######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_004042Vols #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد مهدي النراقي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1209 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: جامع السعادات #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: من مصادر العقائد عند الشيعة الإمامية #META# 022.BookVOLS :: 3 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_004042Vols #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/4042_جامع-السعادات-محمد-مهدي-النراقي-ج-1 #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: تحقيق وتعليق : السيد محمد كلانتر / تقديم : الشيخ محمد رضا المظفر #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة المؤلف الحمد الله الذي خلق الإنسان، وجعله ~~أفضل أنواع الأكوان، وصيره نسخة لما أوجده من عوالم الإمكان، أظهر فيه ~~عجائب قدرته القاهرة. وابرز فيه غرائب عظمته الباهرة، ربط به الناسوت ~~باللاهوت، وأودع فيه حقائق الملك والملكوت، خمر طينته من الظلمات والنور، ~~وركب فيه دواعي الخير والشرور، عجنه من المواد المتخالفة، وجمع فيه القوى ~~والأوصاف المتناقضة، ثم ندبه إلى تهذيبها بالتقويم والتعديل، وحثه على ~~تحسينها بعد ما سهل له السبيل، والصلاة على نبينا الذي أوتي جوامع الحكم، ~~وبعث لتتميم محاسن الأخلاق والشيم، وعلى آله مصابيح الظلم، ومفاتيح أبواب ~~السعادة والكرم صلى الله عليه وعليهم وسلم. # أما بعد فيقول طالب السعادة الحقيقية (مهدي بن أبي ذر النراقي) بصره الله ~~نفسه، وجعل يومه خيرا من أمسه: إنه لا ريب في أن الغاية من وضع النواميس ~~والأديان، وبعثة المصطفين من عظماء الإنسان، هو سوق الناس من مراتع البهائم ~~والشياطين، وإيصالهم إلى روضات العليين، وردعهم عن مشاركة أسراء ذل ~~الناسوت، ومصاحبة قرناء جب الطاغوت إلى مجاورة سكان صقع الملكوت، ومرافقة ~~قطان قدس الجبروت، ولا يتيسر ذلك إلا بالتخلي عن ذمائم الأخلاق ورذائلها، ~~والتحلي بشرائف الصفات وفضائلها. # فيجب على كل عاقل أن يأخذ أهبته، ويبذل همته في تطهير قلبه عن أوساخ ~~الطبيعة وأرجاسها، وتغسيل نفسه عن أقذار الجسمية وأنجاسها قبل أن يتيه في ~~بيداء الشقاق، ويهوي في مهاوي الضلالة والهلاكة، ويصرف جده ويجتهد جهده في ~~استخلاص نفسه عن لصوص القوى الأمارة ما دام الاختيار بيده، إذ لا تنفعه ~~الندامة والحسرة في غده. # ثم لا ريب في أن التزكية موقوفة على معرفة مهلكات الصفات ومنجياتها، ~~والعلم بأسبابها ومعالجاتها، وهذا هو الحكمة الحقة التي مدح الله أهلها، ~~PageV01P030 # ولم يرخص لأحد جهلها، وهي الموجبة للحياة الحقيقية، والسعادة السرمدية، ~~والتارك لها على شفا جرف الهلكات، وربما أحرقته نيران الشهوات. # وقد كان السلف من الحكماء يبالغون في نشرها وتدوينها، وجمعها وتبيينها، ~~على ما أدت إليه قوة أنظارهم، وأدركوه بقرائحهم وأفكارهم، ولما جاءت ~~الشريعة النبوية " على صادعها ms001 ألف صلاة وتحية " حثت على تحسين الأخلاق ~~وتهذيبها، وبينت دقائقها وتفصيلها بحيث اضمحل في جنبها ما قرره أساطين ~~الحكمة والعرفان، وغيرهم من أهل الملل والأديان، إلا أنه لما كان ما ورد ~~منها منتشرا في موارد مختلفة، ومتفرقا في مواضع متعددة، تعسر أن يحيط به ~~فلا بد من ضبطه في موضع واحد ليسهل تناوله للكل، فجمعت في هذا الكتاب خلاصة ~~ما ورد من الشريعة الحقة، مع زبدة ما أورده أهل العرفان والحكمة على نهج ~~تقربه أعين الطالبين، وتسر به أفئدة الراغبين. # ونذكر أولا بعض المقدمات النافعة في المطلوب، ثم نشير إلى أقسام الأخلاق، ~~ومبادئها من القوى ونضبطها بأجناسها وأنواعها ونتائجها وثمراتها، ثم إلى ~~المعالجة الكلية لذمائم الأخلاق والجزئية لكل خلق مذموم: مما له اسم مشهور، ~~وما ينشأ عنه من الأفعال المذمومة، وفي تلوه نذكر ضده المحمود، وما يدل على ~~فضله عقلا ونقلا، لأن العلم بفضيلة كل خلق والمداومة على آثاره أقوى علاج ~~لإزالة ضده، ولا نتابع القوم من تقديم الرذائل بأسرها على الفضائل، بل نذكر ~~أولا ما يتعلق بالقوة العقلية من الفضائل والرذائل على النحو المذكور، ما ~~يتعلق بالغضبية، ثم ما يتعلق بالشهوية، ثم ما يتعلق باثنتين منها أو ثلاث، ~~لأن ذلك أدخل في ضبط الأخلاق، ومعرفة أضدادها، والعلم بمبادئها وأجناسها، ~~وهو من أهم الأمور لطالبي هذا الفن. # وما تعرضت لتدبير المنزل وسياسة المدن، لأن غرضنا في هذا الكتاب إنما هو ~~مجرد إصلاح النفس، وتهذيب الأخلاق، وسميته " بجامع السعادات " ورتبته على ~~ثلاثة أبواب. PageV01P031 # الباب الأول في المقدمات انقسام حقيقة الإنسان وحالاته بالاعتبار - تجرد ~~النفس وبقاؤها - التذاذ النفس وتألمها - فضائل الأخلاق ورذائلها - الأخلاق ~~الذميمة تحجب عن المعارف - حصول الملكات بتضاعف الأعمال - العمل نفس الجزاء ~~- القول بتجسد الأعمال والملكات - المضادة بين الدنيا والآخرة - للجبلة ~~والمزاج دخل في جودة الملكات ورداءتها - حقيقة الخلق وماهية الملائكة - ~~الأقوال في تبدل الأخلاق والملكات - شرف علم الأخلاق - تعريف النفس ~~وأساميها باختلاف الاعتبارات - في الإشارة إلى اعتبار مدافعة القوى الأربع ~~- إنقهار النفس بتسخير القوة العالية - اختلاف الصفات يوجب اختلاف ms002 النفوس - ~~إئتلاف حقيقة الإنسان من الجهات المتقابلة - حقيقة الخير والسعادة - والجمع ~~بين الأقوال المختلفة فيها - شرائط حصول السعادة - غاية ما يمكن الوصول ~~إليه من السعادة - تقسيم اللذات والآلام - اللذة في الحقيقة هي العقلية دون ~~الحسية - إيقاظ فيه موعظة ونصيحة - التنبيه على أن الفائت لا يتدارك. # فصل انقسام حقيقة الإنسان وحالاته بالاعتبار إعلم أن الإنسان منقسم إلى ~~سر وعلن وروح وبدن ولكل منهما منافيات وملائمات، وآلام ولذات، ومهلكات ~~ومنجيات. # ومنافيات البدن وآلامه هي الأمراض الجسمانية وملائماته هي الصحة واللذات ~~الجسمانية. والمتكفل لبيان تفاصيل هذه الأمراض ومعالجاتها هو علم الطب. ~~ومنافيات الروح وآلامه هي رذائل الأخلاق التي تهلكه وتشقيه، وصحته رجوعه ~~إلى فضائلها التي تسعده وتنجيه وتوصله إلى مجاورة أهل الله ومقربيه. ~~والمتكفل لبيان هذه الرذائل ومعالجاتها هو (علم الأخلاق). # ثم إن البدن مادي فان، والروح مجرد باق، فإن اتصف بشرائف الصنات كان في ~~البهجة والسعادة أبدا، وإن اتصف برذائلها كان في العذاب والشقاوة مخلدا، ~~ولا بد لنا من الإشارة إلى تجرده وبقائه بعد خراب البدن ترغيبا للطالبين ~~على السعي في تزكيته وحفظه عن الشقاوة الأبدية. PageV01P032 # فصل في تجرد النفس وبقائها لا ريب في تجرد النفس وبقائها بعد مفارقتها عن ~~البدن. أما الأول (والمراد به عدم كونها جسما وجسمانية) فيدل عليه وجوه: # (منها) إن كل جسم لا يقبل صورا وأشكالا كثيرة لزوال كل صورة أو شكل فيه ~~بطريان مثله، والنفس تقبل الصور المتعددة المختلفة من المحسوسات والمعقولات ~~من دون أن نزول الأولى بورود الأخرى، بل كلما قبلت صورة ازدادت قوتها على ~~قبول الأخرى، ولذلك تزيد القوة على إدراك الأشياء بالرياضيات الفكرية وكثرة ~~النظر، فثبت عدم كونها جسما. # و (منها) إن حصول الأبعاد الثلاثة للجسم لا يتصور إلا بأن يصير طويلا ~~عريضا عميقا وحصول الألوان والطعوم والروائح له لا يتصور إلا بأن يصير ذا ~~لون وطعم ورائحة وهي تحصل للنفس وقوتها الوهمية بالإدراك من غير أن تصير ~~كذلك، وأيضا حصول بعضها للجسم يمنع من حصول مقابله له، ولا يمنع ذلك في ~~النفس بل ms003 تقبلها كلها في آن واحد على السواء. # و (منها) أن النفس تلتذ بما لا يلائم الجسم من الأمور الإلهية والمعارف ~~الحقيقية، ولا تميل إلى اللذات الجسمية والخيالية والوهمية، بل تحن أبدا ~~إلى الابتهاجات العقلية الصرفة التي ليس في الجسم وقواه فيها نصيب، وهذا ~~أوضح دليل على أنها غيرهما، إذ لا ريب في أن ما يحصل لبعض النفوس الصافية ~~عن شوائب الطبيعة من البهجة والسرور بإدراك العلوم الحقة الكلية والذوات ~~المجردة النورية القدسية، وبالمناجاة والعبادات والمواظبة على الأذكار في ~~الخلوات مع صفاء النيات لا مدخلية للجسم فيها وقواه الخيالية والوهمية ~~وغيرهما، إذ النفس قد تغفل في تلك الحالة عنها بالكلية، وربما استغرقت بحيث ~~لا تشعر بالبدن ولا تدري أن لها بدنا فكأنها منخلعة عنه، فهذا يدل على أنها ~~من عالم آخر غير عالم الجسم وقواه، إذ التذاذهما منحصر بالملائمات الجزئية ~~التي تدركها الحواس الظاهرة والباطنة. # و (منها) أن النفس تدرك الصور الكلية المجردة فتكون محلا لها، ولا ريب في ~~أن المادي يكون محلا للمجرد إذ كل مادي ذو وضع قابل PageV01P033 # للانقسام، وكون المحل ذا وضع قابل للانقسام يستلزم أن يكون حاله أيضا ~~كذلك كما ثبت في محله، والمجرد لا يمكن كذلك وإلا خرج عن حقيقته، فالنفس لا ~~تكون مادية وإذا لم تكن مادية كانت مجردة لعدم الواسطة. # و (منها) أن القوى الجسمية الباطنية لا تكتسب العلوم إلا من طريق الحواس ~~الظاهرة إذ ما لم يدرك الشئ بها لم تتمكن الحواس الباطنة أن تدركه وهذا ~~وجداني وضروري. والنفس قد تدرك ما لا طريق الشئ من الحواس إلى إدراكه ~~كالأمور المجردة والمعاني البسيطة الكلية، وأسباب الاتفاقات والاختلافات ~~التي بين المحسوسات، والضرورة العقلية قاضية بأنه لا مدخلية لشئ من الحواس ~~في إدراك شئ من ذلك. # وأيضا تحكم بأنه لا واسطة بين النقيضين، وهذا الحكم غير مأخوذ من مبادئ ~~حسية إذ لو كان مأخوذا منها لم يكن قياسا أوليا، فمثله مأخوذ من المبادئ ~~الشريفة العالية التي تبنى عليها القياسات الصحيحة. # وأيضا هي حاكمة على الحس ms004 في صدقه وكذبه وقد تخطئه في أفعاله وترد عليه ~~أحكامه كتخطئته للبصر فيما يراه أصغر ما هو عليه في الواقع أو بالعكس، ~~وفيما يراه مستديرا وهو مربع، أو مكسورا وهو صحيح، أو معوجا وهو مستقيم، أو ~~منكوسا وهو منتصب، أو مختلفا في وضعه الواقعي، وفي رؤيته للأشياء المتحركة ~~على الاستدارة كالحلقة والطوق، وكتخطئته للسمع فيما يدركه في المواضع ~~الصقيلة المستديرة عند الصدى، وللذوق في إدراكه الخلو مرا ومثله، كذا الحال ~~في الشم واللمس، ولا ريب في أن تخطئة النفس الحواس في هذه الإدراكات وحكمها ~~بما هو المطابق للواقع إنما يكون مسبوقا بالعلم الذي لا يكون مأخوذا من ~~الحس، لأن الحاكم على الشئ أعلى رتبة منه فلا يكون علمه الذي هو مناط ~~مأخوذا عنه. # ومما يؤكد ذلك أنها عالمة بذاتها وبكونها مدركة لمعقولاتها. ومعلوم إن ~~هذا العلم مأخوذ من جوهرها دون مبادي، أخر. # و (منها) إنا نشاهد أن البدن وقواه يضعفان في أفعالهما وآثارهما، والنفس ~~تقوى في إدراكاتها وصفاتها، كما في سن الكهولة، أو يكونان قويين في الأفعال ~~مع كونها ضعيفة فيها كما في سن الشباب، فلو كانت جسما أو PageV01P034 # جسمانية لكانت تابعة لهما في الضعف والقوة. # (فإن قلت) الإدراك وسائر الصفات الكمالية للنفس يضعف أو يختل بضعف البدن ~~أو اختلاله كما نشاهد في المشايخ والمرضى وتجردها ينافي ذلك. # (قلنا) الضعف أو الاختلال إنما يحدث في الإدراك والأفعال المتعلقة بالقوى ~~الجسمية، وأما ما يحصل للنفس بجوهرها أو بواسطة القوى الجسمية بعد صيرورته ~~ملكة لها يحصل فيه اختلال وضعف، يصير ظهوره أشد وتأثيره أقوى. # وأما الثاني أعني بقاءها بعد المفارقة عن البدن فالدليل عليه بعد ثبوت ~~تجردها أن المجرد لا يتطرق إليه الفساد لأنه حقيقة والحقيقة لا تبيد كما ~~صرح به المعلم الأول وغيره، ووجهه ظاهر. # فصل بيان تلذذ النفس وتألمها إذا عرفت تجرد النفس وبقاءها أبدا، فاعلم ~~أنها إما ملتذة متنعمة دائما أو معذبة متألمة كذلك. والتذاذها يتوقف على ~~كمالها الذي يخصها، ولما كانت لها قوتان النظرية والعملية، فكمال القوة ~~النظرية ms005 الإحاطة بحقائق الموجودات بمراتبها والاطلاع على الجزئيات غير ~~المتناهية بإدراك كلياتها. # والترقي منه إلى معرفة المطلوب الحقيقي وغاية الكل حتى يصل إلى مقام ~~التوحيد ويتخلص عن وساوس الشيطان ويطمئن قلبه بنور العرفان. وهذا الكمال هو ~~الحكمة النظرية. # وكما القوة العملية التخلي عن الصفات الردية والتحلي بالأخلاق المرضية ثم ~~الترقي منه إلى تطهير السر وتخليته عما سوى الله سبحانه. وهذا هو الحكمة ~~العملية التي يشتمل هذا الكتاب على بيانها. # وكمال القوة النظرية بمنزلة الصورة وكمال القوة العملية بمنزلة المادة، ~~فلا يتم أحدهما بدون الآخر، ومن حصل له الكمالان صار بانفراده عالما صغيرا ~~مشابها للعالم الكبير، وهو الإنسان التام الكامل الذي تلألأ قلبه بأنوار ~~الشهود وبه تتم دائرة الوجود. PageV01P035 # فصل في فضائل الأخلاق ورذائلها فضائل الأخلاق من المنجيات الموصلة إلى ~~السعادة الأبدية، ورذائلها من المهلكات الموجبة للشقاوة السرمدية، فالتخلي ~~عن الثانية والتحلي بالأولى من أهم الواجبات والوصول إلى الحياة الحقيقية ~~بدونهما من المحالات. # فيجب على كل عاقل أن يجتهد في اكتساب فضائل الأخلاق التي هي الأوساط (1) ~~المثبتة من صاحب الشريعة والاجتناب عن رذائلها التي هي الأطراف، ولو قصر ~~أدركته الهلاكة الأبدية، إذ كما أن الجنين لو خرج عن طاعة ملك الأرحام ~~المتوسط في الخلق لم يخرج إلى الدنيا سويا سميعا بصيرا ناطقا، كذلك من خرج ~~عن طاعة نبي الأحكام المتوسط في الخلق لم يخرج إلى عالم الآخرة كذلك. # ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا (2). # ثم ما لم تحصل التخلية لم تحصل التحلية ولم تستعد النفس للفيوضات ~~القدسية، كما أن المرآة ما لم تذهب الكدورات عنها لم تستعد لارتسام الصور ~~فيها، والبدن ما لم تزل عنه العلة لم تتصور له إفاضة الصحة، والثوب ما لم ~~ينق عن الأوساخ لم يقبل لونا من الألوان، فالمواظبة على الطاعات الظاهرة لا ~~تنفع ما لم تتطهر النفس من الصفات المذمومة كالكبر والحسد والرياء، وطلب ~~الرياسة والعلى وإرادة السوء للاقران والشركاء وطلب الشهرة في البلاد وفي ~~العباد، وأي فائدة في تزيين الظواهر مع ms006 إهمال البواطن. # ومثل من يواظب على الطاعات الظاهرة ويترك تفقد قلبه كبئر الحش (3) ظاهرها ~~جص وباطنها نتن، وكقبور الموتى ظاهرها مزينة وباطنها # PageV01P036 # جيفة، أو كبيت مظلم وضع السراج على ظاهره فاستنار ظاهره وباطنه مظلم، أو ~~كرجل زرع زرعا فنبت ونبت معه حشيش يفسده فأمر بتنقية الزرع عن الحشيش بقلعه ~~عن أصله فأخذ يجز رأسه ويقطعه فلا يزال يقوى أصله وينبت فإن الأخلاق ~~المذمومة في القلب هي مغارس المعاصي فمن لم يطهر قلبه منها لم تتم له ~~الطاعات الظاهرة، أو كمريض به جرب وقد أمر بالطلاء ليزيل ما على ظهره ويشرب ~~الدواء ليقلع مادته من باطنه فقنع بالطلاء وترك الدواء متناولا ما يزيد في ~~المادة فلا يزال يطلي الظاهر والجرب يتفجر من المادة التي في الباطن. # ثم إذا تخلت عن مساوئ الأخلاق وتحلت بمعاليها على الترتيب العملي استعدت ~~لقبول الفيض من رب الأرباب، ولم يبق لشدة القرب بينهما حجاب، فترتسم فيها ~~صور الموجودات على ما هي عليها، على سبيل الكلمة، أي بحدودها ولوازمها ~~الذاتية لامتناع إحاطتها بالجزئيات من حيث الجزئية، لعدم تناهيها، وإن علمت ~~في ضمن الكليات لعدم خروجها عنها، وحينئذ يصير (4) موجودا تاما أبدى الوجود ~~سرمدي البقاء، فائزا بالرتبة العليا، والسعادة القصوى، قابلا للخلافة ~~الإلهية، والرئاسة المعنوية فيصل إلى اللذات الحقيقية، والابتهاجات العقلية ~~التي ما رأتها عيون الأعيان، ولم تتصورها عوالي الأذهان. # فصل الأخلاق الذميمة تحجب عن المعارف الأخلاق المذمومة هي الحجب المانعة ~~عن المعارف الإلهية، والنفحات القدسية إذ هي بمنزلة الغطاء للنفوس فما لم ~~يرتفع عنها لم تتضح لها جلية الحال اتضاحا، كيف والقلوب كالأواني فإذا كانت ~~مملوءة بالماء لا يدخلها الهواء، فالقلوب المشغولة بغير الله لا تدخلها ~~معرفة الله وحبه وأنسه، وإلى ذلك أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~بقوله: " لولا أن الشياطين يحرمون # PageV01P037 # إلى قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات والأرض " فبقدر ما تتطهر ~~القلوب عن هذه الخبائث تتحاذى شطر الحق الأول (5) وتلألأ فيها حقائقه كما ~~أشار إليه النبي صلى الله عليه وآله: " إن لربكم ms007 في أيام دهركم نفحات ألا ~~فتعرضوا لها، فإن التعرض لها إنما هو بتطهير القوب عن الكدورات الحاصلة عن ~~الأخلاق الردية (6) فكل إقبال على طاعة وإعراض عن سيئة يوجب جلاء ونورا ~~للقلب يستعد به لإفاضة علم يقيني، ولذا قال سبحانه: # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا. (7). # وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " من عمل بما علم ورثه الله علم ما ~~لم يعلم " فالقلب إذا صفى عن الكدورات الطبيعية بالكلية يظهر له من المزايا ~~الإلهية والإفاضات الرحمانية ما لا يمكن لأعاظم العلماء كما قال سيد الرسل: ~~" إن لي مع الله حالات لا يحتملها ملك مقرب ولا نبي مرسل ". # وكل سالك إلى الله إنما يعرف من الألطاف الإلهية والنفحات الغيبية ما ظهر ~~له على قدر استعداده، وأما ما فوقه فلا يحيط بحقيقته علما لكن قد يصدق به ~~إيمانا بالغيب كما إنا نؤمن بالنبوة وخواصها ونصدق بوجودها ولا نعرف ~~حقيقتهما كما لا يعرف الجنين حال الطفل والطفل حال المميز والمسير من ~~العوام حال العلماء والعلماء حال الأنبياء والأولياء. # فالرحمة الإلهية بحكم العناية الأزلية مبذولة على الكل غير مضنون بها على ~~أحد، لكن حصولها موقوف على تصقيل مرآة القلب وتصفيتها عن الخبائث الطبيعية، ~~ومع تراكم صدأها الحاصل منها لا يمكن أن يتجلى فيها شئ من الحقائق، فلا ~~تحجب الأنوار العلمية والأسرار الربوبية عن قلب من القلوب لبخل من جهة ~~المنعم تعالى شأنه عن ذلك، بل الاحتجاب إنما هو من جهة القلب لكدورته وخبثه ~~واشتغاله بما يضاد ذلك. # ثم ما يظهر للقلب من العلوم لطهارته وصفاء جوهره هو العلم الحقيقي # PageV01P038 # النوراني الذي لا يقبل الشك وله غاية الظهور والانجلاء لاستفادته من ~~الأنوار الإلهية والإلهامات الحقة الربانية، وهو المراد بقوله (ع): " إنما ~~هو نور يقذفه الله في قلب من يشاء " وإليه أشار مولانا أمير المؤمنين (ع) ~~بقوله: " أن من أحب عباد الله إليه عبدا أعانه الله على نفسه فاستشعر الحزن ~~وتجلبب الخوف فزهر مصباح الهدى في قلبه " (إلى أن قال): " قد خلع سرابيل ~~الشهوات، وتخلى من الهموم ms008 إلا هما واحدا انفرد به، فخرج من صفة العمى ~~ومشاركة أهل الهوى، وصار من مفاتيح أبواب الهدى ومغاليق أبواب الردى، قد ~~أبصر طريقه وسلك سبيله وعرف مناره، وقطع غماره (8)، واستمسك من العرى ~~بأوثقها ومن الجبال بأمتنها فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس " وفي كلام ~~آخر له (ع) " قد أحيي قلبه وأمات نفسه، حتى دق جليله (9) ولطف غليظه، وبرق ~~له لامع كثير البرق، فأبان له الطريق وسلك به السبيل، وتدافعته الأبواب إلى ~~باب السلامة ودار الإقامة، وتثبت رجلاه لطمأنينة بدنه في قرار الأمن ~~والراحة بما استعمل قلبه وأرضى به ". # وقال (ع) في وصف الراسخين من العلماء: " هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة ~~وباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعره المترفون وأنسوا بما استوحش منه ~~الجاهلون وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى " وبالجملة ما ~~لم يحصل للقلب التزكية لم يحصل له هذا القسم من المعرفة إذ العلم الحقيقي ~~عبادة القلب وقربة السر، وكما لا تصح الصلاة التي هي عبادة الظاهر إلا بعد ~~تطهيره من النجاسة الظاهرة فكذلك لا تصح عبادة الباطن إلا بعد تطهيره من ~~النجاسة الباطنية التي هي رذائل الأخلاق وخبائث الصفات، كيف وفيضان أنوار ~~العلوم على القلوب إنما هو بواسطة الملائكة وقد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: " لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب " فإذا كان بيت القلب ~~مشحونا بالصفات الخبيثة التي هي كلاب نابحة لم تدخل فيه الملائكة القادسة ~~والحكم بثبوت النجاسة الظاهرة للمشترك، مع كونه مغسول الثوب نظيف البدن، ~~إنما هو لسراية نجاسته الباطنية فقوله صلى الله # PageV01P039 # عليه وآله وسلم " بني الدين على النظافة " يتناول زوال النجاستين. وما ~~ورد من أن الطهور نصف الإيمان المراد به طهارة الباطن عن خبائث الأخلاق، ~~وكان النصف الآخر تحليته بشرائف الصفات وعمارته بوظائف الطاعات. # وبما ذكر ظهر أن العلم الذي يحصل من طريق المجادلات الكلامية ~~والاستدلالات الفكرية، من دون تصقيل لجوهر النفس، لا يخلو عن الكدرة ~~والظلمة، ولا يستحق اسم اليقين الحقيقي الذي يحصل للنفوس الصافية، فما يظنه ~~كثير ms009 من أهل التعلق بقاذورات الدنيا أنهم على حقيقة اليقين في معرفة الله ~~سبحانه خلاف الواقع، لأن اليقين الحقيقي يلزمه " روح " (10) ونور وبهجة ~~وسرور، وعدم الالتفات إلى ما سوى الله، والاستغراق في أبحر عظمة الله، وليس ~~شئ من ذلك حاصلا لهم، فما ظنوه يقينا إما تصديق مشوب بالشبهة، أو اعتقاد ~~جازم لم تحصل له نورانية وجلاء وظهور وضياء، لكدرة قلوبهم الحاصلة من خبائث ~~الصفات. # والسر في ذلك أن منشأ العلم ومناطه هو التجرد كما بين في مقامه، فكلما ~~تزداد النفس تجردا إيمانا ويقينا، ولا ريب في أنه ما لم ترتفع عنها أستار ~~السيئات وحجب الخطيئات لم يحصل لها التجرد الذي هو مناط حقيقة اليقين فلا ~~بد من المجاهدة العظيمة في التزكية والتحلية حتى تنفتح أبواب الهداية وتنضح ~~سبل المعرفة كما قال سبحانه: # (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) (11). # فصل إن العمل نفس الجزاء كل نفس في يده الخلقة خالية عن الملكات بأسرها، ~~وإنما تتحقق كل ملكة بتكرر الأفاعيل والآثار الخاصة به (12) بيان ذلك أن كل ~~قول أو فعل ما دام وجوده في الأكوان الحسية لاحظ له من الثبات لأن الدنيا ~~دار # PageV01P040 # التجدد والزوال، ولكنه يحصل منه أثر في النفس، فإذا تكرر استحكم الأثر ~~فصار ملكة راسخة مثاله الحرارة التي تحدث في الفحم فإنها ضعيفة أولا وإذا ~~اشتدت تجمرت ثم استضاءت، ثم صارت صورة نارية محرقة لما قارنها مضيئة لما ~~قابلها، وكذلك الأحوال النفسانية إذا تضاعفت قوتها صارت ملكات راسخة وصورا ~~باطنة تكون مبادئ للآثار المختصة بها، فالنفوس الإنسانية في أوائل الفطرة ~~كصحائف خالية من النقوش والصور تقبل كل خلق بسهولة، وإذا استحكمت فيها ~~الأخلاق تعسر قبولها لأضدادها، ولذلك سهل تعليم الأطفال وتأديبهم وتنقيش ~~نفسهم بكل صورة وصفة ويتعسر أو يتعذر تعليم الرجال البالغين وردهم عن ~~الصفات الحاصلة لهم لاستحكامها ورسوخها. # ثم لا خلاف في أن هذه الملكات وأفعالها اللازمة لها إن كانت فاضلة كانت ~~موجبة للالتذاذ والبهجة ومرافقة الملائكة والأخيار، وإن كانت ردية كانت ~~مقتضية للألم والعذاب ومصاحبة الشياطين والأشرار، وإنما الخلاف ms010 في كيفية ~~إيجابها للثواب أو العذاب، فمن قال إن الجزاء مغاير للعمل قال إن كل ملكة ~~وفعل يصير منشأ لترتب ثواب أو عقاب مغاير له بفعل الله سبحانه على التفصيل ~~الوارد في الشريعة. # ومن قال إن العمل نفس الجزاء قال إن الهيئات النفسانية اشتدت وصارت ملكة ~~تصير متمثلة ومتصورة في عالم الباطن والملكوت بصورة يناسبها إذ كل شئ يظهر ~~في كل عالم بصورة خاصة، فإن العلم في عالم اليقظة أمر عرضي يدرك بالعقل أو ~~الوهم وفي عالم النور يظهر بصورة اللبن، فالظاهر في العالمين شئ واحد وهو ~~العلم لكنه تجلى في كل عالم بصورة، والسرور يظهر في عالم النوم بصورة ~~البكاء، ومنه يظهر أنه قد يسرك في عالم ما يسوءك في عالم آخر، فاللذات ~~الجسمانية التي تسرك في هذا العالم تظهر في دار الجزاء بصورة تسوءك وتؤذيك، ~~وتركها وتحمل مشاق العبادات والطاعات والصبر على المصائب والبليات يسرك في ~~عالم الآخرة مع كونها مؤذية في هذا العالم. # ثم القائل بهذا المذهب قد يطلق على هذه الصورة اسم الملك إن كانت ~~PageV01P041 # من فضائل الأخلاق أو فواضل الأعمال واسم الشيطان إن كانت من أضدادها وقد ~~يطلق على الأولى اسم الغلمان والحور وأمثالهما، وعلى الثانية اسم الحيات ~~والعقارب وأشباههما، ولا فرق بين الاطلاقين في المعنى، وإنما الاختلاف في ~~الاسم. # وهذا المذهب يرجع إلى القول بتجسد الأعمال بصورة مأنوسة مفرحة أو صورة ~~موحشة معذبة، وقد ورد بذلك أخبار كثيرة: منها: ما روى أصحابنا عن قيس بن ~~عاصم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: # يا قيس " إن مع العز ذلا ومع الحياة موتا ومع الدنيا آخرة، وإن لكل شئ ~~رقيبا وعلى كل شئ حسيبا، وإن لكل أجل كتابا، وإنه لا بد لك من قرين يدفن ~~معك وهو حي وتدفن معه وأنت ميت، فإن كان كريما أكرمك، وإن كان لئيما ألأمك، ~~ثم لا يحشر إلا معك ولا تحشر إلا معه ولا تسأل إلا عنه، فلا تجعله إلا ~~صالحا: فإنه إن صلح أنست به وإن ms011 فسد لا تستوحش إلا منه وهو فعلك ". ومنها: ~~ما استفاض من قولهم عليهم السلام " إن من فعل كذا خلق الله تعالى ملكا ~~يستغفر له إلى يوم القيامة ". ومنها: # ما ورد " إن الجنة قيعان وغراسها سبحان الله ": ومنها ما روي " إن الكافر ~~خلق من ذنب المؤمن " ومنها: قولهم " المرء مرهون بعمله ". ومنها قوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: " الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجري في بطنه ~~نار جهنم " ويدل عليه قوله سبحانه: # (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) (13). # وربما كان بقوله تعالى: # (ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون) (14) وقوله تعالى: # (إنما تجزون ما كنتم تعملون) (15). # إشارة إليه حيث قال عز وجل (ما كنتم) ولم يقل بما كنتم. # وقال: فيثاغورس الحكيم " ستعارض لك في أفعالك وأقوالك # PageV01P042 # وأفكارك (16) وسيظهر لك من كل حركة فكرية أو قولية أو عملية صورة ~~روحانية، فإن كانت الحركة غضبية أو شهوية صارت مادة لشيطان يؤذيك في حياتك ~~ويحجبك عن ملاقاة النور بعد وفاتك، وإن كانت الحركة عقلية صارت ملكا تلتذ ~~بمنادمته في دنياك وتهتدي به في أخراك إلى جوار الله وكرامته " انتهى. # وهذه الكلمات صريحة في أن مواد الإشخاص الأخروية هي التصورات الباطنية ~~والنيات القلبية والملكات النفسية المتصورة بصور روحانية وجودها وجود ~~إدراكي، والانسان إذا انقطع تعلقه عن هذه الدار وحان وقت مسافرته إلى دار ~~القرار وخلص عن شواغل الدنيا الدنية وكشف عن بصره غشاوة الطبيعة، فوقع بصره ~~على وجه ذاته والتفت إلى صفحة باطنه وصحيفة نفسه ولوح قلبه وهو المراد ~~بقوله سبحانه: # (وإذا الصحف نشرت) (17) وقوله تعالى: (فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم ~~حديد) (18). # صار إدراكه فعلا وعلمه عينا وسره عيانا، فيشاهد ثمرات أفكاره وأعماله، ~~ويرى نتائج أنظاره وأفعاله ويطلع على جزاء حسناته وسيئاته، ويحضر عنده جميع ~~حركاته وسكناته. ويدرك حقيقة قوله سبحانه: # وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه ~~منشورا * اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) (19). # فمن كان في غفلة عن أحوال نفسه ومضيعا لساعات يومه وأمسه يقول: # (ما لهذا الكتاب ms012 لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا ~~حاضرا ولا يظلم ربك أحدا) (20) (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما ~~عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا) (21). # وقد أيد هذا المذهب أعني صيرورة الملكات صورا روحانية باقية أبد الدهر ~~موجبة للجبهة والالتذاذ والتوحش والتألم، بأنه لو لم تكن تلك الملكات # PageV01P043 # والنيات باقية أبدا لم يكون للخلود في الجنة أو النار وجه صحيح، إذ لو ~~كان المقتضي للثواب أو العذاب نفس العمل والقول، وهما زائلان لزم بقاء ~~المسبب مع زوال السبب وهو باطل، وكيف يجوز للحكيم أن يعذب عباده أبد الدهر ~~لأجل المعصية في زمان قصير، فإذا منشأ الخلود هو الثبات في النيات والرسوخ ~~في الملكات، ومع ذلك فمن يعمل مثقال ذرة من الخير أو الشر يرى أثره في ~~صحيفة نفسه أو في صحيفة أعلى وأرفع من ذاته أبدا كما قال سبحانه: # (في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة) (22). # والسر فيه أن الأمر الذي يبقى مع النفس إلى حين مفارقتها من الدنيا ولم ~~يرتفع عنها في دار التكليف يبقى معها أبدا ولا يرتفع عنها أصلا لعدم تجدد ~~ما يوجب إزالته بعد مفارقته عن عالم التكليف. # ثم الظاهر أن هذا المذهب - عند من قال به من أهل الشرائع - بيان لكيفية ~~الثواب والعقاب الروحانيين مع إذعانه بالجنة والنار الجسمانيين " إذ لو كان ~~مراده قصر اللذة والثواب والألم والعقاب والجنات والقصور والغلمان والحور ~~والنار والجحيم والزقوم والضريع وساير ما ورد في الشريعة القادسة من أمور ~~القيامة على ما ذكر فهو مخالف لضرورة الدين. # (تنبيه) الدنيا والآخرة متضادتان، وكل ما يقرب العبد إلى إحداهما يبعد عن ~~الأخرى وبالعكس، كما دلت عليه البراهين الحكمية والشواهد الذوقية والأدلة ~~السمعية، فكل ملكة أو حركة أو قول أو فعل يقرب العبد إلى دار الطبيعة ~~والغرور يبعده عن عالم البهجة والسرور، وبالعكس، فأسوأ الناس حالا من لم ~~يعرف حقيقة الدنيا والآخرة وتضادهما ولم يخف سوء العاقبة وأفنى عمره في طلب ~~الدنيا وإصلاح ms013 أمر المعاش وقصر سعيه على جر المنفعة لبدنه من نيل شهوة أو ~~بلوغ لذة أو اكتساب ترفع، ورئاسة أو جمع المال من غير تصور لما يصل إليه من ~~فائدته، كما هو عادة أكثر أبناء الدنيا، ولم يعرف غير هذه الأمور من ~~المعارف الحقيقية والفضائل الخلقية والأعمال الصالحة المقربة إلى عالم ~~البقاء فكأنه يعلم خلوده في الدنيا، ولا يرجو بعد الموت ثواب عمل، ولا جزاء ~~فعل، ولا يعتقد بما يرجوه المؤمنون # PageV01P044 # ويؤمله المتقون من الخير الدائم، واللذات المخالفة لهذه اللذات الفانية ~~التي يشارك فيها السباع والبهائم، فإذا أدركه الموت مات على حسرة وندامة ~~آيسا من رحمة الله قائلا: # يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله (22). # أعاذنا الله تعالى من سوء الخاتمة ووفقنا لتحصيل السعادة الدائمة. # فصل تأثير المزاج على الأخلاق للمزاج مدخلية تامة في الصفات: فبعض ~~الأمزجة في أصل الخلقة مستعد لبعض الأخلاق، وبعضها مقتض لخلافه، فإنا نقطع ~~بأن بعض الأشخاص بحسب جبلته، ولو خلي عن الأسباب الخارجية، بحيث يغضب ويخاف ~~ويحزن بأدنى سبب، ويضحك بأدنى تعجب، وبعضهم بخلاف ذلك. وقد يكون اعتدال ~~القوى فطريا بحيث يبلغ الإنسان كامل العقل، فاضل الأخلاق غالبة قوته ~~العاقلة على قوتي الغضب والشهوة، كما في الأنبياء والأئمة عليهم السلام. ~~وقد يكون مجاوزتها عن الوسط كذلك بحيث يبلغ ناقص العقل ردي الصفات مغلوبة ~~عاقلته تحت سلطان الغضب والشهوة، كما في بعض الناس. # إلا أن الحق - كما يأتي - إمكان زوالها بالمعالجات المقررة في علم ~~الأخلاق، فيجب السعي في إزالة نقائضها وتحصيل فضائلها. وعجبا لأقوام ~~يبالغون في إعادة الصحة الجسمانية الفانية، ولا يجتهدون في تحصيل الصحة ~~الروحانية الباقية، يطيعون قول الطبيب المجوسي في شرب الأشياء الكريهة ~~ومزاولة الأعمال القبيحة، لأجل صحة زائلة، ولا يطيعون أمر الطبيب الإلهي ~~لتحصيل السعادة الدائمة. # وبقاء النفس على النقصان إما لعدم صرفها طلب المقصود لملابسة العوائق ~~والمواقع، أو مزاولة النقيض لتمكن موجبة، أو لكثرة اشتغالها بالشواغل ~~المحسوسة، أو لضعف القوة العاقلة، فإن لم تدركها العناية الإلهية فلا يزال ~~يتزايد النقصان ويبعد عن ms014 الكمال الذي خلق لأجله، إلى أن تدركها الهلاكة ~~الأبدية والشقاوة السرمدية، نعوذ بالله من ذلك، وإن أدركته الرحمة # PageV01P045 # الأزلية، فيصرف همه في إزالة النقائص، واكتساب الفضائل، فلا يزال يتصاعد ~~من مرتبة من الكمال إلى فوقها، حتى يصير من أهل مشاهدة الجلال والجمال، ~~ويتشرف بجوار الرب، المتعال ويصل إلى السرور الحقيقي. # الذي لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وإلى قرة الأعين ~~التي يشير إليها في قوله سبحانه: # (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) (24). # فصل تأثير التربية على الأخلاق الخلق عبارة عن " ملكة للنفس مقتضية لصدور ~~الأفعال بسهولة من دون احتياج إلى فكر وروية " والملكة: كيفية نفسانية ~~بطيئة الزوال. وبالقيد الأخير خرج الحال لأنها كيفية نفسانية سريعة الزوال، ~~وسبب وجود الخلق إما المزاج كما مر، أو العادة بأن يفعل فعلا بالرؤية، أو ~~التكلف ويصبر عليه إلى أن يصير ملكة له (25) ويصدر عنه بسهولة وإن كان ~~مخالفا لمقتضى المزاج. # واختلف الأوائل في إمكان إزالة الأخلاق وعدمه، وثالث الأقوال أن بعضها ~~طبيعي يمتنع زواله وبعضها غير طبيعي حاصل من أسباب خارجة يمكن زواله. ورجح ~~المتأخرون الأول وقالوا: ليس شئ من الأخلاق طبيعيا ولا مخالفا للطبيعة، بل ~~النفس بالنظر إلى ذاتها قابلة للاتصاف بكل من طرفي التضاد، إما بسهولة إن ~~كان موافقا للمزاج، أو بعسر إن كان مخالفا له فاختلاف الناس في الأخلاق ~~لاختلافهم في الاختيار والمزاولة لأسباب خارجة. # (حجة القول الأول) أن كل خلق قابل للتغيير وكل قابل للتغيير ليس طبيعيا ~~فينتج لا شئ من الخلق بطبيعي والكبرى بديهية، والصغرى وجدانية. # فإنا نجد أن الشرير يصير بمصاحبته الخير خيرا، والخير بمجالسته الشرير # PageV01P046 # شريرا. ونرى أن التأديب " في السياسات 26 " فيه أثر عظيم في زوال ~~الأخلاق، ولولاه لم يكن لقوة الروية فائدة وبطلت التأديبات والسياسات ولغت ~~لشرائع والديانات، ولما قال الله سبحانه: (قد أفلح من زكاها) (27). # ولما قال النبي صلى الله عليه وآله: حسنوا أخلاقكم، ولما قال: بعثت لأتمم ~~مكارم الأخلاق. # ورد: بمنع كلية الصغرى فإنا نشاهد ms015 أن بعض الأخلاق في بعض الأشخاص غير ~~قابل للتبديل (لا) سيما ما يتعلق بالقوة النظرية، كالحدس والتحفظ، وجودة ~~الذهن، وحسن التعقل، ومقابلاتها كما هو معلوم من حال بعض الطلبة، فإنه لا ~~ينجح سعيهم في التبديل مع مبالغتهم في المجاهدة. # وما قيل: من لزوم تعطل القوة المميزة وبطلان التأديب والسياسات مردود: ~~بأن هذا اللزوم إذا لم يكن شئ من الأخلاق قابلا للتغيير، وأما مع قبول ~~بعضها أو أكثرها له فلا يلزم شئ مما ذكر، ولو كان عدم قبول بعض الأخلاق ~~للتغيير موجبا لبطلان علم الشرائع والأخلاق لكان عدم قبول بعض الأمراض ~~للصحة مقتضيا لبطلان علم الطب، مع إنا نعلم بديهة أن بعض الأمراض لا يقبل ~~العلاج. # (وحجة القول الثاني) إن الأخلاق بأسرها تابعة للمزاج، والمزاج لا يتبدل، ~~واختلاف مزاج شخص واحد في مراتب سنة لا ينافي ذلك، لجواز تابعيتها لجميع ~~مراتب عرض المزاج، وأيد ذلك بقوله (ص): # (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام) ~~وبقوله (ص): (إذا سمعتم أن جبلا زال عن مكانه فصدقوه، وإذا سمعتم برجل زال ~~عن خلقه فلا تصدقوه، فإنه سيعود إلى ما جبل عليه). # و (الجواب) إن توابع المزاج من المقتضيات التي يمكن زوالها لا من اللوازم ~~التي يمتنع انفكاكها، لما ثبت في الحكمة من أن النفوس الإنسانية متفقة في ~~الحقيقة، وفي بدو فطرتها خالية عن جميع الأخلاق والأحوال كما هو شأن العقل ~~الهيولائي. ثم ما يحصل لها منهما أما من مقتضيات الاختيار # PageV01P047 # والعادة أو استعدادات الأبدان والأمزجة، والمقتضي ما يمكن زواله كالبرودة ~~للماء، لا ما يمتنع انفكاكه كالزوجة للأربعة. والخبر الأول لا يفيد المطلوب ~~بوجه. والثاني مع عدم ثبوته عندما يدل على خلاف مطلوبهم، لأن قوله: # (سيعود إلى ما جبل عليه) يفيد إمكان إزالة الخلق بالأسباب الخارجية من ~~التأديب والنصائح وغيرهما، وبعد إزالته بها يعود بارتفاعها كبرودة الماء ~~التي تزول ببعض الأسباب وتعود بعد زوال السبب، فلو دام على حفظ الأسباب ~~وإبقائها لم يحصل العود أصلا. # وإذ ثبت بطلان القولين الأولين فالحق ms016 القول بالتفصيل، يعني قبول بعض ~~الأخلاق بل أكثرها بالنسبة إلى الأكثر التبديل للحس والعيان، ولبطلان ~~السياسات والشرائع لولاه ولإمكان تغير خلق البهائم، إذ ينتقل الصيد من ~~التوحش إلى الأنس والفرس من الجماح إلى الانقياد والكلب من الهراشة إلى ~~التأدب، فكيف لا يمكن في حق الإنسان، وعدم قبول بعضها بالنسبة إلى البعض ~~له، للمشاهدة والتجربة، وهذا البعض مما لا يكون متعلق التكليف كالأخلاق ~~المتعلقة بالقوة العقلية من الذكاء والحفظ وحسن التعقل وغيرها. # والتصفح يعطي اختلاف الأشخاص والأخلاق في الإزالة والاتصاف بالضد ~~بالإمكان والتعذر والسهولة والتعسر وبالتقليل والرفع بالمرة، ولذا لو تصفحت ~~أشخاص العالم لم تجد شخصين متشابهين في جميع الأخلاق، كما لا تجد اثنين ~~متماثلين في الصورة. ويشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وآله: # " أعملوا فكل ميسر لما خلق له ". # وقال أرسطاليس: " يمكن صيرورة الأشرار أعيارا بالتأديب إلا أن هذا ليس ~~كليا، فإنه ربما أثر في بعضهم بالزوال وفي بعضهم بالتقليل وربما لم يؤثر ~~أصلا ". # ثم المراد من التغيير ليس رفع الغضب والشهوة مثلا وإماطتهما بالكلية فإن ~~ذلك محال لأنهما مخلوقتان لفائدة ضرورية في الجبلة، إذ لو انقطع الغضب عن ~~الإنسان بالكلية لم يدفع عن نفسه ما يهلكه ويؤذيه وامتنع جهاد الكفار، ولو ~~انعدم عنه شهوة الطعام لم تبق حياته، ولو بطل عنه شهوة الوقاع بالمرة لضاع ~~النسل، بل المراد ردهما من الإفراط والتفريط إلى PageV01P048 # الوسط فالمطلوب في صفة الغضب خلو النفس عن الجبن والتهور، والاتصاف بحس ~~الحمية، وهو أن يحصل إذا استحسن حصوله شرعا وعقلا، ولا يحصل إذا استحسن ~~عدمه كذلك. وكذا الحال في صفة الشهوة. # ولا ريب في أن رد بعض الموجودات الناقصة من القوى وغيرها إذا وجدت فيه ~~قوة الكمال إلى كماله ممكن إذا كان له شرط يرتبط باختيار العبد، فكما أن ~~النواة يمكن أن تصير نخلا بالتربية، لوجود قوة النخلية فيه، وتوقف فعليتها ~~على شرط التربية التي بيد العبد، فكذلك يمكن تعديل قوتي الغضب والشهوة ~~بالرياضة والمجاهدة، لوجود قوة التعديل فيهما، وتوقف فعليتهما على شرط ~~ارتبط ms017 باختيار العبد أعني الرياضة والمجاهدة، وإن لم يمكن لنا قلعهما ~~بالكلية، كما لا يمكن لنا إعدام شئ من الموجودات، ولا إيجاد شئ من ~~المعدومات. # ثم شرائط الرد تختلف بالنسبة إلى الأشخاص والأخلاق، ولذا ترى أن التبديل ~~يختلف باختلاف مراتب السياسيات والتأديب، فيمكن أن لا يرتفع مذموم خلق ~~بمرتبة من التأديب، ويرتفع بمرتبة منه فوقها، والأسهل قبول لكل خلق الأطفال ~~لخلو نفوسهم عن الأضداد المانعة من القبول، فيجب على الآباء تأديبهم ~~بالآداب الجميلة، وصونهم عن ارتكاب الأعمال القبيحة، حنى تعتاد نفوسهم بترك ~~الرذائل، وارتكاب الفضائل، والمؤدب الأول هو الناموس الإلهي، والثاني أولو ~~الأذهان القويمة من أهل المعارف الحقة، فيجب تقييد من يراد تأديبه ~~بالنواميس الربانية أولا، وتنبيهه بالحكم والمواعظ ثانيا. # فصل شرف علم الأخلاق لشرف موضوعه وغايته لما عرفت أن الحياة الحقيقية ~~للانسان تتوقف على تهذيب الأخلاق الممكن بالمعالجات المقررة في هذه ~~الصناعة، تعرف أنها أشرف العلوم وأنفعها لأن شرف كل علم إنما هو بشرف ~~موضوعه أو غايته، فشرف صناعة الطب على صناعة الدباغة بقدر شرف بدن الإنسان ~~وإصلاحه على جلود البهائم، وموضوع هذا العلم هو النفس الناطقة التي هي ~~حقيقة الإنسان ولبه، وهو أشرف الأنواع الكونية كما برهن عليه في العلوم ~~العقلية، وغايته إكمال وإيصاله PageV01P049 # من أول أفق الإنسان إلى آخره، ولكونه ذا عرض عريض متصلا أوله بأفق ~~البهائم وآخره بأفق الملائكة، لا يكاد أن يوجد التفاوت الذي بين أشخاص هذا ~~النوع في أفراد سائر الأنواع، فإن فيه أخس الموجودات ومنه أشرف الكائنات ~~كما قيل: # ولم أر أمثال الرجال تفاوتت * لدى المجد حتى عد ألف بواحد وبالفارسية: # أي نقد أصل وفرع ندانم چه گوهرى * كز آسمان بلندتر واز خاك كمترى وإلى ~~ذلك التفاوت يشير قول الرسل صلى الله عليه وآله وسلم: " إني وزنت بأمتي ~~فرجحت بهم " ولا ريب في أن هذا التفاوت لأجل الاختلاف في الأخلاق والصفات، ~~لاشتراك الكل في الجسمية ولواحقها. # وهذا العلم هو الباعث للوصول إلى أعلى مراتبهما، وبه تتم الإنسانية، ~~ويعرج من حضيض البهيمية إلى ذرى الرتب ms018 الملكية، وأي صناعة أشرف مما يوصل ~~أخس الموجودات إلى أشرفها، ولذلك كان السلف من الحكماء لا يطلقون العلم ~~حقيقة إلا عليه، ويسمونه بالأكسير الأعظم، وكان أول تعاليمهم، ويبالغون في ~~تدوينه وتعليمه، والبحث عن إجماله وتفصيله، ويعتقدون أن المتعلم ما لم يهذب ~~أخلاقه لا تنفعه سائر العلوم. # وكما أن البدن الذي ليس بالنقي كلما غذوته فقد زدته شرا، فكذلك النفس ~~التي ليست نقية عن ذمائم الأخلاق لا يزيده تعلم العلوم إلا فسادا. # ولذا ترى أكثر المتشبهين بزي العلماء أسوأ حالا من العوام مائلين عن ~~وظائف الإيمان والإسلام، إما لشدة حرصهم على جمع المال، غافلين عن حقيقة ~~المآل، أو لغلبة حبهم الجاه والمنصب، ظنا منهم أنه ترويج للدين والمذهب، أو ~~لوقوعهم في الضلالة والحيرة لكثرة الشك والشبهة، أو لشوقهم إلى المراء ~~والجدال في أندية الرجال، إظهارا لتفوقهم على الأقران والأمثال، أو لإطلاق ~~ألسنتهم على الآباء المعنوية من أكابر وأعاظم الحكماء، ولعدم تعبدهم برسوم ~~الشرع والملة، ظنا منهم أنه مقتضى قواعد الحكمة، ولم يعلموا أن الحكمة ~~الحقيقية ما أعطته النواميس الإلهية والشرائع النبوية، فكأنهم لم يعلموا أن ~~العلم بدون العمل ضلال، ولم يتفطنوا قول نبيهم صلى الله عليه PageV01P050 # وآله وسلم: " قصم ظهري رجلان، عالم متهتك، وجاهل متنسك " ولم يتذكروا ~~قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " البلاهة أدنى إلى الإخلاص من فطانة بتراء ~~" وكل ذلك ليس إلا لعدم سعيهم في تهذيب الأخلاق وتحسينها وعدم الامتثال ~~لقوله سبحانه: # وأتو البيوت من أبوابها (28). # فصل النفس وأسماؤها وقواها الأربع ما عرفت من تجرد النفس إنما هو التجرد ~~في الذات دون الفعل لافتقارها فعلا إلى الجسم والآلة، فحدها أنها جوهر ~~ملكوتي يستخدم البدن في حاجاته، وهو حقيقة الإنسان وذاته، والأعضاء والقوى ~~آلاته التي يتوقف فعله عليها، وله أسماء مختلفة بحسب اختلاف الاعتبارات، ~~فيسمى (روحا) لتوقف حياة البدن عليه و (عقلا) لإدراكه المعقولات و (قلبا) ~~لتقلبه في الخواطر، وقد تستعمل هذه الألفاظ في معان أخرى تعرف بالقرائن. # وله قوى أربع: قوة عقلية ملكية، وقوة غضبية سبعية، وقوة شهوية بهيمية، ms019 ~~وقوة وهمية شيطانية. و (الأولى) شأنها إدراك حقائق الأمور، والتمييز بين ~~الخيرات والشرور، والأمر بالأفعال الجميلة، والنهي عن الصفات الذميمة و ~~(الثانية) موجبة لصدور أفعال السباع من الغضب والبغضاء، والتوثب على الناس ~~بأنواع الأذى. و (الثالثة) لا يصدر عنها إلا أفعال البهائم من عبودية ~~البهائم من عبودية الفرج والبطن، والحرص على الجماع والأكل. و (الرابعة) ~~شأنها استنباط وجوه المكر والحيل، والتوصل إلى الأغراض بالتلبيس والخدع. # والقائدة في وجود القوة الشهوية بقاء البدن الذي هو آلة تحصيل كمال ~~النفس. وفي وجود الغضبية أن يكسر سورة الشهوية والشيطانية، ويقهرها عند ~~انغمارهما في الخداع والشهوات، وإصرارهما عليهما، لأنهما لتمردهما لا ~~تطيعان العاقلة بسهولة، بخلاف الغضبية فإنهما تطيعانها وتتأدبان بتأديبها ~~بسهولة. # PageV01P051 # ولذا قال أفلاطون في صفة السبعية والبهيمية: " أما هذه أي السبعية فهي ~~بمنزلة الذهب في اللين والانعطاف، وأما تلك أي البهيمية فهي بمنزلة الحديد ~~في الكثافة والامتناع " وقال أيضا: " ما أصعب أن يصير الخائض في الشهوات ~~فاضلا، فمن لا تطيعه الواهمية والشهوية في إيثار الوسط فليستعن بالقوة ~~الغضبية المهيجة للغيرة، والحمية حتى يقهرهما " فلو لم يمتثلا مع الاستعانة ~~فإن لم تحصل له ندامة بعد ارتكاب مقتضاهما دل على غلبتهما على العاقلة ~~ومقهوريتها عنهما، وحينئذ لا يرجى صلاحه، وإلا فالإصلاح ممكن فليجتهد فيه ~~ولا ييأس من روح الله، فإن سبل الخيرات مفتوحة، وأبواب الرحمة الإلهية غير ~~مسدودة. # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا (29). # والفائدة في القوة الوهمية إدراك المعاني الجزئية، واستنباط الحيل ~~والدقائق التي يتوصل بها إلى المقاصد الصحيحة. # وبيان ذلك أن الواهمة والخيال والمتخيلة ثلاث قوى متباينة، ومباينة للقوى ~~الثلاث الأول، وشأن الأولى إدراك المعاني الجزئية، وشأن الثانية إدراك ~~الصور، وشأن الثالثة التركيب والتفصيل بينهما. وكل من مدركاتها إما مطابق ~~للواقع، أو مخترع من عند أنفسها من غير تحقق له في نفس الأمر أيضا، وأما من ~~مقتضيات العقل والشريعة، ومن الوسائل إلى المقاصد الصحيحة، أو من دواعي ~~الشيطان وما يقتضيه الغضب والشهوة، وعلى الأول يكون وجودها خيرا وكمالا، ~~وإن كان وجودها على الثاني شرا ms020 وفسادا. والحال في جميع القوى كذلك. # هذا وقيل: ما ورد في القرآن من النفس المطمئنة واللوامة والأمارة بالسوء، ~~إشارة إلى القوى الثلاث أعني العاقلة والسبعية والبهيمية. # والحق أنها أوصاف ثلاثة للنفس بحسب اختلاف أحوالها، فإذا غلبت قوتها ~~العاقلة على الثلاث الأخر، وصارت منقادة لها مقهورة منها، وزال اضطرابها ~~الحاصل من مدافعتها سميت " مطمئنة "، لسكونها حينئذ تحت الأوامر والنواهي، ~~وميلها إلى ملائماتها التي تقتضي جبلتها، وإذا لم تتم # PageV01P052 # غلبتها وكان بينها تنازع وتدافع، وكلما صارت مغلوبة عنها بارتكاب المعاصي ~~حصلت للنفس لوم وندامة سميت " لوامة ". وإذا صارت مغلوبة منها مذعنة لها من ~~دون دفاع سميت " أمارة بالسوء " لأنه لما اضمحلت قوتها العاقلة وأذعنت ~~للقوى الشيطانية من دون مدافعة، فكأنما هي الآمرة بالسوء. # ثم مثل اجتماع هذه القوى في الإنسان كمثل اجتماع ملك، أو حكيم وكلب ~~وخنزير وشيطان في مربط واحد. وكان بينها منازعة، وأيها صار غالبا كان الحكم ~~له، ولم يظهر من الأفعال والصفات إلا ما تقتضيه جبلته، فكان إهاب الإنسان ~~وعاء اجتمع فيه هذه الأربع، فالملك أو الحكيم هو القوة العاقلة، والكلب هو ~~القوة الغضبية، فإن الكلب ليس كلبا ومذموما للونه وصورته بل لروح معنى ~~الكلبية والسبعية أعني الضراوة والتكلب على الناس بالعقر والجرح. والقوة ~~الغضبية موجبة لذلك، فمن غلب فيه هذه القوة هو الكلب حقيقة، وإن أطلق عليه ~~اسم الإنسان مجازا. والخنزير هو القوة الشهوية، والشيطان هو القوة الوهمية، ~~والتقريب فيها كما ذكر، والنفس لا تزال محل تنازع هذه القوى وتدافعها إلى ~~أن يغلب إحداها، فالغضبية تدعوه إلى الظلم والإيذاء، والبغضاء، والبهيمية ~~تدعوه إلى المنكر والفواحش، والحرص على المآكل والمناكح، والشيطانية تهيج ~~غضب السبعية وشهوة البهيمية، وتزيد (30) فعلهما. وتغري إحداهما بالأخرى، ~~والعقل شأنه أن يدفع غيظ السبعية بتسليط الشهوية عليها، ويكسر سورة الشهوية ~~بتسليط السبعية عليها، ويرد كيد الشيطان ومكره بالكشف عن تلبيسه ببصيرته ~~النافذة، ونورانيته الباهرة، فإن غلب على الكل بجعلها مقهورة تحت سياسته ~~غير مقدمة على فعل إلا بإشارته جرى الكل على المنهج الوسط، وظهر العدل في ms021 ~~مملكة البدن، وإن لم يغلب عليها وعجز عن قهرها قهروه واستخدموه فلا يزال ~~الكلب في العقر والإيذاء، والخنزير في المنكر والفحشاء، والشيطان في ~~استنباط الحيل، وتدقيق الفكر في وجوه المكر والخدع، ليرضى الكلب ويشبع ~~الخنزير، فلا يزال في عبادة كلب عقور، أو خنزير هلوع أو شيطان عنود، فتدركه ~~الهلاكة الأبدية، والشقاوة السرمدية # PageV01P053 # إن لم تغثه العناية الإلهية، والرحمة الأزلية. # وقد يمثل اجتماع هذه القوى في الإنسان براكب بهيمة طالب للصيد يكون معه ~~كلب وعين من قطاع الطريق، فالراكب هو العقل، والبهيمة هي الشهوة، والكلب هو ~~الغضب، والعين هو القوة الوهمية التي هي من جواسيس الشيطان، فإن كان الكل ~~تحت سياسة الراكب فعل ما يصلح للكل ونال ما بصدده، وإن كانت الغلبة والحكم ~~للبهيمة أو الكلب لهلك الراكب بذهابه معهما فيما لا يصلح له من التلال ~~والوهاد، واقتحامه في موارد الهلكات وإن كان الكل تحت نهي العين وأمره، ~~وافتتنوا بخدعه ومكره لأضلهم بتلبيسه عن سواء السبيل حتى يوصلهم إلى أيدي ~~السارقين. # وكذلك لو كانت القوى بأسرها تحت إشارة العقل وقهرها وغلب عليها وقعت ~~لانقيادها له المسالمة والممازجة بين أكل، وصار الجميع كالواحد، لأن المؤثر ~~والمدبر حينئذ ليس إلا قوة واحدة تستعمل كلا منها في المواضع اللائقة ~~والأوقات المناسبة، فيصدر عن كل منها ما خلق لأجله، على ما ينبغي من القدر ~~والوقت والكيفية، فتصلح النفس وقواها. # قد أفلح من زكاها (31). # ولو لم يغلب العقل حصل التدافع والتجاذب بينه وبين سائر القوى، ويتزايد ~~ذلك إلى أن يؤدي إلى انحلال الآلة والقوة لو يصير العقل مغلوبا فتهلك النفس ~~وقواها. # وقد خاب من دساها (32). # (تتميم) لما تبين أن للنفس أربع قوى متخالفة، ولها قوى أخر أيضا كما تبين ~~في العلم الطبيعي، فبحسب غلبة بعض هذه القوى على بعض يحصل في النفس اختلاف ~~عظيم، والاختلاف في النفوس إنما هو باختلاف صفاتها الحاصلة من غلبة بعض ~~قواها المتخالفة. إذ هي في بدو فطرتها خالية عن جميع الأخلاق والملكات، ~~وليس لها فعلية، بل هي محض القوة، ولذا ليس ms022 # PageV01P054 # لها قوام بذاتها وإنما تتقوم بالبدن، ثم بتوسط قواها تكتسب العلوم ~~والأخلاق وترتسم بالصور والأعمال إلى أن تتقوم بها، وتصل إلى ما خلقت ~~لأجله. # ولما كانت قواها متخالفة متنازعة فما لم يغلب إحداها لم تدخل النفس في ~~عالمه (33) الذي تخصه فلا تزال من تنازعها معركة للآثار المختلفة والأحكام ~~المتباينة إلى أن يغلب إحداها فتظهر في النفس آثاره ويدخل في عالمه الخاص. # ولما كانت القوة العاقلة من سنخ الملائكة، والواهمة من حزب الأبالسة ~~والغضبية من أفق السباع، والشهوية من عالم البهائم، فبحسب غلبة واحدة منها ~~تكون النفس إما ملكا أو شيطانا أو كليا أو خنزيرا، فلو كانت الغلبة ~~والسلطنة لقهرمان العقل ظهر في مملكة النفس أحكامه وآثاره، وانتظمت ~~أحوالها، ولو كانت لغيره من القوى ظهر فيها آثاره فتهلك النفس ويختل معاشها ~~ومعادها. # ثم المنشأ للتنازع والتجرد والبقاء في نفس الإنسانية إنما هو قوتها ~~العقلية لأن التدافع إنما بينها وبين سائر القوى، فليس في نفوس سائر ~~الحيوانات لفقدانها العاقلة تنازع وتجادب وإن اختلفت في غلبة ما فيها من ~~القوى، فإن الغلبة في الشياطين للواهمة، وفي السباع للغضب، وأما الملائكة ~~فتنحصر قوتها بالعاقلة فليس فيها سائر القوى فلا يتحقق فيها تدافع وتنازع. # فالجامع لعوالم الكل هو الإنسان وهو المخصوص من بين المخلوقات بالصفات ~~المتقابلة، ولذلك صار مظهرا للأسماء المتقابلة الإلهية، وقابلا للخلافة ~~الربانية وقائما بعمارة عالمي الصورة والمعنى. # والملائكة وإن كانوا مخصوصين بالجنة الروحانية ولوازمها من الإشراقات ~~العلمية، وتوابعها من اللذات العقلية، إلا أنه ليس لهم جهة جسمانية ~~ولوازمها والأجسام الفلكية وإن كانت لها نفوس ناطقة على قواعد الحكمة إلا ~~أنها خالية عن الطبائع المختلفة، والكيفيات المتباينة، وليس لها سير في ~~المدارج المتخالفة، والمراتب المتفاوتة، ولا تقلب في أطوار النقص والكمال، ~~ولا تحول في جميع التقاليب والأحوال، بخلاف الإنسان فإنه محيط بجميع ~~المراتب المختلفة، وسائر في الأطوار المتباينة من الجمادية والنباتية ~~والحيوانية # PageV01P055 # والملكية، وله الترقي عن جميع تلك المراتب بأن تتحقق له مرتبة مشاهدة ~~الوحدة الصرفة فيتجاوز عن أفق الملائكة، فهو النسخة الجامعة ms023 لحقائق الملك ~~والملكوت، والمعجون المركب من عالمي الأمر والخلق، قال أمير المؤمنين (ع) " ~~إن الله خص الملك بالعقل دون الشهوة والغضب، وخص الحيوانات بهما دونه وشرف ~~الإنسان بإعطاء الجميع، فإن انقادت شهوته وغضبه لعقله صار أفضل من الملائكة ~~لوصوله إلى هذه المرتبة مع وجود المنازع والملائكة ليس لهم مزاحم ". # وصل قد ظهر بما ذكر أن الإنسان ذو جنبة روحانية يناسب بها الأرواح الطيبة ~~والملائكة القادسة، وذو جنبة جسمانية يشابه بها السباع والأنعام، فبالجزء ~~الجسماني أقيم في هذا العالم الحسي مدة قصيرة، وبالجزء الروحاني ينتقل إلى ~~العالم العلوي، ويقيم فيه أبدا في مصاحبة الأرواح القدسية، بشرط أن يتحرك ~~بقواه نحو كمالاتها الخاصة، حتى يغلب الجزء الروحاني على الجسماني وينفض عن ~~نفسه كدورات الطبيعة، وتظهر فيه آثار الروحانيات من العلم بحقائق الأشياء ~~والأنس بالله تعالى والحب له والتحلي بفضائل الصفات. # وحينئذ يقوم بغلبة روحانيته بين الملأ الأعلى يستمد منهم لطائف الحكمة. # ويستنير بالنور الإلهي ويزيد ذلك بحسب دفع العلائق الجسمية، حتى إذا ~~ارتفعت عنه حجب الغواسق الطبيعية بأسرها، وأزيلت عنه أستار العوائق ~~الهيولانية برمتها، خلي عن جميع الآلام والحسرات، وكان أبدا مسرورا بذاته، ~~مغتبطا بحاله، مبتهجا بما يرد عليه من فيوضات النور الأول، ولا يسر إلا ~~بتلك اللذات، ولا يغتبط إلا بها، ولا يهش إلا بإظهار الحكمة الحقة بين ~~أهلها، ولا يرتاح إلا بمن ناسبه وأحب الاقتباس منه، ولا يبالي بمفارقة ~~الدنيا وما فيها، ويرى جسمه وماله وجميع خيرات الدنيا وبالا وكلا عليه إلا ~~ما هو ضروي يحتاج إليه بدنه الذي يفتقر إليه في تحصيل كما له، ويحن أبدا ~~إلى مصاحبة الذوات النورية، ولا يفعل إلا ما أراد الله تعالى منه، ولا ~~يتعرض إلا لما يقربه إليه، ولا يخالفه في متابعة الشهوات الردية، ولا ينخدع ~~PageV01P056 # بخدائع الطبيعة، ولا يلتفت إلى شئ يعوقه عن سعادته، ولا يحزن على فقد ~~محبوب، ولا فوت مطلوب، وإذا صفى من الأمور الطبيعية بالكلية زالت عنه ~~العوارض النفسانية، والخواطر الشيطانية بأسرها، وفنى عنه إرادته المتعلقة ~~بالأمور الخارجة. وحينئذ ms024 يمتلي من المعارف الإلهية، والشوق الإلهي والبهجة ~~الإلهية، والشعار الإلهي، وتتقرر الحقائق في عقله كتقرر القضايا الأولية ~~فيه، بل يكون علمه بها أشد إشراقا وظهورا من علمه بها. # وإذا بلغ هذه الغاية فقد استعد للوصول إلى المرتبة القصوى، ومجاورة الملأ ~~الأعلى فيصل إلى ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ويفوز ~~بما أشير إليه في الكتاب الإلهي بقوله: # فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين (34). # فصل الأقوال في الخير والسعادة والتوفيق بينها إعلم أن الغاية في تهذيب ~~النفس عن الرذائل وتكميلها بالفضائل هو الوصول إلى الخير والسعادة. والسلف ~~من الحكماء قالوا: إن " الخير " على قسمين مطلق ومضاف، والمطلق هو المقصود ~~من إيجاد الكل، إذ الكل يتشوقه وهو غاية الغايات، والمضاف ما يتوصل به إلى ~~المطلق. و " السعادة " هو وصول كل شخص بحركته الإرادية النفسانية إلى كماله ~~الكامن في جبلته. # وعلى هذا فالفرق بين الخير والسعادة أن الخير لا يختلف بالنسبة إلى ~~الأشخاص والسعادة تختلف بالقياس إليهم. # ثم الظاهر من كلام أرسطاطاليس إن الخير المطلق هو الكمالات النفسية ~~والمضاف ما يكون معدا لتحصيلها كالتعلم والصحة، أو نافعا فيه كالمكنة ~~والثروة. # وأما السعادة فعند الأقدمين من الحكماء راجعة إلى النفوس فقط، وقالوا ليس ~~للبدن فيها حظ، فحصروها في الأخلاق الفاضلة، واحتجوا على ذلك بأن حقيقة ~~الإنسان هي النفس الناطقة والبدن آلة لها، فلا يكون ما يعد كمالا له سعادة ~~للانسان. وعند المتأخرين منهم كأرسطو ومن تابعه راجعة إلى الشخص حيث ~~التركيب، سواء تعلقت بنفسه أو بدنه، لأن كل ما يلائم جزءا # PageV01P057 # من شخص معين فهو سعادة جزئية بالنسبة إليه، مع أنه يتعسر صدور الأفعال ~~الجميلة بدون اليسار، وكثرة الأعوان والأنصار، والبخت المسعود، وغير ذلك ~~مما لا يرجع إلى النفس، ولذا قسموا السعادة إلى ما يتعلق بالبدن من حيث هو ~~كالصحة واعتدال المزاج، وإلى ما يتوصل به إلى إفشاء العوارف، ومثله مما ~~يوجب استحقاق المدح كالمال وكثرة الأعوان، وإلى ما يوجب حسن الحديث وشيوع ~~المحمدة، وإلى ms025 ما يتعلق بإنجاح المقاصد والأغراض على مقتضى الأمل، وإلى ما ~~يرجع إلى النفس من الحكمة والأخلاق المرضية. # وقالوا كمال السعادة لا يحصل بدون هذه الخمسة، وبقدر النقصان فيها تنقص. ~~قالوا وفوق ذلك سعادة محضة لا تدانيها سعادة، وهو ما يفيض الله سبحانه على ~~بعض عباده من المواهب العالية، والإشراقات العلمية، والابتهاجات العقلية ~~بدون سبب ظاهر. # ثم الأقدمون لذهابهم إلى نفي السعادة للبدن صرحوا بأن السعادة العظمى لا ~~تحصل للنفس ما دامت متعلقة بالبدن، وملوثة بالكدورات الطبيعية، والشواغل ~~المادية، بل حصولها موقوف عنها، لأن السعادة المطلقة لا تحصيل لها ما لم ~~تصر مشرقة بالإشراقات العقلية، ومضيئة بالأنوار الإلهية، بحيث يطلق عليها ~~اسم التام، وذلك موقوف على تخلصها التام عن الظلمة الهيولانية، والقصورات ~~المادية. # وأما المعلم الأول وأتباعه فقالوا إن السعادة العظمى تحصل للنفس مع ~~تعلقها بالبدن أيضا، لبداهة حصولها لمن استجمع الفضائل بأسرها، واشتغل ~~بتكميل غيره، وما أقبح أن يقال مثله ناقص وإذا مات يصير تاما، فالسعادة لها ~~مراتب، ويحصل للنفس الترقي في مدارجها بالمجاهدة إلى أن تصل إلى أقصاها ~~وحينئذ يحصل تمامها وإن كان قبل المفارقة، وتكون باقية بعدها أيضا. # ثم المتأخرون عن الطائفتين من حكماء الإسلام قالوا إن السعادة في الأحياء ~~لا تتم إلا باجتماع ما يتعلق بالروح والبدن، وأذناها أن تغلب السعادة ~~البدنية على النفسية بالفعل، إلا أن الشوق إلى الثانية، والحرص على ~~اكتسابها يكون أغلب، وأقصاها أن تكون الفعلية والشوق كلاهما في الثانية ~~أكثر، إلا أنه قد يقع الالتفات إلى هذا العالم وتنظيم أموره بالعرض. # وأما في الأموات فيختص بما يتعلق بالنفس فقط لاستغنائهم عن الأمور ~~PageV01P058 # البدنية، فتختص السعادة فيهم بالملكات الفاضلة، والعلوم الحقة اليقينية، ~~والوصول إلى مشاهدة جمال الأبد، ومعاينة جلال السرمد. وقالوا إن الأولى ~~لشوبها الزخارف الحسية، ولكدورات الطبيعية ناقصة كدرة، وأما الثانية ~~فدخلوها عنها تامة صافية، لأن المتصف بها يكون أبدا مستنيرا بالأنوار ~~الإلهية، مستضيئا بالأضواء العقلية، مستهترا (35) بذكر الله وأنسه، مستغرقا ~~في بحر عظمته وقدسه، وليس له التفات إلى ما سوى ذلك، ولا ms026 يتصور له تحسر على ~~فقده لذة أو محبوب، ولا شوق إلى طلب شئ مرغوب، ولا رغبة إلى أمر من الأمور، ~~ولا رهبة من وقوع محذور، بل يكون منصرفا بجزئه العقلي مقصورا همه على ~~الأمور الإلهية من دون التفات إلى غيرها. # وهذا القول ترجيح لطريقة المعلم الأول، من حيث إثبات سعادة للبدن، ~~ولطريقة الأقدمين من حيث نفي حصول السعادة العظمى للنفس ما دامت متعلقة ~~بالبدن. وهو " الحق المختار " عندنا، إذ لا ريب في كون ما هو وصلة إلى ~~السعادة المطلقة سعادة إضافية. ومعلوم أن غرض القائل يكون متعلقات الأبدان ~~كالصحة والمال والأعوان سعادة أنها سعادة إذا جعلت آلة لتحصيل السعادة ~~الحقيقية لا مطلقا، إذ لا يقول عاقل إن الصحة الجسمية، والحطام الدنيوي ~~سعادة، ولو جعلت وسيلة إلى اكتساب سخط الله وعقابه، وحاجبة عن الوصول إلى ~~دار كرامته وثوابه، وكذا لا ريب في أن النفس ما دامت متعلقة بالبدن مقيدة ~~في سجن الطبيعة لا يحصل لها العقل الفعلي، ولا تنكشف لها الحقائق كما هي ~~عليه انكشافا تاما، ولا تصل إلى حقيقة ما يترتب على العلم والعمل من ~~الابتهاجات العقلية واللذات الحقيقية. ولو حصلت لبعض المتجردين عن جلباب ~~البدن يكون في آن واحد ويمر كالبرق الخاطف. # هذا وقد ظهر من كلمات الجميع أن حقيقة الخير والسعادة ليس إلا المعارف ~~الحقة، والأخلاق الطيبة، والأمر وإن كان كذلك من حيث أن حقيقتهما ما يكون ~~مطلوبا لذاته، وباقيا مع النفس أبدا وهما كذلك، إلا أنه لا ريب في أن ما ~~يترتب عليهما من حب الله وأنسه، والابتهاجات العقلانية، واللذات الروحانية ~~مغاير لهما من حيث الاعتبار، وإن لم ينفك عنهما، ومطلوبيته # PageV01P059 # لذاته أشد وأقوى، فهو باسم الخير والسعادة أولى وأحرى، وإن كان الجميع ~~خيرا وسعادة. وبذلك يحصل الجمع بين أقوال أرباب النظر والاستدلال، وأصحاب ~~الكشف والحال، وأخوان الظاهر من أهل المقال، حيث ذهبت (الفرقة الأولى) إلى ~~أن حقيقة السعادة هو العقل والعلم، و (الثانية) إلى أنها العشق، و ~~(الثالثة) إلى أنها الزهد، وترك الدنيا. # فصل لا تحصل ms027 السعادة إلا بإصلاح جميع الصفات والقوى دائما لا تحصل ~~السعادة إلا بإصلاح جميع الصفات والقوى دائما، فلا تحصل بإصلاحها بعضا دون ~~بعض، ووقتا دون وقت، كما أن الصحة الجسمية، وتدبير المنزل، وسياسة المدن لا ~~تحصل إلا بإصلاح جميع الأعضاء والأشخاص والطوائف في جميع الأوقات، فالسعيد ~~المطلق من أصلح جميع صفاته وأفعاله على وجه الثبوت والدوام بحيث لا يغيره ~~تغير الأحوال والأزمان، فلا يزول صبره بحدوث المصائب والفتن، ولا شكره ~~بورود النوائب والمحن، ولا يقينه بكثرة الشبهات، ولا رضاه بأعظم النكبات، ~~ولا إحسانه بالإساءة، ولا صداقة بالعداوة. وبالجملة لا يحصل التفاوت في ~~حاله، ولو ورد عليه ما ورد على أيوب النبي عليه السلام أو على برناس ~~الحكيم، لشهامة ذاته، ورسوخ أخلاقه وصفاته، وعدم مبالاته بعوارض الطبيعة، ~~وابتهاجه بنورانيته وملكاته الشريفة. بل السعيد الواقعي لتجرده وتعاليه عن ~~الجسمانيات خارج عن تصرف الطبائع الفلكية، متعال عن تأثير الكواكب والأجرام ~~الأثيرية فلا يتأثر عن سعدها ونحسها، ولا ينفعل عن قمرها وشمسها. أهل ~~التسبيح والتقديس لا يبالون التثليث والتسديس، وربما بلغ تجردهم وقوة ~~نفوسهم مرتبة تحصل لهم ملكة الاقتدار على التصرف في مواد الكائنات، ولو في ~~الأفلاك وما فيها، كما حصل لفحل الأنبياء وسيد الأوصياء صلوات الله عليهما ~~وآلهما من شق القمر ورد الشمس. # وقد ظهر مما ذكر أن من من يجزع بورود المصائب الدنيوية، ويضطرب من ~~الكدورات الطبيعية، ويدخل نفسه في معرض شماتة الأعداء وترحم PageV01P060 # الأحباء، خارج عن زمرة السعداء، لضعف غريزته وغلبة الجبن على طبيعته، ~~وعدم نبله بعد إلى الابتهاجات التي تدفع عن النفس أمثال ذلك. # ومثله لو تكلف الصبر والرضا وتشبه ظاهرا بالسعداء لكان في الباطن متألما ~~مضطربا، وهذا ليس سعادة لأن السعادة الواقعية إنما هو صيرورة الأخلاق ~~الفاضلة ملكات راسخة بحيث لا تغيرها المغيرات ظاهرا وباطنا. # بلغنا الله وجميع الطالبين إلى هذا المقام الشريف. # فصل غاية السعادة التشبيه بالمبدأ صرح الحكماء بأن غاية المراتب للسعادة ~~أن يتشبه الإنسان في صفاته بالمبدأ: بأن يصدر عنه الجميل لكونه جميلا، لا ~~لغرض آخر من ms028 جلب منفعة، أو دفع مضرة، وإنما يتحقق ذلك إذا صارت حقيقته ~~المعبر عنها بالعقل الإلهي والنفس الناطقة خيرا محضا، بأن يتطهر عن جميع ~~الخبائث الجسمانية، والأقذار الحيوانية، ولا يحوم حوله شئ من العوارض ~~الطبيعية، والخواطر النفسانية، ويمتلئ من الأنوار الإلهية، والمعارف ~~الحقيقية، ويتيقن بالحقائق الحقة الواقعية، ويصير عقلا محضا بحيث يصير جميع ~~معقولاته كالقضايا الأولية، بل يصير ظهورها أشد، وانكشافها أتم، وحينئذ ~~يكون له أسوة حسنة بالله سبحانه، في صدور الأفعال وتصير إلهية أي شبيهة ~~بأفعال الله سبحانه في أنه لصرافة حسنة يقتضي الحسن، ولمحوضة جماله يصدر ~~عنه الجميل من دون داع خارجي، فتكون ذاته غاية فعله، وفعله غرضه بعينه، ~~وكلما يصدر عنه بالذات وبالقصد الأول فإنما يصدر لأجل ذاته، وذات الفعل وإن ~~ترشحت منه الفوائد الكثيرة على الغير بالقصد الثاني وبالعرض. # قالوا وإذا بلغ الإنسان هذه المرتبة فقد فاز بالبهجة الإلهية، واللذة ~~الحقيقية الذاتية، فيشمئز طبعه من اللذات الحسية الحيوانية، لأن من أدرك ~~اللذة الحقيقية علم أنها لذة ذاتية، والحسية ليست لذة بالحقيقة لتصرمها ~~ودثورها وكونها دفع وألم. # وأنت خبير بأن هذا التصريح محل تأمل لمخالفته ظواهر الشرع فتأمل. ~~PageV01P061 # فصل بإزاء كل واحدة من القوى الأربع لذة وألم لما عرفت أن القوى في ~~الإنسان أربع: قوة نظرية عقلية، وقوة وهمية خيالية، وقوة سبعية غضبية، وقوة ~~بهيمية شهوية - فاعلم أنه بإزاء كل واحدة منها لذة وألم، لأن اللذة إدراك ~~الملائم، والألم إدراك غير الملائم، فلكل من الغرائز المدركة لذة هو نيله ~~مقتضى طبعه الذي خلق لأجله، وألم هو إداركه خلاف مقتضى طبعه: # (بغريزة العقل) لما خلقت لمعرفة حقائق الأمور، فلذتها في المعرفة والعلم، ~~وألمها في الجهل، و (غريزة الغضب) لما خلقت للتشفي والانتقام فلذتها في ~~الغلبة التي يقتضيها طبعها وألمها في عدمها، و (غريزة الشهوة) لما خلقت ~~لتحصيل الغذاء الذي به قوام البدن، فلذتها في نيل الغذاء، وألمها في عدم ~~نيله، وهكذا في غيرها، فاللذات والآلام أيضا على أربعة أقسام: العقلية ~~والخيالية والغضبية والبهيمية. # فاللذة العقلية كالانبساط (36) الحاصل من معرفة ms029 الأشياء الكلية وإدراك ~~الذوات المجردة النورية، والألم العقلي كالانقباض الحاصل من الجهل. # واللذة الخيالية كالفرح الحاصل من إدراك الصور والمعاني الجزئية ~~الملائمة، والألم الخيالي كإدراك غير الملائمة منها. واللذة المتعلقة ~~بالقوة الغضبية كالانبساط الحاصل من الغلبة ونيل المناصب والرياسات، والألم ~~المتعلق بها كالانقباض الحاصل من المغلوبية والعزل والمرؤسية. واللذة ~~البهيمية هي المدركة من الأكل والجماع وأمثالهما، والألم البهيمي ما يدرك ~~من الجوع والعطش والحر والبرد وأشباهها. وهذا اللذات والآلام تصل إلى النفس ~~وهي الملتذة والمتألمة حقيقة إلا أن كلا منها يصل إليها بواسطة القوة التي ~~تتعلق بها. والفرق بين الكل ظاهر. # وربما يشتبه بين ما يتعلق بالوهم والخيال وما يتعلق بالقوة الغضبية من ~~حيث اشتراكهما في الترتب على التخيل. # ويدفع الاشتباه بأن ما يتعلق بالغضبية وإن توقف على التخيل إلا أن # PageV01P062 # المتأثر بالالتذاذ والتألم بعد التخيل هو الغضبية وبواسطتها تتأثر النفس، ~~ففي هذا النوع من اللذة والألم تتأثر الغضبية لم تتأثر النفس. # وأما ما يتعلق بالوهم والخيال فالمتأثر بالالتذاذ والتألم هاتان القوتان ~~ويصل التأثر منهما إلى النفس من دون توسط القوة الغضبية. # ومما يوضح الفرق أن الالتذاذ والتألم الخياليين لا يتوقفان على وجود غلبة ~~ومغلوبية مثلا في الخارج، وأما الغضبيان فيتوقفان عليهما. # ثم أقوى اللذات هي العقلية لكونها فعلية ذاتية غير زائلة باختلاف ~~الأحوال، وغيرها من اللذات الحسية انفعالية عرضية منفعلة زائلة، وهي في ~~مبدأ الحال مرغوبة عند الطبيعة، وتتزايد بتزايد القوة الحيوانية، وتتضعف ~~بعضها إلى أن تنتفي بالمرة، ويظهر قبحها عند العقل، وأما العقلية فهي في ~~البداية منتفية، لأن إدراكها لا يحصل إلا للنفوس الزكية المتحلية بالأخلاق ~~المرضية، وبعد حصولها يظهر حسنها وشرفها، وتتزايد بتزايد القوة العقلية، ~~إلى أن ينتهي إلى أقصى المراتب، ولا يكون لها نقص ولا زوال. # والعجب ممن ظن انحصار اللذة في الحسية وجعلها غاية كمال الإنسان وسعادته ~~القصوى. والمتشرعون منهم قصروا اللذات الآخرة على الجنة والحور والغلمان ~~وأمثالها، وآلامها على النار والعقارب والحيات وأشباهها، وجعلوا الوصول إلى ~~الأولى والخلاص عن الثانية غاية لزهدهم وعبادتهم، وكأنهم ms030 لم يعلموا أن هذه ~~عبادة الأجراء والعبيد تركوا قليل المشتبهات ليصلوا إلى كثيرها. وليت شعري ~~أن ذلك كيف يدل على الكمال الحقيقي والقرب من الله سبحانه! ولا أدري أن ~~الباكي خوفا من النار وشوقا إلى اللذات الجسمية المطلوبة للنفس البهيمية ~~كيف يعد من أهل التقرب إلى الله سبحانه ويستحق التعظيم ويوصف بعلو الرتبة! ~~وكأنهم لم يدركوا الابتهاجات الروحانية، ولا لذة المعرفة بالله وحبه وأنسه ~~ولم يسمعوا قول سيد الموحدين (37) (ص) " إلهي ما عبدتك خوفا من نارك ولا ~~طمعا في جنتك ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك ". # وبالجملة لا ريب في أن الإنسان في اللذة الجسمية يشارك الخنافس # PageV01P063 # والديدان والهمج من الحيوان، وإنما يشابه الملائكة في البصيرة الباطنة ~~والأخلاق الفاضلة، وكيف يرتضي العاقل أن يجعل النفس الناطقة الشريفة خادمة ~~للنفس البهيمية الخسيسة. # والعجب من هؤلاء الجماعة (38) مع هذا الاعتقاد يعظمون من يتنزه عن ~~الشهوات الحيوانية ويستهين باللذات الحسية ويتخضعون له ويعدون أنفسهم ~~أشقياء بالنسبة إليه، ويذعنون أنه أقرب الناس إلى الله سبحانه وأعلى رتبة ~~منهم بتنزهه عن الشهوات الطبيعية، وقد اتفق كلهم على تنزه مبدع الكل ~~وتعاليه عنها مستدلين بلزوم النقص فيه لولاه، وكل ذلك يناقض رأيهم الأول. # والسر فيه أنهم وإن ذهبوا إلى هذا الرأي الفاسد إلا أنه لما كانت غريزة ~~العقل فيهم بعد موجودة، وإن كانت ضعيفة، فيرى ما هو كمال حقيقي لجوهرها ~~كمالا، ويحكم بنورانيتها الذاتية، على كون ما هو فضيلة في الواقع فضيلة، ~~وما هو رذيلة في نفس الأمر رذيلة، فيضطرهم إلى إكرام أهل التنزه عن ~~الشهوات، والاستهانة بالمكبين عليها. # ومما يدل على قبح اللذات الحيوانية أن أهلها يكتمونها ويحفون ارتكابها ~~ويستحيون عن إظهارها، وإذا وصفوا بذلك تتغير وجوههم، كما هو ظاهر من وصف ~~الرجل بكثرة الأكل والجماع، مع أن الجميل على الإطلاق يحسن إذاعته، وصاحبه ~~يحب أن يظهره ويوصف به. هذا مع أن البديهة حاكمة بأن هذه اللذات ليست لذات ~~حقيقية، بل هي دفع آلام حادثة للبدن (39) فإن ما يتخيل لذة عند الأكل ~~والجماع إنما هو راحة ms031 من ألم الجوع ولذع المني ولذا لا يلتذ الشبعان من ~~الأكل، ومعلوم أن الراحة من الألم ليس كمالا وخيرا، إذ الكمال الحقيقي ~~والخير المطلق ما يكون كمالا وخيرا أبدا. # PageV01P064 # إيقاظ فيه موعظة ونصيحة لما عرفت أن الإنسان في اللذة العقلية يشارك ~~الملائكة، وفي غيرها من الحسية المتعلقة بالقوى الثلاث، أعني السبعية ~~والبهيمية والشيطانية، يشارك السباع والبهائم والشياطين - فاعلم أن من غلبت ~~عليه إحدى اللذات الأربع كانت مشاركته لما ينسب إليه أكثر حتى إذا صارت ~~الغلبة تامة لكان هو هو. # فأنظر يا حبيبي أين تضع نفسك، فإن الغلبة لو كانت لقوتك الشهوية حتى يكون ~~أكثر همك الشهوات الحيوانية كالأكل والشرب والجماع وسائر النزوات البهيمية، ~~كنت واحدا من البهائم. وإن كانت لقوتك الغضبية حتى يكون جل ميلك إلى ~~المناصب والرياسات الردية، وإيذاء الناس بالضرب والشتم، وباقي الحركات ~~السبعية، نزلت منزلة السباع. وإن كانت لقوتك الشيطانية حتى يكون غالب سعيك ~~في استنباط وجوه المكر والحيل للوصول إلى مقتضيات قوتي الشهوة والغضب ~~بأنواع الخداع والتلبيسات الوهمية دخلت في حزب الأبالسة. وإن كانت لقوتك ~~العقلية حتى يكون جدك مقصورا على " أخذ " (40) المعارف الإلهية واقتفاء ~~(41) الفضائل الخليقة عرجت إلى أفق الملائكة القادسية. فمن كان عاقلا غير ~~عدو لنفسه وجب عليه أن يصرف جل همه في تحصيل السعادة العلمية والعملية، ~~وإزالة النقائض الكامنة في نفسه، وليقتصر على الأمور الشهوانية، واللذات ~~الجسمانية بقدر الضرورة، بأن يكتفي من الغذاء بما يحفظ اعتدال مزاجه وقوام ~~حياته، ولا يكون قصده منه الالتذاذ، بل سد الضرورة ودفع الألم، ولا يضيع ~~وقته في تحصيل أزيد من ذلك، فإن تجاوز عنه فبقدر ما يحفظ رتبته، ولا يوجب ~~مهانته وذلته، ومن اللباس بقدر ما يستر العورة، ويدفع الحر والبرد، فإن ~~تجاوز عن ذلك فبقدر ما لا يؤدي إلى حقارته، ولا يوجب السقوط بين أقرانه ~~وأهل طبقته، ومن الجماع بقدر ما يحفظ نوعه، ويبقي # PageV01P065 # نسله، وإن تعدى فبقدر ما لا يخرجه عن السنة، وليحذر عن الانهماك في ~~مقتضيات قوتي الشهوة والغضب. لأنه يوجب الشقاوة الدائمة والهلاكة ms032 السرمدية. ~~فالله الله في نفوسكم معاشر الأخوان أدركوها قبل أن تغرقوا في بحار ~~المهالك، وتنبهوا عن نوم الغفلة قبل أن تنسد عليكم السبل والمهالك، وبادروا ~~إلى تحصيل السعادات قبل أن تستحكم فيكم الملكات المهلكة، والعادات المفسدة، ~~فإن إزالة الرذائل بعد استحكامها في غاية الصعوبة والمجاهدة مع أحزاب ~~الشياطين بعد الكبر قلما يفيد الأثر، والغلبة على النفس الأمارة بعد ضعف ~~الهرم في غاية الإشكال، إلا أنه في أي حال لا ينبغي أن تيأسوا من روح الله، ~~فاجتهدوا بقدر القوة والاستطاعة، فإنه خير من التمادي في الباطل، فلعل الله ~~يدرككم بعظيم رحمته. # ولقد قال الشيخ (42) الفاضل أحمد بن محمد بن يعقوب بن مسكويه وهو الأستاذ ~~في علم الأخلاق، وأقدم الإسلاميين في تدوينه: " إني تنبهت عن نوم الغفلة ~~بعد الكبر واستحكام العادة، فتوجهت إلى فطام نفسي عن رذائل الملكات، وجاهدت ~~جهادا عظيما حتى وفقني الله لاستخلاصها عما يهلكها، فلا ييأس أحد من رحمة ~~الله، فإن النجاة لكل طالب مرجوة، وأبواب الإفاضة أبدا مفتوحة " فبادروا ~~إخواني إلى تهذيب نفوسكم قبل # PageV01P066 # أن يصير الرئيس مرؤسا، والعقل مقهورا، فيفسد جوهركم، وتمسخ حقيقتكم، ~~ويدرككم الانتكاس في الخلق الذي هو خروج عن أفق الإنسان ودخول في زمرة ~~البهائم والسباع والشياطين، نعوذ بالله ونسأله العصمة من الخسران الذي لا ~~نهاية له. وقد شبه الحكماء من أهمل سياسة نفسه الغافلة بمن له ياقوتة شريفة ~~حمراء، فرماها في نار مضطرمة فيحرقها، حتى تصير كلسا (43) لا منفعة فيها. # (تتميم) ولا تظنن أن ما يفوت عن النفس من الصفاء والبهجة لأجل ما يعتريها ~~من الكدرة الحاصلة من معصية من المعاصي يمكن تداركه، فإن ذلك محال، إذ غاية ~~الأمر أن نتبع تلك المعصية بحسنة تمحي آثارها، وتعيد النفس إلى ما كانت ~~عليه قبل تلك المعصية، فلا تزداد بتلك الحسنة أشرافا وسعادة، ولو جاء بها ~~من دون سيئة لزاد بها نور القلب وبهجته، وحصلت له درجة في الجنة، ولما ~~تقدمت السيئة سقطت هذه الفائدة وانحصرت فائدتها في مجرد عود القلب إلى ما ~~كان عليه قبلها، ms033 وهذا نقصان لا حيلة لجبره، ومثال ذلك أن المرآة التي تدنست ~~بالخبث والصدأ إذا مسحت بالمصقلة وإن زال به هذا الخبث، إلا أنه لا تزيد به ~~جلاء وصفاء، بخلاف ما إذا لم تتدنس أصلا، فإن التصقيل يزيدها صفاء وجلاء، ~~وإلى ما ذكر أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: " من قارف ذنبا ~~فارقه عقل لم يعد إليه أبدا ". # PageV01P067 # الباب الثاني في بيان أقسام الأخلاقي وتفصيل القول فيها وفيه فصول أجناس ~~الفضائل الأربعة والأقوال في حقيقة العدالة - حقيقة العدالة انقياد العقل ~~العملي للعقل النظري ولوازم الأقوال في العدالة - العقل النظري هو المدرك ~~للفضائل والرذائل - دفع أشكال في تقسيم الحكمة - تحقيق الوسط والأطراف - ~~أجناس الرذائل وأنواعها - الفرق بين الفضيلة الرذيلة - العدالة أشرف ~~الفضائل - إصلاح النفس قبل إصلاح الغير وأشرف وجوه العدالة عدالة السلطان - ~~لا حاجة إلى العدالة مع رابطة المحبة - التكميل الصناعي لاكتساب الفضائل ~~على طبق ترتيب الكمال الطبيعي. PageV01P068 # فصل أجناس الفضائل الأربع والأقوال في حقيقة العدالة قد تبين في العلم ~~الطبيعي أن للنفس الناطقة قوتين: " أولاهما ": قوة الإدراك و " ثانيتهما ": ~~قوة التحريك، ولكل منهما شعبتان: (الشعبة الأولى) للأولى العقل النظري، وهو ~~مبدأ التأثر عن المبادئ العالية بقبول الصور العلمية، و (الشعبة الثانية) ~~لها العقل العملي، وهو مبدأ تحريك البدن في الأعمال الجزئية بالرؤية (1). ~~وهذه الشعبة من حيث تعلقها بقوتي الشهوة والغضب مبدأ " لحدوث " (2) بعض ~~الكيفيات الموجبة لفعل أو انفعال، كالخجل والضحك والبكاء وغير ذلك، ومن حيث ~~استعمالها الوهم والمتخيلة مبدأ لاستنباط الآراء والصنائع الجزئية. ومن حيث ~~نسبتها بالعقل وحصول الازدواج بينهما سبب لحصول الآراء الكلية المتعلقة ~~بالأعمال كحسن الصدق، وقبح الكذب، ونظائرهما. (الشعبة الأولى) للثانية قوة ~~الغضب وهي مبدأ دفع غير الملائم على وجه الغلبة، و (لشعبة الثانية) لها قوة ~~الشهوة وهي مبدأ جلب الملائم. # ثم إذا كانت القوة الأولى غالبة على سائر القوى ولم تنفعل عنها، بل كانت ~~هي مقهورة عنها مطيعة لها فيما تأمرها به وتنهاها عنه، كان تصرف كل منها ~~على وجه الاعتدال، وانتظمت أمور النشأة الإنسانية، ms034 وحصل تسالم القوى الأربع ~~وتمازجها، فتهذب كل واحد منها، ويحصل له ما يخصه من الفضيلة، فيحصل من ~~تهذيب العاقلة العلم وتنبعه الحكمة، ومن تهذيب العاملة العدالة، ومن تهذيب ~~الغضبية الحلم وتنبعه الشجاعة، ومن تهذيب الشهوية العفة وتتبعه السخاوة. ~~وعلى هذا تكون العدالة كمالا للقوة العملية. # بطريق آخر قيل: إن النفس لما كانت ذات قوى أربع العاقلة والعاملة ~~والشهوية # PageV01P069 # والغضبية، فإن كانت حركاتها على وجه الاعتدال، وكانت الثلاث الأخيرة ~~مطيعة للأولى، واقتصرت من الأفعال على ما تعين لها، حصلت أولا فضائل ثلاث ~~هي الحكمة والعفة والشجاعة، ثم يحصل من حصولها المترتب على تسالم القوى ~~الأربع، وانقهار الثلاث تحت الأولى حالة متشابهة هي كمال القوى الأربع ~~وتمامها، وهي العدالة. وعلى هذا لا تكون العدالة كمالا للقوة العملية فقط، ~~بل تكون كمالا للقوى بأسرها. # وعلى الطريقين تكون أجناس الفضائل أربعا: " الحكمة " وهي معرفة حقائق ~~الموجودات على ما هي عليه والموجودات إن لم يكن وجودها بقدرتنا واختيارنا ~~فالعلم المتعلق بها هو الحكمة العملية. " والعفة " هي انقياد القوة الشهوية ~~للعاقلة فيما تأمرها به وتنهاها عنه حتى تكتسب الحرية، وتتخلص عن أسر ~~عبودية الهوى. " والشجاعة " وهي إطاعة القوة الغضبية للعاقلة في الإقدام ~~على الأمور الهائلة، وعدم اضطرابها بالخوض فيما يقتضيه رأيها حتى يكون ~~فعلها ممدوحا، وصبرها محمودا. وتفسير هذه الفضائل الثلاث لا يتفاوت بالنظر ~~إلى الطريقين. # وأما " العدالة " فتفسيرها على الطريق الأول هو انقياد العقل العملي ~~للقوة العاقلة وتبعيته لها في جميع تصرفاته، أو ضبطه الغضب والشهوة تحت ~~إشارة العقل والشرع الذي يحكم العقل أيضا بوجوب إطاعته، أو سياسة قوتي ~~الغضب والشهوة، وحملها على مقتضى الحكمة، وضبطهما في الاسترسال والانقباض ~~على حسب مقتضاه. وإلى هذا يرجع تعريف الغزالي " إنها حالة للنفس وقوة بها ~~يسوس الغضب والشهوة، ويحملهما على مقتضى الحكمة، ويضبطهما في الاسترسال ~~والانقباض على حسب مقتضاها " إذ المراد من الحالة والقوة هنا قوة الاستعلاء ~~التي للعقل العملي لا نفس القوة العملية. # وتفسيرها على الطريق الثاني هو إئتلاف جميع القوى، واتفاقها على امتثالها ~~للعاقلة، بحيث يرتفع ms035 التخالف والتجاذب، وتحصل لكل منها فضيلته المختصة به. ~~ولا ريب في أن اتفاق جميع القوى وائتلافها هو كمال لجميعها لا للقوة ~~العملية فقط. PageV01P070 # اللهم إلا أن يقال إن الائتلاف إنما يتحقق باستعمال كل من القوى على ~~الوجه اللائق، واستعمال كل قوة ولو كانت قوة نظرية إنما يكون من القوة ~~العملية، لأن شأنها تصريف القوى في المحال اللائقة على وجه الاعتدال، ~~وبدونها لا يتحقق صدور فعل عن قوة. # ثم العدالة على الطريق الأول تكون أمرا بسيطا مستلزمة للملكات الثلاث ~~أعني الحكمة والعفة والشجاعة، وعلى الثاني تحتمل البساطة والتركيب على ~~الظاهر، وإن كانت البساطة أقرب نظرا إلى أن الاعتدال الخلقي بمنزلة ~~الاعتدال المزاجي الحاصل من ازدواج العناصر المتخالفة، وقد برهن في أصول ~~الحكمة أن المزاج كيفية بسيطة. # وتفصيل الكلام في المقام أنه إذا حصلت الملكات الثلاث حصل للعقل العملي ~~قوة الاستعلاء والتدبير على جميع القوى، بحيث كانت الجميع منقادة له، ~~واستعمل كلا منها على ما يقتضيه رأيه، فإن جعلت العدالة عبارة عن نفس هذه ~~القوة، أو نفس تدبير التصرف في البدن وأمور المنزل والبلد، دون الملكات ~~الثلاث كانت العدالة بسيطة وكانت كمالا للعقل العملي فقط، وإن جعلت نفس ~~الملكات كانت مركبة، وحينئذ لا يناسب جعلها فضيلة على حدة معدودة في أعداد ~~الفضائل، لأن جميع الأقسام لا يكون قسما منها، وليس الائتلاف والامتزاج ~~هيئة وحدانية عارضة للملكات الثلاث حتى تكون شيئا على حدة ونوعا مركبا. # ثم على الطريقين يتحقق التلازم بين العدالة والملكات الثلاث إلا أنه على ~~الطريق الأول تكون العدالة علة، والملكات الثلاث معلولة، وعلى الطريق ~~الثاني ينعكس ذلك لتوقف حصول العدالة على وجود تلك الملكات وامتزاجها، فهي ~~أجزاء للعدالة أو بمنزلتها. # تكملة العدالة انقياد العقل العملي للعقل النظري الحق أن حقيقة العدالة ~~هو التفسير الأول المذكور في الطريق الأول، أعني انقياد العقل العملي للقوة ~~العاقلة، وسائر التفاسير المذكورة في الطريقين لازمة له، إذ الانقياد ~~المذكور يلزمه اتفاق القوى وقوة الاستعلاء والسياسة PageV01P071 # للعقل: العملي على قوتي الغضب شهوة، أو نفس سياسته إياهما ms036 وضبطهما تحت ~~إشارة العقل النظري، وأمثال ذلك، وعلى هذه التفاسير اللازمة للأول يلزم أن ~~تكون العدالة جامعة لجميع الفضائل، ويتحقق معناها في كل فضيلة حتى تكون ~~فردا لها.. # وتحقيق المقام أن انقياد العقل العملي للعاقلة يستلزم ضبط قوتي الغضب ~~والشهوة تحت إشارة العقل، وسياسته إياهما، واستعلائه عليهما. وهذا يستلزم ~~اتفاق جميع القوى وامتزاجها. فجميع الفضائل الصادرة عن قوتي الغضب والشهوة، ~~بل عن العاقلة أيضا إنما تكون بتوسط العقل العملي وضبطه إياها، إلا أن ذلك ~~لا يوجب كونها كمالا له حتى يعد من فضائله، ووجهه ظاهر، ولا كون الضبط ~~المذكور عدالة. # فالحق أن حقيقة العدالة هو مجرد انقياد العاملة للعاقلة، ومثل الضبط ~~والاستعلاء والسياسة من لوازمه، والفضائل الصادرة عن القوى الأخرى بتوسط ~~العقل العقلي إنما تندرج تحت لازم العدالة، لا عينها. فمن أدرج جميع ~~الفضائل تحت العدالة نظره إلى اعتبار ما يلزمها، ومن لم يدرجه تحتها نظره ~~إلى عدم اعتباره وعلى هذا لا بأس بأن يقال أن للعدالة إطلاقين (أحدهما) ~~العدالة بالمعنى الأخص (وثانيهما) العدالة بالمعنى الأعم. # ثم إن القوم ذكروا لكل واحد من الفضائل الأربع أنواعا، فكما أدرجوا تحت ~~كل من الحكمة والعفة والشجاعة أنواعا، فكذا أدرجوا تحت العدالة أيضا أنواعا ~~كالوفاء والصداقة والعبادة وغيرها. # وأنت - بعد ما علمت أن العدالة بالتفسير الأول هو انقياد العاملة للعاقلة ~~في استعمال نفس العاقلة وقوتي الغضب والشهوة - تعلم أن الفضائل بأسرها إنما ~~تحصل باستعمال العاملة القوى الثلاث، فكل فضيلة إنما تتعلق حقيقتها بإحدى ~~الثلاث، وإن كان حصولها بتوسط العاملة وضبطها الثلاث، إذ كون الاستعمال ~~والضبط منها لا يقتضي استناد ما يحصل من الفضائل باستعمالها إليها مع ~~صدورها حقيقة عن سائر القوى. وكذا لا يقتضي استناد ما يحصل من الرذائل لعدم ~~انقيادها للعاقلة إليها. ومعلوم أنه لا يترتب على مجرد انقيادها أو عدمه ~~لها فضائل ورذائل لم يكن لها تعلق بالثلاث أصلا، PageV01P072 # إذ كل فضيلة ورذيلة إما متعلق بالقوة العقلية، أو بقوتي الغضب والشهوة ~~بتوسط العاملة، وليس لها في نفسها فضيلة ورذيلة على حدة ms037 كما لا يخفى. # مع أنه لو كان الاستعمال والضبط منشأ لاستناد ما يحصل من الفضائل إليها ~~لزم أن تستند إليها جميع الفضائل، فكان اللازم إدخال جميع الفضائل تحت ~~العدالة. وكذا الحال على تفسير العدالة بالطريق الثاني كما ظهر. # وعلى هذا فيلزم من عدهم بعض الفضائل أنواع العدالة دون بعض آخر تخصيص بلا ~~مخصص، فالفضائل التي جعلوها أنواعا مندرجة تحت العدالة بعضها من أنواع ~~الشجاعة أو لوازمها، وبعضها من أنواع العفة أو آثارها، وإن كان للعاملة من ~~حيث التوسط مدخلية في حصول الجميع. فنحن لا نتابع القوم، ونجري على مقتضى ~~النظر من جعل أنواع الفضائل والرذائل وأصنافها ونتائجها متعلقة بالقوى ~~الثلاث دون العقل العملي، وإدخال جميعها تحت أجناسها على ما ينبغي من دون ~~إدخال شئ منها تحت العدالة وضدها. # ثم إن الرذائل والفضائل مع مدخلية القوة العملية فيها بالاستعمال، إما ~~متعلقة بمجرد إحدى القوى الثلاث، أو باثنتين منها، وبالثلاث. ومنال المتعلق ~~بإحداها ظاهر كالجهل والعلم المتعلقين بالعاقلة، والغضب والحلم المتعلقين ~~بالقوة الغضبية، والحرص والقناعة المتعلقين بالقوة الشهوية، أما ما يتعلق ~~باثنتين منها أو الثلاث، فأما إن يكون له أصناف يتعلق بعضها ببعض وبعضها ~~ببعض آخر، كحب الجاه أعني طلب المنزلة في القلوب: فإنه إن كان المقصود منه ~~الاستيلاء على الخلق والتفوق عليهم، كان من رذائل قوة الغضب. وإن كان ~~المقصود منه طلب المال ليتوسل به إلى شهوة البطن والفرج، كان من رذائل قوة ~~الشهوة، وكذا الحسد أعني تمني زوال النعمة عن الغير: إن كان باعثه العداوة ~~كان من رذائل القوة الغضبية. وإن كان باعثه مجرد وصول النعمة إليه كان من ~~رذائل القوة الشهوية. أو يكون للثلاث أو الاثنتين مدخلية بالاشتراك في نوع ~~الفضيلة والرذيلة أو بعض أصنافه، كالحسد الذي باعثه العداوة، وتوقع وصول ~~النعمة إليه معا، وكالغرور وهو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى، وتمييل ~~النفس إليه بخدعة من الشيطان، فإن النفس إن كانت مائلة بالطبع إلى شئ من ~~مقتضيات PageV01P073 # الشهوة، واعتقدت جهلا كونه خيرا لها كان ذلك من رذائل قوتي ms038 العاقلة ~~والشهوة، وإن كانت مائلة إلى شئ من مقتضيات قوة الغضب. واعتقدت جهلا كونه ~~خيرا لها كان ذلك من رذائل قوتي العاقلة والغضب، وإن كانت مائلة إلى شئ من ~~مقتضياتهما معا مع اعتقادها كونه خيرا لها كان من رذائل الثلاث معا. # ثم مرادنا من تعلق صفة بالقوى المتعددة وكونها معدودة من رذائلها أو ~~فضائلها أن يكون لكل منها تأثير في حدوثها وإيجادها، أي يكون من جملة عللها ~~الفاعلة الموجدة، بحيث لو قطع النطر عن فعل واحدة منها لم تتحقق هذه الصفة، ~~فإن الغرور يتحقق بالميل والاعتقاد، بمعنى أن كلا منهما مؤثر في إيجاده ~~وإحداثه، ولو لم يكن الاعتقاد المتعلق بالعاقلة والميل المتعلق بالشهوة ~~والغضب لم يوجد غرور. فلو كانت مدخلية قوة في صفة بمجرد الباعثية، أي كانت ~~باعثة لقوة أخرى على إيجاد هذه الصفة وإحداثها، بحيث أمكن تحقق هذه الصفة ~~مع قطع النظر عن هذه القوة بباعث آخر لم تكن متعلقة بها، ولم نعدها من ~~رذائلها أو فضائلها، بل كانت متعلقة بالقوة الأخرى التي هي مباشرة لإحداثها ~~وإيجادها، مثل الغضب الحاصل من فقد شئ من مقتضيات شهوة البطن والفرج، وإن ~~كان باعثه قوة الشهوة إلا أنه ليس لقوة الشهوة وفعلها شركة في إحداثه ~~وإيجاده، بل الإحداث إنما هو من القوة الغضبية، ومدخلية الشهوية إنما هو ~~بتحريكها وتهييجها الغضبية للإحداث والإيجاد، ولا ريب في أن للعاقلة هذه ~~الباعثية في صدور أكثر الصفات مع عدم عدها من رذائلها " أو فضائلها " (3). # وإذا عرفت ذلك فاعلم أنا نذكر أولا ما يتعلق بالعاقلة من الرذائل ~~والفضائل ثم ما يتعلق بالقوة الغضبية منهما، ثم ما يتعلق بالشهوية منهما، ~~ثم ما يتعلق بهما أو الثلاث. # PageV01P074 # فصل العقل النظري هو المدرك للفضائل والرذائل إعلم أن كل واحد من العقل ~~العملي والعقل النظري رئيس مطلق من وجه أما " الأول " فمن حيث أن استعمال ~~جميع القوى حتى العاقلة على النحو الأصلح موكول إليه، وأما " الثاني " فمن ~~حيث أن السعادة القصوى وغاية الغايات أعني التحلي بحقائق الموجودات مستندة ~~إليه، وأيضا إدراك ms039 ما هو الخير والصلاح من شأنه فهو المرشد والدليل للعقل ~~العملي في تصرفاته. # وقيل: إن إدراك فضائل الأعمال ورذائلها من شأن العقل العملي، كما صرح به ~~الشيخ في الشفاء بقوله: " إن كمال العقل العملي استنباط الآراء الكلية في ~~الفضائل والرذائل من الأعمال على وجه الابتناء على المشهورات المطابقة في ~~الواقع للبرهان، وتحقيق ذلك البرهان متعلق بكمال القوة النظرية ". # والحق أن مطلق الإدراك والإرشاد إنما هو من العقل النظري فهو بمنزلة ~~المشير الناصح، والعقل العملي بمنزلة المنفذ الممضي لإشاراته وما ينفذ فيه ~~الإشارة فهو قوة الغضب والشهوة. # دفع الإشكال في تقسيم الحكمة إن قيل: إن القوم قسموا الحكمة أولا إلى ~~النظرية والعملية، ثم قسموا العملية إلى ثلاثة أقسام: واحد منها علم ~~الأخلاق المشتمل على الفضائل الأربع التي إحداها الحكمة، فيلزم أن تكون ~~الحكمة قسما من نفسها. # قلنا: الحكمة التي هي المقسم هو العلم بأعيان الموجودات، سواء كانت ~~لموجودات إلهية أي واقعة بقدرة الباري سبحانه، أو موجودات إنسانية أي واقعة ~~بقدرتنا واختيارنا، ولما كان هذا العلم أعني الحكمة التي هي المقسم قسما من ~~الموجودات بالمعنى الثاني، فلا بأس بالبحث عنه في علم الأخلاق، فإن غاية ما ~~يلزم أن تكون الحكمة موضوعا لمسألة هي جزؤها بأن يجعل عنوانا فيها ويحمل ~~عليها كونها ملكة محمودة، أو طريق اكتسابها كذا. # وبالجملة لا مانع من أن يجعل علم يبحث فيه عن أحوال الموجودات ~~PageV01P075 # موضوعا لمسألة، ويبحث عنه فيه بإثبات صفة له لأجل أنه أيضا من الموجودات ~~كما إنه في العلم الأعلى الذي يبحث فيه عن الموجودات من حيث وجودها، يبحث ~~عن نفس العلم لكونه من الموجودات، ويجعل موضوعا لمسألة من مسائله، ولا يلزم ~~من هذا كون الشئ جزءا لنفسه. وأيضا نقول كما أن الحكمة العملية قسم من مطلق ~~الحكمة لتعلق العمل بالنظر، فكذا المطلق قسم منها لتعلق النظر بالعمل، ~~وحينئذ كما أن العدالة من الحكمة باعتبار فكذا الحكمة من العدالة باعتبار ~~آخر، فتختلف الحيثية ولا يلزم محذور. # وقيل: في الجواب أن المراد من الحكمة التي هي ms040 إحدى الفضائل الأربع ~~استعمال العقل على الوجه الأصلح، وحينئذ فلا يرد إشكال أصلا لعدم كون ~~الحكمة بهذا المعنى عين المقسم لأنها جزء له. وفيه أن الحكمة بهذا المعنى ~~هي العدالة على ما تقرر، مع أن العدالة أيضا إحدى الفضائل الأربع. # " تنبيه " قد صرح علماء الأخلاق بأن صاحب الفضائل الأربع لا يستحق المدح ~~ما لم تتعد فضائلها إلى الغير، ولذا لا يسمى صاحب ملكة السخاء بدون البذل ~~سخيا بل منفاقا، ولا صاحب ملكة الشجاعة بدون ظهور آثارها شجاعا بل غيورا، ~~ولا صاحب ملكة الحكمة بدونها حكيما بل مستبصرا. # والظاهر أن المراد باستحقاق المدح هو حكم العقل بوجوب المدح، فإن من تعدى ~~أثره يرجى نفعه، ويخاف ضره، فيحكم العقل بلزوم مدحه جلبا للنفع، أو دفعا ~~للضرر، وأما من لا يرجى خيره وشره فلا يحكم العقل بوجوب مدحه وإن بلغ في ~~الكمال ما بلغ. # فصل تحقيق الوسط والأطراف لا ريب. في أنه بإزاء كل فضيلة رذيلة هي ضدها، ~~ولما عرفت أن أجناس الفضائل أربعة فأجناس الرذائل أيضا في بادئ النظر ~~أربعة: الجهل، وهو ضد الحكمة، والجبن، وهو ضد الشجاعة، والشره وهو ضد ~~العفة، والجور، وهو ضد العدالة. وعند التحقيق يظهر أن لكل فضيلة حدا معينا، ~~والتجاوز عنه بالإفراط أو التفريط يؤدي إلى الرذيلة، فالفضائل بمنزلة ~~الأوساط، والرذائل بمثابة الأطراف، والوسط واحد معين لا يقبل التعدد، ~~PageV01P076 # والأطراف غير متناهية عددا. فالفضيلة بمثابة مركز الدائرة، والرذائل ~~بمثابة سائر النقاط المفروضة من المركز إلى المحيط، فإن المركز نقطة معينة، ~~مع كونه أبعد النقاط من المحيط، وسائر النقاط المفروضة من جوانبه غير ~~متناهية، مع أن كلا منها أقرب منه من طرف إليه. # فعلى هذا يكون بإزاء كل فضيلة رذائل غير متناهية، لأن الوسط محدود معين، ~~والأطراف غير محدودة، وتكون الفضيلة في غاية البعد عن الرذيلة التي هي ~~نهاية الرذائل، ويكون كل منها أقرب منها إلى النهاية (4)، ومجرد الانحراف ~~عن الفضيلة من أي طرف اتفق يوجب الوقوع في رذيلة. والثبات على الفضيلة ~~والاستقامة في سلوك طريقها بمنزلة الحركة ms041 على الخط المستقيم وارتكاب ~~الرذيلة كالانحراف عنه، ولا ريب في أن الخط المستقيم هو أقصر الخطوط ~~الواصلة بين النقطتين، وهو لا يكون إلا واحدا، وأما الخطوط المنحنية بينهما ~~فغير متناهية، فالاستقامة في طريق الفضيلة وملازمتها على نهج واحد، ~~والانحراف عنه تكون له مناهج غير متناهية، ولذلك غلبت دواعي الشر على بواعث ~~الخير. # ويظهر مما ذكر أن وجدان الوسط الحقيقي صعب، والثبات عليه بعد الوجدان ~~أصعب. لأن الاستقامة على جادة الاعتدال في غاية الإشكال، وهذا معنى قول ~~الحكماء " إصابة نقطة الهدف أعسر من العدول عنها، ولزوم الصوب (5) بعد ذلك ~~حتى لا يخطيها أسر " ولذلك لما أمر فخر الرسل بالاستقامة في قوله تعالى: # " فاستقم كما أمرت " (6). # قال شيبتني سورة هود عليه السلام، إذ وجد أن الوسط الحقيقي فيما بين ~~الأطراف العير المتناهية المتقابلة مشكل، والثبات عليه بعد الوجدان أشكل. # وقال (المحقق الطوسي) وجماعة: " إن ما ورد في إشارات النواميس من أن ~~الصراط المستقيم أدق من الشعر، وأحد من السيف إشارة إلى هذا المعنى " وغير ~~خفي بأن هذا التأويل جرأة على الشريعة القويمة، وهتك لأستار السنة # PageV01P077 # الكريمة. والواجب الإذعان بظاهر ما ورد من أمور الآخرة. نعم يمكن أن يقال ~~كما مر: إن الأمور الأخروية التي حصل بها الوعد والوعيد كلها أمور محققة ~~ثابتة على ما أخبر به، إلا أنها صور للأخلاق، والصفات المكتسبة في هذه ~~النشأة قد ظهرت بتلك الصور في دار العقبى بحسب المرتبة، إذ ظهورات الأشياء ~~مختلفة بحسب اختلاف المراتب والنشآت، فمواد ما يؤذي ويريح من الصور في موطن ~~المعاد إنما هو الأخلاق والنيات المكتسبة في هذه النشأة. # وهذا المذهب مما استقر عليه آراء أساطين الحكمة والعرفان، وذكرنا الظواهر ~~الدالة عليه من الآيات والأخبار، وأشرنا إلى حقيقة الحال فيه. وعلى هذا ~~فالصراط المستقيم الممدود كالجسر على الجحيم صورة لتوسط الأخلاق، والجحيم ~~صورة لأطرافها، فمن ثبت قدمه على الوسط هنا لم يزل عن الصراط هناك ووصل إلى ~~الجنة التي وعدها الله المتقين، ومن مال إلى الأطراف هنا سقط هناك في جهنم ~~التي ms042 أحاطت بالكافرين. # ثم الوسط إما حقيقي وهو ما تكون نسبته إلى الطرفين على السواء كالأربعة ~~بالنسبة إلى الاثنين والستة، وهذا كالمعتدل الحقيقي الذي أنكر الأطباء ~~وجوده، أو إضافي وهو أقرب ما يمكن تحققه للنوع أو الشخص إلى الحقيقي، ~~ويتحقق به كمالهما " اللائق بحالهما " (7) وإن لم يصل إليه، فالتسمية ~~بالوسط إنما هو بالنسبة إلى الأطراف التي هي أبعد من الحقيقي بالإضافة ~~إليه. وهذا كالاعتدالات النوعية والشخصية التي أثبتها الأطباء، فإن المراد ~~منها الاعتدالات التي يمكن تحققها للأنواع والأشخاص، وهو القدر الذي يليق ~~بكل نوع أو شخص أن يكون عليه، وإن لم يكن اعتدالا حقيقيا بمعنى تساوي ~~الأجزاء البسيطة العنصرية وتكافؤها في القوة والأقربية إلى الحقيقي بالنسبة ~~إلى سائر الأطراف سمي إضافيا. # ثم الوسط المعتبر هنا هو الإضافي لتعذر وجدان الحقيقي والثبات عليه، ولذا ~~تختلف الفضيلة باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان، فربما كانت مرتبة من ~~الوسط الإضافي فضيلة بالنظر إلى شخص أو حال أو # PageV01P078 # وقت، ورذيلة بالنسبة إلى غيره. # وتوضيح الكلام أنه لا ريب في أن الوسط الحقيقي في الأخلاق لكونه في حكم ~~نقطة غير منقسمة لا يمكن وجدانه ولا الثبات عليه، ولذا ترى من هو متصف ~~بفضيلة من الفضائل لا يمكن الحكم بكون تلك الفضيلة " هي الوسط الحقيقي، إلا ~~أنه لما كانت تلك الفضيلة " (8) قريبة إليه ولا يمكن وجود الأقرب منها إليه ~~له، يحكم بكونها وسطا إضافيا لأقربيتها إليه بالنسبة إلى سائر المراتب ~~فالاعتدال الإضافي له عرض، وسطه الاعتدال الحقيقي، وطرفاه طرفا الإفراط ~~والتفريط، إلا أنه ما لم يخرج عن هذين الطرفين يكون اعتدالا إضافيا، وكلما ~~كان أقرب إلى الحقيقي كان أكمل وأقوى، وإذا خرج عنهما دخل في الرذيلة. # لا يقال: على هذا ينبغي أن يكون الاعتدال الطبي في المزاج أيضا كذلك أي ~~له عرض وسطه الاعتدال الحقيقي وطرفاه خارجان عن الاعتدال الطبي، حتى أنه ~~كلما قرب إلى الحقيقي صار الطبي أقوى وأكمل مع أنه ليس الأمر كذلك، إذ ~~القياس يقتضي الخروج عن الاعتدال الطبي، أو ضعفه لقربه إلى الحقيقي. # " بيان ذلك ms043 " أن الاعتدال الحقيقي في المزاج أن تكون أجزاء العناصر ~~متكافئة القوة، والاعتدال الطبي في نوع الإنسان أو شخص من أشخاصه أن تكون ~~الأجزاء الحارة مثلا من عشرة إلى اثني عشرة، والباردة من ثمانية إلى تسعة، ~~واليابسة من سبعة إلى ثمانية، والرطبة من ستة إلى سبعة، فإذا كانت الأجزاء ~~الحارة ستة، والباردة خمسة، واليابسة أربعة، والرطبة ثلاثة كانت خارجة عن ~~الاعتدال الطبي، مع صيرورته أقرب إلى الحقيقي، بل إذا فرضت تكافؤ أجزاء ~~العناصر الأربعة حتى حصل نفس الاعتدال الحقيقي خرجت أيضا عنه، فلا يكون ~~الحقيقي وسط الطبي حتى أنه كلما يصير إليه أقرب يكون أقوى وأكمل. # لأنا نقول نحن لا ندعي: أن الحقيقي وسط الطبي بل هو أمر مغاير له، ~~والحقيقي في طرفه الخارج، فإن له طرفين: " أحدهما " أن تصير # PageV01P079 # الأجزاء أقرب في التساوي مما كان للطبي إلى أن يبلغ إلى الحقيقي، " ~~والثاني " أن يصير أبعد فيه مما كان له إلى غير النهاية، إلا أن بعض مراتب ~~الطرفين التي منها الاعتدال الحقيقي غير ممكن الوقوع فتأمل. # فإن قيل: إن الوسط المعتبر هنا إن كان إضافيا، لكان له عرض كعرض المزاج، ~~فلا يناسب وصفه بالحدة والدقة، قلنا: كما في عرض المزاج مرتبة هي أفضل ~~المراتب وأقربها إلى الحقيقي، وهي المطلوبة بالذات، ولا ريب في أن خصوص هذه ~~ليس لها عرض واسعة، فلا بأس بوصفها بالدقة والحدة، وأما سائر المراتب ~~المعدودة من الوسط وإن لم تكن خالية عن شوائب الإفراط والتفريط، إلا أنه ~~لما كان لها قرب محدود إلى المرتبة المطلوبة بحيث يصدق معه كون النوع أو ~~الشخص باقيا على كماله اللائق به عدت من الأوساط والفضائل، كما أن غير ~~الأقرب إلى الاعتدال الحقيقي من مراتب عرض المزاج يعد من الاعتدال: لكون ~~النوع أو الشخص معه باقيا محفوظا بحيث لا يظهر خلل بين في أفعاله وإن لم ~~يخل عن الانحراف، ولو وصف هذه المراتب أيضا بالحدة والدقة مع سعتها فوجهه ~~أن وجدانها والثبات عليها لا يخلو أيضا من صعوبة. # فصل أجناس الرذائل وأنواعها ms044 قد ظهر مما ذكر أنه بإزاء كل فضيلة رذائل غير ~~متناهية من طرفي الإفراط والتفريط، وليس لكل منها اسم معين ولا يمكن عد ~~الجميع وليس على صاحب الصناعة حصر مثلها، لأن وظيفته بيان الأصول والقوانين ~~الكلية، لا إحصاء الأعداد الجزئية. # والقانون اللازم بيانه هو أن الانحراف عن الوسط إما إلى طرف الإفراط أو ~~إلى طرف التفريط، فيكون بإزاء كل فضيلة جنسان من الرذيلة، ولما كانت أجناس ~~الفضائل أربعة فتكون أجناس الرذائل ثمانية (اثنان) بإزاء الحكمة " الجربزة ~~والبله ": و (الأول) في طرف الإفراط وهو استعمال الفكر في ما لا ينبغي أو ~~في أقل منه، والأولى أن يصير عنهما (بالسفسطة) أي الحكمة المموهة، و ~~(الجهل) أي البسيط منه، لأن حقيقة الحكمة هو العلم PageV01P080 # بحقائق الأشياء على ما هي عليه وهو موقوف على اعتدال القوة العاقلة، فإذا ~~حصلت له حدة خارجة عن الاعتدال يخرج عن الحد اللائق ويستخرج أمورا دقيقة ~~غير مطابقة للواقع، والعلم بهذه الأمور هو ضد الحكمة من طرف الإفراط وإذا ~~حصلت لها بلادة لا ينتقل إلى شئ فلا يحصل لها العلم بالحقائق وهذا هو الجهل ~~وهو ضده من طرف التفريط (واثنان) بإزاء الشجاعة " التهور والجبن ": (الأول) ~~في طرف الإفراط وهو الإقدام على ما ينبغي الحذر عنه، و (الثاني) في طرف ~~التفريط وهو الحذر عما ينبغي الإقدام عليه. (واثنان) بإزاء العفة وهما: " ~~الشره والخمود ": و (الأول) في طرف الإفراط وهو الانهماك - اللذات الشهوية ~~على ما لا يحسن شرعا وعقلا، و (الثاني) في طرف التفريط وهو سكون النفس عن ~~طلب ما هو ضروري للبدن. (واثنان) بإزاء العدالة وهما: " الظلم والانظلام ": ~~و (الأول) في طرف الإفراط وهو التصرف في حقوق الناس وأموالهم بدون حق، و ~~(الثاني) في طرف التفريط وهو تسكين الظالم من الظلم عليه وانقياده له فيما ~~يريده من الجبر والتعدي على سبيل المذلة، هكذا قيل. # والحق أن العدالة مع ملاحظة ما لا ينفك عنها من لازمها، لها طرف واحد ~~يسمى جورا وظلما، وهو يشمل جميع ذمائم الصفات، ولا يختص بالتصرف في ms045 حقوق ~~الناس وأموالهم بدون جهة شرعية، لأن العدالة بهذا المعنى - كما عرفت - ~~عبارة عن ضبط العقل العملي جميع القوى تحت إشارة العقل النظري، فهو جامع ~~للكمالات بأسرها، فالظلم الذي هو مقابله جامع للنقائص بأسرها، إذ حقيقة ~~الظلم وضع الشئ في غير موضعه، وهو يتناول جميع ذمائم الصفات والأفعال ~~فتمكين الظالم من ظلمه لما كان صفة ذميمة يكون ظلما، على أن من مكن الظالم ~~من الظلم عليه وانقاد له ذلة، فقد ظلم نفسه، والظلم على النفس أيضا من ~~أقسام الظلم. هذا هو بيان الطرفين لكل من الأجناس الأربعة للفضيلة. # ثم لكل واحد من أجناس الرذائل والفضائل أنواع ولوازم من الأخلاق والأفعال ~~ذكرها علماء الأخلاق في كتبهم، وقد ذكروا للعدالة أيضا أنواعا، وقد عرفت ~~فيما تقدم أن تخصيص بعض الصفات بالاندراج تحتها مما لا وجه PageV01P081 # له، إذ جميع الرذائل والفضائل لا يخرج عن التعلق بالقوى الثلاث، أعني ~~العاقلة والغضبية والشهوية، وإن كان للقوة العملية مدخلية في الجميع من حيث ~~التوسط، فنحن ندخل الجميع تحت أجناس القوى الثلاث من غير اندراج شئ منها ~~تحت العدالة، وقد عرفت أن بعضها متعلق بالعاقلة فقط، وبعضها بالقوة الغضبية ~~فقط، وبعضها بالشهوية فقط، وبعضها بالاثنين منها أو الثلاث معا.، فنحن نذكر ~~ذلك في مقامات أربعة. # ولمزيد الإحاطة نشير هنا إجمالا إلى أسماء الأجناس والأنواع واللوازم ~~التي لكل جنس، ونذكر أولا ما يتعلق بالغضبية، ثم ما يتعلق بالشهوية، ثم ما ~~يتعلق بالثلاث أو الاثنتين منها، وتذكر أولا الرذيلة، ثم نشير إلى ضدها من ~~الفضيلة إن كان له اسم، ثم في باب المعالجات نذكر معالجة كل رذيلة من ~~الأجناس والأنواع والنتائج ونذيلها بذكر ضدها من الفضيلة، ونذكر أولا جنسي ~~الرذيلة لكل قوة، ونذيلهما بضدهما الذي هو جنس فضيلتها، ثم نذكر الأنواع ~~والنتائج على النحو المذكور، أي نذكر أولا الرذيلة بأحكامها " ومعالجاتها " ~~(9)، ثم نشير إلى ضدها، وما ورد في مدحه ترغيبا للطالبين على أخذه ~~والاجتناب عن ضده، ولذلك لم نتابع القوم في التفريق بين الرذائل والفضائل ~~وذكر كل منهما على ms046 حدة. # ثم بيان الأنواع واللوازم على ما ذكر أكثره القوم لا يخلو عن الاختلال ~~إما في التعريف والتفسير، أو في الفرق والتمييز، أو في الادخال تحت ما ~~جعلوه نوعا له، أو غير ذلك من وجوه الاختلال، فنحن لا نتبعهم في ذلك، ~~ونبينها إدخالا وتمييزا وتعريفا ما يقتضيه النظر الصحيح، فنقول: # أما جنسا الرذيلة للقوة العقلية، " فأولهما " (الجربزة والسفسطة) وهي من ~~طرف الإفراط، و " ثانيهما " (الجهل البسيط) وهو من طرف التفريط وضدهما ~~(العلم والحكمة)، وأما الأنواع واللوازم المترتبة عليهما، فمنها (الجهل ~~المركب) وهو منم باب رداءة الكيفية. ومنها (الحيرة والشك) وهو من طرف ~~الإفراط على ما قيل، وضد الجهل المركب إدراك ما هو الحق أو زوال العلم بأنه ~~يعلم، وضد الحيرة الجزم بأحد الطرفين. وبذلك يظهر أن # PageV01P082 # اليقين ضد لكل منهما، لأنه اعتقاد جازم مطابق للواقع، فمن حيث اعتبار ~~الجزم فيه يكون ضدا للحيرة، ومن حيث اعتبار المطابقة للواقع يكون ضدا للجهل ~~المركب، ومنشأ حصول اليقين هو استقامة الذهن وصفاؤه مع مراعاة شرائط ~~الاستدلال، ومنشأ الجهل المركب اعوجاج الذهن، أو حصول الخطأ في الاستدلال، ~~أو وجود مانع من إفاضة الحق كعصبية، أو تقليد أو أمثال ذلك، ومنشأ الحيرة ~~هو قصور الذهن وكدرته، أو الالتهاب الموجب للتجاوز عن المطلوب، أو عدم ~~الإحاطة بمقدماته، ومنها (الشرك) وضده التوحيد. # ومنها " الوساوس " النفسانية والخواطر الباطلة الشيطانية، وهذا أيضا من ~~باب رداءة الكيفية، وكان الظاهر أن يعد ذلك من رذائل قوتي الوهم والمتخيلة ~~دون العاقلة، إذ الغالب أنها لا تنفك عن الاختلال فيهما، إلا أنك قد عرفت ~~العذر في ذلك، وضدها الخواطر المحمودة التي من جملتها الفكر في بدائع صنع ~~الله سبحانه وعجائب مخلوقاته. ومنها (استنباط المكر والحيلة) للوصول إلى ~~مقتضيات الشهوة والغضب، وهو من طرف الإفراط. # وأما جنسا الرذائل للقوة الغضبية، فأولهما (التهور) وثانيهما (الجبن) وقد ~~عرفت أن ضدهما من الفضيلة (الشجاعة). وأما الأنواع واللوازم والنتائج ~~المترتبة عليها، فمنها (الخوف) وهو هيئة نفسانية مؤذية تحدث من توقع مكروه ~~أو زوال مرغوب، وهو مذموم إلا ما ms047 كان لأجل المعصية والخيانة، أو من الله ~~وعظمته. والمذموم من رذائل تلك القوة ومن نتائج الجبن وضده الأمن من مكر ~~الله، وهو - أي الممدوح من الخوف - يلازم الرجاء وضده الأمن من مكر الله، ~~وهو - أي الممدوح من الخوف - يلازم الرجاء وضده اليأس. ومنها (صغر النفس) ~~أي ملكة العجز عن تحمل الواردات وهو من نتائج الجبن، وضده كبر النفس أي ~~ملكة التحمل لما يرد عليه كائنا ما كان. ومن جملة التحمل التحمل على الخوض ~~في الأهوال، وقوة المقاومة مع الشدائد والآلام ويسمى (بالثبات) فهو أخص من ~~كبر النفس، وضده الاضطراب في الأهوال والشدائد. ومن جملة الثبات الثبات في ~~الإيمان، ومنها (دناءة الهمة) وهو القصور عن طلب معالي الأمور وهو من لوازم ~~ضعف النفس وصغرها، وضده (علو الهمة) الذي هو من لوازم PageV01P083 # كبر النفس وشجاعتها، أي السعي في تحصيل السعادة والكمال وطلب الأمور ~~العالية من دون ملاحظة منافع الدنيا ومضارها. ومن أفراد علو الهمة الشهامة، ~~ويأتي تفسيرها. ومنها (عدم الغيرة والحمية) أي الإهمال في محافظة ما يلزم ~~حفظه، وهو أيضا من نتائج صغر النفس وضعفها وضده ظاهر. ومنها (العجلة) وهو ~~المعنى الراتب (10) في القلب الباعث على الإقدام على الأمر بأول خاطر من ~~دون توقف فيه، وهو أيضا من نتائج صغر النفس وضعفها، وضدها الأناءة والتأني، ~~(التعسف) قريب من العجلة، وضده أعني (التوقف) قريب من الأناءة، ويأتي الفرق ~~بينهما، والوقار يتناول التأني والتوقف، وهو اطمئنان النفس وسكونها عند ~~الحركات والأفعال في الابتداء والأثناء، وهو من لوازم كبر النفس وشجاعتها. ~~ومنها (سوء الظن بالله تعالى وبالمؤمنين) وهو من لوازم الجبن وضعف النفس، ~~وربما كان من باب رداءة الكيفية، فضده أعني حسن الظن بهما من آثار الشجاعة ~~وكبر النفس. ومنها (الغضب) وهو حركة نفسانية يوجب حركة الروح من الداخل إلى ~~الخارج للغلبة وهو من باب الإفراط، وضده الحلم. ومنها (الانتقام) وهو من ~~نتائج الغضب، وضده العفو. ومنها (العنف) وهو أيضا من نتائج الغضب، وضده ~~الرفق. ومنها (سوء الخلق) بالمعنى الأخص وهو أيضا من نتائجه، وضده ms048 (حسن ~~الخلق) بالمعنى الأخص، ومنها (الحقد) وهو العداوة الكامنة، أي إرادة الشر ~~وقصد زوال الخير من المسلم، وهو أيضا من ثمرات الغضب. ومنها (العداوة) ~~الظاهرة، وضدها (النصيحة) أي إرادة الخير والصلاح، ودفع الشر والفساد عن كل ~~مسلم. # ثم للغضب والحقد لوازم هي الضرب والفحش واللعن والطعن. ومنها (العجب) وهو ~~استعظام النفس، وضده انكسارها واستحقارها (11). # ومنها (الكبر) وهو التعظيم الموجب لرؤية النفس فوق الغير، وضده (التواضع) ~~وهو أن لا يرى لنفسه مزية على الغير. ومنها (الافتخار) وهو المباهاة بما ~~يظنه كمالا وهو من شعب الكبر. ومنها (البغي) وهو عدم # PageV01P084 # الانقياد لمن يجب أن ينقاد وهو أيضا من شعب الكبر. وضده (التسليم) ~~والانقياد لمن يجب الانقياد إليه وإطاعته، وقد يفسر بمطلق العلو والاستطالة ~~(12) ومنها (تزكية النفس) وضده الاعتراف بنقائصها. ومنها (العصبية) وهي ~~الحماية عن نفسه وعما ينتسب إليه بالباطل والخروج عن الحق. ومنها (كتمان ~~الحق) وضدهما الإنصاف والاستقامة على الحق. ومنها (القساوة) وهو عدم التأثر ~~عن مشاهدة تألم أبناء النوع، وضدها الرحمة. # وأما جنسا الرذائل المتعلقة بالقوة الشهوية فأحدهما (الشره) وثانيهما ~~(الخمود) وضدهما (العفة)، وأما الأنواع والنتائج واللوازم المتعلقة بها، ~~فمنها (حب الدنيا). ومنها (حب المال) وضدها الزهد. ومنها (الغنى) وضده ~~الفقر. ومنها (الحرص) وضده القناعة. ومنها (الطمع) وضده الاستغناء عن ~~الناس. (البخل) وضده السخاء، وتندرج تحته وجوه الإنفاقات بأسرها. ومنها ~~(طلب الحرام) وعدم الاجتناب عنه، وضده الورع والتقوى بالمعنى الخاص. ومنها ~~(الغدر والخيانة) وضدهما الأمانة. # ومنها (أنواع الفجور) من الزنا واللواط وشرب الخمر والاشتغال بالملاهي ~~وأمثالها. ومنها (الخوض في الباطل). ومنها (التكلم بما لا يعني وبالفضول) ~~وضدهما الترك والصمت، أو بالتكلم بما يعني يقدر الضرورة. # وأما الرذائل والفضائل المتعلقة بالقوى الثلاث، أو باثنتين منها: فمنها ~~(الحسد) وضده النصيحة. ومنها (الإيذاء والإهانة والاحتقار) وضدها كف الأذى ~~والاكرام والتعظيم، والإيذاء قريب من الظلم بالمعنى الأخص أو أعم منه، وضد ~~الظلم بالمعنى الأخص العدالة بالمعنى الأخص. ومنها (إخافة المسلم وإدخال ~~الكرب في قلبه) وضدها إزالة الخوف والكرب عنه. ومنها (ترك إعانة المسلمين) ~~وضده قضاء ms049 حوائجهم. ومنها (المداهنة) في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~وضده السعي فيهما. ومنها (الهجرة والتباعد عن الأخوان) وضده التآلف ~~والتزاور. ومنها (قطع الرحم) وضده الصلة. # ومنها (عقوق الوالدين) وضده البر إليهما. ومنها (تجسس العيوب) # PageV01P085 # وضده الستر. ومنها (إفشاء السر) وضده الكتمان. ومنها (الافساد بين الناس) ~~وضده الإصلاح بينهم. ومنها (الشماتة بمسلم). ومنها (المراء والجدال ~~والخصومة) وضدهما طيب الكلام. ومنها (السخرية والاستهزاء) أو ضدهما المزاح. ~~ومنها (الغيبة) وضدها المدح ودفع الذم. ومنها (الكذب) وضده الصدق، ولجميع ~~آفات اللسان مما له ضد خاص، ومما ليس له ضد بخصوصه ضد عام هو الصمت. ومنها ~~(حب الجاه والشهرة) وضده حب الخمول. ومنها (حب المدح وكراهة الذم) وضده ~~مساواتهما. # ومنها (الريا) وضده الإخلاص. ومنها (النفاق) وضده استواء السر والعلانية. ~~ومنها (الغرور) وضده الفطانة والعلم والزهد. ومنها (طول الأمل) وضده قصره. ~~ومنها (مطلق العصيان) وضده الورع والتقوى بالمعنى الأعم. ومنها (الوقاحة) ~~وضده الحياء. ومنها (الإصرار على المعصية) وضده التوبة، وأقصى مراتبها ~~الإنابة والمحاسبة والمراقبة قريبة من التوبة في ضديتها للإصرار. ومنها ~~(الغفلة) وضدها النية والإرادة. # ومنها (عدم الرغبة) وضده الشوق. ومنها (الكراهة) وضده الحب. # ومنها (الجفاء) وضده الوفاء وهو من تمام الحب. ومنها (البعد) وضده الأنس ~~ومن لوازمه حب الخلوة والعزلة. ومنها (السخط) وضده الرضا، وقريب منه ~~التسليم ويسمى تفويضا، بل هو فوق الرضا كما يأتي. ومنها (الحزن) وضده ~~السرور. ومنها (ضعف الوثوق والاعتماد على الله) وضده التوكل. ومنها ~~(الكفران) وضده الشكر. ومنها (الجزع والهلع) وضده الصبر. ومنها (الفسق) وهو ~~الخروج عن طاعة الله وعبادته، وضده الطاعة والعبادة، وتندرج تحتها ~~(العبادات الموظفة في الشرع) (13) من الطهارة، والصلاة، والذكر وتلاوة ~~القرآن، والزكاة والخمس والصوم والحج والزيارات. ونحن نذكر الزكاة والخمس ~~في وجوه الإنفاق، وما سواهما في العبادات. # (تنبيه) إعلم أن إحصاء الفضائل والرذائل وضبطهما، وإدخال البعض في البعض، ~~والإشارة إلى القوة الموجبة لها على ما فصلناه، مما لم يتعرض # PageV01P086 # له علماء الأخلاق، بل إنما تعرضوا لبعضها، ويظهر من كلامهم في بعض ~~المواضع المخالفة في الادخال. # والسر فيه ms050 أن كثيرا من الصفات لها جهات مختلفة كل منها يناسب قوة كما ~~أشرنا إليه، فالاختلاف في الادخال لأجل اختلاف الاعتبار للجهات " وقد عرفت ~~أن ما له جهات مختلفة يتعلق بالقوى المتعددة نحن نجعل مبدأه الجميع ونعده ~~من رذائله أو فضائله، ولا نخصه بواحدة منها ". ثم بعض الصفات ربما كان ببعض ~~الاعتبارات معدودا من الرذائل، وذلك كالمحبة والخوف والرجاء، فإن الحب إن ~~كان متعلقا بالدنيا ومتعلقاتها كان مذموما وإن كان متعلقا بالله وأوليائه ~~كان محمودا معدودا من الفضائل. والخوف إن كان مما لا يخاف منه عقلا كان من ~~رذائل قوة الغضب، وإن كان من المعاصي أو من عظمة الله كان من فضائلها، ~~والرجاء إن لم يكن في موقعه كان من الرذائل، وإن كان في موقعه كان من ~~الفضائل، وقس عليها غيرها مما له الاعتبارات المختلفة. # فصل الفرق بين الفضيلة والرذيلة قد دريت إجمالا أن الفضائل المذكورة ~~ملكات مخصوصة، لها آثار معلومة، وربما صدر عن بعض الناس أفعال شبيهة ~~بالفضائل، وليست بها، فلا بد من بيان الفرق بينهما لئلا يشتبه على الغافل ~~فيضل ويضل، فنقول: # قد عرفت أن فضيلة الحكمة عبارة عن العلم بأعيان الموجودات على ما هي ~~عليه، وهو لا ينفك عن اليقين والطمأنينة، فمجرد أخذ بعض المسائل وتقريرها ~~على وجه لائق من دون وثوق النفس واطمئنانها ليست حكمة، والأخذ بمثله ليس ~~حكيما، إذ حقيقة الحكمة لا تنفك عن الإذعان القطعي واليقيني وهما مفقودان ~~فيه، فمثله كمثل الأطفال في التشبه بالرجل، أو بعض الحيوانات في محاكاة ما ~~للانسان من الأقوال والأفعال. # وأما فضيلة العفة، فقد عرفت أنها عبارة عن ملكة انقياد القوة الشهوية ~~للعقل، حتى يكون تصرفها مقصورا على أمره ونهيه، فيقدم على ما فيه المصلحة ~~وينزجر عما يتضمن المفسدة بتجويزه، ولا يخالفه في أوامره ونواهيه، ~~PageV01P087 # وينبغي أن يكون الباعث للاتصاف بتلك الملكة وصدور آثارها مجرد كونها ~~فضيلة وكمالا للنفس وحصول السعادة الحقيقية بها، لا شئ آخر من دفع ضر، أو ~~جلب نفع، أو اضطرار وإلجاء، فالإعراض عن اللذات الدنيوية لتحصيل ms051 الأزيد من ~~جنسها ليس عفة، كما هو شأن بعض تاركي الدنيا للدنيا وكذا الحال في تركها ~~لخمود القوة وقصورها وضعف الآلة وفتورها، أو لحصول النفرة من كثرة تعاطيها، ~~أو للحذر من حدوث الأمراض والأسقام، أو اطلاع الناس وتوبيخهم، أو لعدم درك ~~تلك اللذات كما هو شأن بعض أهالي الجبال والبوادي.. إلى غير ذلك. # وأما فضيلة الشجاعة، فقد عرفت أنها ملكة انقياد القوة الغضبية للعقل حتى ~~يكون تصرفها بحسب أمره ونهيه، ولا يكون للاتصاف بها وصدور آثارها داع سوى ~~كونها كمالا وفضيلة، فالإقدام على الأمور الهائلة، والخوص في الحروب ~~العظيمة، وعدم المبالاة من الضرب والقطع والقتل لتحصيل الجاه والمال، أو ~~الظفر بامرأة ذات جمال، أو للحذر من السلطان ومثله، أو للشهوة بين أبناء ~~جنسه، ليست صادرة عن ملكة الشجاعة، بل منشأها إما رذيلة الشره أو الجبن، ~~كما هو شأن عساكر الجائرين، وقاطعي الطرق والسارقين، فمن كان أكثر خوضا في ~~الأهوال، وأشد جرأة على الأبطال للوصول إلى شئ من تلك الأغراض، فهو أكثر ~~جبنا وحرصا، لا أكثر شجاعة ونجدة. وقس على ذلك الوقوع في المهالك والأهوال، ~~تعصبا عن الأقارب والأتباع، وربما كان باعثه تكرر ذلك منه مع حصول الغلبة، ~~فاغتر بذلك ولم يبال بالإقدام اتكالا على العادة الجارية. ومثله مثل رجل ذي ~~سلاح لم يبال بالمحاربة مع طفل أعزل، فإن عدم الحذر عنه ليس لشجاعته، بل ~~لعجز الطفل. ومن هذا القبيل ما يصدر عن بعض الحيوانات من الصولة والإقدام، ~~فإنه ليس صادرا عن ملكة الشجاعة، بل عن طبيعة القوة والغلبة. # وبالجملة: الشجاع الواقعي ما كانت أفعاله صادرة عن إشارة العقل ولم يكن ~~له باعث سوى كونها جميلة، فربما كان الحذر عن بعض الأهوال من مقتضيات العقل ~~فلا ينافي الشجاعة، وربما لم يكن الخوض في بعض الأخطار من موجباته ~~فينافيها، ولذا قيل عدم الفزع مع شدة الزلازل وتواتر PageV01P088 # الصواعق من علائم الجنون دون الشجاعة، وإيقاع النفس في الهلكات بلا داع ~~عقلي أو شرعي كتعرضه للسباع المؤذية، أو القاء نفسه من المواضع الشاهقة، أو ms052 ~~في البحار والشطوط الغامرة من دون علم بالسباحة من أمارات القحة والحماقة. # ثم الشجاع الحقيقي من كان حذره من العار والفضيحة أكثر من خوفه من الموت ~~والهلاك، فمن لا يبالي بذهاب شرفه، وفضيحة أهله وحرمه، فهو من أهل الجنون ~~والحماقة، ولا يستحق اسم العقل والشجاعة، كيف والموت عند الشجاع مع بقاء ~~الفضيلة أحسن من الحياة بدونها، ولذا يختار الموت الجميل على الحياة ~~القبيحة. على أن الشجاعة في المبادئ ربما كانت مؤذية، وإنما تظهر لذتها في ~~العاقبة (لا) سيما إذا حصلت بها الحماية عن الدين والملة، والذب عن العقائد ~~الحقة، فإن الشجاع لحبه الجميل وثباته على الرأي الصحيح إذا علم أن عمره في ~~معرض الزوال والدثور، وأثر الفعل الجميل يبقى على مر الدهور، يختار الجميل ~~الباقي على الرذيل الفاني، فيحامي عن دينه وشريعته، ولا يبالي بما يحذر عنه ~~غيره من أبناء طبيعته، لعلمه بأن الجبان المقصر في حماية الدين، ومقاومة ~~جنود الشياطين إن بقي أياما معدودة، فمع تكدرها بالذل والصغار تكون زائلة، ~~ولا ترضى نفسه بالحرمان عن السعادة الباقية، ولذا قال فخر الشجعان وسيد ولد ~~عدنان عليه صلوات الله الملك الرحمان لأصحابه: " أيها الناس إنكم إن لم ~~تقتلوا تموتوا والذي نفس ابن أبي طالب بيده لألف ضربة بالسيف على الرأس ~~أهون من ميتة على الفراش ". # وبالجملة: كل فعل يصدر عن الشجاع في أي وقت يكون مقتضى للعقل مناسبا لهذا ~~الوقت واقعا في موقعه، وله قوة التحمل على المصائب، وملكة الصبر على ~~الشدائد والنوائب، ولا يضطرب من شدائد الأمور، ويستخف بما يستعظمه الجمهور، ~~وإذا غضب كان غضبه بمقتضى العقل، وكان انتقامه مقصورا على على ما يستحسن ~~عقلا وشرعا، ولا يتعدى إلى ما لا ينبغي. وليس مطلق الانتقام مذموما، فربما ~~كان في بعض المواضع مستحسنا عند العقل والشرع، وقد صرح الحكماء بأن عدم ~~الانتقام ممن يستحقه يحدث في النفس PageV01P089 # ذبولا لا يرتفع إلا بالانتقام، وربما أدى هذا الذبول إلى بعض الرذائل ~~المهلكة. # وأما العدالة فقد عرفت أنها عبارة عن انقياد القوة العملية للعاقلة، ms053 أو ~~امتزاج القوى وتسالمها وانقهار الجميع تحت العاقلة، بحيث يرتفع بينها ~~التنازع والتجاذب، ولا يغلب بعضها على بعض، ولا يقدم على شئ غير ما تسقط له ~~العاقلة. وإنما يتم ذلك إذا حصلت للانسان ملكة راسخة تصدر لأجلها جميع ~~الأفعال على نهج الاعتدال بسهولة، ولا يكون له غاية في ذلك سوى كونها فضيلة ~~وكمالا، فمن يتكلف أعمال العدول رياء وسمعة، أو لجلب القلوب، أو تحصيل ~~الجاه والمال ليس عادلا. # وقس على ذلك جميع أنواع الفضائل المندرجة تحت الأجناس المذكورة فإنه ~~بإزاء كل منها رذيلة شبيهة بها، فينبغي لطالب السعادة أن يعرفها ويجتنب ~~عنها، مثلا السخاء عبارة عن ملكة سهولة بذل المال على المستحق، مع كون ~~الغاية الباعثة له عليه مجرد كونه فضيلة وكمالا، دون الأغراض الأخر، فبذل ~~المال لتحصيل الأزيد، أو لدفع الضرر، أو نيل الجاه، للوصول إلى شئ من ~~اللذات الحيوانية ليس سخاء، وكذا بذله لغير المستحق والإسراف في إنفاقه، ~~فإن المبذر جاهل بعظم قدر المال، والاحتياج إليه في مواقع لولاه لأدى إلى ~~تضييع الأهل والعيال والعجز عن كسب المعارف وفضائل الأعمال، وله دخل عظيم ~~في ترويج أحكام الملة ونشر الفضيلة والحكمة، ولذا ورد في الصحيفة ~~السليمانية (إن الحكمة مع الثروة يقظان، ومع الفقر نائم) (14) وربما كان ~~منشأ التبذير عدم العلم بصعوبة تحصيل الحلال منه، وهكذا يكون في الأغلب لمن ~~يظفر بمال بغتة من ميراث أو غيره مما لا يحتاج إلى كد وعمل، فإن مثله غافل ~~عن صعوبة كسب الحلال منه، إذ المكاسب الطيبة قليلة جدا، وارتكابها للأحرار ~~مشكل، ولذا ترى أفاضل الأحرار ناقصي الحظوظ منه شاكين عن بختهم، وأضدادهم ~~على خلاف ذلك، لعدم مبالاتهم من تحصيله بأي نحو كان. وقد قال بعض الحكماء: ~~" إن تحصيل المال بمنزلة نقل الحجر إلى قلة الجبل وإنفاقه كإطلاقه ". # PageV01P090 # فصل العدالة أشرف الفضائل العدالة أشرف الفضائل وأفضلها، إذ قد عرفت أنها ~~كل الفضائل أو ما يلزمها، كما أن الجور كل الرذائل أو ما يوجبها، لأنها ~~هيئة نفسانية يقتدر بها على تعديل جميع الصفات والأفعال، ms054 ورد الزائد ~~والناقص إلى الوسط، وانكسار سورة التخالف بين القوى المتعادية، بحيث يمتزج ~~الكل وتتحقق بينها مناسبة واتحاد تحدث في النفس فضيلة واحدة تقتضي حصول فعل ~~متوسط بين أفعالها المتخالفة، وذلك كما نحصل الامتزاج والوحدة بين الأشياء ~~المتخالفة صورة وحدانية يصدر عنها فعل متوسط بين أفعالها المتخالفة فجميع ~~الفضائل مترتبة على العدالة، ولذا قال أفلاطون الإلهي: (العدالة إذا حصلت ~~للانسان أشرق بها كل واحد من أجزاء نفسه، ويستضئ بعضها من بعض، فتنتهض ~~النفس حينئذ لفعلها الخاص على أفضل ما يكون، فيحصل لها غاية القرب إلى ~~مبدعها سبحانه). # ومن خواص العدالة وفضيلتها أنها أقرب الصفات إلى الوحدة، وشأنها إخراج ~~الواحد من الكثرات، والتأليف بين المتباينات، والتسوية بين المختلفات، ورد ~~الأشياء من القلة والكثرة والنقصان والزيادة إلى التوسط الذي هو الوحدة ~~فتصير المتخالفات في هذه المرتبة متحدة نوع اتحاد، وفي غيرها توجد أطراف ~~متخالفة متكاثرة، ولا ريب في أن الوحدة أشرف من الكثرة، وكلما كان الشئ ~~أقرب إليها يكون أفضل وأكمل وأبقى وأدوم، ومن تطرق البطلان والفساد أبعد، ~~فالمتخالفات إذا حصل بينها مناسبة واتحاد وحصلت منها هيئة وحدانية صارت ~~أكمل مما كان، ولذا قيل: كمال كل صفة أن يقارب ضدها، وكما كل شخص أن يتصف ~~بالصفات المتقابلة بجعلها متناسبة متسالمة، وتأثير الأشعار الموزونة ~~والنغمات والايقاعات المتناسبة، وجذب الصور الجميلة للنفوس، إنما هو لوحدة ~~التناسب، ونسبة المساواة في صناعة الموسيقى أو غيرها أشرف النسب لقربها إلى ~~الوحدة، وغيرها من النسب يرجع إليها، وبالجملة: اختلاف الأشياء في الكمال ~~والنقص بحسب اختلافها في الوحدة والكثرة، فأشرف الموجودات هو الواحد ~~الحقيقي الذي هو موجد PageV01P091 # الكل ومبدؤه، ويفيض نور الوحدة على كل موجود بقدر استعداده كما يفيض عليه ~~نور الوجود كذلك، فكل وحدة من الوحدات جوهرية كانت أو خلقية أو فعلية أو ~~عددية أو مزاجية، فهو ظل من وحدته الحقة، وكلما كان أقرب إليها يكون أشرف ~~وجودا، ولولا الاعتدال والوحدة العرضية التي هي ظل الوحدة الحقيقية لم تتم ~~دائرة الوجود، لأن تولد المواليد من العناصر الأربعة يتوقف ms055 على حصول ~~الاتحاد والاعتدال، وتعلق النفس الربانية بالبدن إنما هو لحصول نسبة ~~الاعتدال، ولذا يزول تعلقها به بزوالها، بل النفس عاشقة لتلك النسبة ~~الشريفة أينما وجدت. # والتحقيق أنها معنى وحداني يختلف باختلاف محالها، فهي في الأجزاء ~~العنصرية الممتزجة اعتدال مزاجي، وفي الأعضاء حسن ظاهري، وفي الكلام فصاحة، ~~وفي الملكات النفسية عدالة، وفي الحركات غنج ودلال، وفي النغمات أبعاد ~~شريفة لذيذة والنفس عاشقة لهذا المعنى في أي مظهر ظهر، وبأي صورة تجلى، ~~وبأي لباس تلبس. # فإني أحب الحسن حيث وجدته * وللحسن في وجه الملاح مواقع والكثرة والقلة ~~والنقصان والزيادة تفسد الأشياء إذا لم تكن بينها مناسبة يحفظ عليها ~~الاعتدال والوحدة بوجد ما، وفي هذا المقام تفوح نفحات قدسية تهتز بها نفوس ~~أهل الجذبة والشوق، ويتعطر منها مشام أصحاب التأله والذوق، فتعرض لها إن ~~كنت أهلا لذلك. # وإذا عرفت شرف العدالة وإيجابها للعمل بالمساواة، ورد كل ناقص وزائد إلى ~~الوسط، فاعلم: أنها إما متعلقة بالأخلاق والأفعال، أو بالكرامات وقسمة ~~الأموال، أو بالمعاملات والمعارضات، أو بالأحكام والسياسات. # والعادل في كل واحد من هذه الأمور ما يحدث التساوي فيه برد الإفراط ~~والتفريط إلى الوسط، ولا ريب في أنه مشروط بالعلم بطبيعة الوسط، حتى يمكن ~~رد الطرفين إليه، وهذا العلم في غاية الصعوبة، ولا يتيسر إلا بالرجوع إلى ~~ميزان معرف للأوساط في جميع الأشياء، وما هو إلا ميزان الشريعة الإلهية ~~الصادرة عن منبع الوحدة الحقة الحقيقية، فإنها هي المعرفة للأوساط في جميع ~~الأشياء على ما ينبغي، والمتضمنة لبيان تفاصيل جميع مراتب الحكمة ~~PageV01P092 # العملية، فالعادل بالحقيقة يجب أن يكون حكيما عالما بالنواميس الإلهية ~~الصادرة من عند الله سبحانه لحفظ المساواة. # وقد ذكر علماء الأخلاق أن العدول ثلاثة: " الأول " العادل الأكبر، وهو ~~الشريعة الإلهية الصادرة من عند الله سبحانه لحفظ المساواة. " الثاني " ~~العادل الأوسط، وهو الحاكم العادل التابع للنواميس الإلهية والشريعة ~~النبوية فإنه خليفة الشريعة في حفظ المساواة. " الثالث " العادل الصامت، ~~وهو الدينار لأنه يحفظ المساواة في المعاملات والمعاوضات. # بيان ذلك: أن الإنسان مدني بالطبع فيحتاج بعض ms056 أفراده إلى بعض آخر، ولا ~~يتم عيشهم إلا بالتعاون، فيحتاج الزارع إلى عمل التاجر وبالعكس والنجار إلى ~~عمل الصباغ وبالعكس، وهكذا فتقع بينهم معاوضات، فلا بد من حفظ المساواة ~~بينها دفعا للتنازع والتشاجر، ولا يمكن حفظها بالأعمال لاختلافها بالزيادة ~~والنقصان والقلة والكثرة وغير ذلك، وربما كان أدنى عمل مساويا لعمل كثير ~~كنظر المهندس، وتدبير صاحب الجيش، فإن نظرهما في لحظة واحدة بما ساوى عملا ~~كثيرا لمن يعمل ويحارب، فحفظ المساواة بينها بالدينار والدرهم بأن تقوم ~~بهما الأعمال والأشياء المختلفة، ليحصل الاعتدال والاستواء، ويتبين وجه ~~الأخذ والإعطاء، وتصح المشاركات والمعاملات على نهج لا يتضمن إفراطا ولا ~~تفريطا قيل: وقد أشير إلى العدول الثلاثة في الكتاب الإلهي بقوله سبحانه: # (وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه ~~بأس شديد ومنافع للناس) (15). # فإن الكتاب إشارة إلى الشريعة، والميزان إلى آلة معرفة النسبة بين ~~المختلفات ومنها الدينار، والحديد إلى سيف الحاكم العادل المقوم للناس على ~~الوسط. # هذا والمقابل المعادل - أعني الجائر المبطل للتساوي أيضا - أما جائر أعظم ~~- وهو الخارج عن حكم الشريعة - ويسمى كافرا - أو جائر أوسط - وهو من لا ~~يطيع عدول الحكام في الأحكام - ويسمى طاغيا وباغيا - أو # PageV01P093 # جائر أصغر - وهو من لا يقوم عني حكم الدينار، فيأخذ لنفسه أكثر من حقه ~~ويعطي غيره أقل من حقه - ويسمى سارقا وخائنا -. # ثم العدالة على أقسام ثلاثة: # " أحدها " ما يجري بين العباد وبين خالقهم سبحانه، فإنها لما كانت عبارة ~~عن العمل بالمساواة على قدر الإمكان، والواجب سبحانه واهب الحياة والكمالات ~~وما يحتاج إليه كل حي من الأرزاق والأقوات، وهيأ لنا في عالم آخر من البهجة ~~والسرور ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، وما من يوم إلا ويصل إلينا من نعمه ~~وعطاياه ما تكل الألسنة عن حصره وعده، فيجب أن يكون له تعالى علينا حق ~~يقابل به تلك النعم التي لا تحصى كثرة حتى تحصل عدالة في الجملة، إذ من ~~أعطي خيرا ولم يقابله بضرب من المقابلة فهو جائر. # ثم المقابلة والمكافأة تختلف ms057 باختلاف الأشخاص، فإن ما يؤدي به حق إحسان ~~السلطان غير ما يؤدي به حق إحسان غيره، فإن مقابلة إحسانه إنما تكون بمثل ~~بالدعاء ونشر المحاسن، ومقابلة إحسان غيره تكون بمثل بذل المال والسعي في ~~قضاء حوائجه وغير ذلك. والواجب سبحانه غني عن معونتنا ومساعينا، ولا يحتاج ~~إلى شئ من أعمالنا وأفعالنا، ولكن يجب علينا بالنظر إلى شرع العدالة حقوق ~~تحصل بها مساواة في الجملة، كمعرفته ومحبته، وتحصيل العقائد الحقة والأخلاق ~~الفاضلة، والاجتهاد في امتثال ما جاءت به رسله وسفراؤه من الصوم والصلاة، ~~والسعي إلى المواقف الشريفة وغير ذلك وإن كان التوفيق لإدراك ذلك كله من ~~جملة نعمائه، إلا أن العبد إذا أدى ما له فيه مدخلية واختيار من وظائف ~~الطاعات، وترك ما تقتضي الضرورة بتمكنه على تركه من المعاصي والسيئات، لخرج ~~عن الجور المطلق ولم يصدق عليه أنه جائر مطلق، وإن كان أصل تمكنه واختياره، ~~بل أصل وجوده وحياته كلها من الله سبحانه. # " الثاني " ما يجري بين الناس بعضهم لبعض: من أداء الحقوق وتأدية ~~الأمانات والنصفة في المعاملات والمعاوضات وتعظيم الأكابر والرؤساء وإغاثة ~~المظلومين والضعفاء، فهذا القسم من العدالة يقتضي أن يرضى بحقه، ولا يظلم ~~أحدا، ويقيم كل واحد من أبناء نوعه على حقه بقدر الإمكان، لئلا يجور ~~PageV01P094 # بعضهم بعضا، ويؤدي حقوق أخوانه المؤمنين بحسب استطاعته. وقد ورد في ~~الحديث النبوي: " إن للمؤمن على أخيه ثلاثين حقا لا براءة له منها إلا ~~بالأداء أو العفو: يغفر زلته، ويرحم غربته، ويستر عورته، ويقيل عثرته، ~~ويقبل معذرته، ويرد غيبته، ويديم نصيحته، ويحفظ خلته، ويرعى ذمته، ويعود ~~مرضته، ويشهد ميتته، ويجيب دعوته، ويقبل هديته، ويكافئ صلته، ويشكر نعمته، ~~ويحسن نصرته، ويحفظ حليلته، ويقضي حاجته، ويشفع مسألته، ويسمت عظمته، ويرشد ~~ضالته، ويرد سلامه، ويطيب كلامه، ويبر إنعامه، ويصدق أقسامه، ويواليه ولا ~~يعاديه، وينصره ظالما أو مظلوما، فأما نصرته ظالما فيرده عن ظلمه، وأما ~~نصرته مظلوما فيعينه ظلمه، وأما نصرته مظلوما فيعينه على أخذ حقه، ولا ~~يسأمه، ولا يخذله، ويحب له من الخير ما يحب ms058 لنفسه، ويكره له من الشر ما ~~يكره لنفسه ". # " الثالث " ما يجري بين الأحياء وذوي حقوقهم من الأموات: من أداء ديونهم ~~وإنفاذ وصاياهم والترحم عليهم بالصدقة والدعاء. وقد أشار خاتم الرسالة صلى ~~الله عليه وآله وسلم إلى أقسام العدالة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " ~~التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله "، وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~في خبر آخر: " الدين النصيحة. قيل لمن؟ قال: لله ولرسوله ولعامة المؤمنين ~~". # إيقاظ قد ظهر مما ذكر أن الكمال كل الكمال لكل شخص هو العدل والتوسط في ~~جميع صفاته وأفعاله الباطنة والظاهرة، سواء كانت مختصة بذاته أو متوسطة ~~بينه وبين أبناء نوعه، ولا تحصل النجاة والسعادة إلا بالاستقامة على وسط ~~الأشياء المتخالفة، والتثبت على مركز الأطراف المتباعدة. فكن يا حبيبي ~~جامعا للكمالات، متوسطا بين مراتب السعادات، ومركزا لدائرة نيل الإفاضات. ~~فكن أولا متوسطا بين العلم والعمل جامعا بينهما بقدر الإمكان، ولا تكتف ~~بأحدهما حتى لا تكون واحدا من الرجلين القاصمين (16) # PageV01P095 # لظهر فخر الثقلين صلى الله عليه وآله وسلم. وكن في العمل متوسطا بين حفظ ~~الظاهر والباطن، فلا تكن في باطنك خبيثا وظاهرك نقيا، حتى تكون كشوهاء ~~ملبسة بزي حوراء مدلسة بأنواع التدليسات، ولا بالعكس لتكون مثل درة ملوثة ~~بأقسام القاذورات، بل ينبغي أن يكون ظاهرك مرآة لباطنك حتى يظهر من محاسنك ~~بقدر ما اقتضته ملكاتك الفاضلة الباطنة. وكن في جميع ملكاتك الباطنة ~~وأفعالك الظاهرة متوسطا بين الإفراط والتفريط على ما يقرع سمعك في هذا ~~الكتاب. ثم كن في العلوم متوسطا بين العلوم الباطنة العقلية والعلوم ~~الظاهرة الشرعية، فلا تكن من الذين قصروا أنظارهم على ظواهر الآيات ولم ~~يعرفوا من حقائق البينات، يذمون علماء الحقيقة وينسبونهم إلى الإلحاد ~~والزندقة، ولا من الذين صرفوا أعمارهم في فضول أهل يونان وهجروا ما جاء به ~~حامل الوحي والفرقان، يذمون علماء الشريعة ويثبتون لهم سوء القريحة، يدعون ~~لأنفسهم الذكاء والفطانة وينسبون ورثة الأنبياء إلى الجهل والبطالة. ثم كن ~~في العقليات متوسطا بين طرق العقلاء من غير جمود على ms059 واحدة منها بمجرد ~~التقليد أو التعصب، فتوسط بين الحكمة والكلام والإشراق والعرفان، واجمع بين ~~الاستدلال وتصفية النفس بالعبادة والرياضة، فلا تكن متكلما صرفا لا تعرف ~~سوى الجدل، ولا مشائيا محضا أضاع الدين وأهمل، ولا متصوفا استراح بدعوى ~~المشاهدة والعيان من دون بينة وبرهان. وكن في العلوم الشرعية متوسطا بين ~~الأصول والفروع، فلا تكن إخباريا تاركا للقواعد القطعية، ولا أصوليا عاملا ~~بقياسات عامية. # وقس على ذلك جميع أمورك الباطنة والظاهرة، واعمل به حتى يرشدك إلى طريق ~~السداد، ويوفقك لاكتساب زاد المعاد. # دفع إشكال إن قيل: قد تلخص مما ذكر: أن الفضيلة في جميع الأخلاق والصفات ~~إنما هو المساواة من غير زيادة ونقصان، مع إنه قد ثبت أن للتفضل محمود وهو ~~زيادة فلا يدخل تحت العدالة الراجعة إلى المساواة. (قلنا): التفضل احتياط ~~يقع لتحصيل القطع بعدم الوقوع في النقصان، وليس الوسط في طرفين من الأخلاق ~~على نهج واحد، فإن الزيادة في السخاء إذا لم يؤد إلى PageV01P096 # الإسراف أحسن من النقصان عنه، وأشبه بالمحافظة على شرائطه، فالتفضل إنما ~~يصدر عن فضيلة العدالة، لأنها مبالغة فيها ولا يخرجها عن حقيقتها، إذ ~~المتفضل من يعطي المستحق أزيد مما يستحقه، وهذه الزيادة ليست مذمومة بل هي ~~العدالة مع الاحتياط فيها، ولذا قيل: " إن المتفضل أفضل من العادل "، ~~والمذموم أن يعطي غير المستحق أو يترك المساواة بين المستحقين لأنه أنفق ~~فيما لا ينبغي أو على ما لا ينبغي، وصاحبه لا يسمى متفضلا بل مضيعا، ولكون ~~التفضل احتياطا إنما يحسن من الرجل بالنسبة إلى صاحبه في المعاملة التي ~~بينهما، ولو كان بين جماعة ولم يكن له نصيب في ما يحكم فيه لم يسعه إلا ~~العدل المحض ولم يجز له التفضيل. # تتميم قد تلخص أن حقيقة العدالة أو لازمها أن يغلب العقل الذي هو خليفة ~~الله على جميع القوى حتى يستعمل كلا منها فيما يقتضي رأيه، فلا يفسد نظام ~~العالم الإنساني، فإن الواجب سبحانه لما ركب الإنسان بحكمته الحقة ومصلحته ~~التامة عن القوى الكثيرة المتضادة، فهي إذا تهايجت وتغالبت ms060 ولم يقهرها قاهر ~~خير، حدثت فيه بهيجانها واضطرابها أنواع الشر، وجذبه كل واحدة منها إلى ما ~~يقتضيه ويشتهيه، كما هو الشأن في كل مركب. وقد شبه المعلم الأول مثله بمن ~~يجذب من جهتين حتى ينقطع وينشق بنصفين أو من جهات كثيرة فيتقطع بحسبها. ~~فيجب على كل إنسان أن يجاهد حتى يغلب عقله الذي هو الحكم العدل والخير ~~المطلق على قواه المختلفة، ليرفع اختلافها وتجاذبها ويقيم الجميع على ~~الصراط القويم. # ثم كل شخص ما لم يعدل قواه وصفاته لم يتمكن من إجراء أحكام العدالة بين ~~شركائه في المنزل والبلد، إذ العاجز عن إصلاح نفسه كيف يقدر على إصلاح ~~غيره، فإن السراج الذي لا يضئ قريبه كيف يضيئ بعيده، فمن عدل قواه وصفاته ~~أولا واجتنب عن الإفراط والتفريط واستقر على جادة في أرضه، وإذا كان مثله ~~حاكما بين الناس وكان زمام مصالحهم في قبضة اقتداره، لتنورت البلاد بأهلها، ~~وصلحت أمور العباد بأسرها، وزاد PageV01P097 # الحرث والنسل، ودامت بركات السماء والأرض. # وغير خفي أن أشرف وجوه العدالات وأهمها وأفضل صنوف السياسات وأعمها هو ~~عدالة السلطان، إذ غيرها من العدالات مرتبطة بها ولولاه لم يتمكن أحد من ~~رعاية العدالة، كيف وتهذيب الأخلاق وتدبير المنزل يتوقف على فراغ البال ~~وانتظام الأحوال، ومع جور السلطان أمواج الفتن متلاطمة، وأفراج المحن ~~متراكمة، وعوائق الزمان متزاحمة، وبوائق (17) الحدثان متصادمة، وطالبو ~~الكمال كالحيارى في الصحارى لا يجدون إلى منازله سبيلا ولا إلى جداوله ~~مرشدا ودليلا، وعرصات العلم والعمل دراسة الآثار، ومنازلهما مظلمة الأرجاء ~~والأقطار، فلا يوجد ما هو الملاك في تحصيل السعادات، أعني تفرغ الخاطر ~~والاطمئنان وانتظام أمر المعاش الضروري لأفراد الإنسان. # ولذا لو تصفحت في أمثال زماننا زوايا المدن والبلاد واطلعت على بواطن فرق ~~العباد، لم تجد من الألوف واحدا تمكن من إصلاح نفسه ويكون يومه خيرا من ~~أمسه، بل لا تجد دينا إلا وهو باك على فقد الإسلام وأهله، ولا طالبا إلا ~~وهو لعدم المكنة باق على جهله، ولعمري أن هذا الزمان هو الزمان الذي أخبر ~~عنه سيد ms061 الأنام وعترته الأبرار الكرام عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام من ~~أنه: " لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه ". # وبالجملة: المناط كل المناط في تحصيل الكمالات وإخراج النفوس من ~~الجهالات، هو عدالة السلطان، واعتناؤه بإعلاء الكلمة، وسعيه في ترويج أحكام ~~الدين والملة، ولذا ورد في الآثار: (إن السلطان إذا كان عادلا كان شريكا في ~~ثواب كل طاعة تصدر عن كل رعية، وإن كان جائرا كان سهيما في معاصيهم). وقال ~~سيد الرسل صلى الله عليه وآله وسلم: " أقرب الناس يوم القيامة إلى الله ~~تعالى الملك العادل وأبعدهم عنه الملك الظالم ". # وورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم: " عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة ". ~~والسر أن أثر عدل ساعة واحدة ربما يصل إلى جميع المدن والأمصار ويبقى على ~~مر الدهور والأعصار، وقال بعض الأكابر: لو علمت أنه يستجيب # PageV01P098 # لي دعوة واحدة لخصصتها بإصلاح حال السلطان حتى يعم نفعه. # تنوير لا حاجة إلى العدالة مع رابطة المحبة لو استحكمت رابطة المحبة ~~وعلاقة المودة بين الناس لم يحتاجوا إلى سلسلة العدالة، فإن أهل الوداد ~~والمحبة في مقام الإيثار ولو كان بهم خصاصة، فكيف يجور بعضهم على بعض. ~~والسر أن رابطة المحبة أتم وأقوى من رابطة العدالة، لأن المحبة وحدة طبيعية ~~جبلية، والعدالة وحدة قهرية قسرية. على أنها لا تنتظم بدون المحبة، لكونها ~~باعثة للإيجاد، كما أشير إليه في الحديث القدسي: " كنت كنزا مخفيا فأحببت ~~أن أعرف ". فالمحبة هو السلطان المطلق، والعدالة نائبها وخليفتها (18). # وصل التكميل الصناعي لاكتساب الفضائل على طبق ترتيب الكمال الطبيعي ~~لاكتساب الفضائل ترتيب ينبغي أن لا يتعدى عنه. وبيان ذلك: أن مبادئ الحركات ~~المؤدية إلى الكمالات: إما طبيعية كحركة النطفة في الأطوار المختلفة إلى ~~بلوغ كمال الحيوانية، أو صناعية كحركة الخشب بتوسط الآلات إلى بلوغ كمال ~~السريرية. ثم الطبيعية وتحريكاتها لاستنادها إلى المبادئ العالية تكون ~~متقدمة على الصناعية المستندة إلى الإنسان، ولما كان كمال الثواني أن تتشبه ~~بالأوائل، ينبغي أن تقتدي الصناعية في تحريكاتها المؤدية إلى كمالها ms062 ~~بالطبيعية. # وإذ ثبت ذلك فاعلم: أن تهذيب الأخلاق لما كان أمرا صناعيا لزم أن يقتضي ~~في تحصيله من حيث الترتيب بأفعال الطبيعة في ترتيب حصولها، فنقول: # لا ريب في أن أول ما يحصل في الطفل قوة طلب الغذاء، وإذا زادت تلك القوة ~~يبكي ويرفع صوته لأجل الغذاء، وإذا قويت حواسه وتمكن من حفظ # PageV01P099 # بعض الصور يطلب صورة الأم أو الظئر (19)، وجميع ذلك متعلق بالقوة ~~الشهوية. ونهاية هذه القوة وكمالها أن يتم ما يتعلق بالشخص من الأمور ~~الشهوية وينبعث منه الميل إلى استبقاء النوع، فيحدث ميل النكاح والوقاح. ثم ~~تظهر فيه آثار القوة الغضبية حتى يدفع عن نفسه ما يؤذيه ولو بالاستعانة ~~بغيره. # وغاية كمال هذه القوة حصول التمكن من حفظ الشخص والإقدام على حفظ النوع، ~~فيحدث فيه الميل إلى ما يحصل به التفوق من أصناف الرئاسات والكرامات. # ثم تظهر فيه آثار قوة التمييز وتتزايد إلى أن يتمكن من تعقل الكليات. # وهنا يتم ما يتعلق بالطبيعة من التدبير والتكميل، ويكون ابتداء التكميل ~~الصناعي، فلو لم يحصل الاستكمال بالكسب والصناعة بقي على هذه الحالة، ولم ~~يبلغ إلى الكمال الحقيقي الذي خلق الإنسان لأجله، لأنه لم يخلق أحد مجبولا ~~على الإنصاف بجميع الفضائل الخلقية إلا من أيد من عند الله بالنفس القدسية، ~~وإن كان بعض الناس أكثر استعدادا لتحصيل بعض الكمالات من بعض آخر، فلا بد ~~لجل الأنام في تكميل نفوسهم من الكسب والاستعلام. # فظهر مما ذكر: إن الطبيعة تولد أولا قوة الشهوة، ثم قوة الغضب، ثم قوة ~~التمييز، فيجب أن يقتدى به في التكميل الصناعي، فيهذب أولا القوة الأولى ~~ليكتسب العفة، ثم الثانية ليتصف بالشجاعة، ثم الثالثة ليتحلى بالحكمة، فمن ~~حصل بعض الفضائل على الترتيب الحكمي كان تحصيل الباقي له في غاية السهولة، ~~ومن حصله لا على الترتيب، فلا يظن أن تحصيل الباقي حينئذ متعذر بل هو ممكن، ~~وإن كان أصعب بالنسبة إلى تحصيله بالترتيب، فإن عدم الترتيب يوجب عسر ~~الحصول لا تعذره، كما إن الترتيب يوجب يسره لا مجرد إمكانه. فلا ms063 يترك السعي ~~والجد في كل حال ولا ييأس من رحمة الله الواهب المتعال، وليشمر ذيل الهمة ~~على منطقة الطلب حتى ييسر الله له الوصول إلى ما هو المقصد والمطلب. # ثم الفضيلة إن كانت حاصلة لزم السعي في حفظها وإبقائها، وإن لم تكن حاصلة ~~بل كان ضدها حاصلا وجب تحصيلها بإزالة الضد. ولذا كان فن الأخلاق على ~~قسمين: (أحدهما) راجع إلى حفظ الفضائل، (وثانيهما) # PageV01P100 # نافع في دفع الرذائل، فيكون شبيها بعلم الطب، من حيث انقسامه إلى قسمين: # (أحدهما) في حفظ الصحة، (وثانيهما) في دفع المرض، ولذا يسمى طبا روحانيا، ~~كما إن الطب المتعارف يسمى طبا جسمانيا. ومن هنا كتب جالينوس إلى روح الله ~~(ع): " من طبيب الأبدان إلى طبيب النفوس ". فكما إن لكل من حفظ الصحة ودفع ~~المرض في الطب الجسماني عاجلا خاصا، فكذلك لكل من حفظ الفضائل وإزالة ~~الرذائل في الطب الروحاني معالجات معينة، كما نذكره إن شاء الله تعالى. ~~PageV01P101 # الباب الثالث في طريق حفظ اعتدال الأخلاق المحمودة واستحصالها بإزالة ~~نقائضها المذمومة الطريق لحفظ اعتدال الفضائل - قانون العلاج في الطب ~~الروحاني - طريقة معرفة الأمراض النفسية - المعالجات الكلية لأمراض النفس - ~~المعالجات الخاصة لأمراض النفس. وله أربعة مقامات: # (الأول) ما يتعلق بالقوة العاقلة من الرذائل والفضائل وكيفية علاج ~~الرذائل (الثاني) ما يتعلق بالقوة الغضبية من الرذائل والفضائل وكيفية ~~العلاج. # (الثالث) ما يتعلق بالقوة الشهوية من الرذائل والفضائل وكيفية العلاج. # (الرابع) ما يتعلق بالقوى الثلاث أو باثنتين منها. PageV01P102 # وفيه فصول (1): # فصل الطريق لحفظ اعتدال الفضائل قد تقرر في الطب الجسماني أن حفظ الصحة ~~بإيراد المثل وملائم المزاج، فيجب أن يكون حفظ اعتدال الفضائل أيضا بذلك. ~~وإيراد المثل لحفظ اعتدالها يكون بأمور: # " منها " اختيار مصاحبة الأخيار، والمعاشرة مع أولي الفضائل الخلقية، ~~واستماع كيفية سلوكهم مع الخالق والخليقة، والاجتناب عن مجالسة الأشرار ~~وذوي الأخلاق السيئة، والاحتراز عن استماع قصصهم وحكاياتهم وما صدر عنهم من ~~الأفعال ومزخرفاتهم، فإن المصاحبة مع كل أحد أقوى باعث على الاتصاف ~~بأوصافه، فإن الطبع يسترق من الطبع كلا من الخير والشر. ms064 # والسر: أن النفس الإنسانية ذات قوى بعضها يدعو إلى الخيرات والفضائل ~~وبعضها يقتضي الشرور والرذائل، وكلما حصل لأحدهما أدنى باعث لما تقتضيه ~~جبلته مال إليه وغلب على صاحبه إلى الخير، ولكون دواعي الشر من القوى أكثر ~~من بواعث الخير منها، يكون الميل إلى الشر أسرع وأسهل بالنسبة إلى الميل ~~إلى الخير، ولذا قيل: إن تحصيل الفضائل بمنزلة الصعود إلى الأعالي، وكسب ~~الرذائل بمثابة النزول منها. وإلى ذلك يشير قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~" حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ". # " ومنها " أعمال القوى في شرائف الصفات، والمواظبة على الأفعال التي هي ~~آثار فضائل الملكات، وحمل النفس على الأعمال التي يقتضيها الخلق الذي يريد ~~حفظه، فالحافظ لملكة الجود يجب أن يواظب على إنفاق المال وبذله على ~~المستحقين، ويقهر على نفسه عند وجدان ميلها إلى الامساك، والحافظ لملكة ~~الشجاعة يجب ألا يترك الإقدام في الأخطار والأهوال بشرط إشارة العقل، ويغضب ~~على نفسه عند وجدان الجبن منها. وهكذا الحال في سائر الصفات. وهذا بمثابة ~~الرياضة الجسمانية في حفظ الصحة البدنية. # PageV01P103 # " ومنها " أن يقدم التروي على كل ما يفعله، لئلا تصدر عنه غفلة خلاف ما ~~تقتضيه الفضيلة. ولو صدر عنه أحيانا خلاف مقتضاها، فليؤدب نفسه بارتكاب ما ~~يضاده، ويشق عليها عقوبة، بعد تعييرها وتوبيخها، كما إذا أكل ما يضره من ~~المطاعم فليؤدبها بالصوم، وإذا صدر عنه غضب مذموم في واقعة فليؤدبها ~~بإيقاعها في مثلها مع الصبر عليها، أو في معرض إهانة السفهاء حتى يكسر جاهه ~~أو يؤديها بارتكاب ما يشق عليها من النذر والصدقة وغير ذلك. وينبغي ألا ~~يترك الجد والسعي في التحصيل والحفظ وإن بلغ الغاية، لأن التعطيل يؤدي إلى ~~الكسالة وهي إلى انقطاع فيوضات عالم القدس، فتنسلخ الصورة الإنسانية وتحصل ~~الهلاكة الأبدية، والسعي يوجب ازدياد تجرد النفس وصفائها والأنس بالحق ~~والألف بالصدق (2)، فيتنفر عن الكذب والباطل، ويتصاعد في مدارج الكمالات ~~ومراتب السعادات، حتى تنكشف له الأسرار الإلهية والغوامض الربانية، ويتشبه ~~بالروحانيات القادسة، وينخرط في سلك الملائكة المقدسة. ويجب أن يكون سعيه ~~في ms065 أمور الدنيا بقدر الضرورة، ويحرم على نفسه تحصيل الزائد، لأنه لا شقاوة ~~أشد من صرف الجوهر الباقي النوراني في تحصيل الخزف الفاني الظلماني الذي ~~يفوت عنه وينتقل إلى أعدائه من الوراث وغيرهم. # " ومنها " أن يحترز عما يهيج الشهوة والغضب رؤية وسماعا وتخيلا، ومن ~~هيجهما كمن هيج كلبا عقورا أو فرسا شموسا، ثم يضطر إلى تدبير الخلاص عنه. ~~وإذا تحركنا بالطبع فليقتصر في تسكينهما بما يسد الخلة ولا ينافي حفظ ~~الصحة، وهو القدر الذي جوزه العقل والشريعة. # " ومنها " أن يستقصي في طلب خفايا عيوب نفسه، وإذا عثر على شئ منها اجتهد ~~في إزالته. ولما كانت النفس عاشقة لصفاتها وأفعالها، فكثيرا ما يخفى عليها ~~بعض عيوبها، فيلزم على كل طالب للصحة وحافظها أن يختار بعض أصدقائه ليتفحص ~~عن عيوبه ويخبره بما اطلع عليه، وإذا أخبره بشئ منها فليفرح وليبادر إلى ~~إزالته حتى يثق صديقه بقوله، ويعلم أن إهداء شئ من عيوبه إليه أحسن عنده من ~~كل ما يحبه ويهواه، وربما كان العدو # PageV01P104 # في هذا الباب أنفع من الصديق، لأن الصديق ربما يستر العيب ولا يظهره، ~~والعدو مصر على إظهاره، بل ربما يتجاوز إلى البهتان، فإذا أظهر الأعداء ~~عيوبه فليشكر الله على ذلك وليبادر إلى رفعها وقمعها. # ومما ينفع في المقام أن يجعل صور الناس مرايا لعيوبه ويتفقد عيوبهم، وإذا ~~عثر على عيب منهم تأمل في قبحه، ويعلم أن هذا العيب إذا صدر عنه يكون قبيحا ~~ويدرك غيره هذا القبح، فليجتهد في إزالته. وينبغي أن يحاسب نفسه في آخر كل ~~يوم وليلة، ويتفحص عن جميع ما صدر من الأفعال فيهما، فإن لم يصدر عنه شئ من ~~القبائح والذمائم فليحمد الله على حسن تأييده، وإن صدر عنه شئ من ذلك ~~فليعاتب نفسه ويتوب، ويجتهد في ألا يصدر عنه بعد ذلك مثله. # قانون العلاج في الطب الروحاني " تنبيه " قد تبين أن للطلب الروحاني أسوة ~~بالطب الجسماني. والقانون في معالجة الأمراض الجسمانية أن يعرف جنس المرض ~~أولا، ثم الأسباب والعلامات، ثم يبين كيفية العلاج. والعلاج فيه ms066 إما كلي ~~يتناول جميع الأمراض، أو جزئي يختص بمرض دون مرض، فكذلك الحال في الطب ~~الروحاني. ونحن نشير إلى ذلك في فصول: # فصل طريق معرفة الأمراض النفسانية الأمراض النفسانية هي انحرافات الأخلاق ~~عن الاعتدال. وطريق معرفتها: أنك قد عرفت أن القوى الإنسانية محصورة في ~~أنواع ثلاثة: # (أحدها) قوة التمييز، (وثانيها) قوة الغضب ويعبر عنها بقوة الدفع، ~~(وثالثها) قوة الشهوة ويعبر عنها بقوة الجذب. وانحراف كل منها إما في ~~الكمية أو في الكيفية، والانحراف في الكمية إما للزيادة من الاعتدال أو ~~للنقصان عنه. والانحراف في الكيفية إنما يكون برداءتها. فأمراض كل قوة إما ~~بحسب الإفراط أو التفريط، أو بحسب رداءة الكيفية. # فالافراط في قوة التمييز: كالجربزة والدهاء، والتجاوز عن حد النظر، ~~PageV01P105 # والمبالغة في التنقير (3)، والتوقف في غير موضعه للشبه الواهية، والحكم ~~على المجردات بقوة الوهم. وأعمال الذهن في إدراك ما لا يمكن دركه، والتفريط ~~فيه كالبلاهة، وقصور النظر عن درك مقدار الواجب، كإجراء أحكام المحسوسات ~~على المجردات. والرداءة كالسفسطة في الاعتقاد، والميل إلى العلوم الغير ~~اليقينية - كعلم الجدل والخلاف - أزيد مما يميل إلى اليقينيات، واستعمالهما ~~في مقام اليقينيات، والشوق إلى علم الكهانة والشعبذة وأمثالهما للوصول إلى ~~الشهوات الخسيسة. # وأما الإفراط في قوة الدفع: كشدة الغضب والغيظ وفرط الانتقام بحيث يتشبه ~~بالسباع. وأما التفريط: كعدم الغيرة والحمية والتشبه بالأطفال والنسوان في ~~الأخلاق والصفات. وأما الرداءة فيها: كالغيظ على الجمادات والبهائم أو على ~~الناس لا بسبب موجب للانتقام. # وأما الإفراط في قوة الجذب: فكالحرص على الأكل والجماع أزيد من قدر ~~الضرورة. والتفريط فيه: فكالفتور عن تحصيل الأقوات الضرورية وتضييع العيال ~~والخمود عن الشهوة حتى ينقطع عنه النسل. أما الرداءة فيها: كشهوة الطين ~~والميل إلى مقاربة الذكور. # ثم إنك قد عرفت أن أجناس الفضائل أربعة، فأجناس الرذائل بحسب الكمية ~~ثمانية، لكل فضيلة ضدان كل منهما ضد للآخر، وبحسب الكيفية أربعة، ويحصل من ~~تركيبها وامتزاجها أنواع وأصناف لا يعد كثرة، كما عرفت أكثرها. # فصل أسباب الأمراض النفسانية إعلم أن أسباب الانحراف في الأخلاق، إما ~~نفسية ms067 حاصلة في النفس في بدو فطرتها، أو حادثة من مزاولتها للأعمال الردية، ~~أو جسمية - وهي الأمراض الموجبة لبعض الملكات الردية - والسر في ذلك أن ~~النفس لما كانت متعلقة بالبدن علاقة ارتباطية، فيتأثر كل منهما بتأثر ~~الآخر، وكل كيفية تحدث في أحدهما تسري في الآخر، كما أن غضب النفس أو ~~تعشقها يوجب اضطراب البدن وارتعاشه، وتأثر البدن بالأمراض، (لا) سيما إذا ~~حدثت # PageV01P106 # في الأعضاء الرئيسية يوجب النقص في إدراك النفس وفساد تخيلها. وكثيرا ما ~~يحدث من بعض الأمراض السوداوية فساد الاعتقاد والجبن وسوء الظن، ومن بعضها ~~التهور، ويحصل من أكثر الأمراض سوء الخلق. # فصل المعالجات الكلية لمرض النفس سبب الانحراف إن كان مرضا جسمانيا فيجب ~~أن يبادر إلى إزالته بالمعالجات الطبية، وإن كان نفسانيا فالمعالجة الكلية ~~هنا كالمعالجة الكلية في الطب الجسماني. والمعالجة الكلية فيه أن يعالج ~~المرض أولا بالغذاء الذي هو ضد المرض طبعا، كأن يعالج المرض البارد بالغذاء ~~الحار، فإن لم ينفع فبالدواء، وإن لم ينجع فبالسمومات، وإن لم يحصل بها ~~البرء فبالكي أو القطع، وهو آخر العلاج. فالقانون الكلي في المعالجة هنا ~~أيضا كذلك، وهو أن يبادر بعد معرفة الانحراف إلى تحصيل الفضيلة التي هي ~~ضده، والمواظبة على الأفعال التي هي آثارها، وهذا بمنزلة الغذاء المضاد ~~للمرض. # فكما أن حصول الحرارة في المزاج يدفع البرودة الحادثة فيه، فكذا كل فضيلة ~~تحدث في النفس تزيل الرذيلة التي هي ضدها. فإن لم ينفع فليوبخ النفس ~~ويعيرها على هذه الرذيلة فكرا أو قولا أو عملا، ويعاتبها ويخاطبها بلسان ~~الحال والمقال: أيتها النفس الأمارة قد هلكت وتعرضت لسخط الله وغضبه، وعن ~~قريب تعذبين في النار مع الشياطين والأشرار. فإن لم يؤثر ذلك فليرتكب آثار ~~الرذيلة التي هي ضد هذه الرذيلة، بشرط محافظة التعديل، فصاحب الجبن مثلا ~~يعمل أعمال المتهورين، فيخوض في المخاوف والأهوال ويلقي نفسه في موارد ~~الحذر والأخطار. وصاحب البخل يكثر من بذل الأموال، بشرط أن يكف إذا قرب ~~زوال الجبن والبخل لئلا يقع في التهور والإسراف، وهذا بمنزلة المداواة ~~بالسم. ms068 فإن لم ينفع ذلك لقوة استحكام المرض فليعذب النفس بأنواع التكاليف ~~الشاقة والرياضات المتعبة المضعفة للقوة الباعثة على هذه الرذيلة، وهذا ~~بمثابة الكي والقطع، وهو آخر العلاج. # المعالجات الخاصة لمرض النفس " تنبيه " لما عرفت المعالجة الكلية الشاملة ~~لجميع الرذائل بأجناسها PageV01P107 # وأنواعها وأصنافها، فلنشتغل الآن ببيان معالجة كل من الرذائل بخصوصه. # وقد عددنا قبل ذلك ما يتعلق بالقوى الثلاث من الرذائل وأضدادها من ~~الفضائل مما له اسم مشهور، فههنا نذكر معالجة كل رذيلة بخصوصها، ونذيله ~~بذكر ما يضادها من الفضيلة، وما ورد في مدحها عقلا ونقلا، لأن العلم بمعرفة ~~كل فضيلة وحسنة أعون شئ على إزالة ما يضادها من الرذيلة. وربما كانت جملة ~~من الرذائل المختلفة في الاسم مشتركة في المعالجة، وربما كان للرذائل أو ~~الفضائل المتعددة ضد واحد منها، فنحن نشير إلى ذلك، ونشير أيضا في تلو كل ~~رذيلة وفضيلة إلى ما يتولد منهما من أفعال الجوارح مع معالجته - إن كان له ~~ذلك - ونراعي الترتيب المذكور في مقام الإجمال: فنذكر أولا ما يتعلق بالقوة ~~العاقلة من الجنسين وأنواعهما، ثم ما يتعلق بالقوة الغضبية، ثم ما يتعلق ~~بالشهوية، ثم ما يتعلق بالثلاث والاثنين منها، فهنا أربعة مقامات: # المقام الأول في معالجة الرذائل المتعلقة بالقوة العاقلة الجربزة وعلاجها ~~- الجهل البسيط وعلاجه - شرف العلم والحكمة - آداب التعلم والتعليم - العلم ~~الإلهي والأخلاق والفقه أشرف العلوم - أصول العقائد المجمع عليها - الجهل ~~المركب والشك - اليقين - علامات صاحبه - مراتب اليقين - الشرك - التوحيد - ~~التوكل على الله - حق التوكل بماذا يحصل - مناجاة السر لأرباب القلوب - ~~الخواطر النفسانية والوساوس - أقسام الخواطر ومنها الإلهام - المطاردة بين ~~جندي الملائكة والشياطين في معركة النفس - العلائم الفارقة بين الإلهام ~~والوسوسة - علاج الوساوس - ما يتم به علاج الوساوس - ما يتوقف قطع الوساوس ~~عليه - حديث النفس لا مؤاخذة عليه - الخاطر المحمود والتفكر - مجاري التفكر ~~في العوالم والمخلوقات. PageV01P108 # أما جنسا رذائلها (4) (فأولهما): # الجربزة الموجبة للخروج في الفكر عن الحد اللائق وعدم استقالة الذهن على ~~شئ، بل لا يزال يستخرج أمورا دقيقة غير مطابقة للواقع ويتجاوز عن الحق ms069 ولا ~~يستقر عليه، وربما أدى في العقليات إلى الإلحاد وفساد الاعتقاد، بل إلى نفي ~~حقائق الأشياء رأسا كما للسوفسطائية، وفي الشرعيات إلى الوساوس. # (وعلاجه) بعد تذكر قبحه وإيجابه للهلاك، أن يكلف نفسه على الاستقامة على ~~مقتضى الأدلة المعتبرة عند أولي الأفهام المستقيمة، ولا يتجاوز عن معتقدات ~~أهل الحق المعروفين بالتحقيق واستقامة القريحة، ولا يزال يكلف نفسه على ذلك ~~حتى يعتاد القيام على الوسط. وربما كان للاشتغال بالتعليمات نفع في ذلك. # (وثانيهما): # الجهل البسيط وقد عرفت أنه من باب التفريط، وهو خلو النفس عن العلم من ~~دون اعتقاد بكونها عالمة. وهو في البداية غير مذموم لتوقف التعلم عليه، إذ ~~ما لم تعتقد النفس جهلها بالمعارف لم تنتهض لتحصيلها. وأما الثبات عليه فهو ~~من المهلكات العظيمة. والطريق في إزالته أمور: (الأول) أن يتذكر ما يدل على ~~قبحه ونقصه عقلا، وهو أن يعلم أن الجاهل ليس إنسانا بالحقيقة، وإنما يطلق ~~عليه الإنسان مجازا، إذ فضل الإنسان عن سائر الحيوانات إنما هو إدراك الكلي ~~المعبر عنه بالعلم، لمشاركتها معه في سائر الأمور من الجسمية والقوى ~~الغضبية والشهوية والصوت وغير ذلك، فلولا علمه بحقائق الأشياء وخواصها لكان ~~حيوانا بالحقيقة، ولذا ترى أن من كان في محل محاورات العلماء وكان جاهلا ~~بأقوالهم لم يكن فرق بينه وبين البهائم بالنسبة إليهم. وأي هلاك أعظم من ~~الخروج عن حدود الإنسانية والدخول في حد البهيمية. (الثاني) أن يتذكر ما ~~ورد في الشريعة من الذم عليه مثل قوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: " ستة ~~يدخلون في النار # PageV01P109 # قبل الحساب لستة " وعد منهم أهل الرساتيق بالجهالة. (الثالث) أن يتذكر ما ~~يدل على فضيلة العلم عقلا ونقلا كما نذكره. وإذا وقف على جميع ذلك فليتيقظ ~~عن سنة الغفلة، ويصرف في إزالته الهمة، ويجتهد في تحصيل العلم عن أهاليه، ~~ويصرف فيه أيامه ولياليه. # فصل شرف العلم والحكمة قد علم أن ضد الجنسين - أي الجربزة والسفسطة ~~والجهل - هو الحكمة، أعني العلم بحقائق الأشياء. فلنذكر أولا بعض ما يدل ~~على شرافته عقلا ونقلا، ترغيبا للطالبين ms070 على السعي في تحصيله وإزالة الجهل ~~عن نفوسهم، فنقول: # لا ريب في أن العلم أفضل الفضائل الكمالية وأشرف النعوت الجمالية، بل هو ~~أجل الصفات الربوبية وأجمل السمات الألوهية، وهو الموصل إلى جوار رب ~~العالمين والدخول في أفق الملائكة المقربين، وهو المؤدي إلى دار المقامة ~~التي لا تزول ومحل الكرامة التي لا تحول، وقد تطابق العقل والبرهان وإجماع ~~أرباب الأديان على: أن السعادة الأبدية والقرب من الله سبحانه لا يتيسران ~~بدونه، وأي شئ أفضل مما هو ذريعة إليهما. وأيضا قد ثبت في الحكمة ~~المتعالية: إن العلم والتجرد متلازمان، فكلما تزداد النفس علما تزداد ~~تجردا، ولا ريب في أن التجرد أشرف الكمالات المتصورة للانسان، إذ به يحصل ~~التشبه بالملأ الأعلى وأهل القرب من الله تعالى. # ومن جملة العلوم معرفة الله التي هي السبب الكلي لإيجاد العلم العلوي ~~والسفلى، كما دل عليه الخبر القدسي: " كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت ~~الخلق ". على أن العلم لذيذ في نفسه محبوب في ذاته، وما يحصل منه من اللذة ~~والابتهاج فلما يحصل من غيره. والسر فيه أن إدراك الأشياء والإحاطة بها نوع ~~تملك وتصرف لها، إذ تتقرر في ذات المدرك حقائقها وصورها، ومثل هذا التملك ~~لدوامه وجزئية المدرك للمدرك أقوى من ملكية الأعيان المبائنة لذات المالك ~~الزائلة عنه. والتحقيق: أن إطلاق الملكية عليه مجازي، والنفس لكونها من سنخ ~~عالم الربوبية تحب القهر والاستيلاء على PageV01P110 # الأشياء والمالكية لها بأي نحو كان، إذ معنى الربوبية التوحيد بالكمال ~~والاقتدار والغلبة على الأشياء. # ثم من فوائد العلم في الدنيا العز والاعتبار عند الأخيار والأشرار، ونفوذ ~~الحكم على الملوك وأرباب الاقتدار، فإن طباع الأنام من الخاص والعام مجبولة ~~على تعظيم أهل العم وتوقيرهم ووجوب إطاعتهم واحترامهم، بل جميع الحيوانات ~~من البهائم والسباع مطيعة للانسان مسخرة له، لاختصاصه بقوة الإدراك ومزيد ~~التمييز. ولو تصفحت آحاد الناس لم تجد أحدا له تفوق وزيادة على غيره في جاه ~~أو مال أو غير ذلك إلا وهو راجع إلى اختصاصه بمزيد تمييز وإدراك، ولو كان ~~من ms071 باب المكر والحيل. # هذا وما يدل على شرافة العلم من الآيات والأخبار أكثر من أن تحصى. # نبذة منها قوله تعالى: # " إنما يخشى الله من عباده العلماء " (5). # وقوله تعالى: # " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " (6). # وقوله تعالى: # " ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا " (7). # وقوله تعالى: # " وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون " (8). # وقول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: " اللهم ارحم خلفائي. # قيل: يا رسول الله: من خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي ويروون حديثي ~~وسنتي ". وقوله - صلى الله عليه وآله وسلم - لأبي ذر: " جلوس ساعة عند ~~مذاكرة العلم أحب إلى الله تعالى من قيام ألف ليلة يصلى في كل ليلة ألف ~~ركعة وأحب إليه من ألف غزوة، ومن قراءة القرآن كله اثنى عشر # PageV01P111 # ألف مرة، وخير من عبادة سنة صام نهارها وقام ليلها، ومن خرج من بيته ~~ليلتمس باب من العلم كتب الله عز وجل له بكل قدم ثواب نبي من الأنبياء، ~~وثواب ألف شهيد من شهداء بدر، وأعطاه الله بكل حرف يسمع أو يكتب مدينة في ~~الجنة، وطالب العلم يحبه الله وتحبه الملائكة والنبيون، ولا يحب العلم إلا ~~السعيد، وطوبى لطالب العلم، والنظر في وجه العالم خير من عتق ألف رقبة، ومن ~~أحب العلم وجبت له الجنة، ويصبح ويمسي في رضى الله، ولا يخرج من الدنيا حتى ~~يشرب من الكوثر ويأكل من ثمرة الجنة، ولا يأكل الدود جسده، ويكون في الجنة ~~رفيق خضر (ع) ". # وقول أمير المؤمنين: " إن كمال الدين طلب العلم والعمل به، وإن طلب العلم ~~أوجب عليكم من طلب المال، وإن المال مقسوم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم، ~~وقد ضمنه وسيفي لكم، والعلم مخزون عند أهله فاطلبوه ". وقوله (ع): " إذا ~~مات مؤمن وترك ورقة واحدة عليها علم، تكون تلك الورقة سترا بينه وبين ~~النار، وأعطاه الله بكل حرف عليها مدينة أوسع من الدنيا سبع مرات ". # وقول سيد الساجدين علي بن الحسين - عليهما السلام -: " لو يعلم الناس ما ~~في طلب العلم لطلبوه، ولو بسفك ms072 المهج وخوض اللجج ". # وقول الباقر (ع): " عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد ". وقول ~~الصادق " لو يعلم الناس ما في فضل معرفة الله تعالى ما مدوا أعينهم إلى ما ~~متع به الأعداء من زهرة الحياة الدنيا ونعيمها، وكانت دنياهم أقل عندهم مما ~~يطؤن بأرجلهم، ولتنعموا بمعرفة الله وتلذذوا بها تلذذ من لم يزل في روضات ~~الجنان مع أولياء الله. إن معرفة الله تعالى أنس من كل وحشة، وصاحب من كل ~~وحدة، ونور من كل ظلمة، وقوة من كل ضعف، وشفاء من كل سقم، قد كان قوم قبلكم ~~قوم يقتلون ويحرقون وينشرون وتضيق عليهم الأرض برحبها، فما يردهم عماهم ~~عليه شئ مما هو فيه من غير ترة وتروا من فعل ذلك بهم ولا أذى بما نقموا ~~منهم: # " إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد " (9). # PageV01P112 # فاسألوا ربكم درجاتهم، واصبروا على نوائب دهركم تدركوا سعيهم ". # وعن الرضا (ع) عن آبائه - عليهم السلام - عن النبي - صلى الله عليه وآله ~~وسلم - أنه قال: " طلب العلم فريضة على كل مسلم، فاطلبوا العلم في مظانه، ~~واقتبسوه من أهله، فإن تعلمه لله تعالى حسنة، وطلبه عبادة، - والمذاكرة به ~~تسبيح، والعمل به جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة إلى ~~الله، لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبيل الجنة، والمؤنس في الوحشة، ~~والصاحب في الغربة والوحدة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء ~~والضراء، والسلاح على الأعداء. والزبن عند الأخلاء، يرفع الله به أقواما، ~~ويجعلهم في الخير قادة، تقتبس آثارهم، ويقتدى بأفعالهم، وينتهى إلى آرائهم، ~~ترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم وفي صلاتها تبارك عليهم، ويستغفر ~~لهم كل رطب ويابس حتى حيتان البحر وهوامه وسباع البر وأنعامه. إن العلم ~~حياة القلوب من الجهل، وضياء الأبصار من الظلمة، وقوة الأبدان من الضعف، ~~يبلغ بالعبد منازل الأخيار ومجالس الأبرار والدرجات العلى في الآخرة ~~والأولى. الذكر فيه يعدل بالصيام ومدارسته بالقيام. وبه يطاع الرب ويعبد، ~~وبه توصل الأرحام، ويعرف الحلال والحرام. العلم إمام والعمل تابعه، يلهمه ~~السعداء ويحرمه الأشقياء، فطوبى لمن لم ms073 يحرمه الله من حظه ". # آداب التعلم والتعليم (تنبيه) لكل من التعلم والتعليم آداب وشروط: # (أما آداب التعلم): # (فمنها) أن يجتنب المتعلم عن اتباع الشهوات والهوى والاختلاط بأبناء ~~الدنيا. ولقد قال بعض الأكابر: " كما أن الحاسة الجليدية إذا كانت مؤوفة ~~برمد ونحوه فهي محرومة من الأشعة الفائضة عن الشمس، كذلك البصيرة إذا كانت ~~مؤوفة بمتابعة الشهوات والهوى والمخالطة بأبناء الدنيا فهي محرومة من إدراك ~~الأنوار القدسية ومحجوبة عن ذوق اللذات الإنسية ". # (ومنها) أن يكون تعلمه لمجرد التقرب إلى الله والفوز بالسعادات ~~PageV01P113 # الأخروية، ولم يكن باعثه شيئا من المراء والمجادلة، والمباهاة والمفاخرة، ~~والوصول إلى جاه ومال، أو التفوق على الأقران والأمثال. قال الباقر عليه ~~السلام: " من طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به ~~وجوه الناس فليتبوأ مقعده من النار، إن الرئاسة لا تصلح إلا لأهلها ". وقال ~~الصادق (ع): " طلبة العلم ثلاثة، فأعرفهم بأعيانهم وصفاتهم: صنف يطلبه ~~للجهل (10) والمراء، وصنف يطلبه للاستطالة والختل، وصنف يطلبه للفقه ~~والعقل. فصاحب الجهل والمراء مؤذ ممار، متعرض للمقال في أندية الرجال ~~بتذاكر العلم وصفة الحلم، وقد تسر بل بالخشوع وتخلى من الورع، فدق الله من ~~هذا خيشومه وقطع منه حيزومه. وصاحب الاستطالة والختل ذو خب وملق، يستطيل ~~على مثله من أشباهه، ويتواضع للأغنياء من دونه، فهو لحلوانهم (11) هاضم ~~ولدينه حاطم، فأعمى الله على هذا خبره وقطع من آثار العلماء أثره. وصاحب ~~الفقه والعقل ذو كآبة وحزن وسهر، قد تحنك في برنسه وقام الليل في حندسه، ~~يعمل ويخشى وجلا داعيا مشفقا مقيلا على شأنه عارفا بأهل زمانه مستوحشا من ~~أوثق أخوانه، فشد الله من هذا أركانه وأعطاه يوم القيامة أمانه ". # (ومنها) أن يعمل بما يفهم ويعلم، فإن من عمل بما يعلم ورثه الله ما لم ~~يعلم. وقال الصادق (ع): " العلم مقرون إلى العمل، من علم عمل، ومن عمل علم، ~~والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل عنه ". وعن السجاد (ع): " مكتوب ~~في الإنجيل: لا تطلبوا علم ما لا تعملون ولما تعملوا بما علمتم، ms074 فإن العلم ~~إذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه إلا كفرا ولم يزدده من الله إلا بعدا ". وعن ~~النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: " من أخذ العلم من أهله وعمل بعلمه ~~نجا، ومن أراد به الدنيا فهي حظه ". وعنه # PageV01P114 # - صلى الله عليه وآله وسلم: " العلماء رجلان: رجل عالم أخذ بعلمه فهذا ~~تاج، وعالم تارك لعلمه فهذا هالك، وأن أهل النار ليتأذون من ريح العالم ~~التارك لعلمه، وإن أشد أهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبدا إلى الله ~~فاستجاب له وقبل منه، فأطاع الله فأدخله الجنة، وأدخل الداعي النار بترك ~~عمله (17) واتباعه الهوى وطول الأمل، أما اتباع الهوى فيصد عن الحق وطول ~~الأمل ينسي الآخرة ". # (ومنها) أن يحافظ شرائط الخضوع والأدب للمعلم، ولا يرد عليه شيئا ~~بالمواجهة، ويكون محبا له يقلبه، ولا ينسى حقوقه، لأنه والده المعنوي ~~الروحاني، وهو أعظم الآباء الثلاثة. قال الصادق (ع): " أطلبوا العلم ~~وتزينوا معه بالحلم والوقار، وتواضعوا لمن تعلمونه العلم، وتواضعوا لمن ~~طلبتم منه العلم، ولا تكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم بحقكم ". # هذا وقد أشرنا سابقا إلى أن اللازم لكل متعلم أن يطهر نفسه أولا من رذائل ~~الأخلاق وذمائم الأوصاف بأسرها، إذ ما لم يجرد لوح نفسه عن النقوش الردية ~~لم تشرق عليه لمعات أنوار العلم والحكمة من ألواح العقول الفعالة القدسية. # (فمنها) أن يخلص المعلم تعليمه لله سبحانه ولم يكن له فيه باعث دنيوي من ~~طمع مالي أو جاه ورئاسة أو شهرة بين الناس، بل يكون الباعث مجرد التقرب إلى ~~الله تعالى والوصول إلى المثوبات الأبدية، فإن من علم غيره علما كان شريكا ~~في ثواب تعليم هذا الغير لآخر، وفي ثواب تعليم هذا الآخر لغيره... وهكذا ~~إلى غير النهاية، فيصل بتعليم واحد إلى مثوبات التعاليم الغير المتناهية، ~~وكفى بهذا له فضلا وشرفا. # (ومنها) أن يكون مشفقا على المتعلم ناصحا له، مقتصرا في الإفادة على قدر ~~فهمه، متكلما معه باللين والهشاشة لا بالغلظة والفظاظة. # (ومنها) أن لا يضمن العلم من أهله ويمنعه عن غير أهله، لأن ms075 بذل # PageV01P115 # الحكمة للجهال ظلم عليها، ومنعها عن أهلها ظلم عليهم، كما ورد في الخبر ~~(13). # (ومنها) أن يقول ما يعلم ويسكت عما لا يعلم حتى يرجع إليه ويعلمه، ولا ~~يخبر المتعلمين ببيان خلاف الواقع. وهذا الشرط لا يختص بالمعلمين، بل يعم ~~كل من تصدر عنه المسائل العلمية كالمفتي والقاضي وأمثالهما. وقال الباقر ~~(ع): " حق الله على العباد أن يقولوا ما يعلمون ويقفوا عنه ما لا يعلمون " ~~(14) وقال الصادق (ع): " إن الله تعالى خص عباده بآيتين من كتابه: ألا ~~يقولوا حتى يعلموا ولا يردوا ما لم يعلموا، فقال: # " ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق " (15). # وقال: " بل كذبوا بما لم يحيطوا يعلمه ولما يأتهم تأويله " (16). # وعنه (ع): " إذا سئل الرجل منكم عما لا يعلم، فليقل: لا أدري، ولا يقل: ~~الله أعلم، فيوقع في قلب صاحبه شكا. وإذا قال المسؤول: لا أدري، فلا يتهمه ~~السائل " وعنه (ع): " إياك وخصلتين ففيهما هلك من هلك. إياك أن تفتى الناس ~~برأيك، أو تدين بما لا تعلم ". وعن الباقر (ع): # " من أفتى الناس بغير علم ولا هدى لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ~~ولحقه وزر من عمل بفتياه ". # وربما كان لكل من المتعلم والمعلم آداب أخر تظهر لمن وقف على فن الأخلاق. ~~ثم العارف بأهل زماننا يعلم أن آداب التعلم والتعليم كسائر الآداب والفضائل ~~فيهم مهجورة، والأمر في مثل الزمان كما قال في وصفه بعض أهل العرفان: " قد ~~فسد الزمان وأهله، وتصدى للتدريس من قل علمه وكثر جهله، فانحطت مرتبة العلم ~~وأصحابه، واندرست مراسمه بين طلابه ". # PageV01P116 # تتميم العلم الإلهي وعلم الأخلاق والفقه أشرف العلوم العلم كله وإن كان ~~كمالا للنفس وسعادة، إلا أن فنونه متفاوتة في الشرافة والجمال ووجوب ~~التحصيل وعدمه، فإن بعضها كالطب والهندسة والعروض والموسيقى وأمثالها، مما ~~ترجع جل فائدته إلى الدنيا ولا يحصل بها مزيد بهجة وسعادة في العقبى، ولذا ~~عدت من علوم الدنيا دون الآخرة، ولا يجب تحصيلها، وربما وجب تحصيل بعضها ~~كفاية. # وما هو علم الآخرة الواجب تحصيله، ms076 وأشرف العلوم وأحسنها هو العلم الإلهي ~~المعرف لأصول الدين، وعلم الأخلاق المعرف لمنجيات النفس ومهلكاتها، وعلم ~~الفقه المعرف لكيفية العبادات والمعاملات، والعلوم التي مقدمات لهذه ~~الثلاثة كالعربية والمنطق وغيرهما يتصف بالحسن ووجوب التحصيل من باب ~~المقدمة. وهذه العلوم الثلاثة وإن وجب أخذها إجمالا إلا أنها في كيفية ~~الأخذ مختلفة: فعلم الأخلاق يجب أخذه عينا على كل أحد على ما بينته الشريعة ~~وأوضحه علماء الأخلاق، وعلم الفقه يجب أخذ بعضه عينا إما بالدليل أو ~~التقليد من مجتهد حي، والتارك للطريقين غير معذور، ولذا ورد الحث الأكيد عن ~~التفقه في الدين قال الصادق (ع): " عليكم بالتفقه في دين الله ولا تكونوا ~~أعرابا، فإنه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر إليه يوم القيامة ولم يزك له ~~عملا "، وقال: " ليت السياط على رؤس أصحابي حتى يتفقهوا في الحلال والحرام ~~"، وقال (ع): " إن آية الكذاب أن يخبرك خبر السماء والأرض والمشرق والمغرب، ~~فإذا سألته عن حرام الله وحلاله لم يكن عنده شئ ". # وأما أصول العقائد فيجب أخذها عينا من الشرع والعقل، وهما متلازمان لا ~~يتخلف مقتضى أحدهما عن مقتضى الآخر، إذ العقل هو حجة الله الواجب امتثاله ~~والحاكم العدل الذي تطابق أحكامه الواقع ونفس الأمر، فلا يرد حكمه، ولولاه ~~لما عرف الشرع، ولذا ورد: " إنه ما أدى العبد فرائض الله حتى عقل عنه، ولا ~~بلغ جميع العابدين في فضل عبادتهم ما بلغ العاقل " (17). # PageV01P117 # فهما متعاضدان ومتظاهران، وما يحكم به أحدهما يحكم به الآخر أيضا، وكيف ~~يكون مقتضى الشرع مخالفا لمقتضى ما هو حجة قاطعة وأحكامه للواقع مطابقة، ~~فالعقل هو الشرع الباطن والنور الداخل، والشرع هو العقل الظاهر والنور ~~الخارج. وما يتراءى في بعض المواضع من التخالف بينها إنما هو لقصور العقل ~~أو لعدم ثبوت ما ينسب إلى الشرع منه، فإن كل عقل ليس تاما، وكلما ينسب إلى ~~الشرع ليس ثابتا منه، فالمناط هو العقل الصحيح وما ثبت قطعا من الشريعة، ~~وأصح العقول وأقواها وأمتنها وأصفاها هو عقل صاحب الوحي. ولذا يدرك بنوريته ~~ما ms077 لا سبيل لأمثال عقولنا إلى دركه، كتفاصيل أحوال نشأة الآخرة، فاللازم في ~~مثله أن نأخذه منه إذعانا وإن لم نعرف مأخذه العقلي. # أصول العقائد المجمع عليها ثم ما أجمعت الأمة المختارة عليه من أصول ~~العقائد هو: أن الواجب سبحانه موجود، وإنه واحد في الألوهية، وبسيط عن ~~شوائب التركيب، ومنزه عن الجسمية وعوارضها، وإن وجوده وصفاته عين ذاته، ~~وإنه متقدم على الزمان والمكان ومتعال عنهما، وإنه حي قديم أزلي قادر مريد ~~عالم بجميع الأشياء، وعلمه بها بعد إيجادها كعلمه بها قبله، ولا يزداد ~~بإحداثها علما، وإن قدرته عامة بالنسبة إلى جميع الممكنات، وإنه يخلق ما ~~يشاء ويفعل ما يريد، ولا يكون شئ إلا بمشيئته، وإنه عدل في حكمه صادق في ~~وعده. # وبالجملة مستجمع لجميع الصفات الكمالية، وليس كمثله شئ، ولا يتصور عقل ~~ولا وهم مثله، بل هو تام فوق التمام. # وإن القرآن كلامه، ومحمد - صلى الله عليه وآله وسلم - رسوله، ما أتى به ~~من أمور النشأة الآخرة من الجنة والنار والحساب والثواب والعقاب والصراط ~~والميزان والشفاعة وغير ذلك مما ثبت في شريعته المقدسة حق ثابت، فيجب على ~~كل مؤمن أن يأخذ بجميع ذلك ويتشبث به ويجرد باطنه له، بحيث لو أورد عليه ما ~~ينقضه لم يقبله ولم يعرضه شك وريب. # PageV01P118 # ثم إن المكلفين مختلفون في كيفية التصديق والاذعان بالعقائد المذكورة، ~~فبعضهم فيها على يقين مثل ضوء الشمس، بحيث لو كشف عنهم الغطاء ما ازدادوا ~~يقينا (18)، وبعضهم على يقين دون ذلك، وأقل هؤلاء رتبة أن تصل مرتبة يقينهم ~~إلى طمأنينة لا اضطراب فيها، وبعضهم على مجرد تصديق ظني يتزلزل من الشبهات ~~وإلقاء النقيض، وإلى هذا الاختلاف أشار الإمام محمد بن علي الباقر - عليهما ~~السلام - بقوله: " إن المؤمنين على منازل: منهم على واحدة، ومنهم على ~~اثنتين، ومنهم على ثلاث، ومنهم على أربع، ومنهم على خمس، ومنهم على ست، ~~ومنهم على سبع، فلو ذهبت تحمل على صاحب الواحدة ثنتين لم يقو، وعلى صاحب ~~الثنتين ثلاثا لم يقو.. إلى آخره " (19). والإمام أبو عبد الله الصادق ms078 عليه ~~السلام بقوله: " إن للإيمان حالات ودرجات وطبقات ومنازل، فمنه التام ~~المنتهي تمامه، ومنه الناقص البين نقصانه، ومنه الراجح الزائد رجحانه ". # ولا ريب في أن تحصيل ما يطمئن به القلب في العقائد الواجبة أخذها مما لا ~~بد منه لكل مكلف، ومجرد التصديق من غير اطمئنان القلب غير كاف للنجاة في ~~الأخرى والوصول إلى مراتب المؤمنين. ومع حصول الاطمئنان تحصل النجاة والفوز ~~بالفلاح، وإن لم يكن حصوله من تفاصيل البراهين الحكمية والدلائل الكلامية، ~~بل كان حاصلا من دليل إجمالي برهاني أو اقناعي، إذ الشرع الشريف لم يكلف ~~بأكثر من التصديق والجزم بظاهر العقائد المذكورة، ولم يكلف البحث والتفتيش ~~عن كيفياتها وحقائقها وعن تكلف ترتيب الأدلة في نظمها، فلو حصل لأحد ~~طمأنينة في اتصاف الواجب بجميع الصفات الكمالية وبراءته عن الصفات السلبية، ~~بمجرد أن عدم الاتصاف بالأولى والاتصاف بالثانية نقص لا يليق بذاته الأقدس، ~~كان كافيا في النجاة والدخول في زمرة المؤمنين. وكذا إذا حصل له ذلك بمجرد ~~أن هذا مما # PageV01P119 # اتفق عليه فرق الأنبياء وأساطين الحكماء والعلماء، وقوة عقولهم ودقة ~~أفهامهم تأبى عن اتفاقهم على محض الخطأ. وقس على ذلك غيره مما يفيد ~~الاطمئنان كائنا ما كان. # قال العلامة (الطوسي) - ره - في بعض تصانيفه: " أقل ما يجب اعتقاده على ~~المكلف هو ما ترجمة قول لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم إذا صدق الرسول ~~ينبغي أن يصدقه في صفات الله واليوم الآخر وتعيين الإمام المعصوم، كل ذلك ~~مما يشتمل عليه القرآن من غير مزيد برهان: أما في صفات الله فبأنه حي عالم ~~قادر مريد متكلم ليس كمثله شئ وهو السميع البصير، وأما في الآخرة فبالإيمان ~~بالجنة والنار والصراط والميزان والحساب والشفاعة وغيرها ولا يجب عليه أن ~~يبحث عن حقيقة الصفات، وإن الكلام والعلم وغيرهما حادث أو قديم، بل لو لم ~~تخطر هذه بباله ومات مات مؤمنا، فإن غلب على قلبه شك أو إشكال، فإن أمكن ~~إزالته بكلام قريب من الأفهام وإن لم يكن قويا عند المتكلمين ولا مرضيا ~~فذلك كاف، ms079 ولا حاجة إلى تحقيق الدليل، فإن الدليل لا يتم إلا بذكر الشبهة ~~والجواب، ومهما ذكرت الشبهة لا يؤمن أن تتشبث بالخاطر والقلب فيظنها حقة ~~لقصوره عن إدراك جوابها، إذ الشبهة قد تكون جلية والجواب دقيقا لا يحتمله ~~عقله، ولذا ورد الزجر عن البحث والتفتيش في الكلام، وإنما زجر ضعفاء ~~العوام، وأما أئمة الدين فلهم الخوض في غمرة الإشكالات. ومنع العوام عن ~~الكلام يجري مجرى منع الصبيان عن شاطئ دجلة خوفا من الغرق، ورخصة الأقوياء ~~فيه أيضا هي رخصة الماهر في صنعة السباحة، إلا أن ههنا موضع غرور ومزلة ~~قدم، وهو إن كل ضعيف في عقله يظن أنه يقدر على إدراك الحقائق كلها، وإنه من ~~جملة الأقوياء فربما يخوضون ويغرقون في بحر الجهالات منم حيث لا يشعرون، ~~فالصواب منع الخلق كلهم - إلا الشاذ النادر الذي لا تسمح الأعصار إلا بواحد ~~منهم أو اثنين - من تجاوز سلوك أهل العلم في الإيمان المرسل والتصديق ~~المجمل بكل ما أنزل الله وأخبر به رسول الله (ص) فمن اشتغل بالخوض فيه فقد ~~أوقع نفسه في شغل شاغل، إذ قال رسول الله (ص) حين رأى أصحابه يخوضون، بعد ~~أن غضب حتى احمرت وجنتاه: أفبهذا أمرتم؟ تضربون PageV01P120 # كتاب الله بعضه ببعض! انظروا فيما أمركم الله فافعلوا وما نهاكم عنه ~~فانتهوا " فهذا تنبيه على منهج الحق. # ثم لا ريب في أن نورانية اليقين ووضوحه، بل واطمئنان القلب وسكونه لا ~~يحصل من مجرد صنعة الجدل والكلام، كما لا يحصل من محض التلقين وتقليد ~~العوام. بل (الأول) - أعني الاستضاءة بنور اليقين - يتوقف على ملازمة الورع ~~والتقوى، وفطام النفس عن الهوى، وإزالة كدرتها وصدأها: # " وقد أفلح من زكاها " (20). # وتطهيرها عن ذمائم الصفات والاشتغال بمشاق الرياضة والمجاهدات، حتى يقذف ~~في قلبه نورا إلهي تنكشف به الحجب والأستار عن حقائق هذه العقائد، وهو غاية ~~مقصد الطالبين وقرة عيون الصديقين والمقربين، وله درجات ومراتب، والناس فيه ~~مختلفون بحسب اختلافهم في القوة والاستعداد والسعي والاجتهاد، كما هم ~~مختلفون في إدراك أنواع العلوم والصنائع " وكل ميسر لما ms080 خلق له " (21). # وأما (الثاني) - أعني مجرد الاعتقاد الجازم الراسخ بظواهر تلك العقائد - ~~فيمكن أن يحصل بما دون ذلك، بأن يشتغل - بعد تلقين هذه العقائد والتصديق ~~بها - بوظائف الطاعات، ويصرف برهة من وقته في شرائف العبادات، ويواظب على ~~تفسير القرآن وتلاوته، ودرس الحديث ودرايته، ويحترز عن مخالطة أولي المذاهب ~~الفاسدة وذوي الآراء الباطلة، بل يجتنب كل الاجتناب عن مرافقة أرباب الهوى ~~وأصحاب الشر والشقاء، ويختار مصاحبة أهل الورع واليقين، ومجالسة الأتقياء ~~والصالحين، ويلاحظ سيماهم وسيرتهم وهيئاتهم في الخضوع لله والاستكانة، ~~فيكون التلقين كإلقاء البذر في الصدر، وهذه الأمور كالسقي والتربية له، ~~فينمو ذلك البذر بها ويتقوى ويزداد رسوخا، حتى يرتفع شجرة طيبة راسخة أصلها ~~ثابت وفرعها في السماء. # ثم من وصل إلى مقام العقيدة الجازمة إن اشتغل بالشواغل الدنيوية ولم ~~يشتغل بالرياضة والمجاهدة لم ينكشف له غيره ولكنه إذا مات مات مؤمنا على ~~الحق # PageV01P121 # وسلم في الآخرة، وإن اشتغل بتصقيل النفس وارتياضها الشرح صدره وانفتح له ~~باب الإفاضة، ووصل إلى المرتبة الأولى. # أنواع الرذائل المتعلقة بالعاقلة أما الأنواع المتعلقة بالعاقلة فمنها: # الجهل المركب: # وهو خلو النفس عن العلم وإذعانها بما هو خلاف الواقع، مع اعتقاد كونها ~~عالمة بما هو الحق، فصاحبه لا يعلم، ولا يعلم أنه لا يعلم، ولذا سمي مركبا. ~~وهو أشد الرذائل وأصعبها، وإزالته في غاية الصعوبة، كما هو ظاهر من حال بعض ~~الطلبة. وقد اعترف أطباء النفوس بالعجز عن معالجته كما اعترف أطباء الأبدان ~~بالعجز عن معالجة بعض الأمراض المزمنة، ولذا قال عيسى عليه السلام: " إني ~~لا أعجز عن معالجة الأكمه والأبرص وأعجز عن معالجة الأحمق ". والسر فيه: ~~أنه مع قصور النفس بهذا الاعتقاد الفاسد لا يتنبه على نقصانها، فلا يتحرك ~~للطلب، فيبقى في الضلالة والردى ما دام باقيا في دار الدنيا. ثم المنشأ له ~~إن كان اعوجاج السليقة فأنفع العلاج له تحريض صاحبه على تعلم العلوم ~~الرياضية من الهندسة والحساب، فإنها موجبة لاستقامة الذهن لألفه لأجلها ~~باليقينيات فيتنبه على خلل اعتقادها، فيصير جهلها بسيطا، فينتهض للطلب. وإن ms081 ~~كان خطأ في الاستدلال، فليوازن استدلاله لاستدلالات أهل التحقيق والمشهورين ~~باستقامة القريحة، ويعرض أدلة المطلوب على القواعد الميزانية باحتياط تام ~~واستقصاء بليغ، حتى يظهر خطأه. # وإن كان وجود مانع من عصبية أو تقليد أو غير ذلك فليجتهد في إزالته. # ومنها الشك والحيرة: # وهو من باب رداءة الكيفية وهو عجز النفس عن تحقيق الحق وإبطال الباطل في ~~المثالب الخفية، والغالب حصوله من تعارض الأدلة، ولا ريب أنه مما يهلك ~~النفس ويفسدها، إذ الشك ينافي اليقين الذي لا يتحقق الإيمان بدونه. قال ~~أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه: " لا ترتابوا فتشكوا ولا تشكوا ~~فتكفروا " وكأن الارتياب في كلامه عليه السلام مبدأ الشك. PageV01P122 # وقال الباقر عليه السلام: " لا ينفع مع الشك والجحود عمل ". وقال الصادق ~~عليه السلام: " إن الشك والمعصية في النار ليس منا ولا إلينا ". # وسئل عليه السلام عن قول الله تعالى: # " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " (22). # قال: " بشك ". وقال - عليه السلام -: " من شك في الله تعالى بعد مولده ~~على الفطرة لم يفئ إلى خير أبدا ". وقال - عليه السلام -: # " من شك أو ظن فأقام على أحدهما أحبط الله عمله، إن حجة الله هي الحجة ~~الواضحة ". وقال عليه السلام: " من شك في الله تعالى وفي رسوله (ص) فهو ~~كافر ". وبمضمونه وردت أخبار أخر. وغير خفي أن المراد بالشك ما يضعف ~~الاعتقاد ويزيل اليقين لا مجرد الوسوسة وحديث النفس، لما يأتي أنه لا ينافي ~~الإيمان، بل الظاهر من بعض الأخبار أن إيجاب الشك للكفر إذا انجر إلى ~~الجحود، كما روي أن أبا بصير سأل الصادق عليه السلام ما تقول فيمن شك في ~~الله تعالى؟ قال: " كافر "، قال: فشك في رسول الله (ص)؟ قال " كافر "، ثم ~~التفت إلى زرارة فقال: " إنما يكفر إذا جحد ". # ثم علاجه أن يتذكر أولا قضية بديهية، هي: أن النقيضين لا يجتمعان ولا ~~يرتفعان، ومنه يعلم إجمالا إن أحد الشقوق العقلية المتصورة في المطلوب ثابت ~~في الواقع ونفس الأمر والبواقي باطلة، ثم يتصفح المقدمات المناسبة للمطلوب ~~ويعرضها على الأقيسة ms082 المنطقية باستقصاء بليغ واحتياط تام في كل طرف، حتى ~~يقف على موضع الخطأ ويجزم بحقية أحد الشقوق وبطلان الآخر. والغرض من وضع ~~المنطق (لا) سيما مباحث القيامات السوفسطائية المشتملة على المغالطات إزالة ~~هذا المرض. ولو كان ممن لا يقتدر على ذلك فالعلاج في حقه أن يواظب على ~~العبادة وقراءة القرآن، ويشتغل بمطالعة الأحاديث وسماعها من أهلها، ويجالس ~~الصلحاء والمتقين وأصحاب الورع وأهل اليقين، لتكتسب نفسه بذلك نورانية يدفع ~~بها ظلمة شكه. # PageV01P123 # وصل اليقين: # قد عرفت: إن ضد الجهل المركب والحيرة والشك هو (اليقين) وأول مراتبه ~~اعتقاد ثابت جازم مطابق للواقع غير زائل بشبهة وإن قويت، فالاعتقاد الذي لا ~~يطابق الواقع ليس يقينيا، وإن جزم به صاحبه واعتقد مطابقته للواقع، بل هو - ~~كما أشير إليه - جهل مركب ينشأ عن اعوجاج القريحة، أو خطأ في الاستدلال، أو ~~حصول مانع من إفاضة الحق كتقليد أو عصبية أو غير ذلك. فاليقين من حيث ~~اعتبار المطابقة للواقع فيه يكون ضدا للجهل المركب. ثم العلم إن لم يعتبر ~~فيه المطابقة للواقع ففرقه عن اليقين ظاهر، وإلا فيتساويان ويتشاركان في ~~المراتب المثبتة لليقين. # هذا ومتعلق اليقين إما أجزاء الإيمان ولوازمه، من وجود الواجب وصفاته ~~الكمالية وسائر المباحث الإلهية من النبوة وأحوال النشأة الآخرة، أو غيرها ~~من حقائق الأشياء التي لا يتم الإيمان بدونها. ولا ريب في أن مطلق اليقين ~~أقوى أسباب السعادة، الأخروية، لتوقف الإيمان عليه، بل هو أصله وركنه، ~~وغيره من المراتب فرعه وغصنه، والنجاة في الآخرة لا تحصل إلا به، والفاقد ~~له خارج عن زمرة المؤمنين داخل في حزب الكافرين. # وبالجملة: اليقين أشرف الفضائل الخلقية وأهمها، وأفضل الكمالات النفسية ~~وأعظمها، وهو الكبريت الأحمر الذي لا يظفر به إلا أوحدي من أعاظم العرفاء ~~أو ألمعي من أكابر الحكماء. ومن وصل إليه فاز بالرتبة القصوى والسعادة ~~العظمى. قال سيد الرسل (ص): " أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر، ومن أوتي ~~حظه منهما لم يبال ما فاته من صيام النهار وقيام الليل "، وقال (ص): " ~~اليقين الإيمان كله "، وقال (ص): ms083 " ما آدمي إلا وله ذنوب، ولكن من كانت ~~غريزته العقل وسجيته اليقين لم تضره الذنوب، لأنه كلما أذنب ذنبا تاب ~~واستغفر وندم فتكفر ذنوبه ويبقى له فضل يدخل به الجنة ". # وقال الصادق عليه السلام: " إن العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند ~~الله تعالى من العمل الكثير على غير يقين "، وعنه عليه السلام: " إن الله ~~PageV01P124 # تعالى بعدله وقسطه جعل الروح والراحة في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن ~~في الشك والسخط ". وفي وصية لقمان لابنه: " يا بني، لا يستطاع العمل إلا ~~باليقين، ولا يعمل المرء إلا بقدر يقينه، ولا يقصر عامل حتى ينقص يقينه " ~~علامات صاحب اليقين: # ثم لصاحب اليقين علامات: # (منها) ألا يلتفت في أموره إلى غير الله سبحانه، ولا يكون اتكاله في ~~مقاصده إلا عليه، ولا ثقته في مطالبه إلا به، فيتبرى عن كل حول وقوة سوى ~~حول الله وقوته، ولا يرى لنفسه ولا لأبناء جنسه قدرة على شئ ولا منشأية ~~لأثر. ويعلم أن ما يرد عليه منه تعالى وما قدر له وعليه من الخير والشر ~~سيساق إليه، فتستوي عنده حالة الوجود والعدم، والزيادة والنقصان، والمدح ~~والذم، والفقر والغنى، والصحة والمرض، والعز والذل، ولم يكن له خوف ورجاء ~~إلا منه تعالى. والسر فيه: " أنه يرى الأشياء كلها من عين واحدة هو مسبب ~~الأسباب، ولا يلتفت إلى الوسائط، بل يراها مسخرة تحت حكمه. قال الإمام أبو ~~عبد الله (ع): " من ضعف يقينه تعلق بالأسباب، ورخص لنفسه بذلك، واتبع ~~العادات وأقاويل الناس بغير حقيقة والسعي في أمور الدنيا وجمعها وإمساكها، ~~مقرا باللسان أنه لا مانع ولا معطي إلا الله، وإن العبد لا يصيب إلا ما رزق ~~وقسم له، والجهد لا يزيد في الرزق، وينكر ذلك بفعله وقلبه، قال الله ~~سبحانه: # " يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون " (23). # وقال - عليه السلام -: " ليس شئ إلا وله حد " قيل: فما حد التوكل؟ قال: " ~~اليقين "، قيل: فما حد اليقين؟ قال: " ألا تخاف مع الله شيئا ". وعنه - ~~عليه السلام -: " من صحة يقين المرء ms084 المسلم ألا يرضي # PageV01P125 # الناس بسخط الله ولا يلومهم على ما لم يؤته الله، فإن الرزق لا يسوقه حرص ~~حريص ولا ترده كراهية كاره، ولو أن أحدكم فر من رزقه كما يفر من الموت ~~لأدركه رزقه كما يدركه الموت ". # (ومنها) أن يكون في جميع الأحوال خاضعا لله سبحانه، خاشعا منه، قائما ~~بوظائف خدمته في السر والعلن، مواظبا على امتثال ما أعطته الشريعة من ~~الفرائض والسنن، متوجها بشراشره إليه، متخضعا متذللا بين يديه، معرضا عن ~~جميع ما عداه، مفرغا قلبه عما سواه، منصرفا بفكره إلى جناب قدسه، مستغرقا ~~في لجة حبه وأنسه. والسر أن صاحب اليقين عارف بالله وعظمته وقدرته، وبأن ~~الله تعالى مشاهد لأعماله وأفعاله، مطلع على خفايا ضميره وهواجس خاطره، ~~وأن: # " من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " (24). # فيكون دائما في مقام الشهود لديه والحضور بين يديه، فلا ينفك لحظة عن ~~الحياء والخجل والاشتغال بوظائف الأدب والخدمة، ويكون سعيه في تخلية باطنه ~~عن الرذائل وتحليته بالفضائل لعين الله الكالئة أشد من تزيين ظاهره لأبناء ~~نوعه. # وبالجملة: من يقينه بمشاهدته تعالى لأعماله الباطنة والظاهرة وبالجزاء ~~والحساب، يكون أبدا في مقام امتثال أوامره واجتناب نواهيه. # ومن يقينه بما فعل الله في حقه من أعطاء ضروب النعم والاحسان، يكون دائما ~~في مقام الانفعال والخجل والشكر لمنعمه الحقيقي. # ومن يقينه بما يعطيه المؤمنين في الدار الآخرة من البهجة والسرور، وما ~~أعده لخلص عبيده مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب أحد، يكون ~~دائما في مقام الطمع والرجاء. # ومن يقينه باستناد جميع الأمور إليه سبحانه، وبأن صدور ما يصدر في العالم ~~أنما يكون بالحكمة والمصلحة والعناية الأزلية الراجعة إلى نظام الخير، يكون ~~أبدا في مقام الصبر والتسليم والرضا بالقضاء من دون عروض تغير وتفاوت في ~~حاله. # PageV01P126 # ومن يقينه يكون الموت داهية من الدواهي العظمى وما بعده أشد وأدهى، يكون ~~أبدا محزونا مهموما. # ومن يقينه بخساسة الدنيا وفنائها، لا يركن إليها. قال الصادق (ع) في ~~الكنز الذي ms085 قال الله تعالى: # " وكان تحته كنز لهما " (25). # " بسم الله الرحمن الرحيم: عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن ~~أيقن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن أيقن بالدنيا وتقلبها بأهلها كيف يركن ~~إليها ". # ومن يقينه بعظمة الله الباهرة وقوته القاهرة، يكون دائما في مقام الهيبة ~~والدهشة. وقد ورد أن سيد الرسل - صلى الله عليه وآله وسلم - كان من شدة ~~خضوعه وخشوعه لله تعالى وخشيته منه تعالى بحيث إذا كان يمشي يظن أنه يسقط ~~على الأرض. # ومن يقينه بكمالاته الغير المتناهية وكونه فوق التمام، يكون دائما في ~~مقام الشوق والوله والحب. وحكايات أصحاب اليقين من الأنبياء والمرسلين ~~والأولياء والكاملين في الخوف والشوق وما يعتريهم من الاضطراب والتغير ~~والتلون وأمثال ذلك في الصلاة وغيرها مشهورة، وفي كتب التواريخ والسير ~~مسطورة، وكذا ما يأخذهم من الوله والاستغراق والابتهاج والانبساط بالله ~~سبحانه. وحكاية حصول تكرر الغشيات لمولانا أمير المؤمنين - عليه السلام في ~~أوقات الخلوات والمناجاة وغفلته عن نفسه في الصلوات مما تواتر عند الخاصة ~~والعامة، وكيف يتصور لصاحب اليقين الواقعي بالله وبعظمته وجلاله وباطلاعه ~~تعالى على دقائق أحواله، أن يعصيه في حضوره ولا يحصل له الانفعال والخشية ~~والدهشة وحضور القلب والتوجه التام إليه عند القيام لديه والمثول بين يديه، ~~مع أنا نرى أن الحاضر عند من له أدنى شوكة مجازية من الملوك والأمراء مع ~~رذالته وخساسته أولا وآخرا يحصل له من الانفعال والدهشة والتوجه إليه بحيث ~~يغفل عن ذاته. # PageV01P127 # (ومنها) أن يكون مستجاب الدعوات، بل له الكرامات وخرق العادات. والسر فيه ~~أن النفس كلما ازدادت يقينا ازدادت تجردا، فتحصل لها ملكة التصرف في موارد ~~الكائنات. قال الإمام أبو عبد الله الصادق - عليه السلام -: " اليقين يوصل ~~العبد إلى كل حال سني ومقام عجيب، كذلك أخبر رسول الله - صلى الله عليه ~~وآله - من عظم شأن اليقين حين ذكر عنده أن عيسى بن مريم - عليه السلام - ~~كان يمشي على الماء، فقال: لو زاد يقينه لمشي في الهوى ". فهذا الخبر دل ~~على أن الكرامات تزداد بازدياد اليقين، وأن الأنبياء ms086 مع جلالة محلهم من ~~الله متفاوتون في قوة اليقين وضعفه. # مراتب اليقين: # وقد ظهر مما ذكر: أن اليقين جامع جميع الفضائل ولا ينفك عن شئ منها، ثم ~~له مراتب: (أولها) علم اليقين، وهو اعتقاد ثابت جازم مطابق للواقع - كما مر ~~- وهو يحصل من الاستدلال باللوازم والملزومات، ومثاله اليقين بوجود النار ~~من مشاهدة الدخان. و (ثانيها) عين اليقين، وهو مشاهدة المطلوب ورؤيته بعين ~~البصيرة والباطن، وهو أقوى في الوضوح والجلاء من المشاهدة بالبصر، وإلى هذه ~~المرتبة أشار أمير المؤمنين (ع) بقوله: " لم أعبد ربا لم أره " بعد سؤال ~~ذعلب اليماني عنه - عليه السلام -: أرأيت ربك؟ وبقوله - عليه السلام -: " ~~رأى قلبي ربي ". # وهو إنما يحصل من الرياضة والتصفية وحصول التجرد التام للنفس، ومثاله ~~اليقين بوجود النار عند رؤيتها عيانا. و (ثالثها) حق اليقين، وهو أن تحصل ~~وحدة معنوية وربط حقيقي بين العاقل والمعقول، بحيث يرى العاقل ذاته رشحة من ~~المعقول ومرتبطا به غير منفك عنه، ويشاهد دائما ببصيرته الباطنة فيضان ~~الأنوار والآثار منه إليه، ومثاله اليقين بوجود النار بالدخول فيها من غير ~~احتراق. وهذا إنما يكون لكمل العارفين بالله المستغرقين في لجة حبه وأنسه، ~~المشاهدين ذواتهم بل سائر الموجودات من رشحات فيضه الأقدس، وهم الصديقون ~~الذين قصروا أبصارهم الباطنة على ملاحظة جماله ومشاهدة أنوار جلاله. وحصول ~~هذه المرتبة يتوقف على مجاهدات شاقة PageV01P128 # ورياضات قوية، وترك رسوم العادات وقطع أصول الشهوات، وقلع الخواطر ~~النفسانية وقمع الهواجس الشيطانية، والطهارة عن أدناس جيفة الطبيعة، ~~والتنزه عن زخارف الدنيا الدنية، وبدون ذلك لا يحصل هذا النوع من اليقين ~~والمشاهدة: # وكيف ترى ليلي بعين ترى بها * سواها وما طهرتها بالمدامع ثم فوق ذلك ~~مرتبة يثبتها بعض أهل السلوك ويعبرون عنه (بحقيقة حق اليقين) والفناء في ~~الله، وهو أن يرى العارف ذاته مضمحلا في أنوار الله محترقا من سبحات وجهه، ~~بحيث لا يرى استقلالا ولا تحصيلا أصلا، ومثاله اليقين بوجود النار بدخوله ~~فيها واحتراقه منها. # ثم لا ريب في أن اليقين الحقيقي النوراني المبري عن ظلمات الأوهام ~~والشكوك ms087 ولو كان من المرتبة الأولى لا يحصل من مجرد الفكر والاستدلال، بل ~~يتوقف حصوله على الرياضة والمجاهدة وتصقيل النفس وتصفيتها عن كدورات ذمائم ~~الأخلاق وصدأها، ليحصل لها التجرد التام فتحاذي شطر العقل الفعال، فتتضح ~~فيها جلية الحق الاتضاح. والسر أن النفس بمنزلة المرآة تنعكس إليها صور ~~الموجودات من العقل الفعال، ولا ريب في أن انعكاس الصور من ذوات الصور إلى ~~المرآة يتوقف على تمامية شكلها وصقالة جوهرها وحصول المقابلة وارتفاع ~~الحائل بينهما والظفر بالجهة التي فيها الصور المطلوبة، فيجب في انعكاس ~~حقائق الأشياء من العقل إلى النفس: # 1 - عدم نقصان جوهرها، فلا يكون كنفس الصبي التي لا تنجلي لها المعلومات ~~لنقصانها 2 - وصفاؤها عن كدورات ظلمة الطبيعة وأخباث المعاصي، ونقاؤها عن ~~رسوم العادات وخبائث الشهوات، وهو بمنزلة الصقالة عن الخبث والصدأ 3 - ~~وتوجهها التام وانصراف فكرها إلى المطلوب، فلا يكون مستوعب ألهم بالأمور ~~الدنيوية وأسباب المعيشة وغيرهما من الخواطر المشوشة لها. وهو بمنزلة ~~المحاذاة 4 - وتخليتها عن التعصب والتقليد. وهو بمثابة ارتفاع الحجب 5 - ~~واستحصال المطلوب من تأليف مقدمات مناسبة للمطلوب على الترتيب المخصوص ~~والشرائط المقررة، وهو بمنزلة العثور على الجهة التي فيها الصورة. ~~PageV01P129 # ولولا هذه الأسباب المانعة للنفوس عن إفاضة الحقائق اليقينية إليها، ~~لكانت عالمة بجميع الأشياء المرتسمة في العقول الفعالة، إذ كل نفس لكونها ~~أمرا ربانيا وجوهرا ملكوتيا فهي بحسب الفطرة صالحة لمعرفة الحقائق، ولذا ~~امتازت عن سائر المخلوقات من السماوات والأرض والجبال، وصارت قابلة لحمل ~~أمانة الله (26) التي هي المعرفة والتوحيد، فحرمان النفس عن معرفة أعيان ~~الموجودات إنما هو لأحد هذه الموانع، وقد أشار سيد الرسل - صلى الله عليه ~~وآله وسلم - إلى مانع التعصب والتقليد بقوله - صلى الله عليه وآله وسلم - " ~~كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه ويمجسانه (27) وينصرانه ~~"، وإلى مانع كدورات المعاصي وصدأها بقوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: " ~~لولا أن الشياطين يحرمون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات ~~والأرض ". فلو ارتفعت عن النفس حجب السيئات والتعصب وحاذت شطر الحق الأول ms088 ~~تجلت لها صورة عالم الملك والشهادة بأسره، إذ هو متناه يمكن لها الإحاطة ~~به، وصورة عالمي الملكوت والجبروت بقدر ما يتمكن منه بحسب مرتبته، لأنهما ~~الأسرار الغائبة عن مشاهدة الأبصار المختصة بإدراك البصائر، وهي غير ~~متناهية، وما يلوح منها للنفس متناه، وإن كانت في نفسها وبالإضافة إلى علم ~~الله سبحانه غير متناهية، ومجموع تلك العوالم يسمى ب‍ (العالم الربوبي)، إذ ~~كل ما في الوجود من البداية إلى النهاية منسوب إلى الله سبحانه، وليس في ~~الوجود سوى الله سبحانه وأفعاله وآثاره، فالعالم الربوبي والحضرة الربوبية ~~هو العالم المحيط بكل الموجودات، فعدم تناهيه # PageV01P130 # ظاهر بين، فلا يمكن للنفس أن تحيط بكله، بل يظهر لها منه بقدر قوتها ~~واستعدادها، ثم بقدر ما يحصل للنفس من التصفية والتزكية وما يتجلى لها من ~~الحقائق والأسرار، ومن معرفة عظمة الله ومعرفة صفات جلاله ونعوت جماله، ~~تحصل لها السعادة والبهجة واللذة والنعمة في نعيم الجنة، وتكون سعة مملكته ~~فيها بحسب سعة معرفته بالله وبعظمته وبصفاته وأفعاله، وكل منها لا نهاية ~~له. ولذا لا تستقر النفس في مقام من المعرفة. والبهجة والكمال والتفوق ~~والغلبة تكون غاية طلبتها، ولا تكون طالبة لما فوقها. # وما اعتقده جماعة من أن ما يحصل للنفس من المعارف الإلهية والفضائل ~~الخلقية هي الجنة بعينها فهو عندنا باطل، بل هي موجبة لاستحقاق الجنة التي ~~هي دار السرور والبهجة. # ومنها: # الشرك وهو أن يرى في الوجود مؤثرا غير الله سبحانه، فإن عبد هذا الغير - ~~سواء كان صنما أو كوكبا أو إنسانا أو شيطانا - كان شرك عبادة، وإن لم يعبده ~~ولكن لاعتقاده كونه منشأ أثر أطاعه فيما لا يرضي الله فهو شرك طاعة، والأول ~~يسمى بالشرك الجلي، والثاني يسمى بالشرك الخفي، وإليه الإشارة بقوله تعالى: # " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " (28). # وكون الشرك أعظم الكبائر الموبقة وموجبا لخلود النار مما لا ريب فيه وقد ~~أنعقد عليه إجماع الأمة، والآيات والأخبار الواردة به خارجة عن حد الاحصاء. # ثم للشرك مراتب تظهر في بحث ضده الذي هو التوحيد، ms089 والشرك وإن كان شعبة من ~~الجهل، كما أن التوحيد الذي هو ضده من أفراد اليقين والعلم، فذكرهما على ~~حدة لم يكن لازما هنا، إلا أنه لما كان المتعارف ذكر التوحيد في كتب ~~الأخلاق. فنحن أيضا ذكرنا له عنوانا على حدة تأسيا بها، وأشرنا إلى لمعة ~~يسيرة منه، إذ الاستقصاء فيه والخوض في غمراته مما ليس # PageV01P131 # في وسعنا ولا يليق هنا، فإن التوحيد هو البحر الخضم الذي لا ساحل له. # وصل التوحيد في الفعل ضد الشرك (التوحيد)، وهو إما توحيد في أصل الذات ~~بمعنى عدم تركيب خارجي وعقلي في ذاته تعالى وعينية وجوده وصفاته لذاته، ~~ويلزمه كونه تعالى صرف الوجود وبحته، أو توحيد في وجوب وجوده بمعنى نفي ~~الشرك في وجوب الوجود عنه (ولا بحث لنا هنا عن إثبات هذين القسمين لثبوتهما ~~في الحكمة المتعالية)، أو توحيد في الفعل والتأثير والإيجاد، بمعنى أن لا ~~فاعل ولا مؤثر إلا هو، وهو الذي نذكر هنا مراتبه وما يتعلق به، فنقول: # هذا التوحيد - على ما قيل - له أربع مراتب: قشر، وقشر القشر، ولب، ولب ~~اللب كالجوز الذي له قشرتان وله لب، واللب دهن وهو لب اللب. (فالمرتبة ~~الأولى) أن يقول الإنسان باللسان: لا إله إلا الله، وقلبه منكر وغافل عنه، ~~كتوحيد المنافقين، وهذا توحيد بمجرد اللسان ولا فائدة فيه إلا حفظ صاحبه في ~~الدنيا من السيف والسنان. (الثانية) أن يصدق بمعنى اللفظ قلبه، كما هو شأن ~~عموم المسلمين، وهو اعتقاد العوام وصاحبه موحد، بمعنى أنه معتقد بقلبه خال ~~عن التكذيب بما انعقد عليه قلبه. وهو عقد على القلب لا يوجب انشراحا ~~وانفتاحا صفاء له. ولكنه يحفظ صاحبه عن العذاب في الآخرة إن مات عليه ولم ~~يضعف بالمعاصي. (الثالثة) أن يشاهد ذلك بطريق الكشف بواسطة نور الحق، وذلك ~~بأن يرى أشياء كثيرة ولكن يراها بكثرتها صادرة عن الواحد الحق، وهو مقام ~~المقربين، وصاحبه موحد، بمعنى أنه لا يشاهد إلا فاعلا ومؤثرا واحدا، لأنه ~~انكشف له الحق كما هو عليه. (الرابعة) ألا يرى في الوجود إلا ms090 واحدا، ويسميه ~~أهل المعرفة الفناء في التوحيد، لأنه من حيث لا يرى إلا واحدا. فلا يرى ~~نفسه أيضا، وإذا لم ير نفسه لكونه مستغرقا بالواحد كان فانيا عن نفسه في ~~توحيده، بمعنى أنه فنى عن رؤية نفسه، وهو مشاهدة الصديقين، وصاحبه موحد ~~بمعنى أنه لم يحضر في شهوده غير الواحد، فلا يرى الكل من حيث أنه كثير بل ~~من حيث أنه واحد. وهذه هي الغابة القصوى في التوحيد. PageV01P132 # فالمرتبة الأولى: كالقشرة العليا من الجوز، وكما أن هذه القشرة لا خير ~~فيها أصلا، بل إن أكلتها فهي مر المذاق، وإن نظرت إلى باطنها فهو كريه ~~المنظر، وإن اتخذتها حطبا أطفأت النار وأكثرت الدخان، وإن تركتها في البيت ~~ضيقت المكان، فلا تصلح إلا أن تترك مدة على الجوز لحفظ القشرة السفلى، ثم ~~ترمى، فكذلك التوحيد بمجرد اللسان عديم الجدوى كثير الضرر مذموم الظاهر ~~والباطن، لكن ينفع مدة في حفظ المرتبة الثانية إلى وقت الموت. والمرتبة ~~الثانية: كالقشرة السفلى، فكما أن هذه القشرة ظاهرة النفع بالإضافة إلى ~~القشرة العليا، فإنها تصون اللب عن الفساد عند الادخار، وإذا فصلت أمكن أن ~~ينتفع بها حطبا، ولكنها نازلة القدر بالإضافة إلى اللب، فكذلك مجرد ~~الاعتقاد من غير كشف كثير النفع بالنسبة إلى مجرد نطق اللسان، إذ تحصل به ~~النجاة في الآخرة، لكنه ناقص القدر بالإضافة إلى الكشف والعيان الذي يحصل ~~بانشراح الصدر وانفتاحه بإشراق نور الحق فيه. والمرتبة الثالثة: كاللب، ~~وكما أن اللب نفيس في نفسه بالإضافة إلى القشر وكأنه المقصود لكنه لا يخلو ~~عن شرب عصارة بالإضافة إلى الدهن منه، فكذلك توحيد الفعل على طريق الكشف ~~مقصد عال للسالكين، إلا أنه لا يخلو عن شوب ملاحظة الغير والالتفات إلى ~~الكثرة بالإضافة إلى من لا يشاهد سوى الواحد الحق. والمرتبة الرابعة: # كالدهن المستخرج من اللب، وكما أن اللب هو المطلوب بذاته والمرغوب في ~~نفسه، فكذلك قصر النظر على مشاهدة الحق الأول هو المقصود لذاته والمحبوب في ~~نفسه. # " تنبيه " إن قيل: كيف يمكن تحقيق المرتبة الرابعة من ms091 التوحيد لتوقفها ~~على عدم مشاهدة غير الواحد، مع أن كل أحد يشاهد الأرض والسماء وسائر ~~الأجسام المحسوسة وهي كثيرة، فكيف يكون الكثير واحدا؟ (قلنا): # من تيقن أن الممكنات بأسرها إعدام صرفة في نفسها، وإن ما به تحققها من ~~الله سبحانه، ثم أحاط على قلبه نور عظمته وجلاله بحيث بهره وغلب على قلبه ~~الحب والأنس حتى عن غيره أغفله، فأي استبعاد في أن يوجب شدة استغراقه في ~~لجة العظمة والجلال والكمال والجمال وغلبة الحب والأنس عليه مع عدمية ~~الكثرة ووحدة ما به التحقق عنده ورسوخ ذلك، وارتكازه في ج: 1 PageV01P133 # قلبه أن لا يرى في نظر شهوده إلا هو، ويغيب عنه غيره، لقصر نظر بصيرته ~~الباطنة على ما هو الحقيقة والواقع. ومما يكسر سورة استبعادك: إن المشغول ~~بالسلطان والمستغرق في ملاحظة سطوته ربما غفل عن مشاهدة غيره وإن العاشق قد ~~يستغرق في مشاهدة جمال معشوقه ويبهره حبه بحيث لا يرى غيره، مع تحقق الكثرة ~~عنده، وإن الكواكب موجودة في النهار مع إنها لا ترى لمغلوبية أنوارها ~~واضمحلالها في جنب نور الشمس، فإذا جاز أن يغلب نور الشمس على نور الكواكب ~~ويقهرها بحيث يضمحل ويغيب عن بصر الظاهر، فأي استبعاد في أن يغلب نور ~~الوجود الحقيقي القاهر على الموجودات الضعيفة الإمكانية ويقهرها، بحيث يغيب ~~عن نظر العقل والبصيرة، ثم هذه المشاهدات التي لا يظهر فيها إلا الله ~~الواحد الحق لا تدوم، بل هي كالبرق الخاطف والدوام فيها عزيز نادر. # فصل ابتناء التوكل على حصر المؤثر في الله تعالى إعلم: أنه لا يمكن ~~التوكل على الله تعالى في الأمور حق التوكل إلا بالبلوغ إلى المرتبة ~~الثالثة من التوحيد، وهي التي يرتبط بها التوكل دون غيرها من المراتب، إذ ~~المرتبة الرابعة لا يتوقف ولا يبتني عليها التوكل، والأولى مجرد نفاق لا ~~يفيد شيئا، والثانية - أعني مجرد التوحيد بالاعتقاد - لا يورث حال توكل كما ~~ينبغي، فإنه موجود في عموم المسلمين مع عدم وجود التوكل كما ينبغي فيهم. # فالمناط في التوكل هو ثالث المراتب في التوحيد، ms092 وهو أن ينكشف للعبد بنور ~~الحق أن لا فاعل إلا الله، وإن كل موجود: من خلق ورزق، وعطاء ومنع، وغنى ~~وفقر، وصحة ومرض، وعز وذل، وحياة وموت.. # إلى غير ذلك مما يطلق عليه اسم، فالمتفرد بإبداعه واختراعه هو الله تعالى ~~لا شريك له فيه، وإذا انكشف له هذا لم ينظر إلى غيره، بل كان منه خوفه ~~وإليه رجاؤه، وبه ثقته وعليه اتكاله، فإنه الفاعل بالانفراد دون غيره، وما ~~سواه مسخرون لا استقلال لهم بتحريك ذرة في ملكوت السماوات والأرض وإذا ~~انفتح له أبواب المعارف اتضح له هذا اتضاحا أتم من المشاهدة بالبصر، وإنما ~~يصده الشيطان عن هذا التوحيد، ويوقع في قلبه شائبة الشرك بالالتفات ~~PageV01P134 # إلى بعض الوسائط التي يتراءى في بادي النظر منشئيتها لبعض الأمور، ~~كالاعتماد على الغيم في نزول المطر، وعلى المطر في خروج الزرع ونباته ~~ونمائه وعلى الريح في استواء السفينة وسيرها، وعلى بعض نظرات الكواكب ~~واتصالاتها في حدوث بعض الحوادث في الأرض، وكالالتفات إلى اختيار بعض ~~الحيوانات وقدرتها على بعض الأفعال، فيوسوس الشيطان في قلبه ويقول له: كيف ~~ترى الكل من الله تعالى، وهذا الإنسان يعطيك رزقك باختياره فإن شاء أعطاك ~~وإن شاء منع، وهذا الشخص قادر على حز رقبتك بسيفه فإن شاء حز رقبتك وإن شاء ~~عفى عنك، فكيف لا تخافه ولا ترجوه وأمرك بيده، وأنت تشاهد ذلك ولا تشك فيه؟ # ولا ريب في أن أمثال هذه الالتفاتات جهل بحقائق الأمور، ومن مكن الشيطان ~~وسلطه على نفسه حتى يوقع هذه الوساوس في قلبه فهو من الجاهلين بأبواب ~~المعارف، إذ من انكشف له أمر العالم كما هو عليه، علم أن السماء والكواكب ~~والريح والغيم والمطر والانسان والحيوان.. وغير ذلك من المخلوقات كلهم ~~مقهورون مسخرون للواحد الحق الذي لا شريك له، فيعلم أن الريح مثلا هواء، ~~والهواء لا يتحرك بنفسه ما لم يحركه محرك، وهذا المحرك لا يحرك الهواء ما ~~لم يحركه على التحريك محرك آخر.. وهكذا إلى أن ينتهي إلى المحرك الأول الذي ~~لا محرك له ولا ms093 هو متحرك في نفسه. # وكذا الحال في توسط غيره من الأفلاك ونجومها، وكائنات الجو، والموجودات ~~على الأرض من الجماد والنبات والحيوان. # فالتفات العبد في نجاته إلى بعض الأشياء من الرياح والأمطار أو الإنسان ~~أو الحيوان يضاهي التفات من أخذ لتنجز رقبته، فأمر الملك كاتبه بأن يكتب ~~توقيعا بالعفو عنه وتخليته، فأخذ العبد يشتغل بمدح الحبر أو الكاغد أو ~~القلم أو الكاتب، ويقول: لولا الحبر أو القلم أو الكاغد أو الكاتب ما ~~تخلصت، فيرى نجاته من الحبر والكاغد دون القلم أو من القلم دون محركه - ~~أعني الكاتب - أو من الكاتب دون الملك الذي هو محرك الكاتب ومسخره. ومن علم ~~أن القلم لا حكم له في نفسه وإنما هو مسخر في يد الكاتب وإن الكاتب لا حكم ~~له وإنما هو مسخر تحت يد الملك، PageV01P135 # لم يلتفت إلى القلم والكاتب ولم يشكر إلا الملك، بل ربما يدهشه فرح ~~النجاة وشكر الملك عن أن يخطر بباله الكاغد والحبر والقلم والكاتب. # ولا ريب في أن جميع المخلوقات من الشمس والقمر والنجوم والغيم والمطر ~~والأرض وكل حيوان أو جماد مسخرات في قبضة القدرة، كتسخير القلم في يد ~~الكاتب وتسخير الكاتب في يد السلطان، بل هذا تمثيل في حق العبد أن الكاتب ~~هو الله سبحانه كما قال تعالى: # " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " (29). # فمن انكشف له أن جميع ما في السماوات والأرض مسخرات للواجب الحق، لم ير ~~في الوجود مؤثر إلا هو، وانصرف عنه الشيطان خائبا، وأيس عن مزج توحيده بهذا ~~الشرك. # وأما من لم ينشرح بنور الله صدره، قصرت بصيرته عن ملاحظة جبار السماوات ~~والأرض ومشاهدة كونه وراء الكل، فوقف في الطريق على بعض المسخرات، وهو جهل ~~محض. وغلطه في ذلك كغلط النملة مثلا لو كانت تدب على الكاغد فترى رأس القلم ~~يسود الكاغد، ولم يمتد بصرها إلى الأصابع واليد، فضلا عن صاحب اليد، وظنت ~~أن القلم هو المسود للبياض وذلك لقصور بصرها عن مجاوزة رأس القلم لضيق ~~حدقتها. # فصل مناجاة السر لأرباب القلوب ms094 قال بعض العارفين (30): أرباب القلوب ~~والمشاهدات قد أنطق الله في حقهم كل ذرة في الأرض والسماوات بقدرته التي ~~أنطق بها كل شئ، حتى سمعوا تقديسها وتسبيحها وشهادتها على نفسها بالعجز، ~~بلسان الواقع الذي هو ليس بعربي ولا أعجمي، وليس فيه حرف وصوت، ولا يسمعه ~~أحد إلا # PageV01P136 # بالسمع العقلي الملكوتي دون السمع الظاهر الحسي الناسوتي، وهذا النطق ~~الذي لكل ذرة من الأرض والسماوات مع أرباب القلوب إنما هو (مناجاة السر)، ~~وذلك مما لا ينحصر ولا يتناهى، فإنها كلمات تستمد (31) من بحر كلام الله ~~الذي لا نهاية له: # " قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ~~ولو جئنا بمثله مددا " (32). # ثم إنها لما كانت مناجية بأسرار الملك والملكوت، وليس كل أحد موضعا للسر، ~~بل صدور الأحرار قبور الأسرار، فاختصت مناجاتها بالأحرار من أرباب القلوب. ~~وهم أيضا لا يحكون هذه الأسرار لغيرهم، إذ إفشاء السر لؤم، وهل رأيت قط ~~أمينا على أسرار الملك قد نوجي بخفاياه فينادي بها على الملأ من الخلق، ولو ~~جاز إفشاء كل سر لما نهى النبي (ص) عن إفشاء سر القدر، ولما خص أمير ~~المؤمنين عليه السلام ببعض الأسرار، ولما قال صلى الله عليه وآله وسلم: " ~~لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا "، بل كان يذكر لهم ذلك حتى ~~يبكون ولا يضحكون. # فأذن عن حكايات مناجاة ذرات الملك والملكوت لقلوب أرباب المشاهدة مانعان: ~~(أحدهما) المنع عن إفشاء السر، (وثانيهما) خروج كلماتها عن الحصر والنهاية. ~~ونحن نحكي في فعل الكتابة قدرا يسيرا من مناجاة بعض ما يرى أسبابا ووسائط، ~~وإقرارها بالعجز على أنفسها، ليقاس عليه جميع الأفعال الصادرة عن جميع ~~الأسباب والوسائط المسخرة تحت قدرة الله، ويفهم به على الإجمال كيفية ~~ابتناء التوكل عليه، ونرد لضرورة التفهم كلماتها الملكوتية إلى الحروف ~~والأصوات، وإن لم تكن أصواتا وحروفا، فنقول: # قال بعض الناظرين عن مشكاة نور الله للكاغد، وقد رأى وجهه اسود بالحبر: " ~~لم سودت وجهك وقد كان أبيض مشرفا؟ ". # فقال: " ما سودت وجهي، وإنما ms095 سوده الحبر، فاسأله لم فعل كذا؟ " فسأل ~~الحبر عن ذلك، فقال: " هذا السؤال على القلم الذي # PageV01P137 # أخرجني من مستقري ظلما ". # فسأل القلم، فأحاله إلى اليد والأصابع، وهي إلى القدرة والقوة، وهي إلى ~~الإرادة، معترفا كل واحد منهم بعجز نفسه، وبكونه مقهورا مسخرا تحت قهر ~~المحال عليه من دون استطاعة لمخالفته. # ولما سأل الإرادة، قالت: " ما انتهضت بنفسي، بل بعثت على أشخاص القدرة ~~وإنهاضها، وبحكم رسول قاهر ورد علي من حضرة القلب بلسان العقل، وهذا الرسول ~~هو العلم، فالسؤال عن انتهاضي يتوجه على العقل والقلب والعلم ". # ولما سألها قال (العقل): " أما أنا فسراج ما اشتعلت بنفسي ولكني أشعلت ". # وقال (القلب): " أما أنا فلوح ما انبسطت بنفسي ولكني بسطت ". # وقال (العلم): " أما أنا فنقش نقشت في لوح القلب لما أشرق سراج العقل، ~~وما انتقشت بنفسي بل نقشني غيري، فسل القلم الذي نقشني ورسمني على لوح ~~القلب بعد اشتعال سراج العقل ". # وعند هذا تحير السائل وقال: " ما هذا القلم وهذا اللوح وهذا الخط وهذا ~~السراج؟ فإني لا أعلم قلما إلا من القصب، ولا لوحا إلا من الحديد أو الخشب، ~~ولا خطا إلا بالحبر، ولا سراجا إلا من النار. وإني لأسمع في هذا المنزل ~~حديث اللوح والقلم والخط والسراج، ولا أشاهد من ذلك شيئا ". # فقال له (العلم): " فإذن بضاعتك مزجاة، وزادك قليل، ومركبك ضعيف، ~~والمهالك في الطريق الذي توجهت إليه كثيرة، فإن كنت راغبا في استتمام ~~الطريق إلى المقصد، فاعلم أن العوالم في طريقك ثلاثة: (أولها) عالم الملك ~~والشهادة، وقد كان الكاغد والحبر والقلم واليد والأصابع من هذا العلم، وقد ~~جاوزت تلك المنازل على سهولة، (وثانيها) عالم الملكوت الأسفل، وهو يشبه ~~السفينة التي بين الأرض والماء، فلا هي حد اضطراب الماء، ولا هي في حد ~~الأرض وثباتها، والقدرة والإرادة والعلم من منازل هذا العالم. (وثالثها ~~عالم الملكوت الأعلى، وهو من ورائي، فإذا PageV01P138 # جاوزتني انتهيت إلى منازله. وأول منازله القلم الذي يكتب به العلم على ~~لوح القلب. وفي هذا العالم المهامه الفسيحة والجبال الشاهقة والبحار ms096 ~~المغرقة ". # فقال له السائل السالك: " قد تحيرت في أمري ولست أدري أني أقدر على قطع ~~هذا الطريق المخوف أم لا، فهل لذلك علامة أعرف بها تمكني على قطع هذا ~~الطريق؟ ". # فقال: " نعم! افتح بصرك، واجمع ضوء عينك وحدقه نحوي، قال ظهر لك القلم ~~الذي به يكتب في لوح القلب، فيشبه أن تكون أهلا لهذا الطريق، فإن كل من ~~جاوز الملكوت الأسفل وقرع أول باب من الملكوت الأعلى كوشف بالقلم. أما ترى ~~النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كوشف به وأنزل عليه قوله تعالى -: # " اقرأ بأسم ربك الذي خلق... إلى قوله: اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ~~علم الإنسان ما لم يعلم " (33). # وهذا القلم قلم إلهي ليس بقصب ولا خشب. أوما سمعت أن متاع البيت يشبه رب ~~البيت؟ وقد علمت أن الله تعالى لا تشبه ذاته سائر الذوات، فليس في ذاته ~~بجسم ولا هو في مكان، فكذلك لا تشبه يده سائر الأيدي، ولا قلمه سائر ~~الأقلام، ولا كلامه سائر الكلام، ولا خطه سائر الخطوط بل هذه أمور إلهية من ~~عالم الملكوت الأعلى، فليست يده من لحم وعظم ودم، ولا قلمه من قصب، ولا ~~لوحه من خشب، ولا كلامه من صوت وحرف، ولا خطه من نقش ورسم ورقم، ولا حبره ~~من زاج وعفص. فإن كنت لا تشاهد هذا هكذا فأنت من أهل التشبيه والتجسم وما ~~عرفت ربك، إذ لو نزهت ذاته تعالى وصفاته عن ذات الأجسام وصفاتها ونزهت ~~كلامه عن الحروف والأصوات، فما بالك تتوقف في يده وقلمه ولوحه وخطه، ولا ~~تنزهها عن الجسمية والتشبيه بغيرها؟ ". # فلما سمع السائل السالك من العلم ذلك، استشعر قصور نفسه وفتح بصر بصيرته، ~~بعد الابتهال إلى ربه، فانكشف له القلم الإلهي، فإذا هو # PageV01P139 # كما وصفه العلم، ما هو من خشب ولا قصب، ولا له رأس ولا ذنب، وهو يكتب على ~~الدوام في قلوب البشر أصناف العلم، فشكر العلم وودعه، وسافر إلى حضرة القلم ~~الإلهي، وقال له: # " أيها القلم! مالك تخط على الدوام في القلوب من العلوم ms097 ما تبعث به ~~الإرادات إلى إنهاض القدرة وأشخاصها وصرفها المقدورات؟ ". # فقال له (القلم الإلهي): " أفنسيت ما رأيت في عالم الملك وسمعته من جواب ~~القلم الآدمي حيث أحالك إلى اليد؟ فجوابي مثل جوابه، فإني مسخر تحت يد الله ~~تعالى الملقبة ب‍ (يمين الملك)، فاسأله عن شأني فإني في قبضته وهو الذي ~~يرددني، وأنا مقهور مسخر، فلا فرق بين القلم الإلهي والقلم الآدمي في معنى ~~التسخير، وإنما الفرق في ظاهر الصورة ". # فقال السائل: " من يمين الملك؟ ". # قال القلم: " أما سمعت قوله تعالى ": # والسماوات مطويات بيمينه؟ (34) ". # قال: " نعم! سمعته ". # قال: " والأقلام أيضا في قبضته وهو الذي يرددها ". # فسافر السائل من عند القلم إلى اليمين، حتى شاهده، ورأى من عجائبه ما ~~يزيد على عجائب القلم، ورأى أنه يمين لا كالأيمان، ويد لا كالأيدي، وإصبع ~~لا كالأصابع، فرأى القلم متحركا في قبضته، فسأله عن سبب تحريكه القلم. # فقال: " جوابي ما سمعته من اليمين التي رأيتها في عالم الشهادة، وهو ~~الحوالة على القدرة، إذ اليد لا حكم لها في نفسها، وإنما محركها القدرة ". # فسافر إلى عالم القدرة ورأى فيها من العجائب ما استحقر لأجلها ما قبلها، ~~فسألها عن سبب تحريكها اليمين. # فقالت: " إنما أنا صفة فاسأل القادر، إذ العهدة على الموصوف دون الصفة ". # وعند هذا كاد أن يزيغ قلب السائل، وينطلق بالجرأة لسان السؤال، # PageV01P140 # فثبت بالقول الثابت ونودي من وراء سرادقات الحضرة: # " لا يسأل عما يفعل وهم يسألون " (35). # فغشيته دهشة الحضرة، فخر صعقا في غشيته مدة، فلما أفاق قال: # " سبحانك! ما أعظم شأنك وأعز سلطانك، تبت إليك وتوكلت عليك، وآمنت بأنك ~~الملك الجبار الواحد القهار، فلا أخاف غيرك ولا أرجو سواك، ولا أعوذ إلا ~~بعفوك من عقابك، وبرضاك من سخطك، وما لي إلا أن أسألك وأتضرع إليك، وأقول: # (إشرح في صدري) لأعرفك، (واحلل عقدة من لساني) 36) لاثني عليك. # فنودي من وراء الحجاب: " إياك أن تطمع في الثناء، فإن سيدا الأنبياء - ~~صلى الله عليه وآله وسلم - ما زاد في هذه الحضرة على أن قال: # (سبحانك لا أثني ms098 ثناء عليك كما أنت أثنيت على نفسك). وإياك أن تطمع في ~~المعرفة، فإن سيد الأوصياء قال: (العجز عن درك الإدراك إدراك، والفحص عن سر ~~ذات السر إشراك). فيكفيك نصيبا من حضرتنا أنك عاجز عن ملاحظة جلالنا ~~وجمالنا، وقاصر عن إدراك دقائق حكمنا وأفعالنا ". # فعند هذا رجع السائل السالك، واعتذر عن أسئلته ومعاتبته، وقال للقدرة ~~واليمين والقلم والعلم والإرادة والقدرة وما بعدها: " أقبلوا عذري فإني كنت ~~غريبا جديد العهد بالدخول في هذه البلاد. والآن قد صح عندي عذركم وانكشف لي ~~أن المتفرد بالملك والملكوت والعزة والجبروت هو الواحد القهار، وما أنتم ~~إلا مسخرون تحت قهره وقدرته، مرددون في قبضته، وهو الأول بالإضافة إلى ~~الوجود، إذ صدر منه الكل على ترتيبه واحدا بعد واحد، وهو الآخر بالإضافة ~~إلى سير المسافرين إليه، فإنهم لا يزالون مترقين من منزل إلى منزل إلى أن ~~يقع الانتهاء إلى حضرته، فهو أول في الوجود وآخر في المشاهدة، وهو الظاهر ~~بالإضافة إلى من يطلبه بالسراج الذي اشتعل في قلبه بالبصيرة الباطنة ~~النافذة في عالم الملكوت، وهو الباطن # PageV01P141 # بالإضافة إلى العاكفين في عالم الشهادة الطالبين لإدراكه بالحواس ". # وهذا هو التوحيد في الفعل للسالكين، الذين انكشف لهم وحدة الفاعل ~~بالمشاهدة واستماع كلام ذرات الملك والملكوت، وهو موقوف على الإيمان بعالم ~~الملكوت والتمكن من المسافرة إليه واستماع الكلام من أهله. # ومن كان أجنبيا من هذا العالم ولم يكن له استعداد الوصول إليه ولم يمكنه ~~أن يسلك السبيل الذي ذكرناه، فينبغي أن يرد مثله إلى التوحيد الاعتقادي ~~الذي يوجد في عالم الشهادة، وهو أن يعلم ببعض الأدلة وحدة الفاعل، مثل أن ~~يقال له: إن كل أحد يعلم أن المنزل يفسد بصاحبين والبلد يفسد بأميرين، فإله ~~العالم ومدبره واحد، إذ: # " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " (37). # فيكون ذلك على ذوق ما رآه في عالم الشهادة، فينغرس اعتقاد التوحيد في ~~قلبه بهذا الطريق بقدر عقه واستعداده، وقد كلفوا الأنبياء أن يكلموا الناس ~~على قدر عقولهم. # ثم الحق أن هذا التوحيد الاعتقادي إذا قوي ms099 يصلح أن يكون عمادا للتوكل ~~وأصلا فيه، إذ الاعتقاد إذا قوي عمل عمل الكشف في إثارة الأحوال، إلا أنه ~~في الغالب يضعف ويتسارع إليه الاضطراب، فيحتاج إلى من يحرسه بكلامه، وأما ~~الذي شاهد الطريق وسلكه بنفسه، فلا يخاف عليه شئ من ذلك، بل لو كشف له ~~الغطاء لما أزداد يقينا وإن كان يزداد وضوحا. # (تنبيه) إعلم أن ما يبتني عليه التوحيد المذكور، أعني كون جميع الأشياء ~~من الأسباب والوسائط مقهورات مسخرات تحت القدرة الأزلية ظاهر. وسائر ما ~~أوردنا في هذا المقام مما ذكره أبو حامد الغزالي وتبعه بعض أصحابنا " ولا ~~إشكال فيه إلا في أفعال الإنسان وحركاته " (38). # فإن البديهة تشهد بثبوت نوع اختيار له، لأنه يتحرك إن شاء ويسكن إن شاء، ~~مع أنه لو كان مسخرا مقهورا في جميع أفعاله وحركاته، لزم الجبر ولم يصح ~~التكليف والثواب والعقاب. ولتحقيق هذه المسألة موضع آخر، # PageV01P142 # ولا يليق ذكرها هنا. والحق أن كل ما قيل فيها لا يخلو عن قصور ونقصان، ~~والأولى فيها السكوت والتأدب بآداب الشرع (39). # ومنها: # الخواطر النفسانية والوساوس الشيطانية إعلم أن الخاطر ما يعرض في القلب ~~من الأفكار فإن كان مذموما داعيا إلى الشر سمي (وسوسة)، وإن كان محمودا ~~داعيا إلى الخير سمي (إلهاما). # وتوضيح ذلك: إن مثل القلب بالنسبة إلى ما يرد عليه من الخواطر مثل هدف ~~تتوارد عليه السهام من الجوانب، أو حوض تنصب إليه مياه مختلفة من الجداول، ~~أو قبة ذات أبواب يدخل منها أشخاص متخالفة، أو مرآة منصوبة تجتاز إليها صور ~~متباينة. فكما أن هذه الأمور لا تنفك عن تلك السوانح، فكذا القلب لا ينفك ~~عن واردات الخواطر. فلا تزال هذه اللطيفة الإلهية مضمار لتطاردها ومعركة ~~لجولانها وتزاحمها، إلى أن يقطع ربطها عن البدن ولذاته، ويتخلص عن لدغ ~~عقارب الطبع وحياته. # ثم لما كان الخاطر أمرا حادثا فلا بد له من سبب، فإن كان سببه شيطانا فهو ~~الوسوسة، وإن كان ملكا فهو الإلهام. وما يستعد به القلب لقبول الوسوسة يسمى ~~إغواء وخذلانا، وما يتهيأ به لقبول ms100 الإلهام يسمى لطفا وتوفيقا. # وإلى ذلك أشار سيد الرسل (ص) بقوله: " في القلب لمتان (40): لمة من الملك # PageV01P143 # إيعاد بالخير وتصديق بالحق، ولمة من الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق ". # وبقوله (ص): " قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن ". # فصل أقسام الخواطر ومنها الإلهام الخاطر ينقسم إلى ما يختلج بالبال من ~~دون أن يكون مبدأ للفعل: وهي الأماني الكاذبة والأفكار الفاسدة، وإلى محرك ~~الإرادة والعزم على الفعل، إذ كل فعل مسبوق بالخاطر أولا، فمبدأ الأفعال ~~الخواطر، وهي تحرك الرغبة، والرغبة العزم، والعزم النية، والنية تبعث ~~الأعضاء على الفعل، (والثاني) كما عرفت إن كان مبدأ للخير يكون إلهاما ~~ومحمودا، وإن كان مبدأ للشر يكون وسواسا ومذموما. (والأول) له أنواع كثيرة: # (منها) ما يرجع إلى التمني، سواء كان حصول ما يتمناه ممكنا أو محالا، ~~وسواء كان المتمني حسنا محمودا أو قبيحا مذموما، وسواء كان عدمه مستندا إلى ~~قضاء الله وقدره أو إلى تقصيره وسوء تدبيره فيخطر بباله أنه يا ليت لم يفعل ~~كذا أو فعل كذا. # (ومنها) ما يرجع إلى تذكر الأحوال الغالبة، إما بدون اختياره أو مع ~~اختيار ما، بأن يتصور ما له من النفائس الفانية فيستر به، أو يتخيل فقده ~~فيحزن لأجله، أو يتفكر في ما اعتراه من العلل والأسقام واختلال أمر المعاش ~~وسوء الانتظام، أو يذهب وهمه إلى حساب المعاملين أو جواب المعاندين وتصوير ~~إهلاك الأعداء بالأنواع المختلفة من دون تأثير وفائدة. # (ومنها) ما يرجع إلى التطير، وربما بلغ حدا يتخيل كثيرا من الأمور ~~الاتفاقية الدالة على وقوع مكروه بنفسه أو بما يتعلق به، ويضطرب بذلك، وإن ~~لم تكن مشهورة بذلك عند الناس، وربما حدثت في القوة الوهمية خباثة وشيطنة ~~تذهب غالبا إلى ما يؤذيه ويكرهه ولا يذهب إلى ما يريده ويسره، فيتخيل ذهاب ~~أمواله وأولاده وابتلاءه بالأمراض والأسقام ووصول المكروه من الغير ~~ومغلوبيته من عدوه، وربما حصل لنفسه نوع إذعان لهذه التخيلات لمغلوبية ~~العاقلة للواهمة. فيعتريه نوع اضطراب وانكسار، وقلما يذهب مثل هذه القوة ~~الوهمية فيما يشاء ويريده من تخيل ms101 الغلبة وحصول PageV01P144 # التوسعة في الأموال والأولاد، بحيث يحصل لنفسه نوع إذعان لها، فتنبسط ~~وتهتز. وهذا شر الوساوس وأردؤها، وربما كان المنشأ لبعضها نوع اختلال في ~~الدماغ. وجميع الأنواع المذكورة بأقسامها مفسدة للنفس يحدث فيها نوع ذبول ~~وانكسار ويصدها عما خلقت لأجله. # (ومنها) ما يرجع إلى التفاؤل، وهذا ليس مذموما. وقد ورد من رسول الله ~~(ص): إنه يحب التفاؤل، وكثيرا ما يتفاءل ببعض الأمور. # (ومنها) الوسواس في العقائد، بحيث لا يؤدي إلى الشك المزيل لليقين، فإنه ~~قادح في الإيمان كما تقدم. ومرادنا بالوسوسة وحديث النفس في العقائد هنا ما ~~لا يضر بالإيمان ولا يؤاخذ به - كما يأتي -. # " تذنيب " قد ظهر مما ذكر: إن أكثر جولان الخاطر إنما يكون في فائت لا ~~تدارك له، أو في مستقبل لا بد وأن يحصل منه ما هو مقدر، وكيف كان هو تضييع ~~لوقته، إذ آلة العبد قلبه وبضاعته عمره، فإذا غفل القلب في نفس واحد عن ذكر ~~يستفيد به أنسا بالله أو عن فكر يستفيد معرفة الله ليستفيد بالمعرفة حبا ~~لله، فهو مغبون، وهذا إن كان فكره ووسواسه في المباحات، مع أن الغالب ليس ~~كذلك، بل يتفكر في وجوه الحيل لقضاء الشهوات، إذ لا يزال ينازع في الباطن ~~كل من فعل فعلا مخالفا لغرضه، أو من يتوهم أنه ينازعه ويخالفه في رأيه، بل ~~يقدر المخالفة من أخلص الناس في حبه حتى في أهله وولده ثم يتفكر في كيفية ~~زجرهم وقهرهم وجوابهم عما يتعللون في مخالفتهم، فلا يزال في شغل دائم مضيع ~~لدينه ودنياه. # فصل المطاردة بين جندي الملائكة والشياطين في معركة النفس قد عرفت أن ~~الوسواس أثر الشيطان الخناس، والإلهام عمل الملائكة الكرام. ولا ريب في أن ~~كل نفس في بدو فطرتها قابلة لأثر كل منهما على التساوي، وإنما يترجح أحدهما ~~بمتابعة الهوى وملازمة الورع والتقوى، فإذا مالت النفس إلى مقتضى شهوة أو ~~غضب وجد الشيطان مجالا فيدخل بالوسوسة، وإذا انصرفت إلى ذكر الله ضاق مجاله ~~وارتحل فيدخل الملك بالإلهام. فلا يزال التطارد بين جندي ms102 الملائكة ~~والشياطين في معركة النفس. PageV01P145 # لهيولانية وجودها وقابليتها للأمرين بتوسط قوتيها العقلية والوهمية، إلى ~~أن يغلب أحد الجندين ويسخر مملكة النفس ويستوطن فيها، وحينئذ يكون اجتياز ~~الثاني على سبيل الاختلاس، وحصول الغلبة إنما هو بغلبة الهوى أو التقوى، ~~فإن غلب عليها الهوى وخاضت فيه صارت مرعى الشيطان ومرتعه وكانت من حزبه، ~~وإن غلب عليها الورع والتقوى صارت مستقر الملك ومهبطه ودخلت في جنده، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # " خلق الله الإنس ثلاثة أصناف: صنف كالبهائم، قال الله تعالى: # " لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها " (41). # وصنف أجسادهم أجساد بني آدم وأرواحهم أرواح الشياطين، وصنف كالملائكة في ~~ظل الله يوم لا ظل إلا ظله ". # ولا ريب في أن أكثر القلوب قد فتحها جنود الشياطين وملكوها، ويتصرفون ~~فيها بضروب الوساوس الداعية إلى إيثار العاجلة واطراح الأجلة. # والسر فيه: أن سلطنة الشيطان سارية في لحم الإنسان ودمه ومحيطة بمجامع ~~قلبه وبدنه، كما أن الشهوات ممتزجة بجميع ذلك، ومن هنا قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: " إن الشيطان ليجري من بني آدم مجرى الدم "، وقال ~~الله سبحانه - حكاية عن لسان اللعين -: # " لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمائلهم " (42). # فالخلاص من أيدي الشياطين يحتاج إلى مجاهدة عظيمة ورياضة شاقه فمن لم يقم ~~في مقام المجاهدة كانت نفسه هدفا لسهام وساوسهم وداخلة في أحزابهم. # فصل تسويلات الشيطان ووساوسه لما كانت طرق الباطل كثيرة وطريق الحق ~~واحدة، فالأبواب المفتوحة للشيطان إلى القلب كثيرة، وباب الملائكة واحدة، ~~ولذا روي أن النبي صلى # PageV01P146 # الله عليه وآله وسلم خط يوما لأصحابه خطا وقال: " هذا سبيل الله "، ثم خط ~~خطوطا عن يمينه وشماله فقال: " هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ~~"، ثم تلا قوله سبحانه: # " وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله " ~~(43). # ثم لسهولة ميل النفس إلى الباطل وعسر انقيادها للحق تكون الطرق المؤدية ~~إلى الباطل التي هي ms103 أبواب الشيطان جلية ظاهرة، فكانت أبواب الشيطان مفتوحة ~~أبدا، والطرق المؤدية إلى الحق التي هي باب الملائكة خفية، فكان باب ~~الملائكة مسدودا دائما، فما أصعب بالمسكين ابن آدم أن يسد هذه الأبواب ~~الكثيرة الظاهرة المفتوحة ويفتح بابا واحدا خفيا مسدودا. # على أن اللعين ربما يلبس بين طريقي الحق والباطل ويعرض الشر في موضع ~~الخير، بحيث يظن أنه لمة الملك وإلهامه، لا وسوسة الشيطان وإغواؤه، فيهلك ~~ويضل من حيث لا يعلم، كما يلقى في قلب العالم أن الناس لكثرة غفلتهم أشرفوا ~~على الهلاك، وهم من الجهل موتى، ومن الغفلة هلكى، أما لك رحمة على عباد ~~الله؟ أما تريد الثواب والسعادة في العقبى؟ فما بك لا تنبههم عن رقدة ~~الغفلات بوعظك، ولا تنقذهم من الهلاك الأبدي بنصحك؟ # وقد من الله عليك يقلب بصير وعلم كثير و لسان ذلق ولهجة مقبولة! فكيف ~~تخفى نعم الله تعالى ولا تظهرها؟! فلا يزال يوسوسه بأمثال ذلك ويثبتها في ~~لوح نفسه، إلى أن يسخره بلطائف الحيل ويشتغل بالوعظ، فيدعوه إلى التزين ~~والتصنع والتحسن بتحسين اللفظ، والسرور بتملق الجماعة، والفرح بمدحهم إياه، ~~والانبساط بتواضعهم لديه وانكسارهم بين يديه، ولا يزال في أثناء الوعظ يقرر ~~في قلبه شوائب الرياء وقبول العامة، ولذة الجاه وحب الرياسة، والتعزز ~~بالعلم والفصاحة، والنظر إلى الخلق بعين الحقارة، فيهدي الناس ويضل نفسه، ~~ويعمر يومه ويخرب أمسه، ويخالف الله ويظن أنه في طاعته ويعصيه ويحسب أنه في ~~عبادته، فيدخل في جملة من قال الله فيهم: # PageV01P147 # " قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا " (44). # ويكون ممن قال رسول الله (ص) فيهم: " إن الله ليؤيد هذا الدين بأقوام لا ~~خلاق لهم "، " إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ". فلا نجاة من مصائد ~~الشيطان ومكائده إلا ببصيرة باطنة نورانية وقوة قدسية ربانية، كما لا نجاة ~~للمسافر الحيران في بادية كثيرة الطرق غامضة المسلك في ليلة مظلمة إلا بعين ~~بصيرة صحيحة وطلوع شمس مشرقة نيرة. # فصل العلائم الفارقة بين الإلهام والوسوسة ms104 من تمكن من معرفة الخير والشر ~~سهل عليه التفرقة بين الإلهام والوسوسة وقد قيل إن إلهام الملك ووسوسة ~~الشيطان يقع في النفوس على وجوه وعلامات: (أحدها) كالعلم واليقين الحاصلين ~~من جانب يمين النفس. وتقابله الشهوة والهوى الحاصلان من جانب شمالها. ~~(وثانيها) كالنظر إلى آيات الآفاق والأنفس على سبيل النظام والأحكام المزيل ~~للشكوك والأوهام، والمحصل للمعرفة والحكمة في القوة العاقلة هي جانب الأيمن ~~من النفس ويقابله النظر إليها على سبيل الاشتباه والغفلة والإعراض عنها، ~~الناشئة منها الشبه والوساوس في الواهمة والمتخيلة التي على الجانب الأيسر ~~منها، فإن الآيات المحكمات بمنزلة الملائكة المقدسة من العقول والنفوس ~~الكلية، لأنها مبادئ العلوم اليقينية، والمتشابهات الوهميات بمنزلة ~~الشياطين والنفوس الوهمانية، لأنها مبادئ المقدمات السفسطية. (وثالثها) ~~كطاعة الرسول المختار والأئمة الأطهار في مقابلة أهل الجحود والانكار ~~وأرباب التعطيل والتشبيه من الكفار. فكل من سلك سبيل الهداية فهو بمنزلة ~~الملائكة المقدسين الملهمين للخير، ومن سلك سبيل الضلال فهو بمنزلة ~~الشياطين المغوين بالشرور. # (ورابعها) كتحصيل العلوم والإدراكات التي هي في الموضوعات العالية ~~والأعيان الشريفة، كالعلم بالله وملائكته ورسله، واليوم الآخر، وللبعث، ~~وقيام # PageV01P148 # الساعة، ومثول الخلائق بين يدي الله تعالى، وحضور الملائكة والنبيين ~~والشهداء والصالحين، في مقابلة تحصيل العلوم والإدراكات التي هي من باب ~~الحيل والخديعة والسفسطة، والتأمل في أمور الدنيا الغير الخارجة عن دار ~~المحسوسات، فإن الأول يشبه الملائكة الروحانية وجنود الرحمن الذين هن سكان ~~عالم الملكوت السماوي، والثاني يشبه الأبالسة المطرودة عن باب الله ~~الممنوعة من ولوج السماوات، المحبوسة في الظلمات، المحرومة في الدنيا عن ~~الارتقاء، والمحجوبة في الآخرة عن دار النعيم. # فصل علاج الوساوس الوساوس إن كانت بواعث الشرور والمعاصي، فالعلاج في ~~دفعها أن يتذكر سوء عاقبة العصيان ووخامة خاتمته في الدنيا والآخرة، ويتذكر ~~عظيم حق الله وجسيم ثوابه وعقابه، ويتذكر أن الصبر عما تدعو إليه هذه ~~الوساوس أسهل من الصبر على نار لو قذفت شرارة منها إلى الأرض أحرقت نبتها ~~وجمادها، فإذا تذكر هذه الأمور وعرف حقيقتها بنور المعرفة والإيمان، حبس ~~عنه الشيطان وقطع عنه ms105 وسواسه، إذ لا يمكن أن ينكر عليه هذه الأمور الحقة، ~~إذ يقينه الحاصل من قواطع البرهان يمنعه عن ذلك ويخيبه، بحيث يرجع هاربا ~~خائبا. فإن التهاب نيران (45) البراهين بمنزلة رجوم الشياطين، فإذا قوبلت ~~بها وساوسهم فرت فرار الحمر من الأسد. # وإن كانت مختلجة بالبال بلا إرادة واختيار، من دون أن تكون مبادئ ~~الأفعال، فقطعها بالكلية في غاية الصعوبة والإشكال، وقد أعترف أطباء النفوس ~~بأنها الداء العضال ويتعسر دفعه بالمرة، وربما قيل بتعذره ولكن الحق ~~إمكانه، لقول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: " من صلى ركعتين لم تتحدث ~~نفسه فيها بشئ غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر "، ولولا إمكانه لم يتصور ~~ذلك. # والسر في صعوبة قطعها بالكلية أن للشيطان جندين: جندا يطير وجندا يسير، ~~والواهمة جنده الطيار، والشهوة جنده السيار، لأن غالب ما خلقتا # PageV01P149 # منه هي النار التي خلق منها الشيطان، فالمناسبة اقتضت تسلطه عليهما ~~وتبعيتهما له. # ثم لما كانت النار بذاتها مقتضية للحركة، إذ لا تتصور نار مشتعلة لا ~~تتحرك، بل لا تزال تتحرك بطبعها، فشأن كل من الشيطان والقوتين أن يتحرك ولا ~~يسكن، إلا أن الشيطان لما خلق من النار الصرفة من دون امتزاج شئ آخر بها ~~فهو دائم الحركة والتحريك للقوتين بالوسوسة والهيجان، والقوتان لما امتزج ~~بغالب مادتهما - أعني النار - شئ من الطين لم تكونا بمثابة ما خلق من صرف ~~النار في الحركة، إلا أنهما استعدتا لقبول الحركة منه، فلا يزال الشيطان ~~ينفخ فيهما ويحركهما بالوسوسة والهيجان ويطير ويجول فيهما. ثم الشهوة لكون ~~النارية فيها أقل فسكونها ممكن، فيحتمل أن يكف تسلط الشيطان عن الإنسان ~~فيها، فيسكن بالكلية عن الهيجان. # وأما الواهمة فلا يمكن أن يقطع تسلطه عنها، فيمتنع قطع وسواسه عن ~~الإنسان، إذ لو أمكن قطعه أيضا بالمرة، لصار اللعين منقادا للانسان مسخرا ~~له، وانقياده له هو سجوده له، إذ روح السجود وحقيقته هو الانقياد والإطاعة، ~~ووضع الجبهة حالته وعلامته، وكيف يتصور أن يسجد الملعون لأولاد آدم (ع) مع ~~عدم سجوده لأبيهم واستكباره من أن ms106 يطمئن عن حركته ساجدا له معللا بقوله: # (خلقتني من نار وخلقته من طين " (46). # فلا يمكن أن يتواضع لهم بالكف عن الوسوسة، بل هو من المنظرين لإغوائهم ~~إلى يوم الدين، فلا يتخلص منه أحد إلا من أصبح وهمومه هم واحد، فيكون قلبه ~~مشتغلا بالله وحده، فلا يجد الملعون مجالا فيه، ومثله من المخلصين الداخلين ~~في الاستثناء (47) عن سلطنة هذا اللعين، فلا تظنن أنه يخلو عنه قلب فارغ، ~~بل هو سيال يجري من ابن آدم مجرى الدم، وسيلانه مثل الهواء في القدح، فإنك ~~إن أردت أن تخلي القدح عن الهواء من غير أن تشغله بمثل الماء فقد طمعت في ~~غير مطمع، بل بقدر ما يدخل فيه # PageV01P150 # الماء يخلو عن الهواء، فكذلك القلب إذا كان مشغولا بفكر مهم في الدين ~~يمكن أن يخلو من جولان هذا اللعين، وأما لو غفل عن الله ولو في لحظة، فليس ~~له في تلك اللحظة قرين إلا الشيطان، كما قال سبحانه: # " ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين " (48). # وقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: " إن الله يبغض الشاب ~~الفارغ " لأن الشاب إذا تعطل عن عمل مباح يشغل باطنه لا بد أن يدخل في قلبه ~~الشيطان ويعيش فيه ويبيض يفرخ، وهكذا يتوالد نسل الشيطان توالدا أسرع من ~~توالد الحيوانات، لأن الشيطان طبعه من النار، والشهوة في نفس الشاب ~~كالحلفاء (49) اليابسة، فإذا وجدها كثر تولده وتولدت النار من النار ولم ~~تنقطع أصلا. # فظهر أن وسواس الخناس لا يزال يجاذب قلب كل إنسان من جانب إلى جانب، ولا ~~علاج له إلا قطع العلائق كلها ظاهرا وباطنا، والفرار عن الأهل والمال ~~والولد والجاه والرفقاء، ثم الاعتزال إلى زاوية، وجعل الهموم هما واحدا هو ~~الله. وهذا أيضا غير كاف ما لم يكن له مجال في الفكر وسير في الباطن في ~~ملكوت السماوات والأرض وعجائب صنع الله، فإن استيلاء ذلك على القلب ~~واشتغاله به يدفع مجاذبة الشيطان ووسواسه، وإن لم يكن له سير بالباطن فلا ~~ينجيه إلا الأوراد ms107 المتواصلة المترتبة في كل لحظة من الصلوات والأذكار ~~والأدعية والقراءة. ويحتاج مع ذلك إلى تكليف القلب الحضور، إذ الأوراد ~~الظاهرة لا تستغرق القلب، بل التفكير بالباطن هو الذي يستغرقه، وإذا فعل كل ~~ذلك لم يسلم له من الأوقات إلا بعضها، إذ لا يخلو في بعضها عن حوادث تتجدد ~~وتشغله عن الفكر والذكر، كمرض أو خوف أو إيذاء وطغيان، ولو من مخالطة بعض ~~لا يستغنى عنه في الاستعانة في بعض أسباب المعيشة. # PageV01P151 # فصل ما يتم به علاج الوسواس لو أمكن العلاج في القطع الكلي للوساوس فإنما ~~يتم بأمور ثلاثة: # (الأول) سد الأبواب العظيمة للشيطان في القلب، وهي الشهوة، والغضب، ~~والحرص، والحسد، والعداوة، والعجب، والحقد، والكبر، والطمع، والبخل، ~~والخفة، والجبن، وحب الحطام الدنيوي الدائم، والشوق إلى التزين بالثياب ~~الفاخرة، والعجلة في الأمر، وخوف الفاقة والفقر، والتعصب لغير الحق، وسوء ~~الظن بالخالق... وغير ذلك من رؤس ذمائم الصفات ورذائل الملكات، فإنها أبواب ~~عظيمة للشيطان، فإذا وجد بعضها مفتوحا يدخل منه في القلب بالوساوس المتعلقة ~~به، وإذا سدت لم يكن له إليه سبيل إلا على طريق الاختلاس والاجتياز. # (الثاني) عمارة القلب بأضدادها من فضائل الأخلاق وشرائف الأوصاف، ~~والملازمة للورع والتقوى، والمواظبة على عبادة ربه الأعلى. # (الثالث) كثرة الذكر بالقلب واللسان. فإذا قلعت عن القلب أصول ذمائم ~~الصفات المذكورة التي هي بمنزلة الأبواب العظيمة للشيطان، زالت عنه وجوه ~~سلطنته وتصرفاته، سوى خطراته واجتيازاته، والذكر يمنعها ويقطع تسلطه وتصرفه ~~بالكلية، ولو لم يسد أبوابه أو لا لم ينفع مجرد الذكر اللساني في إزالتها، ~~إذ حقيقة الذكر لا يتمكن في القلب إلا بعد تخليته عن الرذائل وتحليته ~~بالفضائل، ولولاهما لم يظهر على القلب سلطانه، بل كان بمجرد قولك: إخسأ، ~~وإن كان عندك شئ منها لم يندفع عنك بمجرد مثل كلب جائع، ومثل هذه الصفات ~~المذمومة مثل لحم أو خبز أو غيرهما من مشتهيات الكلب، ومثل الذكر مثل قولك ~~له: إخسأ. ولا ريب في أن الكلب إذا قرب إليك ولم يكن عندك شئ من مشتهياته ~~فهو ينزجر عنك ms108 بمجرد قولك: أخسا، وإن كان عندك شئ منها لم يندفع عنك بمجرد ~~هذا القول ما لم يصل إلى مطلوبه. فالقلب الخالي عن قوت الشيطان يندفع عنه ~~بمجرد الذكر، وأما القلب المملو منه فيدفع الذكر إلى حواشيه، ولا يستقر في ~~سويدائه، لاستقرار الشيطان فيه. وأيضا الذكر بمنزلة الغذاء PageV01P152 # المقوي فكما لا تنفع الأغذية المقوية، ما لم ينق البدن عن الأخلاط ~~الفاسدة ومواد الأمراض الحادثة، كذلك لا ينفع الذكر ما لم يطهر القلب عن ~~الأخلاق الذميمة التي هي مورد مرض الوساوس، فالذكر إنما ينفع للقلب إذا كان ~~مطهرا عن شوائب الهوى ومنورا بأنوار الورع والتقوى، كما قال سبحانه: # " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون " ~~(50). # وقال سبحانه: # " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب " (51). # ولو كان مجرد الذكر مطردا للشيطان لكان كل أحد حاضر القلب في الصلاة، ولم ~~يخطر بباله فيها الوساوس الباطلة والهواجس الفاسدة، إذ منتهى كل ذكر وعبادة ~~إنما هو في الصلاة. مع أن من راقب قلبه يجد أن خطور الخواطر في صلاته أكثر ~~من سائر الأوقات، وربما لا يتذكر ما نسيه من فضول الدنيا إلا في صلاته، بل ~~يزدحم عندها جنود الشياطين على قلبه ويصير مضمارا لجولاتهم، ويقلبونه شمالا ~~ويمينا بحيث لا يجد فيه إيمانا ولا يقينا، ويجاذبونه إلى الأسواق وحساب ~~المعاملين وجواب المعاندين، ويمرون به في أودية الدنيا ومهالكها. ومع ذلك ~~كله لا تظنن أن الذكر لا ينفع في القلوب الغافلة أصلا، فإن الأمر ليس كذلك، ~~إذ للذكر عند أهله أربع مراتب كلها تنفع الذاكرين، إلا أن لبه وروحه والغرض ~~الأصلي من ذلك المرتبة الأخيرة: # (الأولى) اللساني فقط. # (الثانية) اللساني والقلبي، مع عدم تمكنه من القلب، بحيث أحتاج القلب إلى ~~مراقبته حتى يحضر مع الذكر، ولو خلي وطبعه استرسل في أودية الخواطر. # (الثالثة) القلبي الذي تمكن من القلب واستولى عليه، بحيث لم يمكن صرفه ~~عنه بسهولة، بل أحتاج ذلك إلى سعي وتكلف، كما احتيج في الثانية # PageV01P153 # إليهما في قراره معه ودوامه عليه. ms109 # (الرابعة) القلبي الذي يتمكن المذكور من القلب بحيث انمحى عند الذكر، فلا ~~يلتفت القلب إلى نفسه ولا الذكر، بل يستغرق بشراشره في المذكور، وأهل هذه ~~المرتبة يجعلون الالتفات إلى الذكر حجابا شاغلا. # وهذه المرتبة هي المطلوبة بالذات. والبواقي مع اختلاف مراتبها مطلوبة ~~بالعرض، لكونها طرقا إلى ما هو المطلوب بالذات. # فصل ما يتوقف عليه قطع الوساوس السر في توقف قطع الوساوس بالكلية على ~~التصفية والتخلية أولا، ثم المواظبة على ذكر الله: إن بعد حصول هذه الأمور ~~للنفس تحصل لقوتها العاقلة ملكة الاستيلاء والاستعلاء على القوى الشهوية ~~والغضبية والوهمية، فلا تتأثر عنها وتؤثر فيها على وفق المصلحة، فتتمكن من ~~ضبط الواهمة والمتخيلة بحيث لو أرادت صرفهما عن الوساوس لأمكنها ذلك، ولم ~~تتمكن القوتان من الذهاب في أودية الخواطر بدون رأيها، وإذا حصلت للنفس هذه ~~الملكة وتوجهت إلى ضبطهما كلما أرادتا الخروج عن الانقياد والذهاب في أودية ~~الوساوس وتكرر منها هذا الضبط، حصل لهما ثبات الانقياد بحيث لم يحدث فيهما ~~خاطر سوء مطلقا، بل لم يخطر فيها إلا خواطر الخير من خزائن الغيب وحينئذ ~~تستقر النفس على مقام الاطمئنان، وتنسد عنها أبواب الشيطان وتنفتح فيها ~~أبواب الملائكة، ويصير مستقرها ومستودعها، فتستضاء بشروق الأنوار القدسية ~~من مشكاة الربوبية، ويشملها خطاب: # " يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية " (52). # ومثل هذه النفس أحسن النفوس وأشرفها، وتقابلها النفس المنكوسة المملؤة من ~~الخبائث الملوثة بأنواع الذمائم والرذائل، وهي التي انفتحت فيها أبواب ~~الشيطان وانسدت منها أبواب الملائكة، ويتصاعد منها دخان مظلم إليها، فتملأ ~~جوانبها ويطفئ نور اليقين ويضعف سلطان الإيمان، حتى # PageV01P154 # تخمد أنواره بالكلية، ولا يخطر فيها خاطر خير أبدا، وتكون دائما محل ~~الوساوس الشيطانية، ومثلها لا يرجع إلى الخير أبدا، وعلامتها عدم تأثرها من ~~النصائح والمواعظ، ولو أسمعت الحق عميت عن الفهم وصمت عن السمع، وإلى مثلها ~~أشير بقوله سبحانه: # " أرأيت من اتخذا إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا " (53). # ويقوله تعالى: # " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة " (54). # وبقوله سبحانه: # " إن هم ms110 إلا كالانعام بل هم أضل سبيلا " (55). # وبقوله تعالى: # " وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون " (56). # وبقوله عز وجل: # " لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون " (57). # وبين هاتين النفسين نفس متوسطة في السعادة والشقاوة، ولها مراتب مختلفة ~~في اتصافها بالفضائل والرذائل بحسب الكم والكيف والزمان، فيختلف فيها فتح ~~أبواب الملائكة والشياطين بالجهات المذكورة، فتارة يبتدئ فيها خاطر الهوى ~~فيدعوها إلى الشر، وتارة يبتدئ فيها خاطر الإيمان فيبعثها على الخير، ~~ومثلها معركة تطارد جندي الشياطين والملائكة وتجاذبهما، فتارة يصول الملك ~~على الشيطان فيطرده، وتارة يحمل الشيطان على الملك فيغلبه، ولا تزال ~~متجاذبة بين الحزبين مترددة بين الجندين، إلى أن تصل إلى ما خلقت لأجله ~~لسابق القضاء والقدر. ثم النفس الأولى في غاية الندرة، وهي نفوس الكمل من ~~المؤمنين الموحدين، والثانية في نهاية الكثرة وهي نفوس الكفار بأسرهم، ~~والثالثة نفوس أكثر المسلمين، ولها مراتب شتى ودرجات لا تحصى ولها عرض ~~عريض، فيتصل أحد طرفيه بالنفس الأولى، وآخرهما بالثانية. # PageV01P155 # فصل حديث النفس لا مؤاخذة عليه قد عرفت أن الوساوس بأقسامها مشتركة في ~~إحداث ظلمة وكدرة في النفس، إلا أن مجرد الخواطر - أي (حديث النفس) وما ~~يتولد عنه بلا اختيار كالميل وهيجان الرغبة - لا مؤاخذة عليهما، ولا يكتب ~~بهما معصية، لعدم دخولهما تحت الاختيار، فالمؤاخذة عليهما ظلم، والنهي ~~عنهما تكليف بما لا يطاق، والاعتقاد وحكم القلب بأنه ينبغي بأنه يفعل هذا ~~فيؤاخذ به، لكونه اختياريا. وكذا الهم بالفعل والعزم عليه، إلا أنه إن يفعل ~~مع الهم خوفا من الله وندم عنه كتبت له حسنة، وإن لم يفعل لمانع منه لا ~~لخوف الله سبحانه كتبت عليه سيئة. # والدليل على هذا التفصيل: أما على عدم المؤاخذة على مجرد الخاطر فما روي ~~في الكافي: " إنه جاء رجل إلى النبي (ص) فقال: يا رسول الله هلكت، فقال له ~~هل أتاك الخبيث فقال لك من خلقك؟ فقلت: الله تعالى، فقال لك: الله من خلقه؟ ~~فقال له: أي والذي بعثك بالحق لكان كذا. # فقال رسول الله (ص): ذاك والله ms111 محض الإيمان ". ومثله ما روي: إن رجلا أتى ~~رسول الله (ص) فقال يا رسول الله! نافقت، فقال: " والله ما نافقت! ولو ~~نافقت ما أتيتني تعلمني، ما الذي رابك؟ أظن أن العدو الحاضر أتاك، فقال: من ~~خلقك؟ فقلت: الله تعالى خلقني، فقال لك: من خلق الله؟ فقال: أي والذي بعثك ~~بالحق لكان كذا، فقال: إن الشيطان أتاكم من قبل الأعمال فلم يقو عليكم، ~~فأتاكم من هذا الوجه لكي يستزلكم، فإذا كان كذلك فليذكر أحدكم الله وحده ". ~~وقريب منه ما روي: إن رجلا كتب إلى أبي جعفر (ع) يشكو إليه لمما يخطر على ~~باله، فأجابه في بعض كلامه: " إن الله إن شاء ثبتك فلا يجعل لإبليس عليك ~~طريقا. قد شكى قوم النبي (ص) لمما يعرض لهم لأن تهوي بهم الريح أو يقطعوا ~~أحب إليهم من أن يتكلموا به، فقال رسول الله: أتجدون ذلك؟ قالوا: نعم! قال: # والذي نفسي بيده إن ذلك لصريح الإيمان، فإذا وجدتموه فقولوا: آمنا بالله ~~ورسوله ولا حول ولا قوة إلا بالله " وسئل الصادق (ع) عن الوسوسة ~~PageV01P156 # وإن كثرت، فقال: " لا شئ فيها، تقول لا إله إلا الله ". وعن جميل بن دراج ~~قال: قلت للصادق (ع): إنه يقع في قلبي أمر عظيم، فقال: # " قل لا إله إلا الله "، قال جميل: فكلما وقع في قلبي قلت: لا إله إلا ~~الله، فيذهب عني. # ومما يدل على عدم المؤاخذة عليه وعلى الميل وهيجان الرغبة إذا لم يكونا ~~داخلين تحت الاختيار ما روي: إنه لما نزل قوله تعالى: # " وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله " (58). # جاء ناس من الصحابة إلى رسول الله (ص) وقالوا: كلفنا ما لا نطيق، إن ~~أحدنا ليحدث نفسه بما لا يجب أن يثبت في قلبه، ثم يحاسب بذلك؟ # فقال رسول الله (ص): " لعلكم تقولون كما قال بنو إسرائيل: سمعنا وعصينا، ~~قولوا: سمعنا وأطعنا، فقالوا: سمعنا وأطعنا، فأنزل الله الفرج بعد سنة ~~بقوله تعالى: # " لا يكلف الله نفسها إلا وسعها " (59). # وما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام ms112 في قوله سبحانه: # " وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ": " إن هذه الآية ~~عرضت على الأنبياء والأمم السابقة فأبوا أن يقبلوها من ثقلها، وقبلها رسول ~~الله (ص) وعرضها على أمته فقبلوها. فلما رأى الله عز وجل منهم القبول على ~~أنهم لا يطيقونها، قال: أما إذا قبلت الآية بتشديدها وعظم ما فيها وقد ~~عرضتها على الأمم السابقة فأبوا أن يقبلوها وقبلتها أمتك، فحق على أن ~~أرفعها عن أمتك، وقال عز من قائل: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. # وما روي عن النبي (ص) أنه قال: " وضع على أمتي تسع خصال: الخطأ، ~~والنسيان، وما لا يعلمونه، وما لا يطيقونه، وما اضطروا عليه، وما استكرهوا ~~عليه، والطيرة، والوسوسة في التفكر في الخلق، والحسد ما لم يظهر بلسان أو ~~يد ". وما روي أنه سئل الصادق (ع) عن رجل يجيئ منه الشئ على حد الغضب ~~يؤاخذه الله تعالى؟ فقال (ع): " إن الله تعالى أكرم من أن يستغلق # PageV01P157 # على عبده "، والمراد من الغضب فيه: الغضب الذي سلب الاختيار. # وبالجملة: القطع حاصل بعدم المؤاخذة والمعصية على ما لا يدخل تحت ~~الاختيار من الخواطر والميل وهيجان الرغبة، إذ النهي عنها مع عدم كونها ~~اختيارية تكليف بما لا تطاق، وإن لم ينفك عن إحداث خباثة في النفس. # وأما (60) على أنه يكتب سيئة على الاعتقاد والهم بالفعل والتصميم عليه مع ~~تركه لمانع لا لخوف من الله، فهو إن كلا من الاعتقاد والهم بالمعصية فعل من ~~الأفعال الاختيارية للقلب، وقد ثبت في الشريعة ترتب الثواب والعقاب على فعل ~~القلب إذا كان اختياريا، قال الله سبحانه: # " إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا " (61). # وقال سبحانه: # " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم " ~~(62). # وقال رسول الله (ص): " إنما يحشر الناس على نياتهم ". وقال (ص): # " إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار "، قيل: يا رسول ~~الله! هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: " لأنه أراد قتل صاحبه ". وقال ~~(ص): " لكل امرئ ما نوى ". والآثار الواردة ms113 في ترتب العقاب على الهم ~~بالمعصية كثيرة، وإطلاقها محمول على غير صورة الترك خوفا من الله لما يأتي ~~من أنه في هذه الصورة تكتب بها حسنة، وكيف لا يؤاخذ على أعمال القلوب مع أن ~~المؤاخذة على الملكات الردية من الكبر والعجب والرياء والنفاق والحسد ~~وغيرها قطعي الثبوت من الشرع، معت كونها أفعالا قلبية، وقد ثبت في الشريعة ~~أن من وطأ امرأة ظانا أنها أجنبية كان عاصيا وإن كانت زوجته. # وأما على أنه يكتب حسنة على الترك بعد الهم خوفا من الله، فما روي عن ~~النبي (ص) أنه قال: " قالت الملائكة: رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو ~~أبصر، فقال: راقبوه فإن عملها فاكتبوها عليه بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له ~~حسنة إنما تركها لأجلي ". وما روي عن الإمام محمد # PageV01P158 # ابن علي الباقر (ع): " إن الله تعالى جعل لآدم في ذريته من هم بحسنة ولم ~~يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بحسنة وعملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة ولم ~~يعملها لم تكتب عليه سيئة، ومن هم بها وعملها كتبت عليه سيئة "، وقوله: " ~~لم يكتب عليه " محمول على صورة عدم العمل خوفا من الله، لما تقدم من أنه إن ~~لم يعملها لمانع غير خوف الله كتبت عليه سيئة. # وما روي عن الصادق (ع) أنه قال: " ما من مؤمن إلا وله ذنب يهجره زمانا ثم ~~يلم به وذلك قوله تعالى: # " إلا اللمم " (63). # وقال: " واللمم: الرجل يلم بالذنب فيستغفر الله منه "، وقد وردت بهذا ~~المضمون أخبار أخر. # وصل الخاطر المحمود والتفكر قد عرفت أن ضد الوسوسة الخاطر المحمود ~~المستحسن شرعا وعقلا، لأن القلب إذا كان مشغولا بشئ لا يمكن أن يشغله شئ ~~آخر، فإذا كان مشغولا بشئ من الخواطر المحمودة لا سبيل للخواطر المذمومة ~~إليه، وربما كان للغفلة التي هي ضد النية تقابل لكل من الوسوسة والخاطر ~~المحمود، إذ عند الغفلة لا يتحقق شئ منهما، إلا أن خلو القلب عن كل نية ~~وخاطر بحيث يكون ساذجا في غاية الندرة، على أن الظاهر أن ms114 مرادهم من الغفلة ~~خلو الذهن من القصد الباعث وإن كان مشغولا بالوساوس الباطلة، كما يأتي ~~تحقيقه. # ثم الخاطر المحمود إن كان قصدا ونية لفعل جميل معين كان متعلقا بالقوة ~~التي يتعلق هذا الفعل بها، وإلا كان راجعا إما إلى الذكر القلبي أو إلى ~~التدبر في العلوم والمعارف والتفكر في عجائب صنع الله وغرائب عظمته، أو إلى ~~التدبر الإجمالي الكلي فيما يقرب العبد إلى الله سبحانه أو ما يبعده عنه ~~تعالى، وليس وراء ذلك خاطر محمود متعلق بالدين أو غير ذلك من الخواطر ~~المذمومة المتعلقة بالدنيا. # وإذا عرفت ذلك فاعلم أنه من معالجات مرض الوسواس معرفة شرافة # PageV01P159 # ضده الذي هو الخاطر المحمود، ليبعثه على المواظبة عليه الموجبة لدفع ~~الوساوس. وفضيلة الخواطر المحمودة الباعثة عن الأفعال الجميلة يأتي ذكرها ~~في باب النية، وربما يعلم من بيان فضيلة نفس هذه الأفعال أيضا كما يأتي ~~ذكرها في باب النية، وفضيلة الذكر القلبي يعلم في باب مطلق الذكر. # أما بيان شرافة التفكر وبعض مجاريه من أفعال الله تعالى والإشارة إلى ~~كيفية التفكر فيها وفيما يقرب العبد إلى الله تعالى وفيما يبعده عنه، فلنشر ~~إلى مجمل منه هنا لتعلقه بالقوة النظرية، فنقول: # التفكر: هو سير الباطن من المبادئ إلى المقاصد، والمبادئ: هي آيات الآفاق ~~والأنفس، والمقصد: هو الوصول إلى معرفة موجدها ومبدعها والعلم بقدرته ~~القاهرة وعظمته الباهرة، ولا يمكن لأحد أن يترقى من حضيض النقصان إلى أوج ~~الكمال إلا بهذا السير، وهو مفتاح الأسرار ومشكاة الأنوار، ومنشأة الاعتبار ~~ومبدأ الاستبصار، وشبكة المعارف الحقيقية ومصيدة الحقائق اليقينية، وهو ~~أجنحة النفس للطيران إلى وكرها القدسي، ومطية الروح للمسافرة إلى وطنها ~~الأصلي، وبه تنكشف ظلمة الجهل وأستاره وتنجلي أنوار العلم وأسراره، ولذا ~~ورد عليه الحث والمدح في الآيات والأخبار كقوله سبحانه: # أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا ~~بالحق (64). # وقوله تعالى: # " أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شئ " (65). # وقوله تعالى: # " فاعتبروا يا أولي الأبصار " (66). # وقوله تعالى: # " قل سيروا في الأرض ms115 فانظروا كيف بدأ الخلق " (67). # PageV01P160 # وقوله تعالى: # " إن في خلق السماوات والأرض لآيات لأولي الألباب " (68). # وقوله تعالى: # " وفي الأرض آيات للموقنين. وفي أنفسكم أفلا تبصرون " (69). # وقوله تعالى: # " الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات ~~والأرض " (70). # وقول رسول الله (ص): " التفكر حياة قلب البصير "، وقوله (ص) " فكرة ساعة ~~خير من عبادة سنة "، ولا ينال منزلة التفكر إلا من خصه الله عز وجل بنور ~~التوحيد والمعرفة، وقوله (ص): " أفضل العبادة إدمان التفكر في الله وفي ~~قدرته " (71)، ومراده من التفكر في الله التفكر في قدرته وصنعه وفي عجائب ~~أفعاله ومخلوقاته وغرائب آثاره ومبدعاته، لا التفكر في ذاته، لكونه ممنوعا ~~عنه في الأخبار، ومعللا بأنه يورث الحيرة والدهشة واضطراب العقل، وقد ورد: ~~" إياكم والتفكر في الله، ولكن إذا أردتم أن تنظروا إلى عظمته فانظروا إلى ~~عظيم خلقه ". واشتهر عن النبي (ص) أنه قال: تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا ~~في الله، فإنكم لن تقدروا قدره " وقول أمير المؤمنين (ع): " التفكر يدعو ~~إلى البر والعمل به "، وقوله عليه السلام: " نبه بالتفكر قلبك، وجاف عن ~~الليل جنبك، واتق الله ربك "، وقول الباقر (ع): " بإجالة الفكر يستدر الرأي ~~المعشب "، وقول الصادق عليه السلام: " الفكر مرآة الحسنات وكفارة السيئات، ~~وضياء للقلوب وفسحة للخلق، وإصابة في صلاح المعاد، واطلاع على العواقب، ~~واستزادة في العلم، وهي خصلة لا يعبد الله بمثلها "، وقول الرضا (ع): " ليس ~~العبادة كثرة في الصلاة والصوم، إنما العبادة التفكر في أمر الله عز وجل ". # PageV01P161 # تكملة مجاري التفكر في المخلوقات الموجودات بأسرها مجاري التفكر ومطارح ~~النظر، إذ كل ما في الوجود سوى واجب فهو ممن رشحات وجوده وآثار فيضه وجوده، ~~وكل موجود ومخلوق من جوهر أو عرض مجرد أو مادي، فلكي أو عنصري، بسيط أو ~~مركب، فعل الله وصنعه، وما من ذرة من ذرات العالم إلا وفيها ضروب من عجائب ~~حكمته وغرائب عظمته، بحيث لو تشمر عقلاء الأقطار وحكماء الأمصار مدى ~~الأعصار لاستنباطها، انقضت أعمارهم دون الوقوف على عشر عشيرها وقليل من ~~كثيرها. # ثم ms116 إن الموجودات المخلوقة منقسمة إلى ما لا يعرف أصله فلا يمكننا التفكر ~~فيه، وإلى ما يعرف أصله ومجمله من دون معرفة تفاصيله فيمكننا التفكر في ~~تفصيله لتزداد لنا معرفة وبصيرة مخالفه. وهو إلى ما لا يدرك بحس البصر ~~ويسمى ب‍ (الملكوت)، كالملائكة والجن والشياطين وعوالم العقول والنفوس ~~المجردة، ولها أجناس وطبقات لا يحيط بها إلا موجدها، وإلى ما يدرك به، وله ~~أجناس ثلاثة: عالم السماوات المشاهدة بكواكبها ونجومها ودورانها في طلوعها ~~وغروبها، وعالم الأرض المحسوسة ببحارها وجبالها ووهادها وتلالها ومعادنها ~~وأنهارها ونباتها وأشجارها وحيوانها وجمادها، وعالم الجو المدرك بسحبه ~~وغيومه وأمطاره وثلوجه وشهبه وبروقه ورياحه ورعوده، وكل من هذه الأجناس ~~الثلاثة ينقسم إلى أنواع، ويتشعب كل نوع إلى أقسام وأصناف غير متناهية، ~~مختلفة في الصفات والهيئات، واللوازم والآثار والخواص، والمعاني الظاهرة ~~والباطنة، وليس شئ منها إلا وموجده هو الله سبحانه، وفي وجوده وحركته ~~وسكونه حكم ومصالح لا تحصى. # وكل ذلك مجاري التفكر والتدبر لتحصيل المعرفة والبصيرة بخالقها الحكيم ~~وموجدها القيوم العليم، إذ كلها شواهد عدل وبينات صدق على وحدانيته وحكمته ~~وكمال كبريائه وعظمته، فمن قدم قدم حقيقته، ودار عالم الوجود وفتح عين ~~بصيرته، وشاهد مملكة ربه الودود، لظهر له في PageV01P162 # كل ذرة من ذرات الخلق عجائب حكمة وغرائب قدرة، بهر منها عقله ووهمه، وحسر ~~دونها لبه وفهمه. # ثم لا ريب في أن طبقات العوالم المنتظمة المرتبة على النحو الأصلح والنهج ~~الأحسن بأمر موجدها الحكيم ومدبرها العليم، مبتدأة في الصدور من الأشرف ~~فالأشرف، حتى ينتهي إلى أسفل العوالم وأخسها، وهو عالم الأرض بما فيه، وكل ~~عالم أسفل لا قدر له بالنسبة إلى ما فوقه، فلا قدر للأرض بالنظر إلى عالم ~~الجو، ولا للجو بالقياس إلى عالم السماوات، ولا للسماوات بالنسبة إلى عالم ~~المثال، ولا للمثال بالنظر إلى عالم الملكوت، ولا للملكوت بالقياس إلى ~~الجبروت، ولا للجميع بالنسبة إلى ما لا سبيل لنا إلى دركه تفصيلا وإجمالا ~~من عوالم الألوهية، كما ظهر لعلماء الطبيعة وأهل الرصد والهندسة، ووضح ~~لأرباب المكاشفة والعرفان وأصحاب ms117 المشاهدة والعيان. # ثم أخس العوالم الذي عرفت حاله - أعني الأرض - لا قدر لما على ظهرها من ~~الحيوان والنبات والجماد، بالنظر إلى نفسها، ولذا يفسد من أدنى تغير لها جل ~~ما عليها، ولكل جنس مما عليها أنواع وأقسام وأصناف غير متناهية. وأضعف ~~أنواع الحيوان البعوضة والنحل، وأشرف أنواعه الإنسان. فنحن نشير إلى نبذة ~~يسيرة من الحكم والعجائب المودعة فيها، وكيفية التفكر فيها، ليقاس عليها ~~البواقي إجمالا. فإن بيان مجاري التفكر بأسرها في حيز المحال، وما يمكن منه ~~خارج عن حيطة الضبط والتدوين، ولذا ترى أن البارعين من الحكماء والفائقين ~~من أجله العرفاء بذلوا وسعهم في بيان مجاري التفكر ومطارحه وشرح مجال النظر ~~ومسارحه، فسطروا فيه الأساطير وملأوا منه الطوامير، وخاضوا في عمرات بحار ~~الأفكار وغاصوا في تيار لجج الأنظار، ومع ذلك لم يعودوا بالنظر إلى ما هو ~~الواقع الأصفر اليدين ورجعوا آخر الأمر (يخفي حنين). ونحن لو تعرضنا لشرح ~~ما يمكن لنا دركه من الحكم والغرائب المودعة في عضو واحد من أعضائها على ~~التفصيل، لخرجنا عن وضع الكتاب، وارتكبنا ما يمل الناظرين من الإطناب، ~~فنشير إجمالا إلى بعض ما فيها من الحكم والعجائب، تنبيها للطالبين على ~~كيفية التفكر في الصنائع الإلهية، فنقول: PageV01P163 # أما (البعوض) فانظر كيف خلقه الله على صغر قدره على شكل الفيل الذي هو ~~أعظم الحيوانات، إذ خلق له خرطوما كخرطومه، وخلق له مع صغره جميع الأعضاء ~~التي خلقها للفيل بزيادة جناحين، فقسم أعضاءه الظاهرة فأنبت جناحيه وأخرج ~~يديه ورجليه، وشق سمعه وبصره، ودبر في باطنه أعضاء الغذاء، وركب فيها من ~~القوى الغاذية والجاذبة والدافعة والماسكة والهاضمة ما ركب في الحيوانات ~~العظيمة - كما يأتي في الإنسان - ثم هداه إلى غذائه الذي هو دم الإنسان ~~وغيره من الحيوانات، فأنبت له آلة الطيران إلى الإنسان، وخلق له الخرطوم ~~الطويل وهو محدد الرأس، وهداه إلى الامتصاص من مسام بشرة الإنسان حتى يضع ~~خرطومه في واحد من مسامه، ويغرز فيه ويمص الدم ويتجرعه، وخلق خرطومه - مع ~~دقته - مجوفا حتى يجري فيه الدم الصافي ms118 الرقيق وينتهي إلى باطنه وينتشر في ~~معدته وفي سائر أعضائه، وعرفه أن الإنسان يقصده بيده فعله حيلة الهرب، وخلق ~~له السمع الذي يسمع به حفيف حركة اليد مع كونها بعيدة منه، فيترك المص ~~ويهرب، وإذا سكنت اليد عاد، وخلق له حدقتين حتى يبصر مواضع غذائه فيقصده مع ~~صغر حجهم وجهه. ولما كانت حدقة كل حيوان صغيرة بحيث لا يحتمل الأجفان ~~لصغره، وكانت الأجفان مصقلة لمرآة الحدقة عن القذى والغبار، خلق للبعوض ~~والذباب وغيرهما من الحيوانات الصغيرة يدين ليمسح بهما حدقتيه ويطهرها عن ~~الغبار والقذى، أولا ترى الذباب أنه على الدوام يمسح حدقتيه بيديه؟. وأما ~~الإنسان وغيره من الحيوانات العظيمة خلق لحدقتيه الأجفان حتى ينطبق أحدهما ~~على الآخر وأطرافهما حادة، فيجمع الغبار الذي يلحق الحدقة ويرميها إلى ~~أطراف الأهداب. فهذه لمعة يسيرة من عجائب صنع الله فيه، وفيها من العجائب ~~الظاهرة والباطنة ما لو اجتمع الأولون والآخرون على الإحاطة بكنهها عجزوا ~~عن حقيقتها. # أما " النحل " - فانظر كيف أوحى الله تعالى إليها حتى اتخذت: # " من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون " (72). # واستخرج من لعابها الشمع والعسل، وجعل أحدهما ضياء والآخر # PageV01P164 # شفاء. وانظر في عجائب أمرها في تناولها الأزهار والأنهار واجتنابها عن ~~النجاسات والأقذار، وفي طاعتها وانقيادها لواحد من جملتهم، وأكبرهم شخصا، ~~وهو أميرهم. وانظر كيف علم الله أميرهم أن يحكم بالعدل والإنصاف بينهم، حتى ~~أنه ليقتل على باب النفذ كل ما وقع منها على نجاسة. ثم انظر إلى بناء ~~بيوتها من الشمع واختيارها من جملة الأشكال المسدس، فلا يبنى مستديرا ولا ~~مربعا ولا مخمسا، بل اختار المسدس لخاصية يقصر عن دركها أفهام المهندسين، ~~وهو أن أوسع الأشكال وأجودها المستدير، ثم ما يقرب منه، فإن المربع تخرج ~~منه زوايا ضايعة، وشكل النحل مستدير مستطيل، فترك المربع حتى لا تضيع ~~الزوايا فتبقى فارغة، ولو بناها مستديرة لبقيت خارج البيوت فرج ضايعة، لأن ~~الأشكال المستديرة إذا اجتمعت لم تجتمع متراصة، ولا شكل في الأشكال ذوات ~~الزوايا يقرب في الوسعة والاحتواء من المستدير ثم تتراص الجملة ms119 منه بحيث لا ~~يبقى بعد اجتماعها فرجة إلا المسدس، فهذه خاصية هذا الشكل. فانظر كيف علم ~~الله النحل مع صغر جرمها لطفا بها وعناية بوجودها ليهنأ عيشها، فسبحانه ما ~~أعظم شأنه. وما ذكرناه قدر يسير من عجائب الحكمة المودعة فيها، وما فيها من ~~العجائب الظاهرة والباطنة مما لا يمكن الإحاطة به. # وأما " الإنسان " - فنقول: لا ريب في أن أول كل إنسان قطرة من ماء قذرة، ~~لو خليت بنفسها لأنتنها الهواء وأفسدها، وكانت متفرقة في جميع أجزاء بدن ~~الذكر، فألقى الله بلطائف حكمته محبة بينه وبين الأنثى وقادهما بسلاسل ~~الشهوة إلى الاجتماع، واستخرج هذه النطفة المنتنة بحركة الوقاع، وأعطى لآلة ~~الرجل قوة دافعة، ولرحم الأنثى قوة جاذبة، حتى جذبتها من فم الإحليل إلى ~~نفسها، وامتزجت بمني الأنثى بحيث صارتا واحدة، واستقرت في الرحم، وجعل مبدأ ~~عقد الصورة في مني الذكر، ومبدأ انعقادها في مني الأنثى، فهما بالنظر إلى ~~الجنين كالأنفحة واللبن بالقياس إلى الجبن، والحق إن لكل من المنيين القوة ~~العاقدة والمنعقدة، إلا أن الأولى في الذكوري والثانية في الأنوثي أقوى، ~~وإلا لم يتحدا شيئا واحدا، ولم ينعقد الذكوري حتى يصير جزأ من الولد. فلو ~~كان مزاج ج: 1 PageV01P165 # الأنثى ذكوريا كما في النساء الشريفة النفوس القوية القوى، وكان مزاج ~~كبدها حارا، كان المني المنفصل عن كليتها اليمنى أحر كثيرا من المنفصل عن ~~كليتها اليسرى، فإذا اجتمعا في الرحم، وكان مزاج الرحم قويا في الامساك ~~والجذب، قام المنفصل عن الكلية اليمنى مقام مني الذكر في شدة قوة العقد، ~~والمنفصل من اليسرى مقام مني الذكر في شدة قوة العقد، والمنفصل من اليسرى ~~مقام مني الأنثى في قوة الانعقاد، فيختلق الولد، وبهذا تصحح ولادة مريم ~~البتول عليها السلام حيث تمثل لها روح القدس بشرا سويا حسن الصورة، فمع ~~تحقق ما ذكر لها تأيدت به - أي بروح القدس - وسرى أثر اتصالها به إلى ~~الطبيعة والبدن، وتغير مزاجها ومد جميع القوى في أفعالها بالمدد الروحاني، ~~فصارت أقدر على أفعالها بما لا ينضبط بالقياس ثم ابتدأ ms120 خلق الجنين في ~~استقرار الماءين في الرحم، وشبه بالعجين إذا ألصق بالتنور، فغيره الله ~~تعالى سبحانه عن حاله قليلا. كالبذر إذا نبت من الأرض، فصارت نطفة، فاستجلب ~~دم الحيض من أعماق العروق إليها، حتى ظهرت فيها نقط دموية منه وصارت علقة. ~~ثم أظهر فيها حمرة ظاهرة حتى صار شبيها بالدم الجامد، وهيج فيها ريحا حارة ~~فصارت مضغة. ثم أظهر فيها رسوم الأعضاء وشكلها وصورها، فأحسن تصويرها، فقسم ~~أجزاءها المتشابهة إلى أجزاء مختلفة من العظام والأعصاب والعروق والأوتار ~~واللحم والشحم ثم ركب الأعضاء الظاهرة والباطنة من اللحم والعروق والأعصاب، ~~فدور الرأس، وشق البصر والسمع والفم والأنف وسائر المنافذ، ومد إليه ~~والرجل، وقسم رؤوسها بالأصابع وقسم الأصابع بالأنامل، وخلق كل واحد من ~~القلب والدماغ والكبد والطحال والمعدة والرئة والرحم والمثانة والأمعاء ~~وغيرها من الأعضاء على شكل مخصوص، وجعل لكل واحد منها عملا معينا وفعلا ~~مخصوصا، وجميع ذلك يحصل للجنين وهو في ظلمة الأحشاء محبوس وفي دم الحيض ~~مغموس، منضم في صرة، كفاه على خديه، ومرفقاه على حقويه، جمعت ركبتاه على ~~صدره وذقنه على رأس ركبتيه، وهو كشبه نائم، سرته متصلة بسرة أمه يمتص منها ~~الغذاء، ووجهه إلى وجهها إن كان أنثى وإلى ظهرها إن كان ذكرا. فتتوارد عليه ~~تلك النقوش العجبية والتصويرات الغريبة من غير خبر منها له وللرحم، ولا ~~للأب والأم، ولا يرى داخل PageV01P166 # النطفة أو الرحم ولا خارجهما نقاش يصل إليه أثر نقشه، فكأن الجنين بلسان ~~حاله ينادي قلوب العارفين بنغمات تهيجها وترقصها: تصوروني في ظلمة الأحشاء ~~مغموسا بدم الحيض، كيف يظهر التخطيط والتصوير على وجهي فينقش النقاش أجفاني ~~وحدقتي، ويصور المصور خدي وشفتي، ولا يزال يظهر علي نقش بعد نقش وصورة بعد ~~صورة، ولا أرى نقاشا ولا مصورا، أولا تتعجبون من هذا النقاش الذي لا يحتاج ~~إلى تماس ومزاولة ولا يفتقر إلى آلة ومباشرة، أولا تنتقلون من عجيب صنعه ~~إلى عظيم قدرته وجسيم عظمته، أوليس لكم أعين بها تبصرون أو قلوب بها ~~تفقهون، فكيف تنظرون إلى تكون أعضائي وعجائبها ms121 ولا تعتبرون؟! # فانظر الآن - يا حبيبي - في نبذ من العجائب والحكم المودعة في بعض من هذه ~~الأعضاء، فتأمل في (العظام) التي هي أجسام قوية صلبة كيف خلقها من نطفة ~~سخيفة رقيقة، وأحكمها وصلبها في الرحم بين المياه، مع أن صلابة المائع في ~~الماء محال عادة، وجعلها قواما ودعامة للبدن، ولذا صلبها وأحكمها لئلا ~~تنكسر عند الحركات العنيفة، وقدرها مقادير مختلفة وشكلها على أشكال ~~متفاوتة، ففيها صغير وكبير وطويل وقصير ومستقيم ومستدير ودقيق وعريض ومجوف ~~ومصمت، على ما اقتضته الحكم والمصلحة، ولما كان الإنسان محتاجا إلى الحركة، ~~تارة بجملة بدنه، وتارة ببعض أعضائه، لم يخلقه من عظم واحدا، بل جعل له ~~عظاما كثيرة بينها مفاصل، حتى تتيسر له الحركة بجملة بدنه وببعض أعضائه، ~~وقدر شكل كل واحد منها على وفق الحركة المطلوبة بها، وما لم تكن فيه فائدة ~~سوى كونه عمادا للبدن خلقه مصمتا، وإن جعل فيه المسام والخلل التي لا بد ~~منها، وما يحتاج إليه للحركة أيضا، زاد في تجويفه ليكون أخف، وجعل تجويفه ~~في الوسط واحدا لئلا يحتاج في وصول الغذاء إليه إلى التجاويف والخلل ~~المتفرقة، فيصير رخوا، بل صلبه مع تجويفه، لئلا ينكسر عند الحركات العنيفة، ~~وما كانت الحاجة فيه إلى الوثاقة أشد جعل تجويفه أقل، وما كان الاحتياج فيه ~~إلى الخفة أكثر جعل تجويفه أزيد، وجمع غذاءه وهو المخ في حشوه ليغذوه ~~ويرطبه دائما، لئلا يتفتت بتجفيف الحركة. # ثم وصل مفاصلها وربط بعضها بالبعض بأوتار أنبتها من أحد العظمين ~~PageV01P167 # وألصقها بالآخر، كان كالرباط، وخلق في أحدهما زوائد خارجة منه وفي الآخر ~~حفرا غائصة فيه موافقة لشكل الزوائد، ليدخل فيها وينطبق عليها، ولذلك لو ~~أراد الإنسان أن يحرك جزأ من بدنه دون سائر أعضائه لم يتعسر عليه، ولولا ~~المفاصل لتعذر عليه ذلك. # ثم وسط بين العظام الصلبة واللحوم الرخوة (الغضاريف) وهي من العظم ألين ~~ومن اللحم أصلب، ليحسن اتصال الصلب باللين، فلا يتأذى منه، وخصوصا عند ~~الضربة والضغطة، وليحسن به مجاورة المفاصل المتحاكة، فلا تتراض لصلابتها. # ثم انظر ms122 - يا أخي - في (العروق) وما فيها من العجائب والحكم، فإنها خلقت ~~على نوعين: (أحدهما) الشرايين: وهي العروق الضوارب المتحرك، ومنبتها القلب. ~~ولما كان القلب ينبوع الحياة ومنبع الروح والحرارة الغريزية خلقت هذه ~~العروق مبتدأة منه منتشرة في سائر الأعضاء لإيصال الروح والحياة منه إليها، ~~ولها حركتان، إنقباضية يقبض بها الأبخرة الدخانية عن القلب، وانبساطية يجذب ~~بها صافي النسيم إليه، ليستريح، ولولا هذا القبض والجذب لاختنق القلب ~~بالبخار الدخاني، وخلقت ذات صفاقين لئلا تنشق بقوة حركتها ولئلا يتحلل ما ~~فيها من الروح، وجعل الصفاق الداخل أصلب لأنه الملاقي لقوة الحرارة ~~الغريزية ومصادمة حركة الروح، فأوجبت الحكمة الإلهية زيادة أحكامها حفظا ~~لها عن الانشقاق، لقوة حركة الروح، وتقوية لمحل الحرارة الغريزية، لئلا ~~يتحلل شئ منها يتحلل محلها. وواحد من هذه الشرايين، ويسمى الشريان الوريدي، ~~لما كان حاملا لغذاء الرية لأن غذاءها من القلب، فيغوص فيها ويصير شعبا، ~~فخلق لذلك ذا صفاق واحد لئلا يزاحم بصلابته الرية لرخاوتها ولينها، مع عدم ~~مصادمة لحمها له عند الحركة لكثرة لينه ورخاوته. فلم تكن حاجة إلى زيادة ~~استحكامه، على أن الرية تحتاج إلى الغذاء على سبيل الترشح بسرعة وسهولة، ~~وكثرة الصلابة منافيه لذلك. (وثانيهما) العروق الساكنة: وتسمى الأوردة، ~~وشأنها جذب الغذاء من المعدة إلى الكبد ومنه إلى سائر الأعضاء، وهي ذات ~~صفاق واحد لأنها ساكنة، فلا يخشى انشقاقها. وجعل واحد منها ويسمى الوريد ~~PageV01P168 # الشرياني ذا صفاقين لنفوذه في التجويف الأيمن من القلب، فكان اللازم ~~زيادة وثاقته، لئلا يعتريه انشقاق بقوة حركة القلب وصلابته، وهو الذي يأتي ~~بغذاء الرية إلى القلب، وإذا خلص عن القلب وجاوزه يأخذ الشريان الوريدي منه ~~ويذهب به إلى الرية. # فانظر - يا أخي - إلى عجيب حكمة ربك، فإن حامل غذاء الرية ما دام نافذا ~~في القلب ومصادما لحركته خلق صلبا ذا صفاقين، وإذا خلص عنه إلى الرية التي ~~لا تتحمل الصلب جعل رخوا ذا صفاق واحد، فسبحانه ما أجل شأنه وأعظم برهانه. # ثم تفكر أيها المتفكر في (الرأس) وعجيب خلقه، حيث ركبه من ms123 عظام مختلفة ~~الأشكال والصور، وألف بعضها إلى بعض حتى استوت كرة كما تراه، وجعله مجمع ~~الحواس، ولذا جعله مستديرا، لأن المستدير أبعد من الآفات بالقياس إلى ذي ~~الزاوية، وأعظم مساحة منه مع تساوي إحاطتهما، وجعل استدارته إلى طول، لأن ~~منابت الأعصاب الدماغية موضوعة في الطول، فلو لم يتسع منبتها لازدحمت ~~وانضغطت، وألف قحفه (73) من ستة أعظم: # اثنان بمنزلة السقف وأربعة بمثابة الجدران، ووصل بعضها ببعض بالدروز ~~والشؤون، وجعل الجدران أصلب من اليافوخ الذي هو السقف، لأن الصدمات عليها ~~أكثر، وتخلخل اليافوخ مما لا بد منه لخروج الأبخرة المتحللة (وعدم ثقله على ~~الدماغ) (74) وفائدة الدروز أن تخرج منها الأبخرة المتحللة في الدماغ لئلا ~~يؤدي مكثها إلى الصداع وغيره من الأمراض الدماغية، وجعل أصلب الجدران ~~مؤخرها لأنه غائب عن البصر فلا يحرسه فاحتاج إلى زيادة وثاقه. # وخلق فيها الدماغ لينا دسما، لتنطبع فيه المحسوسات بسهولة، ولتكون ~~الأعصاب النابتة منه لزجة لئلا تنكسر، وجعل مزاجه رطبا باردا لتنفعل القوى ~~المودعة فيه عن مدركاتها، ولئلا يشتعل بالحرارة الحاصلة عن الحركات # PageV01P169 # الفكرية، وجعل مقدمه الذي هو منبت الأعصاب الحسية ألين من مؤخره الذي هو ~~منبت أعصاب الحركة، لأن الحركة لا تحصل إلا بالقوة، والقوة إنما تحصل ~~بالصلابة. ثم جلل الدماغ بغشاءين: (أحدهما) رقيق لين ملاصق لجوهره، و ~~(ثانيهما) غليظ صلب ملاصق للقحف، وهو مثقب بثقب كثيرة لاندفاع الفضول منه، ~~وانشعبت منه شعب دقاق تصعد من دروز القحف إلى ظاهره، ليتشبث بها هذا الغشاء ~~بالقحف ولا ينفصل عنه، وجعل بين جزئي الدماغ المقدم والمؤخر حجابا لطيفا ~~ليحجب عن مماسة الألين بالأصلب فيتأذى منه، وخلق تحت الدماغ بين الغشاء ~~الغليظ والعظم نسيجه (75) شبيهة بالشباك، وقد تكونت من الشرايين الصاعدة من ~~القلب والكبد إلى الدماغ، وقد فرشت هذه الشبكة تحت الدماغ، ليبرد فيها الدم ~~الشرياني والروح، ويتشبه بالمزاج الدماغي بعد النضج، ثم يتخلص إلى الدماغ ~~على التدريج، ولولاه لم يصلح الدم الكبدي والروح القلبي الكثرة حرارتهما ~~لتغذية الدماغ، ولم يناسبا جوهره، وجعل الفرج التي بين فروع هذه الشريانات ms124 ~~محشوة بلحم غددي لئلا تبقى خالية، ولتعتمد عليه تلك الفروع وتبقى على ~~أوضاعها. # ثم لما كان الدماغ مبدأ الحس والحركة. ولم يكن لسائر الأعضاء حس وحركة ~~بذاتها، وكان اللازم إيصالهما منه إليهما، ولم يكن ذلك ممكنا بدون واسطة في ~~الايصال، فخلق (الأعصاب) من جوهره، ووصلها منه إلى سائر الأعضاء من العظام ~~وغيرها، ليفيدها الدماغ بتوسطها حسا وحركة، وليشد ويتقوى بها اللحم والبدن، ~~وأيضا لم يجعلها متصلة بالعظم مفردة، بل بعد اختلاطها باللحم والرباط، لئلا ~~يتأذى من صلابته. # ثم لما كان نزول جميع الأعصاب التي يحتاج إليها من الدماغ موجبا لثقل ~~الرأس وعظمه، خلق الله من جوهر الدماغ أشبه شئ به وهو (النخاع) وجعل في ~~أسفل القحف ثقبا وأخرجه منها، وخصه بالعنق والصلب، وأخرج منه كثيرا من ~~الأعصاب المحتاج إليها إلى الأعضاء. فالدماغ بمنزلة العين والينبوع للحس ~~والحركة، والنخاع بمثابة النهر النهر العظيم الجاري منه # PageV01P170 # والأعصاب كالجداول. والمنبع ألين من النهر والنهر ألين من الجداول. # ثم انظر - يا حبيبي - كيف خلق (العين) وفتحها وأحسن شكلها ولونها ~~وهيئتها، ورتب لها سبع طبقات وثلاث رطوبات كل منها على شكل خاص ولون مخصوص، ~~لو تغير شئ منها عما عليه لاختل أمر الأبصار، وتأمل كيف أظهر في حدقتها ~~التي بمقدار العدسة صورة السماء مع اتساع أكنافها وتباعد أقطارها، وحماها ~~بالأجفان ليسترها ويحفظها ويصقلها، وجعلها وقاية لها يدفع بها الأقذاء ~~عنها، ويمنعها عن وصول الغبار والدخان والشعاع إليها عند انطباقها، وجعل ~~الجفن الأسفل أصغر من الأعلى، لأن الأعلى يستر الحدقة تارة ويكشفها أخرى ~~لتحركه، وأما الأسفل فغير متحرك، فلو زيد على هذا القدر يستر شيئا من ~~الحدقة دائما، ويجتمع فيه الفضول ولا تسيل. # ثم زين الأجفان ب‍ (الأهداب) ليمنع من الحدقة بعض الأشياء التي لا يمنعها ~~الأجفان مع انفتاح العين - كما ترى عند هبوب الرياح التي يأتي بالأقذاء - ~~فيفتح العين أدنى فتح، وتتصل الأهداب الفوقانية بالسفلانية، فيحصل شبه شباك ~~ينظر من وراثه، فتحصل الرؤية مع دفع القذى. # ثم انظر كيف شق (الأذن) وأودعها ما يحفظ سمعها ms125 ويدفع الهوام عنها، وجعل ~~ثقبها محاطة بصدفة مرتفعة لئلا تتأذى من البرد والحر وغيرهما مما يؤذي، ~~وليجتمع فيها الهواء المتحرك من الأصوات فينفذ فيها ويحرك الهواء الذي في ~~داخلها ويموجه - كما ترى من دوائر الماء إذا وقع فيه شئ - حتى يصل إلى ~~العصبة المفروشة على الصماخ التي فيها قوة السمع، فيدرك الصوت. وجعل في ~~منفذها تجويفات واعوجاجات كثيرة لتكثر حركة ما يدب فيها ويطول طريقها، ~~فيتنبه صاحبها إذا قصدته دابة مؤذية فيدفع شرها وخلق فيها جرما نتنا عفنا ~~لتنفر عنه الدواب المؤذية ولا تدخلها. # ثم تأمل كيف زين الوجه ب‍ (الحاجبين) وحسنهما بدقة الشعر واستقواس الشكل. # وزين وجه الرجل ب‍ (اللحية) ووجه المرأة بعدمها، والمتأمل يعرف إن اللحية ~~زين للرجل وشين للمرأة، وهذا من عجائب الحكمة. # وزين الوجه برفع (الأنفس) من وسطه، وحسن شكله وفتح منخريه، وأودع فيهما ~~حاسة الشم ليستدل باستنشاق الروائح على مطاعمه وأغذيته، PageV01P171 # وليستنشق الهواء الطيب الصافي، ويدفع الهواء الحار الدخاني، ترويحا ~~لقلبه، وجعل له منخرين لتميل الفضلات النازلة من الدماغ غالبا إلى أحدهما، ~~ويبقى الآخر مفتوحا، فلا تسد طرق الاستنشاق بأسرها. # ثم أنظر إلى (الفم) وعجائبه وإلى اللسان وغرائبه، فإنه سبحانه لعظيم ~~قدرته وحكمته فتح الفهم، وأودعه اللسان وجعله ناطقا معربا عما في القلب، ~~ومكنه من التكلم باللغات المتخالفة وتقطيع الأصوات وإخراج الحروف ~~المتباينة، وجعل له قدرة على الحركة في مخارج مختلفة تختلف بها الحروف ~~ليتسع طريق النطق بكثرتها. وخلق (الفكين) وركب فيهما الأسنان لتكون آلة ~~للطحن والقطع والكسر، فأحكم أصولها، وحسن لونها، ورتب صفوفها متساوية ~~الرؤوس متناسقة الترتيب، كالدرر المنظومة، مختلفة الأشكال باختلاف الأغراض ~~والمقاصد، متفاوتة الأوضاع بتفاوت الغايات والفوائد ولما كان الطعام يحتاج ~~تارة إلى الكسر وتارة إلى القطع وأخرى إلى الطحن. فقسم الأضراس إلى عريضة ~~طواحن كالأضراس، وإلى حادة قواطع كالرباعيات، وإلى ما يصلح للكسر كالأنياب. ~~والأضراس التي في الفك الأعلى لما كانت معلقة جعل أصولها ثلاثة أو أربعة، ~~والتي في الفك الأسفل اكتفى في أصولها باثنين أو ثلاثة لعدم الاحتياج، وجعل ~~لسائر ms126 الأسنان أصلا واحدا لعدم ثقل فيها. ثم جعل مفصل (الفكين) متخلخلا ~~بحيث يتقدم الفك الأسفل ويتأخر حتى يدور على الفك الأعلى دوران الرحى، وهو ~~ثابت لا يتحرك، فيتم الطحن بذلك. فانظر في عجيب صنع الله في هذه الرحى حيث ~~يدور الأسفل. منها على الأعلى على خلاف سائر الأرحية، لدوران الأعلى منها ~~على الأسفل. والحكمة في تحرك الأسفل دون الأعلى: إن الأعلى مجمع الدماغ ~~والحواس، فتحركه كان موجبا لأذيتهما واضطرابهما، وأيضا هو مفصل الرأس ~~والعنق، فلو تحرك لم يستحكم، مع أن الوثاقة فيه لازمة. ثم لما كان مضغ ~~الطعام محتاجا إلى تحركه فيما تحت الأسنان، فأعطى الله سبحانه قدرة اللسان ~~على أن يطوف في جوانب الفم ويرد الطعام من الوسط إلى الأسنان بحسب الحاجة. ~~ولما كان الطعام يابسا فلم يمكن ابتلاعه إلا بنوع رطوبة، فخلق تحت اللسان ~~عينا جارية يفيض منها اللعاب وينصب PageV01P172 # بقدر الحاجة، حتى يعجن به الطعام ويقدر على ابتلاعه. # ثم تفكر كيف خلق (الحناجر) وهيأها لخروج الأصوات، وجعلها مختلفة الأشكال ~~في الضيق والسعة والخشونة والملاسة والطول والقصر وصلابة الجوهر ورخاوته، ~~حتى اختلفت بها الأصوات، فلا يتشابه صوتان، بل يظهر به بين كل صوتين فرق ~~حتى يميز السامع أصوات آحاد الناس بمجرد سماعها في الظلمة والغيبة. # ثم مد (العنق) وجعله مركبا للرأس، وركبه من سبع خرزات مجوفات مستديرات ~~فيها تجويفات وزيادات ونقصان، لينطبق البعض على البعض ، ولما كان أكثر ~~منافعه في الحركة جعل مفاصله سلسلة، ولم يجعل زوائدها المفصلية كبيرة ~~كزوائد فقرات الصلب، لتكون حركاته أسرع، وتدارك تلك السلاسة بأعصاب وعضلات ~~كثيرة محيطة به. # ثم انظر إلى عجائب (المعدة) وآلاتها التي يتم بها الأكل، فجعل سطح الفم ~~متصلا بفم المعدة بحيث كأنهما سطح واحد، حتى يحصل أولا نوع انهضام بالمضغ، ~~ثم هيأ (المرئ) (76) والحنجرة، وجعل على رأسها طبقات تنفتح لأخذ الطعام ثم ~~تنطبق وتنضغط حتى يهوي الطعام من دهليز المرئ إلى المعدة، وإذا ورد عليها ~~لا يصلح لأن يصير عظما ولحما ودما على هذه الهيئة، بل لا بد أن ms127 ينطبخ ~~انطباخا تاما تتشابه أجزاؤه، فخلق الله المعدة على هيئة قدر يقع فيه الطعام ~~وتنغلق عليه الأبواب، وخلق فيها حرارة صالحة للطبخ، ومع ذلك جعلها محاطة من ~~جوانبها الأربعة بالحرارة المنبجسة من الكبد والطحال والثرب ولحم الصلب، ~~فمن هذه الحرارات ينطبخ الطعام في المعدة وينهضم، حتى يصير كيلوسا (77) أي ~~جوهرا سيالا ليشبه ماء الكشك (87) الثخين. # ثم خلق الله بعظيم حكمته ورأفته لإيصال صفو ما طبخ في المعدة إلى الكبد ~~قسمين من العروق: (أحدهما) العروق المخلوقة في تحت المعدة المتصلة # PageV01P173 # بالمعاء المسماة ب‍ (ماساريقا) (79)، وجعل لها فوهات كثيرة لينصب لطيف ~~المطبوخ فيها، و (ثانيهما) العرق المسمى بباب الكبد النافذ فيه بعد تفرقه ~~بعروق شعرية ليفية منتشرة في أجزائه، وجعل الماساريقا متصلة بباب الكبد ~~فإذا انصب خالص الكيلوس في الماساريقا يوصله إلى باب الكبد، وينصب منه إلى ~~العروق الليفية المتفرقة في جهر الكبد، فتستولي قوة الكبد على هذا الكيلوس، ~~بحيث يلاقي كله كله، ولذا يصير فعله فيه أشد وأسرع، فيمتصه ويجذبه إلى نفسه ~~فيطبخه ويفيده الحرارة والحمرة، حتى ينصبغ بلون الدم، ومن هذا الطبخ يحصل ~~شئ كالرغوة وهي (الصفراء)، وشئ كالدودي وهو (السوداء)، وشئ كبياض البيض وهو ~~(البلغم)، وهو كما يتكون من هذا الطبخ يتكون من الطبخ الأول أيضا، وقد يصير ~~شئ من هذا البلغم إلى الكبد مع عصارة الطعام، ويبقى المتصفي من هذه الجملة ~~دما ناضجا ذا رطوبة مائية منتشرة في العروق الشعرية، فلو بقيت الصفراء ~~والسوداء والبلغم والمائية مختلطة بالدم ولم تنفصل عنه لفسد مزاج البدن، ~~فخلق الله بحكمته الكليتين والمرارة والطحال، وجعل لكل منهما عنقا ممدودا ~~في الكبد، وجعل عنقي الآخرين داخلا في تجويف الكبد، ولم يجعل عنقي الكليتين ~~داخلا في تجويفه، بل جعلهما متصلين بالعروق الطالعة من حدبة الكبد حتى ~~يجذبا مائيته بعد الطلوع من العروق الدقيقة التي في الكبد، إذ لو اجتذبت ~~قبل ذلك لغلظت ولم تخرج بسهولة عن العروق الدقيقة الشعرية. # ثم إذا انجذبت المائية من جانب محدب الكبد من طريق العروق الطالعة منه ~~إلى الكليتين، ms128 حملت مع نفسها من الدم ما يكون صالحا كما وكيفا لغذائهما ~~فتغذوان الدسومة والدموية من تلك المائية، ويندفع باقيها إلى المثانة ومنها ~~إلى الإحليل. وأما (المرارة) فتأخذ الرغوة الصفراوية من محدب الكبد بعنقها ~~الذي اتصل بالكبد، وتقذفها من منفذ آخر لها إلى الأمعاء، ليلذعها بحدتها ~~فتحركها على دفع الأثقال التي بقيت من الكيلوس بعد ذهاب صفوه إلى الكبد، ~~فينضغط حتى تندفع منها الأثقال، وبخروجها تخرج تلك الرغوة الصفراوية، ~~وصفرتها لذلك. وأما (الطحال) فيأخذ بعنقه المتصل # PageV01P174 # بمحدب الكبد منه الرسوب السوداوي ويحيله حتى يكتسب قبضا وحموضة ثم يرسل ~~منه في كل يوم شيئا إلى فم المعدة لتتنبه بالجوع، فيحرك الشهوة بحموضته ~~وقبضه، ثم يخرج بخروج الثفل أيضا. وأما (الدم) فيتوجه إلى الأعضاء ويتوزع ~~عليها في شعب العرق الأجوف العظيم الثابت من محدب الكبد، فيسلك في الأوردة ~~المتشعبة منه في جداول، ثم في سواقي الجداول، ثم في رواضع السواقي، ثم في ~~العروق الشعرية الليفية، ثم يترشح من فوهاتها في الأعضاء بتقدير خالق الأرض ~~والسماء. # ومما ذكر ظهر أنه لو حدث بواحد من المرارة والطحال والكليتين آفة، فسد ~~الدم وحصلت أمراض الخلط الذي يجذبه من الكبد، فلو عرضت آفة بالمرارة حدثت ~~الأمراض الصفراوية، ولو حلت آفة بالطحال حصلت أمراض سوداوية، ولو لم تندفع ~~المائية إلى الكلى بعروض آفة لها حصل مرض الاستسقاء. # وأما (البلغم) فما يتكون في الكبد أو يصير إليه مع عصارة الطعام انهضم ~~فيه وصار دما، وما بقي منه في الأمعاء ولم ينحدر إلى الكبد انغسل بمرة ~~الصفراء التي شأنها تنقية الأمعاء من الفضول بحرافتها وحدتها وسيلانها، ومن ~~البلغم ما يبقى في البدن لاحتياجه إليه في حركة المفاصل وترطيب الأمعاء ~~ومنه ما يخرج من الفم بالقئ والبصاق أو ينحدر من الرأس إلى الفم ويخرج منه ~~بالتنخع. # ثم انظر - يا أخي - في (القلب) وعجائبه، حيث خلقه جسما صنوبريا وجعله ~~منبعا لروح الحياة، ولذا خلقه صلبا ليكون محفوظا من الوارادت، وجعل هذا ~~الروح جرما حارا لطيفا نورانيا شفافا، وجعله مطية للنفس وقواها، وأناط ms129 به ~~حياة الإنسان وبقاءه، فيبقى ببقائه ويفنى بفنائه، فكل عضو يفيض عليه من ~~سلطان نوره يكون حيا، وإلا كان ميتا، ولذا لو حصل بعضو سدة مانعة من نفوذه ~~فيه بطل حسه وحركته. ويتوزع هذا الروح من القلب الذي هو منبعه إلى سائر ~~الأعضاء العالية والسافلة، بوساطة سفراء الشرايين والأوردة. فما يصعد منه ~~إلى الدماغ بأيدي خوادم الشرايين ويعتدل بكسب البرودة من جوهر الدماغ، ثم ~~يفيض على الأعضاء المدركة PageV01P175 # والمتحركة منبثا في جميع البدن، يسمى (روحا نفسانيا). وما ينزل بصحابة ~~أمناء الأوردة إلى الكبد الذي هو مبدأ القوى النباتية، ومنه يتفرق إلى سائر ~~الأعضاء، يسمى (روحا طبيعيا). وقد خلق الله سبحانه هذا الروح من لطائف ~~الأمشاج الأربعة، كما خلق الأعضاء من كثائفها. وهذا الروح مثاله جرم نار ~~السراج، والقلب الذي محله كالمسرجة له، والدم الأسود الذي في باطن القلب ~~ويتكون هذا البخار اللطيف منه بمنزلة الفتيلة له، والغذاء له كالزيت، ~~والحياة الظاهرة في جميع أجزاء البدن بسببه كالضواء للسراج في جملة البيت، ~~وكما إن السراج إذا انقطع زيته انطفأ، فسراج الروح أيضا ينطفئ مهما انقطع ~~غذاؤه، وكما إن الفتيلة قد تحترق وتصير رمادا بحيث لا تقبل الزيت، فكذلك ~~الدم الأسود الذي في باطن القلب قد يحترق بحيث لا يقبل الغذاء الذي تبقى ~~الروح به، كما لا يقبل الرماد الزيت قبولا تتشبث النار به، وكما إن السراج ~~ينطفئ تارة بسبب من داخل - كما ذكرنا - وتارة بسبب من خارج، كهبوب ريح أو ~~إطفاء إنسان، فكذلك انطفاء الروح تارة يكون بسبب من داخل وتارة بسبب من ~~خارج، كالقتل، وكما إن انطفاء السراج هو منتهى وقت وجوده كذلك انطفاء الروح ~~هو منتهى وقت وجود الإنسان، وهو أجله الذي أجل له في أم الكتاب. # وكما إن السراج إذا انطفأ أظلم البيت كله كذلك الروح إذا انطفأ أظلم ~~البدن كله، وفارقته أنواره التي كان يستفيدها من الروح، وهي أنوار ~~الاحساسات والقدرة والإرادات وسائر ما يجمعها معنى الحياة. # ثم انظر - يا حبيبي - إن كنت من أهل اليقظة في ms130 (اليدين) وحكمتهما، حيث ~~طولهما لتمتدا إلى المقاصد، وعرض الكهف ووضع عليها الأصابع الخمس، وقسم كل ~~إصبع بثلاث أنامل، وجعل الإبهام في جانب، والبواقي في جانب، ليدور عليها، ~~ولو اجتمع الأولون والآخرون على أن يستنبطوا بدقيق الفكر وجهان آخر في وضع ~~الأصابع سوى ما وضعت عليه من بعد الإبهام من الأربع وترتبها في صف واحد ~~وتفاوتها في الطول والقصر، على أن يكون هذا الوجه أزين وأصلح منه أو مثله ~~وشبهه في الزينة والمصلحة لم يقدروا عليه، إذ بهذا الترتيب صلحت للقبض ~~والإعطاء، فإن بسطتها كانت PageV01P176 # لك طبقا تضع عليها ما تريد، وإن جمعتها كانت لك آلة للضرب، وإن نشرتها ثم ~~ضممتها كانت آلة للقبض، وإن ضممتها ضما غير نام كانت لك مغرفة، وإن وضعت ~~الإبهام على السبابة كانت لك مخرقة، وإن بسطت الكف مع اتصال الأصابع كانت ~~لك مجرفة. وإن بسطت الكف وجمعت عليها الأصابع كانت لك محرزة، إلى غير ذلك ~~من المنافع. # ثم خلق (الأظفار) على رؤوسها، زينة للأنامل وعمادا لها من ورائها، حتى لا ~~تنفت، وليلتقط بها الأشياء الدقيقة التي لا تتناولها الأنامل، وليحك بها ~~بدنه عند الحاجة، فالظفر الذي هو أخس الأعضاء لو عدمه الإنسان وحدثت به حكة ~~لكان أضعف الخلق وأعجزهم، ثم هدى (اليد) إلى موضع الحك حتى تمتد إليه ولو ~~في حالة النوم والغفلة، من غير حاجة إلى فحص وطلب، ولو استعان بغيره لم ~~يعثر على موضع الحك. # ثم خلق (الرجلين) مركبتين من الفخذ والساق والقدم، كل منها على شكل خاص ~~وتركيب خاص، ليتحرك بهما الإنسان إلى أي موضع أراد، ولو تغير شئ من الشكل ~~أو الوضع أو التركيب في جزء من أجزائهما لاختل أمر الحركة، ووضع عليهما ~~جملة البدن وجعلهما دعامة وأساسا له وحاملين لثقله، مع خفتهما وصغر جثتهما ~~بالنسبة إليه، إذ حسن التركيب وسهولة الحمل والحركة في مثل هذا الخلق لا ~~يتصور بدون ذلك. فانظر في عجيب حكمة ربك حيث جعل الأخف والأدق والأصغر ~~أساسا وحاملا للأثقل والأغلظ والأكبر، مع إن كل بناء يكون ms131 أساسه أكبر وأغلظ ~~مما يبنى عليه، وكل حامل يكون أعظم جثة من المحمول، فسبحانه من خالق لا ~~نهاية لعجائب حكمته وغرائب قدرته. # ثم خلق جميع ذلك في النطفة في جوف الرحم في ظلمات ثلاث، ولو كشف عنها ~~الغطاء وامتد إليها البصر، لكان يرى التخطيط والتصوير يظهر عليها شيئا ~~فشيئا، ولا يرى المصور ولا آلته، فسبحانه من مصور فاعل يتصرف في مصنوعه من ~~دون احتياج إلى مباشرة آلة ولا افتقار إلى مكادحة عمل. # تذنيب ثم تأمل - أيها المتأمل - في عجائب حكم ربك: إنه لما كبر الصبي ~~PageV01P177 # وضاق عنه الرحم كيف هداه السبيل إلى الخروج حتى تنكس وتحرك، وخرج من ذلك ~~المضيق كأنه عاقل بصير، ولما خرج وكان محتاجا إلى الغذاء ولم يحتمل بدنه ~~الأغذية الكثيفة للينه ورخاوته خلق له اللبن اللطيف، واستخرجه من بين الفرث ~~والدم، خالصا سائغا، وخلق الثديين وجمع فيهما هذا اللبن، وأنبت منهما ~~الحلمة على قدر ما ينطبق فم الصبي، وهداه إلى التقامها، وفتح فيها ثقبا ~~ضيقة جدا، حتى لا يخرج اللبن إلا بعد المص تدريجا، لأن الطفل لا يطيق منه ~~إلا القليل، ثم هداه إلى الامتصاص حتى يستخرج من مثل هذا المضيق اللبن ~~الكثير عند شدة الجوع، وأخر خلق الأسنان إلى تمام الحولين، لأنه لا يحتاج ~~فيهما إليها لتغذيه باللبن، وما دام مغتذيا به لما كان في دماغه رطوبة ~~كثيرة سلط عليه البكاء، لتسيل به تلك الرطوبة، فلا تنزل إلى بصره أو إلى ~~غيره من أعضائه فتفسده. ثم لما كبر ولم يوافقه اللبن السخيف وافتقر إلى ~~الأغذية الغليظة المحتاجة إلى المضغ والطحن أنبت له الأسنان عند الحاجة من ~~دون تقديم وتأخير، وحنن عليه قلوب الوالدين بالقيام على تربيته وتكفل حاله ~~ما دام عاجزا عن تدبير نفسه. # ثم رزقه الإدراك والفهم والقدرة والعقل على التدريج حتى بلغ ما بلغ، ~~وأودع في نفسه المجردة وقواها الباطنة أسرارا عجيبة تحير طوامح العقول ~~وتدهش منها نواقب الأنظار والفهوم. فانظر إلى قوة الخيال بعرضيتها الغير ~~المنقسمة كيف تطوى السماء والأرض وتتحرك من ms132 المغرب إلى المشرق في آن واحد، ~~وإلى قوة الوهم كيف تستنبط كثرة المعاني الجزئية في لحظة واحدة، وتأخذها من ~~حواق الأشياء، وإلى المتخيلة كيف تركب بعضها بالبعض وتأخذ منها ما فيه ~~الصلاح والرشاد في أمر المعاش والمعاد. # ثم انظر في عجائب النفس وعالمها: من إحاطتها بالبدن كله وتدبيرها له، مع ~~تنزهها عن صقع المكان واتصافها بالعلم والقدرة وسائر الصفات الكمالية، ~~وتمكنها من الإحاطة على حقائق الأشياء بأسرها، وتصرفها في الملك والملكوت ~~بقوتها العقلية والعملية، ومع ذلك عاجزة عن معرفة ذاتها وحقيقتها، ومن ~~تطوراتها في الأطوار المختلفة، وتقلبها في النشآت المتباينة، وترقياتها ~~بحسب درجاتها ومقاماتها، من لدن تعلقها بالنطفة القذرة إلى صيرورتها عالما ~~ربانيا PageV01P178 # محيطا بحقائق الأشياء متصلا بالملكوت الأعلى، ومن اجتماع عوالم السباع ~~والبهائم والملائكة والشياطين فيه (80)، وإطاعة جميع الموجودات له، حتى ~~السباع تخضع لديه والطيور تخفض أجنحة الذل بين يديه، ويستخدم الجن ويسخر ~~الكواكب وروحانيتها، ومن عجائب عالمه الطبع الموزون والصوت الحسن، وعلمه ~~بصناعة الموسيقى، واستنباطه أنواع صنائع الأرض، وقد يتعدى إلى عالم العجيبة ~~والحرف الغريبة. # ومنها أمر الرؤيا وإخباره بالمغيبات لاتصاله بالجواهر الروحانية، وتأثيره ~~في مواد الأكوان ينزع صورة وإلباس أخرى، فيؤثر فانقطاعه إلى الله في ~~استحالة الهواء إلى الغيم ونزول الأمطار، وإزالة أنواع الأمراض، وإهلاك قوم ~~وإنجائهم، وتمكنه من فعل أو تحريك يخرج عن وسع مثله، وإمساك عن القوت مدة ~~غير معتادة، واقتداره على إظهار بدنه المثالي في مواضع مختلفة في وقت واحد، ~~وإحضاره ما يريده من المطاعم والملابس، ومصاحبته مع الملائكة وأخذ العلوم. ~~فانظر - يا أخي - إن كنت من أهل اليقظة إلى قدرة ربك العظيم حيث أودع جميع ~~ذلك فيما عرفت حاله من النطفة السخيفة القذرة، وهذه النطفة هي التي قد تصير ~~ملكا شديد الهمة والبطش مسخرا للربع المسكون، بحيث ينوط به انتظام النوع ~~واختلاله، وقد يصير بحيث تظهر منه خوارق العادات وغرائب المعجزات في عالم ~~الأرض، وقد يتعدى إلى عالم الأفلاك، فينشق القمر ويرد الشمس. # وليت شعري إن الناس كيف يتعجبون من صيرورة الميت حيا، ms133 مع أنه جثته كانت ~~موجودة وإنما أفيض عليه مجرد حس وحركة، ولا يتعجبون من بلوغ قطرة ماء قذرة ~~إلى المراتب التي عرفتها، وليس المنشأ لذلك إلا كثرة مشاهدتهم وتكرر ~~ملاحظتهم له، مع أن هذا لا يدفع العجب والغرابة لو نظروا بعين العبرة ~~والبصيرة، إذ منشأهما إما عظم الصنع وحسن الابداع، فهما في بلوغ النطفة إلى ~~المراتب المذكورة أقوى وأشد من إحياء ميت، أو دلالة هذا الصنع والفعل على ~~صانع حكيم وفاعل عليهم، فلا ريب أيضا في # PageV01P179 # إن دلالة الأول على ذلك أشد من دلالة الثاني عليه، إذ كل من رزق أدنى حظ ~~من البصيرة يعلم أن بلوغ قطرة ماء قذرة إلى المراتب المذكورة ليس إلا من ~~قدرة قادر حكيم وصنع صانع عليم، أو من حدوث الفعل من دون مشاهدة سبب مباشر، ~~فهذا في أمر النطفة أظهر، وعلى أي تقدير كان يكون التعجب والغرابة في بلوغ ~~النطفة السخيفة القذرة إلى المراتب المذكورة أشد وأحرى من التعجب في إحياء ~~ميت أو إبراء أكمه أو أبرص أو تكلم حيوان أو نبات أو جماد أو غير ذلك من ~~خوارق العادات وغرائب المعجزات، فالنظر الذي لا يقتضي منه العجب إنما هو ~~نظرة حمقاء لم ينشأ عن حقيقة الروية والاتقان ولم يصدر عن ذي قلب يقظان. ~~وبالجملة: الحكم والعجائب المودعة في النشأة الإنسانية أكثر من أن تحصى، ~~وإنما أشرنا إلى نبذة قليلة منها تبصرة لمن استبصر، وتنبيها على كيفية ~~التفكر في سائر مجاري الفكر والنظر قال الإمام أبو عبد الله الصادق (ع): " ~~إن الصورة الإنسانية أكبر حجة لله على خلقه، وهي الكتاب الذي كتبه بيده، ~~وهي الهيكل الذي بناه بحكمته، وهي مجموع صور العالمين، وهي المختصر من ~~العلوم في اللوح المحفوظ، وهي الشاهد على كل غائب، وهي الحجة على كل جاحد، ~~وهي الطريق المستقيم إلى كل خير، وهي الصراط الممدود بين الجنة والنار ". # * * * وإذ عرفت نبذا من عجائب نفسك وبدنك، فقس عليه عجائب الأرض التي هي ~~مقرك: بوهادها وتلالها وسهلها وجبالها وأشجارها وأنهارها بحارها وأزهارها ~~وبرارها ms134 وعمارها ومدنها وأمصارها ومعادنها وجمادها وحيوانها ونباتها، فإن ~~كل ما نظرت إليه منها لو تأملته لوجدته مشتملا على غرائب حكم لا تعد وعجائب ~~مصالح لا تحد، ولرأيته آية باهرة على عظمة مبدعة وحجة قاطعة على جلالة ~~موجده. # فانظر - أولا - إلى (رواسي الجبال) وشوامخ الصم الصلاب، كيف أحكم بها ~~جوانب الأرض وأودع المياه تحتها، فانفجرت من هذه الأحجار اليابسة والتربة ~~الكدرة عذبة صافية، وأودع فيها الجواهر النفيسة العالية وهدى الناس إلى ~~استخراجها واستعمالها فيما ينبغي، وخلق في الأرض معادن PageV01P180 # يحتاج إليها نوع الإنسان، ولو فقد واحدا منها لم يتم انتظامه، ولم يترك ~~معمورة لم يكن في قربها هذه المعادن، وجعل ما يكون الاحتياج إليه أشد وأكثر ~~أعم وجودا وأقرب مسافة، كالملح ومثله. # ثم انظر إلى (أنواع النبات) بكثرتها واختلافها في الأشكال والألوان ~~والطعوم والروائح والخواص والمنافع، فهذا يغذي، وهذا يقوي، وهذا يقتل، وهذا ~~يحيي، وهذا يسخن، وهذا يبرد، وهذا يجفف، وهذا يرطب وهذا يسهر، وهذا ينوم، ~~وهذا يحزن، وهذا يفرح.. إلى غير ذلك من المنافع المختلفة والقوائد ~~المتباينة، مع اشتراكها في السقي من ماء واحد، والخروج من أرض واحدة. (فإن ~~قلت): اختلافها لاختلاف بذورها، (قلنا): متى كانت في النواة نخلة مطوقة ~~بعناقيد الرطب؟ ومتى كانت في حبة واحدة سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة؟ ~~وانظر إلى كل شجره ونبت إذا أنزل عليها الماء كيف يهتز ويربو وخضر وينمو ~~بجميع أجزائه من الأصول والأغصان والأوراق والأثمار على نسبة واحدة، من غير ~~زيادة لجزء على آخر، لوصول الماء إليها على نسبة واحدة وقسمته عليها ~~بالسوية، فمن هذا القاسم العدل في فعل ما ليس له شعور ولا إدراك؟ فتبا ~~لأقوام يسندون هذه الحكم المتقنة الظاهرة والمصالح المحكمة الباهرة إلى ما ~~لا خبر له بوجوده وذاته ولا بأفعاله وصفاته! # ثم انظر إلى (أنواع الحيوانات) وأصنافها وكثرتها واختلافها: من الطيور ~~والوحوش والسباع والبهائم، كيف هدى الله كل واحد منها إلى ترتيب المنزل ~~وتحصيل القوت، وجعل ما لا يتم معاش الإنسان بدونه من الأنعام والبهائم ~~مأنوسا ms135 به غير متوحش عنه، وغيره وحشيا عنه غير ألف به، وجعل في كل منها من ~~عجائب الحكم وغرائب المصالح ما تتحير منه العقول، فمن ذا الذي يقدر أن يحيط ~~بعجائب خلق العنكبوت والنحلة - بل البقة والنملة - وغرائب أفعالها مع كونها ~~من صغار الحيوانات، من وضع منازلها وجمع أقواتها وادخارها لنفسها وهدايتها ~~إلى حوائجها؟ # فأي مهندس يقدر على رسم بيوت النحل والعنكبوت على هذا التناسب الهندسي؟ ~~وانظر كيف جعل العنكبوت بيته شبكة ليصيد بها البق والذباب. # ج: 1 PageV01P181 # وبالجملة: كل شخص من الحيوان أودع فيه من العجائب ما لا يمكن وصفه، وكل ~~أحد إنما يدرك قدر ما يصل إليه فهمه. # ثم انتقل من عالم الأرض إلى (عالم البحر) وعجائبه من الحيوانات والجواهر ~~والنفائس، فإن العجائب المودعة فيه أضعاف عجائب الأرض، كما أن سعته أضعاف ~~سعته، وكل حيوان يوجد في الأرض يوجد فيه، وفيه حيوانات أخر ليس لها نظير في ~~البر أصلا، وقد يوجد فيه من الحيوانات ما عظمه بقدر جزيرة عظيمة، وكثيرا ما ~~ينزل الركبان عليه فيتحرك. ومن عجائبه خلق اللؤلؤ في صدفة تحت الماء، ~~وإنبات المرجان من صم الصخور تحته، مع كونه على هيئة شجرة ثابتة نامية... ~~وقس عليه الغير وسائر النفائس التي يقذفها البحر وتستخرج منه. وبالجملة: ~~عجائب البحر أضعاف عجائب البر، وقد صنف جماعة فيها مجلدات من الكتب، ومع ~~ذلك لم يأتوا إلا باليسير، ولم يذكروا إلا قليلا من كثير. # ثم انتقل إلى (عالم الجو) وعجائبه من السحب والغيوم والأمطار والثلوج ~~والشهب والبروق والصواعق والرعود، فانظر إلى السحاب الخفيف مع رخاوته كيف ~~يحمل الماء الثقيل ويسكن في جو صاف لا يتحرك إلا أن يأذن الله سبحانه في ~~إرساله الماء، وتقطيع القطرات كل قطرة بالقدر الذي شاء وأراد، فينزل قطرات ~~متفاصلة لا تدرك قطرة منها أخرى، ولا يتقدم المتأخر ولا يتأخر المتقدم، حتى ~~يصيب الأرض قطرة قطرة، وعين كل قطرة لجزء من الأرض أو قوتا لحيوان معين، ~~ولو كنت - يا حبيبي - ذا قلب لشاهدت في كل قطرة خطا إلهيا ms136 مكتوبا بقلم ~~إلهي: إنه يصيب الجزء الفلاني من الأرض، أو رزق للحيوان الفلاني في الموضع ~~الفلاني. # * * * ثم ارفع رأسك إلى هذا (السقف الأخضر) قائلا: سبحانك! ما خلقت هذا ~~باطلا. وانظر إلى هذه الأجرام النورية وعجائبها، واصرف برهة من وقتك في ~~الفحص عن حقائق غرائبها: من الشمس وإضاءتها عالم الأكوان، والقمر واختلاف ~~تشكلاته في الزيادة والنقصان، وسائر الأنجم الدائرة، والكواكب الثابتة ~~والسائرة، واختلاف صورها وأشكالها ومقاديرها PageV01P182 # وأوضاعها، وتفاوت مشارقها ومغاربها، وتباين منازلها ومواضعها، واجتماعها ~~واتصالها، وتفرقها وانفصالها، وطلوعها وأفولها، وكسوفها وخسوفها، وانتظام ~~حركاتها واتساق دورانها، وحسن وضعها وترتيبها وعجيب نضدها وترصيعها، بحيث ~~حصل من كيفية نضدها ووضعها صور جميع الحيوانات: # من العقرب والحمل والثور والجدي والانسان والحوت والسرطان، بل صور غير ~~الحيوان: من السنبلة والميزان والقوس والدلو وغير ذلك، حتى ما من صورة في ~~الأرض إلا ولها تمثال في السماء، أيظن عاقل أن وضع هذه الكواكب على هذه ~~الصورة واختلاف بعضها في اللون: ككمودة زحل، وحسرة المريخ، وقلب العقرب، ~~وصفرة عطارد، ورصاصية الزهرة والمشتري بمجرد الاتفاق، وليس لخالقها في ذلك ~~حكمة ومصلحة؟ فما أشد جهلا وحمقا من توهم ذلك! # ثم انظر إلى حركة (الشمس) يسير فلكها وإتمامها الدور بهذا السير في سنة، ~~وبه تقرب من وسط السماء وتبعد عنه، وبسير آخر تطلع وتغرب في كل يوم، وتتم ~~الدور بيوم وليلة فلولا سيرها الأول الموجب لغاية قربها إلى وسط السماء ~~مدة، وغاية بعدها عنه تارة، وتوسطها بين الغايتين مرتين، ولم تحصل الفصول ~~الأربعة الموجبة لنشو النباتات والثمار ونضجها وبلوغها إلى غاياتها ~~المطلوبة، ولولا سيرها الثاني لم يختلف الليل والنهار، فلم يتميز وقت ~~المعاش عن وقت الاستراحة، ولم تعرف المواقيت من الشهور والأعوام والساعات ~~والأيام. وتأمل في أنه لو لم تكن السماوات مستديرة وحركاتها دورية، لم يتم ~~شئ من الفوائد والحكم المطلوبة من الحركة والزمان وما ارتبط بها من أمور ~~العالم السفلي. # ثم انظر إلى عظم أقدار هذه الأجرام السماوية، حتى لا قدر لجميع العوالم ~~السفلية من الأرض والبحار وعالم الجو بالنسبة إليها، ms137 فلا يمكن أن يقال جميع ~~ذلك بالنسبة إليها، بل بالنسبة إلى فلك الشمس فقط - مثلا - كنسبة قطرة إلى ~~البحر المحيط، وقد قال المهندسون: إن جرم كوكب الشمس فقط مائة ونيف وستون ~~ضعف الأرض بجميعها، بل قال بعضهم أكثر من ذلك، ومع ذلك بينوا أن ثخن فلك ~~المريخ ثلاثة أمثال غلظ فلك PageV01P183 # الشمس، مع ما فيه من أفلاك الزهرة وعطارد والقمر والعناصر الأربعة، ثم ~~أصغر كوكب تراه في السماء هو مثل جميع الأرض ثماني مرات، وأكبرها ينتهي إلى ~~قريب من مائة وعشرين مثلا للأرض. # ثم انظر مع هذا العظم إلى سرعة حركتها وخفتها، فإن شدة سرعة حركتها مما ~~لا يمكن دركها، إلا أنك لا تشك في أن كل جزء من الفلك في لحظة يسيرة يسير ~~مقدار عرض كوكب، والزمان من طلوع أول جزء من كوكب إلى تمامه في غاية القلة. ~~وقد علمت أن هذا الكوكب إما مثل الأرض مائة ونيف وستين مرة أو أكثر أو مائة ~~وعشرين مرة أو مائة مرة، والأقل قدرا أن يكون مثلها ثماني مرات، فقد دار كل ~~جزء من الفلك في هذه اللحظة مثل الأرض مائة وسبعين مرة أو مائة وعشرين مرة. ~~وقد عبر روح الأمين عليه السلام عن سرعة حركة الفلك، إذ قال سيد الرسل - ~~صلى الله عليه وآله وسلم -: " هل زالت الشمس؟ " قال: لا. نعم! فقال له: # " كيف تقول لا. نعم! " فقال: من حيث قلت: لا، إلى أن قلت نعم، سارت الشمس ~~مسيرة خمسمائة عام. # فتيقظ - يا أخي - من نوم الطبيعة، وتأمل من الذي حرك هذه الأجسام الثقيلة ~~العظيمة بهذه الحركة السريعة الخفيفة، وأدخل صورتها مع اتساع أكنافها في ~~حدقة العين يصغرها، وتفكر من ذا الذي سخرها وأدار رحاها، فقل: (بسم الله ~~مجريها ومرسيها)، ولو نظرت إليها بعين البصيرة لعلمت أنها عباد طائعون ~~خاضعون، وعشاق إلهيون والهون، وبإشارة من ربهم إلى يوم القيامة رقاصون ~~دائرون. # وبالجملة: لو نظرت بعين العبرة في ذرات الوجود لا تجد ذرة من ملكوت ~~السماوات والأرض إلا وفيها غرائب حكمة يكل ms138 البيان عن وصفها، ولو كان لك قلب ~~وألقيت السمع وأنت شهيد، لعلمت أن جميع ذرات الكائنات شواهد ظاهرة وآيات ~~متظافرة على عظمة ربك الأعلى، وما من ذرة إلا وهي بلسان حالها ناطقة وعن ~~جلالة بارئها مفصحة، قائلة لأصحاب الشهود بحركاتها وسكناتها، ومنادية ~~لأرباب القلوب بنغماتها: أوما تنظرون إلى خلقي وتكويني وتصويري وتركيبي ~~واختلاف صفاتي وحالاتي وتحولي PageV01P184 # في أطواري وتقلباتي؟ أولا تشاهدون كثرة فوائدي ومنافعي وغرائب حكمي ~~ومصالحي؟ أتظنون أني تكونت بنفسي أو خلقني أحد من جنسي؟ أو تستحيون تنظرون ~~في كلمة مرقومة من ثلاثة أحرف، فتجزمون أنها صنعة آدمي مريد عالم ومتكلم ~~قادر، ثم تنظرون إلى عجائب الخطوط الإلهية المرقومة على صفحات وجهي ~~والعجائب الربانية المودعة في باطني وظاهري ومع ذلك عن عظمة ربي غافلون وعن ~~علمه وحكمته ذاهلون؟! # تتميم قد دريت إجمالا أن التفكر محصور بين التفكر في صفات الله وعجائب ~~أفعاله، والتفكر في ما يقرب العبد إلى الله ليفعله وفيما يبعده عنه ليتركه. ~~وغير ذلك من الأفكار ليس نافعا ولا متعلقا بالدين. مثال ذلك: # أن حال السائر إلى الله الطالب للقائه، كحال العاشق المستهتر، فكما أن ~~تفكره لا يتجاوز عن التفكر في معشوقه وجماله وفي صفاته وأفعاله وفي افعال ~~نفسه التي تقربه منه وتحببه إليه ليتصف بها، أو التي تبعده عنه وتسقطه عن ~~عينه ليتنزه عنها، ولو تفكر في غير ذلك كان ناقص العشق، كذلك المحب الخالص ~~لله ينبغي أن يحصر فكره في الله وفي صفاته وأفعاله وفيما يقربه منه ويحببه ~~إليه أو يبعده عنه، ولو تفكر في غير ذلك كان كاذبا فيما يدعيه من الشوق ~~والحب. # ثم التفكر في ذات الله، بل في بعض صفاته مما لا يجوز، وقد منعته الشريعة ~~الحقة الإلهية والحكمة المتعالية الحقيقية، لأن ذاته أجل من أن تكون مرقى ~~لأقدام الأفهام، أو مرمى لسهام الأوهام، فطرح النظر إليه يورث اختلاط الذهن ~~والحيرة، وجولان الفكر فيه يوجب اضطراب العقل والدهشة وبعض الصديقين ~~المتجردين عن جلباب البدن لو أطاقوا إليه مد البصر فإنما هو كالبرق ms139 الخاطف، ~~ولو تجاوزوا عن ذلك لاحترقوا من سبحات وجهه. # وحال الصديقين في ذلك كحال الإنسان في النظر إلى الشمس، فإنه وإن قدر على ~~مد البصر إليها، إلا أن إدامته يورث الضعف والعمش، بل لا مشابهة بين ~~الحالين، وإنما هو مجرد تقريب وتفهيم، فإن المناسبة بين نور الشمس ونور ~~البصر في الجملة ثابتة، وأين مثل هذه المناسبة بين نور البصر ونور ~~PageV01P185 # الأنوار القاهر على كل نور بالإحاطة والغلبة، وما من نور إلا وهو منبجس ~~من نوره ومترشح عن ظهوره، فكل نور في مرتبة نوره زائل، وكل ظهور في جنب ~~ظهوره وشروقه مضمحل باطل. # ولما كان التفكر في ذاته تعالى مذموما، فانحصر التفكر الممدوح في التفكر ~~في عجائب صنعه وبدائع خلقه - وقد تقدم - وفي ما يرقب العبد إلى الله من ~~الفضائل الخلقية والطاعات العضوية، وما يبعده عنه من الملكات الباطنة ~~والمعاصي الظاهرة. وهذه الملكات والأفعال هي المعبرة عنها بالمنجيات ~~والمهلكات والطاعات والسيئات التي تذكر في هذا الكتاب وفي غيره من كتب ~~الأخلاق، والمراد بالتفكر فيها ههنا أن يتفكر العبد في كل يوم وليلة في وقت ~~واحد أو أوقات متعددة في أخلاقه الباطنة وأعماله الظاهرة، ويتفحص عن حال ~~قلبه وأعضائه ومجتنبا عن الرذائل الباطنة، ووجد أعضاءه ملازمة للطاعات ~~والعبادات المتعلقة بها تاركة للمعاصي المنسوبة إليها، فليشكر الله على ~~عظيم توفيقه، وإن وجد في قلبه شيئا من الرذائل أو رآه خاليا عن بعض ~~الفضائل، فليبادر إلى العلاج بالقوانين المقررة، بعد التفكر في سوء خاتمته ~~وأدائه إلى مقت الله وهلاكه، وكذلك إن عثر بالتفكر على صدور معصية أو ترك ~~طاعة منه فليتداركه بالندم والتوبة وقضاء تلك الطاعة. # ولا ريب في أن هذا القسم من التفكر له مجال متسع والقدر الضروري منه ~~يستغرق اليوم بليلته، والاستقصاء فيه خارج عن حيطة شهر وسنة، إذ اللازم منه ~~أن يتفكر في كل يوم وليلة في كل واحد من الملكات المهلكة: # من البخل، والكبر، والعجب، والرياء، والحقد، والحسد، والجبن، وشدة الغضب ~~والحرص والطمع وشره الطعام والوقاع، وحب المال، وحب الجاه، ms140 والنفاق، وسوء ~~الظن، والغفلة، والغرور... وغير ذلك. وينظر بنور الفكرة والبصيرة في زوايا ~~قلبه، ويتفقد منها هذه الصفات، فإن وجدها بظنه خالية عنها، فليتفكر في ~~كيفية امتحان القلب والاستشهاد بالعلامات الدالة على البراءة اليقينية، فإن ~~النفس قد تلبس الأمر على صاحبها: فإن ادعت البراءة من الكبر، فينبغي أن ~~يمتحن بحمل قربة ماء أو حزمة حطب PageV01P186 # في السوق، فإن ادعت البراءة من الغضب فليجرب بإيقاعها في معرض إهانة ~~السفهاء، وهكذا فليمتحن في غيرهما من الصفات بالامتحانات التي كان الأولون ~~والسلف الصالحون يجربون بها أنفسهم، حتى يطمئن بانقطاع أصولها وفروعها من ~~قلبه. ولو وجد بالامتحان أو تصريح المشاهدة والعيان شيئا منها في قلبه، ~~فليتفكر في كيفية الخلاص من المعالجة بالضد أو بالموعظة والنصيحة والتوبيخ ~~والملامة، أو ملازمة أولي الأخلاق الفاضلة ومجالسة أصحاب الورع والتقوى، أو ~~بالرياضة والمجاهدة وغير ذلك. فإن نفع شئ منها في الإزالة بالسهولة فليحمد ~~الله على ذلك، وإلا فليواظب على هذه المعالجات وتكررها حتى يوفقه الله ~~للخلاص بمقتضى وعده. # ثم يتفكر في كل واحد من الفضائل المنجية: كاليقين، والتوكل، والصبر على ~~البلاء، والرضا بالقضاء، والشكر على النعماء، واعتدال الخوف والرجاء، ~~والشجاعة والسخاء والزهد والورع، والاخلاص في العمل، وستر العيوب، والندم ~~على الذنوب، وحسن الخلق مع الخلق، وحب الله والخشوع له... وغير ذلك، فإن ~~وجد قلبه متصفا بالجميع فليجزيه بالعاملات حتى يطمئن من تلبيس النفس - كما ~~علمت طريقه - وإن وجد قلبه خاليا من شئ منها فليفكر في طريق تحصيله - كما ~~أشير إليه -. ثم يتوجه إلى كل واحد من أعضائه ويتفكر في المعاصي المتعلقة ~~به، مثل أن ينظر في لسانه، ويتفكر في أنه هل صدر منه شئ من الغيبة، أو ~~الكذب، أو الفحش، أو فضول الكلام، أو النميمة، أو الثناء على النفس، أو غير ~~ذلك. ثم ينظر في بطنه هل عصى الله بأكل حرام أو شبهة، أو كثرة مانعة عن ~~صفاء النفس وغير ذلك... وهكذا يفعل في كل عضو عضو. # ثم يتفكر في الطاعات المتعلقة بكل واحد منها وفيما خلق هذا ms141 العضو لأجله ~~من الفرائض والنوافل، فإن وجد - بعد التفكر - عدم صدور شئ من المعاصي عن شئ ~~منها، وإتيانها بالطاعات المفروضة عليها بأسرها وبالنوافل المرغبة إليها ~~بقدر اليسر والاستطاعة، فليحمد الله على ذلك، وإن عثر على صدور شئ من ~~المعاصي أو ترك شئ من الفرائض، فليتفكر أولا في الأسباب الباعثة على ذلك، ~~من الاشتغال بفضول الدنيا أو مصاحبة أقران PageV01P187 # السوء أو غير ذلك، فليبادر إلى قطع السبب، ثم التدارك بالتوبة والندم، ~~لئلا يكون غده مثل يومه. وهذا القدر من التفكر في كل يوم وليلة لازم لكل ~~دين معتقد بالنشأة الآخرة، وقد كان ذلك عادة وديدنا لسلفنا المتقين في ~~صبيحة كل يوم أو عشية كل ليلة، بل كانت لهم جريدة يكتبون فيها رؤس المهلكات ~~والمنجيات ويعرضون في كل يوم وليلة صفاتهم عليها، ومهما اطمأنوا بقطع رذيلة ~~أو الاتصاف بفضيلة يخطون عليها في الجريدة، ويدعون الفكر فيها، ثم يقبلون ~~على البواقي، وهكذا يفعلون حتى يخطوا على الجميع ومن كان أقل مرتبة منهم من ~~الصلحاء ربما يثبتون في جريدتهم بعض المعاصي الظاهرة، من أكل الحرام، ~~والشبهة، وإطلاق اللسان، والكذب، والغيبة والمراء، والنميمة، والمداهنة مع ~~الخلق بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... وغير ذلك، ويفعلون بمثل ما ~~مر. # وبالجملة: كان إخواننا السالفون وسلفنا الصالحون لا ينفكون عن هذا النوع ~~من التفكر، ويرونه من لوازم الإيمان بالحساب، فأف علينا حيث تركنا بهم ~~التأسي والقدوة، وخضعنا في غمرات الغفلة، ولعمري أنهم لو رأونا لحكموا ~~بكفرنا وعدم إيماننا بيوم الحساب، كيف وأعمالنا لا تشابه أعمال من يؤمن ~~بالجنة والنار. فإن من خاف شيئا هرب منه، ومن رجا شيئا طلبه، ونحن ندعي ~~الخوف من النار ونعلم أن الهرب منها بترك المعاصي ومع ذلك منهمكون فيها، ~~وندعي الشوق إلى الجنة ونعلم أن الوصول إليها بكثرة الطاعات ومع ذلك مقصرون ~~في فعلها. # ثم هذا النوع من التفكر إنما هو تفكر العلماء والصالحين، وأما تفكر ~~الصديقين فأجل من ذلك، لأنهم مستغرقون في لجة الحب والأنس، منقطعون ~~بشراشرهم إلى جناب القدس، ففكرهم مقصور ms142 على جلال الله وجماله وقلبهم مستهتر ~~به، بحيث فنى عن نفسه ونسي صفاته وأحواله، فحالهم أبدا كحال العشاق ~~المستهترين عند لقاء المعشوق، ولا تظنن أن هذا التفكر - بل أدنى مراتب ~~التلذذ بالتفكر في عظمة الله وجلاله - ممكن الحصول بدون الانفكاك عن جميع ~~الرذائل المهلكة والاتصاف بجميع الفضائل المنجية، فإن حال المتفكر في جلال ~~الله وعظمته مع اتصافه بالأخلاق الرذيلة، كحال العاشق الذي خلي PageV01P188 # بمحبوبه، وكان تحت ثيابه حيات وعقارب تلدغه مرة بعد أخرى، فتمنعه عن لذة ~~المشاهدة والأنس. ولا يتم ابتهاجه إلا بإخراجها عن ثيابه. ولا ريب أن ~~الملكات الرذيلة كلها كالحيات والعقارب مؤذيات ومشوشات، ومن كان له أدنى ~~معرفة وتوجه إلى مناجاة ربه وكان في نفسه شئ منها، يجد أنه كيف يشوشه ويصده ~~عن الابتهاج، ثم إن لدغ هذه الصفات لا يظهر ظهورا بينا للمنهمكين في علائق ~~الطبيعة، وبعد مفارقة النفس عن البدن يشتد ألم لدغها بحيث يزيد على ألم لدغ ~~الحيات والعقارب بمراتب شتى. # نصيحة تيقظ - يا حبيبي - من نوم الغفلة، وتفكر اليوم لغدك، قبل أن تنشب ~~مخالب الموت في جسدك، ولا تنفك قوتك العاقلة عن التفكر في صفاتك وأحوالك، ~~واعلم على سبيل القطع واليقين أن كل ما في نفسك من فضيلة أو رذيلة وكل ما ~~يصدر عنك من طاعة أو معصية يكون بإزائه جزاء عند رحلتك عن هذه الدار ~~الفانية، واسمع قول سيد الرسل (ص) ولو كنت ذا قلب لكفاك إيقاظا وتنبيها، ~~حيث قال: " إن روح القدس نفث في روعي: # أحب ما أحببت فإنك مفارقه، وعش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزى ~~به ". ولعمري أنك إن كنت مؤمنا بالمبدأ والمعاد لكفاك هذا الكلام واعظا ~~وحائلا بينك وبين الالتفات إلى الدنيا وأهلها. وبالجملة: # ينبغي للمؤمن ألا يخلو في كل يوم وليلة عن التفكر في صفاته وأفعاله، وإذا ~~صرف برهة من وقته في هذا التفكر وبرهة أخرى في التفكر في عجائب قدرة ربه، ~~وصار ذلك معتادا له، حصل لنفسه كمال قوتيها العقلية والعملية، وخلصت عن ~~الوساوس ms143 الشيطانية والخواطر النفسانية، وفقنا الله بعظيم فضله للوصول إلى ~~ما خلقنا لأجله. # (ومنها) - أي ومن رذائل القوة العاقلة - استنباط وجوده: # المكر والحيل للوصول إلى مقتضيات قوتي الغضب والشهوة. وأعلم أن المكر، ~~والحيلة، والخدعة، والنكر، والدهاء: ألفاظ مترادفة، وهي في اللغة قد تطلق ~~على شدة الفطانة، وأرباب المعقول يطلقونها على استنباط بعض الأمور ~~PageV01P189 # من المآخذ الخفية البعيدة على ما تجاوز عن مقتضى استقامة القريحة، ولذا ~~جعلوها ضدا للذكاء وسرعة الفهم، والعرف خصصها باستنباط هذه الأمور إذا كانت ~~موجبة لإصابة مكروه إلى الغير من حيث لا يعلم، وربما فسر بذلك في اللغة ~~أيضا، وهذا المعنى هو المراد هنا. # ولتركبه من إصابة المكروه إلى الغير ومن التلبيس عليه، يكون ضده استنباط ~~الأمور المؤدية إلى الخيرية، والنصيحة لكل مسلم، واستواء العلانية ~~للسريرية. # ثم فرق المكر ومرادفاته عن التلبيس والغش والغدر وأمثالها، إما باعتبار ~~خفاء المقدمات وبعدها فيها دونها. أو بتخصيص الأولى بنفس استنباط الأمور ~~المذكورة والثانية بارتكابها، ولذا عدت الأولى من رذائل القوة الوهمية أو ~~العاقلة للعذر المذكور، والثانية من رذائل الشهوية، وربما كان استعمالهما ~~على الترادف، وأطلق كل منهما على ما تطلق عليه الأخرى. # هذا وللمكر مراتب شتى ودرجات لا تحصى من حيث الظهور والخفاء، فربما لم ~~يكن فيه كثير دقة وخفاء فيشعر به من له أدنى شعور، وربما كان في غاية ~~الغموض والخفاء بحيث لم يتفطن به الأذكياء. ومن حيث الموارد والمواضع ~~كالباعث لظهور المحبة والصداقة واطمئنان عاقل، ثم التهجم عليه بالإيذاء ~~والمكروه، والباعث لظهور الأمانة والديانة وتسليم الناس أموالهم ونفائسهم ~~إليه على سبيل الوديعة أو المتشاركة أو المعاملة، ثم أخذها وسرقها على نحو ~~آخر من وجوه المكر. وكالباعث لظهور ورعه وعدالته واتخاذ الناس إياه إماما ~~أو أميرا فيفسد عليهم باطنا دينهم ودنياهم. وقس على ذلك غيره من الموارد ~~والمواضع. # ثم المكر من المهلكات العظيمة، لأنه أظهر صفات الشيطان، والمتصف به أعظم ~~جنوده، ومعصيته أشد من معصية إصابة المكروه إلى الغير في العلانية، إذ ~~المطلع بإرادة الغير إيذاءه يحتاط ويحافظ نفسه عنه، ms144 فربما دفع أذيته، وأما ~~الغافل فليس في مقام الاحتياط، لظنه أن هذا المكار المحيل محب وناصح له، ~~فيصل إليه ضره وكيده في لباس الصدقة والمحبة. # فمن أحضر طعاما مسموما عند الغير مريدا إهلاكه فهو أخبث نفسا وأشد ~~PageV01P190 # معصية ممن شهر سيفه علانية مريدا قتله، إذ الثاني أظهر ما في بطنه وأعلم ~~هذا الغير بإرادته، فيجزم بأنه عدو محارب له فيتعرض لصرف شره ومنع ضره، ~~فربما تمكن من دفعه، وأما الأول فظاهره في مقام الإحسان وباطنه في مقام ~~الإيذاء والعدوان، والغافل المسكين لا خبر له عن خباثة باطنه، فيقطع بأنه ~~يحسن إليه، فلا يكون معه في مقام الدفع والاحتياط، بل في مقام المحبة ~~والوداد، فيقتله وهو يعلم أنه يحسن إليه، ويهلكه وهو في مقام الخجل منه. # وبالجملة: هذه الرذيلة أخبث الرذائل وأشدها معصية، ولذلك قال رسول الله ~~(ص): " ليس منا من ماكر مسلما ". وقال أمير المؤمنين (ع): # " لولا أن المكر والخديعة في النار لكنت أمكر الناس "، وكان عليه السلام ~~كثيرا ما يتنفس الصعداء ويقول: " واويلاه يمكرون بي يعلمون أني بمكرهم عالم ~~وأعرف منهم بوجوه المكر، ولكني أعلم أن المكر والخديعة في النار فأصبر على ~~مكرهم ولا ارتكب مثل ما ارتكبوا ". # وطريق علاجه - بعد اليقظة - أن يتأمل في سوء خاتمته ووخامة عاقبته، وفي ~~تأديته إلى النار ومجاورة الشياطين والأشرار، ويتذكر أن وبال وشهدت به ~~التجربة والاعتبار. ثم يتذكر فوائد ضد المكر ومحامده، أعني استنباط ما يوجب ~~النصيحة والخيرية للمسلمين وموافقة ظاهره لباطنه في أفعاله وأقواله - كما ~~يأتي في محله - وبعد ذلك لو كان عاقلا مشفقا على نفسه لاجتنب عنه كل ~~الاجتناب، وينبغي أن يقدم التروي في كل فعل يصدر عنه لئلا يكون له فيه مكر ~~وحيلة، وإذا عثر على فعل يتضمنه فليتركه معاتبا لنفسه، وإذا تكرر منه ذلك ~~نزول عن نفسه أصول المكر وفروعه بالكلية بعون الله وتوفيقه. PageV01P191 # المقام الثاني فيما يتعلق بالقوة الغضبية من الرذائل والفضائل وكيفية ~~العلاج التهور والجبن والشجاعة - الخوف - الخوف المذموم وأقسامه - الخوف ~~المحمود وأقسامه ودرجاته - بم يتحقق ms145 الخوف - الخوف من الله أفضل الفضائل - ~~الخوف إذا جاوز حده كان مذموما - طرق تحصيل الخوف الممدوح - خوف سوء ~~الخاتمة وأسبابه - الفرق بين الاطمئنان والأمن من مكر الله - التلازم بين ~~الخوف والرجاء - - مواقع الخوف والرجاء وترجيح أحدهما على الآخر - العمل ~~على الرجاء أعلى منه على الخوف - مداواة الناس بالخوف والرجاء على اختلاف ~~أمراضهم - صغر النفس وكبرها وصلابتها - الثبات - دناءة الهمة وعلوها - ~~الغيرة والحمية وعدمهما - الغيرة على الدين والحريم والأولاد - العجلة - ~~الأناة والتوقف والوقار والسكينة - سوء الظن - حسن الظن - الغضب - الإفراط ~~والتفريط والاعتدال في قوته - ذم الغضب - إمكان إزالة الغضب وطرق علاجه - ~~فضيلة الحلم وكظم الغيظ - الانتقام والعفو - العنف والرفق - فضيلة الرفق - ~~المداراة - سوء الخلق بالمعنى الأخص - طرق اكتساب حسن الخلق - الحقد - ~~العداوة الظاهرة - الضرب والفحش واللعن والطعن - العجب - ذمه - آفاته - ~~علاجه إجمالا وتفصيلا - انكسار النفس - الكبر - ذمه - التكبر على الله ~~والناس - درجات الكبر - علاجه علما وعملا - التواضع - الذلة - الافتخار - ~~البغي - تزكية النفس - العصبية - كتمان الحق - الإنصاف والاستقامة على الحق ~~- القساوة. # فنقول: أما جنسا رذائلها (81) " فأحدهما ": # التهور كما علم، وهو من طرف الإفراط: أي الإقدام على ما لا ينبغي والخوض ~~في ما يمنعه العقل والشرع من المهالك والمخاوف. ولا ريب في أنه من المهلكات ~~في الدنيا والآخرة. ويدل على ذمه كل ما ورد في وجوب محافظة النفس وفي # PageV01P192 # المنع عن إلقائها في المهالك، كقوله تعالى: # " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " (82). # وغير ذلك من الآيات والأخبار، والحق أن من لا يحافظ نفسه عما يحكم العقل ~~بلزوم المحافظة عنه فهو غير خال عن شائبة من الجنون، وكيف يستحق اسم العقل ~~من ألقى نفسه من الجبال الشاهقة ولم يبال بالسيوف الشاهرة، أو وقع (83) في ~~الشطوط الغامرة الجارية ولم يحذر من السباع الضارية. كيف ومن ألقى نفسه ~~فيما يظن به العطب، فهلك، كان قاتل نفسه بحكم الشريعة، وهو يوجب الهلاكة ~~الأبدية والشقاوة السرمدية. # وعلاجه - بعد تذكر مفاسده في الدنيا والآخرة - أن يقدم التروي في كل فعل ~~يريد الخوض فيه، فإن جوزه العقل والشرع ولم يحكما بالحذر ms146 عنه ارتكبه، وإلا ~~تركه ولم يقدم عليه. وربما أحتاج في معالجته أن يلزم نفسه الحذر والاجتناب ~~عن بعض ما يحكم العقل بعدم الحذر عنه، حتى يقع في طرف التفريط، وإذا علم من ~~نفسه زوال التهور تركه وأخذ بالوسط الذي هو الشجاعة. # " وثانيهما ": # الجبن وهو سكون النفس عن الحركة إلى الانتقام أو غيره، مع كونها أولى. # والغضب إفراط في تلك الحركة، فله ضدية للغضب باعتبار، وللتهور باعتبار ~~آخر. وعلى الاعتبارين هو في طرف التفريط من المهلكات العظيمة، ويلزمه من ~~الأعراض الذميمة: مهانة نفس، والذلة، وسوء العيش، وطمع الناس فيما يملكه، ~~وقلة ثباته في الأمور، والكسل، وحب الراحة، وهو يوجب الحرمان عن السعادات ~~بأسرها وتمكين الظالمين من الظلم عليه، وتحمله للفضائح في نفسه وأهله، ~~واستماع القبائح من الشتم والقذف، وعدم مبالاته بما يوجب الفضيحة والعار، ~~وتعطيل مقاصده ومهماته، ولذلك ورد في ذمه من الشريعة ما ورد قال رسول الله ~~(ص): " لا ينبغي للمؤمن . # PageV01P193 # أن يكون بخيلا ولا جبانا "، وقال (ص): " اللهم إني أعوذ بك من البخل ~~وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر ". # وعلاجه - بعد تنبيه نفسه عن نقصانها وهلاكها - أن يحرك الدواعي الغضبية ~~فيما يحصل به الجبن، فإن القوة الغضبية موجودة في كل أحد، ولكنها تضعف ~~وتنقص في بعض الناس فيحدث فيهم الجبن، وإذا حركت وهيجت على التواتر تقوى ~~وتزيد، كما أن النار الضعيفة تتوقد وتلتهب بالتحريك المتواتر. وقد نقل عن ~~الحكماء أنهم يلقون أنفسهم في المخاطرات الشديدة والمخاوف العظيمة دفعا ~~لهذه الرذيلة. ومما ينفع من المعالجات أن يكلف نفسه على المخاصمة مع من ~~يأمن غوائله، تحريكا لقوة الغضب، وإذا وجد من نفسه حصول ملكة الشجاعة ~~فليحافظ نفسه لئلا يتجاوز ويقع في طرف الإفراط. # وصل الشجاعة قد عرفت أن ضد هذين الجنسين هو (الشجاعة)، فتذكر مدحها ~~وشرافتها، وكلف نفسك المواظبة على آثارها ولوازمها، حتى يصير ما تكلفته ~~طبعا وملكة، فترتفع عنك آثار الضدين بالكلية. وقد عرفت أن الشجاعة طاعة قوة ~~الغضب للعاقلة في الإقدام على الأمور الهائلة ms147 وعدم اضطرابها بالخوض في ما ~~يقتضيه رأيها. ولا ريب في أنها أشرف الملكات النفسية وأفضل الصفات ~~الكمالية، والفاقد لها برئ عن الفحلية والرجولية، وهو بالحقيقة من النسوان ~~دون الرجال، وقد وصف الله خيار الصحابة بها في قوله: # " أشداء على الكفار " (84). # وأمر الله نبيه بها بقوله: # " وأغلظ عليهم " (85). # إذ الشدة والغلظة من لوازمها وآثارها، والأخبار مصرحة باتصاف المؤمن بها. ~~قال أمير المؤمنين عليه السلام في وصف المؤمن: " نفسه # PageV01P194 # أصلب من الصلد ". وقال الصادق عليه السلام: " المؤمن أصلب من الجبل إذ ~~الجبل يستفل (86) منه والمؤمن لا يستفل من دينه ". # * * * وأما الأنواع ولوازمها المتعلقة بالقوة الغضبية فمنها: # الخوف وهو تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في الاستقبال مشكوك ~~الوقوع، فلو علم أو ظن حصوله سمى توقعه انتظار مكروه، وكان تألمه أشد من ~~الخوف، وكلامنا في كليهما. وفرقه عن الجبن على ما قررناه من حدهما ظاهر، ~~فإن الجبن هو سكون النفس عما يستحسن شرعا وعقلا من الحركة إلى الانتقام أو ~~شئ آخر، وهذا السكون قد يتحقق من غير حدوث التألم الذي هو الخوف، مثلا من ~~لا يجترئ على الدخول في السفينة أو النوم في البيت وحده أو التعرض لدفع من ~~يظلمه ويتعرض له يمكن اتصافه بالسكون المذكور مع عدم تألم له بالفعل، فمثله ~~جبان وليس بخائف. ومن كان له ملكة الحركة إلى الانتقام وغيره من الأفعال ~~التي يجوزها الشرع والعقل ربما حصل له التألم المذكور من توقع حدوث بعض ~~المكاره، كما إذا أمر السلطان بقتله، فمثله خائف وليس بجبان. # ثم الخوف على نوعين: (أحدهما) مذموم بجميع أقسامه، وهو الذي لم يكن من ~~الله ولا من صفاته المقتضية للهيبة والرعب، ولا من معاصي العبد وجناياته، ~~بل يكون لغير ذلك من الأمور التي يأتي تفصيلها. وهذا النوع من رذائل قوة ~~الغضب من طرف التفريط، ومن نتائج الجبن. # و (ثانيهما) محمود وهو الذي يكون من الله ومن عظمته ومن خطأ العبد ~~وجنايته، وهو من فضائل القوة الغضبية، إذ العاقلة تأمر به وتحسنه، فهو حاصل ~~من انقيادها لها. ms148 ولنفصل القول في أقسام النوعين، وبيان العلاج في إزالة ~~أقسام الأول وتحصيل الثاني: # PageV01P195 # فصل الخوف المذموم وأقسامه للنوع الأول أقسام يقبحها العقل بأسرها ولا ~~يجوزها، فلا ينبغي للعاقل أن يتطرقها إلى نفسه. بيان ذلك: إن باعث هذا ~~الخوف يتصور على أقسام: # (الأول) أن يكون أمرا ضروريا لازم الوقوع، ولم يكن دفعه في مقدرة البشر. ~~ولا ريب في أن الخوف من مثله خطأ محض، ولا يترتب عليه فائدة سوى تعجيل ~~عقوبة بصده عن تدبير مصالحه الدنيوية والدينية. # والعاقل لا يتطرق على نفسه مثل ذلك، بل يسلي نفسه ويرضيها بما هو كائن ~~إدراكا لراحة العاجل وسعادة الأجل. # (الثاني) أن يكون أمرا ممكنا لم يجزم بشئ من طرفيه، ولم يكن لهذا الشخص ~~مدخلية في وقوعه ولا وقوعه. ولا ريب في أن الجزم بوقوع مثله والتألم لأجله ~~خلاف مقتضى العقل، بل اللازم إبقاؤه على إمكانه من دون جزم بحصوله، ف‍: # " لعل الله يحدث تعد ذلك أمرا " (87). # وهذا القسم مع مشاركته للأول في استلزامه تعجيل العقوبة بلا سبب، لعدم ~~مدخليته لاختياره فيه، يمتاز عنه بعدم الجزم بوقوعه، فهو بعدم الخوف أولى ~~منه. # (الثالث) أن يكون أمرا ممكنا فاعله هذا الشخص، وهو ناشئ عن سوء اختياره، ~~فعلاجه ألا يرتكبه ولا يقدم على فعل يخاف من سوء عاقبته، فإنه إما فعل غير ~~قبيح من شأنه التأدي إلى ما يضره، ولا ريب في أن ارتكاب مثله خلاف حكم ~~العقل، ولو ظهر التأدي بعد إيقاعه فيكون من الثاني، أو فعل قبيح لو ظهر ~~أوجب الفضيحة والمؤاخذة، وإنما فعله ظنا منه أنه لا يظهر، ثم يخاف من ~~الظهور والمؤاخذة، ولا ريب في أن هذا الظن ناشئ عن الجهل، إذ كل فعل يصدر ~~عن كل فاعل ولو خفية يمكن أن يظهر، وإذا ظهر يمكن إيجابه للفضيحة ~~والمؤاخذة. والعاقل العالم بطبيعة الممكن لا يرتكب مثله، فباعث الخوف في ~~الثاني هو الحكم على الممكن بالوجوب، وفي هذا الحكم عليه بالامتناع، ولو ~~حكم عليه بما يقتضي # PageV01P196 # ذاته أمن من الخوفين. # (الرابع) أن يكون مما ms149 تتوحش منه الطباع، بلا داع عقلي ولا باعث نفس أمري، ~~كالميت والجن وأمثالهما، (لا) سيما في الليل مع وحدته. # ولا ريب في أن هذا ناشئ عن قصور العقل ومقهوريته عن الواهمة، فليحرك ~~القوة الغضبية ويهيجها لتغلب به العاقلة على الوهم. وربما ينفع إلزام نفسه ~~على الوحدة في الليالي المظلمة والصبر عليها، حتى يزول عنه هذا الخوف على ~~التدريج. # ثم لما كان خوف الموت أشد أقسام هذا النوع وأعمها، فلنشر إلى علاجه ~~بخصوصه، فنقول: باعث خوف الموت يحتمل أمورا: # (الأول) تصور فناء ذاته بالكلية وصيرورته عدما محضا بالموت. # ولا ريب في كونه ناشئا عن محض الجهل، إذ الموت ليس إلا قطع علاقة النفس ~~عن بدنه، وهي باقية أبدا، كما دلت عليه القواطع العقلية والشواهد الذوقية ~~والظواهر السمعية، ولعل ما تقدم يكفي لإثبات هذا المطلوب. # ومع قطع النظر عن ذلك نقول: كيف يجوز لمن له أدنى بصيرة أن يجتمع عظماء ~~نوع الإنسان بحذافيرهم، كأهل الوحي والإلهام وأساطين الحكمة والعرفان على ~~محض الكذب وصرف الباطل! فمن تأمل أدنى تأمل يتخلص من هذا الخوف. # (الثاني) تصور إيجابه ألما جسمانيا عظيما لا يتحمل مثله ولم يدرك في ~~الحياة شبهه. وهذا أيضا من الخيالات الفاسدة، فإن الألم فرع الحياة، والألم ~~الجسماني ما دامت الحياة لا يكون أشد مما رآه كل إنسان في حياته من الأوجاع ~~وقطع الاتصال، وبعد زوال الحياة لا معنى لوجوده، إذ كل جسماني إدراكه ~~بواسطة الحياة، وبعد انقطاعها لإدراك، فلا ألم. # (الثالث) تصور عروض نقصان لأجله. وهو أيضا غفلة عن حقيقة الموت والانسان، ~~إذ من علم حقيقتهما بعلم أن الموت متمم الإنسانية وآثارها، والمائت جزء لحد ~~الإنسان. ولذا قال أوائل الحكماء: (الإنسان حي ناطق مائت)، وحد الشئ يوجب ~~كماله لا نقصانه، فبالموت تحصل التمامية PageV01P197 # دون النقصان " نشنيده اي كه هر كه بمرد أو تمام شد " (88) فالإنسان ~~الكامل يشتاق إلى الموت، لاقتضائه تماميته وكماله، وخروجه عن ظلمة الطبيعة ~~ومجاورة الأشرار إلى عالم الأنوار ومرافقة الأخيار من العقول القادسة ~~والنفوس الطاهرة، وأي عاقل لا يرجح ms150 الحياة العقلية والابتهاجات الحقيقية ~~على الحياة الموحشة الهيولانية، المشوبة بأنواع الآلام والمصائب وأصناف ~~الأسقام والنوائب! # فيا حبيبي! تيقظ من نوم الغفلة وسكر الطبيعة، واستمع النصيحة ممن هو أحوج ~~منك إلى النصيحة: حرك الشوق الكامن في جوهر ذاتك إلى عالمك الحقيقي ومقرك ~~الأصلي، وانسلخ عن القشورات الهيولانية، وانفض عن روحك القدسي ما لزقه من ~~الكدورات الجسمانية، وطهر نفسك الزكية عن أدناس دار الغرور وأرجاس عالم ~~الزور، واكسر قفصك الترابي الظلماني وطر بجناح همتك إلى وكرك القدسي ~~النوراني، وارتفع عن حضيض الجهل والنقصان إلى أوج العزة والعرفان، وخلص ~~نفسك عن مضيق سجن الناسوت وسيرها في فضاء قدس اللاهوت، فما بالك نسيت عهود ~~الحمى ورضيت بمصاحبة من لا ثبات له ولا وفاء؟!. # زد سحر طائر قدسم زسر سدره صفير * كه در أين دامگه حادثة آرام مگير (89) ~~(الرابع) صعوبة قطع علاقته من الأولاد والأموال والمناصب والأحباب، ومعلوم ~~أن هذا ليس خوفا من الموت في نفسه بل هو حزن على مفارقة بعض الزخارف ~~الفانية. وعلاجه أن يتذكر أن الأمور الفانية مما لا يليق # PageV01P198 # بالعاقل أن يرتبط بها قلبه، وكيف يحب العاقل خسائس عالم الطبيعة ويطمئن ~~إليها، مع علمه بأنه قريب يفارقها، فاللازم أن يخرج حب الدنيا وأهلها عن ~~قلبه ليتخلص من هذا الألم. # (الخامس) تصور سرور الأعداء وشماتتهم بموته. وهذا وسوسة شيطانية صادرة عن ~~محض التوهم إذ مسرة الأعداء أو شماتتهم لا توجب ضررا في إيمانه ودينه، ولا ~~ألما في روحه وجسمه، على أن ذلك لا يختص بالموت، إذ العدو يشمت ويفرح بما ~~يرد عليه في حال الحياة أيضا من البلايا والمحن، فمن كره ذلك فليجتهد في ~~قطع العداوة وإزالتها بالمعالجات المقررة للحقد والحسد. # (السادس) تصور تضييع الأولاد والعيال، وهلاك الأعوان والأنصار. # وهذا أيضا من الوساوس الباطلة الشيطانية والخواطر الفاسدة النفسانية، إذ ~~ذلك يوجب ظن منشئيته لاستكمال الغير وعزته، ومدخليته في قوته وثروته، وذلك ~~ناشئ من جهله بالله وبقضائه وقدره، إذ فيضه الأقدس اقتضى إيصال كل ذرة من ~~ذرات العالم إلى ما يليق بها وإبلاغها ms151 إلى ما خلقت لأجله، وليس لأحد أن ~~بغير ذلك أو يبدله. ولذا ترى أكثر الأفاضل يجتهدون في تربية أولادهم ولا ~~ينجح سعيهم أصلا، وتشاهد غير واحد من الأغنياء يخلفون لأولادهم أموالا ~~كثيرة ونخرج عن أيديهم في مدة قليلة، وترى كثيرا من أيتام الأطفال لا تربية ~~لهم ولا مال، ومع ذلك يبلغون بالتربية الأزلية مدراج الكمال، أو يحصلون ما ~~لا حصر له من الأموال. والغالب أن الأيتام الذين ذهب عنهم الآباء في حالة ~~الصبي تكون ترقياتهم في الآخرة والدنيا أكثر من الأولاد الذين نشأوا في حجر ~~الآباء. والتجربة شاهدة بأن من اطمأن من أولاده بمال يخلفه لهم أو ذي قوة ~~يفوض إليه أمورهم اعتراهم بعده الفقر والفاقة والذلة والمهانة، وربما صار ~~ذلك سببا لهلاكهم وانقراضهم. ومن فرض أمورهم إلى رب الأرباب وخالق العباد ~~أزداد لهم بعده عزا وقوة وكثرة وثروة. فاللائق بالعقلاء أن يفوضوا أمور ~~الأولاد وغيرهم من الأقارب والأنصار إلى من خلقهم ورباهم، ويوكلهم إلى ~~موجدهم ومولاهم، وهو نعم المولى ونعم الوكيل. وقد ظهر أن PageV01P199 # الخوف من الموت لأجل البواعث المذكورة لا وجه له. # ثم ينبغي للعاقل أن يتفكر في أن كل كائن فاسد البتة، كما تقرر في الحكمة. ~~وهو من الكائنات. والفساد ضروري له فمن أراد وجود بدنه أراد فساده اللازم ~~له، فتمنى دوام الحياة من الخيالات الممتنعة، والعاقل لا يحوم حولها ولا ~~يتمنى مثلها. بل يعلم يقينا أن ما يوجد في النظام الكلي هو الأصلح الأكمل ~~وتغييره ينافي الحكمة والخيرية، فيرضى بما هو واقع على نفسه وغيره من غير ~~ألم وكدورة. ثم من يتمنى طول عمره فمقصوده منه إن كان حب اللذات الجسمية ~~وامتداد زمانها، فليعلم أن الثيب إذا أدركه ضعفت الأعضاء واختلت القوى ~~وزالت عنه الصحة التي هي عمدة لذاته فضلا عن غيرها، فلا يلتذ بالأكل ~~والجماع وسائر اللذات الحسية، ولا يخلو لحظة عن مرض وألم، وتتراجع جميع ~~أحواله، فتتبدل قوته بالضعف وعزه بالذل، وكذا سائر أحواله، كما أشير إليه ~~في الكتاب الإلهي بقوله تعالى: # " ومن نعمره ms152 ننكسه في الخلق " (90). # ومع ذلك لا يخلو كل يوم من مفارقة حبيب أو شفيق، ومهاجرة قريب أو رفيق. ~~وربما ابتلى بأنواع المصيبات، ويهجم عليه الفقر والفاقة والنكبات، وطالب ~~العمر في الحقيقة طالب هذه الزحمات. وإن كان مقصوده منه اكتساب الفضائل ~~العلمية والعملية، فلا ريب في أن تحصيل الكمالات بعد أوان الشيخوخة في غاية ~~الصعوبة، فمن لم يحصل الفضائل الخلقية إلى أن أدركه الشيب، واستحكمت فيه ~~الملكات المهلكة من الجهل وغيره، فإني يمكنه بعد ذلك إزالتها وتبديلها ~~بمقابلاتها، إذ رفع ما رسخ في النفس مع الشيخوخة التي لا يقتدر معها على ~~الرياضات والمجاهدات غير ممكن. # ولذا ورد في الآثار: " أن الرجل إذا بلغ أربعين سنة ولم يرجع إلى الخير، ~~جاء الشيطان ومسح على وجهه وقال: بأبي وجه من لا يفلح أبدا ". على أن ~~الطالب للسعادة ينبغي أن يكون مقصور الهم في كل حال على تحصيلها، ومن ~~جملتها دفع طول الأمل والرضا بما قدر له من طول العمر وقصره، # PageV01P200 # ويكون سعيه أبدا في تحصيل الكمالات بقدر الإمكان والتخلص عن مزاحمة ~~الزمان والمكان، وقطع علاقته من الدنيا وزخارفها الفانية والميل إلى الحياة ~~واللذات الباقية، والاهتمام في كسب الابتهاجات العقلية والاتصال التام ~~بالحضرة الإلهية، حتى يتخلص عن سجن الطبيعة ويرتقي إلى أوج عالم الحقيقة، ~~فيتفق له الموت الإرادي الموجب للحياة الطبيعية، كما قال (معلم الاشراق): " ~~مت بالإرادة تحيى بالطبيعة "، فينقل إلى مقصد صدق هو مستقر الصديقين، ويصل ~~إلى جوار رب العالمين، وحينئذ يشتاق للموت ولا يبالي بتقديمه وتأخيره، ولا ~~يركن إلى ظلمات البرزخ الذي هو منزل الأشقياء والفجار ومسكن الشياطين ~~والأشرار، ولا يتمنى الحياة الفانية أصلا، ينطق بلسان الحال: # خرم آن روز كزين منزل ويران بروم راحت جان طلبم وزپي جانان بروم بهواي لب ~~أو ذره صفت رقص كنان تالب چشمه خورشيد درخشتان بروم (91) (السابع) تصور ~~العذاب الجسماني والروحاني المترتب على ذمائم الأعمال وقبائح الأفعال. ولا ~~ريب في أن الخوف من ذلك ممدوح، وهو معدود من أقسام النوع الثاني، إلا أن ~~البقاء عليه وعدم ms153 السعي فيما يدفعه من ترك الخطيئات وكسب الطاعات جهل ~~وبطالة، إذ هذا الخوف ناشئ من سوء الاختيار، وقد بعث الله الرسل وأوصياءهم ~~لاستخلاص الناس عنه. فعلاجه ترك المعاصي وتحصيل معالي الأخلاق. ومعلوم أن ~~المنهمك في المعاصي مع خوفه من العذاب كالملقي نفسه في البحر أو النار مع ~~خوفه من الغرق والحرق، ولا ريب في أن إزالة هذا الخوف باختياره، فليترك # PageV01P201 # المعاصي ويجتهد في كسب وظائف الطاعات ليتخلص عنه، واهتمام أكابر الدين من ~~الأنبياء والمرسلين والحكماء والصديقين في وظائف الطاعات وصبرهم على مشاق ~~العبادات ومجاهدتهم مع جنود الشياطين إنما هو لدفع هذا الخوف عن نفوسهم، ~~فهو في الحقيقة ناشئ منك ومن سوء اختيارك، فبادر إلى تقليله بالمواظبة على ~~صوالح الأعمال وفضائل الأفعال. وقد يأتي أن هذا الخوف هو سوط الله الباعث ~~على العمل، ومعه لو كان مفرطا فليعالج بأسباب الرجاء، وبدونه فلا بد أن ~~يكون حتى يبعثه عليه، على أنه مع عظم جرمه وقصور باعه عن تداركه فلا ينبغي ~~أن ييأس من روح الله، فلعل واسع الرحمة السابقة على الغضب يدركه بسابقة من ~~القضاء والقدر. # فصل الخوف المحمود وأقسامه ودرجاته وللنوع الثاني من الخوف أقسام: ~~(الأول) أن يكون من الله سبحانه ومن عظمته وكبريائه، وهذا هو المسمى ~~بالخشية والرهبة في عرف أرباب القلوب. (الثاني) من جناية العبد باقترافه ~~المعاصي. (الثالث) أن يكون منهما جميعا. وكلما ازدادت المعرفة بجلال الله ~~وعظمته وتعاليه وبعيوب نفسه وجناياته، ازداد الخوف، إذ إدراك القدرة ~~القاهرة والعظمة الباهرة والقوة القوية والعزة الشديدة، يوجب الاضطراب ~~والدهشة. ولا ريب في أن عظمة الله وقدرته وسائر صفاته الجلالية والجمالية ~~غير متناهية شدة وقوة ويظهر منها على كل نفس ما يطيقه ويستعد له. وأتى لأحد ~~من أولي المدارك أن يحيط بصفاته على ما هي عليه، فإن المدارك عن إدراك غير ~~المتناهي قاصرة. نعم، لبعض المدارك العالية أن يدركه على الإجمال. مع أن ما ~~يظهر للعقلاء من صفاته ليس هو من حقيقة صفاته، بل هو غاية ما تتأدى إليه ~~عقولهم ويتصور كما ms154 لا. ولو ظهر قدر ذرة من حقيقة بعض صفاته لأقوي العقول ~~وأعلى المدارك، لاحترق من سبحات وجهه، وتفرقت أجزاؤه من نور ربه. ولو انكشف ~~من بعضها الغطاء لزهقت النفوس وتقطعت القلوب، فغاية ما للمدارك العالية من ~~العقول والنفوس القادسة، أن يتصور عدم PageV01P202 # تناهيها في الشدة والقوة، وكونها في الكمال والبهاء غاية ما يمكن ويتصور ~~ويحتمله ظرف الواقع ونفس الأمر، كما هو الشأن في ذاته سبحانه. وإدراك هذه ~~الغاية أيضا يختلف باختلاف علو المدارك، فمن كان في الدرك أقوى وأقدم كان ~~بربه أعرف، ومن كان به أعرف كان منه أخوف، ولذا قال تعالى: # " إنما يخشى الله من عباده العلماء " (92). # وقال سيد الرسل: " أنا أخوفكم من الله ". وقد قرع سمعك حكايات خوف زمرة ~~المرسلين ومن بعدهم من فرق الأولياء والعارفين، وعروض الغشيات المتواترة في ~~كل ليلة لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام. # وهذا مقتضى كمال المعرفة الموجب لشدة الخوف، إذ كمال المعرفة يوجب احتراق ~~القلب. فيفيض أثر الحرقة من القلب إلى البدن بالنحول والصفار والغشية ~~والبكاء، وإلى الجوارح بكفها عن المعاصي وتقييدها بالطاعات تلافيا لما فرط ~~في جنب الله ومن لم يجتهد في ترك المعاصي وكسب الطاعات فليس على شئ من ~~الخوف، ولذا قيل: ليس الخائف من يبكي ويمسح عينيه، بل من يترك ما يخاف أن ~~يعاقب عليه. وقال بعض الحكماء " من خاف شيئا هرب منه، ومن خاف الله هرب ~~إليه "، وقال بعض العرفاء: " لا يكون العبد خائفا حتى ينزل نفسه منزلة ~~السقيم الذي يحتمي مخافة طول السقام ". وإلى الصفات بقمع الشهوات وتكدر ~~اللذات، فتصير المعاصي المحبوبة عنده مكروهة، كما يصير العمل مكروها عند من ~~يشتهيه إذا عرف كونه مسموما، فتحترق الشهوات بالخوف، وتتأدب الجوارح، ويحصل ~~في القلب الذبول والذلة والخشوع والاستكانة، وتفارقه ذمائم الصفات، ويصير ~~مستوعب الهم يخوفه والنظر في خطر عاقبته، فلا يتفرغ لغيره، ولا يكون له شغل ~~إلا المجاهدة والمحاسبة والمراقبة والضنة بالأنفاس واللحظات، ومؤاخذة النفس ~~في الخطرات والكلمات، ويشتغل ظاهره وباطنه بما هو خائف منه لا متسع فيه ~~لغيره، ms155 وكما أن من وقع في مخالب ضاري السبع يكون مشغول الهم به ولا شغل له ~~بغيره. وهذا حال من غلبه الخوف واستولى عليه، كما جرى عليه جماعة من ~~الصحابة والتابعين # PageV01P203 # ومن يحذوهم من السلف الصالحين. # فقوة المجاهدة والمحاسبة بحسب شدة الخوف الذي هو حرقة القلب وتألمه، وهو ~~بحسب قوة المعرفة بجلال الله وعظمته وسائر صفاته وأفعاله، وبعيوب النفس وما ~~بين يديها من الأخطار والأهوال. # وأقل درجات الخوف مما يظهر أثره في الأعمال أن يكف عن المحظورات، ويسمى ~~الكف منها (ورعا)، فإن زادت قوته كف عن الشبهات، ويسمى ذلك (تقوى)، إذ ~~التقوى أن يترك ما يريبه إلى ما لا يريبه، وقد يحمله على ترك ما لا بأس به ~~مخافة ما به يأس، وهو الصدق في التقوى، فإذا انضم إليه التجرد للخدمة، وصار ~~ممن لا يبني ما لا يسكنه، ولا يجمع ما لا يأكله ولا يلتفت إلى دنيا يعلم ~~أنه يفارقها، ولا يصرف إلى غير الله نفسا عن أنفاسه فهو (الصدق)، ويسمى ~~صاحبه (صديقا)، فيدخل في الصدق التقوى، وفي التقوى الورع، وفي الورع العفة، ~~لأنها عبارة عن الامتناع من مقتضى الشهوات. # فإذن يؤثر الخوف في الجوارح بالكف والأقدام. # فصل بم يتحقق الخوف إعلم أن الخوف لا يتحقق إلا بانتظار مكروه، والمكروه ~~إما أن يكون مكروها في ذاته كالنار، أو مكروها لإفضائه إلى المكروه في ذاته ~~كالمعاصي المفضية إلى المكروه لذاته في الآخرة، ولا بد لكل خائف أن يتمثل ~~في نفسه مكروه من أحد القسمين، ويقوى انتظاره في قلبه حتى يتألم قلبه بسبب ~~استشعاره ذلك المكروه، ويختلف مقام الخائفين فيما يغلب على قلوبهم من ~~المكروهات المحظورة: # فالذين يغلب على قلوبهم خوف المكروه لذاته، فإما أن يكون خوفهم من سكرات ~~الموت وشدته وسؤال النكيرين وغلظته، أو عذاب القبر ووحدته وهول المطلع ~~ووحشته، أو من الموقف بين يدي الله وهيبته والحياء من كشف سريرته، أو من ~~الحساب ودقته والصراط وحدته، أو من النار وأهوالها والجحيم وأغلالها، أو ~~الحرمان من دار النعيم وعدم وصوله إلى الملك ms156 المقيم PageV01P204 # أو من نقصان درجاته في العليين وعدم مجاورته المقربين أو من الله سبحانه ~~بأن يخاف جلاله وعظمته والبعد والحجاب منه ويرجو القرب منه، وهذا أعلاها ~~رتبة، وهو خوف أرباب القلوب العارفين من صفاته ما يقتضي الهيبة والخوف، ~~والعالمين بلذة الوصال وألم البعد والفراق، والمطلعين على سر قوله: # " ويحذركم الله نفسه " (93)، وقوله: " اتقوا الله حق تقاته " (94). # وقيل: ذلك خوف العابدين والزاهدين وكافة العاملين. # وأما الذين غلب على قلوبهم خوف المكروه لغيره، فإما يكون خوفهم من الموت ~~قبل التوبة، أو نقضها قبل انقضاء المدة، أو من ضعف القوة عن الوفاء بتمام ~~حقوق الله، أو تخليته مع حسناته التي اتكل عليها وتعزز بها في عباد الله، ~~أو من الميل عن الاستقامة، أو إلى أتباع الشهوات المألوفة استيلاء للعادة، ~~أو تبديل رقة القلب إلى القساوة، أو تبعات الناس عنده من الغش والعداوة، أو ~~من الاشتغال عن الله بغيره، أو حدوث ما يحدث في بقية عمره أو من البطر ~~والاستدراج بتواتر النعم، أو انكشاف غوائل طاعته حتى يبدو له من الله ما لم ~~يعلم، أو من الاغترار بالدنيا وزخارفها الفانية، أو تعجيل العقوبة بالدنيا ~~وافتضاحه بالعلانية، أو من اطلاع الله على سريرته وهو عنه غافل، وتوجهه إلى ~~غيره وهو إليه ناظر، أو من الختم له عند الموت بسوء الخاتمة، أو مما سبق له ~~في الأزل من السابقة. وهذه كلها مخاوف العارفين. # ولكل واحد منها خصوص فائدة، هو الحذر عما يفضي إلى الخوف، فالخائف من ~~تبعات الناس يجتهد في براءة ذمته عنها، ومن استيلاء العادة يواظب على فطام ~~نفسه عنها، ومن اطلاع الله على سريرته يشتغل بتطهير قلبه عن الوساوس. وهكذا ~~في بقية الأقسام. # وأغلب هذه المخاوف على المتقين خوف سوء الخاتمة، وهو الذي قطع قلوب ~~العارفين، إذ الأمر فيه مخطر - كما يأتي - وأعلى الأقسام وأدلها على كمال ~~المعرفة خوف السابقة، لأن الخاتمة فرع السابقة، ويترتب عليها بعد تخلل ~~أسباب كثيرة، ولذا قال العارف الأنصاري: " الناس يخافون # PageV01P205 # من اليوم الآخر وأنا أخاف من اليوم الأول ms157 ". فالخاتمة تظهر ما سبق به ~~القضاء في أم الكتاب. وإليه أشار النبي (ص) في المنبر، حيث رفع يده اليمنى ~~قابضا على كفه، ثم قال: " أتدرون أيها الناس ما في كفي؟ "، قالوا: الله ~~ورسوله أعلم، قال: " أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم إلى يوم ~~القيامة ". ثم رفع يده اليسرى وقال: " أيها الناس! أتدرون ما في كفي؟ " ~~قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: " أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ~~إلى يوم القيامة ". ثم قال: حكم الله وعدل، حكم الله " فريق في الجنة وفريق ~~في السعير " (95). # وقال (ص): " يسلك بالسعيد في طريق الأشقياء حتى يقول الناس: # ما أشبهه بهم بل هو منهم، ثم تتداركه السعادة. وقد يسلك بالشقي طريق ~~السعداء حتى يقول الناس: ما أشبهه بهم، بل هو منهم، ثم يتداركه الشقاء. # إن من كتبه الله سعيدا وإن لم يبق من الدنيا إلا فواق ناقة ختم له ~~بالسعادة " (96). # فصل الخوف من الله أفضل الفضائل الخوف منزلة من منازل الذين ومقام من ~~مقامات الموقنين، وهو أفضل الفضائل النفسانية، إذ فضيلة الشئ بقدر إعانته ~~على السعادة، ولا سعادة كسعادة لقاء الله والقرب منه، ولا وصول إليها إلا ~~بتحصيل محبته والأنس به. ولا يحصل ذلك إلا بالمعرفة، ولا تحصل المعرفة إلا ~~بدوام الفكر، ولا يحصل الأنس إلا بالمحبة ودوام الذكر، ولا تتيسر المواظبة ~~على الفكر والذكر إلا بانقلاع حب الدنيا من القلب، ولا ينقلع ذلك إلا بقمع ~~لذاتها وشهواتها، وأقوى ما تنقمع به الشهوة هو نار الخوف، فالخوف هو النار ~~المحرقة للشهوات، فإذن فضيلته بقدر ما يحرق من الشهوات ويكف من المعاصي ~~وبحث على الطاعات، ويختلف ذلك باختلاف درجات الخوف - كما مر -. # PageV01P206 # وقيل: من أنس بالله، وملك الحق قلبه، وبلغ مقام الرضا، وصار مشاهدا لجمال ~~الحق: لم يبق له الخوف، بل يتبدل خوفه بالأمن، كما يدل عليه قوله سبحانه: # " أولئك لهم الأمن وهم مهتدون " (97). # إذ لا يبقى له التفات إلى المستقبل، ولا كراهية عن مكروه، ولا رغبة إلى ~~محبوب، فلا يبقى له خوف ولا رجاء، بل صار ms158 حاله أعلى منها. نعم، لا يخلو عن ~~الخشية - أي الرهبة من الله ومن عظمته وهيبته - وإذا صار متجليا بنظر ~~الوحدة لم يبق فيه أثر من الخشية أيضا. لأنه من لوازم التكثر وقد زال. ولذا ~~قيل: " الخوف حجاب بين الله وبين العبد ". وقيل أيضا: # " إذا ظهر الحق على السرائر لا يبقى فيها محل لخوف ولا رجاء ". وقيل ~~أيضا: " المحب إذا شغل قلبه في مشاهدة المحبوب بخوف الفراق كان ذلك نقصا في ~~دوام الشهود الذي هو غاية المقامات ". # وأنت خبير بأن هذه الأقوال مما لا التفات لنا إليها، فلنرجع إلى ما كنا ~~بصدده من بيان فضيلة الخوف. فنقول: الآيات والأخبار الدالة عليه أكثر من أن ~~تحصى، وقد جمع الله للخائفين العلم والهدى والرحمة والرضوان، وهي مجامع ~~مقامات أهل الجنان، فقال: # " إنما يخشى الله من عباده العلماء " (98). وقال: " هدى ورحمة للذين هم ~~لربهم يرهبون " (99). وقال: " رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه " ~~(100). # وكثير من الآيات مصرحة يكون الخوف من لوازم الإيمان، كقوله تعالى: # " إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم " (101). # وقوله: " وخافون إن كنتم مؤمنين " (102). # ومدح الخائفين بالتذكر في قوله: # PageV01P207 # " سيذكر من يخشى " (103). # ووعدهم الجنة وجنتين، بقوله: # " وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى " ~~(104). وقوله: " ولمن خاف مقام ربه جنتان " (105). # وفي الخبر القدسي: " وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له آمنين، ~~فإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة، وإذا خافني في الدنيا أمنته يوم ~~القيامة ". وقال رسول الله (ص): " رأس الحكمة مخافة الله " وقال (ص): " من ~~خاف الله أخاف الله منه كل شئ، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شئ " ~~(106)، وقال لابن مسعود: " إن أردت أن تلقاني فأكثر من الخوف بعدي " وقال: ~~(ص) " أتمكم عقلا أشدكم لله خوفا ". # وعن ليث بن أبي سليم قال: " سمعت رجلا من الأنصار يقول: بينما رسول الله ~~مستظل بظل شجرة في يوم شديد الحر، إذ جاء رجل فنزع ثيابه، ثم جعل يتمرغ في ~~الرمضاء، يكوي ms159 ظهره مرة، وبطنه مرة، وجبهته مرة، ويقول: يا نفس ذوقي، فما ~~عند الله أعظم ما صنعت بك. ورسول الله ينظر إليه ما يصنع. ثم إن الرجل ليس ~~ثيابه، ثم أقبل، فأومى إليه النبي (ص) بيده ودعاه، فقال له: يا عبد الله! ~~رأيتك صنعت شيئا ما رأيت أحدا من الناس صنعه، فما حملك على ما صنعت؟ فقال ~~الرجل: # حملني على ذلك مخافة الله، فقلت لنفسي: يا نفس ذوقي فما عند الله أعظم ~~مما صنعت بك. فقال النبي (ص): لقد خفت ربك حق مخافته، وإن ربك ليباهي بك ~~أهل السماء، ثم قال لأصحابه: يا معشر من حضر! # ادنوا من صاحبكم حتى يدعو لكم. فدنوا منه، فدعا لهم، وقال: اللهم أجمع ~~أمرنا على الهدى، واجعل التقوى زادنا، والجنة مآبنا ". # وقال (ص): " ما من مؤمن يخرج من عينيه دمعة، وإن كانت مثل # PageV01P208 # رأس الذباب، من خشية الله، ثم يصيب شيئا من حر وجهه، إلا حرمه الله على ~~النار "، وقال: " إذا اقشعر قلب المؤمن من خشية الله تحاتت عنه خطاياه كما ~~يتحات من الشجر ورقها "، قال: " لا يلج النار أحد بكى من خشية الله حتى ~~يعود اللبن في الضرع ". وقال سيد الساجدين (ع) في بعض ادعيته: " سبحانك! ~~عجبا لمن عرفك كيف لا يخافك ". وقال الباقر عليه السلام: " صلى أمير ~~المؤمنين عليه السلام بالناس الصبح بالعراق، فلما انصرف وعظهم، فبكى ~~وأبكاهم من خوف الله، ثم قال: أما والله لقد عهدت أقواما على عهد خليلي ~~رسول الله (ص): وإنهم ليصبحون ويمسون شعثا غيرا حمصا بين أعينهم كركب ~~البعير يبيتون لربهم سجدا وقياما، يراوحون بين أقدامهم وجباههم، يناجون ~~ربهم في فكاك رقابهم من النار، والله لقد رأيتهم مع هذا وهم خائفون مشفقون ~~"، وفي رواية أخرى، " وكأن زفير النار في آذانهم، إذا ذكر الله عندهم مادوا ~~كما تميد الشجر كأنما القوم باتوا غافلين "، ثم قال (ع): " فما رئي عليه ~~السلام بعد ذلك ضاحكا حتى قبض ". وقال الصادق عليه السلام: " من عرف الله ~~خاف الله، ومن خاف الله سخت نفسه ms160 عن الدنيا "، وقال عليه السلام: " إن من ~~العبادة شدة الخوف من الله تعالى يقول: " إنما يخشى الله من عباده العلماء ~~". # وقال: # " فلا تخشوا الناس واخشون " (107). وقال: " ومن يتق الله يجعل له مخرجا " ~~(108). # وقال: " إن حب الشرف والذكر لا يكونان في قلب الخائف الراهب "، وقال (ع): ~~" المؤمن بين مخافتين: ذنب قد مضى ما يدري ما صنع الله فيه، وعمر قد بقي لا ~~يدري ما يكتسب فيه من المهالك، فهو لا يصبح إلا خائفا ولا يصلحه إلا الخوف ~~" وقال عليه السلام: " خف الله كأنك تراه وإن كنت لا تراه فإنه يراك، وإن ~~كنت ترى أنه لا يراك، فقد كفرت، وإن كنت تعلم أنه يراك ثم برزت له بالمعصية ~~فقد جعلته من أهون الناظرين إليك "، وقال عليه السلام: " لا يكون المؤمن ~~مؤمنا حتى يكون خائفا # PageV01P209 # راجيا، ولا يكون خائفا راجيا حتى يكون عاملا لما يخاف ويرجو "، وقال عليه ~~السلام: " مما حفظ من خطب النبي (ص) أنه قال: أيها الناس! إن لكم معالم ~~فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، ألا إن المؤمن ~~يعمل بين مخافتين: بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وبين أجل قد ~~بقي لا يدري ما الله قاض فيه، فليأخذ العبد المؤمن من نفسه لنفسه ومن دنياه ~~لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، وفي الحياة قبل الممات فوالذي نفس محمد ~~بيده ما بعد الدنيا من مستعتب وما بعدها من دار إلا الجنة أو النار ". # ثم الأخبار الواردة في فضل العلم والتقوى والورع والبكاء والرجاء تدل على ~~فضل الخوف، لأن جملة ذلك متعلقة به تعلق السبب أو تعلق المسبب، إذ العلم ~~سبب الخوف، والتقوى والورع يحصلان منه ويترتبان عليه - كما ظهر مما سبق - ~~والبكاء ثمرته ولازمه، والرجاء يلازمه ويصاحبه، إذ كل من رجا محبوبا فلا بد ~~أن يخاف فوته، إذ لو لم يخف فوته لم يحبه فلا ينفك أحدهما عن الآخر، وإن ~~جاز غلبة أحدهما على الآخر، إذ من شرطهما تعلقها بالمشكوك، لأن المعلوم لا ~~يرجى ولا ms161 يخاف فالمحبوب المشكوك فيه تقدير وجوده يروح القلب وهو الرجاء، ~~وتقدير عدمه يؤلمه وهو الخوف، والتقديران يتقابلان. نعم، أحد طرفي الشك قد ~~يترجح بحضور بعض الأسباب، ويسمى ذلك ظنا، ومقابله وهما، فإذا ظن وجود ~~المحبوب قوي الرجاء وضعف الخوف بالإضافة إليه، وكذا بالعكس، وعلى كل حال ~~فهما متلازمان، ولذلك قال الله سبحانه: # " ويدعوننا رغبا ورهبا " (109). وقال: " يدعون ربهم خوفا وطمعا " (110). # وقد ظهر أن ما يدل على فضل الخمسة يدل على فضيلته، وكذا ما ورد في ذم ~~الأمن من مكر الله يدل على فضيلته، لأنه ضده، وذم الشئ مدح لضده الذي ~~ينفيه. ومما يدل على فضيلته ما ثبت بالتواتر من كثرة # PageV01P210 # خوف الملائكة والأنبياء وأئمة الهدى - عليهم السلام - كخوف جبرائيل، ~~وميكائيل، وإسرافيل، وحملة العرش، وغيرهم من الملائكة المهيمين والمسلمين. ~~وكخوف نبينا، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وداود ويحيى ... وغيرهم. وخوف أمير ~~المؤمنين وسيد الساجدين وسائر الأئمة الطاهرين عليهم السلام وحكاية خوف كل ~~منهم في كتب المحدثين مذكورة وفي زبرهم مسطورة، فليرجع إليها من أراد، ومن ~~الله العصمة والسداد. # فصل الخوف إذا جاوز حده كان مذموما إعلم أن الخوف ممدوح إلى حد، جاوزه ~~كان مذموما. وبيان ذلك: إن الخوف سوط الله الذي يسوق به العباد إلى ~~المواظبة على العلم والعمل، لينالوا بهما رتبة القرب إليه تعالى ولذة ~~المحبة والأنس به، وكما أن السوط الذي تساق به البهيمة ويأدب به الصبي، له ~~حد من الاعتدال، لو قصر عنه لم يكن نافعا في السوق والتأديب، ولو تجاوز عنه ~~في المقدار أو الكيفية أو المبالغة في الضرب كان مذموما لأدائه إلى إهلاك ~~الدابة والصبي، فكذلك الخوف الذي هو سوط الله لسوق عباده له حد في الاعتدال ~~والوسط وهو ما يوصل إلى المطلوب، فإن كان قاصرا عنه كان قليل الجدوى، وكان ~~كقضيب ضعيف يضرب به دابة قوية، فلا يسوقها إلى المقصد. ومثل هذا الخوف يجري ~~مجرى رقة النساء عند سماع شئ محزن يورث ففيهن البكاء، وبمجرد انقطاعه يرجعن ~~إلى حالهن الأولى، أو مجرى خوف بعض الناس عند مشاهدة ms162 سبب هائل، وإذا غاب ~~ذلك السبب عن الحس رجع القلب إلى الغفلة. فهذا خوف قاصر قليل الجدوى. ~~فالخوف الذي لا يؤثر في الجوارح يكفها عن المعاصي وتقييدها بالطاعات حديث ~~نفس وحركة خاطر لا يستحق أن يسمى خوفا. ولو كان مفرطا ربما جاوز إلى القنوط ~~وهو ضلال: # " ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون " (111). # أو إلى اليأس وهو كفر: # PageV01P211 # " لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون " (112). # ولا ريب في أن الخوف المجاوز إلى اليأس والقنوط يمنع من العمل، لرفعهما ~~نشاط الخاطر الباعث على الفعل، وإيجابهما كسالة الأعضاء المانعة من العمل. ~~ومثل هذا الخوف محض الفساد والنقصان وعين القصور والخسران، ولا رجحان له في ~~نظر العقل والشرع مطلقا، إذ كل خوف بالحقيقة نقص لكونه منشأ العجز، لأنه ~~متعرض لمحذور لا يمكنه دفعه، وباعث الجهل لعدم اطلاعه على عاقبة أمره، إذ ~~لو علم ذلك لم يكن خائفا لما مر من أن الخوف هو ما كان مشكوكا فيه، فبعض ~~أفراد الخوف إنما يصير كمالا بالإضافة إلى نقص أعظم منه، وباعتبار رفعه ~~المعاصي وإفضائه إلى ما يترتب عليه من الورع والتقوى والمجاهدة والذكر ~~والعبادة وسائر الأسباب الموصلة إلى قرب الله وأنه، ولو لم يؤد إليها كان ~~في نفسه نقصا لا كمالا، إذ الكمال في نفسه هو ما يجوز أن يوصف الله تعالى ~~به، كالعلم والقدرة وأمثالهما، وما لا يجوز وصفه به ليس كمالا في ذاته، ~~وربما صار محمودا بالإضافة إلى غيره وبالنظر إلى بعض فوائده، فما لا يفضي ~~إلى فوائده المقصودة منه لإفراطه فهو مذموم، وربما أوجب الموت أو المرض أو ~~فساد العقل، وهو كالضرب الذي يقتل الصبي أو يهلك الدابة أو يمرضها أو يكسر ~~عضوا من أعضائها. وإنما مدح صاحب الشرع الرجاء وكلف الناس به، ليعالج به ~~صدمة الخوف المفرط المفضي إلى اليأس أو إلى أحد الأمور المذكورة. فالخوف ~~المحمود ما يفضي إلى العمل مع بقاء الحياة وصحة البدن وسلامة العقل، فإن ~~تجاوز إلى إزالة شئ منها فهو مرض يجب علاجه، وكان بعض ms163 مشايخ العرفاء يقول ~~للمرتاضين من مريديه الملازمين للجوع أياما كثيرة: " احفظوا عقولكم، فإنه ~~لم يكن الله تعالى ولي ناقص العقل " وما قيل: " إن من مات من خوف الله ~~تعالى مات شهيدا " معناه إن موته بالخوف أفضل من موته في هذا الوقت بدونه، ~~فهو بالنسبة إليه فضيلة، لا بالنظر إلى تقدير بقائه وطول عمره في طاعة الله ~~وتحصيل المعارف، إذ للمترقي في درجات المعارف والطاعات له في كل # PageV01P212 # لحظة ثواب شهيد أو شهداء، فأفضل السعادات طول العمر في تحصيل العلم ~~والعمل، فكل ما يبطل العمر أو العقل والصحة فهو خسران ونقصان. # فصل طرق تحصيل الخوف الممدوح لتحصيل الخوف الممدوح وجلبه طرق: # (الأول) أن يجتهد في تحصيل اليقين: أي قوة الإيمان بالله، واليوم الآخر، ~~والجنة، والنار، والحساب، والعقاب. ولا ريب في كونه مهيجا للخوف من النار ~~والرجاء للجنة. ثم الخوف والرجاء يؤديان إلى الصبر على المكاره والمشاق، ~~وهو إلى المجاهدة والتجرد لذكر الله تعالى والفكر فيه على الدوام، ويقوي ~~دوام الذكر على الأنس، ودوام الفكر على كمال المعرفة، ويؤدي الأنس وكمال ~~المعرفة إلى المحبة، ويتبعها الرضا والتوكل وسائر المقامات. وهذا هو ~~الترتيب في سلوك منازل الدين، فليس بعد أصل اليقين مقام سوى الخوف والرجاء، ~~ولا بعدها مقام سوى الصبر، ولا بعده سوى المجاهدة والتجرد لله ظاهرا ~~وباطنا، ولا بعده سوى الهداية والمعرفة، ولا بعدهما سوى الأنس والمحبة. ومن ~~ضرورة المحبة الرضا يفعل المحبوب والثقة بعنايته، وهو التوكل. فاليقين هو ~~سبب الخوف، فيجب تحصيل السبب ليؤدي إلى المسبب. # (الثاني) ملازمة التفكر في أحوال القيامة، وأصناف العذاب في الآخرة، ~~واستماع المواعظ المنذرة، والنظر إلى الخائفين ومجالستهم، ومشاهدة أحوالهم ~~واستماع حكاياتهم. وهذا مما يستجلب الخوف من عذابه تعالى، وهو خوف عموم ~~الخلق، وهو يحصل بمجرد أصل الإيمان بالجنة والنار، وكونهما جزأين على ~~الطاعة والمعصية، وإنما يضعف للغفلة أو ضعف الإيمان، وتزول الغفلة والضعف ~~بما ذكر، وأما الخوف من الله بأن يخاف البعد والحجاب ويرجو القرب والوصال، ~~وهو خوف أرباب القلوب، العارفين من صفاته ما يقتضي ms164 الخوف والهيبة، المطلعين ~~على سر قوله: # " ويحذركم الله نفسه " (112). وقوله: " اتقوا الله حق تقاته " (114). # PageV01P213 # فالعلاج في تحصيله الارتقاء إلى ذروة المعرفة، إذ هذا الخوف ثمرة المعرفة ~~بالله وبصفات جلاله وجماله، ومن لم يمكنه ذلك فلا يترك سماع الأخبار ~~والآثار وملاحظة أحوال الخائفين من هيبته وجلاله، كالأنبياء والأولياء ~~وزمرة العرفاء، فإنه لا يخلو عن تأثير. # (الثالث) أن يتأمل في أن الوقوف على كنه صفات الله في حيز المحال، وإن ~~الإحاطة بكنه الأمور ليس في مقدرة البشر، إذ هي مرتبطة بالمشية ارتباطا ~~يخرج عن حد المعقول والمألوف. ومن عرف ذلك على التحقيق يعلم إن الحكم على ~~أمر من الأمور الآتية غير ممكن بالحدس والقياس، فضلا عن القطع والتحقيق، ~~وحينئذ يعظم خوفه ويشتد ألمه، وإن كانت الخيرات كلها له ميسرة ونفسها عن ~~الدنيا بالمرة منقطعة، وإلى الله بشراشرها ملتفتة، إذ خطر الخاتمة وعسر ~~الثبات على الحق مما لا يمكن دفعه، وكيف يحصل الاطمئنان من تغير الحال، ~~وقلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن، وإنه أشد تقلبا من القدر في ~~غليانها، وقد قال مقلب القلوب: # " إن عذاب ربهم غير مأمون " (115). # فأنى للناس أن يطمئنوا وهو يناديهم بالتحذر، ولذا قال بعض العرفاء: # " لو حالت بيني وبين من عرفته بالتوحيد خمسين سنة أسطوانة فما لم أقطع له ~~بالتوحيد، لأني لا أدري ما ظهر له من التقلب " (116). # فصل خوف سوء الخاتمة وأسبابه قد أشير إلى أن أعظم المخاوف خوف سوء ~~الخاتمة، وله أسباب مختلفة ترجع إلى ثلاثة: # (الأول) وهو الأعظم، وهو أن يغلب على القلب عند سكرات الموت وظهور ~~أهواله، إما الجحود أو الشك فتقبض الروح في تلك الحالة، وتصير عقدة الجحود ~~أو الشك حجابا بينه وبين الله تعالى، وذلك يقتضي البعد الدائم، والحرمان ~~اللازم، وخسران الأبد، والعذاب المخلد. # PageV01P214 # ثم هذا الجحود أو الشك إما يتعلق ببعض العقائد الأصولية، كالتوحيد وعلمه ~~تعالى أو غير ذلك من صفاته الكمالية، أو بضروريات أمر الآخرة والنبوة. وكل ~~واحد من ذلك كاف في الهلاك وزهوق النفس على الزندقة. # أو يتعلق بجميعها ms165 إما أصالة أو سراية، والمراد بالسراية أن الرجل ربما ~~اعتقد في ذات الله وصفاته وأفعاله خلاف ما هو الحق والواقع، إما برأيه ~~ومعقوبه، أو بالتقليد، فإذا قرب الموت وظهرت سكراته واضطرب القلب بما فيه، ~~ربما انكشف بطلان ما اعتقده جهلا، إذ حال الموت حال كشف الغطاء، ويكون ذلك ~~سببا لبطلان بقية اعتقاداته أو الشك فيها، وإن كانت صحيحة مطابقة للواقع، ~~إذ لم يكن عنده أولا فرق بين هذا الاعتقاد الفاسد الذي انكشف فساده وبين ~~سائر عقائده الصحيحة، فإذا علم خطأه في البعض لم يبق له اليقين والاطمئنان ~~في البواقي. كما نقل أن (الفخر الرازي) بكى يوما، فسألوه عن سبب بكائه، ~~قال: " اعتقدت في مسألة منذ سبعين سنة على نحو انكشف اليوم لي بطلانه، فما ~~أدراني أن لا تكون سائر عقائدي كذلك ". # وبالجملة: إن اتفق زهوق روحه في هذه الخطرة قبل أن ينيب ويعود إلى أصل ~~الإيمان، فقد ختم له بالسوء وخرجت روحه على الشرك، أعاذنا الله منه، وثبتنا ~~على الاعتقاد الحق لديه، وهم المقصودون من قوله: # " وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون " (117). ومن قوله: " قل هل ~~ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا " (118). # والبله: أعني الذين آمنوا بالله ورسوله واليوم الآخر إيمانا مجملا راسخا، ~~بمعزل عن هذا الخطر، ولذلك ورد: إن أكثر أهل الجنة البله. # وورد المنع من البحث والنظر والخوض في الكلام، والأخذ بظواهر الشرع مع ~~اعتقاد كونه تعالى منزها عن النقص متصفا بما هو الغاية والنهاية من صفات ~~الكمال. والسر في ذلك: أن البله إذا أخذوا بما ورد من الشرع واعتقدوا به، ~~يثبتون عليه لقصور أذهانهم عن درك الشبهات وعدم اعتيادهم # PageV01P215 # بالتشكيك، فلا يختلج ببالهم شك وشبهة ولو عند الموت. # وأما الخائضون في غمرات البحث والنظر، والآخذون عقائدهم من عقولهم ~~المزجاة، فليس لهم تثبت على عقائدهم، إذ العقول عن درك صفات الله وسائر ~~العقائد الأصولية على ما هي عليه قاصرة، والأدلة التي يستخرجها مضطربة ~~متعارضة وأبواب الشكوك والشبهات بالخوض ms166 والبحث تصير مفتوحة. فأذهانهم دائما ~~محل تعارض العقائد والشكوك، فربما ثبتت لهم عقيدة بملاحظة بعض دلائله، ~~فيحصل لهم فيها طمأنينة، ثم يعرض لهم شك يرفعها أو يضعفها، فهم دائما في ~~غمرات الحيرة والاضطراب. فإذا كان حالهم هذا فأخذتهم سكرات الموت، فأي ~~استبعاد في أن يختلج لهم حينئذ شك في بعض عقائدهم. ومثله مثل من انكسرت ~~سفينته وهو في ملتطم الأمواج يرميه موج إلى موج، والغالب في مثله الهلاك، ~~وإن اتفق نادرا أن يرميه موج إلى الساحل. وقد نقل عن (نصير الدين الحلي) - ~~وهو من أعاظم المتكلمين - أنه قال: " إني تفكرت في العلوم العقلية سبعين ~~سنة، وصنفت فيها من الكتب ما لا يحصى، ولم يظهر لي منها شئ سوى أن لهذا ~~المصنوع صانعا، ومع ذلك عجائز القوم في ذلك أشد يقينا مني ". فالصواب تلقى ~~أصل الإيمان والعقائد من صاحب الوحي، مع تطهير الباطن عن خبائث الأخلاق، ~~والاشتغال بالطاعات وصوالح الأعمال، وعدم التعرض لما هو خارج عن طاقتهم من ~~التفكر في حقائق المعارف، إلا من أيده الله بالقوة القدسية والقريحة ~~المستقيمة، وأشرق نور الحكمة في قلبه. وشمله خفي الألطاف من ربه، فله الخوض ~~في غمرات العلوم. وأما غيره فينبغي أن يأخذ منه أصول عقائده الواردة من ~~الشرع، ويشتغل بخدمته حتى تشمله بركات أنفاسه، فإن العاجز عن المجاهدة في ~~صفه القتال ينبغي أن يسقي القوم ويتعهد دوابهم، ليحشر يوم القيامة في ~~زمرتهم وإن كان فاقدا لدرجتهم. # (الثاني) ضعف الإيمان في الأصل، ومهما ضعف الإيمان ضعف حب الله وقوي حب ~~الدنيا في القلب، واستولى عليه بحيث لا يبقى في القلب موضع لحب الله إلا من ~~حيث حديث النفس، فلا يظهر له أثر في مخالفة PageV01P216 # النفس والشيطان، فيورث ذلك الانهماك في اتباع الشهوات، حتى يظلم القلب ~~ويسود، وتتراكم ظلمة الذنوب عليه، ولا يزال يطفئ ما فيه من نور الإيمان حتى ~~ينطفئ بالكلية، فإذا جاءت سكرة الموت ازداد حب الله ضعفا، وربما عدم ~~بالمرة، لما يستشعر من فراق محبوبه الغالب على قلبه، وهو الدنيا، فيتألم ~~ويرى ms167 ذلك من الله، فيختلج ضميره بإنكار ما قدره الله من الموت، وربما يحدث ~~في باطنه بغض الله بدل الحب، لما يرى أن موته من الله، كما إن من يحب ولده ~~حبا ضعيفا، إذا أخذ ما لا له هو أحب إليه منه وأتلفه، انقلب حبه بعضا. فإن ~~اتفق زهوق روحه في تلك اللحظة التي خطر فيها هذه الخطرة فقد ختم له بالسوء. ~~نعود بالله من ذلك. # وقد ظهر أن السبب المفضي إلى ذلك غلبة حب الدنيا مع ضعف الإيمان الموجب ~~لضعف حب الله، فمن وجد في قلبه حب الله أغلب من حب الدنيا فهو أبعد من هذا ~~الخطر، وإن أحب الدنيا أيضا، ومن وجد في قلبه عكس ذلك فهو قريب من هذا ~~الخطر. والسبب في قلة حب الله قلة المعرفة به، إذ لا يحب الله إلا من عرفه، ~~وإلى هذا القسم من سوء الخاتمة أشير في الكتاب الإلهي بقوله: # " قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال ~~اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله ~~وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره " (119). # فمن فارقته روحه في حالة كراهة فعل الله وبغضه له في تفريقه بينه وبين ~~أهله وماله وسائر محابه، فيكون موته قدوما على ما أبغضه وفراقا لما أحبه ~~فيقدم على الله قدوم العبد المبغض الآبق إذا قدم به على مولاه قهرا، ولا ~~يخفى ما يستحق مثله من الخزي والنكال وأما الذي يموت على حب الله والرضا ~~بفعله كان قدومه قدوم العبد المحسن المشتاق إلى مولاه، ولا يخفي ما يلقاه ~~من الفرح والسرور. # (والثالث) كثرة المعاصي وغلبة الشهوات، وإن قوى الإيمان. وبيان ذلك: أن ~~مقارفة المعاصي سببها غلبة الشهوات ورسوخها في القلب بكثرة # PageV01P217 # الألف والعادة، وجميع ما ألفه الإنسان في عمره يعود ذكره في قلبه عند ~~موته، فإن كان أكثر ميله إلى الطاعات كان أكثر ما يحضره عند الموت طاعة ~~الله، وإن كان أكثر ميله إلى المعاصي غلب ذكرها على قلبه عنده، وإن كان ~~أكثر شغله ms168 السخرية والاستهزاء والمزاح وأمثال ذلك كان الغالب عند الموت ~~ذلك، وهكذا الحال في جميع الأشغال والأعمال الغالبة في عمره، فإنها تغلب ~~على قلبه عند موته، فربما يقبض روحه عند غلبة شهوة من شهوات الدنيا ومعصية ~~من المعاصي، فيعتقد بها قلبه، ويصير محجوبا عن الله تعالى. # وهو المراد بالختم على السوء. فالذي غلبت عليه المعاصي والشهوات، وكان ~~قلبه أميل إليها منه إلى الطاعة، فهذا الخطر قريب في حقه، ولا يميل إليها ~~أصلا، فهو بعيد منه جدا. ومن غلبت عليه الطاعات ولم يقارف المعاصي إلا ~~نادرا، فلعل الراجح في حقه النجاة منه، وإن أمكن حصوله. ومن لم يغلب شئ من ~~طاعاته ومعاصيه على الآخر فأمره في هذا الخطر إلى الله، ولا يمكن لنا الحكم ~~بشئ من القرب والبعد في حقه. # والسر في ذلك: أن الغشية المتقدمة على الموت شبيهة بالنوم، فكما إن ~~الإنسان يرى في منامه جملة من الأحوال التي عهدها طول عمره وألفها، حتى أنه ~~لا يرى في منامه إلا ما يماثل مشاهداته في اليقظة، وحتى أن المراهق الذي ~~يحتلم لا يرى صورة الوقاع، فكذلك حاله عند سكرات الموت وما يتقدمه من ~~الغشية، لكونه شبيها بالنوم وإن كان فوقه، فيقتضي ذلك تذكر المألوفات ~~وعودها إلى القلب، فربما يكون غلبة الألف سببا لأن تتمثل صورة فاحشة في ~~قلبه وتميل نفسه إليها وتقبض عليها روحه، ويكون ذلك سبب سوء خاتمته، وإن ~~كان أصل الإيمان باقيا بحيث يرجى له الخلاص منها بعناية الله وفضله. وكما ~~إن ما يخطر بالبال في اليقظة إنما يخطر بسبب خاص لا يعلمه بحقيقته أحد إلا ~~الله، فكذلك ما يرى في آحاد المنامات وما يختلج في القلب عند سكرات الموت ~~له أسباب عند الله لا نعرف بعضها، وربما تتمكن من معرفة بعضه، فإنا نعلم أن ~~الخاطر ينتقل من الشئ إلى ما يناسبه، أما بالمشابهة، بأن ينظر إلى جميل ~~فيتذكر جميلا آخر، وأما بالمضادة، بأن ينظر إلى جميل فيتذكر قبيحا، وأما ~~بالمقارنة، بأن ينظر إلى PageV01P218 # فرس قد رآه من قبل مع ms169 إنسان فيتذكر ذلك الإنسان. وقد ينتقل الخاطر من شئ ~~إلى شئ، ولا يدري وجه المناسبة له، وربما ينتقل إلى شئ لا يعرف سببه أصلا. ~~وكذلك انتقالات الخواطر بالمنام وعند سكرات الموت لها أسباب لا نعرف بعضها ~~ونعرف بعضها بالنحو المذكور. ومن أراد أن يكف خاطره عن الانتقال إلى ~~المعاصي والشهوات، فلا طريق له إلا المجاهدة طول عمره في فطام نفسه عنها، ~~وفي قمع الشهوات عن قلبه، فهذا هو القدر الذي يدخل تحت الاختيار، ويكون طول ~~المجاهدة والمواظبة على العلم وتخلية السر عن الشواغل الدنيوية وتقييده ~~بالتوجه إلى الله وحبه وأنسه عدة وذخيرة لحالة سكرات الموت، إذ المرء يموت ~~على ما عاش عليه، ويحشر على ما مات عليه، كما ورد في الخبر (120). وقد دلت ~~المشاهدة على أن كل أحد يكون عند موته مشغول القلب بما هو الغالب عليه طول ~~عمره، حيث يظهر منه عنده ذلك، وإنما المخوف الموجب لسوء الخاتمة هو خاطر ~~سوء يخطر، ومنه عظم خوف العارفين، إذ اختلاج الخواطر والاتفاقات المقتضية ~~لكونها مذمومة أو ممدوحة لا يدخل تحت الاختيار دخولا كليا، وإن كان لطول ~~الألف والعادة تأثير ومدخلية، ولذا إذا أراد الإنسان ألا يرى في المنام إلا ~~الأنبياء والأئمة عليهم السلام وأحوال الصالحين والعبادات لم يتيسر له، وإن ~~كانت كثرة الحب والمواظبة على الصلاح والطاعة مؤثرة فيه. # وبالجملة: اضطرابات الخيال لا تدخل بالكلية تحت الضبط، وإن كان الغالب ~~مناسبة ما يظهر في النوم لما غلب في اليقظة. وبذلك يعلم أن أعمال العبد ~~كلها ضائعة إن لم يسلم في النفس الأخير الذي عليه خروج الروح، وإن السلامة ~~مع اضطراب أمواج الخواطر مشكلة، ولذلك قال رسول لله (ص): " إن الرجل ليعمل ~~بعمل أهل الجنة خمسين سنة حتى لا يبقى بينه وبين الجنة إلا فواق ناقة، ~~فيختم له بما سبق به الكتاب " ومعلوم إن فواق الناقة لا يتسع لأعمال توجب ~~الشقاوة، بل هي الخواطر التي تضطرب وتخطر # PageV01P219 # خطور البرق الخاطف. ومن هنا قيل (121): " إني لا أعجب ممن هلك كيف هلك، ~~ولكني أعجب ms170 ممن نجا كيف نجا "، وورد (122): " إن الملائكة إذا صعدت بروح ~~المؤمن، وقد مات على الخير والإسلام، تعجبت الملائكة منه، وقالوا: # كيف نجا من دنيا فسد فيها خيارنا ". ولذلك قيل (123): من وقعت سفينته في ~~لجة البحر، وهجمت عليه الرياح العاصفة، واضطربت الأمواج، كانت النجاة في ~~حقه أبعد من الهلاك وقلب المؤمن أشد اضطرابا من السفينة، وأمواج الخواطر ~~أعظم التطاما من أمواج البحر، ومقلب القلوب هو الله. # ومن هنا يظهر سر قوله: " الناس كلهم هلكى ألا العالمون، والعالمون، كلهم ~~هلكى إلا العاملون، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر ~~عظيم " (124). # ولأجل هذا الخطر العظيم كانت الشهادة مطلوبة وموت الفجأة مكروها، إذ موت ~~الفجأة ربما يتفق عند غلبة خاطر سوء واستيلائه على القلب. # وأما الشهادة في سبيل الله فإنها عبارة عن قبض الروح في حالة لم يبق في ~~القلب غير حب الله، وخرج حب الدنيا والمال والولد. فإن من هجم على صف ~~القتال بأمر الله وأمر رسوله يكون موطنا نفسه على الموت لرضا الله وحبه، ~~بائعا دنياه بآخرته، راضيا بالبيع الذي بايعه الله به في قوله: # " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " (125). # وبذلك يظهر أن القتل لا بسبب الشهادة التي حقيقتها ما فسر، لا يفيد ~~الاطمئنان من هذا الخطر، وإن كان ظلما، وإن كان في الجهاد، إذا لم تكن # PageV01P220 # هجرته فيه إلى الله ورسوله، بل إلى دنيا يصيبها أو امرأة يأخذها. # وقد ظهر مما ذكر: أن سوء الخاتمة باختلاف أسبابه راجع إلى أحوال القلب، ~~وحالة القلب إما خاطر خير أو خاطر سوء أو خاطر مباح، فمن زهق روحه على خاطر ~~مباح لم يكن الحكم بأنه ختم على خير أو سوء، بل أمره إلى الله، وإن كانت ~~النجاة له أقرب بعد غلبة صالحات أعماله على فاسداتها ومن زهق روحه على خاطر ~~سوء وهو أحد الخواطر المتقدمة: # " فقد ضل ضلالا بعيدا "، و " خسر خسرانا مبينا " (126). # ومن زهق روحه على خاطر خير وهو أن يكون قلبه في حالة الموت متوجها إلى ms171 ~~الله ممتليا من حبه وأنسه " فقد فاز فوزا عظيما ". وهذا موقوف على المجاهدة ~~في فطام النفس عن الشهوات الحيوانية، وإخراج حب الدنيا عنها رأسا،. ~~الاحتراز عن فعل المعاصي ومشاهداتها والتفكر فيها، وعن مجالسة أهلها ~~واستماع حكاياتهم، بل عن مباحات الدنيا بالكلية، وتخلية السر عما سوى الله، ~~والانقطاع بشراشره إليه، وإخراج محبة كل شئ سوى محبته عن قلبه، حتى يصير ~~حبه سبحانه والأنس به ملكة راسخة، ليغلب على القلب عند سكرة الموت، وبدون ~~ذلك لا يمكن القطع بذلك، كيف وقد علمت أن الغشية المتقدمة على الموت شبه ~~النوم، وأنت في غالب الرؤيا الظاهرة عليك في المنام لا تجد في قلبك حبا لله ~~وأنسا به وتوجها إليه، بل لا يخطر ببالك أن لك ربا متصفا بالصفات الكمالية، ~~بل ترى ما كنت تألفه وتعتاده من الأمور الباطلة والخيالات الفاسدة، فإن زهق ~~روحك عند اشتغال خاطرك بشئ من الأمور الدنيوية، ولم يكن متوجها إلى الله ~~ومستحضرا معرفته ومبتهجا بحبه وأنسه، لبقيت على تلك الحالة أبدا، وهو ~~الشقاوة العظمى والخيبة الكبرى. # فتيقظ - يا حبيبي - من سنة الغفلة، وتنبه عن سكر الطبيعة، واخرج حب ~~الدنيا عن قلبك، وتوجه بشراشرك إلى جناب ربك، واكتف من الدنيا بقدر ضرورتك ~~ولا تطلب منها فوق حاجتك، واقنع من الطعام ما يقيم صلبك ولا تكثر التناول ~~منه ليزيل من ربك قربك، وارض من اللباس بما # PageV01P221 # يستر عورتك ولا يظهر للناس سوءتك، واكتف من المسكن بما يحول بينك وبين ~~الأبصار ويدفع عنك حر الشمس ويرد الأمطار، فإن جاوزت عن ذلك تشعبت همومك ~~وتكثرت غمومك، وأحاط بك الشغل الدائم والعناء اللازم، وذهب عنك جل خيراتك ~~وضاعت بركات أوقاتك. وبعد ذلك راقب قلبك في جميع الأوقات، وإياك أن تهمله ~~لحظة من اللحظات، واحفظه من أن يكون محلا لغير معرفة الله وحبه، وليكن ~~القرب إلى الله والأنس به غاية همك، إذ العاقل إنما يميل ويشتاق إلى ما هو ~~الأشرف والأكمل، ويسر ويرتاح بما له أحسن وأنفع، ولا ريب في أن أشرف ~~الموجودات وأكملها هو سبحانه، ms172 بل هو الموجود الحقيقي والكمال الواقعي، ~~وغيره من الموجودات والكمالات من لوازم فيضه ورشحات وجوده وفضله، وله غاية ~~ما يتصور من العلو والكمال والبهاء والجلال، إن معرفته وحبه أحسن الأشياء ~~وأنفعها لكل أحد، لأنه الباعث للسعادة الأبدية والبهجة الدائمية، فلا ينبغي ~~للعاقل أن يترك ذلك اشتغالا بفضول الدنيا وخسائسها، بل يلزم عليها أن يترك ~~حبلها على غاربها، ويخلص نفسه الشريفة عن مخالبها، ويتوجه بكليته إلى جناب ~~ربه، ولم يكن فرحه وابتهاجه إلا بحبه وأنسه. # فصل الفرق بين الاطمئنان والأمن من مكر الله ضد الخوف المذموم هو اطمئنان ~~القلب في الأمور المذكورة، ولا ريب في كونه فضيلة وكما لا، إذ قوة القلب ~~وعدم اضطرابه مما يحكم العقل بعدم الحذر عنه صفة كمال، ونقيضه نقص ورذيلة. # وأما الخوف الممدوح، فضده الأمن من مكر الله، وهو من المهلكات ود ورد به ~~الذم في الآيات والأخبار، قال الله سبحانه: # فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (127). # وقد ثبت بالتواتر: أن الملائكة والأنبياء كانوا خائفين من مكره، كما روي: ~~" أنه لما ظهر على إبليس ما ظهر، طفق جبرئيل وميكائيل يبكيان، فأوحى الله ~~إليهما: ما لكما تبكيان؟ فقالا: يا رب! لا نأمن مكرك، فقال # PageV01P222 # الله: هكذا كونا، لا تأمنا مكري ". وروي: " أن النبي - صلى الله عليه ~~وآله وسلم - وجبرئيل بكيا من خوف الله تعالى، فأوحى الله إليهما: # لم تبكيان وقد أمنتكما؟ فقالا: ومن يأمن مكرك؟ " وكأنهما لم يأمنا أن ~~يكون قوله (قد أمنتكما) ابتلاء لهما وامتحانا. حتى أن سكن خوفهما (128) ظهر ~~أنهما قد أمنا المكر وما وفيا بقولهما، كما أن إبراهيم (ع) لما وضع في ~~المنجنيق قال: حسبي الله. وكان هذا القول منه من الدعاوي العظيمة، فامتحن ~~وعورض بجبرئيل (ع) في الهواء حتى قال: أنك حاجة؟ قال: # أما إليك فلا. وكان ذلك وفاء بمقتضى قوله، فأخبر الله تعالى عنه وقال: # " وإبراهيم الذي وفى " (129). # وبالجملة ينبغي للمؤمن ألا يأمن من مكر ربه، كنا لم يأمن منه الملائكة ~~والأنبياء، وإذا لم يأمن منه كان خائفا منه دائما. # تتميم ms173 التلازم بين الخوف والرجاء الرجاء ارتياح القلب لانتظار المحبوب، ~~وهو يلازم الخوف، إذ الخوف - كما عرفت - عبارة عن التألم من توقع مكروه ~~ممكن الحصول، وما يمكن حصوله يمكن عدم حصوله أيضا، وما كان حصوله مكروها ~~كان عدم حصوله محبوبا، فكما إنه يتألم بتوقع حصوله يرتاح ليتوقع عدم حصوله ~~أيضا، فالخوف عن الشئ وجودا يلزمه الرجاء عدما، وعنه عدما يلزمه الرجاء ~~وجودا. وقس عليه استلزام الرجاء للخوف، فهما متلازمان، وإن أمكن غلبة ~~أحدهما نظرا إلى كثرة حصول أسبابه. وإن تيقن الحصول أو عدمه لم يكن ~~انتظارهما خوفا ورجاء، بل سمي انتظار مكروه أو انتظار محبوب. # ثم كما إن الخوف من متعلقات قوة الغضب، وإن الممدوح منه من فضائلها، ~~لكونه مقتضى العقل والشرع، وباعثا للعمل من حيث الرهبة، # PageV01P223 # فكذا الرجاء متعلق بها ومن فضائلها، لكونه مقتضاهما وباعثا للعمل من حيث ~~الرغبة. إلا أن الخوف لترتبه على ضعف القلب يكون أقرب إلى طرف التفريط، ~~والرجاء لترتبه على قوته يكون أقرب إلى طرف الإفراط وإن كان كلاهما ~~ممدوحين. ثم لا بد أن يحصل أكثر أسباب حصول المحبوب حتى يصدق اسم الرجاء ~~على انتظاره، كتوقع الحصاد ممن ألقى بذرا جيدا في أرض طيبة يصلها الماء. ~~وأما انتظار ما لم يحصل شئ من أسبابه فيسمى غرورا وحماقة، كتوقع من ألقى ~~بذرا في أرض سبخة لا يصلها الماء. وانتظار ما كان أسبابه مشكوكة يسمى ~~تمنيا، كما إذا صلحت الأرض ولا ماء. # وتفصيل ذلك: أن الدنيا مزرعة الآخرة، والقلب كالأرض، والإيمان كالبذر، ~~والطاعات هي الماء الذي تسقي به الأرض، وتطهير القلب من المعاصي والأخلاق ~~الذميمة بمنزلة تنقية الأرض من الشوك والأحجار والنباتات الخبيثة، ويوم ~~القيامة هو وقت الحصاد. فينبغي أن يقاس رجاء العبد (المغفرة) برجاء صاحب ~~الزرع (التنمية)، وكما أن من ألقى البذر في أرض طيبة، وساق إليها الماء في ~~وقته، ونقاها الشوك والأحجار، وبدل جهده في قلع النباتات الخبيثة المفسدة ~~للزرع، ثم جلس ينتظر كرم الله ولطفه مؤملا أن يحصل له وقت الحصاد مائة قفيز ~~مثلا، سمي ms174 انتظاره رجاء ممدوحا فكذلك العبد إذا طهر أرض قلبه عن شوك ~~الأخلاق الردية وبث فيه بذر الإيمان بماء الطاعات، ثم انتظر من فضل الله ~~تثبيته إلى الموت وحسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة، كان انتظاره رجاء ~~حقيقيا محمودا في نفسه. وكما أن من تغافل عن الزراعة واختار الراحة طول ~~السنة، أو ألقى البذر في أرض سبخة مرتفعة لا ينصب إليها ماء ولم يشتغل ~~بتعهد البذر وإصلاح الأرض من النباتات المفسدة للزرع، ثم جلس منتظرا إلى أن ~~ينبت له زرع يحصده سمى انتظاره حمقا وغرورا. كذلك من لم يلق بذر الإيمان في ~~أرض قلبه أو ألقاه مع كونه مشحونا برذائل الأخلاق منهمكا في خسائس الشهوات ~~واللذات، ولم يسق إليها ماء الطاعات، ثم انتظر المغفرة، كان انتظار حمقا ~~وغرورا. وكما أن من بث البذر في أرض طيبة لا ماء لها، وجلس ينتظر مياه ~~الأمطار حيث لا تغلب الأمطار، وإن لم يمتنع أيضا، سمي انتظاره PageV01P224 # تمنيا. كذلك من ألقى بذر الإيمان في أرض قلبه، ولكنه لم يسق إليه ماء ~~الطاعات، وانتظر المغفرة بلطفه وفضله، كان انتظاره تمنيا. # فإذن، اسم (الرجاء) إنما يصدق على انتظار محبوب تمهدت جميع أسبابه ~~الداخلة تحت اختيار العبد، ولم يبق إلا ما ليس يدخل تحت اختياره وهو فضل ~~الله تعالى بصرف القواطع والمفسدات. فالأحاديث الواردة في الترغيب على ~~الرجاء وفي سعة عفو الله وجزيل رحمته ووفور مغفرته. إنما هي مخصوصة بمن ~~يرجو الرحمة والغفران بالعمل الخاص المعد لحصولهما وترك الانهماك في ~~المعاصي المفوت لهذا الاستعداد. فاحذر أن يغرك الشيطان ويثبطك عن العمل ~~ويقنعك بمحض الرجاء والأمل. وانظر إلى حال الأنبياء والأولياء واجتهادهم في ~~الطاعات وصرفهم العمر في العبادات ليلا ونهارا، أما كانوا يرجون عفو الله ~~ورحمته؟ بلى والله! إنهم كانوا أعلم بسعة رحمة الله وأرجى لها منك ومن كل ~~أحد، ولكن علموا أن رجاء الرحمة من دون العمل غرور محض وسفه بحت، فصرفوا في ~~العبادات أعمارهم وقصروا على الطاعات ليلهم ونهارهم. # ونحن نشير (أولا) إلى بعض ما ورد في الرجاء ms175 من الآيات والأخبار، ثم نورد ~~نبذا مما يدل على أنه لا معنى للرجاء بدون العمل، ليعلم أن إطلاق الأول ~~محمول على الثاني. فنقول: الظواهر الواردة في الرجاء أكثر من أن تحصى، وهي ~~على أقسام: # (الأول) ما ورد في النهي عن القنوط واليأس من رحمة الله كقوله تعالى: # " يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله " (130). # وقول علي عليه السلام لرجل أخرجه الخوف إلى القنوط لكثرة ذنوبه: # " أيا هذا! يأسك من رحمة الله أعظم من ذنوبك ". وما روي: " أنه - صلى ~~الله عليه وآله وسلم - لما قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم ~~كثيرا ولخرجتم إلى الصعدات تلدمون صدوركم وتجأرون إلى ربكم. فهبط جبرئيل ~~عليه السلام فقال: إن ربك يقول: لم تقنط عبادي؟ # فخرج عليهم ورجاهم وشوقهم ". وما ورد: " أن رجلا من بني إسرائيل # PageV01P225 # كان يقنط الناس ويشدد عليهم، فيقول الله له يوم القيامة: اليوم أويسك من ~~رحمتي كما كنت تقنط عبادي منها ". # (الثاني) ما ورد في الترغيب على خصوص الرجاء وكونه سبب النجاة كما ورد في ~~أخبار يعقوب من " أنه تعالى أوحي إليه أتدري لم فرقت بينك وبين يوسف؟ ~~لقولك: # " وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون " (131). # لم خفت الذئب ولم ترجني أو لم نظرت إلى غفلة إخوته ولم تنظر إلى حفظي؟ " ~~وقول أمير المؤمنين - عليه السلام - لرجل قال عند النزع: أجدني أخاف ذنوبي ~~وأرجو رحمة ربي: " ما اجتمعا في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاء الله ما ~~رجاه وأمنه مما يخاف " (132). وقول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: " ~~إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره؟ ~~فإن لقنه الله حجته، قال: رب رجوتك وخفت الناس، فيقول الله: قد غفرته لك ". ~~وما روي عنه - صلى الله عليه وآله وسلم -: " إن رجلا يدخل النار فيمكث فيها ~~ألف سنة ينادي يا حنان يا منان، فيقول الله لجبرئيل: إذهب فأتني بعبدي، ~~فيجئ به، فيوقفه على ربه، فيقول الله له: كيف وجدت مكانك؟ فيقول: ms176 شر مكان، ~~فيقول: # رده إلى مكانه. قال: فيمشي ويلتفت إلى ورائه، فيقول الله عز وجل، إلى أي ~~شئ تلتفت؟ فيقول: لقد رجوت ألا تعيدني إليها بعد إذ أخرجتني منها، فيقول ~~الله تعالى: اذهبوا به إلى الجنة ". وقوله - صلى الله عليه وآله وسلم -؟ " ~~قال الله تعالى: لا يتكل العاملون على أعمالهم التي يعملونها لثوابي، فإنهم ~~لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم أعمارهم في عبادتي، كانوا مقصرين غير بالغين في ~~عبادتهم كنه عبادي، فيما يطلبون عندي من كرامتي، والنعيم في جناتي، ورفيع ~~الدرجات العلي في جواري، ولكن برحمتي فليثقوا، وإلى حسن الظن بي فليطمئنوا، ~~وفضلي فليرجوا (133)، # PageV01P226 # فإن رحمتي عند ذلك تدركهم، ومني يبلغهم رضواني، ومغفرتي تلبسهم عفوي، ~~فإني أنا الله الرحمن الرحيم وبذلك تسميت ". وعن أبي جعفر عليه السلام قال: ~~" وجدنا في كتاب علي (ع) أن رسول الله (ص) قال وهو على منبره: والذي لا إله ~~إلا هو ما أعطي مؤمن قط خير الدنيا والآخرة إلا بحسن ظنه بالله ورجائه له ~~وحسن خلقه والكف عن اغتياب المؤمنين، والذي لا إله إلا هو لا يعذب الله ~~مؤمنا بعد التوبة والاستغفار إلا بسوء ظنه بالله وتقصيره من رجائه وسوء ~~خلقه واغتيابه للمؤمنين، والذي لا إله إلا هو لا يحسن ظن عبد مؤمن بالله ~~إلا كان الله عند ظن عبده المؤمن، لأن الله كريم بيده الخيرات يستحيي (134) ~~أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظن ثم يختلف ظنه ورجاءه، فأحسنوا بالله ~~الظن وارغبوا إليه ". # (الثالث) ما ورد في استغفار الملائكة والأنبياء للمؤمنين كقوله تعالى: # " والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض " (135). # وقوله (ص): " حياتي خير لكم وموتي خير لكم، أما حياتي فأسن لكم السنن ~~وأشرع لكم الشرائع، وأما موتي فإن أعمالكم تعرض علي، فما رأيت منها حسنا ~~حمدت الله عليه، وما رأيت منها سيئا استغفرت الله لكم ". # (الرابع) ما ورد في تأجيل المذنب إلى أن يستغفر، كقول الباقر (ع): # " إن العبد إذا أذنب أجل من غدوة إلى الليل، فإن استغفر لم يكتب عليه " ~~(136). # وقول الصادق (ع): ms177 " من عمل سيئة أجل فيها سبع ساعات من النهار، فإن قال: ~~استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاث مرات، لم تكتب ~~عليه ". # (الخامس) ما ورد في شفاعة النبي (ص) كقوله تعالى: # " ولسوف يعطيك ربك فترضى " (137). # وقد ورد في تفسيره أنه لا يرضى محمد وواحد من أمته في النار، # PageV01P227 # وقوله (ص): " ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي "، وكذا ما ورد في شفاعة ~~الأئمة والمؤمنين. # (السادس) ما ورد من البشارات للشيعة ومن عدم خلودهم في النار، ومن أن حب ~~النبي (ص) والعترة الطاهرة ينجيهم من العذاب، وإن فعلوا ما فعلوا. # (السابع) ما دل على أن النار إنما أعدها الله لأعدائه من الكافرين، وإنما ~~يخوف بها أولياءه، كقوله تعالى: # " لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده " ~~(138)، وقوله " واتقوا النار التي أعدت للكافرين " (139) وقوله: # " لا يصلاها إلا الأشقى. الذي كذب وتولى " (140). # (الثامن) ما ورد في سعة عفو الله ومغفرته ووفور رأفته ورحمته، كقوله: # " وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم " (141) وما روي في تفسير قوله ~~تعالى: # " يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه " (142). # " إن الله أوحى إلى نبيه: إني أجعل حساب أمتك إليك، فقال: لا يا رب! أنت ~~خير لهم مني (143)، فقال: إذن لا أخزيك فيهم ". وما روي: # " إنه (ص) قال يوما: يا كريم العفو! فقال جبرئيل: أتدري ما تفسير يا كريم ~~العفو؟ هو: إنه يعفو عن السيئات برحمته ثم يبدلها حسنات بكرمه " (144). # وما ورد: أن العبد إذا أذنب فاستغفر، يقول الله لملائكته: انظروا إلى ~~عبدي أذنب ذنبا، فعلم أنه له ربا يغفر الذنوب ويأخذ بالذنب: أشهدكم أني قد ~~غفرت له. وما ورد في الخبر القدسي: " إنما خلقت الخلق ليربحوا علي، ولم ~~أخلقهم لأربح عليهم ". وما ورد من " أنه لو لم يذنبوا، لخلق الله تعالى ~~خلقا يذنبون ليغفر لهم " وقوله (ص): " والذي نفسي بيده. الله أرحم بعبده ~~المؤمن من الوالدة الشفيقة بولدها ". وما ورد # PageV01P228 # من " أنه سبحانه ليغفرن يوم القيامة مغفرة ms178 ما خطرت قط على قلب أحد، حتى ~~أن إبليس يتطاول لها رجاء أن تصيبه ". والآيات والأخبار الواردة في هذا ~~المعنى متجاوزة عن حد التواتر. # (التاسع) ما دل على أن ابتلاء المؤمن في الدنيا بالبلايا والأمراض كفارة ~~لذنوبه، كقوله (ص): " الحسى من قيح جهنم، وهي حظ المؤمن من النار ". # (العاشر) ما ورد في أن الإيمان لا يضر معه عمل، كما أن الكفر لا ينفع معه ~~عمل، وفي أنه قد يغفر الله عبدا ويدخله الجنة لأجل مثقال ذرة من الإيمان أو ~~عمل جزئي من الأعمال الصالحة. # (الحادي عشر) ما ورد في الترغيب على حسن الظن بالله، كقوله (ص): # " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله "، وقوله (ص): " يقول الله ~~تعالى: أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء ". وقول الرضا (ع): # " أحسن الظن بالله، فإن الله عز وجل بقول: أنا عند ظن عبدي لي، إن خيرا ~~فخير وإن شرا فشر ". وقول الصادق (ع): " حسن الظن بالله: ألا ترجو إلا ~~الله، ولا تخاف إلا ذنبك ". وقد تقدم بعض أخبار أخر في هذا المعنى. ثم ~~إيجاب حسن الظن للرجاء وجلبه له مما لا ريب فيه. # (الثاني عشر) ما دل على أن الكفار أو النصاب يكونون يوم القيامة فداء ~~للمؤمنين أو الشيعة، كما روي أنه (ص) قال: " أمتي أمة مرحومة لا عذاب عليها ~~في الآخرة، وعجل عقابها في الدنيا بالزلازل والفتن، فإذا كان يوم القيامة ~~دفع إلى كل رجل من أمتي رجل من أهل الكتاب، فقيل هذا فداؤك من النار ". وعن ~~أهل البيت عليهم السلام: " إن النصاب يجعلون فداء لشيعتنا بظلمهم إياهم ~~ووقيعتهم فيهم ". وعن الصادق (ع): # " سيؤتى بالواحد من مقصري شيعتنا في أعماله، بعد أن صان الولاية والتقية ~~وحقوق إخوانه، ويوقف بإزائه ما بين مائة وأكثر من ذلك إلى مائة ألف من ~~النصاب، فيقال له: هؤلاء فداؤك من النار، فيدخل هؤلاء المؤمنون إلى الجنة ~~وأولئك النصاب إلى النار، وذلك ما قال الله تعالى: # " ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين " (145). # PageV01P229 # في الدنيا ms179 منقادين للإمامة، ليجعل مخالفوهم من النار فداءهم ". # وأما (الثاني) - أعني ما يدل على أن رجاء المغفرة والعفو والرحمة إنما هو ~~بعد العمل - فأكثر من أن يحصى، كقوله تعالى: # " إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة ~~الله " (146). وقوله: " فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا ~~الأدنى ويقولون سيغفر لنا " (147). # وقول النبي (ص): " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من ~~اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الجنة ". وما روي عن الصادق (ع) أنه قيل ~~له: " قوم يعملون بالمعاصي ويقولون: نرجو، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم ~~الموت، فقال: " هؤلاء قوم يترجحون في الأماني كذبوا ليسوا براجين، " إن " ~~(148) من رجا شيئا طلبه، ومن خاف من شئ هرب منه ". وعن علي بن محمد، قال: ~~قلت له عليه السلام: إن قوما من مواليك يلمون بالمعاصي ويقولون نرجو، فقال: ~~" كذبوا، ليسوا لنا بموال، أولئك قوم ترجحت بهم الأماني. من رجا شيئا عمل ~~له، ومن خاف شيئا هرب منه ". وعنه قال: " لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون ~~خائفا واجبا، ولا يكون خائفا راجيا حتى يكون عاملا لما يخاف ويرجو ". # وصل (مواقع الخوف والرجاء وترجيح أحدهما على الآخر) قد عرفت أن الخوف ~~والرجاء محمودان، لكونهما باعثين على العمل ودواءين يداوى بهما أمراض ~~القلوب، ففضل كل منها إنما هو بحسب ما يترتب عليه من فائدة العمل ومعالجة ~~المرض. # وهذا يختلف باختلاف الأشخاص: فمن كان تأثير الخوف في بعثه على العمل أكثر ~~من تأثير الرجاء فيه، فالخوف له أصلح من الرجاء، ومن كان بالعكس فبالعكس. ~~ومن غلب عليه مرض الأمن من مكر الله والاغترار به فالخوف له أصلح. ومن غلب ~~عليه اليأس والقنوط، فالرجاء له أصلح، # PageV01P230 # ومن انهمك في المعاصي، فالخوف له أصلح. ومن ترك ظاهر الإثم وباطنه وخفيه ~~وجليه، فالأصلح له أن يعتدل خوفه ورجاؤه. # والوجه في ذلك، أن كل ما يراد به المقصود، ففضله إنما يظهر بالإضافة إلى ~~مقصوده لا إلى نفسه، فلو فرض تساويهما في البعث على العمل ms180 ولم يغلب شئ من ~~المذكورات، فالأصلح اعتدالهما، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام لبعض ~~ولده: " يا بني! خف الله خوفا ترى إنك إن أتيته بحسنات أهل الأرض لم ~~يتقبلها منك، وارج الله رجاء كأنك لو أتيته بسيئات أهل الأرض غفرها لك ". ~~وقال الباقر عليه السلام: " ليس من عبد مؤمن إلا وفي قلبه نوران: نور خيفة، ~~ونور رجاء، لو وزن هذا لم يزد على هذا، وقد جمع الله سبحانه بينهما في وصف ~~من أثنى عليهم، فقال: يدعون ربهم خوفا وطمعا، وقال: يدعوننا رغبا ورهبا ". ~~وعن الحارث بن المغيرة قال: قلت للصادق (ع): ما كان في وصية لقمان؟ قال: " ~~كان فيها الأعاجيب، وكان أعجب ما كان فيها أن قال لابنه: خف الله عز وجل ~~خيفة لو جئته ببر الثقلين لعذبك، وارج الله رجاء لو جئته بذنوب الثقلين ~~لرحمك "، ثم قال عليه السلام: " كان أبي عليه السلام يقول: إنه ليس من عبد ~~مؤمن إلا وفي قلبه نوران: نور خيفة، ونور رجاء، لو وزن هذا لم يزد على هذا، ~~ولو وزن هذا لم يزد على هذا ". # وقال عليه السلام: " الخوف رقيب القلب، والرجاء شفيع النفس، ومن كان ~~بالله عارفا كان من الله خائفا وإليه راجيا، وهما جناحا الإيمان، يطير ~~العبد المحلق بهما إلى رضوان الله، وعينا عقله، يبصر بهما إلى وعد الله ~~ووعيده، والخوف طالع عدل الله وناعي وعيده، والرجاء داعي فضل الله، وهو ~~يحيي القلب، والخوف يميت النفس.. ومن عبد الله على ميزان الخوف والرجاء لا ~~يضل، ويصل إلى مأموله، وكيف لا يخاف العبد وهو غير عالم بما تختم صحيفته، ~~ولا له عمل يتوسل به استحقاقا، ولا قدرة له على شئ ولا مفر، وكيف لا يرجو ~~وهو يعرف نفسه بالعجز، وهو غريق في بحر آلاء الله ونعمائه، من حيث لا تحصى ~~ولا تعد، والمحب يعبد ربه على الرجاء بمشاهدة أحواله بعين سهر (149)، ~~والزاهد يعبد على # PageV01P231 # الخوف " (150). # وقد ظهر مما ذكر: أن الرجاء أصلح وأفضل في موضعين: (أحدهما) في حق من ~~تفتر نفسه عن ms181 فضائل الأعمال ويقتصر على الفرائض، وكان الرجاء باعثا له على ~~التشمير والنشاط للطاعات، ومثله ينبغي أن يرجي نفسه نعم الله تعالى وما وعد ~~الله به الصالحين في العليين، حتى ينبعث من رجائه نشاط العباد. (وثانيهما) ~~في حق العاصي المنهمك إذا خطر له خاطر التوبة، فيقنطه الشيطان من رحمة ~~الله، ويقول له كيف تقبل التوبة من مثلك؟ فعند هذا يجب عليه أن يقمع قنوطه ~~بالرجاء ويتذكر ما ورد فيه، كقوله تعالى: # " لا تقنطوا من رحمة الله " (151). وقوله: " وإني لغفار لمن تاب " (152). # ويتوب ويتوقع المغفرة مع التوبة لا بدونها، إذ لو توقع المغفرة مع ~~الإصرار كان مغرورا. والرجاء الأول يقمع الفتور المانع من النشاط والتشمير، ~~والثاني يقطع القنوط المانع من التوبة. # فصل (العمل على الرجاء أعلى منه على الخوف) العمل على الرجاء أعلى منه ~~على الخوف، لأن أقرب العباد أحبهم إليه، والحب يغلب بالرجاء. واعتبر ذلك ~~بملكين يخدم أحدهما خوفا من عقابه والآخر رجاء لعطائه، ولذلك غير الله ~~أقواما يظنون السوء بالله، قال: # " وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم " (1) وقال: " وظننتم ظن السوء ~~وكنتم قوما بورا " (2). # وورد في الرجاء وحسن الظن ما ورد - كما تقدم - وفي الخبر: # " إن الله تعالى أوحى إلى داود: أحبني وأحب من يحبني وحببني إلى خلقي، # PageV01P232 # فقال: يا رب! كيف أحببك إلى خلقك؟ قال: اذكرني بالحسن الجميل، وأذكر ~~آلائي وإحساني، وذكرهم ذلك، فإنهم لا يعرفون مني إلا الجميل ". # ورأى بعض الأكابر في النوم - وكان يكثر ذكر أبواب الرجاء - فقال: # " أوقفني الله بين يديه، فقال: ما الذي حملك على ذلك؟ فقلت: أردت أن ~~أحببك إلى خلقك. فقال: قد غفرت لك ". # هذا مع أن الرجاء أفضل من الخوف للعبد بالنظر إلى مطلعهما، إذ الرجاء ~~مستقى من بحر الرحمة والخوف مستقى من بحر الغضب. ومن لاحظ من صفات الله ما ~~يقتضي اللطف والرحمة كانت المحبة عليه أغلب، وليس وراء المحبة مقام. وأما ~~الخوف فمستنده الالتفات إلى الصفات التي تقتضي الغضب، فلا تمازجه المحبة ~~كممازجتها للرجاء. نعم، لما كانت المعاصي والاغترار على ms182 الخلق أغلب، (لا) ~~سيما على الموجودين في هذا الزمان، فالأصلح لهم غلبة الخوف، بشرط ألا ~~يخرجهم إلى اليأس وقطع العمل، بل يحثهم على العمل، ويكدر شهواتهم، ويزعج ~~قلوبهم عن الركون إلى دار الغرور، ويدعوهم إلى التجافي عن عالم الزور، إذ ~~مع غلبة المعاصي على الطاعات لا ريب في أصلحية الخوف، (لا) سيما أن الآفات ~~الخفية: # من الشرك الخفي، والنفاق، والرياء، وغير ذلك من خفايا الأخلاق الخبيثة في ~~أكثر الناس موجودة، ومحبة الشهوات والحطام الدنيوي في بواطنهم كامنة، ~~وأهوال سكرات الموت واضطراب الاعتقاد عنده ممكنة، ومناقشات الحساب ورد ~~أعمالهم الصالحة لأسباب خفية محتملة، فمن عرف حقائق هذه الأمور، فإن كان ~~ضعيف القلب جبانا في نفسه غلب خوفه على رجائه، وإن كان قوي القلب ثابت ~~الجأش تام المعرفة استوى خوفه ورجاؤه. وأما أن يغلب رجاؤه فلا، بل غلبته ~~إنما هو من الاغترار وقلة التدبر، كما في غالب الناس، بل الأصلح لهم غلبة ~~الخوف، ولكن قبل الإشراف على الموت، وأما عنده فالأصلح لهم غلبة الرجاء ~~وحسن الظن، لأن الخوف جار مجرى السوط الباعث على العمل، وقد انقضى وقته، ~~وهو لا يطيق هنا أسباب الخوف، لأنها تقطع نياط قلبه وتعين على تعجيل موته. ~~وأما روح الرجاء فيقوي قلبه ويحبب إليه ربه الذي إليه رجاؤه. PageV01P233 # وينبغي أن لا يفارق أحد الدنيا إلا محبا لله، ليكون محبا للقائه، ومن أحب ~~لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن أحب الله ولقاءه وعلم أنه تعالى أيضا يحب ~~لقاءه، اشتاق إليه تعالى، وكان فرحانا بالقدوم عليه، إذ من قدم على محبوبه ~~عظم سروره يقدر محبته، ومن فارق محبوبه اشتد عذابه ومحنته، فمهما كان ~~الغالب على القلب عند الموت حب الأهل والولد والمال كانت محابه كلها في ~~الدنيا، فكانت الدنيا جنته، إذ الجنة هي البقعة الجامعة لجميع المحاب، فكان ~~موته خروجا عن الجنة وحيلولة بينه وبين ما يشتهيه. وهذا أول ما يلقاه كل ~~محب للدنيا، فضلا عما أعد الله له من ضروب الخزي والنكال والسلاسل ~~والأغلال. وأما إذا لم يكن له ms183 محبوب سوى الله وسوى معرفته وحبه وأنسه، ~~فالدنيا وعلائقها شاغلة له عن المحبوب، فالدنيا أول سجنه، إذ السجن هي ~~البقعة المانعة عن الوصول إلى محابه، فموته خلاص له من السجن وقدوم على ~~المحبوب، ولا يخفى حال من خلص من السجن وخلى بينه وبين محبوبه، وهذا أول ~~ابتهاج يلقاه من كان محبا لله غير محب للدنيا وما فيها، فضلا عما أعده الله ~~له مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. # فصل (مداواة الناس بالخوف أو الرجاء على اختلاف أمراضهم) قد عرفت أن ~~المحتاج إلى تحصيل دواء الرجاء من غلب عليه اليأس فترك العبادة، أو غلب ~~عليه الخوف فأسرف فيها حتى أضر بنفسه وأهله. # وأما المنهمكون في طغيان الذنوب والمغرورون بما هم فيه من الفساد والخوف ~~- كأكثر أبناء زماننا - فأدوية الرجاء بالنسبة إليهم سموم مهلكة، إذ لا ~~يزداد سماعهم لها إلا تماديا في طغيانهم وفسادا في فسادهم وعصيانهم، فواعظ ~~الخلق ينبغي أن يعرف أمراضهم وينظر إلى مواقع عللهم، ويعالج كل علة بما ~~يضادها لا بما يزيدها، ففي مثل هذا الزمان ينبغي ألا يذكر لهم بواعث ~~الرجاء، بل يبالغ في ذكر أسباب الخوف، لئلا يهلكهم ويرديهم بالكلية، ولا ~~يقصد بموعظته استمالة القلوب وتوقع الثناء من الناس، فينتقل إلى الترغيب ~~على الرجاء لكونه أخف على القلوب وألذ عند النفوس PageV01P234 # فيهلك ويهلكهم ويضل ويضلهم. # وبالجملة: الطريق إلى تحصيل الرجاء لمن يحتاج إليه: أن يتذكر الآيات ~~والأخبار المتواترة الواردة فيه وفي سعة رحمته ووفور عفوه ورأفته - كما ~~تقدم شطر منها - ثم يتأمل في لطائف نعمائه وعجائب آلائه لعباده في دار ~~الدنيا، حتى أعد لهم كل ما هو ضروري لهم في دوام الوجود، بل لم يترك لهم ~~شيئا جزئيا يحتاجون إليه نادرا يفوت بفقده ما هو الأصلح الأولى لهم من ~~الزينة والجمال. فإذا لم تقصر العناية الإلهية عن عباده في جميع ما يحب ~~ويحسن لهم من اللطف والاحسان في دار الدنيا - وهي حقيقة دار البلية والمحنة ~~لا دار النعمة والراحة - ولم يرض ms184 أن يفوته شئ من المزائد والمزايا في ~~الحاجة والزينة، فكيف يرضى في دار الآخرة التي هي دار الفيض والجود بسياقهم ~~إلى الهلاك المؤبد والعذاب المخلد، مع أنه تعالى أخبر بأن رحمته سابقة على ~~غضبه؟! وأقوى ما يجلب به الرجاء أن يعلم أن الله تعالى خير محض لا شرية فيه ~~أصلا، وفياض على الإطلاق، وإنما أوجد الخلق لإفاضة الجود والاحسان عليهم، ~~فلا بد أن يرحمهم ولا يبقيهم في الزجر الدائم. # از خير محض جز نكوثى نآيد * خوش باش كه عاقبت نكو خواهد شد (1) ومنها: # صغر النفس وهو ملكة العجز عن تحمل الواردات، وهو من نتائج الجبن، ومن ~~خبائث الصفات. وتلزمه الذلة والمهانة، وعدم الاقتحام في معالي الأمور، ~~والمسامحة في النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، والاضطراب بعروض أدنى شئ من ~~البلايا والمخاوف. وقد ورد في الأخبار بأن المؤمن برئ عن ذلة النفس، قال ~~الصادق عليه السلام: " إن الله عز وجل فوض إلى المؤمن أموره كلها ولم يفوض ~~إليه أن يكون ذليلا: أما تسمع الله تعالى يقول: # " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين "؟ (2) # PageV01P235 # فالمؤمن يكون عزيزا ولا يكون ذليلا، إن المؤمن أعز من الجبل، الجبل يستقل ~~منه (3) بالمعاول والمؤمن لا يستقل من دينه شئ ". وقال عليه السلام: " إن ~~الله فوض إلى المؤمن كل شئ إلا إذلال نفسه ". وقد وردت بهذا المضمون أخبار ~~أخر. وعلاجه ما تقدم في معالجة الجبن. # وصل (كبر النفس وصلابتها) وضده (كبر النفس وصلابتها)، وقد عرفت أنه ملكة ~~التحمل لما يرد عليه كائنا ما كان. وقد دلت الأخبار على أن المؤمن ذو صلابة ~~وعزة ومهابة، وكل ذلك فرع كبر النفس. قال الباقر عليه السلام: " المؤمن ~~أصلب من الجبل "، وقال عليه السلام: " إن الله تعالى أعطى المؤمن ثلاث ~~خصال: # العز في الدنيا والآخرة، والفلح في الدنيا والآخرة: والمهابة في صدور ~~الظالمين ". وصاحب هذه الملكة لا يبالي بالكرامة والهوان، ويتساوى عنده ~~الفقر واليسار والغنى والإعسار، بل الصحة والمرض والمدح والذم، ولا يتأثر ~~بتقلب الأمور والأحوال. وهي ملكة شريفة ليست شريعة لكل وارد، ولا يصل ms185 إليها ~~إلا واحد بعد واحد، بل لا يحوم حولها إلا أوحدي من أفاضل الحكماء، أو ألمعي ~~قوي القلب من أماثل العرفاء. وطريق تحصيلها - بعد تذكر شرافتها - أن يتكلف ~~في المواظبة على آثارها والاجتناب عما ينافيها، حتى تحصل بالتدريج. # تتميم (الثبات أخص من كبر النفس) قد عرفت أن الثبات أخص من كبر النفس، ~~وهو ملكة التحمل على الخوض في الأهوال، وقوة المقاومة مع الشدائد والآلام، ~~بحيث لا يعتريه الانكسار، وإن زادت وكثرت. وضده الاضطراب في الأهوال ~~والشدائد، # PageV01P236 # ومن جملة الثبات الثبات في الإيمان، وهو اطمئنان النفس في عقائدها، بحيث ~~لا يتزلزل فيها بالشبهات، قال الله تعالى: # " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة " ~~(4). # وهذا الاطمئنان من شرائط كسب الكمال وفضائل الأعمال، إذ ما لم تستقر ~~النفس على معتقداتها في المبدأ والمعاد لم يحصل لها العزم البالغ على تحصيل ~~ما يتوقف فائدته عليها، فمن ليس له هذا الثبات لا تجده ثابتا ومواظبا على ~~شئ من الأعمال الفاضلة، بل هو: # " كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران " (5) والمتصف به مواظب لها ~~دائما من غير فتور. وعدم هذا الثبات لعدم البصيرة الباطنة أو لضعف في ~~النفس. فوجوده يحصل من المعرفة وقوة النفس، فهو من فضائل العاقلة وقوة ~~الغضب، وعدمه من رذائل إحداهما أو كليهما. # ومنها: # دناءة الهمة وهو قصور النفس عن طلب معالي الأمور وقناعتها بأدانيها، وهو ~~من نتائج ضعف النفس وصغرها. وضده (علو الهمة)، وهو ملكة السعي في تحصيل ~~السعادة والكمال وطلب معالي الأمور، من دون ملاحظة منافع الدنيا ومضارها، ~~حتى لا يعتريه السرور بالوجدان ولا الحزن بالفقدان، بل لا يبالي في طريق ~~الطلب بالموت والقتل وأمثالهما. وصاحب هذه الملكة هو المؤمن الحقيقي الشائق ~~للموت، والموت تحفة له، وأعظم سرور يصل إليه، كما ورد في الأخبار. وهو الذي ~~يقول: # آن مرد نيم كز عدمم بين آيد * كان بيم مرا خوشتر از أين بيم آيد جاني است ~~مرا بعاريت داده خدا * تسليم كنم چو وقت تسليم آيد (6) # PageV01P237 # ويقول: # مرگ اگر مرد ms186 است گو نزد من آي * تا در آغوشش در آرم تنگ تنگ من از آن ~~عمرى ستانم جاودان * آن زمن دلقى ستاند رنگ رنگ (7) ويقول: # أين جان عاريت كه بحافظ سپرده دوست * روزى رخش ببينم وتسليم وى كنم (8) ~~وهذه الملكة من نتائج كبر النفس وشجاعتها، وهي أعظم الفضائل النفسانية، إذ ~~كل من وصل إلى المراتب العظيمة والأمور العالية فإنما وصل إليها لأجلها، إذ ~~صاحبها لا يرضى بالمراتب الدنية، ويشمر لتحصيل المراتب العالية والأمور ~~المتعالية، وفي جوهر الإنسان وجبلته أن يصل إلى كل ما يجتهد في طلبه: # " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا " (9). # من طلب الشئ وجد وجد. ومن أفراد علو الهمة الشهامة، وهو الحرص على اقتناء ~~عظائم الأمور توقعا لجميل الذكر على مر الدهور. # ومنها: # عدم الغيرة والحمية وهو الإهمال في محافظة ما يلزم محافظته: من الدين، ~~والعرض، والأولاد، والأموال. وهو من نتائج صغر النفس وضعفها، ومن المهلكات ~~العظيمة، وربما يؤدي إلى الدياثة والقيادة. قال رسول الله (ص): " إذا لم ~~يغر الرجل فهو منكوس القلب ". وقال (ص): " إذا غير الرجل في أهله أو بعض ~~مناكحه من مملوكته فلم يغر، بعث الله إليه طائرا يقال له (القندر) حتى يسقط ~~على عارضة بابه، ثم يمهله أربعين يوما، ثم يهتف به: # إن الله غيور يحب كل غيور، قال هو غار وغير وأنكر ذلك فأكبره، وإلا # PageV01P238 # طار حتى يسقط على رأسه فيخفق بجناحيه على عينيه ثم يطير عنه، فينزع الله ~~منه بعد ذلك روح الإيمان، وتسميه الملائكة: الديوث ". وقال (ص): # " كان إبراهيم غيورا وأنا أغير منه، وجدع الله أنف من لا يغار على ~~المؤمنين والمسلمين ". وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " يا أهل العراق! ~~نبئت أن نساءكم يدافعن الرجال في الطريق، أما تستحيون؟ ". وقال (ع): # " أما تستحيون ولا تغارون، نساؤكم يخرجن إلى الأسواق ويزاحمن العلوج؟ ". # وصل (الغيرة والحمية) وضده (الغيرة والحمية)، وهو السعي في محافظة ما ~~يلزم محافظته، وهو من نتائج الشجاعة وكبر النفس وقوتها، وهي شرائف الملكات، ~~وبها تتحقق الرجولية والفحلية، والفاقد لها غير معدود ms187 من الرجال. قال رسول ~~الله (ص): " إن سعدا لغيور، وأنا أغير من سعد، والله أغير مني ". # وقال (ص): " إن الله لغيور، ولأجل غيرته حرم الفواحش " وقال: " إن الله ~~يغار، والمؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي الرجل المؤمن ما حرم الله عليه ". # وقال الصادق عليه السلام: " إن الله تعالى غيور ويحب الغيرة، ولغيرته حرم ~~الفواحش ظاهرها وباطنها ". # فصل (الغيرة على الدين والحريم والأولاد) مقتضى الغيرة والحمية في ~~(الدين) أن يجتهد في حفظه عن بدع المبتدعين، وانتحال المبطلين، وقصاص ~~المرتدين وإهانة من يستخف به من المخالفين، ورد شبه الجاحدين، ويسعى في ~~ترويجه ونشر أحكامه، ويبالغ في تبيين حلاله وحرامه، ولا يتسامح في الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر. # ومقتضى الغيرة على (الحريم) ألا يتغافل عن مبادئ الأمور التي تخشى ~~غوائلها، فيحفظهن عن أجانب الرجال، ويمنعهن عن الدخول في الأسواق قال رسول ~~الله (ص) لفاطمة (ع): " أي شئ خير للمرأة؟ قالت: أن لا ترى رجلا ولا يراها ~~رجل. فضمها إليه، وقال: ذرية بعضها من بعض ". # وكان أصحاب النبي (ص) يسدون الثقب والكوي في الحيطان، لئلا تطلع ~~PageV01P239 # النساء على الرجال. وقال (ص): " من أطاع امرأته أكبه الله على وجهه في ~~النار ". وما روي أنه (ص): أذن للنساء في حضور المساجد، وقال " لا تمنعوا ~~إماء الله مساجد الله "، فالظاهر أنه كان مختصا بنساء عصره (ص)، لعلمه بعدم ~~ترتب فساد على حضورهن فيها. والصواب اليوم أن يمنعن من حضور المساجد ~~والذهاب إلى المشاهد إلا العجائز منهن، للقطع بترتب الفساد والمعصية على ~~خروج نساء هذا العصر إلى أي موضع كان. # وسئل الصادق (ع) عن خروج النساء في العيدين، فقال: " لا! إلا العجوز ~~عليها منقلاها ". يعني الخفين. وفي رواية أخرى أنه (ع): " سئل عن خروج ~~النساء في العيدين والجماعة، فقال: لا! إلا امرأة مسنة ". # وبالجملة: من اطلع على أحوال نساء أمثال عصرنا يعلم أن مقتضى الغيرة أن ~~يبالغ في حفظهن عن جميع ما يحتمل أن يؤدي إلى فتنة وفساد، سواء كان في نفسه ~~محرما، كالنظر إلى الرجال الأجانب واستماع ms188 كلامهم بلا ضرورة شرعية وارتكاب ~~الملاهي المحرمة، أولا، كالخروج عن البيت بلا داع شرعي أو ضروري، ولو إلى ~~المساجد والمشاهد المشرفة ومجامع تعزية مولانا أبي عبد الله الحسين عليه ~~السلام، إذ ذلك وإن كان في نفسه راجحا إلا أن الغالب عدم انفكاكه عما ينافي ~~الغيرة والحمية على ما هو المشاهد في عصرنا، فإن أقل ما في الباب أنه لا ~~ينفك عن نظرهن إلى الأجانب واستماع كلامهم، بل عن نظرهم إليهن واستماع ~~كلامهن، وهذا خروج للطرفين إلى الانحراف عن قانون العفة. مع إنا نعلم قطعا ~~أن خروج أكثرهن لا يخلو عن غرض فاسد أو مرجوح، وما أقل فيهن أن يكون خروجها ~~إلى أحد المواضع المذكورة لمحض القربة والثواب. فالصواب أن يمنعن في أمثال ~~هذا العصر عن مطلق الخروج، إلا إلى سفر واجب، كالحج، أو إلى بيت عالم عادل ~~لأخذ ما يجب عليهن من المسائل، إذا لم يتمكن أزواجهن من أخذها وإيصالها ~~إليهن. نعم، لو فرض خروجها إلى أحد المشاهد أو إلى مجمع تعزية من مجامع ~~النساء بل إلى مجمع العرس، على نحو اطمأن الزوج منها وتيقن بعدم حدوث ما ~~ينافي الغيرة وعدم ترتب فساد ومعصية وريبة عليه، فالظاهر جواز الإذن بل ~~رجحانه. وجميع ذلك إنما هو في الشواب PageV01P240 # من النساء، وأما العجائز فلا بأس بخروجهن إلى المواضع المذكورة! ومقتضى ~~الغيرة أن يمنعن من استماع الكلمات الملهية والحكايات المهيجة للشهوة، وعن ~~مجالسة العجائز اللاتي يحضرن مجامع الرجال وينقلن حكاياتهم وقصصهم لأنهن ~~ناقصات العقل والإيمان، ومع ذلك شهوتهن في غاية القوة والغلبة، فاستماعهن ~~لشئ من المذكورات يوجب ثوران الشهوة وهيجانها فيهن، فلما لم يكن فيهن قاهر ~~العقل ومانع الإيمان فربما أدى ذلك إلى فساد عظيم. # ولذلك ورد في الأخبار منعهن عن تعلم سورة يوسف عليه السلام، إذ استماعهن ~~الأمثال القصة المذكورة فيها ربما أدى إلى انحرافهن عن طريق العفة. قال ~~أمير المؤمنين (ع): " لا تعلموا نساءكم سورة يوسف ولا تقرؤهن إياها فإن ~~فيها الفتن، وعلموهن سورة النور فإن فيها المواعظ ". # وقال (ع): " لا ms189 تحملوا الفروج على السروج فتهيجوهن للفجور ". وقال رسول ~~الله (ص): " لا تنزلوا النساء الغرف ولا تعلموهن الكتابة وعلموهن الغزل ~~وسورة النور ". # وبالجملة: مقتضى العقل والنقل أن يمنعن عن جميع ما يمكن أن يؤدي إلى فساد ~~وريبة. وعن مبادئ الأمور التي تخاف غوائلها، وينبغي لصاحب الغيرة أن يجعل ~~نفسه مهيبا في نظرها، حتى تكون منه على خوف وحذر، ولا تطمئن منه فتتبع ~~هواها وما تقتضيه جبلتها، وأن يجعلها مشغولة في كل وقت بأمر من الأمور، ~~كتدبير المنزل وإصلاح أمر المعيشة، أو بكسب من المكاسب، حتى يكون لها دائما ~~شغل شاغل، ولا تكون فارغة عنه في وقت من الأوقات، إذ لو خلت عن الأشغال ~~وتعطلت عن المهمات أوقعها الشيطان في أودية الأفكار الردية، فتميل إلى ~~الزينة والخروج والتفرج، والنظر إلى أجانب الرجال، والملاعبة والمضاحكة ~~للنسوان، فينجر أمرها إلى الفساد. وينبغي أيضا لصاحب الغيرة أن يعطي امرأته ~~ما تحتاج إليه من القوت واللباس وسائر الضروريات، حتى لا تضطر إلى ارتكاب ~~ما لا ينبغي من الحركات والأفعال توصلا إلى أخذ شئ من ذلك من غير زوجها. # ثم ينبغي ألا توقعه الغيرة في طرف الإفراط فيبالغ في إساءة الظن والتعنت ~~وتجسس البواطن، فقد نهى رسول الله (ص): " أن يتبع عورات النساء PageV01P241 # وأن يتعنت بهن ". وفي الخبر المشهور: " إن المرأة كالضلع، إن أردت أن ~~تقيمه كسرته، فدعه تستمتع به على عوج ". وقال (ص): " من الغيرة غيرة يبغضها ~~الله ورسوله، وهي غيرة الرجل على أهله من غير ريبة ". # وقال أمير المؤمنين (ع): " لا تكثر الغيرة على أهلك فترمى بالسوء من أجلك ~~". وقال عليه السلام في رسالته إلى الحسن (ع): " إياك والتغاير في غير موضع ~~الغيرة، فإن ذلك يدعوهن إلى السقم، ولكن أحكم أمرهن فإن رأيت عيبا فعجل ~~النكير على الصغير والكبير، بأن تعاقب منهن البريئة فتعظم الذنب وتهون ~~العيب ". وبالجملة: لا ينبغي المبالغة في الفحص والتفتيش، إذ لا ينفك ذلك ~~عن سوء الظن الذي نهينا عنه، فإن بعض الظن إثم. # وأما مقتضى الغيرة على (الأولاد): إن تراقبهم ms190 من أول أمرهم، فاستعمل في ~~حضانة كل مولود له وإرضاعه امرأة صالحة تأكل الحلال، إذ الصبي الذي تتكون ~~أعضاؤه من اللبن الحاصل من غذاء حرام يميل طبعه إلى الخبائث، لأن طينته ~~انعجنت من الخبث. # وإذا بدأت فيه مخائل التمييز فينبغي أن يؤدب بآداب الأخيار. ولما كان أول ~~ما يغلب عليه من الصفات شره الطعام، فينبغي أن يؤدب فيه بأن يؤمر بألا يأخذ ~~إلا بيمينه، ويقول (باسم الله) عند أكله، ويأكل مما يليه، ولا يبادر إلى ~~الطعام قبل غيره، ولا يحدق إلى الطعام ولا إلى من يأكل، ولا يسرع في الأكل، ~~ويمضغ الطعام مضغا جيدا، ولا يلطخ ثوبه ولا يده. ويقبح عنده كثرة الأكل بأن ~~يذم كثير الأكل ويشبه بالبهائم، ويمدح الصبي الذي يقنع بالقليل، ويحبب إليه ~~الإيثار بالطعام وقلة المبالاة به، والقناعة بأي طعام اتفق. ثم يؤدب في أمر ~~اللباس، حتى لا يخرج فيه عن زي الأبرار وأهل الورع، فيحبب إليه ثياب القطن ~~والبيض، دون الإبريسم الملون، ويقرر عنده بأن ذلك شأن النساء والمخنثين، ~~والرجال يستنكفون منه، ويحفظ من الصبيان الذين تعودوا التنعم والترفه ~~والزينة. ثم يؤدب في الأخلاق والأفعال ويبالغ في ذلك، لأن الصبي إذا أهمل ~~في أول نشوه خرج في الأكثر ردي الأخلاق والأفعال، فيكون كذابا، حسودا، ~~لجوجا، عنودا سارقا، خائفا، ذا ضحك وفضول، وربما صار مخنثا مائلا إلى ~~الفسوق PageV01P242 # والفجور، فينبغي أن يحفظ من قرناء السوء، وهو الأصل في تأديبه. يسلم إلى ~~معلم دين صالح، يعلمه القرآن وأحاديث الأخبار وحكايات الأبرار، لينغرس في ~~نفسه حب الصالحين. ويحفظ عن الأشعار التي فيها ذكر الفسوق وأهله، إذ ذلك ~~يغرس في قلبه بذر الفساد. وينبغي أن يعود الصبر والسكوت إذا ضربه المعلم، ~~حتى لا يكثر الصراخ والشغب ولا يستشفع بأحد حينئذ، ويذكر له أن ذلك دأب ~~الرجال والشجعان، وأن كثرة الصراخ دأب المماليك والنسوان. وينبغي أن يؤذن ~~له بعد الفراغ من المكتب باللعب المباح الجميل حتى يستريح من تعب الأدب، ~~ولا يموت قلبه، ولا ينقص ذكاه. ويعلم محاسن الأخلاق والأفعال، ms191 ويجنب عن ~~خبائث الصفات ورذائل الأعمال فيخوف من الحسد، والعداوة، والجبن، والبخل، ~~والكبر، والعجب ويحذر من السرقة، وأكل الحرام، والكذب، والغيبة، والخيانة، ~~والفحش واللعن، والسب، ولغو الكلام.. وغير ذلك. ويرغب في الصبر، والشكر، ~~والتوكل، والرضا، والشجاعة، والسخاء، والصدق، والنصيحة... # وغير ذلك من محاسن الأخلاق وفضائلها. ويمدح عنده الأخيار ويذم الأشرار، ~~حتى يصير الخير عنده محبوبا، ويصير الشر عنده مبغوضا. # وإذا بلغ سن التمييز، يؤمر بالطهارة والصلاة، وبالصوم في بعض الأيام من ~~شهر رمضان، ويعلم أصول العقائد وكل ما يحتاج إليه من حدود الشرع. ومهما ظهر ~~منه خلق جميل أو فعل محمود، فينبغي أن يكرم عليه ويجازى لأجله بما يفرح به، ~~ويمدح بين أظهر الناس. وإن ظهر منه فعل قبيح مرة واحدة ينبغي أن يتغافل عنه ~~ولا يهتك سره، ولا يظهر له أنه يتصور أن يتجاسر أحد على مثله، (لا) سيما ~~إذا ستره الصبي واجتهد في إخفائه، فإن إظهار ذلك ربما يفيده جسارة حتى لا ~~يبالي بالمكاشفة بعد ذلك، فإن عاد ثانيا إلى مثله، فينبغي أن يعاتب عليه ~~سرا ويعظم الأمر فيه، ويقال له: # إياك أن يطلع على فعلك هذا أحد فتفتضح عند الناس. ولا يكثر العتاب عليه ~~حتى يسقط وقع الكلام من قلبه. وليكن الأب حافظا هيبته في الكلام والحركات ~~معه. وينبغي للأم أن تخوفه بالأب. وينبغي أن يمنع من كل ما يفعله خفية، ~~فإنه لا يخفيه إلا وهو يعتقد أنه قبيح، فإذا ترك يعود PageV01P243 # فعل القبيح. ويعود الوقار والطمأنينة في المشي وسائر الحركات والأفعال ~~وعدم كشف أطرافه، والتواضع والاكرام لكل من عاشره، والتلطف معه في الكلام، ~~ويعلم طاعة والديه، ومعلمه، ومؤدبه، وكل من هو أكبر سنا منه، من قريب ~~وبعيد، ويعود النظر إليهم بعين التعظيم والجلالة وترك اللعب بين أيديهم. ~~ويمنع من الفخر على أقرانه بشئ مما تملكه نفسه أو والده. ويخوف من أخذ شئ ~~من الصبيان أو الرجال، أو يذكر له أن الرفعة في العطاء، والأخذ لؤم وخسة ~~ومهانة وذلة، فإنه دأب الكلب، إذ هو يتبصبص في انتظار ms192 لقمة، ويقبح عنده حب ~~الذهب والفضة، ويحذر منهما أكثر مما يحذر من الحيات والعقارب، إذ آفة حبهما ~~أكثر من آفة السموم وقد هلك لأجله كل من هلك العالم. ويعود ألا يبصق في ~~مجلسه، ولا يتمخط، ولا يتمطط، ولا يتثاءب بحضرة غيره، ولا يستدبر غيره، ولا ~~يضع رجلا على رجل، ولا يضرب كفه تحت ذقنه، لأنه دليل الكسل. ويعلم كيفية ~~الجلوس والحركة والسكون. ويمنع من النوم في النهار، ومن التنعم في المفرش ~~والملبس والمطعم، بل يعود الخشونة فيها حتى تتصلب أعضاؤه، ولا يستخف بدنه، ~~يذكر له أنها خلقت لدفع الضرر والألم لا لأجل اللذة وإن الأطعمة أدوية ~~يتقوى الإنسان بها على عبادة الله، وإن الدنيا كلها لا أصل لها ولا بقاء ~~لها، وإن الموت يقطع نعيمها، وإنها دار ممر لا دار مقر. # وإن الآخرة هي دار القرار ومحل الراحة واللذات، والكيس العاقل من تزود من ~~الدنيا للآخرة. وينبغي أن يمنع من كثرة الكلام، ومن الكذب، واليمين ولو كان ~~صدقا، ومن اللهو واللعب والسخرية وكثرة المزاح، ومن أن يبتدئ بالكلام، ~~ويعود ألا يتكلم إلا جوابا وبقدر السؤال، وأن يحسن الاستماع مهما تكلم غيره ~~ممن هو أكبر سنا منه، وأن يقوم لمن هو أكبر منه، ويوسع له المكان ويجلس بين ~~يديه. # فإذا تأدب الصبي بهذه الآداب في صغره صارت له بعد بلوغه ملكات راسخة، ~~فيكون خيرا صالحا. وإن نشأ على خلاف ذلك، حتى ألف اللعب والفحش، والوقاحة، ~~والخرق، وشره الطعام، واللباس، والتزين والتفاخر بلغ وهو خبيث النفس كثيف ~~الجوهر، وكان وبالا لوالديه، وصدر منه PageV01P244 # ما يوجب الفضيحة والعار. فيجب على كل والد ألا يتسامح في تأديب ولده في ~~حالة الصبا، لأنه أمانة الله عنده، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة عن كل ~~نقش وصورة، وقابل للخير والشر، وأبواه يميلان به إلى أحدهما، فإن عود الخير ~~نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة، وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلم ومؤدب، ~~وإن عود الشر وأهمل شقى وهلك، وكان الوزر في رقبة أبيه أو من كان فيما ~~ووليا ms193 له. # ثم الصبية تؤدب بمثل ما مر، إلا فيما يتفاوت به الصبي والصبية، فيستعمل ~~ما يليق بها، ويجب السعي في جعلها ملازمة للبيت، والحجاب، والوقار، والعفة، ~~والحياء، وسائر الخصال التي ينبغي أن تتصف بها النساء. # ثم ينبغي أن يتفرس من حال الصبي أنه مستعد لأي علم وصناعة، فيجعل مشغولا ~~باكتسابه ويمنع من اكتساب غيره، لئلا يضيع عمره ولا تترتب عليه فائدة، إذ ~~كل أحد ليس مستعدا لكل صناعة، وإلا لاشتغل الجميع بأشرف الصناعات، واختلاف ~~الناس وتفاوتهم في هذا الاستعداد لتوقف قوام النوع وانتظام العالم عليه. # وأما الغيرة على (المال)، فلا تظن أنها ليست ممدوحة لسرعة فناء المال ~~وعدم اعتناء الأخيار، إذ كل إنسان ما دام في دار الدنيا محتاج إليه، وتحصيل ~~الآخرة أيضا يتوقف عليه. إذ كسب العلم والعمل موقوف على بقاء البدن وهو ~~موقوف على بدل مما يتحلل عنه من الأغذية والأقوات. فلا بد لكل عاقل أن ~~يعتني بالمال ويجتهد في حفظه وضبطه، بعد تحصيله من المداخل الطيبة والمكاسب ~~المحمودة، ومقتضى السعي في حفظه المعبر عنه بالغيرة عليه ألا يصرفه في مصرف ~~لا تترتب عليه فائدة لآخرته أو دنياه، كإنفاقه للرياء والمفاخرة والتضيف، ~~أو بذله على غير المستحقين بلا داع ديني أو دنيوي أو عادي، أو تمكينه ~~الظلمة والسارقين وأهل الخيانة من أخذه علانية أو سرا، أو عدم مبالاته ~~بتضييعه من غير أن يصل نفعه إلى أحد، أو إسرافه في بذله، أو غير ذلك من ~~المصارف التي ليست راجحة بحسب العقل والشرع ولا يعود إليه عوض في الآخرة ~~والدنيا. بل مقتضى الغيرة عليه أن يصرف ج: 1 PageV01P245 # جميع أمواله في حياته في المصارف التي تعود فائدتها إلى نفسه، ولا يترك ~~شيئا منها لوراثه إلا للأخيار من أولاده، إذ بقاؤهم بمنزلة بقائه، ويترتب ~~على وجودهم - مع حسن حالهم وعيشهم - جميل الذكر وجزيل الثواب له بعد موته. ~~وكيف يرضى صاحب الغيرة أن يترك ماله الذي أتعب نفسه في اكتسابه وفنى عمره ~~في تحصيله ويحاسب عليه في عرصات القيامة، لزوج امرأته، فيأكله ms194 ويجامعها، ~~وغاية رضى هذه المرأة الخبيثة التي ليست لها حمية ووفاء ولا لها مطلوب أهم ~~من مقاربة الرجال، أن يأكل هذا الرجل صفو ماله ليتقوى على مجامعتها، وهذا ~~محنة لا يتحمل مثلها أهل الديانة والقيادة، فضلا عن صاحب الغيرة والحمية. ~~وقس على ذلك تخليف الأموال لسائر الوراث الذين لا يعرفون الحقوق، وليسوا من ~~أهل الخير والصلاح والوفاء، من أولاد السوء وأزواج البنات، وسائر الأقارب ~~من الأخوان والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات. وهؤلاء وإن لم ~~يكونوا بمثابة زوج امرأته، إلا أن ترك الأموال لهم إذا لم يكونوا من أهل ~~الخير والصلاح لا تثمر له فائدة سوى الوزر والوبال وذكره بالسوء والشتم ~~والفحش، كما هو المشاهد في زماننا هذا. # ومنها: # العجلة وهي المعنى الراتب في القلب، الباعث على الإقدام على الأمور بأول ~~خاطر، من دون توقف واستبطاء في أتباعها والعمل بها. وقد عرفت أنه من لوازم ~~ضعف النفس وصغرها، وهو من الأبواب العظيمة للشيطان، قد أهلك به كثيرا من ~~الناس. قال رسول الله (ص): " العجلة من الشيطان، والتأني من الله ". وقد ~~خاطب الله تعالى نبيه (ص) بقوله: # " ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه " (10). # وقد روي: " أنه لما ولد عيسى عليه السلام أتت الشياطين إبليس، فقالت: ~~أصبحت الأصنام قد نكست رؤوسها. فقال: هذا حادث قد حدث، # PageV01P246 # مكانكم. فطار حتى جاء خافقي الأرض، فلم يجد شيئا، ثم وجد عيسى عليه ~~السلام قد ولد، وإذا الملائكة قد حفت حوله، فرجع إليهم، فقال: # إن نبيا قد ولد البارحة. ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا وأنا بحضرتها، إلا ~~هذا، فايأسوا أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم من قبل ~~العجلة والخفة ". # والظواهر في ذم العجلة أكثر من أن تحصى، ولذلك أفتى بعض علماء العامة ~~بالمنع من التعجيل لمن خاف فوت صلاة الجمعة. والسر في شدة ذمها: # أن الأعمال ينبغي أن تكون بعد المعرفة والبصيرة، وهما موقوفان على التأمل ~~والمهلة، والعجلة تمنع من ذلك، فمن يستعجل في أمر يلقي الشيطان شره ms195 عليه من ~~حيث لا يدري. والتجربة شاهدة بأن كل أمر يصدر على العجلة يوجب الندامة ~~والخسران، وكل ما يصدر على التأني والتثبت لا تعرض بعده ندامة، بل يكون ~~مرضيا، وبأن كل خفيف عجول ساقط عن العيون ولا وقع له عند القلوب. والمتأمل ~~في الأمور يعلم أن العجلة هو السبب الأعظم لتبديل نعيم الآخرة وملك الأبد ~~بخسائس الدنيا ومزخرفاتها. # وبيان ذلك: أنه لا ريب في أن أحب اللذات وألذها للنفس هو الغلبة ~~والاستيلاء، لأنها من صفات الربوبية التي هي مطلوبة بالطبع للنفوس المجردة ~~والسر فيه: أن كل معلول من سنخ علته، ويناسبها في صفاتها وآثارها، وغاية ~~ابتهاجه أن يتصف بمثل كمالاتها، ولذا قيل: " كل ما يصدر عن شئ لا يمكن أن ~~يكون من جميع الجهات هو هو، ولا أن يكون من جميع الجهات ليس هو، بل من جهة ~~هو هو ومن جهة ليس هو ". # وهذا معنى كلام قدماء الحكمة: (الممكن زوج تركيبي). ولا ريب في أن جميع ~~الموجودات معلولة للواجب سبحانه، صادرة عن محض وجوده ومترشحة عن فيضه ~~وجوده، فهو غاية الكل والكل طالبة نحو كمالاته، إلا أن ما هو في سلسلة ~~الصدور إليه أقرب والواسطة بينهما أقل، تكون مناسبة له أتم وشوقه إلى ~~الاتصاف بكماله أشد. ولا ريب في أن الذوات المجردة النورية التي هي من عالم ~~الأمر مقتبسة من مشكاة نوره، فلها غاية القرب PageV01P247 # إليه في سلسلة الصدور، فتكون شديدة الشوق إلى الإنصاف بنحو كماله. # والنفس الإنسانية لكونها منها ومن عالم الأمر - كما قال الله تعالى -: # " قال الروح من أمر ربي " (11). # تكون مثلها في القرب إليه تعالى أو في المناسبة له، فلها غاية الشوق في ~~الاتصاف بصفاته وكمالاته التي من جملتها الغلبة والاستعلاء، وليس ذلك ~~مذموما، إذ ينبغي لكل عبد أن يطلب ملكا عظيما لا آخر له، وسعادة دائمية لا ~~نفاد لها، وبقاء لا فناء فيه، وعزا لا ذل معه، وأمنا لا خوف فيه، وغنى لا ~~فقر معه، وكمالا لا نقصان فيه. وهذه كلها من أوصاف الربوبية وطالبها طالب ms196 ~~للعلو والعز والكمال لا محالة. # فالمذموم من الرئاسة والاستيلاء إنما هو الغلط الذي وقع للنفس بسبب تغرير ~~المعين المبعد عن عالم الأمر، إذ حسدها على كونها من عالم الأمر، فأضلها ~~وأغواها من طريق العجلة، فزين في نظره الملك الفاني المشوب بأنواع الآلام، ~~لكونه عاجلا، وصده عن الملك المخلد الدائم الذي لا يشوبه كدر ولا يقطعه ~~قاطع، لكونه آجلا. والمسكين المخذول ابن آدم لما خلق عجولا راغبا في ~~العاجلة، لما جاءه المطرود من عالم الأمر، وتوسل إليه بواسطة العجلة التي ~~في طبعه، واستغواه بالعاجلة، وأمال قلبه إلى عدم الاعتناء بالآجلة، وزين له ~~الحاضرة، ووعده بالغرور وبالتمني على الله في باب الآخرة، فانخدع بغروره ~~واشتغل بطلب ملك الدنيا ومزخرفاتها مع فنائها، وترك سلطنة الآخرة مع ~~بقائها، ولم يتأمل المسكين في أن ملك الدنيا ورئاستها ليس كمالا ولا علوا ~~واستيلاء في الحقيقة، بل هو صفة نقض يصده عن الكمال الحقيقي والرئاسة ~~المعنوية. مثال ذلك: أنه لا ريب في أن الحب والعشق صفة كمال، ولكن إذا وقع ~~في موقعه، وذلك إذا كان المحبوب شريفا كاملا في ذاته وصفاته، فحب الله ~~سبحانه أشرف الصفات الكمالية، وحب الجمادات وخسائس الحيوانات أخس الرذائل ~~النفسية، فكل من كان جاهلا بحقائق الأمور ينخدع بغروره، ويختار الملك ~~العاجل الفاني على # PageV01P248 # السلطنة الأجلة الباقية، وأما العالم الموفق فلا يتدلى بحبل غروره، إذ ~~علم مداخل مكره، فأعرض عن العاجلة واختار الأجلة. # ولما استطار مكر اللعين في كافة الخلق، أرسل الله إليهم الأنبياء، ~~واشتغلوا بدعوتهم من الملك المجازي الذي لا أصل له ولا دوام أن سلم إلى ~~الملك الحقيقي الذي لا زوال له أصلا، فنادوا فيهم: # " يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم ~~إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في ~~الآخرة إلا قليل " (12). # وذموا من اختار العاجلة الفانية على الآخرة الباقية، كما قال سبحانه: # " إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا " (13). وقال: # " كلا بل تحبون العاجلة. وتذرون الآخرة " (14). # فالغرض من ms197 بعثة الرسل ليس إلا دعوة الخلق إلى الملك المخلد، ليكونوا ~~ملوكا في الآخرة بسبب القرب من الله تعالى، ودرك بقاء لا فناء فيه، وعز لا ~~ذل معه، وقرة عين أخفيت لا يعلمها أحد. والشيطان يدعوهم من طريق العجلة إلى ~~ملك الدنيا الفاني، لعلمه بأن ما سمى ملك الدنيا، مع أنه لا يسلم ولا يخلو ~~عن المنازعات والمكدرات وطول الهموم في التدبيرات، يفوت به ملك الآخرة، إذ ~~الدنيا والآخرة ضرتان. بل يفوت به الملك الحاضرة الذي هو الزهد في الدنيا، ~~إذ معناه أن يملك العبد شهوته وغضبه، فينقادان لباعث الذين وإشارة الإيمان. ~~وهذا ملك بالاستحقاق، إذ به يصير صاحبه حرا، وباستيلاء الشهوة يصير عبدا ~~لبطنه وفرجه وسائر أعضائه، فيكون مسخرا مثل البهيمة، مملوكا يسخره زمام ~~الشهوة، أخذ المخنقة إلى حيث يريد ويهوى. فما أعظم اغترار الإنسان، إذ ظن ~~أنه ينال الملك بأن يصير مملوكا، وينال الربوبية بأن يصير عبدا. ومثل هذا ~~هل يكون إلا معكوسا في الدنيا منكوسا في الآخرة؟. فقد ظهر أن منشأ الخسران ~~في الدنيا # PageV01P249 # والآخرة هو العجلة. # والطريق في علاجها: أن يتذكر فسادها، وسوء عاقبتها، وإيجابها للخفة ~~والمهانة عند الناس، وتأديتها إلى الندامة والخسران. ثم يتذكر شرافة الوقار ~~الذي هو ضده، وكونه صفة الأنبياء والأخيار، فيوطن نفسه على ألا يرتكب فعلا ~~إلا بعد التأمل والمهلة، ولا يترك الطمأنينة والسكون باطنا وظاهرا في جميع ~~أفعاله وسكناته، فإذا فعل ذلك مدة، ولو بالتكلف والتعمل، يصير ذلك عادة له، ~~فتزول عنه هذه الصفة، وتحدث صفة الوقار والسكينة. # وصل (الأناة والتوقف والوقار والسكينة) ضد العجلة (الأناة) (1)، وهو ~~المعنى الراتب في القلب، الباعث على الاحتياط في الأمور والنظر فيها، ~~والتأني في أتباعها والعمل بها. # ثم (التوقف) قريب من التأني والأناة، والفرق بينهما: أن التوقف هو السكون ~~قبل الدخول في الأمور حتى يستبين له رشدها، والتأني سكون وطمأنينة بعد ~~الدخول فيها، حتى يؤدي لكل جزء منها حقه، وضد التوقف والتعسف. # و (الوقار) يتناول الأناة والتوقف كليهما، فهو طمأنينة النفس وسكونها في ~~الأقوال والأفعال والحركات ms198 قبل الدخول فيها وبعده. وهو من نتائج قوة النفس ~~وكبرها. وما قل من الفضائل النفسانية أن يبلغ مرتبته في الشرافة، ولذا يمدح ~~به الأنبياء والأصفياء، وورد في الأخبار: " إن المؤمن متصف به البتة ". ~~فينبغي لكل مؤمن أن يتكلف آثاره في الحركات والأفعال، حتى يصير بالتدريج ~~ملكة، وتكلف الطمأنينة في الأفعال والحركات قبل أن تصير ملكة يختص باسم ~~الوقار، وإذا صارت ملكة سميت سكينة، إذ هي طمأنينة الباطن، والوقار اطمئنان ~~الظاهر. # PageV01P250 # ومنها: # سوء الظن بالخالق والمخلوق وهو من نتائج الجبن وضعف النفس، إذ كل جبان ~~ضعيف النفس تذعن نفسه لكل فكر فاسد يدخل في وهمه ويتبعه، وقد يترتب عليه ~~الخوف والغم، وهو من المهلكات العظيمة، وقد قال الله سبحانه: # " يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم " (2). # وقال تعالى: " وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم (3). وقال: " وظننتم ~~ظن السوء وكنتم قوما بورا " (4). # وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما ~~يغلبك منه، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا ~~". ولا ريب في أن من حكم بظنه على غيره بالشر، بعثه الشيطان على أن يغتابه ~~أو يتوانى في تعظيمه وإكرامه، أو يقصر فيما يلزمه من القيام بحقوقه، أو ~~ينظر إليه بعين الاحتقار ويرى نفسه خيرا منه. # وكل ذلك من المهلكات، على أن سوء الظن بالناس من لوازم خبث الباطن ~~وقذارته، كما أن حسن الظن من علائم سلامة القلب وطهارته، فكل من يسئ الظن ~~بالناس ويطلب عيوبهم وعثراتهم فهو خبيث النفس سقيم الفؤاد وكل من يحسن الظن ~~بهم ويستر عيوبهم فهو سليم الصدر طيب الباطن، فالمؤمن يظهر محاسن أخيه، ~~والمنافق يطلب مساويه، وكل إناء يترشح بما فيه. # والسر في خباثة سوء الظن وتحريمه وصدوره عن خبث الضمير واغواء الشيطان: ~~أن أسرار القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب، فليس لأحد أن يعتقد في حق غيره ~~سوءا إلا إذا انكشف له بعيان لا يقبل التأويل، إذ حينئذ لا يمكنه ألا ms199 يعتقد ~~ما شاهده وعلمه، وأما ما لم يشاهده ولم يعلمه ولم يسمعه وإنما وقع في قلبه، ~~فالشيطان ألقاه إليه، فينبغي أن يكذبه، لأنه أفسق الفسقة. وقد قال الله: # PageV01P251 # " إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة " (5). # فلا يجوز تصديق اللعين في نبأه، وإن حف بقرائن الفساد، ما احتمل التأويل ~~والخلاف فلو رأيت عالما في بيت أمير ظالم لا تظنن أن الباعث طلب الحطام ~~المحرمة، لاحتمال كون الباعث إغاثة مظلوم. ولو وجدت رائحة الخمر في فم مسلم ~~فلا تجز من بشرب الخمر ووجوب الحد، إذ يمكن أنه تمضمض بالخمر ومجه وما ~~شربه، أو شربه إكراها وقهرا. فلا يستباح سوء الظن إلا بما يستباح به المال، ~~وهو صريح المشاهدة، أو قيام بينة فاضلة. # ولو أخبرك عدل واحد بسوء من مسلم، وجب عليك أن تتوقف في إخباره من غير ~~تصديق ولا تكذيب، إذ لو كذبته لكنت خائنا على هذا العدل إذ ظننت به الكذب، ~~وذلك أيضا من سوء الظن، وكذا إن ظننت به العداوة أو الحسد أو المقت لتتطرق ~~لأجله التهمة، فترد شهادته، ولو صدقته لكنت خائنا على المسلم المخبر عنه، ~~إذ ظننت به السوء، مع احتمال كون العدل المخبر ساهيا، أو التباس الأمر عليه ~~بحيث لا يكون في إخباره بخلاف الواقع آثما وفاسقا. وبالجملة: لا ينبغي أن ~~تحسن الظن بالواحد وتسئ بالآخر، فتذكر المذكور حاله على ما كان في الستر ~~والحجاب، إذ لم ينكشف لك حاله بأحد القواطع، ولا بحجة شرعية يجب قبولها، ~~وتحمل خبر العدل على إمكان تطرق شبهة مجوزة للإخبار، وإن لم يكن مطابقا ~~للواقع. # ثم المراد بسوء الظن هو عقد القلب وميل النفس دون مجرد الخواطر وحديث ~~النفس، بل الشك أيضا، إذ المنهي عنه في الآيات والأخبار إنما هو أن يظن، ~~والظن هو الطرف الراجح الموجب لميل النفس إليه. والأمارات التي بها يمتاز ~~العقد عن مجرد الخواطر وحديث النفس، هو أن يتغير القلب منه عما كان من ~~الألف والمحبة إلى الكراهة والنفرة، والجوارح عما كانت عليه من الأفعال ms200 ~~اللازمة في المعاشرات إلى خلافها. والدليل على أن المراد هو ما ذكر، قوله ~~(ص): " ثلاث في المؤمن لا تستحسن وله منهن مخرج فمخرجه من سوء الظن ألا ~~يحققه " أي لا يحقق في نفسه بعقد ولا فعل، لا في القلب ولا في الجوارح. # PageV01P252 # ثم لكون سوء الظن من المهلكات، منع الشرع من التعرض للتهمة، صيانة لنفوس ~~الناس عنه، فقال (ص) " اتقوا مواقع التهم "، وقال أمير المؤمنين عليه ~~السلام: " من عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن ". # وروي: " أنه (ص) كان يكلم زوجته صفية بنت حي ابن أخطب، فمر به رجل من ~~الأنصار، فدعاه رسول الله، وقال، يا فلان! هذه زوجتي صفية. # فقال: يا رسول الله! أفنظن بك إلا خيرا؟ قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم ~~مجرى الدم، فخشيت أن يدخل عليك ". فانظر كيف أشفق رسول الله (ص) على دينه ~~فحرسه، وكيف علم الأمة طريق الاحتراز عن التهمة، حتى لا يظن العالم الورع ~~المعروف بالتقوى والدين أن الناس لا يظنون به إلا خيرا، إعجابا منه بنفسه، ~~فإن ما لا جزم بتحققه في حق سيد الرسل وأشرفهم، فكيف يجزم بتحققه في حق ~~غيره، وإن بلغ من العلم والورع ما بلغ. والسر في ذلك: أن أورع الناس ~~وأفضلهم لا ينظر الناس كلهم إليه بعين واحدة، بل إن نظر إليه بعضهم بعين ~~الرضا ينظر إليه بعض آخر بعين السخط: # وعين الرضا عن كل عيب كليلة * ولكن السخط تبدي المساويا فكل عدو وحاسد لا ~~ينظر إلا بعين السخط، فيكتم المحاسن ويطلب المساوئ، وكل شرير لا يظن بالناس ~~كلهم إلا شرا، وكل معيوب مفتضح عند الناس يحب أن يفتضح غيره وتظهر عيوبه ~~عندهم، لأن البلية إذا عمت هانت، ولأن يشتغل الناس به فلا تطول ألسنتهم ~~فيه. فاللازم لكل مؤمن ألا يتعرض لموضع التهمة حتى يوقع الناس في المعصية ~~بسوء الظن، فيكون شريكا في معصيتهم، إذ كل من كان سببا لمعصية غيره يكون ~~شريكا له في هذه العصية. ولذا قال الله تعالى: # " ولا تسبوا الذين ms201 يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم " (6). # وقال رسول الله (ص): " كيف ترون من يسب أبويه؟ فقالوا: هل من أحد بسب ~~أبويه؟ فقال: نعم! يسب أبوي غيره فيسبون أبويه ". # ثم طريق المعالجة في إزالته - بعد تذكر ما تقدم من فساده وما يأتي من ~~فضيلة ضده -: أنه إذا خطر لك خاطر سوء على مسلم: لا تتبعه، # PageV01P253 # ولا تحققه، ولا تغير قلبك عما كان عليه بالنسبة إليه، من المراعاة ~~والتفقد والاكرام والاعتماد بسببه، بل ينبغي أن تزيد في مراعاته وإعظامه ~~وتدعو له بالخير، فإن ذلك يقنط الشيطان ويدفعه عنك، فلا يلقي إليك خاطر ~~السوء خوفا من اشتغالك بالدعاء وزيادة الاكرام. ومهما عرفت عثرة من مسلم ~~فانصحه في السر ولا تبادر إلى اغتيابه، وإذا وعظته فلا تعظه وأنت مسرور ~~باطلاعك على عيبه، لتنظر إليه بعين الحقارة، مع أنه ينظر إليك بعين التعظيم ~~بل ينبغي أن يكون قصدك استخلاصه من الإثم، وتكون محزونا كما تحزن على نفسك ~~إذا دخل عليك نقصان، وينبغي أن يكون تركه ذلك العيب من غير نصيحتك أحب إليك ~~من تركه بنصيحتك، وإذا فعلت ذلك جمعت بين أجر نصيحته وأجر الحزن بمصيبته ~~وأجر الإعانة على آخرته. # وصل (حسن الظن) قد عرفت أن ضد سوء الظن بالخالق والمخلوق هو (حسن الظن ~~بهما). # ولما كان الأول من لوازم ضعف النفس وصغرها، فالثاني من نتائج قوتها ~~وثباتها، وفوائده أكثر من أن تحصى، وقد تقدمت الظواهر الواردة في مدحه، ~~فينبغي لكل مؤمن ألا ييأس من روح الله، ولا يظن أنه لا يرحمه ويعذبه البتة ~~ولا يخلصه من العقاب، وإن ما يرد عليه في الدنيا من البلايا والمصائب هو شر ~~له وعقوبة، بل ينبغي أن يعلم أنه أرحم وأرأف به من والديه، وإنما خلقه لأجل ~~الفيض والجود، فلا بد أن يرحمه في دار الآخرة، ويخلصه من عذاب الأبد ويوصله ~~إلى نعيم السرمد، وما يرد عليه من المصائب والبلايا في دار الدنيا خير له ~~وصلاح، وذخيرة له في يوم المعاد. # وكذا لا يظنن السوء، والشر ms202 بالمسلمين، ولا يحملن ما له وجه صحيح من ~~أعمالهم وأقوالهم على وجه فاسد، بل يجب أن يحمل كل ما يشاهده من أفعالهم ~~وحركاتهم على أحسن الوجوه وأصحها، ما لم يجزم بفساده، ويكذب وهمه وسائر ~~حواسه، فيما يذهب إليه من المحامل الفاسدة والاحتمالات القبيحة المحرمة، ~~ويكلف نفسه على ذلك، حتى يصير ذلك ملكة له، فترتفع عنه ملكة سوء الظن ~~بالكلية، نعم، الحمل على الوجه الصحيح على PageV01P254 # تقدير عدم مطابقته للواقع، لو كان باعثا لضرر ما لي أو فساد ديني أو ~~عرضي، لزم فيه الحزم والاحتياط، وعدم تعليق أموره الدينية والدنيوية عليه ~~لئلا يترتب عليه الخسران والأضرار، وتلزمه الفضيحة والعار. # ومنها: # الغضب وهو كيفية نفسانية موجبة لحركة الروح من الداخل إلى الخارج للغلبة، ~~ومبدؤه شهوة الانتقام، وهو من جانب الإفراط، وإذا اشتد يوجب حركة عنيفة، ~~يمتلئ لأجلها الدماغ والأعصاب من الدخان المظلم، فيستر نور العقل ويضعف ~~فعله، ولذا لا يؤثر في صاحبه الوعظ والنصيحة، بل تزيده الموعظة غلظة وشدة. ~~قال بعض علماء الأخلاق: " الغضب شعلة نار اقتبست من نار الله الموقدة، إلا ~~أنها لا تطلع إلا على الأفئدة، وإنها لمستكنة في طي الفؤاد استكنان الجمر ~~تحت الرماد، وتستخرجها حمية الدين من قلوب المؤمنين، أو حمية الجاهلية ~~والكبر الدفين من قلوب الجبارين، التي لها عرق إلى الشيطان اللعين، حيث ~~قال: # " خلقني من نار وخلقته من طين " (7). # فمن شأن الطين السكون والوقار، ومن شأن النار التلظي والاستعار ". # ثم قوة الغضب تتوجه عند ثورانها إما إلى دفع المؤذيات إن كان قبل وقوعها، ~~أو إلى التشفي والانتقام إن كان بعد وقوعها، فشهوتها إلى أحد هذين الأمرين ~~ولذتها فيه، ولا تسكن إلا به. فإن صدر الغضب على من يقدر أن ينتقم منه، ~~واستشعر باقتداره على الانتقام، انبسط الدم من الباطن إلى الظاهر، واحمر ~~اللون، وهو الغضب الحقيقي. وإن صدر على من لا يتمكن أن ينتقم منه لكونه ~~فوقه، واستشعر باليأس عن الانتقام، انقبض الدم من الظاهر إلى الباطن، وصار ~~حزنا. وإن صدر على من يشك في الانتقام ms203 منه انبسط الدم تارة أو انقبض أخرى، ~~فيحمر ويصفر ويضطرب. # PageV01P255 # فصل (الإفراط والتفريط والاعتدال في قوة الغضب) الناس في هذه القوة على ~~إفراط وتفريط واعتدال. فالافراط: أن تغلب هذه الصفة حتى يخرج عن طاعة العقل ~~والشرع وسياستهما، ولا تبقى له فكرة وبصيرة. والتفريط: أن يفقد هذه القوة ~~أو تضعف بحيث لا يغضب عما ينبغي الغضب عليه شرعا وعقلا. والاعتدال: أن يصدر ~~غضبه فيما ينبغي ولا يصدر في ما لا ينبغي، بحيث يخرج عن سياسة الشرع ~~والعقل، بل يكون تابعا لهما في الغضب وعدمه، فيكون غضبه وانتقامه بأمرهما. # ولا ريب في أن الاعتدال ليس مذموما، ولا معدودا من الغضب، بل هو من ~~الشجاعة. والتفريط مذموم معدود من الجبن والمهانة، وربما كان أخبث من ~~الغضب، إذ الفاقد لهذه القوة لا حمية له، وهو ناقص جدا. ومن آثاره عدم ~~الغيرة على الحرم وصغر النفس، والجور، وتحمل الذل من الأخساء، والمداهنة في ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والفحشاء. ولذا قيل: " من استغضب فلم يغضب ~~فهو حمار " (8). وقد وصف الله خيار الصحابة بالحمية والشدة، فقال: # " أشداء على الكفار " (9) وخاطب نبيه (ص) بقوله: # " وأغلظ عليهم " (10) والشدة والغلظة من آثار قوة الغضب، ففقد هذه القوة ~~بالكلية، أو ضعفها مذموم. وقد ظهر أن الغضب المعدود من الرذائل هو حد ~~الإفراط الذي يخرجه عن مقتضى العقل والدين، وحد التفريط وإن كان رذيلة إلا ~~أنه ليس غضبا، بل هو ضد له معدود من الجبن، وحد الاعتدال فضيلة وضد له ~~ومعدود من الشجاعة، فانحصر الغضب بالأول. # ثم الناس كما هم مختلفون في أصل قوة الغضب، كذلك مختلفون في حدوثه وزواله ~~سرعة وبطأ، فيكونان في بعضهم سريعين، وفي بعضهم بطيئين # PageV01P256 # وفي بعضهم يكون أحدهما سريعا والآخر بطيئا، وفي بعضهم يكون كلاهما أو ~~أحدهما متوسطا بين السرعة والبط، وما كان من ذلك بإشارة العقل فهو ممدوح ~~معدود من أوصاف الشجاعة، وغير مذموم محسوب من آثار الغضب أو الجبن. # فصل (الغضب) (الغضب) من المهلكات العظيمة، وربما أدى إلى الشقاوة ~~الأبدية، من القتل والقطع، ولذا ms204 قيل: (إنه جنون دفعي). قال أمير المؤمنين ~~(ع): # " الحدة ضرب من الجنون، لأن صاحبها يندم، فإن لم يندم فجنونه مستحكم ". ~~وربما أدى إلى اختناق الحرارة، ويورث الموت فجأة. وقال بعض الحكماء: " ~~السفينة التي وقعت في اللجج الغامرة، واضطربت بالرياح العاصفة وغشيتها ~~الأمواج الهائلة، أرجى إلى الخلاص من الغضبان الملتهب ". وقد ورد به الذم ~~الشديد في الأخبار، قال رسول الله (ص): # " الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الخل العسل ". وقال الباقر (ع): # " إن هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن آدم، وإن أحدكم إذا غضب ~~احمرت عيناه وانتفخت أوداجه ودخل الشيطان فيه، فإذا خاف أحدكم ذلك من نفسه ~~فليلزم الأرض، فإن رجز الشيطان ليذهب عنه عند ذلك ". وقال الصادق عليه ~~السلام: " وكان أبي عليه السلام يقول: # أي شئ أشد من الغضب؟ إن الرجل بغضب فيقتل النفس التي حرم الله، ويقذف ~~المحصنة ". وقال عليه السلام (11): " إن الرجل ليغضب فما يرضى أبدا حتى ~~يدخل النار ". وقال الصادق عليه السلام: " الغضب مفتاح كل شر ". وقال عليه ~~السلام: " الغضب ممحقة لقلب الحكيم ". # وقال عليه السلام: " من لم يملك غضبه لم يملك عقله ". # ثم مما يلزم الغضب من الآثار المهلكة الذميمة، والأغراض المضرة القبيحة: ~~انطلاق اللسان بالشتم والسب، وإظهار السوء والشماتة بالمساءة # PageV01P257 # وإفشاء الأسرار وهتك الأستار والسخرية والاستهزاء، وغير ذلك من قبيح ~~الكلام الذي يستحيي منه العقلاء، وتوثب الأعضاء بالضرب والجرح والتمزيق ~~والقتل، وتألم القلب بالحقد والحسد والعداوة والبغض ومما تلزمه: الندامة ~~بعد زواله، وعداوة الأصدقاء، واستهزاء الأراذل، وشماتة الأعداء. # وتغير المزاج، وتألم الروح وسقم البدن، ومكافأة العاجل وعقوبة الأجل. # والعجب ممن توهم أن شدة الغضب من فرط الرجولية، مع أن ما يصدر عن الغضبان ~~من الحركات القبيحة إنما هو أفعال الصبيان والمجانين دون الرجال والعاقلين، ~~كيف وقد تصدر عنه الحركات غير المنتظمة، من الشتم والسب بالنسبة إلى الشمس، ~~والقمر، والسحاب، والمطر، والريح، والشجر، والحيوانات والجمادات، وربما ~~يضرب القصعة على الأرض، ويكسر المائدة، ويخاطب البهيمة والجماد كما يخاطب ~~العقلاء، وإذا عجز عن التشفي، وربما مزق ms205 ثوبه، ولطم وجهه، وقد يعدو عدو ~~المدهوش المتحير، وربما اعتراه مثل الغشية، أو سقط على الأرض لا يطيق ~~النهوض والعدو. وكيف يكون مثل هذه الأفعال القبيحة من فرط الرجولية وقد قال ~~رسول الله (ص): " الشجاع من يملك نفسه عند غضبه ". # فصل (إمكان إزالة الغضب وطرق علاجه) قد اختلف علماء الأخلاق في إمكان ~~إزالة الغضب بالكلية وعدمه، فقيل: # قمع أصل الغضب من القلب غير ممكن، لأنه مقتضى الطبع، إنما الممكن كسر ~~سورته وتضعيفه، حتى لا يشتد هيجانه. وأنت خبير بأن الغضب الذي يلزم إزالته ~~هو الغضب المذموم، إذ غيره مما يكون بإشارة العقل والشرع ليس غضبا فيه ~~كلامنا، بل هو من آثار الشجاعة، والاتصاف به من اللوازم وإن أطلق عليه اسم ~~الغضب أحيانا حقيقة أو مجازا، كما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه ~~قال: " كان النبي (ص) لا يغضب للدنيا، وإذا أغضبه الحق لم يصرفه أحد، ولم ~~يقم لغضبه شئ حتى ينتصر له ". ولا ريب أن الغضب الذي يحصل لرسول الله (ص) ~~لم يكن غضبا مذموما، بل كان غضبا ممدوحا يقتضيه منصب النبوة، وتوجيه ~~الشجاعة النبوية، ثم الغضب PageV01P258 # المذموم ممكن الزوال، ولولا إمكانه لزم وجوده للأنبياء والأوصياء، ولا ~~ريب في بطلانه. # ثم علاجه يتوقف على أمور، وربما حصل ببعضها: # (الأول) إزالة أسبابه المهيجة له، إذ علاج كل علة بحسم مادتها، وهي ~~العجب، والفخر، والكبر، والغدر، واللجاج، والمراء، والمزاح، والاستهزاء، ~~والتعيير، والمخاصمة، وشدة الحرص على فضول الجاه والأموال الفانية، وهي ~~بأجمعها أخلاق ردية مهلكة، ولا خلاص من الغضب مع بقائها، فلا بد من إزالتها ~~حتى تسهل إزالته. # (الثاني) أن يتذكر قبح الغضب وسوء عاقبته، وما ورد في الشريعة من الذم ~~عليه، كما تقدم. # (الثالث) أن يتذكر ما ورد من المدح والثواب على دفع الغضب في موارده، ~~ويتأمل فيما وردد من فوائد عدم الغضب، كقول النبي (ص): # " من كف غضبه عن الناس كف الله تبارك وتعالى عنه عذاب يوم القيامة " وقول ~~الباقر عليه السلام: " مكتوب في التوراة: فيما ناجى الله به موسى: ms206 # أمسك غضبك عمن ملكتك عليه اكف عنك غضبي ". وقول الصادق (ع): # " أوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه: يا ابن آدم! اذكرني في غضبك أذكرك في ~~غضبي، ولا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظلمت بمظلمة فارض بانتصاري لك، فإن ~~انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك ". وقوله (ع): " سمعت أبي يقول: أتى رسول ~~الله (ص) رجل بدوي، فقال: إني أسكن البادية، فعلمني جوامع الكلم. فقال: ~~آمرك ألا تغضب. فأعاد الأعرابي عليه المسألة ثلاث مرات، حتى رجع الرجل إلى ~~نفسه، فقال: لا أسأل عن شئ بعد هذا، ما أمرني رسول الله (ص) إلا بالخير ". ~~وقوله عليه السلام: # " إن رسول الله (ص) أتاه رجل، فقال: يا رسول الله! علمني عظة أتعظ بها، ~~فقال له: انطلق ولا تغضب، ثم عاد عليه، فقال له: انطلق ولا تغضب ... ثلاث ~~مرات " وقوله عليه السلام: " من كف غضبه ستر الله عورته " ... إلى غير ذلك ~~من الأخبار. # (الرابع) أن يتذكر فوائد ضد الغضب، أعني الحلم وكظم الغيظ، PageV01P259 # وما ورد من المدح عليهما في الأخبار - كما يأتي - ويواظب على مباشرته ولو ~~بالتكلف، فيتحلم وإن كان في الباطن غضبانا، وإذا فعل ذلك مدة صار عادة ~~مألوفة هنيئة على النفس، فتنقطع عنها أصول الغضب. # (الخامس) أن يقدم الفكر والروية على كل فعل أو قول يصدر عنه، ويحافظ نفسه ~~من صدور غضب عنه. # (السادس) أن يحترز عن مصاحبة أرباب الغضب، والذين يتبجحون بتشفي الغيظ ~~وطاعة الغضب، ويسمون ذلك شجاعة ورجولية، فيقولون: # نحن لا نصبر على كذا وكذا، ولا نحتمل من أحد أمرا. ويختار مجالسة أهل ~~الحلم، والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس. # (السابع) أن يعلم إن ما يقع أنما هو بقضاء الله وقدره، وإن الأشياء كلها ~~مسخرة في قبضة قدرته، وإن كل ما في الوجود من الله، وإن الأمر كله لله، وإن ~~الله لا يقدر له ما فيه الخيرة، وربما كان صلاحه في جوعه أو مرضه، أو فقره، ~~أو جرحه أو قتله، أو غير ذلك. فإذا علم بذلك غلب عليه التوحيد، ولا يغضب ~~على أحد، ولا ms207 يغتاظ عما يرد عليه، إذ يرى - حينئذ - أن كل شئ في قبضة قدرته ~~أسير، كالقلم في يد الكاتب. # فكما أن من وقع عليه ملك بضرب عنقه لا يغضب على القلم، فكذلك من عرف الله ~~وعلم أن هذا النظام الجملي صادر منه على وفق الحكمة والمصلحة ولو تغيرت ذرة ~~منه عما هي عليه خرجت عن الأصلحية، لا يغضب على أحد، إلا أن غلبة التوحيد ~~على هذا الوجه كالكبريت الأحمر وتوفيق الوصول إليه من الله الأكبر. ولو حصل ~~لبعض المتجردين عن جلباب البدن يكون كالبرق الخاطف، ويرجع القلب إلى ~~الالتفات إلى الوسائط رجوعا طبيعيا، ولو تصور دوام ذلك لأحد لتصور لفرق ~~الأنبياء، مع أن التفاتهم في الجملة إلى الوسائط مما لا يمكن إنكاره. # (الثامن) أن يتذكر إن الغضب مرض قلب ونقصان عقل، صادر عن ضعف النفس ~~ونقصانها، لا عن شجاعتها وقوتها، ولذا يكون المجنون أسرع غضبا من العاقل، ~~والمريض أسرع غضبا من الصحيح. والشيخ الهرم أسرع غضبا من الشاب، والمرأة ~~أسرع غضبا من الرجل، وصاحب الأخلاق PageV01P260 # السيئة والرذائل القبيحة أسرع غضبا من صاحب الفضائل. فالرذيل يغضب لشهوته ~~إذا فاتته اللقمة، والبخيل يغتاظ لبخله إذا فقد الحبة، حتى يغضب لفقد أدنى ~~شئ على أعز أهله وولده. والنفس القوية المتصفة بالفضيلة أجل شأنا من أن ~~تتغير وتضطرب لمثل هذه الأمور، بل هي كالطود الشاهق لا تحركه العواصف، ولذا ~~قال سيد الرسل (ص): " ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند ~~الغضب ". وإن شككت في ذلك فافتح عينيك وانظر إلى طبقات الناس الموجودين، ثم ~~ارجع إلى كتب السير والتواريخ، واستمع إلى حكايات الماضين، حتى تعلم: أن ~~الحلم والعفو وكظم الغيظ شيمة الأنبياء والحكماء وأكابر الملوك والعقلاء، ~~والغضب خصلة الجهلة والأغبياء. # (التاسع) أن يتذكر أن قدرة الله عليه أقوى وأشد من قدرته على هذا الضعيف ~~الذي يغضب عليه، وهو أضعف في جنب قوته القاهرة بمراتب غير متناهية من هذا ~~الضعيف في جنب قوته، فليحذر، ولم يأمن إذا أمضى غضبه عليه أن يمضي الله ~~عليه غضبه ms208 في الدنيا والآخرة، وقد روي: " أنه ما كان في بني إسرائيل ملك ~~إلا ومعه حكيم، إذا غضب أعطاه صحيفة فيها: # (إرحم المساكين، واخش الموت، واذكر الآخرة)، فكان يقرأها حتى يسكن غضبه ~~". وفي بعض الكتب الإلهية: " يا ابن آدم! اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب، ~~فلا أمحقك فيمن أمحق " (12). # (العاشر) أن يتذكر أن من يمضي عليه غضبه ربما قوي وتشمر لمقابلته، وجرد ~~عليه لسانه بإظهار معائبه والشماتة بمصائبه، ويؤذيه في نفسه وأهله وماله ~~وعرضه. # (الحادي عشر) أن يتفكر في السبب الذي يدعوه إلى الغيظ والغضب فإن كان ~~الخوف الذلة والمهانة والاتصاف بالعجز وصغر النفس عند الناس، فليتنبه أن ~~الحلم وكظم الغيظ ودفع الغضب عن النفس ليست ذلة ومهانة، ولم يصدر من ضعف ~~النفس وصغرها، بل هو من آثار قوة النفس وشجاعتها. # PageV01P261 # وأضدادها تصدر من نقصان النفس وخورها. فدفع الغضب عن نفسه لا يخرجه من ~~كبر النفس في الواقع، ولو فرض خروجه به منه في أعين جهلة الناس فلا يبالي ~~بذلك، ويتذكر أن الاتصاف بالذلة والصغر عند بعض أرذال البشر أولى من خزي ~~يوم المحشر والافتضاح عند الله الملك الأكبر. # وإن كان السبب خوف أن يفوت منه شئ مما يحبه، فليعلم أن ما يحبه ويغضب ~~لفقده إما ضروري لكل أحد، كالقوت والمسكن واللباس وصحة البدن، وهو الذي ~~أشار إليه سيد الرسل - صلى الله عليه وآله وسلم - بقوله: " من أصبح آمنا في ~~سربه، معافى في بدنه، وله قوت يومه، فكأنما خيرت له الدنيا بحذافيرها ". أو ~~غير ضروري لأحد، كالجاه والمنصب وفضول الأموال. أو ضروري لبعض الناس دون ~~بعض، كالكتاب للعالم، وأدوات الصناعات لأربابها. ولا ريب أن كل ما ليس من ~~هذه الأقسام ضروريا فلا يليق أن يكون محبوبا عند أهل البصيرة وذوي المروات، ~~إذ ما لا يحتاج إليه الإنسان في العاجل لا بد له من تركه في الآجل، فما بال ~~العاقل أن يحبه ويغضب لفقده، وإذا علم ذلك لم يغضب على فقد هذا القسم ~~البتة. وأما ما هو ضروري للكل أو البعض، وإن ms209 كان الغضب والحزن من فقده ~~مقتضى الطبع لشدة الاحتياج إليه. إلا أن العاقل إذا تأمل يجد أن ما فقد عنه ~~من الأشياء الضرورية إن أمكن رده والوصول إليه يمكن ذلك بدون الغيظ والغضب ~~أيضا، وإن لم يمكن لم يمكن معهما أيضا. وعلى أي حال بعد التأمل يعلم أن ~~الغضب لا ثمرة له سوى تألم العاجل وعقوبة الآجل، وحينئذ لا يغضب، وإن غضب ~~يدفعه عن نفسه بسهولة. # (الثاني عشر) أن يعلم إن الله يحب منه ألا يغضب، والحبيب يختار البتة ما ~~يحب محبوبه، فإن كان محبا لله فليطفئ شدة حبه له غضبه. # (الثالث عشر) أن يتفكر في قبح صورته وحركاته عند غضبه، بأن يتذكر صورة ~~غيره وحركاته عند الغضب. # تتميم إعلم أن بعض المعالجات المذكورة يقتضي قطع أسباب الغضب وحسم مواده، ~~حتى لا يهيج ولا يصدر، وبعضها يكسر سورته أو يدفعه إذا صدر PageV01P262 # وهاج. ومن علاجه عند الهيجان الاستعاذة من الشيطان، والجلوس إن كان ~~قائما، والاضطجاع إن كان جالسا، والوضوء أو الغسل بالماء البارد، وإن كان ~~غضبه على ذي رحم فليدن منه وليمسه، فإن الرحم إذا مست سكنت، كما ورد في ~~الأخبار (13). # وصل (فضيلة الحلم وكظم الغيظ) قد عرفت أن الحلم هو طمأنينة النفس، بحيث ~~لا يحركها الغضب بسهولة ولا يزعجه المكروه بسرعة، فهو الضد الحقيقي للغضب، ~~لأنه المانع من حدوثه وبعد هيجانه لما كان كظم الغيظ مما يضعفه ويدفعه، فمن ~~هذه الحيثية يكون كظم الغيظ أيضا ضدا له. فنحن نشير إلى فضيلة الحلم ~~وشرافته، ثم إلى فوائد كظم الغيظ ومنافعه، ليجتهد طالب إزالة الغضب في ~~الاتصاف بالآل فلا يحدث فيه أصلا، وبالثاني، فيدفعه عند هيجانه. فنقول: # أما (الحلم) فهو أشرف الكمالات النفسية بعد العلم، بل لا ينفع العلم ~~بدونه أصلا، ولذا كلما يمدح العلم أو يسأل عنه يقارن به، قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وآله وسلم -: " اللهم أغنني بالعلم وزيني بالحلم ". # وقال - صلى الله عليه وآله وسلم -: " خمس من سنن المرسلين "... # وعد منها الحلم. وقال - صلى الله عليه وآله ms210 وسلم -: " وابتغوا الرفعة عند ~~الله ". قالوا: وما هي يا رسول الله!؟ قال: " تصل من قطعك وتعطي من حرمك، ~~وتحلم عمن جهل عليك ". وقال - صلى الله عليه وآله وسلم -: " إن الرجل ~~المسلم لدرك بالحلم درجة الصائم القائم ". # وقال - صلى الله عليه وآله وسلم - " إن الله يحب الحيي الحليم، ويبغض ~~الفاحش البذي ". وقال - صلى الله عليه وآله وسلم -: " ثلاث من لم تكن فيه ~~واحدة منهن فلا تعتدوا بشئ من عمله: تقوى تحجزه عن معاصي الله، وحلم يكف به ~~السفيه، وخلق يعيش به في الناس ". وقال (ص): # " إذا جمع الخلائق يوم القيامة، نادى مناد: أين أهل الفضل؟ فيقوم ناس - ~~وهم يسير - فينطلقون سراعا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة فيقولون: # إنا نراكم سراعا إلى الجنة؟ فيقولون: نحن أهل الفضل. فيقولون: ما # PageV01P263 # كان فضلكم؟ فيقولون: كنا إذا ظلمنا صبرنا، وإذا أسئ إلينا عفونا، وإذا ~~جهل علينا حلمنا. فقال لهم ادخلوا الجنة فنعم أجر العالمين " وقال (ص): # " ما أعز الله بجهل قط، ولا أذل بحلم قط ". وقال أمير المؤمنين (ع): # " ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك ". ~~وقال علي بن الحسين (ع): " إنه ليعجبني الرجل أن يدركه حلمه عند غضبه ". ~~وقال الصادق (ع): " كفى بالحلم ناصرا ". وقال (ع): # " وإذا لم تكن حليما فتحلم ". وقال (ع): " إذا وقع بين رجلين منازعة نزل ~~ملكان، فيقول للسفيه منهما: قلت وقلت وأنت أهل لما قلت، وستجزي بما قلت، ~~ويقولان للحليم منهما: صبرت وحلمت سيغفر لك إن أتممت ذلك. قال (ع): فإن رد ~~الحليم عليه ارتفع الملكان ". وبعث (ع) غلاما له في حاجة فأبطأ، فخرج على ~~أثره فوجده نائما، فجلس عند رأسه يروحه حتى انتبه، فقال له: " يا فلان! ~~والله ما ذلك لك! تنام الليل والنهار، لك الليل ولنا منك النهار ". وقال ~~الرضا (ع): " لا يكون الرجل عابدا حتى يكون حليما ". # وأما (كظم الغيظ) - فهو وإن لم يبلغ مرتبة الحلم فضيلة وشرافة، لأنه ~~التحلم: أي تكلف الحلم، إلا أنه إذا واظب عليه حتى صار متعادا تحدث ms211 بعد ذلك ~~صفة الحلم الطبيعي، بحيث لا يهيج الغيظ حتى يحتاج إلى كظمه، ولذا قال رسول ~~الله (ص) " إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم ". فمن لم يكن حليما بالطبع ~~لا بد له من السعي في كظم الغيظ عند هيجانه، حتى تحصل له صفة الحلم. وقد ~~مدح الله سبحانه كاظمي الغيظ في محكم كتابه، وتوارت الأخبار على شرافته ~~وعظم أجره. قال رسول الله (ص) -: " من كظم غيظا ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ~~ملأ الله قلبه يوم القيامة رضا " (14). وقال (ص) - " ما جرع عبد جرعة أعظم ~~أجرا من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله تعالى ". وقال (ص) -: " إن لجهنم ~~بابا لا يدخله إلا من شفى غيظه بمعصية الله تعالى ". وقال - (ص) " من كظم ~~غيظا وهو يقدر على أن ينفذه # PageV01P264 # دعاه الله يوم القيامة على رؤس الخلائق، حتى يخبر من أي الحور شاء " (15) ~~وقال - (ص): " من أحب السبيل (16) إلى الله تعالى جرعتان: جرعة غيظ يردها ~~بحلم، وجرعة مصيبة يردها بصبر " وقال سيد الساجدين (ع) وما تجرعت جرعة أحب ~~إلي من جرعة غيظ لا أكافي بها صاحبها ". وقال الباقر عليه السلام: " من كظم ~~غيظا وهو يقدر على إمضائه، حشا الله تعالى قلبه أمنا وإيمانا يوم القيامة ~~". وقال (ع) لبعض ولده (17): " يا بني ما من شئ أقر لعين أبيك من جرعة غيظ ~~عاقبتها صبر، وما يسرني أن لي بذل نفسي حمر النعم ". وقال الصادق (ع): " ~~نعم الجرعة الغيظ لمن صبر عليها، فإن عظيم الأجر البلاء، وما أحب الله قوما ~~إلا ابتلاهم ". وقال (ع): " ما من عبد كظم غيظا إلا زاده الله - عز وجل - ~~عزا في الدنيا والآخرة " وقد قال الله - عز وجل -: # " والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين " (18). # وأثابه الله مكان غيظه ذلك ". وقال أبو الحسن الأول (ع): " اصبر على ~~أعداء النعم، فإنك لن تكافي من عصى الله فيك بأفضل من أن تطيع الله فيه " ~~ومنها: # الانتقام بمثل ما فعل به، أو بالأزيد منه - وإن كان محرما ممنوعا من ~~الشريعة وهو من نتائج الغضب، ms212 إذ كل انتقام ليس جائزا، فلا يجوز مقابلة ~~الغيبة بالغيبة، والفحش بالفحش، والبهتان بالبهتان، والسعاية إلى الظلمة ~~بمثلها. # وهكذا في سائر المحرمات. قال سيد الرسل (ص) -: " إن امرؤ عيرك بما فيك ~~فلا تعيره بما فيه ". وقال (ص): " المستبان شيطانان يتهاتران ". وقد # PageV01P265 # ورد: أن رجلا شتم أبا بكر بحضرة النبي (ص) وهو ساكت، فلما ابتدأ لينتصر ~~منه، قام رسول الله (ص) وقال مخاطبا له: " إن الملك كان يجيب عنك، فلما ~~تكلمت ذهب الملك وجاء الشيطان، فلم أكن لأجلس في مجلس فيه الشيطان ". # فكل فعل أو قول يصدر من شخص بالنسبة إلى غيره ظلما، إن كان له في الشرع ~~قصاص وغرامة، فيجب ألا يتعدى عنه، وإن كان العفو عن الجائر أيضا أفضل وأولى ~~وأقرب إلى الورع والتقوى، وإن لم يرد له بخصوصه من الشرع حكومة معينة، وجب ~~أن يقتصر في الانتقام وما يحصل به التشفي على ما ليس فيه حرمة ولا كذب، مثل ~~أن يقابل الفحش والذم وغيرهما من الأذايا التي لم يقدر لها في الشرع حكومة ~~معينة، بقوله: يا قليل الحياء. # ويا سئ الخلق. ويا صفيق الوجه... وأمثال ذلك، إذا كان متصفا بها ومثل ~~قوله: جزاك الله وانتقم منك. ومن أنت؟ وهل أنت إلا من بني فلان ومثل قوله: ~~يا جاهل. ويا أحمق. وهذا ليس فيه كذب مطلقا، إذ ما من أحد إلا وفيه جهل ~~وحمق، (أما الأول) فظاهر، (وأما الثاني) فلما ورد من أن الناس كلهم حمقى في ~~ذات الله. # والدليل على جواز هذا القدر من الانتقام، قول النبي (ص) " المستبان ما ~~قالا فعلى البادئ منهما حتى يعتدي المظلوم " (19) وقول الكاظم (ع) في رجلين ~~يتسابان: " البادئ منهما أظلم، ووزره ووزر صاحبه عليه ما لم يتعد المظلوم " ~~(20). وهما يدلان على جواز الانتصار لغير البادئ من دون وزر ما لم يتعد، ~~ومعلوم أن المراد بالسبب فيهما أمثال الكلمات المذكورة دون الفحش والكلمات ~~الكاذبة، ولا ريب في أن الاقتصار على مجرد ما وردت به الرخصة بعد الشروع في ~~الجواب مشكل، ولعل السكوت عن ms213 أصل الجواب وحوالة الانتقام إلى رب الأرباب ~~أيسر وأفضل، ما لم يؤد إلى فتور الحمية وللغيرة، إذ أكثر الناس لا يقدر على ~~ضبط نفسه عند فور الغضب، لاختلاف حالهم في حدوث # PageV01P266 # الغضب وزواله. قال رسول الله (ص): " ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى ~~منهم بطئ الغضب سريع الفيئ، ومنهم سريع الغضب سريع الفيئ، قتلك بتلك. ومنهم ~~سريع الغضب بطئ الفيئ، ومنهم بطئ الغضب بطئ الفيئ ألا وإن خيرهم البطئ ~~الغضب السريع الفيئ، وشرهم السريع الغضب البطئ الفيئ ". وقد ورد في خبر ~~آخر: " إن المؤمن سريع الغضب سريع الرضا، فهذه بتلك ". # ثم طريق العلاج في ترك الانتقام: أن يتنبه على سوء عاقبته في العاجل ~~والأجل، ويتذكر فوائد تركه، ويعلم أن الحوالة إلى المنتقم الحقيقي أحسن ~~وأولى، وإن انتقامه أشد وأقوى، ثم يتأمل في فوائد العفو وفضيلته، كما يأتي ~~وصل (العفو) ضد الانتقام (العفو)، وهو إسقاط ما يستحقه من قصاص أو غرامة، ~~ففرقه عن الحلم وكظم الغيظ ظاهر، والآيات والأخبار في مدحه وحسنه أكثر من ~~تحصى، قال الله تعالى سبحانه: # " خذ العفو وأمر بالمعروف " (21). وقال: " وليعفوا وليصفحوا " (22). # وقال: " وإن تعفوا أقرب للتقوى " (23). # وقال رسول الله (ص): " ثلاث والذي نفسي بيده إن كنت حالفا لحلفت عليهن: ~~ما نقصت صدقة من مال فتصدقوا، ولا عفا رجل من مظلمة يبتغي بها وجه الله إلا ~~زاده الله بها عزا يوم القيامة، ولا فتح رجل على نفسه باب مسألة إلا فتح ~~الله عليه باب فقر ". وقال (ص): " العفو لا يزيد العبد إلا عزا، فاعفوا ~~يعزكم الله ". وقال (ص) لعقبة: " ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا ~~والآخرة: تصل من قطعك وتعطى من حرمك وتعفو عمن ظلمك " (24) وقال (ص) " قال ~~موسى: يا رب أي عبادك أعز عليك؟ قال: الذي إذا قدر عفى " وقال سيد الساجدين ~~(ع) " إذا كان يوم القيامة، جمع الله الأولين والآخرين في # PageV01P267 # صعيد واحد، ثم ينادي مناد: أين أهل الفضل؟ قال فيقوم عنق من الناس ~~فتلقاهم الملائكة، فيقولون: وما فضلكم؟ فيقولون: كنا نصل من ms214 قطعنا، ونعطي ~~من حرمنا، ونعفو عمن ظلمنا، قال: فيقال لهم: صدقتم، ادخلوا الجنة ". وقال ~~الباقر (ع): " الندامة على العفو أفضل وأيسر من الندامة على العقوبة ". ~~وقال الصادق (ع) " ثلاث من مكارم الدنيا والآخرة: تعفو عمن ظلمك.. إلى آخر ~~الحديث وقال أبو الحسن (ع) " ما التقت فئتان قط إلا نصر أعظمهما عفوا ". ~~وكفى للعفو فضلا وشرافة أنه من أجمل الصفات الإلهية، وقد يمدح الله تعالى ~~به مقام الخضوع والتذلل، قال سيد الساجدين عليه السلام: " أنت الذي سميت ~~نفسك بالعفو، فاعف عني ". وقال (ع) " أنت الذي عفوه أعلى من عقابه ". # ومنها: # العنف وهو الغلظة والفظاظة في الأقوال أو الحركات أيضا، وهو من نتائج ~~الغضب، وضده (الرفق)، أي اللين فيهما، وهو من نتائج الحلم. ولا ريب في أن ~~الغلظة في القول والفعل ينفر الطباع ويؤدي إلى اختلال أمر المعاش والمعاد، ~~ولذلك نهى الله - سبحانه - نبيه عنه في مقام الإرشاد، وقال: # " ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك " (25). # وروي عن سلمان: " أنه قال: إذا أراد الله تعالى هلاك عبد نزع منه الحياء، ~~فإذا نزع منه الحياء، لم يلقه إلا خائنا مخونا، وإذا كان خائنا مخونا نزعت ~~منه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة لم يلقه إلا فظا غليظا، فإذا كان فظا ~~غليظا نزعت منه ربقة الإيمان، فإذا نزعت منه ربقة الإيمان لم يلقه إلا ~~شيطانا ملعونا ". # ويظهر من هذا الكلام أن من كان من أهل الغلظة والفظاظة فهو الشيطان ~~حقيقة، فيجب على كل عاقل أن يجتنب عن ذلك كل الاجتناب، ويقدم التروي على كل ~~ما يصدر عنه من القول والفعل، ليحافظ نفسه عن التعنف والغلظة فيه، ويتذكر ~~ما ورد في فضيلة الرفق، ويرتكبه في حركاته، ولو بالتكلف # PageV01P268 # إلى أن يصير ملكة، ونزول عن نفسه آثار العنف بالكلية. # وصل (فضيلة الرفق) الأخبار في فضيلة الرفق وفوائده أكثر من أن تحصى، ونحن ~~نشير إلى شطر منها هنا، قال رسول الله (ص): " لو كان الرفق خلقا يرى، ما ~~كان فيما خلق الله شئ أحسن منه ". وقال (ص): ms215 " إن الرفق لم يوضع على شئ إلا ~~زانه، ولا ينزع من شئ إلا شانه ". وقال (ص): " لكل شئ قفل، وقفل الإيمان ~~الرفق ". وقال (ص): " إن الله رفيق يحب الرفيق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي ~~على العنف " (26). وقال (ص): " ما اصطحب اثنان إلا كان أعظمهما أجرا ~~وأحبهما إلى الله تعالى، أرفقهما بصاحبه ". # وقال (ص): " الرفق يمن، والخرق شؤم ". وقال (ص): " من كان رفيقا في أمره ~~نال ما يريده من الناس ". وقال (ص) " إذا أحب الله أهل بيت أدخل عليهم ~~الرفق ". وقال (ص): " من أعطى حظه من الرفق أعطي حظه من خير الدنيا ~~والآخرة، ومن حرم حظه من الرفق حرم حظه من الدنيا والآخرة ". وقال (ص): " ~~إذا أحب الله عبدا أعطاه الرفق، ومن يحرم الرفق يحرم الخير كله ". وقال ~~(ص): " أتدرون من يحرم على النار؟ كل هين لين سهل قريب ". وقال الكاظم (ع): ~~" الرفق نصف العيش ". # وقال عليه السلام لمن جرى بيته وبين رجل من القوم كلام: " ارفق بهم، فإن ~~كفر أحدكم في غضبه، ولا خير فيمن كان كفره في غضبه ". # ثم التجربة شاهدة بأن إمضاء الأمور وإنجاح المقاصد موقوف على الرفق ~~واللين مع الخلائق، فكل ملك كان رفيقا بجنده ورعيته انتظم أمره ودام ملكه، ~~وإن كان فظا غليظا اختل أمره وانفض الناس من حوله، وزال ملكه وسلطانه في ~~أسرع زمان. وقس عليه غيره من طبقات الناس من العلماء والأمراء وغيرهما، من ~~ذوي المناصب الجليلة، وأرباب المعاملة والمكاسبة، وأصحاب الصنايع والحرف. # PageV01P269 # تكملة (المداراة) (المداراة): قريب من الرفق معنى، لأنها ملائمة الناس، ~~وحسن صحبتهم، واحتمال أذاهم، وربما فرق بينهما باعتبار تحمل الأذى في ~~المداراة دون الرفق، وقد ورد في مدحها وفوائدها الدنيوية والأخروية أخبار ~~كثيرة كقول النبي (ص): " المداراة نصف الإيمان "، وقوله (ص): " ثلاث من لم ~~يكن فيه لم يتم عمله: ورع يحجزه عن معاصي الله، وخلق يداري به الناس، وحلم ~~يرد به جهل الجاهل " وقوله (ص): " أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء ~~الفرائض ". وقول الباقر عليه السلام: " في التوراة مكتوب: ms216 فيما ناجى الله - ~~عز وجل - به موسى بن عمران عليه السلام: # يا موسى! أكتم مكتوم سري في سريرتك وأظهر في علانيتك المداراة عني لعدوي ~~وعدوك من خلقي.. إلى آخر الحديث " (27). وقول الصادق عليه السلام: " جاء ~~جبرئيل إلى النبي (ص) فقال: يا محمد! ربك يقرئك السلام، ويقول: دار خلقي ". ~~وقوله عليه السلام: " إن قوما من الناس قلت مداراتهم للناس فنفوا (28) من ~~قريش، وأيم الله ما كان بأحسابهم بأس، وإن قوما من غير قريش حسنت مداراتهم ~~فألحقوا بالبيت الرفيع.. ثم قال " من كف يده عن الناس، فإنما يكف عنهم يدا ~~واحدة ويكفون عنه أيدي كثيرة ". # ومنها: # سوء الخلق بالمعنى الأخص وهو التضجر، وانقباض الوجه، وسوء الكلام، وأمثال ~~ذلك. وهو # PageV01P270 # أيضا من نتائج الغضب، كما أن ضده - أعني (حسن الخلق بالمعنى الأخص) وهو ~~أن تلين جناحك: وتطيب كلامك، وتلقى أخاك ببشر حسن - من نتائج الحلم، وأكثر ~~ما يطلق سوء الخلق وحسنه في الأخبار يراد به هذا المعنى، ولا ريب في أن سوء ~~الخلق مما يبعد صاحبه عن الخالق والخلق، والتجربة شاهدة بأن الطباع متنفرة ~~عن كل سئ الخلق، ويكون دائما أضحوكة للناس، ولا ينفك لحظة عن الحزن والألم، ~~ولذا قال الصادق عليه السلام: " من ساء خلقه عذب نفسه "، وقد يعتريه لأجله ~~الضرر العظيم. هذا كله مع سوء عاقبته في الآخرة وأدائه إلى العذاب الأبدي، ~~ولذا ورد به الذم الشديد من الشريعة. قال رسول الله (ص): " لما خلق الله ~~الإيمان قال: اللهم قوني، فقواه بحسن الخلق والسخاء. ولما خلق الله الكفر ~~قال: اللهم قوني، فقواه بحسن الخلق والسخاء. ولما خلق الله الكفر قال: ~~اللهم قوني، فقواه بالبخل وسوء الخلق ". وروي أنه قيل له (ص): " إن فلانة ~~تصوم النهار وتقوم الليل وهي سيئة الخلق تؤذي جيرانها بلسانها. قال: لا خير ~~فيها! هي من أهل النار ". وعنه (ص): # " سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل " (29) وعنه (ص): # " إن العبد ليبلغ من سوء خلقه أسفل درك جهنم ". وعنه (ص): " أبي الله ~~لصاحب الخلق السئ بالتوبة " قيل: ms217 فكيف ذاك يا رسول الله!؟ قال: # " لأنه إذا تاب من ذنب وقع في ذنب أعظم منه ". وقال (ص): " سوء الخلق ذنب ~~لا يغفر ". وقال الإمام جعفر بن محمد عليهما السلام: " إذا خلق الله العبد ~~في أصل الخلق كافرا لم يمت حتى يحبب الله إليه الشر، فيقرب منه، فابتلاه ~~بالكبر والجبروت، فقسى قلبه، وساء خلقه، وغلظ وجهه وظهر فحشه، وقل حياؤه، ~~وكشف الله تعالى سره، وركب المحارم ولم ينزع عنها، ثم ركب معاصي الله، ~~وأبغض طاعته، ووثب على الناس لا يشبع من الخصومات، فاسألوا الله العافية ~~واطلبوها منه ". وقال بعض الأكابر: " لئن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب إلي من ~~أن يصحبني عابد # PageV01P271 # سئ الخلق ". # وطرق العلاج في إزالته: أن يتذكر أولا أنه يفسد آخرته ودنياه، ويجعله ~~ممقوتا عند الخالق والخلق، فيعد نفسه لإزالته، ثم يقدم التروي والتفكر عند ~~كل حركة وتكلم، فيحفظ نفسه عنده - ولو بالتحمل والتكلف - من صدور سوء ~~الخلق، ويتذكر ما ورد في مدح حسن الخلق الذي هو ضده - كما يأتي - ويواظب ~~حتى نزول على التدريج آثاره بالكلية. # وصل (طرق اكتساب حسن الخلق) قد عرفت أن ضد هذه الرذيلة (حسن الخلق ~~بالمعنى الأخص)، فمن معالجاتها أن يواظب عليه حتى ترتفع آثارها بالكلية. ~~وأقوى البواعث على اكتسابه والمواظبة عليه أن يتذكر ما يدل على شرافته ~~ومدحه عقلا ونقلا. # أما حكم العقل على مدحه فظاهر لا يحتاج إلى بيان، وأما النقل فالأخبار ~~التي وردت به أكثر من أن تحصى، ونحن نورد شطرا منها تذكرة لمن أراد أن ~~يتذكر، قال رسول الله (ص): " ما يوضع في ميزان امرئ يوم القيامة أفضل من ~~حسن الخلق " وقال: " يا بني عبد المطلب! إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ~~فالقوهم بطلاقة الوجه، وحسن البشر ". وقال (ص) " إن الله استخلص هذا الدين ~~لنفسه، ولا يصلح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق، ألا فزينوا دينكم بهما ". ~~وقال (ص): " حسن الخلق خلق الله الأعظم ". وقيل له (ص): أي المؤمنين أفضلهم ~~إيمانا؟ قال: " أحسنهم خلقا ". وقال (ص): " إن أحبكم إلي وأقربكم مني ms218 مجلسا ~~يوم القيامة أحسنكم خلقا ". وقال (ص): " ثلاث من لم يكن فيه واحدة منهن فلا ~~يعتد بشئ من علمه: تقوى تحجزه عن محارم الله، وحلم يكف به السيئة وخلق يعيش ~~به في الناس ". وقال (ص): " إن الخلق الحسن يميت الخطيئة، كما تميت الشمس ~~الجليد " (30) وقال (ص): " إن العبد ليبلغ بحسن خلقه # PageV01P272 # عظيم درجات الآخرة وأشرف المنازل، وإنه يضعف العبادة " وقال (ص) لأم ~~حبيبة: " إن حسن الخلق ذهب بغير الدنيا والآخرة " وقال لها - بعد ما سألته ~~أن المرأة يكون لها زوجان في الدنيا فتموت ويموتان ويدخلان الجنة لأيهما ~~هي؟ -: " إنها لأحسنهما خلقا ". وقال (ص): " إن حسن الخلق يبلغ بصاحبه درجة ~~الصائم القائم " (31). وقال (ص): " أكثر ما يلج به أمتي الجنة تقوى الله ~~وحسن الخلق ". وقال (ص): " أفاضلكم أحسنكم أخلاقا، الموطئون أكنافا (32) ~~الذين يألفون ويؤلفون ". وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " المؤمن مألوف، ~~ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف ". ولا ريب في أن سئ الخلق تتنفر عنه ~~الطباع، فلا يكون مألوفا. وقال الإمام أبو جعفر الباقر عليهما السلام: " إن ~~أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا "، وقال عليه السلام: " أتى رجل رسول ~~الله، فقال: يا رسول الله! أوصني فكان فيما أوصاه أن قال: (إلق أخاك بوجه ~~منبسط) ". وقال الصادق عليه السلام: " ما يقدم المؤمن على الله - عز وجل - ~~بعمل بعد الفرائض أحب إلى الله تعالى من أن يسع الناس بخلقه ". وقال عليه ~~السلام: " البر وحسن الخلق يعمران الديار ويزيدان في الأعمار ". وقال عليه ~~السلام: # " إن الله تبارك وتعالى ليعطي العبد من الثواب على حسن الخلق كما يعطي ~~المجاهد في سبيل الله يعدو عليه ويروح ". وقال عليه السلام: " ثلاث من أتى ~~الله بواحدة منهن أوجب الله له الجنة: الإنفاق من إقتار، والبشر لجميع ~~العالم، والإنصاف من نفسه ". وقال عليه السلام: " صنايع المعروف وحسن البشر ~~يكسبان المحبة ويدخلان الجنة، والبخل وعبوس الوجه يبعدان من الله ويدخلان ~~النار ". # ومن تأمل في هذه الأخبار، ورجع إلى الوجدان والتجربة، وتذكر أحوال ~~الموصوفين بسوء الخلق وحسنه، يجد أن كل سئ ms219 الخلق بعيد من # PageV01P273 # الله ومن رحمته، والناس يبغضونه ويشمئزون منه، ولذا يحرم من يرهم وصلتهم، ~~وكل حسن الخلق محبوب عند الله وعند الناس، فلا يزال محلا لرحمة الله ~~وفيوضاته، ومرجعا للمؤمنين بإيصال نفعه وخيره إليهم، وإنجاح مقاصده ومطالبه ~~منهم، ولذلك لم يبعث الله سبحانه نبيا إلا وأتم فيه هذه الفضيلة، بل هي ~~أفضل صفات المرسلين وأشرف أعمال الصديقين، ولذا قال الله تعالى لحبيبه ~~مثنيا عليه ومظهرا نعمته لديه: # (وإنك لعلى خلق عظيم) (33). # ولعظم شرافته بلغ رسول الله (ص) فيه ما بلغ من غايته، وتمكن على ذروته ~~ونهايته، حتى ورد: " بينا رسول الله (ص) ذات يوم جالس في المسجد، إذ جاءت ~~جارية لبعض الأنصار وهو قائم (34) فأخذت بطرف ثوبه فقام لها النبي (ص) فلم ~~تقل شيئا ولم يقل لها النبي (ص) شيئا، حتى فعلت ذلك ثلاث مرات، فقام لها ~~النبي (ص) في الرابعة، وهي خلفه، فأخذت هدبة من ثوبه ثم رجعت، فقال لها ~~الناس: فعل الله بك وفعل! (35) حبست رسول الله ثلاث مرات لا تقولين له شيئا ~~ولا هو يقول لك شيئا! ما كانت حاجتك إليه؟ قالت: إن لنا مريضا فأرسلني أهلي ~~لأخذ هدبة من ثوبه يستشفى (36) بها، فلما أردت أخذها رآني فقام، استحييت أن ~~آخذها وهو يراني، وأكره أن أستأمره في أخذها، فأخذتها " (37). # PageV01P274 # ومنها: # الحقد وقد عرفت أنه إضمار العداوة في القلب، وهو من ثمرة الغضب، لأن ~~الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفي في الحال، رجع إلى الباطن واحتقن فيه ~~فصار حقدا، وهو من المهلكات العظيمة. وقد قال رسول الله (ص): # " المؤمن ليس بحقود ". والغالب أن الحقد يلزمه من الآفات: الحسد، ~~والهجرة، والانقطاع عن المحقود، وإيذاؤه بالضرب، والتكلم فيه بما لا يحل: ~~من الكذب، والغيبة، والبهتان، وإفشاء السر، وهتك الستر، وإظهار العيوب، ~~والشماتة بما يصيبه من البلاء والسرور به، والانبساط بظهور عثراته وهفواته، ~~والمحاكاة عنه بالاستهزاء والسخرية، والإعراض عنه استصغارا له، ومنع حقوقه ~~من دين أو رد مظلمة أو صلة رحم. وكل ذلك حرام يؤدي إلى فساد الدين والدنيا. ms220 ~~وأضعف مراتبه أن يحترز عن الآفات المذكورة، ولا يرتكب لأجله ما يعصى الله ~~به، ولكن يستثقله بالباطن ولا ينتهي قلبه عن بغضه. # وهو أيضا من الأمراض المؤلمة للنفس، المانعة لها عن القرب إلى الله ~~والوصول إلى الملأ الأعلى. ويمنع صاحبه عما ينبغي أن يصدر عنه بالنسبة إلى ~~أهل الإيمان: من الهشاشة والرفق والتواضع والقيام بحوائجهم والمجالسة معهم ~~والرغبة إلى إعانتهم ومواساتهم... وغير ذلك. وهذا كله مما ينقص درجته في ~~الدين، ويحول بينه وبين مرافقة المقربين. # ولما كانت حقيقته عبارة عن العداوة الباطنة، فجميع الأخبار الواردة في ذم ~~المعاداة تدل على ذمه، كقول النبي (ص): " ما كان جبرئيل يأتيني إلا قال: يا ~~محمد! اتق شحناء الرجال وعداوتهم ". وقوله (ص): " ما عهد إلي جبرئيل قط في ~~شئ ما عهد إلي في معاداة الرجال ". وقول الصادق (ع): " من زرع العداوة حصد ~~ما بذر ".. وقس عليها غيرها. # وطريق العلاج في إزالته: أن يتذكر أن هذه العداوة الباطنة تؤلمه في ~~العاجل، إذ الحقود المسكين لا يخلو من التألم والهم لحظة، ويعذبه في الآجل، ~~ومع ذلك لا يضر المحقود أصلا، والعاقل لا يدوم على حالة تكون مضرة ~~PageV01P275 # لنفسه ونافعة لعدوه. وبعد هذا التذكر، فليجتهد في أن يعامله معاملة ~~أحبائه. # من مصاحبته بالانبساط والرفق، والقيام بحوائجه، وغير ذلك، بل يخصه بزيادة ~~البر والاحسان، مجاهدة للنفس وارغاما للشيطان، ولا يزال يكرر ذلك حتى ترتفع ~~عن نفسه آثار هذه الرذيلة بالكلية. ثم لما كان الحقد عبارة عن العداوة ~~الباطنة، وحقيقتها اضمار الشر وكراهة الخير لمن يعاديه، فضده (النصيحة) ~~التي هي قصد الخير وكراهة الشر، لا المحبة - كما يتراءى في بادئ الرأي - إذ ~~هي ضد الكراهة دون العداوة - كما يأتي في محله - فمن معالجات الحقد أن ~~يتذكر فوائد النصيحة ومدحها - كما يأتي - ليعين على إزالته. # ومنها: # العداوة الظاهرة وهي من لوازم الحقد، لأنه إذا قوي قوة لا يقدر معها على ~~المجاملة أظهر العداوة بالمكاشفة. والأخبار الواردة في ذمها كثيرة، وقد ~~تقدم بعضها. # وعلاجها كما تقدم في الحقد، وضدها النصيحة الظاهرة، ms221 أعني فعلية الخير ~~والصلاح لا مجرد قصدهما فليكلف نفسه عليها حتى تصير ملكة له ويزول ضدها. # ومنها: # الضرب والفحش واللعن والطعن وهذه ناشئة غالبا عن العداوة والحقد، وربما ~~صدرت من مجرد الغضب وسوء الخلق، وربما صدر الفحش من الاعتياد الحاصل من ~~مخالطة الفساق، وربما كان الباعث في بعض أفرادها حب المال وفقده المعدود من ~~رذائل قوة الشهوة، إلا أن الفاعل المباشر لهذه الأمور هي القوة الغضبية، أو ~~النفس لهيجان قوة الغضب، وإن كان الهيجان حاصلا بوساطة فعل قوة الشهوة، ~~وعلى أي تقدير يكون من رذائل القوة الغضبية على قاعدتنا، ولذا أدرجناها ~~تحتها فقط. # ثم لا ريب في كون هذه الأمور مذمومة محرمة في الشريعة، وموجبة ~~PageV01P276 # لحبط الأعمال وخسران المال. وجميع ما يدل على ذم الإيذاء والإضرار يدل ~~على ذمها، لكونها بعض أفرادهما. والعقل والشرع متطابقان على شدة قبح كل ~~واحد منها بخصوصه وإيجابه للهلاك: # أما (الضرب) - فلأنه لا ريب في أن ضرب مسلم بلا داع شرعي مما يقبحه كل ~~عاقل، ويذمه جميع طوائف العالم، حتى نفاة الأديان، والأخبار الواردة في ذمه ~~كثيرة، وفي عدة منها: " إن من ضرب رجلا سوطا لضربه الله سوطا من النار ". # وأما (الفحش والسب وبذاءة اللسان) - فلا ريب في كونه صادرا عن خباثة ~~النفس. قال رسول الله (ص): " ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان، ولا الفاحش ~~ولا البذي ". وقال (ص): " إياكم والفحش، فإن الله لا يحب الفحش والتفحش ". ~~وقال (ص): " الجنة حرام على كل فاحش أن يدخلها ". وقال (ص): " إن الفحش ~~والتفحش ليسا من الإسلام في شئ " وقال (ص): " البذاء والبيان شعبتان من شعب ~~النفاق " وروي: أن المراد بالبيان: كشف ما لا يجوز كشفه. وقال (ص): " أربعة ~~يؤذون أهل النار على ما بهم من الأذى ".. وعد منهم: رجلا يسيل فوه قيحا، ~~وهو من كان في الدنيا فاحشا. وقال (ص): " لا تسبوا الناس فتكسبوا العداوة ~~منهم " (38). وقال (ص): " إن الله حرم الجنة على كل فحاش بذي قليل الحياء ~~لا يبالي ما قال ولا ما قيل له، فإنك إن ms222 فتشته لم تجده إلا لغية (39) أو ~~شرك شيطان ". وقال (ص): " إذا رأيتم الرجل لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه ~~فإنه - لغية أو شرك شيطان ". وقال (ص): " إن الله ليبغض الفاحش البذي ~~والمسائل الملحف ". وقال (ص): " إن من شرار عباد الله من تكره مجالسته ~~لفحشه ". وقال (ص): " سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه معصية، ~~وحرمة ماله كحرمة دمه ". وقال (ص): # " سباب المؤمن كالمشرف على الهلكة ". وقال (ص): " شر الناس عند الله ~~تعالى يوم القيامة الذين يكرمون اتقاء شرهم ". وقال (ص): " المتسابان # PageV01P277 # شيطانان متعاديان ومتهاتران ". وقال الصادق عليه السلام: " من علامات شرك ~~الشيطان الذي لا يشك فيه أن يكون فحاشا لا يبالي ما (40) قال ولا ما (40) ~~قيل فيه ". وقال عليه السلام: " البذاء من الجفاء، والجفاء في النار "، ~~وقال عليه السلام: " من خاف الناس لسانه فهو في النار "، وقال: " إن أبغض ~~خلق الله تعالى عبد اتقى الناس لسانه ". وعن الكاظم عليه السلام في رجلين ~~يتسابان: " فقال: البادي منهما أظلم، ووزره ووزر صاحبه عليه ما لم يتعد ~~المظلوم " (41). # (تنبيه) إعلم أن حقيقة الفحش هو التعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارة ~~الصريحة. ويجري أكثر ذلك في ألفاظ الوقاع وآلاته وما يتعلق بهما، بأن لأهل ~~الفساد عبارات صريحة فاحشة يستعملونها فيه، وأهل الصلاح يتحاشون من التعرض ~~لها، بل يكنون عنها ويعبرون عنها بالرموز. قال بعض الصحابة: " إن الله حيي ~~كريم يعف ويكنى، كنى باللمس عن الجماع ". # فالمس، واللمس، والدخول، والصحبة، كنايات عن الوقاع، وليست بفاحشة، وعنه ~~عبارات فاحشة يستقبح ذكرها. وليس هذا يختص بالوقاع بل الكناية بقضاء الحاجة ~~عن التبول والتغوط أولى من لفظة التغوط والخراء وغيرهما، وكذا التعبير عن ~~المرأة، فهذا أيضا مما يخفى ويستحيي منه، فلا ينبغي أن تذكر ألفاظه الصريحة ~~باللسان، بل يكنى عنها، فلا يقال: # قالت زوجك أو امرأتك، بل يقال: قيل في الحجرة، أو قيل من وراء الستر، ~~وقالت أم الأولاد، وأمثال ذلك. وكذلك من به عيوب يستحي منها، فلا ينبغي أن ~~يعبر عنها بصريح لفظها، كالبرص والقرح والبطن، ms223 وأمثال ذلك، بل يكنى عنها ~~بعبارات غير صريحة، مثل العارض الذي عرض وما يجري مجراه، إذ التصريح بجميع ~~ذلك داخل في الفحش. # ثم ألفاظ الفحش لا ريب - حينئذ - في كونها محظورة بأسرها مذمومة وإن كان ~~بعضها أفحش من بعض، فيكون إثمه أشد، سواء استعمل في الشتم والإيذاء أو لا ~~يستعمل فيه، بل في المزاح والهزل وغيرهما. وحينئذ # PageV01P278 # لما كانت هذه العبارات متفاوتة في الفحش بعضها أفحش من بعض، وربما اختلف ~~بعادة البلاد، فيكون بعضها مكروها وبعضها محظورا، فإن من قال لغيره مزاحا ~~أو اعتيادا حاصلا من مخالطة الفساق: (فرج امرأتك ضيق أم لا؟) لا ريب في ~~كونه فحشا محرما مذموما، مع أنه لم يستعمل في الشتم. وبالجملة: أوائل هذه ~~العبارات مكروهة وأواخرها محظورة، وبينهما درجات تتردد بين الكراهة ~~والحرمة. # وأما (اللعن) - فلا ريب في كونه مذموما، لأنه عبارة عن الطرد والإبعاد من ~~الله تعالى، وهذا غير جائز إلا على من اتصف بصفة تبعده بنص الشريعة وقد ورد ~~عليه الذم الشديد في الأخبار، قال رسول الله (ص): " المؤمن ليس بلعان ". ~~وعن الباقر عليه السلام قال: " خطب رسول الله (ص)، فقال: ألا أخبركم ~~بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الذي يمنع رفده ويضرب عبده، ويتردد ~~وحده. فظنوا أن الله لم يخلق خلقا هو شر من ذلك ثم قال: ألا أخبركم بمن هو ~~شر من ذلك؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: المفتحش اللعان الذي إذا ذكر عنده ~~المؤمنون لعنهم، وإذا ذكروه لعنوه ". وقال الباقر عليه السلام: " إن اللعنة ~~إذا خرجت من فم صاحبها ترددت بينهما فإن وجدت مساغا وإلا رجعت إلى صاحبها ~~". # ثم لما كان اللعن هو الحكم بالبعد أو طلب الإبعاد من الله. (والأول) غيب ~~لا يطلع عليه إلا الله. (والثاني) لا يجوز إلا على من اتصف بصفة تبعده منه، ~~فينبغي ألا يلعن أحدا إلا من جوز صاحب الشرع لعنه، والمجوز من الشرع إنما ~~هو اللعن على الكافرين والظالمين والفاسقين، كما ورد في القرآن ولا ريب في ~~جواز ذلك بالوصف ms224 الأعم، كقولك: لعنة الله على الكافرين. أو بوصف يخص بعض ~~الأصناف، كقولك: لعنة الله على اليهود والنصارى. # والحق جواز اللعن على شخص معين علم اتصافه بصفة الكفر أو الظلم أو الفسق. ~~(وما قيل) من عدم جواز ذلك إلا على من يثبت لعنه من الشرع كفرعون وأبي جهل، ~~لأن كل شخص معين كان على إحدى الصفات الثلاثة ربما رجع عنها، فيموت مسلما ~~أو تائبا، فيكون مقربا عند الله لا مبعدا عنه (كلام ينبغي) أن يطوى ولا ~~يروى، إذ المستفاد من كلام الله تعالى وكلام PageV01P279 # رسوله (ص) وكلام أئمتنا الراشدين: جواز نسبته إلى الشخص المعين، بل ~~المستفاد منها أن اللعن على بعض أهل الجحود والعناد من أحب العبادات وأقرب ~~القربات، قال الله سبحانه: # " أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " (42). وقال: # " أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون " (43). # وقال النبي (ص): " لعن الله الكاذب ولو كان مازحا ". وقال (ص) في جواب ~~أبي سفيان حين هجاه بألف بيت: " اللهم إني لا أحسن الشعر ولا ينبغي لي، ~~اللهم العنه بكل حرف ألف لعنة ". وقد لعن أمير المؤمنين عليه السلام جماعة. ~~وروي أنه كان يقنت في الصلاة المفروضة بلعن معاوية وعمرو بن العاص وأبي ~~موسى الأشعري وأبي الأعور الأسلمي، مع إنه أحلم الناس وأشدهم صفحا عمن يسوء ~~به، فلولا أنه كان يرى لعنهم من الطاعات لما يتخير محله في الصلوات ~~المفروضات. وروى الشيخ الطوسي: " إن الصادق عليه السلام كان ينصرف من ~~الصلاة بلعن أربعة رجال ". ومن نظر إلى ما وقع للحسن عليه السلام مع معاوية ~~وأصحابه وكيف لعنهم، وتتبع ما ورد من الأئمة في الكافي وغيره من كتب ~~الأخبار والأدعية في لعنهم من يستحق اللعن من رؤساء الضلال والتصريح ~~بأسمائهم، يعلم أن ذلك من شعائر الدين، بحيث لا يعتريه شك ومرية. وما ورد ~~من قوله عليه السلام " لا تكونوا لعانين "، ومثله: نهى عن اللعن على غير ~~المستحقين، وما روي أن أمير المؤمنين عليه السلام نهى عن لعن أهل الشام، ~~فإن صح، فلعله كان يرجو إسلامهم ورجوعهم إليه، ms225 كما هو شأن الرئيس المشفق ~~على الرعية. # وبالجملة: اللعن على رؤساء الظلم والضلال والمجاهرين بالكفر والفسق جائز، ~~بل مستحب، وعلى غيرهم من المسلمين غير جائز، إلا أن يتيقن باتصافه بإحدى ~~الصفات الموجبة له. وينبغي ألا يحكم باتصافه بشئ منها بمجرد الظن والتخمين، ~~إذ لا يجوز أن يرمى مسلم بكفر وفسق من غير تحقيق، قال رسول الله (ص): " لا ~~يرمي رجل رجلا بالكفر فلا يرميه بالفسق إلا ارتد عليه إن لم يكن كذلك ". # PageV01P280 # ثم اللعن على الأموات أشد وزرا وأعظم إثما، لقول النبي (ص): # " لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا ". ولا ينبغي أن يلعن ~~الجماد والحيوان أيضا. لما روي: " أنه ما لعن أحد الأرض إلا قالت: # اللعن على أعصانا لله "، وما روي: " أن النبي (ص) أنكر على امرأة لعنت ~~ناقة، وعلى رجل لعن بعيرا ". ثم الدعاء على المسلم بالشر قريب من اللعن ~~عليه، فلا ينبغي ارتكابه ولو على الظالم، إلا إذا اضطر إليه لشره وأضراره، ~~وقد ورد أن المظلوم ليدعو على الظالم حتى يكافيه، ثم يبقى للظالم عنده ~~فضيلة يوم القيامة. وقال علي بن الحسين عليهما السلام: " إن الملائكة إذا ~~سمعوا المؤمن يذكر أخاه بالسوء ويدعو عليه قالوا: بئس الأخ أنت لأخيك! كف ~~أيها المستر على ذنوبه وعورته، وأربع على نفسك، وأحمد الله الذي ستر عليك! ~~" (44). # ثم ضد ذلك - أعني الدعاء للأخ المسلم بما يحب لنفسه - من أحب الطاعات ~~وأقرب القربات، وفوائده أكثر من أن تحصى، بل عند التحقيق دعاؤك له دعاء ~~لنفسك، قال رسول الله (ص): " إذا دعا الرجل لأخيه في ظهر الغيب قال الملك: ~~ولك مثل ذلك ". وقال (ص): " يستجاب للرجل في أخيه ما لا يستجاب له في نفسه ~~". وقال علي بن الحسين عليهما السلام: # " إن الملائكة إذا سمعوا المؤمن يدعو لأخيه المؤمن بظهر الغيب أو يذكره ~~بخير، قالوا: نعم الأخ أنت لأخيك! تدعو له بالخير وهو غائب عنك، وتذكره ~~بالخير. قد أعطاك الله عز وجل مثلي ما سألت له، وأثنى عليك مثلي ما أثنيت ~~عليه، ms226 ولك الفضل عليه " ومثله ورد عن الباقر (ع) أيضا. # والأخبار في فضيلة الدعاء للأخوان أكثر من أن تحصى، وأي كرامة أعظم لك من ~~أن تصل منك إلى المؤمن وهو تحت أطباق الثرى هدايا الاستغفار والأدعية، وهل ~~تدري كيف تسر روحه منك بهذا العمل؟ فإن أهله يقسمون ميراثه ويتنعمون بما ~~خلف، وأنت متفرد بحزنك تدعو له في ظلمة الليل، وقد قال رسول الله (ص): " ~~مثل الميت في قبره مثل الغريق يتعلق بكل شئ، ينتظر دعوة من ولد أو والد أو ~~أخ أو قريب، وإنه ليدخل على قبور الأموات # PageV01P281 # من دعاء الأحياء من الأنوار مثل الجبال " وهو للأموات بمنزلة الهدايا ~~للأحياء، فيدخل الملك على الميت معه طبق من نور عليه منديل من نور فيقول ~~هذه هدية لك من عند أخيك فلان، من عند قريبك فلان، فيفرح كما يفرح الحي ~~بالهدية (45). # وأما (الطعن) - فهو أيضا من ذمائم الأفعال، ويورث الضرر في الدنيا ~~والعذاب في الأخرى. قال الباقر عليه السلام: " إياكم والطعن على المؤمنين ~~". # وقال (ع): " ما من إنسان يطعن في عين مؤمن إلا مات شر ميتة، وكان قمنا ~~ألا يرجع إلى خير ". # واعلم أن هذه الأمور - أعني الفحش واللعن والطعن وأمثالها مما يأتي في ~~موضعه: من الغيبة والكذب والبهتان والاستهزاء والمزاح والخوض في الباطل ~~والتكلم بالفضول وما لا يعني: من آفات اللسان، ويأتي إن لجميع آفات اللسان ~~ضدا عاما هو الصمت، ويأتي بيان فضيلته وكثرة فوائده، ويأتي أيضا ما يدل ~~بعمومه على ذم جميع آفات اللسان - أعني ما ورد في ذم اللسان، وكون شره أعظم ~~من شر سائر الأعضاء - فإنه بعمومه يدل على ذم هذه الأمور. # ومنها - أي ومن رذائل القوة الغضبية -: # العجب وهو استعظام نفسه لأجل ما يرى لها من صفة كمال، سواء كانت له تلك ~~الصفة في الواقع أم لا. وسواء كانت صفة كمال في نفس الأمر أم لا، وقيل: " ~~هو إعظام النعمة والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم " وهو قريب مما ~~ذكر، ولا يعتبر في مفهومه رؤية نفسه فوق ms227 الغير في هذا الكمال وهذه النعمة، ~~وبذلك يمتاز عن الكبر، إذ الكبر هو أن يرى لنفسه مزية على غيره في صفة ~~كمال، وبعبارة أخرى هو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس فوق المتكبر عليه، ~~فالكبر يستدعي متكبر عليه ومتكبرا به. # PageV01P282 # والعجب لا يستدعي غير المعجب، بل لو لم يخلق الإنسان إلا وحده تصور أن ~~يكون معجبا، ولا يتصور أن يكون متكبرا، إلا أن يكون مع غيره وهو يرى نفسه ~~فوق ذلك الغير في صفة الكمال، ولا يكفي أن يستعظم نفسه ليكون متكبرا، فإنه ~~قد يستعظم نفسه، ولكن يرى في غيره أعظم من نفسه أو مثل نفسه، فلا يتكبر ~~عليه، فهو معجب وليس متكبرا. ولا يكفي أن يستحقر غيره، فإنه مع ذلك لو رأى ~~نفسه أحقر أو رأى غيره مثل نفسه لم يكن متكبرا، بل المتكبر هو أن يرى لنفسه ~~مرتبة ولغيره مرتبة، ثم يرى مرتبة نفسه فوق مرتبة غيره. # والحاصل: أن العجب مجرد إعظام النفس لأجل كمال أو نعمة، وإعظام نفس ~~الكمال والنعمة مع الركون ونسيان إضافتهما إلى الله، فإن لم يكن معه ركون ~~وكان خائفا على زوال النعمة مشفقا على تكدرها أو سلبها بالمرة، أو كان فرحه ~~بها من حيث أنها من الله من دون إضافتها إلى نفسه لم يكن معجبا، فالمعجب ~~ألا يكون خائفا عليها، بل يكون فرحا بها مطمئنا إليها، فيكون فرحه بها من ~~حيث أنها صفة كمال منسوبة إليه، لا من حيث أنها عطية منسوبة إلى الله ~~تعالى. ومهما غلب على قلبه أنها نعمة من الله مهما شاء سلبها: زال العجب. # ثم لو انضاف العجب - أي غلب على نفس المعجب - أن له عند الله حقا، وإنه ~~منه بمكان، واستبعد أن يجري عليه مكروه، وكان متوقعا منه كرامة لعمله، سمي ~~ذلك (إدلالا) بالعمل، فكأنه يرى لنفسه على الله دالة فهو وراء العجب وفوقه ~~إذ كل مدل معجب، ورب معجب لا يكون مدلا، إذ العجب مجرد الاستعظام ونسيان ~~الإضافة إلى الله من دون توقع جزاء على عمله، والإدلال يعتبر ms228 فيه توقع ~~الجزاء بعمله، إذ المدل يتوقع إجابة دعوته ويستنكر ردها بباطنه ويتعجب منه، ~~فالإدلال عجب مع شئ زائد. # وعلى هذا، فمن أعطى غيره شيئا، فإن استعظمه ومن عليه كان معجبا وإن ~~استخدمه مع ذلك أو اقترح عليه الاقتراحات واستبعد تخلفه عن قضاء حقوقه كان ~~مدلا عليه. وكما إن العجب قد يكون مما يراه صفة كمال وليس كذلك العجب ~~بالعمل قد يكون بعمل هو مخطئ فيه ويراه حسنا، كما قال PageV01P283 # سبحانه: # " أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا " (46). # وقال أبو الحسن عليهما السلام: " العجب درجات: ومنها أن يزين للعبد سوء ~~عمله فيراه حسنا، فيعجبه ويحسب أنه يحسن صنعا. ومنها أن يؤمن العبد بربه، ~~فيمن على الله - عز وجل - ولله عليه فيه المن ". # فصل (ذم العجب) العجب من المهلكات العظيمة وأرذل الملكات الذميمة، قال ~~رسول الله (ص): " ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه ". # وقال (ص): " إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ~~فعليك نفسك ". وقال (ص): " لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك: # العجب العجب ". وقال (ص): " بينما موسى (ع) جالس (47)، إذ أقبل عليه ~~إبليس وعليه برنس ذو ألوان، فلما دنى منه خلع البرنس، وقام إلى موسى عليه ~~السلام فسلم عليه، فقال له موسى: من أنت؟ فقال: أنا إبليس قال أنت! فلأقرب ~~الله دارك، قال: إني إنما جئت لأسلم عليك لمكانك من الله، فقال له موسى ~~عليه السلام: فما هذا البرنس؟ قال: به اختطف قلوب بني آدم، فقال موسى: ~~فأخبرني بالذنب الذي إذا أذنبه ابن آدم استحوذت عليه، قال: " إذا أعجبته ~~نفسه واستكثر عمله وصغر في عينه ذنبه ". وقال (ص): " قال الله - عز وجل -: ~~يا داود! بشر المذنبين وأنذر الصديقين، قال: كيف أبشر المذنبين - وأنذر ~~الصديقين؟ قال: بشر المذنبين أني أقبل التوبة وأعفوا عن الذنب، وأنذر ~~الصديقين؟ ألا يعجبوا بأعمالهم، فإنه ليس عبد أنصبه للحساب إلا هلك ". وقال ~~الباقر (ع): # " دخل رجلان المسجد، أحدهما عابد والآخر فاسق، فخرجا من المسجد والفاسق ms229 ~~صديق والعابد فاسق، وذلك أنه يدخل العابد المسجد مدلا بعبادته يدل بها، ~~فتكون فكرته في ذلك، وتكون فكرة الفاسق في الندم على فسقه، ويستغفر الله ~~مما صنع من الذنوب ". وقال الصادق (ع): " إن # PageV01P284 # الله علم أن الذنب خير للمؤمن من العجب، ولولا ذلك ما ابتلي مؤمنا بذنب ~~أبدا ". وقال عليه السلام: " من دخله العجب هلك ". وقال (ع) " إن الرجل ~~ليذنب الذنب فيندم عليه، ويعمل العمل فيسره ذلك، فيتراخى عن حاله تلك، فلإن ~~يكون على حاله تلك خير له مما دخل فيه ". وقال عليه السلام: " أتى عالم ~~عابدا فقال له: كيف صلاتك؟ فقال: مثلي يسأل عن صلاته وأنا أعبد الله منذ ~~كذا وكذا، قال: فكيف بكاؤك؟ قال: أبكي حتى تجري دموعي، فقال له العالم: فإن ~~ضحكك وأنت خائف أفضل من بكائك وأنت مدل، إن المدل لا يصعد من عمله شئ ". ~~وقال (ع) " العجب كل العجب ممن يعجب بعمله وهو لا يدري بما يختم له، فمن ~~أعجب بنفسه وفعله، فقد ضل عن نهج الرشاد، وادعى ما ليس له، والمدعي من غير ~~حق كاذب وإن أخفى دعواه وطال دهره. وإن أول ما يفعل بالمعجب نزع ما أعجب به ~~ليعلم أنه عاجز حقير، ويشهد على نفسه ليكون الحجة عليه أوكد، كما فعل ~~بإبليس. والعجب نبات حبها الكفر، وأرضها النفاق، وماؤها البغي، وأغصانها ~~الجهل، وورقها الضلالة، وثمرها اللعنة والخلود في النار، فمن اختار العجب ~~فقد بذر الكفر وزرع النفاق، ولا بد أن يثمر " (48). وقيل له عليه السلام: ~~الرجل يعمل العمل وهو خائف مشفق، ثم يعمل شيئا من البر فيدخله شبه العجب ~~به، فقال: " هو في حالة الأولى وهو خائف أحسن حالا منه في حال عجبه ". وقال ~~عليه السلام: " إن عيسى بن مريم عليهما السلام كان من شرائعه المسيح في ~~البلاد، فخرج في بعض سيحه ومعه رجل من أصحابه قصير، وكان كثير اللزوم ~~لعيسى، فلما إنتهى عيسى إلى البحر قال: بسم الله، بصحة يقين منه، فمشى على ~~ظهر الماء. فقال الرجل القصير حين نظر إلى عيسى ms230 جازه: بسم الله، بصحة يقين ~~منه، فمشى على الماء، ولحق بعيسى - صلى الله عليه -، فدخله العجب بنفسه ~~فقال: هذا عيسى روح الله يمشي على الماء وأنا أمشي على الماء، فما فضله ~~علي؟ قال: فرمس في الماء، فاستغاث بعيسى (ع)، فتناوله # PageV01P285 # من الماء فأخرجه، ثم قال له: ما قلت يا قصير؟! قال قلت: هذا روح الله ~~يمشي على الماء وأنا أمشي، فدخلني من ذلك عجب، فقال له عيسى: لقد وضعت نفسك ~~في غير الموضع الذي وضعك الله، فمقتك الله على ما قلت، فتب إلى الله عز وجل ~~مما قلت، قال: فتاب الرجل، وعاد إلى مرتبته التي وضعه الله فيها " (49). # فصل آفات العجب العجب آفاته كثيرة: (منها) الكبر لأنه أحد أسبابه - كما ~~يأتي - (ومنها) إنه يدعو إلى نسيان الذنوب وإهمالها، فلا يتذكر شيئا منها، ~~وإن تذكر بعضا منها يستصغرها ولا يستعظمها، فلا يجتهد في تداركها وتلافيها، ~~بل يظن أنها تغفر له. وأما العبادات، فيستعظمها ويتبجح بها ويمن على الله ~~بفعلها، وينسى نعمة الله عليه بالتوفيق والتمكين منها، وإذا أعجب بها عمي ~~عن آفاتها. ومن لم يتفقد آفات الأعمال ضل سعيه، إذ الأعمال الظاهرة إذا لم ~~تكن خالصة نقية عن الشوائب فلما تنفع، وإنما يتفقد الخائف المشفق دون ~~المعجب، لأنه يغتر بنفسه وبرأيه ويأمن مكر الله وعذابه، ويظن أنه عند الله ~~بمكان، وإن له عند الله حقا بأعماله التي هي من عطاياه تعالى ونعمه وربما ~~يخرجه العجب إلى تزكية نفسه والثناء عليها. وإن أعجب برأيه وعقله وعلمه ~~منعه ذلك من السؤال والاستفادة والاستشارة، فيستبد بنفسه ورأيه ويستنكف عن ~~سؤال الأعلم، وربما يعجب بالرأي الخطأ الذي خطر له، فيفرح بكونه من خواطره ~~ولا يعتني بخواطر غيره بعين الاستحقار والاستجهال فإن كان رأيه الفاسق ~~متعلقا بأمر دنيوي أضره وفضحه، وإن كان متعلقا بأمر ديني - (لا) سيما في ~~أصول العقائد - أضله وأهلكه. ولو اتهم نفسه ولم يثق برأيه، واستعان بعلماء ~~الدين وسؤال أهل البصيرة، لكان خيرا له وأحسن، وموصلا له إلى الحق المتيقن. ~~ومن آفاته أنه ms231 يفتر في الجد والسعي، لظنه أنه قد استغنى وفاز بما ينجيه، ~~وهو الهلاك الصريح الذي # PageV01P286 # لا شبهة فيه. # فصل (علاج العجب إجمالا وتفصيلا) إعلم أن للعجب علاجين: إجماليا وتفصيليا ~~(50): # أما العلاج الإجمالي - فهو أن يعرف ربه، وأنه لا تليق العظمة والعزة إلا ~~به، وأن يعرف نفسه حق المعرفة، ليعلم أنه بذاته أذل من كل ذليل وأقل من كل ~~قليل، ولا تليق به إلا الذلة والمهانة والمسكنة، فما له والعجب واستعظام ~~نفسه، فإنه لا ريب في كونه ممكنا، وكل ممكن في ذاته صرف العدم ومحض اللاشئ، ~~كما ثبت في الحكمة المتعالية، ووجوده وتحققه وكماله وآثاره جميعا من الواجب ~~الحق، فالعظمة والكبرياء إنما تليق بمفيض وجوده وكمالاته، لا لذاته التي هي ~~صرف العدم ومحض الليس، فإن شاء أن يستعظم شيئا ويفتخر به فليستعظم ربه وبه ~~افتخر، ويستحقر نفسه غاية الاستحقار وحتى يراها صرف العدم ومحض اللاشئ. ~~وهذا المعنى يشترك فيه كل ممكن كائنا من كان. # وأما المهانة والذلة التي تخص هذا المعجب وبني نوعه، فكون أوله نطفة قذرة ~~وآخره جيفة عفنة، وكونه ما بين ذلك حمال نجاسات منتنة، وقد مر على ممر ~~البول ثلاث مرات. وتكفيه آية واحدة من كتاب الله تعالى لو كان له بصيرة، ~~وهي قوله تعالى: # " قتل الإنسان ما أكفره. من أي شئ خلقه. من نطفة خلقه فقدره. # ثم السبيل يسره. ثم أماته فأقبره. ثم إذا شاء أنشره " (51). # فقد أشارت الآية إلى أنه كان أولا في كتم العدم غير المتناهي، ثم خلقه من ~~أقذر الأشياء الذي هو نطفة مهينة، ثم أماته وجعله جيفة منتنة خبيثة. # وأي شئ أخس وأرذل ممن بدايته محض العدم، وخلقته من أنتن الأشياء وأقذرها، ~~ونهايته الفناء وصيرورته جيفة خبيثة. وهو ما بين المبدأ والمنتهى عاجز ~~ذليل، لم يفرض إليه أمره، ولم يقدر على شئ لنفسه ولا # PageV01P287 # لغيره، إذ سلطت عليه الأمراض الهائلة، والأسقام العظيمة، والآفات ~~المختلفة والطبائع المتضادة، من المرة والدم والريح والبلغم، فيهدم بعض ~~أجزائه بعضا، شاء أم أبى، رضي أم سخط، فيجوع كرها، ms232 ويعطش كرها، ويمرض كرها، ~~ويموت كرها، لا يملك لنفسه نفعا وضرا ولا خيرا وشرا، يريد أن يعلم الشئ ~~فيجهله، ويريد أن يذكر الشئ فينساه، ويريد أن ينسى الشئ فلا ينساه، ويريد ~~أن ينصرف قلبه إلى ما يهمه فيجول في أودية الوساوس والأفكار بالاضطرار. فلا ~~يملك قلبه قلبه، ولا نفسه نفسه. # يشتهي الشئ وفيه هلاكه، ويكره الشئ وفيه حياته، يستلذ ما يهلكه ويرديه، ~~ويستبشع ما ينفعه وينجيه، ولا يأمن في لحظة من ليله أو نهاره أن يسلب سمعه ~~وبصره وعلمه وقدرته، وتفلج أعضاؤه، ويختلس عقله، وتخطف روحه، ويسلب جميع ما ~~يهواه في دنياه، وهو مضطر ذليل إن ترك فني، وإن خلي ما بقي، عبد مملوك، لا ~~يقدر على شئ من نفسه ولا من غيره. فأي شئ أذل منه لو عرف نفسه؟ وأنى يليق ~~العجب به لولا جهله؟. وهذا وسط أحواله. # وأما آخره، فهو الموت - كما عرفت - فيصير جيفة منتنة قذرة، ثم تضمحل ~~صورته، وتبلى أعضاؤه، وتنخر عظامه، وتتفتت أجزاؤه، فيصير رميما رفاتا، ثم ~~يصير روثا في أجواف الديدان، يهرب منه الحيوان، ويستقذره كل إنسان، وأحسن ~~أحواله أن يعود إلى ما كان، فيصير ترابا تعمل منه الكيزان، ويعمر منه ~~البنيان، فما أحسنه لو ترك ترابا، بل يحيى بعد طول البلى ليقاسي شدائد ~~البلا، فيخرج من قبره بعد جمع أجزائه المتفرقة، ويساق إلى عرصات القيامة، ~~فيرى سماء مشققة، وأرضا مبدلة، وجبالا مسيرة، ونجوما منكدرة، وشمسا منكسفة، ~~وجحيما مسعرة، وجنة مزينة، وموازين منصوبة، وصحائف منشورة، فإذا هو في معرض ~~المؤاخذة والحساب عليه ملائكة غلاظ شداد، فيعطى كتابه إما بيمينه أو شماله، ~~فيرى فيه جميع أعماله وأفعاله، من قليل وكثير ونقير وقطمير. فإن غلبت ~~سيئاته على حسناته وكان مستحقا للعذاب والنار، تمنى أن يكون كلبا أو ~~خنزيرا، لصير مع البهائم ترابا ولا يلقى عقابا ولا عذابا. ولا ريب في أن ~~PageV01P288 # الكلب والخنزير أحسن وأطيب ممن عصى ربه القهار ويعذب في النار، إذ أولهما ~~وآخرهما التراب، وهو بمعزل عن العقاب والعذاب، والكلب والخنزير لا يهرب ~~منهما ms233 الخلق، ولو رأى أهل الدنيا من يعذب في النار لصعقوا من وحشة خلقته ~~وقبح صورته. ولو وجدوا ريحه لماتوا من نتنه، ولو وقعت قطرة من شرابه الذي ~~يسقاه في بحار الدنيا صارت أنتن من الجيفة المنتنة. # فما لمن هذه حاله والعجب واستعظام نفسه! وما أغفله من التدبر في أحوال ~~يومه وأمسه! ولو لم يدركه العذاب ولم يؤمر به النار فإنما ذلك للعفو، لأنه ~~ما من عبد إلا وقد أذنب ذنبا، وكل من أذنب ذنبا استحق عقوبة، فلو لم يعاقب ~~فإنما ذلك للعفو. ولا ريب في أن العفو ليس يقينا بل هو مشكوك فيه، فمن ~~استحق عقوبة ولا يدري أيعفى عنها أم لا، يجب أن يكون أبدا محزونا خائفا ~~ذليلا، فكيف يستعظم نفسه ويلحقه العجب، ألا ترى أن من جنى على بعض الملوك ~~بما استحق به ألف سوط مثلا، فأخذ وحبس في السجن. وهو منتظر أن يخرج إلى ~~العرض وتقام عليه العقوبة على ملأ من الخلق، وليس يدري أيعفى عنه أم لا، ~~كيف يكون ذله في السجن؟ أفترى إنه مع هذه الحالة يكون معجبا بنفسه؟! ولا ~~أظنك أن تظن ذلك. فما من عبد مذنب، ولو أذنب ذنبا واحدا، إلا وقد استحق ~~عقوبة من الله، والدنيا سجنه، ولا يدري كيف يكون أمره، فيكفيه ذلك خوفا ~~ومهانة وذلة. فلا يجوز له أن يعجب ويستعظم نفسه. # هذا هو العلاج الإجمالي للعجب. # وأما التفصيلي - فهو أن يقطع أسبابه - أعني ما به العجب - وهي العلم، ~~والمعرفة، والعبادة، والطاعة، وغير ذلك من الكمالات النفسية، كالورع، ~~والشجاعة، والسخاوة، والنسب، والحسب، والجمال، والمال والقوة، والبطش، ~~والجاه، والاقتدار، وكثرة الأعوان والأنصار، والكياسة، والتفطن لدقائق ~~الأمور، والرأي الخطأ. # أما (العجب بالعلم): فعلاجه أن يعلم أن العالم الحقيقي هو الذي يعرف نفسه ~~وخطر الخاتمة، وإن من تليق به العظمة والعزة والكبرياء هو الله PageV01P289 # سبحانه، وما عداه هالك الهوية والذات فاقد الكمال والصفات. وهذا العلم ~~يزيد الخوف والذلة والمهانة والمسكنة، والاعتراف بالقصور والتقصير في أداء ~~حقوق الله، والشكر بإزاء نعمه، ولذا قيل: " من ms234 ازداد علما ازداد وجعا ". ~~فالعلم الذي لا يوجب ذلك ويورث العجب، إما ليس علما حقيقيا بل هو من العلوم ~~الدنيوية التي ينبغي أن تسمى صناعات لا علوم، إذ صاحبه خاض فيه وهو خبيث ~~النفس ردئ الأخلاق لم يهذب نفسه أولا ولم يزكها بالمجاهدات ولم يرضها في ~~عبادة ربه، فيبقى خبيث الجوهر، فإذا خاض في العلم وإن كان علما حقيقيا صادف ~~من قلبه منزلا خبيثا، فلم يطب ثمره ولم يظهر في الخبر أثره، فإن العلم مثله ~~مثل الغيث ينزل من السماء عذبا صافيا، فإذا شربته الأشجار والنباتات ازداد ~~المر مرارة والحلو حلاوة كذلك العلم إذا صادف القلوب ازداد القلب المظلم ~~الخبيث ظلمة وخباثة. # والطيب الصافي طيبا وصفاء. # وإذا علم ذلك، يعرف أنه لا ينبغي العجب بالعلم، ويجب أيضا أن يعلم أنه ~~إذا أعجب بنفسه صار ممقوتا عند الله مبغوضا لديه، لما تقدم من الأخبار، وقد ~~أحب الله منه الذلة والحقارة عند نفسه. وقال بواسطة سفرائه " إن لك عندي ~~قدرا ما لم تر لنفسك قدرا، فإن رأيت لنفسك قدرا فلا قدر لك عندي " (52). ~~وقال: " صغروا أنفسكم ليعظم عندي محلكم ". # فلا بد أن يكلف نفسه ما يحب مولاه، وأن يعلم أن حجة الله على أهل العلم ~~أوكد، وإنه يتحمل من الجاهل ما لا يتحمل عشره من العالم، لأن العالم إذا زل ~~زل بزلته كثير من الناس، ولأن من عصى الله عن علم ومعرفة كانت جنايته أفحش، ~~إذ لم يقض حق نعمة الله عليه في العلم، ولذلك قال رسول الله (ص): " يؤتى ~~بالعالم يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه فيدور بها كما يدور ~~الحمار بالرحى، فيطيف به أهل النار، فيقولون: ما لك؟ فيقول: كنت آمر بالخير ~~ولا آتيه وأنهى عن الشر وآتيه "، وقد # PageV01P290 # مثل الله تعالى علماء (اليهود) بالحمار (53)، وبلعلم بن باعوراء بالكلب ~~(54) لعدم عملهم بما علموه. وقال رسول الله (ص): " يكون قوم يقرون القرآن ~~لا يجاوز حناجرهم، يقولون قد قرأنا القرآن فمن أقرأ منا ومن أعلم منا "، ثم ~~التفت إلى أصحابه فقال: ms235 " أولئك منكم أيها الأمة، أولئك هو وقود النار ". ~~وقال (ص): " إن أهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه، وإن أشد أهل ~~النار ندامة وحسرة رجل دعا عبدا إلى الله فاستجاب له وقبل منه، فأطاع الله ~~فأدخله الله الجنة، وأدخل الداعي النار بتركه علمه واتباعه الهوى وطول ~~الأمل " وقال روح الله (ع): " ويل لعلماء السوء (55) كيف تتلظى عليهم النار ~~". وقال الصادق عليه السلام: # " يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد ". # ولا ريب في أن كل عالم يأمر الناس بالتواضع وذل النفس وانكسارها، وينهاهم ~~عن العجب والكبر، وهو معجب متكبر، يكن من علماء السوء وممن لم يعمل بعلمه، ~~فيكون داخلا تحت هذه الأخبار. وأي عالم يتصور في أمثال هذه الأزمنة أن يجزم ~~بأنه عمل بجميع ما علم وأمر به، ولم يضع شيئا من أوامر ربه من الجنايات ~~الظاهرة والذنوب الباطنة، كالرياء والحسد والعجب والنفاق وغير ذلك؟ وكيف ~~يمكنه القطع بأنه امتثل ما أمر به من التكاليف العامة والخاصة به؟ فخطره ~~أعظم من خطر غيره، كيف وقد روي: # " إن حذيفة صلى بقوم، فلما سلم قال: لتلتمسن إماما غيري أو لتصلن وحدانا، ~~فإني رأيت في نفسي أنه ليس في القوم أفضل مني ". فإذا كان مثله لا يسلم، ~~فكيف يسلم الضعفاء، من متأخري هذه الأمة، فما أعز على بسيط الأرض في هذه ~~الأعصار علماء الآخرة الذين أقبلوا على شأنهم، # PageV01P291 # واستوحشوا من أوثق إخوانهم، وشغلهم عظيم الأمر عن الالتفات إلى الدنيا ~~وزهرتها، وأزعجهم خوف الرحمن من مضاجعهم في حنادس الليالي وظلمتها ولا ~~يشتهون من نعيم الدنيا حارا ولا باردا، وصارت همومهم هما واحدا، هيهات! ~~فأنى يسمح آخر الزمان بمثلهم، فهم أرباب الإقبال وأصحاب الدول وقد انقرضوا ~~في القرون الأول، بل يعز أن يوجد في زماننا هذا عالم لا تكون له استطالة ~~وخيلاء، ولم يكن متكبرا على الفقراء، ومتواضعا للأغنياء. # فينبغي لكل عالم أن يتفكر في أحواله وأعماله وما أريد منه، وفي عظم خطره ~~حتى تنكسر نفسه، ويظهر خوفه وحزنه ويبطل كبره وعجبه. ms236 # وأما (العجب بالعبادة والطاعة) فعلاجه أن يعلم أن الغرض من العبادة هو ~~إظهار الذل والانكسار، وصيرورتهما ملكة للنفس ليحصل له معنى العبودية ~~وحقيقتها، فالعجب لمنافاته الغرض المقصود منها يبطلها، وبعد بطلانها فلا ~~معنى للعجب بها. وأيضا آفات العبادة الموجبة لحبطها كثيرة، وكذلك شرائطها ~~وآدابها التي لا يصح بدونها كثرة، فيمكن أن تدخلها بعض الآفات أو تفقد عنها ~~بعض الشرائط والآداب، فلا تكون مقبولة عند الله، ومع إمكان ردها وعدم ~~قبولها كيف يعجب العاقل بها؟ ومن يمكنه القطع بسلامة طاعاته وعباداته عن ~~جميع الآفات؟ ومن قطع بذلك فهو في غاية الجهل بحقائق الأمور، على أن فائدة ~~العبادة إنما هو إذا كان عند الله سعيدا، ومن جوز أن يكون عند الله شقيا، ~~وقد سبق القضاء الإلهي بشقوته، فأي نفع يتصور لعبادته حتى يعجب بها؟ ولا ~~ريب في أنه لا يخلو عبد عن هذا التجويز، فما لأحد إلى العجب والتكبر في حال ~~من الأحوال سبيل. # وأما (العجب بالورع، والتقوى، والصبر، والشكر، والسخاوة، والشجاعة، ~~وغيرها من الفضائل النفسية): فعلاجه أن يعلم أن هذه الفضائل إنما تكون ~~نافعة ومنجية إذا لم يدخلها العجب، وإذا دخلها العجب أبطلها وأفسدها، فما ~~للعاقل أن يرتكب رذيلة تضيع ماله من الفضائل، وأنى له لا يظهر الذلة ~~والتواضع في نفسه حتى يزيد فضيلة على فضائلها، ويختم لأجلها الجميع بالخير، ~~وتصير عاقبته محمودة، وتكون مساعيه مقبولة مشكورة. وينبغي أن يعلم أن كل ~~واحد من الفضائل التي يثبتها PageV01P292 # لنفسه موجودة مع الزيادة في كثير من بني نوعه، وإذا علم اشتراك الناس معه ~~في هذه الفضيلة زال إعجابه بها. وقد نقل أن واحدا من مشاهير الشجعان إذا ~~قابل خصمه أصفر لونه وارتعدت فرائصه واضطرب قلبه، فقيل له: ما هذه الحالة ~~وأنت أشجع الناس وأقواهم؟ فقال: إني لم أمتحن خصمي، فلعله أشجع مني. وأيضا ~~النصر والغلبة وحسن العاقبة مع الذلة والمسكنة، لامع الاعجاب بالقوة ~~والشجاعة، فإن الله عند المنكسرة قلوبهم. # ومن المعالجات النافعة للعجب بكل واحد من الصفات الكمالية: أن يقابل سببه ~~بضده، إذ ms237 علاج كل علة بمقابلة سببها بضده، ولما كانت علة العجب هو الجهل ~~المحض، فعلاجه المعرفة المضادة له، فنقول: # الكمال الذي به يعجب إما أن يكون يعجب به من حيث أنه فيه وهو محله ~~ومجراه، أو من حيث أنه نشأ منه وحصل بسببه وقوته وقدرته. # فإن كان (الأول)، فهو محض الجهل، لأن المحل مسخر، وإنما يجري ما يجري فيه ~~وعليه من جهة غيره، ولا مدخل له في الايجاد والتحصيل، فكيف يعجب بما ليس ~~له، وإن كان (الثاني)، فينبغي أن يتأمل في قدرته وإرادته وأعضائه، وسائر ~~الأسباب التي بها يتم كماله وعمله، إنها من أين كانت له: فإن كان علم أن ~~جميع ذلك نعمة من الله إليه من غير حق سبق له، فينبغي أن يكون إعجابه بجود ~~الله تعالى وكرمه وفضله، إذ أفاض عليه ما لا يستحقه، وآثره به على غيره من ~~غير سابقة ووسيلة، فإن ظن أنه تعالى وفقه لهذا العمل لاتصافه ببعض الصفات ~~الباطنة المحمودة، كحبه له تعالى أو مثله، فيقال له: الحب والعمل كلاهما ~~نعمتان من عنده، ابتدأك بهما من غير استحقاق من جهتك، إذ لا وسيلة لك ولا ~~علاقة، فليكن الاعجاب بجوده، إذ أنعم بوجودك وبوجود صفاتك وأعمالك وأسباب ~~أعمالك. # فإذن لا معنى لعجب العالم بعلمه، وعجب العابد بعبادته، وعجب الشجاع ~~بشجاعته، وعجب الجميل بجماله، وعجب الغني بماله، لأن كل ذلك من فضل الله، ~~وإنما هو محل لفيضان فضل الله وجوده. والمحل أيضا من فضله وجوده، فإنه هو ~~الذي خلقك، وخلق أعضاءك وخلق فيها القوة والقدرة والصحة، وخلق لك العقل ~~والعلم والإرادة، ولو أردت أن تنفي ج: 1 PageV01P293 # شيئا من ذلك لم تقدر عليه، ثم خلق الحركات في أعضائك مستبدا باختراعها من ~~غير مشاركة لك معه في الاختراع، إلا أنه خلقها على ترتيب، فلم يخلق الحركة ~~ما لم يخلق في العضو قوة وفي القب إرادة، ولم يخلق العلم ما لم يخلق القلب ~~الذي هو محله، فتدريجه في الخلق شيئا بعد شئ هو الذي خيل إليك أنك مستقل ~~بإيجاد ms238 عملك، وقد غلطت، فإن تحريك البواعث وصرف العوائق، وتهيئة الأسباب، ~~كلها من الله، ليس شئ منها إليك. # ومن العجائب أن تعجب بنفسك، ولا تعجب بمن إليه الأمر كله، ولا تعجب بجوده ~~وكرمه، وفضله في إيثاره إياك على الفساق من عباده، إذ مكنهم من أسباب ~~الشهوات واللذات، وزواها عنك، وصرف عنهم بواعث الخير وهيأها لك، حتى يتيسر ~~لك الخير من غير وسيلة سابقة منك. # روي: " أن أيوب عليه السلام قال: (إلهي إنك ابتليتني بهذا البلاء، وما ~~ورد علي أمر إلا آثرت هواك على هواي)، فنودي من غمامة بعشرة آلاف صوت: يا ~~أيوب! أنى لك ذلك؟ قال: فأخذ رمادا فوضعه على رأسه، وقال: منك يا رب! فرجع ~~عن نسيانه، وأضاف ذلك إلى الله تعالى، ولذلك قال الله تعالى: # " ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا " (56). # وقال النبي (ص): " ما منكم من أحد ينجيه عمله "، قالوا: ولا أنت يا رسول ~~الله! قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ". # (فإن قيل): ما ذكرت من استناد الصفات والأفعال ومحلها جميعا إلى الله ~~تعالى، يؤدي إلى الجبر ونفي التكليف، وبطلان الثواب والعقاب، (قلنا): هذا ~~فرع باب مسألة يتعلق بعلم آخر، ولا يليق بيانها هنا (57). # ونحن لم نسلب القدرة والاختيار عن العبد بالكلية في متعلق التكليف - أعني ~~أفعاله العرضية - بل نفينا استقلاله فيها. نعم، في غيرها من المحال ~~والأسباب والصفات اللازمة، والتوفيق، وتحريك البواعث، وصرف الموانع، لا ~~قدرة له فيها أصلا، ولا يلزم منه فساد. # PageV01P294 # وأما (العجب بالحسب والنسب): فعلاجه يتم بمعرفة أمور: # الأول - أن يعلم أن التعزز بكمال الغير غاية السفاهة والجهل، فإنه لو كان ~~خسيسا في صفات ذاته، فمن أين يجير خسته كمال غيره، ولو كان أباه أوجده، بل ~~لو كان يعجب به بالانتساب حيا لكان له أن يقول الفضل لي لا لك وأنت دودة ~~خلقت من فضلتي، أفترى أن الدودة التي خلقت من فضلة الإنسان أشرف من الدودة ~~التي خلقت من فضلة حمار؟! # هيهات! فإنهما متساويان في الخسة، إن ms239 الشرف للانسان لا للدودة، ولذا قال ~~أمير المؤمنين عليه السلام: # أنا ابن نفسي وكنيتي أدبي * من عجم كنت أو من العرب إن الفتى من يقول ها ~~أنذا * ليس الفتى من يقول كان أبي وقيل: # لئن فخرت بآباء ذوي شرف * لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا وقد روي: " إن أبا ~~ذر قال بحضرة النبي (ص) لرجل: (يا ابن السوداء!)، فقال النبي (ص): " يا أبا ~~ذر! طف الصاع طف الصاع، ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل ". فاضطجع ~~أبو ذر وقال للرجل: # قم فطأ على خدي ". وروي: " إن بلالا لما أذن يوم الفتح على الكعبة قال ~~جماعة: هذا العبد الأسود يؤذن! فنزل قوله تعالى: # " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل ~~لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم " (58). # وقال رسول الله (ص): " إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية - أي كبرها - ~~كلكم بنو آدم وآدم من تراب ". ونقل: أن واحدا من رؤساء اليونان افتخر على ~~غلام، فقال له: إن كان منشأ افتخارك آباؤك فالتفوق لهم لا لك، وإن كان ~~لباسك فالشرافة له دونك، وإن كان مركوب فالفضيلة له لا لك، فليس لك شئ يصلح ~~للعجب والمفاخرة. ولذا قال متمم مكارم الأخلاق (ص): " لا تأتوني بأنسابكم ~~وائتوني بأعمالكم ". # الثاني - أن يعرف نسبه الحقيقي، قال أباه القريب نطفة قذرة، # PageV01P295 # وجده البعيد تراب ذليل، وقد عرفه الله نسبه فقال: # " وبدأ خلق الإنسان من طين. ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين " (59). # والأصل الذي يوطأ بالأقدام أو تغسل منه الأجسام أي رفعه يكون لفرعه! # الثالث - أن يعلم إن من يعجب بهم بالانتساب من أسلافه، إن كانوا من أهل ~~الديانة والخصال المرضية والشرافة الحقيقية، فظاهر أنه ما كان من أخلاقهم ~~العجب، بل الذلة والإزراء على النفس ومذمتها واستعظام الخلق، فإن اقتدى بهم ~~في أخلاقهم فلا يليق به العجب والتعزز، وإلا كان طاعنا في نسبه بلسان حاله. ~~وإن لم يكونوا من أهل الديانة الواقعية والشرافة العلمية والعملية بل كان ~~لهم مجرد شوكة ظاهرية، كالسلاطين ms240 الظلمة وأعوانهم، فأف لمن يفتخر بهم ويعجب ~~بنفسه لأجلهم! إذ الانتساب إلى الكلاب والخنازير أحسن من الانتساب إليهم، ~~كيف وإنهم ممقوتون عند الله معذبون في النار، بحيث لو نظر إلى صورهم في ~~النار وما لحقهم فيها من النتن والقذارة، لاستنكف منهم وتبرأ من الانتساب ~~إليهم. ولذلك قال (ص): " ليدعن قوم الفخر بآبائهم وقد صاروا فحما في جهنم، ~~أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدوف بآنافهم القذر " وروي: أنه ~~افتخر رجلان عند موسى (ع)، فقال أحدهما: أنا فلان بن فلان، حتى عد تسعة، ~~فأوحى الله تعالى إلى موسى: " قل للذي افتخر: بل التسعة من أهل النار وأنت ~~عاشرهم! ". # وأما (العجب بالجمال): فعلاجه أن يعلم أنه في معرض الزوال بالعلل والآلام ~~والأمراض والأسقام، وأي عاقل يعجب بشئ تزيله حمى يوم أو قرحة أو جدري! # بر مال وجمال خويشتن غره مشو كآن را بشبى برند وأين رابه تبى (60) ولو لم ~~يرتفع بها، فهل يشك عاقل زواله بذهاب الشباب ومجئ الشيب وبالموت الذي لا بد ~~أن تذوقه كل نفس؟ فانظر إلى الوجوه الجميلة والأبدان الناعمة، كيف تمزقت في ~~التراب وأنتنت في القبور، بحيث استقذرتها الطباع. # على أنه لو نظر نظر العقلاء في باطنه عند اتصافه بغاية جماله، لرأى # PageV01P296 # من الفضائح ما يكدر عليه العجب والتعزز به، فإنه وكلت إليه (61) الأقذار ~~في جميع أجزائه: (البصاق) في فمه،، (والمخاط) في أنفه، (والوسخ) في أذنه، ~~(والنتن) تحت إبطه، (والصديد) تحت بشرته، (والفضلات) في معدته، (والرجيع) ~~في أمعائه، (والديدان) في أحشائه، (والبول) في مثانته (والصفراء) في ~~مرارته، يتردد إلى الخلاء كل يوم مرتين، ويغسل الغائط كل يوم بيده مرتين، ~~يخرج من باطنه ما لو رآه بعينه لاستقذره فضلا أن يمسه أو يشمه. وفي أول ~~أمره خلق من الأقذار الشنيعة الصور: من النطفة ودم الحيض، وخرج عن مجاري ~~الأقذار. أعني الصلب والذكر والرحم والفرج. ولو ترك نفسه في حياته يوما لم ~~يتعهده بالغسل والتنظيف، لثارت منه الأنتان والأقذار، وصار أقذر وأنتن من ~~الدواب المهملة. هذا أوله ووسطه، ms241 وسيموت فيصير جيفة أقذر من سائر الأقذار. ~~فما للعاقل أن يعجب ويتعزز بهيئة حاصلة لبدن هذه حقيقته! # وأما (العجب بالمال): فهو عجب بأمر خارج عن ذات الإنسان، فهو أقبح أنواع ~~العجب. وعلاجه أن يتفكر في آفات المال، وكونه في معرض الفناء والزوال، من ~~الغضب والنهب والحرق والغرق، وغير ذلك من الآفات السماوية والأرضية، ويتذكر ~~أن في اليهود والهندو من يزيد عليه في المال واف لشرف يسبقه اليهود ~~والهندو! واف لشرف يأخذه السارق في لحظة فيعود صاحبه ذليلا مفلسا!! ويتذكر ~~ما ورد في ذم المال وحقارة الأغنياء، وفي فضيلة الفقر وشرافة الفقراء، ~~وسبقهم إلى الجنة في القيامة، وما ورد في عقوبة المعجب بالمال بخصوصه، ~~كقوله (ص): " بينما رجل يتبختر في حلة له قد أعجبته نفسه، إذ أمر الله ~~الأرض فأخذته، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة " (62)، أشار به إلى عقوبة ~~إعجابه بماله ونفسه. وكيف يتصور المؤمن العاقل أن يعجب بالمال ويفرح به، مع ~~كثرة حقوقه وعظم غوائله، وإيجابه المؤاخذة وطول المحاسبة في القيامة، ~~والعقوبة والنكال إن كان حراما، وانحطاط المرتبة والدرجة إن كان حلالا، بل ~~ينبغي له ألا يخلو ساعة عن الخوف من تقصيره، في القيام بحقوقه، وأخذه من ~~حله، # PageV01P297 # ووضعه في حقه. # وأما (العجب بالقوة وشدة البطش): فعلاجه أن يتذكر ما سلط عليه من العلل ~~والأمراض، وإن حمى يوم تضعف قوته ويتحلل منها ما لا ينجبر في مدة، وإنه لو ~~وجع عرق واحد من بدنه صار أعجز من كل عاجز وأذل من كل ذليل، وإنه لو سلبه ~~الذباب شيئا لم يستنقذه منه، وإن بقة لو دخلت في أنفه أو نملة دخلت في أذنه ~~لقتلته، وإن شوكة لو دخلت في رجله لأعجزته. ثم أقوى إنسان لا يكون أقوى من ~~حمار أو جمل أو فيل أو بقر، وأي عجب وافتخار في صفة يسبقه البهائم فيها، ~~هذا مع أن الغالب أن من يعجب بقوته يسلبها الله تعالى عنه بأدنى آفة يسلطها ~~عليه. # وأما (العجب بالجاه، والمنصب، وولاية السلاطين، وكثرة الأتباع والأنصار: ~~من الأولاد ms242 والأقارب والقبائل والعشائر والخدم والغلمان): # فعلاجه أن يعلم أن كل ذلك في معرض الانقطاع، وعن قريب يقع بينه وبينها ~~المفارقة، إما بفنائه وموته أو بفنائها وهلاكها، بل العاقل يجدها كسراب ~~بقيعة، وإنما هي خيالات تظن شيئا وليست بشئ، وستفترق عنه إذا مات ودفن في ~~قبره ذليلا مهينا وحده، لا يرافقه أهل وأولاد ولا أعوان وأتباع، فيسلمونه ~~إلى البلاء وإلى العقارب والحيات والديدان، ولا يغنون عنه شيئا وهو في أحوج ~~أوقاته إليهم، وكيف يعجب العاقل بمن يفارقه في أشد أحواله! # على أنهم في الدنيا يتبعونه ما دام يحصل منه ما يشتهونه من البذل ~~والإعطاء، فلا بد له من إيقاع نفسه في المهالك وتعرضه لسخط الله وعقوبته، ~~لتحصيل الأموال من الوجوه المحرمة وصرفها إليهم، ليستمروا على متابعته ~~وإعانته، ولو نقص شئ مما يتمنونه تعرضوا لمقته وعداوته، فضلا عن بقائهم على ~~حمايته وإطاعته. ثم المعجب بتمكين السلطان وولايته بناء أمره على قلب هو ~~أشد غليانا من القدر، إذ لو تغير عليه كان أذل الخلق. # وأما (العجب بالعقل والكياسة والتفطن لدقائق الأمور): فعلاجه أن يعلم أن ~~ذلك يزول عنه بأدنى مرض يصيب دماغه، وربما زال عقله دفعة. # مع أنه إن كان في الواقع فطنا كيسا في الأمور يلزم عليه أن يشكر الله ~~تعالى PageV01P298 # على ذلك، ويستصغر (63) عقله وفطانته، ليبقي الله تعالى عليه تلك النعمة، ~~ولا يسلبها عنه لأجل عجبه. # وأما (العجب بالرأي الخطأ الذي يزين له بجهله): فهو أقبح أنواع العجب، إذ ~~جميع أهل البدع والضلال والفرق الذين اختاروا مذاهب باطلة وآراء فاسدة إنما ~~أصروا عليها لعجبهم بها، ولذا يفتخرون بمذاهبهم على غيرهم، وبذلك هلكت ~~الأمم إذا افترقت فرقا، وكل معجب برأيه، و: # " كل حزب بما لديهم فرحون " (64). # فكل من استحسن ما يسوقه الهوى والشبهة - مع ظن كونه حقا - يكون له هذا ~~العجب، وقد أخبر رسول الله (ص): " إن ذلك يغلب على آخر هذه الأمة ". وعلاجه ~~أشد من علاج غيره، لأن صاحب الرأي الخطأ جاهل بخطأه، ولو عرفه لتركه. ولا ~~يعالج الداء الذي لا ms243 يعرف، إذ العارف يقدر على أن يبين للجاهل جهله ويزيله ~~عنه إذا لم يكن معجبا برأيه وجهله، وإذا كان معجبا به يتهمه ولا يصغي إليه ~~حتى يعالجه، فقد سلطت عليه بلية تهلكه وهو يظن أنها نعمة. وكيف يطلب الهرب ~~مما يعتقد أنه سبب سعادته! وإنما علاجه في الجملة أن يكون متهما لرأيه لا ~~يغتر به، لا أن يشهد له قاطع عقلي أو نقلي لا يعتريه ريب وشبهة. # ومعرفة أدلة الشرع والعقل وشروطها ومكان الغلط فيها موقوفة على عقل ثابت، ~~وقريحة تامة مستقيمة، مع جد وتشمير في الطلب، وممارسة الكتاب والسنة، ~~ومجالسة أهل العلم، ومدارسة العلوم طول العمر، ومع ذلك لا يؤمن عليه الغلط، ~~فالصواب للكل - إلا من أيده الله بقوة قدسية يتمكن بها من الخوض في غمرات ~~العلوم - ألا يخوض في المذاهب الباطلة ولا يصغي إليها، ويتبع أهل الوحي ~~فيما جاؤوا به من عند الله في الأصول والفروع. # وصل (انكسار النفس) ضد العجب انكسار النفس واستحقارها وكونها في نظره ~~ذليلة مهينة. # PageV01P299 # وكما أن العجب مجرد استعظام النفس من دون اعتبار استصغار الغير معه، فكذا ~~ضده مجرد استحقار النفس من دون اشتراط إعظام الغير معه، إذ الأول مع اعتبار ~~الثاني تكبر، والثالث مع اشتراط الرابع تواضع، وهما ضدان. # ثم لا ريب في فوائد انكسار النفس واستصغارها، وكل من بلغ مرتبة عظيمة ~~فإنما بلغ بهذه الصفة، لأن الله تعالى عند المنكسرة قلوبهم، وقال رسول الله ~~(ص): " ما من أحد إلا ومعه ملكان وعليه حكمة (65) يمسكانها، فإن هو رقع ~~نفسه جبذاها (66) ثم قالا: اللهم ضعه، وإن وضع نفسه قالا: اللهم ارفعه " ~~(67). وروي: " أنه أوحى الله تعالى إلى موسى (ع): أن يا موسى! أتدري لم ~~اصطفيتك بكلامي دون خلقي؟ قال: # يا رب! ولم ذلك؟ فأوحى الله تبارك وتعالى إليه: أني قلبت عبادي ظهرا ~~لبطن، فلم أجد فيهم أحدا أذل نفسا لي منك، يا موسى! إنك إذا صليت وضعت خدك ~~على التراب ". وروي: " أنه لما أوحى الله تعالى إلى الجبال أني واضع سفينة ~~نوح عبدي ms244 على جبل منكن، فتطاولت وشمخت، وتواضع الجودي، وهو جبل عندكم، ~~فضربت السفينة بجؤجؤها الجبل فقال نوح عند ذلك: (يا ماري أتقن) وهو ~~بالسريانية: رب اصلح " (68) ومنها: # الكبر وقد عرفت: إنه الركون إلى رؤية النفس فوق الغير، وبعبارة أوضح: # هو عزة وتعظيم يوجب رؤية النفس فوق الغير واعتقاده المزية والرجحان عليه، ~~فهو يستدعي متكبرا عليه. وبه ينفصل عن العجب، إذ العجب مجرد استعظام النفس ~~من دون اعتبار رؤيتها فوق الغير، فالعجب سبب الكبر والكبر من نتائجه. # ثم الكبر - أي العزة الموجبة لرؤية النفس فوق الغير - هو خلق الباطن ~~يقتضي أعمالا في الظاهر هي ثمراته، وتسمى تلك الأعمال الظاهرة # PageV01P300 # الصادرة منه تكبرا، ولذا من تعزز ورأى نفسه باطنا فوق الغير، من دون صدور ~~فعل على جوارحه، يقال له (كبر)، وإذا ظهرت الأعمال يقال له (تكبر). وهذه ~~الأعمال الظاهرة التي هي ثمرات خلق الكبر أفعال وأقوال توجب تحقير الغير ~~والإزراء به، كالترفع عن مواكلته ومجالسته، والاستنكاف عن مرافقته ~~ومصاحبته، وإبعاده عن نفسه، وإبائه عن الجلوس بجنبه، وانتظاره أن يسلم ~~عليه، وتوقعه أن يقوم ماثلا بين يديه. والاستنكاف من قبول وعظه، وتعنيفه في ~~إرشاده ونصحه، وتقدمه عليه في المحافل والطرقات وعدم الالتفات إليه في ~~المحاورات، وتوقع التقديم عليه في كل ما يدل على التعظيم عرفا. وبالجملة: ~~الأعمال الصادرة عن الكبر كثيرة، ولا حاجة إلى إحصائها، لكونها مشهورة ~~معروفة، ومن جملتها الاختيال في المشي وجر الثياب، إذ فاعلها يرى نفسه فوق ~~الأكثر ويقصد بهما استحقارهم، فهما يقتضيان متكبرا عليه، فيكونان من أنواع ~~التكبر، وما ورد في ذمهما يدل أيضا على ذمه، كما يأتي. وهذه الأفعال المعبر ~~عنها بالتكبر قد تصدر عن الحقد أو الحسد أو الرياء، وإن لم تكن في النفس ~~عزة وتعظم. # فصل (ذم الكبر) الكبر آفة عظيمة وغائلته هائلة، وبه هلك خواص الأنام فضلا ~~من غيرهم من العوام، وهو الحجاب الأعظم للوصول إلى أخلاق المؤمنين، إذ فيه ~~عز يمنع عن التواضع، وكظم الغيظ، وقبول النصح، والدوام على الصدق، وترك ~~الغضب والحقد والحسد والغيبة ms245 والإزراء بالناس، وغير ذلك. فما من خلق مذموم ~~إلا وصاحب الكبر مضطر إليه، ليحفظ به عزه، وما من خلق محمود إلا وهو عاجز ~~عنه. خوفا من فوات عزه. ولذا ورد في ذمه ما ورد من الآيات والأخبار، قال ~~الله سبحانه: # " كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار " (69). وقال: " سأصرف عن آياتي ~~الذين يتكبرون " (70). وقال: " والملائكة باسطوا أيديهم # PageV01P301 # أخرجوا أنفسكم... إلى قوله: وكنتم عن آياته تستكبرون " (71). وقال: # " ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين " (72). وقال: # " فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهو مستكبرون " (73). وقال: # " إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين " (74). وقال: # " إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه " (75). # وقال رسول الله (ص): " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل ~~من كبر " (76)، وقال: " من تعظم في نفسه واختال في مشيته، لقي الله وهو ~~عليه غضبان ". وقال (ص): " لا ينظر الله إلى رجل يجر أزاره بطرا ". وقال ~~(ص): " قال الله. الكبرياء ردائي والعظمة أزاري، فمن نازعني في واحد منهما ~~ألقيته في جهنم ". وقال (ص): # " لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين، فيصيبه ما أصابهم من ~~العذاب ". وقال (ص): يخرج من النار عنق له أذنان تسمعان وعينان تبصران ~~ولسان ينطق، يقول وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلها ~~آخر، وبالمصورين ". وقال: (ص): # " لا يدخل الجنة جبار، ولا بخيل، ولا سئ الملكة ". وقال (ص): # " ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم ولهم ~~عذاب أليم: شيخ زان، وملك جبار، ومقل مختال ". وقال (ص): " بئس العبد عبد ~~تجبر واعتدى ونسي الجبار الأعلى، بئس العبد عبد تبختر واختال ونسي الكبير ~~المتعال، وبئس العبد عبد غفل وسها ونسي المقابر والبلى، وبئس العبد عبد عتا ~~وبغي ونسي المبدأ والمنتهى ". وقال (ص): " ألا أخبركم بأهل النار: كل عتل ~~جواظ جعظري متكبر " (77). وقال (ص): # PageV01P302 # " إن أبغضكم إلينا وأبعدكم منا في الآخرة الثرثارون والمتشدقون ~~المتفيهقون ": # أي المتكبرون. وقال (ص): " يحشر المتكبرون يوم القيامة في ms246 مثل صور الذر، ~~تطأهم الناس ذرا في مثل صور الرجال، يعلوهم كل شئ من الصغار، ثم يساقون إلى ~~سجن في جهنم يقال له (يولس)، تعلوهم نار شر أنيار (78)، يسقون من طينة ~~الخبال وعصارة أهل النار. وقال (ص): # " يحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة في صور الذر تطأهم الناس لهوانهم ~~على الله تعالى "، وقال: " إن في جهنم واديا يقال له (هبهب)، حق على الله ~~أن يسكنه كل جبار "، وقال: " إن في النار قصرا يجعل فيه المتكبرون ويطبق ~~عليهم "، وقال: " إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمتهم (فارس) و (الروم) سلط الله ~~بعضهم على بعض "، والمطيطاء: مشية فيها اختيال. وقال عيسى بن مريم: " كما ~~أن الزرع يثبت في السهل ولا ينبت على الصفاء، كذلك الحكمة تعمر في قلب ~~المتواضع ولا تعمر في قلب المتكبر، ألا ترون أنه يتشمخ برأسه إلى السقف ~~شجه، ومن يطأطئ أظله وأكنه ". ولما حضرت نوحا الوفاة، دعا ابنيه فقال: " ~~إني آمركما باثنتين وأنهاكما عن اثنتين: أنهاكما عن الشرك والكبر وآمركما ~~بلا إله إلا الله وسبحان الله وبحمده ". وقال سليمان بن داود يوما للطير ~~والجن والإنس والبهائم: " أخرجوا، فخرجوا في مائتي ألف من الإنس ومائتي ألف ~~من الجن، فرفع حتى سمع زجل الملائكة بالتسبيح في السماوات، ثم خفض حتى مست ~~أقدامه البحر، فسمع صوتا يقول: لو كان في قلب صاحبكم مثقال ذرة من كبر ~~لخسفت به أبعد مما رفعته ". # وقال الباقر (ع): " الكبر رداء الله، والمتكبر ينازع الله رداءه "، وقال: ~~" العز رداء الله والكبر أزاره، فمن تناول شيئا منه أكبه الله في جهنم ". # وقال الصادق (ع): " إن في جهنم لواديا للمتكبرين يقال له (سقر) شكى إلى ~~الله شدة حره وسأله أن يأذن له يتنفس، فتنفس فأحرق جهنم ". وقال عليه ~~السلام: " إن المتكبرين يجعلون في صور الذر، يتوطأهم الناس حتى # PageV01P303 # يفرغ الله من الحساب ". وقال (ع): " ما من رجل تكبر أو تجبر إلا لذلة ~~وجدها في نفسه ". وقال (ع): " إن في السماء ملائكة موكلين بالعباد فمن ~~تواضع رفعاه، ومن تكبر وضعاه ". وقال (غ): ms247 " الجبار الملعون من غمض الناس ~~وجهل الحق "، قال الراوي: أما الحق فلا أجهله، والغمض لا أدري ما هو قال: " ~~من حقر الناس وتجبر عليهم فذلك الجبار ". وقال عليه السلام: " ما من عبد ~~إلا وفي رأسه حكمة وملك يمسكها، فإذا تكبر قال له: اتضع وضعك الله، فلا ~~يزال أعظم الناس في نفسه وأصغر الناس في أعين الناس، وإذا تواضع رفعها الله ~~- عز وجل - ثم قال له: انتعش نعشك الله، فلا يزال أصغر الناس في نفسه وأرفع ~~الناس في أعين الناس ". # فصل (التكبر على الله وعلى الناس) التكبر قد يكون على الله، كما كان ~~لنمرود وفرعون، وسببه الطغيان ومحض الجهل، وهو أفحش أنواع الكبر، إذ هو ~~أعظم أفراد الكفر، ولذا تكررت في ذمه الآيات، كقوله تعالى: # " إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين " (79). وقوله: # " ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فيحشرهم إليه جميعا " (80). وقوله تعالى: ~~" ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا " (81). وقوله: # " فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون " (82). # وقد يكون على الرسل من حيث تعزز النفس وترفعها عن انقيادهم، كما كان لمن ~~يقول: # " أهؤلاء من الله عليهم من بيننا " (83). ولمن يقول: " أنؤمن لبشرين ~~مثلنا " (84). " إن أنتم إلا بشر مثلنا " (85). " ولئن أطعتم بشرا مثلكم # PageV01P304 # إنكم إذا لخاسرون " (86). ولمن قال: " لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ~~ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا " (87). # وهذا في الشناعة قريب من التكبر على الله، وإن كان دونه. # وقد يكون على العباد بأن يستعظم نفسه ويستصغرهم، وهذا وإن كان دون ~~الأولين، إلا أنه من المهلكات العظيمة، من حيث أنه يؤدي إلى مخالفة الله ~~سبحانه، إذ صاحبه إذا سمع من عبد استنكف من قبوله واشمأز بجحده، ومن حيث أن ~~العز والعظمة والعلى لا يليق إلا بالعلي الأعلى، فمهما تكبر العبد نازع ~~الله في صفة من صفاته، ولذا قال الله سبحانه: " والعظمة أزاري والكبرياء ~~ردائي، فمن نازعني فيهما قصمته ". # فصل (درجات الكبر) الكبر درجات ثلاث: # (الأولى) أن يكون مستقرا في قلبه، يرى نفسه ms248 خيرا من غيره، ويظهره في ~~أفعاله: بالترفع في المجالس، والتقدم على الأقران، وأن يصعر خده للناس كأنه ~~معرض عنهم، ويعبس وجهه، ويقطب جبينه. وفي أقواله: # بإظهار الإنكار على من يقصر فيما يتوقعه، من التعظيم، وإبداء الدعوى، ~~والمفاخرة والمباهاة، وتزكية النفس، والتشمير لغلبة الغير في العلم والعمل. # وهذه الدرجة أقبح الدرجات وأشدها، إذ صاحبها قد رسخت في قلبه شجرة الكبر ~~وارتفعت أغصانها وفروعها، بحيث أحاطت على جميع جوارحه. # (الثانية) كالأولى. إلا في إظهاره على اللسان، وهي دون الأولى، لكونها ~~أقل أغصانا منها. # (الثالثة) أن يكون مستقرا في قلبه بحيث رأى نفسه خيرا من غيره، إلا أنه ~~يجتهد في التواضع، ويفعل فعل من يرى غيره خيرا من نفسه. وهذا وإن رسخت في ~~قلبه شجرة الكبر، إلا أنه قطع أغصانها بالكلية. فإن كان مع ذلك منكرا على ~~نفسه فيما رسخ فيها، ومغضبا علمها ومتشمرا لإزالتها، إلا أنه لم يقدر على ~~دفعه بسرعة وسهولة، وتميل النفس إلى ما تشتهيه في # PageV01P305 # بعض الأحيان بدون اختيار، ولكنه كان في مقام المجاهدة، فلعله لم يكن عليه ~~كثير إثم، ومثله يوفقه الله للوصول إلى ما يطلبه بمقتضى وعده. # فصل (علاج الكبر علما وعملا) الكبر كالعجب في كيفية العلاج إجمالا ~~وتفصيلا، إذ الكبر لما تضمن معنى العجب - أي استعظام النفس - وكان العجب ~~منشأ له، فما ذكر لعلاج مطلق العجب هو العلاج لمطلق الكبر أيضا. ولكن ما به ~~الكبر - أعني بواعثه - هي بواعث العجب بعينها، فما ذكر لعلاج العجب ~~بالبواعث المذكورة مشترك بينهما. # ومن المعالجات المختصة بالكبر: أن يتذكر ما ورد في ذمه من الآيات ~~والأخبار المذكورة وغيرها، ويتأمل فيما ورد في مدح ضده أعني التواضع - كما ~~يأتي. ولكون الكبر مشتملا على شئ زائد على العجب هو رؤية النفس فوق الغير، ~~فينبغي أن يعلم أن الحكم بخيرية نفسه من الغير غاية الجهل والسفاهة، فلعل ~~في الغير من خفايا الأخلاق الكريمة ما ينجيه. وفيه من الملكات الذميمة ما ~~يهلكه ويرديه. وكيف يجترئ صاحب البصيرة أن يرجح نفسه على الغير، مع إبهام ms249 ~~الخاتمة وخفاء الأخلاق الباطنة واشتراك الكل في الانتساب إلى الله تعالى، ~~وفي صدورها وترشحها منه ومعلوليتها ولازميتها له، فالواقف بخطر الخاتمة ~~وإناطة النجاة والهلاك بالبواطن لا يرى لنفسه مزية على غيره، والعارف بكون ~~كل فرد من أفراد الموجودات أثرا من آثار ذاته ولمعة من لمعات أنوار صفاته، ~~بل رشحة من رشحات فضله وجوده وقطرة من قطرات تيار فيض وجوده، لا ينظر إلى ~~أحد بنظر السوء والعداوة، بل يشاهد الكل بعين الخيرية والمحبة. # أشكال وصل (فإن قيل): كيف يحسن أن يتواضع العالم الورع للجاهل الفاسق ~~ويراه خيرا من نفسه، مع ظهور جهله وفسقه، وقطعه باتصاف نفسه بالعلم والورع ~~وخلوه عنهما؟ وكيف يجوز له أن يحب فاسقا أو كافرا أو مبتدعا ويتواضع له ولا ~~يعاديه، مع إنه مبغوض عند الله، فيكون مأمورا ببغضه والجمع بين الحب ~~والتواضع وبين البغض جمع بين النقيضين؟ PageV01P306 # (أجبنا) عن (الأول) بأن حقيقة التواضع ألا يرى النفس لذاتها مزية واقعية ~~وخيرية حقيقية على الغير، لا ألا يرى مزية لذاتها عليه في الصفات الظاهرة ~~التي يجزم باتصاف نفسه بها وعدم اتصافه بها، كالعلم والعبادة والسخاوة ~~والعدالة والاجتناب عن الأموال المحرمة وغير ذلك، إذ العالم ببعض العلوم لا ~~يمكنه أن يدفع عن نفسه القطع بكونه عالما بها وكون فلان العامي غير عالم ~~بها. لكن المزية الواقعية والخيرية النفس الآمرية إنما هو يحصل بمجرد تعلم ~~بعض العلوم والمواظبة على بعض العبادات أو غير ذلك من الصفات المحمودة، بل ~~المناط فيه حسن الخاتمة، وهو أمر مبهم، إذ العواقب مطوية عن العباد، فيمكن ~~أن يسلم الكافر ويختم له بالإيمان ويضل هذا العالم الورع ويختم له بالكفر، ~~فعلى كل عبد إن رأى من هو شرا منه ظاهرا أن يقول: لعل هذا ينجو وأهلك أنا، ~~فلا يراه شرا من نفسه في الواقع خائفا من العاقبة، ويقول: لعل بر هذا باطن، ~~بأن يكون فيه خلق كريم بينه وبين الله فيرحمه الله ويتوب عليه ويختم له ~~بأحسن الأعمال، وبري ظاهر لا آمن أن تدخله الآفات فتحبطه. وبالجملة: ms250 ملاحظة ~~الخاتمة والسابقة والعلم بأن الكمال في القرب من الله وسعادة الآخرة دون ما ~~يظهر في الدنيا من الأعمال الظاهرة يوجب نفي الكبر والتواضع لكل أحد. # وعن (الثاني) إن الحب ينبغي أن يكون لأجل النسبة الشريفة المذكورة ~~والتواضع لأجل ملاحظة الخاتمة، وبغضه وغضبه عليه لأجل ما ظهر منه من الكفر ~~والفسوق. وأي منافاة بين الغضب لله في صدور معصية من عبد وبين عدم الكبر ~~والإذلال؟! إذ الغضب إنما هو لله لا لنفسك، إذا أمرك بأن تغضب عند مشاهدة ~~المنكر، والتواضع وعدم الكبر إنما هو بالنظر إلى نفسك، بألا ترى نفسك ناجيا ~~وصاحبك هالكا في حال غضبك عليه لأمر الله، بل يكون خوفك على نفسك مما علم ~~الله من خفايا ذنوبك أكثر من خوفك عليه مع الجهل بالخاتمة، فليس من ضرورة ~~الغضب والبغض لله أن تتكبر على المغضوب عليه، وترى قدرك فوق قدره. # ومثال ذلك: أن نكون لملك غلام وولد، وقد وكل الملك الغلام على ~~PageV01P307 # ولده بأن يراقبه ويضربه مهما ساء أدبه، ويغضب عليه إذا اشتغل بما لا يليق ~~به، فإن كان الغلام مطيعا محبا لمولاه يغضب عليه إذا ساء أدبه امتثالا لأمر ~~مولاه، ومع ذلك يحبه لانتسابه إلى مولاه بالولادة، ولا يتكبر عليه ويتواضع ~~له، ويرى قدره عند مولاه فوق قدر نفسه، لأن الولد أعز لا محالة من الغلام. # تذنيب (العلاج العملي للكبر) ما ذكرناه لعلاج الكبر إنما هو العلاج ~~العلمي، وأما (العلاج العملي)، فهو أن يتواضع بالفعل ولسائر الخلق، ويواظب ~~على أخلاق المتواضعين، ويكلف نفسه على ذلك إلى أن تقطع عن قلبه شجرة الكبر ~~بأصولها وفروعها، ويصير التواضع ملكة له. وللقطع الكلي وحصول ملكة التواضع ~~امتحانات يعرفان بها، فلا بد أن يمتحن نفسه بها حتى يطمئن بأنه متواضع، إذ ~~النفس قد تضمر التواضع وتدعي البراءة من الكبر، فإذا وقعت الواقعة عادت إلى ~~طبعها ونسيت وعدها: # (الأول) أن يناظر مع أقرانه في بعض المسائل، فإذا ظهر شئ من الحق على ~~لسانهم، فإن اعترف به مع السرور والاهتزاز والشكر لهم لتنبيههم ms251 إياه على ما ~~غفل عنه فهو علامة التواضع، وإن ثقل عليه القبول والاعتراف ولم يسر بظهور ~~الحق على لسانهم فهو دليل بقاء الكبر بعد فليعالجه من حيث العلم بأن يتذكر ~~سوء عاقبته وخسة نفسه وخباثتها، من حيث أن قبول الحق يثقل عليها، ومن حيث ~~العمل بأن يكلف نفسه على ما يثقل عليها من الاعتراف بالحق وإطلاق اللسان ~~بالثناء والشكر، والاقرار على نفسه بالعجز والقصور، ويقول: ما أحسن فطانتك! ~~لقد أرشدتني إلى الحق، فجزاك الله خيرا. فإذا واظب على ذلك مرات متوالية، ~~صار ذلك له طبعا، وسقط ثقل الحق عن قلبه وطاب له قبوله، وإن لم يثقل عليه ~~في الخلوة وثقل عليه في الملأ، فليس فيه كبر، بل فيه رياء، فليعالج بما ~~يأتي في معالجة الرياء. # (الثاني) أن يقدم الأقران والأمثال على نفسه في المحافل، ويمشي خلفهم في ~~الطرق، فإن لم يثقل ذلك عليه فهو متواضع، وإلا فمتكبر، فليقدمهم بالتكلف، ~~ويجلس تحتهم، ويظهر السرور والارتياح بذلك، PageV01P308 # حتى يسقط عنه ثقله. قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: " إن من ~~التواضع أن يجلس الرجل دون شرفه ". وقال (ع): " من التواضع أن ترضى بالمجلس ~~دون المجلس، وأن تسلم على من تلقى، وأن تترك المراء وإن كنت محقا، ولا تحب ~~أن تحمد على التقوى ". ومن المتكبرين من إذا لم يجد مكانا في الصدر يجلس في ~~صف النعال، أو يجعل بينه وبين الأقران بعض الأراذل ولا يجلس تحتهم، وغرضهم ~~من ذلك استحقار الأقران أو إيهام أن تركهم للصدر إنما هو بالتفضل، فهو أشد ~~أنواع التكبر. # (الثالث) أن يجيب دعوة الفقير، ويمر إلى السوق في حاجة الرفقاء والأقارب، ~~ويجعل حاجتهم وحاجة نفسه منه إلى البيت، فإن لم يثقل عليه ذلك في الخلوة ~~والملأ فليس فيه كبر ورياء، وإن ثقل عليه فيهما ففيه كبر ورياء، وإن ثقل ~~عليه عند مشاهدة الناس دون الخلوة ففيه رياء دون الكبر. # قال أمير المؤمنين عليه السلام: " لا ينقص الرجل الكامل من كماله ما حمل ~~من شئ إلى عياله ". وروي: " أنه اشترى ms252 لحما بدرهم فحمله في ملحفته فقال له ~~بعضهم: أحمل عنك يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا! أبو العيال أحق أن يحمل ". ~~وروي: " أن الصادق عليه السلام: نظر إلى رجل من أهل المدينة قد اشترى ~~لعياله شيئا وهو يحمله، فلما رآه الرجل استحيى منه، فقال له أبو عبد الله ~~عليه السلام: اشتريته لعيالك وحملته إليهم، أما والله لولا أهل المدينة ~~لأحببت أن أشتري لعيالي الشئ ثم أحمله إليهم ". # (الرابع) أن يلبس ثيابا بذلة، فإن لم يثقل عليه ذلك أصلا فليس فيه كبر ~~ورياء، وإلا كان متكبرا أو مرائيا، قال رسول الله (ص): " من اعتقل البعير ~~ولبس الصوف فقد برئ من الكبر ". وقال (ص): " إنما أنا عبد آكل في الأرض، ~~والبس الصوف، واعقل البعير، والعق أصابعي، وأجيب دعوة المملوك، فمن رغب عن ~~سنتي فليس مني ". وقيل لسلمان: لم لا تلبس ثوبا جديدا؟ فقال: " إنما أنا ~~عبد، فإذا أعتقت يوما لبست جديدا ": # أشار به إلى العتق في الآخرة. وقال رسول الله (ص): " البذاذة - أي الدون ~~من اللباس - من الإيمان ". وعوتب أمير المؤمنين عليه السلام في إزار مرقوع، ~~فقال: " يقتدي به المؤمن وتخشع له القلوب ". PageV01P309 # (الخامس) أن يأكل مع خدامه وغلمانه، فإن لم يثقل عليه فهو متواضع وإلا ~~فمتكبر. وروي رجل من أهل بلخ، قال: " كنت مع الرضا (ع) في سفره إلى خراسان، ~~فدعا يوما بمائدة، فجمع عليها مواليه من السودان وغيرهم، فقلت: جعلت فداك! ~~لو عزلت لهؤلاء مائدة، قال عليه السلام إن الرب تعالى واحد، والدين واحد، ~~والأم واحدة، والأب واحد، والجزاء بالأعمال ". # والامتحانات لبقاء الكبر ليست منحصرة بما ذكر، بل هي كثيرة: # كأن يحب قيام الناس له أو بين يديه، قال أمير المؤمنين عليه السلام: # " من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى رجل قاعد وبين يديه ~~قوم قيام ". وقال بعض الصحابة: " لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله، ~~وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لما يعلمون من كراهته لذلك ". # وأن يحب أن يمشي خلفه غيره، وقد روي " أنه ms253 لا يزال العبد يزداد من الله ~~بعدا ما مشى خلفه ". وكان رسول الله (ص) في بعض الأوقات يمشي مع بعض ~~الأصحاب، فيأمرهم بالتقدم ويمشي في غمارهم. # وألا يزور غيره، وإن كان في زيارته فائدة دينية. وأن يستنكف من مجالسة ~~الفقراء والمعلولين والمرضى. روي أنه دخل على رسول الله رجل وعليه جدري قد ~~تقشر، وعنده ناس من أصحابه يأكلون، فما جلس عند أحد إلا قام من جنبه. ~~فأجلسه النبي (ص) إلى جنبه. وكان (ص) في نفر من أصحابه يأكلون في بينه. إذ ~~دخل عليهم رجل به زمانة تنكره الناس لأجلها، فأجلسه رسول الله على فخذه ~~وقال له: " أطعم "، وكأن رجلا من قريش اشمأز منه وتكره، فما مات ذلك الرجل ~~حتى كانت به زمانة مثلها. # ومر سيد الساجدين عليه السلام على المجذومين (88) وهو راكب حماره، وهم ~~يتغدون، فدعوه إلى الغداء، فقال، " أما إني لولا أني صائم لفعلت " فلما صار ~~إلى منزله أمر بطعام فصنع، وأمر أن يتنوقوا فيه، ثم دعاهم فتغدوا عنده ~~وتغدى معهم.. وقس على هذه غيرها من الامتحانات. # ولقد كانت سيرة رسول الله (ص) جامعة لجميع ما يمتحن به التواضع # PageV01P310 # بريئة عن جميع ما يصدر من الكبر من الأفعال والحركات، فينبغي لكل مؤمن أن ~~يقتدي به. وقد روى أبو سعيد الخدري: " أنه (ص) كان يعلف الناضح، ويعقل ~~البعير، ويقم البيت، ويحلب الشاة، ويخصف النعل، ويرقع الثوب، ويأكل مع ~~خادمه، ويطحن عنه إذا أعيى، ويشتري الشئ من السوق، ولا يمنعه الحياء أن ~~يعلقه بيده أو يجعله في طرف ثوبه وينقلب إلى أهله. يصافح الغني والفقير ~~والصغير والكبير، ويسلم مبتدئا على كل من استقبله من صغير أو كبير أسود أو ~~أحمر حر أو عبد من أهل الصلاة، ليست له حلة لمدخله ولا حلة لمخرجه، لا ~~يستحيي من أن يجيب إذا دعي، وإن كان أشعث أغبر، ولا يحقر ما دعي إليه، وإن ~~لم يجد إلا حشف الرقل (89)، لا يرفع غداء لعشاء ولا عشاء لغداء. هين ~~المؤنة، لين الخلق كريم الطبيعة، جميل المعاشرة، طلق ms254 الوجه، بساما من غير ~~ضحك، محزونا من غير عبوس، شديدا في غير عنف، متواضعا في غير مذلة، جوادا من ~~غير سرف، رحيما لكل ذي قربى، قريبا من كل ذمي ومسلم، رقيق القلب دائم ~~الإطراق، لم يبسم قط من شبع، ولا يمد يده إلى طمع ". هذا وقال أبو الحسن ~~عليهما السلام: " التواضع: أن تعطي الناس ما تحب أن تعطاه ". وسئل عن حد ~~التواضع الذي إذا فعله العبد كان متواضعا، فقال: " التواضع درجات: منها أن ~~يعرف المرء قدر نفسه، فينزلها منزلتها بقلب سليم لا يحب أن يأتي إلى أحد ~~إلا مثل ما يؤتى إليه، إن رأى سيئة درأها بالحسنة، كاظم الغيظ عاف عن ~~الناس، والله يحب المحسنين ". # وصل (التواضع ومدحه) قد أشير إلى أن ضد الكبر (التواضع)، وهو انكسار ~~للنفس يمنعها من أن يرى لذاتها مزية على الغير، وتلزمه أفعال وأقوال موجبة ~~لاستعظام الغير وإكرامه، والمواظبة عليها أقوى معالجة لإزالة الكبر. ولا بد ~~من الإشارة إلى الأخبار الواردة في مدح التواضع وفوائده، تحريكا للطالبين ~~إلى السعي في تحصيله الموجب لإزالة ضده، وهذه الأخبار كثيرة خارجة # PageV01P311 # عن حد الاحصاء، فنكتفي بإيراد بعض منها: # قال رسول الله (ص): " ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ". وقال (ص): " ~~طوبى لمن تواضع في غير مسكنة، وأنفق مالا جمعه من غير معصية، ورحم أهل ~~الذلة والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة ". # وروي: " أن الله سبحانه أوحى إلى موسى: إنما أقبل صلاة من تواضع لعظمتي ~~ولم يتعاظم على خلقي وألزم قلبه خوفي وقطع نهاره بذكري وكف نفسه عن الشهوات ~~من أجلي ". وقال رسول الله (ص) لأصحابه: " مالي لا أرى عليكم حلاوة ~~العبادة! قالوا: وما حلاوة العبادة؟ قال: التواضع ". # وقال (ص): " إذا تواضع العبد رفعه الله إلى السماء السابعة ". وقال (ص): ~~" إذا هدى الله عبدا الإسلام وحسن صورته وجعله في موضع غير شائن له ورزقه ~~مع ذلك تواضعا، فذلك من صفوة الله ". وقال (ص): # " أربع لا يعطيهن الله إلا من يحبه: الصمت وهو أول العبادة، والتوكل على ~~الله، والتواضع، والزهد ms255 في الدنيا ". وقال (ص): " ليعجبني أن يحمل الرجل ~~الشئ في يده يكون مهنة لأهله يدفع به الكبر عن نفسه ". # وقال (ص): " من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر خفضه الله، ومن اقتصد في ~~معيشة رزقه الله، ومن بذر حرمه الله، ومن أكثر ذكر الموت أحبه الله، ومن ~~أكثر ذكر الله أظله الله في جنته ". وروي " أنه أتى رسول الله (ص) ملك، ~~فقال: إن الله تعالى يخيرك أن تكون عبدا رسولا متواضعا أو ملكا رسولا. فنظر ~~إلى جبرئيل عليه السلام وأومى بيده أنت تواضع، فقال: عبدا متواضعا رسولا، ~~فقال الرسول يعني الملك -: مع أنه لا ينقصك مما عند ربك شيئا ". وقال عيسى ~~بن مريم عليه السلام: " طوبى للمتواضعين في الدنيا! هم أصحاب المنابر يوم ~~القيامة، طوبى للمصلحين بين الناس في الدنيا! هم الذين يرثون الفردوس يوم ~~القيامة. طوبى للمطهرة قلوبهم في الدنيا! هم الذين ينظرون إلى الله تعالى ~~يوم القيامة ". وقال (ص): " إن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة، فتواضعوا ~~يرحمكم الله ". وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: " يا داود! كما إن ~~أقرب الناس إلى الله المتواضعون كذلك أبعد الناس من الله المتكبرون ". ~~وروي: " أن سليمان بن داود إذا PageV01P312 # أصبح تصفح وجوه الأغنياء والأشراف حتى يجيئ إلى المساكين فيقعد معهم ~~ويقول مسكين مع مساكين ". وروي: " أنه ورد على أمير المؤمنين (ع) أخوان له ~~مؤمنان، أب وابن، فقام إليهما وأكرمهما وأجلسهما في صدر مجلسه وجلس بين ~~أيديها. ثم أمر بطعام فأحضر فأكلا منه، ثم جاء قنبر بطست وإبريق خشب ~~ومنديل، وجاء ليصب على يد الرجل، فوثب أمير المؤمنين وأخذ الإبريق ليصب على ~~يد الرجل، فتمرغ الرجل في التراب، وقال: وقال: يا أمير المؤمنين! الله ~~يراني وأنت تصب على يدي! قال: # اقعد واغسل، فإن الله - عز وجل - يراك وأخوك الذي لا يتميز منك ولا ينفصل ~~عنك يخدمك. يريد بذلك في خدمته في الجنة مثل عشرة أضعاف عدد أهل الدنيا. ~~فقعد الرجل. وقال له علي عليه السلام: أقسمت عليك بعظيم حقي الذي عرفته ms256 لما ~~غسلت مطمئنا كما كنت تغسل لو كان الصاب عليك قنبر، ففعل الرجل ذلك، فلما ~~فرغ ناول الإبريق محمد بن الحنفية، وقال: يا بني! لو كان هذا الابن حضرني ~~دون أبيه لصببت على يده، ولكن الله عز وجل يأبى أن يسوي بين ابن وأبيه إذا ~~جمعهما مكان، لكن قد صب الأب على الأب فليصب الابن على الابن، فصب محمد بن ~~الحنفية على الابن " (90). # وقال الصادق عليه السلام: " التواضع أصل كل شرف نفيس ومرتبة رفيعة، ولو ~~كان للتواضع لغة يفهمها الخلق لنطق عن حقائق ما في مخفيات العواقب. ~~والتواضع ما يكون لله وفي الله، وما سواه فكبر. ومن تواضع لله شرفه الله ~~على كثير من عباده. ولأهل التواضع سيماء يعرفها أهل السماوات من الملائكة ~~وأهل الأرض من العارفين. قال الله عز وجل: # " وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم " (91). # وأصل التواضع من إجلال الله وهيبته وعظمته. وليس لله عز وجل عبادة يقبلها ~~ويرضاها إلا وبابها التواضع. ولا يعرف ما في معنى حقيقة # PageV01P313 # التواضع إلا المقربون من عباده المستقلين بوحدانيته، قال الله عز وجل: # " وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا ~~سلاما " (92). # وقد أمر الله - عز وجل - أعز خلقه وسيد بريته محمدا (ص) بالتواضع، فقال ~~عز وجل: # " واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين " (93). # والتواضع مزرعة الخضوع والخشوع والخشية والحياء، وإنهن لا يأتين إلا منها ~~وفيها، ولا يسلم الشرف التام الحقيقي إلا للمتواضع في ذات الله تعالى (94). ~~وقال الإمام أبو محمد الحسن بن علي العسكري عليهم السلام: # " أعرف الناس بحقوق إخوانهم وأشدهم قضاء لهم أعظمهم عند الله شأنا، ومن ~~تواضع في الدنيا لإخوانه فهو عند الله من الصديقين ومن شيعة علي تتميم ابن ~~أبي طالب عليه السلام حقا " (95). # (الذلة) لما عرفت أن كل فضيلة وسط له طرفان مذمومان، فأحد طرفي التواضع ~~(الكبر) - كما عرفت - وهو من طرف الإفراط، وآخرهما (الذلة) والتخاسس، وهو ~~من طرف التفريط. فكما إن الكبر مذموم، فكذلك المذلة والتخاسس أيضا مذموم، ~~إذ كلا طرفي الأمور ذميم، والمحمود: ms257 # هو التواضع من دون الخروج إلى شئ من الطرفين، إذ أحب الأمور إلى الله ~~أوسطها. وهو أن يعطي كل ذي حق حقه، وهو العدل، فلو وقع في طرف النقصان ~~فليرفع نفسه، إذ ليس للمؤمن أن يذل نفسه، فالعالم إذا دخل عليه إسكاف فخلى ~~له مجلسه وأجلسه فيه، وترك تعليمه وإفادته، وإذا قام عدا إلى الباب خلفه، ~~فقد تخاسس وتذلل، وهو غير محمود، # PageV01P314 # بل هو رذيلة في طرف التفريط. فاللازم إذا وقع فيه أن يرفع نفسه إلى أن ~~يعود إلى الوسط الذي هو الصراط المستقيم. فإن العدل أن يتواضع بمثل ما ذكر ~~لأمثاله ولمن يقرب درجته. فأما تواضعه للسوقي، فبالبشر في الكلام، والرفق ~~في السؤال، وإجابة دعوته، والسعي في حاجته، وأمثال ذلك، وألا يرى نفسه خيرا ~~منه، نظرا إلى خطر الخاتمة. # ثم ينبغي ألا يتواضع للمتكبرين، إذ الانكسار والتذلل لمن يتكبر ويتعزز مع ~~كونه من التخاسس والمذلة المذمومة يوجب إضلال هذا المتكبر، وتقريره على ~~تكبره، وإذا لم يتواضع له الناس وتكبروا عليه ربما تنبه وترك التكبر، إذا ~~المتكبر لا يرضى بتحمل المذلة والإهانة من الناس، ولذا قال رسول الله (ص): ~~" إذا رأيتم المتواضعين من أمتي فتواضعوا لهم، وإذا رأيتم المتكبرين ~~فتكبروا عليهم، فإن ذلك لهم مذلة وصغار ". # ومنها: # الافتخار أي المباهاة باللسان بما توهمه كمالا، والغالب كون المباهاة ~~بالأمور الخارجة عن ذاته، وهو بعض أصناف التكبر - كما أشير إليه - فكل ما ~~ورد في ذمة يدل على ذمه، والأسباب الباعثة عليه هي أسباب التكبر. وقد تقدم ~~أن شيئا منها لا يصلح لأن يكون منشأ للافتخار، فهو ناش من محض الجهل ~~والسفاهة. قال سيد الساجدين (ع): " عجبا للمتكبر الفخور الذي كان بالأمس ~~نطفة ثم (هو) (96) غدا جيفة ". وقال الباقر (ع): " عجبا للمختال الفخور، ~~وإنما خلق من نطفة ثم يعود جيفة، وهو فيما بين ذلك لا يدري ما يصنع به ". ~~وقال (ع): " صعد رسول الله (ص) المنبر يوم فتح مكة، فقال: أيها الناس إن ~~الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتفاخرها بآبائها، ألا إنكم ms258 من آدم وآدم ~~من طين، ألا إن خير عباد الله عبد اتقاه ". # وقال له (ع) عقبة بن بشير الأسدي: أنا في الحسب الضخم عزيز في قومي، فقال ~~له: " تمن علينا بحسبك! إن الله تعالى رفع بالأيمان من كان الناس يسمعونه ~~وضيعا إذا كان مؤمنا، ووضع بالكفر من كان الناس يسمعونه # PageV01P315 # شريفا إذا كان كافرا. فليس لأحد فضل على أحد إلا بتقوى الله ". وقال ~~الصادق (ع): " قال رسول الله (ص): آفة الحسب الافتخار والعجب ". # وقال (ع): " أتى رسول الله (ص) رجل، فقال: يا رسول الله! أنا فلان بن ~~فلان... حتى عد تسعة، فقال رسول الله: أما إنك عاشرهم في النار! ". ونقل: ~~أن قريشا تفاخروا عند سلمان، فقال: " لكني خلقت من نطفة قذرة ثم أعود جيفة ~~منتنة ثم إلى الميزان، فإن ثقل فأنا كريم وإن خف فأنا لئيم ". ثم ضده ~~استحقار نفسه وترجيح غيره عليها بالقول. # ومنها: # البغي ويسمى البذخ أيضا، وهو صعوبة الانقياد والتابعية لمن يجب أن ينقاد ~~(له)، وقد فسر بمطلق العلو والاستطالة، سواء تحقق في ضمن عدم الانقياد لمن ~~يجب أن ينقاد (له)، أو في ضمن أحد أفعال الكبر، أو في ضمن الظلم والتعدي ~~على الغير. وعلى أي تقدير هو أفحش أنواع الكبر، إذ عدم الانقياد لمن يجب أن ~~ينقاد (له) - كالأنبياء وأوصيائهم - يؤدي إلى الكفر الموجب للهلاك الأبدي. ~~ولقد هلك بذلك أكثر طوائف الكفار، كاليهود والنصارى وكفار قريش وغيرهم. ~~وكذا الظلم والتعدي على المسلم وإذلاله بالمقهورية والمغلوبية من المهلكات ~~العظيمة، ولذا ورد في ذمه ما ورد، قال رسول الله (ص): " إن أعجل الشر عقوبة ~~البغي ". وقال (ص): # " حق على الله عز وجل ألا يبغي شئ على شئ إلا أذله الله، ولو أن جبلا بغى ~~على جبل لهد الله الباغي منهما ". وقال أمير المؤمنين (ع): " أيها الناس! ~~إن البغي يقود أصحابه إلى النار، وإن أول من بغى على الله عناق بنت آدم، ~~وأول قتيل قتله الله عناق، وكان مجلسها جريبا في جريب، وكان لها عشرون ~~أصبعا في كل إصبع ms259 ظفران مثل المنجلين، فسلط الله عليها أسدا كالفيل، وذئبا ~~كالبعير، ونسرا كالبغل، فقتلنها. وقد قتل الله تعالى الجبابرة على أفضل ~~أحوالهم وأمن ما كانوا ". وقال الصادق (ع): " يقول إبليس لجنوده: ألقوا ~~بينهم الحسد والبغي فإنهما يعدلان عند الله الشرك ". # وكتب (ع) إلى بعض أصحابه: " انظر ألا تكلمن بكلمة بغي أبدا، وإن ~~PageV01P316 # أعجبتك نفسك وعشيرتك ". # وعلاجه: أن يتذكر - أولا - هذه الأخبار الواردة في ذمه، و - ثانيا - ما ~~ورد في مدح ضده - أعني التسليم والانقياد لمن يلزم إطاعته وتابعيته - ~~كقولهم عليهم السلام: " شيعتنا المسلمون ". والآيات والأخبار الواردة في ~~وجوب إطاعة الله وإطاعة النبي (ص) وأولي الأمر، وغيرهم من العلماء والفقهاء ~~الذين هم نواب الأئمة في زمن الغيبة. وبعد ذلك يكلف نفسه التابعية والإطاعة ~~لمن يجب أن يطاع، ويتخضع له قولا وفعلا، حتى يصير ذلك له ملكة. # ومنها: # تزكية النفس أي نفي النقائص عنها، وإثبات الكمالات لها. وهو من نتائج ~~العجب. # وقبحه أظهر من أن يخفى، إذ من عرف حقيقة الإمكان، ثم أطلع على خلق ~~الإنسان، يعلم أنه عين القصور والنقصان، فلا يطلق بمدح نفسه اللسان. # على أنه يتضمن بخصوصه قبحا يشهد به الذوق والوجدان، والوجدان، ولذا قال ~~أمير المؤمنين (ع): " تزكية المرء لنفسه قبيحة ". وقد تقدم ما يكفيك لمعرفة ~~حقارة الإنسان وخساسته. # ثم ضد التزكية عدم تبرئة من العيوب والاقرار بها وإثبات النقائص لها، ~~فإذا كلف نفسه عليه وفعل ذلك مرات متوالية، يصير معتادا له، ويزول عنه ما ~~اعتاده من مدح نفسه. # ومنها: # العصبية وهي السعي في حماية نفسه أو ماله إليه نسبة: من الدين، والأقارب ~~والعشائر، وأهل البلد، قولا أو فعلا: فإن كان ما يحميه ويدفع عنه السوء مما ~~يلزم حفظه وحمايته، وكانت حمايته بالحق من دون خروج من الإنصاف والوقوع في ~~ما لا يجوز شرعا، فهو الغيرة الممدوحة التي هي من من فضائل قوة الغضب - كما ~~مر -. وإن كان مما يلزم حمايته، أو كانت حمايته بالباطل، بأن يخرج عن ~~الإنصاف وارتكب ما يحرم شرعا، فهو PageV01P317 # التعصب المذموم، وهو من رداءة ms260 قوة الغضب. وإلى ذلك يشير كلام سيد ~~الساجدين (ع) حيث سئل عن العصبية، فقال: " العصبية التي يأثم عليها صاحبها ~~أن يرى الرجل شرار قومه خيرا من خيار قوم آخرين، وليس من العصبية أن يحب ~~الرجل قومه، ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم ". # والغالب إطلاق العصبية في الأخبار على التعصب المذموم، ولذا ورد بها ~~الذم، كقول النبي (ص): " من تعصب أو تعصب له فقد خلع ربق الإيمان من عنقه ~~". وقوله (ص): " من كان في قلبه حبة من خردل من عصبية بعثه الله يوم ~~القيامة مع أعراب الجاهلية ". وقال السجاد (ع): # " لم يدخل الجنة حمية غير حمية حمزة بن عبد المطلب، وذلك حين أسلم عصبا ~~للنبي (ص) في حديث السلى الذي ألقي على النبي (ص). وقال الصادق (ع): " إن ~~الملائكة كانوا يحسبون أن إبليس منهم، وكان في علم الله أنه ليس منهم، ~~فاستخرج ما في نفسه بالحمية والعصب، فقال: # خلقتني من نار وخلقته من طين (97). # ومنها: # كتمان الحق والانحراف عنه، وباعثه إما العصبية أو الجبن، فهو من نتائج ~~واحدة منهما، فعلم (الأول) يكون من رذائل قوة الغضب من جانب الإفراط، وعلى ~~(الثاني) يكون من رذائلها من جانب التفريط. وربما كان الباعث في بعض أفراده ~~الطمع المالي، إلا أن الظاهر كون الفاعل المباشر النفس مع رداءة قوة الغضب، ~~كما في نفس الغضب وغيره، إذ ما لم يحصل في النفس ضعف وفي القوة الغضبية ~~خمود لم يتحقق كتمان الحق. ويندرج تحته الميل في الحكم، وكتمان الشهادة، ~~وشهادة الزور، وتصديق المبطل، وتكذيب المحق، وغير ذلك. # والظواهر الدالة على ذمه مطلقا، وعلى كل واحد من الأصناف المندرجة تحته ~~كثيرة، ولا حاجة إلى ذكرها لاشتهارها. وعلاج العصبية وكتمان الحق: أن يتذكر ~~- أولا - إيجابهما لسخط الله ومقته، وربما تأديا إلى # PageV01P318 # الكفر، و - ثانيا - فوائد ضدهما، أعني الإنصاف والاستقامة على الحق. # وبعد ذلك يكلف نفسه على إظهار ما هو الحق والعمل به، ولو بالمشقة ~~الشديدة، إلى أن يصير ذلك عادة له، فيزول عن نفسه ما صار لها ms261 ملكة من ~~التعصب وكتمان الحق. # وصل (الإنصاف والاستقامة على الحق) لما كان ضدهما الإنصاف والاستقامة على ~~الحق، فلنشر إلى بعض ما ورد في مدحهما تحريكا للطالبين إلى الأخذ بهما، قال ~~رسول الله (ص): # " لا يستكمل العبد الإيمان حتى يكون فيه ثلاث خصال: الإنفاق من الاقتار، ~~والإنصاف من نفسه، وبذل السلام ". وكان (ص) يقول في آخر خطبته: " طوبى لمن ~~طاب خلقه، وطهرت سجيته، وصلحت سريرته وحسنت علانيته، وأنفق الفضل من ماله، ~~وأمسك الفضل من قوله، وأنصف الناس من نفسه " وقال (ص): سيد الأعمال إنصاف ~~الناس من نفسك.. " إلى آخره. وقال (ص): " من واسى الفقير من ماله وأنصف ~~الناس من نفسه، فذلك المؤمن حقا ". وقال (ص) " ثلاث خصال من كن فيه أو ~~واحدة منهن كان في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله: رجل أعطى الناس عن نفسه ~~ما هو سائلهم... " الحديث. وقال أمير المؤمنين (ع) في كلام له: " ألا إنه ~~من ينصف من نفسه لم يزده الله إلا عزا ". وقال الصادق (ع) " من يضمن لي ~~أربعة بأربعة أبيات في الجنة: أنفق ولا تخف فقرا، وافش السلام في العالم، ~~واترك المراء وإن كنت محقا، وأنصف الناس من نفسك ". # وقال (ع): " ألا أخبركم بأشد ما فرض الله على خلقه "، فذكر ثلاثة أشياء ~~أولها: (إنصاف الناس من نفسك). وقال (ع): " من أنصف الناس من نفسه رضي به ~~حكما لغيره ". وقال (ع): " ما تدارى اثنان في أمر قط فأعطى أحد النصف صاحبه ~~فلم يقبل منه إلا أديل منه ". # وقال (ع): " ثلاثة هم أقرب الخلق إلى الله تعالى يوم القيامة حتى يفرغ من ~~الحساب: رجل لم تدعه قدرة في حال غضبه على أن يحيف على من تحت يده، ورجل ~~مشى بين اثنين فلم يمل مع أحدهما على الآخر بشعيرة، PageV01P319 # ورجل قال بالحق فيما له وعليه ". وقال (ع): " إن لله جنة لا تدخلها إلا ~~ثلاثة، أحدهم من حكم في نفسه بالحق " (98). # ومنها: # القساوة وهي ملكة عدم التأثر عن تألم أبناء النوع. ولا ريب في كونه ناشئا ms262 ~~من غلبة السبعية، وأكثر ذمائم الصفات: من الظلم والإيذاء، وعدم إغاثة ~~المظلومين، وعدم مواساة الفقراء والمحتاجين وغير ذلك يترتب عليه. وضده ~~الرحمة والرقة، وهو التأثر عن مشاهدة تألم أبناء نوعه، ويترتب عليه من ~~الصفات المرضية أضداد ما ذكر. وقد ورد به المدح والترغيب في الأخبار ~~الكثيرة، كقول النبي (ص): " يقول الله تعالى: أطلبوا الفضل من الرحماء من ~~عبادي تعيشوا في أكنافهم، فإني جعلت فيهم رحمتي. ولا تطلبوه من القاسية ~~قلوبهم، فإني جعلت فيهم سخطي ". وكقول الصادق (ع): # " اتقوا الله وكونوا أخوة بررة متحابين في الله متواصلين متراحمين... ". # وقوله (ص): " تواصلوا وتباروا وتراحموا وكونوا أخوة بررة كما أمركم الله ~~". وقوله (ع): " يحق على المسلمين الاجتهاد في التواصل والتعاون على ~~التعاطف والمواساة لأهل الحاجة وتعاطف بعضهم على بعض، حتى تكونوا كما أمركم ~~الله عز وجل: رحماء بينهم متراحمين مغتمين لما غاب عنكم من أمرهم على ما ~~مضى عليه معشر الأنصار على عهد رسول الله (ص). # وقد ورد: إن من ترحم على العباد يرحمه الله. والأخبار الواردة في فضيلة ~~مطلق الرحمة، وفي فضيلة خصوص كل واحد واحد فيما يندرج تحته: من إعانة ~~المحتاج، وإغاثة المظلوم، ومواساة الفقير، والاغتمام بمصائب المؤمنين، ~~وأمثال ذلك، أكثر من أن تحصى. # ثم إن إزالة القساوة واكتساب الرحمة في غاية الإشكال، إذ القساوة صفة ~~راسخة في القب لا يقدر على تركها بسهولة، فطريق العلاج أن يترك لوازمها ~~وآثارها من الأفعال الظاهرة، ويواظب على ما يترتب على الرحمة من الصفات ~~الاختيارية، ويكلف نفسه على ذلك حتى يرتفع على التدريج مبدأ الأولى ويحصل ~~مبدأ الثانية. # PageV01P320 # جامع السعادات للشيخ الجليل أحد أعلام المجتهدين المولى محمد مهدي ~~النراقي المتوفى 1209 ه‍ الجزء الثاني حققه وعلق عليه العلامة السيد محمد ~~كلانتر عميد جامعة النجف الدينية قدم له الشيخ محمد رضا المظفر عميد كلية ~~الفقه الطبعة الرابعة PageV02P001 # المقام الثالث فيما يتعلق بالقوة الشهوية من الرذائل والفضائل وكيفية ~~العلاج الشره - فوائد الجوع - الشهوة الجنسية - خمود الشهوة - العفة - ~~الاعتدال في الشهوة - حب الدنيا - لا بد للمؤمن من ms263 مكسب - الدنيا المذمومة ~~هي الهوى - ذم الدنيا وإنها عدوة الله والانسان - خسائس صفات الدنيا - ~~تشبيهات الدنيا وأهلها - عاقبة حب الدنيا وبغضها - الجمع بين ذم المال ~~ومدحه - حب المال - ذم المال - غوائل المال وفوائده - الأمور المنجية من ~~غوائل المال - الزهد - مدح الزهد - اعتبارات الزهد ودرجاته - الزهد الحقيقي ~~- ذم الغنى - الفقر - اختلاف أحوال الفقراء - مراتب الفقر ومدحه - الموازنة ~~بين الفقر والغنى - ما ينبغي للفقير - وظيفة الفقراء - موارد قبول العطاء ~~وردها - لا يجوز السؤال من غير حاجة - الحرص وذمة - القناعة - علاج الحرص - ~~الطمع وذمة - الاستغناء عن الناس - البخل - ذم البخل - السخاء - معرفة ما ~~يجب أن يبذل - الإيثار - علاج البخل - الزكاة - سر وجوب الزكاة وفضيلة سائر ~~الإنفاقات - الحث على التعجيل في الاعطاء - فضيلة إعلان الصدقة الواجبة - ~~ذم المن والأذى في الصدقة - ما ينبغي للمعطى - ما ينبغي للفقراء في أخذ ~~الصدقة - زكاة الأبدان - الخمس - الإنفاق على الأهل والعيال - ما ينبغي في ~~الإنفاق على العيال - صدقة التطوع - فضيلة الأسرار في الصدقة المندوبة - ~~الهدية - الضيافة - ما ينبغي أن يقصد في الضيافة - آداب الضيافة - الحق ~~المعلوم وحق الحصاد والجذاذ - القرض - إنظار المعسر والتحليل - بذل الكسوة ~~والسكنى ونحوهما - ما يبذل لوقاية العرض والنفس - ما ينفق في المنافع ~~العامة - الفرق بين الإنفاق والبر والمعروف - طلب الحرام - عزة تحصيل ~~الحلال - أنواع الأموال. الفرق بين الرشوة والهدية - الورع عن الحرام - مدح ~~الورع - مداخل الحلال - درجات الورع - الغدر - أنواع الفجور - الخوض في ~~الباطل - التكلم بما لا يعني - حد التكلم بما لا يعني - أسباب الخوض فيما ~~لا يعني - الصمت. PageV02P002 # فنقول: أما جنسا رذائلها (1) فأحدهما: # الشره وهو إطاعة شهوة البطن والفرج، وشدة الحرص على الأكل والجماع، وربما ~~فسر باتباع القوة الشهوية في كل ما تدعو إليه: من شهوة البطن والفرج وحب ~~المال، وغير ذلك، ليكون أعم من سائر رذائل قوة الشهوة، وتتحقق جنسيته، وعلى ~~الأول يكون بعض رذائلها كحب الدنيا المتعلق بها أعم منه، إلا أن القوم لما ~~فسروه بالأول فنحن اتبعناهم، إذ الأمر في مثله هين. # وبالجملة: رذيلة الشره من طرف الإفراط ولا ريب ms264 في كونه أعظم المهلكات ~~لابن آدم، ولذا قال رسول الله (ص): " من وقى شر قبقبه وذبذبه ولقلقه فقد ~~وقى "، والقبقب: البطن، والذبذب: الفرج، واللقلق: # اللسان. وقال (ص): " ويل للناس من القبقبين!