض} أي: مبتدعهما لا على [غير] مثال سبق، {أنى يكون له ~~ولد} من أين أن يكون له ولد {ولم تكن له صاحبة}؟ والولد لا يكون إلا من ~~صاحبة، ولا صاحبة له، ولأن الولادة من صفات الأجسام، ومخترع الأجسام لا ~~يكون ms0246 جسما، حتى يكون والدا؛ {و (¬1) خلق كل شيء وهو بكل شيء عليم(101)} أي: ~~ما من شيء إلا وهو خالقه وعالمه، ومن كان كذلك كان غنيا عن كل شيء. # {ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء، فاعبدوه} أي: من استجمعت له ~~هذه الصفات، كان هو الحقيق بالعبادة؛ فاعبدوه ولا تعبدوا من دونه من بعض ~~خلقه. {وهو على كل شيء وكيل(102)} أي: هو مع تلك الصفات، مالك لكل شيء من ~~الأرزاق والآجال رقيب على الأعمال. # {لا تدركه الأبصار} لا تحيط به أبصار من سبق ذكرهم، {وهو يدرك} للطف ~~إدراكه للمدركات {الأبصار، وهو اللطيف} العالم بدقيق الأمور ومشكلاتها، ~~{الخبير(103)} العليم بظواهر الأشياء وخفياتها. # {قد جاءكم بصائر من ربكم} البصيرة: نور القلب الذي به يستبصر به القلب، ~~كما أن البصر نور العين الذي تبصر به، أي: جاءكم من الوحي أو الإلهام، ~~والتشبيه: ما هو للقلوب كالبصائر؛ {فمن أبصر} الحق وآمن؛ {فلنفسه} أبصر، ~~وإياها نفع. [154] {ومن عمي} تعامى عنه وضل {فعليها}؛ لا يتعدى ضرره إلى ~~غيره، {وما أنا عليكم بحفيظ(104)} أحفظ أعمالكم، وأجازيكم عليها، إنما أنا ~~منذر، والله هو الحفيظ عليكم. # {وكذلك نصرف الآيات، وليقولوا: درست} كتب أهل الكتاب، كما قالوا: «أساطبر ~~الأولين»، {ولنبينه} أي: القرآن {لقوم يعلمون(105)} الحق من الباطل بتفكرهم ~~وتدبرهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «و»، وهو خطأ. PageV01P374 # اتبع ما أوحي إليك من ربك} ولا تتبع أهواءهم، {لا إله إلا هو} أي: لا ~~يستحق العبادة إلا هو، {وأعرض عن المشركين(106)} وما يعبدونه (¬1) من دون الله. # {ولو شاء الله} إيمانهم، {ما أشركوا} بين أنهم لا يشركون على خلاف ~~مشيئته؛ ولو علم منهم اختيار الإيمان لهداهم إليه؛ ولكن علم منهم اختيار ~~الشرك فشاء شركهم، فأشركوا بمشيئته، {وما جعلناك عليهم حفيظا} مراعيا ~~لأعمالهم، مأخوذا بإجرامهم، {وما أنت عليهم بوكيل(107)} بمسلط. # قيل: وكان المسلمون يسبون الآلهة؛ فنهوا لئلا يكون سبهم سببا لسب الله ~~بقوله: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله، فيسبوا الله عدوا} عدوانا ~~{بغير علم} على جهالة بالله، وبما يجب أن يذكر، إذا ms0247 تعرضوا لسب ما يدعون من ~~دون الله؛ فكأنهم في المعنى: سابين الله عدوا، {كذلك} مثل ذلك التزيين ~~{زينا لكل أمة} من الأمم {عملهم} أي: كما زينا لهؤلاء المشركين عبادة ~~الأصنام، وطاعة الشيطان بالحرمان والخذلان. {كذلك زينا لكل أمة عملهم} من ~~الخير والشر بإحداث ما يمكنهم منه ويحملهم عليه، توفيقا وتخذيلا؛ {ثم إلى ~~ربهم مرجعهم} مصيرهم؛ {فينبئهم بما كانوا يعملون(108)} فيجازيهم عليه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يعبدوه»، وهو خطأ. PageV01P375 # وأقسموا بالله جهد أيمانهم} أي: حلفوا بالله بأوكد ما قدروا عليه من ~~الأيمان، {لئن جاءتهم آية} مقترحة، بما تهوى أنفسهم {ليؤمنن بها؛ قل: إنما ~~الآيات عند الله} ينزلها كيف يشاء؛ {وما يشعركم} قيل: كان المؤمنون يطمعون ~~في إيمانهم إذا جاءتهم مثل تلك الآيات، ويتمنون مجيئها، وما يدريكم {أنها ~~إذا جاءت لا يؤمنون(109)} بها، يعني: أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ~~بها، وأنتم لا تعلمون ذلك. # {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم} عن قبول الحق ورؤيته، {كما لم يؤمنوا به أول ~~مرة} كما كانوا عند نزول آياتنا أولا، لا يؤمنون بها، لأنه يجب عليهم ~~الإيمان به عند نزوله معا كلمح البصر، فإما آمن فيوفق، وإما كفر، فيخذل؛ ~~وتقليب الأفئدة والأبصار: مجاز عن الخذلان، بدليل قوله: {ونذرهم} (¬1) {في ~~طغيانهم يعمهون(110)} وندعهم متحيرين، لا نهديهم بهداية المؤمنين ما داموا ~~سالكين طريق الضلال. # {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة} كما قالوا: {لولا أنزل علينا الملائكة} ~~(¬2) ، {وكلمهم الموتى} كما قالوا: {فأتوا بآبائنا} (¬3) ، {وحشرنا عليهم} ~~جمعنا {كل شيء قبلا} كفلاء بصحة ما بشرنا به وأنذرنا، جمع قبيل، وهو ~~الكفيل؛ وقيل: قبلا، أي: عيانا؛ {ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} ~~إيمانهم، وهذا جواب لقول المؤمنين: لعلهم يؤمنون بنزول الآيات، {ولكن ~~أكثرهم يجهلون(111)} أن هؤلاء لا يؤمنون إذا جاءتهم الآية المقترحة، ~~أوالذين لم يؤمنوا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كتب الناسخ في الحاشية «الجزؤا» من غير إحالة لها في المتن. # (¬2) - ... سورة الفرقان: 21. # (¬3) - ... سورة الدخان: 36. PageV01P376 # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا} كما جعلنا لك أعداء سببا لظهور الثبات والصبر، ~~وكثرة الثواب والأجر؛ فلا تضجر من معاداتهم، فليس بثابت[كذا] ذلك، ms0248 [155] ~~ولن يقدروا على مضرة لأحد مع توفيق الله له. {شياطين الإنس والجن} ظاهرين ~~وباطنين، {يوحي بعضهم إلى بعض} يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس، وكذلك ~~بعض الجن إلى بعض، وبعض الإنس إلى بعض، وقال - عليه السلام - : «قرناء ~~السوء شر من شياطين الجن» (¬1) ، {زخرف القول} الأباطيل المموهة، من ~~“زخرفه” إذا زينه، من القول والوسوسة والإغراء على المعاصي، ويدخل في ذلك ~~كل قول مشحون بنفاق؛ فظاهره كأنه نصيحة، وباطنه خدعة؛ وهو قول مموه، مزين ~~مزخرف بالباطل لا معنى تحته. {غرورا} خدعا وأخذا على غرة، وهو غفلة، يعني: ~~هؤلاء الشياطين يزينون الأعمال القبيحة لبني آدم يغرونهم؛ والغرور: القول ~~بالباطل. {ولو شاء ربك ما فعلوه} أي: الإيحاء، بمعنى: ولو شاء الله لمنع ~~الشياطين من الوسوسة؛ ولكنه امتحن بما يعلم أنه أجزل في الثواب، ويتضاعف ~~(¬2) على الشياطين العذاب، {فذرهم وما يفترون(112)} عليك وعلى الله من قول ~~ووسوسة، فإن الله يجزيهم وينصرك. # {ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة} ولتميل (¬3) إلى زخرف القول ~~ووسوسة الشيطان قلوب الكفار، (لعله) بالهوى والعمى، {وليرضوه} لأنفسهم، ~~{وليقترفوا ما هم مقترفون(113)} (لعله) من الآثام، بسبب الإصغاء إلى ~~الوسوسة، وزخرف القول، (لعله) يحكمون بغير حكم الله؛ فرد الله عليهم بقوله: # { # ¬__________ # (¬1) - ... لم نعثر عليه في الربيع ولا في الكتب التسعة ولا في الجامع ~~الصغير وزياداته. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «ويضاعف». # (¬3) - ... في الأصل: «والتميل»، وهو خطأ. PageV01P377 # أفغير الله أبتغي حكما}؟ أي: قل يا محمد، أفغير الله أطلب حاكما يحكم ~~بيني وبينكم، ويفصل المحق منا من المبطل، {وهو الذي أنزل إليكم الكتاب ~~مفصلا} أي: مبينا، فيه الفصل بين الحق والباطل، والشهادة لي بالصدق، وعليكم ~~بالباطل والافتراء؛ ثم عضد الدلالة على أن القرآن حق بعلم أهل الكتاب، ~~لتصديقه ما عندهم وموافقته له: {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ~~ربك بالحق فلا تكونن من الممترين(114)} الشاكين فيه، ويحتمل في {الذين ~~آتيناهم الكتاب} هو القرآن، وهم المصدقون به. # {وتمت كلمة ربك} بلغت الغاية أخباره وأحكامه ومواعيده، {صدقا} فيما أخبر، ~~{وعدلا} فيما قضى وحكم. {لا مبدل ms0249 لكلماته} ليس لأحد تبديل شيء من كلماته؛ ~~وكلماته: آياته، {وهو السميع العليم(115)}. # {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} عن الطريق الموصل إليه، ~~فإن الضال في غالب الأمر لا يأمر إلا بما فيه ضلال، لأن أكثر أهل الأرض ~~كانوا على الضلالة، وفيه أنه لا عزة في معرفة الحق (لعله) بالكثرة؛ وإنما ~~الاعتبار بالحجة. {إن يتبعون إلا الظن} يريد دينهم الذي هم عليه ظن وهوى، ~~لم يبنوه على بصيرة، والظن: خلاف العلم، {وإن هم إلا يخرصون(116)} يقدرون ~~أنهم على شيء[كذا]، والخرص: هو القول بالغيب، وهو أخو الظن. # {إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله} من هو أهل للضلالة؛ {وهو أعلم ~~بالمهتدين(117)} أي: يعلم الضالين من المهتدين. # {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين(118)} فإن الإيمان ~~يقتضي استباحة ما أحله الله، واجتناب ما حرمه. # { PageV01P378 وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، وقد فصل لكم} ~~بين لكم {ما حرم عليكم} مما لم يحرم، {إلا ما اضطررتم إليه؛ وإن كثيرا ~~ليضلون بأهوائهم بغير علم} يحرمون ويحللون بأهوائهم وشهواتهم من غير تعلق ~~بشريعة، أو يقودونهم لما تهواه أنفسهم من الباطل، [156] {إن ربك هو أعلم ~~بالمعتدين(119)} الذين يجاوزون الحلال إلى الحرام، ويعتدون (لعله) الحدود. # {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} ما بالجوارح والقلب، {إن الذين يكسبون الإثم} ~~الظاهر أو الباطن، {سيجزون بما كانوا يقترفون(120)} اقترف: اكتسب، والذنب ~~أتاه وفعله. # {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} عند الذبح، {وإنه لفسق} والفسق ~~في ذلك [ذكر] اسم غير الله؛ {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} من ~~المنافقين والكافرين، {ليجادلوكم} وذلك ليستعينوا بهم على إضلالكم، {وإن ~~أطعتموهم} في معصية، {إنكم لمشركون(121)}، لأن من اتبع غير الله في دينه، ~~فقد أشرك به، فانظر فإنه يدخل في تأويل هذه الآية جميع من عصى الله، كان ~~شركه بجحود أو نفاق. # { PageV01P379 أومن كان ميتا فأحييناه}، أي: كافرا فهديناه، لأن الإيمان ~~حياة القلوب، وجميع العصاة أموات في الحقيقة، وإن كانوا أحياء في الظاهر، ~~فهي حياة وهمية، لأنه ms0250 لم يتزود للحياة الأبدية، وحياة الدنيا ليست بحياة، ~~إذ يعقبها الفناء؛ إلا المؤمنين، فإنهم أحياء في الحياة وبعد الموت، وجميع ~~الخلق المتعبدين يخلقون أحياء، لأنهم خلقوا على الفطرة والدين القيم، لكن ~~يميتون (¬1) أنفسهم باقترافهم المعاصي، {وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} ~~مستضيئا به فيما يعمل ويعتقد ويقول، {كمن مثله في الظلمات} كمن صفته في ~~الظلمات خابط فيها، {ليس بخارج منها} لا يفارقها، ولا يتخلص منها، {كذلك} ~~أي: كما زين للمؤمن إيمانه، {زين للكافرين ما كانوا يعملون(122)}، فيحسبون ~~أنهم يحسنون صنعا (¬2) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يميتوا»، وهو خطأ. # (¬2) - ... اقتباس من قوله تعالى: {وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا}. سورة ~~الكهف: 104. PageV01P380 # وكذلك} وكما جعلنا في مكة صناديد ليمكروا فيها، {جعلنا في كل قرية} من ~~القرى، {أكابر مجرميها ليمكروا فيها} ليتجبروا على الناس فيها، ويعملوا ~~بالمعاصي، وخص الأكابر وهم الرؤساء لأن ما فيهم من الرئاسة والسعة، أدعى ~~لهم إلى المكر والكفر من غيرهم، دليله: {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا ~~في الأرض} (¬1) . ثم سلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ووعد له بالنصرة، ~~بقوله: {وما يمكرون إلا بأنفسهم}، لأن مكرهم يحيق بهم، لا يتعداهم، (لعله) ~~كأن غيرهم يمكر بهم، {وما يشعرون(123)} أنه يحيق بهم، ما يقول لو مكر بك ~~(لعله) ماكر وأنت لا تشعر أنه يمكر بك، أتسلم من عاقبة مكره بك؟ (لعله) كان ~~غيرهم يمكر بهم (¬2) . # {وإذا جاءتهم} أي: الأكابر، {آية} من القرآن والعقل، {قالوا: لن نؤمن حتى ~~نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} أي: يوحى إلينا من الآيات مثلما أوحي إلى ~~الأنبياء، فأعلم الله تعالى أنه أعلم بمن يصلح للنبوة فقال: {الله أعلم حيث ~~يجعل رسالته} يعلم موضع رسالته. {سيصيب الذين أجرموا} من أكابرها، {صغار} ~~ذل، وهو أن تذله معاصيه وتخزيه في الدنيا مع أهل الدين[كذا]. {عند الله ~~وعذاب شديد} في الدارين، {بما كانوا يمكرون(124)} في الدنيا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الشورى: 27. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ونلاحظ أن العبارة مكررة، الأولى كتبت في ~~الحاشية، والثانية في المتن. PageV01P381 # فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام} يوسعه ms0251 وينور قلبه، قال - عليه ~~السلام - : «إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح، قيل: وما علامة ذلك؟ قال: ~~الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل ~~نزوله» (¬1) ، {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} بالغا في الضيق، ~~يعني: يجعل قلبه ضيقا، حتى لا يدخله الإيمان، حتى [157] إذا سمع ذكر الله، ~~اشمأز قلبه، وإذا ذكر شيء من عبادة الأوثان ارتاح قلبه، {كأنما يصعد في ~~السماء} كأنه كلف أن يصعد إلى السماء، إذا دعي إلى الإسلام من ضيق صدره، ~~يعني يشق عليه الإيمان، كما يشق عليه صعود السماء، وأصل الصعود المشقة، ~~ومنه: {سأرهقه صعودا} (¬2) ، أي: عقبة شاقة، والمعنى: كأنما يزاول أمرا غير ~~ممكن، لأن صعود السماء مثل فيما يبعد من الاستطاعة، وتضيق عنه المقدرة، ~~{كذلك يجعل الله الرجس} اللعنة في الدنيا، والعذاب في العقبى، {على الذين ~~لا يؤمنون(125)} إيمان حقيقي (¬3) . # {وهذا صراط ربك} طريقه الذي اقتضته الحكمة، وسنته في شرح صدر من أراد ~~هدايته، وجعله ضيقا لمن أراد إضلاله. ومستقيما عن الاعوجاج، لأنه لا يعوجه ~~باطل، ومعناه: وهذا طريق ربك وعادته في التوفيق والخذلان، {مستقيما} عادلا ~~مطردا لا اعوجاج فيه، {قد فصلنا} بينا، {الآيات لقوم يذكرون(126)} يتعظون. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لم نعثر عليه في الربيع ولا في الكتب التسعة ولا في الجامع ~~الصغير وزياداته. # (¬2) - ... سورة المدثر: 17. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «إيمانا حقيقيا». PageV01P382 # لهم دار السلام} دار السلامة من كل كدر وآفة، وهي الجنة، لأن كل من دخلها ~~سلم من البلايا والرزايا، {عند ربهم وهو وليهم} محبهم وناصرهم على أعدائهم، ~~أو متوليهم بجزاء ما كانوا يعملون، {بما كانوا يعملون(127)} بأعمالهم. # {ويوم يحشرهم جميعا، يا معشر الجن، قد استكثرتم من الإنس} أي: من إغوائهم ~~وإضلالهم، {وقال أولياؤهم من الإنس} الذين أطاعوهم: {ربنا استمتع بعضنا ~~ببعض} أي: استمتع الإنس بالشياطين، حيث دلوهم على الشهوات، وعلى أسباب ~~التوصل إليها، واستمتع الجن بالإنس، حيث أطاعوهم وساعدوهم على مرادهم في ~~إغوائهم، {وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا} يعنون يوم البعث؛ وهذا الكلام ~~اعتراف بما كان منهم من طاعة ms0252 الشياطين، واتباع الهوى، والتكذيب بالبعث، ~~والتحسر على حالهم، {قال} الله: {النار مثواكم} منزلكم، {خالدين فيها، إلا ~~ما شاء الله} قبل الدخول، كأنه قيل: النار مثواكم أبدا، إلا ما أمهلكم في ~~الدنيا قبل الموت. وقيل: {إلا ما شاء الله} من أوقات حشرهم من قبورهم، ووقت ~~محاسبتهم، {إن ربك حكيم عليم(128)} بأعمالهم؛ فيجزي كلا على (لعله) وفق عمله. # {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا} أي: ومثل ذلك نولي بعض الظالمين بعضا، ~~نخليهم حتى يتولى بعضهم بعضا، يترأس بعضهم على بعض، {بما كانوا ~~يكسبون(129)} بسبب كسبهم. PageV01P383 # ثم يقال لهم يوم القيامة على جهة التوبيخ: {يا معشر الجن والإنس، ألم ~~يأتكم رسل منكم} بقيام الدليل من رسول أو رسول الرسول، كما قال: {ولوا إلى ~~قومهم منذرين} (¬1) ، {يقصون عليكم آياتي} يقرؤون كتبي؛ هذا حكاية لتصديقهم ~~وإيجابهم قوله، وإقرارهم بأن حجة الله لازمة لهم، {وينذرونكم لقاء يومكم ~~هذا، قالوا شهدنا على أنفسنا} بوجوب الحجة علينا، وتبليغ الرسل إلينا، ~~{وغرتهم الحياة الدنيا} لعله بظاهرها المليح لأنهم لم يتفكروا في عواقبها ~~القبيحة، {وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين(130)} ذم لهم على سوء ~~نظرهم، وخطإ رأيهم، فإنهم اغتروا بالحياة الدنيوية واللذات المجدبة[كذا]، ~~وأعرضوا عن الآخرة بالكلية، حتى كانت عاقبة أمرهم أن اضطرهم إلى الشهادة ~~على أنفسهم بالكفر والاستسلام [158] للعذاب المخلد، تحذيرا للسامعين من مثل حالهم. # {ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى} أي: أهلها، {بظلم} معاملة من يريد ظلمهم، ~~{وأهلها غافلون(131)} المعنى: لم يكن ربك مهلك القرى بظلم، بسبب ظلم أقدموا ~~عليه، أو ظالما، على أنه لو أهلكهم وهم غافلون لم ينبهوا برسول وكتاب، لكان ~~ظلما، وهو متعال عنه. # {ولكل} من المكلفين، {درجات} منازل، {مما عملوا} من جزاء أعمالهم، أي: ~~مراتب من أعمالهم على حسب ما يستحقونه؛ وقيل: أراد (لعله) درجات، ودركات من ~~جزاء أعمالهم، فغلب منازل أهل الجنة، {وما ربك بغافل عما يعملون(132)} فلا ~~يخفى عليه مقاديره. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأحقاف: 29. PageV01P384 # وربك الغني} عن عباده وعبادتهم، {ذو الرحمة} عليهم بالتكليف، تكميلا لهم، ~~لنحييهم الحياة الأبدية، خلافا لبقية الحيوانات، وتمهيل عصاتهم ms0253 لعلهم ~~يرجعون قبل الممات. {إن يشأ يذهبكم} أيها الظلمة، {ويستخلف من بعدكم ما ~~يشاء} من الخلق المطيع، {كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين(133)} من أولاد قوم ~~آخرين، لم يكونوا على مثل صفتكم. # {إن ما توعدون لآت} لكائن لا محالة، {وما أنتم بمعجزين(134)} بفائتين، ~~كقولهم: من مات فات. # {قل: يا قوم اعملوا على مكانتكم} يحتمل: اعملوا على تمكينكم من أمركم، ~~وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، أو اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها، ~~{إني عامل} على مكانتي التي أنا عليها، أي: اثبتوا على كفركم وعداوتكم لي، ~~فإني ثابت على الإسلام على مصابرتكم، وهو أمر تهديد ووعيد، دليله قوله: ~~{فسوف تعلمون} أينا تكون له العاقبة المحمودة، {من تكون له عاقبة الدار} ~~أي: فسوف تعلمون أينا تكون له العاقبة المحمودة، وعاقبة الدار: العاقبة ~~الحسنى التي خلق الله هذه الدار لها، وهذا طريق لطيف في الانذار، {إنه لا ~~يفلح الظالمون(135)} لأنهم لم يسلكوا طريق الفلاح (لعله) معناه: لا يسعد ~~الظالمون. # { PageV01P385 وجعلوا لله مما ذرأ} أي: خلق، {من الحرث والأنعام نصيبا} ~~أي: وللأصنام نصيبا، فاكتفى بدلالة قوله: {فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركائنا} بزعمهم، والله لم يأمرهم بذلك، ولا شرع لهم تلك القسمة، {فما كان ~~لشركائهم فلا يصل إلى الله} أي: لا يصل إلى الوجوه التي كانوا يصرفونه ~~إليها من قرى الضيفان، والتصدق على المساكين؛ وسمى الأوثان شركاءهم، لأنهم ~~أشركوهم في أموالهم وفي أنعامهم، {وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم} قيل: ~~كانوا يعينون أشياء من حرث ونتاج لله، وأشياء منها لآلهتهم؛ فإذا رأوا ما ~~جعلوه لله زاكيا ناميا، رجعوا فجعلوه للأصنام، وإذا زكى ما جعلوه للأصنام ~~تركوه لها؛ وقالوا بأن الله غني، وإنما ذلك لحبهم آلهتهم وإيثارهم بها على ~~الله؛ وفي قوله: {مما ذرأ} إشارة إلى أن الله كان أولى بأن يجعل له الزاكي، ~~لأنه هو الذي [159] ذرأه، ثم ذم صنيعهم بقوله: {ساء ما يحكمون(136)} في ~~إيثارهم آلهتهم على الله، وعملهم على ما لم يشرع لهم. # {وكذلك زين لكثير من المشركين} كما زين لهم، {قتل أولادهم ms0254 شركاؤهم} قيل: ~~شياطينهم زينوا وحسنوا لهم. سميت الشياطين شركاء، لأنهم أطاعوهم في معصية ~~الله، {ليردوهم} ليهلكوهم بالإغواء، {وليلبسوا عليهم دينهم}، وليخلطوا ~~عليهم، ويشبهوه ودينهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل؛ {ولو شاء الله ما ~~فعلوه} وفيه دليل أن الكائنات كلها بمشيئة الله، {فذرهم وما يفترون(137)} ~~أمره أن يعتزلهم، وما يفترونه. # { PageV01P386 وقالوا هذه أنعام وحرث} للأوثان، {حجر} حرام؛ كانوا إذا ~~عينوا أشياء من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا: {لا يطعمها إلا من نشاء ~~بزعمهم} الرجال دون النساء، والزعم: قول باطن يشوبه الكذب، {وأنعام حرمت ~~ظهورها} قيل: هي البحائر والسوائب والحوامي، {وأنعام لا يذكرون اسم الله ~~عليها} حين الذبح، وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام، {افتراء عليه} أي: ~~قسموا أنعامهم قسم حجر لا يركب، وقسم لا يذكر عليها اسم الله، ونسبوا ذلك ~~إلى الله افتراء عليه، {سيجزيهم بما كانوا يفترون(138)}. # {وقالوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا} كانوا ~~يقولون في أجنة البحائر والسوائب: ما ولد منها حيا فهو خالص للذكور، لا ~~يأكل منها الإناث؛ وما ولد ميتا، اشترك فيه الذكور والإناث؛ {وإن يكن ميتة} ~~وإن يكن ما في بطونها ميتة {فهم فيه شركاء} فيه سواء؛ {سيجزيهم وصفهم} جزاء ~~وصفهم الكذب على الله في التحليل والتحريم، {إنه حكيم} في جزائهم، ~~{عليم(139)} باعتقادهم. # {قد خسر الذين قتلوا أولادهم} كانوا يئدون بناتهم مخافة السبي والفقر، ~~{سفها بغير علم} لخفة أحلامهم وجهلهم، بأن الله هو رازق أولادهم لا هم؛ ~~{وحرموا ما رزقهم الله} من البحائر والسوائب وغيرها {افتراء على الله} أنه ~~قد حرم ذلك، {قد ضلوا} عن الهدى، {وما كانوا مهتدين(140)} إلى الصواب. # { PageV01P387 وهو الذي أنشأ جنات معروشات، وغير معروشات} قيل: المعروش ~~ما رفع، وغير المعروش ما ترك، {والنخل والزرع مختلفا} في اللون والطعم ~~والحجم والرائحة، {أكله، والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه، كلوا من ~~ثمره إذا أثمر، وآتوا حقه يوم حصاده} يريد به ما كان يتصدق به يوم الحصاد، ~~لا الزكاة المقدرة، وقيل: الزكاة؛ والأمر بإتيانها يوم الحصاد ليهتم به حتى ~~لا يؤخر عن ms0255 وقت الأداء، وليعلم أن الوجوب بالإدراك لا بالتنقية[كذا]، {ولا ~~تسرفوا} بإعطاء الكل، وتضييع العيال، {إنه لا يحب المسرفين(141)} ~~المتجاوزين للحدود. # {ومن الأنعام حمولة وفرشا} ما يحمل الثقل، وما يفرش للذبح، والحمولة: ~~الكبار التي تصلح للحمل، والفرش: الصغار كالفصلان (¬1) والعجاجيل والغنم، ~~لأنها دانية من الأرض، مثل الفرش المفروش عليها، {كلوا مما رزقكم الله} أي: ~~ما أحل الله لكم منها، ولا تحرموها كما في الجاهلية، {ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان} طرقه في التحليل والتحريم والنفاق والشرك، {إنه لكم عدو ~~مبين(142)} ظاهر العداوة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... أصل الكلمة من الفصال، أي الفطام، «والفصيل هو ما فصل عن ~~اللبن من أولاد البقر؛ والفصيل ولد الناقة إذا فصل عن أمه، والجمع فصلان ~~وفصال... قال سيبويه: وقالوا: فصلان شبهوه بغراب وغربان، يعني أن حكم ~~“فعيل” يكسر على “فعلان” بالضم، وحكم “فعال” أن يكسر على “فعلان”». ابن ~~منظور: لسان العرب، 4/1102. PageV01P388 # ثمانية أزواج من [160] الضأن اثنين، ومن المعز اثنين} زوجين اثنين، يريد ~~الذكر والأنثى، والواحد إذا كان معه غيره من جنسه: سمي كل واحد منهما زوجا، ~~وهما زوجان بدليل قوله: {خلق الزوجين الذكر والأنثى} (¬1) ويدل عليه ~~{ثمانية أزواج}، ثم فسرها بقوله: {من الضأن اثنين، ومن المعز اثنيين}. {ومن ~~الإبل اثنين، ومن البقر اثنين؛ قل: آلذكرين حرم أم الأنثيين، أما اشتملت ~~عليه أرحام الأنثيين} للإنكار، والمراد بالذكرين: الذكر من الضأن، والذكر ~~من المعز؛ وبالأنثيين: الأنثى من الضأن، والأنثى من المعز؛ والمعنى: إنكار ~~أن يحرم الله من جنس الغنم ضأنها ومعزها شيئا من ذكورها وإناثها، ولا مما ~~تحمل الإناث، وذلك أنهم كانوا يحرمون ذكورة الأنعام تارة وإناثها طورا، ~~وأولادها كيفما كانت ذكورا أو إناثا، ومختلطة تارة، وكانوا يقولون: قد ~~حرمها الله، فأنكر ذلك عليهم. ويروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال لبعض المشركين: «إنكم قد حرمتم أصنافا من الغنم على غير أصل، وإنما ~~خلق الله هذه الأزواج الثمانية للأكل والانتفاع بها؛ فمن أين جاء هذا ~~التحريم من قبل الذكر أم من قبل الأنثى؟» فسكتوا وتحيروا، ثم قال: «فلو جاء ms0256 ~~هذا التحريم بسبب الذكورة وجب أن يحرم جميع الذكور، وإن كان بسبب الأنوثة ~~وجب أن يحرم جميع الإناث، وإن كان باشتمال الرحم عليه، فينبغي أن يحرم ~~الكل، لأن الرحم لا يشتمل إلا على ذكر أو أنثى؛ فأما تخصيص التحريم بالولد ~~الخامس والسادس، أو بالبعض دون البعض، فمن أين؟». {نبئوني بعلم} من جهة ~~الله، يدل على تحريم ما حرمتم {إن كنتم صادقين(143)} في أن الله حرمه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النجم: 45. PageV01P389 # ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، قل: آلذكرين} منهما {حرم أم الأنثيين} ~~منهما {أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين؟ أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله ~~بهذا}؟ يعني: أم شاهدتم ربكم حين أمركم بهذا التحريم؟ {فمن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا} فنسب إليه تحريم ما لم يحرم، {ليضل الناس بغير علم، إن الله ~~لا يهدي القوم الظالمين(144)} ما داموا مصرين عليه، غير نازعين عنه بتوبة. # {قل: لا أجد في ما أوحي إلي} أي: في ذلك الوقت، أو في وحي القرآن، لأن ~~وحي السنة قد حرم غيره في بعض الرأي، {محرما على طاعم يطعمه، إلا أن يكون ~~ميتة، أو دما مسفوحا} مهراقا سائلا، قيل: ما جرح من الحيوان وهي أحياء، {أو ~~لحم خنزير، فإنه رجس، أو فسقا} إنما سمى ما ذبح على الصنم فسقا، لتوغله في ~~الفسق، {أهل لغير الله به؛ فمن اضطر غير باغ ولا عاد} متجاوز قدر حاجته من ~~تناوله، {فإن ربك غفور رحيم(145)}. # {وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} قيل: كل ذي ظفر، كل ذي مخلب وحافر؛ ~~وسمي الحافر ظفرا مجازا؛ وقيل: كل ذي ظفر أي: ما له إصبع من دابة أو طائر، ~~ويدخل فيه الإبل والنعام. {ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما} أي: لم ~~يحرم من البقر والغنم إلا الشحوم، {إلا ما حملت ظهورهما} إلا ما اشتمل على ~~الظهور و الجنوب من السحفة (¬1) ، {أو الحوايا} أو ما اشتمل على الأمعاء، ~~واحده: حوية، {أو ما اختلط بعظم} وهو الإلية أو المخ، {ذلك جزيناهم ببغيهم ~~وإنا لصادقون(146)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في المنجد: السحفة ms0257 جمع سحاف: وهي الشحمة التي على الظهر. ~~يقال: ناقة سحوف: ناقة ذهب شحمها، والعكس ناقة كثيرة السحائف. PageV01P390 # فإن كذبوك} فيما أوحينا إليك من هذا، {فقل: ربكم ذو رحمة واسعة} فلا ~~تغتروا [161] بإهماله، وذو رحمة واسعة لمن أطاعه، وذو بأس شديد لمن كذب ~~وكذب، لأنه قال: {ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين(147)}. # {سيقول الذين أشركوا} إخبار بما سيقولونه: {لو شاء الله ما أشركنا ولا ~~آباؤنا، ولا حرمنا من شيء} ولكن شاء، فهذا عذرنا، يعنون أن شركهم وشرك ~~آبائهم، وتحريمهم ما أحل الله بمشيئة الله، ولولا مشيئته لم يكن شيء من ~~ذلك؛ فعيرهم الله بذلك من حيث إنه لم يجبرهم بذلك، ولو ثبت الجبر لبطل ~~العقاب والثواب ولم يكن ثم اختيار، ولو كان كذلك لكان العقاب والثواب على ~~فعله لا على فعالهم، كلا، بل ليس عذر لعاصي (¬1) ، وقد قال: {كذلك (¬2) كذب ~~الذين من قبلهم} أي: كتكذيبهم إياك كان تكذيب المتقدمين رسلهم، وتشبثوا ~~بمثل هذا فلم ينفعهم ذلك، {حتى ذاقوا بأسنا} حتى ذاقوا (لعله) تحسوا الموت، ~~{قل: هل عندكم من علم} من أمر معلوم، حتى يصح الاحتجاج به فيما قلتم: إن ~~الله جبركم على فعالكم، {فتخرجوه لنا} فتظهروه وتبينوه لنا؛ {إن تتبعون إلا ~~الظن، وإن أنتم إلا تخرصون(148)} تكذبون على الله وفيه دليل على المنع ~~باتباع الظن سيما في الأصول. # {قل: فلله الحجة البالغة} عليكم بأوامره ونواهيه، ولا حجة لكم على الله ~~بمشيئته، {فلو شاء لهداكم أجمعين(149)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «بل ليس عذرا للعاصي». # (¬2) - ... في الأصل: - «كذلك»، وهو سهو. PageV01P391 # قل: هلم شهداءكم} هاتوهم، {الذين يشهدون أن الله حرم هذا}، هذا راجع إلى ~~ما تقدم من تحريمهم الأشياء على أنفسهم، ودعواهم أن الله أمرهم به، ~~والشهداء: يعني قدوتهم فيه، استحقرهم ليلزمهم الحجة، ويظهر بانقطاعهم ~~ضلالتهم، وأنه لا مستمسك لهم كمن يقلدهم، ولذلك قيل: الشهداء بالإضافة، ~~ووصفهم بما تقتضي العهدة بهم، {فإن شهدوا فلا تشهد معهم} فلا تسلم لهم ما ~~شهدوا به، ولا تصدقهم؛ لأنه إذا سلم لهم فكأنه شهد معهم بمثل شهادتهم، ms0258 وكان ~~واحدا منهم، {ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا} لأن المكذب بآيات الله ~~متبع للهوى، إذ لو يتبع الدليل لم يكن إلا مصدقا بالآيات موحدا لله، ~~{والذين لا يؤمنون بالآخرة} هم المشركون، {وهم بربهم يعدلون(150)} يجعلون ~~له عديلا. # {قل} للذين حرموا الحرث والأنعام: {تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} (لعله) ~~حقا يقينا، لا ظنا ولا كذبا كما تزعمون، {ألا تشركوا به شيئا} وهو يقتضي ~~ترك جميع المعاصي لله، وإيجاب الطاعة له، {وبالوالدين إحسانا} والدلالة على ~~ترك الإساءة في شأنهما غير كاف، بخلاف غيرهما؛ فكيف إذا لم يحسن وأساء. ~~{ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} من أجل فقر، {نحن نرزقكم وإياهم} لأن رزق ~~العبيد على مواليهم. {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها} جميع المعاصي ~~الظاهرة، {وما بطن} يعم جميع المعاصي الباطنة؛ {ولا تقتلوا النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون(151)}. # { PageV01P392 ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} وهي حفظه ~~وإصلاحه، {حتى يبلغ أشده} حتى يبلغ قواه وعقله، ويستوي رجلا كاملا حافظا ~~للمال غير أبله فيه، {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط} بالتسوية والعدل، ~~ويدخل في ذلك المعاملة بين الله والخلق، وبين الخلق في بعضهم بعض، {لا نكلف ~~نفسا إلا وسعها} إلا طاقتها أو دينها، {وإذا قلتم، فاعدلوا} فاصدقوا وهو ~~[162] يقتضي التكلم بالقول الحق ومجانبة الكذب، {ولو كان ذا قربى، وبعهد ~~الله} أي: ما عهد إليكم من ملازمة العدل وتأدية أحكام الشرع، {أوفوا، ذلكم} ~~أي: ما مر، {وصاكم به لعلكم تذكرون(152)} أي: (لعله) أمركم به لتتعظوا؛ قال ~~ابن عباس: «هذه الآيات محكمات في جميع الكتب، لم ينسخهن شيء، وهن محرمات ~~على بني آدم كلهم، وهن (لعله) أم الكتاب لأعلى من سواهم (¬1) ، من عمل بهن ~~دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار». # {وأن هذا صراطي مستقيما} أي: ماذكر من قوله: {قل: تعالوا...} هو صراطه ~~المستقيم، {فاتبعوه ولا تتبعوا السبل} الأديان المختلفة، أو الطرق التابعة ~~للهوى؛ فإن مقتضى الحجة واحد، ومقتضى الهوى متعدد (¬2) لاختلاف الطبائع ~~والعادات، {فتفرق بكم عن سبيله} عن صراطه المستقيم، ms0259 {ذلكم وصاكم به لعلكم ~~تتقون(153)} التفرق عن الحق والضلال. ذكر أولا «تعقلون» ثم «تذكرون» ثم ~~«تتقون»، لأنهم إذا عقلوا تفكروا فتذكروا، أي: اتعظوا، فاتقوا المحارم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «من سواهن»، ولعله يقصد بقوله: ~~«أعلى» أي هن أم الكتاب، وعليها يحمل المتشابه، وإلا فليس في القرآن آية ~~أعلى من آية، والله أعلم. # (¬2) - ... في الأصل: «معتدد»، وهو خطأ. PageV01P393 # ثم آتينا موسى الكتاب تماما} للكرامة والنعمة، {على الذي أحسن} على من ~~أحسن القيام به، {وتفصيلا لكل شيء} وبيانا مفصلا لكل ما يحتاجون إليه من ~~أمر دينهم ودنياهم، {وهدى} وهدى عن الضلالة، {ورحمة} من العذاب، {لعلهم ~~بلقاء ربهم يؤمنون(154)} يصدقون. # {وهذا} أي: القرآن، {كتاب أنزلناه مبارك} كثير الخير، {فاتبعوه واتقوا} ~~مخالفته، {لعلكم} لكي، {ترحمون(155)}. # {أن تقولوا} لئلا تقولوا: {إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} أهل ~~التوراة وأهل الإنجيل، {وإن كنا عن دراستهم} عن تلاوة كتبهم، ~~{لغافلين(156)} لا علم لنا بشيء من ذلك؛ والمراد إثبات الحجة عليهم بإنزال ~~القرآن على محمد - عليه السلام - ، لئلا يقولوا يوم القيامة: إن التوراة ~~والإنجيل أنزل على الطائفتين من قبلنا، وكنا غافلين عما فيها. # {أو تقولوا} أو كراهة أن تقولوا: {لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى ~~منهم} بحدة أذهاننا، وثقابة أفهامنا، وغزارة حفظنا، أي: لو أنزل علينا كما ~~أنزل على اليهود والنصارى لكنا خيرا منهم؛ {فقد جاءكم بينة من ربكم} إن ~~صدقتم فيما كنتم تعدون من أنفسكم، فقد جاءكم ما فيه البيان الساطع والبرهان ~~القاطع، {وهدى ورحمة} لمن تأمله وعمل به، {فمن أظلم ممن كذب بآيات الله} ~~بعدما عرف صدقها وصحتها، {وصدف عنها} أي: أعرض عنها، {سنجزي الذين يصدفون ~~عن آياتنا سوء العذاب} وهو النهاية في النكاية {بما كانوا يصدفون(157)} ~~بإعراضهم. # { PageV01P394 هل ينظرون} أي: أقمنا حجج الوحدانية، وثبوت الرسالة، ~~وأبطلنا ما يعتقدون من الضلالة، فما ينظرون في ترك الإيمان بعدها {إلا أن ~~تأتيهم الملائكة} لقبض أرواحهم، {أو يأتي ربك} أي: أمره، وهو العذاب، أو ~~القيامة، {أو يأتي بعض آيات ربك} أي: أشراط الساعة، {يوم يأتي ms0260 بعض آيات ~~ربك، لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل} قيل: هي المشركة التي لم ~~تؤمن، {أو كسبت في إيمانها خيرا} أي: توبة؛ قيل: النفس المنافقة إن لم تتب ~~قبل ذلك الحين، فلا تنفعها التوبة حين وقوع النزع. قال أبو سعيد في تأويل ~~هذه الآية: «فإذا جاء أمر الله للعبد بالهلاك ونزل به أمر الهلاك ببعض آيات ~~الله التي يعاين بها أمر الموت، والانتقال [163] من أمر الدنيا إلى الآخرة، ~~ذهب حكم العمل في الدنيا وحصل أمر ما هو عليه في الآخرة». ومعي أنه قيل: ~~{لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل} أنه المشرك الذي لم يكن آمن فلا ~~ينفعه إيمانه حين ذلك. {أو كسبت في إيمانها خيرا} أنه المقر بالإيمان، ~~(لعله) المصر على شيء من العصيان على صغير أو كبير لم يتب منه حتى عاين ~~آيات الله أو بعض آياته. {قل انتظروا إنا منتظرون(158)} بكم. # {إن الذين فرقوا دينهم} بددوه فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. {وكانوا شيعا} ~~فرقا، كل فرقة تشيع إمامها. {لست منهم في شيء} أي: أنت منهم بريء، وهم برآء ~~منك، يقول: إني فعلت لك كذا، ولست مني ولست منك، أي: كل واحد منا بريء من ~~صاحبه. {إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون(159)} فيجازيهم عليه. # { PageV01P395 من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} تقديره: عشر حسنات ~~أمثالها، وقد جاء الوعد بسبعين وسبعمائة (¬1) ، وبغير حساب (¬2) ، ولذلك ~~قيل: المراد بالعشر الكثرة دون التحديد. {ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا ~~مثلها} من السوء. {وهم لا يظلمون(160)} بنقص الثواب وزيادة العقاب. # {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما} لا عوج له، لأن العوج ~~ينافي الحق، لأنه كاللعب واللهو، والله لا يأمر به؛ ولا يفعله أهل الحق. ~~{ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين(161)} الشرك الخفي والجلي. ومن كان ~~كذلك كان مخلصا خالصا لله دينه وحياته ومماته، ولذلك قال: # {قل: إن صلاتي ونسكي}، قيل: النسك: الذبيحة في الحج والعمرة، وقيل: جملة ~~الحج، وقيل: جملة الدين. {ومحياي ومماتي} ms0261 وما أنا عليه في حياتي، أقيم عليه ~~وأثبت إلى أن أموت عليه من الإيمان والطاعة والخيرات المضافة إلى الممات ~~كالوصية، والتدبير والبشارة [كذا]، {لله رب العالمين(162)} خالص لوجهه، لا ~~شريك له في شيء من ذلك، أي: لا أعمل شيئا لغيره. # {وبذلك} الإخلاص {أمرت وأنا أول المسلمين(163)} لأن إسلام كل نبي متقدم ~~على أمته. # { # ¬__________ # (¬1) - ... إشارة إلى قوله تعالى: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل ~~الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء ~~والله واسع عليم}. سورة البقرة: 261. # (¬2) - ... إشارة إلى مثل قوله تعالى: {ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ~~ويزيدهم من فضله، والله يرزق من يشاء بغير حساب}. سورة النور: 38. PageV01P396 # قل: أغير الله أبغي ربا} جواب عن دعائهم له إلى عبادة أهوية أنفسهم، ~~والهمزة للإنكار، أي: منكر أطلب ربا (¬1) غيره. {وهو رب كل شيء} وكل من ~~دونه مربوب ليس في الوجود من له الربوبية غيره. {ولا تكسب كل نفس إلا ~~عليها} جواب عن قولهم: {اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم} (¬2) . {ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون(164)} ~~بتبيين الرشد من الغي، والمحق من المبطل. # {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} لأن بعض الخلق يخلف بعضا، وهكذا سنة الله ~~في خلقه، وكل من جاء من بعد من مضى يخلفه فيما يعمل، فهو خليفة له. {ورفع ~~بعضكم فوق بعض} في الشرف والرزق والعلم وغير ذلك. {درجات} لا لعبا ولا عبثا ~~ولكن {ليبلوكم فيما آتاكم} فيما أعطاكم من نعمة الجاه والمال والعلم وقوة ~~الأجسام والغرائز، فينظر كيف تشكرون تلك النعم. {إن ربك سريع العقاب} في ~~الدنيا والآخرة لمن كفر نعمته. {وإنه لغفور رحيم(165)} لمن قام بشكرها. ~~ووصف العقاب بالسرعة لأن الخذلان يحيط بالكافر حين الكفر لا قبل ولا بعد، ~~فجدير أن يحذر؛ أو لأن ما هو آت قريب، {وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو ~~هو أقرب} (¬3) . # [تم بحمد الله وحسن عونه الجزء الأول من التفسير، ويليه الجزء الثاني ~~بحول الله ويبدأ بتفسير سورة ms0262 الأعراف] # فهرس الجزء الأول # تقديم ... . # مقدمة ... . # سورة الفاتحة ... 1 # سورة البقرة ... 4 # سورة آل عمران ... 138 # سورة النساء ... 201 # سورة المائدة ... 277 # سورة الأنعام ... 328 # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «منكر أن أطلب ربا غيره»، أو ~~«منكرا طلب رب غيره». # (¬2) - ... سورة العنكبوت: 12. # (¬3) - ... سورة النحل: 77. PageV01P397 # سورة الأعراف # بسم الله الرحمن الرحيم # {المص(1) كتاب} أي: (لعله) هذا كتاب {أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه} ~~شك [164] منه، وسمي الشك حرجا لأن الشاك ضيق الصدر حرجه، كما أن المتيقن ~~منشرح الصدر منفسحه، أي: لا تشك في أنه منزل من الله، أو تقصر في القيام ~~بحقه، أو معناه الإقبال إليه والإدبار عما سواه، لقوله: {اتبعوا ما أنزل ~~إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء} (¬1) ؛ أو حرج من تبليغه، لأنه ~~(لعله) كان يخاف قومه وتكذيبهم له وإعراضهم عنه وأذاهم، فكان يضيق صدره من ~~الأذى، فأمنه الله (لعله) منه، ونهاه عن المبالاة بهم. {لتنذر به} أي: أنزل ~~إليك لإنذارك به أو بالنهي، لأنهم إذا لم يخفهم أنذرهم، وكذا إذا أيقن أنه ~~من عند الله شجعه اليقين على الإنذار، لأن صاحب اليقين جسور ومتوكل على ~~ربه. {وذكرى للمؤمنين(2)} لا لغيرهم، لأنه لهم شفاء، ولغيرهم مرض فوق مرضهم. # {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} من القرآن والسنة وحجة العقل. {ولا ~~تتبعوا من دونه} من دون الله. {أولياء} أي: لا تتولوا من دونه من شياطين ~~الإنس والجن، فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع، ومعناه: لا ~~تطيعوا أحدا في معصية الخالق. {قليلا ما تذكرون(3)} حيث تتركون دينه ~~وتتبعون غيره، ومعناه تتذكرون تذكرا قليلا، حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأعراف: 3. PageV02P001 # وكم من قرية أهلكناها} أردنا إهلاك أهلها، وأهلكناها بالخذلان. {فجاءها ~~بأسنا} أي: عذاب الموت. {بياتا أو هم قائلون(4)} كأنهم على حال غفلة البيات ~~أو القيلولة، لا يقودهم قائد، ولا يسوقهم سائق، ولا يردعهم رادع عن ذلك، ~~والمعنى أنه جاءهم الموت وهم في فيحال الأمن بعد من محيه (¬1) في ذلك الحين ~~غير متوقعين لذلك، وظاهر الآية ms0263 يعم الجماعة، وهو خاص في كل نفس جاءها أمر ~~الله وهي على حال الغفلة. # {فما كان دعواهم} (لعله) معناه: لم يقدروا على رد الموت، وكان حاصل ~~أمرهم، {إذ جاءهم بأسنا} لما جاء أول العذاب، (لعله) عذاب الموت، {إلا أن ~~قالوا إنا كنا ظالمين(5)} (لعله) ما كانوا يدعون من دينهم إلا اعترافهم ~~ببطلانه، وقوله: {إنا كنا ظالمين} فيما كانوا عليه الاعتراف (¬2) بالظلم ~~على أنفسهم حين لا ينفع الاعتراف. # {فلنسألن الذين أرسل إليهم} وهم الأمم عما أجابوا به رسلهم، أوهو من ~~التوبيخ لا سؤال استعلام، يعني يسألهم عما عملوا. {ولنسألن المرسلين(6)} ~~عما أجيبوا به. # {فلنقصن عليهم} على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم {بعلم} عالمين ~~بأحوالهم الظاهرة والباطنة. {وما كنا غائبين(7)} عنهم وعما وجد منهم، وهو ~~وعد وبشارة للرسل ومتبعيهم، ووعيد وتهدد (¬3) على من خالفهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل ولعل الصواب: «وهم في حال الأمن من بعد مجيئه». # (¬2) - ... كذا في الأصل، وفي العبارة خلل في التركيب، ولعل صواب ~~العبارة: «فما كان منهم إلا الاعتراف بالظلم على أنفسهم حين لا ينفع ~~الاعتراف». # (¬3) - ... التهدد والتهديد بمعنى واحد، انظر: 1/60 من هذا التفسير. وقد ~~كتب الناسخ هكذا: «تهديد د». PageV02P002 # والوزن} أي: وزن الأعمال بالتمييز بين الثقيل والخفيف، {يومئذ الحق} ~~والقضاء يومئذ العدل، وهو عبارة عن القضاء السوي والحكم العدل. {فمن ثقلت ~~موازينه} أي: غفرت سيئاته وتقبلت حسناته. {فأولئك هم المفلحون(8)} الناجون. # {ومن خفت موازينه} بإحباط حسناته وإثبات سيئاته {فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم} حيث قصروا عن تكميلها وتزكيتها؛ {بما كانوا بآياتنا يظلمون(9)} ~~يجحدون، والظلم بها: وضعها غير موضعها إلى (¬1) جحودها وترك الانقياد منها لربها. # {ولقد مكناكم في الأرض} أقدرناكم على التصرف فيها، {وجعلنا [165] لكم ~~فيها معايش} ما يعاش به من المطاعم والمشارب. {قليلا ما تشكرون(10)} أي: ~~قليل منكم الشاكر، أو تشكرون شكرا قليلا غير خالص ولا نافع. # {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} لعبادتنا، {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} ~~قدموا أمره، وعظموا شأنه، واعرفوا قدره، وانقادوا له، وأذعنوا له وأئتموا ~~به. {فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين(11)} ms0264 انظر ما جرى منه وجرى عليه ~~بعدما عبد غير الله!. # {قال ما منعك ألا تسجد} أي: شيء منعك من السجود {إذ أمرتك، قال أنا خير ~~منه} كأنه قال: إني خير منه ولا يحسن للفاضل أن يسجد للمفضول، وأما ~~الملائكة تواضعت لآدم عن الاستكبار انقيادا لأمر الله، ولم تقل كما قال ~~إبليس اللعين {قال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين(12)} تعليل ~~لفضله عليه، وقد غلط في ذلك بأن رأى الفضل كله باعتبار العنصر، وغفل عما ~~يكون باعتبار الفاعل، وكان في الاعتبار فضل آدم على إبليس قبل استكباره، من ~~حيث أنه أمر أن يسجد له تفضيلا عليه بأحوال يعلمها الله فيه، فحسده لذلك، ~~فلما أن قطع اللعين بالخيرة لنفسه، فكأنه في المعنى جهل الله، وجعل نفسه ~~عالما، لقوله: «أنا خير منه». # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «آل إلى جحودها». PageV02P003 # قال فاهبط منها} من السماء فيما قيل، لأنها لم تخلق مستقرا للعصاة، بدليل ~~قوله: {فما يكون لك أن تتكبر فيها} وتعصي، {فاخرج إنك من الصاغرين(13)} من ~~أهل الصغار والهوان على الله وعلى أوليائه. # {قال أنظرني إلى يوم يبعثون(14)} أمهلني إلى يوم البعث وهو وقت النفخة ~~الأخيرة. {قال إنك من المنظرين(15)} إلى النفخة الأولى، وإنما أجيب إلى ذلك ~~لما فيه من الابتلاء عليه وعلى غيره ما دام وقت التعبد باقيا، فإذا انقضى ~~وقت التعبد حل وقت الجزاء. # {قال فبما أغويتني} أضللتني، تقديره: فبسبب إغوائك أقسم {لأقعدن لهم ~~صراطك (¬1) المستقيم(16)} لأتعرضن لهم على طريق الإسلام، مترصدا للرد، ~~متعرضا للصد، كما يعترض العدو على الطريق، ليقطعه على السابلة في خفية من ~~المقطوع له. # {ثم لآتينهم من بين أيديهم} أشككهم في الآخرة، {ومن خلفهم (¬2) وعن ~~أيمانهم} من قبل الحسنات أنها مقبولة مع التخليط، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا ~~(¬3) . {وعن شمائلهم} من قبل السيئات أنها مغفورة لهم وإن أصروا، ويحتمل أن ~~يقال: «من بين أيديهم»: من حيث يعلمون، على معنى التجاهل، و«من خلفهم»: من ~~حيث لا يعلمون، فيقع بهم من قبل الجهل وقلة العلم. {ولا ms0265 تجد أكثرهم ~~شاكرين(17)} مؤمنين. قاله ظنا فأجاب، لقوله: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه} (¬4) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «صراط المستقيم». وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: - {ومن خلفهم}، وهو سهو. # (¬3) - ... اقتباس من الآية الكريمة: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا؟ ~~الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا}. سورة ~~الكهف: 103-104. # (¬4) - ... سورة سبأ: 20. PageV02P004 # قال اخرج منها مذءوما} معيبا مخذولا، {مدحورا} مطرودا مبعدا من رحمة ~~الله. {لمن تبعك منهم} فيما آتاهم فيه من معصية أو معاصي، لقوله: {لآتينهم ~~من بين أيديهم...} إلى تمامها. {لأملأن جهنم} لأني ما خلقتها عبثا. {منكم} ~~منك ومنهم، {أجمعين(18)}. # {ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} اتخذاها مسكنا، {فكلا} منها {من حيث ~~شئتما ولا تقربا هذه الشجرة} الشهوانية، {فتكونا من الظالمين(19)} فتصير[ا] ~~من الذين ظلموا أنفسهم فتجرمهلمااعدلها (¬1) على الطاعة. # {فوسوس لهما الشيطان} وسوس إذا تكلم كلاما خفيا يكرره، وقيل: الوسوسة ~~حديث النفس يلقيه الشيطان في قلب ابن آدم، {ليبدي لهما} أي: ليظهر لهما ما ~~غطي وستر عنهما، [166] {ما ووري (¬2) عنهما من سوآتهما} من عوراتهما، وفيه ~~دليل على أن كشف العورة (¬3) من عظائم الأمور، وأنه كان مستقبحا في الطباع ~~والعقول، وليس شيء أشد من عورة الكفر، ثم بين الوسوسة فقال: {وقال ما ~~نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين} على صورة ملك من جنس من ~~الملائكة، وهو حجة لمن قال: إن الملائكة أفضل من المؤمنين من بني آدم. {أو ~~تكونا من الخالدين(20)} من الذين لا يموتون، ويبقون في الجنة ساكنين لا ~~يفارقونها أمنا من الفناء. # {وقاسمهما} أقسم لهما، {إني لكما لمن الناصحين(21)} والناصح ضد الغرور. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «فنحرمهما مما أعد لهما على ~~الطاعة». # (¬2) - ... في الأصل: «ما أوري». وهو خطأ. # (¬3) - ... في الأصل توجد عبارة: «من الملائكة» فوق السطر، ولا ندري أين ~~محلها من النص. PageV02P005 # فدلاهما بغرور} (لعله) من تدلية الدلو، وهو إرسالها (¬1) في البئر، أي: ~~يزلهما إلى الأكل من الشجرة، بما غرهما به من القسم بالله، وإنما يخدع ~~المؤمن بالله. وعن ابن عمر: «من خدعنا بالله ms0266 انخدعنا له». {فلما ذاقا ~~الشجرة} وجدا طعمها، آخذين في الأكل منها، {بدت لهما سوآتهما} بانحلال ~~الكسوة عنهما، فانظر لما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما لم تتأخر بدوها ولم ~~تتقدم (¬2) ، لأنه لا يكون طائعا عاصيا في حال أبدا، ولأن الله سريع ~~العقاب؛ واحذر من مقارفة الطغيان عن أن ينسلخ منك لباس التقوى، لتبدو منك ~~عورات الكفر لمن يعلم منك ذلك، فتكون في الظاهر عند العميان عن الدين كأنك ~~مستتر، وعند الله وعند ملائكته وكتبه ورسله وجميع خلقه (لعله) لمحقين (¬3) ~~مكشوف العورة منسلخ اللباس وهو لباس التقوى. {وطفقا} وجعلا، {يخصفان} ~~يغلفان {عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما: ألم أنهكما عن تلكما الشجرة} ~~هذا عتاب من الله وتنبيه على الخطإ. وروي أنه قال لآدم: «ألم يكن لك فيما ~~منحتك من شجر الجنة مندوحة عن هذه الشجرة؟»، فقال: «بلى». {وأقل لكما إن ~~الشيطان لكما عدو مبين(22)}: ظاهر العداوة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الدلو تذكر وتؤنث، «والتأنيث أعلى وأكثر، والجمع أدل في أقل ~~العدد... والكثير دلاء ودلي». ابن منظور: لسان العرب، 2/1008، مادة «دلو». # (¬2) - ... كذا في الأصل، والصواب: «لم يتأخر بدوها ولم يتقدم» بالتذكير. # (¬3) - ... «(لعله)» كتبت فوق كلمة «لمحقين»، وهذه الكلمة فعلا غامضة في ~~هذا السياق، ولعل الصواب: «المحقين». PageV02P006 # قالا ربنا ظلمنا أنفسنا} حقها. {وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين(23)} الدنيا والآخرة. {قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو} أي: متعادين، ~~يعاديهما ويعاديانه إن استقاما. {ولكم في الأرض مستقر} موضع استقرار، ~~{ومتاع} وانتفاع بعيش، {إلى حين(24)} إلى انقضاء آجالكم. {قال فيها تحيون ~~وفيها تموتون ومنها تخرجون(25)} للجزاء. # {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا} أي: خلقناه لكم بتدبيرات متفاوتة ~~وأسباب نازلة، ونظيره: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} (¬1) . {يواري ~~سوآتكم} يستر عوراتكم التي قصد الشيطان إبداءها، {وريشا} لباس الزينة، ~~استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته، وقيل: هو المال، {ولباس التقوى} ~~لباس الورع الذي يستر عورة الكفر، ويقي جميع المكروهات في الدنيا والآخرة، ~~وقيل: لباس التقوى هو السمت الحسن. {ذلك خير} المعنى: لباس التقوى خير ~~لصاحبه إذا استعمله مما ms0267 خلق له من اللباس والتجمل الطاهر. {ذلك من آيات ~~الله} الدالة على فضله ورحمته على عباده، يعني إنزال اللباس. {لعلهم ~~يذكرون(26)} فيعرفوا عظم المنعمه فبه (¬2) . وهذه الآية واردة على سبيل ~~الاستطراد عقب ذكر بدو السوآت، وخصف الورق عليها، إظهارا للمنة فيما خلق من ~~اللباس، ولما في العري من الفضيحة، وإشعارا بأن التستر من التقوى خير ~~لصاحبه، لأنه إذا تستر بالتقوى تستر باللباس، وإن لم يتستر [167] به لم ~~يستره لباسه، وبدت سوآته. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الحديد: 25. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «المنعم به»، أو «النعمة فيه»، ~~أي: النعمة التي في اللباس. PageV02P007 # يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة} لا يخدعنكم ولا ~~يضلنكم عن دخول الجنة كما فتن أبويكم بأن أخرجهما منها، وحرمهما ما أبيح ~~لهما بسبب مخالفتهما، وفيه إيجاب الاعتبار بهما وبمن مضى. {ينزع عنهما ~~لباسهما} أي: لا تتبعوه فيفتنكم، {ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله} ~~أي: يرى أحوال قلوبكم على ما هي عليه من إيمان أوكفر، و«قبيله»: مثله، ~~بمعنى المقابلة في المعنى والخفية والوسوسة والمعصية والعداوة والطبع ~~للتزين، والله المستعان. {من حيث لا ترونهم} حسا ولا صورة، ولكنهم يرون ~~بالمعنى الباطن إذا دعوا إلى شيء من الباطل، ولا تظنن أنهم يفارقون قلبك ما ~~دامت روحك في جسدك، وأنهم يوسوسون الليل والنهار لا يفترون ولا يسأمون ولا ~~ييأسون، إلا إذا كنت نائما، فاستعذ بالله منهم. {إنا جعلنا الشياطين أولياء ~~للذين لا يؤمنون(27)} بما أوجدنا بينهم من التناسب، أو بإرسالهم عليهم، ~~وتمكينهم من خذلانهم، وحملهم على ما سولوا لهم. # {وإذا فعلوا فاحشة} ما يتبالغ في قبحه من الذنوب، {قالوا وجدنا عليها ~~آباءنا والله أمرنا بها} أي: إذا فعلوها كان اعتذارهم بأن آباءهم كانوا ~~يفعلونها، فاقتدوا بهم، وأن الله أمرهم بأن يفعلوها حيث قالوا: {لو (¬1) ~~شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء} (¬2) ، وكل ذلك من أمر ~~الشيطان من حيث لا يعلمون. {قل إن الله لا يأمر بالفحشاء} لأن الله تعالى ~~لا يامر إلا بالحسن، وإن كان هو ms0268 على مراتب على ما عرف في أصول الفقه؛ ~~والمراد بالفاحشة ما يأباه العقل والشرع، وينفر عنه الطبع، ويستنقصه العقل. ~~والقسط: العدل، وهو الوسط من كل أمر، المتجافي عن طرفي الإفراط والتفريط. ~~{أتقولون على الله ما لا تعلمون(28)}؟! استفهام إنكار وتوبيخ. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «ولو». وهو خطأ. # (¬2) - ... سورة الأنعام: 148. PageV02P008 # قل: أمر ربي بالقسط} وهو ضد الفحشاء، {وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} وقل: ~~أقيموا وجوهكم، أي: قوموا أنفسكم في عبادته، مستقيمين إليها غير مائلين ~~عنها إلى شيء من الأديان، في كل وقت سجود، أو في كل مكان سجود، {وادعوه} ~~واعبدوه، {مخلصين له الدين} أي: الطاعة مبتغين بها وجهه خالصا. {كما بدأكم ~~تعودون(29)} كما أنشأكم ابتداء للعبادة يعيدكم فيجازيكم على أعمالكم، ~~فأخلصوا له العبادة. # {فريقا هدى} أي: هداهم الله، {وفريقا حق} وجب، {عليهم الضلالة} عن طريق ~~السلامة بإرادته السابقة. {إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله} بسبب ~~اتخاذهم الشياطين أولياء من دونه، {ويحسبون أنهم مهتدون(30)} بما خيل لهم ~~الشيطان، ولم يتبعوا في دينهم الكتاب والسنة والإجماع، بل بنوا دينهم على ~~أصل الهوى. # { PageV02P009 يا بني آدم خذوا زينتكم} لباس زينتكم، {عند كل مسجد} كما ~~(¬1) صليتم، {وكلوا واشربوا} على معنى الإباحة؛ {ولا تسرفوا} بالشروع في ~~الحرام، أو في مجاوزة الشبع. {إنه لا يحب المسرفين(31)}. عن ابن عباس: «كل ~~والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة». وكان للرشيد طبيب حاذق... ~~(¬2) فقال لعلي: «ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان: علم ~~الأبدان وعلم الأديان» فقال له علي: «قد جمع الله الطب كله في نصف آية من ~~[168] كتابه، وهو قوله: {وكلوا (¬3) واشربوا ولا تسرفوا}»، فقال النصراني: ~~«ولم يرد من رسولكم شيء من الطب»، فقال: «قد جمع رسولنا الطب في ألفاظ ~~يسيرة، وهو قوله: “المعدة بيت الداء، والحمية راس كل دواء، وأعط كل بدن ما ~~عودته” (¬4) ». فقال النصراني: «ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا». # {قل من حرم زينة الله} من النبات وكل ما يتجمل به، {التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق} التي أجلها الله، {قل ms0269 هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا} ~~غير خالصة لهم، لأن المشركين شركاؤهم فيها، وهم لا يؤجرون بها في الآخرة، ~~لأنهم لم يريدوا بها وجهه، {خالصة يوم القيامة} للمؤمنين في الدنيا بالتمتع ~~بها، وفي الآخرة بالثواب عليها، لأنهم أرادوا بها وجه الله. {كذلك نفصل ~~الآيات} بتمييز المنتفع والمتمتع، {لقوم يعلمون(32)} بتعلمهم ذلك. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «كلما». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ويبدو أن في العبارة سقطا فالسياق يوهم أن ~~الحوار دار بين طبيب الرشيد وعلي، وشتان بين عصري الشخصيتين، ولعله يقصد ~~بعلي غير علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. # (¬3) - ... في الأصل: «فكلوا». وهو خطأ. # (¬4) - ... لم نعثر عليه في الربيع ولا في الكتب التسعة ولا في الجامع ~~الصغير وزياداته. PageV02P010 # قل إنما حرم ربي الفواحش} ما تفاحش قبحه، أي: تزايد (¬1) ، وهو جميع ما ~~أمر به الشيطان. {ما ظهر منها} ما عملته الجوارح، {وما بطن} ما أسرته ~~القلوب، {والإثم} كل ذنب، {والبغي} والظلم والكبر، {بغير الحق، وأن تشركوا ~~بالله} من أي: الشرك كان، {ما لم ينزل به سلطانا} حجة، {وأن تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون(33)} وأن تتقولوا عليه وتفتروا الكذب. # {ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون(34)} قيل: ~~بساعة لأنها أقل ما يستعمل في الإمهال. # {يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي} يقرأون عليكم كتبي، ~~{فمن اتقى} الشرك {وأصلح} العمل {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون(35)}. # {والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها} تعظموا عن الإيمان بها، {أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون(36) فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب ~~بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب} ما كتب لهم من الأرزاق والآجال ~~والنعمة وضدها. {حتى إذا جاءتهم رسلنا} «حتى»: غاية لنيلهم نصيبهم، ~~واشتهائهم إياه، أي: إلى وقت وفاتهم، {يتوفونهم} ملك الموت وأعوانه. ~~{قالوا} أي: قالت الملائكة لهم، {أين ما كنتم تدعون} أي: أين الآلهة التي ~~تعبدونها، {من دون الله} ليذبوا عنكم؟ {قالوا ضلوا عنا} غابوا عنا فلا ~~ينفعونا. {وشهدوا على أنفسهم} اعترفوا عند معاينة ms0270 العذاب، {أنهم كانوا ~~كافرين(37)} اعترفوا بكفرهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «تزاند»، وهو خطأ. PageV02P011 # قال}: أي: قال الله للكفار يوم القيامة، {ادخلوا في أمم} أي: كائنين في ~~جملة أمم وفي غمارهم مصاحبين لهم، والمعنى: ادخلوا في النار مع أمم، {قد ~~خلت من قبلكم} وتقدم زمانهم زمانكم {قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في ~~النار كلما دخلت أمة لعنت أختها} شكلها في الدين، أي: التي ضلت بالاقتداء ~~بها لأنها (¬1) لا تتابعها إلا إذا كانت مثلها، كما قال: {تشابهت قلوبهم} ~~(¬2) . {حتى إذا اداركوا فيها} أصله: “تداركوا” أي: تلاحقوا، لحق آخرهم ~~أولهم، واجتمعوا في النار، {جميعا قالت أخراهم} منزلة، وهم الأتباع ~~والسفلة، {لأولاهم} منزلة، وهم القادة والرؤوس، {ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم ~~عذابا ضعفا} مضاعفا، نسبوا (¬3) لنا الضلال فاقتدينا بهم فآتهم عذابا ضعفا، ~~لأنهم ضلوا وأضلوا، وفيه إشعار بشدة عذاب المتبعين (¬4) حتى ظنوا أنه ليس ~~أحد بأشد عذابا منهم، فلذلك دعوا الله أن يزيد الذين أضلوهم ضعف عذابهم ~~بإضلالهم لهم سخطا عليهم. {من النار، قال لكل ضعف} للقادة بالغواية ~~والإغواء، وللأتباع [169] بالكفر {ولكن لا تعلمون(38)} أي: لا تعلمون ~~[أيها] الأتباع ما للمتبوعين من تضعيف العذاب عن أن تكون لهم راحة، لأنهم ~~إذا رأوا أحدا أشد عذابا منهم كأنهم استروحوا، وكان ذلك نعمة في حقهم، ~~والنعمة محرمة عليهم، والله أعلم بتأويل كتابه. # {وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل} أي: قد ثبت أن لا فضل ~~لكم علينا، وإنا متساوون في استحقاق الضعف، {فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكسبون(39)} بكسبكم وكفركم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... عند هذه الكلمة أحال الناسخ إلى الهامش وكتب: «لعله». ولم ~~يتبين ما محلها من النص. # (¬2) - ... سورة البقرة: 118. # (¬3) - ... في الأصل: «نسبنوا»، وهو خطأ. # (¬4) - ... الكلمة غير واضحة في الأصل، رسمها: «المطبغين». وأثبتناها ~~حسبما يقتضيه السياق. PageV02P012 # إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها} عن الإيمان بها، {لا تفتح لهم ~~أبواب السماء} لقبول دعائهم وأعمالهم كما تفتح لأعمال المؤمنين، أو لا يفتح ~~لهم فتوح رحمة لأنهم عن الرحمة مبعدون، وفي العذاب (لعله) هم خالدون. {ولا ~~يدخلون الجنة حتى يلج ms0271 الجمل في سم الخياط} حتى يدخل البعير في ثقب الإبرة، ~~{وكذلك} (¬1) : ومثل ذلك الجزاء الفظيع (¬2) الذي وصفنا، {نجزي ~~المجرمين(40)} أي: الكافرين المباشرين للجرائم. # {لهم من جهنم مهاد} فراش، {ومن فوقهم غواش} أغطية، يعني ما غشاهم وغطاهم، ~~يعني إحاطة النار بهم من كل جانب، جمع غاشية. {وكذلك نجزي الظالمين(41)} ~~أنفسهم بالكفر. # {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها} طاقتها، والتكليف ~~إلزام ما فيه كلفة، أي: مشقة. {أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون(42)}. # { ونزعنا ما في صدورهم من غل} حقد كان في الدنيا، وهو الطبيعي، فلم يبق ~~بينهم إلا التوادد والتعاطف. {تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي ~~هدانا} لما هو وسيلة إلى هذا الفوز العظيم، وهو الإيمان. {لهذا وما كنا ~~لنهتدي لولا أن هدانا الله} أي: وما كان يصح أن نكون مهتدين لولا هداية ~~الله. {لقد جاءت رسل ربنا بالحق} وكان لنا لطفا وتنبيها على الاهتداء؛ ~~يقولون ذلك سرورا بما نالوا، وإظهارا لما اعتقدوا. {ونودوا أن تلكم الجنة} ~~إذا رأوها من مكان بعيد، أو بعد دخولها، {أورثتموها} أعطيتموها بسبب ~~أعمالكم. {بما كنتم تعملون(43)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «ولذلك». وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «الفضيع»، بالضاد، وهو خطأ. PageV02P013 # ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ~~ما وعد ربكم حقا} تقديره: وعدكم ربكم، وإنما قالوا لهم ذلك شماتة بأصحاب ~~النار، واعترافا بنعم الله. {قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على ~~الظالمين(44) الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا} يطلبون لها الاعوجاج ~~والتناقض. {وهم بالآخرة كافرون(45)}. # {وبينهما حجاب} قيل: هو السور المذكور في قوله: {فضرب بينهم بسور} (¬1) . ~~{وعلى الأعراف} وعلى ذلك السور، {رجال} قيل: هم أصحاب اليمين من أهل الجنة، ~~وبعض من المسلمين وقف عن القطع فيهم لإبهام أمرهم، وقيل: من آخرهم دخولا في ~~الجنة وهم الضعفاء من المؤمنين. {يعرفون كلا بسيماهم} بعلامتهم. {ونادوا ~~أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون(46)} في دخلوها. # {وإذا صرفت أبصارهم} وفيه دليل أن صارفا يصرف أبصارهم ms0272 لينظروا فيستعيذوا. ~~{تلقاء} أي: ناحية، {أصحاب النار} ورأوا ما هم فيه من العذاب، {قالوا ربنا ~~لا تجعلنا مع القوم الظالمين(47)} فاستعاذوا بالله وفزعوا إلى رحمته أن لا ~~يجعلهم معهم، وكذلك ينبغي للمؤمن إذا رأى أحدا في الدنيا يعمل بغير رضى ~~الله أن يستعيذ بالله من (¬2) عمله، ويسأله النجاة من عمله، [170] كما قالت ~~امرأة فرعون: {رب ابن لي عندك بيتا في الجنة، ونجني من فرعون وعمله ونجني ~~من القوم الظالمين} (¬3) . # {ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم} من رؤساء الكفرة، {قالوا ~~ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون(48)} وهو كذلك لا يغني عن أهل النار ~~مال ولا جمع. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الحديد: 13. # (¬2) - ... في الأصل: + «من». # (¬3) - ... سورة التحريم: 11. في الأصل: «رب نجني من فرعون...» وهو خطأ. PageV02P014 # أهؤلاء الذين أقسمتم} حلفتم في الدنيا، والمشار إليهم فقراء المؤمنين ~~الذين سخروا منهم في الدنيا واستهزأوا بهم. {لا ينالهم الله برحمة} في ~~الدارين لتنكير الرحمة، لأن العاصي بمعزل من الرحمة في الدارين، وذلك لأنهم ~~يحتقرونهم لفقرهم وخمولهم وعزلتهم (¬1) ، قال الله: {وإذا رأوهم قالوا إن ~~هؤلاء لضالون} (¬2) ، أي: كان أهل الضلال في الدنيا يستهزئون بهم (¬3) ~~بالمسلمين، ويحلفون: لا ينالهم الله برحمة، و... (¬4) الضلال في دينهم ~~وفعالهم. {ادخلوا الجنة} وذلك بعد أن نظروا إلى الفريقين وعرفوهم بسيماهم ~~وقالوا ما قالوا. {لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون(49)}. # { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم ~~الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين(50) الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا ~~وغرتهم الحياة الدنيا} الذين اغتروا بما خولوا. {فاليوم ننساهم} نتركهم في ~~العذاب ترك المنسي كما تركناهم في الدنيا، {كما نسوا لقاء يومهم هذا} ~~(لعله) ولم يذكروه. {وما كانوا بآياتنا يجحدون(51)} أي: كنسيانهم وجحودهم، ~~والجاحد ضد المقر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لا ينبغي أن نفهم من هذا أن الخمول والعزلة السلبية من صفات ~~المؤمن، بل عليه أن يسعى ويكد لتمكين دين الله في الأرض بكل الوسائل ~~المشروعة، وهذا من باب قوله تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ~~الخيل} (سورة الأنفال: ms0273 60). # (¬2) - ... سورة المطففين: 32. # (¬3) - ... كذا في الأصل، والصواب حذف «بهم». # (¬4) - ... كلمة غير واضحة، رسمها: «ويبجلونهم»، ولا معنى لها في هذا ~~السياق. PageV02P015 # ولقد جئناهم بكتاب فصلناه} ميزنا حلاله من حرامه ومواعظه ومن (¬1) قصصه، ~~{على علم} عالمين بكيفية تفصيل أحكامه. {هدى ورحمة} أي: جعلنا القرآن هاديا ~~وذا رحمة، {لقوم يؤمنون(52)} لأنهم هم المنتفعون به دون من سواهم. # {هل ينظرون} ينتظرون، {إلا تأويله} إلا عاقبة أمره، وما يؤول إليه من ~~تبيين صحة صدقه، وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد، ومعناه: هل ينظرون ~~إلا ما يؤول إليه أمرهم من العذاب، وقيل: هل ينظرون إلا بيانه ومعانيه ~~وتفسيره، {يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل} تركوه وأعرضوا عنه، {قد ~~جاءت رسل ربنا بالحق} إقرارا منهم بصحة ما جاءت به رسل ربهم، وأنه (¬2) على ~~الحق، فأقروا حين لا ينفعهم الإقرار، {فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد ~~فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم} أهلكوها بالعذاب، {وضل عنهم} بطل ~~{ما كانوا يفترون(53)} ما كانوا يعبدونه من الأصنام. # {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى} (لعله) ~~استولى، {على العرش}، قيل عن بعض العلماء أنه قال في هذه الآيات التي جاءت ~~في الصفات المتشابهة: «أقروها كما جاءت بلا كيف». {يغشي} يغطي، {الليل ~~النهار يطلبه حثيثا} سريعا، {والشمس والقمر والنجوم} أي: وخلق الشمس والقمر ~~والنجوم {مسخرات} أي: خلق هذه الأشياء مذللات، منافع للمتعبدين {بأمره؛ ألا ~~له الخلق والأمر} لأنه خلق الخلق، وله الأمر، يأمر في خلقه ما يشاء. {تبارك ~~الله} كثر خيره، أو دام بره، من البركة: وهي النماء، أو من البروك: الثبات، ~~ومنه البركة: الحوض، أو تعالى الله: أي: نعظم {رب العالمين(54)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب حذف «من» أو حذف واو العطف. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «وأنهم». PageV02P016 # ادعوا ربكم تضرعا وخفية} التضرع: “تفعل” من الضراعة، وهي الذل، أي: تذللا ~~وتملقا. قال أبو عثمان: «التضرع في الدعاء: أن تقدم إليه افتقارك وعجزك ~~وضروراتك، وقلة حيلتك». قال الواسطي: «التضرع: ms0274 بذل العبودية، وخلع ~~الاستطالة». {إنه لا يحب المعتدين(55)} المجاوزين ما أمروا به في كل شيء من ~~الدعاء وغيره. # {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} أي: خلقت صالحة للصالحين غير ناقصة ~~[171] فتحتاج إلى الزيادة، ولا فاسدة فتحتاج إلى الإصلاح، بل آلة للمطيعين، ~~فلا تفسدوا فيها بمعصية بعد الطاعة، أو بشرك بعد توحيد، أو بكفر بعد إيمان. ~~{وادعوه خوفا وطمعا} أي: خائفين من الرد، طامعين في الإجابة. {إن رحمة الله ~~قريب من المحسنين(56)} لمن تقرب منها بالإحسان، لأنها لا تنال إلا به. # {وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته} أمام نعمته، وهو الغيث الذي ~~هو من أجل النعم، {حتى إذا أقلت} حملت ورفعت {سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت} ~~لأجل بلد قل ماؤه أو ذهب؛ {فأنزلنا به الماء، فأخرجنا به من كل الثمرات؛ ~~كذلك} أي: مثل ذلك الإخراج، وهو إخراج الثمرات بعد موتها {لعلكم تذكرون}، ~~فيؤديكم التذكر إلى أنه لا فرق بين الإخراجين، إذ لكل واحد منهما إعادة ~~(لعله) للشيء بعد إنشائه؛ {نخرج الموتى لعلكم تذكرون(57)} فيؤديكم التذكر ~~إلى الإيمان بالبعث؛ إذ لا فرق بين الإخراجين، لأن كل واحد منهما إعادة ~~الشيء بعد إنشائه (¬1) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، وفيه تكرار لنفس الكلام ونفس المعنى كما هو واضح. PageV02P017 # والبلد الطيب} الأرض الطيبة الترب (¬1) ، {يخرج نباته بإذن ربه} بتيسيره، ~~{والذي خبث} أي: والبلد الخبيث، {لا يخرج} أي: نباته، {إلا نكدا} [النكد:] ~~الذي لا خير فيه؛ وهذا مثل لقلب المؤمن لمن ينجع فيه الوعظ، ولمن لا يؤثر ~~فيه شيء من ذلك، وهو الكافر. {كذلك} مثل ذلك التصريف، {نصرف الآيات} نرددها ~~ونكررها، وقيل: نبينها، {لقوم يشكرون(58)} نعمة الله، وهم المؤمنون، ~~ليفكروا فيها، ويعتبروا بها. # {لقد أرسلنا نوحا إلى قومه، فقال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره} أي: ما لكم من إله غيره فتعبدوه. {إني أخاف عليكم عذاب يوم ~~عظيم(59)}. # {قال الملأ} أي: الأشراف والسادة، لأنهم يملأون العيون رواء والقلوب ~~مهابة. {من قومه: إنا لنراك في ضلال مبين(60)} في ذهاب عن طريق الصواب ~~الذين ms0275 (¬2) سلكوه واعتقدوه، ومعناه خطأ وزوال عن الحق، «مبين»: بين. # {قال يا قوم ليس بي ضلالة} في ديني، ولم يقل: ضلال، كما قالوا لأن ~~الضلالة أخص من الضلال، فكانت أبلغ في نفي الضلال عن نفسه، كأنه قال: ليس ~~بي شيء من الضلال، ثم استدرك لتأكيد نفي الضلال فقال: {ولكني رسول من رب ~~العالمين(61)} لأن كونه رسولا من الله مبلغا لرسالاته في معنى كونه على ~~الصراط المستقيم، وكان في الغاية القصوى من الهدى. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل بفتح الباء، ولعل الأصوب: «التراب»، أو ~~«التربة». # (¬2) - ... في الأصل شطب على «الذي»، وكتب «الذين»، والصواب ما شطب عليه. PageV02P018 # أبلغكم رسالات ربي} ما أوحي إلي في الأوقات المتطاولة (¬1) ، أو في ~~المعاني المختلفة من الأوامر والنواهي والمواعظ والبشائر والنواذر. {وأنصح ~~لكم} وأقصد صلاحكم بإخلاص، وحقيقة النصح إرادة الخير لغيرك مما تريده ~~لنفسك، أو النهاية في صدق العناية. {وأعلم من الله ما لا تعلمون(62)} أي: ~~من صفاته، يعني: قدرته الباهرة، وشدة بطشه على أعدائه. # {أوعجبتم} الهمزة للإنكار، والواو للعطف، والمعطوف عليه محذوف، كأنه قيل: ~~أكذبتم وعجبتم، {أن جاءكم ذكر} موعظة {من ربكم على رجل منكم} على لسان رجل ~~منكم، وذلك أنهم كانوا يتعجبون من نبوة نوح، ويقولون: {ما سمعنا بهذا في ~~آبائنا الأولين} (¬2) يعنون إرسال البشر، {ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة} (¬3) ~~. {لينذركم} ليحذركم عاقبة الكفر إن لم تؤمنوا. {ولتتقوا} ولتسلكوا سبيل ~~التقوى، وهي [172] الخشية بسبب الإنذار، {ولعلكم ترحمون(63)} ولترحموا ~~بالتقوى إن وجدت منكم. # {فكذبوه} فنسبوه إلى الكذب، {فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين ~~كذبوا بآياتنا، إنهم كانوا قوما عمين(64)} عن الحق، يقال: “أعمى” في البصر، ~~و“عم” في البصيرة، عميت قلوبهم عن معرفة الحقائق. # {وإلى عاد أخاهم} واحدا منهم، لأنهم إذا كان عن رجل منهم أفهم، فكانت ~~الحجة عليهم ألزم؛ {هودا، قال: يا قوم اعبدوا الله، ما لكم من إله غيره ~~أفلا تتقون(65)} أفلا تخافون فتتقون نقمته. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الحاشية + «المتطاولة». # (¬2) - ... سورة المؤمنون: 24. # (¬3) - ... سورة المؤمنون: 24. وكان الأولى للمصنف أن يبدأ في إيراد هذه ~~الآية بما بدأ الله به، ms0276 فالمقطع الثاني سابق على الأول. PageV02P019 # قال الملأ الذين كفروا من قومه: إنا لنراك في سفاهة} في خفة حلم وسخافة ~~عقل وحمق وجهالة، حيث تهجر دين قومك إلى دين آخر لا نعرفه. {وإنا لنظنك من ~~الكاذبين(66)} في ادعائك الرسالة. # {قال يا قوم ليس بي سفاهة} في ديني {ولكني رسول من رب العالمين(67)} ~~والسفاهة في الدين تنافي الرسالة بالدين. # {أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين(68)} ناصح أدعوكم إلى التوبة، ~~أمين على الرسالة؛ ففي إجابة الأنبياء عليهم السلام من نسبهم إلى الضلال ~~والسفاهة بما أجابوهم به من الكلام الصادر عن الحلم والإغضاء وترك ~~المقابلة بما قالوا لهم مع علمهم بأن خصومهم أضل الناس وأسفههم أدب حسن، ~~وخلق عظيم، وإخبار الله تعالى ذلك تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء، وكيف ~~يغضون ويسبلون أذيالهم على ما يكون منهم فيه هضم النفس، وحسن المجادلة ~~بالتي هي أحسن، وهكذا ينبغي لكل ناصح، وفي قوله: {وأنا لكم ناصح أمين} ~~تنبيه على أنهم عرفوا بالأمرين. # {أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم ~~خلفاء من بعد قوم نوح} أي: خلفتموهم في الأرض أو في مساكنهم، تحذير وتذكير ~~لهم عن أن يستخلف من بعدهم قوم آخرون إن عصوا، كما استخلفوا هم من بعد قوم ~~عصاة ماضين. {وزادكم في الخلق بسطة} طولا، قيل: كان أقصرهم ستين ذراعا، ~~وأطولهم مائة ذراع. {فاذكروا آلاء الله} في استخلافكم وبسطه أجرامكم، وما ~~سواهما من عطاياه (لعله) واحد (¬1) ؛ وآلاء الله: نعمه، وواحدها: ألاء ~~وإلى، مثل: معا وأمعاء، ونظيرها: آناء الليل واحدها أناء وإنى. {لعلكم ~~تفلحون(69)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: + «و». PageV02P020 # قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا} أنكروا واستبعدوا ~~اختصاص الله وحده بالعبادة وترك دين الآباء في اتخاذ الأصنام شركاء معه حبا ~~لما نشأوا عليه وما ألفته نفوسهم. {فأتنا بما تعدنا إن كنت من ~~الصادقين(70)} أن العذاب يحل بنا إن خالفنا. # {قال قد وقع عليكم} قد وجب أو نزل عليكم، فجعل المتوقع بمنزلة الواقع. ~~«رجس»: أي: عذاب، من الارتجاس، ms0277 (لعله) وهو الاضطراب، {من ربكم رجس} عذاب، ~~من الارتجاس (¬1) ، كأنهم قد ارتجسوا بالإثم. {وغضب} سخط. {أتجادلونني في ~~أسماء سميتموها} في أشياء ما هي إلا أسماء وصور ليس تحتها مسميات، لأنكم ~~تسمون الأصنام آلهة وهي خالية عن معنى الألوهية، (لعله) كقول إبراهيم - ~~عليه السلام - : {ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} (¬2) ، وكقول ~~(لعله) موسى - عليه السلام - : {إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا ~~يعملون} (¬3) . {أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان} حجة متبعة، ~~{فانتظروا} لما وضح الحق وأنتم مصرون على [173] العناد نزول العذاب، {إني ~~معكم من المنتظرين(71)} لنزوله بكم ذلك. # {فأنجيناه والذين معه} أي: من آمن به؛ {برحمة منا} بفضل منا؛ {وقطعنا ~~دابر الذين كذبوا بآياتنا} الدابر الأصل، والكائن خلف الشيء، وقطع دابرهم: ~~استئصالهم وتدميرهم عن آخرهم. {وما كانوا مؤمنين(72)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، وفي العبارة تكرار واضح. # (¬2) - ... سورة الأنبياء: 52. # (¬3) - ... سورة الأعراف: 139. PageV02P021 # وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد ~~جاءتكم بينة من ربكم؛ هذه} آية ظاهرة شاهدة على صحة نبوتي، وهي: {ناقة الله ~~لكم آية} أضافها إلى الله على التفضيل والتخصيص، كما يقال: بيت الله. ~~{فذروها تأكل في أرض الله} أي: الأرض أرض الله، والناقة ناقة الله، فذروها ~~تأكل في أرض ربها، من نبات ربها، فليس عليكم مؤنتها، {ولا تمسوها بسوء} ~~بضرب ولا عقر ولا طرد ولا إضمار [كذا] بسوء إكراما لآية الله. {فيأخذكم ~~عذاب أليم(73)}. # {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد} يذكرهم نعمة الله ليشكروها، ~~{وبوأكم} أسكنكم ونزلكم، {في الأرض تتخذون من سهولها قصورا} غرفا للصيف، ~~{وتنحتون الجبال بيوتا} للشتاء، {فاذكروا آلاء الله} أي: نعمة الله في ذلك ~~وغيره، {ولا تعثوا في الأرض مفسدين(74)}. # {قال الملأ الذين استكبروا} أي: تعظموا وأنفوا في اتباع الرسول، {من قومه ~~للذين استضعفوا} للذين استضعفوهم واستذلوهم، {لمن آمن منهم: أتعلمون أن ~~صالحا مرسل من ربه؟ قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون(75)}. # {قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون(76) فعقروا الناقة وعتوا ~~عن ms0278 أمر ربهم} والعتو العلو في الباطل، {وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن ~~كنت من المرسلين(77)}. # { PageV02P022 فأخذتهم الرجفة} الصيحة التي زلزلت لها الأرض واضطربوا ~~لها، {فأصبحوا في دارهم جاثمين(78)} ميتين قعودا، يقال: الناس جثم، أي: ~~قعود لا حراك بهم ولا يتكلمون، {فتولى (¬1) عنهم} لما عقروا الناقة، {وقال ~~يا قوم} عند فراقه لهم، {لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون ~~الناصحين(79)} الآمرين بالهدى لاستجلاء الهوى، والنصيحة منيحة، بدراء ~~الفضيحة، ولكنها وخيمة تورث السخيمة (¬2) ، فإن قيل: كيف خاطبهم بقوله: ~~{لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم} بعدما أهلكوا بالرجفة؟ قيل: خاطبهم ~~ليكون عبرة لمن خلفهم. # {ولوطا إذ قال لقومه: أتأتون الفاحشة} أتفعلون السيئة المتمادية في ~~القبح؟! {ما سبقكم بها من أحد} ما عملها قبلكم {من العالمين(80) إنكم (¬3) ~~لتأتون الرجال شهوة من دون النساء} فسر تلك الفاحشة، يعني أدبار الرجال ~~أشهى عليكم من فروج النساء!، {بل أنتم قوم مسرفون(81)} الإسراف: تجاوز ~~الحدود. # {وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس ~~يتطهرون(82)} يدعون الطهارة وبدعوا فعلنا الخبيث، عابوهم بما يتمدح به. # {فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين(83)} من الباقين في العذاب ~~الذين عليهم الغبرة. {وأمطرنا عليهم مطرا} وأرسلنا عليهم نوعا من المطر ~~عجيبا، قيل: أمطر الله عليهم الكبريت والنار، {فانظر كيف كان عاقبة ~~المجرمين(84)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «فتول». وهو خطأ. # (¬2) - ... «السخيمة: الحقد والضغينة والموجدة في النفس، وفي الحديث: ~~“اللهم اسلل سخيمة قلبي”». ابن منظور: لسان العرب، 3/115، مادة «سخم». ~~والعبارة غير واضحة. # (¬3) - ... في الأصل: «أينكم». وهو خطأ. PageV02P023 # وإلى مدين أخاهم شعيبا} يقال له: خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه، {قال: ~~يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، قد جاءتكم بينة من ربكم، فأوفوا ~~الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم} ولا تنقصوهم حقوقهم ولا تظلموهم ~~(لعله) إياها، {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} أي: لا تفسدوا فيها بعدما ~~أصلح فيها الصالحون [174] من الأنبياء والأولياء، وكل نبي أو عالم يرسل إلى ~~قوم فهو صلاحهم. {ذلكم} الذي ذكرت لكم وأمرتكم ms0279 به، ذلكم {خير لكم} في ~~الإنسانية، وحسن الأحدوثة {إن كنتم مؤمنين(85)} مصدقين لي في قولي. # {ولا تقعدوا بكل صراط} أي: عن كل صراط، {توعدون} (لعله) تهدون (¬1) من ~~آمن بشعيب بالعذاب، {وتصدون عن سبيل الله} عن دينه، {من آمن به وتبغونها} ~~تطلبون لسبيل الله، {عوجا} أي: تصفونها للناس بأنها سبيل معوجة غير مستقيمة ~~لتمنعوهم عن سلوكها، معناه: تطلبون الاعوجاج في الدين، والعدل عن المقصد ~~(لعله القصد) (¬2) . {واذكروا إذ كنتم قليلا} على جهة الشكر وقت كونكم ~~قليلا عددكم، {فكثركم} الله، ووفر عددكم، ويجوز: إذ كنتم فقراء مقلين ~~فجعلكم أغنياء مكثرين، {وانظروا (¬3) كيف كان عاقبة المفسدين(86)} أمرنا ~~بالنظر والتأمل في عاقبة من أفسد في دينه ودنياه ممن تقدمهم (¬4) ، فإنه ~~عبرة لمن استبصر ولم يتعام (¬5) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ويبدو أن الناسخ هنا قد أخطأ في الاحتمال الذي ~~وضعه، فالصواب: «تهددون». # (¬2) - ... عبارة: «لعله القصد» يبدو أنها من إضافة الناسخ لذلك وضعناها ~~بين قوسين. # (¬3) - ... في الأصل: «وانظر»، وهو خطأ. # (¬4) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «تقدم»، أو «تقدمنا». # (¬5) - ... في الأصل: «يتعامى» وهو خطأ، فهو مجزوم بحذف حرف العلة. PageV02P024 # وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى ~~يحكم الله بيننا} بأن ينصر المحقين على المبطلين، ويظهرهم عليهم، وهذا وعيد ~~للكافرين بانتقام الله تعالى منهم، أو هو حث للمؤمنين على الصبر واحتمال ما ~~كان يلحقهم من المشركين إلى أن يحكم الله بينهم وينتقم لهم؛ أو هو خطاب ~~للفريقين. {وهو خير الحاكمين(87)} لأن حكمه حق وعدل، ولا يخاف منه الجور. # {قال الملأ الذين استكبروا من قومه} يعني الرؤساء الذين تعظموا عن ~~الإيمان بالله، {لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا} إخراجهم من ~~قريتهم إجلاؤهم منها في الظاهر، ومن حيث المعنى: إخرجهم من الرأي والتدبير ~~فيما أمروا به، ودليله: {لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذن لخاسرون} (¬1) . {أو ~~لتعودن في ملتنا قال: أولو كنا كارهين(88)} يعني لو كنا كارهين فتجبروننا عليه. # {قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما ms0280 ~~يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا} إلا أن يكون سبق في مشيئته ~~أنا نعود فيها، فيمضي قضاء الله فينا، وينفذ حكمه علينا. {وسع ربنا كل شيء ~~علما} تمييز، أي: أحاط علمه بكل شيء؛ {على الله توكلنا ربنا افتح بيننا ~~وبين قومنا بالحق} أي: أظهر حال عاقبة المحق من المبطل منا ومنهم، {وأنت ~~خير الفاتحين(89)} والفاتح: المظهر لعاقبة الأمور المنغلقة المبهمة. # {وقال الملأ الذين كفروا من قومه: لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا ~~لخاسرون(90)} ما تهواه أنفسكم من غير عوض ولا جزاء، لأنهم لم يصدقوا به، ~~{فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين(91)} ميتين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأعراف: 90. PageV02P025 # الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها} كأن لم يقيموا فيها، وكأنهم لم ~~يخلقوا عليها، لأنهم صاروا إلى ما كانوا عليه من حال العدم؛ غني بالمكان: ~~أقام. {الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين(92)}. # {فتولى (¬1) عنهم} بعد أن نزل بهم العذاب، {وقال يا قوم لقد أبلغتكم ~~رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى} أحزن {على قوم} ليسوا بأهل للحزن عليهم، ~~لكفرهم واستحقاقهم للعذاب، {كافرين(93)}. # {وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء} قيل: ~~البأساء في المال، والضراء في النفس؛ وقيل: البأساء البؤس والفقر (¬2) ، ~~والضراء: الضر والمرض. {لعلهم يضرعون(94)} (¬3) ، لأنهم إذا لم يتضرعوا عند ~~البأساء لم يتضرعوا عند النعماء، وذلك [175] بيان لفائدة الضراء، وأنها ~~نعمة في حق من تضرع. # {ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة} ابتلاء لهم بالأمرين، {حتى عفوا} كثروا ~~ونموا في أنفسهم وأموالهم، من قولهم: عفا النبات إذا كثر؛ {وقالوا} من ~~غرتهم (¬4) وغفلتهم بعد ما صاروا إلى (لعله) الرخاء، {قد مس آباءنا الضراء ~~والسراء} أي: قالوا: هذه عادة الدهر: تعاقب في الناس بين الضراء والسراء، ~~وقد [مس] آباءنا نحو ذلك وما هو بعقوبة الذنب، فكونوا على ما أنتم عليه؛ ~~{فأخذناهم} بالهلاك، {بغتة} فجاءة، عبرة لمن بعدهم، {وهم لا يشعرون(95)} ~~بنزول العذاب، لأنه ولو تقدمت نذره ورسله فلم يطابطنوا أنها أنها (¬5) رسل ~~الموت، لفرط طول الأمل وحب الدنيا ونسيان الآخرة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في ms0281 الأصل: «فتول». وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل كلمة رسمها: «البقر»، ولعل الصواب ما أثبتناه. # (¬3) - ... في الأصل: «يتضرعون» وهو خطأ. # (¬4) - ... يمكن أن نقرأ: «عزتهم». # (¬5) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «فلم يظنوا أنها». PageV02P026 # ولو أن أهل القرى} إشارة إلى القرى التي دل عليها: {وما أرسلنا في قرية ~~من نبي}، كأنه قال: ولو أن أهل تلك القرى الذين كذبوا وأهلكوا {آمنوا} بدل ~~كفرهم {واتقوا} الشرك مكان ارتكابه، {لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} ~~لآتيناهم بالخير الديني والدنياوي من كل مكان، {ولكن كذبوا فأخذناهم بما ~~كانوا يكسبون(96)}. # {أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون(97) أوأمن أهل القرى ~~أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون(98)} أي: ساهون لاهون عن العواقب، فهم بين ~~حالين: بين النوم واللعب، لأن جميع كدحهم يؤول على معنى اللعب أن لو ~~اعتبروا، لا حاصل له إلا التعب والتحسر (¬1) ، وهم مع ذلك لا يتفكرون في ~~عواقب الأمور، ولا يتخوفون (لعله) عن أن يبدلوا مكان (لعله) الحسنات سيئات، ~~وأن تقطع عنهم (لعله) الأمداد السماوية. # {أفأمنوا مكر الله} أخذه العبد من حيث لا يشعر، {فلا يأمن مكر الله إلا ~~القوم الخاسرون(99)} فلا يحذرون المعاصي، ويرتكبون ما يثمر لهم المكر ~~الخفي، لأنه إذا أمن أنه لا يعصي فيما يستقبل فقد حكم بالغيب، ومن حكم ~~بالغيب فقد أحاط به الخسران من حيث لا يشعر. # {أولم يهد} أي: يبين، {للذين يرثون الأرض من بعد} هلاك {أهلها} الذين ~~كانوا مختلفين {أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم} كما أصبنا من قبلهم، فأهلكنا ~~الوارثين كما أهلكنا الموروثين؛ {ونطبع} أي: نختم {على قلوبهم فهم لا ~~يسمعون(100)} سماع تفهم واعتبار، ويدلك ذلك على أن إصابة العبد بدينه الطبع ~~على قلبه، ويصير كأنه أصم وأعمى ولا عقل له، فينغمس في المعاصي من حيث لا ~~يشعر، وذلك إذا آثر هواه على ما اتضح له من الحق ولو في حرف واحد. # { # ¬__________ # (¬1) - ... يمكن أن نقرأ: «والتحير». PageV02P027 # تلك القرى} أي: هذه القرى الذي (¬1) ذكرت لك أمر أهلها، {نقص عليك من ~~أنبائها} بعض أنبائها، لأن لها أنباء غيرها ms0282 لم نقص، عبرة للمعتبرين؛ {ولقد ~~جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا} عند مجيء الرسل بالبينات، {بما ~~كذبوا من قبل} بما كذبوا من آيات الله الأرضية والسماوية قبل مجيء الرسل، ~~أو فما كانوا ليؤمنوا إلى آخر أعمارهم بما كذبوا به أولا حين جاءتهم الرسل، ~~أي: استمروا على التكذيب، من لدن مجيء الرسل إليهم إلى أن ماتوا مصرين مع ~~تتابع الآيات. {كذلك} مثل ذلك الطبع الشديد {يطبع الله على قلوب ~~الكافرين(101)} بما علم منهم أنهم يختارون الكفر. # {وما وجدنا لأكثرهم من عهد} يعني أن أكثر الناس ينقضون عهد الله وميثاقه ~~في الطاعة، لأنهم كانوا إذا عاهدوا الله في ضر ومخافة قالوا: لئن أنجيتنا ~~لنؤمنن، ثم لما نجاهم نكثوا. {وإن وجدنا أكثرهم [176] لفاسقين(102)} خارجين ~~عن الطاعة؛ والوجود (¬2) بمعنى العلم. # {ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها} فكفروا ~~بآياتنا، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وظلمهم وضعهم الكفر موضع ~~الإيمان، جرى الظلم مجرى الكفر لأنهما من واد واحد، لأن الشرك لظلم عظيم ~~(¬3) ، أو فظلموا الناس بسببها حين آذوا من آمن بها، أو لأنه إذ أوجب ~~الإيمان بها فكفروا بدل الإيمان كان كفرهم بها ظلما حيث وضعوا الكفر غير ~~موضعه وهو موضع الإيمان. {فانظر كيف كان عاقبة المفسدين(103)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «التي». # (¬2) - ... في الأصل: «ولوجود». # (¬3) - ... اقتباس من قوله تعالى: {يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم ~~عظيم} (لقمان: 13). PageV02P028 # وقال موسى يا فرعون} يقال لملوك مصر: الفراعنة، كما يقال لملوك فارس: ~~الأكاسرة، فكأنه قال: يا ملك مصر، واسمه قابوس، أو الوليد بن مصعب فيما ~~قيل. {إني رسول من رب العالمين(104)}. # {حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق} أي: أنا حقيق على قول الحق، أي: ~~واجب على قول الحق أن أكون قابله، والقائم به، وقيل: حريص على أن لا أقول ~~على الله إلا الحق؛ {قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل(105)} ~~فخلهم يذهبوا معي راجعين إلى وطنهم، أو فاتركم (لعله فاتركهم)[كذا] في أرض ~~الله، ولا تمسهم ms0283 بسوء، وذلك أن يوسف - عليه السلام - لما توفي غلب فرعون ~~نسل الأسباط واستعبدهم، فأنقذهم الله بموسى. # {قال: إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين(106)} في دعواك؛ ~~{فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين(107)} أي: ثعبان حقيقية لا وهمية ولا ~~سحرية، كما تنقلب المعادن وتستحيل عن حالتها وصورتها عما كانت؛ {ونزع يده} ~~من حينه {فإذا هي بيضاء للناظرين(108)}. # {قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم(109)} يعنون أنه ليأخذ أعين ~~الناس حتى يحيل إليهم العصا حية، والأدم أبيض. قيل: قاله هو وأشراف قومه ~~على سبيل المشاورة في أمره. { يريد أن يخرجكم من أرضكم} فتصيروا مملوكين ~~بعد أن كنتم مالكين، كما قال: {وتكون لكما الكبرياء في الأرض} (¬1) {فماذا ~~تأمرون(110)}؟. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل سقط: «الأرض». وتمام الآية على لسان فرعون وملئه ~~لموسى وأخيه هارون: {قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون ~~لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين}. يونس: 78. PageV02P029 # قالوا أرجه} أي: أخر أمره ولا تعجل، أو كأنه هم بقتله. {وأخاه وأرسل في ~~المدائن حاشرين(111)} جامعين {يأتوك بكل ساحر عليم(112) وجاء السحرة فرعون ~~قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين(113) قال نعم وإنكم لمن ~~المقربين(114)} لما وعدهم بالتقريب أغناهم عن الأجر المعين. # {قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين(115) قال ألقوا ~~فلما ألقوا سحروا أعين الناس} أروها بالحيل والشعوذة، وخيلوا إليها ما ~~الحقيقة بخلافه. روي أنهم ألقوا حبالا غلاظا، وخشبا طوالا، فإذا هي أمثال ~~الحيات قد ملأت الأرض. {واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم(116)}. # {وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف} تبتلع {ما يأفكون(117)} ما ~~يأفكونه، أي: يقلبونه عن الحق إلى الباطل، لأن الحقيقة خلاف ما رأوا ~~ويرزورونه. روي أنها تلقفت ملء الوادي من الخشب والحبال، ورفعها موسى فرجعت ~~عصى كما كانت، وأعدم الله بقدرته تلك الأجرام العظيمة، أو فرقها أجزاء ~~لطيفة على حالها. # { PageV02P030 فوقع الحق} فحصل وثني (¬1) ، وقيل: ثبت (¬2) . {وبطل ما ~~كانوا يعملون(118)} أي: ذهب عملهم، كأنه لم يكن. {فغلبوا هنالك وانقلبوا ms0284 ~~صاغرين(119)} صاروا أذلاء مبهوتين، فقال السحرة: لو كان ما يصنع موسى سحرا ~~لبقت حبالنا وعصينا، فلما فقدت علموا [177] أن ذلك من أمر الله تعالى. ~~{وألقي السحرة ساجدين(120)} ذليلين مبهوتين مستسلمين لله ولموسى، تائبين ~~آيبين راجعين من دينهم وضلالهم إلى دين الله، وخروا سجدا لله، كأنهم ألقاهم ~~ملق لشدة خرورهم، ولم يتمالكوا مما رأوا، فكأنهم ألقوا، فكانوا أول النهار ~~كفارا سحرة، وفي آخره شهداء بررة، نسأل الله أن يرزقنا ما رزقهم. # {قالوا آمنا برب العالمين(121) رب موسى وهارون(122) قال فرعون آمنتم به ~~قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا (¬3) منها أهلها} ~~أي: فيصير أهلها مملوكين أذلاء بعد أن كانوا مالكين أعزاء. {فسوف ~~تعلمون(123) لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين(124) قالوا ~~إنا إلى ربنا منقلبون(125)} فلا نبالي بما توعدتنا به لانقلابنا إلى لقاء ~~ربنا ورحمته. # {وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا} وما تعيب منا إلا ~~الإيمان بآيات الله. {ربنا أفرغ علينا صبرا} اصبب صبا ذريعا، والمعنى: هب ~~لنا صبرا واسعا ثابتا إلى الممات، لا تميل عنه أنفسنا، {وتوفنا ~~مسلمين(126)} ثابتين على الإسلام. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، والكلمة غير واضحة. # (¬2) - ... هذه الكلمة ذات ثلاث نبرات غير منقوطة كما في غالب الكتاب ~~أثبتناها حسب فهمنا، ولا شك أنها ليست تكرارا للكلمة السابقة. # (¬3) - ... في الأصل: «لتخروجوا». وهو خطأ. PageV02P031 # وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض} وأراد (¬1) ~~بالإفساد في الأرض دعاءهم الناس إلى مخالفة فرعون في عبادته. {ويذرك ~~وآلهتك} أي: عبادتك وطاعتك، لأن فرعون يعبد ولا يعبد. {قال سنقتل أبناءهم ~~ونستحيي نساءهم} بتركهن أحياء للاستعباد والاستخدام؛ {وإنا فوقهم ~~قاهرون(127)}. # {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا} قال لهم ذلك حين جزعوا من قول ~~فرعون تسلية لهم ووعدا بالنصر عليهم. {إن الأرض لله يورثها (¬2) من يشاء من ~~عباده} وهو مالكها يملك منها من شاء بما يشاء؛ {والعاقبة للمتقين(128)} ~~كانوا مالكين أو مملوكين، أغنياء أو فقراء، بشارة بأن الخاتمة المحمودة ~~للمتقين. # {قالوا أوذينا من قبل ms0285 أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك ~~عدوكم ويستخلفكم في الأرض} من بعده {فينظر كيف تعملون(129)} فحقق الله ذلك ~~فأغرق فرعون واستخلف بني إسرائيل في ديارهم وأموالهم، فعبدوا العجل. # {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين} سني القحط؛ تقول العرب: مستهم السنة، أي: ~~قحط السنة. {ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون(130)} يبتلي الله عباده بما ~~يشاء، ابتلى هؤلاء بما ذكر، وقال في غيرهم: {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا ~~عليهم أبواب كل شيء} (¬3) ؛ وكذلك يبتلي أهل الطاعة بهذا وهذا، والعاصين ~~بمثل ذلك، لأنه العالم بأحوال خلقه، الحكيم في جميع أفعاله أفعاله (¬4) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «وأرادوا». # (¬2) - ... في الأصل: «يرثها». وهو خطأ. # (¬3) - ... سورة الأنعام: 44. # (¬4) - ... كذا في الأصل، «أفعاله» مكررة. PageV02P032 # فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه} أي: أعطيناها باستحقاقنا على العادة ~~الجارية علينا في سعة أرزاقنا، ولم يروها تفضلا من الله ليشكروا عليها. ~~{وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه} تشاءموا بهم، وقالوا: هذه بشؤمهم ~~لما أصابتنا، وهذا إغراق في وصفهم بالغباوة والقساوة، قيل: إن الشدة ترقو ~~(¬1) القلوب وترغبها فيما عند الله، فإن الشدائد ترقوا[كذا] القلوب وتذلل ~~العرايك، وتزيل التماسك، سيما بعد مشاهدة الآيات، وهي لم تؤثر فيهم، بل ~~ازدادوا عندها عتوا. {ألا إنما طائرهم} سبب خيرهم وشرهم {عند الله} في حكمه ~~ومشيئته، أو سبب شؤمهم عند الله هو أعمالهم المكتوبة عنده، فإنها التي ساقت ~~إليهم ما يسوءهم. {ولكن أكثرهم لا يعلمون(131)} أن الذي أصابهم من عند الله. # {وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين(132)} أي: ~~كل آية أتيتنا بها في [178] الماضي أو تأتينا بها في المستقبل فهي كذب، فما ~~نصدقك فيها، وكانوا قد صمموا على تكذيبه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «ترق». PageV02P033 # فأرسلنا (¬1) عليهم الطوفان} ما طاف بهم وغلبهم من مطر أو سيل؛ قيل: طفا ~~الماء فوق جروبهم (¬2) ، وذلك قيل: إنهم مطروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة ~~لا يرون شمسا ولا قمرا، ولا يقدر أحد أن يخرج من داره؛ وقيل: دخل الماء ms0286 في ~~بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم، فمن جلس غرق، ولم يدخل بيوت ~~بني إسرائيل من الماء قطرة، وكانت بيوت بني إسرائيل مشتبكة ببيوتهم؛ وقيل: ~~هو الجدري أو الطاعون أو الموت. {والجراد} فأكلت زروعهم وثمارهم وسقوف ~~بيوتهم ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منها شيء. (وابتلى الله الجراد بالجوع ~~فكانت لا تشبع؛ وقيل: مكتوب على كل جرادة: “جند الله الأعظم”) (¬3) . ~~{والقمل} وهي الدبا (¬4) وهو أولاد الجراد؛ قيل: بنات[كذا] أجنحتها، أو ~~البرغيث (¬5) ، # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «وأرسلنا». وهو خطأ. # (¬2) - ... لم أجد هذا الجمع للمعنى الذي يوافق السياق، و«الجريب من ~~الأرض: مقدار معلوم الذراع والمساحة، وهو عشرة أقفزة... والجمع أجربة، ~~وجربان، وقيل: الجريب المزرعة، عن كراع. والجربة بالكسر: المزرعة... وقال ~~مرة: الجربة كل أرض أصلحت لزرع أو غرس... والجمع جرب، كسدرة وسدر. الليث: ~~الجريب: الوادي، وجمعه أجربة، والجربة: البقعة الحسنة النبات، وجمعها جرب». ~~ونلاحظ أنها كلها تليق بالسياق، وليس من بينها ما يجمع على جروب. راجع: ابن ~~منظور: لسان العرب، 1/428، مادة: «جرب». # (¬3) - ... ما بين قوسين مكتوب على حاشية الكتاب، ولم يضع الناسخ إشارة ~~إليه في المتن، فوضعناه فيه حسب اجتهادنا. # (¬4) - ... كذا في الأصل، قال في اللسان: «والقمل صغار الذر والدبي»، ثم ~~أورد مختلف الأقوال في تفسير معنى القمل في الآية. للتوسع انظر: ابن منظور: ~~لسان العرب، 5/165، مادة: «قمل». # (¬5) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «البراغيث».. PageV02P034 # أو كبار القردان، وقيل: السوس الذي يخرج من الحنطة، فلم يصابوا ببلاء كان ~~أشد عليهم من القمل، وأخذت أشعارهم وأبشارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم، ولزم ~~جلودهم كالجذري عليهم، ومنعهم النوم. {والضفادع} وكانت تقع في طعامهم ~~وشرابهم، حتى إذا تكلم الرجل وقع في فيه، فلقوا منها أذى شديدا. {والدم} ~~أي: الرعاف، وقيل: مياههم انقلبت دما، حتى إن القبطي والإسرائيلي إذا ~~اجتمعا على إناء فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء، وما يلي القبطي دما؛ وقيل: ~~سال عليهم السيل دما. {آيات مفصلات} مبينات ظاهرا لا تشكل على عاقل أنها من ~~آيات الله، أو مفرقات بين كل اثنين شهر (¬1) . {فاستكبروا} فلم يعتبروا ms0287 ~~بالآيات، {وكانوا قوما مجرمين(133)}. # {ولما وقع عليهم الرجز} العذاب المذكور واحدا بعد واحد، والطاعون، {قالوا ~~يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك} أي: بعهده عندك من إجابة دعوتك، {لئن ~~كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل(134)}. # {فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه} إلى حد من الزمان هم بالغوه ~~لا محالة فمعذبون فيه، لا ينفعهم ما تقدم لهم من الإمهال وكشف العذاب إلى ~~حلوله؛ {إذا هم ينكثون(135)} بنقض العهد. # {فانتقمنا منهم} هو ضد الإنعام، كما أن العقاب ضد الثواب. {فأغرقناهم في ~~اليم} البحر الذي لا يدرك قعره {بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها ~~غافلين(136)} أي: كان إغراقهم بسبب تكذيبهم بالآيات وغفلتهم عنها، وقلة ~~فكرهم فيها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «شهرا»، على أنه تمييز، ومع ذلك ~~فالعبارة غير واضحة. PageV02P035 # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون} هم بنو إسرائيل، كان يستضعفهم فرعون ~~وقومه بالاستخدام والقتل؛ {مشارق الأرض ومغاربها} التي أورثهم إياها، {التي ~~باركنا فيها} بالخصب وسعة الأرزاق، وكثرة الأنهار والأشجار. {وتمت كلمة ربك ~~الحسنى} وهي نعمته، {على بني إسرائيل} هو قوله: {عسى ربكم أن يهلك عدوكم ~~ويستخلفكم في الأرض} (¬1) . {بما صبروا} بسبب صبرهم، وحسبك به حثا على ~~الصبر، ودالا على أن من قابل البلاء بالجزع وكله الله إليه، ومن قابله ~~بالصبر ضمن الله له بالفرج. {ودمرنا} أهلكنا {ما كان يصنع فرعون وقومه} من ~~العمارات وبناء القصور، {وما كانوا يعرشون(137)} من الجنات، أو ما كانوا ~~يرفعون من الأبنية المشيدة. وهذا آخر قصة فرعون والقبط وتكذيبهم بآيات ~~الله، ثم أتبعه قصة بني إسرائيل وما أحدثوه بعد إنقاذهم من فرعون، ~~ومعاينتهم الآيات العظام، ومجاوزتهم البحر وغير ذلك، تسلية [179] لرسول ~~الله مما رأى من بني إسرائيل بالمدينة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأعراف: 129. PageV02P036 # وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم} يواضبون ~~على عبادتها كما يعبدون (¬1) أبناء زمانك أهوية أنفسهم بلا حجة، كل منهم ~~نصب هواه صنما له يعبده من دون الله، لا يردعهم عن ذلك كتاب ولا سنة ولا ~~إجماع ولا ms0288 حجة عقل، ويقول: إن رددت إلى ربي لأجدن خيرا من هذا منقلبا (¬2) ~~، فزين لهم الشيطان سوء أعمالهم. {قالوا يا موسى اجعل لنا إلها} صنما نعكف ~~عليه، وفي المعنى كأنهم طلبوا شيئا (لعله) مما تهواه أنفسهم بغير حق. {كما ~~لهم آلهة} أصنام بعكفون عليها. قال يهودي لعلي: اختلفتم بعد نبيكم قبل أن ~~يجف ماؤه، فقال: قلتم: اجعل لنا إلها ولم تجف أقدامكم. وقد صدق اليهودي في ~~هذا، لأنه (¬3) إذا وسوس الشيطان لأحد في شيء من الباطل فاتبعه في وسوسته ~~فكأنما نصب ذلك الشيء صنما يعبده من دون الله، وقد قال الله: {ألم أعهد ~~إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا (¬4) الشيطان إنه لكم عدو مبين، وأن اعبدوني ~~هذا صراط مستقيم} (¬5) ، وقال: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} (¬6) ، وليس من ~~نصب صنما من الخشب والحجارة يعبده من دون الله بأشد عجبا ممن نصب هوى نفسه ~~يعبده من دون الله. {قال إنكم قوم تجهلون(138)} تعجب من قولهم على إثر ما ~~رأوه من الآية العظمى، فوصفهم بالجهل المطلق وأكده. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، والأصوب: «يعبد». # (¬2) - ... اقتباس من قصة صاحب الجنة الظالم لنفسه، الذي قال الله تعالى ~~على لسانه: {وما أظن الساعة قائمة، ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منهما ~~منقلبا} (سوة الكهف: 36). # (¬3) - ... هذا التعليل الذي ذكره المؤلف تعليقا على قصة علي مع اليهودي ~~غير مناسب، ولعل في العبارة سقطا. # (¬4) - ... في الأصل: «يا بني آدم لا تعبدوا...»، وهو خطأ. # (¬5) - ... سورة يس: 60-61. # (¬6) - ... سورة الجاثية: 23. PageV02P037 # إن هؤلاء} يعني عبدة تلك التماثيل والصور التي صوروها بأهويتهم، {متبر} ~~مهلك، من التبار، {ما هم فيه} أي: يتبر الله ويهدم دينهم الذي هم عليه. ~~{وباطل ما كانوا يعملون(139)} أي: ما عملوا من عبادة الأصنام باطل مضمحل. # {قال أغير الله أبغيكم إلها} أغير المستحق للعبادة أطلب لكم معبودا؟! ~~{وهو فضلكم على العالمين(140)} على سائر الموجودات، أو على عالمي زمانكم. # {وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب} يبغونكم شدة العذاب، من ~~السلعة إذا طلبها، وهو يذكرهم نعمته. {يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ~~ذلكم} ms0289 أي: في الإنجاء، أو العذاب، {بلاء من ربكم عظيم(141)}. # {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة} لإنزال التوراة، {وأتممناها بعشر فتم ميقات ~~ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي} كن خليفتي فيهم، ~~{وأصلح} ما يجب أن يصلح من أمر البلاد والعباد، {ولا تتبع سبيل ~~المفسدين(142)} الصلاح ضد الفساد، لأن الصلاح من الطاعة والفساد من ~~المعصية. # { PageV02P038 ولما جاء موسى لميقاتنا} الذي وقتناه له، {وكلمه ربه} أوحى ~~إليه بما شاء، {قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل ~~فإن استقر مكانه} بقي على حاله، {فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل} قيل: ما ~~تجلى من عظمة الله للجبل إلا مثل سم الخياط حتى صار دكا، أي: مستويا ~~بالأرض، {جعله دكا} مدكوكا مفتتا، {وخر موسى صعقا} مغشيا عليه. قيل: إن ~~موسى كان عالما بأن الله لا يرى ولكن طلب قومه أن يريهم ربهم، كما قال ~~مخبرا عنهم بقوله: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} (¬1) فطلب الرؤية ليبين ~~الله تعالى أنه ليس بمرئي. {فلما أفاق} موسى من صعقته، وثاب (¬2) ورجع إلى ~~عقله، وعرف أنه سأل أمرا لا ينبغي له، {قال سبحانك تبت إليك} من السؤال، ~~{وأنا أول المؤمنين(143)} بعظمتك وجلالك، وأنك لا ترى في الدنيا ولا في ~~الآخرة. # {قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس} اخترتك على أهل زمانك، وهو يذكره ~~نعمته التي اختصه بها دون [180] الناس، {برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك} ~~أعطيتك من شرف النبوة والحكمة فاعلمه واعمل به، {وكن من الشاكرين(144)} ~~للنعمة بأن تطيع الله بها ولا تكفرها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البقرة: 55. # (¬2) - ... يمكن أن نقرأ: «وتاب»، بالتاء المثناة. PageV02P039 # وكتبنا له في الألواح} ألواح التوراة، فالله أعلم بصفتها وعددها، {من كل ~~شيء} يحتاجون له من أمر دينهم ودنياهم، لأنه لا يجوز على الله أن يخلق خلقا ~~خلقا (¬1) ، ويتعبدهم بالطاعة، ويتركهم بغير هدى. {موعظة} بما تردعهم عن ~~المعاصي، وترغبهم في الطاعة، {وتفصيلا لكل شيء} لما يحتاجون إليه. {فخذها ~~بقوة} بجد واجتهاد وعزيمة؛ وقيل: بقوة القلب وصحة العزيمة، لأنه إذا أخذه ~~بضعف ms0290 النية أداه في الفتور (¬2) ، وإذا كان من أمثال موسى ويحيى لا ينال ~~فهمها وحفظها إلا بقوة مع زهدهم للدنيا، ورغبتهم للآخرة، وتوفيق الله لهم، ~~أيطمع من هو أقل منهما فهما وغريزة[كذا] وحفظا، وأقلهم رغبة في الآخرة إلى ~~فهم الحكمة وأخذها بغير اجتهاد؟ كلا! بل البلوغ على قدر الاجتهاد. {وأمر ~~قومك يأخذوا بأحسنها} أي: بأعدلها وأقربها من الحق، وأبعدها من الباطل. ~~{سأريكم دار الفاسقين(145)} فرعون وقومه، أو منازل عاد وثمود والقرون ~~المهلكة كيف خلت منهم، لتعتبروا فلا تفسقوا مثل فسقهم، فتعاقبون مثل ما ~~عوقبوا، أو جهنم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، مكرر. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «في فتور». PageV02P040 # سأصرف عن آياتي} عن التدبر فيها، أو عن فهمها. قال ذو النون قدس الله ~~سره: أبى الله أن يكرم قلوب البطالين بمكنون حكمة القرآن. {الذين يتكبرون} ~~بالطبع على قلوبهم، فلا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها، وقيل: سأصرفهم من ~~إبطالها وإن اجتهدوا؛ وقيل: سأصرفهم عن أن يتفكروا فيها ويعتبروا بها؛ ~~وقيل: سأرفع فهم القرآن عن قلوبهم؛ وقيل: سأحجب قلوبهم. {في الأرض بغير ~~الحق} أي: يتكبرون بما ليس بحق، وهو دينهم الباطل. {وإن يروا كل آية} من ~~الآيات المنزلة عليهم، وما كان من تأويلها والتي ألهموها، {لا يؤمنوا بها} ~~لعنادهم واختلال عقلهم (¬1) بسبب انهماكهم في الهوى والتقليد. {وإن يروا ~~سبيل الرشد} صلاح الأمر وطريق الهدى، {لا يتخذوه سبيلا} لا يسلكوه، ~~لاستيلاء الشيطنة عليهم، {وإن يروا سبيل الغي} الضلال، {يتخذوه سبيلا} ~~يقيموا عليه، {ذلك} الصرف، {بأنهم كذبوا بآياتنا} بسبب تكذيبهم، {وكانوا ~~عنها غافلين(146)} غفلة عناد وإعراض، لا غفلة سهو وجهل. # {والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا ~~يعملون(147)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «علقهم»، وهو خطأ. PageV02P041 # واتخذ قوم موسى من بعده} من بعد ذهابه إلى الطور، {من حليهم عجلا جسدا له ~~خوار} وهو صوت البقر، قيل: صاغه بنوع من الحيل، فيدخل الريح جوفه فتصوت، ثم ~~عجب من عقولهم السخيفة فقال: {ألم يروا أنه لا يكلمهم} دليل على أن خواره ~~ليس تكليما لهم. {ولا ms0291 يهديهم سبيلا} لا يقدر على كلام ولا على هداية سبيل ~~حتى يختاروه على من لو كان البحر مدادا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد بعض ~~كلماته (¬1) ، وهو الذي هدى الخلق إلى سبيل الحق بما ركز في العقول من ~~الأدلة، وبما أنزل في الكتب، ثم ابتدأ فقال: {اتخذوه} إلها، فأقدموا على ~~هذا المنكر، {وكانوا ظالمين(148)} باتخاذهم الربوبية (لعله) لمربوب. # {ولما سقط في أيديهم} ولما اشتد ندمهم على عبادة العجل، {ورأوا أنهم قد ~~ضلوا} تبينوا ضلالهم، كأنهم أبصروه بعيونهم، وبان لهم الحق بعدما أزاحوا عن ~~قلوبهم الهوى الذي هو كالحجاب على نور العقل، {قالوا لئن لم يرحمنا [181] ~~ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين(149)} المغبونين في الدنيا والآخرة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... إشارة إلى قوله تعالى: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي ~~لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} سورة الكهف: 109. PageV02P042 # ولما رجع موسى} من الطور {إلى قومه غضبان أسفا} أي: حزينا، {قال بئسما ~~خلفتموني} قمتم مقامي، وكنتم خلفائي، {من بعدي} والخطاب لعبدة العجل من ~~السامري وأشياعه، أو لهارون ومن معه من المؤمنين، ويدل عليه قوله: {اخلفني ~~في قومي} (¬1) ، والمعنى: بئسما خلفتموني حيث عبد العجل مكان عبادة الله، ~~أو حيث لم يكفوا عن عبادة غير الله؛ {أعجلتم} أسبقتم بعبادة العجل {أمر ~~ربكم} وهو إتياني لكم بالتوراة. {وألقى الألواح} عندما سمع خوار العجل، أو ~~رآهم عاكفين عليه، أو عند مخاطبته لقومه غضبا لله، وكان في نفسه شديد ~~الغضب؛ {وأخذ برأس أخيه} غضبا عليه حيث (لعله) ظن به أنه لم يمنعهم عن ~~عبادة العجل، مع القدرة، {يجره إليه} عتابا عليه. {قال ابن أم إن القوم ~~استضعفوني وكادوا يقتلونني} أي: أني لم آل جهدا في كفهم بالوعظ والإنذار، ~~ولكنهم استضعفوني وهموا بقتلي، {فلا تشمت بي الأعداء} السامري وأشياعه ~~الذين عبدوا العجل، أي: لا تفعل بي ما هو أمنيتهم من الاستهانة بي، ~~والإساءة إلي، {ولا تجعلني مع القوم الظالمين(150)} أي: لا تجعل منزلتي ~~منزلتهم؛ فلما اتضح له عذر أخيه، # {قال رب اغفر لي} ما فرط ms0292 مني في حق أخي، {ولأخي} أن فرط في حسن الخلافة، ~~{وأدخلنا (¬2) في رحمتك} في عصمتك في الدنيا، وجنتك في الآخرة، {وأنت أرحم ~~الراحمين(151)} فأنت أرحم بنا من أنفسنا. # {إن الذين اتخذوا العجل} إلها {سينالهم غضب من ربهم} قيل: هو ما أمروا به ~~من قتل أنفسهم توبة، {وذلة في الحياة الدنيا} خروجهم من ديارهم، فالغربة ~~تذل الأعناق، أو ضرب الجزية عليهم، {وكذلك نجزي المفترين(152)} أي: نجزي كل ~~مفتر على الله بالغضب والذلة في الحياة الدنيا، وبالعذاب في الآخرة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأعراف: 142. # (¬2) - ... في الأصل: «ودخلنا»، وهو خطأ. PageV02P043 # والذين عملوا السيئات} من الكفر والمعاصي، {ثم تابوا} رجعوا إلى الله، ~~{من بعدها وآمنوا} أخلصوا الإيمان، {إن ربك من بعدها} أي: السيئات، أو ~~التوبة، {لغفور} لستور عليهم، {رحيم(153)} منعم عليهم بالجنة بعد ما وقع ~~منهم من العبادة لغيره حين تابوا. # {ولما سكت} أي: سكن، وقرئ به. {عن موسى الغضب أخذ الألواح} التي ألقاها، ~~{وفي نسختها} اختلفوا فيه، قيل: المراد به الألواح، لأنها نسخت من اللوح ~~المحفوظ، وقيل: إن موسى ألقى الألواح فتكسرت، فنسخ نسخة أخرى. {هدى} من ~~الضلالة، {ورحمة} ورحمة من العذاب، {للذين هم لربهم يرهبون(154)} أي: ~~الخائفين من ربهم؛ وقيل: أراد من ربهم يرهبون. # {واختار موسى قومه} أي: من قومه، {سبعين رجلا} من أفضلهم، {لميقاتنا فلما ~~أخذتهم الرجفة} لأنهم قالوا: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة}. {قال رب لو ~~شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} سؤال استغفار، أي: ~~لاتهلكنا، {إن هي إلا فتنتك} ابتلاؤك من الخير والشر قل أو كثر، صغر أو ~~كبر، {تضل بها من تشاء} من اختار منهم الضلال تزيده إضلالا وإبعادا، {وتهدي ~~من تشاء} من علمت منه اختيار الهدى تزيده هدى وقربة، {أنت ولينا} متولي ~~أمورنا، {فاغفر لنا وارحمنا (¬1) وأنت خير الغافرين(155)} فالمغفرة هي ستر ~~الذنوب، كما يقال: مغفر على رأسه إنما هو ستر رأسه، [و]تغطى بغطائه، ~~والمغفر[ة] ستر، وغفران الذنوب سترها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «وارحمنا». PageV02P044 # واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة} حياة طيبة توصلنا بها ms0293 إلى دار الكرامة، ~~[182] {وفي الآخرة} أي: اكتب لنا في هذه الدنيا وفي الآخرة حسنة، {إنا هدنا ~~إليك} أي: تبنا. {قال: عذابي أصيب به من أشاء} من اختار الكفر، {ورحمتي ~~وسعت كل شيء} أي: من صفة رحمتي أنها واسعة تبلغ كل شيء؛ ما من مسلم ولا ~~كافر إلا وعليه أثر رحمتي في الدنيا. {فسأكتبها} (¬1) أي: هذه الرحمة أكتب ~~ثوابها في الآخرة، {للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا ~~يؤمنون(156)}. # {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا} نعته {عندهم (¬2) ~~في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف} بخلع الأنداد، والانصاف العباد[كذا]. ~~{وينهاهم عن المنكر} وهو ترك عبادة سوى الله. {ويحل لهم الطيبات ويحرم ~~عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم} قيل: التكاليف الصعبة، كقتل النفس في ~~توبتهم، وقيل: ذنبهم الذي عملوه فيضعه عنهم بغفرانه لهم؛ {والأغلال التي ~~كانت عليهم} هي الأحكام الشاقة التي كانت عليهم في دينهم، {فالذين آمنوا ~~به} بالنبي الأمي، {وعزروه} وعظموه، أو منعوه من العدو، حتى لا يقوى عليه، ~~{ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه} هو القرآن، {أولئك هم المفلحون(157)} ~~الفائزون بكل خير في الدنيا والآخرة، والناجون من كل شر في الدنيا والآخرة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «فأكتبها»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: - «عندهم». PageV02P045 # قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم} قيل: بعث كل رسول إلى قومه خاصة، ~~وبعث محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى كافة الإنس والجن، {جميعا الذي له ~~ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت} المعنى: من ملك العالم كان ~~هو الإله على الحقيقة، وفي «يحيي ويميت» بيان لاختصاصه بالإلهية، إذ لا ~~يقدر على الإحياء والإماتة غيره، ولا يستحق العبادة سواه، {فآمنوا بالله ~~ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته} أي: الكتب المنزلة، {واتبعوه ~~لعلكم} أي: لكي، {تهتدون(158)}. # {ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق} أي: يأمرون بالحق، {وبه يعدلون(159)} ~~وبالحق يعدلون، أي: ينهون عن ضده وهو المنكر. # { PageV02P046 وقطعناهم} وصيرناهم فرقا، {اثنتي عشرة أسباطا} قيل: ~~الأسباط القبائل، واحدها سبط، {أمما} لأن كل سبط كان أمة عظيمة، وكل واحدة ~~كانت تؤم ms0294 خلاف ما تؤمه الأخرى. {وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه} أي: ~~سألوه أن يستقيهم، وكان ليس معه ماء، {أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه ~~اثنتا عشرة عينا} على قدر الأسباط لكل سبط عين، وذلك ليريهم الله قدرته ~~الباهرة، إذا نبع لهم من حجر صم ماء عذبا سائغا للشاربين بضربة عصا. {قد ~~علم كل أناس مشربهم وظللنا (¬1) عليهم الغمام} جعلناه ظليلا عليهم في التيه ~~عن حر الشمس فيما قيل. {وأنزلنا عليهم المن والسلوى} يذهب به عنهم كلب (¬2) ~~الجوع. {كلوا من طيبات ما رزقناكم} فما شكروا هذه النعم، بدليل قوله: {وما ~~ظلمونا} وما رجع إلينا ضرر ظلمهم بكفرانهم النعم، {ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون(160)} ولكن كانوا يضرون أنفسهم، ويرجع وبال ظلمهم عليهم. # {وإذ (¬3) قيل لهم اسكنوا هذه القرية} بيت المقدس ليعبدوا الله فيه وحده. ~~{وكلوا منها حيث شئتم وقولوا (¬4) حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم ~~خطيئاتكم (¬5) سنزيد المحسنين(161)} وعدا من الله لكل محسن ليزاد على قدر ~~إحسانه. # {فبدل الذين ظلموا منهم قولا} خارجا عن الطاعة، {غير الذي قيل لهم} وهو ~~قوله: حطة. {فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون(162)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «وضللنا». وهو خطأ. # (¬2) - ... «والكلب أنف الشتاء وحدته... قال أبو حنيفة: الكلبة كل شدة من ~~قبل القحط والسلطان وغيره، وهو في كلبة أي في قحط وشدة من الزمان». ابن ~~منظور: لسان العرب، 5/283، مادة: «كلب». # (¬3) - ... في الأصل: «وإذا». وهو خطأ. # (¬4) - ... في الأصل: «وكلوا حيث شئتم، وقالوا». وفيها خطآن اثنان. # (¬5) - ... في الأصل: «خطاياكم»، وهو خطأ. PageV02P047 # واسألهم عن القرية التي [183] كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت} ~~بتجاوزهم حد الله فيه، وهو اصطيادهم، وقد مضت قصتهم، {إذ تأتيهم حيتانهم ~~يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا ~~يفسقون(163)} بسبب فسقهم يسر الله عليهم العسرى، وأغلق عليهم باب اليسرى. # {وإذ قالت أمة منهم} جماعة من صلحاء القرية الذين أيسوا من وعظهم عظهم ~~(¬1) بعدما ركبوا الصعب والذلول في موعظتهم الآخرين، لا يقلعون عن وعظهم، ~~{لم تعظون قوما الله مهلكهم} باستئصالهم، {أو ms0295 معذبهم عذابا شديدا} ما دون ~~الهلاك، {قالوا معذرة إلى ربكم} أي: موعظتنا إبلاء (¬2) عذر الله، لئلا ~~ينسب في النهي عن المنكر إلى التفريط، أي: وعظناهم للمعذرة. {ولعلهم ~~يتقون(164)} فيتركون ما هم عليه. # {فلما نسوا ما ذكروا به} (لعله) أي: أهل القرية لما تركوا ما ذكرهم به ~~الصالحون. {أنجينا الذين ينهون عن السوء} وهم الموعظون عن العذاب الشديد، ~~{وأخذنا الذين ظلموا} الذين تركوا ما وعظوا به، {بعذاب بئيس} شديد، {بما ~~كانوا يفسقون(165)}. # {فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين(166)} مبعدين. ~~والعذاب البئيس قيل: هو المسخ، قيل: صار الشباب قردة، والشيوخ خنازير، ~~وكانوا يعرفون أقاربهم ويبكون ولا يتكلمون؛ والجمهور على أنها ماتت بعد ~~ثلاث؛ وقيل: مسخت قلوبهم لا أبدانهم، وجميع من عصى الله فهم مثل الأنعام ~~والقردة بل أضل وأعقل. # {وإذ تأذن ربك} أي: علم، {ليبعثن عليهم} أي: كتب على نفسه ليسلطن عليهم، ~~{إلى يوم القيامة من يسومهم} من يوليهم، {سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب} ~~للكفار بالخذلان، {وإنه لغفور رحيم(167)} للمؤمنين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: - «عظهم». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «إبلاغ». PageV02P048 # وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك} ومنهم ناس دون ذلك ~~الوصف، منحطون عنه، وهم الفسقة. {وبلوناهم بالحسنات والسيئات} بالنعم ~~والنقم {لعلهم يرجعون(168)} يذكرون، فيحملهم التذكر إلى الرجوع إلى الحق. # {فخلف من بعدهم خلف} الخلف بدل السوء، بخلاف الخلف وهو الصالح، {ورثوا ~~الكتاب} وقفوا على ما فيها ولم يعملوا بها، {يأخذون عرض هذا الأدنى} حطام ~~الدنيا وما يتمتع به منها، {ويقولون سيغفر لنا} لا يؤاخذنا الله بما أخذنا، ~~ويتمنون على الله الأباطيل. {وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه} كأنهم لا يتورعون ~~عن عرض دنياوي تناله أيديهم، وهذا إخبار على حرصهم على الدنيا وإصرارهم على ~~الذنوب، نقول: إذا أشرف لهم شيء من الدنيا أخذوه حلالا كان أو حراما، ~~ويتمنون على الله المغفرة. {ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على ~~الله إلا الحق} أي: بأن لا يقولوا، والمراد توبيخهم على القطع بالمغفرة مع ms0296 ~~عدم التوبة، والدلالة على أنه افتراء على الله، وخروج عن ميثاق الكتاب، ~~وليس في التوراة ميعاد المغفرة على الإصرار. {ودرسوا ما فيه والدار الآخرة ~~خير} من ذلك العرض الخسيس، {للذين يتقون أفلا تعقلون(169)} أنه كذلك. # {والذين يمسكون بالكتاب} التمسك: الاعتصام والتعلق بالشيء، {وأقاموا ~~الصلاة} خص الصلاة مع أن التمسك بالكتاب يشتمل على كل عبادة لأنها عماد ~~الدين. {إنا لا نضيع أجر المصلحين(170)}. # { PageV02P049 وإذ نتقنا الجبل فوقهم} أي: قلعناه ورفعناه، كقوله: ~~{ورفعنا فوقكم الطور} (¬1) ، {كأنه ظلة} هي كل ما أظلك [184] من سقيفة أو ~~سحاب، {وظنوا أنه واقع بهم} قيل: وذلك لأنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة ~~لغلطها وثقلها، فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم، وقيل لهم: إن ~~قبلتموها على ما فيها وإلا ليقعن عليكم، فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل ~~منهم ساجدا على حاجبيه. {خذوا ما آتيناكم بقوة} بجد وعزيمة، ولا تنسوه ~~{واذكروا ما فيه} من النواهي والأوامر، {لعلكم تتقون(171)} قبائح الأعمال ~~ورذائل الأخلاق المؤدية إلى النار. # {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنا} هذا من باب التمثيل، ومعنى ذلك أنه نصب لهم من الأدلة على ~~ربوبيته ووحدانيته، وشهدت بها عقولهم التي ركبها فيهم، وجعلها مميزة بين ~~معرفة الرب والمربوب، وكأنه في المعنى على هذا القول: أشهدهم على أنفسهم ~~وقررهم، وقال لهم: «ألست بربكم»، فكأنهم قالوا: «بلى، أنت ربنا شهدنا على ~~أنفسنا، وأقررنا بوحدانيتك». {أن تقولوا} أي: فعلنا ذلك من نصب الأدلة ~~الشاهدة على صحتها العقول كراهة أن تقولوا {يوم القيامة إنا كنا عن هذا ~~غافلين(172)} لم ننبه عليه. فإن قيل: كيف يلزم الحجة واحد لا يذكر الميثاق؟ ~~قيل: قد أوضح الله الدلائل على وحدانيته وصدق رسله فيما أخبر، فإن أنكر كان ~~اذى (¬2) ناقضا للعهد، ولزمته الحجة، ونسيانهم وعدم حفظهم لا يسقط الاحتجاج ~~بعد إخبار المخبر الصادق صاحب المعجزة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البقرة: 63. # (¬2) - ... كذا في الأصل، والصواب: «إذن». PageV02P050 # أو تقولوا} أو كراهة أن تقولوا، {إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ms0297 ذرية من ~~بعدهم} فاقتدينا بهم، لأن نصب الأدلة على التوحيد وما نبهوا عليه قائم ~~معهم، فلا عذر لهم في الإعراض عنه والاقتداء بالآباء، كما لا عذر لآبائهم ~~في الشرك وأدلة التوحيد منصوبة لهم، لأن التقليد عند قيام الدليل، والتمكن ~~من العلم به لا يصلح عذرا. {أفتهلكنا بما فعل المبطلون(173)} أي: كانوا ~~السبب في شركنا، لتأسيسهم الشرك، وتركهم سنه لنا، وهو شبيه قوله: {أن ~~تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير} (¬1) . # {وكذلك} ومثل ذلك التفصيل البليغ، {نفصل الآيات} نبينها لهم {ولعلهم ~~يرجعون(174)} عن شركهم، بفضلها، إلى هذا ذهب المحققون من أهل التفسير، وذهب ~~جمهور المفسرين إلى أن الله تعالى أخرج ذرية آدم مثل الذر، وأخذ عليهم ~~الميثاق أنه ربهم بقوله: «ألست بربكم»؟ فأجابوه ب«بلى»، قالوا: وهي الفطرة ~~التي فطر الله الناس عليها (¬2) . وقال ابن عباس: أخرج الله من ظهر آدم ~~ذرية، وأراهم أباهم كهيئة الذر، وأعطاهم من العقل، وقال: هؤلاء ولدك ولدك ~~(¬3) ، آخذ عليهم الميثاق؛ (لعله) أو خلقهم محتملين للتكليف. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة المائدة: 19. في الأصل: «ما وجدنا من بشير». وهو خطأ. # (¬2) - ... إشارة إلى قوله تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا، فطرة الله ~~التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون}. سورة الروم: 30. # (¬3) - ... كذا في الأصل، مكرر. PageV02P051 # واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا} أوتي علم بعض كتب الله، {فانسلخ ~~منها} فخرج من الآيات بأن كفر بها ونبذها وراء ظهره، {فأتبعه الشيطان} ~~فلحقه الشيطان، وأدركه وأحاط به، وصار قرينا له عند انسلاخه من الآيات، ~~وكذلك يتبع كل من تصامم عن حجة قامت عليه من حجج الله تبارك وتعالى. {فكان ~~من الغاوين(175)} فصار من الضالين الكافرين. # {ولو شئنا لرفعناه} إلى منازل الأبرار من العلماء، {بها} أي: رفعنا ~~منزلته ودرجته بتلك الآيات، {ولكنه أخلد إلى الأرض} سكن إلى الدنيا ورغب ~~فيها، {واتبع هواه} انقاد لما دعا إليه الهوى، من إيثار الدنيا ولذاتها ~~(¬1) على الآخرة ونعيمها. {فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه} أي: تزجره ~~وتطرده، {يلهث [185] أو تتركه} غير ms0298 مطرود {يلهث} قيل: معناه هو ضال وعظ أو ~~ترك، ويخرج معناه أنه معذب بلهثه، حمل عليه أو طرد، وقيل: إن زجرته لم ~~ينزجر، وإن تركته لم يهتد. قال الغزالي: سواء عليه أتيته بالحكمة أو لم ~~تؤته فلا يدع شهوته. قال القتيبي: كل شيء يلهث من إعياء إلا الكلب، فإنه ~~يلهث في حال الكلال أو في حال الراحة. {ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا} ~~وذلك مثل لكل من كذب بشيء من آيات الله قامت عليه من كتاب أو سنة أو حجة ~~عقل. {فاقصص القصص} أي: قصص القرآن لأمتك، {لعلهم يتفكرون(176)} فيحذرون ~~مثل عاقبته إذا ساروا نحو سيرته. # {ساء مثلا القوم} أي: بئس مثل القوم {الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا ~~يظلمون(177)} فكان هذا مثلا لكل من كذب بشيء من آيات الله، وظلم نفسه بذلك. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «والذاتها». PageV02P052 # من يهد (¬1) الله فهو المهتدي ومن يضلل} تصريح بأن هداية الله تختص ببعض ~~دون بعض، وأنها مستلزمة للاهتداء، والمعنى تنبيه على أن المهتدي واحد ~~لاتحاد طريقهم، بخلاف الظالمين، وعلى أنه في نفسه كمال جسيم، ونفع عظيم، لو ~~لم يحصل له غيره لكفاه، وأنه المستلزم للفوز بالنعم الآجلة والعاجلة. ~~{فأولئك هم الخاسرون(178)}. # {ولقد ذرأنا} أي: خلقنا {لجهنم كثيرا من الجن والإنس} هم الكفار من ~~الفريقين، المعرضون عن تدبر آيات الله، والله علم منهم اختيار الكفر، فكان ~~منهم ما كان، وكان مسيرهم وسعيهم وعملهم إليها، كلما مضى عليهم وقت من ~~أعمارهم قربوا منها، ولا ينافي (¬2) بين هذا وبين قوله: {وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون} (¬3) . ثم وصف علاماتهم فقال: # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يهدي». وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، والصواب: «ولا تنافي». # (¬3) - ... سورة الذاريات: 56. PageV02P053 # لهم قلوب لا يفقهون بها} الحق من الباطل، إذ لا يلقونها إلى معرفة الحق ~~والنظر في الأدلة، {ولهم أعين لا يبصرون بها} طريق الجنة من طريق النار، ~~ولا ينظرون إلى ما خلق الله نظر اعتبار، {ولهم آذان لا يسمعون بها} الآيات ~~والمواعظ، سماع تأمل وتذكر. ثم ضرب لهم مثلا في الجهل والاقتصار على ms0299 الأكل ~~والشرب والباءة فقال: {أولئك كالأنعام} في عدم الفقه والإبصار للاعتبار، ~~وفي أن مساعدهم (¬1) وقواهم متوجه (¬2) إلى أسباب التعيش والتشهي، مقصورة ~~على ذلك؛ {بل هم أضل} ما يمكن لها أن تدرك من المنافع وتجتهد في جذبها ~~ودفعها غاية جهدها، وهم ليسوا كذلك، بل أكثرهم يعلم أنه معاند ليقدم على ~~النار. {أولئك هم الغافلون(179)} الكاملون في الغفلة. فالآدمي روحاني ~~شهواني، سماوي أرضي، (لعله) فإن غلب روحه هواه فاق ملائكة السماوات، وإن ~~غلب هواه روحه فاقته بهائم الأرض. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «سواعدهم». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «متوجهة». PageV02P054 # ولله الأسماء الحسنى} لأنها دالة على معاني هي أحسن المعاني، والمراد بها ~~الألفاظ، وقيل: الصفات، فمنها ما يستحقه بحقائقه كالقديم قبل كل شيء، ~~والباقي بعد كل شيء، والقادر على كل شيء، والعالم بكل شيء، والواحد الذي ~~ليس كمثله شيء؛ ومنها ما تستحسنه الأنفس لآثارها، كالغفور الرحيم، والشكور ~~والحليم؛ ومنها ما يوجب النحلوبه (¬1) كالفضل والعفو؛ ومنها ما يوجب مراقبة ~~الأحوال، كالسميع والبصير والمقتدر، ومنها ما يوجب الإجلال كالتعظيم ~~والتكبير؛ ومنها ما يوجب الهيبة كالقهار ونحوه. {فادعوه بها} فسموه بتلك ~~الأسماء، ونزهوه عما لا يليق به، والمعنى: فكل [186] اسم من أسماء الله ~~تبارك تعالى يوجب إجلالا فيعظم به، وكل اسم منها يوجب تنزيها فينزه به، وكل ~~اسم منها يوجب هيبة فيهاب منه، وكل اسم منها يوجب رحمة فيرجى به، وكل اسم ~~منها يوجب معنى من المعاني فيعبد (لعله) بدلالة ذلك الاسم (لعله) الدال على ~~ذلك المعنى. {وذروا الذين يلحدون في أسمائه} واتركوا تسمية الذين يميلون عن ~~الحق والصواب فيها فيسمونه بغير الأسماء الحسنى، بما لا تجوز عليه، ~~والإلحاد: العدول عن القصد. {سيجزون ما (¬2) كانوا يعملون(180)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «التحلي به». # (¬2) - ... في الأصل: «بما». وهو خطأ. PageV02P055 # وممن خلقنا} للجنة، لأنه في مقابلة: {ولقد ذرأنا لجهنم}. {أمة يهدون ~~بالحق وبه يعدلون(181)} ذكر ذلك بعدما بين أنه خلق للنار طائفة ضالين ~~ملحدين عن الحق للدلالة على أنه خلق أيضا للجنة أمة هادين بالحق، ms0300 عادلين في ~~الأمر، واستدل به على صحة الإجماع، لأن المراد منه أن في كل قرن طائفة بهذه ~~الصفات: «لا تزال أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، ~~حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك» (¬1) . # {والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم} سنستدبهم قليلا قليلا من الطاعة إلى ~~المعاصي على غير علم منهم بذلك، لقوله: {من حيث لا يعلمون(182)} ما يراد ~~بهم، وذلك أن يزين له سوء عمله فيراه حسنا؛ واستدرجه: خدعه وأدناه، كدرجه ~~وأقلقه حتى تركه يدرج على الأرض. قال أهل المعاني: الاستدراج أن يتدرج إلى ~~الشيء في خفية قليلا قليلا، فلا يباغت ولا يجاهر ومنه... (¬2) # {وأملي لهم} أردف لهم النعم وأمهلهم، {إن كيدي متين(183)} أخذي شديد، ~~سماه كيدا لأنه شبيه بالكيد من حيث إنه في الظاهر إحسان، وفي الحقيقة ~~خذلان. ولما نسبوا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الجنون فنزل (¬3) : # {أولم يتفكروا ما بصاحبهم} بمحمد - صلى الله عليه وسلم - {من جنة} من ~~جنون، {إن هو إلا نذير مبين(184)} منذر من الله، موضح إنذاره، ثم حثهم على ~~النظر المؤدي إلى العلم فقال: # { # ¬__________ # (¬1) - ... متفق عليه رواه الشيخان وأحمد عن معاوية، ورواه مسلم، ~~والترمذي، وابن ماجه عن ثوبان. انظر حديث رقم 7289، و7290 في صحيح الجامع. ~~(برنامج سلسلة كنوز السنة: الجامع الصغير وزياداته). # (¬2) - ... هنا إحالة إلى الهامش ولم يكتب الناسخ فيه شيئا، وفي العبارة ~~سقط واضح. # (¬3) - ... الصواب حذف الفاء. PageV02P056 # أولم ينظروا} نظر استدلال {في ملكوت السماوات والأرض} الملكوت: الملك ~~العظيم؛ وقيل: الملكوت هو كل ما غاب عن العوام وما لم يدرك إلا بنور ~~البصيرة فهو من الملكوت؛ ومعاني جملة القرآن من الملكوت، {وما خلق الله من ~~شيء} وفيما خلق الله مما يقع عليه اسم الشيء من أجناس لا يحصرها العدد ~~(لعله) لما خلق له ليدلهم على كمال قدرة صانعها، وتوحيد مبدعها، وعظم شأن ~~مالكها ومتولي أمرها، ليظهر لهم صحة ما يدعوهم إليه. {وأن عسى أن يكون قد ~~اقترب أجلهم} ولعلهم يموتون عما قريب فيسارعون إلى النظر وطلب الحق وما ~~ينجيهم قبل ms0301 مفاجأة الأجل وحلول العقاب. {فبأي حديث بعده} أي: بعد القرآن، ~~{يؤمنون(185)} بأي كتاب غير ما جاء محمد (¬1) - صلى الله عليه وسلم - ~~يؤمنون إذا لم يؤمنوا به، كأنه قيل: لعل أجلهم قد اقترب، فما لهم لا ~~يبادرون [إلى] الإيمان بالقرآن قبل الفوت، وماذا ينتظرون بعد وضوح الحق، ~~وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا، ولكن الحاصل من معناهم: # {من يضلل الله فلا هادي له} لعدم هداية الله إياهم، {ويذرهم في طغيانهم ~~يعمهون(186)} يتحيرون. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «ما جاء محمدا»، أو «ما جاء به محمد». PageV02P057 # يسألونك عن الساعة} وهي من الأسماء الغالبة، كالنجم للثريا، وسميت ~~القيامة بالساعة لوقوعها بغتة، أو لسرعة حسابها، أو لأنها عند الله طولها ~~كساعة من الساعات [187] عند الخلق؛ أو لأنها تأتي في ساعة من الساعات. ~~{أيان} بمعنى: متى، {مرساها} إرساؤها أو وقت إرسائها، أي: إثباتها، ~~والمعنى: متى يرسيها الله؟ {قل إنما علمها عند ربي} أي: علم وقت إرسائها ~~عنده قد استأثر به، لم يخبر به أحدا، من ملك مقرب ولا نبي مرسل، ليكون ذلك ~~أدعى للطاعة، وأزجر عن المعصية، كما أخفى الأجل الخاص للمخلوق، وهو وقت ~~الموت. {لا يجليها لوقتها إلا هو} لا يظهر أمرها، ولا يكشف خفاء علمها إلا ~~هو وحده، {ثقلت في السماوات والأرض} أي: كل من أهلها من الملائكة والثقلين ~~أهمه شأن الساعة خوفا من عذاب الله، ويتمنى أن يتجلى له علمها، وشق عليه ~~خفاؤها، وثقل عليه؛ أو ثقلت هي، لأن أهلها يخافون شدائدها وأهوالها. {لا ~~تأتيكم إلا بغتة} فجأة على غفلة، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : «إن ~~الساعة تهيج بالناس، والرجل يصلح حوضه، والرجل يسقي ماشيته، والرجل يقوم ~~سلعته في سوقه، والرجل يرفع ميزانه ويخفضه (¬1) . {يسألونك كأنك حفي عنها} ~~كأنك عالم بها، وحقيقته كأنك بليغ في السؤال عنها، لأن من بالغ في المسألة ~~عن الشيء والتنقير (¬2) عنه استحكم علمه منها. {قل إنما علمها عند الله ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون(187)} إنه المختص بالعلم بها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يخفظه». وهو خطأ. ms0302 # (¬2) - ... «وانتقر الشيء، وتنقره ونقره ونقر عنه، كل ذلك: بحث عنه، ~~والتنقير عن الأمر: البحث عنه». ابن منظور: لسان العرب، 6/702، مادة «قلب». PageV02P058 # قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله} إظهارا للعبودية، وبراءة ~~عما يختص بالربوبية من علم الغيب، أي: أنا عبد ضعيف، لا أملك لنفسي اجتلاب ~~نفع ولا دفع ضر كما كان للمماليك، إلا ما شاء مالكي من النفع لي والدفع ~~عني؛ {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} أي: لكانت ~~حالي على خلاف ما هي عليه من استكثار الخير واجتناب السوء، حتى لا يمسني ~~منها شيء؛ وقيل: الغيب: الأجل، والخير: العمل، والسوء: الوجل؛ ويحتمل الغيب ~~في الأمور والاختيارية[كذا] (¬1) المبهمة عليه، فيما يخص من أمر دينه ~~ودنياه، {إن أنا إلا نذير وبشير} إن أنا إلا عبد أرسلت بشيرا ونذيرا؛ وما ~~من شأني أن أعلم الغيب، {لقوم يؤمنون(188)} (لعله) بالغيب. # {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها} ليطمئن إليها ~~ويميل، {فلما تغشاها حملت حملا خفيفا} وهي النطفة، {فمرت به} فاستمرت به، ~~وقامت وقعدت، {فلما أثقلت} حان وقت ثقل حملها، {دعوا الله ربهما لئن آتيتنا ~~صالحا} لئن وهبت لنا ولدا سويا قد صلح بدنه، أو ولدا ذكرا، لأن الذكورة من ~~الصلاح، أو ولدا (لعله) نبيا. {لنكونن من الشاكرين(189)} أي: لنطيعك به. # {فلما آتاهما صالحا} ما طلبا، وهو ولد مطيع، {جعلا له شركاء فيما آتاهما} ~~(لعله) لم يجعله الله تبارك وتعالى خالصا، والمعنى: لم يطع الله سبحانه به، ~~{فتعالى الله عما يشركون(190) أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون(191)} ~~يعني الأصنام والرؤساء والسلاطين والقدماء [كذا]. {ولا يستطيعون لهم نصرا ~~ولا أنفسهم ينصرون(192)} فيدفعون عنها ما يعتريها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ويمكن أن نقرأ: «ويحتمل الغيب في الأمور، ~~والاختبار به المبهمة عليه»، ولعل الصواب حذف واو العطف. PageV02P059 # وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم ~~صامتون(193) إن الذين تدعون (¬1) من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم} لجلب ~~نفع، أو دفع ضر، ms0303 {فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين(194)} أنهم مستحقوا ~~العبادة من دون الله. # {ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها} ~~الحق، {أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم} واستعينوا بهم في عداوتي، ~~(¬2) {ثم كيدون} (¬3) جميعا، فبالغوا فيما تقدرون عليه أنتم [188] ~~وشركاؤكم، {فلا تنظرون(195)} فلا تمهلوني فإني لا (¬4) أبالي بكم. # {إن وليي} وناصري عليكم {الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين(196)} ~~لا غير، لأن من سنته أن ينصر الصالحين من عباده ولا يخذلهم. # {والذين تدعون (¬5) من دونه لا يستطيعون نصركم} لا يدفعون عنكم شيئا، ~~{ولا أنفسهم ينصرون(197)} ولا يدفعون عنها شيئا يضرها، {وإن تدعوهم إلى ~~الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون(198)} وجوه الصلاح. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يدعون»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كتبت عبارة في الهامش بخط نفس الناسخ، ولا يوجد ما يثبت أنها ~~للمؤلف أم من إضافة الناسخ، ولم توجد في المتن أي: إحالة إليه، وأثبتناها ~~في سياقها باجتهادنا، وهذا نصها: «نفى عنهم هذه القوى لأنها إن كانت جمادا ~~فهي خالية من ذلك، في الظاهر والباطن، وإن كانت حيوانا فلا تنفعهم بتلك ~~القوى، فكانت في المعنى كالمعدومة منها». # (¬3) - ... في الأصل: «كيدوني»، وهو خطأ. # (¬4) - ... في الأصل: «فإني الا أبالي». # (¬5) - ... في الأصل: «يدعون»، وهو خطأ. PageV02P060 # خذ العفو} اهو [كذا] ما عفا لك من أخلاق الناس وأفعالهم، والدنيا وما ~~فيها، ولا تطلب منهم الجهد وما يشق عليهم حتى لا ينفروا، كقوله - عليه ~~السلام - : «يسروا ولا تعسروا». {وأمر بالعرف} هو كل خصلة يرتضيها العقل، ~~ويقبلها الشرع، {وأعرض عن الجاهلين(199)} ولا تكافئ السفهاء بمثل سفههم، ~~ولا تمارهم، واحلم عنهم، أو لا تعمل كعملهم، وفسرها جبريل - عليه السلام - ~~بقوله: «صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك، ولا تخن من خانك» (¬1) . # ¬__________ # (¬1) - ... لم نعثر عليه بهذا اللفظ، وإنما وجدنا: # ... - رواية الترمذي عن أبي هريرة بلفظ: «أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا ~~تخن من خانك» قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب. كتاب البيوع، رقم 1185. وروى ~~نحوه: أبو داود: كتاب ms0304 البيوع، رقم 3067، 3068. أحمد: مسند المكيين، رقم ~~14877. الدارمي: كتاب البيوع، رقم 3484. # ... - رواية أحمد بلفظ: «أفضل الفضائل أن تصل من قطعك وتعطي من منعك ~~وتصفح عمن شتمك»، مسند المكيين، رقم 15065. PageV02P061 # وعن الصادق: «أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق»، وليس في القرآن آية مفسرة ~~أجمع لمكارم الأخلاق منها، وما سواه ينافي الحكمة، لأن من أراد الإنصاف من ~~الناس في معاملتهم طلب ما لا يدرك وتعب. ويوجد عن أبي سعيد فيما أرجو في ~~تأويل هذه الآية قال: فتأول ذلك المسلمون بالرواية عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «صل من قطعك، وأعط من منعك، وأنصف من ظلمك، واعف عمن ~~شتمك» (¬1) ، وهذا كله من الحق، وبالحق، وللحق. وقد قال من قال من ~~المسلمين: من عصى الله فينا، أطعنا الله فيه، فلا يكون إلا هكذا، والله ~~الموفق للصواب. # {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ}، وما (¬2) ينخسنك منه نخس، بأن يحملك ~~بوسوسته على خلاف ما أمرت به، وهو أن تغضب لغير الله، ولا يخرجك غضبك من ~~الحق، {فاستعذ بالله} ولا تطعه، والنزغ: النخس، كأنه ينخس الناس حتى يغر ~~بهم على المعاصي، {إنه سميع} لنزغه، {عليم(200)} بدفعه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه أحمد بلفظ: «...قال عقبة ثم لقيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فابتدأته فأخذت بيده فقلت: يا رسول الله، أخبرني بفواضل ~~الأعمال، فقال: “يا عقبة صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك”». أحمد ~~مسند الشاميين، رقم 16696، ورقم 16810. # (¬2) - ... كذا في الأصل، والصواب: «وإما». PageV02P062 # إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان} هي الوسوسة، وهذا تأكيد لما ~~تقدم من وجوب الاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان، وإن عادة المتقين إذا ~~أصابهم أدنى نزغ من الشيطان، وإلمام بوسوسته، {تذكروا} أي: رجعوا إلى نور ~~العلم، فامتثلوا ما أمر الله به، وانتهوا عما عنما (¬1) نهى عنه فيما دعاهم ~~إليه. {فإذا هم مبصرون(201)} أي: انكشف لهم الإشكال فأبصروا الحق فاتبعوه، ~~ودفعوا وسوسته، وحقيقة ذلك أن يفروا منه إلى الله، فيزدادوا بصيرة من الله ~~وبالله. # {وإخوانهم} وأما إخوان الشياطين من شياطين الإنس فإن الشياطين من الجن ms0305 ~~{يمدونهم في الغي} يكونون مددا لهم فيه، ويعضدونهم، يمدونهم: من الإمداد ~~مدبي[كذا]، وقيل: لكل كافر أخ شيطاني. {ثم لا يقصرون(202)} ثم لا يمسكون عن ~~إغوائهم، حتى يصروا ولا يرجعوا. وجاز أن يراد: بالإخوان: الشياطين، ويرجع ~~الضمير المتعلق به إلى «الجاهلين»، والأول أوجه، لأن «إخوانهم» في مقابلة: ~~«الذين اتقوا»، وإنما جمع الضمير في «إخوانهم» والشيطان (¬2) ، لأن المراد ~~به الجنس. # {وإذا لم تأتهم بآية} مقترحة، {قالوا لولا اجتبيتها} هلا اخترتها، أي: ~~اختلقتها كما اختلقت ما قبلها. {قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي} ولست ~~بمقترح لها. {هذا بصائر من ربكم} هذا القرآن [189] بصائر القلوب، بها تبصر ~~الحق، وتدرك الصواب، {وهدى} يهدي إلى الحق، {ورحمة} ينال الرحمة من اتبعه، ~~{لقوم يؤمنون(203)} به. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، والصواب: - «عنما». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «وأفرده في “الشيطان”». PageV02P063 # وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون(204)} ظاهره وجوب ~~الاستماع والإنصات وقت قراءة القرآن في الصلاة وغيرها، وقيل: معناه إذا تلا ~~عليكم الرسول القرآن عند نزوله فاستمعوا له، والجمهور على أن (¬1) في ~~استماع المؤتم. وإذا كان الاستماع واجبا على المؤتم فما ظنك في الإمام أو ~~المصلي وحده إذا قرأ وهو ساهي القلب!. # {واذكر ربك في نفسك} قيل: عام في الأذكار من قراءة القرآن والدعاء ~~والتسبيح والتهليل وغير ذلك، {تضرعا وخيفة} متضرعا وخائفا. {ودون الجهر من ~~القول} ومتكلما كلاما دون الجهر، لأن الإخفاء أدخل في الإخلاص، وأقرب إلى ~~حسن التفكر، {بالغدو والآصال} لفضل هذين الوقتين، وقيل: المراد: إدامة ~~الذكر باستقامة الفكر، ومعنى «بالغدو» بأوقات الغدو، وهي الغداة، والآصال ~~جمع أصل، والأصل جمع أصيل، وهو العشي، ويمكن أن يريد بذلك الصلاة، لأن ~~الذكر صلاة. {ولا تكن من الغافلين(205)} من الذين يغفلون عن ذكر الله، ~~ويلهون عنه، فتصير مصيدا للشيطان، لأن الشيطان يخنس عند الذكر. # {إن الذين عند ربك} مكانة ومنزلة لا مكانا منزلا، يعني الملائكة، ومن ~~اقتدى بهم من الإنس، {لا يستكبرون عن عبادته} لا يتعظمون، ولا يستنكفون، ~~{ويسبحونه} وينزهونه عما لا يليق به، {وله يسجدون(206)} يخصونه ms0306 بالعبادة ~~ولا يشركون به غيره، وهو تعريض للاقتداء بهم حسب الطاقة، لا في وقت دون ~~وقت، ولا في حال دون حال. وذلك من مباهاة الله بالملائكة عباده المؤمنين. # سورة الأنفال # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «أنه». PageV02P064 # يسألونك عن الأنفال، قل: الأنفال لله والرسول} النفل: الغنيمة، لأنها من ~~فضل الله وعطائه، والأنفال: الغنائم، سئل عن قسمها، فقال له: إن حكمها مختص ~~بالله ورسوله، يأمر الله بقسمتها رسوله على ما تقتضيه حكمته، {فاتقوا الله} ~~في الاختلاف والتخاصم، وكونوا متآخين في الله، {وأصلحوا ذات بينكم} أحوال ~~بينكم، يعني: ما بينكم من الأحوال، حتى تكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق. وقال ~~الزجاج: معنى «ذات بينكم» حقيقة وصلكم، والبين الوصل، أي: فاتقوا الله، ~~وكونوا مجتمعين على ما أمر الله ورسوله به، {وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم ~~مؤمنين(1)} فإن الإيمان يقتضي ذلك، لأن من اختل منه الإيمان الحقيقي لا ~~تتأتى منه النيات الخالصة، ولا الأعمال الصالحة، ولا (¬1) الأقوال الصادقة. ~~يقول: ليس المؤمن الذي (لعله) كذب الله ورسوله، إنما المؤمن الصادق، وعلامة ~~صدقه كما قال: # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «والا»، وهو خطأ. PageV02P065 # إنما المؤمنون} صفة كاملي الإيمان، {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} ~~فزعت لذكره استعظاما له، وترغيبا لما عنده، وتهيبا من جلاله وعزه وسلطانه، ~~وإذا خوف بالله انقاد خوفا من عقابه، ورجاء لثوابه، {وإذا تليت عليهم ~~آياته} القرآن وتأويله، {زادتهم إيمانا} ازدادوا بها يقينا واطمئنانية، لأن ~~تظاهر الأدلة أقوى للمدلول عليه، وأثبت لقدمه، أو زادتهم إيمانا بتلك ~~الآيات، لأنهم لم يقفوا عليها بعد، ولمعرفتهم لأحكامها زيادة إيمان مع ~~إيمانهم. ويروى عن عمر بن حبيب أنه قال فكانت له صحة[كذا]: «إن للإيمان ~~زيادة ونقصانا»، قيل: فما زيادته؟ قال: «إذا ذكرنا الله وحمدناه، فذلك ~~زيادته، وإذا سهونا وغفلنا فذلك نقصانه». وقيل: كتب عمر بن عبد العزيز إلى ~~عدي بن [190] عدي: «إن الإيمان فرائض وشرائع، وحدود وسنن (¬1) ، فمن ~~استكملها استكمل الإيمان»، {وعلى ربهم يتوكلون(2)} يعتمدون؛ ولا يفوضون ~~أمورهم إلى غير ربهم، لا يخشون ولا يرجون إلا ms0307 ربهم. # {الذين يقيمون الصلاة، ومما رزقناهم ينفقون(3)} جمع بين أعمال القلوب من ~~الوجل والإخلاص والتوكل، وبين أعمال الجوارح من الصدقة والصلاة، لأن أعمال ~~الجوارح لا تتأتى ولا تستقيم إلا باستقامة أعمال القلوب؛ لأن القلب هو ~~السلطان. {أولئك هم المؤمنون حقا} لأنهم حققوا إيمانهم، وشهد لهم الدليل ~~أنهم على الحق والصدق؛ {لهم درجات} مراتب بعضها فوق بعض، على قدر الأعمال، ~~{عند ربهم ومغفرة} وتجاوز لسيئاتهم، {ورزق كريم(4)} صاف عن كد الاكتساب، ~~وخوف الحساب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «حدودا وسننا»، وهو خطأ. ، أو: «أن للإيمان فرائض ~~وشرائع، وحدودا وسننا». PageV02P066 # كما أخرجك ربك من بيتك} يريد بيته بالمدينة، أو المدينة نفسها، لأنها ~~مهجره ومسكنه، {بالحق} إخراجا ملتبسا بالحكمة والصواب. {وإن فريقا من ~~المؤمنين لكارهون(5)} قيل: إنهم منافقون كرهوا ذلك اعتقادا، ويحتمل أن ~~يكونوا مخلصين (¬1) ، ويكون ذلك كراهة طبع، لأنهم غير متأهبين له. { ~~يجادلونك في الحق} الحق الذي جادلوا فيه رسول الله، تلقي العير على تلقي ~~النفير لإيثارهم عليه. {بعد ما تبين} بعد إعلام رسول الله بأنهم ينصرون، ~~وجدالهم قولهم: ما كان خروجنا إلا للعير، وهلا قلت لنا لنستعد، وذلك ~~لكراهتهم القتال على ما قيل. {كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون(6)} شبه ~~حالهم في فرط فزعهم، وهم يسار بهم إلى الظفر والغنيمة بحال من يقاد إلى ~~القتل، ويساق إلى الصغار إلى الموت، وهو مشاهد لأسبابه، ناظر إليها لا يشك فيها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «مخصلين»، وهو خطأ. PageV02P067 # وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم} وهما العير والنفير، {وتودون أن ~~غير ذات الشوكة تكون لكم} أي: العير، وذات الشوكة ذات السلاح، والشوكة كانت ~~في النفير لعددهم وعدتهم، أي: تتمنون أن تكون لكم العير لأنها الطائفة التي ~~لا سلاح لها، ولا تريدون الطائفة الأخرى. {ويريد الله أن يحق الحق} أي: ~~يثبته، ويلقيه {بكلماته} بآياته المنزلة في محاربة ذات الشوكة، وبما أمر ~~الملائكة من نزولهم للنصرة، وبما قضى في قتلهم، وليبلو بعضكم ببعض، لتعظيم ~~الأجر، {ويقطع دابر الكافرين(7)} آخرهم، والدبر: الآخر، وقطع الدبر عبارة ~~عن الاستئصال. يعني: أنكم تريدون ms0308 الفائدة العاجلة، وسفساف الأمور، والله ~~تعالى يريد معالي الأمور ونصرة الحق، وعلو الكلمة، وشتان ما بين المرادين، ~~ولذلك اختار لكم الطائفة ذات الشوكة، وكسر قوتهم بضعفكم، وأعزكم وأذلهم. # {ليحق الحق} ليثبت الإسلام، {ويبطل الباطل} ويذهب الباطل، أي: ما أمركم ~~بقتال الطائفة ذات الشوكة إلا لإظهار الحق وإثباته، وإبطال الكفر ومحقه. ~~{ولو كره المجرمون(8)} المشركون. # {إذ تستغيثون ربكم} لما علموا أنه لا بد من القتال طفقوا يدعون الله، ~~يقولون: «رب انصرنا على عدوك»، {فاستجاب لكم} فأجاب: {أني ممدكم} أي: ~~ممدكم[كذا] {بألف من الملائكة مردفين(9)} بكسر الدال وبفتحها على أنه أردف ~~كل ملك ملكا آخر. # { PageV02P068 وما جعله الله} أي: الإمداد الذي دل عليه «ممدكم»، {إلا ~~بشرى} إلا بشارة لكم بالنصر، كما جعل المال في اليد سببا للرزق، {ولتطمئن ~~[191] به قلوبكم} لأن طبع النفوس تطمئن وتسكن إلى ما تراه عين اليقين، ~~وكقول إبراهيم: {ولكن ليطمئن قلبي} (¬1) . {وما النصر إلا من عند الله} أي: ~~ولا تحسبوا النصر من الملائكة، فإن الناصر هو الله لكم وللملائكة، أو ما ~~النصر بالملائكة وغيرهم من الأسباب إلا من عند الله، واختلف في قتال ~~الملائكة، فقيل: إنهم كانوا يقاتلون بأيديهم، نزلوا في صور الرجال، عليهم ~~ثياب بيض وعمائم بيض، قد أرخوا أذيالها بين أكتافهم؛ وقيل: أنهم لم ~~يقاتلوا، وإنما كانوا يكثرون السواد، ويثبتون المؤمنين، كقوله: {فثبتوا ~~الذين آمنوا}، وإلا فملك واحد كاف في إهلاك أهل الدنيا. {إن الله (¬2) ~~عزيز} ينصر أولياءه، {حكيم(10)} يقهر أعداءه. # {إذ يغشيكم (¬3) النعاس} النوم، والفاعل هو الله على القراءتين (¬4) . ~~{أمنة} بمعنى أمنا، فالنوم يزيح الرعب، ويريح النفس؛ قيل النعاس في القتال ~~أمنة، {منه} (¬5) من الله، وفي الصلاة من الشيطان، {وينزل عليكم من السماء ~~ماء ليطهركم به، ويذهب عنكم رجز الشيطان} طاعته وعبادته، {وليربط على ~~قلوبكم، ويثبت به الأقدام(11)} بالربط، لأن القلب إذا تمكن فيه الصبر يثبت ~~الأقدام في مواطن القتال. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البقرة: 260. # (¬2) - ... في الأصل: - «الله»، وهو خطأ. # (¬3) - ... في الأصل: «يغشاكم»، وهو خطأ. # (¬4) - ... في الأصل: «والفاعفل هو الله على القراتين». # (¬5) - ... في الأصل: - «منه»، وهو خطأ. ms0309 PageV02P069 # إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم} بالنصر، {فثبتوا الذين آمنوا} ~~بالإلهام بالبشرى بالنصر، أو الجنة، و قيل: بالمعونة. {سألقي في قلوب الذين ~~كفروا الرعب} هو امتلاء القلب من الخوف، وعدم الثبات[كذا] من الملائكة لهم، ~~لأن الذي يثبتهم وهو الشيطان {إذا تراءت الفئتان نكص على عقبيه، وقال: إني ~~بريء منكم إني أرى ما لا ترون...} (¬1) الآية. {فاضربوا فوق الأعناق} أي: ~~أعالي الأعناق التي هي المذابح، تطييرا للرؤوس، أو إرادة الرؤوس (¬2) ، ~~لأنها فوق الأعناق، يعني: ضرب الهام، {واضربوا منهم كل بنان(12)} هي ~~الأصابع يريد الأطراف، والمعنى: فاضربوا المقاتل. # {ذلك} إشارة إلى ما أصابهم من الضرب والقتل والعقاب العاجل؛ {بأنهم شاقوا ~~الله ورسوله} أي: ذلك العقاب وقع بسبب مشاقتهم، أي: مخالفتهم، وهي مشتقة من ~~الشق، كل المتعادين في شق خلاف شق صاحبه، وكذا المعاداة والمخاصمة، لأن هذا ~~في عدوة (¬3) وخصم، أي: جانب، وذا في عداوة وخصم. {ومن يشاقق الله ورسوله، ~~فإن الله شديد العقاب(13)} أي: يعاقب المشاقق في الدنيا والآخرة. # {ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار(14)} أي: ذوقوا العاجل مع الآجل ~~الذي لكم في الآخرة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأنفال: 48؛ وتمامها: {وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم، ~~وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم، فلما تراءت الفئتان نكص ~~على عقبيه، وقال: إني بريء منكم، إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله ~~شديد العقاب}. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «أو أراد الرؤوس». # (¬3) - ... «والعدى والعدوة والعدوة، والعدوة، كله: شاطئ الوادي». ابن ~~منظور: لسان العرب، 4/714، مادة «عدا». PageV02P070 # يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا} الزحف: الجيش الدهم ~~(¬1) الذي يري لكثرته كأنه يزحف، أي: يدب دبيبا، من “زحف الصبي” إذا دب على ~~استه قليلا قليلا. {فلا تولوهم الأدبار(15)} فلا تنصرفوا عنهم منهزمين إذا ~~لقيتموهم للقتال. # {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا} مائلا {لقتال} وهو الكر بعد الفر، ~~يخيل عدوه أنه منهزم، ثم يعطف عليه، وهو من خدع الحرب، {أو متحيزا} منضما ~~{إلى فئة} إلى جماعة أخرى من المسلمين، {فقد باء بغضب ms0310 من الله ومأواه جهنم ~~وبئس المصير(16)}. # {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم} إن افتخرتم بقتلهم، فأنتم لم تقتلوهم، ~~ولكن الله قتلهم؛ لأن في الحقيقة لا فاعل إلا الله، وما سواه أفعال وهمية، ~~وهذه الآية ناعية للمعجبين بأعمالهم، {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} ~~يحتمل إذ رميت مجازا ولكن الله رمى [192] في الحقيقة، وفي الآية بيان أن ~~فعل العبد مضاف إليه كسبا، وإلى الله تعالى خلقا، ومعناه قد عفر في وجوه ~~المشركين بكف رمل حين أخذ أصحابه القتال، فكان ذلك سبب هزيمة أعداء الله. ~~{وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا} لأن مآل جزائهم بالإحسان، ضد ما يبلي ~~غيرهم وهو العذاب الأدنى، {إن الله سميع} لدعائهم، {عليم(17)} بأحوالهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الدهم: الكثير. قال «الأزهري: ولما نزل قوله تعالى: {عليها ~~تسعة عشر} قال أبو جهل: “ما تستطيعون يا معشر قريش وأنتم الدهم أن يغلب كل ~~عشرة منكم واحدا منهم” أي وأنتم كثير. وجيش دهم: أي كثير». ابن منظور: لسان ~~العرب، 2/1027. PageV02P071 # ذلكم} إشارة إلى البلاء الحسن. {وأن الله موهن كيد الكافرين(18)} إذ لا ~~أساس (¬1) له ولا مدد؛، لأنه مبني على غرور الشيطان. {إن تستفتحوا، فقد ~~جاءكم الفتح} إن تستنصروا فقد جاءكم النصر عليكم؛ قيل: هو خطاب لأهل مكة، ~~لأنهم حين أرادوا أن ينفروا تعلقوا بأستار الكعبة، وقالوا: «اللهم إن كان ~~محمد على حق فانصره؛ وإن (¬2) كنا على حق فانصرنا»، وقيل: «إن تستفتحوا» ~~خطاب للمؤمنين. {وإن تنتهوا} أيها الكافرون عن عداوة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ، {فهو خير لكم، وإن تعودوا} لمحاربته {نعد} لنصرته عليكم، ~~{ولن تغني عنكم فئتكم} جمعكم {شيئا ولو كثرت} عددا، {وأن الله مع ~~المؤمنين(19)} بالنصر. # {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه} عن رسول الله ~~{وأنتم تسمعون(20)} آيات الله. # {ولا تكونوا كالذين قالوا: سمعنا} أي: ادعوا السماع، {وهم لا يسمعون(21)} ~~لأنهم ليسوا بمصدقين، وكأنهم غير سامعين، والمعنى: أنكم تصدقون بالقرآن ~~والنبوة، فإذا توليتم عن طاعة الرسول في بعض الأمور أشبه سماعكم سماع من لا ~~يؤمن، ثم قال: # {إن ms0311 شر الدواب} أي: شر من دب على وجه الأرض من خلق الله، {عند الله الصم ~~البكم} عن الحق، فلا يسمعونه ولا يقولونه، {الذين لا يعقلون(22)} أمر الله، ~~أن شر من يدب على وجه الأرض، أو أن شر البهائم الذين هم صم عن الحق لا ~~يعقلونه، جعلهم من جنس البهائم، ثم جعلهم أشر منها؛ لأنهم عاندوا الحق ~~وكابروا العقل. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «ساس»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «ون»، وهو خطأ. PageV02P072 # ولو علم الله فيهم} في هؤلاء الصم البكم {خيرا} صدقا ورغبة، {لأسمعهم} ~~لجعلهم سامعين حتى يسمعوا سماع المصدقين، {ولو أسمعهم} بعد أن علم أن لا ~~خير فيهم، ما انتفعوا به، {لتولوا} عنه، ولو أسمعهم وصدقوا لارتدوا بعد ذلك ~~ولم يستقيموا، أو ولو فهمهم معاني آياته لتولوا عن العمل بها، {وهم ~~معرضون(23)} عن الإيمان والعمل بمقتضاه. # {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول} للطاعة {إذا دعاكم} والمراد ~~بالاستجابة: الطاعة والامتثال، وبالدعوة: البعث والتحريض. {لما يحييكم} ~~الحياة الأبدية، من علوم الديانات والشرائع، لأن العلم حياة، كما أن الجهل ~~موت، {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} أوجب على (¬1) المبادرة إلى ~~إخلاص القلوب، وتصفيتها قبل أن يحول الله بينه وبين قلبه بالموت وغيره، ~~فيميته، فتفوته الفرصة التي هو واجدها، وهي التمكن من إخلاص القلب، ~~فاغتنموا هذه الفرصة وأخلصوا قلوبكم لطاعته، لأن القلوب تحيا وتموت، {وأنه ~~إليه تحشرون(24)}. # {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} واتقوا فتنة، أي: معصية ~~ظهرت بين أظهركم من فاعلها، اتقوها بالنهي لفاعلها، وأمروه بضدها وهو ~~المعروف، فإنكم إن لم تفعلوا أصابتكم عاقبة الفتنة الذين أتوها أنتم ~~وإياهم، فهم استحقوا العقوبة بفعلهم لها، وأنتم بترككم الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر. {واعلموا أن الله شديد العقاب(25)} لمن ارتكب المعاصي ~~[193] ولمن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: - «على». PageV02P073 # واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض} قيل: أرض مكة قبل الهجرة، ~~{تخافون أن يتخطفكم الناس} لأن الناس كانوا لهم أعداء مضادين {فآواكم} إلى ~~المدينة، {وأيدكم بنصره} بمظاهرة ms0312 الأنصار، وبإمداد الملائكة، {ورزقكم من ~~الطيبات} من الغنائم، أو رزقكم أطيب مما هاجرتم عنه، {لعلكم تشكرون(26)} ~~نعم الله التي أوجدها لكم. # {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله} بأن تعطلوا فرائضه، {والرسول} بأن ~~لا تستنوا بسنته، {وتخونوا أماناتكم} فيما بينكم بأن لاتحفظوها، {وأنتم ~~تعلمون(27)} أنها أمانة، أو تبعة ذلك ووباله، أو {وأنتم تعلمون} أنكم ~~تخونون، ومعنى الخون: النقص، كما أن معنى الوفاء: التمام. # {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة} أي: سبب الوقوع في الفتنة، وهي ~~الإثم والعذاب، أو محنة من الله ليبلوكم كيف تحافظون فيهم على حدوده، {وأن ~~الله عنده أجر عظيم(28)} إذا امتثلتم في فتنة أموالكم وأولادكم أمر الله ~~فيما ابتلاكم به. # { PageV02P074 يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} هداية ~~في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل، ومخرجا من الشبهات، وشرحا في ~~الصدور، وذلك إذا طهرتم قلوبكم من الهوى والمرض مخافة عقوبته، أبصرتم بعين ~~البصيرة الميز بين الحق والباطل، لقوله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ~~ويرزقه من حيث لا يحتسب} (¬1) أي: إن اتقيتم الله يجعل لكم مخرجا من ~~الشبهات. {ويكفر عنكم سيئاتكم} أي: الصغائر، {ويغفر لكم} ذنوبكم أي: ~~الكبائر، {والله ذو الفضل العظيم(29)} لمن اتقاه، فجعل الله تعالى فرقانه ~~وتكفيره للسيئات وغفرانه للذنوب بملازمة تقواه لا غير، فلا مطمع في ~~الارتقاء في تلك المنازل السنية، إلا بملازمة تقواه بفعل ما أمر به وترك ما ~~نهى عنه. # {وإذ يمكر بك الذين كفروا} قيل: لما فتح الله عليه ذكره مكر قريش به حين ~~كان بمكة، ليشكر نعمة الله في نجاته من مكرهم، واستيلائه عليهم، {ليثبتوك} ~~ليحبسوك ويوثقوك، {أو يقتلوك} بسيوفهم، {أو يخرجوك} من مكة، {ويمكرون} ~~ويخفون المكائد له، {ويمكر الله} ويخفي الله ما أعد لهم حتى يأتيهم بغتة من ~~حيث لا يشعرون، {والله خير الماكرين(30)} أي: مكره أبعد من مكرهم وأبلغ ~~تأثيرا؛ لأن مكره على قدر عظمته، وعظمته ليست متناهية إلى حد، ومكر الله: ~~التدبير بالحق. # {وإذا تتلى عليهم آياتنا} أي: القرآن، {قالوا: قد سمعنا لو نشاء ms0313 لقلنا ~~مثل هذا، إن هذا إلا أساطير الأولين(31)} وذلك من تعاظم وقاحتهم، لأنهم ~~دعوا إلى أن يأتوا بسورة من مثل القرآن، فلم يأتوا بها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الطلاق: 2-3. PageV02P075 # وإذ قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من ~~السماء} روي أن النضر بن الحارث لما قال: {إن هذا إلا أساطير الأولين} (¬1) ~~قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : «ويلك إن هذا كلام الله» فرفع النضر ~~رأسه إلى السماء وقال: {إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من ~~السماء} (¬2) أي: إن كان القرآن هو الحق، فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما ~~فعلت بأصحاب الفيل، {أو ائتنا بعذاب أليم(32)} بنوع آخر، فقيل: إنه قتل يوم ~~بدر صبرا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأنعام: 25. # (¬2) - ... قائل هذا هو أبو جهل لا النضر بن الحارث عند البخاري ومسلم، ~~فقدر روى البخاري، عن عبدالحميد هو ابن كرديد صاحب الزيادي سمع أنس بن مالك ~~- رضي الله عنه - قال أبو جهل: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم فنزلت {وما كان الله ليعذبهم ~~وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون وما لهم أن لا يعذبهم الله وهم ~~يصدون عن المسجد الحرام...} الآية. البخاري: كتاب تفسير القرآن، رقم 4281، ~~4282. مسلم: كتاب صفة القيامة والجنة والنار، رقم 5004. PageV02P076 # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم} الدلالة على أن تعذيبهم وأنت بين أظهرهم ~~غير مستقيم، لأنك بعثت رحمة للعالمين؛ وسنته أن لا يعذب قوما عذاب استئصال، ~~ما دام بينهم بين أظهرهم، وفيه إشعار بأنهم مرصدون بالعذاب إذا هاجر عنهم، ~~{وما كان الله معذبهم [194] وهم يستغفرون(33)} معناه نفى الاستغفار عنهم، ~~أي: ولو كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذبهم، أو معناه: وما كان ~~الله معذبهم وفيهم من يستغفر، وهم المسلمون بين أظهرهم ممن تخلف عن رسول ~~الله من المستضعفين لعذر. # {وما لهم ألا يعذبهم الله} أي: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وهو ~~معذبهم إذا فارقتهم {وما لهم ألا يعذبهم ms0314 الله وهم يصدون عن المسجد الحرام} ~~وكيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام، أي: يمنعون المؤمنين ~~الطواف بالبيت، وكانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم، فنصد من نشاء وندخل ~~من نشاء، فقيل: {وما كانوا أولياءه} وما استحقوا مع إشراكهم وعداوتهم للدين ~~أن يكونوا ولاة أمر الحرم، ولعلهم يظنون أنهم أولياؤه بمخالفتهم لأوليائه ~~وهم المتقون، كما قال: {إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون(34)} ~~ذلك من قلة تدبرهم، فولاة أمور الإسلام كلها من اتقى الله إلا ما خص به ~~غيرهم مما جعلوا فيه أولياء. # { PageV02P077 وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء} صفير كصوت المكاء، وهو ~~طائر مليح الصوت أبيض، يكون بالحجاز له صفير فيما قيل؛ {وتصدية}: وتصفيقا، ~~كانوا يفعلون نحو ذلك إذا قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاته ~~يخلطون عليه فيما قيل؛ {فذوقوا العذاب} عذاب القتل والأسر، أو عام العذاب ~~(¬1) الأدنى. {بما كنتم تكفرون(35)} بسبب كفركم. # {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله} أي: كان غرضهم في ~~الإنفاق الصد عن اتباع محمد - عليه السلام - ، وهو سبيل الله، {فسينفقونها، ~~ثم تكون عليهم حسرة} ثم تكون عاقبة إنفاقهم ندما وحسرة؛ لأن كل نفقة وعمل ~~لغير الله تكون حسرة على فاعله. {ثم يغلبون} آخر الأمر، وإن كان الحرب ~~سجالا قبل ذلك؛ وهو من دلائل النبوة، لأنه أخبر عنه قبل وقوعه، فكان كما ~~أخبر. {والذين كفروا إلى جهنم يحشرون(36)}. # {ليميز الله الخبيث من الطيب} ليميز الكافرين من المؤمنين، {ويجعل الخبيث ~~بعضه على بعض فيركمه} فيجمعه، ومنه السحاب المركوم: وهو المجتمع الكثيف، ~~{جميعا، فيجعله في جهنم} في الآخرة، أو في طريقها في الدنيا، كما قال: {ولا ~~ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم} (¬2) . {أولئك هم الخاسرون(37)} الكاملون في ~~الخسران، لأنهم خسروا الدنيا والآخرة بذهاب رأس المال والربح، لأن تجارتهم ~~قد بارت، فلا يرجى لها نفاق. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «أو عام للعذاب». # (¬2) - ... سورة النساء: 168- 169. PageV02P078 # قل للذين كفروا: إن ينتهوا} عما هم عليه {يغفر لهم ما قد سلف} منهم من ms0315 ~~العداوة، وما عملوه، وهو وعد لكل تائب بالتوبة، والقبول إذا صحت؛ وقيل: ~~مخصوصة للمتدينين أن لا غرم عليهم؛ {وإن يعودوا} لما كانوا عليه من الكفر، ~~{فقد مضت سنة الأولين(38)} بالإهلاك في الدنيا والعذاب في العقبى. # {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} حتى لا يبقى منهم إلا مسلم أو مستسلم، ولم ~~توجد فيهم معصية ظاهرة يجب إنكارها، بدليل قوله: {ويكون الدين كله لله} ~~ويضمحل عنهم كل دين باطل، ويبقى فيهم دين الإسلام وحده، {فإن انتهوا} عن ~~الكفر وأسلموا، {فإن الله بما يعملون بصير(39)} يثبتهم على إسلامهم. # {وإن تولوا} أعرضوا عن الإيمان، ولم ينتهوا، {فاعلموا أن الله مولاكم} ~~ناصركم ومعينكم، فثقوا بولايته ونصرته؛ {نعم المولى} لا يضيع من تولاه، ~~{ونعم النصير(40)} لا يغلب من نصره. # {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~[195] والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله} فاعملوا به، وارضوا بهذه ~~القسمة، فالإيمان يوجب الرضى بالحكم، والعمل بالعلم، {وما أنزلنا} أي: إن ~~كنتم آمنتم بالله وبالمنزل {على عبدنا يوم الفرقان} يوم بدر، لأنه فرق فيه ~~بين الحق والباطل، {يوم التقى الجمعان} الفريقان من المسلمين والكافرين، ~~والمراد: ما أنزل عليه من الآيات والملائكة والفتح، لأن على المؤمن أن يؤمن ~~بجميع ما يرى من الآيات، {والله على كل شيء قدير(41)} يقدر على أن ينصر ~~القليل على الكثير. # { PageV02P079 إذ أنتم بالعدوة} شط الوادي وشفير الوادي {الدنيا} القربى ~~إلى جهة المدينة، تأنيث الأدنى، {وهم بالعدوة القصوى} البعدى على المدينة ~~تأنيث الأقصى، {والركب} أي: العير، أبا سفيان وأصحابه، وهو جمع راكب في ~~المعنى، {أسفل منكم} وفائدتها الدلالة على قوة العدو، واستظهارهم بالركب، ~~وحرصهم على المقاتلة عنها، وتوطين نفوسهم على أن لا تخلو مراكزهم، ويبذلوا ~~منتهى جهدهم، وضعف شأن المسلمين؛ وكذا ذكر مراكز الفريقين، فإن العدوة ~~الدنيا قيل كانت رخوة تسوخ (¬1) فيها الأرجل، بخلاف العدوة القصوى. {ولو ~~تواعدتم} أنتم وأهل مكة، وتواضعتم بينكم على موعد تلتقون فيه للقتال؛ ~~{لاختلفتم في الميعاد} لخالف بعضكم بعضا، فثبطكم قلتكم وكثرتهم من الوفاء ~~بالموعد، وثبطهم ما ms0316 في قلوبهم من تهيب رسول الله والمسلمين، فلم يتفق لكم ~~من التلاقي، {ولكن} جمع بينكم بلا ميعاد، {ليقضي الله أمرا كان مفعولا} من ~~إعزاز دينه، وإعلاء كلمته، ونصر أوليائه، وإهلاك أعدائه، وما أراد كونه فهو ~~مفعول لا محالة. { # ¬__________ # (¬1) - ... «ساخت بهم الأرض تسوخ سوخا وسؤوخا وسوخانا: إذا انخسفت، وكذلك ~~الأقدام تسوخ في الأرض وتسيخ: تدخل فيها وتغيب، مثل ناخت، وفي حديث سراقة ~~والهجرة: “فساخت يد فرسي”، أي غاصت في الأرض، وفي حديث موسى على نبينا ~~وعليه الصلاة والسلام: “فساخ الجبل وخر موسى صعقا”، وفي حديث الغار: ~~“فانساخت الصخرة”، كذا روي بالخاء، أي غاصت في الأرض، قال: وإنما هو بالحاء ~~المهملة... وساخت الرجل تسيخ كذلك مثل ناخت». ابن منظور: لسان العرب، 3/233. PageV02P080 # ليهلك من هلك عن بينة} عن حجة، {ويحيا من حيي عن بينة} استعير الهلاك ~~للكفر والحياة للإسلام، أي: ليصدر كفر من كفر عن وضوح بينة لا عن مخالجة ~~شبهة، حتى لا يبقى على الله حجة، ويصدر إسلام من أسلم عن يقين وعلم بأنه ~~دين الحق الذي يجب الدخول فيه والتمسك به، وذلك أن وقعة بدر من الآيات ~~الواضحة التي من كفر بعدها كان مكابرا لنفسه مغالطا لها، ولهذا ذكر فيها ~~مراكز الفريقين، وأن العير كانت أسفل منهم، مع أنهم قد عملوا ذلك كله ~~مشاهدة، ليعلم المحق أن النصر والغلبة لا تكون بالكثرة والأسباب، بل بالله ~~تعالى؛ وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء، ~~وكانت أرضا لا ناس بها ولا ماء، بالعدوة الدنيا، وهي خبار (¬1) تسوخ فيها ~~الأرجل، ولا تمشى فيها إلا بتعب، وكان العير وراء ظهور العدو، مع كثرة ~~عددهم وعدتهم، وقلة المسلمين وضعفهم، ثم كان ما كان. {وإن الله لسميع} ~~لأقوالهم، {عليم(42)} بكفر من كفر، وإيمان من آمن. # { # ¬__________ # (¬1) - ... «والخبار من الأرض: ما لان واسترخى، وكانت فيه جحرة». ابن ~~منظور: لسان العرب، 2/784. PageV02P081 # إذ يريكهم الله} أي: يعلم المصالح إذ يقللهم في عينك، {في منامك قليلا} ~~أي: رؤياك، وذلك أن الله عز وجل أراهم ms0317 إياه في رؤياه قليلا، فأخبر بذلك ~~أصحابه، فكان ذلك تشجيعا لهم على عدوهم، وقيل: في منامك أي: في عينك، لأن ~~العين موضع النوم، {ولو أراكهم كثيرا لفشلتم} لجبنتم وهبتم الإقدام، ~~{ولتنازعتم في الأمر} (لعله) أمر القتال، وترددتم بين الثبات والفرار؛ ~~{ولكن الله سلم} عصم، وأنعم بالسلامة من الفشل والتنازع والاختلاف. {إنه ~~عليم بذات الصدور(43)} يعلم ما سيكون منها من الجرأة [196] والجبن والصبر ~~والجزع، وقيل: ما في صدركم من الحب لله. # { PageV02P082 وإذ يريكموهم إذ التقيتم} وقت اللقاء {في أعينكم قليلا} ~~وإنما قللهم في أعينهم تصديقا لرؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ~~وليعاينوا ما أخبرهم به فيزداد يقينهم ويجدوا ويثبتوا، {ويقللكم في أعينهم} ~~عينهم، قيل: حتى قال قائل منهم: إنما هم أكلة جزور، ويجوز في حكمة الله أن ~~يبصروا الكثير قليلا، والكثير من الأمور صغيرا، والعظيم حقيرا (لعله) من ~~أمر الدين والدنيا، وكذلك بالعكس حتى ينفذ علمه في خلقه، فيثبت الحق، ~~وتضمحل الوهميات، وإلا فمتى هان عذاب الله للكافرين معهم، (لعله منهم)، في ~~جهنم إلا كما قال: {وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم} (¬1) ، وكذلك ثواب ~~الله في قلب من كفر، (لعله) تحقير مع تعظيم الله له، فلا راد لقضائه، يحكم ~~في خلقه بما يشاء قسطا وعدلا، وانظر في تعظيم الناس للدنيا مع حقارتها عند ~~الله، وهذا حال يتسع فيه النظر والفكر لأولي الألباب. {ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا} وهذا مما يعظم الخوف في قلوب أولياء الله، خوفا منهم من تقلب ~~الأحوال بهم؛ لأن السعيد في علم الله سعيد لا محال (¬2) ، والشقي في علم ~~الله شقي لا محال(2مكرر)، {وإلى الله ترجع الأمور(44)} فيحكم فيها بما يريد. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النور: 15. # (¬2) ، 2مكرر- كذا في الأصل، ولعل الصواب: «محالة». PageV02P083 # يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة} إذا حاربتم جماعة من الكفار؛ وترك ~~وصفها، لأن المؤمنين ما كانوا ما يلقون إلا الكفار، واللقاء اسم غالب ~~للقتال، {فاثبتوا} لقتالهم ولا تفروا، {واذكروا الله كثيرا} أي: وأكثروا ~~ذكر الله بالتكبير والتهليل عند النزال والقتال، أي: اذكروا ثوابه لمن ثبت ms0318 ~~وصبر، وعقابه لمن تولى ودبر، واثقين بوعده أن النصر مع الصبر، {لعلكم ~~تفلحون(45)} تظفرون بمرادكم من النصرة والمثوبة، وفيه إشعار بأن على العبد ~~أن لا يفتر عن ذكر ربه أشغل ما يكون قلبا، وأكثر ما يكون هما؛ وأن تكون ~~نفسه في الحقيقة مجتمعة لذلك، وإن كان في الظاهر متوزعة عن غيره. # {وأطيعوا الله ورسوله} في الأمر بالجهاد، والثبات مع العدو وغيرهما، {ولا ~~تنازعوا فتفشلوا} فتجبنوا، {وتذهب ريحكم} أي: دولتكم، يقال: هبت رياح فلان، ~~إذا دالت له الدولة، وأنفذ أمره، {واصبروا} على جميع ما أمر الله به ونهى ~~عنه، {إن الله مع الصابرين(46)} بالحفظ والمعونة. # {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس} البطر: أن يشغله ~~(لعله) ذكر كفر النعمة عن شكرها، وهو الفخر والأشر؛ وقيل البطر: الطغيان في ~~النعمة؛ والرياء: إظهار الجميل ليرى، وستر القبيح. {ويصدون عن سبيل الله} ~~عن دينه، {والله بما يعملون محيط(47)} عالم وهو وعيد. # { PageV02P084 وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم، وقال: لا غالب لكم اليوم من ~~الناس} تلك مقالة نفسانية، والمعنى أنه: ألقى في روعهم الظن الكاذب، وخيل ~~إليهم أنهم لا يغلبون، ولا يطاقون لكثرة عددهم وعددهم، وأوهمهم أن اتباعهم ~~إياه فيما يظنون أنها قربات مجير لهم، بدليل قوله: {وإني جار لكم؛ فلما ~~تراءت الفئتان} مع ظهور الحق وزهوق الباطل، {نكص على عقبيه} أي: بطل كيده، ~~وعاد ما خيل لهم أنه مجيرهم بسبب هلاكهم، {وقال: إني بريء منكم، إني أرى ما ~~لا ترون إني أخاف الله} أي: تبرأ منهم، وحاف [197] عليهم (¬1) ، وأيس من ~~حالهم [لما] رأى إمداد الله المسلمين بالملائكة، ورؤيته للإمداد بالملائكة ~~(لعله) إما بالبصر وإما بالبصيرة، أو بهما جميعا، وهم (لعله) معدمون من ~~رؤية الحالين باتباعهم إياه، {والله شديد العقاب(48)} لمن كفر في الدنيا ~~والآخرة. # {إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض} هو من صفة المنافقين، أو أريد ~~الذين هم على حرف ليسوا بثابتي الأقدام في الإسلام: {غر هؤلاء دينهم} يعنون ~~أن المسلمين اغتروا بدينهم، فخرجوا وهم فيما قيل: ثلاثمائة وبضعة عشر إلى ~~زهاء ms0319 ألف، ثم قال جوابا لهم: {ومن يتوكل على الله} يكل إليه أمره، {فإن ~~الله عزيز} غالب يسلط القليل الضعيف على الكبير القوي، {حكيم(49)} لا يسوي ~~بين وليه وعدوه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «خاف منهم». PageV02P085 # ولو ترى} ولو عاينت وشاهدت، {إذ يتوفى الذين كفروا} يقبض أرواحهم، ولو ~~كانوا في الظاهر مقتولين بالسيف، (لعله) فإن أول ما يلاقيهم ضرب المؤمنين ~~بالسيف أو ما يشبهه، ثم تضربهم {الملائكة} يتوفونهم الملائكة {يضربون ~~وجوههم} إذا أقبلوا، {وأدبارهم} إذا انهزموا؛ لرأيت أمرا عظيما وعذابا ~~شديدا، {وذوقوا} ويقولون لهم: ذوقوا {عذاب الحريق(50)}، أي: مقدمة عذاب ~~النار، أو ذوقوا عذاب الآخرة، بشارة لهم به. # {ذلك بما قدمت أيديكم} أي: كسبت، أي: ذلك العذاب بكفركم ومعاصيكم، {وأن ~~الله ليس بظلام للعبيد(51)} لأن تعذيب الكفار من العدل وقيل: «ليس بظلام» ~~لنفي أنواع الظلم. # {كدأب (¬1) آل فرعون} أي: دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون، ودأبهم: عادتهم ~~وعملهم الذي دأبوا فيه، أي: داموا عليه، {والذين من قبلهم} من قبل قريش أو ~~قبل آل فرعون {كفروا} تفسير لدأب آل فرعون {بآيات الله، فأخذهم الله ~~بذنوبهم، إن الله قوي شديد العقاب(52)} والمعنى جروا على عادتهم في ~~التكذيب، فأجرى عليهم مثل ما فعل بهم في التعذيب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «كدب»، وهو خطأ. PageV02P086 # ذلك} العذاب والانتقام، {بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم} بسبب أن الله لم يصح في حكمته أن يغير نعمته عند قوم، ~~حتى يغيروا ما بهم من الحال؛ لأن الله تعالى أوجدهم من العدم إلى الوجود، ~~وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة والقوى، والسماء والأرض، وما فيهما نعمة ~~من الله ليشكروها، ويستعينوا بها في طاعته؛ ولم يكن ثم من سنته أن يغيرها ~~عليهم، إلا أن يغيروا ما بأنفسهم، وتغييرهم لها: إهمالهم لها، وعدم ~~استعمالهم لها، وكفرانهم إياها، {وأن الله سميع} وعد لمن لم يغير ولم يبدل، ~~ووعيد لمن غير (¬1) وبدل، {عليم(53)} بما يفعلون. # {كدأب آل فرعون} تكرير للتأكيد، أو لأن الأولى الأخذ بالذنوب بلا... (¬2) ~~ذلك، وهنا ms0320 بين ذلك هو الإهلاك والاستئصال [كذا]. {والذين من قبلهم كذبوا ~~بآيات ربهم} في قوله: {بآيات ربهم} زيادة دلالة على كفران النعم، وجحود ~~الحق؛ {فأهلكناهم بذنوبهم، وأغرقنا آل فرعون وكل} من غرقى آل فرعون وقتلى ~~قريش {كانوا ظالمين(54)} أنفسهم، من حيث أنهم غيروا ما بها من النعم ~~فاستبدلوا بها النقم. # {إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون(55)} و(لعله) إخبار عن ~~قوم مطبوعين على الكفر، أنهم لا يؤمنون. # {الذين عاهدت منهم} بدل من الذين كفروا، أي: الذين عاهدتهم من [198] ~~الذين كفروا جعلهم شر الدواب، {ثم ينقضون عهدهم في كل مرة} في كل معاهدة، ~~{وهم لا يتقون(56)} لا يخافون عاقبة الغدر، ولا يبالون ما فيه العار ~~والنار. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: + «غير». # (¬2) - ... طمس في الأصل قدر كلمة، رسمها: «للا». PageV02P087 # فإما تثقفنهم في الحرب} فإما تصادفنهم وتظفرن بهم، {فشرد بهم من خلفهم}، ~~ففرق عند عن (¬1) محاربتك ومناصبتك بقتلهم شر قتلة، والنكاية فيهم من ~~وراءهم (¬2) من الكفرة؛ حتى لا يجسر عليك بعدهم أحد اعتبارا بهم واتعاظا ~~بحالهم {لعلهم يذكرون(57)} لعل المشردين من ورائهم يتعظون. # {وإما تخافن من قوم} معاهدين {خيانة} نكثا بأمارات تلوح لك؛ {فانبذ ~~إليهم} فاطرح إليهم العهد {على سواء} أي: أعلمهم قبل حربك إياهم، أنك قد ~~فسخت العهد الذي بينك وبينهم؛ في العلم أنت وهم بنقض العهد سواء؛ فلا ~~يتوهموا أنك نقضت العهد بنصب الحرب، {إن الله لا يحب الخائنين(58)} ~~الناقضين للعهود. # {ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا} فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم، قيل: نزلت ~~في المنهزمين، {إنهم لا يعجزون(59)} أي: إنهم لا يعجزونني ولا يفوتونني. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: - «عن». # (¬2) - ... يمكن أن نقرأ: «من ورائهم». PageV02P088 # وأعدوا لهم} للكافرين {ما استطعتم من قوة} من كل ما يتقوى به في الحرب، ~~من عددها، والإعداد: اتخاذ الشيء في مهل لوقت الحاجة، {ومن رباط الخيل} ~~ربطها واقتيادها للعدو، خص الخيل من بين ما يتقوى به، كقوله: {جبريل ~~وميكال} (¬1) . {ترهبون به} بما استطعتم، {عدو الله وعدوكم} كل من كان لله ~~والمسلمين حربا وعدوا، ms0321 {وآخرين من دونهم} قيل: هم المنافقون، {لا تعلمونهم} ~~لأنهم معكم يقولون: لا إله إلا الله، وقيل: هم كفار الجن. روي أن صهيل (¬2) ~~الخيل ترهب الجن، وإذا كان ذلك كذلك (لعله) فكتب الله وأنبياؤه ورسله ~~وسننهم وملائكة الله والعلماء وآثارهم أرهب لهم من ذلك وأغيظ، لأن ذلك أقوى ~~عدة للإسلام وأهله؛ ولذلك قيل: «إن العالم الواحد [أشد] على الشيطان، من ~~ألف عابد» (¬3) . {لا تعلونهم} لا تعرفونهم بأعيانهم، {الله يعلمهم. وما ~~تنفقوا من شيء في سبيل الله} في طاعته، {يوف إليكم} ليوفر عليكم جزاءه ~~{وأنتم لا تظلمون(60)} في الجزاء. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البقرة: 98؛ في الأصل: «وميكائيل»، على قراءة ورش. ~~وتمامها: {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو ~~للكافرين}. # (¬2) - ... في الأصل: «سهيل»، وهو خطأ. # (¬3) - ... روى الترمذي عن ابن عباس قال قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - : «فقيه أشد على الشيطان من ألف عابد» قال أبو عيسى: هذا حديث غريب ~~ولا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث الوليد بن مسلم. كتاب العلم، رقم 2605. ~~ورواه ابن ماجه في كتاب المقدمة، رقم 218. PageV02P089 # وإن جنحوا} مالوا {للسلم} للصلح، {فاجنح لها} فمل إليها {وتوكل على الله} ~~ولا تخف من إبطانهم المكر في جنوحهم إلى السلم، فإن الله كافيك وعاصمك من ~~مكرهم، {إنه هو السميع} لتبييتهم المكر بك، {العليم(61)} بما يضمرونه من ~~المخادعة. # {وإن يريدوا أن يخدعوك} يمكرون ويغدرون؛ {فإن حسبك الله} أي: كافيك، {هو ~~الذي أيدك} قواك، {بنصره وبالمؤمنين(62)} جميعا، أو بالأنصار. # {وألف بين قلوبهم} مع ما فيها من العصبية والحمية والضغينة في أدنى شيء، ~~والتهالك على الانتقام، بحيث لا يكاد يأتلف فيه قلبان، حتى صارت قلوبهم ~~كقلب واحد لتشابهها، وهذا من معجزاته - صلى الله عليه وسلم - وبيانه. {لو ~~أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم} أي: بلغت عداوتهم وتفرق ~~قلوبهم ما لو أنفق منفق في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من أموال لم يقدر ~~عليه؛ {ولكن الله ألف بينهم} بفضله ورحمته ورأفته، وجمع بين كلمتهم بقدرته، ~~وأحدث بينهم التحاب ms0322 والتواد، وأماط عنهم التباغض والتماقت، {إنه عزيز} لا ~~يعجزه ذلك، {حكيم(63)} حيث جمع بعد التفرقة والتباعد. # {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين(64)} أي: كفاك تباعك من ~~المؤمنين الله ناصرا. # { PageV02P090 يا أيها النبي حرض المؤمنين على [199] القتال} التحريض: ~~المبالغة في الحث على الأمر، {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن ~~يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا} (¬1) هذه عدة من الله وبشارة ~~بأن الجماعة من المؤمنين، إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم من الكفار بعون الله ~~وتأييده، {بأنهم قوم لا يفقهون(65)} بسبب أن الكفار قوم جهلة يقاتلون على ~~غير احتساب، ولا طلب ثواب كالبهائم، فيقل ثباتهم لجهلهم بالله [و]نصرته، ~~خلاف ما يقاتل ذو بصيرة، وهو يرجو النصر من الله. قيل: كان عليهم أن لا ~~يفروا، وثبت الواحد للعشرة مم ثقل عليهم ذلك (¬2) ، فنسخ وخفف بمقاومة ~~الواحد اثنين، بقوله: # {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} قيل: ضعف البدن، وقيل: ضعف ~~القلب، وهو الأصح معنا (¬3) ؛ لأنهم وأعداؤهم متشابهون في خلق الأجسام، ~~وليس قلوبهم متشابهة بدليل قوله: {بأنهم قوم لا يفقهون}، وكقوله: {إذ يوحي ~~ربك إلى الملائكة...} الآية إلى قوله: {...سألقي في قلوب الذين كفروا ~~الرعب} (¬4) والجسم لا جدوى له مع عدم الإيمان وضعفه، {فإن يكن منكم مائة ~~صابرة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله، والله مع ~~الصابرين(66)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل لم يذكر من الآية هذا الجزء: {إن يكن منكم عشرون ~~صابرون يغلبون مائتين و}. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «كان عليهم أن لا يفروا، ويثبت ~~الواحد للعشرة، ثم ثقل عليهم ذلك فنسخ». # (¬3) - ... كذا في الأصل، ويمكن أن نقرأ: «معنى». # (¬4) - ... سورة الأنفال: 12. PageV02P091 # ما كان لنبي} ما صح له ولا استقام {أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} ~~الإثخان: كثرة القتل والمبالغة فيه، من الثخانة: وهي الغلظ والكثافة، يعني: ~~حتى يذل الكفر بإشاعة القتل في أهله، ويعز الإسلام بالاستيلاء والقهر؛ ثم ~~الأسر بعد ذلك. روى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوتي سبعين ms0323 أسيرا، ~~فاستشار أبا بكر فيهم، فقال: «قومك وأهلك، استبقهم لعل الله يتوب عليهم، ~~وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك». وقال عمر: «كذبوك وأخرجوك فقدمهم واضرب ~~اعناعنقاقهم (لعله أعناقهم) (¬1) ؛ فإن هؤلاء أيمة الكفر، وإن الله أغناك ~~عن الفداء؛ ثم قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إن شئتم ~~قتلتموهم، وإن شئتم فاديتموهم»، واستشهد منكم بعدبهم [كذا]، فقالوا: «بل ~~نأخذ الفداء»؛ فاستشهدوا بأحد، فلما أخذوا الفداء، نزلت الآية: {تريدون عرض ~~الدنيا} متاعها، يعني: الفداء، سماه عرضا لقلة بقائه وسرعة فنائه، لأنه ~~يزول كما عرض؛ {والله يريد الآخرة} أي: ما هو سبب الجنة من إعزاز الإسلام ~~بالإثخان في القتل، {والله عزيز} يقهر الأعداء، {حكيم(67)} يعلم ما يليق ~~لكل حال، ويخصه بها كما أمر بالإثخان، ومنع غل الفداء (¬2) حين كانت الشوكة ~~للمشركين، وخير بينه وبين المن، لما تحولت الحال وصارت الغلبة للمؤمنين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، والصواب: ما أثبته الناسخ لما شك في العبارة ~~فقال: (لعله... # (¬2) - ... في الأصل: «لفداء»، وهو سهو. PageV02P092 # لولا كتاب من الله} لولا {سبق} أن لا يعذب أحدا على العمل بالاجتهاد، ~~وكان هذا اجتهادا منهم، لأنهم نظروا في أن استبقاءهم ربما كان سببا في ~~إسلامهم، وأن فداءهم يتقوى به على الجهاد، وخفي عليهم أن قتلهم أعز للإسلام ~~وأهيب لمن وراءهم، أو ما كتب الله في اللوح أن لا يعذب أهل بدر، وأن لا ~~يواخذ قبل الإنذار. ويحتمل: لولا كتاب الله من سبق (¬1) بتأخير آجالكم ~~لاستأصلكم بالعذاب، كما قال: {ويستعجلونك بالعذاب، ولولا أجل مسمى لجاءهم ~~العذاب} (¬2) ، {لمسكم فيما أخذتم} من فداء الأسارى {عذاب عظيم(68)}. # روي أنهم أمسكوا عن الغنائم ولم يمدوا أيديهم إليها، فنزلت: {فكلوا مما ~~غنمتم} [200] وقيل: هو إباحة للفداء، لأنه من جملة الغنائم {حلالا} مطلقا ~~عن العتاب والعقاب، مأخوذ من “حل العقال”. {طيبا} حلالا بالشرع، طيبا ~~بالطبع، {واتقوا الله} فلا تقدموا على شيء لم يعهد إليكم فيه، {إن الله ~~غفور} لمن تاب، {رحيم(69)} لا يعاجل بالعقوبة لمن عصاه. # {يا أيها النبي، قل لمن في أيديكم من الأسرى (¬3) : إن يعلم ms0324 الله في ~~قلوبكم خيرا} خلوص إيمان وصحة نية {يؤتكم خيرا مما أخذ منكم} من الفداء، ~~إما أن يخلفكم في الدنيا أضعافه، أو يثيبكم في الآخرة {ويغفر لكم، والله ~~غفور رحيم(70)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «لولا كتاب من الله سبق». # (¬2) - ... سورة العنكبوت: 53. # (¬3) - ... في الأصل: «الأسارى»، وهو خطأ. PageV02P093 # وإن يريدوا خيانتك} يعني الأسارى، نكث ما بايعوك عليه من الإسلام بالردة، ~~أو منع ما ضمنوا من الفداء؛ {فقد خانوا الله من قبل} في كفرهم به، ونقض ما ~~أخذ على عاقل من ميثاقه. {فأمكن منهم} فأمكنك منهم، أي: أظفرك بهم كما ~~رأيتم يوم بدر، فستمكن منهم إن عادوا (¬1) الخيانة، {والله عليم} بالمآل، ~~{حكيم(71)} فيما حكم به في الحال. # {إن الذين آمنوا وهاجروا} أوطانهم وشهوات أنفسهم، حبا لله ولرسوله، ~~{وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم} باعوها {في سبيل الله} في طاعة الله، من جهاد ~~أو أمر بمعروف ونهي عن منكر، أو طلب علم أو ترك شهوة لله تعالى، وهم ~~المهاجرون. {والذين آووا ونصروا} أي: آووهم إلى ديارهم، ونصروهم على ~~أعدائهم وهم الأنصار. {أولئك بعضهم أولياء بعض} أي: يتولى بعضهم بعضا ~~بالمؤازرة على الطاعة، وبالمواصلة على القطيعة. {والذين آمنوا ولم يهاجروا ~~ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} لأن الهجرة كانت فريضة، فصاروا ~~بتركها مرتكبين كبيرة؛ فمن ذلك لم تجز ولايتهم لهم؛ {وإن استنصروكم في ~~الدين} (لعله) بعدما يهاجروا، {فعليكم النصر} إن طلبوا معونتكم؛ فواجب ~~عليكم نصرتهم على الكافرين، {إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق} فإنه لا يجوز ~~لكم نصركم عليهم، لأنه لا يبتدئون بالقتال، إذ الميثاق مانع من ذلك، {والله ~~بما تعملون بصير(72)} تحذير عن تعدي حد الشرع. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «عاودوا الخيانة» أو «عادوا ~~للخيانة». PageV02P094 # والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} معناه نهي المسلمين عن موالاة الكفار، ~~وإيجاب مباعدتهم ومصارمتهم، وإن كانوا أقارب، {إلا تفعلوه} أي: إن لا ~~تفعلوا ما أمرتكم به من تواصل المسلمين، وتولي بعضهم بعضا، تفضيلا لنسبة ~~الإسلام على نسبة القرابة، {تكن فتنة في الأرض وفساد كبير(73)} تحصيل (¬1) ~~فتنة ms0325 في الأرض، ومفسدة عظيمة، لأن المسلمين ما لم يصيروا يدا واحدة على ~~الشرك كان الشرك ظاهرا، والفساد زائدا. # {والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم ~~المؤمنون حقا} أي: لا مرية ولا ريب في إيمانهم، لأنهم صدقوا إيمانهم وحققوه ~~بتحصيل مقتضياته، من هجرة الوطن ومفارقة الأهل والسكن، وبالانسلاخ من المال ~~والدنيا، لأجل الدين والعقبى، {لهم مغفرة ورزق كريم(74)} لا منة فيه، ولا ~~تنغيص ولا تكرار؛ لأن هذه الآية واردة للثناء عليهم مع الموعد الكريم؛ ~~والأولى للأمر بالتواصل. # {والذين آمنوا من بعد} يريد اللاحقين بعد السابقين إلى الهجرة، {وهاجروا ~~وجاهدوا معكم، فأولئك منكم} جعلهم منهم تفضلا وترغيبا، {وأولو الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض} وأولو [201] القرابات أولى بالتوارث، وهو نسخ للتوارث ~~بالهجرة والنصرة، {في كتاب الله} في حكمه وقسمته، أو في اللوح أو في ~~القرآن، وهو آية المواريث، {إن الله بكل شيء عليم(75)} يقضي بين عباده بما ~~شاء من أحكامه. # سورة التوبة # بسم الله الرحمن الرحيم # {براءة من الله} أي: هذه براءة من الله {ورسوله إلى الذين عاهدتم من ~~المشركين(1)} المعنى: أن الله ورسوله قد برئا من العهد الذين عاهدتم به ~~المشركين، وأنه منبوذ إليهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «تحصل». PageV02P095 # فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} فسيروا في الأرض كيف شئتم، والسيح: السير ~~على مهل. روي أنهم عاهدوا المشركين من أهل مكة وغيرهم من العرب فنكثوا، إلا ~~ناسا منهم، فنبذ العهد إلى الناكثين، وأمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر ~~آمنين أين شاءوا، مقبلين ومدبرين لا يتعرض لهم، وهي الأشهر الحرم في قوله: ~~{فإذا انسلخ الأشهر الحرم} وذلك لصيانة الأشهر الحرم من القتل والقتال ~~فيها. {واعلموا أنكم غير معجزي الله} لا تفوتونه وإن أمهلكم؛ قيل: هذا ~~تأجيل من الله للمشركين؛ فمن كان مدة عهده أقل من أربعة أشهر رفعه إلى ~~أربعة أشهر، ومن كانت مدته أكثر من أربعة أشهر حطه إلى أربعة أشهر؛ ثم هو ~~حرب بعد ذلك لله ورسوله، يقتل حيث أدرك ويؤسر إلا أن يتوب، وابتداء ms0326 هذا ~~الأجل يوم الحج الأكبر، ومن (لعله) لم يكن له عهد؛ فإنما أجله انسلاخ أشهر ~~الحرم {وأن الله مخزي الكافرين(2)} مد لهم في الدنيا بالقتل وغيره، وفي ~~الآخرة بالعذاب. # { PageV02P096 وأذان من الله ورسوله إلى الناس} الأذان: بمعنى الإيذان، ~~وهو الإعلام، ومنه الأذان للصلاة، يقال: أذنته فأذن، أعلمته فعلم؛ وأصله من ~~الأذن، أي: أوقعت في أذنه، والفرق بين الجملة الأولى والثانية، الأولى: ~~إخبار بثبوت البراءة، والثانية: إخبار بوجوب الإعلام بما ثبت؛ وإنما علقت ~~البراءة بالذين عوهدوا من المشركين، وعلق الأذان بالناس، لأن البراءة مختصة ~~بالمعاهدين والناكثين منهم، وأما الأذان فعام لجميع الناس، من عاهد ومن لم ~~يعاهد، ومن نكث من المعاهدين ومن لم ينكث. {يوم الحج الأكبر} يوم عرفة، لأن ~~الوقوف بعرفة معظم أفعال الحج، أو يوم النحر، لأن فيه تمام الحج من الطواف ~~والحلق والرمي؛ ووصف الحج بالأكبر، لأن العمرة تسمى الحج الأصغر، أو لعظم ~~حرمته مع عظم الاجتماع، قيل: ما يجتمع خلق في الدنيا كما يجتمع في يوم عشية ~~(¬1) عرفة. # {أن الله بريء من المشركين ورسوله، فإن تبتم} رجعتم من الكفر والغدر، ~~وأخلصتم التوحيد، {فهو خير لكم} من الإصرار على الكفر؛ {وإن توليتم} عن ~~التوبة أو ثبتم على التولي والإعراض عن الإسلام، {فاعلموا أنكم غير معجزي ~~الله} لا تفوتونه طلبا، ولا تعجزونه هربا، {وبشر الذين كفروا بعذاب ~~أليم(3)} مكان بشارة المؤمنين بنعيم مقيم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: - «عشية»، أو - «يوم». PageV02P097 # إلا الذين عاهدتم من المشركين} استثناء من قوله: {فسيحوا في الأرض} ~~والمعنى: براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فقولوا لهم: ~~سيحوا، إلا الذين عاهدتم منهم. {ثم لم ينقصوكم شيئا} من شروط العهد، أي: ~~وفوا بالعهد ولم ينقضوه، {ولم يظاهروا عليكم أحدا} ولم يعاونوا [202] عليكم ~~عدوا؛ {فأتموا إليهم عهدهم} فأدوا إليهم تماما كملا {إلى مدتهم} ~~والاستثناء: بمعنى الاستدراك، كأنه قيل: بعد أن أمروا في الناكثين لكن ~~الذين لم ينكثوا فأتموا إليهم عهدهم، ولا تجروهم مجراهم، ولا تجعلوا الوافي ~~كالغادر، {إن الله يحب المتقين(4)} أي: إن ms0327 قضية التقوى أن لا تسوي بين من ~~أوفى بما عاهد عليه وبين الناقض. # {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} التي أبيح فيها للناكثين أن يسيحوا، سميت أشهر ~~الحرم (¬1) ، لأنه يحرم فيها على المؤمنين دماء المشركين، {فاقتلوا ~~المشركين} الذين نقصوكم وظاهروا عليكم، {حيث وجدتموهم، وخذوهم} وأسروهم ~~{واحصروهم} وقيدوهم، وامنعوهم من التصرف في البلاد، {واقعدوا لهم كل مرصد} ~~كل ممر ومجتاز ترصدونهم به؛ {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فخلوا ~~سبيلهم} فأطلقوا عنهم بعد الأسر والحصر؛ أو فكفوا عنهم ولا تتعرضوا لهم، ~~فإنه ما يراد بقتلهم وأسرهم وحصرهم إلا التوبة وأداء الحقوق، {إن الله ~~غفور} لمن تاب، {رحيم(5)} لا يعاجل بالعقوبة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «أشهرا حرما»، أو «الأشهر الحرم». PageV02P098 # وإن أحد من المشركين استجارك فأجره} المعنى: وإن جارك أحد من المشركين ~~بعد انقضاء الأشهر لا عهد بينك وبينه، واستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من ~~التوحيد والقرآن فأمنه، {حتى يسمع كلام الله} ويتدبره ويطلع على حقيقته ~~ومكنون سره، ويسمع ما له و[ما]عليه من الثواب والعقاب؛ {ثم أبلغه} بعد ذلك ~~{مأمنه} داره التي يأمن فيها أن يسلم؛ ثم قاتله إن لم ينجع فيه كلام الله، ~~وثبت على شركه؛ وفيه دليل على أن المؤتمن لا يؤذى، وليس له الإقامة في ~~دارنا، ويمكن من العودة إلى مأمنه؛ {ذلك} أي: الأمر بالإجارة؛ {بأنهم قوم ~~لا يعلمون(6)} بسبب أنهم قوم جهلة، لا يعلمون ما الإسلام، وما حقيقة ما ~~يدعو إليه، ولا دين الله، ولا توحيده، فلا بد من إعطائهم الأمان، حتى ~~يسمعوا ويفهموا الحق. # {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله}؟ «كيف» استفهام في معنى ~~الاستنكار، أي: مستنكر أن يثبت لهؤلاء عهد، فلا تطمعوا في ذلك، ولا تتعجبوا ~~من نقض العهد منهم، لأنهم جهلة لا يعلمون ثمرة الإسلام، ولا ما يثمر لهم ~~شركهم؛ ولكن تعجبوا من وفائهم وتمامهم للعهد، ولأنهم قوم جبلوا على النقد ~~من حيث أن ذلك من طباعهم، وشهواتهم المركبة فيهم، وليس شيء يزعجهم (¬1) ~~وينهضهم عن ذلك إلى الوفاء من خوف الله ولا عار ms0328 من الناس؛ {إلا الذين ~~عاهدتم} أي: ولكن الذين عاهدتم منهم {عند المسجد الحرام} ولم يظهر منهم ~~نكث، فتربصوا أمرهم ولا تقاتلوهم. {فما استقاموا لكم} فما أقاموا على وفاء ~~العهد؛ {فاستقيموا لهم} على الوفاء، {إن الله يحب المتقين(7)} يعني: أن ~~التربص بهم من أعمال المتقين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الأصح: «يرجعهم». PageV02P099 # كيف وإن يظهروا عليكم} تكرارا لاستبعاد ثبات المشركين على العهد، وحذف ~~الفعل لكونه معلوما، أي: كيف يكون لهم عهد وحالهم أنهم إن يظهروا عليكم، ~~أي: يظفروا بكم بوجدان الفرصة بعد ما سبق لهم من تأكيد الأيمان والمواثيق. ~~{لا يرقبوا فيكم إلا} لا يراعوا، ولا يحفظوا حلفا أو قرابة، {ولا ذمة} ~~عهدا؛ {يرضونكم [203] بأفواههم} بالوعد بالإيمان، والوفاء بالعهد، وهو كلام ~~مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن، مقرر لاستبعاد الثبات منهم ~~على العهد، {وتأبى قلوبهم} الإيمان والوفاء بالعهد، {وأكثرهم فاسقون(8)} ~~ناقضون العهد، أو متمردون في الكفر، لا مروءة تزعهم عن الأدب، ولا شمائل ~~تردعهم عن النكث. # {اشتروا} استبدلوا {بآيات الله} بالقرآن أو بما قام عليهم به من الحجج، ~~{ثمنا قليلا} عرضا يسيرا، وهو اتباع الأهواء والشهوات، {فصدوا عن سبيله} ~~فعدلوا عنه، وصرفوا غيرهم؛ {إنهم ساء ما كانوا يعملون(9)} أي: بئس الصنيع ~~صنيعهم. # {لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون(10)} المجاوزون ~~الغاية في الظلم والشرارة. # {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فإخوانكم في الدين} لا في ~~النسب؛ {ونفصل الآيات} ونبينها {لقوم يعلمون(11)} يفهمون، فيتفكرون في ~~أسرارها، وهذا اعتراض، كأنه قيل: وإن من تأمل تفصيلها فهو العالم، تحريضا ~~على تأمل ما فصل من أحكام المشركين المعاهدين، وعلى المحافظة عليها. # { PageV02P100 وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم} أي: نقضوا العهود المؤكدة ~~بأيمان، {وطعنوا في دينكم} أي: (لعله) قدحوا فيه [و]عابوه؛ {فقاتلوا أئمة ~~الكفر إنهم لا أيمان لهم} على الحقيقة، ويحتمل أن لا أيمان لهم بعد نقضهم، ~~أي: فلم تبق لهم على المسلمين يمين بعد حلهم إياها، ولم تقع بينهم وبين ~~المسلمين معاهدة، {لعلهم ينتهون} أي: ليكن غرضكم في مقاتلتهم انتهاؤهم ms0329 عما ~~هم عليه، بعدما وجد منهم من العظائم، وهذا من غاية كرمه على المسيء، وأنه ~~لا يعاجل بعقوبة الاستئصال قبل بلوغ الكتاب أجله. # ثم حرض على القتال، فقال: {ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم} التي خلفوها ~~في المعاهدة، {وهموا بإخراج الرسول} من مكة، {وهم بدءوكم أول مرة} بالقتال، ~~والبادئ أظلم؛ فما يمنعكم من قتالهم؟ وبخهم بترك مقاتلتهم، وحضهم عليها؛ ثم ~~وصفهم بما يوجب الحض عليها من نكث العهد، وإخراج الرسول، والبدء بالقتال من ~~غير موجب. {أتخشونهم} تخافونهم، فتتركون قتالهم؟ توبيخ على الخشية منهم؛ ~~{فالله أحق أن تخشوه} بأن تخشوه فتقاتلوا أعداءه، وتمتثلوا أمره، {إن كنتم ~~مؤمنين(13)} أي: إن قضية الإيمان الكامل: أن لا يخشى المؤمن إلا ربه، ولا ~~يبالي بمن سواه. PageV02P101 # ولما وبخهم الله على ترك القتال حرد (¬1) لهم الأمر به بقوله: {قاتلوهم} ~~ووعدهم النصر لتثبيت قلوبهم، وتصحيح نياتهم بقوله: {يعذبهم الله بأيديكم} ~~قتلا، {ويخزهم} أسرا، {وينصركم عليهم} يغلبكم عليهم، {ويشف صدور قوم ~~مؤمنين(14)} بإذهاب ما وقع عليها من الغيظ، (لعله) بسبب مخالفتهم وأذاهم ~~لهم بدليل قوله: # {ويذهب غيظ قلوبهم} وقد حصل هذه المواعيد كلها، وكان (¬2) دليلا على صحة ~~نبوتة، {ويتوب الله على من يشاء} منهم، {والله عليم} ما كان وما سيكون، ~~{حكيم(15)} في تدبير أموره وقبول التوبة. # {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا} أي: لا تتركون على ما ~~أنتم عليه حتى يتبين الخلص {منكم} وهم الذين جاهدوا في سبيل الله لإعزاز ~~الحق وأهله، وانمحاق الكفر وأهله، {ولم يتخذوا من دون الله} من دون القيام ~~بأمر دينه، {ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة} أي: مخبأ وبطانة من الذين ~~يضادون [204] رسول الله والمؤمنين، كأنه قيل: ولما يعلم الله المجاهدين ~~منكم والمخلصين غير المتخذين وليجة من دون الله؛ والمعنى: أحسبتم أن تتركوا ~~بلا مجاهدة ولا براءة من المشركين؟ {والله خبير بما تعملون(16)} من إخلاص ونفاق. # { # ¬__________ # (¬1) - ... حرد حردا: «قصد، وبابه: ضرب؛ وقوله تعالى: {فغدوا على حرد ~~قادرين} أي: على قصد، وقيل: على منع». الرازي: مختار الصحاح، ص91. ويمكن أن ~~نقرأ: «جرد ms0330 لهم الأمر به»، أي خصهم به. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «وقد حصلت هذه المواعيد كلها، ~~وكانت دليلا». PageV02P102 # ما كان للمشركين} ما صح لهم ولا استقام {أن يعمروا مساجد الله} على ~~الحقيقة، لأن من كان كافرا، فليس من شأنه أن يعمرها؛ لأن حقيقة عمارة ~~المساجد أن تعمر بعبادة الله وحده، لا لغرض سواها؛ ومن كان بمعزل عن ~~العبادة لله، فكيف يستقيم منه عمارتها، بل ذلك من المحال، ومن تنافي ~~المعاني؛ ومن دخلها لغرض دنياوي فقد تعدى أمر الله من حيث أنه استعملها ~~لغير ما جعلت له، كما قال {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم...} (¬1) الآية، وقال: ~~{في بيوت أذن الله أن ترفع} أي: تمنع وتطهر عن الأمور الدنياوية {ويذكر ~~فيها اسمه} (¬2) فقد جعلت للذكر كما قال: {وطهر بيتي للطائفين والعاكفين ~~والركع السجود} (¬3) ؛ {شاهدين على أنفسهم بالكفر} باعترافهم بعبادة غير ~~الله بلسان مقالهم أو لسان حالهم، والمعنى: ما استقام لهم أن يجمعوا بين ~~أمرين متضادين: عمارة متعبدات الله مع الكفر بالله وبعبادته، {أولئك حبطت ~~أعمالهم، وفي النار هم خالدون(17)} وإذا وجدت المساجد بين ظهراني من يقدر ~~على عمارتها خربة من العمارة بالذكر، ومخروبة بأعمال الدنيا، فذلك دليل على ~~أن قلوبهم خالية من الذكر، خربة مشحونة بالوساوس اللغوية والأوهام الباطلة، ~~كما قال: # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الحج: 23؛ وتمامها: {إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله ~~والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سوآء العاكف فيه والبادي، ومن يرد فيه ~~بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم}. # (¬2) - ... سورة النور: 36. # (¬3) - ... سورة الحج: 26. PageV02P103 # إنما يعمر مساجد الله} عمارتها بالعبادة لله، لأنها بنيت لذلك وللذكر؛ ~~ومن الذكر درس العلم، ويمنعها عن الذكر جميع الأمور الدنياوية الشاغلة، إلا ~~من دخلها للذكر، ثم عرض له أمر دنياوي مما لا يوعثها (¬1) ولا يضر بها ولا ~~يكر (¬2) بها، ولا يؤذي القائمين بها والذاكرين فيها، من قول أو عمل، أو ~~نوم ففيه اختلاف بين المسلمين بالرأي، فقيل: فيه بالمنع، وقيل: بالترخيص، ~~وأما ما يقع منه الأذى للمسجد أو عماره، فذلك ممنوع بالإجماع، ولو كان قصده ~~عند الدخول ms0331 للعمارة، ولحقه اسم الظلم والتعدي بذلك، كما قال: {ومن أظلم ممن ~~منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وسعى في خرابها...} (¬3) الآية. وكذلك ~~من قصدها بالدخول لذلك الفعل لا للذكر، ولو كان مما لا يضر بها ولا يضر ~~بالقائمين بها، فذلك لا ينساغ جوازه. {من آمن بالله واليوم الآخر وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة}. وفي قوله: {ولم يخش إلا الله} تنبيه على الإخلاص، ~~والمراد: الخشية في أبواب الدين، بأن لا يختار على رضى الله رضى غيره لتوقع ~~مخوف؛ إذ (¬4) # ¬__________ # (¬1) - ... في المنجد: وعث يوعث وعثا الطريق: تعسر سلوكه، ووعث الأمر: ~~اختلط وفسد. # (¬2) - ... كر بمعنى: رجع، ولم يتضح معناه في هذا السياق، «يقال: (كره) ~~و(كر) بنفسه: يتعدى ويلزم». الرازي: مختار الصحاح، ص361. ويمكن أن نقرأ: ~~«ولا يكربها». # (¬3) - ... سورة البقرة: 114؛ وتمامها: {...وسعى في خرابها، أولئك ما كان ~~لهم أن يدخلوها إلا خائفين، لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم}. # (¬4) - ... في الأصل: «إذا المؤمن»، وهو خطأ.. PageV02P104 # المؤمن يخشى المحاذير ولا يتمالك لا يخشاها [كذا]؛ {فعسى أولئك أن يكونوا ~~من المهتدين(18)} تبعيد للمشركين عن مواقف الاهتداء، وحسم لأطماعهم في ~~الانتفاع بأعمالهم؛ والمعنى: إنما تستقيم عمارة هؤلاء ويكون معتدا بها عند ~~الله دون من سواهم. # {أجعلتم سقاية الحاج} من العاصين، {وعمارة المسجد الحرام} ممن لم يؤمن ~~إيمانا مقرونا بالعمل، {كمن آمن بالله واليوم الآخر، وجاهد في سبيل الله، ~~لا يستوون عند الله، والله لا يهدي القوم الظالمين(19)} إنكارا أن يشبه ~~المشركون المؤمنين، وأعمالهم [205] المحبطة، بأعمالهم المثبتة، وأن تسوى ~~بينهم؛ وجعل تسويتهم ظلما بالكفر (¬1) لأنهم وضعوا المدح والفخر في غير ~~موضعهما قيل: نزلت جوابا لقول العباس حين أسر، وجعل يوبخ بقتال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وقطيعة الرحم، فقال: «تذكر مساوئنا، وتدع محاسننا» ~~فقيل: أولكم محاسن؟ فقال: «نعمر المسجد ونسقي الحاج ونفك العاني»؛ وقيل: ~~افتخر العباس بالسقاية وشيبة بالعمارة. # {الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة} ~~أعلى رتبة، وأكثر كرامة ممن لم يستجمع هذه الصفات {عند الله} من أهل ~~السقاية ms0332 والعمارة {وأولئك هم الفائزون(20)} لا من سقى الحاج، وعمر المسجد ~~الحرام بغير إيمان حقيقي. # {يبشرهم ربهم برحمة منه} بتوفيق وتيسير في الدنيا {ورضوان} ورضى عنهم ~~{وجنات لهم فيها نعيم مقيم(21) خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر ~~عظيم(22)} يستحقر دونه ما استوجبوه لأجله، أو نعيم (¬2) الدنيا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «وجعل تسويتهم بالكفر ظلما». # (¬2) - ... في الأصل: «النعيم»، وهو خطأ. PageV02P105 # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر ~~على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون(23)} بوضعهم الموالاة في ~~غير موضعها. # {قل: إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال ~~اقترفتموها، وتجارة تخشون كسادها، ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله ~~وجهاد في سبيله} أي: الحب الاختياري دون الطبيعي، فإنه لا يدخل تحت ~~التكليف؛ {فتربصوا} فانتظروا {حتى يأتي الله بأمره} وهو الموت، أو عذاب ~~عاجل أو آجل، أو فتح مكة، {والله لا يهدي القوم الفاسقين(24)} والآية تنعى ~~على الناس ما هم عليه من رخاوة عقد الدين، واضطراب حبل اليقين، إذ لا تجد ~~أورع الناس يؤثر دينه على الآباء والأبناء والأهواء وحظوظ الدنيا. # {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة} مع قلتكم وضعفكم وكثرة عدوكم وقوتهم، ~~يذكرهم الله بين تلك الوقائع وبين وقعة حنين {ويوم حنين} أي: واذكر يوم ~~حنين: وهو والدليل قيل بين مكة والطائف، كانت فيه الوقعة بين المسلمين ~~وهم اثنا عشر ألفا وحربهم (¬1) أربعة آلاف فيما قيل؛ {إذ أعجبتكم كثرتكم} ~~فأدرك المسلمين كلمة الإعجاب بأكثره (¬2) ، وزال عنهم أن الله هو الناصر لا ~~لكثرة الجنود، فانهزموا؛ والعجب من هذا الإعجاب كيف عمهم جميعا، وزين لهم ~~الشيطان (لعله) ذلك. {فلم تغن عنكم شيئا، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت} ~~المعنى: لم تجدوا موضعا لفراركم عن أعدائكم {ثم وليتم مدبرين(25)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... «وقوم حرب كذلك، وذهب بعضهم إلى أنه جمع “حارب” أو “محارب” ~~على حذف الزائد». ابن منظور: لسان العرب، 1/595، مادة «حرب». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «بالكثرة». PageV02P106 # ثم أنزل الله سكينته} رحمته التي سكنوا بها، بعد أن ms0333 تابوا من إعجابهم ~~وآمنوا. {على رسوله وعلى المؤمنين} سماهم مؤمنين على الحقيقة، بعدما أنزل ~~سكينته عليهم، {وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا} بالقتل والأسر، ~~{وذلك جزاء الكافرين(26)} أي: ما فعل بهم إلا جزاء لكفرهم في الدنيا. # {ثم يتوب الله من بعد ذلك (¬1) على من يشاء} منهم، من تاب منهم، وأهل ~~مشيئته هم التائبون {والله غفور رحيم(27)}. # {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس} لخبث بواطنهم [206] وظاهر ~~معاملتهم، كالنجاسة بعينها، ظاهرها خبيث وباطنها خبيث؛ مبالغة في وصفهم. ~~{فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} قيل: نهي المشركين أن يقربوه ~~راجع [إلى] نهي المسلمين عن تمكينهم، وذلك لأنه لا تصلح لهم أحوالهم، ولا ~~يصلحون لعمارته؛ {وإن خفتم عيلة} أي: فقرا، بسبب منع المشركين من الحج، وما ~~كان لكم في قدومهم عليكم من الأرفاق (¬2) والمكاسب؛ {فسوف يغنيكم الله من ~~فضله}، كل شيء يتركه المرء لله وكان سبب غناه في الدنيا، فسوف يغنيه الله ~~من فضله بسواه {إن شاء}، هو تعليم لتعليق الأمور بمشيئة الله لتنقطع الآمال ~~إليه. {إن الله عليم} بأحوالكم، {حكيم(28)} في تحقيق آمالكم. # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «من بعد ذلك»، وهو سهو. # (¬2) - ... «والرفق والمرفق، والمرفق، والمرفق: ما استعين به... وفي ~~التنزيل: {ويهيء لكم من أمركم مرفقا}». ابن منظور: لسان العرب، 2/1201. ~~مادة «رفق». PageV02P107 # ونزل في أهل الكتاب: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} ~~فإن قيل: أهل الكتاب يؤمنون بالله واليوم الآخر، قيل: لا يؤمنون كإيمان ~~المؤمنين؛ فإنهم إذا قالوا: العزير ابن الله والمسيح ابن الله، لا يكون ذلك ~~إيمانا لله. {ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق} ولا ~~يعتقدون دين الإسلام الذي هو الحق، لأن التدين: هو الاعتقاد، يقال: فلان ~~يدين بكذا، إذا اتخذه دينه ومعتقده (¬1) ؛ وقيل معناه: ولا يطيعون الله ~~طاعة أهل الحق. {من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد} أي: عن يد ~~مواتية غير ممتنعة {وهم صاغرون(29)} لأن كل من لم يستكمل طاعة الله فهو ~~للصغار أهل. # {وقالت اليهود: عزير ابن الله، ms0334 وقالت النصارى: المسيح ابن الله، ذلك ~~قولهم بأفواههم} أي: قول لا يعضده برهان، ولا يستند إلى بيان؛ فما هو إلا ~~لفظ يفوهون به، فارغ معناه؛ لأنه صادر عن ظن لا عن حقيقة. قال أهل المعاني: ~~لم يذكر الله عز وجل قولا مقرونا بالأفواه والألسنة إلا كان ذلك زورا. ~~{يضاهئون} يشابهون {قول الذين كفروا} بكذبهم على الله بالقول أو العمل {من ~~قبل} [من قبل] هؤلاء؛ {قاتلهم الله} أي: هم أحقاء بأن يقال هذا، لأنهم حزب ~~لله وحزب للشيطان؛ ومن قاتله مولاه لا يرجى له فلاح ولا نجاح، وهو هالك ~~معذب في الدنيا والآخرة، وهذا وعيد وتهدد على كل من كفر بالله بارتكاب ~~كبيرة، أو إصرار على صغيرة أصر عليها ولم يتب منها لمحة عين، مقيما على ذلك ~~{أنى يؤفكون(30)} كيف يصرفون عن الحق بعد قيام البرهان. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: + «ومعتقده». PageV02P108 # اتخذوا أحبارهم} علماءهم {ورهبانهم} نساكهم {أربابا} آلهة {من دون الله} ~~قال ابن روح: «{اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} فجاء في ~~التأويل أنهم لم يتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ولا آلهة مع ~~الله، ولكن قلدوهم دينهم فاتبعوا قولهم فيما لا يحل أن يتبعوهم فيه؛ ~~فخالفوا في اتباعهم لقول أحبارهم ورهبانهم الحق في ذلك، واستحقوا عند ~~الله أن سماهم الله بأنهم قد اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا» انتهى. ~~{والمسيح ابن مريم} عطف على “أحبارهم”. {وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا ~~لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون(31)} تنزيه إله (¬1) عن الإشراك. # {يريدون أن يطفئوا نور الله} وهو قيام الدليل {بأفواههم} [207] بشركهم ~~وقولهم غير الحق على الله؛ {ويأبى الله إلا أن يتم نوره} بإعلاء التوحيد، ~~وإعزاز الإسلام، {ولو كره الكافرون(32)} مثل حالهم في طلبهم أن يبطلوا ~~وحدانية الله باتخاذ الآلهة من دونه، بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم ~~ساطع على جميع الموجودات الشاهدة له بالوحدانية، يريد الله أن يزيده ويبلغه ~~الغاية القصوى من الإشراق {ولو كره الكافرون}. # {هو الذي أرسل رسوله} محمدا - صلى الله عليه وسلم - {بالهدى} بالقرآن ~~{ودين ms0335 الحق} الإسلام، {ليظهره} ليغلبه {على الدين كله} على كل دين خالفه ~~{ولو كره المشركون(33)}. # {يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان} المتسمون بهذا الاسم ~~الشريف بزعمهم {ليأكلون أموال الناس} استعار الأكل للأخذ {بالباطل، ويصدون} ~~سفلتهم {عن سبيل الله} دينه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «تنزيها له»، أو «تنويه لله». PageV02P109 # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} خصا بالذكر من ~~بين سائر الأموال، لأنهما قانون (¬1) التمول، وأثمان الأشياء. قال ابن عمر ~~فيما يروى عنه: «كل ما يؤدى زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونا، وكل ما لا ~~يؤدى زكاته فهو كنز وإن كان غير مدفون». {فبشرهم بعذاب أليم(34)} بمحق ما ~~يكنزونه في الدنيا وفي الآخرة، كما قال: # {يوم يحمى عليها في نار جهنم} إن نار جهنم يحمي عليها أي: توقد {فتكوى ~~بها جباههم وجنوبهم وظهورهم} لأن جمعهم وإمساكهم كان لطلب الوجاهة بالغنى، ~~والتنعم بالمطاعم الشهية والملابس البهية {هذا ما كنزتم لأنفسكم} يقال لهم: ~~هذا ما كنزتموه لتنتفع به نفوسكم، وهو توبيخ. {فذوقوا ما كنتم تكنزون(35)} ~~أي: وبال المال الذي تكنزونه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... «والقوانين: الأصول، الواحد: قانون، وليس بعربي». ابن منظور: ~~لسان العرب، 5/177. PageV02P110 # إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا} من غير زيادة، والمراد: بيان أن ~~أحكام الشرع تبنى على الشهور القمرية المحسوبة بالأهلة، دون الشمسية، {في ~~كتاب الله} فيما أثبته وأوجبه من حكمه أو اللوح، {يوم خلق السماوات والأرض ~~منها أربعة حرم} ثلاثة سرد: ذو القعدة للقعود عن القتال، وذو الحجة للحج، ~~والمحرم لتحريم القتال فيه، وواحد فرد وهو رجب لترجيب العرب إياه، أي: ~~تعظيمه؛ {ذلك الدين القيم} أي: الدين المستقيم، لا ما يفعله أهل الجاهلية، ~~يعني: أن تحريم أربعة الأشهر هو الدين المستقيم، دين إبراهيم وإسماعيل، ~~وكانت العرب تمسكت به، وكانوا يعظمونها، ويحرمون القتال فيها؛ ثم أحدثت ~~النسيء فغيروا. {فلا تظلموا فيهن} في أشهر الحرم، أو في الاثني عشر ~~{أنفسكم} بارتكاب المعاصي، {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة}أمر ~~وتحذير لجميع المؤمنين أن يتشمروا لمعاداة جميع ms0336 الكافرين، وجعل الله جميع ~~المتعبدين من الجن والإنس حزبين لا ثالث لهما، حزبا لله تعالى، وحزبا ~~للشيطان الرجيم؛ {واعلموا أن الله مع المتقين(36)} بالنصر. # { PageV02P111 إنما النسيء} بالهمز مصدر نسأه: إذا أخره، وهو تأخير حرمة ~~الشهر إلى شهر آخر؛ وذلك أنهم كانوا أصحاب حروب وغارات، فإذا جاء الشهر ~~الحرام وهم محاربون شق عليهم ترك المحاربة، فيحلونه ويحرمون مكانه شهرا ~~آخر، حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم؛ فكانوا يحرمون من شق[كذا] شهور العام ~~أربعة أشهر، {زيادة في الكفر} أي: هذا الفعل منهم زيادة في كفرهم؛ [208] ~~لأن لهم أعمالا سيئة غير هذا الفعل، {يضل به الذين كفروا} بالنسيء، والضمير ~~في {يحلونه عاما، ويحرمونه عاما} للنسيء، أي: إذا أحلوا شهرا من الأشهر ~~الحرم عاما، رجعوا فحرموه في العام القابل؛ {ليواطئوا عدة ما حرم الله} ~~ليوافقوا العدة التي هي الأربعة ولا يخالفوها، وقد خالفوا التخصيص الذي هو ~~أحد الواجبين؛ {فيحلوا ما حرم الله} أي: فيحلوا مواطأة العدة وحدها، من غير ~~تخصيص ما حرم الله من القتال، أو من ترك الاختصاص للأشهر بعينها. {زين لهم ~~سوء أعمالهم} زين الشيطان لهم ذلك، فحسبوا أعمالهم القبيحة حسنة. {والله لا ~~يهدي القوم الكافرين(37)} حال اختيارهم الثابت على الباطل. # {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم: انفروا في سبيل الله اثاقلتم} ~~أي: تباطأتم {إلى الأرض} أي: ملتم إلى الدنيا وشهواتها، وكرهتم مشاق السفر ~~ومتاعبه؛ {أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة}؟ بدل الآخرة؟ {فما متاع الحياة ~~الدنيا في الآخرة} في جنب الآخرة {إلا قليل(38)} تحقير لها. # { PageV02P112 إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما} في الدنيا والآخرة، لأنه ~~حكم بالعذاب على من لم يمتثل أمره، {ويستبدل قوما غيركم} لأن من سنته ذلك، ~~{ولا تضروه شيئا} سخط عظيم على المتثاقلين، حيث أوعدهم بعذاب أليم، مطلق ~~يتناول عذاب الدارين، وبه (¬1) وليستبدل بهم قوما آخرين، خيرا منهم وأطوع، ~~وإن كانوا هم في الوجود؛ وأنه غني عنهم في نصرة دينه، لا يقدح تثاقلهم فيها ~~شيئا؛ وقيل: الضمير في «ولا تضروه» للرسول، لأن الله وعده أن يعصمه من ~~الناس ms0337 وأن ينصره، ووعده كائن لا محالة، {والله على كل شيء قدير(39)} جل عن ~~أن يعجزه شيء. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: - «وبه». PageV02P113 # إلا تنصروه فقد نصره الله} إن لا تنصروه فسينصره من نصره حين لم يكن معه ~~إلا رجل واحد؛ فدل بقوله: {فقد نصره الله} على أنه ينصره في المستقبل، كما ~~نصره في ذلك الوقت؛ {إذ أخرجه الذين كفروا} أسند الإخراج إلى الكفار، لأنه ~~حين هموا بإخراجه أذن الله [له] في الخروج، وكأنهم أخرجوه. {ثاني اثنين} ~~أحد اثنين وهما: رسول الله وأبو بكر فيما قيل. {إذ هما في الغار} وهو ثقب ~~في جبل، في يمنى مكة، على مسير ساعة فيما قيل. {إذ يقول لصاحبه: لا تحزن إن ~~الله معنا} بالنصرة والحفظ، فالمعية المذكورة لا يجتمع معها حزن، وهو وجود ~~العيان، والعيان درجة فوق درجة اليقين. قيل: طلع المشركون فوق الغار، فأشفق ~~أبو بكر على الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال له: إن أصبت اليوم ذهب دين ~~الله؛ فقال - عليه السلام - : «ما ظنك باثنين ثالثهما الله» (¬1) ؛ وقيل: ~~لما دخل الغار، بعث الله حمامتين فباضتا في أسفله، والعنكبوت نسجت عليه؛ ~~فأعمى الله أبصارهم. {فأنزل الله سكينته} ما ألقي في قلبه من الأمنة التي ~~سكن عندها، وعلم أنهم لا يصلون إليه. { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه البخاري عن أنس «قال حدثني أبو بكر - رضي الله عنه - قال ~~كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغار فرأيت آثار المشركين قلت: يا ~~رسول الله لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا، قال: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما». ~~كتاب تفسير القرآن، رقم 4295. مسلم: كتاب فضائل الصحابة، رقم 4389. ~~الترمذي: كتاب تفسير القرآن، رقم 3021. أحمد: مسند العشرة المبشرين بالجنة، ~~رقم 11. العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «ما ظنك باثنين». PageV02P114 # عليه} على النبي - صلى الله عليه وسلم - أو على صاحبه، لأنه كان يخاف ~~وكان - عليه السلام - ساكن القلب. {وأيده بجنود لم تروها} هم الملائكة، ~~يحتمل تأييد الله له بالملائكة، لتثبيت قلبه وتثبيط من عاداه؛ ويحتمل ~~لقتالهم، لأن الله لا [209] يعجزه شيء. {وجعل ms0338 كلمة الذين كفروا} أي: دعوتهم ~~إلى الكفر {السفلى، وكلمة الله} دعوته إلى الإسلام {هي العليا} أي: هي لم ~~تزل كانت عالية (¬1) {والله عزيز} يعز بنصره أهل كلمته، {حكيم(40)} يذل أهل ~~الشرك بحكمته. # {انفروا خفافا} في النفور لنشاطكم له، {وثقالا} عنه المشقة (¬2) عليكم، ~~أو خفافا لقلة عيالكم، وثقالا لكثرتها؛ أو خفافا من السلاح، وثقالا منه؛ أو ~~رجالا وركبانا، أو شبابا وشيوخا؛ وقيل: مشاغيل وغير مشاغيل. {وجاهدوا ~~بأموالكم وأنفسكم} إيجاب للجهاد بهما إن أمكن، أو بأحدهما على حسب الحال، ~~لأنهما لم يجعلا للعبد إلا (لعله) ليجاهد بهما لا غير، {في سبيل الله} في ~~طاعته. {ذلكم خير لكم} أي: الجهاد خير من تركه، {إن كنتم تعلمون(41)} كون ~~ذلك خيرا، فبادروا إليه. قيل: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو، وقد ذهبت إحدى ~~عينيه؛ فقيل له: «إنك ضعيف ومضر» فقال: «أستنفر الخفيف والثقيل، إن لم ~~يمكني الحرب كثرت السواد». # { # ¬__________ # (¬1) - ... في العبارة اختلال تركيب، والأحسن: «هي التي لم تزل عالية». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «لمشقته». PageV02P115 # لو كان عرضا} ما عرض لك من منافع الدنيا؛ يقال: «الدنيا عرض حاضر يأكل ~~منه البر والفاجر». {قريبا} سهل المأخذ {وسفرا قاصدا} وسطا مقاربا، والقصد: ~~المعتدل؛ {لاتبعوك} لخرجوا معك؛ {ولكن بعدت عليهم الشقة} بعد المسافة، ~~والشقة: السفر البعيد، لأنه يشق على الإنسان. {وسيحلفون بالله لو استطعنا ~~لخرجنا معكم} ذلك من دلائل النبوة، لأنه أخبر بما سيكون قبل كونه؛ فقالوا ~~كما أخبر. {يهلكون أنفسهم} والمعنى: أنهم يهلكونها بالحلف الكاذب؛ لأنها ~~تهلك بالمعنى الواحد، كما تهلك بالمعاني، {والله يعلم إنهم لكاذبون(42)} ~~بما يعتذرون ويحلفون. # {عفا الله عنك} كناية عن الزلة، لأن العفو لا يكون إلا من تقصير، وهو من ~~لطيف التعاب (¬1) بتصدير العفو في الخطإ؛ وفيه دلالة فضله على الأنبياء، ~~حيث لم يذكر مثله لسائر الأنبياء. {لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا} ~~في عذرهم، {وتعلم الكاذبين(43)} أي: تعلم من لا عذر له؛ قيل: لأنه لم يكن ~~يعرف المنافقين من المؤمنين بعد بالوحي، كأنه أذن لهم على غير علم له ms0339 سبق ~~من الله؛ وفيه زجر لمن يرتكب الأمور على جهالة، لا يعرف حجرها من إباحتها؛ ~~لأن من دخل فيما لا يعلم، فليس بعاقل؛ ثم أعلمه بحال الفريقين بقوله: # {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا} ليس من عادة ~~المؤمنين أن يستأذنوا في أن يجاهدوا {بأموالهم وأنفسهم، والله عليم ~~بالمتقين(44)} عدة لهم بأجزل الثواب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «العتاب». PageV02P116 # إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر} يعني: المنافقين، ~~{وارتابت قلوبهم} شكوا في دينهم، واضطربوا في عقيدتهم؛ {فهم في ريبهم ~~يترددون(45)} يتحيرون، لأن التردد ديدن المتحير، كما أن الثبات ديدن ~~المستبصر. # {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له} للخروج، أو للجهاد {عدة} أهبة، لأنهم ~~كانوا قادرين عليها، وترك العدة علامة للتخلف؛ {ولكن كره الله انبعاثهم} ~~نهوضهم للخروج، كأنه قيل: ماخرجوا، ولكن تثبطوا عن الخروج لكراهة انبعاثهم، ~~{فثبطهم} فحبسهم بالجبن والكسل، وضعف رغبتهم في الانبعاث، والتثبيط: ~~التوقيف عن الأمر بالتزهيد فيه. {وقيل: اقعدوا} أي: قال بعضهم لبعض؛ أو ~~قاله [210] الرسول - صلى الله عليه وسلم - غضبا عليهم؛ أو قاله الشيطان؛ ~~وقيل: أوعي إلى قلوبهم، وألهموا أسباب الخذلان؛ {مع القاعدين(46)} هو ذم ~~لهم، حيث أنزلوا بالنساء (¬1) والصبيان والزمنى الذين شأنهم القعود في ~~الحضوض (¬2) الدنياوية ويدعى بذلك على من قعد عن فعل جميل. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «أنزلوا منزلة النساء...». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «الحظوظ»، أو هو من الحضيض، وهو ~~«قرار الأرض عند سفح الجبل». ابن منظور: لسان العرب، 1/660. PageV02P117 # لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا} فسادا، ومعنى الفساد: إيقاع الجبن ~~والفشل بين المؤمنين بتهويل الأمر، {ولأوضعوا خلالكم} ولسعوا بينكم ~~بالتضريب (¬1) والنمائم، وإفساد ذات البين، و«لا أوضعوا» خط في المصحف ~~بزيادة الألف، لأن الفتحة كانت تكتب ألفا قبل الخط العربي، والخط العربي ~~اخترع قريبا من نزول القرآن، وقد نفى من تلك الألف أثر في الطباع[كذا]، ~~فكتبوا صورة الهمزة ألفا، وفتحها ألفا أخرى، ونحوه: «أو لاأذبحنه». ~~{يبغونكم الفتنة} أي: يطلبون أن يفتنوكم، بأن يوقعوا بينكم ويفسدوا نياتكم ~~في مغزاكم؛ {وفيكم ms0340 سماعون لهم} ضعفة يسمعون قولهم ويطيعونهم؛ وقيل: يسمعون ~~حديثكم، فينقلونه إليهم؛ {والله عليم بالظالمين(47)} بالمنافقين. # {لقد ابتغوا الفتنة} تشتت أمرك، وتفريق أصحابك، {من قبل، وقلبوا لك ~~الأمور} ودبروا لك الحيل والمكايد، ودوروا لك الآراء في إبطال أمرك أو ~~لبسوا عليك الحق بالباطل، بمعنى: إضلالك، {حتى جاء الحق} ببيان الله لك، ~~{وظهر أمر الله} أي: دينه على كل دين {وهم كارهون(48)} على رغم منهم. # {ومنهم من يقول: ائذن لي ولا تفتني} ولا توقعني على الفتنة، وهي الإثم، ~~بأن لا تأذن لي فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت. {ألا في الفتنة سقطوا} في ~~فتنة التخلف، أو في فتنة النفاق من حيث استأصلتهم وملكتهم، {وإن جهنم ~~لمحيطة بالكافرين(49)} لأن أسباب الإحاطة أحاطت بهم، أو هي تحيط بهم يوم ~~القيامة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... «ضربت الشيء بالشيء، وضربته: خلطته، وضربت بينهم في الشر: ~~خلطت. والتضريب بين القوم: الإغراء». ابن منظور: لسان العرب، 3/521. PageV02P118 # إن تصبك} في بعض الغزوات {حسنة} ظفر وغنيمة {تسؤهم، وإن تصبك مصيبة} نكبة ~~وشدة {يقولوا: قد أخذنا أمرنا} الذي نحن متسمون به من الحذر والتيقظ، ~~والعمل بالحزم {من قبل} من قبل ما وقع، وهو يشبه معنى قوله: {قال: إنما ~~أوتيته على علم عندي} (¬1) . {ويتولوا} من مقام التحدث بذلك إلى أهاليهم ~~{وهم فرحون(50)} مسرورون. # {قل: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} أي: قضى من خير وشر، {هو مولانا} ~~أي: يتولى أمورنا ويعلم مصالحنا، و(لعل) مصالحنا[كذا] فيما يصيبنا، {وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون(51)} وحق المؤمنين أن لا يتوكلوا على غير الله. # {قل: هل تربصون بنا} تنتظرون بنا {إلا إحدى الحسنيين} إلا إحدى العاقبتين ~~اللتين كل منهما حسنى العواقب، وهما النصرة أو الشهادة، {ونحن نتربص بكم} ~~إحدى السوأتين، إما {أن يصيبكم الله بعذاب من عنده} وهو نزول الموت عليكم، ~~{أو بأيدينا} وهو القتل على الكفر؛ فانظر كيف سمى الله الشهادة للمؤمنين ~~إحدى الحسنيين، وقتل الكفار عذابا، وهما فعل واحد في الاسم والصفة؛ ~~والمعنى: وذلك لأن إحدى الحسنيين يفضي بهم إلى الحسنة، وهي الجنة، وقتل ~~الكافرين يفضي بهم ms0341 إلى العذاب المؤبد وهو نار جهنم، أعاذنا الله منها. ~~وجميع ما يصيب المؤمن [211] في الدنيا من المكروه والمحبوب فهو حسنة له، ~~وكذا ما يصيب الكافر في الدنيا مما يكره أو يحب فهو عذاب له، لأنه يكون ~~سببا لزيادة عذابه في الآخرة؛ {فتربصوا} ما هو عاقبتنا {إنا معكم ~~متربصون(52)} ما هو عاقبتكم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة القصص: 78. PageV02P119 # قل: أنفقوا} في وجوه البر {طوعا} على اختيار منكم، {أو كرها} على غير ~~اختيار {لن يتقبل منكم} ليس بمقبول منكم ذا ولا ذا؛ {إنكم} تعليل لرد ~~إنفاقهم، {كنتم قوما فاسقين(53)} متمردين خارجين عن الطاعة، ولا تقوم طاعة ~~من فاسق. # {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا} أي: ما منعهم قبول ~~نفقاتهم إلا كفرهم {بالله وبرسوله، ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى} ~~متثاقلين {ولا ينفقون إلا وهم كارهون(54)} لأنهم يعدونها مغرما، ومنعها ~~مغنما؛ لأنهم لا يرجون بها ثوابا، ولا يخافون على تركها عقابا، لأنهم لا ~~يريدون بها وجه الله؛ وصفهم بالطوع في قوله: {طوعا} (¬1) وسلبه عنهم ها ~~هنا، لأن المراد بطوعهم أنهم يبدلونه من غير إلزام من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أو من رؤسائهم، وما طوعهم ذلك إلا عن كراهة واضطرار، لا عن ~~رغبة واختيار. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «أو طوعا» وهو خطأ. PageV02P120 # فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم} فإن ذلك استدراج ووبال لهم، كما قال: ~~{إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا} بسبب ما يكابدون لجمعها ~~وحفظها من المتاعب، وما يرون فيها من الشدائد؛ والإعجاب بالشيء: أن يسر به ~~سرورا راض به، معجب من حسنه؛ والمعنى: فلا تستحسن بما أتوا من زينة؛ فإن ~~الله إنما أعطاهم ما أعطاهم، ليعذبهم بالمصائب فيها، وبالإنفاق منها، ~~وبنهبها وبجمعها وحفظها وحبها والبخل بها والخوف عليها، وكل هذا عذاب من ~~حيث أنهم لا يؤجرون عليه؛ وكل من كان أكثر مالا وأولادا من الموصوفين، كان ~~أكثر عذابا في الدنيا، وعدمهما[كذا] عذاب في حق الأكثر من الكافرين؛ وأما ~~المؤمنون وإن كابدوا أمرها فلا يسمى عذابا، ويسمى حسنا، لأن فعلهم فيها ms0342 حق ~~يثابون عليه، ويفضي بهم إلى جنات النعيم. {وتزهق أنفسهم، وهم كافرون(55)} ~~وتخرج أرواحهم على الكفر، من عدم توبتهم، والثبات على غيهم؛ وأصل الزهوق: ~~الخروج بصعوبة، فيموتوا كافرين مشتغلين بالتمتع العاجل عن النظر في ~~العاقبة، فيكون ذلك استدراجا لهم. # {ويحلفون (¬1) بالله إنهم لمنكم} أي: على دينكم، [وإنهم] لمن جملة ~~المسلمين، {وما هم منكم} لكفر قلوبهم، [و]اختلاف أعمالهم، {ولكنهم قوم ~~يفرقون(56)} يخافون القتل، وما يفعل بالمشركين؛ فيظاهرون بالإسلام تقية. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «و» وهو سهو من الناسخ. PageV02P121 # لو يجدون ملجأ} مكانا يلجأون إليه متحصنين من رأس جبل، أو قلعة أو جزيرة، ~~أو فرصة لمخالفتكم، {أو مغارات} أو غيرانا، {أو مدخلا} أو نفقا يندسون فيه، ~~{لولوا إليه} لأقبلوا نحوه، {وهم يجمحون(57)} يسرعون إسراعا لا يردهم شيء، ~~مستعمل من “الفرس الجموح”؛ ومعنى الآية: أنهم لو يجدون مخلصا منكم ومهربا ~~(لعله) يخالفوكم. # {ومنهم} ومن المنافقين {من يلمزك في الصدقات} يعيبك في قسمتها، ويطعن ~~عليك؛ {فإن أعطوا منها رضوا} عنك، وفي الآية دليل على جواز إعطاء الزكاة ~~المنافقين؛ لأن الصدقات في هذا يراد بها الزكاة في التأويل. {وإن لم يعطوا ~~منها إذا هم يسخطون(58)} عليك، وصفهم بأن رضاهم وسخطهم [212] لأنفسهم لا ~~للدين وما فيه صلاح أهله. # {ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله، وقالوا: حسبنا الله} كفانا فضله، ~~{سيؤتينا الله من فضله ورسوله} لأن من توكل عليه لا شك أنه يغنيه؛ ودليله ~~قوله: {إنا إلى الله راغبون(59)} في أن يغنينا الله من فضله؛ والمعنى: لو ~~أنهم ما أصابهم به الرسول من الغنيمة، فطابت به نفوسهم وإن قل قالوا: ~~كفانا فضل الله وصنيعه، وحسبنا ما قسم لنا، سيرزقنا غنيمة أخرى فيؤتينا ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم - منها. # {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} أي: الزكوات لهؤلاء المعدودين دون ~~غيرهم، {والعاملين عليها} الساعين في تحصيلها وجمعها، {والمؤلفة قلوبهم} ~~للعطاء، {وفي الرقاب والغارمين} المديونين في غير معصية، {وفي سبيل الله} ~~في الجهاد، {وابن السبيل} المسافر المنقطع عنه ما يكفيه في سفره؛ {فريضة من ~~الله} أي: واجب منه {والله عليم} بالمصلحة، ms0343 {حكيم(60)} فيما قسم، يضع ~~الأشياء مواضعها. # { PageV02P122 ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون: هو أذن} يسمع كل ما يقال ~~له، ويصدقه. سمي بالجارحة للمبالغة، كأنه من فرط استماعه صار آلة للسماع؛ ~~كما سمي الجاسوس عينا؛ وإيذاؤهم له وهو قولهم فيه: «هو أذن» قصدوا به ~~المذمة، وأنه من أهل سلامة القلوب والغرة (¬1) ، ففسره الله تعالى بما هو ~~مدح له وثناء عليه فقال: {قل أذن خير لكم} كقوله: رجل صدق، يريد الجودة ~~والصلاح؛ كأنه قيل: نعم هو أذن، ولكن نعم الأذن؛ ويجوز أن يريد هو أذن في ~~الخير والحق، وفيما يجب سماعه وقبوله، وليس بأذن في غير ذلك؛ ثم فسر كونه ~~أذن خير بأنه {يؤمن بالله} أي: يصدق بالله لما قام عنده من الأدلة، {ويؤمن ~~للمؤمنين} ويقبل من المؤمنين الخلص وعدى فعل “الإيمان” بالباء إلى الله، ~~لأنه قصد به التصديق بالله الذي هو ضد الكفر به، وإلى المؤمنين باللام، ~~لأنه قصد السماع من المؤمنين، وأن يسلم لهم ما يقولونه ويصدقه لكونهم ~~صادقين عنده، ألا ترى إلى قوله: {وما أنت بمؤمن لنا} (¬2) كيف ينبو عن ينبؤ ~~عن (¬3) الباء. {ورحمة للذين آمنوا منكم} أي: هو رحمة للمؤمنين حيث ~~استنقذهم من الكفر إلى الإيمان. { # ¬__________ # (¬1) - ... «وفي الحديث: “المؤمن غر كريم”، أي ليس بذي نكر، فهو ينخدع ~~لانقياده ولينه، وهو ضد الخب، يقال: فتى غر، وفتاة غر... ومنه حديث الجنة: ~~“يدخلني غرة الناس، أي البله الذين لم يجربوا الأمور، فهم قليلو الشر ~~منقادون». ابن منظور: لسان العرب، 4/971. # (¬2) - ... سورة يوسف: 17. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «كيف ينبو عن الباء»، أي أن ~~السياق لا يحتمل إدخال الباء على الضمير “نا”، فلا يليق أن يقول: «وما أنت ~~بمؤمن بنا». PageV02P123 # والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم(61)} في الدارين، كأن الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - لما كان رحمة للمؤمنين، كان عذابا للمنافقين، من حيث ~~استحقوا العذاب بإيذائهم له ومخالفتهم إياه؛ ويحتمل أن نفس الإيذاء يكون ~~عذابا لهم من قبل اشتغالهم بشيء يضرهم ولا ينفعهم؛ وبذلك صاروا عبيدا ~~مسخرين للشيطان لعنه الله. ms0344 # {يحلفون بالله لكم ليرضوكم} الخطاب للمسلمين، وكان المنافقون يتكلمون ~~بالمطاعن، أو يتخلفون عن الجهاد، ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم، ويؤكدون ~~معاذيرهم بالحلف ليعذروهم ويرضوا عنهم، لأنهم يكرهون الافتراق في الظاهر، ~~وإن كانوا فارقين في السرائر؛ فقيل: لهم: {والله ورسوله أحق أن يرضوه إن ~~كانوا مؤمنين(62)} أي: إن كنتم مؤمنين كما تزعمون فأحق من رضيتم (¬1) الله ~~ورسوله بالطاعة والوفاق. # {ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله} تجاوز الحد [213] بمشاققته لهما، ~~والمعنى: أن يكون في جانب مباين عن أمر الله ورسوله؛ {فأن له نار جهنم ~~خالدا فيها ذلك الخزي العظيم(63)} الهلاك الدائم، والفضيحة العظيمة. # {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم} من الكفر ~~والنفاق، وتهتك عليهم أستارهم {قل: استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون(64)} ~~مظهر ما كنتم تحذرونه، أي: تحذرون إظهاره من نفاقكم، وكانوا يحذرون أن ~~يفضحهم الله بالوحي فيهم، وفي استهزائهم بالإسلام وأهله؛ حتى قال بعضهم: ~~«وددت أني قدمت فجلدت مائة، وأنه لا ينزل فينا شيء يفضحنا». # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «أرضيتم». PageV02P124 # ولئن سألتهم ليقولن: إنما كنا نخوض ونلعب} قيل: بينما رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يسير في غزوة تبوك، وركب من المنافقين يسيرون بين يديه، ~~فقالوا: «انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتح قصور الشام وحصونه، هيهات ~~هيهات!!»، فأطلع الله نبيه على ذلك، فقال: «احبسوا على الركب»، فأتاهم؛ ~~فقال: «قلتم كذا وكذا»؛ فقالوا: «يا نبي الله، لا والله ما كنا في شيء من ~~أمرك، ولا من أمر أصحابك؛ ولكن كنا في شيء مما نخوض فيه، ليقصر بعضنا على ~~بعض السفر»، أي: {ولئن سألتهم} قلت لهم: «قلتم ذلك» لقالوا: {إنما كنا نخوض ~~ونلعب}، وكان اعتذراهم عن اللعب باللعب[كذا]، لأن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين للحجة، {قل} يا محمد، {أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون(65)} ~~لم يعبؤوا باعتذارهم، لأنهم كانوا كاذبين فيه؛ فجعلوا كأنهم معترفون ~~باستهزائهم، وبأنه موجود فيهم الخوض واللعب ظاهرا، فلم يقدروا أن ينفوه عن ~~أنفسهم. # {لا تعتذروا} لا تشتغلوا باعتذاراتكم الكاذبة، فإنها لا تنفعكم بعد ms0345 إظهار ~~شركم ونفاقكم، {قد كفرتم} قد ظهر كفركم بالاستهزاء {بعد إيمانكم} الظاهر؛ ~~{إن نعف عن طائفة منكم} بعد توبتهم (¬1) وإخلاصهم الإيمان بعد النفاق، ~~{نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين(66)} مصرين على النفاق، غير تائبين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «تنوبتهم»، وهو خطأ. PageV02P125 # المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} أي: متشابهون في النفاق، والبعد عن ~~الإيمان، كأبعاض الشيء الواحد، كأنهم نفس واحدة، أي: على دين واحد ~~بالاجتماع على النفاق؛ وفيه نفي أن يكونوا من المؤمنين، وتكذيبهم في قولهم ~~{ويحلفون بالله إنهم لمنكم}، وتقرير لقوله: {وما هم منكم}؛ ثم وصفهم على ~~مضادة حالهم لحال المؤمنين، فقال: {يأمرون بالمنكر} بالكفر والعصيان، ~~{وينهون عن المعروف} عن الطاعة والإيمان، {ويقبضون أيديهم} شحا بالمبار ~~والصدقات، والإنفاق في سبيل الله؛ {نسوا الله} تركوا أمره، وغفلوا عن ذكره، ~~{فنسيهم} فتركهم (¬1) من رحمته وفضله وتوفيقه، {إن المنافقين هم ~~الفاسقون(67)} هم الكاملون في الفسق الذي هو: التمرد في الكفر، والانسلاخ ~~[214] عن كل خير؛ وكفى المسلم زاجرا أن يلم بما يكسبه هذا الاسم الفاحش، ~~الذي وصف به المنافقون، حين بالغ في ذمهم. # {وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها، هي حسبهم} ~~كافيهم جزاء على كفرهم؛ وفيه دلالة على عظم عذابها، وأنه بحيث لا يزاد ~~عليه، {ولعنهم الله} وأهانهم وأبعدهم مع التعذيب المقيم، {ولهم عذاب ~~مقيم(68)} دائم أي: فعلتم كفعل الذين من قبلكم، بالعدول عن أمر الله، ~~فلعنتم كما لعنوا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «فطردهم من...». PageV02P126 # كالذين من قبلكم}، فمن حين لازموا النفاق، لازمهم العذاب {كانوا أشد منكم ~~قوة، وأكثر أموالا وأولادا، فاستمتعوا بخلاقهم} نصيبهم من ملاذ الدنيا، ~~{فاستمتعتم بخلاقكم} بما خولتم إياه، {كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم} ~~ذم الأولين باستمتاعهم بحظوظهم من الشهوات الفانية، واشتغالهم بها عن النظر ~~في العاقبة، والسعي في تحصيل اللذائذ الحقيقية، {وخضتم} دخلتم في الباطل، ~~والكذب على الله، وتكذيب رسله، والاستهزاء بالمؤمنين، {كالذي خاضوا} كالخوض ~~(¬1) الذي خاضوا، والخوض: الدخول في الباطل واللهو، {أولئك حبطت أعمالهم في ~~الدنيا والآخرة}، في مقابلة قوله: {وآتيناه أجره في الدنيا وإنه ms0346 في الآخرة ~~لمن الصالحين} (¬2) ، {وأولئك هم الخاسرون(69)} أي: كما حبطت أعمالهم، ~~وخسروا، كذلك حبطت أعمالكم وخسرتم. # {ألم يأتهم} يعني المنافقين {نبأ} خبر {الذين من قبلهم}، حين عصوا رسلنا، ~~وخالفوا أمرنا، كيف عذبناهم وأهلكناهم، ثم ذكرهم فقال: {قوم نوح وعاد وثمود ~~وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات} مدائن قوم لوط، وائتفاكهن: انقلاب ~~أحوالهن عن الخير إلى الشر {أتتهم رسلهم بالبينات} فكذبوهم، فعصوهم كما ~~فعلتم، فاحذروا تعجيل العذاب؛ {فما كان الله ليظلمهم} فما صح منه أن يظلمهم ~~بإهلاكهم، لأنه حكيم فلا يعاقبهم بغير جرم، {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون(70)} ~~بالكفر، وتكذيب الرسل. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «كالخوظ»، وهو خطأ. # (¬2) - ... سورة العنكبوت: 27. وفي الأصل: {واتيناه اجره في الدنيا ~~والاخرة} وهو خطأ. PageV02P127 # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} في التناصر والتراحم، والدين، ~~واتفاق الكلمة، والعون والنصرة، {يأمرون بالمعروف} بالإيمان والطاعة، ~~{وينهون عن المنكر} عن الشرك والمعصية، وما لا يعرف في الشرع، {ويقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله} في سائر الأمور، {أولئك سيرحمهم ~~الله} لا محالة، {إن الله عزيز حكيم(71)}. # { PageV02P128 وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها، [215] ومساكن طيبة} تستطيبها النفس، أو يطيب فيها العيش. وفي ~~الحديث: «إنها قصور من اللؤلؤ والزبرجد والياقوت الأحمر» (¬1) ، {في جنات ~~عدن} إقامة وخلود؛ ويروى عنه - عليه السلام - أنه قال: «عدن دار الله التي ~~لم ترها (¬2) عين ولم تخطر على قلب بشر» (¬3) ، {ورضوان من الله} وشيء من ~~رضو (¬4) # ¬__________ # (¬1) - ... لم نعثر عليه في الربيع ولا في الكتب التسعة ولا في الجامع ~~الصغير وزياداته. # (¬2) - ... في الأصل: «لم تراها»، وهو خطأ. # (¬3) - ... جاء في صحيح البخاري: «عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «قال الله أعددت لعبادي الصالحين ما لا ~~عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فاقرءوا إن شئتم: {فلا تعلم نفس ~~ما أخفي لهم من قرة أعين}». كتاب بدء الخلق، رقم 3005، ونحوه في كتاب تفسير ~~القرآن، كتاب التوحيد. مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها. الترمذي: كتاب ~~تفسير القرآن. ابن ماجه: ms0347 كتاب الزهد. أحمد: باقي مسند المكثرين. الدارمي: ~~كتاب الرقاق. العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «خطر على قلب». # (¬4) - ... لم أجد في اللسان هذا المصدر، وإنما رضي مصدره: «الرضا، ~~مقصور: ضد السخط... وقد رضي، رضا، ورضا، ورضوانا، ورضوانا». ابن منظور: ~~لسان العرب، 2/1179.. PageV02P129 # الله {أكبر} من ذلك كله، لأن رضاه سبب كل فوز، وسعادة وسلامة من كل شر، ~~كما كانت الدراهم والدنانير سببا لشهوات الدنيا، وقيل: يقول الله لأهل ~~الجنة: «أحل لكم رضواني، فلا أسخط عليكم أبدا» (¬1) ، {ذلك} إشارة إلى ما ~~وعد أو إلى الرضوان، {هو الفوز العظيم(72)} وحده دون ما يعده الناس فوزا. # {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} ولا تحابهم، وكل من ~~وقف منه على فساد في العقيدة، أو مخالفة في العمل، فهذا الحكم ثابت فيه، ~~يجاهد بالحجة، وتستعمل معه الغلظة ما أمكن منها، {ومأواهم جهنم وبئس ~~المصير(73)} مصيرهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... نص الحديث عند البخاري: «إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل ~~الجنة يا أهل الجنة، فيقولون لبيك ربنا وسعديك، فيقول هل رضيتم؟ فيقولون: ~~وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول: أنا أعطيكم ~~أفضل من ذلك، قالوا: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني ~~فلا أسخط عليكم بعده أبدا». كتاب الرقاق، رقم 6067، وكتاب التوحيد. مسلم: ~~كتاب الإيمان، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها. الترمذي: كتاب صفة الجنة، ~~أحمد: باقي مسند المكثرين. العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «لا أسخط». PageV02P130 # يحلفون بالله ما قالوا} بشيء من الكذب، فأكذبهم الله بقوله: {ولقد قالوا ~~كلمة الكفر} يعني قولهم: «إن كان ما يقول محمد حقا، فنحن شر من الحمير»، أو ~~هي استهزاؤهم، {وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا} من قتل محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - ؛ أو من إيثارهم بالدنيا [كذا] على الآخرة. {وما نقموا} ~~وما أنكروا وما عابوا، {إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} وذلك أنهم ~~كانوا حين قدم رسول الله المدينة في ضنك من العيش، لا يركبون الخيل ولا ~~يحوزون الغنيمة، فأثروا بالغنائم. ms0348 وقتل للجلاس (¬1) مولى، فأمر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بدية اثني عشر ألفا فاستغنى، {فإن يتوبوا يكن خيرا ~~لهم} في الدارين، {وإن يتولوا} بالإصرار على النفاق {يعذبهم الله عذابا ~~أليما في الدنيا والآخرة}، فكل متول عن أمر الله معذب في الدنيا والآخرة، ~~بدليل هذه الآية، {وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير(74)} ينصرهم من ~~العذاب. # {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين(75) ~~فلما آتاهم من فضله} قيل: نزلت في ثعلبة بن حاطب، {بخلوا به} منعوا حق ~~الله، ولم يفوا بالعهد، {وتولوا} عن أداء الواجب منه ، {وهم معرضون(76)}. # {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم} فأورثهم البخل نفاقا متمكنا في قلوبهم، لأنه ~~كان سببا فيه. وقيل: جعل الله عاقبة فعلهم في ذلك نفاقا وسوء اعتقاد في ~~قلوبهم، {إلى يوم يلقونه} بالموت، أو يلقون جزاء أعمالهم، يريد: حرمهم ~~التوبة {بما أخلفوا الله ما وعدوه، وبما كانوا يكذبون(77)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «اللحلاس»، وهو خطأ. PageV02P131 # ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم} ما أسروه من النفاق، بالعزم على خلاف ما ~~وعدوه، {ونجواهم} وما يتناجون به فيما بينهم، من المطاعن في الدين، وتسمية ~~الصدقة جزية، وتدبير منعها [216]، {وأن الله علام الغيوب(78)}. # {الذين يلمزون المطوعين} بالعيب؛ والمتطوعون: هم المتبرعون {من المؤمنين ~~في الصدقات، والذين لا يجدون إلا جهدهم}، وهم فقراء المسلمين، لا يجدون ~~فضلا عن سد خللهم، فيتصدقوا به، وهم أعدم من الأولين، لأن الأولين يتصدقون ~~بالقليل، وهؤلاء لا تفضل مكاسبهم عن لوازمهم، وهم أهل لها، {فيسخرون منهم} ~~فيهزؤون؛ {سخر الله منهم}، جازاهم على سخريتهم {ولهم عذاب أليم(79)} في ~~الدنيا والآخرة. # {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم} يريد به التساوي بين الأمرين في عدم ~~الإفادة لهم، وذكر عدد السبعين للمبالغة في اليأس، على طمع المغفرة؛ ~~والضمير للمنافقين الذين وصفهم الله فيما مضى، {إن تستغفر لهم سبعين مرة}، ~~وما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ليستغفر لهم بعد أن علم أن الله لا ~~يغفر لهم؛ {فلن يغفر الله لهم ذلك} إشارة إلى اليأس من ms0349 المغفرة {بأنهم} ~~بسبب أنهم {كفروا بالله ورسوله، والله لا يهدي القوم الفاسقين} الخارجين عن ~~الإيمان، ما داموا مختارين الكفر والطغيان. # { PageV02P132 فرح المخلفون} المنافقون الذين استأذنوا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ، فأذن لهم؛ خلفهم كسلهم ونفاقهم أو الشيطان. {بمقعدهم} ~~بقعودهم عن الغزو، {خلاف رسول الله} - صلى الله عليه وسلم - مخالفة له؛ ~~وذلك بأنهم يفرحون بالعاجل، {وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله} أي: لم يفعلوا ما فعله المؤمنون من بذل أموالهم وأرواحهم في سبيل ~~الله، وكيف لا يكرهونه وليس فيهم كما في المؤمنين من باعث الإيمان، وداعي ~~الإيقان، {وقالوا لا تنفروا في الحر} قال بعضهم لبعض، أو قالوا للمؤمنين ~~(¬1) . {قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون(81)} استجهال لهم، لأن من ~~تصون من مشقة ساعة، فوقع بسبب ذلك التصون في مشقة الأبد، كان أجهل من كل ~~جاهل. ولأنهم {لو كانوا يفقهون} أن مآلهم إليها، أو أنها كيف هي ما ~~اختاروها بإيثار الدعة على الطاعة. # {فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا} أي: فليضحكون (¬2) قليلا على فرحهم ~~بتخلفهم في الدنيا، ويبكون (¬3) كثيرا {جزاء} في العقبى، إلا أنه على لفظ ~~الأمر للدلالة على أنه حتم واجب لا يكون غيره. يروى أن أهل النار يبكون في ~~النار عمر الدنيا لا يرقى (¬4) لهم دمع، ولا يكتحلون بنوم، {جزاء بما كانوا ~~يكسبون(82)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «المؤمنين»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، والصواب: «فليضحكوا». # (¬3) - ... كذا في الأصل، والصواب: «ويبكوا». # (¬4) - ... كذا في الأصل، والصواب بالهمزة: «يرقأ»، ففي اللسان: «رقأت ~~الدمعة ترقأ رقأ ورقوءا، جفت وانقطعت». ابن منظور: لسان العرب، 2/1203. PageV02P133 # فإن رجعك الله} أي: ردك {إلى طائفة منهم} بأن ردك إلى المدينة وفيها ~~طائفة من المتخلفين، يعني: منافقيهم؛ {فاستأذنوك للخروج؛ فقل: لن تخرجوا ~~معي أبدا، ولن تقاتلوا معي عدوا، إنكم رضيتم بالقعود أول مرة} أول ما ~~دعيتم؛ {فاقعدوا مع الخالفين(83)} مع النساء والصبيان؛ وقيل: مع المرضى ~~والزمنى، وقيل: مع الذين يحلفون بغير عدل. # {ولا تصل على أحد منهم} من المنافقين {مات أبدا، ولا تقم على قبره، إنهم ~~كفروا بالله ms0350 ورسوله، وماتوا وهم [217] فاسقون(84)}. # { PageV02P134 ولا تعجبك أموالهم وأولادهم} يريد أموال المنافقين ~~وأولادهم قلت أو كثرت؛ {إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا، وتزهق ~~أنفسهم وهم كافرون(85)} تكرير للتأكيد والمبالغة، والأمر حقيق به، فإن ~~الأبصار طامحة إلى الأموال والأولاد، والنفوس مغتبطة بها؛ وإذا كان الله ~~تعالى ليعذبهم بالأموال والأولاد في الحياة الدنيا، فكيف بما عداها من ~~المكاره لا يعذبون بها، بل معذبون بكل ما تكرهه نفوسهم؛ وأما المؤمن وإن ~~ناله (¬1) مكروه في الدنيا فلا يسمى عذابا له، بل يسمى بلاء حسنا، لقوله: ~~{وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا} (¬2) ، لأنه يرجو ثوابه في الآخرة عند ربه ~~ويستبشر بوعد الله له. {وإذا أنزلت سورة} يجوز أن تراد سورة بتمامها، وأن ~~يراد بعضها، كما يقع اسم القرآن والكتاب على كله، وعلى بعضه. {أن آمنوا ~~بالله وجاهدوا مع رسوله، استأذنك أولو (¬3) الطول منهم} ذوو السعة، لأنهم ~~يتطاولون بها الأمور العلية، {وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين(86)} مع الذين ~~لهم عذر في التخلف كالمرضى والزمنى والفقراء. # {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف} أي: النساء، جمع خالفة؛ وقد يقال الخالفة: ~~الذي لا خير فيه؛ {وطبع على قلوبهم} ختم عليها لاختيارهم الكفر والنفاق؛ ~~{فهم لا يفقهون(87)} ما في الجهاد من الفوز والسعادة، وما في التخلف من ~~الهلاك والشقاوة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «وإناله» وقد أدغم الناسخ النون في النون الأخرى ~~فكتبها واحدة. # (¬2) - ... سورة الأنفال: 17. # (¬3) - ... في الأصل: «ألو». PageV02P135 # لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم} أي: إن تخلف هؤلاء ~~فقد نهض للغزو من هو خير منهم. {وأولئك لهم الخيرات} تتناول منافع الدارين ~~لإطلاق اللفظ؛ فهؤلاء لهم خيرات الدنيا والآخرة؛ والكافرون لهم عذاب أليم ~~في الدنيا والآخرة؛ {وأولئك هم المفلحون(88)} الفائزون بكل مطلوب. # {أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ذلك الفوز ~~العظيم(89)} لما لهم من الخيرات الأخروية. # {وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم} هو من عذر في الأمر: إذا قصر فيه ~~وتوانى (¬1) ؛ وحقيقته أن توهم أن له عذرا فيما فعل، ولا عذر له؛ أو ~~المتعذرون بالباطل، قالوا: إن ms0351 لنا عيالا، وبنا جهدا، وبيوتنا عورة، فأذن ~~لنا في التخلف. {وقعد الذين كذبوا الله ورسوله} هم منافقو الأعراب الذين لم ~~يجيئوا ولم يعتذروا، وظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله بادعائهم الإيمان. ~~{سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم(90)} في الدنيا والآخرة؛ ثم ذكر أهل ~~[218] العذر فقال: # {ليس على الضعفاء} الهرمى والزمنى، {ولا على المرضى} كل من به علة تمنعه ~~عن الجهاد، {ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون} هم الفقراء، {حرج} إثم وضيق ~~في التأخر، {إذا نصحوا لله ورسوله} هم الخلص. {ما على المحسنين} الذين ~~اعتادوا فعل الإحسان {من سبيل} أي: لا جناح عليهم (لعله) ولا طريق للعائب ~~عليهم، والطريق على العائب عليهم [كذا] {والله غفور} يغفر لهم تخلفهم ~~{رحيم(91)} بهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... انظر: ابن منظور: لسان العرب، 4/717، مادة «عذر». PageV02P136 # ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم} لتعطيهم الحمولة {قلت: لا أجد ما ~~أحملكم عليه؛ تولوا وأعينهم تفيض من الدمع} أي: تسيل، وهو أبلغ من «يفيض ~~دمعها» لأن العين جعلت كأن كلها دمع فائض {حزنا ألا (¬1) يجدوا ما ~~ينفقون(92)}. # {إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء، رضوا بأن يكونوا مع ~~الخوالف} بيان لما هو السبب لاستئذانهم من غير عذر {وطبع الله على قلوبهم ~~فهم لا يعلمون(93)} مآل الفريقين. # {يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم} لتمكن النفاق في قلوبهم؛ {قل: لا ~~تعتذروا لن نؤمن لكم} لن نصدقكم، {قد نبأنا الله من أخباركم} علة لانتفاء ~~تصديقهم؛ لأنه تعالى إذا أوحى إلى رسوله لإعلام بأخبارهم وما في ضمائرهم، ~~لم يستقم (¬2) (لعله) رسوله مع تصديقهم في معاذيرهم. {وسيرى الله عملكم ~~ورسوله} أتتوبون أم تصرون. {ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة، فينبئكم بما ~~كنتم تعملون(94)} فيجازيكم على حسب ذلك. # {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم، لتعرضوا عنهم} لتتركوهم ولا ~~تعاتبوهم، ودعوهم (¬3) وما اختاروه لأنفسهم من النفاق؛ {فأعرضوا عنهم} ~~فأعطوهم طلبتهم، {إنهم رجس} تعليل لترك معاتبتهم، أي: إن المعاتبة لا تنفع ~~فيهم ولا تصلحهم، إنهم أرجاس لا سبيل إلى تطهيرهم، {ومأواهم جهنم} يعني: ~~وكفتهم النار عتابا وتوبيخا؛ فلا ms0352 تتكلفوا عتابهم؛ {جزاء بما كانوا ~~يكسبون(95)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «لا»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «لم يستتبهم». # (¬3) - ... في الأصل: «وادعوهم»، وهو خطأ. PageV02P137 # يحلفون لكم لترضوا عنهم} أي: غرضهم بالحلف بالله طلب رضاكم، لينفعهم ذلك ~~في دنياهم؛ {فإن ترضوا عنهم، فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين(96)} أي: ~~فإن رضاكم وحدكم لا ينفعهم إذا كان الله ساخطا عليهم، وكانوا عرضة لعاجل ~~عقوبته وآجلها؛ وإنما قيل: ذلك لئلا يتوهم أن رضي المؤمنين يقتضي رضى الله عنهم. # {الأعراب} أهل البدو، {أشد كفرا ونفاقا} من أهل الحضر، لجفائهم وقسوتهم، ~~وبعدهم عن العلم وأهله {وأجدر ألا يعلموا} وأحق بأن لا يعلموا {حدود ما ~~أنزل الله على رسوله} حدود الدين، وما أنزل الله من الشرائع والأحكام؛ ومنه ~~قوله: [219] - عليه السلام - «إن الجفاء والقسوة في الفدادين» (¬1) ، يعني: ~~أهل الحروث، لأنهم يصبحون في حروثهم [كذا]؛ وكذلك كل من تقاعد عن التعليم ~~وأهمل نفسه عنه، ورضي بالدعة والبطالة، والعطالة عن التشمر والاجتهاد فيه، ~~واستغنى بعلمه عن الطلب والسؤال، بثاثربه (¬2) الكفر والنفاق، لأن ذلك ثمرة ~~الجهل، {والله عليم} بأحوالهم {حكيم(97)} في إمهالهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه الإمام الربيع بن حبيب في صحيحه، باب [9] في الإيمان ~~والإسلام والشرائع، رقم 58، عن أبي مسعود الأنصاري قال: أشار النبيء - صلى ~~الله عليه وسلم - بيده نحو اليمين فقال: «ألا إن الإيمان هاهنا وإن الفتنة ~~(القسوة) وغلظ القلب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرن ~~الشيطان ربيعة ومضر». وروى نحوه البخاري في كتاب بدء الخلق؛ كتاب المناقب؛ ~~كتاب المغازي؛ كتاب الطلاق. مسلم: كتاب الإيمان. أحمد: باقي مسند المكثرين. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «بأثرته». PageV02P138 # ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق} أي: يتصدق {مغرما} غرامة وخسرانا، لأنه لا ~~ينفق إلا تقية من المسلمين ورياء، لا لوجه الله وابتغاء المثوبة عنده. ~~{ويتربص بكم الدوائر} دوائر الزمان، وتبدل الأحوال، تدور الأيام لتذهب ~~قوتكم عنه فيتخلص من إعطاء الصدقة؛ {عليهم دائرة السوء} أي: عليهم تدور ~~المصائب التي يتوقعون وقوعها في المسلمين {والله سميع} لما يقولون إذا ~~توجهت عليهم ms0353 الصدقة، {عليم(98)} بما يضمرون. # {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويتخذ ما ينفق} في المبار، ~~{قربات} أسبابا للقربة {عند الله، وصلوات الرسول} أي: دعاءه له واستغفاره؛ ~~{ألا إنها} إن النفقة أو صلوات الرسول {قربة لهم}، وهذه الشهادة من الله ~~للمتصدق بصحة ما اعتقد، من كون نفقته قربات وصلوات، {سيدخلهم الله في ~~رحمته} التوفيق في الدنيا، والجنة في العقبى، وما أدل هذا الكلام على رضاء ~~الله عن المتصدقين، وأن الصدقة منه بمكان إذا خلصت من صاحبها، {والله (¬1) ~~غفور رحيم(99)}. # {والسابقون الأولون من المهاجرين} قيل: هم الذين صلوا إلى القبلتين، أو ~~الذين شهدوا بدرا، أو الذين أسلموا قبل الهجرة، {والأنصار} وقيل: هم أهل ~~بيعة العقبة الأولى: كانوا سبعة؛ أو أهل العقبة الثانية: كانوا سبعين على ~~ما قيل؛ {والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان} الذين اتبعوهم بالإيمان والطاعة ~~إلى يوم القيامة، {رضي الله عنهم} بأعمالهم الحسنة {ورضوا عنه} لما أفاض ~~عليهم من نعمته الدينية والدنيوية، {وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا، ذلك الفوز العظيم(100)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «إن الله»، وهو خطأ. PageV02P139 # وممن حولكم} يعني: حول بلدتكم وهي المدينة، {من الأعراب منافقون ومن أهل ~~المدينة مردوا على النفاق} وتمهروا فيه، {لا تعلمهم} أي: يخفون عليك مع ~~فطنتك، وصدق فراستك، لفرط بثوقهم [كذا] في تحامي ما يشكل من أمرهم، {نحن ~~نعلمهم} أي: لا يعلمهم إلا الله، ولا يطلع على سرهم غيره، لأنهم يبطنون ~~الكفر من (¬1) سويدات (¬2) قلوبهم، ويبرزون ظاهرا كظاهر المخلصين من ~~المؤمنين، ولذا قال النبي - عليه السلام - : «المنافق بالمؤمن أشبه من ~~الغراب من الغراب [كذا]، والماء من الماء» (¬3) {سنعذبهم مرتين ثم يردون ~~إلى عذاب عظيم(101)}. # {وآخرون اعترفوا بذنوبهم} أي: لم يعتذروا من تخلفهم بالمعاذير الكاذبة ~~كغيرهم، ولكن اعترفوا على أنفسهم بأنهم بئس ما فعلوا نادمين؛ {خلطوا عملا ~~صالحا} أي: توبتهم واعترافهم، {وآخر سيئا} الإثم؛ وفي الكلام تقديم وتأخير، ~~معناه: وآخرون عملوا سيئا واعترفوا به وتابوا منه؛ {عسى الله أن يتوب عليهم ~~إن الله غفور رحيم(102)} فيتجاوز عن التائب، ويتفضل عليه. # {خذ ms0354 من أموالهم صدقة} كفارة لذنوبهم، وهي الزكاة {تطهرهم} من رذيلة ~~البخل، {وتزكيهم بها} تنمي بها حسناتهم، وترفعهم إلى منازل المخلصين، {وصل ~~(¬4) عليهم} واعطف عليهم بالدعاء لهم؛ {إن صلاتك سكن لهم} يسكنون إليه ~~وتطمئن قلوبهم بأن الله قد تاب عليهم؛ {والله سميع عليم(103)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «في». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «سويداء». في المنجد: سويداء ~~القلب: حبته. # (¬3) - ... لم نعثر عليه في الربيع ولا في الكتب التسعة ولا في الجامع ~~الصغير وزياداته. # (¬4) - ... في الأصل: «وصلي» وهو خطأ. PageV02P140 # ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده} إذا صحت، {ويأخذ الصدقات} ~~ويقبلها إذا صدرت عن خلوص النية {وأن (¬1) الله هو التواب الرحيم(104)}. # {وقل} لهؤلاء التائبين: {اعملوا؛ فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون} فإن ~~عملكم لا يخفى خيرا كان أو شرا على الله وعلى رسوله وعلى المؤمنين، ~~{وستردون إلى عالم الغيب والشهادة، فينبئكم بما كنتم تعملون(105)} فيجازيكم ~~على حسب أعمالكم. # {وآخرون مرجون لأمر الله} أي: وآخرون من المتخلفين موقوفون إلى أن يظهر ~~أمر الله فيهم، لا يحكم لهم ولا عليهم بإيمان ولا كفر، حتى ينكشف سرهم يوم ~~القيامة؛ فحين ذلك يحكم فيهم بحكم الله من سعادة أو شقاء؛ {إما يعذبهم} إن ~~أصروا ولم يتوبوا؛ {وإما يتوب عليهم} إن تابوا {والله عليم حكيم(106)}. # {والذين اتخذوا مسجدا ضرارا} أي: مضارة لإخوانهم، أصحاب مسجد قباء؛ ~~{وكفرا} وتقوية للنفاق، {وتفريقا بين المؤمنين} لأنهم كانوا يصلون مجتمعين ~~في مسجد قباء؛ فأرادوا أن يتفرقوا عنه، وتختلف كلمتهم؛ وهذا يعم كل مسجد ~~يعمل فيه شيء من أعمال الدنيا يمنع عمل الطاعة لله ويشغلهم عنها؛ {وإرصادا ~~لمن حارب الله ورسوله من قبل، وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى} أي: العبادة ~~فيه لله؛ {والله يشهد إنهم لكاذبون(107)} أي: ما مرادهم إلا الباطل. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «إن» وهو خطأ. PageV02P141 # لا تقم فيه أبدا} ومعناه: أن هذا النهي عام لكل مؤمن عن القيام بمسجد ~~يخاف على دينه أو نفسه، من قبل من كان فيه من عباد الشيطان؛ لأن عبادة الله ~~وعبادة الشيطان متنافيتان، ms0355 لا يتأتيان بمقام واحد في حال واحد، ولأن النهي ~~وارد عن القعود مع الخائضين في الحق، حتى يخوضوا [221] في حديث غيره، إذ ~~القدر عليه نهيهم فيه. {لمسجد أسس على التقوى} هو مسجد قباء فيما قيل؛ {من ~~أول يوم} من أيام وجوده وتأسيسه، {أحق أن تقوم فيه} للصلاة والذكر؛ {فيه ~~رجال يحبون أن يتطهروا}؛ فقد انكشف لأهل التحقيق أن المراد بالمسجد الضرار ~~(¬1) من كان فيه من المضارين للمسلمين الذين يريدون عمارتها، والمسجد ~~المؤسس على التقوى، عماره الذين يحبون أن يتطهروا من المعاصي والنجاسات، ~~وإلا فلا يضر عمارها المطيعين إذا أسست على غير التقوى إذا اتخذت مساجد، ~~وإن أسست على التقوى فلا تنفع الداخلين فيها لعبادة الشيطان. {والله يحب ~~المطهرين(108)} معنى محبتهم للتطهر أنهم يؤثرونه ويحرصون عليه، حرص المحب ~~للشيء، ومعنى محبة الله إياهم: أنه يرضى عنهم، ويحسن إليهم، ويوفقهم ~~لمرضاته. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «لضرار»، وهو خطأ. PageV02P142 # أفمن أسس بنيانه} وضع أساس ما يبنيه من أمر دينه {على تقوى من الله ~~ورضوان خير، أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار} المعنى: أفمن أسس بنيان ~~دينه على قاعدة محكمة، وهو تقوى الله ورضوانه خير، أمن أسسه على قاعدة هي ~~أضعف القواعد، وهو الباطل والنفاق، الذي مثله مثل «شفا جرف هار» في قلة ~~الثبات والاستمساك. وضع «شفا الجرف» في مقابلة «التقوى» لأنه جعل مجازا عما ~~ينافي التقوى؛ والشفا: الحرف، والشفير وجرف الوادي: جانبه، يتحفر أصله ~~بالماء، وتحفره السيول، فيبقى واهيا؛ والهار الهائر: وهو المنصدع الذي أشفى ~~على التهدم والسقوط. {فانهار به في نار جهنم} فطاح به الباطل في نار جهنم؛ ~~ولما جعل الجرف الهائر مجازا عن الباطل رشح المجاز فجيء بلفظ الاهتيار الذي ~~هو للجرف، وليصور أن المبطل كأنه أسس بنيانا على شفا جرف من أودية، جهنم ~~فانهار به ذلك الجرف، فهو (¬1) في قعرها؛ {والله لا يهدي القوم ~~الظالمين(109)} إلى ما فيه صلاح ونجاة. # {لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم} وذلك كل ~~ما كان من البناء الذي ms0356 يبنيه على معصية الله، كان من أمر الدنيا أو الآخرة؛ ~~والتقطيع: أن تقطع في نار جهنم النجاة بالله من النار (¬2) ؛ {والله عليم ~~حكيم(110)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «فهوى». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل صواب العبارة: «والتقطيع: أن تقطع في نار ~~جهنم، نسأل الله النجاة من النار». PageV02P143 # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} عن بذل أنفسهم ~~وأموالهم في طاعته، وطلب رضاه. {يقاتلون في سبيل الله فيقتلون [222] ~~ويقتلون وعدا عليه حقا} وعد ثابت قد أثبته الله {في التوراة والإنجيل ~~والقرآن} وهو دليل على أن أهل الشرائع الماضين قبلنا أمروا بالقتال، ووعدوا ~~عليه؛ ثم قال: {ومن أوفى بعهده من الله} لأن إخلاف الميعاد قبيح، لا يقدم ~~عليه الكريم من خلقه، فكيف بأكرم الأكرمين؛ ولا يرى ترغيبا في الجهاد أحسن ~~منه وأبلغ. # {فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به} فافرحوا به، فإنكم تبيعون فانيا خسيسا ~~بباق حسن؛ {وذلك هو الفوز العظيم(111)} قال الصادق: ليس لإبدانكم ودنياكم ~~ثمن إلا الجنة؛ فلا تبيعوها إلا بها. # {التائبون} صفة صفقة بيعهم، {العابدون} أي: الذين عبدوا الله وحده ~~وأخلصوا له العبادة، أي: التائبون من الكفر على الحقيقة، الجامعون لهذه ~~الخصال؛ وعن الحسن: «هم الذين تابوا من الشرك، وتبرؤوا من النفاق». ~~{الحامدون} على نعمة الله ولما نالهم من السوء والضراء؛ {السائحون} لرياضة ~~أنفسهم، يتوصلون إلى الاطلاع على خفايا الملك والملكوت، ومن ذلك، قيل: ~~«السائحون طلبة العلم» وقيل: الصائمون، لتركه[م] اللذات كلها؛ {الراكعون ~~الساجدون} المحافظون على الصلوات؛ {الآمرون بالمعروف} بالإيمان والطاعة، ~~على ما يحكم به العلم، {والناهون عن المنكر} عن الشرك والنفاق، {والحافظون ~~لحدود الله} أوامره ونواهيه إذا توجهت إليهم، أو معالم الشرع؛ {وبشر ~~المؤمنين(112)} المتصفين بهذه الصفات. # { PageV02P144 ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا ~~أولي قربى} أي: ما صح له ولا لهم الاستغفار في حكم الله وحكمته {من بعد ما ~~تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم(113)} من بعد ما صحت معاصيهم واستتابوهم ~~وأصروا. # {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه} قيل: وعده ms0357 أبوه ~~أن يسلم؛ {فلما تبين له أنه عدو لله} أي: صح معه إصراره، وإيباؤه عن التوبة ~~{تبرأ منه؛ إن إبراهيم لأواه حليم(114)} هو المتأوه، واختلفوا في صفته، ~~قيل: هو الخاشع المتضرع؛ وقيل: الدعاة (¬1) إلى الحق؛ وقيل: المؤمن التواب؛ ~~وقيل: الرحيم بالمؤمنين؛ وقيل: هو الذي يكثر التأوه، يقول: آه من النار. ~~والحليم: هو الصبور على البلاء، الصفوح عن الأذى، لأنه كان يستغفر لأبيه ~~وهو يقول: لأرجمنك. # {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} أي: ما أمر ~~الله باتقائه واجتنابه، وبين أنه محظور (¬2) ، لا يؤاخذ به عباده الذين ~~هداهم للإسلام، ولا يخذلهم [223] إلا إذا أقدموا عليه بعد بيان حظره، ~~وعلمهم بأنه واجب الاجتناب؛ وأما قبل العلم والبيان فلا؛ وأما ما يعلم ~~بالعقل فغير موقوف على التوقيف للسؤال[كذا]؛ {إن الله بكل شيء عليم(115)}. # {إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت، وما لكم من دون الله من ولي ~~ولا نصير(116)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «الداعية». # (¬2) - ... في الأصل: «محضور»، وهو خطأ. PageV02P145 # لقد تاب الله على النبي} قيل: تاب عليه بإذنه للمنافقين في التخلف عنه، ~~كقوله: {عفا الله عنك} (¬1) ؛ {والمهاجرين والأنصار}، فيه بعث للمؤمنين على ~~التوبة، وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاج إلى التوبة والاستغفار، حتى النبي ~~والمهاجرين والأنصار، {الذين اتبعوه في ساعة العسرة} قيل: في غزوة تبوك؛ ~~والعسرة: الشدة، وكانت عليهم عسرة في الظهر والزاد والماء، {من بعد ما كاد ~~يزيغ} أي: يميل {قلوب فريق منهم} عن الثبات على الإيمان؛ أو عن اتباع ~~الرسول في الغزوة والخروج معه؛ {ثم تاب عليهم} تكرير للتأكيد؛ {إنه بهم ~~رءوف رحيم(117)}. # {وعلى الثلاثة} أي: وتاب على الثلاثة {الذين خلفوا} عن الغزو {حتى إذا ~~ضاقت عليهم الأرض بما رحبت} برحبها، أي: مع سعتها، وهو مثل للحيرة في ~~أمرهم، كأنهم لا يجدون فيه مكانا يقرون فيه قلقا وجزعا؛ {وضاقت عليهم ~~أنفسهم} أي: قلوبهم لا يسعها أنس ولا سرور، لأنها خرجت [كذا] من فرط الوحشة ~~والغم، {وظنوا أن لا ملجأ من الله ms0358 إلا إليه} وعلموا أن لا ملجأ من سخط الله ~~إلا إلى استغفاره؛ {ثم تاب عليهم ليتوبوا} ليكونوا في جملة التائبين؛ {إن ~~الله هو التواب الرحيم(118)}. عن أبي بكر الوراق أنه قال: «التوبة النصوح: ~~أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت، وتضيق عليه نفسه كتوبة هذه (¬2) ~~الثلاثة». # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة التوبة: 43. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «هؤلاء». PageV02P146 # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين(119)} في إيمانهم دون ~~المنافقين، أو مع الذين صدقوا في دين الله قولا وعملا ونية؛ والآية تدل على ~~أن الإجماع حجة، لأنه أمر بالكون مع الصادقين، فلزم قبول قولهم؛ وتدل على ~~أن الأرض لا تخلو منهم في زمن من الأزمنة إلى أن تقوم القيامة. # { PageV02P147 ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن ~~رسول الله} المراد بهذا النفي: النهي، ويحتمل بمعنى (¬1) النفي، أي: لا ~~يصح؛ كقوله تعالى: {وما كان لنبي أن يغل} (¬2) ؛ وخص هؤلاء بالذكر وإن ~~استوى كل الناس في ذلك لقربهم منه، ولا يخفى عليهم خروجه، {ولا يرغبوا} ولا ~~أن يضنوا {بأنفسهم عن نفسه} عن صحبته في الأعمال؛ {ذلك} إشارة [224] لتفسير ~~ما سبق ذكره؛ والمعنى: أنهم لا يرغبون بأنفسهم عن نفسه، من أجل أنهم ~~يعلمون؛ وذلك إذا كان النفي بمعنى النهي. {بأنهم لا يصيبهم ظمأ} عطش، {ولا ~~نصب} تعب، {ولا مخمصة} مجاعة {في سبيل الله} في الجهاد، أو في جميع ~~الاجتهاد. {ولا يطئون موطئا} ولا يدوسون مكانا من أمكنة الكفار بحوافر ~~خيولهم وأخفاف (¬3) رواحلهم وأرجلهم، {يغيظ الكفار} يغيظهم ويضيق صدورهم، ~~{ولا ينالون من عدو نيلا} ولا يصيبون منهم إصابة بقتل أو أسر، أو جرح أو ~~كسر أو هزيمة، أو أذى في أجسامهم، ولا في قلوبهم؛ {إلا كتب لهم به عمل ~~صالح} دليل على أن من قصد خيرا كان سعيه فيه مشكورا، من قيام وقعود ومشي ~~وكلام، وغير ذلك. {إن الله لا يضيع أجر المحسنين(120)} أي: أنهم محسنون، ~~والله لا يبطل ثوابهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «معنى». # (¬2) - ... سورة آل عمران: 161. # (¬3) - ... «الخف واحد أخفاف ms0359 البعير، وهو أيضا واحد الخفاف التي ~~تلبس...». الرازي: مختار الصحاح، ص124. PageV02P148 # ولا ينفقون نفقة} في سبيل الله {صغيرة} وإن قلت، {ولا كبيرة} أو جلت، ~~{ولا يقطعون واديا} أي: أرضا في ذهابهم ومجيئهم؛ {إلا كتب لهم} ذلك من ~~الإنفاق وقطع الوادي؛ {ليجزيهم الله} متعلق ب«كتب»، أي: أثبت في صحائفهم ~~لأجل الجزاء، {أحسن ما كانوا يعملون(121)} أي: يجزيهم على كل واحد جزاء ~~أحسن عمل كان لهم؛ فيلحق ما دونه توفيرا لأجرهم. # { PageV02P149 وما كان المؤمنون لينفروا كافة} وما استقام لهم أن ينفروا ~~جميعا لنحو غزو، أو طلب علم، كما لا يستقيم لهم أن يتركوا جميعا، فإنه يخل ~~بأمر المعاش؛ {فلولا نفر} فحين لم يمكن نفير الكافة فهلا نفر {من كل فرقة ~~منهم طائفة} أي: من كل جماعة كبيرة، جماعة قليلة منهم يكفونهم النفير؛ ~~{ليتفقهوا في الدين} ليتكلفوا الفقاهة فيه، ويتجشموا المشاق في تحصيلها، ~~{ولينذروا قومهم}، وليجعلوا مري (¬1) همتهم إلى التفقة إنذار قومهم ~~وإرشادهم {إذا رجعوا إليهم} (¬2) دون الأغراض الخسيسية [كذا] من التصدر ~~والترؤس (¬3) ، والتشبه بالظلمة في المراكب والملابس؛ {لعلهم يحذرون(122)} ~~ما يجب اجتنابه؛ وقيل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا بعث ~~بعثا بعد غزوة تبوك، بعدما أنزل في المتخلفين (¬4) من الآيات الشداد استبق ~~المؤمنون عن آخرهم إلى النفير، وانقطعوا جميعا عن التفقة في الدين؛ فأمروا ~~أن ينفر من كل فرقة منهم طائفة إلى الجهاد، ويبقى سائرهم يتفقهون، حتى لا ~~ينقطعوا عن التفقة الذي هو الجهاد الأكبر، إذ الجهاد بالحجاج أعظم أثرا (¬5) # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «مرمى». انظر: أبو السعود محمد بن ~~محمد العمادي: تفسير أبي السعود المسمى: إرشاد العقل السليم إلى مزايا ~~القرآن الكريم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، مج2/ج4/ص112. # (¬2) - ... في الأصل: - «إليهم»، وهو سهو من الناسخ. # (¬3) - ... في الأصل: «والنروس»، ولا معنى له. # (¬4) - ... في الأصل: «المختلفين»، وهو خطأ. ويقصد بهم الثلاثة التي خلفوا. # (¬5) - ... في الأصل: «أثر»، وهو خطأ، فهو تمييز منصوب.. PageV02P150 # من الجهاد والنضال، والضمير في «ليتفقهوا» للفرق الباقية بعد الطوائف ~~النافرة من بينهم، {ولينذروا قومهم} ولتنذر (¬1) الفرق ms0360 الباقية قومهم ~~النافرين إذا رجعوا إليهم، بما حصلوا في أيام غيبتهم من العلوم؛ وعلى الأول ~~الضمير للطائفة النافرة إلى المدينة للتفقه. # {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم} يقربون منكم، أمروا بالقتال، ~~الأقرب فالأقرب إليهم في الدار والنسب {من الكفار}. القتال واجب مع جميع ~~الكفرة، قريبهم ثم غيرهم من عرب الحجاز، ثم الشام؛ والشام: أقرب إلى ~~المدينة من العراق وغيره؛ وبعيدهم، ولكن الأقرب فالأقرب [225] أوجب، وقد ~~حارب النبي - صلى الله عليه وسلم - قومه، وهكذا المفروض على أهل كل ناحية ~~أن يقاتلوا من (لعله) يليهم؛ {وليجدوا فيكم غلظة} وليعلموا فيكم شدة عليهم، ~~وغضبا لله في المقال قبل القتال، لعلهم يرجعون عن كفرهم بالجفاء والغلطة ~~دون القتال؛ أو ليعلموا أن حظهم ساقط مع الإسلام وأهله؛ وقيل: صبرا على ~~جهادهم. {واعلموا أن الله مع المتقين(123)} بالنصرة والغلبة. # {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم} فمن المنافقين {من يقول} بعضهم لبعض: {أيكم ~~زادته هذه إيمانا} إنكارا واستهزاء بالمؤمنين؛ وقيل: هو قول المؤمنين للحث ~~والتنبيه. {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا} يقينا وثباتا؛ أو خشية؛ أو ~~إيمانا للسورة، لأنهم لم يكونوا آمنوا بها تفصيلا؛ وقيل: بزيادة العلم ~~الحاصل من تدبر السورة وانضام (¬2) الإيمان بها وبما فيها إلى إيمانهم؛ ~~{وهم يستبشرون(124)} يعدون زيادة التكليف بشارة التشريف؛ وقيل: يستبشرون ~~بنزولها، لأنها سبب لزيادة كمالهم، وارتفاع درجاتهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «ولينذروا»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «انضمام». PageV02P151 # وأما الذين في قلوبهم مرض} شك ونفاق، وهوى متبع؛ وهو فساد يحتاج إلى ~~علاج، كالفساد في البدن؛ {فزادتهم رجسا إلى رجسهم} كفرا مضموما (¬1) إلى ~~كفرهم؛ {وماتوا وهم كافرون(125)} واستحكم ذلك فيهم، حتى ماتوا عليه مصرين. # {أولا يرون} يعني: المنافقين؛ ليس هذا تعطيل [كذا]؛ {أنهم يفتنون} يبتلون ~~بالقحط والمرض وغيرهما {في كل عام مرة أو مرتين، ثم لا يتوبون} عن نفاقهم، ~~{ولا هم يذكرون(126)} ولا يعتبرون؛ أو بالجهاد مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ، ثم لا يتوبون بما يرون من دولة الإسلام، ولا هم يذكرون بما ~~يقع بهم من أهل الإسلام. # {وإذا ms0361 ما أنزلت سورة، نظر بعضهم إلى بعض} تغامزوا بالعيون، إنكارا للوحي ~~وسخرية به؛ قائلين: {هل يراكم من أحد} من المسلمين لننصرف؛ فإنا لا نصبر ~~على استماعه ويغلبنا الضحك، فنخاف الافتضاح بينهم؛ أو إذا ما أنزلت سورة في ~~عيب المنافقين أشار بعضهم إلى بعض، هل يراكم من أحد إن قمتم من حضرته - ~~عليه السلام - ؛ {ثم انصرفوا} عن حضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - مخافة ~~الفضيحة؛ أو عن الإيمان بالمنزل. {صرف الله قلوبهم} عن فهم القرآن، وعن ~~مجالسة الكرام، {بأنهم} بسبب أنهم {قوم لا يفقهون(127)} لا يتدبرون حتى ~~يفقهوا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «كفروا مضمونا»، وفيه خطآن. PageV02P152 # لقد جاءكم رسول} محمد - عليه السلام - ، {من أنفسكم} من حسبكم ونسبكم، ~~عربي مثلكم، {عزيز عليه ما عنتم} شديد عليه شاق، لكونه بعضا منكم عنتكم ~~ولقاءكم المكروه؛ فهو يخاف عليكم الوقوع في العذاب. {حريص عليكم} على ~~إيمانكم وخلاصكم وصلاحكم؛ {بالمؤمنين} منكم ومن غيركم {رءوف رحيم(128)} ~~قيل: لم يجمع الله اسمين من أسمائه لأحد غير رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - . # {فإن تولوا} فإن أعرضوا عن الإيمان بك وناصبوك، {فقل: حسبي الله} واستعن ~~بالله، وفوض إليه؛ فهو كافيك معرتهم، وناصرك [226] عليهم. {لا إله إلا هو ~~عليه توكلت} (¬1) لا كافي ولا مغني سواه؛ فوضت أمري إليه؛ {وهو رب العرش} ~~هو أعظم خلق الله خلق مطافا لملائكة الله فيما قيل؛ كما جعلت الكعبة مطافا. ~~{العظيم(129)} قيل: آخر آية نزلت {لقد جاءكم رسول من أنفسكم}. # سورة يونس # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «عليه توكلت»، وهو سهو من الناسخ. PageV02P153 # الر تلك آيات الكتاب الحكيم(1)} الكتاب: إشارة إلى ما تضمنته السورة من ~~الآيات، {أكان للناس عجبا}؟ لإنكار التعجب، {أن أوحينا إلى رجل منهم أن ~~أنذر الناس وبشر الذين آمنوا} من أفناء (¬1) رجالهم دون عظيم من عظمائهم ~~(¬2) ، قيل: كانوا يقولون: العجب أن الله لم يجد رسولا يرسله إلى الناس إلا ~~يتيم أبي طالب؛ لقوله: {لولا نزل (¬3) هذا القرآن على رجل من القريتين ~~عظيم} (¬4) وذلك من فرط حماقتهم، وقصور نظرهم على الأمور العاجلة، ms0362 {أن لهم} ~~بأن لهم. ومعنى: في «للناس» [كذا] أنهم جعلوا لهم أعجوبة يتعجبون منه؛ ~~والذي تعجبوا منه أن يوحى إلى بشر، وأن يكون رجلا من سائرهم يرسله إلى ~~الناس، وأن يذكرهم بالبعث وينذر بالنيران، ويبشر بالجنان؛ وكل واحد من هذه ~~الأمور ليس بعجب، لأن الرسل المبعوثين إلى الأمم، لم يكونوا إلا بشرا ~~مثلهم؛ وإرسال اليتيم أو الفقير ليس بعجب أيضا، لأن الله تعالى إنما يختار ~~للنبوة من جميع (¬5) أسبابها، والغنى والتقدم في الدنيا ليس من أسبابها، ~~والبعث للجزاء على الخير والشر هو الحكمة العظمى، فكيف يكون عجبا، إنما ~~العجب والمنكر في العقول تعطيل ذلك. {قدم صدق عند ربهم} أي: سابقة وفضلا ~~ومنزلة رفيعة، {قال الكافرون: إن هذا} يعنون محمدا - صلى الله عليه وسلم - ~~{لساحر مبين(2)} أي: كذب بين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... «رجل من أفناء الناس: أي لا يدرى من أي قبيلة هو، وقيل: إنما ~~يقال: قوم من أفناء القبائل ولا يقال رجل». ابن منظور: لسان العرب، 4/1139. # (¬2) - ... في الأصل: «عظائمهم»، وهو خطأ. # (¬3) - ... في الأصل: «يزال»، وهو خطأ من الناسخ. # (¬4) - ... سورة الزخرف: 31. # (¬5) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «من جمع أسبابها». PageV02P154 # إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض} التي [هي] أصول الممكنات {في ستة ~~أيام؛ ثم استوى على العرش} أي: استولى فقد تقدس الديان عن المكان، والمعبود ~~(¬1) عن الحدود؛ {يدبر} يقضي ويقدر على مقضي (¬2) الحكمة أمر الكائنات، ~~{الأمر} أمر الخلق كله، وأمر ملكوت السماوات والأرض والعرش، ولما ذكر على ~~ما يدل على عظمة شأنه وملكه، من خلق السماوات والأرض، والاستواء على العرش، ~~أتبعها هذه الجملة، لزيادة الدلالة على العظمة؛ وأنه لا يخرج من الأمور ~~(¬3) من قضائه وتقديره، وكذلك قوله: {ما من شفيع إلا من بعد إذنه} دليل على ~~عزه وكبريائه، وقيل: رد لقولهم: الأصنام شفعاؤنا؛ {ذلكم} العظيم الموصوف ~~بما وصف به. {الله ربكم} وهو الذي يستحق العبادة، {فاعبدوه} ووحدوه ولا ~~تشركوا به بعض خلقه من إنسان أو ملك أو جن أو إنس أو هواء (¬4) أو غير ذلك ~~من المخلوقات؛ {أفلا تذكرون(3)} أفلا تدبرون فتستدلون ms0363 بوجود المصالح ~~والمنافع على وجود المصلح النافع. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «المبعود»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «مقتضى». # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «لا تخرج الأمور من قضائه». # (¬4) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «هوى». PageV02P155 # إليه مرجعكم جميعا} الحق هو المرجع إلى الله؛ فاستعدوا للقائه، واحذروا ~~عن أن [627] تلاقوه مشركين به شيئا من مخلوقاته؛ {وعد الله حقا إنه يبدأ ~~الخلق ثم يعيده} للجزاء، لقوله: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي: ~~الحكمة بابتداء الحق (¬1) وإعادته هو جزاء المكلفين على أعمالهم، وغير ~~المكلفين خلقه نفعا للمكلفين. {بالقسط} بالعدل لا بظلم منه، كل منهم على ~~قدر عمله لقوله: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} (¬2) . {والذين كفروا لهم ~~شراب من حميم} حار، {وعذاب أليم، بما كانوا يكفرون(4)}. # {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل} والحكمة: {لتعلموا عدد ~~السنين والحساب} حساب الآجال والمواقيت المقدرة بالسنين والشهور؛ {ما خلق ~~الله ذلك} المذكور، {إلا بالحق} الذي هو الحكمة البالغة، ولم يخلقه عبثا؛ ~~{يفصل} أي: يبين {الآيات لقوم يعلمون(5)} فينتفعون بالتأمل فيها. # {إن في اختلاف الليل والنهار} في مجيء كل واحد منهما خلف الآخر، {وما خلق ~~الله في السماوات والأرض} من شيء، {لآيات لقوم يتقون(6)} خصهم بالذكر، ~~لأنهم يحذرون العاقبة، فيدعوهم الحذر إلى النظر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «الخلق». # (¬2) - ... سورة الزلزلة: 7. PageV02P156 # إن الذين لا يرجون لقاءنا} لا يتوقعون به أصلا، لغفلتهم عن التفطن ~~بالحقائق، ولا يأملون حسن لقائنا، كما يأمله السعداء؛ أو لا يخافون سوء ~~لقائنا الذي يجب أن يخاف، {ورضوا بالحياة الدنيا} بدلا من الآخرة؛ وآثروا ~~القليل الفاني، على الكبير الباقي، {واطمأنوا بها} وسكنوا فيها سكون من لا ~~يزعج عنها؛ فبنوا شديدا، وجمعوا كثيرا، وأملوا بعيدا. {والذين هم عن ~~آياتنا} عن أدلتنا {غافلون(7)} لا يتفكرون فيها. {أولئك مأواهم النار بما ~~كانوا يكسبون(8)}. # {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم} يسددهم بسبب ~~إيمانهم للاستقامة على سلوك التسديد المؤدي إلى الثواب؛ وفيه إضمار، أي: ~~يرشدهم ربهم إلى جنته، {تجري من تحتهم الأنهار في جنات ms0364 النعيم(9)}. # {دعواهم فيها سبحانك اللهم} أي: دعاؤهم، لأن اللهم نداء لله، ومعناه: ~~اللهم إنا نسبحك، أي: يدعون الله بقولهم: «سبحانك اللهم» تلذذا بذكره لا ~~عبادة، لأن العبادة قد انحطت عنهم، وبقوا متنعمين بثوابها أبد الآباد؛ فيا ~~لها من سعادة ما أدومها؛ {وتحيتهم فيها سلام} أي: يحيي بعضهم بعضا بالسلام؛ ~~أو هو تحية الملائكة إياهم؛ أو تحية الله لهم ببشارة لما دعوا أو إجابة لما ~~سئلوا؛ {وآخر دعواهم} وخاتمة دعائهم الذي هو التسبيح، {أن الحمد لله رب ~~العالمين(10)} أي يقولون: الحمد لله رب العالمين؛ قيل: أول كلامهم التسبيح، ~~وآخره التحميد؛ فيبدؤون بتعظيم الله وتنزيهه، ويختمون بشكره والثناء عليه، ~~ويتكلمون بينهما بما أرادوا، تنبها (¬1) لفضل التسبيح والتحميد. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «تنبيها». PageV02P157 # ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير} أصله ولو يعجل الله الشر ~~تعجيله لهم الخير؛ فوضع استعجالهم (¬1) بالخير موضع تعجيله لهم الخير؛ ~~إشعارا بسرعة إجابته لهم، والمراد: أهل مكة أو غيرهم، كقولهم: {فأمطر علينا ~~حجارة من السماء} (¬2) ، أي: ولو عجلنا لهم الشر الذي دعوا به كما نعجل لهم ~~الخير، ونجيبهم إليه، {لقضي إليهم أجلهم} لأميتوا وأهلكوا؛ ولكن {فنذر ~~الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم} شركهم وضلالتهم إلى مضي آجالهم، وذلك هو ~~الخذلان بعينه؛ كأنه قيل: [228] ولا يعجل لهم الشر، ولا يقضى إليهم أجلهم؛ ~~فنذرهم أي: نمهلهم في طغيانهم، ونفيض عليهم النعمة مع طغيانهم، إلزاما ~~للحجة عليهم. {وإذا مس الإنسان} أصابه {الضر، دعانا} لإزالته، {لجنبه أو ~~قاعدا أو قائما} وفائدة ذكر هذه الأحوال، أن المضرور لا يزال داعيا لا يفتر ~~عن الدعاء، حتى يزول عنه الضر؛ فهو يدعو الله في حالاته كلها بلسان مقاله ~~أو لسان حاله. {فلما كشفنا} فرجنا {عنه ضره، مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه} ~~أي: استمر على طريقته الأولى قبل مس الضر، ونسي حال الجهد، كأن لم يكن منه، ~~وفيه ذلك. {كذلك} مثل ذلك التزيين، {زين للمسرفين} للمجاوزين الحد على ~~الكفر {ما كانوا يعملون(12)} من الانهماك في الشهوات، والإعراض عن ~~العبادات، وترك التدبر للآيات. ms0365 # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «استعاجلهم»، وهو خطأ. # (¬2) - ... سورة الأنفال: 32. PageV02P158 # ولقد أهلكنا القرون من قبلكم (¬1) لما ظلموا} أشركوا، {وجاءتهم رسلهم ~~بالبينات، وما كانوا ليؤمنوا} أي: ما استقام [لهم] أن يؤمنوا (¬2) لفساد ~~استعدادهم، وخذلان الله لهم، وعلمه بأنهم يموتون على كفرهم. {كذلك} مثل ذلك ~~الجزاء، يعني: الإهلاك، {نجزي القوم المجرمين(13)} وهو وعيد لمن نزل بتلك ~~المنزلة. # {ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم}، الخطاب للذين بعث إليهم محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - ، أي: استخلفناكم في الأرض بعد القرون المهلكة؛ ~~{لننظر كيف تعملون(14)} أي: لننظر أتعملون خيرا أو شرا، فنعاملكم على حسب عملكم. # {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} للراسخين في العلم، أو لمن عداهم؛ {قال ~~الذين لا يرجون لقاءنا} لما غاظهم (¬3) ما في القرآن من ذم عبادة الأوثان، ~~والوعيد لأهل الطغيان: {ائت بقرآن غير هذا} يوافق غرضنا، {أو بدله}؛ كل من ~~لا يرجو لقاء الله إذا قامت عليه الحجة سعى[كذا] من الذين لوى عنقه، إلا ما ~~وافق هواه. {قل: ما يكون لي} ما يستقيم لي {أن أبدله من تلقاء نفسي} من قبل ~~نفسي، فأكون عبدا لها لا لله تعالى. {إن اتبع إلا ما يوحى إلي} أي: لا أتبع ~~إلا وحي الله، من غير زيادة ولا نقصان ولا تبديل، خالف هوى النفس أو ~~وافقها، لأن الذي أتيت به من عند الله لا من عندي، {إني أخاف إن عصيت ربي} ~~إن اختلقت شيئا من عند نفسي بما تهواه، {عذاب يوم عظيم(15)} حينما نلقى فيه ~~الموت، أو يوم القيامة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «ولقد أهلكنا القرون من قبلكم»، وهو سهو. # (¬2) - ... في الأصل: «ما ستقام أن يؤموا»، وفيه خطآن. # (¬3) - ... في الأصل: «غاضهم»، وهو خطأ. PageV02P159 # قل: لو شاء الله ما تلوته عليكم} يعني: أن تلاوته ليست إلا بمشيئة الله، ~~وإظهاره أمرا عجيبا خارجا عن العادات، وهو أن يخرج رجل أمي لم يتعلم، ولم ~~يشاهد العلماء، فيقرأ (¬1) عليكم كتابا فصيحا يغلب كل كلام فصيح، ويعلو على ~~كل منثور ومنظوم، ومشحونا بعلوم الأصول والفروع، والإخبار عن الغيوب التي ~~لا يعلمها إلا الله، ms0366 {ولا أدراكم به} ولا أعلمكم الله بالقرآن على لساني؛ ~~{فقد لبثت فيكم عمرا من قبله} من قبل نزول القرآن، أي: فقد أقمت فيما بينكم ~~مدة، ولم تعرفوني متعاطيا شيئا من نحوه، ولا قدت (¬2) عليه، ولا كنت ~~متواصفا بعلم وبيان، فتتهموني باختراعه، {أفلا تعقلون(16)}! فتعلمون أنه ~~ليس إلا من عند الله. # {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا، أو كذب بآياته} فزعم أن لله شريكا، ~~إن (¬3) خالف فيما تعبده به؛ أو كذب بآياته بالقرآن، أو شيء من تأويله، ~~وفيه بيان أن الكاذب على الله والمكذب بآياته في الكفر سواء. {إنه لا يفلح ~~المجرمون(17)} من دون الله، لأنهم لم يسلكوا طريق الفلاح. # {ويعبدون من دون الله (¬4) ما لا يضرهم} إن تركوا عبادتها، {ولا ينفعهم} ~~[529] إن عبدوها. {ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله} أي: في أمر الدنيا ~~والآخرة. {قل}: يا محمد، {أتنبئون الله} أتخبرون الله، {بما لا يعلم في ~~السماوات ولا في الأرض}؛ ثم نزه نفسه فقال: {سبحانه وتعالى عما يشركون(18)} ~~نزه ذاته عن أن يكون له شريك. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «فيقرءوا»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «قدرت». # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «أو خالف». # (¬4) - ... في الأصل: - «من دون الله». PageV02P160 # وما كان الناس إلا أمة واحدة} متفقين على ملة واحدة من غير أن يختلفوا ~~بينهم، {فاختلفوا} فصاروا مللا. {ولولا كلمة سبقت من ربك} وهو تأخير الحكم ~~بينهم إلى يوم القيامة؛ {لقضي بينهم} حين اختلافهم {فيما} هم {فيه ~~يختلفون(19)} فيما اختلفوا فيه، وتبرأ المحق من المبطل مشاهدة وعيانا؛ ولكن ~~سبق كلمته لحكمة، وهو: أن هذه الدار دار تكليف، وتلك دار ثواب وعقاب. # {ويقولون: لولا أنزل عليه آية من ربه} (¬1) من الآيات التي اقترحوها؛ ~~{فقل: إنما الغيب لله} أي: هو المختص بعلم الغيب؛ فهو العالم بالصارف عن ~~إنزال الآيات المقترحة لا غير. {فانتظروا} نزول ما اقترحتموه، {إني معكم من ~~المنتظرين(20)} بما يفعل الله بكم لعنادكم وجحودكم الآيات. # {وإذا أذقنا الناس} وهو (¬2) أنتم، عام لجنس الناس، {رحمة} رحمة وحصنا ~~ونحوهما، {من بعد ضراء مستهم؛ إذا ms0367 لهم مكر في آياتنا} بدفعها وإنكارها، ~~والمكر: إخفاء الكيد. {قل: الله أسرع مكرا} ولم يصفهم بسرعة المكر، لأن ~~كلمة المفاجآت (¬3) دلت على ذلك، كأنه قال: وإذا رحمناهم من بعد ضراء ~~فاجؤوا وقوع المكر منهم، وسارعوا إليه قبل أن يغسلوا [كذا] رؤوسهم من مس ~~الضراء. {إن رسلنا} يعني: الحفظة {يكتبون ما تمكرون(21)} إعلام بأن ما ~~تظنونه خافيا لا يخفى على الله، وهو منتقم منكم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «من ربه آية» وهو خطأ، وقع فيه تقديم وتأخير. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «وهم». # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «المفاجأة». PageV02P161 # هو الذي يسيركم في البر والبحر} يجعلكم قادرين على قطع[هما] بالأرجل ~~والدواب، والفلك الجارية. ويخلق فيكم [الأمور] الداعية إلى السير. {حتى إذا ~~كنتم في الفلك، وجرين بهم بريح طيبة، وفرحوا بها} للينها واستقامتها، ~~{جاءتها ريح عاصف} شديدة الهبوب، {وجاءهم الموج من كل مكان} من البحر، ~~{وظنوا أنهم أحيط بهم} أهلكوا، جعل إحاطة العدو مثلا في الهلاك. {دعوا الله ~~مخلصين له الدين} من غير إشراك به، لأنهم لا يدعون حينئذ معه غيره؛ يقولون: ~~{لئن أنجيتنا من هذه} الأهوال، {لنكونن من الشاكرين(22)} لنعمتك، مؤمنين بك. # {فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض} يفسدون فيها {بغير الحق} أي: ~~بالباطل. {يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم} أي: ظلمكم يرجع عليكم. ~~{متاع الحياة الدنيا} أي: بغيكم كمتاع الحياة الدنيا، ويضمحل ويبقى وباله ~~عليكم؛ {ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون(23)} فنجزيكم به، ~~ونجازيكم عليه؛ وقد ضرب الله تعالى للدنيا مثلا، لأن الأشياء يظهر سرها ~~وحقيقتها بالمثل؛ فقال: # { PageV02P162 إنما مثل الحياة الدنيا} حالها العجيبة في سرعة نقصها، ~~وذهاب نعمتها بعد إقبالها، واعتزاز البأس بها؛ وذلك مثل لجميع ما خول العبد ~~من الدنيا وهو سريع الذهاب، لأنه إن بقي لك لم يبق له، {كماء أنزلناه من ~~السماء، فاختلط به نبات الأرض} أي: فاشتبك بسببه حتى خالط بعضه بعضا، {مما ~~يأكل الناس} من الحبوب والثمار والبقول؛ {والأنعام} يعني: الحشيش. {حتى إذا ~~أخذت الأرض زخرفها} أظهرت زينتها بالنبات، واختلاف ألوانه، { وازينت} ms0368 ~~وتزينت به وأظهرت حسنها عند إقبالها، وأخفت عواقبها عن أبنائها؛ {وظن ~~أهلها} [230] الطامحون إليها {أنهم قادرون عليها} كأنهم ظافرون بها؛ {أتاها ~~أمرنا} عذابنا، وهو ضرب زرعها ببعض العاهات، بعد أمنهم واستيقانهم أنه قد ~~سلم، وأنه واصل إليهم ومنتفع به {ليلا أو (¬1) نهارا فجعلناها} فجعلنا ~~زرعها {حصيدا} شبيها بما يجذ من الزرع، وقطعه (¬2) واستئصاله؛ {كأن لم تغن ~~بالأمس} يعني: صارت كأن لم تكن، وما حصلوا منها إلا الجزاء. {كذلك نفصل ~~الآيات لقوم يتفكرون(24)} فينتفعون بضرب الأمثال، وهذا من التسلية؛ شبه حال ~~الدنيا في سرعة نقصها، وانقراض نعيمها بعد الإقبال بحال نبات الأرض في ~~جفافه وذهابه حطاما، بعدما التف وتكاثف وزين الأرض بخضرته؛ ولما وصف ~~الدنيا، وقلة انتفاعها، وسرعة ذهابها، وكثرة آفاتها؛ رغب في عمل الآخرة فقال: # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «و» وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «من قطعه»، أو «بقطعه». ليستقيم ~~التركيب. PageV02P163 # والله يدعو إلى دار السلام} عن الفناء والذهاب، يعني: الجنة؛ وقيل: ~~السلام هو الله تعالى، وداره: الجنة؛ يدعو عباده إلى جنته ببعث الرسل، ونصب ~~الأدلة؛ وقيل: سميت الجنة دار السلام، لأن من دخلها سلم من الآفات، {ويهدي ~~(¬1) من يشاء إلى صراط مستقيم(25)}. # {للذين أحسنوا الحسنى} المثوبة الحسنى وهي الجنة، {وزيادة} قيل: الرضوان. ~~{ولا يرهق وجوههم} ولا يغشاها {قتر} غبرة، {ولا ذلة} ولا أثر هوان، ~~والمعنى: ولا ترهقهم ما يرهق أهل النار. من آثار أصحابنا: «وعن قول الله: ~~{ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة} فقد قيل: لا يرهقهم لا يغشاهم، والقتر: ~~الكسوف، والذلة: الكآبة». {أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون(26)}. # {والذين كسبوا السيئات} فنون[كذا] الشرك أو النفاق، {جزاء سيئة بمثلها، ~~وترهقهم ذلة} ذلة وهوان، {ما لهم من الله} من عقابه {من عاصم} أي: لا ~~يعصمهم أحد من سخطه وعقابه، {كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما} أي: ~~جعل عليها غطاء من سواد الليل، لفرط سوادها وظلمتها، {أولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون(27)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «والله يهدي»، وهو خطأ. PageV02P164 # ويوم نحشرهم جميعا} الكفار وآلهتهم؛ {ثم نقول للذين أشركوا} أي ms0369 شرك كان، ~~{مكانكم} أي: الزموا مكانكم لا تبرحوا، {أنتم وشركاؤكم، فزيلنا} ففرقنا ~~{بينهم} وقطعنا قرناءهم، والوصل التي كانت بينهم في الدنيا يواصلون بها ~~ألفتهم. {وقال شركاؤهم} من عبدوه من دون الله: {ما كنتم إيانا تعبدون(28)} ~~إنما كنتم تعبدون الشياطين في الحقيقة، من حيث أمروكم أن تتخذوا لله أندادا ~~فأطعتموهم؛ فيقولون: بلى كنا نعبدكم؛ فتقول الأصنام: إنما كنتم تعبدون ~~أهويتكم؛ لقوله: {أرأيت من اتخذ إلهه هواه} (¬1) . {فكفى بالله شهيدا بيننا ~~وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين(29)} ما كنا عن عبادتكم إلا غافلين. # {هنالك تبلوا كل نفس} تختبر وتذوق {ما أسلفت} من العمل، فتعرف كيف هو، ~~أقبيح أم حسن. {وردوا إلى الله مولاهم الحق} ربهم الصادق [في] ربوبيته، ~~لأنهم كانوا يتولون ما ليس لربوبيته حقيقة، {وضل عنهم ما كانوا يفترون(30)} ~~وضاع عنهم ما كانوا يدعون أنهم شركاء لله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الفرقان: 43. كتبها الناسخ في الأصل: {أفمن اتخذ...}، ~~وهو خطأ. وفي سورة الجاثية: 23: {أفرأيت...}. PageV02P165 # قل: من يرزقكم من السماء [231] والأرض أمن يملك السمع والأبصار} من ~~يستطيع خلقهما وتسويتهما على الحد الذي سويا عليه من الفطرة العجيبة، أو من ~~يحميهما من الآفات مع كثرتهما في المدد الطوال، وهما لطيفان يؤذيهما أدنى ~~شيء. {ومن يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي} أي: الحيوان والفرخ ~~والزرع والمؤمن والعالم من النطفة والبيضة والحب، والكافر والجاهل وعكسها، ~~{ومن يدبر الأمر} ومن يلي تدبير أمر العالم. {فسيقولون: الله} فسيجيبونك ~~عند سؤالك أن القادر على هذه هو الله، {فقل} لهم: {أفلا تتقون(31)} الشرك ~~في العبودية، إذا اعترفتم له بالربوبية. # {فذلكم الله} أي: من هذه قدرته: الله {ربكم الحق} الثابت ربوبيته ثباتا ~~لا ريب فيه، لمن حقق النظر. {فماذا بعد الحق إلا الضلال} أي: لا واسطة بين ~~الحق والضلال؛ فمن يخطئ الحق وقع في الضلال، ومن سلم من الضلال كان على ~~الحق. {فأنى تصرفون(32)} عن الحق إلى الضلال، وعن التوحيد إلى الشرك. # {كذلك} مثل ذلك الحق، {حقت كلمة ربك} كما حقت الربوبية لله حقت كلمة ربك ~~{على الذين فسقوا} تمردوا ms0370 في كفرهم، {أنهم لا يؤمنون(33)} أي: حق عليهم ~~كلمة الله أن إيمانهم غير كائن. # {قل: هل من شركائكم من يبدأ الخلق} من نطفة، {ثم يعيده}، فإن أجابوك، ~~وإلا {قل: الله يبدأ الخلق، ثم يعيده فأنى تؤفكون(34)} فكيف تصرفون عن قصد ~~السبيل. # { PageV02P166 قل: هل من شركائكم} يعني: الأوثان، {من يهدي إلى الحق} ~~يرشد إليه، {قل: الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا ~~يهدي إلا أن يهدى} والمعنى: أن الله وحده هو الذي يهدي للحق، بما ركب في ~~المكلفين من العقول، وأعطاهم من التمكين للنظر في الدلالة (¬1) التي نصبها ~~لهم، وبما وفقهم وألهمهم، ووقفهم على الشرائع بإرسال الرسل؛ فهل من شركائكم ~~التي (¬2) جعلتم أندادا لله أحد يهدي إلى الحق؟ ثم مثل هداية الله ثم قال: ~~{أفمن يهدي إلى الحق أحق} بالاتباع ، أم الذي لا يهدي؛ أي: لا يهتدي بنفسه، ~~أو لا يهدي غيره إلا أن يهديه الله؛ {فما لكم كيف تحكمون(35)} تقضون ~~لأنفسكم بالباطل، حيث تزعمون أنهم أنداد لله. # {وما يتبع أكثرهم إلا ظنا} بغير دليل في عامة أمورهم الدنياوية ~~والأخروية، لأنهم لا يتبعون إلا الوهميات من الأمور دون الحقائق. {إن الظن ~~لا يغني من الحق} أي: لا يقوم مقام العلم (لعله) الثابت الذي لا يزول ~~{شيئا، إن الله عليم بما يفعلون(36)} من اتباع الظن، وترك الحق. # {وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله} ما صح وما استقام أن يكون ~~مثله في علو أمره وإعجازه مفترى، {ولكن تصديق الذي بين يديه} وهو ما تقدمه ~~من الكتب المنزلة، {وتفصيل الكتاب} وتبيين ما كتب وفرض من الأحكام ~~والشرائع، {لا ريب فيه} عند أهل الحق، {من رب العالمين(37)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الأصوب: «الدلائل»، أو «الأدلة». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الأصوب: «الذين». PageV02P167 # أم يقولون: افتراه، قل} إن كان الأمر كما تزعمون: {فأتوا} [232] أنتم ~~{بسورة مثله} أي: شبيهة به في البلاغة وحسن النظم، فأنتم مثلي في العزيمة. ~~{وادعوا من استطعتم} من شركائكم {من دون الله} (لعله) ومع ذلك ms0371 فاستعينوا ~~بمن أضلكم (¬1) {إن كنتم صادقين(38)} أنه افتراه. # {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، ولما يأتهم تأويله} بل سارعوا إلى ~~التكذيب بالقرآن في بديهة السماع، قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره، وقبل أن ~~يتدبروه ويقفوا على تأويله ومعانيه؛ وذلك لفرط نفورهم عما يخالف دينهم، ~~وشرادهم (¬2) عن مفارقة دين آبائهم. {كذلك} مثل ذلك التكذيب، {كذب الذين من ~~قبلهم}، ويجوز أن يكون {ولما يأتيهم تأويله} ولم يأتهم بعد، تأويل ما فيه ~~من الإخبار بالغيوب؛ {فانظر كيف كان عاقبة الظالمين(39)} (¬3) مآل أمرهم. # {ومنهم من يؤمن به} (لعله) أي: سيؤمن به، {ومنهم من لا يؤمن به} لفرط ~~غباوته، وقلة تدبره. {وربك أعلم بالمفسدين(40)}. # {وإن كذبوك} وإن تموا على تكذيبك، وأيست منهم بعد أن قامت عليهم الحجة؛ ~~{فقل: لي عملي، ولكم عملكم} لا تؤاخذون بعملي ولا أؤاخذ بعملكم، {أنتم ~~بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون(41)} فكل مؤاخذ بعمله. # {ومنهم من يستمعون إليك} ولكنهم لا يعملون ولا يعقلون. {أفأنت تسمع الصم ~~ولو كانوا لا يعقلون(42)} أتطمع أنك تقدر على إسماع الصوت الصم؛ فإذا اجتمع ~~سلب العقل والسمع فقد (لعله) فسد الأمر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «أظكنكم»، ولا معنى له. # (¬2) - ... مصدر “شرد”، قال ابن منظور: «شرد البعير والدابة، يشرد شردا ~~وشرادا وشرودا: نفر، فهو شارد». ابن منظور: لسان العرب، 3/293. # (¬3) - ... في الأصل: «المجرمين» وهو خطأ. PageV02P168 # ومنهم من ينظر إليك} ومنهم ناس ينظرون إليك ويعاينون أدلة الصدق، وأعلام ~~النبوة، ولكنهم لا يصدقون. {أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون(43)} ~~أتحسب أنك تقدر على هداية العمي ولو انضم (¬1) إلى فقد البصر فقد البصيرة، ~~لأن الأعمى الذي في قلبه بصيرة قد يفهم، وأما العمى مع الحمق فجهد البلاء؛ ~~يعني: أن في الناس من أن لا يقبلوا [كذا] ولا يصدقوا كالصم والعمي الذين لا ~~عقول لهم ولا بصائر، وقد أعمى الله قلوبهم فلا يبصرون شيئا من (لعله) الهدى. # {إن الله لا يظلم الناس شيئا}، لأنه في جميع أفعاله متفضل وعادل، لا ينصر ~~عاصيا، ولا يخذل مطيعا، {ولكن الناس أنفسهم يظلمون(44)} أي: ms0372 لم يظلمهم بسلب ~~آلة الاستدلال، ولكنهم ظلموا أنفسهم بترك الاستدلال، كما قال: {ولقد يسرنا ~~القرآن للذكر فهل من مدكر} (¬2) . # {ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا} في قبورهم؛ وقيل: في الدنيا {إلا ساعة من ~~النهار}، لأن الماضي في حقهم كأن لم يكن؛ استقصروا (لعله) المدة لهول ~~ما[...] (¬3) ، وإنما هم كأنهم أبناء ساعتهم؛ وكذلك تعاقب أحوالهم في ~~الدنيا بالخير والشر، كأن الماضي بهم لم يكن. {يتعارفون بينهم} يعرف بعضهم ~~بعضا. {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله} قد اشتروا التجارة البائرة، فخسروا؛ ~~وتعاموا عن التجارة التي لن تبور. والمراد بالخسران خسران النفس، ولا شيء ~~أعظم منه. {وما كانوا مهتدين(45)} للتجارة التي لن تبور. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «انظم»، وهو خطأ. # (¬2) - ... سورة القمر: 17، 22، 32، 40. # (¬3) - ... وضع الناسخ إحالة إلى الحاشية، ولم يكتب شيئا؛ وفي العبارة ~~نقص واضح. PageV02P169 # وإما نرينك بعض الذي نعدهم} من العذاب، {أو نتوفينك} قبل عذابهم، {فإلينا ~~مرجعهم؛ ثم الله شهيد [233] على ما يفعلون(46)} مطلع عليهم ومجازيهم. # {ولكل أمة رسول} يبعث إليهم لينبههم على التوحيد، ويدعوهم إلى دين الحق. ~~{فإذا جاء رسولهم} بالبينات، فكذبوه (¬1) ولم يتبعوه، {قضي بينهم} بين ~~النبي ومكذبيه {بالقسط}، فأنجي الرسل، وعذب المكذبون؛ أو ولكل أمة من الأمم ~~يوم القيامة رسول تنسب إليه وتدعى به؛ فإذا جاء رسولهم الموقف ليشهد عليهم ~~بالكفر والإيمان قضي بينهم. {وهم لا يظلمون(47)} لا يعذب أحدا بغير ذنبه؛ ~~وإنما قال: {وإما نرينك بعض الذي نعدهم} أي: من العذاب؛ [فإذا] استعجلوا ~~بما وعدوا به من العذاب نزل. # {ويقولون: متى هذا الوعد} استبعادا له واستهزاء به، {إن كنتم صادقين(48)} ~~أن العذاب نازل، وهو خطاب منهم للنبي والمؤمنين. # {قل: لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا} فكيف أملك لكم فأستعجل في جلب العذاب ~~إليكم، {إلا ما شاء الله} أي: ولكن ما شاء الله من ذلك كائن؛ فكيف أملك لكم ~~الضرر، وجلب العذاب. {لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم، فلا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون(49)} لكل أمة وقت معلوم للعذاب، مكتوب في اللوح، فإذا جاء وقت ~~عذابهم، لا يتقدمون ساعة ولا يتأخرون. # {قل أرأيتم ms0373 إن أتاكم عذابه} الذي تستعجلونه {بياتا} وقت بيات، وهو الليل، ~~وأنتم ساهون نائمون لا تشعرون، {أو نهارا} وأنتم مشتغلون، مستعجلون بطلب ~~المعاش والكسب. {ماذا يستعجل منه المجرمون(50)} أي: من العذاب، والمعنى: أن ~~العذاب كله مكروه، وليس شيء منه يوجب الاستعجال. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: حذف الفاء. PageV02P170 # أثم إذا ما وقع} العذاب بالموت، {آمنتم به}، لأن كل نفس تؤمن بما كفرت في ~~ذلك الحين، ولكن لا ينفعها الإيمان حين ذلك {آلآن} آمنتم به {وقد كنتم به ~~تستعجلون(51)} أي: بالعذاب تكذيبا واستهزاء. # {ثم قيل للذين ظلموا: ذوقوا عذاب الخلد} أي: يوم القيامة، أو لأن ذلك ~~مقدمة، وأيام التعبد قد انقضت، والتوبة قد أغلقت؛ {هل تجزون إلا بما كنتم ~~تكسبون(52)}؟! # {ويستنبئونك} ويستخبروك، فيقولون: {أحق هو} هو استفهام على وجه الإنكار ~~والاستهزاء. {قل: إي وربي} نعم والله {إنه لحق، وما أنتم بمعجزين(53)} ~~بفائتين العذاب، وهو لاحق بكم لا محالة إن خالفتموه. # {ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض} ما في الدنيا اليوم من خزائنها ~~وأموالها؛ {لافتدت به} لجعلته فدية لها، {وأسروا الندامة لما رأوا العذاب}، ~~لأنهم بهتوا لما عاينوا مما لم يخشوه من فظاعة الأمر وهوله. {وقضي بينهم ~~بالقسط} بين الظالمين والمظلومين، {وهم لا يظلمون(54)} من جزاء أعمالهم شيئا. # {ألا إن لله ما في السماوات والأرض} فكيف يقبل الفداء، وما فيهما ملكه. ~~{ألا إن وعد الله حق} كائن، {ولكن أكثرهم لا يعلمون(55)} لقصور عقلهم، إلا ~~ظاهرا من الحياة الدنيا، وفي الحقيقة لا يعلمون شيئا لظاهر الآية: {هو يحيي ~~[234] ويميت وإليه ترجعون(56)} وإلى حسابه وجزائه في المرجع، فيخاف ويرجى. # { PageV02P171 يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم} أي: قد جاءكم كتاب ~~جامع لهذه الفوائد من موعظة وتنبيه على التوحيد، والموعظة التي تدعو إلى كل ~~مرغوب، وتزجر عن كل مرهوب؛ كما في القرآن من الأوامر والنواهي داع إلى كل ~~مرغوب، وزاجر عن كل مرهوب؛ إذ الأمر يقتضي حسن المأمور، فيكون مرغوبا؛ وهو ~~يقتضي النهي عن ضده وهو القبيح، وعلى هذا في النهي. {وشفاء ms0374 لما في الصدور} ~~من العقائد الفاسدة، والصدر موضع القلب {وهدى} من الضلالة، {ورحمة} من ~~العذاب {للمؤمنين(57)} لمن آمن به منكم. # {قل: بفضل الله وبرحمته} وهو ما علموه وعملوا به. {فبذلك فليفرحوا}. في ~~الحديث: «من هداه الله للإسلام، وعلمه القرآن، ثم شكا الفائت، كتب الله ~~الفقر بين عينيه إلى يوم يلقاه» (¬1) . {هو} أي: ما آتاهم الله من العلم ~~والعمل بما فيه {خير مما يجمعون(58)} للدنيا، لأنه حطام زائل ضار ليس ~~بنافع؛ وذلك يتناول كل ما جمع لغير الله، وعلى غير المأمور به. # {قل: أرأيتم} فأخبروني {ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما ~~وحلالا} فبعضتموه، وقلتم: هذا حلال وهذا حرام، بلا حجة. {قل آلله أذن لكم} ~~في التحريم، {أم على الله تفترون(59)}، الآية زاجرة عن التجوز فيما يسأل من ~~الأحكام، وباعثة على وجود (¬2) الاحتياط فيه، وأن لا يقول أحد في شيء: جائز ~~أو غير جائز على سبيل القطع بدين؛ إلا بعد الإيقان، وإلا (¬3) فهم مفتر على ~~الديان. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لم نعثر عليه في الربيع ولا في الكتب التسعة ولا في الجامع ~~الصغير وزياداته. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «وجوب». # (¬3) - ... في الأصل: «ولا»، وهو خطأ. PageV02P172 # وما ظن الذين يفترون على الله الكذب} أي شيء ظنهم {يوم القيامة} أي: أي ~~شيء ظن المفترون في ذلك اليوم ما يصنع بهم فيه، وهو يوم الجزاء بالإحسان ~~والإساءة، وهو وعيد عظيم حيث أبهم أمره. {إن الله لذو فضل على الناس} حيث ~~أنعم عليهم بالعقل، ورحمهم بالوحي وتعليم الحلال والحرام، وهذا يتناول كل ~~من يروم التعبد من الخليقة، وليس مضنونا به عن أحد إلا من يأباه، {ولكن ~~أكثرهم لا يشكرون(60)} هذه النعمة ولا يتبعون ما هدوا إليه. # {وما تكون في شأن} أي: ما تكون في أمر. والخطاب ظاهره للنبي - عليه ~~السلام - ، وهو عام لجميع المؤمنين، لقوله: {وما تتلو منه من قرآن}، لأن ~~تلاوة القرآن معظم شأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، لأن كل جزء منه ~~قرآن. {ولا تعملون} أنتم جميعا {من عمل} تعميم للخطاب بعد تخصيصه، {إلا ms0375 كنا ~~عليكم شهودا} شاهدين رقباء نحصي عليكم ولكم. خوفهم بما عرفهم من اطلاعه ~~عليهم في جميع أحوالهم. {إذ تفيضون فيه} تخوضون فيه؛ من أفاض في الأمر، إذا ~~اندفع فيه، {وما يعزب عن ربك} وما يبعد، وما يغيب {من مثقال ذرة} وزن نملة، ~~أو هباء {في الأرض ولا في السماء} أي: في الوجود والإمكان، {ولا أصغر من ~~ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين(61)} يعني: اللوح المحفوظ، أو في علمه تبارك ~~وتعالى. # { PageV02P173 ألا إن أولياء [235] الله} هم الذين يتولونه بالطاعة، ~~ويتولاهم بالكرامة؛ أو هم الذين تولى هداهم بالبرهان الذي أتاهم؛ فتولوا ~~القيام بحقه، والرحمة لخلقه؛ أو هم المتحابون في الله على غير أرحام بينهم، ~~ولا أموال يتعاطونها، أو هم المؤمنون المتقون {لا خوف عليهم} إذا خاف ~~العصاة، {ولا هم يحزنون(62)} إذا حزن العصاة. # ثم وصفهم فقال: {الذين آمنوا وكانوا يتقون(63)} الشرك والنفاق جليهما ~~وخفيهما. {لهم البشرى في الحياة الدنيا} ما بشر الله به المؤمنين المتقين ~~في غير موضع من كتابه، وهي نعمتهم المعجلة في الحياة الدنيا، وهم يتسلون ~~بالعاقبة الباقية، كما يتسلى أهل الدنيا بالعاجلة الفانية؛ وشتان ما ~~بينهما. {وفي الآخرة} هي الجنة. {لا تبديل لكلمات الله} لا تغيير لأقواله، ~~ولا اختلاف لمواعيده. {ذلك} إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين {هو الفوز ~~العظيم(64)} ينالون الفوز العظيم في الدنيا قبل الآخرة بدليل هذه الآية، ~~وهو نعيم معجل للأنفس الروحانية، كما لضدهم عذاب أليم معجل في الدنيا. ~~فهؤلاء خلقوا للعذاب فهم في العذاب دائمون في الدنيا والآخرة، وهؤلاء خلقوا ~~للنعيم فهم في النعيم دائمون في الدنيا والآخرة؛ وكل ذلك عدل من الله تعالى ~~لهؤلاء، وفضل منه لهؤلاء. {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} (¬1) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأنبياء: 23. PageV02P174 # ولا يحزنك قولهم} تكذيبهم وتهديدهم وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك. ~~{إن العزة لله} إن الغلبة والقهر في ملكة الله، لا يملك أحد شيئا منها، لا ~~هم ولا غيرهم؛ فهو يغلبهم وينصرك عليهم. {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} (¬1) ~~{جميعا، هو السميع} لما يقولون، {العليم(65)} بما يدبرون ويعزمون ms0376 عليه، وهو ~~مكافيهم بذلك. # {ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض} يعني: العقلاء، وهم الملائكة ~~والثقلان؛ وخصهم ليؤذن أن هؤلاء إذا كانوا له، وفي ملكته، ولا يصلح أحد ~~منهم للربوبية، ولا أن يكون له شريكا فيها فما وراءهم ممن لا يعقل أحق أن ~~لا يكون له ندا وشريكا. {وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء} «ما» ~~نافية، أي: وما يتبعون حقيقة الشركاء، وإن كانوا يسمونها شركاء، لأن شركة ~~الله في الربوبية محال، {إن يتبعون إلا الظن} إلا ظنهم الفاسد أنهم شركاء. ~~{وإن هم} ما هم {إلا يخرصون(66)} يقدرون (لعله) في أنفسهم أن يكون [لله] ~~شركاء تقديرا باطلا. # {هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه} تنبيه على كمال قدرته، وعظم نعمته ~~المتوحد بها هو، ليدلهم بها على تفرده باستحقاق العبادة. {والنهار مبصرا} ~~لتبصروا فيه مطالب أرزاقكم الدينية والدنياوية. {إن في ذلك لآيات لقوم ~~يسمعون(67)} سماع مدكر معتبر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة المجادلة: 21. PageV02P175 # قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه} تنزيه له عن اتخاذ الولد، وتعجب بهم من ~~كلمتهم الحمقاء. {هو الغني} علة لنفي الولد، لأنه إنما يطلب الولد ضعيف ~~ليتقوى به، أو فقير ليستعين به، أو ذليل ليتشرف به، والكل أمارة الحاجة؛ ~~فمن كان غنيا غير محتاج كان الولد عنه منفيا. {له ما في السماوات وما في ~~الأرض} ملكا، ولا تجتمع النبوة (¬1) معه. {إن عندكم من سلطان بهذا} ما ~~عندكم من حجة بهذا القول؛ {أتقولون [236] على الله ما لا تعلمون(68)} وعيد ~~لمن قال بما لا يعلم، (لعله) وفي الآية دليل على أن كل قول لا دليل له، ~~(لعله) فهو جهالة. # {قل إن الذين يفترون على الله الكذب} قولا أو فعلا أو اعتقادا {لا ~~يفلحون(69)} أي: لا ينجون من النار، ولا يفوزون بالجنة؛ ولكن {متاع في ~~الدنيا} أي: افتراؤهم هذا منفعة قليلة في الدنيا، حيث يقيمون به رئاستهم في ~~الكفر، ومناصبة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتظاهر عليه؛ {ثم إلينا ~~مرجعهم، ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون(70)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل ms0377 الصواب: «الأبوة». PageV02P176 # واتل عليهم نبأ نوح} خبره مع قومه، {إذ قال لقومه، يا قوم إن كان كبر ~~عليكم} عظم وثقل؛ كقوله: {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} (¬1) . {مقامي} ~~مكاني، يعني: نفسه، أو قيامي ومكثي بين أظهركم، {وتذكيري بآيات الله} بقيام ~~حججه؛ {فعلى الله توكلت} أي: فوضت أمري إليه. {فأجمعوا أمركم} من أجمع ~~الأمر، إذا نواه وعزم عليه. {وشركاءكم} أي: مع شركائكم؛ {ثم لا يكن أمركم ~~عليكم غمة} مستورا، واجعلوه ظاهرا مكشوفا، {ثم اقضوا إلي} ذلك الأمر الذي ~~تريدون بي؛ أي: أدوا إلي ما هو حق عندكم من هلاكي، كما يقضي الرجل غريمه، ~~واصنعوا ما أمكنكم، {ولا تنظرون(71)} ولا تهملوني. # {فإن توليتم} فإن أعرضتم عن تذكيري ونصيحتي، {فما سألتكم من أجر} يوجب ~~التولي، أو فما سألتكم من أجر ففاتني ذلك بتوليتكم؛ {إن أجري إلا على الله} ~~وهو الثواب الذي يثيبني به في الآخرة؛ أي: ما نصحتكم إلا لله لا لغرض من ~~أغراض الدنيا، وفيه دلالة منع أخذ الأجر على تعليم العلم اللازم، لأن تبليغ ~~الأنبياء لازم عليهم إلى أممهم؛ {وأمرت أن أكون من المسلمين(72)} من ~~المستسلمين لأوامره ونواهيه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البقرة: 45. PageV02P177 # فكذبوه} فداموا على تكذيبه، {فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف} ~~يخلفون المغرقين. {وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا، فانظر كيف كان عاقبة ~~المنذرين(73)} هو تعظيم لما جرى عليهم، وتحذير لمن أنذر عن مثله، وتسلية له ~~[ - صلى الله عليه وسلم - ]. {ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم، فجاءوهم ~~بالبينات فما كانوا ليؤمنوا} فما استقام لهم أن يؤمنوا {بما كذبوا به من ~~قبل} بسبب تعودهم تكذيب الحق. {كذلك نطبع} مثل ذلك الطبع {على قلوب ~~المعتدين(74)} بخذلانهم، لانهماكهم في الضلال واتباع المألوف، وفي أمثال ~~ذلك دليل على أن الأفعال واقعة بقدرة الله، وكسب العبد. # {ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا فاستكبروا} عن ~~قبولها، وأعظم الكبر أن يتهاون العبيد برسالة ربهم بعد تبينها، ويتعظموا عن ~~قبولها؛ {وكانوا قوما مجرمين(75)} يتعاطون الجرائم من الآثام. # {فلما جاءهم الحق من عندنا} فلما عرفوا أنه هو ms0378 الحق، وأنه من عند الله؛ ~~{قالوا} لحبهم الشهوات: {إن هذا لسحر مبين(76)} لكذب بين، وهم يعلمون أن ~~الحق أبعد شيء من السحر. # { PageV02P178 قال موسى: أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح ~~الساحرون(77) قالوا أجئتنا لتلفتنا} لتصرفنا، واللفت والفلت أخوان. {عما ~~وجدنا عليه آباءنا} من عبادة الأصنام [237] أو هو (لعله) عبادة أهويتنا، ~~لقوله: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} (¬1) . {وتكون لكما الكبرياء} أي: ~~الملك، لأن الملوك موصوفون بالتكبر على الناس باستتباعهم، {في الأرض} ~~بالتصرف فيها، وفي أهلها؛ {وما نحن لكما بمؤمنين(78)} بمصدقين فيما جئتما ~~به؛ فلم يتبعوا رئاستهم، (لعله) ورفض هواهم بملازمة الحق (¬2) . # {وقال فرعون: ائتوني بكل ساحر عليم(79)} ليقوي بهم رئاسته. {فلما جاء ~~السحرة، قال لهم موسى: ألقوا ما أنتم ملقون(80) فلما ألقوا قال موسى: ما ~~جئتم به السحر} أي: الذي جئتم به هو السحر، لا الذي سماه فرعون وقومه سحرا ~~من الآيات. {إن الله سيبطله} يظهر بطلانه. {إن الله لا يصلح عمل ~~المفسدين(81)} لا يثبته بل يدمره. {ويحق الله الحق} ويثبته {بكلماته} ~~بآياته، {ولو كره المجرمون(82)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الجاثية: 23. # (¬2) - ... كذا في الأصل، والعبارة غامضة من قوله: «فلم يتبعوا رئاستهم»، ~~إلى نهاية الفقرة. PageV02P179 # فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه} من شيعته، {على خوف من فرعون وملئهم} ~~يرجع [الضمير] (¬1) إلى فرعون، بمعنى: آل فرعون، {أن يفتنهم} يريد أن ~~يعذبهم فرعون. {وإن فرعون لعال في الأرض} لغالب فيها قاهر، {وإنه لمن ~~المسرفين(83)} في الظلم والفساد، وفي الكبر، وفي العتو في ادعائه الربوبية. ~~{وقال موسى: يا قوم} لما رأى تخوف المؤمنين به، {إن كنتم آمنتم بالله} ~~صدقتم به وبآياته؛ {فعليه توكلوا} فإليه أسندوا أمركم في العصمة من فرعون، ~~لأن من شرط الإيمان بالله التوكل عليه، {إن كنتم مسلمين(84)} شرط في التوكل ~~الإسلام، وهو أن يسلموا نفوسهم لله، أن يجعلوها له سالمة خالصة، لا حظ ~~للشيطان فيها، لأن التوكل لا يكون مع التخليط. # {فقالوا: على الله توكلنا} إنما قالوا ذلك، لأن القوم كانوا مخلصين، لا ~~جرم أن الله قبل توكلهم وأجاب دعاءهم ونجاهم، ms0379 وأهلك من كانوا يخافونه، ~~وجعلهم خلفاء في أرضه؛ فمن أراد أن يصلح للتوكل على ربه فعليه برفض التخليط ~~للاخلاص[كذا].{ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين(85)} موضع فتنة لهم، أي: ~~عذاب يعذبوننا، أو يفتنوننا عن ديننا؛ أي: يضلوننا، والفاتن: المضل عن ~~الحق. {ونجنا برحمتك من القوم الكافرين(86)} من كيدهم، ومن شؤم عداوتهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «ير بمر جع إلى فرعون». PageV02P180 # وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا} تبوأ المكان: اتخذه ~~مباءة؛ كقولك: توطنه، إذا اتخذه وطنا؛ والمعنى: اجعلا بمصر بيوتا من بيوته ~~مباءة لقومكما، ومرجعا يرجعون إليه للعبادة والصلاة فيه، {واجعلوا بيوتكم ~~قبلة} أي: مصلى؛ ولعلهم كانوا في أول الأمر مأمورين بأن يصلوا في بيوتهم في ~~خفية من الكفرة، لئلا يظهروا عليهم، فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم؛ كما كان ~~المسلمون على ذلك في أول الإسلام بمكة؛ ويحتمل أمره لهما أن يتبوءا بمصر ~~بيوتا أي: يجعلا بها مساجد؛ والمساجد: هي بيوت، كما قال: {في بيوت أذن ~~الله...} الآية (¬1) . {وأقيموا الصلاة} في بيوتكم إشارة إلى «تبوءا» [238] ~~{وبشر المؤمنين(87)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النور: 36؛ وتمامها: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر ~~فيها اسمه، يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ~~ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب ~~والأبصار}. PageV02P181 # وقال موسى: ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة} هي ما يتزين به من لباس وحلي ~~وفرش وأثاث، وغير ذلك، {وأموالا} بقرا ونعما، وضيعة {في الحياة الدنيا؛ ~~ربنا ليضلوا} أي: يستعينوا بذلك على الضلالة {عن سبيلك} أي: طاعتك. {ربنا ~~اطمس على أموالهم} أي: اهلكها، وأذهب آثارها، لأنهم يستعينون بنعمتك على ~~معصيتك. والطمس: المحق والإهلاك، وكل من كانت معه أموال مكنوزة مستغن عنها، ~~ليس له في ادخارها نية إلا التكاثر، فهي كالمطموس عليها، بل هي أضر عليه، ~~لأنه يعاني جمعها وحفظها، لا يزال معذبا بها، {واشدد على قلوبهم} اطبع على ~~قلوبهم، واجعلها قاسية، {فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم(88)} عذاب ~~الموت، وإنما دعا لهم بهذا لما أيس من إيمانهم، أو ms0380 علم بالوحي أنهم لا ~~يؤمنون؛ فأما قبل أن يعلم بأنهم لا يؤمنون، فلا يسع له أن يدعو بهذا ~~الدعاء، لأنه أرسل إليهم ليدعوهم إلى الإيمان، وهو كقول نوح: {ولا يلدوا ~~إلا فاجرا كفارا} (¬1) . # {قال قد أجيبت دعوتكما} والمعنى: أن دعاءكما مستجاب، وما طلبتما كائن في ~~وقته؛ {فاستقيما} أي: على الحق، ولا يميل بكم الشيطان عن الحق إلى الهوى. ~~{ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون(89)} ولا تتبعان طريق الجهلة [الذين] لا ~~يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا. والاستقامة مع اتباع سبيل الذين لا ~~يعلمون لا تستقيم أبدا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة نوح: 27. PageV02P182 # وجاوزنا ببني إسرائيل البحر} أي: جاوزناهم في البحر، حتى بلغوا البر ~~حافظين لهم؛ {فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا} ليهلكهم، {حتى إذا أدركه ~~الغرق، قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وأنا من ~~المسلمين(90)}، لأن كل مخالف في شيء من دين الله، فحين يدركه الموت يتوب ~~مما خالف فيه الحق في ذلك الحين، ولا تنفع التوبة حين ذلك، لأن التعبد قد ~~انقطع وأقبل الجزاء. # {آلآن} أي: تؤمن الساعة، في وقت الاضطرار، وتركت وقت الاختيار؛ وما كان ~~يدعى إلا إلى ذلك؛ ولو علم الله فيه خيرا، ومنه خيرا لقالها قبل ذلك. {وقد ~~عصيت قبل} (لعله) الماضي من عمرك الذي عمرته، {وكنت من المفسدين(91)} من ~~الضالين المضلين. # {فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية} لمن وراءه من الناس، أن تظهر ~~عبوديته، وأن ما كان يدعي من الربوبية فهو محال؛ وأنه مع ما كان فيه من عظم ~~الملك، آل أمره إلى ما ترون لعصيانه ربه. {وإن كثيرا من الناس عن آياتنا ~~لغافلون(92)} لا يتفكرون فيها، ولا يعتبرون. # {ولقد بوأنا} أي: أنزلنا {بني إسرائيل مبوأ صدق} وهو كقوله: {أدخلني مدخل ~~صدق وأخرجني مخرج صدق} (¬1) . {ورزقناهم من الطيبات} من الأعمال الصالحة ~~والأرزاق الواسعة، لما أطاعوا واستقاموا. {فما اختلفوا} في دينهم {حتى ~~جاءهم العلم} فكان الاختلاف بينهم بعد قيام الحجة. {إن ربك يقضي بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون(93)} فيجازي كلا على قدر ms0381 عمله، ويميز المحق ~~من المبطل بالإنجاء والإهلاك. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الإسراء: 80. PageV02P183 # فإن كنت في شك [239] مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك} ~~لما قدم بني إسرائيل وهم قراء الكتاب، وصفهم بأن العلم قد جاءهم، لأن أمر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكتوب في التوراة والإنجيل، وهم أبناؤهم؛ ~~أراد أن يحقق علمهم بصحة القرآن وصحة نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ~~ويبالغ في ذلك، فقال: فإن وقع لك شك، فرضا وتقديرا، وسبيل من خالجته شبهة ~~أن يسارع إلى حلها بالرجوع إلى قوانين الدين وأدلته، أو بمباحثة العلماء؛ ~~كأنه قال له: فاسأل أهل الكتاب، فإنهم من الإحاطة بصحة ما أنزل إليك بحيث ~~يصلحون لمراجعة مثلك فضلا عن غيرك؛ والمراد: وصف الأخبار بالرسوخ في العلم ~~بصحة ما أنزل إلى رسول الله، لا وصف رسول الله بالشك فيه. ثم قال: {لقد ~~جاءك الحق من ربك} أي: ثبت عندك بالآيات الواضحة، والبراهين اللائحة أن ما ~~أتاك هو الحق الذي لا مجال فيه للشك، {فلا تكونن من الممترين(94)} الشاكين. # {ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله} بشيء من حججه؛ {فتكون من ~~الخاسرين(95)} أي: فاثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية عنك، ~~والتكذيب بآيات الله؛ أو هو على طريقة التهييج، كقوله: {فلا تكونن ظهيرا ~~للكافرين} (¬1) ؛ أو معناه: لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك، ولكن لتزداد يقينا ~~كما ازداد إبراهيم يقينا بمعاينة إحياء الموتى. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة القصص: 86. PageV02P184 # إن الذين حقت عليهم كلمة ربك} لعنته إياهم؛ إذ ثبت عليهم قول الله الذي ~~كتبه في اللوح؛ وقيل: كلمة ربك قوله: «هؤلاء في النار، ولا (¬1) أبالي» ~~(¬2) . {لا يؤمنون(96) ولو جاءتهم كل آية} أي: كل آية من آيات الله، لأن ~~الآية التي أتتهم مثل الآيات التي لم تأتهم، لأنه قيل: «من لم ينفعه قليل ~~الحكمة، ضره كثيرها، وزاده عشوة وصمما وبكما»، {حتى يروا العذاب ~~الأليم(97)} أي: عند الموت، فيؤمنون ولكن لا ينفعهم، لأن التعبد قد ارتفع. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «والا»، وهو خطأ. # (¬2) - ... حديث قدسي رواه أحمد في مسنده عن ms0382 عبد الرحمن بن قتادة السلمي ~~أنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الله عز وجل خلق ~~آدم، ثم أخذ الخلق من ظهره، وقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في ~~النار ولا أبالي»، قال: فقال قائل: يا رسول الله، فعلى ماذا نعمل؟ قال على ~~مواقع القدر». مسند الشاميين، رقم 17000، وفي لفظ آخر: عن معاذ بن جبل أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلا هذه الآية {أصحاب اليمين} {وأصحاب ~~الشمال} فقبض بيديه قبضتين فقال: هذه في الجنة ولا أبالي وهذه في النار ولا ~~أبالي»، مسند الأنصار: 21062؛ ونحوه في مسند القبائل، برقم: 26216. ~~العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «لا أبالي». PageV02P185 # فلولا كانت قرية آمنت} فهلا كانت قرية واحدة من القرى أهلكناها، تابت عن ~~الكفر، وحصلت الإيمان قبل المعاينة ولم تؤخره، كما أخر فرعون وأمثاله إلى ~~أن أخذوا بمخنقهم. {فنفعها إيمانها} بأن يقبل الله منها لوقوعه في وقت ~~الاختيار، {إلا قوم يونس} كأنه قال: ما آمن أهل قرية من أهل القرى العاصية، ~~فنفعهم إيمانهم إلا قوم يونس، {لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة ~~الدنيا} وهو مكشوف عن كل مؤمن، وحال بكل كافر، بدليل هذه الآية. {ومتعناهم ~~إلى حين(98)} إلى آجالهم، وكل من آمن إيمانا حقيقيا قبل التغرغر يكشف عنه ~~العذاب في الحياة الدنيا، ومتع (¬1) متاعا طيبا إلى الموت، لأن العذاب من ~~الله في الدنيا والآخرة لا يستحقه إلا من سبق منه ذنب، عقوبة له من الله؛ ~~ومن سبق منه الإحسان لا يكون جزاؤه إلا الإحسان من الله له في الدنيا ~~والآخرة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الأصوب: «ويمتع». PageV02P186 # ولو شاء ربك لآمن من في [240] الأرض كلهم} بحيث لا يشذ منهم أحد؛ {جميعا} ~~مجتمعين على الإيمان مطبقين عليه لا يختلفون فيه. أخبر عن كمال قدرته ونفوذ ~~مشيئته، أنه لو يشاء لآمن من في الأرض كلهم، ولكنه شاء أن يؤمن به من علم ~~منه اختيار الإيمان به، وشاء الكفر ممن علم أنه يختار الكفر ولا يؤمن به؛ ~~وهو مشيئة ms0383 علم وقضاء وقدر، لا مشيئة أمر وجبر جل الله عن ذلك. {أفأنت تكره ~~الناس} بما لم يشأ الله؛ والدليل على أن خلاف المشيئة مستحيل، لا يمكن ~~تحصيله بالإكراه عليه، فضلا عن الحث والتحريض عليه [قوله]: {حتى يكونوا ~~مؤمنين(99)} أي: ليس مشيئة الإكراه والجبر في الإيمان، إنما ذلك إلى الله ~~تعالى فاسد، لأن الإيمان فعل العبد، وفعله ما يحصل بقدرته، ولا يتحقق ذلك ~~بدون الاختيار. وتأويله عندنا: أن الله لو أعطاهم لآمنوا كلهم عن الاختيار، ~~ولكن علم منهم أنهم لا يؤمنون، فلم يعطهم ذلك، وهو التوفيق. عن ابن عباس: ~~«كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حريصا على أن يؤمن جميع الناس، ~~(لعله) ويبايعوه على الهدى؛ فأخبر الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من (لعله) ~~سبق له من الله السعادة في الأزل وهو[...] (¬1) ». # {وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله} بمشيئته، أو بقضائه، أو بتوفيقه ~~وتيسيره؛ {ويجعل الرجس} الكفر، لأنه يرجسهم، {على الذين لا يعقلون(100)} لا ~~ينتفعون بعقولهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... وضع الناسخ إحالة إلى الحاشية، ولم يكتب شيئا؛ وفي العبارة ~~سقط واضح، تقديره: «قوله تعالى...». PageV02P187 # قل: انظروا} نظر استدلال واعتبار {ماذا في السماوات والأرض} من الآيات ~~والعبر، استدلالا لكمال قدرته، وذلك [ب]تقصي جميع الكائنات، لأنها دالة على ~~وحدانية الله تبارك وتعالى، وشاهدة له بالألوهية، وشاهدة على نفسها بالعجز ~~والفناء؛ وكلها حجج، إلزاما للقبول أو للترك، وأنموذجا للسعادة والشقاء، ~~وإنها جنة معجلة لأهل الجنة، ونار معجلة لأهل النار؛ {ونادى } بلسان الحال، ~~{أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا؛ فهل وجدتم ما وعد ~~ربكم حقا؟ قالوا:} بلسان حالهم، {نعم. فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على ~~الظالمين، الذين يصدون عن سبيل الله، ويبغونها عوجا، وهم بالآخرة كافرون} ~~(¬1) . {وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون(101)} في علمه وحكمه. # {فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم} (لعله) من مكذبي الأمم، ~~مثل وقائعهم، ونزول بأس الله بهم، إذ لا يستحقون في الحقائق غيره. {قل: ~~فانتظروا إني معكم من المنتظرين(102)} ms0384 ذلك؛ أو فانتطروا إهلاكي إني معكم من ~~المنتظرين إهلاككم. # {ثم ننجي رسلنا} كأنه قيل: نهلك الأمم، ثم ننجي رسلنا على حكاية الأحوال ~~الماضية. {والذين آمنوا} ومن آمن معه، {كذلك حقا علينا} في الحقيقة لا يمكن ~~ولا يتأتى خلافه، لأنه ينافي الحكمة الإلهية. {ننج المؤمنين(103)} أي: مثل ~~ذلك الإنجاء ننجي المؤمنين منكم، [241] ونهلك الكافرين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأعراف: 44-45. PageV02P188 # قل: يا أيها الناس} الخطاب لجميع من أرسل إليهم النبي محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - {إن كنتم في شك من ديني} وصحته وصفته وتأصيله؛ فهذا ديني ~~فاسمعوا وصفه؛ ثم وصف دينه فقال: {فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله} أي: ~~الأصنام، أو الشيطان، أو الأهوية. وفي الحقيقة إنهم يعبدون أهويتهم؛ {ولكن ~~أعبد الله الذي يتوفاكم} فهذا خاصة ديني اعتقادا وعملا، (لعله) وتركا؛ ~~فاعرضوها على العقل الصرف، وانظروا فيه بعين الإنصاف لتعلموا صحته؛ وهو أني ~~لا أعبد ما تخلقونه وتعبدونه؛ ولكن أعبد خالقكم الذي هو يوجدكم ويتوفاكم؛ ~~وإنما خص التوفي بالذكر للتهديد. {وأمرت أن أكون من المؤمنين(104)} يعني: ~~أن الله أمرني بذلك، بما ركب في من العقل، وبما أوحى إلي في كتابه. # {وأن أقم وجهك للدين} أي: استقم مقبلا بوجهك؛ أي: بقلبك وجوارحك على ما ~~أمرك الله به، ولا تلتفت عنه يمينا ولا شمالا، فإنه الصراط المستقيم، وما ~~سواه ففيه المهاوي والمغاوي. {حنيفا} مائلا عن كل دين. {ولا تكونن من ~~المشركين(105)} نهي له عن جلي الشرك وخفيه؛ وذلك يقتضي جميع المعاصي. # {ولا تدع} أي: ولا تعبد، لأن الدعاء ها هنا العبادة، {من دون الله ما لا ~~ينفعك} إن دعوته، {ولا يضرك} إن أهملته، {فإن فعلت}، فإن دعوت شيئا من دون ~~الله، أي: عبدت غير الله، {فإنك إذا من الظالمين(106)}، لأنه لا ظلم أعظم ~~من الشرك، وهو يقتضي جميع معاصي الله. # { PageV02P189 وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو} ولا شيء أضر من ~~المعصية، {وإن يردك بخير} وهي طاعة الله، لأنه ليس بعدها خير، {فلا رآد ~~لفضله} فلا راد لمراده؛ وهو صفة المستحق للعبادة، ms0385 {يصيب به من يشاء من ~~عباده} قطع بهذه الآية على عباده طريق الرغبة والرهبة إلا إليه، والتوكل ~~إلا عليه؛ {وهو الغفور} المكفر بالبلاء، {الرحيم(107)} المعافي بالعطاء؛ ~~أتبع النهي عن عبادة الأوثان، ووصفها، لأنها لا تضر ولا تنفع؛ والله عز وجل ~~المستحق للعبادة، إن أصابك بضر، لم يقدر على كشفه إلا هو وحده؛ وإن أرادك ~~بخير لم يرد أحد غير ما يريده بك من الفضل والإحسان؛ وهو الحقيق إذا بان ~~توجه إليه العبادة (لعله) ورفض دونها[كذا]. # {قل: يا أيها الناس} والجن داخلون في هذا الخطاب، {قد جاءكم الحق} في هذه ~~السورة، أو في جميع القرآن، {من ربكم؛ فمن اهتدى} اختار الهدى واتبع الحق، ~~{فإنما يهتدي لنفسه} فما نفع باختياره إلا نفسه، {ومن ضل فإنما يضل عليها} ~~ومن آثر الضلال، فما ضر إلا نفسه؛ {وما أنا عليكم بوكيل(108)} بحفيظ، موكول ~~إلى أمركم. # {واتبع ما يوحى إليك} من وحي رسول أو إلهام، {واصبر} أمره بالصبر على ~~اتباع ما يوحى إليه، لأنه لا يبلغ إلا به، {حتى يحكم الله} بوصول أجلك، أو ~~بينك وبين من خالفك، {وهو خير الحاكمين(109)} إذ لا يمكن الخطأ في حكمه، ~~لاطلاعه على السرائر، اطلاعه على الظواهر. # سورة هود # مائة واثنتان أو ثلاث وعشرون آية (¬1) # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «الآية»، وهو خطأ. PageV02P190 # الر كتاب} أي: هذا كتاب؛ كأنه يصف ما في هذه السورة. {أحكمت آياته} صفة ~~له، أي: نظمت نظما قويا محكما، لا يقع فيه [242] نقص ولا خلل كالبناء ~~المحكم؛ {ثم فصلت} كما تفصل القلائد بالفرائد، من دلائل التوحيد والأحكام ~~والمواعظ والقصص؛ أو جعلت فصولا معنى معنى ما يحتاج إليها العباد (¬1) ؛ ~~أي: بين ولخص {من لدن حكيم خبير(1)} أي: من عنده إحكامها وتفصيلها. # {ألا تعبدوا إلا الله} أي: لئلا تعبدوا إلا الله، وفائدة إحكامها ~~وتفصيلها، قوله: {إنني لكم منه نذير وبشير(2)} أي: آمركم بالاستغفار عن ~~الشرك، وأحثكم على التوحيد. # {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} أي: ارجعوا إلى الله من هوى (¬2) ~~أنفسكم بالطاعة والعبادة؛ {يمتعكم متاعا حسنا} ms0386 يمنحكم ما يكفيكم، ويمنعكم ~~ما يطغيكم، أو يمتعكم بالعقول السليمة من الهوى؛ {إلى أجل مسمى} إلى أن ~~يتوفاكم، {ويؤت كل ذي فضل فضله} ويعطي في الآخرة كل من كان له فضل في ~~العمل. {وإن تولوا} أي: وإن تتولوا عن الإيمان؛ {فإني أخاف عليكم عذاب يوم ~~كبير(3)} هو يوم القيامة، لأنه أكبر من كل عذاب في الدنيا. {إلى الله ~~مرجعكم} إلى الجزاء، {وهو على كل شيء قدير(4)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، وفي تفسير أبي السعود: «أو فصل فيها مهمات ~~العباد». أبو السعود: تفسير أبي السعود، مج2/ ج2/ ص182. # (¬2) - ... في الأصل: « أ هواء». PageV02P191 # ألا إنهم يثنون صدورهم} يزورون عن الحق، ويحرفون عن الحق، لأن من أقبل ~~على شيء، استقبله بصدره؛ ومن ازور عنه وانحرف ثنى عنه صدره وطوى عنه كشحه ~~(¬1) . {ليستخفوا منه} ليطلبوا الخفاء من الله، فلا يطلع رسوله والمؤمنون ~~على ازورارهم. {ألا حين يستغشون ثيابهم} ألا حين يأوون إلى فراشهم يتغطون ~~بها، أي: يريدون الاستخفاء حين يستغشون ثيابهم، كراهة لاستماع كلام الله، ~~كقول نوح: {جعلوا أصابعهم في آذانهم، واستغشوا ثيابهم} (¬2) . وكل هذا ~~استعارة بمعنى الإعراض عن قبول الحق، (لعله) لأنه كالساتر نفسه عن أن يرى ~~الحق أو يراه. {يعلم ما يسرون وما يعلنون} أي: لا تفاوت في علمه بين ذلك؛ ~~فلا وجه لتوصلهم إلى ما يريدون من الاستخفاء، والله مطلع على ثنيهم صدورهم، ~~واستغشاء ثيابهم ونفاقهم، فغير (¬3) نافع لهم؛ {إنه عليم بذات الصدور(5)} ~~بما فيها. # {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} غذائها، وما لا تقوم إلا به ~~من جلب ما ينفعها، ودفع ما يهلكها في الدارين، لتكفله إياها، {ويعلم ~~مستقرها} مكانها من الأرض، {ومستودعها} حيث كان مستودعها قبل الاستقرار، من ~~صلب أو رحم أو بيضة فيما قيل، {كل في كتاب مبين(6)} كل واحد من الدواب ~~ورزقها ومستقرها ومستودعها في اللوح، يعني: ذكرها مكتوب فيه مبين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الكشح: ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف، وهو من لدن السرة إلى ~~المتن... ويقال: طوى كشحه عنه إذا أعرض عنه». ابن منظور: ms0387 لسان العرب، 5/261. # (¬2) - ... سورة نوح: 7. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الأصوب: «فهو غير نافع». PageV02P192 # وهو الذي خلق السماوات والأرض} أي: وما بينهما {في ستة أيام} قيل: تعليما ~~للتأني، لأن الله قادر أن يخلق جميع المخلوقات وأضعافهم مضاعفات معا، كلمح ~~البصر أو أقرب. {وكان عرشه على الماء} أي: فوقه؛ وفي وقوف العرش على الماء ~~لعظمه أعظم الاعتبار لأهل الأفكار. {ليبلوكم} أي: خلق السموات والأرض وما ~~بينهما للممتحن فيهما؛ ولم يخلق هذه الأشياء لأنفسها؛ وجميع ما خلق الله من ~~شيء من غير المتعبدين للمتعبدين، لا لأنفسها، ولا عبثا ولا لهوا ولا لعبا، ~~جل الله عن ذلك. {أيكم أحسن عملا} أكثر شكرا، [243] وعنه - صلى الله عليه ~~وسلم - : «أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله» (¬1) ؛ فمن ~~شكر وأطاع أثابه، ومن كفر وعصى عاقبه، ولما شبه ذلك اختبار المختبر قال: ~~{ليبلوكم} أي: ليفعل بكم المبتلي لأحوالكم [لينظر] كيف تعلمون. {ولئن قلت: ~~إنكم مبعوثون من بعد الموت، ليقولن الذين كفروا: إن هذا إلا سحر مبين(7)} ~~(لعله) أشاروا بهذا إلى القرآن، [و]هو الناطق بالبعث، فإذا جعلوه سحرا فقد ~~اندرج تحته إنكار ما فيه من البعث وغيره. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لم نعثر عليه في الربيع ولا في الكتب التسعة ولا في الجامع ~~الصغير وزياداته. ونفس الرواية أوردها أبو السعود في تفسيره، مج2/ ج2/ ~~ص187-188. PageV02P193 # ولئن أخرنا عنهم العذاب} عذاب ما وعدوا به، {إلى أمة معدودة} إلى جماعة ~~من الأوقات معلومة أو قلائل، والمعنى: إلى حين معلوم، {ليقولن ما يحبسه} ما ~~يمنعه من النزول، استعجالا له على وجه التكذيب والاستهزاء، {ألا يوم ~~يأتيهم} العذاب {ليس مصروفا عنهم، وحاق بهم} وأحاط بهم {ما كانوا به ~~يستهزءون(8)} (لعله) بالعذاب الذي كانوا يستعجلون؛ وإنما وضع: «يستهزءون» ~~موضع «يستعجلون» لأن استعجالهم كان على وجه الاستهزاء. # {ولئن أذقنا الإنسان} هو للجنس، {منا رحمة} نعمة، {ثم نزعناها منه إنه ~~ليئوس} شديد اليأس من أن تعود إليه مثل تلك النعمة المسلوبة، قاطع رجاءه من ~~سعة فضل الله من غير صبر ولا تسليم لقضائه، {كفور(9)} عظيم الكفران ms0388 لما سلف ~~له من التقلب في نعمة الله، نساء له. # {ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته} كصحة بعد سقم، وغنى بعد عدم؛ وفي ~~اختلاف الفعلين نكتة لا تخفى بالنعم إلا معتربها[كذا]. {ليقولن ذهب السيئات ~~عني} أي: المصائب التي ساءتني، {إنه لفرح} أشر بطر، {فخور(10)} على الناس ~~بما أذاقه الله من نعمائه، وقد شغله الفرح والفخر عن الشكر؛ والفرح: لذة في ~~القلب، (لعله) يبتلي بها المشتهي. والفخر هو: التطاول على الناس، بتعديل ~~المناقب، وذلك منهي عنه. # {إلا الذين صبروا} في المحنة والبلاء، {وعملوا الصالحات}، وشكروا في ~~النعمة والرخاء، وطبعوا أنفسهم للطاعة عن طبعها الأصلي، {أولئك لهم مغفرة} ~~لصغائر ذنوبهم، {وأجر كبير(11)} على صبرهم، أكبرمن كل أجر في الدنيا، ولو ~~أعطي الدنيا وما فيها أجرا، فأجره في الآخرة أكبر على مقابلة العذاب ~~الكبير. PageV02P194 # وكانوا يقترحون عليه آيات تعنتا لا استرشادا، لأنهم لو كانوا مسترشدين، ~~لكانت آية واحدة مما جاء به كافية في إرشادهم، ومن اقتراحاتهم: {لولا أنزل ~~عليه كنز أو جاء معه ملك}؛ وكانوا لا يقتدون بالقرآن، ويتهاونون به، فكان ~~يضيق صدره أن يلقي إليهم ما لا يقبلونه، ويضحكون منه فيهيجه لأداء الرسالة، ~~وطرح مبالاة بردهم [كذا] لاستهزائهم واقتراحهم بقوله: {فلعلك تارك بعض ما ~~يوحى إليك} تترك تبليغ بعض ما يوحى إليك، وهو ما يخالف هوى المشركين، مخافة ~~ردهم واستهزائهم به، {وضائق به صدرك} بأن تتلوه عليهم؛ ولم يقل: «ضيق»، ~~ليدل على أنه ضيق عارض غير ثابت، لأنه [244] - عليه السلام - كان أفسح ~~الناس صدرا، {أن يقولوا} مخافة أن يقولوا: {لولا أنزل عليه كنز} ينفقه في ~~الاستتباع، كما تنفق الملوك من خزائنها، {أو جاء معه ملك} يصدقه ويشهد له ~~بالرسالة؛ {إنما أنت نذير} أي: ليس لك إلا أن تنذرهم بما أوحي إليك، ~~وتبلغهم ما أمرت بتبليغه؛ ولا عليك إن ردوا أو تهاونوا، {والله على كل شيء ~~وكيل(12)} يحفظك منهم، ويحفظ ما يقولون، وهو فاعل بهم ما يجب أن يفعل؛ ~~فتوكل عليه، وكل أمرك إليه، وعليك بتبليغ الوحي بقلب فسيح وصدر منشرح، غير ~~ملتفت ms0389 إلى استكبارهم، ولا مبال بسفههم واستهزائهم. # { PageV02P195 أم يقولون افتراه، قل: فأتوا بعشر سور مثله} في الحسن ~~والجزالة، {مفتريات} لما قالوا له: افتريت القرآن واختلقته من عند نفسك، ~~وليس هو من عند الله، أرخى معهم العنان، وقال: هبوا أني اختلقته من عند ~~نفسي، فأتوا أنتم أيضا بكلام مثله مختلق من عند أنفسكم، فإنكم عرب فصحاء ~~مثلي، تقدرون على ما أقدر عليه، {وادعوا من استطعتم من دون الله}، (لعله) ~~من جن وإنس إلى المعاونة على نظمها، {إن كنتم صادقين(13)} أنه مفترى. # {فإن لم يستجيبوا لكم، فاعلموا أنما أنزل بعلم الله} (لعله) وأن لا مخلوق ~~يقدر ذلك، وأنزل بعلم الله (¬1) ، {وأن لا إله إلا هو} أي: أنزل ملتبسا بما ~~لا يعلمه إلا الله، من نظم معجز للخلق، وإخبار بغيوب لا سبيل لهم إليه؛ ~~واعلموا عند ذلك: أن لا إله إلا الله وحده، {فهل أنتم مسلمون(14)} متابعون ~~الإسلام بعد هذه الحجة القاطعة؟، ومن جعل الخطاب للمسلمين، فمعناه: فاثبتوا ~~على العلم الذي أنتم عليه، وازدادوا يقينا على أنه منزل من عند الله وعلى ~~التوحيد، فهل أنتم مسلمون مخلصون؟. # {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها} هو ما حرمه الله وحجره، {نوف إليهم ~~أعمالهم فيها} نولهم ما تولوا، ونخلهم وما يهوونه، {وهم فيها لا ~~يبخسون(15)} نوصل إليهم ما قدرناه لهم من غير نقصان ولا بخس، وهو ما يرزقون ~~فيها من الصحة والرزق على وجه الاستدراج والإملاء. # { # ¬__________ # (¬1) - ... هنا وضع الناسخ إحالة إلى الحاشية ولم يكتب بها شيئا، ويبدو ~~أن في العبارة خللا. PageV02P196 # أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار}، لأنهم لم يسلكوا غير طريقها، ~~{وحبط ما صنعوا فيها} وحبط في الآخرة ما صنعوه في الدنيا؛ ولم يكن لهم ~~ثواب، لأنهم لم يريدوا به الآخرة لما أرادوا به الدنيا، وقد وفى إليهم محمد ~~ما أرادوا، {وباطل ما كانوا يعملون(16)} أي: كان عملهم في نفسه باطلا، لأنه ~~لم يعمل لغرض صحيح؛ والعمل الباطل لا ثواب له، ذاهب أصله وفرعه. # {أفمن كان على بينة من ربه} أفمن كان على ms0390 بينة لا يعقبونهم ولا ~~يقاربونهم؛ يعني: أن ما بين الفريقين تباينا بينا، والبينة: البرهان من ~~الله، وبيان أن دين الإسلام حق، (لعله) وهو دليل العقل، {ويتلوه شاهد} ~~العالم المحق، {منه} من القرآن؛ وقيل: البينة: هو العالم المحق، والشاهد ~~منه: لسانه. {ومن قبله} ومن قبل [245] القرآن، {كتاب موسى} وهو التوراة؛ ~~أي: ويتلو ذلك البرهان أيضا من قبل القرآن كتاب موسى، {إماما} كتابا مؤتما ~~به في الدين قدوة فيه، {ورحمة} ونعمة عظيمة على متبعيه؛ {أولئك} من كان على ~~بينة، {يؤمنون به} بالقرآن؛ {ومن يكفر به من الأحزاب} المتحزبين على أهل ~~الإسلام؛ {فالنار موعده} مصيره ومورده؛ {فلا تك في مرية} شك {منه} من ~~القرآن؛ {إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون(17)} لقلة نظرهم، ~~واختلال فكرهم. # { PageV02P197 ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا} أي: ليس أحد أظلم منه، ~~وهو يعم جميع العصاة؛ {أولئك يعرضون على ربهم} (لعله) قسرا فيسألهم عن ~~أعمالهم؛ {ويقول الأشهاد} قيل: إنهم الملائكة، أو الأنبياء والعلماء: ~~{هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين(18)} لأنفسهم، ~~الكاذبين على ربهم. # {الذين يصدون عن سبيل الله} يصرفون الناس عن دينهم، {ويبغونها عوجا} ~~يصفونها بالاعوجاج وهي مستقيمة، أو يبغون أهلها أن يعوجوا بالارتداد، ~~كقوله: {أفمن يمشي مكبا على وجهه...} الآية (¬1) ، {وهم بالآخرة (¬2) هم ~~كافرون(19)}. # {أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض} أي: ما كانوا يعجزون الله في الدنيا ~~أن يعاقبهم لو أراد عقابهم، {وما كان لهم من دون الله من أولياء} من يتولهم ~~(¬3) فينصرهم منه، ويمنعهم من عقابه. {يضاعف لهم العذاب} بضلالهم وإضلالهم؛ ~~أو كما قال: {زدناهم عذابا فوق العذاب} (¬4) ليعم كل عاص، وكقوله: {لكل ضعف ~~ولكن لا تعلمون} (¬5) ؛ {ما كانوا يستطيعون السمع} لتصاممهم عن الحق، {وما ~~كانوا يبصرون(20)} لتعاميهم عن آيات الله، وإن ما لا يسمع ولا يبصر لا يصلح ~~للولاية. # {أولئك الذين خسروا أنفسهم} حيث اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله، وحيث ~~حرموا أنفسهم الجنة، واستحقوا العذاب بذلك، {وضل عنهم} غاب عنهم وضاع ما ~~اشتروه، وهو {ما كانوا يفترون(21)} بعبادة غير ms0391 الله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الملك: 22؛ وتمامها: {أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن ~~يمشي سويا على صراط مستقيم}. # (¬2) - ... في الأصل: «في الآخرة»، وهو خطأ. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «يتولاهم». # (¬4) - ... سورة النحل: 88. # (¬5) - ... سورة الأعراف: 38. PageV02P198 # لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون(22)} لا جرم: أي حقا؛ وقيل: بلى؛ ~~وقيل: لا محالة، وهم أخسر من غيرهم بالإضلال. # {إن (¬1) الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم} الإخبات قيل: ~~الخوف أو الإنابة، أو الخشوع، أو الاطمئنانية من الخبت، وهي الأرض ~~المطمئنة؛ {أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون(23)}. # {مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع} شبه فريق الكافرين: ~~بالأعمى والأصم، (لعله) لأنهم لا يبصرون الحق ولا يسمعونه، لتعاميهم ~~وتصاممهم بالأهوية، كما قال - عليه السلام - : (لعله) «حبك للشيء يعمي ~~ويصم» (¬2) ؛ وفريق المؤمنين: بالبصير والسميع، بترك متابعتهم للهوى، {هل ~~يستويان مثلا}؟ أي: في المثل لا يستويان، {أفلا تذكرون(24)}؟! فتنتفعون ~~بضرب المثل. # {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه: إني لكم نذير مبين(25)} أبين موجبات العذاب، ~~ووجه الخلاص، {أن لا تعبدوا إلا الله، إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم(26)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «إن»، وهو سهو. # (¬2) - ... رواه أبو داود في كتاب الأدب، رقم 4465 عن أبي الدرداء، ورواه ~~أحمد في مسند الأنصار، رقم 20705؛ وفي مسند القبائل، رقم 26268. وكلهم ~~بلفظ: «حبك الشيء». بلا لام الجر. انظر: العالمية: موسوعة الحديث، مادة ~~البحث: «حبك». PageV02P199 # فقال الملأ الذين كفروا من قومه}: يريد الأشراف، لأنهم يملؤون القلوب ~~هيبة، والمجالس أبهة؛ أو لأنهم ملأ بأحلام (¬1) والآراء الصائبة لظاهر ~~الحياة الدنيا، {ما نراك إلا بشرا مثلنا} لا مزية لك علينا تخصك بالنبوة، ~~ووجوب [246] الطاعة، لأنهم نظروا إلى البشرية الظاهرة، ولم ينظروا إلى سره ~~الخفي الذي خصه الله به دونهم؛ {وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا} ~~أضعفنا في الرأي؛ أو الجسم أو المال أو الرئاسة، لأن نظرهم كان مقصورا على ~~ظواهر الأمور دون حقائقها. {بادي الرأي} أي: اتبعوا ظاهر الرأي؛ من غير ~~رؤية ونظر؛ ولو تفكروا ما اتبعوك، واسترذالهم لهم لما ذكرنا، ولتأخرهم عن ~~الأسباب الدنيوية، لأنهم كانوا جهالا، ما ms0392 كانوا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة ~~الدنيا؛ فكان الأشرف عندهم من له جاه ومال، كما نرى المتسمين بالإسلام ~~يعتقدون ذلك، ويبنون عليه إكرامهم وإهانتهم. ولقد زال عنهم أن التقدم في ~~الدنيا لا يقرب أحدا من الله، وإنما يبعده؛ ولا يرفعه بل يضعه. {وما نرى ~~لكم علينا من فضل} في مال ولا رأي، ولا قوة ولا جاه ولا علم؛ {بل نظنكم ~~كاذبين(27)} أي: نوحا؛ نوحا في الدعوة وأنتم في الإجابة؛ يعني: تواطأتم على ~~الدعوة والإجابة، تسبيبا للرئاسة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب كما في تفسير أبي السعود: «ملئوا ~~بالأحلام والآراء الصائبة». أبو السعود: تفسير أبي السعود، مج2/ج2/ص200. PageV02P200 # قال يا قوم أرأيتم} أخبروني {إن كنت على بينة} برهان {من ربي} وشاهد منه ~~لصحة دعواي، {وآتاني رحمة من عنده} أي: هدى ورحمة؛ {فعميت عليكم} خفيت ~~والتبست عليكم البينة فلم تهدكم؛ كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة ~~بغير هاد، وحقيقته أن الحجة كما جعلت بصيرة وتبصرة، وجعلت (¬1) (لعله) ~~البصيرة على الأعمى عميا، لأن الأعمى لا يهتدي ولا يهدي غيره؛ {أنلزمكموها} ~~أنلزمكم على الاهتداء بها (لعله) إلزاما وجبرا، {وأنتم لها كارهون(28)} لا ~~تريدونها. # {ويا قوم لا أسألكم عليه مالا} على تبليغ الرسالة، {إن أجري إلا على ~~الله} وذلك من دلالة النبوة، والترك للدنيا، والإقبال على الآخرة، إن ~~تفكروا في حسن السيرة وخسيسها؛ وكذلك قوله: {وما أنا بطارد الذين آمنوا} ~~كأنه جواب لهم حين سألوا طردهم ليؤمنوا به، أنفة من المجالسة معهم، {إنهم ~~ملاقوا ربهم} فيشكونني إليه إن طردتهم؛ {ولكني أراكم قوما تجهلون(29)} ~~تتسافهون على المؤمنين، وتدعونهم أرذال؛ أو تجهلون لقاء ربكم، أو أنهم خير منكم. # {ويا قوم من ينصرني من الله} من يمنعني من انتقامه، {إن طردتهم أفلا ~~تذكرون(30)} لتعرفوا أن التماس طردهم وتوقيف الإيمان ليس بصواب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب حذف واو العطف ليستقيم التركيب. PageV02P201 # ولا أقول لكم: عندي خزائن الله} فأدعي عليكم فضلا بالغنى، حتى تجحدوا ~~فضلي بقولكم: {وما نرى لكم علينا من فضل}؛ {ولا أعلم الغيب} حتى ms0393 أطلع على ~~ما في نفوس أتباعي، وضمائر قلوبهم. {ولا أقول: إني ملك} حتى يقولوا لي: {ما ~~أنت إلا بشر مثلنا}، {ولا أقول للذين تزدري أعينكم} ولا أحكم على من ~~استرذلتم من المؤمنين لفقرهم: {لن يؤتيهم الله خيرا} في الدنيا والآخرة، ~~لهوانهم عليه، مساعدة لكم، ونزولا على هواكم. {الله أعلم بما في أنفسهم} من ~~صدق الاعتقاد، وإنما علي قبول ظاهر إقرارهم، إذ لا أطلع على خفي أسرارهم، ~~{إني إذا لمن الظالمين(31)} إن قلت شيئا من ذلك؛ (لعله) فلما علت حجته ~~عليهم بالبرهان النير، ودحضت حجتهم العمياء، صمموا على المكابرة بقولهم: # {قالوا: يا نوح، قد جادلتنا} [247] خاصمتنا، {فأكثرت جدالنا، فأتنا بما ~~تعدنا} من العذاب {إن كنت من الصادقين(32)} في وعيدك. # {قال إنما يأتيكم به الله إن شاء} أي: ليس الإتيان بالعذاب إلي؛ وإنما هو ~~إلى من كفرتم به؛ {وما أنتم بمعجزين(33)} أي: لم تقدروا على الهرب منه، ~~{ولا ينفعكم نصحي} هو إعلام الغي ليتقى، والرشد ليقتفى، {إن أردت أن أنصح ~~لكم إن كان الله يريد أن يغويكم} أي: مقدر عليكم الإغواء بضلالكم عن طريق ~~الحق، {هو ربكم} فيقدر فيكم على قضية إرادته، {وإليه ترجعون(34)} فيجازيكم ~~على حسب أعمالكم. # { PageV02P202 أم يقولون: افتراه} بل أيقولون افتراه؟ {قل: إن افتريته ~~فعلي إجرامي} إن صح أني افتريته، فعلي عقوبة إجرامي، أي: افترائي؛ يقال: ~~أجرم الرجل: إذا أذنب. {وأنا بريء} أي: وإن لم يثبت ذلك وأنا بريء منه؛ ~~ومعنى {مما تجرمون(35)}: من إجرامكم في إسناد الافتراء، فلا وجه لإعراضكم ~~ومعاداتكم. # {وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} فمن ذلك قال: {ولا ~~يلدوا إلا فاجرا كفارا} (¬1) ؛ {فلا تبتئس بما كانوا يفعلون(36)} فلا تحزن ~~حزن بائس مستكين، والابتئاس: “افتعال” من البؤس، وهو الحزن والفقر؛ ~~والمعنى: فلا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك، فقد حان وقت الانتقام [من] ~~أعدائك. # {واصنع الفلك بأعيننا} أي: محفوظا، وحقيقته ملتبسا بأعيننا، أي: بحفظنا ~~وعلمنا عن أن تزيغ في صنعته عن الصواب، {ووحينا} وإنا نوحي إليك، ونلهمك ~~كيف تصنع. {ولا ms0394 تخاطبني في الذين ظلموا} ولا تدعني في شأن قومك، واستدفاع ~~العذاب عنهم بشفاعتك، {إنهم مغرقون(37)} محكوم عليهم بالإغراق، حين قضي به ~~وجف القلم، فلا سبيل إلى استدفاعه. # {ويصنع الفلك} حكاية حال ماضية، {وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه} ~~ومن عمله السفينة، وكان يعملها في البرية، وكانوا يتضاحكون ويقولون له: يا ~~نوح، صرت نجارا بعدما كنت نبيا؛ (لعله) وروي أنهم يقولون: يانوح ماذا تصنع؟ ~~فيقول: أصنع بيتا يمشي على الماء؛ فيضحكون منه. {قال: إن تسخروا منا فإنا ~~نسخر منكم} عند رؤية الهلاك {كما تسخرون(38)} منا عند رؤية الفلك؛ وقيل ~~المراد بالسخرية: الاستجهال. # {فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه} يذله، يعني به إياهم، وهو الغرق، ~~{ويحل عليه عذاب مقيم(39)} في جهنم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة نوح: 27. PageV02P203 # حتى إذا جاء أمرنا} وهو بلوغ الكتاب أجله، {وفار التنور} نبع الماء فيه، ~~وارتفع كالقدر يفور؛ {قلنا: احمل فيها من كل} نوع {زوجين اثنين} في القصة ~~أنه قال نوح: يا رب كيف أحمل من كل زوجين اثنين؟ فحشر إليه الحشرات؛ فجعل ~~يضرب بيديه في كل جنس، فيقع الذكر في يده (¬1) اليمنى، والأنثى في اليسرى ~~فيحملهما. {وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن، وما آمن معه إلا ~~قليل(40)}. # {وقال: اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها} أي: اركبوا فيها قائلين: ~~{بسم الله} وقت إجرائها، ووقت إرسائها، (لعله) وهو على معنى التوكل عليه في ~~حال ركوبهم وقت إجرائها وإرسائها، {إن ربي لغفور رحيم(41)} لمن توكل عليه ~~في جميع أحواله. # {وهي تجري بهم في موج كالجبال} يريد: موج الطوفان، وهو ما ارتفع [248] من ~~الماء عند اضطرابه بدخول الرياح الشديدة في خلاله، شبه كل موجة منه بالجبل ~~في تراكمها وارتفاعها؛ وذلك (لعله) ابتلاء وامتحان لإيمان الراكبين معه ~~فيها؛ وخاصة إذا لم تجر عادة سابقة بهم، ولا بغيرهم. {ونادى نوح ابنه، وكان ~~في معزل} عن أبيه، وعن السفينة؛ أو عن دين أبيه، {يا بني اركب معنا} في ~~السفينة، أو أسلم، {ولا تكن مع الكافرين(42)} في الدين والانعزال. # {قال: سآوي} سألجأ {إلى ms0395 جبل يعصمني من الماء} يمنعني من الغرق، كأنه ~~اعتصم بمخلوق مثله، فلم يعصمه؛ {قال: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من ~~رحم} إلا الراحم لمن لاذ به، وهو الله تعالى؛ أي: لا عاصم اليوم إلا من ~~اعتصم بالله. {وحال بينهما الموج، فكان من المغرقين(43)} فكان في علم الله كذلك. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يديه»، وهو خطأ. PageV02P204 # وقيل: يا أرض ابلعي ماءك، ويا سماء أقلعي} أمسكي، {وغيض الماء} نقص، ~~{وقضي الأمر} وأنجز ما وعد الله نوحا من إهلاك قومه؛ {واستوت} واستقرت {على ~~الجودي} قيل: جبل بالموصل؛ {وقيل: بعدا للقوم الظالمين(44)} أي: سحقا لقوم ~~نوح. أجمع أهل الفصاحة أن طاقة البشر قاصرة عن الإتيان بمثل هذه الآية، بعد ~~أن فتشوا عامة كلام العرب والعجم، فلم يجدوا مثلها في فخامة ألفاظها، وحسن ~~نظمها، وتصوير الحال، مع الإيجاز من غير إخلال. # {ونادى نوح ربه، فقال: (¬1) رب إن ابني من أهلي، وإن وعدك الحق} وإن كل ~~وعد تعده فهو الحق الثابت الذي لا شك في إنجازه والوفاء به؛ {وأنت أحكم ~~الحاكمين(45)} أي: أعلم الحكام وأعدلهم؛ إذ لا فضل لحاكم على غيره، إلا ~~بالعلم والعدل. ورب غريق في الجهل والجور من متقلدي الحكومة في زمانك قد ~~لقب أقضى القضاة، ومعناه: أحكم الحاكمين؛ فاعتبر واستعبر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «قال»، وهو خطأ. PageV02P205 # قال: يا نوح، إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح} وفيه إيذان، لأن قرابة ~~الدين غامرة لقرابة النسب؛ وأن نسيبك في دينك، وإن كان حبشيا، وكنت قرشيا؛ ~~[وأن] لصيقك ومن لم يكن على دينك، وإن كان أمس أقاربك رحما، فهو يعد بعيدا ~~(¬1) منك. قال أبو منصور: «كأن عند نوح - عليه السلام - أن ابنه كان على ~~دينه، لأنه كان ينافق؛ وإلا لا يحتمل أن يقول: إن ابني من أهلي ويسأله ~~نجاته، وقد سبق منه النهي عن سؤال مثله، بقوله: {ولا تخاطبني في الذين ~~ظلموا إنهم مغرقون}، فكان يسأل عن الظاهر الذي عنده؛ كما كان أهل النفاق ~~يظهرون الموافقة لرسولنا، ويضمرون الخلاف له، ولم يعلم بذلك حتى ms0396 أطلعه الله ~~عليه، وقوله: {ليس من أهلك} أي: من الذين وعدت النجاة لهم، وهم المؤمنون ~~حقيقة في السر والظاهر». {فلا تسألني ما ليس لك به علم، إني أعظك أن تكون ~~من الجاهلين(46)}. # {قال: رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم} أي: من أن أطلب منك في ~~المستقبل ما لا علم لي بصحته تأدبا بك واتعاظا بموعظتك، {وإلا تغفر لي} ما ~~فرط مني، {وترحمني} بالعصمة عن العود إلى مثله {أكن من الخاسرين(47)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «بعيد»، وهو خطأ. PageV02P206 # قيل: يا نوح اهبط بسلام منا} [249] بتحية منا، أو سلامة من الغرق، ~~{وبركات عليك}، هي الخيرات النامية، وهي في حقه العلم والعمل بمقتضى ~~الحكمة، {وعلى أمم ممن معك} أي: على أمم ناشئة ممن معك، وهي الأمم إلى آخر ~~الدهر، {وأمم} أخرى ضالة، {سنمتعهم} في الدنيا بالسعة في الرزق، والخفض في ~~العيش، كما قدرنا لهم بلا زيادة ولا نقصان، {ثم يمسهم منا عذاب أليم(48)} ~~في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة؛ والمعنى: أن السلام منا، والبركات عليك، ~~وعلى أمم المؤمنين ينشأون ممن معك؛ وممن معك أمم ممتعون بالدنيا، منقلبون ~~إلى النار، والخلق بعد الطوفان منه وممن كان معه في السفينة. وعن محمد بن ~~كعب: «دخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة؛ وفيما بعده من ~~المتاع والعذاب كل كافر». # {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك} يا محمد {ما كنت تعلمها أنت ولا قومك} ~~أي: تلك القصة بعض أنباء الغيب، موحاة إليك، مجهولة عندك، وعند قومك، {من ~~قبل هذا} الإيحاء إليك؛ {فاصبر} كما صبر نوح مع طول لبثة فيهم، وتوقع في ~~العاقبة لك ولمن كذبك نحو ما كان لنوح وقومه، {إن العاقبة} في الفوز والنصر ~~والتوفيق والغلبة والنعمة {للمتقين(49)} عن المعاصي وهو حقيقة التوحيد. # { PageV02P207 وإلى عاد أخاهم} واحدا (¬1) منهم {هودا، قال: يا قوم ~~اعبدوا الله} وحده، غير مشركين به غيره، {ما لكم من إله غيره} ينفعكم ولا ~~يضركم، في الحقيقة {إن أنتم إلا مفترون(50)} تفترون على الله الكذب، ~~باتخاذكم له ms0397 الأوثان له (¬2) شركاء. # {يا قوم لا أسألكم عليه أجرا، إن أجري إلا على الذي فطرني} ما من رسول ~~إلا واجه قومه بهذا القول، لأن شأنهم النصيحة؛ ولا يمحضها إلا حسم المطامع؛ ~~وما دام يتوهم شيء منها، لم تنجع ولم تنفع، {أفلا تعقلون(51)} إذ تردون ~~نصيحة من لا يطلب عليها أجرا إلا من الله، وهو ثواب الآخرة؛ ولا شيء أنفى ~~للتهمة من ذلك، لأنه لم يسأل من أرسل إليه أجرا، ولم يدفع عن نفسه مغرما، ~~ولم يطلب بذلك ولا لغيره أمرا دنيويا بلسان مقاله، أو لسان حاله، كان ذلك ~~من سمات الإيمان والأمانة، مع الذين يعقلون العلم في الناس. # {ويا قوم استغفروا ربكم} أي: آمنوا به، {ثم توبوا إليه} من عبادة غيره، ~~{يرسل السماء عليكم} الأرزاق السماوية من دين ودنيا، {مدرارا} كثير الدرور، ~~{ويزدكم قوة} [في] القلوب، يقدرون بها على المخرج من مضائق الأمور، ولا ~~يكون هذا الوعد في الحقيقة إلا لمتبعي الرسل، لأن ذلك يعود وبالا على ~~المكذبين، {إلى قوتكم} كما قال: {والذين اهتدوا زادهم هدى} (¬3) ، {ولا ~~تتولوا} ولا تعرضوا عما أدعوكم إليه. {مجرمين(52)} مصرين على إجرامكم ~~وآثامكم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «واحد»، وهو خطأ، فهو منصوب على أنه معطوف على ما ~~قبله، في قوله تعالى: {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه}، أي تقديره: «وأرسلنا ~~إلى عاد أخاهم هودا». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: - «له»، أي: «باتخاذكم الأوثان له ~~شركاء». # (¬3) - ... سورة محمد: 17. PageV02P208 # قالوا: يا هود ما جئتنا ببينة} تكذيب منهم وجحود للبينة الغراء، ولكن ~~لتعاميهم عنها لم يبصروها، إذ حجبهم عن رؤيتها حب الهوى. {وما نحن بتاركي ~~آلهتنا} ما تهواه أنفسنا {عن قولك} استجهالا منهم له، {وما نحن لك ~~بمؤمنين(53)} وما يصح من أمثالنا أن يصدقوا مثلك فيما تدعوهم إليه. # {إن نقول: إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} أي: ليس لنا [250] قول إلا هذه ~~المقالة، أي: إلا قولنا: «اعتراك بعض آلهتنا بسوء، بجنون وخبل»؛ فلما ~~انقطعت حجتهم، وبان اغترارهم، وظهرت رئاستهم، وصح إصرارهم؛ {قال: إني أشهد ~~الله، واشهدوا أني بريء مما تشركون(54) من ms0398 دونه} أي: من إشراككم آلهة من ~~دون الله؛ {فكيدوني جميعا} من غير أن يتخلف منكم أحد، {ثم لا تنظرون(55)} ~~لا تمهلوني. # {إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها} أي: ~~مالكها ومدبرها؛ ولما ذكر توكله على الله وثقته بحفظه وكلاءته من كيدهم؛ ~~وصفه بما يوجب التوكل عليه، من اشتمال ربوبيته عليه وعليهم، ومن كون كل ~~دابة في قبضته وملكته، وتحت قهره وسلطانه؛ والأخذ بالناصية تمثيل لما يقدره ~~الله للخلق وعليهم، {إن ربي على صراط مستقيم(56)} إن ربي على الحق، ولا ~~يخيب من رجاه، ولا يفوته من عاداه. # { PageV02P209 فإن تولوا} تتولوا، {فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم} فقد ~~أديت ما علي من الإبلاغ وإلزام الحجة؛ فلا تقصير مني ولا عذر لكم؛ {ويستخلف ~~ربي قوما غيركم} (لعله) أي: يهلككم الله ويجيء بقوم آخرين يخلفونكم في ~~دياركم وأموالكم، {ولا تضرونه شيئا} بتوليكم، إذ لا يجوز في حكمته ذلك؛ {إن ~~ربي على كل شيء حفيظ(57)} رقيب عليه مهيمن؛ فما تخفى عليه أعمالكم ~~وتكذيبكم؛ أو من كان رقيبا على الأشياء كلها حافظا لها؛ وكانت الأشياء ~~مفتقرة إلى حفظه من المضار، لم يضر مثله مثلكم. # {ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا} أي: بفضل منا لا ~~بعملهم؛ أو بالإيمان الذي أنعمنا عليهم؛ {ونجيناهم من عذاب غليظ(58)} كثيف. # {وتلك عاد} إشارة إلى قبورهم وآبارهم؛ كأنه قال: فسيحوا في الأرض، ~~فانظروا إليها واعتبروا؛ ثم استأنف وصف أحوالهم، فقال، {جحدوا بآيات ربهم ~~وعصوا رسله}، لأنهم إذا عصوا رسولهم، فقد عصوا جميع رسله من الملائكة ~~والنبيين والعلماء والمؤمنين؛ ورسول الرسول رسول في هذا المعنى، {لا نفرق ~~بين أحد من رسله} (¬1) ولا في حجة من حججه، وجب علينا اتباعها والإيمان ~~بها، والتصديق بها؛ فالمكذب لحجة عقلية قامت عليه من عقله، كالمكذب لأفضل ~~رسول من رسل الله أقام عليه الحجة بحضرته، من مقال لسانه بشيء من كتاب الله ~~أو أشد؛ {واتبعوا أمر كل جبار عنيد(59)} يريد رؤساءهم، ودعاتهم إلى تكذيب ~~الرسل، لأنهم الذين يجبرون ms0399 الناس على مخالفة الرسل، ويعاندون ربهم. ومعنى ~~اتباع أمرهم طاعتهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البقرة: 285. PageV02P210 # وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة، ويوم القيامة} لما كانوا تابعين لهم دون ~~الرسل جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين؛ واللعنة: الإبعاد من رحمة الله ~~ونعمته، فهم في غضب الله ونقمته وعذابه في الدنيا والآخرة، ليس لهم غاية، ~~إلا إذا رجعوا إليه تائبين. {ألا إن عادا كفروا ربهم، ألا بعدا لعاد} تكرير ~~«ألا» مع النداء على كفرهم، والدعاء عليهم، تهويل لأمرهم، وبعث على ~~الاعتبار[251] بهم، والحذر من مثل حالهم. والدعاء ب«بعدا» فور هلاكهم وهو ~~دعاء بالهلاك للدلالة على أنهم كانوا مستأهلين له. {قوم هود(60)} عطف بيان ~~لعاد، وفيه فائدة، لأن عادا عادان، الأولى: القديمة التي هي قوم هود، ~~والقصة فيهم؛ والأخرى: إرم فيما قيل. # {وإلى ثمود أخاهم صالحا، قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، هو ~~أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} وجعلكم عمارها بالإصلاح والطاعة؛ ~~{فاستغفروه} فاسألوا (لعله) مغفرته بالإيمان، {ثم توبوا إليه} مما أفسدتم ~~وعصيتم؛ {إن ربي قريب} داني الرحمة لمن تقرب إليه بالطاعة؛ {مجيب(61)} لمن ~~دعاه من الصالحين. # {قالوا: يا صالح، قد كنت فينا} فيما بيننا {مرجوا قبل هذا} للسيادة ~~والمشاورة في الأمور، وكنا نرجوا أن تدخل في ديننا، وتوافقنا وتساعدنا على ~~ما نحن عليه، {أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا} بضد ما نرجوه منك؟ {وإننا ~~لفي شك مما تدعونا إليه} من التوحيد، {مريب(62)} موقع في الريبة؛ من أرابه: ~~إذا أوقعه في الريبة، وهي قلق النفس، وانتفاء الاطمئنانية. # { PageV02P211 قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه ~~رحمة} نبوة. أتى بحرف الشك مع أنه على يقين أنه على بينة، لأن خطابه ~~للجاحدين؛ فكأنه قال: قدروا أني على بينة من ربي، وإنني نبي على الحقيقة، ~~وانظروا إن تابعتكم وعصيت ربي في أوامره، {فمن ينصرني من الله} من عذابه ~~وخذلانه وإبعاده {إن عصيته} في تبليغ رسالته، ومنعكم عن عبادة غيره؛ {فما ~~تزيدونني} بقولكم: {أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا} {غير تخسير(63)} ~~نسبتكم ms0400 إياي إلى الخسار؛ أو نسبتي إياكم إلى الخسران. # {ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية، فذروها تأكل في أرض الله} أي: ليس عليكم ~~رزقها مع أن لكم نفعها، {ولا تمسوها بسوء} بعقر أو نحر، {فيأخذكم عذاب ~~قريب(64)} عاجل، إما ظاهر: فاستئصالكم بالهلاك؛ وإما باطن: فالإبعاد ~~والاستدراج، لأن كل من عصى الله سبحانه، فلا بد من أخذ العذابين في الدنيا ~~(لعله) قبل الآخرة. # {فعقروها؛ فقال: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، ذلك وعد غير مكذوب(65)؛ ~~فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا، ومن خزي يومئذ} من ~~ذله وفضيحته، ولا خزي أعظم من خزي من كان هلاكه بغضب الله وانتقامه؛ {إن ~~ربك هو القوي} القادر على تنجية أوليائه {العزيز(66)} الغالب على إهلاك ~~أعدائه. # {وأخذ الذين ظلموا الصيحة} صيحة جبريل فيما قيل؛ {فأصبحوا في ديارهم ~~جاثمين(67)} ميتين {كأن لم يغنوا فيها} كأن لم يقيموا فيها. {ألا إن ثمود ~~كفروا ربهم ألا بعدا لثمود(68)}. # { PageV02P212 ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى} البشارة بالولد أو غيره؛ ~~{قالوا: سلاما} سلموا عليه سلاما، {قال: سلام} أمركم سلام؛ {فما لبث أن جاء ~~بعجل حنيذ(69)} قيل: مشوي بالحجارة المحماة؛ والحنيذ: قيل الذي يقطر ودكه، ~~من حنذت الفرس، إذا عرقته بالجلال (¬1) ، كقوله: {بعجل[252] سمين} (¬2) . # {فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم} نكر وأنكر بمعنى. وكانت عادتهم أنه ~~إذا مس من يطرقهم طعامهم أمنوا، وإلا خافوه؛ والظاهر أنه أحس بأنهم ملائكة ~~ونكرهم، لأنه تخوف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله عليه، أو لتعذيب قومه، ~~دليله قوله: {وأوجس منهم خيفة} أضمر منهم خيفة؛ {قالوا: لا تخف} لما عاينوا ~~منه أمارات الخوف {إنا أرسلنا إلى قوم لوط(70)} بالهلاك. # {وامرأته قائمة} قيل: وراء الستر تسمع تحاورهم، أو على رؤوسهم، {فضحكت} ~~سرورا بزوال الخيفة؛ أو بهلاك أهل الخبائث؛ أو من غفلة قوم لوط مع قرب ~~العذاب؛ أو فحاضت (¬3) ؛ {فبشرناها بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب(71)} ~~(لعله) أي: من ذريته، وهو ولد ولدها؛ فسماه الله بشارة لها، لأنها هي سبب ~~إيجادهم. # {قالت: يا ويلتى! أألد وأنا عجوز ms0401 وهذا بعلي شيخا}؟ سمي الزوج بعلا، لأنه ~~قيم أجرها (¬4) ، {إن هذا لشيء عجيب(72)} أن يولد ولد من هرمين، وهو ~~استبعاد من حيث العادة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... انظر: ابن منظور: لسان العرب، 1/735-736. مادة «حنذ». أبو ~~السعود: تفسير، مج2/ج2/ص224. # (¬2) - ... سورة الذاريات: 26. # (¬3) - ... قال أبو السعود: «وقيل: ضحكت: حاضت، من ضحكت الشجر إذا سال ~~صمغها، وهو بعيد، وقرئ بفتح الحاء». أبو السعود: تفسير، مج2/ج2/ص225. # (¬4) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «أمرها». PageV02P213 # قالوا: أتعجبين من أمر الله} قدرته وحكمته، (لعله) معناه لا تعجبي؛ وإنما ~~أنكرت الملائكة تعجبها، لأنها كانت في بيت الآيات، ومهبط المعجزات، والأمور ~~الخارقة للعادات؛ فكان عليها أن تتوقر ولا يزدهيها ما يزدهي سائر النساء ~~الناشئات في بيت غير النبوة؛ وأن تسبح الله وتمجده مكان التعجب؛ ولكن أكثر ~~الناس في بلادة من الأمور الإلهية الخارقة للعادات، {رحمة الله وبركاته ~~عليكم أهل البيت} أرادوا أن هذه وأمثالها مما يكرمكم به رب العزة، ويخصكم ~~بالإنعام به يا أهل بيت النبوة، فلست بمكان عجب، وهو كلام مستأنف علل به ~~إنكار التعجب، كأنه قيل: إياك والتعجب، فإن أمثال هذه الرحمة والبركة، ~~متكاثرة من الله عليكم، وكيف لا تكون رحمته وبركاته عليكم متكاثرة، وكانوا ~~سببا لإيجاد إسحاق ويعقوب ويوسف وإخوته. {إنه حميد} محمود بتعجيل النعم، ~~{مجيد(73)} ظاهر الكرم بتأجيل النقم، وأصل المجد الرفعة. # { PageV02P214 فلما ذهب عن إبراهيم الروع} الفزع، وهو ما أوجس من الخيفة ~~حين أنكر أضيافه، {وجاءته البشرى} بالولد. سمي بشارة له، لأنه يرتفع به علو ~~درجات، {يجادلنا في قوم لوط(74)} في معناهم، أي: لما اطمأن قلبه بعد الخوف، ~~وملئ سرورا بسبب البشرى فرغ للمجادلة، والمعنى: يجادل رسلنا، ومجادلته ~~إياهم أنهم قالوا: {إنا مهلكوا أهل هذه القرية، إن أهلها كانوا ظالمين؛ ~~قال: إن فيها لوطا؛ قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله} (¬1) . وغير ~~ذلك مما يخص قوم لوط، لأنه قال: {يجادلنا في قوم لوط} (ولعله) بتأخير ~~العذاب عنهم، رجاء إسلامهم. {إن إبراهيم لحليم} غير عجول على كل من أساء ~~إليه؛ أو كثير الاحتمال عمن آذاه، {أواه} كثير التأوه من ms0402 خوف الله، ~~{منيب(75)} تائب رجاع إلى الله، وهذه الصفات دالة على رقة القلب والرأفة، ~~والرحمة تبين [253] أن ذلك مما حمله على المجادلة فيهم، رجاء أن يرفع عنهم ~~العذاب، ويمهلوا لعلهم يحدثون توبة. # {يا إبراهيم، أعرض عن هذا} الجدال، وإن كانت الرحمة ديدنك؛ فترك المجادلة ~~أفضل من قبل {إنه قد جاء أمر ربك} أي: قضاؤه وحكمه (لعله) وانقضاء الأجل، ~~لأن لكل أجل كتاب؛ {وإنهم آتيهم عذاب غير مردود(76)} فلا يرد بجدال. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة العنكبوت: 31-32. وردت في الأصل هكذا: «إنا مهلكوا أهل ~~هذه القرية، قال: إن فيها لوطا؛ قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله»، ~~والصحيح ما أثبتنا في المتن. PageV02P215 # ولما جاءت رسلنا لوطا} لما أتوه ورأى هيأتهم وجمالهم، {سيء بهم} أحزن، ~~لأنه حسب أنهم إنس، فخاف عليهم خبث قومه، وأن يعجز عن مقاومتهم ومدافعتهم، ~~{وضاق بهم ذرعا} تمييز، أي: وضاق بمكانهم صدره، وهو كناية عن شدة نفتاالاض ~~(¬1) للعجز عن مدافعة المكروه، والاحتيال فيه؛ (لعله) كأن يده صارت قصيرة، ~~{وقال: هذا يوم عصيب(77)} شديد. # {وجاءه قومه يهرعون إليه} يسرعون، كأنما يدفعون دفعا لطلب الفاحشة من ~~أضيافه، {ومن قبل كانوا يعملون السيئات} ومن قبل ذلك (لعله) الوقت، كانوا ~~يعملون الفواحش، حتى مرنوا عليها، وقل عندهم استقباحها، فلذلك جاءوا يهرعون ~~مجاهرين لا يكفهم حياء (¬2) (لعله) فلما علم مرادهم فيهم، {قال: يا قوم ~~هؤلاء بناتي} فتزوجوهن، أراد أن يقي أضيافه ببناته، وذلك غاية الكرم، {هن ~~أطهر لكم} أحل وأزكى لنفوسكم، لغلمة الشهوات، (لعله) ليدفعهم بمثل ماهم ~~فاعلوه، {فاتقوا الله} بإيثار ما أحله على ما حرمه، {ولا تخزون} ولا ~~تهينوني، ولا تفضحون، {في ضيفي، أليس منكم رجل رشيد(78)}؟ أي: رجل واحد ~~يهتدي إلى سبيل الحق وفعل الجميل، والكف عن السيء. # {قالوا: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق} حاجة، {وإنك لتعلم ما ~~نريد(79)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «الانقباض»، انظر: أبو السعود: ~~تفسير، مج2/ج2/228. وهذا من أعجب الأخطاء التي وقع فيها الناسخ، وهو ~~التقديم والتأخير في وسط الكلمة الواحدة!، مع التصحيف في تنقيط ms0403 الحروف. # (¬2) - ... في الأصل: + «حياء»، وهو تكرار. PageV02P216 # قال: لو أن لي بكم قوة، أو آوي إلى ركن شديد(80)} المعنى: لو قويت عليكم ~~بنفسي، أو آويت إلى قوي أستند إليه وأمتنع به، فيحميني منكم؛ فشبه القوي ~~العزيز بالركن من الجبل في شدته ومنعته؛ فلما رأت الملائكة كثرت (¬1) ~~المجادلة بينه وبينهم فيهم، {قالوا: يا لوط} إنا ركنك الشديد، {إنا رسل ~~ربك، لن يصلوا إليك، فأسر بأهلك بقطع من الليل} طائفة منه، {ولا يلتفت منكم ~~أحد} بقلبه إلى ما خلف، ولا ينظر إلى ما وراءه؛ أو لا يلتفت (¬2) منكم أحد، ~~{إلا امرأتك، إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح، أليس الصبح ~~بقريب(81)}؟!. # {فلما جاء أمرنا، جعلنا عاليها سافلها} أي: جعلنا الغالب مغلوبا، ~~{وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود(82)} متتابع؛ أو مجموع معد للعذاب. # {مسومة} أي: معلمة للعذاب؛ قيل: مكتوب على كل واحد اسم من يرمي به، {عند ~~ربك} في خزائنه أو حكمه، { وما هي من الظالمين ببعيد(83)} لا تفوتهم. # {وإلى مدين أخاهم شعيبا} هو اسم مدينتهم، أو اسم جدهم. {قال: يا قوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، ولا تنقصوا المكيال والميزان، إني أراكم ~~بخير} بثروة وسعة تغنيكم عن التطفيف؛ أو أراكم بنعمة من الله حقها أن تقابل ~~بغير ما تفعلون. {وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط(84)} مهلك من قوله: {وأحيط ~~بثمره} (¬3) ، وأصله من إحاطة العدو، [254] والمراد: عذاب الاستئصال في ~~الدنيا؛ أو عذاب الآخرة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، مع الشكل، ولعل الأصوب: «كثرة». # (¬2) - ... كذا في الأصل، وهو تكرار، ولعل الصواب: «ولا يتخلف منكم أحد». # (¬3) - ... سورة الكهف: 42. PageV02P217 # ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط} بالعدل، نهوا أولا عن عين القبيح ~~الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان؛ ثم ورد الأمر بالإيفاء الذي هو ~~حسن في العقول، لزيادة الترغيب فيه؛ وجيء به مقتدا بالقسط الذي ليكن ~~الإيفاء على وجه العدل والسوية (¬1) ، من غير زيادة ولا نقصان. {ولا تبخسوا ~~الناس أشياءهم} البخس: النقص؛ قيل: كانوا ينقصون من أثمان ما يشترون، وينضم ~~إليه بخس جميع الأشياء، حتى عدم ms0404 الإقرار بالإنصاف عند المحاجة. {ولا تعثوا ~~في الأرض مفسدين(85)} العثي والعيث: أشد الفساد، نحو السرقة والغارة، وقطع ~~السبيل. # {بقية الله} (¬2) ما يبقي لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرام عليكم، ~~{خير لكم إن كنتم مؤمنين} بشرط أن تؤمنوا؛ نعم، بقية الله خير للكفرة أيضا، ~~لأنهم يسلمون معها من تبعة البخس والتطفيف، إلا أن فائدتها تظهر مع الإيمان ~~بحصول الثواب، مع النجاة من العقاب، ولا يظهر مع عدمه، لانغماس صاحبها في ~~غمرات الكفر، وفي ذلك تعظيم للإيمان، وتنبيه على جلالة شأنه؛ أو المراد إن ~~كنتم مصدقين لي فيما أقول لكم، وأنصح به إياكم، {وما أنا عليكم بحفيظ(86)} ~~بوكيل لنعمه عليكم؛ فاحفظوها وراعوها حق رعايتها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ويبدو أن في العبارة سقطا، أو زيادة في غير ~~موضعها، ولعل الصواب: «وجيء به مقيدا بالقسط ليكون الإيفاء على وجه العدل ~~والسوية». # (¬2) - ... هنا وضع الناسخ إحالة إلى الحاشية كتب فيها: «تفكر فإن فيه ~~فوائد جليلة». وليست للمؤلف كما هو واضح، إذ المعنى كامل بدونها، وإنما هي ~~من إضافة الناسخ تعليقا على ما يراه مهما في المتن. PageV02P218 # قالوا: يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا، أو أن نفعل في ~~أموالنا ما نشاء} كان شعيب كثير الصلوات، وكان قومه يقولون له: ما تستفيد ~~بهذا، فكان يقول: «إنها تأمر بالمحاسن، وتنهى عن القبائح»؛ فقالوا له على ~~وجه الاستهزاء: صلواتك تأمرك بترك عبادة ما كان يعبد آباؤنا، وأن نترك ~~التبسط في أموالنا بما نشاء من إيفاء ونقص؛ وجاز أن تكون الصلاة آمرة ~~مجازا، كما سماها الله ناهية مجازا. {إنك لأنت الحليم الرشيد(87)} السفيه ~~الضال؛ والعرب تصف الشيء بضده؛ وقيل: قالوه على وجه الاستهزاء، وقيل: معناه ~~الحليم الرشيد بزعمك؛ وقيل: هو على الصحة، على سبيل الإقرار؛ أي: أنك فينا ~~حليم رشيد، ولكن لا تقدر علىما نقدر عليه. # { PageV02P219 قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي، ورزقني منه ~~رزقا حسنا} يعني: النبوة والرسالة، تقديره: «فهل يسع لي مع هذه الأنعام ~~(¬1) الجامعة للسعادات الروحانية والجسمانية، ms0405 أن أخون في وحيه فأخالفه في ~~أمره ونهيه»، وهو اعتذار منه (¬2) (لعله) المألوف، والنهي عن دين الآباء. ~~{وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} يعني: أسبقكم إلى شهواتكم التي ~~نهيتكم عنها، لأستبد بها. {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت} ما أريد إلا ~~إصلاح أحوالكم في الدنيا والآخرة، بموعظتي ونصيحتي وأمري ونهيي طول ~~استطاعتي، ما دمت [255] متمكنا لا آلو فيه جهدي. والتنبيه على أن العاقل ~~يجب أن يراعي في كل ما يأتيه ويذره أحد حقوق ثلاثة: أهمها وأعلاها: حق الله ~~تعالى، وثانيها: حق النفس، وثالثها: حق الناس؛ قال غيره: والمراعاة لأداء ~~حقوق الناس، إنما ذلك من شروط مراعاة حقوق النفس، إذا كانت من الفرائض ~~اللازمة له عليهم. {وما توفيقي إلا بالله} وما كوني موفقا لإصابة الحق فيما ~~أعمل، إلا بمعونته وتأييده، (لعله) والتوفيق: تسهيل سبيل الخير. {عليه ~~توكلت} اعتمدت، {وإليه أنيب(88)} أرجع في السراء والضراء. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لم أجد هذا الجمع للنعمة، وإنما «جمع النعمة: نعم،وأنعم، كشدة ~~وأشد؛ حكاه سيبويه». ابن منظور: لسان العرب، 6/674. مادة «نعم». # (¬2) - ... هنا وضع الناسخ إحالة إلى الحاشية، ولم يكتب فيها شيئا، وفي ~~العبارة سقط واضح. PageV02P220 # ويا قوم لا يجرمنكم} لا يحملنكم {شقاقي} خلافي إصابة العذاب، {أن يصيبكم ~~مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح} كأنه لم يتحقق هلاك قومه من ~~الله بعد، بل متحقق أنهم يعذبون إن لم يؤمنوا. {وما قوم لوط منكم ~~ببعيد(89)} فهم أقرب الهالكين منكم، أو في المكان، فمنازلهم قريبة منكم؛ أو ~~فيما يستحق به الهلاك. # {واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود(90)} يحب المؤمنين، ~~ويفعل بهم من اللطف والكرامة ما يفعل البليغ المودة لمن يوده. # {قالوا: يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول} أي: لا نفهم صحة ما تقول (لعله) ~~كوجوب التوحيد، ونفي التنديد (¬1) ، وإلا كيف لا يفهم كلامه وهو خطيب ~~الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه. {وإنا لنراك فينا ضعيفا} لا قوة لك ولا ~~عز فيما بيننا، فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا منك ms0406 مكروها، وقيل: كان ~~ضرير البصر. {ولولا رهطك لرجمناك} ولولا عشيرتك لقتلناك بالرجم، وهو شر ~~قتلة؛ وكان في منعة من قومه، وكان رهطه من أهل ملتهم، فلذلك أظهر الميل ~~إليهم والإكرام لهم. {وما أنت علينا بعزيز(91)} أي: لا تعز علينا، وإنما ~~يعز علينا رهطك. # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «النديد»، و«نددت بالرجل تنديدا، ~~وسمعت به تسميعا، إذا أسمعته القبيح، وشتمته، وشهرته وسمعت به، والتنديد: ~~رفع الصوت». ولا شك أن المصنف لم يقصد إلى هذا المعنى، وإنما قصد «النديد»: ~~بمعنى «الند بالكسر: المثل والنظير، والجمع أنداد، وهو النديد والنديدة». ~~ابن منظور: لسان العرب، 6/607. مادة: «ندد». PageV02P221 # ولذلك {قال} في جوابهم: {يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله} أمكان رهطي ~~أهيب عندكم من الله، فأولى بكم أن تتحاموا عن قتلي من سطوة الله وغضبه، ~~{واتخذتموه وراءكم ظهريا} أي: نبذتم أمر الله وراء ظهوركم، {إن ربي بما ~~تعملون محيط(92)} قد أحاط بأعمالكم علما. # {ويا قوم اعملوا على مكانتكم} أي: قارين على جهتكم وطريقتكم التي أنتم ~~عاكفون عليها، من الشرك والنفاق والشنآن لي، {إني عامل} بمكاني (¬1) {فسوف ~~تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب} فسوف تعلمون أينا يأتيه العذاب ~~ويخزيه، أي: يفضحه، وأينا هو كاذب، {وارتقبوا} العاقبة، {إني معكم ~~رقيب(93)} منتظر لها. # {ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا، وأخذت الذين ~~ظلموا الصيحة} قيل: صاح بهم جبريل فخرجت أرواحهم، أو أتتهم صيحة من السماء ~~فأهلكتهم، {فأصبحوا في ديارهم جاثمين(94)} ميتين بصيحة واحدة. # {كأن لم يغنوا فيها} كأن لم يكونوا في ديارهم أحياء متصرفين مترددين، ~~{ألا بعدا} هلاكا {لمدين كما بعدت} هلكت {ثمود(95)}. # {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين(96)} حجة بينة {إلى فرعون وملئه ~~فاتبعوا} أي: الملأ {أمر فرعون، وما أمر فرعون برشيد(97)} هو تجهيل لمتبعيه ~~حيث شايعوه على أمره وهو ضلال مبين، وذلك أنه ادعى الإلهية وهو بشر مثلهم، ~~وجاهر بالظلم والشر الذي لا يصدر إلا من سلطان ظلوم، وذلك بمعزل عن ~~الإلهية، ومن ذلك أنهم [256] عاينوا الآيات والسلطان المبين، ms0407 وعلموا أن مع ~~موسى الرشد والحق، ثم عدلوا عن اتباعه إلى اتباع من ليس في أمره رشد، أو ~~المراد: وما أمره بصالح حميد (لعله) حميد العاقبة. # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «بمكني»، وهو خطأ. PageV02P222 # قوله: {يقدم قومه يوم القيامة} أي: يتقدمهم وهم (¬1) يتبعونه كما كان في ~~الدنيا {فأوردهم النار} أدخلهم فيها، لأن كل إمام يأتم به مأمومه في الدينا ~~والآخرة، كان إمام هدى أو ضلال. {وبئس الورد} المورد {المورود(98)} الذي ورده. # {وأتبعوا في هذه لعنة} أي: أبعدوا في هذه الدنيا من التوفيق والرحمة، ~~{ويوم القيامة} يلعنون أيضا، {بئس الرفد المرفود(99)} بئس العطاء المعطى، ~~وذلك أنه ترادفت عليهم لعنتان. # {ذلك من أنباء القرى نقصه عليك، منها قائم} باق على ساقه، {وحصيد(100)} ~~عافي الأثر، كالزرع الذي ذرته الرياح. # {وما ظلمناهم} بمعاملتنا إياهم، أو بإهلاكنا إياهم، {ولكن ظلموا أنفسهم} ~~بارتكاب ما به أهلكوا؛ {فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون} يعبدون {من دون ~~الله من شيء}، لأنهم ليسوا من الله في شيء لما عبدوا غيره، ولم تغن عنهم ~~آلهتهم التي عكفوا على عبادتها من دون الله، لما استحقوا العذاب منه. {لما ~~جاء أمر ربك} عذابه (لعله) لما تحقق الحق زهق الباطل، {وما زادوهم غير ~~تتبيب(101)} تخسير، بمعنى النزول في الهلاك، يعني: وما أفادتهم عبادة غير ~~الله شيئا، بل أهلكتهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «وهو»، وهو خطأ. PageV02P223 # وكذلك} ومثل ذلك الأخذ {أخذ ربك إذا أخذ القرى} أي: أهلها، وماذا على ~~القرى[كذا]، {وهي ظالمة} لجميع من ظلم نفسه، كما قال: {ولو ترى إذ يتوفى ~~الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم...} (¬1) الآية. {إن أخذه أليم} مؤلم ~~{شديد(102)} صعب على المأخوذ، وهذا تحذير لكل نفس ظالمة؛ فعلى كل ظالم أن ~~يبادر [إلى] التوبة، ولا يغتر بالإمهال. # {إن في ذلك} فيما قص، {لآية} لعبرة {لمن خاف عذاب الآخرة} أي: اعتقد صحته ~~ووجوده ووصوله. {ذلك يوم مجموع له الناس} وأنهم لا ينفكون منه، يجمعون ~~للحساب والجزاء، {وذلك يوم مشهود(103)} أي: يشهد فيه الخلائق الموقف لا ~~يغيب عنه أحد. # {وما نؤخره إلا لأجل (¬2) معدود(104)} إلا ms0408 لانتهاء مدة معدودة، التي ~~صيرناها (¬3) لبقاء الدنيا. # {يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه} أي: لا يشفع أحد إلا بإذنه، {فمنهم شقي ~~وسعيد(105)؛ فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير} هو أول نهيق الحمار، ~~{وشهيق(106)} هو آخره إذا ردده في جوفه، وقيل: الزفير: الصوت الشديد؛ ~~والشهيق: الصوت الضعيف؛ وقيل: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأنفال: 50؛ وتمامها: {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا ~~الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق}. # (¬2) - ... في الأصل: «وما ناخره لاجل» وهو خطأ. # (¬3) - ... يمكن أن نقرأ: «ضربناها». PageV02P224 # خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض} أي: مدة دوام (¬1) السماوات ~~والأرض؛ والمراد: سماوات الآخرة وأرضها، وهي دائمة مخلوقة للأبد؛ والدليل ~~على أن لها سماوات وأرضا، قوله: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات} (¬2) ~~، وقيل: ما دام فوق وتحت، ولأنه لا بد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم، إما ~~سماء أو عرش، كل ما أظلك فهو سماء، أو هو عبارة عن التأبيد، ونفي [257] ~~الانقطاع، كقول العرب: «ما لاح كوكب». {إلا ما شاء ربك} من الفريقين، من ~~تعميرهم في الدنيا، واحتباسهم في البرزخ ما بين الموت والبعث، قبل مصيرهم ~~إلى النار، يعني: هم خالدون فيهما إلا هذا المقدار؛ {إن ربك فعال لما ~~يريد(107)}. # {وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما ~~شاء ربك عطاء غير مجذوذ(108)} غير مقطوع، ولكنه ممتد إلى غير نهاية. # {فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء} أي: فلا تشك بعدما أنزل من هذه القصص في ~~سوء عاقبة عبادتهم، لما أصاب أمثالهم قبلهم، تسلية لرسول الله، وعده (¬3) ~~بالانتقام منهم، ووعيد لهم؛ ثم قال: {ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من ~~قبل} يريد أن حالهم في العبادة مثل حال آبائهم، وقد بلغك ما نزل بآبائهم، ~~وسينزل بهم مثله؛ وإعلام أنهم مقلدون وأن أكثر الخلق على غير عبادة الله. ~~{وإنا لموفوهم نصيبهم} حظهم من العذاب، أو من الرزق؛ فيكون تأخر العذاب ~~عنهم مع قيام ما يوجبه من أعمالهم، على مقتضى الحكمة. {غير منقوص(109)} ~~(لعله) ms0409 على مقتضى عملهم، أو أراد أرزاقهم التي قدرت لهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «داوم»، وهو خطأ. # (¬2) - ... سورة إبراهيم: 48. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «ووعد له». PageV02P225 # ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه} آمن به قوم، وكفر به آخرون، كما ~~اختلف في القرآن، وهو تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - . {ولولا ~~كلمة سبقت من ربك} بعد آجالهم؛ {لقضي بينهم} بإهلاك من كذب، وسلامة من ~~أسلم، {وإنهم لفي شك منه} من القرآن والعذاب {مريب(110)} من أراب الرجل: ~~إذا كان ذا ريبة. # {وإن كلا} أي: جميع المختلفين، {لما ليوفينهم ربك أعمالهم} أي: جزاء ~~أعمالهم، {إنه بما يعملون خبير(111)}. # { PageV02P226 فاستقم كما أمرت} فاستقم استقامة، مثل الاستقامة التي أمرت ~~بها، غير عادل عنها، {ومن تاب معك، ولا تطغوا} ولا تخرجوا عن حدود الله، ~~{إنه بما تعملون بصير(112)} فهو مجازيكم، فاتقوه؛ قيل: ما نزلت على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - آية كان[ت] أشق عليه من هذه الآية، ولهذا قال: ~~«شيبتني هود» (¬1) . # ¬__________ # (¬1) - ... قال الهيثمي: «وعن عقبة بن عامر، أن رجلا قال: يا رسول الله ~~قد شبت! قال: شيبتني هود وأخواتها» رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح». ~~وقال العراقي: رواه «الحاكم وصححه من حديث ابن عباس، وهو في الشمائل من ~~حديث أبي جحيفة». «وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري». ورواه أبو نعيم في ~~الحلية، والترمذي: سنن، كتاب التفسير، سورة الواقعة، 6، من حديث ابن عباس، ~~رقم 3219، بلفظ: قال أبو بكر - رضي الله عنه - : يا رسول الله، قد شبت، ~~قال: «شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت». قال ~~أبو عيسى هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه. ~~وروى علي بن صالح هذا الحديث عن أبي إسحاق عن عن أبي جحيفة نحو هذا، وقد ~~روي عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة شيء من هذا مرسلا. وأخرجه ابن مردويه عن أبي ~~بكر، وسعيد بن منصور في سننه عن أنس، وابن مردويه عن عمران،. صححه الألباني ~~في صحيح الجامع، رقم 3720 و3721 و3722. الهيثمي: ms0410 مجمع الزوائد، مج4/ج7/27. ~~الغزالي: إحياء علوم الدين، تخريج العراقي، 2/409؛ 5/21. المناوي: فيض ~~القدير، حديث 4911 إلى 4918؛ 4/168-169. ابن الأثير: جامع الأصول، 2/268. ~~الشيباني: تمييز الطيب، حديث 763، ص108. المعجم المفهرس، 3/224. برنامج ~~سلسلة كنوز السنة. العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «شيبتني». # ... ... وأورده القطب اطفيش في جامع الشمل، وقال محققوه: «انظر الحديث ~~في: (المقاصد الحسنة، 606. وتاريخ بغداد، 3/45. وحلية الأولياء، 4/350. ~~وسنن الترمذي، 2/162. وأسنى المطالب، 797. والجامع الأزهر، 1/254/م. والدرر ~~المنتثرة، 265). PageV02P227 # {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} أي: لا تركنوا إلى القادة والكبراء في ~~ظلمهم، وفيما يدعونكم إليه؛ وإذا كان الركون إلى من وجد منه ما يسمى ظلما ~~كذلك فما ظنك بالظلم نفسه والانهماك فيه، ولعل الآية أبلغ ما يتصور في ~~النهي عن الظلم والتهديد عليه؛ {فتمسكم النار} وقيل: الركون إليهم الرضى ~~بكفرهم. عن الحسن: «جعل الله الدين بين لاء.ين: ولا تطغوا ولا تركنوا. ~~ويروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «من دعا لظالم بالبقاء، فقد ~~أحب أن يعصى الله في أرضه» (¬1) . {وما لكم من دون الله من أولياء} أي: ~~فتمسكم النار وأنتم على هذه الحالة، ومعناه: وما لكم من دون الله من أولياء ~~يقدرون على منعكم من عذابه، {ثم لا تنصرون(113)} لا ينصركم هو، لأنه حكم ~~بتعذيبكم، ولا تنصركم آلهتكم من عذابه. # {وأقم الصلاة طرفي النهار} غدوة وعشية، {وزلفا من الليل} وساعات من ~~الليل، جمع زلفة: وهي ساعاته القريبة من آخر النهار، من أزلفه: إذا قربه. ~~{إن الحسنات يذهبن السيئات} أي: الصلوات يذهبن بالصغائر، لما بينهن، ما ~~اجتنب العبد الكبائر؛ {ذلك ذكرى} أي: الصلوات ذكرى {للذاكرين(114)} لا ~~لغيرهم. # {واصبر} على عبادة الله، {فإن الله لا [258] يضيع أجر المحسنين(115)} ~~الموحدين الله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لم نعثر عليه في الربيع ولا في الكتب التسعة ولا في الجامع ~~الصغير وزياداته. PageV02P228 # فلولا كان من القرون من قبلكم} أي: فهلا كان من القرون التي أهلكناها ~~{أولو بقية} أولو فضل وخير، وسمى الفضل والجودة بقية، لأن الرجل يستبقي مما ~~ينفعه أجوده وأفضله؛ فصار مثلا في الجودة والفضل؛ ويقال: ms0411 فلان من بقية ~~القوم، أي: من خيارهم. ومنه قولهم: «في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا». ~~{ينهون عن الفساد في الأرض} عجب محمد - عليه السلام - وأمته أنه لم يكن في ~~الأمم التي ذكر الله إهلاكهم في هذه السورة جماعة من أولي العقل والدين ~~ينهون غيرهم عن الكفر والمعاصي، من غير الرسل وتابعيهم، كما قال: «من ~~المستثنين»؛ {إلا قليلا ممن أنجينا منهم} استثناء منقطع، أي: ولكن قليلا ~~ممن أنجينا من القرون، نهوا عن الفساد وسائرهم تاركون للنهي. {واتبع الذين ~~ظلموا} أي: التاركون للنهي عن المنكر، {ما أترفوا فيه} أي: اتبعوا ما عرفوا ~~فيه من التنعم والتترف من حب الرئاسة والثروة، وطلب أسباب المعيشة والمال ~~والجاه، ورفضوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وراء ظهورهم، {وكانوا ~~مجرمين(116)} اعتراض وحكم عليهم بأنهم قوم مجرمون. # {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم} أي: لا يصح في الحكمة أن يهلك الله القرى ~~التي ذكرها، وقصها في هذه السورة وغيرها ظالما لها، {وأهلها مصلحون(117)} ~~تنزيها لذاته عن الظلم. # {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة} يأتمون بإمام واحد، {ولا يزالون ~~مختلفين(118)} بعضهم على الحق، وبعضهم على الباطل. # { PageV02P229 إلا من رحم ربك} إلا ناسا عصمهم الله عن الاختلاف في ~~الدين، فاتفقوا على دين الحق ولم يختلفوا فيه، {ولذلك خلقهم} أي: ولما هم ~~عليه من الاختلاف؛ وقيل: للدين خلقهم؛ وقيل: محصول الآية: أهل الباطل ~~مختلفون، وأهل الحق متفقون؛ فخلق أهل الحق للاتفاق، وأهل الباطل للاختلاف. ~~{وتمت كلمة ربك} وهي قوله للملائكة: {لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين(119)} لعلمه بكثرة من يختار الباطل (لعله) منهما. # {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} أي: ما نقص الذي قصصناه ~~عليك، إلا لتثبيت فؤادك (لعله) على الإيمان، لا لعبا ولا لهوا ولا عبثا، ~~{وجاءك في هذه الحق} أي: في هذه السورة، أو في هذه الأنباء المقتصة، ما هو ~~حق، {وموعظة} تزجر عن المخالفة، {وذكرى للمؤمنين(120)} ومعنى تثبيت فؤاده: ~~زيادة يقينه، لأن تكاثر الأدلة، أثبت للقلب. # {وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم} ms0412 على حالكم وجهتكم التي أنتم ~~عليها {إنا عاملون(121)} على مكانتنا. # {وانتظروا} بنا الدوائر، {إنا منتظرون(122)} أن ينزل بكم نحو ما اقتص ~~الله تعالى من النقم النازلة بأمثاكم. # {ولله غيب السماوات والأرض} لا يخفى عليه ما يجري فيها، فلا تخفى عليه ~~أعمالكم. {وإليه يرجع الأمر كله} فلا بد أن يرجع إليه أمرهم وأمرك، فيهلكهم ~~وينجيك، {فاعبده وتوكل عليه} فإنه كافيك وكافلك، {وما ربك بغافل عما ~~تعملون(123)} أي: أنت وهم على تغليب المخاطب، قيل: خاتمة التوراة هذه الآية. # سورة يوسف # بسم الله الرحمن الرحيم # { PageV02P230 الر تلك آيات الكتاب المبين(1)}، «تلك»: إشارة إلى آيات ~~السورة؛ و«الكتاب المبين» السورة؛ أي: تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه ~~السورة، آيات السورة الظاهر أثرها في إعجاز العرب؛ أو التي تبين لمن يدبرها ~~أنها من عند الله لا من عند البشر؛ أو الواضحة التي لا تشتبه على العرب ~~معانيها. # {إنا أنزلناه قرآنا عربيا} (لعله) مفهوما ومحفوظا لمن تدبره وكرره، ~~{لعلكم تعقلون(2)} لكي تفهموا معانيه (¬1) ؛ {ولو جعلناه قرآنا أعجميا ~~لقالوا: لولا فصلت آياته} (¬2) . # {نحن نقص عليك أحسن القصص} نبين لك أحسن البيان؛ والقاص الذي يأتي بالقصة ~~على حقيقتها، والقصص في كلام العرب: هو اتباع الأثر، قال عز وجل: {وقالت ~~لأخته: قصيه} (¬3) أي: اتبعي أثره، والله أعلم. {بما أوحينا إليك هذا ~~القرآن} أي: بإيحائنا إليك هذه السورة؛ وإنما كان أحسنه لما يتضمن من العبر ~~والحكم، والعجائب التي ليست في غيرها، {وإن كنت من قبله لمن الغافلين(3)} ~~عن هذه القصة، لم تخطر ببالك ولم تقرع سمعك. # { # ¬__________ # (¬1) - ... وضع الناسخ هنا إحالة إلى الحاشية ولم يكتب بها شيئا، ويبدو ~~أن في العبارة سقطا. # (¬2) - ... سورة فصلت: 44. # (¬3) - ... سورة القصص: 11. PageV02P231 # إذ قال يوسف لأبيه: يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا، والشمس والقمر} قيل: ~~هما أبواه، والكواكب: إخوته {رأيتهم لي ساجدين(4)} أي: متواضعين؛ {قال: يا ~~بني، لا تقصص رؤياك على إخوتك، فيكيدوا لك كيدا} عرف يعقوب أن الله يصطفيه ~~للنبوة وينعم عليه بشرف الدارين، فخاف عليه حسد إخوة (¬1) بتفطنه في عواقب ~~الأمور؛ أو بوحي ms0413 من الله؛ {إن الشيطان للإنسان عدو مبين(5)} ظاهر العداوة؛ ~~فيحملهم على الحسد والكيد لا محالة، متى وجد سبيلا وسببا، وهذا من أسبابه. # {وكذلك} ومثل ذلك الاجتباء الذي دل عليك (¬2) رؤياك. {يجتبيك ربك} ~~يصطفيك؛ والاجتباء: الاصطفاء، افتعال من اجتبيت الشيء: إذا حصلته لنفسك، ~~وجبيت الماء: في الحوض إذا جمعته فيه؛ {ويعلمك من تأويل الأحاديث} قيل: ~~تأويل الرؤيا، وتأويلها: عبارتها وتفسيرها؛ أو تأويل أحاديث الأنبياء وكتب ~~الله؛ {ويتم نعمته عليك} بإتقان الحكمة، {وعلى آل يعقوب} بأن وصل لهم نعمة ~~الدنيا بنعمة الآخرة؛ أي: جعلهم أنبياء في الدنيا وملوكا، ونقلهم عنها إلى ~~الدرجات العلى في الجنة؛ وآل يعقوب: أهله، وهم نسله وغيرهم؛ وإنما علم ~~يعقوب أن يوسف يكون نبيا، وإخوته أنبياء، استدلالا بضوء الكواكب، أو بوحي ~~من الله تعالى، فلذا قال: {وعلى آل يعقوب}، وبيان تفضيل يوسف على إخوته ~~بسجود النجوم له. {كما أتمها على أبويك من قبل، إبراهيم وإسحاق، إن ربك ~~عليم} يعلم من يحق له الاجتباء، {حكيم(6)} يضع الأشياء مواضعها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «إخوته». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «دلت عليه». PageV02P232 # لقد كان في يوسف وإخوته} أي: في قصتهم وحديثهم، {آيات} (¬1) علامات، ~~ودلالات على قدرة الله وحكمته في كل شيء آية مكي [كذا] {للسائلين(7)} لمن ~~سأل عن قصتهم. # {إذ قالوا: ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة} أي: إنه يفضلهما في ~~المحبة علينا، وهما صغيران لا كفاءة فيهما، ونحن عشرة رجال كفاة نقوم ~~بمرافقه، فنحن أحق بزيادة المحبة منهما، لفضلنا بالكثرة [260] والعصبة ~~عليهما؛ وكأن نظرهم اقتصر على الظاهر والمنفعة الدنياوية، فلذلك (لعله) ~~قالوا: {إن أبانا لفي ضلال مبين(8)} (¬2) وكأن نظر أبيهم في الباطن الحقيقي ~~الديني لما يرى فيه من المخايل، وبخاصة لما أعلمه برؤياه تفطن في تدبير ~~أمر الدنيا والدين، ولو وصفوه بالضلالة في الدين لكفروا؛ والعصبة: العشرة ~~فصاعدا. # {اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا} منكورة مجهولة بعيدة عن العمران، {يخل لكم ~~وجه أبيكم} يقبل عليكم إقبالة واحدة، لا يلتفت عنكم إلى غيركم؛ والمراد: ~~سلامة محبته لهم ممن ms0414 يشاركهم، فكان ذكر الوجه لتصوير معنى إقباله عليهم، ~~لأن الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل بوجهه؛ وجاز أن يراد بالوجه الذات، كما ~~قال: {ويبقى وجه ربك} (¬3) ، {وتكونوا من بعده قوما صالحين(9)}. # {قال قائل منهم: لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابات الجب} في قعر البئر، ~~وما غاب عنه من عين الناظر، {يلتقطه بعض السيارة} بعض السائرين في الأرض، ~~{إن كنتم فاعلين(10)} إن كان لا بد لكم من الفعل به. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يآت»، وهو سهو. # (¬2) - ... لم يذكر الناسخ هذا المقطع من الآية، وأضفناها في موضعها حسب ~~اجتهادنا. # (¬3) - ... سورة الرحمن: 27. PageV02P233 # قالوا: يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون(11)} أي: لما ~~(¬1) تخافنا عليه، ونحن نريد له الخير ونشفق عليه؛ وأرادوا بقولهم ذلك لما ~~عزموا على كيد يوسف استنزاله عن رأيه وعادته في حفظه منهم، وفيه دليل على ~~أنه أحس منهم بما يوجب الحذر منهم عليه، ولكن لا يغني الحذر عما قدره الله ~~(لعله) وعلمه في خلقه. # {أرسله معنا غدا يرتع} يتسع في أكل الفواكه وغيرها؛ والرتعة: السعة، ~~{ويلعب} يرتاض لما يباح، {وإنا له لحافظون(12)} من أن يناله مكروه. # {قال: إني ليحزنني أن تذهبوا به، وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه ~~غافلون(13)} أنظر في ما قضاه الله وقدره لا بد من وقوعه وإمضائه، وكأنهم ~~صاروا مع أبيهم نازلين بمنزلة التهمة معه بالخيانة في حفظ أخيهم؛ أو لما ~~أمره بكتمان رؤياه عنهم أمن عليه منهم. # {قالوا: لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون(14)} فعلنا به فعل ~~المخسرين لأنفسهم. # {فلما ذهبوا به وأجمعوا} اجتمع رأيهم جميعا على {أن يجعلوه في غيابة ~~الجب، وأوحينا إليه} قيل: أوحي إليه في الصغر، كما أوحي إلى عيسى ويحيى، ~~{لتنبئنهم بأمرهم هذا} بما فعلوا بك، {وهم لا يشعرون(15)} أنك يوسف. # {وجاءوا أباهم عشاء} للاستتار، والتحسر على (¬2) للاعتذار، {يبكون(16)} ~~عن الأعمش (¬3) : «لا تصدق باكية بعد إخوة يوسف». # {قالوا: يا أبانا إنا ذهبنا نستبق} نتسابق في العدو أو في الرمي، {وتركنا ~~يوسف عند متاعنا فأكله الذئب؛ وما أنت ms0415 بمؤمن لنا} بمصدق لنا، {ولو كنا ~~صادقين(17)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «لم». # (¬2) - ... «على» إضافة من الناسخ في الهامش، والمعنى كامل بحذفها. # (¬3) - ... في الأصل: «الاعشم غمش»، وهو خطأ. PageV02P234 # وجاءوا على قميصه بدم كذب} ذي كذب، {قال: بل سولت لكم أنفسكم أمرا} عظيما ~~ارتكبتموه، {فصبر جميل} أي: فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل أمثل، وهو ما لا ~~شكوى فيه، وفيه الرضا بالقضاء، {والله المستعان} أي: لا يستعان بغيره في ~~مهام الأمور، {على} احتمال {ما تصفون(18)}. # {وجاءت سيارة} رفقة تسير، (لعله) وهم: القوم المسافرون، سموا سيارة لأنهم ~~يسيرون في الأرض [261]، {فأرسلوا واردهم} هو الذي يرد الماء ليستقي للقوم، ~~{فأدلى دلوه} أرسل دلوه ليملأها، {قال يابشرى} (¬1) نادى البشرى، كأنه ~~يقول: تعالي؛ أو هو اسم غلامه، فناداه مضافا إلى نفسه، {هذا غلام، وأسروه} ~~الضمير للوارد وأصحابه، أخفوه من الرفقة، أو غيرهم، {بضاعة} أي: جعلوه ~~متاعا للتجارة؛ والبضاعة: ما بضع من المال للتجارة أي: قطع، {والله عليم ~~بما يعملون(19)} (¬2) . # {وشروه} باعوه {بثمن بخس}؛ قيل: حرام، سمي بخسا، لأنه مبخوس البركة؛ ~~وقيل: من زيف (¬3) ؛ وقيل: قليل، {دراهم معدودة} قليلة تعد عدا ولا توزن، ~~{وكانوا فيه} أي: البائعون له، {من الزاهدين(20)} ممن يرغب عما في يده ~~فيبيعه بالثمن الناقص، لعله لأنهم [لم] يعلموا منزلته عند الله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يابشراي». # (¬2) - ... في الأصل: «يفعلون» وهو خطأ. # (¬3) - ... في الأصل: «ريرف»، وهو خطأ. انظر: أبو السعود: تفسير، ~~مج2/ج2/ص261. PageV02P235 # وقال الذي اشتراه من مصر لأمرأته: أكرمي مثواه} اجعلي منزله ومقامه عندنا ~~كريما، أي: حسنا مرضيا بدليل قوله: {إنه (¬1) ربي أحسن مثواي}. وعن الضحاك: ~~«بطيب معاشه، ولين رياشه (¬2) ، ووطيء فراشه»؛ وفيه دليل على أن تصرف ما في ~~البيت بيدها دونه، {عسى أن ينفعنا} إذا تدرب وراض الأمور، وفهم مجاريها، ~~نستظهر به على بعض ما نحن بسبيله، {أو نتخذه ولدا} أو نتبناه ونقيمه مقام ~~الولد. وقيل: كان العزيز عقيما، وقد تفرس فيه الرشد، {وكذلك مكنا ليوسف} ~~أي: كما أنجيناه عطفنا عليه قلب العزيز، {في الأرض ولنعلمه من تأويل ~~الأحاديث} أي: كان القدر ms0416 منا، والقضاء السابق في إنجائه وتمكينه، إلى أن ~~يقيم العدل ويدير أمور الناس، ويعلم معاني كتب الله وأحكامه، فينفذها، ~~وليعلم من تأويل الأحاديث المبهمة المنبهة على الحوادث الكائنة، ليستعد ~~لها، ويشتغل بتدبيرها قبل أن تقع، كما أخبر الله عنه، {والله غالب على ~~أمره} لا يمنع عما يشاء لخلقه وبخلقه وفي خلقه، {ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون(21)} أنه ما قدره الله لا محالة وقوعه. # {ولما بلغ أشده} منتهى إشداد (¬3) قوته، يصلح ما (¬4) يصلح له الرجال ~~الصالحون، {آتيناه حكما وعلما} حكمة، وهو العلم مع العمل، واجتناب ما يجهل ~~فيه، أو حكما بين الناس وفقها، {وكذلك نجزي المحسنين(22)} أي: من طلاب ~~العلم للعمل، تنبيه على أنه كان محسنا في عمله، متقيا في عنفوان أمره. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «إن»، وهو خطأ. # (¬2) - ... راش، ريشا: جمع المال والأثاث. رجل راش : ذو مال. الريش: ~~الأثاث. الريش: الخصب. الرياش: ما كان فاخرا من الأثاث، المال الخصب. رجل ~~أريش: ذو مال وكسوة. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «اشتداد». # (¬4) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «لما». PageV02P236 # وراودته التي هو في بيتها عن نفسه} أي: طلبته لنفسها، {وغلقت الأبواب} ~~للخلوة به، {وقالت هيت لك} هو اسم ل«تعال» و«أقبل»، {قال معاذ الله} أعوذ ~~بالله معاذا أي: ألوذ به ملاذا،{إنه ربي} سندي ومالكي، وقيل: الضمير لله، ~~{أحسن مثواي} حين قال لك: «أكرمي مثواه»؛ فما حقه أن أخونه في أهله، {إنه ~~لا يفلح الظالمون(23)} الخائنون. # {ولقد همت به} هم: عزم وفعل، {وهم بها} هم: طيع مع الامتناع، ولا صنع ~~للعبد في ما يخطر بالقلب، ولامؤاخذة عليه، ولو كان كهمها لما مدحه الله ~~تعالى أنه من عباده المخلصين، {لولا أن رأى برهان ربه} لكان ما كان، {كذلك ~~لنصرف عنه السوء والفحشاء} ليتضح خلاصه وإخلاصه، وأنه قد ثبت قدمه في ~~المقام الأعلى، لمجاهدة نفسه مجاهدة أولي العزم، (لعله) ناظرا في دلائل ~~التوحيد [262] حتى استحق من الله الثناء، {إنه من عبادنا المخلصين(24)} ~~بفتح اللام حيث كان، أي: الذين أخلصهم الله لطاعته؛ وقيل: بكسرها، أي: ~~الذين أخلصوا دينهم . # { PageV02P237 واستبقا ms0417 الباب} تسابقا إليه، هي للطلب، وهو للهرب، {وقدت ~~قميصه من دبر} من خلفه، فانقد، أي: انشق حين هرب منها إلى الباب، وتبعته ~~لتمنعه؛ {وألفيا سيدها لدى الباب} صادفاه مقبلا، فلما رأته احتالت لتبرئة ~~ساحتها عند خروجها (¬1) من الريبة ولتخويف (¬2) يوسف طمعا في أن يواطئها ~~خفية منها ومن مكرها، حيث {قالت: ما جزاء من أراد بأهلك سوءا، إلا أن يسجن ~~أو عذاب أليم(25)}، أي: ليس جزاءه إلا السجن أو عذاب أليم: وهو الضرب ~~بالسياط؛ ولم تصرح بذكر يوسف، وأنه أراد بها سوءا، لأنها قصدت العموم، أي: ~~كل من أراد بأهلك سوءا لحقه كذلك، لأن ذلك أبلغ فيما قصدت من تخويف يوسف، ~~ولما عرضت للسجن والعذاب دفع عن نفسه. # {قال: هي راودتني عن نفسي؛ وشهد شاهد من أهلها}، إنما ألقى الله الشهادة ~~على لسان من أهلها، لتكون أوجب للحجة، وأوثق لبراءة يوسف؛ قيل: كان صبيا في ~~المهد؛ وسمى قوله شهادة، لأنه أدى مؤدى الشهادة في أن ثبت به قول يوسف، ~~وبطل قولها، {إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين(26)؛ وإن كان ~~قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين(27)} كأن الشهادة قياس نظري. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «عند زوجها من الريبة». انظر: ~~الزمخشري جار الله محمود ابن عمر: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، وعيون ~~الأقاويل في وجوه التأويل، رتبه وضبطه وصححه: مصطفى حسين أحمد، الطبعة ~~الثانية، مطبعة الاستقامة، القاهرة، 1373ه / 1953م، 2/357. # (¬2) - ... في الأصل: «والتخويف»، وهو خطأ. PageV02P238 # فلما رأى} سيدها {قميصه قد من دبر}، وعلم براءة يوسف بإلهام عقلي، أو ~~بحجة الشهادة، {قال: إنه من كيدكن، إن كيدكن عظيم(28)} لأنهن ألطف (¬1) ~~كيدا وأعظم حيلة. # {يوسف} حذف منه حرف النداء، [وهو] منادى قريب مفاطن للحديث؛ وفيه تقريب ~~له وتلطيف لمحله، {أعرض عن هذا} الأمر واكتمه ولا تحدث به، ثم أقبل لامرأته ~~فقال: {واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين(29)}. # {وقال نسوة في المدينة: امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا} ~~أي: خرق حبه شغاف قلبها، حتى وصل إلى ms0418 الفؤاد، والشغاف: حجاب القلب، أو جلدة ~~رقيقة يقال لها: لسان القلب، وقيل: قلبها حبه (¬2) حتى لا تعقل سواه؛ {إنا ~~لنراها في ضلال مبين(30)} في خطإ، وبعد بين عن طريق المحجة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... يعني ألصق وأقرب. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «وقيل: شغف قلبها حبه حتى...». PageV02P239 # فلما سمعت بمكرهن} باغتيابهن، وقولهن: «امرأة العزيز عشقت عبدها ~~الكنعاني». ويسمى الاغتياب: مكرا لا (¬1) في خفية وحال غيبة، كما يخفي ~~الماكر مكره، {أرسلت إليهن} دعتهن، {وأعتدت} هيأت {لهن متكأ} ما يتكئن عليه ~~من نمارق، {وآتت كل واحدة منهن سكينا}؛ قيل: كانوا لا يأكلون في ذلك الزمان ~~إلا بالسكاكين؛ {وقالت: اخرج عليهن، فلما رأينه أكبرنه} عظمنه {وقطعن ~~أيديهن} جرحنها {وقلن: حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم(31)} نفين ~~عنه البشرية، لغرابة جماله، وأثبتن له الملكية، وثبتن بها الحكم، لما ركز ~~في الطباع أن لا أحسن من الملك، كما ركز فيها أن لا أقبح من الشيطان. # [263] {قالت: فذلكن الذي لمتنني فيه} (لعله) بالافتتان به قبل أن تنظرن ~~إلى صورته، {ولقد راودته عن نفسه} (لعله) إقرارا بما فعلت، {فاستعصم} ~~بالعروة الوثقى عن النزول في المهاوي؛ {ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن، ~~وليكونا من الصاغرين(32)}. # {قال: رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه}، قيل: افتتنت كل واحدة به، ~~فدعته إلى نفسها سرا، فالتجأ إلى ربه، وقال: «رب نزول السجن والضيق أحب إلي ~~من السعة وركوب المعصية»، {وإلا تصرف عني كيدهن} فزع منه إلى الله في طلب ~~العصمة، {أصب إليهن} أمل إليهن، والصبوة: الميل إلى الهوى؛ {وأكن من ~~الجاهلين(33)} من الذين لا يعملون بما يعلمون، لأن من لا جدوى لعلمه، فهو ~~ومن لا يعلم سواء، وهو من السفهاء. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «لأنه». انظر: الزمخشري: الكشاف، 2/361. PageV02P240 # فاستجاب له ربه، فصرف عنه كيدهن} ما دعونه إليه؛ {إنه هو السميع ~~العليم(34)} بدعوات الملجين (¬1) إليه. # {ثم بدا لهم} أي: ظهر لهم رأي شيطاني، {من بعد ما رأوا الآيات} وهي ~~(لعله) الشواهد (¬2) على براءته، {ليسجننه} لإبلاء عذر الحال[كذا]، وإرخاء ~~الستر ms0419 على القيل والقال، {حتى حين(35)}. # {ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما: إني أراني} أي: في المنام {أعصر خمرا} ~~عنبا. {وقال الآخر: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه؛ نبئنا ~~بتأويله إنا نراك من المحسنين(36)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «الملتجئين». ولعله من «لج» أي: ~~ألح في الطلب. # (¬2) - ... في الأصل: «الشهواهدلعله الشوا» كتبت هكذا فوق كلمة ~~«الشهواهد». PageV02P241 # قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله} ماهيته وكيفيته، {قبل ~~أن يأتيكما} لما استعبراه ووصفاه بالإحسان، افترض ذلك، فوصل به وصف نفسه ~~بما هو فوق علم العلماء، وهو الإخبار بالغيب، وأنهما ينبئهما بما يحمل ~~إليهما من الطعام في السجن قبل أن يأتيهما، ويصفه لهما ويقول: «اليوم ~~يأتيكما طعام من صفته كذا وكذا، فيكون كذلك». وجعل ذلك تخلصا أن يذكر لهما ~~التوحيد، ويعرض عليهما الإيمان، ويزينه لهما، ويقبح إليهما الشرك، (لعله) ~~ويكون ذلك أدعى مما سألاه، لأن ذلك أمر دنياوي، وأمر التوحيد يصلح أمر ~~الدارين؛ وفيه: أن العالم إذا جهلت منزلته في العلم، فوصف نفسه بما هو ~~بصدده، وغرضه أن يقتبس منه، لم يكن من باب التزكية، {ذلكما} إشارة لهما إلى ~~التأويل، {مما علمني ربي} ولم أقله عن تكهن وتنجم؛ {إني تركت ملة قوم لا ~~يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون(37)} أي: علمني ذلك، لأني رفضت ملة أولئك. # {واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} وهي الملة الحنيفية؛ يذكر ~~الآباء ليريهما أنه من بيت النبوة، وليقوي رغبتهما في اتباع قوله، {ما كان ~~لنا} ما صح لنا معشر الأنبياء {أن نشرك بالله من شيء} من صنم أو شيطان أو ~~نفس أو هوى؛ {ذلك} التوحيد {من فضل الله علينا وعلى الناس} (لعله)، أي: ليس ~~ممنوعا (¬1) أحد من الناس فضله، {ولكن أكثر الناس لا يشكرون(38)} نعمته ~~وفضله، فينتفعوا بهما، كما ينتفع بذلك من شكر؛ وإعلام أن ليس لأحد فضل على ~~غيره، إلا بسبب علمه كما قال: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} (¬2) ولا ~~ينتبهون أنهم مشركون [264] هالكون. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «ممنوع»، وهو خطأ لأنه خبر ليس. ms0420 # (¬2) - ... سورة الحجرات: 13. PageV02P242 # يا صاحبي السجن} يا ساكني السجن؛ كقوله: {أصحاب النار}، {أأرباب متفرقون} ~~(لعله) وهي الأهوية المتجاذبة لصاحبها، {خير أم الله الواحد القهار(39)} ~~يريد التفرق في العدد والتكاثر، أي: أن تكون أرباب شتى، يستعبدكما هذا، ~~ويستعبدكما هذا، خير لكما أم يكون لكما رب واحد قهار، لا يغلب ولا يشارك في ~~الربوبية؛ وهذا مثل ضربه لعبادة الله وحده، ولعبادة الأصنام المتفرقين على ~~قدر الأهوية؛ ولا بد للعبد أن يعبد إما ربا واحدا يؤول نفع عبادته إليه، ~~وإما أن يعبد أربابا متفرقين، أي: يتبع هوى نفسه بغير حق، ثم يرجع وبال ~~عبادته عليه، كما قال: {ولقد خلقنا الإنسان في كبد} (¬1) . # {ما تعبدون} خطاب لهما، ولمن كان على دينهما، {من دونه إلا أسماء ~~سميتموها أنتم وآباؤكم} أي: سميتم ما لا يستحق الإلهية آلهة، باسم أو معنى ~~أو شبه، ثم عكفتم على عبادتها، فكأنكم لا تعبدون إلا أسماء لا مسميات ~~تحتها؛ ومعنى {سميتموها}: سميتم بها آلهة معبودة مستحقة للعبادة من دون ~~الله بزعمكم، (لعله) وهي أمثال تمثلوها في قلوبهم صورا ليست بشيء، ولكنها ~~كالخيال لا يثمر نفعا بل عذابا (¬2) ، {ما أنزل الله بها} بتسميتها {من ~~سلطان} حجة، {إن الحكم} في أمر العبادة والدين، {إلا لله}؛ ثم بين ما حكم ~~به فقال: {أمر ألا تعبدوا إلا إياه} وتخلعوا ما سواه، {ذلك الدين القيم} ~~الثابت المستقيم، الذي دلت عليه البراهين، {ولكن أكثر الناس لا يعلمون(40)} ~~وهذا يدل على أن العقوبة تلزم العبد وإن جهل، إذا أمكن له العلم بطريقه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البلد: 4. # (¬2) - ... في الأصل: «عذاب»، وهو خطأ. PageV02P243 # يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا} أي: يعود إلى عمله، {وأما ~~الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه}؛ ولما سمع الخباز صلبه قال: مارأيت شيئا ~~(¬1) ، فقال يوسف: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان(41)} أي: قطع وتم ما ~~تستفتيان فيه من أمركما إلى ما يجر إليه من التأويل، وهي (¬2) هلاك أحدهما ~~ونجاة الآخر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... العبارة غير واضحة، ويوضحها ما أخرجه «جماعة منهم الحاكم ~~وصححه عن ابن مسعود رضي الله تعالى ms0421 عنه قال: ما رأى صاحبا يوسف شيئا، إنما ~~تحالما، ليجربا علمه، فلما أول رؤياهما، قالا: إنما كنا نلعب ولم نر شيئا، ~~فقال عليه السلام: قضي الأمر...». انظر: أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود ~~الألوسي البغدادي: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، نشر ~~وتصحيح وتعليق إدارة الطباعة المنيرية، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ~~لبنان، د.ت، 12/246. # (¬2) - ... كذا في الأصل، والصواب: «وهو». PageV02P244 # وقال: للذي ظن أنه ناج منهما} الظان: هو يوسف عليه السلام، إن كان تأويله ~~بطريق الاجتهاد، وإن كان (¬1) بطريق الوحي فالظان هو الشرابي، أو يكون الظن ~~بمعنى اليقين، {اذكرني عند ربك} صفني عند الملك بصفتي، وقص عليه قصتي لعله ~~يخلصني من هذا الحال، {فأنساه الشيطان} فأنسى الشرابي {ذكر ربه} أن يذكره ~~لربه، أو فأنسى يوسف ذكر الله حين وكل أمره إلى غيره. وفي الحديث: «رحم ~~الله أخي يوسف لو لم يقل: اذكرني عند ربك لما لبث في السجن بضع سنين» (¬2) ~~، {فلبث في السجن بضع سنين(42)}، أي: سبعا عند الجمهور، وهو ما بين الثلاث ~~إلى التسع. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «كا»، وهو سهو. # (¬2) - ... روى الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس: «عجبت لصبر أخي يوسف ~~وكرمه، والله يغفر له، حيث أرسل ليستفتى في الرؤيا، ولو كنت أنا لم أفعل ~~حتى أخرج، وعجبت لصبره وكرمه، والله يغفر له، أتي ليخرج فلم يخرج حتى ~~أخبرهم بعذره، ولو كنت أنا لبادرت الباب، ولولا الكلمة لما لبث في السجن ~~حيث يبتغي الفرج من عند غير الله». صححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ~~3984. برنامج سلسلة كنوز السنة. PageV02P245 # وقال الملك: إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر ~~وأخر يابسات} لما دنى فرج يوسف، رأى الملك رؤيا عجيبة هالته، فاستفتى في ~~تعبيرها، فقال: {يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون(43)} ~~حقيقة تعبير الرؤيا: ذكر عاقبتها، وآخر أمرها، كما تقول عبرت [265] النهر ~~إذا قطعته حتى تبلغ آخر (لعله) عرضه، وهو عبره (¬1) ، ونحوه أولت الرؤيا، ~~إذا ذكرت مآل عاقبتها. # {قالوا: أضغاث أحلام} أي ms0422 هي: أضغاث أحلام أي: تخاليطها وأباطيلها، وما ~~يكون منها حديث نفس، أو وسوسة شيطان؛ وأصل الأضغاث: ما جمع من أخلاط ~~النبات، {وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين(44)} أرادوا بالأحلام: المنامات ~~الباطلة، إنما التأويل للمنامات الصحيحة، أو اعترفوا بقصور علمهم، وأنهم ~~ليسوا بتأويل الأحلام بنحارير. # {وقال الذي نجا} من القتل {منهما} من صاحبي السجن، {وادكر} (بالدال)، هو ~~الفصح (¬2) ، وأصله: اذتكر؛ وقيل: وادكر معناه: تذكر يوسف، وما شاهد منه، ~~{بعد أمة} بعد مدة طويلة: {أنا أنبئكم بتأويله، فأرسلون(45)} فابعثوني إليه ~~لأسأله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل مع الشكل، وأوردها صاحب اللسان بكسر العين ~~وفتحها لا بالضم، حيث قال: «عبر الرؤيا يعبرها عبرا وعبارة وعبرها: فسرها، ~~وأخبر بما يؤول إليه أمرها، وفي التنزيل العزيز: {إن كنتم للرؤيا تعبرون} ~~أي إن كنتم تعبرون الرؤيا، فعداها باللام... قال الزجاج: هذه اللام أدخلت ~~على المفعول للتبيين... وقيل: أخذ هذا كله من العبر، وهو جانب النهر، وعبر ~~الوادي وعبره الأخيرة عن كراع : شاطئه وناحيته». ابن منظور: لسان العرب، ~~4/667. مادة «عبر». # (¬2) - ... كذا في الأصل، والصواب: «وهو الفصيح». PageV02P246 # يوسف، أيها الصديق} البليغ في الصدق، {أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن ~~سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم ~~يعلمون(46)}. # {قال: تزرعون (¬1) سبع سنين دأبا} على عادتكم المستمرة، {فما حصدتم فذروه ~~في سنبله} كيلا يأكله السوس، {إلا قليلا مما تأكلون(47) ثم يأتي من بعد ذلك ~~سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون(48)} تحرزون وتخبئون ~~لبذر الزراعة، (لعله) أي: يأكل أهلهن ما ادخرتم لأجلهن. # {ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه (¬2) يغاث الناس، وفيه يعصرون(49)} العنب ~~والزيتون والسمسم، فيتخذون الأشربة والأدهان. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «أتزرعون»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «عافية»، وهو خطأ. PageV02P247 # وقال الملك: ائتوني به؛ فلما جاءه الرسول} ليخلصه من السجن، {قال: ارجع ~~إلى ربك} الملك، {فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن}، إنما تثبت ~~وتأنى في إجابة الملك، وقدم سؤال النسوة، ليظهر براءة ساحته عما قرف به ~~وسجن فيه، لئلا يتسلق به الحاسدون ms0423 إلى تقبيح أمره عنده، ويجعلوه سلما إلى ~~حط منزلته لديه، ولئلا يقولوا: ما خلد في السجن بضع سنين إلا لأمر عظيم ~~وجرم كبير؛ وفيه دليل على أن الاجتهاد في نفي التهم واجب وجوب اتقاء الوقوف ~~في مواقفها. وعنه عليه الصلاة والسلام: «لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره، ~~والله يغفر له؛ سئل عن البقرات، ولو كنت مكانه ما أخبرته، حتى أشترط أن ~~يخبروني (لعله يخرجوني)؛ ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول، قال: ارجع إلى ~~ربك، ولو كنت مكانه، ولبثت في السجن ما لبثت (¬1) ، لأسرعت الإجابة، ~~وبادرتهم الباب، ولما ابتغيت القدر؛ وإنه كان لحليما ذا أناة» (¬2) . # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «لبث». # (¬2) - ... لم أعثر عليه بهذا اللفظ، وإنما لفظ البخاري عن أبي هريرة - ~~رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «نحن أحق بالشك ~~من إبراهيم إذ قال: {رب أرني كيف تحيي الموتى، قال أو لم تؤمن؟ قال بلى ~~ولكن ليطمئن قلبي}، ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد. ولو لبثت ~~في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي». كتاب أحاديث الأنبياء، 3121، ~~3135؛ وفي كتاب تفسير القرآن، 1326؛ كتاب التعبير، 6477. مسلم: كتاب ~~الإيمان؛ كتاب الفضائل. الترمذي: كتاب تفسير القرآن. ابن ماجه: كتاب الفتن. ~~أحمد: باقي مسند المكثرين. PageV02P248 # ومن كرمه وحسن أدبه أنه لم يذكر سيدته مع ما صنعت به، وتسببت فيه من ~~السجن والعذاب؛ واقتصر على ذكر المقطعات أيديهن، {إن ربي بكيدهن عليم(50)} ~~أي: أن كيدهن عظيم. # {قال: ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه}؟ هل وجدتن منه ميلا إليكن؟ {قلن: ~~حاش لله} تعجبا من قدرته على خلق عفيف مثله، {ما علمنا عليه من سوء. قالت ~~امرأة العزيز: الآن حصحص الحق} ظهر واستقر، {أنا راودته عن نفسه وإنه لمن ~~الصادقين(51)} في قوله: {هي راودتني [266] عن نفسي}، ولا مزيد على شهادتهن ~~له بالبراءة والنزاهة، واعترافهن على أنفسهن، لأنه لم يتعلق بشيء مما قرف به. # ثم رجع الرسول إلى يوسف، وأخبره بكلام النسوة، وإقرار امرأة العزيز ~~وشهادتها على نفسها؛ فقال يوسف: ms0424 {ذلك} أي امتناعي من الخروج، والتثبت لظهور ~~البراءة، {ليعلم} العزيز {أني لم أخنه بالغيب}، أو ليعلم الملك أني لم أخن ~~العزيز، {وأن الله} وليعلم أن الله {لا يهدي كيد الخائنين(52)} لا يسدده؛ ~~وكأنه تعريض بامرأته في خيانتها، وأمانة زوجها؛ ثم أراد أن يتواضع لله، ~~ويهضم نفسه لئلا [يكون] لها مزكيا، وليبين أن ما فيه من الأمانة بتوفيق الله. # {وما أبرئ نفسي} من الزلل، إلا أن يعصم الله، {إن النفس لأمارة بالسوء} ~~من حيث أنها بالطبع مائلة إلى الشهوات، فتهم بها، ويجب استعمال القوى ~~والجوارج في أمرها كل الأوقات، {إلا ما رحم ربي} يعني: أن طبعها وديدنها ~~الأمر بالسوء، ولا تأمر بخير، ولكن رحمة ربي التي تنبه على ذكر الله ~~بمقاومة العقل لها، ما دام غالبا، {إن ربي غفور} لمن كف نفسه عن المكروه، ~~{رحيم(53)} لمن طهرها وزكاها، ولجمها عن إرادتها. # { PageV02P249 وقال الملك: ائتوني به أستخلصه لنفسي} أجعله خالصا لنفسي. ~~{فلما كلمه} وشاهد منه ما لم يحتسب، {قال: إنك اليوم لدينا مكين} ذو مكانة ~~ومنزلة، {أمين(54)} على كل شيء. # {قال: اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ} أمين، أحفظ ما تستحفظنيه، ~~{عليم(55)} عالم بوجوه التصرف. وصف نفسه بالأمانة والكفاية، وهما طلبة ~~الملوك ممن يولونه؛ وإنما قال ذلك ليتوصل إلى إمضاء أحكام الله، وإقامة ~~الحق وبسط العدل، والتمكن مما لأجله بعث الأنبياء إلى العباد؛ ولعلمه أن ~~أحدا غيره لا يقوم مقامه في ذلك، فطلبه ابتغاء وجه الله، لا لحب الملك ~~والدنيا؛ وفيه دليل على أنه يجوز أن يتولى الإنسان عملا من يد سلطان جائر، ~~وقد كان السلف يتولون القضاء من جهة الظلمة، وإذا علم النبي أو العالم أنه ~~لا سبيل إلى الحكم بأمر الله، ودفع الظلم إلا بتمكن (¬1) الملك الكافر أو ~~الفاسق، فله أن يستظهر به. وقيل: كان الملك يصدر عن رأيه ولا يتعرض عليه في ~~كل ما رأى؛ فكان في حكم التابع له. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «بتمكين». PageV02P250 # وكذلك} ومثل ذلك التمكين الظاهر {مكنا ليوسف في الأرض}، التمكين: ~~الاقتدار وإعطاء ms0425 المكنة، {يتبوأ منها حيث يشاء} أي: كل مكان أراد أن يتخذه ~~منزلا، لم يمنع منه لاستيلائه عليها، {نصيب برحمتنا} بعطائنا في الدنيا، من ~~الملك والغنى وغيرهما، من النعم {من نشاء}، من اقتضت الحكمة أن يشاء له ~~ذلك، {ولا نضيع أجر المحسنين(56)} في الدنيا {ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا ~~وكانوا يتقون(57)} المكرهات (¬1) ؛ قيل: إن المؤمن يثاب على حسناته في ~~الدنيا والآخرة، كما أن الفاجر يعذب بذنوبه في الدنيا والآخرة، وإن نالته ~~مسرة ظاهرة في الدنيا، فذلك غرور واستدراج. # {وجاء إخوة يوسف، فدخلوا عليه فعرفهم وهم [267] له منكرون(58)} أي: عرفهم ~~يوسف ولم يعرفوه. # {ولما جهزهم بجهازهم} أعطى كل واحد حمل بعير، {قال: ائتوني بأخ لكم من ~~أبيكم، ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين(59)} كان قد أحسن ~~إنزالهم وضيافتهم، [و]رغبهم بهذا الكلام على الرجوع إليه. # {فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي} فلا أبيعكم طعاما، {ولا ~~تقربوني(60)} (لعله) ولا تغشون داري. {قالوا: سنراود عنه أباه} سنخادعه عنه ~~ونحتال، حتى ننتزعه من يده، {وإنا لفاعلون(61}. # {وقال لفتيانه} أي: لغلمانه الكيالين {اجعلوا بضاعتهم في رحالهم} ~~أوعيتهم، {لعلهم يعرفونها}، يعرفون حق ردها، وحق التكرم بإعطاء البدلين، ~~{إذا انقلبوا إلى أهلهم}، وفرغوا رحالهم، {لعلهم يرجعون(62)} لعل معرفتهم ~~بذلك تدعوهم إلى الرجوع إلينا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «المكروهات». PageV02P251 # فلما رجعوا إلى أبيهم} بالطعام، وأخبروه بما فعل، {قالوا: يا أبانا منع ~~منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل} نرفع المانع من الكيل، ونكتل من الطعام ~~ما نحتاج إليه، {وإنا له لحافظون(63)} عن المكروه. # {قال: هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل}؟ وقد قلتم في يوسف: ~~«وإنا له لحافظون»؛ {فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين(64)}. # { ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا: يا أبانا ما نبغي} ~~«ما» للنفي، أي: ما نبغي في القول، ولا نتجاوز الحق وأمانته شيئا وراء ما ~~فعل بنا من الإحسان، {هذه بضاعتنا ردت إلينا، ونمير أهلنا ونحفظ أخانا، ~~ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير(65)}. # {قال: لن أرسله معكم ms0426 حتى تؤتون موثقا من الله}، والمعنى: حتى تعطوني ما ~~أتوثق به من عند الله؛ أراد أن يحلفوا له بالله، وإنما جعل الحلف بالله ~~موثقا منه، لأن الحلف به مما تؤكد به العهود، {لتأتنني به، إلا أن يحاط ~~بكم} إلا أن تغلبوا، فلم تطيقوا الإتيان به، {فلما آتوه موثقهم قال: الله ~~على ما نقول} من طلب الموثق وإعطائه {وكيل(66)} رقيب، مطلع. # {وقال: يا بني لا تدخلوا من باب واحد، وادخلوا من أبواب متفرقة}؛ قيل: ~~خاف عليهم العين لجلالة أمرهم؛ وقيل: أحب أن لا يفطن بهم أعداؤهم، فلا ~~يحتالون لإهلاكهم، {وما أغني عنكم من الله من شيء}، أي: إن كان أراد بكم ~~سوءا لم ينفعكم، ولم يدفع عنكم ما أشرت به عليكم، {إن الحكم إلا لله، عليه ~~توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون(67)} التوكل تفويض الأمر إليه. # { PageV02P252 ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله ~~من شيء} أي: شيئا قط حيث أصابهم ما ساءهم مع تفرقهم، من إضافة السرقة إليهم ~~وافتضاحهم بذلك، وأخذ أخيهم بوجدان الصواع في رحله، وتضاعف المصيبة على ~~أبيهم {إلا حاجة} أي: ولكن حاجة، {في نفس يعقوب قضاها} وهو شفقته عليهم، ~~{وإنه لذو علم} يعني قوله: «وما أغني عنكم»، وعلمه بأن: “القدر لا يغني عنه ~~الحذر” {لما علمناه} لتعليمنا إياه، {ولكن أكثر الناس لا يعلمون(68)} لأنهم ~~لم يسلكوا طريق إصابة العلم؛ أي: لم يطلبوا العلم ليعلموا، و لذلك رفعوا ~~بدرجات [268] بطلبهم العلم على من لم يطلب. # {ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه} ضمه إليه، {قال: إني أنا أخوك فلا ~~تبتئس} فلا تحزن {بما كانوا يعملون(69)} (¬1) بنا، فلما مضى قال: الله قد ~~أحسن إلينا وجمعنا على خير. # {فلما جهزهم بجهازهم} هيأ أسبابهم، وأوفى الكيل لهم {جعل السقاية} قيل: ~~هي مشربة يسقى بها، وهي: الصواع، {في رحل أخيه، ثم أذن مؤذن} ثم نادى مناد؛ ~~آذنه: أي أعلمه، وأذن: أكثر الإعلام، ومنه المؤذن، لكثرة ذلك منه. روي أنهم ~~ارتحلوا وأمهلهم يوسف حتى انطلقوا، ثم أمر بهم فأدركوا، ثم قيل: ms0427 لهم {أيتها ~~العير} هي الإبل التي عليها الأحمال، لأنها تعير، أي: تذهب وتجيء، والمراد: ~~أصحاب العير، {إنكم لسارقون(70)} كناية عن سرقتهم إياه من أبيه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يعلمون»، وهو سهو. PageV02P253 # قالوا وأقبلوا عليهم: ماذا تفقدون(71)؟ قالوا: نفقد صواع الملك، ولمن جاء ~~به حمل بعير وأنا به زعيم(72)} يقول المؤذن: وأنا بحمل البعير كفيل أؤديه ~~إلى من جاء به، وأراد: وسق بعير من طعام جعلا لمن حصله؛ وفيه دليل على جواز ~~الجعالة وضمان الجعل. # {قالوا: تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض} استشهدوا بعلمهم لما ~~ثبت عندهم من دلائل دينهم وأمانتهم؛ قيل: لأنهم دخلوا وأفواه رواحلهم مشددة ~~لئلا تتناول زرعا أو طعاما لأحد من أهل السوق، أو أنهم ردوا بضاعتهم التي ~~وجدوها في رواحلهم، {وما كنا سارقين(73)}. # {قالوا: فما جزاؤه إن كنتم كاذبين(74) قالوا: جزاؤه من وجد في رحله}، أي: ~~جزاء سرقته أخذ من وجد في رحله؛ قيل: وكان حكم السارق في آل يعقوب أن يسترق ~~سنة، فلذلك استفتوا في جزائه. وقولهم {فهو جزاؤه} تقرير للحكم، أي: فإن ~~السارق نفسه هو جزاؤه لا غير، {كذلك نجزي الظالمين(75)} أي: السراق ~~بالاسترقاق. # {فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه} نفيا للتهمة حتى بلغ وعاءه، {ثم استخرجها ~~من وعاء أخيه؛ كذلك كدنا ليوسف} الكيد من الخلق: الحيلة، ومن الله: التدبير ~~بالحق؛ وقيل: كدنا: ألهمنا، {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} أي: في حكمه؛ ~~تفسير للكيد وبيان له، لأن الحكم في دين الملك للسارق أن يغرم مثلي (لعله) ~~ما أخذ، لا أن يستعبد، {إلا أن يشاء الله} أي: ما كان يأخذه إلا بمشيئة ~~الله وإرادته فيه، {نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم(76)} أي: هو ~~الله عز وجل. # { PageV02P254 قالوا: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} أرادوا (لعله) يوسف، ~~{فأسرها يوسف في نفسه} أي: مقالتهم: إنه سرق، كأنه لم يسمعها {ولم يبدها ~~لهم، قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون(77)} تقولون. # {قالوا: يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا} في ms0428 السن، أو في القدر {فخذ ~~أحدنا مكانه} بدله على وجه الاسترهان والاستعباد، {إنا نراك من ~~المحسنين(78)} أي: من عادتك الإحسان فاجر على عادتك ولا تغيرها. # {قال: معاذ الله [269] أن نأخذ، إلا من وجدنا متاعنا عنده} ولم يقل: من ~~سرق، تحرزا من الكذب، {إنا إذا لظالمون(79)} وذلك، لأنه وجب على قضية ~~فتواكم، أخذ من وجد الصواع في رحله واستعباده، فلو أخذنا غيره كان ظلما في ~~مذهبكم، فلم تطلبون ما عرفتم أنه ظلم؟. # {فلما استيئسوا} يئسوا، وزيادة السين والتاء للمبالغة، كما مر في ~~«استعصم»، {منه خلصوا} انفردوا عن الناس خالصين {نجيا} ذوي نجوى، {قال ~~كبيرهم} في السن أو العقل: {ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من ~~الله، ومن قبل ما فرطتم في يوسف} أي: قصرتم في شأنه، {فلن أبرح الأرض} فلن ~~أفارق أرض مصر، {حتى يأذن لي أبي} في الانصراف، {أو يحكم الله لي} برد أخي ~~إلي أو بخروجي، أو بالموت، أو بقتالهم، {وهو خير الحاكمين(80)} لأنه لا ~~يحكم إلا بالعدل. # { PageV02P255 ارجعوا إلى أبيكم، فقولوا: يا أبانا إن ابنك سرق}، وقرئ: ~~سرق (¬1) ، أي: نسب إلى السرقة، {وما شهدنا} عليه بالسرقة، {إلا بما علمنا} ~~يعني: ما قلنا هذا إلا بما علمنا، أي: ما كانت منا شهادة بشيء قطعا، إلا ~~بما علمنا، وليست هذه شهادة منا، إنما هو خبر عن صنيعه بزعمهم، {وما كنا ~~للغيب حافظين(81)} وما علمنا، أي: قلنا: ونحفظ أخانا، وما لنا إلى حفظه منه سبيل. # {واسأل القرية التي كنا فيها} أي: أرسل إلى أهلها فاسألهم عن كنه القصة، ~~{والعير التي أقبلنا فيها} وأصحاب العير، وهي القافلة، {وإنا لصادقون(82)} ~~في قولنا، فرجعوا إلى أبيهم، فقالوا له ما قال لهم أخوهم. فإن قيل: كيف ~~استجاز يوسف أن يعمل هذا بأبيه، ولا يعمله بمكانه (¬2) ، وحبس أخاه مع علمه ~~بشدة وجده عليه؛ وفيه معنى العقوق، قيل: عمل ذلك بأمر الله ليزيد في بلاء ~~يعقوب، فيضاعف له الأجر، ويلحقه في الدرجة بآبائه الماضين. # {قال: بل سولت لكم أنفسكم}، زينت {أمرا} أي: حمل أخيكم إلى ms0429 مصر لطلب نفع ~~عاجل؛ وقيل: فتواهم أن السارق يسترق، {فصبر جميل، عسى الله أن يأتيني بهم ~~جميعا} بيوسف وأخيه وكبيرهم، {إنه هو العليم} بحالي في الحزن {الحكيم(83)} ~~الذي لم يبتل (¬3) عباده إلا لحكمة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... بتشديد الراء، مبنيا للمفعول، وهي قراءة ابن عباس وابن رزين ~~والكسائي. انظر: الألوسي: روح المعاني، 13/37. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «من كان بمكانه»، أي في قدره ~~ومنزلته. # (¬3) - ... في الأصل: «يبتلي»، وهو خطأ. PageV02P256 # وتولى عنهم} وأعرض عنهم كراهة لما جاؤوا به، {وقال: يا أسفى} يا حزنا ~~{على يوسف}، والأسف: أشد الحزن، {وابيضت عيناه} إذ أكثر الاستعبار، محقت ~~العبرة سواد العين، وقلبته إلى بياض كدر؛ قيل: قد عمي بصره، وقيل: كان يدرك ~~إدراكا ضعيفا، {من الحزن} أي: كان الحزن سبب البكاء، ويجور للنبي أن يبلغ ~~به الجزع ذلك المبلغ، لأن الإنسان مجبول على أن لا يملك نفسه عند الحزن، ~~{فهو (¬1) كظيم(84)} مملوء من الغيظ على أولاده، ولا يظهر (لعله) ما ~~يسوءهم. مأخوذ من كظم السقاء (¬2) إذا شده على ما ملئه؛ وقيل: يردد حزنه في ~~جوفه، ولم يقل إلا خيرا. # {قالوا: تالله تفتأ} أي: لا تزال {تذكر يوسف حتى تكون حرضا} قيل: الحرض: ~~الذي أذابه هم أو مرض، {أو تكون من الهالكين(85)} الميتين. # {قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله}، البث: أصعب الأمر الذي لا يصبر ~~عليه صاحبه، فيبثه على الناس أي: ينشره [270]، أي: لا يشكو (¬3) إلى أحد ~~منكم ومن غيركم، وإنما أشكو إلى ربي، داعيا له وملتجئا إليه، {وأعلم من ~~الله ما لا تعلمون(86)} وأعلم من رحمته أنه يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «وهو»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «السقا». والصواب بالهمزة كما أثبتناه؛ ففي اللسان: ~~«والسقاء: جلد السخلة إذا أجذع، ولا يكون إلا للماء». ابن منظور: لسان ~~العرب، 3/167. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «أشكو». PageV02P257 # يا بني، اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه} فتعرفوا منهما، وتطلبوا خبرهما، ~~{ولا تيئسوا من روح الله} (¬1) ولا تقنطوا من رحمة الله وفرجه؛ وقرئ «روح ~~الله»، أي: من رحمته ms0430 التي يحيي بها العباد، {إنه لا ييأس من روح الله إلا ~~القوم الكافرون(87)} لأن من آمن يعلم أنه متقلب في رحمة الله ونعمته، وأما ~~الكافر فلا يعرف رحمته، ولا (لعله) نعمته، ولا تقلبه فيهما، فييأس من رحمته ~~ويطمع فيما سواه. # {فلما دخلوا عليه، قالوا: يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر} (لعله) ~~الهزال من الشدة والجوع، {وجئنا ببضاعة مزجاة} أي: قليلة، رديئة كاسدة في ~~ثمن الطعام، {فأوف لنا الكيل} الذي [هو] حقنا، {وتصدق علينا} وتفضل علينا ~~بالمسامحة، أو زدنا على حقنا، أو هب لنا أخانا، {إن الله يجزي ~~المتصدقين(88)} # {قال: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون(89)}؟! أنتم في حد السفه. # {قالوا أئنك لأنت يوسف؟ قال: أنا يوسف، وهذا أخي قد من الله علينا} ~~بالألفة بعد الفرقة. ذكر نعمة الله بالسلامة والكرامة، ولم يبدأ بالملامة، ~~{إنه من يتق} الفحشاء، {ويصبر} على الابتلاء، لأن الصبر من غير تقوى مغرم، ~~{فإن الله لا يضيع أجر المحسنين(90)} قيل: من يتق مولاه، ويصبر على بلواه، ~~لا يضيع أجره في دنياه وعقباه. # {قالوا: تالله لقد آثرك الله (¬2) علينا} اختارك، وفضلك علينا، بالعمل ~~والحلم والتقوى والصبر، {وإن كنا لخاطئين(91)} اعترافا منهم له بالزلة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - لفظ الجلالة: «الله». # (¬2) - ... في الأصل: - لفظ الجلالة: «الله». PageV02P258 # قال: لا تثريب عليكم اليوم} لا تعيير عليكم {يغفر الله لكم}، لأن التائب ~~لا ذنب عليه، {وهو أرحم الراحمين(92)} (لعله) فإنه يغفر الصغائر والكبائر ~~ويتفضل على التائب. # {اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا، وأتوني بأهلكم ~~أجمعين(93)} (لعله) أحسن إليهم بعدما أساءوا إليه. # {ولما فصلت العير} من بيوت مصر {قال أبوهم: إني لأجد ريح يوسف} (لعله) ~~كأنه ألقي إليه مخايل الرخاء (¬1) ، {لولا أن تفندون(94)} تسفهوني؛ لولا ~~تفنيدكم، أي: لصدقتموني. والفند: الخطأ في القول والرأي. # {قالوا: تالله إنك لفي ضلالك القديم(95)} لفي خطئك القديم من ذكرك يوسف، ~~[و]لا تنساه؛ والضلال: هو الذهاب عن طريق الصواب، فإن عندهم أن يوسف قد ~~مات، وبظنونية [كذا] قد تهيج بذكره. # {فلما أن (¬2) جاء البشير} ms0431 المبشر بيوسف {ألقاه على وجهه فارتد بصيرا، ~~قال: ألم أقل لكم} يعني قوله: {إني لأجد ريح يوسف}، أو قوله: {ولاتيأسوا من ~~روح الله}، {إني أعلم من الله ما لا تعلمون(96)} علمه الله من حقائق الأمور ~~ما لا يعلمون؛ فكيف لا، وهم يقولون: {تالله إنك لفي ضلالك القديم}، {إن ~~أبانا لفي ضلال مبين}، وقد لاح الدليل أنهم أخطؤوا ما قالوه فيه، ووسموه ~~به، وقد أضاء لهم عرفان الحقيقة وما [271] توسمه يعقوب عليه السلام، فقد ~~انكشف قناع ما قد غم عليهم بتعاميهم عنه، (لعله) من حبه ليوسف، وذكره له، ~~(لعله) وحقت حقيقته، {قالوا: يا أبانا، استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا ~~خاطئين(97)} ومن حق المعترف بذنبه أن يصفح عنه، ويسأل له المغفرة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «الرجاء». # (¬2) - ... في الأصل: - «أن». PageV02P259 # قال: سوف أستغفر لكم ربي، إنه هو الغفور الرحيم(98) فلما دخلوا على يوسف ~~آوى إليه أبويه (¬1) } معنى دخولهم عليه قبل دخولهم مصر: أنه حين استقبلهم ~~نزل بهم في مضرب أو قصر كان له ثمة، فدخلوا عليه وهم (¬2) إليه أبويه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «أبواه» وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «وضم». انظر: الزمخشري: الكشاف، 2/393. PageV02P260 # وقال} لهم بعد ذلك: {ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين(99) ورفع أبويه على ~~العرش وخروا له سجدا} تصديق لرؤياه، حيث قال: {يا أبت، إني رأيت أحد عشر ~~كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} (¬1) (لعله)، وذلك قيل: لما دخل مصر ~~وجلس مجلسه، واجتمعوا إليه، أكرم أبويه، فرفعهما على السرير. {وخروا له} ~~يعني الإخوة والأبوبين؛ {سجدا}: وكانت السجدة عندهم جارية مجرى التحية ~~والتكرمة، كالقيام والمصافحة وتقبيل اليد؛ وقيل: سنة للتعظيم (¬2) في ذلك ~~الوقت أن يسجد للمعظم؛ وقيل: بمعنى الخضوع؛ {وقال: يا أبت، هذا تأويل رؤياي ~~من قبل قد جعلها ربي حقا} أي: صادقة، {وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن، ~~وجاء بكم من البدو} من البادية، لأنهم كانوا أصحاب مواشي ينتقلون في المياه ~~والمناجع، وما ضر البدو من كان مستقيما على طاعة الله، وربما فيه السلامة ~~والفراغ. {من ms0432 بعد أن (¬3) نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي} أي: أفسد بيننا ~~وأغرى، {إن ربي لطيف لما يشاء} أي: لطيف التدبير {إنه هو العليم ~~الحكيم(100)} الذي يفعل كل شيء في وقته على وجه يقتضي الحكمة. روي أن يعقوب ~~عليه السلام قال ليوسف عليه السلام: « لم (¬4) لم تكتب إلي، وأنا على سبع ~~مراحل منك»؟ قال: «أمرني جبريل بالتوقف»، فسأله، [ف]قال جبريل: «أمرني الله ~~بذلك، لقولك: “وأخاف أن يأكله الذئب”» قال: فهلا خافني!، والله أعلم ~~بالغيب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة يوسف: 4. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «التعظيم»، بالإضافة. # (¬3) - ... في الأصل: «من بعد ما...»، وهو خطأ. # (¬4) - ... في الأصل: «لما»، وهو خطأ. PageV02P261 # رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض ~~أنت وليي في الدنيا والآخرة} أنت الذي تتولاني بالنعمة في الدارين وتوصل ~~الملك الفاني بالملك الباقي، {توفني مسلما} طلب للوفاة على حال الإسلام، ~~{وألحقني بالصالحين(101)}. # { ذلك} إشارة إلى ما سبق من نبإ يوسف؛ والخطاب لرسول الله(ص)، {من أنباء ~~الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم} لدى (¬1) بني يعقوب، {إذ أجمعوا أمرهم} ~~عزموا على ما هموا به، من إلقاء يوسف في البئر، {وهم يمكرون(102)} بيوسف، ~~يخفون له الغوائل (¬2) . # {وما} كان {أكثر الناس ولو حرصت} على إيمانهم وبالغت في إظهار الآيات ~~عليهم، {بمؤمنين(103)} لعنادهم وتصاممهم (¬3) على الكفر. # {وما تسألهم عليه} على التبليغ، أو على القرآن، {من أجر} جعل {إن هو إلا ~~ذكر للعالمين(104)}. # {وكأين من آية} من علامة ودلالة على صفات الخالق وتوحيده، {في [272] ~~السماوات والأرض يمرون عليها} يشاهدونها بقيام الحجة عليهم بها، {وهم عنها ~~معرضون(105)} لاستنكافهم عن قبولها، لأنهم لا يعتبرون بها، ولا يتفكرون، ~~لأن الهوى قد ملكهم وغلبهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «الدى»، وهو خطأ. # (¬2) - ... «والغائلة: الحقد الباطن، اسم كالوابلة، وفلان قليل الغائلة ~~والمغالة أي الشر. الكسائي: الغوائل: الدواهي. والغيلة بالكسر: الخديعة». ~~ابن منظور: لسان العرب، 4/1038. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «وتصميمهم». «وتصام عنه وتصامه: ~~أراه أنه أصم، وليس به، وتصام عن الحديث، وتصامه: أرى صاحبه الصمم عنه». ~~ولا شك أن المصنف لا يقصد إلى ms0433 هذا، وإنما يقصد الإصرار على الكفر: ~~«والتصميم: المضي في الأمر. أبو بكر: صمم فلان على كذا: أي مضى على أمره ~~بعد إرادته». ابن منظور: لسان العرب، 3/476، 478. PageV02P262 # وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون(106)} أي شرك كان، وهو ضد الإيمان ~~الخالص. # {أفأمنوا أن تأتيهم غاشية} عقوبة تغشاهم وتشملهم، {من عذاب الله} يحتمل: ~~الموت، أو ما يتألمون به في الدنيا، {أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا ~~يشعرون(107)} بإتيانها. # {قل: هذه سبيلي} هذه السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان والتوحيد، {أدعو ~~إلى الله} أي: دينه، {على بصيرة} حجة واضحة غير عمياء، {أنا ومن اتبعني}، ~~ويدعو إليها من اتبعنى، {وسبحان الله} وأنزهه من الشركاء الظاهرين ~~والمستترين، {وما أنا من المشركين(108)} الشرك الجلي والخفي. # {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا} لا ملائكة، {نوحي إليهم من أهل القرى} ~~لأنهم أعلم وأحلم؛ وأهل البوادي فيهم الجهل والجفاء (¬1) ، {أفلم يسيروا في ~~الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم}؟ من المكذبين الرسل عليهم ~~السلام، {ولدار (¬2) الآخرة خير للذين اتقوا} الشرك جليه وخفيه، وآمنوا ~~بالله حقا وصدقا، {أفلا تعقلون(109)} أفلا تعتبرون فتعقلون ذلك. # {حتى إذا استيأس الرسل} أيسوا من إيمان القوم، {وظنوا أنهم قد كذبوا} ~~وأيقن الرسل أنهم قد كذبوهم (¬3) قومهم، {جاءهم نصرنا} للرسل ورسلهم، فجاءة ~~من غير احتساب، {فنجي من نشاء} أي: الرسل ورسلهم ومن تبعهم، {ولا يرد ~~بأسنا} عقوبتنا؛ أو أخذناهم (¬4) بالهلاك، {عن القوم المجرمين(110)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «والجفى». # (¬2) - ... في الأصل: «والدار»، وهو خطأ. # (¬3) - ... كذا في الأصل، والأصوب: «كذبهم». # (¬4) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «أخذنا إياهم». PageV02P263 # لقد كان في قصصهم} في قصص الأنبياء وأممهم، {عبرة} (لعله) معتبر، {لأولي ~~(¬1) الألباب} لا غيرهم؛ {ما كان} (لعله) القرآن، {حديثا يفترى، ولكن تصديق ~~الذي بين يديه}، ولكن كان تصديق الكتب (¬2) التي تقدمته، {وتفصيل كل شيء ~~(¬3) وهدى} من الضلالة، {ورحمة} من العذاب، {لقوم يؤمنون(111)} بالله ~~وأنبيائه. قال أبو منصور: «من (¬4) ذكر قصة يوسف وإخوته تصبير لرسول الله ~~(ص) على أذى قريش، كأنه يقول: إن إخوة يوسف مع موافقتهم إياه في الدين، ms0434 ~~والأخوة في النسب، عملوا به ما عملوا من الكيد والمكر لمخالفتهم إياه في ~~بعض (لعله) الحق، وصبر على ذلك، فأنت مع مخالفتهم إياك في الدين أحرى أن ~~تصبر على أذاهم». # سورة الرعد # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «الأولي»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: + «الكتب»، وهو تكرار. # (¬3) - ... في الأصل - {وتفصيل كل شيء} وهو سهو. # (¬4) - ... كذا في الأصل، ولعل الأصوب: «في». PageV02P264 # المر} أي: أنا الله أعلم وأرى، {تلك} إشارة إلى آيات السورة، {آيات ~~الكتاب} أريد ب«الكتاب»: السورة، أي: تلك الآيات، آيات السورة الكاملة ~~العجيبة في بيانها، {والذي أنزل إليك من ربك} القرآن كله {الحق، ولكن أكثر ~~الناس لا يؤمنون(1)} أنه الحق، فيعملون بموجباته؛ ثم ذكر ما يوجب الإيمان ~~به من دلائل وحدانيته، فقال: {الله الذي رفع السماوات}، أي: خلقها مرفوعة، ~~لا أن تكون موضوعة فرفعها، {بغير عمد ترونها} [273] بلا عمد؛ وقيل: لعمد ~~(¬1) لا ترونها، {ثم استوى على العرش} استولى بالاقتدار ونفوذ السلطان، ~~{وسخر الشمس والقمر} (لعله) أو انقضاء اليوم والشهر والسنة في المنازل بلا ~~تفاوت، {يدبر الأمر} (لعله) لمنافع عباده، {كل يجري لأجل مسمى} وهو انقضاء ~~الدنيا، (لعله) أو انقضاء اليوم والشهر والسنة في المنازل بلا تفاوت، {يدبر ~~الأمر} أمر ملكه وملكوته، {يفصل الآيات} يبينها في كتبه، {لعلكم بلقاء ربكم ~~توقنون(2)} لعلكم توقنون بأن هذا المدبر والمفصل لا بد لكم من الرجوع إليه؛ ~~والإيقان بمعنى: اليقين. # {وهو الذي مد الأرض} بسطها، {وجعل فيها رواسي وأنهارا، ومن كل الثمرات ~~جعل فيها زوجين اثنين} أي: الأسود والأبيض، والحلو والحامض، والصغير ~~والكبير، وما أشبه ذلك، {يغشى الليل النهار} يلبسه مكانه فيصير أسود مظلما ~~بعد ما كان أبيض منيرا، (لعله) على غير الاختيار منهما؛ {إن في ذلك لآيات ~~لقوم يتفكرون(3)} فيعلمون أن لها صانعا عليما حكيما قادرا، وأنه ما خلقها ~~إلا لحكمة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «بعمد». PageV02P265 # وفي الأرض قطع متجاورات} بقاع مختلفة مع كونها متجاورة متلاصقة طيبة إلى ~~سبخة، وكريمة إلى زهيدة، وصلبة إلى رخوة؛ وذلك دليل على قادر مريد، موقع ~~لأفعاله ms0435 على وجه دون وجه، {وجنات من أعناب وزرع ونخيل، صنوان وغير صنوان}، ~~الصنوان: جمع صنو، وهو: النخلة لها رأسان وأصلها واحد، {يسقى بماء واحد، ~~ونفضل بعضها على بعض في الأكل، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون(4)} يستعملون ~~عقولهم بالتفكر. عن الحسن: «مثل اختلاف القلوب في أثمارها وأنوارها ~~وأسرارها باختلاف القطع في أنهارها وأزهارها».انتهى. وهي تمد كلها من بحر ~~إلهي لا مقطوعة ولا ممنوعة، ولكن الطيب يخرج نباته بإذن ربه، والذي خبث لا ~~يخرج إلا نكدا (¬1) . # {وإن تعجب} يا محمد من إنكارهم البعث، {فعجب قولهم:}، أي: فحقيق قولهم ~~بأن يتعجب منه، لأن من قدر على إنشاء ما عدد عليك، كانت الإعادة أهون شيء ~~عليه، وإن كان إنكارهم أعجوبة من الأعاجيب. {أئذا كنا ترابا، أئنا لفي خلق ~~جديد، أولئك الذين كفروا بربهم} الكاملون في كفرهم، {وأولئك الأغلال في ~~أعناقهم} مغلون في أعناقهم بالضلال لا يرجى خلاصهم منه، [وهو] وصف لهم ~~بالإصرار، {وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون(5)}، ذكر: تكرار «أولئك» على ~~تعظيم الأمر عليهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... إشارة إلى قوله تعالى: {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه، ~~والذي خبث لا يخرج إلا نكدا}. سورة الأعراف: 58. PageV02P266 # ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة} بالنقمة قبل العافية، وذلك أنهم سألوا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأتيهم بالعذاب استهزاء منهم بإنذاره؛ ~~{وقد خلت من قبلهم المثلات} أي: عقوبات أمثالهم من المكذبين، فما لهم لم ~~يعتبروا بها! فلا يستهزؤوا؛ والمثلة: العقوبة، لما بين العقاب والمعاقب ~~عليه من المماثلة، {وجزاء سيئة سيئة مثلها} (¬1) ، {وإن (¬2) ربك لذو مغفرة ~~للناس على ظلمهم} لمن تاب من ظلمه، أو لإمهاله العقوبة عنهم لأجل مسمى ~~[274]، {وإن ربك لشديد العقاب(6)} لمن أصر على ظلمه. # {ويقول الذين كفروا: لولا أنزل عليه آية من ربه} لم يعتدوا بالآيات ~~المنزلة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنادا، (لعله) فاقترحوا نحو ~~آيات موسى وعيسى، من انقلاب العصا حية، وإحياء الموتى؛ فقيل لرسول الله: ~~{إنما أنت منذر} مأمور، ليس إتيان الآيات إليك ولا منك، إنما أنت منذر ~~بالقرآن، {ولكل قوم ms0436 هاد(7)} عالم يعلمهم أمر دينهم، (لعله) ينزل في الحكم ~~في اللوازم منزلة الحجة اللازمة للعباد منزلة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~، ويقوم مقامه في القيام في الحق (¬3) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الشورى: 40. # (¬2) - ... في الأصل: - «إن» وهو خطأ. # (¬3) - ... كذا في الأصل، والعبارة غير واضحة من قوله: «(لعله) ينزل...». PageV02P267 # الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام} وما تنقصه، {وما تزداد، وكل ~~شيء} من الأشياء {عنده بمقدار(8)} بتقدير واحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه، ~~كقوله: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} (¬1) ، لأنه لم يخلق شيئا عبثا ولا لعبا، ~~ولكن بعلم سابق، كما قال: {عالم الغيب} ما غاب عن الخلق علمه، {والشهادة} ~~ما شاهدوه؛ {الكبير} العظيم الشأن، الذي كل شيء دونه {المتعال(9)} المستعلي ~~على كل شيء بقدرته، أو الذي كبر عن صفات المخلوقين وتعالى عنها. # {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به} أي: في علمه، {ومن هو مستخف بالليل} ~~طالب للخفاء في مخبإ بالليل، {وسارب} (لعله) بارز {بالنهار (10)} يراه ~~الناظرون. # {له معقبات} جماعات من الملائكة تعتقب في حفظه تعاقب الليل والنهار، حكمة ~~من الله لا يعلم كنهها إلا هو، {من بين يديه ومن خلفه} أي: قدامه ووراءه، ~~{يحفظونه من أمر الله}، أي: إن الله أمرهم بحفظه (لعله) والمعنى: يحفظونه ~~بأمر الله، {إن الله لا يغير ما بقوم} من العافية والنعمة {حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم} بارتكابهم للشهوات؛ {وإذا أراد الله بقوم سوءا} عذابا يسوؤهم، ~~{فلا مرد له} فلا يدفعه شيء، {وما لهم من دونه من وال(11)} يلي أمرهم من ~~دون الله ويدفع عنهم. # {هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا} يخاف من وقوع الصواعق عند لمع البرق، ~~ويطمع في الغيث، {وينشئ السحاب الثقال(12)} بالماء. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة القمر: 49. PageV02P268 # ويسبح الرعد بحمده} كما قال: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} (¬1) ، ~~{والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء} قيل: الصاعقة: نار ~~تسقط من السماء، {وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال(13)} المحال ~~والمماحلة: المغالبة، وهو شدة المماكرة والمكايدة، وروم الأمر بالحيلة، ~~والمعنى: أنه شديد المكر والكيد لأعدائه، ms0437 يأتيهم بالهلكة من حيث لا يشعرون. # {له دعوة الحق} قيل «دعوة الحق»: التوحيد، {والذين يدعون من دونه} أي: ~~يعبدون الأصنام من دون الله، {لا يستجيبون لهم بشيء} أي: لا يجيبونهم بشيء ~~يريدونه من نفع أو دفع، {إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه}، أي: إلا ~~كباسط كفيه ليقبض على الماء، (لعله) لا يكون في يده شيء، ولا يبلغ إلى فيه ~~منه شيء، {وما هو ببالغه}، وما الماء ببالغ فاه، {وما دعاء الكافرين إلا في ~~ضلال(14)} في ضياع لا منفعة فيه، لأنهم إن دعوا الله لم يجبهم وإن دعوا ~~الأصنام لم [275] تستطع [إجابتهم] (¬2) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الإسراء: 44. # (¬2) - ... انظر: الزمخشري: الكشاف، 2/406. PageV02P269 # ولله يسجد من في السماوات والأرض} سجود تعبد وانقياد، {طوعا}؛ قيل: يعني: ~~الملائكة والمؤمنين، {وكرها}؛ قيل: المنافقين والكافرين في حال الشدة ~~والضيق؛ ويخرج في المعنى: {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا} بمعنى: ~~الانقياد والإقرار لله بالوحدانية، {وكرها} نفس المؤمن الروحانية، من حيث ~~يأمرها العقل والشرع، لتذل وتنقاد، وتتواضع لخالقها مع المتواضعين، وهي ~~تطلب بطبعها العلو والاستبكار، مخالفة لبقية المخلوقات؛ وبذلك تستحق الثواب ~~إن انقادت، وتستوجب العقاب إن استكبرت؛ {وظلالهم} يعني: ظلال (¬1) الساجدين ~~تسجد لله طوعا، {بالغدو والآصال(15)} وهو استيعاب الأوقات. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «ضلال»، وهو خطأ. PageV02P270 # قل: من رب السماوات والأرض؟ قل: الله} حكاية لاعترافهم، لأنهم إذا قال ~~لهم: من رب السموات والأرض؟ لم يكن لهم بد من أن يقولوا: الله؛ {قل: ~~أفاتخذتم من دونه أولياء؟} أبعد أن علمتموه رب السماوات والأرض اتخذتم من ~~دونه آلهة؟ {لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا} لا يستطيعون لأنفسهم أن ~~ينفعوها، أو يدفعوا عنها، فكيف يستطيعون لغيرهم، وقد آثرتموهم على الخالق ~~الرازق، المثيب المعاقب، فما أبين ضلالتكم، {قل: هل يستوي الأعمى والبصير؟} ~~أي: الكافر والمؤمن، أو من لا يبصر شيئا، ومن لا يخفى عليه شيء، {أم هل ~~تستوي الظلمات والنور؟} ملل الكفر والإيمان، {أم جعلوا لله شركاء؟} بل ~~أجعلوا، ومعنى الهمزة: للإنكار، {خلقوا كخلقه} خلقوا مثل خلقه، وهو: صفة ~~ل«شركاء»، أي: أنهم لم يتخذوا ms0438 لله شركاء خالقين قد خلقوا مثل خلقه، {فتشابه ~~الخلق عليهم} فاشتبه عليهم مخلوق الله بمخلوق الشركاء، حتى يقولوا: قدر ~~هؤلاء على أن يخلقوا كما قدر الله عليه، فاستحقوا العبادة، فنتخذهم لله ~~شركاء، فنعبدهم كما نعبد الله، ولكنهم اتخذوا له شركاء عاجزين، لا يقدرون ~~على ما يقدر عليه الخالق، {قل: الله خالق كل شيء} أي: خالق الأجسام ~~والأعراض، لا خلاق غير الله، ولا يستقيم أن يكون له شريك في الخلق، فلا ~~يكون له شريك في العبادة. من قال: إن الله لم يخلق أفعال العباد، وهم ~~خلقوها، فتشابه الخلق معهم [كذا] على معنى قولهم. {وهو الواحد} المتوحد ~~بالربوبية، {القهار(16)} لا يغالب، وما عداه مربوب ومقهور. # { PageV02P271 أنزل من السماء ماء}، أي: الواحد القهار، {فسالت أودية ~~بقدرها فاحتمل السيل زبدا} هو ما على وجه الماء من الرغوة (¬1) ، {رابيا} ~~منتفخا مرتفعا على وجه السيل، {ومما يوقدون عليه}، أي: ومنه ينشأ زبد مثل ~~زبد الماء، {في النار ابتغاء حلية} مبتغين حلية متحلى بها، {أو متاع} من ~~الحديد والنحاس والرصاص يتخذ منها الأواني وما يتمتع به، {زبد} خبث {مثله؛ ~~كذلك يضرب الله الحق والباطل} أي: مثل الحق والباطل، {فأما الزبد فيذهب ~~جفاء}، وهو ما تقذفه القدر عند الغليان، والبحر عند الطغيان؛ والجفو: ~~الرمي، {وأما ما ينفع الناس} من الماء والحلي [276] والأواني، {فيمكث في ~~الأرض} فيثبت الماء في ينابيع الأرض، وكذلك الجواهر تبقى في الأرض مدة ~~طويلة؛ {كذلك يضرب الله الأمثال(17)} ليظهر الحق من الباطل؛ قيل: هذا مثل ~~ضربه الله للحق وأهله، والباطل وحزبه، فمثل الحق وأهله بالماء الذي ينزله ~~من السماء فتسيل به أودية الناس فيحيون به، وينفعهم أنواع (¬2) المنافع ~~وبالفلز (¬3) الذي ينتفعون به في صوغ الحلي منه، واتخاذ الأوانى والآلات ~~المختلفة، وأن ذلك ماكث في الأرض، باق بقاء ظاهرا يثبت الماء في منابعه، ~~وكذا الجواهر تبقى أزمنة متطاولة. # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «الروغوة»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «بأنواع». # (¬3) - ... «الفلز، والفلز، والفلز: النحاس الأبيض، تجعل منه القدور ~~العظام المفرغة والهاونات[كذا]، والفلز والفلز: الحجارة، وقيل: هو ms0439 جميع ~~جواهر الأرض من الذهب والفضة والنحاس وأشباهها، وما يرمى من خبثها». ابن ~~منظور: لسان العرب، 4/1127. مادة «فلز». PageV02P272 # وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله، ووشك زواله، وعدم الانتفاع به بزبد السيل، ~~الذي يرمي به الفلز الذي يطفوا فوقه إذا أذيب. وقال الجمهور: هذا مثل ضربه ~~الله تعالى للقرآن والقلوب والحق والباطل، فالماء: القرآن نزل لحياة ~~الجنان، كالماء للأبدان؛ والأودية: القلوب. ومعنى «بقدرها»: بقدر (لعله) ~~سعة القلب وضيقه. و«الزبد»: الهواجس [و]الخواطر، هواجس النفس، ووساوس ~~الشيطان. والماء الصافي المنتفع به مثل الحق، كما يذهب الزبد باطلا، ويبقى ~~صفو الماء؛ كذلك هواجس النفس ووساوس الشيطان، ويبقى الحق كما هو. وأما حلية ~~الذهب والفضة فمثل للأحوال السنية والأخلاق الزكية. وأما متاع الحديد ~~والنحاس والرصاص فمثل للأعمال الممتدة بالإخلاص، المعدة للخلاص؛ فإن ~~الأعمال جالبة للثواب، دافعة للعقاب، كما أن تلك الجواهر بعضها أداة النفع ~~في الكسب، وبعضها آلة الدفع في الحرب؛ وأما الزبد فالرياء والخلل والملل ~~والكسل. # واللام في: {للذين استجابوا} أي: أجابوا متعلقة ب«يضرب»، أي: «كذلك يضرب ~~الله الأمثال للمؤمنين الذين استجابوا»، {لربهم الحسنى} الباقية التي لا ~~تنفد، {والذين لم يستجيبوا له} مثلا للفريقين، {لو أن لهم ما في الأرض ~~جميعا، ومثله معه لافتدوا به} أي: لو ملكوا أموال الدنيا وملكوا معها ~~مثلها، لبذلوه ليدفعوا عن أنفسهم أدنى عذاب من عذاب الله، بل {أولئك لهم ~~سوء الحساب} المناقشة فيه، بالتفتيش لجلي الأعمال وخفيها، وقليلها وكثيرها، ~~وصغيرها وكبيرها، والمجازاة عليها، كما قال: {ومأواهم جهنم} ومرجعهم بعد ~~المحاسبة النار، {وبئس المهاد(18)} المكان الممهد. # { PageV02P273 أفمن يعلم} لإنكار أن تقع شبهة بعد ما ضرب من المثل في أن ~~حال من علم {أنما أنزل إليك من ربك الحق} فاستجاب بمعزل من حال الجاهل الذي ~~لم يستبصر فيستجيب، وهو المراد بقوله: {كمن هو أعمى} كبعد ما بين الزبد ~~والماء، {إنما يتذكر أولو الألباب(19)} الذي عملوا على قضايا عقولهم، ~~فنظروا واستبصروا؛ وتفسير التذكر إنما هو يسع حجاب القلب عن الغفلة[كذا]. # {الذين يوفون بعهد الله} عهد الله: ما عقدوه على أنفسهم من ms0440 الشهادة ~~بربوبيته، {وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى} (¬1) ، [277] {ولا ~~ينقضون الميثاق(20)} وما وثقوه على أنفسهم وقبلوه، من الإيمان بالله وغيره ~~من المواثيق، بينهم وبين الله، وبين العباد تعميم بعد تخصيص. # {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} قيل: أراد به الإيمان بجميع الكتب ~~والرسل لا نفرق بينهما؛ وقيل: المراد به: صلة من أمر الله بصلته، {ويخشون ~~ربهم} أي: وعيده كله {ويخافون سوء الحساب(21)} فيحاسبون أنفسهم قبل أن ~~يحاسبوا، فيحبسوها على قوانبن الشرع بدليل قوله: # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأعراف: 172. PageV02P274 # والذين صبروا} مطلق فيما يصبر عليه من مشاق التكاليف، {ابتغاء وجه ربهم}، ~~لا ليقال: ما أصبره! وأحمله للنوازل! وأوقره عند الزلازل! ولا لئلا يعاب في ~~الجزع، {وأقاموا الصلاة} بجميع ما يجب وينبغي، {وأنفقوا مما رزقناهم} أي: ~~من الحلال، {سرا وعلانية} كيفما اتفق لهم، {ويدرءون بالحسنة السيئة} ~~ويدفعون بالحسن من الأعمال والأقوال ما يسوءهم من قول الجهلة وفعلهم، ويخرج ~~فيه دفع الذنب بالتوبة، {أولئك لهم عقبى الدار(22)} عاقبة الدنيا وهي ~~الجنة، لأنها أرادها الله أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها. # {جنات عدن} بدل من «عقبى الدار»، {يدخلونها ومن صلح} أي: آمن {من آبائهم ~~وأزواجهم وذرياتهم، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب(23)} من أبواب ~~المنازل، بالسلام والبشارة بالرضى والهدايا. # {سلام عليكم بما صبرتم} أي: هذا الثواب بسبب صبركم عن الشهوات، وعلى ~~أوامر الله؛ وكأن الآية تدل عل تفضيل المؤمنين على الملائكة، لأن دخولهم ~~ثواب للمؤمنين، لأنهم يبشرونهم بالسلامة، {فنعم عقبى الدار(24)} الجنات. # {والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} من بعدما أوثقوه به من الاعتراف ~~والقبول، {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} من حقوقه وحقوق خلقه، {ويفسدون ~~في الأرض} بالكفر والظلم، {أولئك لهم اللعنة} الإبعاد من الرحمة، {ولهم سوء ~~الدار(25)} يحتمل أن يراد سوء عاقبة الدنيا، لأنه في مقابلة عقبى الدار. # { PageV02P275 الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} (لعله) أي: يوسع؛ {وفرحوا ~~بالحياة الدنيا} بما بسط لهم من الدنيا فرح بطر وأشر (¬1) ، لا فرح سرور ~~بفضل الله وإنعامه عليهم، ولم يقابلوه بالشكر حتى ms0441 يؤجروا بنعيم الآخرة؛ ~~والفرح: لذة في القلب بنيل المشتهى، وفيه دليل على أن الفرح للدنيا حرام، ~~{وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع(26)} قليل ذاهب. # {ويقول الذين كفروا: لولا} هلا {أنزل عليه آية من ربه} (لعله) آية مقترحة ~~{قل: إن الله يضل من يشاء} باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات، {ويهدي إليه ~~من أناب(27)}، ويرشد إلى دينه من رجع إليه بقلبه. # {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم} تسكن {بذكر الله} بالقرآن، {ألا بذكر الله ~~تطمئن القلوب(28)}؟ بسبب ذكره تسكن قلوب المؤمنين، ويستقر فيها اليقين، فإن ~~قيل: أليس قال الله: { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم}؟ ~~(¬2) فكيف تكون [278] الاطمئنانية والوجل في حال واحد؛ قيل: الوجل عند ذكر ~~الوعيد والعذاب. والاطمئنانية عند ذكر الوعد والثواب. # {الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم} هو مصدر، من “طاب” {وحسن ~~مآب(29)} أي: مرجع. # { # ¬__________ # (¬1) - ... «الأشر: البطر، وقيل: أشد البطر». ابن منظور: لسان العرب، ~~1/65. مادة «أشر». # (¬2) - ... سورة الأنفال: 2. PageV02P276 # كذلك أرسلناك} مثل ذلك الإرسال أرسلناك، يعني: أرسلناك إرسالا له شأن ~~وفضل على سائر الإرسالات؛ ثم فسر كيف أرسله، فقال: {في أمة قد خلت من قبلها ~~أمم} أي: أرسلناك في أمة قد تقدمها أمم كثيرة، {لتتلو عليهم الذي أوحينا ~~إليك} لتقرأ عليهم الكتاب العظيم الذي أوحينا إليك، وتفسره (¬1) لهم ما ~~يحتاج منه إلى (¬2) تفسير، {وهم يكفرون} ودأب هؤلاء أنهم يكفرون {بالرحمن}، ~~البليغ الرحمة، الذي وسعت رحمته كل شيء، كقوله: {وإذا قيل لهم: اسجدوا ~~للرحمن قالوا: وما الرحمن...} الآية (¬3) ، {قل: هو ربي لا إله إلا هو} أي: ~~هو ربي الواحد المتعالي عن الشركاء، {عليه توكلت} اتخذته وكيلي في جميع ~~الأمور، {وإليه متاب(30)} توبتي [و]مرجعي. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «تفسر». # (¬2) - ... في الأصل: + «إلى»، وهو تكرار. # (¬3) - ... سورة الفرقان: 60؛ وتمامها: {وإذا قيل لهم: اسجدوا للرحمن، ~~قالوا: وما الرحمن؟ أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا}. PageV02P277 # ولو أن قرآنا سيرت به الجبال} عن مقارها، {أو قطعت به الأرض} حتى تتصدع ~~وتتزايل قطعا {أو كلم به الموتى} فتسمع وتجيب، لكان هذا القرآن، لكونه ~~[غاية] (¬1) في ms0442 التذكير، ونهاية في الإنذار والتخويف، أو معناه: ولو أن ~~قرآنا وقع به تسير (¬2) الجبال، وتقطيع الأرض، وتكليم الموتى وتنبيههم (¬3) ~~لما آمنوا به ولما تنبهوا عليه، كقوله: {ولو أننا نزلنا إليهم ~~الملائكة}...الآية (¬4) ؛ {بل لله الأمر جميعا} بل لله القدرة على كل شيء ~~وهو قادر على الآيات المقترحة؛ {أفلم ييئس الذين آمنوا} أفلم يعلم، قيل: ~~إنما استعمل اليأس بمعنى العلم، لتضمنه معناه، لأن اليائس عن الشيء عالم ~~بأنه لا يكون، كما استعمل النسيان في معنى الترك لتضمن ذلك، {أن لو يشاء ~~الله لهدى الناس جميعا} فإن معناه: نفي هدى بعض الناس، لعدم تعلق المشيئة ~~باهتدائهم؛ {ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا} من كفرهم وسوء أعمالهم ~~{قارعة} داهية تقرعهم، بما يحل الله بهم في كل وقت من صنوف البلايا ~~والمصائب، في أنفسهم وأولادهم وأموالهم، كما قال: {إنما يريد الله أن ~~يعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} (¬5) ، (لعله) ~~وكقوله: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} (¬6) ، { # ¬__________ # (¬1) - ... ينظر: الزمخشري: الكشاف، 2/412. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «تسيير». # (¬3) - ... في الأصل: «تنبيهم»، وهو خطأ. # (¬4) - ... سورة الأنعام: 111، وتمامها: {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ~~وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ~~ولكن أكثرهم يجهلون}. # (¬5) - ... سورة التوبة: 55. # (¬6) - ... سورة الشورى: 30.. PageV02P278 # أو تحل قريبا من دارهم} أو تحل القارعة قريبا منهم، ويتطاير إليهم ~~شرارها، وتتعدى إليهم شرورها {حتى يأتي وعد الله} أي: موتهم؛ {إن الله لا ~~يخلف الميعاد(31)}. # {ولقد استهزئ برسل من قبلك} كما استهزئ بك، {فأمليت للذين كفروا}، ~~الإملاء: الإمهال، وأن يترك ملاوة (¬1) من الزمان في حفظ وأمن، ومنه ~~الملوان: الليل والنهار؛ {ثم أخذتهم} (لعله) بالهلاك، {فكيف كان عقاب(32)} ~~وهذا وعيد لهم، وجواب عن اقتراحهم الآيات على رسول الله استهزاء به، وتسلية له. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الملاوة والملاوة والملاوة، والملا، والملي، كله: مدة العيش، ~~وقد تملى العيش، ومليه، وأملاه الله إياه وملاه، وأملى الله له: أمهله، ~~وطول له». ابن منظور: لسان العرب، 5/532. مادة «ملا». PageV02P279 # أفمن هو قائم} احتجاج عليهم في ms0443 إشراكهم بالله، يعني: فالله الذي هو رقيب ~~{على كل نفس} صالحة [279] أو طالحة {بما كسبت} يعلم خيرها وشرها، ويعد لكل ~~جزاءه، كمن ليس كذلك؛ ثم استأنف فقال: {وجعلوا لله شركاء} أي: آلهة ~~الألوهية وغيرها {قل: سموهم} بينوا أسماءهم له من هم؛ ثم قال: {أم تنبئونه ~~بما لا يعلم في الأرض} أي: بل أتنبئونه بشركاء لا يعلمهم في الأرض، وهو ~~العالم بما في السماوات والأرض؛ فإذا لم يعلمهم علم أنهم ليسوا بشيء، ~~والمراد نفي أن يكون له شركاء. {أم بظاهر من القول} بل أتسمونهم بشركاء ~~بظاهر من القول من غير أن يكون لذلك حقيقة، كقوله: {ذلك قولهم بأفواههم} ~~(¬1) ، {ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها} (¬2) ؛ {بل زين للذين كفروا ~~مكرهم} كيدهم للإسلام بشركهم {وصدوا} وصرفوا {عن السبيل} (لعله) وهو الدين، ~~{ومن يضلل الله فما له من هاد(33)} من أحد يقدر على هدايته. # {لهم عذاب في الحياة الدنيا} بكل ما يسوؤهم ويسرهم في الحياة الدنيا، ~~لأنه يؤدي بهم إلى العذاب الأكبر، والمؤمنون سالمون من عذاب الله في الدنيا ~~والآخرة، وإن ساءهم شيء في الدنيا فذلك ليس بعذاب (لعله) في الحقيقة، وهو ~~(¬3) نعمة، لأنه يؤدي بهم إلى النعمة الدائمة، {ولعذاب الآخرة أشق} أشد، ~~لدوامه وتعاظمه وتضاعفه، {وما لهم من الله من واق(34)} يقيهم العذابين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة التوبة: 30. # (¬2) - ... سورة يوسف: 40. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «وإنما هو». PageV02P280 # مثل الجنة التي وعد المتقون} صفتها التي هي في غرابة المثل، {تجري من ~~تحتها الأنهار أكلها دائم} ثمرها دائم الوجود لا ينقطع ولا يمنع، {وظلها} ~~دائم لا ينسخ كما ينسخ في الدنيا بالشمس، {تلك عقبى الذين اتقوا} أي: الجنة ~~الموصوفة عقبى تقواهم، يعني: منتهى أمرهم، {وعقبى الكافرين النار(35)}. # { والذين آتيناهم الكتاب} يريد من أسلم منهم، {يفرحون بما أنزل إليك (¬1) ~~؛ ومن الأحزاب} أي: ومن أحزابهم، (لعله) وهم كفرتهم الذين تحزبوا على رسول ~~الله بالعداوة، {من ينكر بعضه} لأنهم كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض ~~الأحكام والمعاني، مما [هو] ثابت في كتبهم، وكانوا ينكرون نبوة محمد - صلى ~~الله عليه وسلم ms0444 - ، وغير ذلك مما حرفوه وبدلوه من الشرائع (¬2) ، {قل: إنما ~~أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به} هو جواب للمنكرين، أي: قل: إنما أمرت فيما ~~أنزل إلي بأن أعبد الله ولا أشرك به، فإنكاركم [له إنكار] (¬3) لعبادة الله ~~وتوحيده، فانظروا ماذا تنكرون، مع ادعائكم وجوب عبادة الله، وأن لا يشرك ~~به، {إليه أدعو} خصوصا لا أدعو إلى غيره، {وإليه مآب(36)} مرجعي، وأنتم ~~تقولون مثل ذلك فلا معنى لإنكاركم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «{يفرحون بما أنزل إليك}» وهو سهو. # (¬2) - ... في الأصل: «الشريع»، وهو خطأ. # (¬3) - ... إضافة من الزمخشري: الكشاف، 2/415. PageV02P281 # وكذلك أنزلناه} ومثل ذلك الإنزال أنزلناه، مأمورا فيه بعبادة الله ~~وتوحيده، والدعوة إليه وإلى دينه، والإنذار بدار الجزاء، {حكما عربيا} حكمة ~~عربية مترجمة بلسان العرب، {ولئن اتبعت أهواءهم} وسبب اتباع أهوائهم اتباع ~~هواه، {بعدما جاءك من العلم} أي: بعد ثبوت العلم بالحجج القاطعة والبراهين ~~الساطعة، {ما لك من الله من ولي ولا واق(37)} أي: لا ينصرك ناصر ولا يقيك ~~منه واق، وهذا من باب التهييج والبعث للسامعين على الثبات في الدين، وأن لا ~~يزل زال عند الشبهة بعد استمساكه بالحجة، وإلا فكان رسول [280] الله من شدة ~~الثبات بمكان، وكانوا يعيبونه بالزواج والأولاد (¬1) ، ويقترحون عليه ~~الإناث، وينكرون النسخ، فنزل: # {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية، وما كان لرسول أن ~~يأتي بآية إلا بإذن الله} أي: ليس في وسعهم إتيان الآيات على ما يقترحه ~~قومه، وإنما ذلك إلى الله، {لكل أجل كتاب(38)} لكل وقت حكم على العباد، أي: ~~يفرض عليهم ولهم، على ما تقتضيه حكمته. # {يمحو الله ما يشاء} ينسخ الله ما يشاء نسخه {ويثبت} بدله ما يشاء، أو ~~ينزله غير منسوخ، أو يمحق كفر التائبين، ويبطل ثواب من عصى، ويثبت ضده، ~~{وعنده أم الكتاب(39)} أصل كل كتاب وهو اللوح المحفوظ، لأن كل كائن مكتوب ~~فيه؛ أو علمه الذي استأثر به. # {وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ} فما يجب ~~عليك إلا تبليغ الرسالة، {وعلينا الحساب(40)} وعلينا حسابهم وجزاؤهم ms0445 على ~~أعمالهم، فلا يهمنك إعراضهم ولا تستعجل بعذابهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «ولولاد»، وهو خطأ. PageV02P282 # أولم يروا أنا نأتي الأرض} أرض الكفر، {ننقصها من أطرافها}؟ بما نفتح على ~~المسلمين من بلادهم، فننقص من دار الحرب ونزيد في دار الإسلام؛ وقيل: ~~المراد أرض الإسلام، وننقصها: بموت العلماء وذهاب الفقهاء، {والله يحكم لا ~~معقب لحكمه} لا راد لحكمه؛ والمعقب الذي يستولي على الشيء فيبطله، وحقيقته ~~الذي يقفيه بالرد والإبطال، والمعنى: أنه حكم للإسلام بالغلبة والإقبال، ~~وعلى الكفر بالإدبار والانتكاس، {وهو سريع الحساب(41)} فعما قليل يحاسبهم ~~في الآخرة بعد عذاب الدنيا. # {وقد مكر الذين من قبلهم} كفار الأمم الخالية بأنبيائهم، والمكر: إرادة ~~المكروه في خفية، ثم جعل مكرهم ليس بشيء بالإضافة إلى مكره، {فلله المكر ~~جميعا} ثم فسر ذلك بقوله: {يعلم ما تكسب كل نفس، وسيعلم الكفار لمن عقبى ~~الدار(42)} يعني العاقبة المحمودة، لأن من علم ما تكسب كل نفس وأعد لها ~~جزاءها فله المكر كله، لأنه يأتيهم من حيث لا يعلمون وهم في غفلة مما يراد بهم. # {ويقول الذين كفروا: لست مرسلا، قل: كفى بالله شهيدا بيني وبينكم} لما ~~أظهر من الأدلة على رسالتي، {ومن عنده علم الكتاب(43)} يريد مؤمني أهل ~~الكتاب؛ وقيل: جبريل؛ وقيل: هو الله، و«الكتاب»: اللوح المحفوظ؛ وقيل: ~~القرآن، {ومن عنده علم الكتاب}: العلماء بدين الله. # سورة إبراهيم # بسم الله الرحمن الرحيم # { PageV02P283 الر كتاب} أي: هذا كتاب، يعني: السورة والجملة التي هي... ~~(¬1) {أنزلناه إليك لتخرج الناس} بدعائك إياهم، {من الظلمات إلى النور} من ~~الضلالة إلى الهدى {بإذن ربهم} بتيسيره وتسهيله، من الإذن الذي هو تسهيل ~~للحجاب، وذلك ما يمنحهم من التوفيق، {إلى صراط} بدل من «النور» {العزيز} ~~الغالب بالانتقام، {الحميد(1)} المحمود على الإنعام. # {الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} خلقا وملكا، {وويل} وهو نقيض ~~[281] النجاة {للكافرين من عذاب شديد(2)} لعله في الدارين. # {الذين يستحبون} يختارون ويؤثرون {الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن ~~سبيل الله} طاعته، {ويبغونها} أصله: ويبغون لها، {عوجا أولئك في ضلال ~~بعيد(3)} عن الهدى، ولو ms0446 استحب الحياة الدنيا على الآخرة بحرف واحد من دين ~~الله، وهو أن يترك له أمرا مما أمره به، أو يرتكب له نهيا مما نهاه عنه، ~~فقد آثر الحياة الدنيا (لعله) على موافقة حكم الله في ذلك الحرف، وصد نفسه ~~عن سلوك سبيل الله وعوج سبيل الله المستقيمة. (لعله) ومن سلك باعوجاجه هو ~~عنها وزينت له سبيله العوجاء بهواه وعمائه، وظن أنها مستقيمة، وهو يمشي ~~إليها مكبا على وجهه، كما قال: {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء} ~~منزلته التي كان عليها، {فتخطفه الطير أوتهوي به الريح في مكان سحيق} (¬2) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ويبدو أن في العبارة سقطا. # (¬2) - ... سورة الحج: 31. PageV02P284 # وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} إلا متكلما بلغتهم ليفهموا عنه، ~~{ليبين لهم} ما هو مبعوث به وله، لئلا يكون لهم حجة على الله، وأن يقولوا: ~~لم نفهم ما خوطبنا به، فإن قلت: إن رسولنا - عليه السلام - بعث إلى الناس ~~جميعا بقوله: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} (¬1) بل إلى ~~الثقلين، قلنا: نزوله بجميع الألسنة، أو بواحد منها، فلا حاجة إلى نزوله ~~بجميع الألسنة، فإن الترجمة تنوب عن ذلك، وكان لسان قومه أولى بالتعبير، ~~لأنهم أقدر على التعبير؛ { فيضل الله من يشاء} من آثر (لعله) أسباب الضلال، ~~{ويهدي من يشاء} من آثر أسباب الاهتداء، {وهو العزيز} فلا يغلب على مشيئته ~~{الحكيم(4)} لا يخذل إلا من خذل نفسه؛ وإذا لم تكن حجة لجني ولا لعجمي في ~~مخالفة الحق بالعرب الذين أنزل الكتاب بلغتهم، لأن إنزاله على كافة الثقلين ~~من الجن والإنس، والعرب والعجم، والحضر والبدو، والذين شاهدوا الرسول، ~~والذين غابوا عن الرسول في حياته، أو حدثوا بعد وفاته إلى يوم القيامة ~~واحد، لأنه مرسول إليهم كافة بقوله: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم ~~جميعا} (¬2) والجن داخلون في جميع ما خاطب الله به الناس. # {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا، أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم ~~بأيام الله} وأنذرهم بوقائعه التي وقعت على الأمم قبلهم، أو ms0447 بأيام الإنعام، ~~أو بأيام الحساب والجزاء. {إن في ذلك لآيات لكل صبار} (لعله) على البلايا، ~~{شكور(5)} على العطايا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأعراف: 158. # (¬2) - ... سورة الأعراف: 158. PageV02P285 # وإذ قال موسى لقومه: اذكروا نعمة الله عليكم} لتشكروها، {إذ أنجاكم من آل ~~فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم} يتركونهن ~~أحياء للخدمة، {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم(6)} الإشارة إلى العذاب، ~~والبلاء: المحنة؛ وإلى الإنجاء، والبلاء: النعمة، {ونبلوكم بالشر والخير ~~فتنة} (¬1) . # {وإذ تأذن ربكم} أي: أذن ربكم إيذانا بليغا تنتفي عنده [282] الشكوك ~~والشبهات. {لئن شكرتم لأزيدنكم} نعمة إلى نعمة؛ فالشكر: “قيد الموجود، وصيد ~~المفقود”، وإذا سمعت النعمة نعمة الشكر تأهبت للمزيد[كذا]. وقال ابن عباس: ~~«لئن شكرتم بالجد في الطاعة ليزيدنكم بالجد في المثوبة»، {ولئن كفرتم إن ~~عذابي لشديد(7)} لمن كفر نعمتي، أما في الدنيا فسلب النعم، وأما في العقبى ~~فتوالي النقم. # {وقال موسى: إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد(8)} ~~وإن لم يحمده الحامدون. # {ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود، والذين من بعدهم لا ~~يعلمهم إلا (¬2) الله} والمعنى: أنهم من الكثرة لا يعلم عددهم إلا الله، ~~وروي أنه - عليه السلام - قال عند نزول هذه الآية: «كذب النسابون» (¬3) . ~~{جاءتهم رسلهم بالبينات} الواضحات، {فردوا أيديهم في أفواههم}، أي: أخذوا ~~أناملهم بأسنانهم، أو عضوا عليها تغيظا (¬4) ، {وقالوا: إنا كفرنا بما ~~أرسلتم به، وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه} من الإيمان بالله والتوحيد له، ~~{مريب(9)} موقع في الريبة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأنبياء: 35. # (¬2) - ... في الأصل: - «إلا» وهو سهو. # (¬3) - ... لم نقف عليه في الربيع ولا في الكتب التسعة. # (¬4) - ... في الأصل: «تغيضا»، وهو خطأ. PageV02P286 # قالت رسلهم: أفي الله شك فاطر السماوات والأرض، يدعوكم ليغفر لكم من ~~ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى؟ قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا} لا فضل لكم ~~علينا، فلم تخصون بالنبوة دوننا، {تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا}، ~~أي: يتبعون أهواءهم بغير الحق، ولا يعتقدون فيما بينهم دينا ولا إسلاما، ~~{فأتونا بسلطان مبين(10)} بحجة بينة؛ وقد جاءتهم رسلهم بالبينات، وإنما ~~أرادوا ms0448 بالسلطان المبين: آية قد اقترحوها تعنتا وتواريا عن الحق. # {قالت لهم رسلهم: إن نحن إلا بشر مثلكم} في الخلق تسليم لقولهم: إنهم بشر ~~مثلهم، {ولكن الله يمن على من يشاء من عباده} بالإيمان والنبوة والرسالة ~~والعلم. {وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله} جواب لقولهم: ~~«فأتونا بسلطان مبين»، والمعنى: أن الإتيان بالآية التي اقترحتموها ليس ~~إلينا، ولا في استطاعتنا، وإنما هو أمر يتعلق بمشيئة الله، {وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون(11)} أمر منهم للمؤمنين كافة بالتوكل، وقصدوا به أنفسهم ~~قصدا أوليا، كأنهم قالوا: ومن حقنا أن نتوكل على الله في الصبر على ~~معاندتكم ومعاداتكم وإيذائكم. PageV02P287 # ألا ترى إلى قوله: {وما لنا ألا نتوكل على الله} أي: وأي عذر لنا في أن ~~لا نتكل على الله، {وقد هدانا سبلنا}، وقد فعل بنا ما يوجب توكلنا عليه، ~~وهو التوفيق لهداية كل منا سبيله الذي يجب عليه سلوكه في الدين. قال أبو ~~تراب: «التوكل: طرح البدن في العبودية، وتعلق القلب بالربوبية، والشكر عند ~~العطاء، والصبر على البلاء»؛ {ولنصبرن على ما آذيتمونا}، أي: (لعله) صمموا ~~على الصبر على أذاهم، وأن لا يعرجوا عن سلوك طريقتهم إلى رضى مولاهم، {وعلى ~~الله فليتوكل المتوكلون(12)} أي: فليثبت المتوكلون على توكلهم. # {وقال الذين كفروا لرسلهم: لنخرجنكم من أرضنا} من ديارنا، {أو لتعودن ~~[283] في ملتنا} أي: ليكونن أحد الأمرين: إخراجكم، أو عودكم؛ وهكذا عادة ~~المختلفين في الدين. {فأوحى إليهم ربهم: لنهلكن الظالمين(13) ولنسكننكم ~~الأرض من بعدهم} أي: أرض الظالمين وديارهم. في الحديث: «من آذى جاره ورثه ~~الله داره» (¬1) ؛ {ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد(14)} بالجزاء. # {واستفتحوا} واستنصروا الله على أعدائهم بالدعاء والمجاهدة، {وخاب كل ~~جبار} وخسر كل متكبر بطر {عنيد(15)} مجانب للحق، معناه فنصروا وظفروا وخاب ~~كل جبار عنيد، وهم قومهم. # {من ورائه جهنم} من بين يديه وهو على شفيرها {ويسقى} تقديره: من ورائه ~~جهنم يلقى فيها ما يلقى ويسقى {من ماء صديد(16)} ماء يسيل من جلود أهل النار. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لم نعثر عليه في الربيع ولا في الكتب التسعة، ms0449 ولا في الجامع ~~الصغير وزياداته. PageV02P288 # يتجرعه} يشربه جرعة جرعة لمرارته وحرارته { ولا يكاد يسيغه} ولا يقارب أن ~~يسيغه، فكيف تكون الإساغة؟! كقوله: {لم يكد يراها} (¬1) أي:لم يقرب من ~~رؤيتها، فكيف يراها؟!؛ {ويأتيه الموت من كل مكان} أي: أسباب الموت من كل ~~جهة، أو من كل مكان من جسده، حتى أصول شعره وإبهام رجليه؛ وقيل: يأتيه ~~الموت من قدامه وورائه ويمينه وشماله؛ وهذا تفظيع لما يصيبه من الآلام، أي: ~~لو كان ثمة موت لكان منها مهلكا؛ {وما هو بميت} فيستريح، لأنه لو كان هنالك ~~موت لكان نعمة لأهل النار، لأنه أسرع انقضاء من العذاب المؤبد، {ومن ورائه} ~~ومن بين يديه {عذاب غليظ(17)}، أي: في كل وقت يستقبله يتلقى عذابا أشد مما ~~قبله وأغلظ؛ وقيل: هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد؛ وقيل «العذاب ~~الغليظ»: الخلود في النار. # {مثل الذين كفروا بربهم} والمثل مستعار للصفة التي فيها غرابة؛ {أعمالهم ~~كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف} أعمال الكفرة، المكارم التي كانت لهم من ~~صلة الأرحام، وعتق الرقاب، وفداء الأسارى، وعقر الإبل للأضياف، وأداء ~~الفرائض، والتوسل بالوسائل وحسن (لعله) الأخلاق للناس، شبهها في حبوطها ~~لبنائها على غير أساس، وهو استكمال الطاعة برماد طيرته الريح العاصف؛ {لا ~~يقدرون} يوم القيامة {مما كسبوا} من أعمالهم {على شيء} أي: لا يرون له أثرا ~~(¬2) من ثواب، كما لا يقدر من الرماد المطير في الجو بالريح على شيء؛ {ذلك ~~هو الضلال البعيد(18)} إشارة إلى بعد ضلالهم عن طريق الثواب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النور: 40. # (¬2) - ... في الأصل: «أثر»، وهو خطأ. PageV02P289 # ألم تر} ألم تعلم الخطاب لكل أحد، {أن الله خلق السماوات والأرض بالحق} ~~بالحكمة لأمر عظيم لو علمتم، لا عبثا ولا لعبا. {إن يشأ يذهبكم} إن عصيتم، ~~{ويأت بخلق جديد(19)} أطوع، أي: هو قادر على أن يعدم الناس ويخلق مكانهم ~~خلقا آخر، اعلم بأنه قادر على إعدام الموجود، وإيجاد المعدوم؛ {وما ذلك على ~~الله بعزيز(20)}. # { وبرزوا لله جميعا} يبرزون يوم القيامة من قبورهم، لأمر الله ومحاسبته؛ ~~ومعنى بروزهم لله والله تعالى (لعله) ms0450 لا يتوارى عنه شيء حتى يبرز له ولكن ~~(¬1) كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش (¬2) ويظنون أن ذلك خاف ~~على الله؛ [284] فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم، وعلموا أن ~~الله لا تخفى عليه خافية، وأخرجوا من قبورهم لحساب الله وحكمه وجزائه. # {فقال الضعفاء} في الرأي، وهم السفلة والأتباع {للذين استكبروا} وهم ~~السادة والرؤساء، الذين استغووهم، وصدوهم عن الاستماع إلى الأنبياء ~~وأتباعهم، {إنا كنا لكم تبعا} تابعين، {فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من ~~شيء}؟ فهل تقدرون على دفع شيء مما نحن فيه؟ كأنه قيل: فهل أنتم مغنون عنا ~~بعض الشيء، الذي هو عذاب الله، {قالوا} لهم {لو هدانا الله} إلى الإيمان في ~~الدنيا، {لهديناكم} إليه، {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص(21)} مهرب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «أنهم»، انظر: الزمخشري: الكشاف، 2/427. # (¬2) - ... في الأصل: «الواحش»، وهو خطأ. PageV02P290 # وقال الشيطان لما قضي الأمر} حكم بالجنة والنار لأهليهما، وكان قوله على ~~سياق قول الذين... (¬1) الخطاب من الشيطان جواب لأهل النار إذا سألوه أن ~~يغني عنهم من عذاب الله من شيء، كما سأل الضعفاء الذين استكبروا؛ {إن الله ~~وعدكم وعد الحق} وهو البعث والجزاء على الأعمال فوفى بما وعد؛ {ووعدتكم} ~~بأن لا بعث ولا حساب، {فأخلفتكم، وما كان لي عليكم من سلطان} من تسلط ~~واقتدار {إلا أن دعوتكم} لكني دعوتكم إلى الضلالة بوسوستي في تزييني، ~~{فاستجبتم لي} فأسرعتم إجابتي، {فلا تلوموني}، لأن من تجرد للعداوة لا يلام ~~إذا دعا إلي أمر قبيح، مع أن الله قال لكم: {لا يفتننكم الشيطان كما أخرج ~~أبويكم من الجنة} (¬2) ؛ {ولوموا أنفسكم} حيث اتبعتموني بلا حجة ولا برهان، ~~ولا جبر ولا سلطان؛ {ما أنا بمصرخكم} بمغيثكم، {وما أنتم بمصرخي} بمغيثي، ~~أي: لا ينجي بعضنا بعضا من عذاب الله ولا يغيثه؛ والإصراخ: الإغاثة. {إني ~~كفرت بما أشركتموني من قبل}، أي: كفرت اليوم بإشراككم إياي مع الله من قبل ~~هذا اليوم، أي: في الدنيا، لقوله: {ويوم القيامة يكفرون بشرككم} (¬3) ، ~~ومعنى كفره بإشراكهم إياه: ms0451 تبرؤه منه، واستنكاره له، كقوله: {إنا برآء منكم ~~ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم} (¬4) ، # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ويبدو أن في العبارة سقطا، تقديره: «استكبروا». # (¬2) - ... سورة الأعراف: 27. # (¬3) - ... سورة فاطر: 14. # (¬4) - ... سورة الممتحنة: 4.. PageV02P291 # ومعنى إشراكهم الشيطان بالله: طاعتهم له فيما كان يزينه لهم من عبادة غير ~~الله، وهذا آخر قول الشيطان، وقوله: {إن الظالمين لهم عذاب أليم(22)} قول ~~الله عز وجل، وقيل: هو من تمام قول إبليس، وإنما حكى الله عز وجل ما سيقوله ~~في ذلك الوقت ليكون لطفا للسامعين. # {وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام(23)} من كل نقص وآفة. # {ألم تر كيف ضرب الله مثلا} أي: وصفه وبينه، {كلمة طيبة} لقائلها: هي ~~كلمة الحق وقول الصدق، {كشجرة طيبة أصلها ثابت} أي: في الأرض، ضارب بعروقه ~~فيها، {وفرعها} وأعلاها ورأسها {في السماء(24)}. والكلمة الطيبة: كلمة ~~التوحيد، أصلها تصديق بالجنان، وفرعها إقرار باللسان، وأكلها عمل الأركان، ~~والشجرة: هي النخلة فيما قيل. # {تؤتي أكلها كل حين} تعطي ثمرها كل وقت لأن [285] الموحد منعم على أي حال ~~كان، وفي أي حين كان، (لعله) لو اعتبرت أحواله؛ {بإذن ربها، ويضرب الله ~~الأمثال للناس لعلهم يتذكرون(25)} لأن في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكر ~~وتصوير للمعاني. # { PageV02P292 ومثل كلمة خبيثة} لقائلها، هي كلمة الكفر، {كشجرة خبيثة} ~~قيل: إنها شجرة الحنظل، {اجتثت من فوق الأرض} استؤصلت جثتها (¬1) ، وحقيقة ~~الاجتثاث: أخذ الجثة كلها، وهو في مقابلة: أصلها، {ما لها من قرار(26)} ~~استقرار، يقال: قر الشيء قرارا، كقولك ثبت ثباتا، شبه بها القول (لعله) ~~الذي لم يعضد بحجة، فهو داحض غير ثابت. # {يثبت الله الذين آمنوا} بالجزاء[كذا]، أي: يديمهم عليه، {بالقول ~~الثابت}، وهو قول الحق {في الحياة الدنيا} حتى إذا فتنوا (لعله) على دينهم ~~لم يزلوا، كما ثبت الذين فتنهم أصحاب الأخدود، {وفي الآخرة} عند البعث، ~~{ويضل الله الظالمين}، فلا يثبتهم على القول الثابت في مواقف الفتن، وتزل ~~أقدامهم أول شيء، وهم في الآخرة أضل وأزل، {ويفعل الله ما يشاء(27)}، ms0452 فلا ~~اعتراض عليه في تثبيت المؤمنين وإضلال الظالمين. # {ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا} لأنهم وضعوا مكان شكرها كفرا، ~~كأنهم غيروا الشكر (لعله) بالكفر، حتى استحالت النعمة نقمة في حقهم، وهذا ~~عام لجميع الكافرين، لأن جميع الخلق إما شاكر للنعمة، وهو الذي يتوصل بها ~~إلى النعمة الأبدية، وإما (¬2) كافر لها، فهو في عذاب الله وغضبه في الدنيا ~~والآخرة، {وأحلوا قومهم} الذين تابعوهم على الكفر {دار البوار(28)} دار ~~الهلاك. {جهنم يصلونها وبئس القرار(29)} وبئس المقر جهنم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «جثته»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «وما»، وهو خطأ. PageV02P293 # وجعلوا لله أندادا} أمثالا في العبادة أو في التسمية، {ليضلوا عن سبيله، ~~قل: تمتعوا} بعبادة آلهتكم متاع الحياة الدنيا. قال ذو النون: «التمتع: أن ~~يقضي (¬1) العبد ما استطاع من شهوته». {فإن مصيركم إلى النار(30)} لأن ~~الكافر يتمتع بنعمة الله في الدنيا وتنقطع عنه في الآخرة، فلا توصله إلى ~~النعيم الدائم، بل تكون سبب عذابه في الآخرة، فلذلك يعذبه الله بها في ~~الحياة الدنيا، كما قال: {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم...}الآية (¬2) . # {قل لعبادي} وقيل: بسكون الياء، خصهم بالإضافة إليه تشريفا، {الذين ~~آمنوا: يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية، من قبل أن يأتي يوم ~~لا بيع فيه ولا خلال(31)}. # {الله الذي خلق السماوات والأرض، وأنزل من السماء ماء فأخرج به من ~~الثمرات رزقا لكم} إن شكرتموه، {وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره، وسخر ~~لكم الأنهار(32)، وسخر لكم الشمس والقمر دائبين} دائمين أصلا، (لعله) للأرض ~~والنبات والأبدان، {وسخر لكم الليل والنهار(33)} يتعاقبان خلفة، لمعاشكم ~~وسباتكم ومعادكم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... يمكن أن نقرأ: «يعصي»؛ وهو عكس المراد. # (¬2) - ... سورة التوبة: 55؛ وتمامها: {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم، ~~إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا، وتزهق أنفسهم وهم كافرون}. PageV02P294 # وآتاكم من كل ما سألتموه} لعل سؤالهم له بلسان الحال، وذلك أنهم لا ~~يصلحون إلا به، لأنه هو خالقهم وأعلم منهم بأنفسهم وإمدادهم، وما لا بد لهم ~~منه؛ ودليل ذلك قوله: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}، فكيف سألوه ms0453 ما لا ~~يعلمونه؟ ولكن الله [286] خلق خلقه، وخلق لهم جميع ما لا بد لهم منه في ~~علمه تبارك وتعالى، علموه أو جهلوه، فكأنهم سألوه ما لا بد لهم منه. {وإن ~~تعدوا نعمة الله لا تحصوها} لا تطيقوا عدها وبلوغ آخرها، إذا أرادوا أن ~~يعدوها على الإجمال، وأما على التفصيل فلا يعلمه إلا الله، {إن الإنسان ~~لظلوم} يظلم النعمة بإغفال شكرها، لأن جميع طباع نفسه ظلم وكفر، {كفار(34)} ~~لجميع نعم الله التي ذكرت، والتي لم تذكر؛ لأن جميع النعم خلقت لأجله، وخلق ~~هو أن يطيع الله بشكره للنعم كلها، فإذا أطاع الله وشكرها استغفرت له ~~موافقة لخالقها، وإذا كفرها لعنته بأمر الله، لأنها مطيعة غير عاصية. # {وإذ قال إبراهيم: رب اجعل هذا البلد آمنا، واجنبني} وبعدني، أي: ثبتني ~~وأدمني على اجتناب عبادتها، {وبني أن نعبد الأصنام(35)} وهي: كل ما عبد من ~~دون الله، من شيطان أو نفس أو هوى، أو صنم حجر (¬1) أو خشب أو غير ذلك، ~~لكنه يبعد في القلوب عن إبراهيم وبنيه وأمثالهم عليهم السلام أن يتخذوا ~~أصناما آلهة من خشب أو حجر أو جماد من دون الله، ولكن الخوف من أهوية ~~النفوس، لأنها أضلت كثيرا من الناس، ولم يكن ثم ضلالة إلا منها، كما قيل شعرا: # لولا الهوى ما هوى في النار إنسان # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «حجرا أو»، وهو خطأ. PageV02P295 # رب إنهن أضللن كثيرا من الناس} جعلن مضلات على طريق التسبب، لأن الناس ~~ضلوا بسببهن، وكأنهن أضللنهم؛ {فمن تبعني} على ما أنا عليه {فإنه مني} أي: ~~هو بعضي، لفرط اختصاصه، {ومن عصاني فإنك غفور رحيم(36)} لمن تاب من معصيته. # {ربنا إني أسكنت من ذريتي} بعض أولادي {بواد} هو وادي مكة {غير ذي زرع} ~~لا يصلح الزرع، {عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة}، أي: ما أسكنتهم ~~بهذا الوادي البلقع إلا ليقيموا الصلاة عند بيتك المحرم، ويعمروه بذكرك ~~وعبادتك، وكذلك قد أسكن الله خلقه في أرضه ليوحدوه ويعبدوه، ولا يشركوا به ~~شيئا، {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} تسرع إليهم، ms0454 وتطير نحوهم شوقا، ~~[وتكون] سببا لأرزاقهم؛ قيل: ولو قال: «أفئدة الناس»، لزاحمتكم فارس والروم ~~والترك [و]الهند، ولكنه قال: {أفئدة من الناس} وهم المسلمون، {وارزقهم من ~~الثمرات} مع سكناهم واديا ما فيه شيء منها، بأن يجلب إليهم من البلاد ~~الشاسعة، {لعلهم يشكرون(37)} النعمة ولا يكفرون. # {ربنا} النداء المكرر دليله: التضرع والإلجاء (¬1) إلى الله، {إنك تعلم ~~ما نخفي وما نعلن}، لأنه العالم علما ذاتيا، تستوي نسبته إلى كل معلوم؛ ~~{وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء(38)}، المعنى: أنك أعلم ~~بأحوالنا ومصالحنا، وأرحم بنا منا بأنفسنا، فلا حاجة بنا إلى الطلب لكنا ~~ندعوك إظهارا لعبوديتك، وافتقار إلى رحمتك. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «الالتجاء». PageV02P296 # الحمد لله} أي: المستحق للحمد وإن لم يحمده حامد، {الذي وهب لي على الكبر ~~إسماعيل [287] وإسحاق، إن ربي لسميع الدعاء(39) رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ~~ذريتي، ربنا وتقبل دعاء(40)} عبادتي. {ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم ~~يقوم الحساب(41)} للجزاء. # {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون} تسلية للمظلوم، وتهديد للظالم، ~~{إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار(42)} أبصارهم لا تقر في أماكنها من هول ~~ما ترى. # {مهطعين} مسرعين إلى الداعي، {مقنعي رءوسهم} رافعيها، {لا يرتد إليهم ~~طرفهم}، أي: لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة النظر، فهي شاخصة، قد شغلهم ما ~~بين أيديهم. {وأفئدتهم هواء(43)} صفر (¬1) من الخير، لا تعي شيئا، من ~~الخوف؛ وحقيقة المعنى: أن العقول زائلة عن أماكنها، والأبصار شاخصة من هول ~~ذلك اليوم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «صفرا»، وهو خطأ. PageV02P297 # وأنذر الناس (¬1) يوم يأتيهم العذاب} عند قبض أرواحهم، أو يوم القيامة، ~~{فيقول الذين ظلموا: ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع (¬2) الرسل}، ~~أي: أمهلنا إلى حد قريب نتدارك ما فرطنا فيه، من إجابة دعوتك واتباع رسلك، ~~فيقال لهم: {أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال(44)} المعنى: أقسمتم ~~أنكم باقون في الدنيا لا تزالون بالموت؛ ولعلهم أقسموا بطرا وغرورا، إذ دل ~~عليه حالهم حيث بنوا شديدا، وأملوا بعيدا، وقيل: أقسمتم أنكم إذا ms0455 متم لا ~~تبعثون، كقوله: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت} (¬3) ، ~~ويحتمل أنهم أقسموا في الحياة الدنيا أنهم مالهم من زوال عن الطاعة ثم ~~عصوا، والله أعلم بتأويل كتابه. # {وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم} بالكفر أي: أقروا فيها واطمأنوا، ~~طيبي النفوس، سائرين بسيرة من قبلهم من الظلم والفساد، لا يحدثونها بما وقع ~~على الأولين؛ فكيف كان عاقبة ظلمهم فيعتبروا ويرتدعوا، {وتبين لكم} ~~بالأخبار والمشاهدة، {كيف فعلنا بهم}، أي: أهلكناهم وانتقمنا منهم، {وضربنا ~~لكم الأمثال(45)}، أي: صفات ما فعلوا وما فعل بهم، وهي في الغرابة كالأمثال ~~(¬4) المضروبة لكل ظالم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «وأنذرهم» وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «وانتبع»، وهو خطأ. # (¬3) - ... سورة النحل: 38. # (¬4) - ... في الأصل: «كأمثال»، وهو خطأ. PageV02P298 # وقد مكروا مكرهم} أي: مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم، وفنوا عليه ~~أعمارهم، وأشغلوا به دهرهم، وهو ما تهواه نفوسهم من تأييد الكفر وبطلان ~~الإسلام، {وعند الله مكرهم}، أي: جزاء مكرهم، أو وعند الله مكرهم الذي ~~يمكرهم به، وهو عذابهم الذي يأتيهم من حيث لا يشعرون؛ {وإن كان مكرهم لتزول ~~منه الجبال(46)} وهو معنى قوله: {وتخر الجبال هدا، أن دعوا للرحمن ولدا} ~~(¬1) لتحطم الماكر أن لو يأذن الله لها؛ وقيل: إن الجبال مثل لآيات الله ~~وشرائعه، لأنها بمنزلة الجبال الراسية ثباتا وتمكنا؛ وقيل: التقدير وإن وقع ~~مكرهم لزوال أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فعبر (لعله) عن أمر النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - بالجبال لعظم شأنه، {فلا تحسبن الله مخلف وعده ~~رسله}، معنى قوله: {إنا لننصر رسلنا} (¬2) ، {إن الله عزيز} غالب لا يماكر، ~~{ذو انتقام(47)} لأوليائه من أعدائه. # {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، وبرزوا لله [288] الواحد ~~القهار(48)، وترى المجرمين يومئذ مقرنين} قرن بعضهم مع بعض، أو مع ~~الشياطين، أو قرنت أيديهم إلى أرجلهم مغللين {في الأصفاد(49)}، المعنى: ~~مقرنين مصفدين، والأصفاد: القيود والأغلال. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة مريم: 90-91. # (¬2) - ... سورة غافر: 51. PageV02P299 # سرابيلهم} قمصهم (¬1) {من قطران} هو ما يتحلب من شجر يسمى: الأبهل، فيطبخ ~~فتهنأ به الإبل الجربى، فيحرق الجرب بحره وحدته؛ ومن شأنه ms0456 أن يسرع فيه ~~اشتعال النار، وهو أسود اللون منتن الريح، فيطلى به جلود أهل النار، يعني ~~يعود طلاؤه لهم كالسرابيل، فيجتمع عليهم لذع (¬2) القطران، وإسراع (¬3) ~~النار في جلودهم، واللون الوحش (¬4) ونتن الريح، على أن التفاوت بين ~~القطرانين كالتفاوت بين النارين؛ وكل ما وعده الله أو أوعد به في الآخرة ~~فبينه وبين ما يشاهد من جنسه ما لا يقادر قدره، وكأنه ما عنده إلا الأسامي ~~[و]المسميات ثمة (¬5) ؛ نعوذ بالله من سخطه وعذابه (¬6) . وقيل: القطران ~~نحاس مذاب بلغ حره أناه (¬7) ؛ {وتغشى وجوههم النار(50)} تعلوها باشتعالها، ~~وخص الوجه، لأنه أعز موضع في ظاهر البدن، كالقلب في باطنه، ولذا قال: {تطلع ~~على الأفئدة} (¬8) . # {ليجزي الله كل نفس ما كسبت} من خير وشر، {إن الله سريع الحساب(51)} ~~يحاسب جميع العباد في أسرع من لمح البصر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في اللسان: «والجمع أقمصة، وقمص، وقمصان». ابن منظور: لسان ~~العرب، 5/162. # (¬2) - ... «اللذع: حرقة كحرقة النار، وقيل: هو مس النار وحدتها». ابن ~~منظور: لسان العرب، 5/361. # (¬3) - ... في الأصل: «سراع»، وهو خطأ. انظر: الزمخشري: الكشاف: 2/442. # (¬4) - ... هذه الكلمة أوردها صاحب الكشاف كذلك «الوحش»، (الزمخشري: ~~الكشاف، 2/442)، ولم نعثر على معنى لها في اللسان يليق بالسياق، وفي تفسير ~~أبي السعود: «الموحش»، ويبدو أنها الصواب. أبو السعود: تفسير، 5/61. # (¬5) - ... في الأصل: «إلا الأسامي المسميات وثمة»، وهو خطأ. # (¬6) - ... في الحاشية تعليق للناسخ غير واضح: «هذه زيادة في الدعاء ~~وغيري دقرتها [كذا]». # (¬7) - ... «الآني: المتناهي حره». الزمخشري: الكشاف، 2/442. # (¬8) - ... سورة الهمزة: 7. PageV02P300 # هذا} أي: هذا القرآن، ما ذكره في هذه السورة، {بلاغ} أي: تبليغ وعظة لهم، ~~{للناس (¬1) ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد} لأنهم إذا خافوا ما ~~أنذروا به دعتهم المخافة إلى النظر، حتى يتوصلوا إلى التوحيد، لأن الحسنة ~~أم الخيركله، بل أقول إذا (لعله) وجدوا اخافوا. {وليذكر أولو الألباب(52)} ~~ذوو (¬2) العقول لا غيرهم. # سورة الحجر # بسم الله الرحمن الرحيم # {ألر، تلك آيات الكتاب وقرآن مبين(1)} «تلك»: إشارة إلى ما تضمنته السورة ~~من الآيات، و«الكتاب»: القرآن؛ كأنه قيل: الكتاب الجامع للكمال والغرابة ~~(¬3) في البيان. # {ربما يود ms0457 الذين كفروا لو كانوا مسلمين(2)} عند النزع وما بعده، {ذرهم} ~~أمر إهانة، اقطع طمعك من إرعوائهم، ودعهم عن النهي عما هم عليه، (لعله) ~~بالتذكرة والنصيحة، وخلهم {يأكلوا ويتمتعوا} بدنياهم، {ويلههم الأمل} (¬4) ~~من الإيمان وشروطه، {فسوف يعلمون(3)} سوء صنيعهم؛ وفيه تنبيه على أن إيثار ~~التلذذ والتنعم، وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين. # {وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم(4)} أي: أجل مضروب لا يتقدم ولا ~~يتأخر. {ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون(5)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «للناس»، وهو سهو. # (¬2) - ... في الأصل: «ذوا»، وهو خطأ. # (¬3) - ... في الأصل: «ولغرابة»، وهو خطأ. # (¬4) - ... هنا وضع الناسخ إحالة إلى الحاشية ولم يكتب فيها شيئا، ويبدو ~~أن في العبارة سقطا. PageV02P301 # وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر} أي: القرآن، {إنك لمجنون(6)} يعنون: ~~محمدا - صلى الله عليه وسلم - ؛ وكان هذا النداء منهم على وجه الاستهزاء ~~والأذى (¬1) ، كما قال فرعون: {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} (¬2) ، ~~وكيف يقرون بنزول الذكر عليه وينسبونه إلى الجنون، والتعكيس في كلامهم ~~للاستهزاء والتهكم [289] شائع، والمعنى: أنك تقول قول المجانين حيث تدعي أن ~~الله نزل عليك الذكر، {لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين(7)}، ~~المعنى: هلا تأتينا بالملائكة يشهدون بصدقك، أو هلا تأتينا بالملائكة ~~للعقاب على تكذيبنا لك إن كنت صادقا. # {ما ننزل الملائكة إلا بالحق} لا لحكمة، {وما كانوا إذا منظرين(8)}، ~~معناه: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين، وما أخر عذابهم وكتابهم عن أجله. # {إنا نحن نزلنا الذكر} القرآن، لأنه يذكر العاقبة، {وإنا له لحافظون(9)} ~~من الشياطين أن يزيدوا أو ينقصوا أو يبدلوا بغيره؛ قال الله: {لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه} (¬3) والباطل هو إبليس وجنوده. # {ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين(10)} أي: في أمم الأولين، والشيعة: ~~القوم المتفقة كلمتهم، {وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون(11)}، ~~كما فعلوا بك، تسلية له - عليه السلام - . # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «الآذاء»، وهو خطأ، ولعله يقصد: «الإيذاء». # (¬2) - ... سورة الشعراء: 27. # (¬3) - ... سورة فصلت: 42. PageV02P302 # كذلك نسلكه في قلوب المجرمين(12)}، قيل: ms0458 الضمير للاستهزاء؛ وفيه دليل على ~~أنه تعالى يوجد الباطل في قلوبهم؛ وقيل: للذكر، فإن الضمير الأخير في قوله: ~~{لا يؤمنون به} بالذكر، أو بالله، {وقد خلت سنة الأولين(13)} مضت طريقتهم ~~التي سنها الله في إهلاكهم حين كذبوا رسله. # {ولو فتحنا عليهم بابا من السماء} ولو أظهرنا لهم أوضح آية يعني الذين ~~يقولون: «لو ما تأتينا بالملائكة». {فظلوا (¬1) فيه يعرجون(14)} قيل: ~~الضمير للملائكة، وقيل: للكفار وهو الأظهر. # {لقالوا: إنما سكرت أبصارنا} سحرت، وقيل: حبست (¬2) ، المعنى أنهم بلغ من ~~غلوهم في العناد لو فتح لهم باب من أبواب السماء، ويسر لهم معراج يصعدون ~~فيه إليها، ورأوا من العيان ما رأوا؛ لقالوا: شيء نتخايله لا حقيقة له، ~~ولقالوا: {بل نحن قوم مسحورون(15)} قد سحرنا محمد بذلك. # {ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين(16)، وحفظناها من كل شيطان ~~رجيم(17)، إلا من استرق السمع} لكن من استرق السمع؛ وكان الشياطين لهم شهوة ~~في استراق السمع. # {فأتبعه شهاب مبين(18)} شعلة من النار، ظاهر للمبصرين؛ قيل: كانوا لا ~~يحجبون عن السماوات كلها، فلما ولد عيسى منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد ~~محمد منعوا من السماوات كلها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «فضلوا» وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «حسبت» وهو خطأ. PageV02P303 # والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي، وأنبتنا فيها من كل شيء موزون(19)} ~~وزن بميزان الحكمة، وقدر بمقدار تقتضيه المصلحة، لا تصلح فيه زيادة ولا ~~نقصان، إذ الحكيم لا يخلق شيئا لغير حكمة، أو له وزن وقدر في أبواب المنفعة ~~والنعمة، أو مستحسن مناسب، من قولهم: «كلام موزون». # {وجعلنا لكم فيها معايش} ما يعايش به؛ {ومن لستم له برازقين(20)}، كأنه ~~قيل: وجعلنا لكم من لستم له برازقين، أو جعلنا لكم معايش ولمن لستم له ~~برازقين، وأراد بهم: العيال والخدم الذين يظنون أنهم يرزقونهم ويخطئون، فإن ~~الله هو الرزاق، يرزقهم وإياهم؛ ويدخل فيه الأنعام والدواب، {وإن من شيء ~~إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم(21)} [290]، ذكر الخزائن تمثيل، ~~والمعنى: وما من شيء ينتفع به العباد إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه ~~والإنعام ms0459 به، وما نعطيه إلا بمقدار معلوم؛ فضرب “الخزائن” مثلا لاقتداره ~~على كل مقدور. # {وأرسلنا الرياح لواقح}، أي: حوامل بالسحاب، لأنها تحمل السحاب في جوفها، ~~كأنه لاقحة بها، من «لقحت الناقة»: إذا حملت. وضدها: الريح العقيم. ~~{فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه} فجعلنا[ه] لكم سقيا، {وما أنتم له ~~بخازنين(22)}، بل سلكه هو ينابيع في الأرض. # {وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون(23)} الباقون بعد هلاك الخلق كله؛ ~~وقيل: للباقي وارث استعارة من وارث الميت لا (¬1) يبقى بعد فنائه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل والصواب: «لأنه يبقى بعد فنائه». انظر: ~~الزمخشري: الكشاف، 2/448. PageV02P304 # ولقد علمنا المستقدمين منكم، ولقد علمنا المستأخرين(24)} من تقدم ولادة ~~ومؤنة ومن تأخر، أو من خرج من أصلاب الرجال، ومن لم يخرج بعد؛ وقيل: ~~الأولين والآخرين؛ وقيل: «المستقدمين»: من خلقه الله، و«المستأخرين»: من لم ~~يخلق بعد، أو من تقدم في الإسلام وفي الطاعات. # {وإن ربك هو يحشرهم} أي: هو وحده يقدر على حشرهم، ويحيط بحصرهم، {إنه ~~حكيم عليم(25)} باهر الحكمة واسع العلم. # {ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ}، (لعله) طين يابس غير مطبوخ، الذي ~~إذا ضربته سمعت له صلصلة، {مسنون(26)} مصور، وفي الأول كان ترابا يعجن ~~بالماء فصار طينا، فمكث فصار حمأ، {والجان} (لعله) أبا الجن، كآدم للإنسان، ~~وهو إبليس؛ وقيل: الجان أبو الجن، وإبليس أبو الشياطين (¬1) ، وفي الجن ~~مسلمون وكافرون، ويحيون ويموتون؛ أما الشياطين فليس منهم مسلمون، {خلقناه ~~من قبل} من قبل آدم {من نار السموم(27)} من نار الحر الشديد النافذ في ~~المسام. # {وإذ قال ربك للملائكة: إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون(28) فإذا ~~سويته} أتممت خلقته وهيأتها لنفخ الروح فيها. {ونفخت فيه من روحي} وجعلت ~~فيه الروح وأحييته، وليس ثمة نفخ وإنما هو تمثيل، {فقعوا له ساجدين(29)} هو ~~أمر من “وقع يقع”، أي: اخضعوا له وانقادوا؛ وفيه دليل على أنه يجوز تقديم ~~الأمر عن وقت الفعل. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «أب الجن، وإبليس أب الشياطين». PageV02P305 # فسجد الملائكة كلهم أجمعون(30)}، (لعله) وكأن في الآية دليلا على تفضيل ~~آدم على ms0460 الملائكة، {إلا إبليس}، قال في الكشاف: «كان بينهم مأمورا معهم ~~بالسجود فغلب اسم الملائكة ثم استثني بعد التغليب» (¬1) ، {أبى أن يكون مع ~~الساجدين(31)} امتنع أن يكون معهم. # {قال: يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين(32)؟ قال: لم أكن لأسجد} أي: ~~لا يصح مني أن أسجد. {لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون(33)} (لعله) لأني ~~أفضل منه. # {قال: فاخرج منها}، قيل: من السماء، {فإنك رجيم(34)} مطرود من رحمة الله؛ ~~ومعناه: ملعون، لأن اللعن هو الطرد من الرحمة، والإبعاد منها. {وإن عليك ~~اللعنة إلى يوم الدين(35)} ضرب “يوم الدين” حدا للعنة، لأنه أبعد غاية ~~[291] في الدنيا، وكأنه علم الله منه الإيباء، فلا يتوب إلى يوم الدين؛ ~~وبعد يوم الدين فلا توبة، لأن التعبد قد ارتفع وأقبل الجزاء. # {قال: رب فأنظرني} فأخرني، {إلى يوم يبعثون(36). قال: فإنك من ~~المنظرين(37) إلى يوم الوقت المعلوم(38)} قيل: إنما سأل الإنظار إلى اليوم ~~الذي فيه يبعثون لئلا يموت، لأنه لا يموت في يوم البعث أحد؛ فلم يجب إلى ~~ذلك، وأنظر إلى آخر أيام التكليف زيادة في بلائه وشقائه، وامتحانا للثقلين، ~~لا إكراما له. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الزمخشري: الكشاف، 2/449. PageV02P306 # قال: رب بما أغويتني} أضللتني وأبعدتني من رحمتك، {لأزينن لهم} المعاصي ~~{في الأرض}، في الدنيا التي هي دار الغرور، {ولأغوينهم أجمعين(39)، إلا ~~عبادك منهم المخلصين(40)}، وهم الذين أخلصوا لك الطاعة والتوحيد وفتح من ~~فتح اللام (¬1) ، أي: من أخلصته لتوحيدك، فاصطفيته وهديته؛ استثناهم لأنه ~~علم أن كيده لا يعمل فيهم ولا يقبلون منه. # {قال: هذا صراط علي مستقيم(41)} قيل استقامته بالبيان، والتوفيق والهداية ~~لمن سلكه. # {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان}، معناه: على قلوبهم، {إلا من اتبعك من ~~الغاوين(42)} أي: هذا طريق حق علي أن أراعيه، وهو أن لا يكون لك سلطان على ~~عبادي، إلا من اختار اتباعك منهم لغوايته؛ {وإن جهنم لموعدهم أجمعين(43)، ~~لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم(44)}، نصيب معلوم؛ قيل: أبواب النار ~~أطباقها وأدراكها (¬2) . # {إن المتقين في جنات وعيون(45)} المتقي على الإطلاق، من يتقي ما ms0461 يجب ~~اتقاؤه، {ادخلوها بسلام} أي: سالمين، أو مسلما عليكم، {آمنين(46)} المخوفات ~~كلها، لأنهم لم يكن عليهم ذنب فيستحقوا الخوف، والخوف عذاب وألم يتألم به القلب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل ولعل الصواب: «ومنهم من فتح اللام». قال ~~الألوسي: «...بفتح اللام، وهو قراءة الكوفيين ونافع والحسن والأعرج... وقرأ ~~باقي السبعة والجمهور بكسر اللام، أي الذين أخلصوا العمل». الألوسي: روح ~~المعاني، 14/50. # (¬2) - ... في الأصل: «أدرالها»، وهو خطأ. في اللسان: «الدرك، والدرك: ~~أقصى قعر الشيء... والجمع: أدراك، ودركات النار: منازل أهلها». ابن منظور: ~~لسان العرب، 2/972. مادة: «درك». PageV02P307 # ونزعنا ما في صدورهم من غل} الغل الفطري، لأنه لا يموت أحد على الإيمان ~~وفي قلبه غل على أحد من أهل الإيمان يخرجه من الإيمان، {إخوانا على سرر ~~متقابلين(47)}؛ لذلك قيل: تدور بهم الأسرة حيثما داروا، (لعله) فيكونون في ~~جميع أحوالهم متقابلين بعضهم بعضا، {لا يمسهم فيها نصب، وما هم منها ~~بمخرجين(48)} لأن تمام النعمة بالخلود. # {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم(49)} لمن تاب منهم، {وأن عذابي هو ~~العذاب الأليم(50)} لمن أصر؛ {ونبئهم} واخبر أمتك ليحذروا، وما أحل من ~~العذاب بقوم لوط عبرة تعتبرون بها سخط الله وانتقامه من المجرمين، وإكرامه ~~لإبراهيم (لعله) ومن تبعه، من حيث استقامتهم على دعائم الدين، {عن ضيف ~~إبراهيم(51)} هم الملائكة الكرام. # {إذ دخلوا عليه فقالوا: سلاما} أي: نسلم عليك سلاما، أو سلمت سلاما، ~~{قال: إنا منكم وجلون(52)} خائفون لامتناعهم عن الأكل. # {قالوا لا توجل} لا تخف، {إنا نبشرك} أي: إنك مبشر آمن {بغلام عليم(53). ~~قال: أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون(54) قالوا: بشرناك بالحق} ~~باليقين الذي لا لبس فيه، {فلا تكن من القانطين(55)} من الآيسين من ذلك. # {قال: ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون(56)}، (لعله) المخطئون طريق ~~الصواب، أي: لم (لعله) يستنكر (¬1) ذلك قنوطا من رحمته، [292] ولكن ~~استبعادا له في العادة التي أجراها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «لم (لعله) استكبر استنكر». PageV02P308 # قال: فما خطبكم} فما شأنكم {أيها المرسلون(57)، قالوا: إنا أرسلنا إلى ~~قوم مجرمين(58) إلا آل لوط إنا لمنجوهم ms0462 أجمعين(59) إلا أمرأته قدرنا إنها ~~لمن الغابرين(60)} لمن الباقين في العذاب. # {فلما جاء آل لوط المرسلون(61)، قال: إنكم قوم منكرون(62)} أي: لا ~~أعرفكم؛ {قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون(63)}، أي: ما جئناك بما ~~تنكرنا من أجله بل جئناك بما فيه سرورك وتشفيك من عدوك، وهو العذاب الذي ~~كنت تتوعدهم بنزوله فيمترون فيه، أي: يشكون ويكذبونك، {وأتيناك بالحق} ~~باليقين من عذابهم، {وإنا لصادقون(64)} في الإخبار بنزولهم. # {فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم} وسر خلفهم لتكون متطلعا عليهم ~~وعلى أحوالهم، {ولا يلتفت منكم أحد} لئلا يروا ما ينزل بقومهم من العذاب، ~~أو جعل النهي عن الالتفات كناية عن مواصلة السير، وترك التواني والتوقف، ~~لأنه من يلتفت لا بد له في ذلك من أدنى وقفة، {وامضوا حيث تؤمرون(65)} حيث ~~أمركم الله. # {وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع (¬1) } وفي إبهامه (¬2) ~~وتفسيره تفخيم للأمر، ودابرهم: آخرهم، أي: يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى ~~منهم أحد، {مصبحين(66)}. # {وجاء أهل المدينة يستبشرون(67)} بالملائكة طمعا منهم في ركوب الفاحشة، ~~{قال: إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون(68)، واتقوا (¬3) الله ولا تخزون(69)} ولا ~~تذلوني، من الخزي: وهو الهوان. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «مطوع» وهو سهو. # (¬2) - ... «{حيث} مبهم في الأمكنة، وكذلك الضمير في {تؤمرون}». ~~الزمخشري: الكشاف، 2/455. # (¬3) - ... في الأصل: «فاتقوا»، وهو خطأ. PageV02P309 # قالوا: أولم ننهك عن العالمين(70)} عن أن تجير منهم أحدا وتدفع عنهم، ~~فإنهم كانوا يتعرضون لكل أحد؛ {قال هؤلاء بناتي} أزوجهن إياكم، {إن كنتم ~~فاعلين(71)} إن كنتم تريدون قضاء الشهوة فيما أحل الله. # {لعمرك إنهم لفي سكرتهم}، أي: في غوايتهم التي أذهبت عقولهم وتمييزهم بين ~~الخطإ الذي هم عليه، وبين الصواب الذي تشير به عليهم من ترك البنين إلى ~~البنات، {يعمهون(72)} يتحيرون، فكيف يقبلون قولك، ويصغون إلى نصيحتك؛ ~~والعمه: التردد في الضلال. # {فأخذتهم الصيحة} (لعله) قيل: صاح بهم جبريل صيحة، {مشرقين(73)} داخلين ~~في الشروق، وهو بزوغ الشمس. # {فجعلنا عاليها سافلها، وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل(74)؛ إن في ذلك ~~لآيات للمتوسمين(75)} للمتفرسين المتأملين، كأنهم يعرفون باطن الشيء، ~~(لعله) ms0463 أي: ملكوته بسمة ظاهرة، {وإنها} وإن هذه القرى يعني آثارها {لبسبيل ~~مقيم(76)}، ثابت يسلكه الناس، لم يندرس بعدهم، يبصرون تلك الآثار، كقوله: ~~{وإنكم لتمرون عليهم مصبحين} (¬1) ؛ {إن في ذلك لآية للمؤمنين(77)} لأنهم ~~المنتفعون بذلك. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الصافات: 137. PageV02P310 # وإن (¬1) كان أصحاب الأيكة}؛ قيل: هم قوم شعيب، كانوا يسكنون الغيضة (¬2) ~~، فبعثه الله إليهم، فكذبوه فأهلكوا بالظلة. والأيكة: الشجرة المتكاثفة، ~~{لظالمين(78)، فانتقمنا منهم} فأهلكناهم لما كذبوا شعيبا، {وإنهما} يعني ~~مدينة قوم لوط وأصحاب الأيكة، {لبإمام مبين(79)} طريق واضح، والإمام: اسم ~~ما يؤتم به. # {ولقد كذب أصحاب الحجر} هم ثمود؛ والحجر: واديهم. {المرسلين(80) [293] ~~وآتيناهم آياتنا} بإقامة الحجج، {فكانوا عنها معرضين(81)} (لعله) بقلة ~~التفاتهم إليها. # {وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا} أي: ينقبون في الجبال، أو يبنون ~~بالحجارة، {آمنين(82)} لوثاقة البيوت واستحكامها من أن تنهدم، ومن نقب ~~اللصوص والأعداء، {فأخذتهم الصيحة مصبحين(83)، فما أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون(84)} من بناء البيوت الوثيقة، واقتناء الأموال النفيسة. # {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} إلا خلقا ملتبسا ~~بالحق، لا باطلا ولا عبثا، {وإن الساعة} لتوقعها كل ساعة {لآتية}، وإن الله ~~ينتقم لك فيها من (لعله) أعدائك، ومجازيك وإياهم على حسناتك وسيئاتهم، فإنه ~~ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا لذلك، {فاصفح الصفح الجميل(85)} ~~فأعرض عنهم إعراضا جميلا بحلم وإغضاء. # {إن ربك هو الخلاق} الذي خلقك وخلقهم، {العليم(86)} بحالك وحالهم فلا ~~يخفى عليه ما يجري بينكم، وهو يحكم بينكم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «كان»، وهو سهو. # (¬2) - ... في الأصل: «الغيظة»، وهو خطأ. والغيضة: البقعة الكثيفة ~~الأشجار. انظر: الألوسي: روح المعاني، 14/75؛ أحمد مصطفى المراغي: تفسير ~~المراغي، الطبعة الثالثة، 1394ه/1974م، دار الفكر، بيروت، مج 5/ ج14 / ص30. PageV02P311 # ولقد آتيناك سبعا} أي: سبع آيات، وهي: الفاتحة؛ أو سبع سور، وهي الطوال ~~(¬1) ، {من المثاني} هي من التثنية، وهي: التكرير، لأن الفاتحة مما تكرر في ~~الصلاة؛ أو من الثناء لاشتمالها على ما هو ثناء على الله، وأما السور ~~والأسباع فما وقع فيها من تكرير القصص والمواعظ، والوعد والوعيد، ولما فيها ~~من الثناء، كأنها تثني على ms0464 الله. {والقرآن العظيم(87)} هذا ليس بعطف الشيء ~~على نفسه، لأنه إذا أريد بالسبع الفاتحة أو الطوال (¬2) ، فما وراءهن ينطلق ~~عليه اسم القرآن، لأنه اسم يقع على البعض كما يقع على (لعله) الكل؛ دليله: ~~قوله: {بما أوحينا إليك هذا القرآن} (¬3) . وإذا أريد به الإتباع فالمعنى: ~~ولقد آتيناك ما يقال له السبع المثاني، والقرآن العظيم، أي: الجامع لهذين ~~النعتين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «الطول»، وهو خطأ. انظر الزمخشري: الكشاف، 2/456. # (¬2) - ... في الأصل: «الطول»، وهو خطأ. # (¬3) - ... سورة يوسف: 3. PageV02P312 # لا تمدن عينيك}، أي: لا تطمح ببصرك طموح راغب فيه، {إلى ما متعنا به ~~أزواجا منهم} أصنافا من العصاة؛ يعني: قد اوتيت النعمة العظمى التي كل نعمة ~~وإن عظمت فهي إليها حقيرة، وهي: القرآن العظيم؛ فعليك أن تستغني به ولا ~~تمد عينيك إلى متاع الدنيا. ومنه الحديث: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» ~~(¬1) ، وحديث أبي بكر: «من أوتي القرآن، فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل ~~مما أوتي فقد صغر عظيما وعظم صغيرا» (¬2) ؛ {ولا تحزن عليهم}، أي: لا تحزن ~~على ما فاتك من مشاركتهم في الدنيا؛ أو لا تحزن عليهم أنهم لم يؤمنوا ~~فيتقوى بمكانهم الإسلام والمسلمون. {واخفض جناحك للمؤمنين(88)}، وتواضع لمن ~~معك من المؤمنين، أي: لين جنابك، والجناحان من ابن آدم: جانباه. # {وقل: إني أنا النذير المبين(89)} أنذركم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل ~~بمن عصى؛ {كما أنزلنا} متعلق بقوله: {ولقد آتيناك} أي: أنزلنا عليك مثل ما ~~أنزلنا، {على المقتسمين(90)} وهم أهل الكتاب، {الذين جعلوا القرآن ~~عضين(91)} جزؤوه، جعلوه أعضاء، فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه. # {فوربك لنسألنهم أجمعين(92) عما كانوا [294] يعملون(93)} أقسم بذاته ~~وربوبيته ليسألن يوم القيامة واحدا واحدا عن عمله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه البخاري عن أبي هريرة، في كتاب التوحيد، رقم 6973. أبو ~~داود: كتاب الصلاة، رقم 1257، 1258. ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة ~~فيها، رقم 1327. أحمد: مسند العشرة المبشرين بالجنة، رقم 1396، 1430، 1467. ~~الدارمي: كتاب الصلاة، رقم: 1452، وكتاب فضائل القرآن، رقم 3352. # (¬2) - ... لم نعثر عليه في الربيع ولا في الكتب التسعة. PageV02P313 # فاصدع بما تؤمر} فاجهر به وأمضه؛ يقال: صدع بالحجة: ms0465 إذا تكلم بها جهارا، ~~من الصديع، وهو: الفجر، أو فاصدع: فافرق بين الحق والباطل، من الصدع في ~~الزجاجة، وهو: الإبانة بما يؤمر به من الشرائع. {وأعرض عن المشركين(94)} ~~وعن أهوائهم وباطلهم أو عن أذاهم. # {إنا كفيناك المستهزئين(95)}، أي: يقول له: فاصدع بأمر الله، ولا تخف ~~أحدا غيره، فإنه كافيك من عاداك بالاستهزاء، {الذين يجعلون مع الله إلها ~~آخر فسوف يعلمون(96)} عاقبة أمرهم (لعله)، مآل أمرهم في الدنيا والآخرة؛ ~~{ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون(97)} يخوضون في آياتنا بقولهم وفعلهم. # {فسبح بحمد ربك} فافزع فيما نابك إلى الله، والفزع إلى الله هو: الذكر ~~الدائم، يكفيك ويكشف عنك الغم، وقابل إشراكهم وخوضهم (لعله) بالتوحيد ~~والتسبيح، ويدل على ذلك قوله: {وكن من الساجدين(98)؛ واعبد ربك} أي: دم على ~~عبادته وإن خالفوك؛ {حتى يأتيك اليقين(99)}، والمعنى: فاعبده ما دمت حيا لا ~~تخل عن العبادة لحظة (¬1) ؛ واليقين هو [أن] (¬2) يرى ما وعده الله من ~~الجزاء عيانا. # سورة النحل # بسم الله الرحمن الرحيم # كانوا يستعجلون ما وعدوا من قيام الساعة، أو نزول العذاب بهم، استهزاء ~~وتكذيبا بالوعد؛ فقيل لهم: {أتى أمر الله}، هو بمنزلة الآتي الواقع وإن كان ~~منتظرا، لقرب وقوعه، {فلا تستعجلوه} فلا تستعجلوا وقوع أمر الله؛ ~~والاستعجال: طلب الشيء قبل حينه. {سبحانه وتعالى عما يشركون(1)} تعاظم ~~بالأوصاف الحميدة عن أن يكون له شريك، أو عن إشراكهم؛ واتصال هذا ~~باستعجالهم من حيث أن استعجالهم استهزاء وتكذيب، وذلك من الشرك. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «لحضة»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «هو ما يرى». PageV02P314 # ينزل الملائكة بالروح} بالوحي؛ سماه روحا، لأنه تحيى به القلوب من موت ~~الجهل، {من أمره على من يشاء من عباده} (لعله) من رسول، أو رسول الرسول؛ ~~{أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون(2)}، المعنى: أعلموا الناس قول: «لا ~~إله إلا أنا فاتقون»، أي: إنه في الحقيقة لا شيطان ولا نفس ولا هوى ولا ~~دنيا ولا صنم، ولا إله غيري؛ {فاتقون}: فخافوني واعبدوني، ولا تشركوا بي ~~شيئا من هؤلاء؛ ثم دل على وحدانيته، وأنه ms0466 لا إله إلا هو بما ذكر فيما لا ~~يقدر عليه غيره، من خلق السموات والأرض، وأنهما أصل نعمة أهل الدنيا. # {خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون(3) خلق الإنسان من نطفة ~~فإذا هو خصيم مبين(4)} أي: فإذا هو منطيق (¬1) مجادل عن نفسه، مكافح ~~لخصومه، مبين لحجته، بعد ما كان نطفة لا حس به ولا حركة؛ أو فإذا هو خصيم ~~لربه، منكر على خالقه، قائل: {من يحي العظام وهي رميم} (¬2) ، وهو وصف ~~للإنسان بالوقاحة والتمادي في كفران النعمة. # ¬__________ # (¬1) - ... «المنطيق: البليغ»، ابن منظور: لسان العرب، 6/226. مادة: «نطق». # (¬2) - ... سورة يس: 78. PageV02P315 # وخلق له ما لا بد له به من خلق البهائم لأكله وركوبه، وجر أثقاله، وسائر ~~حاجاته؛ وهو قوله: {والأنعام خلقها} أي: خلق [295] الإنسان والأنعام؛ ثم ~~قال: {خلقها لكم} أي: ما خلقها إلا لكم؛ ثم بين بعض منافعها بقوله: {لكم ~~فيها دفء} عن البرد، {ومنافع}، وهي نسلها ودرها (¬1) وظهورها وغير ذلك، ~~{ومنها تأكلون(5)} يعني: لحومها، {ولكم فيها جمال حين تريحون} تردوها من ~~مراعيها إلى مراحها بالعشي، {وحين تسرحون(6)} ترسلونها بالغداة إلى ~~مسارحها. # من الله تعالى بالتجمل بها، كما من بالانتفاع بها، (لعله) لأنه من أغراض ~~أصحاب المواشي، لأن الرعيان إذا روحوها بالعشي، وسرحوها بالغداة، زينت ~~بإراحتها وتسريحها الأفنية، وفرحت أربابها وكسبتهم الجاه والحرمة عند ~~الناس؛ وإنما قدمت الإراحة على التسريح، لأن الجمال في الإراحة أظهر إذا ~~أقبلت ملأى البطون، حافلة الضروع. # { # ¬__________ # (¬1) - ... «والدر: اللبن ما كان... وفي الحديث أنه نهى عن ذبح ذوات ~~الدر، أي ذوات اللبن، ويجوز أن يكون مصدر “در اللبن” إذا جرى». ابن منظور: ~~لسان العرب، 2/966. PageV02P316 # وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس} ويفتح الشين أبو ~~جعفر (¬1) ، وهما لغتان في معنى المشقة؛ وقيل: المفتوح مصدر: شق الأمر عليه ~~شقا، وحقيقته راجعة إلى الشق الذي هو الصدع؛ وأما الشق فالنصف، كأنه تذهب ~~نصف قوته لما يناله من الجهد. والمعنى: وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا ~~بالغيه لو لم تخلق الإبل، إلا بجهد ومشقة، فضلا أن تحملوا ms0467 على ظهوركم ~~أثقالكم؛ أو معناه: لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس (¬2) ؛ وقيل: أثقالكم: ~~أبدانكم، ومنه الثقلان للجن والإنس، {وأخرجت الأرض أثقالها} (¬3) ، أي: بني ~~آدم، {إن ربكم لرءوف رحيم(7)} حيث رحمكم بخلق هذه الحوامل، وتيسير هذه ~~المصالح. # {والخيل والبغال والحمير لتركبوها، وزينة}، عطف على الأنعام، أي: وخلق ~~هؤلاء للركوب والزينة؛ والآية سيقت لبيان النعمة. وخلق ما لا تعلمون من ~~أصناف خلائقه، وهو قوله: {ويخلق ما لا تعلمون(8)} ومن هذا وصفه يتعالى عن ~~أن يشرك به. # {وعلى الله قصد السبيل} معناه: أن هداية الطريق الموصل إلى الحق عليه؛ ~~{ومنها جائر} ومن السبيل مائل عن الاستقامة، وهي البدع والضلالات، {ولو شاء ~~لهداكم أجمعين(9)} أراد هداية اللطف بالتوفيق والإنعام بعد الهدى العام. # { # ¬__________ # (¬1) - ... وهي كذلك قراءة مجاهد والأعرج وعمرو بن معين وابن أرقم. ~~الألوسي: روح المعاني، 14/100. # (¬2) - ... كذا في الأصل، وهو تكرار للآية لا معنى له. وفي الكشاف: ~~«ويجوز أن يكون المعنى: لم تكونوا بالغيه بها إلا بشق الأنفس». الزمخشري: ~~الكشاف، 2/463. # (¬3) - ... سورة الزلزلة: 2. PageV02P317 # هو الذي أنزل من السماء ماء لكم}، أي: منافع لكم، لتبلغوا بها رضاه، {منه ~~شراب ومنه شجر} يعني: الشجر، {فيه تسيمون(10)}، من سامت الماشية: إذا رعت، ~~فهي سائمة، وأسامها صاحبها، وهو من السومة، وهي العلامة، لأنها تؤثر بالرعي ~~علامات في الأرض. # {ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب، ومن كل الثمرات} ولم يقل: ~~«وكل الثمرات»، لأن كلها لا يكون إلا في الجنة، لأن النعمة لا تتم إلا في ~~الجنة، كما أن العذاب لا يجتمع على العصاة إلا في النار؛ وإنما أنزل في ~~الأرض بعض من هذا وهذا بشير ونذير (¬1) للعالمين. {إن في ذلك لآية لقوم ~~يتفكرون(11)} فيستدلون بها عليه وعلى قدرته، وعلى فواكه الجنة؛ والآية: ~~الدالة الواضحة. # {وسخر لكم الليل [296] والنهار، والشمس والقمر، والنجوم مسخرات بأمره؛ إن ~~في ذلك لآيات لقوم يعقلون(12)} جمع الآية وذكر العقل، لأن الآثار العلوية ~~أظهر دلالة على القدرة الباهرة، وأبين شهادة للكبرياء والعظمة. # {وما ذرأ لكم في الأرض} معطوف على الليل والنهار، أي: ما خلق ms0468 فيها من ~~حيوان وشجر وثمر وغير ذلك، {مختلفا ألوانه، إن في ذلك لآية لقوم ~~يذكرون(13)} يتعظون. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «وهذا بشيرا ونذيرا»، وهو خطأ. PageV02P318 # وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا} لأنه أرطب اللحوم، ولأن ~~الفساد يسرع إليه، فيؤكل سريعا طريا خيفة الفساد؛ ولإظهار قدرته في خلقه ~~عذبا طريا في ماء زعاق (¬1) ؛ {وتستخرجوا منه حلية} هي اللؤلؤ والمرجان، ~~وهو مما تتحلى به النساء، {تلبسونها} المراد بلبسهم: لبس نسائهم، ولكنهن ~~إنما يتزين بها من أجلهم، فكأنها زينتهم ولباسهم، {وترى الفلك مواخر} قيل: ~~المخر: شق الماء {فيه} في البحر؛ {ولتبتغوا من فضله}، فضله يعم إرادة ~~الدارين[كذا]، {ولعلكم تشكرون(14)} الله على ما أنعم به عليكم. # {وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم، وأنهارا وسبلا} طرقا، {لعلكم ~~تهتدون(15)} إلى مقاصدكم، أو إلى توحيد ربكم؛ {وعلامات} هي معالم طرق الدين ~~والدنيا، {وبالنجم هم يهتدون(16)}. # {أفمن يخلق} أي: الله تعالى، {كمن لا يخلق}؟ أي: ما يعبدون من دون الله، ~~وسموها آلهة تشبيها بالله، لأنهم جعلوا غير الله مثل الله في تسميته باسمه ~~والعبادة له، فقد جعلوا الله (لعله) من جنس المخلوقات، وشبيها بها؛ فأنكر ~~عليهم ذلك بقوله: {أفمن يخلق كمن لا يخلق}؟ {أفلا تذكرون(17)}؟ فتعرفوا ~~فساد ما أنتم عليه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في المنجد: الماء الزعاق: هو الماء المر لا يطاق شربه؛ أو ~~الماء المالح. مادة: «زعق». PageV02P319 # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} لا تضبطوا عددها ولا تبلغه طاقتكم، فضلا ~~أن تطيقوا القيام بحقها من أداء الشكر، وإنما أتبع ذلك ما عدد من نعمه ~~تنبيها على أن وراءها ما لا ينحصر ولا ينعد، {إن الله لغفور رحيم(18)} حيث ~~رضي منكم بالإيمان بها جملة، (لعله) وبالشكر فيما أحصيتم من النعمة، {والله ~~يعلم ما تسرون وما تعلنون(19)} من أقوالكم وأفعالكم، وهو وعيد. # {والذين يدعون} والآلهة التي يعبدونها، {من دون الله لا يخلقون شيئا وهم ~~يخلقون(20)} أي: هم {أموات غير أحياء، وما يشعرون أيان يبعثون(21)} نفى ~~عنهم خصائص الإلهية بنفي كونهم خالقين، وأحياء لا يموتون، وعالمين بوقت ~~البعث؛ وأثبت لهم ms0469 صفات الخلق، بأنهم مخلوقون أموات، جاهلون بالغيب. ومعنى ~~«أموات غير أحياء»: أنهم لو كانوا آلهة على الحقيقة، لكانوا أحياء غير ~~أموات، أي: غير جار عليها (¬1) الموت، وأمرهم بالعكس من ذلك؛ والضمير في ~~«يبعثون» للداعين، أي: لا يشعرون متى تبعث عبدتهم، وفيه تهكم للمشركين، وأن ~~آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم؛ فكيف يكون وقت جزائهم على عبادتهم؟، وفيه ~~دلالة على أنه لا بد من البعث (¬2) . # {إلهكم إله واحد} أي: ثبت بما مر أن الإلهية (¬3) لا تكون لغير الله، وأن ~~معبودكم واحد. # [ # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «عليهم»، أو لعل الضمير المؤنث ~~يرجع إلى الآلهة. # (¬2) - ... في الحاشية عبارة: «لعله جزاؤهم». ولم نجد لها مكانا في المتن. # (¬3) - ... في الأصل: «آلهة»، وهو خطأ. انظر الزمخشري: الكشاف، 2/467. PageV02P320 # 297] {فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة} للوحدانية، {وهم ~~مستكبرون(22)} عنها وعن الإقرار بها، والعمل بموجباتها، {لا جرم} حقا {أن ~~الله يعلم ما يسرون وما يعلنون} فيجازيهم؛ وهو وعيد، {إنه لا يحب ~~المستكبرين(23)} عن عبادته وتوحيده. {وإذا قيل لهم} لمن استكبر عن عبادته: ~~{ماذا أنزل ربكم؟ قالوا: أساطير الأولين(24)} بلسان الحال أو لسان المقال، ~~وماذا ينفع المقال مع المخالفة بالأعمال، أي: ليس (لعله) لذلك وقع في ~~قلوبهم؛ وهو بمنزلة أباطيل الأولين، كذبوا على الله، وسيحيق بهم كذبهم. # {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة} ذنوبهم وذنوب أنفسهم، وإنما ذكر ~~الكمال، لأن البلايا التي تلحقهم في الدنيا، وما فعلوا من الحسنات لا تكفر ~~عنهم شيئا من صغائرهم، ولا من كبائرهم، {ومن أوزار الذين يضلونهم} أي: ~~قالوا ذلك إضلالا للناس، فحملوا أوزار ضلالهم كاملة، وبعض أوزار من ضل ~~بضلالهم، وهو وزر الإضلال، لأن المضل والضال شريكان. وإن دعا أحدا إلى ~~الضلالة ولم يستجب له، كان الداعي ضالا والمدعى من (¬1) تلك الدعوة سالما. ~~وإن [كان] أثر ضلالته كتبا وقراطيس، يدعو عامة الناس إليها، وأحب أن يستجاب ~~له في ضلالته، كان في المعنى كأن دعا الناس جميعا إلى تلك الضلالة، قبل من ~~قبل ضلالته وردها من ردها. # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «إلى»، ms0470 أو في العبارة تقديم ~~وتأخير، وأصلها: «سالما من تلك الدعوة». PageV02P321 # وانظر في إبليس اللعين من حيث إنه دعا جميع الثقلين أن يعبدوه ويشركوا ~~بالله، فاستجاب له من استجاب منهم، وهم الذين حق عليهم القول أن تملأ بهم ~~جهنم، وهم الأكثر من خلق الله، إلا من رحم؛ ومنهم من استجاب له وتاب، فسلم ~~المستجيب التائب، وثبت على الداعي وزر دعوته إلى الضلالة؛ ومنهم من عصمه ~~الله من إضلاله في أشياء، واستجاب له في أشياء، فانظر ما يتعاظم عليه من ~~الوزر والعذاب إلى يوم القيامة. # وانظر إلى أنبياء الله ورسله، والعلماء بدينه، والأئمة في الدين، والأئمة ~~المنصوبين (¬1) ، حيث دعوا الناس كافة أن يوحدوا الله ويعبدوه ولا يشركوا ~~به شيئا، وأن يكفروا بالشيطان؛ فكان لهم أجرهم وأجر من استجاب لهم، وأجرهم ~~بدعوة من لم يستجب لهم إلى يوم القيامة؛ فانظر ما يتضاعف لهم من الأجر، ~~وكذلك من أثر الحق يدعوا الناس إليه، وقد قال الله: {ونكتب ما قدموا ~~وآثارهم} (¬2) ؛ {بغير علم} أي: يضلون من لا يعلم أنهم ضلال {ألا ساء ما ~~يزرون(25)}. # {قد مكر الذين من قبلهم، فأتى الله بنيانهم من القواعد، فخر عليهم السقف ~~من فوقهم} فقمع رؤسهم تعذيبا لهم، {وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون(26)} ~~(لعله) أنهم معذبون، وذلك أن الكافرين لا يحسون بعذابهم في الدنيا، لأنهم ~~يعدون العذاب نعمة، والنعمة عذابا، وهذا مثل قوله: {أم من أسس بنيانه على ~~شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم} (¬3) وهذا لكل من أسس بنيان دينه على ~~[298] شيء من الباطل. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «المبصوبين»، وهو خطأ. # (¬2) - ... سورة يس: 12. # (¬3) - ... سورة التوبة: 109. PageV02P322 # ثم يوم القيامة يخزيهم} يذلهم بعذاب الخزي، سوى ما عذبوا به في الدنيا، ~~{ويقول: أين شركائي؟} على الإضافة إلى نفسه، حكاية لإضافتهم، ليوبخهم بها ~~على طريق الاستهزاء، {الذين كنتم تشاقون فيهم} تعادون وتخاصمون المؤمنين في ~~شأنهم، لأن مشاقة المؤمنين كأنها مشاقة الله، {قال الذين أوتوا العلم} أي: ~~الأنبياء والعلماء من أممهم، الذين كانوا يدعونهم إلى الإيمان، ويعظونهم ~~(لعله) فلا يلتفتون إليهم ويشاقونهم، يقولون ms0471 ذلك شماتة؛ أو هم الملائكة. ~~{إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين(27)}. # {الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، فألقوا السلم} أي: الصلح ~~والاستسلام، لأنهم في حال الحرب لله ولرسوله ودين المسلمين، كانوا مخالفين ~~دينه بحرف واحد، وقالوا: {ما كنا نعمل من سوء}، وهذا كقوله: {يوم يبعثهم ~~الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم، ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم ~~الكاذبون} (¬1) ، وهذا في المتدينين الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا، وأما ~~المنتهكون فهم الذين وصفهم الله حيث قال: {حتى إذا جاء أحدهم الموت قل رب ~~أرجعون، لعلي أعمل صالحا في ما تركت} (¬2) ؛ فردت عليهم الملائكة قالوا: ~~{بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون(28)، فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها ~~فلبئس مثوى المتكبرين(29)} عن توحيد الله وعبادته. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة المجادلة: 18. # (¬2) - ... سورة المؤمنون: 99-100. PageV02P323 # وقيل للذين اتقوا} الكفر: {ماذا أنزل ربكم؟ قالوا: خيرا، للذين أحسنوا في ~~هذه الدنيا} أي: وحدوا الله وعبدوه ولم يشركوا به شيئا، {حسنة}، لأنهم ~~يتوصلون بحسنة الدنيا [إلى] حسنة الآخرة، فلذلك سميت حسنة، (لعله) وإن ~~نالتهم منها مشقة، {ولدار (¬1) الآخرة خير} أي: ولهم في الآخرة ما هو خير ~~منها كقوله: {فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة} (¬2) ، {ولنعم دار ~~المتقين(30)} دار الآخرة لا الدنيا. # {جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون} من أنواع ~~المشتهيات؛ {كذلك يجزي الله المتقين(31)} مثل هذا الجزاء. # {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين} طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر، زاكية ~~أفعالهم وأقوالهم ونياتهم، لأنه في مقابلة «ظالمي أنفسهم»، {يقولون: سلام ~~عليكم} قيل: إذا أشرف العبد المؤمن على الهلاك بالموت جاءه ملك فيقول: ~~«السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام»، وبشره بالجنة؛ وبقوله: ~~{ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون(32)} بعملكم. # {هل ينظرون} ما ينتظرون (¬3) هؤلاء الكفار، {إلا أن تأتيهم الملائكة؟} ~~لقبض أرواحهم، {أو يأتي أمر ربك} أي: العذاب المستأصل؛ {كذلك} مثل ذلك ~~الفعل من الشرك والتكذيب {فعل الذين من قبلهم، وما ظلمهم الله} بتدميرهم، ~~{ولكن كانوا أنفسهم يظلمون(33)} حيث فعلوا ما استحقوا به التدمير. # {فأصابهم سيئات ما ms0472 عملوا} جزاء سيئات أعمالهم، {وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزءون(34)} وأحاط بهم جزاء استهزائهم، والحيق: لا يستعمل [299] إلا في الشر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «والدار» وهو خطأ. # (¬2) - ... سورة آل عمران: 148. # (¬3) - ... كذا في الأصل، والأصوب: «ما ينظر». PageV02P324 # وقال الذين أشركوا} الشرك الخفي والجلي: {لو شاء الله ما عبدنا من دونه ~~من شيء نحن ولا آباؤنا، ولا حرمنا من دونه من شيء}، هذه (لعله) الآية حجة ~~على الجبرية، فإن الله ذم الكفار حيث لعل... (في التفسير ذهاب من قبل ضياع ~~القرطاسة) (¬1) ؛ {كذلك فعل الذين من قبلهم} أي: كذبوا الرسل وحرموا ~~الحلال، {فهل على الرسل إلا البلاغ المبين(35)}؟ إلا أن يبلغوا الحق، ~~ويبطلوا الشرك وقبائحه، ثم بين أن البعثة أمر جرت به السنة الإلهية في ~~الأمم كلها سببا لهدى من أراد اهتداءه، وزيادة لضلال من أراد ضلاله؛ ~~كالغذاء الصالح، فإنه ينفع المزاج السوي، ويقويه، ويضر المنحرف ويفنيه. # {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا: أن اعبدوا الله} بأن وحدوه ولا تشركوا به ~~شيئا، {واجتنبوا الطاغوت}: الشيطان وطاعته، أي: كونوا من حزب الله، ولا ~~تكونوا من حزب الشيطان، {فمنهم من هدى الله} باختياره الهدى، {ومنهم من حقت ~~عليه الضلالة} أي: لزمت لاختياره إياها، {فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان ~~عاقبة المكذبين(36)} حيث أهلكهم الله وأخلى ديارهم. # ¬__________ # (¬1) - ... يبدو أن ما بين قوسين إضافة من الناسخ في المتن، فهي عبارة ~~مقحمة في النص، أي أن النسخة التي اعتمدها كانت مخرومة. PageV02P325 # وحرص رسول الله على إيمانهم، وأعلمه أنه من قسم من حقت عليه ~~الضلالة[كذا]؛ فقال: {إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم ~~من ناصرين(37)} يمنعونهم من جريان حكم الله عليهم، ويدفعون عنهم عذابه الذي ~~أعد لهم، (لعله) والآية كقوله: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} (¬1) ~~{وأقسموا (¬2) بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت، بلى} هو إثبات لما ~~بعد النفي، أي: بل يبعثهم، {وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون(38)} ~~أن وعده حق، أو لأنهم يبعثون. # {ليبين لهم} متعلق بما دل عليه ms0473 «بلى»، أن (¬3) يبعثهم ليبين لهم؛ والضمير ~~لمن يموت، وهو يشتمل المؤمنين والكافرين، {الذي يختلفون فيه} هو الحق، ~~{وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين(39)} في قولهم: «لا يبعث الله من يموت». # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة يوسف: 103. # (¬2) - ... في الأصل «وقسموا» وهو خطأ. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «أي:». انظر الزمخشري: الكشاف، 2/472. PageV02P326 # إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له: كن، فيكون(40)}، أي: فهو يكون، ~~أي: إذا أردنا وجود شيء فليس إلا أن نقول له: احدث، فهو يحدث بلا توقف، ~~وهذه عبارة عن سرعة الإيجاد، [أي:] أن ليس مرادا يمتنع عليه، وأن وجوده عند ~~إرادته غير متوقف كوجود المأمور به عند أمر الآمر المطاع إذا ورد على ~~المأمور المطيع الممتثل، ولا (¬1) قول ثمة. والمعنى: أن إيجاد كل مقدور على ~~الله تعالى بهذه السهولة؛ فكيف يمتنع عليه البعث الذي هو من بعض المقدورات، ~~وكذلك لا يمتنع عليه كفر المطيع، ولا طاعة من كفر، وهذه تخوف المؤمنين من ~~تقلب الأحوال بهم، كما قال: {وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي ~~أرض تموت} (¬2) . # {والذين هاجروا في الله} وفي حقه ولوجهه، {من بعد ما ظلموا} أي: أطاعوا ~~الله فيمن عصى فيهم [300]، {لنبوئنهم في الدنيا حسنة} بكمال عقولهم ووضع ~~الأمور مواضعها، {ولأجر الآخرة أكبر} من حسنة الدنيا، {لو كانوا ~~يعلمون(41)} لازدادوا في اجتهادهم وصبرهم؛ وقيل: الضمير للكفار، أي: لو ~~علموا أن الله يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدارين (¬3) لوافقوهم. و{الذين ~~صبروا} على مشاق التكليف، {وعلى ربهم يتوكلون(42)} أي: يفوضون الأمر إلى ~~ربهم، ويرضون بما أصابهم في دين الله. # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «والا»، وهو خطأ. # (¬2) - ... سورة لقمان: 34. في الأصل: «ولا تدري نفس ماذا تكسب غدا ولا ~~تدري...»، وهو خطأ. # (¬3) - ... في الأصل: «الدرين»، وهو سهو. PageV02P327 # ولما قيل: الله أعظم (لعله) من أن يكون رسوله بشرا نزل: {وما أرسلنا من ~~قبلك إلا رجالا نوحي إليهم، فاسألوا أهل الذكر} أهل العلم، والعلم هو ~~الذكر، لأنه موعظة وتنبيه وحياة للجاهلين، {إن كنتم لا تعلمون(43)} (لعله)، ~~لأنهم متعبدون بالسؤال عما يلزمهم من جميع ms0474 ما أوجب الله عليهم إذا جهلوه. # {بالبينات والزبر} أي: بالبينات والكتب، {وأنزلنا إليك الذكر} أي: ~~القرآن، {لتبين للناس ما نزل إليهم} في الذكر، مما أمروا به ونهوا عنه، ~~ووعدوا به، وأوعدوا؛ (لعله) وبيان الكتاب يطلب من السنة، {ولعلهم يتفكرون ~~(¬1) (44)} في تنبيهاته فينتبهوا. # {أفأمن الذين مكروا السيئات} أي: أخفوا المعاصي؛ وكأن الآية نزلت في ~~المنافقين، (لعله) ومن أين لهم الأمان من الله وهم قد بارزوه بالمعاصي؟!. ~~{أن يخسف الله بهم الأرض} كما فعل بمن تقدمهم، {أو يأتيهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون(45)}، أي: بغتة، {أو يأخذهم في تقلبهم} أو يهلكهم متقلبين في ~~مسايرهم ومتاجرهم، {فما هم بمعجزين(46)} سابقين الله. # {أو يأخذهم على تخوف} متخوفين قد ظهرت لهم علامات الأخذ، {فإن ربكم لرءوف ~~(¬2) رحيم(47)} (لعله) إذ لم يعجل عليهم بالعقوبة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يتكفرون»، وهو سهو. # (¬2) - ... في الأصل «لغفور» وهو خطأ. PageV02P328 # أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء} من [...]م (¬1) قائم له ظل، {يتفيؤا ~~ظلاله} أي: يرجع {عن} موضع إلى موضع، {اليمين} أي: الأيمان، {والشمائل} جمع ~~شمال، {سجدا لله}، والمراد: من السجود الاستسلام، سواء كان بالطبع أو ~~الاختيار، (لعله) بميلانها، [و]دورانها سجودها لله، ويقال للظل بالعشي: ~~فاء، أي: رجع من المغرب إلى المشرق؛ واليمين: أول النهار، والشمال: آخر ~~النهار، {وهم داخرون(48)} صاغرون. والمعنى: أو لم يروا إلى ما خلق الله من ~~الأجرام التي لها ظلال متفيئة عن أيمانها وشمائلها، أي: ترجع الظلال من ~~جانب إلى جانب، منقادة لله تعالى غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيئ، ~~والأجرام في أنفسها داخرة أيضا، صاغرة منقادة لأفعال الله فيها غير ممتنعة عليه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... طمس في الأصل قدر حرف. PageV02P329 # ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة} بيان لما في السماوات ~~وما في الأرض جميعا، على أن في السماوات خلقا يدبون فيها كما تدب الأناسي ~~في الأرض، أو بيان لما في الأرض وحده، والمراد بما في السماوات: ملائكتهن؛ ~~ويقال: السجود: الطاعة، والأشياء كلها مطيعة لله عز وجل، من حيوان وجماد، ~~قال الله: ms0475 {قالتا: أتينا طائعين} (¬1) ؛ وقيل: سجود الأشياء: تذللها ~~وتسخيرها لما أريدت له؛ وقيل: [301] سجود الجمادات وما لا عقل له: ظهور أثر ~~الصنع فيه على معنى أنه يدعو العاقلين إلى السجود لله عند التأمل والتدبر ~~فيه؛ قال الله تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم} (¬2) . ~~{والملائكة} خص الملائكة بالذكر مع كونهم من جملة ما في السماوات والأرض ~~تشريفا لهم ورفعا لشأنهم؛ وقيل: لخروجهم من الموصوفين بالدبيب، إذ لهم ~~أجنحة يطيرون بها؛ وقيل: المراد بسجود المكلفين: طاعتهم وعبادتهم، وبسجود ~~غيرهم: انقياده لإرادة الله، {وهم لا يستكبرون(49)} (لعله) يعني الملائكة، ~~{يخافون ربهم} أي: لا يستكبرون، خائفين {من فوقهم} إن علقته ب«يخافون» ~~فمعناه: يخافونه أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم، وإن علقته بربهم حال منهم، ~~فمعناه: يخافون ربهم عاليا لهم، قاهرا، كقوله: {وهو القاهر فوق عباده} (¬3) ~~، {ويفعلون ما يؤمرون(50)}، وكأن هذا دليل على أن الملائكة مكلفون، مدارون ~~على الأمر والنهي، وأنهم بين الخوف والرجاء، (لعله) وإذا كان الملائكة بين ~~الخوف والرجاء مع أنهم لا يعصونه طرفة عين ولا يسأمون. ( # ¬__________ # (¬1) - ... سورة فصلت: 11. # (¬2) - ... سورة فصلت: 53. # (¬3) - ... سورة الأنعام: 18. PageV02P330 # لعله) صبائغ في القرطاسة عن تمام الكلام والإنس [كذا]، ولكن الخوف منه ~~على قدر المعرفة به تبارك وتعالى. # {وقال الله: لا تتخذوا إلهين اثنين} أي: لا يتفق أن يكون لكم أن تعبدوا ~~الله والهوى في حال من الحال، {إنما هو إله واحد} معبود واحد، ولا يستقيم ~~إلا لمخالفة الهوى كما قال: {ونهى النفس عن الهوى} (¬1) ، {فإياي ~~فارهبون(51)} من أن تتخذوا إلها غيري. # {وله ما (¬2) في السماوات والأرض وله الدين واصبا} واجبا ثابتا، لأن كل ~~نعمة منه، فالطاعة واجبة له على كل منعم عليه، أو وله الجزاء دائما، يعني ~~الثواب والعقاب؛ وقيل معناه: ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع ذلك عنه ~~بزوال وهلاك غير الله عز وجل، وأن الطاعة تدوم له ولا تنقطع، {أفغير الله ~~تتقون(52)؟} أي: تخافون؛ استفهام على معنى الإنكار. # {وما بكم من نعمة} وأي: شيء اتصل بكم من نعمة إيجاد وإمداد وعافية دينية ~~ودنياوية، {فمن ms0476 الله}، فلأي شيء تعبدون غير الله، {ثم إذا مسكم الضر} المرض ~~والفقر وغيرهما، {فإليه تجأرون(53)} تصيحون وتضجون بالدعاء، {ثم إذا كشف ~~الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون(54)} يرجعون إلى طاعة إبليس، وينسون ~~ما مر بهم. # {ليكفروا بما آتيناهم} من نعمة الكشف عنهم، كأنهم جعلوا غرضهم في الشرك ~~كفران النعمة، ثم أوعدهم فقال: {فتمتعوا} أي: عيشوا في اللذة، في المدة ~~التي صيرناها لكم، {فسوف تعلمون(55)} عاقبة أمركم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النازعات: 40. # (¬2) - ... في الأصل: «وله من»، وهو خطأ. PageV02P331 # ويجعلون لما لا يعلمون} له حقا، أي: الأصنام {نصيبا مما رزقناهم} من ~~الأموال، وهو ما جعلوا للأوثان من حروثهم وأنعامهم، {فقالوا: هذا لله ~~بزعمهم وهذا لشركائنا} (¬1) ؛ أو «هذا» لما ينفقونه، {تالله لتسألن} وعيد، ~~{عما كنتم تفترون(56)} أنها آلهة، وأنها أهل للبذل. # {ويجعلون لله البنات}، قيل: كانت خزاعة وكنانة تقول: «الملائكة بنات ~~الله»، {سبحانه} تنزيه لذاته، {ولهم ما يشتهون(57)} [302] أي: جعلوا ~~لأنفسهم ما يشتهون من الذكور. # {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا} متغيرا من الغم والكراهية، {وهو ~~كظيم(58)} ممتلئ غيظا وحزنا، فهو يكظمه، أي: يمسكه ولا يظهره، {يتوارى} ~~يختفي {من القوم من سوء ما بشر به} من أجل سوء المبشر به، ومن أجل تعييرهم، ~~ويحدث نفسه وينظر {أيمسكه على هون} أيمسك ما يبشر به على هوان وذل، {أم ~~يدسه في التراب} أم يئده، {ألا ساء ما يحكمون(59)} بئس ما يحكمون لله ~~البنات، ولأنفسهم البنين؛ نظيره: {ألكم الذكر وله الأنثى...} (¬2) الآية. # {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء} جهنم، (لعله) وما جر إليها، {ولله ~~المثل الأعلى} وهو أنه لا إله إلا الله، {وهو العزيز الحكيم(60)}. # {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها}، على الدنيا، {من دابة} قط، ~~ولأهلكها، ولقامت الساعة، {ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى} أي: أجل كل أحد؛ أو ~~وقت (¬3) تقتضيه الحكمة؛ أو القيامة، {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون(61)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأنعام: 136. # (¬2) - ... سورة النجم: 21؛ وتمام الآية: {ألكم الذكر وله الأنثى، تلك ~~إذا قسمة ضيزى}. # (¬3) - ... في الأصل: «أحدا وقت»، وهو خطأ. PageV02P332 # ويجعلون ms0477 لله ما يكرهون} ما يكرهونه لأنفسهم، {وتصف ألسنتهم الكذب} مع ~~ذلك، أي: يقولون الكذب، {أن لهم الحسنى} (لعله) في الدارين، إن كان البعث ~~حقا، {لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون(62)} من الحسنى، مقدمون إلى النار ~~معجلون إليها. # {تالله (¬1) لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك} أي: أرسلنا رسلا إلى من تقدمك ~~من الأمم، {فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم} ناصرهم اليوم، وهو ~~على التوبيخ، {ولهم عذاب أليم(63)}. # {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم (¬2) } إلا للتبيين، لا عبثا ولا ~~لعبا {الذي (¬3) اختلفوا فيه} من الدين والأحكام، {وهدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون(64)}. # {والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها، إن في ذلك لآية ~~لقوم يسمعون(65)} سماع تدبر وتفهم، لأن من لم يسمع بقلبه، فكأنه لا يسمع، ~~{وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا} ~~(لعله) شيئين مختلفين كل واحد[كذا]. سئل شقيق عن الإخلاص فقال: «تمييز ~~العمل من العيوب، كتمييز اللبن من بين الفرث والدم» (¬4) . {سائغا ~~للشاربين(66)} سهل المرور في الحلق. # {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} هو الخل والرب ~~والتمر والزبيب، وغير ذلك، {إن في ذلك لآية لقوم يعقلون(67)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل «تابى الله» وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: - «لهم»، وهو سهو. # (¬3) - ... في الأصل: «الذين»، وهو خطأ. # (¬4) - ... الزمخشري: الكشاف، 2/479. PageV02P333 # وأوحى ربك} ألهم، كما يلهم سائر الحيوان لمصالحها، {إلى النحل أن اتخذي ~~من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون(68)} يرفعون من سقوف البيت، أو بما ~~يبنون للنحل، {ثم كلي من كل الثمرات، فاسلكي سبل ربك ذللا}، جمع ذلول، وهي ~~حال من السبل، لأن الله ذللها وسهلها؛ أو أتت ذللا منقادة لما أمرت به غير ~~ممتنعة، {يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه} منه أبيض وأصفر وأحمر، من ~~اختلاف قبائله أو أغذيته، {فيه شفاء للناس، إن في ذلك لآية لقوم ~~يتفكرون(69)} [303] في عجيب أمرها، فيعلم أن الله أودعها علما بذلك وفطنها، ~~كما أولى أولي العقول عقولهم، وإن من تدبر اختصاص النحل ms0478 بتلك العلوم ~~الدقيقة، والأفعال العجيبة حق التدبر علم قطعا أنه لا بد لها من قادر حكيم ~~يلهمها ذلك، ويحملها عليه. # {والله خلقكم ثم يتوفاكم، ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} إلى أخسه وأحقره، ~~وهو الهرم الذي يشابه الطفولية في نقصان الجسم والقوة والعقل، {لكي لا يعلم ~~بعد علم شيئا} كيلا يعلم، زيادة علم على علمه؛ أو لكي لا يعلم شيئا بعد ~~علم، أي: يذهب ما علم. {إن الله عليم قدير(70)} على تبديل ما يشاء كما يشاء. # { PageV02P334 والله فضل بعضكم على بعض في الرزق} أي: جعلكم متفاوتين في ~~الرزق؛ فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهم بشر مثلكم؛ {فما الذين فضلوا} في ~~الرزق يعني الملاك، {برادي} بمعطي {رزقهم على ما ملكت أيمانهم} وكان ينبغي ~~أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم حتى تتساووا في الملبس والمطعم، {فهم فيه ~~سواء} تقديره: «فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا ~~مع عبيدهم في الرزق»؛ وهو مثل ضربه للذين جعلوا له شركاء؛ فقال لهم: أنتم ~~لا تسوون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم، ولا تجعلونهم فيه شركاء، ~~ولا ترضون ذلك لأنفسكم؛ فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركائي. قال قتادة: ~~«هذا مثل ضربه الله عز وجل، فهل منكم أحد يشركه مملوكه في زوجته وفراشه ~~وماله؟ أفتعدلون بالله خلقه وعباده؟! تعالى عن ذلك علوا كبيرا». {أفبنعمة ~~الله يجحدون(71)} بالإشراك به. # { PageV02P335 والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا} من جنسكم، {وجعل لكم من ~~أزواجكم بنين وحفدة} جمع: حافد، وهو الذي يحفد، أي: يسرع في الطاعة ~~والخدمة، واختلف فيه، فقيل: هم الأختان على البنات، وقيل: أولاد الأولاد، ~~وقيل: الخدم، وقيل: الأصهار، وقيل: الأعوان، وقيل: كبار الأولاد المعينين ~~على الأعمال، وقيل: الربائب. {ورزقكم من الطيبات} أي: بعضها، لأن كلها في ~~الجنة، وطيبات الدنيا أنموذج؛ {أفبالباطل يؤمنون} هو ما يعتقدون من (لعله) ~~منفعة الأصنام، أو متابعتهم للوساوس (¬1) الشيطانية، {وبنعمة الله هم ~~يكفرون(72)} أو الباطل: الشيطان وما يزينه، والنعمة: رحمة الله. # {ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا ms0479 من السماوات والأرض شيئا، ولا ~~يستطيعون(73)} المعنى: لا يملكون شيئا من الرزق ولا من النفع ولا من الضر، ~~ولا يتأتى ذلك فيهم، (لعله) ويدخل في ذلك المال والأهل الشاغلان عن ذكر الله. # {فلا تضربوا لله الأمثال} فلا تجعلوا لله مثلا، فإنه لا مثل له، أي: فلا ~~تجعلوا له شركاء، {إن الله يعلم} أنه لا مثل له من الخلق، {وأنتم لا ~~تعلمون(74)} خطأ ما تضربون من الأمثال. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «للوساس»، وهو خطأ. PageV02P336 # ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء، ومن رزقناه منا رزقا حسنا، ~~فهو ينفق منه سرا وجهرا} أي: مثلكم في إشراككم بالله الأوثان، [ك]مثل من ~~سوى بين عبد مملوك عاجز عن التصرف، [304] وبين حر مالك قد رزقه الله مالا، ~~فهو يتصرف فيه وينفق منه كيف يشاء؛ وقيد بالمملوك ليميز من الحر، لأن اسم ~~العبد يقع عليهما جميعا، إذ هما من عباد الله؛ وقيل: هذا مثل ضربه الله ~~للمؤمن والكافر، {هل يستوون؟ الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون(75)} إن الحمد ~~والعبادة لله. PageV02P337 # ثم زاد في البيان فقال: {وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على ~~شيء} الأبكم: الذي ولد أخرس، فلا يفهم ولا يفهم، {وهو كل على مولاه} أي: ~~ثقل وعيال على من يلي أمره ويعوله؛ {أينما يوجهه لا يأت بخير} حيث ما يرسله ~~ويصرفه في مطلب حاجة، أو كفاية فهم (¬1) ، لم ينفع ولم يأت بنجح، وهو يفسد ~~ولا يصلح، {هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل}؟ أي: ومن هو سليم الحواس نفاع ذو ~~كفايات مع رشد وديانة؛ فهو يأمر الناس بالعدل والخير {وهو} في نفسه {على ~~صراط مستقيم(76)} على سيرة صالحة ودين قيم قويم؛ وهذا مثل ثان ضربه لنفسه ~~ولما يفيض على عباده من آثار رحمته ونعمه، وغناه عن خلقه، وللأصنام التي هي ~~موات لا تضر ولا تنفع؛ وقيل: للمؤمن والكافر، وهو كقوله: {أفمن يمشي مكبا ~~على وجهه أهدى، أمن يمشي سويا على صراط مستقيم} (¬2) ويدخل فيه تدبير ~~معاشه، وإصلاح معاملته لخالقه، وللخلق فيما بينه وبينهم، ms0480 وإصلاح نفسه، ~~ومركز جميع اصطلاحات سلامة القلب من الأهوية والأمراض. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «مهم». انظر: الزمخشري: الكشاف، 2/485. # (¬2) - ... سورة الملك: 22. PageV02P338 # ولله غيب السماوات والأرض} أي: يختص به علم ما غاب فيهما عن العباد، وخفي ~~عليهم علمه؛ أو أراد بغيب السماوات والأرض يوم القيامة، على أن علمه غائب ~~من أهل السماوات والأرض لم يطلع عليه أحد منهم؛ {وما أمر الساعة} في قرب ~~كونها، وسرعة قيامها، {إلا كلمح البصر} كرجع طرف من أعلى الحدقة إلى ~~أسفلها؛ وإنما ضرب به المثل، لأنه لا يعرف زمان أقل منه؛ {أو هو} أي: الأمر ~~{أقرب} وليس هذا للشك ولكن المعنى كونوا في كونها على هذا الاعتبار، وقيل: ~~بل هو أقرب، ويقتضي ذلك انقضاء أجل كل نفس، لأنها إذا انقضى أجلها كأن ~~قيامتها قد قامت، {إن الله على كل شيء قدير(77)} فهو يقدر على أن يقيم ~~الساعة، ويبعث الخلق، لأنه بعض المقدورات؛ ثم دل على قدرته بما بعد، فقال: # {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا} مستصحبين جهل ~~الجمادية[كذا]، لا تعلمون شيئا من حق المنعم الذي خلقكم في البطون، ولا ~~تعلمون قدر أنفسكم، {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون(78)} ~~أي: وما ركب فيكم هذه الأشياء والاالآت (¬1) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل في العبارة خطأ ونقصا تقديره: «وما ركب ~~فيكم هذه الأشياء والآلات إلا لتشكروا». وفي تفسير الزمخشري: «معناه: وما ~~ركب فيكم هذه إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه، واجتلاب العلم والعمل ~~به من شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه...» إلخ. الزمخشري: الكشاف، 2/486. PageV02P339 # ألم يروا إلى الطير مسخرات} مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة ~~والأسباب المواتية لذلك، {في جو السماء ما يمسكهن} في قبضهن وبسطهن ووقوفهن ~~{إلا الله} بقدرته؛ وفيه نفي لما يصوره الوهم من خاصية [305] القوى ~~الطبيعية {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون(79)} بأن الخلق لا غنى به عن ~~الخالق. # {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا} موضعا تسكنون فيه وقت إقامتكم، كالبيوت ~~المتخذة من الحجر والمدر، {وجعل لكم من جلود ms0481 الأنعام بيوتا} هي قباب الأدم، ~~{تستخفونها} لأنها خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل، {يوم ظعنكم ويوم ~~إقامتكم} قراركم من (¬1) منازلكم؛ والمعنى أنها خفيفة عليكم في أوقات السفر ~~والحضر؛ على أن «اليوم» بمعنى الوقت. {ومن أصوافها} أصواف الضأن، ~~{وأوبارها} أوبار الإبل، {وأشعارها} أشعار المعز، {أثاثا} أثاث البيت، ~~{ومتاعا} وشيئا ينتفع به {إلى حين(80)} مدة من الزمان. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «في». PageV02P340 # والله جعل لكم مما خلق ظلالا} كالأشجار والسقوف، تستظلون (لعله) تحتها، ~~{وجعل لكم من الجبال أكنانا} جمع كن، وهو ما سترك من كهف وغار، {وجعل لكم ~~سرابيل} هي القمصان والثياب، من الصوف والكتان والقطن {تقيكم الحر} وهي تقي ~~البرد أيضا، إلا أنه اكتفي بأحد الضدين، {وسرابيل تقيكم بأسكم} ودروعا من ~~الحديد ترد عنكم سلاح عدوكم في قتالكم؛ والبأس: شدة الحر، والسربال: عام ~~يقع على ما كان من حديد أو غيره، {كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون(81)} ~~أي: تنظرون في نعمته الفائضة، فتؤمنون به وتنقادون له؛ وانظر ما عدد هنا، ~~وهي قليلة حقيرة مما أفاض على خلقه من نعمه الدينية الدنيوية، وكلها تسمى ~~نعمة إذا أعانت وأوصلت إلى النعمة الأبدية. # {فإن تولوا} أعرضوا عن الإسلام {فإنما عليك البلاغ المبين(82)} أي: عليك ~~تبليغ الحجة، ولا عليك تبعة إن تولوا. # {يعرفون نعمة الله} التي عددناها بأقوالهم، فإنهم يقولون: إنها من الله ~~تعالى، {ثم ينكرونها} بأفعالهم، حيث عبدوا غير المنعم؛ وإنكارهم لها كفرهم ~~بها، والاستهانة بها، والاستخفاف بثوابها، والاستنقاص (لعله) بفاعلها، ولا ~~يجوز أن ينتفع بشيء ينكره؛ فمن ذلك (لعله) استحالت النعمة في حق (¬1) . ~~{وأكثرهم الكافرون(83)} إما بالقول أو بالنية أو بالفعل، أو بأحدها، وحق من ~~عرف النعمة أن يعترف ولا ينكر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل في العبارة سقطا. PageV02P341 # ويوم نبعث من كل أمة شهيدا} محقا من نبي أو الإمام (¬1) أو عالم يشهد ~~للمحق بالحق، وعلى المبطل بالباطل؛ {ثم لا يؤذن للذين كفروا} في الاعتذار، ~~{ولا هم يستعتبون(84)} يسترضون، أن لا يقال لهم: ارضوا بربكم، لأن الآخرة ~~ليست بدار عمل. # {وإذا ms0482 رأى الذين ظلموا} أنفسهم بالكفر {العذاب، فلا يخفف عنهم ولا هم ~~ينظرون(85)} ولا هم يمهلون. # {وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم} أوثانهم التي عبدوها، وما أحصى عليهم في ~~الكتاب من أعمالهم القبيحة، لأنها في الحقيقة أوثان وشركاء لله، {قالوا: ~~ربنا هؤلاء شركاؤنا} أي: آلهتنا التي جعلناها شركاء؛ وفي المعنى أنها تعم ~~جميع معاصي الله تعالى؛ {الذين كنا ندعو من دونك} أي: نعبدها ونعملها، ~~{فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون(86)} أي: أجابوهم [306] بالتكذيب في ~~تسميتهم شركاء وآلهة، تنزيها لله من الشريك. # {وألقوا} يعني: الذين أشركوا {إلى الله يومئذ السلم} إلقاء الاستسلام ~~لأمر الله وحكمه بعد الإيباء والاستكبار في الدنيا، {وضل عنهم} وبطل عنهم ~~{ما كانوا يفترون(87)} من أن لله شركاء بقولهم وفعلهم. # {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله} أي: حملوا غيرهم على الكفر {زدناهم ~~عذابا فوق العذاب} عذابا بالكفر، وعذابا بالصد {بما كانوا يفسدون(88)} ما ~~أصلحه الله وأنبياؤه وأهل دينه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الأصوب: «إمام»، بالتنكير. PageV02P342 # ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم} هو كل إمام محق في أمة ~~{وجئنا بك شهيدا على هؤلاء} على أمتك {ونزلنا (¬1) عليك الكتاب تبيانا} ~~بيانا بليغا {لكل شيء} من أمور الدين والدنيا {وهدى ورحمة وبشرى ~~للمسلمين(89)} ودلالة إلى الخلق، ورحمة للمؤمنين، وبشارة بالجنة لهم. # {إن الله يأمر بالعدل} وهو أن تسووا في الحقوق فيما بينكم، وترك الظلم، ~~وإيصال كل ذي حق إلى حقه، {والإحسان} بأن تحسنوا إلى أنفسكم بفعل الواجبات ~~والمندوبات، (لعله) وترك جميع المحرمات والمحجورات، واجتناب جميع السيئات، ~~{وإيتاء ذي القربى} ما يستحق ويحسن، {وينهى عن الفحشاء} عن الذنوب المفرطة ~~في القبح، {والمنكر} ما تنكره العقول، {والبغي} طلب التطاول بالظلم والكبر؛ ~~{يعظكم لعلكم تذكرون(90)} تتعظون بمواعظ الله، وهذه عظة جامعة لكل مأمور ومنهي. # {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} بعد ~~توثيقها باسم الله، {وقد جعلتم الله عليكم كفيلا} شاهدا ورقيبا، لأن الكفيل ~~مراع لحال المكفول به، مهيمن عليه، {إن الله يعلم ما تفعلون(91)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل «وأنزلنا» وهو ms0483 خطأ. PageV02P343 # ولا تكونوا} في نقض الأيمان {كالتي نقضت غزلها من بعد قوة} كالمرأة ~~الغازلة [...] (¬1) بعد أن أحكمته وأبرمته {أنكاثا} جمع نكث، وهو ما ينكث ~~فتله. قيل: هي امرأة كانت حمقاء خرقاء، تغزل هي وجواريها من الغداة إلى ~~الظهيرة، ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن؛ والمعنى: أنها لم تكف عن الغزل، ولا ~~حين عملت كفت عن النقض (لعله) فتستريح؛ وهي كحمار الطاحونة الذي يسير منه ~~[و]يجيء إليه؛ وذلك كل عمل يعمله الإنسان من الطاعات، ثم يعقبها بالمعاصي ~~فتحبط بها، {تتخذون أيمانكم دخلا بينكم} أي: دخلا وخيانة وخديعة، والدخل: ~~ما يدخل في الشيء الفساد. وقيل: {أن تكون أمة هي أربى} أزيد عددا، أو أوفر ~~مالا {من أمة} من جماعة المؤمنين؛ {إنما يبلوكم الله به} أي: إنما يختبركم ~~بكونكم أربى، لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله، وما وكدتم من أيمان ~~(¬2) البيعة لرسول الله والمؤمنين، أم تغترون بكثرة أهل الفسق وثروتهم، ~~وقلة المؤمنين وفقرهم؛ {وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون(92)} ~~في الدنيا، وفيه تحذير عن مخالفة ملة [307] الإسلام. # {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة} حنيفية مسلمة، {ولكن يضل من يشاء} من ~~علم منه اختيار الضلال، {ويهدي من يشاء} من علم منه اختيار الهداية، ~~{ولتسألن عما كنتم تعملون(93)} في الدنيا، فتجازون عليه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ويبدو أن في العبارة سقطا. وفي تفسير الزمخشري: ~~«كالمرأة التي أنحت على غزلها بعد أن أحكمته وأبرمته فجعلته {أنكاثا}». ~~الزمخشري: الكشاف، 2/492. # (¬2) - ... في الأصل: «الأيمان»، بالتعريف، وهو خطأ. PageV02P344 # ولا تتخذوا (¬1) أيمانكم دخلا بينكم} (لعله) خديعة وفسادا، فتضرون بها ~~الناس فيشكون، فسيكنون (¬2) إلى أيمانكم ويأمنونها ثم تنقضونها، {فتزل قدم ~~بعد ثبوتها} فتزل أقدام عن محجة الإسلام بعد ثبوتها عليها، {وتذوقوا السوء} ~~ما يسوؤكم في الدنيا ولم توتحروا (¬3) عليه، فيكون وبالا ومغرما وخسرانا ~~عليكم، خلاف المؤمنين، لأنهم وإن نالهم مكروه، فذلك رفع لدرجاتهم، فيصير ~~نعمة لهم خلاف الأولين. {بما صددتم} بصدودكم {عن سبيل الله} وخروجكم عن ~~الدين، {ولكم عذاب عظيم(94)} وهو العذاب الأكبر في الآخرة. # {ولا تشتروا} ولا تستبدلوا {بعهد ms0484 الله} بميثاقه {ثمنا قليلا} عرضا من ~~الدنيا يسيرا، {إنما عند الله} من رزقه في الدنيا، وثوابه في العقبى {هو ~~خير لكم إن كنتم تعلمون(95)} أن وعد الله آت. # {ما عندكم} من زخرف الدنيا {ينفد} ولا تؤجرون عليه إن توجه ذلك ~~للمخالفين؛ وإن توجه للمؤمنين نقول: ما في أيديكم يجيء ويذهب، {وما عند ~~الله} من خزائن رحمته {باق} لا ينفد، {ولنجزين الذين صبروا} على ما أوجبه ~~الله عليهم من مشاق التكليف، {أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون(96)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل «تتخذون» وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعله يقصد: فسيلتجئون. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «تؤجروا». PageV02P345 # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن} شرط الإيمان لأن أعمال الفاسقين ~~غير معتد بها، {فلنحيينه حياة طيبة} بمده بعقل متبوع يميز به بين الحسن ~~والقبيح من أمر الدنيا والآخرة. {ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا ~~يعملون(97)} وعده الله ثواب الدنيا والآخرة، كقوله: {فآتاهم الله ثواب ~~الدنيا وحسن ثواب الآخرة} (¬1) وذلك أن المؤمن مع العمل الصالح موسرا كان ~~أو معسرا يعيش عيشا طيبا، إن كان موسرا فظاهر، وإن كان معسرا فييسر له ما ~~يطيب عيشه، وهو القناعة والرضى بقسمة الله فيه. {ومن أعرض عن ذكري فإن له ~~معيشة ضنكا} (¬2) أي: ضيقة، كان موسرا أو معسرا؛ وقيل: الحياة الطيبة: ~~القناعة وحلاوة الطاعة، أو المعرفة بالله وصدق المقام مع الله، وصدق الوقوف ~~على أمر الله، والإعراض عما سوى الله، وكل ذلك من نتائج القلوب السليمة، ~~وجميع الشرور من نتائج القلوب المريضة؛ فصح مع أهل العقول أن خير الدنيا ~~والآخرة: القلب السليم لصاحبه، وشر الدنيا والآخرة: القلب المريض. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة آل عمران: 148؛ في الأصل: {فآتاهم الله ثواب الدنيا ~~والآخرة}، وهو خطأ. # (¬2) - ... سورة طه: 124. PageV02P346 # فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم(98)} (لعله) قيل: هذا ~~في الصلاة، أي: إذا قرأت القرآن وأنت في الصلاة فأنصت واستعذ بالله من ~~الشيطان ومن وساوسه، لأنه موضع المناجاة لله تعالى. (لعله) أمر الله ~~بالاستعاذة منه باللسان، وصيانة القلب (لعله) عن وساوسه، (لعله) وحفظ ~~الجوارح ms0485 عن العيب، (لعله) ويخرج معنى آخر: أي أنك إذا قرأت القرآن، المعنى: ~~إذا عملت بما فيه فاستعذ بالله، لأنه في ذلك الحين تنفع الاستعاذة منه، ~~[308] لقوله تعالى: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، ~~إنما سلطانه على الذين يتولونه} استعاذوا من الشيطان بلسانهم أم لا، فإن ~~ذلك هذيان، ودعاؤهم غير مستجاب، لقوله: {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} ~~(¬1) والاستعاذة دعاء، وفي الحقيقة من قرأه ولم يعمل بما فيه فكأنه لم ~~يقرأه. {إنه ليس له سلطان} تسلط وولاية {على الذين ءامنوا} على المقبلين ~~على صلاتهم، {وعلى ربهم يتوكلون(99)} فالمؤمن المتوكل لا يقبل منه وساوسه ~~بالمتابعة، وأما زوالها من قلبه فلا يقدر عليه، ولا تضره، وتنفعه، إذ يصير ~~مجاهدا بذلك. # {إنما سلطانه على الذين يتولونه} يتخذونه وليا، ويتبعون وساوسه، {والذين ~~هم به مشركون (¬2) (100)} الضمير يعود إلى ربهم، وإلى الشيطان أي: بسببه، ~~والذين هم بأجله مشركون بالله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الرعد: 14. # (¬2) - ... في الأصل: «يشركون»، وهو خطأ. PageV02P347 # وإذا بدلنا آية مكان آية} تبديل الآية مكان الآية هو النسخ، والله تعالى ~~ينسخ الشرائع بالشرائع لحكمة (لعله) علمها، وهو معنى قوله: {والله أعلم بما ~~ينزل، قالوا: إنما أنت مفتر} فتختلق، وذلك أن المشركين قالوا: إن محمدا ~~سحرنا بأصحابه (¬1) ، يأمرهم بأمر، ثم ينهاهم عنه غدا، إن هو إلا مفتر من ~~تلقاء نفسه. قال الله: {بل أكثرهم لا يعلمون(101)}. # {قل: نزله روح القدس} أي: جبريل - عليه السلام - ، أضيف إلى القدس وهو ~~الطهر من المآثم، {من ربك بالحق} ملتبسا بالحكمة، {ليثبت الذين آمنوا} ~~ليبلوهم بالنسخ، حتى إذا قالوا فيه هو الحق من ربنا، حكم لهم بثبات القدم، ~~وصحة اليقين، واطمئنانية القلوب؛ {وهدى وبشرى} تقديره تثبيتا لهم، وإرشادا ~~وبشارة {للمسلمين(102)} وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصال لغيرهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «سخر بأصحابه». PageV02P348 # ولقد نعلم أنهم يقولون: إنما يعلمه بشر} قيل: أرداوا به غلاما كان لحويطب ~~قد أسلم وحسن إسلامه اسمه “عائش”، وكان صاحب كتب؛ أو هو “جبر” غلام رومي؛ ~~أو عبدان: جبر ويسار كانا يقرآن ms0486 التوراة والإنجيل، وكان رسول الله يسمع ما ~~يقرآن، قال الله تكذيبا لهم: {لسان الذي يلحدون إليه} (لعله) بالدعوى، ~~{أعجمي}: الذي لا يفصح، وإن كان ينزل البادية، والعجمي: منسوب إلى العجم ~~وإن كان فصيحا، والأعرابي: البدوي، العربي: منسوب إلى العرب وإن لم يكن ~~فصيحا. {وهذا لسان عربي مبين(103)} أي: لسان الرجل الذي يميلون قولهم على ~~(¬1) الاستقامة إليه لسان (لعله) عجمي غير بين، وهذا القرآن لسان عربي ~~مبين، ذو فصاحة وبيان، (لعله) معناه: يفهمونه ولا يذهب عنهم منه شيء، ردا ~~لقولهم، وإبطالا لطعنهم. # {إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله} ما داموا مختارين الكفر، ~~{ولهم عذاب أليم(104)} في الدنيا والآخرة. # {إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله} أي: إنما يليق افتراء ~~الكذب لمن لا يؤمن، لأنه لا يترقب عقابا عليه، وهو رد لقولهم: {إنما أنت ~~مفتر} (¬2) . {وأولئك هم الكاذبون(105)} على الحقيقة. # {من كفر بالله من بعد إيمانه [309] إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} ~~ساكن به؛ {ولكن من شرح بالكفر صدرا} أي: فتح صدره بالكفر، أي: بالقبول ~~والاعتقاد واختاره، {فعليهم غضب من الله، ولهم عذاب عظيم(106)} في الدارين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «عن». انظر: الزمخشري: الكشاف، 2/495. # (¬2) - ... سورة النحل: 101. PageV02P349 # ذلك} إشارة إلى الوعيد، وهو لحوق الغضب والعذاب العظيم. {بأنهم استحبوا} ~~آثروا {الحياة الدنيا على الآخرة} أي: بسبب إيثارهم الدنيا على الآخرة، ولو ~~في حرف واحد من الباطل. {وأن الله لا يهدي القوم الكافرين(107)} ما داموا ~~مختارين الكفر. # {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم} فلا يتدبرون ويصغون ~~إلى المواعظ، ولا يبصرون طريق الرشاد. {وأولئك هم الغافلون(108)} الكاملون ~~في الغفلة عن تدبر العواقب، [و]هي غاية الغفلة ومنتهيها (¬1) . # {لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون(109) ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ~~ما فتنوا} بالعذاب، {ثم جاهدوا وصبروا، إن ربك من بعدها لغفور رحيم(110)}. # {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها} وإنما أضيفت النفس إلى النفس، لأنه ~~يقال لعين الشيء وذاته: نفسه، وفي نقيضه: غيره، و«النفس» الجملة كما هي؛ ms0487 ~~فالنفس الأولى: هي الجملة (¬2) ، والثانية: عينها وذاتها؛ فكأنه قيل: «يوم ~~يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته، لا يهمه شأن غيره، كل يقول: نفسي نفسي». ~~ومعنى المجادلة عنها: الاعتذار عنها، كقوله: {هؤلاء أضلونا} (¬3) ، {ربنا ~~إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا} (¬4) ، {والله ربنا ما كنا مشركين} (¬5) ، {يوم ~~يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم} (¬6) الآيات... {وتوفى كل ~~نفس ما عملت} يعطى جزاء عملها وافيا، {وهم لا يظلمون(111)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «منتهاها». انظر: الزمخشري: ~~الكشاف، 2/497. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ونفس العبارة نجدها عند الزمخشري: الكشاف، 2/497. # (¬3) - ... سورة الأعراف: 38. # (¬4) - ... سورة الأحزاب: 67. # (¬5) - ... سورة الأنعام: 23. # (¬6) - ... سورة المجادلة: 38. PageV02P350 # وضرب الله مثلا قرية} أي: جعل الله القرية التي هذه حالها مثلا لكل قوم ~~أنعم الله عليهم، فأبطرتهم النعمة، فكفروا وتولوا، فأنزل الله بهم نقمته؛ ~~فيجوز أن يراد قرية مقدرة على هذه الصفة، أو أن تكون في قرى الأولين قرية ~~كانت هذه حالها، فضربها الله مثلا (لعله) لكل نفس على حدة، إنذارا له من ~~مثل عاقبتها. {كانت آمنة} مما يخاف منه، {مطمئنة} لا يزعجها خوف، لأن ~~الاطمئنانية مع الأمن، والانزعاج والقلق مع الخوف. {يأتيها رزقها رغدا} ~~واسعا {من كل مكان} من كل حال من أسباب الرزق. {فكفرت} أهلها {بأنعم الله} ~~(لعله) فلم تستعمل بما (¬1) أنعم الله عليها في الحق. {فأذاقها الله لباس ~~الجوع والخوف بما كانوا يصنعون(112)} فأذاقهم ما غشيهم من الجوع والخوف. # {ولقد جاءهم رسول منهم} (لعله) {فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون(113)} ~~أي: في حال التباسهم بالظلم. # {فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه ~~تعبدون(114)} (لعله) تحذير عن ما أصاب أهل القرية. # {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به} أي: ~~وما ذكر بالمذبوح لغير الله؛ {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور ~~رحيم(115)}. # {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب} أي: ولا تقولوا الكذب [310] لما تصفه ~~ألسنتكم من البهائم وغيرها بالحل والحرمة، {هذا حلال وهذا حرام} بغير حجة، ~~{لتفتروا على الله الكذب، إن الذين يفترون ms0488 على الله الكذب لا يفلحون(116) ~~متاع قليل ولهم عذاب أليم(117)} أي: منفعتهم فيما هم عليه من الجاهلية ~~منفعة قليلة لأنها زائلة، وعذابها عظيم؛ أو متاع قليل ممزوج بعذاب أليم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «ما». PageV02P351 # وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل، وما ظلمناهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون(118)، ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة} أي: عملوا السوء ~~جاهلين غير متدبرين للعاقبة لغلبة الشهوة عليهم، ومرادهم لذة الهوى؛ {ثم ~~تابوا من بعد ذلك وأصلحوا} ما أفسدوه، {إن ربك من بعدها} من بعد التوبة ~~{لغفور رحيم(119)}. # {إن إبراهيم كان أمة} إنه كان وحده أمة من الأمم، لكماله في صفات الخير، ~~وليس من الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد. وعن مجاهد: «كان مؤمنا وحده ~~والناس كلهم كفار»، أو كان أمة يعنى: مأموم، أي: يؤمه الناس ليأخذوا منه ~~الخير، وكان إماما للناس كافة لمن ائتم به، {قانتا لله} هو القائم بما أمره ~~الله، {حنيفا} مائلا عن الأديان كلها إلى ملة الإسلام، {ولم يك من ~~المشركين(120)} نفى عنه جميع الشرك. # {شاكرا لأنعمه} مطيعا بجميع ما خول من النعم، {اجتباه} اختصه واصطفاه ~~للنبوة، {وهداه إلى صراط مستقيم(121)} إلى ملة الإسلام. # {وآتيناه في الدنيا حسنة} توفيقا لصالح الأعمال. {وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين(122)} لمن أهل الجنة. # {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين(123)}. ~~في «ثم» تعظيم منزلة نبينا - عليه السلام - ، وإجلال محله، والإئذان بأن ما ~~أوتي خليل الله من الكرامة: اتباع رسولنا ملته. # {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه} أي: فرض عليهم تعظيمه، وترك ~~الاصطياد فيه. {وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون(124)}. # { PageV02P352 ادع إلى سبيل ربك} إلى الإسلام {بالحكمة} بالمقالة الصحيحة ~~المحكمة، وهي الدليل الواضح للحق المزيل للشبهة. {والموعظة الحسنة} وهي ~~التي لا يخفى عليهم أنك تناصحهم بها، وتقصدهم ما ينفعهم بها، أو بالقرآن، ~~أي: ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة، أو الحكمة: المعرفة بمراتب ~~الأفعال، والموعظة الحسنة: أن يخلط الرغبة ms0489 بالرهبة، والإنذار بالبشارة. ~~{وجادلهم بالتي هي أحسن} بالطريقة التي هي أحسن طريق المجادلة، من الرفق ~~واللين من غير فظاظة؛ أو بما يوقظ القلوب، ويعظ النفوس، ويجلو القلوب. {إن ~~ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين(125)} أي: هو أعلم بهم، ~~فمن كان فيه خير كفاه الوعظ القليل، ومن لا خير فيه عجزت عنه الحيل. # {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} سمي الفعل الأول عقوبة، والعقوبة ~~هي الثانية لازدواج الكلام، كقوله: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} (¬1) وإن كانت ~~الثانية ليست بسيئة، {ولئن صبرتم لهو خير للصابرين(126)} عن المجازاة، ~~فالصبر أفضل، والمجازاة بالحق جائزة. # {واصبر وما صبرك إلا بالله} أي: بتوفيقه وتثبيته، {ولا تحزن عليهم} إن لم ~~يؤمنوا، {ولا تك في ضيق مما يمكرون(127)} (لعله) في ضيق صدرك مما يعصون، ~~{إن الله مع الذين اتقوا} المعاصي، {والذين هم محسنون(128)} للعمل. # سورة الإسراء # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الشورى: 40. PageV02P353 # سبحان} تنزيه لله عن العدول به إلى غيره، تقديره سبحوا الله، {سبحان الذي ~~أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام} قيل: أسرى بجسده، وقيل: بروحه، {إلى ~~المسجد الأقصى} قيل: هو بيت المقدس، وسمي أقصى لأنه أبعد المساجد التي ~~تزار. {الذي باركنا حوله} يريد بركات الدين والدنيا. {لنريه من آياتنا} بعض ~~آياتنا التي به الدالة (¬1) على وحدانية الله. {إنه هو السميع البصير(1)}. # {وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل، ألا تتخذوا من دوني ~~وكيلا(2)} ربا يكلون إليه أمورهم، وقيل: الكفيل، وقيل: الكافي. # {ذرية من حملنا مع نوح، إنه كان} موسى {عبدا شكورا(3)} في ما يسره ويضره، ~~(لعله) كان إذا أناله الله نعمة حمده، وإذا صرف عنه سوءا حمده. # {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب} (لعله) قضاء قدر ومشيئة، لا قضاء ~~(لعله) أمر، يدل على أنهم لم يهتدوا بالكتاب الذي أوتي موسى. {لتفسدن في ~~الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا(4)} ولتستكبرن عن طاعة الله، من قوله: {إن ~~فرعون علا في الأرض} (¬2) والمراد به: البغي والظلم، وغلبة المفسدين في الأرض. # {فإذا جاء وعد أولاهما} (لعله) وعد ms0490 الأولى من المرتين، {بعثنا عليكم} ~~سلطنا عليكم {عبادا لنا أولي بأس شديد} قيل: بعث عليهم أهل الشرك من الروم، ~~فأحرقوا وقتلوا، وأحرقوا التوراة، (لعله) عقوبة لفسادهم فيما قيل. {فجاسوا} ~~(لعله) أي دخلوا {خلال الديار} (لعله) فروجها. {وكان وعدا مفعولا(5)} ~~(لعله) لأنه لا يجوز عليه الخلف. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «بها الدلالة». # (¬2) - ... سورة القصص: 4. PageV02P354 # ثم رددنا لكم الكرة} أي الدولة والغلبة، (لعله) كركره: أعاد مرة بعد أخرى ~~(¬1) ، {عليهم} (لعله) على الذين بعثهم عليهم، {وأمددناكم بأموال وبنين} ~~(لعله) أخلف عليهم بعدما ذهب على أيدي من بعثهم عليهم. {وجعلناكم أكثر ~~نفيرا(6)} مما كنتم، وهو من ينفر مع الرجل من قومه. # {إن أحسنتم} بعدما يسر لكم أسبابه {أحسنتم لأنفسكم، وإن أسأتم فلها} ~~يعني: أن الإحسان أو الإساءة مختص بأنفسهم، لا يتعدى النفع والضر إلى ~~غيركم؛ وقيل عن علي: «ما أحسنت إلى أحد، ولا أسأت إليه» وتلاها (¬2) . ~~{فإذا جاء وعد الآخرة} (لعله) من المرتين بعثناهم ثانية، {ليسوئوا} أي: ~~هؤلاء {وجوهكم} بما يصيبهم، {وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة، وليتبروا ~~ما علوا تتبيرا(7)} أي: يهلكوا كل شيء غلبوه واستولوا عليه. # {عسى ربكم أن يرحمكم} بعد المرة الثانية إن تبتم توبة أخرى، وانزجرتم عن ~~المعاصي، {وإن عدتم} مرة ثالثة {عدنا} إلى عقوبتكم، (لعله) وكذلك في ~~الرابعة إلى ما بعدها. {وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا(8)} محبسا ومأوى. # {إن هذا القرآن} (لعله) يعني: الذي أنزل في هذه السورة أو جملته. {يهدي ~~للتي هي أقوم} للحالة التي هي أقوم الحالات عن الاعوجاج، وأسدها وأسلمها ~~للدين والدنيا، وهي توحيد الله، والعمل بمقتضاه [312] (لعله) بعد تدبرهم ~~للآيات، ويعملون بمقتضاها. {ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم ~~أجرا كبيرا(9)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في اللسان: «كركره: أعاده مرة بعد أخرى». ابن منظور: لسان ~~العرب، 5/240؛ مادة «كرر». # (¬2) - ... الزمخشري: الكشاف، 2/507. PageV02P355 # وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة} (لعله) ويحتمل: يريد به التذكر بما وقع من ~~بني إسرائيل وعليهم، {أعتدنا لهم عذابا أليما(10)} في الدارين. # {ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير} أي: ويدعو الله عند غضبه بالشر على ~~نفسه ms0491 وأهله وماله، كما يدعو لهم بالخير؛ أو يطلب النفع العاجل وإن قل، ~~بالضرر الآجل وإن جل، {وكان الإنسان عجولا(11)} يتسع (¬1) إلى طلب كل ما ~~يقع في قلبه، ولا يتأنى فيه تأني المتبصر؛ أو أريد بالإنسان: الكافر، وأنه ~~يدعوه بالعذاب استهزاء ويستعجل به، كما يدعو بالخير إذا مسته الشدة، {وكان ~~الإنسان عجولا} يعني أن العذاب آتيه لا محالة. # {وجعلنا الليل والنهار آيتين، فمحونا آية الليل، وجعلنا آية النهار مبصرة ~~لتبتغوا فضلا من ربكم} لتتوصلوا ببياض النهار إلى التصرف في قضاء حوائجكم؛ ~~{ولتعلموا} باختلاف الجديدين، {عدد السنين والحساب} حساب الآجال، ومواسم ~~الأعمال؛ ولو كان مثلين لما عرف الليل من النهار. {وكل شيء} مما تفتقرون ~~إليه من دينكم ودنياكم {فصلناه تفصيلا(12)} بيناه بيانا غير ملتبس، فأزحنا عللكم. # {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه} قال أهل المعاني: أراد بالطائر الحظ، ~~وما قضى عليه أنه عامله، وما هو صائر إليه من سعادة أو شقاوة؛ وخص العنق من ~~سائر الأعضاء، لأنه موضع القلائد والأطواق وغيرهما، مما يزينه ويشينه. ~~{ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا(13)} غير مطوي، لتتأتى له ~~قراءته، ويقول له: # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب ما في تفسير الزمخشري: «يتسرع». ~~الزمخشري: الكشاف، 2/508. PageV02P356 # اقرأ كتابك} يعني: كتاب أعمالك؛ {كفى بنفسك اليوم عليك} أي: كفى نفسك ~~{حسيبا(14)} محاسبا. قال الحسن: «لقد عدل عليك من جعلك حسيب نفسك» (¬1) ، ~~ليكون شاهدا لها وعليها، لرؤية الخلائق للحقائق عين اليقين، وإقرار ~~المنكرين لما أنكروه. # {من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها} أي: فلها ثواب ~~الاهتداء، وعليها وبال الضلال. {ولا تزر وازرة وزر أخرى} أي: كل نفس حاملة ~~وزرا، فإنما تحمل وزرها لا وزر نفس أخرى. {وما كنا معذبين} في الدنيا أو ~~الآخرة، {حتى نبعث رسولا(15)} وما صح منا أن نعذب قوما إلا بعد قيام الحجة، ~~(لعله) وفيه دليل على [أن ال]حجة السمعية لا تجب إلا بالسمع. # {وإذا أردنا أن نهلك قرية} أي: أهلها، {أمرنا مترفيها} متنعميها ~~وجبابرتها بالطاعة، {ففسقوا فيها} أي: خرجوا عن الأمر، {فحق ms0492 عليها القول ~~فدمرناها (¬2) تدميرا(16) وكم أهلكنا من القرون من بعد} قوم {نوح وكفى بربك ~~بذنوب عباده خبيرا بصيرا(17)}. # {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء} لا ما شاؤوه، {لمن نريد} ~~(لعله) لأنه لا تزيده إرداته هو شيئا من الرزق، ولا تدفع عنه شيئا من الضر، ~~بل تورثه خذلانا في الدنيا وعذابا في الآخرة؛ وترى كثيرا من هؤلاء يتمنون ~~ما يتمنون، ولا يعطون إلا البعض؛ فاجتمع عليهم [313] فقر الدنيا والآخرة، ~~والمؤمن بالعكس. {ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا(18)} مطرودا ~~مبعودا من رحمة الله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... «لقد أنصفك والله من جعلك حسيب نفسك» هكذا أوردها الزمخشري في ~~الكشاف، 2/509. # (¬2) - ... في الأصل: «فدمرناهم» وهو خطأ. PageV02P357 # ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها} أي: ما تستحق من السعي، ويعمل لها لما ~~قدر له منها، {وهو مؤمن} مصدق لله في وعده ووعيده، {فأولئك كان سعيهم ~~مشكورا(19)} مقبولا عند الله، مثابا عليه. عن بعض السلف: «من لم يكن معه ~~ثلاث، لم ينفعه عمله: إيمان ثابت، ونية صادقة، وعمل موافق»، وتلا الآية. # {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء} أي: من أراد العاجلة أو الآخرة، {من عطاء ربك} ~~أي: مضت سنته على أن من أراد العاجلة يسر له أساها (¬1) ومن أراد (لعله) ~~الآخرة (¬2) . {وما كان عطاء ربك محظورا(20)} (لعله) أي: جعل أن يختاروا ما ~~يشاؤوا (¬3) ، (لعله) من الإرادتين، (لعله) لقوله: {لمن (¬4) شاء منكم أن ~~يستقيم} (¬5) ، ثم قال: {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين} (¬6) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «أسبابها». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ويبدو أن في العبارة نقصا، تقديره: «يسر له ~~أسبابها كذلك». # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «يشاؤون»، والعبارة كلها غير ~~مستقيمة التركيب. # (¬4) - ... في الأصل: «فمن»، وهو خطأ. # (¬5) - ... سورة التكوير: 28. # (¬6) - ... سورة التكوير: 29. PageV02P358 # انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض} (لعله) أي: بين من يسرت له أعمال الدنيا ~~وأسبابها، وبين من يسرت له أعمال الآخرة وأسبابها، عدلا منه لهؤلاء، وفضلا ~~لهؤلاء، {وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا(21)} من تفضيل الدنيا. وتراهم في ~~الدنيا، فمنهم من يمشي على أم رأسه ms0493 مكبا على وجهه، ومنهم من يطير في ساعته ~~(¬1) مرتقيا إلى أعالي الدرجات مسيرة آلاف؛ وكل ذلك تفضل من الله تعالى على ~~بعض خلقه، وعدل منه لبعض؛ وتفضيلهم في الآخرة أكبر من هذا كما قال، لأن هذا ~~تفضيل بالأعمال، وذاك بالجزاء، وقس ما بينهما إن [كان] لك قلب سليم. # ثم حض نبيه - صلى الله عليه وسلم - على طلب الآخرة بقوله: {لا تجعل مع ~~الله إلها آخر} وذلك مع أهل المعاني: اكتساب السيئة بعد قيام الحجة عليه ~~بها، {فتقعد مذموما} مستحق الذم، غير محمود مع الله ومع أهل دينه؛ والذم: ~~نقيض المدح، {مخذولا(22)} لا ترتقي إلى الخير درجة، ولا تتخطى نحو السلامة ~~خطوة، كبلتك خطيئتك. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «سعته». PageV02P359 # وقضى ربك} وحكم حكما مقطوعا به، {ألا تعبدوا إلا إياه} أي: لا تعبدوا معه ~~شيطانا ولا نفسا ولا هوى ولا خلقا؛ {وبالوالدين إحسانا} وأحسنوا بهما ~~إحسانا، {إما يبلغن عندك الكبر} لأنهما في حال الكبر يتسارع إليهما الضعف، ~~و[هما] إلى الإحسان أحوج. {أحدهما أو كلاهما، فلا تقل لهما: أف} عند التضجر ~~منهما، فما دونه من العقوق (¬1) ، {ولا تنهرهما} ولا تزجرهما عما يتعاطيانه ~~من المباح؛ والنهر والنهي أخوان، {وقل لهما} بدل التأفيف والنهر، {قولا ~~كريما(23)} جميلا لينا كما يقتضيه حسن الأدب؛ وفائدة المعنى: أنهما إذا ~~صارا كلا على ولدهما، ولا كافل لهما غيره، فهما عنده في بيته وعياله، وذلك ~~أشق عليه، فهو مأمور بأن يستعمل معهما حسن الخلق، حتى لا يقول لهما إذا ~~أضجره ما يستقذره منهما: أف، فضلا عما يزيد عليه؛ ولقد بالغ سبحانه في ~~التوصية بهما، حيث افتتحها بأن شفع الإحسان إليهما بتوحيده؛ ثم ضيق الأمر ~~في مراعاتهما حتى لا يرخص في أدنى كلمة تنفلت من التضجر، ومع أحوال لا يكاد ~~يصبر الإنسان معها. # {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة [314] وقل: رب ارحمهما كما ربياني ~~صغيرا(24)} ولا تكتف برحمتك عليهما التي لا بقاء لها، وادع الله بأن ~~يرحمهما رحمته الباقية، واجعل ذلك جزاء لرحمتهما عليك في صغرك، وتربيتهما ~~لك إن ms0494 كانا صالحين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، و يبدو أن في العبارة سقطا، تقديره: «فما دونه ~~من العقوق أولى». PageV02P360 # ربكم أعلم بما في نفوسكم} لما في ضمائركم من التوحيد والإحسان بالوالدين، ~~وبعكس ذلك، {إن تكونوا صالحين} غير مفسدين، (لعله) معتقدين في أنفسكم أداء ~~الواجبات، واجتناب المحرمات. {فإنه كان للأوابين غفورا(25)} الأواب: الذي ~~إذا أذنب بادر إلى التوبة. # {وآت ذا القربى حقه} كما يجب بالشرع والعقل، وكل واحد منهم له حق غير حق ~~الآخر، {والمسكين وابن السبيل} أي: وآت هؤلاء حقوقهم الواجبة عليك، {ولا ~~تبذر تبذيرا(26)}، التبذير: تفريط المال في غير الحل والمحل؛ وقد قيل: «كل ~~نفقة في غير حق الله فهي تبذير». وإن قلت: وليجتهد المريد حتى (لعله) لا ~~يميل إلى طرف التقتير والتبذير، ويعلم الله منه سلامته منهما (¬1) . # {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} أمثالهم في الشرارة والتجاوز في ~~الحدود، وهو غاية المذمة، وأنه لا أشر من الشيطان؛ أو هم إخوانهم ~~وأصدقاؤهم، لأنهم يطيعونهم في ما يأمرونهم به من التبذير والإسراف، {وكان ~~الشيطان لربه كفورا(27)} فما ينبغي أن يطاع، لأنه لا يدعو إلا إلى مثل فعله. # {وإما تعرضن عنهم} وإن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من ~~الرد إن سألوك رزقا وأنت معدم، {ابتغاء رحمة من ربك ترجوها} انتظار رزق من ~~الله ترجوه أن يأتيك، {فقل لهم قولا ميسورا(28)} فقل لهم: رزقنا الله ~~وإياكم من فضله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ويبدو أن في العبارة نقصا، وهو جواب الشرط بعد ~~قوله: «وإن قلت...». PageV02P361 # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} (لعله) أي: لا تمسك عن النفقة في الحق ~~كالمغلول يده، لا يقدر على مدها، {ولا تبسطها كل البسط} هذا تمثيل لمنع ~~الشحيح، وإعطاء المسرف؛ أو بالاقتصاد الذي هو بين الإسراف والتقتير، {فتقعد ~~ملوما} فتصير ملوما عند الله، لأن المسرف غير مرضي عنده وعند نفسك إذا ~~احتجت، فندمت على ما فعلت، {محسورا(29)} أسفا منقطعا بك لا شيء عندك، من ~~حسره السفر: إذا أثر فيه أثرا بليغا؛ أو عاريا، من حسر رأسه. وقال ms0495 قتاده: ~~«محسورا: نادما على ما فرط منك». {إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، إنه ~~كان بعباده خبيرا بصيرا(30)} بمصالحهم. # {ولا تقتلوا أولادكم خشية} قتلهم أولادهم، أودهم [كذا] بناتهم، خشية ~~{إملاق} خوف فقر، {نحن نرزقهم وإياكم، إن قتلهم كان خطأ كبيرا(31)} إثما عظيما. # {ولا تقربوا الزنا} وهو نهي عن الزنا ودواعيه، {إنه كان فاحشة} معصية ~~مجاوزة حد الشرع والعقل، {وساء سبيلا(32)} وبئس طريقا طريقه. # {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} وحقها ألا تقتل إلا بكفر بعد ~~إسلام، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس، {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا ~~لوليه سلطانا} (لعله) حجة واضحة على قاتل وليه، فإن شاء قتل وإن شاء عفا، ~~{فلا يسرف في القتل} ما حد له، {إنه كان منصورا(33)}. # [315] {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} بالطريقة التي هي أحسن، ~~وهي حفظه وتثميره، {حتى يبلغ أشده} حتى يستوي رجلا حافظا لماله عن التضييع؛ ~~{وأوفوا بالعهد} بأوامر الله ونواهيه، {إن العهد كان مسئولا(34)} مع الله. # { PageV02P362 وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم} المعتدل، ~~{ذلك خير} في الدنيا، {وأحسن تأويلا(35)} عاقبة، وهو تفعيل من آل: إذا رجع، ~~وهو ما يؤول إليه. # {ولا تقف ما ليس لك به علم} ولا تتبع ما لا تعلم، أي: لا تقل: رأيت وما ~~رأيت. {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا(36)} قيل: يسأل ~~المرء عن سمعه وبصره وفؤاده، وإذا سئل عن هذه سئل عن غيرها؛ وقيل: يسأل ~~السمع والبصر والفؤاد عما دخل المرء. # {ولا تمش في الأرض مرحا} أي: بطرا وكبرا وخيلاء، {إنك لن تخرق الأرض} ~~بمرحك، {ولن تبلغ الجبال طولا(37)} أي: لن تبلغها بكبرك حتى تبلغ آخرها، ~~معناه: أن الإنسان لا ينال بكبره وبطره شيئا، كمن يريد خرق الأرض، ومطاولة ~~الجبال، لا يحصل على شيء؛ وقيل: ذكر ذلك، لأن من مشى مختالا يمشي مرة على ~~عقبه ومرة على صدور قدميه؛ فقيل: إنك لن تخرق الأرض بعقبيك، ولن تبلغ ~~الجبال إن مشيت على صدور قدميك. يروى ms0496 عن أبي هريرة أنه قال: «ما رأيت أحدا ~~أسرع مشيا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، كأنما تطوى له الأرض، ~~وإنا لنجهد أنفسنا، وإنه لغير مكترث» (¬1) ، {كل ذلك كان سيئه عند ربك ~~مكروها(38)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه الترمذي عن أبي هريرة قال: «ما رأيت شيئا أحسن من رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ، كأن الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحدا أسرع ~~في مشيته...» الحديث، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب. كتاب المناقب، رقم ~~3581. ورواه أحمد في مسند باقي المكثرين، رقم 8249، 8586. PageV02P363 # ذلك} إشارة إلى ما تقدم من قوله: {لا تجعل مع الله إلها آخر} إلى هذه ~~الغاية، {مما أوحى إليك ربك من الحكمة} مما يحكم العقل بصحته، وتصلح النفس ~~بعمله، (لعله) لأن كل ما أمر الله به ونهى عنه فهو حكمة. {ولا تجعل مع الله ~~إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا(39)} مطرودا من الرحمة. عن ابن عباس: ~~«هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى أولها: {لا تجعل مع الله إلها ~~آخر}، وآخرها: {مدحورا}». ولقد جعلت فاتحتها وخاتمتها: النهي عن الشرك، لأن ~~التوحيد رأس كل حكمة وملاكها، ومن عدمه لم تنفعه حكمه، وإن بذ فيها ~~الحكماء، وحك بيافوخه السماء، وما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم، وهم عن ~~دين الله أضل من الغنم. # ثم خاطب الذين قالوا: «الملائكة بنات الله» بقوله: {أفأصفاكم ربكم ~~بالبنين} الهمزة للإنكار، يعنى: أفخصكم ربكم على وجه الخلوص والصفاء، بأفضل ~~الأولاد وهم البنون، {واتخذ من الملائكة إناثا} واتخذ أدناهم منزلة، وهم ~~الإناث؛ وهذا خلاف الحكمة، وما عليه مقولكم؛ فالعبيد لا يؤثرون بأجود ~~الأشياء وأصفاها (¬1) ، وتكون أردأها وأدونها للسادات. {إنكم لتقولون قولا ~~عظيما(40)} حيث أضفتم عليه (¬2) الأولاد وهي من خواص الأجسام، ثم فضلتم ~~عليه أنفسكم حيث تجعلون له ما تكرهون. # {ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا(41)} عن الحق. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «وأصفيها». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «إليه». PageV02P364 # قل: لو كان معه آلهة كما يقولون، إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا(42)} ~~لطلبوا إلى من ms0497 له الملك [316] والربوبية سبيلا بالمغالبة كما يفعل المكوك ~~(لعله الملوك) مع بعضهم بعض. وكل من عصى الله بمثقال ذرة، فقد بارزه ~~بالمحاربة. # {سبحانه وتعالى عما يقولون علوا} أي: تعاليا، والمراد: البراءة من ذلك ~~والنزاهة، {كبيرا(43)}، وصف العلو بالكبر مبالغة في معنى البراءة والبعد ~~مما وصفوه به. # {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده} ~~قيل: إن من شيء جماد وحي إلا يسبح بحمده، حتى صرير النبات ونفيض السعف. ~~وقال مجاهد: «كل الأشياء تسبح لله صبيا أو جمادا، وتسبيحها: “سبحان الله ~~وبحمده”». وقال أهل المعاني: تسبيح السماوات والأرض والجمادات، وسائر ~~الحيوانات سوى العقلاء: تذللها لخالقها؛ {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} (لعله) ~~لاختلاف اللغات، أو لتغير الإدراك، {إنه كان حليما} عن جهل العباد. ~~{غفورا(44)} لمن تاب. # {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا ~~مستورا(45)} حجب قلوبهم عن فهمه والانتفاع به. قال قتادة: «هو الأكنة». ~~والمستور بمعنى: الساتر؛ وقيل: مستورا عن أعين الناس فيما يرونه بالبصر ~~الظاهر. # { PageV02P365 وجعلنا على قلوبهم أكنة} جمع كنان، وهو الذي يستر الشيء، ~~{أن يفقهوه} كراهة أن يفقهوه، {وفي آذانهم وقرا} ثقلا يمنع عن الاستماع؛ ~~{وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده} أي: وحدته، {ولوا على أدبارهم} رجعوا على ~~أعقابهم {نفورا(46)} أي: يحبون أن تذكر معهم آلهتهم، لأنهم يشركون به، فإذا ~~سمعوا بالتوحيد نفروا؛ والمعنى في ذلك: إذا أمرتهم باستقامة (¬1) ، ~~والإخلاص لله وحده، وأن لا يكون نصيب لهوى أنفسهم أبوا واستكبروا. # {نحن أعلم بما يستمعون به} أي: يستمعون هازئين لاعبين، لا متبينين ~~للبيان، {إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى، إذ يقول الظالمون: إن تتبعون إلا ~~رجلا مسحورا(47)} مطلوبا [كذا] مخدوعا؛ وقيل: مصروفا عن الحق، وقيل: رجل له ~~سحر، والسحر: الزينة (¬2) ، أي: أنه بشر مثلكم معلل بالطعام والشراب؛ وقيل: ~~سحر فجن. # {انظر كيف ضربوا لك الأمثال} الأشباه، قالوا: ساحر وشاعر وكاهن ومجنون، ~~{فضلوا فلا يستطيعون سبيلا(48)} وصولا إلى طريق الجنة، وهي طريق الحق، ~~لأنهم ضلوا في جميع ذلك من يطلب في التيه يسلكه ms0498 (¬3) ، فلا يقدر عليه، فهو ~~متحير في أمره لا يدري ما يصنع. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «بالاستقامة». # (¬2) - ... كذا في الأصل، وفي الكشاف: «وقيل: هو من السحر، وهو الرئة، أي ~~هو بشر مثلكم». الزمخشري: الكشاف، 2/523. # (¬3) - ... كذا في الأصل، وصواب العبارة نجده عند الزمخشري: «في جميع ذلك ~~ضلال من يطلب في التيه طريقا يسلكه، فلا يقدر عليه». الزمخشري: الكشاف، 2/523. PageV02P366 # وقالوا: أئذا كنا عظاما ورفاتا} ترابا وحطاما، {أئنا لمبعوثون خلقا ~~جديدا(49) قل: كونوا حجارة أو حديدا(50)} استشعروا في قلوبكم أنكم حجارة أو ~~حديد في الشدة والقوة؛ {أو خلقا مما يكبر في صدوركم} قيل: السماوات والأرض؛ ~~وقيل: الموت، فإنه ليس في نفس ابن آدم شيء أكبر من الموت؛ {فسيقولون: من ~~يعيدنا؟ قل: الذي فطركم أول مرة} والمعنى: أنكم تستبعدون أن يجدد الله ~~خلقكم، {فسينغضون إليك رءوسهم} فسيحركونها تعجبا واستهزاء، {ويقولون: متى ~~هو؟} أي: البعث، استبعادا له ونفيا، {قل: عسى أن يكون قريبا(51)} [317] أي: ~~هو قريب؛ و«عسى» للوجوب. # {يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده} قيل عن ابن عباس: «بأمره»؛ وقيل: مقرين ~~بأنه خالقهم، (لعله) من حيث لا ينفعهم. {وتظنون إن لبثتم إلا قليلا(52)} في ~~الدنيا، أو في القبر. # {وقل لعبادي: يقولوا التي هي أحسن} ولا تخاشنوا في القول {إن} في ~~المخاشنة {الشيطان ينزغ بينهم} يلقي بينهم العدواة والبغضاء، {إن الشيطان ~~كان (¬1) للإنسان عدوا مبينا(53)} أي: يضر في الدنيا والآخرة. # {ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم} بالهداية والتوفيق، {أو إن (¬2) يشأ ~~يعذبكم} بالخذلان، أي: يقولوا لهم هذه الكلمة ونحوها، ولا يقولوا لهم: إنكم ~~من أهل النار، وإنكم معذبون، وما أشبه ذلك مما يغيظهم ويهيجهم على الشر، ~~{وما أرسلناك عليهم وكيلا(54)} حافظا لأعمالهم، موكولا إليك أمرهم، وإنما ~~أرسلناك بشيرا ونذيرا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «كان» وهو سهو. # (¬2) - ... في الأصل: «وإن»، وهو سهو. PageV02P367 # وربك أعلم بمن في السماوات والأرض} وبأحوالهم، وبما يستأهل كل واحد منهم. ~~{ولقد فضلنا بعض النبيين} بالترقي إلى درجات القرب منا، {على بعض، وآتينا ~~داوود زبورا(55)} دلالة على وجه تفضيله، وقد علم الله منه أنه ms0499 مستأهل إلى ~~ذلك الحال. # {قل: ادعوا الذين زعمتم} أنهم آلهتكم {من دونه} من دون الله، وهو كل ما ~~آثره العبد من شهوات نفسه المحجورة عليه على أمر الله (¬1) ونهيه، {فلا ~~يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا(56)} أي: ادعوهم وهم لا يستطيعون أن ~~يكشفوا عنكم الضر، من مرض أو فقر أو عذاب، ولا أن يحولوه من واحد إلى آخر. # {أولئك الذين يدعون} أي: يدعونهم آلهة، يبتغون إلى ربهم الوسيلة، يعني ~~الذين يدعوهم المشركون آلهة. قال ابن عباس: «عيسى وأمه، وعزيرا والملائكة». ~~{يبتغون}، أي: يطلبون {إلى ربهم الوسيلة} أي: القربة، {أيهم أقرب} قال ~~الزجاج: «أيهم أقرب يبتغي الوسيلة إلى الله ويتقرب إليه بالعمل الصالح». ~~{ويرجون رحمته ويخافون عذابه} كغيرهم من عباد الله؛ فكيف يزعمون أنهم عباد ~~الله؟، {إن عذاب ربك كان محذورا(57)} حقيقا بأن يحذره كل واحد، من ملك مقرب ~~أو نبي مرسل، فضلا عن غيرهم. # {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة، أو معذبوها عذابا شديدا} ~~بعذاب غير مستأصل؛ {كان ذلك (¬2) في الكتاب مسطورا(58)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «من أمر الله». # (¬2) - ... في الأصل: - «ذلك»، وهو سهو. PageV02P368 # وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون} استعير المنع لترك ~~إرسال الآيات، والمعنى: وما منعنا إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين؛ والمراد ~~«بالآيات»: التي اقترحتها قريش، من قلب الصفا ذهبا، ومن إحياء الموتى، وغير ~~ذلك؛ وسنة الله في الأمم أن من اقترح منهم آية فأجيب إليها، ثم لم يؤمن، أن ~~يعاجل بعذاب الاستئصال؛ والمعنى: وما منعنا أن (¬1) إرسال ما يقترحونه من ~~الآيات، إلا أن كذب بها الذين هم أمثالهم في (¬2) المطبوع على قلوبهم كعاد ~~وثمود؛ وإنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك، وعذبوا العذاب المستأصل؛ ~~وقد حكمنا أن نؤخر أمر من يبعث إليهم إلى يوم القيامة. ثم ذكر من [318] تلك ~~الآيات التي اقترحها الأولون، ثم كذبوا بها لما أرسلت فأهلكوا واحدة، وهي ~~ناقة صالح، لأن آثار هلاكهم قريبة؛ وقال الله فيهم: {بل الساعة موعدهم، ~~والساعة أدهى وأمر} (¬3) ، لأن هذه ms0500 الأمة هي آخر الأمم، وليس أمة بعد أن ~~استؤصلوا (¬4) ، والله أعلم بتأويل كتابه. {وآتينا ثمود الناقة} (لعله) ~~باقتراحهم، {مبصرة} أنه (¬5) بينة. {فظلموا بها} فكفروا بها؛ {وما نرسل ~~بالآيات} أي: العبر والدلالات، {إلا تخويفا(59)} للعباد (لعله) ليؤمنوا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «عن». الزمخشري: الكشاف، 2/526. # (¬2) - ... كذا في الأصل، والصواب: «من». الزمخشري: الكشاف، 2/526. # (¬3) - ... سورة القمر: 46. # (¬4) - ... كذا في الأصل، ولعل في العبارة سقطا. # (¬5) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «أنها». PageV02P369 # وإذ قلنا لك: إن ربك أحاط بالناس} فليس لهم مفر عن تقديره، {وما جعنا ~~الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} بما يشاء من آياته، أي: هم في قبضته لا ~~يقدرون على الخروج من مشيئته، فهو حافظك، ومانعك منهم، فلا تهمهم[كذا]، ~~وامض فيما أمرتك به من تبليغ الرسالة. والرؤيا التي أراه الله إياها: قيل ~~ما أراه في ليلة المعراج من العجائب والآيات؛ قيل: هي رؤيا عين، وقيل: رآه ~~بروحه دون بدنه. {والشجرة الملعونة في القرآن} أي: وما جعلنا الشجرة ~~الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس، فإنهم حين سمعوا بقوله: {إن شجرة ~~الزقوم طعام الأثيم} (¬1) جعلوها سخرية، وقالوا: إن محمدا يزعم أن الجحيم ~~تحرق الحجارة، ثم يقول ينبت فيها الشجر، وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ~~ذلك، فإنه لا يمتنع أن يجعل الله الشجرة من جنس لا تأكله النار، كيف و[قد] ~~خلق الله من الشجر نارا فلا تحرقها، وترى النعامة تبتلع الجمر فلا يضرها، ~~فجاز أن يخلق الله في النار شجرة لا تحرقها. والمعنى: أن الآيات إنما ترسل ~~تخويفا للعباد؛ {ونخوفهم} بمخاوف الدنيا والآخرة، {فما يزيدهم} التخويف ~~{إلا طغيانا كبيرا(60)} فكيف يخاف قوم هذه حالهم بإرسال ما يقترحون من ~~الآيات؟ فإن قلت: ليس في القرآن ذكر لعن شجرة الزقوم، قلت: معناه: الملعون ~~آكلها، وهو من كفر بالله، لأنه قال: {فإنهم لآكلون منها فمالئون منها ~~البطون} (¬2) ، فوصفت بلعن أهلها على المجاز؛ ولأن اللعن هو الإبعاد من ~~الرحمة، وهي في أصل الجحيم في أبعد مكان من الرحمة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الدخان: 43-44. # (¬2) - ... سورة الصافات: 66. PageV02P370 # وإذ قلنا ms0501 للملائكة: اسجدوا لآدم، فسجدوا إلا إبليس قال: أأسجد لمن خلقت ~~طينا(61)؟ قال: أرأيتك هذا الذي كرمت علي} أي: فضلته وكرمته علي، (لعله) ~~لما علم إبليس أن الكرامة الحقيقية هي صحة الاستقامة على التوحيد، توعد على ~~ذريته أن ينزلهم عن رتبة ما كرموا به عليه إلى أسفل سافلين، بقوله: {لئن ~~أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته} لأستأصلنهم بإغوائهم، (لعله) ~~ولأستولينهم، بمعنى: أتولاهم، {إلا قليلا(62)} وهم المخلصون، وإنما علم ~~الملعون ذلك، لأنه رآه أنه خلق شهواني، فجميع أحواله الظاهرة والباطنة، ~~وأفعاله وأقواله شهوانية. # {قال: اذهب} أي: امض لشأنك الذي اخترته، خذلانا وتخلية، {فمن تبعك منهم ~~فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا(63)، واستفزز} استزل واستخف؛ استفزه: أي ~~استخفه، [319] والفز: الخفيف، {من استطعت منهم بصوتك} بالوسوسة والدعاء إلى ~~معصية الله؛ {وأجلب عليهم بخيلك ورجلك} اجمع وضج بهم، من الجلبة والحشر، ~~أي: احشر عليهم. قال مقاتل: «استعن عليهم بركبان خيلك ومشاتهم»، والخيل له ~~خيل [كذا]، ورجل من الجن والإنس، وذلك استعارة؛ أي: اقضي (¬1) ما يستطاع في ~~طلب الأمور الخيل والرجل، وقيل: يجوز أن يكون لإبليس خيل ورجال، {وشاركهم ~~في الأموال والأولاد} قال الزجاج: «كل معصية في مال وولد فإبليس شريكهم». ~~{وعدهم} المواعيد الكاذبة، الدينية والدنيوية، ومن ذلك ما يعدهم بالغفران ~~مع الإصرار، وبقبول الطاعة مع المعاصي، {وما يعدهم الشيطان إلا غرورا(64)} ~~وهو تزين (¬2) الخطإ بما يوهم أنه صواب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «اقض». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «تزيين». PageV02P371 # إن عبادي} الصالحين {ليس لك عليهم سلطان} لأنه ليس سلطان إلا من يجعل له ~~سبيلا (¬1) من ذات نفسه، وهو إعانة المخلوق نفسه إلى ما يدعوه من شهواتها، ~~{وكفى بربك وكيلا(65)} لهم، أي: حافظا لهم عنك. # {ربكم الذي يزجي} يجري ويسير {لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه ~~كان بكم رحيما(66). وإذا مسكم الضر في البحر} أي: خوف الغرق، {ضل من تدعون ~~إلا إياه} ذهب عن أوهامكم كل من تدعونه في حوادثكم إلا إياه وحده، فإنكم لا ~~تذكرون إلا سواه؛ أو ضل من تدعون من ms0502 آلهة عن إعانتكم، ولكن الله وحده هو ~~الذي ترجونه، {فلما نجاكم إلى البر أعرضتم} عن الإخلاص بعد الخلاص؛ {وكان ~~الإنسان} أي: جنس الإنسانية {كفورا(67)} للنعم. # {أفأمنتم} الهمزة للإنكار، تقديره: «أنجوتم فأمنتم»، (لعله) فحملكم ذلك ~~على الإعراض، {أن يخسف بكم جانب البر} والمعنى: أن يخسف جانب البر، أي: ~~يقلبه وأنتم عليه، والحاصل أن الجوانب كلها في قدرته سواء، وله في كل جانب ~~برا وبحرا سبب من أسباب الهلاك ليس... (¬2) . فعلى العاقل أن يستوي خوفه من ~~الله في جميع الجوانب، والحالات كلها، {أو يرسل عليكم حاصبا} هي الريح التي ~~تحصب، أي: ترمي بالحصباء، يعني: أو إن لم يصبكم بالهلاك من تحتكم بالخسف ~~أصابكم به من فوقكم بريح يرسلها عليكم فيها الحصباء، {ثم لا تجدوا لكم ~~وكيلا(68)} مانعا يصرف عنكم ذلك. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «لأنه ليس له سلطان إلا على من ~~يجعل له سبيلا». # (¬2) - ... أحال الناسخ إلى الحاشية ولم يذكر فيها شيئا؛ وفيه نقص بين، ~~وتمام العبارة نجده عند الزمخشري: «ليس جانب البحر وحده مختصا بذلك». ~~الزمخشري: الكشاف، 2/530. PageV02P372 # أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى، فيرسل عليكم} أي: أم أمنتم أن يقوي ~~دواعيكم، ويوفر حوائجكم، ويهيئ أسبابكم، إلى أن ترجعوا فتركبوا البحر الذي ~~نجاكم منه، فأعرضتم، فينتقم منكم بأن يرسل عليكم {قاصفا من الريح} وهي ~~الريح التي لها قصيف، وهو: الصوت الشديد، أو هو الكاسر للفلك، {فيغرقكم بما ~~كفرتم} بكفرانكم النعمة، وهو إعراضكم حين نجاكم، {ثم لا تجدوا لكم علينا به ~~تبيعا(69)} مطالبا، من قوله: {فاتباع بالمعروف} (¬1) أي مطالبة. # {ولقد كرمنا بني آدم} بالعقل، والنطق، والحظ، والصورة الحسنة، والقامة ~~المعتدلة، وتدبير أمر المعاش والمعاد، وتسخير المخلوقات. قال الواسطي: ~~«معناه: بأن سخرنا لهم الكون وما فيه، لئلا يكونوا في تسخير شيء (¬2) ، ~~ويتفرغوا إلى عبادة ربهم». {وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات} ~~باللذيذات، {وفضلناهم على كثير ممن (¬3) خلقنا تفضيلا(70)} [320]، لأنه خلق ~~الكل لهم، وخلقهم لنفسه ولعبادته، وأن يوحدوه ويطيعوه، فيثيبهم الثواب ~~الأبدي. # {يوم ندعو كل أناس بإمامهم} بمن ائتموا به ms0503 من نبي أو مقدم في الدين، أو ~~كتاب أو دين؛ وقيل: بأعمالهم؛ وقيل: بكتابهم الذي فيه أعمالهم بدليل سياق ~~الآية؛ وقيل: بإمام زمانهم، (لعله) الذي دعاهم في الدنيا إلى ضلالة أو هدى. ~~{فمن أوتي كتابه بيمينه، فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا(71)} ولا ~~ينقصون من ثوابهم أدنى شيء، ولم يذكر الكفار وإيتاء كتبهم بشمالهم اكتفاء بقوله: # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البقرة: 178. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ويبدو أن في العبارة سقطا. # (¬3) - ... في الأصل: «مما» وهو خطأ. PageV02P373 # ومن كان في هذه أعمى} عما يرى من قدرتي في مصنوعاتي؛ وهو يتناول عمى ~~البصيرة في الدنيا، {فهو في الآخرة} من عمى الآخرة وهو غيب عنه [كذا]، ~~{أعمى وأضل سبيلا(72)} من الأعمى، أي: أضل طريقا؛ وقيل: الإشارة في هذه ~~راجعة إلى النعم التي عددها عز وجل في هذه الآيات من قوله: {يزجي لكم ~~الفلك...} إلى قوله: {...تفضيلا}، يقول: من كان في هذه النعم قد عاينها ~~أعمى، فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا. # {وإن كادوا ليفتنونك} المعنى: أن الشان قاربوا أن يفتنوك، أي: يخدعوك ~~فاتنين {عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره} بالقول أو الفعل، {وإذا ~~لاتخذوك خليلا(73)} أي: وإن اتبعت مرادهم لاتخذوك خليلا، ولكنت لهم وليا ~~وخرجت من ولايتي. # {ولولا أن ثبتناك} ولولا تثبيتنا لك وعصمتنا، {لقد كدت تركن إليهم} ~~لقاربت أن تميل إلى مكرهم {شيئا قليلا(74)} والشيء القليل مما يخاف منه، ~~لأنه من خفيات المعاصي ودقائقها، ولا يميزه إلا الراسخون في العلم. # {إذا} لو ركنت إليهم في أقل شيء من خفيات الكبائر، لأن الصغائر مغفورة ~~للعبد إن كان مجتنبا للكبائر، بقوله: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر ~~عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} (¬1) . {لأذقناك ضعف الحياة وضعف ~~الممات}، أي: لو فعلت ذلك لأذقناك ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات؛ أي: ~~أضعفنا لك العذاب في الدنيا والآخرة؛ وقيل: الضعف من العذاب سمي ضعفا ~~لتضاعف الإثم فيه. {ثم لا تجد لك علينا نصيرا(75)} مانعا لك يمنع من عذابنا ~~عنك، وفي هذه الآية تحذير عظيم يحمل المؤمن على الرسوخ في ms0504 العلم، والحذر من ~~الشيطان الرجيم، ومن شباكه ومكايده الدقيقة الملتبسة بالحق. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النساء: 31. PageV02P374 # وإن كادوا ليستفزونك} ليزعجونك بعداوتهم ومكرهم، {من الأرض ليخرجوك منها، ~~وإذا لا يلبثون خلافك} (¬1) بعدك، {إلا قليلا(76). سنة من قد أرسلنا قبلك ~~من رسلنا، ولا تجد لسنتنا تحويلا(77)}. # {أقم الصلاة لدلوك الشمس} لزاولها؛ وأصل الدلوك: الميل. {إلى غسق الليل، ~~وقرآن الفجر} صلاة الفجر، سميت قرآنا، وهو القراءة فيها لكونها ركنا، كما ~~سميت: ركوعا وسجودا، أو سميت قرآنا لطول قراءتها. والغسق: ظلمة أول الليل. ~~{إن قرآن الفجر كان مشهودا(78)} قيل: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، ~~ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء، وهو [321] في آخر ديوان الليل، وأول ديوان النهار. # {ومن الليل فتهجد} أي: قم بعد نومك؛ والتهجد لا يكون إلا بعد النوم. {به ~~نافلة لك} عبادة زائدة لك على الصلوات، والتهجد والنافلة يجمعهما معنى ~~واحد؛ والمعنى: أن التهجد زيد لك على الصلاة المفروضة غنيمة لك، {عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما محمودا(79)}. # {وقل: رب أدخلني مدخل صدق، وأخرجني مخرج صدق} قيل: أدخلني في طاعتك ~~(لعله) صادقا، وأخرجني من معاصيك صادقا؛ ويحتمل فيه: أدخلني في الأمور ~~صادقا، وأخرجني منها صادقا؛ أي: بنية وإخلاص لمرضاتك، وأخرجني مخرج صدق، ~~{واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا(80)} حجة تنصرني على من خالفني، وينصرني من ~~اتبعني. # {وقل: جاء الحق} ظهر وثبت، {وزهق} ذهب وهلك {الباطل} الشرك؛ لأن الشرك ~~يخنس عند ظهور الحق عليه، وهو التوحيد. {إن الباطل كان زهوقا(81)} مضمحلا ~~عند مجيء الحق؛ لأنهما ضدان لا يجتمعان في حال، مثل النور والظلمة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «خلفك»، على قراءة ورش. PageV02P375 # وننزل من القرآن ما هو شفاء} لأمراض القلوب، وأهوية النفوس، لأنهما من ~~دعوة إبليس، ولا تأثير لها عند قبول الحق. {ورحمة} وتفريج للكروب، وتطهير ~~للعيوب، وتكفير للذنوب، {للمؤمنين} لا لغيرهم. في الحديث: «من لم يستشف ~~بالقرآن فلا شفاه الله» (¬1) . {ولا يزيد الظالمين إلا خسارا(82)} ضلالا ~~لتكذيبهم به؛ قيل: زيادة الخسار للظالم من حيث أن كل آية تنزل، يقع منه لها ~~تكذيب، فيزداد عليه بذلك خسران. # {وإذا أنعمنا ms0505 على الإنسان} بالصحة والسعة، {أعرض} عن ذكر الله، أو أنعمنا ~~عليه بالقرآن وتأويله؛ {ونأى بجانبه} تأكيد للإعراض، لأن الإعراض عن الشيء: ~~أن يوليه عرض وجهه، والنائي بالجانب أن يلوي عنه عنقه، ويوليه ظهره، أو ~~أراد الاستكبار، لأن ذلك من عادة المستكبرين؛ وقيل: ناء (¬2) بجانبه، أي: ~~تباعد عنا بنفسه؛ أي: ترك التقرب (لعله) إلى الله تعالى. {وإذا مسه الشر} ~~ضد الخير والنعمة، {كان يئوسا(83)} شديد اليأس من روح الله. # {قل: كل يعمل على شاكلته} على مذهبه وطريقته التي تشاكل حاله في الهدى ~~والضلالة؛ وقيل: على نيته؛ ومجاز الآية: كل يعمل على ما يشتهيه، كما يقال ~~في المثل: «كل امرئ يشبهه فعله»؛ {فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا(84)} أوضح طريقا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لم نعثر عليه في مسند الربيع، ولا في الكتب التسعة. # (¬2) - ... قد يستعمل ناء بمعنى نأى، قال في اللسان: «وقرأ ابن عامر: ~~“ناء بجانبه”، على القلب». ابن منظور: لسان العرب، 6/561. مادة نأي. PageV02P376 # ويسألونك عن الروح، قل: الروح من أمر ربي} أي: من الأمر الذي يعلمه ربي. ~~الجمهور: على أنه الروح الذي في الحيوان، سألوه عن حقيقته، فأخبر أنه من ~~أمر الله، أي: مما استأثر بعلمه. وعن أبي يزيد: «لقد مضى النبي وما يعلم ~~الروح، وقد عجزت الأقاويل عن إدراك ذاتيته بعد إنفاق الأعمار الطويلة على ~~الخوض فيه». والحكمة في ذلك تعجيز العقل عن إدراك معرفة مخلوق مجاور له، ~~ليدل على أنه عن إدراك خالقه أعجز؛ وقوله: {من أمر ربي} دليل على خلق ~~الروح، فكان هذا جوابا. {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا(85)} قال أبو سعيد ~~العماني: «قد قيل: فيما يروى أنه لما كان من أمر موسى والخضر وإذا ~~الافتراق، نزل عليهما طير من السماء إلى البحر، أو إلى الأرض فأخذ بمنقاره ~~[322] من البحر أو الأرض، فقال الخضر لموسى: أتعرف يا موسى ما هذا الطير؟ ~~أو ما يراد به؟ قال: موسى لا أعرف ذلك، قال: هذا أرسل إلينا ليعرفنا، أو ~~يعلمنا أن جميع علم ما خلق الله من أهل الأرض وغيرهم، مع ms0506 علم الله مثل ما ~~احتمل بمنقاره من البحر، ولا نبلغ ذلك»؛ هكذا عندي على معنى الرواية، لا ~~على اللفظ. # { PageV02P377 ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} المعنى: ولئن شئنا ~~ذهبنا بالقرآن، ومحوناه عن الصدور والمصاحف، فلم نترك له أثرا. وقال بعض ~~أهل المعاني: المعنى: أنه إذا خالف الذي أوحي إليه بحرف واحد من الدين، فقد ~~أذهب عنه ما أوحي إليه. ولو بقي في صدره فلا ينفعه، إذ حقيقة العلم هو ~~العمل، وما يدل على هذا المعنى قوله: {ثم لا تجد لك به علينا وكيلا(86)} ~~يعينك وينصرك منا. {إلا رحمة من ربك} قيل: هذا استثناء منقطع، معناه: لكن ~~لا يشاء ذلك، رحمة من ربك، {إن فضله كان عليك كبيرا(87)} لأن فضل القرآن كبير. # {قل: لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون ~~بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا(88)} معينا، أي: لو تظاهروا على أن يأتوا ~~بمثل القرآن في بلاغته، وحسن نظمه وتأليفه، لعجزوا عن الإتيان بمثله. {ولقد ~~صرفنا} رددنا وكررنا {للناس (¬1) في هذا القرآن من كل مثل} من كل معنى، هو ~~كالمثل في غرابته وحسنه، {فأبى أكثر الناس إلا كفورا(89)} جحودا وتواريا، ~~كأنه قيل: فلم يرضوا إلا كفورا. # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل: - «للناس». PageV02P378 # ولما تبين إعجاز القرآن، وانضمت إليه المعجزات الأخر، ولزمتهم الحجة ~~وغلبوا، اقترحوا الآيات، فعل المبهوت المحجوج المتحير، {وقالوا: لن نؤمن ~~لك} لن نصدقك {حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا(90)} عينا غزيرة، من شأنها أن ~~تنبع بالماء لا تنقطع، نقول: (¬1) من نبع الماء. {أو تكون لك جنة من نخيل ~~وعنب فتفجر الأنهار خلالها} وسطها {تفجيرا(91)، أو تسقط السماء كما زعمت ~~علينا كسفا} أي: قطعا، {أو تأتي بالله والملائكة قبيلا(92)} كفيلا؛ أي: ~~يكفلون بما تقول؛ وقيل: ضامنا؛ وقيل: هو جميع (¬2) القبيلة؛ أي: بأصناف ~~الملائكة قبيلة قبيلة؛ وقيل: عيانا، أي: نراهم مقابلة. # {أو يكون لك بيت من زخرف} ذهب، وهو أصل الزينة وأغلاها، {أو ترقى في ~~السماء} تصعد إليها، {ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا} من السماء ms0507 فيه ~~تصديقك {نقرؤه؛ قل: سبحان ربي} تعجب من اقتراحاتهم عليه، {هل كنت إلا بشرا ~~رسولا(93)} أي: أنا رسول كسائر الرسل، بشر مثلهم؛ وكان الرسل لا يأتون ~~قومهم إلا بما يظهره الله عليهم من الآيات، فليس أمر الآيات إلي إنما هو ~~إلى الله. # {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا} أي: وما منعهم ~~الإيمان بالقرآن ونبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا قولهم: {أبعث الله ~~بشرا رسولا(94)}؟ أي: إلا شبهة تمكنت في صدورهم، وهي إنكارهم أن يرسل الله ~~البشر؛ فاستوت حجابا على عين البصيرة، فلم تبصر الحق. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب ما ذكره الزمخشري: «يفعول: من نبع ~~الماء،كيعبوب، منن عب الماء». الزمخشري: الكشاف، 2/541. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «جمع». PageV02P379 # قل: لو كان في الأرض ملائكة يمشون} على أقدامهم كما يمشي [323] الإنس، ~~ولا يطيرون بأجنحتهم إلى السماء، فيسمعوا من أهلها، ويعلم (¬1) ما يجب ~~علمه، {مطمئنين} أي: ساكنين في الأرض قارين، {لنزلنا عليهم} من جنسهم، لأن ~~القلب إلى الجنس أميل منه إلى غير الجنس، {من السماء ملكا رسولا(95) (¬2) } ~~يعلمهم من الله الخير، ويهديهم المراشد؛ فأما الإنس فإنما يرسل الملك إلى ~~مختار منهم للنبوة، فيقوم ذلك المختار بدعوتهم وإرشادهم. # {قل: كفى بالله شهيدا بيني وبينكم} على أن بلغت ما أرسلت به إليكم، وإنكم ~~كذبتم وعاندتم، {إنه كان بعباده} المنذرين والمنذرين {خبيرا بصيرا(96)}. # {ومن يهد الله فهو المهتدي} أي: من وفقه الله لقبول ما كان من الهدى، فهو ~~المهتدي عند الله، {ومن يضلل} أي: ومن يخذله ولم يعصمه، {فلن تجد لهم ~~أولياء من دونه} أي: أنصارا؛ {ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم} أي: يسحبون ~~عليها {عميا وبكما وصما} كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق، ~~ويتصاممون عن استماعه، فهم في الآخرة كذلك لا يبصرون ما تقر به أعينهم، ولا ~~يسمعون ما يلذ مسامعهم، ولا ينطقون ما يقبل منهم؛ {مأواهم جهنم كلما خبت} ~~طفئ لهبها {زدناهم سعيرا(97)} توقدا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «ويعلموا». انظر الزمخشري: ~~الكشاف، 2/542. ms0508 # (¬2) - ... في الأصل: «ملكا رسولا من السماء»، وهو خطأ، وقع فيه تقديم ~~وتأخير. PageV02P380 # ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا} بحججنا {وقالوا: أئذا كنا عظاما ورفاتا، ~~أئنا لمبعوثون خلقا جديدا(98)}؟ فأجابهم الله: {أولم يروا أن الله الذي خلق ~~السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم} من الإنس، {وجعل لهم أجلا لا ريب ~~فيه، فأبى الظالمون إلا كفورا(99)}. # {قل: لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي} رحمة رزقه، وسائر نعمه على خلقه، ~~{إذا لأمسكتم خشية الإنفاق} أي: لبخلتم خشية أن يفنيه (لعله) الإنفاق، ~~{وكان الإنسان قتورا(100)} بخيلا. # {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات، فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم، فقال له ~~فرعون: إني لأظنك يا موسى مسحورا(101)} سحرت فخولط عقلك؛ وقيل: مخدوعا؛ ~~وقيل: مصروفا عن الحق؛ وقيل: ساحر، فوضع المفعول موضع الفاعل؛ وقيل: معطي ~~السحر بهذه العجائب التي تفعلها من سحرك. # {قال: لقد علمت ما أنزل هؤلاء} الآيات، {إلا رب السماوات والأرض بصائر} ~~أي: بينات مكشوفات، ولكنك معاند؛ ونحوه: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ~~ظلما وعلوا} (¬1) ثم قارع ظنه بظنه، بقوله: {وإني لأظنك يا فرعون ~~مثبورا(102)} كأنه قيل: إن ظننتني مسحورا، فأنا أظنك مثبورا، و ظني أصح من ~~ظنك، لأن له أمارة ظاهرة، وهي إنكارك (لعله) ما عرفت صحته، ومكابرتك لآيات ~~الله بعد وضوحها؛ وأما ظنك فكذب (لعله) ومكابرة. وقال الفراء: «مثبورا: ~~مصروفا عن الخير، من قولهم: ما ثبرك عن هذا، أي: ما منعك وصرفك». وقيل: ~~ملعونا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النمل: 14. PageV02P381 # فأراد أن يستفزهم} يخرجهم {من الأرض} أرض مصر؛ أو ينفيهم عن ظهر الأرض ~~بالقتل، {فأغرقناه ومن معه جميعا(103)} فحاق بهم مكرهم. {وقلنا من بعده ~~لبني إسرائيل: اسكنوا الأرض، فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا(104)} ~~جميعا مختلطين إياكم وإياهم، ثم يحكم بينكم، ويميز بين سعدائكم وأشقيائكم. ~~واللفيف: الجماعات من قبائل شتى. # {وبالحق [324] أنزلناه وبالحق نزل} وما أنزلنا القرآن إلا بالحكمة؛ {وما ~~أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا(105) وقرآنا فرقناه} أي: فصلناه؛ أو فرقنا فيه ~~الحق من الباطل؛ وقيل: نزلناه، نحو ما لم ينزل مرة واحدة[كذا]، بدليل قراءة ~~ابن عباس ms0509 على ما يوجد عنه: {فرقناه} بالتشديد. وقيل: بالتخفيف، أي: فصلناه. ~~{لتقرأه على الناس على مكث} على تؤدة وتثبت، ليخلص لهم سره. {ونزلناه ~~تنزيلا(106)} على حسب الحوادث. # {قل: آمنوا به أو لا تؤمنوا} أي: اختاروا لأنفسكم النعيم المقيم، أو ~~العذاب الأليم، ثم علل بقوله: {إن الذين أوتوا العلم من قبله} أي: التوراة ~~من قبل القرآن، {إذا يتلى عليهم} القرآن، أو العلم الذي أوتوه {يخرون ~~للأذقان سجدا(107)} أي: يسقطون على الأذقان. قال ابن عباس: «أراد بها ~~الآخرة»[كذا]. # { PageV02P382 ويقولون: سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا(108)} لقوله: ~~{آمنوا به أو لا تؤمنوا} أي: أعرض عنهم، فإنهم إن لم يؤمنوا ولم يصدقوا فإن ~~[أناسا] خيرا منهم، وهم العلماء الذين قرؤوا الكتب، قد آمنوا به وصدقوا. ~~{ويخرون للأذقان يبكون} ومعنى الخرور للذقن: السقوط على الوجه، وإنما خص ~~الذقن، لأنه أقرب الأشياء من وجهه إلى الأرض عند السجود، {ويزيدهم} أي: ~~القرآن {خشوعا(109)} خضوعا، ولين قلب، ورطوبة عين. ومعنى الخشوع: الانقياد ~~لله (لعله) عن عادته التي ألفها طبعه، كما يقال: خشع الغصن من الشجرة. # {قل: ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} قيل: لما سمعه أبو جهل يقول: «يالله يا ~~رحمن»، قال: «إنه نهينا (¬1) أن نعبد إلهين، وهو يدعو إلها آخر»، نزلت. ~~وقيل: إن أهل الكتاب قالوا: «إنك لتقل ذكر الرحمن، وقد أكثر الله في ~~التوراة هذا الاسم»، فنزلت. والدعاء: بمعنى التسمية، لا بمعنى النداء. ~~«أو»: للتخيير، أي: سموا بهذا الاسم أو بهذا؛ أو اذكروا إما هذا وإما هذا، ~~{أيا ما تدعوا} أي هذين الاسمين ذكرتم وسميتم، {فله الأسماء الحسنى} الضمير ~~في «فله» يرجع إلى ذات الله تعالى. قوله (¬2) : {فله الأسماء الحسنى}، لأنه ~~إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان لأنهما منهما؛ ومعنى كونها أحسن ~~الأسماء، أنها مستقلة بمعاني التحميد والتقديس والتعظيم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «نهانا»، أو «ينهانا». # (¬2) - ... يبدو أن في العبارة سقطا، ونجد تمامها عند الزمخشري، قال: ~~«والمعنى: أيا ما تدعو فهو حسن، فوضع موضعه قوله: {فله الأسماء الحسنى}...» ~~إلخ. الزمخشري: الكشاف، 2/546. PageV02P383 # ولا تجهر ms0510 بصلاتك} كأنه يخرج في المعنى لا تراء بصلاتك الناس، {ولا تخافت ~~بها} أي: لا تتركها (¬1) حياء من الناس، والله أعلم بتأويل كتابه؛ وقيل: ~~غير ذلك؛ {وابتغ بين ذلك سبيلا(110)} اقصد بها وجه الله، واجعل الناس ~~كالعدم حضورا (لعله حضروا) أو غابوا؛ أو معناه: ولا تجهر بصلاتك كلها، ولا ~~تخافت بها كلها، وابتغ بين ذلك سبيلا، بأن تجهر بصلاة الليل، وتخافت بصلاة ~~النهار، قيل: لأنها عجمى. # {وقل: الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك} كما زعم ~~المشركون، {ولم يكن له ولي من الذل} أي: لم يذل فيحتاج إلى ناصر، {وكبره ~~تكبيرا(111)} وعظمه، وصفه بأنه أكبر بأن يكون له ولد أو شريك. # سورة الكهف # بسم الله الرحمن الرحيم # {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب} القرآن؛ ألقن الله عباده ووفقهم ~~كيف يثنون عليه، ويحمدونه على أجزل نعمائه عليهم، وهي نعمة الإسلام؛ [325] ~~وما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - من الكتاب الذي هو سبب نجاتهم في ~~الآخرة، وغناهم في الدنيا، {ولم يجعل له عوجا(1)} أي: سببا من العوج، ~~والعوج في المعاني، كالعوج في الأعيان؛ يقال: في رأيه عوج، وفي عصاه عوج؛ ~~والمراد: نفي الاختلاف والتناقض في معانيه، وخروج شيء منه من الحكمة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... هذا القول عدول عن المعنى الظاهر من غير موجب. وهو كما ذكر ~~الألوسي مروي عن الحسن، وابن عباس، ولكنه قال: «والأكثرون على التفسير ~~المروي عنه أولا»، وهو غير ما ذكره المصنف. للتفصيل انظر: الألوسي: روح ~~المعاني، 15/1994-195. الزمخشري: الكشاف، 2/547. PageV02P384 # قيما} مستقيما، أي: جعله قيما، لأنه إذا نفى عنه العوج فقد أثبت له ~~الاستقامة؛ وفائدة الجمع بين نفي العوج، وإثبات الاستقامة، وفي أحدهما غنى ~~عن الآخر: التأكيد، لأنه رب مستقيم مشهود له بالاستقامة لا يخلو (¬1) من ~~أدنى عوج عند التصفح؛ أو قيما على سائر الكتب مصدقا لها، شاهدا بصحتها. ~~{لينذر بأسا} عذابا {شديدا من لدنه} صادرا (¬2) من عنده في الدارين، {ويبشر ~~المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا(2) ماكثين فيه أبدا(3)} ~~لا ينتقلون ms0511 عنه إلا إذا انتقلوا بأنفسهم. # {وينذر الذين قالوا: اتخذ الله ولدا(4)، ما لهم به من علم ولا لآبائهم، ~~كبرت كلمة تخرج من أفواههم} صفة «كلمة» تفيد استعظاما لاجترائهم على النطق ~~[بها] (¬3) ، وإخراجها من أفواههم؛ فإن كثيرا مما يوسوسه الشيطان في قلوب ~~الناس من المنكرات لا يتمالكون أن يتفوهوا به، بل يكظمون (¬4) عليه، فكيف ~~بمثل هذا المنكر، {إن يقولون} (لعله) أي: ما يقولون {إلا كذبا(5)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يخل»، وهو خطأ، لأن “لا” نافية، وليست ناهية. ~~وانظر: الزمخشري: الكشاف، 2/548. # (¬2) - ... في الأصل: «صادر»، وهو خطأ. وانظر: المصدر نفسه. # (¬3) - ... إضافة من الزمخشري: الكشاف، 2/549. # (¬4) - ... في الأصل: «يكضمون»، وهو خطأ. وانظر: المصدر نفسه. PageV02P385 # فلعلك باخع} قاتل {نفسك على آثارهم} أي: آثار الكفار، شبهه وإياهم حين ~~تولوا عنه، ولم يؤمنوا به، وما بداخله من الأسف على توليهم برجل فارقه ~~أحبته، فهو يتساقط حسرات على آثارهم، ويبخع نفسه وجدا عليهم، وتلهفا على ~~فراقهم. وقال سهل بن عبد الله في هذه الآية على ما يوجد عنه : «لعلك مهلك ~~نفسك باتباع المراد في هدايتهم وإيمانهم، وقد سبق منا الحكم في إيمان ~~المؤمنين، وكفر الكافرين، فلا تغيير ولا تبديل». وقال سهل أيضا: «لعلك شاغل ~~نفسك عنا باشتغال لهم (¬1) حرصا على إيمانهم، ما عليك إلا البلاغ؛ فلا ~~يشغلك عنا (لعله) غيرنا، (لعله) وهو كقوله: {وأما من جاءك يسعى وهو يخشى ~~فأنت عنه تلهى} (¬2) ». فإذا كان حرص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ~~إيمان أمته، لم يرض الله منه ذلك الحرص، لأن فيه ترك الرضا بالقضاء، ورد ~~المقدور؛ فكيف يرضى من غيره الحرص على الدنيا الدنية، التي هي متاع الغرور، ~~ومعدن الشرور!. {إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا(6)} مفعول له؛ أي: لفرط ~~الحزن. والأسف: المبالغة في الحزن والغضب. # {إنا جعلنا ما على الأرض} أي: ما على الدنيا {زينة لها} أي: ما يصلح أن ~~يكون زينة لها ولأهلها من زخارف الدنيا، وما يستحسن منها {لنبلوهم} ~~لنختبرهم {أيهم أحسن عملا(7)} وحسن العمل: الزهد فيها، وترك الاغترار بها؛ ~~ثم زهد في الميل ms0512 عنها، بقوله: # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «بالاشتغال بهم». # (¬2) - ... سورة عبس: 8-10. PageV02P386 # وإنا لجاعلون ما عليها} من الزينة {صعيدا} أرضا ملساء {جرزا(8)} يابسا، ~~لا نبات فيها، بعد أن كانت خضراء معشبة. والمعنى: نعيدها بعد عمارتها ~~خرابا، بإماتة الحيوان، وتجفيف النبات والأشجار وغير ذلك. # ولما ذكر من الآيات [326] الكلية (لعله) بتزين الأرض بما خلق فوقها من ~~الأجناس التي لا حصر لها، وإزالة ذلك كله كأن لم يكن، فقال: {أم حسبت أن ~~أصحاب الكهف والرقيم} يعني: أن ذلك أعظم من قصة أصحاب الكهف، وبقاء حياتهم ~~مدة طويلة. والكهف: الغار الواسع في الجبل. والرقيم: اسم كلبهم أو قريتهم؛ ~~أو اسم كتاب كتب فيه شأنهم؛ أو اسم الجبل الذي فيه الكهف؛ أو غير ذلك، ~~{كانوا من آياتنا عجبا(9)} لأهل العقول، لأن غيرهم يتعجبون من غير عجب، ومن ~~العجب لا يتعجبون. # {إذ أوى الفتية إلى الكهف، فقالوا: ربنا آتنا من لدنك رحمة} أي: رحمة من ~~خزائن رحمتك، وهي المغفرة والرزق، والأمن من الأعداء. والرحمة: ما يتوصل ~~بها (¬1) إلى الرحمة الأبدية، {وهيئ لنا من أمرنا رشدا(10)} حتى نكون بسببه ~~راشدين مهتدين. قال ابن عباس: «رشدا: أي مخرجا من العذاب في سلامة، وهو ضد ~~من كان أمره فرطا». # {فضربنا على آذانهم في الكهف} أي: ضربنا عليها حجابا من أن تسمع، يعني: ~~أنمناهم إنامة ثقيلة (¬2) ، لا تنبههم فيها الأصوات، {سنين عددا(11)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الأصوب: «به». # (¬2) - ... في الأصل: «تعليه»، ولا معنى له. انظر: الزمخشري: الكشاف، 2/550. PageV02P387 # ثم بعثناهم} أي: أيقظناهم من نومهم {لنعلم أي الحزبين} (لعله) المختلفين ~~في مدة لبثهم، لأنهم لما انتبهوا اختلفوا في مدة لبثهم، وذلك قوله {قال ~~قائل منهم: كم لبثتم؟ قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم؛ قالوا: ربكم أعلم بما ~~لبثتم}. وكأن الذين قالوا: «ربكم أعلم بما لبثتم» هم الذين علموا أن لبثهم ~~قد تطاول. أو أي الحزبين المختلفين من غيرهم {أحصى لما لبثوا أمدا(12)} ~~والمعنى: أنهم أضبط أمدا لأوقات لبثهم بالأمارات والدلائل، وكأنهم أخص مدحا ~~من الذين قالوا: «لبثنا يوما ms0513 أو بعض يوم»، وإن كانوا لم يكتسبوا بذلك مع ~~الله عيبا ولا ذما، لأنهم كأنهم قالوا ذلك على سبيل الاجتهاد والرأي، لا ~~على القطع بالشهادة بالغيب. # {نحن نقص عليك نبأهم بالحق} بالصدق، {إنهم فتية} جمع: فتى، والفتوة: بذل ~~الندى (¬1) ، وكف الأذى، وترك الشكوى؛ أو اجتناب المحارم، واستعمال ~~المكارم؛ وقيل الفتى: من لا يدعي قبل الفعل، ولا يزكي نفسه بعده. وقيل: ~~شبابا. {آمنوا بربهم وزدناهم هدى(13)} يقينا وعلما، وكانوا من خواص ~~دقيانوس، قد قذف في قلوبهم الإيمان، وخافوا منه ومن قومه؛ وقالوا: لنخل ~~اثنان اثنان منا، فيظهر كل منهما ما يضمر به لصاحبه، ففعلوا؛ فحصل اتفاقهم ~~على الإيمان. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «النداء»، وهو خطأ. قال في اللسان: «والندى على ~~وجوه: ندى الماء، وندى الخير، وندى الشر، وندى الصوت، وندى الحضر، وندى ~~الدخنة... وندى الخير: هو المعروف». والمقصود المعنى الأخير. ابن منظور: ~~لسان العرب، 6/610. مادة «ندي». PageV02P388 # وربطنا على قلوبهم} وقويناهم بالصبر على هجر الأوطان، والفرار بالدين إلى ~~بعض الغيران، وجسرناهم على القيام بكلمة الحق، {إذ قاموا فقالوا} بأمر ~~الله، من قولهم قام بالأمر: إذا أظهره وأعلنه: {ربنا رب السماوات والأرض، ~~لن ندعو من دونه إلها} ولئن سميناهم آلهة، {لقد قلنا إذا شططا(14)} قولا ذا ~~شطط، وهو الإفراد بالظلم (¬1) ، والإبعاد فيه. # {هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة، لولا يأتون عليهم} هلا يأتون [327] ~~على عبادتهم {بسلطان بين} بحجة ظاهرة، {فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا(15)} بنسبة الشريك إليه، بالقول أو الفعل أو الاعتقاد!. # {وإذ اعتزلتموهم} خطاب من بعضهم لبعض، حين صممت عزيمتهم على الفرار ~~بدينهم، {وما يعبدون إلا الله} أي: فارقوهم على عبادة غير الله، (لعله) ~~ولأن يخطئوهم على ما فعلوا من الحق [كذا]؛ وفي ذلك (لعله) دلالة على أنه قد ~~بقيت بقية متمسكة بالحق، وعبادة الله، لا (¬2) {فأووا إلى الكهف ينشر لكم ~~ربكم من رحمته} علموا أنه لا يضيع من التجأ إليه، {ويهيئ لكم من أمركم ~~مرفقا(16)} وهو ما يرتفق به، أي: ينتفع به، وإنما قالوا: ذلك ثقة بفضل ~~الله، وقوة ms0514 في رجائهم، لتوكلهم عليه؛ وانظر كيف كان عاقبة من توكل عليه، ~~واصغ إلى قوله، وتفكر واعتبر، إذ قال: # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «الإفراط في الظلم». انظر: الزمخشري: ~~الكشاف، 2/552. # (¬2) - ... كتب الناسخ هنا إحالة إلى الحاشية، ولم يذكر أي شيء فيها؛ ~~وفيها نقص بين. PageV02P389 # وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم} أي: تميل عنه، ولا يقع شعاعها ~~عليهم، لئلا تضرهم، {ذات (¬1) اليمين} جهة اليمين، {وإذا غربت تقرضهم} ~~تقطعهم، أو تتركهم وتعدل عنهم {ذات الشمال، وهم في فجوة منه} في متسع من ~~الكهف؛ والمعنى: أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس، في طلوعها ولا ~~غروبها، مع أنهم في مكان واسع منفتح معرض لإصابة الشمس، لولا أن الله ~~يحجبها عنهم بقوله (¬2) : {ذلك من آيات الله}؛ وقيل: في منفسح من غار[هم]، ~~ينالهم فيه روح الهواء، وبرد النسيم، ولا يحسون كرب الغار. {ذلك من آيات ~~الله} أي: ما صنعه الله من ازورار الشمس وقرضها، طالعة وغاربة، أنه من آيات ~~الله؛ يعني: أن ما كان في ذلك السمت تصيبه الشمس ولا تصيبهم اختصاصا ~~بالكرامة؛ وقيل: باب الكهف شمالي مستقبل لبنات نعش؛ فهم في مقنأة (¬3) ~~أبدا؛ ومعنى {ذلك من آيات الله} أن شأنهم وحديثهم من آيات الله. {من يهد ~~الله فهو المهتدي} هو ثناء عليهم، بأنهم جاهدوا في الله، وأسلموا له ~~وجوههم، فأرشدهم إلى نيل تلك الكرامة السنية؛ {ومن يضلل فلن تجد له وليا ~~مرشدا(17)} أي: من أضله فلا هادي له. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «اذات»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «لقوله». # (¬3) - ... «والمقنأة والمقنؤة: الموضع الذي لا تصيبه الشمس، وفي حديث ~~شريك: أنه جلس في مقنؤة له، أي موضع لا تطلع عليه الشمس، وهي المقنأة أيضا، ~~وقيل: هما غير مهموزين». ابن منظور: لسان العرب، 5/167. مادة «قنأ». PageV02P390 # وتحسبهم أيقاظا وهم رقود، ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال} عن أن تضرهم ~~الأرض، {وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد} بالفناء والعتبة (لعله) يحفظهم عمن ~~يريد الضرر بهم؛ {لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا(18)}. # {وكذلك بعثناهم ليتساءلوا ms0515 بينهم} ليسألوا بعضهم بعضا، ويتعرفوا حالهم ~~(¬1) ، وما صنع الله بهم، فيعتبروا ويستدلوا على عظم قدرة الله، ويزدادوا ~~يقينا، ويشكروا ما أنعم به عليهم؛ {قال قائل منهم: كم لبثتم؟ قالوا: لبثنا ~~يوما أو بعض يوم؛ قالوا: ربكم أعلم بما لبثتم، فابعثوا أحدكم بورقكم} وهي ~~الفضة المضروبة، {هذه إلى المدينة، فلينظر أيها أزكى} أحل وأطيب {طعاما، ~~فليأتكم برزق منه وليتلطف} عند دخول المدينة وشراء الطعام، بكلام لين سليم ~~عن التقاطع والتطلع على ما في الضمائر، {ولا يشعرن بكم أحدا(19)} (لعله) ~~فانظر لما انتبهوا كأن لم يكن لهم بد من الطعام، لتعرف فائدة الإنامة. # {إنهم إن يظهروا عليكم} أي: تطلعوا على أحوالكم ودينكم {يرجموكم} يقتلوكم ~~{أو يعيدوكم في ملتهم} [328] (لعله) يردوكم إلى دينهم، {ولن تفلحوا إذا ~~أبدا(20)} إذ الفلاح مناف (¬2) للرجوع في دينهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، وصواب العبارة عند الزمخشري: «ليسأل بعضهم ~~بعضا، ويعرفوا حالهم». الزمخشري: الكشاف، 2/554. # (¬2) - ... في الأصل: «منافي»، وهو خطأ. PageV02P391 # وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق} (لعله) بإعادة (¬1) الخلق ~~للجزاء؛ {وأن الساعة لا ريب فيها، إذ يتنازعون بينهم أمرهم} (لعله) فيما ~~يجوز فيه التنازع؛ {فقالوا: ابنوا عليهم بنيانا} أي: على باب كهفهم، لئلا ~~يتطرق إليهم الناس، {ربهم أعلم بهم} ردوا العلم إلى الله عند اختلافهم؛ ~~{قال الذين غلبوا على أمرهم: لنتخذن عليهم مسجدا(21)}. # {سيقولون: ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقولون: خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب، ~~ويقولون: سبعة وثامنهم كلبهم؛ قل: ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل، فلا ~~تمار فيهم إلا مراء ظاهرا} (لعله) لا على القطع والتدين به، {ولا تستفت ~~فيهم منهم أحدا(22)} لأن[ه] ليس مع أحد منهم دلالة علم. # {ولا تقولن لشيء: إني فاعل ذلك غدا(23) إلا أن يشاء الله، واذكر ربك إذا ~~نسيت} (لعله) أي: إذا عصيته، {وقل: عسى أن يهديني ربي لأقرب (¬2) من هذا ~~رشدا(24) ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا(25)} قال قائل: ~~«أما الثلاثمائة فقد عرفناها، وأما التسع فلا علم لنا بها». # {قل: الله أعلم بما لبثوا، له غيب السماوات والأرض} فالغيب ms0516 ما يغيب عن ~~إدراكك، والله لا يغيب عن إدراكه شيء. {أبصر به وأسمع} أي: وأسمع به. ~~والمعنى: ما أبصره بكل موجود، وما أسمعه بكل مسموع. {ما لهم} لأهل السماوات ~~والأرض {من دونه من ولي} من متول لأمورهم، {ولا يشرك في حكمه أحدا(26)} في قضائه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «فإعادة»، ولا معنى له. # (¬2) - ... في الأصل: «لا أقرب»، وهو خطأ. PageV02P392 # واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته} أي: لا يقدر أحد على ~~تبديلها وتغييرها، {ولن تجد من دونه ملتحدا(27)} ملتجأ، (لعله) إن لم يتبع ~~القرآن. # ولما قال قوم من رؤساء الكفرة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نح ~~هؤلاء الفقراء، وهم صهيب وخباب وسلمان، وغيرهم من فقراء المسلمين حتى ~~نجالسك، نزل: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم} أي: احبسها وثبتها على ~~سنتهم وطريقتهم، واهتد بهداهم، كانوا في الوجود أو العدم، {بالغداة ~~والعشي}، لأنهم عون على الدين، ورفض لزينة الحياة الدنيا؛ {يريدون وجهه} ~~رضاه، {ولا تعد عيناك عنهم} وعن طريقتهم المثلى، {تريد زينة الحياة الدنيا} ~~(لعله) تريد اللهو مع اللاهين، والخوض مع الخائضين، واللعب مع اللاعبين، ~~{ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه} أنسيناه ذكرنا من قلبه، ~~باتباع هواه، لأن ذكر الله والهوى متنافيان، لا يجتمعان في شيء واحد، لأن ~~الهوى من نتائج إبليس. {وكان أمره} من أمر دينه ودنياه {فرطا(28)} (لعله) ~~بمعزل عن حصن التوحيد. # { PageV02P393 وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر} أي: ~~جاء الحق، وزاحت العلل، فلم يبق إلا اختياركم لأنفسكم ما شئتم من الأخذ في ~~طريق النجاة أو طريق الهلاك؛ وجيء بلفظ الأمر والتخيير لما (¬1) مكن من ~~اختيار أيهما شاء، فكأنه مخير مأمور بأن يختار ما شاء من النجدين. ثم [بين] ~~جزاء من اختار الكفر فقال: {إنا أعتدنا} هيأنا {للظالمين نارا أحاط بهم ~~سرادقها} شبه ما يحيط بهم من النار بالسرادق، وهو الحجرة [329] التي تكون ~~حول الفسطاط، {وإن يستغيثوا} من العطش، {يغاثوا بماء كالمهل} قيل: هو دردي ~~(¬2) الزيت، أو ما أذيب من جواهر ms0517 الأرض، {يشوي الوجوه} إذا قدم ليشرب شوى ~~الوجه من حرارته، {بئس الشراب وساءت مرتفقا(29)} (لعله) حال (¬3) لأنه ليس ~~فيها شيء مما يسر أهلها. # {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا(30)} ~~(لعله) ثم ذكر جزاءهم فقال: {أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم (¬4) ~~الأنهار، يحلون} (لعله) يزينون، لتكون الزينة نعمة لهم ولأمثالهم، كما أن ~~منظر أهل النار عذابا لهم (¬5) . {فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا ~~من سندس} (لعله) قيل: هو ما رق من الديباج، {وإستبرق} (لعله) قيل: ما غلظ؛ ~~{متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا(31)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الزمخشري: «لأنه لما مكن...». الزمخشري: الكشاف، 2/561. # (¬2) - ... دردي الزيت وغيره: ما يبقى في أسفله؛ ودريد: تصغير أدرد ~~مرخما. الرازي: مختار الصحاح، ص 136؛ مادة: درد. # (¬3) - ... في الأصل: «حالا»، وهو خطأ. # (¬4) - ... في الأصل: «تحتها»، وهو خطأ. # (¬5) - ... كذا في الأصل، والصواب: «عذاب لهم»، وفيها إشارة إلى الحاشية ~~ولم يكتب فيها شيئا. PageV02P394 # واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب، وحففناهما بنخل ~~وجعلنا بينهما زرعا(32) كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا (¬1) ~~وفجرنا خلالهما نهرا(33) وكان له ثمر} أنواع من المال، من «ثمر ماله»: إذا ~~كثره؛ أي: كانت له إلى الجنتين الموصوفتين الأموال الكثيرة؛ {فقال لصاحبه ~~وهو يحاوره} يراجعه في الكلام، من حار يحور: إذا راجع، ويريه ما فيهما، ~~ويفاخره بما ملك من المال دونه، {أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا(34)} أنصارا ~~وحشما، أو أولادا ذكورا؛ لأنهم ينفرون معه دون الإناث. # {ودخل جنته وهو ظالم لنفسه} ضار لها بكفره، {قال: ما أظن أن تبيد هذه ~~أبدا(35)} أي: أن تهلك هذه الجنة؛ شك في بيدودة جنته لطول أمله، واستحسان ~~رأيه، وتمادي غفلته، واغتراره بالمهلة، وكأنه اطمأن إلى ما في يده دون ما ~~عند الله، ولم يجعلها كأنها وديعة مودعة في يده، مستردة منه عن قريب، إما ~~بموته هو، أو بذهابها من يده ببعض الأسباب؛ ونرى أكثر الأغنياء تنطق ألسنة ~~أحوالهم بذلك، إلا الذين آمنوا، وقليل ماهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... هنا ms0518 إحالة إلى الحاشية ولم يكتب فيها شيئا. PageV02P395 # وما أظن الساعة قائمة} كائنة، {ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها} إن رد ~~إلى ربه كما يزعم صاحبه ليجدن في الآخرة خيرا من جنته في الدنيا، ادعاء ~~لكرامته عليه ومكانه (¬1) عنده. وترى أكثر أهل الغرور قد غرتهم الحياة ~~الدنيا، وغرهم بالله الغرور؛ فهم متصفون بهذه الصفة، وإن لم تنطق بها ~~ألسنتهم (لعله) الصورية؛ فقد اتنطق (¬2) ألسنتهم الحالية، {منقلبا(36)} ~~مرجعا وعاقبة. # {قال له صاحبه وهو يحاوره: أكفرت بالذي خلقك من تراب}؟ أي: خلق أصلك من ~~تراب، {ثم من نطفة ثم سواك رجلا(37)} عدلك، وكملك إنسانا ذكرا بالغا مبلغ ~~الرجال؛ صار (لعله صرت) كافرا بالله، لشكه، لشكك (¬3) في الغيب؛ {لكنا هو ~~الله ربي} أي: لكني مؤمن به موحد له، مطيع لأمره، {ولا أشرك بربي أحدا(38)} ~~أي: لا أعصيه في أمر ولا نهي. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الأصوب: «مكانته». انظر: الزمخشري: ~~الكشاف، 2/563. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «تنطق»، أو «أنطق الله». # (¬3) - ... «لشكك» إضافة من الناسخ فيما يبدو. والعبارة عند الزمخشري: ~~«جعله كافرا بالله، جاحدا لأنعمه لشكه في البعث». الزمخشري: الكشاف، 2/564. PageV02P396 # ولولا} وهلا {إذ دخلت جنتك، قلت: ما شاء الله} المعنى: هلا قلت عند ~~دخولها، والنظر إلى ما رزقك الله منها إلا: «ما شاء الله» اعترافا بأنها ~~وكل ما فيها، إنما حصل بمشيئة الله، وأن أمرها بيده، إن شاء تركها عامرة، ~~وإن شاء خربها، وإن شاء نزعها من يدي، وملكها غيري بإحسار مني، أو اضطرار، ~~وقلت: {لا قوة إلا بالله} [330] إقرارا بأن ما قويت به على عمارتها، وتدبير ~~أمرها [إنما] (¬1) هو بمعونته وتأييده. {إن ترن (¬2) أنا أقل منك مالا ~~وولدا(39) فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك} في الدارين، {ويرسل عليها ~~حسبانا} عذابا {من السماء فتصبح صعيدا زلقا(40)} أرضا بيضاء ينزلق عليها ~~لملاستها. # {أو يصبح ماؤها غورا} غائرا، أي: ذاهبا في الأرض، وفي المعنى: كل (لعله) ~~من كفر بالله فماله بهذه الصفة، لأنه لا ينتفع به في دينه، بل أشد خسرانا ~~منه، لأنه ms0519 متعذب به في الدارين، وإن كان موجودا في يده متصرفا فيه، {فلن ~~تستطيع له طلبا(41)} فلا يتأتى لك طلبه، فضلا عن الوجود؛ والمعنى: إن ترني ~~أفقر منك، فأنا أتوقع من صنع الله أن يقلب ما بي وما بك من الفقر والغنى، ~~فيرزقني في الدنيا لإيماني جنة أتقوى بها على مرضاته، خيرا من جنتك، لأنها ~~لك استدراج وغرور، ويسلبك إياها لكفرك، فلا يبقى لك منها إلا الخسران، وذلك ~~تفرس منه في عواقب الأمور، وقد كان بهما ما توقع، فقال: # { # ¬__________ # (¬1) - ... إضافة من الزمخشري: الكشاف، 2/564. # (¬2) - ... في الأصل: «إن تراني». وهو خطأ. PageV02P397 # وأحيط بثمره} هو عبارة عن إهلاكه، وأصله: من «أحاط به العدو»، لأنه إذا ~~أحاط به فقد ملكه واستولى عليه؛ ثم استعمل في كل إهلاك، {فأصبح} أي: الكافر ~~{يقلب كفيه} يضرب أحدهما (¬1) على الأخرى ندما وتحسرا؛ وإنما صار تقليب ~~الكفين كناية عن الندم والتحسر، لأن النادم يقلب كفيه ظهرا لبطن، كما كنى ~~عن ذلك بعض الكف (¬2) ، والسقوط في اليد (¬3) ، لأنه في معنى الندم، كأنه ~~قيل: فأصبح يندم، وكذا أعمال الكافرين أجمع يكون عليهم (لعله) الخسران. ~~{على ما أنفق فيها} أي: في تأصيلها وعمارتها، {وهي خاوية على عروشها} يعني: ~~أن كرومها المعروشة سقطت عروشها على الأرض، وسقطت فوقها الكروم؛ {ويقول: يا ~~ليتني لم أشرك بربي أحدا(42)} تذكر موعظة أخيه، فعلم أنه أوتي من جهة كفره ~~وطغيانه. # {ولم تكن له فئة ينصرونه} يقدرون على نصرته {من دون الله} أي: هو وحده ~~القادر على نصرته، لا يقدر أحد غيره أن ينصره، إلا أنه لم ينصره لحكمة، ~~{وما كان منتصرا(43)} وما كان ممتنعا بقوته عن انتقام الله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «إحداهما». # (¬2) - ... وذلك في قوله تعالى: {وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ} ~~سورة آل عمران: 119. # (¬3) - ... وذلك في قوله تعالى: {ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا ~~قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين} سورة الأعراف: 149. PageV02P398 # هنالك الولاية لله الحق} أي: النصرة لله وحده لا يملكها غيره، ولا ~~يستطيعها ms0520 أحد سواه. تقريرا لقوله: {ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله}؛ ~~أو هنالك السلطان والملك لله لا يغلب؛ أو مثل تلك الحال الشديدة، يتولى ~~الله ويؤمن به كل مضطر، يعني: أن قوله: {يا ليتني لم أشرك بربي أحدا} كلمة ~~ألجئ إليها، فقالها جزعا مما دهاه من شؤم كفره، ولولا ذلك لم يقلها؛ أو ~~هنالك الولاية لله ينصر فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم؛ ~~يعني: أنه نصر فيما فعل بالكافر أخاه المؤمن، وصدق قوله: {فعسى ربي أن ~~يؤتيني خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء}، ويؤيده قوله: {هو خير ~~ثوابا وخير عقبا(44)} أي: لأوليائه. أو “هنالك” إشارة إلى الآخرة، أي: في ~~تلك الدار الولاية لله، كقوله: {لمن الملك اليوم}؟ (¬1) . # {واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من [331] السماء} أي: هو كما ~~أنزلناه، وهذا مثل لجميع ما في الدنيا، {فاختلط به نبات الأرض} فالتف بسببه ~~وتكاثف، حتى خالط بعضه بعضا؛ أو أثر في النبات الماء فاختلط به حتى روى، ~~{فأصبح هشيما} يابسا متكسرا {تذروه الرياح} تنسفه وتطيره، {وكان الله على ~~كل شيء} من الإنشاء والإفناء، {مقتدرا(45)} قادرا (¬2) . شبه حال الدنيا في ~~نضرتها وبهجتها وعاقبتها من الهلاك والفناء بحال النبات: يكون أخضر، ثم ~~يهيج، فتنسفه الرياح، كأن لم يكن؛ فيبقى الجزاء. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة غافر: 16. # (¬2) - ... في الأصل: «قادر»، وهو خطأ. PageV02P399 # المال والبنون زينة الحياة الدنيا} لا عدة للعقبى إلا إذا أريد به لها؛ ~~{والباقيات الصالحات} أعمال الخير التي تبقى ثمرتها للعامل {خير عند ربك ~~ثوابا} جزاء {وخير أملا(46)} لأنه وعد صادق، وأكثر الآمال كاذبة؛ يعني: أن ~~صاحبها يأمل في الدنيا ثواب الله، ويصيبه في الآخرة. # {ويوم نسير الجبال} نجعلها هباء منثورا. {وترى الأرض بارزة} ليس عليها ما ~~يسترها مما كان عليها من الجبال والأشجار. {وحشرناهم} أي: الموتى، {فلم ~~نغادر منهم أحدا(47)} أي: فلم نترك غادرة، ومنه الغدر: ترك الوفاء؛ الغدير: ~~ما غادره السيل. # {وعرضوا على ربك صفا} مصطفين ظاهرين يرى جماعتهم (¬1) كما يرى كل واحد، ~~لا يحجب أحد أحدا. شبهت حالهم ms0521 بحال الجند المعرضين على السلطان. {لقد ~~جئتمونا كما خلقناكم أول مرة} أي: لقد بعثناكم كما أنشأكم أول مرة؛ أو ~~جئتمونا عراة لا شيء معكم كما خلقناكم أولا؛ (لعله) أو جئتمونا بلا عمل ~~ينفع، هو بين أبين مما تقدم، لقوله: {بل زعمتم} بلسان المقال، أو بلسان ~~الحال {ألن نجعل لكم موعدا(48)} وقتا لا يجاوز ما وعدتم على ألسنة الأنبياء ~~من البعث. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «جماعهم»، وهو خطأ. انظر الزمخشري: الكشاف، 2/567. PageV02P400 # ووضع الكتاب} أي: صحف الأعمال {فترى المجرمين مشفقين} خائفين {مما فيه} ~~مما قدموه من الذنوب، خلاف المؤمنين، فإنهم يبتهجون بما فيه، ويفرحون ~~ويستبشرون، {ويقولون: يا ويلتنا} يا هلاكنا؛ والويل والويلة: الهلكة؛ وكل ~~من وقع في هلكة دعا بالويل، {ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة}، ~~لأنه مأخوذ بالصغائر والكبائر، {إلا أحصاها، ووجدوا ما عملوا حاضرا} جزاء ~~ما عملوا من الصغيرة والكبيرة، {ولا يظلم ربك أحدا(49)} فيكتب عليه ما لا ~~يعمل؛ أو يزيد في عقابه المستحق عقابه؛ أو يعذبه بغير جرم. # {وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم} سجود تحية وإجلال وتعظيم؛ أو سجود ~~انقياد، {فسجدوا، إلا إبليس كان من الجن} هو مستأنف، كأن قائلا قال: ما له ~~لم يسجد؟ فقيل: «كان من الجن». {ففسق عن أمر ربه} خرج عما أمره به ربه من ~~السجود؛ وهو دليل على أنه كان مأمورا بالسجود مع الملائكة. {أفتتخذونه ~~وذريته} «الهمزة»: للإنكار والتعجب، كأنه قيل: أعقيب ما وجد منه الإيباء ~~تتخذونه وذريته {أولياء من دوني} وتستبدلونهم بي. وكأن هذه الآية تدل على ~~أن ليس في ذريته مطيع تجوز ولايته، وكأن الجن من غيره، لأن فيهم المطيع ~~والعاصي. {وهم لكم عدو} وفي الجن أولياء وأعداء، بدليل قوله: {وإنا منا ~~المسلمون ومنا القاسطون} (¬1) {بئس للظالمين بدلا(50)} بئس البدل [332] من ~~الله إبليس، لمن استذله فأطاعه بدل طاعته، وعبده بدل عبادته. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الجن: 14. PageV02P401 # ما أشهدتهم} أي: إبليس وذريته {خلق السماوات والأرض} يعني: أنكم ~~اتخذتموهم شركاء لي في العبادة، وإنما يكونون شركاء فيها لو كانوا شركاء في ~~الإلهية، فنفى مشاركتهم ms0522 في الإلهية بقوله: {ما أشهدتهم خلق السموات والأرض} ~~لأعتضد بهم في خلقها، وأشاورهم فيه؛ أي: تفردت بخلق الأشياء، فأفردوني في ~~العبادة، {ولا خلق أنفسهم} أي: ولا أشهدت بعضهم خلق بعض. {وما كنت متخذ ~~المضلين} أي: وما كنت متخذهم {عضدا(51)} أعوانا؛ فوضع المضلين موضع الضمير ~~ذما لهم بالإضلال؛ فإذا لم يكونوا عضدا لي في الحق، فما لكم تتخذونهم شركاء ~~لي في العبادة؟!. # {ويوم يقول} الله للكفار: {نادوا} ادعوا بصوت عال {شركائي الذين زعمتم} ~~أنهم شركاء لي ليمنعوكم من عذابي، وأراد الجن؛ وأضاف الشركاء إليه على ~~زعمهم توبيخا لهم. {فدعوهم فلم يستجيبوا لهم، وجعلنا بينهم موبقا(52)} ~~مهلكا، من وبق يبق وبوقا: إذا هلك؛ أو به (¬1) مصدر كالوعد؛ أي: وجعلنا ~~بينهم واديا من أودية جهنم، هو مكان الهلاك والعذاب الشديد، مشتركا يهلكون ~~فيه جميعا. # {ورأى المجرمون النار فظنوا} فأيقنوا {أنهم مواقعوها} بأعمالهم السيئة ~~التي عملوها، وماتوا عليها مصرين، {ولم يجدوا عنها مصرفا(53)} معدلا، ~~انصرافا، أو مكانا يهربون إليه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «أو هو مصدر»، أو - «به». PageV02P402 # ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل} يحتاجون إليه، {وكان الإنسان ~~أكثر شيء جدلا(54)} أي: أكثر الأشياء التي يتأتى منه (¬1) الجدل، إن فصلتها ~~واحدا بعد واحد، خصومة ومماراة بالباطل؛ يعني: أن جدل الإنسان أكثر من جدل ~~كل شيء، كقوله: {فإذا هو خصيم مبين} (¬2) ؛ وقيل المراد: الكفار، لقوله: ~~{ويجادل الذين كفروا بالباطل} (¬3) ، و(لعله) قيل على العموم. # {وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى} أي هدى كان، {ويستغفروا ربهم، ~~إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب} تقديره: وما منع الناس ~~الإيمان والاستغفار إلا انتظار أن تأتيهم سنة الأولين، وهي الموت؛ أو ~~الانتظار (¬4) أن يأتيهم العذاب، يعني: عذاب الآخرة {قبلا(55)} جمع قبيل؛ ~~وقيل: عيانا، بمعنى: المقابلة؛ وقيل: فجأة. وقرئ بضم (لعله) القاف والباء ~~(¬5) ، أي: أصناف عذاب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «منها». # (¬2) - ... سورة النحل: 4؛ وسورة يس: 77. # (¬3) - ... سورة الكهف: 56. في الأصل: «(لعله) بالباطل». # (¬4) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «انتظار». # (¬5) - ... وهي قراءة حفص التي ms0523 اعتمدناها في ضبط الآيات، ونلاحظ خلط ~~المصنف بين القراءتين في كامل التفسير، فأحيانا يكتب الآيات بهذه القراءة ~~وأحيانا بتلك. PageV02P403 # وما نرسل المرسلين إلا مبشرين} المؤمنين، {ومنذرين} الكافرين. {ويجادل ~~الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق} ليزيلوا، أو يبطلوا بالجدال الحق، ~~وأصل الدحض: الزلق. {واتخذوا آياتي} أي: ما كان من الآيات التي فرعت ~~أفهامهم، {وما أنذروا هزوا(56)} لأنهم إذا لم يقبلوها للمعل [كذا] فقد ~~اتخذوها هزؤا، لقوله: {وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم إنما نحن ~~مستهزئون} (¬1) . # {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه} من كتاب أو سنة أو إجماع، أو حجة عقل، وغير ~~ذلك. {فأعرض عنها} تولى عنها وتركها ولم يؤمن بها؛ ولم يتذكر حين ذكر، ولم ~~يتدبر {ونسي} عاقبة {ما قدمت يداه} من الكفر والمعاصي؛ ولا نظر في أن ~~المسيء والمحسن لابد لهما من جزاء، لقوله: {ولتنظر نفس ما قدمت لغد} (¬2) ؛ ~~ثم علل [333] إعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم، بقوله: {إنا جعلنا ~~على قلوبهم أكنة} أغطية؛ جمع كنان: وهو الغطاء؛ {أن يفقهوه} يريد: أن لا ~~يفهموه، {وفي آذانهم} العقلية {وقرا} ثقلا وصمما عن استماع الحق. {وإن ~~تدعهم (¬3) إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا(57)} مدة التكليف كلها؛ وهذا في ~~أقوام علم الله منهم أنهم (لعله) لا يؤمنون. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البقرة: 14. في الأصل: - «إنا معكم». # (¬2) - ... سورة الحشر: 18. # (¬3) - ... في الأصل: «تدعوهم»، وهو خطأ. PageV02P404 # وربك الغفور} البليغ المغفرة، {ذو الرحمة} الموصوف بالرحمة، {لو يؤاخذهم ~~بما كسبوا لعجل لهم العذاب} أي: ومن رحمته ترك مؤاخذته لهم. {بل لهم موعد ~~لن يجدوا من دونه موئلا(58)} منجا وملجأ؛ يقال: «وأل» إذا نجا، و«وأل إليه» ~~إذا لجأ (¬1) . # {وتلك القرى أهلكناهم} المراد: من تقدم من قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، ~~{لما ظلموا، وجعلنا لمهلكهم موعدا(59)} فضربنا لإهلاكهم وقتا معلوما لا ~~يتأخرون عنه، كما ضربنا لهؤلاء؛ والمهلك: الإهلاك. # {وإذ قال موسى لفتاه} الذي يخدمه ويتبعه: {لا أبرح} لا أزول طلبا للعلم ~~(¬2) {حتى أبلغ مجمع البحرين} وهو المكان الذي وعد فيه موسى لقاء الخضر، ~~{أو أمضي حقبا(60)} أو أسير سنين طوالا؛ قيل: ms0524 قال موسى [لربه]: «إن كان في ~~عبادك من هو أعلم منى فادللني عليه؟، قال: أعلم منك الخضر؛ قال: أين أطلبه؟ ~~قال: على الساحل عند الصخرة؛ قال: يا رب كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتا، فحيث ~~فقدته فهو هناك». ويحتمل كان هذا من موسى قبل استنبائه؛ وبعد استنبائه ~~(لعله) تفسير لقوله: {فخذها بقوة} (¬3) يعني: الألواح؛ فأعلمنا الله بحاله ~~لنقتدي به؛ إن كان قبل الاستنباء أو بعده، لقوله: {فبهداهم اقتده} (¬4) . # {فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر} أي: اتخذ ~~طريقا له من البر إلى البحر {سربا(61)} أي: سرب فيه سربا؛ يعنى: دخل فيه ~~واستتر به. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «وءل إذا نجا، ووءل إليه إذا لجئ». # (¬2) - ... انظر التحقيق في معنى {لا أبرح} في الزمخشري: الكشاف، 2/570. # (¬3) - ... سورة الأعراف: 145. # (¬4) - ... سورة الأنعام: 90. وفي الأصل: «فاقتده»، وهو خطأ. PageV02P405 # فلما جاوزا} مجمع البحرين، ثم نزلا وقد سارا ما يشاء الله {قال} موسى ~~{لفتاه: آتنا غدآءنا، لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا(62)} تعبا. {قال: أرأيت ~~إذ أوينا إلى الصخرة} هي موضع الموعد. {فإني نسيت الحوت}، ثم اعتذر فقال: ~~{وما أنسانيه إلا الشيطان} بإلقاء الخواطر في القلب {أن أذكره} أي: وما ~~أنساني ذكره إلا الشيطان، {واتخذ سبيله في البحر} اتخاذا {عجبا(63)} وهو أن ~~أثره بقي إلى حيث سار. # {قال: ذلك ما كنا نبغ} نطلب؛ لأن ذهاب الحوت كان علما على لقاء الخضر. ~~{فارتدا على آثارهما} فرجعا في الطريق الذي جاءا فيه، {قصصا(64)} يقصان ~~قصصا؛ أي: يتبعان آثارهما اتباعا. قال الزجاج: «القصص: اتباع الأثر». # {فوجدا عبدا من عبادنا} أي: الخضر، أو غيره {آتيناه رحمة من عندنا، ~~وعلمناه من لدنا علما(65)} قيل: العلم اللدني: ما حصل للعبد بطريق الإلهام؛ ~~وقيل: علم الباطن. # {قال له موسى: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا(66)}؟ أي: علما ذا ~~رشد، أرشد به في ديني؛ وفيه دليل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم، ~~وإن كان قد بلغ ما بلغ منه، وأن يتواضع لمن هو أعلم منه. {قال إنك لن ms0525 ~~تستطيع [334] معي صبرا(67)} أي: عن الإنكار والسؤال؛ وإنما قال ذلك لأنه ~~علم أنه يرى (لعله) منكرة (¬1) ، ولا يجوز للأنبياء أن (لعله) يصبروا (¬2) ~~المنكرات؛ ثم بين عذره في ترك الصبر: # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «ما ينكره». # (¬2) - ... هنا أحال الناسخ إلى الحاشية ولم يكتب فيها شيئا، وفي العبارة ~~نقص تقديره: «عن النهي عن المنكرات»، أو نحو ذلك. PageV02P406 # وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا(68)}؟! نفي استطاعة الصبر معه، على وجه ~~التأكيد؛ وعلل ذلك بأنه يتولى أمورا هي في ظاهرها مناكر، والرجل الصالح لا ~~يتمالك إذا رأى ذلك، فكيف إذا كان نبيا. # {قال: ستجدني إن شاء الله صابرا} عن الإنكار والاعتراض، {ولا أعصي لك ~~أمرا(69)} لأنه مع عصيانه له لا يجب عليه تعليمه، ومع ذلك تتنافر القلوب ~~بينهما، {قال: فإن اتبعتني} (لعله) أي: ائتممت [بي] {فلا تسألني عن شيء حتى ~~أحدث لك منه ذكرا(70)} أي: فمن شرط اتباعك لي، أنك إذا رأيت مني شيئا وقد ~~علمت أنه صحيح، إلا أنه خفي عليك وجه صحته فأنكرت في نفسك أن لا تفاتحني، ~~ولا تراجعني فيه، حتى أكون أنا الفاتح عليك، وهذا لحكمة علمها الله. # {فانطلقا} مصطحبين {حتى إذا ركبا في السفينة، خرقها؛ قال: أخرقتها لتغرق ~~أهلها؟ لقد جئت شيئا إمرا(71)} أتيت شيئا عظيما، من أمر الأمر، إذا عظم. ~~{قال: ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا(72) قال: لا تؤاخذني بما نسيت} قال ~~ابن عباس: «إنه لم ينس، ولكنه من معاريض الكلام». {ولا ترهقني من أمري ~~عسرا(73)} أرهقه: إذا غشيه، وأرهقه إياه: أي أغشاه، ولا تغشنى عسرا: وهو ~~اتباعه إياه على متابعتك، ويسرها على الاعضاء (¬1) ، وترك المناقشة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، وفي العبارة خلط كبير، وصوابها نجده عند ~~الزمخشري: «ولا تغشنى {عسرا} من أمري، وهو اتباعه إياه، يعني: ولا تعسر علي ~~متابعتك، ويسرها علي بالإغضاء، وترك المناقشة». الزمخشري: الكشاف، 2/574. PageV02P407 # فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله، قال: أقتلت نفسا زكية} وهي الطاهرة من ~~الذنوب؛ وقيل: كان غلاما (لعله) لم يبلغ؛ وقيل: كان رجلا ms0526 بالغا عاصيا لله؛ ~~فكان فعله عقوبة له، ورحمة لأبويه. قال ابن عباس: «لم يكن نبي الله يقول: ~~{أقتلت نفسا زكية} (لعله) إلا وهو صبي لم يبلغ»، {بغير نفس؟ لقد جئت شيئا ~~نكرا(74)} ينكره الشرع. # {قال: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا(75)؛ قال إن سألتك عن شيء بعدها ~~فلا تصاحبني، قد بلغت من لدني عذرا(76)} أعذرت فيما بيني وبينك في الفراق. # {فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها} استضافا {فأبوا أن ~~يضيفوهما، فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض} أي: يسقط؛ وهذا من مجاز الكلام، ~~{فأقامه} أي: سواه، {قال: لو شئت لاتخذت عليه أجرا(77)} أي: لطلبت على عملك ~~جعلا حتى تستدفع به الضرورة. # {قال: هذا فراق بيني وبينك، سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا(78) أما ~~السفينة: فكانت لمساكين يعملون في البحر، فأردت أن أعيبها، وكان وراءهم ملك ~~يأخذ كل سفينة غصبا(79)} أي: يأخذ كل سفينة صالحة لا عيب فيها، وإن كانت ~~(¬1) معيبة تركها. # {وأما الغلام: فكان أبواه مؤمنين، فخشينا} أي: فعلمنا {أن يرهقهما} أن ~~يفتنهما {طغيانا وكفرا(80)} (لعله) بميلهما وحبهما على طغواه وكفره؛ ~~{فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما(81)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «كان»، وهو خطأ. PageV02P408 # وأما الجدار: فكان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما} ~~(لعله) قيل: كان مالا؛ وقيل: كان صحفا فيها علم؛ وقيل: لوح من ذهب، مكتوب ~~فيه: «عجبا لمن أيقن بالموت كيف [335] يفرح؛ عجبا لمن أيقن بالقدر كيف ~~يحزن؛ عجبا لمن أيقن بالرزق كيف يتعب؛ عجبا لمن أيقن بالحساب كيف (لعله) ~~يغفل؛ عجبا لمن أيقن (لعله) بزوال الدنيا...» (¬1) ؛ {وكان أبوهما صالحا، ~~فأراد ربك أن يبلغا أشدهما} يدركا شدتهما، {ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك} ~~(لعله) وفيه دليل على أن المال الصالح للرجل الصالح؛ {وما فعلته عن أمري} ~~أي: باختياري وأمري، وإنما فعلته بأمر الله، {ذلك تأويل ما لم تسطع عليه ~~صبرا(82)} (لعله) روي: «لما هم موسى بفراقه، قال له: أوصني، قال: لا تطلب ~~العلم لتحدث به، واطلبه لتعمل به». # {ويسألونك عن ذي ms0527 القرنين} قيل: سمي ذا القرنين، لأنه انقرض في وقته قرنان ~~من الناس؛ {قل: سأتلو عليكم منه ذكرا(83)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... هنا وضع الناسخ إحالة إلى الحاشية ولم يتمم فيها العبارة، ~~وأوردها الزمخشري، ولكن بلفظ: «عجبت» بدل: «عجبا» في كل مرة. وتمام ~~العبارة: «وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها». ~~الزمخشري: الكشاف، 2/579. PageV02P409 # إنا مكنا له في الأرض} التمكين: تمهيد الأسباب، {وآتيناه من كل شيء} ~~أراده من أغراضه، ومقاصده في ملكه؛ أراد: من كل ما يستعين به الملوك على ~~فتح المدن، ومحاربة الأعداء، {سببا(84)} طريقا موصلا إليه. {فأتبع ~~سببا(85)} والسبب: ما يتوصل به إلى المقصود، من علم، أو قدرة؛ فأراد بلوغ ~~المغرب، فأتبع سببا: يوصله إليه حتى بلغ؛ وكذلك أراد المشرق فأتبع سببا، ~~وأراد بلوغ السدين فأتبع سببا؛ «ثم أتبع» كوفي وشامي، الباقون بوصل الألف ~~وتشديد التاء. عن الأصمعي: «أتبع: لحق، واتبع: اقتفى وإن لم يلحق». # {حتى إذا بلغ مغرب الشمس} أي: منتهى العمارة نحو المغرب، وكذا المطلع، ~~{وجدها تغرب في عين حمئة} ذات حمأة، من حمئت (¬1) البئر: إذا صارت فيها ~~الحمأة. «حامية» شامي وكوفي غير حفص، بمعنى حارة. {ووجد عندها} عند تلك ~~العين {قوما} عراة من الثياب؛ {قلنا: يا ذا القرنين} (لعله) ألهمه ذلك {إما ~~أن تعذب، وإما أن تتخذ فيهم حسنا(86)} (لعله) أي: إليك الاختيار في أن تعصي ~~الله فيهم، أو تطيع. # {قال: أما من ظلم فسوف نعذبه، ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا(87)} أي: ~~منكرا بالنار في القيامة؛ يعني: أما من دعوته إلى الإسلام فأبى إلا البقاء ~~على الظلم، فذاك هو المعذب في الدارين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «حمت»، والصواب ما أثبتناه من الزمخشري: الكشاف، ~~2/581. «والحمأة: الطين الأسود المنتن... وحمئت البئر حمأ بالتحريك، فهي ~~حمئة إذا صارت فيها الحمأة وكثرت». ابن منظور: لسان العرب، 1/712. PageV02P410 # وأما من آمن وعمل صالحا} أي: عمل ما يقتضيه الإيمان {فله جزاء الحسنى} ~~أي: فله الفعلة الحسنى التي هي كلمة الشهادة؛ (لعله) أي: التوفيق والثواب، ~~{وسنقول له من أمرنا يسرا(88)} أي: ذا ms0528 يسر، أي: يأمره باليسر لا بالعسر. # {ثم أتبع سببا(89)} أي: (لعله) سلك طريقا ومنازل {حتى إذا بلغ مطلع ~~الشمس، وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا(90)} أي: أبنية؛ ~~وقيل: الستر: اللباس. {كذلك} أي: أمر ذي القرنين كذلك؛ أي: كما وصفناه آمرا ~~بالمعروف، ناهيا عن المنكر، مجيبا لدين الله. وهكذا يجب على كل مسلم بما ~~بلغ إليه طوله وحوله وقوته وقدرته من إحياء دين الله وإماتة البدع؛ {وقد ~~أحطنا بما لديه} من الجنود والآلات والأسباب {خبرا(91)} أو بلغ مطلع الشمس ~~مثل ذلك؛ أي: كما بلغ مغربها؛ أو يطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب ~~عليهم؛ يعني: أنهم كفرة مثلهم، وحكمهم [مثل حكمهم] (¬1) في تعذيبه لمن بقي ~~منهم على الكفر وإحسانه إلى من آمن منهم. # {ثم أتبع سببا(92)} سلك طريقا، {حتى إذا بلغ بين السدين} بين الجبلين: ~~وهما جبلان (¬2) {وجد [336] من دونهما} من ورائهما {قوما لا يكادون يفقهون ~~قولا(93)} فإن قيل: كيف قالوا وهم لا يفقهون قولا؟ قيل: كلم عنهم مترجم، ~~ويحتمل لا يكادون يفقهون قولا حقا، ويعضد ذلك ما بعده. # { # ¬__________ # (¬1) - ... إضافة من الزمخشري: الكشاف، 2/582. ليستقيم التركيب. # (¬2) - ... كذا في الأصل، وهو تكرار لا معنى له، وعند الزمخشري: «وهما ~~جبلان سد ذو القرنين ما بينهما». المصدر نفسه. PageV02P411 # قالوا: يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض، فهل نجعل لك ~~خرجا} جعلا نخرجه من أموالنا {على أن تجعل بيننا وبينهم سدا(94) قال: ما ~~مكني فيه ربي خير} أي: ما جعلني فيه مكينا (¬1) من كثرة المال واليسار ~~(لعله) والعلم، خير مما تبذلون لي من الخراج، فلا حاجة لي إليه؛ {فأعينوني ~~بقوة} بعملة وصناع يحسنون البناء والعمل بالآلات، {أجعل بينكم وبينهم ~~ردما(95)} حاجزا حصينا موثقا؛ والردم: أكبر من السد على ما قيل. # {آتوني زبر الحديد} قطع الحديد؛ والزبرة: القطعة الكبيرة؛ قيل: حفر ~~للأساس حتى بلغ الماء، وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب، والبنيان من ~~زبر الحديد، بينهما الحطب والفحم، حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما؛ ثم ~~وضع المنافخ ms0529 حتى إذا صارت كالنار صب النحاس المذاب على الحديد المحمي، ~~فاختلط والتصق بعضه ببعض، وصار جبلا صلدا. وبعد ما بين السدين يعلمه الله، ~~ومن أعلمه من خلقه. {حتى إذا ساوى بين الصدفين} جانبي الجبلين، لأنهما ~~يتصادفان، أي: يتقابلان، {قال: انفخوا} أي: قال ذو القرنين للعملة: انفخوا ~~في الحديد، {حتى إذا جعله نارا} أي: صار الحديد المنفوخ كالنار، {قال آتوني ~~أفرغ} أصب {عليه قطرا(96)} نحاسا مذابا، لأنه يقطر. # {فما اسطاعوا أن يظهروه} أن يعلوه {وما استطاعوا له نقبا(97)} أي: لا ~~حيلة لهم فيه من صعود لارتفاعه، ولا نقب لصلابته. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «مكين»، وهو خطأ. PageV02P412 # قال: هذا رحمة من ربي} أي: هذا السد نعمة من الله ورحمة على عباده؛ أو ~~هذا الإقدار والتمكين من تسويته؛ {فإذا جاء وعد ربي} فإذا دنا مجيء ~~القيامة، وشارف إتيانها {جعله دكاء} مبسوطا مسوى بالأرض، وكل ما انبسط بعد ~~ارتفاع، فقد اندك. «دكاء» كوفي؛ أي: أرض مستوية؛ {وكان وعد ربي حقا(98)} ~~آخر قول ذي القرنين. # {وتركنا} وجعلنا {بعضهم} بعض الخلق {يومئذ يموج} يختلط {في بعض} أي: ~~يضطربون ويختلطون، إنسهم وجنهم، حيارى سكارى لا يسلكون طريقا، ولا يهتدون ~~سبيلا؛ وهذا وصف للعاصين من الخليقة؛ ويجوز أن يكون الضمير ليأجوج ومأجوج ~~حين (¬1) يخرجون من السد مزدحمين في البلاد؛ {ونفخ في الصور} لقيام الساعة، ~~{فجمعناهم} أي: جميع الخلائق للثواب والعقاب {جمعا(99)} في صعيد واحد. # {وعرضنا} وأبرزنا {جهنم يومئذ للكافرين عرضا(100)} أظهرناها لهم، فرأوها ~~وشاهدوها عيانا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «حتى»، وهو خطأ. انظر الزمخشري: الكشاف، 2/584. PageV02P413 # الذين كانت أعينهم} أعين بصائرهم؛ وسميت أعينا على قدر أهويتهم، لأن ~~الهوى ظلمة تمنع نور البصيرة، فيكون كالغطاء المانع عن التبصرة لحقائق ~~الأشياء؛ فكانت (لعله) البصيرة تبصر الغطاء ولا تبصر الشيء الذي غطاه؛ فإذا ~~خالف العبد الهوى في شيء [337] من الأشياء الدنيوية ارتفع الحجاب عن ذلك ~~الشيء، وأبصر بنور بصيرته الحق، وإن اتبع هواه في ذلك الشيء، تراكمت الظلمة ~~على عين البصيرة، فلا تقدر أن تستبصر عاقبة الأمر. {في غطاء عن ذكري} ~~الغطاء: هو ms0530 الحجاب الذي ذكرناه؛ والذكر: هو حقيقة الأمر وسره. {وكانوا لا ~~يستطيعون سمعا(101)} أي: وكانوا صما عنه، بل أبلغ من الصم؛ إذ الأصم قد ~~يستطيع السمع إذا صيح به؛ وهؤلاء كأنهم أصميت (¬1) ، فلا استطاعة بهم للسمع. # {أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء} كلا إنهم لا يكونون ~~لهم أولياء، وإن اتخذوهم هم أولياء، (لعله) ويعني: ب«أولياء»: الشياطين، ~~أطاعوهم من دون الله؛ وقيل: الأصنام؛ وقيل: الأهوية، وهو أصح ما قيل. فإنهم ~~لا يضرون إن تركوا عبادتهم، ولا ينفعون إن عبدوهم بظنهم. {إنا أعتدنا جهنم ~~للكافرين نزلا(102)} هو ما يقام للنزيل، وهو الضيف ونحوه؛ {فبشرهم بعذاب ~~أليم} (¬2) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «أصمت». وما أثبتناه فمن الزمخشري: الكشاف، 2/585. # (¬2) - ... سورة آل عمران: 24؛ وسورة التوبة: 34؛ وسورة الانشقاق: 24. PageV02P414 # قل: هل ننبئكم بالأخسرين} أخسر من كل خاسر {أعمالا(103)؟ الذين ضل سعيهم} ~~ضاع وبطل، يعني: الذين أتعبوا أنفسهم في عمل، (لعله) يرجون (¬1) به فضلا ~~ونوالا، فنالوا به هلاكا {في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون ~~صنعا(104)} (لعله) لعجبهم بأعمالهم، واعتمادهم الحق بغير دليل من الدليل ~~(¬2) ؛ ويحتمل هذا المتدينين خاصة؛ ويحتمل في جميع الكافرين لعموم الآية، ~~وهو قوله: # {أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم، فلا نقيم لهم يوم ~~القيامة وزنا(105)} فلا يكون لهم وزن ومقدار، لأنهم عصاة؛ فلا تقوم منهم ~~طاعة. {ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا، واتخذوا آياتي ورسلي هزوا(106)} أي: ~~جزاؤهم جهنم، بكفرهم واستهزائهم بآيات الله ورسله. # {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا(107) خالدين ~~فيها لا يبغون عنها حولا(108)} تحولا إلى غيرها رضى بما أعطوا؛ أي: لا مزيد ~~عليها حتى تنازعهم أنفسهم إلى أجمع إلى أغراضهم (¬3) مما هم فيه وعليه، ~~وهذا غاية الوصف؛ لأن الإنسان وإن كان في الدنيا في أعم نعيم، فهو طامح ~~الطرف إلى أرفع منه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يرجوا»، وهو خطأ، لأنه لا موجب لحذف النون. # (¬2) - ... هنا إحالة إلى الحاشية ولم يكتب فيها شيء، والعبارة ناقصة كما ~~هو واضح. # (¬3) - ... كذا في الأصل، وعند الزمخشري: «إلى أجمع لأغراضهم». انظر: ms0531 ~~الزمخشري: الكشاف، 2/586. PageV02P415 # قل: لو كان البحر مدادا لكلمات ربي} قال أبو عبيدة: «المراد: ما يكتب ~~به»؛ أي: لو كتبت (¬1) كلمات علم الله وحكمته، وكان البحر مدادا لها {لنفد ~~البحر قبل أن تنفد كلمات ربي، ولو جئنا بمثله} بمثل البحر {مددا(109)} لنفد ~~أيضا، والكلمات غير نافدة؛ وقيل: قال حيي (¬2) ابن أخطب: «في كتابكم {ومن ~~يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} (¬3) ، ثم تقرؤون: {وما أوتيتم من العلم ~~إلا قليلا} (¬4) » فنزلت؛ يعنى: أن ذلك خير كثير، ولكنه قطرة من بحر كلمات الله. # {قل: إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي (¬5) أنما إلهكم إله واحد} أي: يوحى ~~إلى أنه إله واحد، {فمن كان يرجو لقاء ربه} فمن كان يأمل حسن لقاء ربه، وأن ~~يلقاه لقاء رضى وقبول؛ أو فمن كان يخاف سوء لقاء ربه؛ والمراد باللقاء: ~~القدوم على جزاء الأعمال؛ {فليعمل عملا صالحا} خالصا، لا يريد به إلا وجه ~~ربه، ولا يخلط به غيره، {ولا يشرك بعبادة ربه أحدا(110)} نهى عن الشرك جليه ~~وخفيه، وعن الرياء. قال - عليه السلام - : «اتقوا [338] الشرك الأصغر» ~~قالوا: «وما الشرك الأصغر؟» قال: «الرياء» (¬6) . # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «كتب»، وهو خطأ. انظر: م.ن. # (¬2) - ... في الأصل: «حي». # (¬3) - ... سورة البقرة: 269. # (¬4) - ... سورة الإسراء: 85. # (¬5) - ... في الأصل: - «إلي»، وهو خطأ. # (¬6) - ... رواه الإمام أحمد بلفظ: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، ~~قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله عز وجل لهم ~~يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في ~~الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء»، رقم 22523، 22528. PageV02P416 # وأرجو أنه يوجد عن أبي عبد الله محمد بن روح بن عربي أنه قال: «إن الشرك ~~يتصرف على ثلاثة وجوه: فشرك جحود، وشرك طاعة، وشرك رياء. فأما شرك الجحود: ~~فهو الإشراك بالله، يعني: الذي يعدل به غيره؛ فكل من جحد الله، أو عبد معه ~~إلها آخر، وشك فيه، أو شك في رسوله، أو جحد بما جاء به، فهو مشرك يلحقه اسم ~~الشرك. وأما شرك الطاعة: فهو طاعة الشيطان، وهو قوله: {فلما آتاهما ms0532 صالحا ~~جعلا له شركاء فيما آتاهما} (¬1) ، فدخل عليهما في طاعة الشيطان الشرك، من ~~غير عبادة، يعبد الشيطان من دون الله؛ كذلك قوله: {إنما سلطانه على الذين ~~يتولونه، والذين هم به مشركون} (¬2) ، وقوله: {إني كفرت بما أشركتمون من ~~قبل} (¬3) ، وقوله: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان، إنه ~~لكم عدو مبين} (¬4) ، فعبادته هاهنا طاعة الشيطان، فقد عبده من حيث لا ~~يعلم، وهذا الشرك شرك الرياء، ويلحقه اسم النفاق، ولا يلحقه اسم الجحود. ~~كذلك شرك الرياء إنما هو شرك يلحقه اسم النفاق، ولا يلحقه اسم الجحود، وهو ~~قوله: {من كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا، ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا}، فدخل عليه الشرك من حيث لا يعلم، إذا (¬5) أشرك في عبادة ربه غيره» ~~انتهى كلامه. أحببت أن أنقل منه ما سألتنيه (¬6) ، وقد حذفت منه طلبا ~~للاختصار، وسأكتبه على المعنى: «قال الغزالي: والإخلاص يضاده الإشراك، فمن ~~ليس مخلصا فهو مشرك، إلا أن الشرك درجات؛ والإخلاص في التوحيد يضاده ~~التشريك في الإلهية». # [ # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأعراف: 190. # (¬2) - ... سورة النحل: 100. # (¬3) - ... سورة إبراهيم: 22. # (¬4) - ... سورة يس: 60. # (¬5) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «إذ». # (¬6) - ... يمكن أن نقرأ: «سأكتبه». PageV02P417 # تم بحمد الله وحسن عونه الجزء الثاني من التفسير، ويليه الجزء الثالث ~~بحول الله ويبدأ بتفسير سورة مريم] # فهرس الجزء الثاني # سورة الأعراف ... 3 # سورة الأنفال ... 70 # سورة التوبة ... 100 # سورة يونس ... 155 # سورة هود ... 191 # سورة يوسف ... 231 # سورة الرعد ... 265 # سورة إبراهيم ... 283 # سورة الحجر ... 302 # سورة النحل ... 315 # سورة الإسراء ... 353 # سورة الكهف ... 385 PageV02P418 سورة مريم # قيل: 8 أو 99 آية. # بسم الله الرحمن الرحيم # {كهيعص(1) ذكر} هذا ذكر {رحمة ربك} أي: هذا المتلو ذكر رحمة ربك {عبده ~~زكريا(2)} أي: ذكر ربك عبده زكريا برحمته، {إذ نادى ربه نداء خفيا(3)} دعاء ~~سرا من قومه، {قال: رب إني وهن} ضعف {العظم مني واشتعل} ابيض {الرأس شيبا} ~~(لعله) أي: قرب من الموت، {ولم أكن بدعائك رب شقيا(4)، وإني خفت الموالي من ~~ورائي} قيل: خاف منهم تبديل دين الله، وتغيير ms0533 أحكامه، وأن لا يحسنوا ~~الخلافة على أمته؛ فسأل ربه ولدا صالحا يرثه النبوءة والعلم، ويكون خليفة ~~على أمته، {وكانت أمرأتي عاقرا، فهب لي من لدنك وليا(5) يرثني ويرث من آل ~~يعقوب} المراد: وراثة الشرع والعلم فإن الأنبياء لا يورثون المال، {واجعله ~~رب رضيا(6)} ممن ترضى عنه ويرضى عنك. # {يا زكريا، إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا(7)؛ قال: ~~رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا(8)} أي: ~~سنا، {قال: كذلك قال ربك هو علي هين، وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا(9)}. # {قال: رب اجعل لي آية} يطمئن بها قلبي، ويصدقني الناس بها، {قال: آيتك ~~ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا(10)} وأنت سوي الخلق، ما بك من خرس ولا بكم. # {فخرج على قومه من المحراب} قيل: من المصلى، {فأوحى إليهم} [339] لقوله: ~~{إلا رمزا}؛ وقيل:كتب لهم على الأرض، {أن سبحوا} صلوا؛ أو نزهوا ربكم {بكرة ~~وعشيا(11)}، طرفي النهار أو جملته، فإنهم ما داموا في طاعته فهم مسبحون له ~~في الحقيقة بلسان الحال، وإن لم ينطقوا بلسان المقال. # { PageV03P001 يا يحيى خذ الكتاب بقوة} بجد وعزيمة، واستظهار بالتوفيق، ~~فإنه لا يبلغه من لعب. وأخذه بالجد: بأن يكون متجردا له عند قراءته، منصرف ~~الهم، إليه عن غيره. وفي معنى أخذه بقوة: التكرير لتلاوته، والمراجعة ~~بالفكر، والتدبر في استخراج سر تأويله، والعمل بأحسنه، {وآتيناه الحكم ~~صبيا(12)} يعني: الحكمة، أحكم الله عقله في صباه، {وحنانا من لدنا} رحمة ~~منا عليه، {وزكاة} وتطهيرا من الذنوب، {وكان تقيا(13)} مطيعا، متجنبا عن ~~المعاصي، {وبرا بوالديه} بتأدية حقوقهما، وترك لعقوقهما، {ولم يكن جبارا ~~عصيا(14)} مستعصيا لأمر الله تعالى. # {وسلام عليه} سلام له منا له (¬1) ، أي: مدة حياته، {يوم ولد ويوم يموت ~~ويوم يبعث حيا(15)}. # {واذكر في الكتاب مريم} يعني: قصتها، {إذ انتبذت من أهلها} اعتزلت {مكانا ~~شرقيا(16)} شرقي بيت المقدس، أوشرقي دارها؛ ولذلك اتخذ النصارى المشرق قبلة ~~فيما قيل؛ {فاتخذت من دونهم حجابا} سترا، {فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها ~~بشرا سويا(17)، ms0534 قالت: إني أعوذ بالرحمن منك} التجأت إلى خالقها لما دهمها ~~ما يسوؤها، لأنه لا معين في الحقيقة سواه؛ وكذلك ينبغي لكل مؤمن، {إن كنت ~~تقيا(18)} تتقي الله؛ وقيل: اسم رجل فاجر اسمه تقيا. # {قال: إنما أنا رسول ربك} الذي استعذت أنت به، بعثت {لأهب لك غلاما} ~~لأكون سببا في هبته {زكيا(19)} طاهرا من الذنوب، أو ناميا على الخير، أو ~~مترقيا من سن إلى سن على الخير والصلاح. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: - «له». PageV03P002 # قالت: أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر} بالحلال، {ولم أك بغيا(20)} وهو ~~“فعول” من البغي، {قال: كذلك قال ربك: هو علي هين، ولنجعله آية للناس} ~~علامة لهم، وبرهانا على كمال قدرتنا، {ورحمة منا} على العباد، يهتدون ~~بإرشاده، {وكان أمرا مقضيا(21)} تعلق به قضاء الله في الأزل، أو قدر وسطر ~~في اللوح، أو كان أمرا حقيقيا بأن يقضى ويفعل، لكونه آية ورحمة. # {فحملته} أي: فحملت به في بطنها، {فانتبذت به} فاعتزلت {مكانا قصيا(22)} ~~بعيدا من أهلها. {فأجاءها المخاض} فألجأها المخاض {إلى جذع النخلة} لتستقر ~~به وتعتمد عليه، لتستعين به عند الولادة؛ {قالت: يا ليتني مت قبل هذا وكنت ~~نسيا منسيا(23)}. # {فناداها من تحتها} قيل: عيسى أو جبريل {ألا (¬1) تحزني} أي: لا تحزني، ~~أو بأن لا تحزني، {قد جعل ربك تحتك سريا(24)} قيل: جدولا؛ أو سيدا من ~~السرور (¬2) وهو عيسى. # {وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا(25)} قيل: إنها كانت نخلة ~~يابسة لا رأس لها ولا تمر، وكان وقت شتاء، فهزتها، فجعل الله لها رأسا ~~وخوصا، ورطبا يسليها بذلك، لما فيه من المعجزات الدالة على براءة ساحتها ~~فإن مثلها لا يتصور لمن يرتكب الفواحش والمنبهة لمن رآها على أن من قدر أن ~~[340] يثمر النخلة اليابسة في الشتاء، قدر أن يحبلها من غير فحل، وأنه ليس ~~ببدع من شأنها، مع ما فيه من الشراب والطعام، ولذلك رتب عليه الأمرين، فقال: # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «لا تحزني» وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «السرو». انظر الزمخشري: الكشاف، ~~3/10. ms0535 و«السرو: المروءة والشرف». ابن منظور: لسان العرب، 3/139. مادة «سرا». PageV03P003 # فكلي واشربي} أي: من الرطب، وماء السري، {وقري عينا} وطيبي نفسك، وارفضي ~~منها ما أحزنك؛ يقال: أقر الله عينك: إذا صادف فؤادك ما يرضيك؛ وقيل: أقر ~~الله عينك، أي: أنامها؛ يقال: قر يقر إذا سكن، وجديرة هي بقرار العين، لأن ~~قرار العين الحقيقي في الحياة الدنيا لا يكون إلا في امتثال أمر الله ~~تعالى. واشتقاقه من القرار، فإن العين إذا رأت ما يسر النفس سكنت إليه من ~~النظر إلى غيره. وقد قالت العلماء: «ولا نعمت عين في معصية الله، ولا ~~بالدنيا». # {فإما ترين من البشر أحدا} فإن تري آدميا، فسألك عن ولدك، {فقولي: إني ~~نذرت للرحمن صوما} صمتا، أو صياما؛ وكانوا لا يتكلمون في صيامهم فيما قيل؛ ~~{فلن أكلم اليوم إنسيا(26)} بعد أن أخبرتكم بنذري، وقيل: أخبرتهم بنذرها ~~بالإشارة؛ وأمرها بذلك لكراهة المجادلة، والاكتفاء بكلام عيسى. # {فأتت به قومها} راجعة إليهم {تحمله؛ قالوا: يا مريم لقد جئت شيئا ~~فريا(27)} بديعا منكرا، من فري الجلد. قال أبو عبيدة: «كل أمر فائق من عجب، ~~أو عمل فهو فري». قال النبيء - عليه السلام - في عمر: «فلم أر عبقريا يفري ~~فريه» (¬1) ، أي: يعمل بعمله. # {يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا(28)} كأنهم رجموها ~~بالظن، وذلك من طبع النفوس، ولا يسلم منه إلا المخلصون (¬2) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه البخاري في كتاب المناقب، برقم 3361، 3400...؛ كتاب ~~التعبير؛ التوحيد. مسلم: فضائل الصحابة. الترمذي: الرؤيا. أحمد: مسند ~~المكثرين من الصحابة. # (¬2) - ... في الأصل: «المخصلون»، وهو خطأ. PageV03P004 # فأشارت إليه؛ قالوا: كيف نكلم من كان في المهد صبيا(29)} يروى عن ابن ~~مسعود أنه قال: «لما لم يكن حجة أشارت إليه، ليكون كلامه حجة لها، وحجة ~~عليهم». # فلما سمع كلامهم أقبل عليهم، {قال: إني عبد الله} أنطقه الله بالإقرار ~~لله تعالى بالربوبية، وعلى نفسه بالعبودية، لأنه أول المقامات، {آتاني ~~الكتاب وجعلني نبيا(30)} (لعله) معناه: سيؤتيني الكتاب، ويجعلني نبيا؛ ~~وقيل: هذا (لعله) أخبر (¬1) عما كتب له في اللوح؛ وقيل: أوتي الإنجيل ms0536 [وهو] ~~طفل، وكان يعقل؛ {وجعلني مباركا} نافعا معلما للخير {أين ما كنت} في أي ~~مكان، وأي حال كنت. {وأوصاني بالصلاة والزكاة} زكاة المال إن ملكته، أو ~~تطهير النفس عن الرذائل. {ما دمت حيا(31)} متعبدا، {وبرا بوالدتي، ولم ~~يجعلني جبارا شقيا(32)} قيل: الشقي الذي يذنب ولا يتوب. {والسلام علي يوم ~~ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا(33)} فهذه ولاية حقيقة، والتعريض باللعن على ~~أعدائه، كقوله: {والسلام على من اتبع الهدى} (¬2) ، فإنه تعريض بأن العذاب ~~على من كذب وتولى. # {ذلك عيسى ابن مريم} أي: الذي تقدم نعته هو عيسى بن مريم، ما لا تصفه ~~(¬3) النصارى، وهو تكذيب لهم فيما يصفونه على الوجه الأبلغ [341] والطريق ~~البرهاني، حيث جعله موصوفا بأضداد ما يصفونه، ثم عكس الحكم. {قول الحق} أي: ~~هو قول الحق {الذي} لا ريب {فيه يمترون(34)} في أمره، يشكون أو يتنازعون. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «إخبار». # (¬2) - ... سورة طه: 47. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «لا ما تصفه». PageV03P005 # ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه} تكذيب للنصارى، وتنزيه لله عما بهتوه؛ ~~{إذا قضى أمرا} كائنا في علمه وقضائه؛ {فإنما يقول له: كن، فيكون(35) وإن ~~الله ربي وربكم فاعبدوه هذا} الذي ذكرته ودعوتكم إليه {صراط مستقيم(36)}. # {فاختلف الأحزاب من بينهم} يعني: الذين أرسل إليهم؛ {فويل للذين كفروا من ~~مشهد يوم عظيم(37)} من شهود يوم عظيم، هوله وحسابه، وهو أن يشهد عليهم ~~الملائكة والأنبياء والعلماء وألسنتهم وآرابهم بما فعلوا، أو من وقت ~~الشهادة أو من مكانها. # {أسمع بهم وأبصر} تعجب معناه: أن استماعهم وإبصارهم {يوم يأتوننا} أي: ~~يوم القيامة، جدير بأن يتعجب منهما، بعدما كانوا صما وعميا في الدنيا؛ أو ~~تهديد سيسمعون ويبصرون يومئذ؛ وقيل: أمر بأن يسمعهم ويبصرهم مواعيد ذلك ~~اليوم، وما يحيق بهم فيه؛ وقيل: ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة حين لا ~~ينفعهم السمع والبصر؛ أخبر أنهم يسمعون ويبصرون، مالم يسمعوا ومالم يبصروا ~~في الدنيا. {لكن الظالمون اليوم} أي: في الدنيا {في ضلال مبين(38)} أوقع ~~الظالمين موقع الضمير، إشعارا بأنهم ظلموا أنفسهم حيث ms0537 أغفلوا الاستماع ~~والنظر حين ينفعهم، وسجل على إغفالهم بأنه ضلال مبين. # { PageV03P006 وأنذرهم يوم الحسرة} يوم يتحسر المسيء على إساءته، {إذ قضي ~~الأمر} فرغ من الحساب، وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار، (لعله) ثم يقال: ~~«يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت» (¬1) . قيل: ~~(لعله) قال أبو عيسى: «فلولا أن الله تعالى قضى لأهل الجنة بالحياة ~~والبقاء، لماتوا فرقا (¬2) ؛ ولولا أن الله تعالى قضى لأهل النار بالبقاء، ~~لماتوا فرحا»؛ {وهم في غفلة وهم لا يؤمنون(39)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي ~~مناد: يا أهل الجنة! فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا ؟ فيقولون ~~نعم، هذا الموت؛ وكلهم قد رآه؛ ثم ينادي يا أهل النار! فيشرئبون وينظرون، ~~فيقول: هل تعرفون هذا ؟ فيقولون: نعم، هذا الموت؛ وكلهم قد رآه. فيذبح، ثم ~~يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ ~~{وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة} وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا ~~{وهم لا يؤمنون} البخاري: كتاب تفسير القرآن، رقم 4361. ورواه مسلم: كتاب ~~صفة الجنة وصفة نعيمها وأهلها، رقم 5087. وأحمد: باقي مسند المكثرين، عن ~~أبي هريرة، رقم 8179. العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «خلود فلا موت». # (¬2) - ... الفرق: الخوف. انظر: الرازي: مختار الصحاح، ص 320، مادة: فرق. PageV03P007 # إنا نحن نرث الأرض ومن عليها} لا نبقي لأحد غيرنا عليها (¬1) ؛ أو نتوفى ~~الأرض ومن عليها بالإفناء والإهلاك، توفي الوارث لإرثه، لأن كل شيء راجع ~~إلى مالكه، والله مالك الأشياء على الحقيقة، وأما تمليك المخلوقين، فهو ~~تمليك وهمي، {وإلينا يرجعون(40)} للجزاء. # {واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا} ملازما للصدق، كثير التصديق، ~~لكثرة ما صدق به من حجج الله، وآياته وكتبه ورسله، {نبيا(41)} قد استحق ~~التعظيم بهذا الاسم الشريف بأحواله، لأنه مستأهل للنبوة بخصائصه، وقد علم ~~الله منه ذلك. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «لا نبقي لأحد غيرنا ما عليها». ms0538 ~~وفي تفسير أبي السعود: «لا يبقى لأحد غيرنا عليها وعليهم ملك ولا ملك». أبو ~~السعود: تفسير، مج3/ ج5/ ص 266. والملاحظ أن المؤلف بقدر ما اعتمد كثيرا في ~~تفسير الربع الثاني على الكشاف للزمخشري، فهو في هذا الجزء (الثالث) اعتمد ~~كثيرا على تفسير أبي السعود. PageV03P008 # إذ قال لأبيه: يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر} فيعرف حالك، ويسمع ~~ذكرك، ويرى خضوعك، {ولا يغني عنك شيئا(42)} في جلب نفع، ودفع ضر، دعاه إلى ~~الهدى، وبين ضلالة، واحتج عليه أبلغ احتجاج، وأرشقه (¬1) برفق، وحسن أدب؛ ~~حيث لم يصرح بضلاله؛ بل طلب العلة التي تدعوه إلى عبادة ما يستخف به العقل ~~[342] الصحيح، ويأبى (¬2) الركون إليه، فضلا عن عبادته التي هي غاية ~~التعظيم، ولا يحق إلا لمن له الاستغناء التام، والإنعام العام، وهو الخالق ~~الرازق، المحيي المميت، المعاقب المثيب. ونبه على أن العاقل ينبغي أن يفعل ~~ما يفعل لغرض صحيح؛ والشيء [و]لوكان حيا مميزا سميعا بصيرا لاستنكف العقل ~~القويم عن عبادته، وإن كان أشرف كالملائكة والنبيين، لما يراه [مثله] (¬3) ~~في الحاجة والانقياد للقدرة الواجبة؛ فكيف إذا كان جمادا لا يسمع ولا يبصر. ~~ثم دعاه إلى أن يتبعه ليهديه الحق القويم، والصراط المستقيم لما لم يكن ~~محضوضا للعلم الإلاهي (¬4) ، مستقلا بالنظر السوي. فقال: # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الأصوب: «رشقه»، بغير همز. والرشق: الرمي. ~~وأما أرشق إرشاقا فهو بمعنى: إحداد النظر. انظر: مجد الدين محمد بن يعقوب ~~الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ضبط وتوثيق: يوسف الشيخ محمد البقاعي، إشراف ~~مكتب البحوث والدراسات، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع1415ه / 1995م. ص ~~798، مادة رشق. ابن منظور: لسان العرب، 2/1170، مادة رشق. # (¬2) - ... في الأصل: «ويائب»، وهو خطأ. انظر: أبو السعود: تفسير، مج3/ ~~ج5/ ص667. # (¬3) - ... إضافة من المصدر نفسه، ليستقيم المعنى. # (¬4) - ... كذا في الأصل، والصواب: «محظوظا من العلم الإلهي». انظر ~~المصدر نفسه. PageV03P009 # يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا(43)} ~~ولم ينسب أباه بالجهل (¬1) المفرط، ولا نفسه بالعلم الفائق، بل جعل نفسه ~~كرفيق له في ms0539 مسير يكون أعرف بالطريق، ثم ثبطه عما كان بأنه مع خلوه عن ~~النفع مستلزم للضر، فإنه في الحقيقة الشيطان (¬2) مع أنه الآمر به، فقال: # {يآ أبت لا تعبد الشيطان} واستهجن (¬3) ذلك، وبين وجه الضر فيه بأن ~~الشيطان مستعص على ربك المولى المنعم للنعم كلها، بقوله: {إن الشيطان كان ~~للرحمن عصيا(44)} ومعلوم أن المطاوع للعاصي عاص، وكل عاص حقيق بأن تسترد ~~منه النعم، وينتقم [منه]؛ ولذلك عقبه بتخويفه سوء عاقبته، وما نجزه [كذا] ~~الله، فقال: # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «إلى الجهل». وفي تفسير أبي السعود: ~~«ولم يسم أباه بالجهل». المصدر نفسه. # (¬2) - ... كذا في الأصل، والعبارة غير واضحة: وفي تفسير أبي السعود: «ثم ~~ثبطه عما كان عليه بتصويره بصورة يستنكرها كل عاقل، ببيان أنه مع عرائه عن ~~النفع بالمرة مستجلب لضرر عظيم، فإنه في الحقيقة عبادة الشيطان». المصدر نفسه. # (¬3) - ... في الأصل: «استجهن»، وهو خطأ. PageV03P010 # يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن} في الدارين، {فتكون للشيطان ~~وليا(45)} قرينا [له في] (¬1) اللعن؛ أو من العذاب تليه ويليك؛ أو ثابتا في ~~موالاته، فإنه أكبر من العذاب؛ كما أن رضوان الله أكبر من الثواب. ومن كان ~~للشيطان وليا فهو في [ال]عذاب الأدنى لا محالة، ومن كان في [ال]عذاب ~~الأدنى، كان في [ال]عذاب الأكبر لا محالة، إلا أن يتوب. وذكر الخوف والمس، ~~وتنكير العذاب إما للمجاملة، أو لخفاء العاقبة. ولعل اقتصاره على عصيان ~~الشيطان من جناياته لارتقاء همته في الربانية، ولأنه ملاكها؛ أو لأنه من ~~حيث أنه نتيجة معاداته لآدم وذريته، فتنبه (¬2) عليها. # {قال: أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم}؟ قابل استعطافه بالإرشاد، بالفظاظة ~~وغلظة العناد، فناداه باسمه، ولم يقابل «يا أبت» ب«يا بني»، وقدم الخبر على ~~المبتدأ، وصدره بالهمزة لإنكار نفس الرغبة على ضرب من التعجب، كأنها مما لا ~~يرغب عنها عاقل. ثم هدده فقال: {لئن لم تنته} عن مقالك {لأرجمنك} بالحجارة ~~حتى تموت، {واهجرني مليا(46)} زمانا طويلا (¬3) من الملاوة؛ أو مليا ~~بالذهاب عني، استبدل (¬4) بنوته بالهجران، لأن قلبه تعذب بقربه؛ وهكذا ~~المضاددة ms0540 بين الأشخاص المتقاربين بالأنساب، تولد التباعد بينهم؛ كما أن ~~الإسلام يقرب بين الأباعد. # {قال سلام عليك} توديع ومتاركة، ومقابلة للسيئة بالحسنة، أي: سلمت مني لا ~~أصيبنك بمكروه، ولكن {سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا(47)} بليغا بالبر ~~والألطاف. # { # ¬__________ # (¬1) - ... إضافة من المصدر نفسه. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «فنبهه». # (¬3) - ... في الأصل: + «يلا»، وهو تكرار. # (¬4) - ... في الأصل: «استبدال»، وهو خطأ. PageV03P011 # وأعتزلكم وما تدعون من [343] دون الله} بالمهاجرة بديني، {وأدعو ربي} ~~وأعبده وحده {عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا(48)} خائبا ضائع السعي مثلكم في ~~دعاء آلهتكم. وفي تصدير الكلام ب«عسى» للتواضع، وهضم النفس، والتنبيه على ~~أن الإجابة والإنابة تفضل غير واجب، وأن ملاك الأمر خاتمته، وهو غيب. # {فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب} بدل من ~~فارقهم من الكفرة، لأنه كل من استغنى عن شيء لله فقد أغناه بسواه أفضل منه، ~~{وكلا جعلنا نبيا(49)} لأنهم أهل لها. # {ووهبنا لهم من رحمتنا} قيل: ما بسط له من سعة الرزق؛ وقيل: الكتاب ~~والنبوة، {وجعلنا لهم لسان صدق عليا(50)} عليا على لسان الكذب؛ وقيل: نبأ ~~حسنا ورفيعا في كل أهل الأديان. # {واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا} موحدا، أخلص عبادته عن الشرك ~~والرياء؛ أو أسلم وجهه لله، وأخلص نفسه عما سواه. وقرأ الكوفيون بالفتح؛ ~~على أن الله أخلصه، {وكان رسولا نبيا(51)} مدحه الله على الرسالة والنبوة، ~~وإن كان جعلهما من الله له، لأنه لا يصطفي لهما إلا المخلصين، وقد أرسله ~~الله إلى الخلق فأنبأهم عنه؛ ولذلك قدم رسولا، مع أنه أخص وأعلى. # {وناديناه من جانب الطور الأيمن} من ناحيته اليمنى من اليمين، وهي التي ~~تلي يمين موسى؛ أو من جانبه الميمون (¬1) من اليمن، {وقربناه} تقريب تشريف ~~لا مكاني، بعدما تقرب منا بالطاعة؛ شبهه بمن قربه الملك لمناجاته، ~~{نجيا(52)} مناجيا؛ ومعنى التقريب: إسماعه كلامه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «اليمون» وهو خطأ. انظر: أبو السعود: تفسير، مج3/ ~~ج5/ ص270؛ الألوسي: روح المعاني، 16/103. PageV03P012 # ووهبنا له من رحمتنا} من أجل رحمتنا؛ أو من بعض ms0541 رحمتنا {أخاه} معاضدة ~~أخيه ومؤازرته، إجابة لدعوته، {هارون نبيا(53)}. # {واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد} ذكره بذلك لأنه المشهور ~~به، والموصوف بأشياء في هذا الباب لم تعهد من غيره؛ وناهيك أنه وعد [الصبر] ~~على الذبح (¬1) ، فقال: {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} (¬2) ، {وكان ~~رسولا نبيا(54)} مخبرا عن الله تعالى. # {وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة} اشتغالا بالأهم، وهو أن يقبل الرجل على ~~نفسه، فمن هو أقرب الناس إليه بالتكميل. {وكان عند ربه مرضيا(55)} لاستقامة ~~أقواله وأفعاله؛ وقيل: ارتضاه الله لرسالته. # {واذكر في الكتاب إدريس} قيل: اشتقاق إدريس من الدرس؛ نعم، لا يبعد أن ~~يكون معناه في تلك اللغة قريبا من ذلك، فلقب به لكثرة درسه، إذ روي أنه ~~تعالى أنزل عليه ثلاثين صحيفة. وقيل: هو أول من خط بالقلم، ونظر في علم ~~النجوم والحساب، {إنه كان صديقا نبيا(56) ورفعناه مكانا عليا(57)} يعني: ~~شرف النبوة، والزلفى عند الله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «وعد على المديح»، ولا معنى له. وأثبتنا الصواب من: ~~أبو السعود: المصدر نفسه. # (¬2) - ... سورة الصافات: 102. PageV03P013 # أولئك} إشارة إلى المذكورين في السورة من زكريا إلى إدريس. {الذين أنعم ~~الله عليهم} بأنواع النعم الدينية والدنياوية، لأن من لم يتوصل بالنعم ~~الدنياويه إلى النعمة الأخروية فليست بنعمة، لأنه لما أن (¬1) كفرها كانت ~~سببا لوقوعه في العذاب، ومحال أن يكون مغضوبا عليه منعما عليه، ولا منعما ~~عليه، مغضوبا عليه، هذا من تنافي المعاني؛ ولكن النعم [244] تصير في حق ~~الكافر نقما، والضراء في حق المؤمن سراء؛ فكان الإنسان لا محال[ة] إما منعم ~~عليه وهو المؤمن، وإما مغضوب عليه معذب، وهو من نقض جملته بمعصية، أو ~~معاصي، وكلما كثرت النعم في حق المؤمن كان زيادة في ثوابه بشكره لها؛ وكلما ~~كثرت النعم في حق الكافر كان أشد وبالا عليه بسبب كفرانه لها. {من النبيين ~~من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح، ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا} إلى ~~الإسلام {واجتبينا} على الأنام؛ {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا} ~~منقادين لله، {وبكيا(58)} خائفين من عذابه ms0542 لبيان خشيتهم من الله وإخباتهم ~~له، مع مالهم من علو الطبقة في كمال النفس، والزلفى من الله. # {فخلف من بعدهم خلف} فعقبهم، وجاء بعدهم عقب سوء؛ يقال: خلف صدق بالفتح، ~~وخلف سوء بالسكون، {أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيا(59)} ~~شرا، قيل: واد في جهنم تستعيذ أودية جهنم من حره (¬2) . {إلا من تاب وآمن ~~وعمل صالحا، فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا(60)} لا ينقصون من أجورهم شيئا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: - «أن». # (¬2) - ... هنا وضع الناسخ إحالة إلى الحاشية ولم يكتب بها شيئا. PageV03P014 # جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب} أي: وعدها إياهم وهي غائبة عنهم ~~لم يروها؛ أو وعدهم بإيمان الغيب. {إنه كان وعده مأتيا(61) لا يسمعون فيها ~~لغوا} فضول كلام، {إلا سلاما} ولكن يسمعون قولا يسلمون فيه من العيب ~~والنقيصة؛ أو لتسليم الملائكة عليهم السلام. {ولهم رزقهم فيها بكرة ~~وعشيا(62)} وقيل المراد: دوام الرزق ودروره. # {تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا(63)} نورثهم إياها بسبب ~~تقواهم، {وما نتنزل إلا بأمر ربك} حكاية قول جبريل حين استبطأه رسول الله ~~لما سئل عن قصة أهل الكهف، وذي القرنين، والروح، ولم يدر ما يجيب، ورجى أن ~~يوحى إليه فيه، فأبطأ حتى قال المشركون: «ودعه ربه وقلاه»، ثم نزل ببيان ~~ذلك. والتنزل: النزول على مهل؛ والمعنى: وما نتنزل إلا بأمر الله على ما ~~تقتضيه حكمته. # {له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك} وهو ما نحن فيه من الأماكن ~~والأحايين، لا ننتقل من مكان إلى مكان، ولا ننزل في زمان إلا بأمره، ~~ومشيئته. {وما كان ربك نسيا(64)} تاركا لك، أي: ما كان عدم النزول إلا لعدم ~~الأمر به، ولم يكن ذلك عن ترك لله لك، وتوديعه إياك، كما زعمت الكفرة، ~~وإنما كان لحكمة أخرها (¬1) . وقيل: أول الآية حكاية قول المتقين حين ~~يدخلون الجنة، والمعنى: وما تتنزل الجنة إلا بأمر الله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... يمكن أن نقرأ: «أخبرها». PageV03P015 # رب السماوات والأرض وما بينهما} بيان لامتناع النسيان عليه. {فاعبده ~~واصطبر لعبادته}، لأنها ms0543 لا تبلغ إلا بحبس النفس عن الشهوات، {هل تعلم له ~~سميا(65)}؟ مثلا يستحق أن يسمى إلها، أو أحدا يسمى الله، وإذا لم يصح أن ~~أحدا مثله فلا يستحق العبادة غيره؛ لم يكن بد من التسليم لأمره، والاشتغال ~~بعبادته، والاصطبار على مشاقها. # {ويقول الإنسان} المراد به الجنس بأسره [345] {أئذا ما مت لسوف أخرج ~~حيا(66)} وذلك ثمرة عدم الإيمان بالموعود والشك فيه، {أولا يذكر الإنسان ~~أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا(67)} لأن تذكره لذلك (¬1) ينتج منه الإيمان. # {فوربك لنحشرنهم والشياطين} قيل: إن الكفرة يحشرون مع قرنائهم من ~~الشياطين الذين أغووهم مع كل (¬2) شيطانه في سلسلة؛ {ثم لنحضرنهم حول جهنم ~~جثيا(68)} على ركبهم لما يدهمهم من هول المطلع. {ثم لننزعن من كل شيعة} من ~~كل أمة شاعت دينا {أيهم أشد على الرحمن عتيا(69)} من كان أعصى؛ أو القادة ~~في الضلالة. {ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا(70)} أحق بها إحراقا. # {وإن منكم إلا واردها} عن أبي سعيد فيما أرجو، «وعن قول الله: {وإن منكم ~~إلا واردها}، فقد قيل: إنه يوم القيامة؛ وقيل: الورود هاهنا المنظر»؛ والله ~~أعلم بتأويل كتابه. {كان على ربك حتما مقضيا(71)} كان ورودهم واجبا أوجبه ~~الله على نفسه، فلا محال في وقوعه. {ثم ننجي الذين اتقوا} فيساقون إلى ~~الجنة، {ونذر الظالمين فيها جثيا(72)} منهارة بهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... يمكن أن نقرأ: «بذلك»، والأصوب ما أثبتناه. # (¬2) - ... كذا في الأصل، والصواب: «كل مع شيطانه». PageV03P016 # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} مرتلات الألفاظ، مبينات المعاني بنفسها؛ ~~أو ببيان الرسول؛ أو واضحات الإعجاز، {قال الذين كفروا للذين آمنوا: أي ~~الفريقين خير مقاما} موضع قيام، أو مكانا، {وأحسن نديا(73)} إمدادا بما ~~خولوا؛ والمعنى: أنهم لما سمعوا الآيات الواضحات، وعجزوا عن معارضتها ~~والدخول عليها، أخذوا في الافتخار بما لهم من حظوظ الدنيا، والاستدلال ~~بزيادة حظهم فيها، يدل على فضلهم، وحسن حالهم عند الله، لقصور نظرهم على ~~الحال، وعلمهم بظاهر من الحياة الدنيا؛ وقولهم هذا لهم إما لفظا بلسان ~~المقال، وإما معنى بلسان الحال؛ وذلك دأب الخليقة، لا ms0544 يزال التفاخر بينهم ~~بالمال والأولاد والأزواج، وبقوة الأجسام، وثقابة الرأي، وغزارة العلوم، ~~وكأنه يخيل إليهم أنهم أوتوا ما أوتوا من قبل الله بسبب استحقاقهم، أو ~~بحيلتهم وقوتهم. ولذلك قال من قال: {إنما أوتيته على علم عندي} (¬1) وكل ~~ذلك جهل، وتخييل من الشيطان، ولم ينظروا إلى قوله: {وكم أهلكنا قبلهم من ~~قرن هم أحسن أثاثا ورئيا(74)} سمى أهل (¬2) كل عصر قرنا، لأنه يتقدم من ~~بعدهم. والأثاث: متاع البيت. والرئي: المنظر، فعل من الرؤية لما يرى؛ أو ~~على أنه من الري الذي هو من النعمة؛ ثم بين أن تمتيعهم استدراج ليس بإكرام بقوله: # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة القصص: 78. # (¬2) - ... في الأصل: «هل»، وهو خطأ. PageV03P017 # قل: من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا} فيمده، ويمهله بطول العمر ~~والتمتع، {حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب} يحتمل عذاب الموت بضرب ~~الملائكة وجوههم وأدبارهم، كما أخبر الله عنهم (¬1) . ولأنهم يتعذبون بفوات ~~العاجلة، ويقدمون على الآخرة مفاليس بضد المؤمنين، لأنهم يخرجون من سجنهم ~~وخوفهم إلى فضائهم وأمنهم {وإما الساعة} بقيامها عليهم، {فسيعلمون} عند ~~ذلك، {من هو شر مكانا} منزلة أو منزلا من الفريقين، بأن عاينوا الأمر على ~~عكس ما قدروه، وعاد ما متعوا به خذلانا ووبالا عليهم {وأضعف جندا(75)} أي: ~~فئة وأنصارا، قابل به {أحسن [346] نديا}، من حيث أن حسن النادي باجتماع ~~وجوه القوم وأعيانهم، وظهور شوكتهم واستظهارهم. # {ويزيد الله الذين اهتدوا} اهتداء، بمعنى: “افتعل” من الهداية {هدى} عطف ~~على الشرطية المحكية (¬2) بعد القول؛ كأنه لما بين أن إمهال الكافر وتمتيعه ~~بالحياة الدنيا ليس لفضله، أراد أن يبين أن قصور حظ المؤمن منها ليس لنقصه، ~~بل لأن الله أراد به ما هو خير، وعوضه منه. {والباقيات الصالحات} الطاعات ~~التي تبقى عائدتها أبد الآباد {خير عند ربك ثوابا} عائدة مما متع الله به ~~الكفرة من النعم المخدجة الفانية، التي يفتخرون بها، سيما ومآلها النعيم ~~المقيم، ومآل هذه: الحسرة والعذاب الدائم، كما أشار إليه بقوله: {وخير ~~مردا(76)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... وذلك في قوله تعالى: {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ~~يضربون ms0545 وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق}. سورة الأنفال: 50. # (¬2) - ... في الأصل: «المحكمية»، وهو خطأ. انظر: أبو السعود: تفسير، ~~مج3/ ج5/ ص278. PageV03P018 # أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال: لأوتين مالا وولدا(77) أطلع الغيب أم اتخذ ~~عند الرحمن عهدا(78) كلا} ردع وتنبيه على أنه مخطئ فيما صوره لنفسه، {سنكتب ~~ما يقول} سنظهر له أنا كتبنا قوله، {ونمد له من العذاب مدا(79)} يحتمل أنه ~~يؤتى مالا وولدا يعذب بهما ما دام عاصيا إلى أن يموت إذا لم يتب، كما قال: ~~{فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم...} (¬1) الآية؛ ويدل على ذلك قوله: # {ونرثه ما يقول} يعني: المال والولد، لأنه لم يرد به الله؛ ويحتمل {نمد ~~له من العذاب مدا} أي: نزيده عذابا فوق عذابه، {ويأتينا فردا(80)} لا يصحبه ~~مال ولا ولد، بإهلاكنا إياه، وإبطال ملكه. وقوله: {ما نقول} لأنه زعم أن له ~~مالا وولدا، أي: لا يعطيه إياه، ويعطيه غيره، فيكون الإرث (لعله) راحل (¬2) ~~إلى ما يجب القول، لا إلى نفس القول؛ وقيل: معنى قوله: {ونرثه ما يقول} أي: ~~نحفظ ما يقول، حتى نجازيه به. # {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا(81)} ليتعززوا بهم. {كلا} ردع ~~وإنكار لتعززهم بها، {سيكفرون بعبادتهم} ستجحد الآلهة عبادتهم، {ويكونون ~~عليهم ضدا(82)} لأن أعمالهم الدنيوية لما كانت لغير الله تكون عليهم حسرة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة التوبة: 55؛ وتمامها: {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم، ~~إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا، وتزهق أنفسهم وهم كافرون} # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «راجع»، ومع ذلك فالعبارة غير واضحة. PageV03P019 # ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين} بأن سلطانهم [كذا] عليهم ~~باتباعهم لهم، {وقيضنا لهم قرناء} (¬1) . {تؤزهم أزا(83)} تهزهم، وتغريهم ~~على المعاصي بالتسويلات، وتحبيب الشهوات. والمراد: تعجيب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من أقاويل الكفرة، وتماديهم في الغي، وتصميمهم على الكفر ~~بعد وضوح الحق، على ما نطقت به الآيات المتقدمة. # {فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم} أيام آجالهم {عدا(84)} والمعنى: لا تعجل ~~بهلاكهم، فإنه لم يبق لهم إلا أيام محصورة، وأنفاس معدودة، ليتوصلوا بها ~~إلى دركتهم التي ms0546 خلقت لهم وخلقوا لها، وهو يسعى إليها طائرا. # {يوم نحشر المتقين (¬2) إلى الرحمن وفدا(85)} أي: جماعات وافدين عليه، ~~كما تفد الوفاد (¬3) على الملوك منتظرين لكرامتهم وإنعامهم. {ونسوق ~~المجرمين} كما تساق البهائم {إلى جهنم وردا(86)} عطاشا، فإن من يرد الماء ~~لا يرده إلا لعطش. {لا يملكون الشفاعة} الضمير فيها للعباد المدلول عليها ~~(¬4) بذكر القسمين، {إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا(87)} إلا من تحلى بما ~~يستعد به، وهو كلمة التوحيد بكمال شروطها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة فصلت: 25. # (¬2) - ... في الأصل: «يوم نحشرهم إلى الرحمن...»، وهو خطأ. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولم نجد هذا الجمع، ولعل الصواب: «الأوفاد». ~~قال في القاموس: «وهم وفود، ووفد، وأوفاد، ووفد». وفي اللسان: «قيل الوفد: ~~الركبان المكرمون... وهم الوفد والوفود، فأما الوفد فاسم جمع، وقيل: جمع، ~~وأما الوفود فجمع وافد». الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ص 295. ابن منظور: ~~لسان العرب، 6/957، مادة وفد. # (¬4) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «عليهم». PageV03P020 # وقالوا: [347] اتخذ الرحمن ولدا(88) لقد جئتم شيئا إدا} على الالتفات ~~للمبالغة في الذم، والتسجيل عليهم بالجرأة على الله؛ والإد: العظيم المنكر؛ ~~{تكاد السماوات يتفطرن منه} يتشققن مرة بعد أخرى، {وتنشق الأرض وتخر الجبال ~~هدا(90)} تهد هدا؛ وهو تقرير لكونه إدا؛ والمعنى: أن هول هذه الكلمة وعظمها ~~بحيث لو يتصور بصورة محسوسة، لم تتحملها هذه الأجرام العظام، وتفتتت (¬1) ~~من شدتها؛ أو إن فضاعتها محلة لغضب الله، بحيث لولا حلمه لخرب العالم، وبدد ~~قوائمه غضبا على من تفوه بها. {أن دعوا للرحمن ولدا(91)} قال ابن عباس: ~~«فزعت السماوات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين، فكادت أن تزول؛ ~~وغضبت الملائكة، واستعرت جهنم حين قالوا: “لله ولد” ». # ثم نفى عن نفسه الولد فقال: {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا(92)} ولا ~~يليق به اتخاذ الولد. ولعل ترتيب الحكم بصفة الرحمانية للإشعار بأن كل ما ~~عداه نعمة، ومنعم عليه؛ فلا يتجانس من هو مبدأ النعم كلها، ومولى أصولها ~~وفروعها؛ فكيف يمكن أن يتخذ ولدا، ثم صرح به في قوله: # {إن كل من في السماوات والأرض} أي: وما منهم {إلا آتي الرحمن ms0547 عبدا(93)} ~~إلا وهو مملوك له، يأوي إليه بالعبودية والانقياد. {لقد أحصاهم} حصرهم، أو ~~أحاط بهم بحيث لا يخرجون عن حوزة علمه، وقبضة قدرته، {وعدهم عدا(94)} عد ~~أشخاصهم وأنفاسهم وأفعالهم، فإن كل شيء عنده بمقدار. {وكلهم آتيه يوم ~~القيامة فردا(95)} منفردا عن الأتباع والأنصار، وعن الدنيا وما فيها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «وتفتت»، وهو خطأ. PageV03P021 # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا(96)} سيحدث لهم في ~~القلوب مودة، من غير تعريض منهم لأسبابها؛ وقيل: ما أقبل عبد بقلبه إلى ~~الله إلا أقبل الله بقلوب أهل الإيمان إليه، حتى يرزقه مودتهم. # {فإنما يسرناه بلسانك} بأن أنزلناه بلغتك {لتبشر به المتقين، وتنذر به ~~قوما لدا(97)} أشداء الخصومة. # {وكم أهلكنا قبلهم من قرن} تخويف للكفرة، وتجسير للرسول على إنذارهم، {هل ~~تحس منهم من أحد}؟ هل تشعر بأحد منهم أو تراه؟ {أو تسمع لهم ركزا} الركز: ~~الصوت الخفي؛ هل ترى منهم من أحد، أو تسمع لهم (¬1) صوتا. # سورة طه # بسم الله الرحمن الرحيم # {طه(1)} قيل: معناه يا رجل؛ وقيل: أمر للرسول بأن يطأ أرض مكة بقدميه. ~~{ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى(2)} قيل: ما أنزلنا عليك القرآن (¬2) لتتعب ~~بفرط تأسفك على كفر من كفر إذ ما عليك إلا البلاغ. {إلا تذكرة لمن يخشى(3)} ~~لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنذار؛ وقيل: لما رأى المشركون اجتهاد رسول ~~الله في العبادة، قالوا: ما أنزل عليك القرآن [إلا] لشقائك، نزلت: {ما ~~أنزلنا عليك القرآن لتشقى} أي: لتشقى وتتعب؛ وأصل الشقاء في اللغة: العناء. ~~{إلا تذكرة لمن يخشى} أي: لكن أنزلناه عظة لمن يخشى. # {تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى(4)} ما بعده إلى قوله: {له ~~الأسماء الحسنى} تفخيم لشأن المنزل، بغرض تعظيم المنزل، بذكر [348] أفعاله ~~وصفاته على الترتيب الذي هو عند العقل، فبدأ بخلق الأرض والسماوات التي هي ~~أصول العالم؛ وقدم الأرض، لأنها أقرب إلى الحس، وأظهر عنده من السماوات العلى. # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: + «لهم»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «القرن»، وهو خطأ. PageV03P022 # ثم أشار إلى وجه إحداث الكائنات، وتدبير أمرها ms0548 بأن قصد العرش، فأجرى منه ~~الأحكام والمقادير، وأنزل منه الأسباب على ترتيب ومقادير حسب ما اقتضته ~~حكمته، وتعلقت به مشيئته، فقال: {الرحمن على العرش استوى(5) له ما في ~~السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى(6)} ليدل بذلك على كمال ~~قدرته وإرادته، ولما كانت القدرة تابعة للإرداة، وهي لا تنفك عن العلم عقب ~~ذلك بإحاطة علمه تعالى، بجليات الأمور وخفياتها (¬1) على سواء، فقال: # {وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى(7)} السر: ما أكنته الصدور؛ وأخفى ~~من السر ما ستكنه بعد، ولم تكن أكنته؛ وفيه تنبيه على أن شرع الذكر ~~والدعاء، والجهر فيما (¬2) ليس لإعلام الله، بل لتصوير (¬3) النفس بالذكر، ~~ورسوخه فيها، ومنعها عن اشتغال بغيره، [و]هضمها بالتضرع والجؤار (¬4) . # ¬__________ # (¬1) - ... هكذا كتب الناسخ، ثم شطب عليه وكتب: «وخفائها». ويبدو أن ~~الصواب ما أثبتناه. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «فيهما». # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «لتضوير»، من التضور، وهو «التلوي ~~والصياح من وجع الضرب أو الجوع»، أي لعله يقصد إذلال النفس وقهرها. راجع: ~~ابن منظور: لسان العرب، 3/556. # (¬4) - ... «جأر يجأر جأرا وجؤارا: رفع صوته مع تضرع واستغاثة». ابن ~~منظور: لسان العرب، 1/390. PageV03P023 # ثم لما ظهر بذلك أنه المستجمع لصفات الألوهية، بين أنه المنفرد بها، ~~والمتوحد بمتقضاها، فقال: {الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى(8)} تفخيم ~~المنزل من وجهين: إسناد إنزاله إلى ضمير الواحد العظيم الشأن، ونسبته إلى ~~المختص بصفات الجلال والإكرام، والتنبيه على أنه واجب الإيمان به، ~~والانقياد له من حيث أنه كلام من هذا شأنه. والثرى: الطبقة الترابية، وهي ~~آخر ما تحت طبقتها. والحسنى: تأنيث لأحسن، وفضل أسماء الله تعالى على سائر ~~الأسماء في الحسن، لدلالتها على معان هي أشرف المعاني وأفضلها. # {وهل أتاك حديث موسى(9)}؟ قفا (¬1) تمهيد نبوته - عليه السلام - قصة موسى ~~ليؤتم به في تحمل أعباء النبوة، وتبليغ الرسالة، والصبر على مقاساة ~~الشدائد؛ فإن هذه السورة من أوائل ما نزل. # {إذ رأى نارا فقال لأهله: امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو ~~أجد على النار ms0549 هدى(10)} هاديا يدلني على الطريق أو يهديني أبواب الدين؛ فإن ~~أفكار الأبرار مائلة إليها في كل ما يعن لهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، وفي الكشاف: «قفاه بقصة موسى عليه السلام ~~ليتأسى به في تحمل أعباء النبوة» الزمخشري: الكشاف، 3/40. PageV03P024 # فلما أتاها نودي: يا موسى(11) إني أنا ربك} قيل: إنه لما نودي قال من ~~المتكلم؟ قال: إني أنا الله، فوسوس إليه إبليس، لعلك تسمع كلام شيطان، ~~فقال: عرفت أنه كلام (¬1) ، وهو إشارة إلى أنه - عليه السلام - تلقى ربه ~~كلامه (¬2) تلقيا روحيا، ثم تمثل ذلك الكلام لبدنه، وانتقل إلى الحس ~~المشترك، فانتقش به من غير اختصاص بعضو وجهة؛ وكل إلهام ألهم المخلوق أتاه ~~من قبل الله تشهد له أنوار الحجج أنه من عند الله فاتبعه؛ والشيطان يلقي ~~إليه أنه من إبليس فلا تتبعه (¬3) . {فاخلع نعليك} أمره بذلك، لأن الحفوة ~~تواضع وأدب، ولذلك طاف السلف حافين؛ وقيل: لنجاسة نعليه، وقيل: معناه فرغ ~~قلبك من الأهل والمال؛ أو للاستقرار والمكث بالبقعة المباركة، ليكون أحضر ~~لقلبه لتلقي وحي ربه. {إنك بالوادي المقدس} المطهر من حضور الشياطين، ~~{طوى(12)} [349] بالضم، وبكسر وتنوين؛ واد بالشام على ما يوجد طوى (¬4) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، والعبارة غير كاملة، وفي الكشاف: «لعلك تسمع ~~كلام شيطان، فقال: أنا عرفت أنه كلام الله بأني أسمعه من جميع جهاتي الست، ~~وأسمعه بجميع أعضائي». الزمخشري: الكشاف، 3/42؛ أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «تلقى كلام ربه». وفي تفسير أبي ~~السعود: «وقيل: تلقى عليه الصلاة والسلام كلام رب العزة تلقيا روحانيا...»، ~~أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص7. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل صواب العبارة: «وإن كان الشيطان يلقي إليه ~~أنه من إبليس فلا يتبعه» بضمير الغائب. # (¬4) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «اسمه: طوى». PageV03P025 # وأنا اخترتك} اصطفيتك للنبوة على علم بأحوالك، على عالمي أهل زمانك؛ ~~وينبغي لكل إمام (¬1) استولى على بلد، أن يختار لها الأفضل من الناس يوليه ~~أمر العباد والبلاد، لينزل كلا من الناس منزلته. {فاستمع لما يوحى(13)} ~~لأنه واجب استماع الوحي، ms0550 ما كان من الوحي بإلهام أو غيره، لأن قبوله على كل متعبد. # {إنني أنا الله لا إله إلا أنا، فاعبدني} دال على أنه مقصور على تقرير ~~التوحيد الذي هو منتهى العلم، والأمر بالعبادة التي هي كمال العمل. {وأقم ~~الصلاة لذكري(14)} خصها بالذكر وأفردها بالأمر للعلة التي أناط بها ~~إقامتها، وهي تذكر المعبود، وشغل القلب واللسان بذكره؛ وقيل: {لذكري} لأني ~~ذكرتها في الكتب، وأمرت بها؛ أو لأن أذكرك بالثناء؛ أو لذكري خاصة لا ترائي ~~بها غيري، ولا تشوبها بذكر غيري؛ وقيل: لأوقات ذكري، وهي مواقيت الصلاة؛ أو ~~لذكر صلاتي. لما روي أنه - عليه السلام - قال: «من نام عن صلاة أو نسيها ~~فليقضها إذا ذكرها» (¬2) . إن الله تعالى يقول: {وأقم الصلاة لذكري}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «الإمام»، وهو خطأ. # (¬2) - ... رواه الإمام الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: ~~بلغني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من نسي صلاة أو نام عنها ~~فليصلها إذا ذكرها». كتاب الصلاة ووجوبها، باب [28] في أوقات الصلاة، حديث ~~رقم 184. # قال الربيع: وذلك في حين تجب عليه فيه الصلاة. PageV03P026 # إن الساعة آتية} كائنة لا محالة، {أكاد أخفيها} أريد إخفاء وقتها، أو ~~أخفيها في قلوب الأعداء، فلا يؤمنوا بإتيانها؛ {لتجزى كل نفس بما تسعى(15)} ~~متعلق ب: «آتية» أو «أخفيها» على المعنى الأخير. {فلا يصدنك عنها} عن تصديق ~~الساعة، أو عن الصلاة {من لا يؤمن بها} المراد: نهيه الانصداد عنها، تنبيها ~~على أن فطرته السليمة لو خليت بحالها لاختارها، ولم يعرض عنها؛ وأنه ينبغي ~~أن يكون راسخا في دينه؛ فإن صد الكفار إنما يكون بسبب ضعفه أو مرض فيه. ~~{واتبع هواه} ميل نفسه إلى اللذات المحسوسة المخدجة، فقصر نظره عن غيرها، ~~{فتردى(16)} فتهلك بالانصداد بصده؛ والهلك: الهوي ما بين كل شيئين. # {وما تلك} استفهام يتضمن استيقاظا لما يريه فيها من العجائب. {بيمينك يا ~~موسى(17)}؟ تكرير لزيادة الاستئناس والتنبيه. {قال: هي عصاي أتوكأ عليها} ~~اعتمد عليها إذا عييت، {وأهش بها على غنمي} وأخبط بها الورق على رؤوس ms0551 غنمي، ~~{ولي فيها مآرب أخرى(18)} حاجات أخر؛ وكأنه - عليه السلام - فهم أن المقصود ~~من السؤال أن يتذكر حقيقتها، وما يرى من منافعها. وفيه تنبيه على أن المؤمن ~~لا ينبغي له أن يستعمل شيئا لا معنى له، ولا يشتغل به، وأنه مسؤول عما ~~يتخذه، كما سئل موسى عن عصاه، فكان من جوابه ما كان. # { PageV03P027 قال: ألقها يا موسى(19) فألقاها فإذا هي حية تسعى(20)} ~~تمشي بسرعة على بطنها؛ قيل: لما ألقاها انقلبت حية صفراء بغلظ العصا؛ ثم ~~تورمت وعظمت، فلذلك سماها جانا تارة نظرا (¬1) إلى المبدإ، وثعبانا مرة ~~باعتبار المنتهى، وحية أخرى بالاسم الذي يعم الحالين. قيل: كانت في ضخامة ~~الثعبان، وجلادة الجان، ولذلك قال: {كأنها جان} (¬2) . {قال خذها ولا تخف} ~~فإنه لما رآها حية تسرع خاف وهرب. وقيل: كان بين لحييها أربعون ذراعا، ففزع ~~موسى منها. {سنعيدها سيرتها الأولى(21)} هيأتها (¬3) وحالتها المتقدمة. # {واضمم يدك إلى جناحك} [350] أي: جنبك تحت العضد، {تخرج بيضاء من غير ~~سوء} من غير عاهة، {آية أخرى(22)} معجزة أخرى. {لنريك من آياتنا ~~الكبرى(23)} ليزداد قلبك اطمئنانية. {اذهب إلى فرعون} بهاتين الآيتين، ~~وادعه إلى توحيدي وعبادتي. {إنه طغى(24)} بشركي، وعبادة خلقي. # {قال: رب اشرح لي صدري(25)} للإسلام، ووسعه للحق، {ويسر لي أمري(26)} ~~للطاعة، لما أمره الله بخطب عظيم، وأمر جسيم، سأله أن يشرح صدره، ويفسح ~~قلبه لتحمل أعبائه، والصبر على مشاقه؛ والتلقي لما تنزل عليه، ويسهل الأمر ~~عليه بإحداث الأسباب، ورفع الموانع. {واحلل عقدة من لساني(27) يفقهوا ~~قولي(28)} فأحسن التبليغ من البليغ؛ قيل: {واحلل عقدة من لساني} تمنع ~~الإفهام، ولذلك نكرها؛ وقيل: غير ذلك. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «نظر»، وهو خطأ. # (¬2) - ... سورة النمل: 10؛ وسورة القصص: 31. # (¬3) - ... في الأصل: «هيتها»، وهو خطأ. PageV03P028 # واجعل لي وزيرا من أهلي(29) هارون أخي(30)} يعينني على ما كلفتني به. ~~{اشدد به أزري(31)} الأزر: القوة والضعف، ضد، والتقوية والظهر (¬1) . ~~{وأشركه في أمري(32)} لإصلاح الخلق، {كي نسبحك كثيرا(33) ونذكرك كثيرا(34)} ~~فإن التعاون يهيج الرغبات، ويؤدي إلى تكاثر الخير وتزايده، {إنك كنت بنا ~~بصيرا(35)} عالما بأحوالنا؛ وأن التعاون مما يصلحنا، ms0552 وأن هارون نعم المعين ~~لي فيما أمرتني به؛ وإذا ارتفعت الأهوية من الشخصين، انضم المطلوب منهما ~~إلى توحيد الله وعبادته؛ ولذلك قلت الموافقة بين الأشخاص لما في القلوب من ~~المرض. وائتلاف القلوب على قدر الموافقة منها ومقاربتها في الطباع. # {قال قد (¬2) أوتيت سؤلك يا موسى(36)} أي: مسؤولك، {ولقد مننا عليك مرة ~~أخرى(37)} يذكره إن كان ناسيا، وينبهه إن كان غافلا، ويعلمه إن كان جاهلا، ~~أنه أنعم عليه في وقت آخر بقوله: # { # ¬__________ # (¬1) - ... انظر: الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ص 309، مادة: «أزر». # (¬2) - ... في الأصل: «لقد» وهو خطأ. PageV03P029 # إذ أوحينا إلى أمك} بإلهام، أو في منام، أو على لسان نبي في وقتها؛ أو ~~ملك لا على وجه النبوة، {ما يوحى(38)} ما [لا] يعلم إلا بالوحي؛ أو مما ~~ينبغي أن يوحى ولا يترك لعظم شأنه لما فيه من الحكمة، وأنه كائن لا محالة. ~~{أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم} القذف: يقال (لعله) للإلقاء. ~~{فليلقه اليم بالساحل} لما كان إلقاء البحر إياه على الساحل أمرا واجب ~~الحصول لتعلق الإرداة به جعل البحر كأنه ذو تمييز مطيع أمره بذلك، وأخرج ~~الجواب مخرج الأمر؛ والأولى أن يجعل الضمائر كلها لموسى مراعاة للنظم؛ ~~والمقذوف في البحر، والملقى إلى الساحل، وإن كان التابوت بالذات، فموسى ~~بالعرض. {يأخذه عدو لي وعدو له} قيل: إنها جعلت في التابوت قطنا، ووضعته ~~فيه، ثم قيرته (¬1) ، وألقته في اليم خفية من فرعون وآله؛ وكان يشرع إلى ~~بستان فرعون نهر، فرفعه الماء إليه، فأداه إلى بركة في البستان، وكان فرعون ~~جالسا على رأسها مع امرأته آسية بنت مزاحم؛ فأمر به، فأخرج، ففتح، فإذا فيه ~~صبي أصبح الناس وجها، فأحبه حبا شديدا، كما قال: # { # ¬__________ # (¬1) - ... في المنجد: «قير الشيء: طلاه بالقار. القار والقير: مادة ~~سوداء تطلى بها السفن والإبل وغيرها، وقيل: هو الزفت». ص: 665. مادة: قير. PageV03P030 # وألقيت عليك محبة مني} أي: محبة كافية مني، قد زرعتها في القلوب، بحيث لا ~~يكاد يصبر عنك من رآك؛ فلذلك أحبك فرعون. ويجوز أن يتعلق «مني» ب«ألقيت» ~~أي: أحببتك، ومن ms0553 أحبه الله [351] أحبته القلوب؛ وظاهر اللفظ أن اليم ألقاه ~~بساحله وهو شاطئه، لأن الماء يسحله (¬1) ، فالتقطه منه. {ولتصنع على ~~عيني(39)} ولتربي بكلاءتي، أي: وليكون عملك على عين مني، لئلا تخالف به عن أمري. # {إذ تمشي أختك فتقول: هل أدلكم على من يكفله} وذلك أنه لا يقبل ثدي ~~المراضع؛ فجاءت أخته متفحصة خبره، فصادفتهم يطلبون له مرضعة يقبل ثديها؛ ~~فقالت: هل أدلكم...؟ فجاءت بأمه فقبل ثديها؛ {فرجعناك إلى أمك} وفاء ~~بقولنا: {إنا رادوه إليك} (¬2) ، {كي تقر عينها} بلقائك، {ولا تحزن} هي ~~بفراقك، أو أنت على فراقها. وفائدة هذه المنة العظيمة من قوله: {ولقد مننا ~~عليك مرة أخرى...} إلى {...ولا تحزن} وذلك أن فرعون حاذر زوال ملكه على يد ~~رجل من بني إسرائيل، فكان يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم؛ فأمر الله تعالى ~~أم موسى لما خافت عليه القتل كما يقتل غيره من أبناء بني إسرائيل، لأنه ~~منهم أن تلقيه في التابوت ويلقيه في البحر، وليلقه البحر بالساحل، ويأخذه ~~عدو الله وعدوه، وليرجع به إلى أمه لتربيه بأمان من القتل، لئلا يعرفوه أنه ~~من بني إسرائيل. فانظر إلى هذه الحكمة الباهرة، لأن الله غالب على أمره إلى ~~أن {قالت امرأة فرعون: قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ~~ولدا وهم لا يشعرون} (¬3) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الكشاف: «لأن الماء يسحله، أي يقشره». الزمخشري: الكشاف، 3/49. # (¬2) - ... سورة القصص: 7. # (¬3) - ... سورة القصص: 9. PageV03P031 # وقتلت نفسا} نفس القبطي الذي استغاثه عليه الإسرائيلي. {فنجيناك من الغم} ~~غم قتله خوفا من عقاب الله واقتصاص فرعون، بالمغفرة والأمن منه بالهجرة إلى ~~مدين. {وفتناك فتونا} وابتليناك ابتلاء، أو أنواعا من الابتلاء؛ على أنه ~~جمع فتن؛ فخلصناك مرة بعد أخرى؛ وهو إجمال لما ناله في سفره من الهجرة عن ~~الوطن، ومفارقة الألاف (¬1) ، والمشي راجلا علىحذر وخوف، وفقد الزاد، وأجر ~~نفسه إلى غير ذلك؛ أو له ولما سبق ذكره. {فلبثت سنين في أهل مدين} لبثت ~~فيهم عشرسنين قضاء لأوفى الأجلين؛ {ثم جئت على قدر} قدرة (¬2) لأن أكلمك ~~وأرسلك، غير متقدم وقته المعين، ولا ms0554 مستأخر، {يا موسى(40)} كرره عقيب ما هو ~~غاية (¬3) الحكاية للتنبيه على ذلك. # {واصطنعتك لنفسي(41)} واصطفيتك لمحبتي وعبادتي ورسالتي، وإلا فكل الخلق ~~قد خلقهم لعبادته، لكن اصطنعه لنفسه على علم منه أنه مستأهل لما جعله له؛ ~~{اذهب أنت وأخوك بآياتي} بمعجزاتي، {ولا تنيا} بمعنى: التواني؛ أي: ولا ~~تقصرا تعطلا وتبطلا [كذا]. {في ذكري(42)}، ولا تنسياني حيث تقلبتما؛ وقيل: ~~في تبليغ ذكري، والدعاء لي. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «الآلات»، ولا معنى له. «والألاف: جمع آلف، مثل: ~~كافر، وكفار». ابن منظور: لسان العرب، 1/83، مادة: «ألف». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب ما ذكره أبو السعود: «{على قدر} ~~أي: تقدير قدرته»، ويدل عليه السياق. انظر: أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص16. # (¬3) - ... كذا في الأصل، والعبارة غير واضحة، وفي تفسير أبي السعود: ~~«{يا موسى} تشريف له عليه الصلاة والسلام، وتنبيه على انتهاء الحكاية». ~~المصدر نفسه. PageV03P032 # اذهبا إلى فرعون إنه طغى(43) فقولا له قولا لينا} مثل: {هل لك إلى أن ~~تزكى، وأهديك إلى ربك فتخشى} (¬1) ، فإنه دعوة في صورة عرض ومشورة؛ احذرا ~~أن تحمله الحماقة على أن يسطو عليكما. {لعله يتذكر أو يخشى(44)} أي: باشر ~~(¬2) الأمر على رجائكما وطمعكما أنه يثمر، ولا يخيب سعيكما؛ فإن الراجي ~~مجتهد، والآيس متكلف. والفائدة في إرسالهما والمبالغة عليهما في الاجتهاد، ~~مع علمه بأنه لا يؤمن؛ [352] إلزاما للحجة، وقطعا للمعذرة، وإظهار ما حدث ~~في تضاعيف ذلك من الآيات، والتذكر للمتحقق، والخشية للمتوهم. # {قالا: ربنا إننا (¬3) نخاف أن يفرط علينا} أن يعجل علينا بالعقوبة، ولا ~~يصبر إلى تمام الدعوة وإظهار المعجزة؛ أي: نخاف أن يحمله حامل من استكبار، ~~أو خوف على الملك، أو شيطان إنسي أو جني على المعاجلة بالعقاب، {أو أن ~~يطغى(45)} أي: يجاوز الحد في الإساءة إلينا. # {قال: لا تخافا إنني معكما} بالحفظ والنصرة {أسمع وأرى(46)} ما يجري ~~بينكما، وبينه من قول وفعل، فأحدث في كل حال ما يصرف شره عنكما، ويوجب ~~نصرتي لكما. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النازعات: 18-19. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الأصوب: «باشرا». بالتثنية خطابا لموسى ~~وهارون عليهما السلام. # (¬3) - ... في ms0555 الأصل: «إنا»، وهو خطأ. PageV03P033 # فأتياه فقولا: إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل} أطلقهم {ولا ~~تعذبهم} بالتكاليف الصعبة (¬1) ، وقتل الولدان؛ {قد جئناك بآية من ربك} لا ~~يتأتي إتيانها بقوى البشرية، {والسلام على من اتبع الهدى(47)} السلامة في ~~الدارين لهم، كما أن عذاب الدارين لمن تولى وكفر. والعذاب ضده السلام؛ فلا ~~يجتمعان في حق شخص واحد في محياه ومماته، بدليل قوله: {إنا قد أوحي إلينا ~~أن العذاب على من كذب وتولى(48)} أن عذاب المنزلين على من كذب وتولى. # {قال: فمن ربكما يا موسى(49)؟ قال: ربنا الذي أعطى كل شيء} من الأنواع ~~{خلقه} صورته وشكله الذي يطابق كماله الممكن له، أو أعطى خليقته كل شيء ~~يحتاجون إليه، ويرتفقون به؛ وقيل: أعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة ~~زوجا؛ وقيل: أعطى كل مخلوق ما لا يستقيم إلا به؛ وقيل: أعطى [كل] شيء ~~صلاحه، وهداه لما يصلحه. {ثم هدى(50)} ثم عرفه كيف يترفق بما أعطي، وكيف ~~يتوصل به إلى بقائه وكماله اختيارا أو طبعا، وهو جواب في غاية البلاغة، ~~لاختصاره وإعرابه عن الموجودات بأسرها على مراتبها، ودلالته على أن الغني ~~القادر بالذات، المنعم على الإطلاق هو الله تعالى، وأن جميع ما عداه مفتقر ~~إليه، منعم عليه في حد ذاته وصفاته وأفعاله. ولذلك بهت الذي كفر، وأفحم عن ~~الدخل (¬2) عليه، فلم ير إلا صرف الكلام عنه، فقال: # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «العصبة»، وهو خطأ. # (¬2) - ... «الدخل: ما داخل الإنسان من فساد في عقل أو جسم...»، وفيه ~~معان أخرى يمكن أن تليق بهذا السياق. انظر: ابن منظور: لسان العرب، 2/956. ~~مادة «دخل». PageV03P034 # قال: فما بال القرون الأولى(51)}؟ فما حالهم بعد موتهم من السعادة ~~والشقاوة؟ {قال: علمها عند ربي} أي: أنه غيب لا يعلمه إلا الله، وإنما أنا ~~عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما أخبرني به {في كتاب} مثبت في اللوح المحفوظ. ~~ويجوز أن يكون تمثيلا، لتمكنه في علمه، بما استحفظه العالم، وقيده بالكتبة ~~(¬1) ، ويؤيده: {لا يضل ربي (¬2) ولا ينسى(52)} والضلال: أن يخطئ الشيء في ~~مكانه، فلم يهتد ms0556 إليه؛ والنسيان: أن يذهب عنه (¬3) بحيث لا يخطر ببالك، ~~وهما محالان على العالم بالذات. ويجوز أن يكون سؤاله دخلا على إحاطة قدرة ~~الله بالأشياء كلها، وتخصيصه أبعاضها بالصورة، والخواص المختلفة، لأن ذلك ~~يستدعي علمه بتفاصيل الأشياء وجزئياتها، والقرون الخالية، مع كثرتهم، ~~وتمادي مدتهم، وتباعد [353] أطرافهم، كيف علمه بهم وبأجزائهم وأحوالهم؟! ~~فيكون معنى الجواب أن علمه تعالى محيط بذلك كله، وأنه مثبت عنده لا يضل ولا ينسى. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الأصوب: «بالكتابة». ونفس الكلمة: ~~«الكتبة» نجدها عند أبي السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص21. # (¬2) - ... في الأصل: - «ربي»، وهو خطأ. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «عنك». PageV03P035 # الذي جعل لكم الأرض مهدا} أي: كالمهد تتمهدونها؛ وقرئ: {مهادا} وهو اسم ~~ما يمهد، كالفراش، أو جمع مهد، {وسلك لكم فيها سبلا} وجعل لكم فيها سبلا ~~بين الجبال والأودية والبراري، تسلكونها من الأرض إلى الأرض لتبلغوا ~~منافعها. {وأنزل من السماء ماء، فأخرجنا به} عدل به من لفظ الغيبة إلى صيغة ~~التكلم على الحكاية؛ لكلام الله عز وجل تنبيها لظهور ما فيه من الدلالة على ~~كمال القدرة والحكمة، وايذانا بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لمشيئتة، ~~{أزواجا} أصنافا سميت بذلك لازدواجها، واقتران بعضها ببعض، {من نبات ~~شتى(53)} أي: متصرفات (¬1) في الصور والأغراض والمنافع، يصلح بعضها للناس، ~~وبعضها للبهائم؛ فلذلك قال: # {كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى(54)} لذوي العقول ~~الناهية عن اتباع الباطل، وارتكاب القبائح؛ جمع نهية (¬2) ، سميت نهية ~~لأنها تنهى صاحبها عن المعاصي. # {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى(55)} بتأليف أجزائكم ~~المتفتتة المختلطة بالتراب. # {ولقد أريناه آياتنا كلها} بصرناه إياها، وعرفناه صحتها. (لعله) من أوتي ~~تأويل القرآن العظيم، فقد أوتي من آيات الله تعالى. {فكذب وأبى(56)} ~~الإيمان والطاعة لعتوه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولم أجد فيما بين يدي من مصادر اللغة ما يفيد ~~معنى الاختلاف والتنوع. ولعل الصواب: «مختلفات». # (¬2) - ... انظر: الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ص 1206، مادة: «نهي». PageV03P036 # قال: أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى(57)}؟ هذا تعلل وتحير، ودليل ~~على أنه علم كونه ms0557 محقا، حتى خاف منه على ملكه، فإن ساحرا لا يقدر أن يخرج ~~ملكا مثله من أرضه. {فلنأتينك بسحر مثله} مثل سحرك، {فاجعل بيننا وبينك ~~موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت} فإن الإخلاف لا يلائم الزمان والمكان، {مكانا ~~سوى(58)}. # {قال: موعدكم يوم الزينة} قيل: يوم عاشوراء؛ أو يوم النيروز؛ أو يوم عيد ~~كان لهم في كل عام؛ وإنما عينه ليظهر الحق، ويزهق الباطل على رؤوس الأشهاد، ~~ويشيع ذلك في الأقطار، {وأن يحشر الناس ضحى(59)}. # {فتولى فرعون فجمع كيده} ما كاد به، يعني: السحرة وآلاتهم. {ثم أتى(60)} ~~بالموعد. {قال لهم موسى: ويلكم لا تفتروا على الله كذبا} بأن تدعوا آياته ~~سحرا. {فيسحتكم بعذاب} فيهلككم ويستأصلكم به؛ والسحت: هو الهلاك. {وقد خاب ~~من افترى(61)} كما خاب فرعون، فإنه افترى واحتال ليبقى الملك عليه فلم ~~ينفعه. وهذه الآية تعم جميع العصاة. # { PageV03P037 فتنازعوا أمرهم بينهم} أي: تشاورت السحرة في أمر موسى حين ~~سمعوا كلامه، فقال بعضهم: «ليس هذا من كلام السحر». {وأسروا النجوى(62) ~~قالوا: إن هذان لساحران} تفسير ل:{أسروا النجوى}. {يريدان أن يخرجاكم من ~~أرضكم} بالاستيلاء عليها، لأنه إذا استولى عليهم فلم يبق لهم رأي ولا ~~تدبير؛ فكأنه في المعنى أخرجكم من أرضكم، وكل ذلك حب للرئاسة، كما قال: ~~{وتكون لكما الكبرياء في الأرض} (¬1) . {بسحرهما، ويذهبا بطريقتكم ~~المثلى(63)} بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب، بإظهار مذهبه وإعلاء [354] ~~دينه، لقوله: {إني أخاف أن يبدل دينكم} (¬2) ؛ وقيل: أرادوا أهل طريقتكم، ~~وهم بنو إسرائيل، فإنهم كانوا أرباب علم فيما بينهم، لقول موسى: {أرسل معنا ~~بني إسرائيل} (¬3) ، وقيل الطريقة: اسم لوجوه القوم وأشرافهم، من حيث أنهم ~~قدوة لغيرهم. # {فأجمعوا كيدكم} أي: اجعلوه مجمعا عليه، لا يختلف عنه واحد منكم؛ أي: ~~اعزموا على الكيد من غير اختلاف بينكم فيه؛ والكيد: يؤتى به على خفية، {ثم ~~ائتوا صفا} مصطفين، لأنه أهيب في صدور الرائين؛ قيل: كانوا سبعين ألفا، مع ~~كل واحد منهم حبل وعصا؛ وأقبلوا عليه إقبالة واحدة. {وقد أفلح اليوم من ~~استعلى(64)} فاز بالمطلوب من غلب وترأس. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة يونس: 78. # (¬2) - ... سورة ms0558 غافر: 26. # (¬3) - ... سورة الشعراء: 17. PageV03P038 # قالوا: يا موسى إما أن تلقي، وإما أن نكون أول من ألقى(65)}؟ أي: بعدما ~~أتوا مراعاة للأدب. {قال: بل ألقوا} مقابلة أدب من الأول بأدب، وعدم مبالاة ~~بسحرهم، وإسعافا إلى ما أوهموا من الميل إلى البدء بذكر الأول في شقهم، ~~وتغيير النظم في وجه أبلغ[كذا]؛ ولأن (¬1) يبرزوا ما معهم، ويستنفدوا أقصى ~~وسعهم؛ ثم يظهر الله سلطانه، فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه. # {فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى(66)} قيل: إنهم لطخوها ~~بالزئبق، فلما ضربت عليها الشمس اضطربت، فخيل إليه أنها تتحرك. {فأوجس في ~~نفسه خيفة موسى(67)} فأضمر فيها خوفا من مفاجأته على ما هو مقتضى الجبلة ~~البشرية، أو أن (¬2) يخالج الناس شك فلا يتبعوه. # {قلنا: لا تخف} ما توهمت {إنك أنت الأعلى(68)} الغالب، {وألق ما في يمينك ~~تلقف ما صنعوا} تبتلعه بقدرة الله، {إنما صنعوا كيد ساحر} وقرئ: {كيد سحر} ~~بمعنى: ذي سحر؛ أو بتسمية الساحر سحرا للمبالغة، {ولا يفلح الساحر حيث ~~أتى(69)} حيث كان، وأين أقبل، لأنه وهمي لا حقيقة له. # {فألقي السحرة سجدا} أي: فألقي، فتحقق عند السحرة أنه ليس بسحر، وإنما هو ~~من آيات الله، ومعجزة من معجزاته، فألقاهم ذلك على وجوههم سجدا لله، توبة ~~عما صنعوا وإعتابا، وتعظيما لما رأوا؛ ويجوز أن يكون الإلقاء بمعنى: ~~الاستسلام والانقياد. {قالوا: آمنا برب هارون وموسى(70)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «والآن»، وهو خطأ. انظر فيما معنى العبارة: ~~الزمخشري: الكشاف، 3/57. أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص26-27. # (¬2) - ... في الأصل: «من»، وهو خطأ. انظر: المصدرين السابقين. PageV03P039 # قال: آمنتم له قبل أن آذن لكم} في الإيمان له؟ {إنه لكبيركم} لعظيمكم في ~~وقتكم وأعلمكم به، أو أستاذكم {الذي علمكم السحر} وأنتم تواطأتم على ما ~~فعلتم. {فلأقطعن أيديكم وأرجلكم (¬1) من خلاف، ولأصلبنكم في جذوع النخل، ~~ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى(71)}. # {قالوا: لن نؤثرك} لن نختارك {على ما جاءنا من البينات} المعجزات ~~الواضحات؛ {والذي فطرنا} عطف على: «ما جاءنا». {فاقض ما أنت قاض} ما أنت ~~قاضيه؛ أي: صانعه. {إنما تقضي هذه الحياة ms0559 الدنيا(72)} إنما تصنع ما تهواه، ~~أو تحكم بما تراه في هذه الدنيا؛ والآخرة خير وأبقى. # {إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا} من الكفر والمعاصي، {وما أكرهتنا ~~عليه من السحر} في معارضة المعجزة. روي: أنهم قالوا لفرعون: “أرنا موسى ~~نائما”، فوجدوه تحرسه العصا؛ فقالوا: “ما هذا بسحر! فإن الساحر إذا نام بطل ~~سحره”؛ فأبى إلا أن يعارضوه. {والله خير وأبقى(73)} جزاء، [355] أو خير منك ~~ثوابا، وأبقى عقابا. # {إنه من يأت ربه مجرما} بأن يموت على كفره وعصيانه. {فإن له جهنم لا يموت ~~فيها} فيستريح، {ولا يحيا(74)} حياة مهنأة. {ومن يأته مؤمنا} بأن يموت على ~~الإيمان، {قد عمل الصالحات، فأولئك لهم الدرجات العلى(75) جنات عدن تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى(76)} تطهر من أدناس الكفر ~~والمعاصي. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «ورجلكم»، وهو خطأ. PageV03P040 # ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي} أي: من مصر، {فاضرب لهم طريقا في ~~البحر يبسا، لا تخاف دركا ولا تخشى(77)} (لعله) قيل: لا تخاف فرعون، ولا ~~تخشى البحر. {فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم} أي: علاهم من البحر {ما ~~غشيهم(78) وأضل فرعون قومه وما هدى(79)} أي: أضلهم في الدين، وما هداهم. # ثم ذكر الله بني إسرائيل نعمه، فقال (لعله) لإنزال الكتاب (¬1) : {يا بني ~~إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن} (لعله) ~~للميقات، وهو من أجل النعم الدينية والدنيوية. {وأنزلنا عليكم المن ~~والسلوى(80)}. # {كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه} فيما رزقناكم بالإسراف، ~~وبإخلال عن شكره، والتعدي لما حد الله لكم فيه، كالبطر، والمنع عن المستحق؛ ~~{فيحل عليكم غضبي} فيلزمكم عذابي في الدنيا والآخرة. ويجب عليكم من أجل ~~الدين إذا وجب أداؤه. {ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى(81)} فقد تردى وهلك، ~~ووقع في الهاوية من حيث لا يشعر. # {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى(82)} ثم استقام على الهدى ~~المذكور؛ وقيل: علم أن ذلك بتوفيق الله له، لا بقوته وحوله؛ (لعله) وقيل: ~~لزم الإسلام حتى مات عليه؛ وقيل: علم أن له ms0560 ثوابا؛ وقيل: تعلم العلم ليهتدي ~~كيف يعمل. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «لأهل الكتاب». PageV03P041 # وما أعجلك عن قومك يا موسى(83)}؟ سؤال عن سبب العجلة يتضمن إنكارها من ~~حيث أنها مقتضية في نفسها، انضم إليها إغفال القوم، وإيهام التعظيم عليهم ~~(¬1) ؛ فلذلك أجاب موسى عن الأمرين، وقدم جواب الإنكار لأنه أهم: {قال هم ~~أولاء على أثري} ما تقدمتهم إلا بخطى يسيرة، لا يعتد بها عادة، وليس بيني ~~وبينهم إلا مسافة قريبة، يتقدم بها الرفقة بعضهم بعضا. {وعجلت إليك رب ~~لترضى(84)} فإن المسارعة إلى امتثال أمرك، والوفاء بعهدك، يوجب مرضاتك؛ ~~كأنه رأى الاستعجال أحسن، وإن كان تركه حسنا. # {قال: فإنا قد فتنا قومك من بعدك} ابتليناهم بعبادة العجل، بعد خروجك من ~~بينهم، وهم الذين خلفهم مع هارون، {وأضلهم السامري(85)} باتخاذ العجل، ~~والدعاء على (¬2) عبادته. # { # ¬__________ # (¬1) - ... هذه العبارة غير واضحة، ونجد توضيحها عند أبي السعود: «وهذا ~~كما ترى سؤال عن سبب تقدمه على النقباء، مسوق لإنكار انفراده عنهم، لما ~~ذلك بحسب الظاهر من مخايل إغفالهم، وعدم الاعتداد بهم، مع كونه مأمورا ~~باستصحابهم وإحضارهم معه؛ لا لإنكار نفس العجلة الصادرة عنه عليه الصلاة ~~والسلام، لكونها نقيصة منافية للحزم اللائق بأولي العزم». أبو السعود: ~~تفسير، مج3/ ج6/ ص33. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «إلى». PageV03P042 # فرجع موسى إلى قومه غضبان} عليهم {أسفا} حزينا بما فعلوا. {قال: يا قوم ~~ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا}؟ بأن يعطيكم التوراة فيها هدى ونور. {أفطال ~~عليكم العهد}؟ أي: الزمان؛ يعني: زمان مفارقته لهم. {أم أردتم أن يحل ~~عليكم} يجب عليكم { غضب من ربكم} بعبادة ما هو مثل في الغباوة، ولا يضر ~~تركه، ولا تنفع عبادته، وأنه شغل وعناء وكدح جزاؤه جهنم؛ {فأخلفتم ~~موعدي(86)} وعدكم إياي بالثبات على الإيمان بالله، والقيام على ما أمركم به. # {قالوا: ما أخلفنا موعدك بملكنا} [356] بأن ملكنا أمرنا، إذ لو خلينا ~~وأمرنا، ولم يسول لنا السامري، لما أخلفناه؛ {ولكنا حملنا أوزارا من زينة ~~القوم} أحمالا من حلي القبط على ما قيل؛ {فقذفناها} أي: في النار؛ {فكذلك ~~ألقى ms0561 السامري(87)} أي: ما كان معه منها. # {فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار} من تلك الحلي المذابة، له صوت؛ {فقالوا} ~~يعني: السامري ومن افتتن به أول ما رآه: {هذا إلهكم وإله موسى فنسي(88)} ~~أي: فنسيه موسى، وذهب يطلبه عند الطور؛ أو فنسي السامري، أي: ترك ما كان ~~عليه من إظهار الإيمان. # {أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا} أنه لا يرجع إليهم كلاما، ولا يرد عليهم ~~جوابا {ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا(89) ولقد قال لهم هارون من قبل} من قبل ~~رجوع موسى: {يا قوم إنما فتنتم به} ابتليتم به اختبارا، {وإن ربكم الرحمن} ~~لا غير، {فاتبعوني وأطيعوا أمري(90)} في الثبات على الدين. # {قالوا لن نبرح عليه عاكفين} على العجل وعبادته مقيمين، {حتى يرجع إلينا ~~موسى(91)}. # { PageV03P043 قال: يا هارون} أي: قال له موسى لما رجع: {ما منعك إذ ~~رأيتهم ضلوا(92)} بعبادة العجل {ألا تتبعني} أن تتبعني في الغضب لله، ~~والمقاتلة لمن كفر به، {أفعصيت أمري(93)}؟ بالصلابة في الدين، والمحاماة عليه. # {قال: يبنؤم} خص الأم استعطافا وترفيقا؛ وقيل: لأنه أخوه (¬1) من أمه. ~~{لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي} أي: شعر رأسي؛ قبض عليهما يجره إليه من شدة ~~غيظه، وقوة غضبه لله. وكان - عليه السلام - حديدا خشنا متصلبا في كل شيء، ~~فلم يتمالك حين رآهم يعبدون العجل. {إني خشيت أن تقول: فرقت بين بني ~~إسرائيل} لو قاتلت أو فارقت بعضهم ببعض، {ولم ترقب قولي(94)} حين قلت: ~~{اخلفني في قومي وأصلح} (¬2) ، وإن الإصلاح كان في حفظ الدهماء، والمدراة ~~بهم إلى أن ترجع إليهم، فتدارك الأمر برأيك. # {قال: فما خطبك يا سامري(95)}؟ ثم أقبل عليه، وقال له منكرا: ما خطبك؟ ~~أي: ما طلبك له؟ وما الذي حملك عليه؟ وهو مصدر خطب الشيء: طلبه. {قال بصرت ~~بما لم يبصروا به} أي: علمت ما لم يعلموه، {فقبضت قبضة من أثر الرسول} من ~~تربة موطئه، {فنبذتها} في الحلي المذابة، {وكذلك سولت لي نفسي(96)} زينته ~~وحسنته إلي. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «أخاه»، وهو خطأ. # (¬2) - ... سورة الأعراف: 142. PageV03P044 # قال: فاذهب فإن لك في الحياة} ms0562 عقوبة على ما فعلت {أن تقول: لا مساس} خوفا ~~من أن يمسك أحد، فتأخذك الحمى، ومن مسك فتحامي الناس وتحاموك (¬1) ، فتكون ~~طريدا وحيدا كالوحشي النافر، بحيث لو مسه أحد، أو مس هو أحدا حم كلاهما ~~(لعله الدهماء: الجماعة الكثيرة) (¬2) . {وإن لك موعدا} في الآخرة {لن ~~تخلفه} لن يخلفك الله، وينجزه لك في الآخرة بعد ما عاقبك في الدنيا. ويوجد ~~عن أبي سعيد فيما أرجو أنه قال: «وكذلك انصبا [كذا] في السامري، وهو معنا ~~في ظاهر الآية لزوم الوعيد من لزوم العقوبة في الدنيا، والوعيد في الآخرة» ~~(¬3) . {وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا} ظللت على عبادته مقيما، ~~{لنحرقنه} أي: بالنار، {ثم لننسفنه} لنذرينه رمادا {في اليم نسفا(97)} فلا ~~تصادف منه شيئا (¬4) . والمقصود من ذلك: زيادة على عقوبته، وإظهار غباوة ~~المفتتنين به، لمن له أدنى [357] نظر؛ وهكذا يجب إلقاء كل ما يشغل عن الله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ومثل تلك العبارة نجدها عند الزمخشري: الكشاف، ~~3/67. ولعل الصواب: «فتتحامى الناس ويتحامونك». أي يجتنبونك. في اللسان: ~~«وتحاماه الناس: أي توقوه واجتنبوه». ابن منظور: لسان العرب، 1/731. مادة: «حما». # (¬2) - ... ما بين قوسين لا محل له من السياق، ويبدو أن العبارة مقحمة. ~~وكلمة الدهماء ذكرت قبل تسعة أسطر، ولعل الناسخ نقل شرحها من الحاشية ولم ~~يورده في محله من المتن. # (¬3) - ... كذا في الأصل، والعبارة غير واضحة. # (¬4) - ... في الأصل: «شيء»، وهو خطأ. PageV03P045 # إنما إلهكم} المستحق للعبادة {الله الذي لا إله إلا هو} إذ لا أحد يماثله ~~أو يداينه في كمال العلم والقدرة، {وسع كل شيء علما(98)} وسع علمه كل ما ~~يصح أن يعلم، لا العجل الذي يصاغ ويحرق. # {كذلك} مثل ذلك الاقتصاص، يعني: اقتصاص قصة موسى {نقص عليك من أنباء ما ~~قد سبق} من أخبار الأمور الماضية، والأمم الدارجة (¬1) ؛ تبصرة لك، وزيادة ~~في علمك، وتكثيرا لمعجزاتك، وتنبيها وتذكيرا للمستبصرين من أمتك؛ {وقد ~~آتيناك من لدنا ذكرا(99)} كتابا مشتملا على هذه الأقاصيص والأخبار، حقيقا ~~بالتفكير والاعتبار. # {من أعرض عنه} عن الذكر الذي هو القرآن الجامع لوجوه ms0563 السعادة والنجاة ~~فلم يؤمن به، ولم يدبر آياته، ولم يعمل بمقتضاه؛ أو عن الله. {فإنه يحمل ~~يوم القيامة وزرا(100)} عقوبة ثقيلة فادحة على كفره وذنوبه. سماها وزرا في ~~ثقلها على المعاقب، وصعوبة احتمالها بالحمل الذي يفدح (¬2) الحامل، وينقض ~~ظهره؛ أو إثما عظيما {خالدين فيه} في الوزر، وفي حمله. {وساء لهم يوم ~~القيامة حملا(101)} أي: بئس لهم؛ أي: ساء حملا وزرهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... أي المنقرضة. «ودرج القوم: إذا انقرضوا». ابن منظور: لسان ~~العرب، 2/963. # (¬2) - ... «الفدح: إثقال الأمر والحمل صاحبه. فدحه الأمر والحمل والدين، ~~يفدحه فدحا: أثقله، فهو فادح». ابن منظور: لسان العرب، 4/1061. مادة «فدح». PageV03P046 # يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا(102)} زرق العيون؛ وصفوا ~~بذلك، لأن الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها؛ أو عميا، فإن حدقة الأعمى ~~تزرق؛ وقيل: عطاشا، {يتخافتون بينهم} يخفضون أصواتهم لما يملأ صدورهم من ~~الرعب والهول. والخفت: خفض الصوت وإخفاؤه. {إن لبثتم إلا عشرا(103)} أي: في ~~الدنيا يستقصرون مدة لبثهم فيها لزوالها، ولاستطالتهم مدة الآخرة؛ أو ~~لتأسفهم عليها لما عاينوا الشدائد، وعلموا أنهم استحقوها على إضاعتهما في ~~قضاء الأوطار، واتباع الشهوات؛ أو في القبر لقوله: {ويوم تقوم الساعة...} ~~(¬1) إلى آخر الآيات. # {نحن أعلم بما يقولون} وهو مدة لبثهم، {إذ يقول أمثلهم طريقة} أعدلهم ~~رأيا وعملا: {إن لبثتم إلا يوما(104)} استرجاع لقول من يكون أشد أثقالا منهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الروم: 54-56؛ وتمامها: {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ~~ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون، وقال الذين أوتوا العلم والإيمان: ~~لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا ~~تعلمون}. PageV03P047 # ويسألونك عن الجبال} عن مآل أمرها، {فقل: ينسفها ربي نسفا(105)} يجعلها ~~كالرمل؛ ثم يرسل عليها الرياح فتقرعها (¬1) ، {فيذرها} فيذر مقارها، أو ~~الأرض {قاعا} خاليا {صفصفا(106)} مستويا؛ كأن أجزاءها على وصف واحد. {لا ~~ترى فيها عوجا ولا أمتا(107)} اعوجاجا ولا نتوءا، إن تأملت فيها بالقياس ~~الهندسي. وثلاثتها أحوال مرتبة، فالأولان: باعتبار الإحساس، والثالث: ~~باعتبار القياس؛ ولذلك ذكر العوج بالكسر، وهو يخص المعاني، والأمت، وهو ~~النتوء ms0564 اليسير؛ وقيل: «لا ترى» استئناف للحالين. وعن الحسن: «العوج: ما ~~انخفض من الأرض؛ والأمت: ما ارتفع من الروابي». # {يومئذ يتبعون الداعي} داعي الله إلى المحشر؛ قيل: هو إسرافيل يدعو الناس ~~إليه؛ {لا عوج له} لا يعوج له مدعو، أو لا يعدل عنه. {وخشعت الأصوات ~~للرحمن} خضعت لمهابته، وسكنت وذلت؛ وصف الأصوات بالخشوع، والمراد: أهلها؛ ~~{فلا (¬2) تسمع إلا همسا(108)} صوتا خفيا؛ ومنه الهمس: لصوت أخفاف الإبل؛ ~~وقد فسر الهمس: بخفق أقدامهم، ونقلها إلى المحشر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعله من قرع، أي ذهب شعر رأسه. (انظر: ~~الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ص 675، مادة: “قرع”). فشبه الأرض حين تنسف ~~جبالها بالرأس حين يذهب شعرها. ولكن نجد نفس العبارة عند أبي السعود ~~والزمخشري: «يرسل عليها الرياح فتفرقها». الزمخشري: الكشاف، 3/69. أبو ~~السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص43. # (¬2) - ... في الأصل: «قد»، وهو خطأ. PageV03P048 # يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن} [358] إلا شفاعة من أذن له ~~{ورضي له قولا(109)} أي: ورضي لمكانه عند الله قوله في الشفاعة؛ أو رضي ~~لأجله قول الشافع في شأنه؛ أو قوله لأجله، لأنه قال صدقا، وعمل حقا. # {يعلم ما بين أيديهم} يعلم ما تقدمهم من الأحوال، {وما خلفهم} وما بعدهم ~~فيما يستقبلونه، {ولا يحيطون به علما(110)} ولا يحيط علمهم بمعلوماته؛ ~~وقيل: بذاته، كما قال: {وما قدروا الله حق قدره} (¬1) أي: ما عرفوه حق ~~معرفته؛ وقيل: الضمير لأحد الموصولين، أو لمجموعهما؛ فإنهم لم يعلموا جميع ~~ذلك، ولا تفصيل ما علموا منه. # {وعنت الوجوه للحي القيوم} ذلت وخضعت له خضوع العناة، وهم الأسارى في يد ~~الملك القهار. وظاهرها يقتضي العموم؛ ويجوز أن يراد بها وجوه المجرمين، ~~ويؤيده: {وقد خاب من حمل ظلما(111)} أي: من مات مصرا؛ كذا قال أبو عبد الله. # {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن} إذ الإيمان شرط في صحة الطاعات، وإلا ~~فهي حسرة لعاملها. {فلا يخاف ظلما} منع ثواب مستحق بالوعد (¬2) ، {ولا ~~هضما(112)} ولا كسرا منه بنقصان. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأنعام: 91؛ وسورة الزمر: 67. # (¬2) - ... توضيح العبارة: «منع ثواب مستحق بموجب الوعد». أبو ms0565 السعود: ~~تفسير، مج3/ ج6/ ص43. PageV03P049 # وكذلك} عطف على: {كذلك نقص}، أي: مثل ذلك الإنزال؛ أو مثل إنزال هذه ~~الآيات المتضمنة للوعيد؛ {أنزلناه قرآنا عربيا} كله على هذه الوتيرة، ~~{وصرفنا فيه من الوعيد} مكررين في[ه] آيات الوعيد، {لعلهم يتقون} المعاصي، ~~فتصير التقوى لهم ملكة، {أو يحدث لهم ذكرا(113)} عظة واعتبارا، حين ~~يسمعونها، فيثبطهم عنها. ولهذه النكتة أسند التقوى إليهم، والإحداث إلى ~~القرآن. # {فتعالى الله} في ذاته وصفاته، عن مماثلة المخلوقين. لا يماثل كلامه ~~كلامهم، كما لا يماثل ذاته ذاتهم، {الملك} النافذ أمره ونهيه، الحقيق بأن ~~يرجى وعده، ويخشى وعيده {الحق} في ملكوته، يستحقه لذاته؛ أو الثابت في ذاته ~~وصفاته. # {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه} نهى عن الاستعجال في تلقي ~~الوحي من جبريل، ومساوقته (¬1) في القراءة، حتى يتم وحيه بعد ذكر الإنزال ~~على سبيل الاستطراد؛ وقيل: نهى عن تبليغ ما كان مجملا قبل أن يأتي بيانه. ~~{وقل: رب زدني علما(114)} أي: سل الله زيادة العلم بدل الاستعجال؛ ومعنى ~~السؤال: يحتمل بمعنى (¬2) التعلم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... أي متابعته ومزاحمته. «وتساوقت الإبل: تتابعت، وتقاودت. ~~وتساوقت الغنم: تزاحمت في السير». الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ص 806، ~~مادة «سوق». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «والسؤال يحتمل معنى التعلم». PageV03P050 # ولقد عهدنا إلى آدم} أمرناه؛ يقال: عهد إليه إذا أمره. وإنما عطف قصة آدم ~~على قوله: {وصرفنا فيه من الوعيد} (¬1) للدلالة على أساس بني آدم على ~~العصيان (¬2) ، وعرقهم راسخ في النسيان. {من قبل فنسي} العهد، ولم يعنى به ~~حتى غفل، أو ترك ما وصي به من احتراز عن الشجرة. قال أبو الحسن والعباد: ~~«على طبع أبيهم في النسيان». {ولم نجد له} في حال نسيانه {عزما(115)} تصميم ~~رأي، وثباتا (¬3) على الأمر؛ إذ لو كان ذا عزيمة وتصلب، لم يزله الشيطان. ~~ولعل ذلك في بدء أمره، قبل أن يجرب الأمور. وعن النبي - عليه السلام - : ~~«لو وزنت أحلام بني آدم بحلم آدم لرجح حكمه» (¬4) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة طه: 113. # (¬2) - ... توضيح العبارة عند الزمخشري: «وكأنه يقول: إن أساس أمر بني ~~آدم على ذلك». الزمخشري: ms0566 الكشاف، 3/71. # (¬3) - ... في الأصل: «وثبات»، وهو خطأ. وعند أبي السعود: «تصميم رأي، ~~وثبات قدم في الأمور». أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص45. # (¬4) - ... كذا في الأصل، والصواب: «حلمه». كما في تفسير أبي السعود: ~~م.ن. لم نعثر عليه في الربيع ولا في الكتب التسعة. PageV03P051 # وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى(116) فقلنا: يا آدم ~~إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما} فلا يكونن سببا لإخراجكما {من الجنة ~~فتشقى(117)} فتضل تائها حيرانا، {إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى(118) وأنك ~~لا تظمأ فيها ولا تضحى(119)} أي: لا تبرز للشمس فيؤذيك حرها؛ فإنه بيان ~~وتذكير لما له في الجنة من أسباب الكفاية، وقطب الكفاف التي هي (¬1) الشبع ~~والري والكسوة والكن (¬2) ، مستغنيا عن اكتسابها والسعي في تحصيل أغراضها، ~~عسى ينقطع ويزول منها، بذكر نقائضها، ليطرق سمعه بأصناف الشقوة المحذر ~~منها. {فوسوس إليه الشيطان} فأنهى إليه وسوسته، {قال: يا آدم هل أدلك على ~~شجرة الخلد} الشجرة التي من أكل منها خلد ولم يمت أصلا، فأضافها إلى الخلد ~~وهو الخلود، لأنه سببه بزعمه، {وملك لا يبلى(120)} لا يزول ولا يضعف. # {فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما، وطفقا يخصفان عليهما} على سوآتهما {من ~~ورق الجنة} أخذا يلزقان الورق على سوآتهما للتستر، {وعصى آدم ربه ~~فغوى(121)} فضل عن المطلوب، حيث طلب الخلد بأكل ما نهي عن أكله، فخاب ولم ~~ينل مراده؛ لأنه طلب ما لا يدرك ما دام متعبدا. {ثم اجتباه ربه} اصطفاه ~~وقربه لما تقرب، {فتاب عليه وهدى(122)} إلى الثبات على التوبة، والتسبب ~~بأسباب العصمة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «الذي هو». أو: «وأقطاب الكفاف ~~التي هي...». وفي الكشاف: «الشبع والري والكسوة والكن: هي الأقطاب التي ~~يدور عليها كفاف الإنسان». الزمخشري: الكشاف، 3/72. # (¬2) - ... في الأصل: «ولكن»، وهو خطأ. PageV03P052 # قال: اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو} لأمر المعاش، كما عليه الناس من ~~التجاذب والتحارب. {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي} قيل: حججه من حيث ~~أتته، {فلا يضل} بالضلال، لأنه عذاب في الدارين (لعله) عن الجادة {ولا ms0567 ~~يشقى(123)} قال ابن عباس: «أجار الله تابع القرآن من أن يضل في الدنيا، ~~ويشقى في الآخرة»، وقرأ: الآية (¬1) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... أوردها الزمخشري بلفظ: «ضمن الله لمن اتبع القرآن...». ~~الكشاف: 3/74. PageV03P053 # ومن أعرض عن ذكري} عن الهدى الذاكر لي، والداعي إلى عبادتي من حيث جاءهم، ~~{فإن له معيشة ضنكا} ضيقا، وذلك لأن مجامع همه، ومطامح نظره يكون إلى أغراض ~~الدنيا، متهالكا على ازديادها، خائفا على انتقاصها؛ بخلاف المؤمن الطالب ~~للآخرة، مع أنه تعالى قد يضيق بشؤم الكفر، ويوسع ببركة لأهل (¬1) الإيمان، ~~كما قال: {وضربت عليهم الذلة والمسكنة...} (¬2) {ولو أنهم أقاموا التوراة ~~والإنجيل...} (¬3) ، {ولو أن أهل القرى آمنوا...} (¬4) الآيات. وقيل: هو ~~الضريع والزقوم في النار، ويحتمل فيه، لأن معيشة الحياة الدنيا قليلة في ~~جنب الآخرة، كما قال: {فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا} (¬5) وعلى كل حال فإن ~~معيشتهم ضنك، لأنهم ليس عليها يؤجرون[كذا]. وروي عن ابن عباس أنه قال: «كل ~~ما أعطى العبد قل أو كثر، فلم يتق فيه، فلا خير فيه، وهو الضنك في ~~المعيشة». # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: - «لأهل»، كما هو عند أبي السعود: ~~تفسير، مج3/ ج6/ ص48. # (¬2) - ... سورة البقرة: 61؛ ومحل الشاهد تمامها: {وباءوا بغضب من الله، ~~ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا ~~وكانوا يعتدون}. # (¬3) - ... سورة المائدة: 66؛ وتمامها: {ولو أنهم أقاموا التوراة ~~والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم}. # (¬4) - ... سورة الأعراف: 96؛ وتمامها: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا ~~لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا ~~يكسبون}. # (¬5) - ... سورة التوبة: 82. PageV03P054 # وإن قوما أعرضوا عن الحق وكانوا أولي سعة من الدنيا مكثرين، وكانت ~~معيشتهم ضنكا، وذلك أنهم كانوا يرون أن الله ليس بمخلف عليهم، فاشتدت عليهم ~~من سوء ظنهم (¬1) . {ونحشره يوم القيامة أعمى(124)} أعمى البصر، أو القلب؛ ~~ويؤيد الأول [قوله]: # {قال: رب لم حشرتني أعمى، وقد كنت بصيرا(125)؟ قال: كذلك أتتك آياتنا ~~فنسيتها} فتعاميت عنها، وتركتها غير منظور إليها (¬2) ، {وكذلك} ومثل تركك ~~إياها {اليوم تنسى(126)} تترك في العمى ms0568 والعذاب. # {وكذلك نجزي من أسرف} بالانهماك في الشهوات، والإعراض عن الآيات، {ولم ~~يؤمن بآيات ربه} ب[ال]عذاب الأدنى، لأنه قال: {ولعذاب الآخرة أشد ~~وأبقى(127)} مما جوزي به في الدنيا. # {أفلم يهد لهم} أي: أفلم يبين لهم {كم أهلكنا قبلهم (¬3) من القرون [360] ~~يمشون في مساكنهم} ويشاهدون آثار هلاكهم. {إن في ذلك لآيات لأولي ~~النهى(128)} لذوي العقول الناهية عن التغافل والتعامي. # {ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما} لكان مثل ما نزل بعاد وثمود، لازما ~~لهؤلاء الكفرة. {وأجل مسمى(129)} عطف على «كلمة»؛ أي: ولولا العدة بتأخير ~~العذاب، وأجل مسمى لأعمارهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... وضع الناسخ هنا إحالة إلى الحاشية وكتب فيها: «هذا الكلام ~~لعله لم يتم». # (¬2) - ... كذا في الأصل، وفي الكشاف: «وتركتها وعميت عنها». 3/75. # (¬3) - ... في الأصل: «من قبلهم»، وهو خطأ. PageV03P055 # فاصبر على ما يقولون} من الإفك، لأنه يتأذى به، ولا يدفع إلا بالصبر، ~~{وسبح بحمد ربك} وصل، وأثن حامدا لربك على هدايته وتوفيقه؛ أو نزهه عن ~~الشرك، وسائر ما يضيفون إليه من النقائص، حامدا له على ما ميزك بالهدى، ~~معترفا بأنه المولي للنعم كلها. {قبل طلوع الشمس} قبل صلاة الغداة، {وقبل ~~غروبها. ومن آناء الليل} من ساعته؛ {فسبح} قبل المغرب والعشاء. وإنما قدم ~~الزمان فيه لاختصاصه بمزيد الفضل؛ فإن القلب فيه أجمع، والنفس أميل إلى ~~الاستراحة، فكانت العبادة فيه أحسن، ولذلك قال: {إن ناشئة الليل هي أشد وطأ ~~وأقوم قيلا} (¬1) . {وأطراف النهار لعلك ترضى(130)} أي: تسبح في هذه ~~الأوقات طمعا أن تنال عند الله ما به ترضى نفسك. # {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به} استحسانا له، وتمنيا أن يكون لك مثله. ~~{أزواجا منهم} أصنافا من الكفرة، (لعله) لأن كل صنف متع بما لم يمتع به ~~الصنف الآخر، والكل لا خير فيه بل هو شر لهم؛ {زهرة الحياة الدنيا} أي: ~~زينتها وبهجتها وغرورها، {لنفتنهم فيه} لنعذبهم في الدنيا والآخرة بسببه. ~~{ورزق ربك} وما ادخر لك في الآخرة؛ أو رزقك من الهدى والنبوة؛ أو ما رزقك ~~الله من الحلال، {خير} مما منحهم في الدنيا {وأبقى(131)} ms0569 فإنه لا ينقطع. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة المزمل: 6. PageV03P056 # وأمر أهلك بالصلاة} أمره بأن يأمر أهل بيته بالصلاة، بعد ما أمره بها، ~~ليتعاونوا على الاستعانة في خصاصتهم، ولا يهتموا بأمر المعيشة، ولا يلتفتوا ~~لفت أرباب الثروة، {واصطبر عليها} وداوم عليها بالتصبر. {لا نسألك رزقا} لا ~~نكلفك أن ترزق نفسك، ولا (¬1) أهلك، إنما نكلفك عملا، {نحن نرزقك} وإياهم، ~~ففرغ بالك لأمر الآخرة. {والعاقبة} المحمودة {للتقوى(132)} لذي التقوى. # {وقالوا: لولا يأتينا بآية من ربه} تدل على صدقه في ادعاء (¬2) النبوة؛ ~~أو بآية مقترحة؛ إنكارا لما جاء به من الآيات؛ أو للاعتداد به تعنتا ~~وعنادا؛ فألزمهم بإتيانه بالقرآن الذي هو أم المعجزات وأعظمها وأبقاها، لأن ~~حقيقة المعجزة: اختصاص مدعي النبوة بنوع من العلم أو العمل على وجه خارق ~~للعادة؛ ولا شك أن العلم أصل العمل، وأعلى منه قدرا، وأبقى أثرا؛ فكذا ما ~~كان من هذا القبيل. وينبههم أيضا على وجه أبين من وجوه إعجازه المختصة بهذا ~~الباب، فقال: {أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى(133)} من التوراة ~~والإنجيل، وسائر الكتب السماوية، فإن اشتمالها على ما فيها من العقائد ~~والأحكام الكلية مع أن الآتي بها أمي لم يرها، ولم يتعلم ممن علمها إعجاز ~~بين؛ وفيه إشعار بأنه كمال يدل على نبوته، [و]برهان لما تقدمه من الكتب، من ~~حيث أنه معجز، وتلك ليست كذلك، بل هي مفتقرة إلى ما يشهد على صحتها. # [ # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «والا»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «الدعاء»، وهو خطأ. PageV03P057 # 361] {ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله} من قبل القرآن؛ أو محمد؛ {لقالوا: ~~ربنا (¬1) لولا أرسلت إلينا رسولا} يدعونا، {فنتبع آياتك من قبل أن نذل ~~ونخزى(134)} وهذا كقوله: {أن تقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير} (¬2) ، ~~وقوله: {أن تقولوا: إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا، وإن كنا عن ~~دراستهم لغافلين؛ أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم، فقد ~~جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة} (¬3) . {قل: كل} منا ومنكم {متربص} منتظر ~~لما يؤول إليه أمرنا وأمركم. {فتربصوا؛ فستعلمون} بعين اليقين عند الموت، ~~أو ms0570 الجزاء. {من أصحاب الصراط السوي} المستقيم، {ومن اهتدى(135)} من ~~الضلالة، نحن أم أنتم. # سورة الأنبياء # بسم الله الرحمن الرحيم # {اقترب للناس حسابهم} أي: انقضاء آجالهم من الدنيا، أو وقوع القيامة، لأن ~~كل ما هو آت قريب، {وهم في غفلة} أغفلهم الشيطان، {معرضون(1)} أي: في غفلة ~~من الحساب معرضون عن التفكر فيه، والعمل بمقتضاه. # {ما يأتيهم من ذكر} ينبههم عن سنة الغفلة والجهالة، {من ربهم محدث} ~~تنزيله، ليكرر على أسماعهم التنبيه كي يتعظوا، {إلا استمعوه} استماع ~~البهائم {وهم يلعبون(2)} يستهزئون به، ويستسخرون منه، لتناهي غفلتهم، وفرط ~~إعراضهم عن النظر في الأمور، والتفكر في العواقب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «ربنا»، وهو سهو. # (¬2) - ... سورة المائدة: 19. # (¬3) - ... سورة الأنعام: 156-157. PageV03P058 # لاهية قلوبهم} أي: استمعوه جامعين بين الاستهزاء به، والتلهي عنه بغيره، ~~والذهول عن التفكر فيه، {وأسروا النجوى} بالغوا في خفائها (¬1) {الذين ~~ظلموا، هل هذا إلا بشر مثلكم}؟ تكذيبا له. {أفتأتون السحر وأنتم ~~تبصرون(3)}؟ كأنهم استدلوا (لعله) ببشريته على كذبه في ادعاء الرسالة، ~~لاعتقادهم أن الرسول لا يكون إلا ملكا؛ واستلزموا منه أن [ما] جاء به من ~~الخوارق كالقرآن سحر، فأنكروا حضوره. وإنما أسروا به تشاورا في استنباط ما ~~يهدم أمره، ويظهر فساده للناس عامة. # {قال: ربي يعلم القول في السماء والأرض} جهرا كان أو سرا، فضلا عما أسروا ~~به، {وهو السميع العليم(4)} فيه وعد ووعيد. # {بل قالوا: أضغاث أحلام، بل افتراه، بل هو شاعر} إضراب لهم عن قولهم هو ~~سحر، إلى أنه تخاليط الأحلام، ثم إلى أنه كلام افتراه، ثم إلى أنه قول ~~شاعر، {فليأتنا بآية كما أرسل الأولون(5)} مثل اليد البيضاء والعصا. # {ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها} باقتراح الآيات لما جاءتهم، {أفهم ~~يؤمنون(6)} لو جئتهم بها وهم أعمى منهم ؟ . وفيه تنبيه على أن عدم الإتيان ~~بالمقترح للإبقاء عليهم؛ إذ لو أتى به لم يؤمنوا، واستوجبوا عذاب ~~الاستئصال، كمن قبلهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «إخفائها». كما عند أبي السعود: ~~تفسير، مج3/ ج6/ ص54. PageV03P059 # وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم، فاسألوا أهل الذكر ms0571 إن كنتم لا ~~تعلمون(7)} جواب لقوهم: {هل هذا إلا بشر مثلكم} فأمرهم أن يسألوا مؤمني أهل ~~الكتاب عن حال الرسل المتقدمة، لتزول عنهم الشبهة؛ وقيل: أراد بالذكر: ~~القرآن، أي: فاسألوا المؤمنين العالمين بالتنزيل، (لعله) الراسخين (¬1) في ~~التأويل، وفيه إيجاب للسؤال للعبد إذا حل فيما لا يسعه من أمر دينه. # {وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام} قيل: جواب لقولهم: {ما لهذا الرسول ~~يأكل الطعام} (¬2) ، {وما كانوا خالدين(8)} توكيد وتقرير لهم، فإن التعيش ~~بالطعام من توابع التحلل المؤدي إلى الفناء (¬3) . {ثم صدقناهم الوعد ~~فأنجيناهم ومن نشاء} يعني: المؤمنين [362] بهم. {وأهلكنا المسرفين(9)} ~~وهكذا سنة الله في خلقه. # {لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم} صيتكم، {وإنه لذكر لك ولقومك} (¬4) ، ~~أو موعظتكم، أو ما تطلبون به حسن الذكر من مكارم الأخلاق، {أفلا ~~تعقلون(10)} فتؤمنون. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «الرسخين»، وهو خطأ. # (¬2) - ... سورة الفرقان: 7. # (¬3) - ... في الأصل: «التحليل المؤدي إلى القياء»، ولا معنى له. والصواب ~~ما أثبتناه اعتمادا على أبي السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص57. # (¬4) - ... سورة الزخرف: 44. PageV03P060 # وكم قصمنا من قرية} واردة عن غضب عظيم، لأن القصم: كسر يبين تلاؤم ~~الأجزاء، بخلاف العصم، {كانت ظالمة} بسبب ظلمهم، {وأنشأنا بعدها قوما ~~آخرين(11)} مكانهم، {فلما أحسوا بأسنا} فلما أيقنوا من وقوع عذابنا {إذا هم ~~منها يركضون(12)} يهزمون مسرعين، (لعله) هاربين {لا تركضوا} على إرادة ~~القول، أي قيل لهم استهزاء: «لا تركضوا» إما بلسان الحال أو المقال؛ وهذا ~~الوعيد يعم كل من مات على شيء من معاصي الله مصرا، {وارجعوا إلى ما أترفتم ~~فيه} من التنعم والتلذذ؛ والإتراف: إبطار النعمة، {ومساكنكم} التي كانت ~~لكم، {لعلكم تسألون(13)} غدا عن أعمالكم؛ أو يسألكم أهلكم إذا رجعتم. وقال ~~قتادة: «لعلكم تسألون شيئا من دنياكم فتعطون من شئتم، وتمنعون من شئتم»؛ ~~يقولون (¬1) ذلك استهزاء بهم. # {قالوا: يا ويلنا إنا كنا ظالمين(14)} لما رأوا العذاب، ولم يروا وجه ~~النجاة. {فما زالت تلك دعواهم} فما زالوا يرددون ذلك، إلى أن قبضت أرواحهم ~~على ذلك العذاب، وكانت دعواهم عذابا لهم فوق عذاب البأس؛ وإنما سماه دعوى، ~~لأن المولول ms0572 كان يدعو بالويل: تعال فهذا أوانك (¬2) . {حتى جعلناهم حصيدا} ~~مثل الحصيد: وهو النبت المحصود، {خامدين(15)} ميتين، من “خمدت النار”. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الأصوب: «يقال لهم». # (¬2) - ... يبدو أن في العبارة خللا، وفي الكشاف: «لأن المولول كأنه يدعو ~~الويل فيقول: تعال ياويل فهذا أوانك». الزمخشري: الكشاف، 3/83. وانظر: أبو ~~السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص59. PageV03P061 # وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين(16)} وإنما خلقناهما مشحونة ~~بضروب البدائع، تبصرة للنظار، وتذكرة لذوي الاعتبار، وتسببا لما تنتظم به ~~أمور العباد في المعاش والمعاد؛ فينبغي أن يتوسلوا بها إلى تحصيل الكمال، ~~ولا يغتروا بزخارفها، فإنها سريعة الزوال. # {لو أردنا أن نتخذ لهوا} ما نتلهى به ونلعب، و{لاتخذناه من لدنا} من جهة ~~قدرتنا، أو من عندنا؛ فما يليق بحضرتنا من المجردات لا من الأجسام ~~المرفوعة، والأجرام المبسوطة، كعادتهم في رفع السقوف وتزويقها، وتسوية ~~الفرش وتزيينها (¬1) ؛ وقيل اللهو: الولد بلغة اليمن؛ وقيل: الزوجة؛ ~~والمراد: الرد على النصارى، {إن كنا فاعلين(17)} ذلك، ويدل على حذف الجواب ~~المتقدم. # {بل نقذف بالحق على الباطل} إضراب من اتخاذ اللهو، وتنزيه لذاته من ~~اللعب؛ أي: بل من شأننا أن نقلب الحق الذي من جملته الحد على الباطل، الذي ~~من عداده (¬2) ، {فيدمغه} فيمحقه. وإنما استعار لذلك “القذف” وهو الرمي ~~المستلزم لصلابة الرمي، و“الدمغ” الذي هو كسر الدماغ، بحيث يشق غشاءه ~~المؤدي إلى زهوق الروح، تصويرا لإبطاله به ومبالغة. {فإذا هو زاهق} هالك؛ ~~والزهوق: ذهاب الروح؛ والمعنى: أن يبطل كذبهم لما تبين من الحق، حتى يضمحل ~~الباطل فلا يبقى له أثر، {ولكم الويل مما تصفون(18)} مما لا يجوز عليه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «وتزينها». # (¬2) - ... كذا في الأصل، وفي العبارة خلط كبير، وصوابها: «بل من شأننا ~~أن نغلب الحق الذي من جملته الجد على الباطل، الذي من قبيله اللهو». أبو ~~السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص60. PageV03P062 # وله من في السماوات والأرض} خلقا وملكا {ومن عنده} يعني: الملائكة ~~المنزلين منه لكرامتهم عليه منزلة المقربين عند الملوك، {لا يستكبرون عن ~~عبادته} لا يتعظمون عنها، {ولا يستحسرون(19)} ولا يعيون ms0573 منها؛ وإنما [363] ~~جيء بالاستحسار الذي هو أبلغ من الحسور، تنبيها على أن عبادتهم بثقلها ~~ودوامها حقيقة بأن يستحسر منها، ولا يستحسرون. {يسبحون الليل والنهار} ~~وينزهونه ويعظمونه دائما، {لا يفترون(20)} لأن الشيطان لا يأتيهم بالوسوسة ~~فيشغل قلوبهم بالغفلة كما يأتي بني آدم. والله تبارك تعالى مستحق للتسبيح ~~والتقديس، والتنزيه عما لا يليق به في كل حال؛ فمن ذلك لا يفترون بغفلة، ~~ولا يستحسرون من عياء، ولا يسأمون من ساءمه ليلا ونهارا[كذا]. وكذلك تسبيح ~~الجمادات ومن لا يعقل، وسجودها دائما في كل وقت؛ وكذلك توحيد المؤمنين لله ~~تعالى وطاعتهم له، وتسبيحهم له دائما بلسان الحال، وإن غفلوا عن النطق به ~~بلسان المقال، ولا يفتر عن طاعة الله وتسبيحه وتنزيهه في الحقيقة إلا من ~~عصاه، وخرج من جملة التوحيد. # {أم اتخذوا آلهة} بل اتخذوا آلهة، يعني: الأصنام، ويعم كل ما خالف الحق؛ ~~والهمزة لإنكار اتخاذهم، {من الأرض}، وفائدتها التحقير دون التخصيص، {هم ~~ينشرون(21)} الموتى؛ والمراد: تجهيلهم والتهكم بهم. # {لو كان فيهما آلهة إلا الله} غير الله {لفسدتا} لبطلتا، لما يكون بينهما ~~من الاختلاف والتمانع، فإنها إن توافقت في المراد تطاردت عليه القدر، وإن ~~تخالفت فيه تعاوقت عنه؛ {فسبحان الله رب العرش} المحيط بجميع الأجسام، الذي ~~هو محل التدابير، ومنشأ المقادير، {عما يصفون(22)} من اتخاذ الشريك ~~والصاحبة والولد. # { PageV03P063 لا يسأل عما يفعل} عن حكمه في عباده، لعظمته وقوة سلطانه، ~~وتفرده بالألوهية الذاتية، {وهم يسألون(23)} عما عملوا، لأنهم له مملوكون ~~مستعبدون مجازون. # {أم اتخذوا من دونه آلهة} كرره استفظاعا لأمرهم وتبكيتا، وإظهارا لجهلهم؛ ~~{قل: هاتوا برهانكم} على ذلك، إما من العقل أو من النقل؛ فإنه لا يصح القول ~~بما لا دليل عليه، كيف وقد تطابقت الحجج على بطلانه عقلا ونقلا، {هذا ذكر ~~من معي وذكر من قبلي} من الكتب السماوية، فانظروا هل تجدون فيها إلا الأمر ~~بالتوحيد، والنهي عن الإشراك جليا وخفيا. و«من معي»: أمته، و«من قبلي»: ~~الأمم المتقدمة. وإضافة (¬1) الذكر إليهم لأنه عظتهم. {بل أكثرهم لا يعلمون ~~الحق} ولا يميزون بينه وبين الباطل، بقلة ms0574 تدبرهم وتعلمهم، وإنما يأخذون ~~ظواهر الأمور تساهلا للنفوس، {فهم معرضون(24)} عن التوحيد، واتباع الرسول، ~~وعن التدبر في حقائق الأمور. # {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون(25)؛ وقالوا: اتخذ الرحمن ولدا} نزلت في خزاعة حيث قالوا: ~~«الملائكة بنات الله». {سبحانه} تنزيه له عن ذلك، {بل عباد} بل هم عباد من ~~حيث أنهم مخلوقون؛ وليسوا بأولاد {مكرمون(26)} مقربون. شهد لنفسه بالتنزيه ~~عن قولهم وفعلهم بالباطل. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «وأضاف». PageV03P064 # لا يسبقونه بالقول} لا يقولون شيئا خلاف قوله حيث يقوله كما [هو] ديدن ~~العبيد المؤدبين؛ وأصله لا يسبق قولهم قوله، فنسب الفعل: “السبق” إليه ~~وإليهم (¬1) ، المعرض به للقائلين على الله ما لم يقله؛ وأنيب اللام عن ~~الإضافة اختصارا، وتجافيا عن تكرير الضمير، {وهم بأمره يعملون(27)} لا ~~يعملون قط ما لم يأمرهم به. # {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} لا تخفى عليه خافية مما قدموا وأخروا؛ ~~فإنهم لإحاطتهم بذلك يضبطون [364] أنفسهم، ويراقبون أحوالهم، {ولا يشفعون ~~إلا لمن ارتضى} أن يشفع له، مهابة منه تعالى، {وهم من خشيته} عظمته ومهابته ~~{مشفقون(28)} مرتدعون؛ وأصل الخشية: خوف مع تعظيم؛ ولذلك خص به العلماء (¬2) . # {ومن يقل منهم} من الملائكة، أو من الثقلين المتعبدين: {إني إله من دونه} ~~وذلك يضم كل من دعا إلى طاعة نفسه بغير حق، {فذلك نجزيه جهنم} يريد به نفي ~~النبوة، وادعاء ذلك عن الملائكة، وتهديد (¬3) للمشركين بتهديد مدعي ~~الربوبية. {كذلك نجزي الظالمين(29)} من ظلم بالإشراك، وادعاء الربوبية. # { # ¬__________ # (¬1) - ... انظر نحو هذه العبارة : أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص63. ~~الألوسي: روح المعاني، 17/32. # (¬2) - ... في قوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} سورة فاطر: 28. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الأصوب: «وتهديدا»، أي: ويريد به ~~تهديدا... PageV03P065 # أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا} ذات رتق؛ أو ~~مرتوقتين: وهو الضم والالتحام، أي: كانتا شيئا واحدا، {ففتقناهما} بالتنويع ~~والتمييز؛ وكانت السماوات واحدة، ففتقت بالتحريكات المختلفة، حتى صارت ~~أفلاكا، وكانت الأرضون واحدة؛ فجعلت باختلاف كيفياتها وأحوالها طبقات ms0575 أو ~~أقاليم. وقيل: كانتا بحيث لا فرجة بينهما، ففرج (¬1) ؛ وقيل: {كانتا رتقا}: ~~لا تمطر ولا تنبت، {ففتقناهما} بالمطر والنبات؛ فيكون المراد بالسماوات: ~~سماء الدنيا، جمعها باعتبار الآفاق؛ أو السماوات بأسرها، على أن لها مدخلا ~~ما في الأمطار. والكفرة وإن لم يعلموا ذلك فهم متمكنون من العلم به نظرا؛ ~~فإن الفتق عارض مفتقر إلى مؤثر واجب ابتداء، أو استسفارا (¬2) من العلماء، ~~أو مطالعة الكتب. # {وجعلنا من الماء كل شيء حي} وخلقنا من الماء كل حيوان، كقوله: {والله ~~خلق كل دابة من ماء} (¬3) ، وذلك لأنه أعظم مواده، ولفرط احتياجه له ~~وانتفاعه به بعينه، أو صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء لا يجيء (¬4) دونه، ~~{أفلا يؤمنون(30)} على ظهور الآيات. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «ففرجتا». # (¬2) - ... كذا في الأصل، وفي تفسير أبي السعود: «وإما بالاستفسار من ~~العلماء، أو مطالعة الكتب». أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص65. # (¬3) - ... سورة النور: 45. وفي الأصل: «من الماء» وهو خطأ. # (¬4) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «لا يحيى». PageV03P066 # وجعلنا في الأرض رواسي} ثابتات {أن تميد بهم} لأن لا تميد، فحذف إلا عن ~~الالتباس (¬1) ، {وجعلنا فيها} في الأرض أو الرواسي {فجاجا سبلا} مسالك ~~واسعة، {لعلهم يهتدون(31)} إلى مصالحهم. {وجعلنا السماء سقفا محفوظا} عن ~~الوقوع بقدرته؛ أو الفساد والانحلال إلى الوقت المعلوم بمشيئته؛ أو استراق ~~السمع بالشهب، {وهم عن آياتها} وأحوالها الدالة على وجود الصانع ووحدته ~~وكمال قدرته، وتناهي حكمته التي يحس ببعضها (لعله) شمسها وقمرها ونجومها ~~وما فيها؛ ويبحث عن بعضها في علمي الطبيعة والهيئة، {معرضون(32)} غير ~~متفكرين في آياتها ولا معتبرين. # {وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر} بيان لبعض تلك الآيات، {كل ~~في فلك} أي: كل واحد من ذلك، {يسبحون(33)} يسرعون على سطح الفلك، إسراع ~~السابح على سطح الماء. # {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد} دوام البقاء على الدنيا، لأنها دار تعبد، ~~وليس بعد التعبد إلا الجزاء، {أفإن مت فهم الخالدون(34)} أي: فهم الخالدون ~~إن مت. نزلت حين قالوا: {نتربص به ريب المنون} (¬2) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، والصواب ms0576 ما جاء في تفسير أبي السعود: «فحذف ~~“اللام” و“لا” لعدم الإلباس». المصدر نفسه. # (¬2) - ... سورة الطور: 30. PageV03P067 # كل نفس ذائقة الموت} ذائقة مرارة مفارقتها جسدها؛ لم يخلق الله الموت ~~لعباده عبثا، بل لحكمة أو حكم؛ ومن ذلك ربما يكون لزيادة ثواب للمؤمنين، ~~وزيادة عذاب للكافرين. {ونبلوكم} ونعاملكم معاملة المختبر {بالشر} (لعله) ~~من قليل ذلك وجليله؛ فالمؤمن [365] يخرج من الابتلاء بالسراء والضراء ~~بزيادة ثواب عما كان عند دخوله فيه، من قبل صبره للضراء، ولو في قرص نملة، ~~أوالتصدق بحبة؛ أو شكره للسراء، ولو ناله أدنى مسرة، ولو تجشى جشوة (¬1) ~~فحمد الله على ذلك؛ والكافر يخرج من الابتلاء بزيادة عقاب إذا خرج غير شاكر ~~للسراء، ولا صابر للضراء، فعذابه (لعله) بتضييعه للفرض، وإن أدى الفرض في ~~ذلك فغير مقبول منه؛ وتحسره على فوات الثواب هو عين العذاب، لأنه عاص، ~~وعمله مردود عليه، كما قال: {إن هي إلا فتنتك...} (¬2) # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «تجشأ جشأة». «والتجشؤ: تنفس ~~المعدة عند الامتلاء». والمصدر: تجشؤ، وجشاء من باب عطاس، والاسم: جشأة ~~كهمزة. انظر: ابن منظور: لسان العرب، 1/460. الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ~~ص 35. مادة: «جشأ». # (¬2) - ... سورة الأعراف: 155. وتمامها: {...قال: رب لو شئت أهلكتهم من ~~قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا، إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء ~~وتهدي من تشاء، أنت ولينا، فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين}. ولم يتضح ~~لنا محل الشاهد في الآية بما يوافق السياق.. PageV03P068 # الآية، فصح أن الضراء صارت للمؤمن سراء، إذ في العاقبة مأجور على فعلها، ~~والأمور للعواقب؛ والسراء للكافر ضراء، إذ [هو] معاقب عليها في العاقبة؛ ~~فصح أن الخير لا يكون إلا لأهل الخير، والشر لا يكون إلا لأهل الشر، ~~{والخير فتنة وإلينا ترجعون(35)} فنجازيكم حسب ما يوجد منكم من الصبر ~~والشكر. وفيه تنبيه بأن المقصود من هذه الحياة: الابتلاء. والتعريض للثواب ~~والعقاب تقرير لما سبق. # {وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا} ما يتخذونك إلا هزؤا، مهزوءا ~~به، ويقولون: {أهذا الذي يذكر آلهتكم}؟ أي: بسوء؛ وإنما أطلقه ms0577 لدلالة ~~الحال، فإن ذكر العدو لا يكون إلا بسوء. {وهم بذكر الرحمن} بالتوحيد؛ أو ~~بإرشاد الخلق ببعث الرسل، وإنزال الكتب، رحمة عليهم؛ أو بالقرآن {هم ~~كافرون(36)} منكرون، فهم أحق أن يهزأ بهم. # {خلق الإنسان من عجل} كأنه خلق منه لفرط استعجاله، وقلة تأنيه؛ كقولك: ~~خلق زيد من الكرم، جعل ما طبع عليه بمنزلة المطبوع هو منه، مبالغة في ~~الدومة (¬1) له، ومن عجلته مبادرته إلى الكفر، واستعجال الوعد. {سأريكم ~~آياتي} نقماتي في الدنيا والآخرة، {فلا تستعجلون(37)} في الإتيان بها، ~~والنهي عما جبلت عليه نفوسهم ليقعدوها عن مرادها. {ويقولون متى هذا الوعد}؟ ~~وقت وعد العذاب؛ أو يوم القيامة، {إن كنتم صادقين(38)} يعنون النبي ~~وأصحابه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب ما ذكره أبو السعود: «لزومه له». ~~مج3/ ج6/ ص67. PageV03P069 # لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون} لا يمنعون {عن وجوههم النار ولا عن ~~ظهورهم ولا هم ينصرون(39)} أي: لو يعلمون الوقت الذي يستعجلون منه بقولهم: ~~{متى هذا الوعد} وهو حين تحيط بهم النار من كل جانب، بحيث لا يقدرون على ~~دفعها، ولا يجدون ناصرا يمنعها لما استعجلوا؛ {بل تأتيهم} العدة، أو الساعة ~~{بغتة} فجأة {فتبهتهم} فتحيرهم، {فلا يستطيعون ردها} ويحتمل في قوله: {بل ~~تأتيهم بغتة فتبهتهم} أي: النار بخروج أرواحهم بهتتهم، أي: كذبت ظنونهم ~~الفاسدة، لأن الموت يأتيهم بغتة، من فرط آمالهم؛ ولأنهم يأملونه بعيدا، ~~كانوا في صحة أو مرض؛ ومن ذلك أنهم لا يؤمنون ولا يتوبون حتى تنزل بهم، ~~فيتحققون وقوع العذاب حينئذ. {ولا هم ينظرون(40)} ولا يمهلون، وفيه تذكير ~~بإمهالهم في الدنيا. # {ولقد استهزئ برسل من قبلك} تسلية له، {فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا ~~به يستهزءون(41)} وعد له بأن ما يفعلونه يحيق بهم، كما حاق بالمستهزئين ~~بالأنبياء ما فعلوا، يعني: جزاؤه. # {قل} يا محمد: {من يكلؤكم} يحفظكم {بالليل والنهار من الرحمن} من بأسه، ~~إن أراد بكم؛ وفي لفظ الرحمن: تنبيه [366] على أن لا كالئ غير رحمته ~~العامة، وإن اندفاعه بمهلته [كذا]، {بل هم عن ذكر ربهم معرضون(42)} لا ~~يتوقعونه ms0578 ببالهم، فضلا أن يخافوا بأسه، حتى إذا أكلئوا منه عرفوا الكالئ، ~~وصلحوا للسؤال عنه. # {أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا} من عذابنا، {لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا ~~هم منا يصحبون(43)} استئناف بإبطال ما اعتقدوه، فإن من لا يقدر على نصر ~~نفسه، ولا يصحبه نصر من الله، كيف ينصر غيره. # { PageV03P070 بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر} إضراب عما ~~توهموا، ببيان ما هو الداعي إلى حفظهم، وهو الاستدراج والتمتيع بما قدر لهم ~~من الأعمار والأرزاق؛ أو مهلهم حتى طالت أعمارهم، فحسبوا أن لا يزالوا ~~كذلك، وأنهم بسبب ما هم عليه؛ ولذلك عقبه بما يدل على أنه أمل كاذب، فقال: ~~{أفلا يرون أنا نأتي الأرض}؟ أرض الكفرة {ننقصها من أطرافها} بتسليط ~~المسلمين عليها؛ أي: ما ننقص من أطراف المشركين، ونزيد في أطراف المؤمنين؛ ~~نريد بذلك فتح النبي ديار المشركين أرضا فأرضا، {أفهم الغالبون(44)}؟ رسول ~~الله والمؤمنين. # {قل: إنما أنذركم بالوحي، ولا يسمع الصم الدعاء} إنما سماهم الصم للدلالة ~~على تصاممهم، وعدم انتفاعهم بما يسمعون، {إذا ما ينذرون(45). ولئن مستهم ~~نفحة} أدنى شيء، فإن أصل النفح: هبوب رائحة الشيء؛ وقيل: قطعة، {من عذاب ~~ربك} من الذي ينذرون به، {ليقولن: يا ويلنا إنا كنا ظالمين(46)} لدعوا (¬1) ~~على أنفسهم بالويل، واعترفوا عليها بالظلم. # {ونضع الموازين القسط} قيل: وضع الموازين تمثيل لإرصاد الحساب السوي، ~~والجزاء على حسب الأعمال بالعدل، {ليوم القيامة} لجزاء يوم القيامة؛ أو ~~لأهله؛ أو فيه. {فلا تظلم نفس شيئا} فلا تنقص من حسناتها، ولا تزاد على ~~سيئاتها، {وإن كان مثقال حبة من خردل} أي: وإن كان العمل مقدار ثقل حبة ~~{أتينا بها} أحضرناها، {وكفى بنا حاسبين(47)} إذ لا مزيد على علمنا وعدلنا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «لدعواه»، وهو خطأ. PageV03P071 # ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان} الكتاب الفارق بين الحق والباطل، {وضياء ~~وذكرا للمتقين(48)} أي: الكتاب الجامع لكونه فارقا بين الحق والباطل، وضياء ~~يستضاء به في ظلمات الحيرة والجهالة، وذكرا (¬1) يتعظ به المتقون؛ أو ذكر ~~ما يحتاجون إليه من الشرائع، {الذين يخشون ربهم} صلة للمتقين ms0579 {بالغيب} أي: ~~يخافونه ولم يروه، {وهم من الساعة مشفقون(49)} خائفون. {وهذا ذكر مبارك} ~~كثير خيره {أنزلناه، أفأنتم له منكرون(50)}؟. # {ولقد آتينا إبراهيم رشده} الاهتداء لوجوه الصلاح؛ والرشد: عبارة عن هدا ~~(¬2) باعثة إلى جهة (لعله) السعادة، محركة لها، {من قبل} من قبل موسى، أو ~~محمد؛ أو من قبل استنبائه أو بلوغه، {وكنا به عالمين(51)} علمنا أنه أهل ~~لما آتيناه؛ أو جامع لمحاسن الأوصاف، ومكارم الخصال؛ وفيه إشارة إلى أن ~~فعله تعالى باختيار وحكمة، وأنه عالم بالجزئيات. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «وذكر»، وهو خطأ. لأنه معطوف على خبر كان وهو قوله: ~~«فارقا». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «هداية». PageV03P072 # إذ قال لأبيه وقومه: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون(52)}؟ تحقير ~~لشأنها، وتوبيخ على إجلالها، فإن التمثال صورة لا روح فيها، ولا تضر ولا ~~تنفع. {قالوا: وجدنا آباءنا [367] لها عابدين(53)} فقلدناهم. {قال: لقد ~~كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين(54)} منخطرون (¬1) في سلك ضلال لا يخفى على ~~عاقل، لعدم استناد الفريقين إلى دليل؛ والدليل إن جاز فإنما يجوز لمن علم ~~في الجملة أنه على حق. {قالوا أجئتنا بالحق، أم أنت من اللاعبين(55)} كأنهم ~~(¬2) استبعادهم تضليل آبائهم، ظنوا أنما قاله على وجه الملاعبة؛ فقالوا ~~(¬3) : أتجد بقولك أم تلعب؟ {قال: بل (¬4) ربكم رب السماوات والأرض الذي ~~فطرهن} إضراب عن كونه لاعبا، بإقامة البرهان على ما ادعاه، وهو السماوات ~~والأرض؛ أو للتماثيل. وهو أدخل في تضليلهم، وإلزام الحجة عليهم. {وأنا على ~~ذلكم} المذكور من التوحيد، {من الشاهدين(56)} من المتحققين له، والمبرهنين ~~عليه؛ فإن الشاهد: من تحقق الشيء، وحققه. # {وتالله لأكيدن أصنامكم} لأجتهدن في كسرها؛ ولفظ الكيد، وما في التاء من ~~التعجب لصعوبة الأمر، وتوقعه على أنواع من الحيل، {بعد أن تولوا} عنها؛ أو ~~عن النصح {مدبرين(57)} ولعله قال: ذلك سرا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «منخرطون». وفي اللسان: «انخرط ~~الرجل في الأمر، وتخرط: ركب فيه من غير علم ولا معرفة». ابن منظور: لسان ~~العرب، 2/814. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «كأنهم استبعدوا». # (¬3) - ... في الأصل: «فقال» وهو خطأ. ms0580 # (¬4) - ... في الأصل: - «بل»، وهو خطأ. PageV03P073 # فجعلهم جذاذا} قطعا؛ من الجذ: وهو القطع، {إلا كبيرا لهم} للأصنام، كسر ~~غيره واستبقاه، {لعلهم إليه يرجعون(58)} لأنه غلب على ظنه (¬1) لا يرجعون ~~إلا إليه، لتفرده واشتهاره بعداوة آلهتهم، فيحاجهم بقوله: «بل فعله ~~كبيرهم»؛ أو يرجعون إلى كبيرهم. # {قالوا: من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين(59)} بجرأته على آلهة ~~الحقيقة (¬2) بالإعظام؛ أو بإفراطه في حطمها؛ أو بتوريط نفسه في الهلاك. ~~{قالوا: سمعنا فتى يذكرهم} يعيبهم، {يقال له: إبراهيم(60) قالوا: فأتوا به ~~على أعين الناس} بمرأى منهم؛ بحيث تتمكن صورته في أعينهم، {لعلهم ~~يشهدون(61)} بفعله، أو قوله، أو يحضر عقوبتنا له. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: + «أنهم». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «الآلهة الحقيقة». أو: «آلهة ~~حقيقة». PageV03P074 # قالوا: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم(62)؟ قال: بل فعله كبيرهم هذا} ~~غضبا منه عن أن تعبد معه الصغار، فكسرهن؛ وأراد إقامة الحجة عليهم، ~~{فاسألوهم إن كانوا ينطقون(63)} قيل: إنه في المعنى متعلق بقوله: {إن كانوا ~~ينطقون} (¬1) . {فرجعوا إلى أنفسهم} وراجعوا عقولهم {فقالوا} فقال بعضهم ~~لبعض: {إنكم أنتم الظالمون(64)} بهذا السؤال؛ أو بعبادة ما لا ينطق ولا يضر ~~ولا ينفع، لا من ظلمتموه بقولكم: {إنه لمن (¬2) الظالمين}، وذلك منهم كلام ~~عقلي إن لو ثبتوا عليه. # {ثم نكسوا على رءوسهم} ارتدوا إلى المجادلة بعدما استقاموا بالمراجعة، ~~شبه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء مستعليا على أعلاه، {لقد علمت ما ~~هؤلاء ينطقون(65)} فكيف تأمرنا بسؤالها؟ أقروا على أنفسهم بالضلال من حيث ~~لا يعلمون، حتى وبخهم على لعبهم وتعبهم حيث {قال: أفتعبدون من دون الله ما ~~لا ينفعكم شيئا ولا يضركم(66)} إنكارا لعبادتهم لها، بعد اعترافهم بأنها ~~جمادات لا تنفع ولا تضر؛ فإنه ينافي الألوهية، ويطابق اللعب. # {أف لكم ولما تعبدون من دون الله} تضجرا منهم على إصرارهم بالباطل البين. ~~أف: صوت المتضجر، ومعناه: قبحا واستقذارا، لأن عبادتها لا تضره إن ترك ~~عبادتها، ولا تنفعه إن عبدها؛ والعاقل يأنف ويضجر ويمل (لعله) ويسائم من ~~عمل لا ينفعه، {أفلا تعقلون(67)} قبح صنيعكم؟!. ms0581 # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «متعلق بقوله: {بل فعله كبيرهم ~~هذا}». وفي تفسير الألوسي: «وقيل: إن: {فعله كبيرهم هذا} جواب قوله: {إن ~~كانوا ينطقون} معنى. وقوله: {فاسألوا} جملة معترضة مقترنة بالفاء...». ~~الألوسي: روح المعاني، 17/65. # (¬2) - ... في الأصل: «من»، وهو خطأ. PageV03P075 # قالوا} أخذا في المضارة لما عجزوا عن المحاجة: {حرقوه} فإن النار أشد ما ~~يعاقب به، {وانصروا آلهتكم} بانتقام (¬1) [368] لها، {إن كنتم فاعلين(68)} ~~إن كنتم ناصرين لها. # {قلنا: يا نار كوني بردا وسلاما} ذات برد وسلام، أي: ابردي بردا غير ضار؛ ~~وفيه مبالغات، جعل النار المسخرة لقدرته مأمورة مطيعة. روي أنهم بنوا ~~حظيرة، وجمعوا فيها نارا عظيمة، ثم وضعوه في المنجنيق مغلولا، فرموا به ~~فيها؛ فقال له جبريل: «هل لك من حاجة؟» كأنه يودعه وداع الخارج من الدنيا ~~اختبارا وابتلاء فوق ابتلائه، ليتضاعف له الأجر؛ فقال: «أما إليك فلا» أي: ~~إنك مخلوق مثلي لا تقدر على شيء من نجاتي. فقال له: «سل ربك»، فقال: «حسبي ~~من سؤالي علمه بحالي، إني وضعت في ذلك الحال اجتهادا في دينه، ورضى له، وهو ~~إن شاء يميتني، وإن شاء يحييني»؛ فأنجاه الله منها. وانقلاب النار هواء ~~طيبة، ليس ببدع في قدرة الله، غير أن ذلك على خلاف المعتاد، فهو إذن من ~~معجزاته. {على إبراهيم(69)}. # {وأرادوا به كيدا} مكرا في إضراره، {فجعلناهم الأخسرين(70)} أخسر من كل ~~خاسر، لما عاد سعيهم برهانا قاطعا على أنهم على الباطل، وإبراهيم على الحق، ~~وموجبا لمزيد درجته، واستحقاقهم أشد العذاب. # {ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين(71)} قيل: من العراق ~~إلى الشام. وبركاته العامة: أن أكثر الأنبياء بعثوا فيه، فانتشرت في ~~العالمين شرائعهم التي هي مبادئ الكمالات، والخيرات الدينية والدنيوية؛ ~~وقيل: كثرة النعم والخصب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الأصوب: «بالانتقام». انظر: أبو السعود: ~~تفسير، مج3/ ج6/ ص76. PageV03P076 # ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة} عطية، ولدا لولده، {وكلا جعلنا ~~صالحين(72)} بأن وفقناهم للصلاح، وحملناهم عليه، فصاروا كاملين. {وجعلناهم ~~أئمة} يقتدى بهم {يهدون} الناس إلى الحق {بأمرنا} لهم بذلك، وإرسالنا ~~إياهم، ms0582 حتى صاروا مكملين، {وأوحينا إليهم فعل الخيرات} ليحثوهم عليه، فيتم ~~كمالهم بانضمام العمل إلى العلم؛ وأصله: أن تفعل الخيرات، ثم فعلا الخيرات ~~عليها (¬1) ، وكذلك قوله: {وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وكانوا لنا ~~عابدين(73)} موحدين، مخلصين في العبادة. # {ولوطا آتيناه حكما} حكمة؛ أو نبوة؛ أو فصلا بين الخصوم، {وعلما} بما ~~ينبغي علمه للأنبياء، {ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث} يأتون ~~الذكران في أدبارهم، وأشياء أخر من المنكرات، {إنهم كانوا قوم سوء ~~فاسقين(74) وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين(75)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... نقل المصنف هذه العبارة الغامضة من الزمخشري ومن تابعه من ~~المفسرين، ونجد توضيحها عند الألوسي حيث يقول: «وأصله: على ما ذهب إليه ~~الزمخشري ومن تابعه أن يفعل الخيرات، ببناء الفعل لما لم يسم فاعله، ورفع ~~“الخيرات” على النيابة عن الفاعل، ثم “فعلا الخيرات” بتنوين المصدر ورفع ~~“الخيرات” أيضا، على أنه نائب الفاعل لمصدر المجهول، ثم “فعل الخيرات” بحذف ~~التنوين، وإضافة المصدر لمعموله القائم مقام فاعله، والداعي لذلك كما قيل: ~~إن {فعل الخيرات} بالفعل المصدري ليس موحى، إنما الموحى أن يفعل...». ~~الألوسي: روح المعاني، 17/71. وانظر: الزمخشري: الكشاف، 3/100. أبو السعود: ~~تفسير، مج3/ ج6/ ص77. PageV03P077 # ونوحا إذ نادى من قبل} من قبل المذكورين، {فاستجبنا له، فنجيناه وأهله من ~~الكرب العظيم(76)} من الطوفان؛ أو أذى قومه؛ أو من غم المعصية؛ والكرب: ~~الغم الشديد. {ونصرناه (¬1) من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم ~~سوء فأغرقناهم أجمعين(77)} لاجتماع الأمرين: تكذيب الحق، والانهماك في ~~الشر؛ فإنهما لم يجتمعا في قوم إلا وأهلكهم الله. # {وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم} رعته ليلا؛ ~~والنفش: الرعي بالليل، (لعله) والهمل بالنهار، همالة ترعى بلا راع (¬2) . ~~{وكنا لحكمهم شاهدين(78) ففهمناها سليمان، وكلا آتينا حكما وعلما. وسخرنا ~~مع داوود الجبال يسبحن} يقدسن الله معه، إما بلسان الحال، أو بصوت يتمثل ~~له، أو بخلق الله [369] فيها، {والطير} عطف على الجبال؛ وقيل: سخر الله ~~الجبال والطير يسبحن مع داوود إذا سبح. قال ابن عباس: «كان يفهم تسبيح ~~الحجر والشجر». قال ms0583 وهب: «كانت الجبال تجاوبه بالتسبيح، وكذلك الطير»، ~~{وكنا فاعلين(79)} لأمثاله، فليس ببدع منا، وإن كان عجيبا عندكم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «وانصرناه»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، وفي اللسان: «والاسم: النفش، ولا يكون النفش ~~إلا بالليل، والهمل يكون ليلا ونهارا». ابن منظور: لسان العرب، 6/691. ~~مادة: «نفش». وانظر: مادة: «همل» 6/830. PageV03P078 # وعلمناه صنعة لبوس} عمل الدروع، وهو في الأصل: اللباس. قال: «البس لكل ~~حالة لبوسها، إما نعيمها وإما بوسها»، {لكم لتحصنكم من بأسكم، فهل أنتم ~~شاكرون(80)؟. ولسليمان الريح عاصفة} شديدة الهبوب، {تجري بأمره إلى الأرض ~~التي باركنا فيها} بركة الدين والدنيا على من فيها، {وكنا بكل شيء ~~عالمين(81)} فنجزيه على ما تقتضيه الحكمة. # {ومن الشياطين من يغوصون له} في البحار، ويخرجون نفائسها، {ويعملون عملا ~~دون ذلك} ويتجاوزون ذلك إلى أعمال أخرى، كبناء المدن والقصور، واختراع ~~الصنائع الغريبة، لقوله: {يعملون له ما يشاء} (¬1) ، {وكنا لهم حافظين(82)} ~~أن يزيغوا عن أمره؛ أو يفسدوا على ما هو مقتضى جبلتهم. # {وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر} أصابني الجهد والمشقة، {وأنت أرحم ~~الراحمين(83)} وصف ربه بغاية الرحمة، بعدما ذكر نفسه بما يوجبها، واكتفى ~~بذلك عن غرض المطلوب لطفا في السؤال. {فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر ~~وآتيناه أهله ومثلهم معهم} قيل: ولد له ضعف ما كان {رحمة من عندنا وذكرى ~~للعابدين(84)} رحمة عليه، وتذكرة للعابدين، ليصبروا كما صبر، فيثابوا كما ~~أثيب (¬2) ؛ أو لرحمتنا للعابدين، فإنا نذكرهم بالإحسان ولا ننساهم. # {وإسماعيل وإدريس وذا الكفل} يعني إلياس؛ وقيل: يوشع، أو غيرهما، {كل من ~~الصابرين(85)} على مشاق التكاليف. {وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من ~~الصالحين(86)} الكاملين في الصلاح، بما تعبدهم الله به. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة سبأ: 13. # (¬2) - ... في الأصل: «ثيب»، وهو خطأ. PageV03P079 # وذا النون} يونس {إذ ذهب مغاضبا} على قومه حين لم يؤمنوا به، على ما قيل؛ ~~{فظن أن لن نقدر عليه} البلاء بسبب غضبه، من القدر، وقرئ مثقلا؛ ولعلها ~~كانت خطرة شيطانية، سيقت إلى وهمه، فسمي ظنا للمبالغة، {فنادى في الظلمات} ~~قيل: ظلمات بطن الحوت والبحر والليل؛ أو ظلمات ms0584 المعاصي، وذلك عند خروجه ~~منها إلى النور، وهو التوبة؛ ودليله قوله: {أن لا إله إلا أنت سبحانك إني ~~كنت من الظالمين(87)} لنفسي بالمبادرة إلى ما لم تأمرني به، وكان ذلك توبة له. # {فاستجبنا له ونجيناه من الغم} من غم المعصية، وما به من الكرب، {وكذلك ~~ننجي المؤمنين(88)} من غموم دعوا الله فيها بالإخلاص؛ أي: ننجي كل من نزل ~~بمنزلته في الاضطرار والإخلاص. # {وزكريا إذ نادى ربه: رب لا تذرني فردا} وحيدا في الدين، بلا وارث يرثني ~~بعدي في الدين، {وأنت خير الوارثين(89) فاستجبنا له ووهبنا له يحيى، ~~وأصلحنا له زوجه} قيل: للولادة بعد عقرها؛ أو له بتحسين خلقها؛ {إنهم} ~~يعني: المتوالدين؛ أو المذكورين من الأنبياء {كانوا يسارعون في الخيرات} ~~بالمسابقة إليها خوف الفوات، {ويدعوننا رغبا ورهبا} راغبين في الثواب، ~~راجين الإجابة؛ أو في الطاعة خائفين العذاب، أو المعصية؛ والرغبة والرهبة ~~في القلب؛ {وكانوا لنا خاشعين(90)} مخبتين؛ أو دائمين الوجل. قال مجاهد: ~~«الخشوع: الخوف اللازم في القلب»؛ والمعنى: أنهم نالوا من الله ما نالوا ~~بهذه الخصال. # {والتي [370] أحصنت فرجها} من الحلال والحرام، {فنفخنا فيها من روحنا} من ~~الروح الذي هو بأمرنا وحده، {وجعلناها وابنها} أي: قصتهما أو حالهما، {آية ~~للعالمين(91)} وهي من أعظم الآيات لمن تأملها. # { PageV03P080 إن هذه أمتكم أمة واحدة} أمرا بالائتلاف، ونهيا عن ~~الاختلاف؛ أي: إن ملة التوحيد ملتكم التي يجب عليكم أن تكونوا عليها، غير ~~مختلفين فيما بين الأنبياء؛ أو لا مشاركة لغيرها في صحة الاتباع، {وأنا ~~ربكم} لا إله غيري {فاعبدون(92)} لا غير. # {وتقطعوا أمرهم بينهم} صرفه إلى الغيبة التفاتا، لينعى على الذين تفرقوا ~~في الدين، وجعلوا أمره قطعا موزعة، [و]يقبح فعلهم إلى غيرهم؛ {كل} من الفرق ~~المتحزبة {إلينا راجعون(93)} فنجازيهم. {فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن، ~~فلا كفران لسعيه} فلا تضييع لسعيه؛ استعير لمنع الثواب، كما استعير الشكر ~~لإعطائه، {وإنا له} لسعيه {كاتبون(94)} مثبتون في صحيفة عمله. # {وحرام على قرية} وممتنع على أهلها غير متصور منهم، {أهلكناها} حكمنا ~~بإهلاكها {أنهم لا يرجعون(95)} إلى التوبة، أو الحياة؛ ms0585 وهذا الوعيد يتناول ~~كل نفس علم الله شقاءها، فلا ترجع إلى السعادة أبدا. # {حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج} متعلق ب«حرام»، أو بمحذوف (¬1) دل عليه ~~الكلام؛ أو ب«لا يرجعون»، أي: يستمر الامتناع إلى قيام الساعة، وظهور ~~أماراتها، وفتح سد يأجوج ومأجوج، {وهم} يعني: يأجوج ومأجوج، أو الناس كلهم ~~{من كل حدب} نشز من الأرض {ينسلون(96)} يسرعون. # {واقترب الوعد الحق} هو يوم القيامة؛ أو انقضاء كل نفس على حيالها، {فإذا ~~هي شاخصة أبصار} فاتحة أعينهم لا تكاد تطرف؛ وقيل: ذاهبة، {الذين كفروا: يا ~~ويلنا} أي: الويل لنا، {قد كنا في غفلة من هذا} في غطاء من قبل هوى أنفسنا، ~~{بل كنا ظالمين(97)} لأنفسنا بإخلال النظر، والاعتداد بالنذر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «لمحذوف». PageV03P081 # إنكم وما تعبدون من دون الله} يحتمل الأوثان، وإبليس وأعوانه، لأنهم ~~بطاعتهم لهم في حكم عبدتهم، كما قال: {والذين يكنزون الذهب والفضة...} ~~[إلى] تمام الآية (¬1) . {حصب جهنم} ما يرمى به لها، وتهيج به؛ من حصبه ~~يحصبه: إذا رماه بالحصباء. {أنتم لها واردون(98)} داخلون. # {لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها} لأن الورود إليها إن كان عذابا له أو ~~لغيره لا يكون إلها[كذا]، {وكل فيها خالدون(99)} لا خلاص لهم عنها. {لهم ~~فيها زفير} أنين وتنفس شديد، {وهم فيها لا يسمعون(100)} من الهول، وشدة ~~العذاب؛ وقيل: لا يسمعون ما يسرهم كما كانوا في الدنيا؛ لأن العاصي لا يسمع ~~ولا يبصر ما يسره السرور الحقيقي، وكيف لا وهم أموات غير أحياء، ولكن لا ~~يشعرون. # {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى} الخصلة الحسنى، وهي الحق والسعادة، ~~والتوفيق للطاعة، {أولئك عنها مبعدون(101)} لأنهم يرفعون إلى أعلى عليين. ~~{لا يسمعون حسيسها} يعني: صوتها، وحركة تلهبها؛ والحسيس: الصوت الخفي، {وهم ~~في ما اشتهت أنفسهم خالدون(102)} دائمون في غاية التنعم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة التوبة: 34-35. وتمامها: {والذين يكنزون الذهب والفضة ~~ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم ~~فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم ~~تكنزون}. PageV03P082 # لا يحزنهم الفزع الأكبر} ms0586 لأنه أكبر من كل فزع؛ وإذا لم يحزنهم ذاك، فقد ~~سلموا [عند] النفخة الأخيرة، لقوله: {ويوم ينفخ في الصور ففزع [371] من في ~~السماوات ومن في الأرض} (¬1) أو الانصراف إلى النار؛ أو حين يطبق على ~~النار؛ أو يذبح الموت. {وتتلقاهم الملائكة} تستقبلهم بالتهنئة والبشرى ~~بالسلامة: {هذا يومكم} هذا يوم ثوابكم {الذي كنتم توعدون(103)} في الدنيا. # {يوم نطوي السماء} الطي: ضد النشر؛ أو المحو، من قولك: اطو عني هذا ~~الحديث؛ وذلك أنها نشرت مظلة لبني آدم، فإذا انقفلوا انقضت عنهم، {كطي ~~السجل للكتب} طيا كطي الطومار (¬2) لأجل الكتابة؛ أو لما يكتب، أو كتب فيه؛ ~~وتدل عليه قراءة حفص على الجمع؛ أي: للمعاني الكثيرة المكتوبة؛ وقيل: ~~السجل: ملك يطوي كتب الأعمال إذا رفعت إليه؛ أو كاتب (¬3) كان لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - {كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا} أي: نعيد ما ~~خلقناه للإعادة، {إنا كنا فاعلين(104)} ذلك لا محالة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النمل: 87. ومحل الشاهد في الآية عند إتمامها: {إلا من ~~شاء الله...}. # (¬2) - ... في المنجد: «الطامور والطومار، جمع طوامير: الصحيفة، يقال: ~~كتب في الطومار أو الطوامير». ص 471، مادة: طمر. # (¬3) - ... في الأصل: «كانت»، ولا معنى له. PageV03P083 # ولقد كتبنا في الزبور} في كتاب داوود {من بعد الذكر} أي: التوراة؛ وقيل ~~المراد بالزبور: جنس الكتب المنزلة؛ وبالذكر: اللوح المحفوظ؛ {أن الأرض} ~~أرض الجنة؛ أو أرض الدنيا {يرثها عبادي الصالحون(105)} للجزاء، إن كانت أرض ~~الجنة؛ أو للخلافة، إن كان يعني به أرض الدنيا، كما قال: {هو الذي جعلكم ~~خلائف في الأرض} (¬1) {إن في هذا} (¬2) أي: فيما ذكر من الأخبار والمواعظ ~~والمواعيد، {لبلاغا} لكفاية؛ أو لسبب بلوغ إلى البغية، {لقوم عابدين(106)} ~~همتهم العبادة دون العادة، لأن فيه ذكر العابدين؛ وقيل: القرآن زاد الجنة، ~~كبلاغ المسافر. # {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين(107)} لان (¬3) ما بعثناك إلا سببا ~~لإسعادهم، وموجبا لصلاح معاشهم ومعادهم. {قل: إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله ~~واحد} أي: ما يوحي إلي إلا أنه لا إله لكم إلا إله واحد؛ وذلك لأن المقصود ~~الأصلي من بعثته مقصور ms0587 على التوحيد، وذلك يقتضي الائتلاف في الدين، إذ كان ~~المعبود واحدا دون الافتراق، {فهل أنتم مسلمون(108)}؟ مخلصون العبادة لله ~~على مقتضى الوحي المصدق بالحجة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة فاطر: 38. في الأصل: «وجعلناكم فيها خلائف»، ولا وجود ~~لآية هكذا!. # (¬2) - ... في الأصل: «إن هذا»، وهو خطأ. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «أي». PageV03P084 # فإن تولوا} عن التوحيد، {فقل: آذنتكم} أعلمتكم ما أمرت به {على سواء} ~~مستوين في الإعلام به، ومستوين أنا وأنتم في العلم بما أعلمتكم به؛ أو في ~~المعاداة؛ أو إيذانا على سواء؛ وقيل: أعلمتكم أني على سواء، أي: عدل ~~واستقامة رأي بالبرهان النير المبين، {وإن أدري} وما أدري {أقريب أم بعيد ~~ما توعدون(109)} به في الدنيا أو الآخرة، فإنه كائن لا محالة. {إنه يعلم ~~الجهر من القول} ما يجاهرون به من الطعن في الإسلام، {ويعلم ما ~~تكتمون(110)} من الإحن والأحقاد للمسلمين، فيجازيكم عليه. # {وإن أدري لعله فتنة لكم} وما أدري لعل خير جزائكم استدراج لكم، وزيادة ~~في افتتانكم؛ أو امتحان لننظر ما تعملون، {ومتاع إلى حين(111)} وتمتيع إلى ~~أجل مقدر تقتضيه مشيئته. # {قال: رب احكم بالحق} طلبا للنصرة؛ {وربنا الرحمن} كثير الرحمة على خلقه، ~~{المستعان} المطلوب منه المعونة {على ما تصفون(112)} من الحال. # سورة الحج # بسم الله الرحمن الرحيم # { PageV03P085 يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة} [372] تحريكها ~~للأشياء؛ أو تحريك الأشياء فيها؛ وقيل: هي زلزلة تكون قبل طلوع الشمس من ~~مغربها؛ وأضافها إلى الساعة، لأنها من أشراطها، {شيء عظيم(1)} هائل. علل ~~أمرهم بالتقوى بفظاعة الساعة، ليتصوروها (لعله) بعقولهم، ويعلموا أنه لا ~~يؤمنهم منها سوى التدرع بلباس التقوى، فيتقوا على أنفسهم، ويتقوها بملازمة ~~التقوى؛ والزلزلة (¬1) : شدة الحركة على الحال الهائلة؛ واختلفوا فيها، ~~فقيل: إنها من أشراط الساعة قبل قيامها (¬2) . # {يوم ترونها} يعنى: الزلزلة، (لعله) الززلة[كذا]، {تذهل كل مرضعة عما ~~أرضعت} تصوير لهولها؛ والذهول: الذهاب عن الأمر بدهشة؛ والمقصود الدلالة ~~على أن هولها بحيث إذا دهشت التي ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه، وذهلت ~~عنه. {وتضع كل ذات حمل حملها} تسقط ولدها من هول ms0588 ذلك اليوم. قال الحسن: ~~«تذهل المرضعة عن ولدها من غير فطام». {وترى الناس} كأنهم {سكارى وما هم ~~بسكارى} على الحقيقة، {ولكن عذاب الله شديد(2)} فأرهقهم هوله بحيث طير ~~عقولهم وأذهب تمييزهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «والزوالة»، وهو خطأ. # (¬2) - ... هنا وضع الناسخ إحالة إلى الحاشية ولم يكتب فيها شيئا. ~~والعبارة تبدو ناقصة، إذ بقي للمصنف أن يسرد قولا أو أقوالا أخرى. وانظر ~~الاختلاف حول معنى الساعة: الألوسي: روح المعاني، 17/110-111. PageV03P086 # ومن الناس من يجادل في الله} في توحيده وعبادته، {بغير علم ويتبع} في ~~المجادلة؛ أو في علامة أحواله، {كل شيطان مريد(3)} متجرد للفساد، عار من ~~الخير، لأن أصل المرد العري. {كتب عليه} على الشيطان؛ أي: صحت عليه الأحوال ~~{أنه من تولاه} تبعه، {فأنه يضله} المعنى: كتب عليه إضلال من تولاه، لأنه ~~جبل عليه. {ويهديه إلى عذاب السعير(4)} بما يزين له من الباطل. # ثم ألزم الحجة على منكري البعث، فقال: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من ~~البعث} من إمكانه، وكونه مقدرا، {فإنا خلقناكم} أي: فانظروا في بدء خلقكم، ~~فإنه يزيح ريبكم إذ خلق {من تراب، ثم من نطفة ثم من علقة} قطعة من الدم ~~جامدة، {ثم من مضغة} قطعة من لحم، وهي في الأصل قدر ما يمضغ. {مخلقة وغير ~~مخلقة} مسواة لا نقص فيها ولا عيب، وغير مسواة؛ أو مصورة وغير مصورة. ~~{لنبين لكم} بهذا التدريج كمال قدرتنا وحكمتنا، وأن من قدر على تصويره، ~~وتغييره، أولا قدر على ذلك ثانيا، إيماء على أن أفعاله هذه يتبين بها من ~~قدرته وحكمته ما لا يحيط به الذكر. # { PageV03P087 ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى، ثم نخرجكم طفلا} ~~عطف على «نبين»، كأنهم خلقهم تدرجا (¬1) لغرضين: تبيين القدرة، وتقريرهم في ~~الأرحام، حتى يولدوا وينشؤوا ويبلغوا حد التكليف؛ {ثم لتبلغوا أشدكم} ~~كمالكم في القوة والعقل، جمع شدة؛ {ومنكم من يتوفى} عند بلوغ الأشد، أو ~~قبله. {ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} الهرم والخرف، حتى لا يعقل؛ {لكيلا ~~يعلم من بعد علم شيئا} ليعود كهيئته الأولى؛ ms0589 أوان الطفولية، من سخافة ~~العقل، وقلة الفهم؛ فينسى ما علمه، وينكر من عرفه؛ والاستدلال بأن على ~~إمكان [373] البعث بما يعتري الإنسان في أسنانه من الأمور المختلفة، ~~والأحوال المتضادة من قدر على ذلك قدر على نظائره، فقال: {وترى الأرض ~~هامدة} ميتة يابسة؛ من “همدت النار”: إذا صارت رمادا؛ {فإذا أنزلنا عليها ~~الماء اهتزت} تحركت بالنبات، {وربت} وانتفخت؛ وقيل: ارتفعت. {وأنبتت من كل ~~زوج} من كل صنف {بهيج(5)} حسن رائق؛ وهذه دلالة ثالثة كررها الله في كتابه ~~لظهورها، وكونها مشاهدة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «مدرجا»، وهو خطأ. PageV03P088 # ذلك} إشارة إلى ما ذكر من خلق الإنسان في أطوار مختلفة، وتحويله على ~~أحوال متضادة، وإحياء الأرض بعد موتها {بأن الله هو الحق}؛ أي: بسبب أنه ~~الثابت في نفسه، الذي به تتحقق الأشياء، {وأنه يحيي الموتى} وأنه يقدر على ~~إحيائها، لما أحيا النطفة، والأرض الميتة، {وأنه على كل شيء قدير(6)} لأن ~~قدرته لذاته الذي نسبته إلى الكل على سواء. فلما دلت المشاهدة على قدرته ~~على إحياء بعض الأموات، لزم اقتداره على إحياء كلها، وعلى كل شيء. {وأن ~~الساعة آتية لا ريب فيها} فإن التغيير من مقدمات الانصرام وطلائعه؛ {وأن ~~الله يبعث من في القبور(7)} بمقتضى وعده الذي لا يقبل الخلف. # {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم} تكرير للتأكيد، ولما ينط (¬1) به ~~من الدلالة بقوله: {ولا هدى ولا كتاب منير(8)} على أنه لا سند له من ~~استدلال، أو وحي؛ أو الأول في المقلدين، وهذا من المقلدين. والمراد بالعلم: ~~العلم الفطري لا الفكري، ليصح عطف «الهدى» و«الكتاب» عليه. {ثاني عطفه} ~~متكبر؛ أو ثني العطف كناية عن التكبر كلي الجيد؛ أو معرضا عن الحق، ~~استخفافا به؛ والعطف: الجانب. {ليضل عن سبيل الله} علة للجدال؛ وقرئ بفتح ~~الياء، على أن إعراضه عن الهدى المتمكن منه بالإقبال على الجدال الباطل، ~~خروج من الهدى إلى الضلال. {له في الدنيا خزي} كل من كان وصفه على هذا فله ~~في الدنيا خزي يعذب به. {ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق(9)} المحرق، وهو النار. ms0590 # { # ¬__________ # (¬1) - ... «النط الشد». لعله يقصد: وما يتصل به من الدلالة...إلخ. ابن ~~منظور: لسان العرب، 6/661. مادة: «نطط». PageV03P089 # ذلك بما قدمت يداك} على الالتفات، أو إرادة القول؛ أي: يقال له يوم ~~القيامة: ذلك الخزي والتعذيب بسبب كفرك؛ {وأن الله ليس بظلام للعبيد(10)} ~~وإنما هو مجاز لهم على أعمالهم. # وعن أبي سعيد فيما أرجو: «وعن قول الله تبارك وتعالى: {ومن الناس من يعبد ~~الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به} (أي: طرف وجانب واحد من الدين، لا ~~يدخل فيه على الثبات والتمكين. والحرف: قيل منتهى الجسم. وقال مجاهد: ~~“على شك”. وقيل: الحرف من كل شيء: طرفه، وشفيره، وحده، ومن الجبل: أعلاه ~~المحدد) (¬1) . {وإن أصابته فتنة} أي: طرف وجانب واحد من الدين، لا يدخل ~~فيه على الثبات والتمكين. والحرف: قيل منتهى الجسم. وقال مجاهد: “على ~~شك”. وقيل: الحرف من كل شيء: طرفه، وشفيره، وحده، ومن الجبل: أعلاه المحدد. ~~{انقلب على وجهه، خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين(11)} ما معنى ~~ذلك؟ قال: يوجد في التفسير أن أولئك قوم دخلوا في الإسلام لطلب الغنائم، ~~فإذا كانت الدائرة على أعداء الله اطمأنوا وفرحوا؛ وإذا كانت الدائرة على ~~المسلمين سخطوا، وقالوا: يا ليتنا لم نكن عندهم، أو نحو هذا من القول، وهو ~~حسن [374] من التفسير». انتهى كلام الشيخ. # ¬__________ # (¬1) - ... ما بين قوسين كتبه الناسخ في الحاشية بعد الإحالة إليها في ~~المتن عند تفسير قوله تعالى: {ومن الناس من يعبد الله على حرف، فإن أصابه ~~خير اطمأن به} وهي المكان المناسب للعبارة. لكن أعاد كتابتها في المتن عند ~~تفسير قوله تعالى: {وإن أصابته فتنة}. PageV03P090 # وخسرانه للدنيا: لأنه نسي نصيبه مما يتزود منها للآخرة، وخسرانه للآخرة: ~~لأنه خسر نعيم الجنة الذي أعد للمطيعين، ولا أعظم من هذا خسرانا، لأنه لم ~~يثمر له إلا [ال]عذاب الأدنى، والعذاب الأكبر. {يدعو من دون الله ما لا ~~يضره} أي: يعبد ما لا يضره إن ترك عبادته، {وما لا ينفعه} إن عبده، بل ~~يتضرر بتعبه وعبادته له، ويتعذب، {ذلك هو الضلال البعيد(12)} ms0591 عن المقصد؛ ~~مستعار من ضلال من أبعد في التيه ضلالا (¬1) . # {يدعو} أي: يعبد {لمن ضره} بكونه معبودا (¬2) ، لأنه يوجب الخزي في ~~الدنيا، والعذاب في الآخرة، {أقرب من نفعه} الذي يتوقعه بعبادته. {لبئس ~~المولى} المعبود، {ولبئس العشير(13)} العابد. وهذا يتناول كل ما يشغل عن ~~فرائض الله من المعاصي. # ثم عقب ذكر صدهم؛ فقال: {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات ~~تجري من تحتها الأنهار إن الله يفعل ما يريد(14)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، والصواب: «ضالا». انظر: الزمخشري: الكشاف، ~~3/116. أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص98. # (¬2) - ... في الأصل: «معبود»، وهو خطأ. PageV03P091 # من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة} كلام فيه اختصار؛ ~~والمعنى: أن الله ناصر رسوله في الدنيا والآخرة، فمن كان يظن خلاف ذلك، ~~ويتوقعه من غيظه، {فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع} فليستقص في إزالة غيظه ~~أو جزعه بأن يفعل كل ما يفعله الممتلئ غيظا، أو المبالغ جزعا. قيل: أراد ~~بالسماء: سقف البيت، أي: ليشدد حبلا في سقف بيته، فليختنق به حتى يموت، ثم ~~ليقطع الحبل بعد الاختناق. وقيل: المراد بالسماء: السماء المعروفة؛ ومعناه: ~~فليقطعه من أصله، فإن أصله من السماء، {فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع} ~~عن النبي الوحي، فلينظر هل يقدر على ذهاب غيظه بهذا الفعل. {فلينظر} فليصور ~~في نفسه {هل يذهبن كيده} فعله ذلك؛ وسماه على الأول كيدا، لأنه منتهى ما ~~يقدر عليه. {ما يغيظ(15)} غيظه، أو الذي يغيظه من نصر الله. # {وكذلك} ومثل ذلك الإنزال {أنزلناه} أنزلنا القرآن كله، {آيات بينات} ~~للمتدبرين لا غير، {وأن الله يهدي من يريد(16)} هدايته. # {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس} قيل: إن ~~المجوس هم البانيان[كذا]. {والذين أشركوا، إن الله يفصل بينهم يوم القيامة} ~~بالحكومة بينهم، وإظهار المحق منهم على المبطل؛ أو الجزاء فيجازي كلا ما ~~يليق به، ويدخله المحل المعد له، {إن الله على كل شيء شهيد(17)} عالم به ~~مراقب لأحواله. # { PageV03P092 ألم تر} بعقلك وقلبك {أن الله يسجد له من في السماوات ومن ~~في الأرض} ms0592 يتسخر بقدرته، ولا يتأبي عن تدبيره؛ أو يدل بذله على عظمة مدبره. ~~و«من» يجوز أن يتم (¬1) أولي العقل وغيرهم على التغليب، فيكون قوله: ~~{والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب} إفرادا لها بالذكر ~~لشهرتها، واستبعاد ذلك منها، {وكثير من الناس، وكثير حق عليه العذاب} بكفره ~~وإيبائه عن الطاعة، {ومن يهن الله} بالشقاوة، {فما له من مكرم} يكرمه، ~~[375] {إن الله يفعل ما يشاء(18)} من الإكرام والإهانة، يهين من يشاء ~~بالكفر (¬2) ، ويكرم من يشاء بالإيمان (¬3) ؛ ولا يشاء من ذلك إلا ما ~~يقتضيه عمل العاملين، واعتقاد المعتقدين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «أن تعم». وفي الألوسي: «و“من” ~~إما خاصة بالعقلاء، وإما عامة لهم ولغيرهم بطريق التغليب، وهو الأولى، لأنه ~~الأنسب بالمقام». الألوسي: روح المعاني، 17/131. # (¬2) - ... في الأصل: «بالفكر»، وهو خطأ. # (¬3) - ... في الأصل: + «والإهانة»، ولا محل لها من النص. انظر: ~~الزمخشري: الكشاف، 3/117. PageV03P093 # هذان خصمان} يحتمل أنه يصف الناس الذين سجدوا مع الساجدين من خلق الله؛ ~~والخصم الثاني: الذين أبوا عن السجود، الذين حق عليهم العذاب. {اختصموا في ~~ربهم؛ فالذين كفروا} فصل لخصومتهم، وهو المعني بقوله: {إن الله يفصل بينهم ~~يوم القيامة} (¬1) . {قطعت لهم} قدرت على مقادير جثثهم {ثياب من نار} نيران ~~تحيط بهم إحاطة الثياب. {يصب من فوق رءوسهم الحميم(19)} ماء حار، لو سقطت ~~منه قطرة على جبال الدنيا لأذابتها. {يصهر به ما في بطونهم} من الأمعاء، ~~{والجلود(20)} أي: يؤثر من فرط حرارته في باطنهم تأثيره في ظاهرهم؛ فتذاب ~~به أحشاؤهم كما تذاب به جلودهم. {ولهم مقامع من حديد(21)} سياط يجلدون بها. ~~وقيل: المقمعة: شبه الجرز من الحديد (¬2) ، من قولهم: قمعت رأسه، إذا ضربته ~~ضربا عنيفا. {كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم} أي: كلما حاولوا الخروج من ~~النار بما يلحقهم من الغم والكرب الذي أخذ بأنفاسهم، {أعيدوا فيها} ردوا ~~إليها بالمقامع؛ وقيل لهم: {وذوقوا عذاب الحريق(22)} النار البالغة في ~~الإحراق. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الحج: 17. # (¬2) - ... «والمقمع والمقمعة كلاهما: ما قمع به. والمقامع: الجرزة ~~وأعمدة الحديد منه، يضرب بها الرأس». ابن منظور: لسان العرب، 5/164. ms0593 PageV03P094 # إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار، ~~يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا، ولباسهم فيها حرير(23)} أي: أنهم ~~يلبسون في الجنة ثياب الإبريسم (¬1) ، وهو الذي حرم لبسه في الدنيا على ~~الرجال؛ وأنهم يطيبون بالحلي وإن كانوا طيبين من غير تطيب. {وهدوا إلى ~~الطيب من القول} كلمة التوحيد، {وهدوا إلى صراط الحميد(24)} المحمود نفسه؛ ~~أو عاقبته، وهو الجنة؛ أو الحق؛ أو المستحق لذاته. والحميد: وهو الله ~~تعالى. وصراطه: الإسلام. # {إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله} عن دينه؛ أو شيء منه؛ وهم الشيطان ~~وحزبه، من جن وإنس؛ {والمسجد الحرام} عطف على «الله»، لأن الصاد عنه كالصاد ~~عن سبيل الله؛ والصاد عن عمارة بقية المساجد كالصاد عن المسجد الحرام، ~~{الذي جعلناه للناس سواء العاكف} أي: المقيم {فيه، والباد} والطارئ، {ومن ~~يرد فيه} مما ترك مفعوله ليتناول كل متناول؛ وقرئ بالفتح، من الورود؛ ~~{بإلحاد} عدول عن القصد، {بظلم} بغير حق؛ أي: ملحدا بسبب الظلم كالإشراك، ~~واقتراف الآثام؛ وكذلك من عدل عن مساجد الله، عما أمر الله من ذكره فيها، ~~فقد صد عن سبيل الله؛ فقد أحاط به الوعيد، لقوله: {نذقه من عذاب أليم(25)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الإبريسم هو الحرير، وفيه ثلاث لغات: بكسر السين وفتحها ~~وضمها. انظر مادة «برسم». ابن منظور: لسان العرب، 1/194. الفيروزآبادي: ~~القاموس المحيط، ص 974، مادة «برسم». PageV03P095 # وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت} أي: واذكر إذ عيناه، وجعلنا[ه] له مباءة؛ ~~وقيل: واد أنزلناه فيه، {أن لا تشرك بي شيئا} أي: أن لا تعصني بشيء، وخاصة ~~في مكان البيت، فإن المعصية وإن كانت عظيمة في كل مكان، فإن المعصية فيه ~~أعظم، {وطهر بيتي للطائفين والقائمين (¬1) والركع السجود(26)} أي: من كل ما ~~يؤذي البيت، من القاذورات التي يستقذرها الشرع والعقل، وتمنع الطائفين به ~~[376] والقائمين فيه للذكر، والعابدين الله بالركوع والسجود، كما قال: {في ~~بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبح له فيها بالغدو والآصال} (¬2) ~~. قال أبو سعيد في قوله: {وطهر بيتي للطائفين}: «إنما أمره أن يطهره من ms0594 ~~الأصنام والمشركين، {للطائفين والقائمين والركع السجود}». # {وأذن في الناس} ناد فيهم {بالحج} بدعوة الحج، والأمر به، {يأتوك رجالا} ~~مشاة، {وعلى كل ضامر} وركبانا على كل بعير مهزول أتعبه بعد السفر، {يأتين} ~~صفة لضامر، {من كل فج} طريق {عميق(27)} بعيد. {ليشهدوا} ليحضروا {منافع ~~لهم} دينية ودنيوية؛ وتنكيرها (¬3) لأن المراد بها: نوع من المنافع مخصوص ~~بهذه العبادة، {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام، فكلوا منها وأطعموا البائس} الذي أصابه بؤس أو شدة، {الفقير(28)} ~~المحتاج. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «والعاكفين» وهو خطأ. # (¬2) - ... سورة النور: 36. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «ونكرها». PageV03P096 # ثم ليقضوا تفثهم} ثم ليزيلوا وسخهم، بقص الشارب والأظفار، ونتف الإبط، ~~وحلق العانة، {وليوفوا نذورهم} ما ينذرون من البر في حجهم، وقيل: مواجب ~~الحج، {وليطوفوا بالبيت العتيق(29)} القديم، لأنه أول بيت وضع للناس؛ أو ~~المعتق من تسلط الجبابرة؛ فكم من جبار سار إليه ليهدمه، فمنعه الله؛ وأما ~~الحجاج، فإنما قصد إخراج ابن الزبير منه دون التسلط عليه على ما قيل. # {ذلك ومن يعظم حرمات الله} أحكامه، وسائر ما لا يحل هتكه؛ وتعظيمها: ترك ~~ملابستها؛ وقيل: الحرمة: ما وجب القيام به، وحرم التفريط فيه؛ {فهو خير له} ~~فالتعظيم خير له {عند ربه} ثوابا، {وأحلت لكم (¬1) الأنعام} قيل: أريد ~~ببهيمة الأنعام: جنين الأنعام، {إلا ما يتلى عليكم، فاجتنبوا الرجس من ~~الأوثان} فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، كما تجتنب الأ نجاس؛ وهو غاية ~~المبالغة في النهي عن تعظيمها، والتنفير عن عبادتها، وذلك يتناول جميع ~~معاصي الله من أعمال القلوب والجوارح، لأنها تعبد من دون الله، {واجتنبوا ~~قول الزور(30)} تعميم بعد تخصيص؛ فإن عبادة الأوثان رأس الزور؛ والزور: هي ~~الانحراف، كما أن الإفك: هو الصرف؛ وكل ذلك عبادة غير الله؛ والمشرك زاعم ~~أن الوثن يحق له العبادة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «وأحلت لكم بهيمة الأنعام»، وهو خطأ. وفي سورة ~~المائدة: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم} الآية: 1. PageV03P097 # حنفاء لله} مخلصين له {غير مشركين به} شيئا من معاصيه، {ومن يشرك بالله} ~~بشيء ms0595 من الشرك، جلية وخفيه؛ {فكأنما خر من السماء} لأنه سقط من أوج الإيمان ~~إلى حضيض الكفر، وخرج من جملته التي دان بها لخالقه إلى حضرة (¬1) شياطين ~~الجن والإنس، {يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} (¬2) ؛ ومعناه: أن بعد ~~من أشرك من الحق، كبعد من سقط من السماء، فذهبت به الطير، أو هوت به الريح، ~~{فتخطفه الطير} فإن الأهواء المردية توزع أفكاره، {أو تهوي به الريح في ~~(¬3) مكان سحيق(31)} بعيد. # {ذلك ومن يعظم شعائر الله} أعلام دين الله، {فإنها من تقوى القلوب(32)} ~~فإن تعظيمها لله [377] من أفعال ذوي تقوى القلوب؛ وذكر القلوب لأنها منشأ ~~التقوى والفجور، والآمرة بهما، {لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى ~~البيت العتيق(33)} أي: لكم فيها منافع: درها ونسلها وصوفها وظهورها إلى أن ~~تنحر، وقت نحرها منتهية إلى البيت؛ أي: لكم فيها منافع دنيوية إلى وقت ~~النحر، وبعده منافع دينية أعظم منها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «حضيرة». «والحضيرة: جماعة القوم، ~~وقيل: الحضيرة من الرجال: السبعة أو الثمانية... وقيل: الحضيرة: الأربعة ~~والخمسة يغزون، وقيل: هم النفر يغزى بهم، وقيل: هم العشرة فمن دونهم». ابن ~~منظور: لسان العرب، 1/559. # (¬2) - ... سورة الأنعام: 112. # (¬3) - ... في الأصل: «من»، وهو خطأ. PageV03P098 # ولكل أمة} أهل شريعة، {جعلنا منسكا} متعبدا، وقربانا يتقربون به إلى ~~الله؛ وقرئ بالكسر؛ أي: موضع نسك، {ليذكروا اسم الله} دون غيره، ويجعلوا ~~نسكهم لوجهه؛ علل (¬1) الجعل به تنبيها على أن المقصود من المناسك تذكر ~~المعبود. {على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} سماها بهيمة الأنعام، لأنها لا ~~تتكلم، {فإلهكم إله واحد، فله أسلموا} أخلصوا للقرب، أو الذكر ولا تشوبوه ~~بالإشراك، {وبشر المخبتين(34)} المتواضعين، أو المخلصين؛ فإن الإخبات ~~صفتهم، وهو الخشوع. # {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} هيبة منه، لإشراق أشعة جلاله، وهيبته ~~عليها، {والصابرين على ما أصابهم} من المصايب والتكاليف، {والمقيمي الصلاة} ~~بشروطها في أوقاتها، {ومما رزقناهم} من قوة أبدانهم، وثقابة آرائهم، وغزارة ~~عقولهم، وأنوار علومهم، وفضل أموالهم {ينفقون(35)} (¬2) في وظائف الدين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «على»، ولا معنى له. ms0596 انظر العبارة في: أبو السعود: ~~تفسير، مج3/ ج6/ ص106. # (¬2) - ... في الأصل: «ينقون» وهو خطأ. PageV03P099 # والبدن} جمع بدنة، الإبل، لعظم بدنها، مأخوذة من بدن، و{جعلناها لكم من ~~شعائر الله} من أعلام دينه التي شرعها الله، {لكم فيها خير} ديني ودنيوي، ~~إن رعي بها أمر الله، وإلا فعلى العكس؛ وكذلك الدنيا وما فيها، {فاذكروا ~~اسم الله عليها صواف} قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن؛ {فإذا وجبت جنوبها} ~~سقطت على الأرض؛ وهو كناية عن الموت، {فكلوا منها وأطعموا القانع} الراضي ~~بما عنده، وبما يعطى من غير مسألة، {والمعتر} المعترض بالسؤال وغيره، {كذلك ~~سخرناها لكم} مع عظمها وقوتها، حتى تأخذوها منقادة، فتعقلوها (¬1) وتحبسوها ~~صافة قوائمها، ثم تطعنون في لباتها. {لعلكم تشكرون(36)} إنعامنا عليكم ~~بالقرب والإخلاص؛ ومن لم يشكر فقد كفر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «فتعلقوها»، وهو خطأ. وانظر أبو السعود: تفسير، ~~مج3/ ج6/ ص107. PageV03P100 # لن ينال الله} لن يصيب رضاه، ولم يقع منه موقع القبول، {لحومها} المتصدق ~~بها، {ولا دماؤها} المهراقة بالنحر، من حيث أنها لحوم دماء، (لعله) وكذلك ~~غني عن بقية الأغراض والأعمال، لأنه غني بذاته، {ولكن يناله التقوى منكم} ~~ولكن يناله ما يصحبه من تقوى قلوبكم، الذي يدعوكم إلى تعظيم أمر الله، ~~والتقرب إليه، والإخلاص له؛ وهو صفة للقلب. فمن هذا الوجه يجب لا محالة أن ~~تكون أعمال القلب على الجملة أفضل من حركات الجوارح، {كذلك سخرها لكم} ~~كرره تذكيرا للنعمة، وتعليلا له بقوله: {لتكبروا الله} أي: لتعرفوا عظمته ~~باقتداره على ما لا يقدر عليه غيره؛ فتوحدوه بالكبرياء {على ما هداكم} ~~أرشدكم إلى طريق تسخيرها، وكيفية التقرب بها؛ أو لتكبروا الله، أي: لتعظموه ~~على ما هداكم لأمر دينه، {وبشر المحسنين(37)} المخلصين فيما يأتونه [378] ~~ويذرونه بالجنة. # {إن الله يدافع عن الذين آمنوا} يدافع وساوس الشيطان بالإلهام، ويدافع ~~المضار الدينية والدنياوية، بما يضادها من الأدوية المريحة لمن استعملها؛ ~~وهذه نعمة عظيمة لمن شكرها؛ {إن الله لا يحب كل خوان} في أمانة الله، ~~{كفور(38)} لنعمته. # { PageV03P101 أذن} رخص؛ وقرئ على بناء الفاعل (¬1) وهو الله (¬2) ؛ ~~{للذين يقاتلون} يقاتلون المشركين ms0597 (¬3) {بأنهم ظلموا} بسبب أنهم ظلموا، ~~{وإن الله على نصرهم لقدير(39)} وعد لهم بالنصر. {الذين أخرجوا من ديارهم ~~بغير حق} بغير موجب استحقوا به، {إلا أن يقولوا: ربنا الله} ويستكن [كذا] ~~في قولهم عملهم وإخلاصهم لله؛ أي: ما نقموا منهم إلا [ل]توحيدهم وعبادتهم ~~لله؛ {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض} بتسليط المؤمنين منهم على ~~الكافرين؛ {لهدمت} لخربت باستيلاء (¬4) المشركين على ملة الإسلام. {صوامع} ~~الرهبانية، {وبيع} النصارى، {وصلوات} وكنائس اليهود، سميت بها، لأنه يصلى ~~فيها، {ومساجد} المسلمين {يذكر فيها اسم الله كثيرا} صفة للأربع؛ أو ~~المساجد، خصت بها تفضيلا. ويدخل في معنى هدمها: تعطيلها من العمارة بالصلاة ~~والذكر؛ ولما أذن الله فيها، واستعمالها باللهو (¬5) ، والخوض في الباطل، ~~لأنها إذا عطلت من الصلاة والذكر، واستعملت بالخوض (¬6) ؛ فكأنها هدمت من ~~حيث المعنى، بل صارت هي وبيت الماء بمثابة واحدة، بل هو أنفع منها لقضاء ~~الحاجة (¬7) ، # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «الفاعفل»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «لله»، وهو خطأ. # (¬3) - ... كذا في الأصل، والصواب كما ذكر أبو السعود: «يقاتلهم ~~المشركون»، ثم قال: «وقرئ على صيغة المبني للفاعل، أي يريدون أن يقاتلوا ~~المشركين». أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص108. # (¬4) - ... في الأصل: «باستلاء»، وهو خطأ. # (¬5) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «للهو». # (¬6) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «للخوض». # (¬7) - ... في العبارة مبالغة من المؤلف، إذ كيف يشبه المساجد ببيت الماء ~~الذي لا وجه لتشبيهه ومقارنته ببيت الله!..وينبغي أن نرفع من قدر المساجد، ~~ونطهرها مما ذكره المصنف، ومن الذين يسعون في خرابها، وأن نجنبها السفهاء، ~~ولكن لا أن نعتبرها أخس من بيت الماء، مهما وقع فيها من تجاوزات: {في بيوت ~~أذن الله أن ترفع...}. سورة النور: 36. PageV03P102 # ولأنه هو لم يستعمل لغير ما جعل له، وبقيت هي متعبدا للشيطان وحزبه؛ ~~والدليل على ذلك، قوله: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ~~وسعى في خرابها} (¬1) فكان الهدم والخراب بمعنى واحد. # {ولينصرن الله من ينصره} من ينصر دينه، {إن الله لقوي} علىنصرهم، ~~{عزيز(40)} لا يمانعه شيء. {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة ms0598 وآتوا ~~الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر} بدل من «من ينصره». {ولله عاقبة ~~الأمور(41)} فإن مرجعها (¬2) إلى حكمه؛ وفيه تأكيد لما وعده. # {وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود(42) وقوم إبراهيم وقوم ~~لوط(43) وأصحاب مدين} تسلية له، بأن قومه إن كذبوه، فهو ليس بأوحدي في ~~التكذيب، فإن هؤلاء قد كذبوا رسلهم قبل قومه، {وكذب موسى} غير فيه النظم، ~~وبني الفعل للمفعول، لأن قومه بنو إسرائيل، ولم يكذبوه، وإنما كذبه القبط؛ ~~{فأمليت للكافرين} فأمهلتهم حتى انصرمت آجالهم المقدرة؛ {ثم أخذتهم فكيف ~~كان نكير(44)} إنكاري عليهم بتغيير النعمة محنة، والحياة هلاكا، والعمارة ~~خرابا. والأخذ من الله لا يكون إلا على من غضب عليه؛ ويعم كل من مات على ~~الكفر؛ وأما المؤمنون وإن قتلوا أو ماتوا حتف أنوفهم، أو وقع عليهم حرق أو ~~غرق أو نحوه فلا يسمى أخذا، لأنه قال: {ليرزقنهم الله رزقا حسنا} (¬3) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البقرة: 114. # (¬2) - ... في الأصل: «مرجها»، وهو خطأ. # (¬3) - ... سورة الحج: 58. PageV03P103 # فكأين من قرية [379] أهلكناها} بإهلاك أهلها، {وهي ظالمة} أي: أهلها، ~~{فهي خاوية على عروشها} ساقطة حيطانها على سقوفها، بأن تعطل بنيانها، فخربت ~~سقوفها، ثم تهدمت حيطانها، فسقطت فوق السقوف؛ أو خالية مع بقاء عروشها ~~وسلامتها، {وبئر معطلة} أي: وكم بئر عامرة في البوادي تركت لا يستقى منها ~~لهلاك أهلها، {وقصر مشيد(45)} مرفوع، أخليناه عن ساكنيه. # {أفلم يسيروا في الأرض} حث لهم على أن يسافروا ليروا مصارع المهلكين ~~فيعتبروا، وهم وإن كانوا قد سافروا لم يسافروا لذلك؛ ويحتمل هاهنا السير ~~بتفكر القلوب في قصص الماضين، ليعتبروا بما وقع منهم، وبهم وفيهم، ليحذروا ~~مشاربهم، {فتكون لهم قلوب يعقلون بها} ما يجب أن يعقل من التوحيد، بما حصل ~~لهم من الاستبصار والاستدلال، {أو آذان يسمعون بها} ما يجب أن يسمع من ~~الوحي، والتذكير بحال من شاهدوا آثارهم؛ {فإنها لا تعمى الأبصار} أبصار ~~العيون، فإنه لا يضر عماها عند الاستبصار، {ولكن تعمى القلوب التي في ~~الصدور(46)} عن الاعتبار؛ أي: ليس الخلل في مشاعرهم (¬1) ، وإنما عميت ~~بصائرهم باتباع الهوى، والانهماك في ms0599 التقليد؛ وفصل التنبيه على أن العمى ~~الحقيقي، والسمع الحقيقي، ليس المتعارف الذي يخص البصر، والسمع الظاهر. # {ويستعجلونك بالعذاب} المتوعد به، {ولن يخلف الله وعده} لامتناع الخلف ~~عنه في خبره، فيصيبهم بما أوعدهم، ولو بعد حين. {وإن يوما عند ربك كألف سنة ~~مما تعدون(47)} من أيامكم؛ أي: من شدة ما يلقى فيه أعداؤه من الشدائد؛ لأن ~~أيام الشدائد مستطالة، وأن يكون للمؤمنين كما بين الصلاتين، لأنهم لا ~~يحزنهم الفزع الأكبر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعله يقصد: في حواسهم الظاهرية. PageV03P104 # وكأين من قرية أمليت لها} كما أمهلتكم، {وهي ظالمة} مثلكم، {ثم أخذتها} ~~بالعذاب، {وإلي المصير(48)} وإلى حكمي مرجع الجميع. # {قل: يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين(49)} أوضح لكم ما أنذركم به، ~~والاقتصار على الإنذار مع عموم الخطاب، وذكر الفريقين لأن مصدر الكلام ~~مساقه للمشركين؛ وإنما ذكر المؤمنين وثوابهم، زيادة في غيظهم. {فالذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم(50)} هي الجنة؛ والكريم من كل ~~نوع: ما تجمع فضائله. # {والذين سعوا في آياتنا} أي: عملوا في إبطال آياتنا وإطفائها بالرد ~~والإبطال، والخوض والفساد؛ ويعم هذا جميع العاصين، {معاجزين} مسابقين ~~مشاقين للسارعين فيها بالقبول والتحقيق. عاجزه، فأعجزه، وعجزه: إذا سابقه ~~فسبقه، لأن كلا من المتسابقين يطلب إعجاز الآخر عن اللحاق به، ومن ذلك ~~يكونون حربا لله ولرسوله، ولدينه وللمسلمين؛ وفي موضع: أي ظنوا أنهم يعجزون ~~فلا يقدر عليهم، {أولئك أصحاب الجحيم(51)} النار الموقدة. PageV03P105 # ومن كتاب الاستقامة في تأويل الآية الآتية، فقال: «ولا يجوز التقليد، ولا ~~يحل في الدين إلا لأنبياء الله ورسله - صلى الله عليه وسلم - [كذا] فيما ~~[380] يجوز التقليد لهم من المحكم غير المتشابه، والناسخ غير المنسوخ، مما ~~لا يجري على وجه الغلط منهم، ولا مما يلقيه الشيطان على ألسنتهم، فإنه قد ~~قال الله تبارك وتعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي، إلا إذا تمنى ~~ألقى الشيطان في أمنيته، فينسخ الله ما يلقي الشيطان، ثم يحكم الله آياته ~~والله عليم حكيم(52) ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم ms0600 مرض ~~والقاسية قلوبهم، وإن الظالمين لفي شقاق بعيد(53)...} إلى آخر القصة (¬1) ~~فصدق الله، ونحن على تصديق قول الله من الشاهدين، ولو كره الكافرون ~~والمنافقون، وتأول في ذلك المتأولون؛ فنحن نؤمن بهذا من قول الله تبارك ~~وتعالى: إنه كذلك، وإن ذلك لا يجوز أن يقتدى به من الأنبياء والرسل، وإن ~~ذلك فتنة لمن اقتدى (¬2) به وقبله، وإن الله ناسخ لذلك، كما وعد تبارك ~~وتعالى. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لقد عقد الشيخ بيوض إبراهيم رحمه الله في تفسير الآيتين 52-53 ~~من السورة، فصلا مطولا قيما في الرد على قصة الغرانيق، وافتراءات الجاهلين ~~والمغرضين. انظر: بيوض إبراهيم بن عمر: في رحاب القرآن، تفسير سورتي ~~الأنبياء والحج، تحرير: عيسى بن محمد الشيخ بالحاج، المطبعة العربية، نشر ~~جمعية التراث، القرارة، 1417ه /1997م. 4/513-541. # (¬2) - ... في الأصل: «اقتداء»، وهو خطأ. PageV03P106 # وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك} أن ذلك الحق على ما قد ابتلى ~~الله به خلقه وعباده، {فيؤمنوا به} بذلك، {فتخبت له قلوبهم} أي: تخشع، ~~(لعله) وتتواضع، ولا ينكرونه، ولا يتأولونه على غير تأويل الحق، {وإن الله ~~لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم(54)} في جميع ما اختلف فيه المختلفون، ~~وفي جميع ما فتن به المفتونون» انتهى كلام الشيخ. # {ولا يزال الذين كفروا في مرية} في شك {منه، حتى تأتيهم الساعة} القيامة؛ ~~أو أشراطها؛ أو الموت {بغتة} فجأة، {أو يأتيهم عذاب يوم عقيم(55)} لا خير ~~لهم فيه. {الملك يومئذ لله يحكم بينهم}. ثم بين حكمه، فقال: {فالذين (¬1) ~~آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم(56) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ~~فأولئك لهم عذاب مهين(57)} في الدارين. # {والذين هاجروا في سبيل الله} أي: فارقوا أوطانهم وعشائرهم في طاعة الله ~~وطلب رضاه، {ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا} الجنة ونعيمها؛ ~~وإنما سوى بين من قتل في الجهاد، ومن مات حتف أنفه في الوعد، لاستوائهما في ~~القصد وأصل العمل، {وإن الله لهو خير الرازقين(58) ليدخلنهم مدخلا يرضونه} ~~هو الجنة فيها ما يحبونه، {وإن الله لعليم} بأحوالهم، وأحوال معادهم؛ ~~{حليم(59)} لا يعاجل بالعقوبة. # { # ¬__________ ms0601 # (¬1) - ... في الأصل: «الذين» وهو خطأ. PageV03P107 # ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه} بالمعاودة إلى العقوبة، ~~{لينصرنه الله، إن الله لعفو غفور(60) ذلك بأن الله يولج الليل في النهار، ~~ويولج النهار في الليل، وأن الله سميع بصير(61) ذلك} الوصف بكمال القدرة ~~والعلم، {بأن الله هو الحق} الثابت في نفسه، الواجب لذاته وحده، فإن وجوب ~~وجوده ووحدته، يقتضيان أنه مبتدأ لكل ما يوجد سواه، عالم (¬1) بذاته، ولما ~~عداه، والثابت الإلهية، ولا يصلح لها إلا من كان قادرا عالما بذاته. وقد ~~يجوز أن يعني بقوله: {بأن (¬2) الله هو الحق} أن الله هو الباقي المحيي ~~المميت، {وأن ما يدعون من دونه هو الباطل} أراد به (¬3) يبطل ويذهب، وأنه ~~لا يملك لأحد ثوابا ولا عقابا، {وأن ما يدعون من دونه هو الباطل}: المعدوم ~~في حد ذاته، {وأن الله هو العلي} على الأشياء، {الكبير(62)} عن أن يكون له ~~شريك، [381] لا شيء أعلى منه شأنا، وأكبر سلطانا. # {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء، فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف} ~~يصل علمه أو لطفه إلى كل ما جل ودق، {خبير(63)} بالتدابير الظاهرة ~~والباطنة، {له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني} بذاته (¬4) ~~عن كل شيء، {الحميد(64)} المستوجب للحمد بصفاته وكبريائه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «عالما»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «ان»، وهو خطأ. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «أراد أنه». # (¬4) - ... في الأصل: «في ندته»، ولا معنى له. PageV03P108 # ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض} جعلها مذللة لكم، معدة لمنافعكم، ~~{والفلك تجري في البحر بأمره، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه} ~~إلا بمشيئته؛ وفيه رد لاستمساكها بذاتها، فإنها مساوية لسائر الأجسام في ~~الجسمية، فتكون قابلة للميل الهابط قبول غيرها؛ {إن الله بالناس لرءوف ~~رحيم(65)} حيث هيأ لهم أسباب الاستدلال، وفتح عليهم أبواب المنافع، ودفع ~~عنهم أنواع المضار. # {وهو الذي أحياكم} أوجدكم من العدم لعبادته؛ {ثم يميتكم، ثم يحييكم} ~~للجزاء، {إن الإنسان لكفور(66)} جحود للنعم مع ظهورها. # {لكل أمة جعلنا ms0602 منسكا} شريعة يعبدون الله بها، {هم ناسكوه فلا ينازعنك} ~~سائر أرباب الملل الجاحدة {في الأمر} في أمر الدين، لأنهم بين جهال وأهل ~~عناد؛ أو لأن أمر دينك أظهر من أن يقبل النزاع، {وادع إلى ربك} إلى توحيده ~~وعبادته، {إنك لعلى هدى مستقيم(67)} طريق إلى الحق سوي. # {وإن جادلوك} بعد ظهور الحق، ولزوم الحجة، وإبلاغ الدعوة، {فقل: الله ~~أعلم بما تعملون(68)} فيجازيكم على عملكم، وهو وعيد فيه رفق، {الله يحكم ~~بينكم} يفصل بين المؤمنين والكافرين بالثواب والعقاب {يوم القيامة} كما فصل ~~في الدنيا بالحجج والآيات {فيما كنتم فيه تختلفون(69)} فحينئذ يبين المحق ~~من المبطل. # { PageV03P109 ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في ~~كتاب} قيل: اللوح المحفوظ، كتب فيه قبل حدوثه، فلا يهمنك أمرهم مع علمنا به ~~وحفظنا له، {إن ذلك} الإحاطة (¬1) به، وإثباته في اللوح المحفوظ؛ أو الحكم ~~بينكم، {على الله يسير(70)} لأن علمه مقتضى ذاته المتعلق بكل العلامات (¬2) ~~على سواء. {ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا} حجة تدل على جواز ~~عبادته، {وما ليس لهم به علم} عقلي، يعني: أنهم فعلوا ما فعلوا عن جهل لا ~~عن علم، {وما للظالمين} وما للذين ارتكبوا هذا الظلم {من نصير(71)} يقرر ~~مذهبهم، أو يدفع العذاب عنهم. # {وإذا تتلى عليهم آياتنا} حجج الحق من حيث ما كانت، {بينات} واضحات ~~تعرفونها، وتعرفون المراد بها، {تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر} الإنكار، ~~لفرط نكرهم للحق {يكادون يسطون} يبطشون {بالذين يتلون عليهم آياتنا} يقيمون ~~حجج الله عليهم؛ {قل: أفأنبئكم بشر من ذلكم} من غيظكم على التالين، وسطوكم ~~عليهم، {النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير(72)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «لإحاطة»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «المعلومات». PageV03P110 # يا أيها الناس ضرب مثل} بين لكم حال مستغربة، أو قصة رائقة (¬1) ، ولذلك ~~سماها مثلا، {فاستمعوا له} للمثل، أو لشأنه استماع تدبر وتفكر (¬2) ، {إن ~~الذين تدعون من دون الله} يعني: الأصنام، [382] ومع أهل المعاني: «يتناول ~~كل معصية لله تبارك وتعالى». {لن يخلقوا ذبابا} لا ms0603 يقدرون (¬3) على خلقه مع ~~صغره {ولو اجتمعوا له} مع اجتماعهم، فكيف إذا تفرقوا؟. {وإن يسلبهم الذباب ~~شيئا لا يستنقذوه منه} لا يستردونه منه لعجزهم، فصاروا في ذلك أعجز منه. ~~جهلهم غاية التجهيل، بأن أشركوا إلها قدر على المقدورات كلها، وتفرد ~~بإيجاد الموجودات بأسرها تماثيل هي أعجز الأشياء؛ وبين ذلك بأنها لا تقدر ~~على خلق أقل الأحياء وأذلها، ولو اجتمعوا له، بل لا يقوون على مقاومة هذا ~~الأقل الأذل، ويعجزون عن دبه في نفسها، واستنفاذ ما تختطفه من عندها، {ضعف ~~الطالب والمطلوب(73)} عابد الصنم ومعبوده؛ أو من (¬4) السالب والمسلوب. # {ما قدروا الله حق قدره} ما عرفوه حق معرفته، ولا عظموه حق تعظيمه، حيث ~~أشركوا به، وسموا باسمه ما هو أبعد الأشياء مناسبة، {إن الله لقوي} على خلق ~~الممكنات بأسرها، {عزيز(74)} لا يغلبه شيء؛ وآلهتهم التي يدعونها عاجزة عن ~~أقلها، مقهورة من أذلها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... وفي التفاسير الأخرى: «رائعة»، وهما بمعنى واحد. انظر: ~~الزمخشري: الكشاف، 3/134. أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص120. ابن منظور: ~~لسان العرب، 2/1258-1259. مادة «روق». # (¬2) - ... في الأصل: «تكفر»، وهو تحريف. # (¬3) - ... في الأصل: «يقدروا»، وهو خطأ، إذا لا موجب لحذف النون. # (¬4) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: - «من». PageV03P111 # الله يصطفي من الملائكة رسلا} كما يصطفي من البشر؛ لعلمه بأحوال لهم دون ~~غيرهم، {ومن الناس} يدعون سائرهم إلى الحق، ويبلغون إليهم ما أنزل عليهم؛ ~~كأنه لما قرر وحدانيته في الألوهية، ونفى أن يشاركه غيره في صفاتها، بين أن ~~له عبادا مصطفين في الرسالة، يرسلهم ليقتدى بهم في عبادة الله، وهي أعلى ~~المراتب، ومنتهى الدرجات لمن عداه من الموجودات. {إن الله سميع بصير(75) ~~يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} عالم بما كان وما يكون مما هم عملوا، وما هم ~~عاملون مما لم يعملوا، {وإلى الله ترجع الأمور(76)}، لأنه منشئها وخالقها، ~~فمرجعها إليه. # { PageV03P112 يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} في صلاتكم، {واعبدوا ~~ربكم} بسائر ما تعبدكم به، {وافعلوا الخير} وتقربوا إليه بنوافل الطاعات، ~~{لعلكم} لكي {تفلحون(77) وجاهدوا في الله} لله ولدينه أعداء دينه الظاهرة: ms0604 ~~كأهل الزيغ، والباطنة: كالهوى والنفس. وعنه - عليه السلام - أنه رجع من ~~غزوة من المغازي فقال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»، فسئل ~~عن الجهاد الأكبر فقال: «جهاد النفس» (¬1) ، أو نحو هذا من الكلام. {حق ~~جهاده} أي: جهادا فيه حقا خالصا لوجهه، ببذل الوسع، والأنفس، والأموال، ~~والمهج، وأخذ الحذر عن المخالفة والفتور، وهو استفراغ الطاقة؛ {هو اجتباكم} ~~اختاركم لدينه ولنصرته، {وما جعل عليكم في الدين من حرج} أي: ضيق، بتكليف ~~ما لا يستطاع. {ملة أبيكم إبراهيم} أي: وسع دينكم توسع ملة أبيكم؛ وإنما ~~جعله أباهم، لأنه أبو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو كالأب لأمته، ~~من حيث أنه سبب لحياتهم الأبدية، ووجودهم على الوجه المعتد به في الآخرة. ~~{هو سماكم المسلمين من قبل} من قبل القرآن في الكتب المتقدمة، {وفي هذا} ~~وفي القرآن، {ليكون الرسول} متعلق (¬2) ب«سماكم»، {شهيدا عليكم} بطاعة من ~~أطاع، وعصيان من عصى، {وتكونوا شهداء على الناس} من حيث تنزلون [383] منهم ~~كلا منزلته، وتوفونه حقه وقسمه، {فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} على الوجه ~~المأمور به، لما خصكم بهذا الفضل والشرف، {واعتصموا بالله} واتقوا به في ~~مجامع أموركم، {هو مولاكم} ناصركم ومتولي أموركم، {فنعم المولى ونعم ~~النصير(78)} هو، إذ لا مثل له في الولاية والنصرة، بل لا مولى ولا نصير ~~سواه في الحقيقة. # ¬__________ # (¬1) - ... لم نعثر عليه في الربيع ولا في الكتب التسعة. # (¬2) - ... في الأصل: «متعلقا»، وهو خطأ. PageV03P113 # سورة المؤمنون # بسم الله الرحمن الرحيم # {قد أفلح المؤمنون(1)} (¬1) تقرب الماضي من الحال أن فلاحهم (¬2) قد ~~(لعله) حصل. {الذين هم في صلاتهم خاشعون(2)} خائفون من الله وجلون متذللون ~~له، ملزمون أبصارهم مساجدهم. والخشوع: هو الخضوع؛ أو قريب منه؛ أو هو (¬3) ~~الخشوع في الصوت والبصر والسلو[كذا] والتذلل. # {والذين هم عن اللغو} عما لا يعنيهم من فعل وقول وحديث نفس، {معرضون(3)} ~~لما بهم من الجلد، وما شغلهم عنه (¬4) ؛ وهو أبلغ من الذين لا يلهون من ~~وجوه... (¬5) {والذين هم للزكاة فاعلون(4)} وصفهم بذلك بعدما وصفهم بالخشوع ~~في الصلاة، ليدل على أنهم بلغوا الغاية في ms0605 القيام على الطاعات البدنية ~~والمالية، والتجنب عن المحرمات، وسائر ما توجب المروءة اجتنابه. {والذين هم ~~لفروجهم حافظون(5) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين(6) ~~فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون(7)} المعتدون لحدوده. # { # ¬__________ # (¬1) - ... هنا وضع الناسخ إحالة إلى الحاشية ولم يكتب فيها شيئا، ~~والعبارة غير مفهومة، ويبدو أن فيها نقصا. # (¬2) - ... هنا إحالة أخرى إلى الحاشية، ولم يكتب فيها شيئا. # (¬3) - ... في الأصل: «اهوو»، ولا معنى له. # (¬4) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «لما بهم من الجد ما يشغلهم عنه»، ~~كما في تفسير الزمخشري، حيث قال: «يعني أن بهم من الجد ما يشغلهم عن ~~الهزل». 3/138. # (¬5) - ... يبدو أن في العبارة سقطا، وفي تفسير أبي السعود: «وهو أبلغ من ~~أن يقال: لا يلهون من وجوه جعل الجملة اسمية، وبناء الحكم على الضمير، ~~والتعبير عنه بالاسم، وتقديم الصلة عليه، وإقامة الإعراض مقام الترك، ليدل ~~على تباعدهم عنه رأسا، مباشرة وتسببا، وميلا وحضورا...». أبو السعود: ~~تفسير، مج3/ ج6/ ص124. PageV03P114 # والذين هم لأماناتهم (¬1) وعهدهم} لما يؤمنون عليه، ويعاهدون من جهة الحق ~~والخلق، {راعون(8)} قائمون بحفظها و إصلاحها. {والذين هم على صلواتهم ~~يحافظون(9)} يواظبون عليها ويؤدونها في أوقاتها؛ وليس ذلك تكريرا لما وصفهم ~~به أولا، فإن الخشوع في الصلاة غير المحافظة عليها، وفي تصدير الأوصاف ~~وختمها بأمر الصلاة تعظيم لشأنها. {أولئك} الجامعون لهذه الصفات، {هم ~~الوارثون(10)} الأحقاء أن يسموا وارثين دون غيرهم في القيامة. {الذين يرثون ~~الفردوس} بيان لما يرثونه؛ والفردوس: خير الجنان فيما قيل، {هم فيها ~~خالدون(11)}. # {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة} من خلاصة سلت من بين الكدر {من طين(12) ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين(13)} حريز، مكن (¬2) لاستقرارها فيه إلى بلوغ ~~أمدها، وهو الرحم. {ثم خلقنا النطفة علقة} بأن أحلنا النطفة البيضاء علقة ~~حمراء، {فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظاما، فكسونا العظام لحما، ثم ~~أنشأناه خلقا آخر} آخر: قيل: الروح، أو نبات الشعر والأسنان؛ أو تصريف ~~أحواله بعد الولادة من الدلالة على ثدي أمه إلى كمال عقله، {فتبارك الله} ~~فتعالى شأنه في ms0606 قدرته وحكمته، {أحسن الخالقين(14)} المقدرين تقديرا. {ثم ~~إنكم بعد ذلك لميتون(15) ثم إنكم يوم القيامة تبعثون(16)} للحساب والجزاء. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «لماناتهم»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «مكين». PageV03P115 # ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق} سبع سماوات، لأنها طورق (¬1) بعضها فوق بعض ~~مطارقة النعل، وكل ما فوقه مثله فهو طريقه، أو لأنها طرق الملائكة، أو ~~الكواكب فيها مسيرها. {وما كنا عن الخلق غافلين(17)} مهملين أمرها، بل ~~نحفظها عن الزوال والاختلاف، وندبر [384] أمرها حتى تبلغ منتهى ما قدر لها ~~من الكمال، حسب ما اقتضته الحكمة وتعلقت به المشيئة. # {وأنزلنا من السماء ماء بقدر} بتقدير، يكثر نفعه ويقل ضرره؛ أو بمقدار ما ~~علمنا من صلاحهم {فأسكناه في الأرض} فجعلناه ثابتا مستقرا، {وإنا على ذهاب ~~به لقادرون(18)} كما كنا قادرين على إنزاله، {فأنشأنا لكم به جنات من نخيل ~~وأعناب، لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون(19) وشجرة تخرج من طور سيناء، ~~تنبت بالدهن، وصبغ للآكلين(20)} أي: مما يتأدم به. {وإن لكم في الأنعام ~~لعبرة} تعتبرون بحالها، {نسقيكم مما في بطونها، ولكم فيها منافع كثيرة ~~ومنها تأكلون(21) وعليها وعلى الفلك تحملون(22)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «طروق»، ولا معنى له. والصواب ما أثبتناه، وهو ما ~~ورد في الزمخشري: الكشاف، 3/141. أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص127. وفي ~~اللسان: «وكل ما وضع بعضه فوق بعض فقد طورق». ابن منظور: لسان العرب، ~~4/587. مادة: «طرق». PageV03P116 # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه، فقال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~أفلا تتقون(23)}؟ أفلا تخافون أن يزيل عنكم نعمه، فيهلككم ويعذبكم برفضكم ~~عبادته إلى عبادة غيره، وكفرانكم نعمه التي لا تحصونها. {فقال الملأ الذين ~~كفروا من قومه: ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم} أن يطلب الفضل ~~عليكم ويسودكم، {ولو شاء الله لأنزل ملائكة} رسلا، {ما سمعنا بهذا في ~~آبائنا الأولين(24)} يعنون نوحا، أي: ما سمعنا به أنه نبي، أو ما كلمهم به، ~~من الحث على عبادة الله، ونفي ما تهواه أنفسنا، أو من دعوى النبوة؛ وذلك ~~إما ms0607 من فرط عبادتهم، أو لأنهم كانوا في فترة متطاولة. {إن هو إلا رجل به ~~جنة} أي: جنون، ولأجله يقول ذلك، {فتربصوا به} فاحتملوه وانتظروا {حتى ~~حين(25)}. # {قال} بعدما أيس من إيمانهم: {رب انصرني} بإهلاكهم؛ أو بإنجاز ما وعدتهم ~~من العذاب، {بما كذبون(26)} بسبب تكذيبهم. {فأوحينا إليه أن اصنع الفلك ~~بأعيننا} بحفظنا نحفظه أن يخطئ فيه، {ووحينا} وأمرنا وتعليمنا كيف يصنع. ~~{فإذا جاء أمرنا} بنزول العذاب، {وفار التنور، فاسلك فيها من كل زوجين ~~اثنين} لحكمة علمها الله ومنافع لخلقه، كما لم يخلق ذلك في الابتداء عبثا ~~ولا لعبا، {وأهلك، إلا من سبق عليه القول منهم} أي: القول من الله بإهلاكه، ~~{ولا تخاطبني في الذين ظلموا} بالدعاء لهم بالإنجاء {إنهم مغرقون(27)} ~~بمعاصيهم. # { PageV03P117 فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك، فقل: الحمد لله الذي ~~نجانا من القوم الظالمين(28)} بمعاصيهم أو بطشهم. {وقل: رب أنزلني منزلا ~~مباركا} في المكان أو الحال {وأنت خير المنزلين(29)}، لأنه لا منزل غيره في ~~الحقيقة. {إن في ذلك} فيما فعل بنوح وقومه، {لآيات} يعتبر بها أولو ~~الاعتبار، {وإن كنا لمبتلين(30)} لممتحنين نوحا وقومه، ومن بلغه قصصهم. # {ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين(31) فأرسلنا فيهم رسولا منهم، أن اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون(32)} عذابه. {وقال الملأ من قومه الذين ~~كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة} بلقاء ما فيها من الثواب والعقاب، أو بمعادهم ~~إلى الحياة، {وأترفناهم} نعمناهم ووسعنا عليهم {في الحياة الدنيا} بكثرة ~~النعم الدنيوية لا الدينية: [385] {ما هذا إلا بشر مثلكم} في الصفة، ولأنهم ~~لم يتوصلوا إلى علم حاله، لتعاميهم لأمر قبل العدم[كذا]، {يأكل مما تأكلون ~~منه ويشرب مما تشربون(33)} تقرير للمماثلة الظاهرة، لا السر الذي منحه الله ~~إياه كتمانا للشهادة بما قامت له معهم من أنوار الحق. # { PageV03P118 ولئن أطعتم بشرا مثلكم} فيما يأمركم {إنكم إذا ~~لخاسرون(34)} من حيث مراده أن يصومهم عن شهوات أنفسهم الباطلة، ولم يؤمنوا ~~بالإعادة، بدليل قوله: {أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم ~~مخرجون(35)؟ هيهات هيهات لما توعدون(36)} وهي كلمة «بعد»، ms0608 معناه: بعيد ما ~~يوعد. {إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا} يموت بعضنا ويولد بعض، {وما ~~نحن بمبعوثين(37)} وهذا الحال الذي صد الناس عن الطاعة، وهو قلة إيمانهم ~~بالإعادة، ويشهد عليهم إما لسان مقالهم أو لسان حالهم. وما مؤمن إيمانا ~~حقيقيا بالبعث إلا وهمته إلى التزود له. {إن هو} ما هو {إلا رجل افترى على ~~الله كذبا} فيما يدعيه من الرسالة {وما نحن له بمؤمنين(38)} بمصدقين. # {قال: رب انصرني} عليهم، وانتقم لي منهم {بما كذبون(39)} بسبب تكذيبهم ~~إياي. {قال: عما قليل ليصبحن نادمين(40)} على التكذيب، إذا عاينوا عذاب ~~الموت، لأن الندامة تقع بكل كافر في ذلك الحين. # {فأخذتهم الصيحة بالحق} بالوجه الثابت الذي لا تبديل عنه، {فجعلناهم ~~غثاء} شبههم في دمارهم بغثاء السيل، كقول العرب: «سال به الوادي» لمن هلك؛ ~~والغث: الفساد في اللغة؛ {فبعدا للقوم الظالمين(41)} «بعدا»: مصدر بعد، إذا ~~هلك. {ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين(42). ما تسبق من أمة أجلها} الوقت ~~الذي حد لها، {وما يستأخرون(43)}. # { PageV03P119 ثم أرسلنا رسلنا تترى} متواترين واحدا بعد واحد؛ من الوتر: ~~وهو الفرد؛ وقيل: معناه: منقطعة، بين كل رسولين برهة من الزمان، {كل ما جاء ~~أمة رسولها كذبوه، فأتبعنا بعضهم بعضا} في الإهلاك، {وجعلناهم أحاديث} لم ~~يبق منهم إلا نشر حديثهم عظة للمتعظين، ولهوا لمن سواهم، {فبعدا لقوم لا ~~يؤمنون(44)}. # {ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين(45) إلى فرعون وملئه ~~فاستكبروا} عن القبول والإيمان، {وكانوا قوما عالين(46)} متكبرين. {فقالوا: ~~أنؤمن لبشرين مثلنا}؟ في الخلقة، إذ نظرهم مقصور على الظاهر، {وقومهما لنا ~~عابدون(47)} يعني: بني إسرائيل خادمون منقادون كالعبيد؛ وذلك ينبؤك أن أصل ~~العبادة هي الطاعة، إذا أطاعه فقد عبده؛ ومعلوم أن بني إسرائيل لم يعبدوا ~~فرعون وقومه عبادة تدين، لقوله تبارك وتعالى يخبر عن قولهم لموسى: {قالوا: ~~أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا} (¬1) ، {فكذبوهما، فكانوا من ~~المهلكين(48) ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم} لعل (¬2) بني إسرائيل، ولا ~~يجوز عود الضمير إلى فرعون وملئه، لأنه قال: {آتينا موسى الكتاب} بعد ms0609 قوله: ~~{فكانوا من المهلكين}. {يهتدون(49)} إلى المعارف والأحكام. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأعراف: 129. # (¬2) - ... في الأصل: «نعل»، وهو خطأ. PageV03P120 # وجعلنا ابن مريم وأمه آية، وآويناهما إلى ربوة ذات قرار} مستقر [386] من ~~أرض منبسطة؛ وقيل: ذات ثمار وزروع، فإن ساكنيهما يستقرون فيها لأجلها. ~~{ومعين(50)} وماء معين، ظاهر جار على وجه الأرض، من معن الماء: إذا جرى؛ أو ~~من الماعون وهو المنفعة، لأنه نفاع؛ أو مفعول من عانه: إذا أدركه بعينه، ~~لأنه لظهوره مدرك بالعيون. وصف ماءها بذلك، لأنه الجامع لأسباب التنزه، و ~~طيب المكان. # {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات} نداء وخطاب لكل الرسل، لا على أنهم ~~خوطبوا بذلك دفعة واحدة لتفاوت أزمنتهم، بل على معنى أن كلا منهم خوطب به ~~في زمانه؛ فيدخل عيسى تحته دخولا أوليا؛ ويكون ابتداء كلام ذكره تنبيها أن ~~تهيئة أسباب التنعم لم تكن له خاصة؛ وأن إباحة الطيبات شرع قديم؛ واحتجاجا ~~على الرهبانية في رفض الطيبات. والطيب: ما يستلذ من المباحات؛ وقيل: الحلال ~~الصافي القوام؛ فالحلال ما لا يعصى الله (¬1) فيه، والصافي ما لا ينسى الله ~~فيه، والقوام: ما يمسك النفس، ويحفظ العقل. {واعملوا صالحا} فإنه المقصود ~~منكم، والنافع الثابت لكم عند ربكم؛ والعمل الصالح: وضع الأمور مواضعها، ~~وأن لا تجعلوا لله شريكا في العبادة، ولا تستنكفوا عن عبادته، {إني بما ~~تعملون عليم(51)} فأجازيكم عليه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «للله»، وهو خطأ. PageV03P121 # وإن هذه أمتكم أمة واحدة} ملتكم أيها الرسل، ملة واحدة، في العقائد، ~~وأصول الشرائع، {وأنا ربكم فاتقون(52)} في شق العصا، ومخالفة الكلمة. ~~{فتقطعوا أمرهم بينهم} تقطعوا أمر دينهم، وجعلوه أديانا مختلفة، {زبرا} ~~قطعا، جمع زبور، الذي معناه: الفرقة، {كل حزب} من المتحزبين {بما لديهم} ~~مما يدينون {فرحون(53)} معجبون، مسرورون معتقدون أنهم على الحق. {فذرهم في ~~غمرتهم} في جهالتهم؛ شبهها بالماء الذي يغمر القامة، لأنهم مغمورون فيها؛ ~~أو لاعبون؛ وقرئ: «في غمراتهم». {حتى حين(54)} إلى أن يقتلوا أو يموتوا. # {أيحسبون أنما نمدهم به} نعطيهم، ونجعله مدا لهم، {من مال وبنين(55)} ~~بيان ل«ما»، وليس خبرا له، فإنه غير معاب ms0610 عليهم؛ وإنما المعاب عليهم ~~اعتقادهم أن ذلك خيرا لهم. {نسارع لهم في الخيرات} المعنى: أن الذي نمدهم ~~به نسارع به لهم فيما فيه خيرهم وإكرامهم، {بل لا يشعرون(56)} بل هم ~~كالبهائم، لا فطنة لهم ولا شعور، ليتأملوا فيعلموا أن ذلك الإمداد استدراج ~~لا مسارعة في الخير؛ فيفرق الإمداد بافتراق العاصي والمطيع، فيكون للمطيع ~~مسارعة له في الخير، ويكون للعاصي استدراجا له في الشر؛ فيظن العاصي أن ~~إمداده وإمداد المطيع على وتيرة واحدة، ويعلم المطيع أن إمداده له بمنزلة ~~الترياق، لأنه يبقون (¬1) به على الخير، وأن إمداد ضده فعلى العكس؛ فعلى ~~المرء أن يقبل على شأنه، ويتفقد أحوال عمله، ويقومها على الصراط السوي، وإن ~~خالف ذلك بحرف واحد، لحقه وعيد الاستدراج والغرور، من حيث لا يشعر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «يبقى». PageV03P122 # إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون(57)} من خوف عذابه واستدراجه لهم؛ [387] ~~فالمؤمن قد جمع إحسانا وخشية، والمنافق قد جمع إساءة وأمنا. {والذين هم ~~بآيات ربهم} البالغة لهم {يؤمنون(58)} يصدقون. {والذين هم بربهم لا ~~يشركون(59)} شركا جليا ولا خفيا. {والذين يؤتون ما آتوا} يعطون ما أعطوه من ~~الصدقات؛ وقرئ مقصورا (¬1) ، أي: يفعلون ما فعلوه من الطاعات، {وقلوبهم ~~وجلة} خائفة أن لا يقبل منهم (لعله) بشؤم ذنوبهم، وأن لا تقع على الوجه ~~اللائق فترد عليهم، ويؤاخذوا بها؛ أو من خوف سوء الخاتمة عند كل خطرة ~~وحركة، {أنهم إلى ربهم راجعون(60)} فيسألوا عن جميع ما أتوا. وفي هذا بيان ~~الحكمة من أنه لم ينزل الكتاب بذكر ما يؤتى ويذر كل شيء بعينه مفسرا، ليكون ~~المؤمن خائفا راجيا. # {أولئك يسارعون في الخيرات} يرغبون في الطاعات أشد الرغبة، فيبادرونها، ~~أو يسارعون فيما آتاهم الله من ثواب الدنيا، المعاونة لهم على صالح الأعمال ~~باستعمالها، كقوله : {فآتاهم الله ثواب الدنيا} (¬2) فيكون إثباتا لهم ما ~~نفي عن أضدادهم المتقدم ذكرهم، {وهم لها سابقون(61)} لأجلها، فاعلون ~~المسابقة، فيسبقون الناس إلى الطاعة أو الجنة؛ أو سابقونها، أي: ينالونها ~~قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا، كما عجل ms0611 الشر لأضدادهم؛ فهؤلاء لهم خير ~~الدنيا والآخرة، وهؤلاء لهم شر الدنيا والآخرة، وليس لهم من الخير مثقال ذرة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... أي: «يأتون ما أتوا»، كما في: الزمخشري: الكشاف، 3/151. أبو ~~السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص140. وللتفصيل حول هذه القراءة والروايات الواردة ~~في الموضوع انظر: الألوسي: روح المعاني، 17/44. # (¬2) - ... سورة آل عمران: 148. PageV03P123 # ولا نكلف نفسا إلا وسعها} قدر طاقتها؛ يريد به التحريض على ما وصف به ~~الصالحين، وتسهيله على النفوس؛ {ولدينا كتاب} اللوح المحفوظ؛ أو صحيفة ~~الأعمال؛ أو علم الله المكنون (¬1) {ينطق بالحق} بالصدق، لا يوجد فيه ما ~~يخالف الواقع، {وهم لا يظلمون(62)} بزيادة عقاب، أو نقصان ثواب. {بل ~~قلوبهم} قلوب الكفرة {في غمرة} في غفلة غامرة لها، {من هذا} من الذي وصف به ~~هؤلاء؛ أو من القرآن، لا يدرون تأويله بسبب تعاميهم عنه، {ولهم أعمال} ~~خبيثة {من دون ذلك} متجاوزة ما وصفوا به، {هم لها عاملون(63)} معتادون فعلها. # {حتى إذا أخذنا مترفيهم} متنعميهم {بالعذاب} القتل، أو الموت، {إذا هم ~~يجأرون(64)} فاجؤوا الصراخ بالاستغاثة. {لا تجأروا اليوم} فإنه مقدر ~~بالقول، أي: قيل لهم: «لا تجأروا اليوم». {إنكم منا لا تنصرون(65)} أي: لا ~~تمنعون منا؛ أو ليس لكم نصر من عندنا. {قد كانت آياتي} حججي {تتلى عليكم} ~~تبلغون إياها، {فكنتم على أعقابكم تنكصون(66)} تعرضون مدبرين عن سماعها ~~وتصديقها والعمل بها؛ والنكوص: الرجوع، {مستكبرين به} الضمير للقرآن فيما ~~أرجو، فإنه بمعنى: مكذبين به {سامرا} أي: تسمرون بذكر القرآن، والطعن فيه، ~~{تهجرون(67)} من الهجر بالفتح؛ أو بمعنى القطيعة؛ أو بترك القرآن لقوله : ~~{يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا} (¬2) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «المنكون»، وهو خطأ. # (¬2) - ... سورة الفرقان: 30. PageV03P124 # أفلم يدبروا القول}؟ أي: القرآن ليعلموا أنه الحق من ربهم بإعجاز لفظه، ~~ولفظ دلائله، {أم جاءهم ما لم يأتي آباءهم الأولين(68)} يريد أنا بعثنا من ~~قبلهم (لعله) رسلا إلى قومهم، كذلك بعثنا محمدا (¬1) - صلى الله عليه وسلم ~~- رسولا إليهم. {أم لم يعرفوا رسولهم} بقيام الدليل له بالأمانة والصدق ~~وكمال العلم، وحسن الخلق، مما هو صفة [388] للرسل، وذلك ms0612 على معنى التوبيح ~~عنه (¬2) على الإعراض عنه بعد ما عرفوه بالصدق والأمانة، {فهم له ~~منكرون(69)} دعواه، لأحد هذه الوجوه. # {أم يقولون: به جنة} خفة عقل، وصف (¬3) رأي، وكان هو أرجحهم عقلا، ~~وأغزرهم علما، وأحدهم نظرا، {بل جاءهم بالحق} أي: بالقول، بالصدق (¬4) الذي ~~لا تخفى صحته وحسنه على عاقل، {و أكثرهم للحق كارهون(70)} لأنه يخالف ~~شهواتهم وأهواءهم، فلذلك أنكروه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «محمد»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: - «عنه». # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «وسفه رأي»، أو نحو ذلك. # (¬4) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «بالقول الصدق». PageV03P125 # ولو اتبع الحق أهواءهم} بأن كان في الواقع آلهة شتى على قدر أهويتهم، حتى ~~يكون لكل معبوده هواه، لتطاردت الإرادات إلى ما يعقب فساد العالم، كما قال: ~~{لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن} كما سبق تقريره في قوله : {لو كان فيهما ~~آلهة إلا الله لفسدتا} (¬1) ؛ وقيل: لو اتبع الحق أهواءهم وانقلب باطلا، ~~لذهب ما قام به العالم؛ أو ولو اتبع الحق الذي جاء به محمد أهواءهم وانقلب ~~شركا، لجاء الله بالقيامة وأهلك العالم من غضب الله. {بل أتيناهم بذكرهم} ~~بالكتاب الذي هو ذكرهم، أي: وعظهم؛ وقيل: بما فيه فخرهم وشرفهم، كما قال : ~~{وإنه لذكر لك ولقومك} (¬2) ، {فهم عن ذكرهم معرضون(71)} لايلتفتون إليه. # {أم تسألهم خرجا} أجرا على أداء الرسالة، {فخراج ربك} رزقه في الدنيا، ~~وثوابه في العقبى {خير} لسعته وداومه، فإنه لايتأتى انقطاعه كانقطاع ما في ~~الأيدي، {وهو خير الرازقين(72)} تقرير لخيرية خراجه. {وإنك لتدعوهم إلى ~~صراط مستقيم(73)} تشهد العقول السليمة على استقامته لا عوج فيه، ليوجب ~~اتهامهم له، لأنه لا مجال للتهمة. واعلم أنه سبحانه ألزمهم الحجة وأزاح ~~العلة، بأن حصر أقسام ما يؤدي إلى الإنكار والاتهام، وبين انتفاءها، ما عدى ~~كراهة الحق، وقلة الفطنة. # {وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون(74)} لعادلون عنه ~~مائلون؛ فإن خوف الآخرة أقوى البواعث على طلب الحق، وسلوك طريقه. {ولو ~~رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا} اللجاج: التمادي في الشيء، {في ~~طغيانهم} إفراطهم في الكفر، ms0613 والاستكبار عن الحق {يعمهون(75)} عن الهدى. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأنبياء: 22. # (¬2) - ... سورة الزخرف: 44. PageV03P126 # ولقد أخذناهم بالعذاب} سواء وسع لهم، أو ضيق عليهم، {فما استكانوا لربهم ~~وما يتضرعون(76)} فهؤلاء أشد من الذين يدعون الله مخلصين له الدين في حال ~~الشدائد، ويشركون (¬1) به إذا نجاهم، بل أقاموا على عتوهم واستكبارهم. ~~و«استكان» استفعل من الكون، لأن المفتقر انتقل من كون إلى كون. {حتى إذا ~~فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد} قيل: هو عذاب الموت {إذا هم فيه ~~مبلسون(77)} متحيرون، آيسون من كل خير، مبشرون بكل شر. # {وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار} لتستدلوا بهما ما نصب من الآيات، ~~{والأفئدة} لتتفكروا وتستدلوا بها، إلى غير ذلك من المنافع الدينية ~~والدنيوية، {قليلا ما تشكرون(78)} تشكروا بها شكرا قليلا، لأن العمدة في ~~شكرها استعمالها فيما خلقت لأجله، والإذعان لمانحها من غير إشراك به شيئا ~~من مخلوقاته. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «ويشركوا»، وهو خطأ. PageV03P127 # وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون(79) [389] وهو الذي يحيي ويميت وله ~~اختلاف الليل والنهار} مختص به تعاقبهما لا يقدر عليه غيره، {أفلا ~~تعقلون(80)}؟ بالنظر والتأمل أن الكل (¬1) منا، وأن قدرتنا تعم الممكنات ~~كلها، وأن البعث من جملتها. {بل قالوا مثل ما قال الأولون(81)} آباؤهم ومن ~~دان بدينهم، {قالوا: أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون(82)}؟ ~~استبعادا؛ ولم يتأملوا أنهم كانوا قبل ذلك أيضا ترابا فخلقوا. {لقد وعدنا ~~نحن وآباؤنا هذا من قبل} أي: لقد وعدنا وآباؤنا (لعله) فلم نر هذا الوعد، ~~{إن هذا إلا أساطير الأولين(83)} إلا أكاذيبهم التي كتبوها، جمع أسطورة، ~~لأنها تستعمل فيما يتلهى به، كالأعاجيب والأضاحيك؛ وقيل: جمع أسطار، جمع سطر. # {قل} يا محمد: {لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون(84)}؟ إن كنتم من ~~العالمين بذلك، فيكون استهانة بهم، وتقريرا لفرط جهالتهم، حتى جهلوا مثل ~~هذا الجلي الواضح، وإلزاما لما لا يمكن لمن له مسكة من العلم إنكاره؛ ~~ولذلك أخبر عن جوابهم قبل أن يجيبوا، فقال : {سيقولون: لله} لأن العقل ~~الصريح قد اضطرهم بأدنى نظر إلى الإقرار بأنه خالقها، {قل} أي: بعد ms0614 ما ~~قالوه: {أفلا تذكرون(85)}؟ فتعلموا أن من فطر الخلق ابتداء، قدر على ~~إيجادها ثانيا؛ فإن الابتداء ليس بأهون من الإعادة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «ان كل»، وهو خطأ، والصواب ما أثبت من: أبو السعود: ~~تفسير، مج3/ ج6/ ص147. PageV03P128 # قل: من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم(86)} فإنها أعظم من ذلك. ~~{سيقولون: لله} لأن العقول السليمة تلجئهم إلى الإقرار بذلك، {قل: أفلا ~~تتقون(87)} عقابه، فلا تشركوا به بعض مخلوقاته، ولا تنكروا قدرته على بعض ~~مقدوراته. # {قل: من بيده ملكوت كل شيء} ملكه؛ وقيل: خزائنه؛ وقيل حقائقه، {وهو يجير} ~~يغيث من يشاء ويحرسه، {ولا يجار عليه} ولا يغاث، ولا يمنع أحد منه {إن كنتم ~~تعلمون(88) سيقولون: لله، قل: فأنى تسحرون(89)}؟ فمن أين تخدعون، فتصرفون ~~عن الرشد مع ظهور الأمر، وتظاهر الأدلة. {بل أتيناهم بالحق} من التوحيد ~~والوعد بالنشور، {وإنهم لكاذبون(90)} حيث أنكروا ذلك. # {ما اتخذ الله من ولد} لتقدسه عن ذلك، {وما كان معه من إله} يساهمه في ~~الألوهية، {إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض} جواب محاجتهم، ~~وجزاء شرط، حذف لدلالة ما قبله عليه، أي: لو كانت معه آلهة كما يقولون، ~~لذهب [كل] واحد منهم بما خلقه واستبد به، وامتاز ملكه عن ملك الآخرين، ووقع ~~بينهن التحارب والتغالب، كما هو حال ملوك الدنيا، فلم يكن بيده وحده ملكوت ~~كل شيء؛ {سبحان الله عما يصفون(91)} من الولد والشريك، لما سبق من الدليل ~~على فساده. {عالم الغيب والشهادة} هو دليل آخر على نفي الشريك، بناء على ~~توافقهم في أنه المنفرد بذلك؛ ولهذا رتب عليه: {فتعالى عما يشركون(92)} عن ~~أن يضره شركهم. # { PageV03P129 قل: رب إما تريني} إن كان لا بد (لعله) من أن تريني، لأن ~~ما والنون للتأكيد، {ما يوعدون(93)} من العذاب في الدنيا والآخرة. {رب فلا ~~تجعلني في القوم الظالمين(94)} قرينا لهم في العذاب. {وإنا على أن نريك ما ~~نعدهم لقادرون(95)} لكنا نؤخره لحكمة ومشيئة منا فيهم. # [390] {ادفع بالتي هي أحسن السيئة} هو الصفح عنها، والإحسان في مقابلتها، ~~لكن بحيث لم ms0615 يؤد إلى وهن في الدين. وقيل هي: كلمة التوحيد. والسيئة: الشرك؛ ~~{نحن أعلم بما يصفون(96)} من الشرك مما ينطق به لسان مقالهم، أو لسان ~~حالهم؛ وأقدر على جزائهم، فكل إلينا أمرهم. # {وقل: رب أعوذ بك} أي: مستجير، ومستليذ، ومعتصم بك {من همزات} نزغات ~~{الشياطين(97)} وساوسهم؛ وأصل الهمز: النخس؛ والهمز: شدة الدفع؛ والمعنى: ~~دفعهم بالإغواء إلى المعاصي. {وأعوذ بك رب أن يحضرون(98)} في شيء من ~~أحوالي؛ وحضورهم هنا الاستجابة لدعوتهم، وإلا فهم حاضرون في جميع الأحوال، ~~ولا يطمع في أن يغيبوا عن أحد من أهل التعبد من الثقلين؛ ولو لم يكن هكذا ~~لزال التعبد، وانحطت المجاهدة عن العبد. # { PageV03P130 حتى إذا جاء أحدهم الموت} متعلق ب«يصفون»، {قال} تحسرا على ~~ما فرط، لما أن حق يقينه: {رب ارجعون(99)} ردوني إلى الدنيا. {لعلي أعمل ~~صالحا فيما تركت} في الدنيا من العمل الواجب علي؛ {كلا} ردع عن طلب الرجعة، ~~واستبعاد لهم، {إنها كلمة} يعني قوله: {رب ارجعون...} إلى آخره. {هو ~~قائلها} ولا ينالها لا محالة، لتسلط الحسرة عليه عذابا، وهو أهل له. روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا: نرجعك ~~إلى الدنيا؟ قال: إلى دار الهموم والأحزان، بل قدوما إلى الله، وأما الكافر ~~فيقول: رب ارجعون» (¬1) . قال قتادة: «ما تمنى أن يرجع إلى أهل وعشيرة، ولا ~~ليجمع الدنيا، ويقضي الشهوات؛ ولكن تمنى أن يرجع، فيعمل لطاعة الله؛ فرحم ~~الله امرء عمل فيما يتمناه». {ومن ورائهم} أمامهم {برزخ} حائل بينهم وبين ~~الرجعة {إلى يوم يبعثون(100)} يوم القيامة، وهو قطع عن طمع الرجوع إلى ~~الدنيا، لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلى الدنيا. # {فإذا نفخ في الصور} لقيام الساعة، {فلا أنساب بينهم} ينفعهم لزوال ~~التعاطف والتراحم من فرط الحيرة، واستيلاء الدهشة، بحيث {يفر المرء من ~~أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه} (¬2) ، {يومئذ} كما يفعلون اليوم، {ولا ~~يتساءلون(101)} ولا يسأل بعضهم بعضا سؤال نفع، وكأن الآية مخصوصة في ~~الكافرين، أو في الجميع، لقوله: # { # ¬__________ # (¬1) - ... لم نعثر عليه في الربيع، ولا في الكتب التسعة، ms0616 ولا في الجامع ~~الصغير وزياداته. # (¬2) - ... سورة عبس: 34-36. PageV03P131 # فمن ثقلت موازينه} موزونات عقائده وأعماله، ما سلم من الكبائر، {فأولئك ~~هم المفلحون(102)} الفائزون بالدرجات. {ومن خفت موازينه} ولم يكن له ما ~~يكون له وزن، {فأولئك الذين خسروا أنفسهم} غبنوها، حيث ضيعوا زمان ~~استكمالها، وأبطلوا استعدادها لنيل كمالها، {في جهنم خالدون(103) تلفح (¬1) ~~وجوههم النار} تحرقها، {وهم فيها كالحون(104)} من شدة الاحتراق؛ والكلوح: ~~تقلص (¬2) الشفتين عن الأسنان في عبوس. {ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم ~~بها تكذبون(105)} تذكير لهم بما استحقوا هذا العذاب لأجله. # {قالوا: ربنا غلبت علينا شقوتنا} ملكتنا بحيث صارت مجامع أحوالنا مؤدية ~~إلى سوء العاقبة، {وكنا قوما ضالين(106)} عن الحق. [391] {ربنا أخرجنا ~~منها، فإن عدنا فإنا ظالمون(107) قال: اخسئوا فيها} اسكتوا سكوت هوان؛ من ~~خسأت الكلب: إذا زجرته فخسأ، {ولا (¬3) تكلمون(108)} فعند ذلك أيس المسرفون ~~من الفرج؛ وقيل: هو آخر كلام أهل النار، ولا يتكلمون بعدها، إلا الشهيق ~~والزفير، والأنين والصراخ. # {إنه كان فريق من عبادي يقولون: ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير ~~الراحمين(109)، فاتخذتموهم سخريا} هزؤا، {حتى أنسوكم ذكري} من فرط تشاغلكم ~~بالاستهزاء بهم، فلم تخافوني في أوليائي (¬4) . {وكنتم (¬5) منهم ~~تضحكون(110)} مبالغة في الاستهزاء بهم. {إني جزيتهم اليوم بما صبروا} على ~~استهزائكم {أنهم هم الفائزون(111)} فوزهم لمجامع مراداتهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «تفلح»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «تلقص»، وهو خطأ. # (¬3) - ... في الأصل: - «لا»، وهو خطأ. # (¬4) - ... في الأصل: «أولياء»، وهو خطأ. # (¬5) - ... في الأصل: «فكنتم»، وهو خطأ. PageV03P132 # قال: كم لبثتم في الأرض}؟ أحياء وأمواتا في القبور {عدد سنين(112)؟ ~~قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم} استقصارا لمدة لبثهم فيها، بالنسبة إلى ~~خلودهم في النار؛ أو لأنها كانت أيام سرورهم، وأيام السرور قصار؛ أو لأنها ~~منقضية، والمنقضي في حكم المعدوم؛ {فاسأل العادين(113)} الذين يتمكنون في ~~عد أيامها (لعله) وهم الملائكة، أو المؤمنون. # {قال إن لبثتم إلا قليلا} سمي قليلا، لأن الواحد ولو طال مكثه في الدنيا ~~فإنه يكون قليلا في جنب الآخرة، {لو أنكم كنتم تعلمون(114)} قدر لبثكم في ~~النار، تصديق لهم في ms0617 مقالهم. {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا}؟ توبيخ على ~~تعاقبهم، {وأنكم إلينا لا ترجعون(115)} للجزاء. # {فتعالى الله الملك الحق} الباقي الذي يحق له الملك مطلقا؛ فإن من عداه ~~مملوك بالذات، مالك بالعرض، من وجه دون وجه، ومن حال دون حال؛ {لا إله إلا ~~هو} فإن من عداه عبيد، {رب العرش الكريم(116)} الذي يحيط بالأجرام، وينزل ~~منه محكمات الأقضية والأحكام؛ ولذلك وصفه بالكرم (¬1) ؛ أو لنسبته إلى أكرم ~~الأكرمين؛ وقرئ بالرفع، على أنه صفة الرب. # {ومن يدع مع الله إلها آخر} يعبده إفرادا أو شركا؛ وذلك يتناول جميع ~~العصاة، {لا برهان له به} تنبيها على أن التدين بما لا دليل عليه ممنوع، ~~فضلا عما دل الدليل على خلافه، {فإنما حسابه عند ربه} فهو مجاز له مقدار ما ~~يستحقه {إنه لا يفلح الكافرون(117)} أي: حسابهم عدم الفلاح. # بدأ السورة بتقرير فلاح المؤمنين، وختمها بنفي الفلاح عن الكافرين؛ ثم ~~أمر رسوله بأن يستغفره ويسترحمه، فقال: {وقل: رب اغفر وارحم وأنت خير ~~الراحمين(118)}. # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «بالكرام»، ولا معنى له. PageV03P133 # سورة النور # بسم الله الرحمن الرحيم # {سورة أنزلناها وفرضناها} قرئت بالتخفيف، ومعناه: أوحينا ما فيها من ~~الأحكام، وألزمناكم العمل بها؛ وقيل: بالتثقيل، ومعناه: فصلناها وبيناها، ~~{وأنزلنا فيها آيات بينات} واضحات الدلالة، {لعلكم تذكرون(1)} فتتقون ~~المحارم. # {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة ~~في دين الله} في طاعته وإقامة حده، فتعطلوه، أو تسامحوا فيه، {إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر} فإن الإيمان يقتضي [392] الجد في طاعة الله، ~~والاجتهاد في إقامة أحكامه، وهو من باب التهييج. والرأفة والرحمة لا تنال ~~العاصين، ألم تر أن الله لم يجرهم من عذابه إذا (¬1) لم يقيموا بدينه؟. ~~{وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين(2)} زيادة في التنكيل؛ فإن التفضيح قد ~~ينكل أكثر ما ينكل التعذيب؛ والمراد بالطائفة: جمع يحصل به التشهير. # {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو ~~مشرك، وحرم ذلك على المؤمنين(3)} قال أبو سعيد في تأويل هذه الآية: «معي ~~أنه في التأويل ms0618 مما تأول أصحابنا أن المحدود على الزنا من أهل القبلة لا ~~ينكح إلا محدودة من أهل القبلة على الزنا، أو مشركة من أهل الكتاب محدودة، ~~أو غير محدودة؛ والمحدودة من أهل الكتاب لا ينكحها إلا محدود من أهل القبلة ~~على الزنا، أو مشرك من أهل دينها كان محدودا أو غير محدود؛ وحرم ما سوى هذا ~~على المؤمنين؛ والمحدودة من أهل القبلة لا يجوز لها المشرك على حال من أهل ~~الكتاب، ولا من غيرهم». # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الأصوب: «إذ». PageV03P134 # والذين يرمون المحصنات} بالزنا {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم ~~ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، وأولئك هم الفاسقون(4)، إلا الذين ~~تابوا من بعد ذلك وأصلحوا، فإن الله غفور رحيم(5)، والذين يرمون أزواجهم ~~ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم، فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن ~~الصادقين(6)، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين(7)؛ ويدرؤا ~~عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين(8)، والخامسة أن ~~غضب الله عليها إن كان من الصادقين(9)؛ ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن ~~الله تواب حكيم(10)} متروك الجواب، أي: لفضحكم وعاجلكم بالعقوبة. # {إن الذين جاءوا بالإفك} بأبلغ (¬1) ما يكون من الكذب من الأفك، وهو ~~الصرف (¬2) ، لأنه قول مأفوك عن وجهه، والمراد ما أفك به عن عائشة. {عصبة ~~منكم} جماعة منكم، {لا تحسبوه شرا لكم} مستأنف، معناه: [يا]عائشة ويا صفوان ~~(¬3) ؛ (لعله) وقيل: هو خطاب لعائشة؛ {بل هو خير لكم} لاكتسابكم به الثواب ~~العظيم من أجل صبركم، {لكل أمرئ منهم ما اكتسب من الإثم} لكل جزاء ما اكتسب ~~بقدر ما خاض فيه مختصا به، يعني: من العصبة الكاذبة، {والذي تولى كبره} ~~معظمه {منهم} من الخائضين، {له (¬4) عذاب عظيم(11)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «بالغ». والصواب ما أثبتناه من: الزمخشري: الكشاف، ~~3/171. أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص160. # (¬2) - ... «وأفك عنه يأفكه أفكا: صرفه وقلبه، أو قلب رأيه». ~~الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ص 838، مادة: «أفك». # (¬3) - ... وهو الصحابي: صفوان بن المعطل السلمي. انظر: الزمخشري: المصدر ~~نفسه. أبو السعود: ms0619 المصدر نفسه. # (¬4) - ... في الأصل: «لهم»، وهو خطأ. PageV03P135 # لولا} هلا {إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا، وقالوا: هذا ~~إفك مبين(12)} قال محبوب: «بلغنا أنها نزلت في أبي أيوب الأنصاري، إذ قالت ~~له أمرأته: ألا تسمع [يا]أبا أيوب ما يقول الناس (¬1) في عائشة، فقال لها ~~أبو أيوب: كنت فاعلة ذلك يا أم أبي أيوب، فقالت: لا والله، فقال لها: ~~فعائشة خير منك؛ فأنزل الله فيه الآية». # {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء، فإذ (¬2) لم يأتوا بالشهداء، فأولئك عند ~~الله هم الكاذبون(13)} فإن قيل كيف يصيرون عند الله كاذبين إذ لم يأتوا ~~بالشهداء، ومن كذب فهو عند الله كاذب، سواء أتى بالشهداء أو لم يأت؟ قيل: ~~«عند الله» أي: في حكم الله. # [393] {ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة} المعنى: لولا فضل ~~الله عليكم في الدنيا بأنواع النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة، ورحمته ~~في الآخرة بقبولها، {لمسكم في ما أفضتم فيه} خضتم فيه {عذاب عظيم(14)، إذ ~~تلقونه بألسنتكم} يأخذه بعضكم من بعض {وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ~~وتحسبونه هينا} سهلا لا عقوبة له، ولا سؤال عنه، {وهو عند الله عظيم(15)} ~~في الوزر واستجلاب العذاب، وتفويت الرحمة، وهكذا جميع معاصي الله، ولو ~~حسبها فاعلها لظنه أنها هينة فلا عذر له، ولا يسعه جهله مع قيام الحجة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «للناس»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «فإذا»، وهو خطأ. PageV03P136 # ولولا إذ سمعتموه، قلتم: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا} ما ينبغي وما يصح ~~لنا، {سبحانك هذا} تعجب لمن يقول ذلك، وأصله أن يذكر عند كل متعجب (¬1) ~~تنزيها لله تعالى من أن يصعب عليه مثله، ثم كثر فاستعمل لكل متعجب؛ {بهتان ~~عظيم(16)}. # {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا} ما دمتم أحياء مكلفين، وذلك يتناول ~~تحقيق كل ظن قولا واعتقادا، {إن كنتم مؤمنين(17)} فإن الإيمان يمنع عنه. ~~{ويبين الله لكم الآيات} الدالة على الشرائع، ومحاسن الآداب، كي تتعظوا، ~~{والله عليم حكيم(18)}. # {إن الذين يحبون أن تشيع} أن تنتشر {الفاحشة في الذين آمنوا، لهم عذاب ms0620 ~~أليم في الدنيا والآخرة، والله يعلم وأنتم لا تعلمون(19)، ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته (¬2) وأن الله رءوف رحيم(20)} لعله جواب “لو” محذوف، أي: ~~لعاجلكم بالعقوبة. {يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان} أي: ~~وساوسه، {ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر} فإنه يأمر ~~بضد ما أمر الله به، وينهى عن جميع ما أمر الله به، {ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته} بتوفيق التوبة، {ما زكى} ما طهر من دنسها {منكم من أحد أبدا} من ~~أولكم إلى آخركم، {ولكن الله يزكي من يشاء} يحمله على التوبة، {والله سميع ~~عليم(21)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في العبارة نقص، وتمامها عند أبي السعود: «وأصله أن يذكر عند ~~معاينة العجيب من صنائعه تعالى تنزيها له عن أن يصعب عليه أمثاله، ثم كثر ~~حتى استعمل في كل متعجب منه». أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص163. وانظر نحو ~~تلك العبارة: الزمخشري: الكشاف، 3/173. # (¬2) - ... في الأصل: - «ورحمته»، وهو سهو. PageV03P137 # ولا يأتل} ولا يحلف، افتعال من الألية. قيل: نزل في أبي بكر، وقد حلف أن ~~لا ينفق على مسطح بعد، وكان ابن خالته، وكان من الفقراء، {أولو الفضل منكم} ~~في الدين، {والسعة} في المال، {أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين ~~في سبيل الله، وليعفوا} ما فرط منهم، {وليصفحوا} بالإغماض عنه، {ألا تحبون ~~أن يغفر الله لكم} على عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم، {والله ~~غفور رحيم(22)} مع كمال قدرته، فتخلقوا بأخلاقه. روي أنه - عليه السلام - ~~قرأها على أبي بكر، فقال: بلى أحب، ورجع إلى مسطح نفقته. # {إن الذين يرمون المحصنات} العفائف {الغافلات} عما قذفن به، الغافلات عن ~~الفاحشة أن لا تقع في قلوبهن فضلا عن مواقعتها، {المؤمنات} بالله ورسوله، ~~استباحة لعرضهن، {لعنوا} أبعدوا من الرحمة {في الدنيا والآخرة} كما طعنوا ~~فيهن، {ولهم عذاب عظيم(23)} في الدارين. {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون(24) يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق} جزاءهم ~~المستحق، {ويعلمون} لمعاينتهم الأمر {أن الله [394] هو الحق المبين(25)} ~~الثابت بذاته، الظاهر الألوهية، لايشاركه في ذلك غيره، ولا يقدر ms0621 على الجزاء سواه. # {الخبيثات للخبيثين، والخبيثون للخبيثات، والطيبات للطيبين، والطيبون ~~للطيبات} فقد قيل الطيب من القول للطيب من العباد، والخبيث من القول للخبيث ~~من العباد، ويخرج في النيات والأعمال، كما يخرج في الأقوال؛ ويخرج في ~~الجنان والنيران لأهلهما؛ ويخرج في الأرواح، ولعله قد قيل ذلك بدليل قوله: ~~{أولئك مبرءون مما يقولون، لهم مغفرة ورزق كريم(26)} في الدارين. # { PageV03P138 يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى ~~تستأنسوا} تستأذنوا، من الاستئناس بمعنى: الاستعلام، من أنس الشيء إذا ~~أبصره {وتسلموا على أهلها، ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون(27)، فإن لم تجدوا ~~فيها أحدا، فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم، وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى ~~لكم} أي: أطهر، {والله بما تعملون عليم(28)؛ ليس عليكم جناح أن تدخلوا ~~بيوتا غير مسكونة} قيل: هي الخانات على طرق الناس، {فيها متاع لكم} لعله من ~~الحر والبرد، أو منفعة من قضاء حاجة، {والله يعلم ما تبدون وما ~~تكتمون(29)}. # {قل للمؤمنين: يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم، ذلك أزكى لهم، إن الله ~~خبير بما يصنعون(30)} لا يخفى عليه إجالة أبصارهم، واستعمال سائر حواسهم، ~~وتحريك جوارحهم، وما يقصدون بها فيكون على حذر منه في كل حركة وسكون. # { PageV03P139 وقل للمؤمنات: يغضضن من أبصارهن، ويحفظن فروجهن، ولا يبدين ~~زينتهن} قال أبو الحسن العماني: «فمن أبدى من النساء زينتها فقد كفرت ~~وارتكبت كبيرة، ويبرأ منها، من حينها، وهذا إنما تكفر إذا أصرت على ذلك ولم ~~تتب من حينها». انتهى كلامه. {إلا ما ظهر منها} هو الوجه والكفان، {وليضربن ~~بخمرهن على جيوبهن} سترا لأعناقهن؛ وقيل لصدورهن وقروطهن، {ولا يبدين ~~زينتهن} الخفية التي أمرت بتغطيتها، وهي ما عدى الوجه والكفين، {إلا ~~لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو ~~إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو ~~التابعين غير أولي الإربة من الرجال} قيل: البله الذين يتبعون الناس لفضل ~~طعامهم، ولا يعرفون شيئا من أمور النساء، {أو الطفل الذين لم يظهروا على ~~عورات النساء} ms0622 لعدم تمييزهم، من الظهور بمعنى الإطلاع، أو لعدم بلوغهم حد ~~الشهوة من الظهور بمعنى الغلبة؛ وقيل: أراد: لم ينكشفوا عن عورات النساء ~~للجماع فيطلعوا عليها؛ وقيل: لم يعرفوا العورة من غيرها من الصغر؛ وقيل: لم ~~يبلغوا حد (لعله) الشهوة؛ {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} ~~ليتقعقع خلخالها، فيعلم أنها ذات خلخال، فإن ذلك يورث ميلا في الرجال، ~~{وتوبوا إلى الله جميعا} من التقصير في أمره ونهيه، {أيها المؤمنون، لعلكم ~~تفلحون(31)}. # { PageV03P140 وأنكحوا الأيامى منكم} زوجوا التي لا أزواج لهن من النساء ~~إن طلبن، أو استأمروهن إن طلبن، {والصالحين من عبادكم وإمائكم} تخصيص ~~الصالحين، قيل: المراد الصالحون للنكاح والقيام بحقوقه، {إن يكونوا فقراء ~~يغنهم الله من فضله} المعنى [395] لم يمنعن فقرا الخاطب أو المخطوبة من ~~المناكحة (¬1) ، فإن في فضل الله غنية عن المال، فإنه غاد ورائح. (وقيل: ~~الغنى هو القناعة) (¬2) ، {والله واسع} ذو سعة لا تنفد نعمته، إذ لا تتناهى ~~قدرته، {عليم(32)} يبسط الرزق ويقدر على ما تقتضيه حكمته. # {وليستعفف} وليجتهد في العفة وقمع الشهوة، من الاستفعال لطلب العفة عن ~~الحرام والزنا، {الذين لا يجدون نكاحا} أسبابه، ويجوز أن يراد بالنكاح ما ~~ينكح، أو بالوجدان التمكن منه، {حتى يغنيهم الله من فضله} فيجدوا ما ~~يتزوجونه، أو يتزوجون به. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، والصواب ما ذكره أبو السعود: «لا يمنعن فقر ~~الخاطب أو المخطوبة من المناكحة». أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص171. # (¬2) - ... ما بين قوسين كتب في الحاشية ولا يدرى محله من النص وأثبتناه ~~في سياقه باجتهادنا، ويبدو أنه من إضافة الناسخ. PageV03P141 # والذين يبتغون الكتاب} المكاتبة {مما ملكت أيمانكم، فكاتبوهم إن علمتم ~~فيهم خيرا} أمانة وقدرة على أداء المال بالاحتراز. وقد روي مثله مرفوعا؛ ~~وقيل صلاحا في الدين، {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} لأن المال وجميع ~~الخلق من [الله] إنما يؤتي منه من يشاء منهم. {ولا تكرهوا فتياتكم} إماءكم ~~{على البغاء} على الزنا. قيل: كانت لعبد الله بن أبي ست جوار يكرهن على ~~الزنا، وضرب عليهن الضرائب، فشكا بعضهن إلى ms0623 رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ، فنزلت. {إن أردن تحصنا} تعففا {لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن} ~~على الزنا {فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم(33)}. # {ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات} من الحلال والحرام، يعني الآيات التي ~~بينت في هذه السورة، وأوضحت فيها الأحكام والحدود، أو ما تقدم من التنزيل. ~~وقرئ هنا وفي الطلاق بالكسر، لأنها واضحات تصدقها الكتب المتقدمة والعقول ~~السليمة المستقيمة؛ أو لأنها بينت الأحكام والحدود، {ومثلا من الذين خلوا ~~من قبلكم} أي: ومثلا من أمثال من قبلكم {وموعظة للمتقين(34)} يعني: ما وعظ ~~به في تلك الآيات، وتخصيص المتقين لأنهم المنتفعون بها. # { PageV03P142 الله نور السماوات والأرض} (ومن كتب أصحابنا: «وعن قول ~~الله: {الله نور السماوات والأرض} المعنى: لعله أنه الهادي لمن في السموات ~~والأرض) (¬1) . النور في الأصل: كيفية تدركها الباصرة أولا، وبواسطتها سائر ~~المبصرات، كالكيفية من النيرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما، وهو ~~بهذا المعنى لايصح إطلاقه على الله تعالى إلا بتقدير مضاف، كقولك: زيد كرم، ~~بمعنى: ذو كرم. أو على تجوز، إما بمعنى: منور السماوات والأرض، وقد قرئ به؛ ~~وأن الله تعالى نورها بالكواكب، وما يفيض عليها من الأنوار، أو بالملائكة ~~والأنبياء. أو مدبرها من قولهم للرئيس الفائق في التدبير: نور القوم، ~~لأنهم يهتدون به في الأمور وموجدها، فإن النور ظاهر بذاته مظهر لغيره؛ ~~وأصل الظهور هو الوجود، كما أن أصل الخفاء هو العدم، والله سبحانه موجود ~~بذاته موجد لما عداه. أو للذي به يدرك. أو يدرك أهلها، من حيث أنه يطلق على ~~الباصرة لتعلقها به، أو لمشاركتها له في توقف الإدراك عليه، ثم على ~~البصيرة، لأنها أقوى إدراكا، فإنها تدرك نفسها وغيرها من الكليات والجزئيات ~~للموجودات والمعدومات، وتغوص في بواطنها وتنصرف فيها بالتراكيب والتحليل، ~~ثم إن هذه الإدراكات ليست لذاتها، وإلا لما فارقتها، فهي إذن من سبب يفيضها ~~عليها، وهو الله سبحانه وتعالى ابتداء أو بتوسط من الملائكة والأنبياء، ~~ولذلك سمو أنوارا. ويقرب منه قول ابن عباس: «معناه هادي من فيهما». فهم ~~بنوره يهتدون، وإضافته إليهما ms0624 للدلالة على سعة إشراقه. [ # ¬__________ # (¬1) - ... ما بين قوسين كتب في الحاشية ولم يحل إليه في النص، وأثبتناه ~~في سياقه باجتهادنا، ويبدو أنه من إضافة الناسخ. PageV03P143 # 396] أو لاشتمالهما على الأنوار الحسية والعقلية، قصور الإدراكات البشرية ~~عليهما وعلى المتعلق بهما، والمدلول لهما (¬1) . # {مثل نوره} صفة نوره العجيبة الشأن؛ وإضافته إلى ضميره سبحانه، دليل على ~~أن إطلاقه عليه لم يكن على ظاهره، {كمشكاة} كصفة مشكاة: وهي الكوة الغير ~~النافذة، {فيها مصباح} سراج ضخم ثاقب؛ وقيل المشكاة: الأنبوب في وسط ~~القنديل؛ والمصباح: الفتيلة المشتعلة، {المصباح في زجاجة} في قنديل من ~~الزجاج، {الزجاجة كأنها كوكب دري} مضيء متلألئ كالزهرة في صفائه وزهرته، ~~منسوب إلى الدر، {يوقد من شجرة مباركة زيتونة} أي: ابتداء ثقوب المصباح من ~~شجرة الزيتون المتكاثر نفعه، بأن رويت ذبالتها بزيتها؛ وفي إبهام الشجرة ~~ووصفها بالبركة، ثم إبدال الزيتونة عنها تفخيم لشأنها؛ {لا شرقية ولا ~~غربية} تقع عليها الشمس حينا بعد حين، بل بحيث تقع عليها طوال النهار، ~~كالتي تكون على قلة (¬2) ، أو صحراء واسعة، فإن ثمرتها تكون أنضج، وزيتها ~~أصفى؛ أو لأنها نابتة في شرق المعمورة وغربها (¬3) ، بل في وسطها، وهو ~~الشام، فإن زيتونه أجود الزيتون؛ أو لأنها [لا] في مضحى تشرق الشمس عليها ~~دائما فتحرقها، ولا مقنأة تغيب عنها دائما فتتركها نيا (¬4) . # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ويبدو أن في العبارة سقطا. # (¬2) - ... «وقلة كل شيء: رأسه. والقلة: أعلى الجبل... وخص بعضهم به أعلى ~~الرأس والسنام والجبل». ابن منظور: لسان العرب، 5/154، مادة: «قلل». # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «أو لأنها لا نابتة في شرق ~~المعمورة ولا في غربها». كما ذكر أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص176. # (¬4) - ... أي غير ناضجة. انظر الكلمة وتصاريفها ومعانيها في: ابن منظور: ~~لسان العرب، 6/752، مادة: «نيأ». PageV03P144 # وفي الحديث: «لا خير في شجرة ولا في نبات في مقنأة، ولا خير فيهما في ~~مضحى» (¬1) . # {يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار} أي: يكاد يضيء بنفسه من غير نار، ~~لتلألئه، وفرط بيضه (¬2) ، {نور على نور} نور متضاعف، فإن نور المصباح ms0625 زاد ~~في إنارته صفاء الزيت، وزهرة القنديل، وضبط المشكاة لأشعته. # وقد ذكر في معنى التمثيل وجوه: # - الأول: أنه تمثيل للهدى الذي دل عليه الآيات البينات، في جلاء مدلولها، ~~وظهور ما تضمنته من الهدى بالمشكاة المنعوتة؛ أو تشبيه للهدى من حيث [أنه] ~~محفوف بظلمات أوهام الناس وخيالاتهم، وإنما ولى بالمصباح الكاف المشكاة ~~[كذا] لاشتمالها عليه؛ وتشبيهه به أوفق من تشبيهه بالشمس. # - أو تمثيل لما نور الله به قلب المؤمن من المعارف والعلوم، بنور ~~المشكاة، والمثبت فيها من مصباحها؛ ويؤيده قراءة أبي: «مثل نور المؤمن». # ¬__________ # (¬1) - ... لم نعثر عليه في الربيع ولا في الكتب التسعة. وقد أورده ~~الزمخشري في الكشاف، 3/190، وقال مصححه: «لم أجده». وأورده أبو السعود في ~~تفسيره، مج3/ ج6/ ص176. ولم يعزه إلى أحد. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «وبيصه». و«الوبيص: البريق». ابن ~~منظور: لسان العرب، 6/869، مادة: «وبض». PageV03P145 # - أو تمثيل لما منح الله به عباده من القوى الدراكة الخمس المترتبة، التي ~~ينوط بها المعاش والمعاد، وهي الحساسة التي تدرك المحسوسات بالحواس الخمس؛ ~~والخيالية التي تحفظ صور تلك المحسوسات، لتعرضها على القوة العقلية متى ~~شاءت؛ والعلمية تدرك الحقائق الكلية؛ والفكرة (¬1) : وهي التي تؤلف ~~المعقولات لتستنتج منها علم ما لم يعلم؛ والقوة القدسية التي تتجلى فيها ~~لوائح الغيب، وأسرار الملكوت المختصة بالأنبياء والأولياء، والمعنية بقوله ~~تعالى: {ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} (¬2) بالأشياء الخمسة ~~المذكورة في الآية، وهي: المشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت، فإن ~~الحساسة كالمشكاة، لأن محلها كالكوى، ووجهها إلى الظاهر لا يدرك ما وراءها، ~~وإضاءتها بالمعقولات لا بالذات؛ والخيالية كالزجاجة في قبول صور [397] ~~المدركات من الجوانب، وضبطها للأنوار العقلية، وإنارتها بما يشتمل عليها من ~~المعقولات؛ والعاقلة: كالمصباح لإضاءتها بالإدراكات الكلية، والمعارف ~~الإلهية؛ والفكرة كالشجرة المباركة لتؤديها (¬3) إلى ثمرات لا نهاية لها. # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «والفكرية». # (¬2) - ... سورة الشورى : 52. # (¬3) - ... في الأصل: «لتأديها»، ولعله يقصد: «لتأديتها». PageV03P146 # الزيتونة: المثمرة بالزيت الذي هو مادة المصباح، التي لا تكون شرقية ولا ~~غربية، لتجردها عن اللواحق الجسمية، أو لوقوعها ms0626 بين الصور والمعاني متصرفة ~~في القبيلتين، منتفعة من الجانبين. والقوة القدسية كالزيت، فإنها لصفائها ~~وشدة ذكائها تكاد تضيء بالمعارف، من غير تفكير ولا تعليم، ولا تمثيل للقوة ~~العقلية في مراتبها بذلك؛ فإنها في مبدإ أمرها خالية عن العلوم، مستعدة ~~لقبولها كالمشكاة، ثم ينتقش بالعلوم الضرورية بتوسط إحساس الجزئيات، بحيث ~~يتمكن من تحصيل النظريات، فتصير كالزجاجة متلألئة في نفسها، قابلة للأنوار؛ ~~وذلك التمكن إن كان تفكرا واجتهادا، فكالشجرة الزيتونة؛ وإن كان بالحدس ~~فكالزيت؛ وإن كان بقوة قدسية، فكالذي يكاد زيتها يضيء، لأنها تكاد تعلم ولو ~~لم تتصل بملك الوحي، والإلهام الذي مثله النار، من حيث أن العقول تشتعل ~~منهما؛ ثم إذا حصلت لها العوم (¬1) بحيث يتمكن من استحضارها متى شاءت، كان ~~كالمصباح؛ فإذا استحضرها كان نورا على نور. # {يهدي الله لنوره} لهذا النور الثاقب {من يشاء} فإن الأسباب دون مشيئته ~~لاغية، إذ بها تمامها، {ويضرب الله الأمثال للناس} إدناء للعقول من ~~المحسوس، توضيحا وبيانا، {والله بكل شيء عليم(35)} معقولا كان أو محسوسا؛ ~~ظاهرا كان أو خفيا؛ وفيه وعد ووعيد لمن تدبرها، ولم يكترث بها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «العلوم». PageV03P147 # في بيوت أذن الله أن ترفع} عما يستقذر فيها من أعمال الدنيا والأنجاس، ~~بالثناء والتعظيم. قال أبو سعيد: «فثبت في هذه البيوت أنها المساجد، لا ~~يعلم في ذلك اختلاف (¬1) ، من المسجد الحرام وغيره من المساجد؛ فمعناها ~~واحد في التعظيم؛ وإن اختلف تعظيمها بمنزلة كل واحد منها بما عظمه الله؛ ~~فإنها كلها واحدة مرفوعة مطهرة، فيخرج في معاني الاتفاق وما تسنه السنة ~~والكتاب أن المشرك ممنوع من دخول المساجد كلها، فلا يجوز أن يقرب أحد ~~المشركين إلى دخول المسجد الحرام، لثبوت قول الله تعالى: {فلا يقربوا ~~المسجد الحرام بعد عامهم هذا} (¬2) فهو على الأبد». # {ويذكر فيها اسمه} عام فيما يتضمن ذكره، {يسبح له فيها بالغدو ~~والآصال(36)} ينزهونه، أو يصلون له فيها بالغدوات والعشايا؛ والغدو: مصدر ~~إطلاق للوقت؛ ولذلك حسن اقترانه بالآصال. # {رجال لا تلهيهم تجارة} لا تشغلهم تحامرة (لعله تجارة) (¬3) معاملة ms0627 ~~دنياوية رابحة، وهو يتناول جميع أعمال الدنيا. وخص الرجال بالذكر في هذه ~~المساجد، لأنه ليس على النساء جمعة ولا جماعة، وخص التجارة بالذكر، لأنها ~~أعظم ما يشتغل به الإنسان عن الصلاة والطاعات. {ولا بيع عن ذكر الله} عن ~~طاعته وأداء فرائضه، لقوله: {يا أيها الذين [398] آمنوا لا تلهكم أموالكم ~~ولا أولادكم عن ذكر الله، ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} (¬4) مبالغة في ~~باب التعميم (¬5) بعد التخصيص إن أريد به مطلق المعاوضة، {وإقام الصلاة ~~وإيتاء الزكاة} ما يجب إخراجه من المال للمستحقين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «اختلافا»، وهو خطأ. # (¬2) - ... سورة التوبة: 28. # (¬3) - ... كذا في الأصل، وما بين قوسين كتب في الحاشية. # (¬4) - ... سورة المنافقون: 9. # (¬5) - ... في الأصل: «بات لتعميم»، ولا معنى له. PageV03P148 # يخافون يوما} أو لأنهم لا يملكون ثباتها على ما هم عليه من الطاعة مع ما ~~هم عليه من الذكر والطاعة (¬1) ، {تتقلب فيه القلوب والأبصار(37)} تتغير من ~~الهول من هوله [كذا] بين طمع في النجاة، وحذر من الهلاك؛ وقيل تتقلب القلوب ~~عما كانت عليه في الدنيا من الشك والكفر، وتتفتح الأبصار من الأغطية، ~~{ليجزيهم الله أحسن ما عملوا} أحسن جزاء ما عملوا الموعود لهم من الجنة. ~~{ويزيدهم من فضله} أشياء لم يعدهم على أعمالهم ولم تخطر ببالهم، {والله ~~يرزق من يشاء بغير حساب(38)} تقرير للزيادة، وتنبيه على كمال القدرة، ~~وإنفاذ المشيئة، وسعة الإحسان. # {والذين كفروا أعمالهم كسراب} كأنه في النظر ماء، فإذا قرب منه لم ير ~~شيئا، {بقيعة يحسبه الظمآن (¬2) ماء} العطشان. الآية قال أبو سعيد فيها: ~~«إنه قيل: الدائن بضلال يعمل بدين، ويجتنب بدين، ومجتهد بذلك، وأما قوله: ~~{أو كظلمات في بحر لجي...} الآية، أحسب أنه قيل هذا [فيمن] يرتكب ما يدين ~~بتحريمه ويتجاهل، ويعمل المعاصي بغير دين، والله أعلم بتأويل كتابه». {حتى ~~إذا جاءه لم يجده شيئا، ووجد الله عنده} عقابه، أو محاسبا إياه، {فوفاه ~~حسابه، والله سريع الحساب(39)} لا يشغله حساب عن حساب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، والعبارة غامضة، ولم نجد ما يوضحها فيما بين ~~أيدينا من المصادر. # (¬2) - ... هنا وضع الناسخ ms0628 إحالة إلى الحاشية وكتب فيها: «العطشان»، ولا ~~معنى لهذه الإضافة. PageV03P149 # أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج} أمواج مترادفة متراكمة، {من ~~فوقه} من فوق الموج الثاني {سحاب} غطى النجوم، وحجب أنوارها، {ظلمات بعضها ~~فوق بعض؛ إذا أخرج يده} وهي أقرب ما يرى إليه، {لم يكد يراها} لم يقرب أن ~~يراها، فضلا عن أن يراها، أو يرى ما هو أبعد منها. {ومن لم يجعل الله له ~~نورا} ومن لم يقدر له الهداية ولم يوفقه لأسبابها، {فما له من نور(40)} ~~خلاف الموفق الذي له نور على نور. # {ألم تر} ألم تعلم علما يشبه المشاهدة في اليقين، والوثاقة بالوحي، أو ~~الاستدلال، {أن الله يسبح له من في السماوات والأرض} ينزهه (¬1) عن كل نقص ~~وآفة أهل السماوات والأرض. و«من» لتغليب العقلاء، أو الملائكة والثقلان، ما ~~يدل عليه، أو دلالة حال، {والطير} على الأول بتخصيص، لما فيها من الصنيع ~~الظاهر، والدليل الباهر، لذلك قيدها بقوله: {صافات} فإن إعطاء الأجرام ~~الثقيلة ما به تقوى على الوقوف في الجو صافة باسطة أجنحتها بما فيها من ~~القبض والبسط، حجة قاطعة على كمال قدرة الصانع، ولطف تدبيره. {كل} كل واحد ~~مما ذكر، أو من الطير {قد علم صلاته وتسبيحه} أي: قد علم الله دعاءه ~~وتنزيهه، اختيارا أو طبعا، لقوله: {والله عليم بما يفعلون(41)} أو علم كل ~~على تشبيه حاله في الدلالة على الحق، والميل إلى النفع، على وجه يخصه بحال ~~من علم ذلك، مع أنه لا يبعد أن يلهم الله الطير دعاء وتسبيحا، كما ألهمها ~~علوما دقيقة في تعيشها وغيره، لا يكاد يهتدي إليه العقلاء. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «تنزه»، وهو خطأ. PageV03P150 # ولله ملك السماوات والأرض} فإنه الخالق لهما، أو لما فيهما من الذوات ~~والصفات [399] والأفعال، من حيث أنها ممكنة، واجبة الانتهاء إلى الواجب، ~~أي: تقديرها، وتدبير أمرها، وتصريف أحوالها كما يشاء، {وإلى الله ~~المصير(42)} مرجع الجميع. # {ألم تر أن الله يزجي سحابا} يسوق سحابا إلى حيث يشاء من أرضه وخلقه، ~~ومنه “البضاعة المزجاة”، فإنها يزجيها كل ms0629 أحد. {ثم يؤلف بينه} بأن يكون ~~قزعا (¬1) ، فيضم بعضه إلى بعض، {ثم يجعله ركاما} متراكما بعضه فوق بعض، ~~{فترى الودق} المطر، {يخرج من خلاله} من فتوقه؛ جمع خلل، {وينزل من السماء} ~~من الغمام؛ وكل ما علاك فهو سماء، {من جبال فيها} من قطع عظام تشبه الجبال ~~في عظمها، أو جمودها، {من برد} بيان للجبال، {فيصيب به من يشاء} فيهلك زرعه ~~وأمواله، {ويصرفه عن من يشاء} فلا يضره؛ والضمير للبرد، {يكاد سنا برقه} ~~ضوء برقه {يذهب بالأبصار(43)} الناظرين إليه من فرط الإضاءة، وذلك أقوى ~~دليل على كمال القدرة من حيث أنه توليد الضد من الضد. # {يقلب الله الليل والنهار} بالمعاقبة بينهما، أو بنقص أحدهما وزيادة ~~الآخر، أو بتغير أحوالهما بالحر والبرد، والظلمة والنور، أو بما يعم ذلك، ~~{إن في ذلك} فيما تقدم ذكره {لعبرة لأولي الأبصار(44)} لدلالة على وجود ~~الصانع القديم، وكمال قدرته، وإحاطة علمه، وإنفاذ مشيئته، وتنزيهه من ~~الحاجة وما يفضي إليها، لمن يرجع إلى بصيرة (¬2) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... في المنجد: «القزع، الواحدة: قزعة: أخذ بعض الشعر وترك بعضه. ~~كل شيء يكون قطعا متفرقة. قطع من السحاب صغار متفرقة. ص 627، مادة: «قزع». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «بصيرته». PageV03P151 # والله خلق كل دابة من ماء} هو جزء مادته، أو ماء مخصوص هو النطفة، فيكون ~~تنزيلا للغالب منزلة الكل، إذ من الحيوان ما يتولد لا من نطفة، {فمنهم من ~~يمشي على بطنه، ومنهم من يمشي على رجلين، ومنهم من يمشي على أربع، يخلق ~~الله ما يشاء} مما ذكر، ومما لم يذكر، بسيطا ومركبا على اختلاف الصور ~~والأعضاء والهيئات والحركات والطبائع والقوى والأفعال، مع اتحاذ العناصر ~~بمقتضى مشيئته، {إن الله على كل شيء قدير(45)}. # {لقد أنزلنا آيات مبينات} للحقائق بأنواع الدلائل، {والله يهدي من يشاء} ~~بالتوفيق للنظر فيها، والتدبر لمعانيها، {إلى صراط مستقيم(46)} هو دين ~~الإسلام الموصل إلى درك الحق، والفوز والجنة. # {ويقولون: آمنا بالله وبالرسول وأطعنا، ثم يتولى} بالامتناع عن قبول حكمه ~~{فريق منهم من بعد ذلك} بعد قولهم هذا، {وما أولئك بالمؤمنين(47)} سلب ms0630 ~~الإيمان عنهم توليهم عن قبول حكمه، وهم المنافقون. {وإذا دعوا إلى الله ~~ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون(48)} هو شرح للتولي ومبالغة فيه، ~~{وإن يكن لهم الحق} أي: الحكم لا عليهم {يأتوا إليه مذعنين(49)} منقادين ~~لعلمهم بأن الحكم متوجه إليهم لا عليهم. {أفي قلوبهم مرض}؟ كفر أو ميل إلى ~~الظلم، {أم ارتابوا}؟ بأن رأوا منك تهمة، فزالت (¬1) ثقتهم ويقينهم بك، {أم ~~يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله} في الحكومة، {بل أولئك هم الظالمون(50)} ~~حكم الله عليهم بالظلم بعد [ما] بين فعلهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «فزال»، وهو خطأ. PageV03P152 # إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا: ~~سمعنا} قولك، {وأطعنا} أمرك، {وأولئك هم المفلحون(51)} الفلاح هو: [400] ~~الفوز والنجاة، والبقاء في الخير. {ومن يطع الله ورسوله} فيما حكما به ~~عليه، {ويخش الله ويتقه، فأولئك هم الفائزون(52)} الفوز: النجاة والظفر ~~بالخير، ضد الهلاك. # {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} إنكارا للامتناع عن حكمه وأمره، {لئن ~~أمرتهم} بالخروج عن ديارهم وأموالهم، {ليخرجن، قل: لا تقسموا طاعة معروفة} ~~أي: المطلوب منكم طاعة معروفة لا اليمين، {إن الله خبير بما تعملون(53)} ~~فلا تخفى عليه سرائركم. # {قل: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، فإن تولوا فإنما عليه ما حمل} من ~~التبليغ، {وعليكم ما حملتم} من الامتثال؛ {وإن تطيعوه} فيما بلغكم {تهتدوا} ~~إلى الحق، {وما على الرسول إلا البلاغ المبين(54)} التبليغ الموضح لما ~~كلفتم به، وقد أدى، وإنما بقى ما حملتم، فإن قبلتم فلكم، وإن توليتم ~~فعليكم. # {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات} ترغيب لقبول ما أمر به ~~الرسول وبلغهم إياه {ليستخلفنهم في الأرض} ليجعلنهم خلفاء متصرفين في ~~الأرض، تصرف الملوك في ممالكهم، {كما استخلف الذين من قبلهم} ممن مضى، ~~{وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم} ووهو الإسلام، بالتقوية والعلم ~~والتثبيت، {وليبدلنهم من بعد خوفهم} من الأعداء {أمنا، يعبدونني لا يشركون ~~بي شيئا} يعبدونني غير مشركين؛ {ومن كفر} ومن ارتد، أو كفر هذه النعمة {بعد ~~ذلك} بعد حصول الخلافة، {فأولئك هم الفاسقون(55) وأقيموا الصلاة، وآتوا ~~الزكاة، ms0631 وأطيعوا الرسول} في سائر ما أمركم به، {لعلكم ترحمون(56)}. # { PageV03P153 لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض} لا تحسبن يا محمد، ~~الكفار معجزين الله عن إدراكهم وإهلاكهم، {ومأواهم النار ولبئس المصير(57)} ~~المأوى الذي يصيرون إليه. # {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} رجوع إلى تتمة ~~الأحكام السالفة بعد الفراغ من الإلهيات الدالة على وجوب الطاعة فيما سلف ~~من الأحكام وغيره، {والذين لم يبلغوا الحلم منكم} والصبيان الذين لم ~~يبلغوا، من الأحرار؛ فعبر عن البلوغ بالاحتلام، لأنه أقوى دلائله، {ثلاث ~~مرات: من قبل صلاة الفجر} لأنه وقت القيام من المضاجع، وطرح ثياب النوم، ~~ولبس ثياب اليقظة، {وحين تضعون ثيابكم} من اليقظة للقيلولة، {من الظهيرة، ~~ومن بعد صلاة العشاء} لأنه وقت التجرد عن اللباس، {ثلاث عورات لكم} أي: هذه ~~الثلاث الأوقات، {ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على ~~بعض، كذلك} مثل ذلك التبيين، {يبين الله لكم الآيات، والله عليم حكيم(58)}. # {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم، فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم} ~~الذين بلغوا من قبلهم في كل الأوقات، {كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم ~~حكيم(59)}. # { PageV03P154 والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا} (لعله) ومن كتب ~~أهل عمان (لعله): اللاتي قعدن عن الأزواج، وهي اللاتي ادبراهن (¬1) الرجال، ~~[و]استقذروهن، فأما من كانت فيهن بقية من جمال، وهو محل الشهوة، فلا تدخل ~~في هذه الإباحة، لأن علة الحجر التي [401] لزمها، لم تزل عنها من أجلها، ~~وهي المرعي المرجال[كذا]، {فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن} (لعله) عند ~~الرجال؛ يعني: يضعن بعض ثيابهن وهو الجلباب والرداء الذي فوق الثياب، فوق ~~الخمار، فأما الخمار فلا يجوز. {غير متبرجات بزينة} قيل: هو الجلباب، وذلك ~~في المرأة الكبيرة، التي لا تريد الرجال ولا تراد، وقد انقضت شهوتها منهم؛ ~~قلت: «فعند من يسعها وضع الجلباب عند الكلام؟ [أم] ذلك خاص؟ قال: لا أعلم ~~في ذلك فرقا، إلا أنه لا يعجبني أن تضعه عند المتهمين. وقوله: {وأن يستعففن ~~خير لهن} فقيل: عن وضع الجلباب». انتهى. وقوله: {غير متبرجات ms0632 بزينة} أي: من ~~غير أن تريد (¬2) بوضع الجلباب إظهار زينتهن والتبرج، وهو أن تظهر المرأة ~~من محاسنها ما يجب عليها أن تستره، {والله سميع عليم(60)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «أدبر عنهن». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «يردن». PageV03P155 # ليس على الأعمى حرج، ولا على الأعرج حرج، ولا على المريض حرج} إذا علم ~~رضى صاحب البيت بإذن أو قرينة، {ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم} من ~~البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم؛ ويدخل فيها بيوت الأولاد، لأن بيت الولد ~~كبيته على قوله - عليه السلام - : «أنت ومالك لأبيك» (¬1) ، {أو بيوت ~~آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم ~~أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه} وهو ~~ما يكون تحت أيديكم وتصرفكم من صنعة (¬2) أو غيرها، وكالة أو حفظا، {أو ~~صديقكم} فإنهم أرضى بالتبسط في أموالهم، وأسر به؛ ولذلك خصص هؤلاء، فإنه ~~يعتاد التبسط بينهم، {ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا، فإذا ~~دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم} وذلك يعم البيوت والمساجد عامة؛ وذلك أدب ~~من الله وتعليم؛ فإذا دخل الرجل بيت نفسه، فليقل: «السلام علينا من ربنا، ~~والحمد لله رب العالمين». حتى قيل: إن تركه تهاونا واستخفافا بأدب الله ~~هلك. {تحية من عند الله مباركة}، لأنها ترجى بها زيادة الخير والثواب، ~~{طيبة} وقيل: ذكر البركة والطيب هاهنا لما فيه من الثواب والأجر، {كذلك ~~يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون(61)} الخير في الأمور. # { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه ابن ماجه عن جابر بن عبد الله أن رجلا قال: يا رسول ~~الله، إن لي مالا وولدا، وإن أبي يريد أن يجتاح مالي، فقال: «أنت ومالك ~~لأبيك». كتاب التجارات، رقم 2282، 2283. وروى نحوه أبو داود في كتاب ~~البيوع، رقم 3063، مع زيادة. أحمد: مسند المكثرين من الصحابة، رقم 6391، ~~6608، 6706. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «ضيعة». PageV03P156 # إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع} ~~كالجمعة والأعياد، والحروب، والمشاورة في الأمور؛ ووصف الأمر بالجمع ~~للمبالغة، {لم ms0633 يذهبوا حتى يستأذنوه} جعل الاستئذان علامة للإيمان. {إن ~~الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله} كان المنافقون يتفرقون ~~من غير إذن، {فإذا استأذنوك لبعض شأنهم} ما يعرض لهم من المهام، {فأذن لمن ~~شئت منهم} تفويض للأمر إلى رأي الرسول، وكأن المعنى: فأذن لمن علمت أن له ~~عذرا، {واستغفر لهم الله} لزلاتهم وصغائرهم، {إن الله غفور رحيم(62)}. # {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} [402] لاتقيسوا دعاءه ~~إياكم على دعاء بعضكم بعضا في جوار الإعراض، والمساهلة في الإجابة، والرجوع ~~بغير إذن، فإن المبادرة إلى إجابته واجبة، والرجعة بغير إذن محرمة؛ وقيل: ~~لا تجعلوا نداءه وتسميته كنداء بعضكم بعضا باسمه، ورفع الصوت به، والنداء ~~وراء الحجرة، ولكن بلقبه المعظم مثل: يا نبي الله، ويارسول الله؛ مع ~~التوقير والتواضع، وخفض الصوت، {قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا} ~~يتسللون قليلا قليلا ملاوذة، بأن يستتر بعضهم ببعض، حتى يخرج؛ أو لواذا ~~ببعض المعاذير الكاذبة، كقوله: {إن بيوتنا عورة وما هي بعورة، إن يريدون ~~إلا فرارا} (¬1) ، {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة} محنة في ~~الدنيا، {أو يصيبهم عذاب أليم(63)} في الآخرة؛ واستدل به على أن الأمر ~~للوجوب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأحزاب: 13. PageV03P157 # ألا إن لله ما في السماوات والأرض} ملكا وعبيدا وخلقا، {قد يعلم ما أنتم ~~عليه} أيها المكلفون من المخالفة والموافقة، والنفاق والإخلاص {ويوم يرجعون ~~إليه فينبئهم بما عملوا} بالجزاء، {والله بكل شيء عليم(64).} فيه وعد ووعيد. # سورة الفرقان # بسم الله الرحمن الرحيم # {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده} تكاثر خيره، من البركة، وهي كثرة ~~الخير؛ أو تزايد عن كل شيء، وتعالى عنه في صفاته وأفعاله، فإن البركة تتضمن ~~معنى الزيادة؛ وقيل: تبارك الله: تقدس وتنزه، صفة خاصة بالله تعالى وبرتبته ~~[كذا] على إنزال الفرقان لما فيه من كثرة الخير، أو لدلالته على تعاليه. ~~والفرقان: مصدر فرق بين الشيئين: إذا فصل بينهما؛ سمي به القرآن لفصله بين ~~الحق والباطل بتقريره، والمحق والمبطل بإعجازه؛ أو لكونه مفصولا بعضه عن ~~بعض في الإنزال؛ وقيل: إن الفرقان ms0634 اسم جنس للكتب السماوية. {ليكون} العبد، ~~أو الفرقان {للعالمين} للجن والإنس {نذيرا(1)}. # {الذي له ملك السماوات والأرض، ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك} ~~فلا يستحق أن يكون له شريك في العبادة، {وخلق كل شيء} أحدثه إحداثا مراعا ~~فيه التقدير حسب إرادته، كخلقه الإنسان من مواد مخصوصة، وصور وأشكال معينة، ~~{فقدره تقديرا(2)} فقدره وهيأه لما أراد منه من الخصائص والأفعال، كهيئة ~~الإنسان للإدراك، والفهم والحفظ والنظر والتدبير، واستنباط الصنائع ~~المتنوعة، ومزاولة الأعمال المختلفة، إلى غير ذلك؛ أو فقدره للبقاء إلى أجل ~~مسمى؛ وقد يطلق الخلق لمجرد الإيجاد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق، فيكون ~~المعنى: وأوجد كل شيء فقدره في إيجاده، حتى لا يكون متفاوتا. # { PageV03P158 واتخذوا من دونه آلهة} لما تضمن الكلام إثبات التوحيد ~~والنبوة، أخذ في الرد على المخالفين، [403] {لا يخلقون شيئا وهم (¬1) ~~يخلقون} لأن عبدتهم يخلقونهم ويصورونهم، {ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا، ~~ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا(3)} ولا يملكون إماتة أحد، ولا إحياءه ~~أولا، وبعثه ثانيا؛ ومن كان كذلك فبمعزل عن الألوهية؛ وفيه تنبيه على أن ~~الإله يجب أن يكون قادرا على الإيجاد والجزاء. # {وقال الذين كفروا: إن هذا إلا إفك} كذب مصروف عن وجهه، {افتراه} اختلقه، ~~{وأعانه عليه قوم آخرون} أي: اليهود، فإنهم يلقون إليه أخبار الأمم، وهو ~~يعبر عنه بعبارتهم، {فقد جاءوا ظلما} يجعل الكلام المعجز إفكا مختلقا ~~متلفقا، {وزورا(4)} بنسبة ما هو بريء منه إليه. و«أتى» و«جاء» يطلقان ~~بمعنى: فعل. {وقالوا: أساطير الأولين} ما سطره المتقدمون {اكتتبها، فهي ~~تملى عليه بكرة وأصيلا(5)} ليحفظها، فإنه أمي لا يقدر أن يكرر من الكتاب، ~~أو ليكتب. # {قل: أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض} لأنه أعجزكم عن آخركم ~~بفصاحته؛ وتضمن إخبارا عن مغيبات مستقبلة، وأشياء مكنونة لا يعلمها إلا ~~عالم الأسرار؛ فكيف يجعلونه أساطير الأولين؟. {إنه كان غفورا رحيما(6)} ~~فلذلك لا يعجل في عقوبتكم على ما تقولون، مع كمال قدرته عليها، واستحقاقكم ~~أن يصب عليكم العذاب صبا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «هم»، وهو خطأ. ms0635 PageV03P159 # وقالوا: مال هذا الرسول} ما لهذا الذي يزعم الرسالة؛ وفيه استهانة وتهكم، ~~{يأكل الطعام} كما نأكل، {ويمشي في الأسواق} لطلب المعاش كما نمشي؛ ~~والمعنى: إن صح دعواه فما باله لم تخالف حاله حالنا، وذلك لعماهم وقصور ~~نظرهم على المحسوسات، فإن تمييز الرسل عمن عداهم ليس [بأمور] (¬1) جسمانية، ~~وإنما هو بأحوال نفسانية، كما أشار إليه بقوله تعالى: {إنما أنا بشر مثلكم ~~يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد} (¬2) ، {لولا أنزل إليه ملك فيكون معه ~~نذيرا(7)} لنعلم صدقه بتصديق الملك. # {أو يلقى إليه كنز} فيستظهر به، ويستغني عن تحصيل المعاش، {أو تكون له ~~جنة} اغتناء بها عن العدم، {يأكل منها} لأن نظرهم قاصر على ظواهر الأمور؛ ~~{وقال الظالمون}: وضع “الظالمون” موضع ضميرهم تسجيلا عليهم بالظلم فيما ~~قالوه، {إن تتبعون إلا رجلا مسحورا(8)} سحر فغلب على عقله؛ وقيل: ذا سحر، ~~أي: بشرا لا ملكا. # {انظر كيف ضربوا لك الأمثال} يعني: الأشباه، فقالوا: مسحور، وقالوا فيك ~~الأقوال الشاذة، واخترعوا لك الأحوال النادرة، {فضلوا} عن الطريق الموصل ~~إلى معرفة خواص النبي؛ والميز بينه وبين المتنبئ، فخبطوا خبط عشواء، {فلا ~~يستطيعون سبيلا(9)} إلى القدح في نبوتك، أو إلى الرشد والهدى. # { # ¬__________ # (¬1) - ... زيادة من أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص205، ليستقيم المعنى. # (¬2) - ... سورة الكهف: 110؛ وسورة فصلت: 6. PageV03P160 # تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك} الذي اخترعوه، {جنات تجري من ~~تحتها الأنهار} خيرا من الجنة التي [404] ذكروها، {ويجعل لك قصورا(10)} ~~خيرا من البيت المزخرف كما قالوا: {أو يكون لك بيت من زخرف} (¬1) وسماها ~~(¬2) قصورا وجنات، وهو جمع ما زاد على الاثنين إلى ما فوق ذلك. # {بل كذبوا بالساعة} فقصرت أنظارهم على الحطام الدنيوية، وظنوا أن الكرامة ~~إنما هي بالمال، وطعنوا فيك لفقرك؛ أو فلا تعجب بتكذيبهم إياك، فإنه أعجب ~~منه، {وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا(11)} نارا شديدة الاستعار؛ وقيل: هو ~~اسم لجهنم. {إذا رأتهم} إذا كانت بمرأى (¬3) منهم {من مكان بعيد} هو أقصى ~~ما يمكن أن يرى منه، {سمعوا لها تغيظا وزفيرا(12)} صوت تغيظ؛ شبه صوت ~~غليانها بصوت ms0636 المغتاظ وزفيره، وهو صوت يسمع من جوفه. {وإذا ألقوا منها ~~مكانا ضيقا} لزيادة العذاب، فإن الكرب مع الضيق، والروح مع السعة، {مقرنين} ~~قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل؛ أو مقرنين مع الشياطين في السلاسل، ~~{دعوا هنالك} في ذلك المكان {ثبورا(13)} إهلاكا؛ أي: يتمنون الهلاك، ~~وينادونه فيقولون: “يا ثبوراه تعال، فهذا حينك!!”. {لا تدعوا اليوم ثبورا ~~واحدا} أي: يقال لهم ذلك، {وادعوا ثبورا كثيرا(14)} لأن عذابكم أنواع ~~كثيرة، وكل نوع منها ثبور على حياله لشدته. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الإسراء: 93. # (¬2) - ... في الأصل: «وسما هو»، ويمكن أن نقرأ: «وبينما هو قصور أو جنات». # (¬3) - ... في الأصل: «بمراء»، وهو خطأ. PageV03P161 # قل: أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون}؟ الإشارة إلى العذاب؛ ~~والاستفهام للتقريع مع التهكم، {كانت لهم} في علم الله {جزاء} على أعمالهم، ~~{ومصيرا(15)} ينقلبون إليه. {لهم فيها ما يشاءون} ما يشاؤونه من النعيم، ~~و(لعله) لقصر هممهم (¬1) ، كل طائفة على ما لا يليق برتبته (¬2) ؛ ولعل ~~الناقص لا يلقى إليه إن شاء كما يشاء الكامل، لكمال النعمة للجميع فيها، ~~وإن كانت أكبر درجات وأكبر تفضيلا، (لعله) لزوال الحزن عن الأقل؛ وفيه ~~تنبيه على أن كل المرادات لا تحصل إلا في الجنة، {خالدين} فيها {كان على ~~ربك وعدا مسئولا(16)} أي: كان ذلك موعودا حقيقيا، بأن يسأل ويطلب؛ أو ~~مسؤولا يسأله الناس في دعائهم: {ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك} (¬3) ، أو ~~الملائكة بقولهم: {ربنا وأدخلهم جنات عدن} (¬4) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «همم كل». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «برتبتها». # (¬3) - ... سورة آل عمران: 194. # (¬4) - ... سورة غافر: 8. PageV03P162 # ويوم يحشرهم} للجزاء، {وما يعبدون من دون الله} تعم كل معبود سواه، ~~{فيقول} أي: للمعبودين {أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء، أم هم ضلوا السبيل(17)}؟ ~~لإخلافهم بالنظر الصحيح، وإعراضهم عن المرشد النصيح؛ وهو استفهام تقريع ~~وتبكيت؛ {قالوا: سبحانك}!! تعجبا مما قيل لهم، لأنهم إما ملائكة أو أنبياء، ~~أو جمادات لا تقدر على شيء؛ أو إشعار (¬1) بأنهم الموسومون بتسبيحه ~~وتوحيده، فكيف يليق بهم إضلال عبيده؟ أو تنزيها لله عن الأنداد؛ ومعنى ~~{سبحانك}: وهو الله (¬2) من أن ms0637 يكون معه إله، {ما كان ينبغي لنا} يصح لنا ~~{أن نتخذ من [405] دونك من أولياء} للعصمة إن كانوا ملائكة، أو عدم القدرة ~~إن كانوا جمادا؛ فكيف يصح لنا أن ندعو غيرنا أن يتولى أحدا دونك، {ولكن ~~متعتهم وآباءهم} بأنواع النعم، فاستغرقوا في الشهوات، {حتى نسوا الذكر} حتى ~~غفلوا عن ذكرك؛ أو التذكر لآلائك، والتدبر في آياتك، {وكانوا} في قضائك ~~{قوما بورا(18)} هالكين متروكين في الهلاك؛ والبور واجب تركه. # {فقد كذبوكم} المعبودون {بما تقولون، فما تستطيعون} في قولكم إنهم آلهة، ~~أو هؤلاء أضلونا. {صرفا} دفعا للعذاب عنكم؛ وقيل: حيلة من قولهم: ليتصرف، ~~أي: يحتال، {ولا نصرا} فيعينكم عليه، {ومن يظلم منكم} أيها المكلفون، {نذقه ~~عذابا كبيرا(19)} في الدارين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الأصوب: «أو إشعارا». لأنه عطف على «تعجبا ~~مما قيل...»، وهو ما ذكره أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص208. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «وهو تنزيه لله». PageV03P163 # وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق} ~~لأن ليس أكل الطعام والمشي في الأسواق مما يبطل الرسالة، {وجعلنا بعضكم ~~لبعض فتنة} ابتلاء، {أتصبرون}؟ علة للجعل؛ والمعنى: وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ~~لنعلم أيكم يصبر، {وكان ربك بصيرا(20)} بالصابرين والجازعين، وهو في صورة ~~الوعد والوعيد. # {وقال الذين لا يرجون لقاءنا} بالخير، لكفرهم بالبعث: {لولا} هلا {أنزل ~~علينا الملائكة} فتخبرنا بصدق محمد؛ وقيل: فيكونون رسلا إلينا؛ {أو نرى ~~ربنا} عيانا، فيأمرنا بتصديقه واتباعه؛ {لقد استكبروا في أنفسهم} أي: في ~~شأنها، {وعتوا} وتجاوزوا الحد في الظلم، {عتوا كبيرا(21)} بالغا أقصى ~~مراتبه، حيث عاينوا المعجزات القاهرة، فأعرضوا عنها، واقترحوا لأنفسهم ~~الخبيثة ما سدت دونه مطامح النفوس القدسية. # {يوم يرون الملائكة} عند الموت، أو يوم القيامة {لا بشرى يومئذ للمجرمين} ~~بمعنى: يمنعون البشرى، {ويقولون: حجرا محجورا(22)} أي: حراما محرما عليكم ~~الجنة والبشرى. {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا(23)} لأنه ~~لا يثبت عمل طاعة من عاص. {أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا(24)}. # {ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا(25)} يحتمل ms0638 لقبض ~~الأرواح؛ أو يوم القيامة. {الملك يومئذ الحق للرحمن} الثابت له، لأن كل ملك ~~يبطل يومئذ، ولا يبقى إلا ملكه، {وكان يوما على الكافرين عسيرا(26)} (لعله) ~~لأنه يجازى بعمله. # { PageV03P164 ويوم يعض الظالم على يديه} من فرط الحسرة؛ وعض اليدين، ~~وأكل البنان، وحرق الأسنان ونحوها، كنايات عن الغيظ والحسرة، لأنها من ~~روادفها؛ والمراد بالظالم: الجنس؛ وقيل عقبة بن أبي معيط، {يقول: يا ليتني ~~اتخذت مع الرسول سبيلا(27)} طريقا إلى النجاة. {يا ويلتى ليتني لم أتخذ ~~فلانا خليلا(28)} يعني: من أضله. {لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني} ~~والذكر: يعم جميع حجج الله وآياته البالغة للعبد، من أي حال قامت عليه، ~~{وكان الشيطان} يعني الخليل المضل، أو إبليس الموسوس، لأنه حمله على ~~مخالته، [406] أو كل من تشيطن من جن وإنس، لأن كل من صد عن سبيل الله فهو ~~شيطان {للإنسان خذولا(29)} يواليه حتى يؤديه إلى الهلاك، ثم يتركه ولا ~~ينفعه. وحكم هذه الآيات عام في كل متحابين اجتمعا في معصية الله. # {وقال الرسول} محمد - عليه السلام - : {يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن ~~مهجورا(30)} بأن تركوه، وصدوا عنه. {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين} ~~كما جعلناه لك، فاصبر كما صبروا، {وكفى بربك هاديا ونصيرا(31)}. # {وقال الذين كفروا: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة، كذلك لنثبت (¬1) به ~~فؤادك} أي: كذلك أنزلناه مفرقا، لنقوي بتفريقه فؤادك على حفظه وفهمه، ولأنه ~~إذا نزل به جبريل حالا بعد حال يثبت به فؤادك، {ورتلناه ترتيلا(32)} ~~وقرأناه عليك شيئا بعد شيء على توأدة وتمهل؛ وأصل الترتيل أن يكون في ~~الأسنان، وهو تفليجها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «نثبت»، وهو خطأ. PageV03P165 # ولا يأتونك بمثل} سؤال عجيب، كأنه مثل في البطلان، يريدون به القدح في ~~نبوتك، {إلا جئناك بالحق} الدافع له في جوابه؛ أي: يبطل ما جاءوا به من ~~المثل؛ فسمى ما يوردون من الشبه مثلا؛ وسمى ما تدفع به الشبه حقا. {وأحسن ~~تفسيرا(33)} أو إنما هو أحسن بيانا وتفصيلا؛ والتفسير تفعيل من الفسر: وهو ~~كشف ما غطي. {الذين يحشرون على ms0639 وجوههم إلى جهنم} أي: مقلوبين، أو مسحوبين ~~إليها، {أولئك شر مكانا وأضل سبيلا(34)} عن الرحمة؛ أي: أخطأ طريقا. # {ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا(35)} يؤازره في ~~الدعوة وإعلاء الكلمة، ولا ينافي ذلك مشاركته في النبوة، لأن المتشاركين في ~~الأمر متوازران عليه. {فقلنا: اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا ~~فدمرناهم تدميرا(36)} (لعله) أي: إهلاكا. # {وقوم نوح لما كذبوا الرسل} كذبوا نوحا ومن قبله؛ أو نوحا وحده؛ ولكن ~~تكذيب واحد من الرسل كتكذيب الكل، {أغرقناهم وجعلناهم} أي: وجعلنا إغراقهم، ~~أو قصتهم {للناس آية} عبرة، {وأعتدنا للظالمين عذابا أليما(37)} (لعله ~~بالحجارة والآجر، فهي رس؛ وقيل: فلج باليمامة؛ وقيل: الأخدود؛ وقيل: ~~المعدن) (¬1) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... ما بين قوسين يظهر أنه ليس في محله لأنه تفسير معنى: «الرس». PageV03P166 # وعادا وثمودا وأصحاب الرس} (لعله) بئر؛ قيل: وكل ركبة [كذا]لم تطو، ~~{وقرونا بين ذلك كثيرا(38) وكلا ضربنا له الأمثال} بينا له (لعله) له ~~الأشباه في إقامة الحجة عليهم، أو القصص العجيبة من قصص الأولين إنذارا، ~~فلما أصروا أهلكوا، كما قال: {وكلا تبرنا تتبيرا(39)} فتناه تفتينا؛ (لعله) ~~أي: أهلكناه إهلاكا. {ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء} يعني: ~~قريشا، مرارا في متاجرهم إلى الشام عليها، [407] وهي قرية “سدوم” العظمى، ~~قرى قوم لوط، أمطرت عليها الحجارة، {أفلم يكونوا يرونها} في مرار مرورهم، ~~فيتعظون بما يرون فيها من آثار عذاب الله، {بل كانوا لا يرجون نشورا(40)} ~~بل كانوا كفرة لا يتوقعون نشورا ولا عاقبة؛ فلذلك لم ينظروا ولم يتعظوا؛ ~~فمروا بها كما مرت ركابهم، ولا يؤملون كما يؤمله (¬1) المؤمنون طمعا في ~~الثواب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «ولا يتأملون كما يتأمله ~~المؤمنون...»، لأن أمل يأمل، وأمل يؤمل بمعنى: رجا يرجو. بخلاف تأمل فهو ~~بمعنى: تثبت في الأمر أو في النظر. راجع: ابن منظور: لسان العرب، 1/100، ~~مادة: «أمل». PageV03P167 # وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا} ما يتخذونك إلا موضع هزؤ؛ أو مهزوء به؛ ~~وهذا يعم كل مؤمن رآه كل كافر، ما يلقاه إلا مستهزئا به؛ لأنه إذا خالفه ms0640 ~~صار مستهزئا به من حيث المعنى؛ لأن الذين اتخذوا آيات الله هزؤا هم الذين ~~لم يعملوا بها، {أهذا الذي بعث الله رسولا(41)}؟ استحقارا له، واستهزاء به. ~~{إن كاد} أنه كان {ليضلنا عن آلهتنا} ليصرفنا عن عبادتها، بفرط اجتهاد في ~~الدعاء إلى التوحيد، وكثرة ما يورد مما يسبق إلى الذهن أنها حجج ومعجزات، ~~{لولا أن صبرنا عليها} ثبتنا عليها، واستمسكنا بعبادتها، {وسوف يعلمون حين ~~يرون العذاب} حين وقوع الموت بهم، أو يوم القيامة، {من أضل سبيلا(42)}. # { PageV03P168 أرأيت من اتخذ إلهه هواه} بأن أطاعه وبنى عليه دينه، لا ~~يسمع حجة ولا يتبصر دليلا، {أفأنت تكون عليه وكيلا(43)}؟ حفيظا لمنعه عن ~~الشرك والمعاصي، وحالة هذا ليس عليك إلا البلاغ. {أم تحسب أن أكثرهم ~~يسمعون} سماع تفهم، {أو يعقلون} بقلوبهم ما تبلغهم من الحجج، فتجدي لهم ~~الآيات والحجج، فتهتم بشأنهم، وتطمع في إيمانهم؛ وهو أشد مذمة مما قبله حتى ~~حق بالإضراب عنه إليه، {إن هم الا كالأنعام} في عدم انتفاعهم بقرع الآيات ~~آذانهم، وعدم تدبرهم فيما شاهدوا من الدلائل والمعجزات، {بل هم أضل ~~سبيلا(44)} من الأنعام، لأنها تنقاد لمن يتعهدها، وتميز من يحسن إليها ممن ~~يسيء إليها، و تطلب ما ينفعها، وتجتنب ما يضرها؛ وهؤلاء لا ينقادون لربهم، ~~ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم ~~المنافع، ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار، ولأنها إن لم تعتقد حقا، ~~ولم تلتبس خيرا، لم تنعقد (¬1) باطلا، ولم تكتسب شرا، بخلاف هؤلاء؛ ولأن ~~جهالتها لا تضر بأحد، وجهالة هؤلاء تؤدي إلى تهييج الفتن، وصد الناس عن ~~الحق، ولأنها غير ممكنة من طلب المنافع، فلا تقصير منها ولا ذم؛ وهؤلاء ~~مقصرون مستحقون أعظم العقاب على تقصيرهم، لأن القادر على نيل الكمال أحرى ~~بالذم، وأجدر بالنسبة إلى الضلال مهما تقاعد عن طلب الكمال. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «تعتقد». وانظر أبو السعود: ~~تفسير، مج3/ ج6/ ص221. PageV03P169 # ألم تر إلى ربك} ألم تنظر كيف صنعه، {كيف مد الظل} كيف بسطه، ألم تنظر ~~إلى الظل ms0641 كيف مده ربك؟؛ فغير النظم إشعارا بأن المعقول من هذا الكلام لوضع ~~برهانه، هو دلالة [408] حدوثه، ولصرفه على الوجه النافع، بأسباب ممكنة على ~~أن ذلك فعل الصانع الحكيم، كالمشاهدة (¬1) المرئي، فكيف بالمحسوس منه؛ أو ~~ألم ينته علمك إلى أن ربك كيف مد الظل فيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ~~وهو أطيب الأحوال؛ فإن الظلمة الخالصة تنفر الطبع وتشد النظر، وشعاع الشمس ~~يسخن الجو ويبهر البصر، ولذلك وصف به الجنة، فقال: {وظل ممدود} (¬2) . {ولو ~~شاء لجعله ساكنا} ثابتا من السكنى؛ أو غير متقلص من السكون، بأن يجعل الشمس ~~مقيمة على موضع واحد، {ثم جعلنا الشمس عليه دليلا(45)} فإنه لا يظهر للحس ~~حتى تطلع، فيقع ضوؤها على بعض الأجرام؛ أو لا يوجد ولا يتفاوت إلا بسبب ~~حركتها؛ أي: الشمس جعلت دليلا على الظل، ولولا النور لما عرفت الظلمة؛ ~~والأشياء تعرف بأضدادها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «كالمشاهد». # (¬2) - ... سورة الواقعة: 30. PageV03P170 # ثم قبضناه إلينا} أي: أنزلنا بإيقاع الشعاع في معنى موقعه لما عبر عن ~~إحداثه بالمد، بمعنى: التسيير، عبر عن إزالته بالقبض إلى نفسه، الذي هو في ~~معنى الكف، {قبضا يسيرا(46)} قليلا قليلا حسب ما ترتفع الشمس، لتنتظم بذلك ~~مصالح الكون، ويتحصل به ما لا يحصى من منافع الخلق. و«ثم» في الموضعين ~~لتفاضل الأمور، أو لتفاضل مبادئ أوقات ظهورها؛ وقيل: مد الظل لما بنى ~~السماء، ودحى الأرض تحتها فالتفت عليها ظلها (¬1) ، ولو شاء لجعله ثابتا ~~على تلك الحال، ثم خلق الشمس عليه دليلا أي: مسلطا عليه، مستتبعا إياه كما ~~يستتبع الدليل المدلول؛ أو دليل الطريق (¬2) من يهديه، فإنه يتفاوت ~~بحركتها، ويتحول بتحولها، {ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا}: شيئا فشيئا، إلى ~~أن ينتهى إلى غاية نقصانه؛ أو قبضا سهلا عند قيام الساعة، بقبض أسبابه من ~~الأجرام المظلة، والمظل عليها. وقيل: معنى {ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا} ~~بالشمس التي تأتي عليه. والقبض: جمع المنبسط من الشيء؛ ومعناه: أن الظل يعم ~~جميع قبل الشمس؛ فإذا طلعت الشمس فيقل الله الظل جزء جزء. {قبضا يسيرا} أي: ms0642 خفيا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، وصواب العبارة عند أبي السعود: «وقيل: إن الله ~~تعالى لما بنى السماء كالقبة المضروبة، ودحا الأرض تحتها، ألقت القبة ظلها ~~على الأرض لعدم النير». أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص223. وانظر نحو هذه ~~العبارة: الزمخشري: الكشاف، 3/223. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «دليل لطريق». PageV03P171 # وهو الذي جعل لكم الليل لباسا} شبه ظلامه باللباس في ستره، {والنوم ~~سباتا} راحة للأبدان بقطع المشاغل؛ وأصل السبت: القطع؛ أو موتا كقوله: {وهو ~~الذي يتوفاكم بالليل} (¬1) لأنه قطع الحياة، ومنه المسبوت: للميت، {وجعل ~~النهار نشورا(47)} ذا نشور؛ أي: انتشار ينتشر فيه الناس للمعاش؛ أو بعث من ~~النوم بعث الأموات؛ أو يكون إشارة إلى [أن] (¬2) النوم واليقظة أنموذج ~~للموت والنشور. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأنعام: 60. # (¬2) - ... إضافة منا ليستقيم المعنى، وفي تفسير أبي السعود: «وفيه إشارة ~~إلى أن النوم واليقظة أنموذج للموت والنشور». أبو السعود: المصدر نفسه. PageV03P172 # وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته} يعني: قدام المطر، {وأنزلنا من ~~[409] السماء ماء طهورا(48)} توصيف (¬1) الماء به إشعارا بالنعمة فيه، ~~وتتميما للمنة فيما بعده، فإن الماء الطهور أهنأ وأنفع مما خالطه مما يزيل ~~طهوريته؛ وتنبيه على أن ظواهرهم لما كانت مما ينبغي أن يطهرها، فبواطنهم ~~أولى. {لنحيي به بلدة ميتا} بالنبات؛ وتذكير «ميتا» لأن البلدة في معنى ~~البلد، {ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا(49)} يعني: أهل البراري ~~الذين يعيشون بالحيا. ونكر الأنعام والأناسي وتخصيصهم، لأن أهل المدن ~~والقرى يقيمون بالقرب من الأنهار والمنابع، فبهم (¬2) وبما خولهم من ~~الأنعام غنية عن سقيا السماء، وسائر الحيوانات تبعد في طلب الماء، فلا ~~يعوزها الشرب غالبا، مع أن (لعله) مساق هذه الآيات للدلالات (¬3) على عظم ~~القدرة، فهو لتعداد أنواع النعمة؛ والأنواع قنية (¬4) الناس، وعامة ~~منافعهم، وعليه (¬5) # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «وصف الماء...». وفي تفسير أبي ~~السعود: «ووصف الماء به إشعار بالنعمة فيه، وتتميم للمنة فيما بعده... يزيل ~~طهوريته». أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص224. # (¬2) - ... كذا في الأصل، وفي تفسير أبي السعود، ولعل الأصوب: «فبها»، أي ~~بالأنهار والمنابع. ms0643 # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «للدلالة». كما عند أبي السعود: ~~تفسير، المصدر نفسه. # (¬4) - ... «القنوة والقنوة والقنية، والقنية: الكسبة». ابن منظور: لسان ~~العرب، 5/177، مادة: «قنا». # (¬5) - ... كذا في الأصل، مع الشكل، ولا معنى له، وفي تفسيري أبي السعود ~~والألوسي: «وعامة منافعهم ومعايشهم منوطة بها». أبو السعود: المصدر نفسه. ~~الألوسي: روح المعاني: 19/31.. PageV03P173 # معايشهم منوطة، ولذلك قدم سقيها على سقيهم، كما قدم عليها إحياء الأرض، ~~فإنه سبب لحياتها وتعيشها. # {ولقد صرفناه بينهم} صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن، وسائر الكتب؛ ~~أو المطر بينهم في البلدان المختلفة، والأوقات المتغايرة، والصفات ~~المتفاوتة، من وابل وطل وغيرهما. وعن ابن عباس: «ما عام أمطر من عام، ولكن ~~الله قسم ذلك بين عباده على من يشاء»، وتلا هذه الآية. أو في الأنهار ~~والمنافع. {ليذكروا} ليتفكروا ويعرفوا كمال القدرة، وحق النعمة في ذلك، ~~ويقوموا بشكره؛ أو ليعتبروا بالصرف عنهم وإليهم، ليتيقنوا عدم حيلتهم إذا ~~صرف (لعله) عنهم؛ وإذا صرف إليهم (لعله) لعلهم يشكرون؛ {فأبى أكثر الناس ~~إلا كفورا(50)} لكفران النعمة، وقلة الاكتراث لها؛ أو جحودها بأن يقولوا: ~~مطرنا بنوء كذا (¬1) ؛ أو من لا يرى الأمطار إلا من الأنواء كان كافرا؛ ~~بخلاف من يرى أنها من خلق الله؛ والأنواء وسائط وأمارات يجعلها الله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... إشارة إلى الحديث الذي رواه الإمام الربيع بن حبيب عن أبي ~~عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~صلى بأصحابه صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كان من الليل فلما انصرف من ~~صلاته أقبل على الناس فقال: «هل تدرون ما قال ربكم؟»؛ قالوا: الله ورسوله ~~أعلم. قال: «قال: أصبح من عبادي مؤمن وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ~~وبرحمته؛ فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب؛ وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا ~~فذلك كافر بي ومؤمن بالكواكب». باب [10] في ذكر الشرك والكفر، حديث رقم 62. PageV03P174 # ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا(51)} نبيا ينذر أهلها، فتخف عليك أعباء ~~النبوة؛ ولكن قصرنا الأمر عليك إجلالا لك، وتعظيما لشأنك، ms0644 وتفضيلا لك على ~~سائر الرسل؛ فقابل ذلك بالثبات والاجتهاد في الدعوة وإظهار الحق؛ أو ~~لاجتهاد الناس الذين لم يشاهدوا الرسول ليتعاظم الأجر لهم، لأنه ليس الخبر ~~كالمشاهدة. {فلا تطع الكافرين} فيما يريدونك؛ وهو تهييج له وللمؤمنين، ~~{وجاهدهم به} بالقرآن؛ والمعنى: أنهم مجتهدون في إبطال حقك، فقاتلهم ~~بالاجتهاد في مخالفتهم، وإزاحة باطلهم اجتهادا، {جهادا كبيرا(52)} لأن ~~مجاهدة السفهاء بالحجج، أكثر من مجاهدة الأعداء بالسيف؛ أو ينضم إليهما ~~جهاد النفس، ليعم كل جهاد. # {وهو الذي مرج البحرين} خلاهما متجاورين متلاصقين، بحيث لا يتمازجان؛ من ~~مرج دابته: إذا خلاها، {هذا عذب فرات} قاطع [410] للعطش من فرط عذوبته، ~~{وهذا ملح أجاج} بليغ الملوحة، {وجعل بينهما برزخا} حاجزا من قدرته، {وحجرا ~~محجورا(53)} تنافرا بليغا، كأن كلا منهما يقول للآخر ما يقوله المتعوذ منه؛ ~~وقيل: حدا محدودا، وذلك كدجلة تدخل البحر فتشقه، فتجري في خلاله فراسخ لا ~~يتغير طعمها؛ وقيل: المراد بالبحر العذب: النهر العظيم، مثل: النيل، ~~وبالبحر الملح: البحر الكبير؛ وبالبرزخ: ما يحول بينهما من الأرض، فتكون ~~القدرة في الفصل، واختلاف الصفة، مع أن مقتضى طبيعة إجراء كل عنصرات (¬1) ~~تضامت وتلاصقت وتشابهت في الكيفية. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، والصواب ما ذكره أبو السعود: «مع أن مقتضى ~~طبيعة كل عنصر التضام والتلاصق والتشابه في الكيفية». PageV03P175 # وهو الذي خلق من الماء بشرا، فجعله نسبا وصهرا} أي: قسمه قسمين، ذوي نسب، ~~أي: ذكورا ينتسب إليهم، وذوات صهر، أي: إناثا يصاهر بهن، كقوله: {فجعل منه ~~الزوجين الذكر والأنثى} (¬1) ؛ وقيل: النسب من لا يحل نكاحه، والصهر ما يحل ~~نكاحه، {وكان ربك قديرا(54)} حيث خلق من مادة واحدة بشرا ذا أعضاء مختلفة، ~~وطباع متباعدة، وجعله قسمين متماثلين؛ وربما يخلق من نطفة واحدة توأمين ~~ذكرا وأنثى. # {ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم} يعني: الأصنام؛ وهو يعم كل ~~ما عبد من دون الله، إذ ما من مخلوق يستقل بالنفع والضر، {وكان الكافر على ~~ربه ظهيرا(55)} يظاهر الشيطان بالعداوة والشرك؛ والمراد بالكافر: الجنس، ~~معينا للشيطان على معصية الله. # {وما أرسلناك إلا ms0645 مبشرا ونذيرا(56)} للمؤمنين والكافرين. {قل: ما أسألكم ~~عليه} على التبليغ الذي يدل عليه: «إلا مبشرا ونذيرا»، {من أجر إلا من شاء} ~~إلا فعل من يشاء {أن يتخذ إلى ربه سبيلا(57)} أن يتقرب إليه، ويطلب الزلفى ~~عنده بالإيمان والطاعة؛ فصور ذلك بصورة الأجر من حيث أنه مقصود فعله؛ وقيل: ~~الاستثناء منقطع، معناه: لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا فليفعل. # {وتوكل على الحي الذي لا يموت} في استكفاء شرورهم، والإغناء عن أجورهم، ~~فإنه الحقيق بأن يتوكل عليه، دون الأحياء الذين يموتون، فإنهم إذا ماتوا ~~ضاع من توكل عليهم، {وسبح بحمده} ونزهه عن صفات النقصان مثنيا عليه بأوصاف ~~الكمال، طالبا لمزيد الإنعام بالشكر على سوابغه، {وكفى به بذنوب عباده} ما ~~ظهر منها وما بطن، {خبيرا(58)} مطلعا؛ فما عليك إن آمنوا أو كفروا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة القيامة: 39. في الأصل: «وجعل...»، وهو خطأ. PageV03P176 # الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش} ~~سبق الكلام فيه؛ ولعل ذكره زيادة تقرير لكونه حقيقا بأن يتوكل عليه من حيث ~~أنه الخالق للكل، والمتصرف فيه؛ وتحريض على الثبات والتأني في الأمر، فإنه ~~تعالى مع كمال قدرته، وسرعة نفاذ أمره في كل مراد، خلق الأشياء على تؤدة ~~وتدرج، {الرحمن، [411] فاسأل به خبيرا(59)} عما ذكر من الخلق والاستواء ~~عالما يخبرك بحقيقته، وهو الله تعالى، أو جبريل، أو من وجده في الكتب ~~المتقدمة، ليصدقك فيه؛ وقيل: الضمير للرحمن، والمعنى: إن أنكروا إطلاقه على ~~الله فاسأل عنه من يخبرك من أهل الكتاب، لتعرفوا مجيء ما يرادفه في كتبهم. # {وإذا قيل لهم: اسجدوا للرحمن، قالوا: وما الرحمن}؟ لأنهم ما كانوا ~~يطلقونه على الله؛ أو لأنهم ظنوا أنه غيره (¬1) ، أو لأنهم نفوا الإلهية، ~~كقوله: {وهم يكفرون بالرحمن} (¬2) ، [ولذلك] قالوا: {أنسجد لما تأمرنا}؟ ~~أي: الذي تأمرناه (¬3) ، يعني: تأمرنا بسجوده؛ أو لأمرك الناس من غير ~~عرفان؛ وقرئ: بالياء على أنه قول بعضهم لبعض، {وزادهم} أي: الأمر بالسجود ~~{نفورا60)} عن الإيمان؛ وفيه دليل على أن السجود هو الإذعان والانقياد، ~~لقوله:{وزادهم نفورا} عن (¬4) نفورهم ms0646 المتقدم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: + «ولذلك»، وهو خطأ، فالصواب تأخيرها إلى ما قبل ~~قوله: «قالوا: {أنسجد لما تأمرنا}»، كما في أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص227. # (¬2) - ... سورة الرعد: 30. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «تأمرنا به». # (¬4) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «على». PageV03P177 # تبارك الذي جعل في السماء بروجا} يعني: البروج (لعله) الإثنا عشر؛ سميت ~~به، وهي القصور العالية، لأنها للكواكب السائرة السيارة، كالمنازل لسكانها، ~~واشتقاقها من البرج: وهو الظهور. {وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا(61) وهو ~~الذي جعل الليل والنهار خلفة} أي: ذوي خلفة يخلف كل منهما الآخر، بأن يقوم ~~مقامه فيما ينبغي أن يعمل فيه؛ أو بأن يعتقبا، لقوله: {واختلاف الليل ~~والنهار} (¬1) . {لمن أراد أن يذكر} أن يتذكر آلاء الله، ويتفكر في صنعه، ~~فيعلم أنه لا بد له من صانع حكيم، واجب الذات، رحيم على العباد، {أو أراد ~~شكورا(62)} أن يشكر الله تعالى على ما فيه من النعم؛ أو ليكونا وقتين ~~للذاكرين والشاكرين، من فاته ورده في أحدهما تداركه في الآخر. # {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض} وإضافتهم إلى الرحمن للتخصيص ~~والتفضيل؛ أو لأنهم الراسخون في عبادته، {هونا} هينين؛ أو مشيا هينا؛ ~~والمعنى: أنهم يمشون سكينة وتواضعا على هيأتهم لا يسرعون، وذلك من الأخلاق ~~الحسنة، وهو من أخلاق الصالحين، {وإذا خاطبهم الجاهلون، قالوا: سلاما(63)} ~~تسليما لكم ومباركة لهم؛ لا خير بيننا وبينكم ولا شر؛ أو سدادا من القول ~~تسلمون فيه من الإيذاء والإثم، ولا تنافية آية القتال لتنسخه؛ فإن المراد ~~به هو: الإغضاء عن السفهاء، وترك مقابلتهم في الكلام بما لا ينفع، اشتغالا ~~عما ينفع. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البقرة: 164؛ وسورة آل عمران: 160؛ وسورة الجاثية: 5. PageV03P178 # والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما(64)} في الصلاة؛ وتخصيص البيتوتة لأن ~~العبادة بالليل أضمن، وأبعد من الرياء؛ وقيل: من صلى ركعتين بالليل، عمه ~~تأويل هذه الآية. قال أبو سعيد: «التأويل فيما يقال في هذه الآية: القيام ~~آخر الليل؛ قال: ويقال: إن من صلى ركعتين لحقتة الآية». والله أعلم بذلك. # {والذين يقولون: ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما(65)} ms0647 [412] ~~ملازما؛ ومنه الغريم، لملازمته؛ وهو إيذان بأنهم مع حسن مخالقتهم مع الخلق ~~واجتهادهم في عبادة الحق، وجلون من العذاب، مبتهلون إلى الله في صرفه عنهم، ~~لعدم اعتدادهم بأعمالهم، ووثوقهم على استمرار أحوالهم؛ قيل: الغريم: الشر ~~الدائم، والعذاب والهلاك. {إنها ساءت مستقرا ومقاما(66)} أي: بئست مستقرا ~~ومقامة. # {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا} لم يجاوزوا حد الكرم، {ولم يقتروا} ولم ~~يضيقوا تضييق الشحيح؛ وقيل: الإسراف: هو الإنفاق في المحارم، والتقتير: منع ~~الواجب. (لعله) ويروى عن أبي: «سبب في هذه الآية أولئك أصحاب محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - ، كانوا لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة، ولا يلبسون ثوبا ~~للجمال، ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع، ويقويهم على عبادة ~~الله؛ ومن الثياب ما يستر عوراتهم وما يكنهم من الحر والبرد». {وكان بين ~~ذلك قواما(67)} وسطا وعدلا سمي به لاستقامة الطرفين، كما سمي «سوي» (¬1) ~~لاستوائهما؛ وقرئ: بالكسر، وهو ما تقام به الحاجة، لا فضل يفضل عنها، ولا ينقص. # { # ¬__________ # (¬1) - ... ويمكن أن نقرأ: «سوى»، إشارة إلى قوله تعالى: {فاجعل بيننا ~~وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى}. سورة طه: 58. PageV03P179 # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} لا يعبدون هواهم من دون الله، {ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} نفى عنهم أمهات المعاصي ~~بعد ما أثبت لهم أصول الطاعات، إظهارا لكمال إيمانهم، وإشعارا بأن الأجر ~~المذكور موعود للجامع بين ذلك، وتعريضا للكفرة بأضداده، ولذلك عقبه الوعيد ~~تهديدا لهم فقال: {ومن يفعل ذلك يلق أثاما(68)} جزاء إثم، أو آثما بإضمار ~~الجزاء؛ وقيل: «أثاما» واد في جهنم، {يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد ~~فيه مهانا(69)} (لعله) استحقوا تضعيف العذاب بتركهم المأمور به، وارتكابهم ~~المنهي عنه. # {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا، فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات} بأن ~~يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة، ويثبت مكانها لواحق الطاعات؛ أو يبدل ملكة ~~المعصية في النفس بملكة الطاعة؛ وقيل: بأن يوفقه لأضداد ما سلف منه؛ أو بأن ~~يثيب له بدل كل عقاب ثوابا؛ ويحتمل في ms0648 تأويل قوله تعالى: {فأولئك يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات} أي: يبدل الله سيئاتهم، أي: أعمالهم السيئة، {وكان الله ~~غفورا رحيما(70)} فلذلك يعفو عن السيئات، ويثيب على الحسنات. {ومن تاب} عن ~~المعاصي بتركها، والندم عليها، {وعمل صالحا} يتلافى به ما فرط؛ أو خرج عن ~~المعاصي، ودخل في الطاعة، {فإنه يتوب إلى الله} يرجع إلى الله بذلك ~~{متابا(71)} مرضيا عند الله ماحيا للعقاب، محصلا للثواب. # { PageV03P180 والذين لا يشهدون الزور} بلسان مقالهم، ولا لسان حالهم؛ ~~وأصل الزور: تحسين الشيء ووضعه على [413] خلاف صنعته، فهو تمويه الباطل ~~(¬1) ؛ {وإذا مروا باللغو} ما يجب أن يلقى ويطرح، ولو من لسان وساوسهم، ~~وخيال أفكارهم، وكذوب أمانيهم، {مروا كراما(72)} معرضين عنه، مكرمين أنفسهم ~~عن الوقوف عليه، والخوض فيه، والاشتغال به؛ ومن ذلك الإغضاء عن الفواحش، ~~والصفح عن الذنوب. والكناية عما يستهجن التصريح به. # {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم} بالوعظ والقراءة، وقيام الحجة من حيثما ~~كانت، {لم يخروا عليها صما وعميانا(73)} لم يقيموا عليها غير واعين لها، ~~ولا متبصرين بما فيها، كمن لا يسمع ولا يبصر؛ بل أكبوا عليها سامعين بآذان ~~واعية، مبصرين بعيون (لعله) راعية. # { # ¬__________ # (¬1) - ... هنا وضع الناسخ إحالة إلى الحاشية ولم يكتب فيها شيئا. ولعل ~~في العبارة نقصا. PageV03P181 # والذين يقولون: ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين} بتوفيقهم ~~للطاعة، وحيازة الفضائل؛ فإن المؤمن إذا شاركه أهله في طاعة الله سر بهم ~~قلبه، وقرت بهم عينه، لما يرى من مساعدتهم له في الدين؛ ولا تقر عين المؤمن ~~إلا بالطاعة، بل يتأذى قلبه بالمعصية، وخاصة من الأقارب؛ لأنهم يكونون في ~~الدنيا مشاققين معادين له، وفي الآخرة خائف عليهم العذاب، كما قال إبراهيم ~~عليه السلام: {يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب...} (¬1) الآية، وقول نوح ~~لابنه: {يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين} (¬2) . {واجعلنا للمتقين ~~إماما(74)} يقتدون بنا في أمر الدين، بإضافة العلم والتوفيق للعمل، كأنهم ~~يريدون المسابقة والمسارعة إلى الخير، لأن السابق جدير بأن يقتدى به اقتداء ~~بالرسول؛ فيكون لهم أجر المسابقة، وأجر من اقتدى بهم. # {أولئك ms0649 يجزون الغرفة} أعلا موضع في الجنة، {بما صبروا} بصبرهم على المشاق ~~من مضض الطاعات، ورفض الشهوات، وتحمل المجاهدات، {ويلقون فيها تحية ~~وسلاما(75)} دعاء بالتعمير والسلامة؛ أي: يحييهم الملائكة ويسلمون عليهم، ~~أو يحيي بعضهم بعضا، ويسلم عليه؛ أو ببقاء دائم وسلامة من كل آفة. {خالدين ~~فيها} لا يموتون ولا يحزنون، {حسنت مستقرا ومقاما(76)} مقابل «ساءت ~~مستقرا». # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة مريم: 45؛ وتمامها: {...أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون ~~للشيطان وليا}. # (¬2) - ... سورة هود: 42. PageV03P182 # قل ما يعبؤا بكم ربي} ما يصنع بكم ربي، من عبأت الجيش: إذا هيأته، {لولا ~~دعاؤكم} لولا عبادتكم؛ فإن شرف الإنسان وكرامته بالمعرفة والطاعة، وإلا فهو ~~وسائر الحيوانات سواء، {فقد كذبتم} بما أخبركم به حيث خالفتموه، {فسوف يكون ~~لزاما(77)} جزاء التكذيب لازما يحيق بكم لا محالة، فإن أثره لازم بكم حتى ~~يكبكم به في النار. # - - - # سورة الشعراء # بسم الله الرحمن الرحيم # {طسم(1) تلك آيات الكتاب المبين(2)} الظاهر إعجازه وصحته، والإشارة إلى ~~السورة، أو القرآن. # { PageV03P183 لعلك باخع نفسك} قاتل نفسك؛ وقرئ: «باخع نفسك» بالإضافة، ~~و«لعل» للإشفاق، [414] أي: اشفق على نفسك أن تقتلها، {ألا يكونوا ~~مؤمنين(3)} لئلا يؤمنوا؛ أو خيفة أن لا يؤمنوا؛ وذلك أنه لما كذبه أهل مكة ~~شق عليه، فأعلمه الله تعالى أنه لو شاء لاضطرهم. {إن نشأ ننزل عليهم من ~~السماء آية} دلالة ملجئه إلى الإيمان، {فظلت أعناقهم لها خاضعين(4)} ~~منقادين يذلون لها، فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية الله. {وما يأتيهم من ~~ذكر} موعظة؛ أو طائفة من القرآن {من الرحمن} بوحيه إلى نبيه، {محدث} مجدد ~~إنزاله، لتكرير التذكير وتنويع التقرير؛ ويدخل في ذلك الآيات الإهامية (¬1) ~~والسماوية والأرضية، إذا قامت عليه حجتها لمعرفتها، {إلا كانوا عنه ~~معرضين(5)} إلا جددوا إعراضا عنه، وإصرارا على ما كانوا عليه. {فقد كذبوا} ~~بالذكر بعد إعراضهم، فأمعنوا في تكذيبه، بحيث أدى بهم إلى الاستهزاء به، ~~المخبر به عنهم ضمنا في قوله: {فسيأتيهم أنباء} أخبار وعواقب {ما كانوا به ~~يستهزءون(6)} من أنه كان حقا أم باطلا، وكان حقيقا بأن يصدق ويعظم قدره، ~~فصاروا بالإعراض والكذب ms0650 مستهزئين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لم أجد فيما بين يدي من مصادر اللغة والتفسير معنى لكلمة ~~«إهام». PageV03P184 # أولم يروا إلى الأرض} أولم ينظروا إلى عجائبها، {كم أنبتنا فيها من كل ~~زوج} صنف {كريم(7)} محمود كثير المنفعة؛ وهو صفة لكل ما يحمد ويرضى؛ وههنا ~~يحتمل أن تكون مفيدة لما تتضمن الدلالة على القدرة؛ وأن تكون مبينة منبهة ~~على أنه ما من نبت إلا وله فائدة، إما وحده أو مع غيره؛ و«كل» لإحاطة ~~الأزواج؛ و«كم» لكثرتها. {إن في ذلك} إن في إثبات تلك الأصناف، أو في كل ~~واحدة {لآية} على أن منبتها تام القدرة والحكمة، سابغ النعمة والرحمة، ~~مستحق للحمد والشكر؛ وهذه الآية من آيات القرآن... (¬1) ، {وما كان أكثرهم ~~مؤمنين(8)} في علم الله وقضائه؛ فلذلك لا تنفعهم أمثال هذه الآيات العظام. ~~{وإن ربك لهو العزيز} الغالب القادر على الانتقام من الكفرة، {الرحيم(9)} ~~حيث أمهلهم؛ أو العزيز في انتقامه ممن كفر؛ الرحيم لمن تاب وآمن. # {وإذ نادى ربك موسى: أن ائت القوم الظالمين(10) قوم فرعون ألا يتقون(11)} ~~ألا يصرفون عن أنفسهم عقوبة الله بطاعته. # {قال: رب إني أخاف أن يكذبون(12) ويضيق صدري} بسبب تكذيبهم إياي، {ولا ~~ينطلق لساني} فإن انطلاق اللسان على قدر وسع الصدر؛ {فأرسل إلى هارون(13)} ~~(لعله) كأنه رآه مستأهلا للرسالة بوجود صفات [فيه]. {ولهم علي ذنب} إنما ~~سماه ذنبا على زعمهم، {فأخاف أن يقتلون(14)} قوله ذلك ليس تعللا، إنما هو ~~استدفاع للبلية المتوقعة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... يبدو أن في العبارة نقصا، إذ أين هو خبر قوله: «وهذه الآية»؟. PageV03P185 # قال كلا} (لعله) بالذهاب كليهما، ويكون المقدم في الرسالة موسى، وهارون ~~(لعله) [415] وزيرا له، {فاذهبا بآياتنا إنا (¬1) معكم مستمعون(15) فأتيا ~~فرعون فقولا: إنا رسول رب العالمين(16) أن أرسل معنا بني إسرائيل(17)}. # {قال: ألم نربك فينا} في منازلنا {وليدا} سمي به لقربه من الولادة؛ أقبل ~~بخطابه لموسى دون هارون، لأنه هو المقدم في الرسالة؛ أو من قبل الغيظ ~~الكامن عليه، {ولبثت فينا من عمرك سنين(18) وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من ~~الكافرين(19)} بنعمتي. # {قال: فعلتها إذا وأنا من ms0651 الضالين (¬2) (20)} المعنى: من الفاعلين فعل ~~أولي الجهل والسفه. {ففررت منكم لما خفتكم، فوهب لي ربي حكما} حكمة، ~~{وجعلني من المرسلين(21)} فيالها من هبة ما أعظمها!. {وتلك نعمة تمنها علي ~~أن عبدت بني إسرائيل(22)} أي: وتلك التربية نعمة تمنها علي ظاهرا وهي في ~~الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل. # {قال فرعون: وما رب العالمين(23)}؟ لما سمع جواب ما طعن به فيه، ورآى أنه ~~لم يرعو بذلك شرع في الاعتراض على دعواه؛ فبدأ بالاستفسار عن حقيقة المرسل. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «إنما»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «الظالمين»، وهو خطأ. PageV03P186 # قال: رب السماوات والأرض وما بينهما} عرفه بأظهر خواصه وآثاره، لما امتنع ~~تعريف الأفراد إلا بذكر الخواص والأفعال، وإليه أشار بقوله: {إن كنتم ~~موقنين(24)} أي: إن كنتم موقنين الأشياء، محققين لها علمتم أن هذه (¬1) ~~الأجرام المحسوسة ممكنة لتركيبها وتعددها، وتغير أحوالها، فلها مبدأ واجب ~~لذاته. قال أهل المعاني: أي كما توقنون هذه الأشياء التي تعاينوها، فأيقنوا ~~أن له الخلق، هو الله عز وجل (¬2) . # {قال لمن حوله: ألا تستمعون(25)} وذلك من قول فرعون لمن حوله يتكلم بكلام ~~من لا عقل له؛ لا يعقله ولا يعرف صحته. {قال} موسى مفهما لهم، وملزما للحجة ~~عليهم، {ربكم ورب آبائكم الأولين(26) قال} فرعون: {إن رسولكم الذي أرسل ~~إليكم لمجنون(27)} إلى (¬3) زعمه ودعواه. # {قال: رب المشرق والمغرب وما بينهما} (لعله) يشاهدون كل يوم أنه يأتي ~~بالشمس من المشرق، ويحركها على مدار غير مدار اليوم الذي قبله، حتى يبلغها ~~إلى المغرب على وجه نافع، تنتظم به أمور الكائنات، {إن كنتم تعقلون(28) ~~قال} فرعون حين لزمته الحجة، (لعله) وانقطع عن الجواب تكبرا عن الحق: {لئن ~~اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين(29)} عدولا إلى التهديد عن المحاجة ~~بعد الانقطاع، وهكذا ديدن المعاند المحجوج. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «لهذه»، ولا معنى له. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ويبدو أن الصواب: «فأيقنوا أن لها خالقا، هو ~~الله عز وجل». أو: «فأيقنوا أن من له الخلق هو الله عز وجل». # (¬3) - ... هنا وضع الناسخ إحالة إلى الحاشية وكتب فيها: «لعله». ~~والصواب: «في». ms0652 PageV03P187 # قال: أولو جئتك بشيء مبين(30)} بحجة بينة؛ وإنما قال ذلك موسى، لأن من ~~أخلاق الناس السكون إلى الإنصاف، والإجابة إلى الحق بعد البيان. {قال: فأت ~~به إن كنت من الصادقين(31)}. # {فألقى عصاه، فإذا هي ثعبان مبين(32) ونزع يده، فإذا هي بيضاء [416] ~~للناظرين(33) قال: للملإ حوله إن هذا لساحر عليم(34)} فائق في علم السحر. ~~{يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره، فماذا تأمرون(35)}؟ بهره سلطان المعجزة، ~~حتى حطه عن دعوى الربوبية، إلى مؤامرة القوم وائتمارهم، وتنفيرهم عن موسى، ~~وإظهار الاستشعار عن ظهوره، واستلائه على ملكه (¬1) . # {قالوا: أرجه وأخاه} أخر أمرهما، {وابعث في المدائن حاشرين(36) يأتوك بكل ~~سحار (¬2) عليم(37) فجمع السحرة لميقات يوم معلوم(38) وقيل للناس: هل أنتم ~~مجتمعون(39) لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين(40)}؟ لأن اتباعهم ~~أشهى من اتباع موسى وأخيه، ومقصودهم الأصلي ألا يتبعوا موسى، وإن قامت له الحجة. # {فلما جاء السحرة، قالوا لفرعون: أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين(41)} ~~لأن ديدن أهل الدنيا لا يعملون إلا بالجعالة لها، وأهل الآخرة يعملون ~~للآخرة، والذين هم فارطون منهما جميعا، لا يعملون لشيء، ولا في شيء. {قال: ~~نعم وإنكم إذا لمن المقربين(42)} وعدهم بالجاه، لأنه أملك بالأحوال معهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، وفي العبارة خلل واضح، وفي تفسير أبي السعود ~~صوابها: «وأظهر استشعار الخوف من استيلائه على ملكه، ونسبة الإخراج والأرض ~~إليهم لتنفيرهم عن موسى عليه السلام». أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص241. ~~وانظر: الألوسي: روح المعاني: 19/76. # (¬2) - ... في الأصل: «ساحر»، وهو خطأ. PageV03P188 # قال لهم موسى: ألقوا ما أنتم ملقون(43)} لم يرد به (¬1) أمرهم بالسحر ~~والتمويه، بل الأدب في تقديم ما هم فاعلوه لا محالة، توسلا به إلى إظهار ~~الحق. {فألقوا حبالهم وعصيهم، وقالوا: بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون(44) ~~فألقى موسى عصاه، فإذا هي تلقف ما يأفكون(45)} ما يقلبونه بتمويههم ~~وتزويرهم. # {فألقي السحرة ساجدين(46)} لعلمهم بأن مثله لا يأتي بالسحر؛ وفيه دليل ~~على أن منتهى السحر تمويه وتزويق يخيل شيئا لا حقيقة له. {قالوا: آمنا برب ~~العالمين(47) رب موسى وهارون(48) قال: ms0653 آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم ~~الذي علمكم السحر} أراد به التلبيس على قومه، كيلا يعتقدوا أنهم آمنوا عن ~~بصيرة، وظهور حق، {فلسوف تعلمون؛ لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف، ولأصلبنكم ~~أجمعين(49)}. # {قالوا: لا ضير} لا ضرر علينا؛ وذلك لأنه لا يضرهم ما ينالهم من الضر في ~~دنياهم، لأنهم على حقيقة من الأمر، ولو أنهم على العكس لضرهم أقل من ذلك، ~~إذ يكون عليهم عذابا، لأنهم لا يبتغون به ثوابا، {إنا إلى ربنا ~~منقلبون(50)} لأنه لم يكن دائما، كما قالوا: {إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} ~~(¬2) . {إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين(51)} أول ~~من آمن بموسى. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «بهم»، وهو خطأ. # (¬2) - ... سورة طه: 72. PageV03P189 # وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون(52)} يتبعكم فرعون وجنوده. ~~(لعله) قيل: خرج فرعون في الكرسي العظيم. {فأرسل فرعون في المدائن ~~حاشرين(53)} يحشرون الناس، يعني: الشرط ليجمعوا السحرة والجيش؛ وقيل: إن ~~المدائن ألف مدينة، واثنتي عشر ألف قرية. {إن هؤلاء لشرذمة قليلون(54) ~~وإنهم لنا لغائظون(55)} [417] لفاعلون ما يغيظنا. {وإنا لجميع حاذرون(56)} ~~وإنا لجميع من عادتنا الحذر واستعمال الحزم في الأمور، أشار أولا إلى (¬1) ~~عدم ما يمنع اتباعهم من شوكتهم، ثم إلى تحقق ما يدعو إليه من فرط عداوتهم، ~~ووجوب التيقظ في شأنهم، حثا عليه. # {فأخرجناهم} بأن خلقنا داعية الخروج بهذا السبب، فحملتهم عليه؛ {من جنات ~~وعيون(57) وكنوز ومقام كريم(58)} يعني: المنازل الحسنة، والمجالس البهية. ~~قيل: كان لفرعون ثماني مائة ألف غلام، كل غلام على فرس، في عنق كل فرس طوقا ~~من ذهب، والبساتين كانت على حافتي النيل. {كذلك وأورثناها (¬2) بني ~~إسرائيل(59) فأتبعوهم مشرقين(60) فلما تراءا الجمعان، قال أصحاب موسى: إنا ~~لمدركون(61)} لما رأو من هنا البحر، ومن هنا القتل. {قال: كلا} لن يدركونا ~~(¬3) {إن معي ربي سيهدين(62)} كما وعدني. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «لي»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: - «و»، وهو خطأ. # (¬3) - ... في الأصل: «يدركون»، وهو خطأ. PageV03P190 # فأوحينا إلى موسى: أن اضرب بعصاك البحر فانفلق، فكان كل فرق كالطود ~~العظيم(63)} كالجبل المنيف ms0654 الثابت في مقره. {وأزلفنا} قربنا {ثم ~~الآخرين(64)} فرعون وقومه حتى دخلوا على أثرهم مداخلهم؛ وهذه آية عظيمة لو ~~اعتبروا بها؛ لكن الضال لا يهتدي. {وأنجينا موسى ومن معه أجمعين(65)} بحفظ ~~البحر على تلك الهيئة إلى أن عبروا. {ثم أغرقنا الآخرين(66) إن في ذلك لآية ~~وما كان أكثرهم مؤمنين(67)} وما تنبه عليها أكثرهم، إذ لم يؤمن بها أحد، ~~فمن بقي في مصر من القبط وبني (¬1) إسرائيل بعد ما نجوا سألوا بقرة ~~يعبدونها، واتخذوا العجل، وقالوا: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} (¬2) . ~~{وإن ربك لهو العزيز} المنتقم من أعدائه، {الرحيم(68)} بأوليائه. # {واتل عليهم نبأ إبراهيم(69) إذ قال} هو {لأبيه وقومه: ما تعبدون(70)}؟ ~~سألهم ليريهم أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة. {قالوا: نعبد أصناما فنظل ~~لها عاكفين(71)} فأطالوا جوابهم لشرح حالهم، افتخارا به، و«نظل» ههنا ~~بمعنى: ندوم. {قال: هل يسمعونكم} دعاءكم {إذ تدعون(72) أو ينفعونكم} على ~~عبادتكم لها {أو يضرون(73)}؟ من أعرض عنها. {قالوا: بل وجدنا آباءنا كذلك ~~يفعلون(74)} أضربوا عن أن يكون لهم سمع، أو يتوقع منهم ضر أو نفع؛ [وإنما] ~~التجأوا إلى التقليد. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «وبنوا اسرائيل»، وهو خطأ. # (¬2) - ... سورة البقرة: 55. PageV03P191 # قال: أفرأيتم ما كنتم تعبدون(75) أنتم وآباؤكم الأقدمون(76)} فإن التقدم ~~لا يدل على الصحة، ولا ينقلب به الباطل حقا. {فإنهم عدو لي} وأنا بريء ~~منهم؛ والمعنى: أن كل معبود لكم عدو لي. فإن قيل: كيف وصف الأصنام بالعداوة ~~وهي جمادات؟ قيل: معناه فإنهم عدو لي لو عبدتهم يوم القيامة، كما قال: ~~{سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} (¬1) . {إلا رب العالمين(77) الذي ~~خلقني فهو يهدين(78)} لأنه يهدي [418]كل مخلوق لما خلق له من أمور المعاش ~~والمعاد، كما قال: {والذي قدر فهدى} (¬2) هداية مقدرة مدرجة من مبدإ إيجاده ~~إلى منتهى أجله، يتمكن بها من جلب المنافع، ودفع المضار؛ مبدؤها بالنسبة ~~إلى الإنسان: هداية الجنين إلى امتصاص دم الطمث من الرحم؛ ومنتهاها: ~~الهداية إلى طريق الجنة والتنعم بلذائذها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة مريم: 82. # (¬2) - ... سورة الأعلى: 3. PageV03P192 # والذي هو يطعمني ويسقين(79) وإذا مرضت فهو يشفين(80)} عطف ms0655 على «يطعمني ~~ويسقين» لأنه من روادفهما من أن الصحة والمرض في الأغلب يتبعان المأكول ~~والمشروب؛ وإنما لم ينسب المرض إليه، لأن المقصود تعديد النعم، ولا تنقص ~~بإسناد الإماتة إليه، فإن الموت من حيث لا يحس به لا ضرر فيه، وإنما الضرر ~~في مقدماته وهي المرض؛ ثم إنه لأهل الكمال وصلة إلى نيل المحاب التي تستحقر ~~دونها الحياة الدنيوية، وخلاص من أنواع المحن والبلية؛ ولأن المرض في غالب ~~الأمر إنما يحدث بتفريط من الإنسان في مطاعمه ومشاربه. {والذي يميتني ثم ~~يحيين(81) والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين(82) رب هب لي حكما} ~~كمالا في العلم والعمل، أستعد به [ل]خلافة الحق، ورئاسة الخلق، {وألحقني ~~بالصالحين(83)} ووفقني في العلم والعمل، لأنتظم به في عداد الكاملين في ~~الصلاح، الذي لا يشوب صلاحهم بفساد. # {واجعل لي لسان صدق في الآخرين(84)} لسان مقالي، ولسان حالي. {واجعلني من ~~ورثة جنة النعيم(85) واغفر لأبي إنه كان من الضالين (¬1) (86)} طريق الحق. ~~{ولا تخزني يوم يبعثون(87) يوم لا ينفع مال ولا بنون(88) إلا من أتى الله ~~بقلب سليم(89)} أي: لا ينفعان أحدا إلا مخلصا سليم القلب عن الكفر وميل ~~المعاصي (¬2) وسائر آفاته. ومن كتاب بيان الشرع: «وقال في قول الله تعالى: ~~{إلا من أتى الله بقلب سليم} قال: ليس في قلبه إلا الله وأمره، خالصا لا ~~غير ذلك، وإلا فالهلاك، على معنى قوله. وقيل: {إلا من أتى الله بقلب سليم} ~~قيل: سليم من الذنوب؛ وأمرهما واحد». # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «الظالمين»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «والميل إلى المعاصي». PageV03P193 # وأزلفت الجنة} أي: طويت مسافتها {للمتقين(90)} الطائرين (¬1) لها {وبرزت ~~الجحيم للغاوين(91)} السالكين سبيلها. {وقيل: لهم أين ما كنتم تعبدون(92) ~~من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون(93)؟ فكبكبوا فيها هم والغاوون(94)} ~~أي: الآلهة وعبدتهم؛ والكبكبة: تكرير الكب لتكرير معناه، كأن من ألقي في ~~النار ينكب مرة بعد أخرى؛ وقيل: طرح بعضهم على بعض. {وجنود إبليس ~~أجمعون(95)} متبعوه من عصاة الثقلين، أو شياطينه. # {قالوا وهم فيها يختصمون(96)} وباختصامهم فيها يعذبون: {تالله ms0656 إن كنا لفي ~~ضلال مبين(97) إذ نسويكم برب العالمين(98)} أي: في استحقاق العبادة ~~والألوهية؛ والمعنى: أنهم مع تخاصمهم في مبدإ ضلالهم، معترفون بانهماكهم ~~[419] في الضلالة، متحسرون عليها. {وما أضلنا} أي: وما دعانا إلى الضلالة ~~الذين اقتدينا بهم، {إلا المجرمون(99) فما لنا من شافعين(100) ولا صديق ~~حميم(101) فلو أن لنا كرة} رجعة إلى الدنيا، {فنكون من المؤمنين(102)}. # {إن في ذلك لآية} لحجة وعظة لمن أراد أن يستبصر بها ويعتبر؛ فإنها جاءت ~~على أنظم ترتيب، وأحسن تقرير، يتفطن المتأمل فيها لغزارة علمه، لما فيها من ~~الإشارة إلى أصول العلوم الدينية على دلائلها، وحسن دعوته للقوم، وحسن ~~مخالفته معهم، وكمال إشفاقه عليهم، وقصور الأمر في نفسه. وإطلاق الوعد ~~والوعيد على سبيل الحكاية تعريضا وإيقاظا، ليكون أدعى لهم إلى الاستماع ~~والقبول، {وما كان أكثرهم مؤمنين(103) وإن ربك لهو العزيز الرحيم(104)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «الصائرين إليها». PageV03P194 # كذبت قوم نوح المرسلين(105) إذ قال لهم أخوهم نوح: ألا تتقون(106)} الله ~~فتتركوا غيره. {إني لكم رسول أمين(107)} على الوحي والرسالة. {فاتقوا الله ~~وأطيعون(108)} فيما آمركم به من التوحيد والطاعة لله. {وما أسألكم عليه من ~~أجر إن أجري إلا على رب العالمين(109)} لأن الأمانة وترك السؤال للأجر، ~~والعمل (لعله) لأجر الله من دلائل الرسالة لو اعتبروا. {فاتقوا الله ~~وأطيعون(110)}. # {قالوا: أنؤمن لك واتبعك الأرذلون(111)}؟ الأقلون جاها ومالا؛ وهذا من ~~سخافة عقلهم وقصور رأيهم على الحطام الدنيوية، حتى جعلوا اتباع المقلين ~~فيها مانعا عن اتباعهم وايمانهم بما يدعوهم إليه، ودليلا على بطلانه؛ ~~وأشاروا بذلك على أن اتباعهم ليس عن نظر وبصيرة، وإنما هو لتوقع مال ورفعة؛ ~~فلذلك {قال: وما علمي بما كانوا يعملون(112)} أنهم عملوه إخلاصا، أو طمعا ~~في طعمة، وما علي [إلا] اعتبار الظاهر. {إن حسابهم إلا على ربي} ما حسابهم ~~على بواطنهم إلا على الله {لو تشعرون(113) وما أنا بطارد المؤمنين(114) إن ~~أنا إلا نذير مبين(115)}. # {قالوا: لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين(116) قال: رب إن قومي ~~كذبون(117) فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ms0657 ومن معي من المؤمنين(118) ~~فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون(119)} المملوء. {ثم أغرقنا بعد ~~الباقين(120) إن في ذلك لآية} لمن آمن، {وما كان أكثرهم مؤمنين(121) وإن ~~ربك لهو العزيز الرحيم(122)}. # { PageV03P195 كذبت عاد المرسلين(123) إذ قال لهم أخوهم هود: ألا ~~تتقون(124) إني لكم رسول أمين(125) فاتقوا الله وأطيعون(126) وما أسألكم ~~عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين(127)} تصدير القصص بها دلالة على ~~أن البعثة مقصورة على الدعاء إلى معرفة الحق والطاعة فيما يقرب المدعو إلى ~~ثوابه، ويبعده عن عقابه؛ وكان الأنبياء متفقين على ذلك، وإن اختلفوا [420] ~~في بعض التفاريع، مبرؤون عن المطامع الدنية، والأغراض الدنيوية. # { PageV03P196 أتبنون بكل ريع} بكل مكان مرتفع، أو بكل طريق؛ وقيل: هو ~~الفج بين الجبلين {آية} أي: علامة {تعبثون(128)}؟! لمن (¬1) مر بالطريق؛ ~~وقيل: إنهم كانوا يبنون المواضع المرتفعة ليشرفوا على المارة والسابلة. ~~{آية}: للمارة، {تعبثون} ببنائها؛ إذ كانوا يهتدون بالنجوم في أسفارهم، فلا ~~يحتاجون إليها؛ أو بنيانا يجتمعون إليها للعبث (¬2) بمن يمر عليهم؛ أو ~~قصورا يفتخرون بها؛ والعبث لا ينفع عمله إذا عمل، ولا يضر تركه إن ترك، ~~وعمله والاشتغال به في لا شيء، بل يشغل عما ينفع. {وتتخذون مصانع} مآخذ ~~الماء، وقيل: قصورا مشيدة وحصونا {لعلكم تخلدون(129)} فتبنون بناء التخليد، ~~{وإذا بطشتم} بسيف أو سوط أو لسان، {بطشتم جبارين(130)} متسلطين غاشمين بلا ~~رأفة، ولا قصد تأديب، ولا نظر في العاقبة. {فاتقوا الله} بترك هذه الأشياء، ~~{وأطيعون(131)} فيما أدعوكم إليه. {واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون(132)} ~~كرره مرتبا على إمداد الله إياهم بما يعرفونه من أنواع النعم، تعليلا ~~وتنبيها على الوعد عليه بدوام الإمداد، والوعيد على تركه بالانقطاع. {أمدكم ~~بأنعام وبنين(133) وجنات وعيون(134)} ثم أوعدهم فقال: {إني أخاف عليكم عذاب ~~يوم عظيم(135)} في الدنيا والآخرة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «بمن». # (¬2) - ... في الأصل: «للبعث»، ولا معنى له. PageV03P197 # قالوا: سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين(136) إن هذا إلا خلق ~~الأولين(137)} ما هذا الذي جئتنا به إلا كذب الأولين؛ أو ما هذا خلقنا إلا ~~كخلقهم ms0658 نحيى ونموت، وهي إعادة من سبق نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا بلا ~~بعث ولا جزاء. {وما نحن بمعذبين(138)} على ما نحن عليه، لأن عذابهم ليس ~~بحسي؛ وإنما هو يعرف بالتمييز بين الموافقة والمخالفة؛ فلذلك لم يحسوا به؛ ~~وقالوا: وما نحن بمعذبين، وهم معذبون به في الدارين، إلا من تاب. {فكذبوه ~~فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين(139) وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم(140)}. # {كذبت ثمود المرسلين(141) إذ قال لهم أخوهم صالح: ألا تتقون(142)؟ إني ~~لكم رسول أمين(143) فاتقوا الله وأطيعون(144) وما أسألكم عليه من أجر إن ~~أجري إلا على رب العالمين(145) أتتركون في ما ها هنا آمنين(146)}؟ أي: في ~~الدنيا آمنين من مكر الله وعذابه؟ إنكار لأن يتركوا كذلك؛ أو تذكير بالنعمة ~~في تخلية الله إياهم في أسباب تنعمهم آمنين؛ ثم فسره بقوله: {في جنات ~~وعيون(147) وزروع ونخل طلعها هضيم(148)} لطيف هين؛ وإفراد النخل لفضله على ~~سائر أشجار الجنات. {وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين(149)} قيل: بطرين؛ ~~[421] أو حاذقين، من الفراهة وهي النشاط، فإن الحاذق يعمل بنشاط وطيب قلب؛ ~~وقرئ: {فرهين} وهو أبلغ. {فاتقوا الله وأطيعون(150)} في العمل. {ولا تطيعوا ~~أمر المسرفين(151) الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون(152)} لأن المسرف لن ~~يقع منه صلاح لنفسه أصلا، لأن أعماله غير مقبولة منه، ومردودة عليه، وإن ~~وقع منه صلاح لغيره فذلك تسخير منه، وهو بمعزل عن نفعه. # { PageV03P198 قالوا: إنما أنت من المسحرين(153)} قيل: الذين سحروا كثيرا ~~حتى غلب على عقلهم؛ أو من ذوي السحر. {ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن ~~كنت من الصادقين(154)}. # {قال: هذه ناقة لها شرب} نصيب من الماء، {ولكم شرب يوم معلوم(155)} ~~فاقتصروا على شربكم ولا تزاحموها في شربها. {ولا تمسوها بسوء} بضرب أو عقر، ~~{فيأخذكم عذاب يوم عظيم(156)} ما يحل فيه، وهو أبلغ من تعظيم العذاب. # {فعقروها} أسند العقر إلى كلهم، لأن عاقرها إنما عقرها برضاهم، ولذلك ~~أخذوا جميعا، {فأصبحوا نادمين(157)} في عقرها، خوفا من حلول العذاب لا ~~توبة؛ أو عند معاينة العذاب، ولذلك لم ms0659 ينفعهم. {فأخذهم العذاب} أي: العذاب ~~الموعود، {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين(158)} فيحملهم إيمانهم على ~~التدبر والاعتبار للآيات. {وإن ربك لهو العزيز الرحيم(159)} في نفي الإيمان ~~عن أكثرهم في هذا المعرض، إيماء بأنه لو آمن أكثرهم أو شطرهم لما أخذوا ~~بالعذاب؛ وأن قريشا إنما عصموا عن مثله ببركة من آمن منهم، هكذا قيل. # {كذبت قوم لوط المرسلين(160) إذ قال لهم أخوهم لوط: ألا تتقون(161) إني ~~لكم رسول أمين(162) فاتقوا الله وأطيعون(163) وما أسألكم عليه من أجر إن ~~أجري إلا على رب العالمين(164) أتأتون الذكران من العالمين(165) وتذرون ما ~~خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون(166)} متجاوزون عن حد الشهوة؛ ~~حيث زادوا على سائر الناس بل على الحيوانات. {قالوا: لئن لم تنته يا لوط ~~لتكونن من المخرجين(167) قال: إني لعملكم من القالين(168)} من المبغضين. ~~{رب نجني وأهلي مما يعملون(169)} أي: من شؤمه وعذابه. # { PageV03P199 فنجيناه وأهله أجمعين(170) إلا عجوزا في الغابرين(171)} ~~مقدرة في الباقين في العذاب. {ثم دمرنا الآخرين(172) وأمطرنا عليهم مطرا ~~فساء مطر المنذرين(173) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين(174) وإن ربك ~~لهو العزيز الرحيم(175)}. # {كذب (¬1) أصحاب الأيكة المرسلين(176)} قيل: الأيكة: غيضة (¬2) تنبت ناعم ~~الشجر. {إذ قال لهم} أخوهم (¬3) {شعيب: ألا تتقون(177)} وقيل: الأيكة: شجر ~~ملتف؛ وكان شجرهم الدوم، وهو المقل. {إني لكم رسول أمين(178) فاتقوا الله ~~وأطيعون(179) وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على [422] رب ~~العالمين(180)} لما أبقوا معنى دعوتهم لقومهم أنبأ (¬4) على معنى خطابهم ~~بلفظ واحد، وهو (¬5) قوله: {ألا تتقون إني لكم رسول أمين، فاتقوا الله ~~وأطيعون، وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين} فصار كأنه ~~لسان قائل واحد منهم. {أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين(181)} حقوق ~~الناس. { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «كذبت»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «عيطه»، وهو خطأ. # (¬3) - ... كذا في الأصل، والصواب أن شعيبا لم يكن أخا لأصحاب الأيكة، ~~كما ذكر المفسرون، قال الزمخشري: «فإن قلت: هلا قيل: “ أخوهم شعيب ” كما في ~~سائر المواضع ؟ قلت: قالوا: ms0660 إن شعيبا لم يكن من أصحاب الأيكة، وفي الحديث: ~~“إن شعيبا أخا مدين، أرسل إليهم وإلى أصحاب الأيكة”». الزمخشري: الكشاف، ~~3/262. وانظر: أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص261-262. الألوسي: روح ~~المعاني: 19/117. # (¬4) - ... في الأصل: «ابناء»، وهو خطأ. # (¬5) - ... في الأصل: «أو هو»، ولا معنى له. PageV03P200 # وزنوا بالقسطاس المستقيم(182) ولا تبخسوا الناس أشياءهم} ولا تنقصوهم ~~شيئا من حقوقهم، {ولا تعثوا في الأرض مفسدين(183) واتقوا الذي خلقكم ~~والجبلة الأولين(184)} وذوي الجبلة الأولين، يعني: من تقدمهم من الخلائق. # {قالوا: إنما أنت من المسحرين(185) وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن ~~الكاذبين(186) فأسقط علينا كسفا من السماء} قطعة منها {إن كنت من الصادقين ~~(187) قال ربي أعلم بما تعملون(188)} ويعد أنه ينزل عليكم في وقته المقدر ~~له. {فكذبوه، فأخذهم عذاب يوم الظلة} على نحو ما اقترحوا، بأن سلط الله ~~عليهم الحر سبعة أيام، فأظلتهم سحابة، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارا، ~~فاحترقوا على ما قيل، {إنه كان عذاب يوم عظيم(189) إن في ذلك لآية وما كان ~~أكثرهم مؤمنين(190) وإن ربك لهو العزيز الرحيم(191)} هذا آخر القصص السبع ~~المذكورة على سبيل الاختصار، تسلية لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وتهديد ~~للمكذبين به، واطراد نزول العذاب على تكذيب الأمم بعد إنذار الرسل به؛ ~~واقتراحهم له استهزاء، وعدم مبالاة به. # { PageV03P201 وإنه لتنزيل رب العالمين(192) نزل به الروح الأمين(193) ~~على قلبك} تقرير لحق القرآن، وتنبيه على إعجازه، ونبوة محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - ، فإن الإخبار عنها ممن لم يتعلمها لا يكون إلا وحيا من الله. ~~و“القلب” إن أراد به الروح فذاك، وإن أراد به العضو فتخصيصه، لأن المعاني ~~الروحانية تنزل أولا على الروح، ثم تنتقل منه إلى القلب لما بينهما من ~~التعلق، ثم تتصعد منه إلى الدماغ، فينتقش بها لوح المتخيلة. والروح الأمين: ~~جبريل، فإنه أمين الله على وحيه؛ أمين من الزيادة والنقصان عما أمر به ~~وأوحي إليه. وهكذا ينبغي لكل عالم لأهل زمانه؛ وإلا وقع في الخيانة من حيث ~~لا يشعر، {لتكون من المنذرين(194) بلسان عربي مبين(195)} واضح المعنى، لئلا ms0661 ~~يقولوا لا نفهمه. {وإنه لفي زبر الأولين(196)} وإن ذكره، أو معناه لفي ~~الكتب المتقدمة. # {أولم يكن لهم آية} على صحة القرآن، أو نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~، {أن يعلمه علماء بني إسرائيل(197)} أن يعرفوه. {ولو نزلناه على بعض ~~الأعجمين(198)} كما هو زيادة في إعجازه؛ أم بلغة العجم. {فقرأه عليهم ما ~~كانوا به مؤمنين(199)} لفرط عنادهم واستكبارهم؛ أو لعدم فهمهم واستنكافهم ~~من اتباع العجم. # {كذلك سلكناه} أدخلناه {في قلوب [423] المجرمين(200)} إلزاما للحجة إن ~~كان الضمير للقرآن؛ وقيل: الضمير للكفر. {لا يؤمنون به حتى يروا العذاب ~~الأليم(201)} هو الموت الملجئ إلى الإيمان. {فيأتيهم بغتة وهم لا ~~يشعرون(202) فيقولوا: هل نحن منظرون(203)} في الدنيا وأبقيناهم[كذا]. # { PageV03P202 أفبعذابنا يستعجلون(204)؟ أفرأيت إن متعناهم} وذلك أن ~~المشركين قالوا للنبي - عليه السلام - : إلى متى توعدنا العذاب؟، فأنزل ~~الله تعالى: {سنين(205) ثم جاءهم ما كانوا يوعدون(206)} يعني: العذاب. {ما ~~أغنى عنهم ما كانوا يمتعون(207)} لم يغن عنهم تمتعهم المتطاول في دفع ~~العذاب وتخفيفه، لأنهم لم يستعدوا به دفع العذاب. {وما أهلكنا من قرية إلا ~~لها منذرون(208)} أنذروا أهلها إلزاما للحجة. {ذكرى} بما تذكرهم الحجة، ~~{وما كنا ظالمين(209)} فنهلك قبل الإنذار. # {وما تنزلت به} أي: القرآن {الشياطين(210)} كما زعم المشركون بأنه من ~~قبيل ما يلقي الشيطان على الكهنة. {وما ينبغي لهم} وما يصح لهم أن يتنزلوا ~~به، {وما يستطيعون(211)} وما يقدرون. {إنهم عن السمع} عن استراق السمع ~~لكلام الملائكة {لمعزولون(212)} لأنه مشروط بمشاركة في صفاء الذوات، وقبول ~~فيضان الحق، والانتقاش بالصور الملكوتية؛ ونفوسهم خبيثة ظلمانية شريرة ~~بالذات، لا تقبل ذلك؛ والقرآن مشتمل على حقائق ومغيبات، لا يمكن تلقيها إلا ~~من الملائكة؛ لأن القرآن نور إلهي، والنفوس الشيطانية من الجن والإنس ~~ظلمانية، فلا يجتمع النور والظلمة، كما قال: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون ~~في الأرض بغير الحق} (¬1) ولا يصح أن يحمله شياطين الإنس والجن حمل انتفاع؛ ~~ولكن يجوز أن يحملوا إياه، ويهدوا به هدي البيان، إبلاغا للحجة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأعراف: 146. PageV03P203 # فلا تدع مع الله إلها آخر} وهو يقتضي نهيا عن ms0662 عمل جميع المعاصي، {فتكون ~~من المعذبين(213)} في الدارين؛ تهييج لازدياد الإخلاص، ولطف لسائر ~~المكلفين. {وأنذر عشيرتك الأقربين(214)} الأقرب منهم فالأقرب، فإن الاهتمام ~~بشأنهم أهم. {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين(215)} لين جانبك لهم؛ ~~مستعار على خفض الطائر جناحيه إذا أراد أن ينحط. {فإن عصوك} ولم يتبعوك، ~~{فقل: إني بريء مما تعملون(216)} من عبادة غير الله. {وتوكل على العزيز ~~الرحيم(217) الذي يراك حين تقوم(218) وتقلبك في الساجدين(219) إنه هو ~~السميع العليم(220)}. # {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين(221)} (لعله) من الخلق؛ ثم قال: {تنزل ~~على كل أفاك أثيم(222)} لما بين أن القرآن لا يصح أن يكون مما تنزلت به ~~الشياطين، أكد ذلك بأن يبين أن محمدا - عليه السلام - لا يصح أن يتنزلوا ~~عليه من وجهين: أحدهما: أنه إنما يكون على شرير كذاب كثير الإثم، فإن ~~الطبائع بينهما متناسبة، وحال محمد - صلى الله عليه وسلم - ، على خلاف ~~[424] ذلك؛ وثانيهما: قوله: {يلقون السمع وأكثرهم كاذبون(223) والشعراء ~~يتبعهم الغاوون(224)} وأتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - ليسوا كذلك. # { PageV03P204 ألم تر أنهم في كل واد يهيمون(225)} قيل: من أودية الكلام، ~~في كل أمر يخوضون؛ لأن أكثر مقدماتهم خيالات لا حقيقة لها. {وأنهم يقولون ~~ما لا يفعلون(226)} وكأنه لما كان إعجاز القرآن من جهة المعنى واللفظ، وقد ~~قدحوا في المعنى بأنه مما تنزلت به الشياطين، وفي اللفظ بأنه من حسن كلام ~~الشعراء، تكلم في القسمين، وبين منافاة القرآن لهما، ومضادة حال الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - لحال أربابهما. {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وذكروا الله كثيرا} بإخلاص، {وانتصروا من بعد ما ظلموا، وسيعلم} لإقامة دين ~~الله {الذين ظلموا، أي منقلب ينقلبون(227)} تهديد (¬1) شديد، لما (¬2) في ~~«سيعلم» من الوعد البليغ، وفي «الذين ظلموا» من الإطلاق والتعميم؛ وفي «أي ~~منقلب ينقلبون» أي: بعد الموت، (إلى أي مرجع يرجعون إليه بعد مماتهم) (¬3) . # - - - - - # سورة النمل # بسم الله الرحمن الرحيم # {طس تلك آيات القرآن} آيات السورة، و«القرآن»: الوارد فيها؛ أو القرآن ~~كله، {وكتاب مبين(1) هدى وبشرى للمؤمنين(2) الذين} من شأنهم {يقيمون الصلاة ~~ويؤتون ms0663 الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون(3)} كأنه قيل: وهؤلاء الذين يؤمنون ~~ويعملون الصالحات هم الموقنون بالآخرة؛ فإن تحمل المشاق إنما يكون لخوف ~~العاقبة، والوقوف على المحاسبة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «تهيد»، وهو خطأ. # (¬2) - ... يمكن أن نقرأ: «كما». # (¬3) - ... ما بين قوسين كتب في الحاشية، ولم يحل إليه في المتن، ~~وأثبتناه في سياقه باجتهادنا. PageV03P205 # إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون(4)} يتحيرون ~~(إلى أي مرجع يرجعون إليه بعد مماتهم) (¬1) . زين الله لهم أعمالهم القبيحة ~~(لعله) التي رأوها حسنة، بأن جعلها مشتهاة بالطبع، محبوبة للنفس؛ أو ~~الأعمال الحسنة التي وجب عليهم أن يعملوها، بترتيب المثوبات عليها ما ~~يتبعها من ضر أو نفع. {أولئك الذين لهم سوء العذاب} أي عذاب كان من عذاب ~~(¬2) الأدنى، كما قال: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى} (¬3) . {وهم في الآخرة ~~هم الأخسرون(5)} أشد الناس خسرانا لفوات المثوبة، واستحقاق العقوبة. # {وإنك لتلقى القرآن} لتؤتاه {من لدن حكيم عليم(6)} العلم: داخل في الحكمة ~~لعموم العلم، ودلالة الحكمة على إتقان الفعل. # {إذ قال موسى لأهله: إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس ~~لعلكم تصطلون(7) فلما جاءها نودي: أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان ~~الله رب العالمين(8) يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم(9) وألق (¬4) ~~عصاك، فلما رآها تهتز} تتحرك باضطراب، {كأنها جان} حية خفيفة سريعة، {ولى ~~مدبرا ولم يعقب} ولم يرجع؛ من عقب المقاتل: إذا كر بعد الفرار، {يا موسى لا ~~تخف إني [425] لا يخاف لدي المرسلون(10) إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء ~~فإني غفور رحيم(11) وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات ~~إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين(12)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... ما بين قوسين إضافة من الحاشية ولم يحل إليها الناسخ في ~~المتن، وأثبتناها في سياقها. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ويبدو أن الصواب: «العذاب»، أو لعله بتقدير ~~مضاف، أي: «من عذاب الحياة الأدنى». # (¬3) - ... سورة السجدة: 21. # (¬4) - ... في الأصل: «وألقى». وهو خطأ. PageV03P206 # فلما جاءتهم آياتنا مبصرة} بينة، اسم فاعل أطلق للمفعول، إشعارا بأنها ~~لفرط ms0664 اجتلائها للأبصار بحيث تكاد تبصر نفسها، {قالوا: هذا سحر مبين(13)} ~~واضح سحريته. {وجحدوا بها} وكذبوها، {واستيقنتها أنفسهم} صارت بمعنى ~~اليقين؛ ولكن عاندوها، {ظلما} لأنفسهم، {وعلوا} ترفعا من الإيمان، {فانظر ~~كيف كان عاقبة المفسدين(14)}. # {ولقد آتينا داوود وسليمان علما، وقالا: الحمد لله الذي فضلنا على كثير ~~من عباده المؤمنين(15)} يعني: من لم يؤت علما؛ أو مثل علمهما؛ وفيه دليل ~~على فضل العلم وشرف أهله، حيث شكرا الله على ما آتاهما من العلم، وجعلاه ~~أساس الفضل؛ ولم يذكرا دونه ما أوتيا من الملك ما لم يؤت غيرهما؛ وتحريض ~~للعالم أن يحمد الله على ما آتاه من فضله، وأن يتواضع ويعتقد أنه وإن فضل ~~على كثير فقد فضل عليه كثير. # {وورث سليمان داوود} النبوة، أو العلم، أو الملك، بأن قام مقامه في ذلك ~~دون سائر بنيه، {وقال: يا أيها الناس علمنا منطق الطير، وأوتينا من كل شيء} ~~تشهيرا لنعمة الله، وتنزيها لها (¬1) ، ودعاء للناس إلى التصديق بذكر ~~المعجزة التي هي علم منطق الطير، وغير ذلك من عظائم ما أوتيه، {إن هذا لهو ~~الفضل المبين(16)} الذي لا يخفى على أحد. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولا معنى له، وفي تفسيري الزمخشري وأبي السعود: ~~«وتنويها بها». الزمخشري: الكشاف، 3/278. أبو السعود: تفسير، مج3/ ج6/ ص277. PageV03P207 # وحشر} وجمع {لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون(17)} يحبسون ~~بحبس أولهم على آخرهم (لعله) ليتلاحقوا. {حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت ~~نملة: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا ~~يشعرون(18)} قيل: علم النمل أن سليمان نبي ليس فيه جبروتة (¬1) وظلم؛ ومعنى ~~الآية: أنكم لو لم تدخلوا مساكنكم وطؤوكم، ولم يشعروا بكم. {فتبسم ضاحكا من ~~قولها} تعجبا من حذرها وتحذيرها، واهتدائها إلى مصالحها؛ أو سرورا بما خصه ~~الله به من إدراك همسها وفهم غرضها؛ ولذلك سأل توفيق شكره {وقال: رب ~~أوزعني} قيل: ألهمني {أن أشكر (¬2) نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن ~~أعمل صالحا ترضاه} تماما للشكر، واستدامة للنعمة، {وأدخلني برحمتك في عبادك ~~الصالحين(19)}. # {وتفقد ms0665 الطير} وتعرف الطير، {فقال: ما لي لا أرى الهدهد أم كان من ~~الغائبين(20)؟ لأعذبنه عذابا شديدا} لنجعلنه في (لعله) قفص مع ضده؛ وقيل: ~~أضيق السجون، معاشرة الأضداد. {أو لأذبحنه} ليعتبر به أبناء جنسه، {أو ~~ليأتيني بسلطان مبين(21)} بحجة تبين عذره. ولو لم يظهر سليمان الهيبة ~~لجنوده [426] لما استقاموا له طوعا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لم أجد فيما بين يدي من مصادر اللغة المصدر على هذا الوزن. ~~قال ابن منظور: «يقال: جبار بين الجبرية والجبرية والجبروة والجبروة ~~والجبروت والجبروت والجبورة والجبورة مثل الفروجة. والجبرياء والتجبار هو ~~بمعنى الكبر... وفي الحديث: “سبحان ذي الجبروت والملكوت”، هو فعلوت من ~~الجبر والقهر». ابن منظور: لسان العرب، ج1/ ص395، مادة «جبر». # (¬2) - ... في الأصل: «أن شكر»، وهو خطأ. PageV03P208 # فمكث غير بعيد} زمانا غير بعيد، يريد به الدلالة على سرعة رجوعه خوفا من ~~عقوبته، {فقال: أحطت بما لم تحط به} يعني: حال سبأ؛ وفي مخاطبته إياه بذلك ~~تنبيه له على أن في أدنى خلق الله من أحاط علما بما لا يحيط به لتتحاقر ~~إليه نفسه، ويقل إليه علمه؛ والإحاطة: العلم بالشيء من جميع جهاته، {وجئتك ~~من سبإ بنبإ يقين(22) إني وجدت امرأة تملكهم، وأوتيت من كل شيء} يحتاج إليه ~~الملوك؛ وأما في التحقيق فلم تؤت سبأ كما أوتي سليمان، لأنها من عبدة (¬1) ~~الأصنام، {ولها عرش عظيم(23)} عظمه بالنسبة إليها، أو إلى عرش (¬2) ~~أمثالها. {وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله} كأنهم كانوا يعبدونها، ~~{وزين لهم الشيطان أعمالهم} عبادة الشمس وغيرها من مقابح أعمالهم، وجميع ~~أعمال المعاصي، من تزيينه للخلق المتعبدين لعنه الله؛ كما أن أعمال البر من ~~تزيين الله لهم، {فصدهم عن السبيل} سبيل السعادة، {فهم لا يهتدون(24)} إليه ~~ما داموا على ذلك الحال. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «عباده» ولا معنى له. # (¬2) - ... في الأصل: «العرش»، وهو خطأ. PageV03P209 # ألا يسجدوا لله} قصدهم لأن لا يسجدوا؛ أو زين لهم أن لا يسجدوا؛ {الذي ~~يخرج الخبء في السماوات والأرض} قيل: معنى الخبء: الغيب؛ يريد: يعلم غيب ~~السماوات والأرض، {ويعلم ما تخفون وما تعلنون(25)} وصف ms0666 لهم بما يوجب ~~اختصاصه باستحقاق السجود، من التفرد لكمال القدرة والعلم، والحث على السجود ~~له، وردا على من يسجد لغيره؛ والخبء: ما خفي من (¬1) غيره، وإخراجه: ~~إظهاره؛ وهو (¬2) يعم إشراق الكواكب، وإنزال الأمطار، وإنبات النبات؛ بل ~~الإنشاء: فإنه إخراج ما في الشيء بالقوة (¬3) إلى الفعل؛ والإبداع: فإنه ~~إخراج ما كان الإمكان من العدم إلى الوجوب والوجود (¬4) ؛ ومعلوم أنه يختص ~~بالواجب لذاته. وقرئ: {ما يخفون وما يعلنون} بالياء. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «عن». # (¬2) - ... في الأصل: «وهم»، وهو خطأ. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ونفس العبارة عند أبي السعود، (مج3/ ج6/ ص282). ~~ولعل الصواب: «من القوة»، أي أن وجود الأشياء كان بالقوة ثم صار وجودا ~~بالفعل، كما يقول علماء الكلام. # (¬4) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «ما كان في الإمكان من العدم إلى ~~الوجوب والوجود»، وفي تفسير أبي السعود: «إخراج ما في الإمكان والعدم إلى ~~الوجود وغير ذلك». المصدر نفسه. PageV03P210 # الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم(26)} أي: هو المستحق للعبادة والسجود ~~لا غيره. الآن وصف عرشها بالعظم، بالإضافة إلى عرش أبناء جنسها من الملوك؛ ~~ووصف عرش الله تعالى بالعظم تعظيم له بالنسبة إلى سائر ما خلق الله من ~~السماوات والأرض؛ فبين العظمتين بون عظيم، لأن حملته على ما جاء في التأويل ~~أنهم ثمانية أجزاء من الملائكة، (لعله) مع ما جعل الله لهم من القوة، كل ~~جزء مثل الثقلين؛ والحافين من حوله هم غير الحملة؛ والله العالم بهم ~~وبعددهم. # {قال: سننظر} سنعرف من النظر، بمعنى: الاعتبار، {أصدقت أم كنت من ~~الكاذبين(27) اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم، ثم تول عنهم} [427] ثم تنح عنهم ~~إلى مكان قريب تتوارى فيه، {فانظر ماذا يرجعون(28)} ماذا يرجع بعضهم إلى ~~بعض من القول. # { PageV03P211 قالت} أي: بعدما ألقي إليها، {يا أيها الملأ إني ألقي إلي ~~كتاب كريم(29)} لكرم مضمونه؛ أو لغرابة شأنه؛ فقيل: إنها كانت مستلقية في ~~بيت مغلقة الأبواب، فدخل الهدهد من كوة، وألقاه على نحرها، بحيث لم تشعر ~~به. {إنه من سليمان} استئناف، كأنه قيل لها: ممن ms0667 هو؟ وما هو؟ فقالت: إنه ~~أي: إن الكتاب، أو العنوان من سليمان، {وإنه} وإن المكتوب، أو المضمون {بسم ~~الله الرحمن الرحيم(30) ألا تعلوا علي} «أن» مفسرة ل«كتاب»، أو مصدرية؛ ~~فيكون بصلته خبر محذوف، أي: هو؛ أو: المقصود أن لا تعلوا؛ أو بدل من ~~«كتاب»، {وأتوني مسلمين(31)} مؤمنين، أو منقادين. وهذا كلام فيه غاية ~~الوجازة مع كمال الدلالة على المقصود، لاشتماله على البسملة، الدلالة (¬1) ~~على ذات الصانع، وصفاتها صريحا (¬2) والتزاما؛ والنهي عن الترفع الذي هو أم ~~الرذائل؛ والأمر بالإسلام الجامع لأمهات الفضائل، والأمر فيه بالانقياد بعد ~~إقامة الحجة على رسالته؛ فإن إلقاء الكتاب إليها على منقار الطائر، وهي على ~~تلك الحالة من أعظم الدلالة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «للدلالة»، أو «الدالة». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «تصريحا». PageV03P212 # قالت: يا أيها الملأ أفتوني في أمري} أجيبوني في أمري، واذكروا ما ~~تستصوبون فيه، {ما كنت قاطعة أمرا} ما أبت أمرا {حتى تشهدون(32)} إلا ~~بمحضركم؛ استعطفتهم بذلك ليمالئوها على الإجابة، أي: يجامعوها ويعاضدوها، ~~وذلك بعد ما أهالها (¬1) أمر الكتاب والكاتب، ولم تستهن به، ولم تستخف به، ~~ولم تهمله، وعظم شأن عاقبته في قلبها؛ وهي ربما لم تشعر بأحوال سليمان ولا ~~جنوده، وكل ذلك لأمر ملكها ودنياها، لا على دينها. وانظر ما صنعه سليمان ~~وهو بعد لم يصح معه صدق الطير من كذبه، كيف لم يتوسع بالعذر، وهو عدم الصحة ~~ما على ما نطق به الطير (¬2) ، وانتهز الفرصة للمسابقة على الأمر بالمعروف، ~~والنهي عن المنكر، وعلى إظهار دين الله. # {قالوا: نحن أولو قوة} بالأجساد والعدد، {وأولو بأس شديد} نجدة وشجاعة، ~~{والأمر إليك} وتدبير الأمر إليك موكول؛ لأن القوة مع عدم التدبير للأمور، ~~تؤول إلى الموهن (¬3) ، {فانظري ماذا تأمرين(33)} من المقاتلة، أو الصلح ~~نطعك، ونتبع رأيك. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «هالها»، لأن الفعل “هال” يتعدى ~~بنفسه بلا همزة. «وهالني الأمر يهولني هولا: أفزعني». ابن منظور: لسان ~~العرب، ج6/ ص845، مادة «هول». # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «وهو عدم التبين من صحة ما ms0668 نطق به ~~الطير». # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «الوهن». PageV03P213 # قالت: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها} تزييف لما أحست منهم إلى الميل ~~إلى المقاتلة، بادعائهم القوى الذاتية والعرضية، وإشعار بأنها ترى الصلح، ~~مخافة أن يتخطى سليمان خططهم، فيسرع إلى فساد ما يصادفه من أموالهم ~~وعماراتهم؛ ثم إن الحرب سجال لا يدرى عاقبتها، {وجعلوا أعزة أهلها (¬1) ~~أذلة} بجبرهم لهم على الانقياد والطاعة، [428] وأن يكونوا مملوكين لا ~~مالكين، {وكذلك يفعلون(34)} تأكيد لما وصفت من حالهم؛ وتقرير بأن ذلك من ~~عاداتهم الثابتة المستمرة. {وإني مرسلة إليهم بهدية} بيان لما ترى تقديمه ~~من المصالحة؛ والمعنى: أني (لعله) مرسلة رسلا بهدية دفعة بها على ملكي، ~~{فناظرة بم يرجع المرسلون(35)} من حاله، حتى أعمل بحسب ذلك. # {فلما جاء سليمان} أي: الرسول، {قال: أتمدونن بمال} خطاب للرسول ومن معه، ~~{فما آتاني الله} من النبوة والملك الذي لا مزيد عليه، {خير مما آتاكم} فلا ~~حاجة لي إلى هديتكم، ولا وقع لها عندي، {بل أنتم بهديتكم تفرحون(36)} لأنكم ~~لا تعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا، فتفرحون بما يهدى إليكم، حبا لزيادة ~~أموالكم؛ أو بما تهدونه افتخارا على أمثالكم. {ارجع} أيها الرسول {إليهم، ~~فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها} لا طاقة لهم بمقاومتها، ولا قدرة لهم على ~~مقابلتها، {ولنخرجنهم منها} من سبأ، {أذلة} بذهاب ما كانوا فيه من العز، ~~{وهم صاغرون (¬2) (37)} أسراء مهانون. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «أهلها»، وهو سهو. # (¬2) - ... في الأصل: «صارغرون»، وهو خطأ. PageV03P214 # قال: يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها} أراد بذلك أن يريها بعض ما خصه ~~الله من العجائب الدالة على عظيم القدرة، وصدقه في دعوى النبوة، ويختبر ~~عقلها بأن ينكر عرشها، فينظر أتعرفه أم تنكره، {قبل أن يأتوني مسلمين(38)} ~~فإنهم إذا أتوه مسلمين منقادين لأمره وطاعته، حرمت عليه غنيمة أموالهم. # {قال: عفريت} خبيث مارد {من الجن: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك} ~~ذلك، {وإني عليه} على حمله {لقوي أمين(39)} لا أختزل منه شيئا، ولا أضيعه، ~~ولا أضعه في غير مأمنه؛ ووصف نفسه ما يكون به ms0669 آلة لحمله وحفظه، وهو القوة ~~والأمانة، اللذان لا بد للأمين منهما، وإن أختل (¬1) منه واحدهما، فلا يكون ~~آلة ولا حجة لذلك. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «اختلا»، وهو خطأ. PageV03P215 # قال: الذي عنده علم من الكتاب} قيل: هو آصف بن برخيا؛ أو جبريل، أو ملك ~~غيره، أو سليمان نفسه، فيكون التعبير عنه بذلك للدلالة على شرف العلم؛ وأن ~~هذه الكرامة كانت نسبية. والخطاب: {أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} ~~للعفريت، أراد إظهار معجزة في نقله، فتحداهم أولا؛ ثم أراهم أنه يتأتى له ~~ما لا يتهيأ لعفاريت الجن فضلا عن غيره. والمراد بالكتاب: جنس الكتب ~~المنزلة، وهذا غاية في الإسراع ومثل فيه، {فلما رآه مستقرا عنده، قال: هذا ~~من فضل ربي} ولم يقل: إنما أوتيته على علم عندي (¬1) {ليبلوني أأشكر أم ~~أكفر، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم(40) قال: نكروا ~~لها عرشها} بتغيير (¬2) هيأته وشكله، {ننظر أتهتدي، أم تكون من الذين لا ~~يهتدون(41)} قيل: إلى معرفته؛ أو إلى الإيمان بالله ورسوله. # {فلما جاءت [429] قيل: أهكذا عرشك}؟ تشبيها عليها، زيادة في امتحان ~~عقلها، {قالت: كأنه هو} ولم تقل هو هو، لاحتمال أن يكون مثله، وذلك من ~~تتدقها في النظريات؛ تعرف سليمان كمال عقلها، حيث لم تقر ولم تنكر؛ وقيل: ~~اشتبه عليها؛ {وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين(42)} قيل: إنه كلام ~~سليمان؛ أي: أوتينا العلم بالله وقدرته، وصحة ما جاء من عنده قبلها، وكنا ~~منقادين لحكمه، لم نزل على دينه. {وصدها ما كانت تعبد من دون الله} أي: ~~وصدها عبادتها الشمس عن التقدم إلى الإسلام، {إنها كانت من قوم كافرين(43)} ~~أي: صدها نشؤها بين أظهر الكفار، واختيارها للكفر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كما قال قارون لما سأله قومه أن يحسن كما أحسن الله إليه. ~~انظر: سورة القصص: 77-79. # (¬2) - ... في الأصل: «تتغير»، وهو خطأ. PageV03P216 # قيل لها: ادخلي الصرح، فلما رأته حسبته لجة، وكشفت عن ساقيها} روي: أنه ~~أمر قبل قدومها ببناء قصر، صحنه من زجاج أبيض، وأجرى من تحته الماء، وألقى ~~حيوانات البحر، ms0670 ووضع سريره في صدره، فجلس عليه؛ فلما أبصرته ظنته ماء ~~راكدا، فكشفت عن ساقيها، {قال: إنه صرح ممرد} مملس {من قوارير} من الزجاج. ~~وتلك أسوة حسنة لملوك الدين، بإلقاء القوة والهيبة والحيلة على من عاداهم ~~في دين الله؛ فإنها ما نزلت هذه الآيات بخبر صنعهم عبثا ولا لعبا، بل لحكمة ~~قاهرة وحجة باهرة. فلما رأت ما رأت، {قالت: رب إني ظلمت نفسي} بعبادة غيرك، ~~{وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين(44)} فيما أمر به عباده. # {ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان ~~يختصمون(45)} تفاجأ التفرق والاختصام، فآمن فريق، وكفر فريق. {قال: يا قوم ~~لم تستعجلون بالسيئة} بالعقوبة، فتقولون ائتنا بما تعدنا، {قبل الحسنة} قبل ~~التوبة، فتؤخرونها إلى نزول العذاب، {لولا تستغفرون الله} قبل نزوله، ~~{لعلكم ترحمون(46)} بقبولها، فإنها لا تقبل حين ذلك. # {قالوا اطيرنا} تشاءمنا {بك وبمن معك} إذ تتابعت علينا الشدائد؛ أو وقع ~~بيننا الافتراق منذ اخترعتم دينكم، {قال: طائركم} سببكم الذي جاء منه شركم، ~~{عند الله} وهو قدره؛ أو علمكم المكتوب عنده؛ أي: ما يصيبكم من الخير والشر ~~من عند الله بأمره، وهو مكتوب عليكم؛ يسمى طائرا لسرعة نزوله بالإنسان، ~~فإنه لا شيء أسرع من قضاء محتوم. وقيل عن ابن عباس: «الشؤم أتاكم من عند ~~الله لكفركم». {بل أنتم قوم تفتنون(47)} تختبرون بتعاقب السراء والضراء. # { PageV03P217 وكان في المدينة تسعة رهط، يفسدون في (¬1) الأرض ولا ~~يصلحون(48)} أي: شأنهم الفساد الخالص من شوب الصلاح. {قالوا} أي: قال بعضهم ~~لبعض [430] {تقاسموا بالله} أي: تحالفوا بالله {لنبيتنه وأهله} لنباغتن ~~صالحا وأهله ليلا، {ثم لنقولن لوليه} لولي دمه، {ما شهدنا مهلك أهله} فضلا ~~أن تولينا إهلاكهم، {وإنا لصادقون(49) ومكروا مكرا} بهذه المواضعة، {ومكرنا ~~مكرا} بل جعلناها سببا لإهلاكهم، {وهم لا يشعرون(50)} بذلك. # {فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين(51) فتلك بيوتهم ~~خاوية} خالية؛ من “خوى البطن”: إذا خلا؛ أو ساقطة منهدمة؛ من “خوى النجم”: ~~إذا سقط، {بما ظلموا} بسبب ظلمهم، {إن في ذلك لآية لقوم يعلمون(52)} ~~فيتعظون. ms0671 {وأنجينا الذين آمنوا} صالحا ومن معه، {وكانوا يتقون(53)} الكفر ~~والمعاصي؛ فلذلك خصوا بالنجاة. ويوجد عن أبي سعيد فيما أرجو (لعله): «وأما ~~التسعة الرهط، فأولئك معنا ألزم أمرا في البراءة، وأوضح كفرا، ولا يسع ~~جهلهم معنا؛ لأن في ظاهر الآية لزوم العقوبة لهم، والكفر لازم لهم، ولا يسع ~~جهلهم من وقف على تغيير أمرهم؛ والبراءة منهم براءة الحقيقة بالشهادة على ~~ما صح في كتاب الله فيهم، والله أعلم بالصواب». # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: + «و»، وهو خطأ. PageV03P218 # ولوطا إذ قال لقومه: أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون(54)} فحشها؛ واقتراف ~~القبائح من العالم بقبحها أقبح؛ أو تبصرون آثار العصاة وما نزل بهم. {أئنكم ~~لتأتون الرجال شهوة} بيان لإتيانهم الفاحشة اتباعا للشهوة، لا بحجة حق؛ ~~للدلالة على قبحه، والتنبيه على أن الحكمة في المواقعة طلب النسل، {من دون ~~النساء} اللآئي خلقن لذلك، {بل أنتم قوم تجهلون(55)} تفعلون فعل من يجهل ~~قبحها؛ أو يكون سفيها لا يميز بين الحسن والقبيح؛ أو تجهلون العاقبة. # {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا: أخرجوا آل لوط من قريتكم، إنهم أناس ~~يتطهرون(56)} يتنزهون عن أفعالنا، أو عن الأقذار، ويعدون فعلنا قذرا. # {فأنجيناه وأهله، إلا أمرأته قدرناها من الغابرين(57)} قدرنا كونها من ~~الباقين في العذاب. {وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين(58)}. # {قل: الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى} أمر رسوله - صلى الله عليه ~~وسلم - بعد ما قص عليه القصص الدالة على كمال قدرته، وعظم شأنه، وما خص به ~~رسله من الآيات الكبرى، والانتصار من العدا بتحميده، والسلام على المصطفين ~~من عبيده، شكرا على ما أنعم عليهم، وعلمه ما جهل من أحوالهم، وعرفانا ~~لفضلهم وحق تقدمهم، واجتهادهم في الدين. أو لوطا بأن يحمده على هلاك كفرة ~~قومه، ويسلم على من اصطفاه بالعصمة من الفواحش، والنجاة من الهلاك. {آلله ~~خير أما يشركون(59)} إلزاما لهم، وتهكم بهم، وتسفيه لرأيهم؛ إذ معلوم أن لا ~~خير فيما أشركوه رأسا حتى [431] يوازن بينه وبين من هو مبدأ كل خير. # { PageV03P219 أمن خلق السماوات والأرض} التي هي أصول الكائنات ومبادئ ms0672 ~~المنافع، {وأنزل لكم} لأجلكم {من السماء ماء، فأنبتنا به حدائق ذات بهجة} ~~تنبيه على أن نبات الحدائق البهية، المختلفة الأنواع، المتباعدة الطباع، من ~~المواد المتشابهة التي لا يقدر عليها غيره، كما أشار إليه بقوله: {ما كان ~~لكم أن تنبتوا شجرها} شجر الحدائق، وهي البساتين؛ من الإحداق: وهو الإحاطة، ~~{أإله مع الله} أغيره يقرن به، ويجعل له شريكا، وهو المنفرد بالخلق ~~والتكوين، {بل هم قوم يعدلون(60)} عن الحق الذي هو التوحيد. # {أمن جعل الأرض قرارا} بدل من «أمن خلق السماوات» وجعلها قرارا: تسويتها ~~بحيث يتأتى استقرار الإنسان والدواب عليها، {وجعل خلالها أنهارا وجعل لها ~~رواسي} جبالا تتكون فيها المعادن، وتنبع من حضيضها المنافع، {وجعل بين ~~البحرين} العذب والمالح {حاجزا} برزخا، {أإله مع الله بل أكثرهم لا ~~يعلمون(61)} لأنهم لا يتعلمون فيعلمون؛ أو لا يقبلون العلم إن أتاهم. # { PageV03P220 أمن يجيب المضطر إذا دعاه} المضطر: الذي أحوجه شدة ما به ~~إلى اللجأ (¬1) إلى الله، من الاضطرار، وهو افتعال من الضرورة، {ويكشف ~~السوء} ويدفع عنه ما يسوؤه، {ويجعلكم خلفاء الأرض} خلفاء فيها، بأن ورثكم ~~سكناها، والتصرف فيها ممن قبلكم؛ {أإله مع الله} الذي خصكم بهذه النعم ~~العامة والخاصة، {قليلا ما تذكرون(62)} أي: تذكرون آلاءه تذكرا قليلا؛ ~~والمراد بالقلة: العدم، أو الحقارة المزيحة للفائدة. # {أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر} بالنجوم وعلامات الأرض؛ والظلمات: ~~ظلمات الليالي، أضافها إلى البر والبحر للملابسة؛ أو مشتبهات الطرق؛ يقال: ~~طريقة ظلماء وعمياء: للتي لا منار بها، {ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي ~~رحمته} يعني: المطر؛ ولو صح أن السبب الأكثري في تكون الريح معاودة الأدخنة ~~الصاعدة من الطبقة الباردة، لانكسار حرها وتمويجها الهوي؛ ولا شك أن ~~الأسباب الفاعلية والقابلية لذلك من خلق الله، والفاعل السبب للسبب فاعل ~~المسبب؛ {أإله مع الله} يقدر على مثل ذلك؟ {تعالى الله عما يشركون(63)} ~~تعالى القادر الخالق عن مشاركة العاجز المخلوق. # { # ¬__________ # (¬1) - ... المصدر الأكثر استعمالا هو اللجوء، ولكن قد تستعمل أوزان أخرى ~~للفعل “لجأ” كما ورد هنا، قال في اللسان: «لجأ إلى الشيء والمكان ms0673 يلجأ لجأ ~~ولجوءاوملجأ، ولجئ لجأ والتجأ، وألجأت أمري إلى الله: أسندت». ابن منظور: ~~لسان العرب، ج5/ ص343، مادة «لجأ». PageV03P221 # أمن يبدأ الخلق ثم يعيده} والكفرة وإن أنكروا الإعادة، فهم محجوجون ~~بالحجج الدالة عليها، {ومن يرزقكم من السماء والأرض} أي: بأسباب سماوية ~~وأرضية، [432] {أإله مع الله} يفعل ذلك؟ {قل: هاتوا برهانكم} على أن غيره ~~يقدر على شيء من ذلك {إن كنتم صادقين(64)} في إشراككم؛ فإن القدرة من لوازم ~~الألوهية. # {قل: لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله} لما بين اختصاصه ~~بالقدرة التامة الفائقة العامة، أتبعه بما هو كاللازم له، وهو التفرد بعلم ~~الغيب، {وما يشعرون أيان يبعثون(65)} متى ينشرون؛ مركبة من: “أي” و“آن”. # { PageV03P222 بل ادارك علمهم في الآخرة} لما نفى عنهم علم الغيب، وأكد ~~ذلك بنفي شعورهم بما هو مآلهم لا محالة، بالغ فيه بأن أضرب عنه؛ وبين أن ما ~~انتهى وتكامل فيه أسباب علمهم من الحجج والآيات، وهو أن القيامة كافية لا ~~محالة، لا يعلمونه كما يحق وينبغى؛ وقيل: أراد ما جهلوا في الدنيا، وسقط ~~علمه عنهم، علموه في الآخرة. وقال مجاهد (¬1) : «{بل هم في شك منها} كمن ~~تحير في أمر لا يجد عليه دليلا». {بل هم منها عمون(66)} لا يدركون دلائلها ~~لتعاميهم عنها. وقرئ: «بل أدارك» (¬2) بمعنى: تبابع حتى استحكم، أو تبابع ~~حتى انقطع. # {وقال الذين كفروا: أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون(67)}؟ بيان ~~لعمههم. {لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل} من قبل وعد محمد؛ وتقديم «هذا» ~~على «نحن» لأن المقصود بالذكر هو البعث، وحيث أخر فالمقصود (¬3) به ~~المبعوث، {إن هذا إلا أساطير الأولين(68)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... وضع الناسخ هنا إحالة إلى الحاشية ولم يكتب فيها شيئا، ولعل ~~في العبارة نقصا، لأن السياق اللاحق يبدو أنه مواصلة للتفسير وليس مقولة ~~مجاهد، والله أعلم، ولم أجد فيما بين يدي من مصادر التفسير مقولة مجاهد غير ~~قراءة نسبت إليه،قال الألوسي: «وقرأ مجاهد: “أم أدرك” جعل “أم” بدل {بل} ~~وأدرك على وزن أفعل». الألوسي: روح المعاني، ج20/ ص14. # (¬2) - ... «بل أدارك، بهمزة ms0674 داخلة على ادارك، فتسقط همزة الوصل المجتلبة ~~لأجل الإدغام والنطق بالساكن»، وهي قراءة ابن عباس في رواية. وانظر مختلف ~~القراءات في قوله تعالى: {بل ادارك}: المصدر نفسه. # (¬3) - ... في الأصل: «بالمقصود»، ولا معنى له. PageV03P223 # قل: سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين(69)} تهديد لهم على ~~التكذيب (¬1) ، وتخويف بأن ينزل بهم مثل ما نزل بالمكذبين قبلهم. {ولا تحزن ~~عليهم} على تكذيبهم وإعراضهم، {ولا تكن في ضيق} في حرج صدر {مما ~~يمكرون(70)} من مكرهم. # {ويقولون: متى هذا الوعد} العذاب الموعود، {إن كنتم صادقين(71) قل: عسى ~~أن يكون ردف لكم} تبعكم ولحقكم؛ وقيل: دنا وقرب لكم {بعض الذي ~~تستعجلون(72)} حلوله. # {وإن ربك لذو فضل على الناس} بتأخير عقوبتهم على المعاصي، {ولكن أكثرهم ~~لا يشكرون(73)} لا يعرفون حق النعمة فيه، بل (¬2) فلا يشكرون، بل يستعجلون ~~بجهلهم وقوعه. {وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون(74) وما من غائبة ~~في السماء والأرض إلا في كتاب مبين(75)} بين، أو مبين ما فيه لمن يطالعه؛ ~~والمراد: اللوح، أو القضاء على الاستعارة. # {إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون(76)} [433] ~~أمر الدين؛ قيل: إن أهل الكتاب اختلفوا فيما بينهم، فصاروا أحزابا يطعن ~~بعضهم على بعض؛ فنزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه. {وإنه لهدى ورحمة ~~للمؤمنين(77)} فإنهم المنتفعون به لا غير. {إن ربك يقضي بينهم} (لعله) بين ~~المختلفين في الدين يوم القيامة {بحكمه، وهو العزيز العليم(78)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «الكذيب»، وهو خطأ. # (¬2) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: - «بل». PageV03P224 # فتوكل على الله} ولا تبال بمعاداتهم، {إنك على الحق المبين(79)} وصاحب ~~الحق حقيق بالوثوق بحفظ الله ونصره. {إنك لا تسمع الموتى} تعليل آخر للأمر ~~بالتوكل، من حيث إنه يقطع طمعه عن متابعتهم ومشايعتهم ومعاضدتهم رأسا، ~~وإنما شبهوا بالموتى لعدم انتفاعهم باستماع ما يتلى عليهم، كما شبهوا بالصم ~~في قوله: {ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين(80)} فإن إسماعهم في هذه ~~الحالة أبعد، وإدبارهم هاهنا كناية لعدم قبولهم. {وما أنت بهادي العمي عن ~~ضلالتهم} حيث الاهتداء لا يحصل ms0675 إلا بالبصر، {إن تسمع} أي: ما يجدي إسماعك ~~{إلا من يؤمن بآياتنا} من هو في علم الله كذلك، {فهم مسلمون(81)} منقادون ~~مستسلمون لأمر الله. # {وإذا وقع القول عليهم} إذا دنا وقوع معناه، وهو ما وعدوا به من البعث أو ~~العذاب؛ (لعله) وقيل: وجوب العذاب عليهم؛ وقيل: إذا غضب الله عليهم، ~~{أخرجنا لهم دابة من الأرض} وهي التي لا يفوتها هارب، ولا يدركها طالب، ~~{تكلمهم} ببطلان الأديان، إلا دين الإسلام فيما قيل، {أن الناس كانوا ~~بآياتنا لا يوقنون(82)}. # {ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون(83)} يحبس أولهم ~~على آخرهم ليتلاحقوا؛ وهو عبارة عن كثرة عددهم، وتباعد أطرافهم. {حتى إذا ~~جاءوا قال: أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما}؟ أي: أكذبتم بها بادئ ~~الرأي، غير ناظرين فيها نظرا يحيط علمكم بكنهها، وأنها حقيقة بالتصديق، ~~{أماذا كنتم تعملون(84)}؟ حين لم تتفكروا فيها؛ ومعنى الآية أكذبتم بآياتي ~~غير عالمين بها؟. # { PageV03P225 ووقع القول عليهم} حل بهم العذاب الموعود، وهو كبهم في ~~النار بعد ذلك {بما ظلموا} بسبب ظلمهم؛ وهو التكذيب بآيات الله، {فهم لا ~~ينطقون(85)} باعتذار لشغلهم بالعذاب. # {ألم يروا} ليتحقق لهم التوحيد، ويرشدهم إلى تجويز الحشر، وبعثة الرسل؛ ~~لأن تعاقب النور والظلمة على وجه مخصوص، غير متعين بذاته، لا يكون إلا ~~بقدرة قاهرة، [434] وأن من قدر على إبدال الظلمة بالنور في مادة واحدة، قدر ~~على إبدال الموت بالحياة في مواد الأبدان، {أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا، إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون(86)}. # {ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ~~وكل أتوه داخرين(87)} صاغرين. # {وترى الجبال تحسبها جامدة} ثابتة في مكانها، {وهي تمر مر السحاب} في ~~السرعة؛ وذلك لأن الأجرام الكبار إذا تحركت في سمت واحد، لا يكاد يتبين ~~حركتها، {صنع الله الذي أتقن كل شيء} أحكم كل شيء، وسواه على ما ينبغي، ~~{إنه خبير بما تفعلون(88)} عالم بظواهر الأفعال وبواطنها، فيجازيهم عليها، ~~كما قال: # {من جاء بالحسنة} قيل: كل طاعة وقعت ms0676 من مطيع، {فله خير منها} يضاعف له ~~بالواحدة سبعمائة، {وهم من فزع يومئذ آمنون(89)} يعني: به خوف عذاب يوم ~~القيامة. {ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار} (لعله) كما كانت في ~~الدنيا، {هل تجزون إلا ما كنتم تعملون(90)}. # { PageV03P226 إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها} أمر الرسول ~~بأن يقول لهم ذلك بعد ما بين المبدأ والمعاد، وشرح أحوال القيامة، إشعارا ~~بأنه قد أتم الدعوة، وما عليه بعد إلا الاشتغال بشأنه والاستغراق في عبادة ~~ربه، {وله كل شيء} خلقا وملكا، {وأمرت أن أكون من المسلمين(91)} المنقادين. ~~{وأن أتلوا القرآن} وأن أواضب على تلاوته، لتنكشف لي حقائقه في تلاوته شيئا ~~فشيئا؛ أو أن أتلو القرآن على الثقلين، ويحقق ذلك قوله: {فمن اهتدى} ~~باتباعه إياي في ذلك، {فإنما يهتدي لنفسه} فإن منافعه عائدة إليه، {ومن ضل} ~~بمخالفتي، {فقل: إنما أنا من المنذرين(92)} به، فليس علي وبال ضلاله، إذ ما ~~على الرسول إلا البلاغ؛ وفيه إيذان أن من قرئ عليه القرآن فقد قامت عليه ~~حجة الله، قبلها أم ردها. # {وقل: الحمد لله} على ما علمني ووفقني للعمل به، {سيريكم آياته} القاهرة ~~في الدنيا أو في الآخرة؛ أو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، وكل ما لم ~~يؤمنوا به؛ نظيره {سأريكم آياتي} (¬1) {فتعرفونها} حيث لا ينفعكم، {وما ربك ~~بغافل عما تعملون(93).} فلا تحسبوا أن تأخير عذابكم لغفلته عما تعملون. # سورة القصص # بسم الله الرحمن الرحيم # {طسم(1) تلك آيات الكتاب المبين(2)} آيات السورة [435] {نتلو عليك من نبإ ~~موسى وفرعون} بعض نبئهما {بالحق لقوم يؤمنون(3)} لأنهم المنتفعون به. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأنبياء: 37. PageV03P227 # إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا} فرقا {يستضعف طائفة منهم، يذبح ~~أبناءهم ويستحيي نساءهم، إنه كان من المفسدين(4) ونريد أن نمن على الذين ~~استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة} مقدمين في أمر الدين، {ونجعلهم ~~الوارثين(5)} للأئمة المتقدمين، {ونمكن لهم في الأرض، ونري فرعون وهامان ~~وجنودهما منهم} من بني إسرائيل {ما كانوا يحذرون(6)} من ذهاب ملكهم، ~~وذهابهم على يد مولود منهم فيما قيل. # {وأوحينا إلى أم ms0677 موسى} بإلهام، أو رؤيا، {أن أرضعيه} ما أمكنك إخفاؤه، ~~{فإذا خفت عليه} قامت عليك دلائل الخوف، {فألقيه في اليم ولا تخافي} عليه ~~ضياعا ولا شدة، {ولا تحزني} لفراقه، {إنا رادوه إليك} عن قريب، بحيث تأمنين ~~عليه، {وجاعلوه من المرسلين(7)}. # {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} تعليل لالتقاطهم إياه بما هو ~~عاقبته، {إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين(8)}. # {وقالت امرأة فرعون: قرت عين} قرة العين: ترى ما يسرها، وذلك لأنه أتى به ~~الماء من أرض أخرى، وليس من بني إسرائيل؛ {لي ولك، لا تقتلوه عسى أن ~~ينفعنا، أو نتخذه ولدا، وهم لا يشعرون(9)} أي: وهم لا يشعرون أنهم على ~~الخطإ في التقاطه، أو في تربيته لما يتوسمون منه (من كل شيء، إلا من ذكر ~~موسى) (¬1) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... ما بين قوسين يبدو أنه لا محل له هنا، وهو تكرار لما سيأتي ~~بعد سطر. PageV03P228 # وأصبح فؤاد أم موسى فارغا} (لعله) من كل شيء، إلا من ذكر موسى، لما دهمها ~~من الخوف والحيرة حين سمعت بوقوعه في يد فرعون؛ كقوله: {وأفئدتهم هواء} ~~(¬1) أي: خالية لا عقول فيها، {إن كادت لتبدي به} إنها كادت لتظهر بموسى، ~~أي: بأمره وقصته، من فرط الضجر؛ {لولا أن ربطنا على قلبها} بالصبر والثبات، ~~{لتكون من المؤمنين(10)} لتكون من المصدقين بوعد الله، إذ أوحي إليها من ~~قبل في شأن موسى، وبأنه من المرسلين. # {وقالت لأخته: قصيه} اتبعي أثره، وتتبعي خبره؛ {فبصرت به عن جنب} عن بعد ~~{وهم لا يشعرون(11)} أنها تقص، أو أنها أخته. # {وحرمنا عليه المراضع} ومعناه: أن يرضع من المرضعات {من قبل} من قبل قصها ~~أثره؛ {فقالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم} لأجلكم {وهم له ~~ناصحون(12)} لا يقصرون [436] في رضاعه وتربيته. # {فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن، ولتعلم أن وعد الله حق} علم ~~مشاهدة، {ولكن أكثرهم لا يعلمون(13)} أن وعد الله حق فيرتابون فيه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة إبراهيم: 43. PageV03P229 # ولما بلغ أشده} مبلغه الذي لا يزيد عليه نشؤه، {واستوى} صار رجلا. [قال] ~~ابن عباس: «الأشد ما ms0678 بين ثلاث عشرة سنة إلى ثلاثين؛ ثم هو ما بين الثلاثين ~~إلى الأربعين شدته سواء؛ فإذا طفر (¬1) في الأربعين أخذ في النقصان». وقيل: ~~استوى قده، أو عقله، أو أنهت قوته، واستوى عقله، وحده: بأن يكون عاقلا ~~للتعبد، لأنه قيل: «الصلاة على من عقل»، فيكون بحد من يعقلها إذا تعلمها؛ ~~أي: الفقه والعلم والعقل في الدين، وهذا الحال يؤتى كل متعبد إلا من ~~بيده... (¬2) {آتيناه حكما وعلما} بالدين، {وكذلك} ومثل ذلك الذي فعلنا ~~بموسى وأمه {نجزي المحسنين(14)} على إحسانهم؛ والمعنى: أنه «من عمل بما علم ~~ورثه الله علم ما لم يعلم» (¬3) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... «طفر يطفر طفرا وطفورا: وثب في ارتفاع، وطفر الحائط: وثبه إلى ~~ما وراءه». ابن منظور: لسان العرب، ج4/ ص597، مادة «طفر»، وهنا شبه ~~الانتقال من العقد الرابع إلى الخامس بالوثبة. # (¬2) - ... وضع الناسخ هنا إحالة إلى الحاشية ولم يكتب فيها شيئا، وفي ~~العبارة نقص واضح. # (¬3) - ... لم ينص هنا على أنه حديث، وفي تفسير آخر آية من سورة العنكبوت ~~أورده على أنه حديث. ولكن لم نعثر عليه عند الربيع ولا في الكتب التسعة، ~~ولا في الجامع الصغير وزياداته. ونجد رواية في الموضوع عن أبي الشيخ عن ابن ~~عباس جاء فيها: «العلم حياة الإسلام، وعماد الإيمان، ومن علم علما أتم الله ~~أجره، ومن تعلم فعمل علمه الله ما لم يعلم». السيوطي: الجامع الصغير، رقم ~~8308. برنامج سلسلة كنوز السنة. PageV03P230 # ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها} قيل: كان لموسى نفر من بني إسرائيل ~~يستمعون له ويقتدون (لعله) به؛ فلما عرف ما هو عليه من الحق، رأى فراق ~~فرعون وقومه، فخالفهم في دينه، حتى (لعله) ذكر ذلك منه وخافوه وخافهم، ~~(لعله) وكان لا يدخل فريدا إلا خائفا (لعله) مستخفيا؛ فدخلها يوما على حين ~~غفلة من أهلها {فوجد فيها رجلين يقتتلان، هذا من شيعته وهذا من عدوه، ~~فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه، فوكزه موسى فقضى عليه} فقتله، ~~وأصله أنهى حياته، من قوله: {وقضينا إليه ذلك الأمر} (¬1) . {قال: هذا من ~~عمل الشيطان} لأنه ms0679 لم يؤمر بقتله، وكل شيء لم يأمر الله به بل نهى عنه ~~وعمله العامل فلا شك أنه من عمل الشيطان، {إنه عدو مضل مبين(15)} ظاهر ~~العداوة، ومن شأنه يصد الناس عن الحق إلى الضلالة. # {قال: رب إني ظلمت نفسي} بقتله، {فاغفر لي؛ فغفر له إنه هو الغفور ~~الرحيم(16) قال: رب بما أنعمت علي، فلن أكون ظهيرا للمجرمين (¬2) (17)} ~~بالمغفرة؛ وقيل معناه: بما أنعمت علي من القوة أعين أولياءك، فلن أستعملها ~~في مظاهرة أعدائك. # {فأصبح في المدينة خائفا يترقب} الاستقادة، {فإذا الذي استنصره بالأمس ~~يستصرخه} يستغيثه مشتق من الصراخ؛ [437] {قال له موسى: إنك لغوي مبين(18)} ~~بين الغواية، لأنك تسببت لقتل رجل وتقاتل آخر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الحجر: 66. # (¬2) - ... في الأصل: «للمؤمنين»، وهو خطأ فاحش. PageV03P231 # فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما} لموسى والإسرائيلي، لأنه لم يكن ~~على دينهما؛ أو لأن القبط كانوا أعداء بني إسرائيل، {قال: ياموسى أتريد أن ~~تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس}؟ قيل: قال له الإسرائيلي لما سماه غويا ظن ~~أنه يبطش عليه؛ أو القبطي، وكأنه توهم من قوله أنه الذي قتله القبطي بالأمس ~~لهذا الإسرائيلي (¬1) ؛ {إن تريد} ما تريد {إلا أن تكون جبارا في الأرض} ~~تطاول على الناس، ولا تنظر إلى العواقب، {وما تريد أن تكون من ~~المصلحين(19)} أمورك، أو بين الناس، بدفع التخاصم بالتي هي أحسن؛ قيل: لما ~~قال، انتشر الحديث وارتقى إلى فرعون وملئه، وهموا بقتله؛ فخرج مؤمن من آل ~~فرعون ليخبره بما علم فقال: # {وجاء رجل من أقصى المدينة} من آخرها {يسعى} يسرع، {قال: يا موسى إن ~~الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فاخرج إني لك من الناصحين(20) فخرج منها خائفا ~~يترقب} الطلب، {قال: رب نجني من القوم الظالمين(21)} خلصني منهم، واحفظني ~~من لحوقهم، أو من عملهم. # {ولما توجه تلقاء مدين} قبالة مدين، قرية شعيب، ولم تكن في سلطان فرعون؛ ~~{قال: عسى ربي أن يهديني سواء السبيل(22)} توكلا على الله، وحسن ظن به، ~~وكان لا يعرف الطرق. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لعل معنى العبارة: وكأنه توهم القبطي بقول موسى للإسرائيلي: ~~«إنك ms0680 لغوي مبين» أن ذلك الإسرائيلي هو الذي قتل القبطي بالأمس. والله أعلم. PageV03P232 # ولما ورد ماء مدين} وصل إليه، وهو بئر كانوا يسقون منها، {وجد عليه أمة ~~من الناس} جماعة {يسقون} قيل: مواشيهم، {ووجد من دونهم امرأتين تذودان} ~~قيل: تمنعان أغنامهما من الماء لئلا تختلط بأغنامهم، {قال: ما خطبكما}؟ ما ~~شأنكما تذودان؟ {قالتا: لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير(23)} كبير السن. # {فسقى لهما} مواشيهما {ثم تولى إلى الظل، فقال: رب إني لما أنزلت} أي شيء ~~أنزلت {إلي من خير} يدعو على معنى دعاء المضطر، {فقير(24)} محتاج، يبلغ به ~~إلى درجات الخير الحقيقي. # {فجاءته إحداهما تمشي على استحياء، قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك} ليكافئك ~~{أجر ما سقيت لنا} جزاء سقيك لنا؛ {فلما جاءه وقص عليه القصص، قال: لا تخف ~~نجوت من القوم الظالمين(25) قالت إحداهما: يا أبت استأجره} لرعي الغنم {إن ~~خير من استأجرت القوي الأمين(26)} أي: خير من استعملت، من قوي على العمل، ~~وأدى [438] الأمانة. وروي أن شعيبا قال لها: وما علمك بقوته وأمانته؟ فذكرت ~~إقلال الحجر، وأنه صوب رأسه حتى بلغته رسالته، وأمرها بالمشي خلفه. # {قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني} تؤجر نفسك مني ~~{ثماني حجج، فإن أتممت عشرا فمن عندك، وما أريد أن أشق عليك} قيل: بإلزام ~~إتمام العشر، أو المناقشة في مراعاة الأوقات، واستيفاء الأعمال، {ستجدني إن ~~شاء الله من الصالحين(27)} في حسن المعاملة، ولين الجانب، والوفاء بالعهد. # {قال: ذلك بيني وبينك} أي: ذلك الذي عاهدتني فيه قائم بيننا، لا نخرج ~~عنه، {أيما الأجلين قضيت} وفيت {فلا عدوان علي} تتعدى علي بطلب الزيادة، ~~{والله على ما نقول} من المعاقدة {وكيل(28)} شاهد حفيظ. # { PageV03P233 فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله، آنس من جانب الطور نارا} ~~أبصر من الجهة التي تلي الطور؛ {قال لأهله: امكثوا إني آنست نارا لعلي ~~آتيكم منها بخبر، أو جذوة من النار لعلكم تصطلون(29)}. # {فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن} عن يمين موسى، {في البقعة ~~المباركة} نبارك الخير (لعله) ms0681 بها لموسى بنزول الوحي إليه فيها، وصار من ~~النبيئين المرسلين، {من الشجرة: أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين(30) ~~وأن ألق عصاك، فلما رآها تهتز كأنها جان} في الهيئة أو في السرعة، {ولى ~~مدبرا ولم يعقب} ولم يرجع {يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين(31) اسلك ~~يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء، واضمم إليك جناحك} قيل: يدك {من الرهب ~~فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين(32)}. # {قال: رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلوني(33) وأخي هارون هو أفصح ~~مني لسانا} أحسن مني بيانا، {فأرسله معي ردءا} معينا {يصدقني، إني أخاف أن ~~يكذبون(34)} ولساني لا يطاوعني عند المجادلة؛ وقيل: المراد تصديق القوم ~~لتقريره وتوضيحه، ولكنه أسند إليه إسناد الفعل إلى السبب. # {قال: سنشد عضدك بأخيك} سنقويك، وإن قوة الشخص بشدة اليد على مزاولة ~~الأمور، {ونجعل لكما سلطانا} غلبة وحجة، {فلا يصلون إليكما} باستيلاء أو ~~حجاج {بآياتنا، أنتما ومن اتبعكما الغالبون(35)}. # { PageV03P234 فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات، قالوا: ما هذا إلا سحر ~~مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين(36) وقال موسى: ربي أعلم بمن جاء ~~بالهدى من عنده} يعلم أني محق، وأنتم مبطلون، {ومن تكون له عاقبة الدار} ~~العاقبة المحمودة، فإن [439] المراد بالدار الدنيا وعاقبتها الأصلية، وهي ~~الجنة، لأنها خلقت مجازا إلى الآخرة؛ والمقصود منها بالذات هو الثواب ~~للموحدين، والعقاب للمشركين العابدين غير الله، {إنه لا يفلح الظالمون(37)} ~~لا يفوزون بالهدى في الدنيا، وحسن العاقبة في العقبى. # {وقال فرعون: يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري، فأوقد لي ياهامان ~~على الطين، فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من ~~الكاذبين(38) واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق} بغير استحقاق، {وظنوا ~~أنهم إلينا لا يرجعون(39)} بالنشور. # {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم، فانظر} يا محمد {كيف كان عاقبة ~~الظالمين(40) وجعلناهم أئمة} قدوة للضلال بالحمل على الإضلال. {يدعون إلى ~~النار} إلى موجباتها من الكفر والمعاصي، {ويوم القيامة لا ينصرون(41)} بدفع ~~العذاب. {وأتبعناهم ms0682 في هذه الدنيا لعنة} طردا عن الرحمة، {ويوم القيامة هم ~~من المقبوحين(42)} من المطرودين، أو ممن قبح وجوههم. # {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس} ~~أنوارا لقلوبهم يستبصرون بها الحقائق، ويميزون بينها وبين الظواهر، {وهدى} ~~للشرائع التي هي سبيل الجنة، {ورحمة} لأنهم لو عملوا بها نالوا رحمة الله ~~{لعلهم يتذكرون(43)} ليكونوا على حال يرجى منهم التذكر. # { PageV03P235 وما كنت بجانب الغربي} قيل: الوادي، أو الطور؛ والخطاب ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أي: ما كنت حاضرا {إذ قضينا إلى موسى ~~الأمر} إذ أوحينا إليه الأمر، {وما كنت من الشاهدين(44)} والمراد: الدلالة ~~على أن إخباره عن ذلك من قبيل الإخبار عن المغيبات التي لا تعرف إلا ~~بالوحي؛ ولذلك استدرك عنه بقوله: # {ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر} أي: ولكنا أوحينا إليك لأنا ~~أنشأنا قرونا مختلفة بعد موسى، فتطاول عليهم المدد، فحرفت الأخبار، وتغيرت ~~الشرائع، واندرست العلوم، {وما كنت ثاويا} مقيما {في أهل مدين تتلو عليهم} ~~تقرأ عليهم تعلما منهم {آياتنا} التي فيها قصتهم، {ولكنا كنا مرسلين(45)} ~~إياك، ومخبرين لك بها. # {وما كنت} في القصة {بجانب الطور إذ نادينا (¬1) ولكن رحمة من ربك} ولكن ~~علمناك رحمة {لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك} لوقوعهم في فترة بينك ~~وبين عيسى وبين إسماعيل، على أن دعوة موسى وعيسى مختصة ببني إسرائيل، وما ~~حواليهم {لعلهم يتذكرون(46)} يتعظون. # {ولولا أن تصيبهم مصيبة} (لعله) عقوبة ونقمة، {بما قدمت أيديهم} من الكفر ~~والمعاصي، {فيقولوا: ربنا لولا} هلا {أرسلت إلينا رسولا} لعل المعنى: لولا ~~قولهم إذا ما أصابتهم عقوبة ومصيبة بسبب كفرهم ومعاصيهم: «ربنا لولا أرسلت» ~~[440] هلا أرسلت إلينا رسولا يبلغنا آياتك فنتبعها، ونكون من المصدقين، ~~{فنتبع آياتك} يعني: الرسول المصدق بنوع من المعجزات، {ونكون من ~~المؤمنين(47)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «بجانب الطور إذ نادينا»، وهو سهو. PageV03P236 # فلما جاءهم الحق من عندنا، قالوا: لولا أوتي مثل ما أوتي موسى، أولم ~~يكفروا بما أوتي موسى من قبل} يعني: أبناء جنسهم في الرأي والمذهب، وهم ~~كفرة زمان ms0683 موسى، {قالوا: سحران} يعني: موسى وهارون؛ أو موسى ومحمد {تظاهرا} ~~تعاونا بإظهار تلك الخوارق؛ أو بتوافق الكتابين، {وقالوا: إنا بكل ~~كافرون(48)} أي: بكل منهما. # {قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما} مما نزل على موسى وعلى محمد، ~~وإظهارهما لدلالة المعنى، {أتبعه إن كنتم صادقين(49)} أنا ساحران مختلفان، ~~لأنه واجب على كل مؤمن اتباع ما هو أهدى سبيلا. # {فإن لم يستجيبوا لك، فاعلم أنما يتبعون أهواءهم} إذ المقصود منهم أن ~~يعبدوها، {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} في موضع الحال للتقييد، ~~فإن هوى النفس قد يوافق الحق في حال، {إن الله لا يهدي القوم الظالمين(50)} ~~الذين ظلموا أنفسهم بالانهماك في اتباع الهوى. # {ولقد وصلنا لهم القول} أتبعنا بعضه بعضا في الإنزال، ليتصل التذكير؛ ~~وقيل: وصلنا لهم خبر الدنيا بخبر الآخرة، حتى كأنهم عاينوا الآخرة في ~~الدنيا؛ أو في النظم، لتتقرر الدعوة بالحجة، والمواعظ بالمواعيد، والنصائح ~~بالعبر؛ {لعلهم يتذكرون(51)} فيؤمنون ويطيعون. # {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون(52)} قيل: نزلت في مؤمني أهل ~~الكتاب. {وإذا يتلى عليهم، قالوا: آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من ~~قبله مسلمين(53)} دلالة على أن إيمانهم به ليس مما أحدثوه حينئذ، وإنما هو ~~أمر تقادم عهده، لما رأو ذكره في الكتب المتقدمة، وكونهم على دين الإسلام ~~قبل نزول القرآن، أو تلاوته عليهم، باعتقادهم صحته في الجملة. # { PageV03P237 أولئك يؤتون أجرهم مرتين} مرة على إيمانهم بكتابهم، ومرة ~~على إيمانهم بالقرآن، {بما صبروا} بصبرهم وثباتهم على الإيمانين، {ويدرءون ~~بالحسنة السيئة} ويدفعون بالطاعة المعصية؛ أو يدفعون بالتي هي أحسن من أساء ~~إليهم، {ومما رزقناهم ينفقون(54)} في سبيل الخير. {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا ~~عنه} تكرما، {وقالوا} للاغين: {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، سلام عليكم} ~~متاركة لهم وتوديعا، معناه: أسلمتم منا لا نعارضكم بالشتم، {لا نبتغي ~~الجاهلين(55)} لا نريد صحبتهم على دينهم، أو لا نريد أذاهم ومقاومتهم ~~بالباطل. # {إنك لا تهدي من أحببت} أي: من أحببت هدايته؛ وقيل: أحببته لقرابته، فإنك ~~لا تقدر أن تهديه، {ولكن ms0684 الله يهدي من يشاء [441] وهو أعلم بالمهتدين(56)} ~~بالمستعدين لذلك، وهم من قدر لهم (لعله) الهدى. # { PageV03P238 وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} نخرج منها، ~~تعللا منهم لاغترارهم بالباطل، بما خيل لهم الشيطان أنه لا يقوم لهم عزهم ~~دونه، وهو كقوله: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم...} (¬1) [إلى] ~~تمام الآية، وكقوله: {يقولون: إن بيوتنا عورة وما هي بعورة...} (¬2) الآية. ~~{أولم نمكن لهم حرما آمنا} أولم نجعل مكانهم حرما ذا أمن، {يجبى إليه} يحمل ~~إليه {ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون(57)} جهلة لا ~~يتفطنون ولا يتفكرون ليعلموا؛ وقيل: إنه متعلق بقوله: {من لدنا} أي: قليل ~~منهم ليتدبروا فيعلمون أن ذلك رزق من الله، إذ لو علموا لما خافوا غيره؛ ثم ~~بين أن الأمر بالعكس، بأنهم أحقاء بأن يخافوا من بأس الله، على ما هم عليه بقوله: # {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها} أي: وكم من أهل قرية كانت حالهم ~~كحالهم في الأمن وخفض العيش، حتى أشروا فدمر الله عليهم، فخرب ديارهم، ~~{فتلك مساكنهم} خاوية، {لم تسكن من بعدهم إلا قليلا، وكنا نحن ~~الوارثين(58)} منهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة المائدة: 52؛ وتمامها: {يقولون: نخشى أن تصيبنا دائرة، ~~فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده، فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم ~~نادمين}. # (¬2) - ... سورة الأحزاب: 13؛ وتمامها: {ويستأذن فريق منهم النبي يقولون: ~~إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا}. PageV03P239 # وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها} في أصلها التي عليها مدار ~~أمرهم، لأن أهلها أفطن وأنبل؛ ولأن القرى تابعة لأمها في الأعمال على ~~الأغلب من الأمور، فيستحقون ما يستحقون، {رسولا يتلو عليهم آياتنا} لإلزام ~~(¬1) الحجة، وقطع المعذرة؛ {وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون(59)} ~~بتكذيب الرسل، والعتو في الكفر. # {وما أوتيتم من شيء} من أسباب الدنيا، {فمتاع الحياة الدنيا وزينتها} ~~تتمتعون وتتزينون به مدة حياتكم المنقضية، {وما عند الله} وهو ثوابه {خير} ~~خير في نفسه من ذلك، لأنه لذة خالصة، وبهجة كاملة، {وأبقى} لأنه أبدي، ~~{أفلا ms0685 تعقلون(60)} فتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟. # {أفمن وعدناه وعدا حسنا} وعدا بالجنة، فإن حسن الموعد بحسن الموعود، {فهو ~~لاقيه} مدرك لا محالة، لامتناع الخلف في وعده، {كمن متعناه متاع الحياة ~~الدنيا} الذي هو مشوب بالآلام، مكدر بالمتاعب، مستعقب للتحسر على الانقطاع، ~~{ثم هو يوم القيامة من المحضرين(61)} للعذاب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «لا رام»، وهو خطأ. PageV03P240 # ويوم يناديهم فيقول: أين شركائي} أي: ما عبدتم في الدنيا من دوني {الذين ~~كنتم تزعمون(62)}؟ تدعون، {قال الذين حق عليهم القول} بثبوت مقتضاه، وحصول ~~مؤداه، وهو قوله: {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} (¬1) . {ربنا هؤلاء ~~الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا} دلالة على أنهم غووا [442] باختيارهم، ~~وأنهم لم يفعلوا بهم إلا وسوسة وتسويلا، {تبرأنا إليك} منهم، ومما اختاروه ~~من الكفر، {ما كانوا إيانا يعبدون(63)} أي: ما كانوا يعبدوننا، وإنما كانوا ~~يعبدون أهواءهم؛ وقيل: “ما” مصدرية؛ أي: تبرأنا من عبادتهم. # {وقيل: ادعوا شركاءكم فدعوهم} من فرط الحيرة، {فلم يستجيبوا لهم} لعجزهم ~~عن الإجابة والنصرة، {ورأوا العذاب} لازما بهم، {لو أنهم كانوا يهتدون(64)} ~~لوجه من الحيل يدفعون به العذاب، وإلى الحق لما رأو العذاب؛ وقيل: “لو” ~~للتمني، أي: تمنوا أنهم كانوا مهتدين. # {ويوم يناديهم، فيقول: ماذا أجبتم المرسلين(65)} عطف على الأول، فإنه ~~تعالى يسأل أولا عن إشراكهم به، ثم عن تكذيبهم الأنبياء. {فعميت عليهم ~~الأنباء يومئذ} فصارت الأنباء كالعمى عليهم، {فهم لا يتساءلون(66)} لا يسأل ~~بعضهم بعضا. {فأما من تاب} من معاصيه {وآمن وعمل صالحا} جمع بين الإيمان ~~والعمل الصالح، {فعسى أن يكون من المفلحين(67)} عند الله؛ و“عسى” من الله واجب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة هود: 119؛ وسورة السجدة: 13. PageV03P241 # وربك يخلق ما يشاء ويختار} لا موجب عليه، ولا مانع له، {ما كان لهم ~~الخيرة} أي: التخير؛ وظاهره نفي الاختيار عنهم رأسا؛ والأمر كذلك عند أهل ~~التحقيق؛ فإن اختيار العباد مخلوق باختيار الله، منوط بدواع لا اختيار لهم ~~فيها؛ وقيل: المعنى ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة؛ أي: الخير والصلاح لمن ~~اختاره منهم، {سبحان الله} تنزيها له أن ينازعه أحد، ms0686 ويزاحم اختياره ~~اختيار، {وتعالى عما يشركون(68)} عن إشراكهم، أو مشاركة ما يشركون به. # {وربك يعلم ما تكن صدورهم} من العقائد الفاسدة، ليس بغافل عنها، بل مجاز ~~عليها أشد الجزاء، {وما يعلنون(69)} يظهرون. {وهو الله} المستحق للعبادة، ~~{لا إله إلا هو} لا أحد يستحقها إلا هو، {له الحمد في الأولى والآخرة} لأنه ~~المولي للنعم كلها، عاجلها وآجلها؛ يحمده المؤمنون في الآخرة، كما حمدوه في ~~الدنيا بقولهم: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} (¬1) {الحمد لله الذي ~~صدقنا وعده} (¬2) ابتهاجا بفضله، والتذاذا بحمده، {وله الحكم} القضاء ~~النافذ في كل شيء، {وإليه ترجعون(70)} بالنشور. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة فاطر: 34. # (¬2) - ... سورة الزمر: 74. PageV03P242 # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا} دائما؛ من السرمد، {إلى يوم ~~القيامة} بإسكان الشمس تحت الأرض؛ أو حيث علم الله، {من إله غير الله ~~يأتيكم بضياء، أفلا تسمعون(71)}؟! سماع تدبر واستبصار. {قل أرأيتم إن جعل ~~الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله [443] غير الله يأتيكم ~~بليل تسكنون فيه}؟ استراحة عن متاعب الأشغال، وذلك مما يذكرنا الله من ~~نعمه، {أفلا تبصرون(72)} استبصار انتفاع. {ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار ~~لتسكنوا فيه، ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون(73)} ولكي تعرفوا نعمة الله ~~في ذلك فتشكروه عليها. # {ويوم يناديهم فيقول: أين شركائي الذين كنتم تزعمون(74)}؟ تقريع بعد ~~تقريع، إشعار بأنه لا شيء أجلب لغضب الله من الإشراك به؛ أو الأول لتقرير ~~فساد رأيهم؛ والثاني لبيان أنه لم يكن عن سند، وإنما كان محض تشه وهوى. # {ونزعنا} وأخرجنا {من كل أمة شهيدا} وهو كل من نبئ، أو عالم يشهد عليهم ~~بما كانوا عليه في الدنيا؛ {فقلنا} للأمم الضالة: {هاتوا برهانكم} على صحة ~~ما كنتم تدينون به، أو على بطلان شهادة الشاهد عليكم؛ {فعلموا} حينئذ {أن ~~الحق لله} في الألوهية، لا يشاركه فيها أحد، {وضل عنهم} وغاب عنهم غيبة ~~الضائع، {ما كانوا يفترون(75)} من الباطل. # { PageV03P243 إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم، وآتيناه من الكنوز ~~ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة} قيل: ناء به الحمل: ms0687 إذا أثقله (¬1) ~~حتى أماله؛ والعصبة: الجماعة الكبيرة؛ {إذ قال له قومه لا تفرح} لا تبطر؛ ~~والفرح بالدنيا مذموم مطلقا، لأنه نتيجة حبها والرضا بها، والذهول عن ~~ذهابها، فإن للعلم بأن ما فيها من اللذة مفارقه لا محالة، توجب الترح كما قال: # أشد الغم عندي ... في سرور ... تيقن عنه ... صاحبه انتقالا # ولذلك قال تعالى: {ولا تفرحوا بما أتاكم} (¬2) وعلل النهي هاهنا بكونه ~~مانعا من محبة الله تعالى، {إن الله لا يحب الفرحين(76)} (لعله) الملتهين ~~بزخرف الدنيا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «ثقله». انظر: ابن منظور: لسان العرب، ج6/ ص735، ~~مادة «نوأ». # (¬2) - ... سورة الحديد: 23. PageV03P244 # وابتغ فيما آتاك الله} من الأموال والأولاد والأزواج، وقوة الأجسام ~~وصحتها، والعلم وغير ذلك، {الدار الآخرة} بصرفه فيما يوجبها لك؛ فإن ~~المقصود منه أن يكون وصلة إليها، {ولا تنس} ولا تترك ترك المنسي {نصيبك من ~~الدنيا} مما خولك الله منها، وهو أن تحصل بها آخرتك؛ لأن حقيقة نصيب ~~الإنسان من الدنيا (لعله) لعمل الآخرة؛ وقيل: لا تنس صحتك وقوتك (لعله) ~~وشبابك وغناك أن تطلب بها الآخرة، {وأحسن} ما يجب عليك أن تحسنه ما بينك ~~وبين الحق والخلق، {كما أحسن الله إليك} أنعم عليك؛ وقيل: أحسن بالشكر ~~والطاعة كما أحسن إليك بالإنعام، {ولا تبغ الفساد في الأرض} وهو العبادة ~~لغير الله، واستعمال ما خولك إياه لغيره؛ وهذه معنى تعزية أهل العلم ~~للجاهلين إذا أوتو شيئا من الدنيا، [444] {إن الله لا يحب المفسدين(77)} بل ~~يبغضهم ويعاديهم. # {قال: إنما أوتيته على علم عندي} وذلك من نتائج العجب، وهو طبع النفوس، ~~ولا يزول عنها إلا بالدفع والتزكية لها منه؛ وهو من شباك الشيطان يصيد به ~~الجهلة، {أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة ~~وأكثر جمعا} تعجب وتوبيخ على اغتراره بقوته، وكثرة ماله مع علمه بذلك، ~~ولعله قرأه في التوراة، أو سمعه من حفاظها، {ولا يسأل عن ذنوبهم ~~المجرمون(78)} (لعله) سؤال استعلام؛ فإنه تعالى مطلع عليها؛ أو معاتبة، ~~فإنهم يعذبون بها بغتة؛ كأنه لما هدد قارون بذكر ms0688 إهلاك من قبله ممن كانوا ~~أقوى منه وأغنى، أكد ذلك بأن بين أنه لم يكن ما يخصهم، بل الله مطلع على ~~ذنوب المجرمين كلهم، ومعاقبهم عليها لا محالة. # { PageV03P245 فخرج على قومه في زينته} كما قيل إنه خرج على بغلة شهباء، ~~عليه الأرجوان، وعليها سرج من ذهب، ومعه أربعة آلاف على زيه، أو أقل منه، ~~ليتم له التفضل عليهم، {قال الذين يريدون الحياة الدنيا} على ما هو عادة ~~الناس من الرغبة: {يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم(79)} من ~~الدنيا. # {وقال الذين أوتوا العلم} بأحوال مآل الدنيا، وإقبال عاقبتها؛ قيل: أوتوا ~~العلم بما وعد الله في الآخرة، {ويلكم} دعاء بالهلاك، استعمل للزجر عما لا ~~يرتضى، {ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا} مما أوتي قارون، بل من الدنيا ~~وما فيها، {ولا يلقاها} قيل: الضمير فيه للكلمة التي تكلم بها العلماء؛ أو ~~للثواب، فإنه بمعنى المثوبة؛ أو للجنة؛ أو للإيمان والعمل الصالح، فإنهما ~~في معنى السيرة والطريقة، {إلا الصابرون(80)} على الطاعات، وعن المعاصي. # {فخسفنا به وبداره الأرض} قيل: انطبقت عليهم الأرض هو وأصحابه وداره ~~وأمواله، وأنه يخسف به كل يوم قامة، وأنه يتجلجل فيها ولا يبلغ قعرها إلى ~~يوم القيامة، {فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من ~~المنتصرين(81)}. # {وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس} لما أن صار عبرة لهم لا لنفسه، بعدما ~~انكشف الغطاء عن المتعامين للتبصر بالبصائر (لعله) فيما كان منكشفا قبل ~~وقوعه لأهل البصائر، {يقولون: ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ~~ويقدر} يبسط ويقدر بمقتضى مشيئته، لا كرامة تقتضي البسط، ولا لهوان يقتضى ~~القبض؛ {لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون(82)} ~~لنعمة الله، أو المكذبون برسله، وبما وعدوا من ثواب الآخرة. # { PageV03P246 تلك الدار الآخرة} إشارة تعظيم، كأنه قال: تلك التي سمعت ~~خبرها، وبلغك وصفها، (لعله) لأنها ليست في الحقيقة [445] بدار غيرها، ~~{نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض} غلبة وقهرا ورئاسة بغير الحق، {ولا ~~فسادا} ظلما ms0689 على الناس، كما أراده فرعون وقارون، {والعاقبة} المحمودة ~~{للمتقين(83)} مما لا يرضاه الله (¬1) . # {من جاء بالحسنة فله خير منها} ذاتا وقدرا، أو وصفا ودواما، {ومن جاء ~~بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون(84)} إلا مثل عملهم. # {إن الذي فرض عليك القرآن} أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه ~~{لرادك إلى معاد} وهو المقام المحمود، وعدك أن يبعثك فيه. {قل: ربي أعلم من ~~جاء بالهدى} وما يستحقه من الجزاء، {ومن هو في ضلال مبين(85)} وما يستحقه ~~من العذاب والإذلال. # {وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب} وما كنت ترجوه {إلا رحمة من ربك} ~~ولكن ألقاه رحما (¬2) منه؛ ويجوز أن يكون استثناء محمولا على المعنى، كأنه ~~قال: وما ألقي إليك إلا رحمة، أي: لأجل الترحم، {فلا تكونن ظهيرا ~~للكافرين(86)} مظاهرا لهم علينا بمداراتهم، والتحمل عنهم، والإجابة إلى طلبهم. # {ولا يصدنك عن آيات الله} عن قراءتها والعمل بها وتبليغها، {بعد إذ أنزلت ~~إليك، وادع إلى ربك} إلى عبادته وتوحيده، {ولا تكونن من المشركين(87)} به سواه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... «للمتقين: أي الذين يتقون ما لا يرضاه الله تعالى من الأفعال ~~والأقوال». أبو السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص27. # (¬2) - ... لعل الصواب: «رحمة»، ر: المصدر السابق: ص28. PageV03P247 # ولا تدع مع الله إلها آخر} من نفس أو هواها، أو أحد من الخلق؛ قيل: ~~الخطاب في الظاهر للنبي؛ والمراد به: أهل دينه، {لا إله إلا هو} لا يستحق ~~العبادة سواه، {كل شيء هالك إلا وجهه} إلا ذاته، {له الحكم} القضاء النافذ ~~في الخلائق، {وإليه ترجعون(88)} للجزاء بالحق. # - - - # سورة العنكبوت # بسم الله الرحمن الرحيم # {الم(1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا: آمنا وهم لا يفتنون(2)} فإن ~~معناه: أحسبوا أن نتركهم غير مفتونين لقولهم: «آمنا»، بل يمتحنهم الله ~~بمشاق التكاليف، كالمهاجرة والمجاهدة، ورفض الشهوات، ووظائف الطاعات، ~~وأنواع المصايب في الأنفس والأموال، ليتميز المخلص من المنافق، والثابت في ~~الدين من الذي يعبد الله على حرف؛ ولينالوا بالصبر عليها عوالي الدرجات؛ ~~ولأن القول مصداقه العمل؛ والإيمان: قول وعمل ونية. # {ولقد فتنا الذين ms0690 من قبلهم} المعنى: أن ذلك سنة قديمة، جارية في الأمم ~~كلها، فلا ينبغي أن يتوقع خلافه، فإن ذلك مما تقتضيه الحكمة؛ {فليعلمن الله ~~الذين صدقوا} في قولهم: آمنا، {وليعلمن الكاذبين(3)}. # {أم حسب الذين يعملون السيئات} الكفر والمعاصي، فإن العمل يعم أفعال ~~القلوب والجوارح، {أن يسبقونا} أن يفوتونا، {ساء ما يحكمون(4)} بئس ما ~~يحكمون لأنفسهم بهذا الظن. # { PageV03P248 من كان يرجو لقاء الله} أي: تلقي جزائه {فإن أجل الله لآت} ~~كائن لا محالة؛ فليبادر ما يحقق أمله، ويصدق رجاءه، [446] أو ما يستوجب ~~القربة والرضا. (لعله) ومعنى الآية: أن من يخشى الله وتأمله فليستعد له ~~وليعمل، {وهو السميع العليم(5) ومن جاهد} نفسه الجسمانية، بالصبر على مضض ~~الطاعة، والكف عن الشهوات، {فإنما يجاهد لنفسه} الروحانية، لأن منفعته لها، ~~ولأنها خلقت خادمة لها، {إن الله لغني عن العالمين(6)} فلا حاجة به إلى ~~طاعتهم، وإنما كلف عباده رحمة عليهم، ليعود النفع لهم. {والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم} صغائر ذنوبهم لنبطلنها؛ والتكفير: ~~إذهاب السيئة بالحسنة، {ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون(7)} أي: أحسن ~~جزاء أعمالهم. # {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} بإتيانه فعلا ذا حسن، {وإن جاهداك لتشرك ~~بي ما ليس لك به علم} إشعارا بأن ما لم يعلم صحته لا يجوز اتباعه، وإن لم ~~يعلم بطلانه فضلا عما علم بطلانه؛ والشرك به يقتضي جميع المعاصي؛ {فلا ~~تطعهما إلي مرجعكم} مرجع من آمن، ومن أشرك، ومن بر بوالديه، ومن عق، ~~{فأنبئكم بما كنتم تعملون(8)} بالجزاء عليه. # {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين(9)} بالتوفيق في ~~جملتهم؛ والكمال في الصلاح منتهى درجات المؤمنين، ومنتهى أنبياء الله ~~المرسلين؛ أو في مدخلهم وهي الجنة. # { PageV03P249 ومن الناس من يقول: آمنا بالله؛ فإذا أوذي في الله جعل ~~فتنة الناس كعذاب الله} (¬1) عدل بها عذاب الله، {ولئن جاء نصر من ربك} فتح ~~وغنيمة، {ليقولن: إنا كنا معكم} في الدين، فأشركونا فيه؛ والمراد به ~~المنافقون، {أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين(10)}؟ من الإخلاص ~~والنفاق. {وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين(11)}. # {وقال الذين كفروا للذين ms0691 آمنوا: اتبعوا سبيلنا} الذي نسلكه في ديننا، ~~{ولنحمل خطاياكم} إن كان ذلك خطيئة، {وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء، ~~إنهم لكاذبون(12) وليحملن أثقالهم} أثقال ما اقترفته أنفسهم، {وأثقالا مع ~~أثقالهم} وأثقالا أخر معها لما تسببوا له بالإضلال، والحمل على المعاصي من ~~غير أن ينقص من أثقال من تبعهم شيء، {وليسألن يوم القيامة عما كانوا ~~يفترون(13)} كان الإفتراء قولا أو عملا أو اعتقادا، خلاف الصدق. # {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} والمقصود ~~من القصة تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وتثبيته على ما يكابد ~~من الكفرة، {فأخذهم الطوفان} طوفان الماء، وهو ما طاف بكثرة، من سيل أو ~~ظلام أو نحوهما، {وهم ظالمون(14)} بالكفر. {فأنجيناه وأصحاب السفينة ~~وجعلناها آية للعالمين(15)} يتعظون ويستدلون بها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «جعل فتنة الناس كعذاب الله»، وهو سهو. PageV03P250 # وإبراهيم إذ قال لقومه: اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم} مما أنتم عليه، ~~{إن كنتم تعلمون(16)} تميزون ما هو خير مما هو شر؛ أو كنتم تنظرون في ~~الأمور بنظر العلم دون عمى الجهل. {إنما تعبدون من دون الله أوثانا [447] ~~وتخلقون إفكا} وتكذبون كذبا في تسميتها آلهة، وهو استدلال على شرارة ما هم ~~عليه من حيث أنه زور وباطل، {إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم ~~رزقا} دليل بان (¬1) على شرارة ذلك، من حيث أنه لا يجدي بطائل، {فابتغوا ~~عند الله الرزق} كله، فإنه المالك له، {واعبدوه واشكروا له} متوسلين إلى ~~مطالبكم بعبادته، مقيدين لما خصكم من النعم بشكره؛ أو مستعدين للقائه بهما، ~~فإنه {إليه ترجعون(17) وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم} من قبلي من الرسل، ~~فلم يضرهم تكذيبهم، وإنما ضروا أنفسهم حيث تسبب لما حل بهم من العذاب، فكذا ~~تكذيبكم، {وما على الرسول إلا البلاغ المبين(18)} الذي يزول معه الشك؛ وما ~~عليه [إلا] أن يصدق ولا يكذب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لعل الصواب: «بائن»، أي بين وواضح. PageV03P251 # أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده} إخبار بالإعادة بعد الموت، {إن ~~ذلك ms0692 على الله يسير(19)} إذ لا يفتقر في فعله إلى شيء. {قل: سيروا في الأرض ~~فانظروا كيف بدأ الخلق} على اختلاف الأجناس والأحوال، {ثم الله ينشئ النشأة ~~الآخرة} لأن من عرف بالقدرة على الإبداء ينبغي أن يحكم له بالقدرة على ~~الإعادة، {إن الله على كل شيء قدير(20)} لأن قدرته لذاته، ونسبة ذاته إلى ~~كل الممكنات على سواء. {يعذب من يشاء} في الدنيا، {ويرحم من يشاء} في ~~الدنيا، {وإليه تقلبون(21)} تردون. {وما أنتم بمعجزين} ربكم عن إدراككم {في ~~الأرض ولا في السماء} إن فررتم من فضائه بالتواري في الأرض، والهبوط في ~~مهاويها، والتحصن في السماء، أو القلاع الذاهبة فيها، {وما لكم من دون الله ~~من ولي ولا نصير(22)} يحرسكم عن بلاء يظهر من الأرض، أو ينزل من السماء، ~~ويدفعه عنكم. # {والذين كفروا بآيات الله} بدلائل وحدانيته، أو بكتبه {ولقائه} بالبعث ~~والجزاء، {أولئك يئسوا من رحمتي} يوم القيامة، أو في الدنيا لإنكار البعث ~~والجزاء، {وأولئك لهم عذاب أليم(23)} في الدارين. # { PageV03P252 فما كان جواب قومه} قوم إبراهيم، {إلا أن قالوا: اقتلوه أو ~~حرقوه، فأنجاه الله من النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون(24)} لأنهم ~~المنتفعون بالتأمل فيها. {وقال: إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم ~~في الحياة الدنيا} (لعله) معناه: إن الذين اتخذتم من دون [الله] من أوثان، ~~وهي مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم تنقطع في الآخرة، ولا تنفعكم بل تضركم ~~كما قال: {ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض، ويلعن بعضكم بعضا، ومأواكم ~~النار وما لكم من ناصرين(25)}. # {فآمن له لوط} أي: صدقه، {وقال، إني مهاجر} من حضوضي (¬1) {إلى ربي} إلى ~~عبادته، {إنه هو العزيز الحكيم(26)} الذي لا يأمر إلا بما فيه صلاحي. ~~{ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب [448] وآتيناه ~~أجره في الدنيا} التوفيق على الطاعة، والتنعم به، والبشارة بالنعمة ~~الأبدية؛ أو صحب معه سعادته في الآخرة، {وإنه في الآخرة لمن الصالحين(27)} ~~لفي عدد الكاملين في الصلاح. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لعل الصواب: «من قومي»، كما ورد عند أبي السعود: تفسير، مج4/ ms0693 ~~ج7/ ص37. والألوسي: روح المعاني، ج20/ ص152. ولم أجد فيما بين يدي من مصادر ~~اللغة معنى لكلمة «حضوض». أو لعله يقصد «حضضي» جمع كلمة «حضيض»، وهو قرار ~~الأرض عند سفح الجبل. ( ابن منظور: لسان العرب، ج1/ ص660، مادة «حضض»)، أي ~~أن لوطا - عليه السلام - مهاجر للدنايا ليسمو بروحه إلى المعالي الروحانية، ~~ولذلك فسر قوله تعالى: {إلى ربي} ب«إلى عبادته»، ليتناسب مع السياق. والله أعلم. PageV03P253 # ولوطا إذ قال لقومه: إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين(28)} استئناف مقرر لفاحشتها، من حيث إنها مما اشمأزت منه الطباع، ~~وتحاشت عنه النفوس، حتى أقدموا عليها لخبث طينتهم. {أئنكم لتأتون الرجال، ~~وتقطعون السبيل} وتعترضون للسابلة بالقتل، وأخذ المال؛ أو بالفاحشة حتى ~~انقطعت الطرق؛ أو تقطعون سبيل النسل بالاعتراض عن الحرث، وإتيان ما ليس ~~بحرث، {وتأتون في ناديكم} في مجالسكم الغاصة؛ ولا يقال: النادي، إلا لما ~~فيه أهله، {المنكر} الجماع والضراط، وحل الإزار، وغير ذلك من القبائح عدم ~~مبالاة بها؛ وقيل: الحذف (¬1) بالحصا، والرمي بالبنادق (¬2) ؛ والمنكر: اسم ~~جامع لجميع المعاصي، {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن ~~كنت من الصادقين(29)} في استقباح ذلك؛ أو في دعوى النبوة المفهومة من ~~التوبيخ. {قال: رب انصرني} بإنزال العذاب {على القوم المفسدين(30)} بابتداع ~~الفاحشة، وسنها فيمن بعدهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... «والحذف: الرمي عن جانب، والضرب عن جانب... قال [الأزهري]: ~~وأما الخذف بالخاء: فإنه الرمي بالحصى الصغار بأطراف الأصابع»، ابن منظور: ~~لسان العرب، ج1/ ص591، مادة «حذف». # (¬2) - ... «والبندق: الذي يرمى به، والواحدة بندقة والجمع: البنادق». ~~ابن منظور: لسان العرب، ج1/ ص267، مادة «بندق». PageV03P254 # ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى، قالوا: إنا مهلكو أهل هذه القرية إن ~~أهلها كانوا ظالمين(31)} تعليل لإهلاكهم، بإصرارهم وتماديهم في ظلمهم، الذي ~~هو الكفر، وأنواع المعاصي. {قال: إن فيها لوطا} وذلك في اقتضاء الحكمة أن ~~لا يؤخذ المطيع بالعاصين، {قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله} تسليم ~~لقوله، مع ادعاء مزيد العلم به؛ وأنهم ما كانوا غافلين عنه، {إلا امرأته ~~كانت من الغابرين(32)} ms0694 الباقين في العذاب. # {ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا} وضاق بشأنهم وتدمير ~~أمرهم ذرعه، أي: طاقته، كقولهم: “ضاقت يده” وبإزائه “رحب ذرعه بكذا”، إذا ~~كان مطيقا له، وذلك لأن طويل الذراع، ينال ما لا ينال قصير الذراع، ~~{وقالوا: لا تخف ولا تحزن (¬1) إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من ~~الغابرين(33) إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا ~~يفسقون(34) ولقد تركنا منها آية بينة} هي حكايتها الشائعة، أو آثار الديار ~~الخربة؛ وقيل: الحجارة الممطورة، فإنها كانت باقية بعد {لقوم يعقلون(35)} ~~يستعملون عقولهم في الاستبصار، ويتدبرون الآيات، تدبر ذوي العقول؛ قيل: ~~الآية البينة: آثار منازلهم الخربة. # {وإلى مدين أخاهم شعيبا، فقال: يا قوم اعبدوا الله، وارجوا اليوم الآخر} ~~وافعلوا ما ترجون به ثوابه، {ولا تعثوا في الأرض مفسدين(36) فكذبوه فأخذتهم ~~[449] الرجفة} الزلزلة الشديدة؛ وقيل: صيحة جبريل، لأن القلوب ترجف لها، ~~{فأصبحوا في دارهم جاثمين(37)} ميتين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «ولا تحزن»، وهو سهو. PageV03P255 # وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم} أي: تبين لكم بعض مساكنهم، أو ~~إهلاكهم من جهة مساكنهم إذا نظرتم إليها، عند مروركم بها، {وزين لهم ~~الشيطان أعمالهم} فزين قبحها بالحسن، {فصدهم عن السبيل} السبيل الموصل (¬1) ~~إلى الجنة، {وكانوا مستبصرين(38)} أي: ممكنين من الاستبصار والبصيرة وكشف ~~القناع، ولكنهم غطت بصائرهم أهويتهم التي عبدوها. # {وقارون وفرعون وهامان} (لعله) أي: أهلكنا هؤلاء، {ولقد جاءهم موسى ~~بالبينات، فاستكبروا في الأرض، وما كانوا سابقين(39)} فائتين، بل أدركهم ~~أمر الله، من “سبق طالبه” إذا فاته. # {فكلا أخذنا بذنبه، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا} كقوم لوط، {ومنهم من ~~أخذته الصيحة، ومنهم من خسفنا به الأرض (¬2) ومنهم من أغرقنا} كقوم نوح ~~وفرعون وقومه، {وما كان الله ليظلمهم} ليعاملهم معاملة الظالم، فيعاقبهم ~~بغير جرم، {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون(40)} بتركهم لها عن التزكية. # { # ¬__________ # (¬1) - ... السبيل: «يذكر ويؤنث». ر: ابن منظور: لسان العرب، ج3/ ص91، ~~مادة «سبل». # (¬2) - ... في الأصل: - {ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من خسفنا به ~~الأرض}، وهو سهو. PageV03P256 # مثل الذين اتخذوا ms0695 من دون الله أولياء} مما اتخذوه معتمدا، ومتكلا، {كمثل ~~العنكبوت اتخذت بيتا} فيما نسجته في الوهن والخور، بل ذلك أوهن، فإن لهذا ~~حقيقة وانتفاعا، (لعله) وليس لآلهتهم حقيقة، ولا جلب نفع ولا دفع ضر، بل ~~يتضررون بذلك، {وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت} لا بيت أوهى وأقل وقاية ~~للحر والبرد منه؛ وكذلك آلهتهم لا تجلب نفعا ولا تدفع ضرا، {لو كانوا ~~يعلمون(41)} لو يرجعوا إلى علم، لعلموا أن هذا مثلهم، وأن دينهم أوهى من ~~ذلك؛ ويجوز أن يكون المراد بيت العنكبوت دينهم، سماهم به تحقيقا للتمثيل، ~~فيكون المعنى: وإن أوهن ما يعتمد به في الدين دينهم. # {إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء} أي: ليس بشيء، لأنها أهوية سيارة ~~طيارة، ما كان منها كأنه لم يكن، كما قال: {كأن لم تغن بالأمس} (¬1) ، {وهو ~~العزيز الحكيم(42)} تعليل على المعنيين، فإن من فرط الغباوة إشراك ما لا ~~يعد شيئا بمن هذا شأنه، وإن الجماد بالإضافة إلى القادر القاهر على كل شيء، ~~البالغ في العلم وإتقان الفعل الغاية كالمعدوم، وأن من هذا صفته قدر (¬2) ~~على مجازاتهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة يونس: 24. # (¬2) - ... لعل الصواب: «وأن من هذه صفته قادر على مجازاتهم». كما في أبو ~~السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص41. PageV03P257 # وتلك الأمثال} يعني: هذا المثل أو نظائره، {نضربها للناس} تقريبا لما بعد ~~من أفهامهم، {وما يعقلها} ولا يعقل حسنها وفائدتها، {إلا العالمون(43)} ~~الذين يتدبرون الأشياء على ما ينبغي، وعنه - عليه السلام - : أنه تلا هذه ~~(¬1) الآية فقال: «العالم: من عقل عن الله، فعمل [450] بطاعته، واجتنب ~~سخطه» (¬2) . # {خلق الله السماوات والأرض بالحق} محقا غير رائد به عبثا ولا لعبا؛ فإن ~~المقصود بالذات من خلقهما إضافة الخير، والدلالة على ذاته وصفاته، كما أشار ~~إليه بقوله: {إن في ذلك لآية للمؤمنين(44)} لأنهم المنتفعون بها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «هذا»، وهو خطأ. # (¬2) - ... لم نجده في الربيع ولا في الكتب التسعة ولا في الجامع الصغير ~~وزياداته. وفي معناه ما أورده الدارمي في سننه: كتاب المقدمة، حديث رقم ~~384: عن علي قال: «يا حملة العلم ms0696 اعملوا به فإنما العالم من عمل بما علم ~~ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف عملهم ~~علمهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم...» الحديث. PageV03P258 # اتل ما أوحي إليك من الكتاب} تقربا إلى الله بقراءته، وتحفظا لألفاظه، ~~واستكشافا لمعانيه، وتبليغا لأحكامه؛ فإن القارئ المتأمل قد ينكشف له ~~بالتكرار ما لم ينكشف له أول ما قرع سمعه، {وأقم الصلاة إن الصلاة} إن ~~أقيمت على الوجه، فإنها {تنهى عن الفحشاء والمنكر} بأن تكون سببا للانتهاء ~~عن المعاصي، من حيث أنها تذكر الله، وتورث للنفس خشية، وما لم تنهه صلاته ~~عن الفحشاء فليست بمقبولة؛ {ولذكر الله أكبر} من أمر دنياكم؛ أو الصلاة ~~أكبر من سائر الطاعات، لأنها عماد الدين؛ أو مشاهدة المذكور في الصلاة، فهو ~~أكبر من الصلاة؛ أو ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته؛ أو ~~مشاهدة المذكور في الصلاة أكبر من الصلاة، {والله يعلم ما تصنعون(45)} ~~منها، ومن سائر الطاعة فيجازيكم بها أحسن المجازاة. # { PageV03P259 ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} إلا بالخصلة ~~التي هي أحسن، كمعارضة الخشونة باللين، والغضب بالكظم؛ وقيل: هو منسوخ بآية ~~السيف، إذ لا مجادلة أشد منه؛ وقيل: المراد به ذووا العهد منهم، {إلا الذين ~~ظلموا منهم} بإفراط في الاعتداء والعناد؛ أو بنبذ العهد، ومنع الحرية، ~~{وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم} هو من المجادلة بالتي هي ~~أحسن، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا ~~تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وبكتبه ورسله، فإن قالوا: باطلا لم تصدقوهم، ~~وإن قالوا [حقا] لم تكذبوهم» (¬1) ، { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه أبو داود في كتاب العلم، حديث رقم: 3159 عن ابن أبي نملة ~~الأنصاري عن أبيه أنه بينما هو جالس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وعنده رجل من اليهود مر بجنازة، فقال: يا محمد، هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - : «الله أعلم» فقال اليهودي: إنها تتكلم، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ~~ولا تكذبوهم، ms0697 وقولوا آمنا بالله ورسله فإن كان باطلا لم تصدقوه وإن كان حقا ~~لم تكذبوه». ورواه البخاري، في كتاب تفسير القرآن. 4125، وفي كتاب الاعتصام ~~بالكتاب والسنة رقم 6814: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - بلفظ: «لا تصدقوا ~~أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا: {آمنا بالله وما أنزل إلينا...} الآية». ~~العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «لا تكذبوهم». # ... ... وعزاه السيوطي إلى أبي داود في سننه، وأحمد في مسنده، وابن حبان ~~في صحيحه، والبيهقي في سننه، عن أبي نملة الأنصاري. برنامج سلسلة كنوز ~~السنة، السلسلة الأولى، الجامع الصغير وزياداته، الإصدار الأول، 1410ه. PageV03P260 # وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون(46)} مطيعون له خاصة. # {وكذلك} ومثل ذلك الإنزال، {أنزلنا إليك الكتاب} وحيا وصدقا كسائر الكتب ~~الإلهية، وهو تحقيق لقوله: {فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به} قيل: هم عبد ~~الله بن سلام وأضرابه؛ أو من تقدم عهد الرسول من أهل الكتابين، {ومن هؤلاء} ~~من أهل العرب، {من يؤمن به} بالقرآن، {وما يجحد بآياتنا} مع ظهورها، وقيام ~~الحجة بها، {إلا الكافرون(47)} إلا المتوغلون في الكفر؛ فإن أهويتهم ~~وتقليدهم يمنعهم عن التأمل بتصديقها، لكونها معجزة. # {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك} فإن ظهور هذا الكتاب ~~الجامع لأنواع العلوم الشريفة، على أمي لم يعرف بالقراءة والتعلم خارق ~~للعادة؛ لأن تلاوته لا تتأتى إلا بالتعلم والتكرار لأحد من الخيلقة، ~~والرسول - صلى الله عليه وسلم - كغيره من الناس في هذا المعنى، {إذا لارتاب ~~المبطلون(48)} أي: لوكنت ممن يخط [451] ويقرأ لقالوا: لعله يعلمه أو التقطه ~~من كتب الأقدمين. وإنما سماهم مبطلين لكفرهم، أو لارتيابهم بانتفاء وجه ~~واحد من وجوه الإعجاز المتكاثرة؛ وقيل: لارتاب أهل الكتاب لوجدانهم نعتك ~~على خلاف ما في كتبهم. # {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} يحفظونه، ويحفظون تأويله ~~لا يقدر أحد على جحدانه وتحريفه، {وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون(49)} إلا ~~المتوغلون في الظلم بالمكابرة بعد وضوح دلائل إعجازها. # { PageV03P261 وقالوا: لولا أنزل عليه آيات من ربه} مقترحة، {قل: إنما ~~الآيات عند الله} ينزلها كما يشاء، لست أملكها فآتيكم ms0698 بما تقترحونه، {وإنما ~~أنا نذير مبين(50) أولم يكفهم} آية معينة عما اقترحوه، {أنا أنزلنا عليك ~~الكتاب يتلى عليهم} تدوم تلاوته عليهم متحدين به، فلا تزال معهم آية ثابتة ~~لا تضمحل، بخلاف سائر الآيات؛ أو تتلى عليهم، يعني: اليهود، بتحقيق ما في ~~أيديهم من نعتك ونعت دينك، {إن في ذلك} الكتاب الذي هو آية مستمرة، وحجة ~~بينة، {لرحمة} لنعمة عظيمة، {وذكرى لقوم يؤمنون(51)} وتذكرة لمن همه ~~الإيمان دون التعنت. # {قل: كفى بالله بيني وبينكم شهيدا} يصدقني، وقد صدقني بالمعجزات، {يعلم ~~ما في السماوات والأرض، والذين آمنوا بالباطل} وهو ما يعبد من دون الله، ~~{وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون(52)} (لعله) للدارين. # {ويستعجلونك بالعذاب، ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب} أي: أنهم في حالهم ~~ذلك مستحقوا العذاب لولا الأجل المسمى، كمثل من وجب عليه دين... (¬1) وأنه ~~حال بهم، لقوله: {وليأتينهم بغتة} عند نزول الموت، {وهم لا يشعرون(53)} ~~بإتيانه، ولو شعروا به لتابوا قبل مجيئه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... هنا وضع الناسخ إحالة إلى الحاشية ولم يكتب فيها شيئا، ويبدو ~~أن العبارة ناقصة. PageV03P262 # يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين(54)} ستحيط بهم يوم يأتيهم ~~العذاب؛ أو هي كالمحيطة بهم الآن، لإحاطة الكفر والمعاصي التي توجبها بهم، ~~كمن أحاط به عدوه، فلا يجد مخلصا منه، ولا يجدون مخلصا جميع العصاة من جهنم ~~إلا من تاب. {يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم} إذا غشيهم العذاب ~~أحاطت بهم جهنم من جميع جوانبها، {ويقول} الله، أو بعض الملائكة بأمره: ~~{ذوقوا ما كنتم تعملون(55)} أي: جزاءه. # {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون(56)} أي: إذا لم ~~تتسهل لكم العبادة في بلدة، ولم يتيسر لكم إظهار دينكم، فهاجروا إلى حيث ~~يتمشى لكم ذلك. وعنه - عليه السلام - : «من فر بدينه من أرض إلى أرض ولو ~~كان شبرا استوجب الجنة» (¬1) . {كل نفس ذائقة الموت، ثم إلينا ترجعون(57)} ~~للجزاء، ومن هذا عاقبته [فليس له بد من التزود والاستعداد لها. وقرئ: ~~«يرجعون». {والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم} لننزلنهم، {من الجنة ~~غرفا} أي:] (¬2) علالي {تجري من ms0699 تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر ~~العاملين(58) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون(59)} يعتمدون. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لم أعثر عليه في الربيع ولا في الكتب التسعة ولا في الجامع ~~الصغير وزياداته. # (¬2) - ... ما بين معقوفين إضافة من تفسير أبي السعود (مج4/ ج7/ ص45) ~~ليتم المعنى، فقد وقع للناسخ في هذه الفقرة انتقال نظر من قوله: «ومن هذا ~~عاقبته»، إلى قوله: «علالي». PageV03P263 # وكأين [452] من دابة لا تحمل رزقها} لا تطيق من ضعفها، أو لا تدخره، ~~وإنما تصبح ولا غذاء معها، وتمسي ولا معيشة معها؛ وذلك من دلائل وحدانيته ~~وتكفله بإرزاق خلقه، وأن الادخار لا يزيد شيئا من الرزق ولا ينقصه، لأنها ~~تغدوا خماصا وتروح بطانا، {الله يرزقها وإياكم} ثم إنها مع ضعفها، وإياكم ~~مع قوتكم واجتهادكم، وادخاركم وتهافتكم على جمع المال سواء في أنه لا ~~يرزقها وإياكم إلا الله؛ لأن رزق الكل بأسباب هو المسبب لها وحده، فلا ~~تخافوا على معاشكم إذا انقطعتم في الطاعة، {وهو السميع العليم(60)}. # {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله، ~~فأنى يؤفكون(61)}؟! يصرفون عن توحيده بعد إقرارهم بذلك. {الله يبسط الرزق ~~لمن يشاء من عباده ويقدر له} يحتمل أن يكون الموسع له والمضيق عليه واحدا، ~~على أن البسط والقبض على التعاقب، {إن الله بكل شيء عليم(62)} يعلم ما ~~تصلحون به وما تفسدون. # {ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن: ~~الله} معترفين بأنه الموجد للممكنات بأسرها: أصولها وفروعها؛ ثم إنهم ~~يشركون به بعض مخلوقاته، الذي لا يقدر على شيء من ذلك، {قل: الحمد لله} على ~~ما عصمك من مثل هذه الضلالة، أو على تصديقك وإظهار حجتك، {بل أكثرهم لا ~~يعقلون(63)} فيناقضون، حيث يقرون بأنه المبدأ لكل ما عداه، ثم إنهم يشركون ~~به الصنم. # { PageV03P264 وما هذه الحياة الدنيا} إشارة تحقير؛ وكيف لا وهي لا تزن ~~عند الله جناح بعوضة، {إلا لهو ولعب} إلا كما يلهى ويلعب به الصبيان، ~~يجتمعون عليه ويبتهجون به ساعة، ثم يتفرقون متعبين بلا نفع، إلا الذين ~~آمنوا؛ ms0700 واللهو: هو استمتاع بلذات الدنيا، واللعب: هو العبث، سميت بها لأنها ~~فانية، {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان} دار الحياة الحقيقية لامتناع ~~زوالها، {لو كانوا يعلمون(64)} فناء الدنيا ودوام الأخرى، لم يؤثروا عليها ~~الدنيا التي أصلها عدم الحياة فيها، عارضة سريعة الزوال. # {فإذا ركبوا في الفلك} وخافوا الغرق، {دعوا الله مخلصين له الدين} كائنين ~~في صورة من أخلص دينه من المؤمنين، حيث لا يذكرون إلا الله، ولا يدعون ~~سواه، لعلمهم بأنه لا يكشف الشدائد إلا هو، {فلما نجاهم إلى البر إذا هم ~~يشركون(65) ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا} بالإشراك، {فسوف يعلمون(66)} ~~عاقبة ذلك. # {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا} أي: جعلنا بلدهم مصونا عن النهب [453] ~~والتعدي؛ آمنا أهله عن القتل والسبي، (لعله) وذلك مما ينبههم ويذكرهم على ~~جزيل نعمه، {ويتخطف الناس من حولهم} يختلسون قتلا ونهبا وسبيا. {أفبالباطل} ~~أبعد هذه النعمة المكشوفة وغيرها مما لا يقدر عليه إلا الله؛ بالأوثان أو ~~الشيطان {يؤمنون، وبنعمة الله يكفرون(67)}! حيث أشركوا به غيره. # {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا} بأن زعم له شريكا، بلسان مقاله، أو ~~لسان حاله، {أو كذب بالحق لما جاءه} رد حجة الله حين بلغته، من أي حال ~~كانت، {أليس في جهنم مثوى للكافرين(68)} تقرير لثوائهم؛ أي: ألم يعلموا أن ~~في جهنم مثوى للكافرين حتى اجترأوا هذه الجرأة!. # { PageV03P265 والذين جاهدوا فينا} في حقنا، بأنفسهم وأموالهم ومهجهم في ~~إطلاق المجاهدة، ليعم جهاد الأعادي الظاهرة والباطنة بأنواعه، {لنهدينهم ~~سبلنا} سبل السير إلينا؛ أو لنزيدنهم هداية إلى سبيل الخير، وتوفيقا ~~لسلوكها، كقوله: {والذين اهتدوا زادهم هدى} (¬1) ، وفي الحديث: «من عمل بما ~~علم ورثه الله علم ما لم يعلم» (¬2) ؛ وقيل: «إن الذي يرى من جهلنا بما لا ~~نعلم إنما هو من تقصيرنا فيما نعلم». {وإن الله لمع المحسنين(69).} بالنصرة ~~والإعانة. # - - - # سورة الروم # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة محمد: 17. # (¬2) - ... لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر، وقد تقدم نحوه في ~~تفسير الآية 14 من سورة القصص. PageV03P266 # الم(1)، غلبت الروم(2) في أدنى الأرض، وهم من ms0701 بعد غلبهم سيغلبون(3) في ~~بضع سنين، لله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون(4) بنصر الله} ~~بإظهار دينه على سائر الأديان، {ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم(5) وعد ~~الله لا يخلف الله وعده} أي: من وعده، بنصر أوليائه، وبخذل أعدائه، {ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون(6)} وعده، لجهلهم، وعدم تفكيرهم. {يعلمون ظاهرا من ~~الحياة الدنيا} يعني: أمر معايشهم، كيف يتجرون ويكتسبون، ومتى يعرشون ~~ويحصدون، وكيف يبنون، وكيف سبقوا علماء الآخرة بهذه الأحوال، ولم يفهموا ما ~~يخلصهم من عذاب الله، لأنه لم يهمهم؛ وكذلك لا يعلمون حقائق الدنيا، ولا ~~لما خلقت له، {وهم عن الآخرة} التي هي غايتها، والمقصود منها، {هم ~~غافلون(7)} تقريرا لجهالتهم، وتشبيها لهم بالحيوانات المقصور إدراكها من ~~الدنيا ببعض ظاهرها؛ فإن من العلم بظاهرها معرفة حقائقها، وصفاتها، ~~وخصائصها، وأفعالها، وأسبابها، وكيفية صدورها منها، وكيفية التصرف فيها، ~~ولذلك نكر «ظاهرا»؛ وأما باطنها، فإنها مجاز إلى الآخرة، ووصلة إلى نيلها، ~~وأنموذج لأحوالها؛ وإشعارا (¬1) بأنه لا فرق بين العدم والعلم الذي يختص ~~بظاهر الدنيا؛ وكان في المعنى: بقدر إقبالهم على علم ظاهر الحياة الدنيا، ~~إدبار منهم عن علم الآخرة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... منصوب على أنه معطوف على قوله من قبل: «تقريرا لجهالتهم، ~~وتشبيها...». PageV03P267 # أولم يتفكروا في أنفسهم} أولم يحدثوا التفكر فيها؛ أو لم يتفكروا في أمر ~~أنفسهم، فإنها أقرب إليهم [454] من غيرها، ومرآة يتجلى فيها للمستبصر، ما ~~يتجلى له من الممكنات بأسرها، ليتحقق لهم قدرة مبدعها على إعادتها، لقدرته ~~على إبدائها، {ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل ~~مسمى، وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون(8)}. # {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} تقرير ~~لسيرهم بأجسادهم؛ أو بالتفكير بقلوبهم في أقطار الأرض، ونظرهم إلى آثار ~~المدمرين؛ أو إلى أخبارهم قبلهم، {كانوا أشد منهم قوة، وأثاروا الأرض} ~~(لعله) حرثوها، وقلبوا (¬1) وجهها لاستنباط المياه، واستخراج المعادن، وزرع ~~البذور وغيرها، {وعمروها أكثر مما عمروها} وفيه تهكم بهم، من حيث إنهم ~~مغترون بالدنيا، مفتخرون بها؛ وهم أضعف حالا، وأقل مالا ms0702 وحيلة من الذين ~~سبقوا؛ ومدار أمرهم على التبسط في البلاد والتسلط على العباد، والتصرف في ~~أقطار الأرض بأنواع العمارة؛ وهؤلاء ضعفاء ملجؤون إلى واد لا نفع لها، ~~{وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم} ليعاملهم معاملة من يريد ~~ظلمهم، {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون(9)} حيث عملوا ما أدى إلى تدميرهم. # {ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها ~~يستهزءون(10)} معناه: ثم كان عاقبة الذين اقترفوا الخطيئة أن طبع الله على ~~قلوبهم، حتى كذبوا الآيات واستهزؤوا بها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «وقبلوا»، وهو خطأ. PageV03P268 # الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون(11) ويوم تقوم الساعة يبلس ~~المجرمون(12)} يسكتون متحيرين آيسين؛ يقال: ناظرته، فأبلس: إذا سكت، وأيس ~~من أن يحتج؛ وقيل: ييأس المجرم من كل خير. {ولم يكن لهم من شركائهم} ممن ~~أشركوه بالله، {شفعاء} يجيرونهم من عذاب الله، {وكانوا بشركائهم ~~كافرين(13)} يكفرون بآلهتهم. # {ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون(14) فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فهم في روضة} أرض ذات أزهار وأنهار، {يحبرون(15)} يسرون سرورا تهللت له ~~وجوههم. {وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا} بحججنا {ولقاء الآخرة فأولئك في ~~العذاب محضرون(16)}. # {فسبحان الله} (لعله) فصلوا لله {حين تمسون وحين تصبحون(17) وله الحمد في ~~السماوات والأرض، وعشيا وحين تظهرون(18) يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من ~~الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون(19) ومن آياته أن خلقكم من تراب ~~ثم إذا أنتم بشر تنتشرون(20) ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها} لتميلوا إليها، وتألفوا بها؛ فإن الجنسية علة للضم (¬1) ، ~~{وجعل بينكم مودة ورحمة} بواسطة الزواج، حال الشبق وغيرها، بخلاف سائر ~~الحيوانات، نظما لأمر المعاش [455] {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون(21)} ~~فيعلمون ما في ذلك من الحكم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... توضيح العبارة عند أبي السعود: «...من جنسكم لا من جنس آخر... ~~فإن المجانسة من دواعي التضام والتعارف، كما أن المخالفة من أسباب التفرق ~~والتنافر». أبو السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص56. PageV03P269 # ومن آياته خلق السماوات والأرض، واختلاف ألسنتكم وألوانكم} وأنتم بنو رجل ~~واحد، وامرأة ms0703 واحدة، {إن في ذلك لآيات للعالمين(22)} لا تكاد تخفى على عاقل. # {ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله} منامكم في ~~الزمانين، لاستراحة القوى النفسانية، وقوة القوى الطبيعية، وطلب معاشكم ~~فيهما؛ أو منامكم بالليل وابتغاءكم بالنهار؛ وضم بين الزمانين والفعلين ~~بعاطفين، إشعارا بأن كلا من الزمانين وإن اختص بأحدهما، فهو صالح للآخر عند ~~الحاجة؛ وتؤيده سائر الآيات الواردة فيه، {إن في ذلك لآيات لقوم ~~يسمعون(23)} سماع تفهم واستبصار. # {ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا، وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض ~~بعد موتها، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون(24)} يستعملون عقولهم في استنباط ~~أسبابها، وكيفية تكوينها، ليظهر لهم كمال (¬1) قدرة الصانع وحكمته. # {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} قيامهما بإقامته لهما، وإرادته ~~لقيامهما، {ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون(25)} والمراد: ~~تشبيه سرعة ترتب حصول ذلك على تعلق إرادته بلا توقف واحتياج إلى تجشم عمل، ~~بسرعة ترتب إجابة الداعي المطاع على دعائه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «كما»، وهو خطأ. PageV03P270 # وله من في السماوات والأرض كل له قانتون(26)} منقادون لأمره ومشيئته، فهم ~~لا يمتنعون عليه. {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} بمعنى: هين ~~عليه، وما من شيء عليه بعزيز، {وله المثل} الوصف العجيب الشأن، كالقدرة ~~العامة، والحكومة التامة؛ ومن فسره بقول «لا إله إلا الله» أراد به الوصف ~~بالوحدانية، دلالة ونطقا، {الأعلى} الذي ليس لغيره أن يساويه أو يدانيه {في ~~السماوات والأرض} يصفه به ما فيهما، {وهو العزيز} القادر الذي لا يعجز عن ~~إبداء ممكن وإعادته، {الحكيم(27)} الذي يجري الأفعال على مقتضى حكمته. # {ضرب لكم مثلا من أنفسكم} مستخرجا من أحوالها التي [هي] أقرب الأمور ~~إليكم؛ معناه: بين لكم شبها بحالكم ذلك المثل من أنفسكم، ثم بين المثل ~~فقال: {هل لكم من ما ملكت أيمانكم} من مماليككم، {من شركاء في ما رزقناكم}؟ ~~من الأموال وغيرها، {فأنتم فيه سواء} فتكونون أنتم وهم فيه شرع (¬1) سواء، ~~تتصرفون فيه كتصرفكم مع أنهم بشر مثلكم، وأنها معارة لكم، {تخافونهم} أن ms0704 ~~يستبدوا بتصرف فيه، {كخيفتكم أنفسكم} كما يخاف (لعله) الحر شريكه الحر في ~~المال يكون بينهما أن ينفرد بأمر دونه، وإذا لم ترضوا ذلك لأنفسكم، فكيف ~~رضيتم أن تكون آلهتكم شركائي في عبادتكم، وهم عبيدي؟!. {كذلك} مثل ذلك ~~التفصيل {نفصل الآيات} نبينها، فإن التمثيل مما يكشف المعاني ويوضحها، ~~{لقوم [456] يعقلون(28)} يستعملون عقولهم في تدبر الأمثال. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لعل الصواب: - «شرع»، إذ يستقيم المعنى بحذفه. PageV03P271 # بل اتبع الذين ظلموا} بالإشراك {أهواءهم بغير علم} جاهلين لا يكفهم شيء، ~~فإن العالم إذا طمحت نفسه إلى هواها، ربما ردعه علمه، {فمن يهدي من أضل ~~الله}؟ فمن يقدر على هدايته؟، {وما لهم من ناصرين(29)} يخلصونهم من ~~الضلالة، ويحفظونهم من آفاتها. # {فأقم وجهك للدين حنيفا} فقومه له غير ملتفت؛ أو متلفت يمينا وشمالا؛ وهو ~~تمثيل الإقبال والاستقامة والاهتمام به، {فطرة الله} خلقته {التي فطر الناس ~~عليها} خلقهم عليها، وهي قبولهم للحق، وتمكنهم من إدراكه؛ أو ملة الإسلام، ~~كأنهم لو خلوا و ما خلقوا عليه أدى بهم إليها؛ وقيل: العهد المأخوذ من آدم ~~وذريته؛ وقيل: فطرهم على معرفته، {لا تبديل لخلق الله} لا ينبغي أن يبدل. ~~{ذلك} إشارة إلى الدين المأمور بإقامة الوجه له، {الدين القيم} المستوي ~~الذي لا عوج فيه، {ولكن أكثر الناس لا يعلمون(30)} استقامته لعدم تدبرهم. ~~{منيبين إليه} راجعين إليه؛ من أناب: إذا رجع مرة بعد أخرى؛ وقيل: منقطعين ~~إليه من النار، {واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين(31) من ~~الذين فرقوا دينهم} بدل من المشركين، وتفريقهم: اختلافهم فيما يعبدونه على ~~اختلاف أهوائهم؛ وقرئ: «فارقوا»، بمعنى: تركوا دينهم الذي أمروا به {وكانوا ~~شيعا} فرقا يشايع كل إمامه، {كل حزب بما لديهم فرحون(32)} مسرورين (¬1) ، ~~ظنا بأنه الحق. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لعل الأصوب: «مسرورون». PageV03P272 # وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه، ثم إذا أذاقهم منه رحمة} خلاصا ~~من تلك الشدة، {إذا فريق منهم بربهم يشركون(33)} فاجأ فريق منهم بالإشراك ~~بربهم الذي عافاهم. {ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون(34)} عاقبة ~~تمتعكم. {أم أنزلنا عليهم سلطانا} حجة {فهو يتكلم} دلالة، كقوله: ms0705 {هذا ~~كتابنا ينطق عليكم بالحق} (¬1) ، {بما كانوا به يشركون(35)} بإشراكهم، وهذا ~~قطع لعذر كل من دخل فيما لا يعلم. # {وإذا أذقنا الناس رحمة} نعمة {فرحوا بها} بطروا بسببها، واغتروا بها، ~~{وإن تصبهم سيئة} شدة، {بما قدمت أيديهم} بشؤم معاصيهم، {إذا هم ~~يقنطون(36)} والقنوط من أمهات المعاصي، وهو ضد الرجاء. # {أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} فما لهم لم يشكروا، ولم ~~يحسنوا في السراء والضراء كالمؤمنين؟! {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون(37)} ~~فيستدلون بها على كمال القدرة والحكمة؛ أو يتفكرون في حال من سبق وصفه. # {فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل، ذلك خير للذين يريدون وجه ~~الله} أي: يقصدون بمعرفتهم [457] إياه خالصا، {وأولئك هم المفلحون(38)} حيث ~~حصلوا بما بسط إليهم النعيم المقيم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الجاثية: 29. PageV03P273 # وما آتيتم من ربا} زيادة محرمة في المعاملة؛ أو عطية يتوقع بها مزيد ~~مكافأة، {ليربوا في أموال الناس} ليزيد ويزكو في أموال لهم، {فلا يربوا عند ~~الله} فلا يزكوا عنده، ولا يبارك فيه، {وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله} ~~تبتغون به وجهه خالصا، {فأولئك هم المضعفون(39)} ذوو الأضعاف من الثواب؛ أو ~~الذين ضعفوا ثوابهم وأموالهم؛ والالتفات فيه للتعظيم، كأنه خاطب به ~~الملائكة وخواص الخلق، تعريفا لحالهم. # {الله الذي خلقكم ثم رزقكم، ثم يميتكم، ثم يحييكم} تماما لحكمة خلقهم، ~~{هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء}؟ أثبت له لوازم الألوهية ونفاها ~~رأسا عما اتخذوه شركاء له من الأصنام وغيرها، مؤكدا بالإنكار على ما دل ~~عليه البرهان والعيان، ووقع عليه الوفاق؛ ثم استنتج من ذلك تقدسه أن يكونوا ~~له شركاء، فقال: {سبحانه وتعالى عما يشركون(40)}. # {ظهر الفساد في البر والبحر} كالجذب والنقص في الأموال، وكثرة الغرق، ~~ومحق البركات، وكثرة المضار؛ أو الضلالة والظلم، {بما كسبت أيدي الناس} ~~بشؤم معاصيهم، {ليذيقهم بعض الذي عملوا} بعض أجزائه، كما قال: {ويعفو عن ~~كثير} (¬1) . {(لعلهم يرجعون(41)} عما هم عليه. # {قل: سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل} ليشاهدوا مصداق ~~ذلك، ويتحققوا صدقه، ms0706 {كان أكثرهم مشركين(42)} أي شرك كان. {فأقم وجهك للدين ~~القيم} البليغ الاستقامة الذي ليس به عوج، {من قبل أن يأتي يوم لا مرد له ~~من الله يومئذ يصدعون(43)} أي: يتفرقون، فريق في الجنة، وفريق في السعير، ~~كما قال: # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة المائدة: 15. سورة الشورى: 30، 34. PageV03P274 # من كفر فعليه كفره} جزاء كفره، {ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون(44)} ~~يبنون منزلا في الجنة، يمهد أي فراش أراد لنفسه قبل الوصول إلى التنعم به. ~~{ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله} الاقتصار على جزاء المؤمنين، ~~للإشعار بأنه المقصود بالذات، والاكتفاء، على فحوى قوله: {إنه لا يحب ~~الكافرين(45)} فإن فيه آيات البغض لهم، والمحبة للمؤمنين. # {ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات} بالمطر، {وليذيقكم من رحمته} بمعنى: ~~المنافع التابعة للمطر وغيره، {ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون(46)} ولتشكروا نعمة الله فيها. # {ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين ~~أجرموا} بالهلاك، {وكان حقا علينا نصر المؤمنين(47)} إشعارا بأن الانتقام ~~لهم، وإظهارا لكرامتهم، حيث جعلهم مستحقين على الله أن ينصرهم، وعنه - صلى ~~الله عليه وسلم - : «ما من امرئ مسلم يرد عن عرض أخيه، إلا كان حقا على ~~الله أن يرد عنه نار جهنم» (¬1) # ¬__________ # (¬1) - ... رواه الترمذي في كتاب البر والصلة، عن أبي الدرداء بلفظ: 1854 ~~«من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة». قال: وفي الباب عن ~~أسماء بنت يزيد. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. ورواه الإمام أحمد في مسند ~~القبائل: رقم: 26260 و26264 بلفظ: «من رد عن عرض أخيه المسلم كان حقا على ~~الله عز وجل أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة». العالمية: موسوعة الحديث، ~~مادة البحث: «عرض أخيه». # ... ... وأورده السيوطي في الجامع الصغير بلفظ: «من ذب عن عرض أخيه ~~بالغيبة كان حقا على الله أن يعتقه من النار». وعزاه إلى أحمد والطبراني في ~~الكبير، عن أسماء بنت يزيد. وقال الألباني: صحيح. انظر: حديث رقم 6240 في ~~صحيح الجامع. وورد نحوه عند البيهقي عن أبي الدرداء. ms0707 برنامج سلسلة كنوز السنة. PageV03P275 # ثم تلا [458] ذلك. # {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء} سائرا ~~وواقفا، {ويجعله كسفا} قطعا تارة أخرى، {فترى الودق} المطر {يخرج من خلاله، ~~فإذا أصاب به من يشاء من عباده} يعني: بلادهم وأراضيهم، {إذا هم ~~يستبشرون(48)} بمجيء الخصب. {وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم} المطر، {من ~~قبله لمبلسين(49)} لآيسين. # {فانظر إلى آثار رحمة الله} أثر الغيث من النبات والأشجار، وأنواع الثمار ~~والمنافع؛ ولذلك جمع، {كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك} يعني: الذي قدر ~~على إحياء الأرض بعد موتها، {لمحيي الموتى} لقادر على إحياء أحيائهم، {وهو ~~على كل شيء قدير(50)} لأن نسبة قدرته إلى الممكنات على سواء. # {ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا} فرأوا الأثر والزرع؛ فإنه مدلول عليه بما ~~تقدم؛ وقيل: السحاب، لأنه إذا كان مصفرا لم يمطر، {لظلوا من بعده ~~يكفرون(51)} جواب سد مسد الجزاء، ولذلك فسر بالاستقبال. وهذه الآيات ناعية ~~على الكفار بقلة تثبتهم وعدم تدبرهم، وسرعة تزلزلهم لعدم تفكرهم وسوء ~~رأيهم؛ فإن النظر السوي يقتضي أن يتوكلوا على الله ويلتجئوا إليه ~~بالاستغفار إذا احتبس القطر عنهم، ولا ييأسوا من رحمته، ولا يفرطوا في ~~الاستبشار؛ وأن يصبروا على بلائه إذا ضرب زروعهم بالاصفرار، ولا يكفروا نعمه. # { PageV03P276 فإنك لا تسمع الموتى} وهم مثلهم لما سدوا عن الحق مشاعرهم، ~~{ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين(52)} قيد الحكم به ليكون أشد ~~استحالة؛ فإن الأصم المقبل، وإن لم يسمع الكلام، يتفطن منه بواسطة الحركات ~~شيئا. {وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم} سماهم عميا لفقدهم المقصود الحقيقي ~~من الإبصار، أو لعمى قلوبهم، {إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا} فإن إيمانهم ~~يدعوهم إلى تلقي اللفظ، وتدبر المعنى، {فهم مسلمون(53)} منقادون لما تأمرهم به. # {الله الذي خلقكم من ضعف} أي: ابتدأكم ضعفاء، وجعل الضعف سائر أمركم، ~~لقوله: {وخلق الإنسان ضعيفا} (¬1) . {ثم جعل من بعد ضعف قوة} وذلك إذا ~~بلغتم الحلم، {ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة، يخلق ما يشاء} من ضعف وقوة ~~وشيبة، {وهو ms0708 العليم القدير(54)} فإن الترديد في الأحوال المختلفة مع إمكان ~~غيره دليل العلم. # {ويوم تقوم الساعة} القيامة، سميت بها لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات ~~الدنيا، ولأنها تقع بغتة، وصارت علما لها بالغلبة، كالكوكب للزهرة، {يقسم ~~المجرمون ما لبثوا} في الدنيا، أو في القبور، {غير ساعة} استقلوا مدة لبثهم ~~إضافة إلى مدة عذابهم في الآخرة؛ أو كما قال: {كأن لم تغن بالأمس} (¬2) ، ~~لأن الماضي لا شيء، {كذلك} مثل ذلك الصرف عن الصدق والتحقيق، {كانوا ~~يؤفكون(55)} يصرفون في الدنيا والآخرة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النساء: 28. # (¬2) - ... سورة يونس: 24. PageV03P277 # وقال الذين [459] أوتوا العلم والإيمان} من الملائكة والإنس: {لقد لبثتم ~~في كتاب الله} في علمه واقتضائه؛ أو ما كتبه لكم؛ أي: أوجبه، أو في اللوح ~~أو القرآن، وهو قوله: {ومن ورائهم برزخ} (¬1) {إلى يوم البعث} ردوا بذلك ما ~~قالوه وحلفوا عليه، {فهذا يوم البعث} الذي أنكرتموه {ولكنكم كنتم لا ~~تعلمون(56)} أنه حق لتفريطكم في النظر. # {فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون(57)} لا يدعون إلى ~~ما يقتضي إعتابهم (¬2) ، أي: إزالة عتبهم من التوبة والطاعة، كما دعوا إليه ~~في الدنيا؛ من قولهم: استعتبني فلان فأعتبته، أي: استرضاني فأرضيته، وما ~~دام يمكن الإيمان بالغيب، يمكن الاستعتاب ويقبل، لأنه بمعنى التوبة؛ ~~والتوبة لا تنفع إذا أتى اليقين. # {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} ولقد وصفناهم فيه بأنواع ~~الصفات التي هي في الغرابة كالأمثال؛ مثل: صفة المنعوتين فيما يقولون وما ~~يقال لهم، وما لا يكون لهم من الانتفاع بالمعذرة والاستعتاب؛ فمن آمن به ~~آمن بالغيب؛ أو بينا لهم من كل مثل ينبئهم على التوحيد والبعث وصدق الرسول، ~~{ولئن جئتهم بآية} من آيات القرآن {ليقولن الذين كفروا} من فرط عنادهم، ~~وقساوة قلوبهم: {إن أنتم} يعني: الرسول والمؤمنين، {إلا مبطلون(58)} ~~مزورون. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة المؤمنون: 100. # (¬2) - ... في الأصل: «عتابهم»، ولا معنى له. PageV03P278 # كذلك} مثل ذلك الطبع، {يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون(59)} لا ~~يطلبون العلم، ويصرون على خرافات اعتقدوها؛ فإن الجهل المركب يمنع إدراك ~~الحق، ويوجب تكذيب المحق. ms0709 {فاصبر} على أذاهم، {إن وعد الله} بنصرتهم، ~~وإظهار دينك على الدين كله {حق} لا بد من إنجازه {ولا يستخفنك} ولا يحملنك ~~على الخفة والقلق، فإنه لا يستخف إلا الخفيف الذي ليس له في الدين إثبات. ~~{الذين لا يوقنون(60)} بتكذيبهم وإيذائهم، شاكون ضالون لا يستبدع منهم ذلك. # سورة لقمان # بسم الله الرحمن الرحيم # {الم(1) تلك آيات الكتاب الحكيم(2) هدى ورحمة للمحسنين(3)} لأنهم هم ~~المنتفعون به لا غير، {الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم ~~يوقنون(4) أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون(5)، ومن الناس من ~~يشتري لهو الحديث} ما يلهي عما يعني، كالأحاديث التي لا أصل لها، والأساطير ~~التي لا اعتبار فيها، والمضاحيك، وفضول الكلام، وكل ما خرج إلى معنى التلهي ~~(لعله) معناه: استبدال الخوض والباطل بالقرآن وتأويله، {ليضل عن سبيل الله} ~~دينه {بغير علم} بحال ما يشتريه؛ أو بالتجارة، حيث استبدل اللهو بقراءة ~~القرآن، {ويتخذها هزوا} يتخذ السبيل سخرية، {أولئك لهم عذاب مهين(6)} في ~~الدارين، لإهانتهم الحق، باستئثار الباطل عليه. # {وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا} متكبرا عن قبولها، لا يعبأ بها، ~~{كأن لم يسمعها} [460] مشابها حاله حال من لم يسمعها، {كأن في أذنيه وقرا} ~~مشابها من في أذنه ثقل لا يقدر أن يسمع؛ والوقر: ذهاب السمع كله، {فبشره ~~بعذاب أليم(7)} أعلمه أن العذاب يحتفه لا محالة. # { PageV03P279 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم(8)} أي: ~~لهم نعيم جنات، فعكس للمبالغة. {خالدين فيها وعد الله حقا} كائن فعله لا ~~محالة، {وهو العزيز} الذي لا يغلبه شيء يمنعه عن إنجاز وعده ووعيده، ~~{الحكيم(9)} الذي لا يفعل إلا ما تستدعيه حكمته. # {خلق السماوات بغير عمد ترونها، وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم، وبث ~~فيها من كل دابة، وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم(10)} ~~من كل صنف كثير المنفعة؛ وكأنه استدل بذلك على عزته التي هي كمال القدرة، ~~وحكمته التي هي كمال العلم، ومهد به قاعدة التوحيد، [و]قررها بقوله: # {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين ms0710 من دونه}؟ هذا الذي ذكر مخلوقه، ~~فماذا خلق آلهتكم، حتى استحقوا مشاركته، {بل الظالمون في ضلال مبين(11)} ~~إضراب عن تبكيتهم، إلى التسجيل عليهم بالضلال الذي لا يخفى على ناظر. # { PageV03P280 ولقد آتينا لقمان الحكمة} الحكمة في عرف العلماء: استكمال ~~النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية، واستكمال الملكة التامة على ~~الأفعال الفاضلة، على قدر طاقتها؛ وكل من استكمل طاعة الله تعالى، واجتنب ~~كبائر ما نهي عنه، فقد أوتي الحكمة؛ وضده [من] لم يبلغها ولم يؤتها، وتعبر ~~الحكمة بالعقل والعلم (لعله) والعمل والإصابة في الأمور. ومن حكمته أنه صحب ~~داوود شهورا وكان يسرد الدرع فلم يسأله عنها، فلما أتمها لبسها، وقال نعم ~~لبوس الحرب أنت، فقال: «الصمت حكم، وقليل فاعله»، وأن داوود قال له يوما: ~~كيف أصبحت؟ فقال: «أصبحت في يد غيري»، فتفكر داوود في نفسه فصعق. وأنه أمر ~~أن يذبح شاة، ويأتي بأطيب مضغتين منها؛ فأتى باللسان والقلب؛ ثم بعد أيام ~~أمر [بأن] يأتي بأخبث مضغتين منها، فأتى بهما أيضا؛ فسأله عن ذلك فقال: ~~«هما أطيب شيء إذا طابا، وأخبث شيء إذا خبثا». {أن اشكر لله} فإن إيتاء ~~الحكمة في معنى القول، {ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه} لأن نفعه عائد إليها ~~وهو دوام النعمة، واستحقاق مزيدها، {ومن كفر فإن الله غني} لا يحتاج إلى ~~الشكر، {حميد(12)} حقيق بالحمد وإن لم يحمد، ومحمود نطق بحمده جميع ~~مخلوقاته بلسان الحال. # {وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم ~~عظيم(13)} لأن تسويته بين من لا نعمة إلا منه، ومن لا [461] نعمة منه ظلم ~~بين مناف للحكمة. # { PageV03P281 ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا} ذات وهن، {على ~~وهن} أي: تضعف ضعفا فوق ضعف، فإنها لا يزال يتضاعف ضعفها، {وفصاله} وفطامه ~~{في عامين} في انقضائهما، {أن اشكر لي ولوالديك} كأنه أمره بالشكر له على ~~إيجاده، وبالشكر لوالديه على سبب إيجاده، وإنه من أخص النعم وأمهاتها، إذ ~~لم يتوصل إلى النعم الدينية والدنيوية إلا به إذا شكر نعمة الإيجاد، وإن ~~كفرها استحالت النعمة نقمة، ms0711 {إلي المصير(14)} فأجازيك على شكرك أو كفرك. # {وإن جاهداك على أن تشرك بي} أي شرك كان، شرك جحود، أو نفاق؛ وذلك يقتضي ~~جميع مخالفة الله، فالتجاهد: بذل الوسع؛ {ما ليس لك به علم} باستحقاقه ~~الإشراك، تقليدا لهما؛ وقيل: أراد بنفي العلم به نفيه، {فلا تطعهما} في ~~ذلك، {وصاحبهما في الدنيا معروفا} صحابا معروفا يرتضيه الشرع، ويقتضيه ~~الكرم، {واتبع} في الدين، {سبيل من أناب إلي} بالتوحيد والإخلاص؛ ومعناه: ~~دين من أقبل على طاعتي، {ثم إلي مرجعكم، فأنبئكم بما كنتم تعملون(15)} بأن ~~أجازيك على إيمانك وتوحيدك، ومخالفتك لهما، وصحبتك إياهما؛ وأجازيهما على ~~شركهما ودعوتهما لك بالمعصية. # {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل} أي: أن الخصلة من الإساءة أو ~~الإحسان إن تكن مثلا في الصغر كحبة الخردل، {فتكن في صخرة أو في السماوات ~~أو في الأرض} في أخفى مكان وأحرزه، كجوف صخرة أو أعلاه، كمحدب السماوات، أو ~~أسفله كمقعر الأرض، {يأت بها الله} يحضرها، فيحاسب ويجازى عليها، {إن الله ~~لطيف} يصل علمه إلى كل خفي؛ {خبير(16)} عالم بكنهه. # { PageV03P282 يا بني أقم الصلاة} تكميلا لنفسك، {وأمر بالمعروف وانه عن ~~المنكر} تكميلا لغيرك، {واصبر على ما أصابك} من الشدائد، سيما في ذلك، {إن ~~ذلك} إشارة إلى الضمير، أو إلى كل ما أمره، {من عزم الأمور(17)} يجوز أن ~~يكون بمعنى: الفاعل، من قوله: {فإذا عزم الأمر} (¬1) أي: جد، (لعله) وفي ~~موضع: أي الأمور الواجبة التي أمر الله بها. # {ولا تصعر خدك للناس} قيل: لا تمله ولا تولهم صفحة وجهك كما يفعله ~~المتكبرون؛ من الصعر... (¬2) فيلوي عنقه؛ وهذا من حيث الصفة، وأما من حيث ~~المعنى: فالتولي عن أداء حقوقهم، والقطع عن إيصالهم، والاستخفاف بهم، {ولا ~~تمش في الأرض مرحا} أي: فرحا، مصدر وقع موقع الحال؛ أو تمرح مرحا؛ أو لأجل ~~المرح: وهو البطر، {إن الله لا يحب كل مختال فخور(18)} المختال للماشي مرحا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة محمد: 21. # (¬2) - ... في العبارة نقص واضح، وتمامها عند أبي السعود: «من الصعر وهو ~~الصيد، وهو داء يصيب البعير فيلوي به ms0712 عنقه». أبو السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص73. PageV03P283 # واقصد في مشيك} توسط فيه بين الدبيب والإسراع. [462] وعنه - صلى الله ~~عليه وسلم - : «سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن» (¬1) ، {واغضض من صوتك} وأنقص ~~منه وأقصره، {إن أنكر الأصوات} أوحشها، {لصوت الحمير(19)} والحمار في الذم ~~سيما نهاقه، وكذلك يكنى عنه... (¬2) # {ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات} بأن جعله أسبابا محصلة ~~لمنافعكم {وما في الأرض} بأن مكنكم من الانتفاع به بوسط وغير وسط، {وأسبغ ~~عليكم نعمه} الإسباغ: بمعنى العموم، كما قال: {وما بكم من نعمة فمن الله} ~~(¬3) وذلك يعم الإيجاد والإمداد وجلب المنافع، {ظاهرة وباطنة} محسوسة ~~ومعقولة، ما تعرفونه وما لا تعرفونه، {ومن الناس من يجادل في الله} في ~~صفاته وتوحيده {بغير علم} مستفاد من دليل، {ولا هدى ولا كتاب منير(20)} ~~أنزله الله، بل بالتقليد كما قال: # { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة، والخطيب البغدادي في ~~الجامع والديلمي في مسند الفردوس عن ابن عمر، وابن النجار عن ابن عباس. ~~برنامج سلسلة كنوز السنة. # (¬2) - ... هنا وضع الناسخ إحالة إلى الحاشية ولم يكتب فيها شيئا، ~~والعبارة غير واضحة، ونجد توضيحها عند الزمخشري حيث يقول: «والحمار مثل في ~~الذم البليغ والشتيمة، وكذلك نهاقه، ومن استفحاشهم لذكره مجردا وتفاديهم من ~~اسمه: أنهم يكنون به، ويرغبون عن التصريح به فيقولون: الطويل الأذنين...». ~~الزمخشري: الكشاف، 3/393. # (¬3) - ... سورة النحل: 53. PageV03P284 # وإذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله، قالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه ~~آباءنا} وهو منع صريح من التقليد في الأصول، واتباع الآباء محبوب في القلوب ~~بالطباع، مهما توافقت الطباع، إلا ما نهت عنه خشية الله، {أولو كان الشيطان ~~يدعوهم إلى عذاب السعير(21)} إلى ما يؤول إليه الإشراك. # {ومن يسلم وجهه إلى الله} وذلك يتضمن معنى الإذعان والانقياد والإخلاص ~~لله، دون التعالي عليه، والمخالفة لأمره؛ ومعناه: يخلص دينه لله، (لعله) ~~ويفوض أمره له (¬1) ، {وهو محسن} في عمله، {فقد استمسك بالعروة الوثقى} ~~تعلق بأوثق ما يتعلق به، وهو تمثيل للمتوكل المشتغل بالطاعة بمن أراد أن ~~يترقى شاهق جبل، فتمسك ms0713 بأوثق عرى الحبل المتدلي منه، ويحتمل له فيه مثل ~~آخر، وهو قد تحصن بعروة التوحيد عن الإشراك بالله، {وإلى الله عاقبة ~~الأمور(22)} أمور الفريقين إذ الكل صائر إليه. # {ومن كفر فلا يحزنك كفره} إذ ليس موكول إليك كفره، ولا يضرك في الدارين، ~~{إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا} بالإهلاك والتعذيب، {إن الله عليم بذات ~~الصدور(23)} بعقائدها. # {نمتعهم قليلا} تمتيعا أو زمانا قليلا، فإن ما يزول بالنسبة إلى ما يدوم ~~قليل؛ أي: نمهلهم ليتمتعوا بنعيم العاجلة، {ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ(24)} ~~بثقل الأجرام الغلاظ؛ أو يضم إلى الإحراق الضغط. # {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} لوضوح الدليل المانع ~~من إسناد الخلق إلى غيره، بحيث اضطروا إلى إذعانه، {قل: الحمد لله} على ~~إلزامهم، وإلجائهم إلى الاعتراف بما يوجب بطلان معتقدهم، {بل أكثرهم لا ~~يعلمون(25)} # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «أمره إليه له». PageV03P285 # لله ما في السماوات والأرض} لا يستحق العبادة فيهما غيره، {إن الله هو ~~الغني} عن حمد الحامدين، {الحميد(26)} المستحق للحمد، وإن لم يحمد. # {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام} ولو ثبت كون الأشجار أقلاما، {والبحر ~~يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله} [463] تكتبها تلك الأقلام ~~وبذلك المداد؛ وإيثار جمع القلة، للإشعار بأن ذلك لا يفي بالقليل فكيف ~~بالكثير؟، {إن الله عزيز} لا يعجزه شيء، {حكيم(27)} لا يخرج عن علمه وحكمه ~~أمر. والآية قيل جواب لليهود، سألوا رسول الله عن قوله: {وما أوتيتم من ~~العلم إلا قليلا} (¬1) ، ولقد أنزل التوراة وفيها علم كل شيء. # {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} إلا كخلقها وبعثها، إذ لا يشغله شأن ~~عن شأن، لأنه يكفي لوجود الكل تعلق إرادته الواجبة مع قدرته الذاتية، كما ~~قال: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} (¬2) ، {إن الله ~~سميع} يسمع كل مسموع، {بصير(28)} يبصر كل مبصر، لا يشغله إدراك بعضها عن ~~بعض، فكذلك الخلق والبعث. # {ألم تر أن الله يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل وسخر الشمس ~~والقمر كل} من النيرين ms0714 {يجري} في فلكه {إلى أجل مسمى} إلى منتهى معلوم، ~~الشمس إلى آخر السنة، والقمر إلى آخر الشهر؛ وقيل: إلى يوم القيامة، {وأن ~~الله بما تعملون خبير(29)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الإسراء: 85. # (¬2) - ... سورة النحل: 40. PageV03P286 # ذلك} إشارة إلى الذى ذكر من سعة العلم، وشمول القدرة، وعجائب الصنع، ~~واختصاص الباري بها، {بإن الله هو الحق} بسبب هو الثابت في ذاته (¬1) ، ~~الثابتة إلهيته؛ معناه أي: ذلك الذي ذكرت، ليعلموا أن الله هو الحق، {وأن ~~ما تدعون من دونه} هو {الباطل} المعدوم في حد ذاته، لا يوجد ولا يتصف إلا ~~بجعله (¬2) ؛ أو الباطل إلهيته، {وأن الله هو العلي الكبير(30)} متعال عن ~~كل شيء، وقادر على كل شيء. # {الم تر أن الفلك تجري في البحر (¬3) بنعمة الله} بفضله وتفضله على خلقه، ~~في تهيئة أسبابه؛ وهو استشهاد آخر على باهر قدرته، وكمال حكمته، وشمول ~~إنعامه، {ليريكم من آياته} ودلائله، {إن في ذلك لآيات لكل صبار} على ~~المشاق؛ فينصب نفسه بالتفكر في الآفاق والأنفس، {شكور(31)} يعرف النعم، ~~ويتعرف مانحها؛ أو المؤمنين، فإن الإيمان نصفان، نصف صبر، ونصف شكر. # {وإذا غشيهم} علاهم وغطاهم {موج كالظلل} كما يظل من جبل، أو من سحاب، أو ~~غيرها، {دعوا الله مخلصين له الدين} لزوال الهوى والتقليد عن الفطرة بما ~~دهاهم، إلى الخوف الظاهر الشديد، {فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد} مقيم ~~على طريق القصد الذي هو التوحيد، {وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار} غدار؛ ~~فإنه نقض للعهد الفطري؛ وقيل: الختر: أشد الغدر، {كفور(32)} للنعم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... توضيح العبارة عند الزمخشري: «بسبب أنه هو الحق الثابت ~~إلهيته»، وعند أبي السعود: «أي بسبب بيان أنه تعالى هو الحق إلهيته». ~~الزمخشري: الكشاف، 3/296. أبو السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص76. # (¬2) - ... أي أن ما سوى الله تعالى ليس موجودا بذاته وإنما بخلق الله ~~وإيجاده، وجعله كيفما شاء. # (¬3) - ... في الأصل: - «في البحر»، وهو سهو. PageV03P287 # يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده} لا يقضي ~~عنه، أو لا يغني عنه؛ ومعناه: كل امرئ تهمه نفسه، {ولا مولود هو جاز ms0715 عن ~~والده شيئا، إن وعد الله} بالثواب والعقاب، {حق} لا يمكن خلفه، {فلا تغرنكم ~~الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور(33)} الشيطان، بأن يرجيكم الرحمة ~~والمغفرة والجنة مع الإصرار [464] فيجركم على المعاصي، والغرور بالله [هو] ~~الذي أهلك عامة الهالكين. # {إن الله عنده علم الساعة} علم وقت قيامها، {وينزل الغيث} في إبانه ~~المقدر له، والمحل المعين، {ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب ~~غدا} من خير أو شر، وربما يعزم على الشيء ويفعل خلافه، {وما تدري نفس بأي ~~أرض تموت} كما لا تدري في أي أرض تموت. روي أن ملك الموت مر على سليمان، ~~فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه؛ فقال الرجل: من هذا؟ قال : ملك الموت، فقال: ~~كأنه يريدني، فمر الريح أن تحملني وتلقيني بالهند، ففعل؛ فقال الملك: كان ~~دوام نظري إليه تعجبا، إذ أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك. # وإنما جعل العلم لله والدراية للعبد، لأن فيها معنى الحيلة، فيشعر بالفرق ~~(¬1) بين العلمين؛ ويدل على أنه إذا عمل حيلة، وأنفد فيها وسعه، لم يعرف ما ~~هو الحق به من كسبه وعاقبته، فكيف بغيره مما لم ينصب له دليلا عليه؛ وأما ~~ما نصب عليه الدليل، وقصر هو في الحيلة (¬2) في استخراجه من مظانه، فذاك ~~الذي عليه اللوم واقع. # {إن الله عليم} بالأشياء كلها بلا واسطة، {خبير(34} يعلم بواطنها كما ~~يعلم ظواهرها. # سورة السجدة # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يشعر في العرق»، ولا معنى له. # (¬2) - ... في الأصل: «في الحلية... من مضانه»؛ وفيها خطآن. PageV03P288 # الم(1) تنزيل الكتاب لا ريب فيه} فيكون {من رب العالمين(2) أم يقولون: ~~افتراه} معناه: بل يقولون، فإنه إنكار لكونه من رب العالمين؛ وقوله: {بل هو ~~الحق من ربك} فإنه تقرير له، ونظم الكلام على هذا أنه أشار أولا إلى ~~الإعجاز، ثم رتب عليه أن تنزيله من رب العالمين، وقرر ذلك بنفي الريب عنه، ~~ثم أضرب عن ذلك إلى ما يقولون فيه على خلاف ذلك، إنكارا له وتعجبا منه، فإن ~~«أم» منقطعة، ثم أضرب عنه ms0716 إلى إثبات أنه الحق المنزل من الله وهو المقصود ~~من تنزيله فقال: {لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك} أي: لم يأتهم نذير ~~من قبلك؛ قيل: قال قتادة: «كانت أمة أمية لم يأتهم نذير قبل محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - »؛ وقيل: ذلك في الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد - صلى ~~الله عليه وسلم - ، إذ كانوا أهل فترة، {لعلهم يهتدون(3)} بإنذارك إياهم. ~~ثم أثبث معنى (¬1) الربوبية فقال: # {الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على ~~العرش، ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} مالكم إذا جاوزتم رضى الله أحد ~~ينصركم ويشفع لكم؛ أو ما لكم سواه ولي ولا شفيع، بل هو الذي يتولى مصالحكم ~~وينصركم في مواطن نصركم ما كنتم على طاعته، وإن خالفتموه لم يتولكم ولي ولا ~~ناصر، {أفلا تتذكرون(4)} بمواعظ الله!. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «منى»، وهو خطأ. PageV03P289 # يدبر الأمر من السماء إلى الأرض} يدبر أمر الدنيا بأسباب سماوية ~~كالملائكة وغيرها، نازلة آثارها إلى الأرض، {ثم يعرج إليه} يصعد إليه، ~~ويثبت في علمه موجودا، {في يوم كان [465] مقداره ألف سنة مما تعدون(5)} ~~قيل: في برهة من الزمان متطاولة، يعني بذلك استطالة ما بين التدبير ~~والوقوع؛ وقيل: يدبر الأمر بإظهاره في اللوح، فينزل به الملك، ثم يعرج إليه ~~في زمان هو كألف سنة، لأن مسافة نزوله وعروجه مسيرة ألف سنة، لأنه قيل: ما ~~بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة؛ وقيل: يقضي قضاء ألف سنة فينزل به ~~الملك، ثم يعرج بعد الألف لألف آخر؛ وقيل: يدبر الأمر إلى قيام الساعة، ثم ~~يرجع إليه الأمر كله يوم القيامة؛ وقيل: يدبر المأمور به من الطاعات منزلا ~~من السماء إلى الأرض بالوحي، ثم لا يعرج إليه خالصا كما يرتضيه إلا في مدة ~~متطاولة لقلة المخلصين والأعمال الخلص؛ ولم يبن لنا معنى هذا القول، وإنما ~~رسمناه كما وجدناه (¬1) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... والعبارة بحرفيتها نجدها عند أبي السعود، إلا أنه يعلق عليها ~~بقوله: «وأنت خبير بأن قلة الأعمال الخالصة لا تقتضي بطء ms0717 عروجها إلى السماء ~~بل قلته»، وهو تعليق وجيه. انظر: أبو السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص80. PageV03P290 # ذلك عالم الغيب والشهادة} فيدبر أمرها على وفق الحكمة، {العزيز ~~الرحيم(6)} على العباد في تدبيره؛ وفيه إيماء بأنه يراعي المصالح تفضلا ~~وإحسانا. {الذي أحسن كل شيء خلقه} خلقه وما يستعد به ويليق به، ويمده على ~~وفق الحكمة والمصلحة. قال قتادة: «خلق السماء فزينها بالكواكب، وخلق الأرض ~~فزينها بالنبات، وخلق ابن آدم فزينه بالأدب». {وبدأ خلق الإنسان من طين(7)} ~~(لعله) أي: ضعيفا (¬1) . {ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين(8)} (لعله) من ~~طين (¬2) . {ثم سواه} قومه بتصوير أعضائه على ما ينبغي، {ونفخ فيه من روحه} ~~إضافته إلى نفسه تشريفا وإشعارا بأنه خلق عجيب، وأن له شأنا، له مناسبة ما ~~إلى حضرة (¬3) الربوبية، ولأجله [قيل:] «من عرف نفسه فقد عرف ربه». {وجعل ~~لكم السمع والأبصار والأفئدة} خصوصا لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا، لتقتحموا ~~العقبة، {قليلا ما تشكرون(9)} شكرا قليلا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «ضعيف»، والصواب نصبه على أنه حال، أي: «خلق ~~الإنسان ضعيفا». # (¬2) - ... تفسير الماء المهين بالطين عدول عن المعنى الظاهر بغير قرينة، ~~ولعله خطأ من الناسخ. وفي تفسير أبي السعود وهو المعتمد الأساسي للمصنف : ~~«{من ماء مهين} هو المني الممتهن». أبو السعود: المرجع السابق، ص81. # (¬3) - ... في الأصل: «الحضرة»، والصواب ما أثبتناه، كما في تفسير أبي ~~السعود. المصدر نفسه. PageV03P291 # وقالوا} بلسان مقالهم؛ أو لسان حالهم: {أئذا ضللنا في الأرض} أي: صرنا ~~ترابا مخلوطا بتراب الأرض لا يتميز منه، أو غبنا فيها، {أئنا لفي خلق ~~جديد}؟ وهو نبعث ونجدد خلقا (¬1) ، {بل هم بلقاء ربهم} للجزاء {كافرون(10)} ~~جاحدون أو شاكون؛ وهذه حالة قد كانت سبب هلاك أكثر الخلق من المتعبدين ~~واستخفوا بعاقبة أمرهم، ولو أنهم على يقين من ذلك، لما بنوا دينهم على ~~اللهو واللعب؛ وقد قال الله: {إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في ~~شك} (¬2) فكيف جعلهم في الدنيا والعمل صنفين، كما فرقهم في الآخرة والجزاء ~~فريقين (¬3) . {قل: يتوفاكم} ستوفى نفوسكم لا يترك منها شيئا، أو لا يبقي ~~منكم ms0718 أحدا، {ملك الموت الذي وكل بكم} لقبض أرواحكم وإحصاء آجالكم، {ثم إلى ~~ربكم ترجعون(11)} للجزاء. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، وفي تفسيري الزمخشري وأبي السعود: «وهو نبعث أو ~~يجدد خلقنا» ولعل الأصوب إضافة “أن” المصدرية: «وهو أن نبعث ويجدد خلقنا». ~~انظر: الزمخشري: الكشاف، 3/402. أبو السعود: المرجع السابق، ص82. # (¬2) - ... سورة سبأ: 21. وبتمام الآية يتضح معناها: {ولقد صدق عليهم ~~إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين، وما كان له عليهم من سلطان إلا ~~لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك}. # (¬3) - ... يبدو أن في العبارة خللا إذ لم يتضح معناها في هذا السياق، ~~ولعل بها سقطا. PageV03P292 # ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم} حياء وخوفا قائلين: {ربنا ~~أبصرنا} وعدك ووعيدك، {وسمعنا} منك ما كنا به مكذبين، وسمعنا ما آتانا به، ~~رسلنا... تصديق رسلك (¬1) ، {فارجعنا} إلى الدنيا التي هي دار العمل، {نعمل ~~صالحا إنا موقنون(12)} إذ لم يبق لنا شك بما شاهدنا، فلم ينفعهم إيقانهم ~~ذاك بعد ما رأوه عين اليقين، إذ لم يعلموا [466] علم اليقين في الدنيا، لأن ~~إيمانهم ذاك لم يكن إيمانا بالغيب، وقد قال الله: {الذين يؤمنون بالغيب} (¬2) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، وفي الكشاف: «أبصرنا صدق وعدك ووعيدك، وسمعنا ~~منك تصديق رسلك». الزمخشري: الكشاف، 3/403. # (¬2) - ... سورة البقرة: 3. PageV03P293 # ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} هدى السعادة، لأن هدى البيان قد أوتي كل ~~نفس، {ولكن حق القول مني} ثبت قضائي، وسبق وعيدي، وهو: {لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين(13)} وذلك تصريح بعدم (¬1) إيمانهم لعدم المشيئة ~~[و]الحكم بأنهم من أهل النار، ولا يدفعه جعل ذوق العذاب مسببا عن نسيانهم ~~العاقبة، وعدم تفكرهم فيها لقوله: {فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا} فإنه ~~من الوسائط والأسباب المقتضية له؛ ومعناه: تركتم الإيمان في الدنيا، {إنا ~~نسيناكم} تركناكم من الرحمة في العذاب ترك المنسي، {وذوقوا عذاب الخلد بما ~~كنتم تعملون(14)} كرر الأمر للتأكيد، ولما ينط (¬2) به من التصريح بمفعوله، ~~وتعليله بأفعالهم السيئة، من التكذيب والمعاصي؛ كما علله بتركهم تدبر أمر ~~العاقبة، والتفكر فيها دلالة أن ms0719 كلا منهما يقتضي ذلك. # {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها} وعظوا بها، {خروا سجدا} مذعنين ~~منقادين، مسلمين أمرهم لله خوفا من عذابه لا يريدون بدلا سواه، {وسبحوا} ~~نزهوه عما لا يليق به، {بحمد ربهم} حامدين له، شكرا على ما وفقهم للإسلام ~~وآتاهم الهدى، {وهم لا يستكبرون(15)} من الإيمان والطاعة، كما يفعل من يصر ~~مستكبرا. {تتجافى جنوبهم} ترتفع وتتنحى {عن المضاجع} الفرش ومواضع النوم، ~~{يدعون ربهم} يعبدونه {خوفا} من سخطه {وطمعا} في رحمته، {ومما رزقناهم ~~ينفقون(16)} في وجوه الخير. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «بعد». # (¬2) - ... «النط: الشد، يقال: نطه، وناطه ونط الشيء ينطه نطا: مده». ولم ~~يتضح معناه في هذا السياق. ر: ابن منظور: لسان العرب، ج6/ ص661، مادة «نطط». PageV03P294 # فلا تعلم نفس ما أخفي لهم} لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، {من قرة أعين} مما ~~تقر به عيونهم، {جزاء بما كانوا يعملون(17)} «أخفي» للجزاء، فإن إخفاءه ~~لعلو شأنه؛ وقيل هذا [لأن] (¬1) القوم أخفوا أعمالهم، فأخفى الله ثوابهم. ~~{أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون(18)} في الجزاء كما لم يستووا في ~~العمل. {أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى} فإنها المأوى ~~الحقيقي، والدنيا منزل (لعله) مرتحل عنه لا محالة؛ وقيل المأوى جنة من ~~الجنان، {نزلا بما كانوا يعملون(19)} بسبب أعمالهم. # {وأما الذين فسقوا فمأواهم النار} مكان جنة المأوى للمؤمنين، {كلما ~~أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها} عبارة عن خلودهم فيها؛ {وقيل لهم: ~~ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون(20)} إهانة لهم. {ولنذيقنهم من ~~العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر (¬2) } من ضيق العذاب وشدته عذاب الدنيا؛ ~~وهو وعيد لكل من فسق عن أمر الله، فهو معذب العذاب الأدنى دون المؤمنين، ~~بجميع ما يناله من مقاساتها وجمعها، والادخار لها، وفوات محبوباتها، ولا ~~يثابون عليه كالمؤمنين، فتستحيل البلية عليهم نعمة لهم، والفاسقون [467] ~~تستحيل النعمة لهم بلية عليهم، جزاء على تركهم أمر الله، {لعلهم ~~يرجعون(21)} يتوبون. # { # ¬__________ # (¬1) - ... من إضافتنا ليستقيم المعنى، أو لعل الصواب: «وقيل: هؤلاء ~~القوم» كما في تفسير أبي السعود: المرجع السابق، ص85. ms0720 # (¬2) - ... في الأصل: «الأنى». - {دون العذاب الأكبر}، وهو سهو. PageV03P295 # ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه} وهو قيام الحجة بالعلم من أي حال كان، ~~وأثبته وأقواه قيام الدليل من عقله، {ثم أعرض عنها} فلم يتفكر فيها، ولم ~~يعمل بها، و«ثم» لاستبعاد الإعراض عنها، مع فرط وضوحها، وإرشادها إلى أسباب ~~السعادة بعد التذكير بها عقلا، كما قيل: # ولا يكشف الغماء إلا ابن ... حرة ... يرى غمرات الموت ثم ... يزورها # {إنا من المجرمين منتقمون(22)} النقمة: المكافأة بالعقوبة. # {ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية} شك {من لقائه} من لقائك الكتاب ~~كقوله (¬1) : {وإنك لتلقى القرآن} (¬2) فإنا آتيناك من الكتاب مثل ما ~~آتيناه منه، فليس ذلك ببدع حتى ترتاب فيه، أو من لقاء موسى الكتاب، أو من ~~لقائك موسى. {وجعلناه} أي: المنزل على موسى، {هدى لبني إسرائيل(23)، وجعلنا ~~منهم أئمة يهدون بأمرنا} إياهم به، أو بتوفيقنا له، {لما صبروا} على التعلم ~~للعلم، والعمل بما فيه، {وكانوا بآياتنا} بحججنا البالغة لهم {يوقنون(24)} ~~لإمعانهم فيها النظر، واليقين: إزاحة الشك. # {إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة} يقضي، فيميز الحق من الباطل بتمييز ~~المحق من المبطل، {فيما كانوا فيه يختلفون(25)} من أمر الدين. {أولم يهد ~~لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم} لأن الماضي عبرة ~~للآتي، {إن في ذلك لآيات، أفلا يسمعون(26)}؟!. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «بقوله». وصححناه من تفسير أبي السعود: المرجع ~~السابق، ص86. # (¬2) - ... سورة النحل: 6. PageV03P296 # أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز} التي لا تنبت لعدم الماء، أو ~~أكل نباتها، الذي (¬1) جرز نباتها، أي: قطع وأزيل، {فنخرج به زرعا تأكل منه ~~أنعامهم وأنفسهم، أفلا يبصرون(27)}؟! فيستدلون به على كمال قدرته وفضله!. # {ويقولون: متى هذا الفتح} النصر أو الفصل بالحكومة من قوله: {ربنا افتح ~~بيننا} (¬2) ، {إن كنتم صادقين(28)} في الوعد به. {قل: يوم الفتح لا ينفع ~~الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون(29)} قيل: هو يوم القيامة، أو يوم بدر، ~~أو يوم فتح مكة؛ والمراد بالذين كفروا: المقتولون منهم فيه، فإنه لا ينفعهم ~~إيمانهم حين القتل، ms0721 ولا يمهلون. # {فأعرض عنهم} ولا تبالي بتكذيبهم، {وانتظر} النصرة عليهم {إنهم ~~منتظرون(30)} الغلبة عليك؛ وقرئ بالفتح، على معنى أنهم أحقاء بأن ينتظر ~~هلاكهم، وأن ملائكة الموت ينتظرونهم. # - - - - # سورة الأحزاب # بسم الله الرحمن الرحيم # {يا أيها النبي اتق الله} ناداه بالنبي، وأمره بالتقوى، تعظيما له، ~~وتفخيما لشأن التقوى؛ والمراد به: الأمر بالثبات عليه، ليكون مانعا له عما ~~نهى عنه بقوله: {ولا تطع الكافرين والمنافقين، إن الله كان عليما حكيما(1)، ~~واتبع ما يوحى إليك من ربك} كالنهي عن طاعتهم. {إن الله كان بما تعملون ~~خبيرا(2)} فموح إليك ما يصلح، ومغن (لعله) عن الاستماع إلى الكفرة. {وتوكل ~~على الله} وكل أمرك إلى تدبيره، {وكفى بالله وكيلا(3)} موكولا إليه الأمور كلها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لعل الصواب: «أو التي». # (¬2) - ... سورة الأعراف: 89. وقد جاءت على لسان شعيب وقومه المؤمنين، ~~وتمامها: {على الله توكلنا، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير ~~الفاتحين}. PageV03P297 # ما جعل الله لرجل من قلبين [468] في جوفه} أي: ما جمع قلبين في جوف، لأن ~~القلب معدن الروح الحيواني المتعلق للنفس الإنساني أولا، ومنبع القوى ~~بأسرها، وذلك بمنع (¬1) التعدد. # {وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم، وما جعل أدعياءكم ~~أبناءكم، ذلكم قولكم بأفواهكم} لا حقيقة له، كقول الهاذي، {والله يقول ~~الحق} ماله حقيقة عينية مطابقة، {وهو يهدي السبيل(4)} سبيل الحق. {ادعوهم ~~لآبائهم هو أقسط عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ~~ومواليكم} وأولياؤكم فيه، لأنهم خلقوا على الفطرة والدين القيم ما لم ~~تعلموا منهم خلافا، {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به، ولكن ما تعمدت ~~قلوبكم، وكان الله غفورا رحيما(5)}. # &{النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} في الأمور كلها، فإنه لا يأمرهم ولا ~~يرضى منهم إلا بما فيه خلاصهم ونجاتهم بخلاف النفس، {وأزواجه أمهاتهم} ~~منزلات منزلتهن في التحريم واستحقاق التعظيم، باختيارهن الإيمان بعد ~~التخيير، ولذلك صرن أمهات المؤمنين، {وأولو الأرحام} وذوو القربات {بعضهم ~~أولى ببعض} في التوارث، وهو نسخ لما كان في صدر الإسلام من التوارث ~~[بالهجرة والموالاة في الدين] (¬2) ، {في كتاب الله} في اللوح، أو ms0722 فيما ~~أنزل، {من المؤمنين والمهاجرين} أي: أولوا الأرحام بحق القرابة أولى ~~بالميراث من المؤمنين بحق الدين، {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم} (لعله) في ~~الدين {معروفا} لكن إن وصلتموهم بشيء من الثلث والإحسان إليهم بالمال ~~والنفس في الحياة {كان ذلك في الكتاب مسطورا(6)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... يمكن أن نقرأ: «يمنع»، أو «لمنع». # (¬2) - ... إضافة من تفسير أبي السعود ليستقيم المعنى. مج4/ ج7/ ص91. PageV03P298 # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم} عهودهم بتبليغ ما أرسلوا به، {ومنك ومن ~~نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم} خصهم بالذكر لأنهم مشاهير أرباب ~~الشرائع، {وأخذنا منهم ميثاقا غليظا(7)} عظيم الشأن. {ليسأل الصادقين عن ~~صدقهم} سؤال رحمة لا سؤال عذاب، {وأعد للكافرين عذابا أليما(8)}. # {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود} يعني ~~الأحزاب، {فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها} قيل: بعث الله عليهم صبا ~~باردة في ليلة شاتية فأخصرتهم (¬1) ، وسفت التراب في وجوههم وأطفئت ~~نيرانهم، وقلعت خيامهم، وماجت الخيل في بعضها البعض، وكبرت الملائكة في ~~جوانب العسكر، وقال قائلهم: «أما محمد فقد بدأكم بالسحر فالنجا النجا» ~~فانهزموا من غير قتال، {وكان الله بما تعملون بصيرا(9)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في تفسيري الزمخشري وأبي السعود، وفي اللسان: «الخصر ~~بالتحريك البرد يجده الإنسان في أطرافه... وخصر الرجل: إذا آلمه البرد في ~~أطرافه». فأخصرتهم: أوقعتهم في الخصر، أي البرد وآلمت أطرافهم. ويمكن أن ~~تكون الكلمة بالحاء المهملة: «فأحصرتهم»، قال في اللسان: «والحصر: ضيق ~~الصدر... وأحصره المرض: منعه من السفر أو من حاجة يريدها»، لهذا فيمكن أن ~~يكون المراد بقوله: «فأحصرتهم» فمنعتهم وحبستهم عن مرادهم من أذى المسلمين ~~وقتالهم. والله أعلم. ر: الزمخشري: الكشاف، 3/417. أبو السعود: تفسير، مج4/ ~~ج7/ ص93. ابن منظور: لسان العرب، ج1/ ص650، مادة «حصر»؛ ج2/ ص839-841، ~~مادة: «خصر». الفيروزآبادي: القاموس، ص339، مادة: «حصر». PageV03P299 # إذ جاءوكم من فوقكم} من أعلا الوادي، {ومن أسفل منكم} من أسفله {وإذ زاغت ~~الأبصار} مالت عن مستوى نظرها حيرة وشخوصا، {وبلغت القلوب الحناجر} رعبا، ~~لأن الرئة تنتفخ من شدة الروع، فترتفع بارتفاعها إلى رأس الحنجرة، ms0723 وهي ~~منتهى الحلقوم مدخل الطعام والشراب، {وتظنون بالله الظنونا(10)} الأنواع من ~~الظن، فظن المخلصون [569] ثبت القلوب أن الله منجز وعده في إعلاء دينه، أو ~~ممتحنهم فخافوا الزلل وضعف الاحتمال؛ والضعاف القلوب والمنافقون ما حكى ~~عنهم. {هنالك ابتلي المؤمنون} اختبروا فظهر المخلص من المنافق، {وزلزلوا ~~زلزالا شديدا(11)} وحركوا حركة شديدة بشدائد وأهوال. # {وإذ يقول} بلسان مقالهم أو لسان حالهم {المنافقون والذين في قلوبهم مرض} ~~ضعف اعتقاد، {ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا(12)} (لعله) وذلك مما خيل لهم ~~الشيطان، ولم يعلموا أنهم هم في الغرور، لقوله تعالى: {إن الكافرون إلا في ~~غرور} (¬1) ، وقوله: {فدلاهما بغرور} (¬2) ، فقد حكم الله وأخبر أن كل ما ~~يدعو إليه الشيطان فهو غرور، وكل ما وعد به الله وملائكته ورسله، وما جاء ~~في كتبه، وما ألهمه خلقه من الحق، يدعو الناس إبليس على أن ذلك غرور وباطل، ~~قولا باطلا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الملك: 20. # (¬2) - ... سورة الأعراف: 22. PageV03P300 # وإذ قالت طائفة منهم: يا أهل يثرب، لا مقام لكم} هاهنا فارجعوا} إلى ~~منازلكم هاربين، {ويستأذن فريق منهم النبي} للرجوع، {يقولون: إن بيوتنا ~~عورة} غير حصينة، وأصله: الخلل، {وما هي بعورة} بل هي حصينة، {إن يريدون ~~إلا فرارا(13)} وما يريدون بذلك إلا الفرار من القتال. {ولو دخلت عليهم من ~~أقطارها} من جوانبها، {ثم سئلوا الفتنة} الردة، ومقابله: {لآتوها} لأعطوها، ~~وقرئ بالقصر، أي: لفعلوها {وما تلبثوا بها} بالفتنة أو بالمدينة بعد الرجوع ~~{إلا يسيرا(14)، ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار، وكان عهد ~~الله مسئولا(15)} مسؤولا عن الوفاء به مجاز. # {قل: لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل} فإنه لا بد لكل شخص ~~من حتف أنف، أو قتل في وقت معين، سبق به القضاء وجرى عليه القلم، {وإذا لا ~~تمتعون إلا قليلا(16)، قل: من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو ~~أراد بكم رحمة، ولا يجدون لهم من دون الله وليا} ينفعهم، {ولا نصيرا(17)} ~~يدفع الضر عنهم. # {قد يعلم الله المعوقين منكم} المثبطين عن رسول الله، {والقائلين ~~لإخوانهم} ms0724 من ساكني المدينة: {هلم إلينا} قربوا أنفسكم إلينا، {ولا يأتون ~~البأس إلا قليلا(18)} فإنهم يعتذرون ويثبطون ما أمكن لهم. # { PageV03P301 أشحة عليكم} بخلاء عليكم بالمعاونة، {فإذا جاء الخوف ~~رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم} في أحداقهم {كالذي يغشى عليه من الموت} من ~~معالجة سكرات الموت، {فإذا ذهب الخوف} وحيزت الغنائم {سلقوكم بألسنة حداد} ~~يطلبون الغنيمة؛ والسلق: البسط بقهر اليد أو باللسان، {أشحة على الخير، ~~أولئك لم يؤمنوا} إخلاصا، {فأحبط الله أعمالهم} فأظهر بطلانهم، أو أبطل ~~تصنعهم ونفاقهم، أو أبطل ما فعلوه من المبار، {وكان ذلك على الله ~~يسيرا(19)}. # {يحسبون الأحزاب لم يذهبوا} أي: هؤلاء [470] لجبنهم يظنون أن الأحزاب لم ~~ينهزموا، {وإن يأت الأحزاب} كرة ثانية {يودوا لو أنهم بادون في الأعراب} ~~تمنوا أنهم خارجون في البدو، {يسألون} كل قادم من جانب المدينة {عن ~~أنبائكم} عما جرى عليكم، {ولو كانوا فيكم} هذه الكرة، ولم يرجعوا إلى ~~المدينة، وكان قتال، {ما قاتلوا إلا قليلا(20)} رياء وخوفا من التعيير. # {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} خصلة حسنة من حقها أن يتأسى بها كل ~~مؤمن، كالثبات في الحرب ومقاساة الشدائد، {لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} ~~أي: ثواب الله، {وذكر الله كثيرا(21)} وقرن بالرجاء كثرة الذكر المؤدية إلى ~~ملازمة الطاعة، فإن المتأسي بالرسول من كان كذلك. # { PageV03P302 ولما رأى المؤمنون الأحزاب، قالوا: هذا ما وعدنا الله ~~ورسوله} بقوله تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا ~~من قبلكم} (¬1) ، وقوله - عليه السلام - : «يشتد الأمر باجتماع الأحزاب ~~عليكم والعاقبة لكم عليهم» (¬2) ، {وصدق الله ورسوله}وظهر خبر الله ورسوله، ~~أو صدقه في النصرة والثواب كما صدقا في الإظهار، {وما زادهم} لما رأو ~~البلاء {إلا إيمانا} بالله ومواعيده، {وتسليما(22)} لأوامره ومقاديره. # {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} من الثبات مع الرسول ~~والمقاتلة لأعداء الدين، {فمنهم من قضى نحبه} نذره، بأن قاتل حتى استشهد، ~~والنحب: النذر، استعير للموت لأنه كنذر لازم في رقبة كل حيوان، {ومنهم من ~~ينتظر} الشهادة، {وما بدلوا} شيئا من الدين، وما غيروه، ms0725 {تبديلا(23)} فيه ~~تعريض لأهل النفاق ومراض (¬3) القلوب بالتبديل، {ليجزي الله الصادقين ~~بصدقهم؛ ويعذب المنافقين إن شاء، أو يتوب عليهم} تعليل للمنطوق والمعرض به، ~~فكأن المنافقين صدقوا بالتبديل عاقبة السوء، كما قصد الخلص بالثبات ~~والوفاء، {إن الله كان غفورا رحيما(24)} للتائب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البقرة: 214. # (¬2) - ... لم نعثر عليه في الربيع، ولا في الكتب التسعة، ولا في الجامع ~~الصغير وزياداته. # (¬3) - ... يجمع مريض على مرضى، وعلى مراض كما أورده المصنف هنا، قال في ~~القاموس: «مرض كفرح، مرضا، ومرضا، فهو مرض ومريض ومارض، ج: مراض ومرضى ~~ومراضى». الفيروزآبادي: القاموس، ص587، مادة: «مرض». PageV03P303 # ورد الله الذين كفروا} يعني: الأحزاب {بغيظهم} متغيظين {لم ينالوا خيرا} ~~غير ظافرين، {وكفى الله المؤمنين القتال} بهزيمتهم بالريح والملائكة، {وكان ~~الله قويا} على إيجاد ما يريده، {عزيزا(25)} غالبا على كل شيء. {وأنزل ~~الذين ظاهروهم} ظاهروا الأحزاب، أي: عاونوا الأحزاب {من أهل الكتاب من ~~صياصيهم} من حصونهم، {وقذف في قلوبهم الرعب} الخوف، {فريقا تقتلون، وتأسرون ~~فريقا(26) وأورثكم أرضهم} مزارعهم، {وديارهم} حصونهم، {وأموالهم} نقودهم ~~ومواشيهم وأثاثهم، {وأرضا لم تطئوها} قيل: كل أرض تفتح، {وكان الله على كل ~~شيء قديرا(27)}. # {يا أيها النبي، قل لأزواجك: إن كنتن تردن الحياة الدنيا} السعة والتنعم ~~فيها، لا التزود منها، [471] {وزينتها} زخارفها الظاهرة، كما الذين لا ~~يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، {فتعالين ~~أمتعكن} أعطكن المتعة، {وأسرحكن سراحا جميلا(28} طلاقا من غير ضرار وبدعة، ~~كأن هذه الآية تدل على أنه نهى عن معاشرة الأزواج المنافقات، وكأنه خص بهذا ~~دون أمته. {وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة، فإن الله أعد ~~للمحسنات منكن أجرا عظيما(29)} تستحقر دونه الدنيا وزينتها. # {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة} ظاهر قبحها، {يضاعف لها العذاب ~~ضعفين، وكان ذلك على الله يسيرا(30) ومن يقنت منكن} ومن تدم على الطاعة ~~{لله ورسوله وتعمل صالحا، نؤتها أجرها مرتين} قيل: مرة على الطاعة، ومرة ~~على طلبهن رضى النبي بالقناعة وحسن المعاشرة، {وأعتدنا لها رزقا كريما(31)} ~~في الجنة على أجرها. # { PageV03P304 يا نساء النبي، ms0726 لستن كأحد من النساء إن اتقيتن} مخالفة حكم ~~الله ورضى رسوله، {فلا تخضعن بالقول} مثل قول المريبات، {فيطمع الذي في ~~قلبه مرض، وقلن قولا معروفا(32)} حسنا بعيدا عن الريبة، {وقرن في بيوتكن} ~~أمرهن الله بالوقار والقرار جميعا، وقرئ: وقرن، بفتح القاف (¬1) ، أي: ~~الزمن في بيوتكن (¬2) ، ومن كسره: فهو أمر بالوقار، {ولا تبرجن تبرج ~~الجاهلية الأولى} تبرجا مثل تبرج النساء في أيام الجاهلية القديمة، ~~والجاهلية الأولى: هي التي قبل ظهور الإسلام، وهي جاهلية الكفر. والتبرج: ~~هو إظهار ما وجب (لعله) إخفاؤه، {وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ~~ورسوله} في سائر ما أمركن به، ونهاكن عنه، {إنما يريد الله ليذهب عنكم ~~الرجس} الذنب المدنس لعرضكم، {أهل البيت ويطهركم} عن المعاصي {تطهيرا(33} ~~استعار الرجس للمعصية، والترشيح (¬3) بالتطهير للتنفير عنها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... اعتمدنا قراءة حفص في ضبط الآيات، وهي تتفق مع قراءة ورش على ~~فتح القاف. قال الألوسي: «{وقرن} من قر يقر من باب علم، أصله: «اقررن»... ~~وقرأ الأكثر: «وقرن» بكسر القاف، من وقر يقر وقارا إذا سكن وثبت، أصله: ~~أوقرن». الألوسي: روح المعاني، ج22/ ص6. # (¬2) - ... لعل الأصوب: «الزمن بيوتكن»، فالفعل يتعدى بنفسه، بلا حرف الجر. # (¬3) - ... في القاموس: «الترشيح: التربية، وحسن القيام على المال». ~~الفيروزآبادي: القاموس، ص199، مادة: «رشح». PageV03P305 # واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} من الكتاب الجامع بين ~~الأمرين؛ وهو تذكير بما أنعم عليهن من حيث جعلهن أهل بيت النبوة ومهبط ~~الوحي، وما شاهدن من بركات الوحي مما يوجب قوة الإيمان، والحرص على الطاعة، ~~حثا على الانتهاء والائتمار في ما كلفن به، {إن الله كان لطيفا خبيرا(34)} ~~يعلم ويدبر ما يصلح للدارين. # {إن المسلمين والمسلمات} الداخلين في السلم لحكم الله، {والمؤمنين ~~والمؤمنات} المصدقين بما يجب أن يصدق، {والقانتين والقانتات} المداومين على ~~الطاعة، {والصادقين والصادقات} في القول والعمل والنية، {والصابرين ~~والصابرات} على الطاعات وعن المعاصي، {والخاشعين والخاشعات} المتواضعين لله ~~بقلوبهم وجوارحهم، {والمتصدقين والمتصدقات} بالواجب وغيره من أموالهم، ~~{والصائمين والصائمات} المفروض وغيره، {والحافظين فروجهم والحافظات} عن ~~الحرام، {والذاكرين الله كثيرا والذاكرات} بقلوبهم وألسنتهم ms0727 ذكر إخلاص بما ~~يردعهم عن المعاصي، وينهضهم إلى الطاعات، ولا يكون من الذاكرين الله كثيرا ~~حتى يذكره في جميع أحواله، {أعد الله لهم مغفرة} بما اقترفوا من الصغائر ~~لأنهن مكفرات مع الانتهاء عن الكبائر، {وأجرا عظيما(35)} على طاعتهم. # {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة} ما صح له {إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون ~~لهم الخيرة من أمرهم} يقول: ما كان لهم الخيرة فيما (¬1) اختاره الله وقضاه ~~لهم وعليهم؛ بل ليس لهم أن يختاروا من أمرهم شيئا، بل يجب عليهم أن يجعلوا ~~اختيارهم تبعا لاختيار الله ورسوله، {ومن يعص الله ورسوله} فيما أمر به من ~~قضائهما، {فقد ضل ضلالا مبينا(36)} بين الانحراف عن طريقة الصواب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: + «فيما»، وهو تكرار. PageV03P306 # وإذ تقول للذي أنعم الله عليه} بتوفيقه للإسلام، وتوفيقك لعتقه، {وأنعمت ~~عليه} بما وفقك الله فيه، قيل هو زيد بن حارثة، {أمسك عليك زوجك} زينب، ~~{واتق الله} في أمرها، {وتخفي في نفسك ما الله مبديه} هو نكاحها إن طلقها، ~~أو إرادة طلاقها، {وتخشى الناس} تعييرهم إياك به، {والله أحق أن تخشاه} ~~أوجب أن يخشى، وليست المعتابة على الإخفاء وحده فإنه حسن، بل على الإخفاء ~~مخافة قالة الناس، وإظهار ما ينافي إضماره، فإن الأولى به في أمثال ذلك ~~[أن] يصمت ويفوض الأمر إلى ربه وهذا من أعمال الباطن. # {فلما قضى زيد منها وطرا} حاجة (لعله) طلقها كرامة للنبي، فزوجها الله ~~بنبيه، كما قال: {زوجناكها، لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا} بالنكاح وطلقوهن، أو ماتوا عنهن، {وكان أمر ~~الله مفعولا(37)} أمره الذي يريده مكونا لا محالة. # {ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له} قسم له وقدر، {سنة الله} من ~~ذلك سنته {في الذين خلوا من قبل، وكان أمر الله قدرا مقدورا(38)} قضاء ~~مقضيا، وحكما مثبوتا. {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه، ولا يخشون أحدا ~~إلا الله} لا يخشون مقالة الناس ولائمتهم فيما أحل الله لهم، وفرض عليهم، ~~{وكفى بالله حسيبا(39)} كافيا (¬1) للمخاوف، أو ms0728 محاسبا، فينبغي أن لا يخشى ~~إلا منه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «كان»، ولا معنى له، والصواب ما أثبتناه من تفسير ~~أبي السعود مج4/ ج7/ ص106. PageV03P307 # ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله ~~بكل شيء عليما(40) يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا(41)} قيل: ~~خالصا، (لعله) أو بغالب (¬1) الأوقات، ويعم أنواع ما [هو] أهله من التقديس ~~والتحميد والتهليل والتمجيد؛ وقيل: في جميع أحوالكم التي يجب عليكم فيها ~~ذكر الله تعالى، [473] لأنهم إذا ذكروا الله في شيء دون شيء صار ذكرا ~~قليلا، ولم ينفع، كمن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، {وسبحوه بكرة ~~وأصيلا(42)} أول النهار وآخره خصوصا، أو تخصيصهما بالذكر للدلالة على ~~فضلهما على سائر الأوقات، وقيل: المراد بالتسبيح: الصلاة أو الطاعة عموما، ~~وهذا يستوعب كل النهار، وذلك ما دام المتعبد معتصما بالجملة غير خارج منها ~~بشيء من معاصي الله تعالى، فهو في الحقيقة موحد لله، وذاكر له، ومسبح له، ~~وإن لم يسبح بلسانه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «بغلب»، وهو خطأ. PageV03P308 # هو الذي يصلي عليكم وملائكته} فقيل: صلاة الله عليهم: رحمته لهم، وغفرانه ~~لذنوبهم، وصلاة الملائكة لهم: استغفارهم لهم ليس بالركوع والسجود [وإنما] ~~بالاستغفار لكم والقيام بما يصلحكم، والمراد بالصلاة المشترك وهو العناية ~~بصلاح أمركم وظهور شرفكم، (لعله) مستعار من الصلو، وقيل: الترحم والانعطاف ~~المعنوي مأخوذ من الصلاة المشتملة على الانعطاف الصوري الذي هو الركوع ~~والسجود؛ واستغفار الملائكة ودعاؤهم للمؤمنين ترحم عليهم سيما وهو سبب ~~للرحمة من حيث إنهم مجابو الدعوة، {ليخرجكم من الظلمات إلى النور} ليحفظكم ~~بتوفيقه من ظلمات الكفر والمعصية إلى نور الإيمان والطاعة، {وكان بالمؤمنين ~~رحيما(43)} حيث تفضل عليهم بصلاح أمرهم واستعمل في ذلك ملائكته المقربين. # {تحيتهم يوم يلقونه} عند الموت أو القيامة؛ أو دخول الجنة {سلام} إخبار ~~بالسلامة عن كل مكروه وآفة، {وأعد لهم أجرا كريما(44)} هي الجنة. # {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا} على ما بعتث إليهم، بتصديقهم ~~وتكذيبهم، {ومبشرا ونذيرا(45) وداعيا إلى الله} إلى الإقرار به وبتوحيده، ~~وبما يجب الإيمان ms0729 به من صفاته. {بإذنه} بتيسيره، أطلق له من حيث إنه من ~~أسبابه، وقيد به الدعوة إيذانا بأنه أمر صعب لا يتأتى إلا بمعونة منه، ~~{وسراجا منيرا(46)} يستضاء به عن (¬1) ظلمات الجهالة، وتقتبس من نوره أنوار ~~البصائر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الأصوب: «في». PageV03P309 # وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا(47)} على أجر أعمالهم. {ولا ~~تطع الكافرين والمنافقين} تهييج له على ما هو عليه من مخالفتهم، {ودع ~~أذاهم} إيذاءهم إياك، ولا تحفل به، أو إيذاك إياهم مجاراة (¬1) ، {وتوكل ~~على الله وكفى بالله وكيلا(48)} موكولا إليه الأمر في الأحوال كلها. # {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ~~فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} تحصونها عليهن بالأقراء والأشهر، {فمتعوهن ~~وسرحوهن} خلوا سبيلهن، {سراحا جميلا(49)} كما أمر الله. (سراحا جميلا) (¬2) . # {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك ~~مما أفاء الله عليك، وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي ~~هاجرن معك، وامرأة مؤمنة إن [374] وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن ~~يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين} ليس لأحد من المؤمنين دونك؛ {قد علمنا ~~ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج، وكان ~~الله غفورا رحيما(50)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... يمكن أن نقرأ: «مجازاة»، وكلا المعنيين جائزان. # (¬2) - ... ما بين قوسين تكرار لا معنى له. PageV03P310 # ترجي من تشاء منهن} تترك مضاجعتها، {وتؤوي إليك من تشاء}، وتضم إليك ~~وتضاجعها، {ومن ابتغيت} طلبت، {ممن عزلت فلا جناح عليك؛ ذلك أدنى} أقرب {أن ~~تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن} ذلك التفويض إلى مشيئتك أقرب ~~إلى قرة أعينهن، وقلة حزنهن، ورضائهن جميعا، لأنه حكم لهن كلهن فيه سواء، ~~ثم إن سويت بينهن وجدن ذلك تفضلا منك، وإن رجحت بعضهن علمن أنه بحكم الله ~~فتطمئن نفوسهن، {والله يعلم ما في قلوبكم} من أمر النساء والميل إلى بعض ~~دون بعض. {وكان الله عليما حليما(51)}. # {لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك ms0730 حسنهن} حسن ~~الجمال والدين، {إلا ما ملكت يمينك، وكان الله على كل شيء رقيبا(52)} ~~فتحفظوا أمركم ولا تتخطوا ما حد لكم. # { PageV03P311 يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن ~~لكم} إلا مأذونا لكم {إلى طعام} متعلق ب«يؤذن»، لأنه متضمن معنى يدعى، ~~للإشعار بأنه لا يحسن الدخول على الطعام من غير دعوة وإن أذن، كما أشعر به ~~قوله: {غير ناظرين إناه} غير منتظرين وقته، أو إدراكه، {ولكن إذا دعيتم ~~فادخلوا، فإذا طعمتم فانتشروا} تفرقوا ولا تمكثوا؛ والآية خطاب لقوم كانوا ~~يتحينون طعام رسول الله، فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه، مخصوصة ~~وبأمثالهم، وإلا لما جاز لأحد أن يدخل بيوته بالإذن لغير الطعام ولا اللبث ~~بعد الطعام لمهم؛ والآية كأنها مخصوصة في الظاهر بالنهي عن الدخول لبيوت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولكن يقتضي معناها المنع عن الدخول إلى ~~الأكل لجميع البيوت، إلا بدعوة أو دلالة سبقت لها الأمارات على إباحتها. ~~{ولا مستأنسين لحديث} لحديث بعضكم بعض، أو لحديث أهل البيت بالتسمع له، عطف ~~على «ناظرين»، أو مقدر بفعل، أي: ولا تدخلوا ولا تمكثوا مستأنسين، {إن ~~ذلكم} اللبث {كان يؤذي النبي} لتضييق المنزلة عليه، وعلى أهله، وإشغاله بما ~~لا يعنيه عما يعنيه. {فيستحيي منكم} من إخراجكم، لقوله: {والله لا يستحيي ~~من الحق} يعني أن إخراجكم حق فينبغي أن لا يترك حياء كما لا يتركه الله ترك ~~الحيي، فأمركم بالخروج. # { PageV03P312 وإذا سألتموهن متاعا} ما ينتفع به، {فاسألوهن من وراء ~~حجاب} أي: ستر. روي أن عمر قال: «يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو ~~أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب»، فنزلت (¬1) . {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} ~~من الخواطر الشيطانية. # {وما كان لكم} وما صح لكم {أن تؤذوا رسول الله} أن تفعلوا ما يكرهه، {ولا ~~أن تنكحوا أزواجه [475] من بعده أبدا، إن ذلكم كان عند الله عظيما(53) إن ~~تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما(54)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... روى أحمد في مسند المكثرين من الصحابة، رقم 4132، عن أبي وائل ~~قال قال عبد الله: فضل الناس ms0731 عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بأربع: بذكر ~~الأسرى يوم بدر أمر بقتلهم فأنزل الله عز وجل: {لولا كتاب من الله سبق ~~لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم}، وبذكره الحجاب أمر نساء النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يحتجبن، فقالت له زينب: وإنك علينا يا ابن الخطاب والوحي ~~ينزل في بيوتنا، فأنزل الله عز وجل {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء ~~حجاب}. وبدعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - له: اللهم أيد الإسلام بعمر. ~~وبرأيه في أبي بكر كان أول الناس بايعه. العالمية: موسوعة الحديث، مادة ~~البحث: «حجاب». PageV03P313 # لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا ~~أبناء أخواتهن} استثناء لمن لا يجب الاحتجاب عنهم، {ولا نسائهن ولا ما ملكت ~~أيمانهن} من الإماء على نسق نسائهن؛ وقيل: من الذكران أيضا {واتقين الله} ~~فيما أمرتن به، وأن يراكن غير هؤلاء، {إن الله كان على كل شيء شهيدا(55)} ~~فيجازيكم على حسب أعمالكم. # {إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه ~~وسلموا تسليما(56)} أي انقادوا لأوامره، ولاتتعالوا عليه. {إن الذين يؤذون ~~الله ورسوله} يرتكبون ما يكرهانه من الكفر والمعاصي {لعنهم الله} أبعدهم من ~~رحمته {في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا(57) والذين يؤذون المؤمنين ~~والمؤمنات بغير ما اكتسبوا} بغير جناية استحقوا بها، {فقد احتملوا بهتانا ~~وإثما مبينا(58)} ظاهرا. # {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من ~~جلابيبهن} يرخين أرديتهن وملاحفهن فيتقنعن بها، {ذلك أدنى أن يعرفن} يميزن ~~عن الإماء والفتيات، {فلا يؤذين} فلا يؤذيهن أهل الريبة بالعرض (¬1) لهن، ~~{وكان الله غفورا رحيما(59)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لعل الأصوب: «بالتعرض». PageV03P314 # لئن لم ينته المنافقون} عن نفاقهم، {والذين في قلوبهم مرض} ضعف إيمان ~~وقلة ثبات، {والمرجفون في المدينة} يرجفون أخبار السوء، سرايا المسلمين ~~ونحوها من إرجافهم (¬1) ؛ وأصله: التحريك، من الرجفة، وهي: الزلزلة سمى به ~~الأخبار الكاذبة لكونه متزلزلا غير ثابت (¬2) ، {لنغرينك بهم} لنأمرنك ~~بقتالهم وإجلائهم، أو ما يضطرهم إلى طلب الجلاء. {ثم لا يجاورونك فيها إلا ~~قليلا(60) ملعونين ms0732 أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا(61) سنة الله} أي: كسنة ~~الله {في الذين خلوا من قبل} أي سن الله ذلك في الأمم الماضية، وهو أن يقتل ~~الذين نافقوا الأنبياء، وسعوا في وهنهم أينما ثقفوا، {ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا(62)}، لأنه لا يبدلها هو، لأنها حكمة وحق ولا يقدر غيره على ~~تبديلها. # {يسألك الناس عن الساعة قل: إنما علمها عند الله} لم يطلع عليها ملكا ولا ~~نبيا، حكمة من الله بالغة، {وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا(63)} فيه ~~تهديد للمستعجلين، وإسكات للمتعنتين. {إن الله لعن الكافرين وأعد لهم ~~سعيرا(64) خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا(65) يوم تقلب وجوههم ~~في النار} تصرف من جهة إلى جهة كاللحم يشوى في النار، {يقولون: يا ليتنا ~~أطعنا الله وأطعنا الرسولا(66)} فلن نبتلى بهذا العذاب. {وقالوا ربنا إنا ~~أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا(67) ربنا آتهم ضعفين من العذاب ~~والعنهم لعنا كبيرا(68)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... يبدو أن صواب العبارة: «يرجفون أخبار السوء عن سرايا المسلمين ~~ونحوها من أراجيفهم». # (¬2) - ... لعل الصواب: «لكونها متزلزلة غير ثابتة»، أي الأخبار، وأما ~~بالتذكير فيكون الضمير للإرجاف. PageV03P315 # يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى} أي لا تؤذوا من لايستحق ~~الأذى، {فبرأه الله مما قالوا} فأظهر براءته من مقولهم، {وكان عند الله ~~وجيها(69)} ذا قربة ووجاهة (¬1) منه. # [476] {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} في ارتكاب ما يكرهه، {وقولوا ~~قولا سديدا(70)} قال أبو سعيد: «القول السديد: هو العدل، وهو الجملة، وهي ~~شهادة أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن جميع ~~ما جاء به محمد عن الله فهو الحق، فهذا هو القول السديد في أصل الدين، وهو ~~الجملة والتمسك بها» انتهى كلامه. قال الغزالي: «التسديد: فهو توحيد حركاته ~~إلى صوب المطلوب، وتيسيرها عليه ليستد في صوب الصواب في أسرع وقت». {يصلح ~~لكم أعمالكم} يوفقكم للأعمال الصالحة، ويصلحها بالقبول والإثابة عليها، ~~{ويغفر لكم ذنوبكم} ويجعلها مكفرة باستقامتكم في القول والعمل؛ {ومن يطع ~~الله ورسوله} في الأوامر والنواهي {فقد فاز فوزا ms0733 عظيما(71)} يعيش في الدنيا ~~حميدا، وفي الآخرة شهيدا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «ووجاحة»، وهو خطأ. PageV03P316 # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن ~~منها، وحملها الإنسان} تقرير للوعد السابق بتعظيم الطاعة؛ وسماها أمانة من ~~حيث إنها واجبة الأداء، والمعنى: أنها لعظمة شأنها بحيث لو عرضت على هذه ~~الأجرام العظام، وكانت ذا شعور وإدراك لأبين أن يحملنها وأشفقن منها، ~~وحملها الإنسان مع ضعف نيته ورخاوة قوته، لا جرم فالمؤدي (¬1) لها والقائم ~~بحقوقها يفوز بخير الدارين، {إنه كان ظلوما} حيث لم يف بها ولم يراع حقها، ~~{جهولا(72)} بكنه عاقبتها؛ وهذا وصف للجنس باعتبار الأغلب. وقيل: المراد ~~بالأمانة الطاعة التي تعم الطبيعة والاختيارية؛ ولعل المراد بالأمانة: ~~العقل والتكليف، وبعرضها عليهن: اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهن، ~~وبإيبائهن الإيباء (¬2) الطبيعي الذي هو عدم اللياقة والاستعداد، وتحمل ~~الإنسان: قابليته واستعداده لها؛ وكونه ظلوما (¬3) جهولا لما غلب عليه من ~~القوة الغضبية والشهوية، وعلى هذا يحسن أن يكون علة للحمل عليه، فإن من ~~فوائد العقل أن يكون مهيمنا على القوتين، (لعله) الديني والدنياوي، حافظا ~~لهما عن التعدي ومجاوزة الحد، ومعظم مقصود التكليف تعديلهما وكسر سورتهما. # {ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} (لعله) وهو وصف ~~للخائنين للأمانة، {ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات} الذين قاموا بها ~~على الوجه المأمور به، {وكان الله غفورا رحيما(73)}. # - - - - # سورة سبأ # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «فالما فالما أدى». # (¬2) - ... في الأصل: «الآبهاء»، ولا معنى له. # (¬3) - ... في الأصل: «ظلموما». PageV03P317 # الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} خلقا ونعمة، فله الحمد ~~في الدنيا لكمال قدرته، {وله الحمد في الآخرة} لأن في الآخرة أيضا كذلك، ~~لأن أهل الجنة يتلذذون بتحميده، وهو محمود (لعله) بذاته، وإن لم يحمده أحد، ~~{وهو الحكيم} الذي أحكم أمور الدارين، {الخبير(1)} ببواطن الأشياء وحقائقها ~~[477] وظواهرها. {يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء ~~وما يعرج فيها، وهو الرحيم الغفور(2)}. # {وقال الذين كفروا: لا تأتينا الساعة} إنكارا لمجيئها، {قل: بلى وربي، ~~لتأتينكم، عالم الغيب لا ms0734 يعزب عنه مثقال ذرة} أي وزن ذرة، {في السماوات ولا ~~في الأرض، ولا أصغر من ذلك (¬1) ولا أكبر إلا في كتاب مبين(3)} قيل: لا ~~ينفصل عن الغيب شيء إلا مسطورا في اللوح، {ليجزي الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم(4)} لا تعب فيه ولا من عليه. # {والذين سعوا في آياتنا} بالخوض فيها، وترك العمل بما فيها، {معاجزين} ~~مسابقين كي يفوتونا، وقرئ: «معجزين» أي: مثبطين عن الإيمان من أراده، ~~{أولئك لهم عذاب من رجز} من سيء العذاب، {أليم(5)} في الدارين. # {ويرى الذين أوتوا العلم} ويعلم أولوا العلم {الذي أنزل إليك من ربك هو ~~الحق} أي ليعلم أولوا العلم عند مجيء الساعة أنه الحق عيانا كما علموه الآن ~~برهانا، {ويهدي إلى صراط العزيز الحميد(6)} الذي هو التوحيد والتدرع بلباس ~~التقوى. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «من ذلك»، وهو سهو. PageV03P318 # وقال الذين كفروا: هل ندلكم على رجل} يعنون محمدا ({ينبئكم} يحدثكم أنكم ~~{إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد(7)}؟ إنكم تنشأون خلقا جديدا بعد أن ~~تمزق أجسادكم كل التمزق. {أفترى على الله كذبا أم به جنة}؟ جنون يوهمه ~~ويلقنه على لسانه، {بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب} الأدنى، ~~{والضلال البعيد(8)} عن الصواب، بحيث لا يرجى الخلاص منه ما داموا على ذلك الحال. # {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض؟ إن نشأ نخسف ~~بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء} المعنى: أعموا فلم ينظروا إلى ما ~~أحاط بجوانبهم من السماء والأرض، ولم يتفكروا أهم أشد خلقا أم هي، وأنا إن ~~نشأ نخسف بهم الأرض، أو نسقط عليهم كسفا لتكذيبهم بالآيات بعد ظهور ~~البينات!، {إن في ذلك} النظر والفكر فيهما وما يدلان عليه، {لآية} لدلالة ~~{لكل عبد منيب(9)} تائب راجع بقلبه إلى ربه، فإنه يكون كثير التأمل في أمره. # {ولقد آتينا داوود منا فضلا} النبوة وفصل الخطاب، وما فضل به على سائره؛ ~~{يا جبال أوبي معه} قيل: سبحي معه إذا سبح بفعل... (¬1) {والطير، وألنا له ~~الحديد(10)} قيل: جعل ms0735 في يده كالشمع من غير نار ولا ضرب يصرفه حيث يشاء. ~~{أن اعمل سابغات} دروعا واسعات. {وقدر في السرد} وقدر في نسجها، بحيث ~~تتناسب حلقها، أو قدر مساميرها فلا تجعلها دقاقا فتفلق، ولا غلاظا فتخرق، ~~{واعملوا صالحا} الضمير فيه لداوود وأهله، {إني بما تعملون بصير(11)} ~~فأجازيكم عليه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في العبارة سقط واضح، ولم نستطع إكماله مما بين أيدينا من ~~المصادر، وقد وضع الناسخ فيها إحالة إلى الحاشية ولم يكتب فيها شيئا. PageV03P319 # ولسليمان الريح} أي سخرنا له الريح، {غدوها شهر ورواحها شهر، وأسلنا له ~~عين القطر} النحاس المذاب أسيل له من معدنه؛ قيل: كان يسيل في الشهر ثلاثة ~~أيام بإذن الله تعالى. {ومن الجن من يعمل بين [478] يديه بإذن ربه ومن يزغ ~~منهم عن أمرنا} ومن يعدل منهم عن ما أمرناه من طاعة سليمان، {نذقه من عذاب ~~السعير(12)} عذاب الآخرة؛ ويحتمل في الدنيا، وذلك قيل: إن الله عز وجل وكل ~~بهم ملكا بيده سوطا من نار، فمن زاغ منهم عن أمره ضربه ضربة أحرقته. # {يعملون له ما يشاء من محاريب} قيل: قصورا حصينة، ومساكن شريفة؛ سميت به، ~~لأنها تذب عنه، ويحارب عليها (¬1) . {وتماثيل} (لعله) قوالب لآلات الصنائع، ~~يكون كالمثل لها في الصغر والكبر والهيئة؛ وقيل غير ذلك، {وجفان} وصحاف ~~{كالجواب} كالحياض الكبار، جمع جابية. {وقدور راسيات} ثابتات على الأثافي ~~لا تنزل عنها (لعله) لعظمها، أو خلقت لها أثافي منها، {اعملوا آل داوود ~~شكرا} اعملوا واعبدوه شكرا، أو لأن العمل له شكر (¬2) ، {وقليل من عبادي ~~الشكور(13)} المتوفر على أداء الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه أكبر أوقاته، ومع ~~ذلك لا يوفى حقه، لأن توفيقه للشكر نعمة تستدعى شكرا آخر إلى ما لا نهاية ~~لذلك، ولذلك قيل: الشكور من يرى عجزه عن الشكر. # {فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته} ما دل الجن، وقيل: آله، {إلا ~~دابة الأرض تأكل منسأته} قيل: عصاه، {فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا ~~يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين(14)} فانظر سماه الله عذابا مهينا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... وفي تفسير ms0736 أبي السعود: «لأنها يذب عنها، ويحارب عليها»، ويبدو ~~أنه أصوب. ر: مج4/ ج7/ ص125. # (¬2) - ... في الأصل: «شكرا». PageV03P320 # لقد كان لسبإ في مسكنهم آية} علامة ودلالة على وجود الصانع، وأنه القادر ~~على ما يشاء من الأمور العجيبة؛ وقيل: سبأ هو اسم رجل، {جنتان عن يمين ~~وشمال، كلوا من رزق ربكم واشكروا له} على ما رزقكم من النعمة، والمعنى: ~~بطاعته. {بلدة طيبة ورب غفور(15)} أي هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة ~~طيبة، وربكم الذي رزقكم، وطلب شكركم رب غفور فرطات (¬1) من يشكره. # {فأعرضوا} عن الشكر، {فأرسلنا عليهم سيل العرم} قيل: السيل الشديد الذي ~~لا يطاق، والعرم: الوادي، {وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط} ثمر بشع؛ ~~فإن الخمط: كل نبت أخذ طعما من مرارة؛ وقيل: الأراك، وكل شجر لا شوك (¬2) ~~له، والتقدير أكل أكل الخمط، {وأثل وشيء من سدر قليل(16) ذلك جزيناهم بما ~~كفروا} بكفرانهم النعمة. {وهل نجازي} مثل هذا الجزاء {إلا الكفور(17)} أي ~~لا نجازى بالعقوبة إلا من كفر. # {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها} بالتوسعة على أهلها، {قرى ~~ظاهرة} قيل: متواصلة بعضها لبعض، {وقدرنا فيها السير} قيل: بحيث يقيل ~~الغادي في قرية، و يبيت الرائح في قرية، {سيروا فيها} على إرادة القول ~~بلسان الحال أو المقال {ليالي وأياما} متى شئتم من ليل أو نهار، ~~{آمنين(18)} لا يختلف الأمن فيها باختلاف الأوقات؛ أو سيروا آمنين وإن طالت ~~مدة سفركم فيها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في اللسان: «فرط فالأمر يفرط فرطا: أي قصر فيه»، ثم قال: ~~«والفرطة: اسم للخروج والتقدم». ويقصد بالفرطات هنا: الصغائر من الذنوب. ~~ابن منظور: لسان العرب، ج4/ ص1080، مادة «فرط». # (¬2) - ... في الأصل: «شكوك»، وهو خطأ. PageV03P321 # فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا} أشروا النعمة، وملوا العافية كبني ~~إسرائيل؛ وليس سؤال هؤلاء وأمثالهم بأعجب من اختيار (¬1) الفقر على الغنى، ~~ومعيشة الضنك على الحياة الطيبة، والجهد في طلب المعيشة على العبادة، وهم ~~الذين رزقهم الله ما يكفيهم، ويطلبون المزيد لغيرهم لا لهم، {وظلموا ~~أنفسهم} بالبطر والطغيان حيث بطروا النعمة، ولم يعتدوا بها عدة الآخرة، ~~[479] {فجعلناهم ms0737 أحاديث} يتحدث الناس بهم تعجبا، ومنهم تفكها، ومنهم من ~~يعتبر بهم ويتعظ، {ومزقناهم كل ممزق} قيل: فرقناهم، {إن في ذلك لآيات} لعبر ~~ودلالات، {لكل صبار} عن المعاصي، {شكور(19)} على النعم. # {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه} أي ظن فيهم ظنا وصدق في ظنه، أو صدق بظن ظنه؛ ~~وقرئ بالتشديد بمعنى: حقق ظنه أو وجده صادقا، (لعله) وهو قوله: {ولا تجد ~~أكثرهم شاكرين} (¬2) ، {فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين(20)} (لعله) قيل: إن ~~إبليس لعنه الله لما سأل النظرة فأنظره، قال: لأضلنهم ولأغوينهم، لم يكن ~~مستيقنا وقت هذه المقالة أن ما قاله فيهم يتم أم لا، وإنما قاله ظنا، فلما ~~اتبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم. قال الحسن: «إنه لم يسل عليهم سيفا، ~~ولا ضربهم بسوط، إنما وعدهم ومناهم فاغتروا». {وما كان له عليهم من سلطان} ~~تسلط بالاستغواء، {إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك} ليتميز ~~المؤمن من الشاك. {وربك على كل شيء حفيظ(21)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «من اختار»، ويمكن أن يريد المصنف: «ممن اختار». # (¬2) - ... سورة الأعراف: 17. PageV03P322 # قل: ادعوا الذين زعمتم} أي زعمتموهم آلهة {من دون الله} المعنى: ادعوهم ~~فيما يهمكم من جلب نفع أو دفع ضرر، لعلهم يستجيبون إن صحت (¬1) دعواكم، ثم ~~أجاب عنهم إشعارا بتعين الجواب، وأنه لا يقبل المكابرة فقال: {لا يملكون ~~مثقال ذرة} من خير أو شر، {في السماوات ولا في الأرض}، لأن الأسباب القريبة ~~للشر والخير سماوية وأرضية، {وما لهم فيهما من شرك (¬2) وما له منهم من ~~ظهير(22)} يعينه على تدبير أمرها. # {ولا تنفع الشفاعة عنده} فلا تنفعهم شفاعة أيضا كما يزعمون، {إلا لمن أذن ~~له} أن يشفع أو يشفع له. {حتى إذا فزع عن قلوبهم} وهو عند الموت أو يوم ~~القيامة؛ وقيل: كشف الفزع عن قلوب المشركين بعد الموت، والله أعلم، {قالوا: ~~ماذا قال ربكم}؟ في الشفاعة، {قالوا: الحق} وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى ~~وهم المؤمنون، {وهو العلي الكبير(23)} ذو العلو والكبرياء، ليس لملك ولا ~~نبي أن يتكلم ذلك اليوم إلا بإذنه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في ms0738 الأصل: «صح». # (¬2) - ... في الأصل: - {وما لهم فيهما من شرك}، وهو سهو. PageV03P323 # قل: من يرزقكم من السماوات والأرض}؟ يريد تقرير قوله: {لا يملكون}، {قل: ~~الله} إذ لا جواب سواه، {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين(24)} أي: ~~وإن أحد الفريقين من الموحدين المتوحد بالرزق والقدرة الذاتية بالعبادة، ~~والمشركين به الجماد، النازلين به في أدنى المراتب الإمكانية، لعلى أحد من ~~الأمرين من الهدى والضلال المبينين؛ وهو بعدما تقدم من التقرير البليغ ~~الدال على من هو على الهدى، ومن هو في الضلال أبلغ من التصريح، لأنه في ~~صورة الإنصاف المسكت للخصم المشاغب، لأن الهادي كمن صعد منارا ينظر الأشياء ~~ويتطلع عليها؛ أو ركب جوادا يركضه حيث يشاء، والضال كأنه منغمس في ظلام ~~التردد لا يرى شيئا، أو محبوس في مطمورة لا يستطيع الخروج منها. # {قل: لا تسألون عما أجرمنا، ولا نسأل عما تعملون(25)} هذا أدخل في ~~الإنصاف، وأبلغ [480] في الإخبات، حيث أسند الإجرام إلى أنفسهم، والعمل إلى ~~المخاطبين. {قل: يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق} يحكم ويفصل بأن يدخل ~~المحقين الجنة، والمبطلين النار، {وهو الفتاح} الحاكم للفصل (¬1) في ~~القضايا المنغلقة، {العليم(26)} بما ينبغي أن يقضي به. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، وفي تفسير أبي السعود: «الفيصل». أبو السعود: ~~تفسير، ص133. PageV03P324 # قل: أروني الذين ألحقتم به} (لعله) بالله في العبادة، يعني الأصنام، ~~{شركاء} هل خلقوا من الأرض شيئا؟ أم لهم شرك في السماوات؟ لأرى بأي صفة ~~ألحقتموهم بالله في استحقاق العبادة، وهو استسفار عن شبهتهم، فعد (¬1) ~~إلزام الحجة عليهم (لعله) زيادة في تبكيتهم {كلا} ردع لهم عن المشاركة بعد ~~إبطال المقايسة، {بل هو الله العزيز الحكيم(27)} الموصوف بالغلبة وكمال ~~القدرة والحكمة، وهؤلاء الملحقون يتسمون بالذلة متأبية عن قبول العلم ~~والقدرة رأسا. # {وما أرسلناك إلا كافة للناس} إلا رسالة عامة لهم، من الكف، فإنها إذا ~~عمتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم، أو جامعا لهم في الإبلاغ، {بشيرا ~~ونذيرا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون(28)} فيحملهم جهلهم على مخالفتك. # {ويقولون} من فرط جهلهم: ms0739 {متى هذا الوعد}؟ يعنون به المبشر به والمنذر ~~عنه أو الموعود بقوله: {يجمع بيننا ربنا} (¬2) . {إن كنتم صادقين(29)} ~~يخاطبون به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين. {قل: لكم ميعاد ~~يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون(30)} حين يأتيكم، وهو جواب تهديد ~~جاء مطابقا لما قصدوه بسؤالهم من التعنت والإنكار. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لعل الصواب: «بعد». # (¬2) - ... سورة سبأ: 26. PageV03P325 # وقال الذين كفروا: لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه} ولا بما ~~تقدمه من الكتب الدالة على البعث أو الرسول، وهذا القول منهم يقتضي بلسان ~~المقال منهم وهم الكفار الجاحدون، ويقتضي بلسان الحال من المنافقين، {ولو ~~ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم} أي: في موضع المحاسبة، {يرجع بعضهم إلى ~~بعض القول} يتحاورون ويتراجعون القول في التلاوم، وهو حسرة وعذاب عليهم؛ ~~{يقول الذين استضعفوا}: يقول الأتباع: {للذين استكبروا} للرؤساء {لولا ~~أنتم} لولا ضلالكم وصدكم إيانا عن الإيمان {لكنا مؤمنين(31)} بخلق الله ~~إيانا على الفطرة، والدين القيم؛ ويحتمل هذا القول منهم للمستكبرين من الجن ~~والإنس. # {قال الذين استكبروا للذين استضعفوا: أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ ~~جاءكم؟ بل كنتم مجرمين(32)} أنكروا أنهم كانوا صادين لهم عن الإيمان، ~~وثبتوا أنهم هم الذين صدوا أنفسهم حيث أعرضوا عن الهدى، وآثروا التقليد ~~عليه، ولذلك بنوا الإنكار على الاسم. {وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا: ~~بل مكر الليل والنهار} إضراب عن إضرابهم، أي: لم يكن إجرامنا الصاد، بل ~~مكركم لنا دائبا ليلا ونهارا، حتى أغرتم علينا رأينا، {إذ تأمروننا أن نكفر ~~بالله ونجعل له أندادا} يقتضي جميع معاصي الله؛ {وأسروا الندامة لما رأوا ~~العذاب} وأضمر الفريقان الندامة على [481] الضلال والإضلال، إذ لا ينفع ~~إظهارها، {وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا} (لعله) يحتمل هذا في ~~الدنيا والآخرة، {هل يجزون إلا ما كانوا يعملون(33)}؟ أي لا نفعل بهم ما ~~نفعل إلا جزاء على أعمالهم. # { PageV03P326 وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها} تسلية لرسول ~~الله مما تمنى من قومه؛ وتخصيص المتنعمين بالتكذيب، لأنهم أقرب إلى الكبر ~~والمفاخرة بزخارف الدنيا، والانهماك في ms0740 الشهوات والاستهانة بمن لم يحظ ~~منها؛ ولذلك ضموا التهكم والمفاخرة إلى التكذيب، فقالوا: {إنا بما أرسلتم ~~به كافرون(34) وقالوا: نحن أكثر أموالا وأولادا} فنحن أولى بما تدعون. {وما ~~نحن بمعذبين(35)} يحتمل هذا العذاب الذي نفوه عن أنفسهم في الدنيا، ويحتمل ~~في الآخرة من قبل غرورهم وأمانيهم الكاذبة. # {قل} ردا لحسبانهم {إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} ولذلك يختلف فيه ~~الأشخاص المتماثلة (¬1) في الخصائص والصفات، {ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون(36)} فيظنون أن كثرة الأموال والأولاد للشرف والكرامة، وكثيرا ما ~~يكون للاستدراج، كما قال: # {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى} قربة، {إلا من آمن ~~وعمل صالحا} أي: الأموال والأولاد لا تقرب إلا المؤمن الصالح، وما عداه ~~استدراج لهم ومكر. وقال ابن عباس: «يزيد إيمانه وعمله تقربه مني»، {فأولئك ~~لهم جزاء الضعف بما عملوا، وهم في الغرفات آمنون(37)} من المكاره. {والذين ~~يسعون في آياتنا} بالرد والطعن فيها {معاجزين} مسابقين لأنبيائنا، أو ظانين ~~أنهم يفوتوننا، {أولئك في العذاب محضرون(38)} في الدارين. # {قل: إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له} يوسع عليه تارة ~~ويضيق أخرى، {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} إما عاجلا وإما آجلا، {وهو خير ~~الرازقين(39)} فإن غيره وسائط في إيصال رزقه، ولا حقيقة لرازقيته. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لعل الأصوب: «المتماثلون». PageV03P327 # ويوم يحشرهم جميعا} المستكبرين والمستضعفين، أو العابدين والمعبودين، {ثم ~~يقول للملائكة: أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون(40)}؟ تقريعا للمشركين، وتبكيتا ~~لهم، وإقناطا لهم عما يتوقعون من شفاعتهم؛ وتخصيص الملائكة، لأنهم أشرف ~~شركائهم. {قالوا: سبحانك أنت ولينا من دونهم} كأنهم بينوا بذلك برآءتهم عن ~~الرضا بعبادتهم، ثم أضربوا عن ذلك ونفوا أنهم ما عبدوهم على الحقيقة ~~بقولهم: {بل كانوا يعبدون الجن} أي الشياطين حيث أطاعوهم في عبادة غير ~~الله، {أكثرهم بهم مؤمنون(41)} مصدقون لوساوسهم، تابعون لها؛ فإن قيل: إنهم ~~كانوا يعبدون الملائكة، فكيف وجه قوله: {يعبدون الجن}؛ قيل: أراد أن ~~الشياطين زينوا لهم عبادة الملائكة؛ يقول: {يعبدون} أي: يطيعون الجن، ~~فبطاعتهم لهم صاروا لهم عابدين. {فاليوم لا يملك بعضكم (¬1) لبعض نفعا ms0741 ولا ~~ضرا} إذ الأمر فيه كله [لله]، لأن الدار [482] دار جزاء، وهو المجازي وحده؛ ~~{ونقول للذين ظلموا: ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون(42)}. # {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} واضحات من اللبس، {قالوا: ما هذا} يعنون ~~محمدا - صلى الله عليه وسلم - ، {إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد ~~آباؤكم} فيستتعبكم بما يستبدعه (¬2) ، {وقالوا: ما هذا} يعني القرآن، {إلا ~~إفك} لعدم مطابقة ما فيه الواقع، {مفترى} بإضافته إلى الله سبحانه، {وقال ~~الذين كفروا للحق لما جاءهم} من أي حال كان: {إن هذا إلا سحر مبين(43)} ~~ظاهر سحريته. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «بعضهم»، وهو خطأ. # (¬2) - ... وفي تفسير أبي السعود: «فيستتبعكم بما يستدعيه». أبو السعود: ~~تفسير، مج4/ ج7/ ص138. PageV03P328 # وما آتيناهم من كتب يدرسونها} وفيها (¬1) دليل على صحة الإشراك، {وما ~~أرسلنا إليهم قبلك من نذير(44)} يدعوهم إليه، وينذرهم على تركه، وقد أبان ~~من قبل أن لا وجه له، فمن أين وقعت لهم هذه الشبهة، وهذا غاية التجهيل لهم، ~~والتسفيه لرأيهم، ثم هددهم فقال: # {وكذب الذين من قبلهم} كما كذبوا، {وما بلغوا معشار ما آتيناهم} وما بلغ ~~هؤلاء عشر ما آتينا أولئك من القوة وطول العمر، وكثرة المال، أو ما بلغ ~~أولئك عشر ما آتينا هؤلاء من البينات والهدى، {فكذبوا رسلي فكيف كان ~~نكير(45)} فحين كذبوا رسولي جاءهم إنكاري بالتدمير، فكيف كان نكيري لهم، ~~فليحذر هؤلاء من مثله. # {قل: إنما أعظكم بواحدة} أرشدكم وأنصح لكم بخصلة واحدة، وهي ما دل عليه ~~{أن تقوموا لله} وهو الانتصاب في الأمر خالصا لوجه الله، ومعرضا عن ما ~~سواه، {مثنى وفرادى} كنتم جماعة أو متفرقين، {ثم تتفكروا} في أمر محمد وما ~~جاء به لتعلموا حقيقته، {ما بصاحبكم من جنة} فتعلموا ما به جنون يحمله على ~~ذلك، {إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد(46)} قدامه. # {قل: ما سألتكم من أجر} أي شيء سألتكم من أجر على الرسالة، {فهو لكم} ~~والمراد نفي السؤال؛ {إن أجري إلا على الله، وهو على كل شيء شهيد(47)} مطلع ~~يعلم صدقي وخلوص نيتي. ms0742 {قل: إن ربي يقذف بالحق} يلقيه وينزله على من يشاء ~~من عباده، أو يرمي به إلى أقطار الآفاق فيكون وعدا بإظهار الإسلام وإفشائه، ~~{علام الغيوب(48)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «وفيه»، والصواب ما أثبتناه من أبي السعود، فالضمير ~~يرجع على الكتب. PageV03P329 # قل: جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد(49)} وزهق الباطل بحيث لم يبق له ~~أثر مأخوذ من هلاك الحي، فإنه إذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة، لأن الحق ~~يزيح الشبهات من القلوب، ويطهرها من رجس الباطل إذا حل فيها وقبلته. {قل: ~~إن ضللت} عن الحق، {فإنما أضل على نفسي} فإن وبال ضلالي عليها، فإنه يسيئها ~~إذ هي الجاهلة بالذات والأمارة بالسوء، {وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي} أي ~~وحي كان، إلهاميا أو غيره، والمعنى: بلوغ العلم إليه من أي حال بلغه، وإن ~~الاهتداء بهدايته وتوفيقه، {إنه سميع قريب(50}. # {ولو ترى إذ فزعوا} [عند] (¬1) الموت {فلا فوت} فلا يفوتونه بهرب ولا ~~حصن، {وأخذوا من مكان قريب(51)، وقالوا آمنا به} بالإسلام، {وأنى لهم ~~التناوش} ومن أين لهم أن يتناولوا الإيمان [483] وقد ارتفع عنهم حين عاينوا ~~الحقائق عين اليقين من حيث إنهم نبذوا علم اليقين حين أتاهم، {من مكان ~~بعيد(52)} (لعله) فإنهم لا يطيقون تناوله في ذلك الحين، وقد بعد عنهم، وهو ~~تمثيل حالهم في الاستخلاص بالإيمان بعد ما فات عنهم، وبعد عنهم، بحال من ~~يريد أن يتناول الشيء من غلوة (¬2) بذراعه وقد طار عنه وارتفع فلا يجد إليه ~~سبيلا، وكيف ينالون التوبة وهي في أيام التعبد وهي الدنيا وقد ارتحلوا عنها!. # { # ¬__________ # (¬1) - ... إضافة من أبي السعود ليستقيم المعنى. أبو السعود: تفسير، مج4/ ~~ج7/ ص140. # (¬2) - ... «وغلا السهم نفسه: ارتفع في ذهابه وجاوز المدى، وكذلك الحجر، ~~وكل مرماة من ذلك غلوة... والجمع: غلوات وغلاء». ابن منظور: لسان العرب، ~~ج4/ ص1012، مادة «غلا». PageV03P330 # وقد كفروا به (¬1) من قبل} ذلك أوان التكلف (¬2) ، {ويقذفون بالغيب} قيل: ~~ويرجمون بالظن، سمي ظنا (¬3) لأنه غاب علمهم عنه، والمكان البعيد: بعدهم عن ~~علم ما يقولون، ويتكلمون (¬4) بما لم يصح معهم ms0743 بالكفر، {من مكان بعيد(53)} ~~من جانب بعيد من أمره، ولعل تمثيل حالهم في ذلك من يرمي شيئا لا يراه من ~~مكان بعيد، وقرئ: «يقذفون» على أن الشيطان يلقي إليهم ويلقنهم ذلك. {وحيل ~~بينهم وبين ما يشتهون} من نفع الإيمان والنجاة به من النار، {كما فعل ~~بأشياعهم من قبل} بأشباههم من كفرة الأمم الدارجة، {إنهم كانوا في شك ~~مريب(54)} موقع في الريبة. # - - - - # سورة فاطر # بسم الله الرحمن الرحيم # {الحمد لله فاطر السماوات والأرض} مبدعها، من الفطرة بمعنى: الشق، كأنه ~~شق العدم بإخراجها منه، {جاعل الملائكة رسلا} بينه وبين أنبيائه والصالحين ~~من عباده، يبلغون إليه رسالاته بالوحي والإلهام، {أولي أجنحة، مثنى وثلاث ~~ورباع} ذوي أجنحة متعددة، متفاوتة بتفاوت ما لهم من المراتب، ينزلون بها ~~ويعرجون، أو يسرعون نحو ما وكلهم الله عليه، فيتصرفون فيه على ما أمرهم به. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «به»، وهو سهو. # (¬2) - ... الصواب: «أي: من قبل ذلك في أوان التكليف»، انظر: أبو السعود، ~~تفسير، مج4/ ج7/ ص141. # (¬3) - ... لعل الصواب: «سمي غيبا». # (¬4) - ... في الأصل: شطب الناسخ على الصواب: «يتكلمون»، وأثبت الخطأ: ~~«يتكلموا». PageV03P331 # يزيد في الخلق ما يشاء} استئناف للدلالة على أن تفاوتهم في ذلك مقتضى ~~مشيئته ومؤدى حكمته، لا أمر تستدعيه ذواتهم؛ قيل سأل النبي - عليه السلام - ~~جبريل أن يتراءى له في صورته، فلما رآه غشي عليه، فلما أفاق قال: «سبحان ~~[الله]، ما كنت أرى أن شيئا من الخلق هكذا»!، فقال جبريل: كيف لو رأيت ~~إسرافيل؟ إن له اثنا عشر جناحا، منها جناح بالمشرق وجناح بالمغرب» (¬1) ، ~~{إن الله على كل شيء قدير(1)} وتخصيص بعض الأشياء بالتحصيل دون بعض إنما من ~~جهة الإرادة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... رواية مسلم في كتاب الإيمان: رقم 255، وأحمد في مسند بني هاشم ~~: رقم 2812، تدل على أن لجبريل - عليه السلام - ست مائة جناح، ولم يذكر ~~فيها إسرافيل، إذ جاء فيها (واللفظ لأحمد): عن ابن عباس قال سأل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - جبريل أن يراه في صورته، فقال: ادع ربك، قال: فدعا ~~ربه، قال: فطلع عليه سواد من قبل المشرق، ms0744 قال: فجعل يرتفع وينتشر، قال: ~~فلما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - صعق فأتاه فنعشه ومسح البزاق عن ~~شدقيه. العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «في صورته». ولفظ الحديث كما ~~ذكره المصنف أورده الزمخشري في تفسيره بزيادات، قال مصححه: «أخرجه ابن ~~المبارك في الزهد، والثعلبي من طريقه». الزمخشري: الكشاف، 3/470. PageV03P332 # ما يفتح الله للناس} ما يطلق لهم ويرسل {من رحمة} كنعمة وأمن وصحة وعلم ~~ونبوة، {فلا ممسك لها} يحبسها، {وما يمسك فلا مرسل له من بعده} يطلقه من ~~بعد إمساكه، {وهو العزيز} الغالب على ما يشاء، ليس لأحد أن ينازعه فيه، ~~{الحكيم(2)} لا يفعل إلا بعلم وإتقان، ثم لما بين أنه الموجد للملك ~~والملكوت، والمتصرف فيهما على الإطلاق، أمر الناس بشكر إنعامه، فقال: # {يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم} احفظوها بمعرفة حقها، والاعتراف ~~بها، وطاعة مولاها؛ ثم أنكر أن يكون لغيره في ذلك مدخل فيستحوا [484] أن ~~يشرك به بقوله: {هل من خالق غير الله} فيكون شيء قد خولكم شيئا مما مر، ومن ~~أجل النعم عليهم إيجادهم وخلقه إياهم، ثم رزقه إياهم، كما قال: {يرزقكم من ~~السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون(3)} فمن أي وجه تصرفون عن التوحيد ~~إلى الإشراك. # {وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك} فتأس بهم في الصبر على تكذيبهم إياهم، ~~{وإلى الله ترجع الأمور(4)} فيجازيك على الصبر ويجازيهم على التكذيب. # { PageV03P333 يا أيها الناس إن وعد الله حق} لا خلف فيه، {فلا تغرنكم ~~الحياة الدنيا} فيذهلكم التمتع بها عن الجواز إلى الآخرة، كما قيل: إنها ~~قنطرة فاعبروها ولا تعمروها، {ولا يغرنكم بالله الغرور(5)} الشيطان، بأن ~~يمنيكم المغفرة مع الإصرار على المعصية. {إن الشيطان لكم عدو} عداوة عامة ~~قديمة، {فاتخذوه عدوا} في عقائدكم وأعمالكم وأقوالكم، وكونوا على حذر منه ~~في مجامع أحوالكم، {إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير(6)} تقرير ~~لعداوته وبيان لغرضه في دعوة شيعته إلى اتباع الهوى، والركون إلى الدنيا، ~~(لعله) فيكبهم معه في نار السعير. # {الذين كفروا لهم عذاب شديد} في الدارين، {والذين آمنوا ms0745 وعملوا الصالحات ~~لهم مغفرة وأجر كبير(7)} وعد لمن أجاب دعاءه ووعيد لمن خالفه. {أفمن زين له ~~سوء عمله فرآه حسنا} بأن غلب همه وهواه على عقله حتى انتكس رأيه فصار يقعش ~~(¬1) على أم رأسه، فظن الباطل حقا والقبيح حسنا، والعذاب الشديد في الدنيا ~~عذابا حسنا، كمن لم يزين له، بل توقف، وتأبى حتى عرف الحق، واستحسن الحسن، ~~واستقبح القبيح؟ {فإن الله يضل من يشاء، ويهدي من يشاء؛ فلا تذهب نفسك ~~عليهم حسرات} معناه لا تهلك نفسك عليهم للحسرات على غيهم وإصرارهم على ~~المخالفة، {إن الله عليم بما يصنعون(8)} وعيد وتهديد. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في اللسان: «قعش الشيء قعشا: عطفه... وانقعش الحائط إذا ~~انقلع». ابن منظور: لسان العرب، ج5/ ص130، مادة «قعش». PageV03P334 # والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا} على حكاية الحال الماضية استحضارا ~~لتلك الصورة البديعة الدالة على كمال الحكمة، {فسقناه إلى بلد ميت، فأحيينا ~~به الأرض بعد موتها كذلك النشور(9)} أي مثل: إحياء الأموات نشور الأموات في ~~صحة المقدور به. # {من كان يريد العزة} الشرف والمنعة، {فلله العزة جميعا} فيطلبها من عنده ~~بطاعته وترك معصيته، فإن فيه الجاه الحقيقي والمنعة التي لا ترام، {إليه ~~يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه} بيان لما يطلب به العزة وهو ~~التوحيد والعمل الصالح، وصعودهما إليه مجاز عن قبوله إياهما؛ والكلام الطيب ~~يتناول الذكر، {والذين يمكرون السيئات} أي: يخفونها وهو الرياء، {لهم عذاب ~~شديد} (لعله) وهو مكرهم السيئات في الدنيا، والجزاء عليه في [485] العقبى، ~~{ومكر أولئك هو يبور(10)} يفسد ولا ينفذ، ولا يصعد كالعمل الصالح. # {والله خلقكم من تراب، ثم من نطفة، ثم جعلكم أزواجا، وما تحمل من أنثى ~~ولا تضع إلا بعلمه، وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره} من عمر المعمر {إلا ~~في كتاب} هو علم الله أو اللوح، {إن ذلك على الله يسير(11)}. # { PageV03P335 وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه، وهذا ملح ~~أجاج} ضرب مثل للمؤمن والكافر؛ والفرات: الذي يكسر العطش، والسائغ: الذي ~~يسهل انحداره، والأجاج الذي يحرق بملوحته، {ومن كل تأكلون ms0746 لحما طريا، ~~وتستخرجون حلية تلبسونها} استطراد في صفة البحرين، وما فيهما من النعم، أو ~~تمام التمثيل؛ والمعنى: كما أنهما وإن اشتركا في بعض الفوائد لا يتساويان ~~من حيث إنهما لا يتساويان فيما هو المقصود بالذات من الماء، فإنه إن خالطه ~~أحدهما ماء أفسده وغيره عن كمال فطرته، فكذا لا يساوي المؤمن والكافر وإن ~~اتفق اشتراكهما في بعض الصفات كالشجاعة والسخاوة لاختلافهما فيما هو ~~الخاصة العظمى، وبقاء أحدهما على الفطرة الأصلية دون الآخر؛ {وترى الفلك ~~فيه مواخر} تشقق الماء بجريها، {لتبتغوا من فضله، ولعلكم تشكرون(12)} على ذلك. # { PageV03P336 يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، وسخر الشمس ~~والقمر كل يجري لأجل مسمى} هي مدة دورة، أو منتهاه، أو إلى (¬1) يوم ~~القيامة، {ذلكم الله ربكم له الملك} الإشارة إلى [أن] الفاعل لهذه الأشياء ~~مستحق للإلهية دون غيره، بدليل قوله: {والذين تدعون من دونه ما يملكون من ~~قطمير(13)} للدلالة على تفرده بالألوهية والربوبية، والقطمير: لفافة ~~النواة. {إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم، ولو سمعوا ما استجابوا لكم} لعدم ~~قدرتهم على الإنفاع، {ويوم القيامة يكفرون بشرككم} لهم ويقرون (¬2) ~~ببطلانه، أو يقولون: «ما كنتم إيانا تعبدون»، {ولا ينبئك مثل خبير(14)} ولا ~~يخبرك بأمر مخبر مثل خبير به أخبرك، وهو الله تعالى، فإنه الخبير به على ~~الحقيقة دون سائر المخبرين، والمراد تحقيق ما أخبره من حال آلهتهم، ونفي ما ~~يدعون لهم. # {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله} في أنفسكم وما يعن لكم؛ وتعريف ~~الفقراء للمبالغة في فقرهم، فإنهم لشدة افتقارهم وكثرة احتياجهم هم ~~الفقراء، أو أن افتقار سائر الخلائق بالإضافة إلى فقرهم غير معتد به، ولذلك ~~قال: {وخلق الإنسان ضعيفا} (¬3) ، {والله هو الغني الحميد(15) (¬4) } الغني ~~على الإطلاق، المنعم على سائر الموجودات حتى استحق عليهم الحمد. # {إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد(16)} بقوم آخرين أطوع منكم، أو بعالم آخر ~~غير ما تعرفونه. {وما ذلك على الله بعزيز(17)} بمتعذر ولا متعسر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «إلى أو». # (¬2) - ... في الأصل: «لهم يتقرون». # (¬3) - ... سورة النساء: 28. # (¬4) - ... في الأصل: - «الحميد»، وهو سهو. PageV03P337 # ولا ms0747 تزر وازرة وزر أخرى} ولا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى؛ وأما قوله: ~~{وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} (¬1) ففي الضالين المضلين، فإنهم ~~يحملون أثقال [486] إضلالهم، وكل ذلك أوزارهم ليس فيها من أوزار غيرهم، ~~{وإن تدع مثقلة} نفس أثقلها ما حملته من الأوزار {إلى حملها} إلى حمل بعض ~~أوزارها، {لا يحمل منه شيء} لم تجب لحمل شيء منه، نفى أن يحمل عنها ذنبها، ~~كما نفى أن يحمل عليها ذنب غيرها، وثقل هذا الحمل لا تحس به النفوس الغافلة ~~في الحياة الدنيا، بل يتميز بمعرفته ذوو الألباب في الدنيا، وفي الآخرة ~~تنكشف حقيقته للجميع، {ولو كان ذا قربى} ولو كان المدعو ذا قرابتها. # {إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب} لا يرون حقائق الغيب بعين اليقين، ~~بل يرونه بعلم اليقين، وحين ما يرى بعين اليقين لا ينفع الإيمان في ذلك ~~الحين، لأن التعبد قد ارتفع ووجب جزاؤه. {وأقاموا الصلاة} فإنهم المنتفعون ~~بالإنذار لا غير، {ومن تزكى} تطهر من طباع نفسه الأمارة بالسوء، {فإنما ~~يتزكى لنفسه} إذ نفعه لها، {وإلى الله المصير(18)} فيجازي الجميع. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة العنكبوت: 13. PageV03P338 # وما يستوي الأعمى والبصير(19)} الكافر والمؤمن، وقيل الشيطان والله أعلم. ~~{ولا الظلمات ولا النور(20)} ولا الباطل و[لا] الحق {ولا الظل ولا ~~الحرور(21)} ولا الثواب ولا العقاب. {وما يستوي الأحياء ولا الأموات} لا ~~يستوي العلماء ولا الجهلاء، {إن الله يسمع من يشاء} هدايته، فنوفقه لفهم ~~آياته والاتعاظ بعظاته، {وما أنت بمسمع من في القبور(22)} ترشيح لتمثيل ~~المصرين على الكفر بالأموات. {إن أنت إلا نذير(23)} فما عليك إلا الإنذار، ~~وأما القبول فليس إليك ولاحيلة لك إليه في المطبوع على قلوبهم. # {إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا} محقين، أو محقا، أو إرسالا مصحوبا ~~بالحق، أو نذيرا بالوعيد الحق، {وإن من أمة} أهل عصر، {إلا خلا فيها ~~نذير(24)} من نبي أو عالم ينذر عنه. {وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم ~~جاءتهم رسلهم بالبينات} بالمعجزات الشاهدة على نبوتهم، {وبالزبر وبالكتاب ~~المنير(25) ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير(26)}؟ أي: إنكاري بالعقوبة. # { PageV03P339 ألم ms0748 تر أن الله أنزل من السماء ماء، فأخرجنا به ثمرات ~~مختلفا ألوانها} أجناسها وأصنافها، {ومن الجبال جدد بيض} أي: ذو جدد، أي: ~~خطط وطرائق، {وحمر مختلف ألوانها} بالشدة والضعف، {وغرابيب سود(27)} عطف ~~على «بيض»، أو على «جدد». {ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك} ~~كاختلاف الثمار، والجبال، {إنما يخشى الله من عباده العلماء} إذ شرط ~~الخشية: معرفة المخشي، والعلم بصفاته وأفعاله، فمن كان أعلم به كان أخشى ~~منه؛ وكذلك قيل: «كفى بالمرء عالما أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلا أن يعجب ~~بعمله»، ولذلك قال - عليه السلام - : «إني أخشاكم الله وأتقاكم له» (¬1) ، ~~ولذلك أتبعه ذكر أفعاله الدال على كمال قدرته فقال: {إن الله عزيز ~~غفور(28)} تعليل لجواب الخشية الدالة على أنه [487] معاقب للمصر على ~~طغيانه، غفور للتائب عن عصيانه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لم نعثر عليه بهذا اللفظ. وفي صحيح مسلم، كتاب الصيام: 1868 ~~عن عائشة رضي الله عنها: «...والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم ~~بما أتقي». ونحوه في أحمد: باقي مسند الأنصار، رقم 23249، 24069، 24889. ~~مالك: الموطأ، كتاب الصيام، رقم 564. وبلفظ: «وأحفظكم لحدوده»، عند أحمد، ~~في باقي مسند الأنصار، رقم 24706. وعند أبي داود: كتاب الصوم رقم 2041، ~~بلفظ: «وأعلمكم بما أتبع». العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «أخشاكم لله». PageV03P340 # إن الذين يتلون كتاب الله} يداومون قراءته بمتابعة ما فيه، حتى صارت سمة ~~لهم وغفرانا (¬1) ، {وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية} ~~كيف[ما] اتفق، {يرجون تجارة} تحصيل أبواب الطاعة، {لن تبور(29)} لن تكسد، ~~ولن تهلك بالخسران، صفة للتجارة، وقوله: {ليوفيهم أجورهم} أي: ينتفي عنها ~~الكساد، وتنفق عند الله ليوفيهم (¬2) أجور أعمالهم، {ويزيدهم من فضله} على ~~ما يقابل أعمالهم، {إنه غفور} لصغائرهم، {شكور(30)} لطاعتهم. # {والذي أوحينا إليك من الكتاب} يعني القرآن، {هو الحق مصدقا لما بين ~~يديه} أحقه مصدقا لما تقدمه من الكتب السماوية، حال مؤكدة، لأن حقيقته ~~تستلزم موافقته إياها في العقائد وأصول الأحكام، {إن الله بعباده لخبير ~~بصير(31)} عالم بالبواطن والظواهر، فلو كان في أحوالك ما ينافي النبوة لم ~~يوح إليك مثل هذا الكتاب المعجز ms0749 الذي هو عيار على سائر الكتب؛ وتقديم ~~الخبرة للدلالة على أن العمدة في ذلك الأمور الروحانية. # ¬__________ # (¬1) - ... الأصوب: «عنوانا»، كما في تفسير أبي السعود، مج4/ ج7/ ص152. # (¬2) - ... في الأصل: + «نفاقها»، ولم يتضح لنا معناها في هذا السياق، ~~لأن الفاعل إنما هو الله، فلا يقال: «ليوفيهم نفاقها أجور أعمالهم»، والله أعلم. PageV03P341 # وروى لنا أبو سعيد أنه يوجد في تفيسر قول الله عز وجل: {ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا} قال أبو سعيد: «فماكان ميراثهم له بملك ولا ~~باستزادته دون غيرهم، ولكن إنما ورثهم الله تبارك وتعالى من الكتاب أو من ~~أحكام الكتب أن جعلهم حجة له، وأعيانا في الأرض، شهودا وقواما، وأدلة، وحجة ~~لمن تبعهم، وعلى من اتبعهم، ولمن طاعهم وعلى من أطاعهم، كما جعل النبيين ~~والرسل حجة وشهودا وأدلة، وإلا فما ورثوا منه وما جعلوا ورثة في شيء منه ~~ملكا؛ ومن شواهد ذلك قوله: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله} (¬1) ، ~~{فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} فأحسب أن ~~في بعض ما قيل في التأويل أن الظالم لنفسه منهم: الذي يرتكب الذنوب ~~والمعاصي ويتوب، ويطلب المعاش من أمور الدنيا من وجوه الحلال، والمقتصد ~~الذي لا يأتي شيئا من المعاصي إلا أنه يتعرض بالشيء في الدنيا للمعاش، ~~والسابقون بالخيرات: الزهاد والعباد المنقطعون إلى الله، الذين لا يتعرضون ~~لشيء من المعاش من أمور الدنيا، والأحبار معهم أنهم العلماء؛ وأما ~~الربانيون فعندي أنهم فوق الأحبار معي في العلم، وهو اسم العلماء» انتهى. ~~{ذلك هو الفضل الكبير(32)} الإشارة إلى التوريث أو الاصطفاء أو السبق. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة التوبة: 105. PageV03P342 # جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها ~~حرير(33) وقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن} همهم من خوف العاقبة، أو ~~من أجل المعاش وآفاته، أو من وسوسة إبليس، {إن ربنا لغفور شكور(34) الذي ~~أحلنا دار المقامة من فضله، لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب(35)} ~~كلال إذ لا تكليف [488] فيها ولا كد. # { PageV03P343 والذين كفروا لهم نار جهنم ms0750 لا يقضى عليهم} لا يحكم عليهم ~~بموت {فيموتوا} فيستريحوا، {ولا يخفف عنهم من عذابها} ولا يأتي عليهم حال ~~فيخفف عنهم، بل خالدين فيها أبدا، {كذلك نجزي كل كفور(36) وهم يصطرخون ~~فيها} يستغيثون، يفتعلون، من الصراخ: وهو الصياح، استعمل في الاستغاثة لجهد ~~المستغيث صوته. {ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل} بإضمار القول؛ ~~وتقييد العمل الصالح بالوصف المذكور، للتحسر على ما عملوه من غير الصالح، ~~والاعتراف به، والإشعار بأن استخراجهم لتلافيه، ولعلهم كانوا يحسبون أنه ~~صالح، والآن حقق لهم خلافه؛ {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر، وجاءكم ~~النذير} جواب من الله وتوبيخ لهم، {وما يتذكر فيه من تذكر} متناول كل عمر ~~يمكن المكلف فيه من التفكر والتذكر، كأنه قيل: عمرناكم وجاءكم النذير، وهو ~~النبي، أو الكتاب، أو العقل، أو الشيب، أو موت الأقارب؛ وقيل: عشر سنين؛ ~~وقيل اثنتي عشرة سنة؛ وقيل ثماني عشرة؛ وقيل عشرين سنة، والمعنى هنا: قيام ~~الحجة على المرء بكمال عقله وبلوغ سنه، فإذا بلغ سنا، وكمل عقلا فذلك العمر ~~الذي تقوم عليه فيه الحجة، ولو عصى الله بعد ذلك طرفة عين ولم يعمر غيرها ~~ثم مات على ذلك كان مقطوع العذر، هالكا (¬1) بمعصيته بعد بلوغ سنه، وكمال ~~عقله، شاب أو لم يشب؛ فصح معنا هذا القول هو أصح الأقوال من التأويل، ~~{فذوقوا فما للظالمين من نصير(37)} يدفع العذاب عنهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «هالك»، وهو خطأ من الناسخ. PageV03P344 # إن الله عالم غيب السماوات والأرض} لا تخفى عليه خافية، فلا تخفى عليه ~~أحوالهم. {إنه عليم بذات الصدور(38)} تعليل له، لأنه إذا علم مضمرات الصدور ~~وهي أخفى ما يكون كان عالما لغيره. و{هو الذي جعلكم خلائف (¬1) في الأرض} ~~ملقي إليكم مقاليد التصرف فيها، فينظر كيف تعلمون، وذلك يتناول كل متعبد ~~فيما هو مستخلف فيه، كما قال - عليه السلام - : «ألا وكلكم راع وكلكم مسؤول ~~عن رعيته» (¬2) ، {فمن كفر} فيما هو مستخلف فيه {فعليه كفره} جزاء كفره؛ ~~{ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا} بغضا، {ولا يزيد الكافرين ~~كفرهم ms0751 إلا خسارا(39)} بيان له، والتكرير للدلالة على أن اقتضاء الكفر لكل ~~واحد من الأمرين مستقل باقتضاء قبحه ووجوب التجنب عنه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «خلائف»، وهو سهو. # (¬2) - ... البخاري: في كتاب الجمعة، رقم 844، كتاب الاستقراض وأداء ~~الديون، رقم 2232. كتاب العتق، رقم 2368، 2371. كتاب الوصايا، رقم 2546. ~~وكذا في كتاب النكاح والأحكام. ورواه مسلم في كتاب الإمارة. والترمذي في ~~كتاب الجهاد، وأبو داود في كتاب الخراج والإمارة. وأحمد في مسند المكثرين ~~من الصحابة. العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «كلكم راع». PageV03P345 # قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله} يعني آلهتهم؛ والإضافة إليهم ~~إنهم جعلوهم شركاء لله، أو لأنفسهم فيما يملكونه، {أروني ماذا خلقوا من ~~الأرض}؟ أي: أخبروني عن هؤلاء الشركاء، أروني أي جزء من الأرض استبدوا ~~بخلقه؛ {أم لهم شرك في السماوات}؟ أم لهم شركة مع الله في خلق السماوات ~~فاستحقوا بذلك شركه في الألوهية ذاتية؟. {أم آتيناهم كتابا} ينطق على أنا ~~[489] اتخذناهم شركاء، {فهم على بينة منه} على حجة من ذلك الكتاب بأن لهم ~~شركة جعلية، {بل إن يعد} أي ما يعد {الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا(40)} ~~لما نفى أنواع الحجج في ذلك أضرب عنه بذكر ما حملهم عليه، وهو تقرير ~~الأسلاف للأخلاف، والرؤساء للأتباع بأنهم شفعاء عند الله يشفعون بالتقرب إليهم. # {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا إن أمسكهما} ما ~~أمسكهما {من أحد من بعده إنه (¬1) كان حليما غفورا(41) وأقسموا بالله جهد ~~أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم؛ فلما جاءهم نذير ما ~~زادهم} أي النذير {إلا نفورا(42)} تباعدا عن الحق. {استكبارا في الأرض، ~~ومكر السيئ، ولا يحيق} أو لا يحيط {المكر السيئ إلا بأهله. فهل ينظرون} ~~ينتظرون {إلا سنة الأولين}؟ سنة الله فيهم وهو هلاكهم، {فلن تجد لسنة الله ~~تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا(43)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «إن الله»، وهو خطأ. PageV03P346 # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم}؟ استشهاد ~~عليه بما يشاهدونه في مسائرهم في الأرض من آثار الماضين، {وكانوا أشد منهم ms0752 ~~قوة، وما كان الله ليعجزه من شيء} ليفوته ويسبقه، {في السماوات ولا في ~~الأرض، إنه كان عليما} بالأشياء كلها، {قديرا(44)} عليها. # {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا} من المعاصي، {ما ترك على ظهرها من ~~دابة} من نسمة تدب عليها بشؤم معاصيهم؛ وفيه دليل أن جميع ما خلق في الأرض ~~منافع لهم؛ وقيل المراد بالدابة: الإنس وحده، لقوله: {ولكن يؤخرهم إلى أجل ~~مسمى} هو انقضاء آجالهم، {فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا(45)} ~~فيجازيهم على أعمالهم. # [تم بحمد الله وحسن عونه الجزء الثالث من التفسير، ويليه الجزء الرابع ~~بحول الله ويبدأ بتفسير سورة يس] # فهرس الجزء الثالث # سورة مريم ... 3 # سورة طه ... 25 # سورة الأنبياء ... 59 # سورة الحج ... 87 # سورة المؤمنون ... 113 # سورة النور ... 133 # سورة الفرقان ... 157 # سورة الشعراء ... 181 # سورة النمل ... 203 # سورة القصص ... 224 # سورة العنكبوت ... 244 # سورة الروم ... 261 # سورة لقمان ... 274 # سورة السجدة ... 284 # سورة الأحزاب ... 293 # سورة سبأ ... 314 # سورة فاطر ... 330 PageV03P347 سورة يس # بسم الله الرحمن الرحيم # {يس(1) والقرآن الحكيم(2) إنك لمن المرسلين(3) على صراط مستقيم(4)} لمن ~~الذين أرسلوا على صراط مستقيم، وهو: التوحيد والاستقامة في الأمور؛ ~~وفائدته: وصف الشرع بالاستقامة صريحا. {تنزيل العزيز الرحيم(5) لتنذر قوما ~~ما أنذر آباؤهم} أي: مثل ما أنذر آباؤهم، {فهم غافلون(6)} عن الإنذار ~~والإيمان بالرسل. {لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون(7)} لأنهم ممن ~~علم أنهم لا يؤمنون. # {إنا جعلنا في (¬1) أعناقهم أغلالا} تقرير لتصميمهم على الكفر، والطبع ~~على قلوبهم بحيث لا تغني الآيات والنذر، [ب]تمثيلهم بالذين غلت أعناقهم. ~~{فهي إلى الأذقان} أي: فالأغلال (¬2) ، وأصله: إلى أذقانهم، فلا تخليهم ~~يطأطئون رؤوسهم غاضون أبصارهم، في أنهم لا يلتفتون لفت الحق، ولا يعطفون ~~أعناقهم نحوه، ولا يطأطئون رؤوسهم له، {فهم مقمحون(8) وجعلنا من بين أيديهم ~~سدا ومن خلفهم سدا، فأغشيناهم فهم لا يبصرون(9)} بمن (¬3) أحاط بهم سدان، ~~فغطى أبصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم ووراءهم في أنهم محبوسون [490] في ~~مطمورة الجهالة، ممنوعون عن النظر في الآيات والدلائل. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في ms0753 الأصل: «على» وهو خطأ من الناسخ. # (¬2) - ... في الأصل: «{فهي إلى الأذقان} فأغلال»، وصححناه من تفسير أبي ~~السعود، مج4/ ج7/ ص160. # (¬3) - ... لعل الصواب: «كمن». PageV04P001 # وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون(10) إنما تنذر} إنذارا ~~تترتب عليه البغية المرومة، {من اتبع الذكر} أي: القرآن بالتأمل فيه، ~~والعمل به، {وخشي الرحمن بالغيب} وخاف عقابه قبل حلوله ومعاينة أهواله، أو ~~في سنته، ولا يغتر برحمته، فإنه كما هو رحمن بالمؤمنين، منتقم قاهر ~~للعاصين، {فبشره بمغفرة وأجر كريم(11)}. # {إنا نحن نحيي الموتى} الأموات بالبعث، أو الجهال بالهداية. {ونكتب ما ~~قدموا} ما أسلفوا من الأعمال الصالحة والطالحة، {وآثارهم} ما أثروه من الحق ~~والباطل، {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين(12)} يعني اللوح المحفوظ. # {واضرب لهم} ومثل لهم {مثلا أصحاب القرية} أي: واجعل لهم مثلا أصحاب ~~القرية مثلا (¬1) ، {إذ جاءها المرسلون(13) إذ أرسلنا إليهم اثنين ~~فكذبوهما، فعززنا} فقوينا {بثالث، فقالوا: إنا إليكم مرسلون(14) قالوا: ما ~~أنتم إلا بشر مثلنا} لا مزية لكم علينا تقتضي اختصاصكم بما تدعون، {وما ~~أنزل الرحمن من شيء، إن أنتم إلا تكذبون(15)؛ قالوا: ربنا يعلم إنا إليكم ~~لمرسلون(16) وما علينا إلا البلاغ المبين(17)} الظاهر البين بالآيات ~~الشاهدة. # {قالوا: إنا تطيرنا بكم} تشاءمنا بكم، {لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم ~~منا عذاب أليم(18) قالوا: طائركم معكم} سبب شؤمكم معكم، وهو سوء عقيدتكم ~~وأعمالكم. {أئن ذكرتم، بل أنتم قوم مسرفون(19)} عادتكم الإسراف في أموركم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... تكرار كلمة «مثلا»، والصواب: حذف إحداهما. PageV04P002 # وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى، قال: يا قوم اتبعوا المرسلين(20) اتبعوا ~~من لا يسألكم أجرا} على النصح وتبليغ الرسالة {وهم مهتدون(21)} إلى خير ~~الدارين، (لعله) وهذا سن سنة حسنة لجميع من دعا إلى طاعة، أو نهى عن معصية. # {وما لي لا أعبد الذي فطرني، وإليه ترجعون(22)}؟ تلطف في الإرشاد، ~~بإيراده في معرض المناصحة لنفسه، وإمحاض النصح، حيث أراد لهم ما أراد لها، ~~والمراد: تقريعهم على ترك عبادة خالقهم إلى عبادة غيره، ولذلك قال: {أأتخذ ~~من دونه آلهة؟! إن يردني الرحمن بضر لا تغني عني ms0754 شفاعتهم شيئا ولا ~~ينقذون(23)} بالنصر والمظاهرة. {إني إذا لفي ضلال مبين(24)}، فإن إيثار ما ~~لا ينفع ولا يدفع ضرا بوجه على الخالق المقتدر على النفع، ودفع الضر ~~وإنزاله (¬1) ضلال بين لا يخفى على عاقل. # {إني آمنت بربكم فاسمعون(25)} فاسمعوا إيماني. {قيل: ادخل الجنة} قيل له ~~(لعله) بعد الموت، إذنا في دخولها كسائر الشهداء؛ {قال: يا ليت قومي ~~يعلمون(26)} وقت التعبد، فإن العلم بعد ارتفاعه لا ينفع، {بما غفر لي ربي ~~وجعلني من المكرمين(27)} وإنما تمنى علم قومه بحاله ليحملهم على اكتساب ~~مثلها بالتوبة عن الكفر، والدخول في الإيمان والطاعة على آداب الأولياء في ~~كظم الغيظ؛ أو ليعلموا [491] أنهم كانوا على خطإ عظيم في أمره، وأنه كان ~~على حق. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «واسراله»، ولا معنى له. PageV04P003 # وما أنزلنا على قومه من بعده} من بعد إهلاكه {من جند من السماء} ~~لإهلاكهم، {وما كنا منزلين(28) إن كانت} الأخذة والعقوبة {إلا صيحة واحدة} ~~صاح بها جبريل على ما قيل، {فإذا هم خامدون(29)} ميتون، شبهوا بالنار رمزا ~~إلى أن الحي كالنار الساطع، والميت كرمادها. # {يا حسرة على العباد} تعالي، فهذه من الأحوال التي من حقها (¬1) أن ~~تحضري، وهي ما دل عليها: {ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون(30)} ~~فإن المستهزئين بالناصحين المخلصين المنوط بنصحهم خير الدارين أحقاء بأن ~~يتحسر عليهم، وقد تلهف على حالهم الملائكة والمؤمنون (¬2) من الثقلين؛ ومن ~~أحاطت به الحسرة فهو عن النعمة بمعزل. # {ألم يروا} ألم يعلموا {كم أهلكنا قبلهم من القرون} فيتعظون بهم. {أنهم ~~إليهم لا يرجعون(31)} أي: ألم يروا كثرة إهلاكنا (¬3) من قبلهم كونهم غير ~~راجعين إليهم. {وإن كل لما جميع لدينا محضرون(32)} يوم القيامة للجزاء. # {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها، وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون(33) ~~وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب، وفجرنا فيها من العيون(34) ليأكلوا من ~~ثمره، وما عملته أيديهم} (لعله) ما يتخذ منه كالعصير والدبس (¬4) ونحوهما، ~~{أفلا يشكرون(35)} أمر بالشكر من حيث إنه إنكار لتركه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لعل الأصوب، «من حقك»، انظر: الزمخشري، الكشاف، 4/13. # (¬2) - ... في الأصل: ms0755 «والمنون»، وهو خطأ. # (¬3) - ... في الأصل: «أهلكنا»، والصواب ما أوردناه. انظر: المصدر نفسه. # (¬4) - ... «الدبس بالكسر، وبكسرتين: عسل التمر وعسل النحل». ~~الفيروزآبادي: القاموس، ص489، مادة: «دبس». PageV04P004 # سبحان الذي خلق الأزواج كلها} الأنواع والأصناف، {مما تنبت الأرض} من ~~الشجر والنبات، {ومن أنفسهم} الذكر والأنثى، {ومما لا يعلمون(36)} وأزواجا ~~مما لا يطلعهم الله عليه، ولم يجعل لهم طريقا إلى معرفته. # {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار} نزيله ونكشف عن مكانه؛ مستعار من سلخ ~~الجلد. {فإذا هم مظلمون(37)} داخلون في الظلام. {والشمس تجري لمستقر لها} ~~لحد معين ينتهي إليه دورها، فشبه بمستقر (¬1) المسافر إذا قطع مسيرة؛ أو لا ~~استقرار لها على نهج مخصوص، أو منتهى مقدر لكل يوم من المشارق والمغارب، ~~فإن لها في دورها ثلاثمائة وستين مشرقا ومغربا، تطلع كل يوم من مطلع، وتغرب ~~من مغرب، ثم لا تعود إليهما إلى العام القابل، أو لمنقطع جريها عند خراب ~~العالم؛ وقرئ: «لا مستقر لها» أي: لا سكون، فإنها متحركة سائرة سائحة في ~~فلكها دائما إلى يوم القيامة؛ {ذلك تقدير العزيز} الغالبة قدرته على [كل] ~~مقدور، {العليم(38)} المحيط علمه بكل معلوم. # {والقمر قدرناه} قدرنا مسيره، {منازل} أو مسيره في منازل، ينزل كل ليلة ~~في واحد منها لا يتخطاه، ولا يتقاصر عنه، فإذا كان في آخر منازله، وهو الذي ~~يكون قبيل الاجتماع، دق واستقوس {حتى عاد كالعرجون} كالشمراخ المعوج ~~{القديم(39)} العتيق؛ وقيل: ما مر عليه حول فصاعدا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «مستقر»، وصححناه من: الزمخشري: الكشاف، 4/16؛ وأبو ~~السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص167. PageV04P005 # لا الشمس ينبغي لها} يصح لها {أن تدرك القمر} في سرعة مسيره، فإن ذلك يخل ~~بتكون [492] النبات وتعيش الحيوان أ[و] في آثاره ومنافعه، أو مكانه بالنزول ~~إلى محله، أو سلطانه فيطمس نوره، {ولا الليل سابق النهار} يسبقه فيفوته ~~ولكن يعاقبه، {وكل في فلك يسبحون(40)} يسيرون فيه بانبساط، فانظر هل ترى في ~~خلق الرحمن من [تفاوت] (¬1) . # {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون(41) وخلقنا لهم من مثله ما ~~يركبون(42) وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم} ms0756 فلا مغيث لهم يحرسهم عن الغرق، ~~{ولا هم ينقذون(43)} ينجون من الموت به. {إلا رحمة منا ومتاعا} إلا الرحمة ~~والتمتع بالحياة {إلى حين(44)} زمان قدر لآجالهم. # {وإذا قيل لهم: اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم} الوقائع التي قد خلت، ~~والعذاب المعد في الآخرة، أو نوازل السماء وكواكب الأرض، لقوله: {أفلم يروا ~~إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض} (¬2) أو ما تقدم من الذنوب ~~وما تأخر. ويروى عن ابن عباس: «{ما بين} (لعله) {أيديكم} الآخرة، فاعملوا ~~لها، {وما خلفكم} الدنيا فاحذروها». {لعلكم ترحمون(45) وما تأتيهم من آية ~~من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين(46)} كأنه قال: وإذا قيل لهم: اتقوا ~~العذاب أعرضوا، لأنهم اعتادوه وتمرنوا عليه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... من إضافتنا ليستقيم المعنى، وقد وضع فيه الناسخ إحالة إلى ~~الحاشية ولم يكتب فيها شيئا. # (¬2) - ... سورة سبأ: 09. PageV04P006 # وإذا قيل لهم: أنفقوا مما رزقكم الله} على محاويجكم. {قال الذين كفروا ~~للذين آمنوا} تهكما من إقرارهم به، وتعليقهم الأمور بمشيئته {أنطعم من لو ~~يشاء الله أطعمه}؟ قيل عن ابن عباس: «كان بمكة زنادقة إذا أمروا بالصدقة ~~على المساكين قالوا: لا والله أيفقره الله ونطعمه نحن»؟!؛ {إن أنتم إلا في ~~ضلال مبين(47)} حيث أمرتمونا بما يخالف مشيئة الله. # {ويقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين(48)؟ ما ينظرون} ما يتنظرون {إلا ~~صيحة واحدة} النفخة الأولى، أو نزول الموت على كل شخص؛ والدليل على ذلك ~~تمام الآية: {تأخذهم وهم يخصمون(49)} يتخاصمون في متاجرهم ومعاملاتهم، لا ~~يخطر ببالهم أمرها، كقوله: {فأخذناهم بغتة (¬1) # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «فأخذتهم الساعة»، وهو خطأ إذ لا توجد آية هكذا، ~~وقد وقع في نفس الخطإ الألوسي في روح المعاني، ج23/ ص31 . وفي تفسير أبي ~~السعود: «كقوله تعالى: فأخذتهم الصاعقة بغتة وهم لا يشعرون» وهو خطأ أفحش. ~~انظر أبو السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص171. # ... ... والآيات المشابهة هي كما يأتي: # ... ... {أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة ~~وهم لا يشعرون} (يوسف: 107). # ... ... {لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم فيأتيهم بغتة وهم لا ms0757 ~~يشعرون} (الشعراء: 201-202). # ... ... {ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم ~~بغتة وهم لا يشعرون} (العنكبوت: 53). # ... ... {هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون} (الزخرف: 66). PageV04P007 # وهم لا يشعرون} (¬1) ومن قرأها: «يخصمون» (بضم الياء وفتح الخاء وكسر ~~الصاد) فهم يخصمون (لعله) ربهم وأولياءه، كقوله: {أولم ير الإنسان أنا ~~خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين} (¬2) . {فلا يستطيعون توصية} في شيء من ~~أمورهم، {ولا إلى أهلهم يرجعون(50)} فيروا حالهم. # {ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون(51)} يسرعون. {قالوا: ~~يا ويلنا! من بعثنا من مرقدنا؟ هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون(52)} أي: ~~ما وعد الرحمن حق. {إن كانت} ما كانت الغفلة {إلا صيحة واحدة} هي النفخة ~~الأخيرة، {فإذا هم جميع لدينا محضرون(53)} لمجرد تلك الصيحة؛ وفي ذلك تهوين ~~أمر البعث [والحشر] (¬3) في قدرة الله، واستغناؤهما عن الأسباب التي ينوطان ~~فيما يشاهدونه. # {فاليوم لا تظلم نفس شيئا، ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون(54)} حكاية لما ~~يقال لهم حينئذ، [و]تصويرا للموعود، وتمكينا له في النفوس؛ وكذا قوله: {إن ~~أصحاب الجنة [493] اليوم في شغل فاكهون(55)} متلذذون في النعمة من الفاكهة؛ ~~وفي تنكير “شغل” وإبهامه تعظيم لما هم فيه من البهجة والتلذذ، وتنبيه على ~~أنه أعلى عن أن تحيط به الأفهام، ويعرف عن كنهه الكلام، (لعله) وإعلام على ~~أنه لا يأتي عليهم حال وهم في غير فاكهة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأعراف: 95. # (¬2) - ... سورة يس: 77. # (¬3) - ... إضافة لا بد منها (من أبي السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص172. ~~الألوسي: روح المعاني، ج23/ ص32). حتى يسوغ إرجاع الضمير بصيغة المثنى في ~~قوله: «واستغناؤهما». PageV04P008 # هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك} على السرر المزينة {متكئون(56) لهم ~~فيها فاكهة، ولهم ما يدعون(57)} ما يدعون به لأنفسهم. {سلام قولا من رب ~~رحيم(58)} أي أن الله يسلم عليهم بواسطة الملائكة تعظيما لهم، وذلك مطلوبهم ~~ومتمناهم. {وامتازوا اليوم أيها المجرمون(59)} وانفردوا عن المؤمنين، وذلك ~~حين يسار بهم إلى الجنة. # {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان} من جملة ما يقال لهم ms0758 ~~تقريعا وإلزاما للحجة، وعهده إليهم ما نصب لهم من الحجج العقلية والسمعية ~~الآمرة بعبادته، الزاجرة عن عبادة غيره، وجعلها عبادة للشيطان (¬1) ، لأنه ~~الآمر بها والمزين لها، وفيه دليل على أن جميع الخلق المتعبدين إما عابد ~~لله، وإما عابد للشيطان؛ وسمى طاعته عبادة بدليل هذه الآية والتي تليها، ~~{إنه لكم عدو مبين(60)} تعليل للمنع عن عبادته بالطاعة فيما يحملهم عليه. ~~{وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم(61)} إشارة إلى ما عهد إليهم، أو إلى عبادته. # {ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون(62)} زيادة إيضاح معاداة ~~الشيطان، مع ظهور عداوته، ووضوح إضلاله لمن له أدنى عقل ورأي؛ والجبل: ~~الخلق. {هذه جهنم التي كنتم توعدون(63) اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون(64)} ~~ذوقوا حرها اليوم بكفركم في الدنيا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «عبادة الشيطان». PageV04P009 # اليوم نختم على أفواههم} نمنعها من الكلام، {وتكلمنا أيديهم، وتشهد ~~أرجلهم بما كانوا يكسبون(65)} بظهور آثام المعاصي عليها، ودلالتها على ~~أفعالها، أو بإنطاق الله إياها؛ وفي الحديث: إنهم يجحدون ويخاصمون فيختم ~~على أفواههم وتكلم أيديهم وأرجلهم (¬1) . {ولو نشاء لطمسنا على أعينهم ~~فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون(66)} الطريق، وجهة السلوك فضلا عن غيره. # {ولو نشاء لمسخناهم} بتصغير صورهم وإبطال قواهم، {على مكانتهم} مكانهم، ~~بحيث يجمدون فيه، {فما استطاعوا مضيا} ذهابا {ولا يرجعون(67)} ولا رجوعا؛ ~~والمعنى: أنهم بكفرهم ونقضهم ما عهد إليهم أحقاء بأن يفعل بهم ذلك، لكنا لم ~~نفعل، لشمول الرحمة، واقتضاء الحكمة إمهالهم إلى انقضاء آجالهم، كقوله: ~~{ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة...} (¬2) الآية. # { # ¬__________ # (¬1) - ... روى البخاري عن طاوس عن ابن عباس في كتاب تفسير القرآن: وأما ~~قوله {ما كنا مشركين}، {ولا يكتمون الله حديثا} فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ~~ذنوبهم، وقال المشركون: تعالوا نقول لم نكن مشركين، فختم على أفواههم فتنطق ~~أيديهم فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثا...». العالمية: موسوعة الحديث، ~~مادة البحث: «أفواههم». # (¬2) - ... سورة فاطر: 45؛ وتمامها: {ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى، فإذا جاء ~~أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا}. PageV04P010 # ومن نعمره} ومن نطل عمره ms0759 {ننكسه في الخلق} نعليه فيه، فلا يزال يتزايد ~~ضعفه، وانتقاص بنيته وقواه، عكس ما كان عليه بدء أمره، (لعله) فإنه [494] ~~ولو تنقص منه ضرس فذلك انتكاس في خلقه، {أفلا يعقلون(68)} أن من قدر على ~~ذلك، قدر على الطمس والمسخ، فإنه مشتمل عليها وزيادة، غير أنه يدرج. # {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} وما يصح له الشعر، ولا يتأتى له إن أراد ~~قرضه؛ {إن هو إلا ذكر} عظة وإرشاد من الله، {وقرآن مبين(69)} كتاب سماوي ~~يتلى في المعابد، ظاهرا أنه ليس كلام البشر لما فيه من الإعجاز. {لينذر من ~~كان حيا} عاقلا فهما، فإن الغافل كالميت، أو مؤمنا في علم الله، فإن الحياة ~~الأبدية بالإيمان؛ وتخصيصه بالإنذار لأنه المنتفع به لا غير. {ويحق القول} ~~وتجب كلمة العذاب {على الكافرين(70)} المصرين على الكفر، وجعلهم في مقابلة ~~من كان حيا إشعار بأنهم لكفرهم وسقوط حجتهم وعدم تأملهم أموات في الحقيقة. # {أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا} ما تولينا إيجاده، ولم يقدر ~~على إيجاده غيرنا، {أنعاما} خصصها بالذكر لما فيها من بدائع الفطرة وكثرة ~~المنافع، {فهم لها مالكون(71)} ممتلكون بتملكنا إياهم، {وذللناها لهم} ~~صيرناها منقادة لهم، {فمنها ركوبهم، ومنها يأكلون(72) ولهم فيها منافع} ~~أخرى {ومشارب أفلا يشكرون(73)} أنعم الله في ذلك، إذ لولا خلقه لها وتذليله ~~إياها، كيف أمكن التوصل (¬1) إلى تحصيل هذه المنافع المهمة؟. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «التوسل»، ولا معنى له. PageV04P011 # واتخذوا من دون الله آلهة} أشركوها به في العبادة بعدما رأوا منه تلك ~~القدرة الباهرة، والنعم المتظاهرة، وعلموا أنه المنفرد بها، {لعلهم ~~ينصرون(74)} رجاء نصرهم لهم، والأمر بالعكس، لأنه {لا يستطيعون نصرهم، وهم ~~لهم} لآلهتهم {جند محضرون(75)} معدون لحفظهم والذب (¬1) عنهم، أو محضرون ~~إثرهم في النار، أو محضرون لهم في دار الدنيا، يعذبهم الله بهم فيها كما ~~يعذبون بالأموال والأولاد. # {فلا يحزنك} فلا يهمنك {قولهم} في الله بالإلحاد والشرك، {إنا نعلم ما ~~يسرون وما يعلنون(76)} فنجازيهم عليه، وكفى ذلك أن تتسلى به. # {أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة، فإذا ms0760 هو خصيم مبين(77)} تسلية ~~ثانية بتهوين ما يقولونه بالنسبة إلى إنكارهم الحشر؛ وفيه تقبيح بليغ ~~لإنكاره، حيث ذمه، وجعله إفراطا في الخصومة بينا، ومنافاة لجحود القدرة على ~~ما هو أهون مما عمله في بداية خلقه، ومقابلة النعمة التي لا مزيد عليها، ~~وهي خلقه من أخس شيء وأمهنه شريفا مكرما بالتكذيب؛ وقيل: معنى {فإذا ~~هوخصيم مبين} فإذا هو بعدما كان ماء مهينا مميز منطيق قادر على الخصام، ~~معرب عما في نفسه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «والدأب»، والصواب ما أثبتناه من تفسير أبي السعود: ~~مج4/ ج7/ ص171. PageV04P012 # وضرب لنا مثلا} أمرا عجيبا، وهو نفي القدرة على إحياء الموتى، وتشبيهه ~~بخلقه بوصفه بالعجز عما [495] عجزوا عنه. {ونسي خلقه} خلقنا إياه. {قال: من ~~يحي العظام وهي رميم(78)} منكرا إياه؛ والرميم: ما بلي من العظام؛ {قل: ~~يحييها الذي أنشأها أول مرة} فإن قدرته كما كانت لامتناع التغيير فيه. {وهو ~~بكل خلق عليم(79)} يعلم تفاصيل المخلوقات وكيفية خلقها. # {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا، فإذا أنتم منه توقدون(80)} فمن قدر ~~على إحداث النار من الشجر الأخضر مع ما فيه من المائية المضادة لها، كان ~~قادرا على إحياء الموتى، إن لو تدبروا وأنصفوا فيما حكموا. {أوليس الذي خلق ~~السماوت والأرض} مع كبر جرمهما وعظم شأنهما، {بقادر على أن يخلق مثلهم}؟ في ~~الصغر والحقارة بالإضافة إليهما. {بلى} جواب من الله لتقرير ما بعد النفي، ~~مشعر بأنه لا جواب سواه، {وهو الخلاق العليم(81)}. # {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: كن، فيكون(82)} يحدث، وهو تمثيل ~~لتأثير قدرته في مراده، بأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور من غير امتناع ~~وتوقف، وافتقار إلى مزاولة عمل، واستعمال آلة، قطعا لمادة الشبهة، وعن أن ~~يكون قادرا بقدرة (لعله) هي غيره؛ وعن أن يكون مفتقرا إلى شيء من مخلوقاته ~~عز وجل وتعالى علوا كبيرا. # { PageV04P013 فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء} أي: حقيقة كل شيء من تنزيه ~~له عما ضربوا له، وتعجيب عما قالوه فيه، معللا مالكا للملك كله، قادرا على ~~كل شيء، {وإليه ms0761 ترجعون(83)} وعد ووعيد للمقرين والمنكرين. عن ابن عباس: ~~«كنت لا أعلم ما روي في فضل «يس» كيف خصت به، فإذا أنه لهذه الآية»، وعنه - ~~عليه السلام - فيما يروى: «أن لكل شيء قلبا، وقلب القرآن يس» (¬1) . # سورة الصافات # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه الترمذي في كتاب فضائل القرآن: 2812 عن أنس، قال: قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إن لكل شيء قلبا، وقلب القرآن يس ومن قرأ ~~يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات». قال أبو عيسى: هذا حديث ~~غريب لا نعرفه إلا من حديث حميد بن عبد الرحمن وبالبصرة لا يعرفون من حديث ~~قتادة إلا من هذا الوجه، وهارون أبو محمد شيخ مجهول. حدثنا أبو موسى محمد ~~بن المثنى حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي حدثنا قتيبة عن حميد ابن عبد الرحمن ~~بهذا وفي الباب عن أبي بكر الصديق ولا يصح من قبل إسناده وإسناده ضعيف. وفي ~~الباب عن أبي هريرة. ورواه الدارمي في سننه، كتاب فضائل القرآن، رقم 3282. ~~العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «قلب القرآن». PageV04P014 # والصافات صفا(1)} قيل: صفوف الملائكة في السماء، لصفوف المصلين في الأرض، ~~{وإنا لنحن الصافون} (¬1) . {فالزاجرات زجرا(2) فالتاليات ذكرا(3)} قيل: ~~أقسم بالملائكة الصافين في مقام العبودية على مراتب، باعتبارها تفيض عليهم ~~الأنوار الإلهية، منتظرين لأمر الله، الزاجرين الأجرام العلوية والسفلية ~~بالتدبير المأمور فيها؛ أو الناس عن المعاصي بإلهام الخيرات؛ أو الشياطين ~~عن التعرض لها، التالين آيات الله، وجلايا قدسه على أنبيائه وأوليائه؛ أو ~~بطوائف الأجرام المتزينة كالصفوف المرصوصة، والأرواح المدبرة لها، والجواهر ~~القدسية المستغرقة في بحار القدس، {يسبحون الليل والنهار لا يفترون} (¬2) ؛ ~~أو بنفوس العلماء الصافين في العبادات، الزاجرين عن الكفر، والسوق بالحجج ~~والنصائح، التالين آيات الله وشرائعه. # {إن إلهكم لواحد(4) رب السماوات والأرض، وما بينهما، ورب المشارق(5)} فإن ~~وجودها وانتظامها على الوجه الأكمل مع إمكان غيره، دليل وجود الصانع ~~الحكيم، ووحدته على ما مر غير مرة؛ والمشارق: مشارق الكواكب؛ أومشارق الشمس ~~في السنة، وهي ثلاثمائة وستون مشرقا، تشرق في كل يوم في ms0762 واحد، وبحسبها ~~[496] تختلف المغارب؛ ولذلك اكتفى بذكرها، مع أن الشروق أدل على القدرة، ~~وأبلغ في النعمة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الصافات: 168. # (¬2) - ... سورة الأنبياء: 20. PageV04P015 # إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب(6) وحفظا من كل شيطان مارد(7) لا ~~يسمعون إلى الملإ الأعلى} وهم الملائكة، {ويقذفون} ويرمون {من كل جانب(8)} ~~من جوانب السماء. {دحورا} وهو الطرد، {ولهم عذاب} أي: عذاب آخر {واصب(9)} ~~دائم، (لعله) وكذلك إخوانهم من الإنس، العذاب مآلهم. {إلا من خطف الخطفة ~~فأتبعه شهاب} والخطف: الاختلاس؛ والمراد اختلاس كلام الملائكة مسارقة؛ ~~والشهاب: ما يرى كأن كوكبا انقض، {ثاقب(10)} مضى كأنه يثقب الجو بضوئه. # {فاستفتهم} فاستخبرهم {أهم أشد خلقا أم من خلقنا} يعني ما ذكر من ~~الملائكة والسماء والأرض وما بينهما، والمشارق والكواكب والشهب الثواقب، ~~{إنا خلقناهم من طين لازب(11) بل عجبت} من إنكارهم البعث. يروى عن قتادة ~~أنه قال: «عجب النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذا القرآن حين نزل، وضلال ~~بني آدم، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يظن أن كل من يسمع[ه] ~~يؤمن به، فلما سمع[ه] المشركون سخروا منه، ولم يؤمنوا به عجب من ذلك - صلى ~~الله عليه وسلم - ». {ويسخرون(12)} من تعجبك وتقريرك للبعث. {وإذا ذكروا لا ~~يذكرون(13)} وإذا وعظوا بشيء لا يتعظون به، وإذا ذكر لهم ما يدل على صحة ~~الحشر، لا ينتفعون به لبلادتهم وقلة فكرهم. # { PageV04P016 وإذا رأوا آية} معجزة تدل على صدق القائل به، ~~{يستسخرون(14)} يبالغون في السخرية. {وقالوا إن هذا} يعنون ما يرونه {إلا ~~سحر مبين(15)} ظاهر سحريته، وذلك لضعف إيمانهم، (لعله) أو عدمه للبعث (¬1) ~~، بدليل قوله: {أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما، أئنا لمبعوثون(16) أوآباؤنا ~~الأولون(17) قل: نعم وأنتم داخرون(18)} صاغرون. {فإنما هي زجرة واحدة، فإذا ~~هم ينظرون(19)} أي: إذا كان ذلك، فإنما البعثة زجرة واحدة، [و]هي النفخة ~~الثانية؛ من زجر الراعي غنمه: إذا صاح عليها، وأمرها بالإعادة (¬2) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... الصواب: «بالبعث». # (¬2) - ... كذا في الأصل، والعبارة نجدها عند البيضاوي هكذا: «...إذا صاح ~~عليها. وأمرها في الإعادة كأمر “كن” في الإبداء، ولذلك رتب عليها: {فإذا هم ~~ينظرون}». البيضاوي، ms0763 ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد ~~الشيرازي: تفسير البيضاوي، المسمى: أنوار التنزيل وأسرار التأويل، مطبعة ~~مصطفى محمد، مصر، د.ت. ج4/ ص74. PageV04P017 # وقالوا: يا ويلنا هذا يوم الدين(20)} اليوم الذي نجازى فيه بأعمالنا (¬1) ~~وهو ثمرة الدين، وقد تم به كلامهم. وقوله: {هذا يوم الفصل الذي كنتم به ~~تكذبون(21)}، قيل: جواب الملائكة؛ والفصل: القضاء، والفرق بين المحسن ~~والمسيء. {احشروا الذين ظلموا} بأمر الله الملائكة، {وأزواجهم} وأشباههم، ~~عابد الصنم مع عبدة الصنم، أو نساؤهم اللاتي على دينكم، أو قرناؤهم من ~~الشياطين، {وما كانوا يعبدون(22) من دون الله، فاهدوهم إلى صراط ~~الجحيم(23)} فعرفوهم طريقها ليسلكوا. {وقفوهم} واحبسوهم في الموقف (¬2) ، ~~{إنهم مسئولون(24)} عن عقائدهم وأعمالهم. {ما لكم لا تناصرون(25)} لا ينصر ~~بعضكم بعضا بالتخلص، وهو توبيخ وتقريع، {بل هم اليوم مستسلمون(26)} منقادون ~~لعجزهم وانسداد الحيل عنهم، وأصل الاستسلام: طلب السلامة. # {وأقبل بعضهم على بعض} يعني: [497] الرؤساء والأتباع {يتساءلون(27)} يسأل ~~بعضهم بعضا للتوبيخ، ولذلك فسر: يتخاصمون، وذلك زيادة عذاب فوق عذابهم. ~~{قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين(28)} عن أقوى الوجوه وأيمنه[ا]، أو عن ~~الدين؛ {قالوا: بل لم تكونوا مؤمنين(29) وما كان لنا عليكم من سلطان، بل ~~كنتم قوما طاغين(30)} أجابهم الرؤساء بمنع إضلالهم، فإنهم كانوا ضالين في ~~أنفسهم؛ وثانيا: بأنهم ما أجبروهم على الكفر، إذ لم يكن لهم عليهم تسلط، ~~وإنما جنحوا إليه، لأنهم كانوا قوما مختارين الضلال. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يوم الذي نجازى بأعمالنا». وقد صححنا العبارة من ~~أبي السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص187. # (¬2) - ... في الأصل: «المواقف». PageV04P018 # فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون(31) فأغويناكم إنا كنا غاوين(32) فإنهم ~~يومئذ في العذاب مشتركون(33)} كما كانوا مشتركين في الأفعال، {إنا كذلك} ~~مثل ذلك الفعل {نفعل بالمجرمين(34) إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ~~يستكبرون(35)} أي: عن كلمة التوحيد والعمل بمقتضاه. # {ويقولون: أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون(36)} للرسل ورسلهم، ولو من ~~حجة عقل قامت عليهم حجة الله لقالوا: هذا من وسواس الشيطان، وإن الحق ~~خلافه؛ فرد الله عليهم دحضا لحجتهم، وإزهاقا لباطلهم ms0764 فقال: {بل جاء بالحق، ~~وصدق المرسلين(37) إنكم لذائقوا العذاب الأليم(38)} بردكم حجة الله. {وما ~~تجزون إلا ما كنتم تعملون(39)} إلا جزاء ما عملتم. # {إلا عباد الله المخلصين(40) أولئك لهم رزق معلوم(41)} خصائصه، من الدوام ~~وتمحض اللذة، ولذلك فسره بقوله: {فواكه} فإن الفاكهة ما يقصد بها [إلا] ~~التلذذ دون التغذي والقوت؛ فإن أهل الجنة لما أعيدوا على خلقة محكمة محفوظة ~~عن التحلل كان أرزاقهم فواكه خالصة. {وهم مكرمون(42)} في نيله، يصل إليهم ~~من غير تعب، لا كما عليه غذاء أهل الدنيا، لأن في الحقيقة ليس في الدنيا ~~فاكهة محضة عن الشوائب؛ بل فيها قوت وقوام، لأنها دار عبادة. {في جنات ~~النعيم(43)} في جنات ليس فيها إلا النعيم. {على سرر متقابلين(44)}. # { PageV04P019 يطاف عليهم بكأس من معين(45)} من شراب معين؛ إشعارا بأن ما ~~يكون لهم بمنزلة الشراب الجامع لما يطلب من أنواع الأشربة لكمال اللذة؛ ~~ولذلك قوله: {بيضاء لذة للشاربين(46)} (لعله) والناظرين، وصفها ب«لذة» ~~للمبالغة؛ {لا فيها غول} غائلة، كما في خمر الدنيا كالخمار؛ من غاله يغوله: ~~إذا أفسده، ومنه الغول، {ولا هم عنها ينزفون(47)} (لعله) قيل معناه: لا ~~ينفد شرابهم. # {وعندهم قاصرات الطرف} قصرن أبصارهن، وذلك من تمام الحسن، {عين(48)} قيل: ~~نجل العيون، جمع: عيناء. {كأنهن بيض مكنون(49)} شبههن ببيض النعام المصون ~~من الغبار ونحوه في الصفاء والبياض. # {فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون(50)} فإنه ألذ تلك اللذات إلى العقل ~~تساؤلهم عن ما جرى عليهم ولهم في الدنيا. {قال قائل منهم} في مكالمتهم: ~~{إني كان لي قرين(51)} جليس في الدنيا {يقول: أئنك لمن المصدقين(52)} ~~يوبخني على التصديق [498] بالبعث، وقرئ بالتشديد من التصدق. {أئذا متنا ~~وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون(53)} لمجزيون من الدين، بمعنى: الجزاء. # { PageV04P020 قال} أي: ذلك القائل: {هل أنتم مطلعون(54)} إلى أهل النار ~~لأريكم ذلك القرين؛ وقيل: القائل هو الله، أو بعض الملائكة، يقول لهم: ~~تحبون أن تطلعوا على أهل النار لأريكم ذلك القرين، فتعلموا أين منزلتكم من ~~منزلتهم؟، وذلك نعمة جليلة تصغر في حقها النعم. {فاطلع فرآه في سواء ~~الجحيم(55)} وسطه، ms0765 {قال تالله إن كدت لتردين(56)} لتهلكني بالإغواء، {ولولا ~~نعمة ربي} بالهداية والعصمة، {لكنت من المحضرين(57)} معك فيها. {أفما نحن ~~بميتين(58)} أي: مخلدون منعمون، {إلا موتتنا الأولى} التي كانت في الدنيا، ~~{وما نحن بمعذبين(59)} كالكفار، {إن هذا لهو الفوز العظيم(60)} وذلك تمام ~~كلامه لقرينه تقريعا له، أو معاودة مكالمة جلسائه تحدثا بنعمة الله، وتلذذا ~~بها، وتعجبا منها؛ أو أن يكون من كلام الله لتقرير قوله، والإخبار بما عليه ~~من النعمة والخلود والأمن من العذاب. # {لمثل هذا فليعمل العاملون(61)} أي: لنيل مثل هذا يجب أن يعمل العاملون، ~~لا للحظوظ الدنيوية المشوبة بالآلام السريعة الانصرام. # { PageV04P021 أذلك خير نزلا (¬1) ، أم شجرة الزقوم(62) إنا جعلناها فتنة ~~للظالمين(63)} محنة وعذابا في الآخرة. {إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم(64)} ~~منبتها في قعر الجحيم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها. {طلعها} حملها، مستعار ~~من طلع التمر لمشاركته إياه في الشكل، {كأنه رءوس الشياطين(65)} في تناهي ~~القبح والهول، (لعله) لأن منظرها ومنظر ما فيها عذاب خلاف الجنة؛ وهو تشبيه ~~بالمتخيل، كتشبيه الفائق في الحسن بالملك؛ وقيل: الشياطين (لعله) حيات ~~هائلة قبيحة المنظر لها أعراف، ولعلها سميت بها لذلك. # {فإنهم لآكلون منها، فمالئون منها البطون(66)} لغلبة الجوع، والجبر على ~~أكلها، أو لضيق النفس عليه، لأنها لا تغني من جوع، فهم جياع عطاش أبدا؛ ~~والملء: حشو الوعاء بما لا يحتمل الزيادة عليه. {ثم إن لهم عليها} أي: ~~بعدما ملؤوا (¬2) بطونهم منها وغلبهم العطش، شربوا من الحميم فوق ملء ~~البطون، فصار ذلك عذابا؛ والأكل عذاب، والجوع والعطش عذاب، زيادة عليهم من ~~عذاب النار، لأن «ثم» يكون لما [في] شربهم من مزيد الكراهة والبشاعة، لأن ~~النعيم محرم عليهم، فلا تلذذ بأكل ولا شرب، ولا شبع ولا تحقق (¬3) من ذلك، ~~ويدلك على ذلك قوله: {لشوبا من حميم(67)} لشرابا من غساق، أو صديد مشوبا ~~بماء حميم يقطع أمعاءهم. {ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم(68)} إلى دركاتها أو ~~إلى نفسها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «نزلا»، وهو سهو. # (¬2) - ... في الأصل: «ميلوا» وهو خطأ. # (¬3) - ... يمكن أن نقرأ: «ولا تخفف من ذلك». PageV04P022 # إنهم ms0766 ألفوا آباءهم ضالين(69) فهم على آثارهم يهرعون(70)} تعليل ~~لاستحقاقهم تلك الشدائد بتقليد الآباء في الضلال؛ والإهراع: الإسراع ~~الشديد، كأنهم يزعجون على الإسراع على آثارهم؛ وفيه إشعار بأنهم بادروا إلى ~~ذلك من غير توقف على نظر وبحث. # [499] {ولقد ضل قبلهم} قبل قومك {أكثر الأولين(71) ولقد أرسلنا فيهم ~~منذرين(72)} أرسل (لعله) رسلا أنذروهم من العواقب، وحذروهم غرور الظواهر. ~~{فانظر كيف كان عاقبة المنذرين(73)} ما حل بهم من البلوى. {إلا عباد الله ~~المخلصين(74)} إلا الذين تنبهوا بإنذارهم، فأخلصوا دينهم لله، أو أخلصهم ~~الله لدينه؛ وقد قرئ به، والخطاب للرسول وقومه فإنهم سمعوا أخبارهم أو ~~آثارهم. # {ولقد نادانا نوح} شروع في تفصيل القصص بعد إجمالها؛ أي: ولقد دعانا حين ~~أيس من قومه، {فلنعم المجيبون(75)} أي: أجبناه أحسن الإجابة. {ونجيناه ~~وأهله من الكرب العظيم(76)} من الغرق، أو أذى قومه، أو من زلته التي زلها. ~~{وجعلنا ذريته هم الباقين(77)} إذ هلك من عداهم، وبقوا متناسلين إلى يوم ~~القيامة، إذ روي أنه مات كل من كان معه في السفينة غير بنيه وأزواجهم. ~~{وتركنا عليه في الآخرين(78)} قيل: أبقينا له ثناء حسنا، وذكرا جميلا فيمن ~~بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة؛ وقيل: يصلى عليه إلى يوم ~~القيامة. # { PageV04P023 سلام على نوح} قيل: هو سلام من الله عليه {في ~~العالمين(79)} قيل: معناه الدعاء بثبوت هذه التحية في الملائكة والثقلين ~~جميعا. {إنا كذلك نجزي المحسنين(80)} تعليل لما فعل بنوح من التكرمة، بأن ~~ذلك مجازاة له على إحسانه. {إنه من عبادنا المؤمنين(81)} تعليل لإحسانه ~~بالإيمان، [و]إظهار لجلالة قدره، وتأصيل لعزه. {ثم أغرقنا الآخرين(82)} ~~يعني: كفار قومه. # {وإن من شيعته} ممن شايعه في الإيمان وأصول الشريعة، {لإبراهيم(83)} ولا ~~يبعد اتفاق شرعهما في الفروع أو غالبا؛ وقيل: كان بينهما هود وصالح. {إذ ~~جاء ربه بقلب سليم(84)} من آفات القلوب، خالص لله وحده. {إذ قال لأبيه ~~وقومه: ماذا تعبدون(85) أئفكا آلهة دون الله تريدون(86)} أي: تريدون آلهة ~~ذات (¬1) إفك دون الله، لأن الأهم أن يقرر أنهم على الباطل، ومبنى أمرهم ~~على الإفك. {فما ظنكم ms0767 برب العالمين(87)}؟ ممن هو حقيق بالعبادة، لكونه ربا ~~للعالمين، حتى تركتم عبادته، وأشركتم به غيره!. # {فنظر نظرة في النجوم(88)} فرأى مواقعها، مع أن قصده إيهامهم. {فقال: إني ~~سقيم(89)} قيل أراد: إني سقيم القلب لكفركم؛ أو خارج المزاج عن الاعتدال ~~خروجا قل ما يخلو منه [أحد] (¬2) ، أو بصدد الموت، ومنه الميل، كفى ~~بالسلامة داء، {فتولوا عنه مدبرين(90) فراغ إلى آلهتهم} فذهب إليها في ~~خفية، من روغة الثعلب، وأصله الميل بحيلة، {فقال} أي: للأصنام استهزاء: ~~{ألا تأكلون(91) ما لكم لا تنطقون(92)} بجوابي. {فراغ عليهم} فمال عليهم ~~مستخفيا، {ضربا باليمين(93)} للدلالة على قوته، فإن قوة الآلة تستدعي قوة الفعل. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «ذا». # (¬2) - ... من إضافتنا ليتم المعنى. PageV04P024 # فأقبلوا إليه يزفون(94)} يسرعون من زفيف النعام، على [500] ما قيل. {قال: ~~أتعبدون ما تنحتون(95)} ما تعملونه من الأصنام. {والله خلقكم وما ~~تعملون(96)} أي: وما تعملونه، فإن جوهرها بخلقه؛ وشكلها وإن كان بفعلهم ~~ولذلك جعل من أعمالهم فبإقداره إياهم عليه، وخلقه ما يتوقف عليه فعلهم من ~~الدواعي والعدد. {قالوا: ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم(97)} في النار ~~الشديدة، من الجحمة: وهي شدة التأجج. # {فأرادوا به كيدا} فإنهم لما قهرهم بالحجة، قصدوا تعذيبه بذلك، {فجعلناهم ~~الأسفلين(98)} المقهورين الأذلين بإبطال كيدهم، وجعله برهانا نيرا على علو ~~شأنه، حيث جعل النار عليه بردا وسلاما. {وقال إني ذاهب إلى ربي} تجردا ~~لعبادة ربه من الشواغل الدنيوية إلى الأعمال الدينية، {سيهدين(99)} إلى ما ~~فيه صلاح ديني؛ وإنما بت القول بالهداية لسبق وعده، وحقيقة توكله عليه، ~~وانقطاعه إليه. {رب هب لي من الصالحين(100)} يعينني على الطاعة، لأنه كأنه ~~(¬1) فريدا. # {فبشرناه بغلام حليم(101) فلما بلغ معه السعي} أي: بلغ معه العمل بطاعة ~~الله {قال: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك، فانظر ماذا ترى} من الرأي، ~~إنما شاوره فيه وهو حتم ليعلم ما عنده فيما نزل من بلاء الله، فتثبت قدمه، ~~أو تزل إن جزع، ويأمن عليه إن سلم، ليوطن نفسه عليه، فيهون ويكتسب المثوبة ~~بالانقياد له قبل نزوله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لعل الصواب: «كان». ms0768 PageV04P025 # قال: يا أبت افعل ما تؤمر} ولعل الأمر به في اليقظة دون المنام، لتكون ~~مبادرتهما إلى الامتثال أدل على كمال الانقياد والإخلاص، {ستجدني إن شاء ~~الله من الصابرين(102)} على قضاء الله، {فلما أسلما} استسلما لأمر الله، ~~{وتله للجبين(103)} صرعه على شقه، فوقع جبينه على الأرض، فهو أحد جانبي ~~الجبهة، وقيل: كبه على وجهه بإشارته، لئلا يرى فيه تعبيرا يرق له فلا يذبحه. # {وناديناه أن يا إبراهيم(104) قد صدقت الرؤيا} بالعزم والإتيان ~~بالمقدمات؛ تقديره كان ما كان مما ينطبق به الحال، ولا يحيط به المقال من ~~استبشارهما، وشكرهما لله على ما أنعم عليهما، من دفع البلاء بعد حلوله، ~~والتوفيق لما لم يوفق غيرهما لمثله، وإظهار فضلهما به على العالمين؛ مع ما ~~نالا به [من] الثواب العظيم، إلى غير ذلك، {إنا كذلك نجزي المحسنين(105)} ~~تعليل لإفراج تلك الشدة عنهما بإحسانهما؛ والمعنى: أنا عفونا إبراهيم عن ~~ذبح ولده، نجزي من أحسن في طاعتنا بإفراج الشدائد. {إن هذا لهو البلاء ~~المبين(106)} الابتلاء البين، الذي يتميز فيه المخلص من غيره؛ أو المحنة ~~البينة الصعوبة، فإنها من مشاق البلوى. # { PageV04P026 وفديناه بذبح} مما يذبح بدله، فيتم به الفعل، {عظيم(107)} ~~عظيم الجثة سمين، أو عظيم القد؛ {وتركنا عليه في الآخرين(108) سلام على ~~إبراهيم(109) كذلك نجزي المحسنين(110)} أي: نجزي بالسلامة كل من أحسن. {إنه ~~من عبادنا المؤمنين(111) وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين(112) وباركنا ~~عليه} أي: على [501] إبراهيم في أولاده، {وعلى إسحاق، ومن ذريتهما محسن} في ~~عمله، أو على نفسه بالإيمان والطاعة، {وظالم لنفسه} بالكفر والمعاصي، ~~{مبين(113)} ظاهر ظلمه؛ وفيه تنبيه على أن النسب لا أثر له في الهدى ~~والضلال، وأن الظلم من الذرية لا يعود على الأبوين بنقيصة ولا عيب. # {ولقد مننا على موسى وهارون(114)} أنعمنا عليهما بالنبوة، وغيرها من ~~المنافع الدينية والدنيوية. {ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم(115)} من ~~تغلب فرعون وآله. {ونصرناهم فكانوا هم الغالبين(116) وآتيناهما الكتاب ~~المستبين(117)} الواضح في بيانه. {وهديناهما الصراط المستقيم(118)} الطريق ~~الموصل إلى الحق والصواب. {وتركنا عليهما في الآخرين(119) سلام على موسى ~~وهارون(120) إنا ms0769 كذلك نجزي المحسنين(121) إنهما من عبادنا المؤمنين(122)}. # {وإن إلياس لمن المرسلين(123) إذ قال لقومه: ألا تتقون(124) أتدعون بعلا} ~~أتعبدون أو تطلبون الخير منه، وهو اسم صنم فيما قيل، {وتذرون أحسن ~~الخالقين(125) الله ربكم ورب آبائكم الأولين(126) فكذبوه فإنهم ~~لمحضرون(127)} في العذاب. {إلا عباد الله المخلصين(128) وتركنا عليه في ~~الآخرين(129) سلام على إل ياسين(130) إنا كذلك نجزي المحسنين(131) إنه من ~~عبادنا المؤمنين(132)}. # { PageV04P027 وإن لوطا لمن المرسلين(133) إذ نجيناه وأهله أجمعين(134) ~~إلا عجوزا في الغابرين(135) ثم دمرنا الآخرين(136) وإنكم لتمرون عليهم ~~مصبحين(137) وبالليل أفلا تعقلون(138)} أفليس فيكم عقل تعتبرون به. # {وإن يونس لمن المرسلين(139) إذ أبق} هرب، وأصله: الهرب من السيد، ولكن ~~لما كان هربه من قومه بغير إذن ربه، حسن إطلاقه عليه، {إلى الفلك ~~المشحون(140)} المملوء. {فساهم} فقارع أهله {فكان من المدحضين(141)} فصار ~~من المغلوبين بالقرعة؛ وأصله: المزلق عن مقام الظفر. روي: «أنه لما وعد ~~قومه بالعذاب خرج من بينهم قبل أن يأمره الله به، فركب السفينة فوقفت، ~~فقالوا: هنا عبد آبق، واقترعوا فخرجت القرعة عليه، فقال: أنا الآبق، ورمى ~~بنفسه في الماء». {فالتقمه الحوت وهو مليم(142)} داخل في الملامة، أو أتى ~~بما يلام عليه، أو مليم نفسه. # {فلولا أنه كان من المسبحين(143)} في بطن الحوت، وهو قوله: {لا إله إلا ~~أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} (¬1) فيما قيل، {للبث في بطنه إلى يوم ~~يبعثون(144)} قيل: حيا، وقيل: ميتا. {فنبذناه بالعراء} بالمكان الخالي عما ~~يغطيه من شجر أو بيت، {وهو سقيم(145)} مما ناله؛ قيل: صار بدنه كبدن الطفل ~~حين يولد. {وأنبتنا عليه} فوقه مظلة عليه {شجرة من يقطين(146)} من شجر ~~ينبسط على وجه الأرض ولا يقوم على ساقه؛ “يفعيل” من “قطن بالمكان”: إذا قام ~~به؛ والأكثر على أنها كانت الدباء، وغطته بأوراقها عما يؤذيه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأنبياء: 87. PageV04P028 # وأرسلناه إلى مائة ألف} هم قومه الذين هرب عنهم؛ والمراد: ما سبق من ~~إرساله، أو إرسال ثان إليهم، أو إلى غيرهم [502] {أو يزيدون(147) فآمنوا} ~~فصدقوه، {فمتعناهم إلى حين(148)} إلى أجلهم المسمى. # {فاستفتهم ألربك البنات، ms0770 ولهم البنون(149)} معطوف على مثله في أول ~~السورة، وهو قوله: {فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا} أمر رسوله - صلى ~~الله عليه وسلم - أولا باستفتائهم عن وجه إنكارهم البعث، فساق الكلام في ~~تقريره جارا لما يلائمه من القصص، موصولا بعضها ببعض، ثم أمر باستفتائهم عن ~~وجه القسمة، حيث جعلوا لله البنات، ولأنفسهم البنين، في قولهم: «الملائكة ~~بنات الله». {أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون(150)}؟ وإنما خص علم ~~المشاهدة، لأن أمثال ذلك لا يعلم إلا به. # {ألا إنهم من إفكهم ليقولون(151): ولد الله} لعدم ما يقتضيه، وقيام ما ~~ينفيه، {وإنهم لكاذبون(152)} في ما يتدينون به، {أصطفى البنات على ~~البنين(153)}؟! استفهام إنكار، واستبعاد، {ما لكم كيف تحكمون(154)}؟! بما ~~لا يرتضيه عقل، {أفلا تذكرون(155)}؟! إنه منزه عن ذلك، {أم لكم سلطان ~~مبين(156)}؟ حجة واضحة، {فأتوا بكتابكم} الذي أنزل عليكم {إن كنتم ~~صادقين(157)}. # {وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا} قال الحسن: «معنى النسب: أنهم أشركوا ~~السلطان في عبادة الله»؛ وقيل: أراد ب«الجنة» الملائكة، سموا جنة لاجتنانهم ~~عن الأبصار؛ كقولهم: «الملائكة بنات الله»؛ {ولقد علمت الجنة إنهم} إن ~~الكفرة أو الإنس {لمحضرون(158)} في العذاب. {سبحان الله عما يصفون(159)} من ~~الباطل؛ {إلا عباد الله المخلصين(160)}. # { PageV04P029 فإنكم وما تعبدون(161)} عود إلى خطابهم، {ما أنتم عليه} ~~(لعله) معناه: ما أنتم بمضلين إلا من سبقت له الشقاوة، ومن هو صال الجحيم، ~~{بفاتنين(162)} مفسدين الناس بالإغواء. {إلا من هو صال الجحيم(163)} إلا من ~~سبق في علمه أنه من أهل النار، ويصلها (¬1) لا محالة. # {وما منا إلا له مقام معلوم(164)} حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية، للرد ~~على عبدتهم على ما قيل، والمعنى: ما منا أحد إلا له مقام معلوم في المعرفة ~~والعبادة، والانتهاء إلى أمر الله في تدبير العالم. يحتمل أن يكون هذا وما ~~قبله من قوله: {سبحان الله} من كلامهم، ليتصل بقوله: {ولقد علمت الجنة} ~~كأنه قال: ولقد علم الملائكة أن المشركين معذبون بذلك، وقالوا: «سبحان ~~الله» تنزيها له عنه، ثم استثنوا المخلصين تنزيها (¬2) لهم منه، ثم خاطبوا ~~الكفرة بأن الافتتان بذلك ms0771 للشقاوة المقدرة، ثم اعترفوا بالعبودية، وتفاوت ~~مراتبهم فيه، لا يتجاوزونها. {وإنا لنحن الصافون(165)} في أداء الطاعة، ~~ومنازل الخدمة، وقيل: صفوف الملائكة في السماء للعبادة (لعله) كصفوف الناس ~~في الأرض، {وإنا لنحن المسبحون(166)} المنزهون لله عما لا يليق به، ولعل ~~الأول إشارة إلى درجاتهم في الطاعات، وهذا في المعارف. # {وإن كانوا ليقولون(167): لو أن عندنا ذكرا من الأولين(168)} كتابا من ~~الكتب السماوية {لكنا عباد الله المخلصين(169)} لأخلصنا العبادة له، ~~{فكفروا به} أي: لما جاءهم الذكر الذي هو أشرف الأذكار [503] المهيمن ~~عليها، {فسوف يعلمون(170)} عاقبة كفرهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لعل الأصوب: «ويصلاها». # (¬2) - ... في الأصل: «تنزيه». PageV04P030 # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين(171) إنهم لهم المنصورون(172) وإن ~~جندنا لهم الغالبون(173)} أي: حزب الله لهم الغلبة بالحجة والنصرة في ~~العاقبة. {فتول عنهم} فأعرض عنهم {حتى حين(174) وأبصرهم} على ما ينالهم ~~حينئذ؛ والمراد بالأمر: الدلالة على أن ذلك كائن قريب كأنه قدامه، {فسوف ~~يبصرون(175)} ما قضينا لك وعليهم؛ {أفبعذابنا يستعجلون(176)}؟! قيل: إنه ~~لما نزل: {فسوف يبصرون} قالوا: متى هذا؟ فنزل: {فإذا نزل بساحتهم} بفنائهم ~~بغتة، {فساء صباح المنذرين(177)} فبئس صباح المنذرين صباحهم. # {وتول عنهم حتى حين(178) وأبصر فسوف يبصرون(179)} وعد له بالنصر، ووعيد ~~عليهم بالهلاك، والتكرير فيه على المبالغة. # {سبحان ربك رب العزة} الغلبة والقوة {عما يصفون(180)} عما قاله المشركون ~~فيه، على ما حكى في السورة؛ وإضافة الرب إلى العزة لاختصاصها به، إذ لا عزة ~~إلا له، أو لمن أعزه، وقد أدرج فيه جملة السلبية والثبوتية، مع الإشعار ~~بالتوحيد، {وسلام على المرسلين(181)} تعميم للرسل بالتسليم بعد تخصيص ~~بعضهم، {والحمد لله رب العالمين(182)} على ما أفاض عليهم، وعلى من اتبعهم ~~من النعم وحسن العاقبة، ولذلك أخره عن التسليم، والمراد: تعليم المؤمنين ~~كيف يحمدونه ويسلمون على رسله. # - - - - # سورة ص # بسم الله الرحمن الرحيم # { PageV04P031 ص، والقرآن ذي الذكر(1) بل الذين كفروا في عزة وشقاق(2)} ~~أي: ما كفر به من كفر لخلل وجده فيه... (¬1) وهو الاستكبار عن الحق، ~~والشقاق خلاف (¬2) لله ولرسوله، والمراد بالذكر: العظة، وما يحتاج إليه في ~~الدين من العقائد والشرائع ms0772 والمواعيد، (لعله) واسم الكفر داخل على ~~المشركين. # {كم أهلكنا من قبلهم من قرن} وعيد لهم على كفرهم به استكبارا وشقاقا، ~~{فنادوا} للإيمان استغاثة وتوبة واستغفارا عند نزول العذاب، {ولات حين ~~مناص(3)} أي: ليس الحين حين مناص، والمناص هو المنجا. # {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم} بشر مثلهم. {وقال الكافرون} وضع الظاهر موضع ~~الضمير غضبا عليهم وذما لهم، وإشعارا بأن كفرهم جسرهم على هذا القول، {هذا ~~ساحر} في ما يظهره من الإعجاز {كذاب(4)} فيما يقول على الله، وهذا القول من ~~المشركين بلسان المقال، ومن الكافرين كفر النفاق بلسان الحال، {أجعل الآلهة ~~إلها واحدا}؟ بأن جعل الألوهية التي كانت لهم لواحد، {إن هذا لشيء عجاب(5)} ~~بليغ في العجب، فإنه خلاف ما أطبق عليه آباؤنا. # {وانطلق الملأ منهم} وانطلق أشراف قريش من مجلس رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بعدما بكتهم، {أن امشوا} قائلين بعضهم لبعض، {واصبروا} واثبتوا ~~{على آلهتكم} على عبادتها {إن هذا لشيء يراد(6)} إن هذا الأمر لشيء من ريب ~~الزمان [504] يراد بنا فلا مرد له، وإن هذا الذي يدعيه من التوحيد ويقصده، ~~من الرئاسة والترفع لشيء يتمنى، أو يريده كل أحد، وإن دينكم يطلب ليؤخذ منكم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... يبدو أن في العبارة سقطا، تقديره: «وإنما لعزة وشقاق، وهو ~~الاستكبار عن الحق...»إلخ. # (¬2) - ... في الأصل: «خلافا». PageV04P032 # ما سمعنا بهذا} بالذي يقوله {في الملة الآخرة} في الملة التي أدركنا ~~عليها آباءنا، {إن هذا إلا اختلاق(7)} كذب اختلقه، {أأنزل عليه الذكر من ~~بيننا} إنكارا لاختصاصه بالوحي، وجعلوه كأنه مثلهم، أو دون منهم في الشرف ~~والرئاسة، كقولهم: {لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} (¬1) ~~وأمثال ذلك دليل على أن مبدأ تكذيبهم [ليس] إلا الحسد، وقصور النظر على ~~الحطام الدنيوي؛ {بل هم في شك من ذكري} من القرآن لميلهم إلى التقليد، ~~وإعراضهم عن الدليل؛ وليس في عقيدتهم ما ينبئون (¬2) من قولهم: «هذا ساحر»، ~~«إن هذا إلا اختلاق»، {بل لما يذوقوا عذاب(8)} بل لم يذوقوا عذابي بعد، ~~فإذا ذاقوه زال شكهم، وثبت يقينهم حين لا ينفعهم؛ والمعنى: ms0773 أنهم لا يصدقون ~~به حتى يذوقوا عذاب الموت، فيلجئهم إلى تصديقه اضطرارا (¬3) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الزخرف: 31. # (¬2) - ... كذا في الأصل، وفي تفسير أبي السعود: «ما يبتون به، فهم ~~مذبذبون بين الأوهام، ينسبونه تارة إلى السحر، وأخرى إلى الاختلاق». أبو ~~السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص216. # (¬3) - ... في الأصل: «اضطرار» على أنه فاعل «يلجئهم»، والأوفق ما ~~أثبتناه. PageV04P033 # أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب(9)}؟ بل أعندهم خزائن رحمته، وفي ~~تصرفهم حتى يصيبوا بها ما شاؤوا، ويصرفوها عمن شاؤوا فيتخيروا للنبوة بعض ~~صناديدهم؟؛ والمعنى: إن النبوة عطية من الله يتفضل بها على من يشاء من ~~عباده، فلا مانع له، فإنه العزيز الغالب الذي لا يغلب، الوهاب الذي له أن ~~يهب كل ما يشاء لمن يشاء، ثم رشح ذلك فقال: {أم لهم ملك السماوات والأرض ~~وما بينهما} كأنه لما أنكر عليهم التصرف في نبوته، بأن ليس عندهم خزائن ~~رحمته التي لا نهاية لها، أردف ذلك بأنه ليس لهم مدخل في هذا العالم ~~الجسماني، الذي هو جزء يسير من خزائنه. {فليرتقوا في الأسباب(10)} أي: إن ~~كان لهم ذلك، فليصعدوا في المعارج التي يتوصل بها إلى العرش، حتى يستووا ~~عليه، ويدبروا أمر العالم، فينزيلون الوحي إلى من يستصوبون، وهو غاية ~~التهكم بهم؛ وقيل: المراد بالأسباب: السماوات، لأنها أسباب الحوادث ~~السفلية. # {جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب} أي: جند من الكفار والمتحزبين على ~~الرسل، مهزوم: مكسور عما قريب، فمن أين لهم التدابير الآلهية والتصرف في ~~الأمور الربانية؟ فلا تكترث بما يقولون و«ما» مزيدة للتعليل؛ و«هنالك» ~~إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل هذا القول. # {كذبت قبلهم قوم نوح، وعاد، وفرعون ذو الأوتاد(12)} ذو الملك الثابت ~~بالأوتاد، كقوله: # ولقد غنوا فيها بأنعم ... عيشة ... غنوا يعني: أقاموا # ... ... في ظل ملك ثابت الأوتاد (¬1) # ¬__________ # (¬1) - ... البيت للأسود بن يعفر. انظر: الزمخشري: الكشاف، 4/ 58. أبو ~~السعود: تفسير، مج4/ ج7/ ص217. PageV04P034 # مأخوذ من ثبات البيت المطنب بأوتاد، أو الجموع الكثيرة، سمو بذلك لأن ~~بعضهم يشد بعضا كالوتد يشد البناء؛ وقيل: نصب أربع سوار، وكان يمد ms0774 يدي ~~المعذب ورجليه إليها (¬1) ، ويضرب عليها [505] أوتادا، و يتركه حتى يموت. # {وثمود، وقوم لوط، وأصحاب الأيكة} أصحاب الغيضة، وهم قوم شعيب، {أولئك ~~الأحزاب(13)} المتحزبون (¬2) على الرسل؛ {إن كل إلا كذب الرسل فحق ~~عقاب(14)} عليهم في الدارين. {وما ينظر هؤلاء} وما ينتظر قومك {إلا صيحة ~~واحدة} وهو انتظار كل عاص على الانفراد عذاب الموت كان بسبب كالقتل ونحوه، ~~أو غير سبب وهو حتف أنفه، {ما لها من فواق(15)} من توقف مقدار «فواق» وهو ~~ما بين الحلبتين. # {وقالوا: ربنا عجل لنا قطنا} قيل: إنه الموت أو العذاب، {قبل يوم ~~الحساب(16)} استهزاء؛ وقيل: القط: هو الحظ، فسألوا حظهم من العقاب قبل يوم ~~الحساب استهزاء منهم بالنبي وبالقرآن، والله يستهزئ بهم وهو كقوله: ~~{ويستعجلونك بالعذاب} (¬3) . # {اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود} واذكر قصته تعظيما للمعصية في ~~أعينهم، فإنه مع علو شأنه واختصاصه بعظائم النعم، لما آتى سيئة نزل عن ~~منزلته، ودخل عليه الملائكة بالتمثيل والتعريض، حتى تفطن واستغفر؛ أو تذكر ~~قصته؛ وصن نفسك أن تزل فيلقاك ما لقيه من المعاتبة على إهمال عنان نفسه ~~أدنى إهمال، {ذا الأيد} ذا القوة، {إنه أواب(17)} رجاع إلى مرضاة الله، وهو ~~تعليل للأيدي، دليل على أن المراد به: القوة في الدين، كان يصوم يوما ويفطر يوما. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «إليهما». # (¬2) - ... في الأصل: «المتحزبين»، وهو خطأ. # (¬3) - ... سورة الحج: 47. وسورة العنكبوت: 53. PageV04P035 # إنا سخرنا الجبال معه يسبحن} للدلالة على تجدد التسبيح حالا بعد حال، ~~{بالعشي والإشراق(18) والطير محشورة} أي: مجموعة إليه من كل جانب، {كل له ~~أواب(19)} كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيحه رجاع إلى التسبيح؛ والفرق ~~بينه وبين ما قبله أنه يدل على الموافقة في التسبيح، وهذا على المداومة ~~عليها؛ أو كل منها ومن داوود مرجع إلى الله التسبيح؛ {وشددنا ملكه} وقويناه ~~بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود، {وآتيناه الحكمة} النبوة، أو كمال العلم، ~~وإتقان العمل، {وفصل الخطاب(20)} فصل الخصام، بتميز الحق عن الباطل، ~~والكلام الملخص، الذي ينبه المخاطب من غير التباس، يراعى به مظان الفصل ~~والوصل. # {وهل أتاك نبأ ms0775 الخصم}؟ استفهام معناه التعجب والتشويق إلى استماعه، {إذ ~~تسوروا المحراب(21)} إذ تصعدوا سور الغرفة، {إذ دخلوا على داوود ففزع منهم} ~~قيل: لأنهم نزلوا عليه من فوق في يوم الاحتجاب، والحرس على الباب لا يتركون ~~من يدخل عليه، فإنه قيل: جزأ زمانه: يوما للعبادة، ويوما للقضاء، ويوما ~~للوعظ، ويوما للاشتغال بخاصته، فتسور عليه ملائكة على صورة إنسان في يوم خلوة. # { PageV04P036 قالوا: لا تخف خصمان} نحن فوجان متخاصمان، على تسمية مصاحب ~~الخصم خصما، {بغى بعضنا على بعض، فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط} ولا تجر في ~~الحكومة، {واهدنا إلى سواء الصراط(22)} إلى وسطه، وهو العدل. {إن هذا أخي} ~~بالدين أو الصحبة {له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة} [506] هي الأنثى من ~~الضأن، وقد يكنى بها على المرأة، والكناية والتمثيل فيما يساق للتعريض أبلغ ~~في المقصود؛ {فقال: أكفلنيها} ملكنيها، وحقيقته اجعلني أكفلها كما أكفل ما ~~تحت يدي؛ وقيل: اجعلها كفلي [أي] نصيبي، {وعزني في الخطاب(23)} وغلبني في ~~مخاطبته إياي. # {قال: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، وإن كثيرا من الخلطاء} الشركاء ~~الذين خلطوا أموالهم {ليبغي} ليتعدى {بعضهم على بعض، إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات} الذين عادتهم دون الأولين، {وقليل ما هم، وظن داوود أنما ~~فتناه} ابتليناه بالذنب وامتحناه بتلك الحكومة، {فاستغفر ربه} لذنبه، {وخر ~~راكعا} ساجدا على تسمية السجود [ركوعا] (¬1) ، {وأناب(24)} ورجع إلى الله ~~بالتوبة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... إضافة من تفسير أبي السعود، مج4/ ج7/ ص222. ليستقيم المعنى. PageV04P037 # فغفرنا له ذلك} أي: ما استغفر عنه، {وإن له عندنا لزلفى} لقربة بعد ~~المغفرة {وحسن مآب(25)} مرجع في الجنة. {يا داوود، إنا جعلناك خليفة في ~~الأرض} استخلفناك على الملك فيها، أو جعلناك خليفة من قبلك من الأنبياء ~~والقائمين بالحق، {فاحكم بين الناس بالحق} بحكم الله، {ولا تتبع الهوى} ما ~~تهوى النفس، وهو يؤيد ما قيل: إن ذنبه المبادرة إلى تصديق المدعي، وتظليم ~~الآخر قبل مسألته، {فيضلك عن سبيل الله} دلائله التي نصبها على الحق، {إن ~~الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد} عاجلا وآجلا {بما نسوا يوم ms0776 ~~الحساب(26)} بسبب نسيانهم، وهو ضلالهم عن السبيل، فإنه بذكره تقتضي ملازمة ~~الحق ومخالفة الهوى. # {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا} خلقا باطلا لا حكمة فيه، أو ~~مبطلين عابثين؛ {ذلك ظن الذين كفروا} الإشارة إلى خلقها باطلا، {فويل للذين ~~كفروا من النار(27)} بسبب هذا الظن. {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض؟ أم نجعل المتقين كالفجار(28)}؟ لم نساو (¬1) بينهم في ~~الجزاء، كما لم يستووا في العمل. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «نساوي»، وهو خطأ من الناسخ. PageV04P038 # كتاب أنزلناه إليك مبارك} نفاع، {ليدبروا آياته} ليتفكروا فيها، فيعرفوا ~~تدبر (¬1) ظاهرها من التأويلات الصحيحة، والمعاني المستنبطة، {وليتذكر أولو ~~الألباب(29)} وليتعظ به ذو العقول السليمة، وليستحضروا ما هو كالمركوز في ~~عقولهم، من فرط تمكنهم من معرفته بما نصب عليه من الدلائل؛ فإن الكتب ~~الإلهية بيان لما لا يعرف إلا من الشرع، وإرشاد إلى ما لا (لعله) يستقبحه ~~العقل، ولعل التدبر للعلوم الأول، والتذكر للثاني. # {ووهبنا لداوود سليمان، نعم العبد إنه أواب(30)} رجاع (¬2) إلى الله ~~بالتوبة. {إذ عرض عليه بالعشي} بعد الظهر {الصافنات} الصوافن من الخيل: ~~الذي يقوم على طرف سنبك (¬3) يد أو رجل، وهو من الصفات المحمودة في الخيل، ~~لا تكاد تكون إلا في العراب الخلص {الجياد(31)} [507] جمع جواد. {فقال: إني ~~أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب(32) ردوها علي، فطفق مسحا ~~بالسوق والأعناق(33)} لأن كل ما يشغل عن الله فلا خير في الاشتغال به. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «فيعرفوافوايدلرطاهرها»، ويمكن أن نقرأها هكذا: ~~«فيعرفوا فوائد تدبر ظاهرها». # (¬2) - ... في الأصل: «رجارع»، وهو خطأ. # (¬3) - ... «السنبك كقنفذ: ضرب من العدو، وطرف الحافر». الفيروزآبادي: ~~القاموس، ص849، مادة: «سنبك». PageV04P039 # ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب(34) قال: رب اغفر لي ~~وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي} قيل: لا يصح لأحد من بعدي لعظمته، {إنك ~~أنت الوهاب(35) فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء} لينة، من الرخاوة لا ~~تزعزع، ولا تخالف إرادته، كما المأمور (¬1) المنقاد، {حيث أصاب(36) ~~والشياطين كل بناء وغواص(37) وآخرين مقرنين في الأصفاد(38) ms0777 هذا عطاؤنا ~~فامنن أو أمسك} فأعط من شئت، وامنع من شئت {بغير حساب(39) وإن له عندنا ~~لزلفى} في الآخرة، مع ما له من الملك العظيم في الدنيا، {وحسن مآب(40)}. # {واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب} بتعب {وعذاب(41)} ~~ألم؛ أضاف ذلك إلى الشيطان لأنه (لعله) بسبب طاعته له، كما قال: {وما ~~أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} (¬2) {اركض برجلك هذا مغتسل بارد ~~وشراب(42) ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا، وذكرى لأولي الألباب(43)} ~~وتذكيرا (¬3) لهم، لينتظروا الفرج بالصبر، والالتجاء (¬4) إلى الله فيما ~~يحيق بهم. {وخذ بيدك ضغثا} الضغث: الحزمة الصغيرة من الحشيش ونحوه؛ {فاضرب ~~به ولا تحنث، إنا وجدناه صابرا} فيما أصابه، وفيما تعبد به، {نعم العبد إنه ~~أواب(44)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الصواب: «كالمأمور». # (¬2) - ... سورة الشورى: 30. # (¬3) - ... في الأصل: «تذكير». # (¬4) - ... في الأصل: «الآلجاء». PageV04P040 # واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار(45)} أولي ~~القوة في الطاعة والبصيرة في الدين؛ أو إلى الأعمال الجليلة والعلوم ~~الشريفة؛ فعبر بالأيدي عن الأعمال، لأن كثرتها بمباشرتها، وبالأبصار عن ~~المعارف، لأنها أقوى مبادئها؛ وفيه تعريض للبطلة والجهال أنهم كالزمنى ~~والعماة. {إنا أخلصناهم بخالصة} جعلناهم خالصين لنا بخصلة خالصة لا شوب ~~فيها هي: {ذكرى الدار(46)} تذكرهم للآخرة دائما، فإن خلوصهم في الطاعة ~~بسببها، وذلك لأن مطمح نظرهم فيما يأتون ويذرون رضاه ولقاء ثوابه، والخوف ~~من عقابه؛ وإطلاق الدار للإشعار بأنها الدار الحقيقية، والدنيا معبرها. ~~{وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار(47)} لمن المختارين من أمثالهم، ~~المصطفين عليهم في الخير. # {واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار(48)}. # {هذا} إشارة إلى ما تقدم من أمورهم، {ذكر} شرف لهم، أو نوع من الذكر، وهو ~~القرآن؛ ثم شرع في بيان ما أعد لهم ولأمثالهم، فقال: {وإن للمتقين لحسن ~~مآب(49)} مرجع، {جنات عدن} عطف بيان ل«حسن مآب»، {مفتحة لهم الأبواب(50) ~~متكئين فيها، يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب(51)} الاقتصار على الفاكهة ~~للإشعار بأن جزاءهم محض التلذذ؛ فإن التغذي للتحلل ولا تحلل هناك، ثم ~~{وعندهم قاصرات الطرف أتراب(52)} لدات لهم؛ فإن التحاب بين [508] الأقران ~~أثبت، ms0778 أو بعضهن لبعض لا عجوز فيهن ولا صبية. # {هذا ما توعدون ليوم الحساب(53)} لأجله، فإن الحساب علة الوصول إلى ~~الجزاء. {إن هذا لرزقنا ما له من نفاد(54)} انقطاع. # { PageV04P041 هذا، وإن للطاغين لشر مآب(55)} مرجع، ضد مآب المتقين. ~~{جهنم يصلونها، فبئس المهاد(56)} المفترش؛ مستعار من فراش النائم. {هذا ~~فليذوقوه حميم وغساق(57)} الغساق: قيل ما يغسق من صديد أهل النار؛ من غسقت ~~العين: إذا سال دمعها. {وآخر} أي: مذوق، أو عذاب آخر، وقرئ: «أخر»، أي: ~~مذوقات، أو أنواع عذاب أخر {من شكله} من مثل هذا المذوق، أو العذاب في ~~الشدة {أزواج(58)} أجناس لا يعلمها إلا الله، ومن أعلمه بذلك. # {هذا فوج مقتحم معكم} حكاية ما يقال للرؤساء الطاغين إذا دخلوا النار، ~~واقتحمها معهم فوج تبعهم في (لعله) الضلال؛ والاقتحام: ركوب الشدة، والدخول ~~فيها؛ وذلك [أن] القادة إذا دخلوا النار ثم دخل بعدهم الأتباع؛ قالت الخزنة ~~للقادة: هذا يعني: الأتباع فوج جماعة مقتحم معكم، قالت (¬1) : {لا مرحبا ~~بهم} دعاء من المتبوعين على أتباعهم، والمرحب، أي: ما أوتوا بهم رحبا وسعة، ~~{إنهم صالوا النار(59)} داخلين النار بأعمالهم مثلنا. # {قالوا} أي: الأتباع للرؤساء: {بل أنتم لا مرحبا بكم} بل أنتم أحق بما ~~قلتم، {أنتم قدمتموه لنا} قدمتم العذاب لنا بإغوائنا على ما قدمتم من ~~العقائد الزائغة، والأعمال القبيحة، {فبئس القرار(60)} فبئس المقر جهنم. ~~{قالوا} أي: الأتباع أيضا: {ربنا من قدم لنا هذا} أي: شرعه وسنه، {فزده ~~عذابا ضعفا في النار(61)} مضاعفا، أي: ذا ضعف، وذلك أن تزيد على عذابه مثله ~~فيصير ضعفين، كقوله: {ربنا آتهم ضعفين من العذاب} (¬2) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... هنا وضع الناسخ إحالة إلى الحاشية ولم يكتب فيها شيئا، ولعل ~~في العبارة سقطا. # (¬2) - ... سورة الأحزاب: 68. PageV04P042 # وقالوا}، أي: الطاغون: {ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار(62)}؟ ~~يعنون فقراء المسلمين الذين يسترذلونهم ويسخرون منهم. {أتخذناهم سخريا أم ~~زاغت} مالت {عنهم الأبصار(63)} فلا نراهم، أو المراد: الدلالة على أن ~~استرذالهم والاستسخار منهم كان لزيغ أبصارهم، وقصور نظرهم على رثاثة حالهم. ~~{إن ذلك} الذي حكينا عنهم {لحق ms0779 تخاصم أهل النار(64)} لا بد من وقوعه. # {قل} يا محمد للعاصين: {إنما أنا منذر} أنذركم عذاب الله، {وما من إله ~~إلا الله الواحد} الذي لا يقبل الشركة والكثرة في ذاته، {القهار(65)} لكل ~~شيء. {رب السماوات والأرض وما بينهما} منه إبداؤها وإليه إيعادها، {العزيز} ~~لا يغلب، {الغفار(66)} الذي يغفر لمن تاب، وفي هذه الأوصاف تقرير للتوحيد ~~ووعد للموحدين، ووعيد لمن عداهم. # { PageV04P043 قل: هو} أي: ما أنبأتكم به من أني نذير من عقوبة من هذا ~~صفته، وأنه واحد في الألوهية، {نبأ عظيم(67) أنتم عنه معرضون(68)} لتمادي ~~[509] غفلتكم، فإن العاقل لا يعرض عن مثله، كيف وقد قامت عليه الحجج ~~الواضحة، إما على التوحيد فيما (¬1) مر، وإما على النبوة في قوله (¬2) : ~~{ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون(69)} فإن إخباره عن تقاول ~~الملائكة، وما جرى بينهم على ما وردت في الكتب المتقدمة، من غير سماع أو ~~مطالعة كتاب، لا يتصور إلا بالوحي. و«إذ» متعلق ب«علم»، أو محذوف، إذ ~~التقدير: «من علم بكلام الملإ الأعلى». {إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير ~~مبين(70)} أي: لأنما، كأنه لما جوز أن الوحي ثابت (¬3) ، بين بذلك ما هو ~~المقصود به، تحقيقا لقوله: {إنما أنا نذير}. # {إذ قال ربك للملائكة: إني خالق بشرا من طين(71)} بدل من «إذ يختصمون» ~~مبين له، فإن القصة التي دخلت «إذ» عليها مشتملة على تقاول الملائكة وإبليس ~~في خلق آدم، واستحقاقه للخلافة والسجود على ما مر في البقرة، غير أنها ~~اختصرت اكتفاء بذلك، واقتصارا على ما هو المقصود منها، وهو إنذار المشركين ~~على استكبارهم على النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل ما بإبليس على ~~استكباره على آدم، هذا ولعله يجوز أن يكون مقاولة الله إياهم بواسطة ملك، ~~وأن يفسر الملأ الأعلى بما يعم الله تعالى والملائكة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «فما»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «فقوله»، ولا يستقيم مع السياق. # (¬3) - ... في الأصل: «ثابته». PageV04P044 # فإذا سويته} عدلت خلقته {ونفخت فيه من روحي} وأحييته بنفخ الروح فيه؛ ~~وإضافته إلى نفسه لشرفه وطهارته، {فقعوا له} فخروا ms0780 له {ساجدين(72)} خاضعين، ~~أو منقادين له، أو مؤتمين به؛ ولعل هذه الآية تشهد لمن قال: «إن المؤمنين ~~من بني آدم أفضل من الملائكة»، ومما يقوي معنى هذا القول قول إبليس لعنه ~~الله: {أنا خير منه}، والأفضل لا يسجد لمن دونه، ولا ينقاد له. {فسجد ~~الملائكة كلهم أجمعون(73) إلا إبليس استكبر} تعظم، {وكان} وصار {من ~~الكافرين(74)} باستكباره عن أمر الله، وكان منهم في علمه. # {قال: يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي، أستكبرت أم كنت من ~~العالين(75)} تكبرت من غير استحقاق. {قال: أنا خير منه، خلقتني من نار، ~~وخلقته من طين(76) قال: فاخرج منها} من السماء، أو من الصورة الملكية، ~~{فإنك رجيم(77)} مطرود من الرحمة ومحل الكرامة. {وإن عليك لعنتي إلى يوم ~~الدين(78)} علم الله منه الإصرار، وأنه لا يتوب إلى يوم النفخة الأولى، ~~لقوله: {قال: رب فأنظرني إلى يوم يبعثون(79) قال: فإنك من المنظرين(80) إلى ~~يوم الوقت المعلوم(81) قال: فبعزتك} فبسلطانك وقهرك {لأغوينهم أجمعين(82) ~~إلا عبادك منهم المخلصين(83)} الذين أخلصهم الله لطاعته، وعصمهم من ~~الضلالة، أو أخلصوا قلوبهم لله، على اختلاف القرائن، {قال: فالحق والحق ~~أقول(84)} أي: أحق الحق وأقوله، {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم ~~أجمعين(85)}. # { PageV04P045 قل: ما أسألكم عليه من أجر} بتبليغ الوحي، {وما أنا من ~~المتكلفين(86)} المتصنعين بما لست من أهله ما عرفتم من حالي، فأنتحل ~~النبوة، وأتقول القرآن، وكل من قال شيئا من تلقاء نفسه فهو متكلف. {إن هو ~~إلا ذكر} عظة {للعالمين(87)} للثقلين، {ولتعلمن نبأه} بما أخبرتكم من ~~التوحيد والجزاء عليه [510]، وهو ما فيه من الوعد والوعيد، {بعد حين(88)} ~~عند الموت. # سورة الزمر # بسم الله الرحمن الرحيم # {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم(1) إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق} ~~ملتبسا بالحق، {فاعبد الله مخلصا له الدين(2)} ممحضا له الدين من الشرك ~~والرياء. {ألا لله الدين الخالص} أي: ألا هو الذي وجب اختصاصه بأن تخلص له ~~الطاعة، فإنه المنفرد بصفات الألوهية، والاطلاع على السرائر والضمائر، ~~{والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ms0781 الله زلفى، إن ~~الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون} (لعله) في الدين، بإدخال المحق ~~الجنة، والمبطل النار، والضمير للكفرة ومقابليهم؛ وقيل: لهم ولمعبودهم، ~~فإنهم يرجون شفاعتهم وهم يلعنونهم، {إن الله لا يهدي} لا يوفق للاهتداء إلى ~~الحق {من هو كاذب كفار(3)} والاسمان متلزمان لا ينفكان عن بعضهما بعض. # {لو أراد الله أن يتخذ ولدا} كما زعموا، {لاصطفى مما يخلق ما يشاء} إذ لا ~~وجود سواه إلا وهو مخلوق، {سبحانه هو الله الواحد القهار(4)} فإن الألوهية ~~الحقيقية تتبع الوجوب المستلزم للواحد الذاتي، وهي تنافي المماثلة فضلا عن ~~التوالد، لأن كل واحد من المثلين مركب من الحقيقة المشتركة. # { PageV04P046 خلق السماوات والأرض بالحق (¬1) يكور الليل على النهار، ~~ويكور النهار على الليل} يغشي كل واحد منهما الآخر، كأنه يلف عليه لف ~~اللباس باللابس، أو يغيبه به، كما يغيب الملفوف باللفافة؛ {وسخر الشمس ~~والقمر، كل يجري لأجل مسمى} هو منتهى دورة، أو منقطع حركته، {ألا هو ~~العزيز} القادر على كل ممكن، الغالب على كل شيء، {الغفار(5)} حيث لم يعاجل ~~بالعقوبة، وسلب ما في هذه الصنائع من الرحمة وعموم المنفعة. # {خلقكم من نفس واحدة، ثم جعل منها زوجها} استدلال آخر بما أوجده في ~~العالم السفلي، مبتدؤه من خلق الإنسان، لأنه أقرب وأكبر دلالة، وأعجب، ~~{وأنزل لكم} وقضى، أو قسم لكم، فإن قضاياه وقسمه توصف بالنزول من السماء، ~~حيث كتب في اللوح؛ أو أحدث لكم بأسباب نازلة، كأشعة الكواكب والأمطار، {من ~~الأنعام ثمانية أزواج} ذكرا وأنثى، من الأبل والبقر والضأن والمعز، {يخلقكم ~~في بطون أمهاتكم} بيان لكيفية خلق آدم، [و]ما ذكر من الأناسي والأنعام، ~~إظهارا لما فيها من عجائب القدرة، غير أنه غلب أولي العقل وخصهم بالخطاب، ~~لأنهم المقصودون، {خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث} حيوانا سويا، {ذلكم} ~~الذي هذه أفعاله، {الله ربكم} هو المستحق لعبادتكم والمالك {له الملك، لا ~~إله إلا هو} إذ لا يشاركه في الخلق غيره، {فأنى تصرفون(6)} فكيف تعدلون عن ~~عبادته بالإشراك بعد هذا البيان!. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «بالحق» وهو ms0782 سهو. PageV04P047 # إن تكفروا، فإن الله غني عنكم} عن عبادتكم، {ولا يرضى لعباده الكفر} ~~لاستضرارهم به، رحمة عليهم [511]، {وإن تشكروا يرضه لكم} وهو سبب فلاحكم، ~~{ولا تزر وازرة وزر أخرى، ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون} ~~بالمحاسبة والمجازاة، {إنه عليم بذات الصدور(7)}. # {وإذا مس الإنسان ضر، دعا ربه منيبا إليه} لزوال ما ينازع العقل من ~~الأهوية في القلوب وأمراضها في الدلالة على أن مبدأ الكل منه، {ثم إذا ~~خوله} أعطاه، من الخول وهو التعهد، {نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه} أي: ~~الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه، أو ربه الذي كان يتضرع إليه، {من قبل} ~~من قبل النعمة؛ {وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله، قل: تمتع بكفرك} الذي ~~تهواه {قليلا} لأنه سريع الزوال، وفيه تهديد وإشعار بأن الكفر نوع تشبيه ~~وإقناط للكافر من المتمتع (¬1) في الآخرة، ولذلك علله بقوله: {إنك من أصحاب ~~النار(8)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... صواب العبارة نجده عند البيضاوي: «فيه إشعار بأن الكفر نوع ~~تشه لا سند له، وإقناط للكافرين من التمتع في الآخرة». البيضاوي: تفسير، ~~ج4/ ص95. PageV04P048 # أمن هو قانت} قائم بوظائف الطاعات؛ والقانت: المقيم على الطاعة في كل ~~الأوقات، راجيا خائفا عالما أن وعد الله حق، {آناء الليل} ساعاته؛ والمعنى: ~~أمن هو قانت لله كمن جعل له أندادا، {ساجدا وقائما يحذر الآخرة، ويرجو رحمة ~~ربه. قل: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}؟ نفي لاستواء الفريقين ~~باعتبار القوة العلمية بعد نفيها باعتبار القوة العلمية (¬1) على وجه أبلغ ~~لمزيد فضل العلم، {إنما يتذكر} يتعظ بوعظ الله {أولو الألباب(9)} بأمثال ~~هذه البينات. # {قل: يا عباد الذين آمنوا، اتقوا ربكم} بلزوم طاعته، {للذين أحسنوا في ~~هذه الدنيا حسنة} أي: للذين أحسنوا بالطاعات في الدنيا، مثوبة حسنة في ~~الآخرة؛ وقيل: للذين أحسنوا حسنة في الدنيا، هي الصحة والعافية، لأنها توصل ~~المحسن إلى الحسنة الحقيقية، وهي الجنة، وفي هذه بيان لمكان حسنه، {وأرض ~~الله واسعة} فمن تعسر عليه التوفر على الإحسان في وطنه، فليهاجر من حيث ~~يتمكن منه، {إنما يوفى ms0783 الصابرون} على مشاق الطاعة، من احتمال البلاء ~~ومهاجرة الأوطان لها، {أجرهم بغير حساب(10)} أجر لا يهتدي إليه حساب ~~الحساب. # {قل: إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين(11)} موحدا له، {وأمرت لأن ~~أكون أول المسلمين(12)} وأمرت بذلك لأجل أن أكون مقدمهم في الدنيا والآخرة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... نفس العبارة نجدها عند البيضاوي: (المصدر نفسه). لعل الصواب: ~~«باعتبار القوة العملية»، أي أن المعتبر في نفي استواء القانت والعاصي هو ~~القوة العملية. والمعتبر في نفي استواء العالم والجاهل هو القوة العلمية. ~~والله أعلم. PageV04P049 # قل: إني أخاف إن عصيت ربي} بترك الإخلاص، والميل إلى ما أنتم عليه من ~~الشرك والرياء {عذاب يوم عظيم(13)} لعظمة ما فيه، {قل: الله أعبد مخلصا له ~~ديني(14)} أمر بالإخبار عن إخلاصه، وأن يكون مخلصا له دينه، بعد الأمر ~~بالإخبار عن كونه مأمورا بالعبادة والإخلاص، خائفا على المخالفة من العقاب، ~~قطعا لأطماعهم، ولذلك رتب عليه قوله: {فاعبدوا ما شئتم من دونه} تهديدا ~~وخذلانا لهم. # {قل: إن الخاسرين} الكاملين في الخسران {الذين خسروا أنفسهم} بالضلال، ~~{وأهليهم} لأنهم أرادوا بهم التمتيع دون العبادة والطاعة، وهو كقوله: ~~{واتبعوا من لم يزده ماله [512] وولده إلا خسارا} (¬1) {يوم القيامة، ألا ~~ذلك هو الخسران المبين(15)} مبالغة في خسرانهم، {لهم من فوقهم ظلل} أطباق ~~وسرادقات {من النار، ومن تحتهم ظلل} أطباق من النار هي ظلل لمن تحتهم، {ذلك ~~يخوف الله به عباده} ذلك العذاب هو الذي يخوفهم به ليجتنبوا ما يوقعهم فيه، ~~وفي موضع الفرش والمهاد من النار سمى الأسفل ظللا، لأنها ظلل لمن تحتهم، ~~{يا عباد فاتقون(16)} ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي. # { # ¬__________ # (¬1) - ... نوح: 22. PageV04P050 # والذين اجتنبوا الطاغوت} البالغ غاية الطغيان، {أن يعبدوها، وأنابوا إلى ~~الله} وأقبلوا إليه بصفاء لبهم، {لهم البشرى} بالثواب على ألسنة الرسل ~~والملائكة عند حضور الموت معاينة ومشاهدة؛ وقيل: الموت بشارة باليقين، ~~{فبشر عباد(17) الذين يستمعون القول، فيتبعون أحسنه} لأنهم نقاد في الدين، ~~يميزون بين الحق والباطل، ويؤثرون الأفضل فالأفضل، {أولئك الذين هداهم ~~الله} لخالص دينه، {وأولئك هم أولو الألباب(18)} العقول السليمة، عند ~~منازعة ms0784 الوهم والعادة، وفي ذلك دلالة على أن الهداية تحصل بفعل الله وقبول ~~النفس بها. # {أفمن حق عليه كلمة العذاب} في علم الله، أنه من أهل (لعله) النار، ~~{أفأنت تنقذ من في النار(19)}؟ دلالة على أن من حكم عليه بالعذاب كالواقع ~~فيه لامتناع الخلف، وأن اجتهاد الرسول في دعائهم إلى الإيمان سعي في ~~إنقاذهم من النار. {لكن الذين اتقوا ربهم} لكن ذكر من تنفعه الذكرى، وهم ~~المتقون لا غير، وتذكير من سواهم إلزاما للحجة، {لهم غرف من فوقها غرف} أي: ~~لهم منازل في الجنة رفيعة فوقها منازل أرفع منها، {مبنية، تجري من تحتها ~~الأنهار، وعد الله لا يخلف الله الميعاد(20)} لأن الخلف نقص، وهو على الله محال. # {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه} فأدخله {ينابيع في الأرض} هي ~~عيون ومجاري كائنة فيها، {ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج} يتم ~~جفافه، {فتراه مصفرا، ثم يجعله حطاما} فتاتا، {إن في ذلك لذكرى} تذكر بأنه ~~لا بد له من صانع حكيم دبره وسواه، [و]بأنه مثل الحياة الدنيا فلا يغتر ~~بها، {لأولي الألباب(21)} إذ لا يتذكر به غيرهم. # { PageV04P051 أفمن شرح الله صدره للإسلام} وسعه لقبول الحق، حتى يمكن ~~فيه بيسر، عبر عنه عمن (¬1) خلق نفسه شديدة الاستعداد لقبوله غير متأبية ~~عنه، من حيث إن الصدر محل القلب المتبع للروح، المتعلق بالنفس، القابل ~~للإسلام، {فهو على نور من ربه} يعني: المعرفة والاهتداء إلى الحق؛ وعنه - ~~عليه السلام - : «إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح»، فقيل: وما علامة ذلك؟ ~~قال: «الإنابة إلى دار الخلود، [والتجافي عن دار الغرور]، والتأهب للموت ~~قبل نزوله» (¬2) . {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله} من أجل ذكرهم، وهو ~~أبلغ من أن تكون «عن» مكان «من»، لأن القاسية [513] من أجل الشيء، أشد ~~تأبيا من قبوله من القاسي عليه لسبب آخر، للمبالغة في وصف أولئك بالقبول، ~~وهؤلاء بالامتناع. ذكر شرح الصدر وأسنده إلى الله، وقابله بقساوة القلب ~~وأسندها إليه، {أولئك في ضلال مبين(22)} يظهر للناظر بأدنى نظر؛ قيل: ما ~~ضرب عبد ms0785 بعقوبة أعظم من (لعله): القسوة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «عن»، وصححناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص96. # (¬2) - ... لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من المصادر. وقد أورده ~~الزمخشري، وقال مصححه: «أخرجه الثعلبي والحاكم والبيهقي في الشعب من حديث ~~ابن مسعود، وفيه أبو فروة الرهاوي فيه كلام، ورواه الترمذي الحكيم في ~~النوادر في الأصل السادس والثمانين، وفي إسناده إبراهيم بن [بياض في الأصل] ~~وهو ضعيف». الزمخشري: الكشاف، 4/95. PageV04P052 # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها} تشابهه تشابه أبعاضه في الإعجاز، ~~وتجاوب النظم، وصحة المعنى والدلالة على المنافع العامة، {مثاني تقشعر} ~~تضطرب من الحزن؛ واقشعر جلده: أخذته رعدة، {منه جلود الذين يخشون ربهم} ~~(لعله) عند ذكر العقاب تشمئز خوفا مما فيه من الوعيد، وهو مثل في شدة ~~الخوف، {ثم تلين} ثم تذعن وتنقاد، {جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} إلى ~~طاعته، ليس فيها صلابة فتعتو، {ذلك} الوصف الحسن، وهو الخشية من العذاب، ~~والانقياد إلى طاعة الرحمن؛ {هدى الله يهدي به من يشاء، ومن يضلل الله فما ~~له من هاد(23)}. # {أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة} قيل: لأنه تكون مغلولة يداه ~~إلى عنقه، فلا يقدر أن يتقي إلا بوجهه؛ ويحتمل أنه يدفعه بلسانه بكذبه، كما ~~قال: {يوم يبعثهم الله جميعا، فيحلفون له كما يحلفون لكم} (¬1) ؛ {وقيل ~~للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون(24)} أي: وباله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة المجادلة: 18. PageV04P053 # كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون(25)} من الحال الذي ~~لا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منه، وهو عذاب الموت أو النار، أو عذاب ~~الأدنى (¬1) ، أو عذاب الإبعاد والغضب، فإن ذلك لا يحسون به في دار الدنيا ~~إلا عند الموت؛ ودليله قوله: {فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب ~~الآخرة} المعد لهم {أكبر} لشدته ودوامه، {لو كانوا يعلمون(26)} لوكانوا من ~~أهل العلم والنظر لعلموا ذلك، واعتبروا به. # {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} يحتاج إليه الناظر في أمر ~~دينه ودنياه، {لعلهم يتذكرون(27)} يتعظون به، {قرآنا عربيا غير ذي عوج} أي: ~~لا اختلاف فيه بوجه ms0786 ما؛ وهو أبلغ من المستقيم، وأخص بالمعاني، {لعلهم ~~يتقون(28)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الصواب: «العذاب الأدنى»، كما في قوله تعالى: {ولنذيقنهم من ~~العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون} (السجدة: 21). ونلاحظ أن ~~هذا الخطأ تكرر مرارا في هذا التفسير، ولعل له وجها آخر، وهو تقدير محذوف، ~~أي: «عذاب الحياة الأدنى». والله أعلم. PageV04P054 # ضرب الله مثلا رجلا} (لعله) للمشرك والموحد، {فيه شركاء متشاكسون} (لعله) ~~مختلفون، أي: أهوية مختلفة متضادة، {ورجلا سلما لرجل} مثل المشرك على ما ~~يقتضيه مذهبه، من أن يدعي كل من معبوديه عبوديته، ويتنازعون فيه، مثل عبد ~~يتشارك فيه جماعة يتجاذبونه، ويتعاوزونه (¬1) في مهامهم المختلفة، وهو ~~متحير بينهم، لا يدري أن يقبل على من منهم، ويدبر عمن، لأن نفسه واحدة ~~وأنفسهم كثيرة، ويكون قلبه متوزعا بينهم؛ والموحد كمن أخلص لواحد ليس لغيره ~~عليه سبيل. وأصل التشاكش والتشاخص: الاختلاف، {هل يستويان مثلا؟ الحمد لله} ~~كل الحمد لله لا يشاركه فيه على الحقيقة سواه، لأنه المنعم بالذات والمالك ~~على الإطلاق، {بل أكثرهم لا [514] يعلمون(29)} أن فيهم شركاء. # {إنك ميت وإنهم ميتون(30)} فإن الكل بصدده الموت، وفي عداد الموتى، {ثم ~~إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون(31)} فتحتج عليهم بأنك كنت على الحق في ~~التوحيد، وكانوا على الباطل في الشرك، واجتهدت في الإرشاد والتبليغ ولجوا ~~في التكذيب (¬2) والعناد، ويعتذرون بالأباطيل مثل: {أطعنا سادتنا} (¬3) ؛ ~~{وجدنا آباءنا} (¬4) ؛ وقيل: المراد به: الاختصام العام، يخاصم الناس بعضهم ~~بعضا في ما دار بينهم في الدنيا. {فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق ~~إذ جاءه} حين قامت عليه حجته، من أي علم كان؛ {أليس في جهنم مثوى} منزلا ~~ومقاما {للكافرين(32)}؟ وذلك يكفيهم مجازاة لأعمالهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... وفي تفسير البيضاوي: «يتعارونه»، من الإعارة. البيضاوي: ~~تفسير، ج4/ ص97. # (¬2) - ... في الأصل: «التك بب»، وهو خطأ. # (¬3) - ... سورة الأحزاب: 67. # (¬4) - ... سورة الشعراء: 74... PageV04P055 # والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون(33) لهم ما يشاءون عند ربهم} ~~لكل منهم ما يشاء من الجنة، ولا يشاء أكبر من جزاء عمله، لارتفاع عذاب ~~التغابن عن الأدنى منزلة من الأعلى منه درجة لتمادم ms0787 (¬1) النعمة للجميع، ~~{ذلك جزاء المحسنين(34) ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا} (لعله) يسترها ~~عليهم بالمغفرة، {ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون(35)} قيل: يجزيهم ~~بالمحاسن من أعمالهم، ولا يجزيهم بالمساوئ، وضدهم يجزيهم بالمساوئ، ولا ~~يجزيهم بالمحاسن. # {أليس الله بكاف عبده. ويخوفونك بالذين من دونه، ومن يضلل الله} حتى غفل ~~عن كفاية الله، وخوفه مما لا ينفع ولا يضر، {فما له من هاد(36)} يهديهم إلى ~~الرشاد. {ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام(37) ولئن ~~سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن: الله. قل أفرأيتم (¬2) ما تدعون من ~~دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره}؟ أي: أرأيتم بعدما تحققتم ~~أن خالق العالم هو الله أن آلهتكم إن أراد الله أن يصيبني بضر هل تكشفه؟ ~~{أو أرادني برحمة} تنفع {هل هن ممسكات رحمته}؟ فيمسكها علي؛ {قل: حسبي ~~الله} كافينا في إصابة الخير ودفع الضر، إذ تقرر بهذا التقرير أنه القادر ~~الذي لا مانع لما يريده من خير أو شر، {عليه يتوكل المتوكلون(38)} لعلمهم ~~بأن الكل منه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لعله من الدوام، أي لدوام النعمة للجميع، أو صوابها حذف ~~الدال، أي: «لتمام النعمة». # (¬2) - ... في الأصل: «قل أرأيتم» وهو خطأ. PageV04P056 # قل: يا قوم اعملوا على مكانتكم} على حالكم، {إني عامل} أي: على مكانتي، ~~{فسوف تعلمون(39) من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم(40) إنا أنزلنا ~~عليك الكتاب للناس} لأجلهم، فإنه عماد مصالحهم في معاشهم ومعادهم، {بالحق، ~~فمن اهتدى فلنفسه} أي: نفع به نفسه، {ومن ضل فإنما يضل عليها} فإن وباله لا ~~يتخطاها، {وما أنت عليهم بوكيل(41)} لتجبرهم على الهدى، وإنما أمرت ~~بالبلاغ. # { PageV04P057 الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها} أي: ~~يقبضها عن الأبدان، بأن يقطع تعلقها عنها، وتصرفها فيها، إما ظاهرا وباطنا، ~~وذلك عند الموت، أو ظاهرا لا باطنا وهو في النوم، {فيمسك التي قضى عليها ~~الموت} ولا يردها إلى البدن؛ وقيل: لكل إنسان نفسان [515] أحدهما نفس ~~الحياة، وهي التي تفارقه عند الموت، فتزول بزوالها النفس، والأخرى ms0788 نفس ~~التمييز، وهي التي تفارقه إذا نام، {ويرسل الأخرى} أي: النائمة إلى بدنها ~~عند اليقظة، {إلى أجل مسمى} وهو الوقت المضروب لموته؛ (ولعله) ولعل هذه ~~تقوي حجة من قال: إن موت المؤمن لا ألم فيه، وإنما الألم في مقدماته، وهو ~~غاية جنس الإرسال؛ وما روي عن ابن عباس: «إن في بني آدم نفسا وروحا، بينهما ~~مثل شعاع الشمس، فالنفس التي بها العقل والتمييز، والروح التي بها النفس ~~والحياة، فيتوفيان عند الموت، وتتوفى النفس وحدها عند النوم»، {إن في ذلك} ~~من التوفي والإمساك والإرسال، {لآيات} على كمال قدرته وحكمته وشمول رحمته، ~~{لقوم يتفكرون(42)} في تعلقها بالأبدان، وتوفيها عنها بالكلية عند الموت، ~~وإمساكها باقية لا تفنى بفنائها، وما يعتريها من السعادة والشقاوة، (لعله) ~~والحكمة في توفيها عن ظواهرها، وإرسالها حينا بعد حين؛ أي: توفى آجالها. # { PageV04P058 أم اتخذوا} بل اتخذوا {من دون الله شفعاء} تشفع لهم، بجلب ~~المنافع، ودفع المضار الدنياوية، {قل: أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا ~~يعقلون(43)}؟ أويشفعون ولوكانوا على هذه الصفة، كما يشاهدونهم جمادات لا ~~تقدر ولا تعلم؟، {قل: لله الشفاعة جميعا} المعنى: أنه مالك الشفاعة كلها لا ~~يستطيع أحد شفاعة إلا بإذنه ولا يستقل بها، ثم قرر ذلك، فقال: {له ملك ~~السماوات والأرض} فإنه مالك الملك كله، {ثم إليه ترجعون(44)} للجزاء. # {وإذا ذكر الله وحده} دون آلهتهم، {اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة} ~~وانقبضت ونفرت عن التوحيد؛ وأصل الاشمئزاز: النفور والاستكبار، {وإذا ذكر ~~الذين من دونه} يعني الأوثان، وحقيقة ما تهواه أنفسهم دون الأول، {إذا هم ~~يستبشرون(45)} لفرط افتتانهم بها ونسيانهم حق الله؛ ولقد بالغ في الأمرين ~~حتى بلغ الغاية فيهما، فإن الاستبشار: بأن يمتلئ قلبه سرورا، حتى تنبسط له ~~بشرة وجهه، والاشمئزاز: أن يمتلئ غما حتى ينقبض أديم وجهه. # {قل: اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة} التجئ إلى الله ~~بالدعاء لما اشمأزت قلوبهم من ذكر الله، واستبشرت بالخوض والباطل (¬1) أن ~~يحكم بينه وبينهم؛ وهو العدل الذي لا يجور، {أنت تحكم بين عبادك في ما ~~كانوا فيه يختلفون(46)}. ms0789 # { # ¬__________ # (¬1) - ... لعل الصواب: «في الباطل». PageV04P059 # ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء ~~العذاب يوم القيامة} وعيد شديد، وإقناط كلي لهم من الخلاص فيه، {وبدا لهم ~~من الله ما لم يكونوا يحتسبون(47)} في الدنيا أنه نازل بهم في الآخرة ~~زيادة، (لعله) مبالغة فيه، {وبدا لهم سيئات ما كسبوا} سيئات أعمالهم حين ~~تعرض صحائفهم، {وحاق بهم} أي: أحاط بهم وألزمهم الأمر، وبهم نزل، {ما كانوا ~~به يستهزءون(48)} وأحاط بهم جزاؤه. # {فإذا مس الإنسان ضر دعانا، ثم إذا خولناه نعمة منا، قال: إنما أوتيته ~~على علم} مني بحيلة كسبه؛ وفي [516] المعنى: كأنه أنكر أن يكون ذلك من عند ~~الله، {بل هي فتنة} إن جعلها من قبل تدبيره، فعليه وزرها، وإن جعلها من ~~الله كان له أجرها، {ولكن أكثرهم لا يعلمون(49)} أنها من الله وأنها فتنة. ~~{قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون(50) فأصابهم سيئات ~~ما كسبوا، والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم ~~بمعجزين(51)} أي: بفاتنين. # {أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} أن القبض والبسط ~~بتقديره لا من فعالهم، {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون(52)} لأن إيمانهم ~~يقتضي التدبر في الآيات. # { PageV04P060 قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} (لعله) بارتكاب ~~الكبائر، قالوا: كيف نتوب فلا يغفر لنا؟، فأرشدهم الله، وهو كقوله: {ولا ~~تلقوا بأيديكم إلى التهلكة...} (¬1) الآية، {لا تقنطوا من رحمة الله} لا ~~تيأسوا من مغفرته إن تبتم من إسرافكم؛ أو لا تصروا على الإسراف بل توبوا ~~{إن الله يغفر الذنوب جميعا} إذا آتيتم شروطها، لأن لكل ذنب حكما، {إنه هو ~~الغفور الرحيم(53)}. # {وأنيبوا إلى ربكم} (لعله) ارجعوا {وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب} ~~هو الموت، {ثم لا تنصرون(54) واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} (لعله) ~~أي: أقبلوا، وارجعوا إلى حكمه {من قبل أن يأتيكم العذاب} الموت، {بغتة (¬2) ~~وأنتم لا تشعرون(55)} بمجيئه، (لعله) أمر الله المسرفين أولا بترك القنوط ~~من رحمة الله؛ ثم أمرهم ms0790 بالإنابة إليه قبل إتيانهم العذاب، وهو الموت، ثم ~~أمرهم ثالثا باتباع أحسن ما أنزل إليهم؛ ثم حذرهم التحسر عند الفوات، حيث ~~لا ينفع زائغا إن لم يمتثلوا أمره، وذلك قوله: # {أن تقول نفس: يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله} أي: في حقه، {وإن كنت ~~لمن الساخرين(56)} المستهزئين بحقوقه وأوليائه. {أو تقول: لو أن الله هداني ~~لكنت من المتقين(57) أو تقول حين ترى العذاب: لو أن لي كرة فأكون من ~~المحسنين(58)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البقرة: 195؛ وتمامها: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}. # (¬2) - ... في الأصل: - «بغتة». PageV04P061 # بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين(59) ويوم ~~القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة} بما ينالهم من الشدة أو ~~يتخيل عليها من ظلمة الجهل، {أليس في جهنم مثوى للمتكبرين(60)؟ وينجي الله ~~الذين اتقوا بمفازتهم} بفلاحهم؛ “مفعلة” من الفوز، وتفسيرها: بالنجاة، {لا ~~يمسهم السوء ولا هم يحزنون(61)}. # {الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل(62)} يتولى التصرف فيه. {له ~~مقاليد السماوات والأرض} لا يملك أمرها، ولا يتمكن من التصرف غيره؛ وهو ~~كناية عن قدرته وحفظه، وفيه مزيد دلالة على الاختصاص، لأن الخزائن لا ~~يدخلها ولا يتصرف فيها إلا من بيده مفاتيحها؛ وهو جمع مقليد أو مقلاد، من ~~“قلدته”: إذا ألزمته، وقيل: جمع إقليد. {والذين كفروا بآيات الله أولئك هم ~~الخاسرون(63)}. # {قل: أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون(64)} وذلك يقتضي فعل جميع ~~الباطل. {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن [517] أشركت} بأي شرك كان، ~~{ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين(65)} من الذين خسروا الدنيا والآخرة. {بل ~~الله فاعبد وكن من الشاكرين(66)}. # { PageV04P062 وما قدروا الله حق قدره} ما قدروا عظمته في أنفسهم حق ~~تعظيمه، (لعله) حين عصوه وخالفوا أمره؛ ثم أخبر عن عظمته، فقال: {والأرض ~~جميعا قبضته يوم القيامة} أي: أنها في قدرته وملكه وسلطانه؛ ويقال: الأشياء ~~في قبضة الله، أي: ملكه، {والسماوات مطويات بيمينه} تنبيه على عظمته وحقارة ~~الأفعال العظام التي تتحير فيها الأوهام بالإضافة إلى قدرته، ودلالة على أن ~~تخريب العالم ms0791 أهون شيء عليه، {سبحانه وتعالى عما يشركون(67)}. # {ونفخ في الصور} يعني: المرة الأولى، {فصعق} أي: مات {من في السماوات ومن ~~في الأرض} خر ميتا (¬1) ، {إلا من شاء الله} (لعله) فانظر إلى قدرته ~~الباهرة، وأنه لا يشغله شأن عن شأن، قد يوفى (¬2) الله من في السماوات ومن ~~في الأرض إلا من شاء الله بنفخة واحدة أخرى، كما قال: {ثم نفخ فيه أخرى ~~فإذا هم قيام ينظرون(68)} ما يفعل بهم. # {وأشرقت الأرض بنور ربها} بما أقام فيها من العدل، سماه نورا، لأنه يزين ~~البقاع ويظهر الحقوق، كما سمى الظلم ظلمة؛ أو بنور خلق فيها بلا توسط أجسام ~~مضيئة، ولذلك أضافها إلى نفسه، {ووضع الكتاب} الحساب والجزاء، {وجيء ~~بالنبيين والشهداء} للأمم وعليهم، من الملائكة والمؤمنين، {وقضي بينهم} بين ~~الشاهد والمشهود عليه {بالحق وهم لا يظلمون(69)} بنقص ثواب، أو زيادة عقاب، ~~على ما جرى به الوعد. {ووفيت كل نفس ما عملت} جزاءه، {وهو أعلم بما ~~يفعلون(70)} فلا يفوته شيء من أفعالهم. # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «خروا ميتا»، ولعله يقصد: «خروا أمواتا». # (¬2) - ... لعل الصواب العكس: «قد يحيي»، لأنه يتحدث عن النفخة الثانية، ~~كما يدل عليه السياق الآتي. PageV04P063 # ثم فصل التوفية فقال: {وسيق الذين كفروا} سوقا عنيفا، يسحبون على وجوههم ~~{إلى جهنم زمرا} أفواجا متفرقة بعضها في إثر بعض، على تفاوت أقدامهم في ~~الضلالة والشرارة، {حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها، وقال لهم خزنتها} توبيخا ~~وإلزاما للحجج: {ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء ~~يومكم هذا} فيه دليل لأنه لا تكليف قبل الشرع، من حيث إنهم عللوا توبيخهم ~~بإتيان الرسل، وتبليغ الكتب، {قالوا: بلى ولكن حقت كلمة العذاب على ~~الكافرين(71)} كلمة الله بالعذاب علينا، وهو الحكم عليهم بالشقاوة، وأنهم ~~من أهل النار، {قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها} (لعله) بعدما أقروا على ~~أنفسهم، {فبئس مثوى المتكبرين(72)}. # {وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا} ركبانا فيما قيل، على تفاوت ~~مراتبهم في الشرف، {حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها: سلام ~~عليكم} لا يعتريكم بعد مكروه، ms0792 {طبتم} (لعله) وذلك مما يقوي حجة من قال: إن ~~أهل الأعراف هم أصحاب اليمين، {فادخلوها خالدين(73) وقالوا: الحمد لله الذي ~~صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء، فنعم أجر العاملين(74). # [518] {وترى الملائكة حافين من حول العرش} تعبدهم الله بذلك، كما تعبد ~~بني آدم يحفون بالبيت، {يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم} (لعله) بين أهل الجنة ~~والنار {بالحق، وقيل: الحمد لله رب العالمين(75)}. # - - - # سورة غافر # بسم الله الرحمن الرحيم # { PageV04P064 حم(1) تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم(2)} الحكيم ~~الدال على القدرة الكاملة والحكمة البالغة. {غافر الذنب} فضلا، {وقابل ~~التوب} لمن تاب وعاد (¬1) {شديد العقاب} لمن عصى عدلا، {ذي الطول} صفات أخر ~~لتحقيق ما فيه من الترغيب والترهيب، والحث على ما هو المقصود منه، {لا إله ~~إلا هو} فيجب الإقبال الكلي على عبادته، {إليه المصير(3)} فيجازي المطيع ~~والعاصي. # {ما يجادل في آيات الله} بالإنكار والإبطال، {إلا الذين كفروا} لما حقق ~~أمر التنزيل سجل بالكفر على المجادلين منه بالطعن وإدحاض الحق، لقوله: ~~{وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق} فأما الجدال فيه لحل عقده، واستنباط ~~حقائقه، وقطع تشبث أهل الزيغ به، وقطع مطاعنهم فيه، فمن أعظم الطاعات، {فلا ~~يغررك تقلبهم في البلاد(4)} فإن تحته حقائق وأسرارا، فلا يغررك إمهالهم ~~وإقبالهم في دنياهم، وتقلبهم في مكاسبهم، فإنهم مأخوذون عما قريب لكفرهم، ~~أخذ من قبلهم، فقال (¬2) : # {كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم} والذين تحزبوا على الرسل ~~وناصبوهم، {وهمت كل أمة} من هؤلاء {برسولهم ليأخذوه} إما ظاهرا وإما باطنا، ~~{وجادلوا بالباطل} بما لا حقيقة له {ليدحضوا به الحق} ليزيلوه به، ~~{فأخذتهم} بالهلاك جزاء لهم، {فكيف كان عقاب(5)} فإنكم تمرون على ديارهم ~~وترون آثارهم. {وكذلك حقت كلمة ربك} وعيده، أو قضاؤه بالعذاب {على الذين ~~كفروا أنهم أصحاب النار(6)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «وعدا»، وهو خطأ. # (¬2) - ... الأصوب: «كما قال»، كما أثبته البيضاوي: تفسير، ج4/ ص104. PageV04P065 # الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم} يذكرون الله بمجامع ~~الثناء من صفات الجلال والإكرام، {ويؤمنون به} إيمانا بالغيب كإيمان (¬1) ~~المؤمنين، بأنه وحده لاشريك ms0793 له، وهو مدح لهم، {ويستغفرون للذين آمنوا} ~~إشعارا بأن حملة العرش ومن حوله من الملائكة والمؤمنين من الثقلين في ~~معرفته سواء، واستغفارهم: شفاعتهم وحملهم على التوبة، وإلهامهم ما يوجب ~~المغفرة؛ وفيه تنبيه على أن المشاركة في الإيمان توجب النصح والشفقة، وإن ~~تخالفت الأجناس؛ {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما} أي: وسعت رحمتك كل شيء، ~~وعلمك وسع كل شيء؛ أي: وسعت رحمته وعلمه كل شيء، {فاغفر للذين تابوا ~~واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم(7) ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن ~~صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم(8) وقهم السيئات} ~~أي: جزاءها، {ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته} أي: ومن تقها في الدنيا فقد ~~[519] رحمته في الآخرة، {وذلك هو الفوز العظيم(9)} يعني: الرحمة، أو ~~الوقاية أو مجموعهما. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «كالإيمان»، وهو خطأ. PageV04P066 # إن الذين كفروا ينادون} يوم القيامة، فيقال لهم: {لمقت الله أكبر من ~~مقتكم أنفسكم} أي: لمقت الله إياكم أكبر من مقتكم أنفسكم الأمارة بالسوء، ~~{إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون(10) قالوا: ربنا أمتنا اثنتين} بأن خلقتنا ~~أمواتا أولا، ثم صيرتنا أمواتا (¬1) عند انقضاء آجلنا. فانظر إلى مدة لبثهم ~~في الموتة الأولى، وهي العدم، وفي الموتة الثانية، وهي بعد الموت إلى يوم ~~قيامة البعث؛ ثم قال: {وأحييتنا اثنتين} الدنيوية والأخروية؛ ثم انظر أيضا ~~بين مدة أعمارهم في الدنيا، وبين تخليدهم في الآخرة، {فاعترفنا بذنوبنا} ~~فإن اقترافهم لها من اغترارهم بالدنيا، وإنكارهم للبعث، {فهل إلى خروج من ~~سبيل(11)}؟ طريق فنسلكه، وذلك إنما يقولونه من فرط قنوطهم تعللا وتحيرا، ~~ولذلك أجيبوا بقوله: # {ذلكم} الذي أنتم فيه، {بأنه} بسبب أنه {إذا دعي الله وحده} أي: عبد الله ~~وحده {كفرتم} بالتوحيد، {وإن يشرك به تؤمنوا} بالإشراك؛ {فالحكم لله} ~~المستحق للعبادة، {العلي الكبير(12)} من أن يشرك به ويسوى بغيره. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «أمواتنا». PageV04P067 # هو الذي يريكم آياته} الدالة على التوحيد، وسائر ما يجب أن يعلم تكميلا ~~لنفوسكم، {وينزل لكم من السماء رزقا} أسباب رزق، كالمطر (لعله) سببا ~~لمعاشكم؛ {وما يتذكر} بالآيات التي هي كالمركوزة ms0794 في العقول لظهورها، ~~المغفول عنها للانهماك في التقليد واتباع الهوى، {إلا من ينيب(13)} يرجع عن ~~الإنكار بالإقبال عليها والتفكر فيها؛ فإن الجازم بشيء لا ينظر فيما ~~ينافيه، لأنه يصير كالأعمى عنه، لقول النبيء - صلى الله عليه وسلم - : «حبك ~~للشيء يعمي ويصم» (¬1) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه أبو داود في كتاب الأدب، رقم 4465 عن أبي الدرداء، ورواه ~~أحمد في مسند الأنصار، رقم 20705؛ وفي مسند القبائل، رقم 26268. وكلهم ~~بلفظ: «حبك الشيء». بلا لام الجر. انظر: العالمية: موسوعة الحديث، مادة ~~البحث: «حبك». PageV04P068 # فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون(14)} أي: لا يصدنكم عن ~~الإخلاص لله كراهية من كفر. {رفيع الدرجات} رفيع القدر، ليس هناك مسافات، ~~{ذو العرش} خبران آخران للدلالة على علو صمديته من حيث المعقول والمحسوس، ~~الدال على تفرده في الألوهية؛ فإن من ارتفعت درجات كماله بحيث لا يظهر ~~دونها كمال، وكان العرش الذي هو أصل العالم الجسماني في قبضة قدرته، لا يصح ~~أن يشرك به؛ وقيل: «الدرجات»: مراتب المخلوقات، أو مصاعد الملائكة على ~~العرش، أو درجات الثواب، {يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده} خبر ~~رابع للدلالة على أن الروحانيات أيضا مسخرات لأمره بإظهار (¬1) آثارها، وهو ~~الوحي، وتمهيد للنبوة بعد تقرير التوحيد. و«الروح»: الوحي، {لينذر يوم ~~التلاق(15) يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء} من أعيانهم وأعمالهم ~~وأحوالهم، {لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار(16)} لما دل عليه ظاهر ~~الحال فيه، من زوال الأسباب، وارتفاع الوسائط؛ وأما حقيقة الحال فناطقة ~~بذلك دائما. # {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت} كأنه نتيجة لما سبق، [520] وتحقيقه أن ~~النفوس تكتسب بالعقائد والأعمال هبات توجب لذتها وألمها لكنها لا تشعر بها ~~في الدنيا لعوائق تشغلها؛ فإذا قامت قيامتها زالت العوائق، وأدركت لذتها أو ~~ألمها، {لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب(17)} إذ لا يشغله شأن عن شأن، ~~فيصل إليهم ما يستحقونه سريعا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «ناطها»، ولا معنى له. PageV04P069 # وأنذرهم يوم الآزفة} أي: القيامة، سميت بها لأزوفها، أي: قربها، أو ~~انقضاء أجل كل نفس ms0795 على حيالها، {إذ القلوب لدى الحناجر} فإنها ترتفع عن ~~مكانها، وتلتصق بحلوقهم (¬1) فلا تعود فيروحوا، ولا تخرج فيستريحوا، ~~{كاظمين} على الغم، ممتلئين غما وخوفا؛ والكظم: تردد الغيظ والحزن في القلب ~~حتى يضيق به، {ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع(18) يعلم خائنة الأعين} ~~قيل: هو إتباع النظر على التعمد، {وما تخفي الصدور(19)}. # {والله يقضي بالحق} لأنه المالك الحاكم على الإطلاق، فلا يقضي بشيء إلا ~~وهو حقه، {والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء} لأن الذي يقضي بالباطل لا ~~يقضي بشيء، لأنه ليس على شيء، ولا في شيء من أمر الدين، لأنه زاهق ذاهب، ~~إلا ما بقي عليه من جزاء عمله، {إن الله هو السميع البصير(20)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «بلحلوقهم»، وهو خطأ. PageV04P070 # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا ~~هم أشد منهم قوة} قدرة وتمكنا، {وآثارا في الأرض} مثل القلاع الحصينة، ~~{فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق(21)} يمنع العذاب عنهم. ~~{ذلك} الأخذ {بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا، فأخذهم الله، إنه ~~قوي شديد العقاب(22)} وفيه دليل على أن الأخذ لا يكون إلا لمن مات [كافرا، ~~لأنه مات مغضوبا عليه؛ وأما المؤمن فلا يسمى موته ولا قتله أخذا ولا هلاكا ~~في الحقيقة، كما قال: {إني متوفيك ورافعك إلي} (¬1) لأنه ينقلب من رحمة ~~الله إلى رحمة الله ورضوانه] (¬2) . # {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين(23) إلى فرعون وهامان وقارون ~~فقالوا: ساحر كذاب(24) فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا: اقتلوا أبناء ~~الذين آمنوا معه، واستحيوا نساءهم، وما كيد الكافرين إلا في ضلال(25)} أي: ~~يذهب كيدهم (¬3) في ضياع. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة آل عمران: 55. # (¬2) - ... ما بين معقوفين كله كان بعد قوله: «{وما كيد الكافرين إلا في ~~ضلال(25)} أي: يذهب كيدهم»، ووضعناها في ما يوافق سياقها، ولعل الناسخ ~~نقلها من الحاشية ولم يثبتها في محلها من المتن. # (¬3) - ... هنا كانت العبارة التي سبق أن وضعناها بين معقوفين. PageV04P071 # وقال فرعون: ذروني أقتل موسى} كأن في المعنى: كانوا يكفونهم به (¬1) عن ~~قتله؛ ms0796 ويخرج [في] معنى القتل: المشاققة له والمعاداة، ووضع أمره عن أمرهم، ~~وترفع أمرهم عن أمره، {وليدع ربه إني أخاف} إن لم أقتله {أن يبدل دينكم} ~~بأن يغير ما أنتم عليه من العبادة، واتباع الهوى، {أو أن يظهر في الأرض ~~الفساد(26)} ما يفسد دينكم وملككم من التحارب والتهارج. # {وقال موسى: إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب(27)} ~~(لعله) التجاء إليه في عظيم مهماته، {وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم ~~إيمانه: أتقتلون رجلا [521] أن يقول: ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ~~ربكم؟ وإن يك كاذبا فعليه كذبه، وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله ~~لا يهدي من هو مسرف كذاب(28) يا قوم، لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض، فمن ~~ينصرنا من بأس الله إن جاءنا}؟ وإنما أدرج نفسه في الضميرين، لأنه كان منهم ~~في القرابة، وليريهم أنه معهم، ومساهمهم فيما ينصح لهم، فكان معهم وحدانيا ~~في السر، خانعيا في الظاهر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الصواب: «يكفونه عن قتله». PageV04P072 # قال فرعون: ما أريكم} ما أشير إليكم {إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل ~~الرشاد(29)} طريق الصواب؛ {وقال الذي آمن: يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم ~~الأحزاب(30)} مثل أيام الأمم الماضية، يعني: وقائعهم. {مثل دأب قوم نوح ~~وعاد وثمود والذين من بعدهم، وما الله يريد ظلما للعباد(31)} كأن أخبار ~~الذين ذكرهم متحققة معهم، فلم يعتبروا بهم. {ويا قوم إني أخاف عليكم يوم ~~التناد(32)} يوم القيامة ينادي فيه بعضهم بعضا للاستغاثة؛ أو يتصايحون ~~بالويل والثبور؛ وقيل: ينادي المنادي بالشقاء والسعادة، ألا إن فلانا سعد ~~سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وينادي بضده. {يوم تولون} (لعله) عن الموقف، ~~{مدبرين} منصرفين عنه إلى النار، أو فارين عنها، (لعله) من حيث ينفعهم؛ أو ~~ينادي أهل الجنة أهل النار، وأهل النار أهل الجنة، أو يناديهم الله، فيقول: ~~أين شركائي؟ أو ينادون (¬1) العباد من عبدوهم من دون الله {ما لكم من الله ~~من (¬2) عاصم، ومن يضلل الله فما له من هاد(33)}. # {ولقد جاءكم يوسف من قبل ms0797 بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به، حتى إذا ~~هلك قلتم: لن يبعث الله من بعده رسولا، كذلك يضل الله من هو مسرف ~~مرتاب(34)} شاك فيما تشهد به البينات، فغلبه الوهم والانهماك في التقليد. ~~{الذين يجادلون في آيات الله} في إبطالها ودفعها {بغير سلطان} بغير حجة، بل ~~إما بتقليد أو شبهة داحضة، {أتاهم} (لعله) ذلك الجدال، {كبر مقتا عند الله ~~وعند الذين آمنوا} أي: حاق بهم أعظم البغض عند الله وعند المؤمنين حين ~~جادلوا في إدحاض آيات الله بغير حق، {كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر ~~جبار(35)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الأصوب: «ينادي». # (¬2) - ... في الأصل: - «من»، وهو سهو. PageV04P073 # وقال فرعون: يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب(36)} الطرق، {أسباب ~~السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا؛ وكذلك زين لفرعون سوء عمله ~~وصد عن السبيل، وما كيد فرعون إلا في تباب(37)} خسار. # {وقال الذي آمن: يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد(38)} سبيلا لا يضل ~~سالكه إلى (¬1) المقصود. {يا قوم، إنما هذه الحياة الدنيا متاع} تمتع يسير، ~~لسرعة زواله؛ معناه: لن تصل إلى سبيل الرشاد وفي قلبك محبة الدنيا، {وإن ~~الآخرة هي دار القرار(39)} لدوامها. # {من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها} عدلا من الله، {ومن عمل صالحا من ذكر ~~أو أنثى [522] وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب(40)} ~~قيل: بغير تقدير وموازنة بالعمل، بل أضعافا مضاعفة، فضلا منه ورحمة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لعل الصواب: «عن» بدل «إلى». وفي تفسير البيضاوي: «سبيلا يصل ~~سالكه إلى المقصود». ج4/ ص109. PageV04P074 # ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار(41)} كرر نداءهم ~~إيقاظا لهم عن سنة الغفلة، واهتماما بالمنادى له، ومبالغة في توبيخهم على ~~ما يقابلون به نصحه. {تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم} ~~والمراد: نفي المعلوم، والإشعار بأن الألوهية لا بد لها من برهان، ~~واعتقادها لا يصح إلا عن إيقان، {وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار(42)} ~~المستجمع لصفات الألوهية من كمال العلم والقدرة ونحوهما. {لا جرم} لا رد ~~لما ms0798 دعوه إليه؛ و«جرم» فعل بمعنى: حق، وفاعله {أنما تدعونني إليه ليس له ~~دعوة في الدنيا ولا في الآخرة} أي: حق عدم دعوة آلهتكم إلى عبادتها أصلا، ~~لأنها جماد ليس لها ما يقتضي ألوهيتها، {وأن مردنا إلى الله، وأن المسرفين ~~هم أصحاب النار(43) فستذكرون} عند معاينة الموت أو العذاب حين لا ينفعكم ~~الذكر {ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله} (لعله) وذلك بأنهم توعدوه ~~لمخالفته دينهم، {إن الله بصير بالعباد(44)}. # {فوقاه الله سيئات ما مكروا} ما أرادوا به من المكر، أو مما عصوا الله ~~به، لأن وباله عليهم دونه، {وحاق بآل فرعون سوء العذاب(45) النار يعرضون ~~عليها غدوا وعشيا، ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب(46)}. # { PageV04P075 وإذ يتحاجون في النار، فيقول الضعفاء للذين استكبروا: إنا ~~كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار؟(47) قال الذين استكبروا ~~إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد(48) وقال الذين في النار لخزنة ~~جهنم: ادعوا ربكم يخفف (¬1) عنا يوما} قدر يوم {من العذاب(49)} شيئا من ~~العذاب. {قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات؟ قالوا: بلى؛ قالوا فادعوا ~~وما دعاء الكافرين إلا في ضلال(50)} ضياع لا يجاب. # {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا} بالحجة والظفر، والدعاء الصالح، {في ~~الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد(51)} أي: في الدارين، ولا ينتقض ذلك بما ~~كان عليهم من الغلبة امتحانا، إذ العبرة بالعواقب، وغالب الأمر؛ والأشهاد: ~~الملائكة والأنبياء والمؤمنون. {يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ~~ولهم سوء الدار(52)}. # {ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب(53) هدى وذكرى لأولي ~~الألباب(54) فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي ~~والإبكار(55)}. # {إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر} ~~أي: ما فيها إلا تكبر عن الحق وتعظم عن التفكر والتعليم؛ أو إرداة الرئاسة، ~~(لعله) وخالية من الإيمان، والتواضع لأهله، {ما هم ببالغيه} ببالغي دفع ~~الآيات. [523] وقيل عن ابن عباس قال: «عظمة لم يبلغوها»؛ {فاستعذ بالله} ~~فالتجئ إليه، {إنه هو السميع ms0799 البصير(56)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل - «يخفف» وهو سهو. PageV04P076 # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس} فمن قدر على خلقها خلقها (¬1) ~~مع عظمها أولا من غير أصل، قدر على خلق الإنسان ثانيا من أصل، وهو لأشكل ~~(¬2) ما يجادلون فيه من أمر التوحيد والوعيد، {ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون(57)} لأنهم لا ينظرون ولا يتأملون لفرط غفلتهم، واتباعهم أهواءهم. # {وما يستوي الأعمى والبصير} الغافل والمستبصر، {والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات ولا المسيء} والمحسن والمسيء؛ فينبغي أن يكون لهم حال يظهر فيها ~~التفاوت في محياهم ومماتهم وبعثهم عند ذوي العقول السليمة، {قليلا ما ~~تتذكرون(58)} أنهم ليسوا على منزلة. # {إن الساعة لآتية لا ريب فيها} في مجيئها، لوضوح الدلالة على جوازها، ~~وإجماع الرسل على الوعد بوقوعها، {ولكن أكثر الناس لا يؤمنون(59)} (¬3) . # {وقال ربكم: ادعوني} اعبدوني {أستجب لكم} أثبكم (¬4) ، لقوله: {إن الذين ~~يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين(60)} صاغرين. # {الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه} لتستريحوا فيه، بأن خلقه باردا ~~مظلما ليؤدي إلى ضعف الحركات، وهدوء الحواس؛ {والنهار مبصرا} لتدبر المعاش، ~~{إن الله لذو فضل على الناس} لا يوزايه فضل، {ولكن أكثر الناس لا ~~يشكرون(61)} لجهلهم بالمنعم والنعم، وإغفالهم مواقع النقم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لعل الصواب: - «خلقها». # (¬2) - ... الصواب ما في تفسير البيضاوي: «وهو بيان لأشكل ما يجادلون»، ~~ج4/111. # (¬3) - ... في الأصل الآية غير مكتوبة، وهو سهو. # (¬4) - ... في الأصل: «أثيبكم». PageV04P077 # ذلكم} المخصوص بالأفعال الدالة للألوهية (¬1) والربوبية، {الله ربكم خالق ~~كل شيء لا إله إلا هو} أخبار مترادفة، {فأنى تؤفكون(62)}؟ فكيف ومن أي وجه ~~تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره؟ {كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله ~~يجحدون(63)} أي: كما أفكوا أفك عن الحق كل من جحد بآيات الله ولم يتأملها. # {الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء} استدلال ثان بأفعال أخر ~~مخصوصة، {وصوركم فأحسن صوركم} بأن خلقكم منتصب القامة، بادي البشرة، متناسب ~~الأعضاء والتخطيطات، متهيئا لمزاولة الصناعات، واكتساب الكمالات، كما قال: ~~{وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} (¬2) . {ورزقكم من الطيبات؛ ذلكم ~~الله ربكم فتبارك الله رب العالمين(64)} فإن كل ما سواه ms0800 مربوب، مفتقر ~~بالذات، معرض للزوال. {هو الحي} المتفرد بالحياة الذاتية، {لا إله إلا هو} ~~إذ لا موجود يساويه، أو يدانيه في ذاته وصفاته، {فادعوه} فاعبدوه {مخلصين ~~له الدين} أي: الطاعة من الشرك والرياء، {الحمد لله رب العالمين(65)} ~~قائلين له. # {قل: إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ~~ربي} من الحجج والآيات، فإنها مقوية لأدلة العقل، منبهة عليها، {وأمرت أن ~~أسلم لرب العالمين(66)} أن أنقاد له وأخلص له ديني. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الصواب: «على الألوهية»، وفي تفسير البيضاوي: «المقتضية ~~للألوهية». ج4/ ص112. # (¬2) - ... سورة الإسراء: 70. PageV04P078 # هو الذي خلقكم من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم يخرجكم طفلا، ثم ~~لتبلغوا أشدكم، ثم لتكونوا شيوخا، ومنكم من يتوفى من قبل [524] ولتبلغوا ~~أجلا مسمى، ولعلكم تعقلون(67)} ما في ذلك من الحجج والعبر. {هو الذي يحيي ~~ويميت، فإذا قضى أمرا} فإذا أراده، {فإنما يقول له: كن، فيكون(68)} فلا ~~يحتاج في تكوينه إلى عدة وتجشم كلفة، من حيث أنه تقتضي قدرة ذاتية غير ~~متوقفة إلى العدد والمواد. # {ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون(69)} عند التصديق به، ~~{الذين كذبوا بالكتاب} وذلك يقتضي التنزيل والتأويل، {وبما أرسلنا به ~~رسلنا} من السنن والشرائع (لعله) وسائر الحجج، {فسوف يعلمون(70)} عند الموت ~~وما بعده. {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون(71) في الحميم} أي: ~~بالسلاسل يسحبون، مطوقة في الأعناق، {ثم في النار يسجرون(72)} من سجر ~~التنور: إذا ملأه بالوقود، أو يربطون؛ والمراد: تعذيبهم بأنواع من العذاب، ~~وينقلون من بعضها إلى بعض. # {ثم قيل لهم: أين ما كنتم تشركون(73) من دون الله؟ قالوا: ضلوا عنا} ~~غابوا عنا، أو ضاعوا عنا، فلم نجد منهم ما كنا نتوقع منهم، {بل لم نكن ندعو ~~من قبل شيئا} أي: بل تبين لنا أنا لم نكن نعبد شيئا يعتد به، فإنهم ليسوا ~~شيئا يعتد به، كقولك: حسبته شيئا فلم يكن، {كذلك} مثل هذا الضلال، {يضل ~~الله الكافرين(74)} حتى لا يهتدوا إلى شيء ينفعهم في الآخرة. # { PageV04P079 ذلكم} الإضلال {بما كنتم ms0801 تفرحون في الأرض} تبطرون وتتكبرون ~~{بغير الحق} وهو الشرك والطغيان، {وبما كنتم تمرحون(75)} تتوسعون في الفرح؛ ~~والعدول إلى الخطاب للمبالغة في التوبيخ. {ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها ~~فبئس مثوى المتكبرين(76)} عن الحق جهنم. {فاصبر إن وعد الله} بهلاك الكفار، ~~{حق} كائن لا محالة. # {فإما نرينك بعض الذي نعدهم} وهو القتل والأسر ونحوهما، {أو نتوفينك} قبل ~~أن (لعله) تراه، {فإلينا يرجعون(77)} يرجعون يوم القيامة، فنجازيهم ~~بأعمالهم. # {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك، منهم من قصصنا عليك} لحكمة علمناها؛ وكذلك ~~قوله: {ومنهم من لم نقصص عليك، وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} ~~فإن المعجزات عطايا قسمها بينهم على ما اقتضته حكمته كسائر القسم، ليس لهم ~~اختيار في إتيان بعضها، والاستبداد بإتيان المقترح منها، {فإذا جاء أمر ~~الله} بالعذاب في الدنيا والآخرة، {قضي بالحق} بإنجاء المحق، وتعذيب ~~المبطل، {وخسر هنالك المبطلون(78)} المعاندون باقتراح الآيات بعد ظهور ما ~~يغنيهم عنها. # {الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا (¬1) منها، ومنها تأكلون(79) ولكم ~~فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم} بالمسافرة عليها، {وعليها وعلى ~~الفلك تحملون(80) ويريكم آياته} دلائله الدالة على كمال قدرته ووسع رحمته، ~~{فأي آيات الله} أي آية من تلك الآيات {تنكرون(81)}؟ فإنها لظهورها لا تقبل ~~الإنكار. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «لتركبوها»، وهو خطأ. PageV04P080 # أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين [525] من قبلهم كانوا ~~أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض} ما بقي منهم ولا (¬1) من القصور ~~والمصانع ونحوهما، {فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون(82)} لمعاشهم ومعادهم. ~~{فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم} واستحقروا علم ~~الرسل؛ والمراد بالعلم: عقائدهم الزائغة، وشبههم الداحضة، لقوله: {بل ادارك ~~علمهم في الآخرة} (¬2) وهو قولهم: لا نبعث ولا نعذب، {وما أظن الساعة ~~قائمة} (¬3) ونحوها، [وسماها] (¬4) علما على زعمهم، تهكما بهم. وفرحهم به ~~(لعله) الإصرار عليه، والاستخفاف بما أتى به، وترك العمل بمقتضاه، وضحكهم ~~منه، واستهزاؤهم به، ويؤيده... (¬5) وهو جهل في الحقيقة؛ ويدل على ذلك ~~قوله: {وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون(83)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الصواب: - «لا»، ms0802 كما هو عند البيضاوي: تفسير، ج4/ ص113. # (¬2) - ... سورة النمل: 66. # (¬3) - ... سورة الكهف: 36. # (¬4) - ... إضافة من المصدر نفسه. # (¬5) - ... كذا في الأصل، والصواب: - «ويؤيده»، وليس في العبارة سقط، ~~لأنه سيقول بعد: «ويدل على ذلك قوله: {وحاق بهم...}»، ويبدو أن المؤلف تردد ~~بين أن ينقل عبارة البيضاوي كما هي وبين أن يضيف إليها شيئا من عنده، ~~والعبارة عند البيضاوي: «وفرحهم به: ضحكهم منه واستهزاؤهم، ويؤيده: {وحاق ~~بهم...}». المصدر نفسه. PageV04P081 # فلما رأوا بأسنا} أحوال الموت، {قالوا: آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا ~~به مشركين(84)} وهو أهوية أنفسهم. {فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} ~~لأن ذلك ليس يإيمان بعدما أتاهم اليقين، {سنة الله التي قد خلت في عباده} ~~أي: سن الله ذلك سنة ماضية في العباد فاحذروها، وذلك إذا عاينوا عذاب الله ~~آمنوا، ولا ينفعهم إيمانهم عند معاينة العذاب، {وخسر هنالك الكافرون(85)} ~~أي: وقت رؤيتهم البأس. # سورة فصلت # بسم الله الرحمن الرحيم # {حم(1) تنزيل من الرحمن الرحيم(2) كتاب} لعل افتتاح هذه السور السبع ~~ب«حم» وتسميتها به، لكونها مصدرة ببيان الكتاب، متشاكلة في النظم والمعنى؛ ~~وإضافة “التنزيل” إلى “الرحمن” للدلالة على أنه مناط المصالح الدينية ~~والدنيوية، {فصلت آياته} ميزت باعتبار اللفظ والمعنى، أو فصلت بين الحق ~~والباطل، {قرآنا عربيا} فيه امتنان بسهولة قراءته وفهمه، {لقوم يعلمون(3)} ~~لأهل العلم والنظر. {بشيرا ونذيرا} للعالمين (¬1) به، والمخالفين له؛ ~~{فأعرض أكثرهم} عن تدبره وقبوله، {فهم لا يسمعون(4)} سماع تأمل وطاعة. # {وقالوا: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه} أغطية؛ جمع كنان، {وفي آذاننا ~~وقر} صمم، وأصله الثقل؛ {ومن بيننا وبينك حجاب} خلاف الدين، وحاجز في ~~النحلة يمنعنا عن التواصل؛ وهذا تمثيل لنبو قلوبهم عن إدراك ما يدعوهم إليه ~~واعتقادهم ومج أسماعهم له، وامتناع مواصلتهم، وموافقتهم للرسول، {فاعمل} ~~على دينك، أو في إبطال أمرنا، {إننا عاملون(5)} على ديننا أو في إبطال أمرك. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الصواب: «للعاملين به» كما في تفسير البيضاوي: ج4/ ص114. PageV04P082 # قل: إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد} لست ملكا ولا جنيا ~~لا يمكنكم التلقي منه، ولا أدعوكم ms0803 إلى ما تنبو عنه العقول والأسماع، وإنما ~~أدعوكم إلى التوحيد والاستقامة في العمل؛ وقد دل عليهما دلائل العقل، ~~وشواهد النقل، {فاستقيموا} في أفعالكم، متوجهين {إليه} أو فاستووا إليه ~~بالتوحيد والإخلاص في العمل، {واستغفروه} مما أنتم عليه، من سوء العقيدة ~~والعمل؛ ثم [526] هددهم على ذلك فقال: # {وويل للمشركين(6)} من فرط جهالتهم واستخفافهم بالله. {الذين لا يؤتون ~~الزكاة} لفرط حبهم للمال، وقلة إيقانهم بثوابها، وعدم خوفهم من تركها؛ ~~وقيل: معناه: لا يفعلون ما يزكي أنفسهم، وهو: الإيمان والطاعة، {وهم ~~بالآخرة هم كافرون(7)} إشعار حالهم بامتناعهم (¬1) عن الزكاة، لاستغراقهم ~~في حب الدنيا، وإنكارهم للآخرة. {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر ~~غير ممنون(8)} لا يمن به عليهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لعل الصواب: «إشعار بأن امتناعهم عن الزكاة لاستغراقهم...». PageV04P083 # قل: أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين، وتجعلون له أندادا؛ ذلك رب ~~العالمين(9)} خالق جميع ما وجد من الممكنات. {وجعل فيها رواسي من فوقها} ~~مرتفعة عليها، ليظهر للنظار ما فيها من وجوه الاستبصار، وتكون منافعها ~~معرضة للطلاب، {وبارك فيها} وأكثر خيرها، بأن خلق فيها أنواع النبات ~~والحيوان، {وقدر فيها أقواتها} أقوات أهلها، بأن عين لكل نوع ما يصلحه ~~ويعيش به، لجميع ما يحتاج إلى الغذاء؛ قيل: قسم في الأرض أرزاق العباد ~~والبهائم، {في أربعة أيام سواء}و أي: استوت سواء، بمعنى: استواء ~~{للسائلين(10)} (لعله) من سأل عنه، عن مدة خلق الأرض وما فيها، أو قدر فيها ~~الأقوات للطالبين. # {ثم استوى إلى السماء وهي دخان؛ فقال لها وللأرض: ائتيا} بما خلقت فيكما ~~من التأثير والتأثر، وإبراز ما أودعتكما من الأوضاع المختلفة، والكائنات ~~المتنوعة؛ أو ائتيا في الوجود؛ على أن الخلق السابق بمعنى: التقدير؛ وقيل: ~~«ائتيا» يعنى: أخرجا ما خلقت فيكما من المنافع لمصالح العباد، {طوعا أو ~~كرها} شئتما ذلك أو أبيتما؛ والمراد: إظهار كمال قدرته، ووجوب وقوع مراده، ~~لا إثبات الطوع والكره لهما؛ {قالتا: أتينا طائعين(11)} منقادين بالذات؛ ~~والأظهر أن المراد: تصوير تأثير قدرته فيهما، وتأثرهما بالذات عنها، ~~وتمثيلهما بأمر المطاع، وإجابة الطائع المطيع، كقوله: {كن فيكون} (¬1) ، ~~وما ms0804 قيل: إنه تعالى خاطبهما وأقدرهما على الجواب، إنما يتصور على الوجه ~~الأول والأخير؛ وإنما قال: «طائعين» على المعنى باعتبار كونهما مخاطبين، ~~كقوله: {ساجدين}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البقرة: 117، سورة آل عمران: 47... PageV04P084 # فقضاهن سبع سماوات في يومين، وأوحى في كل سماء أمرها} شأنها، وما يتأتى ~~منها، بأن حملها عليه اختيارا أو طبعا؛ وقيل: أوحى إليها بأوامره؛ {وزينا ~~السماء الدنيا بمصابيح} فإن الكواكب ترى كأنها تتلألأ، {وحفظا} أي: حفظناها ~~من الآفات، أو من المسترقة؛ {ذلك تقدير العزيز العليم(12)} البالغ في ~~القدرة والعلم. # {فإن أعرضوا} عن الإيمان بعد هذا البيان، {فقل: أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة ~~عاد وثمود(13)} وهو أخذ كل نفس واستئصالها على حدة بما كسبت. {إذ جاءتهم ~~الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم} من جميع جوانبهم، واجتهدوا بهم من كل جهة، ~~أو من جهة الزمن الماضي [527] بإنذار عما جرى فيه على الكفار؛ ومن جهة ~~المستقبل بالتحذير عما أعد لهم في الآخرة، {ألا تعبدوا إلا الله} وترفضوا ~~عبادة الشيطان والهوى والنفس. {قالوا: لو شاء ربنا لأنزل ملائكة} برسالته، ~~{فإنا بما أرسلتم به} على زعمكم، {كافرون(14)} إذ أنتم بشر مثلنا لا فضل ~~لكم علينا. # {فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق} فتعظموا فيها على أهلها بغير ~~استحقاق، {وقالوا: من أشد منا قوة}؟ اعتزاز بقوتهم وشوكتهم؛ {أولم يروا أن ~~الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة}؟ قدرة؛ فإنه قادر بالذات، مقتدر على ما ~~لا يتناهى، قوي على ما [لا] (¬1) يقدر عليه غيره؛ {وكانوا بآياتنا ~~يجحدون(15)} يعرفون أنها حق وينكرونها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... من إضافتنا ليستقيم المعنى، وإلا عكس المراد، وقد نقلها ~~المصنف بخطئها من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص116. وقد وردت العبارة نفسها صحيحة ~~عند أبي السعود: تفسير، مج4/ ج8/ ص8. وكذا عند الألوسي: روح المعاني، ج24/ ص112. PageV04P085 # فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا} باردة تهلك بشدة بردها، من الصر: وهو البرد ~~الذي يصر، أي: يجمع؛ أو شديدة الصوت في هبوبها، من الصرير، {في أيام نحسات} ~~مشؤومات ليس فيها من... (¬1) ؛ {لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا} ~~أضعاف العذاب إلى الخزي، وهو الدال ms0805 (¬2) (لعله) على قصد وصفه به لقوله: ~~{ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون(16)}. # {وأما ثمود فهديناهم} أي: يسرنا لهم أسباب الهدى، وهي: الكتب والرسل، ~~وبصائر العقول، وهي مبذولة، ولا يمنع عنها إلا الأسباب التي تعمي (لعله) ~~القلوب، {فاستحبوا العمى على الهدى} فاختاروا الضلالة على الهدى، {فأخذتهم ~~صاعقة العذاب الهون} صاعقة من السماء، فأهلكتهم؛ وإضافتها إلى العذاب، ~~ووصفه بالهون للمبالغة، {بما كانوا يكسبون(17)} من اختيار الضلالة، {ونجينا ~~الذين آمنوا وكانوا يتقون(18)}. # {ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون(19)} يحبس أولهم على آخرهم، ~~لئلا يتفرقوا، وهي عبارة عن كثرة أهل النار؛ والوازع: من يدبر أمور الجيش، ~~ويرد من شذ منهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... وضع الناسخ إحالة إلى الحاشية، ولكن لم يكتب فيها شيئا، ~~والعبارة ناقصة كما نرى، ولم نتمكن من إكمالها مما بين أيدينا من المصادر. # (¬2) - ... الصواب كما في تفسير البيضاوي: «أضاف “العذاب” إلى “الخزي” ~~وهو الذل على قصد وصفه به...» تفسير، ج4/ ص116. PageV04P086 # حتى إذا ما جاءوها} إذا حضروها، {شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما ~~كانوا يعملون(20)} بأن أنطقها الله، أو يظهر عليها آثارا تدل على ما اقترفت ~~بها، فتنطق بلسان الحال. {وقالوا لجلودهم: لم شهدتم علينا}؟ سؤال توبيخ، أو ~~تعجب؛ {قالوا: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} أي: ما نطقنا باختيارنا، بل ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء، {وهو خلقكم أول مرة، وإليه ترجعون(21)}. # {وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا (¬1) أبصاركم ولا (¬2) ~~جلودكم(22)} أي: كنتم تستترون [عن] (¬3) الناس عند ارتكاب الفواحش مخافة ~~الفضاحة، وما ظننتم أن أعضاءكم تشهد عليكم، فما استترتم عنها؛ وفيه تنبيه ~~على أن المؤمن ينبغي أن يتحقق أنه لا يمر عليه حال إلا وعليه رقيب، إذ كانت ~~أعضاؤه رقباء عليه؛ {ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون(22)} ~~فلذلك اجترأتم على ما فعلتم. # {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم} ظنوا بربهم بالإشراك [528] والشك، أو ظنوا ~~به المغفرة مع الإصرار؛ {أرداكم} أهلككم، كالذي أردى غيره من علا جبل، ~~{فأصبحتم من الخاسرين(23)} إذ صاروا ما منحوا للاستعداد الدارين (¬4) سببا ms0806 ~~لشقاء المنزلين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «لا»، وهو سهو. # (¬2) - ... في الأصل: - «لا»، وهو سهو. # (¬3) - ... إضافة من البيضاوي ليستقيم التركيب. ج4/ ص117. # (¬4) - ... الصواب ما نجده عند البيضاوي: «إذ صار ما منحوا للاستعداد به ~~في الدارين سببا لشقاء المنزلين»، المصدر نفسه. PageV04P087 # فإن يصبروا فالنار مثوى لهم} لا خلاص لهم منها، {وإن يستعتبوا} يسألوا ~~العتبى، وهي: الرجوع إلى ما يحبون، {فما هم من المعتبين(24)} المجابين ~~إليها؛ وقرئ: «وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين»، أي: إن سئلوا أن يرضوا ~~ربهم، فما هم فاعلون لفوات المكنة (¬1) . # {وقيضنا} وقدرنا {لهم قرناء} أخدانا من الشياطين، {فزينوا لهم ما بين ~~أيديهم} من أمر الدنيا، واتباع الشهوات (لعله) حتى آثروه على الآخرة، {وما ~~خلفهم} من أمر الآخرة (لعله) للأماني الكاذبة، والغرور بالله تعالى. # {وحق عليهم القول} أي: كلمة العذاب، {في أمم} في جملة أمم، {قد خلت من ~~قبلهم من الجن والإنس} وقد عملوا مثل أعمالهم؛ وفيه دليل على أن عمل الجن ~~كعمل الإنس في أحوال، وإن باينوهم في أحوال، وإنهم ليسوا بمعمرين {إنهم ~~كانوا خاسرين(25)}. # {وقال الذين كفروا: لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه} وعارضوه بالخرافات ~~{لعلكم (¬2) تغلبون(26)} أي: تغلبون في المجادلة؛ قال الغزالي: «فكل من ~~تناظر للغلبة والإقحام، لا ليغتنم الحق إذا ظفر به، فقد شاركهم في هذا ~~الخلق». # {فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا، ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون(27) ~~ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا ~~يجحدون(28)}. # {وقال الذين كفروا: ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس} يعني: ~~شيطاني النوعين الحاملين على الضلال، {نجعلهما تحت أقدامنا} ندوسهما ~~انتقاما منهما؛ وقيل: نجعلهما في الدرك الأسفل، {ليكونا من الأسفلين(29)} ~~مكانا أو ذلا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «الممكنة»، ولا معنى له. # (¬2) - ... في الأصل: «لعلهم»، وهو خطأ. PageV04P088 # إن الذين قالوا ربنا الله} اعترافا بربوبيته، وإقرارا بوحدانيته، {ثم ~~استقاموا} على أمر الله، فعملوا بطاعته، واجتنبوا معصيته، {تتنزل عليهم ~~الملائكة} فيما يعن لهم بما يشرح صدورهم، ويدفع عنهم الخوف والحزن؛ أو عند ~~الموت؛ أو القيامة؛ أو في تلك المواطن كلها؛ ms0807 {ألا تخافوا} ما تقدمون عليه، ~~{ولا تحزنوا} مما يحزن منه... (¬1) ؛ {وأبشروا بالجنة التي كنتم ~~توعدون(30)} في الدنيا. # {نحن أولياؤكم} أنصاركم وأولياؤكم {في الحياة الدنيا} نلهمكم الحق، ~~ونحملكم على الخير، بدل ما كانت الشياطين تفعل بالكفرة، {وفي الآخرة} ~~بالشفاعة والكرامة حيثما يتعادى الكفرة وقرناؤهم، {ولكم فيها} في الآخرة ~~{ما تشتهي أنفسكم} من اللذائذ، {ولكم فيها ما تدعون(31)} ما تتمنون، من ~~الدعاء بمعنى: الطلب، {نزلا من غفور رحيم(32)}. # ( # ¬__________ # (¬1) - ... بياض في الأصل قدر كلمتين. PageV04P089 # لعله) وعن أبي سعيد: «في تأويل قوله: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله} ~~قيل: هو المؤذن [ب]الدعاء إلى الفرائض، {وعمل صالحا} قيل: صلى [529] ركعتين ~~قبل الصلاة، {وقال: إنني من المسلمين(33)} فذلك واجب على كل أحد أن يدين ~~لله بالإسلام، وأن يقر به، ويعتقده دينا له، ويبرأ من كل دين مما سواه؛ ~~ومثل ذلك ونظيره قوله: {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن} (¬1) ؛ ~~والوجه هاهنا قالوا: الدين، {وهو محسن}: في عمله اللازم له في الدين؛ ~~{واتبع ملة إبراهيم حنيفا} (¬2) وهو الإسلام، ونظائر هذا كثير في كتاب ~~الله، منه ما قاله الله تبارك وتعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل ~~منه وهو في الآخرة من الخاسرين} (¬3) . # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النساء: 125. # (¬2) - ... سورة النساء 125. # (¬3) - ... سورة آل عمران: 85. PageV04P090 # والإجماع في معنى “الإسلام” أنه: الإقرار بالله والإيمان به، والتصديق ~~برسوله المرسل إلى أهل زمانه، وبما جاء به رسوله عنه إلى كل أمة من الأمم، ~~فهذا هو الدين والإسلام المفروض الذي لم تختلف فيه الشرائع، وكان أصلا ~~للشرائع كلها؛ وكذلك هو الدين الإسلام [المفروض] على أمة محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - [هو] الإيمان بالله تعالى ربا إلها واحدا، وبمحمد نبيا ورسولا، ~~وبما جاء به أنه حق وصدق وعدل؛ وقيل: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله} فهو ~~الدعاء إلى الله وإلى دينه، وعمل بما يدعو من طاعة الله التي دعا إليها، ~~وعمل بها من رسول أو نبي أو صالح، {وقال: إنني من المسلمين} أي: كان مسلما؛ ~~وليس قوله: إنه مسلم، إذا خالف ms0808 شيئا من الإسلام بنافع له، ولا يجوز له أن ~~يكون عند نفسه في قوله وعمله ونيته إلا مسلم[ا] لله تعالى، ويتوب إلى الله ~~في اعتقاده من جميع ما خالف الإسلام الذي دان لله به، واعتقده من قول وعمل ~~ونية، في جملة قوله وعمله ونيته، وينبغى أن يجدد ذلك كلما خطر بباله هذا، ~~أنه قد عصى الله بما جهله بقول وعمل ونية، ولا يعذر بجهله، وبموت بمعصيته، ~~فيكون هالكا، وإذا جدد التوبة، ولم يقف على الذنب، وتذكره أجزأه ذلك في ~~الجملة ما لم يكن متمسكا بالذنب، إن لو ذكره لم يكن تائبا منه، وكان على ~~اعتقاد دينونة فيه؛ ومن ها هنا أعجبني أن لا يعتقد من الأمور دينا على كل ~~حال إلا ما لا يشك فيه، وما لم يأت فيه اختلاف يكون فيه ريب، لأنه إذا ~~اعتقد في الجملة لله الدينونة بدينه، كان قد دان بدينه كله، واعتقاده دينا ~~مما ليس بدين هلكة لا يرجى له منها توبة، وكلما تقرب إلى الله بها ازداد ~~بعدا منه، وكلما خاف لقاءه PageV04P091 بالموت كان أشد تمسكا بها، حتى ~~يلقاه على التقرب إلى الله بمعصيته، ولا يعذره الله في ذلك بجهالته، لأنه ~~قد كان يمكنه ويسعه أن لا يعتقده دينا بعينه، إذا اعتقد الدين في الجملة؛ ~~وعليه كلما خطر بباله، أن يعتقد أنه ليس من المشركين في الدين، وأنه بريء ~~من المشركين، ومن دينهم، وكل شرك في الدين بجحود أو [530] نفاق» انتهى كلامه. # {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة} في الجزاء، وحسن العاقبة؛ {ادفع بالتي هي ~~أحسن} ادفع السيئة حيث اعترضتك بالتي هي أحسن منها، وهي الحسنة. أمر بالصبر ~~عند الغضب، و بالحلم عند الجهل، و بالعفو عند الإساءة؛ {فإذا الذي بينك ~~وبينه عداوة كأنه ولي حميم(34)} أي: إذا فعلت ذلك صار عدوك المشاق، مثل ~~الولي الشقيق. {وما يلقاها} وما يلقى هذه السجية، وهي: مقابلة الإساءة ~~بالإحسان، {إلا الذين صبروا} فإنها تحبس النفس عن الانتقام؛ {وما يلقاها} ~~أي: وما يلقى هذه الخصلة الجميلة، {إلا ذو حظ ms0809 عظيم(35)} من الخير، وكمال النفس. # {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ} نخس تشبه وسوسته (¬1) ، {فاستعذ بالله} من ~~شره ولا تتبعه، {إنه هو السميع} لاستعاذتك، {العليم(36)} بنيتك، أو بصلاحك. # {ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، ~~واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون(37)} فإن السجود أخص العبادات؛ ~~{فإن استكبروا} عن الامتثال، {فالذين عند ربك} من الملائكة {يسبحون له ~~بالليل والنهار وهم لا يسأمون(38)} أي: لا يملون. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الصواب ما ذكره البيضاوي: «نخس شبه به وسوسته، لأنها تدفع ~~الإنسان إلى ما لا ينبغي». البيضاوي: تفسير، ج4/ ص118. PageV04P092 # ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة} يابسة متطامنه (¬1) ؛ مستعار من الخشوع؛ ~~{فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت} تزخرفت، وانتفخت بالنبات؛ {إن الذي ~~أحياها} بعد موتها {لمحيي الموتى} فإنه لا فرق بين إحيائها بعد موتها، وبين ~~إحياء الموتى، {إنه على كل شيء قدير(39)}. # {إن الذين يلحدون} يميلون عن الاستقامة {في آياتنا} بالطعن، والتحريف، ~~والتأويل الباطل، والإلغاء فيها، {لا يخفون علينا} فنجازيهم على إلحادهم؛ ~~{أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة}؟ من جميع ما يخاف من ~~أمر القيامة، لأن خوفهم قد انقضى في الدنيا، {اعملوا ما شئتم} تهديد شديد، ~~{إنه بما تعملون بصير(40)} وعيد بالمجازاة. # {إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم} قيل: بدل من قوله: {إن الذين يلحدون ~~في آياتنا}؛ والذكر: التنزيل وتأويله، {وإنه لكتاب عزيز(41)} على الله، ~~كثير النفع عديم النظير، لا يتأتى إبطاله وتحريفه، {لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه} لا يتطرق إليه الباطل من جهة من الجهات، أو مما فيه من ~~الأخبار والأمور الآتية، {تنزيل من حكيم حميد(42)} يحمده كل خلق بما أظهر ~~عليه من نعم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «متظامئنه»، ولعله يقصد: «متظامئة»، من الظمأ، وهو ~~العطش. وما أثبتناه فمن البيضاوي. و«الطمن بالفتح: الساكن، كالمطمئن، ج: ~~طمون». الفيروزآبادي: القاموس، ص1093، مادة: «طمن». ويؤيده قوله تعالى وما ~~فسر القرآن مثل القرآن : {وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت ~~وربت وأنبتت من كل زوج ms0810 بهيج} (الحج: 5). PageV04P093 # ما يقال لك} أي: ما يقول لك كفار قومك، {إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} ~~مثل ما قال لهم كفار قومهم، أو يقول الله لك إلا مثل ما قال لهم، {إن ربك ~~لذو مغفرة} لأنبيائه، {وذو عقاب أليم(43)} لأعدائهم. # {ولو جعلناه قرآنا أعجميا} قيل: جواب لقولهم: هلا نزل القرآن بلغة العجم، ~~والضمير للذكر، {لقالوا: لولا فصلت آياته}[531] بينت بلسان نفقهه؛ {أأعجمي ~~وعربي}؟ [أ]كلام أعجمي ومخاطب عربي، إنكار مقرر للتخصيص؛ والأعجمي يقال ~~للذي لا يفهم كلامه؛ وقيل: يجوز أن يكون المراد: هلا فصلت آياته، فجعل ~~بعضها أعجميا لإفهام العجم، وبعضها عربيا لإفهام العرب، والمقصود إبطال ~~مقترحهم باستلزامه (¬1) المحذور، أو الدلالة على أنهم لا ينفكون (¬2) عن ~~التعنت في الآيات كيف جاءت، {قل: هو للذين آمنوا هدى} إلى الحق، {وشفاء} من ~~الشك والشبهة؛ {والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى} عموا عن ~~القرآن، وصموا عنه، فلا ينتفعون به، و ذلك لتصاممهم عن سماعه عما يريهم من ~~الآيات، {أولئك ينادون من مكان بعيد(44)} أي: منهم، هو تمثيل لهم في عدم ~~قبولهم واستماعهم له، بمن يصيح به من مسافة بعيدة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «بالزاتة»، ولا معنى له، والصواب ما أثبتناه من ~~البيضاوي: تفسير، ج4/ ص119. # (¬2) - ... في الأصل: «أنه لا يتفكرن»، ولا معنى له. ونجد أن العبارة عند ~~البيضاوي وهو المعتمد الأساسي للمصنف في هذا الجزء وردت هكذا: «أو ~~الدلالة على أنهم لا يتفكرون عن التعنت في الآيات كيف جاءت»، وفي العبارة ~~خلل كذلك. وأما الصواب الذي أثبتناه فمن الألوسي: روح المعاني، ج24/ ص130. ~~انظر: البيضاوي: تفسير، ج4/ ص119. PageV04P094 # ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه} بالتصديق والتكذيب، كما اختلف في ~~القرآن، {ولولا كلمة سبقت من ربك} تقرير الآجال، {لقضي بينهم} باستئصال ~~المكذبين، {وإنهم} وإن اليهود والذين لا يؤمنون {لفي شك منه} من التوراة، ~~أو القرآن {مريب(45)} موجب للاضطراب (¬1) . # {من عمل صالحا فلنفسه} نفعه، {ومن أساء فعليها} ضره، {وما ربك بظلام ~~للعبيد(46) إليه يرد علم الساعة} لأنه لا يعلمه غيره؛ {وما تخرج ms0811 من ثمرات ~~من أكمامها} من أوعيتها؛ {وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه}. # {ويوم يناديهم: أين شركائي}؟ الذين تزعمون في الدنيا أنها آلهة؛ {قالوا: ~~آذناك} أعلمناك {ما منا من شهيد(47)} من أحد يشهد لهم بالشركة، أو تبرأنا ~~منهم لما تحققت الحقيقة. فيكون السؤال عنهم للتوبيخ. {وضل عنهم ما كانوا ~~يدعون} يعبدون {من قبل} لا ينفعهم، أو لا يرونه، {وظنوا} وأيقنوا {ما لهم ~~من محيص(48)} مهرب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل، «موجب الاضطرار»، ولا معنى له، والصواب ما أثبتناه ~~من البيضاوي. PageV04P095 # لا يسأم الإنسان} لا يمل {من دعاء الخير} من طلب السعة والنعمة، {وإن مسه ~~الشر} الضيق، {فيئوس قنوط(49)} من فضل الله ورحمته؛ وهذا صفة الكافر، ~~لقوله: {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} (¬1) . {ولئن أذقناه ~~رحمة منا من بعد ضراء مسته} بتفريجها عنه، {ليقولن: هذا لي} حتى أستحقه لما ~~لي من الفضل والعمل، {وما أظن الساعة قائمة؛ ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده ~~للحسنى} تفسير آخر بقول هذا الكافر: لست على يقين من البعث، فإن كان الأمر ~~على ذلك، ورددت إلى ربي إن لي عنده للحسنى، أي: الجنة، كما أعطاني في ~~الدنيا يعطيني في الآخرة؛ أي: ولئن قامت على التوهم، كان لي عند الله ~~الحالة الحسنى من الكرامة؛ وذلك لاعتقاده أن ما أصابه من نعم الدنيا، ~~فلاستحقاق لا ينفك عنه؛ {فلننبئن الذين كفروا} فلنخبرنهم {بما عملوا} ~~بحقيقة أعمالهم، ولنبصرنهم عكس ما اعتقدوا فيها؛ {ولنذيقنهم من عذاب ~~غليظ(50)} لا يمكنهم الفرار منه. # [532] {وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض} عن الشكر، {ونأى بجانبه} وانحرف ~~عنه، أو ذهب بنفسه، وتباعد عنه بكليته تكبرا؛ والجانب: مجاز عن النفس؛ ~~{وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض(51)} كبير، مستعار مما له عرض متسع، للإشعار ~~بكثرته واستمراره، وهو أبلغ من الطول. # {قل: أرأيتم} أخبروني {إن كان} القرآن {من عند الله ثم كفرتم به} من غير ~~نظر واتباع دليل، {من أضل ممن هو في شقاق بعيد(52)}؟ أي: من أضل منكم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة يوسف: 87. PageV04P096 # سنريهم آياتنا في الآفاق} (لعله) ms0812 يعني ما أخبرهم النبيء - صلى الله عليه ~~وسلم - به من الحوادث الآتية، وآثار النوازل الماضية، وما يسر الله له، ~~ولخلفائه من الفتوح، والظهور على ممالك الشرق والغرب، على وجه خارق للعادة؛ ~~{وفي أنفسهم} ما ظهر فيما بين أهل مكة، وما حل بهم، أو ما في الأبدان من ~~عجائب الصنع، الدالة على كمال القدرة، {حتى يتبين لهم أنه الحق} الضمير ~~للقرآن، أو الرسول أو التوحيد أو الله؛ {أولم يكف بربك} أي: أولم يكف ربك؟ ~~كأنه قيل: أو لم يحصل الكفاية من غير زيادة؟ {أنه على كل شيء شهيد(53)} ~~المعنى: أولم يكفك أنه تعالى على كل شيء شهيد محقق له؟ فيحقق أمرك بإظهار ~~الآيات الموعودة، كما حقق سائر الأشياء؛ أو مطلع فيعلم حالك وحالهم؛ أو ~~أولم يكف الإنسان رادعا عن المعاصي أنه تعالى مطلع على كل شيء، لا تخفى ~~عليه خافية. # {ألا إنهم في مرية} شك {من لقاء ربهم} بالبعث والجزاء، {ألا إنه بكل شيء ~~محيط(54)} عالم بجمل الأشياء وتفاصيلها، مقتدر عليها، لا يفوته شيء منها. # سورة الشورى # بسم الله الرحمن الرحيم # {حم(1) عسق(2) كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم(3)} ~~أي: مثل ما في هذه السورة من المعاني، أو إيحائها، أوحى الله إليك، وإلى ~~الرسل من قبلك؛ {له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم(4)}. # { PageV04P097 تكاد السماوات يتفطرن} يتشققن من عظمة الله؛ وقيل: من ~~ادعاء الولد، وفي موضع: تكاد كل واحدة أن تتفطر من فوق التي تليها، من قول ~~المشركين: «اتخذ الله ولدا»، غضبا على قائلها ومعتقدها، {من فوقهن، ~~والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض} قيل: بالسعي فيما ~~يستدعي مغفرتهم من الشفاعة والإلهام، وإعداد الأسباب المقربة إلى الطاعة، ~~{ألا إن الله هو الغفور الرحيم(5)} إذ ما من مخلوق إلا وهو ذو حظ من رحمته. # {والذين اتخذوا من دونه أولياء} شركاء وأندادا، {الله حفيظ عليهم} رقيب ~~على أحوالهم وأعمالهم، فيجازيهم بها، {وما أنت} يا محمد {عليهم بوكيل(6)} ~~بموكل بهم، أو بموكول إليك أمرهم. {وكذلك أوحينا ms0813 إليك قرآنا عربيا لتنذر أم ~~القرى} أهل أم القرى، وهي مكة {ومن حولها، وتنذر يوم الجمع} يوم القيامة ~~بجمع الخلائق فيه، {لا ريب فيه، فريق في الجنة وفريق في السعير(7) ولو شاء ~~الله لجعلهم [533] أمة واحدة} كلهم على ملة واحدة، {ولكن يدخل من يشاء في ~~رحمته} بالهداية، والحمل على الطاعة، {والظالمون ما لهم من ولي ولا ~~نصير(8)} ينصرهم للدخول في طاعته ورحمته، لأنهم في حال (لعله) الخذلان. # { PageV04P098 أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي} أي: إن أرادوا ~~أولياء بحق، فالله الولي بالحق، لا ما اتخذوه من دونه، {وهو يحيي الموتى، ~~وهو على كل شيء قدير(9)} لكونه حقيقا بالولاية. {وما اختلفتم فيه من شيء} ~~من أمر من أمور الدين والدنيا، {فحكمه إلى الله} مفوض إليه، يميز المحق عن ~~المبطل، أو ما اختلفتم فيه من تأول متشابه، فارجعوا إلى المحكم من كتاب ~~الله، {ذلكم الله ربي (¬1) عليه توكلت} في مجامع الأمور، {وإليه أنيب(10)} ~~أرجع في المعضلات. # {فاطر السماوات والأرض، جعل لكم من أنفسكم أزواجا، ومن الأنعام أزواجا} ~~أي: وخلق للأنعام من جنسها أزواجا؛ أو خلق لكم من الأنعام أصنافا؛ أو ذكورا ~~وإناثا، {يذرؤكم} يكثركم، من الذر وهو: البث، وفي معناه: الذر والذرء، ~~{فيه} في هذا التدبير، وهو جعل الناس والأنعام أزواجا يكون بينهم توالد، ~~فإنه كالمنبع للبث والتكثير، {ليس كمثله شيء} إذ ليس مثله شيء يزاوجه ~~ويناسبه، {وهو السميع البصير(11)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «ربي»، وهو سهو. PageV04P099 # له مقاليد السماوات والأرض} خزائنها، {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} يوسع ~~ويضيق على وفق مشيئته، {إنه بكل شيء عليم(12)} فيفعله على ما ينبغي. {شرع ~~لكم من الدين ما وصى به نوحا، والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم ~~وموسى وعيسى} أي: شرع لكم من الدين، دين نوح ومحمد، ومن بينهما وقبلهما ~~وبعدهما من أرباب الشرائع، وهو دين الإسلام، وهو الأصل المشترك فيما بينهم ~~المفسر بقوله: {أن أقيموا الدين} وهو الإيمان بما يجب تصديقه، والطاعة في ~~أحكام الله، {ولا تتفرقوا فيه} ولا تختلفوا في هذا الأصل؛ ms0814 أما فروع الشرائع ~~فمختلفة، كما قال: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} (¬1) . # {كبر على المشركين} عظم عليهم {ما تدعوهم إليه} من التوحيد، {الله يجتبي ~~إليه من يشاء ويهدي إليه} بالإرشاد والتوفيق {من ينيب(13)} يقبل إليه. # {وما تفرقوا} يعني [الأمم] (¬2) السالفة، {إلا من بعد ما جاءهم العلم} ~~أسباب العلم من الرسل والكتب وغيرهما، فلم يلتفتوا إليها {بغيا بينهم} ~~عداوة أو طلبا للدنيا؛ {ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى} هو القيامة، ~~أو آخر أعمارهم المقدرة، {لقضي بينهم} باستئصال المبطلين. # {وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم} يعني أهل الكتاب الذين كانوا في عهد ~~الرسول، أو المشركين الذين أورثوا القرآن من بعد أهل الكتاب، {لفي شك منه} ~~من كتابهم لا يعلمونه كما هو، ولا يؤمنون به حق الإيمان، أو من القرآن ~~{مريب(14)} مقلق، أو يدخل في الريبة. # [ # ¬__________ # (¬1) - ... سورة المائدة: 48. # (¬2) - ... إضافة من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص122. PageV04P100 # 534] {فلذلك} فلأجل ذلك التفرق، أو الكتاب أو العلم الذي أوتيته {فادع} ~~على الاتفاق على الملة الحنيفية، أو الاتباع لما أوتيت، {واستقم كما أمرت ~~ولا تتبع أهواءهم} الباطلة، {وقل: آمنت بما أنزل الله من كتاب} يعني جميع ~~الكتب المنزلة، لا كالكفرة الذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض، {وأمرت لأعدل ~~بينكم} في تبليغ الشرائع والحكومة، والأول إشارة إلى كمال القوة النظرية، ~~وهذا إشارة إلى كمال القوة العملية، {الله ربنا وربكم} خالق الكل، أو متولي ~~أمره، {لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} فكل منا مجازى بعمله، {لا حجة بيننا ~~وبينكم} لا حجاج، بمعنى: لا خصومة إذ الحق قد ظهر، ولم يبق للمحاجة (¬1) ~~مجال، {الله يجمع بيننا} يوم القيامة، فيميز بين المحق والمبطل، {وإليه ~~المصير(15)} مرجع الكل. # {والذين يحاجون في الله} في دينه، {من بعد ما استجيب له} من بعد ما ~~استجاب له الناس ودخلوا فيه، {حجتهم داحضة عند ربهم} زائلة باطلة، {وعليهم ~~غضب} بمعاندتهم، {ولهم عذاب شديد(16)} على كفرهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «للحاجة»، ولعله يقصد: «للجاجة». «واللجاج ~~واللجاجة: الخصومة». ر: الفيروزآبادي: القاموس، ص186، مادة: «لجج»، وأما ما ~~أثبتناه فمن البيضاوي: المصدر نفسه. PageV04P101 # الله ms0815 الذي أنزل الكتاب بالحق} ملتبسا به بعيدا عن الباطل، أو بما يحق ~~إنزاله من العقائد والأحكام، {والميزان} والشرع الذي يوازن به الحقوق، ~~ويحكم بين الناس، {وما يدريك لعل الساعة قريب(17)} إتيانها، فاتبع الكتاب، ~~واعمل بالشرع، وواظب على العدل، {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها، والذين ~~آمنوا مشفقون منها (¬1) ، ويعلمون أنها الحق} أي: الكائن لا محالة. # {ألا إن الذين يمارون في الساعة} يجادلون فيها، من المرية، {لفي ضلال ~~بعيد(18)} عن الحق، فإن البعث أشبه الغائبات إلى المحسوسات، فمن لم يهتد ~~لتجوزها، فهو أبعد من الاهتداء إلى ما وراءه. {الله لطيف بعباده} يسدي ~~إليهم بصنوف من البر لا تبلغها الأفهام، {يرزق من يشاء} أي: يرزقه كما (¬2) ~~يشاء، فيخص كلا من عباده بنوع من البر، على ما اقتضته حكمته، {وهو القوي ~~العزيز(19)} الباهر القدرة، الممتنع عن الغلبة عما يريده. # {من كان يريد حرث الآخرة} ثوابها؛ شبه بالزرع من حيث إنه فائدة تحصل بعمل ~~الدنيا، ولذلك قيل: «الدنيا مزرعة الآخرة»؛ الحرث في الأصل (¬3) : إلقاء ~~البذر في الأرض، ويقال للزرع الحاصل منه، {نزد له في حرثه} نعطيه بالواحد ~~عشرا إلى سبعمائة فما فوقها؛ {ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها} شيئا ~~منها على ما قسمنا له، {وما له في الآخرة من نصيب(20)} لأن تحصيل المرادين ~~لا يجتمعان. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها، والذين آمنوا ~~مشفقون منها}، وهو سهو. # (¬2) - ... في الأصل: «لما»، ولا معنى له، وصححناه من البيضاوي: تفسير، ~~ج4/ ص123. # (¬3) - ... في الأصل: «والأصل»، وهو خطأ. PageV04P102 # أم لهم شركاء} بل لهم شركاء، والهمزة للتقرير والتقريع؛ وشركاؤهم: ~~شياطينهم، {شرعوا} بالتزيين {لهم من الدين ما لم يأذن به الله}؟ كالشرك ~~وإنكار البعث، والعمل للدنيا؛ وقيل: شركاؤهم أوثانهم، وإضافتها إليهم، ~~لأنهم متخذوها شركاء، وإسناد الشرع إليها، لأنها سبب ضلالتهم، وافتتانهم ~~بما تدينوا به؛ {ولولا كلمة الفصل} [535] أي: القضاء السابق بتأجيل الجزاء، ~~ولوعد بأن الفصل يكون يوم القيامة، {لقضي} الأمر {بينهم} بين الكافرين ~~والمؤمنين، أو المشركين وشركائهم، {وإن الظالمين لهم عذاب أليم(21)}. # {ترى الظالمين} في القيامة ms0816 {مشفقين} خائفين {مما كسبوا} من السيئات، {وهو ~~واقع بهم} أي: وباله لاحق بهم أشفقوا أو لم يشفقوا؛ {والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات في روضات الجنات} في أطيب بقاعها، {لهم ما يشاءون عند ربهم} أي: ~~ما يشتهونه ثابت لهم عند ربهم، {ذلك هو (¬1) الفضل الكبير(22)} الذي يصغر ~~دونه ما لغيرهم في الدنيا؛ {ذلك الذي} أي: الذي ذكره من نعيم الجنة، {يبشر ~~الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات} ذلك الثواب الذي يبشرهم الله به ~~في محياهم، وعند مماتهم وبعثهم. # {قل لا أسألكم عليه} على ما أتعاطاه من التبليغ {أجرا} نفعا دنيويا {إلا ~~المودة في القربى} أي: التقرب إلى الله؛ وقيل: {في القربى}: أن يتقربوا إلى ~~الله على العمل بطاعته، {ومن يقترف حسنة} ومن يكتسب طاعة، {نزد له فيها} في ~~الحسنة {حسنا} بمضاعفة الثواب، {إن الله غفور} لمن تاب، {شكور(23)} لمن ~~أطاع بتوفية الثواب، والتفضل عليه بالزيادة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «هو»، وهو سهو. PageV04P103 # أم يقولون} بل يقولون: {افترى على الله كذبا} افترى محمد بدعوى النبوة، ~~أو القرآن؛ {فإن يشإ الله يختم على قلبك} استبعاد للافتراء عن مثله، ~~بالإشعار على أنه إنما يجترئ عليه من كان مختوما على قلبه، جاهلا بربه، ~~فأما من كان ذا بصيرة ومعرفة فلا؛ وكأنه قال: إن يشأ الله خذلانك لتجترئ ~~بالافتراء عليه؛ وقيل: {يختم على قلبك} يمسك القرآن والوحي عنه (¬1) ، أو ~~يربط (لعله) عليك بالصبر فلا يشق عليك أذاهم، {ويمح الله الباطل ويحق الحق ~~بكلماته، إنه عليم بذات الصدور(24)} استئناف لنفي الافتراء عما يقوله، بأنه ~~لو كان مفترى لمحقه، إذ من صفته تعالى يمحو الباطل ويثبت الحق؛ أو لوعيده ~~بمحق باطلهم وتثبيت حقه بالقرآن. # {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} بالتجاوز عما تابوا عنه والقبول، قيل: ~~التوبة الانتقال عن الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة، {ويعفو عن ~~السيئات} لمن تاب منها، أو عن الصغائر لمن اجتنب الكبائر، {ويعلم ما ~~تفعلون(25)} فيجازي ويتجاوز عن اتقان وحكمة. # {ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي: يستجيب الله لهم؛ والمراد: ~~إجابة الدعاء، والإثابة على الطاعة، فإنها ms0817 دعاء، {ويزيدهم من فضله} على ما ~~سألوا واستحقوا؛ {والكافرون لهم عذاب شديد(26)} في الدارين، بدل ما ~~للمؤمنين من الثواب والتفضل (لعله) فيهما. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الصواب: «عنك»، لأن السياق كله جاء بصيغة المخاطب. PageV04P104 # ولو بسط الله الرزق لعباده} يحتمل هذا لعباده المؤمنين، كما روي: «إن ~~الله يزوي (¬1) عن عبده المؤمن [536] الدنيا، كما يزوي الوالد الشفيق عن ~~ابنه المساوئ» (¬2) ، {لبغوا في الأرض} بالتكبر، أو أفسدوا فيها بطرا، أو ~~لبغى بعضهم على بعض استيلاء واستعلاء؛ قيل: بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة، ~~(لعله) ومركبا بعد مركب؛ {ولكن ينزل بقدر} بتقدير {ما يشاء} (لعله) نظرا ~~منه لعباده كما اقتضت مشيئته، {إنه بعباده خبير بصير(27)} يعلم خفايا أمرهم ~~وجلايا حالهم، فيقدر لهم ما يناسب شأنهم. # {وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته} في كل شيء من السهل ~~والجبل والنبات والحيوان، {وهو الولي} الذي يتولى أمر خلقه، من إيجاد ~~وإمداد، {الحميد(28)} المستحق للحمد على ذلك. # {ومن آياته خلق السماوات والأرض} فإنها بذاتها وصفاتها، تدل على وجود ~~صانع قادر حكيم، {وما بث (¬3) فيهما من دابة} من حي، {وهو على جمعهم إذا ~~يشاء قدير(29)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في اللسان: «زوى الشيء يزويه زيا وزويا فانزوى: نحاه فتنحى» ~~ثم قال: «وزوى الله عني الشر: أي صرفه، وزويت الشيء عن فلان: أي نحيته». ~~ابن منظور: لسان العرب، ج3/ ص66-67، مادة «زوي». # (¬2) - ... لم نعثر عليه في الربيع ولا في الكتب التسعة ولا في الجامع ~~الصغير وزياداته. # (¬3) - ... في الأصل: «يبث»، وهو خطأ. PageV04P105 # وما أصابكم من مصيبة} كانت دنيوية أو دينية، لأنها كأنها مخصوصة ~~بالعاصين، {فبما كسبت أيديكم} بسبب معاصيكم {ويعفو عن كثير(30)} من الذنوب ~~ولا يعاقب عليها؛ وقيل: الآية مخصوصة بالمجرمين، فإن ما أصاب غيرهم فلأسباب ~~أخر، منها: تعريضه للأجر العظيم، والصبر عليه، ويدلك على ذلك قوله: {وما ~~أنتم بمعجزين في الأرض} فائتين ما قضى عليكم من المصائب، {وما لكم من دون ~~الله من ولي} يحرسكم عنه، {ولا نصير(31)} يدفعه عنكم. # {ومن آياته الجوار} السفن الجارية {في البحر كالأعلام(32)} كالجبال؛ {إن ~~يشأ يسكن ms0818 الريح فيظللن رواكد على ظهره} فيبقين ثوابت على ظهر البحر، {إن في ~~ذلك لآيات لكل صبار شكور(33)} لكل من كان همته النظر في آيات الله. {أو ~~يوبقهن} أو يهلكهن {بما كسبوا ويعفو عن كثير(34)}. # {ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص(35)} محيد من العذاب. ~~{فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا} تمتعون به مدة حياتكم، {وما عند ~~الله} من ثواب الآخرة {خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون(36)} بخلوص ~~نفعه ودوامه. # {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، وإذا ما غضبوا هم يغفرون(37)} فلا ~~ينتصرون لأنفسهم، بل يحملون أنفسهم الصبر عن ذلك لله تعالى. {والذين ~~استجابوا لربهم} أجابوا إلى ما دعاهم إليه للقيام بأمر دينه، {وأقاموا ~~الصلاة وأمرهم شورى بينهم} لا يتفردون برأيهم حتى يشاوروا ويجتمعوا عليه، ~~وذلك من فرط تدبرهم، وطلبهم للسلامة، والخوف من العطب، وتيقظهم لعواقب ~~الأمور، {ومما رزقناهم ينفقون(38)} في سبيل الخير، وذلك يقتضي في بذل المال ~~والنفس. # { PageV04P106 والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون(39)} على ما أباحه ~~الله لهم [537] كراهة التذلل مع القدرة على إعزاز الدين لله وأهله. {وجزاء ~~سيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله} عدة مبهمة تدل على عظم ~~الموعود، {إنه لا يحب الظالمين(40)} المبتدئين بالسيئة، والمتجاوزين في ~~الانتقام. {ولمن انتصر بعد ظلمه} بعدما ظلم {فأولئك ما عليهم من سبيل(41)} ~~بالمعاتبة والمعاقبة. {إنما السبيل على الذين يظلمون الناس} يبتدئونهم ~~بالإضرار، ويطلبون ما لا يستحقون تجبرا عليهم، {ويبغون في الأرض بغير الحق ~~أولئك لهم عذاب أليم(42)} على ظلمهم وبغيهم. {ولمن صبر} على الأذى، {وغفر} ~~وعفى عن الانتصار، {إن ذلك لمن عزم الأمور(43)} إن ذلك من ثمرة العزم ~~ونتائجه، والرغبة في الثواب هو من عزم الأمور. # {ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده} من ناصر يتولاه من بعد خذلان الله ~~إياه؛ {وترى الظالمين لما رأوا العذاب} حين يرونه فتراهم على حال ضرير، ~~وذلك عند الموت، أو يوم القيامة، أو في الحالين، {يقولون: هل إلى مرد من ~~سبيل(44)}؟ إلى الدنيا. {وتراهم يعرضون عليها} على ms0819 النار {خاشعين} متذللين، ~~متقاصرين (لعله) بما يلحقهم {من الذل ينظرون من طرف خفي} أي: يبتدئ نظرهم ~~إلى النار من تحريك لأجفانهم، ضعيف كالمصبور ينظر إلى السيف. # { PageV04P107 وقال الذين آمنوا: إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم ~~وأهليهم} لأن أنفسهم وأهليهم لم يريدوا بها وجه الله فيؤجرون {يوم القيامة ~~ألا إن الظالمين في عذاب مقيم(45)} في الدنيا والآخرة، كما أن المؤمنين في ~~نعيم مقيم فيهما، {وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله؛ ومن يضلل ~~الله فما له من سبيل(46)} إلى الهدى والنجاة. # {استجيبوا لربكم} إذ دعاكم لحياتكم الأبدية، {من قبل أن يأتي يوم لا مرد ~~له من الله} وهو عند انقضاء آجالكم لا يمكن رده، {ما لكم من ملجأ يومئذ وما ~~لكم من نكير(47)} إنكار لما اقترفتموه، لأنه مدون في صحائف أعمالكم، تشهد ~~عليكم به ألسنتكم وجوارحكم. {فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا} رقيبا، ~~{إن عليك إلا البلاغ}. # {وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها، وإن تصبهم سيئة بما قدمت ~~أيديهم فإن الإنسان كفور(48)} بليغ الكفران، ينسى النعمة رأسا، ويذكر ~~البلية ويعظمها ولم يتأمل سببها. # {لله ملك السماوات والأرض} فله أن يقسم النعمة والبلية كيف شاء، {يخلق ما ~~يشاء} من غير لزوم، {يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور(49) أو ~~يزوجهم ذكرانا وإناثا} يجمع له بينهما، فيولد له الذكور والإناث، {ويجعل من ~~يشاء عقيما، إنه عليم قدير(50)} فيفعل ما يفعل بحكمة واختيار. # { PageV04P108 وما كان لبشر} وما صح له {أن يكلمه الله إلا وحيا} كلاما ~~خفيا يدرك بسرعة، لأنه تمثيل ليس في ذاته مركبا من حروف مقطعة، {أو من وراء ~~حجاب} قيل: المراد به: الإلهام، والوحي المنزل به الملك إلى الرسل، {أو ~~يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء} قيل: الرسول [538] هو الملك الموحي إلى ~~الرسول، {إنه علي} عن صفات المخلوقين، {حكيم(51)} يفعل ما تقتضيه حكمته. # {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} يعني: ما أوحي إليه، وسماه روحا لأن ~~القلوب تحيى به، {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} قبل الوحي؛ ms0820 وفيه دليل ~~على أن حجة المسموعات لا تقوم إلا بعد البيان بالسمع، {ولكن جعلناه نورا} ~~الكتاب الموحى إليك {نهدي به من نشاء من عبادنا} بالتأمل والنظر فيه، ~~والإيمان به، {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم(52)} هو الحق. {صراط الله الذي ~~له ما في السماوات وما في الأرض} خلقا وملكا؛ {ألا إلى الله تصير ~~الأمور(53)} بارتفاع الوسائط؛ وفيه وعد للمؤمنين ووعيد لمن عداهم. # - - - # سورة الزخرف # بسم الله الرحمن الرحيم # {حم(1) والكتاب المبين(2) إنا جعلناه قرآنا عربيا} أقسم بالقرآن على أنه ~~جعل قرآنا عربيا، وهو من البدائع لتناسب القسم والمقسم عليه؛ ولعل الإقسام ~~بالأشياء استشهاد بما فيها من الدلالة على المقسم عليه، والقرآن من حيث إنه ~~معجز، مبين طرق الهدى وما يحتاج إليه في الديانة، {لعلكم تعقلون(3)} لكي ~~تفهموا معانيه. # { PageV04P109 وإنه في أم الكتاب} قيل: هو اللوح المحفوظ، فإنه أصل الكتب ~~السماوية، {لدينا} محفوظا عندنا، {لعلي} رفيع الشأن في الكتب، لكونه معجزا، ~~{حكيم(4)} ذو حكمة بالغة، يخبر عن منزلته وشرفه؛ إن كذبتم به أيها الناس ~~فإنه عندنا لعلي رفيع شريف. {أفنضرب عنكم الذكر صفحا}؟ أفنذوده ونبعده ~~عنكم؟ مجاز من قولهم (¬1) ضرب الغرائب عن الخوض، أي: نهملكم فنضرب عنكم ~~الذكر؛ وصفحا: مصدر، فإن تنحية الذكر عنهم إعراض؛ والمراد: إنكار أن يكون ~~على خلاف ما ذكر من إنزال الكتب على لغتهم ليفهموه، {أن كنتم قوما ~~مسرفين(5)} أي: لأن كنتم، وهي في الحقيقة علة مقتضية لترك الإعراض؛ وقد ~~كانوا مسرفين على القطع، متجاوزين حدود الله، أن لو أهملوا ولم ينزل عليهم ~~الذكر؛ ويحتمل ذلك في المسرفين، أي: من أسرف فنضرب عنه الذكر، أي: عن فهمه، ~~كما قال: {وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا} (¬2) . # {وكم أرسلنا من نبي في الأولين(6) وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به ~~يستهزءون(7)} تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن استهزاء قومه، ~~لأنه ما [من] رسول ولا نبي يسلم من استهزاء قومه. {فأهلكنا أشد منهم بطشا} ~~أي: أقوى من قومك، يعني: الأولين الذين أهلكوا، {ومضى مثل الأولين(8)} وسلف ms0821 ~~في القرآن قصتهم العجيبة؛ وفيه وعد للرسول، ووعيد لهم بمثل ما جرى على ~~الأولين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «قلولهم»، وهو خطأ. # (¬2) - ... سورة الأنعام: 25. وسورة الإسراء: 46. PageV04P110 # ولئن سألتهم: من خلق السماوات والأرض؟ ليقولن: خلقهن العزيز العليم(9)} ~~إقرارا منهم بذلك. {الذي جعل لكم الأرض مهدا} فتستقرون فيها، {وجعل لكم ~~فيها سبلا} تسلكونها، {لعلكم [539] تهتدون(10)} أي: لكي تهتدوا إلى ~~مقاصدكم، أو إلى حكمة الصانع بالنظر في ذلك. {والذي نزل من السماء ماء ~~بقدر} بمقدار، على ما تقتضيه حكمته، {فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك} مثل ذلك ~~الإنشار {تخرجون(11)} تنشرون من قبوركم. # { PageV04P111 والذي خلق الأزواج كلها} أصناف المخلوقات، {وجعل لكم} ~~(لعله) من أصنافها، {من الفلك والأنعام ما تركبون(12) لتستووا على ظهوره، ~~ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه} تذكرونها بقلوبكم، معترفين بها، ~~حامدين عليها، {وتقولوا: سبحان الذي سخر لنا هذا} وينبغي أن يذكر نعمة الله ~~في كل شيء أنعم به عليه، ويقول هكذا، {وما كنا له مقرنين(13)} مطيقين؛ من ~~أقرن الشيء: إذا أطاقه، وحقيقة “أقرنه”: وجده قرينه وما يقرن به، لأن القوي ~~لا يقرن بالضعيف (¬1) ، {وإنا إلى ربنا لمنقلبون(14)} أي: راجعون؛ واتصاله ~~بذلك، لأن الركوب للنقل، والنقلة العظمى هو الانقلاب إلى الله تعالى، أو ~~لأنه مخطر، فينبغي للراكب أن لا يغفل عنه، ويستعد للقاء الله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في اللسان: «وأقرن له وعليه: أطاق وقوي عليه واعتلى... قال: ~~واشتقاقه من قولك: أنا لفلان مقرن، أي مطيق، وأقرنت فلانا أي صرت له ~~قرنا... قال ابن هانئ: المقرن: المطيق، والمقرن: الضعيف». وفي الكشاف: ~~«وحقيقة “أقرنه”: وجده قرينته وما يقرن به، لأن الصعب لا يكون قرينة ~~للضعيف». ولم تتضح لنا هذه العبارة لتفسير الآية، وقد تناقلها بعض المفسرين ~~بحرفيتها، مثل البيضاوي، أبي السعود، الألوسي. انظر: الزمخشري: الكشاف، ~~4/189. البيضاوي: تفسير، ج4/ ص127. أبو السعود: تفسير، مج4/ ج8/ ص41. ~~الألوسي: روح المعاني، ج24/ ص69. وانظر: ابن منظور: لسان العرب، ج5/ ص76، ~~مادة «قرن». PageV04P112 # وجعلوا له من عباده} أي: من خلقه {جزءا} أي: شركاء، أي: جعلوا له بعد ~~الاعتراف؛ {إن الإنسان لكفور مبين(15)} ms0822 ظاهر الكفران، ومن ذلك نسبة الولد ~~إلى الله، لأنها من فرط الجهل به، والتحقير لشأنه. {أم اتخذ مما يخلق بنات ~~وأصفاكم} أخلصكم {بالبنين(16)} معنى الهمزة: للإنكار والتعجب من شأنهم. # {وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا} بالجنس الذي جعله مثلا، إذ الولد ~~لا [بد] أن يماثل الوالد، {ظل وجهه مسودا} لما يعتريه من الكآبة، {وهو ~~كظيم(17)} مملوء قلبه من الكدر؛ وفي ذلك دلالات على فساد ما قالوه. {أومن ~~ينشأ في الحلية} أي: أو جعلوا له، أي: اتخذوا من يتربى في الحلية، أي: ~~الزينة، يعني: البنات، {وهو في الخصام} في المجادلة {غير مبين(18)} أي: إذا ~~احتاج إلى مخاصمة الرجال كان غير مبين، ليس عنده بيان، ولا يأتي ببرهان يحج ~~به من خاصمه، وذلك لضعف عقول النساء؛ قيل: قل ما تتكلم المرأة بالحجة لها ~~إلا تكلمت بالحجة عليها. # {وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا} كفر آخر تضمنته مقالتهم، ~~وهو جعلهم أكمل العباد وأكرمهم على الله، أنقصهم رأيا، وأخسهم صنفا، ~~{أشهدوا خلقهم} أحضروا خلق إناثهم فشاهدوهم إناثا، فإن ذلك مما يعلم ~~بالمشاهدة، وهو تجهيل وتهكم بهم، {ستكتب شهادتهم} التي شهدوا بها على ~~الملائكة، {ويسألون(19)} عنها يوم القيامة، وهو وعيد. # { PageV04P113 وقالوا: لو شاء الرحمن ما عبدناهم} زعموا أن عبادتهم ~~بمشيئة الله كما قالوا (¬1) إخوانهم المجبرة؛ ثم كذبهم الله تعالى بقوله: ~~{ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون(20)} يكذبون. {أم آتيناهم كتابا من ~~قبله} من قبل القرآن، أو ادعائهم ينطق على صحة ما قالوا، {فهم به ~~مستمسكون(21) بل قالوا} بل لا حجة لهم إلا قولهم: {إنا وجدنا آباءنا على ~~أمة [540] وإنا على آثارهم مهتدون(22)} أي: لا حجة لهم عقلية ولا نقلية، ~~وإنما جنحوا فيه إلى تقليد آبائهم الجهلة؛ والأمة: الطائفة التي تؤم، وذلك ~~لحبهم الإلف والعادة، وحب استصحابهما وكراهية فراقهما. # {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها} الذين ~~أترفتهم النعمة، أي: بطرتهم فآثروا الترفه على طلب الحجة، وعافوا مشاق ~~التكليف، وكل فريق يقلد أسلافه فيما تهوى نفسه، ms0823 إلا الذين آمنوا. {إنا ~~وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون(23)} تسلية لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ، ودلالة على أن التقليد في نحو ذلك ضلال قديم. # {قال: أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم}؟ أي: أتتبعون آباءكم ولو ~~جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم؟ {قالوا: إنا بما أرسلتم به كافرون(24)} أي: ~~وإن كان أهدى، إقناطا للتدبر [و]من أن ينظروا ويتفكروا فيه. {فانتقمنا ~~منهم} بالاستئصال، {فانظر كيف كان عاقبة المكذبين(25)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... على لغة “أكلوني البراغيث” وهي ضعيفة، والأصوب: «كما قال». PageV04P114 # وإذ قال إبراهيم} واذكر وقت قوله هذا، ليروا كيف تبرأ عن التقليد، وتمسك ~~بالدليل؛ أو ليقلدوه إن لم يكن لهم بد من التقليد، لأنه مشروع تقليده ~~وأمثاله، {لأبيه وقومه: إنني براء} أي: بريء {مما تعبدون(26)} بريء من ~~عبادتكم ومعبودكم. {إلا الذي فطرني} أي: إنني براء من آلهة تعبدونها غير ~~الذي فطرني، {فإنه سيهدين(27)} سيثبتني على الهداية، أو سيهديني إلى ما ~~وراء ما هداني. {وجعلها} وجعل إبراهيم أو الله كلمة التوحيد {كلمة باقية في ~~عقبه} في ذريته، فيكون فيهم أبدا من يوحد الله، ويدعو إلى توحيده، {لعلهم ~~يرجعون(28)} يرجع من أشرك بدعاء من وحد. # {بل متعت هؤلاء وآباءهم} بالمد في العمر والنعمة، فاغتروا بذلك وانهمكوا ~~في الشهوات {حتى جاءهم الحق} دعوة التوحيد أو القرآن، {ورسول مبين(29)} ~~ظاهر الرسالة بما له من المعجزات، أو مبين للتوحيد بالحجج والآيات. {ولما ~~جاءهم الحق قالوا: هذا سحر} كذب مختلق، {وإنا به كافرون(30)} مكذبون. # {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين} من إحدى القريتين ~~{عظيم(31)} بالجاه والمال أو الجسم، فإن الرسالة منصب عظيم لا يليق إلا ~~لعظيم، ولم يعلموا أنها رتبة روحانية تستدعي عظم النفس بالتحلي بالفضائل، ~~والتخلي عن الرذائل، لا بالزخارف الدنيوية، وذلك من عظم ما بهم من الكبر ~~والحسد. # { PageV04P115 أهم يقسمون رحمة ربك}؟ إنكار فيه تجهيل وتعجب من حكمهم ~~ومقالهم، والمراد بالرحمة: النبوة، {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة ~~الدنيا} وهم عاجزون عن تدبيرها وهو أمر دنيا، فمن أين لهم أن ms0824 يدبروا أمر ~~النبوة التي هي أعلى المراتب؟ {ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات} [541] ورفعنا ~~(¬1) بينهم التفاوت في الرزق وغيره، {ليتخذ بعضهم بعضا سخريا} يستعمل بعضهم ~~بعضا في حوائجهم، فيحصل بينهم تآلف وتضام، ينتظم بذلك نظام العالم لا لكمال ~~في الموسع عليه، ولا لنقص في المقتر عليه، ثم لا اعتراض لهم علينا، فكيف ~~يكون فيما هو أعلى منه؟! {ورحمة ربك} يعني: النبوة والعلم وجزاءهما {خير ~~مما يجمعون(32)} من حطام الدنيا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الصواب ما ذكره البيضاوي: «وأوقعنا». البيضاوي: تفسير، ج4/ ص130. PageV04P116 # ولولا أن يكون الناس أمة واحدة} لولا أن يرغبوا في الكفر إذا رأو الكفار ~~في سعة وتنعم لحبهم الدنيا، فيجتمعوا عليه، {لجعلنا لمن يكفر بالرحمن ~~لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج} (لعله) مراقي ومصاعد {عليها يظهرون(33) ~~ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون(34) وزخرفا} وزينة، {وإن كل ذلك} ~~ويقتضي ذلك ما يعمل ويؤجر بالفضة أو الذهب وغيرهما، من جميع الزيون (¬1) ، ~~ما خرج عن حد الحاجة، {لما متاع الحياة الدنيا، والآخرة عند ربك ~~للمتقين(35)} من الكفر والمعاصي، وفيه دلالة على أن العظيم هو العظيم في ~~الآخرة لا في الدنيا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... يبدو لي والله أعلم أنه على وزن «الديون»، ومفرده «الدين». ~~فيكون «الزيون» جمع «الزين» وهو خلاف الشين، إلا أن مصادر اللغة لم تذكر ~~لنا هذا الجمع، إذ قال في القاموس: «والزين ضد الشين، ج: أزيان». أو لعل ~~المصنف يقصد «الزونة»، قال في اللسان: «والزينة والزونة: اسم جامع لما تزين ~~به». ابن منظور: لسان العرب، ج3/ ص73، مادة «زين». الفيروزآبادي: القاموس، ~~ص1085، مادة: «زين». PageV04P117 # ومن يعش عن ذكر الرحمن} يتعامى ويعرض عنه، لفرط اشتغاله بالمحسوسات، ~~وانهماكه في الشهوات، {نقيض له} نضم إليه {شيطانا} يوسوسه ويغويه دائما، ~~{فهو له قرين(36)} لا يفارقه، ومن تفسير آخر: {ومن يعش}: يتعام (¬1) (لعله) ~~بالهوى {عن ذكر الرحمن} عما أمر به ونهى عنه، ولو في حرف واحد، {نقيض} نجعل ~~(لعله) له شيطانا يزين له ما تعامى عنه، لأن الحب للشيء (لعله) يعمي ويصم؛ ~~{وإنهم ليصدونهم عن السبيل} عن الطريق الذي من حقه أن ms0825 يسبل {ويحسبون أنهم ~~مهتدون(37)}. # {حتى إذا جاءنا} هو وقرينه، {قال: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين} بعد ~~المشرق من المغرب فيما قيل، {فبئس القرين(38) ولن ينفعكم اليوم} أي: ما ~~أنتم عليه من التمني، {إذ ظلمتم} أنفسكم في الدنيا، {أنكم في العذاب ~~مشتركون(39)} لأن حقكم أن تشتركوا وشياطينكم في العذاب كما كنتم مشتركين في سببه. # {أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي} إنكار تعجب من أن يكون هو الذي يقدر على ~~هدايتهم بعد انهماكهم في الكفر، واستغراقهم في الضلال، صار عشاهم عمى ~~ومقرونا بالصمم. كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتعب نفسه في دعاء ~~قومه، وهم لا يزدادون إلا بعدا، {ومن كان في ضلال مبين(40)}. # {فإما نذهبن بك} أي: فإن قبضناك قبل أن نبصرك عذابهم، {فإنا منهم ~~منتقمون(41)} لهم عذاب (¬2) في الدنيا والآخرة. {أو نرينك الذي وعدناهم} أو ~~إن أردنا أن نريك ما وعدناهم من العذاب، {فإنا عليهم مقتدرون(42)} لا ~~يفوتونا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يتعامى»، وهو خطأ من الناسخ. # (¬2) - ... الأصوب: «{منقمون} بعذاب...» كما عند البيضاوي: تفسير، ج4/ ص131. PageV04P118 # فاستمسك بالذي أوحي إليك} من الآيات والشرائع، {إنك على صراط مستقيم(43)} ~~وطوبى لمن شهد له ربه بذلك، ومن أراد أن يشهد له كما شهد له [542] فيسلك ~~طريقته ويمتثل (¬1) أمره. {وإنه} أي: القرآن {لذكر لك} لشرف لك {ولقومك} ~~أي: هو ذكر لأمر دينكم ودنياكم، فلا تميلوا إلى غيره، واثبتوا عليه، {وسوف ~~تسألون(44)} في القيامة عن القيام بحقه، وأداء شكره. # {واسأل من أرسلنا من (¬2) قبلك من رسلنا} أي: تفحص عن نبئهم من الكتاب، ~~{أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون(45)}؟ هل حكمنا بعبادة الأوثان؟ وهل ~~جاءت في ملة من مللهم، أو في خبر من أخبارهم الصحيحة الصادقة؟؛ والمراد به: ~~الاستشهاد بإجماع الأنبياء وتابعيهم على التوحيد، دون عبادة الأوثان ~~والأهوية والأنفس والشياطين. # {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال: إني رسول رب ~~العالمين(46)} يريد باقتصاصه تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ~~ومناقضة قولهم: {لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} والاستشهاد ~~بدعوة موسى إلى ms0826 التوحيد؛ {فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون(47)} ~~استهزاء من حيث إنهم أعرضوا ولم يتأملوا فيها. {وما نريهم من آية إلا هي ~~أكبر من أختها} أي: وهي بالغة أقصى درجات الإعجاز، يحسب الناظر فيها أنها ~~أكبر مما يقاس إليها من الآيات، وقيل: إلا وهي مختصة بنوع من الإعجاز، ~~مفضلة على غيرها بذلك الاعتبار، {وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون(48)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لعل الصواب: «فليسلك طريقته، وليمتثل أمره». # (¬2) - ... في الأصل: - «من»، وهو سهو. PageV04P119 # وقالوا: يا أيها الساحر} نادوه بذلك في تلك الحال، لشدة شكيمتهم وفرط ~~حماقتهم؛ وقيل: الساحر معهم: العالم الكامل الحاذق، {ادع لنا ربك بما عهد ~~عندك} بعهده عندك النبوة، أو من أن يستجيب دعوتك، {إننا لمهتدون(49) فلما ~~كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون(50)} ينقضون عهدهم. # {ونادى فرعون في قومه} في مجمعهم {قال: يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه ~~الأنهار تجري من تحتي} من تحت قصري، أو أمري، أو بين يدي في جناتي، {أفلا ~~تبصرون(51)} ذلك؟ {أم أنا خير} مع هذه المملكة والسلطنة، {من هذا الذي هو ~~مهين} ضعيف حقير لا يستعد للرئاسة؛ من المهانة: وهي القلة، {ولا يكاد ~~يبين(52)} الكلام لما به من اللكنة، فكيف يصلح للرسالة؟ {فلولا ألقي عليه ~~أسورة من ذهب} أي: فهلا ألقي عليه مقاليد الملك إن كان صادقا؛ إذ كانوا إذا ~~قدموا رجلا سوروه وطوقوه بطوق من ذهب، {أو جاء معه الملائكة مقترنين(53)} ~~مقرونين متتابعين، يتابع بعضهم بعضا يشهدون له بصدقه، ويعينونه على أمره. ~~{فاستخف قومه} فطلب منهم الخفة في مطاوعته، {فأطاعوه} فيما أمرهم به، {إنهم ~~كانوا قوما فاسقين(54)} فلذلك أطاعوه. # {فلما آسفونا} أغضبونا بالإفراط في العناد والعصيان، منقول من أسف: إذا ~~اشتد غضبه، {انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين(55) فجعلناهم سلفا} قدوة لمن ~~بعدهم من الكفار، يقتدون بهم في الاستحقاق مثل أعقابهم (¬1) ؛ وقيل: ~~فجعلناهم متقدمين يتعظ بهم الآخرون، {ومثلا [543] للآخرين(56)} عبرة وعظة، ~~{ومثلا للآخرين} أي: عظة لهم، أو قصة عجيبة تسير مسير الأمثال لهم، فيقال: ~~مثلكم مثل قوم فرعون. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الصواب ما ذكره البيضاوي: «في استحقاق مثل عقابهم». ms0827 تفسير، ~~ج4/ ص132. PageV04P120 # ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون(57) وقالوا أآلهتنا خير أم هو ~~ما ضربوه لك إلا جدلا} ما ضربوا هذا المثل إلا لأجل الجدل، أو الخصومة ~~بالباطل، لا لتمييز الحق من الباطل، {بل هم قوم خصمون(58)} شداد الخصومة، ~~حراص على اللجاج والمحاجة. {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه} آية وعبرة ~~لبني إسرائيل، أمرا عجيبا (لعله) يعرفون به قدره كالمثل السائر {لبني ~~إسرائيل(59)} وهو الجواب المزيح لتلك الشبهة. # {ولو نشاء لجعلنا منكم} لولدنا منكم يا رجال، كما ولدنا عيسى من غير أب، ~~أو لجعلنا بدلكم {ملائكة في الأرض يخلفون(60)} يخلفونكم في الأرض؛ والمعنى: ~~أن حال عيسى وإن كانت عجيبة فإنه تعالى قادر على ما هو أعجب من ذلك. # {وإنه لعلم للساعة} قيل: الضمير للقرآن فإن فيه الإعلام بإتيان الساعة، ~~والدلالة عليها، {فلا تمترن بها} فلا تشكوا فيها، {واتبعون} واتبعوا هداي ~~وشرعي؛ وقيل: [هو] قول الرسول أمر أن يقوله، {هذا} الذي أدعوا إليه، {صراط ~~مستقيم(61)} لا يضل سالكه، لاستقامته على المقصود، {ولا يصدنكم} لا يصرفنكم ~~{الشيطان} عن سلوك دين الله، {إنه لكم عدو مبين(62)} بين العداوة لكم. # {ولما جاء عيسى بالبينات} بالمعجزات الدالة الواضحة، {قال: قد جئتكم ~~بالحكمة} بالشرائع، {ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه} وهو ما يكون من أمر ~~الدين، {فاتقوا الله وأطيعون(63) إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه} بيان لما ~~أمرهم بالطاعة فيه، وهو اعتقاد التوحيد، والتعبد بالشرائع، {هذا صراط ~~مستقيم(64)}. # { PageV04P121 فاختلف الأحزاب} الفرق المتحزبة {من بينهم، فويل للذين ~~ظلموا من عذاب يوم أليم(65) هل ينظرون إلا الساعة} الموت، أو القيامة؛ ~~والمعنى: هل ينظرون إلا قيام الساعة الصغرى، أو الكبرى {أن تأتيهم بغتة} ~~فجأة، {وهم لا يشعرون(66)} لا يعلمون بإتيانها حينما تأتيهم، ولو حل بهم ~~مرض فإنهم يحسبونه كالمرض السابق لهم، وذلك لطول أملهم، وفرط غفلتهم وحبهم ~~للدنيا. # {الأخلاء} الأصدقاء {يومئذ بعضهم لبعض عدو} أي: يتعادون يومئذ لانقطاع ~~العلائق بينهم، {إلا المتقين(67)} فإن خلتهم لما كانت في الله تبقى نافعة ~~أبد الآباد. # {يا عباد ms0828 لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون(68)} حكاية لما ينادى به ~~المتقون المتحابون في الله. {الذين آمنوا بآياتنا} بحججنا من حيث جاءتهم، ~~{وكانوا مسلمين(69) ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم} نساؤكم المؤمنات، ~~{تحبرون(70)} تسرون سرورا يظهر حباره أي: أثره على وجوهكم. {يطاف عليهم ~~بصحاف من ذهب وأكواب، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين} بمشاهدته، ~~{وأنتم فيها خالدون(71)} فإن النعم وإن حلت موجبة للتحسر [544] إذا زالت، ~~ولا تتم نعمة إلا بدوامها. {وتلك الجنة التي أورثتموها} شبه جزاء العمل ~~بالميراث، لأنه يخلفه عليه المعمول له (¬1) ، {بما كنتم تعملون(72) لكم ~~فيها فاكهة كثيرة} من حيث لا تحصى، {منها تأكلون(73)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... العبارة غير واضحة، وفي تفسير البيضاوي: «لأنه يخلفه عليه ~~العامل». وتوضيحها عند الألوسي: «وقد شبه ما استحقوه بأعمالهم الحسنة من ~~الجنة ونعيمها الباقي لهم بما يخلفه المرء لوارثه من الأملاك والأرزاق». ~~البيضاوي: تفسير، ج4/ ص132. الألوسي: روح المعاني، ج25/ ص101. PageV04P122 # إن المجرمين} الكاملين في الإجرام {في عذاب جهنم خالدون(74)} {لا يفتر ~~عنهم} لا يخفف عنهم؛ من فترت الحمى عنه: إذا سكنت قليلا، {وهم فيه ~~مبلسون(75)} آيسون من النجاة. {وما ظلمناهم} وما عاملناهم معاملة ظلم، ~~{ولكن كانوا هم الظالمين(76)}. # {ونادوا: يا مالك، ليقض علينا ربك}! والمعنى: سل ربك أن يقضي علينا؛ من ~~قضى عليه: إذا أماته، وهو لا ينافي إبلاسهم، فإنه تمن (¬1) للموت من فرط ~~الشدة، {قال إنكم ماكثون(77)} لا خلاص لكم بموت ولا غيره، {لقد جئناكم ~~بالحق} بالإرسال والإنذار، {ولكن أكثركم للحق كارهون(78)} لما في اتباعه من ~~إتعاب النفس، وآداب الجوارح. # {أم أبرموا أمرا} في الحق ورده ولم يقتصر على كراهته، {فإنا مبرمون(79)} ~~أمرا في مجازاتهم، إن كادوا شرا كدناهم شرا. {أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ~~ونجواهم، بلى، ورسلنا لديهم يكتبون(80)}. # {قل: إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين(81)} معناه: إن كان له ولد في ~~زعمكم، فأنا أول العابدين لله، الموحدين له. {سبحان رب السماوات والأرض رب ~~العرش عما يصفون(82)} عن كونه ذا ولد. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «تمني»، والصواب ما أثبتناه من البيضاوي: تفسير، ms0829 ~~ج4/ ص134. PageV04P123 # فذرهم يخوضوا} في باطلهم، {ويلعبوا} في دنياهم، {حتى يلاقوا يومهم الذي ~~يوعدون(83)} وهو يوم تقبض فيه أرواحهم. {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض ~~إله} مستحق بأن يعبد فيهما؛ والدليل على أن كونه في السماء بمعنى الألوهية ~~دون الاستقرار... (¬1) وفيه نفي الآلهة السماوية والأرضية، واختصاصه ~~باستحقاق الإلهية، {وهو الحكيم العليم(84)}. # {وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما، وعنده علم الساعة، ~~وإليه ترجعون(85)} للجزاء. {ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة} كما ~~زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله، {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون(86)} ما شهدوا ~~به يقينا، كما شهدوا أنه لا يعتريهم شك فيما شهدوا به، وهؤلاء خلاف ~~المقلدين. # {ولئن سألتهم: من خلقهم}؟ سألت العابدين أو المعبودين، {ليقولن: الله} ~~لتعذر المكابرة من بيان ظهوره، {فأنى يؤفكون(87)} يصرفون عن عبادته إلى ~~عبادة غيره؛ وهذه غلطة عظيمة من حيث إنهم عبدوا غير خالقهم، وهم مقرون به ~~أنه (¬2) خالقهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في العبارة سقط واضح. إذ أين هو خبر المبتدإ في قوله: ~~«والدليل على أن كونه في السماء...» إلخ. ولتوضيح مقصد المصنف نورد عبارة ~~الزمخشري: «{في السماء} صلة “الذي”. و“إله” خبر مبتدإ محذوف، على أن الجملة ~~بيان للصلة، وأن كونه في السماء على سبيل الإلهية والربوبية لا على معنى ~~الاستقرار». الزمخشري: الكشاف، 4/211. # (¬2) - ... في الأصل: «أنهم»، وهو خطأ. PageV04P124 # وقيله} وقول الرسول شاكيا لربه: {يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون(88)}. ~~فأجابه الله وقال له: {فاصفح عنهم} ولا تمارهم، ولا تجادلهم، وصاحبهم في ~~الدنيا معروفا، بدليل قوله: {وقل: سلام} تسلم منهم، مع سلامة دينك، {فسوف ~~يعلمون(89)} تسلية للرسول، وتهديد لهم. # - - - - # سورة الدخان # بسم الله الرحمن الرحيم # {حم(1) والكتاب [545] المبين(2) إنا أنزلناه في ليلة مباركة} قيل: في ~~ليلة القدر؛ وبركتها لذلك، فإن نزول القرآن سبب المنافع الدينية والدنيوية، ~~أو لما فيها من نزول الملائكة والرحمة وإجابة الدعوة، وقسم النعمة، وفصل ~~الأقضية، ولتضاعف فضلها على سائر الليالي، لقوله: {خير من ألف شهر} (¬1) ~~{إنا كنا منذرين(3) فيها يفرق كل أمر حكيم(4)} فإن كونها مفرق الأمور ~~المحكمة، ms0830 أو الملبسة بالحكمة، تستدعي أن ينزل فيها القرآن الذي هو من ~~عظائمها. {أمرا من عندنا} أي: أعني بهذا الأمر أمرا حاصلا من عندنا على ~~مقتضى حكمتنا، وهو مزيد تفخيم الأمر، {إنا كنا مرسلين(5)}. # {رحمة من ربك} أي: أنزلنا القرآن لأن إنزاله من حكمتنا رحمة للعباد، ~~{إنه هو السميع العليم(6)} يسمع أقوال العباد ويعلم أحوالهم. {رب السماوات ~~والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين(7)} أي: إن كنتم من أهل الإيقان في ~~العلوم. {لا إله إلا هو} إذ لا خالق سواه، ولا يستحق العبادة سواه، {يحيي ~~ويميت} كما تشاهدون {ربكم ورب آبائكم الأولين(8)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة القدر: 3. PageV04P125 # بل هم في شك يلعبون(9)} لأن الشك في الألوهية يقتضي اللعب، ومع التصديق ~~فليس له مجال. {فارتقب} فانتظر لهم {يوم تأتي السماء بدخان مبين(10)} فيه ~~كرب عظيم، فإن المكروب يرى على بصره كالدخان من ضعف بصره. {يغشى الناس هذا} ~~يحيط بهم، ويغطيهم {عذاب أليم(11)} (¬1) يحتمل في أحوال الموت، يحيط به هذا ~~العذاب. # {ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون(12) أنى لهم الذكرى} من أين لهم ~~التذكرة، وكيف يتذكرون وهم بهذه الحال، كقوله: {حتى إذا جاءهم الموت، قال: ~~رب ارجعون} (¬2) {وقد جاءهم رسول مبين(13) ثم تولوا عنه وقالوا معلم ~~مجنون(14)}. # {إنا كاشفوا (¬3) العذاب قليلا} أي: زمانا قليلا، {إنكم عائدون(15)} وذلك ~~بالتقدير أن لو كشف عنهم العذاب قليلا لعادوا لما نهوا عنه. {يوم نبطش ~~البطشة الكبرى} يوم القيامة، {إنا منتقمون(16)} من كل ظالم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... من الأحسن أن يؤخر اسم الإشارة إلى هذا المقطع الأخير من ~~الآية ولا يفصل بين اسم الإشارة والمشار إليه. # (¬2) - ... سورة المؤمنون: 99. # (¬3) - ... في الأصل: «كاشف»، وهو خطأ. PageV04P126 # ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون} امتحناهم بإرسال موسى - عليه السلام - ، أو ~~متعناهم في الفتنة، بإمهال وتوسيع الرزق، {وجاءهم رسول كريم(17)} لفضله، ~~وفضل ما أتاهم به. {أن أدوا إلي عباد الله} بأن أدوهم إلي وأرسلوهم معي، أو ~~بأن أدوا إلي حق الله من الإيمان وقبول الدعوة، {إني لكم رسول أمين(18)} ~~غير متهم، لدلالة المعجزات على صدقه، أو لائتمان الله إياه على ms0831 وحيه. {وأن ~~لا تعلوا على الله} ولا تتكبروا عليه بالاستهانة بوحيه ورسوله، {إني آتيكم ~~بسلطان مبين(19) وإني عذت بربي وربكم} التجأت إليه وتوكلت عليه، {أن ~~ترجمون(20)} أن تؤذوني ضربا أو شتما، أو أن تقتلوني. {وإن لم تؤمنوا لي ~~فاعتزلون(21)} فكونوا بمعزل مني، لا علي ولا لي، ولا تتعرضوا علي بشر، فإنه ~~ليس جزاء من دعاكم لما فيه فلاحكم. # {فدعا ربه} بعدما [546] كذبوه، {أن هؤلاء قوم مجرمون(22)} وهو تعريض ~~بالدعاء عليهم بذكر ما استوجبوه به. {فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون(23)} ~~يتبعكم فرعون وجنوده إذا علموا بخروجكم. {واترك البحر رهوا} مفتوحا، ذا ~~فجوة، أو ساكنا، {إنهم جند مغرقون(24)}. # {كم تركوا} كثيرا تركوا {من جنات وعيون(25) وزروع ومقام كريم(26)} محافل ~~حسنة، ومنازل مزينة {ونعمة كانوا فيها فاكهين(27) كذلك (¬1) وأورثناها قوما ~~آخرين(28)} ليسوا منهم في شيء. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - {ونعمة كانوا فيها فاكهين(27) كذلك}، وهو سهو. PageV04P127 # فما بكت عليهم السماء والأرض} مجاز عن عدم الاكتراث بهلاكهم، والاعتداد ~~بوجودهم؛ كقولهم: بكت عليهم السماء، وكسفت بمهلكه الشمس في نقيض ذلك؛ ومنه ~~ما روي في الأخبار: «إن المؤمن ليبكي عليه مصلاه، وموضع عبادته، ومصعد ~~عمله، ومهبط رزقه» (¬1) ؛ وقيل تقديره: فما بكت عليهم أهل السماء والأرض، ~~{وما كانوا منظرين(29)} ممهلين إلى وقت آخر لتوبة ولا غيرها. # {ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين(30)} من استعباد قومه، وقتله ~~أبناءهم. {من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين(31)} في العتو والشرارة. ~~{ولقد اخترناهم} أي: بني إسرائيل {على علم} عالمين بأنهم أحقاء بذلك، {على ~~العالمين(32)} على عالمي زمانهم. {وآتيناهم من الآيات} كفلق البحر ونحوه، ~~{ما فيه بلاء مبين(33)} نعمة جليلة، أو اختبار ظاهر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من مصادر التخريج، وقد أشار ~~إليه الزمخشري وأسنده إلى ابن عباس. وعزاه الألوسي إلى ابن المنذر عن علي ~~كرم الله وجهه. وأخرج البغوي في تفسيره بسنده عن أنس بن مالك رواية عن بكاء ~~مصعد عمل المؤمن ومهبط رزقه. البغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء ~~البغوي الشافعي: تفسير البغوي، المسمى: معالم التنزيل، ms0832 إعداد وتحقيق: خالد ~~عبد الرحمن العك، مروان سوار، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1406ه/1986م. ج4/ ~~ص152. الزمخشري: الكشاف، 4/219. الألوسي: روح المعاني، ج25/ ص125. PageV04P128 # إن هؤلاء} كفار قوم محمد - صلى الله عليه وسلم - ، لأن الكلام فيهم، وقصة ~~فرعون وقومه (¬1) مسوقة للدلالة على أنهم مثلهم في الإصرار على الضلالة، ~~والإنذار عن مثل ما حل بهم، {ليقولون(34) إن هي إلا موتتنا الأولى} ما ~~العاقبة ونهاية الأمر إلا الموتة الأولى، المزيلة للحياة الدنيوية، {وما ~~نحن بمنشرين(35) فأتوا بآبائنا} خطاب لمن وعدهم بالنشور من الرسول ~~والمؤمنين، {إن كنتم صادقين(36) أهم خير} في القوة والمنعة {أم قوم تبع}؟ ~~أي: ليسوا خيرا منهم، {والذين من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين(37)}. # {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين(38) ما خلقناهما إلا ~~بالحق} إلا بسبب الحق الذي اقتضاه الدليل من الإيمان، والطاعة والبعث ~~والجزاء، {ولكن أكثرهم لا يعلمون(39)} لقلة نظرهم. # {إن يوم الفصل} فصل الحق من الباطل، {ميقاتهم} وقت موعدهم {أجمعين(40) ~~يوم لا يغني مولى} (لعله) أي: قريب عن قريب، من قرابة ولا غيرها، {عن مولى ~~شيئا} من الإغناء، {ولا هم ينصرون(41)} الضمير ل«مولى» الأول باعتبار ~~المعنى. {إلا من رحم الله} بالعفو عنه، وقبول الشفاعة فيه، {إنه هو العزيز ~~الرحيم(42)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «ومومه»، والصواب ما أثبتناه من البيضاوي: تفسير، ~~ج4/ ص137. PageV04P129 # إن شجرة الزقوم(43) طعام الأثيم(44)} كثير الآثام. (لعله) يروي عن النبيء ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «يا أيها الناس اتقوا الله حق تقاته، فلو أن ~~قطرة من الزقوم على الأرض لأمرت (لعله) عد معيشتهم»[كذا] (¬1) . {كالمهل} ~~وهو ما يمهل في النار حتى يذوب؛ وقيل: دردي (¬2) الزيت؛ (لعله) وذلك زيادة ~~عذاب فوق عذابه، {يغلي في البطون(45) كغلي [547] الحميم(46)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... أخرجه البغوي بسنده عن ابن عباس، بلفظ: «لأمرت على أهل الدنيا ~~معيشتهم، فكيف بمن تكون طعامه وليس لهم طعام غيره». ورواه الترمذي في كتاب ~~صفة جهنم: 2510 عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه ~~الآية: {اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} قال ms0833 رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على ~~أهل الدنيا معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه». قال أبو عيسى هذا حديث حسن ~~صحيح. ونحوه في سنن ابن ماجه، كتاب الزهد، رقم 4316. أحمد: مسند بني هاشم، ~~رقم 2599، 2970، كلهم عن ابن عباس. البغوي: معالم التنزيل، ج4/ ص154. ~~العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «الزقوم». # (¬2) - ... «دردي الزيت: ما يبقى أسفله». الفيروزآبادي: القاموس، ص254، ~~مادة: «درد». PageV04P130 # خذوه} على إرادة القول للزبانية، {فاعتلوه} فجروه؛ العتل: أخذ بمجامع ~~الشيء، وجره بقهر، {إلى سواء الجحيم(47)} وسطه. {ثم صبوا فوق رأسه من عذاب ~~الحميم(48)} كان في وسط الجحيم، ثم يقال له زيادة عذاب عن الجوانب (¬1) . ~~{ذق إنك أنت العزيز الكريم(49)} أي: قولوا له ذلك تقريعا على ما كان يزعمه، ~~(لعله) وفيه بيان أنه من الرؤساء، {إن هذا ما كنتم به تمترون(50)} تشكون ~~وتمتارون فيه. # {إن المتقين في مقام} في موضع إقامة {أمين(51)} يأمن صاحبه من الانتقال ~~والآفة. {في جنات وعيون(52)، يلبسون من سندس وإستبرق} قيل: السندس ما رق من ~~الحرير؛ والإستبرق: ما غلظ منه؛ أو مشتق من البراقة؛ {متقابلين(53)} في ~~مجالسهم. {كذلك وزوجناهم بحور عين(54)} الحوراء: البيضاء، والعيناء: عظيمة ~~العينين. {يدعون فيها بكل فاكهة} يطلبون ويأمرون بإحضار ما يشتهون من ~~الفواكه، ولا يتخصص شيء منها بمكان ولا زمان، {آمنين(55)} من الضرر. {لا ~~يذوقون فيها الموت} لأن الموت ينقلهم عن حالهم، {إلا الموتة الأولى؛ ووقاهم ~~عذاب الجحيم(56)}. # {فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم(57)} لأنه فوز بالمطالب، وخلاص عن ~~المكاره. {فإنما يسرناه بلسانك} حيث أنزلناه بلغتك، {لعلهم يتذكرون(58)} ~~لعلهم يعلمونه فيتذكرون به. {فارتقب} ما يحل بهم {إنهم مرتقبون(59)} ~~منتظرون. # سورة الجاثية # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «ثم يقال له: كان في وسط الجحيم زيادة عذاب عن ~~الجوانب». وفيها خلط واضح. PageV04P131 # حم(1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم(2) إن في السماوات والأرض ~~لآيات للمؤمنين(3) وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون(4) واختلاف ~~الليل والنهار، وما أنزل الله من السماء ms0834 من رزق} من مطر، وسماه رزقا لأنه ~~سببه؛ كما تسمى الطاعة نعمة، لأنها تؤدي فاعلها إلى النعمة الأبدية، وكما ~~سمى ما يؤكل من أموال اليتامى ظلما نارا، لأنه يؤدي إليها؛ {فأحيا به الأرض ~~بعد موتها، وتصريف الرياح} باختلاف جهاتها وأحوالها {آيات لقوم يعقلون(5)}. # {تلك آيات الله} تلك الآيات: دلائله، {نتلوها عليك بالحق، فبأي حديث بعد ~~الله} بعد حديث الله وكلامه، {وآياته يؤمنون(6)}؟ بعد آيات الله. # {ويل لكل أفاك} كذاب {أثيم(7)} كثير الآثام، {يسمع آيات الله تتلى عليه} ~~بإلهام أو سماع، {ثم يصر} يقيم على كفره {مستكبرا} عن الإيمان بالآيات، ~~{كأن لم يسمعها} أي: كأنه لم يسمعها، أي: يصير مثل غير السامع؛ {فبشره ~~بعذاب أليم(8)} في الدارين. # { PageV04P132 وإذا علم من آياتنا شيئا} وإذا بلغه شيء وعلمه أنه من ~~آياتنا {اتخذها هزوا} أي: إذا علم حجة من الحق بادر إلى الاستهزاء بها، ~~لأنه لم يقبلها ولم يعمل بها، وردها بالتكذيب، {أولئك لهم عذاب مهين(9)} ~~يهينهم في الدنيا [والآخرة] (¬1) . {من ورائهم جهنم} من قدامهم، لأنهم ~~متوجهون إليها؛ أو من خلفهم، لأنه بعد آجالهم؛ {ولا يغني عنهم [548] ما ~~كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء} أي: الأصنام، {ولهم عذاب ~~عظيم(10) هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم(11)} ~~الرجز: أشد العذاب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... من إضافتنا، إذ لا معنى لتخصيص العذاب بالحياة الدنيا، ويدل ~~على ذلك السياق. PageV04P133 # الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره} بتسخيره، {ولتبتغوا من ~~فضله ولعلكم تشكرون(12) وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا} بأن ~~خلقها نافعة لكم إذا أطعتموه بها وشكرتموها، وإن كفرتموها فعليكم وبالها. ~~قال أبو العباس المرسي: «يقول: الأكوان كلها عبيد مسخرة، وأنت عند ~~الحضرة»[كذا] . وفي بعض الآثار المروية عن الله: «ابن آدم خلقت الأشياء ~~كلها من أجلك، وخلقتك من أجلي، فلا تشتغل بما هو لك عمن أنت له» (¬1) ؛ ~~فالخلق كلهم مسخرون في حق المطيع، لأنه ينتفع بجميع ما خلق الله في السماء ~~والأرض؛ والمؤمن لم يسخر لشيء من المخلوقات وإن ms0835 صدر منه نفع لبعض ~~المخلوقات، لأن أجره على الله؛ ومعنى التسخير: يكلف عملا بلا جزاء (¬2) ~~{منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون(13)} فيما تفكروا فيه من المخلوقات، ~~فيعلمون أنه مسخر للمتعبدين، وأنه ليس خلقا عبثا. # {قل للذين آمنوا: يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} لا يتوقعون الحقائق، ~~{ليجزي قوما بما كانوا يكسبون(14) من عمل صالحا فلنفسه، ومن أساء فعليها} ~~إذ لها ثواب العمل، وعليها عقابه، {ثم إلى ربكم ترجعون(15)} للجزاء. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من مصادر التفسير والحديث. # (¬2) - ... في العبارة خلل، ولعل صوابها: «تكليف عمل بلا جزاء». وقال في ~~القاموس: «وسخره تسخيرا: ذلله، وكلفه عملا بلا أجرة». الفيروزآبادي: ~~القاموس، ص366، مادة: «سخر». PageV04P134 # ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم} العمل بمقتضاه، {والنبوة} إذ كثر ~~فيهم الأنبياء يعلمونهم أمر دينهم، {ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على ~~العالمين(16)} وذلك بسبب اجتهادهم. {وآتيناهم بينات من الأمر} أدلة في أمر ~~الدين والدنيا، وذلك بسبب تلخيصهم (¬1) للأمور الحقية من الأمور الوهمية. ~~{فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم} بحقيقة الحال {بغيا بينهم} حسدا، ~~وطلبا للتريس {إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون(17)}. # {ثم جعلناك على شريعة} طريقة، {من الأمر} أمر الدين، {فاتبعها} فاتبع ~~شريعتك الثابتة الحجج، {ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون(18)} أراد الجهال ~~التابعين شهواتهم. {إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا} إن اتبعتهم، ووجب عليك ~~الخسران، فلا يدفعوا عنك شيئا، {وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض} إذ الجنسية ~~علة الانضمام (¬2) والائتلاف بينهم، فلا توالوهم باتباع أهوائهم، {والله ~~ولي المتقين(19)} فواله بالتقى واتباع الشريعة. # {هذا} أي: القرآن واتباع الشريعة، {بصائر للناس} تبيان يبصرهم وجه ~~الصلاح، ويوصلهم نيل الفلاح، {وهدى} من الضلال، {ورحمة} من حيث توصلهم إلى ~~دار النعمة، {لقوم يوقنون(20)} يطلبون اليقين (لعله) بالدليل. # { # ¬__________ # (¬1) - ... ويعني به أيضا: «تخليصهم»، قال في القاموس: «التلخيص: التبيين ~~والشرح والتخليص». الفيروزآبادي: القاموس، ص566، مادة: «لخص». # (¬2) - ... في الأصل: «الانضام»، وهو خطأ. PageV04P135 # أم حسب الذين اجترحوا السيئات} أي: اكتسبوها، {أن نجعلهم} أي: نصيرهم ~~{كالذين آمنوا وعملوا ms0836 الصالحات، سواء محياهم [549] ومماتهم} المعنى: إنكار ~~أن تكون حياتهم ومماتهم سواء، {ساء ما يحكمون(21)} ساء حكمهم هذا، أو بئس ~~شيئا حكموا به ذلك. # {وخلق الله السماوات والأرض بالحق} كأنه دليل على الحكم السابق من حيث أن ~~خلق ذلك مقتضى للعدل، يستدعي انتصار المظلوم من الظالم، والتفاوت بين ~~المسيء والمحسن في الدارين، {ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون(22)} ~~بنقص ثواب، وتضعيف عذاب. # {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} ترك متابعة الهدى إلى متابعة الهوى، فكان ~~يعبده لأنه أطاعه؛ لأن الكافر إذا اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئا إلا ~~ركبه، لأنه لا يؤمن بالله ولا يخافه، ولا يحرم ما حرم الله؛ وقيل: اتخذ ~~معبوده هواه، فيعبد ما تهواه نفسه؛ وقيل: سمي الهوى، لأنه يهوي بصاحبه إلى ~~النار، {وأضله الله} وخذله {على علم} عالما بضلاله وفساد جوهر نفسه ~~الروحانية؛ ومعنى الضلال هاهنا: من طريق الهلاك (¬1) ، {وختم على سمعه ~~وقلبه} فلا يبالي بالمواعظ، ولا يتفكر في الآيات، {وجعل على بصره غشاوة} ~~فلا ينظر بعين الاستبصار والاعتبار، {فمن يهديه من بعد الله} من بعد ~~إضلاله، وهو سبب تركه اختيار الهدى، {أفلا تذكرون(23)}؟ فتتعظون. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في العبارة خلل، ولعل بها سقطا، أو صوابها: «سلوك طريق ~~الهلاك»، أو نحو ذلك. PageV04P136 # وقالوا: ما هي} ما الحياة أو الحال، {إلا حياتنا الدنيا} [التي] (¬1) نحن ~~فيها {نموت} أي: نكون أمواتا نطفا وما قبلها، {ونحيا} بعد ذلك بمواقعة ~~الآباء لا غير، {وما يهلكنا إلا الدهر} إلا الزمان، وهو في الأصل مدة بقاء ~~العالم؛ من دهره: إذا غلبه؛ {وما لهم بذلك من علم} يعني: نسبة الحوادث إلى ~~حركات الأفلاك، {إن هم إلا يظنون(24)} إذ لا دليل لهم عليه، وإنما قالوه ~~بناء على التعليل والإنكار لما يحسبونه. # {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} واضحات الدلالة، على ما يخالف معتقدهم، ~~أو مبينات له، {ما كان حجتهم} ما كان لهم متشبث (¬2) يعارضونها به، {إلا أن ~~قالوا: ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين(25)} وإنما سماه حجة على حسبانهم، ~~ومساق أمرهم. # {قل: الله يحييكم ثم يميتكم} على ms0837 ما دلت عليه الحجج؛ {ثم يجمعكم إلى يوم ~~القيامة لا ريب فيه} فإن من قدر على الابتداء قدر على الإعادة؛ والحكمة ~~اقتضت الإعادة للجزاء، لا على ما تهواه أنفسهم، {ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون(26)} لقلة تفكرهم، وقصور نظرهم على الأمور الظاهرة دون الحقائق. # { # ¬__________ # (¬1) - ... إضافة من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص140. # (¬2) - ... في الإصل: «ما كان متسنت يعارضونها»، ولا معنى له، وصححناه من ~~البيضاوي: تفسير، ج4/ ص141. PageV04P137 # ولله ملك السماوات والأرض} تعميم القدرة بعد تخصيصها، {ويوم تقوم الساعة ~~يومئذ يخسر المبطلون(27) وترى كل أمة جاثية} قيل: مجتمعة من الجثوة: وهي ~~الجماعة (¬1) ، {كل أمة تدعى إلى كتابها} صحيفة أعمالهم، {اليوم تجزون ما ~~كنتم تعملون(28)}. {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق} يشهد عليكم بما عملتم بلا ~~زيادة ولا نقصان؛ {إنا كنا نستنسخ} نستكتب الملائكة {ما كنتم تعملون(29)} ~~أعمالكم. # {فأما الذين [550] آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته} التي من ~~جملتها الجنة، {ذلك هو الفوز المبين(30)} الظاهر لخلوصه عن الشوائب. # {وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم} عن الإيمان، ~~{وكنتم قوما مجرمين(31)} قوما عادتهم الإجرام. {وإذا قيل: إن وعد الله حق} ~~كائن، {والساعة لا ريب فيها، قلتم: ما ندري ما الساعة} أي شيء الساعة؟ ~~استغرابا لها، وذلك بلسان المقال، أو لسان الحال، {إن نظن إلا ظنا وما نحن ~~بمستيقنين(32)} لإمكانه. {وبدا لهم} ظهر لهم {سيئات ما عملوا} على ما كانت ~~عليه، بأن عرفوا قبحها وعاينوا عاقبتها، {وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزءون(33)} وهو الجزاء، أحاط بهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... انظر: الفيروزآبادي: القاموس، ص1142، مادة: «جثو». PageV04P138 # وقيل: اليوم ننساكم} فنترككم في العذاب ترك المنسي، {كما نسيتم لقاء ~~يومكم هذا} كما تركتم العمل له، {ومأواكم النار وما لكم من ناصرين(34)} ~~يخلصونكم منها. {ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا} استهزأتم بها ولم ~~تبالوا بها، {وغرتكم الحياة الدنيا} بظاهرها المزخرف، فظننتم أن لا حياة ~~سواها، {فاليوم لا يخرجون منها، ولا هم يستعتبون(35)} يسترضون. # {فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين(36)} إذ الكل نعمة منه، ~~الدال (¬1) على كمال قدرته. {وله ms0838 الكبرياء} العظمة (¬2) {في السماوات ~~والأرض} إذ ظهر فيها آثارها، {وهو العزيز} الذي لا يغلب، {الحكيم(37)} فيما ~~قدر وقضى، فاحمدوه وكبروه وأطيعوه. # سورة الأحقاف # بسم الله الرحمن الرحيم # {حم(1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم(2) ما خلقنا السماوات والأرض ~~وما بينهما إلا بالحق} إلا خلقا ملتبسا بالحق، وهو ما تقتضيه الحكمة، وهو ~~دلالة على وجود الصانع الحكيم، والبعث للجزاء، {وأجل مسمى} وبتقدير أجل ~~مسمى ينتهي إليه الكل، وهو يوم القيامة؛ أو كل واحد وآخر مدة بقائه المقدور ~~له؛ {والذين كفروا عما أنذروا معرضون(3)} لا يتفكرون فيه ولا يستعدون ~~لحلوله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الصواب ما في البيضاوي: «دال»، خبر ثان ل«الكل». المصدر نفسه. # (¬2) - ... في الأصل: «العظمعة»، وهو خطأ. PageV04P139 # قل: أرأيتم ما تدعون من دون الله، أروني ماذا خلقوا من الأرض، أم لهم شرك ~~في السماوات} أي: أخبروني عن حال آلهتكم بعد التأمل فيها، هل يحتمل أن يكون ~~لها في نفسها مدخل في خلق شيء من أجزاء العالم فتستحق به العبادة؟ وتخصيص ~~الشرك بالسماوات احتراز عما يتوهم أن للوسائط شركة في إيجاد الحوادث ~~السفلية، {ائتوني بكتاب من قبل هذا} من قبل القرآن، فإنه ناطق بالتوحيد، ~~{أو أثارة من علم} أو بقية من علم، (لعله) بقيت عليكم من علوم الأولين، هل ~~فيها ما يدل على جواز عبادة الأصنام، أو الأمر (¬1) بها؟ {إن كنتم ~~صادقين(4)} في دعواكم، وقرئ: «إثارة» بالكسر، أي: مناظرة، فإن المناظرة ~~تثير المعاني. # {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له} إنكار أن يكون أحد أضل ~~من المشركين حيث تركوا عبادة السميع [551] المجيب، القادر الخبير، إلى ~~عبادة من لا يستجيب لهم، ولم يسمع دعاءهم، فضلا أن يعلم سرائرهم، ويراعي ~~مصالحهم، {إلى يوم القيامة} ما دامت الدنيا (لعله) وبعد فنائها (¬2) أحرى ~~أن لا يستجيب له، بل يكونون لهم أعداء، كما قال في الآية الآتية؛ وذلك ~~يقتضي كل ما أشغله وأغفله وأنساه وتعامى به، من مال وأهل وصنم وهوى ونفس ~~وشيطان، {وهم} (لعله) يعني الأوثان {عن دعائهم غافلون(5)} لأنهم إما ~~جمادات، وإما عباد ms0839 مسخرون مشتغلون بأحوالهم، لا يسمعون ولا يفهمون. {وإذا ~~حشر الناس كانوا لهم أعداء} يضرونهم ولا ينفعونهم، {وكانوا بعبادتهم ~~كافرين(6)} مكذبين بلسان الحال أو المقال. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «أو للأمر»، ولا معنى للام الجر. والصواب من ~~البيضاوي: تفسير، ج4/ ص142. # (¬2) - ... في الأصل: «فاءيها... بل يكونوا»، وفي العبارة خطآن. PageV04P140 # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} واضحات للمستبصرين، {قال الذين كفروا للحق ~~لما جاءهم: هذا سحر مبين(7)} وهو بمعنى التكذيب له. {أم يقولون: افتراه، ~~قل: إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا} أي: إن عاجلني بالعقوبة، فلا ~~تقدرون على دفع شيء منها، فكيف أجترئ عليه، وأعرض نفسي للعقاب من غير توقع ~~نفع، ولا دفع ضر من قبلكم؟!، {هو أعلم بما تفيضون} تخوضون {فيه} تندفعون ~~فيه من القدح في آياته، {كفى به شهيدا بيني وبينكم} يشهد لي بالبلاغ، ~~وعليكم بالكذب والإنكار، {وهو الغفور الرحيم(8)}. # {قل: ما كنت بدعا من الرسل} بديعا منهم، أدعوكم إلى ما لا يدعون إليه؛ أو ~~لست أول مرسل فتنكروا نبوتي، {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} في الدارين على ~~التفصيل، إذ لا علم لي بالغيب، {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} لا أتجاوزه، وهو ~~جواب عن اقتراحهم، [و]الإخبار عما لم يوح إليه من الغيوب، {وما أنا إلا ~~نذير} عن (¬1) عقاب الله {مبين(9)}. # {قل: أرأيتم إن كان من عند الله} أي: القرآن، {وكفرتم به، وشهد شاهد من ~~بني إسرائيل} قيل: الشاهد هو عبد الله بن سلام، أو موسى - صلى الله عليه ~~وسلم - وشهادته ما في التوراة من بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - {على ~~مثله} مثل: القرآن، وهو ما في التوراة من المعاني المصدقة للقرآن المطابقة ~~له؛ أو مثل ذلك لكونه من عند الله؛ {فآمن} أي: الشاهد، {واستكبرتم} عن ~~الإيمان، {إن الله لا يهدي القوم الظالمين(10)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الصواب: «من». كما في البيضاوي: تفسير، ج4/ ص143. PageV04P141 # وقال الذين كفروا للذين آمنوا: لو كان خيرا} أي: الإيمان وما أتى به، {ما ~~سبقونا إليه} أي: كذب سابق (لعله) يلقيه الآخر عن الأول (¬1) ، {وإذ ms0840 لم ~~يهتدوا به} أي: إلى العمل بمقتضاه، كما اهتدى به أهل الإيمان، {فسيقولون: ~~هذا إفك قديم(11) ومن قبله} ومن قبل القرآن {كتاب موسى إماما ورحمة} (لعله) ~~واجب أن يؤتم به، لأنه يهدي إلى خير الدارين، {وهذا كتاب مصدق لسانا (¬2) } ~~لكتاب موسى، أو لما بين يديه، {عربيا} إشعار بالدلالة على أن يكون مصدقا ~~للتوراة، كما دل على أنه حق دل على أنه وحي وتوفيق من الله، {لينذر الذين ~~ظلموا وبشرى [552] للمحسنين(12)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لم يتضح لنا معنى هذه العبارة، ولم نجد فيما بين أيدينا من ~~المصادر تفسيرا للآية يشبه هذا، وإنما مدار تفسيرها ما أوضحه الألوسي حين ~~قال: «أي: قالوا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقنا إليه أولئك الذين بلغنا ~~إيمانهم... وقالوا ذلك لما رأوا أن أكثر المؤمنين كانوا فقراء ضعفاء كعمار ~~وصهيب وبلال، وكانوا يزعمون أن الخير الديني يتبع الخير الدنيوي، وأنه لا ~~يتأهل للأول إلا من كان له القدح المعلى من الثاني». الألوسي: روح المعاني، ~~ج26/ ص14. وانظر نحو ذلك في: الزمخشري: الكشاف، 4/238. البغوي: معالم ~~التنزيل، ج4/ ص166. البيضاوي: تفسير، ج4/ ص 143. أبو السعود: تفسير، مج4/ ~~ج8/ ص81. # (¬2) - ... الصواب أن تتأخر لفظة «لسانا»، إلى المقطع اللاحق، لئلا يفصل ~~بين الصفة والموصوف، وليكون التفسير أوفق كما يلي: «{وهذا كتاب مصدق} لكتاب ~~موسى...»، كما في البيضاوي: المصدر نفسه. PageV04P142 # إن الذين قالوا: ربنا الله ثم استقاموا} جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة ~~العلم، والاستقامة في الأمور التي هي منتهى العمل، و«ثم» للدلالة على تأخر ~~رتبة العمل، وتوقف اعتباره على التوحيد، {فلا خوف عليهم} عن (¬1) لحوق ~~مكروه، {ولا هم يحزنون(13)} عن فوات محبوب. {أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها ~~جزاء بما كانوا يعملون(14)} من اكتساب الفضائل العلمية والعملية. # {ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا، حملته أمه كرها ووضعته كرها} أي: بمشقة، ~~{وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} كل ذلك بيان لمكابدة الأم في تربية الولد، ~~مبالغة في التوصية بها، {حتى إذا بلغ أشده} اكتهل واستكمل قوته وعقله، ~~{وبلغ أربعين سنة قال: رب أوزعني} ألهمني {أن أشكر نعمتك ms0841 التي أنعمت علي ~~وعلى والدي} نعمة الإيجاد والإسلام، وإمدادهما، {وأن أعمل صالحا ترضاه، ~~وأصلح لي في ذريتي} واجعل لي الصلاح ساريا في ذريتي، راسخا فيهم، (لعله) ~~بأن تجعلهم مؤمنين صالحين، {إني تبت إليك} مما لا ترضاه أو يشغل عنك، {وإني ~~من المسلمين(15)} المنقادين لأمرك، المذعنين لطاعتك، المخلصين لدينك. # {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا} من الفرائض والوسائل، {ونتجاوز ~~عن سيئاتهم} عن صغائر، ذنوبهم ما اجتنبوا الكبائر، {في أصحاب الجنة} كائنين ~~في عددهم، {وعد الصدق الذي كانوا يوعدون(16)} أي: في الدنيا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الصواب: «من»، كما في البيضاوي: المصدر نفسه. PageV04P143 # والذي قال لوالديه: أف لكما أتعدانني أن أخرج} أن أبعث، {وقد خلت القرون ~~من قبلي} فلم يرجع منهم أحد، {وهما يستغيثان الله} يقولان: الغياث بالله ~~منك؛ أو يسألانه أن يغيثه بالتوفيق للإيمان: {ويلك آمن} أي: يقولان له: ~~«ويلك»، وهو الدعاء بالثبور بالحث على ما يخاف على تركه، {إن وعد الله حق، ~~فيقول: ما هذا إلا أساطير الأولين(17)} أباطيل الأولين التي كتبوها. # {أولئك الذين حق عليهم القول} بأنهم أهل النار {في أمم قد خلت من قبلهم} ~~كقوله في أصحاب الجنة، {من الجن والإنس} بيان للأمم، وأن الجن يموتون مثلنا ~~ويحيون، بدليل قوله: {قد خلت}، {إنهم كانوا خاسرين(18) ولكل} من الفريقين ~~{درجات مما عملوا} مراتب من جزاء ما عملوا من الخير والشر، {وليوفيهم ~~أعمالهم} جزاءها، {وهم لا يظلمون(19)} بنقص ثواب، وزيادة عقاب. # {ويوم يعرض الذين كفروا على النار} يعذبون بها، ويقال لهم على معنى ~~التوبيخ: {أذهبتم طيباتكم} لذاتكم، بالشهوات المحظورة {في حياتكم الدنيا، ~~واستمتعتم بها} مما هيئ لكم منها، بقول: {أذهبتم طيباتكم} يعني: اللذات، ~~وتمتعتم بها في غير أوانها، يقول: استعجلتم ذلك؛ {فاليوم تجزون عذاب الهون} ~~الهوان، {بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق، وبما كنتم تفسقون(20)} ~~بسبب الاستكبار بالباطل، والفسوق عن طاعة الله. # { PageV04P144 واذكر أخا عاد} [553] يعني: هودا، {إذ أنذر قومه بالأحقاف} ~~(لعله) منازلهم بالأحقاف إذ [هي] بين عمان ومهرة؛ والأحقاف: الرمال العظام؛ ~~{وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه: ألا ms0842 تعبدوا إلا الله، إني أخاف عليكم ~~عذاب يوم عظيم(21)} هائل. {قالوا: أجئتنا لتأفكنا} لتصرفنا بإفكك {عن ~~آلهتنا}؟ عن اتباع ما نهواه بغير الحق، لتعم كل معبود من دون الله؛ {فأتنا ~~بما تعدنا} من العذاب على المعاصي، {إن كنت من الصادقين(22)} في (لعله) وعدك. # {قال: إنما العلم عند الله} لا علم لي بوقت عذابكم، وإنما علمه عند الله، ~~فيأتيكم به في وقته المقدر له، {وأبلغكم ما أرسلت به} وما على الرسول إلا ~~البلاغ، {ولكني أراكم قوما تجهلون(23)} لا تعلمون أن الرسل بعثوا مبلغين ~~منذرين، لا معذبين مقترحين. # {فلما رأوه عارضا} سحابا عرض في أفق السماء، {مستقبل أوديتهم} متوجه ~~أوديتهم؛ {قالوا: هذا عارض ممطرنا} قيل: {بل هو ما استعجلتم به} من العذاب، ~~{ريح فيها عذاب أليم(24) تدمر} (لعله) تهلك {كل شيء} (لعله) أتت عليه {بأمر ~~ربها} لا تتجاوز غير أمره، أي: لا تهلك شيئا لم تؤمر بإهلاكه، ولا تبقي ~~شيئا أمرت بإهلاكه، {فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم ~~المجرمين(25)}. # { PageV04P145 ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه} (لعله) جعلنا لهم عقولا ~~لا يميزون (¬1) بها بين الحق والباطل، كما قال: {وجعلنا لهم سمعا وأبصارا ~~وأفئدة} ليعرفوا تلك النعمة، وليستدلوا بها على مانحها، ويواضبوا على ~~شكرها؛ {فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء} من الإغناء ~~في الدارين، لأنهم لم يريدوا بذلك وجه الله، بل كانت سبب عذابهم، كما قال: ~~{لم يزده ماله وولده إلا خسارا} (¬2) . {إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق ~~بهم ما كانوا به يستهزءون(26)} إذ كل جاحد لشيء تارك له، غير عامل به، فهو ~~مستهزئ به في المعنى، وإن لم ينطق بلسانه. # {ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى} (لعله) عبرة لمن رآهم أو سمع بهم، ~~{وصرفنا الآيات} بتكريرها، {لعلهم يرجعون(27)} عن كفرهم. {فلولا نصرهم ~~الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة} فهلا منعهم من الهلاك آلهتهم الذين ~~يتقربون بهم إلى الله، حيث قالوا: {هؤلاء شفعاؤنا عند الله بل ضلوا عنهم} ~~غابوا عن بصرهم وبصيرتهم، {وذلك إفكهم} وذلك الاتخاذ الذي ms0843 صرفهم عن الحق، ~~{وما كانوا يفترون(28)} (لعله) من القول والعمل. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يميمزوا»، وهو خطأ. # (¬2) - ... سورة نوح: 21. PageV04P146 # وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن} نقباء منهم، {يستمعون القرآن؛ فلما حضروه، ~~قالوا: أنصتوا} قال بعضهم لبعض: اسكتوا (¬1) لنسمعه؛ ومعنى الإنصات: ~~الإقبال إليه بالقلوب الفارغة من العلل، لتنكشف لها حقيقته؛ {فلما قضي} أي: ~~كمل، و(لعله) استمعوه من أوله إلى آخره، لتقوم الحجة عليهم وعلى قومهم، ~~لأنهم متعبدون بما فيه؛ ولعل الجن يتلقفون العلم من الإنس بهذا الدليل؛ ~~وجاز منهم أن يستمعوا التأويل [554] والسنة، كما استمعوا منه التنزيل، لأن ~~التنزيل لا يغنيهم عن السنة، وإذا جاز أن يسمعوا التأويل من الرسول، جاز أن ~~يستمعوه من العلماء المحقين، {ولوا إلى قومهم منذرين(29)}. # {قالوا: يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى، مصدقا لما بين يديه، ~~يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم(30)} (لعله) قيل: كان دينهم اليهودية، ~~لأنهم ذكروا موسى ولم يذكروا عيسى. {يا قومنا، أجيبوا داعي الله، وآمنوا به ~~يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم(31) ومن لا يجب داعي الله فليس ~~بمعجز في الأرض} إذ لا ينجي منه مهرب، {وليس له من دونه أولياء، أولئك في ~~ضلال مبين(32)} حيث أعرضوا عن إجابة من هذا شأنه. # {أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن} ولم يتعب ~~ولم يعجز؛ والمعنى: أن قدرته واجبة، لا تنقص ولا تنقطع بالإيجاد، {بقادر ~~على أن يحيي الموتى؟ بلى إنه على كل شيء قدير(33)}. # {ويوم يعرض الذين كفروا على النار، أليس هذا بالحق}؟ والإشارة إلى ~~العذاب، {قالوا: بلى وربنا؛ قال: فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون(34)} ~~بكفركم في الدنيا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «استكوا»، وهو خطأ. PageV04P147 # فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} أولوا الثبات والجد منهم، وأولوا ~~العزم: أصحاب الشرائع، اجتهدوا في تأسيسها وتقريرها، وصبروا على تحمل ~~مشاقها ومعاداة الطاعنين فيها؛ ومشاهرهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، {ولا ~~تستعجل لهم} لكفار قريش، وغيرهم من أهل عصره، فإنه نازل بهم في وقته لا ~~محالة، {كأنهم يوم يرون ما ms0844 يوعدون} من العذاب، {لم يلبثوا} في الدنيا، {إلا ~~ساعة من نهار} استقصروا مدة لبثهم في الدنيا حتى يحسبونها ساعة، {بلاغ} هذا ~~الذي وعظتم به، أو هذه السورة بلاغ، أي: كفاية أو تبليغ من الرسول، {فهل ~~يهلك إلا القوم الفاسقون(35)}؟ الخارجون عن الطاعة. # - - - - # سورة محمد # بسم الله الرحمن الرحيم # {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم(1) والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد} يعني: لم يخالفوه في شيء {وهو الحق من ~~ربهم؛ كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم(2)} حالهم في الدين والدنيا، بالتوفيق ~~والتأييد. {ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق ~~من ربهم} بسبب اتباع هؤلاء الباطل، واتباع هؤلاء الحق، {كذلك يضرب الله ~~للناس} يبين لهم {أمثالهم(3)} أحوال الفريقين، أو جعل اتباع الباطل مثلا ~~لعمل الكفار، واتباع الحق مثلا للمؤمنين. # { PageV04P148 فإذا لقيتم الذين كفروا} في المحاربة {فضرب الرقاب حتى إذا ~~أثخنتموهم} أكثرتم قتلهم، وأغلظتموه؛ من الثخين: وهو الغليظ (¬1) ، {فشدوا ~~الوثاق} فأسروهم واحفظوهم، {فإما منا بعد [555] وإما فداء} أي: فإما تمنون ~~منا، أو تفدون فداء، {حتى تضع الحرب أوزارها} آلاتها وأثقالها التي لا تقوم ~~إلا بها، كالسلاح والكراع، أي: تنقضي (¬2) الحرب، ولم يبق إلا مسلم أو ~~مسالم؛ والمعنى: حتى (لعله) يترك أهل الحرب شركهم ومعاصيهم، كقوله: ~~{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} (¬3) ظاهرة بين ظهراني أهل الإسلام، فإن ~~الباطن لم يضر، إذ لم يتعبدوا به، {ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم} لانتقم ~~منهم بالاستئصال، {ولكن ليبلو بعضكم ببعض} ولكن أمركم بالقتال ليبلي ~~المؤمنين بالكافرين، بأن يجاهدوهم فيستوجبوا الثواب العظيم؛ والكافرين ~~بالمؤمنين، بأن يعاجلهم على أيديهم ببعض عذابهم، كي يرتدع بعضهم عن الكفر. # {والذين قتلوا في سبيل الله} أي: جاهدوا، {فلن يضل أعمالهم(4)} فلن ~~يضيعها. {سيهديهم} إلى الثواب؛ أو سيثبت مداومتهم، {ويصلح بالهم(5)} حالهم ~~في الدارين. {ويدخلهم الجنة عرفها لهم(6)} قيل: عرفها لهم في الدنيا حتى ~~اشتاقوا إليها، فعملوا بما استحقوها به؛ وقيل: بين لهم مساكنهم حتى يهتدوا ~~لها، حتى أنه اهتدى (¬4) إلى منزله ودرجته وزوجته وخدمه. # { # ¬__________ ms0845 # (¬1) - ... في الأصل: «الغلظ». # (¬2) - ... في الأصل: «تنقض»، ولا معنى له. # (¬3) - ... سورة البقرة: 193. الأنفال: 39. # (¬4) - ... في العبارة خلل، وفي تفسير البيضاوي: «أو بينها لهم بحيث يعلم ~~كل واحد منزله ويهتدي إليه». ج4/ ص147. PageV04P149 # يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله} أي: دينه، {ينصركم} بالتوفيق، ~~{ويثبت أقدامكم(7)} بالقيام بحقوق الإسلام. {والذين كفروا فتعسا لهم} دعاء ~~عليهم بالهلاك، {وأضل أعمالهم(8)} الضال: ما لا ينتفع به؛ {ذلك بأنهم كرهوا ~~ما أنزل الله} القرآن، لما فيه من التوحيد والتكاليف المخالفة لما ألفوه ~~واشتهته أنفسهم، ومن لم يعمل بمقتضاه كان في المعنى كارها له مستهزئا به، ~~{فأحبط أعمالهم(9)}. # {أفلم يسيروا في الأرض (¬1) فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} من ~~آبائهم وإخوانهم وأزواجهم وجيرانهم، والذين يسمعون بهم من كل من عصى الله ~~وأهلكهم، {دمر الله عليهم} استأصل عليهم ما خصوا به من أنفسهم وأهليهم ~~وأموالهم، {وللكافرين أمثالها(10)} أمثال تلك العاقبة. {ذلك بأن الله مولى ~~الذين آمنوا} ناصرهم على أعدائهم، {وأن الكافرين لا مولى لهم(11)} فيدفع ~~العذاب عنهم. # {إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار، ~~والذين كفروا يتمتعون} بمتاع الحياة الدنيا، {ويأكلون كما تأكل الأنعام} ~~حرصين غافلين عن العاقبة، (لعله) همة ليس لهم (¬2) إلا بطونهم وفروجهم ~~وشهواتهم وأهويتهم {والنار مثوى لهم(12)} منزل ومقام. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «الأرض»، وهو سهو. # (¬2) - ... الصواب: «ليست لهم همة إلا بطونهم...». PageV04P150 # وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك، أهلكناهم فلا ناصر ~~لهم(13) أفمن كان على بينة من ربه} حجة من عنده وهو القرآن، أو ما يعم من ~~الحجج العقلية، {كمن زين له سوء عمله} كالمعاصي الجلية والخفية، (لعله) ~~وليس لها برهان من ربه إلا اتباع الهوى، {واتبعوا أهواءهم(14)} لا تردعهم ~~حجة حق عن اتباع الهوى. # [ PageV04P151 556] {مثل الجنة التي وعد المتقون} أي: فيما قصصنا عليك من ~~صفتها العجيبة، {فيها أنهار من ماء غير آسن} غير متغير طعمه وريحه، {وأنهار ~~من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين} لذيذة لا تكون فيها ~~كراهة، {وأنهار من عسل مصفى} ms0846 لم يخالطه شمع وقاذورات النحل؛ وفي ذلك مثل ~~لما يقوم مقام الأشربة (¬1) في الجنة بأنواع ما يستلذ بها في الدنيا، ~~بالتجريد عما ينقصها وينغصها، والوصف بما يوجب عذوبتها واستمرارها، {ولهم ~~فيها من كل الثمرات} (لعله) مما تشتهيه أنفسهم، {ومغفرة من ربهم} (لعله) ~~والستر لذنوبهم، من أجل النعم، حيث لم يؤاخذوا بها كمثل الكفار، كما أن ~~إحباط أعمال الكفار من أشد التحسر حيث [لم] يثابوا بها كما أثيب المؤمنون ~~(لعله) بأعمالهم، فصارت ثوب (¬2) المؤمنين نعمة لهم بها في الجنة، وصارت ~~(لعله) أعمال الخير للكافرين عذابا لهم في النار، كما قال: {...أعمالهم ~~حسرات عليهم} (¬3) . {كمن هو خالد في النار} يعني: المتقين أهل الجنة كمن ~~خالد في النار، {وسقوا ماء حميما} مكان الأشربة المستلذة، {فقطع ~~أمعاءهم(15)} من فرط الحرارة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «للأشربة»، وهو خطأ. # (¬2) - ... وضع الناسخ إحالة إلى الحاشية ولم يكتب فيها شيئا، وفي ~~العبارة خلل واضح، صوابها: «فصارت ثوابا للمؤمنين، ونعمة لهم بها في ~~الجنة...». # (¬3) - ... سورة البقرة: 167؛ وتمامها: {كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات ~~عليهم، وما هم بخارجين من النار». PageV04P152 # ومنهم من يستمع إليك، حتى إذا خرجوا من عندك} يعني: المنافقين كانوا ~~يحضرون مجلس الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويسمعون كلامه، فإذا خرجوا ~~{قالوا للذين أوتوا العلم} أي: لعلماء الصحابة: {ماذا قال آنفا}؟ ماالذي ~~قال الساعة؟ استهزاء، {أولئك الذين (¬1) طبع الله على قلوبهم واتبعوا ~~أهواءهم(16)} فلذلك استهزؤوا وتهاونوا بكلامه. {والذين اهتدوا زادهم هدى} ~~أي: زادهم الله بالتوفيق والإلهام، {وآتاهم تقواهم(17)} بين لهم ما يتقون، ~~أو أعانهم على تقواهم، وأعطاهم جزاءهم. # {فهل ينظرون إلا الساعة} وهي الساعة التي تفنى فيها آجالهم، {أن تأتيهم ~~بغتة} لأنهم يظنون أنهم بعد يعيشون، وأن الموت بعيد، فأناختهم رواحله، {فقد ~~جاء أشراطها، فأنى} فكيف {لهم إذا جاءتهم ذكراهم(18)} أي: فلا ينفع التذكر ~~حين يعاين ملائكة الموت لقبض روحه، أو عاقبة ذكراهم، حيث لم ينتفعوا بها. # {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك} أي: إذا علمت سعادة المؤمنين ~~وشقاوة الكافرين، فاثبت على ما [أنت] عليه من العلم بالوحدانية، ms0847 وتكميل ~~النفس بإصلاح أحوالها وأفعالها وهضمها، بالاستغفار لدينك {وللمؤمنين ~~والمؤمنات} بذنوبهم بالدعاء لهم، وهو معنى شفاعته لهم؛ {والله يعلم ~~متقلبكم} في الدنيا، فإنها مراحل لا بد من قطعها، {ومثواكم(19)} في العقبى، ~~فإنها دار إقامتكم فاتقوه، وأعدوا لمعادكم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «الذين»، وهو سهو. PageV04P153 # ويقول الذين آمنوا} حرصا منهم على العلم: {لولا نزلت سورة} أي: هلا أنزلت ~~سورة [557] في أمر القتال، أو غيره من علوم الديانات؛ {فإذا أنزلت سورة ~~محكمة} مثبتة لا تشابه فيها، {وذكر فيها القتال، رأيت الذين في قلوبهم مرض} ~~نفاق، {ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت} كما ينظر الشاخص بصره عند ~~(لعله) الموت جبنا ومخافة، {فأولى} فويل {لهم(20) طاعة وقول معروف} أي: ~~طاعة وقول معروف خير لهم، {فإذا عزم الأمر} أي: جد، {فلو صدقوا الله} أي: ~~قولهم فيما زعموا من الحرص على الجهاد، أو الإيمان بالعمل، {لكان خيرا ~~لهم(21)}. # {فهل عسيتم إن توليتم} أمور الناس وتأمرتم عليهم، أو توليتم عن الإسلام، ~~{أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم(22)} المعنى: أنهم لضعفهم في الدين ~~وحرصهم على الدنيا أحقاء بأن يتوقع ذلك منهم من عرف حالهم، ويقول لهم: ~~«عسيتم». {أولئك الذين لعنهم الله} لإفسادهم وقطعهم الرحم، {فأصمهم} عن ~~استماع الحق {وأعمى أبصارهم(23)} فلا يهتدون سبيله. # {أفلا يتدبرون القرآن}؟ يستصفحونه (¬1) وما فيه من المواعظ والزواجر، حتى ~~لا يجسروا على المعاصي، {أم على قلوب أقفالها(24)}؟ لا يصل إليها ذكر، ولا ~~ينكشف لها أمر، وأقفالها هاهنا: أهويتها، وهي كالمقفولة عليها، لا تعي ~~خيرا، ولا يخرج منها خبث. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الأصوب: «يتصفحونه»، كما في البيضاوي: تفسير، ج4/ ص149. PageV04P154 # إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى} الدلائل الواضحة، ~~(لعله) شبههم كمثل الذي صعد عقبة، حتى كاد أن يقتحمها (لعله) ثم ولى على ~~دبره هاويا؛ {الشيطان سول لهم} سهل لهم اقتراف الكبائر؛ وقيل: حملهم على ~~الشهوات؛ من السؤل: وهو التمني، {وأملى لهم(25)} ومد لهم في الآمال. {ذلك ~~بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله: سنطيعكم في بعض الأمر} في بعض ~~أموركم، {والله يعلم ms0848 إسرارهم(26)} ومنها قولهم هذا الذي أفشاه عليهم. # {فكيف إذا توفتهم الملائكة}؟ فكيف يكون حالهم وألمهم إذ لا يجدون عنه ~~مصرفا، {يضربون وجوههم وأدبارهم(27) ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله} من ~~الشهوات والمعاصي، {وكرهوا رضوانه} ما يرضاه من الإيمان، واستحبوا غضبه على ~~رضاه، {فأحبط أعمالهم(28)} لذلك. {أم حسب الذين في قلوبهم مرض} وهو الأضغان ~~الكامنة فيها على أهل الإسلام، لقوله: {أن لن يخرج الله أضغانهم(29)} أن لا ~~يبرز الله لرسوله والمؤمنين أحقادهم. # {ولو نشاء لأريناكهم} لعرفناك بهم بالدلائل، فتعرفهم بأعيانهم، {فلعرفتهم ~~بسيماهم} بعلاماتهم التي نسمهم بها، من أقوالهم وأعمالهم، أو تعرفهم ~~بأسمائهم كما قال: {ولتعرفنهم في لحن القول} لحن القول: أسلوبه وإمالته، من ~~جهة التعريض، ومنه قيل للمخطئ: لاحن، لأنه يعدل بالكلام عن الصواب، {والله ~~يعلم أعمالكم(30)} فيجازيكم على حسب قصدكم إذ الأعمال بالنيات. # {ولنبلونكم} بالتكاليف الشاقة [558] {حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين} ~~على مشاقها، {ونبلو أخباركم(31)} ما نخبر به عن أعمالكم، فنظهر حسنها ~~وقبحها، أو إخبارهم عن إيمانهم وموالاتهم المؤمنين في صدقها وكذبها. # { PageV04P155 إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول} فيما ~~أمر به أو نهى عنه، فكرهوا أمره ونهيه ولم يعملوا بمقتضاه، {من بعد ما تبين ~~لهم الهدى، لن يضروا الله شيئا} بكفرهم وصدهم، {وسيحبط أعمالهم(32)} ثواب ~~حسنات أعمالهم. # {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا ~~أعمالكم(33)} بما أبطل به هؤلاء؛ وفيه أبين الدليل على إحباط الأعمال ~~بالكبيرة الواحدة. {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله، ثم ماتوا وهم كفار ~~فلن يغفر الله لهم(34)} عام في كل من مات مرتكبا لكبيرة، أو مصرا على صغيرة. # {فلا تهنوا} فلا تضعفوا {وتدعوا إلى السلم} ولا تدعوا إلى الصلح خوفا ~~وتذللا، {وأنتم الأعلون} الأغلبون، {والله معكم} ناصركم، {ولن يتركم ~~أعمالكم(35)} ولن يضيعكم أعمالكم. # {إنما الحياة الدنيا لعب ولهو} لا ثبات لها إلا الجزاء للأعمال؛ {وإن ~~تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم} ثواب إيمانكم، {ولا يسألكم أموالكم(36) إن ~~يسألكموها فيحفكم} فيجهدكم {تبخلوا} فلا تعطوا، {ويخرج أضغانكم(37)} ~~الأضغان الكامنة في القلوب. # {ها أنتم ms0849 هؤلاء} أي: أنتم يا مخاطبون، {تدعون لتنفقوا في سبيل الله} وهو ~~(¬1) يعم بذل المال والمهج في سبيل الله، {فمنكم من يبخل} ناس يبخلون، {ومن ~~يبخل فإنما يبخل عن نفسه} فإن ضر الإنفاق وضر البخل عائدان إليه، {والله ~~الغني وأنتم الفقراء} فيما يأمركم به هو لافتقاركم، فإن امتثلتم فلكم، وإن ~~امتنعتم فعليكم، {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم(38)} ~~في الصفة، فإنهم إذا كانوا أمثالكم (لعله) لكان ذلك منافيا للحكمة. # M # سورة الفتح # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «وهم»، وهو خطأ. PageV04P156 # بسم الله الرحمن الرحيم # {إنا فتحنا لك فتحا مبينا(1) ليغفر لك الله} عله للفتح من حيث إنه سبب عن ~~جهاد الكفار، والسعي في إعلاء الدين، وإزاحة الشرك، وتكميل النفوس الناقصة، ~~{ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ويتم نعمته عليك} لأن النعمة لا تتم إلا بغفران ~~الذنوب، {ويهديك صراطا مستقيما(2)} ليبلغك إلى محل إتمام النعمة. {وينصرك ~~الله نصرا عزيزا(3)} نصرا معضودا بالعز والنفع. # {هو الذي أنزل السكينة} الثبات والاطمئنانية {في قلوب المؤمنين} حتى ~~يثبتوا، حيث تقلق نفوس من عداهم، {ليزدادوا إيمانا} بالثبات عند القتال، ~~والمجاهدة للأعداء الظاهرة والباطنة، {مع إيمانهم} الداعي لهم بالثبات عن ~~مزلة الأقدام. # {ولله جنود السماوات [559] والأرض} يدبر أمرها، فيسلط بعضها على بعض على ~~حسب القوة والضعف، فيضعف هذا ويقوى هذا، وعلى العكس، يكون على ما تقتضيه ~~حكمته، {وكان الله عليما} بالمصالح، {حكيما(4)} فيما يقدر ويدبر. # {ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} علة ~~بما بعده دل عليه قوله: {ولله جنود السموات والأرض} من معنى التدبير، ليثبت ~~المؤمنين ويعذب الكافرين، {ويكفر عنهم سيئاتهم} أي: الصغائر باجتنابهم ~~الكبائر، {وكان ذلك عند الله فوزا عظيما(5)} لأنه أنفع من كل شيء. # { PageV04P157 ويعذب المنافقين والمنافقات، والمشركين والمشركات الظانين ~~بالله ظن السوء} وهو وصفهم له بما لا تليق به حكمته، {عليهم دائرة السوء} ~~دائرة ما يصفونه به مما لا يجوز عليه، {وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم ~~جهنم} عطف لما استحقوه في الآخرة، على ما استوجبوه في الدنيا، {وساءت} جهنم ms0850 ~~{مصيرا(6) ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما(7)}. # {إنا أرسلناك شاهدا} على أمتك، {ومبشرا} لمن أطاع منهم، {ونذيرا(8)} لمن ~~تولى واستكبر، وكذلك أرسل كل محق شاهدا على أهل زمانه. {لتؤمنوا بالله ~~ورسوله} قيل: للأمة، {وتعزروه} وتقووا (¬1) دينه وتنصروه، والتوقير: ~~التبجيل (¬2) {وتوقروه} وتعظموه، {وتسبحوه} وتنزهوه، أو تصلوا له {بكرة ~~وأصيلا(9)} بكرة وعشيا؛ أو دائما. # {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} لأنه المقصود بالبيعة، {يد الله ~~فوق أيديهم} أي: قدرته فوق قدرتهم، {فمن نكث} نقض البيعة، وهذا يقتضي فعل ~~جميع المعاصي بعد التوبة، {فإنما ينكث على نفسه} فلا يعود ضر نكثه إلا ~~عليه، {ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما(10)} في الجنة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «وتقووه ا»، وعند البيضاوي: «وتقووه بتقوية دينه». ~~تفسير، ج4/ ص152. # (¬2) - ... ورد تفسير الآية قبل سردها، وهذا خلل. PageV04P158 # سيقول لك المخلفون من الأعراب} الذين تخلفوا واعتلوا بالشغل بأموالهم ~~وأهليهم، وإنما خلفهم الخذلان وضعف العقيدة، وكأنهم اختاروا اللذة الحقيرة ~~الفانية على ما وعدهم به الله، واستعظموا في أنفسهم تعبده، {شغلتنا أموالنا ~~وأهلونا} إذ لم يكن لنا من يقوم بأشغالها (¬1) ، {فاستغفر لنا} من الله على ~~التخلف؛ {يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} تكذيب لهم في الاعتذار ~~والاستغفار؛ {قل: فمن يملك لكم من الله شيئا} فمن يمنعكم من مشيئته وقضائه، ~~{إن أراد بكم ضرا}؟ ما يضركم في الدين والدنيا، {أو أراد بكم نفعا} ما يضاد ~~ذلك، {بل كان الله بما تعملون خبيرا(11)} فيعلم تخلفكم وصدقكم واعتذاركم. # {بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا، وزين ذلك في ~~قلوبكم} فتمكن فيها، {وظننتم ظن السوء} الظن المذكور، {وكنتم قوما ~~بورا(12)} هالكين عند الله، لفساد عقيدتكم، وسوء نيتكم؛ والمراد: التسجيل ~~عليه (¬2) بالسوء [560]، وهو سائر ما يظنون بالله ورسوله من الأمور الزائغة ~~(¬3) (لعله) وذلك نتيجة ضعف الإيمان، وأن إيمانهم ليس بإيمان نافع على ~~الحقيقة، لقوله: {ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين ~~سعيرا(13)}. # {ولله ملك السماوات والأرض} يدبر كيف يشاء، {يغفر لمن يشاء ويعذب من ~~يشاء} إذ لا وجوب ms0851 عليه، {وكان الله غفورا رحيما(14)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... يمكن أن نقرأ: «بأشغالهم»، ففي الأصل: «بأشغالهام». # (¬2) - ... الصواب: «عليهم»، وقد يكون الضمير راجعا على الظن. # (¬3) - ... في الأصل تكرار هذه العبارة: «{وكنتم قوما بورا(12)} هالكين ~~عند الله لفساد عقيدتكم وسوء نيتكم»، وقد سبق ذكرها. PageV04P159 # سيقول المخلفون} يعني المذكورين: {إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها: ذرونا ~~نتبعكم} قيل: يذرون أن يغيروا مواعيد الله (¬1) ، {يريدون أن يبدلوا كلام ~~الله} يريدون مشاركتهم في الحطام الدنيوي دون المجاهدة، فأبى الله عليهم ~~ذلك بقوله: {قل لن تتبعونا، كذلكم (¬2) قال الله من قبل فسيقولون: بل ~~تحسدوننا} أن نشارككم في الغنائم، {بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا(15)} إلا ~~فهما قليلا، وهو فطنتهم لأمور الدنيا، ولا يفقهون من أمور دينهم شيئا، ~~كقوله: {لا يذكرون الله إلا قليلا} (¬3) . # {قل للمخلفين من الأعراب: ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم، أو ~~يسلمون} أي: يكون أحد الأمرين، إما المقاتلة، أو الإسلام لا غير؛ ومعنى ~~يسلمون: ينقادون، {فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا} هو الغنيمة في الدنيا، ~~والجنة في الآخرة، {وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما(16)} ~~في الدنيا بالخزي وفوات الغنائم، وفي الآخرة بعذاب النار. # {ليس على الأعمى حرج، ولا على الأعرج حرج، ولا على المريض حرج، ومن يطع ~~الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار، ومن يتول يعذبه عذابا ~~أليما(17)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في العبارة خلل، صوابها: «قيل: يريدون أن يغيروا مواعيد ~~الله»، لهذا فالواجب أن تتأخر العبارة هكذا: «ذرونا نتبعكم يريدون أن ~~يبدلوا كلام الله} قيل: يريدون أن يغيروا مواعيد الله، ويريدون مشاركتهم في ~~الحطام...»إلخ. # (¬2) - ... في الأصل: «كذلك». # (¬3) - ... سورة النساء: 142. PageV04P160 # لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم} ~~(لعله) من الصدق والوفاء {فأنزل السكينة عليهم} الاطمئنانية وسكون النفس، ~~{وأثابهم فتحا قريبا(18) ومغانم كثيرة يأخذونها، وكان الله عزيزا حكيما(19) ~~وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها (¬1) فعجل لكم هذه} (لعله) أي: النصرة في ~~هذه الوقعة، لقوله: {وكف أيدي الناس عنكم، ولتكون آية للمؤمنين} أمارة ~~يعرفون بها أنها من الله بمكان، {ويهديكم صراطا ms0852 مستقيما(20) وأخرى} أي: ~~وقعة أخرى {لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها، وكان الله على كل شيء ~~قديرا(21)} لأن قدرته ذاتية، لا تختص بشيء دون شيء، {ولو قاتلكم الذين ~~كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا(22)؛ سنة الله التي قد خلت ~~من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا(23)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - {وكان الله عزيزا حكيما وعدكم الله مغانم كثيرة ~~تأخذونها}، وهو سهو. PageV04P161 # وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم ~~وكان الله بما تعملون بصيرا(24) هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ~~والهدي معكوفا} أي: [561] وصدوا الهدي، وهي البدن، «معكوفا» أي: محبوسا {أن ~~يبلغ محله، ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات} (لعله) فيهم {لم تعلموهم} ~~بأعيانهم لاختلاطهم بغيرهم، {أن تطئوهم} أن توقعوا بهم وتبتدئوهم، {فتصيبكم ~~منهم} من جهتهم {معرة} مكروه، كوجوب الدية والكفارة، والتأسف عليهم {بغير ~~علم} غير عالمين بهم؛ والمعنى: لولا كراهة أن تهلكوا أناسا مؤمنين بين أظهر ~~الكافرين جاهلين بهم، فتصيبكم بإهلاكهم مكروه، إنما كف أيديكم عنهم {ليدخل ~~الله في رحمته} عله لما دل عليه كف الأيدي من أهل مكة، {من يشاء، لو ~~تزيلوا} لتفرقوا (¬1) ، وتميز بعضهم من بعض، {لعذبنا الذين كفروا منهم ~~عذابا أليما(25)} أي: لولا ما ذكرنا من المؤمنين والمؤمنات فيهم، لما كف ~~أيديكم عنهم، ولعذبهم بمثلكم إياهم. # {إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية} التي تمنع إذعان ~~الحق، {فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين} أنزل عليهم الوقار ~~والثبات (لعله) عن الحمية الجاهلية، {وألزمهم كلمة التقوى} كلمة الشهادة، ~~قولا وعملا ونية، {وكانوا أحق بها} من غيرهم، {وأهلها} والمستأهل لها، ~~{وكان الله بكل شيء عليما(26)} فيعلم كلا من الخلق لما هو أهله وييسره له. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الصواب: «لو تفرقوا»، كما في البيضاوي: تفسير، ج4/ ص154. PageV04P162 # لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق} ملتبسا به، فإن ما رآه كائن لا محالة ~~في وقته المقدر له، {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين، محلقين ~~رءوسكم ومقصرين} أي: محلقا بعضكم، ومقصرا آخرون، ms0853 {لا تخافون} بعد ذلك، ~~{فعلم ما لم تعلموا} من الحكمة في تأخير ذلك، {فجعل من دون ذلك} من دخولكم ~~المسجد، أو فتح مكة {فتحا قريبا(27)}. # {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} فلم يبق من ~~أديان الضلال شيء بين ظهراني المسلمين ظاهرا، {وكفى بالله شهيدا(28) محمد ~~رسول الله، والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} المعنى: أنهم يغلظون ~~على من خالف دينهم، ويتراحمون فيما بينهم، {تراهم ركعا سجدا} ترى أحوالهم ~~الركوع والسجود والانقياد، إشارة إلى الوصف المذكور، {يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا} الثواب والرضى، {سيماهم في وجوههم من أثر السجود} أي: علامتهم ~~ظاهرة من آثار السجود والإذعان، دون الاستكبار. # {ذلك} إشارة إلى الوصف المذكور، {مثلهم في التوراة} صفتهم العجيبة الشأن ~~المذكورة فيها، {ومثلهم في الإنجيل} ذلك مثلهم في الكتابين {كزرع أخرج ~~شطأه} فراخه، {فآزره} فقواه؛ المؤازرة بمعنى: المعاونة، {فاستغلظ فاستوى ~~على سوقه} فاستقام على قصبه، {يعجب الزراع} بكثافته وقوته وغلظه وحسن ~~منظره؛ وهو مثل ضربه الله لأصحابه، قلوا في بدء الإسلام، ثم كثروا ~~واستحكموا، فترقى أمرهم بحيث أعجب الناس؛ {ليغيظ بهم [562] الكفار} فلم ~~يستطيعوا على كسر شوكتهم، فبقي الغيظ مكمنا في القلوب. {وعد الله الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما(29)} فإن الكفار لما سمعوه ~~غاظهم ذلك. PageV04P163 # سورة الحجرات # بسم الله الرحمن الرحيم # {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا} أي: لا تقدموا أمرا؛ والمقصود نفي ~~التقديم رأسا، {بين يدي الله ورسوله} أي: لا تقطعوا أمرا قبل أن يحكما به، ~~{واتقوا الله} في التقديم، أو مخالفة الحكم، {إن الله سميع} لأقوالكم، ~~{عليم(1)} بأفعالكم. # {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} إذا كلمتموه فلا ~~تجاوزوا أصواتكم عن صوته، {ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض} ولا ~~تبلغوا به الجهر الدائر بينكم، بل اجعلوا أصواتكم أخفض من صوته؛ وقيل ~~معناه: ولا تخاطبوه باسمه وكنيته كما يخاطب بعضكم، وخاطبوه بالنبي والرسول، ~~{أن تحبط أعمالكم، وأنتم لا تشعرون(2)} أنها محبطة. # {إن الذين يغضون أصواتهم} يخضعونها {عند رسول ms0854 الله} مراعاة للأدب، أو ~~مخافة عن مخالفة النهي؛ قيل: كان أبو بكر وعمر بعد ذلك يسرانه، حتى ~~يستفهمهما (¬1) ، {أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى} والأصل: ضرب الله ~~قلوبهم بأنواع المحن، والتكاليف الشاقة لأجل التقوى، فإنها لا تظهر إلا ~~بالاصطبار عليها؛ أو: أخلصها للتقوى، من “امتحن الذهب”: إذا أذابه وميز ~~إبريزه من خبثه؛ وقيل: امتحانه لها: نزع الله منها حب الشهوات، {لهم مغفرة} ~~لذنوبهم، {وأجر عظيم(3)}. # {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون(4)} إذ العقل يقتضي ~~حسن الأدب، ومراعاة الخشية، {ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم، ~~والله غفور رحيم(5)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يستفهمها». PageV04P164 # يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} فتعرفوا وتفحصوا، {أن ~~تصيبوا} كراهة إصابتكم، {قوما بجهالة} جاهلين حالهم، {فتصبحوا على ما فعلتم ~~نادمين(6) واعلموا أن فيكم رسول الله} فاتقوا الله أن تقولوا باطلا وتكذبوه ~~فتفتضحوا، {لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم} والمعنى: إن فيكم رسول الله ~~على حال يجب تغييرها، وهي أنكم تريدون أن يتبع رأيكم في الحوادث، ولو فعل ~~ذلك لعنتم، أي: لوقعتم في الجهد (¬1) ، من العنت، {ولكن الله} بكرمه وفضله ~~{حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} ~~(لعله) عن أن تعنتوا، لا بقوتكم وحيلتكم واختياركم؛ المعنى: ولو خليتم ~~(لعله) واختياركم لأثمتم، {أولئك هم الراشدون(7)} أي: هم الذين أصابوا ~~الطريق السوي، والكفر: تغطية النعم بالمعاصي؛ والفسوق: الخروج عن القصد؛ ~~والعصيان: الامتناع عن الانقياد؛ {فضلا من الله ونعمة} والرشد: فضل الله ~~وإنعامه (¬2) ، {والله عليم} [563] بأحوال المؤمنين، وما بينهم من التفاضل، ~~{حكيم(8)} حين تفضل عليهم بالتوفيق. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «الجهل»، ولا معنى له في هذا السياق. والصواب ما ~~أثبتناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص157. # (¬2) - ... في الأصل: «وانعمامه»، وهو خطأ. PageV04P165 # وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} منهما أو من أحدهما ما ~~وقع من الفساد بالنصح والدعاء إلى حكم الله، {فإن بغت إحداهما} تعدت {على ~~الأخرى، فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} ترجع إلى ما حكم عليها، ms0855 ~~وإنما أطلق الفيء على الظل لرجوعه بعد نسخ الشمس، والغنيمة لرجوعها من ~~الكفار إلى المسلمين؛ {فإن فاءت، فأصلحوا بينهما بالعدل} بفصل ما بينهما ~~على ما حكم الله؛ وتقييد الإصلاح بالعدل هاهنا، لأنه مظنة الحيف، من حيث ~~أنه بعد التقاتل، {وأقسطوا} واعدلوا في كل الأمور، {إن الله يحب ~~المقسطين(9)} يحمد فعلهم بحسن الجزاء. # {إنما المؤمنون} حقا {إخوة} من حيث أنهم منتسبون إلى أصل واحد، وهو ~~الإيمان الموجب للحياة الأبدية، {فأصلحوا بين أخويكم} لتكونوا على حقيقة ~~الإيمان، غير فارقين عنه، {واتقوا الله} في مخالفة حكمه، والإهمال فيه، ~~{لعلكم ترحمون(10)} على تقواكم. # { PageV04P166 يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا ~~خيرا منهم، ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن} أي: لا يسخر بعض ~~المؤمنين والمؤمنات من بعض، إذ قد يكون المسخور منه خيرا عند الله من ~~الساخر، أي: لا يستهزئ، فينبغي أن لا يستهزئ أحد بما يراه رث الحال أو ذا ~~عاهة، أو بما يراه يعمل من طاعة الله فيسخر منه، فلعله أنقى عند الله وأخلص ~~ضميرا ممن هو على صفته، فيكون قد حقر من وقره الله (¬1) ، {ولا تلمزوا ~~أنفسكم} أي: لا يعب بعضكم بعضا، فإن المؤمنين كنفس واحدة، أي: حصنوا أنفسهم ~~بالانتهاء عن غيها؛ وقيل: اللمز: الطعن والعيب في المشهد، والهمز: في ~~المغيب؛ وقيل: إن اللمز ما يكون باللسان والعين والإشارة، والهمز: لا يكون ~~إلا باللسان، {ولا تنابزوا بالألقاب} ولا يدع (¬2) # ¬__________ # (¬1) - ... وردت العبارة في الأصل هكذا: «{عسى أن يكن خيرا منهن} أي: لا ~~يسخر، فينبغي أن لا يستهزئ أحد بما يراه رث الحال أو ذا عاهة؛ أو بما يراه ~~يعمل من طاعة الله فيسخر منه، فلعله أنقى عند الله وأخلص ضميرا ممن هو على ~~صفته، فيكون قد حقر من وقره الله، بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض، إذ قد ~~يكون المسخور منه خيرا عند الله من الساخر، أي: لا يستهزئ»، وصححناها حسب ~~المعنى، وهذا من أعجب ما وقع فيه الناسخ من أخطاء، إذ يقدم عبارة كاملة ms0856 على ~~أخرى، فلعله قد نقلها من الحاشية ولم يثبتها في محلها. # (¬2) - ... في الأصل: «يدعوا»، وهو خطأ.. PageV04P167 # بعضكم بعضا بلقب السوء؛ {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} أي: بئس الذكر ~~المرتفع للمؤمنين أن يذكروهم بالفسق، بعد دخولهم الإيمان واستهزائهم به؛ ~~{ومن لم يتب} عما نهي عنه {فأولئك هم الظالمون(11)} بوضع العصيان موضع ~~الطاعة، وتعريض النفس للعذاب وتنقيلها من الرحمة إليه. # {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن} كونوا منه على جانب، وإبهام ~~“الكثير” ليحتاط في كل ظن ويتأمل، حتى يعلم أنه من أي القبيل، فإن من الظن ~~ما يجب اتباعه: كالظن حيث لا قاطع فيه من العيان (¬1) ، وحسن الظن بالله؛ ~~وما يحرم: كالظن في الإلهيات والنبوات؛ وحيث يخالفه قاطع، وظن السوء ~~بالمؤمنين. وفي ذلك قيل عن النبيء - عليه السلام - : «إن الظن أكذب الحديث» (¬2) ؛ # ¬__________ # (¬1) - ... في تفسير البيضاوي: «كالظن حيث لا قاطع فيه من العمليات»، وهو ~~أوفق للسياق، لأنه يقابل ما بعده: الظن في الإلهيات والنبوات. انظر: ~~البيضاوي: تفسير، ج4/ ص159. # (¬2) - ... في الأصل: «كذب الحديث»، وهو خطأ. # ... ... والحديث رواه البخاري: كتاب النكاح، 4747، عن الأعرج قال قال أبو ~~هريرة يأثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إياكم والظن، فإن الظن ~~أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تباغضوا، وكونوا إخوانا، ولا يخطب ~~الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك». وفي كتاب الأدب، 5604، 5606، وكتاب ~~الفرائض، البر والصلة والآداب. ورواه الترمذي: كتاب البر والصلة، رقم 1911. ~~أبو داود: كتاب الأدب، 4271. أحمد: باقي مسند المكثرين، بعدة طرق. مالك: ~~الموطأ، كتاب الجامع. العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «أكذب الحديث». PageV04P168 # وما يباح [564] كالظن في الأمور المعاشية، {إن بعض الظن إثم} الإثم: ~~الذنب يستحق العقوبة عليه، ويكسر الأعمال. # {ولا تجسسوا} ولا تبحثوا عن عورات المسلمين؛ وفي الحديث: «لا تتبعوا عن ~~عورات المسلمين، فإن من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته حتى يفضحه ولو في جوف ~~بيته» (¬1) ، {ولا يغتب بعضكم بعضا} ولا يذكر بعضكم بعضا بسوء، وإن كان فيه ~~فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته (¬2) ، { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه الترمذي: ms0857 كتاب البر والصلة. 1955، عن ابن عمر قال: صعد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المنبر، فنادى بصوت رفيع فقال: «يا معشر ~~من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه! لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم، ~~ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن ~~تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله»... قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، ~~لا نعرفه إلا من حديث الحسين بن واقد. وروى إسحق بن إبراهيم السمرقندي عن ~~حسين بن واقد نحوه وروي عن أبي برزة الأسلمي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- نحو هذا. ورواه أبو داود في كتاب الأدب، رقم 4236، ونحوه عند ابن ماجه: ~~كتاب الحدود، رقم 2536. وأحمد: مسند البصريين، 18940، 18963؛ باقي مسند ~~الأنصار، 21368. # (¬2) - ... روى مسلم وأبو داود والترمذي وأحمد عن أبي هريرة أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «أتدرون ما الغيبة؟ ذكرك أخاك بما يكره، إن ~~كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته»..برنامج سلسلة كنوز ~~السنة: الجامع الصغير وزياداته. PageV04P169 # أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا}؟ تمثيل لما يناله المغتاب من عرض ~~المغتاب على أفظع وجه. وعن قتادة: «كما تكره إن وجدت جيفة مدودة أن تأكل ~~منها، كذلك فاكره لحم أخيك وهو حي». ولما قررهم سبحانه بأن أحدا منهم لا ~~يحب أكل جيفة أخيه، عقب ذلك بقوله: {فكرهتموه} أي: فتحققت بوجوب الإقرار ~~عليكم كراهتكم له ونفور طباعكم منه، فاكرهوا (¬1) ما هو نظيره من الغيبة، ~~{واتقوا الله إن الله تواب رحيم(12)} لمن ألقى ما نهى الله عنه، وتاب مما ~~فرط منه، والمبالغة في “التواب” لأنه يبلغ (¬2) في قبول التوبة، إذ يجعل ~~صاحبها كمن لا ذنب له، أو لكثرة المتوب عليهم؛ أو لكثرة ذنوبهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «ناكرهوا»، وهو تحريف من الناسخ. # (¬2) - ... الصواب ما ذكره البيضاوي: «لأنه بليغ في قبول التوبة»، تفسير، ~~ج4/ ص159. PageV04P170 # يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} من آدم وحواء، أو خلقنا كل واحد ~~منكم من أب وأم، فالكل سواء في ms0858 ذلك، فلا وجه للتفاخر في النسب؛ ويجوز أن ~~يكون تقريرا للأخوة المانعة عن الاغتياب. قال الغزالي في قوله تعالى: {يا ~~أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى}: «أي: تفاوت في أنسابكم، لاجتماعكم ~~على أصل واحد، ثم ذكر فائدة النسب فقال: {وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا}، ~~ثم بين أن الشرف بالتقوى لا بالنسب فقال: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} ولما ~~قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أكرم الناس؟ من أكيس الناس؟ لم ~~يقل: من ينتمي إلى نسبي، ولكن قال: “أكثرهم للموت ذكرا، أو أشدهم له ~~استعدادا” (¬1) ». # { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه ابن ماجه: كتاب الزهد، 4249، عن ابن عمر أنه قال: كنت مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاءه رجل من الأنصار، فسلم على النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ، ثم قال: يا رسول الله: أي المؤمنين أفضل؟ قال: ~~«أحسنهم خلقا»، قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال: «أكثرهم للموت ذكرا، وأحسنهم ~~لما بعده استعدادا، أولئك الأكياس». العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: ~~«أكيس». PageV04P171 # وجعلناكم شعوبا وقبائل} الشعب: الجمع العظيم، المنسوبون إلى أصل واحد، ~~وهو يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن ~~يجمع الأفخاذ، والفخذ يجمع الفصائل، فخزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش ~~عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، وعباس فصيلة؛ وقيل: الشعوب بطون (¬1) العجم، ~~والقبائل بطون العرب، {لتعارفوا} ليعرف بعضكم بعضا، لا للتفاخر بالآباء ~~والقبائل، وتدعوا التفاوت والتفاضل؛ ثم بين سبحانه الخصلة التي بها يكتسب ~~الإنسان الكرم والشرف عند الله فقال: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} فإن ~~التقوى بها تكمل النفوس وتتفاضل الأشخاص، فمن أراد شرفا فليلتمس منها كما ~~قال - عليه السلام - [565] فيما يروى عنه: «من سره أن يكون أكرم الناس ~~فليتق الله» (¬2) . « # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «بطن»، والصواب ما أثبتناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص159. # (¬2) - ... لم نعثر عليه بهذا اللفظ. وقد ورد عند البخاري حديث في معناه: ~~كتاب أحاديث الأنبياء، 3104، عن أبي هريرة رضي الله عنه قيل: يا رسول الله، ~~من أكرم الناس؟ قال: «أتقاهم»...الحديث. وفي الكتاب نحوه، برقم 3123، 3131؛ ~~كتاب المناقب، 3231؛ كتاب تفسير القرآن، 4321. مسلم: كتاب ms0859 الفضائل، 4383. ~~أحمد: باقي مسند المكثرين، 9201. العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: ~~«أكرم الناس». PageV04P172 # يا أيها الناس، إنما الناس رجلان: مؤمن تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين ~~على الله» (¬1) ؛ # ¬__________ # (¬1) - ... روى الترمذي في كتاب تفسير القرآن، رقم 3193 عن ابن عمر أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم فتح مكة فقال يا أيها الناس! ~~إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان: بر ~~تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، والناس بنو آدم، وخلق الله آدم ~~من تراب، قال الله: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم ~~شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير}». قال ~~أبو عيسى هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر إلا ~~من هذا الوجه وعبد الله بن جعفر يضعف، ضعفه يحيى بن معين وغيره، وعبد الله ~~بن جعفر هو والد علي بن المديني. قال: وفي الباب عن أبي هريرة وابن عباس. ~~وروي نحوه في كتاب المناقب، رقم 3890، 3891. وأخرجه كذلك أبو داود في كتاب ~~الأدب، رقم 4452. أحمد في باقي مسند المكثرين، 8381، 10363. العالمية: ~~موسوعة الحديث، مادة البحث: «هين على الله».. PageV04P173 # قيل في هذه الآية: «أكرم الكرم التقوى»؛ وقيل: قال رسول الله: «الحسب: ~~المال، والكرم: التقوى» (¬1) . {إن الله عليم} بكم {خبير(13)}. # {قالت الأعراب: آمنا قل: لم تؤمنوا} إذ الإيمان: تصديق مع ثقة واطمئنانية ~~قلب، ولم يحصل لكم؛ وقيل عن الزهري أنه قال: «إن الإسلام كلمة، والإيمان ~~عمل»، {ولكن قولوا: أسلمنا} فإن الإسلام الدخول في السلم، والخروج من أن ~~يكون حربا للمؤمنين بإظهار الشهادتين، ألا ترى إلى قوله: {ولما يدخل ~~الإيمان في قلوبكم، وإن تطيعوا الله ورسوله} وضع قوله: {لم تؤمنوا} موضع ~~كذبتهم، بدلالة قوله في صفة المخلصين: {أولئك هم الصادقون} تعريضا بأن ~~هؤلاء هم الكاذبون؛ {ولكن قولوا: أسلمنا} ولم يقل: أسلمتم ليكون خارجا مخرج ~~الزعم والدعوى، كما كان قولهم: «آمنا» تفسيرا (¬2) ؛ {لا يلتكم من أعمالكم} ~~لا ينقصكم من ms0860 أجورها {شيئا} من لات ليتا: إذا نقص، كقوله: {وما ألتناهم من ~~عملهم من شيء} (¬3) ومعناهما واحد، {إن الله غفور} لمن فرط منه ما نهى عنه ~~وتاب، {رحيم(14)} بالتفضل عليهم. ثم بين حقيقة الإيمان، فقال: # { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه الترمذي: كتاب تفسير القرآن، رقم 3194، عن سمرة، قال أبو ~~عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث سمرة لا نعرفه إلا من حديث سلام بن ~~أبي مطيع. ورواه ابن ماجه في كتاب الزهد، رقم 4209. أحمد: مسند البصريين، ~~رقم 19243. العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «الكرم التقوى». # (¬2) - ... في الأصل: «تفسير»، وهو خطأ. # (¬3) - ... سورة الطور: 21. PageV04P174 # إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، ثم لم يرتابوا} لم يشكوا في ~~وحدانية الله والإرسال، ولا فيما جاءوا بعد ثلج صدورهم بالإيمان، بأن ~~يعترضهم الشيطان، أو بعض المضلين فيشككهم، ويقذف في قلوبهم ما يثلم اليقين، ~~{وجاهدوا} العدو المحارب، والشيطان، والنفس الأمارة بالسوء، {بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله} والمجاهدة: بهما تصلح للعبادات المالية والبدنية ~~بأسرها، {أولئك هم الصادقون(15)} الذين صدقوا في ادعاء الإيمان. # {قل: أتعلمون الله بدينكم}؟ أتخبرونه به، بقولكم (¬1) : «آمنا» {والله ~~يعلم ما في السماوات وما في الأرض، والله بكل شيء عليم(16)} لا تخفى عليه ~~خافية، وهو تجهيل لهم وتوبيخ؛ والمعنى: أنه عالم بذلك ومحيط بضمائركم، فلا ~~يحتاج إلى إخباركم به، لأنه يعلم جميع المعلومات لذاته، فلا يحتاج إلى علم ~~يعلم به ولا إلى من يعلمه. # {يمنون عليك أن أسلموا} يعدون إسلامهم عليك منة، وهي: النعمة، {قل: لا ~~تمنوا علي إسلامكم} أي: بإسلامكم، {بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان} ~~على ما زعمتم أن الهداية لا تستلزم الاهتداء، {إن كنتم صادقين(17)} في ~~ادعاء الإيمان، أي: فلله المنة عليكم؛ وفي سياق الآية لطف، وهو أنهم لما ~~سموا ما صدر عنهم إيمانا ومثوبة، فنفى أنه إيمان وسماه إسلاما؛ قال: {يمنون ~~عليك} بما هو في [566] الحقيقة إسلام، وليس بجدير أن يمنوا [به] عليك، بل ~~لو صح ادعاؤهم للإيمان، فلله المنة عليهم بالهداية له (¬2) لا لهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «بقوله»، والصواب ما أثبتناه من البيضاوي: تفسير، ms0861 ~~ج4/ ص160. # (¬2) - ... الصواب: - «له»، لأنه تكرار. PageV04P175 # إن الله يعلم غيب السماوات والأرض} ما غاب فيهما، {والله بصير بما ~~تعملون(18)} في سركم وعلانيتكم، فكيف يخفى عليه ما في ضمائركم!. # - - - # سورة ق # بسم الله الرحمن الرحيم # {ق والقرآن المجيد(1)} الكلام فيه كما مر في {ص والقرآن ذي الذكر} (¬1) . ~~والمجيد: ذو المجد والشرف على سائر الكتب، أو لأنه كلام المجيد، أو لأن من ~~علم معانيه، وامتثل أحكامه مجد، {بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم} إنكار ~~لتعجبهم مما ليس بعجب، وهو أن ينذرهم أحد من أحسنهم، {فقال الكافرون: هذا ~~شيء عجيب(2)} حكاية لتعجبهم؛ و«هذا» إشارة إلى اختيار الله محمدا للرسالة، ~~وإضمار ذكرهم، ثم إظهاره للإشعار بتعنتهم لهذا (¬2) المقال، ثم التسجيل على ~~كفرهم بذلك، {أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد(3)} عن الوهم أو العادة أو ~~الإمكان؛ {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم} ما يؤكل من أجساد موتاهم؛ وهو رد ~~لاستبعادهم بإزاحة ما هو الأصل فيه، {وعندنا كتاب حفيظ(4)} حافظ لتفاصيل ~~الأنبياء كلها، أو محفوظ عن التغيير. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة ص: 1. انظر: ص 35 من هذا الجزء. # (¬2) - ... الصواب: «بهذا»، كما في البيضاوي: تفسير، ج4/ ص161. PageV04P176 # بل كذبوا بالحق} بحججه لما قامت عليهم {لما جاءهم فهم في أمر مريج(5)} ~~مضطرب، كالحمار في الطاحونة، وذلك قولهم تارة: إنه شاعر، وتارة: إنه كاهن، ~~وتارة: إنه ساحر. {أفلم ينظروا} حين كفروا بالبعث، {إلى السماء فوقهم} إلى ~~آثار قدرة الله في خلق العالم، {كيف بنيناها وزيناها} بالكواكب، {وما لها ~~من فروج(6)} نتوق (¬1) بأن حلتها ملساء متلاصقة. # {والأرض مددناها} بسطناها، {وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج} ~~من كل صنف، {بهيج(7)} حسن. {تبصرة وذكرى لكل عبد منيب(8)} راجع إلى ربه، ~~متفكر في بدائع صنعه. # {ونزلنا من السماء ماء مباركا} كثير المنافع (لعله) لأن به حياة كل شيء، ~~{فأنبتنا به جنات} أشجارا وأثمارا، {وحب الحصيد(9)} وحب الزرع الذي من شأنه ~~أن يحصد ويدخر. {والنخل باسقات لها طلع نضيد(10)} طوالا، أو حوامل؛ من ~~أبسقت الشاة: إذا حملت، وإفرادها بالذكر لفرط ارتفاعها وكثرة منافعها. ms0862 ~~{رزقا للعباد} عله ل«أنبتنا» {وأحيينا به} بذلك الماء {بلدة ميتا} أرضا ~~جدبة لا نماء فيها، {كذلك الخروج(11)} كما حييت هذه البلدة، يكون خروجكم ~~أحياء بعد موتكم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... قال في القاموس: «نتقه: زعزعه ونقضه» (الفيروزآبادي: القاموس، ~~ص832، مادة: «نتق»). ويصح أن يكون هذا تفسيرا للآية. إلا أننا نجد في الأصل ~~الذي نقل منه المصنف هذه العبارة: «{وما لها من فروج} فتوق، بأن خلقها ~~ملساء متلاصقة الطباق»، والتصحيف واضح بين العبارتين، وقد يكون من ناسخنا، ~~أو من نسخة البيضاوي التي اعتمد عليها المصنف. انظر: البيضاوي: المصدر نفسه. PageV04P177 # كذبت قبلهم قوم نوح، وأصحاب الرس، وثمود(12) وعاد، وفرعون، وإخوان ~~لوط(13) وأصحاب الأيكة، وقوم تبع، كل كذب الرسل فحق وعيد(14)} فوجب وحل ~~عليه، وهو تسلية لرسول الله وتهديد لهم. # {أفعيينا بالخلق الأول} أفعجزنا بالإبداء حتى نعجز عن الإعادة؛ [567] من ~~“عيي بالأمر”: إذا لم يهتد لوجه عمله، {بل هم في لبس من خلق جديد(15)} أي: ~~هم لا ينكرون قدرتنا على الخلق الأول، بل هم في خلط وشبهة من خلق مستأنف ~~لما فيه من مخالفة العادة؛ وتنكير الخلق الجديد (¬1) لتعظيم شأنه، والإشعار ~~بأنه على وجه غير متعارف ولا معتاد. # {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه} ما تحدث به نفسه، وهو ما ~~يخطر بالبال؛ والوسوسة: الصوت الخفي، ومنه وسواس الحلي، {ونحن أقرب إليه من ~~حبل الوريد(16)} أي: ونحن أعلم بحاله ممن كان أقرب إليه من حبل الوريد، ~~تجوز بقرب الذات لقرب العلم، لأنه موجبه؛ وحبل الوريد مثل في القرب، قال: ~~والموت أدنى من الوريد، والحبل: العرق، وإضافته للبيان، والوريدان: العرقان ~~المكتنفان بصفحتي العنق، في مقدمها متصلان بالوتين، يردان من الرأس إليه؛ ~~وقيل: سمي وريدا، لأن الروح ترده. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «الجديه»، ولا معنى له. PageV04P178 # إذ يتلقى المتلقيان} مقدر ب«اذكر»، أو متعلق ب«أقرب»، أي: هو أعلم بحاله ~~من كل قريب حتى يتلقى، أي: يتلقن الحفيظان ما يتلفظ به؛ وفيه إيذان بأنه ~~غني عن استحفاظ الملكين، فإنه أعلم منهما؛ أو مطلع على ما يخفى عليهما، ~~لكنه لحكمة اقتضته، ms0863 وهي ما فيه من تشديد يثبط العبد عن المعصية، وتأكيد في ~~اعتبار الأعمال وضبطها للجزاء، وإلزام الحجة يوم يقوم الأشهاد، {عن اليمين ~~وعن الشمال قعيد(17)} أي: عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد؛ أي: مقاعد. {ما ~~يلفظ من قول} ما يرمي به من فيه {إلا لديه رقيب} ملك يرقب عمله. قال أبو ~~سعيد: «معي أنه في قوله: {رقيب عتيد} شهيد حفيظ»، {عتيد(18)} حاضر، و(لعله) ~~يكتب عليه ما فيه ثواب أو عقاب. # {وجاءت سكرة الموت بالحق} لما ذكر استبعادهم البعث للجزاء، وأزاح ذلك ~~بتحقيق قدرته وعلمه، أعلمهم بأنهم يلاقون ذلك عن قريب عند الموت وقيام ~~الساعة، ونبه على اقترابه بأن عبر عنه بلفظ الماضي؛ وسكرة الموت: شدته ~~الذاهبة بالعقل؛ والمعنى: وأحضرت سكرة الموت حقيقة الأمر الموعود، أو الحق ~~الذي ينبغي أن يكون من الموت أو الجزاء، فإن الإنسان خلق له؛ {ذلك} أي: ~~الموت، {ما كنت منه تحيد(19)} تميل وتفر عنه، والخطاب للإنسان. # { PageV04P179 ونفخ في الصور} يعني: نفخة البعث {ذلك يوم الوعيد(20)} أي: ~~وقت ذلك يوم تحقق الوعيد؛ {وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد(21)} قيل: ملكان ~~أحدهما يسوقه والآخر يشهد بعمله؛ أو ملك جامع للوصفين؛ وقيل: السائق: كاتب ~~السيئات، والشيهد: كاتب الحسنات؛ وقيل: السائق: قرينه، والشهيد: جوارحه ~~وأعماله، {لقد كنت في غفلة من هذا} على إضمار [568] القول؛ والخطاب لكل ~~نفس، إذ ما من أحد إلا وله أشغال ما تبعده عن الآخرة؛ أو للكافر، أي: لقد ~~كنت في غفلة من هذا اليوم في الدنيا، وجعلت الغفلة كأنها غطاء لك، وغشاوة ~~لعينيك، فكشفنا عنك الغطاء، وزالت عنك الغفلة. # {فكشفنا عنك غطاءك} الغطاء: الحاجب عن التبصرة لأمور المعاد، وهو الغفلة ~~والانهماك في المحسوسات والإلف بها، وقصور النظرعليها؛ {فبصرك اليوم ~~حديد(22)} نافذ لزوال المانع للإبصار؛ وقيل: البصر هاهنا العلم؛ يقول: كنت ~~تكذب، فأنت اليوم عالم بالأمر نافذ البصر فيه، وهو مثل قوله: {أسمع بهم ~~وأبصر يوم يأتوننا} (¬1) أي: ما أسمعهم وأبصرهم يومئذ؛ يقول: هم سمعاء ~~وبصراء، لأن الشك قد زال عنهم، ومثله {ثم لترونها عين اليقين} (¬2) ؛ وقيل: ms0864 ~~الخطاب للنبي؛ والمعنى: كنت في غفلة من أمر الديانة، فكشفنا عنك غطاء ~~الغفلة بالوحي وتعليم القرآن، فبصرك اليوم حديد، ترى ما لا يرون، وتعلم ~~مالا يعلمون، وذلك أن الله يذكره نعمته. # {وقال قرينه:} قال: الملك الموكل عليه، {هذا ما لدي عتيد(23)} هذا ما هو ~~مكتوب عندي حاضرا لدي؛ أو الشيطان الذي قيض له: هذا ما عندي وفي ملكتي عتيد ~~لجهنم، هيأته لها بإغوائي وإضلالي. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة مريم: 38. # (¬2) - ... سورة التكاثر: 7. PageV04P180 # ألقيا في جهنم كل كفار} خطاب من الله للسائق والشهيد أو للملكين من خزنة ~~النار، {عنيد(24)} معاند للحق. {مناع للخير} كثير المنع للمال عن حقوقه ~~المفروضة؛ وقيل: المراد بالخير: الإسلام، {معتد مريب(25)} شاك في الله وفي ~~دينه. {الذي جعل مع الله إلها آخر} وهو يتناول جميع معاصي الله تعالى، وكل ~~من شك في الله وارتاب في ربوبيته يجعل معه إلها آخر، لأنه يجعل إلهه هواه، ~~ولا بد للإنسان أن يعبد الله، أو يعبد هوى نفسه، {فألقياه في العذاب ~~الشديد(26)} أي: الشيطان المقيض له. # {قال قرينه: ربنا ما أطغيته} كأن الكافر قال: هو أطغاني، فقال قرينه: ~~ربنا ما أطغيته، {ولكن كان في ضلال بعيد(27)} فأعنته عليه، فإن إغواء ~~الشيطان إنما يؤثر فيمن كان مختل الرأي، مائلا إلى الفجور، كما قال: {وما ~~كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي} (¬1) . {قال:} أي: الله ~~{لا تختصموا لدي} أي: في موقف الحساب، فإنه لا فائدة فيه، {وقد قدمت إليكم ~~بالوعيد(28)} على الطغيان في كتبي، وعلى ألسنة رسلي، فلم تبق لكم حجة. # {ما يبدل القول لدي} أي: بوقوع الخلف فيه، فلا تطمعوا أن أبدل وعيدي، ~~{وما أنا بظلام للعبيد(29)} بأن أعذب من ليس لي تعذيبه. {يوم نقول لجهنم: ~~هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد(30)}؟ وسؤال جهنم وجوابها من باب التخييل ~~الذي يقصد به تصوير المعنى في القلب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة إبراهيم: 22. PageV04P181 # وأزلفت الجنة للمتقين} قربت لهم حتى يروها قبل الدخول، {غير بعيد(31)} ~~مكانا غير بعيد، {هذا ما توعدون لكل أواب} رجاع إلى [569] الله، {حفيظ(32)} ~~حافظ ms0865 لحدوده. {من خشي الرحمن بالغيب} أي: خشية ملتبسة بالغيب، حيث خشي ~~عقابه وهو غائب، لأنه توقع وقوعه بتصديقه لخالقه، {وجاء بقلب منيب(33) ~~ادخلوها بسلام} سالمين من كل آفة وفناء، {ذلك يوم الخلود(34) لهم ما يشاءون ~~فيها، ولدينا مزيد(35)} وهو ما لا يخطر ببالهم، مما لا عين رأت، ولا أذن ~~سمعت، ولا خطر على قلب بشر. # {وكم أهلكنا قبلهم} قبل قومك، {من قرن هم أشد منهم بطشا} قوة {فنقبوا في ~~البلاد} فخرقوا في البلاد، وتصرفوا فيها، أو جالوا في الأرض كل مجال حذر ~~الموت؛ وأصل التنقيب: البحث عن الشيء، {هل من محيص(36)}؟ أي: لهم من الله، ~~أو من الموت. # {إن في ذلك} فيما ذكر في هذه السورة {لذكرى} لتذكرة، {لمن كان له قلب} ~~أي: قلب واع يتفكر في حقائقه؛ والمعنى: جعل من لم يتذكر بالقرآن، مفلسا من ~~القلب معدما منه، {أو ألقى السمع} وأصغى لاستماعه {وهو شهيد(37)} حاضر ~~بذهنه غير ساه ولا غافل لتفهم معانيه، أو شاهد بصدقه، فيتعظ بظواهره، ~~وينزجر بزواجره. # {ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من ~~لغوب(38)} من تعب وإعياء. {فاصبر على ما يقولون} من الباطل، {وسبح بحمد ~~ربك} ونزهه عن العجز عما يمكن، والوصف بما يوجب التشبيه، حامدا له على ما ~~أنعم عليك من إصابة الحق وغيرها، {قبل طلوع الشمس وقبل الغروب(39) ومن ~~الليل فسبحه وأدبار السجود(40)} أعقاب الصلوات. # { PageV04P182 واستمع} لما أخبرك به من أحوال القيامة، {يوم ينادي ~~المنادي} قيل: إسرافيل - عليه السلام - يقول: «يا أيتها العظام البالية، ~~والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة، إن الله تعالى ~~يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء»، {من مكان قريب(41)} بحيث يصل نداؤه إلى ~~الكل على سواء، {يوم يسمعون الصيحة بالحق} وهي النفخة الأخيرة، نفخة البعث، ~~{ذلك يوم الخروج(42)} من القبور. # {إنا نحن نحيي ونميت} في الدنيا، {وإلينا المصير(43)} للجزاء في الآخرة. ~~{يوم تشقق الأرض عنهم سراعا} مسرعين، أو مأمورة بسرعة، {ذلك حشر} بعث وجمع ~~{علينا يسير(44)} هين. # {نحن أعلم بما يقولون} تسلية لرسول الله، وتهديد لهم، ms0866 {وما أنت عليهم ~~بجبار} بمتسلط تقسرهم على الإيمان، أو تفعل لهم ما تريد، وإنما أنت داع ~~ومذكر ومحذر (¬1) ، {فذكر بالقرآن من يخاف وعيد(45)} فإنه لا ينتفع به غيره. # سورة الذاريات # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «ومذكرا ومحذرا»، وهو خطأ إذ لا موجب لنصبهما. PageV04P183 # والذاريات ذروا(1)} قيل: الرياح تذر (¬1) التراب وغيره؛ أو النساء الولد، ~~فإنهن يذرين الأولاد؛ أو الأسباب التي تذري الخلائق من الملائكة وغيرهم. ~~{فالحاملات وقرا(2)} فالسحب الحاملة للأمطار، أو الرياح الحاملة للسحاب، أو ~~النساء الحوامل، أو أسباب الأشياء، فإنها حوامل للأشياء. {فالجاريات ~~يسرا(3)} فالسفن الجارية في البحر سهلا؛ أو الرياح الجارية [570] في ~~مهابها؛ أو الكواكب التي تجري في منازلها؛ أو الأسباب تجري إلى مسبباتها. ~~{فالمقسمات أمرا(4)} الملائكة التي تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق ~~وغيرها؛ أو ما يعمهم وغيرها من أسباب القسمة؛ أو الرياح يقسمن الأمطار ~~بتصريف السحاب؛ فإن حملت على ذوات مختلفة، فالفاء لترتيب الأقسام بها (¬2) ~~، باعتبار ما بينهما من التفاوت في الدلالة على كمال القدرة؛ وإلا فالفاء ~~لترتب الأفعال، إذ الريح (لعله) مثلا تذرو الأبخرة إلى الجو (¬3) حتى تنعقد ~~سحابا، فيحمله فتجريه باسطة له إلى حيث أمرت به فتقسم المطر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في البيضاوي: «تذرو»، و«ذر»، و«ذرا» معناهما متقارب. قال في ~~القاموس في مادة “ذرر”: «الذر: ...تفريق الحب والملح ونحوه»، وفي مادة: ~~“ذرو”: «ذرت الريح الشيء ذروا وأذرته وذرته: أطارته وأذهبته». ر: ~~الفيروزآبادي: القاموس، ص356، 1156. البيضاوي: تفسير، ج4/ ص165. # (¬2) - ... في الأصل: «فالفاء الترتب لإقسام»، وفيها خطآن، والصواب ما ~~أثبتناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص165. # (¬3) - ... في الأصل: «إلى الحق»، ولا معنى له. PageV04P184 # إنما توعدون لصادق(5) وإن الدين لواقع(6)} كما أنه استدل باقتداره على ~~هذه الأشياء العجيبة، المخالفة لمقتضى الطبيعة، دل على اقتداره على البعث ~~الموعود؛ والدين: الجزاء؛ والواقع: الحاصل بالحقيقة. {والسماء ذات ~~الحبك(7)} قيل: ذات الطرائق؛ والمراد: إما الطريق المحسوسة التي هي مسير ~~الكواكب، أو المعقولة التي يسلكها النظار، ويتوصل بها إلى المعارف؛ أو ~~النجوم فإنها لها طرائق؛ أو بيان لقبول الأعمال الصالحة، فإنها يفتح لها ~~أبواب السماء. ms0867 # {إنكم لفي قول مختلف(8)} في الرسول؛ وهو قولهم تارة: «إنه شاعر»، وتارة: ~~«إنه ساحر»؛ أو في الدين، فإنه أعم من الأول، والاختلاف فيه أعظم الاختلاف. ~~{يؤفك عنه من أفك(9)} يصرف عنه من صرف في علم الله وقضائه حتى يكذبه. {قتل ~~الخراصون(10)} الكذابون من أصحاب القول المختلف؛ وأصله الدعاء بالقتل، أجري ~~مجرى الهلاك. {الذين هم في غمرة} في جهل يغمرهم، {ساهون(11)} غافلون عما ~~أمروا به. {يسألون أيان يوم الدين(12)}؟ أي: يقولون: متى يوم الجزاء؟ أي: ~~وقوعه. {يوم هم على النار يفتنون(13)} يحرقون {ذوقوا فتنتكم} أي: مقولا لهم ~~هذا القول، {هذا الذي كنتم به تستعجلون(14)} هذا العذاب الذي كنتم به ~~تستعجلون. # { PageV04P185 إن المتقين} الخرس (¬1) الذين لا ينطقون، ولا يعملون إلا ~~بعلم، {في جنات وعيون(15) آخذين ما آتاهم ربهم} قابلين بما أعطاهم، راضين ~~به؛ ومعناه: أن كل ما أتاهم على اختلاف درجاتهم، وعلو مراتبهم، كل منهم راض ~~عن ربه لتمام النعمة للجميع؛ {إنهم كانوا قبل ذلك محسنين(16)} في العمل. ~~{كانوا قليلا من الليل ما يهجعون(17)} تفسير لإحسانهم؛ و«ما» مزيدة؛ أي: ~~يهجعون في طائفة من الليل، أو يهجعون هجوعا قليلا؛ أو مصدرية، أو موصولة، ~~أي: في قليل من الليل هجوعهم، أو ما يهجعون فيه؛ ولا يجوز أن تكون نافية، ~~لأن ما بعدها لا يعمل فيما قبلها. وفيه مبالغات لتقليل نومهم واستراحتهم: ~~ذكر القليل، والليل (الذي هو وقت البيات)، والهجوع [571] (الذي هو الفرار ~~من النوم)، وزيادة «ما». # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «الخرص»، بالصاد، وهو خطأ. وهذا التفسير لا يحتمله ~~المعنى اللغوي للتقوى، وإنما استنتجه المصنف بمقابلته مع: «الخراصين» ~~المذكورين آنفا. ويحتمل أنه باعتبار السياق اللاحق يقصد المعنى اللغوي ~~لخرس، قال في القاموس: «ورجل خرس، ككتف: لا ينام بالليل»، ولكن يعكر عليه ~~قوله بعده: «لا ينطقون». انظر: الفيروزآبادي: القاموس، ص486، مادة: «خرس». PageV04P186 # وبالأسحار هم يستغفرون(18)} أي: أنهم مع قلة هجوعهم، وكثرة تهجدهم، إذا ~~أسحروا أخذوا في الاستغفار، كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم؛ وفي بناء الفعل ~~على الضمير، إشعار بأنهم أحقاء بذلك، لوفور علمهم بالله وخشيتهم، فيخافون ~~ردا ms0868 لأعمالهم؛ أو يصلون. {وفي أموالهم حق} نصيب يستوجبونه على أنفسهم تقربا ~~إلى الله، وإشفاقا على الناس، {للسائل والمحروم(19)} وهو الذي يظن غنيا ~~فيحرم الصدقة؛ وقيل: السائل الذي يسأل، والمحروم: المتعفف عن السؤال؛ أو ~~الذي لا يكسب. # {وفي الأرض آيات} أي: دلالات دالة على الصانع، وكمال قدرته، وبدائع ~~حكمته، بما فيهما من السهل والجبل، والبر والبحر، وأنواع النبات والأشجار ~~بالثمار المختلفة ألوانها، وطعومها وروائحها، الموافقة لحوائج ساكنيها، ~~ومنافعهم ومصالحهم، وما أنبت في أقطارها من أنواع الحيوان المختلفة الصور ~~والأشكال وغير ذلك، {للموقنين(20)} الموحدين الناظرين المتأملين ببصائرهم، ~~حتى أيقنوا حق اليقين. # {وفي أنفسكم أفلا تبصرون(21)} في مبتدإ أحوالها، وبنقلها من حال إلى حال، ~~وما ركب في ظواهرها وبواطنها من عجائب الفطر، وبدائع الحكم، ما تحار فيه ~~العقول، وحسبك بالقلوب وما ركز فيها من لطائف المعاني، وبالألسن والنطق ~~ومخارج الحروف، وبالصور والطبائع والألوان، واختلافها في كل إنسان، ~~وبالأسماع والأبصار وسائر الجوارح، وما رتب فيها من فنون الحكمة: # [و]في كل ... شيء له آية ... تدل على ... أنه واحد # { PageV04P187 وفي السماء رزقكم} وهو المطر، لأنه سبب الأقوات، {وما ~~توعدون(22)} الجنة؛ أو أراد: إن ما ترزقونه في الدنيا، وما توعدونه في ~~العقبى، كله مقدر مكتوب في السماء. {فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما ~~أنكم تنطقون(23)} أي: حق مثل نطقكم؛ والمعنى: أنه في صدقه وتحققه كالذي ~~تعرفه ضرورة. # {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين(24)}؟ قيل: سماهم «مكرمين» لأنهم ~~كانوا ملائكة كراما عند الله؛ وقد قال الله في صفتهم: {بل عباد مكرمون} ~~(¬1) وفيه (¬2) تفخيم لشأن الحديث، وتنبيه على أنه أوحي إليه، {إذ دخلوا ~~عليه، فقالوا: سلاما} أي: نسلم عليكم سلاما، {قال: سلام} أي: عليكم سلام، ~~{قوم منكرون(25)} أي: أنتم قوم غرباء لا نعرفكم، وإنما أنكرهم لأنه ظن أنهم ~~بنو آدم ولم يعرفهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأنبياء: 26. # (¬2) - ... في الأصل: «وفي تفخيم لسان»، وصححناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص166. PageV04P188 # فراغ إلى أهله} فذهب إليهم في خفية من ضيفه؛ فإن من أدب المضيف أن يبادره ~~بالقرى حذرا من أن يكفه الضيف، {فجاء ms0869 بعجل سمين(26)} قيل: لأنه كان عامة ~~ماله البقر. {فقربه إليهم} بأن وضعه بين أيديهم، {قال: ألا تأكلون(27)}؟ ~~أي: منه؛ والحث على الأكل على طريقة [الأدب]؛ أو قاله أول ما وضعه؛ ~~وللإنكار إن قاله حيث ما رأى إعراضهم (¬1) . {فأوجس منهم خيفة} فأضمر منهم ~~[خوفا] (¬2) لما رأى إعراضهم عن طعامه، لظنه أنهم [572] جاؤوه بشر؛ وقيل: ~~وقع في نفسه أنهم ملائكة أرسلوا للعذاب (¬3) ، {قالوا: لا تخف} إنا رسل ~~الله، {وبشروه بغلام} وهو إسحاق؛ {عليم(28)}. # {فأقبلت امرأته في صرة} في صيحة، {فصكت وجهها} فلطمت بأطراف الأصابع ~~جبهتها، فعل المتعجب؛ وقيل: وجدت حرارة (¬4) دم الحيض، فلطمت وجهها من ~~الحياء، {وقالت: عجوز عقيم(29)} أي: أنا عجوز عاقر، فكيف ألد؟!. {قالوا: ~~كذلك} مثل ذلك الذي بشرناه، {قال: ربك} وإنما نخبرك به عنه، {إنه هو الحكيم ~~العليم(30)} فيكون قوله حقا، وفعله محكما. # { # ¬__________ # (¬1) - ... العبارة غامضة ولتوضيحها نورد نص البيضاوي: «والهمزة فيه ~~للعرض والحث على الأكل على طريقة الأدب إن قاله أول ما وضعه؛ وللإنكار إن ~~قاله حينما رأى إعراضهم». انظر: البيضاوي: تفسير، ج4/ ص167. # (¬2) - ... إضافة من البيضاوي ليستقيم المعنى. المصدر نفسه. # (¬3) - ... في الأصل: «أرسلوا العذاب»، وهو خطأ. # (¬4) - ... في الأصل: «جواره»، ولا معنى له، وصححناه من المصدر نفسه. PageV04P189 # قال: فما خطبكم أيها المرسلون(31)}؟ فلما علم أنهم ملائكة، وأنهم لا ~~ينزلون مجتمعين إلا لأمر عظيم، سأل عنه. {قالوا: إنا أرسلنا إلى قوم ~~مجرمين(32)} يعنون: قوم لوط. {لنرسل عليهم حجارة من طين(33)} يريد السجيل، ~~فإنه طين متحجر. {مسومة} مرسلة، من “أسمت الماشية”؛ أو معلمة، من السومة: ~~وهي العلامة، أي: معلمة على كل حجر منها اسم من يهلك به؛ ولعلها أن يكون كل ~~حجر على قدر ذنب من يهلك بها ويعذب، والله أعلم بتأويل كتابه؛ {عند ربك ~~للمسرفين(34)} المجاوزين الحد في الفجور. {فأخرجنا من كان فيها من ~~المؤمنين(35) فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين(36) وتركنا فيها آية ~~للذين يخافون العذاب الأليم(37)} فإنهم المعتبرون بها. # {وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين(38) فتولى بركنه} فأعرض عن ~~الإيمان به، كقوله: {ونأى بجانبه} ms0870 (¬1) ؛ أو فتولى بما كان يتقوى به من ~~جنوده، {وقال: ساحر أو مجنون(39)} كأنه جعل ما ظهر عليه من الخوارق، منسوبا ~~إلى الجن. {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم(40)} آت بما يلام ~~عليه من الكفر والعناد. # {وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم(41)} سماها عقيما، لأنها أهلكتهم ~~وقطعت دابرهم؛ أو لأنها لم تتضمن منفعة. {ما تذر من شيء أتت عليه} مرت ~~عليه، {إلا جعلته كالرميم(42)} كالرماد، من الرم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الإسراء: 83؛ وسورة فصلت: 51. PageV04P190 # وفي ثمود إذ قيل لهم: تمتعوا حتى حين(43)} يفسره قوله: {تمتعوا في داركم ~~ثلاثة أيام} (¬1) . {فعتوا عن أمر ربهم} فاستكبروا عن امتثاله، {فأخذتهم ~~الصاعقة} أي: العذاب، {وهم ينظرون(44)} إليها. {فما استطاعوا من قيام} ~~كقوله: {فأصبحوا في دارهم جاثمين} (¬2) ؛ وقيل: هو من قولهم: “ما يقوم به” ~~إذا عجز عن دفعه، {وما كانوا منتصرين(45)} ممتنعين منه. # {وقوم نوح} أي: وأهلكنا قوم نوح {من قبل} هؤلاء، {إنهم كانوا قوما ~~فاسقين(46)} خارجين عن الاستقامة بالكفر. # {والسماء بنيناها بأيد} بقوة، {وإنا لموسعون(47)} لقادرون، من الوسع ~~بمعنى: الطاقة. {والأرض فرشناها} مددناها ليستقروا عليها، {فنعم ~~الماهدون(48) ومن كل شيء} من الأجناس {خلقنا زوجين} نوعين، {لعلكم ~~تذكرون(49)} فتعلموا أن التعدد من خواص الممكنات؛ فإن الواجب بالذات لا ~~يقبل التعدد والانقسام. # {ففروا إلى الله} من عقابه بالإيمان والتوحيد، وملازمة الطاعة، {إني لكم ~~منه} أي: من عذابه المعد لمن أشرك وعصى، {نذير مبين(50) ولا تجعلوا مع الله ~~إلها آخر إني لكم منه نذير مبين(51)} (¬3) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة هود: 65. # (¬2) - ... سورة الأعراف: 78، 91. سورة العنكبوت: 37. # (¬3) - ... في الأصل: - {ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير ~~مبين}، وهو سهو، وقد أوردها الناسخ بعد ستة أسطر، بعد قوله: «وتشابه ~~قلوبهم». ولم نجد لها محلا هناك فحذفناها، ونقلناها إلى موضعها هنا. PageV04P191 # كذلك} أي: الأمر مثل ذلك؛ والإشارة إلى تكذيبهم الرسول، وتسميتهم إياه ~~ساحرا أو مجنونا، وقوله: {ما أتى الذين من قبلهم من رسول [573] إلا قالوا: ~~ساحر أو مجنون(52) أتواصوا به} أي: كأن الأولين والآخرين أوصى بعضهم بعضا ~~بهذا (¬1) القول، حتى قالوه جميعا، ms0871 {بل هم قوم طاغون(53)} إضراب عن أن ~~التواصي جامعهم لتباعد أيامهم إلى أن الجامع بينهم لهذا القول مشاركتهم في ~~الطغيان الحاصل (¬2) عليه، وتشابه قلوبهم. # {فتول عنهم} فأعرض عن مجادلتهم بعدما كررت عليهم الآيات فأبوا إلا ~~الإصرار والإعراض، {فما أنت بملوم(54)} على الإعراض بعدما بذلت جهدك في ~~البلاغ. {وذكر} من ترجو منه القبول، {فإن الذكرى تنفع المؤمنين(55)} لا غيرهم. # {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون(56)} إلا لأجل العبادة، والمعنى في ~~ذلك أنه ليأمرهم بعبادته وطاعته، ولم يخلقهم ليعصوه، ولا ليعبدوا غيره، جل ~~الله وعز عن ذلك، وخلق لهم القوة للطاعة لا للمعصية، كما خلقهم للطاعة لا ~~للمعصية، على معنى الأمر والنهي. {ما أريد منهم من رزق} أي: لا أستعين بهم ~~في تحصيل أرزاقهم ومعايشهم، بل أتفضل عليهم برزقهم وبما يصلحهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «بهذه»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في البيضاوي: «الحامل عليه». انظر: ج4/ ص168. PageV04P192 # وما أريد أن يطعمون(57)} أي: وما أريد أن يطعموا أحدا من خلقي ولا ~~أنفسهم؛ وإنما أسند إلى نفسه، لأن الخلق كله عياله (¬1) ؛ ومن أطعم عيال ~~أحد فكأنما أطعمه (¬2) ؛ وفيه تنبيه على أنهم لم يخلقوا لكسب الأرزاق، ~~وإنما خلقوا للعبادة؛ والأرزاق متكفل بها وحده، بدليل قوله: {إن الله هو ~~الرزاق} لعباده وللخلائق كلهم، فلا يحتاج إلى معين، {ذو القوة المتين(58)} ~~الشديد القوة البليغ الاقتدار على كل شيء. # { # ¬__________ # (¬1) - ... روى أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبزار عن أنس، ~~والطبراني في الكبير عن ابن مسعود قوله - صلى الله عليه وسلم - : «الخلق ~~كلهم عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله». انظر: برنامج سلسلة كنوز ~~السنة: الجامع الصغير وزياداته. # (¬2) - ... وروى مسلم عن أبي هريرة قوله - صلى الله عليه وسلم - : «إن ~~الله تعالى يقول يوم القيامة: ...يا ابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني، فقال: ~~يا رب، وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان ~~فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟...» الحديث. انظر: ~~برنامج سلسلة كنوز السنة: الجامع الصغير وزياداته. PageV04P193 # فإن للذين ظلموا} (لعله) اتخذوا أنفسهم للأرزاق ms0872 دون العبادة {ذنوبا} أي: ~~للذين ظلموا أنفسهم نصيبا من العذاب، {مثل ذنوب أصحابهم} مثل نصيب نظرائهم ~~من الأمم السالفة؛ وهو مأخوذ من مقاسمة السقاء الماء بالدلاء، فإن الذنوب: ~~هو الدلو العظيم المملوء، {فلا يستعجلون(59)} جواب لقولهم: {متى هذا الوعد ~~إن كنتم صادقين} (¬1) {فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون(60)} من يوم ~~القيامة. # سورة الطور # بسم الله الرحمن الرحيم # {والطور(1) وكتاب مسطور(2) في رق منشور(3)} الرق ما يكتب فيه، المنشور: ~~المبسوط؛ وقيل: هو ديوان الحفظة (¬2) لقوله: {ونخرج له يوم القيامة كتابا ~~يلقاه (¬3) منشورا} (¬4) . {والبيت المعمور(4)} قيل: هو الكعبة، وعمارتها ~~بالحجاج والمجاورين؛ أو الضراح (¬5) ، قيل: هو في السماء، وعمرانه كثرة ~~غاشيته من الملائكة؛ أو قلب المؤمن، وعمارته بالمعرفة والإخلاص. {والسقف ~~المرفوع(5)} قيل: هو السماء، {والبحر المسجور(6)}. # {إن عذاب ربك لواقع(7) ما له من دافع(8)} يدفعه؛ ووجه دلالة هذه الأمور ~~المقسم بها على ذلك، أنها أمور تدل على كمال قدرة الله وحكمته، [574] وصدق ~~أخباره، وضبط أعمال العباد للمجازاة. {يوم تمور السماء مورا(9)} قيل: ~~تضطرب، والمور: تردد في المجيء والذهاب؛ وقيل: تحرك. {وتسير الجبال ~~سيرا(10)} أي: تسير عن وجه الأرض، فتصير هباء. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة يونس: 48؛ الأنبياء: 38... # (¬2) - ... في الأصل: «الحفظ»، وصححناه من البغوي: معالم التنزيل، ج4/ ص 236. # (¬3) - ... في الأصل: - «يلقاه»، وهو سهو. # (¬4) - ... سورة الإسراء: 13. # (¬5) - ... في القاموس: «الضراح، كغراب: البيت المعمور في السماء الرابعة ~~». الفيروزآبادي: القاموس، ص210، مادة: «ضرح». PageV04P194 # فويل يومئذ للمكذبين(11)} أي: إذا وقع ذلك فويل لهم، {الذين هم في خوض ~~يلعبون(12)} أي: في الخوض في الباطل. {يوم يدعون إلى نار جهنم دعا(13)} ~~يدفعون إليها بعنف؛ قيل: تغل أيديهم إلى أعناقهم، وتجمع نواصيهم إلى ~~أقدامهم، فيدفعون إلى النار. {هذه النار التي كنتم بها تكذبون(14)} أي: ~~يقال لهم ذلك. # {أفسحر هذا}؟ أي: كنتم تقولون للوحي: هذا سحر؛ {أم أنتم لا تبصرون(15)}؟ ~~هذا أيضا كما كنتم لا تبصرون في الدنيا ما يدل عليه، وهو تقريع وتهكم، أم ~~سدت (¬1) أبصاركم كما سدت في الدنيا على زعمكم حين قلتم: {إنما سكرت ~~أبصارنا} (¬2) . {اصلوها} قاسوا شدتها، {إنما تجزون ما كنتم ms0873 تعملون} ولا ~~راحة، صبرتم أم جزعتم، {فاصبروا أو لا تصبروا} أي: ادخلوها في أي شئتم من ~~الصبر وعدمه، فإنه لا محيص لكم عنها، (لعله) ولا راحة، صبرتم أم جزعتم، ~~{سواء عليكم} أي: الأمر من الصبر وعدمه، لا نفع في أحدهما، {إنما تجزون ما ~~كنتم تعملون(16)}. # {إن المتقين في جنات ونعيم(17) فاكهين} ناعمين متلذذين، {بما آتاهم ربهم ~~ووقاهم ربهم عذاب الجحيم(18) كلوا واشربوا هنيئا} وهو الذي لا تنغيص فيه، ~~مأمون العاقبة من التخمة والسقم والمنة، {بما كنتم تعملون(19)} بسببه أو بدله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «سد». # (¬2) - ... سورة الحجر: 15. PageV04P195 # متكئين على سرر مصفوفة، وزوجناهم بحور عين(20) والذين آمنوا واتبعتهم ~~ذريتهم (¬1) بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم} وما نقصناهم {من عملهم ~~من شيء، كل أمرئ بما كسب رهين(21)} بعمله السيء، مرهون عند الله به، فإن ~~خلص نفسه منه بالتوبة، وإصلاح ما أفسد، وأدى ما تعلق عليه به من حقوق الله، ~~وحقوق خلقه نجا، وإلا أغلق [كذا] الرهن بما فيه، وهلكت مع الهالكين. # {وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون(22)} من أجناس اللحوم {يتنازعون فيها} ~~يتعاطون هم وجلساؤهم، {كأسا} خمرا سماها باسم محلها. {لا لغو فيها ولا ~~تأثيم(23)} أي: لا يتكلمون بلغو الحديث في أثناء شربها، ولا يفعلون ما يؤثم ~~به فاعله، كما هو عادة الشاربين في الدنيا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: {وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم}، ~~وهي قراءة أبي عمرو. انظر: البيضاوي: تفسير، ج4/ ص169. الألوسي: روح ~~المعاني، ج27/ ص23. PageV04P196 # ويطوف عليهم} بالكأس {غلمان لهم} أي: مماليك مخصوصون بهم، {كأنهم لؤلؤ ~~مكنون(24)} مصون في الصدف من بياضهم وصفائهم. وعنه - عليه السلام - : ~~«والذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على ~~سائر الكواكب» (¬1) . قيل: ما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام، ~~وكل غلام على عمل غير ما عليه صاحبه. # {وأقبل بعضهم على بعض [575] يتساءلون(25)} يسأل بعضهم بعضا عن أحواله ~~وأعماله على معنى التفكه، يتذاكرون ما كانوا فيه من التعب والخوف في ~~الدنيا. {قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين(26)} ms0874 خائفين من عصيان الله ~~وجلين من العاقبة. {فمن الله علينا} بالرحمة والتوفيق، {ووقانا عذاب ~~السموم(27)} عذاب النار النافذة في المسام (لعله) وهو اسم من أسماء جهنم. ~~{إنا كنا من قبل ندعوه} نعبده، أو نسأله الوقاية، {إنه هو البر} (لعله) ~~المحسن، {الرحيم(28)} الكثير الرحمة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... أورده البغوي في تفسيره، قال: «وعن قتادة قال: ذكر لنا أن ~~رجلا قال: يا رسول الله، الخادم كاللؤلؤ المكنون فكيف المخدوم؟ قال: فضل ~~المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» ولم يعزه إلى ~~أحد. وأورده الزمخشري كما أورده المصنف هنا، أي بزيادة: «والذي نفسي بيده»، ~~وقال مصححه: «أخرجه عبد الرزاق... وأخرجه الثعلبي من رواية الحسن مرسلا». ~~انظر: البغوي: معالم التنزيل، ج4/ ص240. الزمخشري: الكشاف، ج4/ ص327. PageV04P197 # فذكر} فاثبت على التذكير، ولا تكترث بقولهم، {فما أنت بنعمة ربك} بحمد ~~الله وإنعامه، {بكاهن ولا مجنون(29)} كما يقولون. {أم يقولون شاعر نتربص به ~~ريب المنون(30)} ما تقلق النفوس به من حوادث الدهر؛ وقيل: المنون الموت. ~~{قل تربصوا فإني معكم من المتربصين(31)} أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكي. # {أم تأمرهم أحلامهم} عقولهم {بهذا}؟ بهذا (¬1) التناقض في القول؛ فإن ~~الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر، والمجنون مغطى عقله، والشاعر يكون ذا كلام ~~موزون متسق (¬2) مخيل، ولا يتأتى ذلك من المجنون؛ وأمر الأحلام مجاز أدائها ~~الوهم (¬3) ، {أم هم قوم طاغون(32)}؟ مجاوزون الحد في العناد؛ وقرئ: «بل ~~هم». {أم يقولون: تقوله}؟ اختلقه من تلقاء نفسه، {بل لا يؤمنون(33)} فيرمون ~~بهذه المطاعن لكفرهم وعنادهم. {فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين(34)} ~~كما يقولون: إنه تقوله، لأنه إذا قدر هو أن يتقوله قدروا هم على مثله، ~~لأنهم مثله في الخلقة أو الفصاحة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «لهذا». # (¬2) - ... في الأصل: «مستق»، وهو تصحيف. # (¬3) - ... الصواب: «إليه»، كما في سائر التفاسير، ولتوضيح العبارة نورد ~~ما قاله الألوسي: «وأمر الأحلام بذلك مجاز عن التأدية إليه بعلاقة السببية ~~كما قيل، وقيل: جعلت الأحلام آمرة على الاستعارة المكنية، فتشبه الأحلام ~~بسلطان مطاع تشبيها مضمرا في النفس، وتثبت له الأمر على طريق ms0875 التخييل». ~~الألوسي: روح المعاني، ج27/ ص37. وانظر نحو ذلك في: الزمخشري: الكشاف، ج4/ ~~ص329. البيضاوي: تفسير، ج4/ ص170. أبو السعود: تفسير، مج4/ ج8/ ص150. PageV04P198 # أم خلقوا من غير شيء}؟ أم أحدثوا أو قدروا من غير محدث، أو مقدر، فلذلك ~~لا يعبدونه؛ أو من أجل لا شيء من عبادة وجزاء عليها، {أم هم الخالقون(35)}؟ ~~يؤيد الأول، فإن معناه: أم خلقوا أنفسهم؛ ولذلك عقبه بقوله: {أم خلقوا ~~السماوات والأرض؟ بل لا يوقنون(36)} إذا سئلوا: من خلقكم؟ ومن خلق السماوات ~~والأرض؟ قالوا: الله؛ إذ لو أيقنوا ذلك لما أعرضوا عن عبادته. # {أم عندهم خزائن ربك} خزائن رزقه حتى يرزقوا النبوة من شاءوا؛ أو خزائن ~~علمه حتى يختاروا لها، {أم هم المسيطرون(37)} الغالبون على الإنشاء ~~يدبرونها (¬1) كيف شاؤوا. قال عطاء: «أرباب قاهرون، فلا يكونوا تحت أمر ~~ونهي، يفعلون ما شاؤوا» (¬2) . {أم لهم سلم} مرتقى إلى السماء، {يستمعون ~~فيه} صاعدين فيه إلى الملائكة، وما يوحى إليهم من علم الغيب، حتى يعلموا ما ~~هو كائن. {فليأت مستمعهم بسلطان مبين(38)} بحجة واضحة تصدق استماعه. # {أم له البنات ولكم البنون(39)}؟ فيه تسفيه لهم، وإشعار بأن من هذا رأيه ~~لا يعد من العقلاء، فضلا أن يترقى بروحه إلى عالم الملكوت؛ فيطلع على ~~الغيوب. {أم تسألهم أجرا} على تبليغ الرسالة، {فهم من مغرم} من التزام غرم ~~{مثقلون(40)} يحملون الثقل؛ فلذلك زهدوا (¬3) في [576] اتباعك. {أم عندهم ~~الغيب} اللوح المحفوظ المثبت فيه المغيبات، {فهم يكتبون(41)} منه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يدبروا لها»، وصححناها من البيضاوي: المصدر نفسه. # (¬2) - ... البغوي: معالم التنزيل، ج4/ ص239. # (¬3) - ... في الأصل: «اهدوا»، ولا معنى له، وصححناه من البيضاوي: المصدر نفسه. PageV04P199 # أم يريدون كيدا} في هدم الدين، {فالذين كفروا هم المكيدون(42)} هم الذين ~~يحيق بهم الكيد، ويعود عليهم وبال كيدهم؛ والمغلوب في الكيد: من كايدته ~~فكدته. {أم لهم إله غير الله} يغيثهم، ويحرسهم من عذابه، {سبحان الله عما ~~يشركون(43)} تنزيه له عن إشراكهم، أو شركه ما يشركونه به. # {وإن يروا كسفا} قطعة {من السماء ساقطا، يقولوا} من فرط طغيانهم وعنادهم: ~~{سحاب ms0876 مركوم(44)} تراكم بعضه على بعض، وهو قولهم: {فأسقط علينا كسفا من ~~السماء} (¬1) . {فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون(45)} وهو عند خروج ~~أرواحهم من الدنيا. {يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا} أي شيء من الإغناء في رد ~~العذاب، {ولا هم ينصرون(46)} يمنعون من عذاب الله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الشعراء: 187. PageV04P200 # وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك} أي: دون عذاب الموت وما بعده؛ وهو ~~تعذيبهم في الدنيا بكدهم لها، وجمعهم لحطامهم (¬1) ، وما يعصون الله به، ~~(لعله) لأنهم عباد إبليس من غير جلب نفع ولا دفع ضر، ينالون منه بعكوفهم ~~على عبادته جميع ما يصيبهم من المصايب في الأنفس والمال والأقارب، وكل شيء ~~يتألمون به ولا يؤجرون عليه؛ فهو عذاب معجل لهم كما قال: {ولنذيقنهم من ~~العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر} (¬2) ، وقال: {فلا تعجبك أموالهم ولا ~~أولادهم...} (¬3) الآية، وأما المؤمن وإن أصابه مكروه في الدنيا فذلك لا ~~يسمى عذابا، لأنه مثاب عليه، ولأنه لم يرتكب ذنبا فيستحق به العقوبة، ولأنه ~~عابد لله ينال بذلك خير الدارين، ويكفي شرهما. {ولكن أكثرهم لا يعلمون(47)} ~~أنهم معذبون، ويحسبون أنهم والمؤمنون في الآلام بمثابة واحدة؛ كلا بل لا ~~يكونون سواء، كما قال: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات، سواء محياهم ومماتهم؟! ساء ما يحكمون} (¬4) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... الصواب: «لحطامها»، ولكن الناسخ شطب على الصحيح وأثبت الخطأ: ~~«لحطامهام». # (¬2) - ... سورة السجدة: 21. # (¬3) - ... سورة التوبة: 85؛ ومحل الشاهد في تمامها: {إنما يريد الله ~~ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون}. # (¬4) - ... سورة الجاثية: 21. PageV04P201 # واصبر لحكم ربك} بإمهالهم، وإتعابك في عنائهم، {فإنك بأعيننا} في حفظنا ~~بحيث نراك. {وسبح بحمد ربك حين تقوم(48)} [من] أي مكان قمت، أو من منامك؛ ~~[أو] ما دمت يقظانا إلى أن يغلبك النوم، وهكذا (لعله) المؤمن؛ أو إلى ~~الصلاة (¬1) . {ومن الليل فسبحه} فإن العبادة فيه أشق على النفس، وأبعد عن ~~الرياء، ولذلك أفرده بالذكر، {وإدبار النجوم(49)} وإذا أدبرت النجوم من آخر ~~الليل، وبالفتح قرئ، أي: في أعقابها إذا غربت أو خفيت. # سورة النجم # بسم الله الرحمن ms0877 الرحيم # {والنجم إذا هوى(1)} أقسم بجنس النجم أو الثريا؛ فإنه أغلب فيه إذا غرب، ~~أو انتثر يوم القيامة؛ أو أنقص، أو طلع، (لعله) أو النجم من نجوم القرآن، ~~وقد نزل منجما، {إذا هوى} إذا نزل. {ما ضل صاحبكم} ما عدل محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - عن الطريق المستقيم، {وما غوى(2)} وما اعتقد [577] باطلا؛ ~~والمراد: نفي ما ينسبون إليه. {وما ينطق عن الهوى(3)} وما يصدر نطقه ~~بالقرآن عن الهوى. # {إن هو} ما القرآن، أو الذي ينطق به، {إلا وحي يوحى(4)} يوحيه الله إليه. ~~{علمه شديد القوى(5)} ملك شديد قواه، وهو جبريل. {ذو مرة} قوي، {فاستوى(6)} ~~استولى بقوته على ما جعل له من الأمر. {وهو بالأفق الأعلى(7)} أفق السماء؛ ~~والضمير لجبريل. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كتبت في الحاشية هذه العبارة ولكن بدون إحالة إليها من المتن: ~~«كما رفعه أبو سعيد: أن هذه الآية بيان لغرض التوجيه». PageV04P202 # ثم دنا} من النبي {فتدلى(8)} قيل: تدلى من الأفق الأعلى، فدنا من الرسول. ~~{فكان} جبريل، كقولك: [هو] مني معقد الإزار؛ أو المسافة بينهما، {قاب ~~قوسين} مقدارهما، والقاب والقيب، والقاد والقيد، والقاس والقيس: المقدار، ~~وأصله: فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين، {أو أدنى(9)} أو أقرب؛ وذلك ~~تحقيق استماعه لما يوحى إليه بنفي البعد الملبس. # {فأوحى} جبريل، {إلى عبده} عبد الله {ما أوحى(10)} جبريل؛ وفيه تفخيم ~~الموحى به، أو الله إليه؛ وقيل: الضمائر كلها لله تعالى، وهو شديد القوى، ~~كما في قوله: {هو الرزاق ذو القوة المتين} (¬1) ؛ ودنوه منه: ترفع مكانته، ~~وتدليه: جذبه بشراشره إلى جنات القدس. {ما كذب الفؤاد ما رأى(11)} ما رأى ~~ببصره من أحوال جبريل، وما أوحي إليه به، أو ما رآه بقلبه من الوحي ~~والإلهام. {أفتمارونه على ما يرى(12)}؟ أفتجادلونه عليه، من المراء: وهو ~~المجادلة؛ واشتقاقه من “مرى الناقة” (¬2) ، كأن كلا (¬3) من المتجادلين ~~يمري ما عند صاحبه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الذاريات: 58. # (¬2) - ... «مرى الناقة يمريها مسح ضرعها، فأمرت هي: در لبنها، وهي ~~المرية بالضم والكسر». الفيروزآبادي: القاموس، ص1200، مادة: «مري». # (¬3) - ... في الأصل: «من كل»، ولا معنى له، وصححناه ms0878 من البيضاوي: تفسير، ~~ج4/ ص172. PageV04P203 # ولقد رآه نزلة أخرى(13)} مرة أخرى “فعلة” من النزول، أقيمت مقام المرة، ~~ونصبت نصبها إشعارا بأن الرؤية في هذه المرة كانت أيضا بنزول ودنو، {عند ~~سدرة المنتهى(14)} التي ينتهى إليها علم الخلائق وأعمالهم، أو ما ينزل من ~~فوقها، وما يصعد من تحتها، ولعلها شبهت بالسدرة وهي شجرة النبق لأنهم ~~يجتمعون في ظلها؛ والمنتهى: موضع الانتهاء، لم يجاوزها أحد، وإليها ينتهي ~~علم الملائكة وغيرهم، ولا يعلم أحد ما وراءها؛ وقيل: تنتهي إليها أرواح ~~الشهداء؛ ويحتمل ما رآه في هذه النزلة بأحوال (¬1) القيامة. {عندها جنة ~~المأوى(15)} الجنة التي يأوي إليها المتقون، أو أرواح الشهداء. {إذ يغشى ~~السدرة ما يغشى(16)} تعظيم وتنكير لما يغشاها، بحيث لا يكتنهها (¬2) نعت، ~~ولا يحصيها عدد؛ وقيل: يغشاها الجم الغفير من الملائكة، يعبدون الله عندها. # {ما زاغ البصر} ما مال بصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عما رآه، ~~{وما طغى(17)} وما تجاوزه، بل أثبته إثباتا صحيحا متيقنا؛ أو ما عدل عن ~~رؤية العجائب التي أمر برؤيتها وما جاوزها. {لقد رأى} والله لقد رأى {من ~~آيات ربه الكبرى(18)} أي: والله لقد رأى الكبرى من آياته وعجائبه الملكية ~~والملكوتية ليلة المعراج. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الصواب: «من أحوال». # (¬2) - ... في الأصل: «يكتنها» وهو خطأ. PageV04P204 # أفرأيتم اللات والعزى(19) ومناة الثالثة [578] الأخرى(20)} هي أصنام كانت ~~لهم. {ألكم الذكر وله الأنثى(21)} إنكار لقولهم: الملائكة بنات الله. {تلك ~~إذا قسمة ضيزى(22)} جائرة، حيث جعلتم له ما تستنكفون [منه]، وهي “فعلى” من ~~الضيز: وهو الجور. {إن هي إلا أسماء} الضمير للأصنام، أي: ما هي باعتبار ~~الألوهية إلا أسماء (لعله) وأمثال وصور تطلقونها عليها، لأنكم تقولون: إنها ~~آلهة، وليس فيها شيء من معنى الألوهية؛ أو للصفة التي تصفونها بها من كونها ~~آلهة وبناتا وشفعاء؛ أو للأسماء المذكورة، فإنها كانوا يطلقون اللات عليها، ~~باعتبار استحقاقها للعكوف على عبادتها؛ والعزى لعزتها؛ ومناة: لاعتقادهم ~~أنها تستحق أن يتقرب إليها بالقرابين، {سميتموها أنتم وآباؤكم} بهواكم، {ما ~~أنزل الله بها من سلطان} برهان تتعلقون به. {إن يتبعون إلا الظن} ms0879 إلا ~~التوهم أن ما هم عليه حق، تقليدا وتوهما باطلا، {وما تهوى الأنفس} وما ~~تشتهيه الأنفس؛ {ولقد جاءهم من ربهم الهدى(23)} حججه وبراهينه. # {أم للإنسان ما تمنى(24)} أي: ليس [له] ما يتمناه؛ والمراد: نفي طمعهم في ~~شفاعة الآلهة؛ وقولهم: {ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى} (¬1) . {فلله ~~الآخرة والأولى(25)} يعطي منهما ما يشاء لمن يريد، وليس لأحد أن يتحكم في ~~شيء منهما. {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا} وكثير من ~~الملائكة لا تغني شفاعتهم شيئا ولا تنفع، {إلا من بعد أن يأذن الله} في ~~الشفاعة، {لمن يشاء} من الناس أن يشفع له {ويرضى(26)} ويراه أهلا لذلك؛ ~~فكيف تشفع الأصنام لعبدتهم؟!. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة فصلت: 50. PageV04P205 # إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة} أي: كل واحد منهم، {تسمية ~~الأنثى(27)} بأن سموه بنتا (¬1) . {وما لهم به من علم} أي: مما يقولون، {إن ~~يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا(28)} فإن الحق الذي هو ~~حقيقة الشيء لا يدرك إلا بالعلم؛ والظن لا اعتبار له في المعارف الحقيقية؛ ~~وإنما العبرة في العلميات (¬2) وما يكون وصله إليها. # {فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا(29)} فأعرض عن دعوته ~~والاهتمام بشأنه، فإن من غفل عن أمر الله، وأعرض عن ذكره، وانهمك في ~~الدنيا، بحيث كان[ت] منتهى همته، ومبلغ علمه، لا تزيده الدعوة إلا عنادا، ~~وإصرارا على الباطل؛ أو أعرض (¬3) عمن تولى ودعاك إلى باطل، أو دعوته إلى ~~حق فلم يقبل. {ذلك مبلغهم من العلم} لا يتجاوز[ه] علمهم إلى الأمر الأخروي، ~~لأنهم لم يؤمنوا به إيمانا حقيقيا، وذلك نهاية علمهم أن آثروا الدنيا على ~~الآخرة؛ وقيل: لم يبلغوا من العلم إلا علما ظنيا لأمر (لعله) الآخرة، {إن ~~ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى(30)} تعليل للأمر ~~بالإعراض؛ أي: إنما يعلم الله من يجيب ممن لا يجيب؛ فلا تتعب نفسك في ~~دعوتهم، إذ ما عليك [579] إلا البلاغ. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «نبيا»، وهو تصحيف. # (¬2) - ... في البيضاوي: «العمليات»، ويبدو ms0880 أنه الأصوب. تفسير، ج4/ ص173. # (¬3) - ... في الأصل: «أو إعراض»، ولا معنى له. PageV04P206 # ولله ما في السماوات وما في الأرض} خلقا وملكا، {ليجزي الذين أساءوا بما ~~عملوا} بعقاب ما عملوا من السوء، أو بمثله؛ أو بسبب ما عملوا من السوء، وهو ~~علة لما دل عليه ما قبله؛ أي: خلق العالم وسواه للجزاء؛ أو ميز الضال من ~~المهتدي، وحفظ أحوالهم، كذلك. {ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى(31)} بالمثوبة ~~الحسنى. {الذين يجتنبون كبائر الإثم} ما يكبر عقابه من الذنوب، وهو ما رتب ~~الوعيد عليه بخصوصه، {والفواحش} وما فحش من الذنوب، {إلا اللمم} وهو ما ~~صغر، فإنه مغفور عن مجتنبي الكبائر؛ وقيل: ما لم على القلب، أي: خطر، {إن ~~ربك واسع المغفرة} حيث يغفر الصغائر باجتناب الكبائر، و{هو أعلم بكم} أعلم ~~بأحوالكم منكم، {إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم} علم ~~أحوالكم ومصارف أموركم، حين ابتدأ خلقكم من التراب بخلق آدم، وحينما صوركم ~~في الأرحام، {فلا تزكوا أنفسكم} فلا تثنوا عليها بزكاء العمل وزيادة الخير، ~~أو بالطهارة عن المعاصي والرذائل؛ والمعنى: لا تشهدوا لها بجنة على القطع، ~~فإن ذلك من علم الغيب، ولم يأذن الله به، {هو أعلم بمن اتقى(32)} فإنه يعلم ~~التقي وغيره منكم، قبل أن يخرجكم من صلب آدم - عليه السلام - . # {أفرأيت الذي تولى(33)} عن اتباع الحق والثبات عليه، {وأعطى قليلا ~~وأكدى(34)} وقطع العطاء وأمسك، {أعنده علم الغيب فهو يرى(35)} ما غاب عنه؟. ~~{أم لم ينبأ بما في صحف موسى(36) وإبراهيم الذي وفى(37)} وفر وأتم ما لزمه ~~وأمر به، أو بالغ في الوفاء بما عاهد الله؛ وتخصيصه بذلك لاحتماله ما لم ~~يحتمله غيره. # { PageV04P207 ألا تزر وازرة وزر أخرى(38) وأن ليس للإنسان إلا ما ~~سعى(39)} فليس لأحد من الآخرة إلا ما تزود من الدنيا. {وأن سعيه سوف ~~يرى(40) ثم يجزاه الجزاء الأوفى(41)} أي: يجزى العبد سعيه بالجزاء الأوفر. ~~{وأن إلى ربك المنتهى(42)} انتهاء الخلائق. # {وأنه هو أضحك} من شاء من خلقه بالرحمة، {وأبكى(43)} من شاء من خلقه ~~بالعذاب. {وأنه هو أمات وأحيا(44)} ms0881 لا يقدر على الإماتة والإحياء غيره؛ فإن ~~القاتل ينقض البنية، والموت يحصل عنده بفعل الله على سبيل العادة؛ وقيل: ~~أماته بالكفر، وأحياه بالإسلام. {وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى(45) من ~~نطفة إذا تمنى(46)} تدفق في الرحم. {وأن عليه النشأة الأخرى(47)} الإحياء ~~بعد الموت، وفاء بعهده. {وأنه هو أغنى وأقنى(48)} أعطى القنية، وهي المؤثل ~~المدخر؛ وقيل: «أقنى» أي: أرضى بما أعطى. {وأنه هو رب الشعرى(49)} يعني: ~~العبور، وهي أشد ضياء من الغميصاء. # {وأنه أهلك عادا الأولى(50)} القدماء، لأنهم أول الأمم هلاكا بعد نوح؛ ~~وقيل: عاد الأولى: قوم هود، وعاد الأخرى: إرم. {وثمودا [580] فما أبقى(51)} ~~الفريقين. {وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى(52)} من الفريقين. ~~{والمؤتفكة} والقرى التي ائتفكت بأهلها، أي: انقلبت، وهي قوم لوط، ~~{أهوى(53)} بعد أن رفعها فقلبها. {فغشاها ما غشى(54)} فيه تهويل وتعميم لما ~~أصابهم. # { PageV04P208 فبأي آلاء ربك تتمارى(55)} تتشكك؛ والخطاب للرسول، أو لكل ~~أحد. والمعدودات وإن كانت نعما ونقما، سماها: آلاء، من قبل ما في نقمة من ~~العبر والمواعظ للمعتبرين، فهي نعم لمن اعتبر بها؛ والنعم إذا كفرها العصاة ~~صارت نقما وبلايا. {هذا نذير من النذر الأولى(56)} أي: هذا القران نذير من ~~جنس الإنذارات المتقدمة؛ أو هذا الرسول نذير من جنس المنذرين الأولين. # {أزفت الآزفة(57)} دنت الساعة الموصوفة بالدنو في نحو {اقتربت الساعة} ~~(¬1) {ليس لها من دون الله كاشفة(58)} ليس لها نفس قادرة على كشفها إذا ~~وقعت إلا الله، [أو ليس لها كاشفة لوقتها إلا الله، إذ] (¬2) لا يطلع عليه ~~سواه. {أفمن هذا الحديث} يعني: القرآن، {تعجبون(59)}؟ إنكارا. {وتضحكون} ~~استهزاءا، {ولا تبكون(60)} تحزنا على ما فرطتم؛ وقيل: تضحكون آمنين من ~~عذابه، ولا تبكون خائفين من عذابه (¬3) . {وأنتم سامدون(61)} أي: غافلون عن ~~أمر الله ونهيه، {وأنتم سامدون} لاهون لاعبون. {فاسجدوا لله واعبدوا(62)} ~~أي: انقادوا له، واعبدوه دون الآلهة. # - - - # سورة القمر # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة القمر: 01. # (¬2) - ... زيادة من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص175. # (¬3) - ... الأوفق بالسياق: «من عقابه». PageV04P209 # اقتربت الساعة وانشق القمر(1)} قيل معناه: سينشق يوم القيامة، {وإن يروا ms0882 ~~آية يعرضوا} عن تأملها والإيمان بها، {ويقولوا: سحر مستمر(2)} مطرد؛ (لعله) ~~وقيل: سوف يذهب ويبطل (¬1) ؛ وقيل: مستمر، أي: قوي شديد. {وكذبوا} (لعله) ~~النبي، وما عاينوا من قدرة الله، {واتبعوا أهواءهم} وهو ما زين لهم الشيطان ~~من رد الحق بعد ظهوره، {وكل أمر مستقر(3)} منته إلى غاية من خذلان أو نصر ~~في الدنيا، وشقاوة أو سعادة في الآخرة؛ فإن الشيء إذا انتهى إلى غايته ثبت ~~واستقر؛ وقرئ بالفتح، أي: ذو مستقر، بمعنى: استقرار، وبالكسر والجر، على ~~أنه صفة أمر، و«كل» معطوف على الساعة. # {ولقد جاءهم} (لعله) في القرآن، {من الأنباء} أنباء القرون الخالية، أو ~~أنباء الآخرة {ما فيه مزدجر(4)} ازدجار من حديث، أو وعيد. {حكمة بالغة} ~~غايتها، يعني: القرآن حكمته نامية فقد بلغت الغاية، {فما تغن النذر(5)} ~~نفي؛ أو استفهام إنكار، أي: وأي غناء تغني النذر؟. {فتول عنهم} لعلمك أن ~~الإنذار لا يغني عنهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... يوضح لنا البيضاوي هذا التفسير بقوله: «أو مار ذاهب لا يبقى». ~~المصدر نفسه. PageV04P210 # يوم يدع الداع} إسرافيل، ويجوز أن يكون الدعاء فيه كالأمر في قوله: {كن ~~فيكون}، {إلى شيء نكر(6)} فظيع تنكره النفوس، لأنها لم تعهد مثله، وهو هول ~~القيامة؛ وذلك لما أتتهم آيات الله أنكروها [581] بعدما عرفوها قوبلوا على ~~سبيل الجزاء بعذاب تنكره عقولهم، لأنهم لم يؤمنوا به في الدنيا، كما لأهل ~~الجنة ما لا عين رأت، {خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث} أي: يخرجون من ~~قبورهم خاشعة أبصارهم من عظم الأهوال، {كأنهم جراد منتشر(7)} في الكثرة ~~والتموج والانتشار في الأمكنة؛ {مهطعين إلى الداعي} مسرعين مادي أعناقهم ~~إليه، {يقول الكافرون: هذا يوم عسر(8)} صعب. # {كذبت قبلهم قوم نوح} قبل قومك، {فكذبوا عبدنا، وقالوا: مجنون وازدجر(9)} ~~وازدجر عن التبليغ بأنواع الأذية؛ وقيل: إنه من جملة قولهم، أي: هو مجنون ~~وقد ازدجرته الجن وتخبطته. {فدعا ربه أني مغلوب فانتصر(10)} فانتقم لي ~~منهم، وذلك بعد إياسه منهم. {ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر(11)} منصب؛ ~~وهو مبالغة وتمثيل لكثرة الأمطار وشدة انصبابها. {وفجرنا الأرض عيونا} ~~أصله: فجرنا عيون الأرض، {فالتقى الماء} ms0883 ماء السماء وماء الأرض، {على أمر ~~قد قدر(12)} على حال قدرها الله في الأزل من غير تفاوت. {وحملناه على ذات ~~ألواح} ذات أخشاب عريضة، {ودسر(13)} ومسامير. {تجري بأعيننا} أي: بحفظنا، ~~{جزاء لمن كان كفر(14)} أي: فعلنا ذلك جزاء لنوح، لأنه (¬1) نعمة كفروها، ~~فإن كل نبي نعمة من الله ورحمة على أمته؛ وقرئ: «لمن كفر»، أي: الكافرين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «لا نعمة كفروها»، وهو خطأ. PageV04P211 # ولقد تركناها} أي: السفينة، أو الفعلة {آية} يعتبر بها إذ شاع خبرها ~~واشتهر، {فهل من مدكر(15)} معتبر متذكر متعظ. {فكيف كان عذابي ونذر(16)}؟ ~~استفهام وتعظيم ووعيد. {ولقد يسرنا القرآن} سهلناه أو هيناه؛ من “يسر ناقته ~~للسفر” إذا رحلها. {للذكر} للادكار والاتعاظ، بأن صرفنا فيه أنواع المواعظ ~~والعبر، وللحفظ بالاختصار وعذوبة اللفظ؛ أو لفهم معانيه بالاستنباط منه؛ ~~وقيل: يسرناه للحفظ والقراءة؛ وقيل: ليس شيء من الكتب يقرأ كله ظاهرا إلا ~~القرآن، {فهل من مدكر(17)} يقول: «هل من طالب علم فيعان عليه»؟ (¬1) . # {كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر(18)} وإنذارا بي لهم بالعذاب قبل نزوله، ~~أو لمن بعدهم في تعذيبهم. {إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا} باردا، أو شديد ~~الصوت. {في يوم نحس} شؤم {مستمر(19)} استمر شؤمه، أو استمر عليهم حتى ~~أهلكهم، أو على جميعهم. {تنزع الناس} تقلعهم؛ روي: أنهم دخلوا في الشعاب ~~والحفر، وتمسك بعضهم ببعض؛ فنزعتهم الريح منها، وصرعتهم موتى، {كأنهم أعجاز ~~نخل منقعر(20)} أصول نخل منقعر عن مغارسه، ساقط على الأرض؛ قيل: شبهوا ~~بالأعجاز، لأن الريح طيرت رؤوسهم وطرحت أجسادهم {فكيف كان عذابي ونذر(21} ~~كرره للتهويل. {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر(22)} كرره لسهولة فهمه ~~وحفظه لمن اجتهد وجد في الطلب ولم يلعب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... ينسب هذا التفسير إلى ابن عباس. انظر: أبو سهل يحيى بن ~~إبراهيم الوارجلاني: عقيدة في معرفة التوحيد والفرائض، (مخ)، نسخة عشيرة آل ~~يدر، ببني يسجن، ص35. PageV04P212 # كذبت ثمود بالنذر(23) فقالوا: أبشرا منا} من جنسنا أو جملتنا [582] لا ~~فضل له علينا، {واحدا} منفردا لا تبع له، {نتبعه إنا إذا لفي ضلال ~~وسعر(24)} كأنه ms0884 قال لهم: إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق؛ وسعر: أي ~~نيران، جمع سعير، فعكسوا عليه، فقالوا: إن اتبعناك كنا إذا كما تقول؛ وقيل: ~~(لعله) الضلال: الخطأ والبعد عن الصواب، والسعر: الجنون، ومنه: “ناقة ~~مسعورة”؛ وقيل: عناء وعذاب فيما يلزمنا من طاعته. {أألقي الذكر} الكتاب ~~والوحي {عليه من بيننا} وفينا من هو أحق منه بالاختيار للنبوة، {بل هو كذاب ~~أشر(25)} حمله بطره على الترفع علينا بادعائه. {سيعلمون غدا} عند نزول ~~العذاب بهم، أو يوم القيامة، {من الكذاب الأشر(26)} الذي حمله أشره على ~~الاستكبار عن الحق، وطلب الباطل أصالح [ - عليه السلام - ] أم من كذبه؛ ~~والأشر: الأبلغ في الشرارة. # {إنا مرسلوا الناقة} مخرجوها وباعثوها؛ وذلك فيما قيل: إنهم تعنتوا على ~~صالح، فسألوه أن يخرج له[م] من صخرة ناقة عشراء حمراء، فقال الله: «إنا ~~مرسلوا الناقة»، {فتنة لهم} امتحانا لهم، {فارتقبهم} فانتظرهم ما يصنعون، ~~{واصطبر(27)} على أذاهم. {ونبئهم أن الماء قسمة بينهم} مقسوم بينهم؛ وقيل: ~~[لها] يوم، ولهم يوم، {كل شرب محتضر(28)} محضور يحضره أهله لا يحضره الآخر؛ ~~وقيل: يحضرون الماء في نوبتهم، والماء في نوبتها. # { PageV04P213 فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر(29)} فاجترأ على تعاطي قتلها ~~فقتلها؛ أو فتعاطى السيف فقتلها؛ والتعاطي: تناول الشيء بتكلف. {فكيف كان ~~عذابي ونذر(30) إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة} لا ثاني لها، وهي صيحة جبريل ~~فيما قيل، {فكانوا كهشيم المحتظر(31)} كالشجر اليابس المنكسر الذي يتخذه من ~~يعمل الحظيرة لأجلها؛ أو كالحشيش اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته ~~في الشتاء؛ وقرئ بفتح الظاء، أي: كهشيم الحظيرة، أو الشجر المتخذ لها. ~~{ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر(32)} كرره، لأنه ييسر لمن طلبه من ~~القرون والأمم كلها. # {كذبت قوم لوط بالنذر(33) إنا أرسلنا عليهم حاصبا} ريحا تحصبهم بالحجارة، ~~أي: ترميهم، {إلا آل لوط نجيناهم بسحر(34)} في سحر وهو آخر الليل. {نعمة من ~~عندنا} إنعاما منا، وهو علة (¬1) ل«نجينا»، {كذلك نجزي من شكر(35)} نعمتنا ~~بالإيمان (¬2) والطاعة. {ولقد أنذرهم} لوط {بطشتنا}أخذنا إياهم بالعقوبة ~~والعذاب، {فتماروا بالنذر(36)} فكذبوه بالنذر، وشكوا في ذلك. # {ولقد راودوه ms0885 عن ضيفه} قصدوا الفجور بهم، {فطمسنا أعينهم} فمسخناها، ~~{فذوقوا عذابي ونذر(37)} فقلنا لهم على ألسن الملائكة، أو ظاهر الحال. ~~{ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر(38)} ثابت قد استقر عليهم، حتى يسلمهم [إلى] ~~النار. {فذوقوا عذابي ونذر(39)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «عليه»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «بالإنعام»، ولا معنى له، وصححناه من البيضاوي: ~~تفسير، ج4/ ص177. PageV04P214 # ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر(40)} كرر ذلك في كل قصة إشعارا بأن ~~تكذيب كل رسول مقتض لنزول العذاب، واستماع كل قصة مستدع للادكار والاتعاظ، ~~واستئنافا للتنبيه والإيقاظ [583] لئلا يغلبهم السهو والغفلة، وهكذا تكرير ~~قوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} (¬1) ، و{ويل يومئذ للمكذبين} (¬2) ونحوها ~~فإنه ما كرر شيئا في كتابه العزيز عبثا إلا (¬3) لحكمة أو حكم، جل ربنا عن ~~ذلك. {ولقد جاء آل فرعون النذر(41)} اكتفى بذكرهم عن ذكره للعلم بأنه أولى ~~بذلك. {كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر(42)}. # {أكفاركم} يا معشر العرب {خير من أولئكم}؟ الكفار المعدودين قوة وعدة، أو ~~مكانة ودينا عند الله، ويوجد عن أبي المؤثر: «{أكفاركم خير من أولئكم} أي: ~~خير من ولاة أموركم»، {أم لكم براءة في الزبر(43)}؟ أم نزل لكم في الكتب ~~السماوية أن من كفر منكم فهو في أمان من عذاب الله؟. {أم يقولون: نحن جميع} ~~جماعة، أمرنا مجتمع {منتصر(44)} ممتنع لا يرام؛ أو منتصر من الأعداء لا ~~يغلب، أو متناصر ينصر بعضنا بعضا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الرحمن: 13، 16... # (¬2) - ... سورة المرسلات: 15، 19... # (¬3) - ... في الأصل: «لا»، وهو خطأ. PageV04P215 # سيهزم الجمع ويولون الدبر(45)} أي: الأدبار. {بل الساعة موعدهم} موعد ~~عذابهم الأصلي، وما يحيق بهم في الدنيا فمن طلائعه، {والساعة أدهى} أشد، ~~والداهية: أمر فظيع لا يهتدى لدوائه، وفي القاموس: «الداهية: الأمر الضرير» ~~(¬1) ، {وأمر(46)} مذاقا من عذاب النار؛ أو أمر مما ينالونه (¬2) من مرارة ~~الدنيا. # {إن المجرمين في ضلال} (لعله) عن الحق في الدنيا، {وسعر(47)} [584] ~~ونيران في الآخرة. {يوم يسحبون في النار على وجوههم} يجرون عليها، {ذوقوا ~~مس سقر(48)} أي: يقال لهم: ذوقوا حر النار، وألمها، فإن مسها سبب للتألم بها. # {إنا كل شيء خلقناه ms0886 بقدر(49)} أي: إنا خلقنا كل شيء مقدرا مرتبا على ~~مقتضى الحكمة، أي: مقدرا مكتوبا في اللوح قبل وقوعه؛ وقيل: قدر الله لكل ~~شيء من خلقه قدره الذي ينبغي له. {وما أمرنا إلا واحدة} إلا فعلة واحدة ~~{كلمح بالبصر(50)} في اليسر والسرعة؛ وقيل: معناه معنى قوله: {وما أمر ~~الساعة إلا كلمح البصر} (¬3) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... لم نعثر على هذا التعريف في القاموس، وإنما قال في مادة ~~“دهي”: «ودهاه: نسبه إلى الدهاء، أو عابه وتنقصه، أو أصابه بداهية: وهي ~~الأمر العظيم». ثم قال في مادة “دهو”: «داهية دهواء ودهوية، بالضم: شديدة ~~جدا». الفيروزآبادي: القاموس، ص1156. # (¬2) - ... في الأصل: «ينالوه»، وهو خطأ. # (¬3) - ... سورة النحل: 77. PageV04P216 # ولقد أهلكنا أشياعكم} أشباهكم في الكفر ممن قبلكم، {فهل من مدكر(51)} ~~متعظ. {وكل شيء فعلوه في الزبر(52)} مكتوب في كتب الحفظة. {وكل صغير وكبير} ~~من الأعمال (لعله) والخلق {مستطر(53)} مسطور في اللوح (لعله) وحصوله بقدر ~~معلوم منتظر. # {إن المتقين في جنات ونهر(54)} أنهار، {في مقعد صدق} في مكان مرضي، {عند ~~مليك مقتدر(55)} مقربين عند من تعالى أمره في الملك والاقتدار، لا شيء إلا ~~وهو تحت ملكه وقدرته. # سورة الرحمن # بسم الله الرحمن الرحيم # [ PageV04P217 585] {الرحمن(1) علم القرآن(2)} لما كانت السورة مقصورة ~~على تعداد النعم الدنيوية والأخروية صدرها بالرحمن، فقدم ما هو أصل [النعم] ~~(¬1) الدينية وأجلها، وهو إنعامه بالقرآن، وتنزيله وتعليمه، فإنه أساس ~~الدين، ومنشأ الشرع، وأعظم الوحي، وأعز الكتب، إذ هو بإعجازه واشتماله على ~~خلاصها (¬2) مصدق لنفسه ومصداق لها، ثم أتبعه قوله: {خلق الإنسان(3)} إيماء ~~بأن خلق البشر وما يميز به عن سائر الحيوان... (¬3) {علمه البيان(4)} من ~~البيان، وهو التعبير عما في الضمير، وإفهام الغير لما أدركه لتلقي الوحي، ~~وتعرف الحق، وتعلم الشرع. # { # ¬__________ # (¬1) - ... إضافة من البيضاوي ليتم المعنى، ج4/ ص178. # (¬2) - ... الصواب: «خلاصتها»، والضمير يعود على الكتب. انظر: المصدر نفسه. # (¬3) - ... العبارة بهذه الصيغة تبدو ناقصة، وقد وقع فيها تقديم وتأخير، ~~ففي تفسير البيضاوي: «{خلق الإنسان علمه البيان} إيماء بأن خلق البشر وما ~~يميز به عن سائر الحيوان من البيان، وهو التعبير عما في ms0887 الضمير»، وأرى أنه ~~لو استبدل قوله: «هو البيان»، بقوله: «من البيان» لاتضح المعنى أكثر. أي ~~إنما تميز خلق الإنسان عن خلق الحيوان بالبيان. والله أعلم. انظر: ~~البيضاوي: المصدر نفسه. PageV04P218 # الشمس والقمر بحسبان(5)} يجريان بحساب معلوم، مقدر في بروجهما ومنازلهما، ~~وتتسق بذلك أمور الكائنات السفلية، وتختلف الفصول والأوقات، وتعلم السنون ~~والحساب. {والنجم} النبات الذي ينجم من الأرض، لا ساق له كالبقول، {والشجر} ~~الذي له ساق، {يسجدان(6)} ينقادان لله فيما يريد بهما طيعا، انقياد الساجد ~~من المكلفين، {والسماء رفعها} خلقها مرفوعة محلا [و]مرتبة، فإنها منشأ ~~أقضيته، ومتنزل أحكامه، ومحل ملائكته. # {ووضع الميزان(7)} العدل بأن وفر على كل مستعد مستحقه، ووفى كل ذي حق ~~حقه، حتى انتظم أمر العالم واستقام، كما قال - عليه السلام - : «بالعدل ~~قامت السماوات، والأرض» (¬1) ، أو ما يعرف به مقادير الأشياء من ميزان ~~ومكيال ونحوهما، كأنه وصف السماء بالرفعة من حيث أنها مصدر القضايا ~~والأقدار، وصف الأرض بما فيها مما يظهر به التفاوت ويعرف المقدار، وتستوي ~~به الحقوق والمواجب؛ {ألا تطغوا في الميزان(8)} لأن لا تطغوا فيه، أي: لا ~~تعتدوا، ولا تجاوزوا الإنصاف. {وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا ~~الميزان(9)} ولا تنقصوه، فإن من حقه أن يستوي، لأن المقصود من وضعه وتكريره ~~مبالغة في التوصية به، وزيادة حث على استعماله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من مصادر الحديث. وقد أورده ~~المفسرون ولم يخرجوه. انظر: البيضاوي: تفسير، ج4/ ص178-179. أبو السعود: ~~تفسير، مج4/ ج8/ ص177. الألوسي: روح المعاني، ج28/ ص101. PageV04P219 # والأرض وضعها للأنام(10)} للخلق؛ وقيل الأنام: كل ذي روح. {فيها فاكهة ~~والنخل ذات الأكمام(11)} أوعية التمر، أو كل ما يكم، أي: يغطي من ليف وسعف. ~~{والحب} والثمرة {ذو العصف} كالحنطة والشعير، وسائر ما يتغذى به، والعصف: ~~ورق النبات اليابس كالتبن، {والريحان(12)} بمعنى المشموم؛ أو الرزق، من ~~قولهم: “خرجت أطلب ريحان الله”. {فبأي آلاء} والآلاء: النعم، {ربكما ~~تكذبان(13)} الخطاب للثقلين المدلول عليهما بقوله: {للأنام}؛ وقوله: {أيها ~~الثقلان}، وكأن الآلاء المذكورة في الآية عامة للمخاطبين: الجن والإنس إن ~~كانت الآية عامة لهما ms0888 جميعا، وكذلك ما بعدها من الآيات في هذه السورة. # {خلق الإنسان من صلصال كالفخار(14)} قيل: الصلصال: الطين اليابس الذي له ~~صلصلة، والفخار: الخزف؛ وقد خلق الله آدم من تراب، جعله طينا، ثم حمأ ~~مسنونا، ثم صلصالا، فلا يخالف ذلك قوله: {خلقه من تراب} (¬1) ونحوه. {وخلق ~~الجان} قيل: الجن، أو أبا الجن، {من مارج} من صاف من (لعله) لهب النار ~~الدخان (¬2) ، {من نار(15)} بيان ل«مارج»، فإنه في الأصل للمضطرب، من مرج: ~~إذا اضطرب. {فبأي آلاء ربكما تكذبان(16)} مما أفاض عليكما من أطوار [586] ~~خلقكما، حتى صيركما أفضل المركبات، وخلاصة الكائنات، فبأي نعم من هذه ~~الأشياء التي ذكرنا تجحدان. # {رب المشرقين ورب المغربين(17)} قيل: مشرقي الشتاء والصيف، ومغربيهما؛ ~~{فبأي آلاء ربكما تكذبان(18)} مما في ذلك من الفوائد التي لا تحصى، كاعتدال ~~الهوى، واختلاف الفصول، وحدوث ما يناسب كل فصل فيه، إلى غير ذلك. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة آل عمران: 59. # (¬2) - ... صواب العبارة فيما يبدو: «من لهب النار، صاف من الدخان». PageV04P220 # مرج البحرين} أرسلهما؛ من: مرجت الدابة: إذا أرسلتها، والمعنى: أرسل ~~البحر الملح، والبحر العذب، {يلتقيان(19)} يتجاوران وتتماس سطوحهما. ~~{بينهما برزخ} حاجز من قدرة الله، أو من الأرض، {لا يبغيان(20)} لا يبغي ~~أحدهما على الآخر بالممازجة، وإبطال الخاصية. {فبأي آلاء ربكما تكذبان(21) ~~يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان(22)} كبار الدر وصغاره؛ وقيل: المرجان: الخرز ~~الأحمر؛ {فبأي آلاء ربكما تكذبان(23) وله الجواري} السفن، جمع: جارية، ~~{المنشآت} المرفوعات الشرع، أو المصنوعات، {في البحر كالأعلام(24)} ~~كالجبال، جمع علم: وهو الجبل الطويل؛ {فبأي آلاء ربكما تكذبان(25)} من خلق ~~مواد السفن، والإرشاد إلى أخذها، وكيفية تركيبها وإجرائها في البحر، بأسباب ~~لا يقدر على خلقها وجمعها غيره. # {كل من عليها} من على الأرض من الحيوان أو المركبات {فان(26) ويبقى وجه ~~ربك} ذاته، ولو استقريت جهات الموجودات، وتفحصت وجوهها وجدتها بأسرها فانية ~~في حد ذاتها، إلا وجه الله، أي: الوجه الذي على جهته، {ذو الجلال} ذو ~~العظمة {والإكرام(27)} ذو الاستغناء المطلق، والفضل العام؛ {فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان(28)} (لعله) كأنه بين فناء العالم وعبادة المتعبدين للجزاء من ms0889 ~~آلائه (¬1) تعالى عليهم، لأنه يخرجهم من دار ابتلائه إلى دار نعمته ~~الباقية؛ وهي نعمة لمن شكرها، ونقمة على من كفرها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «الآية»، وهو تصحيف. PageV04P221 # يسأله من في السموات والأرض} أي: بلسان حالهم ما [هم] مفتقرون إليه، مما ~~لا يقومون إلا به، كما قال: {وآتاكم من كل ما سألتموه} (¬1) ؛ وقيل: إن أهل ~~السماء يسألونه المغفرة، وأهل الأرض يسألونه الرزق والمغفرة، وهم المؤمنون؛ ~~وأما الكافرون فيسألونه (لعله) الرزق لا غير، لقوله: {فمن الناس من يقول: ~~ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق} (¬2) ، {كل يوم هو في ~~شأن(29)} كل وقت يحدث أشخاصا، ويجدد أحوالا على ما سبق له قضاؤه؛ (لعله) ~~وقيل: يرفع قوما ويخفض آخرين؛ وقيل: يسوق المقادير إلى المواقيت. {فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان(30)} (لعله) مما خولكم وتفضل به عليكم؛ ولما أتم من ذكر ~~ما خولهم إياه من إيجادهما وإمدادهما أخذ في الإعادة للجزاء، فقال: # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة إبراهيم: 34. # (¬2) - ... سورة البقرة: 200. PageV04P222 # سنفرغ لكم أيها الثقلان(31)} فيه تهديد، والثقلان: الإنس والجن؛ قيل: ~~سميا بذلك لثقلهما على الأرض [587] ولرزانة رأيهم وقدرهم، أو لأنهما مثقلان ~~بالتكليف. {فبأي آلاء ربكما تكذبان(32) يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن ~~تنفذوا من أقطار السماوات والأرض} إن قدرتم أن تخرجوا من السماوات والأرض ~~هاربين إلى الله، فارين من قضائه، (لعله) والآية خاصة للعصاة منهما؛ وقيل: ~~هذا في القيامة، {فانفذوا} فاخرجوا، {لا تنفذون} لا تقدرون على النفوذ، ~~{إلا بسلطان(33)} إلا بقوة وقهر، وأنى لكم ذلك؛ أو إن قدرتم أن تنفذوا ~~لتعلموا ما في السموات وما في الأرض فانفذوا لتعلموا، لكن لا تنفذون ولا ~~تعلمون إلا ببينة يضعها الله تعالى فتعرجون عليها بأفكاركم؛ {فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان(34)} أي مما نصب من المصاعد العقلية والمعارج النقلية، ~~فتنفذون بها إلى ما وفوق السماوات العلى. # {يرسل عليكما شواظ} لهيب {من نار ونحاس} نحاس مذاب يصب على رؤوسهم {فلا ~~تنتصران(35)} فلا تمتنعان، {فبأي آلاء ربكما تكذبان(36)} فإن التهديد لطف، ~~والتمييز بين المطيع والعاصي بالجزاء والانتقام من الكفارمن عداد الآلاء. # {فإذا انشقت السماء} ms0890 (لعله) انفرجت أبوابا لنزول الملائكة، {فكانت وردة} ~~أي: حمراء كالوردة، {كالدهان(37)} مذابة كالدهن، وهو اسم لما يدهن به؛ ~~وقيل: هو الأديم الأحمر؛ {فبأي آلاء ربكما تكذبان(38)} أي: مما أنعم الله ~~به على عباده المؤمنين في هذا اليوم، {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا ~~جان(39)} أي: [لا] سؤال استفهام، ولكن سؤال توبيخ وتقريع؛ {فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان(40)}. # { PageV04P223 يعرف المجرمون بسيماهم} بعلامتهم، {فيؤخذ بالنواصي ~~والأقدام(41)} مجموعا بينهما؛ وقيل: يؤخذون بالنواصي تارة وبالأقدام أخرى؛ ~~وقيل: تضم نواصيهم إلى أقدامهم، فيسحبون إلى النار؛ {فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان(42)} (لعله) لأن عذاب العاصين نعمة للمطيعين، كما أن نعمة المطيعين ~~عذاب للعاصين. {هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون(43) يطوفون بينها} بين ~~النار يحرقون بها، {وبين حميم} ماء حار، {آن(44)} بلغ النهاية في الحرارة، ~~يصب عليهم، أو يسقون منه؛ وقيل: إذا استغاثوا من النار؛ أغيثوا بالحميم؛ ~~{فبأي آلاء ربكما تكذبان(45)} فهذه نعمة عظيمة لمن زحزح عنها. # ثم أخذ في وصف المطيعين منهما، فقال: {ولمن خاف مقام ربه} موقفه الذي يقف ~~فيه العباد للحساب، {جنتان(46)} قيل: جنة للخائف الإنسي، والأخرى للخائف ~~الجني، فإن الخطاب للفريقين؛ والمعنى: لكل الخائفين منكما، أو لكل واحد جنة ~~لعقيدته وأخرى لعمله، أو جنة لفعل الطاعات، وأخرى لترك المعاصي، لأن ~~التكليف يدور على الأمرين، أو جنة يثاب عليها، وأخرى يتفضل بها عليه، ~~كقوله: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} (¬1) [588] أو روحانية وجسمانية، وكذا ~~ما جاء مثنى بعد؛ {فبأي آلاء ربكما تكذبان(47) ذواتا أفنان(48} أنواع من ~~الأشجار والثمار؛ {فبأي آلاء ربكما تكذبان(49)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة يونس: 26. PageV04P224 # فيهما عينان تجريان(50)} حيث شاء في الأعالي والأسافل؛ {فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان(51) فيهما من كل فاكهة زوجان(52)} صنفان؛ قيل: غريب ومعروف؛ {فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان(53) متكئين على فرش بطائنها من إستبرق} قيل: من ديباج ~~ثخين، وإذا كانت البطائن كذلك فما ظنك بالظهائر، {وجنى الجنتين دان(54)} ~~قريب يناله القاعد والمضطجع {فبأي آلاء ربكما تكذبان(55)}. # {فيهن قاصرات الطرف} نساء قصرن أبصارهن على أزواجهن، {لم يطمثهن إنس ~~قبلهم ولا جان(56)} دليل على أن الجن مثل ms0891 الإنس في الطمث، وحب الشهوات، لأن ~~هذه الآيات تشوق الجميع على التشمر لأداء الواجبات، ولا تشوق أحدا بشيء إلا ~~يستلذ طعمه ويشتهيه (¬1) ، {فبأي آلاء ربكما تكذبان(57) كأنهن الياقوت ~~والمرجان(58)} أي: في حمرة الوجه وبياض البشرة وصفائهما؛ {فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان(59) هل جزاء الإحسان} في العمل {إلا الإحسان(60)} في الثواب؛ ومنتهى ~~الإحسان: رضى الله عن عبده، وهو ثواب رضى العبد عنه، {فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان(61)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «ولا تشوق أحد بشيء... ولايشتهيه»، وفي العبارة خطآن. PageV04P225 # ومن دونهما جنتان(62)} ومن دون تلك الجنتين الموعودتين للمقربين جنتان ~~(لعله) لهم، (لعله) أو لمن دونهم من أصحاب اليمين. {فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان(63) مدهامتان(64)} خضراوان تضربان (¬1) إلى السواد من شدة الخضرة؛ ~~وفيه إشعار بأن الغالب على ملك (¬2) هاتين الجنتين: النبات والرياحين ~~المبسطة على وجه الأرض؛ وعلى الأوليين الأشجار والفواكه، دلالة على ما ~~بينهما من التفاوت، {فبأي آلاء ربكما تكذبان(65) فيهما عينان نضاختان(66)} ~~فوارتان (¬3) بالماء، وهو أيضا أقل مما وصف بهما الأوليين، وكذا ما بعده. ~~{فبأي آلاء ربكما تكذبان(67) فيهما فاكهة ونخل ورمان(68)} عطفهما على ~~الفاكهة بيانا لفضلهما، فإن ثمرة النخل فاكهة وغذاء، وثمرة الرمان فاكهة ~~ودواء، {فبأي آلاء ربكما تكذبان(69)}. # {فيهن خيرات حسان(70)} خلقا وخلقا، {فبأي آلاء ربكما تكذبان(71) حور ~~مقصورات في الخيام(72)} قصرن في خدورهن؛ يقال: امرأة قصيرة وقصورة، ~~ومقصورة، أي: مخدورة، أو مقصورات الطرف على أزواجهن. {فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان(73) لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان(74) فبأي آلاء ربكما تكذبان(75)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «بضاهره»، ولا معنى له. وصححناه من البيضاوي: ~~تفسير، ج4/ص181. أبو السعود: تفسير، مج4/ ج8/ ص186. # (¬2) - ... الصواب - «ملك» كما في المصدرين السابقين. # (¬3) - ... في الأصل: «فرارتان»، وهو خطأ. PageV04P226 # متكئين على رفرف} وسائد، أو نمارق؛ وقيل: الرفرف ضرب من البسط، {خضر ~~وعبقري حسان(76)} قيل: العبقري منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنه اسم بلد ~~الجن، فينسبون إليه كل شيء عجب؛ {فبأي آلاء ربكما تكذبان(77)}. # {تبارك اسم ربك} تعالى اسمه من حيث أنه مطلق على ذاته، فما ظنك بذاته؛ ~~وقيل: الاسم بمعنى الصفة، {ذي الجلال ms0892 والإكرام(78)} ذي العظمة والتفضل. # سورة الواقعة # بسم الله الرحمن الرحيم # {إذا وقعت الواقعة(1)} إذا حدثت القيامة؛ سماها الواقعة لتحقق وقوعها، ~~{ليس لوقعتها كاذبة(2)} أي: لا يكون حين تقع نفس تكذب على الله، أو تكذب في ~~نفيها كما تكذب الآن؛ أو ليس لأجل وقعتها كاذبة، فإن من أخبر عنها صادق، ~~{خافضة رافعة(3)} تخفض (¬1) قوما وترفع آخرين؛ وهو تقرير لعظمتها، فإن ~~الوقائع العظام كذلك. {إذا رجت الأرض رجا(4)} حركت تحريكا شديدا بحيث ينهدم ~~ما فوقها من بناء وجبل. {وبست الجبال بسا(5)} فتتت حتى صارت كالسويق، أو ~~سيقت وسيرت، من “بس الغنم” إذا ساقها. {فكانت هباء} غبارا، {منبثا(6)} ~~منتشرا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «تحفط»، ولا معنى له. PageV04P227 # وكنتم أزواجا} أصنافا {ثلاثة(7) فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة(8) ~~وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة(9) والسابقون السابقون(10)} والذين سبقوا ~~إلى الإيمان والطاعة بعد ظهور الحق من غير تلعثم (¬1) وتوان؛ أو سبقوا في ~~حيازة الفضائل والكمالات، كقوله: {واجعلنا للمتقين إماما} (¬2) . {أولئك ~~المقربون(11)} من الله {في جنات النعيم(12)} أي: قربت درجاتهم في الجنة، ~~وأعليت مراتبهم، {ثلة من الأولين(13)} قيل: كثير من الأولين يعني: السالفة ~~من لدن آدم إلى محمد - عليه السلام - ؛ وقيل: {من الأولين}: من متقدمي هذه ~~الأمة، و{من الآخرين}: من متأخريها، {وقليل من الآخرين(14)} (لعله) لأن ~~السابقين أقل من أصحاب اليمين إلا أنهم في الأولين أوجد؛ وكذلك قال في هذا ~~{ثلة من الأولين وقليل من الآخرين} أي: السابقين، وقال في أصحاب اليمين: ~~{ثلة من الأولين وثلة من الآخرين} كأنهم أكثر وجودا من السابقين، ومن ~~الآخرين أعدم، والله أعلم بتأويل كتابه، فينظر في هذا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «تعلثم»، وهو خطأ. # (¬2) - ... سورة الفرقان: 74. PageV04P228 # على سرر موضونة(15)} قيل: الموضونة: المنسوجة من الذهب والجواهر، {متكئين ~~عليها متقابلين(16) يطوف عليهم ولدان مخلدون(17)} مبقون أبدا على هيئة ~~الولدان وطراوتهم. {بأكواب وأباريق وكأس من معين(18)} من خمر {لا يصدعون ~~عنها} قيل: لا تصدع رؤوسهم منها، {ولا ينزفون(19)} ولا تنزف عقولهم، أو لا ~~ينفد شرابهم. {وفاكهة مما يتخيرون(20)} أي: يختارون؛ {ولحم طير مما ~~يشتهون(21)} من أي جنس ms0893 منه، أو صفة في العمل، ينوع لهم على ما يلقى إليهم ~~من الإرادة على قدر درجاتهم، لأنهم متباينو (¬1) الدرجات، والغبن عليهم ليس ~~له مجال لتمام النعمة للجميع. # {وحور عين(22) كأمثال اللؤلؤ المكنون(23)} المصون عما يضر به في الصفاء ~~والنقاء، {جزاء بما كانوا يعملون(24)} أي: يفعل ذلك (لعله) كله بهم جزاء ~~بأعمالهم. {لا يسمعون فيها لغوا} باطلا، {ولا تأثيما(25)} [590] ولا نسبة ~~إلى الإثم، أي: لا يقال لهم: أثمتم {إلا قيلا} أي: قولا: {سلاما سلاما(26)} ~~لأنهم وما استحقوه سالم من النقص والعيوب والآفات. # {وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين(27) في سدر مخضود(28)} لا شوك له، {وطلح} ~~وشجر موز، أو أم غيلان، وله أنوار كثيرة طيبة الرائحة، {منضود(29)} نضد ~~حمله من أسفله إلى أعلاه. {وظل ممدود(30)} منبسط، لا يتقلص ولا يتفاوت، ~~{وماء مسكوب(31)} يسكب لهم أين شاؤوا، كيف شاؤوا بلا تعب، أو مصبوب سائل. ~~{وفاكهة كثيرة(32)} كثيرة الأجناس، {لا مقطوعة} لا تنقطع في وقت، {ولا ~~ممنوعة(33)} لا يمنع من متناولها بوجه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «منباني»، وهو خطأ. PageV04P229 # وفرش مرفوعة(34)} رفيعة القدر، أو منضدة مرتفعة؛ وقيل الفرش: الحور، ~~وارتفاعها على الأرائك، ويدل عليه قوله: {إنا أنشأناهن إنشاء(35)} أي: ~~ابتدأناهن ابتداء جديدا من غير ولادة إبداء أو إعادة، {فجعلناهن أبكارا(36) ~~عربا} متحببات إلى أزواجهن، ويحتمل في قدرة الله أن ينشئهن أبكارا بعد أن ~~صرن ثيبات، {أترابا(37)} على سن واحد، وكذا أزواجهن، {لأصحاب اليمين(38) ~~ثلة من الأولين(39) وثلة من الآخرين(40)} (لعله) أي: كثيرون من هؤلاء ~~وهؤلاء، لأنهم أوجد من السابقين. # {وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال(41) في سموم} في حر نار ينفذ في المسام؛ ~~وقيل: ريح حارة، {وحميم(42)} وماء متناه في الحرارة، {وظل من يحموم(43)} من ~~دخان أسود، {لا بارد} كسائر الظل، {ولا كريم(44)} ولا نافع؛ نفى بذلك ما ~~أوهم الظل من الاسترواح. # {إنهم كانوا قبل ذلك مترفين(45)} منهمكين في الشهوات، {وكانوا يصرون على ~~الحنث العظيم(46)} الذنب العظيم، {وكانوا يقولون: أئذا متنا وكنا ترابا ~~وعظاما أئنا لمبعوثون(47)؟ أو آباؤنا الأولون(48)؟ قل: إن الأولين ~~والآخرين(49) لمجموعون إلى ميقات يوم ms0894 معلوم(50)} إلى ما وقت به الدنيا. # { PageV04P230 ثم إنكم أيها الضالون المكذبون(51)} بما جاء به الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - عن ربه تعالى؛ يقال لهم على معنى التوبيخ. {لآكلون من ~~شجر من زقوم(52) فمالئون منها البطون(53)} من شدة الجوع، ولا يشبعون، لأنه ~~لا يأتي عليهم حال وهم ليس بهم نعمة (¬1) ، كما أن أهل النار لا يأتي عليهم ~~وقت وهم سالمون من العذاب، {فشاربون عليه من الحميم(54)} لغلبة العطش، ~~{فشاربون شرب الهيم(55)} الإبل التي بها الهيام؛ {هذا نزلهم يوم الدين(56)} ~~يوم الجزاء، فما ظنك بما يكون لهم بعدما استقروا في الجحيم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... هذه العبارة في غير سياقها، لأن السياق في أهل النار، والأصوب ~~التقديم والتأخير: «لأنه لا يأتي عليهم وقت وهم سالمون من العذاب، كما أن ~~أهل الجنة لا يأتي عليهم حال وهم ليس بهم نعمة». PageV04P231 # نحن خلقناكم فلولا تصدقون(57)} بالخلق، متيقنين محققين، للتصديق بالأعمال ~~الدالة عليه، أو بالبعث فإن من قدر على الإبداء قدر على الإعادة. {أفرأيتم ~~ما تمنون(58) أأنتم تخلقونه}؟ تجعلونه بشرا سويا، {أم نحن الخالقون(59)؟ ~~نحن قدرنا بينكم الموت} قسمناه عليكم، ووقتنا موت كل (لعله) واحد بوقت ~~معين، {وما نحن بمسبوقين(60)} لا يسبقنا أحد فيهرب من الموت، أو يغير وقته ~~{على أن نبدل أمثالكم} المعنى: على أن نبدل [591] منكم أشباهكم، فنخلق ~~بدلكم {وننشئكم في ما لا تعلمون(61)} في خلق أو صفات لا تعلمونها، أو في ~~جزاء لا تعلمون كنهه. {ولقد علمتم النشأة الأولى} (لعله) تيقنتم بالخلقة ~~الأولى {فلولا تذكرون(62)} أن من قدر عليها قدر على النشأة الأخرى، فإنها ~~أقل صنعا لحصول المواد، وتخصيص الأجزاء، وسبق المثال؛ وفيه دليل على صحة ~~القياس. # {أفرأيتم ما تحرثون(63} تبذرون حبه {أأنتم تزرعونه}؟ تنبتونه {أم نحن ~~الزارعون(64)}؟ المنبتون. {لو نشاء لجعلناه حطاما} هشيما، {فظلتم ~~تفكهون(65)} تتعجبون مما أصابكم، وتندمون على اجتهادكم فيه، أو على ما ~~أصبتم لأجله من المعاصي فتتحدثون فيه؛ والتفكه: التنقل بصنوف الفاكهة، وقد ~~استعير للتنقل بالحديث، {إنا لمغرمون(66)} لملزمون غرامة ما أنفقنا، أو ~~مهلكون لهلاك رزقنا؛ من الغرام؛ والمغرم: الذي ذهب ms0895 ماله بغير (لعله) عوض؛ ~~{بل نحن محرومون(67)} حرمنا رزقنا، (لعله) أو صار ما أنفقنا على الحرث غرما علينا. # { PageV04P232 أفرأيتم الماء الذي تشربون(68)}؟ أي: العذب الصالح للشرب، ~~{أأنتم أنزلتموه من المزن}؟ من السحاب، {أم نحن المنزلون(69)}؟ بقدرتنا. ~~{لو نشاء جعلناه أجاجا} ملحا، أو من الأجيج، فإنه يحرق الفم؛ {فلولا} فهلا ~~{تشكرون(70)} أمثال هذه النعم الضرورية. # {أفرأيتم النار التي تورون(71)} تقدحون، {أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن ~~المنشئون(72)}؟ يعني الشجرة التي منها الزناد؛ {نحن جعلناها} جعلنا نار ~~الزناد {تذكرة} تبصرة في أمر البعث، أو على قدرة القادر الحكيم، أو في ~~الظلام، أو تذكيرا وأنموذجا لنار جهنم، {ومتاعا} ومنفعة، {للمقوين(73)} ~~الذين ينزلون القواء (¬1) : وهي القفر، أو للذين خلت بطونهم ومزاودهم من ~~الطعام، من “أقوت (¬2) الدار”: إذا خلت من ساكنيها؛ {فسبح باسم ربك ~~العظيم(74)} فأحدث التسبيح بذكر اسمه، أو بذكره، وتعقيب الأمر بالتسبيح لما ~~عدد من بدائع صنعه وإنعامه، إما لتنزيهه تعالى عما يقول الجاحدون ~~لوحدانيته، الكافرون لنعمته؛ أو للتعجب من أمرهم في كفران نعمه؛ أو للشكر ~~على ما عدها من النعم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... قال في القاموس: «وأقوى: استغنى، وافتقر، ضد... والقي بالكسر: ~~قفر الأرض، كالقواء... وأقوى: نزل فيها... وقوي كرضي: جاع شديدا». ~~الفيروزآبادي: القاموس، ص1194، مادة: «قوو». # (¬2) - ... في الأصل: «قوت الدار ادخلت...»، وفيها خطآن، وصوابه من ~~البيضاوي: تفسير، ج4/ ص185. وفي اللسان: «وأرض قواء: لا أهل فيها، والفعل: ~~أقوت الأرض وأقوت الدار: إذا خلت من أهلها، واشتقاقه من القواء، وأقوى ~~القوم: نزلوا في القواء». ابن منظور: لسان العرب، ج5/ ص198، مادة «قوا». PageV04P233 # فلا أقسم} إذ الأمر أوضح أن يحتاج إلى قسم؛ أو فأقسم، و«لا» مزيدة ~~للتأكيد، {بمواقع النجوم(75)} بتساقطها، أو بتخصيص المعارف لما في غروبها ~~من زوال أثرها، والدلالة على وجود مؤثر لا يزول تأثيره؛ أو بمنازلها ~~ومجاريها؛ وقيل النجوم: نجوم القرآن، ومواقعها: أوقات نزولها، {وإنه لقسم ~~لو تعلمون عظيم(76)} لما في المقسم به من الدلالة على عظم القدرة، وكمال ~~الحكمة، وفرط الرحمة؛ ومن مقتضيات رحمته لا يترك عباده سدى. # {إنه لقرآن كريم(77)} كثير النفع ms0896 لا سيما على أصول العلوم المهمة في ~~إصلاح المعاش والمعاد، أو حسن مرضي في جنسه، {في كتاب مكنون(78)} مصون ~~(لعله) عن الذين لم يتطهروا عن الكفر والجنابات، {لا يمسه إلا ~~المطهرون(79)} لا يطلع على [592] اللوح إلا المطهرون من الكدورات ~~الجسمانية، وهم الملائكة؛ أو لا يمس القرآن إلا المطهرون من الأحداث، فيكون ~~نفيا بمعنى نهي؛ أو لا يطلبه إلا المطهرون من الكفر، لقوله تعالى: {سأصرف ~~عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق} (¬1) ؛ وقرئ: المتطهرون ~~والمطهرون (¬2) ، أي: أنفسهم وغيرهم بالاستغفار لهم والتزكية؛ وقيل: باطن ~~معناه محجوب عن باطن القلب، إلا إذا كان متطهرا من كل رجس، مستنير بنور ~~التعظيم والتوقير، كما قال: {سأصرف عن آياتي...} الآية. {تنزيل من رب ~~العالمين(80)} صفة ثالثة أو رابعة للقرآن. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الأعراف: 146. # (¬2) - ... اكتفى المصنف بذكر قراءتين فقط، وفيها عدة قراءات أخر. ر: ~~الألوسي: روح المعاني، ج28/ ص155. PageV04P234 # أفبهذا الحديث} يعني القرآن، (لعله) أو ما في هذه السورة، {أنتم ~~مدهنون(81)}؟ متهاونون به كمن يدهن في الأمر، أي: يلين جانبه، و[لا] (¬1) ~~يتصلب فيه تهاونا به، {وتجعلون رزقكم} أي: شكر رزقكم، {أنكم تكذبون(82)} ~~أي: لمانحه، حيث ينسبونه إلى الأنواء. قال ابن عباس فيما يروى عنه: ~~«{وتجعلون رزقكم} أي: شكركم بما أنزلت عليكم أنكم تكذبون به». # {فلولا إذا بلغت الحلقوم(83)} أي: النفس، {وأنتم حينئذ تنظرون(84)} ~~(لعله) إليه وهو في النزع؛ والخطاب لمن حول المحتضر، {ونحن أقرب} ونحن أعلم ~~{إليه} من المحتضر {منكم} عبر عن العلم بالقرب الذي هو سبب الاطلاع، {ولكن ~~لا تبصرون(85)} لا تدركون كنه ما يجرى عليه. {فلولا إن كنتم غير ~~مدينين(86)} أي: مملوكين مقهورين من دانه: إذا أذله واستعبده، {ترجعونها} ~~ترجعون النفس إلى مقرها، {إن كنتم صادقين(87)} (لعله) أنكم غير مملوكين ~~فيها في تعطيلكم، فلولا ترجعون الأرواح إلى الأبدان بعد بلوغها الحلقوم. # ثم ذكر صفات الخلق عند الموت وبين... (¬2) فقال: {فأما إن كان من ~~المقربين(88)} أي: إن كان المتوفى من السابقين، {فروح} فله استراحة؛ وقرئ: ~~«فروح» بالضم، وفسر بالرحمة، لأنها كالسبب لحياة المرحوم، وبالحياة ~~الدائمة، {وريحان} ms0897 ورزق، {وجنة نعيم(89)} ذات تنعم، {وأما إن كان من أصحاب ~~اليمين(90) فسلام لك} يا صاحب اليمين، {من أصحاب اليمين(91)} أي: من أخوانك ~~يسلمون (¬3) عليك. # { # ¬__________ # (¬1) - ... إضافة من البيضاوي، وإلا كان تناقضا. المصدر نفسه. # (¬2) - ... أحال الناسخ إلى الحاشية ولم يكتب فيها شيئا، وفي العبارة سقط واضح. # (¬3) - ... في الأصل: «يسلموا»، وهو خطأ، إذ لا موجب لحذف النون. PageV04P235 # وأما إن كان من المكذبين الضالين(92)} يعني: أصحاب الشمال، وإنما وصفهم ~~بأفعالهم زجرا عنها، وإشعارا بما أوجب لهم ما أوعدهم به، {فنزل من حميم(93) ~~وتصلية جحيم(94)} وذلك ما يجد (لعله) عند النزع (¬1) ؛ {إن هذا} إن الذي ~~ذكر في السورة، {لهو حق اليقين(95)} أي: حق الخبر اليقين، {فسبح باسم ربك ~~العظيم(96)} فنزهه بذكر اسمه عن ما لا يليق بعظمة شأنه. # - - - # سورة الحديد # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... تخصيص قوله تعالى: {فنزل من حميم، وتصلية جحيم} بما يجد عند ~~النزع، لا يتيحه السياق. وفي تفسير أبي السعود: «{وتصلية جحيم} أي إدخال في ~~النار، وقيل: إقامة فيها ومقاساة لألوان عذابها». ويبدو أنه الصواب إن شاء ~~الله، لأن الإنسان عموما مؤمنا كان أو كافرا ليجد في النزع سكرات، بدليل ~~ما رواه البخاري وأحمد عن عائشة عن النبيء - صلى الله عليه وسلم - قوله: ~~«لا إله إلا الله، إن للموت سكرات». أبو السعود: تفسير، مج4/ ج8/ ص202. ~~برنامج سلسلة كنوز السنة: الجامع الصغير وزياداته. PageV04P236 # سبح لله ما في السماوات والأرض} ذكرها هنا وفي “الحشر” و“الصف” بلفظ ~~الماضي، وفي “الجمعة” و“التغابن” [593] بلفظ المضارع إشعارا بأن من شأن من ~~أسند إليه أن يسبحه في جميع أوقاته، لأنه دلالة (¬1) جلية لا تختلف باختلاف ~~الحالات؛ ومجيء المصدر مطلقا في “بني إسرائيل” (¬2) أبلغ، من حيث أنه يشعر ~~بإطلاقه على استحقاق التسبيح من كل شيء، وفي كل حال. وإنما عدي باللام ~~[إشعارا] (¬3) بأن إيقاع الفعل لأجل الله وخالصا لوجهه، {وهو العزيز ~~الحكيم(1)} حال (¬4) يشعر بما هو المبدأ للتسبيح، {له ملك السماوات والأرض} ~~ما يصح منه أن يسبح، {يحيي ويميت وهو على كل شيء} وهو اسم جامع لكل ms0898 ما يقع ~~عليه اسم شيء، {قدير(2)} تام القدرة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لعل الصواب: «لأن دلائله جلية». أي دلائل وجوده وكمالاته ~~وموجبات تسبيحه. # (¬2) - ... المقصود: «في سورة بني إسرائيل»، وهي سورة الإسراء، ويعني ~~قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصى}. الآية: 1. # (¬3) - ... إضافة من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص186. # (¬4) - ... في الأصل: + «بما». PageV04P237 # هو الأول} (لعله) بلا ابتداء، السابق على سائر الموجودات من حيث أنه ~~موجدها ومحدثها ما لا يتناهى من الأوقات، {والآخر} (لعله) لأنه ليس له غاية ~~ولا نهاية، {والظاهر والباطن} الظاهر وجوده لكثرة دلائله، والباطن خفية ~~(¬1) ذاته فلا تكتنهها العقول؛ والغالب على كل شيء، والعالم بباطنه؛ وقيل: ~~اسمه الظاهر يقتضي بطون كل شيء حتى لا ظاهر [سواه]، فينطوي حينئذ وجود كل ~~شيء؛ واسمه الباطن يقتضي ظهور كل شيء، حتى لا باطن معه، فيظن (¬2) إذ ذاك ~~(لعله) وجود كل شيء، فالحق هو الموجود بكل اعتبار. {وهو بكل شيء عليم(3)} ~~يستوي عنده الظاهر والخفي، والأول والآخر (¬3) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... في تفسير البيضاوي: «حقيقة». المصدر نفسه. وكذا عند أبي ~~السعود: تفسير، مج4/ ج8/ ص204. # (¬2) - ... يمكن أن نقرأ: «فبطن»، ولكن يتناقض مع قوله: «حتى لا باطن ~~معه»، والعبارة غامضة كما نرى؛ ولم نجد فيما بين أيدينا من مصادر التفسير ~~ما يوضحها. # (¬3) - ... قوله: «والأول والآخر»، إضافة من المصنف غير موجودة عند ~~البيضاوي ولا عند أبي السعود. ونرى أن حذفها أحسن، إذ الأول والآخر هكذا ~~بالتعريف لا يطلقان إلا على الله عز وجل؛ لأن كل ما سواه أول وآخر بالنسبة ~~إلى شيء آخر، لا بإطلاق. والله أعلم. PageV04P238 # هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، يعلم ما ~~يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها} (لعله) لا ~~يعزب عنه مثقال ذرة فيها، {وهو معكم} بالعلم والقدرة، {أين ما كنتم} لا ~~ينفك علمه وقدرته [عنكم] بحال، {والله بما تعملون بصير(4)} فيجازيكم عليه. ~~{له ملك السماوات والأرض، وإلى الله ترجع الأمور(5) يولج الليل في النهار ~~ويولج النهار في الليل وهو ms0899 عليم بذات الصدور(6)} بمكنوناتها. # {آمنوا بالله ورسوله، وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} من الأموال التي ~~جعلكم الله خلفا في التصرف فيها، فهي في الحقيقة له لا لكم، {فالذين آمنوا ~~منكم وأنفقوا لهم أجر كبير(7) وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم ~~لتؤمنوا بربكم} والمعنى: أي عذر لكم في ترك الإيمان والرسول يدعوكم إليه ~~بالحجج والآيات؟ {وقد أخذ ميثاقكم} أي: وقد أخذ الله ميثاقكم بالإيمان قبل ~~ذلك، بنصب الأدلة، والتمكين من النظر؛ أو أخذ ميثاقكم في ظهر آدم بأن الله ~~ربكم، ولا إله لكم سواه؛ وقيل: {أخذ ميثاقكم}: ركب فيكم العقول، وأقام لكم ~~الحجج (لعله) والدلائل إلى متابعة الرسل، {إن كنتم مؤمنين(8)} بذلك. # {هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى [594] النور} ~~من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، {وإن الله بكم لرءوف رحيم(9)} حيث دعاكم ~~لما يحييكم، ولم يقتصر على ما نصب من الأدلة والحجج العقلية. # { PageV04P239 وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله} فيما يكون قربة إليه، ~~وذخرا لكم؛ قبل في لا شيء (¬1) ؛ أو قبل أن يسترد منكم ما خولكم إياه ~~(لعله) بدليل: {ولله ميراث السماوات والأرض} يرث كل شيء فيهما، ولا يبقى ~~لأحد شيء، وإذا كان كذلك فإنفاقه بحيث يستخلف عوضا يبقى وهو الثواب كان ~~أولى. {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح} فتح مكة، {وقاتل أولئك أعظم ~~درجة} بيان لتفاوت المنفقين باختلاف أحوالهم، من السبق وقوة اليقين، وحاجة ~~من أنفق عليه، {من الذين أنفقوا من بعد} الفتح، {وقاتلوا، وكلا وعد الله ~~الحسنى} أي: وعد الله كلا من المنفقين الحسنى وهي الجنة، {والله بما تعملون ~~خبير(10)} عالم بظاهره وباطنه، ويجازيكم على حسبه. # {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} من إنفاق مال، أو بذل بدن، أو استعمال ~~غريزة ابتغاء مرضاته، {فيضاعفه له} أي: يعطي أجره أضعافا، {وله أجر ~~كريم(11)} أي: وذلك الأجر المضموم إليه الأضعاف كريم في نفسه، ينبغي أن ~~يتوخى وإن لم يضاعف، فكيف وقد يضاعف أضعافا، المعنى: وكأنه قال: أيقرض الله ~~أحد فيضاعفه له؟. ms0900 # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولم يتضح لنا معنى هذه العبارة، ولعله يقصد: ~~أنفقوا فيما يكون قربة إليه، وذخرا لكم؛ قبل أن تنفقوا في لا شيء، أي ~~إسرافا وتبذيرا. والله أعلم. PageV04P240 # يوم ترى المؤمنين والمؤمنات} (لعله) يوم القيامة، {يسعى نورهم} ما يوجب ~~نجاتهم وهدايتهم إلى الجنة، {بين أيديهم وبأيمانهم} نورهم على قدر أعمالهم، ~~ويقول لهم الملائكة: {بشراكم اليوم} أي: يقول لهم من يتلقاهم من الملائكة: ~~بشراكم، أي: المبشر به {جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ذلك هو ~~الفوز العظيم(12)} الإشارة إلى ما تقدم من النور والبشرى من الجنان (¬1) ~~المخلدة. # {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا: انظرونا} انتظرونا، فإنهم ~~يسرع بهم إلى الجنة، {نقتبس من نوركم}، لأنهم ليس لهم نور، {قيل: ارجعوا ~~وراءكم} إلى الدنيا {فالتمسوا نورا} بتحصيل المعارف الإلهية والأخلاق ~~الفاضلة، وهو تهكم، {فضرب بينهم} بين المؤمنين والمنافقين {بسور} بحائط ~~(لعله) وهو حاجز بين الجنة والنار، وهو جبل الأعراف فيما قيل، {له باب} ~~يدخل فيه المؤمنون، {باطنه} باطن السور {فيه الرحمة} لأنه يلي الجنة، ~~{وظاهره من قبله العذاب(13)} من جهته، لأنه يلي النار؛ (لعله) قيل: هو ~~الأعراف المذكور. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الصواب: «بالجنان» كما في البيضاوي، و“بشر” يتعدى بالباء، ولا ~~يقال: “بشره من كذا”. انظر: البيضاوي: تفسير، ج4/ ص187. ابن منظور: لسان ~~العرب، ج1/ ص216-217، مادة «بشر». PageV04P241 # ينادونهم: ألم نكن معكم}؟ يريدون موقفه الظاهر، {قالوا: بلى، ولكنكم ~~فتنتم أنفسكم} بالنفاق، [أهلكتموها (لعله) بالنفاق والكفر واستعملتموها في ~~المعاصي والشهوات، وكلها فتنة] (¬1) {وتربصتم}، بالمؤمنين الدوائر، ~~{وارتبتم} وشككتم في البعث، {وغرتكم الأماني} (لعله) حتى بعدتم عنكم الموت، ~~فدهمكم بغتة؛ وقيل: الأباطيل، {حتى جاء [595] أمر الله} وهو الموت، {وغركم ~~بالله الغرور(14)} الشيطان مناكم المغفرة على الإصرار، {فاليوم لا يؤخذ ~~منكم فدية ولا من الذين كفروا (¬2) } ظاهرا وباطنا، و{مأواكم النار} لأنها ~~خلقت لكم وخلقتم لها، {هي مولاكم} هي أولى بكم؛ وقيل: متولاكم، كما توليتم ~~موجبا[تها]، {وبئس المصير(15)} النار. # { # ¬__________ # (¬1) - ... ما بين معقوفين كتب في الحاشية ولم يحل إليه الناسخ في المتن، ~~وأثبتناه في محله باجتهادنا. # (¬2) - ... في الأصل: ms0901 «كفرا» وهو خطأ. PageV04P242 # ألم يأن} يحن، من الحين، {للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} ألم يأت ~~وقته، يقال (لعله) أنى الأمر يأني أنيا (¬1) ، إذا جاء إناه، {وما نزل من ~~الحق} أي: القرآن، فيقصروا الأمل بها ويجتهدوا، {ولا يكونوا كالذين أوتوا ~~الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم} أي: فطال عليهم الزمان بطول ~~أعمارهم وآمالهم؛ والمعنى أن الله عز وجل ينهى المؤمنين أن يكونوا في ~~صحبة... (¬2) اليهود الذين قست قلوبهم لما طال عليهم الدهر، {وكثير منهم ~~فاسقون(16)} خارجون عن دينهم رافضون لما في كتابهم من فرط القسوة. # {اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها} تمثيل لإحياء القلوب القاسية ~~بالذكر والتلاوة، أو إحياء الأموات، ترغيبا في الخشوع، وزجرا عن القساوة، ~~{قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون(17)} كي يكمل عقلكم (لعله) بالذكر ~~والكفر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... «أنى الشيء يأني أنيا وإنى وأنى وهو أني: حان وأدرك». ابن ~~منظور: لسان العرب، ج1/ ص122، مادة «أني». # (¬2) - ... فراغ قدر كلمة، وقد وضع الناسخ إحالة إلى الحاشية ولم يكتب ~~فيها شيئا. وفي تفسير البغوي: «والمعنى أن الله عز وجل ينهى المؤمنين أن ~~يكونوا في صحة القرآن كاليهود الذين قست قلوبهم لما طال عليهم الدهر». ~~البغوي: معالم التنزيل، 4/297. PageV04P243 # إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا} (لعله) تركوا الدنيا ~~وطرحوها لأهلها، وأقرضوا أنفسهم وأموالهم ومهجهم وأعمارهم لله رب العالمين، ~~{يضاعف لهم ولهم أجر كريم(18) والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ~~والشهداء عند ربهم} أي: أولئك عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء، أو هم ~~المبالغون في الصدق، فإنهم آمنوا وصدقوا جميع أخبار الله ورسله، والقائمون ~~بالشهادة لله ولهم، أو على الأمم يوم القيامة، {لهم أجرهم ونورهم} مثل أجر ~~الصديقين والشهداء، {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم(19)}. # { PageV04P244 اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو} في انقضائها، وقلة ~~حاصلها، وتعب طالبها، {وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد} لما ~~ذكر حال الفريقين في الآخرة، حقر أمور الدنيا أعني ما لا يتوصل به إلى ~~الفوز الآجل بأن بين أنها أمور خالية قليلة ms0902 النفع، سريعة الزوال، لأنه ~~{لعب} يتعب الناس فيه أنفسهم حد أتعاب (¬1) الصبيان في الملاعب من غير ~~فائدة، {ولهو} يلهون به أنفسهم عما يهمهم، {وزينة} كالملابس الحسنة، ~~والمراكب البهية، والمنازل الرفيعة، {وتفاخر} بالأنساب، {وتكاثر} بالعدد ~~والعدد، ثم قرر ذلك بقوله: {كمثل غيث أعجب الكفار نباته، ثم يهيج فتراه ~~مصفرا ثم يكون حطاما} وهو تمثيل لها في سرعة تقضيها (¬2) ، وقلة جدواها، ~~بحال نبات أنبته الغيث فاستوى، أعجب به الحراث أو الكافرون [596] بالله، ~~لأنهم أشد إعجابا بزينة الدنيا، ولأن المؤمن إذا رأى معجبا انتقل فكره إلى ~~قدرة صانعه، فأعجب بها؛ والكافر لا يتخطى فكره عما أحس به، فيستغرق فيه ~~إعجابا، ثم هاج، أي: يبس بعاهة فاصفر، ثم صار حطاما؛ كذلك الدنيا وما فيها ~~وعليها؛ ثم عظم أمور الآخرة بقوله: {وفي الآخرة عذاب شديد} تنفيرا عن ~~الانهماك في الدنيا. وحثا على ما يوجب كرامة العقبى؛ ثم أكد ذلك بقوله: ~~{ومغفرة من الله ورضوان، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور(20)} أي: لمن ~~أقبل عليها، ولم يطلب بها الآخرة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في تفسير البيضاوي: «يتعب الناس فيه أنفسهم جدا إتعاب ~~الصبيان». ج4/ ص189. # (¬2) - ... كذا أيضا في تفسير البيضاوي، ويبدو أن الصواب: «انقضائها». ~~المصدر نفسه. PageV04P245 # سابقوا} سارعوا مسارعة السابقين. (لعله) يروى عن النبيء - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه [قال]: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل» (¬1) ، {إلى مغفرة ~~من ربكم} إلى موجباتها، {وجنة عرضها كعرض السماء والأرض} أي: عرضها ~~كعرضهما؛ وإذا كان العرض كذلك، فما ظنك بالطول؛ وقيل: المراد به: البسطة، ~~كقوله: {فذو دعاء عريض} (¬2) . ويؤخذ عن أبي سعيد فيما أرجو: «فالجنة كما ~~وصفها الله يمكن أن تكون مكان السماوات والأرض، ويمكن أن تكون في غير ~~السماوات والأرض، وتكون السماوات والأرض بحالهن، ولا يعجز الله في قدرته ~~شيء من الأمور؛ ويمكن أن تكون هذه الجنة مثل السماوات والأرض، وتكون ~~السماوات والأرض بحالهن مكانهن؛ تعالى الله العزيز في قدرته علوا كبيرا». ~~{أعدت للذين آمنوا بالله ورسله، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} ذلك الموعود ~~يتفضل به على من يشاء ms0903 من غير إيجاب، {والله ذو الفضل العظيم(21)} فلا يبعد ~~منه التفضل بذلك، وإن عظم قدره. # { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه الترمذي: كتاب صفة القيامة والرقائق والورع. رقم 2374. ~~عن بكير بن فيروز قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن ~~سلعة الله الجنة». قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ~~أبي النضر. العالمية: موسوعة الحديث، مادة البحث: «أدلج». # (¬2) - ... سورة فصلت: 51. PageV04P246 # ما أصاب من مصيبة في الأرض} بالقحط والآفات للثمار، {ولا في أنفسكم} ~~بالمرض والخسران في الدين، {إلا في كتاب} إلا مكتوبة في اللوح مثبتة في علم ~~الله، {من قبل أن نبرأها} نخلقها، {إن ذلك} إن إثباتها [الذي] ثبته في ~~كتاب، {على الله يسير(22)} لاستغنائه فيه عن العدة والمدة. # {لكيلا تأسوا} أي: أثبت وكتب لئلا تحزنوا {على ما فاتكم} من نعم الدنيا، ~~{ولا تفرحوا بما آتاكم} بما أعطاكم الله منها، فإن من علم أن الكل مقدر، ~~هان عليه الأمر؛ وقرأ أبو عمرو: «وبما أتاكم» من الإتيان لتعادل «ما ~~فاتكم»، وعلى الأول فيه إشعار بأن فواتها يلحقها إذا خليت وطباعها؛ وأما ~~حصولها وبقاؤها، فلا بد لهما من سبب يوجدها ويبقيها؛ والمراد به: نفي الأسى ~~المانع عن التسليم لأمر الله، والفرح الموجب للبطر والاختيال، ولذلك عقبه ~~بقوله: {والله لا يحب كل مختال} متكبر على الله وعلى خلقه بما أوتي من ~~الدنيا مستغن به عن الله، {فخور(23)} (لعله) به على الناس، إذ قل من تثبت ~~نفسه عند وقوع الضراء [597] والسراء. # {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} بدل من «كل مختال» فإن المختال ~~بالمال يضن به غالبا؛ أو مبتدأ. {ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد(24)} ~~لأن معناه: ومن يعرض عن الإنفاق، فإن الله غني عنه وعن إنفاقه، محمود في ~~ذاته، لا يضره الإعراض عن شكره بالتقرب إليه بشيء من نعمه (¬1) ؛ وفيه ~~تهديد وإشعار بأن الأمر بالإنفاق لمصلحة المنفق. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في العبارة خلل، صوابها ما ذكره البيضاوي: ms0904 «لا يضره الإعراض ~~عن شكره، ولا ينفعه التقرب إليه بشكر من نعمه». البيضاوي: تفسير، ج4/ ص189. PageV04P247 # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط} (¬1) ليتعاملوا بينهم بالعدل، وإنزاله إنزال أسبابه، والأمر ~~بإعداده؛ ويجوز أن يراد به: العدل لتقام به السياسة، ويدفع به الأعداء، كما ~~قال: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} فإن آلات الحروب متخذة منه، {ومنافع ~~للناس، وليعلم الله من ينصره ورسله} باستعمال الأسلحة والعدد والمهج ~~{بالغيب، إن الله قوي} على إهلاك من أراد إهلاكه {عزيز(25)} لا يفتقر إلى ~~نصرة؛ وإنما أمرهم بالجهاد لينتفعوا به، ويستوجبوا ثواب الامتثال. # {ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب} بأن ~~استنبأناهم، وأوحينا إليهم الكتاب؛ وقيل: المراد بالكتاب: الخط، {فمنهم} ~~فمن الذرية، أو من المرسل إليهم؛ {مهتد، وكثير منهم فاسقون(26)} خارجون عن ~~الطريق المستقيم، والعدول عن سنن الإسلام، مبالغة في الذم، والدلالة على ~~[أن] الغلبة للضلال. # {ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم} أي: أرسلنا رسولا ~~بعد رسول، حتى انتهى إلى عيسى، {وآتيناه الإنجيل، وجعلنا في قلوب الذين ~~اتبعوه رأفة ورحمة} (لعله) لأهل الإيمان، {ورهبانية} أي: وابتدعوا رهبانية ~~جاؤوا بها من قبل أنفسهم {ابتدعوها} أو رهبانية مبتدعة على أنها من ~~المجعولات، وهي المبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس، منسوبة ~~إلى الرهبان (¬2) ، وهو المبالغ في الخوف، من رهب. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - {والميزان ليقوم الناس بالقسط}. # (¬2) - ... «فعلان، من رهب، كخشيان من خشي». أبو السعود: تفسير، مج4/ ج8/ ص213. PageV04P248 # ما كتبناها عليهم} ما فرضناها عليهم {إلا ابتغاء رضوان الله} قيل: ~~استثناء منقطع؛ أي: ولكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان، أي: ولكنهم ابتغوا رضوان ~~الله بتلك الرهبانية، وتلك الرهبانية: ما حملوا أنفسهم من الميثاق في ~~الامتناع من المطعم والمشرب والملبس والمنكح؛ وقيل: متصل، فإن {ما كتبناها ~~عليهم} بمعنى: ما تعبدناهم بها، وهو كما ينفي الإيجاب المقصود منه دفع ~~العقاب ينفي الندب المقصود منه مجرد حصول مرضاة الله، وهو يخالف قوله: ~~{ابتدعوها}، إلا أن [يقال:] ابتدعوها ثم ندبوا إليها؛ أو ابتدعوها بمعنى: ~~استحدثوها وأتوا ms0905 بها؛ أو لأنهم اخترعوها من تلقاء أنفسهم، {فما رعوها} أي: ~~فما رعو[ه]ا جميعا، [598] {حق رعايتها} لم يوفوها جميع حقوقها. # {فآتينا الذين آمنوا} أتوا (¬1) بالإيمان الصحيح، وحافظوا حقوقها، ومن ~~ذلك الإيمان بمحمد - عليه السلام - ، {منهم} من المتسمين باتباعه، {أجرهم، ~~وكثير منهم فاسقون(27)} خارجون عن حال الاتباع. # {يا أيها الذين آمنوا} بالله والرسل المتقدمة، وما أتوهم به، {اتقوا ~~الله} فيما نهاكم عنه، {وآمنوا برسوله} محمد - عليه السلام - ، {يؤتكم ~~كفلين} نصيبين {من رحمته} لإيمانكم بمن تقدمه، {ويجعل لكم نورا تمشون به} ~~علما تستضيئون به فيما تعبدتم، تسلكون به إلى جنات القدس، {ويغفر لكم والله ~~غفور رحيم(28)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «أوتوا»، والصواب ما أثبتناه من البيضاوي: تفسير، ~~ج4/ ص190. PageV04P249 # لئلا يعلم} أي: ليعلموا و«لا» مزيدة، {أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من ~~فضل الله} أي: أنهم لا ينالون شيئا مما ذكر من فضله، ويتمكنون من نيله، ~~لأنهم لم يؤمنوا برسوله، وهو مشروط بالإيمان به؛ أو لا يقدرون على شيء من ~~فضله، فضلا أن يتصرفوا في أعظمه، وهو النبوة فيخصونها بمن أرادوا، ويؤيده ~~قوله: {وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم(29)}. # سورة المجادلة # بسم الله الرحمن الرحيم # {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله، والله يسمع ~~تحاوركما} تراجعكما الكلام؛ وهو على تغليب الخطاب، {إن الله سميع بصير(1)} ~~للأقوال والأحوال. {الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم} على ~~الحقيقة، {إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم} فلا تشبه بهن في الحرمة، {وإنهم ~~ليقولون منكرا من القول} [إذ الشرع] (¬1) أنكره، {وزورا} محرفا عن الحق، ~~{وإن الله لعفو غفور(2)} لما سلف منه مطلقا، [أو] إذا تيب عنه (لعله) مع ~~إيجاب الكفارة لمن أراد إدراك زوجته. # { # ¬__________ # (¬1) - ... إضافة من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص191. PageV04P250 # والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا} أي: إلى قولهم بالتدارك، ~~{فتحرير رقبة} أي: فعليهم {من قبل أن يتماسا} أن يستمتع كل من المظاهر ~~والمظاهر عنها بالآخر، لعموم اللفظ، {ذلكم} أي: ذلكم الحكم بالكفارة ~~{توعظون به} لأنه يدل ms0906 على ارتكاب الجناية الموجبة للغرامة، ويردع عنه ~~{والله بما تعملون خبير(3) فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن ~~يتماسا؛ فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله} أي: ~~فرض ذلك لتصدقوا بالله ورسوله، في قبول شرائعه ورفض ما كنتم عليه في ~~جاهليتكم، {وتلك حدود الله} لا يجوز تعديها {وللكافرين} أي: الذين لا ~~يقبلونه {عذاب أليم(4)}. # {إن الذين يحادون الله} يخالفون الله {ورسوله} يعادونهما، فإن كلا من ~~المتعاديين في حد غير حد الآخر؛ أو يضعون ويختارون حدودا غير حدودهما، ~~{كبتوا كما كبت} أخزوا وأهلكوا؛ وأصل الكبت: الكب {الذين [599] من قبلهم} ~~يعني: كفار الأمم الماضية؛ {وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين(5)} ~~يذهب عزهم وتكبرهم. {يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا} أي: على ~~رؤوس الأشهاد، تشهيرا بحالهم، وتقريرا لعدائهم، {أحصاه الله} أحاط به عددا، ~~لم يغب عنه منه شيء، {ونسوه} لكثرته، أو تهاونهم به، وتماديهم عن التوبة ~~عنه، {والله (¬1) على كل شيء شهيد(6)} لا يغيب عنه شيء. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «{والله} وتماديهم عن التوبة عنه، {على كل شيء ~~شهيد}»، وهو خطأ، ففي العبارة تقديم وتأخير. PageV04P251 # ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض} كليا وجزئيا، {ما يكون ~~من نجوى ثلاثة} ما يقع من تناجي ثلاثة، واشتقاقه من النجوة: وهو ما ارتفع ~~من الأرض، فإن السرائر مرفوع إلى الذهن (¬1) ، لا يتيسر لكل أحد أن يطلع ~~عليه، {إلا هو رابعهم} بالعلم والجزاء لهم وعليهم؛ إن كان خيرا فالتوفيق ~~لهم، وإن كان شرا فالخذلان، {ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا ~~أكثر إلا هو معهم} يعلم ما يجري بينهم، وما يجري منهم، {أين ما كانوا} فإن ~~علمه بالأشياء ليس لقرب مكاني حتى يتفاوت باختلاف الأمكنة، {ثم ينبئهم بما ~~عملوا يوم القيامة} تفضيحا لهم، وتقريرا لما يستحقونه من الجزاء، {إن الله ~~بكل شيء عليم(7)} لأن نسبة ذاته المقتضية للعلم إلى الكل على سواء. # {ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى} نزلت في المنافقين، وذلك أنهم ms0907 يتناجون ~~فيما بينهم دون المؤمنين، وينظرون إلى المؤمنين، ويتغامزون بأعينهم، يوهمون ~~المؤمنين أنهم يناجون فيما يسوءهم، {ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون ~~بالإثم والعدوان ومعصية الرسول} أي: بما هو إثم وعدوان للمؤمنين، وتواصوا ~~(¬2) بمعصية الرسول؛ {وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله، ويقولون في ~~أنفسهم} فيما بينهم: {لولا يعذبنا الله بما نقول} هلا يعذبنا الله بذلك لو ~~كان نبيا، {حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير(8)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في تفسير البيضاوي: «فإن السر أمر مرفوع إلى الذهن...». ويبدو ~~أنه الصواب. البيضاوي: تفسير، ج4/ ص192. # (¬2) - ... في تفسير البيضاوي: «وتواص». ويبدو أنه الأصوب. المصدر نفسه. PageV04P252 # يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية ~~الرسول} كما يفعل المنافقون، {وتناجوا بالبر والتقوى، واتقوا الله الذي ~~إليه تحشرون(9)} فيما تأتون وتذرون، فيجازيكم عليه. {إنما النجوى} أي: ~~النجوى بالإثم والعدوان {من الشيطان} فإنه المزين لها، والحامل عليها، ~~والداعي لها، {ليحزن الذين آمنوا، وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله؛ وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون(10)}. # {يا أيها الذين آمنوا، إذا قيل لكم: تفسحوا في المجالس} توسعوا فيها، ~~وليفسح بعضكم عن بعض، من قولهم: افسح عني، أي: تنح، فإنهم كانوا يتضامون به ~~تنافسا على القرب منه، وحرصا على استماع كلامه، {فافسحوا يفسح الله لكم} ~~فيما تريدون الفسح فيه من المكان والرزق والصدر وغيرها. {وإذا قيل: انشزوا} ~~ارتفعوا عن المجلس [600] (لعله) قال أبو سعيد: «إن النشوز هو: فرض الإقامة» ~~(¬1) . {فانشزوا} (لعله) من غير توقف؛ وقال: {يرفع الله الذين آمنوا منكم} ~~عن المعاصي (¬2) بالطاعة، {والذين أوتوا العلم درجات} ويرفع العلماء منهم ~~خاصة درجات، بما جمعوا من العلم والعمل، فإن العلم مع علو درجته يقتضي ~~للعمل المقرون به مزيد رفعة؛ ولذلك يقتدى بالعالم في أفعاله، ولا يقتدى ~~بغيره، {والله بما تعملون خبير(11)} تهديد لمن لم يمتثل الأمر، أو استكرهه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... «(لعله)... فرض الإقامة» كتبت في الحاشية ولم يحل إليها ~~الناسخ في المتن وأثبتناها باجتهادنا. # (¬2) - ... في الأصل: «المصاصي»، وهو خطأ. PageV04P253 # يا أيها الذين آمنوا، إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} ~~فتصدقوا ms0908 قدامها؛ وفي هذا الأمر تعظيم الرسول، وإنفاع الفقراء، والنهي عن ~~الإفراط في السؤال، والميز بين المخلص والمنافق، ومحب الدنيا [ومحب الآخرة] ~~(¬1) ؛ واختلف [في] أنه للندب، أو للوجوب؛ وقيل: إنه منسوخ بقوله: ~~{أأشفقتم...}. {ذلك} أي: ذلك التصدق {خير لكم وأطهر} أي: لأنفسكم من الزينة ~~وحب المال، {فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم(12) أأشفقتم أن تقدموا بين ~~يدي نجواكم صدقات}؟ أخفتم الفقر من تقديم الصدقة؟ والمعنى: أخفتم العيلة ~~والفاقة إن قدمتم؟ {فإن لم تفعلوا وتاب الله عليكم} بأن رخص لكم أن لا ~~تفعلوه، {فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} فلا تفرطوا في أدائهما، {وأطيعوا ~~الله ورسوله} في سائر الأوامر، {والله خبير بما تعملون(13)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... إضافة من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص193. ليتم المعنى. PageV04P254 # ألم تر إلى الذين تولوا} والوا، {قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا ~~منهم} لا من المؤمنين ولا من المنافقين، ولكنهم من الجاحدين؛ ويحتمل: ما هم ~~منكم ولا أنتم منهم، ولكنهم خارجون بنفاقهم وفسقهم عن اسم الإيمان الحقيقي، ~~{ويحلفون على الكذب وهم يعلمون(14)} أن المحلوف عليه كذب، {أعد الله لهم ~~عذابا شديدا، إنهم ساء ما كانوا يعملون(15)} فتمرنوا على سوء العمل، وأصروا ~~عليه، {اتخذوا أيمانهم} الذي أظهروه (¬1) ، {جنة} وقاية دون دمائهم ~~وأموالهم، {فصدوا عن سبيل الله، فلهم عذاب مهين(16) لن تغني عنهم أموالهم ~~ولا أولادهم من الله} لأنهم لم يريدوا به وجهه، وإن أرادوا به وجهه مع ~~المخالفة بغيره فلا ينفعهم، لأنه لا تقوم طاعة من عاص، {شيئا، أولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون(17) يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له} أي: لله (¬2) ~~على أنهم مسلمون، {كما يحلفون لكم} في الدنيا أنهم منكم، {ويحسبون أنهم على ~~شيء} وهم خالون من كل شيء، لأن النفاق قد تمكن في نفوسهم، {ألا إنهم هم ~~الكاذبون(18)} البالغون الغاية في الكذب، حيث يكذبون مع عالم الغيب ~~والشهادة، ويحلفون عليه. {استحوذ عليهم الشيطان} استولى عليهم وغلب، ~~{فأنساهم ذكر الله} لا يذكرون الله بقلوبهم، {أولئك حزب الشيطان} جنوده ~~وأتباعه [601] (لعله) وأنصاره على الضلال، {ألا إن حزب الشيطان هم ms0909 ~~الخاسرون(19)} لأنهم فوتوا أنفسهم النعيم المؤبد، وعرضوها للعذاب المخلد. # { # ¬__________ # (¬1) - ... نلاحظ أن المصنف اختار قراءة «إيمانهم» بالكسر، وهي قراءة ~~الحسن. وفي تفسير البيضاوي: «{اتخذوا أيمانهم} أي التي حلفوا بها، وقرئ ~~بالكسر، أي إيمانهم الذي أظهروه». انظر: البيضاوي: تفسير، ج4/ ص193-194. ~~الألوسي: روح المعاني، ج28/ ص33. # (¬2) - ... في الأصل: « الله » . PageV04P255 # إن الذين يحادون الله ورسوله} بالمخالفة لهما، {أولئك في الأذلين(20)} في ~~جملة من هو أذل خلق الله، {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} بالحجة والغلبة ~~والنصر، لأن من كان عونه الله تعالى فجدير أن لا يغلب، {إن الله قوي ~~عزيز(21)}. # {لا تجد قوما} (لعله) في الكون {يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد ~~الله ورسوله} لا ينبغي أن يوادوهم، {ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو ~~إخوانهم أو عشيرتهم، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان} أثبته فيها، فلم يزايلها ~~(¬1) (لعله) ما لم يغيروه، كما ثبت المرض في قلوب الكافرين فلم يزايلهم ما ~~لم يزيلوه، {وأيدهم بروح منه} أي: من عند الله، وهو نور القلب، أو القرآن، ~~أو النصر؛ وقيل: الضمير للإيمان، فإنه سبب لحياة القلب، أو للحياة ~~الحقيقية، {ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم} ~~بما عملوه مما فرضه عليهم، ونهاهم عنه، وما توسلوا به إليه، {ورضوا عنه} ~~بقضائه، أو بما أوعدهم به (¬2) من الثواب، {أولئك حزب الله} جنده وأنصار ~~دينه على الشيطان، (لعله) وحزبه، {ألا إن حزب الله هم المفلحون(22)} ~~الفائزون بخير الدارين، السالمون من عذابهما. # (((( # سورة الحشر # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... «زايله مزايلة وزيالا: فارقه». الفيروزآبادي: القاموس، ص910، ~~مادة: «زيل». # (¬2) - ... قال في القاموس: «وعده الأمر، وبه، يعد عدة، ووعدا وموعدا، ~~وموعدة وموعودا وموعودة، وخيرا وشرا، فإذا أسقطا قيل في الخير: وعد، وفي ~~الشر: أوعد. وقالوا: أوعد الخير، وبالشر». فمن هنا يتضح أن الصواب: إما أن ~~يقول: «بما أوعدهم من الثواب»، أو يقول: «وعدهم به من الثواب» ~~الفيروزآبادي: القاموس، ص295، مادة: «وعد». PageV04P256 # سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم(1) هو الذي أخرج ~~الذين كفروا من ms0910 أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر} الحشر: جمع من مكان إلى ~~آخر، {ما ظننتم أن يخرجوا} لشدة بأسهم ومنعتهم، {وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم ~~من الله} أي: أن حصونهم تمنعهم من بأس من يتوقونه (¬1) ، {فأتاهم الله} أي: ~~عذابه، وهو الرعب والاضطرار إلى الجلاء، {من حيث لم يحتسبوا} لقوة وثوقهم، ~~{وقذف في قلوبهم الرعب} وأثبت فيها الخوف الذي يرعبها، أي: يملأها، {يخربون ~~بيوتهم بأيديهم} ضنا بها على المسلمين، وإخراجا لما استحسنوا من آلاتها، أو ~~يخربون أحوال ما بنوه من الأمور في حرب المسلمين بالانتكاص عنه، لقوله: ~~{وأتوا البيوت من أبوابها} (¬2) أي: الأمور، {وأيدي المؤمنين} فإنهم كانوا ~~أيضا يخربون ظواهرها، نكاية وتوسيعا لمجال القتال؛ {فاعتبروا يا أولي ~~الأبصار(2)} فاتعظوا بحالهم، فلا تعتمدوا على غير الله. # {ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء} الخروج من أوطانهم، {لعذبهم في الدنيا} ~~بالقتل والسبي وغير ذلك؛ {ولهم في الآخرة عذاب النار(3) ذلك بأنهم شاقوا ~~الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب(4)} الإشارة إلى ما ذكر ~~مما حاق بهم، (لعله) أي: [سواء أ]خرجوا من أوطانهم أو قعدوا فالعذاب محيط ~~بهم، بسبب مشاققتهم لله ورسوله. # {ما قطعتم من لينة} أي شيء قطعتم من نخلة؛ فعلة، من اللون، ويجمع على ~~[602] ألوان؛ وقيل: من اللين، ومعناها: النخلة الكريمة، وجمعها: «أليان»، ~~{أو تركتموها قائمة على أصولها، فبإذن الله وليخزي الفاسقين(5)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: + «(لعله) الله»، ولم يتضح لنا موقعها من النص. # (¬2) - ... سورة البقرة: 189. PageV04P257 # وما أفاء الله على رسوله} وما أعاده عليه؛ أو رده عليه، فإنه كان حقيقا، ~~بأن يكون له، لأنه تعالى خلق الناس لعبادته، وخلق ما خلق لهم ليتوسلوا به ~~إلى طاعته، فهو جدير بأن يكون للمطيعين، {منهم} من الكفرة، {فما أوجفتم ~~عليه} فما أجريتم على تحصيله، من الوجيف: وهو سرعة السير، {من خيل ولا ~~ركاب، ولكن الله يسلط رسله على من يشاء} يقذف الرعب في قلوبهم، {والله على ~~كل شيء قدير(6)} فيفعل ما يريد، تارة بالوسائط الظاهرة، وتارة (لعله) ~~بدقائق باطنة لا تعرف إلا بالتفرس. # {ما أفاء الله على ms0911 رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل، كي لا يكون دولة} (لعله) مداولا {بين الأغنياء} ~~الرؤساء {منكم} الدولة: ما يتداوله الأغنياء ويدور بينهم، كما كان في ~~الجاهلية؛ {وما آتاكم الرسول} من الأمر {فخذوه} أي: تمسكوا به لأنه واجب ~~الطاعة، {وما نهاكم عنه} عن فعله، {فانتهوا} عنه، {واتقوا الله} في مخالفة ~~رسوله، {إن الله شديد العقاب(7)} في الدارين لمن خالف. # { PageV04P258 للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون ~~فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون(8)} الذي ظهر ~~صدقهم في إيمانهم. {والذين تبوءوا} توطنوا {الدار والإيمان} عطف على ~~«المهاجرين»؛ والمراد بهم: الأنصار، الذين ظهر صدقهم، فإنهم لزموا المدينة ~~والإيمان، وتمكنوا فيهما؛ وقيل المعنى: تبوؤوا دار الهجرة ودار الإيمان، أو ~~تبوؤوا الدار، وأخلصوا الإيمان؛ وقيل: سمى المدينة بالإيمان، لأنها مظهره، ~~{من قبلهم} من قبل هجرة المهاجرين، {يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في ~~صدورهم حاجة} ما تحمل عليه الحاجة، كالطلب والحسد والغيظ، {مما أوتوا} ما ~~آتاهم الله من فضله. قال الغزالي: «أي لا تضيق به صدورهم ولا يغتمون، فأثنى ~~عليهم بعدم الحسد»؛ {ويؤثرون على أنفسهم} ويقدمون المهاجرين على أنفسهم، ~~وهذا من علامات الإيمان، {ولو كان بهم خصاصة} حاجة؛ من خصاص البناء (¬1) ، ~~وهي فروجه، {ومن يوق شح نفسه} حتى يخالفها مما [يغلب] (¬2) عليها من حب ~~المال وبغض الإنفاق، {فأولئك هم المفلحون(9)} الفائزون. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في اللسان: «وخصاص المنخل والباب والبرقع وغيره: خلله، ~~واحدته: خصاصة... وفي التنزيل العزيز: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم ~~خصاصة} وأصل ذلك في الفرجة أو الخلة، لأن الشيء إذا انفرج وهى واختل». ابن ~~منظور: لسان العرب، ج2/ ص841، مادة «خصص». # (¬2) - ... إضافة من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص196. PageV04P259 # والذين جاءوا من بعدهم} هم الذين هاجروا حين قوي الاسلام، أو التابعون ~~بإحسان، وهم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة؛ ولذلك قيل: إن الآية ~~قد استوعبت جميع المؤمنين، {يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ~~بالإيمان ولا تجعل} أي: لإخواننا في الدين، [603] {في قلوبنا غلا للذين ~~آمنوا} ms0912 حقدا لهم، لأنه ما دام في القلب حقد لأحد من أهل الإيمان بلا حجة ~~فذاك مرض فيه، {ربنا إنك رءوف رحيم(10)} فأنت أهل بأن تجيب دعاء من دعاك. # {ألم تر إلى الذين نافقوا} أظهروا خلاف ما أضمروا، فلذلك... (¬1) ~~{يقولون: لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب} فانظر سماهم الله إخوانهم، ~~لأنهم متشابهون في الأعمال، إلا (لعله) ما أقروا به من الإقرار بالألسنة في ~~الظاهر، {لئن أخرجتم} من دياركم، {لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا؛ ~~وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون(11)} لعلمه بأنهم لا يفعلون ~~ذلك، كما قال: {لئن أخرجوا لا يخرجون معهم، ولئن قوتلوا لا ينصرونهم، ولئن ~~نصروهم} على عرض عاجل، {ليولن الأدبار} انهزاما، {ثم لا ينصرون(12)} بعد، ~~بل يخذلهم الله، ولا تنفعهم نصرة المنافقين، لأنهم لا ينصرونهم إلا لغرض ~~عاجل، وليس له ثبات. # { # ¬__________ # (¬1) - ... وضع الناسخ إحالة إلى الحاشية ولم يكتب فيها شيئا، وفي ~~العبارة سقط واضح. PageV04P260 # لأنتم} أيها المؤمنون؛ {أشد رهبة} مرهوبا، {في صدورهم} فإنهم كانوا ~~يظهرون مخافتهم من المؤمنين، {من الله} على ما يظهرونه نفاقا، فإن استبطان ~~رهبتهم سبب لإظهار رهبة الله؛ أو لا يرهبون الله... (¬1) يرهبون القتل على ~~أيد المؤمنين، {ذلك بأنهم قوم لا يفقهون(13)} لا يعلمون عظمة الله حتى ~~يخشوه (¬2) حق خشيته، ويعلمون بأنه الحقيق بأن يخشى. {لا يقاتلونكم جميعا ~~إلا في قرى محصنة} بالخنادق، {أو من وراء جدر} لفرط رهبتهم، {بأسهم بينهم ~~شديد} أي: وليس ذلك لضعفهم وجبنهم، فإنه يشد بأسهم إذا حارب بعضهم بعضا، بل ~~لقذف الله الرعب في قلوبهم، ولأن الشجاع يجبن، والعزيز يذل إذا حارب الله ~~ورسوله؛ {تحسبهم جميعا} مجتمعين متفقين، {وقلوبهم شتى} متفرقة لافتراق ~~عقائدهم واختلاف مقاصدهم. قال قتادة: «أهل الباطل مختلفة أهواؤهم ومختلفة ~~أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق»؛ {ذلك بأنهم قوم لا يعقلون(14)} ~~ما فيه صلاحهم، وأن تشتت القلوب يوهن قواهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... وضع الناسخ إحالة إلى الحاشية ولم يكتب فيها شيئا، وفي ~~العبارة سقط تقديره: «بل»، أو «وإنما». # (¬2) - ... في الأصل: «يخشونه»، وهو خطأ من الناسخ. PageV04P261 # كمثل ms0913 الذين من قبلهم قريبا} في زمان قريب، {ذاقوا وبال أمرهم} سوء عاقبة ~~كفرهم في الدنيا، {ولهم عذاب أليم(15)} في العقبى؛ {كمثل الشيطان} أي: مثل ~~المنافقين في إغراء اليهود على القتال كمثل الشيطان، {إذ قال للإنسان: ~~اكفر} أغراه على الكفر إغراء الآمر المأمور؛ {فلما كفر قال إني بريء منك} ~~تبرأ منه مخافة أن يشاركه في العذاب، ولم ينفعه كما قال: {إني أخاف الله رب ~~العالمين(16)} فيقول الله تعالى: {فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين ~~فيها وذلك جزاء الظالمين(17)} (¬1) استحقا الاشتراك في العذاب، هذا ~~بالإضلال، وذلك بالاتباع والتقليد. # {يا أيها الذين آمنوا، اتقوا الله} بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، ~~{ولتنظر نفس ما قدمت لغد} ليوم القيامة، سماه به لدنوه، أو لأن [604] ~~الدنيا كيوم، والآخرة غده؛ أمر الله تعالى كل نفس أن تنظر ما قدمته، فإن ~~كان خيرا حمدت الله وزادت، وإن كان شرا استغفرت منه وتابت؛ وهذا إشارة إلى ~~المحاسبة على ما مضى من الأعمال. {واتقوا الله إن الله خبير بما ~~تعملون(18)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في العبارة خلل، وفي تفسير البيضاوي: «{فلما كفر قال إني بريء ~~منك إني أخاف الله رب العالمين} تبرأ عنه مخافة أن يشاركه في العذاب، ولم ~~ينفعه كما قال: {فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها...». ج4/ ص197. PageV04P262 # ولا تكونوا كالذين نسوا الله} أي: تركوا ما تعبدهم الله به، {فأنساهم ~~أنفسهم} الروحانية فهموا بالنفس الجسمانية، فجعلهم ناسين لها، حتى لم ~~يسمعوا ما ينفعها، ولم يفعلوا ما يخلصها ولم يجنبوها ما يضرها ويهلكها، ولا ~~يخالف هذا قوله: {قد أهمتهم أنفسهم} (¬1) ، لأنه أراد بهذه النفس في هذا ~~الموضع: النفس الجسمانية، {أولئك هم الفاسقون(19)} الخارجون من تزكية ~~الأنفس عن الرذائل. # {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة} الذين استكملوا أنفسهم، فاستأهلوا ~~الجنة، والذين استمهنوها فاستحقوا النار {أصحاب الجنة هم الفائزون(20)} ~~بالنعيم المقيم. # {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل} وكان مركبا فيه عقل، {لرأيته} تمثيل ~~وتخييل كما مر في قوله: {إنا عرضنا الأمانة} (¬2) ولذلك عقبه بقوله: ~~{خاشعا} (لعله) متواضعا قد وضعته عن التكبر آيات القرآن {متصدعا ms0914 من خشية ~~الله} (لعله) من عذابه وعقوبته إن لم يمتثل لما في القرآن، فإن الإشارة ~~إليه وإلى أمثاله؛ والمراد: توبيخ الإنسان على عدم تخشعه عند تلاوة القرآن، ~~لقساوة قلبه، وقلة تدبره، والتصدع: التشقق. {وتلك الأمثال نضربها للناس ~~لعلهم يتفكرون(21)} أنه: # {هو الله الذي لا إله إلا هوعالم الغيب} ما غاب عن العباد علمه؛ ~~{والشهادة}: ما شاهدوه وعاينوه، {هو الرحمن الرحيم(22)} ما غاب عن الحس من ~~الجواهر القدسية وأحوالها، وما حضر له من الأجرام وأعراضها، وتقدم الغيب ~~لتقدمه في الوجود، وتعلق العلم القديم به؛ أو المعدوم والموجود؛ أو السر ~~والعلانية؛ أو الآخرة والدنيا، كقوله: {الذين يؤمنون بالغيب} (¬3) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة آل عمران: 154. # (¬2) - ... سورة الأحزاب: 72. انظر: ج3/ ص 312. # (¬3) - ... سورة البقرة: 3. PageV04P263 # هو الله الذي لا إله إلا هو الملك} ذو الملك، لأنه المالك للأشياء، ~~{القدوس} البليغ في النزاهة عما يوجب نقصانا؛ والقدس: هو الطهارة، {السلام} ~~ذو السلامة من كل نقص وآفة، {المؤمن} واهب الأمن؛ وقيل: المصدق لمن آمن به ~~من عباده المؤمنين {المهيمن} الرقيب الحافظ لكل شيء، {العزيز الجبار} الذي ~~جبر خلقه على ما أراد؛ أو جبر حالهم: بمعنى أصلحه. {المتكبر} الذي يكبر عن ~~كل ما يوجب حاجة أو نقصانا، {سبحان الله عما يشركون(23)} إذ لا يشاركه شيء ~~في ذلك ولا يضره شركهم. # {هو الله الخالق} المقدر للأشياء على مقتضى حكمته {البارئ} الموجد لها؛ ~~بريئا من التفاوت، {المصور} الموحد لصورها [605] وكيفياتها كما أراد، {له ~~الأسماء الحسنى} لأنها دالة على محاسن المعاني، فليتأمل معاني هذه الأسماء ~~والصفات لتنكشف له أسرارها، فتحتها معان مدفونة لا تنكشف إلا للموقنين، ~~{يسبح له ما في السماوات والأرض} لتنزهه عن النقائص كلها. {وهو العزيز ~~الحكيم(24)} الجامع للكمالات كلها بأسرها فإنها راجعة إلى الكمال في القدرة ~~والعلم. # - - - - # سورة الممتحنة # بسم الله الرحمن الرحيم # {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة} ~~(لعله) لمحض الصفاوة؛ وقيل: تلقون إليهم أخبار الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- والمؤمنين، كقوله: {تسرون إليهم بالمودة}. {وقد كفروا بما جاءكم من الحق ~~يخرجون الرسول وإياكم، ms0915 أن تؤمنوا} (لعله) أي: لأن آمنتم أيها المؤمنون ~~{بالله ربكم إن كنتم خرجتم} عن أوطانكم {جهادا في سبيلي، وابتغاء مرضاتي ~~تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم، ومن يفعله منكم فقد ~~ضل سواء السبيل(1)} أخطأه. # { PageV04P264 إن يثقفوكم} يظفروا بكم، {يكونوا لكم أعداء} ولا ينفعكم ~~إلقاء المودة إليهم، {ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء} ما يسوؤكم ~~كالقتل والشتم، {وودوا لو تكفرون(2)} وتمنوا ارتدادكم. {لن تنفعكم أرحامكم} ~~قرباتكم {ولا أولادكم} الذين توالون المشركين لأجلهم، {يوم القيامة يفصل ~~بينكم} يفرق بينكم بما عراكم من الهول، فيفر بعضكم من بعض، فما لكم ترفضون ~~حق الله لمن يفر عنكم غدا؟! {والله بما تعملون بصير(3)} فيجازيكم عليه. # {قد كانت لكم أسوة حسنة} قدوة، اسم لما يؤتسى (¬1) به، {في إبراهيم ~~والذين معه} من المؤمنين، {إذ قالوا لقومهم: إنا برآء منكم ومما تعبدون من ~~دون الله، كفرنا بكم} أي: بدينكم، أو بمعبودكم، أو بكم وبه، فلا نعتد ~~بشأنكم وآلهتكم، {وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء} لا تزول {أبدا، حتى ~~تؤمنوا بالله وحده} فتنقلب العداوة والبغضاء ألفة ومحبة؛ {إلا قول إبراهيم ~~لأبيه: لأستغفرن لك} استثناء من قوله: {أسوة حسنة} فإن استغفاره لأبيه ~~الكافر ليس مما ينبغي أن يتأسوا به، فإنه كان قبل النهي، أو لموعدة وعدها ~~إياه (¬2) ، {وما أملك لك من الله من شيء} من شيء إن لم تؤمن به. # {ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير(4)} متصل بما قبل الاستثناء؛ ~~أو أمر من الله للمؤمنين بأن يقولوه، تتميما لما وصاهم به من قطع العلائق ~~بينهم وبين الكفار. {ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا} بأن تسلطهم علينا ~~فيفتنوننا بعذاب لا نحتمله، {واغفر لنا} ما فرط [منا]، {ربنا إنك أنت ~~العزيز الحكيم(5)} ومن كان كذلك كان حقيقا بأن يجير المتوكل، ويجيب الداعي. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يؤتاسى»، وهو خطأ. # (¬2) - ... انظر سورة التوبة، الآية: 114. PageV04P265 # لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة} تكرير لمزيد الحث على [606] التأسي بإبراهيم ~~والمؤمنين، {لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} على أنه لا ينبغي لمؤمن أن ~~يترك التأسي بهم، ms0916 وأن تركه مؤذن بسوء العقيدة، ولذلك عقبه بقوله: {ومن يتول ~~فإن الله هو الغني الحميد(6) عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم ~~منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم(7)}. # {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن ~~تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين(8)} العادلين. {إنما ينهاكم ~~الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم} ~~كمشركي مكة، فإن بعضهم سعوا في إخراج المؤمنين، وبعضهم أعانوا المخرجين، ~~{أن تولوهم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون(9)} لوضعهم الولاية في غير ~~موضعها. # { PageV04P266 يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ~~فامتحنوهن} فاختبروهن بما يغلب على ظنكم موافقة قلوبهن لسانهن في الإيمان، ~~{الله أعلم بإيمانهن} فإنه المطلع على ما [في] قلوبهن، لستم أنتم مخاطبين ~~به، {فإن علمتموهن مؤمنات} العلم الذي يمكنكم تحصيله، وهو أمارات الإيمان ~~مع ارتفاع التهمة؛ وإنما سماه علما إيذانا أنه كالعلم في وجوب العمل به، ~~{فلا ترجعوهن إلى الكفار} أي: إلى أزواجهن الكفرة، لقوله: {لا هن حل لهم ~~ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا} أي: وآتوا أزواجهن ما أنفقوا عليهن، ~~{ولا جناح عليكم أن تنكحوهن} فإن الاسلام حال بينهن وبين أزواجهن الكفار، ~~{إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر} بما تعتصم به الكافرات من ~~عقد وسبب؛ جمع عصمة، والمراد: نهي المؤمنين عن المقام على نكاح المشركات، ~~{واسألوا ما أنفقتم} من مهور نسائكم اللاحقات بالكفار، {وليسألوا ما ~~أنفقوا} من مهور أزواجهن المهاجرات، {ذلكم حكم الله} يعني: جميع ما ذكر في ~~الآية، {يحكم بينكم والله عليم حكيم(10)} بشرع ما تقتضيه حكمته. # {وإن فاتكم شيء} وإن سبقكم، وانفلت منكم شيء {من أزواجكم إلى الكفار ~~فعاقبتم، فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا، واتقوا الله الذي أنتم ~~به مؤمنون(11)} فإن الإيمان به مما يقتضي التقوى منه. # { PageV04P267 يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن ~~بالله شيئا} قيل: لما فرغ - عليه السلام - من بيعة الرجال، أخذ في بيعة ~~النساء، {ولا يسرقن ولا ms0917 يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه ~~بين أيديهن وأرجلهن} قيل: هي أن تقذف ولدا على زوجها ليس منه، {ولا يعصينك ~~في معروف} في طاعة تأمرهن بها، {فبايعهن} إذا بايعنك [607] بضمان حقوق ~~(لعله) الإسلام، أو الثواب على الوفاء بهذه الأشياء، {واستغفر لهن الله إن ~~الله غفور رحيم(12)}. # {يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة} ~~لكفرهم بها، أو لعلمهم بأنه لا حظ لهم فيها؛ لاستكبارهم عن الحق. {كما يئس ~~الكفار من أصحاب القبور(13)} أن يبعثوا. # سورة الصف # بسم الله الرحمن الرحيم # {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم(1) يا أيها ~~الذين آمنوا، لم تقولون ما لا تفعلون(2)} لأن القول إذا لم يصدق بالعمل فهو ~~كذب؛ ولذلك توعد الله عليه، فقال: {كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا ~~تفعلون(3)} المقت: أشد البغض. # قيل: كان المؤمنون يقولون: لو علمنا (لعله) أحب الأعمال إلى الله لبذلنا ~~فيه أموالنا وأنفسنا؛ فدلهم الله تعالى على أحب الأعمال إليه، فقال: {إن ~~الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا} مصطفين {كأنهم بنيان مرصوص(4)} في ~~تراصهم من غير فرجة؛ والرص: اتصال بعض البناء بالبعض واستحكامه. # { PageV04P268 وإذ قال موسى لقومه: يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني ~~رسول الله إليكم} بما جئتكم من المعجزات؛ فإن العلم بنبوته يوجب تعظيمه، ~~ويمنع إيذاءه، {فلما زاغوا} عن الحق؛ {أزاغ الله قلوبهم} صرفها عن قبول ~~الحق والميل إلى الصواب، {والله لا يهدي القوم الفاسقين(5)} هداية موصلة ~~إلى معرفة الحق والعمل بمقتضاه. # {وإذ قال عيسى ابن مريم: يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما ~~بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي (¬1) من بعدي اسمه أحمد} والمعنى: ~~ديني التصديق بكتب الله وأنبيائه، {فلما جاءهم بالبينات قالوا: هذا سحر ~~مبين(6)} أي: كذب بين. # {ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام} أي: أي أحد ~~أظلم ممن يدعى إلى الإسلام الظاهر حقيقته، المقتضي له خير الدارين، فيضع ~~موضع إجابته الافتراء ms0918 على الله بتكذيب رسوله، وتسمية (¬2) آياته سحرا، ~~{والله لا يهدي القوم الظالمين(7)} لا يرشدهم إلى ما فيه صلاحهم. # {يريدون ليطفئوا نور الله} يعني: دينه أو كتابه أو حجته {بأفواههم} ~~بطعنهم فيه، {والله متم نوره} مبلغ غايته بنشره وإعلائه على كل دين إلى يوم ~~القيامة، {ولو كره الكافرون(8)} إرغاما لهم. {هو الذي أرسل رسوله بالهدى} ~~بالقرآن، {ودين الحق} والملة الحنيفية، {ليظهره على الدين كله} ليعليه على ~~جميع الأديان، {ولو كره المشركون(9)} بما فيه من محض التوحيد، وإبطال الشرك. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «يأتي»، وهو سهو. # (¬2) - ... في الأصل: «والتسمية»، وهو خطأ. PageV04P269 # يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم(10) تؤمنون ~~بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن ~~[608] كنتم تعلمون(11)} إن كنتم من أهل العلم؛ إذ الجاهل لا يعتد بفعله ~~السيء، ولا قوله الباطل. {يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم(12)}. # {وأخرى تحبونها} ولكم إلى هذه النعمة المذكورة، نعمة أخرى عاجلة محبوبة. ~~وفي «تحبونها» تعريض بأنه مركز في طباعهم حب الحلال، ليقويهم على الانتقال ~~به إلى الآجل، إذ قال: {تحبونها} وهو قوله: {نصر من الله وفتح قريب} عاجل ~~{وبشر المؤمنين(13)}. # {يا أيها الذين آمنوا، كونوا أنصار الله} لإظهار دينه، واقتدوا بأهل ~~دينه، لقوله: {كما قال عيسى ابن مريم للحواريين: من أنصاري إلى الله} أي: ~~من جندي متوجها إلى نصرة الله، ليطابقوا قوله: {قال الحواريون: نحن أنصار ~~الله} والحواريون: هم أصفياء قومه؛ {فآمنت طائفة من بني إسرائيل} الذين ~~تشمروا لنصرة نبيه، {وكفرت طائفة} التي خذلته، {فأيدنا الذين آمنوا على ~~عدوهم} بالحجة أو بالنصر، {فأصبحوا ظاهرين(14)} فصاروا غالبين بالحجة لا ~~بالدولة فيما قيل. # سورة الجمعة # بسم الله الرحمن الرحيم # { PageV04P270 يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز ~~الحكيم(1)} (لعله) قيل: هذه آية بسبعمائة (لعله) آية في... (¬1) . {هو الذي ~~بعث في الأميين} أي: في العرب، لأن منهم [من] لا يقرأ ولا يكتب، {رسولا ~~منهم يتلو ms0919 عليهم آياته} مع كونه أميا، ومثله لم يعهد منه قراءة ولا تعلم، ~~{ويزكيهم} من خبائث العقائد والأعمال، {ويعلمهم الكتاب والحكمة} القرآن ~~والشريعة، أو معالم الدين من المنقول، ولو لم يكن سواه معجزة لكفاه. {وإن ~~كانوا من قبل لفي ضلال مبين(2)} من الشرك وخبث الجاهلية؛ وهو بيان لشدة ~~احتياجهم إلى نبي يرشدهم. # {وآخرين منهم} عطف على «الأميين»، أو المنصوب في «يعلمهم»، وهم الذين ~~جاؤوا بعد الصحابة إلى يوم الدين فإن دعوته وتعليمه يعم الجميع؛ {لما ~~يلحقوا بهم} لم يلحقوا بهم بعد، وسيلحقون، {وهو العزيز} في تمكينه من هذا ~~الأمر الخارق للعادة، {الحكيم(3)} في اختياره وتعليمه. {ذلك فضل الله} ذلك ~~الفضل الذي امتاز به عن أقرانه، {يؤتيه من يشاء} تفضلا وعطية، {والله ذو ~~الفضل العظيم(4)} الذي تستحقر دونه نعم الدنيا ونعيم (¬2) الآخرة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... إحالة إلى الحاشية من غير وجود أي نص فيها، وفي العبارة سقط ~~واضح لم نتمكن من إكماله مما بين أيدينا من المصادر. # (¬2) - ... كتب الناسخ فوق كلمة «نعيم»: «نعم». PageV04P271 # مثل الذين حملوا التوراة} علموها وكلفوا العمل بها، {ثم لم يحملوها} لم ~~يعملوا بها ولم ينتفعوا بما فيها، {كمثل الحمار يحمل أسفارا} كتبا من العلم ~~يتعب في حملها، (لعله) وهذا المثل يعم كل عامل لا ينتفع بعمله، فهو معذب ~~بعمله، كان أمرا دينيا أو دنياويا، وذلك قوله: ولا ينتفع بها ويتعذب، {بئس ~~مثل القوم الذين [609] كذبوا بآيات الله} أي: كل من كذب بآيات الله (لعله) ~~فهو داخل في هذا المثل، {والله لا يهدي القوم الظالمين(5)} (لعله) لشيء ~~ينفعهم؛ لأن رحمة الله لا... (¬1) لهم في الدارين. # {قل: يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس} إذ ~~كانوا يقولون: نحن أولياء الله وأحباؤه، {فتمنوا الموت} فتمنوا من الله أن ~~يميتكم، وينقلكم من دار البلية إلى محل الكرامة، ومن دار التعبد إلى دار ~~الجزاء {إن كنتم صادقين(6)} لأن من كان على حقيقة من أمره، يتمنى الانتقال ~~من دار المكابدة والخوف إلى دار الجزاء والأمن؛ لأن المؤمن لا يأمن تقلب ~~الأحوال ms0920 به، لأنه لا تدري نفس ماذا تكسب غدا، {فلا يأمن مكر الله إلا القوم ~~الخاسرون} (¬2) ، {ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم} بسبب ما قدموا من ~~الكفر والمعاصي، {والله عليم بالظالمين(7)} فيجازيهم على أعمالهم. # {قل: إن الموت الذي تفرون منه} وتخافون أن تتمنوه بلسانكم مخافة أن ~~يصيبكم فتؤخذوا بعملكم، {فإنه ملاقيكم} لا تفوتونه، [وهو] لاحق بكم، {ثم ~~تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون(8)} بأن يجازيكم عليه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... بياض قدر كلمة. ولعل صواب العبارة: «لأن رحمة الله لا تنالهم ~~في الدارين». # (¬2) - ... سورة الأعراف: 99. PageV04P272 # يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} ~~فامضوا إليه مسرعين قصدا؛ لأن الصلاة مجموع ذكره لمن حضرها بقلب فارغ، أو ~~ألقى السمع وهو شهيد، {وذروا البيع ذلكم خير لكم} أي: السعي إلى ذكر الله ~~خير لكم من المعاملة، فإن نفع الآخرة خير وأبقى {إن كنتم تعلمون(9)} الخير ~~والشر الحقيقين. {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} ~~إطلاق لما حظر عليهم في طلب الرزق، أو طلب العلم، {واذكروا الله كثيرا} ~~واذكروه في مجامع أحوالكم، ولا تخصوا ذكره بالصلاة وحدها؛ ومن ملازمتهم ~~لذكره: القيام بما تعبدهم به؛ لأنهم يصيرون (¬1) بذلك حامدين الله، ومسبحين ~~له في الدارين، {لعلكم تفلحون(10)} بخير الدارين. # {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما} على المنبر تخطب، ~~{قل: ما عند الله} من خزائن رزقه ورحمته {خير من اللهو ومن التجارة} فإن ~~ذلكم محقق مخلد بخلاف الأمور الدنياوية، {والله خير الرازقين(11)} فتوكلوا ~~عليه، واطلبوا الرزق منه؛ فإن رزق من توكل عليه خير من رزق من يكله إلى نفسه. # سورة المنافقون # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يصيروا»، وهو خطأ، إذ لا موجب لحذف النون. PageV04P273 # إذا جاءك المنافقون قالوا: نشهد إنك لرسول الله} الشهادة إخبار عن علم؛ ~~من الشهود، وهو: الحضور والاطلاع؛ ولذلك صدق المشهود به، وكذبهم في الشهادة ~~بقوله: {والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون(1)} لأنهم ~~لم يعتقدوا ذلك، لإضمارهم ms0921 [610] خلاف ما أظهروا. قال الغزالي: «وهذا صدق، ~~ولكن كذبهم لا من حيث النطق باللسان، بل من حيث ضمير القلب». {اتخذوا ~~أيمانهم} حلفهم الكاذب، أو شهادتهم هذه، فإنها تجري مجرى الحلف في التوكيد، ~~{جنة} وقاية عن القتل والسبي، {فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا ~~يعملون(2)} من نفاقهم وصدهم. # {ذلك} إشارة إلى الكلام المتقدم؛ أي: ذلك القول الشاهد على سوء أعمالهم، ~~أو إلى الحال المذكور من النفاق والكذب، {بأنهم آمنوا ثم كفروا} ارتدوا، أو ~~آمنوا إذا رأوا آية، ثم كفروا حيث سمعوا من شياطينهم شبهة، {فطبع على ~~قلوبهم} حتى تمرنوا على الكفر، واستحكم فيهم، {فهم لا يفقهون(3)} حقيقة ~~الإيمان ولا يعرفون صحته. {وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم} بصباحتهم ومعروفهم ~~الظاهر. # { PageV04P274 وإن يقولوا تسمع لقولهم} لذلاقتهم وحلاوة كلامهم، {كأنهم ~~خشب مسندة} مشبهين بأخشاب منصوبة، مسندة إلى الحائط، في كونهم أشباح خالية ~~(لعله) عن الأرواح، [و]عن العلم والنظر، {يحسبون} (لعله) من خبثهم وسوء ~~ظنهم، {كل صيحة عليهم} أي: واقعة عليهم لجبنهم واتهامهم فعليهم... (¬1) {هم ~~العدو فاحذرهم} (لعله) ولا تأمنهم، {قاتلهم الله} دعاء عليهم، وشهادة منه ~~عليهم بالهلاك؛ وهو طلب من ذاته أن يلعنهم، أو تعليم للمؤمنين أن يدعوا ~~عليهم بذلك، {أنى يؤفكون(4)} كيف يصرفون عن الحق. # {وإذا قيل لهم: تعالوا يستغفر لكم رسول الله} بأن تدخلوا في طا[عته] (¬2) ~~محققين فتستحقوا الاستغفار منه، ثقل ذلك عليهم، لقوله: {لووا رءوسهم} ~~عطفوها إعراضا واستكبارا عن ذلك، {ورأيتهم يصدون} عن طاعته {وهم ~~مستكبرون(5)} عتوا وعنادا. {سواء عليهم أستغفرت لهم} ما داموا على حالهم، ~~{أم لم تستغفر لهم، لن يغفر الله لهم} لرسوخهم في الكفر، {إن الله لا يهدي ~~القوم الفاسقين(6)} عن مظنة الإصلاح، لانهماكهم في الكفر والنفاق. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في العبارة سقط نجده عند البيضاوي: «فعليهم ثاني مفعولي ~~“يحسبون”. ويجوز أن يكون صلته، والمفعول: {هم العدو}...». البيضاوي: تفسير، ~~ج4/ ص204. # (¬2) - ... في الأصل بياض قدر كلمة. PageV04P275 # هم الذين يقولون} أي: للأنصار: {لا تنفقوا على من عند رسول الله} يعنون ~~فقراء المهاجرين { حتى ينفضوا} (لعله) يتفرقوا عنه، {ولله خزائن السماوات ms0922 ~~والأرض} بيده الأرزاق والقسم، {ولكن المنافقين لا يفقهون(7)} ذلك، لجهلهم ~~بالله، إذ يرون الأسباب دون مسببها. {يقولون: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز} (لعله) لفقرهم، ولم يعلموا أن العزة كلها في الطاعة (¬1) ، {منها ~~الأذل؛ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} لله الغلبة والقوة، ولمن أعزه من ~~رسوله والمؤمنين، {ولكن المنافقين لا يعلمون(8)} من فرط جهلهم وغرورهم. # {يا أيها الذين [611] آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله} ~~لا يشغلكم تدبيرها والاهتمام بها عن أداء فرائضه تلهيا وتفرحا، ولا ~~تكتسبوها بغير طاعته، فتشغلكم عن أداء فرائضه، ولا تعصوا الله بسببها ~~فتخسروا الدارين، {ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون(9} لأنهم باعوا العظيم ~~الباقي بالحقير الفاني. # {وأنفقوا من ما رزقناكم} بعض أموالكم ادخارا للآخرة، {من قبل أن يأتي ~~أحدكم الموت} أي: يرى دلائله، {فيقول: رب لولا أخرتني} هلا أمهلتني {إلى ~~أجل قريب} يسأل الرجعة إلى الدنيا، وما قصر أحد في الواجب إلا يسأل الرجعة ~~إلى الدنيا، {فأصدق} (لعله) لأنه ضيع فرائض الصدقة، {وأكن من الصالحين(10)} ~~بالتدارك، {ولن يؤخر الله نفسا} ولن يمهلها {إذا جاء أجلها والله خبير بما ~~تعملون(11)} فيجازيكم عليه. # سورة التغابن # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... صواب العبارة هكذا: «ليخرجن الأعز منها الأذل} لفقرهم، ولم ~~يعلموا أن العزة كلها في الطاعة {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}». PageV04P276 # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض} بدلالتها على كمال قدرته ~~واستغنائه، {له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير(1)} لأن نسبة ذاته ~~المقتضية للقدرة إلى الكل على سواء؛ ثم شرع فيما ادعاه فقال: {هو الذي ~~خلقكم فمنكم كافر} مقدر كفره، ناه عما يحمله عليه، {ومنكم مؤمن} مقدر ~~إيمانه، آمر بما يدعوه اليه، {والله بما تعملون بصير(2)} فيعاملكم حسب ~~أعمالكم. # {خلق السماوات والأرض بالحق} بالحكمة البالغة، {وصوركم فأحسن صوركم} ~~فصوركم من جملة ما خلق فيهما بأحسن صورة؛ ثم زينكم بصفوة أوصاف الكائنات، ~~وخصكم بخلاصة خصائص المبدعات، وجعلكم أنموذج جميع المخلوقات، لتكونوا من ~~خير البريات، {وإليه المصير(3)} فأحسنوا سرائركم حتى لا يمسخ بالعذاب ~~ظواهركم. # {يعلم ما ms0923 في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات ~~الصدور(4)} فلا يخفى عليه ما يصح أن يعلم، كليا كان أو جزئيا، لأن نسبة ~~المقتضي لعلمه إلى الكل واحدة؛ وتقديم تقدير (¬1) القدرة على العلم، لأن ~~دلالة المخلوقات على قدرته أولا بالذات، وعلى علمه بما فيها من الإتقان ~~والاختصاص. # {ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم} ضرر كفرهم في ~~الدنيا؛ وأصله: الثقل، ومنه الوبيل لطعام يثقل على المعدة، والوابل: للمطر ~~الثقيل القطار، {ولهم عذاب أليم(5)} في الآخرة. {ذلك} أي: المذكور من ~~العذاب والوبال، {بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا: أبشر يهدوننا} ~~أنكروا وتعجبوا أن يكون الرسول بشرا، {فكفروا وتولوا} عن النذير بالبينات، ~~{واستغنى الله} عن كل شيء، فضلا عن طاعتهم، {والله غني} عن عبادتهم وغيرها، ~~{حميد(6)} يدل على حمده كل مخلوق. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في تفسير البيضاوي: «تقرير»، وهو أصوب. البيضاوي: تفسير، ج4/ ص205. PageV04P277 # زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا} الزعم: ادعاء العلم {قل: بلى وربي لتبعثن ~~ثم لتنبؤن بما عملتم} بالمحاسبة والمجازاة، {وذلك [612] على الله يسير(7)} ~~لحصول القدرة التامة. {فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا} يعني: ~~القرآن، فإنه بإعجازه ظاهر بنفسه، مظهر لغيره، مما فيه شرحه وبيانه، {والله ~~بما تعملون خبير(8)} فمجاز عليه. # {يوم يجمعكم ليوم الجمع} لأجل ما فيه من الحساب والجزاء، والجمع: جمع ~~الملائكة والثقلين، {ذلك يوم التغابن} الحقيقي، لأنه يغبن فيه بعضهم بعضا، ~~لفوات الأشقياء منازل السعداء (¬1) ؛ مستعار من تغابن التجار؛ واللام فيه ~~(¬2) للدلالة على أن التغابن الحقيقي هو التغابن في أمور الآخرة لعظمها ~~ودوامها. # {ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها أبدا. ذلك} الإشارة إلى مجموع الأمرين، ولذلك جعله ~~{الفوز العظيم(9)} لأنه جامع للمصالح، من دفع المضار وجلب المنافع. {والذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير(10)} ~~كأنها والآية المتقدمة بيان للتغابن وتفصيل له. # { # ¬__________ # (¬1) - ... توضيح العبارة عند البيضاوي: «لنزول السعداء منازل الأشقياء ~~لو كانوا سعداء، وبالعكس». المصدر السابق. # (¬2) - ... العبارة بحرفيتها من ms0924 البيضاوي (المصدر نفسه) وصوابها: «والألف ~~واللام...»، لأن “ال” التعريف هي التي تدل على التخصيص لا اللام وحدها. ~~انظر: الزمخشري: الكشاف، 4/439. أبو السعود: تفسير، مج4/ ج8/ ص257. PageV04P278 # ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله} إلا بتقديره وإرادته، {ومن يؤمن بالله ~~يهد قلبه} للثبات والاسترجاع عند مواقعة الذنوب. والإيمان شرط لوجود ~~الهداية بدليل هذه الآية؛ ويحتمل في التأويل: ومن يؤمن بالله يهد قلبه لطلب ~~العلم، والعمل بما علم؛ والمعنى: أنه يجعل لقلبه باعثا على مظان الهداية، ~~لأن الاجتهاد على قدر الإيمان؛ وذلك هو معنى هداية الله له ومثله: {والذين ~~اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} (¬1) وكذلك خذلان الله لأهل الكفر تقصيرهم ~~عن المواجب، وانهماكهم للشهوات (¬2) ، {والله بكل شيء عليم(11)} حتى القلوب ~~وأحوالها؛ وعالم منها ما يصلح للإيمان وضدها. {وأطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول، فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين(12) الله لا إله إلا هو ~~وعلى الله فليتوكل المؤمنون(13)} لأن إيمانهم بأن الكل منه يقتضي ذلك. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة محمد: 17. # (¬2) - ... الصواب: «في الشهوات». PageV04P279 # يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم} لمن عصى الله ~~فيهما، أو عصى الله لأجلهما، ومن ذلك قال: {إن من أزواجكم وأولادكم}، و«من» ~~هاهنا للتبعيض، لأن من يطيع الله بهم وفيهم لأجلهم يكونون رحمة له، لأنهم ~~أقرب الأشياء من غيرهم له لهذا وهذا (¬1) ، ويكونون سببا للحالين، وقال: ~~{إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم}، لأن منهم العقلاء المخاطبين، ~~فيكون بعضهم سببا للطاعة، وبعضهم سببا للمعصية، ومن ذلك لم يشرك المال ~~فيهما في العداوة، وجعله فتنة، لأنه جماد ييمم ولا يتيمم بنفسه، وإنما هو ~~له (¬2) لاستعمال الحالين. {فاحذروهم} عن أن تعصو الله فيهما؛ {وإن تعفوا} ~~عن ذنوبهم بترك المعاقبة [613] {وتصفحوا} بالإعراض، وترك التثريب عليها، ~~{وتغفروا} بإخفائها، وتمهيد معذرتهم فيها، {فإن الله غفور رحيم(14)} ~~يعاملكم بمثل ما عملتم، ويتفضل عليكم. # {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} فجميع الأموال والأولاد اختبار، وابتلاء ~~للإنسان؛ فإن أطاع الله بهما فله الثواب، وإن عصى الله بهما فعليه العذاب ~~في الدارين، ولذلك قال: {إنما أموالكم وأولادكم...} ولم ms0925 يقل: منها، {والله ~~عنده أجر عظيم(15)} لمن آثر محبة الله وطاعته على محبة الأموال والأولاد ~~والسعي لهم. {فاتقوا الله ما استطعتم} أي: ابذلوا في تقواه جهدكم وطاقتكم، ~~{واسمعوا} له أوامره، {وأطيعوا} وامتثلوا، {وأنفقوا} في وجوه الخير خالصا ~~لوجهه {خيرا لأنفسكم} افعلوا ما هو خير لها، {ومن يوق شح نفسه} باستعماله ~~للوقاية، {فأولئك هم المفلحون(16)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، ولعله يقصد: للخير وللشر. # (¬2) - ... في الأصل: «هواله»، ولم يتضح لنا معناه وصححناه حسب السياق. PageV04P280 # إن تقرضوا الله قرضا حسنا} مقرونا بالإخلاص، وطيب القلب، {يضاعفه لكم ~~ويغفر لكم والله شكور حليم(17) عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم(18)}. # - - - # سورة الطلاق # بسم الله الرحمن الرحيم # {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} خص النداء وعم الخطاب بالحكم، لأنه ~~إمام أمته، فنداؤه كندائهم، لأن الكلام معه والحكم يعمهم، والمعنى: إذا ~~أردتم تطليقهن، على تنزيل المشارف له منزلة الشارع فيه، {فطلقوهن لعدتهن} ~~أي: وقتها، وهو الطهر، {وأحصوا العدة} واضبطوها، {واتقوا الله ربكم لا ~~تخرجوهن من بيوتهن} من مساكنهن وقت الفراق، حتى تنقضي العدة، {ولا يخرجن} ~~باستبدادهن [أ]ما لو اتفقا على الانتقال جاز، إذ الحق لا يعدوهما، وفي ~~الجمع بين النهيين دلالة على استحقاقها السكنى ولزومها، {إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة} والمعنى: إلا أن تبذو (¬1) على الزوج، فإنه كالنشوز في إسقاط ~~حقها؛ أو إلا أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها؛ «وقيل: إذا شتمته وآذته ~~وساء خلقها»، هكذا يوجد في الجامع. «وقيل: إنه الزنا؛ وقيل: إذا فحشت له ~~بالقول، وقع ذلك موقع الفاحشة»، هكذا في جامع أبي سعيد. # {وتلك حدود الله} الإشارة إلى الأحكام المذكورة، {ومن يتعد حدود الله فقد ~~ظلم نفسه} بأن عرضها للعقاب، {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا(1)} وهو ~~الرغبة في المطلقة برجعة أو استئناف. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «تبدوا»، وهو خطأ. قال في القاموس: «وقد بذو بذاء ~~وبذاءة، وبذوت عليهم وأبذيتهم: من البذاء، وهو الكلام القبيح». ~~الفيروزآبادي: القاموس، ص1136، مادة: «بذو». PageV04P281 # فإذا بلغن أجلهن} شارفن آخر عدتهن، {فأمسكوهن} فراجعوهن {بمعروف} بحسن ~~عشرة، وإنفاق مناسب، {أو فارقوهن ms0926 بمعروف} بإيفاء الحق واتقاء الضرر، ~~{وأشهدوا ذوي عدل منكم} على الرجعة أو الفرقة، تبرؤا عن الريبة، وقطعا ~~للتنازع؛ قيل: هو ندب على الفراق، وفرض على الرد [614]، {وأقيموا الشهادة ~~لله} أيها الشهود عند الحاجة، خالصا لوجهه، {ذلكم} يريد: الحث على الإشهاد ~~والإقامة، أو على جميع ما في الآية {يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر} فإنه المنتفع به والمقصود تذكيره، (لعله) ووعظه بما بين من الإمساك ~~بالمعروف، أو المفارقة بالمعروف، والإشهاد وأدائها لله، وغير ذلك، {ومن يتق ~~الله} بأداء الفرائض والطاعات، {يجعل له مخرجا(2)} من مضائق الأمور، وذل ~~المعاصي. {ويرزقه من حيث لا يحتسب} بالوعد لعامة المتقين، بالخلاص عن مضار ~~الدارين، والفوز بخيرهما من حيث لا يحتسبون. وعنه - عليه السلام - : «إني ~~لأعلم آية، لو أخذ الناس بها لكفتهم: {ومن يتق الله} فما زال يقرأها ~~ويعيدها» (¬1) ، { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه ابن ماجه: في كتاب الزهد، حديث رقم 4210، عن أبي ذر قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعرف كلمة وقال عثمان: آية لو ~~أخذ الناس كلهم بها لكفتهم»، قالوا: يا رسول الله، أية آية؟ قال: {ومن يتق ~~الله يجعل له مخرجا}. ورواه عنه الدارمي: في كتاب الرقاق: حديث رقم 2609، ~~بلفظ: «لأعلم آية». ورواه أحمد: في مسند الأنصار: حديث رقم 20571 بنحوه، ~~ولكن بزيادة: «قال فجعل يتلو بها ويرددها علي حتى نعست...» الحديث.. PageV04P282 # ومن يتوكل على الله فهو حسبه} كافيه، {إن الله بالغ أمره} يبلغ ما يريده، ~~ولا يفوته مراده؛ أو يبلغه ما يصلح به وعليه {قد جعل الله لكل شيء قدرا(3)} ~~تقديرا أو مقدارا، أو أجلا لا يتأتى تغييره، وهو بيان لوجوب التوكل. # {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم} لكبرهن {إن ارتبتم} شككتم في عدتهن، ~~أي: جهلتم، {فعدتهن ثلاثة أشهر، واللائي لم يحضن}... (¬1) أو علة فحكمها ~~كما بين، {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله} في أحكامه ~~فيراعي حقوقها، {يجعل له من أمره يسرا(4)} يسهل عليه أمره، ويوفقه لخير ~~الدارين. {ذلك} إشارة إلى ما ذكر من الأحكام، {أمر الله ms0927 أنزله إليكم، ومن ~~يتق الله} في أحكامه فيراعي حقوقها، {يكفر عنه سيئاته} فإن الحسنات يذهبن ~~السيئات، {ويعظم له أجرا(5)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... وضع الناسخ إحالة إلى الحاشية ولم يكتب فيها شيئا، وفي ~~العبارة سقط واضح لم نتمكن من إكماله مما بين أيدينا من المصادر. PageV04P283 # أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} من وسعكم، أي: ما تطيقونه، {ولا تضاروهن ~~لتضيقوا عليهن} فتلجئوهن إلى الخروج، أو إلى المساكن الضيقة، {وإن كن أولات ~~حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن، فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وأتمروا ~~بينكم بمعروف} وليأمر بعضكم بجميل، في الرضاع وغيره، {وإن تعاسرتم} ~~تضايقتم، {فسترضع له أخرى(6) لينفق ذو سعة من سعته} (لعله) على قدرها، {ومن ~~قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله} أي: فلينفق كل من الموسر والمعسر ما ~~بلغه وسعه؛ وفيه دليل على أن القبض والبسط بيد الله ليس بسعي، {لا يكلف ~~الله نفسا إلا ما آتاها} فإنه تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، وفيه تطيب ~~لقلب المعسر، ولذلك وعد باليسر فقال: {سيجعل الله بعد عسر يسرا(7)} أي: ~~عاجلا أو آجلا. # {وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله} أعرضت عنه إعراض العاتي؛ وهذا وعظ ~~وتخويف لكل نفس متعبدة عن [أن] تقع فيما وقع على [615] أهل القرية، ~~{فحاسبناها حسابا شديدا} بالاستقصاء والمناقشة، {وعذبناها عذابا نكرا(8)} ~~منكرا غريبا. {فذاقت وبال أمرها} عقوبة كفرها ومعاصيها، {وكان عاقبة أمرها ~~خسرا(9)} لا ربح فيه أصلا. {أعد الله لهم عذابا شديدا} تكرير للوعيد، وبيان ~~لما يوجب التقوى المأمور به في قوله: # { PageV04P284 فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله ~~إليكم ذكرا(10) رسولا} يعني: بالذكر جبريل لكثرة ذكره، أو لنزوله بالذكر ~~وهو القرآن؛ أو لأنه مذكور في السماوات، أو ذا ذكر، أي: شرف؛ أو محمدا - ~~عليه السلام - لمواظبته على تلاوة القرآن، {يتلو عليكم آيات الله مبينات ~~ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي: ليحصل لهم ما هم عليه الآن من ~~الإيمان والعمل الصالح، {من الظلمات إلى النور} من الضلالة إلى الهدى، {ومن ~~يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله ms0928 جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ~~قد أحسن الله له رزقا(11)} فيه تعجيب وتعظيم لما رزقوا من الثواب. # {الله الذي (¬1) خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن} أي: وخلق مثلهن من ~~الأرض، {يتنزل الأمر بينهن} يعني: أن في كل سماء وفي كل أرض خلقا من خلقه، ~~وأمرا نافذا من أمره، {لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط ~~بكل شيء علما(12)} علة لخلق، أو يتنزل، أو مضمر يعمهما؛ فإن كلا منهما يدل ~~على كمال قدرته وعلمه. # - - - # سورة التحريم # بسم الله الرحمن الرحيم # {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك} قيل: حرم على ~~نفسه جاريته “مارية” ابتغاء مرضاة أزواجه ليس لله، ولذلك عاتبه، {والله ~~غفور رحيم(1)} غفر لك ما تقدم من التحريم؛ ثم فسر الحكم بقوله: {قد فرض ~~الله لكم تحلة أيمانكم} قد شرع لكم تحليلها، وهو حل ما عقدته بالكفارة، ~~{والله مولاكم} متول أموركم، {وهو العليم} بما يصلحكم، {الحكيم(2)} المتقن ~~في أحكامه وأفعاله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: - «الذي»، وهو سهو. PageV04P285 # وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه} قيل: حفصة، {حديثا فلما نبأت به وأظهره ~~الله عليه} وأطلع النبي - صلى الله عليه وسلم - على الحديث، أي: على ~~إفشائه، {عرف بعضه} قيل: عرف الرسول - صلى الله عليه وسلم - حفصة بعض ما ~~فعلت، {وأعرض عن بعض} عن إعلام بعض تكرما، {فلما نبأها به، قالت: من أنبأك ~~هذا؟ قال: نبأني العليم الخبير(3)} فإنه أصدق الصادقين. # {إن تتوبا إلى الله} قيل: خطاب لحفصة وعائشة، على الالتفات للمبالغة في ~~المعاتبة، {فقد صغت} مالت عن الاستقامة، {قلوبكما} فقد وجد منكما ما يوجب ~~التوبة، وهو ميل قلوبكما عن الواجب، من مخالصة الرسول، بحب ما يحبه مما ~~أحله الله له، وكراهة ما يكرهه، {وإن تظاهرا عليه} وإن تتظاهرا عليه بما ~~يسوءه (لعله) لا بذنب سبق منه، بل بما أباحه الله له، بدليل قوله: {لم تحرم ~~ما أحل الله لك} [616] {فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين} فلن يعدم ~~من يظاهره من الله ms0929 والملائكة وصلحاء المؤمنين، فإن الله ناصره وجبريل، ومن ~~صلح من المؤمنين: أتباعه وأعوانه، {والملائكة بعد ذلك ظهير(4)} متظاهرون، ~~وتخصيص جبريل لتعظيمه؛ وهذه الآية ناعية على كل من ظاهر على عداوة أحد من ~~أهل الإيمان بغير حق، وبشارة لكل من فعل به ذلك. # {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن} إن لم تتبن، {مسلمات ~~مؤمنات} مقرات مخلصات؛ أو منقادات مصدقات، {قانتات} مصليات؛ أو مواظبات على ~~الطاعة، {تائبات} عن الذنوب، {عابدات} متعبدات؛ أو متذللات لأمر الرسول، ~~{سائحات} السياحة: الذهاب في الأرض للعبادة والتفكر والتذكر، والاعتبار بما ~~فيها من الآيات، ويكون ذلك بالقلوب، ويكون بالأبدان، {ثيبات وأبكارا(5)}. # { PageV04P286 يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم} بترك المعاصي وفعل ~~الطاعات، {وأهليكم} بالنصح والتأديب، من كان منهم موافقا لكم، وترجون منه ~~القبول، لقوله تعالى لنوح - عليه السلام - : {إنه ليس من أهلك} (¬1) . ~~{نارا وقودها الناس والحجارة} نارا تتقد بهما اتقاد غيرها بالحطب، {عليها ~~ملائكة} تلي أمرها، وهم الزبانية {غلاظ شداد} غلاظ الأقوال شداد الأفعال؛ ~~أو غلاظ الخلق، شداد الأفعال، {لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما ~~يؤمرون(6)}. # {يا أيها الذين كفروا، لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون(7)} ~~أي: يقال لهم ذلك عند دخولهم النار؛ والنهي عن الاعتذار لأنه لا عذر لهم، ~~أو العذر لا ينفعهم. # {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا} بالغة في النصح، وهو ~~صفة التائب بأنه ينصح نفسه بالتوبة؛ وقيل: التوبة النصوح: أن يكون له خوف ~~أن لا يقبل، ورجاء أن يقبل؛ وقيل: هي رد المظالم وإدمان الطاعة؛ وقيل: ~~يبغضها فاعلها كما أحبها؛ {عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار، يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم ~~يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، يقولون: ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على ~~كل شيء قدير(8)}. # {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين} بالحجة، فإن ردعت وإلا فالسيف، ~~{واغلظ عليهم} واستعمل الخشونة فيما تجاهدهم إذا بلغ الرفق مداه، {ومأواهم ~~جهنم وبئس المصير(9)} جهنم. # {ضرب الله مثلا ms0930 للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من ~~عبادنا صالحين فخانتاهما [617] فلم يغنيا عنهما من الله شيئا} يعني نوحا ~~ولوطا، {وقيل: ادخلا النار مع الداخلين(10)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة هود: 46. PageV04P287 # وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت: رب ابن لي عندك بيتا في ~~الجنة ونجني من فرعون وعمله} من نفسه وعمله الخبيثين، {ونجني من القوم ~~الظالمين(11)}. # {ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها} من الرجال، من الحلال والحرام، ~~{فنفخنا فيه من روحنا، وصدقت بكلمات ربها} أي: صدقت بما أقام عليها من ~~الحجج والآيات، ولم ترد حجة أقامها عليها؛ {وكتبه وكانت من القانتين(12)} ~~من عداد المواظبين على الطاعة؛ والتذكرة (¬1) للتغليب والإشعار بأن طاعتها ~~لم تقصر على طاعة الرجال الكاملين، حتى عدت من جملتهم. # ggg # سورة الملك # بسم الله الرحمن الرحيم # {تبارك الذي بيده الملك} بقبضة قدرته التصرف في الأمور كلها {وهو على كل ~~شيء قدير(1) الذي خلق الموت والحياة} قدرهما. {ليبلوكم} ليعاملكم معاملة ~~المختبر بالتكليف، {أيكم أحسن عملا} قيل: أحسن عقلا، وقيل: أصوبه وأخلصه، ~~{وهو العزيز الغفور(2)} لمن تاب منهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الصواب: «التذكير» كما في البيضاوي: تفسير، ج4/ ص210. PageV04P288 # الذي خلق سبع سماوات طباقا} قيل: بعضها فوق بعض، {ما ترى في خلق الرحمن ~~من تفاوت} هو الاختلاف وعدم التناسب من الفوت؛ لأن كلا من المتفاوتين فات ~~عن بعض ما في الآخر؛ والإشعار بأنه تعالى يخلق مثل ذلك بقدرته الباهرة رحمة ~~وتفضلا؛ وأن في إبداعها نعما جليلة لا تحصى، والخطاب فيها للرسول، أو لكل ~~مخاطب، وظاهر الآية كأن الخطاب في خلق السماوات، وفي المعنى يعم في جميع ما ~~خلق، لقوله: {ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت}. وقوله: {فارجع البصر هل ترى ~~من فطور(3)} متعلق به على معنى السبب، أي: قد نظرت إليها مرارا، فانظر ~~إليها مرة أخرى، متأملا فيها، لتعاين ما أخبرت به من تناسبها واستقامتها ~~واستجماعها، وعدم تفاوتها، وما ينبغي لها. والفطور: الشقوق، والمراد الخلل، ~~من فطره: إذا شقه. {ثم ارجع البصر كرتين} أي: رجعتين أخريين {ينقلب إليك ~~البصر ms0931 خاسئا} بعيدا من إصابة المطلوب، كأنه طرد عنه طردا بالصغار، {وهو ~~حسير(4)} كليل من طول المعاودة، وكثرة المراجعة. # {ولقد زينا السماء الدنيا} أقرب السماوات إلى الأرض، {بمصابيح} بالكواكب ~~المضيئة بالليل إضاءة السرج فيها، {وجعلناها رجوما للشياطين} وجعلنا لها ~~فائدة أخرى، وهي رجم أعدائكم؛ وقيل: معناها رجوما وظنونا لشياطين الإنس وهم ~~المنجمون، {وأعتدنا لهم عذاب السعير(5)} في الآخرة. # { PageV04P289 وللذين كفروا بربهم عذاب [618] جهنم وبئس المصير(6) إذا ~~ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا} صوتا كصوت الحمير، لأنه أقبح الأصوات، {وهي ~~تفور(7)} تغلي غليان المرجل بما فيه. {تكاد تميز من الغيظ} تتفرق غيظا ~~عليهم، وهو تمثيل إشعالها بهم، {كلما ألقي فيها فوج} جماعة من الكفرة ~~متناسبون في العمل وسوء النية، {سألهم خزنتها: ألم يأتكم نذير(8)} يخوفكم ~~هذا العذاب، وهو توبيخ وتبكيت. {قالوا: بلى قد جاءنا نذير، فكذبنا وقلنا: ~~ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير(9)} أي: فكذبنا الرسل ~~والإرسال رأسا، وبالغنا في نسبتهم (¬1) إلى الضلال. # {وقالوا: لو كنا نسمع} كلام الرسل فنقبله من غير بحث وتفتيش؛ اعتمادا على ~~ما لاح من صدقهم بالمعجزات، {أو نعقل} فنتفكر في حكمه ومعانيه بفكر ~~المستبصرين، {ما كنا في أصحاب السعير(10) فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب ~~السعير(11)} فأسحقهم الله سحقا أي: أبعدوا من رحمة الله. # {إن الذين يخشون ربهم بالغيب} يخافون مكره واستدراجه وعذابه غائبا عنهم، ~~لم يعاينوا (¬2) بعد؛ أو غائبين عنه؛ والإيمان بالمعاين لا جدوى له ~~كالإيمان بالغائب؛ فإنه بمنزلة قبول الشهادة والتحقيق لها في هذا المعنى، ~~لأنه لا يجوز خلاف ما أخبر به، كما قال: {ومن أصدق من الله قيلا} (¬3) ، ~~{لهم مغفرة} لذنوبهم، {وأجر كبير(12)} تصغر معه لذائذ الدنيا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «لبسهم»، ولا معنى له، وصححناه من البيضاوي: تفسير، ~~ج4/ ص211. # (¬2) - ... الأصوب: «يعاينوه»، كما في البيضاوي: تفسير، ج4/ ص212. # (¬3) - ... سورة النساء: 122. PageV04P290 # وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور(13) ألا يعلم من خلق} ~~ألا يعلم من خلق وأوجد الأشياء السر والجهر، {وهو اللطيف الخبير(14)} ~~المتوصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما ms0932 بطن؛ أولا يعلم الله من خلقه وهو بهذه ~~المثابة. {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا} لينة يسهل لكم السلوك [فيها] (¬1) ~~، {فامشوا في مناكبها} جوانبها أو جبالها؛ متفكرين ومعتبرين، {وكلوا من ~~رزقه} مما خلقه رزقا لكم في الأرض، {وإليه النشور(15)} المرجع. # {أأمنتم من في السماء} يعني: الملائكة الموكلين على تدبير هذا العالم؛ أو ~~الله تعالى على تأويل «من في السماء» أمره أو قضاؤه، {أن يخسف بكم الأرض} ~~فيغيبكم فيها كما فعل بقارون، {فإذا هي تمور(16)} تضطرب، والمور: التردد في ~~المجيء والذهاب. {أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا} أو ريحا ذات ~~أحجار؛ أي: يمطر عليكم حصبا، {فستعلمون كيف نذير(17)} كيف إنذاري إذا ~~شاهدتموه من حيث لا ينفع العلم. {ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان ~~نكير(18)} إنكاري عليهم بإنزال العذاب، وهو تسلية للرسول. # { # ¬__________ # (¬1) - ... إضافة من المصدر نفسه ليتم المعنى. PageV04P291 # أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات} باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها، ~~فإنهن إذا بسطنها صففن قوائمها، {ويقبضن} [619] أي: يضممنها إذا ضربن بها ~~جنوبهن وقتا بعد وقت، للاستظهار به على التحول، {ما يمسكهن} في الجو خلاف ~~الطبع، {إلا الرحمن} الشاملة رحمته كل شيء، فإنه خلقهن على أشكال وخصائص، ~~هيأهن للجري في الهواء (¬1) ، ونفى سبحانه إمساك غيره لهن، لما كان هو ~~المقدر لهن على الإمساك، لا نفسهن، {إنه بكل شيء بصير(19)} يعلم كيف يخلق ~~الغرائب، ويدبر العجائب، وذلك من آيات الله العظام لمن اعتبر بها. # {أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن} عديل قوله: {أو لم ~~يروا}، على معنى: أولم تنظروا في أمثال هذه الصنائع فلم تعلموا قدرتنا على ~~تعذيبكم بنحو خسف وإرسال حاصب (¬2) ؛ أم لكم جند ينصركم من دون الله إن ~~أرسل عليكم عذابه، فهو كقوله: {أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا} (¬3) إلا أنه ~~أخرج مخرج الاستفهام، عن تعيين من ينصرهم، إشعارا بأنهم اعتقدوا هذا القسم، ~~{إن الكافرون} بأي كفر كان، {إلا في غرور(20)} لظواهر الأمور، ليسوا على ~~شيء من حقائق أمر الدنيا والعقبى؛ وأصل الغرور: ms0933 هو الخدعة. # {أمن هذا الذي يرزقكم} أي: من يرزقكم، {إن أمسك رزقه} بإمساك المطر، ~~وسائر الأسباب المحصلة له إليكم، {بل لجوا} تمادوا {في عتو} عناد، ~~{ونفور(21)} شراد عن الحق لتنفر طباعهم عنه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «للجوى في الهوى»، ولا معنى له. وصححناه من المصدر نفسه. # (¬2) - ... في الأصل: «صاحب»، وهو خطأ. وصححناه من المصدر نفسه. # (¬3) - ... سورة الأنبياء: 43. PageV04P292 # أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى} أي: يعثر (لعله) في قدم بكل ساعة، ويجر ~~على وجهه لوعورة طريقه واختلاف إراداته، ولذلك قابله بقوله: {أمن يمشي ~~سويا} قائما، سالما من العثار، {على صراط مستقيم(22)} مستوي الأجزاء ~~والجهة، والمراد تمثيل عابد الشيطان وعابد الله بالسالكين؛ ولعل الاكتفاء ~~بما في الكتب من الدلالة على المسلك للإشعار بأن ما عليه عابد الشيطان لا ~~يستأهل أن يسمى طريقا، كمشي المتعسف في مكان متعاد (¬1) غير مستو؛ وقيل: ~~المراد بالمكب: الأعمى، فإنه متعسف فينكب، وبالسوي: البصير. # {قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع} لتسمعوا، {والأبصار} لتنظروا عجائبه، ~~{والأفئدة} لتتفكروا وتعتبروا، {قليلا ما تشكرون(23)} شكرا قليلا غير خالص ~~لا جدوى له، لأنه مادام ناقصا لم ينتفع به، وهوكقوله: {قليلا ماتذكرون} ~~والشكر الكثير: هو أن يشكر في جميع الأحوال كلها، ليس في شيء دون شيء، كما ~~قال: {واذكروا الله كثيرا} (¬2) أي: في جميع الأحوال بإشغالها فيما خلقت ~~لأجله. {قل هو الذي ذرأكم في الأرض} للابتلاء، {وإليه تحشرون(24)} للجزاء. # {ويقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين(25)} يعنون النبي والمؤمنين. ~~[620] {قل: إنما العلم} أي: علم وقته {عند الله} لايطلع عليه غيره، {وإنما ~~أنا نذير مبين(26} بين الإنذار. {فلما رأوه} أي: الوعد {زلفة} ذا زلفة وقرب ~~منهم بوصول دلائله، {سيئت وجوه الذين كفروا} بأن علت الكآبة على ظاهر ~~الوجوه، {وقيل: هذا الذي كنتم به تدعون(27)} تطلبون وتستعجلون، “تفتعلون” ~~من الدعاء. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «فيعاد»، ولا معنى له. وصححناه من البيضاوي: تفسير، ~~ج4/ ص213. # (¬2) - ... سورة الأنفال: 45. PageV04P293 # قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي} من المؤمنين {أو رحمنا، فمن يجير ~~الكافرين من عذاب أليم(28)؟ قل: هو الرحمن} الذي ms0934 أدعوكم إليه مولي النعم ~~كلها، {آمنا به} للعلم بذلك، {وعليه توكلنا} للوثوق عليه والعلم بأن غيره ~~بالذات لا يضر ولا ينفع، {فستعلمون من هو في ضلال مبين(29)} منا ومنكم. {قل ~~أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا} غائرا في الأرض حيث لا تناله جبايتكم، {فمن ~~يأتيكم بماء معين(30)}؟ جار أو ظاهر تناله الدلاء. # سورة القلم # بسم الله الرحمن الرحيم # {ن} قيل: هو الدواة، {والقلم} هو الذي خط اللوح، أو الذي يخط؛ أقسم به ~~لكثرة فوائده، {وما يسطرون(1)} وما يكتبون... (¬1) الملائكة من أعمال بني ~~آدم. {ما أنت بنعمة ربك بمجنون(2) وإن لك لأجرا} على الامتثال والإبلاغ، ~~{غير ممنون(3)} مقطوع؛ أو ممنون به عليك من الناس. {وإنك لعلى خلق عظيم(4)} ~~محتمل من قومك، ما لم يحتمله أمثالك؛ أو خلق عظيم بينك وبين الله. وسئلت ~~عائشة عن خلقه فقالت: «كان خلقه القرآن» (¬2) . قال أبوسعيد: «خلق الدين ~~وغيره من الكرم». # {فستبصر} فترى يا محمد، {ويبصرون(5} يعني المشركين. {بأيكم المفتون(6)} ~~أيكم الذي فتن بالجنون، أي: لتعلم وليعلموا أي الفريقين منكم المجنون، ~~الفريق المؤمنون (¬3) ، أو فريق الكافرين؛ أي: في أيهما يوجد من يستحق بهذا ~~(¬4) الاسم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... يبدو أن في العبارة سقطا. وقد كتب الناسخ حرف “ع” فوق كلمة ~~“يكتبون”، ولم يتبين لنا مراده. # (¬2) - ... رواه مسلم وأبو داود وأحمد عن عائشة. برنامج سلسلة كنوز ~~السنة: الجامع الصغير وزياداته. # (¬3) - ... ورد بصيغة الجمع باعتبار معنى الفريق لا باعتبار اللفظ. # (¬4) - ... الصواب: «من يستحق هذا الاسم». PageV04P294 # إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله} وهم المجانين على الحقيقة، {وهو أعلم ~~بالمهتدين(7)} الفائزين بكمال العقل. {فلا تطع المكذبين(8)} تهييج للتصميم ~~على مخالفتهم فيما دعوه إليه من دينهم. {ودوا لو تدهن} بأن تدع نهيهم عن ~~الشرك، أو توافقهم فيه أحيانا، {فيدهنون(9)} أي: إن داهنتهم فيداهنوك؛ ~~ومعناه: لو تكفر فيكفرون. # {ولا تطع كل حلاف} كثير الحلف في الحق و الباطل، {مهين(10} حقير الرأي، ~~من المهانة: وهي الحقارة. {هماز} عياب، {مشاء بنميم(11)} نقال للحديث على ~~وجه السعاية. {مناع للخير} يمنع الناس حقوقهم من ماله؛ أو يمنعهم الإيمان ms0935 ~~والاتصال (¬1) والعمل الصالح، {معتد} متجاوز في الظلم، {أثيم(12)} كثير ~~الآثام. {عتل} جاف غليظ (لعله) منوع للخير، من [621] عتله: إذا قاده بعنف ~~وغلظة؛ وقيل: هو الفاحش الخلق، السيء الخلق، {بعد ذلك} بعدما عدده من ~~المثالب، {زنيم(13} قيل: اللئيم، المعروف بلؤمه، أو بشره؛ قيل عن ابن عباس ~~أنه قال: «يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها» حتى قيل: زنيم معرف، وكانت ~~له زنمة في عنقه يعرف بها، لأن من جفا وقسى قلبه اجترأ على كل معصية، ولأن ~~النطفة إذا خبثت خبث التأسي منها. {أن كان ذا مال وبنين(14) إذا تتلى عليه ~~آياتنا قال: أساطير الأولين(15)} قال ذلك حينئذ. # {سنسمه على الخرطوم(16)} عبر سبحانه بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال ~~والإهانة، لأن الوسم على الوجه إهانة وذلة؛ وذلك استعارة عن ظهور المعاصي ~~على فاعلها (لعله) في وجهه مع أهل الدين، (لعله) كما قال في ضدهم: {سيماهم ~~في وجوههم...} (¬2) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... يبدو أن الصواب: «والإيقان»، كما في البيضاوي: تفسير، ج4/ ص214. # (¬2) - ... سورة الفتح: 29. PageV04P295 # إنا بلوناهم} قيل: ابتلى أهل مكة بالقحط، {كما بلونا أصحاب الجنة} وهم ~~قوم كان لأبيهم هذه الجنة، وكان رجلا صالحا فيما قيل، وكان ينادي الفقراء ~~وقت الانصرام (¬1) ، وينثر لهم ما أخطأه الوعاء أو الريح، فيجمع لهم شيء ~~كثير؛ فلما مات قال بنوه: إن فعلنا ذلك، ما كان يفعل أبونا، ضاق علينا، ~~فحلفوا ليصرمنها وقت الصباح خفية عن المساكين، كما قال: {إذ أقسموا ~~ليصرمنها مصبحين(17)} ليقطعنها داخلين الصباح. {ولا يستثنون(18)} ولا ~~يقولون: «إن شاء الله»؛ أو لا يستثنون منها حقا للمساكين. # {فطاف عليها طائف} بلاء طائف، {من ربك وهم نائمون(19) فأصبحت ~~كالصريم(20)} كالبستان الذي صرم ثماره بحيث لم يبق فيه شيء. {فتنادوا} نادى ~~بعضهم بعضا، {مصبحين(21): أن اغدوا على حرثكم} أن اخرجوا إليه غدوة، {إن ~~كنتم صارمين(22)} قاطعين لثمره. {فانطلقوا وهم يتخافتون(23)} الخفت: إسرار ~~الشيء عن أن يطلع عليه، يتشاورون فيما بينهم. {أن لا يدخلنها اليوم عليكم ~~مسكين(24) وغدوا على حرد} على قصد وجد {قادرين(25)} وغدوا (¬2) قادرين على ~~نكد لا غير؛ من حاردت السنة: ms0936 إذا لم يكن فيها مطر؛ وحاردت الإبل: إذا منعت ~~درها؛ والمعنى: أنهم عزموا أن ينكدوا على المساكين؛ فنكد عليهم بحيث لا ~~يقدرون فيها إلا على نكد؛ أو: وغدوا حاصلين على النكد والحرمان، مكان كونهم ~~قادرين على الانتفاع؛ وقيل غير ذلك. # { # ¬__________ # (¬1) - ... لعل الصواب: «وقت الصرام»، كما هو عند البيضاوي: المصدر نفسه. ~~«واصرم النخل: حان أن يصرم، وصرامه ويكسر : أوان إدراكه». الفيروزآبادي: ~~القاموس، ص1018، مادة: «صرم». # (¬2) - ... في الأصل: + «على». PageV04P296 # فلما رأوها قالوا: إنا لضالون(26)} طريق جنتنا، وليس هذا بستاننا؛ ثم ~~علموا أنها عقوبة، وقالوا: {بل نحن} أي: بعدما تأملوا وعرفوا أنها هي، ~~{محرومون(27)} حرمنا خيرها لجنايتنا على أنفسنا. {قال أوسطهم} رأيا أو سنا: ~~{ألم أقل لكم لولا تسبحون(28)} لولا تذكرونه وتتوبون إليه من خبث نيتكم، ~~وقد قاله حيثما عزموا على ذلك، ويدل على هذا المعنى. {قالوا: سبحان ربنا} ~~نزهوه [622] عن أن يكون ظالما، وأقروا على أنفسهم بالظلم، {إنا كنا ~~ظالمين(29) فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون(30)} يلوم بعضهم بعضا. {قالوا: يا ~~ويلنا إنا كنا طاغين(31)} متجاوزين حدود الله (لعله) نحو منع الفقراء. {عسى ~~ربنا أن يبدلنا خيرا منها} ببركة التوبة والاعتراف بالخطيئة، {إنا إلى ربنا ~~راغبون(32)} راجون العفو طالبون الخير. # {كذلك العذاب} مثل ذلك الذي بلونا به من جرت فيه القصة، نعذب من عصانا في ~~الدنيا، {ولعذاب الآخرة أكبر} أعظم منه، {لو كانوا يعلمون(33)} لا حترزوا ~~عما يؤديهم إلى عذاب الدارين؛ ولقد عقب ذكر ضدهم أنهم منعمون في الدارين، ~~بدليل قوله: # {إن للمتقين عند ربهم} أي: في الآخرة، أو في جوار القدس، {جنات ~~النعيم(34)} جنات ليس فيها إلا النعيم. # {أفنجعل المسلمين كالمجرمين(35)} إنكارا لما يتوهمه المجرمون، لأن ~~الشيطان غرهم بالله، ومناهم بالمغفرة على الإصرار لما نهى الله عنه. {ما ~~لكم كيف تحكمون(36)} التفات فيه تعجب من حكمهم، وإشعار بأنه صادر من اختلال ~~فكر، واعوجاج رأي. {أم لكم كتاب} من الكتب السماوية {فيه تدرسون(37)} ~~تقرؤون، فتجدون به ما تمنيتم. {إن لكم فيه لما تخيرون(38)} إن لكم ما ~~تختارونه، وتشتهونه. # { PageV04P297 أم لكم أيمان علينا} ms0937 عهود (¬1) مؤكدة بالأيمان، {بالغة إلى ~~يوم القيامة} أي ثابتة لكم علينا إلى يوم القيامة، لا نخرج عن عهدته[ا] حتى ~~نحكمكم في ذلك اليوم؛ أو [متعلق] (¬2) ببالغة: أي أيمان تبلغ ذلك اليوم، ~~{إن لكم لما تحكمون(39)}. # {سلهم أيهم بذلك زعيم(40)} بذلك الحكم قائم يدعيه ويصححه. {أم لهم شركاء} ~~يشركونهم في هذه الحكومة، فيحكمون لهم بذلك، {فليأتوا بشركائهم إن كانوا ~~صادقين(41)} في دعواهم. وقد نبه سبحانه في هذه الآيات على نفي جميع ما يمكن ~~أن يتشبثوا به (¬3) من عقل أو نقل، أو وعد، أو محض تقليد على الترتيب، ~~تنبيها على دحض حجتهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «عهد عهود»، وهو تكرار. # (¬2) - ... أضفناها ليتم المعنى، وتوضيح العبارة عند الألوسي: «{إلى يوم ~~القيامة} متعلق بالمقدر في “لكم” أي ثابتة لكم إلى يوم القيامة، لا نخرج عن ~~عهدتها... أو متعلق ب“بالغة”، أي أيمان تبلغ ذلك اليوم». الألوسي: روح ~~المعاني، ج29/ ص34. # (¬3) - ... في الأصل: «أن يستثبتوا انه»، وهو تحريف من الناسخ. PageV04P298 # يوم يكشف عن ساق} يوم يشتد الأمر، ويصعب الخطب؛ وكشف الساق مثل لذلك، ~~وأصله تشمير المخدورات عن سوقهن في الحرب (¬1) ؛ أو يوم يكشف عن أصل الأمر ~~وحقيقته بحيث يصير عيانا؛ مستعار من ساق الشجر وساق الإنسان؛ وتنكيره ~~للتهويل، أو التعظيم، {ويدعون إلى السجود} توبيخا على ترك السجود إن كان ~~اليوم يوم القيامة، أو يدعون إلى الصلاة لأوقاتها، إن كان وقت النزع؛ وقيل: ~~يدعون إلى الصلاة المكتوبة بالأذان والإقامة. وقال كعب الأحبار: «والله ما ~~نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات». {فلا يستطيعون(42)} ~~[623] لذهاب وقته وزوال القدرة؛ {خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة} يلحقهم ذل، ~~{وقد كانوا يدعون إلى السجود} في الدنيا قبل النزع، {وهم سالمون(43)} ~~متمكنون منه، مزاحوا العلل فيه. # {فذرني ومن يكذب بهذا الحديث} كله إلي فإني أكفيكه، {سنستدرجهم} ~~سنستدنيهم من العذاب درجة درجة بالإمهال، أو إدامة الصحة وازدياد النعمة، ~~{من حيث لا يعلمون(44)} أنهم مستدرجون، وهو الإمهال، والإنعام عليهم، لأنهم ~~حسبوه تفضيلا لهم، مثلما للمؤمنين؛ وقال الحسن: «كم من مستدرج بالاحسان ~~إليه، وكم من مفتون ms0938 بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه». {وأملي لهم} ~~وأمهلهم {إن كيدي متين(45)} لا يدفع بشيء؛ وإنما سمي إنعامه استدراجا ~~بالكيد، لأنه في صورته. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في البيضاوي: «في الهرب». البيضاوي: تفسير، ج4/ ص216. PageV04P299 # أم تسألهم أجرا} على الإرشاد، {فهم من مغرم مثقلون(46) أم عندهم الغيب} ~~اللوح، أو المغيبات، {فهم يكتبون(47)} منه ما يحكمون به، ويستغنون به عن ~~علمك. {فاصبر لحكم ربك} وهو إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم، {ولا تكن كصاحب ~~الحوت} يونس، {إذ نادى} في بطن الحوت {وهو مكظوم(48)} مملوء غيظا من ~~الضجرة، فتبتلى ببلائه. {لولا أن تداركه نعمة من ربه} يعني: التوفيق ~~بالتوبة، {لنبذ بالعراء} بالأرض الخالية (¬1) عن الأشجار، {وهو مذموم(49)} ~~مليم، مطرود عن الرحمة والكرامة. {فاجتباه ربه} رده على ما كان عليه من ~~الاجتباء، {فجعله من الصالحين(50)} من الكاملين في الصلاح. # {وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم} والمعنى: أنهم لشدة عداوتهم ~~ينظرون إليك شزرا، بحيث يكادون يزلون قدمك، أو يهلكونك، أو أنهم يكادون ~~يصيبونك بالعين، {لما سمعوا الذكر} أي: القرآن (¬2) ؛ أي: ينبعث عند سماعه ~~بغضهم وحسدهم، {ويقولون: إنه لمجنون(51)} حيرة في أمره، وتنفيرا عنه، {وما ~~هو إلا ذكر للعالمين(52)} لما جننوه لأجل القرآن بين أنه ذكر عام لا يدركه ~~ولا يتعاطاه إلا من [كان] أكمل الناس عقلا، وأصوبهم رأيا. # سورة الحاقة # بسم الله الرحمن الرحيم # {الحاقة(1) ما الحاقة(2)}؟ أي الساعة؛ أو الحالة التي يحق وقوعها؛ أو ~~التي تحق فيها الأمور، أي: تعرف حقيقتها؛ أو تقع فيها حواق الأمور من ~~الحساب والجزاء، على الإسناد المجازي، {وما أدراك ما الحاقة(3)}؟ وأصله ما ~~هي؟ أي: أي شيء هي؟ على التعظيم لشأنها والتهويل لها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «الخيالية»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «القرن»، وهو خطأ. PageV04P300 # كذبت ثمود وعاد بالقارعة(4)} بالواقعة المجاوزة للحد في الشدة، {فأما ~~ثمود فأهلكوا بالطاغية(5)} وهي الصيحة؛ أو الرجفة لتكذيبهم بالقارعة؛ أو ~~بسبب طغيانهم بالتكذيب وغيره. {وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر} أي شديدة ~~الصوت، أو البرد [624] {عاتية(6)} شديدة العصف، والعتو: ضد التيسير؛ وقيل: ~~عتت على من أرسلت عليهم، ولم يكن ms0939 لهم عليها سبيل. {سخرها عليهم} سلطها ~~عليهم بقدرته، {سبع ليال وثمانية أيام حسوما} متتابعات؛ أو نحسات، حسمت كل ~~خير واستأصلته؛ أو قاطعات قطعت دابرهم، {فترى القوم} لو كنت حاضرهم؛ أو ~~تصديقك للوحي، {فيها صرعى} موتى، {كأنهم أعجاز نخل} أصول نخل {خاوية(7)} ~~متآكلة الأجواف؛ من خوي البطن: إذا خلا؛ وقيل: ساقطة. {فهل ترى لهم من ~~باقية(8)}؟ من بقية؛ أو نفس باقية؛ أو بقاء. # {وجاء فرعون ومن قبله} أي: ومن عنده من أتباعه (¬1) ، {والمؤتفكات} قرى ~~قوم لوط، والمراد: أهلها، {بالخاطئة(9)} بالخطأ. {فعصوا رسول ربهم} أي: ~~فعصى (¬2) كل أمة رسولها، {فأخذهم أخذة رابية(10)} زائدة في الشدة بزيادة ~~أعمالهم في القبح. # { # ¬__________ # (¬1) - ... قال الألوسي: «وقرأ أبو رجاء وطلحة والجحدري والحسن بخلاف عنه ~~وعاصم في رواية أبان والنحويان وأبان: “ومن قبله” بكسر القاف وفتح الباء»، ~~وهي القراءة التي اعتمدها المصنف هنا لتفسير الآية. انظر: الألوسي: روح ~~المعاني، ج29/ ص42. وفي ضبطنا اعتمدنا قراءة حفص عن عاصم. # (¬2) - ... الأصوب: «فعصت». كما هو عند البيضاوي: تفسير، ج4/ ص217. PageV04P301 # إنا لما طغى الماء} جاوز حده المعتاد، أو طغى على خزانه، وذلك في ~~الطوفان، {حملناكم} أي: آباءكم وأنتم في أصلابهم، {في الجارية(11)} في ~~سفينة نوح. {لنجعلها لكم} لنجعل الفعلة، وهي إنجاء المؤمنين، وإغراق ~~الكافرين، {تذكرة} عبرة ودلالة على قدرة الصانع وحكمته، وكمال قهره ورحمته، ~~{وتعيها} وتحفظها؛ وقيل: الوعي: أن تحفظ الشيء في نفسك؛ والإيعاء: أن تحفظه ~~في غيرك، {أذن واعية(12)} من شأنها أن تحفظ ما يجب حفظه، بتذكره وإشاعته ~~والتفكر فيه، والعمل بموجبه، كأنها وعاء لما يترك فيها. # {فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة(13)} لما بالغ في تهويل يوم القيامة، وذكر ~~ما للمكذبين بها، تفخيما لشأنها، وتنبيها على إمكانها، عاد إلى شرحها؛ ~~والمراد بها: النفخة الأولى التي عندها خراب العالم. {وحملت الأرض والجبال} ~~دفعت من أماكنها لمجرد القدرة الكاملة، أو بتوسط زلزلة، أو ريح عاصفة، ~~{فدكتا دكة واحدة(14)} فضربت الجملتان بعضها ببعض ضربة، فيصير الكل هباء، ~~{فيومئذ} فحينئذ، {وقعت الواقعة(15)} قامت القيامة، لأن وقوع ما عداها مجاز ~~لا حقيقة، فصارت ms0940 هي على (لعله) الحقيقة الواقعة. # { PageV04P302 وانشقت السماء} لنزول الملائكة، {فهي يومئذ واهية(16)} ~~ضعيفة مسترخية عما خلقت لأجله. {والملك} والجنس المتعارف بالملك {على ~~أرجائها} على جوانبها، {ويحمل عرش ربك فوقهم}. ومن كتب أصحابنا: «وأما ~~العرش فالقول فيه كثير، وتسمية العرش: هو السرير، وليس [المراد] (¬1) أن ~~الله يوصف أنه كائن على العرش، وأن هذه الملائكة يحملونه، وإنما هذه ~~الملائكة قد (لعله) تعبدت الله بحمل ذلك العرش؛ والله قبل العرش وقبل ~~الملائكة، فكما كان في الأول كذلك [625] (لعله) في آخر الأبد». {يومئذ ~~ثمانية(17)} قيل: ثمانية أجزاء من الملائكة كل جزء مثل الثقلين فوق ~~الملائكة الذين هم على الأرجاء، أو فوق الثمانية. # {يومئذ تعرضون} بسببها للمحاسبة، {لا تخفى منكم خافية(18)} سريرة على ~~الله حتى يكون الغرض الاطلاع عليها، وإنما المراد منه إفشاء الحال ~~والمبالغة في العدل. # { # ¬__________ # (¬1) - ... من إضافتنا ليتم المعنى وقد وضع الناسخ إحالة إلى الحاشية ولم ~~يكتب فيها شيئا. PageV04P303 # فأما من أوتي كتابه بيمينه} تفصيل للعرض، {فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه(19)} ~~استبشارا بما فيه، وشوقا إليه. {إني ظننت أني ملاق حسابيه(20)} أي علمت؛ ~~عبر عنه بالظن إشعارا بأنه لا يقدح في الاعتقاد ما يهجس في النفس من ~~الخطرات لا تنفك عنها العلوم النظرية غالبا. {فهو في عيشة راضية(21)} ذات ~~رضاء (¬1) ، وذلك لكونها صافية عن الشوائب، دائمة، مقرونة بالتعظيم، {في ~~جنة عالية(22)} مرتفعة المكان؛ أو الدرجات؛ أو الأبنية والأشجار؛ أو علو ~~شرف. {قطوفها} هو ما يجتنى، {دانية(23)} يتناولها القاعد. {كلوا واشربوا ~~هنيئا} صاف بلا كدر، {بما أسلفتم} بما قدمتم من الأعمال الصالحة، {في ~~الأيام الخالية(24)} الماضية من أيام الدنيا. # {وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول} لما يرى من قبح العمل، وسوء العاقبة: ~~{يا ليتني لم أوت كتابيه(25)} لأنه وجد به ما يسوءه. {ولم أدر ما ~~حسابيه(26) يا ليتها} يا ليت الموتة التي متها. {كانت القاضية(27)} القاطعة ~~لأمري، فلم أبعث بعدها. {ما أغنى عني ماليه(28)} مالي، لأنه لم يستعمله ~~فيما يغنيه الغنى الحقيقي. {هلك عني سلطانيه(29)} ملكي وتسلطي على الناس؛ ~~أو حجتي التي أحتج بها ms0941 في الدنيا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... «ورضيت عنك وعليك رضى، مقصور: مصدر محض، والاسم: الرضاء، ~~ممدود عن الأخفش». انظر: ابن منظور: لسان العرب، ج2/ ص1178، مادة «رضي». PageV04P304 # خذوه} يقول الله تعالى لخزنة النار {فغلوه(30) ثم الجحيم صلوه(31)} ثم لا ~~تصلوه إلا الجحيم، وهي النار العظمى، لأنه [كان] يتعظم على الناس. {ثم في ~~سلسلة ذرعها سبعون ذراعا} (لعله) ولعل ذكر الطول على قدر عظم جثته، لتعاظم ~~العذاب عليه، {فاسلكوه(32)} فأدخلوه فيها، بأن يلقوها على جسده، وهو فيما ~~بينهم لا يقدر على الفرار؛ قيل: تدخل من دبره وتخرج من فيه. # {إنه كان لا يؤمن بالله العظيم(33)} إيمانا يدفع عنه ذلك العذاب. {ولا ~~يحض على طعام المسكين(34)} ولا يحث على بذل طعامه، أو على إطعامه فضلا أن ~~يبذل من ماله. {فليس له اليوم هاهنا حميم(35)} قريب يحميه. {ولا طعام إلا ~~من غسلين(36)} قيل: غسالة أهل النار وصديدهم. {لا يأكله إلا الخاطئون(37)} ~~أصحاب الخطايا، من خطئ الرجل: إذا تعمد الذنب. # {فلا أقسم بما تبصرون(38) وما لا تبصرون(39)} بالمشاهدات والمغيبات؛ وذلك ~~يتناول الخالق والمخلوقات بأسرها. {إنه} إن القرآن، {لقول رسول} ينقله عن ~~الله، [626] {كريم(40)} على الله وهو محمد، أو جبريل عليهما السلام. {وما ~~هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون(41)} تصدقون. {ولا بقول كاهن} كما تدعون، ~~{قليلا ما تذكرون(42)} من عدم (¬1) الإيمان، أو ضعفه. {تنزيل من رب ~~العالمين(43)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الصواب: «لعدم». PageV04P305 # ولو تقول علينا} تخرص، واختلق محمد {بعض الأقاويل(44)} سمى الافتراء ~~تقولا، لأنه قول متكلف، والأقوال المفتراة: أقاويل، تحقيرا لها. {لأخذنا ~~منه باليمين(45)} أي لأخذناه بالقوة. {ثم لقطعنا منه الوتين(46)} أي نياط ~~قلبه بضرب عنقه؛ وهو تصوير لإهلاكه بأفظع ما يفعله المكوك (لعله الملوك) ~~(¬1) بمن يغضبون عليه؛ وقيل: اليمين بمعنى القوة. {فما منكم من أحد عنه} عن ~~القتل {حاجزين(47) وإنه لتذكرة للمتقين(48)} لأنهم هم المنتفعون به لا غير. # {وإنا لنعلم أن منكم مكذبين(49)} فنجازيهم على تكذيبهم. {وإنه لحسرة على ~~الكافرين(50)} إذا رأوا ثواب المؤمنين. {وإنه لحق اليقين(51)} لليقين الذي ~~لا ريب فيه. {فسبح باسم ربك العظيم(52)}. # <<< # سورة المعارج # بسم ms0942 الله الرحمن الرحيم # {سأل سائل بعذاب واقع(1)} أي: دعا داع (لعله) بعذاب واقع. {للكافرين} ~~كقوله: {فأسقط علينا كسفا من السماء} (¬2) استهزاء، أو الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - إما في الدنيا، أو الآخرة، وهو عذاب النار للكافرين، {ليس له ~~دافع(2)} يرده، أي: لذلك العذاب الذي يقع بهم. {من الله ذي المعارج(3)} ذي ~~المصاعد، وهي الدرجات؛ أو مراتب الملائكة؛ أو السماوات، فإن الملائكة ~~يعرجون فيها؛ وقيل: ذي الفواضل والنعم؛ وقيل: المعارج: الأماكن المرتفعة، ~~لقوله: {ومعارج عليها يظهرون} (¬3) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... ما بين قوسين من إضافة الناسخ، وهو الصواب. # (¬2) - ... سورة الشعراء: 187. # (¬3) - ... سورة الزخرف: 33. PageV04P306 # تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة(4)} استئناف ~~لبيان ارتفاع تلك المعارج، وبعد مداها على التمثيل والتخييل؛ والمعنى: أنها ~~بحيث لو قدر قطعها في زمان لكان في زمان يقدر بخمسين ألف سنة من سني ~~الدنيا؛ وقيل: معناه: تعرج الملائكة إلى عرشه في يوم كان مقداره كمقدار ~~خمسين ألف سنة؛ وقيل: المراد به [يوم] القيامة واستطالته، لشدته على ~~الكفار؛ والروح: جبريل، وإفراده لفضله. # {فاصبر صبرا جميلا(5)} لا يشوبه استعجال واضطراب قلب. {إنهم (¬1) يرونه} ~~الضمير للعذاب، أو يوم القيامة، {بعيدا(6)} من الإمكان. {ونراه قريبا(7)} ~~منه، أو من الوقوع. # {يوم تكون السماء كالمهل(8)} المهل: المذاب في مهل كالفلزات، أو دردي ~~الزيت. {وتكون الجبال كالعهن(9)} كالصوف المصبوغ ألوانا، لأن الجبال ~~مختلفات الألوان، فإذا بست وطيرت في الجو شبهت العهن المنفوش إذا طيرته الريح. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «إنه»، وهو خطأ. PageV04P307 # ولا يسأل حميم حميما(10)} ولا يسأل قريب (¬1) قريبا عن حاله؛ وقرئ: ولا ~~يسأل، ومعناه: لا يقال له: أين حميمك؟. {يبصرونهم} يدل على أن المانع من ~~السؤال هو الشاغل [627] دون الخفاء؛ أو ما يغني عنه من مشاهدة الحال كبياض ~~الوجه وسواده (¬2) . {يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه(11) وصاحبته ~~وأخيه(12)} دلالة على اشتغال كل مجرم بنفسه، بحيث يتمنى أن يفتدي بأقرب ~~الناس وأعلقهم بقلبه، فضلا أن يهتم بحاله ويسأل عنها، ولو افتدى بهم في ~~الدنيا لقبل منه؛ ومعنى ذلك: جعلهم لله، وأقرضه إياهم ms0943 لوقت حاجته. ~~{وفصيلته} وعشيرته الذين فصل منها، {التي تؤويه(13)} تضمه في النسب، أو عند ~~الشدائد والنوائب. {ومن في الأرض جميعا} من الثقلين من الخلائق لو يفتدي ~~بهم جميعا، {ثم ينجيه(14)} ذلك (لعله) الفداء من عذاب الله. # {كلا إنها لظى(15) نزاعة للشوى(16)} وهو اللهب الخالص؛ وقيل: علم للنار ~~منقول عن اللظى بمعنى اللهب. {تدعو} تجذب {من أدبر} عن الحق {وتولى(17)} عن ~~الطاعة. {وجمع فأوعى(18)} وجمع المال فأوعاه، فجعله في وعاء، وأمسكه عن ~~أداء الواجبات. # {إن الإنسان خلق هلوعا(19)} شديد الحرص، قليل الصبر. {إذا مسه الشر} الضر ~~{جزوعا(20)} يكثر الجزع. {وإذا مسه الخير منوعا(21)} يبالغ في الإمساك؛ ~~والأوصاف الثلاثة أحوال مقررة (¬3) ، أو محققة، لأنها طبائع جبل الإنسان عليها. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «قريبا قريبا»؛ وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «واسواده»، وقد يراد به: «واسوداده». # (¬3) - ... الأصوب: «مقدرة»، كما في البيضاوي: تفسير، ج4/ ص221. PageV04P308 # إلا المصلين(22)} استثناء للموصوفين بالصفات المذكورة بعد من المطبوعين ~~على الأحوال المذكورة قبل، لمضادة تلك الصفات لها من حيث إنها دالة على ~~الاستغراق في طاعة الحق، والإشفاق على الخلق، والإيمان بالجزاء، والخوف من ~~العقوبة، وكسر الشهوة، وإيثار الآجل على العاجل؛ وهم المنعمون في الدنيا ~~بجنتي الشكر والصبر؛ أعني الذين استثناهم الله من جملة الخلق، إن ابتلاهم ~~الله بفتنة السراء تنعموا بشكرها؛ وإن ابتلاهم بفتنة الضراء تنعموا بالنظر ~~في العاقبة، وتلذذوا بالصبر على ذلك؛ وأما ضدهم فمعذبون (لعله) بالحالين، ~~لأنهم إما [في] سراء يتوقعون زوالها، وإما في ضراء لا يرجون (لعله) ثوابها؛ ~~وتلك ناشئة من الانهماك في حب العاجل، وقصور النظر عليها. # {الذين هم على صلاتهم دائمون(23)} لا يشغلهم عنها شاغل. {والذين في ~~أموالهم حق معلوم(24) للسائل} الذي يسأل، {والمحروم(25)} الذى لا يسأل، ~~فيحسب غنيا فيحرم. {والذين يصدقون بيوم الدين(26)} تصديقا بأعمالهم، وهو أن ~~يتعب نفسه، ويصرف ماله طمعا في المثوبة الأخروية؛ ولذلك ذكر الدين. {والذين ~~هم من عذاب ربهم مشفقون(27)} خائفون على أنفسهم مع اجتهادهم من قبل. {إن ~~عذاب ربهم غير مأمون(28)} اعتراض يدل [على أنه] (¬1) لا ينبغى لأحد [628] ~~أن يأمن من ms0944 عذاب الله، وإن بالغ في طاعته. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «اعراض يدل لا ننبغي». وصححناه من البيضاوي: المصدر نفسه. PageV04P309 # والذين هم لفروجهم حافظون(29) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم ~~غير ملومين(30) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون(31) والذين هم ~~لأماناتهم وعهدهم راعون(32) والذين هم بشهاداتهم قائمون(33)} حافظون. ~~{والذين هم على صلاتهم يحافظون(34)} فيراعون شرائطها، ويكملون فرائضها ~~وسننها. {أولئك في جنات مكرمون(35)} بثواب الله. # {فمال الذين كفروا قبلك} حولك، {مهطعين(36)} مسرعين. {عن اليمين وعن ~~الشمال عزين(37)} فرقا شتى، جمع عزة، وأصلها عزوة من العزو (¬1) ، وكأن كل ~~فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي إليه الأخرى. كان المشركون يحلقون حول رسول ~~الله حلقا حلقا، ويستهزئون بكلامه. # {أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم(38)} بلا إيمان ولا عمل؛ وهو إنكار ~~لقولهم: لو صح ما يقوله لنكونن فيها أفضل حظا منهم كما في الدنيا. {كلا} ~~ردع عما طمعوه، {إنا خلقناهم مما يعلمون(39)} تعليل له، والمعنى: إنكم ~~مخلوقون من نطفة قذرة، لا تناسب عالم القدس؛ فمن لم يستكمل بالإيمان ~~والطاعة، ولم يتخلق بالأخلاق الملكية، لم يستعد [ل]دخولها؛ أو إنكم مخلوقون ~~من أجل ما تعلمون، وهو تكميل النفس بالعلم والعمل؛ فمن لم يستكملها لم يبوأ ~~المنازل الكاملة لكمال (¬2) نسبه، لأنكم تعلمون [أنكم] (¬3) خلقتم من أصل ~~واحد؛ فلا يدخل أحدكم الجنة بنسبه، بل بالطاعة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... انظر: ابن منظور: لسان العرب، ج4/ ص770، مادة «عزا». # (¬2) - ... في الأصل: «للكمال»، وهو خطأ. # (¬3) - ... من إضافتنا. وفي الأصل إحالة إلى الحاشية ولم يكتب فيها أي شيء. PageV04P310 # فلا أقسم برب المشارق والمغارب} مشارق الشمس ومغاربها في بروجها؛ أو ~~مشارق الشمس والقمر والنجوم ومغاربهن، {إنا لقادرون(40) على أن نبدل خيرا ~~منهم} أي نهلكهم ونأتي بخلق مثلهم. {وما نحن بمسبوقين(41)} بمغلوبين [في] ~~ما نريده. {فذرهم يخوضوا} في باطلهم، {ويلعبوا} في دنياهم {حتى يلاقوا ~~يومهم الذي يوعدون(42)} فإنه ليس لهم هم ولا عمل، إلا الخوض واللعب حتى ~~الممات. # {يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون، خاشعة} ذليلة خاضعة ~~{أبصارهم ترهقهم ذلة} يغشاهم ms0945 هوان، {ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون} في ~~الدنيا. # سورة نوح # بسم الله الرحمن الرحيم # {إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم(1) ~~قال: يا قوم إني لكم نذير مبين(2) أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون(3) يغفر ~~لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر} فبادروا ~~في أوقات الإمهال؛ {لو كنتم تعلمون(4)} لو كنتم من أهل العلم والنظر لعلمتم ذلك. # { PageV04P311 قال: رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا(5)} أي: دائما. {فلم ~~يزدهم دعائي إلا فرارا(6)}[629] عن الإيمان والطاعة. {وإني كلما دعوتهم} ~~إلى الطاعة {لتغفر لهم} بسببها، {جعلوا أصابعهم في آذانهم} سدوا مسامعهم عن ~~استماع الدعوة {واستغشوا ثيابهم} تغطوا بها لئلا يروا آيات الله، فيعتبروا ~~بها. {وأصروا} أكبوا على الكفر والمعاصي؛ مستعار من أصر الحمار على العانة ~~(¬1) : إذا صر أذنيه (¬2) ، وأقبل عليها. {واستكبروا} عن اتباعي ~~{استكبارا(7)} عظيما. {ثم إني دعوتهم جهارا(8) ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم ~~إسرارا(9)} أي: دعوتهم مرة بعد أخرى، وكرة بعد أولى، على أي وجه أمكنني. # { # ¬__________ # (¬1) - ... «العانة: الأتان، والقطيع من حمر الوحش. ج: عون، بالضم». ~~الفيروزآبادي: القاموس، ص1097، مادة: «عون». # (¬2) - ... «صر الفرس والحمار بأذنه يصر صرا وصرها وأصر بها: سواها ~~للاستماع...». ابن منظور: لسان العرب، ج3/ ص429، مادة «صرر». PageV04P312 # فقلت: استغفروا ربكم} بالتوبة عن الكفر، {إنه كان غفارا(10)} للتائبين. ~~{يرسل السماء عليكم مدرارا(11) ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل ~~لكم أنهارا(12)} وعد لمن استقام على الطاعة بإمداد الرزق. {ما لكم لا ترجون ~~لله وقارا(13)} لا تأملون له توقيرا، أي: تعظيما لمن عبده وأطاعه، فتكونوا ~~على حال تأملون فيه تعظيمه إياكم. {وقد خلقكم أطوارا(14)} أي: تارات، إذ ~~خلقكم أولا عناصر، ثم مركبات تغذي الإنسان، ثم أخلاطا، ثم نطفا ثم علقا ثم ~~مضغا ثم عظاما ولحوما، ثم أنشأهم خلقا آخر، فإنه يدل على أنه يمكن أن ~~يعيدهم تارة أخرى، فيعظمهم بالثواب؛ وعلى أنه تعالى عظيم القدرة تام ~~الحكمة، ثم أتبع ذلك ما يؤيده من آيات الآفاق، فقال: # {ألم ms0946 تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا(15) وجعل القمر فيهن نورا وجعل ~~الشمس سراجا(16) والله أنبتكم من الأرض نباتا(17)} إنشاء منها، فاستعير ~~الإنبات للإنشاء. {ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا(18) والله جعل لكم الأرض ~~بساطا(19) لتسلكوا منها سبلا فجاجا(20)}. # { PageV04P313 قال نوح: رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا ~~خسارا(21)} واتبعوا رؤساءهم البطرين بأموالهم، المغترين بأولادهم، بحيث صار ~~ذلك سببا لزيادة خسارهم في الآخرة؛ وفيه أنهم إنما اتبعوهم لوجاهة حصلت لهم ~~بأموال وأولاد أدت بهم إلى الخسار. {ومكروا مكرا كبارا(22)} كبيرا في ~~الغاية؛ فإنه أبلغ من كبار (¬1) ، وهو [أبلغ] من كبير، وذلك احتيالهم في الدين. # {وقالوا: لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ~~ونسرا(23)} ولا تذرن (¬2) هؤلاء خصوصا، قيل: هي أسماء رجال صالحين كانوا ~~بين آدم ونوح؛ فلما ماتوا صوروا تبركا بهم؛ فلما طال الزمان عبدوا، وقد ~~انتقلت إلى العرب، فكان ودا لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ~~ونسرا لحمير. {وقد أضلوا كثيرا} الضمير للرؤساء، أو للأصنام. {ولا تزد ~~الظالمين [630] إلاضلالا(24)}. # {مما خطيئاتهم} (¬3) من أجل خطاياهم. {أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم ~~من دون الله أنصارا(25) وقال نوح: رب لا تذر على الأرض من الكافرين ~~ديارا(26)} أحدا منهم (لعله) يدور في الأرض. {إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا ~~يلدوا إلا فاجرا كفارا(27)} قال ذلك لما جربهم واستقرأ أحوالهم ألف سنة إلا ~~خمسين عاما، فعرف طباعهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... بضم الكاف وتخفيف الباء، مثل: عجاب، وقرأ بها: عيسى وابن ~~محيصن وأبو السمال. انظر: الألوسي: روح المعاني، ج29/ ص76-77. # (¬2) - ... في الأصل: «ولا تذورن»، وهو خطأ، وربما يقصد: «ولا تذروا». # (¬3) - ... في الأصل: «خطاياهم» وهو خطأ من الناسخ. PageV04P314 # رب اغفر لي ولوالدي} المؤمنين، ولو إلى آدم. {ولمن دخل بيتي} من ~~المؤمنين، منزلي أو مسجدي أو سفينتي. {مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد ~~الظالمين إلا تبارا(28)} هلاكا. # سورة الجن # بسم الله الرحمن الرحيم # {قل: أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن} قيل: الجن أجسام عاقلة خفية تغلب ~~عليهم النارية والهوائية؛ وقيل: نوع ms0947 من الأرواح المجردة؛ وقيل: نفوس بشرية ~~مفارقة عن أبدانها؛ وفيه دلالة على أنه - عليه السلام - ما رآهم، ولم يقرأ ~~عليهم، وإنما ارتفق حضورهم في بعض الأوقات قراءته فسمعوها، وأخبر الله ~~رسوله؛ {فقالوا: إنا (¬1) سمعنا قرآنا عجبا(1)} بديعا مباينا لكلام الناس ~~في حسن نظمه، ودقة معناه. {يهدي إلى الرشد} إلى الحق. {فآمنا به ولن نشرك ~~بربنا أحدا(2)} على ما نطق به الدلائل القاطعة على التوحيد. # {وأنه تعالى جد ربنا} كأنه قيل: صدقنا أنه تعالى جد ربنا، أي: ارتفعت ~~عظمته، من جد فلان في عيني: إذا عظم؛ أو سلطانه؛ أو غناه؛ والمعنى: وصفه ~~بالاستغناء عن الصاحبة والولد لعظمته وسلطانه، أو لغناه، وقوله: {ما اتخذ ~~صاحبة ولا ولدا(3)} بيان لذلك، أي: صدق ربوبيته (¬2) ، كأنهم سمعوا من ~~القرآن ما نبههم على خطإ ما اعتقدوه من الشرك، واتخاذ الصاحبة والولد. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل - «إنا» وهو سهو. # (¬2) - ... في العبارة سقط. ففي تفسير البيضاوي: «وقرئ: “جدا” على ~~التمييز. و“جد ربنا” أي: صدق ربوبيته»، البيضاوي: تفسير، ج4/ ص224. أبو ~~السعود: تفسير، مج5/ ج9/ ص43. PageV04P315 # وأنه كان يقول: سفيهنا} (¬1) جاهلنا، وهو إبليس ومردة الجن، {على الله ~~شططا(4)} قولا ذا شطط، وهو البعد، ومجاوزة الحد. {وأنا ظننا} حسبنا {أن لن ~~تقول الإنس والجن على الله كذبا(5)} اعتذارا عن اتباعهم للسفيه في ذلك ~~لظنهم أن أحدا لا يكذب على الله؛ وعلى معنى ما أوله في هذه الآية كأنهم ~~يلتمسون العلم من الإنس والجن على ما مضى في سورة الأحقاف (¬2) . # {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن} قيل: كان الرجل يقول: ~~أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، {فزادوهم} فزاد الإنس (لعله) والجن ~~باستعاذتهم بهم {رهقا(6)} كبرا وعتوا؛ أو فزاد الجن الإنس غيا بأن أضلوهم، ~~حتى استعاذوا بهم؛ والرهق في الشيء: غشيان الشيء. {وأنهم} وأن الإنس {ظنوا ~~كما ظننتم} أيها الجن، أو بالعكس {أن لن يبعث الله أحدا(7)} [631] كأنهم في ~~الظن غير الجائز مشتركون بدليل الآية. # {وأنا لمسنا السماء} طلبنا بلوغ السماء، أو خبرها، {فوجدناها ملئت حرسا ~~شديدا} قويا، ms0948 وهم الملائكة الذين يمنعونهم عنها، {وشهبا(8)} جمع شهاب: وهو ~~المضيء المتولد من النار. {وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع} مقاعد خالية عن ~~الحرس والشهب؛ أو صالحة للترصد والاستماع، {فمن يستمع الآن يجد له شهابا ~~رصدا(9)} أي: شهابا راصدا له. {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد ~~بهم ربهم رشدا(10)} لأنهم لا يعلمون من أحكام المغيبات شيئا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كتب الناسخ في الحاشية عبارة: «عدونا حين وصفوه بالصاحبة ~~والولد» ولم يحل إليها، ولم يتضح لنا معناها ولا مكانها في المتن. # (¬2) - ... انظر تفسير الآية 29 من سورة الأحقاف، ج4/ ص 147. PageV04P316 # وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا(11)} متفرقة مختلفة جمع ~~قدة (¬1) ، من قد إذا قطع. # {وأنا ظننا} علمنا {أن لن نعجز الله في الأرض} أينما كنا فيها، {ولن ~~نعجزه هربا(12)} إن أراد بنا أمرا، ولن نعجزه هربا إن طلبنا. # {وأنا لما سمعنا الهدى} أي: القرآن، {آمنا به} فهذا يدل على إيمانهم به، ~~وهم المستمعون له. {فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا(13)} نقصا في ~~الجزاء ولا أن ترهقه ذلة. # {وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون} الجائرون عن طريق الحق، وهو الإيمان ~~والطاعة، {فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا(14)} توخوا رشدا عظيما يبلغهم إلى ~~دار الثواب. {وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا(15)} توقد بهم، كما توقد ~~بكفار الإنس. # {وألو استقاموا} أي: وأن الشأن لو استقام الإنس، أو الجن، أو كلاهما {على ~~الطريقة} المثلى، {لأسقيناهم ماء غدقا(16)} لوسعنا عليهم الرزق، وتخصيص ~~الماء الغدق وهو الكثير بالذكر لأنه أصل المعاش والسعة؛ وكأن الآية تدل ~~على أن الجن أهل حرث إن كانت الآية في سياق ذكرهم. {لنفتنهم فيه} لنختبرهم ~~كيف يشكرونه، {ومن يعرض عن ذكر ربه} عن عبادته، أو موعظته، أو وحيه، ~~{يسلكه} يدخله {عذابا صعدا(17)} شاقا يعلو المعذب ويغلبه، ولعله أردا به ~~عذاب الدنيا والآخرة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... «والقدة: القطعة من الشيء. والقدة: الفرقة والطريقة من الناس ~~مشتق من ذلك إذا كان هوى كل واحد على حدة». ابن منظور: لسان العرب، ج5/ ~~ص28، مادة «قدد». ms0949 PageV04P317 # وأن المساجد لله} مختصة به، {فلا تدعو مع الله أحدا(18)} قيل: هي مواضع ~~السجود؛ والمراد به: النهي عن السجود لغير الله. {وأنه لما قام عبد الله} ~~قيل: هو النبي، وإنما ذكر لفظ العبد لإخلاصه لله، {يدعوه} يعبده، {كادوا} ~~كاد الجن {يكونون عليه لبدا(19)} متراكمين من ازدحامهم عليه، ليكسروا عليه ~~سورة عبادته، ويجروه إليهم، وليشوشوا عليه عبادته بالوساوس الرديئة؛ أو كاد ~~الإنس والجن يكونون عليه مجتمعين لإبطال أمره، وهو جمع لبدة، وهو ما يلبد ~~بعضه على بعض. # {قل: إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا(20)} أمره بالإقبال على شأنه، [632] ~~والإعراض عن متابعة وساوسهم. {قل: إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا(21)} ولا ~~نفعا. {قل: إني لن يجيرني من الله أحد} إن اتبعتكم وخالفت أمره، {ولن أجد ~~من دونه ملتحدا(22)} ملتجأ أميل إليه، ومعنى التحد: أي مال، {إلا بلاغا من ~~الله ورسالاته} أي: لا أملك إلا تبليغكم، {ومن يعص الله ورسوله} في الأمر ~~بالتوحيد، {فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا(23) حتى إذا رأوا ما يوعدون} ~~وهو الموت {فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا(24)}. # { PageV04P318 قل: إن أدري} أي: ما أدري {أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي ~~أمدا(25) عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا(26)} من العاصين (¬1) ، {إلا ~~من ارتضى من رسول} والمعنى أن الله لا يطلع على أسرار المكونات إلا من ~~أطاعه، {فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا(27)} حفظة من الملائكة ~~يحفظونه من الشياطين، يطردونهم عنه، ويعصمونه من وساوسهم، حتى يبلغ ما أوحي ~~به إليه. # {ليعلم أن قد أبلغوا} أي: ليعلم النبي الموحى إليه أن قد أبلغ جبريل ~~والملائكة النازلون بالوحي؛ أو ليعلم الله أن أبلغ الأنبياء، {رسالات ربهم} ~~كما هي محروسة من التغيير، {وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا(28)} حتى ~~القطر والرمل وورق الشجر. # سورة المزمل # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... تخصيص بغير دليل، ويبدو أن الصواب والله أعلم ما ذهب إليه ~~أبو السعود والألوسي من تفسير لفظ “أحدا” على عمومه. قال أبو السعود: «أي: ~~فلا يطلع ms0950 على غيبه إطلاعا كاملا ينكشف به جلية الحال انكشافا تاما موجبا ~~لعين اليقين أحدا من خلقه». انظر: أبو السعود: تفسير، مج5/ ج9/ ص47. ~~الألوسي: روح المعاني، ج29/ ص96. PageV04P319 # يا أيها المزمل(1)} أصله المتزمل، من تزمل بثيابه: إذا تلفف بها، {قم ~~الليل} أي: قم إلى الصلاة، أو داوم عليها، {إلا قليلا(2) نصفه أو انقص منه ~~قليلا(3) أو زد عليه}... (¬1) {ورتل القرآن ترتيلا(4)} قال بينه تبيينا؛ ~~وفي الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : «كان لا يجاوز الآية في ~~القرآن، [إلا] ويقف عليها» (¬2) . قال أبو سعيد: إنه رأى فيما يرى النائم ~~أن قائلا يقول له: إذا قرأت فلا تجاوز الآية؛ وقال: «مرت عائشة أم المؤمنين ~~على قارئ يقرأ، وهو يسرع في قراءته، فقالت: لا قرأ ولا ترك» انتهى. ~~والمقصود من القراءة: التدبر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كلمة غير مفهومة رسمها «وسئل الو». وكتب الناسخ فوق كلمة ~~“عليه” حرف “ع”. ولم نتمكن من إتمام العبارة مما بين أيدينا من المصادر. # (¬2) - ... روى الترمذي في كتاب القراءات، حديث رقم 2851 عن أم سلمة ~~قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقطع قراءته، يقول: {الحمد ~~لله رب العالمين} ثم يقف، {الرحمن الرحيم} ثم يقف، وكان يقرؤها: {ملك يوم ~~الدين}» قال أبو عيسى: هذا حديث غريب... وهكذا روى يحيى بن سعيد الأموي ~~وغيره... عن أم سلمة وليس إسناده بمتصل لأن الليث بن سعد روى هذا الحديث... ~~عن أم سلمة أنها وصفت قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - حرفا حرفا، وحديث ~~الليث أصح، وليس في حديث الليث: «وكان يقرأ: {ملك يوم الدين}». العالمية: ~~موسوعة الحديث، مادة البحث: «يقف». PageV04P320 # إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا(5)} يعنى القرآن، فإنه لما فيه من التكاليف ~~الشاقة ثقيل على المكلفين، سيما على الرسول، إذ كان - عليه السلام - أمر أن ~~يتحملها ويحملها أمته؛ أو أراد بهذا الاعتراض ما كلفه من القيام بالليل من ~~جملة التكاليف الثقيلة، من حيث إن الليل وقت الراحة والهدوء، فلا بد لمن ~~اختاره من مجاهدة لنفسه؛ وقيل: قولا ثقيلا في الميزان، أو رصين ms0951 لرزانة ~~لفظه، وكثرة معانيه، أو ثقيل على المتأمل فيه، لافتقاره إلى مزيد تصفية ~~للسر، وتجريد للنظر، أو ثقيل على الكفار والفجار. # {إن ناشئة الليل} إن النفس التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة، من نشأ من ~~مكانه: إذا نهض؛ أو قيام الليل على أن الناشئة له؛ أو العبادة التي تنشأ ~~[633] بالليل، أي: تحدث؛ قال أبو سعيد: «إن الناشئة: كل صلاة بعد النوم بعد ~~العشاء الآخرة». {هي أشد وطأ} أي: كلفة؛ أو ثبات قدم؛ وقرئ: وطاء، من ~~مواطأة القلب اللسان لها، أو فيها، أو مواقعة لما يراد من الخضوع والإخلاص، ~~{وأقوم قيلا(6)} وأشد مقالا، أو أثبت قراءة بحضور القلب. # { PageV04P321 إن لك في النهار سبحا طويلا(7)} تقلبا في مهامك بها (¬1) ، ~~فعليك بالتهجد، فإن مناجاة الحق تستدعي فراغا؛ وقرئ: «سبخا» (¬2) أي: تفرق ~~قلب بالشواغل. {واذكر اسم ربك} ودم على ذكره ليلا ونهارا؛ وذكر الله يتناول ~~كل ما يذكره، من تسبيح وتهليل وتحميد وصلاة وقراءة قرآن ودراسة علم، وهو ~~يعم جميع الطاعة. {وتبتل إليه تبتيلا(8)} وانقطع إليه بالعبادة وجرد نفسك ~~عما سواه. # {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا(9)} مسبب عن التهليل، فإن ~~توحده بالألوهية يقتضي أن توكل إليه الأمور. {واصبر على ما يقولون} من ~~الهذيان. {واهجرهم هجرا جميلا(10)} بأن تجانبهم وتداريهم ولا تكافئهم، وكل ~~أمرهم إلى الله، كما قال: {وذرني والمكذبين} (لعله) دعني وإياهم وكل [إلي] ~~(¬3) أمرهم. {أولي النعمة} أرباب التنعم. {ومهلهم قليلا(11)} زمانا، أو ~~إمهالا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في تفسير البيضاوي: «في مهماتك واشتغالك بها»، ويبدو أنه ~~الصواب. ج4/ ص227. # (¬2) - ... قال الزمخشري: « وأما القراءة بالخاء فاستعارة من سبخ الصوف، ~~وهو نفشه ونشر أجزائه». الزمخشري: الكشاف، 4/511. # (¬3) - ... إضافة من البيضاوي: المصدر نفسه. PageV04P322 # إن لدينا أنكالا} تعليل للأمر؛ والنكل: القيد الثقيل. {وجحيما(12)} قيل: ~~إن الجحيم النار الشديدة التأجح. {وطعاما ذا غصة} طعاما ينشب في الحلق ~~كالضريع، والزقوم، غير سائغة تأخذ بالحلق، لا هو نازل، ولا هو خارج، وهو ~~الغسلين والزقوم والضريع (¬1) . {وعذابا أليما(13)} ونوعا آخر من العذاب ~~مؤلما، لا يعرف كنهه إلا الله؛ ولما كانت ms0952 العقوبات الأربع مما تشترك فيها ~~الأشباح والأرواح، فإن النفوس العامية (¬2) المنهمكة في الشهوات تبقى مقيدة ~~بحبها والتعلق بها عن التخلص إلى عالم المجردات، متجرعة غصة الهجران، معذبة ~~بالحرمان عن تجلي أنوار القدس. {يوم ترجف الأرض والجبال} تضطرب وتتزلزل. ~~{وكانت الجبال كثيبا} رملا مجتمعا. {مهيلا(14)} منثورا؛ من هيل هيلا: إذا نثر. # {إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم} يشهد لكم وعليكم يوم القيامة ~~بالإجابة والامتناع. {كما أرسلنا إلى فرعون رسولا(15) فعصى فرعون الرسول ~~فأخذناه أخذا وبيلا(16)} ثقيلا، من قولهم: طعام وبيل لا يستمرأ لثقله، ومنه ~~الوابل للمطر العظيم. {فكيف تتقون} أي: فكيف تتقون العذاب في الآخرة إن ~~كفرتم به في الدنيا أنفسكم، {إن كفرتم} بقيتم على الكفر، {يوما} عذاب يوم، ~~{يجعل الولدان شيبا(17)} من شدة هوله؛ وهذا على التمثيل، وأصله أن الهموم ~~تضعف القوى [634] وتسرع بالشيب والهرم. {السماء منفطر} منشق {به} بشدة ذلك ~~اليوم على عظمها وأحكامها، فضلا عن أيام العذاب، {كان وعده مفعولا(18)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في الأصل، وهو تكرار. # (¬2) - ... عند البيضاوي: «العاصية». المصدر نفسه. PageV04P323 # إن هذه تذكرة} عظة، {فمن شاء} أن يتعظ، {اتخذ إلى ربه سبيلا(19) إن ربك ~~يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه، وطائفة من الذين معك} ويقوم ~~ذلك جماعة من أصحابك. {والله يقدر الليل والنهار} لا يعلم مقادير ساعاتهما ~~كما هي إلا الله؛ ومعناه: لا يفوته علم ما تفعلون، {علم أن لن تحصوه} أي: ~~لن تحصوا تقدير الأوقات، ولن تستطيعوا ضبط الساعات، {فتاب عليكم} بالترخيص ~~في ترك القيام المقدر؛ {فاقرءوا ما تيسر من القرآن} قيل: فصلوا ما تيسر ~~عليكم من صلاة الليل؛ عبر عن الصلاة بالقراءة كما عبر عنها بسائر أركانها. ~~قيل: كان التهجد واجبا على التخيير المذكور، فعسر عليهم القيام به، فنسخ ~~به، ثم نسخ هذا بالصلوات الخمس. وعن أبي سعيد: «وعن قوله: {فاقرءوا ما تيسر ~~من القرآن} فقد قيل: ذلك قراءة القرآن عند فاتحة الكتاب في الصلوات ~~المفروضة؛ وقيل: ذلك في النوافل، والأول أحب إلي، والله أعلم بتأويل ~~كتابه». # { PageV04P324 علم أن سيكون منكم مرضى ms0953 وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من ~~فضل الله} من تحصيل علم أو تجارة، {وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما ~~تيسر منه} قيل: ما تيسر لكم عند قراءته، [مع] خشوع القلب وصفاء السر، ~~{وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا} من بذل مال، أو جسم، ~~أو غريزة عقل؛ ويعم ذلك جميع ما يكون طاعة لله، ولو في دفع الوساوس ~~الشيطانية والاشتغال عنها بذكر الله، {وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند ~~الله هو خيرا} من ذلك الذي قدمتموه {وأعظم أجرا} مما تتبعون به شهوات ~~الأنفس، فإن ذلك قليل لا جدوى له؛ {واستغفروا الله} في مجامع أحوالكم، فإن ~~الإنسان لا يخلو من تفريط، {إن الله غفور رحيم(20)} لمن تاب. # سورة المدثر # بسم الله الرحمن الرحيم # {يا أيها المدثر(1)} أي: المتدثر، وهو لابس الدثار. [قال أبو سعيد: «سمعت ~~أنه (لعله) مما قيل: إنه أول ما أرسل الله به (لعله) نبينا - صلى الله عليه ~~وسلم - ، وأمره بالرسالة قوله: {يا أيها المدثر قم فأنذر}. قلت له: فالمدثر ~~ما هو؟ قال: معنى أنه النائم، قلت له: فقوله تعالى: {وثيابك فطهر} أكانت ~~(¬1) ثيابه نجسة؟ قال: معي أنه قد (لعله) قيل: قلبك فطهر، والثياب هاهنا ~~القلب. وقيل: فالرجز ما هو؟ (لعله) قال: مضى معي أنه الشرك، أي: اهجر ~~الشرك. والله أعلم بتأويل كتابه] (¬2) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «كان». # (¬2) - ... العبارة التي بين معقوفين كتبت في الحاشية، ولم يحل إليها في ~~المتن وأثبتناها في سياقها. PageV04P325 # قم} من مضجعك، أو قم قيام عزم وجد، {فأنذر(2)} مطلق للتعميم، {وربك ~~فكبر(3)} واخصص ربك بالتكبير؛ وهو وصفه بالكبرياء عقدا وقولا؛ والمقصود من ~~الأمر بالقيام أن يكبر ربه عن الشرك والتشبيه؛ فإن أول ما يجب: معرفة ~~الصانع، وأول ما يجب بعد العلم بوجوده: تنزيهه. # {وثيابك فطهر(4)} من النجاسات، فإن التطهير واجب في الصلاة، محبوب في ~~غيرها، وذلك بغسلها أو بحفظها عن النجاسة، وهو أول ما أمر به من رفض ~~العادات المذمومة؛ أو طهر نفسك من الأخلاق الذميمة، والأفعال الدنيئة، ~~فيكون أمرا باستكمال القوة العملية، ms0954 بعد أمره باستكمال القوة النظرية ~~والدعاء إليه؛ أو فطهر ديار النبوة عما يدنسه من الحقد والضجر وقلة الصبر، ~~{والرجز فاهجر(5)} واهجر العذاب بالثبات على هجر ما يؤدي إليه من الشرك ~~وغيره من القبائح. # {ولا تمنن تستكثر(6)} لا تعط متكثرا، نهي عن الاستغزار، وهو أن يهب شيئا ~~طامعا في عوض أكثر؛ أو لا تمنن بعبادتك على الله مستكثرا إياها، أو على ~~الناس بالتبليغ متكثرا به الأجر منهم، {ولربك} ولوجهه أو أمره {فاصبر(7)} ~~فاستعمل الصبر؛ أو فاصبر على مشاق التكاليف، وأذى المشركين. # {فإذا نقر} نفخ {في الناقور(8)} وهو القرن على ما قيل؛ كأنه قال: اصبر ~~على زمان صعب تلقى فيه عاقبة صبرك، وأعداؤك عاقبة ضرهم، {فذلك يومئذ يوم ~~عسير(9) على الكافرين} فإن معناه: عسر الأمر على الكافرين؛ وذلك إشارة إلى ~~وقت النقر {غير يسير(10)}. # { PageV04P326 ذرني ومن خلقت وحيدا(11)} فريدا لا مال له ولا ولد، {وجعلت ~~له مالا ممدودا(12)} مبسوطا كثيرا، أو ممدا بالنماء، {وبنين شهودا(13)} ~~حضورا معه يتمتع بلقائهم في المحافل لوجاهتهم واعتبارهم، {ومهدت له ~~تمهيدا(14)} أو بسطت له الرئاسة والجاه العريض؛ وقيل: الوحيد باستحقاق ~~الرئاسة والتقدم، {ثم يطمع أن أزيد(15)} على ما أوتيته، وهو استبعاد لطمعه، ~~كما قال: {كلا} (لعله) قطع الرجاء عما كان يطمع فيه، {إنه كان لآياتنا ~~عنيدا(16)} فإنه ردع له عن الطمع وتعليل للردع على سبيل الاستئناف بمعاندة ~~آيات الله المنعم، المناسبة لإزالة النعمة، المانعة عن الزيادة، {سأرهقه ~~صعودا(17)} سأغشيه عقبة شاقة المصعد، وهو مثل لما يلقى من الشدائد. وفي ~~موضع: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة له فيها، وقيل: الصعود: جبل من نار ~~يتصعده حريقا، ثم يهوي فيه كذلك أبدا، يكلف أن يصعده، فإذا وضع يده ذابت، ~~وإذا رفعها عادت. # { PageV04P327 إنه فكر وقدر(18)} تعليل للوعيد، أو بيان للعناد؛ والمعنى: ~~فكر فيما يخيل طعنا في القرآن، وقدر في نفسه ما يقول فيه، {فقتل كيف ~~قدر(19)} تعجب من تقديره استهزاء به، {ثم قتل كيف قدر(20)} تكرير للمبالغة ~~{ثم نظر(21)} قيل: في أمر القرآن مرة بعد أخرى، {ثم عبس وبسر(22)} ms0955 قطب وجهه ~~لما لم يجد فيه طعنا، ولم يدر ما يقول، {ثم أدبر} عن الحق، {واستكبر(23)} ~~عن اتباعه، {فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر(24)} يروى ويتعلم، {إن هذا إلا قول ~~البشر(25) سأصليه سقر(26) وما أدراك ما سقر(27) لا تبقي ولا تذر(28)} لا ~~تبقى على شيء يلقى فيها ولا تدعه حتى يهلك، لأن طبعها الإذهاب لما يلقى ~~فيها، إلا من أدخل للتعذيب، فإنه مخلد فيها، {لواحة للبشر(29) عليها تسعة ~~[636] عشر(30)} ملكا، أو صنفا من الملائكة يلون أمرها. # {وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة} ليخالفوا جنس المعذبين، فلا يرقوا ~~لهم، ولا يستروحون إليهم؛ ولأنهم أقوى الخلق بأسا وأشدهم غضبا لله، {وما ~~جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا} وما جعلنا عددهم إلا العدد الذي اقتضى ~~فتنتهم، وهو التسعة عشر، فعبر بالأثر (¬1) عن المؤثر تنبيها على أنه لا ~~ينفك منه؛ وافتتانهم به: استقلالهم له، واستهزاؤهم به، واستبعادهم أن يتولى ~~هذا العدد القليل تعذيب أكثر الثقلين. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «الأمر»، وصححناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص230. PageV04P328 # ليستيقن الذين أوتوا الكتاب} أي: ليكتسبوا اليقين بنبوة محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - وصدق القرآن لما رأوا ذلك موافقا لما في كتابهم، {ويزداد الذين ~~آمنوا إيمانا} بالإيمان به، {ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون} أي: ~~في ذلك؛ وهو تأكيد للاستيقان وزيادة الإيمان، ونفي لما يعرض للمتيقن حيثما ~~عراه شبهة؛ {وليقول الذين في قلوبهم مرض} شك أو نفاق، {والكافرون: ماذا ~~أراد الله بهذا مثلا} أي شيء أراد بهذا العدد المستغرب استغراب المثل، ~~{كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى ~~يضل الكافرين، ويهدي المؤمنين، {وما يعلم جنود ربك} جموع خلقه على ما هم ~~عليه؛ (لعله) فلله تعالى في القلوب والأرواح وغيرها من العوالم جنودا ~~مجندة، لا يعرف (لعله) حقيقتها وتفصيل عددها {إلا هو} إذ لا سبيل لأحد إلى ~~حصر الممكنات، والاطلاع على حقائقها وصفاتها، وما يوجب اختصاص كل منها بما ~~يخصه من كم وكيف، واعتبار ونسبة، {وما هي} وما سقر، أو عدة الخزنة، أو ms0956 ~~السورة {إلا ذكرى للبشر(31)} إلا تذكرة لمن يذكر منهم. # { PageV04P329 كلا} ردع لمن أنكرها أو إنكار [لأن يتذكروا بها] (¬1) ، ~~{والقمر(32) والليل إذ أدبر(33) والصبح إذا أسفر(34) إنها لإحدى الكبر(35)} ~~لإحدى البلايا الكبرى، أي: البلايا الكبر كثيرة (¬2) وسقر واحدة منها، ~~{نذيرا للبشر(36) لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر(37)} أي: نذير للممكنين ~~من السبق إلى الخير والتخلف عنه. # {كل نفس بما كسبت رهينة(38)} مرهونة عند الله بعملها الخبيث، بدليل قوله: ~~{إلا أصحاب اليمين(39)} فإنهم فكوا رقابهم بتوبتهم من الذنوب، (لعله) وصالح ~~الأعمال، {في جنات يتساءلون(40) عن المجرمين(41)} (لعله) متنعمين بالسؤال، ~~{ما سلككم في سقر(42)}؟ بجوابه حكاية لما جرى بين المسؤولين (¬3) والمجرمين ~~أجابوا بها: {قالوا: لم نك من المصلين(43)} الصلاة الواجبة، {ولم نك نطعم ~~المسكين(44)} [637] ما يجب إعطاؤه، {وكنا نخوض مع الخائضين(45)} نشرع في ~~الباطل مع الشارعين فيه، {وكنا نكذب بيوم الدين(46)} يوم الجزاء، {حتى ~~أتانا اليقين(47)} الموت وما بعده. # { # ¬__________ # (¬1) - ... إضافة من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص231. وقد وضع الناسخ إحالة ~~إلى الحاشية ولم يكتب فيها شيئا. # (¬2) - ... في الأصل: «البلايا الكبر الكبيرة»، وصححناها من المصدر نفسه. # (¬3) - ... لعل الصواب: «السائلين»، وقد نقلها المصنف من البيضاوي: ~~المصدر نفسه. PageV04P330 # فما تنفعهم شفاعة الشافعين(48)} لو شفعوا لهم جميعا، {فما لهم عن التذكرة ~~معرضين(49)}؟ أي: معرضين عن التذكير، يعني القرآن، أو ما يعمه {كأنهم حمر ~~مستنفرة(50) فرت من قسورة(51)} شببهم في إعراضهم ونفارهم عن استماع الذكر ~~بحمر نافرة، فرت مسرعة؛ والقسورة: هو الأسد على ما قيل، {من قسورة} أي: أسد ~~(¬1) ، فعولة من القسر، وهو القهر، {بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا ~~منشرة(52)} قراطيس تنشر للقراءة، وذلك كأنهم أرادوا أن يؤتى كل واحد منهم ~~كلاما له بكتاب من السماء فيه: من الله إلى فلان اتبع محمدا. # {كلا! بل لا يخافون الآخرة(53) كلا} ردع عن اقتراحهم الآيات، {إنه ~~تذكرة(54)} يعني: القرآن مذكر لمن آمن، {فمن شاء ذكره(55)} فمن شاء أن ~~يذكره، {وما يذكرون إلا أن يشاء الله} ذكرهم، أو مشيئتهم، كقوله: {وما ~~تشاؤون إلا أن يشاء الله} (¬2) وهو ms0957 تصريح بأن فعل العبد بمشيئة الله، {هو ~~أهل التقوى} حقيق بأن يتقى عقابه؛ أو لا تكون التقوى إلا منه، {وأهل ~~المغفرة(56)} حقيق بأن يغفر لعباده المتقين. # سورة القيامة # بسم الله الرحمن الرحيم # {لا أقسم بيوم القيامة(1)} إدخال «لا» النافية على فعل القسم للتأكيد ~~شائع في كلامهم، قال امرؤ القيس: # لا وأبيك ابنة ... العامري ... لا يدعي القوم ... أني أفر # ¬__________ # (¬1) - ... في العبارة تكرار واضح. # (¬2) - ... سورة الإنسان: 30؛ سورة التكوير: 29. PageV04P331 # وقد مر الكلام فيه في قوله: {فلا أقسم بمواقع النجوم} (¬1) والمعنى أنه ~~لا يقسم بالشيء (لعله) [إ]لا إعظاما له، كقوله: {فلا أقسم بمواقع النجوم، ~~وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} (¬2) ، وقال ابن عباس: «{لا أقسم} معناه: بلى ~~أقسم» على ما يوجد عنه. {ولا أقسم بالنفس اللوامة(2)} قيل: النفس (لعله) ~~الروحانية المطمئنة اللائمة للنفس الجسداوية (¬3) الأمارة بالسوء الخبيثة، ~~{أيحسب الإنسان} يعني: الجنس {ألن نجمع عظامه(3)} بعد تفرقها؟ {بلى قادرين ~~على أن نسوي بنانه(4)} على ما كانت، وإن دقت عظامها وصغرت. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الواقعة: 75. انظر: ج4 / ص 233. # (¬2) - ... سورة الواقعة: 75-76. # (¬3) - ... لعل القياس يقتضي أن يقول: «الجسدانية»، مثل الروحانية، ~~الجسمانية، الشهوانية... PageV04P332 # بل يريد الإنسان ليفجر أمامه(5)} ليدوم على فجوره فيما بين يديه من ~~الآفات، وفيما يستقبله من الزمان، لا ينزع عنه، {يسأل أيان} متى {يوم ~~القيامة(6)} يسأل سؤال متعنت مستعد لقيام الساعة، فبين الله، فقال: {فإذا ~~برق البصر(7)} أي: شخص البصر، وتحير من شدة الفزع، وأصله من برق الرجل (¬1) ~~: إذا نظر إلى البرق فدهش بصره، {وخسف القمر(8)} وذهب ضوؤه، {وجمع الشمس ~~والقمر(9)} قيل: حيث يطلعهما الله من المغرب، أو في ذهاب ضوئهما؛ ولا ~~ينافيه [تفسير] الخسوف: بذهاب ضوء البصر، والجمع: باستتباع الروح الحاسة في ~~الذهاب، أو بوصوله (¬2) [638] إلى من كان يقتبس منه نور العقل من سكان القدس. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في اللسان: «وبرق الرجل وأبرق: تهدد وأوعد... وأرعدنا وأبرقنا ~~بمكان كذا وكذا: أي رأينا البرق والرعد». ابن منظور: لسان العرب، ج1/ ص197، ~~مادة «برق». # (¬2) - ... كذا بصيغة التذكير في تفسير البيضاوي أيضا، «يقال: خرج ~~روحه، والروح مذكر». ابن منظور: لسان ms0958 العرب، ج2/ ص1249، مادة «روح». PageV04P333 # يقول الإنسان يومئذ: أين المفر(10)}؟ أي: الفرار، يقوله قول الآيس من ~~وجدانه المتمنى، وقرئ بالكسر، وهو المكان، {كلا} ردع عن طلب المفر، {لا ~~وزر(11)} لا ملجأ ولا مهرب، والوزر: ما يتحصن به من جبل وغيره، {إلى ربك ~~يومئذ المستقر(12)} إليه وحده استقرار العباد، أو إلى حكمه استقرار أمرهم، ~~أو إلى مشيئته موضع قرارهم، يدخل من يشاء الجنة، ومن يشاء النار؛ {ينبأ ~~الإنسان يومئذ بما قدم وأخر(13)} بما قدم من عمل عمله، وبما أخر منه لم ~~يعمله؛ أو بما قدم من عمل عمله، وبما أخر من سنة حسنة، أو سيئة عمل بها ~~بعده؛ أو قدم من مال تصدق به، وبما أخر فخلفه؛ أو بأول عمله وآخره. # {بل الإنسان على نفسه بصيرة(14)} أي: حجة بينة على أعمالها، لأنه شاهد ~~بها؛ وصفها بالبصارة على المجاز؛ أو عين بصيرة بها، فلا يحتاج إلى الإنباء؛ ~~والمعنى أنه ينبأ بأعماله وإن لم ينبأ، ففيه ما يجزي عن التنبيه، لأنه شاهد ~~عليها بما عملت، {ولو ألقى معاذيره(15)} ولو جاء بكل معذرة يعتذر بها عن ~~نفسه، ويجادل عنها. وعن السدي: «ولو أرخى ستوره»؛ والمعاذير: الستور، ~~واحدها معذار، ولأن الستر يمنع رؤية المحتجب، كما أن المعذرة تمنع عقوبة الذنب. # { PageV04P334 لا تحرك} يا محمد {به} بالقرآن {لسانك} قبل أن يتم وحيه؛ ~~{لتعجل به(16)} قيل: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا لقن الوحي ~~نازع جبريل القراءة، ولم يصبر إلى أن يتمها مسارعة إلى الحفظ، وخوفا من ~~النسيان؛ فأمر بالإنصات إليه ملتفتا إليه بسمعه وقلبه، حتى يقضى إليه وحيه؛ ~~والمعنى: لا تحرك بقراءة الوحي لسانك ما دام جبريل يقرأ، {لتعجل به} لتأخذه ~~على عجلة، لئلا ينفلت منك؛ ثم علل النهي عن العجلة بقوله: {إن علينا جمعه} ~~في صدرك، {وقرآنه(17)} وإثبات قراءته في لسانك، {فإذا قرأناه} جعل قراءة ~~جبريل قراءته؛ والقرآن: القراءة، {فاتبع قرآنه(18)} قراءته، وتكرر فيه حتى ~~يتكرر (¬1) في ذهنك، {ثم إن علينا بيانه(19)} بيان ما أشكل عليك من معانيه؛ ~~وفيه دليل على أن الله ms0959 وعد البيان لمن اتبع القرآن لا غير؛ وفيه دليل على ~~جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، وهو اعتراض بما يؤكد التوبيخ على حب ~~العجلة، لأن العجلة إذا كانت مذمومة فيما هو (لعله) أتم الأمور وأصل الدين، ~~فكيف بها في غيره؟. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الصواب: «حتى يرسخ» كما في البيضاوي: تفسير، ج4/ ص232. PageV04P335 # كلا} ردع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن عادة العجلة، وحث على ~~تكرير القراءة على قومه بالتؤدة، ليتقرر ذلك في قلوبهم، لأنهم غافلون عن ~~الأدلة، لا يتدبرون القرآن وما فيه من البيان، {بل [639] تحبون ~~العاجلة(20)} أي: تختارون التكاسل والدعة عن الرغبة في طلب العلم، وتتركون ~~الاهتمام بأمور العلم، فلا غنى لك معهم من إعادة القول وتكريره، وزيادة ~~التنبيه وتقريره؛ وتعميم الخطاب، إشعارا بأن بني آدم مطبوعون على الاستعجال ~~للعاجل، والتجافي عن الآجل، بدليل قوله: {وتذرون الآخرة(21)} لأن من أحب ~~شيئا غفل عن ضده. # {وجوه يومئذ ناضرة(22)} بهية متهللة، وذلك ينبئ عما في القلب من السرور، ~~{إلى ربها ناظرة(23)} منتظرة ثوابه، {ووجوه يومئذ باسرة(24)} شديدة العبوس، ~~عابسة متغيرة مسودة، {تظن} تتوقع {أن يفعل بها فاقرة(25)} داهية تكسر ~~الفقار، {كلا} ردع عن إيثار الدنيا على الآخرة، {إذا بلغت التراقي(26)} إذا ~~بلغت النفس أعالي الصدر، {وقيل: من راق(27)} أي: وقال من حضره من أهل وصديق ~~بعضهم لبعض: أيكم يرقيه مما به؟ وقيل: هو كلام ملائكة الموت: أيكم يرقى ~~بروحه، ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ من الرقي، {وظن} المحتضر {أنه ~~الفراق(28)} أن هذا الذي نزل به هو فراق الدنيا المحبوبة. # { PageV04P336 والتفت الساق بالساق(29)} والتوت ساقه بساقه؛ وقيل التف ~~شدة أمر الآخرة بأمر الدنيا، {إلى ربك يومئذ المساق(30)} سوقه إلى الله ~~وحكمه، {فلا صدق} ما يجب تصديقه، أو فلا صدق ماله، أي: فلا زكاه، {ولا ~~صلى(31)} ما فرض عليه، {ولكن كذب} الحجة البالغة له، {وتولى(32)} عن ~~الطاعة، {ثم ذهب إلى أهله يتمطى(33)} يتبختر افتخارا بذلك، من المط، فإن ~~المتبختر يمد خطاه، فيكون أصله يتمطط؛ أو من المطا وهو الظهر، فإنه يلويه. # {أولى لك فأولى(34)} ms0960 ويل لك من الولي، وأصله أولاك الله ما تكرهه، وهو ~~دعاء عليه، بأن يليه ما يكرره؛ أو أولى لك الهلاك، وقيل: وليك الشر في ~~الدنيا فوليك، ثم وليك الشر في الآخرة فوليك، {ثم أولى لك فأولى(35)} أي: ~~بتكرير ذلك عليه مدة بعد أخرى. # { PageV04P337 أيحسب الإنسان أن يترك سدى(36)}؟ مهملا لا يكلف ولا يجازى، ~~تكرير إنكاره للحشر والدلالة عليه من حيث أن الحكمة تقتضي الأمر بالمحاسن، ~~والنهي عن القبائح، والتكليف لا يتحقق إلا بمجازاة، وهي قد لا تكون في ~~الدنيا فتكون في الآخرة، {ألم يك نطفة من مني يمنى(37)} أي: كيف يحسب أن ~~يهمل، وهو يرى في نفسه من تنقل الأحوال ما يستدل به على أن له صانعا حكيما، ~~أكمل عقله وأقدره، وخلق فيه الشهوة، فيعلم أنه لا يجوز أن يكون مخلى من ~~التكليف، {ثم كان علقة فخلق فسوى(38)} فقدره فعدله، وعدل أعضاءه الظاهرة ~~والباطنة في بطن أمه، {فجعل منه الزوجين} الصنفين {الذكر والأنثى(39)} وهو ~~استدلال [640] آخر بالإبداء على الإعادة على ما مر تقريره مرارا؛ ولذلك رتب ~~عليه قوله: {أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى(40)} أليس ذلك الذي أنشأ ~~هذه الأشياء بقادر على الإعادة؟!. # ]]]] # سورة الإنسان # بسم الله الرحمن الرحيم # {هل أتى على الإنسان} استفهام تقرير وتقريب، {حين من الدهر} طائفة محدودة ~~من الزمان، وهو ما تقدم من الدهر قبل إيجاده، {لم يكن شيئا مذكورا(1)} بل ~~كان شيئا منسيا غير مذكور بالإنسانية. # { PageV04P338 إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج} أخلاط، لأن المراد بها ~~مجموع مني الرجل والمرأة، وكل منهما مختلفة الأجزاء في الرقة والقوام ~~والخواص؛ ولذلك يصير كل جزء منهما مادة عضو، {نبتليه} أي: مبتلين له، ~~مريدين اختباره، {فجعلناه سميعا بصيرا(2)} ليتمكن من مشاهدة الدلائل، ~~واستماع الآيات، {إنا هديناه} بنصب (لعله) الدلائل، وإنزال الآيات، وإزاحة ~~العلل، (لأنه لا يترك متعبدا من خلقه لطاعته وعبادته سدى، وإنه لا بد أن ~~يهديه هداية، إن شاء يهديه بها، أو هداية يشقيه ويقيم عليه بها الحجة، ولن ~~تكون إلا كذلك) (¬1) ، {السبيل} الذي لأجله خلق، {إما ms0961 شاكرا} سالكا السبيل ~~الذي هداه إياه، {وإما كفورا(3)} صادا عنه إلى الضلال، بعدما مكن من ذا ~~وذا؛ ثم توعد على من اختار الضلال على الهدى، فقال: # {إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا} بها يسحبون، {وأغلالا} بها يقيدون ~~{وسعيرا(4)} بها يحرقون، {إن الأبرار يشربون من كأس} من خمر، وهي في الأصل ~~القدح، تكون فيه، وتخلق فيه، {كان مزاجها} ما يمزج بها {كافورا(5)} لبرده ~~وعذوبته وطيب عرفه؛ وقيل: اسم ماء في الجنة، يشبه الكافور في رائحته ~~وبياضه، ويخلق فيها كيفيات الكافور، فيكون كالممزوجة بها، {عينا} بدل من ~~«كافورا» إن جعل اسم ماء، ومن محل «من كأس» على تقدير مضاف، أي: ماء عين، ~~{يشرب بها عباد الله} أي: ملتذا، أو ممزوجا بها؛ وعباد الله: الذين عبدوه ~~بالإخلاص لا غير، {يفجرونها تفجيرا(6)} يجرونها بها (¬2) حيث شاءوا إجراء سهلا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... كتبت العبارة التي بين قوسين في الحاشية، دون الإحالة إليها ~~في المتن، وقد وضعناها في هذا المكان لتناسب السياق. # (¬2) - ... الصواب - «بها». كما في البيضاوي: تفسير، ج4/ ص234. PageV04P339 # يوفون بالنذر} استئناف ببيان ما رزقوه لأجله، كأنه سئل عنه، فأجيب بذلك، ~~وهو أبلغ في وصفهم بالتوفر على أداء الوجبات؛ لأن من وفى بما أوجبه على ~~نفسه لله، كان أوفى بما أوجبه الله عليه، {ويخافون يوما كان شره} شدائده ~~{مستطيرا(7)} فاشيا منتشرا غاية الانتشار، من استطار الحريق والفجر، وهو ~~أبلغ من طار؛ وفيه إشعار بحسن عقيدتهم، واجتنابهم عن المعاصي، {ويطعمون ~~الطعام على حبه} حب الله، أو الطعام أو الإطعام، {مسكينا ويتيما وأسيرا(8)} ~~يعني: أسارى الكفار؛ أو الأسير المؤمن، ويدخل فيه المسجون والغريم، لما جاء ~~في الحديث: «غريمك [641] أسيرك، فأحسن إلى أسيرك» (¬1) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... لم نعثر عليه في مصادر الحديث التي بين أيدينا. وقد أوردته ~~كتب التفسير. وقال الألوسي: «إلا أنه قيل في هذا الخبر ما قيل في الخبر ~~الأول» (عن حديث ذكره قبل ذلك)، ونورد هنا ما قيل فيه: «قال ابن حجر: لم ~~يذكره من يعتمد عليه من أهل الحديث، وقال ابن العراقي: لم أقف عليه». ~~الألوسي: روح المعاني، ج29/ ص155-156. ms0962 وانظر: الزمخشري: الكشاف، 4/534. أبو ~~السعود: تفسير، مج5/ ج9/ ص72. # ... ... أقول: وفي سنن ابن ماجه (كتاب الأحكام، حديث رقم 2419) ما يدل ~~على تسمية الغريم بالأسير : فعن الهرماس بن حبيب عن أبيه عن جده قال: أتيت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بغريم لي، فقال لي: «الزمه»، ثم مر بي آخر ~~النهار فقال: «ما فعل أسيرك يا أخا بني تميم»؟. العالمية: موسوعة الحديث، ~~مادة البحث: «أسيرك». PageV04P340 # إنما نطعمكم لوجه الله} على إرادة القول، بلسان الحال أو المقال، إزاحة ~~لتوهم المن، وتوقع المكافأة المنقصة للأجر، إذ هو مفعول لوجه الله، فلا ~~معنى لمكافأة الخلق، {لا نريد منكم جزاء} مكافأة، {ولا شكورا(9)} أي: شكرا، ~~{إنا نخاف من ربنا} فلذلك نحسن إليكم؛ أو لا نطلب المكافأة منكم، {يوما} ~~عذاب يوم {عبوسا} تعبس فيه الوجوه، أو يشبه الأسد العبوس في ضراوته، ~~{قمطريرا(10)} شديد العبوس. # {فوقاهم الله شر ذلك اليوم} بسبب خوفهم وتحفظهم عنه، {ولقاهم نضرة} في ~~وجوههم {وسرورا(11)} في قلوبهم بدل عبوس الفجار وحزنهم، {وجزاهم بما صبروا} ~~بصبرهم على أداء الواجبات واجتناب المحرمات، وإيثار الأموال، {جنة ~~وحريرا(12) متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا(13)} ~~والمعنى: أنه يمر عليهم فيها هواء معتدل، لا حار محم، ولا بارد مؤذ؛ ~~والمعنى: أن هواءها مضيء بذاته، لا يحتاج إلى شمس وقمر، {ودانية عليهم ~~ظلالها} أي: تقرب منهم ظلالها حيث كانوا، كأنها مسخرة لهم في جميع الأماكن ~~والأوقات، {وذللت قطوفها تذليلا(14)} تذليل القطوف: أن يجعل سهل التناول، ~~لا يمتنع عن قطافها كيف شاءوا. # { PageV04P341 ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب} أباريق بلا عرى، {كانت ~~قوارير(15) قوارير من فضة} أي: تكونت جامعة بين صفاء الزجاجة وشفيفها، ~~وبياض الفضة ولينها، ومعنى {كانت} أنها تكونت قوارير بتكوين الله إياها؛ ~~وهو تفخيم لتلك الخلقة العجيبة الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين؛ ~~ومثله كان في قوله: {كان مزاجها كافورا(5} نحو يكون في قوله: {كن فيكون}، ~~{قدروها تقديرا(16)} أي: قدروها في أنفسهم فجاءت مقاديرها وأشكالها كما ~~تمنوه، أو قدروها بأعمالهم الصالحة، فجاءت على حسبها؛ أو قدر ms0963 الطائفون بها، ~~المدلول عليهم بقوله: {ويطاف [عليهم...}، فالمعنى: قدروا] (¬1) شرابها على ~~قدر اشتهائهم، وقرئ: قدروها، أي: جعلوا قادرين لها كما شاءوا، من قدر، ~~منقولا من: قدرت الشيء، وقدرنيه فلان: إذا جعلك قادرا له؛ ومعناه: جعلوا ~~قادرين لها كيف شاءوا على حسب ما اشتهوا، وشهوتهم على حسب العمل. # { # ¬__________ # (¬1) - ... ما بين معقوفين إضافة من تفسير أبي السعود: مج5/ ج9/ ص74. PageV04P342 # ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا(17)} يشبه الزنجبيل في الطعم، وقيل: ~~كانت العرب يستلذون الشراب الممزوج به، وقيل عن ابن عباس: «كل ما ذكره الله ~~في القرآن مما في الجنة، ليس له مثل في الدنيا»، ولكن سماه بما يعرف؛ وسميت ~~العين زنجبيلا لطعم الزنجبيل فيها، يعني: أنها في طعمه، وليس فيها لذعة ولا ~~غول، خلاف شراب الدنيا، فإنه ممزوج بالكدر والآفات، ولكن نقيض اللذع، وهو ~~السلاسة، [642] كما قال: {عينا فيها تسمى سلسبيلا(18)} لسلالة انحدارها في ~~الحلق، وسهولة مساغها؛ وقيل: أصله سل سبيلا، فسميت به كتأبط شرا، لأنه لا ~~يشرب منها إلا من سأل إليها سبيلا بالعمل الصالح. {ويطوف عليهم ولدان ~~مخلدون} دائمون، {إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا(19)} من صفاء ألوانهم ~~وانبثاثهم في مجالسهم، وانعكاس شعاع بعضهم على بعض. # { PageV04P343 إذا رأيت ثم} ليس [له] مفعول ملفوظ ولا مقدر، لأنه عام، ~~معناه: أن بصرك أينما وقع {رأيت نعيما وملكا كبيرا(20)} والمعنى: أن بصر ~~الرائي أينما وقع لم يقع إلا على نعيم عام، وملك كبير؛ وقيل: إذا أرادوا ~~شيئا كان، وفي الحديث: «أدنى أهل الجنة منزلة، ينظر في ملكه مسيرة ألف عام ~~يرى أقصاه كما يرى أدناه» (¬1) . هذا وللعارف الكثير من ذلك، وهو أن تنتقش ~~نفسه بجلايا الملك، وخفايا الملكوت، فيستضيئ بأنوار قدس الجبروت (¬2) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه أحمد في مسند المكثرين من الصحابة، رقم 4395، عن ابن عمر ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : «إن أدنى أهل الجنة منزلة ~~لينظر في ملك ألفي سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه ينظر في أزواجه وخدمه...» ~~الحديث ونحوه برقم 5065. ورواه الترمذي في كتاب صفة الجنة، رقم 2476 ms0964 بلفظ: ~~«إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره ~~مسيرة ألف سنة...» ورواه أيضا في كتاب تفسير القرآن، 3253. العالمية: ~~موسوعة الحديث، مادة البحث: «أدنى أهل الجنة». # (¬2) - ... عبارة صوفية غامضة منقولة من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص235. ~~وفيه: «بخلايا الملك» بدل «بجلايا الملك»، والصواب ما أثبتناه، ليقابل ~~قوله: «خفايا الملكوت». «والملكوت أبلغ من الملك، و“التاء” فيه للمبالغة، ~~وقيل: ملكها خلقها الظاهر، وملكوتها سرها الذي خلقت لأجله؛ فالملك يرى ~~بالبصر، والملكوت يرى بالبصيرة». انظر تفسير الآية 75 من سورة الأنعام في ~~هذا التفسير، ج1/ ص413. PageV04P344 # عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق} تعلوهم ثياب الحرير الخضر، ما رق منها وما ~~غلظ؛ كأنهم يجدونهم على أجسادهم من غير تحمل (لعله) لبس؛ أو يلقونها إلى ~~أجسادهم الغلمان كما أرادوا، {وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا ~~طهورا(21)} يريد به نوعا آخر يفوق على النوعين المتقدمين، ولذلك أسند سقيه ~~إلى الله تعالى، ووصفه بالطهورية، فإنه يطهر شاربه عن الميل إلى اللذات ~~الحسية، والركون إلى ما سوى الحق، فيتجرد لمطالعة جلاله، ملتذا ببقاء ~~ثوابه، باقيا ببقائه؛ وقيل: يطهرهم من كل شيء سواه؛ وقيل: طهورا مما يشوبه ~~من النقص، {إن هذا كان لكم جزاء} لكل واحد جزاؤه على قدر عمله، {وكان سعيكم ~~مشكورا(22)} مجازى عليه غير مضيع. # {إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا(23)} مفرقا، منجما مفصلا لحكمة ~~اقتضته، {فاصبر لحكم ربك} الصادر عن الحكمة والصواب على مكافحتهم، واحتمال ~~أذاهم، {ولا تطع منهم آثما} في إثمه، {أو كفورا(24)} في كفره، {واذكر اسم ~~ربك بكرة وأصيلا(25)} أي: وداوم على ذكره لا تنساه في [أي] وقت، لأن البكرة ~~والأصيل يعم الوقت كله؛ وقيل: دم على صلاة الفجر والظهر والعصر، {ومن الليل ~~فاسجد له} ومن بعض الليل فصل له، لما في صلاة الليل من مزيد الكلفة ~~والخلوص؛ وقيل: صلاة المغرب والعشاء، {وسبحه ليلا طويلا(26)} وتهجد له ~~طائفة طويلة من الليل. # { PageV04P345 إن هؤلاء يحبون العاجلة} لا يتعدى (¬1) نظرهم وفكرهم ~~وسعيهم عنها، ويؤثرونها على الآخرة، فلا تكن مثلهم، {ويذرون وراءهم} ~~أمامهم؛ ms0965 أو خلف ظهورهم {يوما ثقيلا(27)} شديدا. {نحن خلقناهم وشددنا أسرهم} ~~وأحكمنا ربط [643] مفاصلهم، وقيل: معناه كلفناهم، فشددناهم بالأمر والنهي، ~~{وإذا شئنا} أهلكناهم و{بدلنا أمثالهم تبديلا(28)} في الخلقة. # {إن هذه تذكرة} الإشارة إلى السورة، {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا(29)} ~~يوصل إلى رضاه، {وما تشاءون إلا أن يشاء الله} وما تشاؤون ذلك إلا وقت أن ~~يشاء الله مشيئتهم، {إن الله كان عليما} بما يستأهل كل أحد من علم منه أنه ~~أهل لذلك من فعل الخير والشر، {حكيما(30)} لا يشاء إلا ما تقتضيه حكمته، ~~{يدخل من يشاء في رحمته} بالهداية والتوفيق للطاعة، {والظالمين أعد لهم ~~عذابا أليما(31)،} عاجلا وآجلا. # سورة المرسلات # بسم الله الرحمن الرحيم # {والمرسلات عرفا(1) فالعاصفات عصفا(2) والناشرات نشرا(3) فالفارقات ~~فرقا(4) فالملقيات ذكرا(5)} أقسم بطوائف من الملائكة، أرسلهن الله بأوامره ~~متتابعة فعصفن عصف الرياح في امتثال أمره، ونشرت الشرائع في الأرض؛ أو نشرن ~~النفوس الموتى بالجهل بما أوحين من العلم، ففرقن بين الحق والباطل، فألقين ~~إلى الأنبياء ذكرا، {عذرا} للمحققين (¬2) {أو نذرا(6)} للمبطلين. # أو بآيات القرآن المرسلة بكل حرف إلى محمد - عليه السلام - ، فعصفن سائر ~~الكتب والأديان بالنسخ، ونشرن آثار الهدى والحكم في الشرق والغرب، وفرقن ~~بين الحق والباطل، فألقين ذكر الحق فيما بين العالمين. # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يتعد» ، وهو خطأ من الناسخ. # (¬2) - ... لعل الصواب: «للمحقين». PageV04P346 # أو بالنفوس الكاملة المرسلة إلى الأبدان لاستكمالها، فعصفن ما سوى الحق، ~~ونشرن أثر ذلك في جميع الأعضاء، ففرقن بين الحق والباطل في نفسه، فيرون كل ~~شيء هالكا إلا وجهه، فألقين ذكرا بحيث لا يكون في القلوب والألسنة إلا ذكر الله. # أو برياح عذاب أرسلن فعصفن، ورياح رحمة نشرن السحاب في الجو ففرقن، ~~فألقين ذكرا أي السببين (¬1) له، فإن العاقل إذا شاهد هبوبها وآثارها ذكر ~~الله تعالى، وتذكر كمال قدرته. و{عرفا} إما نقيض النكر وانتصابه (لعله) على ~~العلة؛ أي: أرسلن للإحسان والمعروف؛ أو بمعنى المتتابعة، من عرف الفرس (¬2) ~~. {عذرا أو نذرا} أي: عذرا للمحققين، ونذرا للمبطلين (¬3) ؛ أو ما يعم ~~التوحيد والشرك، والإيمان والكفر، {إنما توعدون ms0966 لواقع(7)} معناه: إن الذي ~~توعدونه من مجيء القيامة كائن لا محالة. # {فإذا النجوم طمست(8)} محقت، أو ذهب نورها، {وإذا السماء فرجت(9)} أي: ~~شقت وصدعت وفتحت فكانت أبوابا، {وإذا الجبال نسفت(10)} كالحب إذا نسف ~~بالمنسف، {وإذا الرسل أقتت(11)} وقتت وهو الأصل؛ ومعنى توقتت الرسل: تبين ~~وقتها الذي يحضرون فيه للشهادة على أمرهم (¬4) ؛ أو بلغت ميقاتها الذي كانت ~~تنتظره. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الصواب كما في تفسير البيضاوي: «أي تسببن له». # (¬2) - ... «وعرف الديك والفرس والدابة وغيرها: منبت الشعر والريش من ~~العنق». ابن منظور: لسان العرب، ج4/ ص747، مادة «عرف». # (¬3) - ... العبارة كما نلاحظ مكررة. # (¬4) - ... الصواب: «أممهم». PageV04P347 # لأي يوم أجلت(12)}؟ أي يقال: لأي يوم أخرت؟ وضرب الأجل [644] للجمع، وهو ~~تعظيم لليوم، وتعجيب من هوله، {ليوم الفصل(13) وما أدراك ما يوم الفصل(14)} ~~ومن أين تعلم كنهه ولم تر مثله؟! {ويل يومئذ للمكذبين(15)} أي: بذلك. ~~و«ويل» في الأصل مصدر منصوب بإضمار فعله، عدل به إلى الرفع للدلالة على ~~ثبات الهلاك للمدعو عليه؛ و«يومئذ» ظرفه أو صفته. # {ألم نهلك الأولين(16)} كقوم عاد ونوح وثمود ومن قبلهم من خلقه ممن ~~تعبدهم بالأمر والنهي وعصوا، {ثم نتبعهم الآخرين(17)} وهم نظراؤهم وأمثالهم ~~مثلما فعلنا بهم، لأنهم كذبوا كتكذيبهم، {كذلك} مثل ذلك الفعل {نفعل ~~بالمجرمين(18)} بكل من أجرم كائنا ما كان، {ويل يومئذ للمكذبين(19)} بآيات ~~الله وأنبيائه وحججه البالغة؛ وليس تكريرا؛ وكذا إن أطلق التكذيب، أو علق ~~في الموضعين بواحد لأن الويل الأول لعذاب الآخرة، وهذا للإهلاك في الدنيا، ~~مع أن التكرير للتأكيد حسن شائع في كلام العرب. # {ألم نخلقكم من ماء مهين(20)} نطفة قذرة ذليلة، {فجعلناه في قرار ~~مكين(21)} يعني: الرحم، {إلى قدر} مقدور من الوقت {معلوم(22)} قد علمه ~~الله، {فقدرنا} فقدرنا على ذلك؛ أو فقدرناه، وتدل عليه قراءة نافع ~~بالتشديد، {فنعم القادرون(23) ويل يومئذ للمكذبين(24)} بقدرتنا على ذلك. # { PageV04P348 ألم نجعل الأرض كفاتا(25)} كافتة، اسم لما يكفت، أي: يضم ~~ويجمع؛ أو كفت (¬1) : وهو الوعاء، أجري على الأرض باعتبار أقطارها، {أحياء ~~وأمواتا(26)} قيل: يكفت أحياء على ظهرها، وأمواتا في باطنها، {وجعلنا فيها ~~رواسي شامخات} ms0967 جبالا ثوابت طوالا، {وأسقيناكم ماء فراتا(27)} بخلق الأنهار ~~والمنابع، {ويل يومئذ للمكذبين(28)} بأمثال هذه النعم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... «والكفت بالكسر: القدر الصغيرة... وقال الفراء: كفت بفتح ~~الكاف للقدر، قال أبو منصور: وهما لغتان: كفت وكفت». ابن منظور: لسان ~~العرب، ج5/ ص272، مادة «كفت». وفيه تحقيق في معنى «كفاتا» في الآية ~~المفسرة. PageV04P349 # انطلقوا} أي: يقال لهم {إلى ما كنتم به تكذبون} من العذاب، {انطلقوا} على ~~الإخبار من امتثالهم للأمر اضطرارا {إلى ظل} يعني ظل دخان جهنم، كقوله: ~~{وظل من يحموم} (¬1) . {ذي ثلاث شعب} يتشعب لعظمه، كما يرى الدخان العظيم ~~تتفرق ذوائبه؛ قيل: وخصوصية الثلاث إما لأن حجاب النفس من أنوار القدس: ~~الحس والخيال والوهم؛ أو لأن المؤدي إلى هذا العذاب هو القوة الواهمة ~~الحالة في الدماغ، والغضبية التي في يمين القلب، والشهوية التي في يساره، ~~ولذلك قيل: شعبة تقف فوق الكافر وشعبة عن يمينه، وشعبة عن يساره، {لا ظليل} ~~تهكم بهم ورد لما أوهم لفظ الظل {ولا يغني من اللهب} وغير مغن عنهم من حر ~~اللهب شيئا، {إنها ترمي بشرر كالقصر} أي: كل شرارة كالقصر من القصور في ~~عظمها، ويؤيده أنه قرئ «بشرار»، وقيل: هو الغليظ من الشجرة، {كأنه جمالت} ~~[645] جمع جمال، {صفر} فإن الشرار لما فيه من النارية يكون أصفر؛ وقيل: ~~سود، فإن سواد الإبل يضرب إلى الصفر، والأول تشبيه في العظم، وهذا في اللون ~~والكثرة، والتتابع والاختلاط، وسرعة الحركة، وقرئ: «جمالات» بالضم جمع ~~«جمالة»، وقد قرئ بها؛ وهي الحبل الغليظ من حبال السفينة، شبهه بها في ~~امتداده والتفافه، {ويل يومئذ للمكذبين(15)}. # {هذا يوم لا ينطقون} أي: لا ينطق بما يستحق؛ فإن النطق بما لا ينفع كلا ~~نطق؛ أو لا ينطقون بشيء من فرط الدهشة والحيرة، وهذا في بعض المواقف، {ولا ~~يؤذن لهم فيعتذرون(35)} عطف «فيعتذرون» على «يؤذن» ليدل على نفي الإذن ~~والاعتذار عقبيه مطلقا، {ويل يومئذ للمكذبين(36)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الواقعة: 43. PageV04P350 # هذا يوم الفصل} بين المحق والمبطل {جمعناكم والأولين(37)} تقرير وبيان ~~للفصل، {فإن كان لكم كيد فكيدون(38)} تقريع على كيدهم للمؤمنين في ms0968 الدنيا، ~~وإظهار لعجزهم؛ أي: إن كان لكم حيلة مهرب فاحتالوا لأنفسكم، {ويل يومئذ ~~للمكذبين(39)} إذ لا حيلة لهم في التخلص من العذاب. # {إن المتقين} من الشرك، لأنهم [في] مقابلة المكذبين، {في ظلال وعيون(41) ~~وفواكه مما يشتهون(42)} مستقرون في أنواع الترفه، {كلوا واشربوا هنيئا بما ~~كنتم تعملون(43)} أي: مقولا لهم ذلك زيادة في نعيمهم، كما كان القول ~~للكافرين زيادة في عذابهم، {إنا كذلك نجزي المحسنين(44)} في العقيدة والعلم ~~والعمل، {ويل يومئذ للمكذبين(45)} يمحض لهم العذاب المخلد، ولخصومهم الثواب ~~المؤبد. # {كلوا وتمتعوا} حال من المكذبين، أي: الويل ثابت لهم في حال ما يقال لهم ~~ذلك، تذكيرا لهم في الدنيا، وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل ~~على النعيم المقيم، {قليلا إنكم مجرمون(46) ويل يومئذ للمكذبين(47)} حيث ~~إنهم عرضوا أنفسهم للعذاب الدائم بالتمتع القليل. # {وإذا قيل لهم اركعوا} أطيعوا واخضعوا؛ أو صلوا؛ أو اركعوا في الصلاة؛ ~~وقيل: هو [يوم] القيامة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون، {لا ~~يركعون(48)} لا يمتثلون، {ويل يومئذ للمكذبين(49)}. # {فبأي حديث بعده يؤمنون(50)} إذا لم يؤمنوا به، وهو معجز في ذاته، مشتمل ~~على الحجج الواضحة والمعاني الشريفة. # '''' # سورة النبأ # بسم الله الرحمن الرحيم # { PageV04P351 عم يتساءلون(1)} أصله عن ما، ومعنى هذا الاستفهام: تفخيم ~~شأن ما يتساءلون عنه؛ كأنه لفخامته خفي جنسه، فيسأل عنه، {عن النبإ ~~العظيم(2)} بيان لشأن المفخم؛ قيل: هو البعث؛ وقيل: هو القرآن، لقوله: {قل ~~هو نبأ عظيم} (¬1) ، {الذي هم [646] فيه مختلفون(3)} بجزم النفي والشك فيه، ~~أو بالإقرار والإنكار، {كلا سيعلمون(4)} ردع عن التساؤل ووعيد عليه، {ثم ~~كلا سيعلمون(5)} تكرير للمبالغة و«ثم» للإشعار بأن الوعيد الثاني أشد؛ ~~وقيل: الأول عند النزع، والثاني في القيامة. # {ألم نجعل الأرض مهادا(6) والجبال أوتادا(7)} تذكير ببعض ما عاينوا من ~~عجائب صنعه، الدالة على كمال قدرته، ليستدلوا بذلك على صحة البعث، كما مر ~~تقريره مرارا، {وخلقناكم أزواجا(8)} ذكرا وأنثى، {وجعلنا نومكم سباتا(9)} ~~قطعا عن الإحساس والحركة؛ استراحة للقوى الحيوانية، وإزاحة لكلالها؛ أو ~~موتا، لأنه أحد التوفيين، ومنه المسبوت: للميت، وأصله القطع أيضا. ms0969 # {وجعلنا الليل لباسا(10)} غطاء يستر بظلمته من أراد الاختفاء، {وجعلنا ~~النهار معاشا(11)} وقت معاش يتقلبون فيه لتحصيل ما يعيشون به؛ أو حياة ~~تبعثون فيها من نومكم، {وبنينا فوقكم سبعا شدادا(12)} سبع سماوات أقوياء ~~محكمات، لا يؤثر فيها مرور الدهور، {وجعلنا سراجا وهاجا(13)} متلألئا وقادا ~~من وهجت النار: إذا أضاءت؛ أو بالغا في الحرارة، من الوهج، وهو الحر، ~~والمراد الشمس. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة ص: 67. PageV04P352 # وأنزلنا من المعصرات} السحاب إذا أعصرت، أي: شارفت أن تعصرها الرياح ~~فتمطر؛ أو الرياح ذوات الأعاصير، لأنها تنشئ السحاب، {ماء ثجاجا(14)} منصبا ~~بكثرة؛ يقال: ثجه وثج بنفسه، {لنخرج به حبا ونباتا(15)} ما يقتات به، وما ~~يعتلف من التبن والحشيش، {وجنات ألفافا(16)} ملتفة بعضها ببعض، {إن يوم ~~الفصل كان} كان في علم الله، أو في حكمه {ميقاتا(17)} حدا تؤقت به الدنيا. # {يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا(18)} جماعات من القبور إلى المحشر؛ أو ~~كل أمة مع إمامهم؛ أو كل أهل فوج يضمهم عملهم؛ والمعنى: أن يحشر كل واحد مع ~~من يناسبه في العمل، لأن المتناسبين في العمل متناسبون في الجزاء، {وفتحت ~~السماء} وشقت، {فكانت أبوابا(19)} فصارت من كثرة الشقوق كأن الكل أبواب. # {وسيرت الجبال} في الهواء كالهباء، {فكانت سرابا(20)} مثل سراب، إذ ترى ~~على صورة الجبال، ولم تبق على حقيقتها لتفتت أجزائها وانبثاثها، {إن جهنم ~~كانت مرصادا(21)} موضع رصد، يرصد فيه خزنة النار الكفار؛ أو مجدة في ترصد ~~الكفرة لئلا يشذ منها واحد، {للطاغين مآبا(22)} مرجعا ومأوى، {لابثين فيها ~~أحقابا(23)} دهورا متتابعة لا تنقضي أبدا، {لا يذوقون فيها بردا ولا ~~شرابا(24) إلا حميما وغساقا(25)} والمراد بالبرد ما يروحهم وينفس عنهم حر ~~النار، وبالشراب ما يرويهم من (لعله) العطش؛ وبالغساق: ما يغسق (¬1) ، أي: ~~يسيل من صديدهم، [647] {جزاء وفاقا(26)} ذا وفاق لأعمالهم؛ أو موافقا لها ~~على قدرها؛ لأن الله لا يظلم مثقال ذرة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... انظر: ابن منظور: لسان العرب، ج4/ ص987، مادة «غسق». PageV04P353 # إنهم كانوا لا يرجون حسابا(27)} بيان لما وافقه هذا الجزاء، {وكذبوا ~~بآياتنا كذابا(28) وكل شيء أحصيناه كتابا(29)} للجزاء، ms0970 {فذوقوا فلن نزيدكم ~~إلا عذابا(30)} ففي الحديث، «هذه الآية أشد ما في القرآن على أهل النار» (¬1) . # ¬__________ # (¬1) - ... لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من مصادر الحديث. ولم يورده ~~الألوسي على أنه حديث لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما قال: «وأخرج ~~عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن الحسن، ~~قال: سألت أبا برزة الأسلمي عن أشد آية في كتاب الله تعالى على أهل النار، ~~فقال: قول الله تعالى: {فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا}... وأورده الزمخشري ~~في تفسيره وعزاه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال مصححه: «أخرجه ابن ~~أبي حاتم والثعلبي من رواية جسر بن فرقد السبخي عن الحسن... فذكره وجسر ~~ضعيف. ورواه الطبراني والبيهقي في الشعب موقوفا». الزمخشري: الكشاف، 4/551. ~~الألوسي: روح المعاني، ج30/ ص17. # الزمخشري، وقال مصححه: «أخرجه ابن أبي حاتم PageV04P354 وإذا كان أهل ~~النار في زيادة عذاب، كان أهل الجنة أولى أن يكونوا في زيادة الثواب، وقد ~~قيل بذلك. {إن للمتقين مفازا(31)} فوزا أو موضع فوز، {حدائق وأعنابا(32)} ~~بساتين فيها أنواع الشجرة المثمرة، {وكواعب} نساء تكعب ثديهن، {أترابا(33)} ~~للذات (¬1) ، (لعله) مستويات في السن، {وكأسا دهاقا(34)} ملآنا، وأدهق ~~الحوض: إذا ملأه، {لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا(35)} إذ لا يكذب بعضهم ~~بعضا ولا يلغون، واللغو: الباطل، {جزاء من ربك} بمقتضى وعده، {عطاء} تفضلا ~~منه، إذ لا يجب عليه شيء، {حسابا(36)} كافيا من أحسبه: إذا كافأه حتى قال: ~~حسبي؛ أو على حسب أعمالهم. # {رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا(37)} أي: لا ~~يملكون خطابه، ولا اعتراض عليه في (لعله) ثواب أو عقاب، لأنهم مملوكون له ~~على الإطلاق، فلا يستحقون عليه اعتراضا، وذلك لا ينافي الشفاعة بإذنه. # {يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال ~~صوابا(38)} يصيب به حقائق الأمور، {ذلك اليوم الحق} الكائن لا محالة، {فمن ~~شاء اتخذ إلى ربه} ثوابه {مآبا(39)} بالإيمان والطاعة. # {إنا أنذرناكم عذابا قريبا} قيل: هو في الدنيا، وذلك إن خالفتم، لأن ms0971 لكل ~~مخالف عذابا معجلا؛ وقيل: عند خروج الروح؛ وقيل: يوم القيامة، فإن كل ما هو ~~آت قريب؛ {يوم ينظر المرء ما قدمت يداه} يرى ما قدمه، {ويقول الكافر: يا ~~ليتني كنت ترابا(40)} في الدنيا فلم أخلق، ولم أكلف؛ أو في هذا اليوم فلم أبعث. # سورة النازعات # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... يبدو أن الأصوب: «لدات»، كما في تفسير البيضاوي: ج4/ ص240. ~~ويفسره السياق بعده. PageV04P355 # والنازعات غرقا(1) والناشطات نشطا(2) والسابحات سبحا(3) فالسابقات ~~سبقا(4) فالمدبرات أمرا(5)} قيل: هذه صفات ملائكة الحرب، فإنهم ينزعون ~~أرواح الكفار من أبدانهم غرقا، أي: إغراقا في النزع، فإنهم ينزعونها من ~~أقاصي الأبدان، أو نفوسا غرقة في الأجساد؛ وينشطون أي: يخرجون أرواح ~~المؤمنين برفق، من نشط الدلو (¬1) من البئر إذا أخرجها، ويسبحون في إخراجها ~~سبح الغواص الذي يخرج الشيء من أعماق البحر، فيسبقون بأرواح الكفار إلى ~~النار، وبأرواح المؤمنين إلى الجنة، فيدبرون أمر عقابها بأن (¬2) تهيئها ~~لإدراك ما أعد لها من الآلام واللذات، أو الأوليان [648] لهم، والباقيات ~~لطوائف من الملائكة يسبحون في مضيها، أي: يسرعون فيه، فيسبقون إلى ما أمروا ~~به، فيدبرون أمره، أو صفات أمره، أو صفات النفوس الفاضلة حال المفارقة، ~~فإنها تنزع من الأبدان غرقا، أي: نزعا شديدا من إغراق النازع في القوس، ~~فتنشط إلى عالم الملكوت وتسبح فيه، فتسبق إلى حضائر القدس، فتصير لشرفها ~~وقوتها من المدبرات؛ أو حال سلوكها فإنها تنزع عن الشهوات، وتنشط إلى عالم ~~القدس، فتسبح في مراتب الارتفاع فتسبق إلى الكمالات، حتى تصير من المكملات؛ ~~وقيل: غير ذلك، تركناه اختصارا. أقسم الله بها على قيام الساعة. # {يوم ترجف الراجفة(6)} المراد بالرجفة: الأجرام عندها وهي (لعله) تضطرب ~~وتتحرك لما بها [من] حركة شديدة، وهي عند النفخة الأولى؛ {تتبعها ~~الرادفة(7)} (لعله) وهي النفخة الثانية. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «الدو»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «فان»، وهو خطأ. PageV04P356 # قلوب يومئذ واجفة(8)} شديدة الاضطراب من الخوف، وهي قلوب العاصين؛ مأخوذ ~~من وجيف الخيل والركاب؛ {أبصارها خاشعة(9)} حيرة؛ وأضاف الأبصار إلى القلوب ~~والمراد: أبصار أصحابها، {يقولون: أئنا لمردودون ms0972 في الحافرة(10)} في الحالة ~~الأولى، يعنون الحياة بعد الموت، من قولهم: رجع فلان في حافرته، أي: طريقه ~~التي جاء فيها فحفرها، أي: أثر فيها بمشيه، على النسبة، كقوله (¬1) : {عيشة ~~راضية} (¬2) . # {أئذا كنا عظاما نخرة(11)} بالية {قالوا: تلك إذا كرة خاسرة(12)} ذات ~~خسران، أو خاسرا أصحابها؛ والمعنى: أنها إن صحت فنحن إذا لخاسرون لتكذيبنا ~~بها، وهو استهزاء منهم، {فإنما هي زجرة واحدة(13)} أي: لا يستصعبونها فما ~~هي إلا صيحة واحدة، يعني: النفخة الثانية؛ {فإذا هم بالساهرة(14)} فإذا ~~[هم] أحياء على وجه الأرض، بعدما كانوا أمواتا في بطنها، والساهرة: الأرض ~~البيضاء المستوية؛ وسميت ساهرة، لأن السراب يجري فيها، من قولهم: عين ~~ساهرة: جارية الماء، ونائمة ضدها، قال: # وساهرة يضحى السراب ... مجللا ... لأقطارها قد ... جبتها متلثما # أو لأن سالكها لا ينام خوف الهلاك؛ وقيل: اسم جهنم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «كقولهم». # (¬2) - ... سورة الحاقة: 21. القارعة: 7. PageV04P357 # هل أتاك حديث موسى(15)}؟ أليس قد أتاك حديثه، فيسليك على تكذيب قومك، {إذ ~~ناداه ربه بالوادي المقدس طوى(16)، اذهب إلى فرعون إنه طغى(17)، فقل: هل لك ~~إلى أن تزكى(18)}؟ هل لك ميل إلى أن تتطهر من الكفر والطغيان، (لعله) وما ~~عداه وبال عليك، كما قال: {لا خير في كثير من نجواهم...} (¬1) الآية؛ ~~{وأهديك إلى ربك} وأرشدك إلى معرفته {فتخشى(19)} بأداء الواجبات وترك ~~المحرمات، إذ الخشية إنما تكون بعد المعرفة؛ {فأراه الآية الكبرى(20)} أي: ~~فذهب وبلغ، فأراه المعجزة الكبرى، {فكذب وعصى(21)} بعد ظهور الآية وتحقق ~~الأمر، {ثم أدبر} عن الطاعة {يسعى(22)} سعيا في إبطال أمره، {فحشر} فجمع ~~السحرة، أو جنوده، {فنادى(23)} في المجمع بنفسه، أو مناد؛ {فقال: أنا ربكم ~~الأعلى(24)} كل من يلي أمركم، {فأخذه الله نكال الآخرة والأولى(25)} أخذا ~~منكلا لمن حل به في الآخرة بالإحراق، وفي الدنيا بالإغراق، {إن في ذلك ~~لعبرة لمن يخشى(26)} لمن كان من شأنه الخشية. # {أأنتم أشد خلقا}؟ أصعب خلقا أيها المنكرون للبعث، {أم السماء}؟ ثم بين ~~كيف خلقها، فقال: {بناها(27)} (لعله) أي: من قدر على خلق السماء يقدر على ~~حياتكم بعد الموت؛ ثم بين ms0973 البناء، فقال: {رفع سمكها فسواها(28)} فعدلها، أو ~~فجعلها مستوية، أو فتممها بما يتم به كمالها؛ {وأغطش ليلها} أظلمه؛ منقول ~~من غطش الليل: إذا أظلم؛ {وأخرج ضحاها(29)} وأبرز ضوء شمسها، كقوله: ~~{والشمس وضحاها} (¬2) يريد النهار. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النساء: 114؛ وتمامها: {إلا من أمر بصدقة، أو معروف، أو ~~إصلاح بين الناس؛ ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما}. # (¬2) - ... سورة الشمس: 1. PageV04P358 # والأرض بعد ذلك دحاها(30)} بسطها ومهدها، {أخرج منها ماءها} بتفجير ~~العيون، {ومرعاها(31)} لرعيها، {والجبال أرساها(32)} أثبتها، {متاعا لكم ~~ولأنعامكم(33)} تمتيعا لكم، وتمتيع المواشي راجع إلى تمتيعهم أيضا. # {فإذا جاءت الطامة} الداهية التي تطم، أي: تعلو على سائر الدواهي من ~~الأمور الدنيوية، {الكبرى(34)} التي هي أكثر الطامات، وهي القيامة، أو طامة ~~الموت، لأنها أكبر الدواهي في الدنيا؛ {يوم يتذكر الإنسان ما سعى(35)} بأن ~~يراه مدونا في صحيفته، وكان قد نسيها من فرط الغفلة؛ {وبرزت الجحيم} وأظهرت ~~{لمن يرى(36)} لكل راء، أو كافر؛ {فأما من طغى(37) وآثر الحياة الدنيا(38)} ~~فانهمك فيها، ولم يستعد للآخرة بالعبادة وتهذيب النفس، {فإن الجحيم هي ~~المأوى(39)} هي مأواه؛ {وأما من خاف مقام ربه} مقامه بين يديه، لعلمه ~~بالمبدإ والمعاد، {ونهى النفس عن الهوى(40)} لعلمه بأنه عدو مهلك، {فإن ~~الجنة هي المأوى(41)} ليس لها سواها مأوى. # { PageV04P359 يسألونك عن الساعة أيان مرساها(42)}؟ متى إرساؤها، أي: ~~إقامتها وإثباتها ومنتهاها ومستقرها، من مرسى السفينة: وهو حيث تنتهي إليه ~~وتستقر، {فيم أنت من ذكراها(43)} في أي شيء من أن تذكر وقتا لهم؛ أي: ما ~~أنت من ذكراها لهم، وتبيين وقتها في شيء، فإن ذكرها لا يزيدهم إلا غيا، ~~ووقتها مما استأثره (¬1) الله بعلمه؛ وقيل: «فيم» إنكار لسؤالهم و«أنت من ~~ذكراها» مستأنف، معناه: أنت ذكر من ذكراها، أي: علامة من أشراطها، فإن ~~إرساله خاتما للأنبياء أمارة من أماراتها؛ وقيل: إنه متصل، والجواب: {إلى ~~ربك منتهاها(44)} [650] أي: منتهى علمها؛ {إنما أنت منذر من يخشاها(45)} ~~إنما بعثت لإنذار من يخاف هولها. # {كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا} أي: في الدنيا أو في القبور {إلا عشية أو ms0974 ~~ضحاها(46)} إلا عشية يوم أو ضحاه، كقوله: {إلا ساعة من نهار} (¬2) . # سورة عبس # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... كذا في تفسير البيضاوي أيضا ولعل الصواب: «استأثر». انظر: ج4/ ص243. # (¬2) - ... الأحقاف: 35. PageV04P360 # عبس} بوجهه، {وتولى(1)} أعرض بحاله، أو بشخصه، {أن جاءه الأعمى(2)} روي ~~أن ابن أم مكتوم أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده أحد من ~~الأغنياء يتصدى له ليعلمه، فكأنه عاتبه الله على ذلك، وكان بعد ذلك يكرمه، ~~ويقول إذا رآه: «مرحبا بمن عاتبني فيه ربي» (¬1) ، {وما يدريك لعله ~~يزكى(3)}؟ (لعله) أي: قامت عليك الدلائل فيه، لأن مراده التطهر من آثامه ~~وسوء أخلاقه، لأنه قيل: كلما جاء في القرآن: {وما يدريك} فهو يدريه، {أو ~~يذكر فتنفعه الذكرى(4)}؟ أي: يتعظ فتنفعه موعظتك. {أما من استغنى(5) فأنت ~~له تصدى(6)} أي: تتعرض بالإقبال عليه، {وما عليك ألا يزكى(7)} أي: لا وجوب ~~عليك تزكيته بالإسلام إن أبى، {إن عليك إلا البلاغ} (¬2) . # { # ¬__________ # (¬1) - ... لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من مصادر الحديث. وقد عزاه ~~الألوسي إلى «ابن عبد البر في الاستيعاب عن أهل العلم بالسير». الألوسي: ~~روح المعاني، ج30/ ص39. كما أوردته كتب التفسير. انظر: الزمخشري: الكشاف، ~~4/560. البغوي: معالم التنزيل، 4/446. أبو السعود: تفسير، مج5/ ج9/ ص107. # (¬2) - ... سورة الشورى: 48. PageV04P361 # وأما من جاءك يسعى(8)} يسرع طالبا للخير {وهو يخشى(9)} الله، {فأنت عنه ~~تلهى(10)} تتشاغل (لعله) بما لا معنى له، عن معنى مهم، ولعل ذكره بالتصدي ~~والتلهي، للإشعار بأن العتاب على اهتمام قلبه بالغني، وتلهيه عن الفقير؛ ~~وسماه الله تعالى تلهيا (¬1) من حيث (لعله) إنه شغله عما هو أنفع منه: تذكر ~~من تنفعه الذكرى، (لعله) والاشتغال بما لا معنى له. (اشتغال عن معنى) (¬2) ~~. و(لعله) قد قامت عليه الأمارات بذلك: أن هذا تنفعه، وذاك لا تنفعه، فلذلك ~~عاتبه، لأنه لو كانا عنده بمثابة واحدة، لم يستحق عتابا بعد، والله أعلم. # {كلا} ردع عن معاودة مثله، {إنها تذكرة(11)، فمن شاء ذكره(12)} حفظه أو ~~اتعظ به، والضميران للقرآن، أو العتاب المذكور {في صحف} مثبتة، فيها صفة ~~التذكرة، {مكرمة(13)} عند ms0975 الله وعند أوليائه؛ {مرفوعة} [مرفوعة] القدر عن ~~حزب الشيطان، كقوله: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق} ~~(¬3) ، {مطهرة(14)} منزهة عنهم (¬4) ، {بأيدي سفرة(15)} كتبة من الملائكة، ~~أو الأنبياء ينسخون الكتب من اللوح، أو الوحي، أو سفراء يسفرون بالوحي بين ~~الله ورسوله أو الأمة، جمع سافر، من السفر، أو السفارة والتركيب للكشف، ~~يقال: سفرت المرأة: إذا كشفت وجهها، {كرام} أعزاء على الله، أو متعطفين على ~~المؤمنين، {بررة(16)} أتقياء. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «تهليا»، وهو خطأ. # (¬2) - ... لم يتضح ما موقع هذه العبارة في هذا السياق. # (¬3) - ... سورة الأعراف: 146. # (¬4) - ... الضمير في «عنهم» يعود على حزب الشيطان المذكور. وفي تفسير ~~البيضاوي: «منزهة عن أيدي الشياطين». ج4/ ص244. PageV04P362 # قتل} أي: نابذناه القتال بعدما نابذنا؛ وهو كقوله: {قاتلهم الله} (¬1) ، ~~{الإنسان ما أكفره(17)}! (لعله) ما أشد كفره؛ وذلك بمعنى الدعاء عليه، دعا ~~عليه بأشنع الدعوات، وتعجب من إفراطه في الكفران، وهو مع قصره [651] يدل ~~على سخط عظيم وذم بليغ، (لعله) والتعريف للجنس، وكأن جنسه أسرع إلى الكفر ~~من غيره؛ {من أي شيء خلقه(18)}؟ بيان لما أنعم عليه، خصوصا من مبدإ حدوثه؛ ~~والاستفهام للتحقير، ولذلك أجاب عنه بقوله: {من نطفة خلقه فقدره(19)} فهيأ ~~له ما يصلحه من الأعضاء والأشكال، أو فقدره أطوارا إلى أن أتم خلقته؛ {ثم ~~السبيل يسره(20)} سبيل الخير والشر؛ وفيه إيماء بأن الدنيا طريق، والمقصد ~~غيرها، ولذلك عقبه بقوله: {ثم أماته فأقبره(21) ثم إذا شاء أنشره(22)} جعل ~~الإماتة والإقبار من النعم، لأن الإماتة وصلة في الجملة إلى الحياة ~~الأبدية، واللذات الخالصة؛ والأمر بالقبر تكرمة وصيانة؛ وفي «إذا شاء» ~~إشعار بأن وقت النشور غير متعين في نفسه، وإنما هو موكول إلى مشيئته. {كلا} ~~ردع للإنسان عما هو عليه، {لما يقض ما أمره(23)} لم يقض ما أمره الله من ~~الأمر والنهي. # ¬__________ # (¬1) - ... سورة التوبة: 30. المنافقون: 4. في الأصل: «قاتله» وهو خطأ. PageV04P363 # ولما ذكر خلق ابن آدم، ذكر رزقه ليعتبر فقال: {فلينظر الإنسان إلى ~~طعامه(24)} إتباع للنعم الذاتية بالنعم الخارجية، {إنا صببنا الماء ~~صبا(25)، ثم شققنا الأرض شقا(26)، فأنبتنا فيها ms0976 حبا(27) وعنبا، وقضبا(28)} ~~قيل: القت {وزيتونا، ونخلا(29)، وحدائق غلبا(30)} عظاما؛ وصف به الحدائق ~~لتكاثفها وكثرة أشجارها، أو لأنها ذات أشجار غلاظ، {وفاكهة وأبا(31)} ~~ومرعى، من أب: إذا أم، لأنه يؤم وينتجع؛ أو من أب لكذا: إذا تهيأ له، لأنه ~~متهيء (¬1) للرعي؛ أو فاكهة يابسة تؤب للشتاء؛ {متاعا لكم ولأنعامكم(32)} ~~فإن الأنواع المذكورة بعضها طعام، وبعضها علف. # {فإذا جاءت الصاخة(33)} حالة الهلاك، أي: يصخ المرء لها؛ (لعله) أو يصخ ~~منها، {يوم يفر المرء} من المحبة الدنيوية عند انكشاف الحقائق، فيفر {من ~~أخيه(34) وأمه وأبيه(35) وصاحبته وبنيه(36)} (لعله) لا يلتفت إلى [أي] واحد ~~منهم لاشتغاله بشأنه، وعلمه بأنهم لا ينفعونه؛ {لكل أمرئ منهم} من صالح ~~وطالح {يومئذ شأن يغنيه(37)} يكفيه في الاهتمام، (لعله) ويشغله عن شغل ~~غيره، وهكذا العاقل في الدنيا له شغل من نفسه يغنيه عن الاشتغال بغيره، ~~فينبغي له الفرار والهجرة إلى الله (لعله) من كل شيء على سبيل الاختيار، ~~قبل الحيلولة عن ذلك. # {وجوه يومئذ مسفرة(38)} (لعله) مضيئة مشرقة، من إسفار الصبح، {ضاحكة} ~~بالسرور، {مستبشرة(39)} بما ترى من البشارة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «منتهى»، وصححناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص244. ~~أبو السعود: تفسير، مج5/ ج9/ ص112. PageV04P364 # ووجوه يومئذ عليها غبرة(40)} كسوف وكدورة، {ترهقها قترة(41)} يغشاها سواد ~~وظلمة وكسوف؛ قيل: الفرق بين الغبرة والقترة: ما ارتفع من الغبار فحلق [في] ~~السماء، والغبرة: ما كان أسفل، {أولئك هم الكفرة الفجرة(42)} الذين جمعوا ~~إلى الكفر الفجور. # - - - # سورة التكوير # بسم الله الرحمن الرحيم # {إذا الشمس كورت(1)} لفت، من كورت [652] العمامة: إذا لففتها، أي: لف ~~ضوءها، فذهب انبساطه في الآفاق وزال أثره، أو ألقيت عن فلكها؛ {وإذا النجوم ~~انكدرت(2)} انقضت أو أظلمت؛ {وإذا الجبال سيرت(3)} عن وجه الأرض أو في ~~الجو؛ {وإذا العشار} قيل: النوق التي أتى على حملهن عشرة أشهر، {عطلت(4)} ~~تركت مهملة؛ {وإذا الوحوش حشرت(5)} جمعت من كل جانب، (لعله) أو فنيت. # {وإذا البحار سجرت(6)} أملئت (¬1) بتفجير بعضها إلى بعض؛ {وإذا النفوس ~~زوجت(7)} قرنت بالأبدان أو بعملها؛ {وإذا الموءودة} (لعله) وهي الجارية ~~المدفونة ms0977 حية؛ وكانت العرب تئد البنات مخافة الإملاق أو لحوق العار بهم من ~~أسباب فعلهن؛ وقيل: النطفة المستخرجة بالعبث، حتى قيل:إن يد العابث بها، ~~تبعث يوم القيامة حبلى، {سئلت(8) بأي ذنب قتلت(9)} تبكيت للفاعل بها، ~~كتبكيت (¬2) النصارى بقوله تعالى لعيسى: {أأنت قلت للناس...} (¬3) وقرئ: ~~«سألت» أي: خاصمت عن نفسها، وسؤالها توبيخ لوائدها، لأنها تقول: قتلت بغير ~~ذنب أذنبت. # { # ¬__________ # (¬1) - ... وفي تفسير البيضاوي: «أحميت أو ملئت». ج4/ ص245. # (¬2) - ... في الأصل: «كتكبت»، وهو خطأ. # (¬3) - ... سورة المائدة: 116. PageV04P365 # وإذا الصحف نشرت(10)} صحف الأعمال ليقال للعامل: {اقرأ كتابك...} الآية ~~(¬1) ؛ {وإذا السماء كشطت(11)} قلعت وأزيلت كما يكشط الغطاء عن الشيء؛ ~~{وإذا الجحيم سعرت(12)} أوقدت؛ {وإذا الجنة أزلفت(13)} قربت من المؤمنين؛ ~~{علمت نفس ما أحضرت(14)} (لعله) من عملها. # {فلا أقسم بالخنس(15)} بالكواكب الرواجع، من خنس: إذا تأخر، {الجوار ~~الكنس(16)} السيارات التي تختفي تحت ضوء الشمس، من كنس الوحش: إذا دخل ~~كناسه؛ {والليل إذا عسعس(17)} أقبل ظلامه وأدبر، وهو من الأضداد؛ {والصبح ~~إذا تنفس(18)} أي: أضاء. # {إنه لقول رسول كريم(19)} يعني: جبريل، فإنه قاله عن الله تعالى، {ذي ~~قوة} كقوله: {شديد القوى} (¬2) ، {عند ذي العرش مكين(20)} عند الله ذي ~~مكانة، {مطاع} (لعله) في السماء أو في الأرض، لأنه إمام، {ثم أمين(21)} على الوحي. # {وما صاحبكم بمجنون(22) ولقد رآه} ولقد رأى رسول الله جبريل {بالأفق ~~المبين(23)} بمطلع الشمس الأعلى، {وما هو} وما محمد {على الغيب} على ما ~~يخبره من الوحي إليه وغيره من الغيوب {بظنين(24)} متهم؛ من الظنة: وهي ~~التهمة، وقرئ: «بضنين» من الضن: وهو البخل، أي: لا يبخل بالتبليغ. والضاد ~~من أصل حافة اللسان وما يليها من الأضراس، من يمين اللسان أو يساره، والظاء ~~من طرفي اللسان وأصول الثنايا العليا؛ {وما هو بقول شيطان رجيم(25)} بقول ~~بعض المسترقة للسمع؛ وهي نفي قولهم: إنها لكهانة وسحر؛ أو ما يلقيه الشيطان ~~من الوسوسة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الإسراء: 14؛ وتمامها: {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك ~~حسيبا}. # (¬2) - ... سورة النجم: 5. PageV04P366 # فأين تذهبون(26)}؟ [653] استضلال لهم فيما يسلكونه من أمر الرسول ~~والقرآن، كقولك لتارك الجادة: أين تذهب؟ ms0978 وأين تسلك؟ أي طريق أبين لك من ~~طريق الحق؟ {إن هو إلا ذكر للعالمين(27)، لمن شاء منكم أن يستقيم(28)} ~~بتحري الحق وملازمة الصواب؛ {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب ~~العالمين(29)}. # - - - # سورة الانفطار # بسم الله الرحمن الرحيم # {إذا السماء انفطرت(1)} انشقت؛ {وإذا الكواكب انتثرت(2)} تساقطت؛ {وإذا ~~البحار فجرت(3)} فتح بعضها إلى بعض؛ {وإذا القبور بعثرت(4)} قلب ترابها، ~~وأخرج موتاها؛ {علمت نفس ما قدمت} من عمل أو صدقة، {وأخرت(5)}. # {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم(6)} أي شيء خدعك وجرك على عصيانه؛ ~~وذكر الكريم للمبالغة في المنع عن الاغترار، فإن محض الكرم لا يقتضي إهمال ~~الظالم، وتسوية الموالي والمعادي، والمطيع والعاصي، فكيف إذا انضم إليه صفة ~~القهر والانتقام، والإشعار بما به يغره الشيطان، فإنه يقول له: افعل ما شئت ~~فربك كريم لا يعذب أحدا، ولا يعاجل بالعقوبة؛ والدلالة على كثرة كرمه ~~تستدعي الجد في طاعته، لا الانهماك في عصيانه، اغترارا بكرمه. # {الذي خلقك فسواك فعدلك(7)} صفة ثانية مقررة للربوبية، مبينة للكرم، ~~منبهة على [أن] من قدر على ذلك أولا قدر عليه ثانيا؛ والتسوية: جعل الأعضاء ~~سليمة مسواة، معدة لمنافعها؛ والتعديل: جعل البنية معتدلة متناسبة الأعضاء، ~~أو معدلة مما تستعدها من القوى، وقرئ: «فعدلك» أي: عدل بعض أعضائك ببعض حتى ~~اعتدلت؛ أو فصرفك عن خلقة غيرك، ومغيرك بخلقة فارقت خلقة سائر الحيوانات، ~~{في أي صورة ما شاء ركبك(8)} أي: ركبك في أي صورة شاءها. # { PageV04P367 كلا} ردع للاغترار بكرم الله، وقوله: {بل تكذبون ~~بالدين(9)} إضراب إلى بيان ما هو السبب الأصلي في اغترارهم؛ والمراد ~~بالدين: الجزاء، أو الإسلام، {وإن عليكم لحافظين(10)كراما كاتبين(11)، ~~يعلمون ما تفعلون(12)} تحقيق لما يكذبون به، ورد لما يتوقعون من التسامح ~~والإهمال؛ وتعظيم الكتبة بكونهم كراما عند الله لتعظيم الجزاء. # {إن الأبرار لفي نعيم(13)، وإن الفجار لفي جحيم(14)} بيان لما يكتبون ~~لأجله، {يصلونها} يقاسون حرها {يوم الدين(15)، وما هم عنها بغائبين(16)} ~~لخلودهم فيها. # {وما أدراك ما يوم الدين(17)}؟ تفخيم لشأنه، {ثم ما أدراك ما يوم ~~الدين(18)} تعجيب وتفخيم ثان لشأن ms0979 اليوم أيضا، أي: كنه أمره، بحيث لا تدركه ~~دراية دار، {يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، والأمر يومئذ لله(19)} تقرير لشدة ~~هوله، ومخافة أمره إجمالا. # سورة المطففين # بسم الله الرحمن الرحيم # { PageV04P368 ويل للمطففين(1) [654] الذين إذا اكتالوا على الناس ~~يستوفون(2)} أي: إذا اكتالوا من الناس حقوقهم يأخذونها وافية، (لعله) وتعم ~~فيه الحقوق المالية والبدنية والحالية، {وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون(3)} ~~بيان لاختلاف حالهم في الأخذ والدفع؛ {ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون(4)}؟ فإن ~~من ظن ذلك، لم يتجاسر على أمثال هذه القبائح، فكيف بمن يتيقنه؛ وفيه إنكار ~~وتعجب من حالهم، {ليوم عظيم(5)} عظمه لعظم ما يكون فيه، {يوم يقوم الناس ~~لرب العالمين(6)} إلى حكمه وقضائه وجزائه، وفي هذا الإنكار، والتعجب، وذكر ~~الظن، ووصف اليوم بالعظم، وقيام الناس فيه لله، والتعبير عنه ب«رب ~~العالمين» مبالغات في المنع عن التطفيف وتعظيم إثمه. # {كلا} ردع عن التطفيف، والغفلة عن البعث والحساب، {إن كتاب الفجار} ما ~~يكتب من أعمالهم، أو كتابة أعمالهم، {لفي سجين(7)} كتاب جامع لأعمال الفجرة ~~من الثقلين، كما قال: {وما أدراك ما سجين(8)؟ كتاب مرقوم(9)} أي: مسطور بين ~~الكتابة، ومعلم يعلم من ورائه (¬1) أنه لا خير فيه، فعيل: من السجن، لقب به ~~الكتاب، لأنه سبب الحبس. # { # ¬__________ # (¬1) - ... وفي تفسير البيضاوي: «يعلم من رآه». ج4/ ص247. PageV04P369 # ويل يومئذ للمكذبين(10)} بالحق، {الذين يكذبون بيوم الدين(11)} صفة مخصصة ~~أو موضحة أو ذامة، {وما يكذب به إلا كل معتد} متجاوز عن النظر، غال في ~~التقليد، حتى استقصر قدرة الله وعلمه، فاستحال منه الإعادة، {أثيم(12)} ~~منهمك في الشهوات المخدجة، بحيث أشغلته عما وراءها، وحملته على الإنكار لما ~~عداها، {إذا تتلى عليه آياتنا قال: أساطير الأولين(13)} من فرط جهله ~~وإعراضه عن الحق، فلا تنفعه شواهد النقل، كما لم تنفعه دلائل العقل. # { PageV04P370 كلا} ردع عن هذا القول. {بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون(14)} رد لما قالوه، وبيان لما أدى بهم هذا القول، بأن غلب عليهم حب ~~المعاصي، بالانهماك فيها، حتى صار ذلك صدأ على قلوبهم، فعمي عليهم معرفة ~~الحق ms0980 والباطل، (لعله) لأن الحب للشيء يعمي ويصم صاحبه عن ضده، وكثرة ~~الأفعال السيئة سبب لحصول (لعله) الظلمات على القلب، كما قال - عليه السلام ~~- : «إن العبد كلما أذنب ذنبا، حصل في قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه» (¬1) ~~، والرين: الصدأ. # {كلا} ردع عن الكسب الرائن؛ {إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون(15)} (لعله) ~~بالظلمات عن توفيقه وثوابه؛ {ثم إنهم لصالو الجحيم(16)} ليدخلون النار، ~~ويصلون بها، {ثم يقال: هذا} (لعله) العذاب {الذي كنتم به تكذبون(17)} يقوله ~~لهم الزبانية توبيخا لهم، وإهانة لهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... رواه الترمذي: كتاب تفسير القرآن: رقم 3257. عن أبي هريرة عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في ~~قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب سقل قلبه، وإن عاد زيد فيها، ~~حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون}». قال: هذا حديث حسن صحيح. ورواه ابن ماجه: كتاب الزهد، رقم 4234 ~~بلفظ: «صقل قلبه». ورواه أحمد في باقي مسند المكثرين، رقم 7611. العالمية: ~~موسوعة الحديث، مادة البحث: «نكتة سوداء». PageV04P371 # كلا، إن كتاب الأبرار لفي عليين(18)} علو بعد علو، وشرف بعد شرف؛ [655] ~~{وما أدراك ما عليون(19)؟ كتاب مرقوم(20) يشهده المقربون(21)} يحضرونه ~~فيحفظونه، أو يشهدون على ما فيه يوم القيامة؛ {إن الأبرار لفي نعيم(22) على ~~الأرائك ينظرون(23)} إلى ما يسرهم من النعم والمنفرجات، {تعرف في وجوههم ~~نضرة النعيم(24)} بهجة التنعم، {يسقون من رحيق} (لعله) شراب خالص، ~~{مختوم(25) ختامه مسك} أي: مختوم أوانيه بالمسك، مكان الطين، ولعله تمثيل ~~لنفاسته (¬1) ، {وفي ذلك} يعني: الرحيق أو النعيم {فليتنافس ~~المتنافسون(26)} فليرتغب المرتغبون؛ وقيل: فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى ~~طاعة الله. # {ومزاجه من تسنيم(27)} علم لعين بعينها، سميت تسنيما لرفعة شرابها، {عينا ~~يشرب بها المقربون(28)} فإنهم يشربون[ها] صرفا، لأنهم لم يشتغلوا بغير ~~الله، وتمزج لسائر أهل الجنة (لعله) من أدناهم، وإنما زاد طيب شراب الأبرار ~~بما مزج من شراب المقربين. قال الغزالي: «وإنما طاب شراب الأبرار بشرب شراب ~~الصرف الذي هو للمقربين». والشراب عبارة عن جملة ms0981 نعيم الجنان، كما أن ~~الكتاب عبارة عن جميع الأعمال، فقال: {إن كتاب الأبرار لفي عليين}، ثم ~~{يشهده المقربون}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «لنفاسه»، ولم يذكره صاحب اللسان أو القاموس بهذا ~~الوزن. انظر: ابن منظور: لسان العرب، ج6/ ص688-691، مادة «نفس». ~~الفيروزآبادي: القاموس، ص520، مادة: «نفس». PageV04P372 # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون(29)} استهزاء بهم؛ {وإذا ~~مروا بهم يتغامزون(30)} يغمز بعضهم بعضا (¬1) ، ويشيرون بأعينهم؛ {وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين(31)} متلذذين بالسخرية منهم، {وإذا رأوهم ~~قالوا: إن هؤلاء لضالون(32)} نسبونهم إلى الضلال، {وما أرسلوا عليهم} على ~~المؤمنين {حافظين(33)}، يحفظون عليهم أعمالهم، ويشهدون برشدهم وضلالهم. # {فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون(34)} حين يرونهم أذلاء مغلولين في ~~النار، (لعله) يتنعمون بذلك، {على الأرائك ينظرون(35) هل ثوب الكفار}؟ هل ~~جوزي الكفار {ما كانوا يفعلون(36)} (لعله) فلم يثابوا على عملهم كما ثيب ~~المؤمنون. # سورة الانشقاق # بسم الله الرحمن الرحيم # {إذا السماء انشقت(1)} بالغمام لقوله: {يوم تشقق السماء بالغمام} (¬2) ، ~~{وأذنت لربها} واستمعت له وانقادت، لتأثير قدرته حين أراد انشقاقها، انقياد ~~المطواع الذي يأذن للأمر ويذعن له، {وحقت(2)} وجعلت حقيقة بالاستماع ~~والانقياد، يقال: حق بكذا، فهو محقوق وحقيق. {وإذا الأرض مدت(3)} بسطت بأن ~~تزال جبالها، {وألقت ما فيها} من الأموات {وتخلت(4)} وتكلفت في الخلو أقصى ~~جهدها، حتى لم يبق شيء في باطنها، {وأذنت لربها} في الإلقاء والتخلية، ~~{وحقت(5)} للإذن. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يغمز من بعضهم بعض»، وهو خطأ. # (¬2) - ... سورة الفرقان: 25. PageV04P373 # يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه(6)} الكدح: السعي إلى ~~لقاء جزائه؛ {فأما من أوتي كتابه بيمينه(7) فسوف يحاسب حسابا يسيرا(8)} ~~وذلك نعمة لهم [656] لا عليهم، إذ لم يبق عليهم ذنب فيجزيهم، وإنما يجدون ~~فيه الأعمال الصالحة وتلك تسرهم، {وينقلب إلى أهله} (لعله) للتمتع والتنعم ~~{مسرورا(9)}. # {وأما من أوتي كتابه وراء ظهره(10)} قيل: يؤتى كتابه بشماله من وراء ~~ظهره؛ قيل: تغل يمناه إلى عنقه، وتجعل يسراه وراء ظهره، {فسوف يدعو ~~ثبورا(11)} يقول: يا ثبوراه تعال فهذا أوانك، وهو الهلاك؛ {ويصلى ~~سعيرا(12)؛ إنه كان في أهله} ms0982 في الدنيا {مسرورا(13)} بطرا بالمال والجاه، ~~فارغا عن الآخرة، {إنه ظن أن لن يحور(14)} لن يرجع إلى الله، {بلى} إيجاب ~~بما بعد «لن» {إن ربه كان به بصيرا(15)} عالما بأعماله فلا يهمله، بل يرجعه ~~ويجازيه. # { PageV04P374 فلا أقسم بالشفق(16)} الحمرة التي في أفق المغرب بعد ~~الغروب، وعن أبي حنيفة: البياض الذي (¬1) يليها، سمي به لرقته، من الشفقة؛ ~~{والليل وما وسق(17)} وما جمعه وستره من الذوات وغيرها؛ يقال: وسقه فاتسق؛ ~~{والقمر إذا اتسق(18)} اجتمع وتم بدرا؛ {لتركبن طبقا عن طبق(19)} هي طبقات ~~بعضها أرفع من بعض؛ وقيل: لتركبن سنن من كان قبلكم من الأولين وأحوالهم، ~~حالا بعد حال؛ (لعله) والطبق: ما طابق غيره، يقال: ما هذا بطبق لذا، أي: لا ~~يطابقه، ثم قيل للحال المطابقة لغيرها: طبق، ومنه قوله: {طبقا عن طبق}، أي: ~~مطابقة لأختها في الشدة، وهو لما طابق غيره؛ فقيل: للحال المطابقة، أو ~~مراتب من الشدة بعد المراتب، وهي الموت ومواطن القيامة وأهوالها، أو هي وما ~~قبلها من الدواهي، على أنه جمع طبقة، وهي المرتبة، على معنى: لتركبن أحوالا ~~بعد أحوال. وقرئ بالفتح: لتركبن، على خطاب الإنسان باعتبار اللفظ، أو ~~الرسول على معنى: لتركبن حالا شريفة، ومرتبة عالية بعد حال ومرتبة، وبالكسر ~~على خطاب النفس، وبالياء على الغيبة، و«عن طبق» صفة ل«طبقا» (¬2) ، أو حال ~~بمعنى: الضمير، بمعنى مجاوز الطبق، أو مجاوزين له. # {فما لهم لا يؤمنون(20)؟ وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون(21)} لا ~~يخضعون، والسجود عبارة عن الإذعان، ودليله ما بعده: {بل الذين كفروا ~~يكذبون(22) والله أعلم بما يوعون(23)} بما يضمرون في صدورهم من الكفر، ~~{فبشرهم بعذاب أليم(24) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ~~ممنون(25)} به عليهم. # - - - # سورة البروج # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «التي»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «لبظق»، وهو خطأ. PageV04P375 # والسماء ذات البروج(1)} قيل: البروج الاثني عشر، شبهت بالقصور، لأنها ~~تنزل بها السيارات، وتكون فيها الثوابت؛ أو منازل القمر؛ أو عظام الكواكب، ~~سميت بروجا لظهورها؛ أو أبواب السماء، فإن النوازل تخرج منها، {واليوم ~~الموعود(2)} ms0983 يوم القيامة [657] {وشاهد ومشهود(3)} قيل: كل نبي وأمته؛ وقيل ~~الشاهد: العبد، والمشهود: المعبود؛ وعن ابن عطاء: «الشاهد: المكون، ~~والمشهود: الكون»؛ وقيل غير ذلك. # {قتل أصحاب الأخدود(4)} كأنهم (¬1) قيل: إنهم ملعونون، فإن السورة وردت ~~لتثبيت المؤمنين على أذاهم، وتذكيرهم بما جرى على من كان قبلهم؛ الأخدود: ~~الخد، وهو الشق في الأرض ونحوهما (¬2) . {النار ذات الوقود(5) إذ هم عليها} ~~على حافة النار {قعود(6)} قاعدون، {وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود(7)} ~~يشهد بعضهم لبعض، أو بعضهم على بعض. # {وما نقموا} (لعله) أي: وما علموا منهم عيبا، ولا وجدوا لهم جرما، ولا ~~رأوا عليهم سوءا وما أنكروا {منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد(8) ~~الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد(9)} للإشعار بما يستحق ~~أن يؤمن به ويعبد. {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات} بلوهم بالأذى، {ثم ~~لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم، ولهم عذاب الحريق(10)} العذاب الزائد في الإحراق ~~بفتنتهم. # {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ذلك ~~الفوز الكبير(11)} إذ الدنيا وما فيها يصغر دونه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الصواب: «كأنه». # (¬2) - ... كذا في تفسير البيضاوي أيضا، والصواب: «ونحوها». البيضاوي: ~~تفسير، ج4/ ص250. PageV04P376 # إن بطش ربك لشديد(12)} مضاعف شدائده؛ فإن البطش أخذ بقوة. {إنه هو يبدئ ~~ويعيد(13) وهو الغفور الودود(14)} محب لمن أطاع. {ذو العرش المجيد(15)} ~~العظيم في ذاته وصفاته، فإنه واجب الوجود تام القدرة والحكمة؛ وجر صفة لربك ~~(¬1) ، أو للعرش؛ ومجده: علوه وعظمة شأنه. {فعال لما يريد(16)} لا يمتنع ~~عليه مراد من أفعاله وأفعال غيره. # {هل أتاك حديث الجنود(17) فرعون وثمود(18)} والمعنى: قد عرفك تكذيبهم ~~للرسل وما حاق بهم، فتسل واصبر على تكذيب قومك، وحذرهم مثل ما أصابهم. {بل ~~الذين كفروا في تكذيب(19)} لا يرعوون عنه، ومعنى الإضراب: أن حالهم أعجب من ~~حال هؤلاء، فإنهم سمعوا قصتهم، ورأوا آثار هلاكهم، وكذبوا أشد من تكذيبهم، ~~فكل من كفر بالله كفر جحود أونفاق فالتكذيب ملازم له، بدليل هذه الآية، كما ~~قال: {إن الكافرون إلا في غرور} (¬2) فكل كافر مغتر مستدرج ممكور به. ms0984 # {والله من ورائهم محيط(20)} لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط المحيط. {بل ~~هو قرآن مجيد(21)} بل هو الذي كذبوا به كتاب شريف وحيد في النظم والمعنى. ~~{في لوح محفوظ(22)} من التحريف. # - - - - # سورة الطارق # بسم الله الرحمن الرحيم # {والسماء والطارق(1)} الكواكب البادية بالليل، وهو في الأصل: لسالك ~~الطريق. {وما أدراك ما الطارق(2) النجم الثاقب(3)} قيل: المضيء، كأنه يثقب ~~الظلام بضوئه فينفذ فيه. # [ # ¬__________ # (¬1) - ... وفي تفسير البيضاوي: «وجره حمزة والكسائي صفة لربك» ج4/ ص251. # (¬2) - ... سورة الملك: 20. PageV04P377 # 658] {إن كل نفس لما عليها حافظ(4)} أي: إن الشأن كل نفس لعليها حافظ ~~رقيب. {فلينظر الإنسان مم خلق(5)} لما ذكر أن كل نفس عليها حافظ أتبعه ~~بوصية الإنسان بالنظر في مبدئه (¬1) ليعلم صحة إعادته، فلا يملي على حافظه ~~إلا ما يسره في عاقبته. {خلق من ماء دافق(6) يخرج من بين الصلب ~~والترائب(7)} قال أبو سعيد: «فقيل: إنه مما يخرج من الصلب هو ماء الرجل، ~~وما يخرج من الترائب هو ماء المرأة؛ وقيل الترائب: عظام الصدر، أو ما بين ~~الثديين والترقوين؛ وقيل: غير ذلك». # {إنه على رجعه لقادر(8) يوم تبلى السرائر(9)} تتعرف؛ أو يميز بين ما طاب ~~من الضمائر، وما خفي من الأعمال وما خبث منها. {فما له من قوة} من منعة في ~~نفسه يمتنع بها، {ولا ناصر(10)} يمنعه. # {والسماء ذات الرجع(11)} قيل: الرجع: المطر، ترجع بمطر بعد مطر. {والأرض ~~ذات الصدع(12)} ما تتصدع عنه الأرض من النبات. {إنه} إن القرآن {لقول ~~فصل(13)} فاصل بين الحق والباطل. {وما هو بالهزل(14)} باللعب والباطل فأخذ ~~كله (¬2) ؛ {إنهم يكيدون كيدا(15)} في إبطاله وإطفاء نوره. {وأكيد ~~كيدا(16)} وأقابلهم بكيدي، في استدراجي لهم وانتقامي منهم، بحيث لا ~~يحتسبون. {فمهل الكافرين} فلا تستعجل بإهلاكهم، {أمهلهم رويدا(17)} إمهالا يسيرا. # سورة الأعلى # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «مدته»، وهو تصحيف. # (¬2) - ... في تفسير البيضاوي: «فإنه جد كله». ج4/ ص252. PageV04P378 # سبح اسم ربك الأعلى(1)} نزه اسمه عن الإلحاد فيه بالتأويلات الزائغة، ~~وإطلاقه على غيره، زاعما أنهما فيه سواء، وذكره لا على وجه التعظيم. {الذي ~~خلق ms0985 فسوى(2)} خلق كل شيء فسوى خلقه، بأن جعل له ما به يتأتى كماله، وتتم ~~معانيه. {والذي قدر} أي: قدر أجناس الأشياء، وأنواعها وأشخاصها ومقاديرها ~~وصفاتها وأفعالها وآجالها، {فهدى(3)} فوجهه إلى أفعاله طبعا أو اختيارا ~~بخلق الإلهامات، ونصب الدلائل والعلامات. {والذي أخرج المرعى(4)} أنبت ما ~~ترعاه الدواب، {فجعله} بعد خضرته {غثاء أحوى(5)} يابسا أسود؛ وقيل: أخرجه ~~أحوى من شدة خضرته. # {سنقرئك} على لسان جبريل؛ أو سنجعلك قارئا بإلهام القراءة، {فلا تنسى(6)} ~~أصلا، مع أنك أمي، لتكون ذلك آية أخرى لك، مع أن الإخبار به عما يستقبل ~~وقوعه كذلك أيضا من الآيات؛ وقيل: نهي عن ترك الدراسة لئلا ينسى؛ وقيل: ~~مدح، أي: فلا تهمل تكراره فتنسى، {إلا ما شاء الله} نسيانه، {إنه يعلم ~~الجهر وما يخفى(7) ونيسرك لليسرى(8)} ونعدك للطريقة المثلى. # { PageV04P379 فذكر إن نفعت الذكرى(9)} لعل هذه [659] الشرطية إنما جاءت ~~بعد تكرير التذكرة، وحصول اليأس عن البعض، لئلا يتعب نفسه، ويتلهف عليهم، ~~كقوله: {وما أنت عليهم بجبار...} (¬1) الآية؛ أو لذم المذكورين واستبعاد ~~تأثير الذكرى (¬2) فيهم، وللإشعار بأن التذكير إنما يجب إذا ظن نفعه، ولذلك ~~أمر بالإعراض عمن تولى. {سيذكر من يخشى(10)} سيتعظ وينتفع بها من يخشى ~~الله، بأن يتفكر فيها، فيعلم حقيقتها؛ وهو يتناول العارف والمتردد، ~~{ويتجنبها} ويتجنب الذكرى، ويتباعد عنها {الأشقى(11)} الكافر، فإنه أشقى ~~الخلق عاجلا وآجلا إن توسمت في أحواله... (¬3) {الذي يصلى النار ~~الكبرى(12)} نار جهنم فإنه قيل: إنه (¬4) - عليه السلام - قال: «ناركم هذه ~~جزء من سبعين جزء من نار جهنم» (¬5) . # ¬__________ # (¬1) - ... سورة ق: 45؛ وتمامها: {فذكر بالقرآن من يخاف وعيد}. # (¬2) - ... في الأصل: «واستعاب د نائير الذي»، وهو تصحيف عجيب. وصححناه ~~من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص252. # (¬3) - ... كذا في الأصل، ولعل الصواب: «وإن توسمت الخير في أحواله». أو ~~نحو ذلك. ولم نجد فيما بين أيدينا من المصادر عبارة تشبهها. # (¬4) - ... في الأصل: «إنه قال - عليه السلام - قال»، وهو تكرار. # (¬5) - ... رواه مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث رقم 5077، عن ~~أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ناركم هذه التي يوقد ابن ms0986 ~~آدم جزء من سبعين جزءا من حر جهنم». قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول ~~الله، قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرها». وفي رواية: ~~«كلهن مثل حرها». ورواه الترمذي في كتاب صفة جهنم، رقم 2514، 2515..ابن ~~ماجه: كتاب الزهد، رقم 4309. أحمد: باقي مسند المكثرين، رقم: 7025، 7778، ~~9811. الدارمي: كتاب الرقاق، رقم 2723. العالمية: موسوعة الحديث، مادة ~~البحث: «ناركم هذه». PageV04P380 # وذلك لشدة عذابها، {ثم لا يموت فيها} فيستريح، {ولا يحيا(13)} حياة ~~تنفعه، بخلاف نار الدنيا؛ لأن نار الدنيا تقتل من يلقى فيها فيستريح منها، ~~وتلك لا يموت فيها. # {قد أفلح من تزكى(14)} تطهر من المعاصي، ودخل في نزهة الطاعة، {وذكر اسم ~~ربه} بقلبه ولسانه، {فصلى(15)} لقوله: {أقم الصلاة لذكري} (¬1) وفيه إشعار ~~بأن الصلاة يراد بها الذكر. # {بل تؤثرون الحياة الدنيا(16)} فلا تفعلون ما يسعدكم في الآخرة، (لعله) ~~لأن الإنسان خلق عجولا، والدنيا أحضرت وعجل طعامها وشرابها ونساؤها ولذتها ~~وبهجتها، {والآخرة خير وأبقى(17)} فإن نعيمها ملذ بالذات، خالص عن الغوائل ~~لا انقطاع له. # {إن هذا لفي الصحف الأولى(18)} الإشارة إلى ما سبق، من {قد أفلح...} فإنه ~~جامع أمر الديانة، وخلاصة الكتب المنزلة، {صحف إبراهيم وموسى(19)} قيل: إن ~~هذه السورة، أو حكمها في صحف إبراهيم وموسى. # |||| # سورة الغاشية # بسم الله الرحمن الرحيم # {هل أتاك حديث الغاشية(1)}؟ الداهية التي تغشي الناس بشدائدها، يعني: يوم ~~القيامة، أو النار؛ {وجوه يومئذ خاشعة(2)} ذليلة، {عاملة ناصبة(3)} تعمل ما ~~تتعب فيه، كجر السلاسل، وخوضها في النار خوض الإبل في الوحل، والصعود ~~والهبوط في تلالها؛ أو عملت ونصبت في أعمال لا تنفعها يومئذ، {تصلى} (لعله) ~~تقاسي {نارا حامية(4) تسقى من عين آنية(5)} متناهية في الحر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة طه: 14. PageV04P381 # ليس لهم طعام إلا من ضريع(6)} قيل: يبيس الشبرق، وهو شوك ترعاه الإبل ما ~~دام رطبا؛ وقيل: شجرة نار تشبه الضريع؛ وقيل: طعامهم الضريع: شيء في النار ~~شبه الشوك، أمر من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأشد حرا من النار؛ والمراد: ~~طعامهم مما تتحاماه الإبل، وتتعافاه لضره وعدم نفعه، كما قال: {لا ms0987 يسمن ولا ~~يغني من جوع(7)} والمقصود من الطعام أحد الأمرين، (لعله) وهذا مقصود به ~~تعذيب كله. # {وجوه يومئذ ناعمة(8) لسعيها راضية(9)} رضيت بعملها لما رأت ثوابه، {في ~~جنة [660] عالية(10)} علية المحل والقدر، {لا تسمع فيها لاغية(11)} لغوا، ~~أو كلمة ذات لغو، أو نفسا تلغو، لأن ذلك يتأذى به المؤمن لكراهته على الله، ~~وأن كلام أهل الجنة الذكر والحكم، فإن ذلك به يتنعمون. # {فيها عين جارية(12)} يجري ماؤها ولا ينقطع، {فيها سرر مرفوعة(13)} رفيعة ~~السمك، أو القدر، {وأكواب} جمع كوب: وهو إناء لا عروة له فيما قيل، ~~{موضوعة(14)} بين أيديهم {ونمارق} وسائد (¬1) جمع: نمرقة، {مصفوفة(15)} ~~مبسوطة، {وزرابي} بسط فاخرة، جمع: زربية {مبثوثة(16)} مبسوطة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «مسائد»، ولا معنى له. PageV04P382 # أفلا ينظرون} نظر اعتبار {إلى الإبل كيف خلقت(17)}؟ خلقا دالا على كمال ~~قدرته وحسن تدبيره، حيث خلقها لجر الأثقال إلى البلاد النائية، باركة ~~للحمل، منقادة لمن اقتادها، طول الأعناق لتنوء بالأوقار، وترعى كل نابت، ~~وتحتمل العطش إلى عشر فصاعدا، ليتأتى لها قطع البراري والمفاوز، مع ما لها ~~من منافع أخر؛ ولذلك خصت بالذكر، لبيان الآيات المثبتة في الحيوانات التي ~~هي أشرف المركبات وأكبرها صنعا، ولأنه أعجب ما عند العرب من هذا النوع. ~~يروى عن المفضل أنه قال: «عجبهم تعالى من الإبل تحمل وقرها باركة، فيعلمون ~~أن لها صانعا أفردها بذلك، ليعلم من له لب أن للأشياء صانعا يخالف بين ~~خلقها، ولو لم يكن لذلك لكانت الدواب وغيرها من الأجناس على خلق واحد». # {وإلى السماء كيف رفعت(18) وإلى الجبال كيف نصبت(19)} فهي راسخة لا تميل؛ ~~{وإلى الأرض كيف سطحت(20)} بسطت حتى صارت مهادا؛ قيل: هل يقدر أحد أن يخلق ~~مثل الإبل؟ أو يرفع مثل السماء؟ أو ينصب مثل الجبال؟ أو يسطح مثل الأرض ~~غيري؟ والمعنى: أفلا ينظرون إلى أنواع المخلوقات والمركبات ليتحققوا كمال ~~قدرة الخالق، فلا ينكر اقتداره على البعث؟. ولذلك عقب به أمر المعاد، ورتب ~~عليه الأمر بالتذكير، فقال: {فذكر إنما أنت مذكر(21)} إن عليك إلا البلاغ، ~~{لست عليهم بمسيطر(22)} بمسلط، ms0988 وقد قرئ بالصاد. # {إلا من تولى وكفر(23)} لأن من تولى وكفر {فيعذبه الله العذاب ~~الأكبر(24)} وهو عذاب الآخرة، ينبئ على أنه أعظم وأكبر من كل عذاب في ~~الدنيا، وإن عظم أمره فعذابه في الآخرة لا يشبهه عذاب في الدنيا، وثوابه في ~~الآخرة لا يشبهه ثواب في الدنيا؛ {إن إلينا إيابهم(25)} رجوعهم؛ {ثم إن ~~علينا حسابهم(26)}. # {{{{ PageV04P383 سورة الفجر # بسم الله الرحمن الرحيم # {والفجر(1) وليال عشر(2)} ذي الحجة فيما قيل، {والشفع والوتر(3)} ~~والأشياء كلها شفعها ووترها؛ أو وبالخلق كقوله: {ومن [661] كل شيء خلقنا ~~زوجين} (¬1) والخالق لأنه فرد. {والليل إذا يسر(4)} إذا سار وذهب، {هل في ~~ذلك} القسم أو المقسم به، {قسم} حلف، أو محلوف، {لذي حجر(5)}؟ يعتبره ويؤكد ~~به ما يريد تحقيقه؛ والحجر: العقل، سمي، لأنه يحجر عما لا ينبغي، كما سمي عقلا. # {ألم تر كيف فعل ربك بعاد(6) إرم ذات العماد(7)} ذات البناء الرفيع؛ قيل: ~~كان لعاد ابنان: شداد وشديد، فملكا وقهرا، ثم مات شديد، فخلص الأمر لشداد، ~~وملك المعمورة، ودانت له ملوكها؛ فسمع بذكر الجنة فبنى على مثلها في بعض ~~صحاري عدن جنة، وسماها “إرم”، ثم سار إليها بأهله؛ فلما كان منها على مسيرة ~~يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا؛ وقيل: إنه خرج في طلب ~~إبله فوقع عليها. # {التي لم يخلق مثلها في البلاد(8) وثمود الذين جابوا الصخر} قطعوه ~~واتخذوه منازل، كقوله: {وتنحتون من الجبال بيوتا} (¬2) {بالوادي(9)}. # {وفرعون ذي الأوتاد(10)} لكثرة جنوده، ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا ~~نزلوا، أو لنعذبنه بالأوتاد، {الذين طغوا في البلاد(11)} صفة للمذكورين عاد ~~وثمود وفرعون، {فأكثروا فيها الفساد(12)} بالكفر والظلم {فصب عليهم ربك سوط ~~عذاب(13)} ما خلط لهم من أنواع العذاب، وأصله الخلط؛ {إن ربك ~~لبالمرصاد(14)} المكان الذى يترقب فيه الرصد، وهو تمثيل لإرصاده العصاة ~~بالعذاب الأدنى والآخرة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الذاريات: 49. # (¬2) - ... سورة الشعراء: 149. PageV04P384 # فأما الإنسان} متصل بقوله: {إن ربك لبالمرصاد} كأنه قيل: إنه لبالمرصاد ~~من الآخرة، فلا يريد منه إلا السعي لها، فأما الإنسان فلا يهمه إلا الدنيا ~~ولذتها، {إذا ما ابتلاه ms0989 ربه} اختبره بالغنى واليسر، {فأكرمه ونعمه} بالجاه ~~والمال، {فيقول ربي أكرمن(15)} فضلني بما أعطاني باستحقاقي، لا يرى الكرامة ~~من الله إلا بكثرة الحظ من الدنيا. # {وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه} إذ (¬1) التقدير: وأما الإنسان إذا ~~ما ابتلاه، أي: بالفقر والتقدير ليوازن قسمه، {فيقول: ربي أهانن(16)} لقصور ~~نظره، وسوء فكره، فإن التقدير يؤدي إلى كرامة الدارين؛ إذ التوسعة قد تفضي ~~إلى قصد الأعداء (¬2) ، والانهماك في حب الدنيا؛ ولذلك ذمه على قوليه، ~~وردعه عنه بقوله: {كلا} (لعله) كذبهما بقوله: {كلا}، يقول: ليس هذا ~~بكرامتي، ولا هذا بهواني؛ ولكن التكريم من أكرمته بطاعتي، غنيا كان أو ~~فقيرا؛ {بل لا تكرمون اليتيم(17) ولا تحاضون على طعام المسكين(18)} بل ~~فعلهم أسوء من قولهم (¬3) ، وأدل على تهالكهم بالمال، وهو أنهم لا يكرمون ~~اليتيم بالنفقة والمبرة، ولا يحثون أهلهم على طعام المسكين فضلا عن غيرهم. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «إذا»، وصححناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص255. # (¬2) - ... كذا في تفسير البيضاوي أيضا، ولعل الصواب: «الاعتداء به». ~~انظر: المصدر نفسه. # (¬3) - ... في الأصل: «بل فعلهم أسوأ من فعلهم»، ولا معنى لهذا التكرار، ~~وصححناه من المصدر نفسه. PageV04P385 # وتأكلون التراث}[662] الميراث، وأصله وراث (¬1) ، {أكلا لما(19)} (¬2) ذا ~~لم: أي جمع بين الحلال والحرام، فإنهم لا يطهرونه من الحقوق والوصايا؛ أو ~~يأكلون أنصباءهم وأنصباء شركائهم (لعله) الضعفاء؛ أو يأكلون ما جمعه ~~الموروث من حلال وحرام مع علمهم بذلك؛ وقيل: الأكل اللم: الذي يأكل كل شيء ~~يجده، لا يسأل عنه أحلال أم حرام؛ ويأكل الذي له ولغيره؛ يقال: (لعله) لممت ~~ما على الجواب[كذا]: إذا أتيت ما عليه حتى أكلته. # {وتحبون المال حبا جما(20)} كثيرا مع حرص وشره، وهو من صفاتهم المذمومة، ~~لأنهم أمروا بحب الله وطاعته، ولا يتفق حبهم لهذا وهذا، لأنها أضداد لا ~~تكاد تتفق. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «وارث»، وهو خطأ، وقد نقل هذا الخطأ من تفسير أبي ~~السعود. وصححناه من البيضاوي والألوسي الذي يقول: «{وتأكلون التراث}: أي ~~الميراث، وأصله: وراث، فأبدلت الواو تاء». الألوسي: روح المعاني، ج30/ ~~ص127. وانظر: البيضاوي: تفسير، ج4/ ms0990 ص255. أبو السعود: تفسير، مج5/ ج9/ ص157. # (¬2) - ... في الحاشية: «وأظن أنه قد صح تقديم وتأخير في تفسير {أكلا ~~لما}»، وقد صححناه حسب السياق، فقدمنا قوله: «ذا لم... مع علمهم بذلك» على ~~عبارة «وقيل: الأكل اللم... حتى أكلته». PageV04P386 # كلا} ردع لهم عن ذلك وإنكار، وما بعده وعيد عليه، {إذا دكت الأرض دكا ~~دكا(21)} دكا بعد دك، حتى صارت هباء منبثا، {وجاء ربك} أي: ظهرت آيات ~~قدرته، وآثار قهره؛ مثل ذلك بما يظهر عند حضور السلطان من آثار هيبته ~~وسياسته، {والملك صفا صفا(22)} بحسب منازلهم ومراتبهم، (لعله) هكذا أخبر ~~الله عن يوم القيامة أن الملائكة تكون يوم العروض صفوفا، ويأتي أمر الله ~~بما قد حكم وقضى وقسم من أهوال يوم القيامة، {وجيء يومئذ بجهنم} لقوله: ~~{وبرزت الجحيم لمن يرى} (¬1) . # {يومئذ يتذكر الإنسان} أي: يتذكر معاصيه؛ أو يتعظ، لأنه يعلم قبحها فيندم ~~عليها، {وأنى له الذكرى(23)} (لعله) ومن أين له التوبة؟ أي: منفعة الذكرى. # {يقول: يا ليتني قدمت لحياتي(24)} أي: لحياتي الأبدية، فإن غيرها ليست ~~بحياة في الحقيقة {فيومئذ لا يعذب عذابه أحد(25) ولا يوثق وثاقه ~~أحد(26)}«الهاء» لله، أي: لا يتولى عذاب الله ووثاقه يوم القيامة سواه، إذ ~~الأمركله له. # {يا أيتها النفس المطمئنة(27)} على إرادة القول، وهي التي اطمأنت بذكر ~~الله، فإن النفس تترقى في سلسلة الأسباب إلى الواجب لذاته، {ارجعي إلى ربك} ~~إلى أمره، أو موعده بالموت؛ (لعله) وقيل: يقال لها عند الموت وخروجها من ~~الدنيا: رضي عنها ربها؛ فإذا كان يوم القيامة قيل لها: ادخلي في عبادي، ~~{راضية} بما أوتيت، {مرضية(28)} عند الله، {فادخلي في عبادي(29)} الصالحين، ~~{وادخلي جنتي(30)} معهم. # pppp # سورة البلد # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النازعات: 36. PageV04P387 # لا أقسم بهذا البلد(1) وأنت حل بهذا البلد(2)} أقسم سبحانه بالبلد ~~الحرام، وقيده بحلول الرسول فيه إظهارا لمزيد فضله، {ووالد وما ولد(3) لقد ~~خلقنا الإنسان في كبد(4)} في تعب ومشقة، من كبد الرجل كبدا، إذا وجعته كبده ~~ومنه المكابدة، وذلك يعم المؤمن والكافر، وإذا كانت المكابدة لا بد منها، ~~كان ms0991 بذلها في الطاعة أولى، وإلا كانت [663] مغرما على صاحبها. # {أيحسب} لبعضهم الذي كان يكابد منه أكثر؛ أو لكل أحد منهم؛ أو الإنسان، ~~{أن لن يقدر عليه أحد(5) يقول: أهلكت مالا لبدا(6)} على عداوة محمد؛ {أيحسب ~~أن لم (¬1) يره أحد(7)} أيظن أن الله لم ير ذلك منه، ولم يسأله عن ماله من ~~أين كسبه وأين أنفقه؟. يعني: إن الله يراه فيجازيه، ثم قرر ذلك بقوله: {ألم ~~نجعل له عينين(8)} يبصر بهما، {ولسانا} يترجم به عن ضمائره، {وشفتين(9)} ~~يستعين بهما على النطق والأكل والشرب وغير ذلك، {وهديناه النجدين(10)} ~~طريقي الخير والشر. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «أن لن يراه»، وفي تفسير البيضاوي: «لن يره»، ومن ~~العجيب أن ينقل الآية من البيضاوي مع خطئها. انظر: البيضاوي: ج4/ ص 256. PageV04P388 # فلا اقتحم العقبة(11)} أي: فلم يشكر تلك الأيادي باقتحام العقبة، وهو ~~الارتقاء في مصاعب الأمور على النفس، إلا أن فيه السلامة؛ والعقبة: الطريق ~~في الجبل، استعارها لما فسرها به من الفك والإطعام في قوله: {وما أدراك ما ~~العقبة(12) فك رقبة(13) أو إطعام في يوم ذي مسغبة(14)} مجاعة، {يتيما ذا ~~مقربة(15)} (لعله) ذا قرابة {أو مسكينا ذا متربة(16)} (لعله) شدة حال لما ~~فيهما من مجاهدة النفس؛ وقوله: {وما أدراك ما العقبة} اعتراض، معناه: إنك ~~لم تدر كنه صعوبتها وثوابها. # {ثم كان من الذين آمنوا} لأن الكافر لا ينتفع بعمل، {وتواصوا بالصبر} ~~وأوصى بعضهم بعضا بالصبر على طاعة الله، {وتواصوا بالمرحمة(17)} بالرحمة ~~على عباده، أو بموجبات رحمة الله، {أولئك أصحاب الميمنة(18)} اليمين، أو اليمن. # {والذين كفروا بآياتنا} بما نصبناه دليلا على حق، من كتاب وحجة، أو ~~إلهام، {هم أصحاب المشأمة(19)} الشمال، أو الشؤم؛ قيل: ولتكرير ذكر ~~المؤمنين باسم الإشارة، والكفار بالضمير شأن لا يخفى، {عليهم نار ~~مؤصدة(20)} مطبقة، من أوصدت الباب إذا أطبقته وأغلقته. # سورة الشمس # بسم الله الرحمن الرحيم # { PageV04P389 والشمس وضحاها(1)} وضوئها إذا أشرقت؛ وقيل: هو النهار كله، ~~وقيل: حرها؛ {والقمر إذا تلاها(2)} تلا طلوعه طلوع الشمس أول الشهر، أو ~~غروبها ليلة البدر، أو في الاستدارة وكمال النور، ms0992 {والنهار إذا جلاها(3)} ~~جلا الظلمة إذا كشفها، فإنها تنجلي إذا انبسط النهار، أو الظلمة أو الدنيا، ~~{والليل إذا يغشاها(4)} يستر[ها]، {والسماء وما بناها(5)} ومن بناها؛ كأنه ~~قيل: والشيء القادر الذي بناها، ودل على وجوده وكمال قدرته بناؤها، ولذلك ~~أفرد ذكره؛ وكذا الكلام في قوله: {والأرض وما طحاها(6)} بسطها، {ونفس وما ~~سواها(7)} (لعله) تسوية خلقها للإلهام. # {فألهمها فجورها وتقواها(8)} إلهام الفجور والتقوى: إفهامهما وتعريف ~~حاليهما، والتمكين من الإتيان بهما، وبمعنى: أنه تعالى ألهم العبد وبين له ~~ما هو فيه تقواه فيتبعه، وما فيه هلاكه فيجتنبه؛ وقيل: جعل فيها ذلك، يعني: ~~بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه إياها للفجور، وذلك أن الله تعالى خلق في ~~المؤمن [664] التقوى، وفي الكافر الفجور. # {قد أفلح من زكاها(9)} أنماها وطهرها من خبائث الشيطان بالعلم والعمل، ~~كأنه لما أراد به الحث على تكميل النفس والمبالغة فيه، أقسم عليه بما يدلهم ~~على العلم بوجود الصانع، ووجوب ذاته وكمال صفاته، الذي هو أقصى درجات القوة ~~العلمية، {وقد خاب من دساها(10)} أهملها وأنقصها حقها، وأخفاها بالجهالة ~~والفسوق. # { PageV04P390 كذبت ثمود بطغواها(11)} بسبب طغيانها، {إذ انبعث} قام ~~{أشقاها(12)} (لعله) عاقر الناقة أشقى ثمود؛ قيل: هو قدار بن سالف، أو هو ~~ومن والاه على قتل الناقة، وذلك لتوليهم العقر، {فقال لهم رسول الله: ناقة ~~الله} أي: ذروا ناقة الله، واحذروا عقرها، {وسقياها(13)} وسقيها فلا ~~تذودوها عنها، {فكذبوه} فيما حذرهم منه من حلول العذاب إن فعلوا، {فعقروها، ~~فدمدم عليهم ربهم} فأطبق عليهم العذاب، وهو من تكرير قولهم: ناقة مدمومة: ~~إذا لبسها الشحم، {بذنبهم} بسببه، {فسواها(14)} فسوى الدمدمة بذنبهم؛ أو ~~عليهم {ولا يخاف عقباها(15)} عاقبة الدمدمة؛ أو عاقبة هلاكهم. # \\\\ # سورة الليل # بسم الله الرحمن الرحيم # {والليل إذا يغشى(1)} أي: يغشى الشمس، أو النهار، أو كلاهما؛ أ[ي] يواريه ~~بستره، {والنهار إذا تجلى(2)} ظهر بزوال ظلمة الليل، أو تبين بطلوع الشمس، ~~{وما خلق الذكر والأنثى(3)} والقادر الذي صنع الذكر والأنثى من كل نوع؛ ~~وقيل: “ما” مصدرية، {إن سعيكم لشتى(4)} إن مساعيكم لأسباب مختلفة، (لعله) ~~فساع في فكاك نفسه، وساع ms0993 في عطبها وهلاكها. # {فأما من أعطى} (لعله) ماله في سبيل الله، {واتقى(5)} (لعله) ربه بطاعته، ~~{وصدق بالحسنى(6)} المعنى: من أعطى الطاعة واتقى المعصية، وصدق بالكلمة ~~الحسنى، وهي كلمة التوحيد، {فسنيسره لليسرى(7)} من أمر الدارين. # { PageV04P391 وأما من بخل} بما أمر به، {واستغنى(8)} واستغنى بشهوات ~~الدنيا عن نعيم العقبى، أو استغنى بتدبيره عن توفيق الله، {وكذب ~~بالحسنى(9)} بإنكار مدلولها، {فسنيسره للعسرى(10)} من أمر الدارين، {وما ~~يغني عنه ماله} إنكار، {إذا تردى(11)} هلك، “تفعل” من الردى، أو تردى في ~~مخنق الموت، أو قعر جهنم، {إن علينا للهدى(12)} للإرشاد إلى الحق بموجب ~~قضائنا، أو بمقتضى حكمنا، فإن علينا طريقة الهدى لقوله: {وعلى الله قصد ~~السبيل} (¬1) . # {وإن لنا للآخرة والأولى(13)} فنعطي في الدارين ما نشاء (¬2) لمن نشاء؛ ~~أو ثواب الهداية للمهتدين؛ أو فلا يضرنا ترككم الاهتداء، [665] أو فمن ~~طلبهما من غير مالكهما فقد طمع في غير مطمع. # {فأنذرتكم نارا تلظى(14)} تتلهب، {لا يصلاها} لا يلزمها مقاسيا شدتها ~~(¬3) {إلا الأشقى(15)} إلا الكافر {الذي كذب وتولى(16)} أي: كذب الحق، ~~وأعرض عن الطاعة، {وسيجنبها الأتقى(17)} الذي اتقى المعصية، {الذي يؤتي ~~ماله} يصرفه في مصارف الخير، فإنه {يتزكى(18)} يطلب أن يكون عند الله زاكيا ~~لا رياء ولا سمعة. # {وما لأحد عنده من نعمة تجزى(19)} فيقصد بإتيانه مجازاتها، {إلا ابتغاء ~~وجه ربه الأعلى(20) ولسوف يرضى(21)} بثواب الله في العقبى عوضا على عمله؛ ~~وعد بالثواب الذي يرضاه. # ]]]] # سورة الضحى # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة النحل: 9. # (¬2) - ... في الأصل: «من تشاء»، وهو خطأ. # (¬3) - ... في الأصل: «شتدتها»، وهو خطأ. PageV04P392 # والضحى(1) والليل إذا سجى(2)} سكن أهله؛ أو ركد ظلامه؛ من سجى البحر سجوا ~~(¬1) : إذا سكنت أمواجه، {ما ودعك ربك} وما قطعك قطع الودع (¬2) ، بمعنى: ~~ما تركك، {وما قلى(3)} وما أبغضك، {وللآخرة خير لك من الأولى(4)} فإنها ~~باقية خالصة عن الشوائب، وهذه فانية مشوبة بالمضار، وكأنه لما بين أنه ~~تعالى لا يزال يواصله بالوحي، أخبره أن حاله في الآخرة أعظم من ذلك وأجل، ~~ولنهاية أمره خير من بدايته، فإنه لا يزال يتصاعد في الرفعة والكمال. ms0994 # {ولسوف يعطيك ربك فترضى(5)} وعد شامل لما أعطاه من كمال النفس، وظهور ~~الأمر وإعلاء الدين، ولما أخر له ما لا يعرف كنهه سواه، والدلالة على أن ~~العطاء وإن تأخر كائن لا محالة لحكمة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «سجودا»، وهو خطأ. وانظر: الفيروزآبادي: القاموس، ~~ص1164، مادة: «سجي». # (¬2) - ... في تفسير البيضاوي: «قطع المودع». ج4 / ص 258. PageV04P393 # ألم يجدك يتيما فآوى(6)} تعديد لما أنعم على نبيه، على أنه (¬1) كما أحسن ~~إليه فيما مضى يحسن إليه فيما يستقبل وإن تأخر، {ووجدك ضالا} عن علم الحكمة ~~والأحكام، أو عن النبوة، {فهدى(7)} فعلمك بالوحي والإلهام والتوفيق للنظر، ~~{ووجدك عائلا} فقيرا ذا عيال {فأغنى(8)} لما حصل لك من رزقه، {فأما اليتيم ~~فلا تقهر(9)} فلا تغلبه على ماله وحقه لضعفه، وقرئ: «فلا تكهر» (¬2) أي: لا ~~تعبس في وجهه، {وأما السائل فلا تنهر(10)} فلا تزجره، {وأما بنعمة ربك ~~فحدث(11)} فإن التحدث بها شكرها؛ وقيل: المراد بالنعمة: النبوة، والتحدث ~~بها: تبليغها. # [[[[ # سورة الشرح # بسم الله الرحمن الرحيم # {ألم نشرح لك صدرك(1)} ألم نفسحه لك حتى ينشرح لمناجاة الحق ودعوة الخلق، ~~فكان غائبا حاضرا؛ أو [أ]لم نفسحه بما أودعنا فيه من الحكم، وأنزلنا عنه ~~ضيق الجهل؛ أو بما يسرنا لك [من] تلقي الوحي بعدما كان يشق عليك؛ ومعنى ~~الاستفهام: إنكار نفي الانشراح، مبالغة في إثباته، ولذلك عطف عليه: # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «أن»، وهو خطأ. # (¬2) - ... قال في القاموس: «الكهر: القهر، والانتهار، والضحك، واستقبالك ~~إنسانا بوجه عابس تهاونا به، واللهو». الفيروزآبادي: القاموس، ص 426، مادة: «كهر». PageV04P394 # ووضعنا عنك وزرك(2)} عبأك الثقيل، {الذي أنقض ظهرك(3)} الذي حملك حمله ~~على النقيض، وهو [666] صوت الرجل عند الانقباض (¬1) من ثقل الحمل، وهو ما ~~ثقل عليه من فرطاته، {ورفعنا لك ذكرك(4)} وجعل طاعته طاعته، وصلى عليه ~~ملائكته والمؤمنون. # {فإن مع العسر} كضيق الصدر والوزر، والنقض للظهر، والضلال عن علم الحكمة، ~~والعجز عن القيام بالعيال، {يسرا(5)} كالشرح والوضع والإغناء، والتوفيق ~~للاهتداء والطاعة، فلا تيأس من روح الله إذا اعترتك شدة، {إن مع العسر ~~يسرا(6)} التكرير للتأكيد، {فإذا فرغت} من (لعله) حال من ms0995 أحوال العبادة ~~{فانصب(7)} فاتعب شكرا لما عددنا عليك من النعم السالفة، ووعدنا بالنعمة ~~الآتية؛ وقيل: إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء، {وإلى ربك فارغب(8)} ~~(لعله) في جميع أحوالك للعبادة والانقطاع والسؤال. # [[[[ # سورة التين # بسم الله الرحمن الرحيم # {والتين والزيتون(1) وطور سينين(2)} يعني: الجبل الذي ناجى موسى - عليه ~~السلام - ربه، وسينين وسيناء: اسمان للموضع الذي هو فيه، {وهذا البلد ~~الأمين(3)} يأمن فيه من دخله. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الصواب «عند الانتقاض» كما في سائر التفاسير. الزمخشري: ~~الكشاف، 4/ ص614. البغوي: معالم التنزيل، ج4/ ص502. البيضاوي: تفسير، ج4/ ~~ص259. أبو السعود: تفسير، مج5/ ج9/ ص172. الألوسي: روح المعاني، ج30/ ص168. ~~وانظر معنى الانتقاض في: الفيروزآبادي: القاموس، ص589، مادة: «نقض». ابن ~~منظور: لسان العرب، ج6/ ص705-706، مادة «نقض». وفيه تحقيق مهم في معنى ~~الآية المفسرة. PageV04P395 # لقد خلقنا الإنسان} يريد الجنس، {في أحسن تقويم(4)} في أحسن تعديل لشكله ~~وصورته، وتسوية الأعضاء، وإبانته له عن غيره، بنطقه وتمييزه وعقله وتدبيره، ~~وقبوله للميثاق، واستجماع خواص الكائنات، ونظائر سائر الممكنات، (لعله) إذ ~~جعله جوهرا انطوى عليه أصداف مكنوناته. # {ثم رددناه} ثم كان عاقبة أمره حين لم يشكر النعمة في الخلقة القويمة أن ~~رددناه {أسفل سافلين(5)} من أسفل خلقا، يعني: أقبح من قبح (¬1) صورة (لعله) ~~خلقها، وهم أصحاب النار، كقوله: {أولئك هم شر البرية} (¬2) . # {إلاالذين آمنوا وعملوا الصالحات} إلا الذين ثبتوا على الطاعة، أو تابوا ~~بعد المعصية فهم في أحسن تقويم كما وصفهم، {فلهم أجر غير ممنون(6)} لا ~~ينقطع، أو لا يمن به عليهم. # {فما يكذبك بعد بالدين(7)} الخطاب للإنسان على طريقة الالتفات، أي: فما ~~جعلك كاذبا بسبب الدين؛ وإنكاره بعد هذا الدليل، يعني: إنك تكذب إذا كذبت ~~بالجزاء، فإن كل مكذب بالحق كاذب لا محالة، {أليس الله بأحكم الحاكمين(8)}؟ ~~تحقيق لما سبق، أليس الذي فعل (¬3) ذلك من الخلق والرد بأحكم الحاكمين، ~~صنعا وتدبيرا؛ ومن كان كذلك كان قادرا على الإعادة والجزاء. # SSSS # سورة العلق # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... لعل الصواب: «أقبح». # (¬2) - ... سورة البينة: 6. # (¬3) - ... في الأصل: «فعل فعل». PageV04P396 # اقرأ باسم ms0996 ربك} أي: القرآن، مفتتحا باسمه أو مستعينا باسمه، {الذي ~~خلق(1)} الذي خلق كل شيء، فيتناول كل مخلوق من الأفراد (¬1) ، ما هو أشرف ~~وأظهر صنعا [667] وتدبيرا، وأدل على وجوب العبادة المقصود من القراءة فقال: ~~{خلق الإنسان} خصص الإنسان بالذكر من بين الخلق لأنه أشرف ما على الأرض، ~~{من علق(2)} ولما كان أول الواجبات معرفته تعالى نزل أولا ما يدل على وجوده ~~وكمال قدرته، وثبوت حكمته. # {اقرأ} تكرير للمبالغة، {وربك الأكرم(3) الذي} له الكمال (لعله) في زيادة ~~كرمه على كل كريم، أنعم على عباده بأن أخرجهم إلى الوجود من العدم، وأفاض ~~عليهم ما لا يدخل تحت الحصر من النعم، ويحلم عنهم في ركوبهم المناهي ~~واطراحهم الأوامر، ولا يعاجلهم بالنقم، مما (لعله) ليس لكرمه نهاية، {علم ~~بالقلم(4)} أي: الخط بالقلم، وقرئ به، لتقيد به العلوم، ويعلم به البعيد. # {علم الإنسان ما لم يعلم(5)} فخلق القوى، ونصب الدلائل، وأنزل الآيات ~~فيعلمك القراءة وإن لم تكن قارئا، [وقد عدد] (¬2) سبحانه مبتدأ أمر الإنسان ~~ومنتهاه إظهارا لما أنعم عليه، من أن نقله من أخس المراتب إلى أعلاها، ~~تقريرا لربوبيته وتحقيقا لإكرامه، وأشار أولا إلى ما يدل على معرفته عقلا، ~~ثم نبه على ما يدل سمعا. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في العبارة خلل، وفي تفسير البيضاوي: «الذي خلق كل شيء ثم ~~أفرد ما هو أشرف وأظهر صنعا... فقال». البيضاوي: تفسير، ج4/ ص260. # (¬2) - ... في الأصل بياض قدر كلمة، وأضفناها من البيضاوي: المصدر نفسه. PageV04P397 # كلا} ردع لمن كفر بنعمة الله بطغيانه، فقال: {إن الإنسان ليطغى(6)} ~~(لعله) ليجاوز حده بالاستكبار على ربه، {أن رآه استغنى(7)} أي: لأن رأى ~~نفسه مستغنية عن ربه بأمواله وعشيرته وقوته وقوة غريزته. وعن (لعله) بعض: ~~«إذا أصاب مالا زاد في مراكبه وثيابه، وطعامه وشرابه وهمه، وأشغاله وجمعه، ~~واشتغاله بسم المال عن ترياقه، فذلك طغيانه». {إن إلى ربك الرجعى(8)} إليه ~~مرجع الأمور كلها، واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان تحذيرا له من عاقبة ~~الطغيان. # {أرأيت الذي ينهى(9) عبدا إذا صلى(10)}؟ قيل: نزلت في أبي جهل، قال: لو ~~رأيت محمدا ms0997 ساجدا لوطئت عنقه، فجاءه، ثم نكص على عقبيه، فقيل له: ما لك؟ ~~فقال: «إن بيني وبينه لخندقا من نار، وهولا وأجنحة»؛ فنزلت. # { PageV04P398 أرأيت إن كان على الهدى(11) أو أمر بالتقوى(12) أرأيت إن ~~كذب وتولى(13)}؟ عن الإيمان، {ألم يعلم} أي: الناهي {بأن الله يرى(14)}؟ ~~فيجازيه على ذلك؛ والمعنى: أخبرني [عمن] ينهى بعض عباد الله عن صلاته إن ~~كان ذلك الناهي على هدى فبما ينهى عنه، أو أمر بتقوى فيما يأمر به، من ~~عبادة الأوثان كما يعتقده، أو إن كان على التكذيب للحق، والتولي عن الصواب، ~~كما يقول: {ألم يعلم بأن الله يرى} ويطلع على أحواله، من هداه وضلاله؛ ~~وقيل: المعنى: أرأيت الذي ينهى عبدا يصلي؟ والمنهي عن الهدى آمر بالتقوى، ~~والناهي مكذب متول [668] فما أعجب من ذا؛ وقيل: الخطاب في الثانية مع ~~الكافر، فإنه تعالى كالحاكم الذي حضره الخصمان، فخاطب هذا مرة، والآخر ~~أخرى، وكأنه قال: يا كافر، أخبرني إن كان صلاته هدى، ودعاؤه إلى الله أمرا ~~بالتقوى أتنهاه؟؛ ولعلة ذكر الأمر بالتقوى في التعجب والتوبيخ، ولم يتعرض ~~له في النهي، لأن النهي كان عن الصلاة والأمر بالتقوى، فاختصر على ذكر ~~الصلاة لأنه دعوى دعوة (¬1) بالفعل؛ أو لأن نهي العبد إذا صلى يحتمل أن ~~يكون لها ولغيرها، وعامة أحوالها محصورة في تكميل نفسه بالعبادة. # {كلا} ردع للناهي، {لئن لم ينته} عما هو فيه {لنسفعا بالناصية(15)} ~~لنأخذنه بناصيته، ولنسحبنه بها إلى النار؛ والسفع: القبض على الشيء وجذبه ~~بشدة، {ناصية كاذبة خاطئة(16)}. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الصواب: - «دعوى»، كما في البيضاوي: تفسير، ج4/ ص261. PageV04P399 # فليدع ناديه(17)} أي: أهل ناديه ليعينوه، وهو المجلس الذي ينتدي فيه ~~القوم. يروى أن أبا جهل مر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ~~«أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا»؟ فنزلت (¬1) . {سندع الزبانية(18)} ~~زبانية نار جهنم ليجروه إلى النار. # {كلا} ردع أيضا للناهي، {لا تطعه} أي: اثبت أنت على طاعتك، {واسجد} ودم ~~على سجودك، {واقترب(19)} وتقرب إلى ربك. # KKKK # سورة القدر # بسم الله الرحمن الرحيم # {إنا أنزلناه في ليلة القدر(1)} الضمير للقرآن؛ ms0998 قيل: أنزل الله القرآن ~~جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء، ثم كان ينزله ~~جبرائيل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نجوما في ثلاث وعشرين سنة ~~على ما قيل، والله أعلم. # {وما أدراك ما ليلة القدر(2)}؟ يعني: ولم تبلغ درايتك على قدرها؛ ثم بين ~~ذلك فقال: # { # ¬__________ # (¬1) - ... روى الترمذي: في كتاب تفسير القرآن: حديث رقم 3272، عن ابن ~~عباس قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي، فجاء أبو جهل، فقال: ألم ~~أنهك عن هذا؟ ألم أنهك عن هذا؟ ألم أنهك عن هذا؟ فانصرف النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فزبره، فقال أبو جهل: إنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني فأنزل ~~الله: {فليدع ناديه سندع الزبانية}، فقال ابن عباس: فوالله لو دعا ناديه ~~لأخذته زبانية الله. قال: هذا حديث حسن غريب صحيح. وفيه عن أبي هريرة - رضي ~~الله عنه - 0 ورواه أحمد: مسند بني هاشم: 2207، 2887. العالمية: موسوعة ~~الحديث، مادة البحث: «فليدع ناديه». PageV04P400 # ليلة القدر خير من ألف شهر(3)} أي: قيامها والعمل فيها خير من قيام ألف ~~شهر ليس فيه ليلة القدر؛ كذا يوجد في جوامع الجامع (¬1) . وتسميتها بذلك ~~لشرفها، أو لتقدير الأمور فيها، لقوله: {فيها يفرق كل أمر حكيم} (¬2) . ~~والفائدة في إخفاء هذه الليلة أن يجتهد الناس في العبادة، ويحيوا الليالي ~~الكثيرة طمعا في إدراك فضلها، كما أخفى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس. # {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم} بيان لما له فضلت على ألف شهر، ~~{من كل أمر(4)} من أجل كل أمر قدر في تلك السنة. # {سلام هي} أي: ما هي إلا سلامة لأولياء الله؛ والمعنى: لا يقدر الله فيها ~~إلا السلامة والخير، ويقضي في غيرها البلاء والسلامة على ما قيل؛ أو ماهي ~~إلا سلام لكثرة سلامهم على أولياء الله وأهل طاعته، {حتى مطلع الفجر(5)} ~~أي: وقت طلوعه. # ;;;; # سورة البينة # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... تأليف أمين الدين أبي علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي، ~~المتوفى سنة 548ه / 1153م. الدكتور علي شواخ إسحاق: معجم مصنفات ms0999 القرآن ~~الكريم، منشورات دار الرفاعي للنشر والطباعة والتوزيع، الطبعة الأولى، ~~1404ه / 1984م، ج3/ ص55-56، رقم 1447. # (¬2) - ... سورة الدخان: 4. PageV04P401 # لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين} (¬1) عما كانوا عليه ~~[669] من دينهم. # {حتى تأتيهم البينة(1)} الرسول، أو القرآن فإنه مبين للحق، أو معجزة ~~الرسول بأحلامه (¬2) ، والقرآن بإفحامه، {رسول من الله} بدل من «البينة» ~~بنفسه (¬3) ، {يتلو صحفا مطهرة(2)} والرسول وإن كان أميا لكنه لما تلى مثل ~~ما في الصحف كان كالتالي لها؛ وكون الصحف مطهرة: أن الباطل لا يأتي فيها، ~~وأنها لا يمسها إلا المطهرون، {فيها كتب قيمة(3)} مكتوبات مستقيمة ناطقة بالحق. # {وما تفرق الذين أوتوا الكتاب} عما كانوا عليه، {إلا من بعد ما جاءتهم ~~البينة(4)} إلا من بعدما قامت عليهم الحجة، {وما أمروا} أي: في كتبهم بما ~~فيها، {إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} لا يشركون به شيئا، {حنفاء} ~~مائلين عن العقائد الزائغة، {ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة} ولكنهم حرفوا ~~وعصوا، {وذلك دين القيمة(5)} دين الملة القيمة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الحاشية عبارة لم يحل إليها الناسخ من المتن، جاء فيها: ~~«وسألته عن قوله: {لم يكن الذين كفروا} أهو نفي؟ قال: نعم، هكذا عندي؛ قال ~~له: {منفكين} ما عنى بذلك؟ قال: الذي يقع لي أن الانفكاك من الشيء: خروجه؛ ~~قلت: فيخرج أنه لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين خارجين من ~~الإسلام، ولا يلحقهم معنى اسم الشرك والضلال إلا بحجة تنزل عليهم (لعله) ~~فيردونها، قال: هكذا يقع لي. قيدته على المعنى». # (¬2) - ... في تفسير البيضاوي: «بأخلاقه»، ويبدو أنه الصواب. ج4/ ص262. # (¬3) - ... في تفسير البيضاوي: «بنفسه أو بتقدير مضاف». المصدر نفسه. PageV04P402 # إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها} أي: ~~يوم القيامة؛ أو في الحال لملابستهم ما يوجب ذلك؛ واشتراك الفريقين في جنس ~~العذاب لا يوجب اشتراكهما في نوعه، فلعله يختلف لتفاوت كفرهما، {أولئك هم ~~شر البرية(6)} أي: الخليقة، وقرئ بالهمز على الأصل. # {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية(7)} (لعله) حتى ~~قيل: إنهم أفضل من الملائكة لعموم اللفظ؛ ms1000 وقيل: إن الملائكة أفضل (لعله) من ~~المؤمنين، {جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه} (لعله) وثواب رضاك عنه رضاه عنك؛ {ذلك} ~~المذكور من الجزاء والرضوان. (لعله) قال السري: «إذا كنت لا ترضى عن الله، ~~فكيف تسأله الرضى عنك؟». {لمن خشي ربه(8)} (لعله) عن أن يعصيه، فإن الخشية ~~ملاك الأمر والباعث على كل خير. # سورة الزلزلة # بسم الله الرحمن الرحيم # {إذا زلزلت الأرض زلزالها(1)} اضطرابها المقدر لها عند النفخة الأولى أو ~~الثانية، أو الممكن لها واللائق لها في الحكمة، {وأخرجت الأرض أثقالها(2)} ~~ما فيها من الأموات، {وقال الإنسان: ما لها(3)}؟ لما بهره من الأمر الفظيع؛ ~~وقيل المراد بالإنسان: الكافر؛ فإن المؤمن يعلم ما لها. # {يومئذ تحدث} الخلق بلسان الحال {أخبارها(4)} ما لأجله زلزالها وإخراجها، ~~{بأن ربك أوحى لها(5)} أي: تحدث بسبب إيحاء ربك لها، بأن أحدث فيها ما دلت ~~عليه على الإخبار. # { PageV04P403 يومئذ يصدر الناس} من مخارجهم، من القبور إلى الموقف ~~{أشتاتا} متفرقين بحسب مراتبهم، {ليروا أعمالهم(6)} جزاء أعمالهم، {فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره(7) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره(8)} وذلك أن سيئات ~~المؤمن [670] مغفورة، فلم يبق له إلا جزاء الخير، وأعمال الكافر محبوطة فلم ~~يبق له إلا جزاء معاصيه. # سورة العاديات # بسم الله الرحمن الرحيم # {والعاديات ضبحا(1)} قيل: أقسم الله بخيل الغزاة تعدو فتضبح ضبحا، وهو ~~صوت أنفاسها عند العدو، {فالموريات قدحا(2)} التي توري النار، {فالمغيرات} ~~تغير بأهلها على العدو، {صبحا(3)} أي: في وقته، {فأثرن} هيجن بذلك الوقت ~~{به نقعا(4)} غبارا أو صياحا، {فوسطن به} فتوسطن بذلك العدو، [أو] الوقت، ~~أو بالعدو، أو بالنقع، أو ملتبسات به، {جمعا(5)} من جموع الأعداء. # روي أنه - عليه السلام - : بعث خيلا فمضت شهرا لم يأته منهم خبر، فنزلت؛ ~~وتحتمل أن يكون القسم بالنفوس العادية إثر كمالهن، الموريات بأفكارهن أنوار ~~المعارف، والمغيرات على الهوى، والعاديات إذا ظهر لهن مثل أنوار القدس؛ ~~فأثرن به شوقا، فوسطن به جمعا من جموع العليين. # {إن الإنسان لربه لكنود(6)} ms1001 لكفور؛ من كند النعمة كنودا، {وإنه على ذلك} ~~وإن الإنسان على كنوده {لشهيد(7)} يشهد على (لعله) نفسه لظهور أثره عليه؛ ~~أو أن الله على كنوده لشهيد، فيكون وعيدا. # {وإنه لحب الخير} المال {لشديد(8)} لبخيل، أو لقوي مبالغ فيه، (لعله) وهو ~~من أذم صفاته، لأنه يبعد عن حب الله وطاعته، بدليل قوله: # { PageV04P404 أفلا يعلم إذا بعثر} بعث {ما في القبور(9)} من الموتى، ~~{وحصل ما في الصدور(10)} من خير وشر، وتخصيصه، لأنه الأصل، {إن ربهم بهم ~~يومئذ} وهو يوم القيامة {لخبير(11)} عالم بما أعلنوا وما أسروا فيجازيهم. # ]]]] # سورة القارعة # بسم الله الرحمن الرحيم # {القارعة(1)} (لعله) اسم من أسماء القيامة، لأنها تقرع القلوب بالفزع، ~~{ما القارعة(2)} تهويل عظيم لها، {وما أدراك ما القارعة(3)}؟ سبق بيانه في ~~الحاقة (¬1) ، {يوم يكون الناس كالفراش المبثوث(4)} في كثرتهم وانتشارهم ~~واضطرابهم، {وتكون الجبال كالعهن المنفوش(5)} كالصوف ذي الألوان، المندوف ~~لتفرق أجزائها. # {فأما من ثقلت موازينه(6)} أي: صارت حسناته مثبتة، وسيئاته ممحاة، {فهو ~~في عيشة راضية(7)} ذات رضى أو مرضية. # {وأما من خفت موازينه(8)} صارت حسناته محبوطة، وسيئاته مثبتة، {فأمه ~~هاوية(9)} فمأواه النار، والهاوية من أسمائها، والساعي لها هاو، كما أن ~~الساعي للخير مرتق (¬2) ، {وما أدراك ما هيه(10) نار حامية(11)} ذات حمى. # سورة التكاثر # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... انظر: ج4/ ص 304. من هذا التفسير. # (¬2) - ... في الأصل: «والساعي لها هاوي، كما أن الساعي للخير مرتقي». PageV04P405 # ألهاكم التكاثر(1)} شغلكم (لعله) عن عبادة الله، وأصله الصرف إلى اللهو ~~(¬1) ، منقول من لها إذا غفل، لقوله: {لا تلهيهم تجارة...} الآية (¬2) ، ~~والتكاثر: التباهي بالكثرة مع الأقران، {حتى زرتم المقابر(2)} معناه: ~~ألهاكم التكاثر بالأموال [671] والأولاد، إلى أن متم وصرتم مضيعين أعماركم ~~في طلب الدنيا عما هو أهم لكم، وهو السعي لأخراكم، فيكون زيارة القبور ~~عبارة عن الموت. # {كلا} ردع وتنبيه على أن العاقل ينبغي أن لا يكون جميع همه ومعظم سعيه ~~للدنيا، فإن عاقبة ذلك وبال وحسرة، {سوف تعلمون(3)} خطأ رأيكم إذا عاينتم ~~ما وراءكم؛ وهو إنذار ليخافوا وينتبهوا من غفلتهم، {ثم كلا سوف تعلمون(4)} ms1002 ~~تكرير للتأكيد، وفي «ثم» دلالة على أن الثاني أبلغ من الأول عند الموت؛ أو ~~الثاني عند النشور. # {كلا لو تعلمون علم اليقين(5)} أي: لو تعلمون ما بين أيديكم علم الأمر ~~اليقين، كعلمكم ما تستيقنونه لشغلكم ذلك عن غيره، أو لفعلتم ما لا يوصف ولا ~~يكتنه، (لعله) ولكنكم ضلال، فحذف الجواب للتفخيم، ولا يجوز أن يكون قوله: ~~{لترون الجحيم(6)} جوابا، لأنه محقق الوقوع، بل هو جواب قسم محذوف، أكد به ~~الوعيد، وأوضح به ما أنذرهم منه بعد إبهامه تفخيما. # {ثم لترونها عين اليقين(7)} أي: الرؤية التي [هي] نفس اليقين، فإن علم ~~المشاهدة أعلى مراتب اليقين؛ (لعله) والجحيم: النار الشديدة التأجج (¬3) ، ~~وكل بعضها فوق بعض. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «اللهوى»، ولا معنى له. # (¬2) - ... سورة النور: 37؛ وتمامها: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ~~ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، يخافون يوما تتقلب فيه القلوب ~~والأبصار...}. # (¬3) - ... في الأصل: «التايح»، وهو خطأ. PageV04P406 # ثم لتسألن يومئذ عن النعيم(8)} عن التنعم الذي شغلكم الالتذاذ به عن أمر ~~دينكم؛ أو تسألون عن النعيم الذي خلق لأجلكم، لتستعينوا (لعله) به على أمر ~~معادكم، ففيما استعملتموه؟. # :::: # سورة العصر # بسم الله الرحمن الرحيم # {والعصر(1)} قيل: أقسم سبحانه بصلاة العصر لفضلها؛ أو بعصر النبوة؛ أو ~~بالدهر لاشتماله على الأعاجيب، لأن فيه عبرة لأولي الأبصار؛ وقيل: ورب ~~العصر، وكذلك في أمثاله. # {إن الإنسان لفي خسر(2)} إن الناس لفي خسران في مساعيهم وصرف أعمارهم [في ~~مطالبهم] (¬1) ؛ والتعريف: للجنس؛ والتنكير: للتعظيم. # {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} فإنهم اشتروا الآخرة بالدنيا، ففازوا ~~بالحياة الأبدية، والسعادة السرمدية. # {وتواصوا بالحق} بالثبات الذي لا يصح إنكاره من اعتقاد أو عمل، {وتواصوا ~~بالصبر(3)} عن المعاصي، أو على الحق، أو ما يبلوا الله به عباده. # سورة الهمزة # بسم الله الرحمن الرحيم # {ويل لكل همزة لمزة(1)} (لعله) قيل: هم المشاؤون بالنميمة؛ وقيل: الهمز ~~في الغيب، (لعله) واللمز في الوجه؛ وقيل: الهماز: النما[م]؛ واللامز: ~~المغتاب، {الذي جمع مالا وعدده(2)} وجعله عدة للنوازل؛ أو عده مرة بعد أخرى ~~تلهيا به، {يحسب أن ماله أخلده(3)} ms1003 تركه خالدا في الدنيا، فأحبه كما يحب ~~الخلود؛ أو حب المال أغفله عن الموت؛ أو طول أمله، حتى حسب أنه مخلد فعمل ~~عمل من لا يظن الموت؛ وفيه تعريض بأن المخلد هو [672] السعي للآخرة. # { # ¬__________ # (¬1) - ... إضافة من البيضاوي: ج4/ ص264. ليتم المعنى. PageV04P407 # كلا} ردع له عن حسبانه، أي: لا يخلده ماله، {لينبذن} ليطرحن {في ~~الحطمة(4)} في النار التي من شأنها أن تحطم كل ما يطرح فيها. {وما أدراك ما ~~الحطمة(5)}؟ ما النار التي لها هذه الخاصية، {نار الله} تفسير لها، ~~{الموقدة(6)} التي أوقدها الله، وما أوقده لم يقدر أن يطفئه غيره، {التي ~~تطلع على الأفئدة(7)} تعلو أوساط القلوب وتشتمل عليها؛ وتخصيصها بالذكر، ~~لأن الفؤاد ألطف ما في البدن وأشده تألما، أو لأنه محل العقائد، ومنشأ ~~الأعمال، به يثبت الثواب والعقاب. # {إنها عليهم مؤصدة(8)} مطبقة؛ من أوصدت الباب إذا أطبقته، {في عمد ~~ممددة(9)} أي: موثقين في عمد، مثل المقاطر التي تقطر فيها اللصوص. # سورة الفيل # بسم الله الرحمن الرحيم # {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل(1)}؟ الخطاب للرسول، وهو وإن لم يشهد ~~تلك الواقعة لكن شاهد آثارها، وسمع بالتواتر أخبارها، فكأنه رآها؛ وإنما ~~قال: «كيف»، ولم يقل: «ما»، لأن المراد: تذكير ما فيها من وجوه الدلالة على ~~كمال علم الله وقدرته. # {ألم يجعل كيدهم في تضليل(2)} في تضييع وإبطال؛ وقيل: في تضليل عن ما ~~أرادوا. # {وأرسل عليهم طيرا أبابيل(3)} قيل: كثيرا متفرقة يتبع بعضها بعضا، ~~{ترميهم بحجارة من سجيل(4) فجعلهم كعصف مأكول(5)} قيل: كورق الزرع، وقع فيه ~~الأكال، وهو أن يأكله الدود؛ أو أكل حبه، فبقي صفرا [منه]؛ أو كتبن أكلته ~~الدواب وراثته؛ فصاروا أشباحا بلا أرواح، وهم في الحياة كذلك في الحقيقة. # سورة قريش # بسم الله الرحمن الرحيم # { PageV04P408 لإيلاف قريش(1) إيلافهم رحلة الشتاء والصيف(2) فليعبدوا رب ~~هذا البيت(3) الذي أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف(4)} قيل: كانت لقريش ~~رحلتان للميرة، (لعله) من الشام رحلة في الشتاء، ورحلة في الصيف (¬1) ، ~~وكانوا يتآلفون ويدفنون (¬2) ما بينهم من الأحقاد والضغائن، لأجل حاجتهم ~~للميرة؛ ms1004 فأمرهم تعالى أن يتآلفوا على عبادته ولزوم طاعته، كما يأتلفون ~~للرحلة. # سورة الماعون # بسم الله الرحمن الرحيم # {أرأيت الذي يكذب بالدين(1)}؟ بالجزاء، {فذلك الذي يدع اليتيم(2)} يدفعه ~~عن حقه وصلته دفعا عنيفا، {ولا يحض} غيره {على طعام المسكين(3)} لعدم ~~اعتقاده بالجزاء. # {فويل للمصلين(4) الذين هم عن صلاتهم ساهون(5)} غافلون غير مبالين بها، ~~{الذين هم يراءون(6)} يراءون الناس بأعمالهم ليروهم الثناء عليهم، {ويمنعون ~~الماعون(7)} اللازم من أموالهم؛ والمعنى: إذا كان عدم المبالاة باليتيم من ~~ضعف الدين والموجب للذم والتوبيخ، فالسهو عن الصلاة التي [673] هي عماد ~~الدين، والرياء الذي هو شعبة من الكفر، ومنع الزكاة التي هي قنطرة الإسلام ~~أحق بذلك، ولذلك رتب عليها الويل؛ أو للتنبيه (¬3) على معنى: فويل لهم؛ ~~وإنما وضع المصلين مع الضمير للدلالة على معاملتهم مع الخالق والخلق، لأنه ~~إذا استقامت أحوالهم مع الخالق، استقامت مع الخلق، فإن فسدت مع الخالق كانت ~~مع الخلق أفسد. # ¬__________ # (¬1) - ... الصواب: «رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى ~~الشام». # (¬2) - ... في الأصل: «يتآلفوا ويدفنوا»، وهو خطأ إذ لا موجب لحذف النون، ~~ونلاحظ تكرار مثل هذا الخطإ. # (¬3) - ... في تفسير البيضاوي: «للسببية»، وهو أصوب. ج4/ ص266. PageV04P409 # ومن تفسير جامع الجوامع: «أي: هل عرفت الذي يكذب بالجزاء والحساب، وينكر ~~البعث من هو؟ إن لم تعرفه {فذلك الذي} يكذب بالجزاء وهو {يدع اليتيم}، أي: ~~يدفعه دفعا عنيفا، بجفوة وغلظة، ويرده ردا قبيحا بزجر وخشونة، {ولا يحض} ~~ولا يبعث أهله {على} بذل {طعام المسكين}، فلا يطعمه ولا يأمر بإطعامه. جعل ~~الله سبحانه علم التكذيب بالجزاء منع المعروف، والإقدام على إيذاء الضعيف؛ ~~يعني: أنه لو آمن بالجزاء وأيقن بالحسنات ورجا الثواب، وخاف العقاب، لما ~~قدم على ذلك، علم أنه مكذب. فما أشد هذا من كلام، وما أخوفه من مقام، وما ~~أبلغه في التحذير من ارتكاب المعاصي والآثام؛ وإنها جديرة بأن يستدل بها ~~على ضعف الإيمان؛ ثم وصل به قوله: {فويل للمصلين} كأنه قال: فإذا كان الأمر ~~كذلك، فويل للمصلين الذين يسهون عن الصلاة قلة مبالاة بها حتى ms1005 تفوتهم أو ~~يخرج وقتها؛ أو يستخفون بأفعالها، فلا يصلونها كما أمروا في تأدية أركانها، ~~والقيام بحقوقها وحدودها؛ لكن ينقرونها نقر الغراب من غير خشوع وإخبات، ~~واجتناب المكروهات من العبث بالشعر والتثاؤب والتمطي والالتفات، الذين ~~عادتهم الرياء والسمعة بأعمالهم، ولا يقصدون بها الإخلاص والتقرب إلى الله ~~تعالى على وجه الاختصاص، ويمنعون حقوق الله تعالى في أموالهم؛ والمعنى: إن ~~هؤلاء هم الأحقاء بأن يكونوا ساهين عن الصلاة التي هي عماد الدين، والفرق ~~بين الإيمان والكفر؛ وملتبسين بالرياء الذي هو شعبة من الشرك، ومانعين ~~للزكاة التي هي قنطرة الإسلام، وتكون صفاتهم هذه علما على أنهم مكذبون ~~بالدين، مفارقون لليقين. PageV04P410 # وعن أنس: «الحمد لله على أن لم يقل: في صلاتهم». والمراءاة: مفاعلة من ~~الإراءة، لأن المرائي يري الناس عمله، وهم يرونه الثناء عليه والإعجاب به، ~~ولا يكون الرجل مرائيا بإظهار العمل الصالح إن كان فريضة، فمن حق الفرائض ~~الإعلان بها وتشهيرها، لقوله - عليه السلام - : «ولا غمة في فرائض الله» ~~(¬1) لأنها [674] شعائر الدين وأعلام الإسلام؛ وقوله - عليه السلام - : «من ~~صلى الصلوات الخمس جماعة، فظنوا به كل خير» (¬2) ؛ وقوله - عليه السلام - ~~لأقوام لم يحضروا الجماعة: «لتحضرن المسجد أو لأحرقن عليكم منازلكم» (¬3) ؛ # ¬__________ # (¬1) - ... قال مصحح الكشاف: «هو طرف من حديث وائل بن حجر في كتاب النبيء ~~- صلى الله عليه وسلم - إلى الأقيال، وفيه: “ولا يوصم في الدين، ولا غمة في ~~فرائض الله” وقال: الغمة: السترة، أي لا تستر في فرائض الله بل ظاهر بها». ~~الزمخشري: الكشاف، 2/282. # (¬2) - ... لم نعثر عليه فيما بين أيدينا من مصادر الحديث. # (¬3) - ... لم نعثر عليه بهذا اللفظ فيما بين أيدينا من مصادر الحديث. ~~وقد روى الربيع حديثا بمعناه عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر ~~بالصلاة فيؤذن بها، ثم آمر رجلا يؤم بالناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم ~~بيوتهم. والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا أو مرماتين ~~حسنتين لشهد العشاء». ms1006 باب [28] في أوقات الصلاة، حديث 182. وروى ابن ماجه ~~في كتاب المساجد والجماعات: 787، عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - : «لينتهين رجال عن ترك الجماعة أو لأحرقن بيوتهم»..وروى ~~نحوه أحمد: باقي مسند المكثرين، رقم 7575، 7908. العالمية: موسوعة الحديث، ~~مادة البحث: «لأحرقن». PageV04P411 # ولأن تاركها يستحق الذم والتوبيخ، فوجبت إماطة التهمة بالإظهار. وإن كان ~~تطوعا فالأولى فيه الإخفاء، لأنه مما لا يلام بتركه، ولا تهمة فيه، فيكون ~~أبعد من الرياء؛ فإن أظهره قاصدا للاقتداء به كان حسنا؛ فإنما الرياء أن ~~يقصد بإظهاره أن يراه الناس فيثنوا عليه بالصلاح؛ على أن اجتناب الرياء أمر ~~صعب إلا على المخلصين، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «الرياء ~~أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة المظلمة على المسح الأسود» (¬1) . # واختلف في «الماعون»، فقيل: الزكاة؛ وقيل: هو ما يتعاون الناس بينهم، من ~~الدلو والفأس والقدر، وما لا يمنع كالماء والملح». انتهى الذي من كتاب ~~“جامع الجوامع”. # '''' # سورة الكوثر # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... لم نعثر عليه بهذا اللفظ فيما بين أيدينا من مصادر الحديث. ~~وورد عند أحمد، في مسند الكوفيين، رقم 18781: عن أبي موسى الأشعري، أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس فقال: «أيها الناس اتقوا هذا الشرك ~~فإنه أخفى من دبيب النمل»، فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه وهو ~~أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: «قولوا اللهم إنا نعوذ بك من أن ~~نشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم». العالمية: موسوعة الحديث، مادة ~~البحث: «دبيب النمل». PageV04P412 # إنا أعطيناك الكوثر(1)} الكوثر، “فوعل”، من الكثرة، وهو الخير المفرط في ~~الكثرة، من العلم والعمل، وشرف الدارين. وقيل: عن ابن عباس أنه فسر ~~«الكوثر»: بالخير الكثير، وقد أعطاه الله سبحانه ما لا غاية لكثرته من خير ~~الدارين، {فصل لربك} فدم على الصلاة خالصا لوجه الله، خلاف الساهي عنها ~~المرائي فيها، شكرا لإنعامه؛ فإن الصلاة جامعة لأقسام الشكر، {وانحر(2)} ~~البدن التي [هي] خيار أموال العرب، وتصدق على المحاويج، خلافا ms1007 لمن يدعهم ~~ويمنع عنهم الماعون؛ فالسورة كالمقابلة للسورة المتقدمة، وقد فسرت الصلاة: ~~بصلاة العيد، والنحر بالضحية. # {إن شانئك} إن من أبغضك لبغضه لك (¬1) ، {هو الأبتر(3)} لا أنت، والأبتر ~~من خير الدارين؛ كما أن الكوثر هو خير الدارين. والوعد بخير الدارين يعم كل ~~من كان على طريقته، والوعيد بانقطاع خيرهما يعم كل من عاداه، فلا يرجى منه ~~ولا فيه ولا له خير، بل كل شر محيط به. # فانظر في نظم هذه السورة الأنيق، وترتيبه الرشيق، مع قصرها ووجازتها ~~تبصرة، كيف ضمنها الله النكت البديعة، حيث بنى الفعل في أولها على المبتدإ، ~~ليدل على الخصوصية؛ وجمع ضمير المتكلم ليؤذن بكبريائه وعظمته؛ وصدر الجملة ~~بحرف التأكيد الجاري مجرى القسم؛ وأتى بالكوثر محذوف الموصوف، ليكون أدل ~~على الشباع، والتناول على طريق الاتساع؛ وعقب ذلك بفاء التعقيب، ليكون ~~القيام بالشكر الأوفر مسببا عن الإنعام بالعطاء الأكبر. # ¬__________ # (¬1) - ... وفي تفسير البيضاوي: «إن من أبغضك لبغضه الله»، ويبدو أنه ~~الصواب. انظر: ج4/ ص267. PageV04P413 # وقوله: {لربك} تعريض بدين من يعرض له بالقول المؤذي، من ابن وائل وأشباهه ~~مما (¬1) كانت [675] عبادته ونحره لغير الله. واشاربها[كذا] بين العبادتين ~~إلى نوعي العبادات: البدنية التي الصلاة إمامها، والمالية التي نحر البدن ~~سنامها؛ وحذف اللام الأخرى إذ دلت عليهما الأولى، ولمراعاة حق التشييع الذي ~~هو من جملة نظمه البديع؛ وإلى [الرسول - صلى الله عليه وسلم - ] بكاف ~~الخطاب على طريقة الالتفات، إظهارا لعلو شأنه، وليعلم بذلك أن من حق ~~العبادة أن يقصد بها وجه الله خالصا. # ثم قال: {إن شانئك} فعلله (¬2) ما أمره به من الإقبال على شأنه في ~~العبادة بذلك، على الاستئناف الذي هو جنس من التعليل رائع. وإنما ذكره ~~بصفته لا باسمه، ليتناول كل من أتى بمثل حاله، وعرف الخير ليتم به البتر، ~~وأفخم الفضل لبيان أنه المعين لهذا النقص والعيب. وذلك كله مع علو مطلعها ~~وتمام مقطعها، وكونها مشحونة بالنكت (¬3) الجليلة، متكثرة بالمحاسن غير ~~القليلة، مما يدل على أنه كلام رب العالمين، الباهر لكلام المخلوقين؛ ~~فسبحانه لو لم ينزل إلا هذه ms1008 السورة الواحدة الموجزة، لكفى به آية معجزة، لو ~~هم الثقلان أن يأتوا بمثلها، لشاب الغراب، وساب كالماء السراب قبل أن يأتوا بها. # PPPP # سورة الكافرون # بسم الله الرحمن الرحيم # {قل: يا أيها الكافرون(1) لا أعبد ما تعبدون(2)} أي: فيما يستقبل، لأنهم ~~يشركون بالله، وهو موحد لله تعالى. # {ولا أنتم عابدون ما أعبد(3) ولا أنا عابد ما عبدتم(4)} أي: في الحال؛ أو ~~فيما سلف. # { # ¬__________ # (¬1) - ... الصواب: «ممن». # (¬2) - ... لعل الصواب: «فعلل»، أو «فعلل له». # (¬3) - ... في الأصل: «بالنكتت». PageV04P414 # ولا أنتم عابدون ما أعبد(5)} أي: وما عبدتم في وقت ما أنا عابده؛ كأنه ~~قال: لا أعبد الباطل، ولا تعتقدون الحق. # {لكم دينكم} لكم جزاء عملكم الذي عملتموه، {ولي دين(6)} الذي أنا عليه لا ~~أرفضه ولا أنثني عنه، ولي جزاء عملي. # - - - # سورة النصر # بسم الله الرحمن الرحيم # {إذا جاء نصر الله} إظهاره إياك على أعدائك، {والفتح(1)} وفتح مكة؛ وقيل: ~~المراد: جنس نصر الله المؤمنين، وفتح مكة وسائر البلاد عليهم، وإنما عبر عن ~~الحصول بالمجيء تجوزا، للإشعار بأن المقدورات متوجهة من الأزل إلى أوقاتها ~~المعينة لها، فيقرب منها شيئا فشيئا، وقد قرب النصر من وقته لوروده مستعدا ~~لشكره، {ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا(2)} جماعات كثيفة. # {فسبح بحمد ربك} فتعجب لتيسير الله ما لم يخطر ببال أحد، حامدا له عليه؛ ~~أو فصل له حامدا على نعمه؛ أو فنزهه عما كانت الظلمة يقولون بما لا يجوز ~~عليه؛ حامدا له على أن صدق وعده؛ أو فأثن على الله بصفات الجلال، حامدا له ~~على صفات الإكرام، {واستغفره} هضما لنفسك، واستقصارا لعملك، [676] ~~واستدراكا لما فرط منك بالالتفات إلى غيره، {إنه كان توابا(3)} لمن استغفر، ~~(لعله) لأنك قريب (¬1) لاحق به. # سورة المسد # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... لعل الصواب: «قريبا». PageV04P415 # تبت} هلكت، أو خسرت؛ والتباب: الخسران، {يدا أبي لهب} نفسه، كقوله: {ولا ~~تلقوا بأيديكم...} (¬1) ؛ وقيل: إنما خصتا لأنه - عليه السلام - لما نزل ~~عليه: {وأنذر عشيرتك الأقربين} (¬2) جمع أقاربه فأنذرهم؛ فقال أبو لهب: تبا ~~لك، ألهذا دعوتنا؟ وأخذ حجرا ليرميه به، ms1009 فنزلت. وقيل: المراد به دنياه ~~وأخراه، {وتب(1)} إخبار بعد إخبار. # {ما أغنى عنه ماله} نفى إغناء المال عنه حين نزل به التباب، {وما كسب(2)} ~~وكسبه؛ أو مكسوبه مما له من النتائج والأرباح، والوجاهة والأتباع؛ أو عمله ~~الذي ظن أنه ينفعه، {سيصلى نارا ذات لهب(3)} اشتعال، يريد نار جهنم (لعله) ~~تتلهب عليه وتسعر به. # {وامرأته حمالة الحطب(4)} قيل المعنى: حطب جهنم، فإنها كانت تحمل الأوزار ~~بمعاداة الرسول؛ أو النميمة، فإنها توقد نار الخصومة (¬3) ؛ أو حزمة الشوك ~~كانت تحملها، فتنثرها بالليل في طريق رسول الله، (لعله) قيل: إنها كانت كافرة. # {في جيدها} (لعله) عنقها {حبل من مسد(5)} أي: مما مسد، أي: فتل؛ ومنه رجل ~~ممسود الخلق، أي: مجدوله؛ وهو ترشيح للمجاز؛ أو تصوير لها بصورة الحطابة ~~التي تحمل الحزمة وتربطها في جيدها، تحقيرا لشأنها؛ أو بيانا لحالها في نار ~~جهنم، حيث يكون على ظهرها حزمة من حطب جهنم كالزقوم والضريع، وفي جيدها ~~سلسلة من النار. # - - - # سورة الإخلاص # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة البقرة: 195. # (¬2) - ... سورة الشعراء: 214. # (¬3) - ... أحال الناسخ إلى الحاشية وكتب هذه العبارة الآتية، ولم يتبين ~~لنا موقعها من المتن: «الارتقاء والنزول المؤدي إلى الهلاك، وهو ضد؛ فتحمل ~~النميمة لزوجها فيقبلها، فتكون حطبا لها وله في نار جهنم». PageV04P416 # قل: هو الله أحد(1)} الضمير للشأن، كقولك: هو زيد منطلق؛ إذ روي أن قريشا ~~قالوا: «يا محمد صف لنا ربك الذي تدعونا إليه» فنزلت. و«أحد» بدل، أو خبر ~~ثان، يدل على مجامع صفات الجلال، كما دل الله على جميع صفات الكمال، إذ ~~الواحد الحقيقي ما يكون منزه الذات عن أنحاء التركيب والتعدد، وما يستلزم ~~أحدهما كالجسمية، والمشاركة في الحقيقة وخواصها، كوجوب الوجود، والقدرة ~~الذاتية، والحكمة التامة المقتضية للألوهية. # {الله الصمد(2)} السيد المقصود إليه في الحوائج؛ من صمد: إذا قصد، وهو ~~الموصوف به على الإطلاق، فإنه يستغني عن غيره مطلقا، وكل ما عداه محتاج ~~إليه في جميع جهاته؛ وتعريفه لعلمهم بصمديته (¬1) بخلاف أحديته؛ وتكرير ~~لفظه للإشعار بأن من لم يتصف به لم يستحق الألوهية؛ وقيل: ms1010 هو السيد الذي قد ~~انتهى [677] سؤدده؛ وقيل: هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله. # {لم يلد} لأنه لم يجانس، ولم يفتقر إلى ما يعينه، أو يخلف عنه لامتناع ~~الحاجة والفناء (¬2) عليه. ولعل الاقتصار على لفظ الماضي لوروده ردا على من ~~قال: الملائكة بنات الله، أو المسيح ابن الله، {ولم يولد(3)} وذلك أنه لم ~~يفتقر إلى شيء، ولا يسبقه عدم. # {ولم يكن له كفوا أحد(4)} أي: ولم يكن أحد يكافئه، أي: يماثله من صاحبة ~~وغيرها، وقرئ: «كفوا» بالتخفيف، و«كفوا» بالتحريك وقلب الهمزة واوا (¬3) . # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «بصدمديته»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «والغنى» وهو عكس المراد!!. وصححناه من البيضاوي: ~~ج4/ ص270. # (¬3) - ... انظر مختلف القراءات الواردة في {كفوا}: الألوسي: روح ~~المعاني، ج30/ ص277. PageV04P417 # لاشتمال هذه السورة مع قصرها جميع المعارف الإلهية، والرد على من ألحد ~~فيها قيل: جاء في الحديث أنها تعدل ثلث القرآن (¬1) ، فإن مقاصده محصورة في ~~بيان العقائد والأحكام والقصص، ومن عدلها بكله يعتبر المقصود بالذات من ذلك. # سورة الفلق # بسم الله الرحمن الرحيم # {قل: أعوذ برب الفلق(1)} المعنى: قل اعتصم وامتنع من رب الصبح، ومدبره ~~ومطلعه؛ وقيل: هو كل ما يفلقه الله كالأرض عن النبات، والجبال عن العيون، ~~والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأولاد، وهو يعم جميع الممكنات، فإنه تعالى ~~فلق ظلمة العدم بنور الإيجاد عنها. وتخصيص الصبح به، لأن فيه من تغير ~~الحال، وتبدل وحشة الليل لسرور (¬2) النور، ومحاكاة فاتحة يوم القيامة، ~~والإشعار بأن من قدر أن يزيل به ظلمة الليل عن هذا العالم، قدر أن يزيل عن ~~هذا العابد ما يخافه. ولفظ الرب أوقع من سائر أسمائه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... جاء في صحيح الإمام الربيع بن حبيب: أبو عبيدة عن جابر بن زيد ~~عن أبي سعيد الخدري أن رجلا سمع رجلا يقرأ {قل هو الله أحد الله الصمد لم ~~يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد} ويرددها، فلما أصبح غدا على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له فكأن الرجل يتقللها، فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم ms1011 - : «والذي نفسي بيده لإنها لتعدل ثلث القرآن». الربيع: ~~الجامع الصحيح، باب [3] في ذكر القرآن، حديث 8. # (¬2) - ... الصواب: «بسرور»، كما في البيضاوي: تفسير، ج4/ ص270. PageV04P418 # من شر ما خلق(2)} خص عالم الخلق بالاستعاذة عنه لانحصار الشر فيه، فإن ~~عالم الأمر خير كله، وشره اختياري، لازم ومتعد، كالكفر والظلم، وطبيعي ~~كإحراق النار وإحراق السموم. # {ومن شر غاسق} ليل عظم ظلامه، من قوله: {إلى غسق الليل} (¬1) ، وأصله ~~الامتلاء؛ يقال: غسقت العين إذا امتلأت دمعا؛ وفي القاموس: «{ومن شر غاسق ~~إذا وقب} أي: الليل إذا دخل» (¬2) ؛ أو جهل تراكمت آثامه، {إذا وقب(3)} دخل ~~ظلامه في كل شيء؛ وتخصيصه، لأن المضار فيه تكثر، ويعسر الدفع، ولذلك قيل: ~~«الليل أخفى للويل»، لكن إن تفكرت فمضمرة الظلام تحصن في الأمور الدنياوية ~~(¬3) ، وأما مضرة الجهل إذا وقبت ودخلت عمت الحالين. # {ومن شر النفاثات في العقد(4)} ومن شر النفوس، أو النساء السواحر اللواتي ~~يعقدن عقدا في خيوط وينفثن عليها؛ والنفث: هو النفخ؛ وقيل: المراد بالنفث ~~في العقد: إبطال عزائم الرجال بالحيل، مستعار من تليين العقد بنفث الريق ~~ليسهل حلها. # {ومن شر حاسد إذا حسد(5)} إذا أظهر حسده وعمل بمقتضاه، فإنه [678] لا ~~يعود ضرره منه قبل ذلك إلى المحسود، بل يخص به لاغتمامه بسروره، وتخصيصه ~~لأن العمدة في إضرار الإنسان بل الحيوان. # سورة الناس # بسم الله الرحمن الرحيم # { # ¬__________ # (¬1) - ... سورة الإسراء: 78. # (¬2) - ... في الأصل: «(لعله) أي الليل...»، ولا شك أن «لعله» من إضافة ~~الناسخ كما أوضحناه في بداية هذا التفسير. ويضيف صاحب القاموس: «أو الثريا ~~إذا سقطت لكثرة الطواعين والأسقام عند سقوطها». الفيروزآبادي: القاموس، ~~ص823، مادة: «غسق». # (¬3) - ... يبدو أن الصواب: «فمضرة الظلام تختص بالأمور الدنياوية» بدليل ~~ما يأتي. PageV04P419 # قل: أعوذ برب الناس(1)} لما كانت الاستعاذة في السورة المتقدمة من المضار ~~البدنية، وهي تعم الإنسان وغيره، والاستعاذة في هذه السورة من الأضرار التي ~~تضر النفوس البشرية وتخصيصها، عمم الإضافة وخصصه بالناس هاهنا، وكأنه قيل: ~~أعوذ من شر الموسوس إلى الناس، بربهم الذي يملك أمورهم، ويستحق عبادتهم. # {ملك الناس(2) إله الناس(3)} عطف بيان له، ms1012 فإن الرب قد لا يكون ملكا، ~~والملك قد لا يكون إلها؛ وفي هذا النظم دلالة على أنه حقيق بالإعادة، قادر ~~عليها غير ممنوع عنها، وإشعار على مراتب الناظر في المعارف، فإنه يعلم أولا ~~بما يرى عليه من النعم الظاهرة والباطنة أن له ربا، ثم يتغلغل (¬1) في ~~النظر حتى يتحقق أنه غني عن الكل، وذات كل شيء له، فهو الملك الحق، ثم ~~يستدل به على أنه المستحق للعبادة لا غير؛ وتدرج في وجوه الاستعاذة [كما ~~يتدرج في الاستعاذة] (¬2) المعتادة تنزيلا لاختلاف الصفات منزلة اختلاف ~~الذات، إشعارا بعظم الآفة المستعاذ منها. وتكرير «الناس» لما في الإظهار من ~~مزيد البيان، والإشعار بشرف الإنسان. # {من شر الوسواس} والمراد به: الموسوس، يسمى به مبالغة، والوسواس: ~~الشيطان، والوسوسة: حديث النفس والشيطان بما لا نفع فيه ولا خير، كالوسواس ~~بالكسر، والاسم بالفتح، وقد وسوس له وإليه؛ {الخناس(4)} الذي عادته أن ~~يخنس، أي: يتأخر إذا ذكر الإنسان ربه. # { # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «يتغلل»، وهو خطأ. # (¬2) - ... في الأصل: «واندرج في وجوه استعاذة المعتادة تنزيلا»، وفي ~~العبارة خلط واضح، وصححناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص271. PageV04P420 # الذي يوسوس في صدور الناس(5)} إذا غفلوا عن ذكر ربهم، وذلك كالقوة ~~الوهمية، فإنها تساعد العقل في المقدمات، فإذا آل الأمر إلى النتيجة خنست ~~وأخذت توسوسه وتشككه. # {من الجنة والناس(6)} بيان للوسواس. # - - - # تم ما أردت نسخه من [كثير] (¬1) التفاسير، وقد زدت فيه وحذفت أشياء ~~وجدتها في تفاسيرهم، وشيء منها [نقلت] (¬2) معناه لا اللفظ، وشيء منها ~~كتبته ولم يبن لي معناه، فمن قرأه أو قرئ عليه فليتدبر ما قرأه أو قرئ عليه ~~منه، ولا يعمل بشيء منه إلا أن يتبين له صوابه، ويتضح له حقه من خطئه، لأن ~~الحق واجب اتباعه، والخطأ لازم اجتنابه. # ¬__________ # (¬1) - ... هذه الكلمة غير واضحة في الأصل، وقد أضفناها باجتهادنا. # (¬2) - ... هذه الكلمة غير واضحة في الأصل، وقد أضفناها باجتهادنا. PageV04P421 # وقد نسخته من كتاب يسمى «مدارك التنزيل» (¬1) ، وكتاب «معالم التنزيل» ~~(¬2) ، ومن كتاب «أنوار التنزيل وأسرار التأويل» المعروف ب«البيضاوي» (¬3) ~~، ومن كتاب «جوامع الجامع» (¬4) ، وكلها من ms1013 تفاسير القوم، وزدت فيه أشياء ~~من (لعله) كتب أصحابنا، وشيئا من عندي، ما أرجوه أنه خارج على معاني ~~الصواب، [679] وحذفت منها ما حذفت طلبا للإيجاز. # والحمد لله حق حمده والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء ~~صلى الله عليه وعليهم أجمعين. # ( # ¬__________ # (¬1) - ... في الأصل: «مدرك»، والصواب: مدارك التنزيل، أو تفسير النسفي، ~~أو تفسير القرآن الجليل، تأليف أبي بركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي ~~الحنفي، أحد الزهاد المتأخرين المتوفى سنة 701ه. انظر مصادر ترجمته في: ~~الدرر الكامنة، 2/247؛ الفوائد البهية في تراجم الحنفية، 102. ر: شواخ: ~~معجم مصنفات القرآن الكريم، ج3/ ص146، وقم 1784. # (¬2) - ... تأليف البغوي، حسين بن مسعود بن محمد الفراء، أو ابن الفراء، ~~أبو محمد، الملقب بمحيي السنة، المتوفى سنة 510ه، وقيل: 616ه / 1122م. انظر ~~مصادر ترجمته: الأزهرية، 1/297؛ الأعلام، 2/284؛ كشف الظنون، 2/1726... ر: ~~شواخ: معجم، ج3/ ص154، رقم 1803. # (¬3) - ... تأليف ناصر الدين أبي الخير، عبد الله بن عمر بن محمد بن علي ~~البيضاوي الشافعي، المتوفى سنة 685ه. انظر مصادر ترجمته: طبقات المفسرين ~~للداودي، ص102-103؛ طبقات الشافعية، 5/59؛ كشف الظنون، 2/162... ر: شواخ: ~~معجم، ج2/126، رقم 891. # (¬4) - ... تأليف الطبرسي، الفضل بن الحسن بن الفضل، أمين الدين، أبي ~~علي، المتوفى سنة 548ه / 1153م. انظر مصادر ترجمته في: الأعلام، 5/352-353؛ ~~الذريعة، 2/240؛ الخزانة التيمورية، 3/180؛ روضات الجنات، 512، ر: شواخ: ~~معجم، ج3/ ص55-56، رقم 1447. PageV04P422 # هذا ما أردت نسخه ووجدته مكتوبا بخط الشيخ سعيد بن أحمد الكندي، ونسخته ~~بنفسي بخط يدي وبخط غيري، طالبا رضى الله تعالى، وإني أستغفر الله تعالى ~~الذي لا إله إلا هو، من جميع ما خالفت فيه الحق والصواب، ودائن إلى الله ~~التوبة من جميع ما يلزمني فيه التوبة، وما التوفق إلا الله (¬1) . وأنا ~~الفقير سيف بن مالك بن سيف اليعربي بيده، وصلى الله (¬2) على سيدنا رسولك ~~محمد النبي الأمي، وعلى آله وسلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ~~آمين. آمين) (¬3) . # [تم بحمد الله وحسن عونه الجزء الرابع من التفسير، # والحمد لله أولا وآخرا] # المصادر المعتمدة في ms1014 التحقيق # - ... القرآن الكريم، برنامج العالمية. # - ... الربيع بن حبيب: # ... الجامع الصحيح، المطبعة العربية، غرداية، 1984م. # - ... العالمية: # ... برنامج موسوعة الحديث الشريف: الكتب التسعة. # - ... برنامج سلسلة كنوز السنة، السلسلة الأولى، الجامع الصغير وزياداته، ~~الإصدار الأول، 1410ه. # - ... الزمخشري جار الله محمود بن عمر: # ¬__________ # (¬1) - ... الصواب: «وما التوفيق إلا بالله». # (¬2) - ... الصواب: «وصل اللهم». # (¬3) - ... ما بين قوسين من قول الناسخ. # ... وكتب في الحاشية: «قال: أبو سعيد: كما مضى الخطيب على شيء من التوحيد ~~والصلوات على النبي - صلى الله عليه وسلم - أو شيء من ذكر الله أن يذكر ذلك ~~(لعله) في نفسه ويلزمه ذلك في الاعتقاد في معنى ذكر القلب في معنى المعرفة ~~بذلك. قال غيره: ويجب عليه عند قراءة القرآن كما يجب عليه عند قراءة ~~الخطبته [كذا، والصواب: الخطبة]. والصلاة على معنى قول الشيخ...». # ... وفي الصفحة الأخيرة: «هذا الكتاب صار ملكا لي بالشراء من ترايك الشيخ ~~الثقة الوالد قيس بن سليمان بن سعيد الكندي، وأنا الفقير: سيف بن أحمد بن ~~سليمان بيده». PageV04P423 # ... الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، وعيون الأقاويل، في وجوه التأويل، ~~رتبه وضبطه وصححه: مصطفى حسين أحمد، الطبعة الثانية، مطبعة الاستقامة، ~~القاهرة، 1373ه / 1953م. # - ... البغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي الشافعي: # ... تفسير البغوي، المسمى: معالم التنزيل، إعداد وتحقيق: خالد عبد الرحمن ~~العك، مروان سوار، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1406ه/1986م. # - ... البيضاوي، ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي: # ... تفسير البيضاوي، المسمى: أنوار التنزيل وأسرار التأويل، مطبعة مصطفى ~~محمد، مصر، د.ت. # - ... أبو السعود محمد بن محمد العمادي: # ... تفسير أبي السعود المسمى: إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن ~~الكريم، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ودار المصحف، القاهرة، د.ت. # - ... الألوسي أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود البغدادي: # ... روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، نشر وتصحيح ~~وتعليق إدارة الطباعة المنيرية، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، د.ت. # - ... المراغي أحمد مصطفى: # ... تفسير المراغي، الطبعة الثالثة، دار الفكر، بيروت، 1394ه/1974م. # - ... ابن منظور: # ... لسان العرب المحيط، قدم له العلامة الشيخ عبد الله العلايلي، أعاد ms1015 ~~بناء على الحرف الأول من الكلمة: يوسف خياط، نشر دار الجيل، ودار لسان ~~العرب، بيروت، 1408ه/1988م. # - ... الفيروزآبادي، مجد الدين محمد بن يعقوب: # ... القاموس المحيط، ضبط وتوثيق: يوسف الشيخ محمد البقاعي، إشراف مكتب ~~البحوث والدراسات، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع1415ه / 1995م. # - ... الرازي، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر: # ... مختار الصحاح، منشورات دار ومكتبة الهلال، بيروت، لبنان، 1988م. # - ... علي شواخ إسحاق، الدكتور: # ... معجم مصنفات القرآن الكريم، منشورات دار الرفاعي للنشر والطباعة ~~والتوزيع، الطبعة الأولى، 1404ه / 1984م. PageV04P424 # - ... المنجد في اللغة والأعلام، دار المشرق، بيروت، الطبعة الثامنة ~~والعشرون، 1986م. # فهرس الجزء الرابع # سورة يس ... 3 # سورة الصافات ... 17 # سورة ص ... 34 # سورة الزمر ... 48 # سورة غافر ... 66 # سورة فصلت ... 83 # سورة الشورى ... 98 # سورة الزخرف ... 110 # سورة الدخان ... 125 # سورة الجاثية ... 132 # سورة الأحقاف ... 139 # سورة محمد ... 149 # سورة الفتح ... 158 # سورة الحجرات ... 165 # سورة ق ... 176 # سورة الذاريات ... 184 # سورة الطور ... 194 # سورة النجم ... 202 # سورة القمر ... 210 # سورة الرحمن ... 218 # سورة الواقعة ... 227 # سورة الحديد ... 237 # سورة المجادلة ... 249 # سورة الحشر ... 256 # سورة الممتحنة ... 264 # سورة الصف ... 268 # سورة الجمعة ... 271 # سورة المنافقون ... 274 # سورة التغابن ... 277 # سورة الطلاق ... 282 # سورة التحريم ... 287 # سورة الملك ... 291 # سورة القلم ... 297 # سورة الحاقة ... 304 # سورة المعارج ... 310 # سورة نوح ... 316 # سورة الجن ... 319 # سورة المزمل ... 324 # سورة المدثر ... 329 # سورة القيامة ... 335 # سورة الإنسان ... 341 # سورة المرسلات ... 348 # سورة النبأ ... 354 # سورة النازعات ... 359 # سورة عبس ... 364 # سورة التكوير ... 369 # سورة الانفطار ... 372 # سورة المطففين ... 374 # سورة الانشقاق ... 378 # سورة البروج ... 381 # سورة الطارق ... 384 # سورة الأعلى ... 386 # سورة الغاشية ... 389 # سورة الفجر ... 392 # سورة البلد ... 397 # سورة الشمس ... 399 # سورة الليل ... 401 # سورة الضحى ... 403 # سورة الشرح ... 405 # سورة التين ... 407 # سورة العلق ... 409 # سورة القدر ... 413 # سورة البينة ... 415 # سورة الزلزلة ... 417 # سورة العاديات ... 418 # سورة القارعة ... 420 # سورة التكاثر ... 421 # سورة العصر ... 423 # سورة الهمزة ... 424 # سورة الفيل ... 425 # سورة ms1016 قريش ... 426 # سورة الماعون ... 427 # سورة الكوثر ... 431 # سورة الكافرون ... 434 # سورة النصر ... 435 # سورة المسد ... 436 # سورة الإخلاص ... 438 # سورة الفلق ... 440 # سورة الناس ... 442 # المصادر المعتمدة في التحقيق ... 447 # فهرس الجزء الرابع ... 449 # تم بحمد الله PageV04P425 انتهى تفسير الشيخ سعيد بن أحمد الكندي ~~1207هانتهى تفسير الشيخ سعيد بن أحمد الكندي 1207ه # ----NO PAGE NO------ ms1017