، فقيل: وما هما يا رسول ~~الله؟! قال: الحلق والفرج ". وقال (ص): " أكثر ما يلج به أمتي النار ~~الأجوفان: البطن والفرج ". وقال (ص): " ثلاث أخافهن على أمتي من بعدي: ~~الضلالة بعد المعرفة، ومضلات الفتن، وشهوة البطن والفرج ". # ويدل على ذم (الأول) - أعني شهوة البطن والحرص على الأكل والشرب - قوله ~~(ص): " ما ملأ ابن آدم وعاءا شرا من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، ~~وإن كان لا بد فاعلا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ". وقال (ص): " لا ~~تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب فإن القلب كالزرع يموت إذا كثر عليه ~~الماء ". وقال (ص): " أفضلكم منزلة عند الله أطولكم جوعا وتفكرا، وأبغضكم ~~إلى الله تعالى كل نؤوم أكول شروب " وقال (ص): " المؤمن يأكل في معاء واحد ~~والمنافق يأكل في سبعة أمعاء "، أي يأكل سبعة أضعاف ما يأكله المؤمن أو ~~تكون شهوته سبعة أمثال شهوته، فالمعاء كناية عن الشهوة. وقال (ص): " إن ~~أبغض الناس إلى الله المتخمون الملأى، وما ترك عبد أكلة يشتهيها إلا كانت ~~له درجة في الجنة ". وقال (ص) " بئس العون على الدين قلب نخيب وبطن رغيب # PageV02P003 # ونعظ شديد " (2) وقال (ص): " أطول الناس جوعا يوم القيامة أكثرهم شبعا في ~~الدنيا ". وقال (ص): " لا يدخل ملكوت السماوات من ملأ بطنه ". وفي التوراة: ~~" إن الله ليبغض الحبر السمين "، لأن السمن يدل على الغفلة وكثرة الأكل. ~~وفي بعض الآثار: " إن الله يبغض القارئ السمين ". وقال لقمان لابنه: " يا ~~بني! إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن ~~العبادة ". وقال الباقر (ع): " إذا شبع البطن طغى ". وقال عليه السلام: " ~~ما من شئ أبغض إلى الله عز وجل من بطن مملوء ". وقال الصادق عليه السلام: " ~~إن البطن ليطغي من أكلة، وأقرب ما يكون العبد من الله إذا خف بطنه، وأبغض ~~ما يكون العبد ms265 إلى الله إذا امتلأ بطنه ". وقال (ص): " ليس لابن آدم بد من ~~أكلة يقيم بها صلبه، فإذا أكل أحدكم طعاما، فليجعل ثلث بطنه للطعام، وثلث ~~بطنه للشراب، وثلثه للنفس، ولا تسمنوا تسمن الخنازير للذبح ". وقال (ع) " ~~ما من شئ أضر لقلب المؤمن من كثرة الأكل، وهي مورثة شيئين: (قسوة) القلب، و ~~(هيجان) الشهوة. والجوع أدام للمؤمن، وغذاء للروح، وطعام للقلب، وصحة للبدن ~~". # والأخبار الواردة بهذه المضامين كثيرة، ولا ريب في أن أكثر الأمراض ~~والأسقام تترتب على كثرة الأكل. قال الصادق عليه السلام: " كل داء من ~~التخمة إلا الحمى فإنها ترد ورودا ". وقال عليه السلام: " الأكل على الشبع ~~يورث البرص ". وكفى لشهوة البطن ذما أنها صارت منشأ لإخراج آدم وحواء من ~~دار القرار إلى دار الذل والافتقار، إذ نهيا عن أكل الشجرة فغلبتهما ~~شهوتهما حتى أكلا منها، فبدت لهما سوآتهما. # والبطن منبت الأدواء والآفات وينبوع الشهوات، إذ تتبعها شهوة الفرج وشدة ~~السبق إلى المنكوحات، وتتبع شهوة المطعم والمنكح شدة الرغبة في الجاه ~~والمال، ليتوسل بهما إلى التوسع في المطعومات والمنكوحات، ويتبع ذلك أنواع ~~الرعونات، وضروب المحاسدات والمنافسات، وتتولد من ذلك # PageV02P004 # آفة الرياء، وغائلة التفاخر والتكاثر والعجب والكبر، ويداعى ذلك إلى ~~الحقد والعداوة والبغضاء، ويفضي ذلك بصاحبه إلى اقتحام البغي والمنكر ~~والفحشاء. وكل ذلك ثمرة إهمال المعدة وما يتولد من بطر الشبع والامتلاء ولو ~~ذلل العبد نفسه بالجوع، وضيق مجاري الشيطان، لم يسلك سبيل البطر والطغيان، ~~ولم ينجر به إلى الانهماك في الدنيا والانغمار فيما يفضيه إلى الهلاك ~~والردى، ولذا ورد في فضيلة الجوع والصبر عليه ما ورد من الأخبار، قال رسول ~~الله (ص): " جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش، فإن الأجر في ذلك كأجر المجاهد ~~في سبيل الله، وإنه ليس من عمل أحب إلى الله من جوع وعطش ". وقال (ص): " ~~أفضل الناس من قل مطعمه وضحكه ورضي بما يستر عورته ". وقال (ص) " سيد ~~الأعمال الجوع، وذل النفس لباس الصوف " وقال (ص): " اشربوا وكلوا في أنصاف ~~البطون، فإنه جزء من النبوة ". وقال (ص): " قلة ms266 الطعام هي العبادة ". وقال ~~(ص) " إن الله يباهي الملائكة بمن قل مطعمه في الدنيا، يقول: انظروا إلى ~~عبدي ابتليته بالطعام والشراب في الدنيا فصبر وتركهما، اشهدوا يا ملائكتي: # ما من أكلة يدعها إلا أبدلته بها درجات في الجنة ". وقال (ص): " أقرب ~~الناس من الله عز وجل يوم القيامة من المال جوعه وعطشه حزنه في الدنيا ". # وقال عيسى عليه السلام: " أجيعوا أكبادكم وأعروا أجسادكم، لعل قلوبكم ترى ~~الله عز وجل ". وقالت بعض زوجاته (ص): " إن رسول الله لم يمتلئ قط شبعا، ~~وربما بكيت رحمة مما أرى به من الجوع فأمسح بطنه بيدي، وأقول: نفسي لك ~~الفداء! لو تبلغت من الدنيا بقدر ما يقويك ويمنعك من الجوع، فيقول: إخواني ~~من أولي العزم من الرسل قد صبروا على ما هو أشد من هذا، فمضوا على حالهم ~~فقدموا على ربهم فأكرم مآبهم وأجزل ثوابهم، فأجدني استحيي إن ترفهت في ~~معيشتي أن يقصر بي غدا دونهم، فأصبر أياما يسيرة أحب إلي من أن ينقص بي حظي ~~غدا في الآخرة، وما من شئ أحب إلي من اللحوق بأصحابي وإخواني ". وروي: " ~~أنه جاءت فاطمة عليها السلام ومعها كسيرة من خبز، فدفعتها إلى النبي (ص) ~~فقال: # ما هذه الكسيرة؟ قالت: قرص خبزته للحسن والحسين عليهما السلام جئتك ~~PageV02P005 # منه بهذه الكسيرة، فقال: أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاث " (3). # فوائد الجوع ثم للجوع فوائد: هي صفاء القب ورقته، واتقاد الذهن وحدته، ~~والالتذاذ بالمناجاة والطاعة، والابتهاج بالذكر والعبادة، وكسر شهوات ~~المعاصي المستولية بالشبع، دفع النوم الذي يضيع العمر ويكل الطبع ويفوت ~~القيام التهجد، والتمكن من الإيثار والتصديق بالزائد، وخفة المؤنة الموجبة ~~للفراغ عن الاهتمام بالتحصيل والإعداد، وصحة البدن ودفع الأمراض إذ المعدة ~~بيت كل داء والحمية رأس كل دواء، وورد: " كلوا في بعض بطونكم تصحوا "، ~~وأضداد هذه الفوائد من المفاسد يترتب على الشبع. # ثم علاج الشره بالأكل والشرب: أن يتذكر الأخبار الواردة في ذمه، وينبه ~~نفسه على رذالة المأكولات وخساستها، وعلى خسة الشركاء من الحيوانات، ويتأمل ~~في المفاسد ms267 المترتبة على الولوع به: من الذلة، والمهانة وسقوط الحشمة ~~والمهابة، وفتور الفطنة، وظهور البلادة، وحدوث العلل والأمراض الكثيرة، ~~وبعد ذلك يحافظ نفسه عن الإفراط في الأكل ولو بالتكلف حتى يصير الاعتدال ~~فيه عادة. # الشهوة الجنسية (وأما الثاني) - أعني طاعة شهوة الفرج والافراط في الوقاع ~~- فلا ريب في أنه يقهر العقل حتى يجعل الإنسان مقصور الهم على التمتع ~~بالنسوان والجواري، فيحرم من سلوك طريق الآخرة، أو يقهر الدين حتى يجر إلى ~~اقتحام الفواحش وربما انتهت هذه الشهوة بمن غلب وهمه على عقله إلى العشق ~~البهيمي الذي ينشأ من استيلاء الشهوة، فيسخر الوهم العقل لخدمة الشهوة، وقد ~~خلق العقل ليكون مطاعا لا ليكون خادما للشهوة. وهذا مرض قلوب فارغة خلت عن ~~محبة الله وعن الهمم العالية. # ويجب الاحتراز من أوائله بترك معاودة الفكر والنظر، وإذا استحكم عسر ~~دفعه، وكذلك حب باطل من الجاه والمال والعقار والأولاد. فمثل من يكسره في ~~أول انبعاثه مثل من يصرف عنان الدابة عند توجهها إلى باب # PageV02P006 # ليدخله، وما أهون منعها بصرف عنانها، ومثل من يعالجه بعد استحكامه مثل من ~~يترك الدابة حتى تدخل وتتجاوز الباب ثم يأخذ بذنبها ويجرها إلى ورائها، وما ~~أعظم التفاوت بين الأمرين في اليسر والعسر. فليكن الاحتراز والاحتياط في ~~بدايات الأمور، إذ في أواخرها لا تقبل العلاج إلا بجهد شديد يكاد يوازي نزع ~~الروح. # وربما انتهى إفراط هذه الشهوة بطائفة إلى أن يتناولوا ما يقويها ~~ليستكثروا من الجماع، ومثلهم كمثل من بلي بسباع ضارية تغفل عنه في بعض ~~الأوقات فيحتال لإثارتها وتهييجها في هذا الوقت ثم يشتغل بعلاجها وإصلاحها. ~~والتجربة شاهدة بأن من ينقاد لهذه الشهوة ويسعى في تكثير ما يهيجها من ~~النسوان وتجديدهن والتخيل والنظر وتناول الأغذية والأدوية المحركة لها يكون ~~ضعيف البدن سقيم الجسم قصير العمر، وقد ينجر إفراطها إلى سقوط القوة اختلال ~~القوى الدماغية وفساد العقل - كما يرهن عليه في الكتب الطيبة -. والوقاع ~~أضر الأشياء بالدماغ، إذ جل المواد المنوية يجلب منه، ولذا شبه الغزالي هذه ~~الشهوة بالعامل الظالم الذي ms268 لو أطلقه السلطان ولم يمنعه من ظلمه أخذ أموال ~~الرعية على التدريج بأسرها. # وابتلاهم بالفقر والفاقة، فأهلكهم الجوع وعدم تمكنهم من تحصيل القوت، ~~وكذا هذه القوة لو لم يقهرها سلطان العقل ولم يقمها على طريق الاعتدال صرفت ~~جميع المواد الصالحة والأخلاط المحمودة التي اكتسبتها القوى الغاذية لبدل ~~ما يتخلل من الأعضاء في مصارف نفسها وجعلها بأسرها منيا، وتبقى جميع ~~الأعضاء بلا قوت، فتضعف ويدركها الفناء بسرعة. ولو كانت مطيعة للعقل، بحيث ~~تقدم على ما يأمرها به وتنزجر عما ينهاها عنه، كانت كالعامل الذي يأخذ ~~الخراج على طريق العدل والمروة، ويصرفه في مصارف المملكة من سد الثغور ~~وإصلاح القناطر وخروج العساكر، وتبقى سائر أموال الرعية لأنفسهم، فيبقى لهم ~~القوت وسائر ما يحتاجون إليه. # ولعظم آفة هذه الشهوة اقتضائها هلاك الدين والدنيا إن لم تضبط ولم ترد ~~إلى حد الاعتدال، ورد في ذمها ما ورد من الأخبار، وقال رسول الله (ص) في ~~بعض دعواته: " اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي وبصري PageV02P007 # وقلبي وشر منيي ". وروي: " أنه إذا قام ذكر الرجل ذهب ثلثا عقله ". # وورد في تفسير قوله تعالى: # " ومن شر غاسق إذا وقب " (4). # أي: ومن شر الذكر إذا قام أو دخل. وقال (ص): " النساء حبائل الشيطان " ~~وقال (ص): " ما بعث الله نبيا فيما خلا إلا لم ييأس إبليس أن يهلكه بالنساء ~~ولا شئ أخوف عندي منهن (5) وقال (ص) " اتقوا فتنة الدنيا وفتنة النساء، فإن ~~أول فتنة بني إسرائيل كانت من قبل النساء ". # وروي: " إن الشيطان قال لموسى (ع): لا تخل بامرأة لا تحل لك. فإنه ما خلا ~~رجل بامرأة لا تحل له إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أفتنه بها ". # وروي أيضا: " أن الشيطان قال: المرأة نصف جندي، وهي سهمي الذي أرمي فلا ~~أخطئ، وهي موضع سري، وهي رسولي في حاجتي ". ولا ريب في أنه لولا هذه الشهوة ~~لما كان للنساء تسلط على الرجال. # وقد ظهر بالعقل والنقل: أن الإفراط في هذه الشهوة وكثرة الطروقة والنزو ~~على النسوان مذموم. ولا تغرنك ms269 كثرة نكاح رسول الله (ص) فإنه كان لا يشغل ~~قلبه جميع ما في الدنيا، وكان استغراقه في حب الله بحيث يخشى احتراق قلبه ~~والسراية منه إلى قالبه، فكان (ص) يكثر من النسوان ويشغل نفسه الشريفة بهن، ~~وليبقى له نوع التفات إلى الدنيا، ولا يؤدي به كثرة الاستغراق إلى مفارقة ~~الروح عن البدن، ولذا إذا غشيته كثرة الاستغراق وخاض في غمرات الحب والأنس، ~~يضرب يده على فخذ عائشة ويقول (ص): " كلميني واشغليني يا حميراء! " وهي ~~تشغله بكلامها عن عظيم ما هو فيه، لقصور طاقة قالبه عنه. # ثم لما كانت جبلته الأنس بالله، وكان أنسه بالخلق عارضا يتكلفه رفقا ~~ببدنه، فإذا طالت مجالسته معهم لم يطق الصبر معهم وضاق صدره، فيقول: # أرحنا يا بلال! "، حتى يعود إلى ما هو قرة عينه. فالضعيف إذا لاحظ # PageV02P008 # أحواله فهو معذور، لأن الأفهام تقصر عن الوقوف على أسرار أفعاله (6). # ثم علاج إفراط هذه الشهوة - بعد تذكر مفاسدها المذكورة - كسرها بالجوع، ~~وسد الطرق المؤدية إليها: من التخيل والنظر والتكلم والخلوة، فإن أقوى ~~الأسباب المهيجة لها هو النظر والخلوة، ولذا قال الله تعالى: # " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم " (7). # وقال النبي (ص): " النظرة سهم مسموم ممن سهام إبليس، فمن تركها خوفا من ~~الله تعالى أعطاه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه ". وقال - صلى الله عليه ~~وآله وسلم -: " لكل عضو من أعضاء ابن آدم حظ من الزنا، فالعينان تزنيان ~~وزناهما النظر ". وقال (ص): " لا تدخلوا على المغيبات - أي التي غاب عنها ~~زوجها - فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم ". وقال عيسى بن مريم (ع): " ~~إياكم والنظرة، فإنها تزرع في القلب شهوة، وكفى بها فتنة " وقيل ليحيى بن ~~زكريا: ما بدء الزنا؟ # قال: " النظرة والتمني ". وقال داود (ع) لابنه: " يا بني! امش خلف الأسد ~~(و) (8) الأسود ولا تمش خلف المرأة ". وقال إبليس: " النظرة قوسي وسهمي ~~الذي لا أخطئ به ". # ولكون النظر مهيجا للشهوة، حرم في الشريعة نظر كل من الرجل والمرأة إلى ~~الآخر، وكذا حرم استماع كل منهما لكلام الآخر، إلا ms270 مع الضرورة وعموم ~~الحاجة، وكذا حرم نظر الرجال إلى المرد من الصبيان إذا كان مورثا للفتنة، ~~ولذا كان كبراء الأخيار وعظماء الأبرار في الأعصار والأمصار محترزين عن ~~النظر إلى وجوه الصبيان، حتى قال بعضهم: " ما أنا بأخوف على الشباب الناسك ~~من سبع ضار كخوفي عليه من غلام أمرد يجلس إليه ". # ثم إن لم تنقمع الشهوة بالجوع والصوم وحفظ النظر، فينبغي كسرها # PageV02P009 # بالنكاح، بشرط الاستطاعة والأمن من غوائله. وقال (ص): " معاشر الشباب! ~~عليكم بالباءة، فمن لم يستطع فعليه بالصوم، فإن الصوم له رجاء ". وقال (ص): ~~" إن المرأة إذا أقبلت أقبلت بصورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته ~~فليأت أهله فإن معها مثل الذي معها ". # (وثانيهما) - أي ثاني جنسي رذائل قوة الشهوة -: # الخمود وهو التفريط في كسب ضروري القوت، والفتور عما ينبغي من شهوة ~~النكاح، بحيث يؤدي إلى سقوط القوة وتضييع العيال وانقطاع النسل. # ولا ريب في كون ذلك مذموما غير مستحسن في الشرع، إذ تحصيل المعارف ~~الإلهية واكتساب الفضائل الخلقية والعبادات البدنية موقوف على قوة البدن، ~~فالتفريط في إيصال بدل ما يتحلل إلى البدن يوجب الحرمان عن تحصيل السعادات ~~وهو غاية الخسران. وكذا إهمال قوة شهوة النكاح يوجب الحرمان عن الفوائد ~~المترتبة عليها، فإن هذه القوة إنما سلطت على الإنسان لبقاء النسل ودوام ~~الوجود، ولأن يدرك لذته فيقيس بها لذات الآخرة، فإن لذة الوقاع لو دامت ~~لكانت أقوى اللذات الجسمانية، كما أن ألم النار أعظم الآلام الجسدانية، ~~فالترغيب والترهيب يسوقان الخلق إلى سعاداتهم، وليس ذلك إلا بلذة مدركة ~~وألم محسوس مشابهين للذات والآلام الأخروية. # ولبقاء النسل فوائد: موافقة محبة الله بالسعي في تحصيل الولد لبقاء نوع ~~الإنسان، وعدم قطعه السلسلة التي وصلت إليه من مبدأ النوع، وطلب محبة رسول ~~الله (ص) في تكثير من به مباهاته، وطلب التبرك بدعاء الولد الصالح بعده، ~~وطلب الشفاعة بموت الولد الصغير إذا مات قبله، كما استفاضت به الأخبار. # ومن فوائد النكاح: كسر التوقان والتحن من الشيطان، بغض البصر وحفظ الفرج ~~وقطع الوساوس وخطرات الشهوة من ms271 القلب، وإليه الإشارة بقوله (ص): " من تزوج ~~فقد أحرز نصف دينه ". # ومن فوائد النكاح: تفريغ القلب عن تدبير المنزل، والتكفل بشغل الطبخ ~~والفرش والكنس، وتنظيف الأواني وتهيئة أسباب المعيشة، فإن PageV02P010 # الفراغ عن ذلك أعون شئ على تحصيل العلم والعمل، ولذا قال النبي (ص): # " ليتخذ أحدكم لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا وزوجة مؤمنة صالحة تعينه على ~~آخرته ". # ومنها: مجاهدة النفس ورياضتها بالسعي في حوائج الأهل والعيال، والاجتهاد ~~في إصلاحهم وإرشادهم إلى طريق الدين، وفي تحصيل المال الحلال لهم من ~~المكاسب الطيبة، والقيام بتربية الأولاد، والصبر على أخلاق النساء وكل ذلك ~~من الفضائل العظيمة، ولذا قال رسول الله (ص): " الكاد في نفقة عياله ~~كالمجاهد في سبيل الله ". وقال (ص): " من حسنت صلاته، وكثر عياله، وقل ~~ماله، ولم يغتب المسلمين: كان معي في الجنة كهاتين ". # وقال (ص): " من الذنوب لا يكفرها إلا الهم بطلب المعيشة ". وقال (ص): # " من كانت له ثلاث بنات فأنفق عليهن وأحسن إليهن حتى يغنيهن الله عنه ~~أوجب الله تعالى له الجنة ". # ولا ريب في أن الخمود عن الشهوة يلزمه الحرمان عن الفوائد المذكورة فهو ~~مرجوح. # ثم لما كان للنكاح آفات أيضا، كالاحتياج إلى المال وصعوبة تحصل الحلال ~~منه - لا سيما في أمثال زماننا - والعجز عن القيام بحقوق النسوان والصبر ~~على أخلاقهن، واحتمال الأذى منهن، وتفرق الخاطر لأجل القيام بتدبير المعيشة ~~وتهيئة ما يحتاجون إليه، وتأدية ذلك غالبا إلى ما لا ينبغي من الانغمار في ~~الدنيا والغفلة عن الله - سبحانه - وعما خلق لأجله، فاللائق أن يلاحظ في كل ~~شخص أن الراجح في حقه ماذا؟ - بعد ملاحظة الفوائد والمفاسد - فيأخذ به. # وصل العفة قد عرفت أن ضد الجنسين (العفة)، وهو انقياد قوة الشهوة للعقل ~~في الإقدام على ما يأمرها به من المأكل والمنكح كما وكيفا، والاجتناب عما ~~ينهاها عنه، وهو الاعتدال الممدوح عقلا وشرعا، وطرفاه من الإفراط والتفريط ~~مذمومان، فإن المطلوب في جميع الأخلاق والأحوال هو الوسط، PageV02P011 # إذ خير الأمور أوسطها، وكلا طرفيها ذميم، فلا تظنن مما ورد في فضيلة ~~الجوع أن ms272 الإفراط فيه ممدوح، فإن الأمر ليس كذلك، بل من أسرار حكمة الشريعة ~~أن كلما يطلب الطبع فيه طرف الإفراط بالغ الشرع في المنع عنه على وجه يتوهم ~~الجاهل منه أن المطلوب طرف التفريط، والعالم يدرك أن المقصود هو الوسط، فإن ~~الطبع إذا طلب غاية الشبع، فالشرع ينبغي أن يطلب غاية الجوع، حتى يكون ~~الطبع باعثا والشرع مانعا، فيتقاومان ويحصل الاعتدال. ولما بلغ النبي (ص): ~~في الثناء على قيام الليل وصيام النهار، ثم علم من حال بعضهم أنه يقوم ~~الليل كله ويصوم الدهر كله، فنهى عنه. والأخبار الواردة في مدح العفة ~~وفضيلتها كثيرة، قال أمير المؤمنين عليه السلام: " أفضل العبادة العفاف ". ~~وقال الباقر (ع) " ما من عبادة أفضل من عفة بطن وفرج ". وقال (ع): " ما عبد ~~الله بشئ أفضل من عفة بطن وفرج ". وقال (ع): " أي الاجتهاد أفضل من عفة بطن ~~وفرج ". # وفي معناها أخبار أخر. # وإذا عرفت هذا، فاعلم أن الاعتدال في الأكل أن يأكل بحيث لا يحس بثقل ~~المعدة ولا بألم الجوع، بل ينسى بطنه فلا يؤثر فيه أصلا، فإن المقصود من ~~الأكل بقاء الحياة وقوة العبادة، وثقل الطعام يمنع العبادة، وألم الجوع ~~أيضا يشغل القلب ويمنع منها. فالمقصود أن يأكل أكلا معتدلا بحيث لا يبقى ~~للأكل فيه أثر، ليكون متشبها بالملائكة المقدسين عن ثقل الطعام وألم الجوع، ~~وإليه الإشارة بقوله تعالى. # " وكلوا واشربوا ولا تسرفوا " (9). # وهذا يختلف بالنسبة إلى الأشخاص والأحوال والأغذية، والمعيار فيه ألا ~~يأكل طعاما حتى يشتهيه، ويرفع يده عنه وهو يشتهيه، وينبغي ألا يكون غرضه من ~~الأكل التلذذ، بل حفظ القوة على تحصيل ما خلق لأجله، فيقتصر من أنواع ~~الطعام على خبز البر في بعض الأوقات، وعلى خبز الشعير في بعضها، ولو ضم ~~إليه الأدام فيكتفي بأدام واحد في بعض الأحيان، ولا يواظب على اللحم، ولا ~~يتركه بالمرة، قال أمير المؤمنين (ع): " من ترك # PageV02P012 # اللحم أربعين يوما ساء خلقه، ومن داوم عليه أربعين يوما قسى قلبه ". # الاعتدال في الشهوة والاعتدال أن يكتفي في اليوم بليلته ms273 بأكلة واحدة في ~~وقت السحر، بعد الفراغ عن التهجد أو بعد صلاة العشاء، أو بأكلتين: التغدي ~~والتعشي - إن لم يقدر على الاكتفاء بمرة واحدة - وقد استفاضت أخبار أئمتنا ~~الراشدين - عليهم السلام - بالحث على التعشي. # ثم للعرفاء ترغيبات على الجوع وتصريحات على كثرة فوائده، وعلى توقف كشف ~~الأسرار الإلهية والوصول إلى المراتب العظيمة عليه، ولهم حكايات في إمكان ~~الصبر عليه، وعلى عدم الأكل شهرا أو شهرين أو سنة، ونقلوا حصوله عن بعضهم، ~~وهذا أمر وراء ما وردت به السنة وكلفت به عموم الأمة، فإن كان ممدوحا فإنما ~~هو لقوم مخصوصين. # وأما الجماع، فالاعتدال فيه أن يقتصر فيه على ما لا ينقطع عنه النسل، ~~ويحصل له التحصن، وتزول به خطرات الشهوة، ولا يؤدي إلى ضعف البدن والقوى. # وأما غير الجنسين من الأنواع والنتائج والآثار المتعلقة بالقوة الشهوية - ~~وإن كان بعضها أعم من الجنسين أو مساويا لهما -: # فمنها: # حب الدنيا إعلم أن للدنيا ماهية في نفسها وماهية في حق العبد، أما ماهية ~~الدنيا وحقيقتها في نفسها، فعبارة عن أعيان موجودة: هي الأرض وما عليها، ~~والأرض هي العقار والضياع وأمثالهما، وما عليها تجمعه المعادن والنبات ~~والحيوان، والمعادن تطلب لكونها إما من الآلات والزينة كالنحاس والرصاص ~~والجواهر وأمثالها، أو من النقود كالذهب والفضة، والنبات يطلب لكونه من ~~الأقوات أو الأدوية، والحيوانات تطلب إما لملكية أبدانها واستخدامها ~~كالعبيد والغلمان أو لملكية قلوبها وتسخيرها ليترتب عليه التعظيم والاكرام ~~وهو الجاه، أو للتمتع والتلذذ بها كالجواري والنسوان، أو للقوة والاعتضاد ~~كالأولاد. هذه هي الأعيان المعبر عنها بالدنيا، وقد جمعها الله سبحانه في ~~قوله: PageV02P013 # " زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا " (10). # وحب جميع ذلك من رذائل قوة الشهوة، إلا حب تسخير القلوب لقصد الغلبة ~~والاستيلاء، فإنه من رذائل قوة الغضب - كما تقدم - وبذلك يظهر أن حب الدنيا ~~المتعلق بقوة الشهوة أعم من الشره بأول تفسيريه - كما أشير إليه -. # وأما ماهيتها في حق العبد، فعبارة عن جميع ms274 ماله قبل الموت، كما أن بعد ~~الموت عبارة عن الآخرة، فكل ما للعبد فيه نصيب وشهوة وحظ وغرض ولذة في عاجل ~~الحال قبل الوفاة فهي الدنيا في حقه، وللعبد فيه علاقتان، علاقة بالقلب: ~~وهو حبه له، وعلاقة بالبدن: وهو إشغاله بإصلاحه، ليستوفي منه حظوظه. إلا أن ~~جميع ماله إليه ميل ورغبة ليس بمذموم، وذلك لأن ما يصحبه في الدنيا وتبقى ~~ثمرته معه بعد الموت - أعني العلم النافع والعمل الصالح - فهو من الآخرة في ~~الحقيقة، وإنما سمي بالدنيا باعتبار دنوه، فإن كلا من العالم والعابد قد ~~يلتذ بالعلم والعبادة بحيث يكون ذلك ألذ الأشياء عنده، فهو وإن كان حظا ~~عاجلا له في الدنيا، إلا أنه ليس من الدنيا المذمومة، بل هو من الآخرة في ~~الحقيقة، وإن عد من الدنيا من حيث دخوله في الحس والشهادة، فإن كل ما يدخل ~~فيهما فهو من عالم الشهادة - أعني الدنيا - ولذا جعل نبينا - (ص) الصلاة من ~~الدنيا، حيث قال: " حبب إلي من دنياكم ثلاث: الطيب، والنساء، وقرة عيني في ~~الصلاة "، مع أنها من أعمال الآخرة. # فالدنيا المذمومة عبارة عن حظ عاجل، لا يكون من أعمال الآخرة ولا وسيلة ~~إليها، وما هو إلا التلذذ بالمعاصي والتنعم بالمباحات الزائدة على قدر ~~الضرورة في تحصيل العلم والعمل. # وأما قدر الضرورة من الرزق، فتحصيله من الأعمال الصالحة - كما نطقت به ~~الأخبار - قال رسول الله (ص): " العبادة سبعون جزءا، أفضلها طلب الحلال ". ~~وقال (ص): " ملعون من ألقى كله على الناس "، # PageV02P014 # وقال السجاد (ع): " الدنيا دنيا آن: دنيا بلاغ، ودنيا ملعونة ". # وقال الباقر (ع): " من طلب الدنيا استعفافا عن الناس، وسعيا على أهله، ~~وتعطفا على جاره، لقي الله - عز وجل - يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة ~~البدر ". وقال الصادق (ع): " الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله ". ~~وقال (ع) " إن الله تبارك وتعالى ليحب الاغتراب في طلب الرزق ". (ع) وقال: ~~" ليس منا من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه ". وقال (ع): " لا تكسلوا ~~في طلب معايشكم. # فإن آباءنا كانوا يركضون فيها ms275 ويطلبونها ". وقال له (ع) رجل: " إنا لنطلب ~~الدنيا ونحب أن نؤتاها، فقال: تحب أن تصنع بها ماذا؟ قال: # أعود بها على نفسي وعيالي، وأصل بها وأتصدق، وأحج واعتمر، فقال أبو عبد ~~الله (ع): ليس هذا طلب الدنيا، هذا طلب الآخرة ". وكان أبو عبد الله (ع): " ~~ليس هذا طلب الدنيا، هذا طلب الآخرة ". وكان أبو الحسن (ع) يعمل في أرض قد ~~استنقعت قدماه في العرق، فقيل له. # " جعلت فداك! أين الرجال؟ فقال: وقد عمل باليد من هو خير مني في أرضه ومن ~~أبي، فقيل: ومن هو؟ فقال: رسول الله (ص) وأمير المؤمنين وآبائي كلهم كانوا ~~قد عملوا بأيديهم، وهو من عمل النبيين والمرسلين والأوصياء والصالحين ". ~~وقد ورد بهذه المضامين أخبار كثيرة أخر مشهورة تذنيب لا بد للمؤمن من مكسب ~~وقد ظهر من هذه الأخبار أن الراجح - بل اللازم - لكل مؤمن أن يكون له مكسب ~~طيب يحصل منه ما يحتاج إليه من الرزق وغيره من المخارج المحمودة، وقد صرح ~~بذلك في أخبار كثيرة أخر، قال أمير المؤمنين (ع): # " أوحى الله - عز وجل - إلى داود (ع): إنك نعم العبد لولا أنكم تأكل من ~~بيت المال ولا تعمل بيدك شيئا، قال: فبكى داود أربعين صباحا، فأوحى الله - ~~عز وجل - إلى الحديد أن لن لعبدي داود، فألان الله له الحديد، وكان يعمل كل ~~يوم درعا فيبيعها بألف درهم، فعمل ثلاثمائة وستين درعا فباعها بثلاثمائة ~~وستين ألفا، واستغنى عن بيت المال ". وقال الصادق عليه السلام " من أحبنا ~~أهل البيت فليأخذ من الفقر جلبابا أو تجفافا "، PageV02P015 # والجلباب: كناية عن الستر على فقره، والتجفاف (11)، كناية عن كسب طيب ~~يدفع فقره. وقيل له في رجل قال: لأقعدن في بيتي، ولأصلين، ولأصومن، ولأعبدن ~~ربي، فأما رزقي فسيأتيني: قال أبو عبد الله: " هذا أحد الثلاثة الذين لا ~~يستجاب لهم ". # وهذا - أي ملكة تحصيل المال الحلال من المكاسب الطيبة وصرفها في المخارج ~~المحمودة - هو الحرية بأخذ المعنيين، إذ للحرية إطلاقان: (أحدهما) ذلك، وهو ~~الحرية بالمعنى الأخص، (وثانيهما) التخلص عن أسر الهوى وعبودية ms276 القوة ~~الشهوية، وهو الحرية بالمعنى الأعم المرادفة، وضده الرقية بالمعنى الأعم ~~الذي هو طاعة الشهوة ومتابعة الهوى. # وضد الأول - أعني الرقية بالمعنى الأخص - هو افتقاره إلى الناس فيما ~~يحتاج إليه من الرزق، وإلقاء نظره إلى أيديهم، وحوالة رزقه على أموالهم إما ~~على وجه محرم، كالغضب والتهب والسرقة وأنواع الخيانات، أو غير محرم، كأخذ ~~وجوه الصدقات وأوساخ الناس، بل مطلق الأخذ منهم إذا جعل يده يدا سفلى ويدهم ~~يدا عليا. ولا ريب في كون الرقية بهذا المعنى مذمومة، إذ الوجه (الأول) ~~محرم في الشريعة وموجب للهلاك الأبدي، والوجه (الثاني) وإن لم يكن محرما ~~إذا كان فقيرا مستحقا، إلا أنه لا يجابه التوقع من الناس وكون نظره إليهم ~~يقتضي المذلة والانكسار والتخضع للناس والرقية والعبودية لهم، وهذا يرفع ~~الوثوق بالله والاعتماد والتوكل عليه، ينجز ذلك إلى سلب التوكل على الله ~~بالكلية، وترجيح المخلوق على الخالق، وهذا ينافي مقتضى الإيمان والمعرفة ~~الواقعية بالله سبحانه. # فصل الدنيا المذمومة هي الهوى قد ظهر مما ذكر: أن الدنيا المذمومة حظ ~~نفسك الذي لا حاجة إليه لأمر الآخرة، ويعبر عنه بالهوى، وإليه أشار قوله ~~تعالى: # PageV02P016 # " ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى " (12). # ومجامع الهوى هي المذكورة في قوله تعالى: # " إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال ~~والأولاد " (13). # والأعيان التي تحصل منها هذه الأمور هي المذكورة في قوله سبحانه: # " زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده ~~حسن المآب " (14). # فهذه أعيان الدنيا، وللعبد معها علاقتان: # (علاقة مع القلب): وهي حبه لها وحظه منها وانصراف همه إليها، حتى يصير ~~قلبه كالعبد أو المحب المستهتر بها، ويدخل في هذه العلاقة جميع صفات القلب ~~المتعلقة بالدنيا: كالرياء والسمعة وسوء الظن والمداهنة والحسد والحقد ~~والغل والكبر وحب المدح والتفاخر والتكاثر. فهذه هي الدنيا الباطنة، ~~والظاهرة هي الأعيان المذكورة. # و (علاقة مع البدن): وهو اشتغاله بإصلاح هذه الأعيان لتصلح لحظوظه وحظوظ ~~غيره، وهذا الاشتغال ms277 عبارة عن الصناعات والحرف التي اشتغل الناس بها، بحيث ~~أنستهم أنفسهم وخالقهم وأغفلتهم عما خلقوا لأجله ولو عرفوا سبب الحاجة ~~إليها واقتصروا على قدر الضرورة، لم يستغرقهم اشتغال الدنيا والانهماك ~~فيها، ولما جهلوا بالدنيا وحكمتها وحظهم منها لم يقتصروا على قدر الاحتياج، ~~فأوقعوا أنفسهم في أشغالها، وتتابعت هذه الأشغال واتصلت بعضها ببعض، وتداعت ~~إلى غير نهاية محدودة، فغفلوا عن مقصودها، وتاهوا في كثرة الأشغال. فإن ~~أمور الدنيا لا يفتح منها باب إلا وتنفتح لأجله عشرة أبواب أخر، وهكذا ~~يتداعى إلى غير حد محصور وكأنها هاوية لا نهاية لعمقها، ومن وقع في مهواة ~~منها سقط منها إلى أخرى # PageV02P017 # .. وهكذا على التوالي، ألا ترى إن ما يضطر إليه الإنسان بالذات منحصر ~~بالمأكل والملبس والمسكن؟ ولذلك حدثت الحاجة إلى خمس صناعات هي أصول ~~الصناعات: الفلاحة، والرعاية للمواشي، والحياكة، والبناء، والاقتناص - أي ~~تحصيل ما خلق الله من الصيد والمعادن والحشائش والأحطاب - وتترتب على كل من ~~هذه الصناعات صناعات أخر، وهكذا إلى أن حدثت جميع الصناعات التي تراها في ~~العالم، وما من أحد إلا وهو مشتغل بواحدة منها أو أكثر إلا أهل البطالة ~~والكسالة، حيث غفلوا عن الاشتغال في أول الصبا، أو منعهم مانع واستمروا على ~~غفلتهم وبطالتهم، حتى نشأوا بلا شغل واكتساب، فاضطروا إلى الأخذ مما يسعى ~~فيه غيرهم ولذلك حدثت حرفتان خبيثتان هي (اللصوصية) و (الكدية) (15)، ولكل ~~واحد منهما أنواع غير محصورة لا تخفى على المتأمل. # فصل ذم الدنيا وأنها عدوة الله والانسان إعلم أن الدنيا عدوة لله ~~ولأوليائه ولأعدائه: أما عداوتها لله، فإنها قطعت الطريق على العبادة، ~~ولذلك لم ينظر إليها مذ خلقها، كما ورد في الأخبار (16). وأما عداوتها ~~لأوليائه وأحبائه، فإنها تزينت لهم بزينتها وعمتهم بزهرتها ونضارتها، حتى ~~تجرعوا مرارة الصبر في مقاطعتها. وأما عداوتها لأعدائه، فإنها استدرجتهم ~~بمكرها ومكيدتها واقتنصتهم بشباكها وحبائلها حتى وثقوا بها وعولوا عليها، ~~فاجتبوا منها حيرة وندامة تنقطع دونها الأكباد، ثم حرمتهم عن السعادة أبد ~~الآباد، فهم على فراقها يتحسرون، ومن مكائدها يستغيثون ولا يغاثون، بل ms278 يقال ~~لهم: # " إخسؤا فيها ولا تكلمون " (17). " أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا ~~بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولاهم ينصرون " (18). # والآيات الواردة في ذم الدنيا وحبها كثيرة، وأكثر القرآن مشتمل # PageV02P018 # على ذلك وصرف الخلق عنها ودعوتهم إلى الآخرة، بل هو المقصود من بعثة ~~الأنبياء، فلا حاجة إلى الاستشهاد بآيات القرآن لظهورها. فلنشر إلى نبذة من ~~الأخبار الواردة في ذم الدنيا وحبها وفي سرعة زوالها، قال رسول الله (ص): " ~~لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء ". ~~وقال رسول الله (ص): " الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ما كان لله منها ~~". وقال (ص): " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ". وقال (ص): من أصبح ~~والدنيا أكبر همه فليس من الله في شئ، وألزم الله قلبه أربع خصال: هما لا ~~ينقطع عنه أبدا، وشغلا لا يتفرغ منه أبدا، وفقرا لا ينال غناه أبدا، وأملا ~~لا يبلغ منتهاه أبدا ". وقال - صلى الله عليه وآله -: " يا عجبا كل العجب ~~للمصدق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور! ". وقال (ص): " لتأتينكم بعدي ~~دنيا تأكل إيمانكم كما تأكل النار الحطب ". وقال: " ألهاكم التكاثر، يقول ~~ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما تصدقت فأبقيت، أو أكلت فأفنيت، ~~أو لبست فأبليت؟ ". وقال: " أوحى الله - تعالى - إلى موسى: لا تركنن إلى حب ~~الدنيا، فلن تأتين بكبيرة هي أشد عليك منها ". # وقال (ص): " حب الدنيا رأس كل خطيئة ". وقال (ص): " من أحب دنياه أضر ~~بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه. فآثروا ما يبقى على ما يفنى ". ومر (ص) ~~على مزبلة، فوقف عليها وقال: " هلموا إلى الدنيا! " وأخذ خرقا قد بليت على ~~تلك المزبلة وعظاما قد نخرت، فقال: " هذه الدنيا! ". وقال (ص): " إن الله ~~لم يخلق خلقا أبغض إليه من الدنيا، وإنه لم ينظر إليها منذ خلقها ". (ص): " ~~الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له، ~~وعليها يعادي من لا علم عنده، وعليها يحسد من لا فقه له، ms279 ولها يسعى من لا ~~يقين له ". # وقال (ص): " لما هبط آدم من الجنة إلى الأرض قال له: ابن للخراب ولد ~~للفناء ". وقال (ص): " لتجيئن أقوام يوم القيامة وأعمالهم كجبال تهامة، ~~فيؤمر بهم إلى النار "، فقيل: يا رسول الله! أمصلين؟ قال: # " نعم،! كانوا يصومون ويصلون ويأخذون هنيئة من الليل، فإذا عرض ~~PageV02P019 # لهم من الدنيا شئ وثبوا عليه ". وقال (ص): " هل منكم من يريد أن يذهب ~~الله عنه العمى ويجعله بصيرا؟ ألا إنه من رغب في الدنيا وطال فيها أمله ~~أعمى الله قلبه على قدر ذلك، ومن زهد في الدنيا وقصر أمله فيها أعطاه الله ~~علما بغير تعلم وهدى بغير هداية ". وقال (ص): " فوالله ما الفقر أخشى ~~عليكم، ولكني أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، ~~فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم ". وقال: " أكثر ما أخاف ~~عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض "، فقيل: ما بركات الأرض؟ قال: " ~~زهرة الدنيا ". وقال (ص): # " دعوا الدنيا لأهلها، من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه فقد أخذ حتفه وهو ~~لا يشعر ". وقال (ص): " سيأتي قوم بعدي يأكلون أطايب الطعام وأنواعها، ~~وينكحون أجمل النساء وألوانها، ويلبسون ألين الثياب وألوانها، ويركبون أقوى ~~الخيل وألوانها، لهم بطون من القليل لا تشبع، وأنفس بالكثير لا تقنع، ~~عاكفين على الدنيا، يغدون ويروحون إليها، اتخذوها آلهة دون إلههم وربا دون ~~ربهم إلى أمرهم ينتهون وهواهم يلعبون، فعزيمة من محمد بن عبد الله لمن أدرك ~~ذلك الزمان من عقب عقبكم وخلف خلفكم أبدا لا يسلم عليهم ولا يعود مرضاهم ~~ولا يتبع جنائزهم ولا يوقر كبيرهم، ومن فعل ذلك فقد أعان على هدم الإسلام ~~". وقال (ص): " ما لي وللدنيا وما أنا والدنيا؟! # إنما مثلي ومثلها كمثل راكب سار في يوم صائف، فرفعت له شجرة، فقال تحت ~~ظلها ساعة، ثم راح وتركها ". وقال (ص): " إحذروا الدنيا، فإنها أسحر من ~~هاروت وماروت ". وقال (ص): " حق على الله ألا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه ~~". وقال عيسى بن مريم (ع): ms280 " ويل لصاحب الدنيا! كيف يموت ويتركها، ويأمنها ~~وتغره، ويثق بها وتخذله، ويل للمغترين! كيف ألزمهم ما يكرهون، وفارقهم ما ~~يحبون، وجاءهم ما يوعدون ويل لمن أصبحت الدنيا همه والخطايا عمله! كيف ~~يفتضح غدا بذنبه ". # وقال (ع): " من ذا الذي يبني على أمواج البحر دارا تلكم الدنيا، فلا ~~تتخذوها قرارا ". وقال (ع): " لا يستقيم حب الدنيا والآخرة في قلب مؤمن، ~~كما لا يستقيم الماء والنار في إناء واحد ". وأوحى الله - تعالى - ~~PageV02P020 # إلى موسى: " يا موسى! ما لك ولدار الظالمين! إنها ليست لك بدار، أخرج ~~منها همك وفارقها بعقلك فبئست الدار هي، إلا لعامل يعمل فيها فنعمت الدار ~~هي، يا موسى! إني مرصد للظالم حتى آخذ منه للمظلوم ". وأوحى إليه: " يا ~~موسى! لا تركنن إلى حب الدنيا، فلن تأتين بكيرة هي أشد منها ". ومر موسى ~~(ع) برجل وهو يبكي، ورجع وهو يبكي، فقال موسى: " يا رب! عبدك يبكي من ~~مخافتك "، فقال تعالى: " يا بن عمران! # لو نزل دماغه مع عينيه ورفع يديه حتى يسقطا لم أغفر له وهو يحب الدنيا! ~~". # وقال أمير المؤمنين (ع) - بعد ما قيل له صف لنا الدنيا -: " وما أصف لك ~~من دار من صح فيها سقم، ومن أمن فيها ندم، ومن افتقر فيها حزن، ومن استغنى ~~فيها افتتن، في حلالها الحساب، وفي حرامها العقاب ". # وقال (ع): " إنما مثل الدنيا كمثل الحية، ما ألين مسها وفي جوفها السم ~~الناقع، يحذرها الرجل العاقل ويهوى إليها الصبي الجاهل ". وقال في وصف ~~الدنيا: " ما أصف من دار أولها عناء وآخرها فناء، في حلالها حساب وفي ~~حرامها عقاب، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، ومن ساعاها فاتته، ~~ومن قعد عنها أتته، ومن بصر بها بصرته، ومن أبصر إليها أعمته ". وقال عليه ~~السلام في بعض مواعظه: " ارفض الدنيا، فإن حب الدنيا يعمي ويصم ويبكم ويذل ~~الرقاب، فتدارك ما بقي من عمرك، ولا تقل غدا وبعد غد، فإنما هلك من كان ~~قبلك بإقامتهم على الأماني والتسويف حتى أتاهم أمر الله بغتة وهم غافلون، ms281 ~~فنقلوا على أعوادهم إلى قبورهم المظلمة الضيقة، وقد أسلمهم الأولاد ~~والأهلون، فانقطع إلى الله بقلب منيب من رفض الدنيا وعزم ليس فيه انكسار ~~ولا انخزال ". وقال عليه السلام " لتغرنكم الحياة الدنيا، فإنها دار ~~بالبلاء محفوفة، وبالفناء معروفة، وبالغدر موصوفة، فكل ما فيها إلى زوال، ~~وهي بين أهلها دول وسجال، لا تدوم أحوالها، ولا يسلم من شرها نزالها، بينا ~~أهلها منها في رخاء وسرور إذا هم منها في بلاء وغرور، أحوال مختلفة، وتارات ~~متصرمة، العيش فيها مذموم، والرخاء فيها لا يدوم، وإنما أهلها فيها أغراض ~~مستهدفة ترميهم بسهامها، وتفنيهم بحمامها. واعلموا عباد الله إنكم وما أنتم ~~فيه من PageV02P021 # هذه الدنيا على سبيل من قد مضى، ممن كان أطول منكم أعمارا، وأشد منكم ~~بطشا، وأعمر ديارا وأبعد آثارا، فأصبحت أصواتهم هامدة خامدة من بعد طول ~~تقلبها، وأجسادهم بالية، وديارهم على عروشها خاوية، وآثارهم عافية، ~~استبدلوا بالقصور المشيدة والسرر والنمارق الممهدة الصخور والأحجار المسندة ~~في القبور اللاطئة الملحدة، فمحلها مقترب، وساكنها مغترب، بين أهل عمارة ~~موحشين، وأهل محلة متشاغلين، لا يستأنسون بالعمران، ولا يتواصلون تواصل ~~الجيران والأخوان، على ما بينهم من قرب الجوار ودنو الدار، وكيف يكون بينهم ~~تواصل، وقد طحنهم بكلكله البلاء، وأكلتهم الجنادل، والثرى، وأصبحوا بعد ~~الحياة أمواتا، وبعد نضارة العيش رفاتا، فجع بهم الأحباب، وسكنوا تحت ~~التراب، وظعنوا فليس لهم إياب، هيهات هيهات! # " كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون " (19). # فكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من البلى والوحدة في دار المثوى، ~~وارتهنتم في ذلك المضجع، وضمكم ذلك المستودع، وكيف بكم لو عاينتم الأمور، ~~وبعثرت القبور، وحصل ما في الصدور، وأوقفتم للتحصيل بين يدي الملك الجليل، ~~فطارت القلوب لإشفاقها منم سالف الذنوب، وهتكت عنكم الحجب والأستار، فظهرت ~~منكم العيوب والأسرار، هنا لك. # " تجزى كل نفس بما كسبت " (20). # وقال أيضا عليه السلام في بعض خطبه: " أوصيكم بتقوى الله والترك للدنيا ~~التاركة لكم، وإن كنتم لا تحبون تركها، المبلية أجسامكم، وأنتم تريدون ~~تجديدها، فإنما مثلكم ومثلها كمثل ms282 قوم في سفر سلكوا طريقا، وكأنهم قد ~~قطعوه، وأفضوا إلى علم، فكأنهم قد بلغوه، وكم عسى أن يجري المجرى حتى ينتهي ~~إلى الغاية، وكم عسى أن يبقى من له يوم في الدنيا، وطالب حثيث يطلبه حتى ~~يفارقها، فلا تجزعوا لبؤسها وضرائها فإنه إلى انقطاع ولا تفرحوا بمتاعها ~~ونعمائها فإنه إلى زوال، عجبت لطالب الدنيا والموت # PageV02P022 # يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه ". # وقال السجاد عليه السلام: " إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ~~ارتحلت مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا ~~من أبناء الدنيا، إلا وكونوا من الزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة، ~~إلا أن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطا والتراب فراشا والماء طيبا، ~~وقرضوا من الدنيا تقريضا، ألا ومن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن ~~أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب، إلا ~~أن لله عبادا كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين وكمن رأى أهل النار في ~~النار معذبين، شرورهم مأمونة، وقلوبهم محزونة أنفسهم عفيفة، وحوائجهم ~~خفيفة، صبروا أياما قليلة، فصاروا بعقبى راحة طويلة، أما الليل فصافون ~~أقوامهم، تجري دموعهم على خدودهم، وهم يجأرون إلى ربهم، يسعون في فكاك ~~رقابهم، وأما النهار فحلماء علماء بررة أتقياء كأنهم القداح، قد براهم ~~الخوف من العبادة، ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى، وما بالقوم من مرض، أم ~~خولطوا، فقد خالط القوم أمر عظيم من ذكر النار وما فيها ". وقال عليه ~~السلام: " ما من عمل بعد معرفة الله عز وجل ومعرفة رسوله (ص) أفضل من بغض ~~الدنيا، فإن لذلك لشعبا كثيرة وللمعاصي شعبا. فأول ما عصي الله به الكبر ~~معصية إبليس حين أبى واستكبر وكان من الكافرين. ثم الحرص، وهي معصية آدم ~~وحواء حين قال الله عز وجل لهما: # " فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين " (21). # فأخذا ما لا حاجة بهما إليه، فدخل ذلك على ذريتهما إلى يوم القيامة وذلك ~~أن أكثر ما يطلب ابن آدم ما لا ms283 حاجة به إليه. ثم الحسد، وهو معصية ابن آدم ~~حيث حسد أخاه فقتله، فتشعب من ذلك حب النساء وحب الدنيا، وحب الرئاسة، وحب ~~الراحة وحب الكلام وحب العلو والثروة، فصرن سبع خصال، فاجتمعن كلهن في حب ~~الدنيا. فقال الأنبياء والعلماء - بعد معرفة ذلك -: حب الدنيا رأس كل ~~خطيئة، والدنيا دنيا آن: # PageV02P023 # دنيا بلاغ ودنيا ملعونة ". وقال الباقر عليه السلام لجابر: " يا جابر! # إنه من دخل قلبه صافي خالص دين الله شغل قلبه عما سواه، يا جابر! ما ~~الدنيا وما عسى أن تكون الدنيا؟! هل هي الاطعام أكلته، أو ثوب لبسته أو ~~امرأة أصبتها؟ يا جابر! إن المؤمنين لم يطمأنوا إلى الدنيا ببقائهم فيها ~~ولم يأمنوا قدومهم الآخرة. يا جابر! الآخرة دار قرار، والدنيا دار فناء ~~وزوال، ولكن أهل الدنيا أهل غفلة، وكان المؤمنون هم الفقهاء أهل فكرة ~~وعبرة، لم يصمهم عن ذكر الله جل اسمه ما سمعوا بآذانهم، ولم يعمهم عن ذكر ~~الله ما رأوا من الزينة بأعينهم، ففازوا بثواب الآخرة كما فازوا بذلك العلم ~~" (22). وقال الصادق عليه السلام: " مثل الدنيا كمثل ماء البحر، كلما شرب ~~منه العطشان ازداد عطشا حتى يقتله ". وقال: فيما ناجى الله عز وجل به موسى: ~~" يا موسى! لا تركن إلى الدنيا ركون الظالمين وركون من اتخذها أبا وأما. يا ~~موسى! لو وكلتك إلى نفسك لتنظر لها إذن لغلب عليك حب الدنيا وزهرتها. يا ~~موسى! نافس في الخير أهله واستبقهم إليه فإن الخير كاسمه، واترك من الدنيا ~~ما بك الغنى عنه، ولا تنظر عينك إلى كل مفتون بها وموكل إلى نفسه، واعلم أن ~~كل فتنة بدؤها حب الدنيا، ولا تغبط أحدا بكثرة المال، فإن مع كثرة المال ~~تكثر الذنوب لواجب الحقوق ولا تغبطن أحدا يرضى الناس عنه، حتى تعلم أن الله ~~راض عنه، ولا تغبطن مخلوقا بطاعة الناس له، فإن طاعة الناس له واتباعهم ~~إياه على غير الحق هلاك له ولمن تبعه ". وأوحى الله تعالى إلى موسى وهارون ~~لما أرسلهما إلى فرعون: " لو شئت أن أزينكما ms284 بزينة من الدنيا، يعرف فرعون ~~حين يراها أن مقدرته تعجز عما أوتيتما لفعلت، ولكني أرغب لكما عن ذلك وأزوي ~~ذلك عنكما، وكذلك أفعل بأوليائي، إني لأزويهم عن نعيمها، كما يزوي الراعي ~~الشفيق غنمه عن مواقع الهلكة، وإني لأجنبهم عيش سلوتها، كما يجنب الراعي ~~الشفيق إبله عن مواقع الغرة، وما ذلك لهوانهم علي، ولكن # PageV02P024 # ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفورا، إنما يتزين إلي أوليائي: بالذل ~~والخشوع والخوف والتقوى ". وقال الكاظم عليه السلام: " قال أبو ذر - رحمه ~~الله -: جزى الله الدنيا عن مذمة بقدر رغيفين من الشعير، أتغدى بأحدهما ~~وأتعشى بالآخر، وبعد شملتي الصوف، أتزر بإحداهما وأتردى بالأخرى ". وقال ~~لقمان لابنه: " يا بني! بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا، ولا تبع آخرتك ~~بدنياك تخسرهما جميعا ". وقال له: " يا بني! # إن الدنيا بحر عميق، وقد غرق فيها ناس كثير، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله ~~عز وجل وحشوها الإيمان، وشراعها التوكل على الله، لعلك ناج وما أراك ناجيا ~~". وقال: " يا بني! إن الناس قد جمعوا قبلك لأولادهم، فلم يبق ما جمعوا ولم ~~يبق من جمعوا له، وإنما أنت عبد مستأجر قد أمرت بعمل ووعدت عليه أجرا، فاوف ~~عملك واستوف أجرك، ولا تكن في هذه الدنيا بمنزلة شاة وقعت في زرع أخضر ~~فأكلت حتى سمنت، فكان حتفها عند سمنها، ولكن اجعل الدنيا بمنزلة قنطرة على ~~نهر جزت عليها وتركتها، ولم ترجع إليها آخر الدهر، أخربها ولا تعمر، فإنك ~~لم تؤمر بعمارتها، واعلم أنك ستسأل غدا إذا وقفت بين يدي الله - عز وجل - ~~عن أربع: # شبابك فيما أبليته. وعمرك فيما أفنيته: ومالك مما اكتسبته، وفيما أنفقته ~~فتأهب لذلك، وأعد له جوابا، ولا تأس على ما فاتك من الدنيا. قال قليل ~~الدنيا لا يدوم بقاؤه، وكثيرها لا يؤمن بلاؤه، فخذ حذرك وجد في أمرك واكشف ~~الغطاء عن وجهك، وتعرض لمعروف ربك، وجدد التوبة في قلبك واكمش في فراغك قبل ~~أن يقصد قصدك، ويقضى قضاؤك، ويحال بينك وبين ما تريد ". # وقال بعض الحكماء: " الدنيا دار خراب، وأخرب منها قلب ms285 من يعمرها. والجنة ~~دار عمران، وأعمر منها قلب من يعمرها ". وقال بعضهم، " الدنيا لمن تركها، ~~والآخرة لمن طلبها ". وقال بعضهم: " إنك لن تصبح في شئ من الدنيا إلا وقد ~~كان له أهل قبلك، ويكون له أهل بعدك، وليس لك من الدنيا إلا عشاء ليلة ~~وغداء يوم، فلا تهلك نفسك في أكلة، وصم الدنيا، وأفطر على الآخرة، فإن رأس ~~مال الدنيا الهوى، وربحها النار ". PageV02P025 # وقال بعض أكابر الزهاد: " الدنيا تخلق الأبدان، وتجدد الآمال، وتقرب ~~المنية، وتبعد الأمنية، ومن ظفر بها تعب، ومن فاتته نصب ". وقال بعضهم: # " ما في الدنيا شئ يسرك إلا وقد التزق به شئ يسؤك ". وقال آخر: # " لا تخرج نفس ابن آدم من الدنيا إلا بحسرات ثلاث: إنه لم يشبع مما جمع، ~~ولم يدرك ما أمل، ولم يحسن الزاد لما قدم عليه ". وقال حكيم: # " كانت الدنيا ولم أكن فيها، وتذهب ولا أكون فيها، فكيف أسكن إليها؟ # فإن عيشها نكد، وصفوها كدر، وأهلها منها على وجل، إما بنعمة زائلة، أو ~~بلية نازلة، أو منية قاضية ". وقال بعض العرفاء: " الدنيا حانوت الشيطان، ~~فلا تسرق من حانوته شيئا، فيجئ في طلبك ويأخذك ". وقال بعضهم: " لو كانت ~~الدنيا من ذهب يفنى والآخرة من خزف يبقى، لكان ينبغي أن يختار العاقل خزفا ~~يبقى على ذهب يفنى، فكيف والآخرة ذهب يبقى والدنيا أدون من خزف يفنى؟ " وقد ~~ورد: " إن العبد إذا كان معظما للدنيا، يوقف يوم القيامة، ويقال: هذا عظم ~~ما حقره الله ". وروي: # " أنه لما بعث النبي (ص) أتت إبليس جنوده، فقالوا: قد بعث نبي وأخرجت ~~أمة، قال: يحبون الدنيا؟ قالوا: نعم! قال: إن كانوا يحبونها ما أبالي ألا ~~يعبدوا الأوثان، وأنا أغدو عليهم وأروح بثلاثة: أخذ المال من غير حقه، ~~وإنفاقه في غير حقه، وإمساكه عن حقه، والشر كله لهذا تبع ". وروي: # " إنه أوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه: احذر مقتك، فتسقط من عيني، فأصب ~~عليك الدنيا صبا ". وقال بعض الصحابة: " ما أصبح أحد من الناس في الدنيا ~~إلا وهو ضيف، وماله عارية. ms286 فالضيف مرتحل، والعارية مردودة ". وقال بعضهم: " ~~إن الله جعل الدنيا ثلاثة أجزاء: جزء للمؤمن وجزء للمنافق، وجزء للكافر. ~~فالمؤمن يتزود، والمنافق يتزين، والكافر يتمتع ". وقيل: " من أقبل على ~~الدنيا أحرقته نيرانها حتى يصير رمادا، ومن أقبل على الآخرة صفته نيرانها ~~فصار سبيكة ذهب ينتفع بها، ومن أقبل على الله سبحانه، أحرقته نيران ~~التوحيد، فصار جوهرا لا حد لقيمته ". # وقيل أيضا: " العقلاء ثلاثة: من ترك الدنيا قبل أن تتركه، وبنى قبره قبل ~~أن يدخله، وارتضى خالقه قبل أن يلقاه ". وسأل بعض الأمراء رجلا PageV02P026 # بلغ عمره مائتي سنة عن الدنيا، فقال: " سنيات بلاء، وسنيات رخاء، يوم ~~فيوم، وليلة فليلة، يولد ولد، ويهلك هالك، فلولا المولود باد الخلق، ولولا ~~الهالك لضاقت الدنيا بمن فيها "، فقال له الأمير: سل ما شئت قال: " أريد ~~منك أن ترد علي ما مضى من عمري، وتدفع عني ما حضر من أجلي "، قال: " لا ~~أملك ذلك، قال: " فلا حاجة لي عليك ". # والأخبار والآثار في ذم الدنيا وحبها، وفي سرعة زوالها وعدم الاعتبار ~~بها، وفي هلاك من يطلبها ويرغب إليها، وفي ضديتها للآخرة، أكثر من أن تحصى. ~~وما ورد في ذلك من كلام أئمتنا الراشدين، (لا) سيما عن مولانا أمير ~~المؤمنين - صلوات الله عليهم أجمعين إلى يوم الدين - فيه بلاغ لقوم زاهدين. ~~ومن تأمل في خطب علي (ع) ومواعظه - كما في نهج البلاغة وغيره - يظهر له ~~خساسة الدنيا ورذالتها. وقضية السؤال والجواب بين روح الأمين ونوح في كيفية ~~سرعة زوال الدنيا مشهورة، وحكاية مرور روح الله على قرية هلك أهلها من حب ~~الدنيا معروفة (23). # ولعظم آفة الدنيا وحقارتها ومهانتها عند الله، لم يرضها لأحد من أوليائه، ~~وحذرهم عن غوائلها، فتزهدوا فيها وأكلوا منها قصدا، وقدموا فضلا. # أخذوا منها ما يكفي، وتركوا ما يلهي. ولبسوا من الثياب ما ستر العورة، ~~وأكلوا من الطعام ما سد الجوع. نظروا إلى الدنيا بعين أنها فانية، وإلى ~~الآخرة أنها باقية، فتزودوا منها كزاد الراكب، فخربوا الدنيا وعمروا بها ~~الآخرة، ونظروا إلى الآخرة بقلوبهم فعلموا أنهم ms287 سينظرون إليها بأعينهم، ~~فارتحلوا إليها بقلوبهم لما علموا أنهم سيرتحلون إليها بأبدانهم. صبروا ~~قليلا ونعموا طويلا. # فصل خسائس صفات الدنيا إعلم أن للدنيا صفات خسيسة قد مثلت في كل صفة بما ~~تماثله فيها: # فمثالها في سرعة الفناء والزوال وعدم الثبات: مثل النبات الذي اختلط به ~~ماء السماء فاخضر، ثم أصبح هشيما تذروه الرياح، أو كمنزل # PageV02P027 # نزلته ثم ارتحلت عنه، أو كقنطرة تعبر عنها ولا تمكث عليها. وفي كونها ~~مجرد الوهم والخيال، وكونها مما لا أصل لها ولا حقيقة، كفئ الظلال، أو ~~خيالات المنام وأضغاث الأحلام، فإنك قد تجد في منامك ما تهواه، فإذا ~~استيقظت ليس معك منه شئ. # وفي عداوتها لأهلها وإهلاكها إياهم: بامرأة تزينت للخطاب، حتى إذا نكحتهم ~~ذبحتهم. فقد روي: " أن عيسى (ع) كوشف بالدنيا، فرآها في صورة عجوز شمطاء ~~هتماء عليها من كل زينة، فقال لها: كم تزوجت؟ # قالت: لا أحصيهم، قال: فكلهم مات عنك أو كلهم طلقك؟ قالت: بل كلهم قتلت، ~~فقال عيسى (ع): بؤسا لأزواجك الباقين، كيف لا يعتبرون بالماضين؟ # كيف تهلكينهم واحدا واحدا ولا يكونون منك على حذر؟! ". # وفي مخالفة باطنها لظاهرها: كعجوز متزينة تخدع الناس بظاهرها. # فإذا وقفوا على باطنها وكشفوا القناع عن وجهها، ظهرت لهم قبائحها. # روي: " أنه يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء زرقاء، أنيابها ~~بادية، مشوه خلقها، فتشرف على الخلائق، ويقال لهم: تعرفون هذه؟ # فيقولون: نعوذ بالله من معرفة هذه! فيقال: هذه الدنيا التي تفاخرتم ~~عليها، وبها تقاطعتم الأرحام، وبها تحاسدتم وتباغضتم وأغررتم، ثم يقذف بها ~~في جهنم فتنادي: أي رب! أين أتباعي وأشياعي؟ فيقول الله - عز وجل -: # ألحقوا بها أتباعها وأشياعها ". # وفي قصر عمرها لكل شخص بالنسبة إلى ما تقدمه من الأزل وما يتأخر عنه من ~~الأبد: كمثل خطوة واحدة، بل أقل من ذلك، بالنسبة إلى سفر طويل، بل بالنسبة ~~إلى كل مسافة الأرض أضعافا غير متناهية. # ومن رأى الدنيا بهذه العين لم يركن إليها، ولم يبال كيف انقضت أيامه في ~~ضيق وضر أو في سعة ورفاهية، ms288 بل لا يبني لبنة على لبنة. توفي سيد الرسل (ص) ~~وما وضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة. ورأى بعض أصحابه يبني بيتا من ~~جص، فقال: " أرى الأمر أعجل من هذا ". وإلى هذا أشار عيسى (ص) حيث قال: " ~~الدنيا قنطرة، فاعبروها ولا تعمروها ". # وفي نعومة ظاهرها وخشونة باطنها: مثل الحية التي يلين مسها PageV02P028 # ويقتل سمها. # وفي قلة ما بقي منها بالإضافة إلى ما سبق: مثل ثوب شق من أوله إلى آخره، ~~فبقي متعلقا في آخره، فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع. # وفي قلة نسبتها إلى الآخرة: كمثل ما يجعل أحد إصبعه في اليم، فلينظر بم ~~يرجع إليه من الأصل. # وفي تأدية علائقها بعض إلى بعض حتى ينجر إلى الهلاك: كماء البحر كلما شرب ~~منه العطشان ازداد عطشا حتى يقتله. # وفي تأدية الحرص عليها إلى الهلاك غما: كمثل دودة القز كلما ازدادت على ~~نفسها لفا كان أبعد لها من الخروج حتى تموت غما. # وفي تعذر الخلاص من تبعاتها واستحالة عدم التلوث بقاذوراتها بعد الخوض ~~فيها كالماشي في الماء، فإنه يمتنع إلا تبتل قدماه. # وفي نضارة أولها وخباثة عاقبتها: كالأطعمة التي تؤكل، فكما أن الطعام ~~كلما كان ألذ طعما وأكثر دسومة كان رجيعة أقذر وأشد نتنا، فكذلك كل شهوة من ~~شهوات الدنيا التي كانت للقلب أشهى وأقوى، فنتنها وكراهيتها والتأذي بها ~~عند الموت أشد، وهذا مشاهد في الدنيا. فإن المصيبة والألم والتفجع في كل ما ~~فقد بقدر الالتذاذ بوجوده وحرصه عليه وحبه له، ولذا ترى أن من نهبت داره ~~وأخذت أهله وأولاده، يكون تفجعه وألمه أشد مما إذا أخذ عبد من عبيده، فكل ~~ما كان عند الوجود أشهى عنده وألذ، فهو عند الفقد أدهى وأمر، وما للموت ~~معنى إلا فقد ما في الدنيا. # وفي تنعم الناس بها ثم تفجعهم على فراقها: مثل طبق ذهب عليه بخور ~~ورياحين، في دار رجل هيأه فيها، ودعا الناس على الترتيب واحدا بعد واحد ~~ليدخلوا داره، ويشمه كل واحد وينظر إليه، ثم يتركه لمن يلحقه، لا ليتملكه ms289 ~~ويأخذه، فدخل واحد وجهل رسمه، فظن أنه قد وهب ذلك له، فتعلق به قلبه، لما ~~ظن أنه له، فلما استرجع منه ضجر وتألم، ومن كان عالما برسمه انتفع به وشكره ~~ورده بطيب قلب وانشراح صدر. فكذلك من عرف سنة الله في الدنيا، علم أنها دار ~~ضيافة سبلت على المجتازين لينتفعوا بما فيها، كما ينتفع المسافر بالعواري، ~~ثم يتركوها ويتوجهوا إلى مقصدهم PageV02P029 # من دون صرف قلوبهم إليها، حتى تعظم مصيبتهم عند فراقها، ومن جهل سنة الله ~~فيها، ظن أنها مملوكة له، فيتعلق بها قلبه، فلما أخذت منه عظمت بليته ~~واشتدت مصيبته. # وفي اغترار الخلق بها وضعف إيمانهم بقوله تعالى في تحذيره إياهم غوائلها: ~~كمفازة غبراء لا نهاية لها، سلكوها قوم وتاهوا فيها بلا زاد وماء وراحلة، ~~فأيقنوا بالهلاك، فبينا هم كذلك إذ خرج عليهم رجل وقال أرأيتم إن هديتكم ~~إلى رياض خضر وماء رواء ما تعملون؟ قالوا: لا نعصيك في شئ. فأخذ منهم عهودا ~~ومواثيق على ذلك، فأوردهم ماء رواء ورياضا خضراء، فمكث فيهم ما شاء الله، ~~ثم قال: الرحيل! قالوا: إلى أين؟ # قال: إلى ماء ليس كمائكم، وإلى رياض ليست كرياضكم. فقال أكثرهم: # لا نريد عيشا خيرا من هذا، فلم يطيعوه. وقالت طائفة - وهم الأقلون -: # ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم بالله ألا تعصوه، وقد صدقكم في أول ~~حديثه؟ فوالله إنه صادق في هذا الكلام أيضا! فاتبعه هذا الأقل، فذهب فيهم ~~إلى أن أوردهم في ماء ورياض أحسن بمراتب شتى مما كانوا فيه أولا، وتخلف عنه ~~الأكثرون، فبدرهم عدو، فأصبحوا من بين قتيل وأسير. # تذنيب تشبيهات الدنيا وأهلها قد شبه بعض الحكماء حال الإنسان واغتراره ~~بالدنيا، وغفلته عن الموت وما بعده من الأهوال، وانهماكه في اللذات العاجلة ~~الفانية الممتزجة بالكدورات: بشخص مدلي في بئر، مشدود وسطه بحبل، وفي أسفل ~~ذلك البئر ثعبان عظيم متوجه إليه، منتظر سقوطه، فاتح فاه لالتقامه، وفي ~~أعلى ذلك البئر جرذان أبيض وأسود، لا يزالان يقرضان ذلك الحبل شيئا فشيئا، ~~ولا يفتران عن قرضه آنا من ms290 الآنات، وذلك الشخص، مع أنه يرى ذلك الثعبان ~~ويشاهد انقراض الحبل آنا فآنا، قد أقبل على قليل عسل قد لطخ به جدار ذلك ~~البئر وامتزج بترابه واجتمعت عليه زنابير كثيرة، وهو مشغول بلطعة منهمك ~~فيه، ملتذ بما أصاب منه مخاصم PageV02P030 # لتلك الزنابير عليه، قد صرف باله بأجمعه إلى ذلك، غير ملتفت إلى ما فوقه ~~وإلى ما تحته. فالبئر هو الدنيا، والحبل هو العمر، والثعبان الفاتح فاه هو ~~الموت، والجرذان الليل والنهار القارضان للعمر، والعسل المختلطة بالتراب هو ~~لذات الدنيا الممتزجة بالكدورات والآلام، والزنابير هم أبناء الدنيا ~~المتزاحمون عليها. # وشبه بعض العرفاء الدنيا وأهلها، في اشتغالهم بنعيمها وغفلتهم عن الآخرة، ~~وحسراتهم العظيمة بعد الموت، من فقدهم نعيم الجنة بسبب انغمارهم في خسائس ~~الدنيا: بقوم ركبوا السفينة، فانتهت بها إلى جزيرة، فأمرهم الملاح بالخروج ~~لقضاء الحاجة، وحذرهم المقام فيها، وخوفهم مرور السفينة واستعجالها، ~~فتفرقوا في نواحي الجزيرة، فقضى بعضهم حاجته، وبادر إلى السفينة، فصادف ~~المقام خاليا، فأخذ أوسع الأماكن وأوفقها بمراده. # وبعضهم توقف في الجزيرة، واشتغل بالنظر إلى أزهارها وأنوارها وأشجارها ~~وأحجارها ونغمات طيورها، ثم تنبه لخطر فوات السفينة، فرجع إليها، فلم يصادف ~~إلا مكانا ضيقا، فاستقر فيه. وبعضهم، بعد التنبه لخطر مرور السفينة، لما ~~تعلق قلبه ببعض أحجار الجزيرة وأزهارها وثمارها، لم تسمح نفسه بإهمالها، ~~فاستصحب منها جملة ورجع إلى السفينة، فلم يجد فيها إلا مكانا ضيقا لا يسعه ~~إلا بالتكلف والمشقة، وليس فيه مكان لوضع ما حمله، فصار ذلك ثقلا عليه ~~ووبالا، فندم على أخذها، ولم يقدر على رميها، فحملها في السفينة على عنقه ~~متأسفا على أخذها، وبعضهم اشتغل بمشاهدة الجزيرة، بحيث لم يتنبه أولا من ~~خطر مرور السفينة ومن نداء الملاح، حتى امتلأت السفينة، فتنبه أخيرا ورجع ~~إليها، مثقلا بما حمله من أحجار الجزيرة وحشائشها، ولما وصل إلى شاطئ البحر ~~سارت السفينة ولم يجد فيها موضعا أصلا، فبقي على شاطئ البحر. وبعضهم لكثرة ~~الاشتغال بمشاهدة الجزيرة وما فيها نسوا المركب بالمرة، ولم يبلغهم النداء ~~أصلا، لكثرة انغمارهم في أكل ms291 الثمار وشرب المياه والتنسم بالأنوار والأزهار ~~والتفرج بين الأشجار، فسارت السفينة وبقوا في الجزيرة من دون تنبههم بخطر ~~مرورها، فتفرقوا فيها، فبعضهم نهشته العقارب والحيات، وبعضهم PageV02P031 # افترسته السباع، وبعضهم مات في الأوحال، وبعضهم هلك من الندامة والحسرة ~~والغصة. وأما من بقي على شاطئ البحر فمات جوعا، وأما من وصل إلى المركب ~~مثقلا بما أخذه، فشغله الحزن بحفظها والخوف من فوتها وقد ضيق عليه مكانه، ~~فلم يلبث أن ذبلت ما أخذه من الأزهار، وعفنت الثمار، وكمدت ألوان الأحجار، ~~فظهر نتن رائحتها، فتأذى من نتن رائحتها ولم يقدر على إلقائها في البحر ~~لصيرورتها جزءا من بدنه، وقد أثر فيه ما أكل منها، ولم ينته إلى الوطن إلا ~~بعد إحاطة الأمراض والأسقام عليه لأجل ما لم ينفك عنه من النتن، فبلغ إليه ~~سقيما مدنفا، فبقي على سقمه أبدا، أو مات بعد مدة. وأما من رجع إلى المركب ~~بعد تضيق المكان، فما فاته إلا سعة المحل، فتأذى، بضيق المكان مدة، ولكن ~~لما وصل إلى الوطن استراح ومن رجع إليه أولا ووجد المكان الأوسع فلم يتأذ ~~من شئ أصلا ووصل إلى الوطن سالما. فهذا مثال أصناف أهل الدنيا في اشتغالهم ~~بحظوظهم العاجلة، ونسيانهم وطنهم الحقيقي، وغفلتهم عن عاقبة أمرهم. وما ~~أقبح بالعاقل البصير أن تغره بأحجار الأرض وهشيم النبت،: مع مفارقته عند ~~الموت وصيرورته كلا ووبالا عليه. # فصل عاقبة حب الدنيا وبغضها إعلم أنه لا يبلغ مع العبد عند الموت إلا ~~صفاء القلب، أعني ظهارته عن أدناس الدنيا وحبه لله وأنسه بذكره، وصفاء ~~القلب وطهارته لا يحصل إلا بالكف عن شهوات الدنيا، والحب لا يحصل إلا ~~بالمعرفة، والمعرفة لا تحصل إلا بدوام الفكرة، والأنس لا يحصل إلا بكثرة ~~ذكر الله والمواظبة عليه، وهذه الصفات الثلاث هي المنجيات المسعدات بعد ~~الموت، وهي الباقيات الصالحات. # أما طهارة القلب عن أدناس الدنيا، فهي الجنة بين العبد وبين عذاب الله، ~~كما ورد في الخبر: " إن أعمال العبد تناضل عنه، فإذا جاء العذاب من قبل ~~رجليه جاء قيام الليل يدفع ms292 عنه، وإذا جاء من قبل يديه جاءت الصدقة تدفع ~~عنه... " الحديث. PageV02P032 # وأما الحب والأنس، فهما يوصلان العبد إلى لذة المشاهدة واللقاء. # وهذه السعادة تتعجل عقيب الموت إلى أن يدخل الجنة، فيصير القبر روضة من ~~رياض الجنة، وكيف لا يصل صاحب الصفات الثلاث بعد موته غاية البهجة ونهاية ~~اللذة بمشاهدة جمال الحق، ولا يكون القبر عليه روضة من الرياض الخلد، ولم ~~يكن له إلا محبوب واحد، وكانت العوائق تعوقه عن الأنس بدوام ذكره ومطالعة ~~جماله، وبالموت ارتفعت العوائق وأفلت من السجن وخلى بينه وبين محبوبه، فقدم ~~عليه مسرورا سالما من الموانع آمنا من الفراق؟ # وكيف لا يكون محب الدنيا عند الموت معذبا ولم يكن له محبوب إلا الدنيا ~~وقد غصبت منه وحيل بينه وبينها، وسدت عليه طرق الحيلة في الرجوع إليه؟ وليس ~~الموت عدما، إنما هو فراق لمحاب الدنيا وقدوم على الله، فإذن سالك طريق ~~الآخرة هو المواظب على أسباب هذه الصفات الثلاث، وهي: # الذكر، والفكر، والعمل الذي يفطمه عن شهوات الدنيا ويبغض إليه ملاذها ~~ويقطعه عنها. وكل ذلك لا يمكن إلا بصحة البدن، وصحة البدن لا تنال إلا ~~بالقوت والملبس والمسكن، ويحتاج كل واحد إلى أسباب، فالقدر الذي لا بد منه ~~من هذه الثلاثة إذا أخذه العبد من الدنيا للآخرة لم يكن من أبناء الدنيا ~~وكانت الدنيا في حقه مزرعة الآخرة، وإن أخذ ذلك على قصد التنعم وحظ النفس ~~صار من أبناء الدنيا والراغبين في حظوظها. إلا أن الرغبة في حظوظ الدنيا ~~تنقسم إلى ما يعرض صاحبه لعذاب الله في الآخرة، وسمي ذلك حراما، وإلى ما ~~يحول بينه وبين الدرجات العلى ويعرضه لطول الحساب، ويسمى ذلك حلالا. ~~والبصير يعلم أن طول الموقف في عرصات القيامة لأجل المحاسبة أيضا عذاب، فمن ~~نوقش في الحساب عذب، ولذلك قال رسول الله (ص): " في حلالها حساب وفي حرامها ~~عقاب ". بل لو لم يكن الحساب لكان ما يفوت عن الدرجات العلى في الجنة وما ~~يرد على القلب من التحسر على تفويتها بحظوظ حقيرة خسيسة لابقاء ms293 لها، هو ~~أيضا عذاب. # ويرشدك إلى ذلك حالك في الدنيا إذا نظرت إلى أقرانك، وقد سبقوك إلى ~~السعادات الدنيوية، كيف ينقطع قلبك عليها حسرات، مع علمك بأنها سعادات ~~متصرمة لا بقاء لها، ومنغصة بكدورات لا صفاء لها، فما حالك ج: 2 ~~PageV02P033 # في فوات سعادات لا يحيط الوصف بعظمتها وتنقطع الأذهان والدهور دون ~~غايتها؟ وكل من تنعم في الدنيا، ولو بسماع صوت من طائر أو بالنظر إلى خضرة ~~أو بشربة ماء بارد، فهو ينقص من حظه في الآخرة، والتعرض لجواب السؤال فيه ~~ذل، وحذر، وخوف، وخطر، وخجل، وانكسار، ومشقة، وانتظار، وكل ذلك من نقصان ~~الحظ. # فالدنيا - قليلها وكثيرها، حلالها وحرامها - ملعونة، إلا ما أعان على ~~تقوى الله، فإن ذلك القدر ليس من الدنيا، وكل من كانت معرفته أقوى وأتم كان ~~حذره من نعيم الدنيا أشد وأعظم، حتى أن عيسى (ع) وضع رأسه على حجر لما نام ~~ثم رمى به، إذ تمثل له إبليس وقال: رغبت في الدنيا. وحتى أن سليمان عليه ~~السلام في ملكه كان يطعم الناس من لذائذ الأطعمة وهو يأكل خبز الشعير، فجعل ~~الملك على نفسه بهذا الطريق امتحانا وشدة، فإن الصبر من لذيذ الأطعمة مع ~~وجودها أشد. ولذا زوى الله تعالى الدنيا على نبينا (ص) فكان يطوي أياما، ~~وكان يشد الحجر على بطنه من الجوع، ولذا سلط الله المحن والبلاء على ~~الأنبياء والأولياء، ثم الأمثل فالأمثل في درجات العلى. كل ذلك نظرا لهم ~~وامتنانا عليهم، ليتوفر من الآخرة حظهم، كما يمنع الوالد المشفق ولده لذائذ ~~الفواكه والأطعمة ويلزمه القصد والحجامة، شفقة عليه وحبا له لا بخلا به ~~عليه. وقد عرفت بهذا أن كل ما ليس لله فهو من الدنيا وما هو لله فليس من ~~الدنيا. # ثم الأشياء على أقسام ثلاثة: # (الأول) ما لا يتصور أن يكون لله، بل من الدنيا صورة ومعنى، وهي أنواع ~~المعاصي والمحظورات وأصناف التنعم بالمباحات، وهي الدنيا المحضة المذمومة ~~على الإطلاق. # (الثاني) ما صورته من الدنيا، كالأكل والنوم والنكاح وأمثالها، ويمكن أن ~~يجعل معناه ms294 لله، فإنه يمكن أن يكون المقصود منه حظ النفس، فيكون معناه ~~كصورته أيضا من الدنيا، ويمكن أن يكون المقصود منه الاستعانة على التقوى، ~~فهو لله بمعناه وإن كانت صورته صورة الدنيا، قال رسول الله (ص): " من طلب ~~من الدنيا حلالا مكاثرا مفاخرا لقي الله PageV02P034 # وهو عليه غضبان، ومن طلبها استعفافا عن المسألة وصيانة لنفسه جاء يوم ~~القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر ". # (الثالثة) ما صورته لله، ويمكن أن يجعل معناه من الدنيا بالقصد، وهو ترك ~~الشهوات، وتحصيل العلم، وعمل الطاعات والعبادات. فهذه الثلاث إذا لم يكن ~~لها باعث سوى أمر الله واليوم والآخر فهي لله صورة ومعنى، ولم تكن من ~~الدنيا أصلا، وإن كان الغرض منها حفظ المال والحمية والاشتهار بالزهد ~~والورع وطلب القبول بين الخلق بإظهار المعرفة صار من الدنيا معنى وإن كان ~~يظن بصورته أنه لله ومنها: # حب المال وهو من شعب حب الدنيا، إذ حب الدنيا يتناول حب كل حظ عاجل، ~~والمال بعض أجزاء الدنيا، كما أن الجاه بعضها، واتباع شهوة البطن والفرج ~~بعضها، وتشفي الغيظ بحكم الغضب والحسد بعضها، والكبر وطلب العلو بعضها. # وبالجملة: لها أبعاض كثيرة يجمعها كل ما للانسان فيه حظ عاجل، فآفات ~~الدنيا كثيرة الشعب والأرجاء، واسعة الأرجاء والأكناف، ولكن أعظم آفاتها ~~المتعلقة بالقوة الشهوية هو (المال)، إذ كل ذي روح محتاج إليه ولا غناء له ~~عنه، فإن فقد حصل الفقر الذي يكاد أن يكون كفرا، وإن وجد حصل منه الطغيان ~~الذي لا تكون عاقبة أمره إلا خسرا، فهو لا يخلو من فوائد وآفات، وفوائده من ~~المنجيات وآفاته من المهلكات، وتمييز خيرها وشرها من المشكلات، إذ من فقده ~~تحصل صفة الفقر، ومن وجوده تحصل صفة الغناء، وهما حالتان يحصل بهما ~~الامتحان. # ثم (للفاقد) حالتان: القناعة، والحرص. وإحداهما محمودة والأخرى مذمومة. و ~~(للحريص) حالتان: تشمر للحرف والصنائع مع اليأس عن الخلق، وطمع بما في ~~أيديهم. وإحدى الحالتين شر من الأخرى. # و (للواجد) حالتان: إمساك، وإنفاق. وأحدهما مذموم والآخر ممدوح. # و (للمنفق) حالتان: إسراف، واقتصاد. والأول ms295 مذموم والثاني ممدوح. # وهذه أمور متشابهة لا بد أولا من تمييزها، ثم الأخذ بمحمودها والترك ~~PageV02P035 # لمذمومها، حتى تحصل النجاة من غوائل المال وفتنتها. ومن هنا قال بعض ~~الأكابر: الدرهم عقرب، فإن لم تحسن رقيته فلا تأخذه، فإنه إن لدغك قتلك ~~سمه. قيل وما رقيته؟ قال: أخذه من حله، ووضعه في حقه. # فصل ذم المال الكتاب والسنة متظاهران في ذم المال وكراهة حبه، قال الله ~~سبحانه: # " يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن ~~يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون " (24). وقال: " وأعلموا أنما أموالكم ~~وأولادكم فتنة " (25). وقال: " المال والبنون زينة الحياة الدنيا... " ~~الآية (26). # وقال رسول الله (ص): " حب المال والشرف ينبتان النفاق، كما ينبت الماء ~~البقل ". وقال (ص): " ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم بأكثر فسادا من ~~حب المال والجاه في دين الرجل المسلم "، وقال: " شر أمتي الأغنياء ". وقال ~~(ص): " يقول الله - تعالى -: يا ابن آدم! مالي. # مالي! وهل لك من مالك إلا ما تصدقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست ~~فأبليت؟! " وقال (ص): " أخلاء ابن آدم ثلاثة: واحد يتبعه إلى قبض روحه وهو ~~ماله، وواحد يتبعه إلى قبره وهو أهله، وواحد يتبعه إلى محشره وهو عمله ". ~~وقال (ص): يجاء بصاحب الدنيا الذي أطاع الله فيها وماله بين يديه، كلما ~~يكفأ به الصراط قال له ماله: إمض وقد أديت حق الله في. ثم يجاء بصاحب ~~الدنيا الذي لم يطع الله فيها وماله بين كفيه، كلما يكفأ به الصراط قال ~~ماله: ويلك؟ ألا أديت حق الله في؟... # فما يزال كذلك حتى يدعو بالثبور والويل ". وقال (ص): " إن الدينار ~~والدرهم أهلكا من كان قبلكم، وهما مهلكاكم ". وقال (ص): " لكل أمة " عجل، ~~وعجل هذه الأمة الدينار والدرهم ". وقال (ص): " يؤتى برجل يوم القيامة، وقد ~~جمع مالا من حرام وأنفقه في حرام. فيقال: إذهبوا # PageV02P036 # به إلى النار. ويؤتى برجل قد جمع مالا من حلال وأنفقه في حرام، فيقال: # إذهبوا به إلى النار. ويؤتى برجل قد جمع مالا من حرام وأنفقه ms296 في حلال، ~~فيقال اذهبوا به إلى النار. ويؤتى برجل قد جمع مالا من حلال وأنفقه في ~~حلال، فيقال له: قف لعلك قصرت في طلب هذا بشئ مما فرضت عليك من صلاة لم ~~تصلها لوقتها، وفرطت في شئ من ركوعها وسجودها ووضوئها فيقول: لا يا رب! ~~كسبت من حلال وأنفقت في حلال، ولم أضيع شيئا مما فرضت، فيقال: لعلك إختلت ~~في هذا المال في شئ من مركب أو ثوب باهيت به، لا يا رب! لم أختل ولم أباه ~~في شئ، فيقال: لعلك منعت حق أحد أمرتك أن تعطيه من ذوي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل، فيقول: # لا يا رب! لم أضيع حق أحد أمرتني أن أعطيه. فيجئ أولئك فيخاصمونه، ~~فيقولون: يا رب. أعطيته وأغنيته وجعلته بين أظهرنا وأمرته أن يعطينا، فإن ~~كان قد أعطاهم وما ضيع مع ذلك شيئا من الفرائض ولم يختل في شئ، فيقال: قف ~~الآن هات شكر نعمة أنعمتها عليك من أكلة أو شربة أو لقمة أو لذة... فلا ~~يزال يسأل ". # فليت شعري - يا أخي - إن الرجل الذي فعل في الحلال، وأدى الفرائض ~~بحدودها، وقام بالحقوق كلها، إذا حوسب بهذه المحاسبة، فكيف يكون حال ~~أمثالنا الغرقى في فتن الدنيا وتخاليطها، وشبهاتها وشهواتها وزينتها، فيا ~~لها من مصيبة ما أفظعها، ورزية ما أجلها، وحسرة ما أعظمها! # لا ندري ما تفعل بنا الدنيا غدا في الموقف عندي يدي الجبار. # ولخوف هذا الخطر قال بعض الصحابة: " ما يسرني أن اكتسب كل يوم ألف دينار ~~من حلال وأنفقها في طاعة الله، ولم يشغلني الكسب عن صلاة الجماعة "، قالوا ~~له: ولم ذلك رحمك الله؟ قال: " لأني غني عن مقامي يوم القيامة، فيقول الله ~~- عبدي من أين اكتسبت وفي أي شئ أنفقت؟ ". # فينبغي لكل مؤمن تقي ألا يتلبس بالدنيا، فيرضى بالكفاف، وإن كان معه فضل ~~فليقدمه لنفسه، إذ لو بقي بعده لكان له مفاسد وآفات. روي: # " أنه قال رجل: يا رسول الله، ما لي لا أحب الموت؟ فقال: هل معك من مال؟ ~~قال: نعم ms297 يا رسول الله، قال: قدم مالك أمامك، فإن قلب المؤمن مع ~~PageV02P037 # ماله، إن قدمه أحب أن يلحقه، وإن خلفه أحب أن يتخلف معه ". # ووضع أمير المؤمنين (ع) درهما على كفه، ثم قال: " أما إنك ما لم تخرج عني ~~لا تنفعني ". وروي: " إن أول ما ضرب الدينار والدرهم رفعهما إبليس، ثم ~~وضعهما على جبهته، ثم قبلهما وقال: من أحبكما فهو عبدي حقا ". وقال عيسى ~~(ع): " لا تنظروا إلى أموال أهل الدنيا، فإن بريق أموالهم يذهب بنور ~~إيمانكم ". وقال بعض الأكابر: " مصيبتان لم يسمع الأولون والآخرون بمثلهما ~~للعبد في ماله عند موته "، قيل: وما هما؟ قال: # " يؤخذ منه كله، ويسأل عنه كل ". # ثم جميع ما ورد في ذم الغنى ومدح الفقر - كما يأتي بعضه -، وجميع ما ورد ~~في ذم الدنيا - كما تقدم بعضه - يتناول ذم المال، لأنه أعظم أركان الدنيا. # فصل الجمع بين ذم المال ومدحه إعلم أنه كما ورد ذم المال في الآيات ~~والأخبار ورد مدحه فيهما أيضا، وقد سماه الله خيرا في مواضع، فقال: # " إن ترك خيرا الوصية... " (27). وقال في مقام الامتنان: " ويمددكم ~~بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا " (28). # وقال رسول الله (ص): " نعم المال الصالح للرجل الصالح ". # وكل ما جاء في ثواب الصدقة، والضيافة، والسخاء، والحج، وغير ذلك مما لا ~~يمكن الوصول إليه إلا بالمال، فهو ثناء عليه. # ووجه الجمع بين الظواهر المادحة والذامة هو: أن المال قد يكون وسيلة إلى ~~مقصود صحيح هو السعادة الأخروية، إذ الوسائل إليها في الدنيا ثلاث، وهي: ~~الفضائل النفسية، والفضائل البدنية، والفضائل الخارجية التي عمدتها المال. ~~وقد يكون وسيلة إلى مقاصد فاسدة، وهي المقاصد الصادة عن السعادة الأخروية ~~والحياة الأبدية، والصادة سبيل العلم والعمل. # PageV02P038 # فهو إذن محمود ومذموم بالإضافة إلى المقصودين. فالظواهر الذامة محمولة ~~على صورة كونه وسيلة إلى مقاصد فاسدة، والمادحة على صورة كونه وسيلة إلى ~~مقاصد صحيحة. ولما كانت الطبائع مائلة إلى اتباع الشهوات القاطعة لسبيل ~~الله، وكان المال مسهلا لها وآلة إليها، عظم الخطر في ما يزيد على ms298 قدر ~~الكفاية، فاستعاذ طوائف الأنبياء والأولياء من شره، حتى قال نبينا (ص): " ~~اللهم اجعل قوت آل محمد كفافا ". وقال (ص): # " اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا ". # فصل غوائل المال وفوائده قد ظهر مما ذكر: أن المال مثل حية فيها سم ~~وترياق، فغوائله سمه، وفوائده ترياقه، فمن عرفها أمكنه أن يحترز من شره ~~ويستدر منه خيره. # ولبيان ذلك نقول: إن غوائله إما دنيوية أو دينية: # والدنيوية: هي ما يقاسيه أرباب الأموال: من الخوف والحزن، والهم، والغم، ~~وتفرق الخاطر، وسوء العيش، والتعب في كسب الأموال وحفظها، ودفع الحساد وكيد ~~الظالمين، وغير ذلك. # والدينية ثلاثة أنواع: # أولها - أداؤه إلى المعصية. إذ المال من الوسائل إلى المعاصي، ونوع من ~~القدرة المحركة لداعيتها. فإذا استشعرها الإنسان من نفسه، انبعثت الداعية، ~~واقتحم في المعاصي، وارتكب أنواع الفجور. ومهما كان آيسا عن القدرة لم ~~يتحرك داعية إليها. إذ العجز قد يحول بين المرء وبين المعصية، ومن العصمة ~~ألا يقدر، وأما مع القدرة، فإن اقتحم ما يشتهيه هلك، وإن صبر وقع في شدة. ~~إذ الصبر مع القدرة أشد، وفتنة السراء من فتنة الضراء أعظم. # وثانيها - أداؤه إلى التنعم في المباحات. فإن الغالب أن صاحب المال يتنعم ~~بالدنيا ويمرن عليه نفسه، فيصير التنعم محبوبا عنده مألوفا، بحيث لا يصبر ~~عنه، ويجره البعض منه إلى البعض. وإذا اشتد ألفه به وصار عادة له، ربما لم ~~يقدر عليه من الحلال، فيقتحم في الشبهات ويخوض في PageV02P039 # المحرمات: من الخيانة، والغصب، والرياء، والكذب، والنفاق والمداهنة، ~~وسائر الأخلاق المهلكة، والأشغال الردية، لينتظم أمر دنياه ويتيسر له ~~تنعمه. وما أقل لصاحب الثروة والمال ألا يصير التنعم مألوفا له، إذ متى ~~يقدر أن يقنع بخبز الشعير ولبس الخشن وترك لذيذ الأطعمة بأسرها، فإنما ذلك ~~شأن نادر من أولي النفوس القوية القدسية، كسليمان بن داود (ع) وأمثاله. على ~~أن من كثر ماله كثرت حاجته إلى الناس، ومن أحتاج إلى الناس فلا بد أن ~~ينافقهم ويسخط الله في طلب رضاهم، فإن سلم من الآفة الأولى، أعني مباشرة ~~المحرمات، فلا ms299 يسلم من هذه أصلا. # ومن الحاجة إلى الناس تثور العداوة والصداقة، ويحصل الحقد، والحسد، ~~والكبر، والرياء، والكذب، والغيبة، والبهتان، والنميمة، وسائر معاصي القلب ~~واللسان، وكل ذلك يلزم من شؤم المال والحاجة إلى حفظه وإصلاحه. # وثالثها - وهو الذي لا ينفك عنه أحد من أرباب الأموال، وهو أنه يلهيه ~~إصلاح ماله وحفظه عن ذكر الله تعالى، وكل ما يشغل العبد عن الله تعالى فهو ~~خسران ووبال. ولذا قال روح الله (ع): " في المال ثلاث آفات، أن يأخذه من ~~غير حله "، فقيل: إن أخذه من حله؟ قال: " يضعه في غير حقه "، فقيل: إن وضعه ~~في حقه؟ فقال: " يشغله إصلاحه عن الله ". وهذا هو الداء العضال، إذ أصل ~~العبادات وروحها وحقيقتها هو الذكر والفكر في جلال الله تعالى، وذلك يستدعي ~~قلبا فارغا. وصاحب الضيعة يصبح ويمسي متفكرا في خصومة الفلاح ومحاسبته ~~وخيانته، ومنازعة الشركاء وخصومتهم في المال والحدود، وخصومة أعوان السلطان ~~في الخراج، وخصومة الأجراء في التقصير في العمارة وغير ذلك. وصاحب التجارة ~~يكون متفكرا في خيانة الشركاء وانفرادهم بالربح وتقصيرهم في العمل وتضييعهم ~~المال، ويكون غالبا في بلاد الغربة متفرق الهم محزون القلب من كساد ما ~~يصحبه من مال التجارة. وكذلك صاحب المواشي وغيره من أرباب أصناف الأموال. ~~وأبعدها عن كثرة الشغل النقد المكنون تحت الأرض، وصاحبه أيضا لا يزال ~~متفكرا مترددا فيما يصرف إليه، وفي كيفية حفظه، وفي الخوف ممن يعثر عليه، ~~وفي دفع طمع الخلق منه. وبالجملة: أودية PageV02P040 # أفكار أهل الدنيا لا نهاية لها، والذي ليس معه إلا قوت يومه أو سنته، ولا ~~يطلب أزيد من ذلك، فهو في سلامة من جميع ذلك. # وأما فوائده: فهي أيضا دنيوية ودينية: # أما الدنيوية: فهي ما يتعلق بالحظوظ العاجلة: من الخلاص من ذل السؤال، ~~وحقارة الفقر، والوصول إلى العز والمجد بين الخلق، وكثرة الأخوان والأصدقاء ~~والأعوان، وحصول الوقار والكرامة في القلوب. # وأما الدينية: فثلاثة أنواع: # أولها - أن ينفقه على نفسه في عبادة، كالحج والجهاد، أو فيما يقوى على ~~العبادة، كالمطعم والملبس والمسكن. # وثانيا - أن ms300 يصرفه إلى أشخاص معينة: كالصدقة، والمروة، ووقاية العرض، ~~وأجرة الاستخدام. وأما الصدقة بأنواعها، فلا يحصى ثوابها وربما نشير إلى ~~فضيلتها في موضعها. وأما المروة، ونعني بها صرف المال إلى الأغنياء ~~والأشراف في ضيافة أو هدية أو إعانة وما يجري مجراها مما يكتسب به الأخوان ~~والأصدقاء ويجلب به صفة الجود والسخاء، إذ لا يتصف بالجود إلا من يصطنع ~~المعروف ويسلك سبيل الفتوة والمروة، فلا ريب في كونه مما يعظم ثوابه. فقد ~~وردت أخبار كثيرة في الهدايا والضيافات وإطعام الطعام، من غير اشتراط الفقر ~~والفاقة في مصارفها. وأما وقاية العرض، ونعني بها بذل المال لدفع ثلب ~~السفهاء، وهجو الشعراء، وقطع السنة الفاحشين والمغتابين، ومنع شر الظالمين ~~وأمثال ذلك، فهو أيضا من الفوائد الدينية. قال رسول الله (ص): " ما وقى ~~المرء به عرضه فهو له صدقة ". # وأما أجرة الاستخدام، فلا ريب في إعانته على أمور الدين، إذ الأعمال التي ~~يحتاج إليها الإنسان لتهيئة أسبابه كثيرة، ولو تولاها بنفسه ضاعت أوقاته ~~وتعذر عليه سلوك سبيل الآخرة بالفكر والذكر الذي هو أعلى مقامات السالكين، ~~ومن لا مال له يحتاج أن يتولى بنفسه جميع الأعمال التي يحتاج إليها في ~~الدنيا، حتى نسخ الكتاب الذي يفتقر إليه، وكلما يتصور أن يقوم به الغير ~~فتضييع الوقت فيه خسران وندامة. # وثالثها - أن يصرفه إلى غير معين يحصل به خير عام، وهي الخيرات ~~PageV02P041 # الجارية: من بناء المساجد، والمدارس، والقناطر، والرباطات، ونصب الخشبات ~~في الطرق، وإجراء القنوات، ونسخ المصاحف والكتب العلمية، وغير ذلك من ~~الأوقاف المرصدة للخيرات المؤبدة، الدائرة بعد الموت، المستجلبة ببركة ~~أدعية الصالحين إلى أوقات متمادية. # فصل الأموال المنجية من غوائل المال من أراد النجاة من غوائل المال، ~~فليحافظ على أمور: # الأول - أن يعرف مقصود المال وباعث خلقه وعلة الاحتياج إليه، حتى لا ~~يكتسب ولا يحفظ إلا قدر حاجته. # الثاني - أن يراعي جهة دخله، فيجتنب الحرام والمشتبه، والجهات المكروهة ~~القادحة في المروة والحرية، كالهدايا المشوبة بالرشوة، والسؤال الذي فيه ~~الانكسار والذلة. # الثالث - أن يراعي جهة الخرج، ويقتصد في الإنفاق، ms301 غير مبذر ولا مقتر. قال ~~الله تعالى: # " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما " (29). # وقال النبي (ص): " ما عال من اقتصد ". ثم للاقتصاد في المطعم والملبس ~~والمسكن درجات ثلاث: أدنى وأوسط وأعلى، وربما كان الميل إلى الأولى أحرى ~~وأولى، ليدخل في زمرة المخفين يوم القيامة. # الرابع - أن يضع ما اكتسبه من حله في حقه، ولا يضعه في غير حقه فإن الإثم ~~في الأخذ من غير حله والوضع في غير حقه سواء. # الخامس - أن يصلح نيته في الأخذ والترك والإنفاق والإمساك، فيأخذ ما يأخذ ~~استعانة به على ما خلق لأجله، ويترك ما يترك زهدا فيه واستحقارا له ~~واجتنابا عن وزره وثقله، وإذا فعل ذلك لم يضره وجوده. # قال أمير المؤمنين عليه السلام: " لو أن رجلا أخذ جميع ما في الأرض وأراد ~~به وجه الله فهو زاهد، ولو ترك الجميع ولم يرد به وجه الله فليس بزاهد ". # PageV02P042 # فينبغي لكل مؤمن أن يكون باعث جميع أفعاله التقرب إلى الله ليصير الجميع ~~عبادة. فإن أبعد الأفعال من العبادة الأكل والوقاع وقضاء الحاجة، ويصير ~~بالقصد عبادة. فمن أخذ من المال ما يحتاج إليه في طريق الدين، وبذل ما فضل ~~منه على إخوانه المؤمنين، فهو الذي أخذ من حية المال ترياقها واتقى سمها، ~~فلا تضره كثرة المال. إلا أنه لا يتأتى ذلك إلا لمن كثر علمه واستحكمت في ~~الدين قدمه. والعامي إذ يشتبه به في الاستكثار من المال، فشأنه شأن الصبي ~~الذي يرى المعزم الحاذق يأخذ بالحية ويتصرف بها ليأخذ ترياقها، فيقتدي به ~~ويأخذ مستحسنا صورتها وشكلها ومستلينا جلدها فتقتله في الحال. إلا أن قتيل ~~الحية يدري أنه قتيل، وقتيل المال قد لا يعرف ذلك. وكما يمتنع أن يتشبه ~~الأعمى بالبصير في التخطي قلل الجبال وأطراف البحار والطرق المشوكة، فيمتنع ~~أن يتشبه العامي الجاهل بالعالم الكامل في الاستكثار من المال. # وصل الزهد ضد حب الدنيا والرغبة إليها هو (الزهد)، وهو ألا يريد الدنيا ~~بقلبه ويتركها بجوارحه، إلا بقدر ضرورة بدنه. وبعبارة أخرى: ms302 هو الإعراض من ~~متاع الدنيا وطيباتها، من الأموال والمناصب وسائر ما يزول بالموت. # وبتقرير آخر: هو الرغبة عن الدنيا عدولا إلى الآخرة، أو عن غير الله، ~~عدولا إلى الله، وهو الدرجة العليا. فمن رغب عن كل ما سوى الله حتى ~~الفراديس، ولم يحب إلا الله، فهو الزاهد المطلق. ومن رغب عن حظوظ الدنيا ~~خوفا من النار أو طمعا في نعيم الجنة، من الحور والقصور والفواكه والأنهار، ~~فهو أيضا زاهد، ولكنه دون الأول. ومن ترك بعض حظوظ الدنيا دون بعض، كالذي ~~يترك المال دون الجاه، أو يترك التوسع في الأكل دون التجمل في الزينة، لا ~~يستحق اسم الزاهد مطلقا. # وبما ذكر يظهر: أن الزهد إنما يتحقق إذا تمكن من نيل الدنيا وتركها، وكان ~~باعث الترك هو حقارة المرغوب عنه وخساسته، أعني الدنيا بالإضافة إلى ~~المرغوب إليه وهو الله والدار الآخرة، فلو كان الترك لعدم قدرته ~~PageV02P043 # عليها، أو لغرض غير الله تعالى وغير الدار الآخرة، من حسن الذكر، ~~واستمالة القلوب، أو الاشتهار بالفتوة والسخاء، أو الاستثقال لما في حفظ ~~الأموال من المشقة والعناء أو أمثال ذلك، لم يكن من الزهد أصلا. # فصل مدح الزهد الزهد أحد منازل الدين وأعلى مقامات السالكين. قال الله ~~سبحانه: # " فخرج على قومه في زينته... وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير ~~" (30). # فنسب الزهد إلى العلماء، ووصف أهله بالعلم، وهو غاية المدح. وقال: # " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا ~~لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى " (31). وقال: " ومن يريد حرث الدنيا نؤته ~~منها وماله في الآخرة من نصيب " (32). # وقال رسول الله (ص) " من أصبح وهمه الدنيا، شتت الله عليه أمره وفرق عليه ~~ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ولم يؤته من الدنيا إلا ما كتب له. ومن أصبح ~~وهمه الآخرة، جمع الله له همه، وحفظ عليه ضيعته، وجعل غناه في قلبه، وأتته ~~الدنيا وهي راغمة ". وقال (ص): " إذا رأيتم العبد قد أعطى صمتا وزهدا في ~~الدنيا فاقتربوا منه، فإنه يلقى الحكمة ". # وقال (ص): ms303 " من أراد أن يؤتيه الله علما بغير تعلم، وهدى بغير هداية، ~~فليزهد في الدنيا ". وقال (ص): " إزهد في الدنيا يحبك الله. وازهد فيما في ~~أيدي الناس يحبك الناس ". وقال (ص) لأمير المؤمنين عليه السلام " يا علي، ~~من عرضت له دنياه وآخرته فاختار الآخرة وترك الدنيا فله الجنة ومن اختار ~~الدنيا استخفافا بآخرته فله النار " وقال (ص): " سيكون بعدي قوم لا يستقيم ~~لهم الملك إلا بالقتل والتجبر ولا الغنى إلا بالفخر والبخل، ولا المحبة إلا ~~باتباع الهوى. ألا فمن أدرك ذلك الزمان منكم، # PageV02P044 # فصبر على الفقر وهو يقدر على الغناء، وصبر للبغضاء وهو يقدر على المحبة، ~~وصبر على الذل وهو يقدر على العز، لا يريد بذلك إلا وجه الله، أعطاه الله ~~ثواب خمسين صديقا ". وقال (ص): بعد ما سئل عن معنى شرح الصدر للإسلام -: " ~~إن النور إذا دخل القلب انشرح له وانفسح "، قيل: يا رسول الله، وهل لذلك من ~~علامة؟ قال: " نعم! التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، ~~والاستعداد للموت قيل نزوله ". وقال (ص): # " استحيوا من الله حق الحياء "، قالوا: إنا لنستحيي منه تعالى، قال: # " فليس كذلك، تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون ". وروي " أنه ~~قدم عليه بعض الوفود، وقالوا: إنا مؤمنون. قال: وما علامة إيمانكم؟ # فذكروا الصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضى بمواقع القضاء، وترك ~~الشماتة بالمصيبة إذا نزلت بالأعداء. فقال (ص): إن كنتم كذلك. # فلا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما لا تسكنون ولا تنافسوا فيما عنه ~~ترحلون ". فجعل الزهد من مكملات إيمانهم. وقال (ص): " من جاء بلا إله إلا ~~الله،، لا يخلط معها غيرها، وجبت له الجنة "، وفسر (غيرها) بحب الدنيا ~~وطلبها. وقال (ص): " من زهد في الدنيا، أدخل الله الحكمة قلبه، فأنطق بها ~~لسانه، وعرفه دار الدنيا ودواءها، وأخرجه منها سالما إلى دار السلام ". ~~وروي: " أن بعض زوجاته بكت مما رأت به من الجوع، وقالت له: يا رسول الله، ~~ألا تستطعم الله فيطعمك؟ فقال والذي نفسي بيده! لو سألت ربي أن ms304 يجري معي ~~جبال الدنيا ذهبا لأجراها حيث شئت من الأرض، ولكني اخترت جوع الدنيا على ~~شعبها، وفقر الدنيا على غنائها، وحزن الدنيا على فرحها. إن الدنيا لا تنبغي ~~لمحمد ولا لآل محمد. إن الله لم يرض لأولي العزم من الرسل إلا الصبر على ~~مكروه الدنيا والصبر على محبوبها، ثم لم يرض لي إلا أن يتكلفني مثل ما ~~كلفهم فقال: # " فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل " (33). # والله ما لي بد من طاعته! وإني والله لأصبرن كما صبروا بجهدي ولا # PageV02P045 # قوة إلا بالله! ". وقال (ص): " لا يستكمل العبد الإيمان حتى يكون ألا ~~يعرف أحب إليه من أن يعرف، وحتى يكون قلة الشئ أحب إليه من كثرته ". وقال ~~(ص) " إذا أراد الله بعبد خيرا، زهده في الدنيا، ورغبة في الآخر، وبصره ~~بعيوب نفسه ". وقال (ص) " من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات ومن خاف من ~~النار لهى عن الشهوات ومن ترقب الموت ترك اللذات ومن زهد في الدنيا هانت ~~عليه المصيبات " وقال (ص): إن ربي عز وجل عرض علي أن يجعل لي بطحاء مكة ~~ذهبا، فقلت: لا يا رب، ولكن أجوع يوما وأشبع يوما. فأما اليوم الذي أجوع ~~فيه فأتضرع إليك وأدعوك، وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك واثني عليك ". ~~وروي: " أنه (ص): خرج ذات يوم يمشي ومعه جبرئيل، فصعد على الصفا، فقال له ~~رسول الله (ص): # يا جبرئيل، والذي بعثك بالحق! ما أمسى لآل محمد كف سويق ولا سفة دقيق فلم ~~يتم كلامه بأسرع من أن سمع هدة من السماء أفزعته، فقال رسول الله (ص): أمر ~~الله القيامة أن تقوم؟ قال: لا! ولكن هذا إسرافيل عليه السلام قد نزل إليك ~~حين سمع كلامك. فأتاه إسرافيل، فقال: إن الله عز وجل سمع ما ذكرت، فبعثني ~~بمفاتيح الأرض، وأمرني أن أعرض عليك إن أحببت أن أسير معك جبال تهامة زمردا ~~وياقوتا وذهبا وفضة فعلت، وإن شئت نبيا ملكا، وإن شئت نبيا عبدا. - فأومأ ~~إليه جبرئيل أن تواضع لله. # فقال: " نبيا عبدا، ثلاثا " وقال ms305 (ص): " قال الله تعالى: إن من أغبط ~~أوليائي عندي رجلا حفيف الحال ذا حظ من صلاة، أحسن عبادة ربه بالغيب، وكان ~~غامضا في الناس، جعل رزقه كفافا فصبر عليه، عجلت منيته فقال تراثه وقل ~~بواكيه (34). وعن علي بن الحسين - صلوات الله عليهما - قال: " مر رسول الله ~~(ص): براعي إبل، فبعث يستسقيه، فقال: أما ما في ضروعها فصبوح الحي، وأما في ~~آنيتنا فغبوقهم. فقال رسول الله (ص) اللهم كثر ماله وولده. ثم مر براعي ~~غنم، فبعث إليه يستسقيه، فحلب له ما في ضروعها وأكفأ ما في إنائه في إناء ~~رسول الله (ص)، وبعث إليه بشاة، وقال: هذا ما عندنا، وإن أحببت أن نزيدك ~~زدناك، قال: رسول # PageV02P046 # الله (ص): اللهم أرزقه الكفاف. فقال له بعض أصحابه: يا رسول الله، دعوت ~~للذي ردك بدعاء عامتنا نحبه، ودعوت للذي أسعفك بحاجتك بدعاء كلنا نكرهه. ~~فقال رسول الله (ص): إن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى. # اللهم ارزق محمدا وآل محمد الكفاف " (35). وقال أمير المؤمنين (ع): # " الناس ثلاثة: زاهد، وصابر، وراغب، فأما الزاهد، فقد خرجت الأحزان ~~والأفراح من قلبه، فلا يفرح بشئ من الدنيا ولا يأسى على شئ منها فاته، فهو ~~مستريح. وأما الصابر، فإنه يتمناها بقلبه، فإذا نال منها ألجم نفسه عنها ~~بسوء عاقبتها وشناءتها، ولو اطلعت على قلبه لعجبت من عفته وتواضعه وحزمه. ~~وأما الراغب، فلا يبالي من أين جاءته الدنيا، من حلها أو حرامها، ولا يبالي ~~ما دنس فيها عرضه وأهلك نفسه وأذهب مروته، فهم في غمرته يعمهون ويضطربون ". ~~وقال (ع): " إن من أعون الأخلاق على الدين الزهد في الدنيا " وقال (ع): " ~~من جمع ست خصال لم يدع للجنة مطلبا ولا عن النار مهربا: عرف الله فأطاعه، ~~وعرف الشيطان فعصاه، وعرف الدنيا فتركها، وعرف الآخرة فطلبها، وعرف الباطل ~~فاتقاه وعرف الحق فاتبعه ". وقال (ع): " من اشتاق الجنة سارع إلى الخيرات ~~ومن خاف النار لهى عن الشهوات، ومن ترقب الموت ترك اللذات، ومن زهد في ~~الدنيا هانت عليه المصيبات ". وقال (ع): " إن ms306 علامة الراغب في ثواب الآخرة ~~زهده في عاجل زهرة الدنيا، أما إن زهد الزاهد في هذه الدنيا لا ينقصه مما ~~قسم الله عز وجل له فيها وإن زهد وإن حرص الحريص على عاجل زهرة الدنيا لا ~~يزيده فيها وإن حرص. فالمغبون من حرم حظه من الآخرة (36). وقال علي بن ~~الحسين (ع): " ما من عمل بعد معرفة الله عز وجل ومعرفة رسوله (ص) أفضل من ~~بغض الدنيا... الحديث " (37). # وقال الباقر (ع): " أكثر ذكر الموت، فإنه لم يكثر إنسان ذكر الموت إلا ~~زهد في الدنيا ". وقال (ع): " قال الله تعالى: وعزتي وجلالي وعظمتي وبهائي ~~وعلو ارتفاعي! لا يؤثر عبد مؤمن هواي على هواه في شئ من أمر # PageV02P047 # الدنيا، إلا جعلت غناه في نفسه، وهمته في آخرته، وضمنت السماوات والأرض ~~رزقه، وكنت له من وراء تجارة كل تاجر ". وقال (ع): " أعظم الناس قدرا من لا ~~يناول الدنيا في يد من كانت. فمن كرمت عليه نفسه صغرت الدنيا في عينيه، ومن ~~هانت عليه نفسه كبرت الدنيا في عينيه ". وقال الصادق (ع): " جعل الخير كله ~~في بيت، وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا ". # وقال (ع): " ما كان شئ أحب إلى رسول الله (ص) من أن يظل خائفا جائعا في ~~الله تعالى ". وقال (ع): " إذا أراد الله بعبد خيرا، زهده في الدنيا، وفقهه ~~في الدين، وبصره عيوبها. ومن أوتيهن فقد أوتي خير الدنيا والآخرة ". وقال ~~(ع): " لم يطلب أحد الحق بباب أفضل من الزهد في الدنيا، وهو ضد لما طلب ~~أعداء الحق، قلت: جعلت فداك، مما ذا؟ # قال: " من الرغبة فيها "، وقال: " ألا من صبار كريم؟ فإنما هي أيام ~~قلائل! ألا إنه حرام عليكم أن تجدوا طعم الإيمان حتى تزهدوا في الدنيا (38) ~~وقال (ع): " الزهد مفتاح باب الآخرة والبراءة من النار، وهو تركك كل شئ ~~يشغلك عن الله من غير تأسف على قوتها، ولا إعجاب في تركها، ولا انتظار فرج ~~منها ولا طلب محمدة عليها، ولا عوض منها، بل يرى فوتها راحة وكونها آفة ~~ويكون أبدا هاربا ms307 من الآفة معتصما بالراحة، والزاهد الذي يختار الآخرة على ~~الدنيا والذل على العز والجهد على الراحة والجوع على الشبع وعافية الأجل ~~على محبة العاجل والذكر على الغفلة، وتكون نفسه في الدنيا وقلبه في الآخرة ~~"، وقال الرضا (ع): " من أصبح وأمسى معافى في بدنه، آمنا في سربه عنده قوت ~~يومه فكأنما خيرت له الدنيا ". # وكفى للزهد فضيلة ومدحا أنه أعرف صفات الأنبياء والأولياء، ولم يبعث نبي ~~إلا به، ولو لم يتوقف التقرب إلى الله والنجاة في دار الآخرة عليه، لما ضيق ~~عظماء نوع الإنسان وأعرف الناس بحقيقة الحال على أنفسهم في فطامها عن شهوات ~~الدنيا ولذاتها. # فانظر إلى كليم الله موسى (ع) كيف كان غالب قوته نبت الأرض # PageV02P048 # وأوراق الأشجار، وكان ضعف بدنه من كثرة رياضته، بحيث ترى الخضرة من صفات ~~بطنه، كما أخبر به أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة. ثم انظر إلى روح الله ~~(ع) كيف يلبس الشعر ويأكل الشجر، ولم يكن له ولد يموت يخرب ولا يدخر لغد، ~~أينما يدركه المساء نام، وقال له الحواريون يوما، " يا نبي الله لو أمرتنا ~~أن نبني بيتا تعبد الله فيه "، قال " اذهبوا فابنوا بيتا على الماء " ~~فقالوا: كيف يستقيم بنيان على الماء؟ قال " فكيف تستقيم عبادة على حب ~~الدنيا "، وروي: " أنه اشتد به يوما المطر والرعد والبرق، فجعل يطلب بيتا ~~يلجأ إليه، فرفعت إليه خيمة من بعيد فأتاها فإذا فيها امرأة فحاد عنها، ~~فإذا هو بكهف في جبل فأتاه فإذا فيه أسد، فوضع يده عليه وقال: " إلهي جعلت ~~لكل شئ مأوي ولم تجعل لي مأوى " فأوحى الله إليه " مأواك في مستقر من ~~رحمتي، لأزوجنك يوم القيامة ألف حوراء خلقتها بيدي، ولأطعمنك في عرسك أربعة ~~آلاف عام، يوم منها كعمر الدنيا ولآمرن مناديا ينادي أين الزهاد في الدنيا، ~~زوروا عرس الزاهد عيسى بن مريم ". # ثم انظر إلى يحيى بن زكريا، حيث يلبس المسوح حتى ثقب جلده تركا للتنعم ~~بلين اللباس واستراحة حسن اللمس فسألته أمه أن يلبس مكانها جبة من صوف ~~ففعل، ms308 فأوحى الله إليه: " يا يحيى آثرت علي الدنيا "، فبكى ونزع الصوف وعاد ~~إلى ما كان عليه. # ثم افتح بصيرتك وتأمل في سيرة رسول الله (ص) وزهده في الدنيا، فإنه لبث ~~في النبوة ما لبث، ولم يشبع هو وأهل بيته غدوة إلا جاعوا عشية، ولم يشبعوا ~~عشية إلا جاعوا غدوة، ولم يشبع من التمر هو وأهل بيته حتى فتح الله عليهم ~~خيبر، وقرب إليه يوما طعاما على مائدة فيها ارتفاع فشق ذلك عليه حتى تغير ~~لونه، فأمر بالمائدة فرفعت ووضع الطعام على الأرض، وكان ينام على عباءة ~~مثنية فثنوها له ليلة أربع طاقات فنام عليها، فلما استيقظ قال منعتموني ~~قيام الليلة هذه بهذه العباءة أثنوها باثنتين كما كنتم تثنونها، وكان يضع ~~ثيابه لتغسل فيأتيه بلال فيؤذنه بالصلاة فما يجد ثوبا يخرج به إلى الصلاة ~~حتى تجف ثيابه فيخرج بها إلى الصلاة. # وروي: " أن امرأة من بني ظفر صنعت له (ص) كساء بن إزارا ورداء ج: 2 ~~PageV02P049 # وبعثت إليه بأحدهما قبل أن يبلغ الآخر، فخرج إلى الصلاة وهو مشتمل به ليس ~~عليه غيره قد عقد طرفيه إلى عنقه فصلى كذلك ". # وشدة زهد علي (ع) وتركه الدنيا أشهر من أن يحتاج إلى بيان وكذا من بعده ~~من الأئمة الراشدين والأصحاب والتابعين وغيرهم من أكابر الدين وللسلف ~~الصالحين، حتى كان أحدهم بعيش خمسين سنة وستين لم يطوله ثوب ولم ينصب له ~~قدر ولم يجعل بينه وبين الأرض شيئا ولا أمر من في بيته بصنعة طعام، فعلى ~~أطرافهم يقومون ووجوههم على الأرض يفترشون تجري دموعهم على خدودهم ويناجون ~~ربهم في فكاك رقابهم من النار. # وقد حكي أن بعض الخلفاء أرسل إلى بعضهم بعشرة آلاف درهم فلم يقبلها فشق ~~ذلك على أهله، فقال أتدرون؟ ما مثلي ومثلكم إلا كمثل قوم كانت لهم بقرة ~~يحرثون عليها فلما هرمت ذبحوها لينتفعوا بجلدها، فكذلك أنتم أردتم ذبحي على ~~كبر سني فموتوا جوعا خير لكم من أن تذبحوني. # وقد بلغ بعضهم من الزهد بحيث يطلب لقيام الليل موضعا لا يصيبه ms309 نسيم ~~الأسحار خيفة من الاستراحة به. وكان لبعضهم حب مكسور، فيه ماؤه، لا يرفعه ~~من الشمس ويشرب الماء الحار ويقول من وجد لذة الماء البارد يشق عليه مفارقة ~~الدنيا. # فيا حبيبي أفق من سكر الهوى واعرف المضادة التي بين الآخرة والدنيا، ~~واقتد بالواقفين على جلية الحال والمطلعين على حقيقة المآل في المواظبة على ~~الزهد والتقوى وفطام النفس عن لذائذ الدنيا، فإن ذلك وإن كان شاقا فمدته ~~قريبة، والاحتماء مدة يسيرة للتنعم على التأييد لا يثقل على أهل المعرفة ~~القاهرين أنفسهم بسياسة الشرع المبين المعتصمين بعروة اليقين بما وعد الله ~~في الآخرة لعباده الزاهدين. # فصل اعتبارات الزهد ودرجاته إعلم أن للزهد اعتبارات تتحقق له بكل اعتبار ~~درجات: # (الأول) اعتبار نفسه أي من حيث نفس الترك للدنيا وبهذا الاعتبار له درجات ~~ثلاث: (الأولى) أن يزهد في الدنيا مع ميله إليها وحبه لها بأن PageV02P050 # يكف نفسه عنها بالمجاهدة والمشقة، وهذا هو التزهد. (الثانية) أن يترك ~~الدنيا طوعا وسهولة من دون ميل إليها لاستحقاره إياها بالإضافة إلى ما يطمع ~~فيه من لذات الآخرة، وهذا كالذي يترك درهما لأجل درهمين معاوضة فإنه لا يشق ~~عليه ذلك وإن كان يحتاج إلى قليل انتظار، ومثله ربما أعجب بنفسه وبزهده ~~لاحتمال أن يظن بنفسه أنه ترك شيئا له قدر لما هو أعظم قدرا منه. (الثالثة) ~~وهي أعلى الدرجات أن يترك الدنيا طوعا وشوقا ولا يرى أنه ترك شيئا، إذ عرف ~~أن الدنيا لا شئ فيكون كمن ترك خنفساء وأخذ ياقوتة صافية حمراء، فلا يرى ~~ذلك معاوضة ولا يرى نفسه تاركا شيئا وسبب هذا الترك كمال المعرفة، فإن ~~العارف على اليقين بأن الدنيا بالإضافة إلى الله ونعيم الآخرة أخس من ~~خنفساء بالنظر إلى ياقوتة، ومثل هذا الزاهد في أمن من خطر الالتفات إلى ~~الدنيا، كما أن تارك الخنفساء بالياقوتة في أمن من طلب الإقالة في البيع. # وقد ذكر أرباب القلوب من أهل المعرفة أن مثل تارك الدنيا بالآخرة مثل من ~~منعه عن باب الملك كلب يكون وفي بابه فألقى ms310 إليه لقمة خبز نالها من موائد ~~الملك فشغله بنفسه ودخل الباب ونال غاية القرب من الملك حتى نفذ أمره في ~~جميع مملكته، أفترى أنه يرى لنفسه عوضا عند الملك بلقمة خبز ألقاها إلى كلب ~~في مقابلة ما يناله مع كون هذه اللقمة أيضا من الملك. # فالشيطان كلب على باب الله يمنع الناس من الدخول، مع أن الباب مفتوح ~~والحجاب مرفوع والدنيا كلقمة خبز إن أكلها فلذتها في حال المضغ وتنقضي على ~~القرب بالابتلاع ثم يبقى ثقله في المعدة ثم ينتهي إلى النتن والقذر ويحتاج ~~إلى إخراجه، فمن تركها لينال عز الملك كيف يلتفت إليها. ولا ريب في نسبة ~~الدنيا لكل شخص أعني ما يسلم له منها وإن عمر ألف سنة بالإضافة إلى نعيم ~~الآخرة أقل من لقمة بالإضافة إلى ملك الدنيا، إذ لا نسبة للمتناهي إلى غير ~~المتناهي، والدنيا متناهية، ولو كانت تتمادى ألف ألف سنة صافية عن كل كدورة ~~لكان لا نسبة لها إلى الأبد، فكيف ومدة العمر قصيرة ولذاتها مكدرة غير ~~صافية فأي نسبة لها إلى نعيم الأبد. # * * * PageV02P051 # (الثاني) اعتبار المرغوب عنه أعني ما يترك وبهذا الاعتبار له خمس درجات: # (الأولى) أن يترك المحرمات وهو الزهد في الحرام، ويسمى زهد فرض. # (الثانية) أن يترك المشتبهات أيضا وهو الزهد في الشبهة، ويسمى زهد سلامة. # (الثالثة) أن يزهد في الزائد عن قدر الحاجة من الحلال أيضا ولا يزهد في ~~التمتع بالقدر الضروري من المطعم والملبس والمسكن وأثاثه والمنكح وما هو ~~وسيلة إليها من المال والجاه، وإلى هذه الدرجات كلا أو بعضا أشار مولانا ~~أمير المؤمنين (ع) بقوله: " كونوا على قبول العمل أشد عناية منكم على ~~العمل، الزهد في الدنيا قصر الأمل وشكر كل نعمة والورع عن كل ما حرم الله ~~عز وجل " (39) ومولانا الصادق (ع) بقوله: " الزهد في الدنيا ليس بإضاعة ~~المال ولا تحريم الحلال بل الزهد في الدنيا ألا تكون بما في يدك أوثق بما ~~في يد الله عز وجل " (40) وهذا مع ما يأتي بعده هو الزهد في الحلال، ms311 ويسمى ~~زهد ثقل. # (الرابعة) أن يترك جميع ما للنفس فيه تمتع ويزهد فيه ولو في قدر الضرورة، ~~لا بمعنى ترك هذا القدر بالمرة، إذ ذلك متعذر، بل تركه من حيث التمتع به ~~وإن ارتكبه اضطرارا من قبيل أكل الميتة مع الإكراه له باطنا، وهذا يتناول ~~ترك جميع مقتضيات الطبع من الشهوة والغضب والكبر والرئاسة والمال والجاه ~~غيرها، وإلى هذه الدرجة أشار الصادق (ع) بقوله: (الزاهد في الدنيا الذي ~~يترك حلالها مخافة حسابه ويترك حرامها مخافة عذابه) وإليها يرجع قول أمير ~~المؤمنين (ع): (الزهد كله بين كلمتين من القرآن قال الله سبحانه: # " لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم " (41). # PageV02P052 # فمن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه " (42). # وقوله (ع) (الزهد في الدنيا ثلاثة أحرف: زاء وهاء ودال أما الزاء فترك ~~الزينة وأما الهاء فترك الهوى وأما الدال فترك الدنيا ". # (الخامسة) أن يترك جميع ما سوى الله ويزهد فيه حتى في بدنه ونفسه أيضا ~~بحيث كان ما يصحبه ويتركه في الدنيا الجاء وإكراها من دون استلذاذ وتمتع ~~به، وإلى هذه الدرجة أشار مولانا الصادق (ع) في كلامه المنقول سابقا (ص 48) ~~حيث قال: " الزهد مفتاح باب الآخرة والبراءة من النار وهو تركك كل شئ يشغلك ~~عن الله من غير تأسف على فوتها ولا إعجاب في تركها ولا انتظار فرج منها ولا ~~طلب محمدة عليها ولا عوض منها بل يرى فوتها راحة وكونها آفة " إلى آخر ~~الحديث (43). # ثم الالتفات إلى بعض ما سوى الله والاشتغال به ضرورة، كضروري الأكل ~~والملبس ومخالطة الناس ومكالمتهم وأمثال ذلك، لا ينافي هذه المرتبة من ~~الزهد، إذ معنى الانصراف من الدنيا إلى الله تعالى إنما هو الإقبال بكل ~~القلب إليه تعالى ذكرا وفكرا، وهذا لا يتصور بدون البقاء إلا بضرورات ~~المعيشة فمتى اقتصر من الدنيا عليها قصدا لدفع المهلكات عن البدن ~~والاستعانة بالبدن على العبادة وسائر ما يقربه إلى الله لم يكن مشتغلا بغير ~~الله، إذ ما لا يتوصل إلى شئ إلا به ms312 فهو منه، فالمشتغل بعلف دابته في طريق ~~الحج ليس معرضا عن الحج، ولكل ينبغي أن يكون البدن في طريق الله مثل الدابة ~~في طريق الحج، فكما أن قصدك من تهيئة ما تحتاج إليه دابتك دفع المهلكات ~~عنها حتى تسير بك إلى مقصدك دون تنعمها، فكذلك ينبغي أن يكون قصدك من الأكل ~~والشرب واللباس والسكنى صيانة بدنك عما يهلك من الجوع والعطش والحر والبرد ~~فتقتصر على قدر الضرورة وتقصد به التقوى على طاعة الله دون التلذذ والتنعم، ~~وذلك لا ينافي الزهد بل هو شرطه، ثم ترتب التلذذ على ذلك لا يضرك إذا لم ~~يكن مقصودا # PageV02P053 # بالذات لك فإن الإنسان قد يستريح في قيام الليل بنسيم الأسحار وصوت ~~الطيور وهذا لا يضر بعبادته إذا لم يقصد طلب موضع خاص لهذه الاستراحة، على ~~أنه لا لذة حقيقية في الأكل والشرب واللباس وإنما تندفع بها آلام الجوع ~~والعطش والحر والبرد. # ثم لا يخفى أن الفضول من أمور الدنيا من المطعم والمشرب والملبس والمسكن ~~وأثاثه والمنكح والمال والجاه ينبغي تركها والزهد فيها إذ الأخذ بما لا ~~يحتاج إليه ينافي الزهد. (وأما) غير الفضول مما يحتاج إليه الإنسان ويكون ~~مهما له من الأمور الثمانية، فينبغي ألا يترك الزهد فيها، إذ ما هو المهم ~~الضروري يتطرق إليه فضول في مقداره وجنسه وأوقاته فينبغي ألا يترك الزهد ~~فيه أيضا. # ومقتضى غاية الزهد فيه أن يقتصر من القوت على قوت يومه وليلته فإن كان ~~عنده أزيد من ذلك فليبذله على بعض المستحقين، فإن اقتصر من جنسه على خبز ~~الشعير فهو نهاية الزهد في القوت، إلا أن أكل خبز الحنطة في بعض الأحيان بل ~~أكل أدام واحد في بعض الأوقات إذا لم يكن من اللذائذ الشديدة من أطعمة ~~المتنعمين من أهل الدنيا لا ينافي الزهد، وربما لم يكن أكل اللحم في بعض ~~الأحيان منافيا له. ويقتصر من (اللباس) بعد كونه من القطن أو الصوف على ما ~~يستر الأعضاء ويحفظها من الحر والبرد، ولا بأس بكونه اثنين ليلبس الآخر عند ~~غسل ms313 أحدهما. ومن (المسكن) على ما يحفظ نفسه وأهله من الحر والبرد. ومن ~~(أثاثه) أعني الفرش والظرف والقدر والكوز وأمثال ذلك، ما يدفع حاجته من غير ~~تعد إلى ما يمكن زوال ضرورته بدونه. ومن (المنكح) على ما تنكسر به سورة ~~شبقه ويحفظه عن النظر والوساوس الشهوية المانعة عن الحضور في العبادات. # ومن (المال) على ما يقضي به حاجة يومه بليلته فإن كان كاسبا فإذا اكتسب ~~حاجة يومه فليترك كسبه ويشتغل بأمر الدين، وإن كانت له ضيعة ولم يكن له ~~مدخل آخر يمكن أن يصل إليه كل يوم قدر حاجته فيه، فالظاهر عدم خروجه عن ~~الزهد بإمساك قدر ما يكفي لسد رمقه بسنة واحدة بشرط أن يتصدق بكل ما يفضل ~~من كفاية نفقته. وربما قيل إن مثله من PageV02P054 # ضعفاء الزهاد، بمعنى أن ما وعد للزاهدين في الدار الآخرة من المقامات ~~العالية والدرجات الرفيعة لا يناله، وإن صدق عليه كونه زاهدا، إذ مثله ليس ~~له قوة اليقين، لا صاحب اليقين الواقعي إذا كان له قوت يومه لا يدخر شيئا ~~لغده، ومن شرط التوكل في الزهد فلا يكون هذا من الزهاد عنده. وهذا غاية ~~الزهد في الأمور المذكورة، وعليه جرت طوائف الأنبياء وزمرة الأوصياء ومن ~~بعدهم من السلف الأتقياء. والحق أن حكم الزهد فيها يختلف باختلاف الأشخاص ~~والأوقات فإن أمر المتفرد في جميع ذلك أخف من أمر المعيل، ومن قصر جميع همه ~~على تحصيل العلم والعمل ولم يقدر على كسب، حاله يخالف حال أهل الكسب، وكذا ~~في بعض الأوقات وفي بعض الأماكن يمكن تحصيل قدر الحاجة في كل يوم وفي بعض ~~آخر منهما لا يمكن ذلك، فاللائق لكل أحد أن يلاحظ حاله ووقته ومكانه ويتأمل ~~في أن الأصلح بأمر آخرته والأعون على تحصيل ما خلق لأجله إمساك أي قدر من ~~المال وصرف أي قدر وجنس من القوت، بحيث لو كان أقل منه لم يتمكن من تحصيل ~~ما يقربه إلى ربه فيأخذ به ويترك الزائد، فإن بعد صحة النية وخلوص القصد في ~~ذلك لا يخرج ms314 به عن الزهد الواقعي وإن تصور الاكتفاء بأقل من ذلك مع إيجابه ~~لفقد ما هو أهم في تكميل النفس. # وأما (الجاه) فقد تقدم أن القدر الضروري منه في أمر المعيشة كتحصيل منزلة ~~في قلب خادمه ليخدمه، وفي قلب السلطان ليدفع الأشرار عنه، لا بأس به، ~~فالظاهر عدم منافاة هذا القدر للزهد، وقال بعض العلماء: (هذا القدر وإن لم ~~يكن به بأس إلا أنه يتمادى إلى هاوية لا عمق لها ومن حام حول الحمى يوشك أن ~~يقع فيه) وإنما يحتاج إلى المحل في القلوب إما لجلب نفع أو لدفع ضرر أو ~~لخلاص من ظلم: أما النفع فيغني عنه المال فإن من يخدم بأجرة يخدم وإن لم ~~يكن لمستأجره عنده قدر، وإنما يحتاج إلى الجاه في قلب من يخدم بغير أجرة، ~~ومعلوم أن من أراد أن يخدم بغير أجرة فهو من الظالمين فكيف يكون من ~~الزاهدين. وأما دفع الضرر فيحتاج لأجله إلى الجاه في بلد لا يكمل العدل ~~فيها وأن يكون بين جيران يظلمونه ولا يقدر على دفع شرهم إلا بمحل له في ~~القلوب أو محل له عند السلطان. وقدر PageV02P055 # الحاجة فيه لا ينضبط لا سيما إذا انضم إليه الخوف وسوء الظن بالعواقب ~~والخائض في طلب الجاه سالك طريق الهلاك، بل حق الزاهد ألا يسعى لطلب المحل ~~في القلوب أصلا، فإن اشتغاله بالدين والعبادة يمهد له من المحل في القلوب ~~ما يدفع عنه الأذى ولو كان بين الكفار فكيف بين المسلمين. # وأما التوهمات والتقديرات التي تخرج إلى الزيادة في الجاه على الحاصل ~~بغير كسب فهي أوهام كاذبة، إذ من طلب الجاه أيضا لم يخل عن أذى في بعض ~~الأوقات فعلاج ذلك بالاحتمال والصبر أولى من علاجه بطلب الجاه، فإذن طلب ~~المحل في القلوب لا رخصة فيه أصلا واليسير منه داع إلى الكثير وضراوته أشد ~~من ضراوة الخمر فليحترز من قليله وكثيره، نعم ما أعطاه الله لبعض عبيده من ~~دون سعيه في طلبه لنشر دينه أو لاتصافه ببعض الكمالات المختصة لحصول منزلة ~~له ms315 في القلوب، فليس به بأس ولا ينافي الزهد، فإن جاء رسول الله (ص) كان ~~أوسع الجاه مع كونه أزهد الناس. # والحق كما تقدم أن الجاه كالمال في نفي البأس من قدر يضطر إليه الإنسان ~~إذا وقع في زمان أو بلد توقف أمر معيشته عليه. فالقدر الضروري منهما غير ~~محذور وغير مناف للزهد، والزائد على الحاجة سم قاتل، فلا ينبغي أن ينسب ~~المقتصر على الضرورة إلى الدنيا، بل ذلك القدر من الدين، لأنه من شرطه ~~والشرط من جملة المشروط. ويدل عليه ما روي أن إبراهيم عليه السلام أصابته ~~حاجة فذهب إلى صديق له يستقرض شيئا فلم يقرضه، فرجع مهموما، فأوحى الله ~~تعالى إليه: (لو سألت خليلك لأعطاك)، فقال يا رب: (عرفت مقتك للدنيا فخفت ~~أن أسألك منها)، فأوحى الله إليه: # (ليس الحاجة من الدنيا) ويدل عليه أيضا كلام الصادق عليه السلام مع سفيان ~~الثوري كما أورده بطوله شيخنا الأقدم رحمه الله في جامعه الكافي. # فإذن قدر الحاجة من الدين وما وراءه وبال في الآخرة، بل في الدنيا أيضا، ~~ويعرف ذلك بالتأمل في أحوال الأغنياء وما عليهم من المحنة في كسب المال ~~وجمعه وحفظه وتحمل الذل فيه، وغاية سعادته أن يتركه لورثته، فيأكلونه وهم ~~أعداؤه، أو يستعينون به على المعصية، فيكون معينا لهم عليها، ولذلك شبه ~~جامع الدنيا وتابع الشهوات بدود القز، لا يزال ينسج PageV02P056 # على نفسه حتى يقتلها، ثم يروم الخروج فلا يجد مخلصا فيموت ويهلك بسبب ~~العمل الذي عمله بنفسه كما قيل في ذلك: # ألم تر أن المرء طول حياته * معنى بأمر لا يزال يعالجه كدود كدود القز ~~ينسج دائما * ويهلك غما وسط ما هو ناسجه فكل مكب على الدنيا متبع للشهوات ~~لا يزال يقيد نفسه بسلاسل وأغلال لا يقدر على قطعها، إلى أن يفرق ملك الموت ~~بينه وبين شهواته دفعة، فتبقى السلاسل من قلبه معلقة بالدنيا التي فاتته ~~وخلفها، وهي تجاذبه إلى الدنيا، ومخالب ملك الموت قد تعلقت بعروق قلبه ~~تجذبه إلى الآخرة فأهون أحواله عند الموت أن يكون ms316 مثل شخص ينشر بالمناشير ~~ويفصل أحد جانبيه عن الآخر. فهذا أول عذاب يلقاه قبل ما يراه من حسرات ~~نزوله في أسفل السافلين ومنعه عن أعلى عليين وجوار رب العالمين. فبالنزوع ~~إلى الدنيا يحجب عن لقاء الله، وعند الحجاب تتسلط عليه نار جهنم، إذ النار ~~لكل محجوب معدة، كما قال الله تعالى: # " كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون. ثم إنهم لصالوا الجحيم " (44). # ولما انكشف لأرباب القلوب أن العبد يهلك نفسه باتباع الهوى والخوض في ~~الدنيا إهلاك دود القز نفسه، رفضوا الدنيا بالكلية. فنسأل الله تعالى أن ~~يقرر في قلوبنا ما نفث في روع حبيبه (ص)، حيث أوحى إليه: " أحبب ما أحببت، ~~فإنك مفارقه ". # * * * (الثالث) اعتبار المرغوب فيه: أعني ما يترك لأجله. وله بهذا ~~الاعتبار ثلاث درجات. الأولى: أن يكون المرغوب فيه النجاة من النار وسائر ~~عذاب الآخرة، وهذا زهد الخائفين. الثانية: أن يكون ثواب الله ونعيم الجنة، ~~وهذا زهد الراجين. الثالثة: وهي الدرجة العليا، ألا تكون له رغبة إلا في ~~الله وفي لقائه، فلا يلتفت إلى الآلام ليقصد منها الخلاص، ولا إلى اللذات ~~ليقصد نيلها، بل كان مستغرق الهم بالله، وهذا زهد العارفين لأنه لا يحب ~~الله خاصة إلا من عرفه بصفاته الكمالية. فكما إن من عرف # PageV02P057 # الدينار والدرهم، وعلم أنه لا يقدر على الجمع بينهما، لم يحب إلا ~~الدينار. # كذلك من عرف الله، وعرف لذة النظر إلى وجهه الكريم، وعرف أن الجمع بين ~~تلك اللذة ولذة التنعم بالحور العين والنظر إلى القصور وخضرة الأشجار غير ~~ممكن، فلا يحب إلا لذة النظر ولا يؤثر غيره. # وقال بعض العرفاء: ولا تظنن أن أهل الجنة عند النظر إلى وجه الله تعالى ~~يبقى للذة الحور والقصور متسع في قلوبهم، بل تلك اللذة بالإضافة إلى لذة ~~نعيم الجنة، كلذة ملك الدنيا والاستيلاء على أطراف الأرض ورقاب الخلق، ~~بالإضافة إلى لذة الاستيلاء على عصفور واللعب به. والطالبون لنعيم الجنة، ~~عند أهل المعرفة وأرباب القلوب، كالصبي الطالب للعب بالعصفور التارك للذة ~~الملك، وذلك لقصوره عن إدراك لذة ms317 الملك، لا لأن اللعب بالعصفور في نفسه ~~أعلى وألذ من الاستيلاء بطريق الملك على كافة الخلق. # تتميم الزهد الحقيقي لا تظنن أن كل من يترك مال الدنيا أنه زاهد، فإن ترك ~~المال وإظهار التضييق والخشونة في المأكل والمأكل والملبس سهل على من أحب ~~المدح بالزهد. # فكم من الرهبان والمرائين تركوا مال الدنيا وروضوا (45) أنفسهم كل يوم ~~على قدر قليل من القوت، واكتفوا من المسكن بأي موضع اتفق لهم، وكان غرضهم ~~من ذلك أن يعرفهم الناس بالزهد ويمدحهم عليه، فهم تركوا المال لنيل الجاه. ~~فالزهد الحقيقي ترك المال والجاه، بل جميع حظوظ النفس من الدنيا. وعلامة ~~ذلك استواء الغنى والفقر والذم والمدح والذل والعز لأجل غلبة الأنس بالله، ~~إذ ما لم يغلب على القلب الأنس بالله والحب له لم يخرج عنه حب الدنيا ~~بكليته. إذ محبة الله ومحبة الدنيا في القلب كالماء والهواء في القدح، فإذا ~~دخل أحدهما خرج الآخر، فكلاهما لا يجتمعان ولا يرتفعان أيضا. فالقلب ~~المملوء من حب الدنيا يكون خاليا عن حب الله، كما أن القلب المشغول بحب ~~الله وأنسه فارغ عن حب الدنيا، وبقدر ما # PageV02P058 # يقدر ما يخرج أحدهما يدخل الآخر وبالعكس. # ومنها: # الغنى وهو وجود كل ما يحتاج إليه من الأموال، وهذا أقل مراتبه، وفوق ذلك ~~مراتب لا تحصى، حتى ينتهي إلى جمع أكثر أموال الدنيا، كما اتفق لبعض ~~الملوك. # ثم (الغني) إما أن يكون بحيث يسعى في طلب المال وجمعه ويتعب في تحصيله ~~ويكره خروجه عن يده ويتأذى به، وهذا غني حريص. أو يكون بحيث لا يتعب ولا ~~يسعى في تحصيله، إلا أنه لما أتاه أخذه وفرح به، مع تأذيه بفقده وكراهته ~~له، وهذا أيضا لا يخلو عن الحرص لحزنه بفقده. # أو يكون بحيث لا يتعب في طلبه ولا يرغب فيه رغبة يفرح بحصوله ويتأذى ~~بفقده، ولكن لما أتاه رضي به: إما مع تساوي وجوده وعدمه أو مع كون وجوده ~~أحب إليه من عدمه، ومثله الغني الراضي والقانع. # وأيضا الغني إما أن يكون جميع ماله ms318 حلالا، أو يكون بعضه أو كله حراما. # وأيضا إما يمسكه غاية الامساك، بحيث لا يؤدي شيئا من حقوقه الواجبة ~~والمستحبة، أو ينفقه في مصارفه اللائقة. وللإنفاق مراتب شتى: # أدناها أن يؤدي الحقوق الواجبة، وأعلاها أن يبذل كل ما يزيد عن أقل مراتب ~~الغنى، بحيث لو تعدى عنه يسيرا صار فقيرا. # فصل ذم الغنى الغنى الحاصل من الحلال، مع بذل ما يفضل عن أقل مرتبته في ~~المصارف اللائقة ومساواة وجوده وعدمه عند صاحبه، سالم من الآفات والأخطار. # وغير ذلك من أقسامه لا يخلو عن آفة أو خطر، وحبه بعض أفراد حب الدنيا، بل ~~هو راجع إلى حب المال بعينه. فيدل على ذمه ما ورد في ذمهما. # وقد ورد في ذمه بخصوصه بعض الآيات والأخبار، قال الله سبحانه: # " إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى " (46). # PageV02P059 # وقيل لرسول الله (ص): أي أمتك أشر؟ قال: " الأغنياء ". وقال (ص) لبلال: " ~~إلق الله فقيرا، ولا تلقه غنيا ". وقال (ص): " يدخل فقراء أمتي الجنة قبل ~~أغنيائهم بخمسمائة عام ". وقال (ص): " اطلعت على الجنة، فرأيت أكثر أهلها ~~الفقراء. واطلعت على النار، فرأيت أكثر أهلها الأغنياء ". وفي طريق: " ~~فقلت: أين الأغنياء؟ فقال: حسبهم الجد " وأوحى الله تعالى إلى موسى: " يا ~~موسى، إذا رأيت الفقر مقبلا، فقل: # مرحبا بشعار الصالحين. وإذا رأيت الغني مقبلا، فقل: ذنب عجلت عقوبته ". # وروي: " إنه ما من يوم إلا وملك ينادي من تحت العرش: يا ابن آدم، قليل ~~يكفيك خير من كثير يطغيك ". وقال عيسى (ع): " بشدة يدخل الغني الجنة ". # وصل الفقر ضد الغنى (الفقر). وهو فقد ما يحتاج إليه. ولا يسمى فقد ما لا ~~حاجة إليه فقرا. فإن عمم ما يحتاج إليه ولم يخص بالمال، لكان كل موجود ممكن ~~محتاجا، لاحتياجه إلى دوام الوجود وغيره من الحاجات المستفادة من الله ~~سبحانه، وانحصر الغنى بواحد واجب لذاته ومفيد لوجود غيره من الموجودات، ~~أعني الله سبحانه. فهو الغني المطلق، وسائر الأشياء الموجودة فقراء ~~محتاجون. وقد أشير إلى هذا الحصر في الكتاب الإلهي بقوله تعالى: # " والله الغني وأنتم ms319 الفقراء " (47). # وإن خص بالمال لم يكن كل الناس فقراء، بل من فقد المال الذي هو محتاج ~~إليه كان فقيرا بالإضافة إليه، والفقر بهذا المعنى هو الذي نريد بيانه هنا. # فصل اختلاف أحوال الفقراء (الفقير) إما أن يكون راغبا في المال محبا له، ~~بحيث لو وجد إليه سبيلا لطلبه، ولو بالتعب والمشقة، وإنما ترك طلبه لعجزه ~~منه، ويسمى هذا فقيرا (حريصا). # PageV02P060 # أو يكون وجود المال أحب إليه من عدمه، ولكن لم يبلغ حبه له حدا يبعثه على ~~طلبه، بل إن أتاه بلا طلب أخذه وفرح به، وإن افتقر إلى سعي في طلبه لم ~~يشتغل به، ويسمى هذا فقيرا (قانعا). # أو يكون بحيث لا يحبه ولا يرغب فيه، ويكره وجوده ويتأذى به، ولو أتاه هرب ~~منه، مبغضا له ومحترزا عن شره، ويسمى هذا فقيرا (زاهدا). فإعراضه عنه وعدم ~~سعيه في محافظته وضبطه لو وجده، إن كان لخوف العقاب فهو (فقر الخائفين). ~~وإن كان لشوق الثواب فهو (فقر الراجين). وإن كان لعدم التفاته اللازم ~~لإقباله على الله تعالى بشراشره من دون غرض دنيوي أو أخروي فهو (فقر ~~العارفين). # أو يكون بحيث لا يحبه حبا يفرح بحصوله ولا يكرهه كراهة يتأذى بها ويزهد ~~فيه، بل يستوي عنده وجوده وعدمه، فلا يفرح بحصوله ولا يتأذى بفقده، بل كان ~~راضيا بالحالتين على السواء، وغنيا عن دخوله وبقائه وخروجه من يده، من غير ~~خوف من الاحتياج إذا فقد، كالحريص والقانع ولا حذار من شره وأضراره إذا وجد ~~كالزاهد. فمثله لو كانت أموال الدنيا بأسرها في يده لم تضره، إذ هو يرى ~~الأموال في خزانة الله لا في يد نفسه، فلا تفريق بين أن تكون في يده أو في ~~يد غيره، فيكون بحيث يستوي عنده المال والهواء المخلوق في الجو، فكما أن ~~كثرة الهواء في جواره لا يؤذيه ولا يكون قلبه مشغولا بالفرار عنه ولا يبغضه ~~بل يستنشق منه بقدر الضرورة ولا يبخل به على أحد، فكذلك كثرة المال لا ~~يؤذيه ولا يشغل قلبه، ويرى نفسه وغيره فيه ms320 على السواء في المالكية. # ومثله ينبغي أن يسمى (مستغنيا راضيا)، لاستغنائه عنه وجودا وعدما، ورضائه ~~بالحالتين من دون تفاوت، ومرتبته فوق الزاهد، إذ غاية درجة الزهد كمال ~~الأبرار، وصاحب هذه المرتبة من المقربين فالزهد في حقه نقصان، إذ حسنات ~~الأبرار سيئات المقربين. والسر فيه: أن الزاهد كاره للدنيا، فهو مشغول ~~بالدنيا، كما إن الراغب فيها مشغول بها، والشغل بما سوى الله حجاب عن الله، ~~سواء كان بالحب أو بالبغض. فكل ما سوى الله، كالرقيب الحاضر في مجلس جمع ~~العاشق والمعشوق. فكما إن التفات قلب العاشق إلى الرقيب وبغضه وكراهته ~~حضوره نقص في العشق PageV02P061 # فكذلك التفات قلب العبد إلى غير الله تعالى وبغضه وكراهته نقصان في الحب ~~والأنس، كما أن التفاته بالحب نقص فيهما. إذ كما لا يجتمع في قلب واحد حبان ~~في حالة واحدة، فكذلك لا يجتمع فيه حب وبغض في حالة واحدة. فالمشغول ببغض ~~الدنيا غافل عن الله كالمشغول بحبها، وإن كان الثاني أسوأ حالا من الآخر. ~~إذ المشغول يحبها غافل في غفلته، سالك في طريق البعد، والمشغول ببغضها ~~غافل، وهو في غفلته سالك في طريق القرب، فيحتمل زوال غفلته وتبدلها ~~بالشهود، فالكمال مرتقب له، إذ بغض الدنيا مظنة توصل العبد إلى الله. # وهرب الأنبياء والأولياء من المال، وفرارهم عنه، وترجيحهم فقده على وجوده ~~- كما أشير إليه في بعض الأخبار والآثار -: أما نزول منهم إلى درجة الضعفاء ~~ليقتدوا بهم في الترك، إذ الكمال في حقهم حب الترك وبغض الوجود، لأن مع ~~وجوده يتعذر في حقهم استواء وجوده وفقده وكونه عندهم كماء البحر، فلو لم ~~يظهر الأنبياء النفار والكراهة من المال ويقتدي الضعفاء بهم في الأخذ ~~لهلكوا. فمثل النبي كمثل المعزم الحاذق، يفر بين يدي أولاده من الحية، لا ~~لضعفه عن أخذها، بل لعلمه بأنه لو أخذها لأخذها أولاده أيضا إذا رأوها، ~~وهلكوا. فالسير بسيرة الضعفاء صفة الأنبياء والأوصياء. أو غير الهرب ~~والنفار اللازمين للبغض والكراهة وخوف الاشتغال به، بل كان نفارهم منه ~~كنفارهم من الماء، على معنى أنهم شربوا ms321 منه بقدر حاجتهم، وتركوا الباقي في ~~الشطوط والأنهار للمحتاجين من غير اشتغال قلوبهم بحبه وبغضه. ألا ترى أنه ~~قد حملت خزائن الأرض إلى رسول الله وخلفائه، فأخذوها ووضعوها في مواضعها، ~~من غير هرب منه وبغض له، وذلك لاستواء المال والماء والحجر والذهب عندهم. # ثم تسمية صاحب هذه المرتبة بالفقير والمستغني لا يوجب التنافي، إذ إطلاق ~~الفقير عليه لمعرفته بكونه محتاجا إليه تعالى في جميع أموره عامة وفي بقاء ~~استغنائه عن المال خاصة، فيكون اسم الفقير له كاسم العبد لمن عرف نفسه ~~بالعبودية وأقر بها، فإنه أحق باسم العبد من الغافلين، وإن كان عاما للخلق. ~~ثم كل مرتبة من المراتب المذكورة للفقر، ما عدا الأخيرة، أعم من أن يكون ~~بالغا حد الاضطرار، بأن يكون ما فقده من المال مضطرا PageV02P062 # إليه، كالجائع الفاقد للخبز والعاري الفاقد للثوب، أم لا. # وأنت، بعدما فهمت اشتراك الفقر بين المعاني المذكورة، لم يشكل عليك الجمع ~~بين ما ورد في مدح الفقر - كما يأتي - وبين ما ورد في ذمه، كقوله (ص): " ~~كاد الفقر أن يكون كفرا "، وقوله (ص): " الفقر الموت الأكبر ". وقول أمير ~~المؤمنين عليه السلام: " من ابتلى بالفقر فقد ابتلى بأربع خصال: بالضعف في ~~يقينه، والنقصان في عقله، والرقة في دينه، وقلة الحياء في وجهه. فنعوذ ~~بالله من الفقر! ". # فصل مراتب الفقر ومدحه قد عرفت أن بعض مراتب الفقر راجع إلى الزهد، ~~وبعضها إلى ما هو فوقه أعني الرضى والاستغناء، وبعضها إلى القناعة. ففضيلة ~~هذه المراتب ظاهرة، والأخبار الواردة في فضيلة الزهد والرضى والقناعة تدل ~~على فضيلة المراتب المذكورة من الفقر. وأما المرتبة الأولى المتضمنة للحرص، ~~فهو أيضا لا يخلو عن فضيلة بالنظر إلى الغنى المتضمن له والأخبار الواردة ~~في مدح الفقر تناول بعمومها جميع مراتبه، قال الله سبحانه: # " للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم " (48). وقال: # " للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله... " الآية (49). # ساق الله سبحانه الكلام في معرض المدح، وقدم وصفهم بالفقر على وصفهم ~~بالهجرة الاحصار، وفيه دلالة جلية على مدح الفقر (50). وقال رسول ms322 الله (ص): ~~" خير هذه الأمة فقراؤها، وأسرعها تصعدا في الجنة ضعفاؤها ". وقال - (ص): " ~~اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين ". وقال (ص): ~~" إن لي حرفتين اثنتين، فمن أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني: ~~الفقر والجهاد ". وقال - صلى الله عليه وآله -: " الفقر أزين للمؤمنين من ~~العذار الحسن على خد الفرس ". وسئل عن الفقر، فقال: " خزانة من خزائن الله ~~" وسئل عنه # PageV02P063 # ثانيا، فقال: " كرامة من الله ". وسئل عنه ثالثا، فقال: " شئ لا يعطيه ~~إلا نبيا مرسلا أو مؤمنا كريما على الله ". وقال (ص) " إن في الجنة غرفة من ~~ياقوتة حمراء، ينظر إليها أهل الجنة كما ينظر أهل الأرض إلى نجوم السماء لا ~~يدخل فيها إلا نبي فقير أو مؤمن فقير ". وقال: " يوم فقراء أمتي يوم ~~القيامة وثيابهم خضر، وشعورهم منسوجة بالدر والياقوت، وبأيديهم قضبان من ~~نور يخطبون على المنابر، فيمر عليهم الأنبياء، فيقولون: هؤلاء من الملائكة، ~~وتقول الملائكة: هؤلاء من الأنبياء. فيقولون: نحن لا ملائكة ولا أنبياء! بل ~~من فقراء أمة محمد (ص)، فيقولون: بم نلتم هذه الكرامة؟ فيقولون: لم تكن ~~أعمالنا شديدة، ولم نصم الدهر، ولم نقم الليل، ولكن أقمنا على الصلوات ~~الخمس، وإذا سمعنا ذكر محمد فاضت دموعنا على خدودنا ". وقال (ص): " كلمني ~~ربي فقال: يا محمد، إذا أحببت عبدا، اجعل له ثلاثة أشياء: قلبه حزينا، ~~وبدنه سقيما، ويده خالية من حطام الدنيا. وإذا أبغضت عبدا، اجعل له ثلاثة ~~أشياء: قلبه مسرورا، وبدنه صحيحا، ويده مملوءة من حطام الدنيا ". وقال (ص): # " الناس كلهم مشتاقون إلى الجنة، والجنة مشتاقة إلى الفقراء ". وقال (ص): ~~" الفقر فخري ". وقال (ص): " تحفة المؤمن من الدنيا الفقر ". # وقال (ص): " يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيعتذر الله تعالى إليه كما يعتذر ~~الأخ إلى أخيه في الدنيا، فيقول: وعزتي وجلالي! ما زويت الدنيا عنك لهوانك ~~علي، ولكن لما أعددت لك من الكرامة والفضيلة. أخرج يا عبدي إلى هذه الصفوف، ~~فمن أطعمك في أو كساك في يريد بذلك وجهي، فخذ بيده فهو لك والناس يومئذ قد ~~ألجمهم ms323 الغرق. فيتخلل الصفوف وينظر من فعل ذلك به، ويدخله الجنة ". وقال ~~(ص): " أكثروا معرفة الفقراء واتخذوا عندهم الأيادي، فإن لهم دولة "، ~~قالوا: يا رسول الله، وما دولتهم؟ قال: " إذا كان يوم القيامة، قيل لهم: ~~انظروا إلى من أطعمكم كسرة أو سقاكم شربة أو كساكم ثوبا، فخذوا بيده ثم ~~امضوا به إلى الجنة ". وقال (ص): " ألا أخبركم بملوك أهل الجنة؟ " قالوا: # بلى يا رسول الله! قال: " كل ضعيف مستضعف أغبر أشعث ذي طمرين PageV02P064 # لا يؤبه به لو أقسم على الله لأبره ". ودخل (ص) على رجل فقير، ولم ير له ~~شيئا، فقال: " لو قسم نور هذا على أهل الأرض لوسعهم ". وقال (ص): " إذا ~~أبغض الناس فقراءهم، وأظهروا عمارة الدنيا، وتكالبوا على جمع الدراهم ~~والدنانير، رماهم الله بأربع خصال: بالقحط من الزمان، والجور من السلطان، ~~والجناية من ولاة الحكام، والشوكة من الأعداء " (51). # وورد من طريق أهل البيت عليهم السلام: " إن الله تعالى إذا أحب عبدا ~~ابتلاه، فإذا أحبه الحب البالغ أفتناه. قيل: وما أفتناه؟ قال: لم يترك له ~~أهلا ولا مالا ". وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " وكل الرزق بالحمق، ~~ووكل الحرمان بالعقل، ووكل البلاء بالصبر ". وقال الباقر عليه السلام: " ~~إذا كان يوم القيامة، أمر الله تعالى مناديا ينادي بين يديه: أين الفقراء؟ ~~فيقوم عنق من الناس كثير، فيقول: عبادي! فيقولون: لبيك ربنا! فيقول: إني لم ~~أفقركم لهون بكم علي، ولكن إنما اخترتكم لمثل هذا اليوم. تصفحوا وجوه ~~الناس، فمن صنع إليكم معروفا لم يصنعه إلا في فكافوه عني بالجنة ". وقال ~~الصادق عليه السلام: " لولا إلحاح المؤمنين على الله في طلب الرزق، لنقلهم ~~من الحال التي هم فيها إلى حال أضيق منها ". وقال عليه السلام: " ليس لمصاص ~~(52) شيعتنا في دولة الباطل إلا القوت، شرقوا إن شئتم أو غربوا، لن ترزقوا ~~إلا القوت ". وقال عليه السلام: " ما كان من ولد آدم مؤمن إلا فقيرا ولا ~~كافر إلا غنيا، حتى جاء إبراهيم عليه السلام، فقال: # " ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا " (53). # فصير الله في هؤلاء أموالا ms324 وحاجة ". وقال عليه السلام: " إن فقراء ~~المؤمنين يتقلبون في رياض الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا "، ثم قال: # " سأضرب لك مثل ذلك: إنما مثل ذلك مثل ذلك مثل سفينتين مر بهما على عاشر، ~~فنظر في إحداهما فلم ير فيها شيئا، فقال اسربوها. ونظر في الأخرى، فإذا هي ~~موقرة، فقال: احبسوها ". وفي بعض # PageV02P065 # الأخبار: فسر الخريف بألف عام، والعام بألف سنة. وعلى هذا، فيكون المراد ~~من أربعين خريفا أربعين ألف ألف عام. وقال الصادق عليه السلام: # " المصائب منح من الله، والفقر مخزون عند الله ": أي المصائب عطايا من ~~الله يعطيها عباده، والفقر من جملتها مخزون عنده عزيز لا يعطيه إلا من خصه ~~بمزيد العناية. وقال عليه السلام: " إن الله عز وجل يلتفت يوم القيامة إلى ~~فقراء المؤمنين شبيها بالمعتذر إليهم، فيقول: وعزتي وجلالي! # ما أفقرتكم في الدنيا من هوان بكم علي، ولترون ما أصنع بكم اليوم، فمن ~~زود منكم في دار الدنيا معروفا فخذوا بيده فأدخلوه الجنة "، قال: " فيقول ~~رجل منهم: يا رب، إن أهل الدنيا تنافسوا في دنياهم، فنكحوا النساء، ولبسوا ~~الثياب اللينة، وأكلوا الطعام، وسكنوا الدور، وركبوا المشهور من الدواب. ~~فاعطني مثل ما أعطيتهم. فيقول تبارك وتعالى: لك ولكل عبد منكم مثل ما أعطيت ~~أهل الدنيا منذ كانت الدنيا إلى أن انقضت الدنيا سبعون ضعفا ". وقال عليه ~~السلام: " إن الله جل ثناؤه ليعتذر إلى عبده المؤمن المحوج في الدنيا كما ~~يعتذر الأخ إلى أخيه، فيقول: وعزتي وجلالي! # ما أحوجتك في الدنيا من هوان كان بك علي، فارفع هذا السجف، فانظر إلى ما ~~عوضتك من الدنيا. قال: فيرفع، فيقول: ما ضرني ما منعتني ما عوضتني ". وقال ~~عليه السلام: " إذا كان يوم القيامة قام عنق من الناس حتى يأتوا باب الجنة، ~~فيضربوا باب الجنة، فيقال لهم: من أنتم؟ فيقولون نحن الفقراء، فيقال لهم: ~~اقبلوا الحساب، فيقولون: ما أعطيتمونا شيئا تحاسبونا عليه، فيقول الله عز ~~وجل: صدقوا، ادخلوا الجنة ". وقال - لبعض أصحابه: " أما تدخل للسوق؟ أما ~~ترى الفاكهة تباع والشئ مما تشتهيه؟ فقلت: ms325 بلى! فقال: أما إن لك بكل ما ~~تراه فلا تقدر على شراه حسنة ". وقال الكاظم عليه السلام: " إن الله عز وجل ~~يقول: إني لم أغن الغني لكرامة به علي، ولم أفقر الفقير لهوان به علي، وهو ~~مما ابتليت به الأغنياء بالفقراء، ولولا الفقراء لم يستوجب الأغنياء الجنة ~~" (54). # PageV02P066 # وقال عليه السلام: " إن الأنبياء وأولاد الأنبياء وأتباع الأنبياء خصوا ~~بثلاث خصال: السقم في الأبدان، وخوف السلطان، والفقر ". وقال الرضا عليه ~~السلام: " من لقي فقيرا مسلما وسلم عليه خلاف سلامه على الغني لقي الله يوم ~~القيامة وهو عليه غضبان ". وقال عليه السلام: " الفقر شين عند الناس وزين ~~عند الله يوم القيامة " وقال موسى عليه السلام في بعض مناجاته: " إلهي، من ~~أحباؤك من خلقك حتى أحبهم لأجلك؟ فقال: كل فقير ". وقال عيسى عليه السلام: ~~" إن أحب الأسامي إلي أن يقال: يا مسكين ". وقال بعض الصحابة: " ملعون من ~~أكرم الغني وأهان الفقير ". # وقال لقمان لابنه: " لا تحقرن أحدا لخلقان ثيابه، قال ربك وربه واحد ". # ومما يدل على فضيلة الفقر، إذا كان مع الرضى أو القناعة أو الصبر أو ~~الصدق أو الستر، قوله (ص): " يا معشر الفقراء: أعطوا الله الرضى من قلوبكم ~~تظفروا بثواب فقركم، فإن لم تفعلوا فلا ثواب لكم ". وقوله (ص): " إن أحب ~~العباد إلى الله الفقير القانع برزقه الراضي عن الله تعالى ". # وقوله (ص): " لا أحد أفضل من الفقير إذا كان راضيا ". وقوله (ص): # " يقول الله تعالى يوم القيامة: أين صفوتي من خلقي؟ فتقول الملائكة: # من هم يا ربنا؟ فيقول: فقراء المسلمين القانعين بعطائي الراضين بقدري، ~~ادخلوهم الجنة. فيدخلونها، ويأكلون ويشربون، والناس في الحساب يترددون ". ~~وقوله (ص): " ما من أحد، غني ولا فقير، إلا ود يوم القيامة إنه كان أوتي ~~قوتا في الدنيا " وقوله (ص): " طوبى للمساكين بالصبر وهم الذين يرون ملكوت ~~السماوات والأرض ". وقوله (ص): " من جاع أو أحتاج، فكتمه عن الناس وأفشاه ~~إلى الله تعالى، كان حقا على الله أن يرزقه رزق السنة من الحلال ". وقوله ~~(ص): " إن لكل شئ مفتاحا، ms326 ومفتاح الجنة حب المساكين والفقراء الصابرين، وهم ~~جلساء الله يوم القيامة ". # وما روي: " إن الله أوحى إلى إسماعيل عليه السلام: اطلبني عند المنكسرة ~~قلوبهم من أجلي. قال: ومن هم؟ قال: الفقراء الصادقون ". وقال رسول الله (ص) ~~لأمير المؤمنين عليه السلام: " يا علي، إن الله جعل الفقر أمانة عند خلقه، ~~فمن ستره أعطاه الله تعالى مثل أجر الصائم القائم، ومن PageV02P067 # أفشاه إلى من يقدر على قضاء حاجته فلم يفعل فقد قتله أما إنه ما قتله ~~بسيف ولا رمح ولكنه قتله بما نكأ من قلبه ". # ثم لا ريب في أن كل من لم يجد القوت من التعفف وستر احتياجه هذا وصبر ~~ورضي يكون داخلا تحت هذه الأخبار وتثبت له الفضيلة التي وردت فيها، ولا ريب ~~في أن هذه صفة لا توجد في ألف ألف واحد. # وأما الفقير الحريص الذي يظهر فقره ويجزع معه، فظاهر بعض الأخبار وإن ~~تناوله، إلا أن الظاهر خروجه منها كما أومأت إليه بعض الأخبار المذكورة وإن ~~كان أحسن حالا من الغني الذي مثله في الحرص. # فصل الموازنة بين الفقر والغنى لا ريب في أن الفقر مع الصبر والقناعة ~~وقصد الفراغ أفضل من الغنى مع الحرص والإمساك، كما لا ريب في أن الغنى مع ~~الإنفاق وقصد الاستعانة على العبادة أفضل من الفقر مع الحرص والجزع، وإنما ~~وقع الشك في الترجيح بين الفقر والغنى في مواضع: # (الأول) في الترجيح بين الفقر مع الصبر، والقناعة والغنى مع الإنفاق وقصد ~~الاستعانة على العبادة، فقال قوم إن الأول أفضل، لما روي: " إن رسول الله ~~(ص) قال لأصحابه: أي الناس خير؟ فقالوا: موسر من المال يعطي حق الله تعالى ~~من نفسه وماله، فقال: نعم الرجل هذا وليس به المراد، قالوا فمن خير الناس ~~يا رسول الله؟ فقال: فقير يعطي جهده "، وما روي: " إن الفقراء بعثوا رسولا ~~إلى رسول الله (ص)، فقال: إني رسول الفقراء إليك، فقال: مرحبا بك وبمن جئت ~~من عندهم، جئت من عند قوم أحبهم، فقال: قالوا إن الأغنياء ذهبوا بالجنة ~~يحجون ms327 ولا نقدر عليه، ويعتمرون ولا نقدر عليه، وإذا مرضوا بعثوا بفضل ~~أموالهم ذخيرة لهم، فقال النبي (ص): بلغ عني الفقراء إن لمن صبر واحتسب ~~منكم ثلاث خصال ليست للأغنياء: أما (الأولى) فإن في الجنة غرفا ينظر إليها ~~أهل الجنة كما ينظر أهل الأرض إلى نجوم السماء، لا يدخلها إلا نبي فقير، أو ~~شهيد فقير، أو مؤمن فقير، (والثانية) يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء ~~PageV02P068 # بنصف يوم وهو خمسمائة عام. (والثالثة) إذا قال الغني: سبحان الله والحمد ~~لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وقال الفقير مثل ذلك، لم يلحق الغني ~~بالفقير وإن أنفق فيها عشرة آلاف درهم، وكذلك أعمال البر كلها، فرجع إليهم، ~~فقالوا رضينا ". # وقال آخرون: الثاني أفضل، لأن الغنى من صفات الربوبية، والفقر من لوازم ~~العبودية، ووصف الحق أفضل من وصف العبد. # (وأجيب عنه) بأن غنى الواجب سبحانه ليس بالأسباب والأغراض، وغنى العبد ~~بهما، إذ هو غني بوجود المال ومفتقر إلى بقائه، فأنى يكون الغنى الذي يتصف ~~العبد به من أوصاف الربوبية، نعم الغنى بمعنى الاستغناء من وجود المال ~~وعدمه جميعا بأن يستوي كلاهما عنده يشبه أوصاف الحق، إلا أنك قد عرفت أنه ~~نوع من الفقر، وبأن التكبر من أوصاف الربوبية، فينبغي أن يكون أفضل من ~~التواضع، مع أن الأمر ليس كذلك، بل الحق إن الأفضل للعبد إنما هو صفات ~~العبودية كالخوف والرجاء، إذ صفات الربوبية لا ينبغي أن ينازع فيها، ولذلك ~~قال الله سبحانه: " والعظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما ~~قصمته ". وعلى هذا فالفقر أفضل من الغنى. # والحق أن ترجيح واحد من صفات الربوبية وصفات العبودية على الآخر للعبد ~~على الإطلاق غير صحيح، إذ كما ينتقض ترجيح الأولى على الثانية بالتكبر ~~ينتقض العكس بالعلم والمعرفة والجهل والغفلة، فإن العلم من صفات الربوبية، ~~والجهل من صفات العبودية، مع أن الأول أفضل من الثاني ضرورة. # والحق أن الأفضل من الفقر والغنى ما لا يشغل العبد عن الله، فإن كان ~~الفقر يشغله فالغنى أولى به، وإن كان الغنى يشغله عن ms328 الله فالفقر أولى به، ~~وذلك لأن الغنى ليس محذورا بعينه، بل لكونه عائقا عن الوصول إلى الله، ~~والفقر ليس مطلوبا لذاته، بل لعدم كونه عائقا عن الله، وليس مانعية الأول ~~وعدم مانعية الثاني كليا، إذ رب فقير يشغله الفقر عن المقصد وكم من غني لا ~~يصرفه الغنى عنه، إذ الشاغل ليس إلا حب الدنيا، لمضادته حب الله تعالى، ~~والمحب للشئ مشغول به، سواء كان في وصاله أو في فراقه. PageV02P069 # فإذن فضل الفقير والغني بحسب تعلق قلبهما بالمال وجودا وعدما، فإن تساويا ~~فيه تساوت درجتهما. وإن تفاوتا فيه فأيهما أقل تعلقا درجته أعلى وأفضل بل ~~مع وجود تعلق لهما وتساويهما فيه يكون وجود قدر الحاجة من المال أفضل من ~~فقده، إذ الجائع يسلك سبيل الموت لا سبيل المعرفة والطاعة. # ومع عدم تعلق قلبهما أصلا بحيث يستوي عندهما وجود المال وعدمه كان المال ~~عندهما كهواء الجو وماء البحر - وبالجملة حصلت لهما المرتبة الأخيرة من ~~الفقر، أعني الاستغناء والرضا - كان الواجد أفضل من الفاقد، لاستوائهما في ~~عدم الالتفات إليه، ومزية الواجد باستفادة أدعية الفقراء والمساكين. # ثم الحكم بانقطاع القلب رأسا عن المال وجودا وعدما إنما يتصور في الشاذ ~~النادر الذي لا يسمح الدهر بمثله إلا بعد أزمنة متطاولة، وقلوب جل الناس ~~غير خالية عن حب المال والتعلق به. فتفصيل القول بأفضلية من هو أقل تعلقا ~~بالمال، استواء درجتهما مع استوائهما في التعلق، ومزية الواجد على الفاقد ~~مع انقطاع قلبهما بالكلمة عنه مزلة الأقدام وموضع الغرور، إذ الغني ربما ~~يظن أنه منقطع القلب عن المال ويكون حبه دفينا في باطنه وهو لا يشعر به، ~~وإنما يشعر به إذا فقده، فما عدا الأنبياء والأولياء وشر ذمة قليلة من ~~أكابر الأتقياء لو ظنوا انقطاعهم عن الدنيا إذا جربوا أنفسهم بإخراج المال ~~من أيديهم يظهر لهم أنهم مغرورون وليس لهم تمام الانقطاع عن الدنيا، وإذا ~~كان ذلك محالا أو بعيدا فليطلق القول بأن الفقر أصلح لكافة الناس وأفضل، ~~لأنه عن الخطر أبعد، إذ فتنة السراء من فتنة ms329 الضراء أشد، وعلاقة الفقير ~~وأنسه بالدنيا غالبا أضعف، وبقدر ضعف علاقته يتضاعف ثواب أذكاره وعبادته، ~~إذ حركات اللسان والجوارح ليست مرادة لأعيانها بل ليتأكد بها الأنس ~~بالمذكور وتأثيرها في إثارة الأنس في قلب فارغ عن غير المذكور أشد من ~~تأثيرها في قلب مشغول، ولهذا وردت الأخبار مطلقة في فضل الفقر على الغنى، ~~وفي فضل الفقراء على الأغنياء. # (الثاني) في الترجيح بين الفقر مع الحرص والجزع، والغنى مع الحرص ~~والإمساك. والتحقيق فيه أن مطلوب الفقير إن كان ما لا بد منه في ~~PageV02P070 # المعيشة وكان حرصه في تحصيل هذا القدر دون الزائد منه وكان قصده ~~الاستعانة به على الدين، وكذا كان حرص الغني وإمساكه في هذا القدر بهذا ~~القصد، فحال الوجود أفضل لأن الفقد يصده عن أمور الدين لاضطراره في طلب ~~القوت، وهو أولى بالتفضيل إذا كان قصد الغني ذلك وكان مطلوب الفقير فوق ~~الحاجة، أو قدر الحاجة بدون قصد الاستعانة به إلى أمر الدين. وإن كان مطلوب ~~كل منها فوق الحاجة، أو لم يكن قصدهما الاستعانة به على أمر الدين، فالفقد ~~أصلح وأفضل، لأنهما استويا في الحرص وحب المال، وفي عدم قصد الاستعانة به ~~على الدين، لكنهما افترقا في أن الواجد يتأكد حب الدنيا في قلبه، ويطمئن ~~إليها لأنسه بها، والفاقد يتجافى قلبه عنها اضطرارا، أو تكون الدنيا عنده ~~كالسجن الذي يطلب الخلاص منه. وهو أولى وأحرى بالتفضيل، إذا كان قصد الفقير ~~ذلك وكان قصد الغنى فوق الحاجة، أو قدر بدون الاستعانة به على أمر الدين. # (الثالث) في الترجيح بين فقير حريص متكالب على الدنيا ليس له هم سواه، ~~وغنى هو دونه في الحرص على حفظ المال، وتفجعه بفقد المال لو فقده أقل من ~~تفجع الفقير بفقده، والظاهر حينئذ كون الفقير أسوأ حالا، إذ البعد عن الله ~~بقدر قوة التفجع بفقد المال، والقرب بقدر ضعف التفجيع به. # فصل ما ينبغي للفقير ينبغي للفقير ألا يكون كارها للفقر من حيث إنه فعل ~~الله ومن حيث أنه فقر، بل يكون راضيا به طالبا ms330 له فرحانا به لعلمه بغوائل ~~الغنى، وأن يكون متوكلا في باطنه على الله، واثقا به في إتيان قدر ضرورته، ~~ويكون قانعا به، كارها للزيادة عليه، منقطع الطمع عن الخلق، غير ملتفت إلى ~~ما في أيديهم، وغير حريص على اكتساب المال كيف كان، وأن يكون صابرا شاكرا ~~على فقره، قال أمير المؤمنين (ع): " إن لله عقوبات بالفقر، ومثوبات بالفقر، ~~فمن علامات الفقر إذا كان مثوبة أن يحسن عليه خلقه، ويطيع به ربه، ولا يشكو ~~حاله، ويشكر الله تعالى على فقره، ومن PageV02P071 # علاماته إذا كان عقوبة أن يسوء عليه خلقه، ويعصي ربه بترك طاعته، ويكثر ~~الشكاية، ويتسخط بالقضاء "، وهذا يدل على أن كل فقير ليس مثابا على فقره، ~~بل من يرضى بفقره، ويفرح به، ويقنع بالكفاف، ويقصر الأمل، وإن لم يرض به ~~وتشوف إلى الكثرة وطول الأمل، وفاته عز القناعة، وتدنس بذل الحرص والطمع، ~~وجره الحرص والطمع إلى مساوي الأخلاق، وارتكاب المنكرات الخارقة للمروات ~~حبط أجره وكان آثما قلبه. # وينبغي أن يظهر التعفف ويستر الفقر ويستر أنه يستر، وألا يخالط الأغنياء، ~~ولا يرغب في مجالستهم، ولا يتواضع لهم لأجل غناهم بل يتكبر عليهم. قال أمير ~~المؤمنين عليه السلام: " ما أحسن تواضع الغني للفقير رغبة في ثواب الله، ~~وأحسن منه تيه الفقير على الغني ثقة بالله "، وألا يسكت عن ذكر الحق مداهنة ~~للأغنياء، وطمعا بما في أيديهم، ولا يفتر بسبب فقره عن عبادة الله، ويبذل ~~قليل ما يفضل عنه، فإن ذلك جهد المقل، وفضله أكثر من أموال كثيرة يبذلها ~~الغني، قال رسول الله (ص): " درهم من الصدقة أفضل عند الله من مائة ألف ~~دينار "، قيل وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: أخرج رجل من عرض ماله مائة ألف ~~دينار يتصدق بها، وأخرج رجل درهما من درهمين لا يملك غيرهما طيبة به نفسه ~~فصار صاحب الدرهم أفضل من صاحب مائة ألف دينار "، وينبغي ألا يدخر أزيد من ~~قدر الحاجة، فإن لم يدخر أكثر من قوت يومه وليلته فهو من الصديقين، وإن لم ~~يدخر أكثر ms331 من قوت أربعين يوما كان من المتقين، وإن لم يدخر أكثر من قوت سنة ~~- وهو الفضل المشترك بين الفقر والغنى - كان من الصالحين، ولو زاد عليه خرج ~~عن زمرة الفقراء. # فصل وظيفة الفقراء ما يعطى الفقير بغير سؤاله: إن كان (حراما أو شبهة) ~~وجب عليه رده والاجتناب عنه، وإن كان (حلالا)، فإن كان (هدية) استحب قبوله ~~تأسيا برسول الله (ص) إن لم تكن فيه منة، ولو كانت فيه منة فالأولى تركه. ~~وكان بعضهم إذا أعطاه صديقه شيئا يقول له أتركه عندك، PageV02P072 # وانظر إن كنت أنا بعد قبوله في قلبك أفضل مني قبل القبول فأخبرني حتى ~~آخذه وإلا فلا، وعلامة ذلك أن يشق على المعطي رده، ويفرح بالقبول، ويرى ~~المنة على نفسه في قبوله، وإن كان (صدقة أو زكاة) أو غير ذلك مما يكون ~~للثواب المحض فينبغي أن ينظر في استحقاقه لذلك، فإن كان من أهله قبله وإلا ~~رده، وإن كان المعطي أعطاه لوصف يعلمه فيه كعلم أو ورع أو كونه علويا، ولو ~~لم يكن له هذا الاختصاص لنفر طبعه، ولما تقرب إلى الله بإعطائه، ولم يكن له ~~باطنا كذلك فأخذه حرام، وإن لم يكن هدية ولا صدقة بل أعطاه للشهرة والرياء ~~والسمعة فينبغي أن يرد عليه ولا يقبله، وإلا كان معينا له على غرضه الفاسد، ~~والإعانة على الإثم إثم. # فصل موارد قبول العطاء وردها ما يعطى الفقير إن كان محتاجا إليه ولم يكن ~~أزيد من حاجته فالأفضل له الأخذ إذا سلم من الآفات المذكورة، قال رسول الله ~~(ص): " ما المعطي من سعة بأعظم أجرا من الآخذ إذا كان محتاجا "، وقال (ص): # " من أتاه شئ من هذا المال من غير مسألة ولا استشراف فإنما هو رزق ساقه ~~الله إليه فلا يرده "، وإن كان زائدا على قدر حاجته فليرد الزائد إن كان ~~طالبا طريق الآخرة، إذ الزيادة على قدر الحاجة إنما يأتيك ابتلاء وفتنة ~~لينظر الله إليك ماذا تعمل فيه، وقدر الحاجة يأتيك رفقا بك، فأنت في أخذ ~~قدر الحاجة مثاب، وفيما ms332 زاد عليه إما عاص أو متعرض للحساب، قال رسول الله ~~(ص): " لا حق لابن آدم إلا في ثلاث: طعام يقيم صلبه، وثوب يواري عورته، ~~وبيت يسكنه، فما زاد فهو حساب "، فلا ينبغي لطالب السعادة أن يأخذ الأزيد ~~من قدر الحاجة، إذ النفس إذا رخصت في نقض العزم والعهد ألفت به، وردها بعد ~~الألف والعادة مشكل. # والحاصل أن أخذ قدر الحاجة راجح لكونه مما لا بد منه، وإيجابه ثواب ~~المعطي، ولذلك لما أمر موسى بن عمران (ع) بأن يفطر عند بني إسرائيل قال: ~~إلهي ما بالي فرقت رزقي على أيدي بني إسرائيل يغديني هذا يوما ويعشيني ذا ~~ليلة، فأوحى الله إليه: " هكذا أصنع بأوليائي PageV02P073 # أجري أرزاقهم على أيدي البطالين من عبادي ليؤجروا فيهم ". فلا ينبغي أن ~~يرى المعطي إلا من حيث إنه مسخر مأجور. # وأما أخذ الزيادة على قدر الحاجة فليس مما ينبغي: نعم من كان حاله التكفل ~~بأمور الفقراء والإنفاق عليهم، لما في طبعه من البذل والسخاء، والرفق ~~والعطاء، فيجوز له أخذ الزيادة ليبذلها على المستحقين، ولكن يلزم أن يبادر ~~إلى الصرف إليهم ولا ينبغي أن يدخر، إذ في إمساكه ولو في يوم واحد أو ليلة ~~واحدة فتنة واختبار، فربما مالت النفس إلى الامساك ويصير وبالا عليها، وقد ~~نقل أن جماعة تصدوا لخدمة الفقراء والتكفل لأحوالهم فخدعتهم النفس الأمارة ~~بإعانة الشيطان فاتخذوها وسيلة إلى التوسع في المال، والتنعم في المطعم ~~والمشرب، وانجر أمرهم إلى الهلاك. # فصل لا يجوز السؤال من غير حاجة ينبغي للمؤمن ألا يسأل الناس من غير حاجة ~~اضطر إليها، بل يستعف عن السؤال ما استطاع، لأنه فقر معجل، وحساب طويل يوم ~~القيامة، والأصل فيه التحريم لتضمنه الشكوى من الله، وإذلال السائل نفسه ~~عند غير الله، وإيذاء المسؤول غالبا، إذ ربما لم تسمح نفسه بالبذل عن طيب ~~القلب، وبعد السؤال ألجأه الحياء أو الرياء إليه، ومعلوم أن الاعطاء ~~استحياء أو رياء لئلا ينقص جاهه عند الناس بنسبتهم إياه إلى البخل لا يكون ~~له حلية شرعا. # ولتضمنه هذه المفاسد ms333 ورد في الشريعة المنع منه، قال: رسول الله (ص): # " مسألة الناس من الفواحش "، وقال (ص): " من سأل عن ظهر غنى فإنما يستكثر ~~من جمر جهنم، ومن سأل وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ووجهه عظم يتقعقع ليس ~~عليه لحم ". وقال: " من سأل الناس وعنده قوت ثلاثة أيام لقي الله يوم يلقاه ~~وليس على وجهه لحم " (55) وقال (ص): # " ما من عبد فتح على نفسه بابا من المسألة إلا فتح الله عليه سبعين بابا ~~من # PageV02P074 # الفقر ". وقال: " إن المسألة لا تحل إلا لفقر مدقع أو غرم مفظع ". # وقال: " السؤال عن ظهر غنى صداع في الرأس، وداء في البطن ". # وقال: " من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما هي جمرة فليستقل منه أو ~~ليستكثر ". # وروي: " أنه جاءت فخذ من الأنصار إلى رسول الله (ص) فسلموا عليه فرد ~~عليهم السلام، فقالوا يا رسول الله إن لنا إليك حاجة فقال: # (هاتوا حاجتكم) فقالوا إنها حاجة عظيمة فقال: (هاتوها ما هي) قالوا: # تضمن لنا على ربك الجنة، فنكس رأسه، ثم نكت (56) في الأرض، ثم رفع رأسه ~~فقال: (أفعل ذلك بكم على ألا تسألوا أحدا شيئا)، فكان الرجل منهم يكون في ~~السفر فيسقط سوطه، فيكره أن يقول لانسان ناولنيه فرارا من المسألة وينزل ~~فيأخذه، ويكون على المائدة ويكون بعض الجلساء أقرب إلى الماء منه فلا يقول ~~ناولني حتى يقوم فيشرب " (57) وبايع (ص) قوما على الإسلام، فاشترط عليهم ~~السمع والطاعة، ثم قال لهم خفية: # " لا تسألوا الناس شيئا "، فكان بعد ذلك تقع المحفرة من يد أحدهم فينزل ~~لها ولا يقول لأحد ناولنيها. وكان (ص) يأمر غالبا بالتعفف عن السؤال، ~~ويقول: " من سألنا أعطيناه، ومن استغنى أغناه الله ومن لم يسألنا فهو أحب ~~إلينا " وقال: " وما قل من السؤال فهو خير " قالوا: # ومنك يا رسول الله؟ قال: " ومني ". وقال: " لو أن أحدكم أخذ حبلا فيأتي ~~بحزمة حطب على ظهره فيبيعها ويكف بها وجهه، خير له من أن يسأل ". # وقال سيد الساجدين (ع): " ضمنت على ربي أنه لا يسأل أحد أحدا من ms334 غير حاجة ~~إلا اضطرته المسألة يوما إلى أن يسأل من حاجة " ونظر (ع) يوم عرفة إلى رجال ~~ونساء يسألون، فقال " هؤلاء شرار خلق الله، الناس مقبلون على الله وهم ~~مقبلون على الناس "، وقال الباقر (ع): # " أقسم بالله وهو حق ما فتح رجل على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه # PageV02P075 # باب فقر "، وقال الصادق (ع): " طلب الحوائج إلى الناس استلاب (58) للعز ~~مذهبة للحياء، واليأس مما في أيدي الناس عز للمؤمن في دينه، والطمع هو ~~الفقر الحاضر ". وقال الصادق (ع): " لو يعلم السائل ما عليه من الوزر ما ~~سأل أحد أحدا، ولو يعلم المسؤول ما عليه إذا منع ما منع أحدا أحدا ". وقال: ~~" من سأل من غير حاجة فكأنما يأكل الجمر ". # ثم المنع والتحريم إنما هو في السؤال بدون الاضطرار، وأما مع الحاجة ~~والاضطرار فلا ريب في جوازه، وقد وردت به الرخصة، قال الله سبحانه: # " وأما السائل فلا تنهر " (59). # وقال رسول الله: " لا تردوا السائل ولو بشق تمرة " وقال (ص): # " لولا أن السائل يكذب ما قدس من ورده " وقال (ص): " للسائل حق وإن جاء ~~على الفرس " وقال (ص): " لا تردوا السائل ولو بظلف محترق " (60). ولو كان ~~السؤال مطلقا حراما لما أجاز الله ورسوله إعانة العاصي على معصيته. # ثم الحاجة المجوزة للسؤال: ما بلغت حد الاضطرار، كسؤال الجائع الخائف على ~~نفسه بالموت أو المرض لو لم يصل إليه قوت، وسؤال العاري الذي بدنه مكشوف ~~ويخاف من الحر والبرد - أو لم تبلغ إليه، وهي إما حاجة (مهمة) كالاحتياج ~~إلى الجبة في الشتاء بحيث لولاها لتأذى بالبرد تأذيا لا ينتهي إلى حد ~~الضرورة، والاحتياج إلى الكرى مع القدرة على المشي مع المشقة، أو حاجة ~~(خفيفة) كالاحتياج إلى الإدام مع وجود الخبز - فالظاهر جواز السؤال في جميع ~~ذلك (مع رجحانه في الأول، وإباحته في الثاني، ومرجوحيته في الثالث)، بشرط ~~إخلائه عن المحذورات المذكورة، # PageV02P076 # أعني. الشكوى والذل والإيذاء، وتندفع هذه المحذورات بأن يظهر حاجته ~~تعريضا بعد تقديم الشكر لله، وإظهار الاستغناء عن الخلق عند بعض الأصدقاء ms335 ~~أو الأسخياء، إذ السؤال من الصديق لا يوجب الإذلال، والسخي لا يتأذى ~~بالسؤال بل يفرح به. # ثم ما ذكر إنما هو في السؤال للاحتياج إليه بعد النسبة لما يحتاج إليه في ~~الحال، وأما السؤال لما يحتاج إليه في الاستقبال، فإن كان يحتاج إليه بعد ~~السنة فهو حرام قطعا، وإن كان يحتاج إليه قبلها، سواء كان بعد أربعين يوما ~~من يومه أو خمسين أو أقل أو أكثر، فإن أمكنه السؤال عند بلوغ وقت الحاجة ~~فلا يحل له السؤال، وإن علم بأنه لا يتمكن من السؤال عنده فهو جائز مع ~~الكراهة والمرجوحية، وكلما كان تراخي الحاجة عن يومه أكثر كانت الكراهة ~~أشد. ثم معرفة درجات الحاجة وضعفها وشدتها والوقت الذي يحتاج فيه موكول إلى ~~العبد ومنوط باجتهاده ونظره لنفسه بينه وبين الله، فليعمل به بعد استغناء ~~قلبه على ما يقتضيه سلوك طريق الآخرة، وكلما كان يقينه أقوى، وثقته بمجئ ~~الرزق أتم، وقناعته بقوت الوقت أظهر، فدرجته عند الله أعلى. # فيا حبيبي، لا تهبط نفسك من أوج التوكل والاعتماد على الله إلى حضيض ~~الخوف والاضطراب في مجئ رزقك، ولا تصغ إلى تخويف الشيطان، فإنه يعدكم الفقر ~~ويأمركم بالفحشاء، وكن مطمئنا بوعد ربك، إذ قال: # " والله يعدكم مغفرة منه وفضلا " (61). # واسمع قول نبيك (ص) حيث قال: " لو توكلتم على الله حق توكله، لرزقتم كما ~~ترزق الطيور، تغدوا خماصا وتروح بطانا ". # ومنها: # الحرص وهو معنى راتب في النفس، باعث على جميع ما لا يحتاج إليه ولا يفيده ~~من الأموال، من دون أن ينتهي إلى حد يكتفى به، وهو أقوى شعب حب # PageV02P077 # الدنيا وأشهر أنواعه. ولا ريب في كونه ملكة مهلكة وصفة مضلة، بل بادية ~~مظلمة الأرجاء والأطراف، وهاوية غير متناهية الأعماق والأكناف، من وقع فيها ~~ضل وباد، ومن سقط فيها هلك وما عاد. والتجربة والاعتبار والأخبار والآثار ~~متظاهرة على أن الحريص لا ينتهي إلى حد يقف دونه، بل لا يزال يخوض في غمرات ~~الدنيا إلى أن يغرق، وتطرحه أرض إلى أرض حتى يهلك. قال رسول ms336 الله (ص): " لو ~~كان لابن آدم واديان من ذهب، لابتغى وراءهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم ~~إلا التراب، ويتوب الله على من تاب ". وقال (ص): " منهومان لا يشبعان: ~~منهوم العلم، ومنهوم المال ". وقال (ص): " يشيب ابن آدم وتشب فيه خصلتان: # الحرص، وطول الأمل ". وقال أبو جعفر الباقر (ع): " مثل الحريص على الدنيا ~~كمثل دودة القز، كلما ازدادت على نفسها لفا كان أبعد لها من الخروج، حتى ~~تموت غما ". وقال الصادق (ع): " إن فيما نزل به الوحي من السماء: لو أن ~~لابن آدم واديين يسيلان ذهبا وفضة لابتغى لهما ثالثا. يا ابن آدم، إنما ~~بطنك بحر من البحور وواد من الأودية، لا يملأه شئ إلا التراب ". وقال بعض ~~الأكابر: " من عجيب أمر الإنسان، إنه لو نودي بدوام البقاء في أيام الدنيا ~~لم يكن في قوى خلقته من الحرص على الجمع أكثر مما قد استعمله مع قصر مدة ~~التمتع وتوقع الزوال ". # ثم ما ورد من الأخبار في ذمه أكثر من أن تحصى، ولا حاجة إلى إيرادها ~~لاشتهارها. وقال الباقر (ع): " رب حريص على أمر قد شقي به حين أتاه، ورب ~~كاره لأمر قد سعد به حين أتاه ". وأي خسران أشد من أن يسعى الإنسان في طلب ~~به هلاكه؟ وأي تأمل في أن كلما يحرص عليه الإنسان من أموال الدنيا يكون ~~مهلكا له؟! # وصل القناعة ضد الحرص (القناعة). وهي ملكة للنفس: توجب الاكتفاء بقدر ~~الحاجة والضرورة من المال، من دون سعي وتعب في طلب الزائد عنه، وهي صفة ~~فاضلة يتوقف عليها كسب سائر الفضائل، وعدمها يؤدي بالعبد PageV02P078 # إلى مساوي الأخلاق والرذائل، وهي المظنة للوصول إلى المقصد، وأعظم ~~الوسائل لتحصيل سعادة الأبد، إذ من قنع بقدر الضرورة من المطعم والملبس، ~~ويقتصر على أقله قدرا أو أخسه نوعا، ويرد أمله إلى يومه أو إلى شهره، ولا ~~يشغل قلبه بالزائد عن ذلك، كان فارغ البال مجتمع الهم فيتمكن من الاشتغال ~~بأمر الدين وسلوك طريق الآخرة، ومن فاتته القناعة وتدنس بالحرص والطمع وطول ~~الأمل، وخاض في ms337 غمرات الدنيا، تفرق قلبه وتشتت أمره. فكيف يمكنه التشمر ~~لتحصيل أمر الدين والوصول إلى درجات المتقين؟ ولذلك ورد في مدح القناعة ما ~~ورد من الأخبار، قال رسول الله (ص): " طوبى لمن هدي للإسلام، وكان عيشه ~~كفافا وقنع به وقال: " ما من أحد، من غني ولا فقير، إلا ود يوم القيامة أنه ~~كان أوتي قوتا في الدنيا ". وقال (ع) -: " أيها الناس، أجملوا في الطلب، ~~فإنه ليس للعبد إلا ما كتب له في الدنيا، وأن يذهب عبد من الدنيا حتى يأتيه ~~ما كتب له في الدنيا وهي راغمة ". وقال (ص) " نفث روح القدس في روعى: إنه ~~لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها. فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ". وقال (ص): ~~" كن ورعا تكن أعبد الناس، وكن قانعا تكن أشكر الناس، وأحب للناس ما تحب ~~لنفسك تكن مؤمنا " وفي الخبر القدسي " يا ابن آدم، لو كانت الدنيا كلها لك ~~لم يكن لك منها إلا القوت، فإذا أنا أعطيتك منها القوت وجعلت حسابها على ~~غيرك، فأنا إليك محسن ". # وروي: " إن موسى سأل ربه تعالى، وقال: أي عبادك أغنى؟ قال: # أقنعهم لما أعطيته ". وقال أمير المؤمنين (ع): " ابن آدم "، إن كنت تريد ~~من الدنيا ما يكفيك، فإن أيسر ما فيها يكفيك، وإن كنت إنما تريد ما لا ~~يكفيك، فإن كل ما فيها لا يكفيك " وقال أبو جعفر الباقر (ع): # " إياك أن تطمح بصرك إلى من هو فوقك، فكفى بما قال الله عز وجل لنبيه صلى ~~الله عليه وآله: # " فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم " (62). وقال: " ولا تمدن عينيك إلى ما ~~متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا " (63). # PageV02P079 # فإن دخلك من ذلك شئ، فاذكر عيش رسول الله (ص) فإنما كان قوته الشعير، ~~وحلواه التمر، ووقوده السعف إذا وجده " (64) وقال: " من قنع بما رزقه الله ~~فهو من أغنى الناس ". وقال الصادق (ع) " من رضي من الله باليسير من المعاش ~~رضي الله عنه باليسير من العمل " وقال: " مكتوب في التوراة: ابن آدم، كن ~~كيف شئت كما تدين تدان، من رضي ms338 من الله بالقليل من الرزق قبل الله منه ~~اليسير من العمل، ومن رضي باليسير من الحلال خفت مؤنته وزكت مكسبته وخرج من ~~حد الفجور " وقال: " إن الله عز وجل يقول: يحزن عبدي المؤمن إن قترت عليه، ~~وذلك أقرب له مني، ويفرح عبدي المؤمن إن وسعت عليه، وذلك أبعد له مني " ~~وقال: " كلما ازداد العبد إيمانا ازداد ضيقا في معيشته ". والأخبار الواردة ~~في فضيلة القناعة أكثر من أن تحصى، وما أوردناه كاف لأهل البصيرة. # فصل علاج الحرص طريق المعالجة في إزالة الحرص وتحصيل القناعة: أن يتذكر ~~أولا ما في القناعة من المدح والشرافة، وعز النفس وفضيلة الحرية، وما في ~~الحرص من الذم والمهانة، وتحمل الذلة ومتابعة الشهوة. ويعرف أن من لا يؤثر ~~عز النفس على شهوة البطن، فهو قليل العقل ناقص الإيمان. ثم يتذكر ما في ~~جميع المال من الآفات الدنيوية والعقوبات الأخروية، ويكثر التأمل فيما مضى ~~عليه عظماء الخلق وأعز أصنافهم، أعني الأنبياء والأوصياء ومن سار بسيرتهم ~~من السلف الأتقياء، من صبرهم على القليل، وقناعتهم باليسير، وفيما يجري ~~عليه الكفار من الهندو واليهود والنصارى وأراذل الناس وأغنيائهم وأمثالهم، ~~من التنعم وجمع المال الكثير. وبعد هذا التأمل لا أظنه يشك في أن الاقتداء ~~بأعز الخلائق أحسن من الاقتداء بأراذلهم، بل المتأمل يعرف أن الحريص # PageV02P080 # المتكالب على لذات الدنيا خارج عن أفق الإنسانية، وداخل في جريدة البهائم ~~إذ الحرص على شهوات البطن والفرج من لوازم البهيمية وأحرص الناس على ~~الشهوات لا يبلغ رتبة البهائم في ذلك. فما من حريص على التنعم في البطن إلا ~~والحمار أكثر أكلا منه، وما من حريص على الجماع إلا والخنزير أشد نزوا منه. ~~فظهر أن الحريص في مرتبة الخنزير والحمار واليهود والهندو، والقانع لا ~~يساهمه في الرتبة إلا الأنبياء والأولياء. وبعد التأمل في جميع ما ذكر، يتم ~~العلاج العلمي، وبه تسهل إزالة الحرص واكتساب القناعة. فليبادر إلى العلاج ~~العملي، وهو العمل بالاقتصاد في أمر المعيشة، ليسد أبواب الخرج ما أمكن، ~~ورد النفس إلى ما لا بد منه. ms339 فإن من كثر خرجه واتسع إنفاقه، لم تمكنه ~~القناعة، فإن كان وحده، اكتفى بثوب خشن، ويقنع بأي طعام كان ويقلل من ~~الأدام ما أمكنه، وهكذا الحال في سائر ما يضطر إليه ويوطن نفسه عليه. وإن ~~كان له عيال رد كل واحد منهم إلى هذا القدر. وإذا بنى أمره على الاقتصاد، ~~لم يحتاج إلى كثير جهد وإن كان معيلا. قال رسول (ص) " ما عال من اقتصد " ~~(65). وقال (ص): " ثلاث منجيات: خشية الله في السر والعلانية، والقصد في ~~الغناء والفقر، والعدل في الرضا والغضب " وقال: " التدبير نصف المعيشية ". ~~وقال: " من اقتصد أغناه الله، ومن بذر أفقره الله ". وقال: " الاقتصاد، ~~وحسن الصمت، والهدى الصالح جزء من بضع وعشرين جزءا من النبوة ". وقال أمير ~~المؤمنين عليه السلام " القصد مثراة والسرف متواة " (66) وقال السجاد عليه ~~السلام -: " لينفق الرجل بالقصد وبلغة الكفاف، ويقدم منه الفضل لآخرته، فإن ~~ذلك أبقى للنعمة، وأقرب إلى المزيد من الله تعالى، وأنفع في العافية ". ~~وقال الصادق عليه السلام: " إن القصد أمر يحبه الله، وإن السرف أمر يبغضه ~~الله، # PageV02P081 # حتى طرحك النواة، فإنها تصلح لشئ، وحتى صبك فضل شرابك " (67). # وقال (ع) " ضمنت لمن أقصد ألا يفتقر " وقال (ع) -: " إن السرف يورث ~~الفقر، وإن القصد يورث الغناء " والأخبار في مدح الاقتصاد أكثر من أن تحصى. # ثم إذا تيسرت له المعيشة في الحال، فلا ينبغي أن يكون مضطربا لأجل ~~الاستقبال، ويعتمد على فضل الله ووعده بأن الرزق الذي قدر له يأتيه وإن لم ~~يكن حريصا ولا مضطربا لأجله ولا يعلم لنفسه مدخلا يأتي رزقه منه وقال الله ~~تعالى: # " وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها " (68). # وقال: " ومن يتق الله يجعل له مخرجا. ويرزقه من حيث لا يحتسب " (69). # وقال رسول الله (ص) " أبى الله أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يحتسب ~~" ثم ينبغي ألا ينظر إلى من هو فوقه، بل ينظر إلى من هو دونه في التنعم وفي ~~مال الدنيا، فإن الشيطان يصرف نظره في أمر الدنيا إلى من هو فوقه ms340 ويقول: لم ~~تفتر عن طلب الدنيا وأرباب الأموال يتنعمون في المطاعم والملابس ويصرف نظره ~~في أمر الدين إلى من هو دونه، ويقول: لم تضيق على نفسك وتخاف الله وفلان ~~أعلم منك ولا يخاف الله؟ قال أبو ذر (ره): " أوصاني خليلي رسول الله أن ~~أنظر إلى من هو دوني، لا إلى من هو فوقي في الدنيا وقال (ص): إذا نظر أحدكم ~~إلى من فضله الله عليه في المال والخلق، فلينظر إلى من هو أسفل منه ". # ومنها: # الطمع وهو التوقع من الناس في أموالهم، وهو أيضا من شعب حب الدنيا ومن ~~أنواعه، ومن الرذائل المهلكة. قال رسول الله: " إياك والطمع، فإنه الفقر ~~الحاضر ". وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " إستغن عمن شئت تكن نظيره، ~~وارغب إلى من شئت تكن أسيره # PageV02P082 # وأحسن إلى من شئت تكن أميره ". وقال الباقر (ع) " بئس العبد عبد له طمع ~~يقوده " وبئس العبد عبد له رغبته تذله " وقيل للصادق (ع) ما الذي يثبت ~~الإيمان في العبد: قال: " الورع، والذي يخرجه منه الطمع " (70) والأخبار في ~~ذم الطمع كثيرة، وكفى به ذما أن كل طامع يكون ذليلا مهينا عند الناس، وأن ~~وثوقه بالناس واعتماده عليهم أكثر من وثوقه بالله، إذ لو كان اعتماده على ~~الله أكثر من اعتماده على الناس لم يكن نظره إليهم، بل لم يطمع من أحد شيئا ~~إلا من الله سبحانه. # وصل الاستغناء عن الناس ضد الطمع و (الاستغناء عن الناس). وهو من الفضائل ~~الموجبة لتقرب العبد إلى الله سبحانه، إذ من استغنى بالله عن غير الله أحبه ~~الله. # والأخبار الآمرة بالاتصاف به والمادحة له كثيرة. قال رسول الله (ص): # " ليس الغنى عن كثرة العروض، إنما الغنى غنى النفس ". وقال لأعرابي طلب ~~منه موعظة: " إذا صليت فصل صلاة مودع، ولا تحدثن بحديث تعتذر منه غدا، ~~واجمع اليأس عما في أيدي الناس ". وقال (ص): # " عليك باليأس عما في أيدي الناس، فإنه الغني الحاضر ". وقال أمير ~~المؤمنين - عليه السلام - " ليجتمع في قلبك الافتقار إلى الناس والاستغناء ~~عنهم، فيكون افتقارك إليهم ms341 في لين كلامك وحسن بشرك، ويكون استغناؤك عنهم في ~~نزاهة عرضك وبقاء عزك " وقال سيد الساجدين (ع): " رأيت الخير كله قد اجتمع ~~في قطع الطمع عما في أيدي الناس، ومن لم يرج الناس في شئ، ورد أمره إلى ~~الله تعالى في جميع أموره، استجاب الله تعالى له في كل شئ ". وقال الباقر ~~(ع): " سخاء المرء عما في أيدي الناس أكثر من سخاء النفس والبذل، ومروءة ~~الصبر في حال الفاقة والحاجة والتعفف والغنى أكثر من مروءة الإعطاء، وخير ~~المال الثقة بالله واليأس مما في أيدي الناس ". # PageV02P083 # وقال (ع): " اليأس مما في أيدي الناس عز المؤمن في دينه ". وقال الصادق ~~(ع): " شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس ". # وقال (ع): " شيعتنا من لا يسأل الناس، ولو مات جوعا ". وقال (ع): # " ثلاث هن فخر المؤمن وزينته في الدنيا والآخرة: الصلاة في آخر الليل، ~~ويأسه مما في أيدي الناس، وولايته للإمام من آل محمد - عليهم السلام - ". # وقال (ع): " إذا أراد أحدكم ألا يسأل ربه شيئا إلا أعطاه، فلييأس من ~~الناس كلهم، ولا يكون له رجاء إلا عند الله، فإذا علم الله ذلك من قلبه، لم ~~يسأل الله شيئا إلا أعطاه " (71). ثم طريق العلاج في قطع الطمع وكسب ~~الاستغناء قريب مما ذكر في علاج إزالة الحرص وتحصيل القناعة، فتذكر. # ومنها: # البخل وهو الامساك حيث ينبغي البذل، كما أن الإسراف هو البذل حيث ينبغي ~~الامساك، وكلاهما مذمومان، والمحمود هو الوسط، وهو الجود والسخاء: إذ لم ~~يؤمر رسول الله (ص) إلا بالسخاء، وقيل له: # " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط " (72). # وقال تعالى: " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك ~~قواما " (73) فالجود وسط بين الإقتار والإسراف، وبين البسط والقبض، وهو ~~تقدير البذل والإمساك بقدر الواجب اللائق. ولا يكفي في تحقق الجود والسخاء ~~أن يفعل ذلك بالجوارح ما لم يكن قلبه طيبا غير منازع له فيه. فإن بذل في ~~محل وجوب البذل ونفسه تنازعه وهو يضايرها فهو متسخ وليس بسخى، بل ms342 ينبغي ألا ~~يكون لقلبه علاقة مع المال إلا من حيث يراد المال له، وهو صرفه إلى ما يجب ~~أو ينبغي صرفه إليه. # PageV02P084 # فصل ذم البخل البخل من ثمرات حب الدنيا ونتائجه، وهو من خبائث الصفات ~~ورذائل الأخلاق. ولذا ورد في ذمه ما ورد من الآيات والأخبار. قال الله ~~سبحانه: # " الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله... " ~~الآية (75). وقال الله تعالى: " ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من ~~فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة " (76). # وقال رسول الله (ص): " إياكم والشح، فإنه أهلك من كان قبلكم، حملهم على ~~أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم ". وقال (ص): " لا يدخل الجنة بخيل، ولا ~~خب، ولا خائن، ولا سئ الملكة ". وقال (ص): # " البخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار. # وجاهل سحي أحب إلى الله من عابد بخيل، وأدوى الداء البخل، (77). # وقال (ص): " الموبقات ثلاث: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه ". ~~وقال (ص): " إن الله يبغض الشيخ الزاني، والبخيل المنان، والمعيل المختال ~~". وقال (ص) " إياكم والشح، فإنما هلك من كان قبلكم بالشح، ومرهم بالكذب ~~فكذبوا، وأمرهم بالظلم فظلموا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا " (78). وقال (ص): " ~~البخل شجرة تنبت في النار، فلا يلج النار إلا بخيل ". وقال: " خلق البخل من ~~مقتة، وجعل رأسه راسخا في أصل شجرة الزقوم، ودلى بعض أغصانها إلى الدنيا، ~~فمن تعلق بغصن منها أدخله النار. إلا أن البخل من الكفر، والكفر في النار ~~". وقتل في الجهاد رجل من أصحاب رسول الله (ص) فبكته باكية، وقالت: ~~واشهيداه! # PageV02P085 # فقال النبي (ص): " ما يدريك أنه شهيد؟ فلعله كان يتكلم بما لا يعنيه، أو ~~يبخل بما لا ينقصه ". وقال (ص): " إن الله يبغض البخيل في حياته والسخي عند ~~موته ". وقال (ص): " السخي الجهول أحب إلى الله عز وجل من العابد البخيل ". ~~وقال: " الشح والإيمان لا يجتمعان في قلب واحد ". وقال أيضا: " خصلتان لا ~~تجتمعان في مؤمن: البخل، وسوء الخلق ". وقال ms343 (ص): " لا ينبغي للمؤمن أن ~~يكون بخيلا ولا جبانا ". # وقال (ص): " يقول قائلكم: الشحيح أعذر من الظالم. وأي ظلم أظلم عند الله ~~من الشح؟ حلف الله بعزته وعظمته وجلاله لا يدخل الجنة شحيح ولا بخيل ". ~~وقال: " اللهم إني أعوذ بك من البخل! ". وروي " أنه (ص) كان يطوف بالبيت، ~~فإذا رجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول: بحرمة هذا البيت إلا غفرت لي ذنبي! ~~قال رسول الله (ص): وما ذنبك؟ صفه لي. قال: هو أعظم من أن أصفه لك. قال: ~~ويحك! ذنبك أعظم أم الأرضون؟ قال بل ذنبي يا رسول الله. قال (ص): ويحك! ~~ذنبك أعظم أم الجبال؟ قال: بل ذنبي يا رسول الله. قال (ص): فذنبك أعظم أم ~~البحار؟ قال: بل ذنبي يا رسول الله قال (ص): فذنبك أعظم أم السماوات؟ قال: ~~بل ذنبي يا رسول الله. قال: ذنبك أعظم أم العرش؟ # قال: بل ذنبي يا رسول الله. قال: ذنبك أعظم أم الله؟ قال: بل الله أعظم ~~وأعلى وأجل. قال: ويحك! فصف لي ذنبك. قال: يا رسول الله إني رجل ذو ثروة من ~~المال، وإن السائل ليأتيني ليسألني فكأنما يستقبلني بشعلة من النار. فقال ~~رسول الله (ص): إليك عني! لا تحرقني بنارك! # فوالذي بعثني بالهداية والكرامة، لو قمت بين الركن والمقام، ثم صليت ألفي ~~ألف عام، وبكيت حتى تجري من دموعك الأنهار وتسقى بها الأشجار ثم مت وأنت ~~لئيم، لأكبك الله في النار! ويحك! أما علمت أن الله يقول. # " ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه " (79). " ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون "؟! (80). # وقال أمير المؤمنين (ع): " سيأتي على الناس زمان عضوض، يعض # PageV02P086 # المؤمن على ما في يديه، ولم يؤمر بذلك. قال الله تعالى: # " ولا تنسوا الفضل بينكم " (81). # وروي: " أنه ما من صباح إلا وقد وكل الله تعالى ملكين يناديان: # اللهم اجعل لكل ممسك تلفا، ولكل منفك خلفا! ". والأخبار في ذم البخل أكثر ~~من أن تحصى، مع أن تضمنه للمفاسد الدنيوية والأخروية مما يحكم به الوجدان ~~ولا يحتاج إلى دليل وبرهان، حتى ms344 أن النظر إلى البخيل يقسي القلب، ومن كان ~~له صفاء سريرة، يكرب قلبه ويظلم من ملاقاته، وقد قيل: (أبخل الناس بماله ~~أجودهم بعرضه). # وصل السخاء ضد البخل (السخاء). وقد عرفت معناه، وهو من ثمرة الزهد، كما ~~أن البخل من ثمرة حب الدنيا. فينبغي لكل سالك لطريق الآخرة أن يكون حاله ~~القناعة إن لم يكن له مال، والسخاء واصطناع المعروف إن كان له مال. # ولا ريب في كون الجود والسخاء من شرائف الصفات ومعالي الأخلاق، وهو أصل ~~من أصول النجاة، وأشهر أوصاف النبيين، وأعرف أخلاق المرسلين. وما ورد في ~~مدحه خارج عن حد الاحصاء، قال رسول الله (ص): # " السخاء شجرة من شجر الجنة، أغصانها متدلية إلى الأرض، فمن أخذ منها ~~غصنا قاده ذلك الغصن إلى الجنة ". وقال (ص): " إن السخاء من الإيمان ~~والإيمان في الجنة ". وقال (ص): " السخاء شجرة تنبت في الجنة، فلا يلج ~~الجنة إلا سخي ". وقال (ص): " قال الله سبحانه: إن هذا دين ارتضيته لنفسي، ~~وإن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق، فأكرموه بهما ما استطعتم ". وقال (ص): " ~~ما جعل الله أولياءه إلا على السخاء وحسن الخلق ". وقال (ص): " إن من ~~موجبات المغفرة: بذل الطعام، وإفشاء السلام، وحسن الكلام ". وقال (ص): " إن ~~السخي قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة، بعيد من النار ". وقال ~~(ص): # PageV02P087 # " تجافوا ن ذنب السخي، فإن الله آخذ بيده كلما عثر ". وقال (ص): # " طعام الجواد دواء، وطعام البخيل داء " (82). وقال (ص): " خلقان يحبهما ~~الله، وهما: حسن الخلق، والسخاء ". وقال (ص): " إن الله جواد يحب الجود، ~~ويحب معالي الأخلاق، ويكره سفاسفها ". وقال (ص): # " الرزق إلى مطعم الطعام أسرع من السكين إلى ذروة البعير، وإن الله تعالى ~~ليباهي بمطعم الطعام الملائكة (ع): ". وقال (ص): " إن عبادا يخصهم بالنعم ~~لمنافع العباد، فمن بخل بتلك المنافع عن العباد، نقلها الله عنه وحولها إلى ~~غيره ". وقال (ص): " الجنة دار الأسخياء ". وقال (ص): # " لشاب سخي مرهق في الذنوب، أحب إلى الله من شيخ عابد بخيل " (83). # وقال (ص): " اصنع المعروف إلى ms345 من هو أهله وإلى من ليس بأهله، فإن أصبت ~~أهله فقد أصبت أهله، وإن لم تصب أهله فأنت من أهله ". # وقال (ص): " إن بدلاء أمتي لم يدخلوا الجنة بصلاة ولا صيام، ولكن دخلوها ~~بسخاء الأنفس، وسلامة الصدور، والنصح للمسلمين ". وقال - صلى الله عليه ~~وآله وسلم -: " إن الله عز وجل جعل للمعروف وجوها من خلقه، حبب إليهم ~~المعروف وحبب إليهم فعاله، ووجه طلاب المعروف إليهم ويسر عليهم إعطاءه، كما ~~ييسر الغيث إلى البلدة الجدبة فيحييها ويحيي بها أهلها ". (ص): " السخي ~~محبب في السماوات ومحبب في الأرضين، خلق من طينة عذبة، وخلق عينيه ما ~~الكوثر، والبخيل مبغض في السماوات مبغض في الأرضين، خلق من طينة سبخة، وخلق ~~ماء عينيه من ماء العوسج ". # وقال (ص): " إن أفضل الناس إيمانا أبسطهم كفا ". وقال (ص): # " يؤتى يوم القيامة برجل، فيقال: احتج، فيقول: يا رب، خلقتني وهديتني، ~~وأوسعت علي فلم أزل أوسع على خلقك، وأنشر عليهم لكي تنشر علي هذا اليوم ~~رحمتك وتيسره. فيقول الرب - تعالى ذكره -: # صدق عبدي، أدخلوه الجنة ". وروي: " إنه أتى النبي (ص) وفد من اليمن، ~~وفيهم رجل كان أعظمهم كلاما وأشدهم استقصاء في محاجة النبي # PageV02P088 # - صلى الله عليه وآله وسلم -: فغضب النبي حتى التوى عرق الغضب بين عينيه، ~~وتربد وجهه وأطرق إلى الأرض، فأتاه جبرئيل (ص) فقال: ربك يقرئك السلام، ~~ويقول لك: هذا رجل سخي يطعم الطعام. فسكن عن النبي (ص): الغضب، ورفع رأسه، ~~وقال: لولا أن جبرئيل أخبرني عن الله عز وجل إنك سخي تطعم الطعام لشردت بك، ~~وجعلتك حديثا لمن خلقك! # فقال له الرجل: إن ربك يحب السخاء؟ فقال: نعم! فقال: إني أشهد ألا إله ~~إلا الله، وإنك رسول الله، والذي بعثك بالحق، لا رددت عن مالي أحدا " (85)، ~~وقال (ص): " كل معروف صدقة، وكل ما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب له صدقة، ~~وما وقى المرء به عرضه فهو له صدقة، وما أنفق الرجل من نفقة فعلى الله ~~خلفها ". (ص): " كل معروف صدقة والدال على الخير كفاعله، والله تعالى يحب ms346 ~~إغاثة اللهفان ". وروي: " أنه أوحى الله إلى موسى (ع): لا تقتل السامري، ~~فإنه سخي " (85). وقال عيسى (ع): " استكثروا من شئ لا تأكله النار "، قيل: ~~وما هو؟ قال: # " المعروف ". وقال أمير المؤمنين (ع): " ومن يبسط يده بالمعروف إذا وجده، ~~يخلف الله له ما أنفق في دنياه، ويضاعف له في آخرته " (86). # وقال الباقر (ع): " إن الشمس لتطلع ومعها أربعة أملاك: ملك ينادي: # يا صاحب الخير أتم وأبشر، وملك ينادي: يا صاحب الشر أنزع وأقصر، وملك ~~ينادي: أعط منفقا خلفا وآت ممسكا تلفا، وملك ينضح الأرض بالماء ولولا ذلك ~~اشتعلت الأرض ". وقال الصادق (ع) لبعض جلسائه: " ألا أخبرك بشئ تقرب به من ~~الله وتقرب من الجنة وتباعد من النار؟ "، فقال: # بلى. فقال: " عليك بالسخاء ". وقال: " خياركم سمحاؤكم، وشراركم بخلاؤكم. ~~ومن خالص الإيمان: البر بالأخوان والسعي في حوائجهم، وأن البار بأخوان ~~ليحبه الرحمن، وفي ذلك مرغمة للشيطان، وتزحزح # PageV02P089 # عن النيران ودخول الجنان ". وقال الكاظم (ع): " السخي الحسن الخلق في كنف ~~الله، لا يستخلي الله منه حتى يدخله الجنة. وما بعث الله نبيا ولا وصيا إلا ~~سخيا، ولا كان أحد من الصالحين إلا سخيا، وما زال أبي يوصيني بالسخاء حتى ~~مضى ". # فصل معرفة ما يجب أن يبذل لعلك تقول: إنك قلت: السخاء هو الوسط بين ~~الإقتار والإسراف، وهو صرف المال إلى ما يجب أو ينبغي صرفه إليه، وهذا غير ~~كاف لمعرفة حد السخاء، لتوقفه على معرفة ما يجب أو ينبغي، وهو عندنا مبهم. # قلنا: ما يجب أو ينبغي يتناول الواجب واللائق بحسب الشرع والمروة ~~والعادة. فالسخي هو الذي يؤدي واجب الشرع وواجب المروة والعادة جميعا، فإن ~~منع واحدا منها فهو بخيل، وإن كان الذي يمنع واجب الشرع أبخل. ثم ما يجب ~~بذله شرعا مضبوط معين، من الزكاة والخمس وغيرهما من أطيب ماله أو وسطه دون ~~الخبيث منه، والإنفاق على أهله وعياله على قدر احتياجهم. فمن أدى جميع ذلك ~~فقد أدى الواجب الشرعي، ويستحق اسم السخي شرعا، إذا كان الأداء بطيبة من ~~قلبه، من دون أن ms347 يشق عليه، إذ لو شق عليه ذلك كان بخيلا بالطبع ومتسخيا ~~بالتكلف. وأما ما يجب مروة وعادة، فهو ترك المضايقة في بذل ما يستقبح ~~المضايقة فيه عرفا وعادة وهو يختلف في الأحوال والأشخاص، فتستقبح من الغني ~~المضايقة ما لا يستقبح من الفقير، ومع الأهل والأقارب ما لا يستقبح مع ~~الأجانب، ومع الجار ما لا يستقبح من البعيد، وفي الضيافة ما لا يستقبح أقل ~~منه في المبايعة والمعاملة، ويستقبح من المضايقة في الأطعمة ما لا يستقبح ~~في غيرها. # وبالجملة: يختلف ذلك بما فيه المضايقة من ضيافة أو معاملة، وبما فيه ~~المضايقة من طعام أو ثوب أو فرش أو غير ذلك، وبمن معه المضايقة من صديق أو ~~قريب أو جار أو أجنبي أو بعيد، وبمن منه المضايقة من غني أو فقير أو أمير ~~أو رعية أو عالم أو جاهل أو صبي أو كامل. فالسخي هو الذي لا يمنع حيث ينبغي ~~ألا يمنع شرعا أو مروة أو عادة، والبخل من PageV02P090 # يمنع شيئا مما ينبغي ألا يمنع شرعا أو مروة أو عادة. ولا يمكن التنصيص ~~على مقدار ذلك، فلعل حد البخل هو إمساك لغرض ذلك الغرض أهم من حفظ المال، ~~وفي مقابله الجود والسخاء. # ثم من يؤدي الواجب ويحفظ العادة والمروة، ولكن له مال كثير قد جمعه، لا ~~يصرفه إلى المحتاجين ولا ينفقه في الصدقات المستحبة ليكون له عدة على نوائب ~~الزمان، وإن لم يكن بخيلا عند عوام الخلق، ولكنه بخيل عند أهل الفطانة ~~والكياسة. إذ التبري عن البخل والاتصاف بصفة الجود والسخاء لا يتحقق عندهم ~~ما لم يبذل زيادة على قدر واجب الشرع وواجب المروة والعادة اللائقة به، ~~لطلب الفضيلة والثواب، ونيل الدرجات في الآخرة، وتختلف هذه الزيادة باختلاف ~~مقدار ماله، وباختلاف حاجة المحتاجين وصلاحهم وورعهم. فاتصافه بالجود، بقدر ~~ما تتسع له نفسه من قليل أو كثير، وتختلف درجات ذلك. فاصطناع المعروف أمر ~~وراء ما توجبه العادة والمروة، وهو الجواد بشرط أن يكون عن طيبة من النفس، ~~ولا يكون لأجل غرض، من خدمة ms348 أو مدح وثناء. إذ من يبذل المال بعوض المدح ~~والثناء أو غيره فليس بجواد، بل هو بياع يشتري المدح بماله، لكون المدح ألذ ~~عنده من المال. # فالجواد هو بذل الشئ عن طيبة من القلب من غير غرض، وهذا وإن كان حقيقة، ~~إلا أنه لا يتصور في غير حق الله، إذ ما من إنسان يبذل الشئ إلا لغرض، لكن ~~إذا لم يكن غرضه إلا الثواب في الآخرة، ورفع الدرجات، واكتساب فضيلة الجود، ~~وتطهير النفس عن رذيلة البخل، سمي جوادا، وإن كان غرضه شيئا من الأمور ~~الدنيوية لم يسم جوادا. # تنبيه الإيثار أرفع درجات الجود والسخاء (الإيثار)، وهو أن يجود بالمال ~~مع الحاجة إليه. قال الله سبحانه في معرض الثناء على أهل الإيثار: # " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " (87). # PageV02P091 # وقال رسول الله (ص): " أيما أمرؤ اشتهى شهوة فرد شهوته وآثر على نفسه، ~~غفر له ". # وكان الإيثار من شعار رسول الله (ص)، ولقد قالت بعض زوجاته: # " أنه (ص) ما شبع ثلاثة أيام متوالية حتى فارق الدنيا، ولم شئنا لشبعنا، ~~ولكنا كنا نؤثر على أنفسنا ". وروي: " أن موسى بن عمران قال: # يا رب، أرني بعض درجات محمد وأمته. قال: يا موسى، إنك لن تطيق ذلك، لكني ~~أريك منزلة من منازله، جليلة عظيمة، فضلته بها عليك وعلى جميع خلقي. قال ~~(88): فكشف له عن ملكوت السماوات، فنظر إلى منزلة كادت أن تتلف نفسه من ~~أنوارها وقربها من الله، فقال: يا رب، بماذا بلغت به إلى هذه الكرامة؟ قال ~~تعالى: بخلق اختصصته به من بينهم، وهو الإيثار. # يا موسى، لا يأتيني أحد منهم قد عمل به وقتا من عمره إلا استحييت من ~~محاسبته، وبوأته من جنتي حيث يشاء ". وسئل الصادق (ع): " أي الصدقة أفضل؟ ~~قال (ع): " جهد المقل. أما سمعت قول الله عز وجل: # ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة؟ ". وإيثار علي (ع) غيره في جميع ~~أوقات عمره مشهور، وفي الكتب مسطور. ولقد آثر حياة رسول الله (ص) على حياته ~~ليلة المبيت، فباهى الله به ms349 الملائكة، وأنزل فيه: # " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله " (89). # ولقد كان الخواص من شيعته والمقتدون به في سنته وسيرته، يجتهدون في ~~المحافظة على هذه الفضيلة مهما أمكن. # فصل علاج مرض البخل علاج مرض البخل يتم بعلم وعمل. والعلم يرجع إلى معرفة ~~آفة البخل وفائدة الجود، والعمل يرجع إلى البذل على سبيل التكلف إلى أن ~~يصير طبعا له. فكل طالب لإزالة البخل وكسب الجود ينبغي أن يكثر التأمل في ~~أخبار ذم البخل ومدح السخاء، وما توعد الله به على البخل من العذاب # PageV02P092 # العظيم، ويكثر التأمل في أحوال البخلاء وفي نفرة الطبع عنهم، حتى يعرف ~~بنور المعرفة أن البذل خير له من الامساك في الدنيا والآخرة. ثم يكلف نفسه ~~على البذل ومفارقة المال، ولا يزال يفعل ذلك إلى أن يهيج رغبته في البذل، ~~وكلما تحركت الرغبة ينبغي أن يجتنب الخاطر الأول ولا يتوقف، لأن الشيطان ~~بعده الفقر ويخوفه ويوسوسه بأنواع الوساوس الصادة عن البذل. # ولو كان مرض البخل مزمنا غير مندفع بما مر، فمن معالجاته أن يخدع نفسه ~~بحسن الاسم والاشتهار بالجود، فيبذل على قصد الرياء، حتى تسمح نفسه بالبذل ~~طمعا في الاشتهار بصفة الجود، فيكون قد زال عن نفسه رذيلة البخل واكتسب خبث ~~الرياء، ولكن يتعطف بعد ذلك على الرياء ويزيله بعلاجه، ويكون طلب الشهرة ~~والاسم كالتسلية للنفس عند فطامها عن المال، كما يسلى الصبي عند فطامه عن ~~الثدي باللعب بالعصافير وغيرها، لا لكون اللعب مطلوبا بذاته، بل لينتقل من ~~الثدي إليه ثم ينتقل عنه إلى غيره. فكذلك هذه الصفات الخبيثة ينبغي أن يسلط ~~بعضها على بعض حتى يندفع الجميع، فتسلط الشهوة على الغضب حتى تكسر سورته ~~بها، ويسلط الغضب على الشهوة حتى تكسر رعونتها به. وقد جرت سنة الله بدفع ~~المؤذيات والمهلكات بعضها ببعض، إلى أن يندفع الجميع، سواء كانت من الصفات ~~المؤذية أو من الأشخاص المؤذية من الظلمة والأشرار، ألا ترى إنه يسلط ~~الظالمين والأشرار بعضهم على بعض إلى أن يهلك الجميع؟ # ومثال ذلك - كما قيل -: إن ms350 الميت تستحيل جميع أجزائه دودا، ثم يأكل بعض ~~الديدان بعضا، إلى أن يرجع إلى اثنين قويين، ثم لا يزالان يتقابلان ~~ويتعارضان، إلى أن يغلب أحدهما الآخر فيأكله ويسمن به، ثم لا يزال يبقى ~~وحده جائعا إلى أن يموت. فكذلك هذه الصفات الخبيثة يمكن أن يسلط بعض على ~~بعضها حتى يقمعها، فيجعل الأضعف قوتا للأقوى، إلى أن لا تبقى إلا واحدة. ثم ~~تقع العناية بمحوها وإذابتها بالمجاهدة، وهو منع القوت منها، أي عدم العمل ~~بمقتضاها، فإنها تقتضي لا محالة آثارا، فإذا خولفت خمدت وماتت. مثلا البخل ~~يقتضي إمساك المال، فإذا منع مقتضاه PageV02P093 # وبذل المال مع الجهد والمشقة مرة بعد أخرى، ماتت صفة البخل وصارت صفة ~~البذل طبعا، وسقط التعب والمشقة فيه. # ثم العمدة في علاجه أن يقطع سببه، حب المال، وسبب حب المال: أما حب ~~الشهوات التي يتوقف الوصول إليها على المال مع طول الأمل إذ لو لم يكن له ~~طول أمل وعلم أنه يموت بعد أيام قلائل ربما لم يبخل بماله أو ادخاره ~~وإبقاؤه لأولاده، فإنه يقدر بقاءهم كبقاء نفسه، فيمسك المال لأجلهم، أو حبه ~~عين المال من حيث إنه مال فيجب، فإن بعض الناس من المشايخ والمعمرين يكون ~~له من المال ما يكفيه لغاية ما يتصور من بقية عمره وتزيد مع أموال كثيرة، ~~ولا ولد له ليحتاط لأجله، مع ذلك لا تسمح نفسه بإخراج مثل الزكاة ومداواة ~~نفسه عند المرض، بل هو محب للدنانير، عاشق لها، يتلذذ بوجودها في يده، مع ~~علمه بأنه عن قريب يموت، فتضيع أو تأخذها أعداؤه، ومع ذلك لا تسمح نفسه بأن ~~يأكل منها أو يتصدق ببعضها. # وهذا مرض عسر العلاج، لا سيما في كبر السن، إذ حينئذ يكون المرض مزمنا ~~والطبيعة المدافعة له قاصرة والبدن ضعيفا. ومثله مثل من عشق شخصا فأحب ~~رسوله، ثم نسي محبوبه واشتغل برسوله فإن الدنانير رسول مبلغ إلى الحاجات. ~~وهي محبوبة من هذه الحيثية، لا من حيث إنها دنانير، فمن نسي الحاجات صارت ~~الدنانير محبوبة عنده في نفسها، فهو ms351 في غاية الضلالة والخسران، بل من رأى ~~بين الفاضل منها عن قدر الحاجة وبين الحجر فرقا، فهو في غاية الجهل. # ثم لما كان الطريق في قطع سبب كل علة أن يواظب على ضد هذا السبب، فيعالج ~~حب الشهوات بالقناعة باليسير وبالصبر، ويعالج طول الأمل بكثرة ذكر الموت ~~والنظر في موت الأقران وطول تعبهم في جمع المال وضياعه بعدهم، ويعالج ~~التفات القلب إلى الأولاد بأن الذي خلقهم خلق أرزاقهم، وكم من ولد لم يرث ~~مالا من أبيه وحاله أحسن ممن ورث، وبأن يعلم إن ولده إن كان تقيا صالحا ~~فيكفيه الله، وإن كان فاسقا فيستعين بماله على المعصية وترجع مظلمته عليه، ~~ويعالج حب المال من حيث إنه مال، بأن يتفكر في مقاصد المال وإنه لماذا خلق، ~~فلا يحفظ منه إلا بقدر حاجته، ويبذل الباقي على المستحقين وليبقى له ثوابه ~~في الآخرة. PageV02P094 # تذنيب إعلم أن بذل الأموال وإنفاقها المترتب على صفة الجود والسخاء ~~يتناول أمورا: بعضها واجب، وبعضها مندوب. وقد ورد في فضيلة كل منها بخصوصه ~~أخبار، فلا بد لنا أن نشير إلى ذلك تأكيدا لبيان فضل السخاء، وإلى بعض ما ~~لها من الآداب والدقائق الباطنة، ونحيل ما لها من الأحكام والشروط الظاهرة ~~إلى كتب الفقه، فنقول: # أما الأمور الواجبة، فأولها: # الزكاة والآيات والأخبار الواردة في ذم تاركها ومدح فاعلها كثيرة. قال ~~الله سبحانه: # " فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " (90). وقال تعالى: " والذين يكنزون ~~الذهب الفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم " (91). # ومعنى الإنفاق في سبيل الله إخراج الزكاة، كما ورد عن أهل البيت - علهم ~~السلام -، وأجمع عليه المفسرون. وقال رسول الله (ص): " إذا منعت الزكاة ~~منعت الأرض بركاتها ". وقال الباقر (ع): " إن الله عز وجل قرن الزكاة ~~بالصلاة، قال: # " قأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة (92). # فمن أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة، فلم يقم الصلاة ". وقال الصادق (ع): # " ما من ذي مال ذهب أو فضة يمنع زكاة ماله، إلا حبسه الله يوم القيامة ~~بقاع قرقر، وسلط عليه شجاعا أقرع يريده وهو يحيد عنه، فإذا ms352 رأى أنه لا ~~يتخلص منه، أمكنه من يده، فقضمها كما يقضم الفحل، ثم يصير طوقا في عنقه، ~~وذلك قول الله تعالى: # " سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة " (93). # وما من ذي إبل أو غنم أو بقر يمنع زكاة ماله، إلا حبسه الله # PageV02P095 # بيوم القيامة بقاع قرقر، تطأه كل ذات ظلف بظلفها، وتنهشه كل ذات ناب ~~بنابها: وما من ذي مال نخل أو كرم أو زرع يمنع زكاتها، إلا طوقه الله تعالى ~~ريعة أرضه إلى سبع أرضين إلى يوم القيامة " (94). وقال (ع): # " ما فرض الله على هذه الأمة شيئا أشد عليهم من الزكاة، وفيها تهلك ~~عامتهم ". وقال: " من منع قيراطا من الزكاة فليس بمؤمن ولا مسلم، وهو قوله ~~تعالى: # " قال رب ارجعون، لعلي أعمل صالحا فيما تركت " (95). # وقال (ع): " إنما وضعت الزكاة اختيارا للأغنياء، ومعونة للفقراء. # ولو أن الناس أدوا زكاة أموالهم، ما بقي مسلم فقيرا محتاجا، ولاستغنى بما ~~فرض الله له. وإن الناس ما افتقروا ولا احتاجوا ولا جاعوا ولا عروا إلا ~~بذنوب الأغنياء، وحقيق على الله أن يمنع رحمته ممن منع حق الله في ماله. ~~وأقسم بالذي خلق الخلق وبسط الرزق: إنه ما ضاع مال في بر ولا بحر إلا بترك ~~الزكاة. وما صيد صيد في بر ولا بحر إلا بتركه التسبيح في من أدى زكاة ماله، ~~ولم يبخل على المؤمنين بما افترض الله لهم في ماله ". # وقال (ع) " إن الزكاة ليس يحمد بها صاحبها، وإنما هو شئ ظاهر حقن بها دمه ~~وسمي بها مسلما، ولو لم يؤدها لم تقبل له صلاة " (96). والأخبار في فضل ~~الزكاة وذم تاركها أكثر من أن تحصى، وما ذكرناه كاف لإيقاظ الطالبين. # فصل سر وجوب الزكاة، وفضيلة سائر الإنفاقات السر في إيجاب الزكاة، بل ~~فضيلة مطلق إنفاق المال، ثلاثة أمور: # PageV02P096 # الأول - أن التوحيد العام ألا يبقى للموحد محبوب سوى الواحد الفرد، إذ ~~المحبة لا تقبل الشركة، والتوحيد باللسان قليل الجدوى، وإنما تمتحن درجة ~~الحب بمفارقة سائر المحاب، والأموال محبوبة عند الناس، لأنها آلة تمتعهم ~~بالدنيا، ms353 ولأجلها يأنسون بهذا العالم، ويخافون من الموت ويتوحشون منه، مع ~~أن فيه لقاء المحبوب، فامتحنوا في صدق دعواهم الحب التام لله تعالى ~~بمفارقتهم عن بعض محابهم، أعني المال، ولذلك قال الله سبحانه: # " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " (97). # ولفهم هذا السر في بذل الأموال، انقسم الناس بحسب درجاتهم في التوحيد ~~والمحبة ثلاثة أقسام: (قسم) صدقوا التوحيد ووفوا بعهده، ولم يجعلوا قلوبهم ~~إلا محلا لحب واحد. فنزلوا عن جميع أموالهم، ولم يدخروا شيئا من الدرهم ~~والدينار وغيرهما من أنواع المال، ولم يتعرضوا لوجوب الزكاة عليهم، حتى قيل ~~لبعضهم: كم يجب من الزكاة في مائتي درهم؟ فقال: أما على العوام - بحكم ~~الشرع - فخمسة دراهم، وأما نحن فيجب علينا بذل الجميع. وسئل الصادق (ع): " ~~في كم تجب الزكاة من المال؟ فقال: أما الزكاة الظاهرة، ففي كل ألف خمسة ~~وعشرون، وأما الباطنة، فلا تستأثر على أخيك بما هو أحوج إليه منك ". و ~~(قسم) درجتهم دون هذا، وهم الذين أمسكو أموالهم، ولكنهم راقبوا مواقيت ~~الحاجات ومراسم الخيرات، ويكون قصدهم من الامساك الإنفاق على قدر الحاجة، ~~دون التنعم، وصرف الفاضل عن قدر الحاجة إلى وجوه البر. # وهؤلاء لا يقتصرون على إعطاء مجرد ما يجب عليهم من الزكاة والخمس، بل ~~يؤدون جميع أنواع البر والمعروف أو أكثرها. و (قسم) اقتصروا على أداء ~~الواجب، فلا يزيدون عليه ولا ينقصون منه. وهو أدون الدرجات وأقل المراتب، ~~وهو درجة العوام الراغبين إلى المال، لجهلهم بحقيقته وفائدته، وضعف حبهم ~~للآخرة. # الثاني - تطهير النفس عن رذيلة البخل، فإنه من المهلكات - كما تقدم -، ~~وإنما تزول هذه الرذيلة ببذل المال مرة بعد أخرى حتى يتعود، إذ حب الشئ لا ~~ينقطع إلا بقهر النفس على مفارقته، حتى يصير ذلك اعتيادا. # PageV02P097 # وعلى هذا، فالاتفاق يطهر صاحبه من خبث البخل المهلك، وإنما طهارته بقدر ~~بذله، وبقدر فرحه بإخراجه واستبشاره بصرفه إلى الله تعالى. # الثالث - شكر النعمة، فإن لله سبحانه على عبده نعمة في نفسه ونعمة في ~~ماله. فالعبادات البدنية شكر لنعمة البدن، والمالية ms354 شكر لنعمة المال. # وما أقبح بالغني المسلم أن ينظر إلى فقير مسلم، وقد ضيق الرزق عليه وأحوج ~~إليه، ثم لا تسمح نفسه بأن يؤدي شكر الله تعالى على إغنائه عن السؤال، ~~وإحواج غيره إليه، بإعطاء عشر أو ربع عشر من ماله. # فصل الحث على التعجيل في الاعطاء ينبغي للمعطي المنفق، عند ظهور داعية ~~الخير من باطنه، أن يغتنم الفرصة، ويسارع إلى الامتثال، تعجيلا لإدخال ~~السرور في قلوب الفقراء. # وحذرا عن عوائق الزمان المانعة عن الخيرات، وعلما بأن في التأخير آفات، ~~وتنبها بأن انبعاث داعية الخير لمة الملك، وقلب المؤمن بين إصبعين من أصابع ~~الرحمن، فما أسرع تقلبه، والشيطان بعد الفقر ويأمر بالفحشاء والمنكر، وله ~~لمة عقيب لمة الملك، وصونا للفقراء عن الاضطرار إلى السؤال إذ ورد: إن ~~الاعطاء معه مكافأة لوجهه المبذول وثمن لما أخذ منه، وليس بمعروف. وروي: " ~~أن أمير المؤمنين (ع) بعث إلى رجل بخمسة أوساق من ثمر البغيبغة، وكان الرجل ~~ممن ترجى نوافله، ويؤمل نائله ورفده، وكان لا يسأل عليا ولا غيره شيئا. ~~فقال رجل لأمير المؤمنين (ع): # والله ما سألك فلان شيئا! ولقد كان يجزيه من الخسة أوساق وسق واحد. # فقال له أمير المؤمنين (ع): لأكثر الله في المؤمنين ضربك! أعطي أنا، ~~وتبخل أنت! لله أنت! إذا أنا لم أعط الذي يرجوني إلا من بعد المسألة، ثم ~~أعطيه بعد المسألة، فلم أعطه إلا ثمن ما أخذت منه، وذلك لأني عرضته أن يبذل ~~لي وجهه الذي يعفره في التراب لربي وربه عز وجل عند تعبده له وطلب حوائجه ~~إليه. فمن فعل هذا بأخيه المسلم، وقد عرف أنه موضع لصلته ومعروفه، فلم يصدق ~~الله في دعائه، حيث يتمنى له الجنة PageV02P098 # بلسانه، يبخل عليه بالحطام من ماله " (98). ثم ينبغي أن يعين لأداء صدقته ~~وقتا فاضلا، كيوم الغدير وشهر ذي الحجة، (لا) سيما العشرة الأولى، أو شهر ~~رمضان، (لا) سيما العشرة الأخيرة. وقد ورد أن رسول الله (ص) كان أجود ~~الخلق، وكان في رمضان كالريح المرسلة، لا يمسك فيه شيئا. ms355 # فصل فضيلة إعلان الصدقة الواجبة الصدقة الواجبة، أعني الزكاة، إعلانها ~~أفضل من أسرارها - إن كان في إظهارها ترغيب للناس في الاقتداء، وأمن من ~~تطرق الرياء، ولم يكن الفقير بحيث يستحي من أخذها علانية. قال الصادق (ع): ~~" كلما فرض الله عليك، فإعلانه أفضل من إسراره، وكلما كان تطوعا فإسراره ~~أفضل من إعلانه، ولو أن رجلا حمل زكاة ماله على عاتقه وعلانية، كان ذلك ~~حسنا جميلا ". وقال في قوله تعالى: # " وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم " (99): # " هي ما سوى الزكاة، فإن الزكاة علانية غير سر ". فلو دخل في نفسه الرياء ~~مع الإظهار، أو كان الفقير يستحي من أخذها علانية، كان الأسرار بها أفضل: ~~أما الأول: فظاهر، وأما الثاني: فلما روي: " إنه قيل لأبي جعفر الباقر (ع): ~~الرجل من أصحابنا يستحيي من أن يأخذ من الزكاة، فاعطيه من الزكاة ولا أسمي ~~له أنها من الزكاة. فقال: اعطه ولا تسم له، ولا تذل المؤمن ". # وبالجملة: الاعلان كما يتصور فيه فائدة الترغيب، يتطرق إليه محذور الرياء ~~والمن والأذى، وذلك يختلف بالأحوال والأشخاص. فبالنظر إلى بعض الأحوال ~~والأشخاص، يكون الاعلان أفضل، وبالنظر إلى بعض # PageV02P099 # آخر، يكون الإسرار أفضل. فلا بد لكل منفق أن يلاحظ حاله ووقته، ويقابل ~~الفائدة بالمحذور، ويختار ما هو الأفضل. ومن عرف الفوائد والغوائل، ولم ~~ينظر بعين الشهوة، اتضح له ما هو الأولى والأليق. # فصل ذم المن والأذى في الصدقة ينبغي للمتصدق أن يجتنب عن المن والأذى. ~~قال الله سبحانه: # " لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى " (100). وقال: " قول معروف ومغفرة خير ~~من صدقة يتبعها أذى " (101). # وقال رسول الله (ص): " إن تبارك وتعالى كره لي ست خصال وكرهتهن للأوصياء ~~من ولدي وأتباعهم من بعدي: العبث في الصلاة، والرفث في الصوم، والمن بعد ~~الصدقة، وإتيان المساجد جنبا، والتطلع في الوفد، والضحك بين القبور ". # و (المن): أن يرى نفسه محسنا. ومن ثمراتها الظاهرة: الإظهار بالاتفاق، ~~والتحدث به، وطلب المكافأة منه، بالشكر والخدمة والتعظيم، والمتابعة في ~~الأمور. و (الأذى): التعيير، والتوبيخ، والاستخفاف، والاستخدام، والقول ~~السئ، وتقطيب الوجه، ms356 وهتك الستر. ثم معرفة الأذى ظاهرة، وكذا معرفة الثمرات ~~الظاهرة للمن. وأما المن الباطني، أي رؤية نفسه محسنا، فيعرف بأن يكون ~~استبعاده من خيانة القابض بعد العطاء أكثر من استبعاده منه قبله. # وعلاج المن: أن يعرف أن المحسن هو الفقير القابض لإيصاله الثواب والإنجاء ~~من العذاب، وكونه نائبا عن الله تعالى، وكون ما يعطيه حقا من الله سبحانه، ~~أحال عليه الفقير إنجازا لما وعده من الرزق. وعلاج الأذى: أن يعرف أن سببه ~~استكثار العطاء وكراهية إنفاق المال والتكبر على الفقير القابض برؤية نفسه ~~خيرا منه، لغنائه واحتياجه، وجميع ذلك جهل وحماقة. أما استكثاره العطاء، ~~فلأن ما أعطاه بالنظر إلى ما يطلبه لأجله # PageV02P100 # من رضا الله وثواب الآخرة في غاية القلة والخسة، وكيف يستعظم العاقل بذل ~~خسيس فإن إذا أخذ في مقابله، خطيرا باقيا. وأما استحقاره الفقير، فلما تقدم ~~من فضل الفقير على الغني، فكيف يرى نفسه خيرا منه؟ وكفى للفقير فضلا: إن ~~الله سبحانه جعل الغني مسخرا له، بأن يكتسب المال بالجهد والتعب، ويسعى في ~~حفظه، ويسلمه إلى الفقير بقدر حاجته، ويكف عنه الفاضل الذي يضره لو سلمه ~~إليه. فالغني يخدم الفقير في طلب المال، مع كون ما يحمد منه للفقير، وكون ~~ما يذم منه، من تحمل المشاق وتقلد المظالم وحراسة الفضلات إلى أن يموت ~~فتأكله الأعداء، على الغنى. # وبالجملة: العاقل، بعد التأمل، يعلم أن ما يعطيه قليل في مقابلة ما ~~يأخذه، وأن الفقير محسن إليه. قال أمير المؤمنين (ع): " ومن علم أن ما صنع ~~إنما صنع إلى نفسه، لم يستبطئ الناس في شكرهم، ولم يستزدهم في مودتهم، فلا ~~تلتمس من غيرك شكر ما أتيت إلى نفسك ووقيت به عرضك، واعلم أن الطالب إليك ~~لحاجة لم يكرم وجهه عن وجهك، فأكرم وجهك عن رده " (1). وينبغي للمحترز عن ~~المن والأذى أن يتواضع ويتخضع للفقير عند إعطائه، بأن يضع الصدقة لديه، ~~ويمثل قائما بين يديه، أو يبسط كفه ليأخذ الفقير، وتكون يد الفقير هي ~~العليا. # فصل ما ينبغي للمعطي ومما ينبغي للمعطي ms357 أن يستصغر العطية ليعظم عند الله، ~~وإن استعظمها صغرت عند الله، قال الصادق (ع): " رأيت المعروف لا يصلح إلا ~~بثلاث خصال: تصغيره، وتستيره، وتعجيله. فأنت إذا صغرته عظمته عند من تصنعه ~~إليه، وإذا سترته تممته، وإذا عجلته هنأته، وإن كان غير ذلك محقته ونكدته " ~~(2). واستعظام العطاء غير المن والأذى، إذ الصرف إلى عمارة المسجد ومثله ~~يتأتى فيه الاستعظام، ولا يتأتى فيه المن والأذى، وأن يعطي # PageV02P101 # الأجود والأحب والأبعد عن الشبهة، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإخراج ~~غير الجيد سوء أدب بالنسبة إلى الله، إذ إمساك الجيد لنفسه وأهله، وإنفاق ~~الردئ في سبيل الله، يوجب إيثار غير الله وترجيحه عليه، ولو فعل هذا لضيف ~~وقدم إليه أردأ طعام في البيت لانكسر قلبه ووغر به صدره. # هذا إذا كان نظره إلى الله بأن يتصدق لوجه الله، من غير ملاحظة عوض لنفسه ~~في دار الآخرة، وإن كان نظره إلى نفسه وثوابه في الآخرة، فلا ريب في أن ~~العاقل لا يؤثر غيره على نفسه، وليس له من ماله إلا ما تصدق فأبقى، وأكل ~~فأفنى. ولعظم فائدة إنفاق الأجود الأحب، وقبح إنفاق الردئ الأخس، قال الله ~~تعالى: # " أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث ~~منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه " (3): # أي لا تأخذونه إلا مع كراهية وحياء، وهو معنى الإغماض، وما هذا شأنه ~~عندكم فلا تؤثروا به ربكم. وقال سبحانه: # " لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون! ". (4) وقال: " ويجعلون لله ما ~~يكرهون " (5). # وفي الخبر: " سبق درهم مائة ألف درهم ". وذلك بأن يخرجه الإنسان وهو من ~~أحل ماله وأجوده، فيصدر ذلك عن الرضا والفرح بالبذل وقد يخرج مائة ألف درهم ~~مما يكره من ماله، فيدل على أنه ليس يؤثر الله بشئ مما يحبه. # ومما ينبغي له أن يغني الفقير إذا قدر، ففي الخبر إذا أعطيته فأغنه، وأن ~~يقبل يده بعد الاعطاء، لأنه يقع في يد الله تعالى أولا. قال أمير المؤمنين ~~(ع): " إذا ناولتم السائل فليرد ms358 الذي ناوله يده إلى فيه فيقبلها، فإن الله ~~عز وجل يأخذ الصدقات ". وقال النبي (ص): " ما تقع صدقة المؤمن في يد السائل ~~حتى تقع في يد الله "، ثم تلا هذه الآية: # PageV02P102 # " ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات؟ " (6). # وقال الصادق (ع): " إن الله تعالى يقول: ما من شئ إلا وقد وكلت به من ~~يقبضه غيري، إلا الصدقة، فإني أتلقفها بيدي تلقفا، حتى أن الرجل ليتصدق ~~بالتمر أو بشق تمرة، فأربيها له كما يربي الرجل فلوه وفصيلة، فتأتي يوم ~~القيامة وهي مثل أحد وأعظم من أحد " (7). # وأن يلتمس الدعاء من الفقير، لأن دعاءه يستجاب فيه، كما روي: " أن علي بن ~~الحسين (ع) كان يقول للخادم: أمسك قليلا حتى يدعوا، فإن دعوة السائل الفقير ~~لا ترد ". وإنه (ع) كان يأمر الخادم إذا أعطى السائل، أن يأمره أن يدعو ~~بالخير. وعن أحدهما - عليهما السلام - " إذا أعطيتموهم فلقنوهم الدعاء، ~~فإنه يستجاب لهم فيكم، ولا يستجاب لهم في أنفسهم ". # وما قيل من أن أرباب القلوب لا يتوقعون الدعاء من القابض، لأنه شبيه ~~المكافأة، وكانوا يقابلون الدعاء بمثله، ولو أرسلوا معروفا إلى فقير، قالوا ~~للرسول إحفظ ما يدعوا به ليردوا عليه مثل قوله، خلاف طريقة أئمتنا الراشدين ~~- عليهم السلام -، فلا اعتبار به عندنا. # ومما ينبغي له أيضا أن يصرف الصدقات إلى من يكثر بإعطائه الأجر كأهل ~~الورع والعلم، وأرباب التقوى والصدق، والكاملين في الإيمان والتشيع. قال ~~رسول الله (ص): " لا يأكل طعامك إلا تقي ". وقال - صلى الله عليه وآله -: " ~~أطعموا طعامكم الأتقياء ". وقال (ص): # " أضف بطعامك من تحبه في الله ". ولكن يرفعهم من الزكاة الواجبة ~~والصدقات، لأنها أوساخ الأموال، ويوسع عليهم بالهدايا والصلات، ففي الخبر: ~~" مستحقو الزكاة المستضعفون من شيعة محمد وآله: الذين لم تقو بصائرهم، وأما ~~من قويت بصيرته وحسنت بالولاية لأوليائهم والبراءة من أعدائهم معرفته، فذاك ~~أخوكم في الدين، أمس بكم رحمة من الآباء والأمهات المخالفين، فلا تعطوه ~~زكاة ولا صدقة، فإن موالينا وشيعتنا منا كالجسد الواحد، تحرم على جماعتنا ms359 ~~الزكاة والصدقة. وليكن ما تعطونه # PageV02P103 # إخوانكم المستبصرين البر، وارفعوهم عن الزكاة والصدقات، ونزهوهما عن أن ~~تصبوا عليهم أوساخكم. أيحب أحدكم. أن يغسل وسخ بدنه ثم يصبه على أخيه ~~المؤمن؟ إن وسخ الذنوب أعظم من وسخ بدنه ثم يصبه على أخيه المؤمن؟ إن وسخ ~~الذنوب أعظم من وسخ البدن، فلا توسخوا إخوانكم... " الحديث. # ولا ينبغي أن يصرف إلى من نظره إلى الوسائط، بل ينبغي الصرف إلى من بلغ ~~مقام التوحيد، ويرى النعمة من الله، ولا ينظر إلى الوسائط. # إذ من لم يصف باطنه عن رؤية الوسائط إلا من حيث إنهم وسائط، فغير خال من ~~نوع من الشرك الخفي. قال الصادق (ع) في قول الله تعالى: # " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " (8): # " هو قول الرجل: لولا فلان لهلكت! ولولا فلان لما أصبت كذا! # ولولا فلان لضاع عيالي! ألا ترى أنه قد جعل لله شريكا في ملكه، يرزقه أو ~~يدفع عنه؟ "، فقال الراوي: يجوز أن يقال: لولا إن الله من علي بفلان لهلكت؟ ~~قال " نعم! لا يأس بهذا ". ومن أهل المزية والاختصاص بالبذل إليه، من كان ~~مستترا ساترا للحاجة، كائنا من أهل المروة، متغشيا في جلباب التجمل، محصورا ~~في سبيل الله، محبوسا في طريق الآخرة بعيلة أو مرض أو ضيق معيشة أو إصلاح ~~قلب أو سبب آخر من الأسباب، والأولى من الكل الأقارب وأولو الأرحام من أهل ~~الاحتياج، فإن الإنفاق عليهم صدقة وصلة. وفي صلة الرحم من الثواب ما لا ~~يخفى، قال أمير المؤمنين (ع): " لأن أصل أخا من أخواني بدرهم، أحب إلي من ~~أن أتصدق بعشرين درهما، ولأن أصله بعشرين درهما أحب إلي من أن أتصدق بمائة ~~درهم، ولأن أصله بمائة درهم أحب إلي من أن أعتق رقبة ". وفي خبر آخر: " لا ~~صدقة وذو رحم محتاج، الصدقة بعشرة والقرض بثمانية عشر، وصلة الأخوان ~~بعشرين، وصلة الرحم بأربعة وعشرين ". وفي الخبر: " إن أفضل الصدقات والصلات ~~الإنفاق على ذي الرحم الكاشح ": # يعني المبغض، وكأنه لمخالفة الهوى وصدوره عن الخلوص والتقوى. # PageV02P104 # فصل ما ينبغي ms360 للفقراء في أخذ الصدقة ينبغي للفقير الأخذ أن يعلم أن الله ~~تعالى أوجب صرف المال إليه ليكفي مهمته، فتتجرد للعبادة والاستعداد للموت، ~~فينبغي أن يتأهب لذلك ولا يصرفه عنه فضول الدنيا، ويشكر الله على ذلك، ~~ويشكر المعطي، فيدعو له ويثني عليه مع رؤية النعمة من الله سبحانه، قال ~~رسول الله (ص): # " من لم يشكر الناس لم يشكر الله ". وقال الصادق (ع): " لعن الله قاطعي ~~سبيل المعروف قيل: وما قاطعو سبل المعروف؟ قال: الرجل يصنع إليه المعروف ~~فيكفره. فيمنع صاحبه من أن يصنع ذلك إلى غيره " (9) وقال أمير المؤمنين ~~(ع): " من صنع بمثل ما صنع إليه فإنما كافأه، ومن ضعفه كان شكورا، ومن شكر ~~كان كريما ". # وينبغي له أيضا أن يستر عيوب صاحب العطاء، ولا يذمه ولا يحقره، ولا يعيره ~~بالمنع إذا منع، ويفخم عند نفسه وعند الناس إعطاءه، بحيث لا يخرجه عن كونه ~~واسطة، لئلا يكون مشركا، وأن يتوقى مواقع الحرمة والريبة والشبهة في أصله ~~ومقداره، فلا يأخذ من لا يحل ماله أو يشتبه، كعمال السلاطين والجنود ومن ~~أكثر كسبه من الحرام، ولا الزيادة على قدر الحاجة، ولا يسأل على رؤس الملأ ~~ممن يستحي الرد، وأن يتورع العالم والمتقي من أخذ الزكاة والصدقات ما لم ~~يضطر إليها، تنزيها لنفسه عن الأوساخ وأن يستر الأخذ بنية أنه أبقى لستر ~~المروة والتعفف، وأصون لنفسه عن الإهانة والإذلال، وأعون للمعطي على ~~الإخفاء والأسرار، وسلم لقلوب الناس من الحسد وسوء الظن، أو يظهره بنية ~~الإخلاص والصدق، وإظهار المسكنة والعبودية، والتبري عن الكبر، وتلبيس الحال ~~وإقامة سيئة الشكر، أو غير ذلك، فإنه يختلف باختلاف النيات والأشخاص ~~والأحوال، ولكل امرئ ما نوى، وكل مراقب للأحوال عارف بالفوائد والمفاسد، ~~يمكنه الأخذ بالأنفع الأرجح. # PageV02P105 # تتميم زكاة الأبدان إعلم أنه كما في المال زكاة فكذلك للبدن زكاة، وهو ~~نقصه ليزيد الخير والبركة لصاحبه. وهذا النقص إما أن يكون اختيارا، بأن ~~يصرف في الطاعة ويمنع عن المعصية، أو اضطرارا، بأن يصاب بمرض وآفة. قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وآله ms361 - يوما لأصحابه: " ملعون كل مال لا يزكى، ~~ملعون كل جسد لا يزكى، ولو في كل أربعين يوما مرة. قيل له: يا رسول الله، ~~أما زكاة المال فقد عرفناها، فما زكاة الأجساد؟ قال (ص): أن يصاب بآفة ". ~~فتغيرت وجوه الذين سمعوا منه ذلك، فلما رآهم قد تغيرت ألوانهم، قال: " هل ~~تدرون ما عنيت بقولي؟ فقالوا: لا يا رسول الله! قال: إن الرجل يخدش الخدشة، ~~وينكب النكبة، ويعثر العثرة، ويمرض المرضة، ويشاك الشوكة، وما أشبه هذا... ~~"، حتى ذكر في حديثه اختلاج العين. وقال (ص): " لكل شئ زكاة، وزكاة الأبدان ~~الصيام ". # وقال الصادق (ع): " على كل جزء من أجزائك زكاة واجبة لله عز وجل بل على ~~كل منبت شعر من شعرك، بل على كل لحظة من لحاظك زكاة. # فزكاة العين: النظرة بالعبرة (10) والغض عن الشهوات وما يضاهيها. وزكاة ~~الأذن: استماع العلم والحكمة والقرآن، وفوائد الدين من الموعظة والنصيحة ~~وما فيه نجاتك، وبالإعراض عما هو ضده من الكذب والغيبة وأشباههما. # وزكاة اللسان: النصح للمسلمين، والتيقظ للغافلين، وكثرة التسبيح والذكر ~~وغيرها. وزكاة اليد: البذل والعطاء والسحاء بما أنعم الله عليك به، ~~وتحريكها بكتابة العلم ومنافع ينتفع بها المسلمون في طاعة الله تعالى، ~~والقبض عن الشر وزكاة الرجل: السعي في حقوق الله، من زيارة الصالحين، ~~ومجالس الذكر، وإصلاح الناس، وصلة الأرحام، والجهاد، وما فيه صلاح قلبك ~~وسلامة دينك " (11). # PageV02P106 # وثانيها: # الخمس وقد فرضه الله تعالى على عباده صونا لذرية نبيه (ص) عن الافتقار، ~~وتنزيها لهم عن الصدقات التي هي أوساخ الناس، فقال سبحانه: # " وأعلموا إنما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل، إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم ~~الفرقان يوم التقى الجمعان، والله على كل شئ قدير " (12). # والمستفاد من الآية: إن مانع الخمس لا إيمان له. وقال أمير المؤمنين - ~~عليه السلام - " هلك الناس في بطونهم وفروجهم، لأنهم لا يؤدون إلينا حقنا ~~". ولا ريب في عظم الثواب والأجر في أدائه وإيصاله إلى أهله، وكيف لا وهو ~~إعانة ذرية الرسول ms362 (ص) وقضاء حوائجهم، وقد قال رسول الله (ص): " حقت شفاعتي ~~لمن أعان ذريتي بيده ولسانه وماله " (13). # وقال (ص): " أربعة أنالهم شفيع يوم القيامة: المكرم لذريتي، والقاضي لهم ~~حوائجهم، والساعي لهم في أمورهم عندما اضطروا إليه، والمحب لهم بقلبه ~~ولسانه ". وقال (ص): " من اصطنع إلى أحد من أهل بيتي يدا، كافيته يوم ~~القيامة ". وعن الصادق (ع) قال: " إذا كان يوم القيامة، نادى مناد: أيها ~~الخلائق، انصتوا، فإن محمدا يكلمكم. فتنصت الخلائق، فيقوم النبي (ص) فيقول: ~~يا معشر الخلائق، من كانت له عندي يد أو منة أو معروف فليقم حتى أكافيه. ~~فيقولون: بآبائنا وأمهاتنا! وأي يد وأي منة وأي معروف لنا؟ بل اليد والمنة ~~والمعروف لله ولرسوله على جميع الخلائق. فيقول لهم: بلى! من آوى أحدا من ~~أهل بيتي، أو برهم، أو كساهم من عرى، أو أشبع جائعهم، فليقم حتى أكافيه. ~~فيقوم أناس قد فعلوا ذلك، فيأتي النداء من عند الله: يا محمد، يا حبيبي، قد ~~جعلت مكافأتهم إليك، فأسكنهم من الجنة حيث شئت. قال: فيسكنهم في الوسيلة ~~حيث لا يحجبون عن محمد # PageV02P107 # وأهل بيته - صلوات الله عليهم " (14). وقد ظهر مما تقدم بعض ما تعلق به ~~من الأسرار والآداب والشرائط الباطنة. # وينبغي أن يكون معطيه في غاية الحذر عن استعظامه وعن المن والأذى، وأن ~~يكون في غاية التخضع والتواضع للذرية العلوية عند إعطائه إياهم، ويعلم أنه ~~عبد من عباد الله، أعطاه مولاه نبذا من أمواله، ثم أمره بأن يوصل قليلا ~~منها إلى ذرية نبيه (ص)، وجعل له أيضا في مقابلة هذا الايصال زيادة المال ~~في الدنيا وعظيم الأجر والثواب في العقبى. فما أقبح بالعاقل - مع ذلك - أن ~~يستعظم ما يعطيه، ويمن على أولاد نبيه (ص). # وثالثها: # الإنفاق على الأهل والعيال والتوسع عليهم. وهو أيضا من الواجبات، على ~~النحو المقرر في كتب الفقه. وما ورد في مدحه وعظم أجره أكثر من أن يحصى، ~~قال رسول الله (ص): # " الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله " (15) وقال (ص): " خيركم خيركم ~~لأهله ". وقال (ص): " المؤمن يأكل ms363 بشهوة أهله، والمنافق يأكل أهله بشهوته " ~~(16). وقال: " أفضل الصدقة صدقة عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول، واليد العليا ~~خير من اليد السفلى، ولا يلوم الله على الكفاف " (17). # وقال (ص): " دينار أنفقته على أهلك، ودينار أنفقته في سبيل الله، ودينار ~~أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، وأعظمها أجرا الدينار الذي ~~أنفقته على أهلك ". وقال (ص): " ما أنفق الرجل على أهله فهو صدقة، وإن ~~الرجل ليؤجر في رفع اللقمة إلى فم امرأته ". وقال (ص): # PageV02P108 # " من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهم يطلب المعيشة ". وقال (ص): # " من كانت له ثلاث بنات. فأنفق عليهن وأحسن إليهن حتى يغنيهن الله عنه، ~~أوجب الله تعالى له الجنة، إلا أن يعمل عملا لا يغفر الله له ". وقال (ص) ~~يوما لأصحابه: " تصدقوا. فقال رجل: إن عندي دينار. قال أنفقه على نفسك. ~~فقال: إن عندي آخر قال: أنفقه على زوجتك. قال: إن عندي آخر. # قال: أنفقه على ولدك. قال: إن عندي آخر. قال: أنفقه على خادمك. قال: # إن عندي آخر. قال (ص): أنت أبصر به " (18). وقال (ص): " ملعون ملعون من ~~ألقى كله على الناس! ملعون ملعون من ضيع من يعوله! "، وقال (ص) لأمير ~~المؤمنين (ع) بعد ما رآه في البيت ينقي العدس، وفاطمة عليها السلام جالسة ~~عند القدر: " اسمع مني يا أبا الحسن، وما أقول إلا من أمر ربي: ما من رجل ~~يعين امرأته في بيتها، إلا كان له بكل شعرة على بدنه عبادة سنة صيام نهارها ~~وقيام ليلها، وأعطاه الله من الثواب مثل ما أعطاه الصابرين وداود النبي ~~ويعقوب وعيسى - عليه السلام -. يا علي، من كان في خدمة العيال في البيت ولم ~~يأنف، كتب الله اسمه في ديوان الشهداء، وكتب له بكل يوم وليلة ثواب ألف ~~شهيد، وكتب له بكل قدم ثواب حجة وعمرة، وأعطاه الله بكل عرق في جسده مدينة ~~في الجنة. يا علي ساعة في خدمة البيت خير من عبادة ألف سنة، وألف حجة، وألف ~~عمرة، وخير من عتق ألف رقبة، وألف غزوة، وألف ms364 مريض عاده، وألف جمعة وألف ~~جنازة، وألف جائع يشبعهم، وألف عار يكسوهم، وألف فرس يوجهه في سبيل الله، ~~وخير له من ألف دينار يتصدق على المساكين، وخير له من أن يقرأ التوراة ~~والإنجيل والزبور والفرقان، ومن ألف أسيرة اشتراها فأعتقها، وخير له من ألف ~~بدنة بعضي للمساكين، ولا يخرج من الدنيا حتى يرى مكانه في الجنة. يا علي، ~~من لم يأنف من خدمة العيال دخل الجنة بغير حساب. يا علي، خدمة العيال كفارة ~~للكبائر، وتطفئ غضب الرب، ومهور حور العين، وتزيد في الحسنات والدرجات. يا ~~علي، لا يخدم العيال # PageV02P109 # إلا صديق أو شهيد، أو رجل يريد الله به خير الدنيا والآخرة " (19). # وقال السجاد (ع): " أرضاكم عند الله أسبغكم على عياله ". وقال - عليه ~~السلام -: " لئن أدخل السوق، ومعي دراهم ابتاع لعيالي لحما، وقد قرموا (20) ~~إليه، أحب إلي من أن أعتق نسمة ". وقال الصادق (ع): # " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعوله ". وقال (ع): " من سعادة الرجل أن ~~يكون القيم على عياله ". وقال الكاظم (ع): " إن عيال الرجل أسراؤه، فمن ~~أنعم الله عليه نعمة فليوسع على أسرائه، فإن لم يفعل أو شك أن تزول النعمة ~~". وقال أبو الحسن الرضا (ع): " ينبغي للرجل أن يوسع على عياله لئلا يتمنوا ~~موته ". وقال (ع): " صاحب النعمة يجب عليه التوسعة على عياله " (21). ~~والأخبار الواردة في ثواب الإنفاق على العيال وخدمتهم والتوسع عليهم مما لا ~~تعد كثرة. وما ذكرناه كاف لإيقاظ أهل الاستبصار. # فصل ما ينبغي في الإنفاق على العيال ينبغي لطالب الأجر والثواب في إنفاق ~~العيال، أن يقصد في كده وسعيه في تحصيل النفقة وفي إنفاقه وجه الله وثواب ~~الآخرة، إذ لا ثواب بدون القربة، وأن يجتنب عن تحصيل الحرام والشبهة، ولا ~~يدخل على عياله إلا الحلال، إذ أخذ الحرام وإنفاقه أعظم الذنوب وأشد ~~المعاصي، وأن يقصد في التحصيل والإنفاق، فليحترز عن الإقتار لئلا يضيع ~~عياله، وعن الإسراف لئلا يضيع عمره في طلب المال، فيكون من الخاسرين ~~الهالكين. قال الله # PageV02P110 # سبحانه: # " وكلوا واشربوا ولا تسرفوا " (22). وقال ms365 " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ~~ولا تبسطها كل البسط " (23). وقال: " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم ~~يقتروا وكان بين ذلك قواما " (24). # وعن الصادق (ع): " أنه تلا هذه الآية: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم ~~يقتروا وكان بين ذلك قواما)، فأخذ قبضة من حصى وقبضها بيده، فقال: هذا ~~الإقتار الذي ذكره الله في كتابه. ثم أخذ قبضة أخرى، فأرخى كفه كلها، ثم ~~قال: هذا الإسراف. ثم أخذ قبضة أخرى، فأرخى بعضها وأمسك بعضها، وقال: هذا ~~القوام " (25). وينبغي ألا يستأثر نفسه أو بعض عياله بمأكول طيب، ولا يطعم ~~سائرهم منه، فإن ذلك يوغر الصدر ويبعد عن المعاشرة بالمعروف، إلا أن يضطر ~~إليه، لمرض أو ضعف أو غير ذلك. وينبغي ألا يصف عندهم طعاما ليس يريد ~~اطعامهم إياه، وأن يقعد عياله كلهم على مائدة عند الأكل، فقد روي: " إن ~~الله وملائكته يصلون على أهل بيت يأكلون في جماعة ". # وأما الأمور المستحبة من الإنفاق، الداخلة تحت السخاء، فأولها: # صدقة التطوع وفضلها عظيم، وفوائدها الدنيوية والأخروية كثيرة. قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وآله -: " تصدقوا ولو بتمرة، فإنها تسد من الجائع، ~~وتطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماء النار ". وقال (ص): " اتقوا النار ولو بشق ~~تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة ". وقال (ص): " ما من عبد مسلم يتصدق بصدقة ~~من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا طيبا، إلا كان الله آخذها بيمينه، فيربيها ~~له كما يربي أحدكم فصيله، حتى تبلغ التمرة # PageV02P111 # مثل أحد ". وقال (ص): " ما أحسن عبد الصدقة إلا أحسن الله عز وجل الخلاقة ~~على تركته ". وقال (ص): " كل امرئ في ظل صدقته، حتى يقضي بين الناس ". وقال ~~(ص): " أرض القيامة نار، ما خلا ظل المؤمن، فإن صدقته تظله ". وقال (ص): " ~~إن الله لا آله إلا هو، ليدفع بالصدقة الداء والدبيلة: والحرق والغرق، ~~والهدم والجنون... " وعد سبعين بابا من الشر. وقال (ص): " صدقة السر تطفئ ~~غضب الرب عز وجل " (26). وقال (ص): " إذا أطرقكم سائل ذكر بالليل فلا تردوه ~~". # وفائدة التخصيص بالذكر والليل: إن من يسألك ms366 ليلا في صورة الإنسان، يحتمل ~~أن يكون ملكا أتاك للامتحان، كما روي: " أنه سبحانه أوحى إلى موسى بن عمران ~~(ع)، وقال: يا موسى، أكرم السائل ببذل يسير أو برد جميل، إنه يأتيك من ليس ~~بإنس ولا جان، بل ملائكة من ملائكة الرحمن، يبلونك فيما خولتك، ويسألونك ~~فيما نولتك، فانظر كيف أنت صانع يا ابن عمران ". ولذلك حث رسول الله (ص) ~~على عدم رد السائل، وقال: " اعط السائل ولو على ظهر فرس ". وقال (ص): # " لا تقطعوا على السائل مسألته، فلولا أن المساكين يكذبون ما أفلح من ~~ردهم ". وقال الباقر (ع): " البر والصدقة ينفيان الفقر، ويزيدان في العمر، ~~ويدفعان عن صاحبهما سبعين ميتة سوء ". وقال الصادق (ع): # " داووا مرضاكم بالصدقة، وادفعوا البلاء بالدعاء، واستنزلوا الرزق ~~بالصدقة، فإنها تفك من بين لحى سبعمائة شيطان، وليس شئ أثقل على الشيطان من ~~الصدقة على المؤمن، وهي تقع في يد الرب تعالى قبل أن تقع في يد العبد ". # وقال (ع): " الصدقة باليد تقي ميتة السوء، وتدفع سبعين نوعا من البلاء، ~~وتفك عن لحى سبعين شيطانا كلهم يأمره ألا يفعل ". وقال (ع): # " يستحب للمريض أن يعطي السائل بيده، ويأمره أن يدعو له ". وقال عليه ~~السلام: " باكروا بالصدقة، فإن البلاء لا يتخطاها، ومن تصدق بصدقة # PageV02P112 # أول النهار رفع الله عنه شر ما ينزل من السماء في ذلك اليوم، فإن تصدق ~~أول الليل دفع الله شر ما ينزل من السماء في تلك الليلة ". وكان (ع) إذا ~~أعتم أي صلى العتمة - وذهب من الليل شطره، أخذ جرابا فيه خبز ولحم ودراهم، ~~فحمله على عنقه، ثم ذهب به إلى أهل الحاجة من أهل المدينة، فقسمه فيهم ولا ~~يعرفونه، فلما مضى أبو عبد الله (ع)، فقدوا ذلك، فعلموا أنه كان أبا عبد ~~الله (ع). وسئل (ع) عن السائل يسأل ولا يدري ما هو، فقال: " اعط من أوقع في ~~قلبك الرحمة ". وقال (ع) في السؤال: # " أطعموا ثلاثة، وإن شئتم أن تزدادوا فازدادوا، وإلا فقد أديتم حق يومكم ~~". وقال (ع) في الرجل يعطي غيره ms367 الدراهم يقسمها، قال: " يجري له من الأجر ~~مثل ما يجري للمعطي، ولا ينقص من أجره شيئا. ولو أن المعروف جرى على سبعين ~~يد، لأوجروا كلهم من غير أن ينقص من أجر صاحبه شئ ". وقد وردت أخبار كثيرة ~~في فضل تصدق الماء وثوابه، قال أمير المؤمنين (ع): " أول ما يبدأ به في ~~الآخرة صدقة الماء، يعني في الأجر ". وقال أبو جعفر (ع): " إن الله تعالى ~~يحب إبراد الكبد الحراء، ومن سقى الماء كبدا حراء، من بهيمة وغيرها، أظله ~~الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ". وقال الصادق (ع): " من سقى الماء في ~~موضع يوجد فيه الماء، كان كمن أعتق رقبة، ومن سقى الماء في موضع لا يوجد ~~فيه الماء، كان كمن أحيى نفسا، ومن أحيى نفسا فكأنما أحيى الناس جميعا ". # (تنبيه): سئل رسول الله (ص): " أي الصدقة أفضل؟ قال: # أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل البقاء وتخشى الفاقة، ولا تمهل حتى إذا ~~بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا ". # فصل فضيلة الأسرار في الصدقة المندوبة لا كلام في أن الأسرار في الصدقة ~~المندوبة أفضل من إظهارها للمعطي في إعطائها، ويدل عليه قول الصادق (ع): " ~~الصدقة في السر والله أفضل ج: 2 PageV02P113 # من الصدقة في العلانية " (27). وقوله (ع): " كلما فرض الله عليك، فإعلانه ~~أفضل من أسراره، وكلما كان تطوعا، فإسراره أفضل من إعلانه ". # وإنما الكلام في أن الأفضل للأخذ في أخذها، أن يأخذها سرا أو علانية. ~~فقيل: الأفضل له أخذها، لأنه أبقى للتعفف وستر المروة، وأسلم لقلوب الناس ~~وألسنتهم من الحسد وسوء الظن والغيبة، وعون للمعطي على أسرار العمل، وقد ~~علمت أفضلية السر على الجهر في الاعطاء، وأصون لنفسه عن الإذلال والإهانة، ~~وأخلص من شوب شركة الحضار، فإن المستفاد من الأخبار: أن الحضار شركاء من ~~أهدي له في الهدية. والظاهر أن الصدقة مثلها إذا كان الحضار من أهلها. قال ~~رسول الله (ص): " من أهدي له هدية وعنده قوم، فهم شركاؤه فيها ". وقال ~~الباقر (ع): " جلساء الرجل شركاؤه في الهدية ". وقال ms368 (ع): " إذا أهدي للرجل ~~هدية من طعام، وعنده قوم، فهم شركاؤه في الهدية الفاكهة أو غيرها ". وقيل: # الأفضل أخذها علانية، والتحدث بها، لتنقية الكبر والرياء، وتلبيس الحال، ~~وإيجابه الإخلاص والصدق، وإقامة منة الشكر، وإسقاط الجاه والمنزلة، وإظهار ~~العبودية والمسكنة، مع أن العارف ينبغي ألا ينظر إلا إلى الله، والسر ~~والعلانية في حقه واحد، فاختلاف الحال شرك في التوحيد. # والحق أن الحكم بأفضلية أحدهما على الإطلاق غير صحيح، إذ تختلف أفضلية كل ~~منهما باختلاف النيات، وتختلف النيات باختلاف الأحوال والأشخاص. # فينبغي لطالب السعادة أن يراقب نفسه، ويلاحظ حاله ووقته، ويرى أن أي ~~الحالتين من السر والجهر بالنظر إليه أقرب إلى الخلوص والقربة، وأبعد من ~~الرياء والتلبيس وسائر الآفات، فيختار ذلك، ولا يتدلى بحبل الغرور ولا ~~ينخدع بتلبيس الطبع ومكر الشيطان. مثلا إذا كان طبعه مائلا إلى الإسرار، ~~ورأى أن باعث هذا الميل حفظ الجاه والمنزلة، وخوف سقوط * (الهامش) * (27) ~~صححنا أغلب هذه الأخبار المروية عن أهل البيت - عليهم السلام - في هذا ~~المقام على (الوافي): 6 / 282، 284 باب فضل الصدقة وباب فضل صدقة السر. ~~PageV02P114 # القدر من أعين الناس، ونظر الخلق إليه بعين الازدراء، وإلى المعطي كونه ~~منعما محسنا إليه، أو خوف ألا يعطيه الناس بعد ذلك لعلمهم بما أخذه، ~~فلينتقل عن الإسرار ويأخذها علانية، إذ لو أبقى نفسه على ما استكن فيها من ~~الداء الدفين، وعمل بمقتضاها، صار هالكا - وإن كان طبعه مائلا إلى الإسرار، ~~وأيقن بأن باعث الميل إليه: إبقاء التعفف، وستر المروة، وصيانة الناس عن ~~الحسد، وسوء الظن والغيبة، ولم يكن باعثه شئ من المفاسد المذكورة، فالأولى ~~أن يأخذها سرا. ويعرف ذلك بأن يكون تألمه بانكشاف أخذه للصدقة كتألمه ~~بانكشاف صدقة أخذها بعض أقرانه وأخوانه المؤمنين، فإنه إن كان طالبا لبقاء ~~السر وإعانة المعطي على الأسرار، وصيانة العلم عن الابتذال، وحفظ الناس عن ~~الحسد والغيبة وسوء الظن، فينبغي أن يكون طالبا لها في صدقة أخيه أيضا، إذ ~~يحصل ما يحذر منه: من هتك الستر، وابتذال العلم، ووقوع الناس في الغيبة ~~والحسد ms369 بانكشاف صدقة أخيه أيضا. فإن كان انكشاف صدقته أثقل عليه من انكشاف ~~صدقة غيره، فتقديره الحذر من هذه المعاني تلبيس من النفس ومكر من الشيطان. ~~وإذا كان طبعه مائلا إلى الإظهار، ووجد منه أن باعث هذا الميل هو التطيب ~~لقلب المعطي، والاستحثاث له على مثله، والإظهار للغير بأنه من المبالغين في ~~الشكر، حتى يرغبوا في الإحسان إليه، فليتنبه أن هذا الداء من الداء الدفين ~~الذي يهلكه لو لم يعالجه، فليترك أخذها جهرا والتحدث بها، وينتقل إلى الأخذ ~~خفية. وإن تيقن من نفسه بأن الباعث هو إقامة السنة في الشكر، والتحدث ~~بالنعمة، وإسقاط الجاه والمنزلة، وإظهار العبودية والمسكنة، أو غير ذلك من ~~المقاصد الصحيحة، من دون تطرق شئ من المفاسد المذكورة، فالإظهار أفضل، ~~ويعرف ذلك بأن تميل نفسه إلى الشكر، حيث لا ينتهي الخبر إلى المعطي ولا إلى ~~من يرغب في عطائه، وبين يدي جماعة يعلم أنهم يكرهون إظهار العطية، ويرغبون ~~في إخفائها، وعادتهم ألا يعطوها إلا من يخفيها ولا يتحدث بها ولا يشكر ~~عليها. ثم إذا جزم يكون الباعث إقامة السنة في الشكر، فينبغي أن يغفل عن ~~قضاء حق المعطي، فينظر أنه إن كان ممن يحب الشكر والنشر فيخفي الأخذ ولا ~~يشكر، لأن قضاء حقه ألا PageV02P115 # ينصره على الإثم، وإن كان ممن لا يحب الشكر ولا يطلب النشر، فالأولى أن ~~يشكره ويظهر صدقته. # وينبغي لكل من يراعي قلبه أن يلاحظ هذه الدقائق ولا يهملها، إذ أعمال ~~الجوارح مع إهمالها ضحكة للشيطان وشماتة له، لكثرة التعب فيها مع عدم تصور ~~نفع لها، والعلم بهذه الدقائق وملاحظتها هو العلم الذي ورد فيه أن تعلم ~~مسألة واحدة منه أفضل من عبادة سنة، إذ بهذا العلم تحيى عبادة العمر، ~~وبالجهل به تموت عبادة العمر. # وثانيها: # الهدية وهي ما يعطي ويرسل إلى أخيه المسلم، فقيرا كان أم غنيا، طلبا ~~للاستيناس، وتأكيدا للصحبة والتودد. وهو مندوب إليه من الشرع، ومع سلامة ~~القصد والنية يكون عبادة. قال رسول الله (ص): " تحابوا تهادوا، فإنها تذهب ~~بالضغائن ". وقال (ص): ms370 " لو أهدي إلي ذراع لقبلت ". وقال أمير المؤمنين ~~(ع): " لأن أهدي لأخي المسلم هدية أحب إلي من أن أتصدق بمثلها ". وقال (ع): ~~" من تكرمة الرجل لأخيه المسلم، أن يقبل تحفته وأن يتحفه بما عنده، ولا ~~يتكلف له شيئا ". # وثالثها: # الضيافة وثوابها جزيل، وأجرها جميل، وفضلها عظيم، وثمرها جسيم. قال رسول ~~الله (ص): " لا خير فيمن لا يضيف ". ومر (ص) برجل له إبل وبقر كثير، فلم ~~يضيفه، ومر بامرأة لها شويهات، فذبحت له، فقال (ع): # " انظروا إليهما، فإنما هذه الأخلاق بيد الله عز وجل، فمن شاء أن يمنحه ~~خلقا حسنا فعل ". وقال (ص): " الضيف إذا جاء فنزل بالقوم، جاء برزقه معه من ~~السماء، فإذا أكل غفر الله لهم بنزوله ". وقال: " ما من ضيف حل بقوم إلا ~~ورزقه في حجره ". وقال: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ". ~~وقال (ص): " لا تزال أمتي بخير: ما تحابوا، وأدوا الأمانة، واجتنبوا ~~الحرام، وأقرأوا الضيف، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فإذا لم يفعلوا ذلك ~~ابتلوا بالقحط والسنين ". وقال (ص): PageV02P116 # إذا أراد الله بقوم خيرا أهدى لهم هدية. قالوا: وما تلك الهدية؟ قال: # الضيف ينزل برزقه، ويرتحل بذنوب أهل البيت ". وقال (ص): # " كل بيت لا يدخل فيه الضيف لا تدخله الملائكة ". وقال (ص): " الضيف دليل ~~الجنة ". وقال أمير المؤمنين (ع): " ما من مؤمن يحب الضيف إلا ويقوم من ~~قبره ووجهه كالقمر ليلة البدر، فينظر أهل الجمع، فيقولون: ما هذا إلا نبي ~~مرسل! فيقول ملك: هذا مؤمن يحب الضيف ويكرم الضيف، ولا سبيل له إلا أن يدخل ~~الجنة ". وقال (ع): " ما من مؤمن يسمع بهمس الضيف وفرح بذلك، إلا غفرت له ~~خطاياه، وإن كانت مطبقة بين السماء والأرض ". وبكى - (ع) يوما، فقيل له: ما ~~يبكيك؟ قال: # " لم يأتني ضيف منذ سبعة أيام، أخاف أن يكون الله قد أهانني ". وعن محمد ~~بن قيس، عن أبي عبد الله (ع) - قال: " ذكر أصحابنا قوما، فقلت والله ما ~~أتغدى ولا أتعشى إلا ومعي منهم اثنان أو ثلاثة أو أقل أو أكثر، ms371 فقال - (ع): ~~فضلهم عليك أكثر من فضلك عليهم. قلت: جعلت فداك! # كيف ذا وأنا أطعمهم طعامي، وأنفق عليهم من مالي، ويخدمهم خادمي؟ # فقال: إذا دخلوا عليك دخلوا من الله بالرزق الكثير، وإذا خرجوا بالمغفرة ~~لك ". وكان إبراهيم الخليل (ع) إذا أراد أن يأكل، خرج ميلا أو ميلين يلتمس ~~من يتغدى معه، وكان يكنى (أبا الضيفان). # وجميع الأخبار الواردة في فضيلة الطعام المؤمن وسعيه تدل على فضيلة ~~الضيافة، كقوله (ص) بعد سؤاله عن الحج المبرور: " هو إطعام الطعام وطيب ~~الكلام ". وقال (ص): " من أطعم ثلاثة نفر من المسلمين أطعمه الله من ثلاث ~~جنان في ملكوت السماوات: الفردوس، وجنة عدن، وطوبى شجرة تخرج في جنة عدن ~~غرسها ربنا بيده ". وقول الصادق (ع) " من أشبع مؤمنا وجبت له الجنة " وقوله ~~(ع): " من أطعم مؤمنا حتى يشبعه، لم يدر أحد من خلق الله ما له من الأجر في ~~الآخرة، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، إلا الله رب العالمين ". وسئل (ص): " ما ~~الإيمان؟ فقال: إطعام الطعام. وبذل السلام وقال: " إن في الجنة غرفا يرى ~~ظاهرها من باطنها، من ظاهرها، يسكنها من أمتي من أطاب الكلام، وأطعم ~~الطعام، وأفشى السلام، وصلى PageV02P117 # بالليل والناس نيام ". وقال (ص): " من أحب الأعمال إلى الله تعالى: # إشباع جوعة المؤمن، وتنفيس كربته، وقضاء دينه " وقال (ص) " الله يحب ~~الاطعام في الله، ويحب الذي يطعم الطعام في الله، والبركة في بيته أسرع من ~~الشفرة في سنام البعير " وقال (ص) " خيركم من أطعم الطعام " وقال صلى الله ~~عليه وآله: من أطعم الطعام أخاه المؤمن حتى يشبعه، وسقاه حتى يرويه، بعده ~~الله من النار سبع خنادق، ما بين كل خندقين مسيرة خمسمائة عام " وفي الخبر: ~~" إن الله تعالى يقول للعبد في القيام ة: يا ابن آدم، خفت فلم تطعمني. ~~فيقول: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول: جاع أخوك فلم تطعمه، ولو أطعمته ~~كنت أطعمتني ". وقال (ص): من سقى مؤمنا من ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم ~~". وقال (ص) من سقى مؤمنا شربه من ms372 ماء من حيث يقدر على الماء، أعطاه الله ~~بكل شربة سبعين ألف حسنة، وإن سقاه من حيث لا يقدر على الماء، فكأنما أعتق ~~عشر رقاب من ولد إسماعيل " (28). # فصل ما ينبغي أن يقصد في الضيافة ينبغي أن يقصد في ضيافته التقرب إلى ~~الله، والتسنن بسنة رسول الله واستمالة قلوب الأخوان، وإدخال السرور على ~~قلوب المؤمنين، ولا يقصد به الرياء والمفاخرة والمباهاة، وإلا ضاع عمله، ~~وأن يدعو الفقراء والأتقياء، وإن كان في ضيافة الأغنياء ومطلق الناس فضيلة ~~أيضا. وينبغي ألا يهمل في ضيافة الأقارب والجيران، إذا إهمالهم قطع رحم ~~وإيحاش، وألا يدعو من يعلم إنه تشق عليه الإجابة. وينبغي أن يعجل في إحضار ~~الطعام، لأنه من إكرام الضيف وقد ورد: " إن العجلة من الشيطان، إلا في خمسة ~~أشياء، فإنها من سنة رسول الله (ص): إطعام الضيف، وتجهيز البيت وتزويج ~~البكر، وقضاء الدين والتوبة من الذنوب " وأن يحضر من الطعام قدر الكفاية، ~~إذ التقليل عنه نقص في المروة، والزيادة عليه تضييع، وأن يسعى في إكرام ~~الضيف: من طلاقة الوجه * (الهامش) * (28) صححنا أحاديث هذا الفصل على ~~(البحار): 4 مج 15 / 110، باب إطعام المؤمن. و 242 - 244: باب آداب الضيف. ~~وعلى (الكافي): # باب إطعام المؤمن. وعلى (الوسائل): في آداب المائدة من كتاب الأطعمة ~~والأشربة. PageV02P118 # وطيب الكلام معه عند دخوله وخروجه وعلى المائدة، والخروج معه إلى باب ~~الدار إذا خرج، قال رسول الله (ص): " إن من سنة الضيف أن يشيعه إلى باب ~~الدار ". ومما ينبغي له ألا يستخدم الضيف، قال الباقر (ع): " من الجفاء ~~استخدام الضيف ". وكان عند الرضا (ع) ضيف، فكان يوما في بعض الحوائج، فنهاه ~~عن ذلك، وقام بنفسه إلى تلك الحاجة، وقال: " نهى رسول الله (ص) عن أن ~~يستخدم الضيف ". # فصل آداب الضيافة ينبغي لكل مؤمن أن يجيب دعوة أخيه إلى الضيافة، من غير ~~أن يفرق بين الغني والفقير، بل يكون أسرع إجابة إلى الفقير، وألا يمنعه بعد ~~المسافة عن الإجابة إذا أمكن احتمالها عادة. قال رسول الله (ص): " أوصي ~~الشاهد من أمتي ms373 والغائب، أن يجيب دعوة المسلم ولو على خمسة أميال، ولا ~~يمنعه صوم التطوع عن الإجابة، بل يحضر، فإن علم سرور أخيه بالافطار فليفطر ~~ويحتسب في إفطاره أفضل ما يحتسب في صومه ". وقال الصادق (ع): - " من دخل ~~على أخيه وهو صائم، فأفطر عنده ولم يعلمه بصوم فيمن عليه، كتب الله له صوم ~~سنة، وإن علم أنه متكلف ولا يسر بإفطاره فليتعلل ". # وينبغي ألا يقصد بالإجابة قضاء شهوة البطن، ليدخل عمله في أمور الدنيا، ~~بل ينوي الاقتداء بسنة رسول الله (ص) وإكرام أخيه المؤمن، ليكون في عمله ~~مطيعا لله مثابا في الآخرة، وأن يحترز عن الإجابة إذا كان الداعي من الظلمة ~~أو الفساق، أو كانت ضيافة للفخر والمباهاة، ومن كان طعامه حراما أو شبهة، ~~أو لم يكن موضعه أو بساطه المفروش حلالا، أو كان في الموضع شئ من المنكرات، ~~كإناء فضة، أو تصوير حيوان على سقف أو حائط، أو أحد آلات اللهو من ~~المزامير، وأمثالها، أو التشاغل بشئ من اللهو واللعب والهزل، فكل ذلك مما ~~يمنع الإجابة، ويوجب تحريمها أو كراهيتها. قال الصادق (ع) " لا ينبغي ~~للمؤمن أن يجلس مجلسا يعصى الله تعالى فيه ولا يقدر على تغييره. ومن ابتلى ~~بحضور طعام ظالم إكراها وتقية، فليقلل الأكل، ولا يأكل أطايب الأطعمة ". ~~PageV02P119 # وينبغي للضيف - أيضا - إذا دخل الدار ألا يتصدر، ولا يقصد أحسن الأماكن، ~~بل يتواضع ويرضى بالدون من المجلس، وإن أشار إليه صاحب الدار بموضع فلا ~~يخالفه ويجلس فيه، وإن أشار إليه بعض الضيفان بالارتفاع أو الانحطاط، وألا ~~يجلس في مقابلة باب حجرة النسوان، ولا يكثر النظر إلى الموضع الذي يخرج منه ~~الطعام، فإنه دليل الشره وخسة النفس، وأن يخص بالتحية والسلام أولا من يقرب ~~منه. # وينبغي لمن دعي إلى الضيافة ألا يطول الانتظار عليهم، ولا يعجل بحيث ~~يفاجئهم قبل تمام الاستعداد. # ورابعها: # الحق المعلوم وحق الحصاد والجذاذ والمراد من الأول: ما يعرضه الرجل ~~ويقدره في ماله، من قليل أو كثير غير الصدقات الواجبة، يعطيه محتاجا أو يصل ~~به رحمه. والمراد بالثاني: ms374 # ما يعطى به إلى الفقراء من الضغث بعد الضغث: أي القبضة بعد القبضة من ~~الزرع يوم حصاده، ومن الحفنة بعد الحفنة: أي ملء الكف من التمر أو الحنطة ~~أو غيرهما من الثمار والفواكه والحبوبات عند قطعها وتصفيتها. # وهذان النوعان من الإنفاق معدودان في صدقة التطوع، وقد وردت بخصوصهما ~~أخبار كثيرة لشدة استحبابهما. قال الصادق (ع): " إن الله فرض للفقراء في ~~أموال الأغنياء فريضة لا يحمدون إلا بأدائها، وهي الزكاة، بها حقنوا دماءهم ~~وبها سموا مسلمين، ولكن الله تعالى فرض في أموال الأغنياء حقوقا غير الزكاة ~~فقال الله تعالى: # " والذين في أموالهم حق معلوم " (29). # والحق المعلوم غير الزكاة، وهو شئ يفرضه الرجل على نفسه في ماله، يجب ~~عليه أن يفرضه على قدر طاقته وسعة ماله، فيؤدي الذي فرض على نفسه إن شاء كل ~~يوم، وإن شاء كل جمعة، وإن شاء كل شهر " (30). # PageV02P120 # وقال (ع): " الحق المعلوم ليس من الزكاة، هو الشئ تخرجه من مالك، إن شئت ~~كل جمعة، وإن شئت كل شهر، ولكل ذي فضل فضله، وقول الله تعالى: (وإن تخفوها ~~وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم)، فليس من الزكاة، والماعون ليس من الزكاة، ~~وهو المعروف تصنعه والقرض تقرضه ومتاع البيت تعيره، وصلة قرابتك ليس من ~~الزكاة. وقال الله تعالى: # (والذين في أموالهم حق معلوم)، فالحق المعلوم غير الزكاة، وهو شئ يفرضه ~~الرجل على نفسه أنه في ماله ونفسه، ويجب له أن يفرضه على قدر طاقته ووسعه " ~~(31) وقال (ع): " وإن عليكم في أموالكم غير الزكاة. # فقلت: أصلحك الله، وما علينا في أموالنا غير الزكاة؟ فقال: سبحان الله! # أما تسمع قول الله تعالى؟ يقول في كتابه: # " والذين في أموالهم حق معلوم، للسائل والمحروم " (32). # قال: قلت: فماذا الحق المعلوم الذي علينا؟ قال: هو والله الشئ يعلمه ~~الرجل في ماله، يعطيه في اليوم أو في الجمعة أو الشهر، قل أو كثر، غير أنه ~~يدوم عليه " (33). وقال (ع) في قول الله تعالى: (في أموالهم حق معلوم، ~~للسائل والمحروم): " هو الرجل يؤتيه الله الثروة من المال فيخرج ms375 منه الألف ~~والألفين والثلاثة آلاف والأقل والأكثر، فيصل به رحمه ويحمل به الكل عن ~~قومه ". وقال (ع): " في الزرع حقان: حق تؤخذ به، وحق تعطيه. قلت: وما الذي ~~أؤخذ به وما الذي أعطيه؟ قال: # أما الذي تؤخذ به، فالعشر ونصف العشر، وأما الذي تعطيه، فقول الله: # " وآتوا حقه يوم حصاده " (24). # يعني من حصدك الشئ ثم الشئ - ولا أعلمه إلا قال الضغث ثم # PageV02P121 # الضغث - حتى تفرغ " (35). وقال (ع): " لا تصرم بالليل، ولا تحصد بالليل، ~~ولا تضح بالليل، ولا تبذر بالليل. فإنك إن فعلت ذلك لم يأتك القانع ~~والمعتر. فقلت: وما القانع والمعتر؟ فقال: القانع: الذي يقنع بما أعطيته، ~~والمعتر: الذي يمر بك فيسألك. وإن حصدت بالليل لم يأتك السؤال، وهو قول ~~الله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) عند الحصاد، يعني القبضة بعد القبضة إذا ~~حصدته، فإذا خرج فالحفنة بعد الحفنة، وكذلك عند الصرام، وكذلك عند البذر. ~~ولا تبذر بالليل، لأنك تعطى من البذر كما تعطى من الحصاد ". وقال الباقر ~~(ع) في قول الله تعالى (وآتوا حقه يوم حصاده): " هذا من الصدقة، ويعطي ~~المسكين القبضة بعد القبضة، ومن الجذاذ الحفنة بعد الحفنة، حتى يفرغ ". وفي ~~مضمون هذه الأخبار كثيرة أخر. # وخامسها: # القرض وهو أيضا من ثمرات السخاء، لأن السخي تسمح نفسه بأن يقرض أخاه ~~المحتاج بعض أمواله إلى حين استطاعته، كما تسمح نفسه بأن يبذل عليه أصل ~~ماله، والبخيل يشق عليه ذلك. وثواب القرض عظيم، وفضله جسيم. قال الباقر ~~(ع): " من أقرض رجلا قرضا إلى ميسرة، كان ماله في زكاة، وكان هو في الصلاة ~~مع الملائكة حتى يقبضه ". وقال الصادق - عليه السلام -: " مكتوب على باب ~~الجنة: الصدقة بعشرة، والقرض بثمانية عشر ". وقال (ع): " ما من مؤمن أقرض ~~مؤمنا يلتمس به وجه الله، إلا حسب الله له أجره بحساب الصدقة، حتى يرجع ~~ماله إليه، يعني أعطاه الله في كل آن أجر صدقة، ذلك لأن له قضاءه في كل آن، ~~فلما لم يفعل فكأنما أعطاه ثانيا وثالثا وهلم جرا، إلى أن يقبضه ". وقال ~~(ع): ms376 # " لا تمانعوا قرض الخمير والخبز واقتباس النار، فإنه يجلب الرزق على أهل ~~البيت مع ما فيه من مكارم الأخلاق ". وقال: " لا تمانعوا قرض # PageV02P122 # الخمير والخبز، فإن منعهما يورث الفقر " (36). # وسادسها: # إنظار المعسر والتحليل وهو أيضا من أفراد البذل المترتب على السخاء، وقد ~~ورد في فضله أخبار كثيرة، قال الصادق (ع): " من أراد أن يظله الله يوم لا ~~ظل إلا ظله، فلينظر معسرا، أو يدع له من حقه ". وقال (ص): " إن رسول الله ~~(ص) قال في يوم حار - وحنا كفه -: من أحب أن يستظل من فور جهنم؟ - قالها ~~ثلاث مرات - فقال الناس في كل مرة: نحن يا رسول الله. # فقال: من أنظر غريما أو ترك المعسر ". وقال (ع): " صعد رسول الله (ص) ~~المنبر ذات يوم، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على أنبيائه، ثم قال: # أيها الناس، ليبلغ الشاهد الغائب منكم، ألا ومن أنظر معسرا كان له على ~~الله في كل يوم ثواب صدقة بمثل ماله، حتى يستوفيه ". وقيل له (ع): # " إن لعبد الرحمن بن سبابة دينا على رجل قد مات، وقد كلمناه أن يحلله ~~فأبى، فقال: ويحه! أما يعلم أن له بكل درهم عشرة إذا حلله،، وإن لم يحلله ~~فإنما هو درهم بدرهم؟ " (37). وفي معناها أخبار كثيرة أخر. # وسابعها: # بذل الكسوة والسكنى ونحوهما غير ما ذكر من وجوه الإعانة بالمسلم، كبذل ~~الكسوة والسكنى، وحمله على الدابة، وإعطائه الماعون، وإعارته المتاع وسائر ~~ما يحتاج إليه، وإطراق الفحل وغير ذلك، فإن جميع ذلك من ثمرات السخاء، ~~ومنعها من نتائج البخل. وفي كل واحد منها فضيلة وثواب، وورد في فضيلة كل ~~منها أخبار. # ومما يدل على مدح كسوة المؤمن، قول الباقر (ع): " لأن أحج حجة أحب إلي من ~~أن أعتق رقبة ورقبة ورقبة (حتى انتهى إلى عشرة)، ومثلها # PageV02P123 # ومثلها (حتى انتهى إلى سبعين). ولإن أعول أهل بيت من المسلمين، أشبع ~~جوعتهم، وأكسو عورتهم، واكف وجوههم عن الناس، أحب إلي من أن أحج حجة وحجة ~~(حتى انتهى إلى عشر)، وعشر مثلها ومثلها (حتى انتهى إلى ms377 سبعين) " (38). ~~وقال الصادق (ع): " من كسا أخاه كسوة شتاء أو صيف، كان حقا على الله أن ~~يكسوه من ثياب الجنة، وأن يهون عليه من سكرات الموت، وأن يوسع عليه في ~~قبره، وأن يلقى الملائكة إذا خرج من قبره بالبشرى. وهو قول عز وجل في ~~كتابه: # " وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون " (39). # وقال: " من كسا أحدا من فقراء المسلمين ثوبا من عري، أو أعانه بشئ مما ~~يقويه على معيشته، وكل الله عز وجل به سبعة آلاف ملك من الملائكة، يستغفرون ~~لكل ذنب عمله، إلى أن ينفخ في الصور " (40). # وثامنها: # ما يبذل لوقاية العرض والنفس ما يبذل لوقاية العرض، وحفظ الحرمة، ورفع شر ~~الأشرار وظلم الظلمة. فإن السخي لا يقصر في شئ من ذلك، والبخيل ربما منع ~~بخله عن ذلك، فيهتك عرضه ويذهب حرمته. وفي بعض الأخبار دلالة على أن البذل ~~ذلك صدقة. وتقدم أن ما وقي المرء به عرضه فهو له صدقة، وكذا بذل ما تقتضيه ~~المروة والعادة من ثمرات الجود والسخاء، ومن منعه كان بخيلا. # وتاسعها: # ما ينفق في المنافع العامة والخيرات الجارية، من بناء المساجد والمدارس ~~والربط والقناطير، وإجراء القنوات، وأمثال ذلك مما يبقى أثره على مر ~~الدهور، ويصل نفعه وثوابه إلى صاحبه في كل وقت إلى يوم النشور. ولا يخفى ~~ثواب ذلك. # PageV02P124 # والأخبار الواردة في مدحه وفضيلته أكثر من أن تحصى، ولا حاجة إلى ذكرها ~~لاشتهارها بين الناس. # تنبيه الفرق بين الإنفاق والبر والمعروف إعلم أن لفظ الإنفاق والمعروف ~~والبر يتناول جميع ما تقدم من الانفاقات الواجبة والمستحبة. والفرق بينها: ~~أن الإنفاق خاص بالمال والمعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب ~~إليه والاحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع من فعل وترك، وهو من ~~الصفات الغالبة، أي أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه، والغالب في ~~الأخبار إرادة ما يتعلق بالمال من معانيه. والبر كالمعروف في شموله لجميع ~~أعمال الخير في الأصل، وانصراف إطلاقه غالبا في الأخبار إلى ما يتعلق ~~بالمال من ms378 وجوه الانفاقات المتقدمة بأسرها، وربما خص بما سوى الصدقة منها، ~~لما ورد: أن البر والصدقة ينفيان الفقر ويزيدان في العمر. والظاهر أن مبنى ~~الخبر على ذكر الخاص بعد العام، فلا وجه للتخصيص. ثم الصدقة تتناول جميع ما ~~تقدم من وجوه الإنفاق، سوى المروة، وعلى أي تقدير، لا ريب في أن ما ورد ن ~~الآيات والأخبار في فضيلة مطلق الإنفاق والمعروف والبر يدل على فضيلة كل ~~واحد مما تقدم من وجوه الإنفاق، كقوله سبحانه: # " أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم " (41). وقوله: # " وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا ~~من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون " (42) وقوله: " وآتى المال على حبه ذوي ~~القربى واليتامى... " الآية (43). وقوله: " قل ما أنفقتم من خير فللوالدين ~~والأقربين... " الآية (44). وقوله: " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما ~~رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة " (45). وقوله: " ~~مثل # PageV02P125 # الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل ~~سنبلة... " الآية (46). وقوله: " الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا ~~يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون " (47). # وقول رسول الله (ص): " أول من يدخل الجنة المعروف وأهله، وأول من يرد على ~~الحوض ". وقوله (ص): " إن البركة أسرع إلى البيت الذي يمتاز فيه المعروف من ~~الشفرة في سنام الجزور، أو من السبيل إلى منتهاه ". وقول الباقر (ع): " إن ~~من أحب عباد الله إلى الله، لمن حبب إليه المعروف وحبب إليه فعاله ". وقول ~~الصادق (ع): " إن من بقاء المسلمين وبقاء الإسلام أن تصير الأموال عند من ~~يعرف فيها الحق ويصنع المعروف، وإن من فناء الإسلام وفناء المسلمين أن تصير ~~الأموال في أيدي من لا يعرف فيها الحق ولا يصنع فيها المعروف ". وقوله (ع): # " رأيت المعروف كاسمه، وليس شئ أفضل من المعروف إلا ثوابه! ". # وقوله (ع) مخاطبا لزرارة: " ثلاثة إن تعلمهن المؤمن كانت زيادة في عمره ~~وبقاء لنعمه ms379 عليه. فقلت: وما هن؟ فقال: تطويله في ركوعه وسجوده في صلاته، ~~وتطويله لجلوسه على طعامه إذا أطعم على مائدته، واصطناعه المعروف إلى أهله ~~". وقوله (ع): " أقيلوا لأهل المعروف عثراتهم، واغفروا لهم، فإن كف الله ~~عليهم هكذا - وأومأ بيده كأنه يظلل بها شيئا ". # وقوله (ع): " صنائع المعروف تقي مصارع السوء ". وقال (ع): " إن للجنة ~~بابا يقال له المعروف، لا يدخله إلا أهل المعروف. وأهل المعروف في الدنيا ~~هم أهل المعروف في الآخرة ": يعني كما أنهم يصنعون المعروف في الدنيا كذلك ~~يصنعونه في الآخرة، يهبون حسناتهم لمن شاؤوا، كما قال الصادق (ع) في خبر ~~آخر: " يقال لهم في الآخرة: إن ذنوبكم قد غفرت لكم، فهبوا حسناتكم لمن شئتم ~~وادخلوا الجنة ". وقال (ع): # " قال أصحاب رسول الله (ص): يا رسول الله، فداك آباؤنا وأمهاتنا! إن # PageV02P126 # أصحاب المعروف في الدنيا عرفوا بمعروفهم، فبم يعرفون في الآخرة؟ # فقال (ص): إن الله إذا أدخل أهل الجنة الجنة، أمر ريحا عبقة طيبة فلصقت ~~بأهل المعروف، فلا يمر أحد منهم بملأ من أهل الجنة إلا وجدوا ريحه، فقالوا: ~~هذا من أهل المعروف " (48). # ومنها - أي من رذائل القوة الشهوية -: # طلب الحرام وعدم الاجتناب عنه. ولا ريب في كونه مترتبا على حب الدنيا ~~والحرص عليها، وهو أعظم المهلكات، به هلك أكثر من هلك، وجل الناس حرموا عن ~~السعادة لأجله، ومنعوا عن توفيق الوصول إلى الله بسبه. ومن تأمل يعلم أن ~~أكل الحرام أعظم الحجب للعبد من نيل درجة الأبرار، وأقوى الموانع له عن ~~الوصول إلى عالم الأنوار، وهو موجب لظلمة القلب وكدرته وهو الباعث لخبثه ~~وغفلته، وهو العلة العظمى لخسران النفس وهلاكها، وهو السبب الأقوى لضلالتها ~~وخباثتها، وهو الذي أنساها عهود الحمى، وهو الذي أهواها في مهاوي الضلالة ~~والردى، وما للقلب المتكون من الحرام والاستعداد لفيوضات عالم القدس! وأنى ~~للنطفة الحاصلة منه والوصول إلى مراتب الأنس! وكيف يدخل النور والضياء في ~~قلب أظلمته أدخنة المحرمات؟! وكيف تحصل الطهارة والصفاء لنفس أخبثتها ~~قذارات المشتبهات؟! # ولأمر ما حذر عنه أصحاب الشرع وأمناء ms380 الوحي غاية التحذير، وزجروا منه أشد ~~الزجر. قال رسول الله (ص): " إن لله ملكا على بيت المقدس، ينادي كل ليلة: ~~من أكل حراما لم يقبل منه صرف ولا عدل ": أي لا نافلة ولا فريضة. وقال (ص): ~~" من لم يبال من أين اكتسب المال، لم يبال الله من أين أدخله النار ". وقال ~~(ص): " كل لحم نبت من حرام فالنار # PageV02P127 # أولى به ". وقال (ص): " من أصاب مالا من مأثم، فوصل به رحما أو تصدق به ~~أو أنفقه في سبيل الله، جمع الله ذلك جمعا، ثم أدخله في النار، وقال (ص): " ~~إن أخوف ما أخاف على أمتي من بعدي هذه المكاسب الحرام، والشهوة الخفية ~~والربا ". وقال (ص): " من اكتسب مالا من الحرام، فإن تصدق به لم يقبل منه، ~~وإن تركه وراءه كان زاده إلى النار " (49). # وقال (ع): " إذا اكتسب الرجل مالا من غير حله، ثم حج فلبى، نودي، لا لبيك ~~ولا سعديك! وإن كان من حله، نودي: لبيك وسعديك! " (50). # وقال (ع): " كسب الحرام يبين في الذرية ". وقال (ع) في قوله تعالى: # " وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا " (51). # " إن كانت أعمالهم أشد بياضا من القباطي، فيقول الله عز وجل لها: # كوني هباء وذلك أنهم كانوا إذا شرع لهم الحرام أخذوه " (52). وقال الكاظم ~~(ع): " إن الحرام لا ينمى، وإن نمى لم يبارك فيه، وإن أنفقه لم يؤجر عليه، ~~وما خلفه كان زاده إلى النار ". وفي بعض الأخبار: " إن العبد ليوقف عند ~~الميزان، وله من الحسنات أمثال الجبال، فيسأل عن رعاية عياله والقيام بهم، ~~وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، حتى تفني تلك المطالبات كل أعماله، فلا ~~تبقى له حسنة. فتنادي الملائكة: هذا الذي أكل عياله حسناته في الدنيا، ~~وارتهن اليوم بأعماله ". وورد: " إن أهل الرجل وأولاده يتعلقون به يوم ~~القيامة، فيوقفونه بين يدي الله تعالى، ويقولون: # يا ربنا، خذ لنا بحقنا منه، فإنه ما علمنا ما نجهل، وكان يطعمنا من ~~الحرام # PageV02P128 # ونحن لا نعلم. فيقتص لهم منه " (1) فصل عزة تحصيل الحلال ms381 ينبغي لطالب ~~النجاة أن يفر من الحرام فراره من الأسد، ويحترز منه احترازه من الحية ~~السوداء، بل أشد وأنى يمكنه ذلك في أمثال زماننا الذي لم يبق فيه من الحلال ~~إلا الماء الفرات والحشيش النابت في أرض الموات، وما عداه قد أخبثته الأيدي ~~العادية، وأفسدته المعاملات الفاسدة! ما من درهم إلا وقد غضب من أهله مرة ~~بعد أولى، وما من دينار إلا وقد خرج من أيدي من أخذه قهرا كرة غب أولى، جل ~~المياه (كذا) أو لأراضي من أهلها مغصوبة، وأنى يمكن القطع بحلية الأقوات ~~وأكثر المواشي والحيوانات من أهلها منهوبة، فأنى يتأتى الحزم بحلية اللحوم ~~والألبان والدسوم، فهيهات ذلك هيهات! # ما من تاجر إلا ومعاملته مع الظالمين، وما من ذي عمل إلا وهو مخالط ~~للجائرين من عمال السلاطين. # وبالجملة: الحلال في أمثال زماننا مفقود، والسبيل دون الوصول إليه مسدود. ~~ولعمري! إن فقده آفة عم في الدين ضررها، ونار استطار في الخلق شررها. ~~والظاهر أن أكثر الأعصار كان حالها كذلك. ولذلك قال الإمام جعفر بن محمد ~~الصادق (ع): " المؤمن يأكل في الدنيا بمنزلة المضطر ". # وقال رجل للكاظم (ع): " ادع الله جل وعز يرزقني الحلال، فقال: أتدري ما ~~الحلال؟ قال: الكسب الطيب. فقال: كان علي بن الحسين عليهما السلام يقول: ~~الحلال قوت المصطفين. لكن قل: أسألك من رزقك الواسع ". # ومع ذلك كله، لا ينبغي للمؤمن أن ييأس من تحصيل الحلال، ويترك الفرق ~~والفصل بين الأموال، فإن الله سبحانه أجل وأعظم من أن يكلف عباده بأكل ~~الحلال ويسد عنهم طريق تحصيله. # PageV02P129 # فصل أنواع الأموال إعلم أن الأموال على أقسام ثلاثة: حلال بين، وحرام ~~بين، وشبهات بينهما. ولكل منها درجات، فإن الحرام وإن كان كله خبيثا، إلا ~~أن بعضه أخبث من بعض، فإن ما يؤخذ بالمعاملة الفاسدة مع التراضي ليس في ~~الحرمة كمال اليتيم الذي يؤخذ قهرا. وكذا الحلال وإن كان كله طيبا، إلا أن ~~بعضه أطيب من بعض. والشبهة كلها مكروهة، ولكن بعضها أشد كراهة من بعض. وكما ~~أن الطبيب يحكم على ms382 كل حلو بالحرارة، ولكن يقول بعضه حار في الدرجة الأولى، ~~وبعضه في الثانية. وبعضه في الثالثة، وبعضه في الرابعة، فكذلك الحرام بعضه ~~خبيث في الدرجة الأولى، وبعضه في الثانية وبعضه في الثالثة، وبعضه في ~~الرابعة. وكذلك درجات الحلال في الصفاء والطيبة، ودرجات الشبهة في الكراهة. # ثم الحرام إما يحرم لعينه، كالكلب والخنزير والتراب وغيرها من المحرمات ~~العينية، أو لصفة، حادثة فيه، كالخمر لإسكاره، والطعام المسموم لسميته، أو ~~لخلل في جهة إثبات اليد عليه. وله أقسام غير محصورة، كالمأخوذ بالظلم ~~والقهر والغصب والسرقة والخيانة في الأمانة وغيرها، والغش والتلبيس ~~والرشوة، وبالبخس في الوزن والكيل، وبإحدى المعاملات الفاسدة، من الربا ~~والصرف والاحتكار، وغير ذلك مما هو مذكور في كتب الفقه. وقد نهى الله ~~سبحانه عن جميع ذلك في آيات كثيرة، كقوله تعالى: # " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " (2). وقوله: " إن الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما... الآية " (3). وعن خصوص الربا بقوله: " يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا أن كنتم مؤمنين "، ثم قال: # " فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله "، ثم قال: " وإن تبتم فلكم ~~رؤس أموالكم " (4)، ثم قال: " ومن عاد فأولئك أصحاب النار " (5). # PageV02P130 # جعل أكل الربا في أول الأمر مؤديا إلى محاربة الله، وفي آخره متعرضا ~~للنار. وقد ورد الذم الشديد على كل واحد منها بخصوصه في أخبار كثيرة، وهي ~~في كتب الأخبار والفقه مذكورة، وتفصيل جميع المحرمات موكول إلى كتب الفقه، ~~وليس هنا موضع بيانه فليرجع فيه إلى كتب الفقهاء ". # الفرق بين الرشوة والهدية وربما يتوهم الاشتباه في بعض الموارد بين ~~الرشوة والهدية، فلنشر إلى جلية الحال فيهما، فنقول: ههنا صور: # الأولى - أن يسلم أو يرسل مالا إلى بعض الإخوان طلبا للاستئناس، وتأكيدا ~~للصحبة والتودد. وقد عرفت كونه هدية وحلالا، سواء قصد به الثواب في الآخرة ~~والتقرب إلى الله تعالى أيضا، أو لم يقصد به الثواب، بل قصد مجرد الاستئناس ~~والتودد. # الثانية - أن يقصد بالذل عوض مالي معين في العاجل، كأن يهدي الفقير إلى ~~الغني أو الغني ms383 شيئا طمعا في عوض أكثر أو مساو من ماله. وهذا أيضا نوع ~~هدية، وحقيقته ترجع إلى هبة بشرط العوض، وإذا وفى بما (يطمع فيه) (6) من ~~العوض فلا ريب في حليته. قال الصادق (ع): # " الربا رباءان: ربا يؤكل وربا لا يؤكل. فأما الذي يؤكل فهديتك إلى الرجل ~~تطلب منه الثواب أفضل منها، فذلك الربا الذي يؤكل، وهو قول الله تعالى: # " وما أتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله " (7). # وأما الذي لا يؤكل، فهو الذي نهى الله عز وجل عنه، وأوعد عليه النار " ~~(8). وعنه عليه السلام: " قال: قال رسول الله (ص): الهدية على ثلاثة وجوه: ~~هدية مكافأة، وهدية مصانعة، وهدية لله عز وجل " (9). # وفي بعض الأخبار نوع إشعار بالحل، وإن لم يتحقق الوفاء بما (يطمع فيه) ~~(10) # PageV02P131 # من العوض، كخبر إسحق بن عمار عن الصادق عليه السلام: " قال: قلت له عليه ~~السلام: الرجل الفقير يهدي إلي الهدية، يتعرض لما عندي فآخذها ولا أعطيه ~~شيئا أيحل لي؟ قال نعم، هي لك حلال ولكن لا تدع أن تعطيه " (11). # وهل يحل مع إعطائه العوض المطموع فيه إذا لم يكن من ماله، بل كان من ~~الأموال التي أعطته الناس ليصرف إلى الفقراء من الزكوات والأخماس وسائر ~~وجوه البر، والظاهر الحل إذا كان المهدي من أهل الاستحقاق والمهدي له معطيا ~~إياه، وإن لم يكن ليهدي له شيئا. وفيه تأمل، كما يظهر بعد ذلك. # الثالثة - أن يقصد به الإعانة بعمل معين، كالمحتاج إلى السلطان أو ذي ~~شوكة يهدي إلى وكيلهما، أو من له مكانة عندهما، فينظر إلى ذلك العمل، فإن ~~كان حراما، كالسعي في تنجز إدرار حرام أو ظلم إنسان أو غير ذلك. أو واجبا، ~~كدفع ظلم أو استخلاص حق ينحصر الدفع والاستخلاص به، أو شهادة معينة، أو حكم ~~شرعي يجب عليه، أو أمثال ذلك، فهو رشوة محرمة يحرم أخذها، وإن كان العمل ~~مباحا لا حراما ولا واجبا. # فإن كان فيه تعب، بحيث جاز الاستئجار عليه، فما يأخذه حلال وجار مجرى ~~الجعالة، كأن يقول: أوصل ms384 هذه الفضة إلى السلطان، ولك دينار. # أو اقترح على فلان أن يعينني على كذا أو يعطيني كذا، وتوقف تنجز غرضه على ~~تعب أو كلام طويل، فما يأخذه في جميع ذلك مباح، إذا كان الغرض مشروعا ~~مباحا، وهو مثل ما يأخذه وكيل القاضي للخصومة بين يديه، بشرط ألا يتعدى من ~~الحق. وإن لم يكن العمل مما فيه تعب، بل كان مثل كلمة أو فعلة لا تعب فيها ~~أصلا، ولكن كانت تلك الكلمة أو تلك الفعلة من مثله مفيدة، لكونه ذا منزلة، ~~كقوله للبواب لا تغلق دونه باب السلطان، فقال بعض العلماء: الأخذ على هذا ~~حرام، إذ لم يثبت في الشرع جواز ذلك. ويقرب من هذا أخذ الطبيب العوض على ~~كلمة واحدة ينبه بها على دواء يتفرد بمعرفته. وفيه نظر، إذ الظاهر جواز هذا # PageV02P132 # الأخذ مع مشروعية الغرض وعدم كونه واجبا عليه. # الرابعة - أن يطلب به حصول التودد والمحبة، ولكن لا من حيث إنه تودد فقط، ~~بل ليتوصل بجاهه إلى أغراض ينحصر جنسها وإن لم ينحصر عينها، وكان بحيث لولا ~~جاهه لكان لا يهدى إليه، فإن كان جاهه لأجل علم أو ورع أو نسب فالأمر فيه ~~أخف، والظاهر كون الأخذ حينئذ مكروها، لأنه هدية في الظاهر مع كونه مشابها ~~للرشوة. وإن كان لأجل ولاية تولاها، من قضاء أو حكومة أو ولاية صدقة أو وقف ~~أو جباية مال أو غير ذلك من الأعمال السلطانية، فالظاهر كون ما يأخذه حراما ~~لو كان بحيث لا يهدى إليه لولا تلك الولاية، لأنه رشوة عرضت في معرض ~~الهدية، إذ القصد بها في الحال طلب التقرب والمحبة، ولكن لأمر ينحصر في ~~جنسه، لظهور أن ما يمكن التوصل إليه بالولايات ماذا، قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وآله -: " يأتي على الناس زمان يستحل فيه السحت بالهدية، والقتل ~~بالموعظة، يقتل البرئ لتوعظ به العامة ". وروي: # " أنه (ص) بعث واليا على صدقات الأزد، فلما جاء أمسك بعض ما معه، وقال: ~~هذا لكم وهذا لي هدية. فقال (ص): ألا جلست في بيت ms385 أبيك وبيت أمك حتى تأتيك ~~هدية إن كنت صادقا! ثم قال: ما لي استعمل الرجل منكم، فيقول: هذه لكم وهذه ~~هدية لي، ألا جلس في بيت أمه ليهدى له! والذي نفسي بيده! لا يأخذ منكم أحد ~~شيئا بغير حقه إلا أتى الله بحمله، ولا يأتين أحدكم يوم القيامة ببعير له ~~رغاء، أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر... ثم رفع يديه حتى رأوا بياض إبطيه، ~~وقال: اللهم هل بلغت؟ " (12). # وعلى هذا، فينبغي لكل وال أو حاكم وقاض وغيرهم من عمال السلاطين، أن يقدر ~~نفسه في بيت أبيه وأمه معزولا بلا شغل، فما كان يعطى حينئذ يجوز له أن ~~يأخذه في ولايته أيضا، وما لا يعطى مع عزله ويعطى لولايته يحرم أخذه، وما ~~أشكل عليه من عطايا أصدقائه فهو شبهة، وطريق الاحتياط فيها واضح. # PageV02P133 # وصل الورع عن الحرام ضد عدم الاجتناب عن الحرام التنزه والاحتياط عنه، ~~وهو الورع بأحد إطلاقيه. فإن الورع قد يفسر بملكة التنزه والاجتناب عن مال ~~الحرام أكلا وطلبا وأخذا واستعمالا، وقد يفسر بكف النفس عن مطلق المعاصي ~~ومنعها عما لا ينبغي. فعلى الأول يكون ضدا لعدم الاجتناب عن المال الحرام، ~~ويكون من رذائل قوة الشهوة، وعلى الثاني يكون ضدا لملكة الولوع على مطلق ~~المعصية، ويكون من رذائل القوة الغضبية والشهوية جميعا. # ثم الظاهر أن التقوى مرادفة للورع، فإن لها أيضا تفسيرين: أحدهما: # الاتقاء عن الأموال المحرمة، وقد أطلقت التقوى في بعض الأخبار على هذا ~~المعنى. وثانيهما: ملكة الاتقاء عن مطلق المعاصي، خوفا من سخط الله وطلبا ~~لرضاه. فعلى الأول يكون ضدا لعدم التنزه عن المال الحرام ورذيلة للقوتين ~~معا. # ثم اللازم على طريقتنا أن يذكر الورع والتقوى بالتفسير الأول هنا. # وبالتفسير الثاني في المقام الرابع الذي نذكر فيه ما يتعلق بالقوتين أو ~~بالثلاث من الرذائل والفضائل. إلا أنا نذكر ما ورد في فضيلتهما هنا، لدلالة ~~ما ورد في فضيلتهما بالتفسير الثاني على فضيلتهما بالتفسير الأول أيضا، ~~ولعدم فائدة في استئناف عنوان على حدة لمطلق المعصية وذكر ما ms386 ورد في ذمها، ~~ثم تذييلها بضدها الذي هو الورع والتقوى بتفسيريهما العام. إذ بعد ذكر جميع ~~الأجناس والأنواع والأصناف من المعاصي والطاعات، بأحكامها ولوازمها وذمها ~~ومدحها، لا فائدة لاستئناف ذكر مطلق المعصية أو الطاعة، إذ لا يتعلق بهما ~~غرض سوى ذكر ما ورد في ذم مطلق المعصية، وما ورد في مدح مطلق الطاعة، وهذا ~~أمر ظاهر لا حاجة إليه في كتب الأخلاق. # نعم، نشير إلى مطلق العصيان وضده، أعني الورع والتقوى بالمعنى الأعم، ~~إجمالا، ضبطا للأنواع والأقسام. PageV02P134 # فصل مدح الورع الورع والتقوى عن الحرام أعظم المنجيات، وعمدة ما ينال به ~~إلى السعادات ورفع الدرجات. قال رسول الله (ص): " خير دينكم الورع ". وقال ~~(ص): " من لقى الله سبحانه ورعا، أعطاه الله ثواب الإسلام كله ". وفي بعض ~~الكتب السماوية: " وأما الورعون، فإني أستحيي أن أحاسبهم ". وقال الباقر ~~(ع): " إن أشد العبادة الورع ". # وقال (ع): " ما شيعتنا إلا من أتقى الله وأطاعه، فاتقوا الله وأعملوا لما ~~عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة. أحب العباد إلى الله تعالى وأكرمهم ~~عليه أبقاهم وأعملهم بطاعته ". وقال الصادق (ع): " أوصيك بتقوى الله والورع ~~والاجتهاد، واعلم أنه لا ينفع اجتهاد لا ورع فيه ". # وقال: " اتقوا الله وصونوا دينكم بالورع ". وقال (ع): " عليكم بالورع، ~~فإنه لا ينال ما عند الله إلا بالورع ". وقال (ع): " إن الله ضمن لمن ~~اتقاه، أن يحوله عما يكره إلى ما يحب، ويرزقه من حيث لا يحتسب ". وقال (ع): ~~" إن قليل العمل مع التقوى خير من كثير بلا تقوى ". وقال (ع): " ما نقل ~~الله عبدا من ذل المعاصي إلى عز التقوى، إلا أغناه من غير مال، وأعزه من ~~غير عشيرة، وآنسه من غير بشر ". وقال (ع): " إنما أصحابي من اشتد ورعه، ~~وعمل لخالقه، ورجا ثوابه: هؤلاء أصحابي ". وقال (ع): " ألا وإن من أتباع ~~أمرنا وإرادته الورع، فتزينوا به يرحمكم الله، وكيدوا أعداءنا به ينعشكم ~~الله ". وقال (ع): " أعينونا بالورع، قال من لقي الله تعالى منكم بالورع، ~~كان له عند الله فرجا. إن الله ms387 عز وجل يقول: # " ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا " (13). # فمنا النبي، ومنا الصديق والشهداء والصالحون ". وقال أبو جعفر - عليه ~~السلام -: " قال الله عز وجل: يا بن آدم، اجتناب ما حرم عليك، # PageV02P135 # تكن من أورع الناس ". وسئل الصادق - عليه السلام - عن الورع من الناس، ~~فقال: " الذي يتورع عن محارم الله عز وجل " (14). # ولكون طلب الحرام وعدم الاجتناب عنه باعثا للهلاك، وتوقف النجاة والسعادة ~~في الآخرة على الورع عن المحرمات، مع افتقار الناس في الدنيا إلى المطاعم ~~والملابس، ورد في فضيلة كسب الحلال ومدحه ما ورد. # قال رسول الله (ص): " طلب الحلال فريضة على كل مسلم ومسلمة ". وقال (ع): ~~" من بات كالا من طلب الحلال، بات مغفورا له ". وقال (ص): " العبادة سبعون ~~جزأ، أفضلها طلب الحلال ". # وقال (ص): " العبادة عشرة أجزاء، تسعة أجزائه في طلب الحلال ". # وقال (ص): " من أكل من كد يده، نظر الله إليه بالرحمة، ثم لا يعذبه أبدا ~~". وقال (ص): " من أكل من كد يده حلالا، فتح الله له أبواب الجنة يدخل من ~~أيها شاء ". وقال (ص): " من أكل من كد يده، كان يوم القيامة في عداد ~~الأنبياء، ويأخذ ثواب الأنبياء ". # وقال (ص): " من طلب الدنيا استعفافا عن الناس وسعيا على أهله وتعطفا على ~~جاره، لقي الله عز وجل يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر " (15). وكان ~~(ص) إذا نظر إلى الرجل وأعجبه، قال: " هل له حرفة؟ فإن قال: لا، قال: سقط ~~من عيني. قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: لأن المؤمن إذا لم تكن له حرفة ~~يعيش بدينه ". وقال - صلى الله عليه وآله -: " من سعى على عياله من حله، ~~فهو كالمجاهد في سبيل الله ". وقال (ص): " من طلب الدنيا حلالا في عفاف، ~~كان في درجة الشهداء ". وقال (ص): " من أكل الحلال أربعين يوما، نور الله ~~قلبه، وأجرى ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ". وطلب منه # PageV02P136 # - صلى الله عليه وآله - بعض الصحابة أن يجعله الله تعالى مستجاب ms388 الدعوة، ~~فقال له: " أطب طعمتك تستجب دعوتك ". وقال الصادق عليه السلام: " اقرؤا من ~~لقيتم من أصحابكم السلام، وقولوا لهم: إن فلان بن فلان يقرؤكم السلام، ~~وقولوا لهم: عليكم بتقوى الله عز وجل، وما ينال به ما عند الله، إني والله ~~ما آمركم إلا بما تأمر به أنفسنا، فعليكم بالجد والاجتهاد، وإذا صليتم ~~الصبح وانصرفتم، فبكروا في طلب الرزق، واطلبوا الحلال، فإن الله عز وجل ~~سيرزقكم ويعينكم عليه " (16). # فصل مداخل الحلال إعلم أن مداخل الحلال خمسة: # الأول - ما لا يؤخذ من مالك، كنيل المعادن، وإحياء الموات، والاصطياد، ~~والاحتطاب، والاحتشاش، والاستقاء من الشطوط والأنهار، وهذا حلال بشرط عدم ~~صيرورته مختصا بذي حرمة من الناس، وتفصيل ذلك موكول إلى كتاب أحياء الموات. # الثاني - ما يؤخذ قهرا ممن لا حرمة له، وهو الفيئ، والغنيمة، وسائر أموال ~~الكفار المحاربين. وذلك حلال للمسلمين بالشروط المقررة في كتاب الغنائم ~~والجزية. # الثالث - ما ينتقل إليه بالرضى من غير عوض، من حي أو ميت، كالهبة، ~~والميراث، والوصية، والصدقات. وهذا حلال بشرط أن يكون المنقول منه اكتسبه ~~من مداخل الحلال، وبضمن سائر الشروط المقررة في كتاب الهبات والفرايض ~~والوصايا والصدقات. # الرابع - ما يؤخذ تراضيا بمعاوضة، وذلك حلال بالشرائط والآداب المقررة في ~~فن المعاملات من الفقه، من البيع، والسلم، والإجارة، والصلح، والشركة، ~~والمضاربة، والمزارعة، والمساقاة، والحوالة، والضمان، والكتابة، والخلع، ~~والصداق، وغير ذلك من المعاوضات. # الخامس - ما يحصل من الزراعة ومنافع الحيوانات. وهو حلال # PageV02P137 # إذا كان الأرض والبذر والماء والحيوانات حلالا بأحد الوجوه المتقدمة. # فهذه مداخل الحلال، فينبغي لطالب النجاة أن يكون ما يكتسبه من المال من ~~أحد هذه المداخل، بعد فتوى الفقيه العدل بحصول شرائط الحلية. # فصل درجات الورع قسم بعض العلماء الورع والتقوى عن الحرام على أربع ~~درجات: # الأول - ورع العدول: وهو الاجتناب عن كل ما يلزم الفسق باقتحامه، وتسقط ~~به العدالة، ويثبت به العصيان والتعرض للنار، وهو الورع عن كل ما يحرمه ~~فتوى المجتهدين. # الثانية - ورع الصالحين: وهو الاجتناب من الشبهات أيضا. # الثالثة - الورع عما يخاف أداؤه إلى محرم ms389 أو شبهة أيضا، وإن لم يكن في ~~نفسه حراما ولا شبهة، فهو ترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس. # الرابعة - ورع الصديقين: وهو الاجتناب عن كل ما ليس لله، ويتناول لغير ~~الله، وغير نيته التقوى على عبادته وإن كان حلالا صرفا لا يخاف أداؤه إلى ~~حرام أو شبهة. والصديقون الذين هذه درجتهم هم الموحدون المتجردون عن حظوظ ~~أنفسهم، المتفردون لله تعالى بالقصد، الراؤن كل ما ليس لله تعالى حراما، ~~العاملون بقوله سبحانه: # " قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون " (17). # تتميم قال الصادق (ع): " التقوى على ثلاثة أوجه: تقوى من خوف النار ~~والعقاب، وهو ترك الحرام، وهو تقوى العام. وتقوى من الله، وهو ترك الشبهات ~~فضلا عن الحرام، وهو تقوى الخاص. وتقوى في الله، وهو ترك الحلال فضلا عن ~~الشبهة " (18) وإلى هذه المراتب الثلاث # PageV02P138 # أشير في الكتاب الإلهي بقوله: # " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا ~~وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب ~~المحسنين " (19). # ومنها: # الغدر والخيانة في المال أو العرض أو الجاه. ويدخل تحته الذهاب بحقوق ~~الناس خفية، وحبسها من غير عسر، وبالبخس في الوزن والكيل، وبالغش بما يخفى، ~~وغير ذلك من التدليسات المموهة والتلبيسات المحرمة. وجميع ذلك من خباثة ~~القوة الشهوية ورذائلها، ومن الرذائل المهلكة وخبائثها. # وقد وردت في ذم الخيانة وبأقسامها أخبار كثيرة، وجميع ما يدل على ذم ~~الذهاب بحقوق الناس وأخذ أموالهم بدون رضاهم يدل على ذمها. # وضد الخيانة (الأمانة)، وقد وردت في مدحها وعظم فوائدها أخبار كثيرة، ~~كقول الصادق عليه السلام: " إن الله عز وجل لم يبعث نبيا إلا بصدق الحديث ~~وأداء الأمانة إلى البر والفاجر ". وقوله عليه السلام: " لا تغتروا بصلاتهم ~~ولا بصيامهم، فإن الرجل ربما لهج بالصلاة والصوم حتى لو تركه استوحش، ولكن ~~اختبروهم بصدق الحديث وأداء الأمانة " (20) وقوله عليه السلام: " انظر ما ~~بلغ به علي عليه السلام عند رسول الله (ص) فألزمه فإن عليا عليه السلام ~~إنما بلغ ما بلغ به عند ms390 رسول الله (ص) بصدق الحديث وأداء الأمانة " (21). ~~وقوله عليه السلام " ثلاث لا عذر فيها لأحد: أداء الأمانة إلى البر ~~والفاجر، والوفاء بالعهد إلى البر والفاجر، وبر الوالدين # PageV02P139 # برين كانا أو فاجرين " (22). وقوله عليه السلام: " كان أبي يقول: أربع من ~~كن فيه كمل إيمانه، وإن كان من قرنه إلى قدمه ذنوبا لم ينقصه ذلك وهي: ~~الصدق، وأداء الأمانة، والحياء، وحسن الخلق " (23). وقوله عليه السلام: " ~~أهل الأرض مرحومون ما يخافون وأدوا الأمانة وعملوا بالحق ". وقيل له عليه ~~السلام: " إن امرأة بالمدينة كان الناس يضعون عندها الجواري فيصلحن، ومع ~~ذلك ما رأينا مثل ما رأينا مثل ما صب عليها من الرزق. فقال: إنها صدقت ~~الحديث وأدت الأمانة، وذلك يجلب الرزق " (24). والأخبار في فضيلة الأمانة ~~كثيرة. ولقد قال لقمان: " ما بلغت إلى ما بلغت إليه من الحكمة، إلا بصدق ~~الحديث وأداء الأمانة ". # فمن تأمل في ذم الخيانة وإيجابها الفضيحة والعار في الدنيا والعذاب ~~والنار في الآخرة، وفي فضيلة الأمانة وأدائها إلى خير الدنيا وسعادة ~~الآخرة، سهل عليه ترك الخيانة والاتصاف بالأمانة. # ومنها: # أنواع الفجور من الزنا، واللواط، وشرب الخمر، والاشتغال بالملاهي، ~~واستعمال آلاتها، من العود، والمزمار، والرباب، والدف، وأمثالها. فإن كل ~~ذلك من رذائل القوة الشهوية. وكذا لبس الذهب والحرير للرجال. وقد وردت في ~~ذم كل واحد منهما بخصوصه أخبار كثيرة، ولا حاجة إلى ذكرها، لشيوعها ~~واشتهارها. # ومنها: # الخوض في الباطل وهو التكلم في المعاصي والفجور وحكايتها، كحكايات أحوال ~~النساء، # PageV02P140 # ومجالس الخمر، ومقامات الفساق، وتنعم الأغنياء، وتجبر الملوك ومراسمهم ~~المذمومة وأحوالهم المكروهة، وأمثال ذلك. فكل ذلك من رداءة القوة الشهوية ~~وخباثتها. # ثم لما كانت أنواع الباطل غير محصورة لكثرتها، فالخوض فيه أيضا كذلك، ~~وتكون له أنواع غير متناهية، ولا يفتح باب كلام إلا وينتهي إلى واحد منها، ~~فلا خلاص منه إلا باقتصار الكلام على قدر الحاجة من مهمات الدين والدنيا. ~~وربما وقعت من الرجل من أنواع الخوض في الباطل كلمة تهلكه وهو مستحقر لها، ~~فإن أكثر الخوض في الباطل حرام، ولذا قال رسول الله ms391 (ص): " أعظم الناس ~~خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضا في الباطل ". # وإليه الإشارة بقوله تعالى: # " وكنا نخوض مع الخائضين " (25). وقوله تعالى: " فلا تقعدوا معهم حتى ~~يخوضوا في حديث غيره " (26). # وقال (ص): " إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما يظن أن تبلغ ما ~~بلغت، فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة. وإن الرجل ليتكلم بالكلمة ~~من سخط الله، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم ~~القيامة " (27). وقال سلمان الفارسي - رضي الله عنه -: # " أكثر الناس ذنوبا يوم القيامة، أكثرهم كلاما في معصية الله ". وكان رجل ~~من الأنصار يمر على مجلس الخائضين في الباطل، فيقول لهم: # " توضؤا، فإن بعض ما تقولون شر من الحدث ". # ثم الخوض في الباطل هو ذكر محظورات سبق وجودها بمجرد شهوة النفس، من دون ~~حاجة داعية إليه، فلا مدخلية له بمثل الغيبة والنميمة والفحش والمراء ~~والجدال وأمثالها، ويدخل فيه الخوض في حكايات البدع والمذاهب الفاسدة، فإن ~~الحديث عنها خوض في الباطل، وورد النهي عنه. # PageV02P141 # ومنها: # التكلم بما لا يعني أو بالفضول والمراد بالأول: التكلم بما لا فائدة فيه ~~أصلا، لا في الدين ولا في الدنيا، والثاني - أعني فضول الكلام -: أعم منه، ~~إذ يتناول الخوض في ما لا يعني والزيادة في ما يعني على قدر الحاجة. فإن من ~~يعنيه أمر ويتمكن من تقريره وتأديته وتأدية مقصوده بكلمة واحدة، ومع ذلك ~~ذكر كلمتين، فالثانية فضول، أي فضل على الحاجة. ولا ريب في أن التكلم بما ~~لا يعني وبالفضول مذموم، وإن لم يكن فيه إثم، وهو ناش عن رداءة القوة ~~الشهوية، إذ الباعث عليه ليس إلا مجرد تشهي النفس وهواها. # والسر في ذمه: أنه يوجب تضييع الوقت، والمنع من الذكر والفكر، وربما يبنى ~~لأجل تهليله أو تسبيحه قصر في الجنة، وربما ينفح من نفحات رحمة الله عند ~~الفكرة ما يعظم جدواه. فمن قدر على أن يأخذ كنزا من الكنوز، فأخذ بدله مدرة ~~لا ينتفع بها، كان خاسرا. فمن ترك ذكر الله والفكر في عجائب قدرته، ms392 واشتغل ~~بمباح لا يعنيه، وإن لم يأثم، إلا أنه قد خسر، حيث فاته الربح العظيم بذكر ~~الله وفكره. فإن رأس مال العبد أوقاته، ومهما صرفها إلى ما لا يعنيه، ولم ~~يدخر بها ثوابا في الآخرة، فقد ضيع رأس ماله. على أن الغالب تأدية الخوض في ~~ما لا يعني وفي الفضول إلى الخوض في الباطل، وربما أدى إلى الكذب بالزيادة ~~والنقصان. ولذا ورد في ذمه ما ورد، وقد روي: " أنه استشهد يوم أحد غلام من ~~أصحاب النبي (ص)، ووجد على بطنه حجر مربوط من الجوع، فمسحت أمه التراب عن ~~وجهه، وقالت: هنيئا لك الجنة يا بني! فقال النبي (ص): وما يدريك؟ # لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه، ويمنع ما لا يضره؟ ". وورد أيضا: " أن ~~رسول الله (ص) قال لبعض أصحابه - وهو مريض -: أبشر. فقالت أمه: # هنيئا لك الجنة! فقال رسول الله (ص): وما يدريك؟ لعله قال ما لا يعنيه أو ~~منع ما لا يعنيه؟ ": يعني إنما تتهنأ الجنة لمن لا يحاسب، ومن يتكلم فيما ~~لا يعنيه حوسب عليه، وإن كان كلامه مباحا، فلا تتهنأ له الجنة مع المناقشة ~~في الحساب، فإنه نوع من العذاب. وروي: " أنه تكلم رجل PageV02P142 # عند النبي (ص) فأكثر، فقال له النبي: كم دون لسانك من حجاب؟ فقال: # شفتاي وأسناني. فقال: أفما كان في ذلك ما يرد كلامك؟ ". وفي رواية أخرى: ~~" إنه قال ذلك في رجل أثنى عليه، فاستهتر في الكلام، ثم قال: # ما أوتي رجل شرا من فضل في لسانه ". وروي: " أنه قدم رهط من بني عامر على ~~رسول الله (ص)، فشرعوا بالمدح والثناء عليه. فقال (ص): # قولوا قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان! " (28). ومراده (ص): إن اللسان إذا ~~أطلق الثناء، ولو بالصدق، فيخشى أن يستهويه الشيطان إلى الزيادة المستغنى ~~عنها. وقال بعض الصحابة: " إن الرجل ليكلمني بالكلام وجوابه أشهى إلي من ~~الماء البارد على الظمآن، فأتركه خيفة أن يكون فضولا ". # وقال بعض الأكابر: " من كثر كلامه كثر كذبه ". وقال بعضهم: " يهلك الناس ~~في خصلتين: فضول المال، وفضول الكلام ms393 ". # فصل حد التكلم بما لا يعني التكلم بما لا يعني وبالفضول لا تنحصر أنواعه ~~وأقسامه، لعدم تناهيها وإنما حده أن تتكلم بما لو سكت عنه لم تأثم، ولم ~~تتضرر في شئ مما يتعلق بك، ولم يعطل شئ من أمورك. مثاله: أن تحكي مع قوم ~~أسفارك، وما رأيت فيها من جبال وأنهار، وما وقع لك من الوقايع، وما ~~استحسنته من الأطعمة والثياب، وما تعجبت منه من مشايخ البلاد ووقائعهم. ~~فهذه أمور لو سكت عنها لم تأثم ولم تتضرر، ولا يتصور فيها فائدة دينية ولا ~~دنيوية لأحد، فإذا بالغت في الاجتهاد حتى لا تمتزج بحكايتك زيادة ونقصان، ~~ولا تزكية نفس من حيث التفاخر بمشاهدة الأحوال العظيمة، ولا اغتياب شخص ولا ~~مذمة شئ مما خلقه الله، فإنك مع ذلك كله مضيع وقتك. # ثم كما إن التكلم بما لا يعنيك مذموم، كذلك سؤالك غيرك عما لا يعنيك ~~مذموم، بل هو أشد ذما، لأنك بالسؤال مضيع وقتك، وقد ألجأت أيضا صاحبك ~~بالجواب إلى تضييع وقته. وهذا إذا كان الشئ مما لا يتطرق # PageV02P143 # إلى السؤال عنه آفة، ولو كان في جوابه آفة - كما هو الشأن في أكثر ~~الأسئلة عما لا يعنيك - كنت آثما عاصيا. مثلا: لو سألت غيرك عن عبادته، ~~فتقول: هل أنت صائم؟ فإن قال: نعم، كان مظهرا عبادته، فيدخل عليه الرياء، ~~وإن لم يدخل الرياء سقطت عبادته - على الأقل - من دون عبادة السر، وعبادة ~~السر تفضل عبادة الجهر بدرجات، وإن قال: لا، كان كاذبا، وإن سكت، كان ~~مستحقرا إياك وتأذيت به، وإن احتال لمدافعة الجواب افتقر إلى تعب وجهد فيه. ~~فقد عرضته بالسؤال إما للرياء والكذب، أو للاستحقار، أو التعب في حيلة ~~الدفع. # وكذلك سؤالك عن كل ما يخفى ويستحيى من إظهاره، أو عما يحتمل أن يكون في ~~إظهاره مانع، كان يحدث به أحد غيرك، فتسأله وتقول: ماذا تقول؟ وفيم أنتم؟ ~~وكأن ترى إنسانا في الطريق فتقول: من أين؟ إذ ربما يمنع مانع من إظهار ~~مقصوده. ومن هذا القبيل سؤالك غيرك: لم أنت ضعيف؟ ms394 أو ما هذا الضعف أو ~~الهزال الذي حدث بك؟ أو أي مرض فيك؟ # وأمثال ذلك. وأشد من ذلك أن تخوف مريضا بشدة مرضه، وتقول: ما أشد مرضك ~~وما أسوأ حالك! فإن جميع ذل وأمثالها، مع كونها من فضول الكلام والخوض في ~~ما لا يعني، يتضمن إثما وإيذاء. وليس من مجرد التكلم بما لا يعني والفضول، ~~وإنما مجرد ما لا يعني ما لا يتصور فيه إيذاء وكسر خاطر واستحياء من ~~الجواب، كما روي: " أن لقمان دخل على داود عليه السلام وهو يسرد الدرع، ولم ~~يكن يراها قبل ذلك، فجعل يتعجب مما يرى. فأراد أن يسأله عن ذلك فمنعته ~~الحكمة، فأمسك نفسه ولم يسأله. فلما فرغ داود، قام ولبسها، وقال: نعم الدرع ~~للحرب! فقال لقمان: الصمت حكم وقليل فاعله ". وهذا وأمثاله من الأسئلة إذا ~~لم يكن فيه ضرر وهتك ستر وإيقاع في رياء أو كذب، فهو مما لا يعني، وتركه من ~~حسن الإسلام. # فصل علاج الخوض فيما لا يعني سبب الخوض في ما لا يعني وفي فضول الكلام: ~~إما الحرص على معرفة PageV02P144 # ما لا حاجة إليه، أو المباسطة بالكلام على سبيل التودد، أو تزجية الوقت ~~بحكايات أحوال لا فائدة فيها، وكل ذلك من رداءة قوة الشهوة. وعلاج ذلك من ~~حيث العلم: أن يتذكر ذمه كما مر، ومدح ضده، أعني الصمت وتركه - كما يأتي - ~~ويعلم أن الموت بين يديه، وإنه مسؤول عن كل كلمة وإن أنفاسه رأس ماله، وإن ~~لسانه شبكة يقدر على أن يقتنص بها الحور العين: فإهماله وتضييعه خسران، ومن ~~حيث العمل أن يعتزل عن الناس مهما أمكن، ويلزم نفسه السكوت عن بعض ما يعينه ~~ليتعود لسانه ترك ما لا يعنيه، وأن يقدم التأمل والتروي على كل كلام يريد ~~أن يتكلم به، فإن كان فيه فائدة دينية أو دنيوية تكلم به وإلا تركه. وكان ~~بعضهم يضع في فمه حجرا، خوفا من التكلم بالفضول وما لا يعنيه. # وصل الصمت ضد التكلم بما لا يعنيه وبالفضول تركها، إما بالصمت أو بالتكلم ~~فيما يعنيه ms395 مما يتعلق بدينه أو دنياه. وفوائد الصمت ومدحه يأتي في موضعه. # وقد وردت أخبار في المدح على خصوص ترك ما لا يعني وفضول الكلام، كقول ~~النبي (ص): " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ". وقوله (ص): " طوبى ~~لمن أمسك الفضل من لسانه، وأنفق الفضل من ماله! ". # وانظر كيف قلب الناس الأمر في ذلك، فأمسكوا فضل المال وأطلقوا فضل ~~اللسان. وروي: " أنه (ص) قال ذات يوم: إن أول من يدخل من هذا الباب رجل من ~~أهل الجنة. فلما دخل هذا الرجل، قالوا له: أخبرنا بأوثق عملك في نفسك ترجو ~~به. فقال: إني رجل ضعيف العمل، وأوثق ما أرجو الله به سلامة الصدر وترك ما ~~لا يعنيني ". وقال (ص) لأبي ذر: " ألا أعلمك بعمل خفيف على البدن ثقيل في ~~الميزان. قال: بلى يا رسول الله. # قال: هو الصمت، وحسن الخلق، وترك ما لا يعنيك ". قال ابن عباس: # " خمس هن أحسن من الدراهم المونقة: لا تتكلم فيما لا يعنيك، فإنه فضل ولا ~~آمن عليك الوزر. ولا تتكلم فيما يعنيك حتى تجد له موضعا، فإنه رب متكلم في ~~أمر يعنيه قد وضعه في غير موضعه فعنت. ولا تمار حليما ج: 2 PageV02P145 # ولا سفيها، فإن الحليم يغلبك بصمته، وإن السفيه يؤذيك بمنطقه. واذكر أخاك ~~إذا تغيب عن بما تحب أن يذكرك به، واعفه مما تحب أن يعفيك منه. # واعمل عمل رجل يرى أنه مجازى بالاحسان مأخوذ بالاحترام " (29). وقيل ~~للقمان: ما حكمتك؟ قال: " لا أسأل عما كفيت، ولا أتكلف ما لا يعنيني ". # وما ورد في فضيلة ترك الفضول وما لا يعني في أخبار الحجج عليهم السلام ~~وكلمات الأكابر من الحكماء والعرفاء أكثر من أن تحصى، وما ذكرناه كاف لأهل ~~الاستبصار. # PageV02P146 # المقام الرابع فيما يتعلق بالقوى الثلاث من العاقلة وقوتي الغضب والشهوة، ~~أو باثنتين منها من الرذائل والفضائل الحسد وذمه - الغبطة - بواعث الحسد - ~~لا تحاسد بين علماء الآخرة والعارفين - علاج الحسد - القدر الواجب في نفي ~~الحسد - النصيحة - الإيذاء والإهانة - كف الأذى - ذم الظلم - العدل - إخافة ~~المؤمن ms396 - إدخال السرور على المؤمن - ترك إعانة المسلمين - قضاء حوائج ~~المسلمين - المداهنة في الأمر بالمعروف - السعي فيه - وجوبه وشروطه - لا ~~تشترط العدالة فيه - مراتبه - ما ينبغي في الآمر والناهي - أنواع المنكرات ~~- الهجران - التآلف - قطع الرحم - صلة الرحم - المراد منه - عقوق الوالدين ~~- برهما - حق الجوار - حدود الجو أو وحقه - طلب العثرات - ستر العيوب - ~~إفشاء السر - كتمان السر - النميمة - السعاية - الافساد بين الناس - ~~الإصلاح - الشماتة - المراء - علاجه - طيب الكلام - السخرية - المزاح - ~~المذموم منه - الغيبة - لا تنحصر الغيبة باللسان - بواعثها - ذمها - ~~مسوغاتها - كفارتها - البهتان - المدح - الكذب - ذمة - مسوغاته - التورية ~~والمبالغة - شهادة الزور - علاج الكذب - الصدق ومدحه - أنواعه - اللسان أضر ~~الجوارح - الصمت - حب الجاه - ذمه - الجاه أحب من المال - لا بد للانسان من ~~جاه - دفع إشكال - الكمال الحقيقي في العلم والقدرة والجاه والمال - علاج ~~حب الجاه - الخمول - مراتب حب المدح - أسبابه - علاجه - ضد حب المدح - ~~الرياء - ذمه - أقسامه - تأثير الرياء على العبادة - السرور بالاطلاع على ~~العبادة - متعلقات الرياء - بواعثه - الرياء الجلي والخفي - كف يفسد الرياء ~~العمل - شوائب الرياء المبطلة للعمل - علاجه - الوسوسة بالرياء - الإخلاص - ~~مدحه - آفاته - النفاق. PageV02P147 # فمنها: # الحسد وهو تمني زوال نعم الله تعالى عن أخيك المسلم مما له فيه صلاح، فإن ~~لم ترد زوالها عنه ولكن تريد لنفسك مثلها فهو (غبطة) ومنافسة، فإن لم يكن ~~له فيها صلاح واردت زوالها عنه فهو (غيرة). ثم إن كان باعث حسدك مجرد الحرص ~~على وصول النعمة إلى نفسك، فهو من رداءة القوة الشهوية وإن كان باعثه محض ~~وصول المكروه إلى المحسود، فهو من رذائل القوة الغضبية، ويكون من نتائج ~~الحقد الذي من نتائج الغضب، وإن كان باعثه مركبا منهما، فهو من رداءة ~~القوتين. وضده (النصيحة)، وهي إرادة بقاء نعمة الله على أخيك المسلم مما له ~~فيه صلاح. # ولا ريب في أنه لا يمكن الحكم على القطع بكون هذه النعمة صلاحا أو فسادا. ~~فربما كانت وبالأعلى صاحبه فسادا له، مع كونها نعمة وصلاحا في بادئ النظر. ~~فالمناط في ذلك غلبة الظن، فما ظن كونه صلاحا فإرادة زواله ms397 حسد وإرادة ~~بقائه نصيحة، وما ظن كونه فاسدا فإرادة زواله غيرة. # ثم إن اشتبه عليك الصلاح والفساد، فلا ترد زوال نعمة أخيك ولا بقاءها إلا ~~مقيدا بالتفويض وشرط الصلاح، لتخلص من حكم الحسد ويحصل لك حكم النصيحة. ~~والمعيار في كونك ناصحا: أن تريد لأخيك ما تريد لنفسك، وتكره له ما تكره ~~لنفسك. وفي كونك حاسدا: أن تريد له ما تكره لنفسك. وفي كونك حاسدا: أن تريد ~~له ما تكره لنفسك، وتكره له ما تريد لنفسك. # فصل ذم الحسد الحسد أشد الأمراض وأصعبها، وأسوأ الرذائل وأخبثها، ويؤدي ~~بصاحبه إلى عقوبة الدنيا وعذاب الآخرة، لأنه في الدنيا لا يخلو لحظة عن ~~الحزن والألم، إذ هو يتألم بكل نعمة يرى لغيره، ونعم الله تعالى غير ~~متناهية لا تنقطع عن عباده، فيدوم حزنه وتألمه. فوبال حسده يرجع إلى نفسه، ~~ولا يضر المحسود أصلا، بل يوجب ازدياد حسناته ورفع درجاته من حيث ~~PageV02P148 # إنه يعيبه، ويقول فيه ما لا يجوز في الشريعة، فيكون ظالما عليه، فيحمل ~~بعضا من أوزاره وعصيانه، وتنقل صالحات أعماله إلى ديوانه، فحسده لا يؤثر ~~فيه إلا خيرا ونفعا، ومع ذلك يكون في مقام التعاند والتضاد مع رب الأرباب ~~وخالق العباد، إذ هو الذي أفاض النعم والخيرات على البرايا كما شاء وأراد ~~بمقتضى حكمته ومصلحته، فحكمته الحقة الكاملة أوجبت بقاء هذه النعمة على هذا ~~العبد، والحاسد المسكين يريد زوالها، وهل هو إلا سخط قضاء الله في تفضيل ~~بعض عباده على بعض، وتمنى انقطاع فيوضات الله التي صدرت عنه بحسب حكمته ~~وإرادة خلاف ما أراد الله على مقتضى مصلحته؟! بل هو يريد نقصه سبحانه، وعدم ~~اتصافه بصفاته الكمالية. # إذ إفاضة النعم منه سبحانه في أوقاتها اللائقة على محالها المستعدة من ~~صفاته الكمالية التي عدمها نقص عليه تعالى، وإلا لم يصدر عنه، وهو يريد ~~ثبوت هذا النقص، ثم لتمنيه زوال النعم الإلهية التي هي الوجودات ورجوع ~~الشرور إلى الإعدام يكون طالبا للشر ومحبا له. وقد صرح الحكماء بأن من رضي ~~بالشر، ولو بوصوله إلى العدو، ms398 فهو شرير. فالحسد أشد الرذائل، والحاسد شر ~~الناس. وأي معصية أشد من كراهة، راحة مسلم من غير أن يكون له فيها مضرة؟ ~~ولذا ورد به الذم الشديد في الآيات والأخبار، قال الله سبحانه في معرض ~~الإنكار: # " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله " (1). وقال: " ود كثير من ~~أهل الكتاب أن يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم " (2). ~~وقال: " إن تمسكم حسنة تسؤوهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها " (3). # وقال رسول الله (ص): " الحسد يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب ". وقال ~~(ص): " قال الله عز وجل لموسى بن عمران: يا بن عمران لا تحسدن الناس على ما ~~آتيتهم من فضلي، ولا تمدن عينيك إلى ذلك، # PageV02P149 # ولا تتبعه نفسك، فإن الحاسد ساخط لنعمي، صاد لقسمي الذي قسمت بين عبادي. ~~ومن يك كذلك، فلست منه وليس مني ". وقال (ص): " لا تحاسدوا ولا تقاطعوا ولا ~~تدابروا ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله أخوانا ". # وقال (ص): " دب إليكم داء الأمم من قبلكم: الحسد والبغضاء، والبغضة هي ~~الحالقة، لا أقول حالقة الشعر، ولكن حالقة الشعر. والذي نفس محمد بيده! لا ~~تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا. ألا أنبئكم بما يثبت ذلك ~~لكم؟ أفشوا السلام بينكم! ". وقال (ص): " كاد الفقر أن يكون كفرا، وكاد ~~الحسد أن يغلب القدر ". وقال (ص): " سيصيب أمتي داء الأمم. قالوا: وما داء ~~الأمم؟ قال: الأشر، والبطر، والتكاثر، والتنافس في الدنيا، والتباعد ~~والتحاسد، حتى يكون البغي ثم الهرج ". # وقال (ص): " أخوف ما أخاف على أمتي أن يكثر فيهم المال فيتحاسدون ~~ويقتتلون ". وقال (ص): " إن لنعم الله أعداء. فقيل: ومن هم؟ قال: # الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ". وورد في بعض الأحاديث ~~القدسية: " إن الحاسد عدو لنعمتي، متسخط لقضائي، غير راض بقسمتي التي قسمت ~~بين عبادي ". وقال الإمام أبو جعفر الباقر عليهما السلام: # " إن الرجل ليأتي بأدنى بادرة فيكفر (4) وأن الحسد ليأكل الإيمان كما ~~تأكل النار الحطب ". وقال أبو عبد الله (ع): " آفة الدين: الحسد والعجب ~~والفخر ms399 ". وقال (ع): " إن المؤمن يغبط ولا يحسد، والمنافق يحسد ولا يغبط " ~~(5). وقال: " الحاسد مضر بنفسه قبل أن يضر بالمحسود، كإبليس أورث بحسده ~~لنفسه اللعنة، ولآدم الاجتباء والهدى والرفع إلى محل حقائق العهد ~~والاصطفاء. فكن محسودا ولا تكن حاسدا فإن ميزان الحاسد أبدا خفيف بثقل ~~ميزان المحسود، والرزق مقسوم، # PageV02P150 # فماذا ينفع الحسد الحاسد، وماذا يضر المحسود الحسد. والحسد أصله من عمى ~~القلب والجحود بفضل الله تعالى، وهما جناحان للكفر، وبالحسد وقع ابن آدم في ~~حسرة الأبد، وهلك مهلكا لا ينجو منه أبدا، ولا توبة للحاسد، لأنه مصر عليه ~~معتقد به مطبوع فيه، يبدوا بلا معارض به ولا سبب، والطبع لا يتغير عن ~~الأصل، وإن عولج " (6). وقال بعض الحكماء: # " الحسد جرح لا يبرأ ". وقال بعض العقلاء: " ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم ~~من حاسد، إنه يرى النعمة عليك نقمة عليه ". وقال بعض الأكابر: # " الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمة وذلا، ولا من الملائكة إلا لعنة ~~وبغضا، ولا ينال من الخلق إلا جزعا وغما، ولا ينال عند النزع إلا شدة ~~وهولا، ولا ينال عند الموقف إلا فضيحة ونكالا ". والأخبار والآثار في ذم ~~الحسد أكثر من أن تحصى، وما ذكرناه يكفي لطالب الحق. ثم ينبغي أن يعلم أنه ~~إذا أصاب النعمة كافر أو فاجر وهو يستعين بها على تهيج الفتنة وإيذاء الخلق ~~وإفساد ذات البين، فلا مانع من كراهتها عليه وحب زوالها منه، من حيث إنها ~~آلة للفساد لا من حيث إنها نعمة. # فصل المنافسة والغبطة قد علمت أن المنافسة هي تمني مثل ما للمغبوط، من ~~غير أن يريد زواله عنه، وليست مذمومة، بل هي في الواجب واجبه، وفي المندوب ~~مندوبة، وفي المباح مباحه. قال الله سبحانه: # " وفي ذلك فليتنافس المتنافسون " (7). # وعليها يحمل قول النبي (ص): " لا حسد إلا في اثنين: رجل آتاه الله مالا، ~~فسلطه على ملكه في الحق. ورجل آتاه الله علما، فهو يعمل به ويعلمه الناس ": ~~أي لا غبطة إلا في ذلك، سميت الغبطة حسدا كما يسمى الحسد منافسة، اتساعا ~~لمقارنتهما. ms400 وسبب الغبطة حب النعمة التي للمغبوط، فإن كانت أمرا دينيا ~~فسببها حب الله وحب طاعته، وإن كانت دنيوية فسببها # PageV02P151 # حب مباحات الدنيا والتنعم فيها. والأول لا كراهة فيه بوجه، بل هو مندوب ~~إليه. والثاني وإن لم يكن حراما، إلا أنه ينقص درجته في الدين، ويحجب عن ~~المقامات الرفيعة، لمنافاته الزهد والتوكل والرضا. # ثم الغبطة لو كانت مقصورة على مجرد حب الوصول إلى مثل ما للمغبوط، لكونه ~~من مقاصد الدين والدنيا، من دون حب مساواته له وكراهة نقصانه عنه، فلا حرج ~~فيه بوجه، وإن كان معه حب المساواة وكراهة التخلف والنقصان، فهنا موضع خطر. ~~إذ زوال النقصان إما بوصوله إلى نعمة المغبوط أو بزوالها عنه، فإذا انسدت ~~إحدى الطريقتين تكاد النفس لا تنفك عن شهوة الطريقة الأخرى. إذ يبعد أن ~~يكون إنسان مريدا لمساواة غيره في النعمة فيعجز عنها، ثم لا ينفك عن ميل ~~إلى زوالها، بل الأغلب ميله إليه، حتى إذا زالت النعمة عنه كان ذلك عنده ~~أشهى من بقائها عليه، إذ بزوالها يزول نقصانه وتخلفه عنه. فإن كان بحيث لو ~~ألقى الأمر إليه ورد إلى اختياره لسعى في إزالة النعمة عنه، كان حاسدا حسدا ~~مذموما. # وإن منعه مانع العقل من ذلك السعي، ولكنه وجد من طبعه الفرح والارتياح ~~بزوال النعمة عن المغبوط، من غير كراهة لذلك ومجاهدة لدفعه، فهو أيضا من ~~مذموم الحسد، وإن لم يكن في المرتبة الأولى. وإن كره ما يجد في طبعه من ~~السرور والانبساط بزوال النعمة بقوة عقله ودينه، وكان في مقام المجاهدة ~~لدفع ذلك عن نفسه، فمقتضى الرحمة الواسعة أن يعفى عنه، لأن دفع ذلك ليس في ~~وسعه وقدرته إلا بمشاق الرياضات. إذ ما من إنسان إلا ويرى من هو فوقه من ~~معارفه وأقاربه في بعض النعم الإلهية، فإذا لم يصل إلى مقام التسليم ~~والرضا، كان طالبا لمساواته له فيه، وكارها عن ظهور نقصانه عنه. فإذا لم ~~يقدر أن يصل إليه، مال طبعه بلا اختيار إلى زوال النعمة عنه، واهتز وارتاح ~~به حتى ينزل ms401 هو إلى مساواته. # وهذا وإن كان نقصا تنحط به النفس عن درجات المقربين، سواء كان من مقاصد ~~الدنيا أو الدين، إلا أنه لكراهته له بقوة عقله وتقواه، وعدم العمل ~~بمقتضاه، يعفى عنه إن شاء الله، وتكون كراهته لذلك من نفسه كفارة له. # وقد ظهر من تضاعيف ما ذكر: أن الحسد المذموم له مراتب أربع: PageV02P152 # الأولى - أن يحب زوال النعمة عن المحسود وإن لم تنتقل إليه، وهذا أخبث ~~المراتب وأشدها ذما. # الثانية - أن يحب زوالها لرغبته في عينها، كرغبته في دار حسنة معينة، أو ~~امرأة جميلة بعينها، ويحب زوالها من حيث توقف وصوله إليها عليه، لا من حيث ~~تنعم غيره بها. ويدل على تحريم هذه المرتبة وذمها قوله تعالى: # " ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض " (8). # الثالثة - ألا يشتهي عينها، بل يشتهي لنفسه مثلها، إلا أنه إن عجز عن ~~مثلها أحب زوالها عنه، كيلا يظهر التفاوت بينهما، ومع ذلك لو خلي وطبعه، ~~اجتهد وسعى في زوالها. # الرابعة - كالثالثة، إلا أنه إن اقتدر على إزالتها منعه قاهر العقل أو ~~غيره من السعي فيه، ولكنه يهتز ويرتاح به من غير كراهة من نفسه لذلك ~~الارتياح. # والغبطة لها مرتبتان: # الأولى - أن يشتهي الوصول إلى مثل ما للمغبوط، من غير ميل إلى المساواة ~~وكراهة للنقصان، فلا يجب زوالها عنه. # الثانية - أن يشتهي الوصول إليه مع ميله إلى المساواة وكراهته للنقصان، ~~بحيث لو عجز عن نيله، وجد من طبعه حبا خفيا لزوالها عنه، وارتاح من ذلك ~~إدراكا للمساواة ودفعا للنقصان، إلا أنه كان كارها من هذا الحب، ومغضبا على ~~نفسه لذلك الارتياح، وربما سميت هذه المرتبة ب‍ (الحسد المعفو عنه) وكأنه ~~المقصود من قوله (ص): " ثلاث لا ينفك المؤمن عنهن: الحسد، والظن، ~~والطيرة... ثم قال: وله منهن مخرج، إذا حسدت فلا تبغ - أي إن وجدت في قلبك ~~شيئا فلا تعمل به، وكن كارها له - وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فأمض ". # PageV02P153 # فصل بواعث الحسد بواعث الحسد سبعة: # الأول - خبث النفس وشحها بالخير لعباد الله. ms402 فإنك تجد في زوايا العالم من ~~يسر ويرتاح بابتلاء العباد بالبلايا والمحن، ويحزن من حسن حالهم وسعة عيشهم ~~فمثله إذا وصف له اضطراب أمور الناس وإدبارهم، وفوات مقاصدهم وتنغص عيشهم، ~~يجد من طبعه الخبيث فرحا وانبساطا، وإن لم يكن بينه وبينهم عداوة ولا ~~رابطة، ولم يوجب ذلك تفاوتا في حاله من وصوله إلى جاه أو مال أو غير ذلك. ~~وإذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد الله وانتظام أموره، شق ذلك عليه، وإن ~~لم يوجب ذلك نقصا في شئ مما له. فهو يبخل بنعمة الله على عباده من دون قصد ~~وغرض. # ولا تصور انتقال النعمة إليه، فيكون ناشئا عن خبث نفسه ورذالة طبعه. # ولذا يعسر علاجه، لكونه مقتضى خباثة الجبلة، وما يقتضيه الطبع والجبلة ~~تعسر إزالته، بخلاف ما يحدث من الأسباب العارضة. # الثاني - العداوة والبغضاء. وهي أشد أسبابه، إذ كل أحد - إلا أو حدى من ~~المجاهدين - إذا أصابت عدوه بلية فرح بذلك، إما لظنها مكافأة من الله ~~لأجله، أو لحبه طبعا ضعفه وهلاكه. ومهما أصابته نعمة ساءه ذلك، لأنه ضد ~~مراده، وربما تصور لأجله أنه لا منزلة له عند الله، حيث لم ينتقم من عدوه ~~وأنعم عليه، فيحزن لذلك. # الثالث - حب الرئاسة وطلب المال والجاه. فإن من غلب عليه حب التفرد ~~والثناء، واستقره الفرح بما يمدح به من أنه وحيد الدهر وفريد العصر في فنه، ~~من شجاعة أو علم أو عبادة أو صناعة أو جمال أو غير ذلك، لو سمع بنظير له في ~~أقصى العالم ساءه ذلك، وارتاح بموته أو زوال النعمة التي يشاركه فيها، ~~ليكون فائقا على الكل في فنه، ومتفردا بالمدح والثناء في صفته. # الرابع - الخوف من المقاصد. وذلك يختص بمتزاحمين على مقصود واحد، فإن كل ~~واحد، منهما يحسد صاحبه في وصوله هذا المقصود، PageV02P154 # طلبا للتفرد به كتحاسد الضرات في مقاصد الزوجية، والأخوة في نيل المنزلة ~~في قلب الأبوين توصلا إلى مالهما، والتلامذة لأستاذ واحد في نيل المنزلة في ~~قلبه، وندماء الملك وخواصه في نيل المنزلة والكرامة ms403 عنده، والوعاظ والفقهاء ~~المتزاحمين على أهل بلدة واحدة في نيل القبول والمال عندهم، إذا كان غرضهم ~~ذلك. # الخامس - التعزز: وهو أن يثقل عليه أن يترفع عليه بعض أقرانه، ويعلم أنه ~~لو أصاب بعض النعم يستكبر عليه ويستصغره، وهو لا يطيق ذلك لعزة نفسه، ~~فيحسده لو أصاب تلك النعمة تعززا لنفسه. فليس غرضه أن يتكبر، لأنه قد رضي ~~بمساواته، بل غرضه أن يدفع كبره. # السادس - التكبر: وهو أن يكون في طبعه الترفع على بعض الناس، ويتوقع منه ~~الانقياد والمتابعة في مقاصده، فإذا نال بعض النعم خاف ألا يحتمل تكبره ~~ويترفع عن خدمته، وربما أراد مساواته أو التفوق عليه، فيعود مخدوما بعد أن ~~كان خادما، فيحسده في وصول النعمة لأجل ذلك. # وقد كان حسد أكثر الكفار لرسول الله (ص) من هذا القبيل، حيث قالوا: كيف ~~يتقدم علينا غلام فقير يتيم؟ # " لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم " (9). # السابع - التعجب: وهو أن يكون المحسود في نظر الحاسد حقيرا، والنعمة ~~عظيمة، فيعجب من فوز مثله بمثلها، فيحسده ويحب زوالها عنه، ومن هذا القبيل ~~حسد الأمم لأنبيائهم، حيث قالوا: # " ما أنتم إلا بشر مثلنا " (10). " فقالوا: أنؤمن لبشرين مثلنا؟ " (11). # " ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون " (12). # فتعجبوا من فوز من هو مثلهم برتبة الوحي والرسالة، وحسدوه # PageV02P155 # بمجرد ذلك، من دون قصد تكبر أو رئاسة أو عداوة أو غيرها من أسباب الحسد. # وقد تجتمع هذه الأسباب أو أكثرها في شخص واحد، فيعظم لذلك حسده، وتقوى ~~قوة لا يقدر معها على المجاملة، فتظهر العداوة بالمكاشفة. # وربما قوي الحسد بحيث يتمنى صاحبه أن يزول عن كل أحد ما يراه له من ~~النعمة، وينتقل إليه. ومثله لا ينفك عن الجهل والحرص، إذ هو يتمنى استجماع ~~جميع النعم والخيرات الحاصلة لجميع الناس له، ولا ريب في استحالة ذلك، ولو ~~قدر إمكانه لا يمكنه الاستمتاع بها، فلو لم يكن حريصا لم يتمن ذلك أصلا، ~~ولو كان عالما لدفع هذا التمني بقوته العاقلة. # (تنبيه) بعض الأسباب المذكورة، كما يقتضي أن يتمنى ms404 زوال النعمة والسرور ~~به كذلك يقتضي تمني حدوث البلية والارتياح منه. إلا أن المعدود من الحسد هو ~~الأول والثاني معدود من العداوة. فالعداوة أعم منه، إذ هي تمني وقوع مطلق ~~الضرر بالعدو، سواء كان زوال نعمة أو حدوث بلية. والحسد تمني زوال مجرد ~~النعمة. # فصل لا تحاسد بين علماء الآخرة والعارفين الأسباب المذكورة إنما تكثر بين ~~أقوام تجمعهم روابط يجتمعون لأجلها في مجالس المخاطبات ويتواردون على ~~الأغراض، فإذا خالف بعضهم بعضا في غرض من أغراضه، أبغضه وثبت فيه الحقد، ~~فعند ذلك يريد استحقاره والتكبر عليه، ويكون في صدد مكافأته على المخالفة ~~لغرضه، ويكره تمكنه من النعمة التي توصله إلى أغراضه، فيتحقق الحسد. ولذا ~~ترى أنه لا تحاسد بين شخصين في بلدتين متباعدتين، لعدم رابطة بينهما، إلا ~~إذا تجاورا في محل واحد، وتواردا على مقاصد تظهر فيها مخالفة بينهما، فيحدث ~~منهما التباغض، وتثور منه بقية أسباب الحسد. وترى كل صنف يحسد مثله دون ~~غيره، لتواردهما على المقاصد، وتزاحمهما على صنعة واحدة. فالعالم يحسد ~~العالم دون العابد، والتاجر يحسد التاجر دون غيره إلا بسبب آخر سوى ~~الاجتماع على الحرفة، وهكذا يغم من اشتد حرصه على حب الجاه وأحب الصيت ~~والاشتهار في جميع أطراف العالم وشقاق PageV02P156 # التفرد بما هو فيه، فإنه يحسد كل من في العالم ممن يشاركه في الفن الذي ~~يتفاخر به. # ثم منشأ جميع ذلك حب الدنيا، إذ منافعها لضيقها وانحصارها تصير محل ~~التزاحم والتعارك، بحيث لا يمكن وصول منفعة منها، كمنصب أو مال، إلى أحد ~~إلا بزوالها عن الآخر. وأما الآخرة، فلا ضيق فيها، فلا تنازع بين أهلها. ~~ومثالها في الدنيا العلم، فإنه منزه عن المزاحمة، فمن يحب العلم بالله ~~وصفاته وأفعاله ومعرفة النظام الجملي من البدو إلى النهاية، لم يحسد غيره ~~إذا عرف ذلك أيضا. إذ العلم لا يضيق عن كثرة العالمين، والمعلوم الواحد ~~يعرفه ألف ألف عالم، ويفرح كل واحد منهم بمعرفته ويلتذ به، ولا ينقص ما ~~لديه بمعرفة غيره، بل يحصل بكثرة العارفين زيادة الإنس وثمرة الإفادة ms405 ~~والاستفادة. إذ معرفة الله بحر واسع لا ضيق فيه، وكل علم يزيد بالإنفاق ~~وتشريك غيره من أبناء النوع، يصير منشأ لزيادة اللذة والبهجة، وقس على ~~العلم التقرب والمنزلة عند الله وغيرهما من النعم الأخروية. فإن أجل ما عند ~~الله من النعم وأعلى مراتب المنزلة والقرب عنده تعالى لذة لقائه، ولس فيها ~~ممانعة ومزاحمة، ولا يضيق بعض أهل اللقاء على بعض، بل يزيد الأنس بكثرتهم. # وقد ظهر مما ذكر: أنه لا تحاسد بين علماء الآخرة، لأنهم يلتذون ويبتهجون ~~بكثرة المشاركين في معرفة الله وحبه وأنسه، وإنما يقع التحاسد بين علماء ~~الدنيا، وهم الذين يقصدون بعلمهم طلب المال والجاه. إذ المال أعيان وأجسام، ~~إذا وقعت في يد واحد خلت عنها أيدي الآخرين. والجاه ملك القلوب، وإذا امتلأ ~~قلب شخص بتعظيم عالم، أنصرف عن تعظيم الآخر، أو نقص عنه لا محالة، فيكون ~~ذلك سببا للتحاسد. وأما إذا امتلأ قلبه من الابتهاج بمعرفة الله، لم يمنع ~~ذلك من أن يمتلئ غيره به. فلو ملك إنسان جميع ما في الأرض، لم يبق بعده مال ~~يملكه غيره لضيقه وانحصاره. وأما العلم فلا نهاية له، ومع ذلك لو ملك إنسان ~~بعض العلوم، لم يمنع ذلك من تملك غيره له. # فظهر أن الحسد إنما هو في التوارد على مقصود مضيق عن الوفاء PageV02P157 # بالكل، فلا حسد بين العارفين ولا بين أهل العليين، لعدم ضيق ومزاحمة في ~~المعرفة ونعيم الجنة، ولذا قال الله سبحانه فيهم: # " ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين " (13). # بل الحسد من صفات المسجونين في سجن السجين. # فيا حبيبي، إن كنت مشفقا على نفسك، طالبا لعمارة رمسك، فاطلب نعمة لا ~~مزاحمة فيها، ولذة لا مكدر لها. وما هي إلا لذة معرفة الله وحبه وأنسه، ~~والانقطاع إلى جناب قدسه، وإن كنت لا تلتذ بذلك، ولا تشتاق إليه، وتنحصر ~~لذاتك بالأمور الحسية والوهمية، فاعلم أن جوهر ذاتك معيوب، وعن عالم ~~الأنوار محجوب، وعن قريب تحشر مع البهائم والشياطين وتكون مغلولا معهم في ~~أسفل السافلين. ومثلك في ms406 عدم درك هذه اللذة يختص بإدراكها رجال أصحاء. ~~فكذلك لذة المعرفة يختص بإدراكها: # " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله " (14). # ولا يشتاق غيرهم إليها، إذ الشوق بعد الذوق، فمن لم يذق لم يعرف، ومن لم ~~يعرف لم يشتق، ومن لم يشتق لم يطلب، ومن لم يطلب لم يدرك ومن لم يدرك كان ~~مطرودا عن العليين، ممنوعا عن مجاورة المقربين، محبوسا مع المحرومين في ~~أضيق دركات السجين: # " ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين " (15). # فصل علاج الحسد لما علم أن الحسد من الأمراض المهلكة للنفوس، فأعلم أن ~~أمراض النفوس لا تداوي إلا بالعلم والعمل. والعلم النافع لمرض الحسد أن ~~تعرف أنه يضرك في الدين والدنيا، ولا يضر محسودك فيهما، بل ينتفع به فيهما، ~~ومهما عرفت ذلك عن بصيرة وتحقيق، ولم تكن عدو نفسك لا صديق # PageV02P158 # عدوك، فارقت الحسد. # وأما أنه يضر بدينك ويؤدي بك إلى عذاب الأبد وعقاب السرمد، فلما علمت من ~~الآيات والأخبار الواردة في ذمه وعقوبة صاحبه، ولما عرفت من كون الحاسد ~~ساخطا لقضاء الله تعالى، وكارها لنعمه التي قسمها لعباده ومنكرا لعدله الذي ~~أجراه في ملكه. ومثل هذا السخط والانكار، لا يجابه الضدية والعناد لخالق ~~العباد، كاد أن يزيل أصل التوحيد والإيمان، فضلا عن الإضرار بهما. على أن ~~الحسد يوجب الغش والعداوة بالمؤمن، وترك نصيحته وموالاته وتعظيمه ومراعاته ~~ومفارقة أنبياء الله وأوليائه في حبهم الخير والنعمة له، ومشاركة الشيطان ~~وأحزابه في فرحهم بوقوع المصائب والبلايا عليه، وزوال النعم عنه وهذه خبائث ~~في النفس، تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. # وأما إنه يضرك في الدنيا، لأنك تتألم وتتعذب به، ولا تزال في تعب وغم وكد ~~وهم، إذ نعم الله لا تنقطع عن عباده ولا عن أعدائك، فأنت تتعذب بكل نعمة ~~تراها لهم، وتتألم بكل بلية تنصرف عنهم، فتبقى دائما مغموما محزونا، ضيق ~~النفس منشعب القلب، باختيارك تجر إلى نفسك ما تريد لأعدائك ويريد أعداؤك ~~لك. وما أعجب من العاقل أن يتعرض لسخط الله ms407 ومقته في الآجل، ودوام الضرر ~~والألم في العاجل، فيهلك دينه ودنياه من غير جدوى وفائدة. # وأما إنه لا يضر المحسود في دينه ودنياه فظاهر، لأن النعمة لا تزول عنه ~~بحسدك. إذ ما قدره الله من النعم على عباده لا بد أن يستمر إلى وقته، ولا ~~ينفع التدبير والحيلة في دفعه، لا مانع لما أعطاه ولا راد لما قضاه: # " لكل أجل كتاب ". " وكل شئ عنده بمقدار " (16). # ولو كانت النعم تزول بالحسد، لم تبق عليك وعلى كافة الخلق نعمة، لعدم ~~خلوك وخلوهم عن الحسد، بل لم تبق نعمة الإيمان على المؤمنين، إذ الكفار ~~يحسدونهم، كما قال الله سبحانه: # " ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون " ~~(17). # PageV02P159 # ولو تصورت زوال النعمة عن محسودك بحسدك، وعدم زوالها عنك بحسد حاسدك، ~~لكنت أجهل الناس وأشدهم غباوة. نعم، ربما صار حسدك منشأ لانتشار فضل ~~المحسود، كما قيل: # وإذا أراد الله نشر فضيلة * طويت، أتاح لها لسان حسود فإذا لم تزل نعمته ~~بحسدك، لم يضره في الدنيا، ولا يكون عليه إثم في الآخرة. # وأما إنه ينفعه في الدين، فذلك ظاهر من حيث كونه مظلوما من جهتك (لا) ~~سيما إذا أخرجك الحسد إلى ما لا ينبغي من القول والفعل. كالغيبة، والبهتان، ~~وهتك ستره، وإفشاء سره، والقدح فيه، وذكر مساويه. # فتحتمل بهذه الهدايا التي تهديها إلى بعضا من أوزاره وعصيانه، وتنقل شطرا ~~من حسناتك إلى ديوانه، فيلقاك يوم القيامة مفلسا محروما عن الرحمة كما كنت ~~تلقاه في الدنيا محروما عن النعمة. فأضفت له نعمة إلى نعمة. # ولنفسك نقمة إلى نقمة. # وأما إنه ينفعه في الدنيا، فهو إن أهم أغراض الناس مساءة الأعداء، وسوء ~~حالهم، وكونهم متألمين معذبين. ولا عذاب أشد مما أنت فيه من ألم الحسد. فقد ~~فعلت بنفسك ما هو غاية مراد حسادك في الدنيا. وإذا تأملت هذا، عرفت أن كل ~~حاسد عدو نفسه، وصديق عدوه. فمن تأمل في ذلك، وتذكر ما يأتي من فوائد ~~النصيحة وحب الخير والنعمة للمسلمين، ولم يكن عدو ms408 نفسه، فارق الحسد البتة. # وأما العمل النافع فيه، فهو أن يواظب على آثار النصيحة التي هي ضده، بأن ~~يصمم على أن يكلف نفسه بنقيض ما يقتضيه الحسد من قول وفعل، فإن بعثه الحسد ~~على التكبر عليه، ألزم نفسه التواضع له، وإن بعثه على غيبته والقدح فيه، ~~كلف لسانه المدح والثناء عليه، وإن بعثه على الغش والخرق بالنسبة إليه، كلف ~~نفسه بحسن البشر واللين معه، وإن بعثه على كف الأنعام عنه، ألزم نفسه ~~زيادته. ومهما فعل ذلك عن تكلف وكرره ودوام عليه، انقطعت عنه مادة الحسد ~~على التدريج. على أن المحسود إذا عرف منه ذلك طاب قلبه وأحبه، وإذا ظهر حبه ~~للحاسد زال حسده وأحبه PageV02P160 # أيضا، فتتولد بينهما الموافقة، وترتفع عنهما مادة المحاسدة، وهذا هو ~~المعالجة الكلية لمطلق مرض الحسد. والعلاج النافع لكل نوع منه، أن يقمع ~~سببه، من خبث النفس وحب الرئاسة والكبر وعزة النفس وشدة الحرص وغير ذلك مما ~~ذكر، وعلاج كل واحد من هذه الأسباب يأتي في محله. # تنبيه القدر الواجب في نفي الحسد إعلم أن مساواة حسن حال العدو وسوء ~~حاله، وعدم وجدان التفرقة بينهما في النفس، ليست مما تدخل تحت الاختيار. ~~فالتكليف به تكليف بالمحال. فالواجب في نفي الحسد وإزالته هو القدر الذي ~~يمكن دفعه، وبيان ذلك - كما أشير إليه - أن الحسد. # (1) إما يبعث صاحبه على إظهاره بقول أو فعل، بحيث يعرف حسده من آثاره ~~الاختيارية. ولا ريب في كونه مذموما محرما، وكون صاحبه عاصيا آثما، لا ~~لمجرد آثاره الظاهرة التي هي الغيبة والبهتان مثلا، إذ هي أفعال صادرة عن ~~الحسد، محلها الجوارح، وليست عين الحسد، إذ هو صفة للقلب لا صفة للفعل، ~~ومحله القلب دون الجوارح، قال سبحانه: # " ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا " (18). وقال: " ودوا لو تكفرون ~~كما كفروا فتكونون سواء " (19). وقال: " إن تمسسكم حسنة تسؤهم " (20). # فلو كان الإثم على مجرد أفعال الجوارح، لم يكن أصل الحسد الذي هو صفة ~~القلب معصية، والأمر ليس كذلك، فيكون عاصيا لنفس الحسد الذي في قلبه أيضا، ms409 ~~أعني ارتياحه بزوال النعمة مع عدم كراهة ذلك من نفسه. والإثم حقيقة على عدم ~~كراهته وعدم مقته وقهره على نفسه لهذا الارتياح الذي يجده منها، لكونه ~~اختياريا ممكن الزوال، لا على نفس الارتياح والاهتزاز، لما أشير إليه من ~~أنه طبيعي غير ممكن الدفع لكل أحد. # PageV02P161 # فهذا القسم من الحسد أشد أنواعه، لترتب معصيته على أصله، وأخرى على ما ~~يصدر من آثاره المذمومة. # (2) أو لا يبعثه على إظهاره بالآثار القولية والفعلية، بل يكف ظاهره ~~عنها، إلا أنه بباطنه يحب زوال النعمة من دون كراهة في نفسه لهذه الحالة. # ولا ريب في كونه مذموما محرما أيضا، لأنه كسابقه بعينه، ولا فرق إلا في ~~أنه لا تصدر منه الآثار الفعلية والقولية الظاهرة، فهو ليس بمظلمة بحسب ~~الاستحلال منها، بل معصية بينه وبين الله، لأن الاستحلال إنما هو من ~~الأفعال الظاهرة الصادرة من الجوارح. # (3) أو لا يبعثه على الآثار الذميمة الظاهرة، ومع ذلك يلزم قلبه كراهة ما ~~يترشح منه طبعا من حب زوال النعمة، حتى أنه يمقت نفسه ويقهرها على هذه ~~الحالة التي رسخت فيها. والظاهر عدم ترتب الإثم عليه، إذ تكون كراهته التي ~~من جهة العقل في مقابلة الميل من جهة الطبع، فقد أدى الواجب عليه. وأصل ~~الميل الطبيعي لا يدخل تحت الاختيار غالبا، إذ تغير الطبع بحيث يستوي عنده ~~المحسن والمسئ، وعدم التفرقة بين ما يصل منهما إليه من النعمة والبلية، ليس ~~شريعة لكل وارد. نعم من تنور قلبه بمعرفة ربه، وأشرقت نفسه بأضواء حبه ~~وأنسه، وصار مستغرقا بحب الله تعالى مثل السكران الواله، واستشعر بالارتباط ~~الخاص الذي بين العلة والمعلول، والاتحاد الذي بين الخالق والمخلوق، وعلم ~~أنه أقوى النسب والروابط، ثم تيقن بأن الموجودات بأسرها من رشحات وجوده، ~~والكائنات برمتها صادرة عن فيضه وجوده، وإن الأعيان الممكنة متساوية في ~~ارتضاع لبان الوجود من ثدي واحدة، والحقائق الكونية غير متفاوتة في شرب ماء ~~الرحمة والجود من مشرع الوحدة الحقيقية - فقد ينتهي أمره إلى ألا تلتفت ~~نفسه إلى تفاصيل أحوال العباد، بل ينظر ms410 إلى الكل بعين واحدة، وهي عين ~~الرحمة، ويرى الكل عباد الله وأفعاله، ويراهم مسخرين له، فلا ينظر إلى شئ ~~بعين السخط والمساءة، وإن ورد منه ما ورد من السوء والبلية، لأنه لا ينظر ~~إليه من حيث هو حتى يظهر التفاوت بل من حيث انتسابه إليه سبحانه، والكل في ~~الانتساب إليه سواء. PageV02P162 # ثم من الناس من ذهب إلى أنه لا إثم على الحسد ما لم تظهر آثاره على ~~الجوارح، وعلى هذا ينحصر الحسد المحرم في القسم الأول. واحتج على ما ذهب ~~إليه بما ذكرناه من قوله (ص): " ثلاث لا ينفك المؤمن عنهن: # الحسد... ".، وبقوله (ص): " ثلاث في المؤمن له منهن مخرج، ومخرجه من ~~الحسد ألا يبغي " والصحيح أن تحمل أمثال هذه الأخبار على القسم الثالث. وهو ~~ما يكون فيه ارتياح النفس بزوال النعمة طبعا، مع كراهة له من جهة العقل ~~والدين، حتى تكون هذه الكراهة في مقابلة حب الطبع. إذ أخبار ذم الحسد تدل ~~بظاهرها على أن كل حاسد آثم، والحسد عبارة عن صفة القلب لا عن الأفعال ~~الظاهرة. وعلى هذا المذهب، لا يكون إثم على صفة القلب، بل إنما يكون على ~~مجرد الأفعال الظاهرة على الجوارح. # فقد اتضح بما ذكر، إن الأحوال المتصورة لكل أحد بالنسبة إلى أعدائه ~~ثلاثة: الأولى: أن يحب مساءتهم، ويظهر الفرح بمساءتهم بلسانه وجوارحه أو ~~يظهر ما يؤذيهم قولا أو فعلا، وهذا محظور محرم قطعا، وصاحبه عاص آثم جزما. ~~الثانية: أن يحب مساءتهم طبعا، ولكن يكره حبه لذلك بعقله، ويمقت نفسه عليه، ~~ولو كانت له حيلة في إزالة ذلك الميل لأزاله. # وهذا معفو عنه وفاقا، وفاعله غير آثم إجماعا. الثالثة: وهي ما بين ~~الأوليين: # أن يحسد بالقلب من غير مقته لنفسه على حسده، ومن غير إنكار منه على قلبه، ~~ولكن يحفظ جوارحه عن صدور آثار الحسد عنها، وهذا محل الخلاف. وقد عرفت ما ~~هو الحق فيه. # وصل النصيحة قد عرفت أن ضد الحقد والحسد (النصيحة)، وهي إرادة بقاء نعمة ~~الله للمسلمين، وكراهة وصول الشر إليهم. وقد ms411 تطلق في الأخبار على إرشادهم ~~إلى ما فيه مصلحتهم وغبطتهم، وهو لازم للمعنى الأول. فينبغي أن نشير إلي ~~فوائدها وما ورد في مدحها، تحريكا للطالبين على المواظبة عليها ليرتفع بها ~~ضدها. # إعلم أن من أحب الخير والنعمة للمسلمين كان شريكا في الخير، بمعنى ~~PageV02P163 # إنه في الثواب كالمنعم وفاعل الخير، وقد ثبت من الأخبار، إن من لم يدرك ~~درجة الأخيار بصالحات الأعمال، ولكنه أحبهم، يكون يوم القيامة محشورا معهم، ~~كما ورد: " إن المرء يحشر مع من أحب ". وقال أعرابي لرسول الله: " الرجل ~~يحب القوم ولما يلحق بهم. فقال (ص): المرء مع من أحب ". # وقال رجل بحضرة النبي - بعد ما ذكرت الساعة -: " ما أعددت لها من كثير ~~صلاة ولا صيام، لا إني أحب الله ورسوله. فقال (ص): أنت مع من أحببت " قال ~~الراوي: فما فرح المسلمون بعد إسلامهم كفرحهم يومئذ، إذا أكثر ثقتهم كانت ~~بحب الله وبحب رسوله. وروي: " أنه قيل له (ص): # الرجل يحب المصلين ولا يصلي، ويحب الصوام ولا يصوم - حتى عد أشياء - ~~فقال: هو مع من أحب ". وبهذا المضمون وردت أخبار كثيرة. # والأخبار الواردة في مدح خصوص النصيحة وذم تركها، وفي ثواب ترك الحسد ~~وعظم فوائده، أكثر من أن تحصى. عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال ~~رسول الله (ص): إن أعظم الناس منزلة عند الله يوم القيامة أمشاهم في أرضه ~~بالنصيحة لخلقه ". وعن أبي جعفر عليه السلام قال: # " قال رسول الله (ص): لينصح الرجل منكم أخاه كنصيحته لنفسه ". # وقال الباقر عليه السلام: " يجب للمؤمن على المؤمن النصيحة ". وقال ~~الصادق عليه السلام: " يجب المؤمن على المؤمن النصيحة له في المشهد والمغيب ~~". وقال عليه السلام: " عليك بالنصح لله في خلقه، فلن تلقاه بعمل أفضل منه ~~". وبمضمونها أخبار أخر، وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: # " قال رسول الله (ص): من سعى في حاجة لأخيه فلم ينصحه، فقد خان الله ~~ورسوله ". وقال الصادق عليه السلام: " من مشى في حاجة أخيه، ثم لم يناصحه ~~فيها، كان كمن خان الله ورسوله، وكان ms412 الله خصمه " (21). # والأخبار الأخر بهذا المضمون أيضا كثيرة. # وروي: " أن رسول الله (ص) شهد لرجل من الأنصار بأنه من أهل الجنة "، وكان ~~باعثه - بعد التفتيش - خلوه عن الغش والحسد على خير # PageV02P164 # أعطى أحدا من المسلمين. وروي: " أن موسى عليه السلام لما تعجل إلى ربه، ~~رأى في ظل العرش رجلا، فغبطه بمكانه، وقال: إن هذا لكريم على ربه. فسأل ربه ~~أن يخبر باسمه، فلم يخبره باسمه، وقال: أحدثك عن عمله: كان لا يحسد الناس ~~على ما آتاهم الله من فضله، وكان لا يعق والديه ولا يمشي بالنميمة ". # وغاية النصحية، أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، قال رسول الله (ص): # " المؤمن يحب للمؤمن ما يحب لنفسه ". وقال (ص): " لا يؤمن أحدكم حتى يحب ~~لأخيه ما يحب لنفسه ". وقال (ص): " إن أحدكم مرآة أخيه، فإذا رأى به شيئا ~~فليمط عنه هذا ". # ومنها: # الإيذاء والإهانة والاحتقار ولا ريب في كون ذلك في الغالب مترتبا على ~~العداوة والحسد، وإن ترتب بعض أفرادها في بعض الأحيان على مجرد الطمع أو ~~الحرص ليكون من رداءة القوة الشهوية، أو على مجرد الغضب وسوء الخلق والكبر، ~~وإن لم يكن حقد وحسد. وعلى أي تقدير، لا شبهة في أن الإيذاء للمؤمن ~~واحتقاره محرم في الشريعة، موجب للهلاك الأبدي. قال الله سبحانه: # " والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا ~~وإثما مبينا " (22). # وقال رسول الله (ص): " من آذى مؤمنا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ~~ومن آذى الله فهو ملعون في التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ". وفي خبر ~~آخر: " فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " (23). # وقال (ص): " المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه ". وقال (ص): # " لا يحل للمسلم أن يشير إلى أخيه بنظرة تؤذيه ". وقال (ص): " ألا أنبئكم ~~بالمؤمن! من أئتمنه المؤمنون على أنفسهم وأموالهم. ألا أنبئكم بالمسلم! من ~~سلم المسلمون من لسانه ويده. والمؤمن حرام على المؤمن أن يظلمه أو يخذله أو ~~يغتابه أو يدفعه دفعة ". وقال الصادق (ع) # PageV02P165 # " قال الله عز وجل: ليأذن بحرب مني من ms413 آذى عبدي المؤمن ". وقال (ع): # " إذا كان يوم القيامة، نادى مناد: أين المؤذون لأوليائي؟ فيقوم قوم ليس ~~على وجوههم لحم، فيقال، هؤلاء الذين آذوا المؤمنين، وتصبوا لهم وعاندوهم ~~وعنفوهم في دينهم. ثم يؤمر بهم إلى جهنم ". وقال (ع): # " قال رسول الله (ص): قال الله تبارك وتعالى: من أهان لي وليا فقد أرصد ~~لمحاربتي ". وقال عليه السلام، " إن الله تبارك وتعالى يقول: من أهان لي ~~وليا فقد أرصد لمحاربتي، وأنا أسرع شئ إلى نصرة أوليائي ". # وقال عليه السلام: " قال رسول الله (ص): قال الله عز وجل: قد نابذني من ~~أذل عبدي المؤمن ". وقال عليه السلام: " من حقر مؤمنا مسكينا أو غير مسكين، ~~لم يزل الله عز وجل حاقرا له ما قتا، حتى يرجع عن محقرته إياه " (24). وفي ~~معناها أخبار كثيرة أخر. # ومن عرف النسبة التي بين العلة والمعلول، والربط الخاص الذي بين الخالق ~~والمخلوق، يعلم أن إيذاء العباد وإهانتهم يرجع في الحقيقة إلى إيذاء الله ~~وإهانته، وكفاه بذلك ذما. فيجب على كل عاقل أن يكون دائما متذكرا لذم إيذاء ~~المسلمين واحتقارهم، ولمدح ضدهما، من رفع الأذية عنهم وإكرامهم - كما يأتي ~~-، ويحافظ نفسه عن ارتكابهما، لئلا يفتضح في الدنيا ويعذب في الآخرة. # وصل كف الأذى عن المسلمين لا ريب في فضيلة أضداد ما ذكر وفوائدها، من كف ~~الأذى عن المؤمنين والمسلمين وإكرامهم وتعظيمهم. والظواهر الواردة في مدح ~~دفع الضرر وكف الأذى عن الناس كثيرة، كقول النبي (ص): " من رد عن قوم من ~~المسلمين عادية ماء أو نار وجبت له الجنة " (25). وقوله (ص): " أفضل ~~المسلمين # PageV02P166 # من سلم المسلمون من لسانه ويده ". وقوله (ص) في حديث طويل أمر فيه ~~بالفضائل: "... فإن لم تقدر فدع الناس من الشر، فإنها صدقة تصدقت بها على ~~نفسك ". وقوله (ص): " رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها عن ظهر ~~الطريق كانت تؤذي المسلمين ". وقال (ص): " من زحزح من طريق المسلمين شيئا ~~يؤذيهم، كتب الله له به حسنة أوجب له بها الجنة " (26). # وكذا الأخبار التي وردت في مدح إكرام ms414 المؤمن وتعظيمه كثيرة. قال الصادق ~~عليه السلام: " قال الله سبحانه: ليأمن غضبي من أكرم عبدي المؤمن ". وقال ~~رسول الله (ص): " من أكرم أخاه المسلم بكلمة يلطفه بها، وفرج عنه كربته، لم ~~يزل في ظل الله الممدود، عليه الرحمة ما كان في ذلك ". # وقال (ص): " ما في أمتي عبد ألطف أخاه في الله بشئ من لطف، إلا أخدمه ~~الله من خدم الجنة ". وقال (ص): " أيما مسلم خدم قوما من المسلمين إلا ~~أعطاه الله مثل عددهم خداما في الجنة ". وقال الصادق عليه السلام: # " من أخذ من وجه أخيه المؤمن قذاة، كتب الله عز وجل له عشرة حسنات ومن ~~تبسم في وجه أخيه كانت له حسنة ". وقال عليه السلام: " من قال لأخيه: ~~مرحبا، كتب الله له مرحبا إلى يوم القيامة ". وقال عليه السلام: # " من أتاه أخوه المؤمن فأكرمه، فإنما أكرم الله عز وجل ". وقال عليه ~~السلام لإسحاق بن عمار: " أحسن يا إسحاق إلى أوليائي ما استطعت، فما أحسن ~~مؤمن إلى مؤمن ولا إعانة إلا خمش وجه إبليس وقرح قلبه (27). # ثم ينبغي تخصيص بعض طبقات الناس بزيادة التعظيم والاكرام، كأهل العلم ~~والورع، لما ورد من الحث الأكيد في الأخبار على إكرامهم والاحسان إليهم، ~~وكذا ينبغي تخصيص ذي الشيبة المسلم بزيادة التوقير والتكريم، وقد ورد ذلك ~~في الأخبار الكثيرة، قال رسول الله (ص): " من عرف فضل كبير لسنه فوقره، ~~آمنه الله من فزع يوم القيامة ". وقال الصادق عليه السلام " إن من إجلال ~~الله عز وجل إجلال الشيخ الكبير ". وقال عليه السلام: # " ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ". والأخبار في هذا # PageV02P167 # المضمون كثيرة. # وكذا ينبغي تخصيص كريم القوم بزيادة الاكرام، لقول النبي (ص): # " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه " (28). # وكذا تخصيص الذرية العلوية بزيادة الاكرام والتعظيم. قال رسول الله (ص): ~~" حقت شفاعتي لمن أعان ذريتي بيده ولسانه وماله ". وقال (ص): " أربعة أنا ~~لهم شفيع يوم القيامة: المكرم لذريتي، والقاضي لهم حوائجهم، والساعي لهم في ~~أمورهم عندما اضطروا إليه، والمحب لهم بقلبه ولسانه " (29) وقال (ص): " ~~أكرموا ms415 أولادي، وحسنوا آدابي ". وقال (ص): " أكرموا أولادي الصالحون لله ~~والطالحون لي ". والأخبار في فضل السادات وثواب من يكرمهم ويعينهم أكثر من ~~أن تحصى. # وإضرار المسلم قريب من معنى إيذائه، وربما كان الإضرار أخص منه فما يدل ~~على ذمه يدل على ذمه، كقول النبي (ص): " خصلتان ليس فوقهما شئ من الشر: ~~الشرك بالله تعالى، والضر بعباد الله ". وكذا ضده، أعني إيصال النفع إليه، ~~قريب من معنى ضده وأخص منه. فما يدل على مدحه ولا ريب في أن إيصال النفع ~~إلى المؤمنين من شرائف الصفات والأفعال. # والأخبار الواردة في فضيلته كثيرة، قال رسول الله (ص): " الخلق عيال ~~الله، فأحب الخلق إلى الله من نفع عيال الله وأدخل على أهل بيته سرورا ". # وسئل (ص): " من أحب الناس إلى الله؟ قال: أنفع الناس للناس " (30). # وقال رسول الله (ص): " خصلتان من الخير ليس فوقهما شئ من البر: # الإيمان بالله، والنفع لعباد الله ". # تنبيه ذم الظلم بالمعنى الأخص إعلم أن الظلم قد يراد به ما هو ضد ~~العدالة، وهو التعدي عن الوسط في أي شئ كان، وهو جامع للرذائل بأسرها - كما ~~أشير إليه -. وهذا # PageV02P168 # هو الظلم بالمعنى الأعم، وقد يطلق عليه الجور أيضا، وقد يراد به ما يرادف ~~الإضرار والإيذاء بالغير، وهو يتناول قتله وضربه وشتمه وقذفه وغيبته وأخذ ~~ماله قهرا ونهبا وغصبا وسرقة وغير ذلك من الأقوال والأفعال المؤذية. # وهذا هو الظلم بالمعنى الأخص، وهو المراد إذا أطلق في الآيات والأخبار ~~وفي عرف الناس. وباعثه إن كانت العداوة والحسد، يكون من رذائل قوة الغضب، ~~وإن كان الحرص والطمع في المال، يكون من رذائل قوة الشهوة. وهو أعظم ~~المعاصي وأشدها عذابا باتفاق جميع الطوائف. ويدل على ذمه - بعد ما ورد في ~~ذم كل واحد من الأمور المندرجة تحته كما يأتي بعضها - ما تكرر في القرآن من ~~اللعن على الظالمين، وكفاه ذما أنه تعالى قال في مقام ذم الشرك: # " أن الشرك لظلم عظيم " (31). وقال: " إنما السبيل على الذين يظلمون ~~الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم ms416 عذاب أليم " (32). وقال: # " ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون " (33). وقال " وسيعلم الذين ~~ظلموا أي منقلب ينقلبون " (34). # وقال رسول الله (ص): " إن أهون الخلق على الله، من ولي أمر المسلمين فلم ~~يعدل لهم ". وقال (ص): " جور ساعة في حكم، أشد وأعظم عند الله من معاصي ~~تسعين سنة ". وقال (ص): " اتقوا الظلم، فإنه ظلمات يوم القيامة ". وقال ~~(ص): " من خاف القصاص، كف عن ظلم الناس ". وروي: " أنه تعالى أوحى إلى ~~داود: قل للظالمين لا تذكروني. # فإن حقا علي أن أذكر من ذكرني، وإن ذكري إياهم أن ألعنهم ". وقال علي بن ~~الحسين عليهما السلام لابنه أبي جعفر عليه السلام حين حضرته الوفاة: # " يا بني، إياك وظلم من لا يجد عليك ناصرا إلا الله ". وقال أبو جعفر # PageV02P169 # عليه السلام: " ما من أحد يظلم بمظلمة إلا أخذه الله تعالى بها في نفسه ~~أو ماله ". وقال رجل له عليه السلام: " إني كنت من الولاة، فهل لي من توبة؟ ~~فقال: لا! حتى تؤدي إلى كل ذي حق حقه ". وقال عليه السلام: # " الظلم ثلاثة: ظلم يغفره الله تعالى، وظلم لا يغفره الله تعالى، وظلم لا ~~يدعه الله. فأما الظلم الذي لا يغفره الله تعالى، وظلم لا يغفره الله ~~تعالى، وظلم لا يدعه الله. فأما الظلم الذي لا يغفره الله عز وجل فالشرك، ~~وأما الظلم الذي يغفره الله عز وجل فظلم الرجل نفسه فيما بينه وبين الله عز ~~وجل، وأما الظلم الذي لا يدعه فالمداينة بين العباد ". وقال الصادق (ع) في ~~قوله تعالى: # " إن ربك لبالمرصاد " (35): # " قنطرة على الصراط، لا يجوزها عبد بمظلمة ". وقال عليه السلام: # " ما من مظلمة أشد من مظلمة لا يجد صاحبها عليها عونا إلا الله تعالى ". # وقال: " من أكل مال أخيه ظلما، ولم يرده إليه، أكل جذوة من النار يوم ~~القيامة ". وقال عليه السلام: " إن الله عز وجل أوحى إلى نبي من أنبيائه في ~~مملكة جبار من الجبارين: أن ائت هذا الجبار، فقل له: إني لم استعملك على ~~سفك الدماء واتخاذ الأموال، وإنما استعملته ms417 لتكف عني أصوات المظلومين، فإني ~~لن أدع ظلامتهم وإن كانوا كفارا ". وقال عليه السلام: " أما إن المظلوم ~~يأخذ من دين الظالم أكثر مما يأخذ الظالم من مال المظلوم.. ثم قال: من يفعل ~~الشر بالناس فلا ينكر الشر إذا فعل به. # أما إنه يحصد ابن آدم ما يزرع. وليس يحصد أحد من المر حلوا، ولا من الحلو ~~مرا ". وقال عليه السلام: " من ظلم، سلط الله عليه من يظلمه، أو على عقبه ~~أو على عقب عقبه ". قال الراوي: " قلت: هو يظلم، فيسلط الله على عقبه أو ~~على عقب عقبه؟! قال: فإن الله تعالى يقول: # " وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله ~~وليقولوا قولا سديدا " (36). # والظاهر أن مؤاخذة الأولاد بظلم آبائهم إنما هو في الأولاد الذين # PageV02P170 # كانوا راضين بفعل آبائهم أو وصل إليهم أثر ظلمهم، أي انتقل إليهم منهم ~~بعض أموال المظلومين. وقال بعض العلماء: الوجه في ذلك، إن الدنيا دار ~~مكافأة وانتقام، وإن كان بعض ذلك مما يؤخر إلى الآخرة. وفائدة ذلك أما ~~بالنسبة إلى الظالم فإنه يردعه عن الظلم إذا سمع، وأما بالنسبة إلى المظلوم ~~فإنه يستبشر بنيل الانتقام في الدنيا مع نيله ثواب الظلم الواقع عليه في ~~الآخرة فإنه ما ظفر أحد بخير مما ظفر به المظلوم، لأنه يأخذ من دين الظالم ~~أكثر مما أخذ الظالم من ماله، كما تقدم. وهذا مما يصحح الانتقام من عقب ~~الظالم أو عقب عقبه، فإنه وإن كان في صورة الظلم، لأنه انتقام من غير أهله، ~~مع أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، إلا أنه نعمة من الله عليه في المعنى من جهة ~~ثوابه في الدارين، فإن ثواب المظلوم في الآخرة أكثر مما جرى عليه من الظلم ~~في الدنيا. # ثم إن معين الظالم، والراضي بفعله، والساعي له في قضاء حوائجه وحصول ~~مقاصده، كالظلم بعينه في الإثم والعقوبة. قال الصادق عليه السلام: # " العامل بالظلم، والمعين له، والراضي به، شركاء ثلاثتهم ". وقال (ع): # " من عذر ظالما بظلمه، سلط الله عليه من يظلمه، ms418 فإن دعا لم يستجب له، ولم ~~يأجره الله على ظلامته ". وقال رسول الله (ص): " شر الناس المثلث؟ " قيل: ~~وما المثلث؟ قال: " الذي يسعى بأخيه إلى السلطان، فيهلك نفسه، ويهلك أخاه، ~~ويهلك السلطان ". وقال (ص) " من مشى مع ظالم فقد أجرم ". وقال (ص): " إذا ~~كان يوم القيامة، نادى مناد: أين الظلمة وأعوان الظلمة ومن لاق لهم دواة أو ~~ربط لهم كيسا أو مدهم بمدة قلم؟ # فاحشروهم معهم ". # وصل العدل بالمعنى الأخص ضد الظلم بالمعنى الأخص هو العدل بالمعنى الأخص، ~~وهو الكف عنه، ورفعه، والاستقامة، وإقامة كل أحد على حقه. والعدل بهذا ~~المعنى هو المراد عند إطلاقه في الآيات والأخبار، وفضيلته أكثر من أن تحصى. # قال الله سبحانه: PageV02P171 # " إن الله يأمر بالعدل والاحسان... " (37). وقال: " إن الله يأمركم أن ~~تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " (38). # وقال رسول الله (ص): " عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة قيام ليلها وصيام ~~نهارها ". وقال الصادق عليه السلام: " من أصبح ولا يهم بظلم أحد، غفر له ما ~~اجترم ". وقال عليه السلام: " من أصبح لا ينوي ظلم أحد غفر الله تعالى له ~~ذنب ذلك اليوم، ما لم يسفك دما أو يأكل مال يتيم حراما ". وقال عليه ~~السلام: " العدل أحلى من الماء يصيبه الظمآن. ما أوسع العدل إذا عدل فيه، ~~وإن قل ". وقال عليه السلام: # " العدل أحلى من الشهد، وألين من الزبد، وأطيب ريحا من المسك ". # وقال (ع): " اتقوا الله واعدلوا، فإنكم تعيبون على قوم لا يعدلون " (39). # ومما يدل على فضيلة العدل بهذا المعنى ما ورد في ثواب رد المظالم. # قال رسول الله (ص): " درهم يرده العبد إلى الخصماء، خير له من عبادة ألف ~~سنة، وخير له من عتق ألف رقبة، وخير له من ألف حجة وعمرة ". # وقال (ص): " من رد درهما إلى الخصماء، أعتق الله رقبته من النار، وأعطاه ~~بكل دانق ثواب نبي، وبكل درهم ثواب مدينة في الجنة من درة حمراء ". وقال ~~(ص): " من رد أدنى شئ إلى الخصماء، جعل الله بينه ms419 وبين النار سترا كما بين ~~السماء والأرض، ويكون في عداد الشهداء ". # وقال (ص): " من أرضى الخصماء من نفسه، وجبت له الجنة بغير حساب ويكون في ~~الجنة رفيق إسماعيل بن إبراهيم ". وقال (ص): " إن في الجنة مدائن من نور، ~~وعلى المدائن أبواب من ذهب مكللة بالدر والياقوت، وفي جوف المدائن قباب من ~~مسك وزعفران، من نظر إلى تلك المدائن يتمنى أن تكون له مدينة منها ". ~~قالوا: يا نبي الله، من هذه المدائن؟ قال: # " للتائبين النادمين، المرضين الخصماء من أنفسهم. فإن العبد إذا رد درهما ~~إلى الخصماء، أكرمه الله كرامة سبعين شهيدا. فإن درهما يرده العبد إلى # PageV02P172 # الخصماء خير له من صيام النهار وقيام الليل، ومن رد درهما ناداه ملك من ~~تحت العرش: استأنف العمل، فقد غفر لك ما تقدم من ذنبك ". # وقال (ص): " من مات غير تائب، زفرت جهنم في وجهه ثلاث زفرات، فأولاها لا ~~تبقى دمعة إلا جرت من عينيه، والزفرة الثانية لا يبقى دم إلا خرج من ~~منخريه، والزفرة الثالثة لا يبقى قيح إلا خرج من فمه. فرحم الله من تاب، ثم ~~أرضى الخصماء، فمن فعل فأنا كفيله بالجنة ". وقال (ص): " لرد دانق من حرام ~~يعدل عند الله سبعين ألف حجة مبرورة " (40). # ومنها: # إخافة المؤمن وإدخال الكرب في قلبه. وهما شعبتان من الإيذاء والإضرار، ~~فيترتبان غالبا على العداوة والحسد، وقد يترتبان على مجرد الغضب أو سوء ~~الخلق أو الطمع، وهما من رذائل الأفعال، والأخبار الواردة في ذمهما كثيرة، ~~كقول النبي (ص): " من نظر إلى مؤمن نظرة ليخيفه بها، أخافه الله تعالى يوم ~~لا ظل إلا ظله ". وقول الصادق عليه السلام: " من روع مؤمنا بسلطان ليصيبه ~~منه مكروه فلم يصبه فهو في النار، ومن روع مؤمنا بسلطان ليصيبه منه مكروه ~~فأصابه فهو مع فرعون وآل فرعون في النار ". وقوله عليه السلام: " من أدخل ~~السرور على مؤمن فقد أدخله على رسول الله (ص) ومن أدخله على رسول الله (ص) ~~فقد وصل ذلك إلى الله، وكذلك من أدخل عليه كربا " (41). والأخبار الواردة ms420 ~~في هذا المعنى كثيرة. # وصل إدخال السرور في قلب المؤمن وضد ذلك إزالة الخوف عنه، وتفريج كربه، ~~وإدخال السرور في قلبه. # وهي من أعظم شعب النصيحة، ولأحد للثواب المترتب عليها، كما نطقت # PageV02P173 # به الأخبار. قال رسول الله (ص): " من حمى مؤمنا من ظالم، بعث الله له ~~ملكا يوم القيامة يحمي لحمه من نار جهنم ". وقال (ص): " من فرج عن مغموم أو ~~أعان مظلوما غفر الله له ثلاثا وسبعين مغفرة ". وقال (ص): # " أنصر أخاك ظالما أو مظلوما "، فقيل: كيف ينصره ظالما؟ قال: " تمنعه من ~~الظلم ". وقال الإمام أبو عبد الله الصادق عليه السلام: " من أغاث أخاه ~~المؤمن اللهفان اللهثان عند جهده، فنفس كربته وأعانه على نجاح حاجته، كتب ~~الله تعالى له بذلك اثنتين وسبعين رحمة من الله، يعجل له منها واحدة يصلح ~~بها أمر معيشته، ويدخر له إحدى وسبعين رحمة لإفزاع يوم القيامة وأهواله ". ~~وقال عليه السلام: " من نفس عن مؤمن كربة، نفس الله عنه كرب الآخرة، وخرج ~~من قبره وهو ثلج الفؤاد ". وقال الرضا عليه السلام: " من فرج عن مؤمن فرج ~~الله قلبه يوم القيامة ". وقال رسول الله (ص): " من سر مؤمنا فقد سرني، ومن ~~سرني فقد سر الله ". وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: " قال رسول الله ~~(ص): إن أحب الأعمال إلى الله عز وجل إدخال السرور على المؤمنين ". وقال ~~الباقر عليه السلام: # " تبسم الرجل في وجه أخيه حسنة، وصرفه القذى عنه حسنة، وما عبد الله بشئ ~~أحب إلى الله من إدخال السرور على المؤمن ". وقال عليه السلام " إن فيما ~~ناجى الله عز وجل به عبده موسى عليه السلام: قال: إن لي عبادا أبيحهم جنتي ~~وأحكمهم فيها، قال: يا رب، ومن هؤلاء الذين تبيحهم جنتك وتحكمهم فيها؟ قال: ~~من أدخل على مؤمن سرورا... ثم قال: # إن مؤمنا كان في مملكة جبار، فولع به، فهرب منه إلى دار الشرك، فنزل برجل ~~من أهل الشرك فأظله وأرفقه وأضافه، فلما حضره الموت، أوحى الله إليه: وعزتي ~~وجلالي! لو كان لك في ms421 جنتي مسكن لأسكنتك فيها، ولكنها محرمة على من مات بي ~~مشركا، ولكن يا نار هيديه ولا تؤذيه، ويؤتى برزقه طرفي النهار "، قلت (42): ~~من الجنة؟ قال: " من حيثما شاء الله ". # وقال عليه السلام: " لا يرى أحدكم إذا أدخل على مؤمن سرورا إنه عليه ~~أدخله فقط، بل والله علينا، بل والله على رسول الله (ص): ". عن أبان ابن ~~تغلب، قال: " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن حق المؤمن على المؤمن # PageV02P174 # فقال: حق المؤمن على المؤمن أعظم من ذلك، لو حدثتكم لكفرتم، أن المؤمن ~~إذا خرج من قبره خرج معه مثال من قبره يقول له: أبشر بالكرامة من الله ~~والسرور، فيقول له: بشرك الله بخير. قال: ثم يمضي معه يبشره بمثل ما قال، ~~وإذا مر بهول قال: ليس هذا لك، وإذا مر بخير قال: هذا لك. فلا يزال معه، ~~يؤمنه مما يخاف ويبشره بما يحب، حتى يقف معه بين يدي الله عز وجل. فإذا أمر ~~به إلى الجنة، قال له المثال: أبشر فإن الله عز وجل قد أمر بك إلى الجنة. ~~قال: فيقول: من أنت رحمك الله؟ # تبشرني من حين خرجت من قبري، وآنستني في طريقي، وخبرتني عن ربي! # قال: فيقول: أنا السرور الذي كنت تدخله على إخوانك في الدنيا، خلقت منه ~~لأبشرك وأونس وحشتك ". وروي ابن سنان، قال: " كان رجل عند أبي عبد الله ~~عليه السلام، فقرأه هذه الآية: # " والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا ~~وإثما مبينا " 43 فقال أبو عبد الله عليه السلام: فما ثواب من أدخل عليه ~~السرور؟ # فقلت: جعلت فداك! عشر حسنات. قال: أي والله وألف ألف حسنة! " (44). # ومنها: # ترك إعانة المسلمين وعدم الاهتمام بأمورهم. فإن من يعادي غيره أو يحاسده ~~يترك إعانته ولا يهتم بأموره، وربما كان ذلك من نتائج الكسالة بها، أو ضعف ~~النفس أو البخل. وبالجملة: لا ريب في كونه من رذائل الصفات، ودليلا على ضعف ~~الإيمان. وما ورد في ذمه من الأخبار كثير، قال الباقر عليه السلام: # " من بخل بمعونة ms422 أخيه المسلم والقيام له في حاجة، إلا ابتلى بالقيام ~~بمعونة من يأثم عليه ولا يؤجر ". وقال الصادق عليه السلام: " أيما رجل من ~~شيعتنا أتاه رجل من إخوانه، فاستعان به في حاجة فلم يعنه، وهو يقدر، # PageV02P175 # إلا ابتلاه الله تعالى بأن يقضي حوائج عدة من أعدائنا، يعذبه الله عليها ~~يوم القيامة ". وقال عليه السلام: " أيما مؤمن منع مؤمنا شيئا مما يحتاج ~~إليه وهو يقدر عليه من عنده أو من عند غيره، إقامة الله عز وجل يوم القيامة ~~مسودا وجهه، مزرقة عيناه، مغلولة يداه إلى عنقه، فيقال: هذا الخائن الذي ~~خان الله ورسوله، ثم يؤمر به إلى النار ". وقال عليه السلام: # " من كانت له دار، فاحتاج مؤمن إلى سكناها، فمنعه إياها، قال الله تعالى: # " ملائكتي، أبخل عبدي على عبدي بسكنى الدنيا؟ وعزتي وجلالي! لا يسكن ~~جناتي أبدا ". وقال عليه السلام لنفر عنده: " ما لكم تستخفون بنا؟ "، فقام ~~إليه إليه رجل من أهل خراسان، فقال: معاذ لوجه الله أن نستخف بك أو بشئ من ~~أمرك! فقال: " إنك أحد من استخف بي "، فقال: # معاذ لوجه الله أن استخف بك! فقال له: " ويحك! ألم تسمع فلانا، ونحن بقرب ~~الجحفة، وهو يقول لك: احملني قدر ميل، فقد والله اعييت. # والله ما رفعت به رأسا، لقد استخففت به. ومن استخف بمؤمن فبنا استخف، ~~وضيع حرمة الله عز وجل " (45). وقال عليه السلام: " من أتاه أخوه في حاجة ~~يقدر على قضائها فلم يقضها له، سلط الله عليه شجاعا ينهش إبهامه في قبره ~~إلى يوم القيامة مغفورا له أو معذبا ". وقال أبو الحسن عليه السلام: " من ~~قصد إليه رجل من إخوانه مستجيرا به في بعض أحواله، فلم يجره بعد أن يقدر ~~عليه، فقد قطع ولاية الله عز وجل ". # وقال رسول الله (ص): " من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم ". # وقال (ص): " من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم، ومن سمع رجلا ~~ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم " (46). # PageV02P176 # وصل قضاء حوائج المسلمين ضد هذه الرذيلة: قضاء حوائج المسلمين ms423 والسعي في ~~إنجاح مقاصدهم. # وهو من أعظم أفراد النصيحة، ولا حد لمثوبته عند الله. قال رسول الله (ص): ~~" من قضى لأخيه المؤمن حاجة، فكأنما عبد الله دهره " (47) وقال (ص): " من ~~مشى في حاجة أخيه ساعة من ليل أو نهار، قضاها أو لم يقضها، كان خيرا له من ~~اعتكاف شهرين ". وقال أبو جعفر عليه السلام: " أوحى الله عز وجل إلى موسى ~~عليه السلام: إن من عبادي من يتقرب إلي بالحسنة فأحكمه في الجنة، فقال ~~موسى: يا رب، وما تلك الحسنة؟ قال يمشي مع أخيه المؤمن في قضاء حاجته، قضيت ~~أم لم تقض ". وقال (ع): # " من مشى في حاجة أخيه المسلم، أظله الله بخمسة وسبعين ألف ملك، ولم يرفع ~~قدما إلا كتب الله له حسنة، وحط عنه بها سيئة، ويرفع له بها درجة، فإذا فرغ ~~من حاجته كتب الله عز وجل له بها أجر حاج ومعتمر ". # وقال (ع): " إن المؤمن لترد عليه الحاجة لأخيه فلا تكون عنده فيهتم بها ~~قلبه، فيدخله الله تبارك وتعالى بهمه الجنة ". وقال الصادق (ع): # " من قضى لأخيه المؤمن حاجة، قضى الله تعالى له يوم القيامة مائة ألف ~~حاجة، من ذلك أولها الجنة، ومن ذلك أن يدخل قرابته ومعارفه وأخوانه الجنة، ~~بعد أن لا يكونوا نصابا ". وقال (ع): " إن الله تعالى خلق خلقا من خلقه، ~~إنتجبهم لقضاء حوائج فقراء شيعتنا، ليثيبهم على ذلك الجنة. فإن استطعت أن ~~تكون منهم فكن ". وقال (ع): " قضاء حاجة المؤمن خير من عتق ألف رقبة، وخير ~~من حملان ألف فرس في سبيل الله ". وقال (ع): " لقضاء حاجة امرئ مؤمن أحب ~~إلى الله تعالى من عشرين حجة، كل حجة ينفق فيها صاحبها مائة ألف ". وقال ~~(ع): # " من طاف بالبيت طوافا واحدا كتب الله له ستة آلاف حسنة، ومحى عنه ستة ~~آلاف سيئة، ورفع له ستة آلاف درجة - وفي رواية: وقضى له ستة # PageV02P177 # آلاف حاجة - حتى إذا كان عند الملتزم، فتح له سبعة أبواب من الجنة "، قلت ~~له: جعلت فداك! هذا الفضل كله في الطواف؟ ms424 قال: " نعم! # وأخبرك بأفضل من ذلك: قضاء حاجة المؤمن المسلم أفضل من طواف وطواف ~~وطواف... حتى بلغ عشرا ". وقال (ع): " تنافسوا في المعروف لأخوانكم، وكونوا ~~من أهله، فإن للجنة بابا يقال له المعروف، لا يدخله إلا من اصطنع المعروف ~~في الحياة الدنيا، فإن العبد ليمشي في حاجة أخيه المؤمن، فيوكل الله عز وجل ~~به ملكين، واحدا عن يمينه وآخر عن شماله، يستغفران له ربه، ويدعوان بقضاء ~~حاجته "... ثم قال: " والله لرسول الله (ص) أسر بقضاء حاجة المؤمن إذا وصلت ~~إليه من صاحب الحاجة ". # وقال (ع): " ما قضى مسلم لمسلم حاجة إلا ناداه الله تعالى: علي ثوابك، ~~ولا أرضى لك بدون الجنة ". وقال (ع): " أيما مؤمن أتى أخاه في حاجة فإنما ~~ذلك رحمة من الله ساقها إليه وسببها له، فإن قضى حاجته كان قد قبل الرحمة ~~بقبولها، وإن رده عن حاجته وهو يقدر على قضائها فإنما رد عن نفسه رحمة من ~~الله عز وجل، ساقها إليه وسببها له، وذخر الله تلك الرحمة إلى يوم القيامة، ~~حتى يكون المردود عن حاجته هو الحاكم فيها، إن شاء صرفها إلى نفسه، وإن شاء ~~صرفها إلى غيره "... # ثم قال (ع) للراوي: " فإذا كان يوم القيامة، وهو الحاكم في رحمة من الله ~~تعالى قد شرعت له، فإلى من ترى يصرفها؟ "، قال: لا أظن يصرفها عن نفسه، ~~قال: " لا تظن! ولكن استيقن، فإنه لن يردها عن نفسه ". وقال (ع): " من مشى ~~في حاجة أخيه المؤمن يطلب بذلك ما عند الله حتى تقضى له، كتب الله عز وجل ~~له بذلك مثل أجر حجة وعمرة مبرورتين، وصوم شهرين من أشهر الحرم واعتكافهما ~~في المسجد الحرام، ومن مشى فيها بنية ولم تقض، كتب الله له بذلك مثل حجة ~~مبرورة. فارغبوا في الخير ". وقال (ع): لئن أمشي في حاجة أخ لي مسلم، أحب ~~إلي من أن أعتق ألف نسمة، وأحمل في سبيل الله على ألف فرس مسرجة ملجمة ". ~~وقال (ع): " من سعى في حاجة أخيه المسلم، وطلب وجه الله، كتب الله ms425 عز وجل ~~له ألف ألف حسنة، يغفر فيها لأقاربه PageV02P178 # وجيرانه وأخوانه ومعارفه، ومن صنع إليه معروفا في الدنيا، فإذا كان يوم ~~القيامة، قيل له: أدخل النار، فمن وجدته فيها صنع إليك معروفا في الدنيا ~~فأخرجه بأذن الله عز وجل، إلا أن يكون ناصبيا ". وقال أبو الحسن (ع): " إن ~~لله عبادا في الأرض يسعون في حوائج الناس، هم الآمنون يوم القيامة. ومن ~~أدخل على مؤمن سرورا، فرح الله قلبه يوم القيامة " (48). والأخبار الواردة ~~بهذه المضامين كثيرة، وما ذكرناه كاف لتحريك الطالبين على قضاء حوائج ~~المؤمنين. ومما يدل على مدحه وشرافته، ما ورد في ثواب إطعام المؤمن وسقيه ~~وكسوته، كما يأتي. # ومنها: # التهاون والمداهنة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهو ناش أما من ~~ضعف النفس وصغرها، أو من الطمع المالي ممن يسامحه، فيكون من رذائل القوة ~~الغضبية من جانب التفريط، أو من رذائل القوة الشهوية من جانب الإفراط. # وهو من المهلكات التي يعم فسادها وضرها، ويسري إلى معظم الناس أثرها ~~وشرها. كيف ولو طوى بساط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إضمحلت الديانة، ~~وتعطلت النبوة، وعمت الضرة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، وضاعت أحكام ~~الدين، واندرست آثار شريعة رب العالمين، وهلك العباد، وخرجت البلاد. ولذا ~~ترى وتسمع أن في كل عصر نهض بإقامة هذه السنة بعض المؤيدين، من غير أن ~~تأخذهم في الله لومة لائمين، من أقوياء العلماء المتكفلين لعلمها وإلقائها، ~~ومن سعداء الأمراء الساعين في إجرائها وإمضائها، رغب الناس إلى ضروب ~~الطاعات والخيرات، وفتحت عليهم بركات الأرض والسماوات. وفي كل قرن لم يقم ~~بإحيائها عالم عامل ولا سلطان عادل، إستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت ~~البلاد، واسترسل الناس في أتباع الشهوات والهوى، وانمحت أعلام الهداية ~~والتقوى. # ولذا ترى في عصرنا - لما اندرس من هذا القطب الأعظم عمله وعلمه، # PageV02P179 # وانمحت بالكلية حقيقته واسمه، وعز على بسيط الأرض دين يحرس الشريعة، ~~واستولت على القلوب مداهنة الخليقة - أن الناس في بيداء الضلالة حيارى، وفي ~~أيدي جنود الأبالسة أسارى، ولم يبق من الإسلام إلا اسمه ومن الشرع ms426 إلا ~~رسمه. # ولأجل ذلك ورد الذم الشديد في الآيات والأخبار على ترك الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر والمداهنة فيهما، قال الله سبحانه: # " لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الآثم وأكلهم السحت لبئس ما ~~كانوا يصنعون " (49). # وقال رسول الله (ص): " ما من قوم عملوا بالمعاصي، وفيهم من يقدر أن ينكر ~~عليهم فلم يفعل، إلا يوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده ". # وقال (ص): " إن الله تعالى ليبغض المؤمن الضعيف الذي لا دين له "، فقيل ~~له وما المؤمن الذي لا دين له؟ قال: " الذي لا ينهى عن المنكر ". وقيل له ~~صلى الله عليه وآله: " أتهلك القرية وفيها الصالحون؟ قال: نعم! قيل: # بم يا رسول الله؟ قال: بتهاونهم وسكوتهم عن معاصي الله ". وقال صلى الله ~~عليه وآله: " لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر، أو ليستعملن عليكم شراركم، ~~فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم " (50). وقال (ص): إن الله تعال ليسأل العبد: ~~ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكر؟ ". وقال (ص): # " إن الله لا يعذب الخاصة بذنوب العامة، حتى يظهر المنكر بين أظهرهم، وهم ~~قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه ". # وقال أمير المؤمنين (ع) في بعض خطبه: " إنما هلك من كان قبلكم، حيث عملوا ~~بالمعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار عن ذلك، وإنهم لما تمادوا في ~~المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار عن ذلك، نزلت بهم العقوبات، فأمروا ~~بالمعروف ونهوا عن المنكر... ". وقال (ع): # PageV02P180 # " من ترك إنكار المنكر بقلبه ويده ولسانه، فهو ميت بين الإحياء ". وقال ~~عليه السلام: " أمرنا رسول الله (ص) أن نلقي أهل المعاصي بوجوه مكفهرة ".. ~~وقال (ع): " إن أول ما تغلبون عليه من الجهاد الجهاد بأيديكم ثم بألسنتكم، ~~ثم بقلوبكم، فمن لم يعرف بقلبه معروفا ولم ينكر منكرا قلب، فجعل أعلاه ~~أسفله ". وقال الباقر (ع): " أوحى الله عز وجل إلى شعيب النبي (ع): إني ~~معذب من قومك مائة ألف: أربعين ألفا من شرارهم، وستين ألفا من خيارهم. فقال ~~(ع): يا رب، هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ فأوحى الله عز وجل إليه: ~~داهنوا أهل المعاصي، ولم يغضبوا ms427 لغضبي ". وقال الصادق (ع): " ما قدست أمة ~~لم يؤخذ لضعيفها من قويها بحقه غير متعتع ". وقال (ع): " ويل لقوم لا ~~يدينون الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ". وقال (ع): " إن الله ~~تعالى بعث ملكين إلى أهل مدينة ليقلبها على أهلها، فلما انتهيا إلى المدينة ~~وجدا رجلا يدعو الله ويتضرع إليه، فقال أحد الملكين لصاحبه: أما ترى هذا ~~الداعي؟ فقال: قد رأيته، ولكن أمضى ما أمر به ربي. فقال: لا، ولكن لا أحدث ~~شيئا حتى أراجع ربي. فعاد إلى الله تبارك وتعالى، فقال: يا رب إني انتهيت ~~إلى المدينة، فوجدت عبدك فلانا يدعوك ويتضرع إليك. فقال: امض ما أمرتك به، ~~فإن ذا رجل لم يتمعر وجهه غيظا لي قط ". وقال (ع) لقوم من أصحابه: حق لي أن ~~آخذ البرئ منكم بالسقيم، وكيف لا يحق لي ذلك وأنتم يبلغكم عن الرجل منكم ~~القبيح فلا تنكرون عليه، ولا تهجرونه ولا تؤذونه حتى يتركه ". وقال (ع): # " لأحملن ذنوب سفهائكم على علمائكم... إلى أن قال: ما يمنعكم إذا بلغكم ~~عن الرجل منكم ما تكرهون وما يدخل علينا به الأذى، أن تأتوه فتؤنبوه ~~وتعذلوه، وتقولوا له قولا بليغا! "، قيل له: إذن لا يقبلون منا، قال: " ~~أهجروهم واجتنبوا مجالستهم ". # وفي بعض الأخبار النبوية: " إن أمتي إذا تهاونوا في الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر فليأذنوا بحرب من الله ". وقد وردت أخبار بالمنع عن حضور ~~مجالس المنكر إذا لم يمكنه دفعه والنهي عنه، ولو حضر نزلت عليه PageV02P181 # اللعنة. وعلى هذا لا يجوز دخول بيت الظلمة والفسقة، ولا حضور المشاهد ~~التي يشاهد فيها المنكر ولا يقدر على تغييره، إذ لا يجوز مشاهدة المنكر من ~~غير حاجة، اعتذارا بأنه عاجز. ولهذا أختار جماعة من السلف العزلة، حذرا من ~~مشاهدة المنكر في الأسواق والمجامع والأعياد، مع عجزهم عن التغيير. # ثم إذا كان الأمر في المداهنة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهذه ~~المثابة، فيعلم أن الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف كيف حاله. قال رسول ~~الله (ص): " كيف بكم إذا فسدت نساؤكم وفسق ms428 شبابكم ولم تأمروا بالمعروف ولم ~~تنهوا عن المنكر؟ "، فقيل له (ص): ويكون ذلك يا رسول الله؟! قال: " نعم! ~~وشر من ذلك! كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟! "، فقيل له: يا ~~رسول الله، ويكون ذلك؟! قال: # " نعم! وشر من ذلك! كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا والمنكر معروفا؟! "، ~~وفي رواية: " وعند ذلك يبتلى الناس بفتنة، يصير الحليم فيها حيران " (51). # ومن تأمل في الأخبار والآثار، وأطلع على التواريخ والسير وقصص الأمم ~~السالفة والقرون الماضية، وما حدثت لهم من العقوبات، وضم ذلك إلى التجربة ~~والمشاهدة في عصره، من ابتلاء الناس ببعض البلايا السماوية والأرضية، يعلم ~~أن كل عقوبة سماوية وأرضية، من الطاعون والوباء، والقحط والغلاء، وحبس ~~المياه والأمطار، وتسلط الظالمين والأشرار، ووقوع القتل والغارات، وحدوث ~~الصواعق والزلازل، وأمثال ذلك، تكون مسبوقة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر بين الناس. # وصل السعي في الأمر بالمعروف ضد المداهنة في الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، هو السعي فيهما والتشمير لهما. وهو أعظم مراسم الدين، والمهم الذي ~~بعث الله لأجله # PageV02P182 # النبيين، ونصب من بعدهم الخلفاء والأوصياء، وجعل نوابهم أولي النفوس ~~القدسية من العلماء. بل هو القطب الذي تدور عليه أرحية الملل والأديان، ~~وتطرق الاختلال فيه يؤدي إلى سقوطها عن الدوران. ولهذا ورد في مدحه ~~والترغيب عليه مما لا يمكن إحصاؤه من الآيات والأخبار، قال الله سبحانه: # " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~وأولئك هم المفلحون ". وقال: " كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر " (1). وقال: " فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون ~~عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون " (2). وقال: " ~~لا خير في كثير من نجواهم، إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، ~~ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ". وقال: " يا أيها ~~الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط " (3). # والقيام بالقسط هو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # وقال رسول الله (ص): " ما أعمال البر عند الجهاد في سبيل الله ms429 إلا كنفثة ~~في بحر لجي، وما جميع أعمال البر والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر إلا كنفثة في بحر لجي ". وقال (ص): # " إياكم والجلوس على الطرقات! "، قالوا: ما لنا بد منها، إنما هي مجالسنا ~~تتحدث فيها. قال: " فإذا أبيتم إلا ذلك، فأعطوا الطريق حقه "، قالوا: وماحق ~~الطريق؟ قال: " غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي ~~عن المنكر ". وقال (ص): " ما بعث الله نبيا إلا وله حواري، فيمكث النبي بين ~~أظهرهم ما شاء الله، يعمل فيهم بكتاب الله وبأمره وسنة نبيهم، فإذا ~~انقرضوا، كان من بعدهم قوم يركبون رؤس المنابر، يقولون ما يعرفون يعلمون ما ~~ينكرون. فإذا رأيتم ذلك، فحق على كل مؤمن جهادهم بيده، فإن لم يستطع ~~فبلسانه، فإن لم يستطع # PageV02P183 # فبقلبه. وليس وراء ذلك إسلام " (4). وقال أمير المؤمنين (ع): " إن من رأى ~~عدوانا يعمل به ومنكرا يدعى إليه فأنكره بقلبه، فقد سلم وبرئ ومن أنكره ~~بلسانه فقد أجر، وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله ~~العليا وكلمة الظالمين السفلى، فذلك الذي أصاب سبيل الهدى وقام على الطريق، ~~ونور في قلبه اليقين " (5). وقال عليه السلام: # " فمنهم المنكر للمنكر بقلبه ولسانه ويده، فذلك المستكمل لخصال الخير. # ومنهم المنكر بلسانه وقلبه، التارك بيده، فذلك متمسك بخصلتين من خصال ~~الخير ومضيع خصلة. ومنهم المنكر بقلبه، والتارك بيده ولسانه، فذلك الذي ضيع ~~أشرف الخصلتين من الثلاث وتمسك بواحدة. ومنهم تارك لإنكار المنكر بلسانه ~~وقلبه ويده، فذلك ميت الأحياء. وما أعمال البر كلها والجهاد في سبيل الله ~~عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كنفثة في بحر لجي، وإن الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقربان من أجل ولا ينقصان من رزق، وأفضل من ~~ذلك كلمة عدل عند إمام جائر ". وفي خبر جابر عن الباقر (ع): " إن الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء ومنهاج الصلحاء، فريضة عظيمة، بها ~~تقام الفرائض، وتأمن المذاهب، وتحل المكاسب، وترد المظالم، وتعمر الأرض، ~~وينتصف من الأعداء، ويستقيم الأمر. فأنكروا بقلوبكم، ms430 والفظوا بألسنتكم، ~~وصكوا بها جباههم، ولا تخافوا في الله لومة لائم. فإن اتعظوا وإلى الحق ~~رجعوا فلا سبيل عليهم: # " إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك ~~لهم عذاب أليم " (6). # هنالك فجاهدوهم بأبدانكم، وأبغضوهم بقلوبكم، غير طالبين سلطانا ولا باغين ~~مالا، ولا مريدين لظلم ظفرا، حتى يفيئوا إلى أمر الله ويمضوا # PageV02P184 # على طاعته " (7). # فصل وجوب الأمر بالمعروف وشروطه مقتضى الآيات والأخبار المذكورة، وجوب ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولا خلاف فيه أيضا، إنما الخلاف في كون ~~وجوبهما كفائيا أو عينيا. والحق الأول، كما يأتي. # ثم الواجب إنما هو الأمر بالواجب والنهي عن الحرام، وأما الأمر بالمندوب ~~والنهي عن المكروه فمندوب، وإنما يجب بشروط أربعة: # الأول - العلم بكونهما معروفا ومنكرا، ليأمن من الغلط، فلا يجبان في ~~المتشابه، فمن علم بالقطع الوجوب أو الحرمة، وعدم جواز الاختلاف فيه من ~~ضرورة الدين أو المذهب أو الإجماع القطعي النظري أو الكتاب والسنة أو من ~~قول العلماء، فله أن يأمر وينهى ويحتسب به على كل أحد، ومن لم يعلمها ~~بالقطع، بل علمها بالظن الحاصل من الاجتهاد أو التقليد، وجوز الاختلاف فيه، ~~فليس له الأمر والنهي والحسبة، إلا على من كان على هذا الاعتقاد من مجتهد ~~أو مقلد، أو لزم عليه أن يكون هذا الاعتقاد وإن لم يكن عليه بالفعل للجهل، ~~كالمقلد المطلق المجتهد إذا لم يعلم بعض العقائد الاجتهادية لمجتهده، ~~فيتأتى لغيره أن يحتسب به عليه. وحاصل ما ذكر: إن القطعيات الوفاقية تتأتى ~~لكل أحد أن يحتسب بها على كل أحد بعد علمها، وغير القطعيات الجائز فيها ~~الاختلاف والمرجح أحد طرفيها الاجتهاد لا يتأتى لمجتهدها ومقلده فيها ~~الاحتساب، أي الأمر والنهي، الأعلى من كان موفقا في الاعتقاد أو يلزم أن ~~يكون موفقا. # الثاني - تجويز التأثير. فلو علم أو غلب على ظنه أنه لا يؤثر فيه، لم ~~يجب، لعدم الفائدة. # الثالث - القدرة والتمكن منه، وعدم تضمنه مفسدة. فلو ظن توجه الضرر إليه ~~أو إلى أحد من المسلمين بسببه سقط، إذ لا ضرر ms431 ولا ضرار في الدين. # PageV02P185 # الرابع - أن يكون المأمور أو المنهي مصرا على الاستمرار. فلو ظهر منها ~~أمارة الاقلاع سقط، للزوم العبث. # ثم هذه الشروط يختلف اشتراطها بسبب اختلاف درجات الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر، كما يأتي. ويدل على اشتراط الثلاثة الأول ما روي: # " إنه سئل مولانا الصادق عليه السلام: إن الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر أواجب على الأمة جميعا؟ فقال: لا. فقيل له: ولم؟ قال: إنما هو على ~~القوي المطاع، العالم بالمعروف من المنكر، لا على الضعيف الذي لا يهتدي ~~سبيلا إلى أي من أي يقول من الحق إلى الباطل. والدليل على ذلك كتاب الله عز ~~وجل، قوله: # " ولكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " ~~(8). # فهذا خاص غير عام، كما قال الله عز وجل. # " ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون " (9). # ولم يقل على أمة موسى، ولا على كل قوم، وهم يومئذ أمم مختلفة. # والأمة واحد فصاعدا، كما قال الله عز وجل: (إن إبراهيم كان أمة قانتا ~~لله) يقول مطيعا لله عز وجل. وليس على من يعلم ذلك في هذه الهدنة من حرج، ~~إذا كان لا قوة له ولا عذر ولا طاقة ". قال مسعدة: " سمعت أبا عبد الله ~~عليه السلام - وسئل عن الحديث الذي جاء عن النبي (ص): # " إن أفضل الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر " ما معناه - قال: هذا على أن ~~يأمره بعد معرفته، وهو مع ذلك يقبل منه، وإلا فلا ". وفي خبر آخر: # " إنما يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر مؤمن فيتعظ أو جاهل فيتعلم. # فأما صاحب سوط أو سيف فلا ". وفي خبر آخر: " من تعرض لسلطان جائر وإصابته ~~بلية، لم يؤجر عليها ولم يرزق الصبر عليها " (10). ومن # PageV02P186 # الشرائط أن يظهر المنكر على المحتسب من غير تجسس، فلا يجب، بل لا يجوز ~~التجسس، كفتح الباب المغلق، ووضع الأذن والأنف لاحتباس الصوت والريح، وطلب ~~إراءة ما تحت الثوب، وأمثال ذلك، لنص الكتاب والسنة. # فصل عدم اشتراط العدالة فيه لا تشترط فيه العدالة وائتمار الأمر بما ms432 يأمر ~~به وانتهاء الناهي عما ينهى عنه، لإطلاق الأدلة، ولأن الواجب على فاعل ~~الحرام المشاهد فعله من غيره أمران: تركه وإنكاره، ولا يسقط بترك أحدهما ~~وجوب الآخر، كيف ولو شرط ذلك لاقتضى عدم وجوب ذلك إلا على المعصوم، فينسد ~~باب الحسبة بالكلية. # وأما الإنكار في قوله تعالى: # " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم " (11) وقوله تعالى: " لم تقولون ما ~~لا تفعلون؟ كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون " (12). # وما في حديث الأسرى من قرض مقاريضهم بالنار، فإنما هو على عدم العمل بما ~~يأمر به ويقوله، لا على الأمر والقول. وكذلك ما روي: " إن الله تعالى أوحى ~~إلى عيسى: عظ نفسك، فإن اتعظت فعظ الناس، وإلا فاستحي مني " (13). وقس على ~~ذلك جميع ما ورد من هذا القبيل. # وما قيل إن هداية الغير فرع الاهتداء، وتقويم الغير فرع الاستقامة ففيه ~~أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تارة يكون بالوعظ وتارة بالقهر، ومن لم ~~يكن مهتديا مستقيما، تسقط عنه الحسبة بالوعظ، لعلم الناس بفسقه، فلا يتضمن ~~وعظه وكلامه فائدة، ولا يؤثر في العالم بفسقه، ولا يخرج ذلك وعظه وقوله عن ~~الجواز، كما لا تخرج حسيته القهرية عن # PageV02P187 # التأثير والفائدة أيضا. إذ الفاسق إذ منع غيره قهرا عن الزنا واللواط ~~وشرب الخمر، وأراق الخمور، وكسر آلات الملاهي، حصل التأثير والفائدة بلا ~~شبهة. والحاصل: إن أحد نوعي الاحتساب - أعني الوعظي - يتوقف تأثيره على ~~العدالة، وأما نوعه الآخر - أعني القهري - فلا يتوقف عليه مطلقا. # فإن قيل: إذا أتى رجل امرأة إكراها، وهي مستورة الوجه، فكشفت وجهها ~~باختيارها، فما أشنع وأقبح أن ينهاها الرجل في أثناء الزنا عن كشف وجهها، ~~ويقول لها: أنت مكرهة في الزنا ومختارة في كشف الوجه لغير المحرم وما أنا ~~بمحرم لك، فاستري وجهك. # قلنا: القبح والاستنكار إنما هو لأجل أنه ترك الأهم واشتغل بما هو ~~الأهون، كما إذا ترك المشتبه وأكل الحرام، أو ترك الغيبة وشهد بالزور، لا ~~لأن هذا النهي هو حرام في نفسه، أو خرج عن الوجوب إلى الإباحة أو ms433 الكراهة. ~~ولأن نهيه هذا خرج بفسقه عن التأثير والفائدة، فالاستنكار عليه وتقبيح نهيه ~~عن هذا من حيث إنه نزل نفسه مقام من يؤثر قوله، مع أنه لا يؤثر، كما تقدم ~~آنفا. # ثم ما ذكرناه من عدم اشتراط العدالة في العمل بما يأمر به وينهى عنه إنما ~~هو في آحاد الحسبة الصادرة من أفراد الرعية المطلعين على المنكر، وأما من ~~نصب نفسه لإصلاح الناس ونصحهم، وبيان الأحكام الإلهية نيابة عن رسول الله ~~(ص) والأئمة المعصومين عليهم السلام، فلا بد فيه من العدالة والتقوى والعلم ~~بالكتاب والسنة، وغير ذلك من شرائط الاجتهاد. وعلى هذا يحصل جواب آخر عن ~~الآيات والأخبار الواردة في الإنكار على الواعظ غير المتعظ بتخصيصها به دون ~~أفراد الرعية. وعليه يحمل قول الصادق (ع) في (مصباح الشريعة) (14): " من لم ~~ينسلخ عن هواجسه، ولم يتخلص من آفات نفسه وشهواتها، ولم يهزم الشيطان، ولم ~~يدخل في كنف الله وأمان عصمته، لا يصلح له الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، لأنه إذا لم يكن بهذا الصفة، فكلما أظهر أمرا كان حجة عليه، ولا ~~ينتفع الناس به. قال الله عز وجل: # PageV02P188 # " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم " (15). # ويقال له: يا خائن! أتطالب خلقي بما خنت به نفسك وأرخيت عنه عنانك! ". ~~وكذا حمل عليه قول الصادق عليه السلام (16): " صاحب الأمر بالمعروف يحتاج ~~إلى أن يكون عالما بالحلال والحرام، فارغا من خاصة نفسه مما يأمرهم به ~~وينهاهم عنه، ناصحا للخلق، رحيما لهم، رفيقا بهم داعيا لهم باللطف وحسن ~~البيان، عارفا بتفاوت أخلاقهم، لينزل كلا منزلته بصيرا بمكر النفس ومكائد ~~الشيطان، صابرا على يلحقه، لا يكافيهم بها ولا يشكو منهم ولا يستعمل الحمية ~~ولا يغتلظ لنفسه، مجردا نيته لله، مستعينا به ومبتغيا لوجهه، فإن خالفوه ~~وجفوه صبر، وإن وافقوه وقبلوا منه شكر، مفوضا أمره إلى الله، ناظرا إلى ~~عيبه ". # (تنبيه) إعلم أن المحتسب عليه - أعني من يؤمر به أو ينهى عنه - وإن اشترط ~~كونه عاقلا بالغا، إلا أن هذا الشرط إنما هو في غالب الأوامر والنواهي، ~~وبعضها لا ms434 يشترط فيه ذلك. إذ من رأى صبيا أو مجنونا يشرب الخمر، وجب عليه ~~أن يمنعه ويريق خمره. وكذا إن رأى مجنونا يزني بمجنونة أو بهيمة، فعليه أن ~~يمنعه منه، ولا يلزم منه أن يكون منع بهيمة عن إفساد زرع إنسان حسبة ونهيا ~~عن منكر، إذ لا يصدق اسم المحتسب عليه والمنهي إلا على من كان الفعل ~~الممنوع عنه في حقه منكر، وهو لا يكون إلا الإنسان دون سائر الحيوانات. # وصل مراتب الأمر بالمعروف إعلم أن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~مراتب: # الأولى - الإنكار بالقلب: بأن يبغضه على ارتكاب المعصية. وهذا مشروط بعلم ~~الناهي وإصرار المنهي، ولا يشترط بالشرطين الأخيرين. # الثانية - التعريف: بأن يعرف المرتكب للمنكر بأنه معصية، فإن بعض الناس ~~قد يرتكب بعض المعاصي لجهلهم بأنه معصية، ولو عرف كونه معصية تركه. # PageV02P189 # الثالثة - إظهار الكراهة والإعراض والمهاجرة. # الرابعة - الإنكار باللسان: بالوعظ، والنصح، والتخويف، والزجر مرتبا ~~الأيسر فالأيسر، إلى أن يصل إلى التعنيف بالقول والتغليظ في الكلام. # كقوله: يا جاهل! يا أحمق! لا تخالف ربك! وههنا شبكة عظيمة للشيطان ربما ~~يصطاد بها أكثر الوعاظ. فينبغي لكل عالم ناصح أن يراها بنور البصيرة، وهي ~~أن يحضره عند الوعظ والإرشاد، ويلقي في قلبه تعززه وشرافته بالعلم، وذلة من ~~يعظه بالجهل والخسة. فربما يقصد بالتعريف والوعظ الإذلال والتجهيل، وإظهار ~~شرف نفسه بالعلم، وهذه آفة عظيمة تتضمن كبرا ورياء. وينبغي لكل واعظ دين ~~ألا يغفل عن ذلك، ويعرف بنور بصيرته عيوب نفسه وقبح سريرته. وعلامة براءة ~~نفسه من هذه الآفة أن يكون اتعاظ ذلك العاصي بوعظ غيره أو امتناعه من ~~المعصية بنفسه أحب إليه من اتعاظه بوعظه. # الخامسة - المنع بالقهر مباشرة: ككسر آلات اللهو، وإراقة الخمر واستلاب ~~الثوب المغصوب منه ورده إلى صاحبه، وأمثال ذلك. # السادسة - التهديد والتخويف: كقوله: دع عنك هذا، وإلا ضربتك أو كسرت ~~رأسك! أو غير ذلك مما يجوز له أن يفعل لو لم ينته عن معصيته ولا يجوز أن ~~يهدده بما لا يجوز فعله، كقوله: دع هذا وإلا أضرب عنقك! # أو ms435 أضرب ولدك، أو أستبين زوجتك، وأمثال ذلك. # السابعة - مباشرة الضرب باليد والرجل وغير ذلك، من دون أن ينتهي إلى شهر ~~سلاح وجراح. # الثامنة - الجرح بشهر بعض الأسلحة. وجوزه سيدنا المرتضى - رضي الله عنه - ~~من أصحابنا وجماعة، والباقون اشترطوا إذن الإمام في ذلك. # إذ ربما لا يقدر عليه بنفسه، ويحتاج فيه إلى أعوان وأنصار يشهرون السلاح، ~~وربما يستمد الفاسق أيضا بأعوانه، فيؤدي إلى المقاتلة والمحاربة وحدوث فتنة ~~عظيمة. PageV02P190 # وصل معنى وجوبهما كفائيا إذا اجتمعت الشرائط، وكان المطلع منفردا، تعين ~~عليه، وإن كان ثمة غيره، وشرع أحدهما في الأمر والنهي، فإن ظن الآخر أن ~~لمشاركته أثرا في تعجيل ترتب الأثر ورسوخ الانزجار وجب عليه أيضا، وإلا ~~فلا. # لأن الغرض وقوع المعروف وارتفاع المنكر، فمتى حصلا بفعل واحد، كان السعي ~~من الآخر عبثا. وهذا معنى كون وجوبهما كفائيا. # فصل ما ينبغي في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ينبغي لكل من الآمر ~~بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون حسن الخلق صابرا حليما قويا في نفسه، ~~لئلا ينزعج، ولا يضطرب إذا قيل في حقه ما لا يليق به. فإن أكثر الناس أتباع ~~الهوى، فإذا نهوا عما يميلون إليه شق ذلك عليهم، فربما أطلقوا ألسنتهم في ~~حق الناهي، ويقولون فيه ما لا يليق بشأنه، وربما تجاوزوا إلى سوء الأدب ~~قولا وفعلا بالمشافهة. # وأن يكون رفيقا بالناس، فإن الوعظ بالرفق والملاءمة أوقع وأشد تأثيرا في ~~قلوب أكثر الناس. # وأن يكون قاطعا للطمع عن الناس، فإن الطامع من الناس في أموالهم أو إطلاق ~~ألسنتهم بالثناء عليه لا يقدر على الحسبة، ولذا نقل: " إن بعض المشايخ كان ~~له سنور، وكان أخذ من قصاب في جواره كل يوم شيئا من القد لسنوره، فرأى على ~~القصاب منكرا، فدخل الدار أولا، وأخرج السنور ثم جاء ووعظ القصاب وشدد عليه ~~القول، فقال القصاب: لا يأكل سنورك شيئا بعد ذلك، فقال: ما احتسبت عليك إلا ~~بعد إخراج السنور وقطع الطمع عنك! ". # تتميم أنواع المنكرات إعلم أن المنكرات إما محظورة أو مكروهة، والمألوفة ~~منها في ms436 العادات أكثر من أن تحصى. # فمنها - ما يكون غالبا في المساجد: كإساءة الصلاة، والإخلال ببعض ~~PageV02P191 # أفعالها، والتأخير عن أوقاتها، وإدخال النجاسة فيها، والتكلم فيها بأمور ~~الدنيا والبيع والشراء، ودخول الصبيان والمجانين فيها مع اشتغالهم باللهو ~~واللعب، وقراءة القرآن فيها باللحن أو الغناء، ودخول النسوان فيها مع ظن ~~تطرق الريبة، ونظر الأجانب إليهن أو نظرهن إليهم، ودخول الجنب أو الحائض ~~فيها، وتغني المؤذنين بالأذان أو غيره مما يقرؤن، وتقديمهم الأذان على ~~الوقت، ووعظ من لا ينبغي أن يتمكن من الموعظة، كمن يكذب في حديثه أو يفتي ~~بالمسائل وليس أهلا لها، أو يظهر من وعظه كونه مرائيا طالبا للجاه، وأمثال ~~ذلك. فإن كل ذلك من المنكرات، بعضها محظورة وبعضها مكروهة، ينبغي لكل مطلع ~~أن ينهى عنها. # ومنها - ما يكون غالبا في الأسواق: من الكذب في المحاولات والمعاملات ~~وإخفاء العيب، والأيمان الكاذبة، والمنازعة بالضرب والشتم والطعن واللعن ~~وأمثال ذلك، والتبخس في الكيل والميزان، والمعاملات الفاسدة بأقسامها على ~~ما هو مقرر في الفقهيات. # ومنها - ما يكون في الشوارع: كوضع الأساطين، وبناء الدكات متصلة بالأبنية ~~المملوكة، وتضيق الطرق على المارة بوضع الأطعمة والأحطاب وربط الدواب فيها، ~~وسوق الدواب فيها وعليها الأشواك والنجاسات - إذا تأذى الناس منها وأمكن ~~العدول بها إلى موضع واسع، وإن لم يمكن فلا منع إذ حاجة أهل البلد ربما تمس ~~إلى ذلك - وتحميل الدواب ما لا يطيقها من الحمل، وذبح القصاب على الطريق أو ~~على باب دكانه بحيث تلوث الطريق بالدم، وطرح الكناسة على جواد الطريق، ورش ~~الماء على الطرق بحيث يخشى منه الزلق والسقوط، وإرسال الماء من الميازيب ~~المخرجة من الحائط إلى الطرق الضيقة، وغير ذلك. وقس على ذلك منكرات ~~الحمامات، والخانات، والأسواق، ومجالس العامة، ومجامع القضاة، ومدارس ~~الفقهاء ورباطات الصوفية، ودواوين السلاطين، وغيرها. فإن أمثال ما ذكر من ~~المنكرات يجب أن ينهي عنها، فلو قام بالاحتساب والنهي عنها أحد سقط الحرج ~~على البواقي، وإلا عم الحرج أهل البلد جميعا. وأمثال ما ذكر إنما هو من ~~المنكرات اليسيرة الجزئية. PageV02P192 # وأما المنكرات ms437 العظيمة: من البدعة في الدين، والقتل، والظلم، والزنا ~~واللواط، وشرب الخمر، وأنواع الغناء، والنظر إلى غير المحارم، وأكل الحرام، ~~والصلاة في الأماكن المغصوبة، والوضوء والغسل من المياه المحرمة والتصرف في ~~أموال الأوقاف وغصبها، والمعاملة مع الظالمين، والجهل في الأصول الاعتقادية ~~والفروع الواجبة، وآفات اللسان، فلا يمكن حصرها لكثرتها، لا سيما في أمثال ~~زماننا. فلو أمكن لمؤمن دين أن يغير هذه المنكرات كلا أو بعضا بالاحتساب، ~~فليس له أن يقعد في بيته، بل يجب عليه الخروج للنهي والتعليم. بل ينبغي لكل ~~مسلم أن يبدأ بنفسه، فيصلحها بالمواظبة على الطاعات وترك المحرمات، ثم يعلم ~~ذلك أهله وأقاربه، ثم يتعدى بعد الفراغ منهم إلى جيرانه، ثم إلى أهل محلته، ~~ثم أهل بلده، ثم أهل السواد المكتنف بلده، ثم إلى غيرهم، وهكذا الأقرب ~~فالأقرب إلى أقصى العالم. فإن قام به الأدنى سقط عن الأبعد، وإلا لزم الحرج ~~على كل قادر عليه، قريبا كان أو بعيدا. ولا يسقط الحرج ما دام يبقى على وجه ~~الأرض جاهل يعرض عن فروض دينه وهو قادر على أن يسعى إليه بنفسه أو بغيره ~~فيعلمه فريضة. وهذا شغل شاغل لمن يهمه أمر دينه يشغله عن سائر المشاغل. إلا ~~أن إعراض الناس عن أمور دينهم في عصرنا لم يبلغ حدا يقبل الإصلاح، إلى أن ~~تتعلق به مشيئة الله، فينهض بعض عباده السعداء الأقوياء، فيدفع هذه الوصمة، ~~ويسد هذه الثلمة، ويتلافى هذه الفترة. # ومنها: # الهجرة والتباعد ولا ريب في كونه من نتائج العداوة والحقد، أو الحسد أو ~~البخل. # فيكون من رذائل قوة الغضب أو الشهوة. وهو من ذمائم الأفعال. قال رسول ~~الله (ص): " أيما مسلمين تهاجرا، فمكثا ثلاثا لا يصطلحان، إلا كانا خارجين ~~من الإسلام، ولم يكن بينهما ولاية. فأيهما سبق الكلام لأخيه كان السابق إلى ~~الجنة يوم الحساب ". وقال (ص): " لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث.. " ~~وقال الصادق عليه السلام: " لا يفترق رجلان على الهجران، إلا استوجب أحدهما ~~البراءة واللعنة، وربما استحق ذلك ج: 2 PageV02P193 # كلاهما "، فقال له معتب: ms438 جعلني الله فداك! هذا للظالم، فما بال المظلوم؟! # قال: " لأنه لا يدعو أخاه إلى صلته، ولا يتعامس له عن كلامه. سمعت أبي ~~عليه السلام يقول: إذا تنازع اثنان، فعاد أحدهما الآخر، فليرجع المظلوم إلى ~~صاحبه، حتى يقول لصاحبه: أي أخي، أنا الظالم، حتى يقطع الهجران بينه وبين ~~صاحبه، فإن الله تبارك وتعالى حكم عدل، يأخذ للمظلوم من الظالم ". وقال ~~عليه السلام: " لا يزال إبليس فرحا ما اهتجر المسلمان، فإذا التقيا اصطكت ~~ركبتاه وتخلعت أوصاله، ونادى: يا ويله! # ما لقي من الثبور ". وقال الباقر عليه السلام: " إن الشيطان يغري بين ~~المؤمنين ما لم يرجع أحدهم عن دينه، فإذا فعلوا ذلك استلقى على قفاه وتمدد، ~~ثم قال: فزت. فرحم الله امرأ ألف بين وليين لنا. يا معشر المؤمنين تآلفوا ~~وتعاطفوا " (17) والأخبار الواردة في ذم الهجرة والتباعد كثيرة. # فيجب على كل طلب لنجاة الآخرة أن يتأمل في أمثال هذه الأخبار، ثم يتذكر ~~ثواب ضد ذلك وفوائده، أعني التآلف والتزاور بين الأخوان بنفسه، فيحافظ نفسه ~~من حصول الانقطاع والتباعد مع إخوانه، ولو حصل ذلك كلف نفسه المبادرة إلى ~~زيارته وتألفه، حتى يغلب على الشيطان ونفسه الأمارة، ويفوز بما يرجوه ~~المتقون من عظيم الأجر وجزيل الثواب. # فصل التزاور والتآلف قد أشير إلى أن ضد التباعد والهجران هو التزاور ~~والتآلف، وهو من ثمرات النصيحة والمحبة، وثوابه أكثر من أن يحصى. عن أبي ~~جعفر - عليه السلام - قال: " قال رسول الله (ص): حدثني جبرئيل (ع): # أن الله عز وجل أهبط إلى الأرض ملكا، فأقبل ذلك الملك يمشي حتى وقع إلى ~~باب عليه رجل يستأذن على رب الدار، فقال له الملك: ما حاجتك إلى رب هذه ~~الدار؟ قال: أخ لي مسلم زرته في الله تبارك وتعالى. فقال له الملك: ما جاء ~~بك إلا ذاك؟ فقال: ما جاء بي إلا ذاك. قال: فإني # PageV02P194 # رسول الله إليك، وهو يقرئك السلام، ويقول: وجبت لك الجنة. # وقال الملك: إن الله عز وجل يقول: أيما مسلم زار مسلما فليس إياه زار، بل ~~إياي زار، ms439 وثوابه علي الجنة ". وقال أمير المؤمنين (ع): " لقاء الأخوان ~~مغنم جسيم، وإن قلوا ". # وقال أبو جعفر الباقر (ع): " إن لله عز وجل جنة لا يدخلها إلا ثلاثة: رجل ~~حكم على نفسه بالحق، ورجل زار أخاه المؤمن في الله، ورجل آثر أخاه المؤمن ~~في الله ". وقال (ع): " إن المؤمن ليخرج إلى أخيه يزوره، فيوكل الله عز وجل ~~به ملكا فيضع جناحا في الأرض وجناحا في السماء يظله، فإذا دخل إلى منزله، ~~ناداه الجبار تبارك وتعالى: أيها العبد المعظم لحقي، المتبع لآثار نبيي، حق ~~علي إعظامك، سلني أعطك، أدعني أجبك، أسكت أبتدئك. فإذا انصرف شيعه الملك ~~يظله بجناحه حتى يدخل إلى منزله، ثم يناديه تبارك وتعالى: أيها العبد ~~المعظم لحقي، حق علي إكرامك، قد أوجبت لك جنتي، وشفعتك في عبادي ". وقال ~~(ع): # " أيما مؤمن خرج إلى أخيه يزوره عارفا بحقه، كتب الله له بكل خطوة حسنة، ~~ومحيت عنه سيئة، ورفعت له درجة، فإذا طرق الباب فتحت له أبواب السماء، فإذا ~~التقيا وتصافحا وتعانقا، أقبل الله عليهما بوجهه، ثم باهى بهما الملائكة، ~~فيقول: انظروا إلى عبدي تزاورا وتحابا في، حق علي ألا أعذبهما بالنار بعد ~~ذا الموقف. فإذا انصرف شيعه ملائكة عدد نفسه وخطاه وكلامه، يحفظونه عن بلاء ~~الدنيا وبوائق الآخرة إلى مثل تلك الليلة من قابل، فإن مات فيما بينهما ~~أعفي من الحساب، وإن كان المزور يعرف من حق الزائر ما عرفه الزائر من حق ~~المزور كان له مثل أجره ". # وقال الصادق (ع): " من زار أخاه لله لا لغيره، التماس موعد الله وتنجز ما ~~عند الله، وكل الله به سبعين ألف ملك ينادونه: ألا طبت وطابت لك الجنة! ". ~~وقال (ع): " من زار أخاه في الله، قال الله عز وجل: # إياي زرت، وثوابك علي، ولست أرضى لك ثوابا دون الجنة ". وقال - عليه ~~السلام -: " من زار أخاه في الله في مرض أو صحة، لا يأتيه خداعا ولا ~~استبدالا، وكل الله به سبعين ألف ملك، ينادون في قفاه: أن PageV02P195 # طبت وطابت لك الجنة! فأنتم زوار ms440 الله، وأنتم وفد الرحمن، حتى يأتي منزله ~~"، فقال له بشير: جعلت فداك! فإن كان المكان بعيدا؟ قال: # " نعم يا بشير! وإن كان المكان مسيرة سنة، فإن الله جواد، والملائكة ~~كثير، يشيعونه حتى يرجع إلى منزله ". وقال (ع): " من زار أخاه في الله ~~تعالى ولله، جاء يوم القيامة يخطر بين قباطي من نور (18)، لا يمر بشئ إلا ~~أضاء له، حتى يقف بين يدي الله عز وجل، فيقول الله له: # مرحبا! وإذا قال مرحبا، أجزل الله عز وجل له العطية ". وقال (ع): # " لزيارة مؤمن في الله خير من عتق عشر رقاب مؤمنات، ومن أعتق رقبة مؤمنة ~~وقى بكل عضو عضوا من النار، حتى أن الفرج يقي الفرج ". # وقال (ع) لأبي خديجة: " كم بينك وبين البصرة؟ " قال: في الماء خمس إذا ~~طابت الريح، وعلى الظهر ثمان ونحو ذلك، فقال: " ما أقرب هذا، تزاوروا ~~وتعاهدوا بعضكم بعضا، فإنه لا بد يوم القيامة يأتي كل إنسان بشاهد شهد له ~~على دينه ". وقال: " إن المسلم إذا رأى أخاه، كان حياة لدينه إذا ذكر الله ~~". وقال رسول الله (ص): " مثل الأخوين إذا التقيا مثل اليدين تغسل إحداهما ~~الأخرى، ما لقي المؤمنان قط إلا أفاد الله أحدهما من صاحبه خيرا ". # والأخبار الواردة بهذه المضامين كثيرة. والسر في هذا الترغيب الشديد على ~~تزاور المؤمنين وملاقاتهم، كونه دافعا للحسد والعداوة، جالبا للتأليف ~~والمحبة. وهو أعظم ما يصلح به أمر دنياهم وعقباهم. ولذا ورد الثناء والمدح ~~في الآيات والأخبار على نفس الألفة وانقطاع الوحشة، لا سيما إذا كانت ~~الرابطة هي التقوى والدين. وورد الدم في التفرقة والتوحش، قال الله سبحانه ~~في مقام الامتنان على المؤمنين بنعمة الألفة: # " لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم " ~~(19). وقال: " فأصبحتم بنعمته إخوانا ": أي بنعمة الألفة. وقال # PageV02P196 # سبحانه: " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " (20). # وقال رسول الله (ص): " المؤمن ألف مألوف، ولا خير في من لا يألف ولا يؤلف ~~". وهذا هو السر في الترغيب على التسليم والمصافحة والمعانقة. # قال ms441 رسول الله (ص): " أولى الناس بالله وبرسوله من بدأ بالسلام ". # وقال أمير المؤمنين (ع): " لا تغضبوا ولا تقبضوا، أفشوا السلام، وأطيبوا ~~الكلام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام ". وقال الباقر - ~~عليه السلام -: " إن الله يحب إفشاء السلام ". وقال (ع): " من التواضع أن ~~تسلم على من لقيت ". وقال الصادق (ع) " تصافحوا، فإنها تذهب بالسخيمة "، ~~وقال: " مصافحة المؤمن أفضل من مصافحة الملائكة ". وقال الباقر (ع): " إن ~~المؤمنين إذا التقيا فتصافحا، أدخل الله تعالى يده بين أيديهما، وأقبل ~~بوجهه على أشدهما حبا لصاحبه. فإذا أقبل الله تعالى بوجهه عليهما، تحاتت ~~عنهما الذنوب كما تتحاتت الورق من الشجر ". وقال رسول الله (ص): " إذا لقي ~~أحدكم أخاه فليسلم وليصافحه فإن الله تعالى أكرم بذلك الملائكة، فاصنعوا ~~صنع الملائكة ". وقال الصادق - عليه السلام -: " إن المؤمنين إذا اعتنقا ~~غمرتهما الرحمة، فإذا التزما لا يريدان بذلك إلا وجه الله ولا يريدان غرضا ~~من أغراض الدنيا، قيل لهما: # مغفورا لكما فاستأنفا، فإذا أقبلا على الماء، قالت الملائكة بعضها لبعض: # تنحوا عنهما، فإن لهما سرا وقد ستر الله عليهما " (21). ومنها: # قطع الرحم وهو إيذاء ذوي اللحمة والقرابة، أو عدم مواساتهم بما ناله من ~~الرفاهية والثروة والخيرات الدنيوية، مع احتياجهم إليه. وباعثه إما العداوة ~~أو البخل والخسة، فهو من رذائل القوة الغضبية أو الشهوية، ولا ريب في كونه ~~من أعظم المهلكات المفسدة لدنيا والدين، قال الله سبحانه. # PageV02P197 # " والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ~~ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار " (22). # وقال رسول الله (ص): " أبغض الأعمال إلى الله: الشرك بالله، ثم قطيعة ~~الرحم، ثم الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف ". وقال (ص): # " لا تقطع رحمك وإن قطعتك ". وقال تعالى: " أنا الرحمن، وهذه الرحم شققت ~~لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته ". # وقال (ص): " حافتا الصراط يوم القيامة الرحم والأمانة، فإذا مر الوصول ~~للرحم المؤدي للأمانة نفذ إلى الجنة، وإذا مر الخائن للأمانة القطوع للرحم ~~لم ينفعهما معه عمل ms442 " (23) وتكفا به الصراط في النار ". وقال أمير المؤمنين ~~- عليه السلام - في خطبة: " أعوذ بالله من الذنوب التي تعجل الفناء " فقام ~~إليه عبد الله بن الكوى اليشكري، فقال: يا أمير المؤمنين، أو تكون ذنوب ~~تعجل الفناء؟ فقال: " نعم، ويلك! قطيعة الرحم. إن أهل البيت ليجتمعون ~~ويتواسون وهم فجرة فيرزقهم الله، وإن أهل البيت ليتفرقون ويقطع بعضهم بعضا ~~فيحرمهم الله وهم أتقياء ". وقال (ع): " إذا قطعوا الأرحام، جعلت الأموال ~~في أيدي الأشرار ". وقال الباقر (ع): " في كتاب علي - صلوات الله عليه -: ~~ثلاثة خصال لا يموت صاحبهن أبدا حتى يرى وبالهن: البغي، وقطيعة الرحم، ~~واليمين الكاذبة يبارز الله بها. وإن أعجل الطاعات ثوابا لصلة الرحم. وإن ~~القوم ليكونون فجارا فيتواصلون فتنمي أموالهم ويثرون. وإن اليمين الكاذبة ~~وقطيعة الرحم لتذران الديار بلاقع من أهلها. وتنقل الرحم، وإن نقل الرحم ~~انقطاع النسل ". وقال الصادق (ع): " اتقوا الحالقة (24)، فإنها تميت الرجال ~~"، قيل: وما الحالقة؟ قال: " قطيعة الرحم ". وجاء رجل إليه، فشكى أقاربه، ~~فقال له: " إكظم وافعل ": إنهم يفعلون ويفعلون، فقال: " أتريد أن # PageV02P198 # تكون مثلهم فلا ينظر الله إليكم؟ " (25). وكتب أمير المؤمنين (ع) إلى بعض ~~عماله: " مروا الأقارب أن يتزاوروا ولا يتجاوروا " (26)، وذلك لأن التجاور ~~يورث التزاحم على الحقوق، وذلك ربما يورث التحاسد والتباغض وقطيعة الرحم، ~~كما هو مشاهد في أكثر أبناء عصرنا، وليس الخبر كالمعاينة وإذا لم يتجاوروا ~~وتزاحمت (27) ديارهم، كان أقرب إلى التحابب، كما قيل بالفارسية: " دوري ~~ودوستي " (28). # وصل ضد قطيعة الرحم: صلة الرحم وهو تشريك ذوي اللحمة والقرابات بما ناله ~~من المال والجاه وسائر خيرات الدنيا، وهو أعظم القربات وأفضل الطاعات، قال ~~الله سبحانه: # " واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى ~~واليتامى... " (29). وقال: " واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله ~~كان عليكم رقيبا " (30). وقال: " الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل يوصل ~~ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب - إلى قوله - أولئك لهم عقبى الدار " (31). # وقال رسول الله (ص): " أوصي الشاهد من أمتي والغائب، ومن في أصلاب الرجال ~~وأرحام النساء، إلى ms443 يوم القيامة: أن يصل الرحم وإن كانت منه على مسيرة سنة، ~~فإن ذلك من الدين ". وقال (ص): " إن اعجل الخير ثوابا صلة الرحم " وقال: " ~~من سره النساء في الأجل، والزيادة في الرزق، فليصل رحمه ". وقال (ص): " إن ~~القوم ليكونون فجرة # PageV02P199 # ولا يكونون بررة، فيصلون أرحامهم، فتنمى أعمالهم وتطول أعمارهم، فكيف إذا ~~كانوا أبرارا بررة ". وقال (ص): " الصدقة بعشرة، والقرض بثمانية عشر، وصلة ~~الأخوان بعشرين، وصلة الرحم بأربعة وعشرين ". # وقيل له (ص): " أي الناس أفضل؟ فقال: اتقاهم لله، وأوصلهم للرحم، وآمرهم ~~بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر ". وقال (ص): " إن أهل البيت ليكونون فجارا، ~~تنمي أموالهم ويكثر عددهم إذا وصلوا أرحامهم ". وقال (ص): " أفضل الفضائل: ~~أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك ". وقال (ص): " من سره أن ~~يمد الله في عمره، وأن يبسط في رزقه، فليصل رحمه. فإن الرحم لها لسان يوم ~~القيامة ذلق، تقول: # يا رب، صل من وصلني، واقطع من قطعني. فالرجل ليرى بسبيل خير إذا أتته ~~الرحم قطعها، فتهوى به إلى أسفل قعر في النار ". # وقال أمير المؤمنين (ع): " صلوا أرحامكم ولو بالتسليم، يقول الله تعالى: ~~واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا ". # وقال الباقر (ع): " إن الرحم متعلقة يوم القيامة بالعرش، تقول: اللهم صل ~~من وصلني واقطع من قطعني ". هذا تمثيل للمعقول بالمحسوس، وإثبات لحق الرحم ~~على أبلغ وجه، وتعلقها بالعرش كناية عن مطالبة حقها بمشهد من الله. وقال ~~(ع): " صلة الأرحام تحسن الخلق، وتسمح الكف وتطيب النفس، وتزيد في الرزق، ~~وتنسئ في الأجل ". وقال: " صلة الأرحام تزكي الأعمال، وتنمي الأموال، وتدفع ~~البلوى، وتيسر الحساب وتنسئ في الأجل ". وقال الصادق (ع): " صلة الرحم ~~والبر ليهونان الحساب ويعصمان من الذنوب، فصلوا أرحامكم وبروا بأخوانكم، ~~ولو بحسن السلام ورد الجواب ". وقال (ع): " صلة الرحم تهون الحساب يوم ~~القيامة، وهي منسأة في العمر، وتقي مصارع السوء ". وقال (ع): # " صلة الرحم وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار ". وقال - ~~عليه السلام -: " ما نعلم شيئا يزيد في ms444 العمر إلا صلة الرحم، حتى أن الرجل ~~يكون أجله ثلاث سنين، فيكون وصولا للرحم، فيزيد الله في عمره ثلاثين سنة، ~~فيجعلها ثلاثا وثلاثين سنة. ويكون أجله ثلاثا وثلاثين PageV02P200 # سنة، فيكون قاطعا للرحم، فينقصه الله تعالى ثلاثين سنة، ويجعل أجله إلى ~~ثلاث سنين " (32). والأخبار الواردة في فضيلة صلة الرحم وعظم مثوباته أكثر ~~من أن تحصى، وما ذكرناه كاف لتنبيه الغافل. # المراد بالرحم الذي يحرم قطعه وتجب صلته، ولو وهب له شئ لا تنبيه المراد ~~بالرحم المراد بالرحم الذي يحرم قطعه وتجب صلته، ولو وهب له شئ لا يجوز ~~الرجوع عنه، هو مطلق القريب المعروف بالنسب، وإن بعدت النسبة وجاز النكاح. ~~والمراد بقطعه أن يؤذيه بالقول أو الفعل، أو كان له شدة احتياج إلى ما يقدر ~~عليه زيادة على قدر حاجته، من سكنى وملبوس ومأكول فيمنعه، أو أمكنه أن يدفع ~~عنه ظلم ظالم ولم يفعله، أو هاجره غيظا وحقدا من دون أن يعوده إذا مرض، أو ~~يزوره إذا قدم من سفر، وأمثال ذلك. فإن جميع ذلك وأمثالها قطع للرحم. ~~وأضدادها، من دفع الأذية ومواساته بماله، وزيارته، وإعانته باللسان واليد ~~والرجل والجاه وغير ذلك، صلة. # ثم الظاهر تحقق الواسطة بين القطع والصلة، إذ كل إحسان، ولو كان مما لا ~~يحتاج إليه قريبه وهو محتاج إليه، يسمى صلة، وعدمه لا يسمى قطعا. # ومنها: # عقوق الوالدين وهو أشد أنواع قطيعة الرحم، إذ أخص الأرحام وأمسها ما كان ~~بالولادة، فيتضاعف تأكد الحق فيهما، فهو كقطيعة الرحم، إما يكون ناشئا من ~~الحقد والغيظ، أو من البخل وحب الدنيا، فيكون من رذائل إحدى قوتي الغضب ~~والشهوة. ثم جميع ما يدل على ذم قطيعة الرحم يدل على ذم العقوق، ولكونه أشد ~~أنواع القطيعة وأفظعها، وردت في خصوص ذمه آيات وأخبار أخر كثيرة، كقوله ~~تعالى: # PageV02P201 # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر ~~أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما (33). # وقول رسول الله (ص): " كن بارا واقصر على الجنة وإن ms445 كنت عاقا فاقصر على ~~النار ". وعن أبي جعفر (ع) قال: " قال رسول الله (ص) في كلام له: إياكم ~~وعقوق الوالدين، فإن ريح الجنة توجد من مسيرة ألف عام، ولا يجدها عاق، ولا ~~قاطع رحم، ولا شيخ زان، ولا جار إزاره خيلاء. إنما الكبرياء لله رب ~~العالمين ". وقوله (ص): " من أصبح مسخطا لأبويه، أصبح له بابان مفتوحان إلى ~~النار ". وعن أبي جعفر (ع) قال: # " إن أبي (ع) نظر إلى رجل ومعه ابنه يمشي والابن متكئ على ذراع الأب، ~~قال: فما كلمه أبي مقتا له حتى فارق الدنيا ". وقال الصادق (ع): # " من نظر إلى أبويه نظر ماقت، وهما ظالمان له، لم يقبل الله له صلاة ". # وقال الصادق (ع): " إذا كان يوم القيامة، كشف غطاء من أغطية الجنة فوجد ~~ريحها من كانت له روح من مسيرة خمسمائة عام، إلا صنفا واحدا " فقيل له: من ~~هم؟ قال: " العاق لوالديه ". وقال (ع): " لو علم الله شيئا هو أدنى من أف ~~لنهى عنه، وهو من أدنى العقوق. ومن العقوق أن ينظر الرجل إلى والديه فيحد ~~النظر إليهما " (34). وسئل الكاظم (ع) عن الرجل يقول لبعض ولده: بأبي أنت ~~وأمي! أو بأبوي أنت! أترى بذلك بأسا؟ فقال: " إن كان أبواه حيين فأرى ذلك ~~عقوقا وإن كانا قد ماتا فلا بأس ". # والأخبار في ذم العقوق أكثر من أن تحصى، وورد في بعض الأخبار القدسية: " ~~بعزتي وجلالي وارتفاع مكاني! لو أن العاق لوالديه يعمل بأعمال الأنبياء ~~جميعا لم أقبلها منه " وروي أيضا: " أن أول ما كتب الله في اللوح المحفوظ: ~~إني أنا الله لا إله إلا أنا، من رضي عنه والداه فأنا منه راض، ومن سخط ~~عليه والداه فأنا عليه ساخط ". وقد ورد عن رسول # PageV02P202 # الله أنه قال: " كل المسلمين يروني يوم القيامة، إلا عاق الوالدين، وشارب ~~الخمر، ومن سمع اسمي ولم يصلي علي ". وقد ثبت من الأخبار والتجربة أن دعاء ~~الوالد على ولده لا يرد ويستجاب البتة. ودلت الأخبار على أن من لا ترضى عنه ~~أمه تشتد عليه سكرات ms446 الموت وعذاب القبر. وكفى للعقوق ذما أنه ورد في ~~الإسرائيليات: " أنه تعالى أوحى إلى موسى: أن من بر والديه وعقني كتبته ~~برا، ومن برني وعق والديه كتبته عاقا ". # وصل بر الوالدين ضد العقوق (بر الوالدين) والاحسان إليهما، وهو أفضل ~~القربات، وأشرف السعادات. ولذلك ورد ما ورد من الحث عليه، والترغيب إليه. # قال الله سبحانه: # " وأخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب أرحمهما كما ربياني صغيرا " ~~(35). وقال: " واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا " (36). # وقال رسول الله (ص): " بر الوالدين أفضل من الصلاة والصوم والحج والعمرة ~~والجهاد في سبيل الله ". وقال (ص): " من أصبح مرضيا لأبويه أصبح له بابان ~~مفتوحان إلى الجنة ". وعن أبي عبد الله (ع) لا تشرك بالله شيئا وإن حرقت ~~بالنار وعذبت إلا وقلبك مطمئن بالإيمان، ووالديك فأطعهما وبرهما حيين كانا ~~وإن أمراك، أن تخرج من أهلك ومالك فافعل، فإن ذلك من الإيمان ". وعن أبي ~~عبد الله (ع): قال: " جاء رجل وسأل النبي (ص) عن بر الوالدين. فقال: أبرر ~~أمك، أبرر أمك أبر أمك أبرر أباك أبرر أباك وبدا " بالأم قبل الأب. وعن أبي ~~عبد الله - عليه السلام - قال: " جاء رجل إلى النبي (ص)، فقال: يا رسول ~~الله، من أبر؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: # PageV02P203 # أمك. قال: ثم من؟ قال: أباك ". وأتاه رجل آخر وقال: " إني رجل شاب نشيط، ~~وأحب الجهاد، ولي والدة تكره ذلك. فقال له (ص): # أرجع فكن مع والدتك، فوالذي بعثني بالحق! لأنسها بك ليلة خير من جهاد في ~~سبيل الله سنة ". وقال أبو عبد الله (ع): " إن رسول الله (ص) أتته أخت له ~~من الرضاعة، فلما نظر إليها سربها، وبسط ملحفته لها، فأجلسها عليها، ثم ~~أقبل يحدثها ويضحك في وجهها، ثم قامت فذهبت وجاء أخوها، فلم يصنع به ما صنع ~~بها، فقيل له: يا رسول الله، صنعت بأخته ما لم تصنع به وهو رجل، فقال: ~~لأنها كانت أبر بوالديها منه ". # وقيل للصادق (ع): " أي الأعمال أفضل؟ ms447 قال: الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، ~~والجهاد في سبيل الله ". وقال له (ع) رجل: " إن أبي قد كبر جدا وضعف، فنحن ~~نحمله إذا أراد الحاجة. فقال: إن استطعت أن تلي ذلك منه فافعل، ولقمه بيدك، ~~فإنه جنة لك غدا ". وقال له (ع) رجل: " إن لي أبوين مخالفين. فقال: برهما ~~كما تبر المسلمين ممن يتولانا ". وقال رجل للرضا (ع): " أدعو لوالدي إذا ~~كانا لا يعرفان الحق؟ قال: ادع لهما وتصدق عنهما، وإن كانا حيين لا يعرفان ~~الحق فدارهما، فإن رسول الله (ص) قال: إن الله بعثني بالرحمة لا بالعقوق ". # وقد وردت أخبار أخر في الأمر بالبر والاحسان إلى الوالدين، وإن كان على ~~خلاف الحق. وقال (ع): " ما يمنع الرجل منكم أن يبر والديه حيين وميتين، ~~ويصلي عنهما، ويتصدق عنها، ويحج عنهما، ويصوم عنهما، فيكون الذي صنع لهما ~~وله مثل ذلك، فيزيده الله عز وجل ببره وصلاته خيرا كثيرا " (37). # والأخبار في ثواب بر الوالدين غير محصورة. فينبغي لكل مؤمن أن يكون شديد ~~الاهتمام في تكريمهما وتعظيمهما واحترامهما، ولا يقصر في خدمتهما، ويحسن ~~صحبتهما، وألا يتركهما حتى يسألاه شيئا مما يحتاجان # PageV02P204 # إليه، بل يبادر إلى الاعطاء قبل أن يفتقر إلى السؤال، كما ورد في ~~الأخبار، وإن أضجراه فلا يقل لهما أف، وإن ضرباه لا يعبس وجهه، وقال لهما: # غفر الله لكما، ولا يملأ عينيه من النظر إليهما إلا برحمة ورقة، ولا يرفع ~~صوته فوق صوتهما، ولا يده فوق أيديهما، ولا يتقدم قدامهما، بل مهما أمكن له ~~لا يجلس عندهما، وكلما بالغ في التذلل والتخضع كان أجره أزيد وثوابه أعظم. # وبالجملة: إطاعتهما واجبة وطلب رضاهما حتم، فليس للولد أن يرتكب شيئا من ~~المباحات والمستحبات بدون إذنهما، ولذا أفتى العلماء بأنه لا تجوز المسافرة ~~في طلب العلم إلا بأذنهما، إلا إذا كان في طلب علم الفرائض، من الصلاة ~~والصوم وأصول العقائد، ولم يكن في بلده من يعلمه، ولو كان في بلده من يعلمه ~~لم تجز المسافرة. وقد روي: " أن رجلا هاجر من اليمن إلى رسول الله ms448 (ص) ~~وأراد الجهاد، فقال له: ارجع إلى أبويك فاستأذنهما، فإن أذنا فجاهد، وإلا ~~فبرهما ما استطعت، فإن ذلك خير مما كلف به بعد التوحيد ". وجاء آخر إليه ~~للجهاد، فقال: " ألك والدة؟ " قال: نعم! قال: " فالزمها، فإن الجنة تحت ~~قدمها ". وجاء آخر، وطلب البيعة على الهجرة إلى الجهاد، وقال: ما جئتك حتى ~~أبكيت والدي. قال: " ارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما ". ولو وقعت بين ~~الوالدين مخالفة، بحيث توقف رضى أحدهما على سخط الآخر، فينبغي أن يجتهد في ~~الإصلاح بينهما بأي طريق أمكن، ولو بالعرض إلى فقيه البلد حتى يطلبهما ~~ويعظهما ويقيمهما على الوفاق، لئلا ينكسر خاطر أحدهما منه. # وأعلم أن حق كبير الأخوة على صغيرهم عظيم، فينبغي محافظته. # قال رسول الله (ص): " حق كبير الأخوة على صغيرهم كحق الوالد على ولده ". ~~PageV02P205 # تذنيب حق الجوار حق الجوار قريب من حق الرحم، إذ الجوار يقتضي حقا وراء ~~ما تقتضيه أخوة الإسلام، فيستحق الجار المسلم ما يستحقه كل مسلم وزيادة، ~~فمن قصر في حقه عداوة أو بخلا فهو آثم. قال رسول الله (ص): # " الجيران ثلاثة: فمنهم من له ثلاثة حقوق: حق الجوار، وحق الإسلام، وحق ~~القرابة. ومنهم من له حقان: حق الإسلام، وحق الجوار. ومنهم من له حق واحد: ~~الكافر له حق الجوار ". فأنظر كيف أثبت للكافر حق الجوار. وقال (ص): " أحسن ~~مجاورة من جاورك تكن مؤمنا ". # وقال (ص): " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يؤذ جاره ". وقال (ص): ~~" لا إيمان لمن لم يأمن جاره بوائقه ". وقيل له (ص): فلانة تصوم النهار ~~وتقوم الليل وتتصدق، وتؤذي جارها بلسانها. فقال (ص): # لا خير فيها، هي من أهل النار ". وعن علي عليه السلام: " أن رسول الله ~~(ص) كتب بين المهاجرين والأنصار ومن لحق بهم من أهل يثرب: إن الجار كالنفس، ~~غير مضار ولا آثم، وحرمة الجار على الجار كحرمة أمه " وقال الصادق عليه ~~السلام " حسن الجوار زيادة في الأعمار وعمارة في الديار وقال عليه السلام: ~~" ليس منا من لم يحسن مجاورة من جاوره ". وقال عليه السلام: ms449 " قال رسول ~~الله (ص): ما آمن بي من بات شبعانا وجاره جائع ". # وقال: " إن يعقوب عليه السلام لما ذهب عنه بنيامين، نادى: يا رب أما ~~ترحمني، أذهبت عيني وأذهبت ابني؟ فأوحى الله تبارك وتعالى إليه: لو أمتهما ~~لأحييتهما لك، أجمع بينك وبينهما، ولكن تذكر الشاة التي ذبحتها وشويتها ~~وأكلت، وفلان إلى جانبك صائم لم تنله منها شيئا ". وفي رواية أخرى: " فكان ~~بعد ذلك يعقوب ينادي مناديه كل غداة ومساء من منزله على فرسخ: ألا من أراد ~~الغداء أو العشاء فليأت إلى يعقوب! " (38). # PageV02P206 # وفي بعض الأخبار (39): " إن الجار الفقير يتعلق بجاره الغني يوم القيامة، ~~ويقول: سل يا رب هذا لم منعني معروفه وسد بابه دوني؟ ". # تتميم حدود الجوار وحقه معرفة الجوار موكولة إلى العرف، فأي دار يطلق ~~عليها الجار عرفا يلزم مراعاة حقوق أهلها. والمستفاد من بعض الأخبار: إن كل ~~أربعين دارا من كل واحد من الجوانب الأربعة جيران، ثم لا ينحصر حق الجار في ~~مجرد كف الأذى، إذ ذلك يستحقه كل أحد، بل لا بد من الرفق وإهداء الخير ~~والمعروف، وتشريكه فيما يملكه ويحتاج إليه من المطاعم، كما ظهر من بعض ~~الأخبار المتقدمة. وينبغي أن يبدأه بالسلام، ولا يطيل معه الكلام ولا يكثر ~~عن حاله السؤال، ويعوده في المرض، ويعزيه في المصيبة، ويقوم معه في العزاء، ~~ويهنئه في الفرح، ويصفح عن زلاته، ويستر ما اطلع عليه من عوراته، ولا ~~يضايقه في وضع الجذع على جداره، ولا في صب الماء في ميزابه، ولا في مطرح ~~التراب في فنائه، ولا في المرور عن طريقه، ولا يمنعه ما يحتاج إليه من ~~الماعون، ويغض بصره عن حرمه، ولا يغفل عن ملاحظة داره عند غيبته، ويتلطف ~~لأولاده في كلمته، ويرشده إلى ما يصلحه من أمر دينه ودنياه، وإن استعان به ~~في أمر أعانه، وإن استقرضه أقرضه، ولا يستطيل عليه بالبناء فيحجب عنه ~~الريح، إلا بإذنه، وإذا اشترى شيئا من لذائذ المطاعم وطرفها فليهد له، وإن ~~لم يفعل فليدخلها بيته سرا، ولا يخرج بها أولاده حتى ms450 يطلع عليها بعض أولاد ~~جاره، فيشتهيه وينكسر لذلك خاطره. # ومنها: # طلب العثرات وتجسس العيوب والعورات وإظهارها. ولا ريب في كونه من نتائج ~~العداوة والحسد، وربما حدث في القوة الشهوية رداءة توجب الاهتزاز ~~والانبساط، من ظهور عيب بعض المسلمين، وإن لم يكن عداوة وحقدا، كما قيل: # PageV02P207 # وعين الرضا عن كل عيب كليلة * ولكن عين السخط تبدي المساويا ومن تصفح ~~الآيات والأخبار، يعلم إن من يتبع عيوب المسلمين ويظهرها بين الناس أسوأ ~~الناس وأخبثهم، قال الله تعالى: # " ولا تجسسوا " (40). وقال: " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ~~آمنوا لهم عذاب أليم " (41). # وقال رسول الله (ص): " من أذاع فاحشة كان كمبتدئها، ومن غير مؤمنا بشئ، ~~لم يمت حتى يرتكبه ". وقال (ص): " كل أمتي معافى، إلا المجاهرين " ~~والمجاهرة أن يعمل الرجل سوءا فيخبر به. وقال (ص): # " من استمع خبر قوم وهم له كارهون صبت في أذنيه الآنك يوم القيامة " عن ~~أبي جعفر عليه السلام قال: " قال رسول الله (ص): يا معشر من أسلم بلسانه ~~ولم يسلم بقلبه! لا تتبعوا عثرات المسلمين، فإنه من يتبع عثرات المسلمين ~~يتتبع الله عثراته، ومن تتبع الله عثراته يفضحه ". وقال الباقر عليه ~~السلام: " من أقرب ما يكون العبد إلى الكفر أن يؤاخي الرجل الرجل على ~~الدين، فيحصي عليه زلاته ليعيره بها يوما ما ". وقال الصادق (ع) " من أنب ~~مؤمنا أنبه الله عز وجل في الدنيا والآخرة ". وقيل للصادق (ع) " شئ يقوله ~~الناس، عورة المؤمن على المؤمن حرام؟ فقال: ليس حيث تذهب، إنما عورة المؤمن ~~أن يراه يتكلم بكلام يعاب عليه فيحفظه عليه ليعيره به يوما إذا غضب ". وقال ~~الباقر عليه السلام: " قال رسول الله (ص): إن أسرع الخير ثوابا البر، وأسرع ~~الشر عقوبة البغي. وكفى بالمرء عيبا أن يبصر من الناس ما يعمى عنه، وأن ~~يعير الناس بما لا يستطيع تركه، وأن يؤذي جليسه بما لا يعينه " (42). ~~والأخبار الواردة بأمثال هذه المضامين كثيرة. # PageV02P208 # وصل ستر العيوب ضد كشف العيوب سترها وإخفاؤها، وهو من أعظم شعب النصيحة، ~~ولا حد ms451 لثوابه، كما يستفاد من الأخبار الكثيرة. قال رسول الله (ص): # " من ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة ". وقال (ص): " لا يستر ~~عبد عيب عبد إلا ستره الله يوم القيامة ". وقال (ص): " لا يرى امرؤ من أخيه ~~عورة فيسترها عليه، إلا دخل الجنة ". وكفى بستر العيوب فضلا أنه من أوصاف ~~الله سبحانه، ومن شدة اعتنائه بستر الفواحش أناط ثبوت الزنا - وهو أفحشها - ~~بما لا يمكن اتفاقه إلا نادرا، وهو مشاهدة أربعة عدول كالميل في المكحلة. ~~فانظر إلى أنه تعالى كيف أسبل الستر على العصاة من خلقه في الدنيا، بتضييق ~~الطرق المؤدية إلى كشفه. ولا تظنن أنك تحرم هذا الستر يوم تبلى السرائر، ~~فقد ورد في الحديث: " إن الله تعالى إذا ستر على عبد عورته في الدنيا فهو ~~أكرم من أن يكشفها في الآخرة، وإن كشفها في الدنيا فهو أكرم من أن يكشفها ~~أخرى ". وورد أيضا: " إنه يؤتى يوم القيامة بعبد يبكي، فيقول الله سبحانه ~~له: لم تبكي؟ فيقول: أبكي على ما سينكشف عني من عوراتي وعيوبي عند الناس ~~والملائكة. فيقول الله: عبدي ما افتضحتك في الدنيا بكشف عيوبك وفواحشك، ~~وأنت تعصيني وتضحك! فكيف أفضحك اليوم بكشفها وأنت تعصيني وتبكي! ". وفي خبر ~~آخر: " إن رسول الله (ص) يطلب يوم القيامة من الله سبحانه ألا يحاسب أمته ~~بحضرة من الملائكة والرسل وسائر الأمم، لئلا تظهر عيوبهم عندهم، بل يحاسبهم ~~بحيث لا يطلع على معاصيهم غيره سبحانه، وسواه (ص) فيقول الله سبحانه: يا ~~حبيبي، أنا أرأف بعبادي منك، فإذا كرهت كشف عيوبهم عند غيرك، فأنا أكره ~~كشفها عندك أيضا، فأحاسبهم وحدي بحيث لا يطلع على عثراتهم غيري ". # فإذا كانت عناية الله سبحانه في ستر عيوب العباد بهذه المثابة، فأنى لك ~~أيها المسكين المبتلى بأنواع العيوب والمعاصي، تسعى في كشف عيوب عباد الله، ~~مع إنك مثلهم في الاتصاف بأنواع العيوب والعثرات! وتأمل أنه ج: 2 ~~PageV02P209 # لو أظهر أحد بعض فواحشك عند الناس كيف يكون حالك، فقس عليه حال غيرك ممن ~~تكشف أنت بعض ms452 فواحشه. وقد ثبت ووضح من الأخبار والتجربة: إن من يفضح يفتضح، ~~فيا حبيبي، ترحم على نفسك وتأس بربك فاسبل الستر على عيوب غيرك. # ومنها: # إفشاء السر وإذاعته، وهو أعم من كشف العيب، إذ السر قد يكون عيبا وقد لا ~~يكون بعيب، ولكن في إفشائه إيذاء وإهانة بحق الأصدقاء أو غيرهم من ~~المسلمين، وهو من رذائل قوة الغضب إن كان منشأه العداوة، ومن رذائل قوة ~~الشهوة إن كان منشأه تصور نفع مالي، أو مجرد اهتزاز النفس بذلك لخباثتها، ~~وهو مذموم منهي عنه قال رسول الله (ص): " إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت، ~~فهي أمانة " وقال (ص): " الحديث بينكم أمانة ". # وورد: " إن من الخيانة أن تحدث بسر أخيك ". وقال عبد الله بن سنان للصادق ~~عليه السلام: " عورة المؤمن على المؤمن حرام؟ فقال: نعم! قلت: # يعني سفلته؟ قال: ليس حيث تذهب، إنما هو إذاعة سره " (43) فصل كتمان السر ~~ضد إفشاء السر كتمانه، وهو من الأفعال المحمودة، وقد أمر به في الأخبار. ~~قال رسول الله (ص): " طوبى لعبد نومة، عرفه الله ولم يعرفه الناس، أولئك ~~مصابيح الهدى وينابيع العلم تتجلى عنهم كل فتنة مظلمة ليسوا بالمذاييع ~~البذر، ولا الجفاة المرائين ". وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " طوبى ~~لعبد نومة، لا يؤبه له، يعرف الناس ولا يعرفه الناس يعرفه الله منه برضوان، ~~أولئك مصابيح الهدى، تتجلى عنهم كل فتنة، ويفتح لهم باب كل رحمة، ليسوا ~~بالبذر المذاييع ولا الجفاة المرائين ". # وقال أمير المؤمنين عليه السلام: " قولوا الخير تعرفوا به، واعملوا الخير # PageV02P210 # تكونوا من أهله، ولا تكونوا عجلا مذاييع. فإن خياركم الذين إذا نظر إليهم ~~ذكر الله، وشراركم المشاؤن بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، المبتغون للبراء ~~المعايب " (44). # تنبيه النميمة النميمة تطلق في الأكثر على أن ينم قول الغير إلى المقول ~~فيه، كأن يقال: فلان تكلم فيك بكذا وكذا، أو فعل فيك كذا وكذا. وعلى هذا ~~تكون نوعا خاصا من إفشاء السر وهتك الستر، وهو الذي يتضمن فسادا أو سعاية. ~~وقد تطلق على ما لا يختص بالمقول فيه، بل ms453 على كشف ما يكره كشفه، سواء كره ~~المنقول عنه أو المنقول إليه أو كرهه ثالث، وسواء كان الكشف بالقول أو ~~الكتابة أو بالرمز والايماء، وسواء كان المنقول من الأعمال أو من الأقوال، ~~وسواء كان ذلك عيبا ونقصانا على المنقول عنه أو لم يكن وعلى هذا يكون ~~مساومة لإفشاء السر وهتك الستر. وحينئذ فكل ما يرى من أحوال الناس ولم ~~يرضوا بإفشائه، فإذاعته نميمة. فاللازم على كل مسلم أن يسكت عما يطلع عليه ~~من أحوال غيره، إلا إذا كان في حكايته نفع لمسلم أو دفع لمعصية. كما إذا ~~رأى أحدا يتناول مال غيره، فعليه أن يشهد به مراعاة لحق المشهود له، وأما ~~إذا رآه يخفي مالا لنفسه، فحكايته نميمة وإفشاء للسر. # ثم الباعث على النميمة يكون غالبا إرادة السوء بالمحكى عنه، فيكون داخلا ~~تحت الإيذاء، وربما كان باعثه إظهار المحبة للمحكى له، أو التفريح بالحديث، ~~أو الخوض في الفضول. وعلى أي تقدير، لا ريب في أن النميمة أرذل الأفعال ~~القبيحة وأشنعها. وما ورد في ذمها من الآيات والأخبار لا يحصى كثرة، قال ~~الله سبحانه: # " هماز مشاء بنميم. مناع للخير معتد أثيم. عتل بعد ذلك زنيم " (45). # PageV02P211 # والزنيم: هو ولد الزنا. فيستفاد من الآية: إن كل من يمشي بالنميمة فهو ~~ولد الزنا. وقال سبحانه: # " ويل لكل همزة لمزة " (46): أي النمام المغتاب. # وقال رسول الله (ص): " لا يدخل الجنة نمام ". وفي خبر آخر: # " لا يدخل الجنة قتات ": أي النمام. وقال (ص): " أحبكم إلى الله أحسنكم ~~أخلاقا، الموطئون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون، وإن أبغضكم إلى الله ~~المشاؤن بالنميمة المفرقون بين الأحبة، الملتمسون للبراء العثرات " (47) ~~وقال (ص): ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: # المشاؤن بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبراء المعايب " (48). # وقال (ص): " من أشار على مسلم كلمة ليشينه بها في الدنيا بغير حق، شانه ~~الله في النار يوم القيامة ". وقال (ص): " أيما رجل أشاع على رجل كلمة وهو ~~منها برئ ليشينه بها في الدنيا، كان حقا على الله أن يدينه بها يوم ms454 القيامة ~~في النار ". وقال (ص): " إن الله لما خلق الجنة قال لها: تكلمي قالت: سعد ~~من دخلني. قال الجبار جل جلاله: وعزتي وجلالي! لا يسكن فيك ثمانية نفر من ~~الناس: لا يسكنك مدمن خمر، ولا مصر على الزنا، ولا قتات - وهو النمام -، ~~ولا ديوث ولا شرطي ولا مخنث ولا قاطع رحم ولا الذي يقول علي عهد الله أن ~~أفعل كذا وكذا ثم لم يف به ". وقال الباقر عليه السلام: " الجنة محرمة على ~~المغتابين المشائين بالنميمة ". وقال عليه السلام: " يحشر العبد يوم ~~القيامة وما ندا دما (49)، فيدفع إليه شبه # PageV02P212 # المحجمة أو فوق ذلك فيقال له: هذا سهمك من دم فلان، فيقول: يا رب، إنك ~~لتعلم أنك قبضتني وما سفكت دما، فيقول: بلى، سمعت من فلان رواية كذا وكذا ~~فرويتها عليه، فنقلت حتى صار إلى فلان الجبار فقتله عليها، وهذا سهمك من ~~دمه ". وقال الصادق عليه السلام: " من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه ~~وهدم مروته ليسقط من أعين الناس أخرجه الله تعالى من ولايته إلى ولاية ~~الشيطان، ولا يقبله الشيطان " (50). # وروي: " أنه أصاب بني إسرائيل قحط، فاستسقى موسى مرات، فما أجيب. فأوحى ~~الله تعالى إليه: إني لا أستجيب لك ولمن معك وفيكم نمام قد أصر على ~~النميمة. فقال موسى: يا رب، من هو حتى نخرجه من بيننا؟ # فقال: يا موسى، أنهاكم عن النميمة وأكون نماما؟! فتابوا بأجمعهم، فسقوا ~~". وروي: " أن ثلث عذاب القبر من النميمة ". # ومن عرف حقيقة النميمة، يعلم أن النمام شر الناس وأخبثهم، كيف وهو لا ~~ينفك من الكذب، والغيبة والغدر والخيانة والغل والحسد والنفاق والافساد بين ~~الناس والخديعة. وقد قال الله سبحانه: # " ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض " (1). # والنمام يسعى في قطع ما أمر الله به أن يوصل ويفسد في الأرض وقال الله " ~~إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق " (2). # والنمام منهم. # وقال رسول الله (ص): " لا يدخل الجنة قاطع ": أي قاطع بين الناس، والنمام ~~قاطع بينهم. وقال (ص): ms455 " شر الناس من اتقاه الناس نشره ": والنمام منهم، ~~والنمام أعظم شرا من كل أحد. # PageV02P213 # نقل: أن رجلا باع عبدا، فقال للمشتري: ما فيه عيب إلا النميمة، قال رضيت. ~~فاشتراه، فمكث الغلام أياما، ثم قال لزوجة مولاه: إن زوجك لا يحبك، وهو ~~يريد أن يتسرى عليك، وأنا أسحره لك في شعره فقالت: كيف أقدر على أخذ شعره؟ ~~فقال: إذا نام فخذي الموسى واحلقي من قفاه عند نومه شعرات. ثم قال للزوج: ~~إن امرأتك اتخذت خليلا وتريد أن تقتلك، فتناوم لها حتى تعرف. فتناوم فجاءته ~~المرأة بالموسى، فظن أنها تقتله، فقام وقتلها، فجاء أهلها وقتلوا الزوج، ~~فوقع القتال بين القبيلتين، وطال الأمر بينهم. # ثم يلزم على ما تحمل إليه النميمة ألا يصدق النمام، لأنه فاسق والفاسق ~~مردود الشهادة بقوله تعالى: # " إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا " (3). # وأن ينهاه عن ذلك، وينصحه ويقبح له فعله، لقوله تعالى: # " وأمر بالمعروف وإنه عن المنكر " (4). # وأن يبغضه في الله، لكونه مبغوضا عنده تعالى، وألا يظن بأخيه سوءا بمجرد ~~قوله، لقوله تعالى: # وألا يحمل عمله على التجسس والبحث لتحقيق ما حكى له، لقوله تعالى: " ولا ~~تجسسوا ". وألا يرضى لنفسه ما نهى عنه النمام، فلا يحكي نميمته، فيقول: ~~فلان قد حكى كذا وكذا، فيكون به نماما ومغتابا. # وروى محمد بن فضيل عن الكاظم عليه السلام: " إنه قال له عليه السلام جعلت ~~فداك! الرجل من إخواني يبلغني عنه الشئ الذي أكرهه، فأسأله عنه فينكر ذلك، ~~وقد أخبرني عنه قوم ثقات. فقال لي: يا محمد، كذب سمعك وبصرك عن أخيك، فإن ~~شهد عندك خمسون قسامة، فقال لك قولا # PageV02P214 # فصدقه وكذبهم، ولا تذيعن عليه شيئا تشينه به وتهدم مروته، فتكون من الذين ~~قال الله: # " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب شديد " (6). # وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: " إن رجلا أتاه يسعى إليه برجل، ~~فقال: يا هذا، نحن نسأل عمن قلت، فإن كنت صادقا مقتناك، وإن كنت كاذبا ~~عاقبناك، وإن شئت أن نقيلك أقلناك. قال: أقلني يا ms456 أمير المؤمنين ". ونقل: " ~~أن رجلا زار بعض الحكماء، وأخبره بخبر عن غيره فقال: قد أبطأت عني الزيارة، ~~وبغضت إلي أخي، وشغلت قلبي الفارغ واتهمت نفسك الأمينة ". # تتمة السعاية السعاية هي النميمة، بشرط كون المحكى له من يخاف جانبه، ~~كالسلاطين والأمراء والحكماء والرؤساء وأمثالهم، فهي أشد أنواع النميمة ~~إثما ومعصية، وهي أيضا تكون من العداوة ومن حب المال وطمعه، فتكون من رداءة ~~القوتين وخباثتهما. قال رسول الله (ص): " الساعي بالناس إلى الناس لغير ~~رشده ": يعني ليس ولد حلال. وذكرت السعاة عند بعض الأكابر، فقال: ما ظنك ~~بقوم يحمد الصدق من كل طبقة إلا منهم؟ # ومنها: # الافساد بين الناس وهو في الأكثر يحصل بالنميمة، وإن لم يوجب كل نميمة ~~إفسادا. # ولا ريب في كونه من المهلكات المؤدية إلى النار، قال الله سبحانه: # " الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ~~ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون " (7). # PageV02P215 # وقال رسول الله (ص): " إن فساد ذات البين هي الحالقة ". # وصل الإصلاح وضده الإصلاح بين الناس، وهو أعظم أفراد النصيحة، ولا غاية ~~لمثوبته عند الله. قال رسول الله (ص): " أفضل الصدقة إصلاح ذات البين " ~~وقال (ص): " اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، فإن الله تعالى يصلح بين ~~المؤمنين يوم القيامة ". وقال (ص): " ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال ~~خيرا ". وقال (ص): " كل الكذب مكتوب، إلا أن يكذب الرجل في الحرب، فإن ~~الحرب خدعة، أو يكذب بين اثنين ليصلح بينهما ".. # وقال الصادق عليه السلام: " صدقة يحبها الله تعالى إصلاح بين الناس إذا ~~تفاسدوا، وتقارب بينهم إذا تباعدوا ". وقال عليه السلام للمفضل: # " إذا رأيت بين اثنين من شيعتنا منازعة، فافتدها من مالي ". وقال (ع) ~~لابن عمار: " أبلغ عني كذا وكذا في أشياء أمر بها. فقال له ابن عمار: # فأبلغهم عنك، وأقول عني ما قلت لي وغير الذي قلت؟ قال: نعم! إن المصلح ~~ليس بكذاب ". وقال عليه السلام: " المصلح ليس بكاذب " (8): # يعني إذا تكلم بما لا يطابق الواقع فيما يتوقف عليه الإصلاح لم ms457 يعد كلامه ~~كذبا. وهذا يدل على وجوب الإصلاح بين الناس، لأن ترك الكذب واجب ولا يسقط ~~الواجب إلا بواجب آكد منه. # ومنها: # الشماتة وهو إظهار أن ما حدث بغيره من البلية والمصيبة إنما هو من سوء ~~فعله وإساءته، والغالب صدوره عن العداوة أو الحسد. وعلامته أن يكون مع فرح ~~ومسرة، وربما صدر عن رداءة القوة الشهوية، بأن يهتز به ويميل إليه، مع جهله ~~بمواقع القضاء والقدر، وإن لم يكن معه حقد وحسد. # PageV02P216 # والتجربة والأخبار شاهدان على أن كل من شمت بمسلم في مصيبة لم يخرج من ~~الدنيا حتى يبتلى بمثلها ويشمت به غيره فيها. قال الصادق عليه السلام " لا ~~تبدي الشماتة لأخيك، فيرحمه الله ويحلها بك ". وقال عليه السلام: # " من شمت بمصيبة نزلت بأخيه لم يخرج من الدنيا حتى يفتتن " (9). # على أن كل بلية ومصيبة ترد على مسلم يمكن أن تكون كفارة لذنوبه أو باعثا ~~لرفع درجاته واعتلاء مرتبته في دار الآخرة. # والدليل على ذلك: أن أعظم البلايا والمصائب موكلة بالأنبياء، ثم ~~بالأولياء، ثم بالأمثل فالأمثل في درجات الاعتلاء. ولا ريب في أن ورود ~~المصائب والمحن عليهم ليس من سوء فعلهم وإساءتهم. فينبغي لكل عاقل أن يتأمل ~~(أولا) أن الشماتة بمسلم بمصيبة لا ينفك في الدنيا من ابتلائه بمثلها، ~~(وثانيا) إنها إيذاء لأخيه المسلم، فلا ينفك عن العذاب في الآخرة (وثالثا) ~~إن نزول هذه المصيبة به لا يدل على سوء حاله عند الله، بل الأرجح دلالته ~~على حسن حاله وتقربه عند الله سبحانه. فليحافظ على نفسه عن إبداء الشماتة ~~لأحد من المسلمين، ويخوف من يراه من الشامتين عن عقوبة العاجل وعذاب الآجل. # ومنها: # المراء والجدال والخصومة إعلم أن المراء طعن في كلام الغير لإظهار خلل ~~فيه، من غير غرض سوى تحقيره وإهانته، وإظهار تفوقه وكياسته. والجدال مراء ~~يتعلق بإظهار المسائل الاعتقادية وتقريرها. والخصومة لجاج في الكلام ~~لاستيفاء مال أو حق مقصود، وهذه تكون تارة ابتداءا وتارة اعتراضا، والمراء ~~لا يكون إلا اعتراضا على كلام سبق، فالمراء داخل تحت الإيذاء، ويكون ms458 ناشئا ~~من العداوة أو الحسد. وأما الجدال والخصومة، فربما صدرا من أحدهما أيضا، ~~وربما لم يصدرا منه. # وحينئذ، فالجدال إن كان بالحق - أي تعلق بإثبات إحدى العقائد # PageV02P217 # الحقة - وكان الغرض منه الإرشاد والهداية، ولم يكن الخصم لدودا عنودا، ~~فهو الجدال بالأحسن، وليس مذموما، بل ممدوح معدود من الثبات في الإيمان ~~الذي هو من نتائج قوة المعرفة وكبر النفس، قال الله سبحانه: # " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن " (10). # وإن لم يكن بالحق، فهو مذموم اقتضته العصبية أو حب الغلبة واو الطمع ~~المالي، فيكون من رذائل القوة الغضبية أو الشهوية، وربما أورث شكوكا وشبهات ~~تضعف العقيدة الحقة، ولذا نهى الله سبحانه عنه وذم عليه، فقال: # " ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير " (11). # وقال: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث ~~غيره " (12). # والخصومة أيضا إن كانت بحق، أي كانت مما يتوقف عليه استيفاء مال أو حق ~~ثابت، فهي ممدوحة معدودة من فضائل القوة الشهوية، وإن كانت بباطل، أي تعلقت ~~بما يدعيه كذبا أو بلا علم ويقين، فهي مذمومة معدودة من رذائلها. فالخصومة ~~المذمومة تتناول المخاصمة فيما يعلم قطعا عدم استحقاقه، وفيما لا علم له ~~بالاستحقاق، كخصومة وكيل القاضي، فإنه قبل أن يعرف أن الحق في أي جانب، ~~يتوكل في الخصومة من أي جانب كان، ويخاصم من غير علم وإيقان، فمثله خباط ~~العثرات وركاب الشبهات، يضر بالمسلمين بلا غرض، ويتحمل أوزار الغير بلا ~~عوض، فهو أخسر الناس أعمالا وأعظمهم في الآخرة أوزارا ونكالا. وتتناول أيضا ~~مخاصمة من يطلب حقه ولكنه لا يقتصر على قدر الحاجة، بل يظهر اللدد والعناد ~~في الخصومة قصدا للتسلط والإيذاء، ومن يمزج بخصومته كلمة مؤذية لا يحتاج ~~إليها في إظهار الحق وبيان الحجة، ومن يحمله على الخصومة محض العناد بقهر ~~الخصم وكسره مع استحقاره لذلك القدر من المال، وربما صرح بأن قصدي العناد ~~والغلبة عليه وكسر عرضه، وإذا أخذت منه هذا المال رميته، ولا # PageV02P218 # أبالي، فمثله غرضه ms459 اللدد واللجاج. # فتنحصر الخصومة الجائزة بمخاصمة المظلوم الذي يطلب حقه وينصر حجته بطريق ~~الشرع من غير قصد عناد وإيذاء، مع الاقتصار على قدر الحاجة في الخصومة من ~~دون أن يتكلم بالزائد ولا بكلمات مؤذية، ففعله ليس بحرام وإن كان الأولى ~~تركه ما وجد إليه سبيلا، إذ ضبط اللسان في الخصومة على حد الاعتدال متعذر ~~أو متعسر، لأنها توغر الصدر، وتهيج الغضب، وإذا هاج الغضب ذهب المتنازع فيه ~~من البين، واشتد الحقد بين المتخاصمين حتى يحزن كل واحد بمسرة صاحبه ويفرح ~~بمساءته. فالخصومة مبدأ كل شر، فينبغي ألا يفتح بابها إلا عند الضرورة على ~~قدر الضرورة، ولا يتعدى عن الواجب، إذ أقل درجاتها تشوش الخاطر، حتى إنه في ~~الصلاة ليشتغل بمخاصمة الخصم، ويتضمن الطعن والاعتراض، أي التجهل والتكذيب، ~~إذ من يخاصم غيره إما يجهله أو يكذبه، فيكون آتيا بسوء الكلام، ويفوت به ~~ضده، أعني طيب الكلام، مع ما ورد فيه من الثواب. # وكذا الحال في المراء والجدال. # وبالجملة: المراء والجدال والخصومة، سوى ما استثنى، من ذمائم الأفعال ~~ومبادئ أكثر الشرور والفتن، ولذا ورد بها الذم الشديد في الأخبار قال رسول ~~الله (ص): " من جادل في خصومة بغير علم، لم يزل في سخط حتى ينزع ". وقال ~~(ص): " إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم ". وقال (ص): " ما أتاني ~~جبرئيل قط إلا وعظني، فآخر قوله لي: إياك ومشادة الناس، فإنها تكشف العورة ~~وتذهب بالعز ". وقال أمير المؤمنين (ع): " إياكم والمراء والخصومة، فإنهما ~~يمرضان القلوب على الأخوان، وينبت عليهما النفاق ". وقال علي بن الحسين ~~عليهما السلام: # " ويل أمة فاسقا من لا يزال مماريا! ويل أمة فاجرا من لا يزال مخاصما! # ويل أمة آثما من كثر كلامه في غير ذات الله! ". وقال الصادق (ع): # " لا تمارين حليما ولا سفيها، فإن الحليم يغلبك والسفيه يؤذيك ". # وقال: " إياك والمشادة، فإنها تورث المعرة وتظهر العورة ". وقال (ع): # " إياكم والخصومة، فإنها تشغل القلب، وتورث النفاق، وتكسب PageV02P219 # الضغائن " (13). فمن تأمل في ما يدل على ذمها وسوء عاقبتها عقلا ونقلا - ~~فمع ms460 عدم ترتب فائدة عليها، وتذكر ما ورد في مدح تركها وفوائد ضدها، أعني ~~طيب الكلام - يسهل عليه أن يتركها ولا يحوم حولها. # تذنيب علاج المراء طريق المعالجة في إزالة المراء والجدال والخصومة: أن ~~يعلم أنها توجب التباغض والمباينة، وتزيل الألفة والمحبة، وتقطع الالتيام ~~والوحدة. ولا ريب في أن قوام النظام الأصلح بالالتيام والوحدة، كما اقتضته ~~العناية الإلهية والحكمة الأزلية، والمباينة الراجعة إلى الكثرة ينافيهما، ~~ولا ينبغي للعاقل أن يرتكب ما يضاد فعل الله وحكمته. وهذا هو العلاج ~~العلمي. # وأما العملي، فليواظب على ضد هذه الثلاثة، أعني طيب الكلام، ويكلف نفسه ~~عليه، حتى يصير ملكة له وترتفع أضدادها عنه بالمرة. # وصل طيب الكلام قد أشير إلى أن ضد الرذائل الثلاث طيب الكلام، وما ورد في ~~مدحه وفي ثواب تركها أكثر من أن يحصى. قال رسول الله (ص): " ثلاث من لقي ~~الله تعالى بهن دخل الجنة من أي باب شاء: من حسن خلقه، وخشي الله في المغيب ~~والمحضر، وترك المراء وإن كان محقا ". وقال (ص): # " يمكنكم من الجنة طيب الكلام وإطعام الطعام ". وقال (ص): " إن في الجنة ~~لغرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام ~~وأطاب الكلام ". وقال (ص): " الكلمة الطيبة صدقة ". # وروي: " أن عيسى - عليه السلام - مر به خنزير. فقال: مر بسلامة. # فقيل له: يا روح الله، تقول هذا للخنزير! فقال: أكره أن أعود لساني الشر ~~". وقال بعض الحكماء: " الكلام اللين يغسل الضغائن المستكنة # PageV02P220 # في الجوارح ". # ومنها: # السخرية والاستهزاء وهو محاكاة أقوال الناس أو أفعالهم أو صفاتهم وخلقهم، ~~قولا وفعلا، أو إيماءا وإشارة، على وجه يضحك منه. وهو لا ينفك عن الإيذاء ~~والتحقير والتنبيه على العيوب والنقائص. وإن لم يكن ذلك بحضرة المستهزأ به. # فيتضمن الغيبة أيضا. وباعثه إما العداوة أو التكبر واستصغار المستهزأ به، ~~فيكون من رذائل القوة الغضبية، أو قصد ضحك الأغنياء وتنشيط قلوبهم، طمعا في ~~بعض أوساخهم الملوثة، وأخذ النبذ من حطامهم المحرمة، ولا ريب في أنه صفة من ~~لاحظ له في الدين، ms461 وشيمة أراذل أحزاب الشياطين، لأنهم يظهرون أكاذيب ~~الأقوال ويرتكبون أعاجيب الأفعال، يخلعون قلائد الحرية عن الرقاب، ويهتكون ~~أستار الحياء بمرأى من أولي الألباب، يبتغون عيوب المؤمنين وعوراتهم، ~~ويظهرون نقائص المسلمين وعثراتهم، يقلدون أفعال الأخيار على وجه يضحك ~~الأشرار، ويحاكون صفات الأبرار على أفضح الوجوه في الأنظار. ولا ريب في أن ~~المرتكب لهذه الأفعال بعيد عن الإنسانية بمراحل، ومستوجب لعقوبة العاجل ~~وعذاب الآجل، ولا يخلو ساعة عن الصغار والهوان، ولا وقع له في قلوب أهل ~~الإيمان، وكفاه ذما أنه جعل تلك المعاصي الخبيثة وسيلة لتحصيل المال أو ~~الواقع في قلوب أبناء الدنيا، ويلزمه عدم اعتقاده بأن الله سبحانه هو ~~المتكفل لأرزاق العباد. # والطريق في دفعه - بعد التأمل في سوء عاقبته، ووخامة خاتمته، وفيما يلزمه ~~من الذلة والهوان في الدنيا - أن يبادر إلى إزالة العداوة والتكبر إن كان ~~باعثه ذلك، وإن كان باعثه تنشيط قلوب أهل الدنيا طمعا في مالهم، فليعلم أن ~~لكل نفس ما قدر لها من الأموال والأرزاق، يصل إليها من الله سبحانه البتة، ~~فإن من يتق الله ويتوكل عليه يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، ويكون ~~في الآخرة سعيدا، وإن أغواه الشيطان وحثه على تحصيلها من المداخل الخبيثة، ~~لم يصل إليه أكثر مما قدر له، وكان في الآخرة شقيا. PageV02P221 # وليعلم أيضا أن المتوكل على الله والمتصف بالحرية، لا يبدل التوكل ~~والحرية بهذه الأفعال لأجل الوصول إلى بعض خبائث الأموال، فليعاتب نفسه ~~ويزجرها بالمواعظ والنصائح، ويتذكر ما ورد في الشريعة من ذم المستهزئين ~~وتعذيبهم يوم القيامة بصورة الاستهزاء، قال الله جل شأنه: # " لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم " (14). # وقال (ص): " إن المستهزئين بالناس يفتح لأحدهم باب من الجنة، فيقال: هلم ~~هلم! فيجئ بكربه وغمه، فإذا أتى أغلق دونه، ثم يفتح له باب آخر، فيقال: هلم ~~هلم! فيجئ بكربه وغمه، فإذا أتى أغلق دونه. # فما يزال كذلك، حتى يفتح له الباب، فيقال له: هلم هلم! فما يأتيه ". # وقال ابن عباس في قوله تعالى: # " يا ويلتنا ms462 ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها " (15). # " الصغيرة: التبسم بالاستهزاء بالمؤمن، والكبيرة: القهقهة بذلك ". # وفيه إشارة إلى أن الضحك على الناس من الجرائم العظيمة. # ثم جميع ما ذكر إنما هو في حق من يؤذي الناس ويهينهم باستهزائه وسخريته، ~~وأما من جعل نفسه مسخرة ويسر بأن يهزل ويسخر به، وإن كان هو ظالما لنفسه ~~خارجا عن شعار المؤمنين، حيث أهان نفسه وأذلها، إلا أن سخرية الغير به من ~~جملة المزاح، ويأتي ما يذم منه وما يحمد، وإنما المحرم منه ما يؤدي إلى ~~إيذائه وتحقيره: بأن يضحك على كلامه إذا يخبط ولم ينتظم، أو على أفعاله إذا ~~كانت مشوشة، أو على صورته وخلقته إذا كان قصيرا أو طويلا أو ناقصا بعيب من ~~العيوب. فالضحك على جملة ذلك داخل في السخرية المنهي عنها. # وطريق علاجه - بعد تذكر ما تقدم - أن استهزاءه يوجب خزي نفسه يوم القيامة ~~عند الله وعند الملائكة والنبيين وعند الناس أجمعين، فلو تفكر في حسرته ~~وحيائه وخجله وخزيه يوم يحمل سيئات من استهزأ به ويساق إلى النار، لأدهشه ~~ذلك عن إخزاء غيره، ولو عرف حقيقة حاله يوم القيامة، # PageV02P222 # لكان الأولى له أن يضحك على نفسه تارة ويبكي عليها أخرى، لأنه باستهزائه ~~به عند بعض أراذل الناس عرض نفسه لأن يأخذ بيده ذلك الغير يوم القيامة على ~~ملأ من الناس ويسوقه تحت السياط، كما يساق الحمار، إلى النار، مستهزئا به ~~مسرورا بخزيه وتمكين الله تعالى إياه على الانتقام منه. فمن تأمل في ذلك، ~~ولم يكن عدوا لنفسه، اجتنب عن السحرية والاستهزاء كل الاجتناب. # ومنها: # المزاح وأصله مذموم منهي عنه، وسببه إما خفة في النفس، فيكون من رذائل ~~القوة الغضبية، أو ميل النفس وشهوتها إليه، أو تطييب خاطر بعض أهل الدنيا ~~طمعا في مالهم، فيكون من رذائل القوة الشهوية. وسبب الذم فيه: أنه يسقط ~~المهابة والوقار، وربما أدى إلى التباغض والوحشة والضغينة، وربما انجر إلى ~~الهزل والاستهزاء، وأدخل صاحبه في جملة المستهزأ بهم، وربما صار باعثا ~~لظهور العداوة - كما ms463 قيل - وربما جر إلى اللعب، قال رسول الله (ص): " لا ~~تمار أخاك، ولا تمازحه "، وقال بعض الأكابر لابنه: " يا بني، لا تمازح ~~الشريف فيحقد عليك، ولا الدني فيجترئ عليك "، وقال آخر: " إياكم والممازحة، ~~فإنها تورث الضغينة وتجر إلى القطيعة ". وقال آخر: " المزاح مسلبة للبهاء، ~~ومقطعة للأصدقاء ". # وقيل: " لكل شئ بذر، وبذر العداوة المزاح ". ومن مفاسد المزاح: # أنه سبب للضحك، وهو منهي عنه. قال الله تعالى: # " فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا " (16). # وقال رسول الله (ص): " إن الرجل ليتكلم بالكلمة فيضحك بها جلساءه، يهوي ~~بها أبعد من الثريا "، وقال: " لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم ~~قليلا "، وهو يدل على أن الضحك علامة الغفلة عن الآخرة وقال بعض: " من كثر ~~ضحكه قلت هيبته، ومن مزح استخف به، ومن # PageV02P223 # أكثر من شئ عرف به، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قل حياؤه، ومن ~~قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه ". وخاطب عارف نفسه وقال: " أتضحك ~~ولعل أكفانك قد خرجت من عند القصار؟! " وقال رجل لأخيه: " يا أخي، هل أتاك ~~أنك وارد النار؟ قال: نعم! قال: # وهل أتاك أنك خارج منها؟ فقال: لا، قال: ففيم الضحك؟ فما رئي بعد ذلك ~~ضاحكا حتى مات ". ونظر بعضهم إلى قوم يضحكون في يوم الفطر، فقال: " إن كان ~~هؤلاء قد غفر لهم فما هذا فعل الشاكرين، وإن كان لم يغفر لهم فما هذا فعل ~~الخائفين ". # ثم المذموم من الضحك هو القهقهة، والتبسم الذي ينكشف فيه السن ولا يسمع ~~الصوت ليس مذموما، بل محمود لفعل النبي (ص) (17). # تذنيب المذموم من المزاح الحق أن المذموم من المزاح هو الإفراط فيه ~~والمداومة عليه، أو ما يؤدي إلى الكذب والغيبة وأمثالهما، ويخرج صاحبه عن ~~الحق. وأما القليل الذي يوجب انبساط خاطر وطيبة قلب، ولا يتضمن إيذاءا ولا ~~كذبا ولا باطلا، فليس مذموما، لقول رسول الله (ص): " إني لأمزح ولا أقول ~~إلا حقا ". ولما روي: " أنهم قالوا له (ص): يا رسول الله، إنك تداعبنا! ~~فقال: إني وإن داعبتكم، فلا أقول ms464 إلا حقا ". ولما روت العامة: # " أنه (ص) كان كثير التبسم، وكان أفكه الناس ". وورد: " أن رسول الله (ص) ~~كسا ذات يوم واحدة من نسائه ثوبا واسعا، وقال لها: # البسيه واحمدي، وجري منه ذيلا كذيل العروس ". وقال (ص): # " لا تدخل الجنة عجوز. فبكت العجوز. فقال: إنك لست يومئذ بعجوز " وجاءت ~~امرأة إليه، وقالت: " إن زوجي يدعوك. فقال (ص): زوجك هو الذي بعينه بياض؟ ~~قالت: والله ما بعينه بياض! فقال: بلى، إن # PageV02P224 # بعينه بياضا. فقالت: لا والله! فقال: ما من أحد إلا بعينه بياض ". # وأراد به البياض المحيط بالحدقة. وجاءته امرأة أخرى، وقالت: " احملني يا ~~رسول الله على بعير. فقال: بل نحملك على ابن البعير. فقالت: ما أصنع به، ~~إنه لا يحملني، فقال (ص): هل من بعير إلا وهو ابن بعير؟ ". # وكان (ص) يدلع لسانه للحسين (ع)، فيرى لسانه فيهش له. وقال لصهيب - وبه ~~رمد وهو يأكل التمر -: " أتأكل التمر وأنت أرمد؟ # فقال: إنما آكل بالشق الآخر. فتبسم رسول الله حتى بدت نواجذه ". # وروي: " أن خوات ابن جبير كان جالسا إلى نسوة من بني كعب بطريق مكة، وكان ~~ذلك قبل إسلامه، فطلع عليه رسول الله (ص) فقال له: # مالك مع النسوة؟ قال: يفتلن ضفيرا لجمل لي شرود. فمضى رسول الله لحاجته ~~ثم عاد، فقال: يا أبا عبد الله أما ترك ذلك الجمل الشراد بعد؟ # قال: فسكت واستحييت، وكنت بعد ذلك استخفى منه حياء، حتى أسلمت وقدمت ~~المدينة، فاطلع علي يوما وأنا أصلي في المسجد، فجلس إلي، فطولت الصلاة، ~~فقال: لا تطول فإني أنتظرك، فلما فرغت قال: يا أبا عبد الله، أما ترك ذلك ~~الجمل الشراد بعد؟ قلت: والذي بعثك بالحق نبيا! # ما شرد منذ أسلمت! فقال: الله أكبر الله أكبر، اللهم أهد أبا عبد الله. # فحسن إسلامه ". وكان نعيمان الأنصاري، رجلا مزاحا، فإذا دخل المدينة شئ ~~نفيس من اللباس أو المطاعم اشترى منه، وجاء به إلى رسول الله (ص) ويقول: ~~هذا أهديته لك. فإذا جاء صاحبه يطالبه بثمنه، جاء به إلى رسول ms465 الله (ص)، ~~وقال: يا رسول الله، اعطه ثمن متاعه، فيقول له النبي (ص): " أو لم تهده ~~لنا؟ " فيقول: لم يكن عندي والله ثمنه، وأحببت أن تأكل منه، فيتبسم رسول ~~الله ويأمر لصاحبه بثمنه. وأمثال هذه المطايبات مروية عن رسول الله (ص) وعن ~~الأئمة عليهم السلام وأكثرها منقولة مع النسوان والصبيان، وكان ذلك معالجة ~~لضعف قلوبهم، من غير ميل إلى هزل ولا كذب ولا باطل، وكان صدور ذلك عنهم ~~أحيانا وعلى الندرة، ومثلهم كانوا يقدرون على المزاح مع عدم خروجهم عن الحق ~~والاعتدال، وأما غيرهم فإذا فتح باب المزاح فربما وقع في الإفراط والباطل. ~~ج: 2 PageV02P225 # فالأولى لأمثالنا تركه مطلقا. # ومنها: # الغيبة وهي أن يذكر الغير بما يكرهه لو بلغه، سواء كان ذلك بنقص في بدنه ~~أو في أخلاقه أو في أقواله، أو في أفعاله المتعلقة بدينه أو دنياه، بل وإن ~~كان بنقص في ثوبه أو داره أو دابته. # والدليل على هذا التعميم - بعد إجماع الأمة على أن من ذكر غيره بما يكرهه ~~إذا سمعه فهو مغتاب - ما روي عن رسول الله (ص) أنه قال: # " هل تدري ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: " ذكرك أخاك بما ~~يكره "، قيل له: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: " إن كان فيه ما تقول ~~فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته ". وما روي: " إنه ذكر رجل عنده، ~~فقالوا: ما أعجزه! فقال (ص): إغتبتم أخاكم، قالوا: # يا رسول الله، قلنا ما فيه. قال: إن قلتم ما ليس فيه فقد بهتموه ". وما ~~روي عن عائشة: " دخلت علينا امرأة، فلما ولت، أومأت بيدي أنها قصيرة، فقال ~~(ص): اغتبتها ". وما روي أنها قالت: " إني قلت لامرأة مرة وأنا عند النبي ~~(ص): إن هذه لطويلة الذيل. فقال لي: الفظي الفظي! فلفظت مضغة لحم ". وقد ~~روي " أن أحد الشيخين قال للآخر إن فلانا لنؤم، ثم طلبا أدما من رسول الله ~~ليأكلا به الخبز. فقال (ص): # قد ائتدمتما. فقالا: ما نعلمه، فقال: بلى! إنكما أكلتما من لحم صاحبكما ms466 ~~". # وأما ما روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: " صفة الغيبة أن تذكر أحدا ~~بما ليس هو عند الله بعيب ويذم ما يحمده أهل العلم فيه. وأما الخوض في ذكر ~~الغائب بما هو عند الله مذموم وصاحبه فيه ملوم، فليس بغيبة، وإن كره صاحبه ~~إذا سمع به وكنت أنت معافى عنه وخاليا منه، وتكون في ذلك مبينا للحق من ~~الباطل ببيان الله ورسوله، ولكن على شرط ألا يكون للقائل بذلك مراد غير ~~بيان الحق والباطل في دين الله عز وجل، وأما إذا أراد به نقص المذكور بغير ~~ذلك المعنى، فهو مأخوذ بفساد مراده PageV02P226 # وإن كان صوابا " (18) فهو مخصوص بما إذا لم يكن صاحبه عالما بقبحه، أو ~~كان ساترا على نفسه كارها لظهوره. ويدل على ذلك ما روي عنه عليه السلام ~~أيضا، أنه سئل عن الغيبة، فقال: " هو أن تقول لأخيك في دينه ما لم يفعل، ~~وتبث عليه أمرا قد ستره الله عليه لم يقم عليه فيه حد ". وقال عليه السلام: ~~" الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره الله عليه، وأما الأمر الظاهر فيه، مثل ~~الحدة والعجلة، فلا ". وقال الكاظم عليه السلام: " من ذكر رجلا من خلفه بما ~~هو فيه مما عرفه الناس، لم يغتبه، ومن ذكره من خلفه بما هو فيه مما لا ~~يعرفه الناس، اغتابه، ومن ذكره بما ليس فيه فقد بهته " (19). ويأتي أن ~~المجاهر بمعصيته غير سائر لها، لا غيبة له فيها. # والحاصل: إن الإجماع والأخبار متطابقان على أن حقيقة الغيبة هو أن يذكر ~~الغير بما يكرهه إذا سمعه، سواء كان ذلك بنقص في نفسه أو بدنه، أو في دينه ~~أو دنياه، أو فيما يتعلق به من الأشياء، وربما قيل أنه لا غيبة فيما يتعلق ~~بالدين، لأنه ذم من ذمه الله ورسوله، فذكره بالمعاصي وذمه جائز. وأيد ذلك ~~بما روي: " أنه ذكر عند رسول الله امرأة وكثرة صومها وصلاتها ولكنها تؤذي ~~جيرانها. فقال: هي في النار ". وذكرت امرأة أخرى بأنها بخيلة، فقال: " فما ~~خيرها إذن؟ ". ولا ريب في ms467 بطلان هذا القول، لما عرفت من عموم الأدلة. وما ~~ورد من ذم الأشخاص المعينة في كلام الله وكلام حججه إنما هو لتعريف الأحكام ~~وتبيينها، وسؤال الأصحاب عنهم وذكرهم بالمعاصي، إنما كان لحاجتهم إلى معرفة ~~الأحكام لا للذم وإظهار العيب، ولذا لم يكن ذلك إلا في مجلس الرسول (ص) أو ~~الأئمة (ع). # PageV02P227 # فصل لا تنحصر الغيبة باللسان إعلم أن الغيبة لا تنحصر باللسان، بل كل ما ~~يفهم نقصان الغير، ويعرف ما يكرهه فهو غيبة، سواء كان بالقول أو الفعل، أو ~~التصريح أو التعريض، أو بالإشارة والايماء أو بالغمز والرمز، أو بالكتابة ~~والحركة ولا ريب في أن الذكر باللسان غيبة محرمة، لتفهيمه الغير نقصان أخيك ~~وتعريفه بما يكرهه، لا لكون المفهم والمعرف لسانا، فكل ما كان مفهما ومعرفا ~~فهو مثله. # فالغيبة تتحقق بإظهار النقص بالفعل والمحاكاة، كمشية الأعرج، بل هو أشد ~~من الغيبة باللسان، لأنه أعظم في التصوير والتفهيم منه، وبالإيماء ~~والإشارة، وقد روي: " أنه دخلت امرأة على عائشة، فلما ولت، أومأت بيدها ~~أنها قصيرة. فقال رسول الله (ص): قد اغتبتها ". # وبالكتابة إذ القلم أحد اللسانين، وبالتعويض، كأن يقول: الحمد لله الذي ~~لم يبتلنا بالدخول على الظلمة، والتبذل في طلب الجاه والمال، أو يقول: نعوذ ~~بالله من قلة الحياء، ونسأله أن يعصمنا منه، معرضا في كل ذلك بمن ارتكب ~~ذلك، فيذكره بصيغة الدعاء. وربما قدم مدح من يريد غيبته، ثم اتبعه بإظهار ~~عيبه، كأن يقول: لقد كان فلان حسن الحال ولكنه ابتلى بما ابتلى به كلنا من ~~سوء الحال، وهو جمع بين الرياء والغيبة، ومدح نفسه بالتشبه بالصلحاء في ذم ~~أنفسهم. # ومن المغتابين المنافقين من يظهر في مقام غيبة مسلم الاغتمام والحزن من ~~سوء حاله، كأن يقول: لقد ساءني ما جرى على صديقنا فلان من الإهانة ~~والاستخفاف، أو ارتكابه معصية كذا، فنسأل الله أن يجعله مكرما أو يصلح ~~حاله، أو يقول: قد ابتلي ذلك المسكين بآفة عظيمة، تاب الله علينا وعليه. ~~وهو كاذب في ادعائه الحزن والكآبة، وفي إظهار الدعاء، إذ لو ms468 اغتم لاغتم ~~بإظهار ما يكرهه أيضا، ولو قصد الدعاء لأخفاه في خلواته فإظهار الحزن ~~والدعاء ناش عن خبث سريرته، وهو يظن أنه ناش عن صفاء طويته. هكذا يلعب ~~الشيطان بمن ليس له قوة البصيرة بمكائد اللعين وتلبيساته، فيسخر بهم ويضحك ~~عليهم، ويحبط أعمالهم بمكائده، وهم PageV02P228 # يحسبون أنهم يحسنون صنعا. وربما ذكر بعض المغتابين عيب مسلم ولم يتنبه له ~~بعض الحاضرين، فيقول إسماعا له وإعلاما لما يقوله: " سبحان الله! ما أعجب ~~هذا! " حتى يتوجه إليه ويعلم ما يريد، فيستعمل اسم الله آلة لتحقيق خبثه. # ثم المستمع للغيبة أحد المغتابين، كما ورد به الخير (20). وقد دل على ذلك ~~أيضا ما تقدم من حديث الشيخين، وما روي: أنه (ص) لما رجم ماعزا في الزنا، ~~قال رجل لآخر: هذا أقعص كما يقعص الكلب. فمر النبي (ص) معهما بجيفة، فقال: ~~إنهشا من هذه الجيفة. فقالا: يا رسول الله، ننهش جيفة! فقال: ما أصبتما من ~~أخيكما أنتن من هذه ". فجمع بينهما، مع إن أحدهما كان قائلا والآخر مستمعا. # وهو إما لا يسر باستماعها، إلا أنه لا ينكرها باللسان ولا يكرهها بالقلب، ~~أو يسر ويفرح باستماعها، إلا أن النفاق والتزهد حملاه على عدم التصديق، ~~وربما منع منها رياء وتزهدا، مع كونه مشتهيا لها بقلبه وربما توصل بالحيل ~~المرغبة للمغتاب في زيادة الغيبة، مع التباس الأمر عليه بأنه يشتهيها، مثل ~~أن يظهر التعجب ويقول: عجبت منه ما علمت أنه كذلك، وما عرفته إلى الآن إلا ~~بالخير، وكنت أحسب فيه غير هذا عافانا الله من بلائه. فإن ذلك تصديق ~~للمغتاب، وباعث لزيادة نشاطه في الغيبة، فكأنه يستخرج منه الغيبة بهذا ~~الطريق. # والحاصل: إن المستمع لا يخرج عن إثم الغيبة إلا بأن ينكر بلسانه أو يقطع ~~الكلام بكلام آخر. أو يقوم من المجلس، وإن لم يقدر على شئ من ذلك، فلينكر ~~بقلبه، وإن قال بلسانه: اسكت، وهو يشتهيه بقلبه فذلك نفاق، ولا يخرجه من ~~الإثم ما لم يكرهه بقلبه. ومع عدم الخوف لا يكفي أن يشير باليد أو حاجبه أو ms469 ~~جبينه، أي اسكت، إذ ذلك استحقار للمذكور، مع إنه ينبغي أن يعظمه فيذب عنه ~~صريحا. قال النبي (ص): # PageV02P229 # " من أذل عنده مؤمن وهو يقدر على أن ينتصر له فلم ينصره، أذله الله يوم ~~القيامة على رؤس الخلائق ". وقال: " من رد عن عرض أخيه بالغيب كان حقا على ~~الله أن يرد عن عرضه يوم القيامة ". وقال (ص): " من ذب عن عرض أخيه بالغيب، ~~كان حقا على الله أن يعتقه من النار ". وقال (ص): " من رد عن عرض أخيه، كان ~~له حجابا من النار ". وقال (ص) ما من رجل ذكر عنده أخوه المسلم، وهو يستطيع ~~نصره ولو بكلمة ولم ينصره إلا أذله الله - عز وجل - في الدنيا والآخرة. ومن ~~ذكر عنده أخوه المسلم فنصره، نصره الله في الدنيا والآخرة " وقال (ص): " من ~~حمى عرض أخيه المسلم في الدنيا بعث الله له ملكا يحميه يوم القيامة من ~~النار وقال (ص) " من تطول على أخيه في غيبته، سمعها عنه في مجلس فردها، رد ~~الله عنه ألف ألف باب من الشر في الدنيا والآخرة، وإن لم يردها وهو قادر ~~على ردها، كان عليه كوزر من اغتابه سبعين مرة "، وقال الباقر عليه السلام " ~~من اغتيب عنده أخوه المؤمن فنصره وأعانه، نصره الله في الدنيا والآخرة ومن ~~لم ينصره ولم يدفع عنه وهو يقدر على نصرته وعونه، إلا خفضه الله في الدنيا ~~والآخرة ". وبهذه المضامين أخبار كثيرة أخر. # فصل بواعث الغيبة إعلم أن باعث الغيبة - غالبا - إما الغضب أو الحقد أو ~~الحسد، فيكون من نتائجها، ومن رذائل قوة الغضب، وله بواعث أخر: # الأول - السخرية والاستهزاء: فإن ذلك كما يجري في الحضور يجري في الغيبة ~~أيضا، وقد عرفت أن منشأهما ماذا. # الثاني - اللعب والهزل والمطايبة: فيذكر غيره بما يضحك الناس عليه على ~~سبيل التعجب والمحاكاة. ويأتي أن باعث الهزل والمزاح ماذا، وإنه متعلق ~~بالقوة الشهوية. # الثالث - إرادة الافتخار والمباهاة: بأن يرفع نفسه بتنقيص غيره، فيقول: ~~فلان لا يعلم شيئا. وغرضه أن يثبت في ضمن ذلك فضل نفسه وإنه ms470 أفضل منه. ~~وظاهر أن منشأ ذلك التكبر أو الحسد، فيكون أيضا من رذائل القوة الغضبية. ~~PageV02P230 # الرابع - أن ينسب إلى شئ من القبائح، فيريد أن يتبرأ منه بذكر الذي فعله، ~~وكان اللازم عليه أن يبرئ نفسه منه، ولا يتعرض للغير الذي فعله، وقد يذكر ~~غيره بأنه كان شاركا له في الفعل، ليتمهد بذلك عذر نفسه في فعله، وربما كان ~~منشأ ذلك صغر النفس وخبثها. # الخامس - مرافقة الأقران ومساعدتهم على الكلام، حذرا عن تنفرهم ~~واستثقالهم إياه لولاه، فيساعدهم على إظهار عيوب المسلمين وذكر مساويهم ظنا ~~منه أنه مجاملة في الصحبة، فيهلك معهم. وباعث ذلك أيضا صغر النفس وضعفها. # السادس - أن يستشعر من رجل أنه سيذكر مساوية، أو يقبح حاله عند محتشم، أو ~~يستشهد عليه بشهادة، فيبادره قبل ذلك بإظهار عداوته، أو تقبيح حاله، ليسقط ~~أثر كلامه وشهادته. وربما ذكره بما هو فيه قطعا، بحيث ثبت ذلك عند السامعين ~~ليكذب عليه بعده، فيروج كذبه بالصدق الأول ويستشهد به ويقول: ليس الكذب من ~~عادتي، فإني أخبرتكم قبل ذلك من أحواله كذا وكذا، فكان كما قلت، فهذا أيضا ~~صدق كسابقه. وهذا أيضا منشأه الجبن وضعف النفس. # السابع - الرحمة، وهو أن يحزن ويغتم بسبب ما ابتلي به غيره فيقول المسكين ~~فلان قد غمني ما ارتكبه من القبح، أو ما حدث به من الإهانة والاستخفاف! ~~فيكون صادقا في اغتمامه، إلا أنه لما ذكر اسمه وأظهر عيبه صار مغتابا، وقد ~~كان له الاغتمام بدون ذكر اسمه وعيبه ممكنا، فأوقعه الشيطان فيه ليبطل ثواب ~~حزنه ورحمته. # الثامن - التعجب من صدور المنكر والغضب لله عليه، بأن يرى منكر من إنسان ~~أو سمعه، فيقول عند جماعة: ما أعجب من فلان أن يتعارف مثل هذا المنكر! أو ~~يغضب منه، فيظهر غضبه واسمه ومنكره، فإنه وإن كان صادقا في تعجبه من المنكر ~~وغضبه عليه، لكن كان اللازم أن يتعجب منه ويغضب عليه، ولكنه لا يظهر اسمه ~~عند من لم يطلع على ما صدر عنه من المنكر بل يظهر غضبه عليه بالنهي عن ~~المنكر ms471 والأمر بالمعروف من غير أن يظهره لغيره، فلما أوقعه الشيطان في ذكره ~~بالسوء صار مغتابا، وبطل ثواب تعجبه وغضبه، وصار آثما من حيث لا يدري. ~~PageV02P231 # وهذه الثلاثة الأخيرة مما يغمض دركها، لأن أكثر الناس يظنون أن الرحمة ~~والتعجب والغضب إذا كان لله كان عذرا في ذكر الاسم، وهو خطأ محض، إذ المرخص ~~في الغيبة حاجات مخصوصة لا مندوحة فيها من ذكر الاسم دون غيرها، وقد روي: " ~~أن رجلا مر على قوم في عصر النبي (ص) فلما جاوزهم، قال رجل منهم: إني أبغض ~~هذا الرجل لله فقال القوم: ولله لبئس ما قلت! وإنا نخبره بذلك، فأخبروه به، ~~فأتى الرجل رسول الله (ص) وحكى له ما قال، وسأله أن يدعوه فدعاه، وسأله عما ~~قال في حقه، فقال: نعم قد قلت ذلك. فقال رسول الله: ولم تبغضه؟ فقال: أنا ~~جاره وأنا به خبير والله ما رأيته يصلي صلاة قط إلا هذه المكتوبة! فقال: يا ~~رسول الله، فاسأله هل رآني أخرتها عن وقتها لو أسأت الوضوء لها والركوع ~~والسجود؟ فسأله فقال: والله ما رأيته يصوم شهرا قط إلا هذا الشهر الذي ~~يصومه كل بر وفاجر قال: فاسأله يا رسول الله هل رآني أفطرت فيه أو نقصت من ~~حقه شيئا؟ # فسأله، فقال: لا! فقال: والله ما رأيته يعطي سائلا قط ولا مسكينا، ولا ~~رأيته ينفق من ماله شيئا في سبيل الخير إلا هذه الزكاة التي يؤديها البر ~~والفاجر! # قال: فاسأله هل رآني نقصت منها شيئا أو ماكست فيها طالبها الذي يسألها ~~فسأله فقال: لا: فقال رسول الله (ص) للرجل: قم، فلعله خير منك " ولا ريب في ~~أن إنكار القوم عليه بعد قوله أبغضه لله يفيد عدم جواز إظهار المنكر الصادر ~~من شخص لغيره، وإن كان في مقام الغضب والبغض لله. # فصل ذم الغيبة لما علمت حقيقة الغيبة وبواعثها، فاعلم أنها أعظم المهلكات ~~وأشد المعاصي وقد نص الله سبحانه على ذمها في كتابه، وشبه صاحبها بآكل لحم ~~الميتة، فقال: # " ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا، أيحب ms472 أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ~~فكرهتموه " (21). وقال: " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول # PageV02P232 # إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما " (22). وقال: " ما يلفظ من قول إلا ~~لديه رقيب عتيد " (23). # وقال رسول الله (ص) " المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه ". # والغيبة تتناول العرض. وقال (ص) " إياكم والغيبة، فإن الغيبة أشد من ~~الزنا فإن الرجل قد يزني ويتوب فيتوب الله عليه، وإن صاحب الغيبة لا يغفر ~~له حتى يغفر له صاحبه " وقال (ص) " مررت ليلة أسري بي على قوم يخمشون وجوهم ~~بأظافيرهم، فقلت: يا جبرئيل، من هؤلاء؟ قال: الذين يغتابون الناس، ويقعون ~~في أعراضهم " وخطب (ص) يوما حتى اسمع العوائق في بيوتها، فقال: " يا معشر ~~من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه! لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، ~~فإن من تتبع عورة أخيه يتتبع الله عورته حتى يفضحه في جوف بيته ". وخطب (ص) ~~يوما فذكر الربا وعظم شأنه، فقال: " إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم ~~عند الله في الخطيئة من ست وثلاثين زنية يزنيها الرجل، وإن أربى الربا عرض ~~الرجل المسلم ". ومر (ص) على قبرين يعذب صاحباهما، فقال: " إنهما ليعذبان ~~في كبيرة، أما أحدهما فكان يغتاب الناس، وأما الآخر فكان لا يستبري من بوله ~~". ودعا بجريدة رطبه أو جريدتين فكسرهما، ثم أمر بكل كسرة فغرست على قبره، ~~وقال: # " أما إنه يهون من عذابهما ما كانتا رطبتين ". وروي: " أنه (ص) أمر الناس ~~بصوم يوم، وقال: لا يفطرن أحد حتى آذن له. فصام الناس، حتى إذا أمسوا، جعل ~~الرجل يجيئ، فيقول: يا رسول الله، ظللت صائما فأذن لي لأفطر، فيأذن له، ~~والرجل، حتى جاء رجل، فقال: يا رسول الله لتفطرا. فأعرض عنه. ثم عاوده ~~فأعرض عنه. ثم عاوده، فقال: إنهما لم تصوما، وكيف صام من ظل هذا اليوم يأكل ~~لحوم الناس، إذهب فمرهما إن كانتا صائمتين أن تستقيئا. فرجع إليهما، ~~فأخبرهما، فاستقاءتا، فقاءت كل واحدة منهما حلقة من دم. فرجع إلى النبي (ص) ~~فأخبره، فقال # PageV02P233 # والذي نفس محمد بيده! لو بقيتا ms473 في بطنيهما لأكلتهما النار ". وأوحى الله ~~تعالى إلى موسى (ع): " من مات تائبا من الغيبة فهو آخر من يدخل الجنة ومن ~~مات مصرا عليها فهو أول من يدخل النار. وقال (ع): " من مشى في غيبة أخيه ~~وكشف عورته كانت أول خطوة خطاها وضعها في جهنم، فكشف الله عورته على رؤوس ~~الخلائق. ومن اغتاب مسلما، بطل صومه ونقض وضوءه، فإن مات وهو كذلك مات وهو ~~مستحل لما حرم الله " وقال (ص): # " الغيبة أسرع في دين الرجل المسلم من الأكلة في جوفه " (24) وقال (ص) " ~~الجلوس في المسجد انتظار للصلاة عبادة، ما لم يحدث "، فقيل: يا رسول الله، ~~وما الحدث؟ قال: الاغتياب ". وقال (ص): " من اغتاب مسلما أو مسلمة لم يقبل ~~الله صلاته ولا صيامه أربعين يوما وليلة، إلا أن يغفر له صاحبه وقال - (ص) ~~" من اغتاب مسلما في شهر رمضان لم يؤجر على صيامه " وقال (ص) " من اغتاب ~~مؤمنا بما فيه، لم يجمع الله بينهما في الجنة أبدا، ومن اغتاب مؤمنا بما ~~ليس فيه، انقطعت العصمة بينهما، وكان المغتاب في النار خالدا فيها وبئس ~~المصير ". وقال (ص) " كذب من زعم أنه ولد من حلال وهو يأكل لحوم الناس ~~بالغيبة فإنها أدام كلاب النار ". وقال (ص) " ما عمر مجلس بالغيبة إلا خرب ~~بالدين، فنزهوا أسماعكم من استماع الغيبة، فإن القائل والمستمع لها شريكان ~~في الإثم ". وقال (ص): " ما النار في التبن بأسرع من الغيبة في حسنة العبد ~~" (25) وقال الصادق (ع) " من قال في مؤمن ما رأته عيناه وسمعته أذناه، فهو ~~من الذين قال الله عز وجل: # (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم). # PageV02P234 # وقال (ع): " من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه وهدم مروته ليسقط من ~~أعين الناس، أخرجه الله من ولايته إلى ولاية الشيطان ". وقال (ع): # " من اغتاب أخاه المؤمن من غير ترة بينهما فهو شريك شيطان (26) وقال (ع) ~~" الغيبة حرام على كل مسلم، وإنها لتأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب " ~~والأخبار الواردة في ذم الغيبة ms474 مما لا يكاد يمكن حصرها، وما ذكرناه كاف ~~لإيقاظ الطالبين. والعقل أيضا حاكم بأنها أخبث الرذائل، وقد كان السلف لا ~~يرون العبادة في الصوم والصلاة، بل في الكف عن أعراض الناس، لأنه كان عندهم ~~أفضل الأعمال، ويرون خلافة صفة المنافقين، ويعتقدون أن الوصول إلى المراتب ~~العالية في الجنة يتوقف على ترك الغيبة، لما ورد عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله - أنه قال: " من حسنت صلاته وكثرت عياله، وقل ماله ولم يغتب ~~المسلمين، كان في الجنة كهاتين " وما أقبح بالرجل المسلم أن يغفل عن عيوب ~~نفسه، ويتجسس على عيوب أخوانه، ويظهرها بين الناس، فما باله يبصر القذى في ~~عين أخيه، ولا يبصر الجذع في عين نفسه. # فيا حبيبي، إذا أردت أن تذكر عيوب غيرك، فاذكر عيوبك، وتيقن بأنك لن تصيب ~~حقيقة الإيمان، حتى لا تعيب الناس يعيب هو فيك، وحتى تبدأ بإصلاح ذلك ~~العيب. وإذا كان شغلك إصلاح عيوب نفسك، كان شغلك في خاصة نفسك، ولم تكن ~~فرصة للاشتغال بغيرك، وحينئذ كنت من أحب العباد إلى الله لقول النبي (ص) " ~~طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ". # واعلم أن عجز غيرك في الاجتناب عن ذلك العيب وصعوبة إزالته عليه كعجزك عن ~~الاجتناب عنه إن كان ذلك العيب فعلا اختياريا، وإن كان أمرا خلقيا فالذم له ~~ذم للخالق تعالى. فإن من ذم صنعة فقد ذم صانعها. قيل لبعض الحكماء يا قبيح ~~الوجه! فقال: " ما كان خلق وجهي إلي فأحسنه " ولو فرض براءتك عن جميع ~~العيوب، فلتشكر الله، ولا تلوث نفسك بأعظم العيوب. إذ أكل لحوم الميتات أشد ~~العيوب وأقبحها، مع إنك لو ظننت خلوك عن جميع العيوب لكنت أجهل الناس، ولا ~~عيب أعظم من مثل هذا الجهل. # PageV02P235 # ثم ينبغي أن يعلم المغتاب أن الغيبة تحبط حسناته وتزيد في سيئاته، لما ~~ثبت من الأخبار الكثيرة: أن الغيبة تنقل حسنات المغتاب يوم القيامة إلى من ~~اغتابه، وإن لم تكن له حسنة نقل إليه من سيئاته. قال رسول الله (ص): " يؤتى ~~بأحدكم يوم القيامة، ms475 فيوقف بين يدي الله تعالى، ويدفع إليه كتابه، فلا يرى ~~حسناته، فيقول: إلهي ليس هذا كتابي، فإني لا أرى فيه طاعتي، فيقول له: إن ~~ربك لا يضل ولا ينسى، ذهب عملك باغتياب الناس. ثم يؤتى بآخر ويدفع إليه ~~كتابه، فيرى فيه طاعات كثيرة، فيقول: إلهي ما هذا كتابي، فإني ما عملت هذه ~~الطاعات، فيقول له: إن فلانا اغتابك فدفعت حسناته إليك ". وفي معناه أخبار ~~أخر. ولا ريب في أن العبد يدخل النار بأن تترجح كفة سيئاته، وربما تنقل ~~إليه سيئة واحدة مما اغتاب به مسلما، فيحصل به الرجحان ويدخل لأجله النار. ~~وأقل ما في الباب أن ينقص من ثواب صالحات أعماله، وذلك بعد المخاصمة ~~والمطالبة والسؤال والجواب والمناقشة في الحساب. وروي عن بعضهم: " أن رجلا ~~قيل له: إن فلانا قد اغتابك، فبعث إليه طبقا من رطب، وقال: بلغني أنك قد ~~أهديت إلي من حسناتك، فأردت أن أكافيك عليها، فاعذرني، فإني لا أقدر أن ~~أكافيك على التمام ". # والحاصل: أن العاقل ينبغي أن يتأمل في أن من يغتابه إن كان صديقا ومحبا ~~له، فإظهار عيوبه وعثراته بعيد من المروة والإنصاف، وإن كان عدوا له، فتحمل ~~خطاياه ومعاصيه ونقل حسناته إلى ديوانه غاية الحماقة والجهل. # فصل علاج الغيبة الطريق في علاج الغيبة وتركها، أن يتذكر أولا ما تقدم من ~~مفاسدها الأخروية، ثم يتذكر مفاسدها في الدنيا، فإنه قد تصل الغيبة إلى من ~~اغتيب، فتصير منشأ لعداوته أو لزيادة عداوته، فيتعرض لإيذاء المغتاب ~~وإهانته، وربما انجر الأمر بينهما إلى ما لا يمكن تداركه من الضرب والقتل ~~وأمثال ذلك. ثم يتذكر فوائد أضدادها - كما نشير إليها - وبعد PageV02P236 # ذلك فليراقب لسانه، ويقدم التروي في كل كلام يريد أن يتكلم به، فإن تضمن ~~غيبة سكت عنه، وكلف نفسه ذلك على الاستمرار، حتى يرتفع عن نفسه الميل الجلي ~~والخفي إلى الغيبة. # والعمدة في العلاج أن يقطع أسبابها المذكورة، وقد تقدم علاج الغضب والحقد ~~والحسد والاستهزاء والسخرية، ويأتي طريق العلاج في الهزل والمطايبة ~~والافتخار والمباهاة. وأما تنزيه النفس بنسبة ms476 ما نسب إليه من الجناية إلى ~~الغير، فمعالجته أن يعلم أن التعرض لمقت الخالق أشد من التعرض لمقت ~~المخلوق، ومن اغتاب تعرض لمقت الله وسخطه قطعا، ولا يدري أنه يتخلص من سخط ~~الناس أم لا، فيحصل بعمله ذم الله وسخطه تقديرا، وينظر دفع ذم الناس نسيئة، ~~وهذا غاية الجهل والخذلان. وأما تعرضه لمشاركة الغير في الفعل تمهيدا لعذر ~~نفسه، كان يقول إني أكلت الحرام، لأن فلانا أيضا أكل، وقبلت مال السلطان، ~~لأن فلانا أيضا قبل، مع أنه أعلم مني، فلا ريب في أنه جهل وسفه، لأنه اعتذر ~~بالاقتداء بمن لا يجوز الاقتداء به. فإن من خالف الله لا يقتدي به كائنا من ~~كان، فلو دخل غيره النار وهو يقدر على عدم الدخول فهل يقتدي به في الدخول ~~ولو دخل عد سفيها أحمق، ففعله معصية، وعذره غيبة وغباوة، فجمع بين ~~المعصيتين والحماقة، ومثله كمثل الشاة، إذا نظرت إلى العنز تردى نفسها من ~~الجبل فهي أيضا تردى نفسها، ولو كان لها لسان ناطق واعتذرت عن فعلها بأن ~~العنز أكيس مني وقد أهلكت نفسها فكذلك فعلت أنا، لكان هذا المغتاب المعتذر ~~يضحك عليها، مع أن حاله مثل حالها ولا يضحك على نفسه. # والعجب أن بعض الأشقياء عن العوام، لما صارت قلوبهم عش الشيطان وصرفوا ~~أعمارهم في المعاصي، واشتغلت ذممهم بمظالم الناس بحيث لا يرجى لهم الخلاص، ~~مالت نفوسهم الخبيثة إلى ألا يكون معاد وحساب وحشر وعقاب، ولما وجد ذلك ~~الميل منهم اللعين، خرج من الكمين، ووسوس في صدورهم بأنواع الشكوك ~~والشبهات، حتى ضعف بها عقائدهم أو أفسدها. # ودعاهم في مقام الاعتذار عن أعمالهم الخبيثة ألا يصرحوا ارتكز في قلوبهم ~~PageV02P237 # ويشتهونه، خوفا من القتل وإجراء أحكام الكفار عليهم، ولم يدعهم أيضا ~~تلبيسهم وتزويرهم وغلبة الشيطنة عليهم أن يعترفوا بالنقص وسوء الحال فحملهم ~~الشيطان بإغوائه على أن يعتذروا من سوء فعالهم بأن بعض العلماء يفعلون ما ~~نفعل ولا يجتنبون عن مثل أعمالنا، من طلب الرئاسة وأخذ الأموال المحرمة، ~~ولم يدروا أن هذا القول ناش من ms477 جهلهم وخباثتهم. # إذ نقول لهم: إن فعل هذا البغض إن صار منشأ لزوال إيمانكم بالمعاد ~~والحساب، فأنتم كافرون، وباعث أعمالكم الخبيثة هو الكفر وعدم الإذعان ~~بأحوال النشأة الآخرة. وإن لم يصر منشأ له، بل إيمانكم ثابت، فاللازم عليكم ~~العمل بمقتضاه، من غير تزلزل يعمل الغير كائنا من كان. فما الحجة في عمل ~~هذا البعض، مع اعتقادكم بأنه على باطل؟!. # وأيضا لو كان باعث أعمالكم الخبيثة فعل العلماء، فلم اقتديتم بهذا البعض ~~مع عدم كونه من علماء الآخرة وعدم اطلاعه على حقيقة العلم؟ ولو كنتم صادقين ~~فيما تنسبون إليه، فهو المتأكل بعلمه، وإنما حصل نبذ من علوم الدنيا لتوسل ~~بها إلى حطامها، ولا يعد مثله عند أولي الألباب عالما، بل هو متشبه ~~بالعلماء. ولم ما اقتديتم بعلماء الآخرة المتخلفين بشراشرهم عن الدنيا ~~وحطامها؟ وإنكار وجود مثلهم، والقدح في الكل مع كثرتهم في أقطار الأرض غاية ~~اللجاج والعناد. ولو سلمنا منكم ذلك، فلم ما اقتديتم يطوائف الأنبياء ~~والأوصياء، مع أنهم أعلم الناس باتفاق الكل، وحقيقة العلم ليس إلا عندهم؟ ~~فإن أنكروا أعلميتهم وعصمتهم من المعاصي، واحتملوا كونهم أمثالا لهم، ظهر ~~ما في بواطنهم من الكفر الخفي. # وأما موافقة الأقران، فعلاجه أن يتذكر إن الله يسخط عليه ويبغضه إذا ~~اختار رضا المخلوقين على رضاه، وكيف يرضى المؤمن أن يترك رضا ربه لرضا بعض ~~أرذال الناس؟ وهل هذا إلا كونه تعالى أهون عنده منهم؟ # وهو ينافي الإيمان. # وأما استشعاره من رجل أنه يقبح عند محتشم حاله أو يشهد عليه بشهادة ~~فيبادره بالغيبة إسقاطا لأثر كلامه، فعلاجه أن يعلم: (أولا) إن مجرد ~~الاستشعار لا يستلزم الوقوع، فلعله لا يقبح حاله ولا يشهد عليه، ~~PageV02P238 # فالمؤاخذة بمحض التوهم تنافي الديانة والإيمان. و (ثانيا) إن اقتضاء قوله ~~سقوط أثر كلام من اغتابه في حقه مجرد توهم، والتعرض لمقت الله يقينا بمجرد ~~توهم ترتب فائدة دنيوية عليه محض الجهل والحماقة. و (ثالثا) أن تؤدي فعل ~~الغير - أعني تقبيح حاله عند محتشم مع فرض وقوعه - إلى إضراره في حيز الشك، ms478 ~~إذ ربما لم تقبل شهادته شرعا، فتقبيح حاله وتحمل معاصيه بدون الجزم ~~بصيرورته سببا لإيذائه محض الجهل والخذلان. # وأما الرحمة له على إثمه والتعجب منه والغضب لله عليه، وإن كان كل منها ~~حسنا، إلا أنه إذا لم تكن معه غيبة، وأما إذا كانت معه غيبة، أحبط أجره ~~وبقي إثمها. فالعلاج أن يتأمل أن باعث الرحمة والتعجب والغضب هو الإيمان ~~وحماية الدين، وإذا كان معها غيبة أضرت بالدين والإيمان، وليس شئ من الأمور ~~الثلاث ملزوما للغيبة لإمكان تحققه بدونها فمقتضى الإيمان وحماية الدين أن ~~يترحم ويتعجب ويغضب لله، مع ترك الغيبة وإظهار الإثم والعيب، ليكون مأجورا ~~غير آثم. # فصل مسوغات الغيبة لما عرفت أن الغيبة ذكر الغير بما يكرهه لو سمعه، ~~فاعلم أن ذلك إنما يحرم إذا قصد به هتك عرضه، والتفكه به، أو إضحاك الناس ~~منه. وأما إذا كان ذلك لغرض صحيح لا يمكن التوصل إليه إلا به، فلا يحرم. # والأغراض الصحيحة المرخصة له أمور: # الأول - التظلم عند من له رتبة الحكم وإحقاق الحقوق، كالقضاة والمفتين ~~والسلاطين، فإن نسبة الظلم والسوء إلى الغير عندهم لاستيفاء الحق جائز، ~~لقول النبي (ص): " لصاحب الحق مقال "، وقوله (ص): # " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته ". وعدم إنكاره (ص) على قول هند بحضرته: إن ~~أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني إياي وولدي، أفآخذ من غير علمه؟ ~~وقوله - صلى الله عليه وآله - لها: " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ". # الثاني - الاستعانة على رفع المنكر ورد المعاصي إلى الصلاح، وإنما ~~PageV02P239 # يستباح بها ذكر مساءته بالقصد الصحيح لا بدونه. # الثالث - نصح المستشير في التزويج، وإيداع الأمانة، وأمثالهما. # كذلك جرح الشاهد والمفتي والقاضي إذا سئل عنهم، فله أن يذكر ما يعرفه من ~~عدم العدالة والأهلية للافتاء والقضاء، بشرط صحة القصد واردة الهداية وعدم ~~باعث حسد أو تلبيس من الشيطان، وكذلك توفي المسلمين من الشر والضرر أو ~~سراية الفسق والبدعة، فإن من رأى عالما أو غيره من المؤمنين يتردد إلى ذي ~~شر أو فاسق أو مبتدع، وخاف أن يتضرر ويتعدى ms479 إليه الفسق والبدعة بمصاحبته، ~~يجوز له أن يكشف له ما يعرفه من شره وفسقه وبدعته، بشرط كون الباعث مجرد ~~خوف وصول الشر والفساد أو سراية الفسق والبدعة إليه. قال رسول الله (ص): " ~~أترعوون عن ذكر الفاجر حتى لا يعرفه الناس؟ أذكروه بما فيه يحذره الناس ". ~~ومن جملة ما يدخل في تحذير المسلمين وتوقيعهم من الشر والضرر، وإظهار عيب ~~يعلمه في مبيع، وإن كره البايع، حفظا للمشتري من الضرر. مثل أن يشتري عبدا، ~~وقد عرفه بالسرقة أو الفسق أو عيب آخر، أو فرسا، وقد عرفه بكونه مال الغير، ~~فله أن يظهر ذلك، لاستلزام سكوته ضررا على المشتري. # الرابع - رد من ادعى نسبا ليس له. # الخامس - القدح في مقالة أو دعوى باطلة في الدين. # السادس - الشهادة على فاعل المحرم حسبة. # السابع - ضرورة التعريف، فإنه إذا كان أحد معروفا بلقب يعرب عن عيب، ~~وتوقف تعريفه عليه، ولم يكن أثم في ذكره، بشرط عدم إمكان التعريف بعبارة ~~أخرى، لفعل الرواة والعلماء في الأعصار والأمصار فإنهم يقولون: روى الأعمش ~~والأعرج وغير ذلك، لأن الغالب صيرورته بحيث لا يكرهه صاحبه. # الثامن - كون المقول فيه مستحقا للاستخفاف، لتظاهره وتجاهره بفسق، كالظلم ~~والزنا وشرب الخمر وغير ذلك، بشرط عدم التعدي عما يتظاهر به، إذ لو ذكره ~~بغير ما يتظاهر به لكان آثما، وأما إذا ذكر منه PageV02P240 # مجرد ما يتجاهر به فلا إثم عليه، إذ صاحبه لا يستنكف من ذكره، وربما ~~يتفاخر به ويقصد إظهاره. ومع قطع النظر عن ذلك، فالأخبار دالة عليه، كما ~~تقدم جملة منها. وقال رسول الله (ص): " من ألقى جلباب الحياء من وجهه فلا ~~غيبة له ". وقال (ص): " ليس لفاسق غيبة ". # والظاهر أن ذكر ما يتجاهر به من العيوب ليس غيبة، لا شرعا ولا لغة، لا ~~أنه غيبة استثنى جوازها شرعا، قال الجوهري: " الغيبة أن يتكلم خلف إنسان ~~مستور بما يغمه لو سمعه، فإن كان صدقا سمي غيبة، وإن كان كذبا سمي بهتانا ~~". # هذا وقد صرح جماعة بجواز الغيبة في موضعين آخرين: أحدهما: # أن يكون ms480 اثنان أو أكثر مطلعين على عيب رجل، فيقع تحاكيه بينهم من غير أن ~~يظهروه لغيرهم ممن لم يطلع عليه، وفي بعض الأخبار المتقدمة دلالة على ~~جوازه، كما لا يخفى. وثانيهما: أن يكون متعلقها - أعني المقول فيه - غير ~~محصور، كأن يقال: " قال قوم كذا، أو أهل البلد الفلاني كذا ". # ومثله إذا قال: " بعض الناس يقول أو يفعل كذا، أو من مر بنا اليوم شأنه ~~كذا "، إذا لم يتعين البعض والمال عند المخاطب، ولو انتقل إلى شخص معين ~~لقيام بعض القرائن، كانت غيبة محرمة، وكذا لو قال: " بعض من قدم من السفر، ~~أو بعض من يدعي العلم "، إن كان معه قرينة يفهم عين الشخص فهو غيبة وإلا ~~فلا. وكذا ذكر مصنف في كتابه فاضلا معينا، وتهجين كلامه بلا اقتران شئ من ~~الأعذار المحوجة إلى ذكره غيبة، وأما لو ذكره بدون تعيينه، كأن يقول: " ومن ~~الفضلاء من صدر عنه في المقام هفوة أو عثرة " فليس غيبة، ثم السر في اشتراط ~~الغيبة بكونه تعريضا لشخص معين وعدم كون التعرض بالمبهم وغير المحصور غيبة، ~~عدم حصول الكراهة مع الإبهام وعدم الانحصار، كما لا يخفى. وربما كان في بعض ~~الأخبار أيضا إشعار به، وقد كان رسول الله (ص) إذا كره من إنسان شيئا يقول: # " ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا " من دون تعيين للفاعل. # ج: 2 PageV02P241 # تذنيب كفارة الغيبة كفارة الغيبة - بعد التوبة والندم للخروج عن حق الله ~~- أن يخرج من حق من اغتابه. وطريق الخروج من حقه، إن كان ميتا أو غائبا لم ~~يمكن الوصول إليه، أن يكثر له من الاستغفار والدعاء، ليحسب ذلك يوم القيامة ~~من حسناته ويقابل بها سيئة الغيبة، وإن كان حيا يمكن الوصول إليه ولم تبلغ ~~إليه الغيبة، وكان في بلوغها إليه مظنة العداوة والفتنة، فليكثر له أيضا من ~~الدعاء والاستغفار، من دون أن يخبره بها، وإن بلغت إليه أو لم تبلغه، ولم ~~يكن في بلوغها ظن الفتنة والعداوة، فليستحله معتذرا متأسفا مبالغا في ~~الثناء عليه والتودد إليه، وليواظب على ذلك ms481 حتى يطيب قلبه ويحله فإن لم يطب ~~قلبه من ذلك ولم يحله، كان اعتذاره وتودده حسنة يقابل بها سيئة الغيبة في ~~القيامة. # والدليل على هذا التفصيل قول الصادق (ع): " وإن اغتبت فبلغ المغتاب، ~~فاستحل منه، فإن لم تبلغه لم تلحقه، فاستغفر الله " (27)، وذلك لأن في ~~الاستحلال مع عدم البلوغ إليه إثارة للفتنة وجلب الضغائن، وفي حكم من لم ~~يبلغه من لم يقدر على الوصول إليه بموت أو غيبة، وعلى هذا فقول النبي (ص): ~~" كفارة من اغتبته أن تستغفر له "، محمول على صورة عدم إمكان الوصول إليه، ~~أو إمكانه مع إيجاب الأعلام والاستحلال لإثارة الفتنة والعداوة. وقوله (ص): ~~" من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال، فليتحللها منه من قبل أن يأتي ~~يوم ليس هناك دينار ولا درهم، إنما يؤخذ من حسناته، فإن لم تكن له حسنات ~~أخذ من سيئات صاحبه فزيدت على سيئاته "، محمول على صورة البلوغ أو عدم ~~البلوغ، مع عدم إيجاب الإعلام والاستحلال فتنة وعداوة. # PageV02P242 # تتميم البهتان قد ظهر مما تقدم أن البهتان أن تقول في مسلم ما يكرهه ولم ~~يكن فيه، فإن كان ذلك في غيبته كان كذبا وغيبة، وإن كان بحضوره كان أشد ~~أنواع الكذب. وعلى أي تقدير، فهو أشد إثما من الغيبة والكذب، قال الله ~~سبحانه: # " ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ~~" (28). # وقال رسول الله (ص): " من بهت مؤمنا أو مؤمنة، أو قال فيه ما ليس فيه، ~~أقامه الله على تل من نار، حتى يخرج مما قاله فيه ". وقال الصادق (ع): " من ~~بهت مؤمنا أو مؤمنة بما ليس فيه، بعثه الله عز وجل في طينة خبال، حتى يخرج ~~مما قال "، قلت: وما طينة خبال؟ قال: # " صديد يخرج من فروج المومسات " (29). ثم ما ورد في ذم اللسان وكونه شر ~~الأعضاء ومنع أكثر المعاصي - كما يأتي في موضعه - يدل على ذم الغيبة ~~والبهتان، كما يدل على ذم جميع آفات اللسان مما تقدم، من الفحش، واللعن، ~~والطعن، والسخرية، وغير ms482 ذلك، وما يأتي: من الكذب، والمزاح، والخوض في ~~الباطل. وفضول الكلام، وغير ذلك. # وصل المدح ومواضع حسنه وقبحه الغيبة لما كانت راجعة إلى الذم، فضدها ~~المدح ودفع الذم، والبهتان لما كان كذبا، فضده الصدق. وكما أن لكل واحدة من ~~آفات اللسان مما مر ومما يأتي ضدا خاصا، فكذلك لجميعها ضد واحد عام هو ~~الصمت - كما أشير إليه فيما سبق أيضا. وضد البهتان - أعني الصدق - يأتي # PageV02P243 # في مقام بيان الكذب. وأما الضد العام للكل، فقد يأتي في موضعه مع ما يدل ~~بعمومه على ذم جميع آفات اللسان، فهنا نشير إلى بيان المدح وما يحمد منه، ~~حتى يكون ضدا لها وفضيلة للقوة الغضبية أو الشهوية، وما يذم منه حتى يكون ~~رذيلة لإحداهما، فنقول: # لا ريب في أن مدح المؤمن في غيبته وحضوره ممدوح مندوب إليه، لكونه إدخالا ~~للسرور عليه، وقد علم مدحه وثوابه، ولما ورد من أن رسول الله (ص) أثنى على ~~أصحابه، وأنه قال لجماعة - لما أثنوا على بعض الموتى -: " وجبت لكم الجنة، ~~وأنتم شهداء الله في الأرض ". ولما ورد من " أن لبني آدم جلساء من ~~الملائكة، فإذا ذكر أحد أخاه المسلم بخير، قالت الملائكة: ولك مثله، وإذا ~~ذكره بسوء، قالت الملائكة: # يا ابن آدم المستور عورته، أربع على نفسك! وأحمد الله إذ ستر عورتك " ~~ولكنه ليس راجحا مندوبا على الإطلاق، بل إذا سلم من آفاته، وهي أن يكون ~~صدقا لا يفرط المادح فيه، بحيث ينتهي إلى الكذب، وألا يكون المادح فيه ~~مرائيا منافقا، بأن يكون غرضه إظهار الحب مع عدم كونه محبا في الواقع سواء ~~كان صادقا فيما ينسبه إليه من المدح أم لا، وألا يمدح الظالم والفاسق وإن ~~كان صادقا فيما يقول في حقه، لأنه يفرح بمدحه، وإدخال الفرح على الظالم أو ~~الفاسق غير جائز، قال رسول الله (ص): # " إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق ". فالظالم الفاسق ينبغي أن يذم ليغتم ~~ولا يمدح ليفرح، وألا يقول ما لا يتحققه ولا سبيل له إلى الاطلاع عليه. # وهذه الآفة إنما تتطرق ms483 في المدح، بالأوصاف المطلقة والخفية، كقولك: # إنه تقي ورع زاهد خير، أو قولك: إنه عدل رضي، وأمثال ذلك، لتوقف الصدق في ~~ذلك على قيام الأدلة والخبرة الباطنة، وتحققهما في غاية الندرة. فالغالب أن ~~المدح بأمثال ذلك يكون من غير تحقق وثبت، وألا يحدث في الممدوح كبرا أو ~~إعجابا يوجبان هلاكه، ولا رضى عن نفسه وجب فتوره عن العمل، إذ من أطلقت ~~الألسنة بالثناء عليه يرضى عن نفسه ويظن أنه قد أدرك، وهذا يوجب فتوره عن ~~العمل، إذ المتشمر له إنما هو من يرى نفسه مقصرا، ولذلك قال رسول الله (ص) ~~لرجل مدح بحضرته PageV02P244 # رجل آخر: " ويحك! قطعت عنق صاحبك، لو سمعها ما أفلح " وقال (ص): " إذا ~~مدحت أخاك في وجهه، فكأنما أمررت على حلقه الموسى ". # وقال أيضا لمن مدح رجلا: " عقرت الرجل عقرك الله! ". وقال (ص): # " لو مشى رجل إلى رجل بسكين مرهف، كان خيرا له من أن يثني عليه في وجهه ~~". # والسر في هذه الأخبار: أن المدح يوجب الفتور عن العمل، أو الكبر أو ~~العجب، وهو مهلك، كقطع العنق والعقر وإمرار الموسى أو السكين على الحلق، ~~فإن سلم المدح عن الآفات المذكورة المتعلقة بالمادح والممدوح كان ممدوحا، ~~وإلا كان مذموما. وبذلك يحصل الجمع بين ما ورد في مدحه - كما تقدم - وما ~~ورد في ذمه. # فاللازم على المادح أن يحترز عما تقدم من الآفات المتعلقة به، وعلى ~~الممدوح أن يحترز من آفة الكبر والعجب والفتور والرياء، بأن يعرف نفسه ~~ويتذكر خطر الخاتمة، ولا يغفل عن دقائق الرياء، ويظهر كراهة المدح، وإليه ~~الإشارة بقوله (ص): " أحثوا التراب في وجوه المداحين ". # وبالجملة: اللازم على الممدوح ألا يتفاوت حاله بالمدح، وهذا فرع معرفة ~~نفسه، وتذكر ما لا يعرفه المادح من عثراته. وينبغي أن يظهر أنه ليس كما ~~عرفوه، قال بعض الصالحين لما أثنى عليه: " اللهم إن هؤلاء لا يعرفون وأنت ~~تعرفني ". وقال أمير المؤمنين (ع) لما أثنى عليه: " اللهم اغفر لي ما لا ~~يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيرا مما يظنون ". # ثم ms484 الظاهر عدم المؤاخذة والإثم بالانبساط والارتياح بالمدح، لكون النفوس ~~مجبولة على الفرح والسرور بنسبة الكمال إليها، ولكن بشرط أن يكره من نفسه ~~ذلك الارتياح، ويقهر نفسه ويعاتبها على ذلك، ويجتهد في إزالة ذلك عنها، إذ ~~مقتضى العقل الفرح بوجود الكمال فيه لا بنسبته إليه، فما ينسب إليه منه إن ~~كان موجودا فيه، فينبغي أن يكون فرحه به لا بنسبته إليه، إذ الانبساط ~~بتصريح رجل بأنك صاحب هذا الكمال حمق وسفه. # وإن لم يكن موجودا فيه، فاللازم أن يحزن ويغضب، لكونه استهزاء لا مدحا. ~~والحاصل: أن العاقل ينبغي ألا يسر بمدح الغير ولا يحزن بذمه، PageV02P245 # إذ من ملك ياقوتة شريفة حمراء أي ضرر عليه إذا قال رجل إنها خرزة، وإذا ~~ملك حرزة أي فائدة له إذا قال إنها ياقوتة ومنها: # الكذب وهو أما في القول، أي الإخبار عن الأشياء على خلاف ما هي عليه، ~~وصدوره إما عن العداوة أو الحسد أو الغضب، فيكون من رذائل قوة الغضب، أو من ~~حب المال والطمع، أو الاعتياد الحاصل من مخالطة أهل الكذب، فيكون من رذائل ~~قوة الشهوة. # أو في النية والإرادة، وهو عدم تمحيضها بالله، بألا يكون الله سبحانه ~~بانفراده باعث طاعاته وحركاته، بل يمازجه شئ من حظوظ النفس. وهذا يرجع إلى ~~الرياء، ويأتي كونه من رذائل أي قوة. # وأما في العزم، أي الجزم على الخير، وذلك بأن يعزم على شئ من الخيرات ~~والقربات، ويكون في عزمه نوع ميل وضعف وتردد يضاد الصدق في العزيمة، وهذا ~~أيضا من رداءة قوة الشهوة. # وأما في الوفاء بالعزم، فإن النفس قد تسخو بالعزم في الحال، لعدم مشقة في ~~الوعد، فإذا حقت الحقائق، وحصل التمكن، وهاجت الشهوات، انحلت العزيمة، ولم ~~يتفق الوفاء بالعزم، وهذا أيضا من رذائل قوة الشهوة ومن أنواع الشره. # وأما في الأعمال، وهو أن تدل أعماله الظاهرة على أمر في باطنه لا يتصف هو ~~به، أي لا يكون باطنه مثل ظاهره ولا خيرا منه. وهذا غير الرياء، لأن ~~المرائي هو الذي يقصد غير الله تعالى ms485 في أعماله، ورب واقف على هيئة الخشوع ~~في صلاته ليس بقصد به مشاهدة غيره سبحانه، ولكن قلبه غافل عن الله وعن ~~الصلاة فمن نظر إلى ما يصدر عن ظاهره من الخشوع والاستكانة، يظن أنه ~~بشراشره منقطع إلى جناب ربه، وحذف ما سواه عن صحيفة قلبه، وهو بكليته عنه ~~تعالى غافل، وإلى أمر من أمور الدنيا متوجه. وكذلك قد يمشي الرجل على هيئة ~~الطمأنينة والوقار، بحيث من يراه يجزم بأنه صاحب السكينة والوقار، من أن ~~باطنه ليس موصوفا PageV02P246 # بذلك. فمثل ذلك كاذب في عمله، وإن لم يكن مرائيا ملتفتا إلى الخلق، ولا ~~نجاة من هذا الكذب إلا باستواء السريرة والعلانية، أو كون الباطن أحسن من ~~الظاهر. وهذا القسم من الكذب ربما كان من رذائل قوة الشهوة وربما كان من ~~رذائل قوة الغضب، وربما كان من رداءة القوة المدركة، بأن كان باعثه مجرد ~~الوسواس. # وأما في مقامات الدين، كالكذب في الخوف والرجاء، والزهد والتقوى والحب ~~والتعظيم، والتوكل والتسليم، وغير ذلك من الفضائل الخلقية. # فإن لها مبادئ يطلق الاسم بظهورها، ثم لها حقائق ولوازم وغايات والصادق ~~المحقق من نال حقائقها ولوازمها وغاياتها، فمن لم يبلغها كان كاذبا فيها. # مثلا الخوف من الله تعالى له مبدأ هو الإيمان به سبحانه، وحقيقة هو تألم. # الباطن واحتراقه، ولوازم وآثار هي اصفرار اللون وارتعاد الفرائص وتكدر ~~العيش وتقسم الفكر وغير ذلك، وغايات هي الاجتناب عن المعاصي والسيئات ~~والمواظبة على الطاعات والعبادات، فمن آمن بالله تعالى صدق عليه كونه خائفا ~~يطلق عليه الاسم، إلا أنه لم تكن معه حرقة القلب وتكدر العيش والتشمر للعمل ~~كان خوفا كاذبا، وإن كان معه ذلك كان خوفا صادقا، أي بالغا درجة الحقيقة، ~~قال أمير المؤمنين (ع): " إياكم والكذب فإن كل راج طالب، وكل خائف هارب " ~~(30): أي لا تكذبوا في ادعائكم الرجاء والخوف من الله، وذلك لأن كل راج ~~طالب لما يرجو ساع في أسبابه، وأنتم لستم كذلك، وكل خائف هارب مما يخاف ~~منه، مجتنب مما يقربه منه، وأنتم لستم كذلك، وهذا مثل ms486 قوله (ع) في نهج ~~البلاغة: " كذب والله العظيم ما باله لا يتبين رجاؤه في عمله! وكل من رجا ~~عرف رجاؤه إلا رجاء الله، فإنه مدخول، وكل خوف محقق إلا خوف الله، فإنه ~~معلول... (31) ثم الكذب في كل مقام لما كان راجعا إلى عدمه، فيكون رذيلة ~~متعلقة # PageV02P247 # بالقوة التي في هذا المقام فضيلة متعلقة بها. وبما ذكر يظهر: إن من له ~~مبدأ الإيمان، أعني الإقرار بالشهادتين، وكان فاقدا لحقيقته، أعني اليقين ~~القطعي بالمبدأ والمعاد، أو للوازمه وغاياته، أعني الخوف الصادق منه تعالى ~~والتعظيم الحقيقي له سبحانه والاهتمام البالغ في امتثال أوامره ونواهيه، ~~كان كاذبا في دعوى الإيمان. # فصل ذم الكذب الكذب أقبح الذنوب وأفحشها، وأخبث العيوب وأشنعها، قال الله ~~سبحانه: # " إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون " (32). " فأعقبهم نفاقا في قلوبهم ~~إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون " (33). # وقال رسول الله (ص) " إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور ~~يهدي إلى النار ". وقال المؤمن إذا كذب من غير عذر لعنه سبعون ألف ملك، ~~وخرج من قلبه نتن حتى يبلغ العرش فيلعنه حملة العرش، وكتب الله عليه بتلك ~~الكذبة سبعين زنية، أهونها كمن زنى مع أمه " (33). وسئل (ص) " يكون المؤمن ~~جبانا؟ قال: نعم! قيل: ويكون بخيلا؟ قال نعم! قيل ويكون كذابا؟ قال: لا! ~~وقال (ص): " كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق وأنت له به كاذب ~~". وقال (ص): الكذب ينقص الرزق " وقال (ص) " ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به ~~القوم! ويل له ويل له وقال (ص) " رأيت كأن رجلا جاءني فقال لي: قم، فقمت ~~معه فإذا أنا برجلين أحدهما قائم والآخر جالس، وبيد القائم كلوب من حديد ~~يلقمه في شدق الجالس فيجذبه حتى يبلغ كاهله، فيلقمه الجانب الآخر فيمده، ~~فإذا مده رجع الآخر كما كان، للذي أقامني: ما هذا؟ فقال: هذا رجل كذاب، ~~يعذب في قبره إلى يوم القيامة ". وقال (ص) " ألا أخبركم بأكبر الكبائر: ~~الاشراك * (الهامش) * (32) النحل، الآية: 105. # (3) التوبة الآية: 78. # (34) صححنا هذين الحديثين على ms487 (جامع الأخبار): الباب 12 الفصل 7 ~~PageV02P248 # بالله، وعقوق الوالدين، وقول الزور ": أي الكذب. وقال (ص): " إن العبد ~~ليكذب الكذبة فيتباعد الملك منه مسيرة ميل من نتن ما جاء به ". وقال صلى ~~الله عليه وآله: " إن للشيطان كحلا ولعوقا ونشوقا. فأما لعوقه فالكذب وأما ~~نشوقه فالغضب، وأما كحله فالنوم " (35) وقال روح الله لأصحابه: " من كثر ~~كذبه ذهب بهاؤه ". وقال أمير المؤمنين (ع) " لا يجد العبد طعم الإيمان حتى ~~يترك الكذب، هزله وجده ". وقال (ع) " أعظم الخطايا عند الله اللسان والكذب، ~~وشر الندامة ندامة يوم القيامة ". وقال علي بن الحسين (ع): # " اتقوا الكذب الصغير منه والكبير في كل جد وهزل، فإن الرجل إذا كذب في ~~الصغير اجترأ على الكبير ". وقال أبو جعفر (ع): " إن الله عز وجل جعل للشر ~~أقفالا، وجعل مفاتيح تلك الأقفال الشراب، والكذب شر من الشراب " وقال (ع): ~~" الكذب هو خراب الإيمان ". وقال (ع) " إن أول من يكذب الكذاب الله عز وجل، ~~ثم الملكان اللذان معه، هو يعلم أنه كاذب ". وقال الإمام الزكي العسكري ~~(ع): " جعلت الخبائث كلها في بيت وجعل مفتاحها الكذب " والأخبار الواردة في ~~ذم الكذب أكثر من أن تحصى. وأشد أنواع الكذب إثما ومعصية الكذب على الله ~~وعلى رسوله وعلى الأئمة، وكفاه ذما أنه يبطل الصوم، ويوجب القضاء والكفارة ~~على الأقوى. قال الصادق (ع): # " إن الكذبة لتفطر الصائم " قال الراوي: وأينا لا يكون ذلك منه، قال: # " ليس حيث ذهبت، إنما الكذب على الله تعالى وعلى رسوله وعلى الأئمة - ~~عليهم السلام - ". وقال (ع): " الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الأوصياء - ~~عليهم السلام - من الكبائر ". وذكر عنده (ع) الحائك، وكونه ملعونا، فقال: " ~~إنما ذلك الذي يحوك الكذب على الله وعلى رسوله " وقال الباقر (ع): " لا ~~تكذب علينا كذبة، فتسلب الحنيفية " (36). # PageV02P249 # فصل مسوغات الكذب الكذب حرام، لما فيه من الضرر على المخاطب أو على غيره، ~~أو لإيجابه اعتقاد المخاطب خلاف الواقع، فيصير سببا لجهله. وهذا القسم مع ~~كونه أهون الدرجات وأقلها إثما، محرم أيضا، إذا القاء خلاف الواقع على ms488 ~~الغير وسببية جهله غير جائز، إلا أنه إذا كان مما يتوقف عليه تحصيل مصلحة ~~مهمة، ولم يمكن التوصل إليها بالصدق، زالت حرمته وارتفع إثمه فإن كانت ~~المصلحة مما يجب تحصيلها، كإنقاذ مسلم من القتل والأسر، أو حفظ عرضه أو ~~ماله المحترم، كان الكذب فيه واجبا. وإن كانت راجحة غير بالغة حد الوجوب، ~~فالكذب لتحصيلها مباح أو أو راجح مثلها، كالإصلاح بين الناس والغلبة على ~~العدو في الحرب، وتطييب خاطر امرأته واسترضائها وقد وردت الأخبار المتكثرة ~~بجواز الكذب إذا توقف عليه تحصيل هذه المقاصد الثلاثة، كما روي " إن رسول ~~الله (ص) لم يرخص في شئ من الكذب إلا في ثلاث: الرجل يقول القول يريد به ~~الإصلاح، والرجل يقول القول في الحرب، والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث ~~زوجها " وقال (ص) " ليس بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيرا ". وقال (ص): " ~~كل الكذب يكتب على ابن آدم، إلا رجل كذب بين رجلين يصلح بينهما " وقال (ص): ~~" كل الكذب مكتوب كذبا لا محالة إلا أن يكذب الرجل في الحرب، فإن الحرب ~~خدعة، أو يكون بين رجلين شحناء فيصلح بينهما أو يحدث امرأته يرضيها ". وقال ~~(ص): " لا كذب على المصلح ". وقال الصادق (ع): كل كذب مسؤول عنه صاحبه ~~يوما، إلا كذبا في ثلاثة: رجل كايد في حروبه، فهو موضوع عنه. أو رجل لصلح ~~بين اثنين يلقي هذا بغير ما يلقي به هذا، يريد بذلك الإصلاح ما بينهما. أو ~~رجل وعد أهله شيئا وهو لا يريد أن يتم لهم ". وقال (ع): " الكلام ثلاثة: # صدق وكذب، وإصلاح بين الناس "، قيل له: ما الإصلاح بين الناس؟ # قال: " تسمع في الرجل كلاما يبلغه فيخبث نفسه، فتلقاه وتقول: قد ~~PageV02P250 # سمعت من فلان فيك من الخير كذا وكذا، خلاف ما سمعت منه (37). وقد تقدمت ~~أخبار أخر في هذا المعنى. # وهذه الأخبار وإن اختصت بالمقاصد الثلاثة، إلا أن غيرها من المقاصد ~~الضرورية التي فوقها أو مثلها في المصلحة يلحقها من باب الأولوية أو اتحاد ~~الطريق. والأخبار التي وردت في ذم هتك السر ms489 وكشف العيوب والفواحش تفيد وجوب ~~القول بعدم الاطلاع، وإن كان مطلعا مع كونه كذبا، فلا إثم على أحد بصدور ~~الكذب عنه إذا كان وسيلة إلى شئ من المقاصد الصحيحة الضرورية له أو لغيره ~~من المسلمين، فإن أخذه ظالم وسأله عن ماله فله أن ينكر، وأخذه سلطان وسأله ~~عن فاحشة ارتكبها بينه وبين الله فله أن ينكر وإن سئل عما يعلمه عن عيب ~~أخيه وسره فله أن ينكر ولو وقع بين اثنين فساد فله أن يكذب، توسلا إلى ~~الإصلاح بينهما وكذا يجوز له للإصلاح بين الضرات من نسائه أن يظهر لكل ~~واحدة أنها أحب إليه، وإن كانت امرأته لا تطيعه إلا بوعد ما لا يقدر عليه، ~~يجوز أن يعدها في الحال تطييبا لقلبها وإن لم يكن صادقا في وعده. ويلحق ~~بالنساء الصبيان، فإن الصبي إذا لم يرغب فيما يؤمر به من الكتابة وغيرها ~~إلا بوعد أو وعيد وتخويف، كان ذلك جائزا، وإن لم يكن في نيته الوفاء به. ~~وكذا لو تكدر منه إنسان، وكان لا يطيب قلبه إلا بالاعتذار إليه، بإنكار ذنب ~~وإظهار زيادة تودد، كان ذلك جائز وإن لم يكن صدقا. # والحاصل: أن الكذب لدفع ضرر أو شر أو فساد جائز، بشرط صحة القصد. وقد ~~ورد: أن الكذب المباح يكتسب ويحاسب عليه التصحيح قصده، فإن كان قصده صحيحا ~~يعفى عنه، وإلا يؤاخذ به. فينبغي أن يجتهد في تصحيح قصده، وأن يحترز عنه ما ~~لم يضطر إليه، ويقتصر فيه على حد الواجب، ولا يتعدى إلى ما يستغني عنه. # ولا ريب في أن ما يجب ويضطر إليه هو الكذب لأمور في فواتها # PageV02P251 # محذور وأضرار، وليس كل الكذب لزيادة المال والجاه وغير ذلك مما يستغنى ~~عنه، فإنه محرم قطعا، إذ فواته لا يوجب ضررا وفسادا وإعداما للموجود بل ~~إنما يوجب فوات حظ من حظوظ النفس. وكذلك فتوى العالم بما لا يحققه وفتوى من ~~ليس له أهلية الافتاء، إظهارا للفضل أو طلبا للجاه والمال، بل هو أشد أنواع ~~الكذب إثما وحرمة، لأنه مع كونه ms490 كذبا لما يستغنى عنه، كذب على الله وعلى ~~رسوله. # فالكذب إذا كان وسيلة إلى ما يستغنى عنه حرام مطلقا، وإذا كان وسيلة إلى ~~ما لا يستغنى عنه ينبغي أن يوازن (38) محذور الكذب مع محذور الصدق، فيترك ~~أشدهما وقعا في نظر الشرع. وبيان ذلك: أن الكذب في نفسه محذور، والصدق في ~~المواضع المذكورة يوجب محذورا، فينبغي أن يقابل أحد المحذورين بالآخر، ~~ويوازنا بالميزان القسط، فإن كان محذور الكذب أهون من محذور الصدق فله ~~الكذب، وإن كان محذور الصدق أهون وجب الصدق، وقد يتقابل المحذور أن بحيث ~~يتردد فيهما، وحينئذ فالميل إلى الصدق أولى، إذ الكذب أصله الحرمة، وإنما ~~يباح بضرورة أو حاجة مهمة، وإذا شك في كون الحاجة مهمة، لزم الرجوع إلى أصل ~~التحريم. # تنبيه التورية والمبالغة كل موضع يجوز فيه الكذب، إن أمكن عدم التصريح به ~~والعدول إلى التعريض والتورية، كان الأولى ذلك. وما قيل: إن في المعاريض ~~لمندوحة عن الكذب، وإن فيها ما يغني الرجل عن الكذب، ليس المراد به أنه ~~يجوز التعريض بدون حاجة واضطرار، إذ التعريض بالكذب يقوم مقام التصريح به، ~~لأن المحذور من الكذب تفهيم الشئ على خلاف ما هو عليه في نفسه، وهذا موجود ~~في الكذب بالمعاريض. فالمراد أن التعريض # PageV02P252 # يجوز إذا اضطر الإنسان إلى الكذب، ومست الحاجة إليه، واقتضته المصلحة في ~~بعض الأحوال في تأديب النساء والصبيان ومن يجري مجراهم، وفي الحذر عن ~~الظلمة والأشرار في قتال الأعداء. فمن اضطر إلى الكذب في شئ من ذلك فهو ~~جائز له، لأن نطقه فيه إنما هو على مقتضى الحق والدين، فهو في الحقيقة ~~صادق، وإن كان كلامه مفهما غير ما هو عليه، لصدق نيته وصحة قصده وإرادته ~~الخير والصلاح، فمثل هذا النطق لا يكون خارجا عن حقيقة الصدق، إذ الصدق ليس ~~مقصودا لذاته، بل للدلالة على الحق، فلا ينظر إلى قالبه وصورته، بل إلى ~~معناه وحقيقته. نعم، ينبغي له في هذه المواضع أن يعدل إلى المعاريض ما وجد ~~إليه سبيلا يصدق اللفظ حينئذ أيضا وإن كان ms491 متشاركا مع التصريح في تفهيم ~~الشئ على خلاف ما هو عليه في الواقع. وقد كان رسول الله (ص) إذا توجه إلى ~~سفر وراه بغيره، لئلا ينتهي الخبر إلى الأعداء فيقصدونه. # ومما يدل على جواز التعريض مع صحة النية، ما روي في الاحتجاج: # " أنه سئل الصادق (ع) عن قول الله تعالى في قصة إبراهيم (ع): # " قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون " (39). # قال: ما فعله كبيرهم وما كذب إبراهيم. قيل: كيف ذلك؟ فقال: # إنما قال إبراهيم فاسألوهم إن كانوا ينطقون، أي إن نطقوا فكبيرهم فعل، ~~وإن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئا، فما نطقوا وما كذب إبراهيم (ع)، " ~~وسئل عن قوله تعالى: # " أيتها العير إنكم لسارقون " (40). # قال: إنهم سرقوا يوسف من أبيه، ألا ترى أنه قال لهم حين قالوا: # ماذا تفقدون؟ قالوا: تفقد صواع الملك، ولم يقولوا: سرقتم صواع الملك. ~~إنما سرقوا يوسف من أبيه ". " وسئل عن قول إبراهيم: # " فنظر نظرة في النجوم. فقال إني سقيم " (41). # PageV02P253 # قال: ما كان إبراهيم سقيما، وما كذب، إنما عني سقيما في دينه، أي مرتادا ~~". # وطريق التعريض والتورية: أن يخبر المتكلم المخاطب بلفظ ذي احتمالين ~~أحدهما غير مطابق للواقع وأظهر في المقام، فيحمله المخاطب عليه، وثانيهما ~~مطابق له يريده المتكلم، كما ظهر من خبر الاحتجاج. ومن أمثلته: أنه إذا ~~طلبك ظالم وأنت في دارك ولا تريد الخروج إليه، أن تقول لأحد أن يضع إصبعه ~~في موضع ويقول: ليس ههنا. وإذا بلغ عنك شئ إلى رجل، وأردت تطييب قلبه من ~~غير أن تكذب، تقول له: إن الله ليعلم ما قلت من ذلك من شئ، على أن يكون ~~لفظة (ما) عندك للابهام، وعند المستمع للنفي. # وقد ظهر مما ذكر: إن كل تعريض لغرض باطل كالتصريح في عدم الجواز، لأن فيه ~~تقريرا للغير على ظن كاذب. نعم، قد تباح المعاريض لغرض خفيف، كتطييب قلب ~~الغير بالمزاح، كقول النبي (ص): " لا تدخل الجنة عجوز " و " في عين زوجك ~~بياض " و " نحملك على ولد بعير "... # وقس عليه أمثال ذلك. ms492 # ومن الكذب الذي يجوز ولا يوجب الفسق، ما جرت به العادة في المبالغة، ~~كقولك: قلت لك كذا مائة مرة، وطلبتك مائة مرة، وأمثال ذلك لأنه لإيراد بذلك ~~تفهيم المرات بعددها، بل تفهيم المبالغة. فإن لم يكن طلبه إلا مرة واحدة ~~كان كاذبا، وإن طلبه مرات لا يعتاد مثلها في الكثرة فلا يأثم، وإن لم تبلغ ~~مائة. # ومن الكذب الذي لا إثم عليه ما يكون في أنواع المجاز والاستعارات ~~والتشبيهات، إذ الغرض تفهيم نوع من المناسبة والمبالغة، لا دعوى الحقيقة ~~والمساواة من جميع الجهات. # ومن الكذب الذي جرت العادة به، ويتساهل فيه، قول الرجل إذا قيل له: كل ~~الطعام: (لا أشتهيه)، مع كونه مشتهيا له. وهذا منهي عنه كما تدل عليه بعض ~~الأخبار، إلا إذا كان فيه غرض صحيح، وما جرت العادة به قول الرجل: (الله ~~يعلم) فيما لا يعلمه، وهو أشد أنواع الكذب، قال عيسى (ع): " إن من أعظم ~~الذنوب عند الله أن يقول العبد: PageV02P254 # إن الله يعلم لما لا يعلم ". ومن الكذب الذي عظم ذنبه ويتساهل فيه، الكذب ~~في حكاية المنام، قال رسول الله (ص): " إن من أعظم الفرية أن يدعي الرجل ~~إلى غير أبيه، أو يرى عينيه في المنام ما لم ير، أو يقول على ما لم أقل ". ~~وقال (ص): " من كذب في حلم، كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعرتين ". # تذنيب شهادة الزور، اليمين الكاذب، خلف الوعد من أنواع الكذب وأفحشها: ~~شهادة الزور، واليمين الكاذب، وخلف الوعد. # ويدل على ذم الأول قوله تعالى في صفة المؤمنين: # " والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما " (42). # وقول النبي (ص): " شاهد الزور كعابد الوثن ". # وعلى ذم الثاني قول النبي (ص): " والتجار هم الفجار! " فقيل: يا رسول ~~الله، أليس الله قد أحل البيع؟ فقال: " نعم! ولكنهم يحلفون فيأثمون، ~~ويحدثون فيكذبون ". وقوله (ص): " ثلاث نفر لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ~~ينظر إليهم ولا يزكيهم: المنان بعطيته، والمنفق سلعته بالحلف الفاجر، ~~والمسبل إزاره ". وقوله (ص): " ما حلف حالف بالله فأدخل فيها ms493 مثل جناح ~~بعوضة، إلا كانت نكتة في قلبه إلى يوم القيامة ". # وقوله (ص): " ثلاث يشنأهم الله: التاجر أو البايع الحلاف، والفقير ~~المختال والبخيل المنان ". # وعلى ذم الثالث قول النبي (ص): " من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فليف ~~إذا وعد ". وقول الصادق (ع): " عدة المؤمن أخاه نذر لا كفارة له، فمن أخلف ~~فبخلف الله تعالى بدأ ولمقته تعرض، وذلك قوله تعالى: # " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتا عند الله أن ~~تقولوا ما لا تفعلون " (43). # PageV02P255 # وقال رسول الله (ص): " أربع من كن فيه كان منافقا ومن كانت فيه خلة منهن ~~كانت فيه خلة من النفاق، حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد ~~غدر، وإذا خاصم فجر ". فمن وعد وكان عند الوعد عازما على ألا يفي، أو كان ~~عازما على الوفاء وتركه بدون عذر فهو منافق. وأما إن عن له عذر من الوفاء، ~~لم يكن منافقا وآثما. # وإن جرى عليه ما هو صورة النفاق، فالأولى أن يحترز عن صورة النفاق أيضا ~~كما يحترز عن حقيقته، وذلك بألا يجزم في الوعد، بل يعلقه على المشية ~~ومثلها. # إيقاظ علاج الكذب طريق معالجة الكذب: أولا: أن يتأمل في ما ورد في ذمه من ~~الآيات والأخبار، ليعلم أنه لو لم يتركه لأدركه الهلاك الأبدي. ثم يتذكر أن ~~كل كاذب ساقط عن القلوب في الدنيا ولا يعتني أحد بقوله، وكثيرا ما يفتضح ~~عند الناس بظهور كذبه. ومن أسباب افتضاحه أن الله سبحانه يسلط عليه ~~النسيان، حتى أنه لو قال شيئا ينسى أنه قاله، فيقول خلاف ما قاله، فيفتضح. ~~وإلى ذلك أشار الصادق (ع) بقوله: " إن مما أعان الله به على الكذابين ~~النسيان ". ثم يتأمل في الآيات والأخبار الواردة في مدح ضده، أعني الصدق ~~كما يأتي، وبعد ذلك إن لم يكن عدوا لنفسه، فليقدم التروي في كل كلام يريد ~~أن يتكلم به، فإن كان كذبا يتركه وليجتنب مجالسة الفساق وأهل الكذب، ويجالس ~~الصلحاء وأهل الصدق. # وصل الصدق ومدحه ضد الكذب، وهو ms494 أشرف الصفات المرضية، ورئيس الفضائل ~~النفسية، وما ورد في مدحه وعظم فائدته من الآيات والأخبار مما لا يمكن ~~إحصاؤه، قال الله سبحانه: # " رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه " (44). وقال: " اتقوا الله وكونوا # PageV02P256 # مع الصادقين " (45). وقال: " الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين ~~والمستغفرين بالأسحار " (46). وقال سبحانه: " إنما المؤمنون الذين آمنوا ~~بالله ورسوله ثم لم يرتابوا - إلى قوله - أولئك هم الصادقون " (47). # وقال عز وجل: " ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر. ثم قال: والصابرين ~~في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا " (48). # وقال رسول الله (ص) " تقبلوا إلي بست أتقبل لكم بالجنة: إذا حدث أحدكم ~~فلا يكذب، وإذا وعد فلا يخلف، وإذا ائتمن فلا يخن وغضوا أبصاركم، وكفوا ~~أيديكم واحفظوا فروجكم ". وعن الصادقين - عليهما السلام -: " إن الرجل ~~ليصدق حتى يكتبه الله صديقا ". وعن الصادق (ع) قال: " كونوا دعاة الناس ~~بالخير بغير ألسنتكم، ليروا منكم الاجتهاد والصدق والورع ". وعنه (ع): " من ~~صدق لسانه زكي عمله، ومن حسنت نيته زيد في رزقه، ومن حسن يره بأهل بيته مد ~~له في عمره ". # وعنه (ع) قال: " لا تنظروا إلى طول ركوع الرجل وسجوده، فإن ذلك شئ ~~اعتاده، ولو تركه لاستوحش لذلك، ولكن انظروا إلى صدق حديثه وأداء أمانته ". ~~وقال (ص) لبعض أصحابه: " انظر إلى ما بلغ به علي (ع) عند رسول الله (ص) ~~فالزمه، فإن عليا (ع) إنما بلغ ما بلغ به عند رسول الله بصدق الحديث وأداء ~~الأمانة ". وعنه (ع) قال: " إن الله لم يبعث نبيا إلا بصدق الحديث وأداء ~~الأمانة إلى البر والفاجر " (49). وقال (ع): # " أربع من كن فيه كمل إيمانه ولو كان ما بين قرنه إلى قدمه ذنوب لم ينقصه ~~ذلك - قال -: هي الصدق، وأداء الأمانة، والحياء، وحسن الخلق ". # وقد وردت بهذه المضامين أخبار كثيرة أخر. ومن أنواع الصدق الصدق في # PageV02P257 # الشهادة، وهو ضد شهادة الزور والصدق في اليمين، وهو ضد الكذب فيه، ~~والوفاء بالعهد، وهو ضد خلف الوعد، وهذا القسم من الصدق، أعني الوفاء ~~بالعهد، أفضل أنواع الصدق القولي وأحبها، ولذا أثنى الله تعالى ms495 على نبيه ~~إسماعيل به، وقال: # " إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا " (50). # قيل: إنه واعد إنسانا في موضع فلم يرجع إليه، فبقي اثنين وعشرين يوما في ~~انتظاره. وروي: " أنه بايع رجل رسول الله (ص) ووعده أن يأتيه من مكانه ذلك، ~~فنسي وعده في يومه وغده، وأتاه في اليوم الثالث وهو في مكانه ". وقال رسول ~~الله: " العدة دين ". وقال (ص): " الوأي - أي الوعد - مثل الدين أو أفضل ". # تكميل أقسام الصدق الصدق كالكذب له أنواع ستة: # الأول - الصدق في القول، وهو الإخبار عن الأشياء على ما هي عليه، وكمال ~~هذا النوع بترك المعاريض من دون ضرورة، حذرا من تفهيم الخلاف وكسب القلب ~~صورة كاذبة، ورعاية معناه في ألفاظه التي يناجي بها الله سبحانه، فمن قال: ~~" وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض " وفي قلبه سواه، أو قال: " إياك ~~نعبد " وهو يعبد الدنيا بتقيد قلبه بها إذ كل من تقيد قلبه بشئ فهو عبد له، ~~كما دلت عليه الأخبار، فهو كاذب الثاني - الصدق في النية والإرادة، ويرجع ~~ذلك إلى الإخلاص، وهو تمحيض النية وتخليصها لله، بألا يكون له باعث في ~~طاعاته، بل في جميع حركاته وسكناته، إلا الله. فالشوب يبطله ويكذب صاحبه. # الثالث - الصدق في العزم أي الجزم على الخير: فإن الإنسان قد يقدم العزم ~~على العمل، ويقول في نفسه: إن رزقني الله كذا تصدقت منه كذا، وإن خلصني ~~الله من تلك البلية فعلت كذا. فإن كان في باطنه جاز ما على هذا العزم، ~~مصمما على العمل بمقتضاه، فعزمه صادق وإن كان في # PageV02P258 # عزمه نوع ميل وضعف وتردد، كان عزمه كاذبا، إذ التردد في العزيمة يضاد ~~الصدق فيها، وكان الصدق هنا بمعنى القوة والتمامية، كما يقال: لفلان شهوة ~~صادقة، أي قوة تامة، أو شهوة كاذبة، أي ناقصة ضعيفة. # الرابع - الصدق في الوفاء بالعزم: فإن النفس قد تسخو بالعزم في الحال، إذ ~~لا مشقة في الوعد، فإذا حان حين العمل بمقتضاه، هاجت الشهوات وتعارضت مع ~~باعث الدين، وربما غلبته بحيث انحلت العزيمة ونم يتفق الوفاء ms496 بمتعلق الوعد، ~~وهذا يضاد الصدق فيه، ولذلك قال الله سبحانه: # " رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه " (1). # الخامس - الصدق في الأعمال: وهو تطابق الباطن والظاهر، واستواء السريرة ~~والعلانية، أو كون الباطن خيرا من الظاهر، بألا تدل أعماله الظاهرة على أمر ~~في باطنه لا يتصف هو به، لا بأن يترك الأعمال، بل بأن يستجر الباطن إلى ~~تصديق الظاهر. وهذا أعلى مراتب الإخلاص، لإمكان تحقق نوع من الإخلاص بما ~~دون ذلك، وهو أن يخالف الباطن الظاهر من دون قصد، فإن ذلك ليس رياء. فلا ~~يمتنع صدق اسم الإخلاص عليه. # توضيح ذلك: إن الرياء هو أن تقصد غير الله سبحانه في الأعمال، وقد تصدر ~~عن إنسان أعمال ظاهرة تدل على أنه صاحب فضيلة باطنة، من التوجه إلى الله ~~والأنس به، أو السكينة والوقار، أو التسليم والرضا وغير ذلك، مع أنه فاقد ~~لها، لحصول الغلبة المانعة عن تحققها، أو اتفاق صدور الأعمال الظاهرة بهذه ~~الهيئة من دون أن يقصد بها مشاهدة غيره سبحانه، فهذا غير صادق في عمله، ~~كاذب في دلالة الظاهر على الباطن. وإن لم يكن مرائيا ولا ملتفتا إلى الخلق، ~~فإذن مخالفة الظاهر للباطن إن كانت من قصد سميت رياء، ويفوت بها الإخلاص، ~~وإن كانت من غير قصد سميت كذبا ويفوت بها الصدق، وربما لم يفت بها بعض ~~مراتب الإخلاص. وهذا النوع من الصدق - أعني مساواة السر والعلانية أو كونه ~~خيرا منها - أعز من الأنواع السابقة عليه، ولذلك كرر طلبه من الله سيد ~~الرسل (ص) في دعواته بقوله: " اللهم اجعل سريرتي خيرا من علانيتي، واجعل ~~علانيتي # PageV02P259 # صالحة ". وورد: " أنه إذا ساوت سريرة المؤمن علانيته، باهى الله به ~~الملائكة، يقول: هذا عبدي حقا! ". وكان بعض الأكابر يقول: " من يدلني على ~~بكاء بالليل بسام بالنار؟ ". ولنعم ما قيل: # إذا السر والإعلان في المؤمن استوى * فقد عز في الدارين واستوجب الثنا ~~وإن خالف الإعلان سرا فما له * على سعيه فضل سوى الكد والعنا كما خالص ~~الدينار في السوق نافق * ومغشوشه المردود لا يقتضي المنى ومن جملة ms497 هذا ~~الصدق: موافقة القول والفعل، فلا يقول ما لا يفعل و لا يأمر بما لا يعمل. ~~فمن وعظ ولم يتعظ في نفسه كان كاذبا. ومن هنا قال أمير المؤمنين (ع): " إني ~~والله ما أحثكم على طاعة إلا وأسبقكم إليها، ولا أنهاكم عن معصية إلا ~~وأتناهى قبلكم عنها ". # السادس - الصدق في مقامات الدين: من الصبر، والشكر، والتوكل، والحب، ~~والرجاء، والخوف، والزهد، والتعظيم، والرضا والتسليم، وغير ذلك. وهو أعلى ~~درجات الصدق وأعزها، فمن اتصف بحقائق هذه المقامات ولوازمها وآثارها ~~وغاياتها فهو الصديق الحق، ومن كان له فيها ما يطلق عليه الاسم دون اتصافه ~~بحقائقها وآثارها وغاياتها فهو كاذب فيها. أما ترى أن من خاف سلطانا أو ~~غيره كيف يصفر لونه ويتعذر عليه أكله ونومه ويتنغص عليه عيشه ويتفرق عليه ~~فكره وترتعد فرائصه وتتزلزل أركانه وجوانبه؟ وقد ينزح عن وطنه ويفترق عن ~~أهله وولده، فيستبدل بالأنس الوحشة، وبالراحة التعب والمشقة، فيعترض ~~للأخطار ويختار مشقة الأسفار، كل ذلك من درك المحذور. فمثل هذا الخوف هو ~~الخوف الصادق المحقق. ثم إن من يدعي الخوف من الله أو من النار، ولا يظهر ~~عليه شئ من ذلك عند إرادة المعصية وصدورها عنه، فخوفه خوف كاذب. قال النبي ~~(ص): " لم أر مثل النار نام هاربها، ولم أر مثل الجنة نام طالبها ". # ثم لا غاية لهذه المقدمات حتى يمكن لأحد أن ينال غايتها، بل لكل عبد منها ~~حظ بحسب حاله ومرتبته، فمعرفة الله وتعظيمه والخوف منه غير متناهية، فلذلك ~~لما رأى (ص) جبرئيل على صورته الأصلية، خر مغشيا PageV02P260 # عليه، وقال - بعد عودته إلى صورته الأولى وإفاقته -: " ما ظننت أحدا من ~~خلق الله هكذا! قال له: فكيف لو رأيت إسرافيل؟ إن العرش على كاهله، وإن ~~رجليه قد مرقتا تخوم الأرضين السفلى، وإنه ليتصاغر من عظمة الله حتى يصير ~~كالوصع! ": أي كالعصفور الصغير. وقال (ص): # " مررت ليلة أسري بي - أنا وجبرئيل - بالملأ الأعلى كالحلس البالي من ~~خشية الله ": أي كالكساء الذي يلقى على ظهر البعير. # فأنظر إلى أعاظم الملائكة والنبيين، كيف ms498 تصير حالهم من شدة الخشية ~~والتعظيم، وهذا إنما هو لقوة معرفتهم الله وجلاله، وفرق ما لم يدركوه من ~~عظمته وقدرته مراتب غير متناهية. فاختلاف الناس في مراتب الخوف والتعظيم ~~والحب والأنس إنما هو بحسب اختلافهم في معرفة الله، وليس يمكن أن يوجد من ~~بلغ غايتها، فاختلاف الناس إنما هو في القدر الذي يمكن أن يبلغ إليه، ~~والبلوغ إليه في الجميع أيضا نادر، فالصادق في جميع المقامات عزيزا جدا. # ومن علامات هذا الصدق: كتمان المصائب والطاعات جميعا، وكراهة اطلاع الخلق ~~عليها. وقد روي: " أن الله تعالى أوحى إلى موسى (ع): # أني إذا أحببت عبدا ابتليته ببلايا لا تقوى لها الجبال، لأنظر كيف صدقه، ~~فإن وجدته صابرا اتخذته وليا وحبيبا، وإن وجدته جزوعا يشكوني إلى خلقي ~~خذلته ولم أبال ". وقال الصادق (ع): " إذا أردت أن تعلم أصادق أنت أم كاذب، ~~فانظر في صدق معناك وعقد دعواك، وغيرهما بقسطاط من الله عز وجل كأنك في ~~القيامة، قال الله عز وجل: # " والوزن يومئذ الحق " (2). # فإذا اعتدل معناك بغور دعواك ثبت لك الصدق. وأدنى حد الصدق ألا يخالف ~~اللسان القلب ولا القلب اللسان، ومثل الصادق الموصوف بما ذكرنا كمثل النازع ~~لروحه، إن لم ينزع فماذا يصنع " (3). # PageV02P261 # تنبيه اللسان أضر الجوارح إعلم أن أكثر ما تقدم من الرذائل المذكورة في ~~هذا المقام: من الكذب والغيبة، والبهتان، والشماتة، والسخرية، والمزاح ~~وغيرها، وفي المقام الثالث - أعني التكلم بما لا يعني والفضول والخوض في ~~الباطل - من آفات اللسان وهو أضر الجوارح بالانسان، وأعظمها إهلاكا له، ~~وآفاته أكثر من آفات سائر الأعضاء، وهي وإن كانت من المعاصي الظاهرة، إلا ~~أنها تؤدي إلى مساوئ الأخلاق والملكات. إذ الأخلاق إنما ترسخ في النفس ~~بتكرير الأعمال، والأعمال إنما تصدر من القلب بتوسط الجوارح، وكل جارحة ~~تصلح لأن تصدر منها الأعمال الحسنة الجالبة للأخلاق الجميلة، وأن تصدر منها ~~الأعمال القبيحة المورثة للأخلاق السيئة، فلا بد من مراعاة القلب والجوارح ~~معا بصرفهما إلى الخيرات ومنعهما من الشرور. وعمدة ما تصدر منه الذمائم ~~الظاهرة المؤدية إلى ms499 الرذائل الباطنية هو اللسان، وهو أعظم آفة للشيطان في ~~استغواء نوع الإنسان، فمراقبته أهم، ومحافظته أوجب وألزم. والسر فيه - كما ~~قيل -: إنه من نعم الله العظيمة، ولطائف صنعه الغريبة، فإنه وإن كان صغيرا ~~جرمه، عظيم طاعته وجرمه، إذ لا يتبين الإيمان والكفر إلا بشهادته، ولا ~~يهتدي إلى شئ من أمور النشأتين إلا بدلالته، وما من موجود أو معدوم إلا وهو ~~يتناوله ويتعرض له بإثبات أو نفي، إذ كل ما يتناوله العلم يعبر عنه اللسان ~~إما بحق أو باطل، ولا شئ إلا والعلم يتناوله. # وهذه خاصية لا توجد في سائر الأعضاء، إذ العين لا تصل إلى غير الألوان ~~والصور، والأذن لا تصل إلى غير الأصوات، واليد لا تصل إلى غير الأجسام، ~~وكذا سائر الأعضاء، واللسان رحب الميدان وسيع الجولان، ليس له مرد، ولا ~~لمجاله منتهى ولا حد، فله في الخير مجال رحب، وفي الشر ذيل سحب، فمن أطلق ~~عذبة اللسان وإهماله مرخى العنان سلك به الشيطان في كل ميدان، وأوقعه في ~~أودية الضلالة والخذلان، وساقه الله شفا جرف هار، إلى أن يضطره إلى الهلاك ~~والبوار، ولذلك قال سيد PageV02P262 # الرسل (ص): " هل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟ " ~~(4). فلا ينجى من شر اللسان إلا أن يقيد بلجام الشرع، ولا يطلق إلا فيما ~~ينفع في الدنيا والآخرة، ويكف عن كل ما يخشى غائلته في العاجلة والآجلة، ~~وعلم ما يحمد إطلاق اللسان فيه أو يذم غامض عزيز، والعمل بمقتضاه على من ~~عرفه ثقيل عسير، وهو أعصى الأعضاء على الإنسان، إذ لا تعب في تحريكه ولا ~~مؤنة في إطلاقه، فلا يجوز التساهل في الاحتراز عن آفاته وغوائله، وفي الحذر ~~عن مصائده وحبائله. # والآيات والأخبار الواردة في ذمه وفي كثرة آفاته وفي الأمر بمحافظته ~~والتحذير عنه كثيرة، وهي بعمومها تدل على ذم جميع آفاته مما ممر ومما يأتي. ~~قال الله سبحانه: # " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد " (5). وقال: " لا خير في كثير من ~~نجواهم، إلا من أمر بصدقة أو معروف أو ms500 إصلاح بين الناس " (6). # وقال رسول الله (ص): " من يتكفل لي بما بين لحييه ورجليه، أتكفل له ~~بالجنة ". وقال (ص): " من وقي شر قبقبه وذبذبه ولقلقه، فقد وقي " (7): ~~والقبقب: البطن، والذبذب: الفرج، والقلق: # اللسان. وقيل له (ص): " ما النجاة؟ قال: أملك عليك لسانك ". # وقال (ص): " أكبر ما يدخل الناس النار إلا جوفان: الفم، والفرج "، ~~والمراد بالفم: اللسان. وقال (ص): " وهل يكب الناس على مناخرهم في النار ~~إلا حصائد ألسنتهم؟ ". وقال له رجل: " ما أخوف ما يخاف علي؟ فأخذ بلسانه، ~~وقال: هذا ". وقال (ص): " لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم ~~قلبه حتى يستقيم لسانه ". وقال (ص): # " إذا أصبح ابن آدم أصبحت الأعضاء كلها تكفر اللسان، فتقول: اتق الله ~~فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا " (8). # PageV02P263 # " وقال له رجل: أوصني! فقال (ص): أعبد الله كأنك تراه وعد نفسك في ~~الموتى، وإن شئت أنبأتك بما هو أملك لك من هذا كله - وأشار بيده إلى لسانه ~~". وقال (ص): " إن الله عند لسان كل قائل، فليتق الله امرؤ على ما يقول ". ~~وقال (ص): " من لم يحسب كلامه من عمله، كثرت خطاياه وحضر عذابه ". وقال ~~(ص): " يعذب الله اللسان بعذاب لا يعذبه به شيئا من الجوارح، فيقول: أي رب! ~~عذبتني بعذاب لم تعذب به شيئا من الجوارح. فيقال له: خرجت منك كلمة بلغت ~~مشارق الأرض ومغاربها، فسفك بها الدم الحرام، وانتهب بها المال الحرام، ~~وانتهك بها الفرج الحرام. وعزتي وجلالي! لأعذبنك بعذاب لا أعذب به شيئا من ~~جوارحك! ". وقال (ص): " إن كان في شئ شوم ففي اللسان ". # وقال أمير المؤمنين (ع) لرجل يتكلم بفضول الكلام: " يا هذا! إنك تملي على ~~حافظيك كتابا إلى ربك، فتكلم بما يعنيك، ودع ما لا يعنيك " (9). # وقال أمير المؤمنين (ع): " المرء مخبوء تحت لسانه، فزن كلامك، واعرضه على ~~العقل والمعرفة، فإن كان لله وفي الله فتكلم، وإن كان غير ذلك فالسكوت خير ~~منه، وليس على الجوارح عبادة أخف مؤنة وأفضل منزلة وأعظم قدرا عند الله ~~كلام ms501 فيه رضى الله عز وجل ولوجهه ونشر آلائه ونعمائه في عباده، ألا إن الله ~~لم يجعل فيما بينه وبين رسله معنى يكشف ما أسر إليهم من مكنونات علمه ~~ومخزونات وحيه غير الكلام، وكذلك بين الرسل والأمم، فثبت بهذا أنه أفضل ~~الوسائل (والكلف والعبادة) (10). # وكذلك لا معصية أثقل على العبد وأسرع عقوبة عند الله وأشدها ملامة ~~وأعجلها سآمة عند الخلق منه، واللسان ترجمان الضمير وصاحب خبر القلب، وبه ~~ينكشف ما في سر الباطن، وعليه يحاسب الخلق يوم القيامة، والكلام خمر يسكر ~~العقول ما كان منه لغير الله، وليس شئ أحق بطول السجن من اللسان " (11). ~~وقال السجاد (ع): " إن لسان ابن آدم يشرف في # PageV02P264 # كل يوم على جوارحه كل صباح، فيقول: كيف أصبحتم؟ فيقولون بخير إن تركتنا! ~~ويقولون: الله الله فينا! ويناشدونه ويقولون: إنما نثاب ونعاقب بك ". وقال ~~الصادق (ع): " ما من يوم إلا وكل عضو من أعضاء الجسد يكفر اللسان، يقول: ~~نشدتك الله أن نعذب فيك! " (12). # تتميم الصمت لما علمت كون اللسان شر الأعضاء وكثرة آفاته وذمه، فاعلم أنه ~~لا نجاة من خطره إلا بالصمت، وقد أشير فيما سبق: أن الصمت ضد لجميع آفات ~~اللسان، وبالمواظبة عليه تزول كلها، وهو من فضائل قوة الغضب أو الشهوة، ~~وفضيلته عظيمة وفوائده جسيمه، فإن فيه جمع ألهم، ودوام الوقار، والفراغ ~~للعبادة والفكر والذكر، وللسلامة من تبعات القول في الدنيا ومن حسناته في ~~الآخرة، ولذا مدحه الشرع وحث عليه، قال رسول الله (ص): " من صمت نجا ". ~~وقال: " الصمت حكم، وقليل فاعله ". وقال (ص): من كف لسانه ستر الله عورته ~~". وقال (ص): # " ألا أخبركم بأيسر العبادة وأهونها على البدن: الصمت وحسن الخلق ". # وقال (ص): " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو وليسكت ". # وقال (ص): " رحم الله عبدا تكلم خيرا فغنم، أو سكت عن سوء فسلم ". وجاء ~~إليه (ص) أعرابي وقال: " دلني على عمل يدخلني الجنة. قال: أطعم الجائع واسق ~~الظمآن، وأمر بالمعروف، وإنه عن المنكر، فإن لم تطق، فكف لسانك إلا من خير ~~". وقال ms502 (ص): # " أخزن لسانك إلا من خير، فإنك بذلك تغلب الشيطان " وقال (ص): # " إذا رأيتم المؤمن صموتا وقورا فأدنوا منه، فإنه يلقن الحكمة ". وقال ~~صلى الله عليه وآله: " الناس ثلاثة: غانم، وسالم، وشاحب، فالغانم: # الذي يذكر الله، والسالم: الساكت، والشاحب: الذي يخوض في الباطل ". وقال ~~(ص): " إن لسان المؤمن وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم بشئ تدبره ثم أمضاه ~~بلسانه. وإن لسان المنافق أمام قلبه، # PageV02P265 # فإذا هم بشئ أمضاه بلسانه ولم يتدبره بقلبه ". وقال (ص): " أمسك لسانك، ~~فإنها صدقة تصدق بها على نفسك ".. ثم قال: " ولا يعرف عبد حقيقة الإيمان ~~حتى يخزن من لسانه ". وقال (ص) لرجل أتاه: # " ألا أدلك على أمر يدخلك الله به الجنة؟ قال: بلى يا رسول الله! قال: # أنل مما أنالك الله! قال: فإن كنت أحوج ممن أنيله؟ قال: فانصر المظلوم. # قال: فإن كنت أضعف ممن أنصره، قال: فاصنع للأخرق - يعني أشر عليه -. قال: ~~فإن كنت أخرق ممن أصنع له. قال: فاصمت لسانك إلا من خير، أما يسرك أن تكون ~~فيك خصلة من هذه الخصال تجرك إلى الجنة؟ ". وقال (ص): " نجاة المؤمن حفظ ~~لسانه ". وجاء رجل إليه (ص): " يا رسول الله أوصني! قال: احفظ لسانك. قال: ~~يا رسول الله أوصني! قال: احفظ لسانك. قال: يا رسول الله أوصني! قال: # احفظ لسانك. ويحك! وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ~~ألسنتهم؟ ". # وقيل لعيسى بن مريم (ع): " دلنا على عمل ندخل به الجنة. # قال: لا تنطقوا أبدا. قالوا: لا نستطيع ذلك. قال: فلا تنطقوا إلا بخير ". # وقال (ع) أيضا: " العبادة عشرة أجزاء، تسعة منها في الصمت، وجزء في ~~الفرار عن الناس ". وقال: " لا تكثروا الكلام في غير ذكر الله، فإن الذين ~~يكثرون الكلام في غير ذكر الله قاسية قلوبهم ولكن لا يعلمون ". # وقال لقمان لابنه: " يا بني، إن كنت زعمت أن الكلام من فضة، فإن السكوت ~~من ذهب ". # وقال أبو جعفر الباقر (ع): " كان أبو ذر يقول: يا مبتغي العلم، إن هذا ~~اللسان مفتاح خير ومفتاح شر، ms503 فاختم على لسانك كما تختم على ذهبك وورقك ". ~~وقال (ع): " إنما شيعتنا الخرس ". وقال الصادق عليه السلام لمولى له يقال ~~له (سالم) - بعد أن وضع يده على شفتيه -: # " يا سالم، احفظ لسانك تسلم، ولا تحمل الناس على رقابنا ". وقال عليه ~~السلام: " في حكمة آل داود: على العاقل أن يكون عارفا بزمانه، مقبلا على ~~شأنه، حافظا للسانه ". وقال (ع): " لا يزال العبد المؤمن PageV02P266 # يكتب محسنا ما دام ساكنا، فإذا تكلم كتب محسنا أو مسيئا ". وقال عليه ~~السلام: " النوم راحة للجسد، والنطق راحة للروح، والسكوت راحة للعقل ". ~~وقال (ع): " الصمت كنز وافر، وزين الحليم، وستر الجاهل ". وقال أبو الحسن ~~الرضا (ع): " إحفظ لسانك تعز، ولا تمكن الناس من قيادك فتذل رقبتك ". وقال ~~(ع): " من علامات الفقه: # الحلم، والعلم، والصمت، إن الصمت باب من أبواب الحكمة، إن الصمت يكسب ~~المحبة، إنه دليل على كل خير ". وقال (ع): " كان الرجل من بني إسرائيل إذا ~~أراد العبادة صمت قبل ذلك بعشر سنين " (13). # وفي (مصباح الشريعة) عن مولانا الصادق (ع) قال: " الصمت شعار المحققين ~~بحقائق ما سبق وجف القلم به، وهو مفتاح كل راحة من الدنيا والآخرة، وفيه ~~رضا الرب، وتخفيف الحساب والصون من الخطايا والزلل وقد جعله الله سترا على ~~الجاهل وزينا للعالم، ومعه ومعه عزل الهوى، ورياضة النفس، وحلاوة العبادة، ~~وزوال قسوة القلب، والعفاف والمروة والظرف. فأغلق باب لسانك عما لك منه بد، ~~لا سيما إذا لم تجد أهلا للكلام والمساعد في المذاكرة لله وفي الله. وكان ~~ربيع بن خيثم يضع قرطاسا بين يديه، فيكتب كل ما يتكلم به ثم يحاسب نفسه ~~عشية، ما له وما عليه، ويقول: آه آه! نجا الصامتون وبقينا. وكان بعض أصحاب ~~رسول الله (ص) يضع الحصاة في فمه، فإذا أراد أن يتكلم بما علم أنه لله وفي ~~الله ولوجه الله أخرجها. وإن كثيرا من الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا ~~يتنفسون تنفس الغرقى، ويتكلمون شبه المرضى. وإنما سبب هلاك الخلق ونجاتهم ~~الكلام والصمت. فطوبى لمن رزق معرفة عيب الكلام وهوائه، ms504 وعلم قدر الكلام ~~أحسن صحبة الصمت ومن أشرف على ما في لطائف الصمت واؤتمن على خزائنه كان ~~كلامه وصمته كله عبادة، ولا يطلع على عبادته # PageV02P267 # هذه إلا الملك الجبار " (14). # وقد ظهر من هذه الأخبار، أن الصمت مع سهولته أنفع للانسان من كل عمل، ~~وكيف لا يكون كذلك، وخطر اللسان الذي هو أعظم الأخطار وآفاته التي هي أشد ~~المهلكات لا ينسد إلا به؟ والكلام وإن كان في بعضه فوائد وعوائد، إلا أن ~~الامتياز بين الممدوح والمذموم منه مشكل، ومع الامتياز فالاقتصار على مجرد ~~الممدوح عند أطلاق اللسان أشكل، وحينئذ فالصمت عما لا جزم بتضمنه للخير ~~والثواب من الكلام أولى وأنفع. # وقد نقل: " إن أربعة من أذكياء الملوك - ملك الهند، وملك الصين وكسرى، ~~وقيصر - تلاقوا في وقت، فاجتمعوا على ذم الكلام ومدح الصمت فقال أحدهم: أنا ~~أندم على ما قلت ولا أندم على ما لم أقل. وقال الآخر: إني إذا تكلمت ~~بالكلمة ملكتني ولم أملكها، وإذا لم أتكلم بها ملكتها ولم تملكني. وقال ~~الثالث: عجبت للمتكلم، إن رجعت عليه كلمته ضرته، وإن لم ترجع لم تنفعه. ~~وقال الرابع: أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت ". # ومنها: # حب الجاه والشهرة والمراد بالشهرة: انتشار الصيت، ومعنى الجاه: ملك ~~القلوب وتسخيرها بالتعظيم والإطاعة والانقياد له. وبعبارة أخرى: قيام ~~المنزلة في قلوب الناس، وإنما تصير القلوب مملوكة مسخرة للشخص، باشتمالها ~~على اعتقاد اتصافه بكمال حقيقي، أو بما يظنه كما لا، من علم وعبادة، أو ورع ~~وزهادة، أو قوة وشجاعة، أو بذل وسخاوة، أو سلطنة وولاية، أو منصب ورياسة، ~~أو غنى ومال، أو حسن وجمال، أو غير ذلك مما يعتقده الناس كمالا. وتسخير ~~القلوب وانقيادها على قدر اعتقادها، وبحسب درجة ذلك الكمال عندها، فبقدر ما ~~يعتقد أرباب القلوب تذعن له قلوبهم، وبقدر إذعانها تكون قدرته عليهم، وبقدر ~~قدرته يكون فرحه وحبه للجاه. # ثم تلك القلوب تبعث أربابها على المدح والثناء، فإن المعتقد للكمال لا ~~يسكت # PageV02P268 # عن ذكر ما يعتقده فيثني عليه، وعلى ms505 الخدمة والإعانة، فإنه لا يبخل يبذل ~~نفسه في طاعته بقدر اعتقاده، وعلى الإيثار وترك المنازعة والتعظيم والتوقير ~~والابتداء بالسلام وتسليم الصدر في المحافل والتقديم في جميع المقاصد. # (تنبيه): حب الجاه والشهرة إن كان من حيث إيجابهما الغلبة والاستيلاء حتى ~~ترجع حقيقة إلى حبهما، وكان طالبهما طالبا لهما، فهو من رذائل قوة الغضب، ~~وإن كان من حيث التوصل بهما إلى قضاء الشهوات وحظوظ النفس البهيمية، فهو من ~~رذائل قوة الشهوة، وإن كان من الحيثيتين فهو من رذائلهما بالاشتراك، بمعنى ~~مدخلية كل منهما في حدوث خصوص هذه الصفة. والأصل اشتراك القوتين في حدوث حب ~~الجاه والشهرة - كما ذكرناه في جملة ما يتعلق بهما معا - بخلاف حب المال، ~~فإن الغالب أن حبه من حيث التوصل به إلى قضاء حظوظ القوة الشهوية، وكونه ~~لمجرد الاستيلاء عليه بالمالكية والتمكن على التصرف فيه نادر، ولذا ذكرناه ~~فيما يتعلق بقوة الشهوة. # فصل ذم حب الجاه والشهرة إعلم أن حب الجاه والشهرة من المهلكات العظيمة، ~~وطالبهما طالب الآفات الدنيوية والأخروية، ومن اشتهر اسمه وانتشر صيته لا ~~يكاد أن تسلم دنياه وعقباه، إلا من شهره الله لنشر دينه من غير تكلف طلب ~~للشهرة منه. ولذا ورد في ذمهما ما لا يمكن إحصاؤه من الآيات والأخبار: قال ~~الله سبحانه: # " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا " ~~(15). # وقال: " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم ~~فيها لا يبخسون. أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا ~~فيها وباطل ما كانوا يعملون " (16). # وهذا بعمومه متناول لحب الجاه، لأنه أعظم لذة من لذات الحياة # PageV02P269 # الدنيا وأكبر زينة من زينتها. # وقال رسول الله (ص): " حب الجاه والمال ينبتان النفاق في القلب كما ينبت ~~الماء البقل ". وقال (ص): " ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم بأكثر ~~فسادا من حب الجاه والمال في دين الرجل المسلم ". وقال (ص): # " حسب امرئ من الشر إلا من عصمه الله أن يشير الناس إليه بالأصابع ". # وقال أمير المؤمنين ms506 (ع): " تبذل ولا تشتهر، ولا ترفع شخصك لتذكر، وتعلم ~~واكتم، واصمت تسلم، تسر الأبرار وتغيظ انفجار ". وقال الباقر عليه السلام. ~~" لا تطلبن الرياسة ولا تكن ذنبا، ولا تأكل الناس بنا فيفقرك الله " وقال ~~الصادق (ع): " إياكم وهؤلاء الرؤساء الذين يترأسون، فوالله ما خفقت النعال ~~خلف رجل إلا هلك وأهلك! " وقال (ع): # " ملعون من هم بها، ملعون من حدث بها نفسه! ". وقال (ع): # " من أراد الرياسة هلك ". وقال (ع): " أترى لا أعرف خياركم من شراركم؟ ~~بلى والله! إن شراركم من أحب أن يوطأ عقبه، إنه لا بد من كذاب أو عاجز ~~الرأي " (17). # والأخبار بهذه المضامين كثيرة، ولكثرة آفاتها لا يزال أكابر العلماء ~~وأعاظم الأتقياء يفرون منهما قرار الرجل من الحية السوداء، حتى أن بعضهم ~~إذا جلس إليه أكثر من ثلاثة قام من مجلسه، وبعضهم يبكي لأجل أن أسمه بلغ ~~المسجد الجامع، وبعضهم إذا تبعه أناس من عقبه التفت إليهم وقال: # " على م تتبعوني، فوالله لو تعلمون ما أغلق عليه بابي ما تبعني منكم ~~رجلان ". وبعضهم يقول: " لا أعرف رجلا أحب أن يعرف إلا ذهب دينه وافتضح ". ~~وآخر يقول: " لا يجد حلاوة الآخر رجل يحب أن يعرفه الناس ". وآخر يقول: " ~~والله ما صدق الله عبد إلا سره ألا يشعر بمكانه ". # ومن فساد حب الجاه: أن من غلب على قلبه حب الجاه، صار مقصور الهم على ~~مراعاة، الخلق، مشغوفا بالتودد إليهم والمراءاة لأجلهم، ولا يزال في أقواله ~~وأفعاله متلفتا إلى ما يعظم منزلته عندهم، وذلك بذر # PageV02P270 # النفاق وأصل الفساد، ويجر لا محالة إلى التساهل في العبادات والمراءاة ~~بها، وإلى اقتحام المحظورات للتوصل بها إلى اقتناص القلوب، ولذلك شبه رسول ~~الله حب الشرف والمال وإفسادهما للدين بذئبين ضاريين، وقال: # " إنه ينبت النفاق كما ينبت الماء البقل "، إذ النفاق هو مخالفة الظاهر ~~للباطن بالقول والفعل، وكل من طلب المنزلة في قلوب الناس يضطر إلى النفاق ~~معهم، وإلى التظاهر بخصال حميدة هو خال عنها، وذلك عين النفاق. # فصل الجاه أحب من المال إن لملك القلوب ترجيح ms507 على ملك المال بوجوه: # الأول - أن المال معرض التلف والزوال، لأنه يغصب ويسرق وتطمع فيه الملوك ~~والظلمة، ويحتاج فيه إلى الحفظ والحراسة 4 وتتطرق إليه أخطار كثيرة. وأما ~~القلوب إذا ملكت، فهي من هذه الآفات محفوظة نعم إنما يزول ملك القلوب ~~بتغيير اعتقادها فيما صدقت به من الكمال الحقيقي أو الوهمي. # الثاني - إن التوصل بالجاه إلى المال أيسر من التوصل بالمال إلى الجاه، ~~فالعالم أو الزاهد الذي تقرر له جاه في القلوب، لو قصد اكتساب المال تيسر ~~له بسهولة، لأن أموال أرباب القلوب مسخرة للقلوب، ومبذولة لمن أذعنت له ~~بالانقياد واعتقدت فيه أوصاف الكمال، وأما الخسيس العاري عن الكمال إذا ظفر ~~بكثرة من المال ولم يكن له جاه يحفظ به ماله وأراد أن يتوصل به إلى الجاه، ~~لم يتيسر له. # الثالث - أن ملك القلوب يسري وينمو ويتزايد من غير حاجة إلى تعب ومشقة، ~~إذ القلوب إذا أذعنت بشخص واعتقدت اتصافه بعلم أو عمل أو غيره، أفصحت ~~الألسنة بما فيها لا محالة، فيصف ما يعتقده لغيره وهو أيضا يذعن به ويصفه ~~لآخر، فلا يزال يستطار في الأقطار، ويسري من واحد إلى واحد، إلى أن يجتمع ~~معظم القلوب على التعظيم والقبول. وأما المال، فمن ملك شيئا منه فلا يقدر ~~على استنمائه إلا بتعب ومقاساة. ولهذه الوجوه تستحقر الأموال في مقابلة عظم ~~الجاه وانتشار الصيت وانطلاق PageV02P271 # الألسنة بالمدح والثناء. # فصل لا بد للانسان من جاه كما أنه لا بد من أدنى مال لضرورة المطعم ~~والملبس والمسكن ومثله ليس بمذموم، فكذلك لا بد من أدنى جاه لضرورة المعيشة ~~مع الخلق، إذ الإنسان كما لا يستغني عن طعام يتناوله فيجوز أن يحب الطعام ~~والمال الذي يباع به الطعام فكذلك لا يستغني عن خادم يخدمه ورفيق بعينه ~~وسلطان يحرسه ويدفع عنه ظلم الأشرار، فحبه لأن يكون له في قلب خادمه من ~~المنزلة ما يدعوه إلى الخدمة وفي قلب رفيقه من المحل ما يحسن به مرافقته، ~~وفي قلب السلطان من المحل ما يدفع به الشر عنه، ليس ms508 بمذموم. إذ الجاه ~~كالمال وسيلة إلى الأغراض، فلا فرق بينهما، إلا أن هذا يقضي إلى ألا يكون ~~المال والجاه محبوبين بأعيانهما بل من حيث التوصل بهما إلى غيرهما. # ولا ريب في أن كل ما يراد به التوصل إلى محبوب فالمحبوب هو المقصود ~~المتوسل إليه دون الوسيلة. # ومثل هذا الحب مثل حب الإنسان أن يكون في داره بيت الخلاء لقضاء حاجته ~~ولو استغنى عن قضاء الحاجة، ولم يضطر إليه كره اشتمال داره على بيت الخلاء ~~ومثل أن يحب زوجته ليدفع بها فضلة الشهوة، ولو كفي مؤنة الشهوة لأحب ~~مهاجرتها، وإذا كان حبهما لضرورة البدن والمعيشة لا لذاتهما لم يكن مذموما، ~~والمذموم أن يحبهما لذاتهما. وفيما يجاوز ضرورة البدن كحب زوجته لذاتها حب ~~العشاق حتى لو كفي مؤنة الشهوة لبقي مستصحبا لحبها. # ثم حبهما بأعيانهما وإن كان مذموما مرجوحا، لكنه لا يوصف صاحبه بالفسق ~~والعصيان ما لم يحمله الحب على مباشرة معصية، وما لم يتوصل إلى اكتسابهما ~~بكذب وخداع وتلبيس، كأن يظهر للناس قولا أو فعلا اعتقدوا لأجله اتصافه بوصف ~~ليس فيه، مثل العلم والورع أو علو النسب وبذلك يطلب قيام المنزلة في ~~قلوبهم، وما لم يتوصل إلى اكتسابهما بعبادة، إذ التوصل إلى المال والجاه ~~بالعبادة جناية على الدين وهو حرام، وإليه يرجع معنى الرياء المحظور، كما ~~يأتي. # وأما طلبهما بصفة هو متصف بها، فهو مباح غير مذموم، وذلك PageV02P272 # كقول يوسف (ع): # " إجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم " (18). # حيث طلب المنزلة في قلب الملك بكونه حفيظا عليما، وكان صادقا في قوله. ~~وكذا طلبهما بإخفاء عيب من عيوبه ومعصية من معاصيه، حتى لا يعلمه فلا تزول ~~به منزلته في قلبه مباح غير مذموم، إذ حفظ الستر على القبائح جائز، بل لا ~~يجوز هتك الستر وإظهار القبيح، وهذا ليس فيه كذب وتلبيس بل هو سد لطريق ~~العلم بما لا فائدة للعلم به، كالذي يخفي عن السلطان أنه يشرب الخمر ولا ~~يلقي إليه أنه ورع، فإن قوله إنه ورع تلبيس، وعدم إقراره بالشرب لا ms509 يوجب ~~اعتقاد الورع، بل يمنع العلم بالشرب، وهو جائز شرعا وعقلا. # فصل دفع إشكال في حب المال والجاه إن قيل: الوجه في حبهما بالعرض وفي حب ~~قدر ما يضطر إليهما في المعيشة وضرورة البدن ظاهر، فما الوجه في حبهما ~~بأعيانهما وفي حب الزائد عن قدر الضرورة منهما؟ كحب جمع المال، وكنز ~~الكنوز، وادخار الذخائر، واستكثار الخزائن وراء جميع الحاجات، وحب اتساع ~~الجاه وانتشار الصيت إلى أقاصي البلاد التي يعلم قطعا أنه قط لا يطؤها ولا ~~يشاهد أهلها ليعظموه ويعينوه على غرض من أغراضه، فإنه مع ذلك يلتذ به غاية ~~الالتذاذ ويسر به غاية السرور، حتى لا يجد في نفسه لذة أقوى منه، ويراه فوق ~~جميع لذاته وابتهاجاته. # قلنا: الوجه في ذلك أمران: # الأول - دفع ألم الخوف الناشئ من سوء الظن وطول الأمل. فإن الإنسان وإن ~~كان له من المال ما يكفيه في الحال، إلا أنه لطول أمله قد يخطر بباله أن ~~المال الذي فيه كفايته ربما يتلف فيحتاج إلى غيره، فإذا خطر ذلك بباله، هاج ~~الخوف في قلبه، ولا يزول ألم الخوف إلا بالأمن الحاصل من وجود مال آخر يفزع ~~إليه إن أصابت هذا المال آفة، فهو أبدا لحبه # PageV02P273 # للحياة وشفقته على نفسه يقدر طول الحياة وهجوم الحاجات، ويقدر إمكان تطرق ~~الآفات إلى الأموال ويستشعر الخوف من ذلك، فيطلب ما يدفع خوفه، وهو كثرة ~~المال، حتى إن أصيب بطائفة من ماله يفزع إلى الأخرى. # وهذا خوف لا موقف له عند مقدار مخصوص من المال، ولذلك لم يكن لميله موقف ~~إلى أن يملك جميع ما في الدنيا، ولذلك قال (ص): " منهومان لا يشبعان: منهوم ~~العلم، ومنهوم المال ". ومثل هذه العلة تطرد في حب قيام المنزلة والجاه في ~~قلوب الأباعد عن وطنه وبلده، فإنه لا يخلو عن تقدير سبب يزعجه عن الوطن، أو ~~يزعج أولئك عن أوطانهم إلى وطنه، ويحتاج إلى الاستعانة بهم ومهما كان ذلك ~~ممكنا، كان للنفس لذة وسرور بقيام المنزلة في قلوبهم، لما فيه من الأمن من ~~هذا الخوف. ms510 # الثاني - أن الإنسان مركب من أصول مختلفة: هي القوة الشهوية، والقوة ~~السبعية، والقوة الشيطانية، والروح الذي هو أمر رباني، ولذلك له ميل إلى ~~صفات بهيمية، كالأكل والوقاع، وإلى صفات سبعية، كالقتل والإيذاء، وإلى صفات ~~شيطانية، كالمكر والخديعة والإغواء، وإلى صفات ربوبية، كالعلم والقدرة ~~والكبر والعز والفخر والاستعلاء. فهو لما فيه من الأمر الرباني يحب ~~الربوبية بالطبع، ومعنى الربوبية التوحد بالكمال، والتفرد بالوجود على سبيل ~~الاستقلال، والاستيلاء على جميع الأشياء بالغلبة، واستناد الكل إليه ~~بالصدور منه والمعلولية. # وبالجملة: مقتضى الربوبية التفرد بالوجود والكمال ورجوع كل وجود وكمال ~~إليه، إذ هو التام فوق التمام، ولا يتحقق ذلك إلا بالتفرد بالوجود والكمال ~~والقدرة والاستيلاء على جميع ما عداه. إذ المشاركة في الوجود نقص لا محالة، ~~فكمال الشمس في أنها موجودة وحدها، فلو كانت معها شمس أخرى كان ذلك نقصانا ~~في حقها، إذ لم تكن متفردة بكمال معنى الشمسية فإذا كان معنى الربوبية هو ~~التفرد بالوجود والكمال، وكل إنسان كان فيه أمر رباني، فالتفرد بالوجود ~~والكمال محبوب له بالطبع، وضده - أعني العبودية - قهر على نفسه، لأنه علم ~~أن المتفرد بالوجود والكمال هو الله تعالى، إذ ليس معه موجود سواه، فإن ما ~~سواه أثر من آثار قدرته PageV02P274 # لا قوام له بذاته، بل هو قائم به، وليس له معية بالوجود بالنسبة إليه ~~تعالى، إذ المعية توجب المساواة في الرتبة، وهي نقصان في الكمال، إذ الكامل ~~الحقيقي من لا نظير له في الوجود، والكمال بوجه من الوجوه وإن كان لغيره ~~وجود وكمال بعد كونه صادرا منه معلولا له، إذ تحقق الموجودات وذوات ~~الممكنات لا يوجب نقصانا في ذاته سبحانه بعد استنادها جميعها إليه، وكونها ~~أضعف منه بمراتب غير متناهية في الوجود والكمال شدة وقوة، فكما إن إشراق ~~نور الشمس في أقطار الآفاق ليس نقصانا في الشمس، بل هو من جملة كمالها، ~~وإنما نقصانها بوجود شمس أخرى مساوية لها في الرتبة مستغنية عنها، فكذلك ~~وجود كل ما في العالم إذا كان من أشراق نور القدرة الإلهية تابعا لها، ms511 لم ~~يكن ذلك نقصانا في الواجب سبحانه، بل كان كمالا له. # ولما علم ذلك، وتيقن بأن التفرد بالوجود والكمال والاستيلاء التام على ~~جميع الأشياء لا يليق به، لأنه عبد مملوك مقهور تحت القدرة الإلهية، عرف ~~أنه عاجز عن درك منتهى الكمال الذي هو التفرد بالوجود والاستيلاء أي كون ~~وجود غيره منه. إلا أنه لم تسقط شهوته للكمال، بل هو محب له ملتذ به لذاته ~~لا لمعنى آخر وراء الكمال، وطالب لتحصيل ما يتمكن منه. فمطلق الكمال محبوب ~~عنده، إلا أن طلبه إنما يتعلق بالكمال الممكن في حقه ومن الكمال الممكن في ~~حقه أن يحصل له نوع استيلاء على كل الموجودات، فكان ذلك محبوبا عنده ~~ومطلوبا له. ولما كانت الموجودات منقسمة إلى ما لا يقبل التغير، كذات ~~الواجب وصفاته وعالم المجردات، وإلى ما يقبل التغيير ولكن لا تستولي عليه ~~قدرة الخلق بالتصرف، كالأفلاك والكواكب وملكوت السماوات ونفوس الملائكة ~~والجن والشياطين والجبال والبحار وغير ذلك، وإلى ما يقبل التغير وتستولي ~~عليه قدرة العباد، كالأرض وأجزائها وما عليها من المعادن والنبات والحيوان، ~~ومن جملتها قلوب الآدميين ونفوسهم لكونها قابلة للتغيير والتأثير مثل ~~أجسادهم وأجساد سائر الحيوانات - فلم يكن للانسان أن يتصور إمكان استيلائه ~~على الكل بالتصرف فيه، فلم يتعرض لطلب ذلك، بل أحب في كل منها نوع ~~الاستيلاء PageV02P275 # الذي يمكن في حقه والاستيلاء، الذي يمكنه في حقه بالنظر إلى القسمين ~~الأولين هو الإحاطة عليه بالعلم والاطلاع على أسراره، لأن ذلك نوع استيلاء. ~~إذ المعلوم المحاط به تحت القدرة، والعالم كالمستولي عليه. # ولذلك أحب الإنسان أن يعرف الواجب تعالى والملائكة والأفلاك والكواكب ~~وعجائب الملك والملكوت، لأن ذلك نوع استيلاء، والاستيلاء نوع كمال. # وأما القسم الثالث، فيمكنه أن يستولي عليه بالتصرف فيه كيف يريد فيقدر ~~على الأراضي والأملاك بأن يتصرف فيها بالحيازة والضبط والزرع والغرس، وعلى ~~الأجساد الأرضية الحيوانية والنباتية والجمادية بالركوب والضبط والحمل ~~والرفع والوضع والتسليم والمنع، وعلى نفوس الآدميين وقلوبهم بأن تكون مسخرة ~~متصرفة تحت إشارته وإرادته وصيرورتها محبة له باعتقاد الكمال فيه. ms512 ولكون ~~هذا النوع من الاستيلاء نوع كمال، أحب الإنسان هذا الاستيلاء على الأموال ~~والقلوب، وإن كان لا يحتاج إليهما في ملبسه ومطعمه وفي شهوات نفسه، ولذلك ~~طلب استرقاق العبيد واستعباد الأحرار ولو بالقهر والغلبة. وقد ظهر مما ذكر: ~~إن محبوب النفس بذاتها هو الكمال بالعلم والقدرة، والمال والجاه محبوب ~~لكونه من أسباب القدرة. # ولما كانت المعلومات والمقدورات غير متناهية، فلا يكاد أن تقف النفس إلى ~~حد من العلم والقدرة، ولهما درجات غير متناهية، فسرور كل نفس ولذتها بقدر ~~الدرجة التي تدركها. # فصل الكمال الحقيقي في العلم والقدرة والمال والجاه لما عرفت أن المحبوب ~~عند الإنسان هو العلم والقدرة والمال والجاه لما عرفت أن المحبوب عند ~~الإنسان هو العلم والقدرة والمال والجاه لكونها كمالا، فاعلم أنه اشتبه ~~الأمر عليه بإغواء الشيطان، حيث التبس عليه الكمال الحقيقي بالوهمي، وتيقن ~~بكون جميع ذلك كمالا وأحبه. إذ التحقيق أن بعضها كمال حقيقي وبعضها كمال ~~وهمي لا أصل له، والسعي في طلبه جهل وخسران وتضييع وقت وخذلان. # بيان ذلك: إنه لا ريب في عدم كون المال والجاه كمالا، لأن القدرة ~~والاستيلاء على أعيان الأموال بوجوه التصرف وعلى القلوب والأبدان ~~PageV02P276 # بالتسخير والانقياد ينقطع بالموت، فمن ظن ذلك كمالا فقد جهل. فالخلق كلهم ~~في غمرة هذا الجهل، فإنهم يظنون أن القدرة على الأجساد بقهر الحشمة، وعلى ~~أعيان الأموال بسعة الغنى، وعلى تعظيم القلوب بسعة الجاه كمال. ولما ~~اعتقدوا كون ذلك كمالا أحبوه، ولما أحبوه طلبوه، ولما طلبوه شغلوا به ~~وتهالكوا عليه، فنسوا الكمال الحقيقي الذي يوجب القرب من الله، أعني العلم ~~والحرية كما يأتي. فهؤلاء هم الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، فلا يخفف ~~عنهم العذاب ولاهم ينصرون، وهم الذين لم يفهموا قوله تعالى: # " المال والبنون زينة الحياة الدنيا، والباقيات الصالحات خير عند ربك ~~ثوابا " (19). # فالعلم والحرية وفضائل الأخلاق هي الباقيات الصالحات التي تبقى كمالا ~~للنفس بعد خراب البدن، والمال والجاه هو الذي ينقضي على القرب، وهو كما ~~مثله الله تعالى، حيث قال: # " إنما مثل الحياة الدنيا كماء ms513 أنزلناه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض... " (20). # وكل ما تذروه رياح الموت فهو زهرة الحياة الدنيا، وكل ما لا يقطعه الموت ~~فهو من الباقيات الصالحات. # فقد ظهر أن كمال القدرة بالمال والجاه كمال وهي لا أصل له، وإن من قصر ~~الوقت على طلبه وظنه مقصودا فهو جاهل، إلا قدر البلغة منها إلى الكمال ~~الحقيقي. # وأما العلم، فلا ريب في كون ما هو حقيقة العلم كمالا حقيقيا، إذ الكمال ~~الحقيقي هو الذي يقرب من يتصف به من الله ويبقى كمالا للنفس بعد الموت. ولا ~~شك في أن العلم بالله وبصفاته وأفعاله وحكمته في ملكوت السماوات والأرض ~~وترتيب الدنيا والآخرة وما يتعلق به هو المقرب للعبد # PageV02P277 # إلى الله، إذ هو علم ثابت لا يقبل التغيير والانقلاب، إذ معلوماته أزلية ~~أبدية وليس لها تغيير وانقلاب، حتى يتغير العلم بتغيرها مثل التغيرات التي ~~يتغير العلم بها بتغيرها وانقلابها، كالعلم بكون زيد في الدار. # فهو علم ثابت أزلا وأبدا من دون تغير واختلاف، كالعلم بجواز الجائزات ~~ووجوب الواجبات واستحالة المستحيلات. فهذا العلم - أعني معرفة الله ومعرفة ~~صفاته وأفعاله - هو الكمال الحقيقي الذي يبقى بعد الموت وينطوي فيه العلم ~~بالنظام الجملي الأصلح وجميع المعارف المحيطة بالموجودات وحقائق الأشياء، ~~إذ الموجودات كلها من أفعاله، فمن عرفها من حيث هي فعل الله ومن حيث ~~ارتباطها بالقدرة والإرادة والحكمة، كانت هذه المعرفة من تكملة معرفة الله ~~التي تبقى كمالا للنفس بعد الموت، وتكون نورا للعارفين بعد الموت يسعى بين ~~أيديهم وأيمانهم: " يقولون ربنا أتمم لنا نورنا "، وهي رأس مال يوصل إلى ~~كشف ما لم ينكشف في الدنيا، كما أن من معه سراج خفي، فإنه يجوز أن يصير ذلك ~~سببا لزيادة النور بسراج آخر يقتبس منه، فيكمل النور بذلك النور الخفي على ~~سبيل الاستتمام، ومن ليس معه أصل السراج لا مطمع له في ذلك. فمن ليس له أصل ~~معرفة الله لم يكن له مطمع في هذا النور، بل هو في " ظلمات في بحر لجي، ~~يغشاه موج من فوقه موج من ms514 فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض ". # وما عدا هذه المعرفة من المعارف، إما لا فائدة فيه أصلا، كمعرفة الشعر ~~وأنساب العرب ومثلها، أو له منفعة في معرفة الله، كمعرفة لغة العرب ~~والتفسير والفقه والأخبار، ومعرفة طريق تزكية النفس التي تفيد استعدادا ~~لقول الهداية إلى معرفة الله، كما قال تعالى: # " قد أفلح من زكاها " (21). وقال: " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا " ~~(22). # فهو من حيث إنه وسيلة إلى معرفة الله وإلى تحصيل الحرية مما لا بد منه ~~بالعرض. # PageV02P278 # ثم إن المعرفة التي هي كمال حقيقي للانسان ليس كمال العلم وغايته، إذ لا ~~يتصور كمال العلم ونهايته إلا للواجب تعالى، إذ كمال العلم إنما يتحقق ~~بأمور ثلاثة: # الأول - أن يحيط بكل المعلومات، ولا يتحقق ذلك في علم البشر. # إذ ما أوتي من العلم إلا قليلا، بل العلم الذي يحيط بجميع المعلومات هو ~~علم الله تعالى، وعلم العبد إنما يتحقق ببعض المعلومات، وكلما كانت ~~معلوماته أكثر كان علمه أقرب إلى علم الله تعالى. # الثاني - أن يتعلق بالمعلوم على ما هو به، ويكون المعلوم منكشفا واضحا في ~~غاية الانكشاف والوضوح، بحيث لا يقبل انكشافا أتم منه. # وهذا أيضا غير ممكن التحقيق في حق الإنسان، إذ علمه لا يخلو عن كدرة ~~وإبهام، بل الكشف التام الذي هو غاية الظهور والانجلاء مختص بعلم الله ~~تعالى: إذ معلوماته مكشوفة بأتم أنواع الكشف على ما هي عليها، وعلم العبد ~~له ببعض مراتب الانكشاف، فكلما كان أجلى وأوضح وأتقن وأوفق للمعلوم في ~~تفاصيل صفاته، كان أقرب إلى علم الله. # الثالث - أن يكون باقيا أبدا الآباد، بحيث لا يتغير ولا يزول. وهذا أيضا ~~مختص بعلم الله تعالى، إذ علمه تعالى باق لا يتصور أن يختلف ويتغير ويزول ~~وعلم الإنسان يتغير ويزول فكلما كان علمه بمعلومات لا تقبل التغير ~~والانقلاب كان أقرب إلى علم الله تعالى. # هذا، ومن الكمالات للانسان: التحلي بفضائل الأخلاق والصفات، لإيجابها ~~صفاء النفس المؤدي إلى البهجة الدائمة والحرية، أعني الخلاص من أسر الشهوات ~~وغموم الدنيا والاستيلاء عليها بالقهر، تشبها ms515 بالملائكة الذين لا تستغرقهم ~~الشهوة ولا يستهويهم الغضب، إذ رفع آثار الشهوة الغضب من النفس كمال حقيقي، ~~لأنه من صفات الملائكة، ومن صفات الكمال لله سبحانه عدم تطرق التغيير ~~والتأثير على حريم كبريائه، فمن كان عن التغير والتأثر بالعوارض أبعد كان ~~إلى الله أقرب. # وأما القدرة، فقد قال بعض العلماء: " أما القدرة فليس فليس فيها كمال ~~حقيقي للعبد، إذ القدرة الحقيقية لله، وما يحدث من الأشياء عقيب إرادة ~~العبد وقدرته وحركته، فهي حادثة بأحداث الله تعالى. نعم له كمال من جهة ~~PageV02P279 # القدرة بالإضافة إلى الحال، وهي وسيلة إلى كمال العلم، كسلامة أطرافه ~~وقوة يده للبطش، ورجله للمشي، وحواسه للادراك، فإن هذه القوى آلة للوصول به ~~إلى حقيقة كمال العلم، وقد يحتاج في استيفاء هذه القوى إلى القدرة بالمال ~~والجاه للتوصل به إلى المطعم والملبس، وذلك إلى قدر معلوم: # فإن لم يستعمله للوصول به إلى معرفة الله فلا خير فيه البتة، إلا من حيث ~~اللذة الحالية التي تنقضي على القرب، ولا طريق للعبد إلى اكتساب كمال ~~القدرة الباقية بعد موته، إذ قدرته على كل شئ من الأرضيات، كالمال والأبدان ~~والنفوس، تنقطع بالموت ". # وأنت خبير بأن تحقق نوع قدرة للعباد مما لا ريب فيه، وإن كانت أسبابها ~~وأصلها من الله سبحانه، إلا أن القدرة على الأمور الدنيوية الفانية كالمال ~~والأشخاص وغير ذلك، ليست كمال حقيقيا، لزوالها بالموت. نعم، الحق ثبوت ~~القدرة النفسية للعبد - أعني تأثير نفسه في الغير من الكائنات تأثيرا ~~روحانيا كما هو ظاهر من تأثير بعض النفوس في الإنسان والحيوان والنبات ~~والجماد بأنواع التأثيرات، ومثل هذه القدرة تبقى للنفوس بعد الموت ولذا ترى ~~أن من يستغيث ببعض النفوس الكاملة من الأموات يرى منها عجائب التأثيرات ~~والاستفاضات، فما ذكره بعض العلماء من عدم بقاء قدرة للنفوس بعد الموت محل ~~النظر. # وقد ظهر بما ذكر: إن الكمال الحقيقي للانسان هو العلم الحقيقي وفضائل ~~الأخلاق والحرية والقدرة فصل علاج حب الجاه إعلم أن علاج حب الجاه مركب من ~~علم وعمل. وعلاجه العلمي: أن ms516 يعلم أن السبب الذي لأجله أحب الجاه - وهو ~~كمال القدرة على أشخاص الناس وعلى قلوبهم إن صفا وسلم - فآخره الموت، فليس ~~هو من الباقيات الصالحات بل لو سجد له كل من على وجه الأرض إلى خمسين سنة ~~أو أكثر لا بد بالآخرة من موت الساجد والمسجود له، ويكون حاله كحال من مات ~~قبله من ذوي PageV02P280 # الجاه مع المتواضعين له. ولا ينبغي للعاقل أن يترك بمثل ذلك الدين الذي ~~هو الحياة الأبدية التي لا انقطاع لها. ومن فهم الكمال الحقيقي والكمال ~~الوهمي - كما سبق - صغر الجاه في عينه، إلا أن ذلك إنما يصغر في عين من ~~ينظر إلى الآخرة كأنه يشاهدها ويستحقر العاجلة ويكون الموت كالحاصل عنده، ~~وأبصار أكثر الخلق ضعيفة مقصورة على العاجلة لا يمتد نورها إلى مشاهدة ~~العواقب، كما قال الله تعالى: # " بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى " (23). وقال: " كلا بل ~~تحبون العاجلة وتذرون الآخرة " (24). # فمن هذه مرتبته، فينبغي أن يعالج قلبه من حب الجاه بمعرفة الآفات ~~العاجلة، وهو أن يفكر في الأخطار التي يستهدف لها أرباب الجاه في الدنيا ~~فإن كل ذي محسود مقصود بالإيذاء، وخائف على الدوام على جاهه، ولا يزال في ~~الاضطراب والخوف من أن تتغير منزلته في القلوب. مع أن قلوب الناس أشد تغيرا ~~وانقلابا من القدر في غليانه، وهي مرددة بين الإقبال والإعراض، فكلما يبنى ~~على قلوب الخلق يضاهي ما يبنى على أمواج البحر فإنه لا ثبات له. والإشغال ~~بمراعاة القلوب وحفظ الجاه ودفع كيد الحساد ومنع أذى الأعداء اشتغال عن ~~الله وتعرض لمقته في العاجل والأجل كل ذلك غموم عاجلة مكدرة للذة الجاه، ~~فلا يبقى في الدنيا أيضا مرجوها بمخوفها، فضلا عما يفوت في الآخرة. فبهذا ~~ينبغي أن تعالج البصيرة الضعيفة وأما من نفذت بصيرته وقوي إيمانه فلا ~~التفات له إلى الدنيا. فهذا هو العلاج العلمي وأما العلاج العملي: فإسقاط ~~الجاه عن قلوب الخلق بالأنس بضد الجاه الذي هو الخمول ويقنع بالقبول من ~~الخالق، وأقوى العلاج لقطع الجاه الاعتزال عن الناس والهجرة ms517 إلى مواضع ~~الخمول، لا مجرد الاعتزال في بيته في البلدة التي هو فيها مشهور، لأن ~~المعتزل في بيته في البلدة التي هو فيها مشهور عند أهلها لا يخلو بسبب ~~عزلته عن حب المنزلة التي تترسخ له في القلوب، فربما يظن أنه ليس محبا لذلك ~~الجاه وهو مغرور، وإنما سكنت # PageV02P281 # نفسه لأنها ظفرت بمقصودها، ولو تغير الناس عما اعتقدوا فيه وذموه أو ~~نسبوه إلى أمر غير لائق، ربما جزعت نفسه وتألمت وتوصلت إلى الاعتذار من ذلك ~~وإماطة ذلك الغبار عن قلوبهم، وربما يحتاج في إزالة ذلك عن قلوبهم إلى كذب ~~وتلبيس ولا يبالي به، وبه يتبين أنه بعد محب للجاه والمنزلة، ولا يمكنه إلا ~~يحب المنزلة في قلوب الناس ما دام يطمع في الناس، ولا يقطع الطمع عن الناس ~~إلا بالقناعة. فمن قنع استغنى عن الناس، وإذا استغنى لم يشتغل قلبه بالناس ~~ولم يكن لقيام منزلته في القلوب وزن عنده، بل من لم يطمع في الناس وكان من ~~أهل المعرفة، كان الناس عنده كالبهائم، فكيف يكون طالبا لقيام منزلته في ~~قلوبهم؟ # والحاصل: إن الغالب والباعث على قيام المنزلة في قلوب الناس هو الطمع ~~منهم، ولذا ترى أنك لا تطلب قيام منزلتك في قلوب من في أقصى المشرق أو ~~المغرب، لعدم طمع لك فيهم، ثم ينبغي أن يستعين على المعالجة بالأخبار ~~الواردة في ذم الجاه - كما مر - وفي مدح الخمول، كما يأتي. # فصل حب الخمول ضد حب الجاه والشهرة حب الخمول، وهو شعبة من الزهد، كما أن ~~حب الجاه شعبة من حب الدنيا. فحب الدنيا والزهد ضدان. # ثم الخمول من صفات المؤمنين وخصال الموقنين، وقد كانت طوائف العرفاء ~~المتوحدين ومن يماثلهم من سلفنا الصالحين محبين له طالبين إياه. # وكل من عرف الله وأحبه وأنس به، كان محبا للخمول متوحشا من الجاه وانتشار ~~الصيت، كما تنادي به كتب السير والتواريخ. قد وردت بمدحه أخبار كثيرة، كقول ~~رسول الله (ص): " إن اليسير من الرياء شرك، وإن الله يحب الأتقياء ~~الأخفياء، الذين إذا غابوا لم ms518 يفقدوا، وإذا حضروا لم يعرفوا قلوبهم مصابيح ~~الهدى، يتحول من كل غبراء مظلمة ". وقوله (ص): # " رب ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره، لو قال: اللهم أسألك ~~الجنة! لاعطاه الجنة ولم يعطه من الدنيا شيئا ". وقوله (ص): " ألا أدلكم ~~على أهل الجنة؟ كل ضعيف مستضعف، لو أقسم على الله لأبره ". وقوله ~~PageV02P282 # - صلى الله عليه وآله: " إن أهل الجنة كل أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، ~~الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، وإذا خطبوا النساء لم ينكحوا، ~~وإذا قالوا لم ينصت لهم. حوائج أحدهم تتخلخل في صدره، لو قسم نوره يوم ~~القيامة على الناس لوسعهم ". وقوله (ص): " إن من أمتي من لو أتى أحدكم ~~يسأله دينارا لم يعطه إياه، أو يسأله درهما لم يعطه إياه ولو سأل الله ~~تعالى الجنة لأعطاها إياه، ولو سأله الدنيا لم يعطها إياه وما منعها إياه ~~لهوانه عليه ". وقوله (ص): " قال الله عز وجل: إن من أغبط أوليائي عندي ~~رجلا حفيف الحال، ذا خط من صلاة، أحسن عبادة ربه بالغيب، وكان غامضا في ~~الناس، جعل رزقه كفافا فصبر عليه، عجلت منيته فقل تراثه وقل بواكيه " (25). ~~وورد: " إن الله تعالى يقول في مقام الامتنان على بعض عبيده: ألم أنعم ~~عليك؟ ألم أسترك؟ ألم أخمل ذكرك؟ ". وقال بعض خيار الصحابة: " كونوا ينابيع ~~العلم، مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سرج الليل، جدد القلوب، خلقان الثياب: ~~تعرفون في أهل السماء وتخفون في أهل الأرض ". ومن اطلع على أحوال أكابر ~~الدين والسلف الصالحين من إيثارهم الخمول والذل على الجاه والشهرة والغلبة، ~~ثم في ما ورد في مدحهما من الأخبار، تيقن بأنهما من أوصاف المؤمنين، ولا بد ~~للمؤمن من الاتصاف بهما، ولذا ورد: " أن المؤمن لا يخلو عن ذلة أو علة أو ~~قلة ". # ومنها: # حب المدح وكراهة الذم. وهما من نتائج حب الجاه، ومن المهلكات العظيمة، إذ ~~كل محب للمدح والثناء خائف من الذم، يجعل أفعاله وحركاته على ما يوافق رضا ~~الناس، رجاءا للمدح وخوفا من الذم. ms519 فيختار رضا المخلوق على رضا الخالق، ~~فيرتكب المحظورات ويترك الواجبات، ويتهاون في الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، ويتعدى عن الإنصاف والحق، وكل ذلك من المهلكات، وليس للمؤمن أن ~~يحوم حولها، بل المؤمن من لم يؤثر قط # PageV02P283 # رضا المخلوق على رضا الخالق، ولا تأخذه في الله لومة لائم. ولعظم فساد حب ~~المدح وبغض الذم ورد في ذمهما ما ورد في الأخبار، قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وآله - " إنما هلك الناس باتباع الهوى وحب الثناء ". وقال - صلى الله ~~عليه وآله -: " رأس التواضع أن تكره أن تذكر بالبر والتقوى ". وقال (ص) ~~لرجل أثنى على آخر بحضرته: " لو كان صاحبك حاضرا فرضي بالذي قلت فمات على ~~ذلك، دخل النار ". وقال (ص) لما مدح آخر: " ويحك! قطعت ظهره! ولو سمعك ما ~~أفلح إلى يوم القيامة ". # وقال (ص): " ألا لا تمادحوا! وإذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم ~~التراب ". وقال (ص): " ويل للصائم! وويل للقائم! وويل لصاحب التصوف! إلا ~~من... فقيل: يا رسول الله، إلا من؟ فقال: إلا من تنزهت نفسه عن الدنيا، ~~وأبغض المدحة واستحب المذمة ". # فصل مراتب حب المدح وكراهة الذم إعلم أن لحب المدح وكراهة الذم مرتبتين: ~~أولاهما: أن يفرح بالمدح ويشكر المادح، ويغضب من الذم ويحقد على الذام، ~~ويكافيه أو يحب مكافأته. وهذا حال أكثر الخلق، ولا حد لأتمها. وأخراهما: أن ~~يفرح باطنه ويرتاح للمادح، ولكن يحفظ ظاهره من إظهار السرور، ويتبغض في ~~الباطن على الذام، ولكن يمسك لسانه وجوارحه عن مكافأته. وهذه وإن كانت ~~نقصانا، إلا أنها بالنظر إلى الأولى كمال. # وباعتبار آخر، لحب المدح درجات: # الأولى - أن يتمنى المدح وانتشار الصيت بحيث يتوصل إلى نيلهما بكل ممكن، ~~حتى يرائي بالعبادات ولا يبالي بمفارقة المحظورات، لاستمالة قلوب الناس ~~واستنطاق ألسنتهم بالمدح. وهذا من الهالكين. # الثانية - أن يريد ذلك ويطلبه بالمباحات لا بالعبادات وارتكاب المحضورات، ~~وهذا على شفا جرف الهلاك. إذ حدود الكلام والأعمال التي يستميل بها القلوب ~~لا يمكنه أن يضبطها، فيوشك أن يقع فيما لا يحل له ليتوصل به إلى ms520 نيل المدح. ~~فهو قريب من الهالكين. # الثالثة - ألا يريد المدح ولا يسعى لطلبه، ولكن إذا مدح سر وارتاح ~~PageV02P284 # من غير وجدان كراهة في نفسه لهذا السرور والارتياح. وهذا أيضا نقصان وإن ~~كان أقل إثما بالإضافة إلى ما قبله. # الرابعة - أن يسر ويرتاح، ولكن كره هذا السرور والارتياح، وكلف قلبه ~~كراهة المدح وبغضه، وهو في مقام المجاهدة، ولعل الله يسامحه إذا بذل جهده. ~~ومع ذلك لم يقدر على ربط نفسه على كراهة المدح دائما. # فصل أسباب حب المدح حب المدح والثناء له أسباب. # الأول - شعور النفس بكمالها، فإن الكمال لما كان محبوبا فمهما شعرت النفس ~~بكمالها ارتاحت واهتزت وتلذذت، والمدح يشعر نفس الممدوح بكمالها، فإن كان ~~ما به المدح وصفا مشكوكا فيه صادر عن خبير بصير لا يجازف في القول، كالوصف ~~بكمال العلم والورع وبالحسن المطلق، فاللذة فيه عظيمة لأن الإنسان ربما كان ~~شاكا في كمال علمه وكمال حسنه ويكون شائقا لزوال هذا الشك، فإذا ذكره غيره، ~~(لا) سيما إذا كان من أهل البصيرة أورث ذلك طمأنينة وثقة بوجود ذلك الكمال، ~~فعظمت لذته، ولو كان صادرا ممن لا بصيرة له، كانت لذته أقل لقلة الاطمئنان ~~بقوله. وإن كان ما به المدح وصفا جليا، كاعتدال القامة وبياض اللون، كانت ~~لذته في غاية القلة، لأن ثناءه لا يورث ما ليس له من الطمأنينة والثقة، إلا ~~أنه لا يخلو عن لذة ما، إذ النفس قد تغفل عنه فتخلو عن لذته، فتنبهها عليه ~~بالمدح يورث لذة ما. # ولضد هذه العلة يبغض الذم أيضا، لأنه يشعر بنقصان في نفسه، والنقصان ضد ~~الكمال. # الثاني - إن المدح يدل على أن قلب المادح ملك الممدوح، وأنه مريد له ~~معتقد فيه ومسخر تحت مشيته، وملك القلوب محبوب، والشعور بحصوله لذيذ، ولذلك ~~تعظم اللذة مهما صدرت ممن تتسع قدرته وينتفع باقتناص كان المادح ممن يعتنى ~~بقوله، وهذا يختص بمدح يقع على الملأ. # الثالث - إن المدح سبب اصطياد قلب كل من يسمعه، لا سيما إذا قلبه كالملوك ~~والأكابر، ولضد هذه العلة يكره ms521 الذم ويتألم القلب به. PageV02P285 # الرابع - أن المدح يدل على حشمة الممدوح واضطرار المادح إلى إطلاق اللسان ~~بالثناء عليه طوعا أو قهرا، والحشمة محبوبة لما فيها من الغلبة والقدرة، ~~فشعور النفس بها يورث لذة، وهذه اللذة تحصل وإن علم الممدوح أن المادح لا ~~يعتقد بما يقوله، إذ ما يطلبه يحصل منه، ولضد هذه العلة يبغض الذم أيضا. # وهذه الأسباب قد تجتمع في مدح واحد فيعظم به الالتذاذ، وقد تفترق فينتقص ~~ويندفع استشعار الكمال، بأن يعلم الممدوح أن المادح غير صادق في مدحه، فإن ~~كان يعلم أن المادح ليس يعتقد ما يقوله بطلت اللذة الثانية أيضا، وهو ~~استيلاءه على قلبه، وبقيت لذة الاستيلاء بالحشمة على اضطرار لسانه إلى ~~النطق بالمدح. # فصل علاج المدح وكراهة الذم إذا علم أن حب المدح وكراهة الذم من ~~المهلكات، فيجب أن يبادر إلى العلاج. # وعلاج الأول، أن يلاحظ أسبابه، ويعلم أن شيئا منها لا يصلح حقيقة لأن ~~يكون سببا له. أما استشعار الكمال بالمدح، فلأن المادح إن صدق فليكن الفرح ~~من فضل الله حيث أعطاه هذه الصفات، وإن كذب فينبغي أن يغمه ذلك ولا يفرح به ~~لأنه استهزاء به، مع أن الفرح مطلقا في صورة الصدق من السفاهة، إذ الوصف ~~الذي مدح به إن كان مما لا يستحق الفرح به، كالثروة والجاه وغيرهما من ~~المطالب الدنيوية، فالفرح به من قلة العقل، لأنها كمالات وهمية لا أصل لها، ~~وإن كان مما يستحق الفرح به كالعلم والورع، فالفرح إنما هو لكونه مقربا إلى ~~الله، وهذا فرع حسن الخاتمة وهو غير معلوم. ففي الخوف من خطر الخاتمة شغل ~~شاغل من الفرح بكل شئ. وأما دلالة المدح على تسخير قلب المادح وكونه سببا ~~لتسخير قلب من يسمعه، فحب ذلك يرجع إلى حب الجاه والمنزلة في القلوب، وقد ~~سبق طريق معالجته. وأما دلالته على الحشمة، فإنها ليست إلا قدرة عارضة ~~ناقصة لا ثبات لها، والعاقل لا يفرح بمثلها. PageV02P286 # وأما علاج الثاني: - أعني كراهة الذم - فيعلم بالمقايسة على علاج حب ~~المدح. والقول الوجيز ms522 فيه: إن من يذمك إن كان صادقا وقصده النصح والإرشاد، ~~فلا ينبغي أن تبغضه وتغضب عليه، بل ينبغي أن تفرح وتجتهد في إزالة الصفة ~~المذمومة عن نفسك، وما أقبح بالمؤمن أن يغضب على من يحسن إليه ويريد هدايته ~~وإن كان قصده الإيذاء والتعنت، فلا ينبغي لك أيضا أن تبغضه وتكره ذلك، لأنه ~~أرشدك إلى عيبك إن كنت جاهلا به، وذكرك إياه إن كنت غافلا عنه، وقبحه في ~~عينك إن كنت متذكرا له. # وعلى التقادير قد استفدت منه ما تنتفع به، وينبغي لك أن تغتنمه وتبادر ~~إلى إزالة عيبك. وإن كان كاذبا مفتريا عليك بما أنت منه برئ، فينبغي لك ~~أيضا ألا تكره ذلك ولا تشتغل بذمه، لأنك وإن خلوت من ذلك العيب إلا أنك لا ~~تخلو من عيب آخر مساوية له وأفحش منها، فاشكر الله تعالى على أنه سترها ولم ~~يطلع أحدا عليها، ودفعها بذكر ما أنت منه برئ، مع أنه كفارة لبقية مساويك. ~~ومن ذمك أهدى إليك حسناته وجني على دينه حتى سقط من عين الله وأهلك نفسه ~~بافترائه عليك، فما بالك تحزن بحط ذنوبك وإهداء الحسنات إليك؟ ولم تغضب ~~عليه، مع أن الله سبحانه غضب عليه وأبعده من رحمته؟ فإن ذلك كاف لانتقامك ~~منه. # وصل ضد حب المدح ضد حب المدح وكراهة الذم: إما كراهة المدح وحب الذم، أو ~~مساواتهما عنده بحيث لا تسره المدحة ولا تغمه المذمة. وقد تقدم بعض الأخبار ~~الدالة على ذم من لم يتصف بالحالة الأولى. وهي وإن كانت نادرة الوجود، إذ ~~ما أقل على بسيط الأرض - (لا) سيما في هذه الأعصار - من تستوي عنده المدحة ~~والمذمة، فضلا عمن يكره المدح ويسر بالذم، إلا أن تحصيلها ممكن إذ كل من ~~عرف أن المدح مضر بدينه وقاصم لظهره، فلا بد أن يكرهه ويبغض المادح، لو كان ~~عاقلا مشفقا على نفسه. وكذا من عرف أن الذام له يرشده إلى عيوبه ويهدي إليه ~~بعض حسناته، لا بد أن يحبه ويسر بذمه. # وأما الحالة الثانية، فهي أولى درجات ms523 الكمال، ومن لم يتصف بها ~~PageV02P287 # فهو ناقص. فالاتصاف بها لازم على كل مؤمن. وربما ظن بعض الناس اتصافه ~~بها، مع كونه فاقدا لها. فمن ظن ذلك من نفسه، فلا بد أن يمتحن نفسه ~~بعلاماتها، حتى يظهر له صدق ظنه وكذبه، وعلاماته: ألا يكون سعيه ونشاطه في ~~قضاء حوائج المادح أكثر منهما في قضاء حوائج الذام، وألا يتفاوت همه وحزنه ~~لأجل موتهما وابتلائهما بمصيبة، وألا تكون ذلة المادح أخف في قلبه وعينه من ~~ذلة الذام، وألا يكون جلوس الذام عنده أثقل ولا قيامه أهون من جلوس المادح ~~وقيامه. وبالجملة: أن يستويا عنده من كل وجه. فمن وجد نفسه استواءهما في ~~جميع الجهات، فهو ممن يتساوى عنده المدح والذم. # ومنها: # الرياء وهو طلب المنزلة في قلوب الناس بخصال الخير أو ما يدل عليها من ~~الآثار. فهو من أصناف الجاه، إذ هو طلب المنزلة في القلوب بأي عمل اتفق، ~~والرياء طلب المنزلة بأدائه خصال الخير أو ما يدل على الخير. ثم خصال الخير ~~يشمل أعمال البر بأسرها، وهي أعم من العادات إن خصت العبادة بمثل الصلاة ~~والصوم والحج والصدقة وأمثال ذلك ومساوقة لها إن أريد بالعبادة كل فعل يقصد ~~به التقرب ويترتب عليه الثواب. إذ على هذا كل عمل من أعمال الخير، سواء كان ~~من الواجبات أو المندوبات أو المباحات في الأصل إذا قصد به القربة كان طاعة ~~وعبادة، وإن لم يقصد به ذلك لم يكن عبادة ولا عمل خير، ولو كان مثل الصلاة. ~~وربما خص الرياء عادة بطلب المنزلة في القلوب بالعبادة بالمعنى الأخص. # والمراد بالآثار الدالة على الخيرية هي كل فعل ليس في ذاته بر أو خيرا، ~~وإنما يستدل به على الخيرية. # وهي إما متعلقة بالبدن، كإظهار النحول والصفار ليستدل بهما على قلة الأكل ~~أو الصوم وسهر الليل، ويوهم بذلك شدة الاجتهاد وعظم الحزن على أمر الدين ~~وغلبة الخوف من الله ومن أهوال الآخرة، وكخفض الصوت ليستدل به على أن وقار ~~الشرع قد خفض صوته... وقس عليها غيرها من PageV02P288 # الأمور المعلقة ms524 بالبدن، الدالة على الخيرية قصدا إلى تحصيل المنزلة في ~~قلوب الناس، وكل ذلك يضر بالدين وينافي الورع واليقين، ولذا قال عيسى (ع): # " إذا صام أحدكم، فليدهن رأسه، ويرجل شعره، ويكحل عينيه "، خوفا من نزع ~~الشيطان بالرياء. ثم هذه مراءاة أهل الدين بالبدن، وأما أهل الدنيا فيراؤن ~~في البدن بإظهار السمن وصفاء اللون ونظافة البدن وحسن الوجه وأمثال ذلك. # أو متعلقة بالزي والهيئة كحلق الشارب وإطراق الرأس في المشي، والهدوء في ~~الحركة، وإبقاء أثر السجود في الجبهة، ولبس الصوف أو الثواب الخشن أو ~~الأبيض وتعظيم العمامة ولبس الطيلسان والدراعة، وأمثال ذلك مما يدل على ~~العلم والتقوى أو الانخلاع عن الدنيا. # والمراؤن من أهل الدين بالزي واللباس على طبقات: منهم من يرى طلب المنزلة ~~بالثياب الخشنة، ومنهم من يرى بالثياب الفاخرة، ومنهم من يرى بالوسخة، منهم ~~من يراه بالنظيفة، وللناس فيما يعشقون مذاهب. وأما أهل الدنيا فلا ريب في ~~أنهم يراؤن في اللباس بلبس الثياب النفيسة وركوب المراكب الرفيعة وأمثال ~~ذلك. # أو متعلقة بالقول والحركات كإظهار الغضب والأسف على المنكرات ومقارفة ~~الناس للمعاصي، ليستدل بها على حمايته للدين وشدة اهتمامه على الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، مع أن قلبه لم يكن متأثرا عن ذلك، وكإرخاء ~~الجفون وتنكيس الرأس عند الكلام وإظهار الهدوء والسكون في المشي، ليستدل ~~بذلك على وقاره، وربما أسرع المرائي في المشي إلى حاجة فإذا اطلع عليه واحد ~~رجع إلى الوقار خوفا من أن ينسب إلى عدم الوقار، فإذا غاب الرجل عاد إلى ~~عجلته. # أو متعلقة بغير ذلك كمن يتكلف أن يكثر الزائرون له والواردون عليه (لا) ~~سيما من العلماء والعباد والأمراء ليقال إن أهل الدين والعظماء يتبركون ~~بزيارته. # فصل ذم الرياء الرياء من الكبائر الموبقة والمعاصي المهلكة وقد تعاضدت ~~الآيات والأخبار ج: 2 PageV02P289 # على ذمه، قال سبحانه: # " فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤن ويمنعون الماعون ~~" (26). وقال سبحانه: " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا " (27). وقال سبحانه " يراؤن الناس ولا ms525 يذكرون الله إلا ~~قليلا " (28) وقال: " كالذي ينفق ماله رئاء الناس " (29). # وقال رسول الله (ص): " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر " قالوا: وما ~~الشرك الأصغر؟ قال: " الرياء، يقول الله عز وجل يوم القيامة للمرائين إذا ~~جازى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤن لهم في الدنيا فانظروا ~~هل تجدون عندهم الجزاء ". وقال (ص): " استعيذوا بالله من جب الحزن " قيل: ~~وما هو يا رسول الله؟ قال: " واد في جهنم أعد للقراء المرائين ". وقال (ص): ~~" يقول الله تعالى: من عمل لي عملا أشرك فيه غيري فهو له كله، وأنا منه ~~برئ، وأنا أغنى الأغنياء عن الشرك ". وقال - صلى الله عليه وآله وسلم -: " ~~لا يقبل الله تعالى عملا فيه مثقال ذرة من رياء ". وقال (ص): " إن أدنى ~~الرياء الشرك ". وقال (ص): " إن المرائي ينادي عليه يوم القيامة يا فاجر يا ~~غادر يا مرائي ضل عملك وحبط أجرك إذهب فخذ أجرك ممن كنت تعمل له ". وكان ~~(ص) يبكي، فقيل له: # ما يبكيك؟ قال " إني تخوفت على أمتي الشرك أما إنهم لا يعبدون صنما ولا ~~شمسا ولا قمرا ولا حجرا ولكنهم يراؤن بأعمالهم ". وقال (ص): # " سيأتي على الناس زمان تخبث فيه سرائرهم وتحسن فيه علانيتهم طمعا في ~~الدنيا لا يريدون به ما عند ربهم، يكون دينهم رياء لا يخالطهم خوف، يعمهم ~~الله بعقاب فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجيب لهم " وقال: " إن الملك ليصعد ~~بعمل العبد مبتهجا به فإذا صعد بحسناته يقول الله عز وجل: اجعلوها في سجين ~~إنه ليس إياي أراد به " (30) وقال (ص): " إن الحفظة تصعد بعمل # PageV02P290 # العبد إلى السماء السابعة من صوم وصلاة ونفقة واجتهاد وورع، لها دوي كدوي ~~الرعد وضوء كضوء الشمس معه ثلاثة آلاف ملك، فيجاوزون به إلى السماء ~~السابعة، فيقول لهم الملك الموكل بها قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه ~~اضربوا به جوارحه، اقفلوا به على قلبه، إني أحجب عن ربي كل عمل لم يرد به ~~وجه ربي، إنه أراد بعمله غير الله، إنه أراد رفعة عند الفقهاء وذكرا عند ms526 ~~العلماء وصيتا في المدائن، أمرني أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري، وكل عمل ~~لم يكن لله خالصا فهو رياء، ولا يقبل الله عمل المرائي، قال (ص): وتصعد ~~الحفظة بعمل العبد من صلاة وزكاة وصيام وحج وعمرة وخلق حسن وصمت وذكر الله ~~تعالى وتشيعه ملائكة السماوات حتى يقطع الحجب كلها إلى الله فيقفون به بين ~~يديه ويشهدون له بالعمل الصالح المخلص لله، قال: فيقول الله تعالى لهم أنتم ~~الحفظة على عمل عبدي وأنا الرقيب على نفسه، إنه لم يردني بهذا العمل وأراد ~~به غيري فعليه لعنتي فتقول الملائكة كلهم عليه لعنتك ولعنتنا، وتقول ~~السماوات كلها على لعنة الله ولعنتنا، وتلعنه السماوات السبع ومن فيهن ". # وقال أمير المؤمنين (ع): " أخشوا الله خشية ليست بتعذير (31) واعملوا ~~بغير رياء ولا سمعة فإنه من عمل لغير الله وكله الله إلى عمله يوم القيامة ~~" وقال الباقر (ع): " الإبقاء على العمل أشد من العمل " قيل: وما الإبقاء ~~على العمل؟ قال: " يصل الرجل بصلة وينفق نفقة لله وحده لا شريك له فتكتب له ~~سرا ثم يذكرها فتمحى فتكتب له علانية ثم يذكرها فتمحى فتكتب له رياء ". ~~وقال الصادق (ع): " قال الله تعالى أنا خير شريك فمن عمل لي ولغيري فهو لمن ~~عمل له غيري ". وقال (ع): " قال الله تعالى: أنا أغنى الأغنياء عن الشريك ~~فمن أشرك معي غيري في عمل لم أقبله إلا ما كان لي خالصا ". وقال (ع): " كل ~~رياء شرك، إنه من عمل للناس كان ثوابه على الناس، ومن عمل لله كان ثوابه ~~على الله ". وعن أبي عبد الله (ع) في قول الله عز وجل: # PageV02P291 # " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ". # قال: " الرجل يعمل شيئا من الثواب لا يطلب به وجه الله إنما يطلب تزكية ~~الناس، يشتهي أن يسمع به الناس فهذا الذي أشرك بعبادة ربه " ثم قال: " ما ~~من عبد أسر خيرا فذهبت الأيام أبدا حتى يظهر الله له خيرا، وما من عبد يسر ~~شرا فذهبت الأيام ms527 أبدا حتى يظهر الله له شرا ". وقال (ع): # " ما يصنع أحدكم إن يظهر حسنا ويسر سيئا أليس يرجع إلى نفسه فيعلم أن ذلك ~~ليس كذلك والله عز وجل يقول: " بل الإنسان على نفسه بصيرة ". # إن السريرة إذا صحت قويت العلانية ". وقال (ع): " من أراد الله بالقليل ~~من عمله أظهر الله له أكثر مما أراده به ومن أراد الناس بالكثير من عمله في ~~تعب من بدنه وسهر من ليله أبى الله إلا أن يقلله في عين من سمعه ". # وقال (ع): " لعباد البصري: " ويلك يا عباد! إياك والرياء فإنه من عمل ~~لغير الله وكله الله إلى من عمل له ". وقال (ع): " إجعلوا أمركم هدا لله ~~ولا تجعلوه للناس فإنه ما كان لله فهو لله وما كان للناس فهو لا يصعد إلى ~~الله ". وقال الرضا (ع) لمحمد بن عرفة: " ويحك يا بن عرفة أعملوا لغير رياء ~~ولا سمعة فإنه من عمل لغير الله وكله الله إلى ما عمل، ويحك ما عمل أحد ~~عملا إلا أراده الله به إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا " (32). # وكفى للرياء ذما أنه يوجب الاستحقار لله وجعله أهون من عباده الضعفاء ~~الذين لا يقدرون نفعا ولا ضرا، إذ من قصد بعبادة الله عبدا من عبيده فلا ~~ريب في أن ذلك لأجل ظنه بأن هذا العبد أقدر على تحصيل أغراضه من الله وأنه ~~أولى بالتقرب إليه منه تعالى وأي استحقار بمالك الملوك أشد من ذلك. # فصل أقسام الرياء الرياء إما في العبادات أو غيرها (والأول) حرام مطلقا ~~وصاحبه ممقوت # PageV02P292 # عند الله وهو يبطل أصل العبادة ولأن الأعمال بالنيات، والمرائي بالعبادة ~~لم يقصد امتثال أمر الله بل قصد أدراك مال أو جاه أو غرض آخر من الأغراض ~~فلا يكون ممتثلا لأمر الله خارجا من عهدة التكليف، ثم مع بطلان عبادته وعدم ~~خروجه عن عهدة التكليف يكون له أثم على حدة لأجل الرياء، كما دلت عليه ~~الآيات والأخبار، فيكون أسوأ حالا ممن ترك العبادة رأسا، كيف لا والمرائي ~~بالعبادة جمع بين الاستهزاء ms528 بالله والتلبيس والمكر لأنه خيل إلى الناس أنه ~~مطيع لله من أهل الذين وليس كذلك. # وأما الرياء بغير العبادات، فقد يكون مذموما، وقد يكون مباحا، وقد يكون ~~مستحبا، وقد يكون واجبا، إذ يجب على المؤمن صيانة عرضه وألا يفعل ما يعاب ~~عليه، فلا يليق بذوي المروات أن يرتكبوا الأمور الخسيسة بأنفسهم عند مشاهدة ~~الناس وإن جاز لهم ذلك في الخلوة، ومن زين نفسه باللباس أو غيره في أعين ~~الناس حذرا من لومهم واستثقالهم أو استقذارهم إياه كان ذلك مباحا له، إذ ~~الحذر من ألم الذم غير مذموم، إلا أن ذلك يختلف باختلاف الأزمنة والبلاد ~~والأشخاص من العباد، فربما كان بعض أقسام الرياء بغير العبادات مذموما ~~بالنظر إلى وقت أو شخص أو بلد غير مذموم بالنظر إلى آخر. روي: " أن رسول ~~الله (ص) أراد يوما أن يخرج على أصحابه، فكان ينظر في حب من الماء ويسوي ~~عمامته وشعره، فقيل له: أو تفعل ذلك يا رسول الله؟ فقال: نعم، إن الله ~~تعالى يحب من العبد أن يتزين لإخوانه إذا خرج إليهم ". وقال أمير المؤمنين ~~عليه السلام: " يتزين أحدكم لأخيه المسلم كما يتزين للغريب الذي يحب أن ~~يراه في أحسن الهيئة "، وقال الصادق (ع): " الثوب النقي يكبت العدو ". ~~وروي: " أنه (ع) نظر إلى رجل من أهل المدينة قد اشترى لعياله شيئا وهو ~~يحمله، فلما رآه الرجل استحى منه، فقال (ع): # اشتريته لعيالك وحملته إليهم، أما والله لولا أهل المدينة لأحببت أن ~~أشتري لعيالي الشئ ثم احمله إليهم " (33) أراد (ع) لولا مخافة أن يعيبوه ~~على # PageV02P293 # ذلك لفعل مثل فعله، إلا أنه لما كان في زمان يعاب عليه بمثله لم يجز له ~~أن يرتكبه، ولما لم يكن ذلك مما يعاب عليه في زمن أمير المؤمنين (ع) كان ~~يرتكبه وكان ذلك منقبة له وتعليما. فظهر أن ارتكاب بعض الأمور وعدم ارتكاب ~~بعض الأفعال قد يكون رياء محبوبا وقد يكون رياء مذموما. # فصل تأثير الرياء على العبادة الرياء إما أن يكون مجردا عن قصد القربة ~~والثواب بحيث ms529 لولاه وانفرد صاحبه لترك العمل وهو أشد درجات الرياء وأعظمها ~~إثما، أو يكون مع قصدهما فإن كان قصدا ضعيفا مرجوحا بحيث لو كان خاليا عن ~~قصد الرياء لم يبعثاه على العمل، ولو كان قصد الرياء خاليا عنهما بعثه ~~عليه، كان قريبا من سابقه وإن كان مساويا لقصد الرياء بحيث لو كان كل واحد ~~خاليا عن الآخر لم يبعثه على العمل، فالحق كونه مفسدا للعمل أيضا لظواهر ~~الأخبار. وإن كان راجحا على قصد الرياء غالبا عليه بأن يكون قصد الرياء ~~واطلاع الناس مرجحا ومقويا لنشاطه بحيث لو لم يكن لم يترك العمل، ولو كان ~~قصد الرياء وحده لما أقدم على العمل، (فبعض العلماء) على أنه لا يحبط أصل ~~العمل والثواب بل ينقص من الثواب أو يعاقب صاحبه على مقدار قصد الرياء، ~~ويثاب على مقدار قصد الثواب و (فيه نظر) إذ ظواهر الأخبار تفيد أبطاله أصل ~~العمل والثواب لصدق الرياء عليه وصدق المرائي على صاحبه، لقول أمير ~~المؤمنين عليه السلام " ثلاث علامات للمرائي: ينشط إذا رأى الناس، ويكمل ~~إذا كان وحده، ويحب أن يحمد في كل أموره " وما تقدم من الأخبار الدالة على ~~أن كل عمل أشرك مع الله تعالى غيره، كان الله منه بريئا ولم يقبله، صريح في ~~المطلوب. وحملها على ما إذا تساوى القصد أو كان قصد الرياء أرجح خلاف ~~الظاهر. ثم الظاهر أن البطلان في هذه الصورة إنما هو إذا رجع قصده إلى حبه ~~اطلاع الناس عليه لتقع منزلة له في قلوبهم، ليتوسل بها إلى نيل غرض من ~~الأغراض الدنيوية، وأما إذا كان سروره وقصده من PageV02P294 # اطلاع الناس لأحد المقاصد الصحيحة الآتية فلا بأس به ولا يبطل العمل. # تنبيه السرور بالاطلاع على العبادة من كان قصده أخفاء الطاعة والاخلاص ~~لله، فإذا أتفق اطلاع الناس على طاعته فلا بأس بالسرور به، من حيث علمه بأن ~~الله أطلعهم عليه وأظهر الجميل من حاله، فيستدل به على حسن صنع الله به من ~~حيث إنه ستر الطاعة والمعصية، والله تعالى أبقى معصيته على ms530 الستر وأظهر ~~طاعته، فيكون فرحه بجميل نظر الله وفضله له لا بمدح الناس وقيام المنزلة في ~~قلوبهم، وقد قال الله تعالى: # " قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا " (34). # وكأنه ظهر له بظهور طاعته أنه عند الله مقبول ففرح به. أو من حيث ~~استدلاله بإظهار الله الجميل وستره القبيح في الدنيا أنه كذلك يفعل به في ~~الآخرة، قال رسول الله (ص): " ما ستر الله على عبد في الدنيا إلا ستر الله ~~عليه في الآخرة ". فالأول فرح بالقبول في الحال من غير ملاحظة المستقبل ~~وهذا التفات إلى المستقبل. أو من حيث ظنه رغبة المطلعين في الاقتداء في ~~الطاعة، فيتضاعف بذلك أجره. إذ يكون له أجر السر بما قصده أولا، وأجر ~~العلانية بما أظهره آخرا، ومن اقتدى الناس به في طاعة فله أجر أعمال ~~المقتدين به من غير أن ينقص من أجورهم شئ. أو من حيث فرحه بطاعة المطلعين ~~لله في مدحهم وحبهم للمطيع، وميل قلوبهم إلى الطاعة، إذ من الناس من يمقت ~~أهل الطاعة ويحسدهم أو يستهزئ بهم وينسبهم إلى الرياء، فهذا فرح بحسن إيمان ~~عباد الله، وعلامة الإخلاص فيه: أن يكون سروره بمدحهم غيره مثل سروره ~~بمدحهم إياه. # ويدل على عدم البأس بالسرور فيما ذكر ما روي: " أن رجلا قال لرسول الله ~~(ص): إني أسر العمل لا أحب أن يطلع عليه أحد فيطلع عليه فيسرني! قال: لك ~~أجران: أجر السر وأجر العلانية ". وما روي: # " أنه سئل الباقر (ع) عن الرجل يعمل الشئ من الخير فيراه إنسان فيسره # PageV02P295 # ذلك، قال: لا بأس، ما من أحد إلا وهو يحب أن يظهر الله له في الناس الخير ~~إذا لم يكن صنع ذلك لذلك ". وهذان الخبران بإطلاقهما يدلان على نفي البأس ~~بالسرور لأجل المقاصد المذكورة، ويخصص منهما ما هو المذموم من الفرح الحاصل ~~من اطلاع الناس، وإن كان قصده الإخفاء أولا، وهو أن يكون فرحه لقيام منزلته ~~في قلوب الناس حتى يمدحوه ويعظموه ويقوموا بحوائجه، وإنما يخصص ذلك منهما ~~مع شمول إطلاقهما له أيضا لمعارض أقوى. ms531 # هذا وقد تقدم أن قصده أولا - أي في حال عقد الطاعة - اطلاع الناس عليه ~~وارتياحه به لأحد المقاصد المذكورة لا بأس به أيضا، فعدم البأس لا يختص ~~بطرو القصد والارتياح بعد العقد أو بعد تمام العمل. # ثم كما لا بأس بالسرور من ظهور الطاعات للمقاصد المذكورة، فكذلك لا بأس ~~بكتمان المعاصي واغتمامه باطلاع الناس عليها لأسباب نذكرها، بل الحق رجحان ~~الكتمان ومزيته بعد ارتكابها، وإن كان الأصل في الإخلاص استواء السريرة ~~والعلانية. ولذا قال بعض الأكابر: " عليك بعمل العلانية وهو ما إذا ظهر لم ~~تستح منه ". وقال بعضهم: " ما عملت عملا أبالي أن يطلع الناس عليه إلا ~~إتياني أهلي والبول والغائط ". إلا أن ذلك درجة عظيمة ليست شرعة لكل وارد، ~~ولا يصل إليها إلا واحد بعد واحد. إذ كل إنسان - إلا من عصمه الله - لا ~~يخلو من ذنوب باطنة، (لا) سيما ما يختلج بباله من الأماني الباطلة والأمور ~~الشهوية، والله مطلع عليها وهي مخفية عن الناس، والسعي في إخفائها وكراهة ~~ظهورها جائز بل راجح، بشرط ألا يكون باعث إخفائها قصد أن يعتقدوا فيه الورع ~~والصلاح، بل كان الباعث: # 1 - إما كون السر مأمورا به. # 2 - أو كون الهتك وإظهار المعاصي منهيا عنه. قال رسول الله (ص): # " من أرتكب شيئا من هذه القاذورات فليستره بستر الله تعالى ". ويعرف صدق ~~ذلك بكراهة ظهورها عن الغير، أو كون ستر الله عليه في الدنيا دليلا على ~~ستره في الآخرة، لما ورد في الخير: " أن من ستر الله عليه في الدنيا ستر ~~الله عليه في الآخرة ". PageV02P296 # 3 - أو كون ظهور المعاصي موجبا لذم الناس، والذم يؤلم القلب ويشغله عن ~~طاعة الله، ويصده عن الاشتغال بتحصيل ما خلق لأجله، ولكون التألم بالذم ~~جبليا غير ممكن الدفع بسهولة يكون أخفاء ما ظهوره يؤدي إلى حدوثه جائزا. ~~نعم، كمال الصدق استواء المدح والذم، إلا أن ذلك قليل جدا، وأكثر الطباع ~~تتألم بالذم، لما فيه من الشعور بالنقصان. # وربما كان التألم بالذم ممدوحا إذا كان الذام من أهل البصيرة ms532 في الدين، ~~فإن ذمه يدل على وجود نقصان فيه، فينبغي أن يتألم منه ويتشمر لدفعه. # 4 - أو كون الناس شهداءه يوم القيامة، كما ورد فيجوز الإخفاء لئلا يشهدوا ~~عليه يوم القيامة. # 5 - أو خوف أن يقصد بشر أو بسوء إذا عرف ذنبه. # 6 - أو خوف صيرورة الذام عاصيا بذمه، وهذا من كمال الإيمان، ويعرف بتسوية ~~ذمه وذم غيره. # 7 - أو خوف سقوط وقع المعاصي من نفسه واقتداء الغير به فيها وهذه العلة ~~هي المبيحة لإظهار الطاعة، ويختص ذلك بمن يقتدى به من الأئمة وأمثالهم ~~ولهذه العلة ينبغي أن يخفي العاصي معصيته من أهله وولده أيضا، لئلا يقتدوا ~~به فيها. # 8 - أو حبة محبة الناس له للتوسل بها إلى الأغراض الدنيوية، بل ليستدل ~~بها على محبة الله تعالى له، لأن من أحبه الله تعالى جعله محبوبا في قلوب ~~الناس. # 9 - أو مجرد الحياء من ظهور قبائحه وهو غير خوف الذم والقصد بالشر، إذ هو ~~من فضائل الأخلاق ومن كريم الطبع قال رسول الله (ص): # " الحياء خير كله ". وقال الصادق (ع): " الحياء شعبة من الإيمان ". # وقال (ص): الحياء لا يأتي إلا بالخير ". وقال (ص): " إن الله تعالى يحب ~~الحي الحليم ". ومن صدر عنه فسق ولم يبال بظهوره للناس، فقد جمع إلى الفسق ~~الهتك وعدم الحياء - أعني الوقاحة - فهو أسوأ حالا ممن يفسق ويستحي فيستره. ~~PageV02P297 # ثم كثيرا ما يشتبه الحياء بالرياء، فيدعي من يرائي بأنه يستحي، وإن تركه ~~السيئات أو إخفاءها أو تحسينه للعبادات إنما هو لأجل الحياء من الناس دون ~~الرياء، وذلك كذب. وبيان ذلك: إن الحياء خلق ينبعث من الطبع الكريم، ويمكن ~~أن يهيج عقيبه داعية الرياء فيرائي معه، ويمكن أن يهيج داعية الإخلاص ~~فيجمعه إليه. مثلا من طلب من صديقه قرضا، فإن رده صريحا من غير مبالاة ومن ~~دون أن يتعلل ارتكب الوقاحة وعدم الحياء وإن أعطاه بمجرد انقباض نفسه من ~~استشعار قبح رده مشافهة من دون رغبة في الثواب ولا خوف من ذمه أو حب إلى ~~مدحه حتى لو ms533 طلبه مراسلة أو بتوسط غيره من الأجانب لرده، فإعطاؤه هذا صادر ~~عن مجرد الحياء من دون ترتب رياء أو إخلاص عليه. وإن تعسر عليه الرد للحياء ~~وكان ما في نفسه من البخل مانعا من الاعطاء فحدث خاطر الرياء، ويخاطب نفسه ~~بأنه ينبغي أن تعطيه حتى يمدحك بالسخاء ولا يذمك بالبخل فأعطاه لذلك فهو ~~مزج الرياء بالحياء، والمحرك للرياء هو هيجان الحياء. وإن تعسر عليه الرد ~~للحياء والإعطاء للبخل، فهيج باعث الإخلاص، ويقول له الصدقة بواحدة والقرض ~~بثمانية، ففيه أجر عظيم، وإدخال السرور على قلب مسلم صديق من أقرب القربات، ~~فسخت نفسه بالاعطاء، فهو جمع بين الحياء والاخلاص ثم الحياء لا يكون إلا في ~~القبائح الشرعية أو العقلية أو العرفية، كالبخل ومقارفة الذنوب والظلم ~~وصدور بعض الحركات القبيحة عرفا في المحافل، والرياء يكون في المباحات ~~أيضا، حتى أنه لو عاد الضحك إلى الانقباض والمستعجل في المشي إلى الهدوء ~~بعد اطلاع الناس كان مرائيا، وربما ظن أن باعث ذلك هو الحياء وهو الجهل، إذ ~~باعثه مجرد الرياء وما قيل: إن بعض الحياء ضعف، فالمراد أن الحياء مما ليس ~~بقبيح ناش من ضعف النفس، كالحياء من وعظ الناس وإقامة الصلاة ومن الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا إذا وجد عذر يحسن الحياء معه، كأن يشاهد ~~معصية من شيخ فيستحي من شيبته أن ينكر عليه، لأن من إجلال الله إجلال ذي ~~الشيبة المسلم، ولو استحيى من الله ولا يضيع الأمر بالمعروف لكان أحسن. ~~وأقوياء النفوس من أهل الإيمان يؤثرون الحياء من الله على الحياء من الخلق، ~~وأما ضعفاء النفوس منهم فقد لا يقدرون PageV02P298 # على ذلك. # فصل متعلقات الرياء الرياء إما بأصل الإيمان، وهو إظهار الشهادتين مع ~~التكذيب باطنا، وهذا هو النفاق، وقد كان في صدر الإسلام كثيرا، وقل ما يوجد ~~في أمثال زماننا، وإن كثر فيه إنكار بعض ضروريات الدين، كالجنة والنار ~~والثواب والعقاب واعتقاد في بساط أحكام الشرع باطنا، ميلا إلى قول الملاحدة ~~وأهل الإباحة، مع إظهار الخلاف ظاهرا، وهذا أيضا معدود من ms534 كفر النفاق، ~~وصاحبه ينسل عن الدين مخلد بالنار. وصاحب كفر النفاق مطلقا أسوأ حالا من ~~الكافر المحارب، لأنه جمع بين الكفر الباطن والنفاق مطلقا أسوأ حالا من ~~الكافر المحارب، لأنه جمع بين الكفر الباطن والنفاق الظاهر. أو بأصول ~~العبادات مع التصديق بأصل الدين، كأن يصلي في الملأ دون الخلوة، ويصوم مع ~~اطلاع الناس عليه ويفطر بدونه، ومثله وإن لم ينسل من أصل الدين، إلا أنه شر ~~المسلمين، لترجيحه الخلق على الخالق، وكون التقرب إليهم أحب من التقرب ~~لديه، وكون خوفه من ذمهم أشد من خوفه من عقابه سبحانه. أو بالنوافل والسنن، ~~وهذا أيضا مذموم مهلك، ولكنه دون ما قبله، لأن صاحبه وإن قدم مدح الخلق على ~~مدح الخالق، إلا أنه لم يقدم خوف ذمهم على خوف عقابه، لعدم ترتب عقاب على ~~ترك النافلة. أو بأوصاف العبادة الواجبة أو المستحبة، كفعل ما في تركه ~~نقصان أو كراهة أو ترك ما في فعله أحدهما أو بزيادات خارجة عن نفس النوافل، ~~كحضوره الجماعة قبل القوم وقصده الصف الأول، وأمثال ذلك. وكل ذلك مذموم، ~~إلا أن بعضه أشد من بعض. # فصل بواعث الرياء باعث الرياء إما التمكن من المعصية، كإظهار الورع ~~والتقوى لتفوض إليه الحكومة والقضاء، لينال الجاه والاستيلاء، ويحكم ~~بالجور، ويأخذ الرشا، أو تسلم إليه الودائع والصدقات وأموال اليتامى وأمثال ~~ذلك، فيأخذ PageV02P299 # لنفسه منها ما يقدر عليها، وكحضوره مجالس العلم والوعظ والتعزية لملاحظة ~~النسوان والصبيان، وهذا أشد درجات الرياء إثما، ويقرب منه إظهار الديانة ~~والتقوى ليدفع عن نفسه تهمة ما اقترفه من الجرائم، أو نيل حظ مباح من حظوظ ~~الدنيا، كالاشتغال بالوعظ والتذكير والإمامة والتدريس وإظهار الصلاح ~~والورع، لتستبذل له الأموال وترغب في تزويجه النسوان أو خوف أن ينظر إليه ~~بعين النقص والحقارة، أو ينسب إلى الكسالة والبطالة كترك العجلة والضحك بعد ~~اطلاع الناس عليه، خوفا من أن يعرف باللهو والهزل فيستحقر، وكالقيام للتهجد ~~وأداء النوافل إذا وقع بين المجتهدين والمتنفلين لئلا ينسب إلى الكسالة، ~~ولو خلى بنفسه لم يتنفل مطلقا، وكذا الامتناع ms535 من الأكل والشرب في اليوم ~~الذي يصام فيه تطوعا، وتصريحه بأني صائم، خوفا من أن ينسب إلى البطالة، ~~وربما لم يصرح بكونه صائما، بل يقول: لي عذر، وحينئذ قد جمع بين رياءين: ~~الرياء بكونه صائما، والرياء بكونه مخلصا غير مراء. ثم إن ألجأته الكسالة ~~والشهوة إلى عدم القيام إلى النوافل وعدم الصبر عن الأكل والشرب، ذكر لنفسه ~~عذرا، تصريحا أو تعريضا، كأن يتعلل الترك بمرض أو ضعف أو شدة العطش أو ~~تطييب خاطر فلان، وقس عليها غيرها من الكلمات والأعذار، فإنها لا تسبق إلى ~~اللسان إلا لرسوخ عرق الرياء في النفس، والمخلص لا يريد غير الله والتقرب ~~إليه، ولا يعتني بالخلق وحصول المنزلة في قلوبهم، فإن لم يصم لم يحب أن ~~يعتقد غيره فيه ما يخالف علم الله ليكون ملبسا، وإن صام قنع بعلم الله ولم ~~يشرك فيه غيره. ثم هذه البواعث لما كان بعضها صادرا من رداءة قوة الغضب ~~وبعضها من رداءة قوة الشهوة، فيكون بعض أنواع الرياء من رذائل الأولى ~~وبغضها من رذائل الثانية. # تنبيه الرياء الجلي والخفي الرياء جلي وخفي، والجلي: ما يبعث على العمل ~~لولا قصد الثواب والخفي: ما لا يبعثه بمجرده إلا أنه يخفف العمل الذي أريد ~~به التقرب في الخلوة، ويعرف بالسرور إذا أطلع عليه الناس، لا للمقاصد ~~المتقدمة، بل PageV02P300 # لطلب نوع منزلة في قلوب الناس، ويتوقع التعظيم والتوقير وقضاء الحوائج ~~منهم ووجدان الاستبعاد من نفسه لو قصر في احترامه، كأن نفسه تتقاضى الاكرام ~~والاحترام على الطاعة التي أخفاها مع أنه لم يطلع عليه أحد. # ولا شك أن هذا التقاضي لا ينفك عن شوب خفي من الرياء أخفى من دبيب النمل، ~~ولو كان عنده وجود الطاعة كعدمها في كل ما يتعلق بالخلق وقنع بعلم الله ~~فيها لم يكن لهذا التوقع وجه. فعلامة خلوص العمل من الرياء ألا يجد تفرقة ~~بين أن يطلع على عبادته إنسان أو بهيمة، ومهما وجد تفرقة في ذلك فلا يكون ~~منفكا عن توقع ما (عن) (35) الناس في طاعته، وذلك مما ms536 يحبط العمل. قال أمير ~~المؤمنين (ع): " إن الله تعالى يقول للفقراء يوم القيامة: ألم يكن يرخص ~~عليكم السعر؟ ألم تكونوا تبدأون بالسلام؟ # ألم تكونوا تقضى لكم الحوائج؟ فلا أجر لكم، قد استوفيتم أجوركم! ". # فصل كيف يفسد الرياء العمل لو عقد العمل على الإخلاص واستمر إلى الفراغ، ~~لم يحبطه السرور بظهوره بعده، لا من قبله كما دل عليه بعض الظواهر السالفة. ~~ولا يعصى به أيضا إن كان لأجل أحد المقاصد السالفة، ويكتب له معصية إن كان ~~لظنه حصول منزلة له في القلوب. ولو كان ظهوره بعده من نفسه بالتحدث مع ~~الرغبة والسرور بذلك، فربما قيل بإحباطه العمل، إذ حب التحدث به يدل على أن ~~قلبه عند العبادة لم يخل عن عقد خفي من الرياء. وقد أيد ذلك بما روي: " أن ~~رجلا قال للنبي (ص): إني صمت الدهر. فقال صلى الله عليه وآله: لا صمت ولا ~~أفطرت! ". وما روي: " أن ابن مسعود سمع رجلا يقول: قرأت البارحة سورة ~~البقرة. فقال: ذلك حظه منها ". # والظاهر أنه لا يحبط عمله، بل يثاب عليه، وإن عوقب على ما صدر منه بعد ~~الفراغ من الرياء. والتعليل لو تم لا يفيد البطلان، إذ العقد الذي لم يشعر ~~به صاحبه لا يؤاخذ به، وإلا لزم التكليف بالمحال. والخبر لو صح # PageV02P301 # فإنكاره (ص) لأجل كراهية صوم الدهر لا لإظهاره. وقول ابن مسعود لو ثبت لا ~~حجية فيه. # ولو عقد العمل على الإخلاص، وورد في أثنائه وارد السرور بأطلاع بعض الناس ~~عليه، فإن لم يكن باعثا على العمل ومؤثرا فيه بحيث لو لم يحدث لأتم العمل ~~على الإخلاص من غير فتور، وكان أيضا لأحد المقاصد الصحيحة المتقدمة، فلا ~~بطلان ولا إثم، لما تقدم من الأخبار. وإن لم يكن باعثا ولكن لم يكن لشئ من ~~المقاصد المذكورة، بل كان لظنه نيل الجاه أو المال بالظهور، فالحق بطلان ~~العمل وكونه آثما للعمومات السالفة. وإن كان باعثا ومؤثرا فهو الرياء ~~المحرم، سواء كان غالبا على قصد التقرب أو مساويا له أو مغلوبا عنه، ms537 فيحبط ~~العمل وعليه الإعادة لو كان فريضة، لما تقدم من العمومات، ولقوله (ص): " ~~العمل كالوعاء، إذا طاب آخره طاب أوله ". وقوله (ص): " من راءى بعمله ساعة، ~~حبط عمله الذي كان قبله ". ثم هذا في العمل المركب الذي له أجزاء، ويتوقف ~~صحته على صحة كل واحد منها، كالصوم والصلاة والحج. وأما العمل الذي كل جزء ~~منه منفرد، كالصدقة والقراءة، فما يطرأ من الرياء في أثنائه إنما يفسد ~~الباقي دون الماضي فطرؤه فيه في الأثناء بالنسبة إلى الماضي كطروئه بعد ~~الفراغ في الأول. وهذا حكم الرياء الطاري بعد عقد الطاعة على الإخلاص أو ~~قبله، سواء لم يرجع عنه حتى يتمها، أو ندم بعده في الأثناء أيضا ورجع ~~واستغفر وأما المقارن حال العقد، بأن يبتدي بالصلاة مثلا على قصد الرياء، ~~فإن أتمها عليه فلا خلاف في كونه آثما وعدم الاعتداد بها. وإن ندم عليه في ~~الأثناء ورجع واستغفر، فإن مجرد القصد إلى الغير الباعث إلى اطلاع الناس ~~لبعض المقاصد المتقدمة وارتياحه به فلا بأس به ولا يحبط العمل، وإن كان غير ~~ذلك أفسده، سواء في ذلك جميع شقوقه المتقدمة، كما علم وجهه. # فائدة شوائب الرياء مبطلة للعمل لما كان المناط في الأعمال، صحة وفسادا، ~~هو القصد والنية، إذ PageV02P302 # الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، فكل عمل تدخله شوائب الرياء فهو ~~فاسد، سواء وقع سرا أو علانية، وكل عمل كان خالصا لله وأمن صاحبه من دخول ~~الرياء فيه فلا بأس بإسراره ولا بإظهاره. ثم لو تعلق قصد صحيح بإظهار نفس ~~العمل أو التحدث به بعد الفراغ عنه، كترغيب الناس في الخير وتنبيههم على ~~الاقتداء به فيه، كان إظهاره أفضل من أسراره بشرط عدم اشتماله على رياء أو ~~فساد آخر، كإهانة الفقير في التصدق، ولو اشتمل على شئ من ذلك، كان أسراره ~~أفضل من إعلانه، وبذلك يجمع بين الأقوال والأخبار. # والحاصل: أنه متى انفك القلب عن شوائب الرياء، بحيث يتم الإخلاص على وجه ~~واحد في الحالتين، فما فيه القدوة وهو العلانية أفضل ومهما حصلت فيه ms538 شوائب ~~الرياء لم ينفعه اقتداء غيره، لكونه مهلكا له، فالسر أفضل منه. فعلى من ~~يظهر العمل أن يعلم أو يظن أنه يقتدى به، وأن يراقب قلبه لئلا يكون فيه حب ~~الرياء الخفي، فربما أظهر العمل لعذر الاقتداء وكان في نفسه قصد التجمل ~~بالعمل وكونه مقتدى به، وهذا حال كل من يظهر العمل، إلا من أيده الله بقوة ~~النفس وخلوص النية، فلا ينبغي لضعيف النفس أن يخدع نفسه فيضل ويضل ويهلك ~~ويهلك من حيث لا يشعر. فإن الضعيف مثاله مثال الغريق الذي يعلم سباحة ~~ضعيفة، فينظر إلى جماعة من الغرقى فيرحمهم، وأقبل عليهم لينجيهم، فتشبثوا ~~به، وهلك وهلكوا. وهذه المواضع مزال أقدام العلماء والعباد، فإنهم يتشبهون ~~بالأقوياء في الإظهار ولا تقوى قلوبهم على الإخلاص، فتحبط أجورهم بالرياء. ~~ودرك ذلك غامض جدا لا يبلغه إلا الخائضون في غمرات علم الأخلاق. ويعرف ~~الخلوص في ذلك بألا يتفاوت حاله باقتداء الناس به وبغيره من أقرانه ~~وأمثاله، فإن كان قلبه أميل إلى أن يكون هو المقتدى به، فإظهاره العمل غير ~~خال عن شوائب الرياء. # إيقاظ لما عرفت أن المناط في صحة الأعمال وفسادها هو القصد والنية، تعلم ~~أن كل عمل لم يكن خالصا لوجه الله وأريد به غيره سبحانه ينبغي أن يترك ~~PageV02P303 # ويعرض عنه، وإن كان خالصا له تعالى مقصودا على قصد صحيح، لا ينبغي تركه ~~لمجرد بعض الوساوس والخواطر الشيطانية. فإن الشيطان يدعو أولا إلى ترك ~~العمل فإن لم يجب يدعو إلى الرياء، فإذا أيس منه يقول: هذا العمل ليس ~~خالصا، بل هو رياء، فأي فائدة منه؟!. # ثم الأعمال إما من الطاعات اللازمة التي لا تعلق لها بالغير، كالصلاة ~~والصوم والحج وأمثالها، أو من الطاعات المتعدية التي لها تعلق بالخلق، ~~كالإمامة والقضاء والحكومة والإفتاء الوعظ والتذكير والتعليم والتدريس ~~وإنفاق المال وغير ذلك. # والقسم الأول: إن دخله الرياء قبل الفعل، بأن يكون باعثه الرياء دون ~~الخلوص والقربة، فينبغي أن يترك ولا يشرع فيه، وإن دخله بعد العقد أو معه، ~~فلا ينبغي أن يترك، لأنه وجد ms539 له باعث ديني، وإنما طرأه باعث الرياء، ~~فليجاهد في دفع الرياء وتحصيل الإخلاص، ويرد نفسه إليه قهرا بالمعالجات ~~التي نذكرها. ومهما كان في مقام المجاهدة مع نفسه معاتبا لها قاهرا عليها ~~في ميلها إلى الرياء، ووجد عن طبعه كراهية هذا الميل، فالنجاة في حقه ~~مرجوة، ولعل الله يسامحه بعظيم رحمته. وأما إذا لم يكن في مقام المجاهدة، ~~ولم يكن كارها مما يجد في نفسه من الميل إلى الرياء، بل أعطى زمام الاختيار ~~إلى النفس الأمارة، وهي ترائي في الأعمال، وهو يتبعها في ذلك من غير قهر ~~عليها وكراهية لفعلها، فلا ريب في فساد أعماله وأولوية تركها، وإن كان ~~باعثها ابتداء محض القربة ودخلها الرياء مع العقد أو بعده. # وأما القسم الثاني: المتعلق بالخلق - أعني أمامة الصلاة والقضاء والتدريس ~~والإفتاء والوعظ والإرشاد وأمثال ذلك - فأخطارها عظيمة، ومثوبتها جسيمة. ~~فمن له أهلية ذلك من حيث العلم - إن كان ذا نفس قوية لا يعتني بالناس ولا ~~تزعجها وساوس الخناس وله معرفة تامة بعظمة ربه وقدرته وسائر صفاته ~~الكمالية، بحيث شغله ذلك عن الالتفات إلى الخلق وما في أيديهم حتى يرائي ~~لأجلهم أو يختار رضاهم على رضا ربه - فالأولى لمثله ألا يترك هذه المناصب ~~ليفوز بمثوبتها العظيمة. وإن كان ذا نفس PageV02P304 # ضعيفة، كخيط مرسل في الهواء تفيئها (36) الريح مرة هكذا ومرة هكذا، فهو ~~لا يأمن الرياء وسائر أخطارها. فاللازم لمثله تركها. ولذلك كان أهل اليقين ~~من السلف يتدافعون هذه المناصب ما وجدوا إليه سبيلا. وورد ما ورد من ~~الأخبار في عظيم خطرها كثرة آفاتها ولزوم التثبت والاحتياط لمن يزاولها وما ~~ورد من الوعيد الشديد في حق علماء السوء يكفي للزوم الحذر عن فتن العلم ~~وغوائله. ومما يقصم ظهور أمثالنا من الذين يقولون ما لا يعلمون ويأمرون بما ~~لا يفعلون، قول عيسى بن مريم - عليهما السلام -: # " يا علماء السوء! تصومون وتصلون وتتصدقون ولا تفعلون ما تؤمرون: # وتدرسون ما لا تعلمون فيا سوء ما تحكمون! تتوبون بالقول والأماني، ~~وتعملون بالهوى، وما يغني عنكم أن تتقوا جلودكم ms540 وقلوبكم دنسة! بحق أقول ~~لكم: لا تكونوا كالمنخل يخرج منه الدقيق الطيب وتبقى فيه النخالة! # كذلك أنتم! تخرجون الحكم من أفواهكم ويبقى الغل في صدوركم! # يا عبيد الدنيا! كيف يدرك الآخرة من لا تنقضي من الدنيا شهوته ولا تنقطع ~~منها رغبته! بحق أقول لكم: إن قلوبكم تبكي من أعمالكم، جعلتم الدنيا تحت ~~ألسنتكم والعمل تحت أقدامكم بحق أقول لكم: أفسدتم آخرتكم بصلاح دنياكم، ~~فصلاح الدنيا أحب إليكم من صلاح الآخرة! فأي ناس أخس منكم لو تعلمون! ~~ويلكم! حتى متى تصفون الطريق للمدلجين وتقيمون في محلة المتحيرين كأنكم ~~تدعون أهل الدنيا ليتركوها لكم! مهلا مهلا! ويلكم! ماذا يغني عن البيت ~~المظلم أن يوضع السراج فوق ظهره وجوفه وحش مظلم! كذلك لا يغني عنكم أن يكون ~~نور العلم بأفواهكم وأجوافكم منه وحشة معطلة. يا عبيد الدنيا! توشك الدنيا ~~أن تقلعكم عن أصولكم فتلقيكم على وجوهكم، ثم تكبكم على مناخركم، ثم تأخذ ~~خطاياكم بنواصيكم! يدفعكم العلم من خلفكم، ثم يسلمكم إلى الملك الديان حفاة ~~عراة فرادى! فيوقفكم على سوآتكم، ثم يخزيكم بسوء أعمالكم!! " (37) هذا ~~ويعرف الصادق المخلص من أهل هذه المناصب بأنه إذا ظهر من هو # PageV02P305 # أعدل وأحسن وعظا وأكثر علما منه وأشد قبولا للناس فرح به ولم يحسده، وإذا ~~حضر الأكابر والأعاظم مجلسه أو اقتدوا به لم يتغير كلامه ولم يتفاوت حاله، ~~بل يبقى على ما كان عليه، وينظر إلى عباد الله بعين واحدة. # (تنبيه): لما عرفت حقيقة الرياء، تعلم أنه إذا صار عمل بعض الصالحين أو ~~قولهم محركا لغيرهم على الاشتغال بالطاعة لم تكن هذه الطاعة رياء إذا عقدت ~~على الخلوص، وإن لم يكن هذا الغير ليفعل هذه الطاعة إذا لم يشاهدها من بعض ~~الصالحين أو لن يسمعها منه. فمن لم تكن عادته التهجد وباب مع قوم متهجدين ~~في موضع، فإذا قاموا للتهجد انبعث نشاطه للموافقة ووافقهم في التهجد، ولم ~~يكن ذلك رياء بعد أن يكون قصده منه الثواب والتقرب إلى الله، إذ كل مؤمن ~~راغب في عبادة الله وفي قيام ms541 الليل، ولكن قد تعوقه العوائق وتمنعه الغفلة، ~~فإذا شاهد قوما يتهجدون ربما صارت مشاهدة طاعتهم سببا لزوال غفلته، كما ~~يصير قولهم ووعظهم سببا لذلك فيتحرك باعث الدين دون الرياء ويدعوه إلى ~~موافقتهم. وربما كان الموضع مما ليس فيه عائق، فيغتنم الفرصة ويبعثه ما فيه ~~من الإيمان إلى الطاعة. وقس على التهجد غيره: من الصوم، والتصدق، والقراءة، ~~والذكر، وغيرها من أعمال البر. # فصل علاج الرياء لما كانت الأسباب الباعثة على الرياء هي حب لذة المدح ~~والفرار من ألم الذم والطمع بما في أيدي الناس، فالطريق في علاجه أن يقطع ~~هذه الأسباب وقد تقدم طريق العلاج في قطع الأولين، ويأتي طريق إزالة ~~الثالث. وما نذكره هنا من العلاج العلمي للرياء، هو أن يعلم أن الشئ إنما ~~يرغب فيه لكونه نافعا، وإذا علم أنه ضار ليعرض عنه البتة. وحينئذ، فينبغي ~~لكل مؤمن أن يتذكر مضرة الرياء وما يفوته من صلاح قلبه وما يحرم عنه في ~~الحال من التوفيق وفي الآخرة من المنزلة عند الله وما يتعرض له من المقت ~~والعذاب ومتى تذكر ذلك وقابل ما يحصل له في الدنيا من الناس الذين راءى ~~لأجلهم بما يفوته في الآخرة من ثواب الأعمال، لترك الرياء لا محالة. مع أن ~~العمل PageV02P306 # الواحد ربما تترجح به كفة حسناته لو خلص، فإذا فسد بالرياء حول إلى كفة ~~السيئات، فتترجح به ويهوي إلى النار، هذا مع أن المرائي في الدنيا متشتت ~~الهم متفرق البال بسبب ملاحظة قلوب الناس، فإن رضاهم غاية لا تدرك، وكلما ~~يرضى به فريق يسخط به فريق، ومن طلب رضاهم في سخط الله سخط الله عليه ~~وأسخطهم أيضا. ثم أي غرض له في مدحهم وإيثار ذم الله لأجل مدحهم ولا يزيده ~~مدحهم رزقا ولا إجلالا ولا ينفعه يوم فقره وفاقته وهو يوم القيامة؟! ومن ~~كان رياؤه لأجل الطمع بما في أيدي الناس، ينبغي أن يعلم أن الله هو المسخر ~~للقلوب بالمنع والإعطاء، وإن الخلق مضطرون فيه، ولا رازق إلا الله، ومن طمع ~~في الخلق لم يخل ms542 عن الذل والخسة، وإن وصل إلى المراد لم يخل عن المنة ~~والمهانة، وإذا قرر ذلك في نفسه ولم يكن منكرا لأمسه، زالت غفلته وفترت عن ~~الرياء رغبته وأقبل على الله بقلبه، وانقطع بشراشره إلى جناب ربه. ويكفيه ~~أن يعلم أن الناس لو علموا ما في باطنه من قصد الرياء وإظهار الإخلاص ~~لمقتوه، وسيكشف الله عن سره حتى يبغضه إليهم، ولو أخلص لله لكشف لهم إخلاصه ~~وحببه إليهم وسخرهم له، وأطلق ألسنتهم بمدحه وثنائه، مع أنه لا يحصل له ~~كمال بمدحهم ولا نقصان بذمهم. # ثم من تنور قلبه بنور الإيمان وانشرح صدره باليقين والعرفان، وعرف معنى ~~الواجب وحقيقة الممكن، وتيقن بأن الواجب - أي الحقيقة التي تقتضي بنفس ذاته ~~التحقق والبقاء، وهم صرف الوجود - يجب أن يكون تاما فوق التمام، ولا يتصور ~~حقيقة أتم كمالا منه، والحقيقة التي هذا شأنها يجب أن يكون ما سواها بأسره ~~مستندا إليها وصادرا عنها على أشرف أنحاء الصدور وأقواها. وهذا النحو ~~الأشرف الأقوى الذي لا يتصور نحوه أقوى منه في الاختراع وأدل منه على كمال ~~عظمة الموجد وقدرته، وهو كون ما سواه سبحانه من الموجودات، إما اعتبارات ~~وشؤونات لدرجات ذاته وإشراقات لتجليات صفاته، كما ذهب إليه قوم، أو كونها ~~ماهيات إمكانية اختراعية علما وعينا، صادرة عنه سبحانه بوجودات خاصة متعددة ~~ارتباطية PageV02P307 # بمحض أرادته ومشيته، كما ذهب إليه آخرون (38). ولو لم يكن غيره من ~~الموجودات مستندا إليه على أقوى أنحاء الاستناد، لم يكن تاما فوق التمام إذ ~~تكون الذات التي يستند الكل إليها بأحد النحوين أكمل منه وأشرف. وإذا عرف ~~أنه سبحانه كذلك، يعرف أنه ليس في الوجود حقيقة أحد سواه وغيره حقيقته ~~العدم وما له من الوجود والظهور منه سبحانه، وبعد هذه المعرفة لا يختار ~~غيره تعالى عليه، ويعلم أن العباد كلهم عجزة لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ~~ضرا، ولا يملكون موتا ولا حياة، فلا يتغير قلبه بمشاهدة الخلق، ولا يلتفت ~~إليهم إلا بخطرات ضعيفة لا يشق عليه إزالتها، فيعمل عمل من لو كان على وجه ms543 ~~الأرض وحده لكان يعمله. # وأما العلاج العملي، فهو أن يعود نفسه إخفاء العبادات وإغلاق الأبواب ~~دونها، كما تغلق الأبواب دون الفواحش، حتى يقنع قلبه بعلم الله واطلاعه على ~~عبادته، ولا تنازعه النفس إلى طلب علم غير الله به. وذلك وإن شق في بداية ~~المجاهدة، لكن إذا صبر عليه مدة بالتكلف سقط عنه ثقله وهان عليه بتواصل ~~ألطاف الله وما يمده به عبادة من حسن التوفيق والتأييد: # " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " (39). # فمن العبد المجاهدة ومن الله الهداية: # " إن الله لا يضيع أجر المحسنين " (40). # تتميم القالع مغارس الرياء من قلبه يقطع الطمع واستحقار مدح الناس وذمهم # PageV02P308 # ربما يتركه الشيطان، (لا) سيما في أثناء العبادة فعارضه بخطرات الرياء ~~ونزعاته، حتى أحدث في قلبه ميلا خفيا إلى الرياء وحبا له. والحق أن ذلك ليس ~~من الرياء المحرم، ولا تفسد به العبادة، مع كونه كارها لهذا الميل والحب ~~وقاهرا على نفسه ماقتا لها في تأثرها وتغيرها عن نزعات الشيطان ومنازعا ~~للشيطان ومجاهدا إياه لدفع خطراته، لأن الله لم يكلف عباده إلا ما يطيقون، ~~وليس في وسعهم منع الشيطان عن نزعاته ولا قمع الطبع حتى لا يميل إلى ~~شهواته، وغاية ما يقدرون عليه أن يقابلوا نزعاته وميل الطبع بالكراهة ~~والقهر على النفس في هذا الميل، مع المجاهدة في دفع ذلك بتذكر المعالجات ~~المقررة لدفع الرياء والوساوس، وإذا فعلوا ذلك أدوا ما يجب عليهم. ويدل على ~~ذلك أيضا ما تقدم من الأخبار الدالة على عدم المؤاخذة بمجرد الوسوسة، وقول ~~النبي (ص): " الحمد لله الذي رد كيد الشيطان إلى الوسوسة ". فوسوسة الشيطان ~~وميل النفس لا يضران مع ردهما بالكراهية والإباء، إذ الوساوس والخواطر ~~والتذكرات والتخيلات المهيجة للرياء من الشيطان، والميل والرغبة بعد تلك ~~الخواطر من النفس، والإباء والكراهة من الإيمان ومن آثار العقل فلا يضر ما ~~من النفس والشيطان إذا قوبل بما من العقل والإيمان. ولذا قال بعض الأكابر: ~~" ما كان من نفسك فكرهته نفسك لنفسك، فلا يضرك ما هو من عدوك، ms544 وما كان من ~~نفسك فرضيته نفسك لنفسك فعاتبها عليه ". # ثم الطرق المتصورة في دفع خطرات الرياء في أثناء العبادات مع كراهتها ~~أربع: # الأولى - أن يشتغل بمجادلة الشيطان في رد نزعاته، ويطيل معه الجدال ~~الثانية - أن يقتصر من تكذيب الشيطان ودفعه من غير اشتغال بمجادلته الثالثة ~~- ألا يشتغل بتكذيبه أيضا، بل يكتفي بما قرر في عقد ضميره من كراهة الرياء ~~وكذب الشيطان، فيستمر على ما كان عليه مستصحبا له غير مشتغل بالمخاصمة ~~والتكذيب. # الرابعة - أن يزيد فيما هو من الإخلاص والاشتغال بالله، أو ما يؤدي ~~إليهما، كإخفاء العبادة والصدقة غيظا للشيطان، لأن ذلك يغيظ الشيطان ~~PageV02P309 # ويوجب يأسه، ومهما عرف من العبد هذه العادة، كف عنه خوفا من أن يزيد في ~~حسناته. # ولا ريب في أن الاشتغال بالمجادلة والتكذيب وإطالتهما يمنع الحضور ويصد ~~عن التوجه إلى الله، وهو نقصان لأهل السلوك، فالصواب لكل مؤمن أن يقرر ~~دائما في عقد ضميره كراهية الرياء وتكذيب الشيطان، ويعزم أبدا على أنه إذا ~~تهجم عليه الشيطان وعارضه بنزعات الرياء زاد ما هو فيه مما يغيظ الشيطان ~~ويوجب يأسه، فإذا حدثت خطرات الشيطان في الأثناء، اكتفى بما عقد عليه أولا ~~مستصحبا له، وزاد في الإخلاص وما يؤدي إليه فإن ذلك يوجب قنوط الشيطان. ~~وإذا عرف العبد بهذه الصفة لا يتعرض له لئلا يزيد فيما يغيظه وينبغي لكل ~~مؤمن أن يكون هذا ديدنه في جميع الصفات والملكات، مثلا إذا حصل اليقين ~~والعقيدة الجازمة بالمبدأ وصفاته الكمالية، وقرر ذلك في نفسه وأثبت في قلبه ~~كراهية الشك وخطور الوساوس، في أثناء عبادة أو غيرها، ينبغي ألا يشتغل بطول ~~المجاهدة مع الشيطان، ويكفي بما تقرر في قلبه من اليقين وكراهية الشك ~~والوسوسة، معتقدا بأن هذه الوساوس لا أصل لها ولا عبرة بها. وكذا إذا قرر ~~في نفسه النصيحة للمسلمين وكراهية الحسد، فإذا أوقع الشيطان نزعات الحسد في ~~قلبه، ينبغي ألا يلتفت إليها، ويستصحب ما كان عليه من النصيحة والكراهة، ~~وقس عليها سائر الصفات والأخلاق. # ثم مثل من يشتغل بطول المجاهدة مع ms545 الشيطان مثل من قصد مجلسا من مجالس ~~العلم والوعظ لينال فائدة وهداية فعارضه ضال فاسق ودعاه إلى مجلس فسق فأبى ~~وأنكر عليه، فإذا عرف الضال أباه، اشتغل بالمجادلة معه، وهو أيضا يساعده ~~على ذلك ليرد ضلاله، ظانا أن ذلك مصاحبته، مع أنه غرض الضال إذ قصده من ~~المجادلة أن يؤخره عن نيل مقصوده. ومثل من يشتغل بالتكذيب مثل من لا يشتغل ~~بالقتال مع الضال بعد دعوته إلى مجلس الضلال بل وقف بقدر أن يدفع في منحره، ~~وذهب مستعجلا، ففرح الضال بقدر توقفه للدفع. ومثل من يكتفي بعقد الضمير مثل ~~من لم يلتفت إلى الضال بعد دعوته أصلا، واستمر على ما كان عليه من المشي. ~~ومثل من يزيد فيما كان له من الإخلاص أو ما يؤدي إليه مثل من يزيد في عجلته ~~بعد دعوته ليغيظه. ولا ريب في أن الضال PageV02P310 # يمكن أن يعاود الجميع في الدعوة إلى الضلالة إذا مروا عليه مرة أخرى إلا ~~الأخير، مخافة أن يزداد فائدة باستعجاله. # وصل الإخلاص وحقيقته ضد الرياء الإخلاص، وهو تجريد القصد من الشوائب ~~كلها. فمن عمل طاعة رياء فهو مراء مطلق، ومن عملها وانضم إلى قصد القربة ~~قصد غرض دنيوي انضماما غير مستقل فعله مشوب غير خالص، كقصد الانتفاع ~~بالحمية من الصوم، وقصد التخلص من مؤنة العبد أو سوء خلقه من عتقه، وقصد ~~صحة المزاح أو التخلص من بعض الشرور والأحزان من الحج، وقصد العزة بين ~~الناس أو سهولة طلب المال من تعلم العلم، وقصد النظافة والتبرد وطيب ~~الرائحة من الوضوء والغسل، والتخلص عن إبرام السائل من التصدق عليه، وهكذا. ~~فمتى كان باعث الطاعة هو التقرب ولكن انضافت إليه خطرة من هذه الخطرات، خرج ~~عمله من الإخلاص. # فالإخلاص تخليص العمل عن هذه الشوائب كلها، كثيرها وقليلها. والمخلص من ~~يكون عمله لمحض التقرب إلى الله سبحانه، من دون قصد شئ آخر أصلا. # ثم أعلى مراتب الإخلاص. وهو الإخلاص المطلق وإخلاص الصديقين إرادة محض ~~وجه الله سبحانه عن العمل، دون توقع غرض في الدارين. # ولا ms546 يتحقق إلا لمحب لله تعالى مستهترا به، مستغرق الهم بعظمته وجلاله، ~~بحيث لم يكن ملتفتا إلى الدنيا مطلقا. وأدناها - وهو الإخلاص الإضافي - قصد ~~الثواب والاستخلاص من العذاب، وقد أشار سيد الرسل (ص) إلى حقيقة الإخلاص ~~بقوله: " هو أن تقول ربي الله ثم تستقم كما أمرت (41) تعمل لله، لا تحب أن ~~تحمد عليه! أي لا تعبد هواك ونفسك، ولا تعبد إلا ربك، وتستقيم في عبادتك ~~كما أمرت ". وهذا إشارة إلى قطع ما سوى الله سبحانه عن مجرى النظر، وهو ~~الإخلاص حقا. ويتوقف تحصيله على كسر حظوظ النفس وقطع الطمع عن الدنيا ~~والتجرد في الآخرة، بحيث ما # PageV02P311 # يغلب ذلك على القلب والتفكر في صفات الله تعالى وأفعاله والاشتغال ~~بمناجاته حتى يغلب على قلبه نور جلاله وعظمته، ويستولي عليه حبه وأنسه، وكم ~~من أعمال يتعب الإنسان فيها ويظن أنها خالصة لوجه الله تعالى، ويكون فيها ~~مغرورا لعدم عثوره على وجه الآفة فيها، كما حكي عن بعضهم أنه قال: " قضيت ~~صلاة ثلاثين سنة كنت صليتها في المسجد جماعة في الصف الأول، لأني تأخرت ~~يوما لعذر وصليت في الصف الثاني، فاعترتني خجلة من الناس حيث رأوني في الصف ~~الثاني فعرفت أن نظر الناس إلي في الصف الأول كان يسرني، وكان سبب استراحة ~~قلبي من ذلك من حيث لا أشعر ". وهذا دقيق غامض، وقلما تسلم الأعمال من ~~أمثاله، وقل من يتنبه له، والغافلون عنه يرون حسناتهم في الآخرة كلها ~~سيئات، وهم المرادون بقوله تعالى: # " وبدا لهم سيئات ما عملوا " (42). " وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ~~يحتسبون " (43). وبقوله: " قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا؟ الذين ضل سعيهم ~~في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا " (44). # فصل مدح الإخلاص الإخلاص منزل من منازل الدين، ومقام من مقامات الموقنين. ~~وهو الكبريت الأحمر، وتوفيق الوصول إليه من الله الأكبر، ولذا ورد في ~~فضيلته ما ورد من الآيات والأخبار، قال الله تعالى. # " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " (45) وقال: " ألا لله ~~الدين الخالص " (46). وقال: " إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا ms547 بالله ~~وأخلصوا دينهم لله " (47). وقال: " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا # PageV02P312 # صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " (48). # نزل فيمن يعمل لله ويحب أن يحمد عليه. # وفي الخبر القدسي: " الإخلاص سر من أسراري، استودعته قلب من أحببت من ~~عبادي " وقال رسول الله (ص) " أخلص العمل يجزيك منه القليل ". وقال (ص): ما ~~من عبد يخلص العمل الله تعالى أربعين يوما إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه ~~على لسانه ". وقال (ص): " ثلاث لا يغل عليهن ": وعد منها قلب رجل مسلم أخلص ~~العمل لله عز وجل. وقال أمير المؤمنين (ع): " لا تهتموا لقلة العمل واهتموا ~~للقبول ". وقال أمير المؤمنين (ع): " طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء، ~~ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه، ولم ينس ذكر الله بما تسمع أذناه، ولم يحزن ~~صدره بما أعطى غيره! ". وقال الباقر (ع): " ما أخلص عبد الإيمان بالله ~~أربعين يوما - أو قال: ما أجمل عبد ذكر الله أربعين يوما - إلا زهده الله ~~تعالى في الدنيا وبصره داءها ودواءها، وأثبت الحكمة في قلبه وأنطق بها ~~لسانه ". # وقال الصادق (ع) في قول الله عز وجل: # " ليبلوكم أيكم أحسن عملا " (49): # " ليس يعني أكثركم عملا، ولكن أصوبكم عملا. وإنما الإصابة خشية الله ~~والنية الصادقة ".. ثم قال: " الايفاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل، ~~والعمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عز وجل، والنية ~~أفضل من العمل، ألا وإن النية هي العمل ".. ثم تلا قوله عز وجل " قل كل ~~يعمل على شاكلته ": يعني على نيته. # وقال الصادق (ع): " الإخلاص يجمع فواضل الأعمال، وهو معنى مفتاحه القبول ~~وتوفيقه الرضا، فمن تقبل الله منه ورضي عنه فهو المخلص وإن قل عمله، ومن لا ~~يتقبل الله منه فليس بمخلص وإن كثر عمله، واعتبارا بآدم (ع) وإبليس. وعلامة ~~القبول وجود الاستقامة يبذل كل المحاب مع # PageV02P313 # إصابة علم كل حركة وسكون، والمخلص ذائب روحه باذل مهجته في تقويم ما به ~~العلم والأعمال والعامل والمعمول بالعمل، لأنه إذا أدرك ذلك فقد أدرك ذلك ~~الكل، ms548 وإذا فاته ذلك فاته الكل، وهو تصفية معاني التنزيه في التوحيد كما ~~قال الأول: هلك العاملون إلا العابدون، وهلك العابدون إلا العالمون وهلك ~~العالمون إلا الصادقون، وهلك الصادقون إلا المخلصون، وهلك المخلصون إلا ~~المتقون، وهلك المتقون إلا الموقنون، وإن الموقنين لعلى خطر عظيم! قال الله ~~لنبيه (ص): اعبد ربك حتى يأتيك اليقين. وأدنى حد الإخلاص بذل العبد طاقته، ~~ثم لا يجعل لعمله عند الله قدرا فيوجب به على ربه مكافأة بعمله، لعمله أنه ~~لو طالبه بوفاء حق العبودية لعجز، وأدنى مقام المخلص في الدنيا السلامة في ~~جميع الآثام، وفي الآخرة النجاة من النار والفوز بالجنة " (50). # ومن تأمل هذه الأخبار وفي غيرها مما لم يذكر، يعلم أن الإخلاص رأس ~~الفضائل ورئيسها، وهو المناط في قبول الأعمال وصحتها، ولا عبرة بعمل لا ~~إخلاص معه، ولا خلاص من الشيطان إلا بالإخلاص، لقوله: # " إلا عبادك منهم المخلصين " (51). # وما ورد في الإسرائيليات من حكاية العابد والشيطان والشجرة مشهور وفي ~~الكتب مسطور (52). # فصل آفات الإخلاص الآفات التي تكدر الإخلاص وتشوشه لها درجات في الظهور ~~والخفاء أجلاها الرياء الظاهر. ثم تحسين العبادة والسعي في الخشوع فيها في ~~الملأ دون الخلوة ليتأسى به الناس، ولو كان عمله هذا خالصا لله لم يتركه في ~~الخلوة، إذ من يرى الخشوع وحسن العبادة خيرا لا يرتضي لغيره # PageV02P314 # تركه، فكيف يرتضي ذلك لنفسه في الخلوة؟ ثم تحسينها في الخلوة أيضا بقصد ~~التسوية بين الخلوة والملأ، وهذا من الرياء الغامض، لأنه حسن عبادته في ~~الخلوة ليحسنها في الملأ، فلا يكون فرق بينهما في التفاته فيهما إلى الخلق، ~~إذ الإخلاص الواقعي أن تكون مشاهدة الخلق لعبادته كمشاهدة البهائم لها، من ~~دون تفاوت أصلا، فكأن نفسه لا تسمع بإساءة العبادة بين أظهر الناس، ثم ~~يستحي من نفسه أن يكون في صورة المرائين، ويظن أن ذلك يزول باستواء عبادته ~~في الخلوة والملأ، وليس كما ظنه، إذ زوال ذلك موقوف على عدم التفاته إلى ~~الخلق في الملأ والخلوة كما لا يلتفت إلى الجمادات فيهما مع أنه مشغول ms549 الهم ~~بالخلق فيهما جميعا. وأخفاها أن يقول له الشيطان - وهو في العبادة في الملأ ~~بعد يأسه عن المكائد السابقة -: # " أنت واقف بين يدي الله سبحانه، فتفكر في جلاله وعظمته، واستحى من أن ~~ينظر إلى قلبك وهو غافل عنه! فيحضر بذلك قلبه وتخشع جوارحه ". # وهذا أخفى مكائد الشيطان وخداعه، ولو كانت هذه الخطرة ناشئة عن الإخلاص ~~لما انفكت عنه في الخلوة ولم يخص خطورها بحالة حضور غيره، وعلامة الأمن من ~~هذه الآفة: أن يكون هذا الخاطر مما يألفه في الخلوة كما يألفه في الملأ، ~~ولا يكون حضور الغير سببا لحضوره، كما لا يكون حضور بهيمة سببا له، فما دام ~~العبد يفرق في أحواله وأعماله بين مشاهدة إنسان ومشاهدة بهيمة، فهو بعد ~~خارج عن صفو الإخلاص مدنس الباطن بالشرك الخفي من الرياء، وهذا الشكر أخفى ~~في قلب ابن آدم من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة ~~الصماء، كما ورد به الخبر ولا يسلم منه إلا من عصمه الله يخفي لطفه، إذ ~~الشيطان ملازم للمتشمرين لعبادة الله، لا يغفل عنهم لحظة ليحملهم على ~~الرياء في كل واحد من أفعالهم وأعمالهم. # تتميم الحق - كما أشير إليه - أن الشوب الممزوج بالاخلاص إن كان من ~~المقاصد الصحيحة الراجحة شرعا، لم يبطل العمل والاخلاص ولم ينقص الأجر ~~والثواب. إذ نية الخيرات المتعددة توجب تضاعف الثواب بحسبها PageV02P315 # وإن كان من الأغراض الدنيوية الراجعة إلى حب جاه أو طمع مال فهو مبطل ~~للعمل والثواب، سواء كان الباعث الديني أضعف من الباعث النفسي أو مساويا له ~~أو أقوى منه، لظواهر الأخبار المتقدمة. ومع إبطاله العمل، يترتب عليه عقاب ~~على حدة أيضا، إذ الرياء في العبادة في نفسه منهي عنه محرم، سواء كان هو ~~الباعث وحده أو انضم إلى نية التقرب انضماما مستقلا أو غير مستقل، فمن ~~ارتكبه كان آثما لأجل الرياء في نفسه وتاركا للعبادة من حيث دخول الرياء ~~فيها، فإن كانت واجبة ترتب إثم آخر على تركها إلا أن يسقطه بقضائها، وإن ~~كانت مستحبة لم يلزم قضاؤها ms550 ولم يترتب إثم على تركها، بل كان إثمها منحصرا ~~بما يترتب على الرياء في نفسه. ثم الإثم المترتب على الرياء المحض أشد ~~وأغلظ من المترتب على الرياء الممزوج بالقربة ويتزايد إثم الممزوج بحسب ~~ازدياد قوة باعث الرياء بالنظر إلى باعث الإخلاص وينقص بحسب نقصان ذلك. # وعلى ما ذكرناه، فما انعقد عليه إجماع الأئمة من أن من خرج حاجا ومعه ~~تجارة صح حجه وأثيب عليه، مع أن سفره ليس خالصا للحج، فالوجه فيه أن ~~التجارة تعرض للرزق، وهو أيضا عبادة. وقد تقدم أن نية الخيرات المتعددة ~~موجبة لتضاعف الثواب بحسبها، فلا حاجة إلى ما قيل: # " إن التاجر إنما يثاب على أعمال الحج عند انتهائه إلى مكة وتجارته غير ~~موقوفة عليه فهو خالص، وإنما المشترك طول المسافة، ولا ثواب فيه مهما قصد ~~تجارة "، ولا إلى ما قيل: " مهما كان الحج هو المحرك الأصلي، وكان غرض ~~التجارة كالمعين والتابع، فلا ينفك نفس السفر عن الثواب ". # نعم، إذا كانت التجارة للجمع والادخار من غير حاجة، فلا يبعد أن يقال ~~ذلك، وكذا إذا انضم إلى قصد الحج قصد التفرج ودفع التوحش عن الأهل انضماما ~~غير مستقل، ومثله إذا انضم إلى نية الوضوء التبرد، وإلى نية الصوم قصد ~~الحمية، وإلى نية العتق الخلاص من المؤنة وسوء الخلق، إلى غير ذلك، إذا لم ~~تكن المنضمات مستقلة. # ومن العلماء من قال: " إن الباعثين إن تساويا تساقطا، وصار العمل لا له ~~ولا عليه، وإن كان باعث الرياء أقوى لم يكن العمل نافعا، بل كان ~~PageV02P316 # مضرا وموجبا للعقاب، وإن كان عقابه أخف من عقاب الذي تجرد للرياء وإن كان ~~باعث التقرب أقوى فله ثواب بقدر ما فضل من قوته، لقوله تعالى: # " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " (52). # وقوله تعالى: " إن الله لا يظلم مثال ذرة " (53). # فلا ينبغي أن يضيع قصد الخير، بل إن كان قصد التقرب غالبا على الرياء حبط ~~منه القدر الذي يساويه وبقيت زيادة، وإن كان مغلوبا سقط بسببه شئ من عقوبة ms551 ~~القصد الفاسد والسر: أن الأعمال تأثيرها في القلوب بتأكيد صفاتها، فداعية ~~الرياء من المهلكات، وقوة هذا المهلك بالعمل على وفقه، وداعية الخير من ~~المنجيات، وقوته بالعمل على وفقه، فإذا اجتمعت الصفات في القلب فهما ~~متضادتان، فإذا عمل على وفق مقتضى الرياء قويت تلك الصفة، وإن عمل على وفق ~~داعية الخير قويت أيضا تلك الصفة، وأحدهما مهلك والآخر منج. فإن كانت ~~تقويته لهذا بقدر تقويته للآخر فقد تقاوما، وإن كان أحدهما غالبا زاد ~~تأثيره بقدر الفاضل من قوته، كما في تأثير الأدوية والأغذية المتضادة " ~~إنتهى (55). # وفيه: أن إطلاق الظواهر يفيد كون شوب الرياء محبطا للعمل والثواب وقد ~~تقدم بعضها. ومنها ما روي: " أن رجلا سأل النبي (ص): عمن يصطنع المعروف - ~~أو قال يتصدق - فيجب أن يحمد ويؤجر، فلم يدر ما يقول له، حتى نزل قوله ~~تعالى: # " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " ~~(56). # PageV02P317 # ولا ريب في أنه قصد الحمد والأجر جميعا، ومع ذلك نزلت في حقه هذه الآية. # ومنها ما روي: " أن أعرابيا أتاه (ص) وقال: يا رسول الله، الرجل يقاتل ~~حمية، والرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل ليرى مكانه في سبيل الله! فقال ~~(ص): من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ". # وحملها على صورة تساوي القصدين أو غلبة قصد الرياء خلاف الظاهر. وما ذكره ~~من أن لكل قصد وفعل تأثيرا خاصا على حدة، ففيه أن ذلك إذا لم يبطله ضده. ~~ونحن نقول: إن مقتضى الأخبار كصريح العقل يدل على أن قصد الرياء يبطل قصد ~~القربة إذا تواردا على فعل واحد، فلا يبقى لقصد التقرب تأثير حتى يتصف ~~بالزيادة على تأثير قصد الرياء. # ومنها: # النفاق وهو مخالفة السر والعلن، سواء كان في الإيمان أو في الطاعات أو في ~~المعاشرات مع الناس، وسواء قصد به طلب الجاه والمال أم لا. وعلى هذا فهو ~~أعم من الرياء مطلقا، وإن خص بمخالفة القلب واللسان أو بمخالفة الظاهر ~~والباطن في معاملة الناس ومصاحبتهم، فبينهما عموم وخصوص ms552 من وجه وعلى ~~التقادير، إن كان باعثه الجبن فهو من رذائل قوة الغضب من جانب التفريط، وإن ~~كان باعثه طلب الجاه فهو من رذائلها من جانب الإفراط وإن كان منشأ تحصيل ~~مال أو منكح فهو من رداءة قوة الشهوة. ولا ريب في أنه من المهلكات العظيمة، ~~وقد تعاضدت الآيات والأخبار على ذمه. # وأشد أنواع النفاق - بعد كفر النفاق - كون الرجل ذا وجهين ولسانين، بأن ~~يمدح أخاه المسلم في حضوره ويظهر له المحبة والنصيحة، ويذمه في غيبته ~~ويؤذيه بالسب والسعاية إلى الظالمين وهتك عرضه وإتلاف ماله وغير ذلك، وبأن ~~يتردد بين متعاديين ويتكلم لكل واحد بكلام يوافقه، ويحسن لكل واحد منهما ما ~~هو عليه من المعاداة مع صاحبه ويمدحه (57) على ذلك، أو يعد كل واحد منهما ~~أنه ينصره، أو ينقل كلام كل واحد إلى الآخر. وهذا # PageV02P318 # شر من النميمة التي هي النقل من أحد الجانبين. وبالجملة: هو بجميع أقسامه ~~مذموم محرم، قال رسول الله (ص): " من كان له وجهان في الدنيا كان له لسانان ~~من نار يوم القيامة ". وقال (ص): " تجدون من شر عبد الله يوم القيامة ذا ~~الوجهين: الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه ". # وقال (ص): " يجيئ يوم القيامة ذو الوجهين دالعا لسانه في قفاه وآخر من ~~قدامه يلتهبان نارا حتى يلتهبان خده، ثم يقال: هذا الذي كان في الدنيا ذا ~~وجهين وذا لسانين، يعرف بذلك يوم القيامة ". وورد في التوراة: # " بطلت الأمانة والرجل مع صاحبه بشفتين مختلفتين، يهلك الله يوم القيامة ~~كل شفتين مختلفتين " وعن علي بن سباط، عن عبد الرحمن بن حماد، رفعه قال: ~~قال الله تبارك وتعالى لعيسى: " يا عيسى، ليكن لسانك في السر والعلانية ~~لسانا واحد، وكذلك قلبك، إني أحذرك نفسك، وكفى بي خبيرا! لا يصلح لسانان في ~~فم واحد، ولا سيفان غمد واحد، ولا قلبان في صدر واحد، وكذلك الأذهان! ". ~~وقال الباقر (ع): " لبئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين، يطري أخاه ~~شاهدا ويأكله غائبا، إن أعطي حسده وإن ابتلي خذله ". # ثم لا يخفى ms553 أن الدخول على المتعاديين والمجاملة مع كل منهما قولا وفعلا ~~لا يوجب كونه منافقا ولا ذا لسانين إذا كان صادقا، إذ الواحد قد يصادق ~~متعاديين، ولكن صداقة ضعيفة، إذ الصداقة التامة تقتضي معاداة الأعداء وكذا ~~من ابتلى بذي شر يخاف شره، يجوز أن يجامله ويتقيه ويظهر له في حضوره من ~~المدح والمحبة ما لم يعتقد به قلبه، وهو معنى المداراة، وهو وإن كان نفاقا ~~إلا أنه جائز شرعا للعذر، قال الله سبحانه: # " ادفع بالتي هي أحسن السيئة " (58). # وروي: " أنه استأذن رجل على رسول الله (ص) فقال: إئذنوا له فبئس رجل ~~العشيرة. فلما دخل، ألان له القول، حتى ظن أن له عنده منزلة. فلما خرج، قيل ~~له: لما دخل قلت الذي قلت، ثم ألنت له القول؟! # PageV02P319 # فقال: إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من أكرمه الناس اتقاء لشره ~~". ويدل على جواز ذلك جميع أخبار التقية وأخبار المداراة. وفي خبر: " ما ~~وقي المرء به عرضه فهو له صدقة ". وقال بعض الصحابة: # " كنا نبشر في وجوه أقوام نلعنهم بقلوبنا " ثم جواز ذلك إنما إذا اضطر ~~إلى الدخول على ذي الشر ومدحه مظنة الضرر، أما لو كان مستغنيا عن الدخول ~~والثناء أو عن أحدهما، ومع ذلك أبدى بلسانه ما ليس في قلبه من المدح، فهو ~~نفلق محرم. # ثم ضد النفاق استواء السر والعلانية، أو كون الباطن خيرا من الظاهر، وهو ~~من شرائف الصفات، وكان الاتصاف به والاجتناب من النفاق أهم مقاصد المؤمنين ~~من الصدر الأول. ومن تأمل في ما ورد في ذم النفاق وفي مدح موافقة الباطن مع ~~الظاهر، وتقدم الروية في كل قول وفعل لم يصعب عليه أن يحافظ نفسه من رذيلة ~~النفاق. # إنتهى الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث وأوله (ومنها: الغرور) ~~PageV02P320 # جامع السعادات للشيخ الجليل أحد أعلام المجتهدين المولى محمد مهدي ~~النراقي المتوفى 1209 ه‍ الجزء الثالث حققه وعلق عليه العلامة السيد محمد ~~كلانتر عميد جامعة النجف الدينية قدم له الشيخ محمد رضا المظفر عميد كلية ~~الفقه الطبعة الرابعة PageV03P001 # بسم ms554 الله الرحمن الرحيم بقية المقام الرابع ومنها (1) الغرور معنى الغرور ~~- ذمة - طوائف المغرورين من الكفار والعصاة والفساق من المؤمنين - المغترون ~~- أهل العلم وفرقهم - المغترون من الوعاظ كثيرون - المغرورون من أهل ~~العبادة فرق كثيرة - المغترون من المتصوفة أكثر - المغترون من الأغنياء ~~أكثر من سائر الطوائف - ضد الغرور والفطانة والعلم والزهد. # وهو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى، ويميل إليه الطبع عن شبهة وخدعة من ~~الشيطان. فمن اعتقد أنه على خير إما في العاجل أو في الآجل عن شبهة فاسدة، ~~فهو مغرور. ولما كان أكثر الناس ظانين بأنفسهم خيرا، ومعتقدين بصحة ما هم ~~عليه من الأعمال والأفعال وخيريته، مع أنهم مخطئون فيه فهم مغرورون، مثلا ~~من يأخذ المال الحرام وينفقها في مصارف الخير، كبناء المساجد والمدارس ~~والقناطر والرباطات وغيرها، يظن أن هذا خير له وسعادة، مع أنه محض الغرور، ~~حيث خدعه الشيطان وأراه ما هو شر له خيرا، وكذا الواعظ الذي غرضه الجاه ~~والقبول من موعظته، يظن أنه في طاعة الله، مع إنه في المعصية بغرور الشيطان ~~وخدعته. # ثم لا ريب في أن سكون النفس إلى ما يوافق الهوى، ويميل الطبع إليه عن ~~شبهة ومخيلة، مركب من أمرين (أحدهما) اعتقاد النفس بأن هذا خير له مع كونه ~~خلاف الواقع، (وثانيهما) حبا وطلبها باطنا لمقتضيات الشهوة أو الغضب. فإن ~~الواعظ إذا قصد بوعظه طلب الجاه والمنزلة معتقدا أنه يجلب به الثواب، تكون ~~له رغبة إلى الجاه واعتقاد بكونه خيرا له، إذ الغني إذا أمسك ماله ولم ~~ينفقه في مصارفه اللازمة، وواظب على العبادة معتقدا أن مواظبته على العبادة ~~تكفي لنجاته وإن كان له حب # PageV03P002 # للمال واعتقاد بأنه على الخير ثم الاعتقاد المذكور راجع إلى نوع معين من ~~الجهل المركب، وهو الجهل الذي يكون المعتقد فيه شيئا يوافق الهوى، فيكون من ~~رذائل القوة العاقلة، والحب والطلب للجاه والمال من رذائل قوتي الغضب ~~والشهوة. فالغرور يكون من رذائل القوى الثلاث، أو من رذائل العاقلة مع ~~أحدهما. # فصل ذم الغرور الغرور والغفلة منبع كل هلكة وأم ms555 كل شقاوة، ولذا ورد فيه ~~الذم الشديد في الآيات والأخبار، قال الله - سبحانه -: # (فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور) (2). وقال - عز وجل ~~(ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله ~~وغركم بالله الغرور) (3). # وقال رسول الله (ص): (حبذا نوم الأكياس وفطرهم، كيف يغبنون سهر الحمقى ~~واجتهادهم، ولمثقال ذرة من صاحب تقوى ويقين أفضل من ملء الأرض من ~~المغترين). وقال الصادق (ع): (المغرور في الدنيا مسكين، وفي الآخرة مغبون، ~~لأنه باع الأفضل بالأدنى، ولا تعجب من نفسك، فربما اغتررت بمالك وصحة جسدك ~~أن لعلك تبقى. وربما اغتررت بطول عمرك وأولادك وأصحابك لعلك تنجو بهم. ~~وربما اغتررت بجمالك ومنيتك وإصابتك مأمولك وهواك، فظننت أنك صادق ومصيب. # وربما اغتررت بما ترى من الندم على تقصيرك في العبادة، ولعل الله يعلم من ~~قلبك بخلاف ذلك. وربما أقمت نفسك على العبادة متكلفا والله يريد الإخلاص. ~~وربما افتخرت بعلمك ونسبك. وأنت غافل عن مضمرات ما في غيب الله تعالى. ~~وربما توهمت أنك تدعو الله وأنت تدعو سواه. وربما حسبت أنك ناصح للخلق وأنت ~~تريدهم لنفسك أن يميلوا إليك وربما # PageV03P003 # ذممت نفسك وأنت تمدحها على الحقيقة " (4) فصل طوائف المغرورين إعلم أن ~~فرق المغترين كثيرة، وجهات غرورهم ودرجاته مختلفة، وما من طائفة في العالم ~~مشتركين في وصف مجتمعين على أمر، إلا ويوجد فيهم فرق من المغترين. إلا أن ~~بعض الطوائف كلهم مغترون، كالكفار والعصاة والفساق، وبعضهم يوجد فيهم ~~المغرور وغير المغرور، وإن كان معظم كل طائفة أرباب الغرور. ونحن نشير إلى ~~مجاري الغرور، وإلى غرور كل طائفة، ليتمكن طالب السعادة من الاحتراز عنه، ~~إذ من عرف مداخل الآفات والفساد ومجاريهما يمكنه أن يأخذ منها حذره ويبني ~~على الجزم والبصيرة أمره. فنقول: # الطائفة الأولى الكفار وهم مغرورون بأسرهم، وهم ما بين من غرته الحياة ~~الدنيا، وبين من غره الشيطان بالله، وأما الذين غرتهم الحياة الدنيا، فباعث ~~غرورهم قياسان نظمهما الشيطان في قلوبهم (أولهما) أن الدنيا نقد والآخرة ~~نسيئة، والنقد خير من النسيئة (وثانيهما) أن ms556 لذات الدنيا يقينية ولذات ~~الآخرة مشكوكة فيها،. اليقيني خير من المشكوك، فلا يترك به. وهذه أقيسة ~~فاسدة، تشبه قياس إبليس، حيث قال: # (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) (5) وعلاج هذا الغرور - بعد ~~تحصيل اليقين بوجود الواجب تعالى وبحقية النبي (ص)، وهو في غاية السهولة ~~لوضوح الطرق والأدلة - إما أن يتبع مقتضى إيمانه ويصدق الله تعالى في قوله: # (ما عندكم ينفذ وما عند الله باق) (6). وفي قوله تعالى (والآخرة خير # PageV03P004 # وأبقى (7). وقوله (وما عند الله خير وأبقى) (8). وقوله: (وما الحياة ~~الدنيا إلا متاع الغرور) (9). وقوله تعالى: (فلا تغرنكم الدنيا ولا يغرنكم ~~بالله الغرور) (10. # وإما أن يعرف بالبرهان فساد القياسين، حتى يزول عن نفسه ما تأديا إليه من ~~الغرور. وطريق معرفة الفساد في (القياس الأول): أن يتأمل في أن كون الدنيا ~~نقدا والآخرة نسيئة صحيح، إلا أن كون كل نقد خير من النسيئة غير صحيح، بل ~~هو محل التلبيس، إذ المسلم خيرية النقد على النسيئة إن كان مثلها من ~~المقدار والمنفعة والمقصود والبقاء، وأما إن كان أقل منها في ذلك وأدون، ~~فالنسيئة خير، ألا ترى أن هذا المغرور إذا حذره الطبيب من لذائذ الأطعمة ~~يتركها في الحال خوفا من ألم المرض في الاستقبال ويبذل درهما في الحال ~~ليأخذ درهمين نسيئة، ويتعب في الأسفار ويركب في الحال لأجل الراحة والربح ~~نسيئة. وقس عليه جميع أعمال الناس وصنائعهم في الدنيا: من الزراعة والتجارة ~~والمعاملات، فإنهم يبذلون فيها المال نقدا ليصلوا إلى أكثر منه نسيئة، فإن ~~كان عشرة في ثاني الحال خيرا من واحد في الحال، فانسب لذة الدنيا من حيث ~~الشدة والمدة والعدة إلى لذة الآخرة من هذه الحيثيات، فإن من عرف حقيقة ~~الدنيا والآخرة، يعلم أنه ليس للدنيا قدر محسوس بالنسبة إلى الآخرة، على أن ~~لذة الدنيا مكدرة مشوبة بأنواع المنغصات، ولذة الآخرة صافية غير ممتزجة بشئ ~~من المكدرات وأما طريق معرفة فساد (القياس الثاني) بأصلية: هو أن يعرف أن ~~كون لذة الآخرة مشكوكا فيها خطأ، وأن كل يقتني خير ms557 من المشكوك غلط: (أما ~~الأول) فلأن الآخرة يقينية قطعية عند أهل البصيرة. وليقينهم مدركان: - ~~أحدهما - ما يدركه عموم الخلق، وهو اتفاق عظماء الناس # PageV03P005 # من الأنبياء والأولياء والحكماء والعلماء، فإن ذلك يورث اليقين ~~والطمأنينة بعد التأمل، كما أن المريض الذي لا يعرف دواء علته إذا أتفق ~~جميع أرباب الصناعة على أن دواءه كذا، فإنه تطمئن نفسه إلى تصديقهم ولا ~~يطالبهم بتصحيح ذلك بالبراهين، بل يثق بقولهم ويعمل به، وإن كذبهم صبي أو ~~معتوه أو سوادي. ولا ريب في أن المنكرين للآخرة المغترين بالحياة الدنيا من ~~الكفار والبطالين بالنظر إلى المخبرين عن أحوال الآخرة المشاهدين لها من ~~الأنبياء والأولياء أدون حالا وأقل رتبة من صبي أو معتوه أو سوادي فالنظر ~~إلى أطباء بلد أو مملكة. - وثانيهما - ما لا يدركه إلا الأنبياء والأولياء، ~~وهو الوحي والإلهام، فالوحي للأنبياء والإلهام والكشف للأولياء فإنه قد ~~كشفت لهم حقائق الأشياء كما هي عليها، وشاهدوها بالبصيرة الباطنة كما تشاهد ~~أنت المحسوسات بالبصر الظاهر، فيخبرون عن مشاهدة لا عن سماع وتقليد، ولا ~~تظنن أن معرفة النبي (ص) لأمر الآخرة ولأمور الدين مجرد تقليد لجبرئيل ~~بالسماع منه، كما أن معرفتك لها تقليد للنبي، هيهات! فإن الأنبياء يشاهدون ~~حقائق الملك والملكوت، وينظرون إليها بعين البصيرة واليقين، وإن أكد ذلك ~~بإلقاء الملك والسماع منه. # وأما المغرورون بالله، وهم الذين يقدرون في أنفسهم ويقولون بألسنتهم: # أن كان لله معاد فنحن فيه أوفر حظا وأسعد حالا من غيرنا كما أخبر الله - ~~سبحانه - عن قول الرجلين المتحاورين، إذ قال: # (وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا) (11) ~~وباعث ذلك: ما ألقى الشيطان في روعهم من نظرهم مرة إلى نعم الله عليهم في ~~الدنيا فيقيسون عليها نعمة الآخرة وينظرون إلى تأخير الله العذاب عنهم ~~فيقيسون عليه عذاب الآخرة، كما قال الله - تعالى -: # (ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم يصلونها فبئس ~~المصير) (12). # ومرة ينظرون إلى المؤمنين وهم فقراء محتاجون، فيقولون: لو أحبهم الله ~~لأحسن إليهم في الدنيا ولو لم ms558 يحبنا لما أحسن إلينا فيها، فلما لم يحسن # PageV03P006 # إليهم في الدنيا وأحسن إلينا فيها فيكون محبا لنا ولا يكون محبا لهم، ~~فيكون الأمر في الآخرة كذلك، كما قال الشاعر: # كما أحسن الله فيما مضى * كذلك يحسن فيما بقي ولا ريب في أن كل ذلك ~~خيالات فاسدة وقياسات باطلة، فإن من ظن أن النعم الدنيوية دليل الحب ~~والاكرام فقد أغتر بالله، إذ ظن أنه كريم عند الله، بدليل لا يدل على ~~الكرامة بل يدل عند أولي البصائر على الهوان والخذلان، لأن نعيم الدنيا ~~ولذاتها مهلكات ومبعدات من الله، وأن الله يحمي أحباءه الدنيا كما يحمي ~~الوالد الشفيق ولده المريض لذائذ الأطعمة، ومثل معاملة الله - سبحانه - مع ~~المؤمن الخالص والكافر والفاسق، حيث يزوي الدنيا عن الأول ويصيب نعمها ~~ولذاتها على الثاني، مثل من كان له عبدان صغيران يحب أحدهما ويبغض الآخر، ~~فيمنع الأول من اللعب ويلزمه المكتب ويحبسه فيه ليعلمه الأدب ويمنعه من ~~لذائذ الأطعمة والفواكه التي تضره ويسقيه الأدوية البشعة التي تنفعه، ويهمل ~~الثاني ليعيش كيف يريد ويلعب ويأكل كلما يشتهي، فلو ظن هذا العبد المهمل ~~أنه محبوب كريم عند سيده لتمكنه من شهواته ولذاته، وأن الآخر مبغوض عنده ~~لمنعه عن مشتهياته، كان مغرورا أحمق، فقد كان الخائفون من ذوي البصائر إذا ~~أقبلت عليهم الدنيا حزنوا وقالوا: ذنب عجلت العقوبة، وإذا أقبل عليهم الفقر ~~قالوا: مرحبا بشعار الصالحين! وأما المغرورون فعلى خلاف ذلك، لظنهم أن ~~إقبال الدنيا عليهم كرامة من الله وأن إدبارها عنهم هوان لهم، كما أخبر ~~الله - تعالى - عنه بقوله: # (فأما الإنسان إذ ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن، وأما إذا ~~ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن) (13). # وعلاج هذا الغرور: أن يعرف أن أقبال الدنيا دليل الهوان والخذلان دون ~~الكرامة والاحسان، والتجرد منها سبب الكرامة والقرب إلى الله - سبحانه - ~~والطريق إلى هذه المعرفة: إما ملاحظة أحوال الأنبياء والأولياء # PageV03P007 # وغيرهما من طوائف العرفاء وفرق الأتقياء، أو التدبر في الآيات والأخبار. # قال الله - سبحانه -: # (أيحسبون أنما نمدهم ms559 به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون) ~~(14). وقال الله - سبحانه - (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) (15) وقال تعالى: ~~(فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا ~~أخذناهم بغية فإذا هم مبلسون) (16). وقال - تعالى -: (إنما نملي لهم ~~ليزدادوا إثما) (7).. إلى غير ذلك من الآيات والأخبار. # ومنشأ هذا الغرور: الجهل بالله وبصفاته، فإن من عرفه لا يأمن مكره ولا ~~يغتر به بأمثال هذه الخيالات الفاسدة، وينظر إلى قارون وفرعون وغيرهما من ~~الملوك والجبابرة، كيف أحسن الله إليهم ابتداء ثم دمرهم تدميرا، وقد حذر ~~الله عباده عن مكره واستدراجه فقال: # (فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) (18) وقال: (ومكروا ومكر الله ~~والله خير الماكرين) (19). # الطائفة الثانية العصاة والفساق من المؤمنين وسبب غرورهم وغفلتهم: أما ~~بعض بواعث غرور الكافرين - كما تقدم - أو ظنهم أن الله - تعالى - كريم ~~ورحمته واسعة ونعمته شاملة، وأين معاصي العباد في جنب بحار رحمته، ويقولون: ~~إنا موحدون ومؤمنون، فكيف يعذبنا مع التوحيد والإيمان، ويقررون ظنهم بما ~~ورد في فضيلة الرجاء - كما تقدم -. وربما أغتر بعضهم بصلاح آبائهم وعلو ~~رتبتهم، كاغترار بعض العلويين بنسبهم مع مخالفتهم سيرة آبائهم الطاهرين في ~~الخوف # PageV03P008 # والورع. علاج هذا الغرور: أن يعرف الفرق بين الرجاء الممدوح والتمني ~~المذموم، ويعلم أن غروره ليس رجاء ممدوحا، بل هو تمن مذموم، كما قال رسول ~~الله (ص): (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه ~~هواها وتمنى على الله). فإن الرجاء لا ينفك عن العمل، إذ من رجا شيئا طلبه ~~ومن خاف شيئا هرب منه، وكما أن الذي يرجو في الدنيا ولدا وهو لم ينكح، أو ~~نكح ولم يجامع، أو جامع ولم ينزل، فهو مغرور أحمق، كذلك من رجا رحمة الله ~~وهو لم يؤمن، أو آمن ولم يترك المعاصي، أو تركها ولم يعمل صالحا، فهو مغرور ~~جاهل كيف وقد قال الله - سبحانه -: # (إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة ~~الله) (20) يعني ms560 أن الرجاء يليق بهم دون غيرهم وذلك، لأن ثواب الآخرة أجر ~~وجزاء على الأعمال، كما قال - تعالى -: # (جزاء بما كانوا يعملون) (21). وقال: (وإنما توفون أجوركم يوم القيامة) ~~(22). وقال: (وأن ليس للانسان إلا ما سعى، وإن سعيه سوف يرى) (23) وقال: ~~(كل نفس بما كسبت رهينة) (24). # أفترى أن من استؤجر على صلاح أوان وشرط له أجرة عليها، وكان الشارط كريما ~~يفي بوعده وشرطه، بل كان بحيث يزيد على ما وعده وشرطه، فجاء الأجير وكسر ~~الأواني وأفسدها جميعا، ثم جلس ينتظر الأجر زعما منه أن المستأجر كريم، ~~أفيراه العقلاء في انتظاره راجيا أو مغرورا متمنيا؟ # وبالجملة: سبب هذا الغرور الجهل بين الرجاء والعزة، فليعالجه بما ذكر هنا ~~وفيما سبق. # ثم إن المغرور بعلو رتبة آبائه، ظانا أن الله تعالى يحب آباءه، ومن # PageV03P009 # أحب إنسانا أحب أولاده، أشد حمقا من المغرور بالله، لأن الله - سبحانه - ~~يحب المطيع ويبغض العاصي من غير ملاحظة لآبائهما، فكما أنه لا يبغض الأب ~~المطيع ببغضه للولد العاصي فكذلك لا يحب الولد العاصي بحبه للأب المطيع، ~~وليس يمكن أن يسري من الأب إلى الابن شئ من الحب والبغض والمعصية والتقوى، ~~إذ لا تزر وازرة أخرى، فمن زعم أنه ينجو بتقوى أبيه، كان كمن زعم أنه يشبع ~~بأكل أبيه، أو يصير عالما بتعلم أبيه، أو يصل إلى الكعبة بمشي أبيه، فهيهات ~~هيهات! إن التقوى فرض عين على كل أحد، فلا يجزى والد عن ولده شيئا، وعند ~~الجزاء يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، ولا ينفع أحد أحدا ~~إلا على سبيل الشفاعة، بعد تحقيق شرائطها. # ثم العصاة المغرورن، أما ليست لهم طاعات، فتمنيهم المغفرة غاية الجهل - ~~كما مر -، أو لهم طاعات ولكن معاصيهم أكثر، وهم عالمون بأكثرية المعاصي، ~~ومع ذلك يتوقعون المغفرة وترجح حسناتهم على سيئاتهم، وهو أيضا غاية الجهل، ~~إذ مثله مثل من وضع عشرة دراهم على كفة ميزان وفي الكفة الأخرى ألفا أو ~~الفين، وتوقع أن تميل الكفة الثقيلة بالخفيفة، ومن الذين معاصيهم أكثر من ~~يظن أن طاعاته ms561 أكثر من معاصيه، لأنه لا يحاسب نفسه ولا يتفقد معاصيه، وإذا ~~عمل طاعة حفظها واعتد بها، كالذي يحج طول عمره حجة ويبني مسجدا، ثم لا يكون ~~شئ من عباداته على النحو المطلوب، ولا يجتنب من أخذ أموال المسلمين، فينسى ~~ذلك كله ويكون حجه وما بناه من المسجد في ذكره، ويقول: كيف يعذبني الله وقد ~~حججت وبنيت مسجدا وكالذي يسبح الله كل يوم مئة مرة ثم يغتاب المسلمين ويمزق ~~أعراضهم ويتكلم بما لا يرضاه الله طول نهاره من غير حصر وعدد، ويكون نظره ~~إلى عدد سبحته مع غفلته عن هذيانه طول نهاره الذي لو كتبه لكان مثل تسبيحه ~~مائة مرة، وقد كتبه الكرام الكاتبون، فهو يتأمل دائما في فضيلة التسبيحات، ~~ولا يلتفت إلى ما ورد في عقوبة الكذابين والمغتابين والنمامين والفاحشين، ~~ولو كان كتبة أعماله يطلبون منه أجرة الزايد من هذيانه على تسبيحاته، لكان ~~عند ذلك يسعى في كف لسانه PageV03P010 # عن آفاته وموازنتها بتسبيحاته، حتى لا يكون لها زيادة عليها ليؤخذ منه ~~أجرة نسخ الزائد. فيا عجبا لمن يحاسب نفسه ويحتاط خوفا أن يفوته مقدار ~~قيراط ولا يحتاط خوفا من فوت العليين ومجاورة رب العالمين! # الطائفة الثالثة أهل العلم والمغترون منهم فرق: # (فمنهم) من اقتصر من العلم على علم الكلام والمجادلة ومعرفة آداب ~~المناظرة، ليتفاخر في أندية الرجال ويتفوق على الأقران والأمثال، من غير أن ~~يكون له في العقائد قدم راسخ أو مذهب واحد، فليختار تارة ذاك وتارة هذا، ~~وتكون عقيدته كخيط مرسل في الهواء تفيئه الريح مرة هكذا ومرة هكذا، ومع ذلك ~~يظن بغروره أنه أعرف الناس وأعلمهم بالله وبصفاته. # و (منهم) من اقتصر من العلم على علم النحو واللغة، أو الشعر أو المنطق، ~~واغتر به وأفنى عمره فيها، وزعم أن علم الشريعة والحكمة موقوف عليها، ولم ~~يعلم أن ما ليس مطلوبا لذاته ويكون وسيلة إلى ما هو مقصود لذاته يجب أن ~~يقتصر عليه بقدر الضرورة، والتعمق فيه إلى درجات لا تتناهى فضول مستغنى ~~عنها، وموجب للحرمان عما هو مقصود ms562 لذاته. # و (منهم) من اقتصر على فن المعاملات من الفقه، المتضمن لكيفية الحكم ~~والقضاء بين الناس، واشتغل بإجراء الأحكام، وأعرض عن علم العقائد والأخلاق، ~~بل عن فن العبادات من الفقه، وأهمل تفقد قلبه ليتخلى عن رذائل الأخلاق ~~ويتحلى بفضائل الملكات وتفقد جوارحه وحفظها عن المعاصي وإلزامها الطاعات. # و (منهم) من حصل فن العبادات أيضا، بل أحكم العلوم الشرعية بأسرها وتعمق ~~فيها واشتغل، ولكن ترك العلم الإلهي وعلم الأخلاق، ولم يحفظ الباطن والظاهر ~~عن المعاصي، ولم يعمرها بالطاعات. # و (منهم) من أحكم جميع العلوم من العقلية والشرعية، وتعمق فيها واشتغل ~~بها، إلا أنه أهمل العمل رأسا، أو واضب على الطاعات الظاهرة PageV03P011 # وأهمل صفات القلب، وربما تفقد صفات القلب وأخلاق النفس أيضا، وجاهد نفسه ~~في التبري عنها، وقلع من قلبه منابتها الجلية القوية، ولكن بقيت في زوايا ~~قلبه خفايا من مكائد الشيطان، وخبايا وتلبيسات النفس ما دق وغمض مدركه فلا ~~يتفطن بها. # وجميع هؤلاء غافلون مغرورون، إذا كان اعتقادهم أنهم على خير وسعادة، وأن ~~كان بينهم تفاوت من حيث الضعف والشدة، إذ سعادة النفس وخلاصها من العذاب لا ~~تحصل إلا بمعرفة الله - تعالى - ومعرفة صفاته وأفعاله وأحواله النشأة ~~الآخرة، والعمل برذائل الأخلاق وشرائفها، ثم تهذيب الباطن بفضائل الأخلاق ~~وعمارة الظاهر بصوالح الطاعات والأعمال، فكل من يعلم بعض العلوم وترك ما هو ~~المهم من العلم - أعني معرفة سلوك الطريق وقطع عقبات النفس التي هي الصفات ~~المذمومة المانعة عن الوصول إلى الله - وظن أنه على خير كان مغرورا، إذا ~~مات ملوثا بتلك الصفات كان محجوبا عن الله، فمن ترك العلم المهم واشتغل ~~بغيره، فهو كمن له مرض خاص مهلك فاحتاج إلى تعلم الدواء واستعماله، فأشتغل ~~بتعلم مرض آخر يضاد مرضه في المعالجة، كما أن من أحكم العلوم بأسرها وترك ~~العمل، مثل المريض الذي تعلم دواء مرضه وكتبه، وهو يقرأه ويعلمه المرضى ولا ~~يستعمله قط لنفسه، فإنه لا ريب في أن مجرد تعلم الدواء لا يشفيه، بل لو كتب ~~منه ألف نسخة وعلمه ألف مريض ms563 حتى شفي جميعهم وكرره كل ليلة ألف مرة لم ~~ينفعه ذلك من مرضه شيئا، حتى يشتري هذا الدواء ويشربه كما تعلم في وقته، ~~ومع شربه واستعماله يكون على خطر من شفائه، فكيف إذا لم يشربه أصلا، فلو ظن ~~أن مجرد تعلم الدواء يكفيه ويشفيه فهو مغرور، فكذلك من أحكم علم الطاعات ~~ولم يعملها، وأحكم علم المعاصي ولم يجتنبها، وأحكم علم الأخلاق ولم يزل ~~نفسه عن رذائلها ولم يتصف بفضائلها، فهو في غاية الغرور، إذ قال الله ~~تعالى: # (قد أفلح من زكاها) (25) # PageV03P012 # ولم يقل: قد أفلح من علم طريق تزكيتها. # ثم من هذه الطائفة فرقة متصفة برذائل الأخلاق والغرور، أدى بهم إلى حيث ~~ظنوا أنهم منفكون عنها، وأنهم أرفع عند الله من أن يبتليهم بها، وإنما ~~يبتلي بها العوام دون من بلغ مبلغهم في العلم. ثم إذا ظهرت عليه مخايل ~~الكبر والرئاسة وطلب العلو والشرف قال: ما هذا تكبرا، إنما هو طلب إعزاز ~~الدين، وإظهار شرف العلم، وإرغام أنف المخالفين. ومهما ظهرت منه آثار ~~الحسد، وأطلق لسانه بالغيبة في أقرانه ومن رد عليه شيئا من كلامه، لم يظن ~~بنفسه أن ذلك حسد، بل يقول: أن هذا غضب للحق ورد على المبطل في عداوته ~~وظلمه، مع أنه لو طعن في غيره من أهل العلم، ورد عليه قوله، ومنع من منصبه، ~~لم يكن غضبه مثل غضبه الآن، بل ربما يفرح به، ولو كان غضبه للحق لا للحسد ~~على أقرانه وخبث باطنه، لاستوى غضبه في الحالين. وإذا خطر له خاطر الرياء ~~قال: غرضي من إظهار العلم والعمل اقتداء الخلق بي، ليهتدوا إلى دين الله ~~ويتخلصوا من عقاب الله. # ولا يتأمل المغرور أنه ليس يفرح باقتداء الناس بغيره كما يفرح باقتدائهم ~~به، ولو كان غرضه صلاح الخلق لفرح بصلاحهم على يد من كان، وربما يتذكر هذا ~~ومع ذلك لا يخليه الشيطان، بل يقول: إنما ذلك لأنهم إذا اهتدوا بي كان ~~الأجر والثواب لي، ففرحي إنما هو بثواب الله لا بقبول الخلق، هذا ما يظن ~~بنفسه، ms564 والله مطلع على سريرته، إذ ربما كان باطنه في الخباثة بحيث لو علم ~~قطعا بأن ثوابه في الخمول وإخفاء العلم والعمل أكثر من ثوابه في الإظهار، ~~لاحتال مع ذلك في إظهار رئاسة، من تدريس أو وعظ أو إمامة أو غير ذلك. وإذا ~~كان بحيث يدخل على السلاطين والأمراء الظلمة ويثني عليهم ويتواضع لهم، وخطر ~~له أن مدحهم والتواضع لهم حرام، قال له الشيطان: أن ذلك عند الطمع في ~~مالهم، وغرضك من الدخول عليهم دفع الضرر عن المسلمين دون الطمع، والله يعلم ~~من باطنه أنه لو ظهر لبعض أقرانه قبول عند ذلك السلطان، وكان بحيث يقبل ~~شفاعته في كل أحد، وهو لا يزال يستشفع ويدفع الضرر عن المسلمين، يثقل ذلك ~~عليه، بحيث لو قدر أن يقبح حاله عند السلطان لفعل. وربما انتهى الغرور في ~~بعضهم PageV03P013 # إلى أن يأخذ من أموالهم المحرمة، وإذ خطر له أنها حرام، قال له الشيطان: # هذا مال مجهول المالك يجب أن يتصدق به أمام المسلمين وأنت إمامهم ~~وعالمهم، وبك قوام دين الله، فيحل لك أن تأخذ منها قدر حاجتك وتصرف الباقي ~~على مصالح المسلمين، فيغتر بهذا التلبيس، ولا يزال يأخذها من غير أن يبذل ~~شيئا منها في مصرف غيره. وربما انتهى الغرور في بعضهم إلى حيث أنه إذا حضرت ~~مائدتهم وأكل طعامهم وقيل له: إن هذا لا يليق بمثلك. # قال: الأكل جائز بل واجب، إذ هذا مال لا يعلم مالكه، فيجب التصدق له على ~~الفقراء، ويجب على مثلي بقدر القوة والاستطاعة أن يجتهد في استخلاصه من يد ~~الظالم وإيصاله إلى أهله - أعني الفقراء - وأكلي منها نوع قدرة على ~~استخلاصه، فآكل منه وأتصدق بقيمته على الفقراء، والله يعلم من باطنه أنه لا ~~يتصدق بقيمته ولا يعتقد بحقيقة ما يقول، وإنما هو تلبيس ألقاه الشيطان في ~~روعه، لئلا يضعف اعتقاد العامة في حقه، وربما كان بحيث لا يبالي من أخذ ~~مالهم وأكل طعامهم خفية، ولو علم أنه يطلع عليه واحد من صويلح العامة ~~المعتقدين به، امتنع منه غاية الامتناع. ms565 وربما كان بعضهم في الباطن مائلا ~~إلى الدخول على السلاطين والأمراء وتاركا له في الظاهر، وكان الباعث في ذلك ~~طلب المنزلة في قلوب العامة، ومع ذلك يظن أن الاجتناب عنهم عين ورعه ~~وتقواه. وربما كان بعضهم إمام قوم يظن أنه على خير وباعث لترويج الدين ~~وإعلاء الكلمة ومقيم بشعار الإسلام، ومع ذلك لو أم غيره ممن هو أعلم وأورع ~~منه في مسجده، أو يتخلف بعض من يقتدي به عن الاقتداء به، قامت عليه ~~القيامة، وربما لم يكن باعثه على الحركة إلى المسجد للإمامة مجرد التقرب ~~والامتثال لأمر الله، بل كان الباعث محض حب الجاه والرياسة واعتقاد العامة، ~~أو مركبا منه ومن نية الثواب. وربما أتخذ بعضهم الإمامة شغلا ووسيلة لأمر ~~المعاش، ومع ذلك يظن أنه مشتغل بأمر الخير، والظاهر في أمثال زماننا ندور ~~الإمام الذي كان قصده من الإمامة مجرد التقرب إلى الله، من دون وجود شئ من ~~حب طلب المنزلة في القلوب، أو تحصيل المال، أو دفع بعض الشرور عن نفسه في ~~زوايا قلبه، ولو وجد مثله فهو القدوة الذي يجب أن تشد PageV03P014 # الرحال من المواضع البعيدة إليه ليقتدي به، ومثله كلما وجد في نفسه قصد ~~التقرب والثواب في الذهاب إلى المسجد للإمامة ذهب ولو لم يجد ذلك من نفسه ~~تخلف، وصلى منفردا، وهو الذي يستوي عنده اقتداء الناس به وعدمه، ويستوي ~~عنده كثرة المقتدين وقلتهم، بل يكون حاله عند صلاته وهو إمام لجم غفير ~~كحاله عند صلاته منفردا، من دون أن يجد في نفسه تفاوتا في الحالين. # وبالجملة: أصناف غرور أهل العلم - (لا) سيما في هذه الأعصار - كثيرة، ~~والتأمل يعلم أن الغرور أو التلبيس أو غيرهما من ذمائم الأفعال انتهى في ~~بعضهم إلى أن وجودهم مضر بالإسلام والمسلمين وموتهم أنفع للإيمان ~~والمؤمنين، لأنهم دجالو الدين وقوامو مذهب الشياطين، ومثلهم كما قال عيسى ~~ابن مريم (ع): (العالم السوء كصخرة وقعت في فم الوادي فلا هي تشرب الماء ~~ولا هي تترك الماء يتخلص إلى الزرع). # الطائفة الرابعة الوعاظ والمغترون منهم ms566 كثيرون: # (فمنهم) من يتكلم في وعظه في أخلاق، النفس وصفات القلب، من الخوف، ~~والرجاء، والتوكل، والرضاء، والصبر، والشكر، ونظائرها، ويظن أنه إذ ا تكلم ~~بهذه الصفات ودعا الخلق إليها صار موصوفا بها، وهو منفك عنها في الواقع، ~~إلا عن قدر يسير لا ينفك عنه عوام المسلمين، ويزعم أن غرضه إصلاح الخلق دون ~~أمر آخر، ومع ذلك لو أقبل الخلق على أحد من أقرانه وصلحوا على يديه، وكان ~~أقوى منه في الإرشاد والاصلاح لمات غما وحسدا، ولو أثنى أحد المترددين عليه ~~على بعض أقرانه، لصار أبغض خلق الله إليه. # و (منهم) من أشتغل بالشطح والطامات، وتلفيق كلمات خارجة عن قانون الشرع ~~والعقل، وربما كلف نفسه بالفصاحة والبلاغة، وتصنع التشبيهات والمقدمات، ~~وشغف بطيارات النكت وتسجيع الألفاظ وتلفيقها، طلبا للأعوان والأنصار، وشوقا ~~إلى تكثر البكاء والرقة والتواجد والرغبات PageV03P015 # في مجلسه، والتذاذا بتحريك الرؤوس على كلامه والبكاء عليه، وفرحا بكثرة ~~الأصحاب والمستفيدين والمعتقدين به، وسرورا بالتخصيص بهذه الخاصة من بين ~~سائر الأقران، وربما لم يبال بالكذب في نقل الأخبار والآثار، ظنا منه أنه ~~أوقع في النفوس وأشد تأثيرا في رقة العوام وتواجدهم. ولا ريب في أن هؤلاء ~~شر الناس، بل شياطين الإنس، ظلوا وأظلوا عن سواء السبيل، إذ الأولون أن لم ~~يصلحوا أنفسهم، فقد أصلحوا غيرهم وصححوا كلامهم ووعظهم، وأما هؤلاء فإنهم ~~يصدون عن سبيل الله، ويجرون الخلق إلى الغرور بالله، لأن سعيهم في ذكر ما ~~يسر به العامة، ليصلوا به منهم إلى أغراضهم الفاسدة، فلا يزالون يذكرون ما ~~يقوي الرجاء، ويزيدهم جرأة على المعاصي ورغبة في الدنيا، (لا) سيما إذا كان ~~هذا الواعظ أيضا ممن يرغب في الدنيا، ويسر بوصول المال إليه، ويتزين في ~~الثياب الفاخرة والمراكب الفارهة، وغيرهما من زينة الدنيا. فمثله ممن يضل ~~ويكون إفساده أكثر من إصلاحه، ومع ذلك يظن أنه مروج الشرع والدين ومرشد ~~الضالين، فهو أشد المغرورين والغافلين. # و (منهم) من هذب أخلاقه، وراقب قلبه، وصفاه عن جميع الكدورات، وصغرت ~~الدنيا في عينه، وانقطع طمعه عن الخلق فلم ms567 يلتفت إليهم، ودعته الرحمة ~~والشفقة على عباد الله إلى نصحهم واستخلاصهم عن أمراض المعاصي بالوعظ، فلما ~~أستقل به وجد الشيطان مجال الفتنة، فدعاه إلى الرئاسة دعاء خفيا - أخفى من ~~دبيب النملة - لا يشعر به، ولم يزل ذلك في قلبه يربو وينمو حتى دعاه إلى ~~التصنع والتزين للخلق: بتحسين الألفاظ والنغمات والحركات، والتصنع في الزي ~~والهيئة والشمائل، وأقبل الناس إليه يعظمونه ويوقرونه توقيرا يزيد على ~~توقير الملوك، إذ رأوه شافيا لأمراضهم بمحض الرحمة والشفقة من غير طمع، ~~فآثروه بأبدانهم وأموالهم، وصاروا له كالخدم والعبيد، فعند ذلك انتشر طبعه ~~وارتاحت نفسه، وذاق لذة يا لها من لذة، وأصاب من الدنيا شهوة يستحقر معها ~~كل شهوة، فوقع في أعظم لذات الدنيا بعد قطعه بأنه تاركا للدنيا، فقد غره ~~الشيطان على ما لا يشعر به. وعلامة ثوران حب الرئاسة في باطنه: أنه لو ظهر ~~من أقرانه PageV03P016 # من مالت القلوب إلى قبوله، وزاد أثر كلامه في القبول على كلامه، شق ذلك ~~عليه، إذ لولا أن النفس قد استبشرت واستلذت بالرئاسة لكان يغتنم ذلك. # وعلى هذا فينبغي ألا يشتغل أحد بالنصح والوعظ إلا إذا وجد من نفسه أنه ~~ليس له قصد سوى هدايتهم إلى الله - تعالى -، وكان يسره غاية السرور ظهور من ~~يعينه على إرشادهم أو اهتدائهم من عند أنفسهم، وانقطع طمعه بالكلية عن ~~ثنائهم وأموالهم، واستوى عنده حمدهم وذمهم، ولم يبالي بذمهم إذا كان الله ~~يمدحه، ولم يفرح بمدحهم إذا لم يقترن به مدح الله، ونظر إليهم كما ينظر إلى ~~من هو أعلم منه وأورع، حيث لا ينكر عليه ويراه خيرا من نفسه، لدلالة الظاهر ~~على ذلك وجهله بالخاتمة وإلى البهائم من حيث انقطاع طمعه عن طلب المنزلة في ~~قلوبهم، فإنه لا يبالي كيف يراه البهائم، فلا يتزين لها، إذ راعي الماشية ~~إنما غرضه رعايتها ودفع الذئب عنها، دون نظر الماشية إليه بعين المدح ~~والثناء. # ثم لو ترقى الواعظ، وعلم بهذه المكيدة من الشيطان، واشتغل بنفسه وترك ~~النصح، أو نصح مع رعاية شرط الصدق والاخلاص، ms568 لخيف عليه الاعجاب بنفسه في ~~فراره عن الغرور، فيكون إعجابه بنفسه في الفرار عن الغرور غاية الغرور، وهو ~~المهلك الأعظم من كل ذنب، ولذلك قال الشيطان: # (يا ابن آدم! إذا ظننت أنك بعملك تخلصت مني فبجهلك قد وقعت في حبائلي). ~~ثم لو دفع عن نفسه العجب، وعلم أن ذلك من الله تعالى لا منه، وأن مثله لا ~~يقوى على دفع الشيطان عنه إلا بتوفيق الله، وأنه ضعيف عاجز لا يقدر على شئ ~~أصلا، فضلا عن دفع الشيطان، لخيف عليه الغرور بفضل الله والثقة بكرمه ~~والأمن من مكره، حتى يظن أنه يبقى على هذه الوتيرة في المستقبل. ولا ريب أن ~~الآمن من مكر الله خاسر مغرور، فسبيل النجاة بعد تهذيب النفس وخلوص القصد ~~والانقطاع عن الدنيا ولذاتها، أن يرى ذلك كله من فضل الله، وكان خائفا على ~~نفسه من سلب حاله في كل لحظة، وغير آمن من مكر الله، وغير غافل عن خطر ~~الخاتمة. وهذا خطر لا محيص عنه وخوف لا نجاة منه، إلا بمجاوزة الصراط ~~والدخول في الجنة، ولذلك PageV03P017 # لما ظهر الشيطان لبعض الأولياء في وقت النزع - وكان قد بقي له نفس - قال: ~~(أفلت مني يا فلان!؟)، فقال: (لا! بعد). # الطائفة الخامسة أهل العبادة والعمل والمغرورون منهم فرق كثيرة: # (فمنهم) من غلبت عليه الوسوسة في إزالة النجاسة وفي الوضوء، فيبالغ فيه ~~ولا يرتضي الماء المحكوم بالطهارة في فتوى الشرع، ويقدر الاحتمالات البعيدة ~~الموجبة للنجاسة، وإذا آل الأمر إلى الأكل وأخذ المال قدر الاحتمالات ~~الموجبة للحل، بل ربما أكل الحرام المحض وقدر له محملا بعيدا لحله ولو ~~انقلب هذا الاحتمال من الماء إلى الطعام لكان أشبه بسيرة أكابر الأولياء. ~~ثم من هؤلاء من يخرج إلى الإسراف في صبه الماء وربما بالغ عند الوضوء في ~~التخليل وضرب إحدى يديه على وجهه أو يده الأخرى ولا يدري هذا المغرور أن ~~هذا العمل أن كان مع اليقين بحصول ما يلزم شرعا فهو تضييع للعمر الذي هو ~~أعز الأشياء فيما له مندوحة عنه، وإن كان ms569 بدونه بل يحتاط في التخليل ليحصل ~~الجزم بوصول الماء إلى البشرة، فما باله يتيقن بوصول الماء إلى البشرة في ~~الغسل بدون هذه المبالغة والاحتياط مع أن حصول القطع بإيصال الماء إلى ~~البشرة في الغسل ألزم وأوجب. ثم ربما لم يكن له مبالغة واحتياط في الصلاة ~~وسائر العبادات، وانحصر احتياطه ومبالغته بالوضوء، زاعما أن هذا يكفي ~~لنجاته، فهو مغرور في غاية الغرور. # و (منهم) من أغتر بالصلاة فغلبت عليه الوسوسة في نيتها فلا يدعه الشيطان ~~حتى يعقد نية صحيحة، بل يشوش عليه حتى تفوته الجماعة أو فضيلة الوقت، وقد ~~يوسوس في التكبير حتى يغير صيغتها لشدة الاحتياط فيه، يفعل ذلك في أول ~~صلاته ثم يغفل في جميع صلاته، ولا يحضر قلبه، ويغتر بذلك، ويظن أنه إذا ~~أتعب نفسه في تصحيح النية فهو على خير. وربما غلبت على بعضهم الوسوسة في ~~دقائق القراءة، وإخراج حروف الفاتحة وسائر الأذكار عن مخارجها، فلا يزال ~~يحتاط في التشديدات وتصحيح المخارج PageV03P018 # والتمييز بين مخارج الحروف المتقاربة من غير اهتمام فيما عدا ذلك، من ~~حضور القلب والتفكير في معاني الأذكار، ضنا منه أنه إذا صحت القراءة ~~فالصلاة مقبولة، وهذا أقبح أنواع الغرور. # و (منهم) من أغتر بالصوم، وربما صام الأيام الشريفة، بل صام الدهر، ولم ~~يحفظ لسانه عن الغيبة، ولا بطنه عن الحرام عند الافطار، ثم يظن بنفسه ~~الخير، وذلك في غاية الغرور. # (ومنهم) من اغتر بالحج، فيخرج إلى الحج من غير خروج عن المظالم وقضاء ~~الديون وطلب الزاد الحلال، ويضيع في الطريق الصلاة، ويعجز عن طهارة الثوب ~~والبدن، ثم يحضر البيت بقلب ملوث برذائل الأخلاق وذمائم الصفات، ومع ذلك ~~يظن أنه على خير. فهو في غاية الغرور. # و (منهم) من أغتر بقراءة القرآن، فيهذ هذا، وربما يختم في اليوم والليلة ~~مرة، فيجري به لسانه، وقلبه مرددا في أودية الأماني، وربما أسرع في القراءة ~~غاية السرعة، ويظن أن سرعة اللسان من الكمالات، ويتفاخر به على الأمثال ~~والأقران. # (ومنهم) من أغتر ببعض النوافل، كصلاة الليل، أو مجرد غسل ms570 الجمعة أو أمثال ~~ذلك، من غير اعتداد بالفرائض، زاعما أن المواظبة على مجرد هذه النافلة ~~ينجيه في الآخرة، فهو أيضا من المغرورين. # (ومنهم) من تزهد وقنع بالدون من المطعم والملبس والمسكن، ظانا أنه أدرك ~~رتبة الزهاد، ومع ذلك راغب في الرئاسة باشتهاره بالزهد، فهو ترك أهون ~~المهلكين بأعظمها، إذ حب الجاه أشد فسادا من حب المال. # ولو ترك الجاه وأخذ المال لكان أقرب إلى السلامة، فهو مغرور إذ ظن أنه من ~~الزهاد، ولم يعرف أن منتهى لذات الدنيا الرئاسة، وهو يحبها، فكيف يكون ~~زاهدا؟ # الطائفة السادسة المتصوفة والمغترون فيهم أكثر من أن يحصى: # (فمنهم) أرباب البوقات، وهم القلندرية الذين لا يعرفون معنى PageV03P019 # التصوف ولا شيئا من مراسم الدين، وصرفوا أوقاتهم في التكدي والسؤال من ~~الناس، ويظنون أنهم تاركون للدنيا مقبلون على الآخرة، مع أنهم لو ظفروا بشئ ~~من أمور الدنيا لأخذوه بجميع جوارحهم، فهؤلاء أرذل الناس بوجوه كثيرة لا ~~تخفى. # (ومنهم) من أغتر بالزي، والمنطق وليس الصوف، وإطراق الرأس وإدخاله في ~~الجيب. وخفض الصوت، وتنفس الصعداء، وتحريك البدن في الطول والعرض، والسقوط ~~إلى الأرض، (لا) سيما إذا سمعوا كلاما في الوحدة والعشق، مع عدم اطلاعهم ~~على حقيقة شئ منها. وربما تجاوز بعضهم من ذلك إلى الرقص والتصفيق، وإبداء ~~الشهيق والنهيق، واختراع الأذكار، والتغني بالأشعار... وغير ذلك من الحركات ~~القبيحة والهيئات الشنيعة، ويظن أن العبد بهذه الحركات والأفعال يصل إلى ~~الدرجات العالية، ولم يعلم المغرور أنها تقرب العبد إلى سخط الله وعذابه. # (ومنهم) من وقع في الإباحة، وطوى بساط الشرع والأحكام ، وترك الفصل بين ~~الحلال والحرام، يتكالب على الحرام والشبهات، ولا يحترز عن أموال الظلمة ~~والسلاطين. وربما قال: المال مال الله والخلق عيال الله، فهم فيه سواء. ~~وربما قال: أن الله مستغن عن عملي، فأي حاجة إلى أن أتعب نفسي فيه؟ وربما ~~قال: لا وزن لأعمال الجوارح، وإنما النظر إلى، القلوب، وقلوبنا والهة إلى ~~حب الله واصلة إلى معرفة الله. وربما خاضوا في الشهوات الدنيوية، وقالوا: ~~إنها لا تصدنا عن طريق ms571 الله. لقوة نفوسنا وقوة أقدامنا فيها، وإنما يحتاج ~~العوام إلى تهذيب النفس بالأعمال. # البدنية، ونحن مستغنون عنه. فهؤلاء يرفعون درجتهم عن درجة الأنبياء عليهم ~~السلام إذ كانوا يصرحون بأن ارتكاب الأمور المباحة فضلا عن الخطايا ~~والمعاصي يصدهم عن طريق الله، حتى يبكون سنين متوالية على ترك الراجح وفعل ~~المرجوح، فهم أشد الناس غرورا، وأعظم الخلق حماقة وجهلا. # (ومنهم) من يدعي غاية المعرفة واليقين والوصول إلى درجات المقربين، ~~ومشاهدة المعبود، ومجاورة المقام المحمود، والملازمة في عين الشهود، وتلقف ~~من الطامات كلمات يرددها، ويظن أنه يتكلم عن الوحي PageV03P020 # ويخبر عن السماء، وينظر إلى العباد والفقهاء والمحدثين وسائر أصناف ~~العلماء بعين الحقارة والازدراء، يقول في العباد: إنهم أجراء مبعوثون، وفي ~~العلماء: إنهم بالحديث عن الله لمحجوبون، ويدعي لنفسه من الكرامات ما لا ~~يدعيه نبي ولا ولي، ويدعي كونه واصلا إلى الحق فارغا عن أعباء التكليف، لا ~~علما أحكم ولا عملا هذب، لم يعرف من المعارف إلا أسماء يتفوه بها عند ~~الأغنياء للوصول إلى بعض حطامهم الخبيثة، فهو عند الله من الفخار ~~المنافقين، وعند أرباب القلوب من الحمقى الجاهلين مع ظنه أنه من المقربين، ~~فهو أشد الغافلين المغرورين. # و (منهم) ملامية يرتكبون قبائح الأعمال وشنائع الأفعال الموجبة للعبد عن ~~طريق المروة، ظنا منهم أن هذا موجب لكسر النفس وإزالة ذمائم الأخلاق، ولم ~~يعلموا أن هذه الأفعال من الذمائم، وقد نهى صاحب الشرع عنه. # ومنهم (من أشتغل بالرياضة والمجاهدة، فقطع بعض المنازل، ووصل إلى بعض ~~المقامات على قدر سعيه ومجاهدته، إلا أنه لم يتم سلوكه وانقطع عن سائر ~~المقامات إما لاعتراض مفسد في أثناء السلوك، أو لوقوعه في الأثناء ظنا منه ~~أنه وصل إلى الله ولم يصل بعد، فإن لله سبعين حجابا من نور، ولا يصل السالك ~~إلى حجاب من تلك الحجب في الطريق إلا ويظن أنه قد وصل، وإليه الإشارة في ~~حكاية الخليل، حيث رأى أولا كوكبا، فقال: (هذا ربي)، ثم انتقل إلى القمر، ~~ثم عنه إلى الشمس، فإنه ليس المراد بالكوكب والقمر والشمس ms572 هذه الأجسام ~~المضيئة، فإن شأن مثل الخليل أعظم من أن يظن كونها آلهة، بل هذا ينافي شأنه ~~ورتبته، فالمراد بها الأنوار التي هي من حجب الله، ويراها السالك في ~~الطريق، ولا يتصور الوصول إلى الله إلا بالوصول إلى هذه الحجب، وهي حجب من ~~النور بعضها أعظم من بعض، فاستعير لفظ الكوكب لصغره لأقل مراتبها، والقمر ~~لأوسطها، والشمس لأعظم مراتبها، والخليل (ع) لم يزل عند سيره في الملكوت ~~يصل إلى نور بعد نور، ويتخيل إليه في أول ما يلقاه أنه قد وصل، ثم انكشف له ~~أن وراءه أمر، فيترقى إليه حتى وصل إلى PageV03P021 # الحجاب الأقرب، فقال: هذا أكبر، فلما ظهر أنه مع عظمته غير خالي عن الهوى ~~في حضيض النقص والانحطاط عن ذروة الكمال، قال: # (لا أحب الآفلين. إني وجهت وجهي...) (26). # فسالك هذا الطريق قد يغتر في الوقوف على بعض هذه الحجب، وربما يغتر ~~بالحجاب الأول، وأول الحجاب بين الله وبين العبد هو قلبه، فإنه أيضا أمر ~~رباني ونور من أنوار الله، تتجلى فيه حقيقة الحق كله، حتى يتسع لجملة ~~العالم ويحيط به وتتجلى فيه صورة الكل، وعند ذلك يشرق نوره إشراقا عظيما، ~~إذ يظهر فيه الوجود كله على ما هو عليه، وهو في أول الأمر كان محجوبا، فإذا ~~تجلى نوره وانكشف فيه جماله بعد إشراق نور الله - تعالى - ربما التفت صاحب ~~القلب إلى القلب، فيرى من جماله الفائق ما يدهشه، فربما يسبق لسانه في ~~الدهشة، فيقول: أنا الحق! فإن لم يتضح له ما وراء ذلك، اغتر به ووقف عليه ~~وهلك، وكان قد اغتر بكوكب صغير من أنوار الحضرة الإلهية، ولم يصل بعد إلى ~~القمر، فضلا عن الشمس، فهو مغرور. وهذا محل الالتباس، إذ المتجلى يلتبس ~~بالمتجلى فيه، كما يلتبس لون ما يتراءى في المرآة فيظن أنه لون المرآة، ~~وكما يلتبس ما في الزجاج بالزجاج فيظن أنه لون الزجاج، كما قيل: # رق الزجاج ورقت الخمر فتشابها وتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قد وكأنما قدح ~~ولا خمر وبهذه العين نظر النصارى إلى ms573 المسيح، فرأوا إشراق نور الله قد ~~تلألأ فيه، فغلطوا فيه، كمن يرى كوكبا في مرآة أو في ماء، فيظن أن الكوكب ~~في المرآة أو في الماء، فيمد اليد إليه، فهو مغرور. وأنواع الغرور في طريق ~~السلوك إلى الله كثيرة لا تخفى على أرباب البصيرة. # ثم أكثر المتلبسين بلباس العارفين - مع كذبهم فيما يدعونه، ونقصانهم في ~~طريق السلوك، وجهلهم بحقيقية الأمر، وعدم قطعهم جل المقامات - يتشبهون ~~بالصادقين من العرفاء في زيهم وهيأتهم وآدابهم ومراسمهم وألفاظهم، ظانين ~~أنهم بهذا التشبه يصلون إلى مراتبهم، فهيهات هيهات! إن الوصول إلى درجة # PageV03P022 # كل أحد إنما تحصل بالاتصاف بأوصافه الباطنة والتخلق بأخلاقه النفسية دون ~~التشبه به في حالاته الظاهرة، وقد شبههم بعض الأكابر بامرأة عجوز سمعت أن ~~الشجعان من المقاتلين تثبت أسمائهم في الديوان ويقطع لكل واحد منهم قطر من ~~أقطار المملكة فتاقت نفسها إلى أن تكون مثلهم، فلبست درعا، ووضعت على رأسها ~~مغفرا، وتعلمت من رجز الأبطال أبياتا وتعلمت كيفية جولانهم في الميدان، ~~وتلقفت جميع شمائلهم في الزي والمنطق والحركات والسكنات، وتوجهت إلى ~~المعسكر ليثبت اسمها في ديوان الشجعان، فلما وصلت إليه، أنفذت إلى ديوان ~~العرض، وأمرت بأن تجرد عن المغفر والدرع وينظر إلى حقيقتها وتمتحن ~~بالمبارزة مع بعض الشجعان ليعرف قدر شجاعتها فلما جردت فإذا هي عجوز ذات ~~منة ضعيفة لا تقدر على شئ فقيل لها: أجئت للاستهزاء بالملك وأهل حضرته؟ ~~خذوها وألقوها قدام الفيل، فداسها ونحتها فهكذا يكون حال المدعين للتصوف ~~والعرفان في القيامة، إذا كشف عنهم الغطاء وصفاته. # وعرضوا إلى القاضي الحق الذي لا ينظر إلى الزي واللباس بل إلى سر القلب ~~الطائفة السابعة الأغنياء وأرباب الأموال والمغترون فيهم أكثر من المغترين ~~من سائر الطوائف: # (فمنهم) من يحرص على بناء المساجد والمدارس والرباطات والقناطر وسائر ما ~~يظهر للناس بالأموال المحرمة، وربما غصب أرض المساجد والمدارس وربما صير ~~لها موقوفات أخذها من غير حلها، ولا باعث له على ذلك سوى الرياء والشهوة ~~ولذا يسعى في كتابة اسمه على أحجارها ليتخلد ذكره ويبقى بعد ms574 الموت أثره، ~~ويظن المسكين أنه قد استحق المغفرة بذلك، وإنه مخلص فيه، ولم يدر أنه تعرض ~~لسخط الله في كسب هذه الأموال وفي إنفاقها، وكان الواجب عليه الامتناع عن ~~أخذها من أهله، وإذا عصى الله وأخذها، كان الواجب عليه التوبة وردها إلى ~~أهلها، فإن لم يبقى من أخذها منهم ولا ورثته، كان الواجب أن يتصدق بها على ~~المساكين مع إنه ربما كان في بلده أو في جواره PageV03P023 # مسكين يكون في غاية الفقر والمسكنة ولا يعطيه درهما. # و (منهم) من ينفق الأموال في الصدقات، إلا أنه يطلب الفقراء الذين عادتهم ~~الشكر والإفشاء للمعروف، ويكره التصدق في السر، بل يطلب المحافل الجامعة ~~ويتصدق فيها، وربما يكره التصدق على فقراء بلده ويرغب أن يعطي أهل البلاد ~~الأخر مع أكثرية استحقاق فقراء بلده، طلبا لاشتهاره بالبذل والعطاء في ~~البلاد الخارجة البعيدة، وربما يصرف كثيرا منه إلى رجل معروف في البلاد وإن ~~لم يكن مستحقا، ليشتهر ذلك في البلاد، ولا يعطي قليلا منه إلى فقير له غاية ~~الاستحقاق إذا كان، خامل الذكر، يفعل هذا ويظن أنه يجلب بذلك الأجر ~~والثواب، ولم يدر المغرور أن هذا القصد أحبط عمله وأضاع ثوابه. # ومنهم) من يجمع مالا من غير حله، ولا يبالي بأخذ المال من أي طريق كان، ~~ثم يمسكه غاية الامساك، إلا أنه لا يبالي بصرف بعضه في طريق الحج، إما ~~لنفسه فقط، أو لأولاده وأزواجه أيضا، إما للاشتهار، أو لما وصل إليه: إن ~~تارك الحج يبتلى بالفقر و (منهم) من غلب عليه البخل، فلا تسمح نفسه بإنفاق ~~شئ من ماله، فيشتغل بالعبادة البدنية من الصوم والصلاة، ظنا منه أن ذلك ~~يكفي لنجاته، ولم يدر أن البخل صفة مهلكة لا بد من إزالتها، وعلاجه: بذل ~~المال دون العبادات البدنية. ومثله مثل من دخلت في ثوبه حية، وقد أشرف على ~~الهلاك، وهو مشغول بطبخ السكنجبين لسكن الصفراء، وغافل بأن الحية تقتله ~~الآن ومن قتلته الحية فأي حاجة له إلى السكنجبين؟ # وصل ضد الغرور الفطانة والعلم والزهد قد عرفت ms575 أن الغرور مركب من الجهل ~~وحب مقتضيات الشهوة والغضب فضده الفطانة والعلم والزهد فمن كان فطنا كيسا ~~عارفا بربه ونفسه وبالآخرة والدنيا وعالما بكيفية سلوك الطريق إلى الله ~~وبما يقربه إليه وبما يبعده عنه، وعالما بآفات الطريق وعقباته وغوائله، ~~لاجتنب عن الغرور ولم يغره الشيطان في شئ من الأمور، إذ من عرف نفسه بالذل ~~والعبودية وبكونه غريبا في هذا العالم أجنبيا من هذه الشهوات البهيمية، عرف ~~كون هذه الشهوات مضرة له PageV03P024 # وإن الموافق له طبعا هو معرفة الله والنظر إلى وجهه، فلا يسكن نفسه إلى ~~شهوات الدنيا ومن عرف الدنيا والآخرة ولذاتهما وعدم النسبة بينهما ثار في ~~قلبه حب الله والرغبة إلى دار الآخرة والانزجار عن الدنيا ولذاتها، وإذا ~~غلبت هذه الإرادة على قلبه صحت نيته في الأمور كلها، فإن أكل - مثلا أو ~~اشتغل بقضاء الحاجة كان قصده منه الاستعانة على سلوك طريق الآخرة، واندفع ~~عنه كل غرور منشأه تجاذب الأعراض والنزوع إلى الدنيا وإلى الجاه والمال، ~~وما دامت الدنيا أحب إليه من الآخرة وهوى نفسه أحب إليه من رضاء الله، لم ~~يمكنه الخلاص من الغرور. فالأصل في علاج الغرور: أن يفرغ القلب من حب ~~الدنيا، ويغلب عليه حب الله، حتى تتقوى به الإرادة وتصح به النية ويندفع ~~عنه الغرور. قال الصادق (ع): (واعلم أنك لن تخرج من ظلمات الغرور والتمني ~~إلا بصدق الإنابة إلى الله، والإخبات له، ومعرفة عيوب أحوالك من حيث لا ~~يوافق العقل والعلم، ولا يحتمله الدين والشريعة. وسنن القدوة وأئمة الهدى، ~~وإن كنت راضيا بما أنت فيه فما أحد أشقى بعملك منك وأضيع عمرا، فأورثت حسرة ~~يوم القيامة). (27) ومنها: # طول الأمل معنى طول الأمل ومرجعه - علاجه - ضد قصر الأمل - اختلاف الناس ~~في طول الأمل - ذكر الموت مقصر للأمل - التعجب ممن ينسى الموت - الموت أعظم ~~الدواهي - مراتب الناس في ذكر الموت. # وهو أن يقدر ويعتقد بقاءه إلى مدة متمادية، مع رغبته في جميع توابع ~~البقاء: من المال والأهل والدار وغير ذلك، وهو من رذائل قوتي العاقلة ~~والشهوة ms576 إذ الاعتقاد المذكور راجع إلى الجهل المتعلق بالعاقلة، وحبه لجميع ~~توابع البقاء وميله إليه من شعب حب الدنيا. وجهله راجع إلى تعويله: # أما على شبابه، فيستبعد قرب الموت مع الشباب، ولا يتفكر المسكين في أن ~~مشايخ بلده لو عدوا لكانوا أقل من عشر عشير أهل البلد، وإنما قلوا لأن ~~الموت في الشباب أكثر، وإلى أن يموت شيخ يموت ألف صبي وشاب، # PageV03P025 # أو على صحته وقوته، ويستبعد مجئ الموت فجأة، ولا يتأمل في أن ذلك غير ~~بعيد ولو سلم بعده فالمرض فجأة غير بعيد، إذ كل مرض إنما يقع فجأة، وإذا ~~مرض لم يكن الموت بعيدا. ولو تفكر هذا الغافل، وعلم أن الموت ليس له وقت ~~مخصوص، من شباب وشيب وكهولة، ومن شتاء وخريف وصيف وربيع، وليل ونهار، وحضر ~~وسفر، لكان دائما مستشعرا غير غافل عنه، وعظم اشتغاله بالاستعداد له، لكن ~~الجهل بهذه الأمور وحب الدنيا بعثاه على الغفلة وطول الأمل، فهو أبدا يظن ~~أن الموت بين يديه، ولا يقدر نزوله ووقوعه فيه، ويشيع الجنائز ولا يقدر أن ~~تشيع جنازته، لأن هذا قد تكرر عليه، وألفه بتكرر مشاهدة موت غيره. وأما موت ~~نفسه، فلم يألفه ولا يتصور أن يألفه، لأنه لم يقع، وإذا وقع لا يقع دفعة ~~أخرى بعده، فهو الأول وهو الآخر! # وأما حبه لتوابع البقاء: من المال والدار والمراكب والضياع والعقار، ~~فراجع إلى الأنس بها والالتذاذ بها في مدة مديدة، فيثقل على قلبه مفارقتها، ~~فيمنع قلبه عن التفكر في الموت الذي هو سبب مفارقتها، إذ كل من كره شيئا ~~يدفعه عن نفسه. والانسان لما كان مشغوفا بالأماني الباطلة، وبالدنيا ~~وشهواتها ولذاتها وعلائقها، فتتمنى نفسه أبدا ما يوافق مراده، ومراده ~~البقاء في الدنيا فلا يزال يتوهمه ويقرره في نفسه، ويقدر توابع البقاء من ~~أسباب الدنيا، فيصير قلبه عاكفا على هذا الفكر موقوفا عليه، فيلهو عن ذكر ~~الموت ولا يقدر قربه، فإن خطر له في بعض الأحيان أمر الموت والحاجة إلى ~~الاستعداد له، سوف ووعد نفسه إلى أن يكبر فيتوب. # وإذا ms577 كبر أخر التوبة إلى أن يصير شيخا وإذا صار شيخا يؤخرها إلى أن يفرع ~~من عمارة هذه الضيعة أو يرجع من سفر كذا أو يفرغ من تدبير هذا الولد وجهازه ~~وتدبير مسكن له، ولا يزال يسوف ويؤخر إلى أن يخطفه الموت في وقت لا يحتسبه، ~~فتعظم عند ذلك بليته وتطول حسرته، وقد ورد أن أكثر أهل النار صياحهم من ~~سوف، يقولون وا حزناه من سوف! والمسوف المسكين لا يدري إن الذي يدعوه إلى ~~التسويف اليوم هو معه غدا، وإنما يزداد بطول المدة قوة ورسوخا، إذ الخائض ~~في الدنيا PageV03P026 # لا يتصور له الفراغ منها قط، إذ ما قضى من أخذ لبانته، وإنما فرغ منها من ~~أطرحها. # فصل علاج طول الأمل لما عرفت أن طول الأمل منشأه الجهل وحب الدنيا، ~~فينبغي أن يدفع الجهل بالفكر الصافي من شوائب العمى، وبسماع الوعظ من ~~النفوس الطاهرة، فإن من تفكر يعلم أن الموت أقرب إليه من كل شئ، وإنه لا بد ~~أن تحمل جنازته ويدفن في قبره، ولعل اللبن الذي يغطي به لحده قد ضرب وفرغ ~~منه، ولعل أكفانه قد خرجت من عند القصار وهو لا يدري به، وأما حب الدنيا ~~فينبغي أن يدفع من القلب بالتأمل في حقارة الدنيا ونفاسة الآخرة، وما ورد ~~في الأخبار من الذم والعقاب في حب الدنيا والرغبة إليها، ومن المدح والثواب ~~على تركها والزهد عنها، وقد تقدم ما يكفي لهذا البيان وينبغي - أيضا - أن ~~يتذكر ما ورد في مدح ضد طول الأمل - أعني قصر الأمل كما يأتي - وما ورد في ~~ذنب طول الأمل، كقوله (ص): (إن أشد ما أخاف عليكم خصلتان: أتباع الهوى، ~~وطول الأمل. فأما اتباع الهوى فإنه يصد عن الحق، وأما طول الأمل فإنه الحب ~~للدنيا - ثم قال -: إن الله يعطي الدنيا من يحب ويبغض وإذا أحب عبدا أعطاه ~~الإيمان، ألا إن للدين أبناء وللدنيا أبناء، فكونوا من أبناء الدين ولا ~~تكونوا من أبناء الدنيا، ألا إن الدنيا قد ارتحلت مولية، ألا إن الآخرة قد ~~أتت مقبلة، ms578 ألا وإنكم في يوم عمل ليس فيه حساب، ألا وإنكم يوشك أن تكونوا ~~في يوم حساب ليس فيه عمل) (28). وقوله صلى الله عليه وآله: (نجا أول هذه ~~الأمة باليقين والزهد، ويهلك آخر هذه الأمة بالبخل والأمل). وقول أمير ~~المؤمنين عليه السلام: (ما أطال عبد الأمل إلا أساء الأمل). # PageV03P027 # وصل قصر الأمل ضد طول الأمل قصره، وهو من شعار المؤمنين ودثار الموقنين، ~~ولذ ا ورد في الأمر به والنهي عن ضده ما ورد، قال رسول الله (ص): (إذا ~~أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من ~~دنياك لآخرتك، ومن حياتك لموتك، ومن صحتك لسقمك، فإنك لا تدري ما اسمك ~~غدا). وقال (ص) بعدما ما سمع أن أسامة اشترى وليدة بمائة دينار إلى شهر: ~~(إن أسامة لطويل الأمل، والذي نفسي بيده! # ما طرقت عيناي إلا ظننت أن شفري لا يلتقيان حتى يقبض الله روحي، ولا رفعت ~~طرفي فظننت أني واضعه حتى أقبض، ولا لقمت لقمة إلا ظننت أني لا أسيغها حتى ~~أغص بها من الموت)، ثم قال: (يا بني آدم! إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من ~~الموتى، والذي نفسي بيده! أن ما توعدون الآن وما أنتم بمعجزين) وروي: (أنه ~~(ص) قد اطلع ذات عشية إلى الناس، فقال: أيها الناس! أما تستحيون من الله ~~تعالى؟ قالوا: وما ذاك يا رسول الله! قال: تجمعون ما لا تأكلون، وتأملون ما ~~لا تدركون، وتبنون ما لا تسكنون). (وقال) ص): أكلكم يحب أن يدخل الجنة؟ ~~قالوا: نعم يا رسول الله! قال: قصروا من الأمل، واجعلوا آجالكم بين ~~أبصاركم، واستحيوا من الله حق الحياة). وكان (ص) يقول في دعائه: (اللهم إني ~~أعوذ بك من دنيا تمنع خير الآخرة، وأعوذ بك من حياة تمنع خير الممات، وأعوذ ~~بك من أمل يمنع خير العمل). وكان (ص) يتيمم مع القدرة على الماء قبل مضي ~~ساعة ويقول لعلي لا أبلغه. وقال عيسى (ع): # (لا تهتموا برزق غد، فإن لم يكن غدا من آجالكم فستأتي أرزاقكم مع آجالكم، ms579 ~~وإن لم يكن غدا من آجالكم فلا تهتموا لأرزاق غيركم). # فصل اختلاف الناس في طول الأمل الناس في طول الأمل وقصره مختلفون: ~~(فمنهم) من يأمل البقاء ويشتهيه أبدا، كما قال الله - سبحانه -: ~~PageV03P028 # (يود أحدهم لو يعمر ألف سنة) (29) وهو الذي انغمر في الدنيا وخاض في ~~لذاتها، وليس له من الآخرة نصيب. (ومنهم) من يأمل البقاء إلى أقصى مدة ~~العمر الذي يتصور لأهل عصره، وهو الذي يحب الدنيا حبا شديدا، ويشتغل بجمع ~~ما يمكنه في هذه المدة، وربما يجتهد بجمع الأزيد منه. (ومنهم) من يأمل أقل ~~من ذلك إلى أن ينتهي إلى من لا يأمل أزيد من سنة، فلا يشتغل بتدبير ما ~~وراءها، ولا يقدر لنفسه وجوده في عام قابل، فإن بلغه حمد الله على ذلك، ~~ومثله يستعد في الصيف للشتاء وفي الشتاء للصيف، وإذا جمع ما يكفيه السنة ~~أشتغل بالعبادة. (ومنهم) من يأمل أقل من السنة إلى أن ينتهي إلى من لا يأمل ~~أزيد من يوم وليلة، فلا يستعد إلا لنهاره دون غده. (ومنهم) من يكون الموت ~~نصب عينيه، كأنه واقع به وهو ينتظره، ومثله يصلي دائما صلاة المودعين. ~~وروي: (أن النبي (ص) سئل بعض الصحابة عن حقيقة إيمانه، قال: ما خطوت خطوة ~~إلا ظننت أني لا أتبعها أخرى). وكان بعضهم إذا يصلي يلتفت يمينا وشمالا، ~~ولما قيل له: ما هذا الالتفات؟ # قال: (انتظر ملك الموت من أي جهة يأتيني). # ثم أكثر الخلق - (لا) سيما في أمثال زماننا - قد غلبهم طول الأمل، بحيث ~~يأمل أقل من أقصى مدة السن، وقل فيهم من قصر أمله، والعجب أنه كلما يزداد ~~السن يزداد طول الأمل وفي عصرنا أكثر المشايخ والمعمرين حرصهم وطول أملهم ~~أكثر من الشبان، ومن هنا قال رسول الله (ص): # (يشيب ابن آدم وتشب فيه خصلتان: الحرص، وطول الأمل). وقال صلى الله عليه ~~وآله: حب الشيخ شاب في طلب الدنيا، وإن التفت ترقوتاه من الكبر، إلا الذين ~~اتقوا، وقليل ما هم). # ثم يعرف طول الأمل وقصره بالأعمال: فمن اعتنى بجمع أسبابها ms580 لا يحتاج ~~إليها في سنة فهو طويل الأمل، وكذلك من انتشرت أموره، بأن يكون له مع الناس ~~معاملات ومحاسبات إلى مدة معينة، كالسنة وأزيد منها، وكان # PageV03P029 # عليه ديون من الناس كذلك، ومع ذلك لم يكن مضطربا ولا خائفا فهو طويل ~~الأمل. فعلامة قصر الأمل: أن يجمع أمره بحيث لا يكون عليه من الناس شئ، ولا ~~يسعى بطلب قوت الزائد على أربعين يوما، ويصرف أوقاته في الطاعة والعبادة، ~~ويرى نفسه كمسافر يجتهد في تحصيل الزاد فصل ذكر الموت مقصر للأمل ذكر الموت ~~يقصر الأمل ويدفع طوله، ويوجب التجافي عن دار الغرور والاستعداد لدار ~~الخلود في فضيلته والترغيب فيه أخبار كثيرة، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله -: (أكثروا ذكر هادم اللذات)، قيل، وما هو يا رسول الله!؟ قال: ~~(الموت، فما ذكره عبد على الحقيقة في منعه إلا ضاقت عليه الدنيا، ولا في ~~شدة إلا اتسعت عليه). وقال رسول (ص) -: (تحفة المؤمن الموت). وقال (ص) ~~الموت كفارة لكل مسلم). وقيل له (ص): هل يحشر مع الشهداء أحد؟ قال: (نعم من ~~يذكر الموت في اليوم والليلة عشرين مرة). وقال (ص): (أكثروا من ذكر الموت، ~~فإنه يمحص الذنوب، ويزهد في الدنيا). وقال (ص): (كفى بالموت واعظا). وقال ~~(ص): (الموت الموت، ألا ولا بد من الموت، جاء الموت بما فيه، جاءا بالروح ~~والراحة والكرة المباركة إلى الجنة عالية لأهل دار الخلود الذين كان لها ~~سعيهم وفيها رغبتهم) وقال (ص) (إذا استحقت ولاية الله والسعادة، جاء الأجل ~~بين العينين وذهب الأمل وراء الظهر، وإذا استحقت ولاية الشيطان والشقاوة، ~~جاء الأمل بين العينين وذهب الأجل وراء الظهر) وذكر عنده (ص) رجل فأحسن ~~الثناء عليه فقال (ص) (كيف ذكر صاحبكم للموت؟) قالوا: ما كنا نكاد نسمعه ~~يذكر الموت قال: (فإن صاحبكم ليس هنالك). وسئل: أي المؤمنين أكيس وأكرم؟ # فقال: (أكثرهم ذكرا للموت، وأشدهم استعدادا له، أولئك هم الأكياس ذهبوا ~~بشرف الدنيا وكرامة الآخرة). وقال الباقر (ع): (أكثروا ذكر الموت فإنه لم ~~يكثر ذكره إنسان إلا زهد في الدنيا). ms581 وقال الصادق (ع): (إذا أنت حملت جنازة ~~فكن كأنك أنت المحمول وكأنك سألت ربك الرجوع إلى PageV03P030 # الدنيا ففعل، فانظر ماذا تستأنف) ثم قال (ع) (عجبا لقوم حبس أولهم عن ~~آخرهم، ثم نودي فيهم بالرحيل وهم يلعبون). وقال (ع) لأبي بصير بعد ما شكى ~~إليه الوسواس -: (أذكر يا أبا محمد تقطع أوصالك في قبرك ورجوع أحبائك عنك ~~إذا دفنوك في حفرتك وخروج، بنات الماء من منخريك وأكل الدود لحمك، فإن ذلك ~~يسلي عليك ما أنت فيه)، وقال أبو بصير: # فوالله! ما ذكرته إلا سلى عني ما أنا فيه من هم الدنيا وقال (ع): (من كان ~~كفنه معه في بيته لم يكتب من الغافلين، وكان مأجورا كلما نظر إليه) (30). # وقال (ع): (ذكر الموت يميت الشهوات في النفس، ويقلع منابت الغفلة، ويقوي ~~القلب بمواعد الله، ويرق الطبع، ويكسر أعلام الهوى، ويطفئ نار الحرص، ويحقر ~~الدنيا، وهو معنى ما قال النبي (ص): (فكر ساعة خير من عبادة سنة)، وذلك ~~عندما يحل أطناب خيام الدنيا ويشهدها في الآخرة، ولا ينكر نزول الرحمة عند ~~ذكر الموت بهذه الصفة، ومن لا يعتبر بالموت، وقلة حيلته، وكثرة عجزه، وطول ~~مقامه في القبر، وتحيره في القيامة: فلا خير فيه. وقال النبي (ص): (أكثر ~~ذكر هادم الذات..) ثم ذكر تمام الحديث كما مر.. ثم قال (ع): والموت أول ~~منزل من منازل الآخرة وآخر منزل من الدنيا، فطوبى لم أكرم عند النزول ~~بأولها، وطوبى لمن أحسن مشايعته في آخرها، والموت أقرب الأشياء من بني آدم، ~~وهو بعده أبعد، فما أجرأ الإنسان على نفسه، وما أضعفه من خلق، وفي الموت ~~نجاة المخلصين وهلاك المجرمين، ولذلك اشتاق من اشتاق إلى الموت وكره من ~~كره، قال النبي (ص) (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله ~~كره الله لقاءه) (31) فصل العجب ممن ينسى الموت عجبا لقوم نسوا الموت ~~وغفلوا عنه وهو أظهر اليقينيات والقطعيات في العالم وأسرع الأشياء إلى بني ~~آدم، وقال الله - سبحانه تعالى - # PageV03P031 # (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم ms582 في بروج مشيدة) (32). وقال - (كل ~~نفس ذائقة الموت وأنما يتوفون أجورهم يوم القيامة فيمن زحزح عن النار وأدخل ~~الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) (33). # وقال الصادق (ع): (ما خلق الله يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من ~~الموت). وقال أمير المؤمنين (ع) (ما أنزل الموت حق منزلته من عد غدا من ~~أجله) وقال (ع): (لو رأى العبد أجله وسرعته إليه، لأبغض العمل من الدنيا). ~~وقال الصادق (ع) (ما من أهل بيت شعر ولا وبر إلا وملك الموت يتصفحه كل يوم ~~خمسة مرات). وقد تقدمت أخبار أخر في هذا المعنى. فصل الموت أعظم الدواهي ~~إعلم أن الموت داهية من الدواهي العظمى، ومن كل داهية أشد وأدهى وهو من ~~الأخطار العظيمة والأهوال الجسيمة، فمن علم أن الموت مصرعه والتراب مضجعه ~~والقبر مقره وبطن الأرض مستقره، والدود أنيسه والعقارب والحيات جليسه، ~~فجدير أن تطول حسرته وتدوم عبرته، وتنحصر فيه فكرته وتعظم بليته، وتشتد ~~لأجله رزيته، ويرى نفسه في أصحاب القبور ويعدها من الأموات، إذ كلما هو آت ~~قريب والبعيد ما ليس بآت وحقيقة ألا يكون ذكره وفكره وغمه وهمه وقوله وفعله ~~وسعيه وجده إلا فيه وله، قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: (لو أن ~~البهائم يعلمون ما تعلمون ما أكلتم منه سمينا). وقال (ص) لقوم يتحدثون ~~ويضحكون: (أذكروا الموت أما والذي نفسي بيده! لو تعلمون ما أعلم لضحكتم ~~قليلا ولبكيتم كثيرا). # ومر (ص) بمجلس قد استعلاه الضحك، فقال: (شوبوا مجلسكم بذكر مكدر اللذات). ~~قالوا: وما مكدر اللذات؟ قال: (الموت). # ثم غفلة الناس عن الموت لقلة فكرهم فيه وذكرهم له، ومن يذكره ليس يذكره ~~بقلب فارغ، بل بقلب مشغول بشهوات الدنيا وعلائقها، فلا # PageV03P032 # ينفع ذكره في قلبه، فالطريق فيه: أن يفرغ القلب عن كل شئ إلا عن ذكر ~~الموت الذي بين يديه، كالذي يريد أن يسافر إلى بلد بعيد ما بينهما مفازة ~~مخطرة، أو بحر عظيم لا بد أن يركبه، فإنه لا يتفكر إلا فيه، ومن تفكر ms583 في ~~الموت بهذا الطريق وتكرر منه، لا ترى ذكره في قلبه، وعند ذلك يقل فرحه ~~وسروره بالدنيا وتنزجر نفسه عنها، وينكسر قلبه، ويستعد لأجله. وأوقع طريق ~~فيه أن يكثر ذكر أقرانه الذين مضوا قبله، ونقلوا من أنس العشرة إلى وحشة ~~الوحدة، ومن ضياء المهود إلى ظلمة اللحود ومن ملاعبة الجواري والغلمان إلى ~~مصاحبة الهوام والديدان، ويتذكر مصرعهم تحت التراب، ويتذكر صورهم في ~~مناصبهم وأحوالهم، ثم يتفكر كيف محي التراب الآن حسن صورتهم، وكيف تبددت ~~أجزاؤهم في قبورهم، وكيف أملوا نسائهم وأيتموا أولادهم وضيعوا أموالهم وخلت ~~منهم مساكنهم ومجالسهم وانقطعت آثارهم وأوحشت ديارهم، فمهما تذكر رجلا وفصل ~~في قلبه حاله وكيفية صيانة وتوهم صورته، وتذكر نشاطه، وأمله في العيش ~~والبقاء، ونسيانه للموت، وانخداعه بمؤثثات الأسباب، وركونه إلى القوة ~~والشباب، وميله إلى الضحك واللهو، وغفلته عما بين يديه من الموت الذريع ~~والهلاك السريع، وأنه كيف كان يتردد والآن قد تهدمت رجلاه ومفاصله، وكيف ~~كان ينطق وقد أكل الدود لسانه، وكيف كان يضحك وقد أكل التراب أسنانه، وكيف ~~دبر لنفسه الأمور وجمع من حطام الدنيا ما لا ينفق احتياجه إليه على مر ~~الأعوام والشهور وذكر الأزمنة والدهور. ثم يتأمل أن مثلهم، وغفلته كغفلتهم ~~وسيصير حاله في القبر كحالهم، فملازمة هذه الأفكار وأمثالها، مع دخول ~~المقابر وتشييع الجنائز ومشاهدة المرضى، تجدد ذكر الموت في قلبه، حتى يغلب ~~عليه بحيث يصير الموت نصب عينيه وذلك ربما يستعد له ويتجافى عن دار الغرور، ~~وأما الذكر بظاهر القلب وعذبة اللسان فقيل الجدوى في النية والايقاظ ومهما ~~طاب قلبه بشئ من أسباب الدنيا، فينبغي أن يتذكر في الحال أنه لا بد من ~~مفارقته كما نقل: أن بعض الأكابر نظر يوما إلى داره فأعجبه حسنها فبكى ~~وقال: والله لولا الموت لكنت مسرورا بها. PageV03P033 # فصل مراتب الناس في ذكر الموت الناس بين منهمك في الدنيا خائض في لذاتها ~~وشهواتها. وبين تائب مبتدئ، وعارف منتهي. # (فالأول): لا يذكر الموت، وأن ذكره فيذكر ليذمه لصده عما يحبه في الدنيا، ~~وهو الذي يفر ms584 منه، وقال الله - تعالى - فيه (قل إن الموت الذي تفرون منه ~~فإنه ملاقيكم)... (34) وهذا يزيده ذكر الموت بعدا من الله، إلا إذا استفاد ~~منه التجافي عن الدنيا، ويتنغص عليه نعيمه، ويتكدر صفو لذته، وحين إذ ~~ينفعه، لأن كل ما يكدر على الإنسان اللذات فهو من أسباب نجاته. # (والثاني): يكثر ذكر الموت لينبعث من قلبه الخوف والخشية، ففي بتمام ~~التوبة، وربما يكرهه خيفة من أن يختطفه قبل الاستعداد وتهيئة لزاد وتمام ~~التوبة، وهو معذور في كراهة الموت، ولا يدخل تحت قوله (ص): # (من كره لقاء الله كره الله لقاءه)، لأن هذا ليس يكره الموت ولقاء الله ~~وإنما يخاف فوت لقاء الله لقصوره وتقصيره، وهو الذي يتأخر عن لقاء الحبيب ~~مشتغلا بالاستعداد للقاءه على وجه يرضاه، فلا يعد كارها للقاءه. # وعلامة هذا: أن يكون دائم الاستعداد للموت لا شغل له سواه، وإن لم يكن ~~مستعدا له عاملا بما ينفعه في الآخرة التحق بالأول. # (وأما الثالث): فإنه يذكر الموت دائما، لأنه موعد للقاء حبيبه، والمحب لا ~~ينسى قط موعد لقاء الحبيب، وهذا في الغالب الأمر يستبطئ مجئ الموت ويحب ~~مجيئه، ليتخلص من دار العاصين وينتقل إلى جوار رب العالمين كما روي: (أن ~~حذيفة لما حضرته الوفاة قال: حبيب جاء على فاقة لا أفلح من رده، اللهم إن ~~كنت تعلم أن الفقر أحب إلي من الغنى، والسقم أحب إلي من الصحة، والموت أحب ~~إلي من الحياة، فسهل علي الموت حتى ألقاك). # وأعلى رتبة منه: من يفوض أمره إلى الله، ولا يختار لنفسه شيئا: من الموت # PageV03P034 # أو الحياة، والفقر والغنى، والمرض والصحة، بل يكون أحب الأشياء إليه ~~أحبها إلى مولاه، وهذا قد انتهى بفرط الحب والولاء إلى درجة التسليم ~~والرضا، وهو الغاية والانتهاء. # تتميم المبادرة إلى الحسنات من علامات قصر الأمل وذكر الموت: المبادرة ~~إلى الحسنات واشتياق الخيرات، ولذا ورد فيه الترغيب والحذر عن آفة التأخير، ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وآله -: (اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل ~~هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل ms585 فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك). ~~وقال (ص): (من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا ~~إن سلعة الله الجنة) (35). وكان (ص) إذا أحس من أصحابه غفلة وغرة، نادى ~~فيهم بصوت عال: (أتتكم المنية، إما بشقاوة أو سعادة). وروي: أنه ما من صباح ~~ولا مساء إلا ومناد ينادي: أيها الناس! الرحيل الرحيل!. وقال بعض الأكابر: ~~التؤدة في كل شئ خير، إلا في أعمال الآخرة. # ومنها: # العصيان ولا ريب في كونه من رذائل قوتي الغضب والشهوة معا، لأن بعض ~~أنواعه من رذائل إحداهما من جانب الإفراط أو التفريط، أو من باب رداءتها ~~وبعض آخر من أنواعه من رذائل الأخرى. وضده (التقوى والورع)، وبالمعنى ~~الأعم: أعني الاجتناب عن مطلب المعصية خوفا من سخط الله، وقد تقدم ما ورد ~~في فضيلتهما، فتذكر. # ومنها: # الوقاحة وهو عدم مبالاة النفس، وعدم انفعالها من ارتكاب المحرمات الشرعية ~~والعقلية أو العرفية، وكونه من رداءة قوتي الغضب والشهوة ظاهر. # PageV03P035 # وضدها (الحياء)، وهو انحصار النفس وانفعالها من ارتكاب المحرمات الشرعية ~~والعقلية والعادية حذرا من الذنب واللوم، وهو أعم من التقوى، إذ التقوى ~~اجتناب المعاصي الشرعية، والحياء يعم ذلك واجتناب ما يقبحه العقل والعرف ~~أيضا، فهو من شرائف الصفات النفسية، ولذا ورد في فضله ما ورد، قال الصادق ~~(ع): (الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة). # وقال (ع): (الحياء والعفاف والعي - أعنى عي اللسان لا عي القلب - من ~~الإيمان). وقال (ع): (الحياء والإيمان مقرونان في قرن، فإذا ذهب أحدهما ~~تبعه صاحبه). وقال (ع): (لا إيمان لمن لا حياء له). # ثم حقيقة الحياء - كما عرفت - هو الانفعال عن ارتكاب ما يذم شرعا أو عقلا ~~أو عرفا، فالانفعال عن غير ذلك حمق، فإن الانفعال عن تحقيق أحكام الدين أو ~~الخمود عما ينبغي شرعا وعقلا لا يعد حياء بل حمقا، ولذا قال رسول الله (ص): ~~(الحياء حياءان: حياء عقل وحياء حمق، فحياء العقل هو العلم وحياء الحمق هو ~~الجهل) (36). # الإصرار على المعصية ومنها: # رجوع رذيلة الإصرار إلى أي ms586 القوى وذمها - ضد الإصرار التوبة وتعريفها - ~~هل يشترط في التوبة القدرة على الذنب السابق؟ - وجوب التوبة - تحقيق في ~~وجوبها - عموم وجوبها - لا بد من العمل بعدها فضيلتها - قبولها - طريقة ~~التوبة من المعاصي - تكفير الصغائر ومعنى الكبائر - الصغائر قد تكون كبائر ~~- شروط كمال التوبة - هل يصح التبعيض فيها؟ - أقسام التأبين - 0 مراتب ~~التوبة - عدم الثقة بالاستقامة لا يمنع من التوبة - علاج الإصرار على ~~الذنوب - الإنابة - المحاسبة والمراقبة - المعنى الظاهر لهما حاسبوا أنفسكم ~~قبل أن تحاسبوا - مقامات مرابطة الفعل للنفس. # PageV03P036 # وهو إما ناشئ من رداءة إحدى القوتين وخروجها عن إطاعة العاقلة أو عن ~~رداءتها معا، فيكون من رذائل القوتين، وكل ما يدل على ذم مطلق المعصية أو ~~على ذم خصوص أفرادها المعينة يدل على ذم الإصرار على المعصية بطريق أولى ~~وأوكد. والأخبار الواردة في ذم خصوص أفراد المعاصي ربما يظفر بجملة منها في ~~هذا الكتاب عند ذكر كل معصية، وما الأخبار الواردة في ذم مطلق الذنب ~~والمعصية فكثيرة جدا، كقول النبي (ص): # (ما من يوم طلع فجره ولا ليلة غاب شفقها إلا وملكان يناديان بأربعة ~~أصوات، يقول أحدهما: يا ليت هذا الخلق لم يخلقوا، ويقول الآخر: يا ليتهم إذ ~~خلقوا علموا لماذا خلقوا فيقول الآخر: فيا ليتهم إذ لم يعلموا لماذا خلقوا ~~عملوا بما علموا، فيقول الآخر: ويا ليتهم إذ لم يعملوا بما علموا تابوا مما ~~عملوا. واعلموا أن العبد ليحبس على ذنب من ذنوبه مائة عام، وإنه لينظر إلى ~~أزواجه في الجنة يتنعمن). وقال أمير المؤمنين (ع): (لا تبدين عن واضحة وقد ~~عمتك الأعمال الفاضحة، ولا تأمن البيات وقد عملت السيئات). # وقال الباقر (ع): (إن الله قضى قضاء حتما ألا ينعم على العبد بنعمة ~~فيسلبها إياه حتى يحدث العبد ذنبا يستحق بذلك النقمة) وقال (ع): (ما من شئ ~~أفسد للقلب من خطيئة، إن القلب ليواقع الخطيئة، فما يزال به حتى يغلب عليه، ~~فيصير أعلاه أسفله). وقال (ع): (إن العبد ليذنب الذنب فيزوى عنه الرزق). ~~وقال الصادق (ع): (يقول الله - تعالى -: إن ms587 أدنى ما أصنع بالعبد إذا آثر ~~شهوته على طاعتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي). # وقال (ع): (من هم بسيئة فلا يعملها، فإنه ربما عمل العبد السيئة فيراه ~~الرب - تعالى - فيقول: وعزتي وجلالي! لا أغفر لك بعد ذلك أبدا). # وقال (ع): (أما إنه ليس من عرق يضرب، ولا نكبة ولا صداع ولا مرض، إلا ~~بذنب، وذلك قول الله - عز وجل - في كتابه: # (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير) (37). # قال (ع): وما يعفوا الله أكثر مما يؤاخذ به). وقال (ع): (أن الرجل يذنب ~~الذنب فيحرم صلاة الليل، وإن العمل السئ أسرع في صاحبه # PageV03P037 # من السكين في اللحم) وقال الكاظم (ع): (حق على الله ألا يعصى في دار إلا ~~أضحاها للشمس حتى يطهرها) 38. # والأخبار في هذا المعنى أكثر من أن تحصى، ولا يتوهم أحد أنه يمكن ألا يصل ~~إليه أثر الذنب ووباله، فإن هذا محال. فإنه لم يتجاوز عن الأنبياء في تركهم ~~الأولى. يتجاوز عن غيرهم في كبائر المعاصي. # نعم، كانت سعادتهم في أن عوجلوا بالعقوبة ولم يؤخروا إلى الآخرة، ~~والأشقياء يمهلون ليزدادوا إثما، ويعذبوا في الآخرة عذابا أكبر وأشد، أما ~~سمعت أن أباك آدم قد أخرج من الجنة بتركه الأولى؟ حتى روي: # (أنه لما أكل الشجرة تطايرت الحلل عن جسده وبدت عورته، وجاء جبرئيل (ع) ~~وأخذ التاج من رأسه وخلا الإكليل عن جنبيه، ونودي من فوق العرش إهبطا من ~~جواري، فإنه لا يجاورني من عصاني فالتفت آدم إلى حواء باكيا، وقال: هذا أول ~~شؤم المعصية، أخرجنا من جوار الحبيب). وروي: (أنه - تعالى - قال: يا آدم! ~~أي جار كنت لك؟ # قال: نعم الجار يا رب! قال يا آدم! أخرج من جواري وضع عن رأسك كرامتي، ~~فإنه لا يجاورني من عصاني). وقد روي: (أن آدم بكى على ذنبه مائتي سنة، حتى ~~قبل الله توبته وتجاوز عما ارتكبه من ترك الأولى). فإن كانت مؤاخذته في نهي ~~تنزيهه مع حبيبه وصفيه هكذا، فكيف معاملته مع الغير في ذنوب لا تحصى. # وصل التوبة وتعريفها ms588 ضد الإصرار (التوبة)، وهي الرجوع من الذنب القولي ~~والفعلي والفكري، وبعبارة أخرى: هي تنزيه القلب عن الذنب والرجوع من البعد ~~إلى القرب، وبعبارة أخرى: ترك المعاصي في الحال والعزم على تركها في ~~الاستقبال وتدارك ما سبق من التقصير. وكما أن الإصرار على العصيان من رذائل ~~قوتي الغضب والشهوة، فالرجوع عنه وتركه من فضائلهما، بمعنى # PageV03P038 # أن العزم على ترك كل معصية يكون من عمل كليهما أو إحداهما، ومن فعل النفس ~~بإعانتهما وانقيادهما للعاقلة، وأن كان الباعث على الرجوع وتهيج النفس ~~والقوتين على مباشرة الرجوع والترك هو معرفة عظم ضرر الذنوب، وكونها حجابا ~~بين العبد وبين المحبوب، ويمكن أن يقال: إن التوبة هو الرجوع عن الذنب، وهو ~~من ثمرات الخوف والحب، فإن مقتضى الحب أن يمتثل مراد المحبوب ولا يعصى في ~~شئ مما يريده ويطلب من الحب، فتكون من فضائل القوتين أيضا. ويمكن أن يقال: ~~أن التوبة عبارة عن مجموع العلم بضرر الذنوب، وكونها حجابا بينه وبين الله ~~والندم الحاصل منه، والقصد المتعلق بالترك حالا واستقبالا، والتلافي للماضي ~~والندم، والقصد بالترك والتلافي من فعل القوتين أو فعل النفس بواسطة ~~القوتين وانقيادهما للعاقلة، والعلم المذكور من العاقلة، فتكون التوبة من ~~فضائل القوى الثلاث. # وتوضيح حقيقة التوبة: أنه إذا علم العبد علما يقينيا أن ما صدر عنه من ~~الذنوب حائلة بينه وبين محابه، ثار من هذا العلم تألم القلب بسبب فوات ~~المحبوب، وصار متأسفا على ما صدر عنه من الذنوب، سواء كانت أفعالا أو تروكا ~~للطاعات، ويسمى تألمه - بسبب فعله أو تركه المفوت لمحبوبه - ندما. وإذا غلب ~~هذا الندم على القلب، انبعثت منه حالة أخرى تسمى إرادة وقصدا إلى فعل له ~~تعلق بالحال بترك الذنب الذي كان ملابسا له، وبالاستقبال بعزمه على ترك ~~الذنب المفوت لمحبوبه إلى آخر عمره، وبالماضي بتلافيه ما فات بالجبر ~~والقضاء. فالعلم - أعني اليقين بكون الذنوب سموما مهلكة - هو الأول، وهو ~~مطلع البواقي، إذ مهما أشرق نور هذا اليقين على القلب أثمر نار الندم على ~~الذنب، فيتألم به القلب، حيث ms589 ينظر بإشراق نور الإيمان واليقين أنه صار ~~محجوبا عن محبوبه، كمن يشرق عليه نور الشمس وقد كان في ظلمة، فيسطع النور ~~عليه بانقشاع سحاب أو انحسار حجاب، فيرى محبوبه قد أشرف على الهلاك، فتشتعل ~~نيران الحب في قلبه وتنبعث بتلك النيران إرادته للانتهاض للتدارك. فالعلم، ~~والندم، والقصد المتعلق بالترك في الحال والاستقبال والتلافي للماضي: ثلاثة ~~معاني مرتبة في PageV03P039 # الحصول، يطلق أسم (التوبة) على مجموعها. وربما أطلقت التوبة على مجرد ~~الندم، وجعل العلم كالسابق والمقدمة، والترك كالثمرة والتابع للمتأخر، وإلى ~~هذا الاعتبار يشير قوله (ص): (الندم توبة)، إذ لا يخلو الندم عن علم أوجبه ~~وأثمره، أو عن عزم يتبعه ويتلوه، فيكون الندم محفوفا بطرفيه، أعني ثمرته ~~ومثمره 0 وبهذا الاعتبار قيل في حدها: # إنها ذوبان الحشا لما سبق من الخطأ، أو نار في القلب تلتهب وصدع في الكبد ~~لا ينشعب، وربما أطلقت على مجرد ترك الذنوب حالا والعزم على تركها ~~استقبالا، وبهذا الاعتبار قيل في حدها: إنها خلع لباس الجفاء ونشر بساط ~~الوفاء، وإنها تبديل الحركات المذمومة بالحركات المحمودة، أو إنها ترك ~~اختيار الذنب حالا وتوطين القلب وتجريد العزم على عدم العود إليه استقبالا. ~~وعلى هذا لا يكون الندم داخلا في حقيقة التوبة وقد صرح بعض الأعاظم بخروجه ~~عنها، محتجا بأن الندم - وهو تألم القلب وحزنه على الذنب - غير مقدور، ولذا ~~ترى تقع الندامة على أمور في قلبه وهو يريد ألا يكون ذلك فلا يكون الندم ~~مقدورا، وأنما المقدور تحصيل أسبابه، أعني الإيمان والعلم بفوات المحبوب ~~وتحقيقها في قلبه. وعلى هذا فلا يكون الندم من التوبة، إذ التوبة مقدورة ~~للعبد ومأمور بها فاللازم فيها التندم دون الندم. وغير خفي بأن الندم كغيره ~~من صفات النفس، فإن أمكن إزالة الصفات النفسية وكسبها فالندم كذلك، وإلا ~~لزم بطلان علم الأخلاق بالكلية وأيضا إذا أمكن تحصيل سبب الندامة - أعني ~~العلم بفوات المحبوب - لزم ترتب المسبب - أعني الندامة عليه - فما معنى عدم ~~كونه مقدورا، فالندامة في الإزالة والتحصيل لا يكون أصعب من كثير من ~~الأخلاق ms590 النفسية وبعضهم يعد ما عدا التندم من شرائط التوبة، قال (وأما ~~الندم المحبوب - لزم ترتب المسبب - أعني الندامة عليه - فما معنى عدم كونه ~~التوبة حقيقة، وإنما المقدور تحصيل أسبابه من العلم والإيمان وتحقيقهما في ~~قلبه) إنتهى. وفيه ما لا يخفى بعلاوة ما سبق، قال الصادق (ع): # (التوبة حبل الله ومدد عنايته، ولا بد للعبد من مداومة التوبة على كل حال ~~وكل فرقة من العباد لهم توبة، فتوبة الأنبياء من اضطراب السر وتوبة ~~PageV03P040 # الأولياء من تلوين الخطرات، وتوبة الأصفياء من التنفيس، وتوبة الخاص من ~~الاشتغال بغير الله، وتوبة العام من الذنوب، ولكل واحد منهم معرفة وعلم في ~~أصل توبته ومنتهى أمره، وذلك يطول شرحه هنا. # وأما توبة العام فإن يغسل باطنه من الذنوب بماء الحسرة، والاعتراف ~~بجنايته دائما، واعتقاد الندم على ما مضى، والخوف على ما بقي من عمره ولا ~~يستصغر ذنوبه فيحمله ذلك إلى الكسل، ويديم البكاء والأسف على ما فاته من ~~طاعة الله، ويحبس نفسه عن الشهوات، ويستغيث إلى الله تعالى ليحفظه على وفاء ~~توبته ويعصمه عن العود إلى ما سلف، ويروض نفسه في ميدان الجهاد والعبادة، ~~ويقضي عن الفوائت من الفرائض، ويرد المظالم، ويعتزل قرناء السوء، ويسهر ~~ليله ويظمأ نهاره، ويتفكر دائما في عاقبته، ويستعين بالله سائلا منه ~~الاستقامة في سرائه وضرائه، ويثبت عند المحن والبلاء كي لا يسقط عن درجة ~~التوابين، فإن في ذلك طهارة من ذنوبه، وزيادة في عمله، ورفعة في درجاته. ~~قال الله - عز وجل -: # (فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) (39 - 40). # تتمة هل يشترط في التوبة القدرة على الذنب السابق؟ # التوبة إنما تكون عن ذنب سبق مثله، (أما) () 41) ترك ذنب لم يسبق مثله ~~حالا والعزم على تركه استقبالا لا يسمى توبة، بل يسمى تقوى، ويسمى صاحبه ~~متقيا لا تائبا، ولذا يصح القول بأن النبي (ص) كان متقيا عن الكفر، ولا يصح ~~القول بأنه كان تائبا عنه. ثم المراد بالمثل السابق أعم من أن يكون مثلا في ~~الصورة أو المنزلة، فالشيخ الهرم الذي سبق منه ms591 الزنا وقطع الطريق، ولم يقدر ~~الساعة على فعلهما إذا أراد التوبة عنهما، ينبغي أن يتوب عما يماثلهما ~~منزلة ودرجة، كالقذف والسرقة وأمثالهما، إذ لا معنى للتوبة عما يماثلهما ~~صورة - أعني نفس الزنا وقطع الطريق # PageV03P041 # مع عدم قدرته عليهما، ولو لم تكن التوبة عما يماثل الشئ في المنزلة ~~والدرجة توبة عن هذا الشئ، لزم أن يكون باب التوبة مسدودا بالنسبة إلى مثل ~~الشيخ الهرم وكل من صدر منه معصية والآن لا يقدر عليها، وهو باطل، لانفتاح ~~باب التوبة إلى الموت، ولما ذكر، قال بعض المشايخ في حد التوبة: (إنها ترك ~~اختيار ذنب سبق مثله منه منزلة لا صورة تعظيما لله وحذرا من سخطه). فقوله: ~~(سبق مثله) احتراز عن ترك ذنب لم يسبق مثله، فإنه لا يسمى توبة بل تقوى، ~~وقوله: (منزلة لا صورة) لإدخال التوبة عما سبق ولا يقدر الآن على فعله، ~~وعلى هذا فتوبة العنين عن النظر واللمس وأمثال ذلك يكون توبة عن الزنا الذي ~~قارفه قبل طريان العنة، والظاهر أن بناء ذلك على دلالة توبته عما يقدر عليه ~~الآن، على أنه لو كان قادرا على الزنا لتركه أيضا، لإشعاره بأن توبته صدرت ~~عن معرفة ويقين بضرر الزنا الذي قارفه قبل طريان العنة، فلو كان قادرا عليه ~~لتركه أيضا. # قال أبو حامد الغزالي: (إن قلت: هل تصح توبة العنين من الزنا الذي قارفه ~~قبل طريان العنة؟ قلت: لا: لأن التوبة عبارة عن ندم يبعث العزم على الترك ~~فيما يقدر على فعله وما لا يقدر على فعله، فقد انعدم بنفسه لا بتركه إياه)، ~~ثم قال: (ولكني أقول: لو طرأ عليه بعد العنة كشف ومعرفة تحقق به ضرر الزنا ~~الذي قارفه، وثار منه احتراق وتحسر وندم بحيث لو كانت شهوة الوقاع باقية ~~لكانت حرقة الندم تقمع تلك الشهوة وتغلبها، فإني أرجو أن يكون ذلك مكفرا ~~لذنبه وماحيا عنه سيئته، إذ لا خلاف في أنه لو تاب قبل طريان العنة ومات ~~عقيب التوبة كان من التائبين، وإن لم تطرأ عليه حالة تهيج فيها ms592 الشهوة ~~وتتيسر أسباب قضاء الشهوة، ولكنه تائب باعتبار أن ندمه بلغ مبلغا أوجب صرف ~~قصده عن الزنا لو ظهر قصده، فإذن لا يستحيل أن تبلغ قوة الندم في حق العنين ~~هذا المبلغ إلا أنه لا يعرفه من نفسه، فإن كل من لا يشتهي شيئا يقدر نفسه ~~قادرا على تركه بأدنى خوف، والله مطلع على ضميره وعلى مقدار ندمه، فعساه ~~يقبله منه، بل الظاهر أنه يقبله والحقيقة في هذا كله ترجع إلى أن ظلمة ~~PageV03P042 # المعصية تنمحي عن القلب بشيئين: - أحدهما - حرقة الندم، و - الآخر - شدة ~~المجاهدة بالترك بالمستقبل، وقد امتنعت المجاهدة بزوال الشهوة، ولكن ليس ~~محالا أن يقوى الندم بحيث يقوى على محوها دون المجاهدة، ولولا هذا لقلنا: ~~أن التوبة لا تقبل ما لم يعش التائب بعد التوبة مدة يجاهد نفسه في عين تلك ~~الشهوة مرات كثيرة، وذلك مما يدل ظاهر الشرع على اشتراطه. # فصل وجوب التوبة التوبة عن الذنوب بأسرها واجبة: الإجماع، والنقل، ~~والعقل،: # أما الإجماع - فلا ريب في انعقاده. وأما النقل - فكقوله تعالى: # (وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) (42). وقوله تعالى ~~(يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم ~~سيئاتكم) (43) ومعنى النصوح: الخالص لله خاليا عن شوائب الأغراض، من مال أو ~~جاه أو خوف من سلطان أو عدم أسباب، والأمر للوجوب، فتكون التوبة واجبة ~~بمقتضى الآيتين. # وأما العقل - فهو أن من علم معنى الوجوب ومعنى التوبة فلا يشك في ثبوته ~~لها. (بيان ذلك): أن معنى الواجب وحقيقته هو ما يتوقف عليه الوصول إلى ~~سعادة الأبد والنجاة من هلاك السرمد، ولولا تعلق السعادة والشقاوة بفعل ~~الشئ وتركه لم يكن معنى لوجوبه، فالواجب ما هو وسيلة وذريعة إلى سعادة ~~الأبد. ولا ريب في أنه لا سعادة في دار البقاء إلا في لقاء الله والأنس به، ~~فكل من كان محجوبا عن اللقاء والوصال محروما عن مشاهدة الجلال والجمال، فهو ~~شقي لا محال، محترق بنار الفراق ونار جهنم. ثم لا مبعد عن لقاء الله إلا ms593 ~~اتباع الشهوات النفسية والغضب والأنس بهذا العالم الفاني، والإكباب على حب ~~ما لا بد من مفارقته قطعا، ويعبر عن # PageV03P043 # ذلك بالذنوب. ولا مقرب من لقاء الله إلا قطع علاقة القلب من زخرف هذا ~~العالم، والاقبال بالكلية على الله، طلبا للأنس به بدوام الذكر، والمحبة له ~~بدوام الفكر في عظمته وجلاله وجماله على قدر طاقته، ولا ريب في أن الانصراف ~~عن طريق البعد الذي هو الشقاوة واجب للوصول إلى القرب الذي هو السعادة، ولا ~~يتم ذلك إلا بالتوبة التي عبارة عن العلم والندم والعزم، ولا يتم الواجب ~~إلا به، فهو واجب، فالتوبة واجبة قطعا. # تذنيب تحقيق في وجوب التوبة كيف لا تكون التوبة عن المعاصي واجبة، مع أن ~~العلم بضرر المعاصي وكونها مهلكة من أجزاء الإيمان ووجوب الإيمان ومما لا ~~ريب فيه، والعالم بهذا العلم إذا لم يعمل به فكما لا يعلمه أو ينكره فلا ~~يكون له هذا الجزء من الإيمان، لأن كل علم يراد ليكون باعثا على العمل، فلا ~~يقع التفصي عن عهدته ما لم يصير باعثا، فالعلم بضرر الذنوب إنما، أريد ~~ليكون باعثا على تركها فمن لم يتركها فهو فاقد لهذا الجزء من الإيمان، وهو ~~المراد بقول النبي (ص): (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، وما أراد به ~~نفي الإيمان بالله ووحدانيته وصفاته وكتبه ورسله، فإن ذلك لا ينافي الزنا ~~والمعاصي، وإنما أراد به نفي الإيمان بالله لكون الزنا مبعدا عن الله ~~وموجبا لسخطه، وليس الإيمان بابا واحدا، بل هو - كما ورد - نيف وسبعون ~~بابا، أعلاها الشهادتان وأدناها إماطة الأذى عن الطريق،، ومثاله قول القائل ~~: ليس الإنسان موجودا واحدا، بل هو نيف وسبعون موجودا، أعلاها الروح والقلب ~~وأدناها إماطة الأذى عن البشرة، بأن يكون مقصوص الشارب مقلوم الأظافر نقي ~~البشرة عن الخبث، حتى يتميز عن البهائم المرسلة المتلوثة بأرواثها، ~~المستكرهة الصور بطول مخالبها وأظافرها، فالإيمان كالانسان، وفقد الشهادتين ~~كفقد الروح الذي يوجب البطلان بالكلية، والذي ليس له إلا شهادة التوحيد ~~والرسالة ويترك سائر أجزائه من الأعمال، فهو كإنسان ms594 مقطوع الأطراف مفقوء ~~العينين، فاقد لجميع أعضائه الظاهرة والباطنة، PageV03P044 # إلا أصل الروح. وكما أن من هذا حاله قريب من الموت ومزايلة الروح الضعيفة ~~المنفردة التي تخلفت عنها الأعضاء التي تمدها وتقويها، فكذلك من ليس له أصل ~~الإيمان وهو مقصر في الأعمال، قريب من أن تنقلع شجرة أيمانه إذا صدمتها ~~الرياح العاصفة المحركة للإيمان في مقدمة قدوم ملك الموت ووروده، فكل إيمان ~~لم يثبت في النفس أصله ولم تنتشر في الأعمال فروعه، لم يثبت على عواصف ~~الأهوال عند ظهور ناصية ملك الموت وخيف عليه سوء الخاتمة، فالمحجوب عن ~~الإيمان الذي هو شعب وفروع سيحجب في الخاتمة عن الإيمان الذي هو أصل، كما ~~أن الشخص الفاقد لجميع الأطراف التي هي فروع لسياق إلى الموت المعدم للروح ~~التي هي أصل، فلا بقاء للأصل دون الفرع، ولا وجود للفرع دون الأصل، ولا فرق ~~بين الأصل والفرع إلا في شئ واحد، وهو أن وجود الفرع وبقاءه جميعا يستدعي ~~وجود الأصل، وأما وجود الأصل فلا يستدعي وجود الفرع ولكن بقاءه يستدعي وجود ~~الفرع، فبقاء الأصل بالفرع ووجود الفرع بالأصل، كمساواة العاصي والمطيع في ~~اسم المؤمن كمساواة شجرة القرع وشجرة الصنوبر في اسم الشجرة، وإنما يظهر ~~الفرق إذا عصفت الرياح القوية، فعند ذلك تنقطع أصول شجرة القرع وتتناثر ~~أوراقها، وتبقى شجرة الصنوبر ثابته على أصلها وفرعها. ومثل العاصي الذي لا ~~يخاف الخلود في النار لأجل معصيته اتكالا على إيمانه بالتوحيد والرسالة، ~~كمثل الصحيح الذي يأكل الأغذية المضرة والسمومات ولا يخاف الموت اتكالا على ~~صحته، فكما يؤدي صحة هذا الصحيح بتناوله السمومات والأغذية إلى المرض ~~والمرض إلى الموت، فكذلك تؤدي ذنوب العاصي إلى سوء الخاتمة إلى الخلود في ~~إلى الموت، فكذلك تؤدي ذنوب العاصي إلى سوء الخاتمة إلى الخلود في النار، ~~فالمعاصي للإيمان كالسمومات والمأكولات المضرة للأبدان فكما أن مضرة ~~السمومات لا تزال تجتمع في الباطن حتى تغير مزاج الأخلاط وهو لا يشعر بها ~~إلى أن يفسد المزاج فيمرض دفعة ثم يموت دفعة، فكل آثار المعاصي لا تزال ms595 ~~تتراكم في النفس حتى يفسد مزاجها فيسلب عنها أصل الإيمان، فالخائف من الموت ~~في هذه النشأة القصيرة إذا وجب عليه ترك السموم وما يضره من المأكولات، ~~فالخائف من هلاك الأبد أولى بأن يجب ترك PageV03P045 # الذنوب، ومن تناول السم وندم إذا وجب عليه أن يتقيأ ويرجع عن تناوله ~~بإخراجه عن المعدة، فتناول سموم الإيمان وهي الذنوب أولى بأن يجب عليه ~~الرجوع عنها بالتدارك الممكن ما دام مهلة التدارك. # فالبدار البدار معاشر إخواني إلى التوبة! قبل أن تعمل سموم الذنوب بروح ~~إيمانكم عملا لا ينفع بعده الاحتماء، ويخرج الأمر فيه عن أيدي أطباء ~~القلوب، فلا ينفع حين إذ وعظ الواعظين ونصح الناصحين، وتحق عليكم كلمة ~~العذاب. وتدخلون تحت عموم قوله - تعالى -: # (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون) (44) ~~وقوله تعالى (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة) (45)... ~~وغير ذلك من الآيات. # ثم مقتضى الأدلة المذكورة: كون التوبة على الفور، فيجب على كل مسلم أن ~~يتوب عن ذنوبه فورا، ولا يجوز له التأخير. قال لقمان لابنه: # (يا بني! لا تؤخر التوبة، فإن الموت يأتي بغتة). ومن ترك المبادرة إلى ~~التوبة بالتسويف كان بين خطرين عظيمين: - أحدهما - أن تتراكم الظلمة على ~~قلبه من المعاصي حتى يصير دينا وطبعا فلا يقبل المحو - والثاني - أن يعالجه ~~المرض أو الموت فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو. ولذلك ورد: أن أكثر صياح أهل ~~النار من التسويف، فما هلك من هلك إلا بالتسويف. # فصل عموم وجوب التوبة وجوب التوبة يعم الأشخاص والأحوال، فلا ينبغي أن ~~ينفك عنه أحد في حالة، قال الله تعالى -: # (وتوبوا إلى الله جميعا) (46). # وهو يعم الكل في الكل. ومما يدل على وجوبها على الكل: إن كل فرد من أفراد ~~الناس إذا بلغ سن التمييز والتكليف قام القتال والنزاع في مملكة # PageV03P046 # بدنه، بين الشهوات جنود الشياطين، وبين العقول أحزاب الملائكة: إذ لا ~~تكمن غريزة العقل في أحد إلا بعد كمال غريزة الشهوة والغضب وسائر الصفات ~~المذمومة، وإذا قام القتال بينهما ms596 لا بد بحكم العقل والشرع والشرع أن يغلب ~~جنود الله على جنود الشيطان بقمعها بكسر الشهوات، ورد النفس على سبيل القهر ~~والغلبة على الصفات المحمودة والعبادات، ولا معنى لوجوب التوبة إلا هذا. ~~مما يدل على وجوبها على الدوام وفي كل حال هو أن كل عبد لا يخلو عن معصية ~~بجوارحه، فإن خلا في بعض الأحوال عن معصية الجوارح فلا يخلو عن رذائل النفس ~~والهم بالذنوب بالقلب فإن خلا عن ذلك أيضا فلا يخلو عن وسوسة الشيطان ~~بإيراد الخواطر المتفرقة المذهلة عن ذكر الله، فإن خلا عنه فلا يخلو عن ~~غفلة وقصور في العلم بالله وصفاته وآثاره، وكل ذلك نقص يجب الرجوع عنه وهو ~~معنى التوبة. # ولعدم خلو أحد من الخلق من نوع هذا النقص وأصله في حالة، وإن تفاوتوا في ~~المقادير، يلزم وجوب التوبة على كل عبد في كل حالة، ولو خلا عن التوبة عن ~~جميع الذنوب في لحظة واختطفه الموت، لزم خروج روحه بلا توبة، ولعدم انفكاكه ~~قبل موته ولو بلحظة عن فرد من المعاصي المذكورة فالتوبة واجبة على كل عبد ~~سالك في كل نفس من أنفاسه، قال بعض العرفاء (47): (لو لم يبك العاقل فيما ~~بقي من عمره إلا على فوت ما مضى من عمره في غير طاعة الله، لكان حقيقا أن ~~يخزيه (48) ذلك إلى الممات، فكيف من يستقبل ما بقي من عمره بمثل ما مضى من ~~جهله). ومن عرف قدر العمر وفائدته وما يكتسب به من سعادة الأبد يعلم أن ما ~~يصنع منه في المعصية وغير التوبة أي حسرة وندامة يترتب عليه، فإن العاقل ~~إذا ملك جوهرة نفيسة، فإن ضاعت منه بغير فائدة بكى عليها لا محال، وإن ضاعت ~~منه وصار ضياعها سبب هلاكه كان بكاؤه منه أشد، وكل نفس من العمر جوهرة ~~نفيسة لا عوض لها لا يصلها لعبد إلى سعادة الأبد وإنقاذها إياه من شقاوة ~~السرمد، وأي جوهر أنفس من هذا، فمن ضيعها في غفلة خسر خسرانا مبينا، ومن ~~صرفها في # PageV03P047 # معصية فقد هلك هلاكا أبديا. ms597 وقد قيل: إن الله - تعالى - عبده سرين؟؟؟ # يسرهما إليه على سبيل الإلهام: - أحدهما - إذا خرج من بطن أمه يقول له ~~عبدي! قد أخرجتك إلى الدنيا طاهرا لطيفا واستودعتك عمرك وائتمنتك عليه ~~فانظر كيف تحفظ الأمانة، وانظر كيف تلقاني. - والثاني - عند خروج روحه ~~يقول: عبدي ماذا صنعت في أمانتي عندك، هل حفظتها حتى تلقاني على العهد ~~فألقاك على الوفاء؟ أو أضعتها فألقاك بالمطالبة والعقاب؟. وإليه الإشارة ~~بقوله - تعالى: # (أوفوا بعهدي أوف بعهدكم) (49) وبقوله تعالى: (والذين هم لأماناتهم ~~وعهدهم راعون) (50) وقد روي: أن ملك الموت إذا ظهر للعبد عند موته أعلمه ~~أنه قد بقي من عمرك ساعة لا تستأخر عنها طرفة عين، فيبدو للعبد من الحزن ~~والحسرة والأسف ما لو كانت له الدنيا بحذافيرها لأعطاها بدل أن يضم إلى تلك ~~الساعة ساعة أخرى ليتدارك فيها تفريطه، ولا يجد إليها سبيلا. وقد روي - ~~أيضا - أنه إذا كشف الغطاء للعبد قال لملك الموت: أخرني يوما اعتذر فيه إلى ~~ربي وأتوب، وأتزود صالحا لنفسي، فيقول: فنيت الأيام فلا يوم، فيقول: # أخرني ساعة، فيقول: فنيت الساعات فلا ساعة، فيغلق عليه باب التوبة، ~~فيغرغر بروحه، وتتردد أنفاسه في شراسيفه، ويجرع غصة اليأس عن التدارك وحسرة ~~الندامة على تضييع العمر فيضطرب أصل إيمانه في صدمات تلك الأهوال، فإذا ~~زهقت نفسه، فإن سبقت له من الله الحسنى خرجت روحه على التوحيد، وذلك حسن ~~الخاتمة، وإن سبق له القضاء بالشقوة - والعياذ بالله - خرجت روحه على الشك ~~والاضطراب، وذلك سوء الخاتمة. # تذنيب التوبة عن بعض المعاصي المذكورة - أعني المحرمات وترك الواجبات - ~~واجب بفتوى الشرع، بمعنى أن التارك لهذه التوبة والمرتكب لهذه المعاصي يكون ~~معذبا بالنار، وهذا الوجوب يشترك فيه كافة الخلق، وتكليف الجميع # PageV03P048 # به لا يوجب فسادا في النظام الكلي. أما التوبة عن بعض آخر منها كالخواطر ~~والهمم الطارية على القلب والقصور عن معرفة كنه جلال الله وعظمته وأمثال ~~ذلك، فليس واجبا بهذا المعنى، لمنافاته انتظام العالم. إذ لو كلف الخلق ~~كلهم أن يتقوا الله حق تقاوته، لتركوا المعايش ورفضوا الدنيا ms598 بالكلية، وذلك ~~يؤدي إلى بطلان التقوى رأسا، لأنه إن فسدت المعايش لم يتفرغ أحد للتقوى. # فالتوبة عن كل ما هو المرجوح ليست واجبة بهذا الاعتبار، بل هي واجبة ~~بمعنى آخر، وهو ما لا بد منه للوصول به إلى غاية القرب إلى الله، وإلى ~~المقام المحمود والدرجات العالية، فمن رضى بأصل النجاة وقنع به لم تكن هذه ~~التوبة واجبة عليه، ومن طلب الوصول إلى ما ذكر وجبت عليه هذه التوبة وجوبا ~~شرطيا، بمعنى توقف مطلوبه عليه، كما جرت عليه طوائف الأنبياء والأولياء ~~وأكابر العرفاء والعلماء، ولأجله رفضوا لذات الدنيا بالكلية. وعلى هذا فما ~~ورد من استغفار الأنبياء والأوصياء وتوبتهم إنما هو من ترك دوام الذكر ~~وغفلتهم عن مقام الشهود والاستغراق لأجل اشتغالهم بالمباحات لا عن ذنوب ~~كذنوبنا، لتعاليهم وتقديسهم عن ذلك. # قال الصادق (ع): (إن رسول الله كان يتوب إلى الله ويستغفره في كل يوم ~~وليلة مئة مرة من غير ذنب. إن الله تعالى يخص أولياءه بالمصائب، وليأجرهم ~~عليها من غير ذنب كذنوبنا، فإن ذنب كل أحد إنما هو بحسب قدره ومنزلته عند ~~الله). وبمضمونه أخبار أخر. # فصل لا بد من العمل بعد التوبة لا يكفي في تدارك الشهوات والتوبة عن ~~الذنوب مجرد تركها في المستقبل بل لا بد من محو آثارها التي انطبعت في جوهر ~~النفس بنور الطاعات، إذ كل شهوة ومعصية صدرت من الإنسان ارتفعت منها ظلمة ~~إلى قلبه، كما ترتفع من نفس الإنسان ظلمة إلى وجه المرآة الصقيلة، فإن ~~تراكمت ظلمة الشهوات والمعاصي صارت رينا، كما يصير بخار النفس في وجه ~~المرآة عند تراكمه خبثا، كما قال - تعالى -: # (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) (1) # PageV03P049 # فإذا تراكم الرين صار طبعا فيطبع على قلبه، كما إن الخبث في وجه المرآة ~~إذا تراكم وطال زمانه غاص في جرم الحديد وأفسده، وصار بحيث لا يقبل التصقيل ~~بعده فالتائب من الذنوب لا بد له من محو تلك الآثار التي انطبعت منها في ~~نفسه، ولا يكفي مجرد تركها في المستقبل، كما لا ms599 يكفي في تصقيل المرآة وظهور ~~الصور فيها قطع الأنفاس والبخارات المسودة لوجهها في المستقبل، ما لم يشتغل ~~بمحو ما انطبع فيها من الآثار، وكما ترتفع إلى النفس ظلمة من المعاصي ~~والشهوات فتظلمها، فكذلك يرتفع نور من الطاعات وترك الشهوات فينورها، ولهذا ~~النور تنمحي ظلمة المعاصي والشهوات، وإليه الإشارة بقوله (ص) (اتبعوا ~~السيئة الحسنة تمحها). فأذن لا يستغني العبد في حال من أحواله من محو آثار ~~السيئات عن قلبه بمباشرة حسنات تضاد آثارها آثار تلك السيئات، في معنى أن ~~تكون الحسنة التي ترتكب لمحو السيئة مناسبة لتلك السيئة، لقوله (ص) (اتق ~~الله حيث كنت) ولأن المرض يعالج بضده فكل ظلمة ارتفعت إلى القلب، فلا ~~يمحوها إلا نور يرتفع إليه من حسنة تضادها، إذ الضد إنما يرتفع بالضد، ~~فيكفر سماع الملاهي بسماع القرآن وبحضور مجالس الذكر، ويكفر القعود في ~~المسجد جنبا بالعبادة فيه، ويكفر مس المصحف محدثا بإكرامه وتقبله وكثرة ~~قراءته، ويكفر شرب الخمر بالتصدق لكل شراب حلال هو أحب إليه.. إلى غير ذلك ~~وليس ذلك - أي إيقاع المناسبة - شرطا في المحو، فقد روي: (أن رجلا قال ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله: إني عالجت امرأة فأصبت منها كل شئ إلا ~~المسيس، فاقض عليه بحكم الله فقال: أما صليت معنا؟ قال: بلا! فقال: إن ~~الحسنات يذهبن السيئات). # وينبغي أن تكون التوبة عن قرب عهد بالخطيئة، بأن يتندم عليها ويمحو ~~آثارها قبل أن يتراكم الرين على القلب فلا يقبل المحو، قال الله تعالى -: # (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب) (2) ~~أي عن قرب عهد بعمل السوء. وقال: (وليس التوبة للذين يعملون السيئات # PageV03P050 # حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن) (3) قال الصادق (ع): (ذلك إذا ~~عاين أمر الآخرة) وقد ورد مثله عن رسول الله (ص) أيضا. # فصل فضيلة التوبة إعلم أن التوبة أول مقامات الدين، ورأس مال السالكين، ~~ومفتاح استقامة السائلين، ومطلع التقرب إلى رب العالمين، ومدحها عظيم، ~~وفضلها جسيم، قال الله - تعالى -: # (إن الله يحب التوابين ms600 ويحب المتطهرين) (4). # وقال رسول الله (ص): (التائب حبيب الله، والتائب من الذنب كمن لا ذنب ~~له). وقال الباقر (ع): (إن الله تعالى أشد فرحا بتوبة عبده من رجل أضل ~~راحلته وزاده في ليلة ظلماء فوجدها، فالله أشد فرحا بتوبة عبده من ذلك ~~الرجل براحلته حين وجدها). وقال (ع): (التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ~~والمقيم على الذنب وهو مستغفر منه كالمستهزئ). # وقال الصادق (ع): (إن الله يحب من عباده المفتن التواب): يعني كثير الذنب ~~كثير التوبة. وقال (ع): (إذا تاب العبد توبة نصوحا، أحبه الله فستر عليه)، ~~فقلت: وكيف يستر عليه؟ قال: (ينسي ملكيه ما كأنه يكتبان عليه، ويوحي إلى ~~جوارحه وإلى بقاع الأرض أن اكتمي عليه ذنوبه، فيلقى الله - عز وجل - حين ~~يلقاه وليس شئ يشهد عليه بشئ من الذنوب). وقال الصادق (ع): (إن الله - عز ~~وجل - أعطى التائبين ثلاث خصال لو أعطى خصلة منها جميع أهل السماوات والأرض ~~لنجوا بها: قوله - عز وجل -: # (إن الله يحب التوابين...) إلى آخره (5) وقوله: (الذين يحملون # PageV03P051 # العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا ~~وسعت كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا - إلى قوله - وذلك هو الفوز ~~العظيم) (6) وقوله: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما، يضاعف، له ~~العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا، إلا من تاب وآمن - إلى قوله - وكان ~~الله غفورا رحيما) (7). # وقال أبو الحسن - عليهما السلام -: (أحب العباد إلى الله المنيبون ~~التوابون). # فصل قبول التوبة التوبة المستجمعة لشرائطها مقبولة الإجماع، ويدل عليه ~~قوله تعالى: # (هو الذي يقبل التوبة عن عباده) (8) وقوله - تعالى -: (غافر الذنب وقابل ~~التوب) (9). وقوله - تعالى -: (ومن يعمل سوء أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله ~~يجد الله غفورا رحيما) (10). # وقول النبي (ص): (إن الله تعالى يبسط يده بالتوبة لمسئ الليل إلى النهار ~~ولمسئ النهار إلى الليل حتى تطلع الشمس من مغربها)، وبسط اليد كناية عن طلب ~~التوبة، ms601 وطالب التوبة يقبله البتة. وقوله (ص): # (إن الحسنات يذهبن السيئات، كما يذهب الماء الوسخ). وقوله (ص): # ((لو عملتم الخطايا حتى تبلغ السماء ثم ندمتم، لتاب الله عليكم). # وقوله (ص): (إن العبد ليذنب الذنب فيدخل في الجنة)، قيل: # كيف ذلك يا رسول الله!؟ قال (يكون نصب عينيه تائبا منه فارا حتى يدخل ~~الجنة). وقوله (ص): (كفارة الذنب الندامة). وقوله صلى الله عليه وآله: (من ~~تاب قبل موته بسنة قبل الله توبته. ثم قال: # PageV03P052 # إن السنة لكثير، من تاب قبل موته بشهر قبل الله توبته،. ثم قال: إن الشهر ~~لكثير، من تاب قبل موته بجمعة قبل الله توبته. ثم قال: إن الجمعة لكثير، من ~~تاب قبل موته بيوم قبل الله توبته. ثم قال: إن يوما لكثير، من تاب قبل أن ~~يعاين ملك الموت قبل الله توبته). وقال الباقر (ع) لمحمد بن مسلم: (ذنوب ~~المؤمن إذا تاب منها مغفورة له، فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد التوبة ~~والمغفرة، أما والله إنها ليست إلا لأهل الإيمان)، فقال له: فإن عاد بعد ~~التوبة والاستغفار من الذنوب، وعاد في التوبة؟ قال: (يا محمد بن مسلم! أترى ~~العبد المؤمن يندم على ذنبه ويستغفر منه ويتوب ثم لا يقبل الله توبته؟)، ~~قال: فإنه فعل ذلك مرارا، يذنب ثم يتوب ويستغفر، فقال: (كلما عاد المؤمن ~~بالاستغفار والتوبة عاد الله عليه بالمغفرة، وإن الله غفور رحيم يقبل ~~التوبة ويعفو عن السيئات، فإياك أن تقنط المؤمن من رحمة الله). وقوله (ع): ~~(إذا بلغت النفس هذه - وأهوى بيده إلى حلقه - لم تكن للعالم توبة، وكانت ~~للجاهل توبة). وقوله (ع): (إن آدم (ص) قال: (يا رب! سلطت علي الشيطان ~~وأجريته مني مجرى الدم، فاجعل لي شيئا، فقال: يا آدم! # جعلت لك: إن من هم من ذريتك بسيئة لم تكتب عليه، فإذا عملها كتبت عليه ~~سيئة، ومن هم منهم بحسنة، فإذا لم يعملها كتبت له حسنة، فإن هو عملها كتبت ~~له عشرا، قال: يا رب! زدني، قال: جعلت لك: إن من عمل منهم سيئة ثم ms602 استغفر ~~غفرت له، قال: يا رب! زدني، قال: # جعلت التوبة، وبسطت لهم التوبة حتى تبلغ النفس هذه، قال يا رب حسبي). ~~وقول الصادق (ع): (إن الرجل ليذنب الذنب فيدخله الله به الجنة)، قبل: يدخله ~~الله بالذنب الجنة؟ قال: (نعم! إنه ليذنب فلا يزال منه خائفا ماقتا لنفسه، ~~فيرحمه الله فيدخله الجنة). وقوله عليه السلام: (العبد المؤمن إذا ذنب ذنبا ~~أجله الله سبع ساعات، فإن استغفر الله لم يكتب عليه شئ، وإن مضت الساعات ~~ولم يستغفر كتبت، عليه سيئة وإن المؤمن ليذكر ذنبه بعد عشرين سنة حتى ~~يستغفر ربه فيغفر له، وإن الكافر لينسى من ساعته)). وقوله (ع): (ما من مؤمن ~~يقارف PageV03P053 # في يومه وليلته أربعين كبيرة فيقول وهو نادم: استغر الله الذي لا إله إلا ~~هو الحي القيوم بديع السماوات والأرض ذا الجلال والاكرام وأسأله أن يصلي ~~على محمد وآل محمد وأن يتوب علي إلا غفرها الله له، ولا خير فيمن يقارف في ~~يومه أكثر من أربعين كبيرة) (11). وروي: (أن الله تعالى لما لعن إبليس سأله ~~النظرة، فأنظره إلى يوم القيامة، فقال: وعزتك لأخرجت من قلب ابن آدم ما دام ~~فيه الروح، فقال الله تعالى: بعزتي لأحجبت عنه التوبة ما دام فيه الروح). ~~وورد في الإسرائيليات: (أن شابا عبد الله عشرين سنة، ثم عصاه عشرين سنة، ثم ~~نظر في المرآة، فرأى الشيب في لحيته، فساءه ذلك، فقال: إلهي أطعتك عشرين ~~سنة ثم عصيتك عشرين سنة، فإن رجعت إليك أتقبلني؟ فسمع قائلا يقول: # أجبتنا فأجبناك، فتركتنا فتركناك وعصيتنا فأمهلناك فإن رجعت إلينا ~~قبلناك) والأخبار والآثار في هذا المعنى أكثر من أن تحصى، وفي بعض الأخبار ~~المتقدمة دلالة عليه أيضا ثم الناظر بنور البصيرة لا يحتاج في هذا المعنى ~~إلى بيان، إذ يعلم أن التوبة توجب سلامة القلب، وكل قلب سليم مقبول عند ~~الله ومتنعم في الآخرة في جوار الله، ويعلم أن القلب خلق في الأصل سليما ~~صافيا، إذ كل مولود يولد على الفطرة، وإنما مرض واسود بأمراض الذنوب ~~وظلماتها ودواء التوبة ms603 يزيل هذه الأمراض، ونور الحسنات يمحو هذه الظلمات، ~~ولا طاقة لظلام المعاصي مع نور الحسنات، كما لا طاقة لظلام الليل مع نور ~~النهار، ولكدورة الوسخ مع بيان الصابون والماء الحار. نعم إذا تراكمت ~~الذنوب بحيث صارت رينا وطبعا، وأفسدت القلب بحيث لا يقبل الصفاء والنورانية ~~بعد ذلك، فمثل هذا القلب لا تفيده التوبة، بمعنى أنه لا يرجع ولا يتوب، وإن ~~قال باللسان تبت، إذ أوساخ الذنوب غاصت في تجاويفه وتراكمت فيه بحيث لا ~~يقبل التطهير، ولو بولغ فيه أدى إلى انخراق القلب # PageV03P054 # وهلاكه، لصيرورة الأوساخ جزءا من جوهره، كما أن الثواب الذي غاص الوسخ في ~~تجاويفه وخلله وتراكم فيه، لو بولغ في تطهيره بالماء والصابون أدى ذلك إلى ~~انخراقه. وهذا حال أكثر الخلق المقبلين على الدنيا المعرضين عن الله، فإنهم ~~لا يرجعون ولا يتوبون، لصيرورة ذمائم الأخلاق ورذائلها ملكات راسخة في ~~نفوسهم وغاصت أوساخها في تجاويف قلوبهم، بحيث لا يتنبهون ولا يتيقظون حتى ~~يقصدوا التوبة، ولو قصدوها فإنما هو بمجرد اللسان، والقلب غافل خال عن ~~الإيمان، بل تتعذر عليه التوبة لبطلان حقيقتها. فصل طرق التوبة عن المعاصي ~~إعلم أن ما عنه التوبة هي الذنوب التي علمت تفاصيلها في هذا الكتاب، وهي - ~~كما ذكرناها - لا تخلو عن الصفات والأفعال الشيطانية المتعلقة بالوهم، ~~والصفات والأفعال السبعية المتعلقة بالقوة السبعية، والصفات والأفعال ~~البهيمية المتعلقة بالقوة البهيمية. ومن حيث تعلق التوبة بها وكيفية الخروج ~~عنها ينقسم إلى أقسام ثلاثة: # أحدها - ترك الطاعات الواجبة: من الصلاة، والصوم، والزكاة، والخمس، ~~والكفارة وغيرها. وطريق التوبة عنها: أن يجتهد في قضائها بقدر الإمكان. # وثانيها - المحرمات التي بين العبد وبين الله، أعني المنهيات التي هي ~~حقوق الله: كشرب الخمر، وضرب المزامير، والكذب، والزنا بغير ذات بعل. وطريق ~~التوبة عنها: أن يندم عليها، ويوطن قلبه على ترك العود إلى مثلها أبدا. # وثالثها - الذنوب التي بينه وبين العباد، وهي المعبر عنها بحقوق الناس، ~~والأمر فيها أصعب وأشكل، وهي إما في المال، أو في النفس، أو في العرض أو في ~~الحرمة، أو ms604 في الدين: # فما كان في (المال): يجب عليه أن يرده إلى صاحبه إن أمكنه، فإن عجز عن ~~ذلك لعدم أو فقر، وجب أن يستحل منه، وإن لم يحل أو PageV03P055 # عجز عن الايصال لغيبة الرجل غيبة منقطعة أو موته وعدم بقاء وارث له، ~~فليتصدق عنه إن أمكنه، وإلا فعليه بالتضرع والابتهال إلى الله أن يرضيه عنه ~~يوم القيامة، وعليه بتكثير حسناته وتكثير الاستغفار له، ليكون يوم القيامة ~~عوضا عن حقه، إذ كل من له حق على غيره لا بد أن يأخذ يوم القيامة عوضا عن ~~حقه، إما بعض طاعاته أو بتحمل هذا الغير بعض سيئاته. # وما كان في (النفس): فإن كانت جناية جرت عليه خطأ وجب أن يعطي الدية، وإن ~~كان عمدا وجب عليه أن يمكن المجني عليه أو أولياءه مع هلاكه من القصاص حتى ~~يقتص منه، أو يجعل في حل، وإن عجز عن ذلك فعليه بكثرة إعتاق الرقاب، لأن ~~ذلك نوع إحياء وإيجاد لا يقدر لانسان على أكثر منه، فيقابل به الإعدام ~~والإماتة، وعليه الرجوع أيضا إلى الله بالتضرع والابتهال أن يرضيه عنه يوم ~~القيامة. # وما كان في (العرض): بأن شتمه، أو قذفه، أو بهته، أو اغتابه، فحقه أن ~~يكذب نفسه عند من قال ذلك لديه، ويستحل من صاحبه مع الإمكان، أن لم يخف ~~تهديده وزيادة غيضه وهيجان فتنته من إظهاره، فإن خاف ذلك، فليكثر الاستغفار ~~له، ويبتهل إلى الله أن يرضيه عنه يوم القيامة. # وما كان في (الحرمة): بأن خان مسلما في أهله وولده أو نحوهما، فلا وجه ~~للاستحلال إذ إظهار ذلك يورث الغيض والفتنة لأن من له شوب الرجولية لا يمكن ~~أن يحل من خان في حرمته ووطئ زوجته، كيف ولو أحله ورضي بذلك كان فيه عرق من ~~الدياثة، فاللازم لمثله أن يكثر التضرع والابتهال إلى الله المتعال، ويواضب ~~على الطاعات والخيرات الكثيرة لمن خانه في مقابلة خيانته، وإن كان حيا ~~فليفرحه بالاحسان والإنعام وبذل الأموال، ويكرمه بالخدمة وقضاء الحوائج ~~ويسعى في مهماته وأغراضه، ويتلطف به، ويظهر من ms605 حبه والشفقة عليه ما يستميل ~~به قلبه، فإذا طاب قلبه بكثرة تودده وتلطفه، فربما سمحت نفسه في القيامة ~~بالحلال، فإن أبى أن يكون إنعامه وتلطفه من جملة حسناته التي يمكن أن يجبر ~~بها في القيامة خيانته، فإن كل ظلم وإيذاء وحق من حقوق العباد إذا لم يحصل ~~صاحبه يوم القيامة PageV03P056 # يقتص من الظالم في يوم القيامة بالحكم العدل القهري بأخذ العوض، سواء رضا ~~الظالم أم لا، وسواء امتنع صاحب الحق عن القبول والابراء أم لا، كما أنه ~~يحكم في الدنيا على من أتلف مال غيره بإعطاء المثل، ويقهر على ذلك، ويحكم ~~على هذا الغير بقبوله، ويجبر عليه إن امتنع عن الابراء، وعن القبول، فكذلك ~~يحكم أحكم الحاكمين وأعدل العادلين في محكمة القيامة، فيقتص من كل ظالم ~~مؤذي بأخذ حسناتهم ووضعها في موازين أرباب المظالم، فإن لم تف بها حسناته ~~حمل من سيئات أرباب المظالم، فيهلك المسكين بسيئات غيره. وبذلك يعلم: أنه ~~لا خلاص لأحد في القيامة إلا برجحان ميزان الحسنات على ميزان السيئات: ومع ~~الرجحان - ولو بقدر مثقال - تحصل النجاة، فيجب على كل معتقد في يوم الحساب ~~أن يسعى في تكثير الحسنات وتقليل السيئات، حتى لا ترجح سيئاته يوم القيامة ~~على حسناته ولو بمثقال فيكون من الهالكين وعلى كل حال لا يغفل عن التضرع ~~والابتهال في الليل والنهار إلى الله سبحانه، لعله بعميم لطفه لا يفضحه يوم ~~تبلى السرائر، ويرضي خصمه بخفي ألطافه. # وما كان في (الدين): بأن نسب مسلما إلى الكفر أو الضلالة أو البدعة، ~~فليكذب نفسه بين يديه من قال ذلك عنده، ويستحل من صاحبه مع الإمكان، وبدونه ~~فليستغفر له ويكثر الابتهال إلى الله ليرضيه عنه يوم القيامة. # ومجمل ما يلزم في التوبة عن حقوق الناس: إرضاء الخصوم مع الإمكان، وبدونه ~~التصدق وتكثير الحسنات والاستغفار، والرجوع إلى الله بالتضرع والابتهال، ~~وليرضيهم عنه يوم القيامة، ويكون ذلك بمشية الله، فلعله إذا علم الصدق من ~~قلب عبده. ووجد ذله وانكساره، ترحم عليه وأرضى خصماءه من خزانة فضله، فلا ~~ينبغي لأحد ms606 أن ييأس من روح الله. # فصل تكفير الصغائر ومعنى الكبائر إعلم أن صاحب الشرع قسم الذنوب إلى ~~كبيرة وصغيرة، وحكم بأن اجتناب الكبائر يكفر الصغائر، وأن الصلوات الخمس لا ~~تكفر الكبائر وتكفر ج: 3 PageV03P057 # الصغائر، قال الله - تعالى -: # (أن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) (12). وقال: # (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) (13). # وقال رسول الله (ص): (الصلوات الخمس والجمعة تكفر ما بينهن إن اجتنبت ~~الكبائر) واجتناب الكبيرة إنما يكفر الصغيرة إذا اجتنبها مع القدرة ~~والإرادة، كمن يتمكن من امرأة ومن مواقعتها، فيكف نفسه عن الوقاع ويقتصر ~~على نظر ولمس، فإن مجاهدته نفسه في الكف عن الوقاع أشد تأثيرا في تنوير ~~قلبه من إقدامه على النظر في إظلامه، فهذا معنى تكفيره فإن كان امتناعه ~~لعجز أو خوف أو نحو ذلك، فلا يصلح للتكفير، فكذلك من يشتهي الخمر بطبعه ولو ~~أبيح له لما شربه، فاجتنابه لا يكفر عن الصغائر التي هي من مقدماته كسماع ~~الملاهي والأوتار ومثله. # ثم الكبيرة من حيث اللفظ مبهم ليس له موضوعا خاص في اللغة ولا في الشرع ~~والعرف، لأن الكبير والصغير من المصافات، وما من ذنب إلا وهو كبير بالإضافة ~~إلى ما دونه، وصغير بالإضافة إلى ما فوقه. وقد اختلف العلماء في تعيين ~~الكبائر اختلافا لا يكاد يرجى زواله واختلفت الروايات فيها أيضا. # والأظهر بالنظر إلى الروايات وإلى الجمع بينها كون الكبيرة عبارة عما ~~توعد بالنار على فعله أو ما ورد في نص الكتاب النهي عنه، ويعني بوصفه ~~بالكبيرة: إن العقوبة بالنار عظيمة، أو إن تخصيصه بالذكر في القرآن يدل على ~~عظمه. ويمكن أن يقال: إن الشرع لم يعينها، وأبهمها ليكون العباد على وجل ~~منها، فيجتنبون جميع الذنوب، كما أبهم ليلة القدر ليعظم جد الناس في طلبها، ~~ويواضبوا في ليال على العبادات،، وكما أبهم الاسم الأعظم ليواضبوا على جميع ~~أسماء الله. والحاصل: أن كل ما يتعلق به حكم في الدنيا أجاز أن يتطرق إليه ~~الإبهام، والكبيرة على الخصوص لا حكم لها في الدنيا من ms607 حيث أنها كبيرة، فإن ~~موجبات الحدود معلومة بأساميها، # PageV03P058 # وإنما حكم الكبيرة أن اجتنابها يكفر الصغائر وأن الصلوات الخمس لا ~~تكفرها، وهذا أمر يتعلق بالآخرة، والابهام أليق به، حتى يكون الناس على وجل ~~وحذر، فلا يتجرؤن على الصغائر اعتمادا على الصلوات الخمس واجتناب الكبائر. # فصل الصغائر قد تكون كبائر إعلم أن الصغيرة قد تكبر بأسباب: # أحدها - الإصرار والمواظبة، ولذلك قال الصادق (ع): (لا صغيرة مع الإصرار، ~~ولا كبيرة مع الاستغفار). والسر فيه: أن الصغيرة لقلة تأثيرها لا تؤثر في ~~القلب بإظلامه مرة أو مرتين، ولكن إذا تكررت وتراكمت آثارها الضعيفة صارت ~~قوية وأثرت على التدريج في القلب، وذلك كما أن قطرات من الماء تقع على ~~الحجر على توال فتؤثر فيه، وذلك القدر من الماء لو صب عليه دفعة لم يؤثر، ~~ولذلك قال رسول الله (ص): (خير الأعمال أدومها، وأن قل). وإذا كان النافع ~~هو الطاعة الدائمة وأن قلت، فكذلك الضار هو السيئة الدائمة وأن قلت. ثم ~~معرفة الإصرار موكول إلى العرف، قال الباقر (ع) في قوله تعالى: # (ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) (14): # (الإصرار: أن يذنب الذنب، فلا يستغفر ولا يحدث نفسه بتوبة، فذلك ~~الإصرار). # وثانيها - استصغار الذنب، فإن العبد كلما استعظمه من نفسه صغر عند الله، ~~وكلما استصغره كبر عند الله، لأن استعظامه يصدر عن نفور القلب عنه وكراهته ~~له، وذلك النفور يمنع من شدة تأثره به، واستصغاره يصدر عن الألف به، وذلك ~~يوجب شدة الأثر في القلب، والقلب هو المطلوب تنوره بالطاعات والمحذور ~~تسويده بالسيئات، ولذلك لا يؤخذ بما يجري عليه في الغفلة، لعدم تأثره به، ~~ولذلك ورد في الخبر: (إن المؤمن # PageV03P059 # يرى ذنبه كالجبل فوقه يخاف أن يقع عليه، والمنافق يرى ذنبه كذباب مر على ~~أنفه فأطاره). وقال رسول الله (ص) (اتقوا المحقرات من الذنوب، فإنها لا ~~تغفر)، قيل: وما المحقرات؟ قال: (الرجل يذنب الذنب، فيقول طوبى لي لو لم ~~يكن غير ذلك). وروي: (أنه (ص) نزل بأرض قرعاء، فقال لأصحابه: أئتونا ~~بالحطب، فقالوا: يا رسول الله! ms608 نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب، قال: فليأت ~~كل إنسان بما قدر عليه فجاؤوا به حتى رموا بين يديه بعضه على بعض، فقال ~~(ص): هكذا تجمع الذنوب إياكم والمحقرات من الذنوب فإن لكل شئ طالبا، ألا ~~وإن طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم وكل شئ أحصيناه في إمام مبين). وقال أمير ~~المؤمنين عليه السلام (لا تصغر ما ينفع يوم القيامة ولا تصغر ما يضر يوم ~~القيامة، فكونوا فيما أخبركم الله كمن عاين) وقال الباقر (ع): (اتقوا ~~المحقرات من الذنوب فإن لها طالبا، يقول أحدكم: أذنب واستغفر الله. # إن الله - تعالى - يقول: # (ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شئ أحصيناه في إمام مبين) (15). # وقال عز وجل -: (إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في ~~السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير) (16). # وقال الصادق (ع): إن الله يحب العبد أن يطلب إليه في الجرم العظيم، ويبغض ~~العبد أن يستخف بالجرم اليسير). وقال الكاظم (ع): # (لا تستكثروا كثير الخير ولا تستقلوا قليل الذنوب، فإن قليل الذنوب يجتمع ~~حتى يكون كثيرا، وخافوا الله في السر حتى تعطوا من أنفسكم النصف) (17). ~~والسر في عظم الذنب في قلب المؤمن: كونه عالما بجلال الله وكبريائه، فإذا ~~نظر إلى عظم من عصى به رأى الصغير كبيرا، وقد أوحى الله إلى بعض أنبيائه: ~~(لا تنظر إلى قلة الهدية وانظر إلى عظم مهديها، # PageV03P060 # ولا تنظر إلى صغر الخطيئة وانظر إلى كبرياء من واجهته بها) ولذلك قال بعض ~~الصحابة للتابعين:، (إنكم تعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، وكنا ~~نعدها على رسول الله من الموبقات) إذ كانت معرفة الصحابة بجلال الله أتم، ~~فكانت الصغائر عندهم بالإضافة إلى جلال الله كبائر. # وثالثها - أن يأتي بالصغائر ولا يبالي بفعلها، اغترارا بستر الله عليه، ~~وحلمه عنه، وإمهاله إياه، ولا يعلم أنه إنما يمهل مقتا ليزداد بالإمهال ~~إثما، فتزهق أنفسهم وهم كافرون، فمن ظن أن تمكنه من المعاصي عناية من الله ~~به، فهو جاهل بمكامن الغرور، وآمن ms609 من مكر الله الذي لا يأمن منه إلا ~~الكافرون. # ورابعها - السرور بالصغيرة واعتداد التمكن من ذلك نعمة والغفلة عن كونها ~~نقمة وسبب الشقاوة فكلما غلبت حلاوة الصغيرة عند العبد كبرت وعظم قلبه في ~~تسويد قلبه، فمن مزق عرض مسلم وفضحه وخجله، أو غبنه في ماله في المعاملة، ~~ثم فرح به، ويقول: أما رأيتني كيف مزقت عرضه؟ # وكيف فضحته؟ وكيف روجت عليه الزيف؟ كانت معصيته أشد مما إذا لم يفرح بذلك ~~وتأسف عليه، إذ الذنوب مهلكات، وإذا ابتلى بها العبد فينبغي أن يتأسف من ~~حيث أن العدو - أعني الشيطان - ظفر به وغلب عليه، لا أن يفرح بغلبة العدو ~~عليه، فالمرض الذي يفرح بانكسار إنائه الذي فيه دواؤه لتخلصه من ألم شربه، ~~لا يرجى شفاءه. # وخامسها - أن يذنب ويظهر ذنبه بأن يذكره بعد إتيانه، أو يأتي به في مشهد ~~غيره، فإن ذلك خيانة منه على الله الذي أسدله عليه، وتحريك الرغبة والشر ~~فيمن أسمعه ذنبه أو أشهده فعله، فهما خيانتان انضمتا إلى خيانته فتغلظت به، ~~فإن انضاف إلى ذلك الترغيب للغير فيه والحمل عليه وتهيئة الأسباب له صارت ~~خيانته رابعة، وتفاحش الأمر. وهذا لأن من صفات الله أنه يظهر الجميل ويستر ~~القبيح ولا يهتك الستر، فالإظهار كفران لهذه النعمة، قال رسول الله (ص): ~~(المستتر بالحسنة تعدل سبعين حسنة، والمذيع بالسيئة مخذول، والمستتر بها ~~مغفور له). وقال الصادق (ع): (من جاءنا يلتمس الفقه والقرآن وتفسيره فدعوه ~~ومن جاءنا يبدي عورة قد سترها الله فنحوه) وسادسها - أن يكون الآتي ~~بالصغيرة عالما يقتدي به الناس، فإذا فعله PageV03P061 # بحضرة الناس أو بحيث اطلعوا عليه، كبر ذنبه، وذلك كلبسه الذهب والإبريسم ~~وأخذه مال الشبهة، وإطلاقه اللسان في أعراض الناس، ونحو ذلك. فهذه ذنوب ~~يقتدي العالم فيها ويتبع عليها، فيموت ويبقى شره مستطيرا في العالم، فطوبى ~~لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه، وفي الخبر: (من سن سنة سيئة فعليه وزرها من ~~عمل بها لا ينقص من أوزارهم شئ) قال الله تعالى (ونكتب ما قدموا وآثارهم) ~~(18). # والآثار: ما يلحق ms610 الأعمال بعد انقضاء العمل. فعلى العالم وظيفتان: ~~إحداهما ترك الذنب، والأخرى - إخفاءه، وكما تتضاعف أوزار العالم على ~~السيئات إذا اتبع فيها، فكذلك يتضاعف ثوابه على الحسنات إذا اتبع. # فصل شروط كمال التوبة يشترط في تمام التوبة وكمالها بعد تدارك كل معصية ~~بما مر: من طول الندم، وقضاء العبادات، والخروج عن مظالم العباد، وطول ~~البكاء والحزن والحسرة، وإسكاب الدموع، وتقليل الأكل، وارتياض النفس، ليذوب ~~عن بدنه كل لحم نبت من الأغذية المحرمة والمشتبهة، قال أمير المؤمنين (ع) ~~لمن قال بحضرته: أستغفر الله: (ثكلتك أمك! أتدري ما الاستغفار؟ إن ~~الاستغفار درجة العليين، وهو اسم واقع على ستة معاني: أولها: الندم على ما ~~مضى، والثاني: العزم على ترك العود عليه أبدا، والثالث: أن تؤدي إلى ~~المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله أملس ليس عليك تبعة، والرابع: أن تعمد إلى ~~كل فريضة عليك ضيعتها تؤدي حقها، والخامس: أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على ~~السحت فتذيبه بالأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم وينشأ منها لحم جديد، ~~والسادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية، فعند ذلك ~~نقول: استغفر الله)، فصل هل يصح التبعيض في التوبة إعلم أن التوبة عن بعض ~~الذنوب دون بعض ممكن ويصح، بشرط ألا # PageV03P062 # تكون الذنوب التي يتوب عنها مخالفة بالنوع للذنوب التي لا يتوب عنها، كأن ~~يتوب عن الكبائر دون الصغائر، أو عن القتل والظلم ومظالم العباد دون بعض ~~حقوق الله، أو عن شرب الخمر دون الزنا أو بالعكس، أو عن شرب الخمر دون أكل ~~أموال الناس بالباطل خيانة وتلبيسا أو غصبا أو قهرا أو عن بعض الصغائر دون ~~بعض الكبائر، كالذي يتوب عن الغيبة مع إصراره على شرب الخمر. والدليل على ~~إمكان ذلك وصحته: أن العبد إذا علم أن الكبائر أعظم إثما عند الله وأجلب ~~لسخط الله ومقته والصغائر أقرب إلى تطرق العفو إليها، فلا يبعد أن يتوب عن ~~الأعظم دون الأصغر، وكذا إذا تصور أن بعض الكبائر أشد وأغلظ عند الله من ~~بعض، فلا يبعد أن يتوب عن ms611 الأغلظ دون الأخف، وقد تكون ضراوة أحد بنوع معصية ~~شديدة، فلا يقدر على الصبر عنها، وتكون ضراوته بنوع آخر منها أقل، فيمكنه ~~الترك بسهولة، فيتوبوا عنه دون الأول، وأن كان الأول أغلظ وأشد إثما، كالذي ~~شهوته بالخمر أشد من شهوته بالغيبة، فيترك الغيبة ويتوب عنها دون الخمر، ~~فالتوبة عن بعض المعاصي دون بعض مع اختلافها نوعا بأي نحو كان ممكن وصحيح، ~~ومعها يندفع عنه إثم ما تاب عنه، ويكتب عليه إثم ما لم يتب عنه، بل ربما ~~كان أكثر ما وقع من التوبة من هذا القبيل إذ كثر التائبون في الأعصار ~~الخالية والقرون الماضية، ولم يكن أحد منهم معصوما، فيكون كل منهم جازما ~~بأنه يصدر عنه معصيته البتة. ويدل على الصحة قوله (ع): (التائب من الذنب ~~كمن لا ذنب له)، حيث لم يقل: # التائب من الذنوب. نعم التوبة عن بعض الذنوب دون بعض مع تماثلهما غير ~~صحيح وغير معقول، لاستوائهما في حق الشهوة وحق التعرض لسخط الله، فلا معنى ~~للتوبة عن أخذ الخبز الحرام، أو عن أخذ الدرهم الحرام دون الدينار الحرام، ~~أو عن ترك صلاة الظهر دون العصر، إذ لو كان ذلك صحيحا لصح أن يتوب عن أخذ ~~هذا الخبز دون ذلك الخبز، أو عن أن أخذ هذا الدرهم دون ذلك الدرهم... ~~وهكذا. والحاصل: أن التوبة عن بعض الذنوب دون بعض مع تفاوتها في العقاب ~~واقتضاء الشهوة صحيح، ومع تماثلهما فيهما غير معقول. ومن العلماء من قال: ~~إن التوبة عن البعض PageV03P063 # دون البعض لا تصح مطلقا، واستدل على ذلك بأن التوبة عبارة عن الندم وإنما ~~يندم على السرقة - مثلا - لكونها معصية لا لكونها سرقة، ولا يعقل أن يندم ~~عليها دون الزنا أن كان توجعه لأجل المعصية، إذ العلة شاملة لهما، لأن من ~~يتوجع على قتل ولده بالسيف يتوجع على قتله بالسكين، لأن التوجع إنما هو ~~بفوات المحبوب، سواء كان بالسيف أو بالسكين، وكذلك توجع التائب إنما هو ~~لفوات المحبوب بالمعصية. سواء عصى بالسرقة أو بالزنى، وجوابه قد ظهر مما ms612 ~~ذكرناه. # فصل أقسام التائبين التائبون بين من سكنت نفسه عن الشروع إلى الذنوب فلا ~~يحوم حومها وبين من بقي في نفسه الشروع إليها والرغبة فيها وهو يجاهدها ~~ويمنعها. # والأول بين من سكون النزوع وبطلانه فيه لأجل قوة اليقين وصدق المجاهدة، ~~ومن سكونه وانقطاعه بفتور في نفس الشهوة فقط: والأول من الأول أفضل من ~~الثاني، والثاني منه أدون من الثاني، والوجه ظاهر. وأيضا التائبون بين من ~~نسي الذنب من دون اشتغال بالتفكر فيه، وبين من جعله نصب عينيه ولا يزال ~~يتفكر فيه ويحترق ندما عليه. ولا ريب في أن التذكر والاحتراق بالنظر إلى ~~المبتدي ومن يخاف عليه العود أفضل، لأنه يصده عنه، والنسيان بالنظر إلى ~~المنتهى السالك والواصل إلى مرتبة الحب والأنس الواثق من نفسه أنه لا يعود ~~أفضل، لأنه شغل مانع عن سلوك الطريق، وحاجب من الحضور بلا فائدة ولا ينافيه ~~بكاء الأنبياء وتناجيهم من الذنوب، لأنهم قد ينزلون في أقوالهم وأفعالهم ~~إلى الدرجات اللائقة بالأمة، فإنهم بعثوا لإرشادهم فعليهم التلبس بما تنتفع ~~الأمة بمشاهدته، وأن كان نازلا عن ذروة مقامهم. ولذا قال رسول الله (ص): ~~(أما إني لا أنسى، ولكن أنسى لأشرع) (19). ولا تعجب من هذا، فإن الأمم في ~~كنف شفقة الأنبياء كالصبيان في كنف شفقة الآباء، وكالمواشي في كنف الرعاة، ~~والأب إذا أراد # PageV03P064 # أن يستنطق ولده الصغير ينزل إلى درجة نطق الصبي، والراعي لشاة أو طائر ~~يصوت به رغاء أو صفيرا شبيها بالبهيمة والطائر تلطفا في تعليمه. # فصل مراتب التوبة إعلم أن التائب أما يتوب عن المعاصي كلها ويستقيم على ~~التوبة إلى آخر عمره، فيتدارك ما فرط، ولا يعود إلى ذنوبه، ولا يصدر عنه ~~معصية إلا الزلات التي لا يخلو عنها غير المعصومين، وهذه التوبة النصوح، ~~والنفس التي صاحبها هي النفس المطمئنة التي ترجع إلى ربها راضية مرضية، أو ~~يتوب عن كبائر المعاصي والفواحش ويستقيم على أمهات الطاعات، إلا أنه ليس ~~ينفك عن ذنوب تصدر عنه في مجاري أحواله غفلة وسهوة وهفوة، لا عن محض العمد ~~وتجريد القصد، ms613 وإذا أقدم على ذنب لام نفسه وندم وتأسف، وجدد عزمه على ألا ~~يعود إلى مثله، ويتشمر للاحتراز عن أسبابه التي تؤدي إليه، والنفس التي هذه ~~مرتبتها هي النفس اللوامة التي خيرها يغلب على شرها، فولها حسن الوعد من ~~الله تعالى بقوله: # (الذين يجتنبون كبائر الإثم من الفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة) ~~(20) وإلى مثلها الإشارة بقوله (ص): (خياركم كل مفتن تواب). # وفي خبر آخر: (المؤمن كالسنبلة، يفيئ أحيانا ويميل أحيانا). وفي خبر آخر: ~~(لا بد للمؤمن من ذنب يأتيه الفينة بعد الفينة) (21): أي الحين بعد الحين. ~~وكل ذلك شاهد صدق على أن هذا القدر من الذنوب لا ينقض التوبة ولا يلحق ~~صاحبه بدرجة المصرين، ومن يؤيس مثل هذا عن النجاة ووصوله إلى درجة التائبين ~~فهو ناقص، ومثله مثل الطبيب الذي يؤيس الصحيح من دوام الصحة بما يتناوله من ~~الفواكه مرة أو مرتين، ومثل الفقيه الذي يؤيس المتفقه عن نيل درجة الفقهاء ~~بفتوره عن التكرار في أوقات نادرة. ولا ريب في نقصانه، فالعالم حق العالم ~~هو الذي لا يؤيس الخلق # PageV03P065 # من درجات السعادات بما يتفق لهم من الفترات ومفارقة السيئات المقتطفات، ~~إذ أمثال الفترات ما يصدر عن السهو والغفلات لا يفسد النفس ولا يبطلها بحيث ~~لا يقبل الإصلاح، أو يتوب ويستمر على الاستقامة مدة ثم تغلبه الشهوة في بعض ~~الذنوب، فيقدم عليه عمدا وقصدا، لعجزه عن قهر الشهوة وقمعها، إلا أنه مع ~~ذلك مواظب على الطاعات، وتارك لأكثر الذنوب مع القدرة والشهوة، وأنما قهره ~~بعض الشهوات بحيث يغفل عند هيجانها ويرتكب مقتضاها من دون مجاهدة وندامة، ~~وعند قضاء هذه الشهوة والفراغ عنها يتندم، ويقول سأتوب عنها، لكنه يسول ~~نفسه ويسوف توبته يوما بعد يوم، والنفس التي هذه درجتها هي التي تسمى النفس ~~المسؤولة المسؤول صاحبها، وإليها الإشارة بقوله تعالى: # (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا) (22). # فنجاتها من حيث مواظبته على الطاعات وكراهته لما يتعاطاه مرجو، فعسى الله ~~أن يتوب عليها، ولكن يخاف عليها من حيث تسويفها وتأخيرها، فربما ms614 اختطفها ~~الموت قبل التوبة، ويقع أمرها في المشيئة، فيدخل في زمرة السعداء، أو يسلك ~~في سلك الأشقياء، أو يتوب ويجري مدة على الاستقامة ثم يعود إلى الذنوب عمدا ~~وقصدا، من غير أن يحدث نفسه بالتوبة، ومن غير أن يتأسف ويتندم، بل ينهمك ~~انهماك الغافل في الذنوب واتباع الشهوات وهذا معدود من المصرين، ونفسه ~~محسوبة من النفوس الأمارة بالسوء الفرارة من الخير، ومثله أن مات على ~~التوحيد وختم له بالحسنى وغلبت طاعاته على سيئاته كان من أهل الجنة، وأن ~~ختم له بالسوء كان من أهل النار، وأن مات على التوحيد ولكن ترجحت سيئاته ~~على حسناته فأمره إلى الله، ولعله يعذب في النار مدة بقدر زيادة سيئاته على ~~حسناته، ثم يخلص منها بعميم لطفه. # فصل عدم الثقة بالاستقامة لا يمنع من التوبة إعلم أن من تاب ولا يثق من ~~نفسه الاستقامة على التوبة فلا ينبغي # PageV03P066 # أن يمنعه ذلك عن التوبة علما منه أنه لا فائدة فيه، فإن ذلك من غرور ~~الشيطان، ومن أين له هذا العلم، فلعله يموت تائبا قبل أن يعود إلى الذنب. # وأما الخوف من العود، فليتداركه بتجريد القصد وصدق العزم، فإن وفى به فقد ~~نال مطلبه، وإلا فقد غفرت ذنوبه السابقة كلها وتخلص منها، وليس عليه إلا ~~هذا الذنب الذي أحدثه الآن. وهذا من الفوائد العظيمة والأرباح الجسيمة، فلا ~~يمنعك خوف العود من التوبة فإنك من التوبة أبدا بين إحدى الحسنيين: - ~~أحداهما - العظمى: وهي غفران الذنوب السابقة وعدم العود إلى ذنبه في ~~الاستقبال. - وثانيتهما - وهي الصغرى: غفران الذنوب الماضية، وأن لم يمنع ~~العود إلى الذنب في المستقبل. ثم إذا عاد إلى الذنب ينبغي أن يتوب عنه ~~دفعة، ويتبعه بحسنة لتمحوها، فيكون ممن خلط عملا صالحا وآخر سيئا. والحسنات ~~المكفرة للذنوب أما متعلقة بالقلب: وهي الندم، والتضرع إلى الله، والتذلل ~~له، وإضمار الخير للمسلمين، والعزم على الطاعات، أو باللسان: وهي الاعتراف ~~بالظلم والإساءة، وكثرة الاستغفار، أو بالجوارح: وهي أنواع الطاعات ~~والصدقات. وينبغي ملاحظة المناسبة بين السيئة التي صدرت عنه والحسنة ms615 التي ~~يتبعها لتمحوها. وفي الخبر: أن الذنب إذا أتبع بثمانية أعمال كان العفو ~~مرجوا: أربعة من أعمال القلوب، وهي: التوبة أو العزم على التوبة، وحب ~~الاقلاع عن الذنب، وتخوف العقاب عليه، ورجاء المغفرة. وأربعة من أعمال ~~الجوارح، وهي: أن تصلي عقب الذنب ركعتين، ثم تستغفر الله تعالى بعدهما ~~سبعين مرة وتقول سبحان الله العظيم وبحمده مائة مرة، ثم تتصدق بصدقة، ثم ~~تصوم يوما. وفي بعض الأخبار: تسبغ الوضوء وتدخل المسجد وتصلي ركعتين، وفي ~~بعضها: تصلي أربع ركعات. ولا تظن أن الاستغفار باللسان بدون حل عقدة ~~الإصرار لا فائدة فيه أصلا، بل هو توبة الكذابين، لما ورد من أن المستغفر ~~من الذنب وهو مصر عليه كالمستهزئ بآيات الله لأن الاستغفار الذي هو توبة ~~الكذابين ولا فائدة فيه أصلا هو الاستغفار بمجرد اللسان وبحكم العادة وعلى ~~سبيل الغفلة، أي ما يكون مجرد حركة PageV03P067 # اللسان من دون مدخلية للقلب، كما إذا سمع شيئا مخوفا، فيقول على الغفلة: ~~أستغفر الله، أو نعوذ بالله، من غير شركة للقلب فيه وتأثره منه، وأما إذا ~~انضاف إليه تضرع القلب وابتهاله في سؤال المغفرة عن صدق إرادة وخلوص رغبة ~~وميل قلبي إلى انقلاعه عن هذا الذنب فهي حسنة في نفسها، وإن علم أن نفسه ~~الأمارة ستعود إلى هذا الذنب فتصلح هذه الحسنة لأن يدفع بها السيئة، ~~فالاستغفار بالقلب وأن خلا عن حل عقدة الإصرار لا يخلو عن الفائدة، وليس ~~وجوده كعدمه. وقد عرف أرباب القلوب بنور البصيرة معرفة قطعية يقينية لا ~~يعتريها ريب وشبهة صدق قوله تعالى: # (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) (23). # ولذا جزموا وقطعوا بأنه لا تخلو ذرة من الخير عن أثر كما لا تخلو شعيرة ~~تطرح في الميزان عن أثر، ولو كانت كل شعيرة خالية عن أثر لكان لا يرجح ~~الميزان باجتماع الشعيرات، فميزان الحسنات يترجح بذرات الخيرات إلى أن يثقل ~~فتسل كفة السيئات، فإياك وأن تستصغر ذرات الطاعات فلا تأتيها، وتستحقر ذرات ~~المعاصي فلا تتقيها، كالمرأة الخرفاء تكسل ms616 عن الغزل تعللا بأنها لا تقدر في ~~كل ساعة إلا على خيط واحد، وأي غنى يحصل منه، وما وقع ذلك في الثياب، ولا ~~تدري أن ثياب الدنيا اجتمعت خيطا خيطا، وأن أجسام العالم مع اتساع أقطاره ~~اجتمعت ذرة ذرة، وربما ترتب على عمل قليل ثواب جزيل، فلا ينبغي تحقير شئ من ~~الطاعات. قال الصادق عليه السلام: (أن الله تعالى خبأ ثلاثا في ثلاث: رضاه ~~في طاعته، فلا تحقروا منها شيئا فلعل رضاه فيه. وغضبه في معاصيه، فلا ~~تحقروا شيئا فلعل غضبه فيه. وخبأ ولايته في عبادته، فلا تحقروا منهم أحدا ~~فلعله ولي الله). فإذا الاستغفار بالقلب حسنة لا يضيع أصلا، بل ربما قيل: ~~الاستغفار بمجرد اللسان أيضا حسنة، إذ حركة اللسان بها غفلة خير من السكوت ~~عنه فيظهر فضله بالنظر إلى السكوت عنه، وأن كان نقصا بالإضافة إلى عمل ~~القلب، فينبغي ألا تترك حركة اللسان بالاستغفار، ويجتهد في أضافة حركة # PageV03P068 # القلب إليها، ويتضرع إلى الله أن يشرك القلب مع اللسان في اعتياد الخير. # فصل علاج الإصرار على الذنوب إعلم أن الطريق إلى تحصيل التوبة، والعلاج ~~لحل عقدة الإصرار على الذنوب: أن يتذكر ما ورد في فصلها - كما مر - وتذكر ~~قبيح الذنوب وشدة العقوبة عليها، وما ورد في الكتاب والسنة من ذنب المذنبين ~~والعاصين، ويتأمل في حكايات الأنبياء وأكابر العباد، وما جرى عليهم من ~~المصائب الدنيوية، بسبب تركهم الأولى وارتكابهم بعض صغائر المعاصي، وأن ~~يعلم أن كل ما يصيب العبد في الدنيا من العقوبة والمصائب فهو بسبب معصيته ~~كما دل عليه الأخبار الكثيرة ويتذكر ما ورد من العقوبات على أحاد الذنوب: # كالخمر، والزنا، والسرقة، والقتل، والكبر، والحسد، والكذب، والغيبة وأخذ ~~المال الحرام... وغير ذلك من آحاد المعاصي مما لا يمكن حصره، ثم يتذكر ضعف ~~نفسه وعجزها عن احتمال عذاب الآخرة وعقوبة الدنيا، ويتذكر خساسة الدنيا ~~وشرف الآخرة، وقرب الموت ولذة المناجاة مع ترك الذنوب، ولا يغتر بعدم الأخذ ~~الحالي، إذ لعله كان من الإملاء والاستدراج. # فمن تأمل في جميع ذلك وعلم ms617 ذلك على سبيل التحقيق انبعثت نفسه للتوبة ~~البتة، إذ لو لم ينزعج إلى التوبة بعد ذلك، فهو أما معتوه أحمق أو غير ~~معتقد بالمعاد، وينبغي أن يجتهد في قلع أسباب الإصرار من قلبه: أعني ~~الغرور، وحب الدنيا، وحب الجاه، وطول الأمل... وغير ذلك. # فصل الإنابة إعلم أن الإنابة هو الرجوع عن كل شئ مما سوى الله، والاقبال ~~على الله تعالى بالسر والقبول والفعل، حتى يكون دائما في فكره وذكره ~~وطاعته، فهو غاية درجات التوبة وأقصى مراتبها، إذ التوبة هو الرجوع عن ~~الذنب إلى الله، والإنابة هو الرجوع عن المباحات أيضا إليه سبحانه، فهو من ~~المقامات العالية والمنازل السامية. قال الله سبحانه: PageV03P069 # (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له) (24). وقال - سبحانه -: (وما يتذكر إلا من ~~ينيب) (25) وقال: (وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد، هذا ما توعدون لكل أواب ~~حفيظ، من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب، أدخلوها بسلام ذلك يوم الخلود، ~~لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد) (26). # وإنابة العبد تتم بثلاثة أمور: # الأول - أن يتوجه إليه بشراشر باطنه حتى يستغرق قلبه في فكره. # الثاني - ألا يكون خاليا عن ذكره وذكر نعمته ومواهبه وذكر أهل حبه ~~وتقربه. # الثالث - أن يواظب على طاعاته وعباداته مع خلوص النية. # المحاسبة والمراقبة (تذنيب) - إعلم أن المحاسبة والمراقبة قريبة من ~~التوبة في ضديتها من وجه الإصرار على الذنوب. ومثلها في كونها من ثمرات ~~الخوف والحب وتعلقهما بقوتي الشهوة والغضب وكونهما من فضائلها، فنحن نشير ~~هنا إلى ما يتعلق بهما من بيان حقيقتهما وفضيلتهما والأعمال التي يتوقف ~~تماميتها عليهما في فصول. # فصل المعنى الظاهر للمحاسبة والمراقبة (المحاسبة): أن يعين في كل يوم ~~وليلة وقتا يحاسب فيه نفسه بموازنة طاعاته ومعاصيه، ليعاتب نفسه، ويقهرها ~~لو وجدها في هذا اليوم والليلة مقصرة في طاعة واجبة، أو مرتكبة المعصية، ~~ويشكر الله سبحانه لو أتت بجميع الواجبات ولم يصدر منه معصية، ويزيد الشكر ~~لو صدر منها شئ من الخيرات والطاعات المندوبة. # (والمراقبة): أن يلاحظ ظاهره وباطنه دائما، حتى لا يقدم على شئ # PageV03P070 # من المعاصي، ولا ms618 يترك شيئا من الواجبات ليتوجه عليه اللوم والندامة وقت ~~المحاسبة. هذا هو المعنى الظاهر للمحاسبة والمراقبة، ويأتي اعتبار أمور ~~وأعمال أخر فيه عرفا. # فصل حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا إعلم أن الكتاب والسنة وإجماع الأمة ~~دالة على ثبوت المحاسبة يوم القيامة، وحصول التدقيق والمناقشة في الحساب، ~~والمطالبة بمثاقيل الذر من الأعمال والخطرات واللحظات، قال الله سبحانه: # (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شئ وإن كان مثقال حبة من ~~خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين) (27) وقال: (يوم يبعثهم الله جميعا ~~فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شئ شهيد) (28). # وقال: (ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما ~~لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ~~ولا يظلم ربك أحدا) (29). وقال: (يوم إذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم، ~~فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) (30). # وقال: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن ~~بينها وبينه أمدا بعيدا) (31). وقال: (ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا ~~يظلمون) (32). وقال: (فوربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون) (33). # وقال رسول الله (ص): (ما منكم من أحد إلا ويسأله رب العالمين، ليس بينه ~~وبينه حجاب ولا ترجمان). وورد بطرق متعددة: أن كل أحد في يوم القيامة لا ~~يرفع قدما عن قدم حتى يسأل عن عمرة فيما أفناه، وعن # PageV03P071 # جسده فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه. والآيات والأخبار ~~الواردة في محاسبة الأعمال والسؤال عن القليل والكثير والنقير والقطمير ~~أكثر من أن تحصى، وبإزائها أخبار دالة عن الأمر بالمحاسبة والمراقبة في ~~الدنيا والترغيب عليها، وعلى كونها سببا للنجاة والخلاص عن حساب الآخرة. ~~وخطره ومناقشته. فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب، وطالبها في الأنفاس والحركات، ~~وحاسبها في الخطرات واللحظات، ووزن بميزان الشرع أعماله وأقواله: خف في ~~القيامة حسابه وحضر عند السؤال جوابه، وحسن منقلبه ومآبه. ومن لم يحاسب ~~نفسه: دامت ms619 حسراته، وطالت في عرصات القيامة وقفاته، وقادته إلى الخزي ~~سيئاته قال الله سبحانه: # (ولتنظر نفس ما قدمت لغد) (34). # والمراد بهذا النظر: المحاسبة على الأعمال وقال رسول الله (ص): # (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا). قال الصادق (ع): ~~(إذا أراد أحدكم ألا يسأل ربه شيئا إلا أعطاه فلييأس من الناس كلهم، ولا ~~يكون له رجاء إلا من عند الله - تعالى - فإذا علم الله - تعالى - ذلك من ~~قلبه لم يسأله شيئا إلا أعطاه فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا عليها فإن ~~للقيامة خمسين موقفا. وكل موقف ألف سنة ثم تلا: # (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) (35) وتفريع المحاسبة على الأمر ~~باليأس عن الناس والرجاء من الله، يدل على أن الإنسان أنما يرجو الناس من ~~دون الله في عامة أمره وهو غافل عن ذلك، وإن عامة المحاسبات إنما ترجع إلى ~~ذلك، وذكر الوقوف في مواقف يوم القيامة على الأمر بمحاسبة النفس يدل على أن ~~الوقفات هناك إنما تكون للمحاسبات، فمن حاسب نفسه في الدنيا يوما فيوما لم ~~يحتج إلى تلك الوقفات في ذلك اليوم، وقال (ع): (لو لم يكن للحساب مهول إلا ~~حياء العرض على الله - تعالى - وفضيحة هتك الستر على المخفيات، لحق للمرء ~~ألا يهبط من رؤوس الجبال، ولا يأوي إلى عمران، ولا يأكل، ولا يشرب، ولا ~~ينام إلا # PageV03P072 # عن اضطرار متصل بالتلف: ومثل ذلك يفعل من يرى القيامة بأهوالها شدائدها ~~قائمة في كل نفس، ويعاين بالقلب الوقوف بين يدي الجبار، حينئذ يأخذ نفسه ~~بالمحاسبة، كأنه إلى عرصاتها مدعو وفي غمراتها مسؤول، قال الله - تعالى -: # (وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين) (36). (37). # وقال الكاظم (ع): (ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فإن عمل حسنة ~~استزاد الله - تعالى - وإن عمل سيئة استغفر الله منها وتاب إليه). وفي بعض ~~الأخبار: ينبغي أن يكون للعاقل أربع ساعات: ساعة يحاسب فيها نفسه.. # فصل مقامات مرابطة العقل للنفس إعلم أن العقل بمنزلة تاجر في طريق ~~الآخرة، ورأس ms620 ماله العمر، وقد استعان في تجارته هذه بالنفس، فهي بمنزلة ~~شريكه أو غلامه الذي يتجر في ماله، وربح هذه التجارة تحصيل الأخلاق الفاضلة ~~والأعمال الصالحة الموصولة إلى نعيم الأبد وسعادة السرمد، وخسرانها المعاصي ~~والسيئات المؤدية إلى العذاب المقيم في دركات الجحيم، أو نقول: رأس مال ~~العبد في دينه الفرائض وربحه النوافل والفضائل، وخسرانه المعاصي، وموسم هذه ~~التجارة مدة العمر، وكما أن التاجر يشارط شريكه أولا، ويراقبه ثانيا، ~~ويحاسبه ثالثا وإن قصر في التجارة - بالخيانة والخسران وتضييع رأس المال - ~~يعاتبه ويعاقبه ويأخذ منه الغرامة، كذلك العقل يحتاج في مشاركة النفس إلى ~~أن يرتكب هذه الأعمال، ومجموع هذه الأعمال يسمى ب‍ (المحاسبة والمراقبة) ~~تسمية الكل باسم بعض أجزائه، وقد يسمى (مرابطة) أيضا. # فأول الأعمال في المرابطة (المشارطة): وهي أن يشارط النفس ويأخذ منها ~~العهد والميثاق في كل يوم وليلة مرة ألا يرتكب المعاصي، ولا # PageV03P073 # يصدر منها شئ يوجب سخط الله، ولا يقصر في شئ من الطاعات الواجبة، ولا ~~يترك ما تيسر له من الخيرات والنوافل. والأولى أن يكون ذلك بعد الفراغ عن ~~فريضة الصبح وتعقيباتها، فيخاطب النفس ويقول لها: يا نفس مالي بضاعة سوى ~~العمر، ومهما فنى رأس المال، ووقع اليأس عن التجارة وطلب الربح، وهذا اليوم ~~الجديد، وقد أمهلني الله فيه بعظيم لطفه ولو توفاني لكنت أتمنى أن يرجعني ~~إلى الدنيا يوما واحدا لأعمل صالحا فاحسبي أنك توفيت ثم رددت، فإياك أن ~~تضيعي هذا اليوم، فإن كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفسية لا عوض لها، يمكن ~~أن يشتري بها كنزا من الكنوز لا يتناهى نعيمها أبدا الآباد. ويتذكر ما ورد ~~في بعض الأخبار: من أن كل عبد خلقة له بإزاء كل يوم وليلة من عمره أربع ~~وعشرون خزانة مصفوفة. # فإذا مات تفتح له هذه الخزائن، ويشاهد كل واحد منها ويدخلها، فإذا فتحت ~~له خزانة خلقت بإزاء الساعة التي أطاع الله فيها، يراها مملوءة نورا من ~~حسناته التي عملها في تلك الساعة، فيناله من الفرح والاستبشار بمشاهدة تلك ~~الأنوار التي هي ms621 وسائل عند الملك الجبار ما لو وزع على أهل النار لأدهشهم ~~ذلك الفرح عن الاحساس بألم النار، وإذا فتحت له خزانة خلقت بإزاء الساعة ~~التي عصى الله فيها، يراها سوداء مظلمة يفوح نتنها ويتغشأ ظلامها، فيناله ~~من الهول والفزع ما لو قسم على أهل الجنة لينقص عليهم نعيمها، فإذا فتحت له ~~خزانة بإزاء الساعة التي نام فيها أو غفل أو اشتغل بشئ من مباحات الدنيا لم ~~يشاهد فيها ما يسره ولا ما يسوؤه، وهكذا يعرض عليه عدد ساعات عمره الخزائن، ~~وعند ذلك يتحسر العبد على إهماله وتقصيره، ويناله من الغبن ما لا يمكن ~~وصفه، وبعد هذا التذكر يخاطب نفسه ويقول: اجتهدي اليوم في أن تعمري خزائنك، ~~ولا تدعيها فارغة عن كنوزك التي هي أسباب ملكك ولا تركني إلى الكسل ~~والبطالة فيفوتك من درجات العليين ما يدركه غيرك فتدركك الحسرة والغبن يوم ~~القيامة إن دخلت الجنة، إذ ألم الغبن والحسرة وانحطاط الدرجة مع وجود ما ~~فوقها من الدرجات الغير المتناهية التي نال إليها أبناء نوعك مما لا يطاق، ~~ثم يستأنف لها وصية في أعضائه السبعة: أعني العين، والأذن، واللسان، ~~والفرج، والبطن، واليد، والرجل، ويسلمها PageV03P074 # إليها، لأنها رعايا خادمة لها في التجارة ولا يتم أعمالها هذه التجارة ~~إلا بها، فيوصيها بحفظ هذه الأعضاء عن المعاصي التي تصدر عنها، وبأعمال كل ~~منها فيما خلق لأجله، ثم يوصيها بالاشتغال بوظائف الطاعات التي تتكرر عليه ~~في اليوم والليلة، وبالنوافل والخيرات التي تقدر عليها، وهذه شروط يفتقر ~~إليها كل يوم، لكن إذا اعتادت النفس بتكرار المشارطة والمراقبة بالعمل بها ~~والوفاء بحقها استغنى عن المشارطة فيها، وإن اعتادت بالعمل في بعضها لم تكن ~~حاجة إلى المشارطة فيه، وبقيت الحاجة إليها في الباقي، وكل من يشتغل بشئ من ~~أعمال الدنيا: من ولاية أو تجارة أو تدريس، أو أمثال ذلك: لا يخلو كل يوم ~~منه من مهم جديد، وواقعة حادثة لها حكم جديد، ولله عليه فيها حق، فعليه أن ~~يجدد الاشتراط على نفسه بالاستقامة عليها والانقياد للحق في مجاريها، ms622 ~~وينبغي أن يوصلها بالتدبر في عاقبة كل أمر يرتكبه في هذا اليوم والليلة. # وهذه الوصية عمدت الوصايا ورأسها، وقد روي: (أن رجلا أتى النبي صلى الله ~~عليه وآله وقال: يا رسول الله أوصني، فقال له: فهل أنت مستوص إن أنا ~~أوصيتك؟ - حتى قال له ذلك ثلاثا، وفي كلها يقول الرجل نعم يا رسول الله! ~~فقال له رسول الله (ص): إذا هممت بأمر فتدبر عاقبته، فإن يك راشدا فامضه ~~وإن يك غيا فانته). ويظهر من هذا الخبر: إن التأمل في عاقبة كل أمر أعظم ما ~~يحصل به النجاة، فينبغي أن يؤكد العهد والميثاق في ذلك على النفس ويحذرها ~~عن الإهمال، ويعضها كما يوعظ العبد المتمرد الآبق، فإن النفس بالطبع متمردة ~~عن الطاعات، مستعصية عن العبودية ولكن الوعظ والتأديب يؤثر فيها (وذكر فإن ~~الذكرى تنفع المؤمنين) فهذا وما يجري مجراه هو المشارطة، وهو أول مقامات ~~المرابطة. # وثانيها (المراقبة): وهو أن يراقب نفسه عند الخوض في الأعمال، فيلاحظها ~~بالعين الكالئة، فإنها إن تركت طغت وفسدت، ثم يراقب في كل حركة وسكون، بأن ~~يعلم أن الله تعالى مطلع على الضمائر، عالم بالسرائر، رقيب على أعمال ~~العباد، قائم على كل نفس بما كسبت، وأن سر القلب في حقه مكشوف، كما أن ظاهر ~~البشرة للخلق مكشوف، بل أشد من ذلك، قال الله سبحانه: PageV03P075 # (إن الله كان عليكم رقيبا) (36). وقال: (ألم يعلم بأن الله يرى) (37). # وقال رسول الله (ص): (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تراه فإنه ~~يراك). وفي الحديث القدسي: ((إنما يسكن جنات عدن، الذين إذا هموا بالمعاصي ~~ذكروا عظمتي فراقبوني، والذين انحنت أصلابهم من خشيتي، وعزتي وجلالي! إني ~~لأهم بعذاب أهل الأرض، فإذا نظرت إلى أهل الجوع والعطش من مخافتي صرفت عنهم ~~العذاب). # وحكي: (أن زليخا لما خلت بيوسف، فقامت وغطت وجه صنمها، فقال يوسف: مالك؟ ~~أتستحيين من مراقبة جماد ولا أستحيي من مراقبة الملك الجبار؟!). وهذه ~~المعرفة - أعني معرفة اطلاع الله على العباد وأعمالهم وسرائرهم وكونه رقيبا ~~عليهم - إذا صارت يقينا - أي ms623 خلت عن الشك - ثم استولت على القلب سخرت القلب ~~وقهرته على مراعاة جانب الرقيب وصرفت الهمة إليه، والموقنون بهذه المعرفة ~~مراقبتهم على درجتين: إحداهما مراقبة المقربين، وهي مراقبة التعظيم ~~والاجلال، وهي أن يصير القلب مستغرقا بملاحظة الجلال، ومنكسرا تحت الهيبة، ~~فلا يبقى فيه متسع للالتفات إلى الغير، وهذا هو الذي صار همه هما واحدا، ~~وكفاه سائر الهموم، وأخراهما مراقبة الورعين من أصحاب اليمين، وهم قوم غلب ~~عليهم يقين اطلاع الله على ظهورهم وبواطنهم، ولكن لا تدهشهم ملاحظة الجلال ~~والجمال بل بقيت قلوبهم على حد الاعتدال متسعة للالتفات إلى الأحوال ~~والأعمال والمراقبة فيها، وغلب عليهم الحياء من الله، فلا يقدمون ولا ~~يجمعون إلا بعد التثبت، ويمتنعون عن كل ما يفتضحون به في القيامة، فإنهم ~~يرون الله مطلعا عليهم، فلا يحتاجون إلى انتظار القيامة. ثم ينبغي للعبد ~~ألا يغفل عن مراقبة نفسه والتضييق عليها في لحظة من حركاتها وسكناتها ~~وخطراتها وأفعالها. # وحالاته لا تخلو عن ثلاثة، لأنه إما أن تكون في طاعة، أو معصية، أو مباح. ~~فمراقبته في الطاعة، بالقربة، والاخلاص، والحضور، والاكمال # PageV03P076 # وحراستها عن الآفات، ومراعاة الأدب. ومراقبته في المعصية: بالتوبة، ~~والندم، والاقلاع، والحياء، والاشتغال بالتكفير. ومراقبته في المباح: # بمراعاة الأدب، بأن يأكل بعد التسمية، وغسل اليدين، وسائر الآداب المقررة ~~في الشرع للأكل، ويقعد مستقبل القبلة، وينام بعد الوضوء على اليد اليمنى ~~مستقبل القبلة، وبالصبر عند ابتلائه ببلية ومصيبة، وبالشكر عند كل نعمة، ~~ويتذكر عند شهود المنعم وحضوره، ويكف النفس عن الغضب وسوء الخلق عند حدوث ~~أمر تميل النفس عنده إلى الغضب والتضجر والتكلم بما لا يحسن من الأقوال، ~~فإن لكل واحد من أفعاله وأقواله حدودا لا بد من مراعاتها بدوام المراقبة، ~~ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه. # وينبغي ألا يخلو عند اشتغاله بالمباحات عن عمل هو الأفضل، كالذكر والفكر ~~وتخليص النية، فإن الطعام الذي يتناوله من عجائب صنع الله، فلو تفكر فيه ~~وتدبر في فوائده وحكمه وما فيه من غرائب قدرة الله لكان ذلك أفضل من كثير ~~من أعمال ms624 الجوارح، والناس عن الأكل على أقسام: # (قسم) ينظرون فيه بعين التبصر والاعتبار، فينظرون في عجائب صنعته وكيفية ~~ارتباط قوام الحيوانات به، وكيفية تقدير الله لأسبابها وخلق الشهوة الباعثة ~~عليها وخلق الآلات المسخرة للشهوة وأمثال ذلك، وهؤلاء هم أولو الألباب. ~~(وقسم)، ينظرون فيه بعين المقت والكراهة، ويلاحظون وجه الاضطرار إليها ~~ويتمنون الاستغناء عنه، وعدم كونهم مقهورين مسخرين بشهوته، وهؤلاء هم ~~الزهاد. (وقسم) يرون فيه خالقه، ويشاهدون في الصنع الصانع ويترقون منه إلى ~~صفات الخالق، من حيث أن كل معلول أثر العلة، ورشحة من رشحات ذاته وصفاته، ~~فمشاهدته تذكر العلة بل التأمل يرشدك إلى أن دلالة كل ذرة ترى من ذرات ~~العالم على ربك وخالقك وإيجابها لحضوره عندك وظهوره لديك وتوجهه إليك وقربه ~~منك أشد وأقوى من دلالة مشاهدتك بدن زيد وصورته وحركاته وسكناته على وجوده ~~وحضوره عندك، وسر ذلك ظاهر واضح. وهؤلاء المشاهدون الصانع في كل مصنوع، ~~والخالق في كل مخلوق، هم العرفاء المحبون، إذ المحب إذا رأى صنعة حبيبه ~~وتصنيفه وآثاره وما ينتسب إليه اشتغل قلبه PageV03P077 # بالمحبوب، وكل ما يتردد العبد فيه وينظر إليه من الموجودات هو صنع الله ~~تعالى، فله في النظر منها إلى الصانع مجال إن فتحت له أبواب الملكوت. # (وقسم) ينظرون فيه بعين الحرص والشهوة، وليس نظرهم إلى الطعام إلا من حيث ~~يوافق شهوتهم وتلتذ به ذائقتهم، ولذلك يذمونه لو لم يوافق هواهم، وهؤلاء ~~أكثر أهل الدنيا. # وثالثها - أي ثالث مقامات المرابطة وأعمالها - هو (المحاسبة) بعد العمل، ~~فإن العبد كما يختار وقتا في أول كل يوم ليشارط في النفس على سبيل التوصية ~~بالحق، ينبغي له أن يختار وقتا آخر كل يوم ليطالب النفس فيه بما أوصى به، ~~ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها، كما يفعل التجار في آخر كل سنة مع ~~الشركاء. وهذا أمر لازم على كل سالك لطريق الآخرة معتقد للحساب في يوم ~~القيامة، وقد ورد في الأخبار: أن العاقل ينبغي أن يكون له أربع ساعات: ساعة ~~يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر في ms625 صنع الله، وساعة ~~يخلو فيها للمطعم والمشرب. ولذلك كان الصدر الأول من الخائفين ومن تقدمنا ~~من سلفنا الصالحين في غاية السعي والاهتمام في محاسبة النفس بحيث كانت ~~عندهم من الطاعات الواجبة: وكانوا أشد محاسبة لنفوسهم من سلطان غاشم: ومن ~~شريك شحيح، ويعتقدون أن العبد لا يكون من أهل التقوى والورع حتى يحاسب نفسه ~~أتم من محاسبة شريكه وأن من لا يحاسب نفسه إما معتوه أحمق أو لا يعتقد ~~بحساب يوم القيامة، إذ العاقل المعتقد به مع أهواله وشدائده وما يوجبه من ~~الخجلة والحياء والافتضاح، إذا علم أن محاسبة النفس في الدنيا تسقطه أو ~~توجب خفته، كيف يجوز له أن يتركها؟ # ثم كيفية المحاسبة بعد العمل: أن يطالب نفسه أولا بالفرائض التي هي ~~بمنزلة رأس ماله، فإن أدتها على وجهها شكر الله عليه ورغبها في مثلها، وإن ~~فوتتها من أصلها طالبها بالقضاء، وإن أدتها ناقصة كلفها بالجبران بالنوافل، ~~وإن ارتكب معصية أشتغل بعتابها وتعذيبها ومعاقبتها، واستوفى منها ما يتدارك ~~به ما فرط به، كما يصنع التاجر بشريكه. وكما أنه يفتش في حساب الدنيا عن ~~الحبة والقيراط والنقير والقطمير، فيحفظ مداخل الزيادة PageV03P078 # والنقصان حتى لا يغبن في شئ منها، كذلك ينبغي أن يفتش عن أفعال النفس ~~ويضيق عليها وليتق غائلتها وحيلتها، فإنها خداعة مكارة ملبسة، فليطالبها ~~أولا بتصحيح الجواب عن جميع ما تكلم به طول نهاره، وليتكفل بنفسه من الحساب ~~قبل أن يتولاه غيره في صعيد القيامة، ثم بتصحيح الجواب عن جميع أفعاله ~~وأحواله: من نظره، وقيامه، وقعوده، ونومه، وأكله، وشربه، حتى عن سكوته لم ~~سكت، وعن سكونه لما سكن، وعن خواطره، وأفكاره، وصفاته النفسية، وأخلاقه ~~القلبية، فإن خرجت عن عهدة الجواب عن الجميع، بحيث أدت الحق في الجميع، ولم ~~تترك شيئا مما يجب عليها، ولم ترتكب شيئا من المعاصي: حصل لها الفراغ من ~~حساب هذا اليوم، ولم يكن شيئا باقيا عليها، وإن أدت الحق في البعض دون ~~البعض، كان قدر ما أدت الحق فيه محسوبا لها، ويبقى غيره باقيا عليها فيثبته ms626 ~~عليها، وليكتب على صحيفة قلبه كما يكتب الباقي على شريكه على قلبه وعلى ~~جريدته، ثم النفس غريم يمكن أن تستوفى منها الديون، أما بعضها فبالغرامة ~~والضمان، وبعضها برد عينه، وبعضها بالعقوبة لها على ذلك، ولا يمكن شيئا من ~~ذلك إلا بعد تحقق الحساب وتمييز الباقي من الحق الواجب عليه، فإذا حصل ذلك ~~أشتغل بعده بالمطالبة والاستيفاء. # ورابعها - وهو آخر مقامات المرابطة - (معاتبة النفس) ومعاقبتها على ~~تقصيرها، والمجاهدة بتكليفها الطاعات الشاقة، وإلزامها الرياضات الشديدة، ~~فإنه إذا حاسب نفسه، فوجدها خائنة في الأعمال، مرتكبة للمعاصي، مقصرة في ~~حقوق الله، متوانية بحكم الكسل والبطالة في شئ من الفضائل، فلا ينبغي أن ~~يهملها، إذ لو أهملها سهل عليه مقارفة المعاصي، وأنس بها بحيث عثر بعد ذلك ~~فطامها عنها. فينبغي للعاقل أن يعاتبها أولا، ويقول: أف لك يا نفس! هلكتيني ~~وعن قريب تعذبين في النار مع الشياطين والأشرار، فيا أيتها النفس الأمارة ~~الخبيثة! أما تستحين وعن عيبك لا تنتهين؟! فما أعظم جهلك وحماقتك! أما ~~تعرفين أن بين يديك الجنة والنار وأنت صائرة إلى إحداهما عن قريب؟ فما لك ~~تضحكين وتفرحين وباللهو والعصيان تشتغلين؟ أما علمت أن الموت يأتي بغتة من ~~غير إخبار، وهو PageV03P079 # أقرب إليك عن كل قريب؟ فما لك لا تستعدين له؟ أما تخافين من جبار ~~السماوات والأرض، ولا تستحيين منه؟ تعصين بحضرته وأنت عالمة بأنه مطلع ~~عليك؟! ويحك يا نفس! جرأتك على معصية الله إن كانت لاعتقادك أنه لا يراك ~~فما أعظم كفرك، وإن كانت مع علمك باطلاعه عليك فما أشد وقاحتك وأقل حياؤك، ~~وما أعجب نفاقك، وكثرة دعاويك الباطلة! فإنك تدعين الإيمان بلسانك، وأثر ~~النفاق ظاهر عليك! فتنبهي عن رقدتك وخذي حذرك! لو أن يهوديا أخبرك في ألذ ~~أطعمتك بأنه يضرك لصبرت وتركتيه! ولو أخبرك طفل بعقرب في ثوبك نزعتيه! فقول ~~الله وقول أنبيائه المؤيدين بالمعجزات وقول الأولياء والحكماء والعلماء أقل ~~تأثيرا عندك من قول يهودي أو طفل؟!... فلا يزال يكرر عليها أمثال هذه ~~المواعظ والتوبيخات والمعاتبات، ثم يعاقبها ويلزمها ما يشق ms627 عليها من وظائف ~~العبادات والتصدق بما يحبه، جبرا لما فات منها وتداركا لما فرط فيها، فإذا ~~أكل لقمة مشتبهة ينبغي أن يعاقب البطن بالجوع، وإذا نظر إلى غير محرم يعاقب ~~العين بمنع النظر، وإذا اغتاب مسلما يعاقب اللسان بالصمت والذكر مدة كثيرة، ~~وكذلك يعاقب كل عضو من أعضائه إذا صدرت منه معصية بمنعه من شهواته، وإذا ~~استخف بصلاة ألزم نفسه بصلاة كثيرة بشرائطها وآدابها، وإذا استهان بفقير ~~أعطاه صفو ماله، وهكذا الحال في سائر المعاصي والتقصيرات. # وطريق العلاج في إلزام النفس - بعد تقصيرها في العمل على هذه العقوبات ~~وربطها على تلك الطاعات الشاقة والرياضات - أمران: # الأول - تذكر ما ورد في الأخبار من فضيلة رياضة النفس ومخالفتها، ~~والاجتهاد في الطاعة والعبادة ووظائف الخيرات، قال الصادق (ع): # (طوبى لعبد جاهد في الله نفسه وهواه! ومن هزم جند هواه ظفر برضاء الله، ~~ومن جاوز عقله نفسه الأمارة بالسوء بالجهد والاستكانة والخضوع على بساط ~~خدمة الله تعالى فقد فاز فوزا عظيما، ولا حجاب أظلم وأوحش بين العبد وبين ~~الله تعالى من النفس والهوى، وليس لقتلهما وقطعهما سلاح وآلة مثل الافتقار ~~إلى الله، والخشوع، والجوع والظماء بالنهار، والسهر PageV03P080 # بالليل، فإن مات صاحبه مات شهيدا، وإن عاش واستقام أداه عاقبته إلى ~~الرضوان الأكبر، قال الله عز وجل: # (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) (38). # وإذا رأيت مجتهدا أبلغ منك في الاجتهاد، فوبخ نفسك ولمها وعيرها، تحثيثا ~~على الازدياد عليه، واجعل لها زماما من الأمر، وعنانا من النهي، وسقها ~~كالرابض للفارة الذي لا يذهب عليه خطوه من خطواته إلا وقد صح أولها وآخرها، ~~وكان رسول الله (ص) يصلي حتى تورمت قدماه، ويقول: # (أفلا أكون عبدا شكورا)، أراد أن يعتبر به أمته. فلا تغفلوا عن الاجتهاد ~~والتعبد والرياضة بحال. ألا وإنك لو وجدت حلاوة عبادة الله، ورأيت بركاتها ~~واستضأت بنورها، لم تصبر عنها ساعة واحدة ولو قطعت أربا أربا، فما أعرض ~~عنها من أعرض إلا بحرمان فوائد السلف من العصمة والتوفيق) (39). قيل لربيع ~~بن خيثم: ما ms628 لك لا تنام بالليل؟ قال: # (لأني أخاف البيات). والأخبار الواردة في فضل السعي والاجتهاد ومخالفة ~~النفس والهوى أكثر من أن تحصى. # الثاني - مصاحبة أهل السعي، والاجتهاد في العبادة، ومجالسة المجاهدين ~~المرتاضين الذين لا ينفكون ساعة من مشاق الطاعات والعبادات وإلزام نفوسهم ~~على ضروب النكال والعقوبات، فملاحظة أحوالهم ومشاهدة أعمالهم أقوى باعث ~~للاقتداء بآثارهم وأفعالهم، حتى قال بعضهم: (إذا اعترتني فترة في العبادات، ~~نظرت إلى بعض العباد واجتهاده في العبادة فكنت بعد ذلك أعمل أسبوعا)، إلا ~~أن ذلك غير مرجو في أمثال زماننا، إذ لم يبق في عباد الله من يجتهد في ~~العباد ة اجتهاد الأولين، وليس فينا من تقرب عبادته عبادة أدنى رجل من ~~سلفنا الصالحين. فينبغي أن يعدل من المشاهدة إلى سماع أحوالهم، ومطالعة ~~حكاياتهم وأخبارهم، ومن لاحظ حكاياتهم وسمع أحوالهم وأطلع على كيفية ~~اجتهادهم في طاعة الله، يعلم أنهم # PageV03P081 # عباد الله وأحباؤه وأنهم ملوك الجنة، قال بعض أصحاب أمير المؤمنين عليه ~~الصلاة والسلام: (صلينا خلفه الفجر، فلما سلم انتقل إلى يمينه وعليه كآبة، ~~فمكث حتى طلعت الشمس، ثم قلب يديه وقال: والله لقد رأيت أصحاب محمد (ص) وما ~~أرى اليوم شيئا شبههم، وكانوا يصبحون شعثا غبرا صفرا، فقد باتوا لله سجدا ~~وقياما، يتلون كتاب الله عز وجل، ويراوحون بين أقدامهم وجباههم، وكانوا إذا ~~ذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تبل ~~ثيابهم، وكأن القوم باتوا غافلين). وكان أويس القرني يقول في بعض الليالي: ~~(هذه ليلة الركوع) فيحيي الليل كله في ركعة، ويقول في بعضها: (هذه ليلة ~~السجود) فيحيي كله في سجدة. وقال ربيع بن خثيم: (أتيت أويسا فوجدته جالسا ~~قد صلى الفجر، فجلست موضعا، وقلت: لا أشغله عن التسبيح. فمكث مكانه حتى صلى ~~الظهر ولم يقم حتى صلى العصر، ثم جلس موضعه حتى صلى المغرب، ثم ثبت حتى صلى ~~العشاء، ثم ثبت مكانه حتى صلى الصبح، ثم جلس فغلبته عيناه، فقال: اللهم إني ~~أعوذ بك من عين نوامة وبطن لا تشبع). وروي: (أن ms629 رجلا من العباد كلم امرأة ~~ووضع يده على فخذاها، ثم ندم فوضع يده في النار حتى نشت (40) عقوبة لها. ~~وبعضهم نظر إلى امرأة فجعل على نفسه ألا يشرب الماء البارد طول حياته، فكان ~~يشرب الماء الحار لينغص على نفسه العيش. ومر بعضهم بغرفة فقال: متى بنيت ~~هذه الغرفة؟ ثم أقبل على نفسه وقال: تسألين عما لا يعنيك؟! # لأعاقبنك بصوم سنة، فصامها) وروي: (أن أبا طلحة الأنصاري شغل قلبه في ~~الصلاة طين في الحائطة، فتصدق بالحائطة جبرا لما فاته من الحضور في ~~الصلاة). وكان بعضهم اعتلت إحدى قدميه فيصلي على قدم واحدة حتى يصلي الصبح ~~بوضوء العشاء. وكان بعضهم يقول: (ما أخاف من الموت إلا من حيث يحول بيني ~~وبين صلاة الليل). وحكى رجل: (أنه # PageV03P082 # نزل بعض أهل الله عندنا بالمحصب (41) وكان له أهل وبنات، وفي كل ليل يقوم ~~ويصلي إلى السحر، فإذا كان السحر ينادي بأعلى صوته: أيها الركب المعرسون! ~~(42) أكل هذا الليل تنامون فكيف ترحلون؟ فيسمع صوته كل من كان بالمحصب، ~~فيتواثبون بين باك وداع، وقارئ ومتوضئ وإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته عند ~~الصباح يحمد القوم السري). # وهكذا كان عمل عمال الله وسلوك سالكي طريق الآخرة، وحكاياتهم غير محصورة ~~خارجة عن الاحصاء، أشرنا إلى أنموذج منها ليعلم الطالبون كيفية سيرة الرجال ~~في مرابطة النفس ومراقبتها، ويعلمون أن عباد الله ليسوا أمثالنا، بل هم قوم ~~آخرون. قال بعض الحكماء: (أن لله عبادا أنعم عليهم فعرفوه وشرح صدورهم ~~فأطاعوه، وتوكلوا عليه فسلموا الخلق والأمر إليه، فصارت قلوبهم معادن لصفاء ~~اليقين، وبيوتا للحكمة، وتوابيت للعظمة وخزائن للقدرة، فهم بين الخلائق ~~مقبلون ومدبرون، وقلوبهم تجول في الملكوت، وتلوز (43) بحجب العيوب، ثم ترجع ~~ومعها طوائف من طوائف الفوائد ما لا يمكن لواصف أن يصفها، فهم في باطن ~~أمورهم كالديباج حسنا، وفي الظاهر مناديل مبذولون لمن أرادهم تواضعا، ~~وطريقهم لا يبلغ إليها بالتكلف وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء). فعليك يا ~~حبيبي بمطالعة أحوالهم وحكاياتهم، لينبعث نشاطك وتزيد رغبتك، وإياك أن تنظر ~~إلى ms630 أهل عصرك ولعمري! قل في أمثال زماننا من يذكر الله رؤيته، ويعينك في ~~طريق الدين صحبته، فإن تطع أكثر من في بلدي وعصرك يضلوك عن سبيل الله. # ومنها: # الغفلة وهي فتور النفس عن الالتفات والتوجه إلى ما فيه غرضها ومطلبها، ~~إما عاجلا أو آجلا. وضدها: النية، وترادفها: الإرادة والقصد، وهي انبعاث # PageV03P083 # النفس وميلها وتوجهها إلى ما فيه غرضها ومطلبها حالا أو مآلا والموافق ~~لغرض النفس إن كان خيرا لها وسعادة في الدنيا أو الدين، فالغفلة عنه وعدم ~~انبعاث النفس إلى تحصيله رذيلة، والنقصان والنية له والقصد إليه فضيلة ~~وكمال، وإن كان شرا وشقاوة، فالغفلة عنه وكف النفس منه فضيلة، والنية له ~~وإرادته رذيلة. ثم باعث النفس إلى النية أو الغفلة والكف، أن كان من القوة ~~الشهوية كانت النية أو الغفلة متعلقة بها فضيلة أو رذيلة، وإن كان من قوة ~~الغضب كانت النية أو الغفلة متعلقة بهذه القوة كذلك. فالنية والعزم على ~~التزويج متعلقة بالقوة الشهوية، وعلى دفع كافر يؤذي المسلمين متعلقة بقوة ~~الغضب والنية في العبادات مع انضمام التقرب إليها تسمى إخلاصا. # ثم المتبادر من الموافق للغرض والمطلوب لما كان ما هو كذلك عند العقلاء ~~وأرباب البصيرة، فيكون المراد منه ما هو مرغوب ومطلوب في نفس الأمر وما ~~تحصيله خير وسعادة، وبهذا الاعتبار تكون الغفلة بإطلاقها مذمومة والنية ~~ممدوحة، فلو ذمت الغفلة بإطلاقها ومدحت النية كذلك، كان بهذا الاعتبار ~~والآيات والأخبار الواردة في ذم الغفلة خارجة بهذا الاعتبار، كما وصف الله ~~الغافلين وقال: # (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا) (44). وقال: (أولئك هم الغافلون) ~~45. # (تنبيه): الغفلة بالمعنى المذكور أعم من أن يكون فتور النفس وخمودها عن ~~الانبعاث إلى ما يراه موافقا للغرض مع الجهل بالمواقف والملائم، أو مع ~~العلم به ومع النسيان عنه، أو مع التذكر له، وربما خص في عرف أهل النظر ~~بصورة الذهول وعدم التذكر. ثم الكسالة والبطالة قريب من الغفلة بالمعنى ~~العام، وربما فرق بينهما ببعض الاعتبارات. # تتميم الغفلة موجبة للحرمان الغفلة والكسالة عما ينبغي تحصيله ms631 من أمور ~~الدنيا والدين توجب الحرمان # PageV03P084 # عن سعادة الدارين، وتؤدي إلى شقاوة النشأتين، إذ الإهمال في رعاية أمر ~~المعيشة ومصالحها يؤدي إلى هلاكة الشخص وانقطاع النوع، والغفلة عن اكتساب ~~المعارف والأخلاق الفاضلة وعن أداء الفرائض والنوافل تنجر إلى إبطال غاية ~~الايجاد - أعني بلوغ كل شخص إلى كماله المستعد له - وهو مع كونه - صريح ~~المضادة والمنازعة لخالق العباد يوجب الهلاكة والشقاوة أبد الآباد. # وصل ضد الغفلة النية - تأثير النية على الأعمال - النية روح الأعمال ~~والجزاء بحسبها - عبادة الأحرار والاجراء والعبيد - نية المؤمن من العمل - ~~النية غير اختيارية - الطريق في تخليص النية. # * * * قد عرفت أن ضد الغفلة النية، وهي انبعاث النفس وتوجهها إلى ما يراه ~~موافقا لغرضها، وقد عرفت أيضا أن النية والإرادة والقصد عبارات متواردة على ~~معنى واحد، وهي واسعة بين العلم والعمل، إذ ما لم يعلم أمر لم يقصد وما لم ~~يقصد لم يفعل، فالعلم مقدم على النية وشرطها، والعمل ثمرتها وفرعها إذ كل ~~فعل وعمل يصدر عن فاعل مختار فإنه لا يتم إلا بعلم وشوق وإرادة وقدرة، إذ ~~كل إنسان خلق بحيث يوافقه بعض الأمور ويلائم غرضه ويخالفه بعض الأمور، ~~فاحتاج إلى جلب الموافق ودفع المخالف المنافي، وهو موقوف على إدراك الملائم ~~النافع والمنافي الضار، إذ ما لم يعرف الشئ لم يعقل طلبه أو الهرب عنه، وهو ~~العلم، وعلى الميل والرغبة والشهوة الباعثة عليه، وهو الشوق إذ من أدرك ~~الغذاء أو النار لا يكفيه ذلك للتناول والهرب، ما لم يكن شوق إلى التناول ~~والهرب، وعلى القصد والشروع والتوجه إليه، وهو النية، إذ كم شاهد للطعام ~~راغب فيه شائق إليه لا يريده لكونه مؤذيا أو حراما أو لعذر آخر، وعلى ~~القدرة المحركة للأعضاء إليه - أي إلى جلب الملائم أو دفع المضار - وبها ~~يتم الفعل فهي الجزء الأخير للعلة التامة التي بها يتم فعل الفاعل المختار ~~فالأعضاء لا تتحرك إلى جانب الفعل ولا توجده إلا بالقدرة والقدرة تنتظر ~~النية، والنية تنتظر الداعية الباعثة - أعني الشوق - والشوق ينتظر العلم أو ~~الظن بكون ms632 ما يفعل موافقا له، فإن كان الشوق صادرا عن القوة PageV03P085 # البهيمية، بأن يكون الفعل مما تقتضيه هذه القوة: كأكل، وشرب، وجماع وكسب ~~مال، وأمثال ذلك من الالتذاذات الشهوية، كانت النية والقصد أيضا متعلقة ~~بهذه القوة معدودة من فضائلها أو رذائلها، وإن كان مما تقتضيه القوة ~~السبعية: من دفع مؤذ، أو طلب الاستعلاء، أو تفوق، وأمثال ذلك كانت النية ~~أيضا متعلقة بهذه القوة معدودة من فضائلها أو رذائلها. وقد ظهر بما ذكر: إن ~~المحرك الأول هو الغرض المطلوب - أعني المقصود المنوي بعد تعلق العلم به - ~~وهو الباعث الأول وينبعث منه الشوق وهو الباعث الثاني ويتولد منه القصد ~~والنية وهو الباعث الثالث المحرك للقدرة الباعث لانتهاضها على تحريك ~~الأعضاء إلى جانب العمل. # فصل تأثير النية على الأعمال العمل غرضه الباعث، أي باعثه الأول، إما ~~واحد: كالقيام للإكرام، أو للهرب من السبع المتهجم عليه، أو متعدد مع ~~استقلال كل واحد بالباعثية متساويا أو متفاوتا: كالتصدق للفقر والقرابة ~~بالنظر إلى من ينتهض فيه كل واحد بانفراده سببا للاعطاء، أو بدون استقلال ~~واحد لو انفرد، بل المستقل المجموع، كالمثال المذكور بالنظر إلى من يعطي ~~ماله قريبه الفقير ويمتنع عند الانفراد، أي لا يعطيه قريبه الغني، ولا ~~الأجنبي الفقير، أو مع استقلال بعض دون بعض: بأن يكون للثاني تأثير ~~بالإعانة والتسهيل دون البعث والتحصيل، ثم يتعدد الجزاء بتعدد البواعث، إن ~~خيرا فخير: # كالدخول في المسجد لزيارة الله، ولانتظار الصلاة، والاعكتاف والانزواء ~~والتجرد للذكر. وترك الذنوب، وملاقاة الأتقياء وإخوانه المؤمنين واستماع ~~المواعظ وأحكام الدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن شر فشر: ~~كالقعود فيه للتحدث بالباطل، وملاحظة النساء، والمناظرة للمباهاة ~~والمراءاة، وربما كان بعض البواعث خيرا وبعضها شرا: كالتصدق للثواب ~~والرياء، ودخول المسجد لبعض البواعث الأول، وبعض البواعث الثانية، والعمل ~~الذي باعثه من هذا القسم قد ظهر حكمه في باب الإخلاص. ثم باعث PageV03P086 # العمل المباح إن كان خيرا بجعله عبادة، كالتطيب يوم الجمعة لإقامة السنة، ~~وتعظيم المسجد واليوم، ودفع الأذى بالنتن، والأكل لقوة العبادات، والجماع ~~للولد وتطييب ms633 خاطر الزوجة: والترفه بنومة أو دعابة مباحة لرد نشاط الصلاة، ~~وإن كان شرا بجعله معصية، كالتطيب للتفاخر بإظهار الثروة والتزين للزنا، ~~ولا يؤثر في الحرام، فلا يباح شرب الخمر لموافقة الأقران، والإخوان، ~~فالمعاصي لا تتغير موضوعاتها بالنية، بخلاف الطاعات والمباحات فإنها بالنية ~~الصحيحة تصير أقرب القربات، وبالمفاسدة تصير أعظم المهلكات فما أعظم خسران ~~من يغفل عن النية، ويتعاطى الأعمال تعاطي البائن المهملة على قصد حظوظ ~~النفس أو على السهو والغفلة، وقد كانت غاية سعي السلف أن يكون لهم في كل شئ ~~نية صحيحة، حتى في أكلهم وشربهم ونومهم ودخولهم الخلاء. # ولا ريب في إمكان تصحيح النية في كل مباح، بحيث يترتب عليه الثواب، بل ~~يمكن تصحيح النية في كل نقصان مالي وعرضي، فإن من تلف له مال، فإن قال: هو ~~في سبيل الله، كان له أجرا، وإن سرقه أحد أو غصبه يمكن أن ينوي كونه من ~~ذخائر الآخرة، وإذا بلغه اغتياب غيره له فيمكن أن يطيب خاطره بأنه سيحمل ~~عليه سيئاته وينقل إلى ديوان حسناته فإياك أن تستحقر شيئا من نياتك وخطرات ~~قلبك، ولا تقدم على عمل إلا بالنية صحيحة، فإن لم تحضرك النية توقف، إذ ~~النية لا تدخل تحت الاختيار، وقد قيل: (إن من دعا أخاه إلى طعام بدون رغبة ~~باطنة في اجتنابه، فإن أجابه فعليه وزران: النفاق، وتعريضه أخاه لما يكرهه ~~لو علمه، وإن لم يجبه ولم يأكل فعليه وزر واحد هو النفاق!). فلا بد للعبد ~~من خالص النية في كل حركة وسكون، لأنه إذا لم يكن كذلك غافلا، والغافلون قد ~~وصفهم الله - تعالى - فقال: # (إن هم إلا كالانعام بل هم أضل سبيلا) (46). # وصاحب خالص النية صاحب القلب السليم، قال الصادق (ع): # PageV03P087 # ((صاحب النية الصادقة صاحب القلب السليم، لأنه سلامة القلب من هواجس ~~المحذورات بتخليص النية لله في الأمور كلها، قال الله - عز وجل -: # (يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم) (47). # ثم النية تبدو من القلب على قدر صفاء المعرفة وتختلف على حسب ms634 اختلاف ~~الأوقات في معنى قوته وضعفه، وصاحب النية الخالصة نفسه وهواه مقهورتان تحت ~~سلطان تعظيم الله - تعالى - والحياء منه، وهو من طبعه وشهوته ومنيته نفسه، ~~في تعب، والناس منه في راحة) ((48). # فصل النية روح الأعمال، والجزاء بحسبها النية روح الأعمال وحقيقتها، ~~والجزاء يكون حقيقة عليها، فإن كانت خالصة لوجه الله - تعالى - كانت ~~ممدوحة، وكان جزاؤها خيرا وثواب، وأن كانت مشوبة بالأغراض الدنيوية كانت ~~مذمومة، وكان جزاؤها شرا وعقابا، قال الله - سبحانه -: # (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) (49). # والمراد بالإرادة: النية، لترادفهما - كما تقدم -. وأوحى الله إلى داود: ~~(يا داود! لا تطاول على المريدين، لو علم أهل محبتي منزلة المريدين عندي ~~لكانوا لهم أرضا يمشون عليها، يا داود! لئن تخرج مريدا من كربة هو فيها ~~تستعده، كتبتك عندي حميدا، ومن كتبته حميدا لا يكون عليه وحشة ولا فاقة إلى ~~المخلوقين). وقال رسول الله (ص): (أنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، ~~فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته ~~إلى الدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه)، وأنما قال ~~ذلك حين قيل له: أن بعض المهاجرين # PageV03P088 # إلى الجهاد ليست نيته من تلك الهجرة إلا أخذ الغنائم من الأموال والسبايا ~~أو نيل الصيت عند الاستيلاء، فبين (ص): أن كل أحد ينال في عمله ما يبغيه، ~~ويصل إلى ما ينويه، كائنا ما كان، دنيويا كان أو أخرويا وهذا الخبر مما ~~يعده المحدثون من المتواترات وهو أول ما يعلمونه أولادهم، وكانوا يقولون: ~~إنه نصف العلم. وقال (ص): (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر ~~إلى قلوبكم وأعمالكم، وأنما ينظر إلى القلوب لأنها مظنة النية). وقال (ص): ~~(إن العبد ليعمل أعمالا حسنة فتصعد بها الملائكة في صحف مختتمة، فتلقى بين ~~يدي الله - تعالى -، فيقول: # ألقوا هذه الصحيفة، فإنه لم يرد بما فيها وجهي، ثم ينادي الملائكة: # اكتبوا له كذا وكذا، فيقولون: يا ربنا! إنه لم يعمل شيئا من ذلك، فيقول ~~الله - تعالى ms635 -: إنه نواه) وقال (ص): (الناس أربعة: رجل آتاه الله - عز وجل ~~- علما ومالا فهو يعمل بعلمه في ماله، فيقول رجل: # لو آتاني الله - تعالى - مثل ما آتاه لعملت كما يعمل، فهما في الآجر ~~سواء، ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما، فهو يتخبط بجهله في ماله فيقول ~~الرجل: لو آتاني الله مثل ما آتاه لعملت كما يعمل، فهما في الوزر سواء، ألا ~~ترى كيف شاركه بالنية في محاسن عمله ومساويه؟!) ولما خرج (ص) إلى غزوة ~~تبوك، قال: (إن بالمدينة أقواما، ما قطعنا واديا، ولا وطأنا موطئا يغيظ ~~الكفار، ولا أنفقنا نفقة، ولا أصابتنا مخمصة، إلا شاركونا في ذلك وهم في ~~المدينة)، قالوا وكيف ذلك يا رسول الله وليسوا معنا؟! فقال (حسبهم العذر، ~~فشاركونا بحسن النية). وفي الخبر: (أن رجلا من المسلمين قتل في سبيل الله ~~بأيدي الكفار، وكان يدعي بين المسلمين قتيل الحمار، لأنه قاتل رجلا من ~~الكافرين نية أن يأخذ حمارة وسلبه، فقتل على ذلك فأضيف إلى نيته. وهاجر رجل ~~إلى الجهاد مع أصحاب النبي (ص)، وكانت نيته من المهاجرة أن يأخذ امرأة كانت ~~في عساكر الكفار ويتزوجها - وتسمى أم قيس - فأشتهر هذا الرجل عند أصحاب ~~النبي بمهاجر أم قيس). وفي أخبار كثيرة: (من هم بحسنة ولم يعملها كتب له ~~حسنة) كما تقدم، وقد ورد: أنه إذا التقى المسلمان PageV03P089 # بسيفهما، فالقاتل في النار، وكذا المقتول، لأنه أراد قتل صاحبه. وقال - ~~صلى الله عليه وآله -: (إذا التقى الصفان نزلت الملائكة تكتب الخلق على ~~مراتبهم: فلا يقاتل للدنيا، لأن يقاتل حمية، فلا يقاتل عصبية ألا فلا ~~تقولوا قتل فلان في سبيل الله إلا لمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا) ~~وقال (ص): (من تزوج امرأة على صداق وهو لا ينوي أداءه فهو زان، ومن استدان ~~دينا وهو لا ينوي قضاءه فهو سارق، ومن تطيب لله تعالى جاء يوم القيامة ~~وريحه أطيب من المسك، ومن تطيب لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من ~~الجيفة (50)، وكل ذلك مجازات على حساب النية. وقال ms636 الصادق (ع): (إن العبد ~~المؤمن الفقير ليقول: يا رب! أرزقني حتى أفعل كذا وكذا من البر ووجوه ~~الخير، فإذا علم الله - عز وجل - ذلك منه بصدق النية كتب له من الأجر مثلما ~~يكتب له لو عمله، إن الله واسع كريم،). # وسئل (ع) عن حد العبادة التي إذا فعلها فاعلها كان مؤديا، فقال: (حسن ~~النية بالطاعة). وقال (ع): (وإنما خلد أهل النار في النار لأن نياتهم كانت ~~في الدنيا أن لو خلدوا فيها أن يعصوا الله - تعالى - أبدا، وأنما خلد أهل ~~الجنة في الجنة لأن نياتهم كانت في الدنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا الله ~~أبدا، فبالنيات خلد هؤلاء وهؤلاء، ثم تلا قوله - تعالى -: # (قل كل يعمل على شاكلته) (1). # قال: على نيته) (2) وأمثال هذه الأخبار أكثر من أن تحصى، وأي شبهة في أن ~~عماد الأعمال النيات، والعمل مفتقر إلى النية ليصير خيرا، والنية في نفسها ~~خير وإن تعذر العمل، وعون الله - تعالى - للعبد على قدر النية فمن تمت نيته ~~تم عون الله له، وإن نقصت نقص بقدره، فرب عمل صغير تعظمه، النية، ورب عمل ~~كبير تصغره النية وكذلك كان السلف يتعلمون النية للعمل كما يتعلمون العمل، ~~ونقل: (أن بعض المرتدين يطوف على العلماء ويقول: # من يدلني على عمل لا أزال فيه عاملا لله - تعالى -، فإني لا أحب أن # PageV03P090 # تأتي علي ساعة من ليل أو نهار ألا وأنا عامل من عمال الله - تعالى -. ~~فقال له بعض العلماء: أنت قد وجدت حاجتك، فاعمل الخير ما استطعت، فإذا فترت ~~أو تركته فهم بعمله، إذ من هم بعمل الخير كمن يعمل به). ثم السر في مجازاة ~~الأعمال على حسب النية، وكون النية حقيقة العمل وعمادا وروحا له: إن العمل ~~من حيث هو عمل لا فائدة فيه، وإنما فائدته للأثر الذي يصل منه إلى النفس من ~~النورانية والصفاء ولا يزال يتكرر وصول هذا الأثر من الأعمال إليها حتى ~~تحصل لها غاية الضياء والصفاء، فيحصل لها التجرد التام وينخرط في سلك ~~الملائكة، ولا ريب في أن ms637 وصول هذا الأثر من الأعمال إنما هو مع صحة النية ~~وخلوصها، وكونها لله - سبحانه - من دون شوب الأغراض، بل التأمل يعطي أن هذا ~~الأثر إنما هو حقيقة من محض النية، وإن كانت حادثة لأجل العمل. # فصل عبادة الأحرار والاجراء والعبيد قد ظهر مما ذكر: أنه لا يحسب من ~~عبادة الله ولا يعد من طاعة الله بحيث يترتب عليه الأجر في الآخرة إلا ما ~~يراد التقرب إلى الله والدار الآخرة أي يراد به وجه الله من حيث هو، من دون ~~غرض آخر من الأغراض الدنيوية، أو يراد به التوصل إلى ثوابه، أو الخلاص من ~~عقابه، فمن أراد بعبادته محض وجه الله وأخلصها له لكونه أهلا للعبادة، ~~ولمحبته له لما عرفه بجلاله وجماله وعظمته ولطف فعاله، فأحبه واشتاق إليه، ~~ولا يريد سواه ولا يبتهج بغير حبه وأنسه والاستغراق في لجة شهوده، فيفرح ~~بعبادته وتوجيه قلبه إليه بطاعته: فجزاءه أن يحبه الله ويجتبيه، ويقربه إلى ~~نفسه وبدنه قربا معنويا ودنوا روحانيا، كما قال في حق بعض من هذا صفته: # (وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب) (3). # وإلى هذه المرتبة أشار أمير المؤمنين (ع) بقوله: (إلهي ما عبدتك خوفا من ~~نارك ولا طمعا في جنتك، ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك). # PageV03P091 # وأما من غرضه نيل الثواب والخلاص من العقاب، نظرا إلى أنه لم يعرف من ~~الله سوى كونه إلها صانعا للعالم قادرا قاهرا عالما، وإن له جنة ينعم بها ~~المطيعين، ونارا يعذب بها العاصين، فعبده ليفوز بجنته أو يتخلص من ناره: ~~فجزاءه بمقتضى نيته أن يدخل جنته، وينجيه من ناره، لأن جزاء الأعمال حسب ~~النيات، كما أخبر الله - تعالى - عنه في غير موضع من كتابه، فإن لكل امرء ~~ما نوى، ولا تصغي إلى قول من ذهب إلى بطلان العبادة إذا قصد بفعلها الثواب ~~أو الخلاص من العقاب زعما منه أن هذا القصد منافي للخلاص الذي هو أراد وجه ~~الله وحده، أن من قصد ذلك أنما قصد جلب النفع إلى نفسه، ودفع الضرر عنها، ~~لا وجه الله ms638 - سبحانه -، فإن هذا قول من لا معرفة له بحقائق التكاليف ~~ومراتب الناس فيها، بل ولا معرفة له بمعنى النية وحقيقتها، فإن حقيقة النية ~~عبارة من انبعاث النفس وميلها وتوجهها إلى ما فيه غرضها ومطلبها، إما عاجلا ~~أو آجلا، لا مجرد قول الناوي عند العبادة: أفعل كذا قربة إلى الله، ومجرد ~~تصور هذا القول بخاطره وملاحظته بقلبه وأن لم يكن لنفسه انبعاث إلى التقرب، ~~هيهات هيهات! أنما هذا تحريك لسان وحديث نفس، وما ذلك إلا كقول الشبعان: ~~أشتهي هذا الطعام، قاصدا حصول الاشتهاء، وهذا الانبعاث إذا لم يكن حاصلا ~~للنفس لا يمكنها اختراعه واكتسابه لمجرد القول والتصور، وأكثر الناس تتعذر ~~منهم العباد ابتغاء لوجه الله وتقربا إليه، لأنهم لا يعرفون من الله - ~~تعالى - إلا المرجو والمخوف، فغاية مرتبتهم أن يتذكروا النار ويحذروا ~~أنفسهم عقابا، ويتذكروا الجنة ويرغبوا أنفسهم ثوابها، وخصوصا من كان ملتفتا ~~إلى الدنيا، فإنه قل ما تنبعث له داعية إلى فعل الخيرات لينال بها ثواب ~~الآخرة، فضلا عن عبادته على نية أجلال الله - تعالى - لاستحقاقة الطاعة ~~والعبودية، فإنه قل من يفهمها فضلا عمن يتعاطاها، فلو كلف بها لكان تكليفا ~~بما لا يطاق، وليس معنى الإخلاص في العبادة إلا عدم كونها مشبوهة بشوائب ~~الدنيا والحضور العاجلة للنفس، كمدح الناس، ونيل المال، والخلاص من النفقة ~~لعتق العبد ونحو ذلك، وظاهر أنه لا تنافيه إرادة الجنة والخلاص من النار ~~بما وعد في الآخرة، وإن PageV03P092 # كان من جنس المألوف في الدنيا، ولو كان مثل هذه النيات مفسدة للعبادات ~~لكان الترغيب والترهيب والوعد والوعيد عبثا، إذ كل ما وعد به الجنة وأوعد ~~عليه النار مما رغب ووعد به ورهب وأوعد عليه، وما ورد في الترغيب والترهيب ~~والوعد والوعيد من الآيات والأخبار أكثر من أن يحصى قال الله - سبحانه -: # (ويدعوننا رغبا ورهبا) (4). # ثم كيف يمكن للعبد الضعيف الذليل المهين الذي لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ~~ولا موتا ولا حياة ولا شيئا مما ينفعه ويؤذيه، أن يستغني عن جلب النفع ~~لنفسه أو دفع الضرر عنها ms639 من مولاه. ومن تأمل يجد أن القائل ببطلان العبادة ~~بإحدى النيتين ترجع النية الصحيحة في عبادته إلى إحداهما وهو لا يشعر به. # ومما يدل صريحا على ما ذكرناه قول الصادق (ع): (العباد ثلاثة: # قوم عبدوا الله - عز وجل - خوفا، فتلك عبادة العبيد. وقوم عبدوا الله - ~~تبارك وتعالى - طلب الثواب، فتلك عبادة الأجراء. وقوم عبدوا الله - عز وجل ~~- حبا له فتلك عبادة الأحرار، وهي أفضل العبادة) (5). # وهذا يدل على أن العبادة على الوجهين الأولين لا تخلو من فضل أيضا، فضلا ~~عن أن تكون صحيحة. نعم لا ريب في أن العبادة على الوجه الأخير لا نسبة ~~لمنزلتها ودرجتها إلى درجة العبادة على الوجهين الأولين، فإن من تنعم بلقاء ~~الله والنظر إلى وجهه الكريم، يسخر ممن يلتفت إلى وجه الحور العين كما يسخر ~~المتنعم بالنظر إلى وجه الحور العين بالملتفت إلى الصور المصنوعة من الطين، ~~وكما يسخر المتنعم بالنظر إلى وجه النساء الجميلة بالخنفساء التي تعرض عن ~~النظر إلى وجوههن وتلتفت إلى صاحبتها وتألف بها، بل هذه أمثلة أوردناها من ~~باب الاضطرار، إذ التفاوت بين جمال الحضرة الربوبية وجمال الحور العين أو ~~النسوان الجميلة أعظم كثيرا من التفاوت بين جمال الحور العين والصور ~~المصنوعة من الطين وبين جمال # PageV03P093 # النسوان الجميلة والخنفساء، كيف والتفاوت في الثاني متناه وفي الأول غير ~~متناه، وأي نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي؟ # فصل نية المؤمن خير من العمل لما عرفت أن النية روح العمل وحقيقته، وتوقف ~~نفع العمل عليها دون العكس، وكون الغرض الأصلي من العمل تأثير القلب بالميل ~~إلى الله تعالى وتوقفه على النية، فهي خير من العمل، بمعنى أن العمل إذا ~~حلل إلى جزئية يكون جزؤه القلبي - أعني النية - خيرا من جزئه الجسماني - ~~أعني ما يصدر من الجوارح -، والثواب المترتب عليه أكثر من الثواب المترتب ~~عليه، ولذا قال الله - سبحانه: # (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم) (6). # فإن المقصود من إراقة دم القربان ميل القلب عن حب الدنيا، وبذلها إيثارا ~~لوجه الله، دون مجرد ms640 الدم واللحم، وميل القلب إنما يحصل عند جزم النية ~~والهم، وإن عاق عن العمل عائق، (فلن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن ~~يناله التقوى منكم)، والتقوى صفة القلب، ولذا ترى أن المجامع امرأته على ~~قصد أنها غيرها آثم، بخلاف المجامع غيرها على أنها امرأته، ولذا ورد: أن من ~~هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، لأن هم القلب هو ميله إلى الخير ~~وانصرافه عن الهوى، وهو غاية الأعمال الحسنة، وإنما الإتمام بالعمل يزيدها ~~تأكيدا. وبما ذكر ظهر معنى الحديث المشهور: (نية المؤمن خير من عمله، ونية ~~الكافر شر من عمله). وكل عامل يعمل على نيته. # وحاصله: إن كل طاعة تتضمن نية وعملا، وكل منهما من جملة الخيرات، وله أثر ~~في المقصود، وتكون النية خيرا من العمل وأثرها أكثر من أثره. والغرض: أن ~~للمؤمن اختيارا في النية وفي العمل، فهما عملان، والنية من الجملة خيرهما، ~~أي النية التي هي جزء من طاعته خير من عمله الذي هو جزؤها الآخر. # PageV03P094 # فإن قيل: ما ذكرت لا يفيد أزيد من أن العمل إذا كان مع النية يكون كل من ~~العمل والنية خيرا وذا ثواب، وإذا كان بدونها لا يكون خيرا ولا يكون له ~~ثواب، والمقصود كون النية خيرا من العمل في الصورة الأولى وكون ثوابها ~~أعظم، ولم يظهر وجه الخيرية مما ذكرت. # قلت: ذلك وإن ظهر إجمالا، إلا أنه لا بد لتوضيحه لتظهر جلية الحال، ~~فنقول: # الوجه في كون النية خيرا من العمل وراجحة عليه في الثواب: أنه لا ريب في ~~أن المقصود من الطاعات شفاء النفس وسعادتها في الآخرة وتنعمها بلقاء الله - ~~سبحانه -، والوصول إلى اللقاء موقوف على معرفة الله وحبه وأنسه، وهي موقوفة ~~على دوام الفكر والذكر الموجبين لانقطاع النفس من شهوات الدنيا وتوجهها إلى ~~الله - سبحانه -، فإذا حصل بمجرد المعرفة الحاصلة من الفكر ميل وتوجه إلى ~~الله - تعالى - كان ضعيفا غير راسخ وإنما يترسخ ويتأكد بالمواظبة على أعمال ~~الطاعات وترك المعاصي بالجوارح لأن بين النفس وبين الجوارح علاقة يتأثر ~~لأجلها كل ms641 واحد منها عن الآخر، فيرى أن العضو إذا أصابته جراحة تتألم بها ~~النفس، وإن النفس إذا تألمت بعلمها بموت عزيز أو بهجوم أمر مخوف تأثرت ~~الأعضاء وارتعدت الفرائص، فالطاعات التي هي فعل الجوارح إنما شرعت للتوصل ~~بها إلى صفة النفس - أعني التوجه والميل إلى الله سبحانه -، فالنفس هو ~~الأصل المتبوع والأمير، والجوارح كالخدم والأتباع، وصفات القلب هي المقصود ~~لذاتها، وأفعال الجوارح هي المطلوبة بالعرض، لكونها مؤكدة وموجبة لرسوخ ~~النفس - أعني الميل والنية والتوجه - ولا ريب في أن ما هو المقصود بالذات ~~خير مما هو مقصود بالعرض، وثوابه أعظم من ثوابه. # ومن المعاني الصحيحة للحديث: إن المؤمن بمقتضى إيمانه ينوي خيرات كثيرة ~~لا يوفق لعملها، إما لعدم تمكنه من الوصول إلى أسبابها، أو لعدم مساعدة ~~الوقت على عملها، أو لممانعة رذيلة نفسانية عنها بعد الوصل إلى أسبابها، ~~كالذي ينوي إن آتاه الله مالا ينفقه في سبيله، ثم لما آتاه يمنعه البخل عن ~~الإنفاق، فهذا نيته خير من عمله، وأيضا المؤمن ينوي دائما أن PageV03P095 # تقع عباداته على أحسن الوجوه، لأن إيمانه يقتضي ذلك، ثم إذا اشتغل بها لا ~~يتيسر له ذلك، ولا يأتي بها كما يريد، فما ينويه دائما خير مما يعمل به في ~~كل عبادة. وإلى هذا أشار الباقر (ع) حيث قال: (نية المؤمن خير من عمله وذلك ~~لأنه ينوي الخير ما لا يدركه، ونية الكافر شر من عمله، وذلك لأن الكافر ~~ينوي الشر ويأمل من الشر ما لا يدركه). وقيل للصادق (ع): سمعتك تقول: نية ~~المؤمن خير من عمله، فكيف تكون النية خير من العمل؟ قال عليه السلام: (لأن ~~العمل إنما كان رياء للمخلوقين، والنية خالصة لرب العالمين، فيعطي - عز وجل ~~- على النية ما لا يعطي على العمل)، ثم قال: # (إن العبد لينوي من نهاره أن يصلي بالليل فتغلبه عينه فينام، فيثبت الله ~~له صلاته ويكتب نفسه تسبيحا ويجعل نومه صدقة). وبعض الأخبار المتقدمة يعضد ~~ذلك ويؤكده أيضا. وقيل: معنى الحديث: (إن النية بمجردها خير من العمل ~~بمجرده بلا نية). ms642 وفيه: إن العمل بدون النية لا يتصف بالخيرية أصلا، فلا ~~معنى للترجيح في الخيرية، وقيل: سبب الترجيح: (إن النية سر لا يطلع عليه ~~إلا الله، والعمل ظاهر، وفعل السر أفضل) وهذا وإن كان في نفسه صحيحا، إلا ~~أنه ليس مرادا من الحديث، لأنه لو نوى أحد أن يذكر الله - تعالى - بقلبه أو ~~يتفكر في مصالح المؤمنين، كانت نيته بمقتضى عموم الحديث خيرا من العمل الذي ~~هو الذكر والتفكر مع اشتراك النية والعمل في السرية، وبداهة كون الذكر ~~والتفكر خيرا من نيتهما. # فصل النية غير اختيارية النية غير داخلة تحت الاختيار، وذلك لما عرفت من ~~أنها انبعاث النفس وتوجهها وميلها إلى ملائم ظهر لها أن فيه غرضها إما ~~عاجلا أو آجلا، وهذا الميل إذا لم يكن حاصلا للنفس لم يكن اختراعه واكتسابه ~~بمجرد الإخطار بالبال والاجراء على اللسان، بل ذلك كقول الشبعان: نويت أن ~~أشتهي الطعام وأميل إليه، أو قول الفارغ: نويت أن أعشق فلانا وأحبه، فلا ~~طريق إلى اكتساب صرف القلب إلى الشئ وميله إليه وتوجهه نحوه، إلا باكتساب ~~أسبابه، PageV03P096 # وذلك مما قد يقدر عليه وقد لا يقدر عليه، وأنما قد تنبعث النفس إلى الفعل ~~إجابة للغرض الباعث، الموافق للنفس الملائم لها، وما لم يعتقد الإنسان أن ~~غرضه منوط بفعل من الأفعال فلا يتوجه قصده نحوها، وذلك مما لا يقدر على ~~اعتقاده دائما، وإذا أعتقد فإنما يتوجه القلب إذا كان فارغا غير مصروف عنه ~~بغرض شاغل أقوى منه، وذلك لا يمكن في كل وقت، والدواعي والصوارف لها أسباب ~~كثيرة بها، تجتمع وتختلف ذلك بالأشخاص والأحوال والأعمال فإذا غلبت شهوة ~~النكاح ولم يعتقد غرضا صحيحا في الولد لم يمكنه أن يتزوج على نية الولد، بل ~~لا يمكن إلا على نية قضاء الشهوة، إذ النية إجابة الباعث، ولا باعث إلا ~~الشهوة فكيف ينوي الولد، ولذا كان أهل السلوك من السلف كثيرا ما يمتنعون عن ~~جملة من الطاعات إذا لم تحضرهم النية، وكانوا يقولون: ليس تحضرني نية، وذلك ~~لعلمهم بأن النية روح الأعمال ms643 وقوامها، وإن العمل بغير نية صادقة رياء ~~وتكلف وسبب مقت لا سبب قرب وروي: (أنه أتى الصادق (ع) مولى له، فسلم عليه ~~وجلس، فلما انصرف (ع) انصرف معه الرجل، فلما انتهى إلى باب داره دخل وترك ~~الرجل فقال له ابنه إسماعيل يا أبة! ألا كنت عرضت عليه الدخول؟ فقال: لم ~~يكن من شأني إدخاله، قال: فهو لم يكن يدخل، قال: يا بني! إني أكره أن ~~يكتبني الله عراضا). # تتميم الطريق في تخليص النية الطريق في تخليص النية في الطاعات تقوية ~~أيمانه بالشرع، وتقوية أيمانه بعظم ثواب الطاعات مع خلوص النية، وإذا قوي ~~إيمانه فربما انبعث من نفسه رغبة إلى فعل الطاعة مع خلوص النية مثلا من لم ~~تكن له نية الولد في النكاح بل كانت نيته فيه مجرد قضاء الشهوة فينبغي له ~~أن يقوي أيمانه بعظم ثواب من سعى في تكثير أمة محمد (ص)، ويدفع عن نفسه ~~جميع المنفرات عن الولد، كثقل المؤونة وطول المتعب وغيره، وإذا فعل ذلك ~~انبعث من نفسه رغبة إلى تحصيل الولد للثواب. PageV03P097 # ومنها: # الكراهة وهي نفرة الطبع عما لا يخلو عن إيلام وأتعاب، فإذا قويت سميت ~~مقتا. # وضدها الحب، وهو ميل الطبع إلى الشئ الملذ، فإن تأكد ذلك الميل وقوي سمي ~~عشقا. # إعلم أن عدم الرغبة والغفلة والكراهة والبعد أمور متناسبة مترتبة بعضها ~~على بعض، وكذا أضدادها - أعني الشوق والنية والحب والأنس - أمور متناسبة ~~يترتب بعضها على بعض، فنحن هنا نشير إجمالا إلى معانيها والفرق بينها، ثم ~~نذكرها مفصلة على الترتيب. # فنقول: قد عرفت أن الغفلة والنية ضدان، وهما عبارتان عن عدم انبعاث النفس ~~وانبعاثها إلى ما فيه غرضها الملائم إما عاجلا أو آجلا، وأما عدم الرغبة ~~والشوق فهما أيضا ضدان ومبدآن للغفلة والنية. # بيان ذلك: إن معنى عدم الرغبة ظاهر، والشوق عبارة عن الرغبة إلى الشئ ~~الذي لم يصل إليه وكان مفقودا عنه بوجه، فالشوق لا يخلو عن ألم المفارقة، ~~ولو زالت المفارقة وحصل الوصال انتفى الشوق. ثم فرق الشوق عن النية ظاهر، ~~فإن ms644 الشوق مجرد الرغبة إلى الشئ من دون اعتبار انبعاث النفس إلى طلبه في ~~مفهومه، والنية هي الانبعاث المذكور، فالشوق مبدأ النية، والنية مترتبة ~~عليه، وبذلك يظهر الفرق بين ضديهما أيضا - أعني عدم الرغبة والغفلة. # وأما (الكراهة والحب): فقد عرفت أنهما عبارتان عن نفرة الطبع عن المؤلم، ~~وعن ميله إلى الملذ، سواء انبعثت النفس عن طلبه أم لا، وبهذا يفترق الحب عن ~~النية، فإن النية هي انبعاث النفس، وهو مغاير لمجرد الميل بل الميل منشأ ~~للانبعاث، وسواء حصل الوصول إلى الملذ أم لا، وبهذا يفترق عن الشوق فإن ~~الشوق يعتبر في مفهومه عدم الوصول، فالشوق والنية والإرادة لا ينفكان عن ~~الحب والحب يكون مقارنا لهما البتة، فإذا حصل الوصول إلى المطلوب زال الشوق ~~والإرادة وبقي الحب بدونهما. وبما ذكر يظهر الفرق بين الكراهة وبين عدم ~~الرغبة والغفلة. # وأما (الأنس): فهو عبارة عن استبشار النفس بما يلاحظ من المطلوب المحبوب ~~بعد الوصول واستحكامه ورسوخه والبعد عبارة عن عدم PageV03P098 # الوصول إلى المحبوب أو الوصول إلى ما لا يستبشر ولا يبتهج بملاحظته، لعدم ~~الرغبة إليه أو للتنفر عنه، فالحب منشأ الأنس، والأنس يترتب عليه وهو غاية ~~المحبة فلا يخلو أنس عن المحبة والمحبة قد تكون بدونه، ثم المطلوب المحبوب ~~قد يكون مطلوبا للقوة العاقلة، كالعلم بحقائق الأشياء، وقد يكون مطلوبا ~~للقوة الغضبية، كالاستيلاء والغلبة، وقد يكون مطلوبا للقوة الشهوية كالمال ~~والأزواج، وعلى كل تقدير تكون الأمور - أعني عدم الرغبة والغفلة والكراهة ~~والبعد - وأضدادها - أعني الشوق والإرادة والحب والأنس - متعلقة بتلك ~~القوة، معدودة من رذائلها أو فضائلها. ثم المحبوب إن كان مما يستحسن حبه ~~وطلبه شرعا وعقلا، كان ما يتعلق به من الشوق والإرادة والحب والأنس من ~~الفضائل وأضدادها من الرذائل، إن كان مما يذم حبه وطلبه شرعا وعقلا كان ~~بالعكس. # فصل الشوق - أفضل مراتب الشوق الشوق إلى الله - تعلق الحب بجميع القوى - ~~أقسام الحب بحسب مباديه - لا محبوب حقيقة إلا الله - الشهود التام هو نهاية ~~درجات العشق - سريان الحب في الموجودات - رد المنكرين لحب ms645 الله - معرفة ~~الله أقوى سائر اللذات - تحقيق رؤية الله في الآخرة ولذة لقائه - الطريق ~~إلى الرؤية واللقاء - تفاوت المؤمنين في محبة الله - الواجب أظهر الموجودات ~~- علائم محبة الله - معنى حب الله لعبده - الحب في الله والبغض في الله - ~~الوفاء في الحب - الأنس - الأنس قد يثمر الإدلال. # قد تقدم تفصيل الكلام في النية والغفلة. # * * * وأما الشوق، فنقول في بيانه: قد عرفت أن الشوق عبارة عن الميل ~~والرغبة إلى الشئ عند غيبته، فإن الحاصل الحاضر لا يشتاق إليه، إذ الشوق ~~طلب يسوق إلى نيل أمر، والموجود لا يطلب، فالشوق لا يتصور إلا إلى شئ أدرك ~~من وجه ولم يدرك من وجه، فما لا يدرك أصلا لا يشتاق إليه، إذ لا يتصور أن ~~يشتاق أحد إلى شخص لم يره ولم يسمع وصفه، وما أدرك بكماله لا يشتاق إليه ~~أيضا، إذ المداوم لمشاهدة المحبوب والواصل إليه من PageV03P099 # جميع الوجوه لا يتصور أن يكون له شوق، فالشوق يختص تعلقه بما أدرك من وجه ~~دون وجه، وهذا إنما يكون بأحد وجهين: # (أحدهما) أن يتضح الشئ اتضاحا ما، ولم يستكمل الوضوح، فاحتاج إلى ~~استكماله فيكون الشوق إلى ما بقي من المطلوب مما لم يحصل. # مثال ذلك: إن من غاب عنه معشوقه، وبقي في قلبه خياله، يشتاق إلى استكمال ~~خياله بالرؤية، ومن رأى معشوقه في ظلمة، بحيث لا تنكشف له حقيقة صورته، ~~يشتاق إلى استكمال رؤيته بإشراق الضوء عليه، فلو رآه بتمام الرؤية انتفى ~~الشوق، كما إنه لو انمحى عن قلبه ذكره وخياله ومعرفته حتى نسيه لم يعقل ~~وجوده. # (وثانيهما) أن يدرك بعض كمالات المحبوب، ووصل إليه، وعلم إجمالا أن له ~~كمالات أخر، ولم يدركها ولم يصل إليها، فيكون له شوق إلى إدراك تلك ~~الكمالات. مثال ذلك: أن يرى وجه محبوبه، ولا يرى شعره ولا سائر أعضائه، ~~فيشتاق إلى رؤية ذلك. # فصل أفضل مراتب الشوق الشوق إلى الله أفضل مراتب الشوق هو الشوق إلى الله ~~- سبحانه - وإلى لقائه، وهي المضنة إلى الوصول إليه، وإلى حبه وأنسه ~~والتقرب لديه، ms646 وهو رأس مال السالكين، ومفتاح أبواب السعادة للطالبين، ~~والوجهان الموجبان للشوق متصوران في حق الله، بل هما ثابتان وملازمان لجميع ~~العارفين، فلا يخلو عارف من الشوق إلى الله: # أما الوجه الأول، فلأن ما اتضح للعارفين مع الأمور الآلهية وأن بلغ غاية ~~الوضوح، فكأنه من وراء ستر رقيق، فلا يكون متضحا غاية الاتضاح بل يكون ~~مشوبا بشوائب التخيلات المكدرة للمعلومات والمانعة عن ظهورها اليقيني، (لا) ~~سيما إذا انضاف إليها شواغل الدنيا، فكمال الوضوح في الأمور الآلهية إنما ~~هو بالمشاهدة وإشراق التجلي، ولا يكون ذلك في هذا العالم، بل يكون في ~~الآخرة، فهذا أحد الموجبين لشوق العارفين إلى الله PageV03P100 # - سبحانه - وهو الشوق إلى استكمال الوضوح فيما اتضح اتضاحا ما. # وأما الثاني، فلأن الأمور الإلهية لا نهاية لها، وإنما ينكشف لكل عارف، ~~بعضها، وتبقى أمور متناهية خفية عنه، والعارف إجمالا وجودها وكونها معلومة ~~لله - تعالى - ويعلم أن ما غاب عن علمه من المعلومات أكثر مما حضر، فلا ~~يزال متشوقا إلى أن يحصل له من المعلومات المتعلقة بعظمة الله وجلاله ~~وصفاته وأفعاله بما لا يعرفها أصلا، لا مع الوضوح ولا مع الإبهام والاجمال. ~~والشوق الأول ربما انتهى في الآخرة إذا حصل الشهود واللقاء المعنوي لأجل ~~استخلاص النفس من موانع الطبيعة وقشوراتها وحصول التجرد التام لها، وأما ~~الشوق الثاني فلا يمكن أن ينتهي في الدنيا ولا في الآخرة، إذ نهاية ذلك أن ~~ينكشف للعبد في الآخرة من عظمة الله وكبريائه وجلاله وصفاته وأحكامه ~~وأفعاله ما هو معلوم لله - تعالى - وهو محال، إذ معلومات الله المتعلقة ~~بذاته وصفاته وأفعاله غير متناهية قوة وشدة وعدة، فتمتنع إحاطة الإنسان ~~بها، فلا يزال العبد عالما بأنه قد بقي من جلال الله وعظمته ومن صفته وفعله ~~ما لم يتضح له، فلا يسكن قط شوقه وما من عبد إلا ويرى فوق درجته درجات ~~كثيرة لا نهاية لها فيشتاق إليها البتة، وإذا كان أصل الوصال واللذة حاصلا، ~~فربما كان الشوق إلى المراتب التي فوق مرتبتها شوقا لذيذا لا يظهر فيه ألم، ~~وربما ms647 كانت لطائف الكشف والبهجة ودرجاتهما متوالية إلى غير نهاية وتحصل ~~للعبد هذه الدرجات في الآخرة على التدريج، فلا يزال العبد يتصاعد ويترقى ~~إليها، ولا يزال النعيم واللذة تتزايد له أبد الآباد من غير انقطاع له، ~~وتكون لذة ما يتجدد من لطائف النعيم شاغلا له عن الاحساس بالشوق إلى ما لم ~~يحصل له ألمه، فإن أمكن في الآخرة حصول الكشف فيما لم يحصل فيه كشف في ~~الدنيا، لكان حصول المعارف والابتهاجات والأنوار وتجددها في الآخرة ممكنا، ~~وإن لم يكتسب أصلها في الدنيا فيتجدد ويتوارد على العبد في الآخرة على ~~الدوام والاستمرار من دون أن ينتهي إلى حد. وربما كان قوله - تعالى -: # (نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا) (7): # إشارة إلى هذا المعنى، ويكون المراد به إتمام النور في عين ما استنار # PageV03P101 # في الآخرة استنارة محتاجة إلى الظهور، ثم إلى زيادة الاستكمال والإشراق ~~وأن أختص حصول نعم للآخرة وأنوارها وابتهاجاتها على النعم التي تزود من ~~أصلها ولم يحصل للعبد ما لم يكتسب في الدنيا أصله من الأنوار والابتهاجات، ~~فيكون ترقي العبد في الآخرة في ازدياد الابتهاج والإشراق فيما حصل له أصله، ~~وعلى هذا، فربما انتهى إلى حد ووقف هناك ولا يتضاعف، وقوله تعالى: (نورهم ~~يسعى... إلى آخر الآية) يحتمل لهذا المعنى أيضا، بأن يكون المراد طلب إتمام ~~نور تزود من الدنيا أصله. # (قيل): وقوله تعالى: # (أنظرونا نقتبس من نوركم قيل أرجعوا وراءكم فالتمسوا نورا) (8): # يدل على أن الأنوار لا بد أن يتزود أصلها في الدنيا، ثم يزداد في الآخرة ~~إشراقا، فأما أن يتجدد نور لم يكتسب أصله في الدنيا فلا. # ثم لا يخفى أن تعيين الأصل والفرع الأنوار والابتهاجات ومراتب الآخرة ~~عندنا مشكل، وليس لنا طريق إلى القطع بأن أي شئ أصل لأي نور وبهجة، وربما ~~كان المضنون عندنا: إن أصل كل نور وسعادة وبهجة هو اليقين القطعي الإجمالي ~~بأن الواجب سبحانه في غاية العظمة والجلال والقدرة والكمال، وأنه تام فوق ~~التمام، وكل ما سواه من المهيات الموجودة صادرة ms648 عنه على أشرف أنحاء الصدور ~~وأقواها وأدلها على العظمة، وأنه لا موجود ولا شئ إلا الواجب وصفاته ~~وأفعاله، وإن ذاته الأقدس ذات لا يمكن أن يكون لذهن من الأذهان العالية، ~~ولا لمدرك من المدارك المتعالية عقلا كان أو نفسا أو غيرهما، لو أمكن أن ~~يكون مدركا، أن يدرك في لحاظ التعقل ذاتا يمكن أن تكون فوقه أو مثله، بل ~~كلما تصور أجمالا فهو فوقه، وكذا صفاته الكمالية وأفعاله، وأن صفاته ~~الكمالية: من عظمته، وجلاله، وقدرته، وجماله، وعلمه، وحكمته، وغير ذلك غير ~~متناهية، وليس لها حد وغاية، وما تعلق به علمه من مخلوقاته لا نهاية له ~~كثرة وقوة وكمالا، وأن له من المراتب الغير متناهية من العظمة والجلال ما ~~لا يطيق أشرف الموجودات وأقواها لإدراك أولها، فمن عرف ذلك وتيقن به، وعلم # PageV03P102 # إن هذا العالم وما فيه لا نسبة له إلى عالم الآخرة وما فيه، وأن ألطافه ~~ومزاياه إلى عباده الذين عرفوا نسبتهم إليه، وتيقنوا بأن لا شرافة ولا كمال ~~للنفوس والعقول فوق معرفة ربهم والتقرب إليهم والوصول إلى حبه وأنسبه، فقد ~~وصل إلى أصل كل سعادة ونور وبهجة، لا سيما إذا دفع عن نفسه ذمائم الأخلاق ~~واتصف بفضائله. وقد ظهر مما ذكر: أنه لا ريب في ثبوت الشوق للعباد إلى الله ~~سبحانه. والعجب ممن أنكر حقيقة الشوق إلى الله سبحانه لإنكاره المحبة له ~~كما يأتي، إذ لا يتصور الشوق إلا إلى المحبوب، وقد عرفت ثبوته من حيث النظر ~~والاعتبار. ولا ريب في ثبوته أيضا من الآيات والأخبار: قال الله سبحانه: # (فمن كان يرجو لقاء ربه...) إلى آخر الآية (9). # فإن الرجاء لا ينفك عن الشوق. وقال رسول الله (ص) في دعاءه: # (اللهم إني أسئلك الرضاء بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت. ولذة النظر ~~إلى وجهك الكريم، وشوقا إلى لقائك). وفي بعض الكتب السماوية: (طال شوق ~~الأبرار إلى لقائي، وأنا إلى لقائهم لأشد شوقا). # وفي أخبار داود (ع): (إني خلقت قلوب المشتاقين من نوري، ونعمتها بجلالي). ~~وفيها أيضا: (أنه تعالى أوحى إلى ms649 داود: يا داود! إلى كم تذكر الجنة ولا ~~تسألني الشوق إلي؟ قال: يا رب! من المشتاقون إليك؟ # قال: أن المشتاقين إلي الذين صفيتهم من كل كدر، ونبهتهم بالحذر، وخرقت من ~~قلوبهم إلي خرقا ينظرون إلي، وإني لأحمل قلوبهم بيدي فأضعها على سمائي، ثم ~~أدعو بملائكتي، فإذا اجتمعوا سجدوني، فأقول: إني لم أجمعكم لتسجدوني، ولكن ~~دعوتكم لأعرض عليكم قلوب المشتاقين إلي، وأباهي بهم إياكم، فإن قلوبهم لتضئ ~~في سمائي لملائكتي كما تضئ الشمس لأهل الأرض، يا داود! إني خلقت قلوب ~~المشتاقين من رضواني، ونعمتها بنور وجهي فاتخذتهم لنفسي محدثين، وجعلت ~~أبدانهم موضع نظري إلى الأرض، وقطعت من قلوبهم طريقا ينظرون به إلي، ~~يزدادون في كل يوم شوقا). وأوحى الله إليه أيضا: (يا داود! لو يعلم ~~المدبرون عني كيف # PageV03P103 # انتظاري لهم ورفقي بهم وشوقي إلى ترك معاصيهم، لماتوا شوقا إلي، وتقطعت ~~أوصالهم عن محبتي). وفي بعض الأخبار القدسية: (إن لي عبادا يحبونني وأحبهم، ~~ويشتاقون إلي وأشتاق إليهم، ويذكرونني وأذكرهم وأول ما أعطيتهم أن أقذف من ~~نوري في قلوبهم، فيخبرون عني كما أخبر عنهم، ولو كانت السماوات والأرض وما ~~فيهما في موازينهم لأستعد بها لهم، وأقبل بوجهي عليهم، لا يعلم أحد ما أريد ~~أن أعطيه). وقال الصادق عليه السلام: (المشتاق لا يشتهي طعاما، ولا يلتذ ~~شرابا، ولا يستطيب رقادا، ولا يأنس حميا، ولا يأوي دارا، ولا يسكن عمرانا، ~~ولا يلبس ثيابا، ولا يقر قرار، ويعبد الله ليلا ونهارا راجيا بأن يصل إلى ~~ما يشتاق إليه، ويناجيه بلسان الشوق معبرا عما في سريرته، كما أخبر الله ~~تعالى عن موسى بن عمران في ميعاد ربه بقوله: (وعجلت إليك رب لترضى)، وفسر ~~النبي (ص) عن حاله: (إنه ما أكل ولا شرب ولا نام، ولا اشتهى شيئا من ذلك في ~~ذهابه ومجيئه أربعين يوما شوقا إلى ربه)، فإذا دخلت ميدان الشوق، فكبر على ~~نفسك ومرادك من الدنيا، وودع جميع المألوفات، واصرفه عن سوى مشوقك، ولب بين ~~حياتك وموتك: لبيك اللهم لبيك! # أعظم الله أجرك، ومثل المشتاق مثل ms650 الغريق، ليس له همة إلا خلاصه، وقد نسي ~~كل شئ دونه) (10). وما ورد في الأدعية المعصومية من طلب الشوق أكثر من أن ~~يحصى، والظواهر الآتية المثبتة للمحبة والأنس تثبت الشوق أيضا. # وأما (الكراهة والبغض وضدهما أعني الحب) فنقول: قد عرفت أن الكراهة ~~والبغض عبارة عن نفرة الطبع عن المؤلم المتعب، والحب الذي هو ضدهما عبارة ~~عن ميل الطبع إلى الملائم الملذ. # وتوضيح ذلك: أنه لا يتصور حب إلا بعد معرفة وإدراك، وكذلك لا يتصف بالحب ~~جماد ولا يحب الإنسان ما لا يعرفه ولم يدركه، فالحب من خاصية الحي الدراك، ~~بعد حصول الإدراك بالفعل. # ثم لما كانت المدركات منقسمة إلى ما يوافق طبع المدرك ويلذه، وإلى # PageV03P104 # ما يخالفه ويؤلمه، وإلى ما لا يؤثر فيه بالذاذ وإيلام، فالقسم الأول يكون ~~مرغوبا عند المدرك، ويسمى رغبة، وميله إليه حبا، والقسم الثاني يكون منفورا ~~عنده، وتسمى نفرته عنه كراهة وبغضا، والثالث لا يوصف بميل وكراهة، فلا يوصف ~~بكونه محبوبا، ولا مكروها. ثم اللذة لما كانت عبارة عن إدراك الملائم الملذ ~~ونيله، فالحب الذي هو الميل والرغبة إليه لا يخلو عن لذة محققة أو خيالية، ~~وعلى هذا فيمكن أن تعرف المحبة بأنها ابتهاج النفس بإدراك الملائم ونيله، ~~هذا فإنك قد عرفت أن المدرك إن كان مما يستحسن حبه شرعا وعقلا، كان كراهته ~~وبغضه من الرذائل وحبه من الفضائل وإن كان مما يذم حبه، كان بالعكس من ذلك. ~~فصل تعلق الحب بجميع القوى والحب والكراهة لما كانا تابعين للادراك، ~~فينقسمان بحسب انقسام القوة المدركة، التي هي الحواس الظاهرة، والحواس ~~الباطنة، والقوة العاقلة. فمن الحب ما يتعلق بالحواس الظاهرة، بمعنى أن ~~المحبوب مما هو مدرك وملذ عندها، كالصور الجميلة المرئية، والنغمات ~~الموزونة، والروائح الطيبة، والمطاعم النفيسة، والملبوسات اللينة بالنظر ~~إلى الخمس الظاهرة. # ومنه ما يتعلق بالحواس الباطنة، بمعنى أن المحبوب مما هو مدرك وملذ ~~عندها، كالصور الملائمة الخيالية، والمعاني الجزئية الملائمة بالنسبة إلى ~~المتخيلة والواهمة. ومنه ما يتعلق بالعاقلة، بمعنى أن المحبوب مما هو مدرك ~~وملذ عندها، ms651 كالمعاني الكلية، والذوات المجردة. ولا ريب في أن العقلي من ~~الحب واللذات أقوى اللذات وأبلغها، إذ البصيرة الباطنة أقوى من البصيرة ~~الظاهرة والعقل أقوى إدراكا وأشد غوصا ونفوذا في حقائق الأشياء وبواطنها من ~~الحس، وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصورة الظاهرة الحسنة، ~~فتكون لذة العقل وحبه بما يدركه من الأمور الشريفة الإلهية التي جلت عن ~~إدراك الحواس أتم وأبلغ، ولذا جعل رسول الله (ص) الصلاة أبلغ المحبوبات ~~عنده في الدنيا، حيث قال: (حبب إلي من دنياكم ثلاث: # ج: 3 PageV03P105 # الطيب، والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة)، فإن الالتذاذ بالصلاة لذة ~~عقلية، كما أن الالتذاذ بالطيب لذة شمية، وبالنساء نظرية ولمسية. # فإن قيل: حقيقة الإنسان نفسه الناطقة، ولها ثلاث قوى، وهي: # العاقلة، الشهوية، والغضبية، وقوى أخرى هي: الحواس الظاهرة والحواس ~~الباطنة، وشأن العاقلة - كما ذكرت - إدراك المعاني الكلية، والحقائق ~~المجردة، وشأن الحواس الظاهرة إدراك المبصرات والمسموعات والمشمومات ~~والمذوقات والملموسات، وشأن الحواس الباطنة إدراك المعاني الجزئية، والصور ~~المدركة بالحواس الظاهرة وضبطها، ومن جملة ما يدرك بالحواس ما يتعلق بقوتي ~~الغضب والشهوة، من الغلبة والاستيلاء والوصول إلى المناكح والمطاعم وضدهما، ~~فالمحب لهذه المدركات والملتذ بها ماذا من النفس وقواها المذكورة، وهل ~~المحب والملتذ هو المدرك بعينه أو غيره؟ # قلنا: المحب والملتذ أولا في كل من هذه المدركات هو المدرك، وثانيا ~~وبالواسطة هو النفس، إذ كل أدراك يتعلق بإحدى القوى، ليصل بالآخرة إلى ~~النفس، فيحدث فيها ما يقتضيه من اللذة والألم، إلا أن ما يدرك بالحواس مما ~~يتعلق بقوتي الشهوة والغضب لا بد أن يصل إليهما أيضا، فيحصل لهما اللذة أو ~~الألم، وبواسطتهما يصل إلى النفس، فالمدرك أولا للغلبة أو العجز هو الوهم، ~~فيلتذ أو يتألم، ثم يصل منه أثر الإدراك والالتذاذ والألم إلى القوة ~~الغضبية ويصل منها الأثر إلى النفس فيلتذ أو يتألم، والمدرك للطعم والريح ~~واللين والنعومة هي الذائقة والشامة واللامسة فالالتذاذ والتألم لها أولا ~~وبواسطتها للقوة الشهوية، وهذا إن كانت الشهوية قوة على حدة سوى الذائقة ~~والشامة واللامسة وسائر ms652 الحواس الظاهرة، وإن كانت معنى جنسيا شاملا لجميعها ~~فالأمر ظاهر. وبما ذكر ظهر وجه تعلق الحب بجميع القوى. # فصل أقسام الحب بحسب مباديه إعلم أن أسباب الحب ومباديها لما كانت متعددة ~~مختلفة فينقسم الحب لأجلها على أقسام: PageV03P106 # الأول - حب الإنسان وجود نفسه وبقاءه وكماله، وهو أشد أقسام الحب ~~وأقواها، لأن المحبة أنما تكون بقدر الملاءمة والمعرفة، ولا شئ أشد ملائمة ~~لأحد من نفسه، ولا هو بشئ أقوى معرفة منه بنفسه، ولهذا جعلت معرفة نفسه ~~مفتاحا لمعرفة ربه (11). وكيف لا يكون حب الشئ لذاته أقوى المراتب، مع أن ~~الحب كلما صار أشد جعل الاتحاد بين المحب والمحبوب أوكد وأبلغ؟ وأي اتحاد ~~أشد من الوحدة ورفع الإثنينية بالمرة، كما بين الشئ ونفسه، فالمحب والمحبوب ~~واحد، وسبب الحب غريزة فيه الطباع بحكم سنة الله: # (ولن تجد لسنة الله تبديلا) (12). # ومعنى حبه لنفسه كونه محبا لدوام وجوده، ومكرها لعدمه وهلاكه فالبقاء ~~ودوام الوجود محبوب، والعدم ممقوت، ولذا يبغض كل أحد الموت لا بمجرد ما ~~يخافه بعده، أو لمجرد ما يلزمه من سكراته، بل لظنه أنه يوجب انعدام كله أو ~~بعضه، ولذا لو اختطف من غير ألم وتعب، وأميت من غير ثواب وعقاب، كان كارها ~~لذلك وكما أن دوام الوجود محبوب فكذلك كمال الوجود محبوب، لأن فاقد الكمال ~~ناقص، والنقص عدم بالإضافة إلى القدر المفقود، فالوجود محبوب في أصل الذات ~~وبقائه وفي صفات كماله، والعدم ممقوت فيها جميعا. # والتحقيق: أن المحبوب ليس إلا الوجود، والمبغوض ليس إلا العدم، وجميع ~~الصفات الكمالية راجعة إلى الوجود، وجميع النقائص راجعة إلى العدم، إلا أن ~~كل فرد من الموجود لما كان له نحو خاص من الوجود، وكانت تمامية نحو وجوده ~~بوجود بعض الصفات الكمالية التي هي من مراتب الموجودات، فكان وجوده مركب من ~~وجودات متعددة، فإذا فقد بعضها فكأنه فاقد لبعض أجزاء وجوده، وبذلك يظهر: ~~أن الموجود كلما كان أقوى وكان نحو وجوده أتم، كان أجمع لمراتب الوجودات في ~~القوة والشدة # PageV03P107 # والعدة وكانت صفاته الكمالية أقوى وأكثر، لكونها من ms653 مراتب الوجودات ~~فالوجود الواجبي الذي هو التام فوق التمام والقائم بنفسه المقوم لغيره ~~ينطوي في جميع الوجودات، ويكون محيطا بالكل، ثم محبة الأولاد من التحقيق ~~يرجع إلى هذا القسم، لأن الرجل إنما يحب ولده ويتحمل المشاق لأجله، وأن لم ~~يصل منه إليه نفع وحظ، لعلمه بأنه خليفته في الوجود بعد عدمه، فكأن بقاءه ~~نوع بقاء له، فلفرط حبه لبقاء نفسه يحب بقاء من هو قائم مقامه وبمنزلة جزء ~~منه، لما عجز من الطمع في بقاء نفسه، ولعدم كون بقائه هو بقاؤه بعينه يكون ~~بقاء نفسه أحب إليه من بقاء ولده لو كان طبعه باقيا على اعتداله، وكذلك حبه ~~لأقاربه وعشيرته يرجع إلى حبه لكمال نفسه، فإنه يرى نفسه كبيرا قويا ~~لأجلهم، متجملا بسببهم، إذ العشيرة كالجناح المكمل للانسان (13). # والثاني - حبه لغيره لأجل أنه يلتذ من لذة حيوانية كحب كل من الرجل ~~والمرأة للآخر لأجل الجماع، وحب الإنسان المأكولات والملبوسات، والسبب ~~الجامع في هذا القسم هو اللذة، وهو سريع الحصول وسريع، الزوال، وأضعف ~~المراتب، لخساسة سببه وسرعة زواله. # الثالث - حبه للغير لأجل نفعه وإحسانه، فإن الإنسان عبد الإحسان، وقد ~~جبلت النفوس على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها، ولذا قال رسول الله ~~(ص): (اللهم لا تجعل لفاجر علي يدا فيحبه قلبي). # فالسبب الجامع في هذا القسم هو النفع والاحسان، وهذان القسمان عند ~~التحقيق يرجعان إلى القسم الأول، لأن المحسن من أمد بالمال المعونة وسائر ~~الأسباب الموصلة إلى دوام الوجود وكمال الوجود، وسبب اللذة باعث لحصول ~~الحظوظ التي بها يتهيأ الوجود. # والفرق أن الأعضاء، والصحة، والعلم، والطعام، والشراب، والجماع: محبوبة ~~لأن بها كمال وجوده وهي عين الكمال، وأما الطبيب # PageV03P108 # الذي هو سبب الصحة، والعالم الذي هو سبب العلم، ومعطي الطعام والشراب ~~والمرأة التي هي آلة الوقاع: محبوبة لا لذواتها، بل من حيث أنها وسائل إلى ~~ما هو محبوب لذاته، فإذن يرجع الفرق إلى تفاوت الرتبة، والكل يرجع إلى محبة ~~الإنسان نفسه، فمن أحب المحسن لإحسانه فما أحب ذاته تحقيقا، بل ms654 أحب إحسانه، ~~ولو زال إحسانه زال حبه مع بقاء ذاته، ولو نقص نقص الحب، ولو زاد زاد. ~~وبالجملة: يتطرق إلى حبه الزيادة والنقصان بحسب زيادة الإحسان ونقصانه. # الرابع - أن يحب الشئ لذاته، لا لحظ يناله منه وراء ذاته، بل تكون ذاته ~~عين حظه، وهذا هو الحب الحقيقي البالغ الذي يوثق به، وذلك كحب الجمال ~~والحسن، فإن كل جمال محبوب عند مدركه، وذلك لعين الجمال، لأن إدراك الجمال ~~عين اللذة، واللذة محبوبة لذاتها لا لغيرها. # ولا تظن أن حب الصور الجميلة لا يتصور إلا لأجل قضاء الشهوة، فإن قضاء ~~الشهوة لذة حيوانية، وقد يحب الإنسان الصور الجميلة لأجلها، وإدراك نفس ~~الجمال لذة أخرى روحانية يكون محبوبا لذاتها، ولا ريب في أن حب الصور ~~الجميلة بالجهة الأولى مذموم، وبالجهة الثانية ممدوح، والعشق الذي يقع لبعض ~~الناس من استحسان الصور الجميلة يكون مذموما أن كان سببه اللذة الشهوية ~~الحيوانية، ويكون ممدوحا أن كان سببه الابتهاج بمجرد أدراك الجمال، ولأجل ~~التباس السبب في هذا العشق أختلف العقلاء في مدحه وذمه، وكيف ينكر حب الصور ~~الجميلة لنفس جمالها من دون قصد حظ آخر، مع أن الخضرة والماء الجاري ~~محبوبان لا لتؤكل الخضرة ويشرب الماء، أو ينال منهما حظ سوى نفس الرؤية، ~~وقد كان رسول الله (ص) تعجبه الخضرة والماء الجاري والطباع الصافية السليمة ~~قاضية باستلذاذ النظر إلى الأنوار والأزهار والأطيار المليحة الألوان ~~الحسنة النفس المناسبة الشكل، حتى الإنسان لتتفرج عنه الغموم بمجرد النظر ~~إليها من دون قصد حظ آخر منها. وبما ذكرناه ظهر ضعف ظن بعض ضعفاء العقول، ~~حيث زعموا أنه لا يتصور أن يحب الإنسان غيره لذاته، ما لم يرجع منه حظ إلى ~~المحب سوى إدراك ذاته، ولم يعلموا أن الحسن والجمال PageV03P109 # ليس مقصورا على مدركات البصر، ولا على تناسب الخلقة، إذ يقال: هذا صوت ~~حسن، وهذا طعم حسن، وهذا ريح طيب، وليس شئ من هذه الصفات مدركة بالبصر، ~~وكذا ليس الحسن والجمال مقصورا على مدركات الحواس لوجودهما في غيرها، فإن ~~أكثر خصال الخير ms655 يدرك بالعقل بنور البصيرة الباطنة، إذ يقال: هذا خلق حسن، ~~وهذا علم حسن. وهذه سيرة حسنة، ولا يدرك شئ من هذه الصفاة بالحواس، بل يدرك ~~بالبصيرة الباطنة، وكل هذه الخصال المدركة حسنها بالعقل محبوبة بالطبع، ~~والموصوف بها أيضا محبوب عند من عرف صفاته. # ومما يدل على تحقق الجمال المدرك بالعقل وكونه محبوبا: أن الطباع السليمة ~~مجبولة على حب الأنبياء والأئمة - عليهم السلام - مع أنهم لم يشاهدوهم، حتى ~~أن الرجل قد تجاوز حبه لصاحبه مذهبه حد العشق، فيحمله ذلك على أن ينفق جميع ~~أمواله في نصرة مذهبه والذب عنه، ويخاطر بروحه في قتال من يطعن في أمامه أو ~~متبوعه، مع أنه لم يشاهد قط صورته ولم يسمع كلامه، فما حمله على الحب هو ~~استحسانه بصفاتها الباطنة: من الورع، والتقوى، والتوكل، والرضا، وغزارة ~~العلم، والإحاطة لمدارك الدين، وانتهاضه لإفاضة علم الشرع، ونشره هذه ~~الخيرات في العالم، وجملتها ترجع إلى العلم والقدرة، إذ جميع الفضائل لا ~~تخرج عن معرفة حقائق الأمور والقدرة على حمل نفسه عليها بقهر الشهوات، وهما ~~- أعني العلم والقدرة - غير مدركين بالحواس، مع أنهما محبوبان بالطبع. ومن ~~الشواهد على المطلوب: أن الناس لما وصفوا (حاتما) بالسخاء و (أنوشيروان) ~~بالعدالة، أحبتهما القلوب حبا ضروريا، من دون نظرهم إلى صورهما المحسوسة، ~~ومن غير حظ ينالونه منهما، بل كل من حكي عنه بعض خصال الخير وصفات الكمال ~~غلب على القلوب حبه، مع عدم مشاهدته ويأس المحبين من انتشار خيره وإحسانه ~~إليهم، ومن كانت بصيرته الباطنة أقوى من حواسه الظاهرة، ونور العقل أغلب ~~عليه من آثار الحواس الحيوانية، كان حبه للمعاني الباطنة أكثر من حبه ~~للمعاني الظاهرة، فشتان بين من يحب نقشا على الحائط لجمال صورته الظاهرة، ~~وبين من يحب سيد الرسل (ص) لجمال صورته PageV03P110 # الباطنة. # الخامس - محبته لمن بينه وبينه مناسبة خفية، أو مجانسة معنوية، فرب شخصين ~~تتأكد المحبة بينهما من غير ملاحظة جمال، ولا طمع في جاه ومال، بل بمجرد ~~تناسب الأرواح، كما قال النبي (ص): الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ms656 ~~ائتلف، وما تناكر منها أختلف). # السادس - محبته لمن حصل بينه وبينه الألف والاجتماع في بعض المواضع لا ~~سيما إذا كان من المواضع الغريبة، كالسفن والأسفار البعيدة. والسبب فيه: ~~كون أفراد الإنسان مجبولة على المؤانسة مع التلاقي والاجتماع، ولكون ~~المؤانسة مركوزة في طبيعة الإنسان سمي إنسانا، فهو مشتق من الأنس دون ~~النسيان - كما ظن -، والمؤانسة لا تنفك عن المحبة، وربما كان حصول المؤانسة ~~والحب بين أهل البلد، أو بينهم وبين أهل القرى، وبين أهل البلاد المتباعدة ~~والمواضع المختلفة، من جملة أسرار الأمر بالجمعة والجماعة، وصلاة العيدين، ~~والحج الباعث لاجتماع عموم الخلائق في موقف واحد. # السابع - محبته لمن يشاركه في وصف ظاهر، كميل الصبي إلى الصبي لصباه، ~~والشيخ إلى الشيخ لشيخوخته، والتاجر إلى التاجر لتجارته وهكذا.. فإن كل شخص ~~مائل إلى من يشاركه في وصفه وصنعته وشغله وحرفته، والسبب الجامع فيه هو ~~الاشتراك في الوصف والصنعة. # الثامن - حب كل سبب وعلة لمسببه ومعلوله وبالعكس، فإن المعلول لما كان ~~مثالا من العلة، ومترشحا عنها ومنبجسا منها، ومناسبا لها لكونه من سنخها، ~~فالعلة تحبه لأنه فرعها وبمنزلة بعض أجزائها التي كانت منطوية فيها، ~~والمعلول يحبها لأنها أصله وبمنزلة كله الذي كان محتويا عليه، فكان كل ~~منهما في حبه للآخر يحب نفسه. # ثم السبب أن كان علة حقيقة موجودة، تكون سببية أقوى في حصول المحبة ~~والاتحاد مما إذا كان علة معدة. فأقوى أقسام المحبة ما يكون للواجب - ~~سبحانه - بالنسبة إلى عباده، وبعد ذلك لا محبة أقوى من محبة العباد ~~العارفين بالنسبة إليه - سبحانه فإن محبتهم له من حيث كونه موجودا مخرجا ~~لهم من العدم الصرف إلى الوجود ومعطيا لهم ما احتاجوا إليه في النشأتين ~~PageV03P111 # ومن حيث أنه - تعالى - تام فوق التمام في الذات والصفات الكمالية، والنفس ~~بذاتها مشتاقة إلى الكمال المطلق، وهذه المحبة فرع المحبة ولا تحصل بدونها، ~~ولذا قال سيد الرسل (ص): (ما اتخذ الله وليا جاهلا قط). # وحب الأب لابنه وبالعكس نسبة هذا القسم، من حيث أن الأب سبب ظاهر لوجود ~~الابن، وإن ms657 لم يكن سببا حقيقيا، بل علة معدة له، فيحبه لأنه يراه بمنزلة ~~نفسه، ويظنه مثالا من ذاته، ونسخة نقلتها الطبيعة من صورته ويعد وجوده بعده ~~بمنزلة البقاء الثاني لنفسه، فيظنه أنه جزؤه وفي الخلق والخلق مثله، وكذا ~~كل ما يريد لنفسه من الكمالات يريد أفضله له ويفرح بترجيحه عليه، وتفضيله ~~عليه عنده بمثابة أن يقال: إنه في الآن أفضل من السابق، ومما يؤكد محبته ~~له: إنه يرجو منه إنجاح مقاصده ومطالبه في حياته ومماته، وليست محبة الابن ~~للأب كمحبة الأب للابن، بل هو أضعف، لفقد بعض الأسباب الباعثة له، ولذا أمر ~~الأولاد في الشريعة بحب الآباء دون العكس، وكذا المحبة التي بين المعلم ~~والمتعلم من هذا القسم، لأن المعلم كالسبب القريب للحياة الروحاني للمتعلم ~~وإفاضة الصورة الإنسانية عليه، كما إن الأب كالسبب لحياته الجسمانية ورتبته ~~الصورية، فهو والد روحاني له، وبقدر شرافة الروح على الجسم يكون المعلم ~~أشرف من الأب وعلى هذا ينبغي أن تكون محبة المعلم أدون من محبة الموجد ~~الحقيقي وأكثر من محبة الأب، وقد ورد في الحديث: (إن آبائك ثلاثة: من ولدك، ~~ومن علمك، ومن زوجك، وخير الآباء من علمك). وسئل عن ذي القرنين: # أن أباك أحب إليك أم معلمك؟ قال: (معلمي أحب إلي، لأنه سبب لحياتي ~~الباقية، وأبي سبب لحياتي الفانية). وقال أمير المؤمنين (ع): # (من علمني حرفا فقد صيرني عبدا). وعلى هذا ينبغي أن يكون حب النبي (ص) ~~وأوصياؤه الراشدين - عليهم السلام - أوكد من جميع أقسام الحب بعد محبة الله ~~- سبحانه -، لأنه المعلم الحقيقي والمكمل الأول، ولذا قال (ص) (لا يؤمن ~~أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وولده). # التاسع - محبة المتشاركين في سبب واحد بعضهم لبعض، كمحبة PageV03P112 # الأخوان والأقارب. وكلما كان السبب أقرب كانت المحبة أوكد، ولذا تكون ~~محبة الأخوين أشد من محبة أبناء الأعمام مثلا، ومن عرف الله وانتساب الكل ~~إليه، وبلغ مقام التوحيد، وعرف النسبة والربط الخاص الذي بين الله وبين ~~مخلوقاته، يحب جميع الموجودات من حيث اشتراكه معها في الموجد ms658 الحقيقي. ثم ~~قد يجتمع بعض أسباب المحبة أو أكثرها في شخص واحد، فيتضاعف الحب، كما لو ~~كان لرجل ولد جميل الصورة، حسن الخلق، كامل العلم، حسن التدبير، محسن إلى ~~والده وإلى الخلق كان حب والده له في غاية الشدة، لاجتماع أكثر أسباب الحب ~~فيه، وربما أحب شخصا آخر لوجود بعض أسباب الحب فيه من دون عكس، لعدم تحقق ~~سبب من أسباب الحب فيه، وقد تختلف فيهما أسباب الحب، فيحب كل منهما الآخر ~~من جهة، وتكون قوة الحب بقدر قوة السبب، فكلما كان السبب أكثر وأقوى كان ~~الحب أشد وأوكد. # فصل لا محبوب حقيقة إلا الله إعلم أنه لا مستحق للحب غير الله - سبحانه ~~-، ولا محبوب بالحقيقة عند ذوي البصائر إلا هو، ولو كان غيره - تعالى - ~~قابلا للحب وموضعا له فإنما هو من حيث نسبته إليه - تعالى -، فمن أحب غيره ~~- تعالى - لا من حيث نسبته إليه، فذلك لجهله وقصوره في معرفة الله، وكيف ~~يكون غيره - سبحانه - من حيث هو: لا من جهة انتسابه إليه، مستحقا للحب وهو ~~في نفسه مع قطع النظر عنه - تعالى - وعن انتسابه إليه ليس إلا العدم، ~~والعدم كيف يصلح للحب، فينبغي أن يكون حبه لعموم الخلق بعموم النسبة، أي من ~~حيث أنها منه - تعالى -، وآثاره، ومعلولاته، وأضواؤه وأظلاله، ولخصوص بعض ~~الخواص الذين لهم خصوصية نسبة إليه - تعالى -، كالحب، والأنس، والمعرفة، ~~والإطاعة لخصوص النسبة أيضا. # ومما يوضح المطلوب: إن جميع أسباب الحب مجتمعة في حق الله - تعالى -، ولا ~~توجد في غيره حقيقة، ووجودها في حق غيره وهم وتخيل PageV03P113 # ومجاز محض لا حقيقة له. # أما السبب الأول - أعني محبة النفس: فمعلوم أن وجود كل أحد فرع لوجود ربه ~~وظل له، ولا وجود له من ذاته، بل هو من حيث ذاته ليس محض وعدم صرف، فوجوده ~~ودوام وجوده وكمال وجوده من الله وبالله وإلى الله، فهو الموجود المخترع ~~له، وهو المبقي له، وهو المكمل لوجوده بإيجاد صفات الكمال فيه، فهو صرف ~~العدم لولا فضل الله عليه بالإيجاد، وهالك بعد وجوده ms659 لولا فضله عليه ~~بالإبقاء، وناقص بعد بقائه لولا فضله عليه بالتكميل، فليس في الوجود شئ له ~~قوام بنفسه إلا القيوم المطلق الذي هو قائم بذاته ومقوم لغيره. وحينئذ، ~~فمحبة كل شئ لنفسه ترجع إلى محبة ربه، وإن لم يشعر المحب به، وكيف يتصور أن ~~يحب الإنسان نفسه ولا يحب ربه الذي به قوام نفسه؟ مع أن من أحب الظل أحب ~~بالضرورة الأشجار التي بها قوام الظل، ومن أحب النور أحب لا محالة الشمس ~~التي بها قوام النور، وكل ما في الوجود بالإضافة إلى قدرة الله - تعالى - ~~كالظل بالإضافة إلى الشجرة والنور بالإضافة إلى الشمس، إذ الكل من آثار ~~قدرته، ووجوده تابع لوجوده، كما أن وجود الظل تابع لوجود الشخص، ووجود ~~النور تابع لوجود الشمس، بل هذا المثال إنما هو للتفهيم، وبالإضافة إلى ~~أوهام العوامل، حيث يتوهمون أن الظل والنور تابعان للشاخص والشمس وفايضان ~~عنهما، وعند التحقيق ليس الظل والنور أثرين للشخص والشمس وموجودين بهما، بل ~~هما فايضان من الله - تعالى - موجودان به بعد حصول الشرائط، كما أن أصل ~~الشخص والشمس وشكلهما وسائر صفاتهما منه - تعالى -. # وأما السبب الثاني، والثالث - أعني الالتذاذ والاحسان، سواء كان متعديا ~~إلى المحب أم لا: فمعلوم أنه لا لذة ولا إحسان إلا من الله - تعالى - ولا ~~محسن سوى الله، فإنه خالق الإحسان وذويه، وفاعل أسبابه ودواعيه وكل محسن ~~فهو حسنة من حسنات قدرته وحسن فعاله، وقطرة من بحار كماله وأفضاله. # وأما الرابع - أعني الحسن والجمال والكمال: فلا ريب في أنه تعالى ~~PageV03P114 # هو الجميل بذاته والكامل بذاته، وهو الجمال الخالص، والكمال المطلق، ~~وحقيقتهما منحصرة به - تعالى -، وما يوجد في غيره - تعالى - من الجمال ~~والكلام لا يخلو من شوائب الخلل والنقصان، إذ النقص شامل لجميع الممكنات، ~~وإنما تتفاوت في درجات النقص. وقد عرفت أن الجمال المعنوي أقوى من الجمال ~~الصوري: ومن كان أهل البصيرة والكمال يكون حبه للجمال الباطن المعنوي أكثر ~~وأقوى من حبه للجمال الصوري، وحقيقة الجمال المعنوي الذي هو وجوب الوجود، ~~وكمال العلم والقدرة، والاستيلاء على ms660 الكل، واستناد الجميع إليه، منحصر ~~بالله - تعالى -، فإذا كان الجمال المشوب بالنقص محبوبا، فكيف لا يكون ~~الجمال الخالص البحت الذي لا يتصور جمال فوقه محبوبا، بل المحبوب حقيقة ليس ~~إلا هو. # باده خاك آلودتان مجنون كند * صاف اگرباشد ندانم جون كند (11) على أن كل ~~جميل بالجمال الظاهر الصوري أو بالجمال الباطن المعنوي رشحة من رشحات ~~جماله، وكل كامل فكماله فرع كماله، فكل من أحب جميلا أحب خالقه، وما أحب ~~أحدا غير الله - تعالى -، لكنه أحتجب عنه تحت وجوه الأحباب وأستار الأسباب، ~~هذا مع أن عمدة جمال المخلوقين إنما هو علمهم بالله وبصفاته وأفعاله، ~~وقدرتهم على إصلاح نفوسهم بإزالة الرذائل والخبائث الشهوية المانعة عن ~~التقرب إلى الله - تعالى - وباتصافهم بمعالي الصفات وشرائفها المقربة إلى ~~الله، وعلى إصلاح عباد الله بالارشاد والسياسة، ومعلوم أن هذه الأمور ~~إضافات إلى الله - سبحانه -، فحبها يرجع إلى حبه - تعالى -. # وأما الخامس - أعني المناسبة الخفية والمجانسة المعنوية: فلا ريب في أن ~~للنفس الناطقة الإنسانية مناسبة مجهولة خفية مع باريها وموجدها، إذ هي شعلة ~~من شعلات جلاله، وبارقة من بوارق جماله، ولذا قال الله سبحانه: # (قل الروح من أمر ربي) (15). وقال: (إني جاعل في الأرض # PageV03P115 # خليفة) (16). # إذ لم يستحق آدم خلافة الله إلا بتلك المناسبة، وبهذه المناسبة ينقطع ~~العبد إلى ربه، ويعرفه عند ابتلائه بمصيبة وبلية، وهذه المناسبة لا تظهر ~~ظهورا تاما إلا بالمواضبة على النوافل بعد أحكام الفرائض، كما قال الله - ~~تعالى -: (لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت ~~سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به). # وهذا موضع تزل فيه الأقدام، حتى وقع قوم في التشبيه الظاهر، وآخرون في ~~الحلول والاتحاد، وأهل الحق الذين انكشفت لهم استحالة التشبيه والاتحاد، ~~وفساد طرفي التفريط والافراط، واتضحت لهم حقيقة السر، وعرفوا تلك المناسبة ~~واستقاموا عليه: هم الأقلون. ثم من المناسبة الظاهرة التي بين العبد وبين ~~ربه هو قرب العبد من الله في الصفاة الربوبية والأخلاق الإلهية كالعلم، ~~والبر، والاحسان، واللطف، وإفاضة ms661 الخير والرحمة على الخلق، وإرشادهم إلى ~~الحق... إلى غير ذلك من الصفات الإلهية، ولذا قيل: تخلقوا بأخلاق الله. ولا ~~ريب في أن كل ذلك يقرب العبد إلى الله، ويصيره ناسبا له. وأما العلية ~~والمعلولية فالأمر فيه ظاهر، وباقي الأسباب أسباب ضعيفة نادرة، اعتبارها في ~~حق الله نقص. # وقد ظهر مما ذكر: أن أسباب الحب بجملتها متظاهرة في حق الله - تعالى - ~~تحقيقا لا مجازا، أو في أعلى الدرجات لا أدناها، ثم كل من يحب أحدا من ~~الخلق بسبب هذه الأسباب يتصور أن يحب غيره لمشاركته إياه في السبب. والشركة ~~نقصان في الحب، لا يتصف أحد بوصف محبوب إلا ويوجد شريك له فيه، والله - ~~سبحانه - هو الذي لا يشاركه غيره في أوصاف الكمال والجمال، لا وجودا ولا ~~إمكانا فلا جرم لا يكون في حبه شركة، فلا يتطرق إليه نقصان، كما لا تتطرق ~~الشركة والنقصان إلى أوصاف كماله، فهو المستحق لأصل المحبة وكمالها، ولا ~~متعلق للمحبة إلا هو، إلا أنه لا يعرف ذلك إلا العارفون من أوليائه ~~وأحبائه، كما قال # PageV03P116 # سيد الشهداء (ع) في دعاء عرفة بقوله: (أنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب ~~أحبائك، حتى لم يحبوا سواك، ولم يلجأوا إلى غيرك)) 0 تكميل الشهود التام هو ~~نهاية درجات العشق قد صرح أساطين الحكمة: (أن الأشياء المختلفة لا يمكن أن ~~يحصل بينها تشاكل وتآلف تام حتى بينها الاتحاد والمحبة ببعض، ويحصل بينها ~~التآلف والحب والوحدة والاتحاد). # والتوضيح: إن الجواهر البسيطة لتشاكلها وتماثلها يحن بعضها إلى بعض فيحصل ~~بينها التآلف التام، والتوحد الحقيقي في الذوات والحقائق بحيث يرتفع عنها ~~التغاير والاختلاف، إذ التغاير من لوازم المادية. وأما الماديات فلا يمكن ~~أن يحصل بينها هذا التآلف والتوحد، ولو حصل بينهما تآلف وشوق، فإنما هو ~~بتلافي السطوح والنهايات دون الحقائق والذوات وليس يمكن أن يبلغ مثل هذه ~~الملاقاة إلى درجة الاتحاد والاتصال فيحصل بينها الانفصال. فالجوهر البسيط ~~المودع في الإنسان - أعني النفس الناطقة - إذا صفي عن الكدورات الطبيعية، ~~وتظهر الأخباث الجسمانية، وتخلى عن حب الشهوات والعلائق ms662 الدنيوية، انجذب ~~بحكم المناسبة إلى عالم القدس، وحدث فيه شوق تام إلى أشباهه من الجوهر ~~المجردة، ويرتفع منها إلى ما هو فوق الكل ومنبع جميع الخيرات، فيستغرق في ~~مشاهدة الجمال الحقيقي، ومطالعة جمال الخير المحض، وينمحي في أنوار تجلياته ~~القاهرة، ويصل إلى مقام التوحيد الذي هو نهاية المقامات، فيفيض عليه من ~~أنواره ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على خاطر، فيحصل له من البهجة ~~واللذة ما يضمحل عنده كل بهجة ولذة والنفس التي بلغت هذا المقام لا يتفاوت ~~حالها كثيرا في حالتي التعلق بالبدن والتجرد عنه، وما يحصل لغيرها من ~~السعادة في الآخرة يحصل لها في هذه النشأة امروز در آن كوش كه بينا باشي ~~PageV03P117 # حيران جمال آن دلارا باشى شرمت بادا چو كودكان در شب عيد تا چند در ~~انتظار فردا باشي ؟ (17) نعم، الشهود التام، والابتهاج الصافي عن الشوب، ~~يتوقف على تجردها الكلي عن البدن، فإنها وإن لاحظت بنور البصيرة في هذه ~~النشأة جمال الوحدة الصرفة، إلا أن ملاحظتها لا تخلو من شوائب الكدرة ~~الناشئة من الطبيعة: فالصفاء التام يتوقف على التجرد الكلي، ولذا تشتاق ~~أبدا إلى رفع هذا الحجاب: ويقول: # حجاب جهرة جان ميشود غبار تنم خوشادمي كه از أين چهرة برده بر فكنم چنين ~~قفس سراي چومن خوش الحاني است روم بروضة رضوان كه مرغ آن چمنم (18) وهذه ~~المحبة نهاية درجات العشق، وغاية الكمال المتصورة لنوع الإنسان، وذروة ~~مقامات الواصلين، وغاية مراتب الكاملين، فما بعدها مقام إلا وهو ثمرة من ~~ثمراتها كالأنس والرضا والتوحيد، ولا قبلها مقام إلا وهو مقدمة من ~~مقدماتها، كالصبر والزهد وسائر المقامات. وهذا العشق هو الذي أفرط العرفاء ~~وأرباب الذوق في مدحه، وبالغوا في الثناء عليه نثرا ونظما، وصرحوا بأنه ~~غاية الاتحاد والكمال المطلق، ولا كمال إلا هو، ولا سعادة إلا به، كما قيل: # عشق است هرچه هست بكفيتم وكفته اند عشقت بوصل دوست رساند بضرب دست (19) # PageV03P118 # وقيل: جز محبت هرجه بردم سود در محشر نداشت دين ودانش عرض كردم ms663 كس بچيزي ~~برنداشت (20) فصل سريان الحب في الموجودات أكثر أقسام المحبة فطرية طبيعية، ~~كمحبة المتناسبين والمتجانسين، والعلة والمعلول، ومحبة الجمال وغير ذلك، ~~والإرادي الكسبي منها قليل، كمحبة المتعلم للمعلم، وربما أمكن إرجاعه أيضا ~~إلى الطبيعي. وإذا كان الحب طبيعيا، فالاتحاد الذي من مقتضياته يكون أيضا ~~طبيعيا، فيكون لذلك أفضل من العدالة التي تقتضي الاتحاد الصناعي. ثم مع ~~وجود المحبة لا حاجة إلى العدالة، إذ هي فرع الكثرة المحوجة إلى الاتحاد ~~القشري، فمع وجود الاتحاد الطبيعي لا يقع الاحتياج إليه، وقد صرح قدماء ~~الحكمة بأن أقوام الموجودات خاليا عنها، كما أنه ليس شئ منها خاليا عن ~~الوجود والوحدة وقد صرحوا بأنه كل الوحدة، فهو سار في جميع الكائنات: # في الأفلاك والعناصر والمركبات، إذ الحب والشوق إلى التشبه بالفاعل رقص ~~الأفلاك وأدار رحاها، (بسم الله مجراها ومرساها)، والحب هو سبب ميل العناصر ~~إلى أجسادها وميل المركبات بعضها على بعض: # سر حب أزلي بر همه اشيا ساريست وزنه بر گل نزدي بلبل بيدل فرياد (21) ثم ~~لما كانت المحبة التي هي ظل الوحدة مقتضية للبقاء والكمال، وضدها موجبا ~~للفساد والاحتلال، ولكل منهما مراتب ودرجات، فتختلف الموجودات بحسبها في ~~درجات الكمال والنقصان والمتأخرون خصصوا الحب بذوي العقول، فلا يطلقون اسم ~~الحب على ميل العناصر إلى مراكزها، # PageV03P119 # وميل المركبات بعضها إلى بعض، كميل الحديد إلى المغناطيس، ولا لسم ~~الكراهة والبغض على المنافرة التي بينها، كمنافرة الحجر الباغض الحل من ~~الحل، بل يسمونها بالميل والهرب، وكذا الموافقة والمعاداة اللتين بين العجم ~~من الحيوانات، ولا يطلقون عليها اسم الحب والبغض، بل يسمونها بالألف ~~والنفرة فصل رد المنكرين لحب الله قد ظهر مما ذكر: ثبوت حقيقة المحبة ~~ولوازمها من الشوق والأنس لله تعالى، وأنه المستحق للحب دون غيره، وبذلك ~~ظهر فساد رغم من أنكر إمكان حصول محبة العبد لله - تعالى - وقال: (لا معنى ~~لها إلا المواظبة على طاعة الله، وأما حقيقة المحبة فمحال إلا مع الجنس ~~والمثل). # ولما أنكروا المحبة، أنكروا الأنس والشوق ولذة المناجاة وسائر لوازم الحب ~~وتوابعه، ms664 ويدل على فساد هذا القول مضافا إلى ما ذكر إجماع الأمة على كون ~~الحب لله ولرسوله فرضا، وما ورد في الآيات والأخبار والآثار من الأمر به ~~والمدح عليه، وإنصاف الأنبياء والأولياء به، وحكايات المحبين، وقد بلغت من ~~الكثرة والصراحة حدا لا يقبل الكذب والتأويل، فمن شواهد القرآن قوله تعالى: # (يحبهم ويحبونه) (22). وقوله: (والذين آمنوا أشد حبا لله) (23) وقوله - ~~تعالى -: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وأخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم... إلى ~~قوله -: (أحب إليكم من الله ورسوله...) إلى آخر الآية (24) وأما الأخبار ~~الواردة والآثار، فقد قال رسول الله (ص): (لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ~~ورسوله أحب إليه مما سواهما). وقال (ص): # الحب من شروط الإيمان). قال (ص) (أحبوا الله لما يغدوكم به من نعمة، ~~وأحبوني لحب الله). وقد نظر (ص) إلى بعض أصحابه # PageV03P120 # مقبلا وعليه إهاب كبش، فقال (ص): (انظروا إلى هذا الرجل الذي قد نور الله ~~قلبه، لقد رأيته بين أبويه يغذوانه بأطيب الطعام والشراب، فدعاه حب الله ~~ورسوله إلى ما ترون). وقال (ص) في دعائه: # (اللهم ارزقني حبك وحب من يحبك وحب من يقربني إلى حبك، واجعل حبك أحب إلي ~~من الماء البارد). وفي الخبر المشهور: (إن إبراهيم (ع) قال لملك الموت، إذ ~~جاءه لقبض روحه: هل رأيت خليلا يميت خليله؟ # فأوحى الله تعالى إليه: هل رأيت محبا يكره لقاء حبيبه؟ فقال: يا ملك ~~الموت! الآن فاقبض) وأوحى الله إلى موسى (ع): (يا ابن عمران! # كذب من زعم أنه يحبني فإذا جنه الليل نام عني، أليس كل محب يحب خلوة ~~حبيبه، ها أنا ذا يا ابن عمران مطلع على أحبائي، إذا جنهم الليل حولت ~~أبصارهم إلي من قلوبهم، ومثلت عقوبتي بين أعينهم، يخاطبوني عن المشاهدة، ~~ويكلموني عن الحضور، يا ابن عمران! هب لي من قلبك الخشوع، ومن بدنك الخضوع، ~~ومن عينك الدموع في ظلم الليل، فإنك تجدني قريبا). وروي: (أن عيسى (ع) مر ~~بثلاثة نفر قد نحلت أبدانهم وتغيرت ألوانهم، فقال لهم: ما الذي بلغ بكم ما ~~أرى؟ فقالوا: # الخوف ms665 من النار، فقال: حق على الله أن يؤمن الخائف. ثم جاوزهم إلى ثلاثة ~~أخرى، فإذا هم أشد نحولا وتغيرا، فقال لهم: ما الذي بلغ بكم ما أرى؟ ~~فقالوا: الشوق إلى الجنة، فقال: حق على الله أن يعطيكم ما ترجون. ثم جاوزهم ~~إلى ثلاثة أخرى، فإذا هم أشد نحولا وتغيرا، كأن على وجوههم المرايا من ~~النور، فقال: ما الذي بلغ بكم ما أرى؟ # قالوا: حب الله عز وجل، فقال: أنتم المقربون). وفي بعض الروايات: # (إنه (ع) قال للطائفتين الأوليين: مخلوقا خفتم، ومخلوقا رجوتم. # وقال للطائفة الثالثة: أنتم أولياء الله حقا، معكم أمرت أن أقيم). وقال ~~رسول الله (ص): (إن شعيبا (ع) بكى من حب الله عز وجل حتى عمى، فرد الله ~~عليه بصره، ثم بكى حتى عمى، فرد الله عليه بصره، فلما كانت الرابعة أوحى ~~الله إليه: يا شعيب! إلى متى يكون هذا أبدا منك، إن يكن هذا خوفا من النار ~~أجرتك، وإن يكن شوقا إلى الجنة فقد PageV03P121 # أبحتك. فقال: إلهي وسيدي! أنت تعلم أني ما بكيت خوفا من نارك، ولا شوقا ~~إلى جنتك، ولكن عقد حبك على قلبي، فلست أصبر أو أراك. # فأوحى الله: أما إذا كان هذا هكذا سأخدمك كليمي موسى بن عمران). # وروي: (أنه جاء أعرابي إلى النبي (ص) فقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ ~~فقال (ص): (ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام، إلا أني ~~أحب الله ورسوله، فقال له النبي: المرء مع من أحب). # وفي أخبار داود: (قل لعبادي المتوجهين إلى محبتي: ما ضركم إذا احتجبتم عن ~~خلقي إذ رفعت الحجاب بيني وبينكم حتى تنظروا إلي بعيون قلوبكم، وما ضركم ما ~~زويت عنكم من الدنيا إذ بسطت ديني لكم، وما ضركم مسخطة الخلق إذ التمستم ~~رضاي). وفيها أيضا: (يا داود! إنك تزعم أنك تحبني، فإن كنت تحبني فأخرج حب ~~الدنيا عن قلبك، فإن حبي وحبها لا يجتمعان في قلب). وقال أمير المؤمنين (ع) ~~في دعاء كميل: # (فهبني يا إلهي وسيدي ومولاي وربي ms666 صبرت على عذابك، فكيف اصبر على فراقك). ~~وقال (ع): (إن لله - تعالى - شرابا لأوليائه، إذا شربوا سكروا، وإذا سكروا ~~طربوا، وإذا طربوا طابوا وإذا طابوا ذابوا، وإذا ذابوا خلصوا، وإذا خلصوا ~~طلبوا، وإذا طلبوا وجدوا، وإذا وجدوا وصلوا وإذا وصلوا اتصلوا وإذا اتصلوا ~~لا فرق بينهم وبين حبيبهم) (25) وقال سيد الشهداء في دعاء عرفة: (أنت الذي ~~أزلت الأغيار عن قلوب أحبائك حتى لم يحبوا سواك ولم يلجأوا إلى غيرك). وقال ~~(ع) يا من أذاق أحبائه حلاوة المؤانسة فقاموا بين يديه متملقين). وفي ~~المناجاة الإنجيلية المنسوبة إلى سيد الساجدين (ع): (وعزتك لقد أحببتك محبة ~~استقرت في قلبي حلاوتها، وتنست نفسي ببشارتها، ومحال في عدل اقتضيتك أن تسد ~~أسباب رحمتك، ورحمتك عن معتقدي محبتك). وفي مناجاته الأخرى: (إلهي فاجعلنا ~~من الذين توشحت أشجار الشوق إليك في حدائق صدورهم، وأخذت لوعة محبتك بجامع ~~قلوبهم)... ثم قال: (وألحقنا بعبادك الذين هم # PageV03P122 # بالبدار إليك يسارعون، وبابك على الدوام يطرقون، وإياك في الليل والنهار ~~يعبدون، وهم من هيبتك مشفقون، الذين صفيت لهم المشارب، وبلغتهم الرغائب، ~~وأنجحت لهم المطالب، وقضيت لهم من وصلك المآرب، وملأت لهم ضمائرهم من حبك ~~ورويتهم صافي شرابك، فبك إلى لذيذ مناجاتك وصلوا ومنك على أقصى مقاصدهم ~~حصلوا)... ثم قال: (فقد انقطعت إليك همتي، وانصرفت نحوك رغبتي، فأنت لا ~~غيرك مرادي، ولك لا سواك سهري وسهادي، ولقاؤك قرة عيني، ووصلك منى نفسي، ~~وإليك شوقي وفي محبتك ولهي، وإلى هواك صبابتي، ورضاك بغيتي ورؤيتك حاجتي ~~وجوارك طلبي، وقربك غاية مسألتي، وفي مناجاتك روحي وراحتي، وعندك دواء ~~علتي، وشفاء غلتي، وبرد لوعتي، وكشف كربتي). ثم قال: # (ولا تقطعني عنك، ولا تباعدني منك، يا نعيمي وجنتي! ويا دنياي وآخرتي) ~~وقال (ع) أيضا: إلهي! من ذا الذي ذاق حلاوة محبتك فرام منك بدنا، ومن ذا ~~الذي أنس بقربك فابتغى عنك حولا، إلهي! فاجعلني ممن اصطفيته لقربك وولايتك، ~~وأخلصته لودك ومحبتك، وشوقته إلى لقائك، ورضيته بقضائك، ومنحته بالنظر إلى ~~وجهك، وحبوته برضاك، وأعذته من هجرك ثم قال: (وهميت ms667 قلبه لإرادتك، واجتبيته ~~لمشاهدتك، وأخليت وجهه لك وفرغت فؤاده لحبك)... ثم قال: (اللهم أجعلنا ممن ~~دأبهم الارتياح إليك والحنين، ودهرهم الزفرة والأنين، وجباههم ساجدة ~~لعظمتك، وعيونهم ساهرة في خدمتك، ودموعهم سائلة من خشيتك وقلوبهم معلقة ~~بمحبتك وأفئدتهم منخلعة من مهابتك، يا من أنوار قدسه لأبصار محبيه رائقة ~~وسبحان نور وجهه لقلوب عارفيه شائقة! يا منى قلوب المشتاقين، ويا غاية آمال ~~تجعلك أحب إلي ممن سواك). وقال (ع) أيضا: إلهي! ما ألذ خواطر النظر إلى ~~وجهك، وقراري لا يقر دون دنوي منك، ولهفتي لا يردها إلا روحك المحبين! ~~أسئلك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يوصل إلى قربك، وأن الإلهام بذكرك على ~~القلوب، وما أحلى المسير إليك في مسالك الغيوب، وما أطيب طعم حبك، وما أعذب ~~شرب قربك،). وقال (ع) أيضا: (وغلتي لا يبردها ألا وصلك، ولوعتي لا يطفيها ~~ألا لقاؤك، وشوقي إليك لا يبله إلا (...) PageV03P123 # وسقمي لا يشفيه ألا طبك، وغمي لا يزيله إلا قربك، وجرحي لا يبرؤه ألا ~~صفحك، ورين قلبي لا يجلوه إلا عفوك، ووسواس صدري لا يزيحه إلا أمرك (26). ~~وقال الصادق (ع): (حب الله إذا أضاء على سر عبد أخلاه من كل شاغل وكل ذكر ~~سوى الله، والمحب أخلص الناس سرا لله، وأصدقهم قولا، وأوفاهم عهدا، وأزكاهم ~~عملا، وأصفاهم ذكرا، وأعبدهم نفسا، تتباهى الملائكة عند مناجاته، وتفتخر ~~برؤيته، وبه يعمر الله بلاده، وبكرامته يكرم الله عباده، ويعطيهم إذا سألوه ~~بحقه، ويدفع عنهم البلايا برحمته، ولو علم الخلق ما محله عند الله ومنزلته ~~لديه ما تقربوا إلى الله إلا بتراب قدميه) وقال أمير المؤمنين (ع): (حب ~~الله نار لا يمر على شئ إلا احترق، ونور الله لا يطلع على شئ إلا أضاء ~~وسماء الله ما ظهر من تحته شئ إلا غطاه، وريح الله ما تهب في شئ إلا حركته، ~~وماء الله يحيي به كل شئ، وأرض الله ينبت منها كل شئ، فإن أحب الله أعطاه ~~كل شئ من الملك والملك) وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ms668 (إذا أحب الله ~~عبدا من أمتي قذف في قلوب أصفيائه وأرواح ملائكته وسكان عرشه محبته ليحبوه، ~~فذلك المحب حقا طوبى له ثم طوبى له! وله عند الله شفاعة يوم القيامة) (27) ~~إلى هنا كلام الصادق. # عليه السلام - وما ورد في الحب من الأخبار والأدعية المعصومية أكثر من أن ~~يحصى، وحكايات العشاق والمحبين لم تبلغ من الكثرة والتواتر حدا يمكن ~~إنكاره، وقد روي: (أن داود (ع) سئل ربه أن يريه بعض أهل محبته، فقال له: ~~ائت جبل لبنان، فإن فيه أربعة عشر نفسا، فيهم شبان وكهول ومشايخ، وإذا ~~أتيتهم فاقرأهم مني السلام، وقل لهم: يقول ربكم لا تسألوني حاجة، فإنكم ~~أحبائي وأصفيائي وأوليائي، أفرح لفرحكم وأسارع إلى محبتكم. فأتاهم داود، ~~فوجدهم عند عين من العيون يتفكرون في عظمة الله وملكوته، فلما نظروا إلى ~~داود، نهضوا ليتفرقوا عنه فقال لهم داود أنا رسول الله إليكم، جئتكم ~~لأبلغكم رسالة ربكم. فأقبلوا نحوه، وألقوا # PageV03P124 # أسماعهم نحو قوله، وألقوا أبصارهم إلى الأرض، فقال داود: ربكم يقرؤكم ~~السلام، ويقول لكم: ألا تسألوني حاجة، ألا تنادوني فأسمع صوتكم وكلامكم؟ ~~فإنكم أحبائي وأصفيائي وأوليائي، أفرح لفرحكم وأسارع إلى محبتكم، وانظر ~~إليكم في كل ساعة نظرة الوالدة الشفيقة الرفيقة. ولما قال داود ذلك جرت ~~الدموع على خدودهم وسبح الله كل واحد منهم ومجده، وناجاه بكلمات تدل على ~~احتراق قلوبهم من الحب والشوق). # فصل معرفة الله أقوى سائر اللذات قد عرفت أن الحب هو الميل إلى الشئ ~~الملذ الملائم للمدرك والابتهاج بإدراك الملائم ونيله، واللذة هي نفس إدراك ~~الملائم الملذ ونيله، وهذا الإدراك إن كان متعلقا بالقوة العاقلة - أي إن ~~كان المدرك هو القوة العاقلة - عبر عنه بالعلم والمعرفة، وقد عرفت أنه أقوى ~~وأشد وأشرف من الإدراكات الحسية التي هي الأبصار والاستماع والذوق والشم ~~واللمس. # ثم هذا الإدراك - أعني العلم والمعرفة - يختلف أيضا في الشرافة والكمال ~~بحسب شرافة المدرك، أي المعلوم، فكلما كان المدرك أجل وأشرف كان الإدراك - ~~أي المعرفة - أجل وأعلى. ولا ريب في أن الواجب - سبحانه - أشرف الموجودات ~~وأجلها، ms669 فالمعرفة به أعلى المعارف وأشرفها، ويثبت من ذلك: إن أجل اللذات ~~وأعلاها هو معرفة الله - تعالى - والنظر إلى وجهه الكريم، ولا يتصور أن ~~يؤثر عليها لذة أخرى إلا من حرم هذه اللذة. وبيان ذلك بوجه أوضح: أن اللذات ~~تابعة للإدراكات، والانسان جامع لجملة من القوى والغرائز، ولكل قوة وغريزة ~~لذة، ولذاتها عبارة عن نيلها مقتضى طبعها الذي خلقت له، فغريزة الغضب لما ~~خلقت للتشفي والانتقام فلا جرم لذتها في الغلبة والانتقام، وغريزة الشهوة ~~لما خلقت لتحصيل الغذاء الذي به القوام فلا جرم لذتها في نيل الغذاء وكذلك ~~لذة السمع والبصر والشم في الاستماع والأبصار والاستشمام، وغريزة العقل ~~المسماة بالبصيرة الباطنة خلقت لتعلم بها حقائق الأشياء كلها، فلذتها في ~~العلم والمعرفة، والعلم لكونه منتهى الكمال وأخص صفات الربوبية، يكون أقوى ~~اللذات والابتهاجات PageV03P125 # ولذلك يرتاح الطبع إذا أثني عليه بالذكاء وغزارة العلم لأنه يستشعر عند ~~سماع الثناء كمال ذاته وجمال علمه، فيعجب بنفسه ويلتذ به. # والتحقيق: إن الإدراك والنيل الذي هو الكمال ليس إلا العلم، وسائر ~~الإدراكات - أعني نيل الغلبة والغذاء والاستماع والأبصار والاستشمام - لا ~~تعد كمالات، ثم ليست لذة كل حلو واحدة، فإن لذة العلم بالحراثة والخياطة ~~والحياكة ليست كلذة العلم بسياسة الملك وتدبير أمور الخلق، ولا لذة العلم ~~بالنحو والشعر والتواريخ كلذة العلم بالله وصفاته وملائكته وملكوت السماوات ~~والأرض، بل لذة العلم بقدر شرف العلم، وشرف العلم بقدر شرف المعلوم، فإن ~~كان في المعلومات ما هو الأشرف الأجل والأعظم والأكمل فالعلم به ألذ العلوم ~~وأشرفها وأكملها وأطيبها، وليت شعري هل في الوجود شئ أعلى وأجمل وأشرف ~~وأكمل من خالق الأشياء كلها وقيومها، ومكملها ومربيها مبدئها ومعيدها، ~~ومديرها ومرتبها، وهل يتصور أن يكون أحد في الملك والكمال والعظمة والجلال ~~والقدرة والجمال والكبرياء والبهاء أعظم ممن ذاته في صفات الكمال ونعوت ~~الجلال فوق التمام، وقدرته وعظمته وملكه وعلمه غير متناهية فإن كنت لا تشك ~~في ذلك فينبغي ألا تشك في أن لذة المعرفة به أقوى من سائر اللذات لمن له ~~البصيرة الباطنة ms670 وغريزة المعرفة فإن اللذات مختلفة بالنوع أولا، كمخالفة ~~لذة الوقاع ولذة السماع ولذة المعرفة ولذة الرئاسة، وكل نوع مختلف بالضعف ~~والقوة، كمخالفة لذة الشبق المغتلم (28) من الجماع، ولذة الفاتر الشهوة ~~منه، وكمخالفة لذة النظر إلى الوجه الجميل ولذة النظر إلى الوجه الأجمل ~~ومخالفة لذة العلم باللغات ولذة العلم بالسماويات، وإنما يعرف أقوى اللذتين ~~من أضعفهما، بأن يؤثر عليه، فإن المخير بين النظر إلى صورة جميلة وبين ~~استنشاق روايح طيبة، إذا أختار الأول كان عنده ألذ من الثاني، والمخير بين ~~الأكل واللعب بالشطرنج، إذا أختار الثاني كانت لذة الغلبة # PageV03P126 # في الشطرنج أقوى عنده من لذة الأكل، وهذا معيار في الكشف عن ترجيح ~~اللذات. # وحين إذ نقول: لا ريب في أن المعاني واللذات الباطنة أغلب على ذوي الكمال ~~من اللذات الظاهرة، فلو خير الرجل بين لذة أكل المطاعم الطيبة ولذة الرئاسة ~~والاستيلاء، فإن كان عالي الهمة كامل العقل، أختار الرئاسة وترك الأكل، ~~وصبر على الجوع أياما كثيرة فضلا عن مدة قليلة، نعم، إن كان خسيس الهمة ميت ~~القلب، ناقص العقل والبصيرة، كالصبي والمعتوه ربما أختار لذة الأكل، وفعل ~~مثله ليس حجة. ثم كما أن لذة الرئاسة والكرامة أغلب وأرجح من اللذات الحسية ~~عند من جاوز نقصان الصبي والسفاهة، فكذلك لذة المعرفة بالله ومطالعة جمال ~~الحضرة الربوبية ألذ عنده من لذة الرئاسة، بشرط أن يكون ممن ذاق اللذتين ~~وأدركهما، فلو كان ممن لم يذق لذة المعرفة بالله لم يكن أهلا للترجيح ومحلا ~~للكلام، لاختصاص لذة المعرفة بمن نال رتبتها وذاقها، ولا يمكن إثبات ذلك ~~عند من ليس له قلب، كما لا تثبت لذة الإبصار عند الأعمى، ولذة الاستماع عند ~~الأصم، ولذة الوقاع عند العنين، ولذة الرئاسة عند الصبي والمعتوه، وليت ~~شعري من لا يفهم إلا حب المحسوسات كيف يؤمر بلذة النظر إلى وجه الله تعالى، ~~وليس له شبه وشكل وصورة، فحقيقة الحال كما قيل: (من ذاق عرف)، فمن ذاق ~~اللذتين يترك لذة الرئاسة قطعا، ويستحقر أهلها لكونها مشوبة بالكدورات ~~ومقطوعة بالموت، ويختار لذة ms671 المعرفة بالله، ومطالعة صفاته وأفعاله، ونظام ~~مملكته من أعلى عليين إلى أسفل السافلين، فإنها خالية عن الانقطاع ~~والمكدرات، متسعة للمتواردين عليها، لا تضيق بكثرتهم دائما وعرضها من حيث ~~التفهيم والتمثيل أعظم من السماوات والأرض، ومن حيث الواقع ونفس الأمر فلا ~~نهاية لعرضها، فلا يزال العارف بمطالعتها ومشاهدتها في جنة غير متناهية ~~الأطراف والأقطار، يرتع في رياضها، ويركع (29) في حياضها، ويقطع من ~~أثمارها، وهو آمن من انقطاعها، إذ ثمارها غير مقطوعة ولا ممنوعة بل هي ~~أبدية سرمدية لا يقطعها الموت، إذ الموت لا يهدم # PageV03P127 # النفس الناطقة التي هي محل المعرفة، وإنما يقطع شواغلها وعوائقها ويخليها ~~من جنسها، فأذن جميع أقطار ملكوت السماوات والأرض، فالأقطار عالم الربوبية ~~التي هي غير متناهية، ميدان للعارفين، يتبوؤن منها حيث يشاؤن، من غير حاجة ~~إلى حركة أجسامهم، ومن غير أن يضيق بعضهم على بعض أصلا، إلا أنهم يتفاوتون ~~في سعة ميادينهم بحسب تفاوتهم في اتساع الأنظار وسعة المعارف: # (ولكل درجات مما عملوا) (30). # ولا يدخل في الحصر تفاوت درجاتهم، ومن عرف هذه اللذة انمحت همومه ~~وشهواته، وصار قلبه مستغرقا بنعيمها، ولا يشغله عن الله خوف النار ولا رجاء ~~الجنة، فكيف تشغله عنه لذات الدنيا وعلائقها، وكان في الدنيا والآخرة ~~مشغولا بربه، فلو ألقي في النار لم يحس به لاستغراقه ، ولو عرض عليه نعيم ~~الجنة لم يلتفت إليه لكمال نعيمه وبلوغه الغاية التي ليس فوقها غاية، ولعل ~~سيد الرسل ص) عبر عن هذه اللذة - أي لذة مطالعة جمال الربوبية - حيث قال ~~حاكيا عن الله سبحانه: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ~~ولا خطر على قلب بشر). # وهذه اللذة هي المراد من قوله تعالى: # (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) (31). # وربما تعجل بعض هذه اللذات لمن انتهى صفاء قلبه إلى الغاية، ومع ذلك لا ~~يخلو عن توسط بعض الحجب المانعة عن الوصل إلى كنهها، ما لم يحصل التجرد ~~الكلي وخلع البدن العنصري، ولذلك قال بعضهم: أني أقول: (يا رب يا الله! ~~فأجد ms672 ذلك أثقل على قلبي من الجبال، لأن النداء يكون من وراء حجاب، وهل رأيت ~~جليسا ينادي جليسه). ثم من عرف الله وعرف حقيقة هذه اللذة، عرف أن اللذات ~~المقرونة في الشهوات المختلفة منطوية تحت هذه اللذة، كما قيل: كانت لقلبي ~~أهواء مفرقة فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي # PageV03P128 # فصار يحسدني من كنت أحسده * وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي تركت للناس ~~دنياهم ودينهم * شغلا بذكرك يا ديني ودنيائي فصل تحقق رؤية الله في الآخرة ~~ولذة لقائه إعلم أن معرفة الله إذا حصلت في الدنيا لم تكن خالية عن كدرة ما ~~كما أشير إليه، إلا أنه إذا اكتسب أصلها في الدنيا فيزيدها في الآخرة ~~انكشافا وجلاء بقدر صفاء القلوب وزكائها وتجردها عن العلائق الدنيوية، إلى ~~أن يصير أجلى وأظهر من المشاهدة بمراتب، فالاختلاف بين ما يحصل في الدنيا ~~من المعرفة وما يحصل في الآخرة من مشاهدة ولقاء إنما هو بزيادة الانكشاف ~~وجلاء. # مثال ذلك: إن من رأى إنسانا، ثم غض بصره، وجد صورته حاضرة في خياله كأنه ~~ينظر إليها، ولكن إذا فتح العين وأبصر، أدرك تفرقة بين حالتي غض العين ~~وفتحها، ولا ترجع التفرقة إلى اختلاف بين بين الصورتين لاتحادهما، بل ~~الافتراق إنما هو بمزيد الكشف والوضوح، فالصورة المتخيلة صارت بالرؤيا أتم ~~انكشافا، فإذا الخيال أول الإدراك، والرؤيا استكمال لإدراك الخيال، وهي ~~غاية الكشف، لا لأنها في العين، بل لو خلق الله هذا الإدراك الكامل المتجلي ~~في الصدر أو الجهة أو أي عضو فرض، استحق أن يسمى رؤية. وإذا فهمت هذا في ~~المتخيلات - أي المدركات التي تدخل في الخيال من الصور والأجسام - فقس عليه ~~الحال في المعلومات - أي ما يدرك بالعقل -، ولا يدخل في الخيال كذات الباري ~~وكل ما ليس بجسم، كالعلم والقدرة والإرادة وغيرها، فإن لمعرفتها وإدراكها ~~أيضا درجتين: إحداهما: أولى، والثانية: استكمال لها، وبينهما من التفاوت في ~~مزيد الكشف والايضاح ما بين المتخيل والمرئي، فتسمى الثانية بالإضافة إلى ~~الأولى لقاء ومشاهدة ورؤية، وهذه التسمية حق، لأن الرؤية سميت رؤية لأنها ms673 ~~غاية الكشف، وكما أن سنة الله جارية بأن تطبق الأجفان يمنع من تمام الكشف ~~الذي هو الرؤية في المتخيلات، فكذلك سنته أن النفس ما دامت محجوبة بالبدن ~~وعوارضه وشهواته، لم يحصل لها تمام PageV03P129 # الكشف الذي هي المشاهدة واللقاء في المعلومات الخارجية عن الخيال، فإذا ~~ارتفع بالموت حجاب البدن، وخلصت النفس، لم يكن بعد في غاية التنزه عن ~~كدورات الدنيا، بل كانت ملوثة بها، إلا أن النفوس مختلفة في ذلك: # فمنها: ما تراكم عليه الخبث والصدى، فصار كالمرآة التي فسد بطول تراكم ~~الخبث وجوهرها، فلا تقبل الإصلاح والتصقيل، وهؤلاء هم المحجوبون عن ربهم ~~أبد الآباد، نعوذ بالله من ذلك. ومنها: ما لم ينتهي إلى حد الرين والطبع، ~~ولم يخرج عن قبول التزكية والتصقيل، وهذه النفوس غير متناهية الدرجات ~~والمراتب، إذ المتلوث بالكدورات عرض عريض في (الواقع) بين الرين والطبع، ~~وبين التزكية التامة والتجرد الكلي الذي لم يكن فيه شوب من الكدورات، وهذه ~~النفوس المتلوثة على اختلاف درجاتها ومراتبها تحتاج إلى التطهير لتستعيد ~~للمشاهدة واللقاء بتجلي الحق فيها، وتطهيرها إنما هو بنوع عقوبة من ~~العقوبات الأخروية، وهي كمراتب التلوث غير متناهية الدرجات، أولها سكرة ~~الموت، وآخرها الدخول في النار، وما بينهما عقوبات البرزخ وأهوال القيامة ~~بأنواعها، فكل نفس لا بد لها من عقوبة من هذه العقوبات لتتطهر من كدوراتها: ~~فمنها: ما يتطهر بمجرد سكرة الموت وشدة النزع، ومنها ما يتطهر بها، وينقص ~~عقوبات البرزخ، ومنها ما لا يتطهر إلا بأن يذوق بعض عقوبات الآخرة، ومنها ~~ما لا يحصل تطهيره إلا بالعرض على النار عرضا يقمع منها الخبث الذي تدنست ~~به، فربما كان ذلك لحظة حقيقية، وربما كان سبعة آلاف سنة - كما وردت به ~~الأخبار - وربما كان أقل أو أكثر، ولا يعلم تفصيل ذلك إلا الله سبحانه، ~~والمحجوبون الذين بلغوا حد الرين والطبع يكونون مخلدين في النار. # ثم النفوس القابلة للتطهير إذا أكمل الله تطهيرها وتزكيتها، وبلغ الكتاب ~~أجله، استعدت حينئذ لصفائها ونقائها عن الكدورات لأن تتجلى فيه جلية الحق، ~~فتتجلى فيها تجليا ms674 يكون انكشاف تجلية بالإضافة إلى ما علمته وعرفته كانكشاف ~~تجلي المرئيات بالإضافة إلى المتخيلات، وهذه المشاهدة والتجلي تسمى رؤية، ~~لأنه في الظهور والجلاء والوضوح والانكشاف كالرؤية بالبصر، بل هو فوقه ~~بمراتب شتى، إذ الرائي في الأول العقل، PageV03P130 # وفي الثاني البصر، وشتان ما بينهما، فإن الاختلاف في مراتب الإدراك ~~والرؤية بحسب اختلاف نورية المدرك، وأي نسبة لنورية البصر إلى نورية العقل ~~وإشراقه، وما للعقل من النفوذ في حقائق الأشياء وبواطنها أنى يكون للبصر. # وقد ظهر مما ذكر: أنه لا يفوز بدرجة الرؤية والمشاهدة إلا العارفون في ~~الدنيا، لأن المعرفة هي البذر الذي ينقلب في الآخرة مشاهدة، كما تنقلب ~~النواة شجرة والبذر زرعا، ومن لا نواة له كيف يحصل له النخل، ومن لم يلق ~~البذر كيف يحصد الزرع، فمن لم يعرف الله في الدنيا فكيف يراه في الآخرة، ~~ومن لم يجد لذة المعرفة في الدنيا فلا يجد لذة النظر في العقبى، إذ لا ~~يستأنف لأحد في الآخرة ما لم يصحبه في الدنيا، فلا يحصد المرء إلا ما زرع، ~~ولا يحشر إلا على ما مات عليه، ولا يموت إلا على ما عاش عليه. # ولما كانت المعرفة على درجات متفاوتة، يكون التجلي أيضا على درجات ~~متفاوتة، فاختلاف التجلي بالإضافة إلى اختلاف المعارف كاختلاف النبات ~~بالإضافة إلى اختلاف البذور، إذ يختلف لا محالة: بكثرتها وقلتها، وجودتها، ~~وردائتها، وضعفها. ثم كلما كان التجلي والمشاهدة أقوى، كان ما يترتب عليه ~~من حب الله والأنس به أشد وأقوى، وكلما كان الحب والأنس أزيد، كان ما يترتب ~~عليه من البهجة واللذة أعلى وأقوى، وتبلغ هذه اللذة مرتبة لا تؤثر عليها ~~لذة أخرى من نعيم الجنة، بل ربما بلغت حدا تتأذى من كل نعيم سوى لقاء الله ~~ومشاهدته، فالنعمة والبهجة في الجنة بقدر حب الله، وحب الله بقدر معرفته، ~~فأصل السعادات هي المعرفة التي عبر الشرع عنه ب‍ (الإيمان). # فإن قيل: اللقاء والمشاهدة إن كانت زيادة كشف للمعرفة حتى تتحقق بين لذة ~~الرؤية ولذة المعرفة نسبة، لكانت لذة اللقاء والرؤية ms675 قليلة، وإن كانت أضعاف ~~لذة المعرفة، إذ هي في الدنيا ضعيفة، فتضاعفها إلى أي حد فرض لا ينتهي في ~~القوة، إلا أن يستحقر في جنبها سائر لذات الجنة ونعيمها. # قلنا: هذا الاستحقاق والتقليل للذة المعرفة باعثه عدم المعرفة أو ضعفها ~~PageV03P131 # فإن من خلا عن المعرفة، أو كانت له معرفة ضعيفة وقلبه مشحون بعلائق ~~الدنيا، لا يدرك لذتها، فمن كملت معرفته وصفت عن علائق الدنيا سريرته، قويت ~~بهجته واشتدت لذته، بحيث لا توازنها لذة، فإن للعارفين في معرفتهم وفكرتهم ~~ومناجاتهم لله عز وجل ابتهاجات ولذات لو عرضت عليهم الجنة ونعيمها في ~~الدنيا بدلا عنها لم يستبدلوها بها. ثم هذه اللذة مع كمالها لا نسبة لها ~~أصلا إلى لذة اللقاء والمشاهدة، كما لا نسبة للذة خيال المعشوق إلى رؤيته، ~~ولا للذة استنشاق روائح الأطعمة الطيبة إلى ذوقها وأكلها، ولا للذة اللمس ~~باليد إلى لذة الوقاع. # ومما يوضح ذلك أن لذة النظر إلى وجه المعشوق تتفاوت بأمور: # أحدها - كمال جمال المعشوق ونقصانه. # وثانيها - كمال قوة الحب والشهوة وضعفه. # وثالثها - كمال الإدراك وضعفه، فإن الالتذاذ برؤية المعشوق في ظلمة، أو ~~من بعد، أو من وراء ستر رقيق، ليس كالالتذاذ برؤيته على قرب من غير ستر عند ~~كمال الضوء. # ورابعها عدم الآلام الشاغلة والعوائق المشوشة ووجودها، فإن التذاذ الصحيح ~~الفارغ المتجرد للنظر إلى المعشوق ليس كالتذاذ الخائف المذعور أو المريض ~~المتألم، أو المشغول قلبه بمهم من المهمات، فلو كان العاشق ضعيف الحب، ~~ناظرا إلى معشوقه على بعد ومن وراء ستر رقيق، مشغول القلب بمهمات، مجتمعة ~~عليه حيات وعقارب تؤذيه وتلدغه، لم يكن خاليا عن لذة ما في هذه الحالة من ~~مشاهدة معشوقه، إلا أنه إذا فرض ارتفاع الستر وإشراق الضوء، واندفاع الحيات ~~والعقارب المؤذية، وفراغ قلبه من المهمات، وحدوث عشق مفرط، وشهوة قوية، ~~بحيث بلغت أقصى الغايات، تضاعفت لذته، بحيث لم تكن للذته الأولى نسبة إليها ~~بوجه، فكذلك الحال في نسبة لذة المعرفة في الدنيا مع حجاب البدن والاشتغال ~~بمهماته، ومع تسلط حيات الشهوات وعقاربها: ms676 من الجوع، والعطش والشبق، ~~والغضب، والحزن، والهم، ومع ضعف النفس وقصورها ونقصانها في الدنيا عن ~~التشوق إلى الملأ الأعلى، لالتفاتها إلى أسفل السافلين. PageV03P132 # إلى لذة اللقاء والمشاهدة التي يندفع فيها جميع ذلك عن النفس، فالعارف ~~لعدم خلوه في الدنيا عن هذه العوائق والمشوشات وإن قويت معرفته لا يمكن أن ~~تكمل لذته وتصفو بهجته، وإن ضعفت عوائقه ومشوشاته في بعض الأحوال وبقي ~~سالما، لاح له من جمال المعرفة ما تعظم لذته وبهجته ويدهش عقله، بحيث يكاد ~~القلب يتفطر لعظمته، إلا أن ذلك كالبرق الخاطف، ولا يمكن أن يدوم، إذ الخلو ~~عن العوائق والمشوشات ليس يمكن أن يدوم بل هو آني، ويعرض بعد الآن من ~~الشواغل والأفكار والخواطر ما يشوشه وينقصه، وهذه ضرورة قائمة في هذه ~~الحياة الفانية، فلا تزال هذه اللذة منقصة إلى الموت، وإنما الحياة الطيبة ~~بعده، وإنما العيش عيش الآخرة، فإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون، ولذا كل عارف كملت معرفته في الدنيا وأحب لقاء الله يحب الموت ولا ~~يكرهه، إلا من حيث إرادة زيادة استكمال في المعرفة، فإن المعرفة كما عرفت ~~بمنزلة البذر، وكلما كثرت المعرفة بالله وبصفاته وبأفعاله وبأسرار مملكته، ~~قويت المشاهدة واشتدت، وكثر النعيم في الآخرة وعظم، كما إنه كلما كثر البذر ~~وحسن كثر الزرع وحسن. ولا ريب في أن المعرفة لا تنتهي إلى مرتبة لا تكون ~~فوقها مرتبة، إذ بحر المعرفة لا ساحل له، والإحاطة بكنه جلال الله محال، ~~فالعارف وإن قويت معرفته، ربما أحب طول العمر وكره الموت لتزداد معرفته. # ثم أهل السنة قالوا: (إن الرؤية في الآخرة مع تنزهها عن التخيل والتصوير ~~والتقدير بالشكل والصورة والتحديد بالجهة والمكان: تكون بالعين دون القلب): ~~(وهو عندنا باطل): إذ الرؤية بالعين محال في حق الله تعالى، سواء كانت في ~~الدنيا أو في الآخرة، فكما لا تجوز رؤية الله سبحانه في الدنيا بالعين ~~والبصر، فكذلك لا تجوز في الآخرة، وكما تجوز رؤيته في الآخرة بالعقل ~~والبصيرة لأهل البصائر - أعني غاية الانكشاف والوضوح بحيث تتأدى إلى ms677 ~~المشاهدة واللقاء - فكذلك تجوز رؤيته في الدنيا بهذا المعنى، والحجاب بينه ~~وبين خلقه ليس إلا الجهل وقلة المعرفة دون الجسد، فإن العارفين وأولياء ~~الله يشاهدونه في الدنيا في جميع أحوالهم ومنصرفاتهم، PageV03P133 # وإن كان الحاصل في الآخرة أزيد انكشافا وأشد انجلاء بحسب زيادة صفاء ~~النفوس وزكائها وتجردها عن العلائق الدنيوية - كما تقدم مفصلا -، وقد ثبت ~~ذلك من أئمتنا الراشدين العارفين بأسرار النبوة، روى شيخنا الأقدم (محمد بن ~~يعقوب الكليني) وشيخنا الصدوق (محمد بن علي بن بابويه) رحمهما الله ~~بإسنادهما الصحيح عن الصادق (ع): (أنه سئل عما يرون من الرؤية، فقال: الشمس ~~جزء من سبعين جزء من نور الكرسي، والكرسي جزء من سبعين جزء من نور العرش، ~~والعرش جزء من سبعين جزء من نور الحجاب، والحجاب جزء من سبعين جزء من نور ~~الستر، فإن كانوا صادقين فليملأوا أعينهم من نور الشمس ليس دونها سحاب). ~~وبإسنادهما عن أحمد بن إسحاق قال: (كتبت إلى أبي الحسن الثالث (ع) أسأله عن ~~الرؤية وما أختلف فيه الناس، فكتب: لا تجوز الرؤية ما لم يكن بين الرائي ~~والمرئي هواء ينفذه البصر فإذا انقطع الهواء عن الرائي والمرئي لن تصح ~~الرؤية وكان في ذلك الاشتباه، لأن الرائي متى ساوى المرئي فالسبب الموجب ~~بينهما في الرؤية وجب الاشتباه، وكان ذلك التشبيه لأن الأسباب لا بد من ~~اتصالها بالمسببات). وعن أبي بصير عن الصادق (ع) قال (قلت له: أخبرني عن ~~الله - عز وجل - هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟ # قال: نعم! وقد راوه قبل يوم القيامة. فقلت: متى؟ قال: حين قال لهم ألست ~~بربكم، قالوا بلا... ثم سكت ساعة، ثم قال: وإن المؤمنين ليرونه في الدنيا ~~قبل يوم القيامة، ألست تراه في وقتك هذا؟! قال أبو بصير فقلت له: جعلت ~~فداك! فأحدث بهذا عنك؟ فقال: لا! فإنك إذا حدثت به فأنكره منكر جاهل بمعنى ~~ما تقوله، ثم قدر أن ذلك تشبيه كفر، وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين، ~~تعالى الله عما يصفه المشبهون والملحدون). # وسئل أمير المؤمنين (ع): (هل رأيت ربك حين ms678 عبدته؟ فقال: ويلك! # ما كنت اعبد ربا لم أره. قيل: وكيف رأيته؟ قال: ويلك! لا تدركه العيون في ~~مشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان) (32). وقال سيد # PageV03P134 # الشهداء (ع): (كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك أيكون لغيرك من ~~الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك، متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل ~~عليك، ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك، عميت عين لا تراك ~~عليها رقيبا، وخسرت صفقة عبد لهم تجعل من حبك نصيبا). وقال (ع) أيضا: ~~(تعرفت لكل شئ فما جهلك شئ) وقال: # (وأنت الذي تعرفت إلي في كل شئ، فرأيتك ظاهرا في كل شئ، وأنت الظاهر لكل ~~شئ) (33). وأمثال ذلك مما ورد عنهم - عليهم السلام - أكثر من أن تحصى. # فصل الطريق إلى الرؤية واللقاء الطريق إلى تحصيل محبة الله وتقويتها ثم ~~استعداد الرؤية واللقاء أمران أحدهما - تطهير القلب من شواغل الدنيا ~~وعلائقها، والتبتل إلى الله بالذكر والفكر، ثم إخراج حب غير الله من القلب، ~~إذ القلب مثل الإناء الذي لا يسع الماء - مثلا - ما لم يخرج منه الخل. وما ~~جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وكمال الحب في أن يحب الله بكل قلبه، وما ~~دام يلتفت إلى غيره فزاوية من قلبه مشغولة بغيره، وبقدر ما يشتغل بغير الله ~~ينقص منه حب الله إلى أن يكون التفاته إلى الغير من حيث أنه صنع الله - ~~تعالى وفعله ومظهر من مظاهر أسماء الله - تعالى -، وإلى التجريد والتفريد ~~الإشارة بقوله تعالى: # (قل الله ثم ذرهم) (34) وثانيهما - تحصيل معرفة الله وتقويتها وتوسيعها ~~وتسليطها على القلب والأول، أعني قطع العلائق، بمنزلة تنقية الأرض من ~~الحشائش، والثاني أي المعرفة، بمنزلة البذر فيها، ليتولد منه شجر المحبة. # ثم لتحصيل المعرفة طريقان: # أحدهما - الأعلى، وهو الاستدلال بالحق على الخلق، وذلك بأن # PageV03P135 # يعرف الله بالله، وبه يعرف غيره، أي أفعاله وآثاره. وإلى هذا أشير في ~~الكتاب الإلهي بقوله: (أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد) (35) وهذا ~~الطريق غامض، ms679 وفهمه صعب على الأكثرين. وقد أشرنا إلى كيفيته في بعض كتبنا ~~الإلهيات. # وثانيهما - وهو الأدنى، الاستدلال بالخلق على الحق - سبحانه - وهذا ~~الطريق في غاية الوضوح، وأكثر الأفهام يتمكن من سلوكه، وهو متسع الأطراف، ~~ومتكثر الشعوب والأكناف، إذ ما من ذرة من أعلى السماوات إلى تخوم الأرضين ~~إلا وفيها عجائب آيات وغرائب آيات وغرائب بينات تدل على وجود الواجب وكمال ~~قدرته وغاية حكمته ونهاية جلاله وعظمته، وذلك مما لا يتناهى. # (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي) ~~(36) وعدم وصول بعض الأفهام من هذا الطريق إلى معرفة الله مع وضوحه، إنما ~~للإعراض عن التفكير والتدبر والاشتغال بشهوات الدنيا وحظوظ النفس. ثم سلوك ~~هذا الطريق، أي الاستدلال على الله - تعالى - وعلى كمال قدرته وعظمته، ~~بالتفكر في الآيات الآفاقية والأنفسية، خوض في بحار لا ساحل لها، إذ عجائب ~~ملكوت السماوات والأرض مما لا يمكن أن تحيط به الأفهام، فإن القدر الذي ~~تبلغه أفهامنا القاصرة من عجائب حكمته الباهرة تنقضي الأعمار دون إيضاحه ~~ولا نسبة لما أحاط به علمنا إلى ما أحاط به علم العلماء، ولا نسبة له إلى ~~ما أحاط به علم الأنبياء، ولا نسبة له إلى ما أحاط به علم الخلائق كلهم، ~~ولا نسبة له إلى ما استأثر الله بعلمه، بل كلما عرفه الخلائق جميعا لا ~~يستحق أن يسمى علما في جنب علم الله، ونحن قد أشرنا إلى لمعة يسيرة من ~~عجائب حكمته المودعة في بعض مخلوقاته في مبحث التفكر. # PageV03P136 # فصل تفاوت المؤمنين في محبة الله إعلم أن المؤمنين جميعا مشتركون في أصل ~~محبة الله لاشتراكهم في أصل الإيمان، ولكنهم متفاوتون في قدرها، وسبب ~~تفاوتهم أمران: # أحدهما - اختلافهم في المعرفة وحب الدنيا فإن أكثر الناس ليس لهم من ~~معرفة الله إلا ما قرع أسماعهم من كونه متصفا بصفات كذا وكذا، من دون وصول ~~إلى حقيقة معناها، وإلى اعتقادهم بأن الموجودات المشاهدة صادرة عنه، من غير ~~تدبر في عجائب القدرة وغرائب الحكمة المودعة فيها. # وأما العارفون: فلهم ms680 الخوض في بحر التفكر والتدبر في أنواع المخلوقات، ~~واستخراج ما فيها من الحكم الخفية، والمصالح العجيبة، التي كل واحد منها ~~كمشعلة في إزالة ظلمة الجهل، والهداية إلى كمال عظمة الله، ونهاية جلاله ~~وكبريائه، فمثل الأكثرين كمثل عامي أحب عالما بمجرد استماعه أنه حسن ~~التصنيف، من دون علم ودراية بما في تصانيفه، فتكون له معرفة مجملة ويكون له ~~بحسنه ميل مجمل، ومثل العارفين كمثل عالم فتش عن تصانيفه وأطمع على ما فيها ~~من دقائق المعاني وبلاغة العبارات. ولا ريب في أن العالم بجملته صنع الله ~~وتصنيفه، فمن عرف ذلك مجملا تكون له بحسبه محبة مجملة، ومن وقف على ما فيه ~~من عجائب القدرة ودقائق الحكمة تكون له غاية الحب، وكلما ازدادت معرفته ~~بوجوه الحكم والمصالح المودعة في كل مخلوق ازداد حبه فمن اعتقد أن ما تبنيه ~~النحل من البيوت المسدسة إنما هو بإلهام الله - تعالى - إياها، من غير ~~استعداد لفهم الحكمة في اختيار الشكل المسدس على سائر الأشكال، لا يكون في ~~معرفة الله وإدراك عظمته وحكمته كمن يفهم ذلك ويتيقنه. ثم، كما إن دقائق ~~الحكم وعجائب القدرة غير متناهية، ولا يمكن لأحد أن يحيط بها، وإنما ينتهي ~~كل إلى ما يستعد له، فينبغي أن تكون مراتب الحب أيضا غير متناهية، وكل عبد ~~ينتهي إلى مرتبة تقتضيها معرفته. # وثانيهما - اختلافهم في الأسباب المذكورة للحب، فإن من يحب الله لكونه ~~منعما عليه ومحسنا إليه، ضعفت محبته لتغيرها بتغير الإنعام والاحسان ~~PageV03P137 # ولا يكون حبه في حالة البلاء كحبه في حالة الرخاء والنعماء. وأما من يحبه ~~لذاته، أو بسبب كماله وجماله ومجده وعظمته، فإنه لا يتفاوت حبه بتفاوت ~~الإحسان إليه. # فصل الواجب أظهر الموجودات عجبا لأقوام عميت قلوبهم عن معرفة الله - ~~سبحانه -، مع أن الله - تعالى - أظهر الموجودات وأجلاها، لأن البديهة ~~العقلية قاضية بأنه يجب أن يكون في الوجود موجود قائم بذاته، أي ما هو صرف ~~الوجود، ولولاه لم يتحقق موجود أصلا، يتحقق صرف الوجود القائم بذاته المقوم ~~لغيره أظهر وأجلى من تحقق كل موجود ms681 بغيره عند البصيرة الصافية، قال الله - ~~سبحانه -: # (الله نور السماوات والأرض) (37) والنور هو الظاهر لنفسه المظهر لغيره، ~~ومبدأ الإدراك من المدرك إنما هو الوجود، فكلما أدركته إنما تدرك أولا ~~وجوده، وإن لم تشعر بذلك. ولا ريب في أن الظاهر لنفسه أظهر من الظاهر ~~بغيره، وأيضا كل موجود سوى الله - سبحانه - يعلم وجوده بقليل من الآثار، ~~فإن وجود الحياة لزيد - مثلا - لا يدل عليه إلا حركته وتكلمه وبعض أخر من ~~إعراض نفسه، ولا يدل عليه شئ آخر من سائر الموجودات، وكذا وجود السماء - ~~مثلا - لا يدل عليه سوى وجود ظهور جسمها وحركتها، ولا يدل عليه شئ آخر من ~~الموجودات التي تحتها وفوقها. # وأما وجود الواجب - تعالى - فيدل عليه كل شئ إذ ليس الوجود مدرك محسوس أو ~~معقول، وحاضر أو غائب، إلا وهو شاهد ومعرف لوجوده فالسبب في خفائه مع كونه ~~أجلى وأظهر من كل شئ غاية وضوحه وظهوره، فإن شدة ظهور الشئ قد يكون سببا ~~لخفائه، لأنه يكل المدارك ويحسرها، فشدة ظهوره - سبحانه - بلغت حدا بهرت ~~العقول وأدهشتها # PageV03P138 # فضعفت عن إدراكه. وهذا كما إن الخفاش يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار، لا ~~لخفاء النهار واستتاره، بل لشدة ظهوره وضعف بصر الخفاش، فإن بصره ضعيف ~~يبهره نور الشمس إذا أشرق، فتكون قوة ظهوره مع ضعف بصره سببا لامتناع ~~أبصاره فلا يرى شيئا إلا إذا امتزج بالضوء الظلام وضعف ظهوره، فكذلك عقولنا ~~ضعيفة، وجمال الحضرة الإلهية في نهاية الاشراق والاستنارة، وفي غاية ~~الاستغراق والشمول، حتى لم تشذ عن ظهوره ذرة من ملكوت السماوات والأرض، ~~فصار ظهوره سبب خفائه، فسبحان من احتجب بإشراق نوره، واختفى عن العقول ~~والبصائر بشدة ظهوره! # ولا تتعجب من اختفاء شئ بسبب شدة ظهوره، فإن الأشياء إنما تستبان ~~بأضدادها، وما عم وجوده حتى لا ضد له عسر إدراكه، فلو اختلفت الأشياء، فدل ~~بعضها على الله - تعالى - دون بعض، أدركت التفرقة على قرب، ولما اشتركت في ~~الدلالة على نسق واحد، أشكل الأمران، ومثاله نور الشمس المشرق على الأرض، ~~فإنا نعلم أنه عرض ms682 من الأعراض يحدث في الأرض، ويزول عند غيبة الشمس، فلو ~~كانت الشمس دائمة الاشراق لا غرب لها، لكنا نظن أن لا هيئة في الأجسام إلا ~~ألوانها، وهي السواد والبياض وغيرهما، وأما الضوء فلا ندركه وحده لكن لما ~~غابت الشمس واظلمت المواضع أدركنا تفرقة بين الحالتين، فعلمنا أن الأجسام ~~قد استضاءت بضوء فارقها عند الغروب، فعرفنا وجود النور بعدمه وما كنا نطلع ~~عليه لولا عدمه إلا بعسر شديد، وذلك لمشاهدتنا الأجسام متشابهة غير مختلفة ~~في النور والظلام. وهذا مع أن النور أظهر المحسوسات، إذ به تدرك سائر ~~المحسوسات، فما هو ظاهر في نفسه مظهر لغيره انظر كيف استبهم أمره بسبب ~~ظهوره لولا طريان ضده، فإذن واجب الوجود لذاته هو أظهر الأشياء وبه ظهرت ~~الأشياء كلها ولو كان له عدم أو غيبة أو تغير، لانهدت في السماوات والأرض ~~وبطل الملك والملكوت، وأدركت التفرقة بين الحالتين، ولو كان بعض الأشياء ~~موجودا به، وبعضها موجودا بغيره، لأدركت التفرقة بين الشيئين في الدلالة، ~~ولكن دلالته عامة في الأشياء على نسق واحد، ووجوده دائم في الأحوال يستحيل ~~خلافه، فلا جرم أورثت شدة ظهوره خفاء كما قيل: PageV03P139 # خفي لإفراط الظهور تعرضت * لإدراكه أبصار قوم أخافش وحظ عيون الزرق من ~~نور وجهه * لشدته حظ العيون العوامش قال أمير المؤمنين (ع): (لم تحط ~~الأوهام، بل تجلى لها بها، وبها امتنع منها) وقال (ع): (ظاهر في غيب، وغائب ~~في ظهور). وقال (ع): # (لا تجنه البطون عن الظهور، ولا تقطعه الظهور عن البطون، قرب فنأى وعلا ~~فدنا، وظهر فبطن وبطن فعلن، ودان ولم يدن): أي ظهر وغلب، ولم يغلب. ومن ~~هناك قيل: (عرفت الله بجمعه بين الأضداد). # فصل علائم محبة الله محبة العبد لله - سبحانه - له علامات: # الأولى - أن يحب لقاؤه بطريق المشاهدة والعيان في دار السلام، ولتوقفه ~~على الموت يحب الموت ويتمناه، إذ كل من يحب شيئا يحب لقاؤه ووصله، وإذا علم ~~أنه يمتنع الوصول إليه إلا بالارتحال من الدنيا بالموت لأحب الموت لا ~~محالة، وكيف يثقل على المحب أن ms683 يسافر من وطنه إلى مستقر محبوبه ليتنعم ~~بمشاهدته، ولذا قال (حذيفة عند موته: (حبيب جاء على فاقة، لا أفلح اليوم من ~~ندم). قال بعض الأكابر: (لا يكره الموت إلا مريب، لأن الحبيب لا يكره لقاء ~~الحبيب على كل حال). # ثم من يكره الموت، فإن كانت كراهته له لحب الدنيا والتأسف على فراق الأهل ~~والأولاد والأموال، وكان حبه للدنيا وتأسفه على مفارقتها في غاية الكمال، ~~بحيث لم يحب الموت ولم يسر قلبه أصلا بما يترتب عليه من لقاء الله - تعالى ~~-، ولم يجد في قلبه شوقا إليه مطلقا فلا ريب في كون مثل هذه الكراهة منافيا ~~لأصل الحب، ولو لم يكن حبه للدنيا في غاية الكمال، بحيث لم يجد في قلبه ~~ميلا إلى ما يترتب على الموت من لقاء الله، بل كان محبا للدنيا إلا أنه كان ~~له شوق إلى لقاء الله - تعالى - أيضا أو كان لذلك كراهته للموت ضعيفة، فمثل ~~هذا الحب للدنيا ينافي كمال حب الله، لأن الحب الكامل هو الذي يستغرق كل ~~القلب، ولا يبعد أن تكون معه شائبة ضعيفة من حب الله، فإن الناس متفاوتون ~~في حب الله، PageV03P140 # فمنهم من يحبه بكل قلبه. ومنهم من لا يحبه بكل قلبه، بل يحب معه غيره ~~أيضا من الأهل والولد والمال، فلا جرم يكون فرحه بلقاء الله عند القدوم ~~عليه على قدر حبه وكراهته لفراق الدنيا عند الموت على قدر حبه لها، وإن ~~كانت كراهته للموت لأجل إرادته الاستعداد والتهيؤ للقاء الله، ومشاهدته ~~بتحصيل زيادة العلم والعمل، لا لحب الأهل والمال، ولا للتأسف على فراق ~~الدنيا، فهو لا يدل ضعف الحب ولا ينافي أصله، وهو كالمحب الذي وصل إليه خبر ~~قدوم حبيبه، فأحب أن يتأخر قدومه ساعة ليعمر داره ويفرشها ويهيأ أسبابها، ~~ليلقاه فارغ القلب عن الشواغل، وعلامة ذلك الجد في العمل، واستغراق الهم في ~~تحصيل المعرفة، والاستعداد للآخرة. # الثانية - أن يؤثر مراد الله - سبحانه - على مراده، إذ المحب لا يخالف ~~هوى محبوبه لهوى نفسه، كما قيل: # أريد وصاله ويريد هجري ms684 * فأترك ما أريد لما يريد فمن كان محبا لله: يمتثل ~~أوامره ويجتنب نواهيه، ويحترز عن اتباع الشهوات، ويدع الكسالة والبطالة، ~~ولا يزال مواضبا على طاعته وانقياده ويكون مبتهجا متنعما بالطاعة ولا ~~يشغلها، ويسقط عنه تعبها. وقد روي: # (أن زليخا لما آمنت، وتزوج بها يوسف (ع)، انفردت عنه، وتخلت للعبادة، ~~وانقطعت إلى الله - تعالى -، وكان يوسف يدعوها إلى فراشه نهارا فتدافعه إلى ~~الليل، وإذا دعاها ليلا سوفت إلى النهار، فعاتبها في ذلك فقالت يا رسول ~~الله! إنما كنت أحبك قبل أن أعرف ربك، فأما إذ عرفته فلا أؤثر على محبته ~~محبة من سواه، وما أريد به بدلا). ثم الحق أن العصيان يضاد كمال المحبة لا ~~أصلها، ولذا قد يأكل الرجل المريض ما يضره، ويزيد في مرضه مع أنه يحب نفسه، ~~ويحب صحته، والسبب ضعف المعرفة وغلبة الشهوة، فيعجز عن القيام بحق المحبة. # الثالثة - ألا يغفل عن ذكر الله - سبحانه -، بل يكون دائما مستهترا ~~بذكره، إذ من أحب شيئا أكثر ضرورة ذكره وذكر ما يتعلق به فمحب الله لا يخلو ~~عن ذكر الله وذكر رسوله وذكر القرآن وتلاوته، لأنه كلامه، ويكون محبا ~~للخلوة ليتفرد بذكره وبمناجاته، ويكون له كمال PageV03P141 # الأنس والالتذاذ بمناجاته، وفي أخبار داود: (كذب من ادعى محبتي وإذا جنه ~~الليل نام عني، أليس كل محب يحب لقاء حبيبه، فها أنا ذا موجود لمن طلبني). # الرابعة - ألا يحزن ولا يتألم عن فقد شئ، ولا يفرح بوجود شئ سوى ما يقربه ~~إلى الله أو يبعده عنه، فلا ينبغي أن يحزن ويجزع في المصائب، ولا يسر بنيل ~~المقاصد الدنيوية، ولا يتأسف على ما يفوته إلا على ما فات منه من طاعة ~~مقربة إلى محبوبه، أو على صدور معصية مبعدة، أو على ساعة خلت عن ذكر الله ~~والأنس به. # الخامسة - أن يكون مشفقا رؤوفا على عباد الله، رحيما على أولياءه وشديدا ~~على أعداء الله، كارها لمن يخالفه ويعصيه، إذ مقتضى الحب الشفقة والمحبة ~~لإحياء المحبوب والمنسوبين إليه، والبغض لأعدائه ومخالفيه. # السادسة - أن يكون في ms685 حبه خائفا متذللا تحت سلطان العظمة والجلال، وليس ~~الخوف مضادا للحب، كما ظن، إذ إدراك العظمة يوجب الهيبة وإدراك الجمال يوجب ~~الحب، ولخصوص المحبين خوف الأعراض، وخوف الحجاب وخوف الإبعاد، وخوف الوقوف، ~~وسلب المزيد وقال بعض العرفاء: (من عبد الله بمحض المحبة من غير خوف هلك ~~بالبسط والإدلال، ومن عبده من طريق الخوف من غير محبة انقطع عنه بالبعد ~~والاستيحاش ومن عبده عن طريقهما أحبه الله، فقربه ومكنه وعلمه). # السابعة - كتمان الحب والشوق من إظهاره ومن إظهار الوجد واجتناب الدعوى، ~~تعظيما للمحبوب وإجلالا له، وهيبة منه وغيرة على سره، فإن الحب سر من أسرار ~~المحبوب، فلا ينبغي إفشاؤه، ولأنه ربما يدخل في الدعوى ما يجاوز حد الواقع، ~~فيكون من الافتراء، والتعظم به العقوبة في العقبى والبلية في الدنيا. نعم، ~~ربما غشيته سكرة في حبه، حتى يدهش فيها، وتضطرب أحواله، فيظهر عليه حبه من ~~دون اختيار وتمحل. فمثله معذور، لأنه تحت سلطان المحبة مقهور ومن عرف أن ~~حصول حقيقة المعرفة والمحبة التي تنبغي أن تكون في حق الله يستحيل أن يحصل ~~لأحد وأن يطلع على ما اعترف عظماء الإنسان - أعني الأنبياء والأولياء - من ~~PageV03P142 # العجز والقصور، وإن صنفا واحدا من الأصناف الغير المتناهية من ملائكته ~~ملائكة بعدد جميع ما خلق الله من شئ، هم أهل المحبة لله، ما خطر على قلوبهم ~~مذ خلقهم الله - وهو ثلاثمائة ألف سنة قبل خلق العالم - سوى الله - سبحانه ~~-، وما ذكروا غيره، لأستحيي منه حق الحياء أن يعد ما عليه من المعرفة ~~والمحبة معرفة ومحبة، وخرس لسان عن التظاهر بالدعوى. # وروي في بعض الأخبار: (أن بعض أهل الله سأل بعض الصديقين أن يسأل الله - ~~تعالى - أن يعطيه ذرة من معرفته، ففعل ذلك، فحار عقله وذهل لبه، ووله قلبه، ~~وهام في الجبال، وبقي شاخصا سبعة أيام، لا ينتفع بشئ ولا ينتفع به شئ، فسأل ~~له الصديق ربه أن ينقص بعض الذرة من المعرفة التي أعطاه، فأوحى الله - ~~تعالى - إليه: (إنا أعطيناه جزءا من مئة ألف جزء من ذرة ms686 من المعرفة، وذلك ~~أن مئة ألف عبد سألوني شيئا من المحبة في الوقت الذي سألني هذا، فأخرت ~~إجابتهم إلى أن شفعت أنت لهذا، فلما أجبتك فيما سألت أعطيتهم كما أعطيتك، ~~فقسمت ذرة من المعرفة بين مئة ألف عبد، فهذا ما أصابه من ذلك). فقال: ~~سبحانك سبحانك! # أنقصه مما أعطيته، فأذهب الله عنه جملة ما أعطاه، وأبقى فيه عشر معشاره ~~وهو جزء من عشرة آلاف جزء من مئة ألف جزء من ذرة، فاعتدل خوفه وحبه ورجاؤه، ~~وسكن، وصار كسائر الكمل من العارفين) (38). # والحق أن حقائق الصفات الإلهية أجل وأعظم من إدراك العقول البشرية، ولا ~~يطيق أحد من الكمل أن يتحمل لفهم جزء من الأجزاء الغير المتناهية منها ~~فالوصول إلى ما عليه الحضرة الربوبية من العظمة والجلال وسائر صفات الكمال ~~في حيز المحال، (وما قيل أو يقال فيه) وهم أو خيال فأين يحصل لأحد ما يليق ~~به من المعرفة والمحبة؟ فلو أمكن أن تدخل أمثال هذه العوالم المخلوقة من ~~السماوات والأرضين وما فوقهما وأضعافهما بقدر غير متناه في جوف خردلة، ~~لأمكن أن تدخل في أعظم العقول ذرة من عظمته وجلاله، وغاية المعرفة أن يعرف ~~عظمته وقدرته وجلاله وعزته وسائر أوصافه الكمالية بأمثال هذه العنوانات ~~وتمثيلات، وهي أيضا لو ضوعفت إلى # PageV03P143 # غير النهاية في أزمنة غير متناهية، لكانت بيانات قاصرة، بل وهمية خيالية، ~~فسبحان من لا سبيل إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته!. ومن علامات المحبة ~~الأنس والرضا كما يأتي. وقد جمع بعض العارفين علامات المحب في أبيات، فقال: # لا تخدعن فللمحب دلائل * ولديه من تحف الحبيب وسائل منها تنعمه بمر بلائه ~~* وسروره في كل ما هو فاعل فالمنع منه عطية مقبولة * والفقر أكرم وبر عاجل ~~ومن الدلائل أن ترى من عزمه * طوع الحبيب وإن ألح العاذل ومن الدلائل أن ~~يرى متبسما * والقلب فيه من الحبيب بلابل ومن الدلائل أن يرى متفهما * ~~لكلام من يحظى لديه سائل ومن الدلائل أن يرى متقشفا * متحفظا عن كل ما هو ~~قائل ومن الدلائل أن تراه مشمرا ms687 * في خرقتين على شطوط الساحل ومن الدلائل ~~حزنه ونحيبه * خوف الظلام فما له من عاذل ومن الدلائل أن تراه باكيا * أن ~~قد رآه على قبيح فاعل ومن الدلائل أن تراه راضيا * بمليكه في كل حكم نازل ~~ومن الدلائل زهده فيما ترى * من دار ذل والنعيم الزائل ومن الدلائل أن تراه ~~مسلما * كل الأمور إلى المليك العادل ومن الدلائل ضحكه بين الورى * والقلب ~~محزون كقلب الثاكل ومن الدلائل أن تراه مسافرا * نحو الجهاد وكل فعل فاضل ~~فصل معنى حب الله لعبده إعلم أن شواهد الكتاب والسنة ناطقة بأن الله سبحانه ~~يحب العبد، كقوله تعالى: (يحبهم ويحبونه) (39) وقوله تعالى -: (إن الله يحب ~~الذين يقاتلون في سبيله) (40). وقوله - تعالى -: (إن الله يحب التوابين ~~ويحب # PageV03P144 # المتطهرين) (41) وقوله - تعالى -: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) (42). # وقال رسول الله (ص): (إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي ~~الإيمان إلا من يحب). وقال (ص): ((إذا أحب الله عبدا لم يضره ذنب). وقال ~~(ص): (إذا أحب الله عبدا ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن رضي اصطفاه). وقال ~~(ص): (من أكثر ذكر الله أحبه الله). وقال (ص) حاكيا عن الله: (لا يزال ~~العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، ~~وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به). وقال (ص): (إذا أحب الله عبدا، ~~جعل له واعظا من نفسه، وزاجرا من قلبه، يأمره وينهاه)... وأمثال ذلك أكثر ~~من أن تحصى. # ثم حقيقة الحب - وهو الميل إلى موافق ملائم - غير متصور في حق الله ~~تعالى، بل هذا أنما يتصور في حق نفوس ناقصة، والله سبحانه صاحب كل جمال ~~وكمال وبهاء وجلال، وكل ذلك حاضر له بالفعل أزلا وأبدا، إذ لا يتصور تجدده ~~وزواله، فلا يكون له إلى غيره نظر من حيث أنه غير، بل ابتهاجه بذاته وصفاته ~~وأفعاله، وليس في الوجود إلا ذاته وصفاته وأفعاله ولذلك قال بعض العرفاء - ~~لما قرأ قوله - تعالى -: (يحبهم ويحبونه): # (نحن نحبهم، ms688 فإنه ليس يحب إلا نفسه)، على معنى أنه الكل، وإنه في الوجود ~~ليس غيره، فمن لا يحب إلا ذاته، وصفات ذاته، وأفعال ذاته، وتصانيف ذاته، ~~فلا يجاوز حبه وذاته وتواضع ذاته من حيث هي متعلقة بذاته، فهو إذن لا يحب ~~إلا ذاته. وليس المراد من محبة الله لعبده هو الابتهاج العام الذي له تعالى ~~بأفعاله له، إذ المستفاد من الآيات والأخبار: أن له تعالى خصوصية محبة لبعض ~~عباده ليست لسائر العباد والمخلوقات، فمعنى هذه المحبة يرجع إلى كشف الحجاب ~~عن قلبه حتى يراه بقلبه، وإلى تمكينه إياه من القرب إليه، وإلى إرادته ذلك ~~به في الأزل، وإلى تطهير باطنه عن # PageV03P145 # حلول الغير به، وتخليته عن عوائق تحول بينه وبين مولاه، حتى لا يسمع إلا ~~بالحق ومن الحق، ولا يبصر إلا به، ولا ينطق إلا به - كما في الحديث القدسي، ~~فيكون تقربه بالنوافل سببا لصفاء باطنه، وارتفاع الحجاب عن قلبه، وحصوله في ~~درجة القرب من ربه، وكل ذلك من فضل الله تعالى ولطفه به ثم قرب العبد من ~~الله لا يوجب تغيرا وتجددا في صفات الله تعالى إذ التغير عليه سبحانه محال، ~~لأنه لا يزال في نعوت الكمال والجلال والجمال على ما كان عليه في أزل ~~الآزال، بل يوجب مجرد تغيير العبد بترقيه في مدارج الكمال، والتخلق بمكارم ~~الأخلاق التي هي الأخلاق الآلهية، فكلما صار أكمل صفة وأتم علما وإحاطة ~~بحقائق الأمور، وأثبت قوة في قهر الشياطين وقمع الشهوات، وأظهر نزاهة عن ~~الرذائل، وأقوى تصرفا في ملكوت الأشياء صار أقرب إلى الله، ودرجات القرب ~~غير متناهية، لعدم تناهي درجات الكمال، فمثل تقرب العبد إلى الله ليس كتقرب ~~أحد المتقاربين إلى الآخر، إذا تحركا معا، بل كتقرب أحدهما مع تحركه إلى ~~الآخر الذي كان ساكنا، أو كتقرب التلميذ في درجات الكمال إلى أستاذه، فإن ~~التلميذ متحرك مترق من حضيض الجهل إلى بقاء العلم، ويطلب القرب من أستاذه ~~في درجات العلم والكمال، والأستاذ ثابت واقف، وإن كان التلميذ يمكن أن يصل ~~إلى مرتبة ms689 المساواة لأستاذه لتناهي كمالاته، وأما العبد، كائنا من كان، لا ~~يمكن أن يصل إلى كمال يمكن أن تكون له نسبة إلى كمالاته سبحانه، لعدم تناهي ~~كمالاته شدة وقوة وعدة وعلامة كون العبد محبوبا عن الله: أن يكون هو محبا ~~له تعالى، مؤثرا إياه على غيره من المحاب، وأن يرى من بواطن أموره وظواهره ~~أنه تعالى يهيئ له أسباب السعادة فيها، ويرشده إلى ما فيه خيره ويصده عن ~~المعاصي بأسباب يعلم حصولها منه سبحانه، وأنه تعالى يتولى أمره، ظاهرة ~~وباطنه، وسره وجهره، فيكون هو المشير عليه، والمدبر لأمره، والمزين ~~لأخلاقه، والمستعمل لجوارحه، والمسدد لظاهره وباطنه، والجاعل لهمومه هما ~~واحدا، والمبغض للدنيا في قلبه، والموحش له من غيره، والمؤنس له بلذة ~~المناجاة في خلواته، PageV03P146 # والمكاشف له عن الحجب بينه وبين معرفته. # تذنيب الحب في الله والبغض في الله إعلم أن الأخبار متظاهرة في مدح الحب ~~في الله والبغض في الله وعظم فضيلته وثوابه، ومعناه لا يخلو عن إبهام، فلا ~~بد أن نشير إلى بعض هذه الأخبار، ثم نبين حقيقته ونكشف عن معناه: # أما الأخبار: كقول النبي (ص): (ود المؤمن في الله أعظم شعب الإيمان، ألا ~~ومن أحب في الله، وأبغض في الله، ومنع في الله، فهو من أصفياء الله). وقال ~~(ص) لأصحابه: (أي عرى الإيمان أوثق؟) فقالوا الله ورسوله أعلم فقال بعضهم: ~~الصلاة، وقال بعضهم: الزكاة، وقال بعضهم: الصيام وقال بعضهم: الحج والعمرة، ~~وقال بعضهم الجهاد فقال رسول الله (ص): (لكل ما قلتم فضل وليس به، ولكن ~~أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، وتوالي أولياء الله والتبري ~~من أعداء الله). وقال (ص): (المتحابون في الله يوم القيامة على أرض زبرجدة ~~خضراء في ظل عرشه عن يمينه - وكلتا يديه يمين - وجوههم أشد بياضا وأضوأ من ~~الشمس الطالعة، يغبطهم بمنزلتهم كل ملك مقرب وكل نبي مرسل، يقول الناس: من ~~هؤلاء؟ فيقال: هؤلاء المتحابون في الله). وقال سيد الساجدين (ع): (إذا جمع ~~الله عز وجل الأولين والآخرين، قام مناد فنادى ليسمع الناس، ms690 فيقول: أين ~~المتحابون في الله؟ قال: فيقوم عنق من الناس، فيقال لهم: إذهبوا إلى الجنة ~~بغير حساب. قال: فتلقاهم الملائكة فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة ~~بغير حساب، فيقولون: أي حزب أنتم من الناس فيقولون نحن المتحابون في الله. ~~قال: فيقولون: # وأي شئ كانت أعمالكم؟ قالوا: كنا نحب في الله ونبغض في الله. قال: # فيقولون: نعم أجر العالمين). وقال الباقر (ع): (إذا أردت أن تعلم إن فيك ~~خيرا، فانظر إلى قلبك، فإن كان يحب أهل طاعة الله وبغض أهل معصيته ففيك خير ~~والله يحبك، وإذا كان يبغض أهل طاعة الله ويحب أهل معصيته فليس فيك خير ~~والله يبغضك والمرء مع من أحبه) وقال (ع): PageV03P147 # (لو أن رجلا أحب رجلا لله، لأثابه الله على حبه إياه، وأن كان المحبوب في ~~علم الله من أهل النار، ولو أن رجلا أبغض رجلا لله، لأثابه الله على بغضه ~~إياه، وإن كان المبغض في علم الله من أهل الجنة). وقال الصادق (ع): (من أحب ~~لله، وأبغض لله، وأعطى لله، فهو ممن كمل إيمانه). وقال (ع): (إن المتحابين ~~في الله يوم القيامة على منابر من نور، قد أضاء نور وجوههم ونور أجسادهم ~~ونور منابرهم كل شئ، حتى يعرفوا به فيقال: هؤلاء المتحابون في الله). وقال ~~(ع): (وهل الإيمان إلا الحب في الله والبغض في الله؟ ثم تلا هذه الآية: # (حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ~~أولئك هم الراشدون) (43) وقال (ع): (ما التقى المؤمنان قط إلا كان أفضلهما ~~أشدهما حبا لأخيه). وقال (ع): (من لم يحب على الدين ولم يبغض على الدين فلا ~~دين له) والأخبار بهذه المضامين كثيرة (44). # وإذا عرفت ذلك، فلنشر إلى معنى الحب في الله والبغض في الله فنقول: # الحب الذي بين إنسانين، إما يحصل بمجرد الصحبة الاتفاقية، كالصحبة بحسب ~~الجوار، أو بحسب الاجتماع في سوق، أو مدرسة، أو سفر، أو باب سلطان، أو ~~أمثال ذلك، ومعلوم أن مثل هذا الحب ليس من الحب في الله بل هو الحب ms691 بحسب ~~الاتفاق، أو لا يحصل بمجرد ذلك، بل له سبب وباعث آخر، وهذا على أربعة ~~أقسام: # الأول - أن يحب إنسان إنسانا لذاته، لا ليتوصل به إلى محبوب ومقصود ~~وراءه، بأن يكون هو في ذاته محبوبا عنده، بمعنى أنه يلتذ برؤيته ومعصيته ~~ومشاهدة أخلاقه، لاستحسانه له، فإن كل جميل لذيذ في حق من أدرك جماله، وكل ~~لذيذ محبوب واللذة تتبع الاستحسان، والاستحسان يتبع المناسبة والموافقة ~~والملائمة بين الطباع. ثم ذلك المستحسن، # PageV03P148 # إما أن يكون جمال الصورة، وكمال العقل، وغزارة العلم، وحسن الأخلاق ~~والأفعال، وكل ذلك يستحسن عند الطباع السليمة، وكل مستحسن مستلذ به ومحبوب، ~~ومن هذا القسم أن يحبه لأجل مناسبة خفية معنوية بينهما، فإنه قد تستحكم ~~المودة بين شخصين من غير حسن في خلق وخلق. # ومن دون ملاحة في صورة. ولا غيرها من الأعضاء، بل المناسبة باطنة توجب ~~الألفة والموافقة والمحبة، فإن شبه الشئ ينجذب إليه بالطبع، والأشياء ~~الباطنة خفية، ولها أسباب دقيقة ليس في قوة البشر أن يطلع عليها، وإلى هذا ~~القسم من الحب والموافقة أشار رسول الله (ص) بقوله: (الأرواح جنود مجندة، ~~فما تعارف منهما ائتلف، وما تناكر منها اختلف). فالحب نتيجة التناسب الذي ~~هو التعارف، والبغض نتيجة التناكر. ومعلوم أن هذا القسم من الحب لا يدخل في ~~الحب لله، بل هو حب الطبع وشهوة النفس، لذا يتصور ممن لا يؤمن بالله، إلا ~~أنه إن اتصل به غرض مذموم صار مذموما، وإلا فهو مباح لا يوصف بمدح وذم. # الثاني - أن يحبه لا لذاته، بل لينال منه محبوبا وراء ذاته، وكانت لهذا ~~المحبوب فائدة دنيوية. ولا ريب في أن كلما هو وسيلة إلى المحبوب محبوب، ~~وعدم كون هذا الحب من جملة الحب في الله ظاهر. # الثالث - أن يحبه لا لذاته، بل لغيره، وذلك الغير راجع إلى حظوظه في ~~الآخرة دون الدنيا، وذلك كحب التلميذ الأستاذ، لأن يتوصل به إلى تحصيل ~~العلم وتحسين العمل، ومقصوده من العلم والعمل سعادة الآخرة. # وهذا الحب من جملة الحب في الله، وصاحبه من محبي ms692 الله، وكذلك حب الأستاذ ~~للتلميذ، لأنه يتلقف منه العلم، وينال بواسطته مرتبة التعليم، ويترقى به ~~إلى درجة التعظيم في ملكوت السماء. قال عيسى (ع): ((من علم وعمل وعلم، فذلك ~~يدعى عظيما في ملكوت السماء). ولا يتم التعليم إلا بمتعلم، فهو إذن آلة في ~~تحصيل هذا الكمال، فإن أحبه لأنه آلة إذ جعل صدره مزرعة لحرثه فهو محب لله. # بل التحقيق: أن كل من يحب أحدا لصنعته، أو فعله الذي يوجب تقربه إلى ~~الله، فهو من جملة المحبين في الله، كحب من يتولى له إيصال PageV03P149 # الصدقة إلى المستحقين، وحب طباخ يحسن صنعته في الطبخ لأجل طبخه لمن يضيفه ~~تقربا إلى الله، وحب من ينفق عليه ويواسيه بكسوته وطعامه ومسكنه وجميع ~~مقاصده التي يقصده في الدنيا، ومقصوده من ذلك الفراغ لتحصيل العلم ~~والعبادة، وحب من يخدمه بنفسه من غسل ثيابه وكنس بيته وطبخ طعامه وأمثال ~~ذلك من حيث أنه يفرغه لتحصيل العلم والعمل... # وقس على ما ذكر أمثاله، والمعيار أن كل من أحب غيره من حيث توسله لأجله ~~إلى فائدة أخروية فهو محب لله وفي الله. # الرابع - أن يحبه لله وفي الله، لا لينال منه علما أو عملا، أو يتوسل به ~~إلى أمر وراء ذاته، وذلك بأن يحبه من حيث أنه متعلق بالله ومنسوب إليه، أما ~~بالنسبة العامة التي ينتسب بها كل مخلوق إلى الله، أو لأجل خصوصية النسبة ~~أيضا، من تقربه إلى الله، وشدة حبه وخدمته له تعالى. # ولا ريب في أن من آثار غلبة الحب أن يتعدى من المحبوب إلى كل من يتعلق به ~~ويناسبه، ولو من بعد، فمن أحب إنسانا حبا شديدا، أحب محب ذلك الإنسان وأحب ~~محبوبه ومن يخدمه ومن يمدحه ويثني عليه أو يثني عليه محبوبه، وأحب من ~~يتسارع إلى رضاء محبوبه، كما قيل: # أمر على الديار ديار ليلى * أقبل ذا الجدار وذا الجدارا وما حب الديار ~~شغفن قلبي * ولكن حب من سكن الديارا وأما البغض في الله، فهو أن يبغض إنسان ~~إنسانا لأجل عصيانه لله ومخالفته ms693 له تعالى، فإن من يحب في الله لا بد وأن ~~يبغض في الله، فإنك إن أحببت إنسانا لأنه مطيع لله ومحبوب عنده، فإن عصاه ~~لا بد أن تبغضه، لأنه عاص فيه وممقوت عند الله، قال عيسى (ع): (تحببوا إلى ~~الله ببغض أهل المعاصي، وتقربوا إلى الله بالتباعد عنهم، والتمسوا رضاء ~~الله بسخطهم. وروي: (أنه تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه: أما زهدك في الدنيا ~~فقد تعجلت الراحة، وأما انقطاعك إلي فقد تعززت بي، ولكن هل عاديت في عدوا، ~~أو واليت وليا؟). # ثم للمعصية درجات مختلفة، فإنها قد تكون بالاعتقاد، كالكفر والشرك ~~والبدعة، وقد تكون بالقول والفعل، وهذا إما أن يكون مما يتأذى به ~~PageV03P150 # غيره، كالقتل والغضب والضرب وشهادة الزور وسائر أنواع الظلم، أو لا يكون ~~مما يتأذى به غيره، وهذا إما يوجب فساد الغير، كالجمع بين الرجال والنساء، ~~وتهيئة أسباب الشر والفساد على ما هو دأب صاحب الماخور، أو لا يوجب فساد ~~الغير، كالزنا وشرب الخمر، وهذا أيضا إما كبيرة أو صغيرة. وإظهار البغض ~~أيضا له درجات مختلفة، كالتباعد والهجران، وقطع اللسان عن المكالمة ~~والمحادثة والتغليظ في القول، والاستخفاف والإهانة، وعدم السعي في طاعته، ~~والسعي في إساءته وإفساد مآربه، وبعض هذا أشد من بعض، كما أن درجات الفسق ~~والمعصية أيضا كذلك. فينبغي أن يكون الأشد من درجات البغض بإزاء الأشد من ~~درجات المعصية والفسق، والوسط بإزاء الوسط، والأضعف بإزاء الأضعف. # وينبغي ألا يترك أولا النصيحة، والأمر بالمعروف. والنهي عن المنكر وتغليظ ~~القول في الوعظ والإرشاد، لا سيما إذا كان العاصي ممن بينه وبينه صحبة ~~متأكدة. ثم العاصي إن كان ممن له صفات محمودة، كالإيمان والعلم والسخاء ~~والعبادة والطاعة أو أمثال ذلك، ينبغي أن يكون مبغوضا لأجل معصيته ومحبوبا ~~لأجل صفته المحمودة، وهذا كما أن من وافقك في غرض وخالفك في آخر تكون معه ~~على حالة متوسطة بين التردد إليه والتوحش عنه فلا تبالغ في إكرامه مبالغتك ~~في إكرام من يوافقك في جميع أغراضك ولا تبالغ في إهانته مبالغتك في إهانة ~~من ms694 خالفك في جميع أغراضك. # تتميم الوفاء في الحب إعلم أن من تمام الحب للأخوان في الله (الوفاء)، ~~وهو الثبات على الحب ولوازمه وإدامته إلى الموت وبعده مع أولاده وأصدقائه، ~~وضده (الجفاء)، وهو قطع الحب أو بعض لوازمه في أيام الحياة أو بعد الموت ~~بالنسبة إلى أولاده وأحبته، ولولا الوفاء في الحب لما كانت فيه فائدة، إذ ~~الحب إنما يراد للآخرة، فإن انقطع قبل الموت لضاع السعي وحبط العمل، ولذلك ~~قال رسول الله في السبعة الذين يظلمهم الله يوم القيامة: (وأخوان تحابا في ~~الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه). وروي: (أنه (ص) كان PageV03P151 # يكرم بعض العجائز كلما دخلت عليه، فقيل له في ذلك، فقال: إنها كانت ~~تأتينا أيام خديجة، وإن كرم العهد من الدين). فمن الوفاء مراعاة جميع ~~الأصدقاء والأقارب والمتعلقين، ومراعاتهم أوقع في القلب من مراعاة الأخ ~~المحبوب في نفسه، فإن فرحه بتفقد من يتعلق به أكثر من فرحه بتفقد نفسه، إذ ~~لا تعرف قوة المحبة والشفقة إلا بتعديها من المحبوب إلى كل من يتعلق به، ~~حتى أن من قوي حبه لأخيه تميز في قلبه كلبه الذي على باب داره من سائر ~~الكلاب. ولا ريب في أن المحبة التي تنقطع - ولو بعد الممات - لا تكون محبة ~~في الله، إذ المحبة في الله دائمة لا انقطاع لها. فما قيل من أن (قليل ~~الوفاء بعد الوفاة خير من كثيره حال الحياة) إنما هو لدلالته على كون الحب ~~في الله. وبالجملة: الوفاء بالمحبة تمامها. ومن آثار الوفاء أن يكون شديد ~~الجزع من مفارقته، وألا يسمع بلاغات الناس عليه، وأن يحب صديقه وبغض عدوه، ~~ليس من الوفاء موافقة الأخ فيما يخالف الحق في أمر يتعلق بالدين، بل من ~~الوفاء المخالفة له وإرشاده إلى الحق. # هذا وأما البعد والأنس، فقد عرفت أن الأنس عبارة عن استبشار القلب بما ~~يلاحظه من المحبوب بعد الوصول، والبعد خلافه، والأنس والخوف والشوق، كلها ~~من آثار المحبة، وكل واحد منها يرد على المحب بحسب نظره، ومما يغلب عليه في ~~وقته، ms695 فإذا غلب عليه التطلع من وراء حجب الغيب إلى منتهى الجمال، واستشعر ~~قصوره من الاطلاع على كنه الجلال، انبعثت النفس وانزعجت له، وهاجت إليه، ~~فسميت هذه الحالة في الانزعاج (شوقا)، وهو بالإضافة إلى أمر غايب، وإذا غلب ~~عليه الفرح بالقرب ومشاهدة الحضور بما هو حاصل من الكشف، وكان نظره مقصورا ~~على مطالعة الجمال الحاضر المكشوف، غير ملتفت إلى ما لم يدركه بعد، استبشر ~~القلب بما يلاحظه فيه، فيسمى استبشاره (أنسا)، وإن كان نظره إلى صفات العز ~~والجلال والاستغناء وعدم المبالاة، واستشعر إمكان الزوال والبعد، تألم قلبه ~~بهذا الاستشعار، فيسمى تألمه (خوفا)، وهذه الأحوال تابعة لهذه الملاحظات، ~~فإن غلب الأنس وتجرد عن ملاحظة PageV03P152 # ما غاب عنه وما يتطرق إليه من خطر الزوال، عظم نعيمه ولذته، وغلب عليه ~~الأنس بالله، ولم تكن شهوته إلا في الانفراد والخلوة، وذلك لأن الأنس بالله ~~يلازمه التوحش من غير الله، بل كلما يعوق من الخلوة يكون أثقل الأشياء على ~~القلب، كما روي: (أن موسى (ع) لما كلمه ربه، مكث دهرا لا يسمع كلامه أحد من ~~الخلق إلا أخذه الغشيان)، لأن الحب يوجب عذوبة كلام المحبوب وعذوبة ذكره، ~~فيخرج عن القلب عذوبة ما سواه فإن خالط الناس كان كمنفرد في جماعة، ومجتمع ~~في خلوة، وغريب في حضر، وحاضر في سفر، وشاهد في غيبة، وغائب في حضور، ~~ومخالط بالبدن، متفرد بالقلب المستغرق في عذوبة الذكر، قال أمير المؤمنين ~~(ع) في وصفهم: (هم قوم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر، فباشروا روح اليقين، ~~واستلانوا ما استوعره المترفون، وأنسوا بما أستوحش منه الجاهلون، صحبوا ~~الدنيا بأبدان أرواحها متعلقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه، ~~والدعاة إلى دينه). # فصل الأنس بالله من أنكر وجود الحب والشوق أنكر وجود الأنس أيضا، ظنا أنه ~~يدل على التشبيه، وهو ناش عن الجهل بالابتهاجات العقلية واللذات الحقيقية ~~وعن القصور في طريق المعرفة، والجمود على أحكام الحس، والغفلة عن عالم ~~العقل والبصيرة، وقد ظهر ثبوت الأنس من بعض الأخبار السابقة، ويدل عليه ما ~~ورد في ms696 أخبار داود: (إن الله عز وجل أوحى إليه: يا داود! # أبلغ أهل أرضي: إني حبيب لمن أحبني، وجليس لمن جالسني، ومؤنس لمن أنس ~~بذكري. وصاحب لمن صاحبني، ومختار لمن اختارني، ومطيع لمن أطاعني، ما أحبني ~~عبد أعلم ذلك يقينا من قلبه إلا قبلته لنفسي، وأحببته حبا لا يتقدمه أحد من ~~خلقي، من طلبني بالحق وجدني، ومن طلب غيري لم يجدني، فارفضوا يا أهل الأرض ~~ما أنتم عليه من غرورها، وهلموا إلى كرامتي ومصاحبتي ومجالستي، وآنسوا بي ~~أوانسكم، وأسارع إلى محبتكم). # ج: 3 PageV03P153 # فصل الأنس قد يثمر الإدلال قال أبو حامد الغزالي: (الأنس إذا دام وغلب ~~واستحكم، ولم يشوشه قلق الشوق، ولم ينغصه خوف البعد والحجاب، فإنه يثمر ~~نوعا من الانبساط في الأقوال والأفعال والمناجاة مع الله سبحانه، وقد يكون ~~منكرا بحسب الصورة، لما فيه من الجرأة وقلة الهيبة، ولكنه محتمل ممن أقيم ~~في مقام الأنس، ومن لم يقم في ذلك المقام وتشبه بهم في الفعل والكلام، هلك ~~وأشرف على الكفر. ومثاله مناجاة (برخ الأسود) الذي أمر الله تعالى كليمه ~~موسى (ع) أن يسأله ليستسقي لبني إسرائيل، بعد أن قحطوا سبع سنين، وخرج موسى ~~في سبعين ألفا، فأوحى الله عز وجل إليه: كيف استجيب لهم وقد أظلت عليهم ~~ذنوبهم؟ سرائرهم خبيثة، يدعونني على غير يقين، ويأمنون مكري، إرجع إلى عبد ~~من عبادي يقال له (برخ)، فقل له: يخرج حتى أستجيب له. فسأل عنه موسى، فلم ~~يعرف، فبينما موسى ذات يوم يمشي في طريق، إذا بعبد أسود قد استقبله، بين ~~عينيه تراب من أثر السجود، في شملة قد عقدها على عنقه، فعرفه موسى بنور ~~الله عز وجل، فسلم عليه وقال له: ما اسمك؟ فقال: اسمي برخ، قال: فأنت ~~طلبتنا منذ حين، أخرج فاستسقي لنا، فخرج، فقال في كلامه: ما هذا من فعالك، ~~ولا هذا من حلمك، وما الذي بدا لك؟ # أتعصت عليك غيومك؟ أم عاندت الرياح عن طاعتك؟ أم نفذ ما عندك؟ # أم اشتد غضبك على المذنبين؟ ألست كنت غفارا قبل خلق ms697 الخاطئين؟ # خلقت الرحمة وأمرت بالعفو، أم ترينا أنك ممتنع؟ أم تخشى الفوت فتعجل ~~بالعقوبة؟!... قال: فما برح حتى اخضل بني إسرائيل بالمطر، وأنبت الله عز ~~وجل العشب في نصف يوم حتى بلغ الركب، ثم رجع (برخ)، فاستقبله موسى فقال: ~~كيف رأيت حين خاصمت ربي، كيف أنصفني؟! # فهم به موسى، فأوحى الله إليه: إن برخا يضحكني كل يوم ثلاث PageV03P154 # مرات))!! (45). ولا ريب في أن أمثال هذه الكلمات الصادرة عن الانبساط ~~والإدلال يحتمل من بعض العباد دون البعض، فمن انبساط الأنس قول موسى: # (أن هي إلا فتنتك) (46) وقوله في التعلل والاعتذار، لما قيل له: # (إذهب إلى فرعون إنه طغى) (47): (ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون) (47). ~~وقوله: (ويضيق صدري) (49). وقوله: (إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى) ~~(50). # وهذا من غير موسى سوء الأدب، لأن الذي أقيم مقام الأنس يلاطف ويحتمل منه ~~ما لا يحتمل من غيره، كيف ولم يحتمل من يونس النبي (ع) ما دون هذا الحال، ~~أقيم مقام القبض والهيبة، فعوقب بالسجن في بطن الحوت في ظلمات ثلاث، فنودي ~~عليه إلى يوم الحشر، لولا أن تداركته نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم، ~~ونهي نبينا أن يقتدي به، فقيل له: # واصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم)) (1). # وهذه الاختلافات بعضها لاختلاف المقامات والأحوال، وبعضها لما سبق في ~~الأزل من التفاضل والتفاوت في القسمة بين العباد، قال الله سبحانه: # تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات) (2) ~~فالأنبياء والأولياء مختلفون في الصفات والأحوال، ألا ترى أن عيسى # PageV03P155 # بن مريم (ع) كان في مقام الانبساط والإدلال، ولإدلاله له سلم على نفسه، ~~فقال: # (والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا) (3). # وهذا انبساط منه لما شاهد من اللطف في مقام الأنس. وأما يحيى عليه السلام ~~فإنه أقيم مقام الهيبة والحياء، فلم ينطق حتى سلم عليه خالقه، فقال: # (والسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا) (4) وانظر كيف أحتمل ~~لأخوة يوسف ما فعلوا به، ms698 وقد قال بعض العلماء: # (قد عددت من أول قوله تعالى): # (إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا) (5). # إلى رأس العشرين آية من أخباره تعالى عنهم، فوجدت به نيفا وأربعين خطيئة، ~~بعضها أكبر من بعض، وقد يجتمع في الكلمة الواحدة الثلاث والأربع، فغفر لهم ~~وعفا عنهم، ولم يحتمل لعزيز في مسألة واحدة سأل عنها في القدر، حتى قيل: ~~لئن عاد محي اسمه عن ديوان النبوة). # ومن فوائد هذه القصص في القرآن: أن تعرف بها سنة الله في عباده الذين ~~خلوا من قبل، فما في القرآن شئ إلا وفيه أسرار وأنوار يعرفها الراسخون في ~~العلم. # تذنيب العزلة إعلم أن من بلغ مقام الأنس، غلب على قلبه حب الخلوة والعزلة ~~عن الناس، لأن المخالطة مع الناس تشغل القلب عن التوجه التام إلى الله. # فلا بد لنا من بيان أن الأفضل من العزلة والمخالطة أيهما، فإن العلماء في ~~ذلك مختلفون، والأخبار أيضا في ذلك مختلفة، ولكل واحد منهما أيضا # PageV03P156 # فوائد ومفاسد، فنقول: الظاهر من جماعة: تفضيل العزلة على المخالطة مطلقا. ~~والظاهر من الأخرى: عكس ذلك. # نظر الأولين إلى أطلاق ما ورد في مدح العزلة، وإلى فوائدها وما ورد في ~~مدحها، كقول النبي (ص): (أن الله يحب العبد التقي الخفي)، وقوله (ص): (أفضل ~~الناس مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله، ثم رجل معتزل في شعب من ~~الشعاب)، وقوله (ص) لمن سأله عن طريق النجاة: (ليسعك بيتك، وأمسك عليك ~~دينك، وابك على خطيئتك)، وقول الصادق (ع): (فسد الزمان، وتغير الأخوان، ~~وصار الانفراد أسكن للفؤاد)، وقوله (ع): (أقلل معارفك، وأنكر من تعرف ~~منهم)، وقوله (ع): (صاحب العزلة متحصن بحصن الله تعالى، ومحرس بحراسته، فيا ~~طوبى لمن تفرد به سرا وعلانية! وهو يحتاج إلى عشر خصال: علم الحق والباطل، ~~وتحبب الفقر، واختيار الشدة، والزهد، واغتنام الخلوة، والنظر في العواقب، ~~ورؤية التقصير في العباد مع بذل المجهول، وترك العجب، وكثرة الذكر بلا ~~غفلة، فإن الغفلة مصطاد الشيطان ورأس كل بلية وسبب كل حجاب، وخلوة البيت ~~عما لا ms699 يحتاجه إليه في الوقت. قال عيسى بن مريم عليهما السلام: (أخزن لسانك ~~لعمارة قلبك، وليسعك بيتك، واحذر من الرياء وفضول معاشك، واستح من ربك، ~~وابك على خطيئتك وفر من الناس فرارك من الأسد والأفعى فإنهم كانوا دواء ~~فصاروا اليوم داء ثم الق الله متى شئت) قال ربيع بن خثيم: (إن استطعت أن ~~تكون اليوم في موضع لا تعرف ولا تعرف فافعل ففي العزلة صيانة الجوارح وفراغ ~~القلب وسلامة العيش، وكثر سلاح الشيطان، والمجانبة من كل سوء وراحة القلب، ~~وما من نبي ولا وصي إلا واختار العزلة في زمانه، إما في ابتدائه وإما في ~~انتهائه) (6) وأما فوائد العزلة، فكالفراغ للعبادة، والذكر والفكر، ~~والاستيناس بمناجاة الله والاشتغال باستكشاف أسرار الله في ملكوت السماوات ~~والأرض # PageV03P157 # والتخلص عن المعاصي التي يتعرض الإنسان لها غالبا بالمخالطة: كالغيبة ~~والرياء وسائر آفات اللسان ومسارقة الطبع الأعمال الخفية، والأخلاق الردية ~~من الناس والمداهنة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاستخلاص من ~~الفتن والخصومات وأخطارها أو من شر الناس وإيذائهم قولا وفعلا وقطع طمعه عن ~~الناس وقطع طمعهم عنه، والخلاص من مشاهدة الظلمة، والفسقة والجهال والثقلاء ~~والحمقى، ومقاسات أخلاقهم. # ونظر الآخرين - أعني القائلين بتفضيل المخالطة على العزلة - إلى إطلاق ~~الظواهر الواردة في مدح المخالطة والمؤالفة والمؤانسة وإلى فوائدها، أما ما ~~ورد في مدحها، كقول النبي (ص): (المؤمن ألف مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا ~~يؤلف). وقوله (ص): (من فارق الجماعة مات ميتة الجاهلية) وكالأخبار الواردة ~~في ذم الهجرة عن الأخوان، وقوله (ص): (إياكم والشعاب وعليكم بالعامة ~~والجماعة والمساجد). # وأما فوائد المخالطة: كالتعليم والتعلم وكسب الأخلاق الفاضلة من مجالسة ~~المتصفين بها واستماع المواعظ والنصائح ونيل الثواب بحضور الجمعة والجماعة ~~والجنازة وعيادة المرضى وزيارة الأخوان وقضاء حوائج المحتاجين ورفع الظلم ~~عن المظلومين وإدخال السرور على المؤمنين والاستيناس بالأخوان وبأهل الورع ~~والعبادة والتقوى وهو يروح القلب ويهيج داعية النشاط في العبادة وإيصال ~~النفع إلى المسلمين بالمال والجاه واللسان واستفادة مزيد الأجر والثواب ~~بتحصيل المعاش والكد على العيال وارتياض النفس بمقاساة الناس ms700 في تحمل ~~أذاهم، وكسر النفس وشهواتها وإدراك صفة التواضع لتوقفه على معاشرة الناس ~~ومخالطتهم وعدم حصوله في الوحدة، واستفادة التجارب والكياسة في مصالح ~~الدنيا والدين فإنها لا تحصل إلا من مخالطة الخلق ومشاهدة مجاري أحوالهم. ~~هذه هي فوائد كل من العزلة والمخالطة، وفوائد كل منهما مفاسد وغوائل للآخر. ~~وأنت - بعد ما عرفت فوائد كل منهما وغوائله - تعلم أن الحكم بترجيح أحدهما ~~على الآخر على الإطلاق خطأ. كيف يجوز أن يقال: أن العزلة أفضل لشخص جاهل لم ~~يتعلم شيئا من أصوله وفروعه، ولم يقرع سمعه علم الأخلاق ولم يميز بين فضائل ~~الصفات ورذائلها PageV03P158 # فضلا عن أن تحصل له التخلية والتحلية ومع ذلك يمكن أن يحصل ذلك بالمخالطة ~~مع العلماء وأولي الأخلاق الفاضلة؟ وكيف يجوز أن يقال: أن المخالطة أفضل ~~لمن حصل ما في وسعه وقدرته من العلم والعمل، ووصل إلى مرتبة الابتهاج ~~والالتذاذ بالطاعات والمناجاة، ولم يترتب على مخالطته مع الناس شئ من ~~الفوائد الدينية والدنيوية، بل تترتب عليه المفاسد الكثيرة؟ # فالصحيح أن يقال: إن الأفضلية فيهما تختلف بالنظر إلى الأشخاص والأحوال ~~والأزمان والأمكنة. فينبغي أن ينظر إلى كل شخص وحاله، وإلى خليطه وإلى باعث ~~مخالطته وإلى ما يحصل بمخالطته من فوائد المخالطة وما يفوت لأجلها من فوائد ~~العزلة ويوازن بين ذلك، حتى يظهر الأفضل والأرجح. # ولاختلاف ذلك في حق الأشخاص بملاحظة الأحوال والفوائد والآفات، بما يظهر ~~- بعد التأمل - أن الأفضل لبعض الخلق العزلة التامة ولبعضهم المخالطة ~~ولبعضهم الاعتدال في العزلة والمخالطة وبما ذكر يظهر أن الأفضل لمن بلغ ~~مقام الأنس والاستغراق: الخلوة والعزلة إذ لا ريب في أن المخالطة توجب ~~السقوط عن مرتبة الشهود والأنس، ولا يتصور من فوائدها شئ يقاوم ذلك. ولذلك ~~كان المحبون المستأنسون بالله يعتزلون عن الخلق . يؤثرون الخلوة. قال أويس ~~القرني: (ما كنت أرى أحدا يعرف ربه فيأنس بغيره). وقال بعضهم: (إذا رأيت ~~الصبح أدركني استرجعت كراهية لقاء الناس). وقال بعضهم: (سرور المؤمن ولذته ~~في الخلوة بمناجاة ربه) وقال بعض الصالحين: (رأيت في بعض البلاد عابدا ms701 خرج ~~من بعض قلل الجبال، فلما رآني تنحى عني وتستر بشجرة، فقلت له: سبحان الله! # أتبخل علي بالنظر إليك؟ فقال: يا هذا! إني قمت في هذا الجبل دهرا طويلا ~~أعالج قلبي في الصبر عن الدنيا وأهلها فطال في ذلك تعبي وفنى فيه عمري، ~~فسألت الله - تعالى - أن يعطيني ذلك فسكن قلبي عن الاضطراب وألف الوحدة ~~والانفراد، فلما نظرت إليك خفت أن أوقع في الأول فإني أعوذ من شرك برب ~~العالمين وحبيب القانتين ثم صاح وقال: واغماه من طول المكث في الدنيا! ثم ~~حول وجهه عني وقال: سبحان من ذاق قلوب العارفين من لذة الخلوة وحلاوة ~~الانقطاع إليه! ما ألهى قلوبهم عن ذكر الجنان وعن الحور PageV03P159 # الحسان). وقال بعض الأكابر،: إنما يستوحش الإنسان من نفسه لخلو ذاته عن ~~الفضيلة فبملاقاة الناس ومخالطتهم يفرح ويطرد الوحشة من نفسه فإذا كانت ~~ذاته فاضلة طلب الوحدة ليستعين بها على الفكرة، ويستخرج العلم والحكمة ومن ~~هنا قيل: (الاستيناس بالناس من علامات الافلاس). # فمن تيسر له منزلة بدوام الذكر والأنس بالله، وبدوام الفكر والتحقيق في ~~معرفة الله، فالتجرد والخلوة أفضل له من كل ما يتعلق بالمخالطة، فإن غاية ~~العبادات وثمرة المجاهدة أن يموت الإنسان محبا لله عارفا بالله، ولا محبة ~~إلا بالأنس الحاصل بدوام الذكر، ولا معرفة إلا بدوام الفكر، وفراغ القلب ~~شرط لكل منهما، ولا فراغ مع المخالطة. # فإن قلت: لا منافاة بين المخالطة مع الناس والأنس بالله، ولذا كان ~~الأنبياء مخالطين بالناس مع غاية استغراقهم في الشهود والأنس. # قلنا: لا يتسع للجمع بين مخالطة الخلق ظاهرا، والاقبال التام على الله ~~سرا، إلا قوة النبوة. فلا ينبغي أن يغتر كل ضعيف بنفسه، فيطمع في ذلك. ثم، ~~بما ذكرناه يظهر وجه الجمع بين الأخبار الواردة من الطرفين فإن ما ورد في ~~فضيلة العزلة إنما هو بالنظر إلى بعض الناس، وما ورد في فضيلة المخالطة ~~أنما هو بالنظر إلى بعض آخر. # ومنها: # السخط السخط فيما يخالف هواه من الواردات الإلهية والتقديرات الربانية، ~~ويرادفه الإنكار والاعتراض، وهو من ms702 شعب الكراهة لأفعال الله، وهو ينافي ~~الإيمان والتوحيد. وما للعبد العاجز الذليل المهين الجاهل بمواقع القضاء ~~والقدر، والغافل عن موارد الحكم والمصالح، والاعتراض والانكار والسخط ~~لأفعال الخالق الحكيم العليم الخبير، وأنى للعبد ألا يرضى بما يرضى به ربه، ~~ولعمري! أن من يعترض على فعل الله فهو أشد الجهلاء، ومن لم يرض بالقضاء ~~فليس لحمقه دواء. وقد ورد في الخبر القدسي: # (خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يديه، وويل ~~لمن خلقته للشر وأجريت الشر على يديه، وويل ثم ويل لمن قال لم PageV03P160 # وكيف!). وفي خبر قدسي آخر: (أنا الله لا إله إلا أنا، من لم يصبر على ~~بلائي، ولم يشكر على نعمائي، ولم يرض بقضائي، فليتخذ ربا، سواي). وفي ~~مناجاة موسى: ((أي رب! أي خلقك أحب إليك؟ قال: # من إذا أخذت منه المحبوب سالمني. قال: فأي خلقك أنت عليه ساخط؟ # قال: من يستخيرني في الأمر، فإذا قضيت له سخط قضائي). وفي الخبر القدسي: ~~(قدرت المقادير، ودبرت التدبير، وأحكمت الصنعة، فمن رضي فله الرضا مني حين ~~يلقاني، ومن سخط فله السخط مني حين يلقاني). # وقال الباقر (ع): (من سخط القضاء مضى عليه القضاء، وأحبط الله أجره). ~~وقال الصادق (ع): (كيف يكون المؤمن مؤمنا، وهو يسخط قسمته، ويحقر منزلته، ~~والحاكم عليه الله، وأنا الضامن لمن لم يهجس في قلبه إلا الرضا أن يدعو ~~الله فيستجاب له) وفي بعض الأخبار: (أن نبيا من الأنبياء شكى إلى الله - عز ~~وجل - الجوع والفقر والعرى عشر سنين فما أجيب إليه، ثم أوحى الله - تعالى - ~~إليه: كم تشكو؟ وهكذا كان بدؤك عندي في أم الكتاب قبل أن أخلق السماوات ~~والأرض، وهكذا سبق لك مني، وهكذا قضيت عليك قبل أن أخلق الدنيا، أفتريد أن ~~أعيد خلق الدنيا من أجلك؟ أم تريد أن أبدل ما قدرته عليك، فيكون ما تحب فوق ~~ما أحب، ويكون ما تريد فوق ما أريد؟ وعزتي وجلالي! لئن تلجلج هذا في صدرك ~~مرة أخرى، لأمحونك من ديوان النبوة) (7). وروي أنه: # (أوحى الله ms703 - تعالى - إلى داود (ع): تريد وأريد وإنما يكون ما أريد، فإن ~~أسلمت لما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد ثم ~~لا يكون إلا ما أريد) (8). # وبالجملة: من عرف أن العالم بجميع أجزائه، من الجواهر والأعراض صادرة عنه ~~على وجه الحكمة والخيرية، وإنها النظام الأصلح الذي لا يتصور # PageV03P161 # فوقه نظام، ولو تغير جزء منه على ما هو اختلت الأصلحية والخيرية، وعرف ~~الله بالربوبية، وعرف نفسه بالعبودية، يعلم أن السخط والإعراض وعدم الرضا ~~بالشئ مما يرد، ويكون غاية الجهل والخطر، ولذلك لم يكون أحد من الأنبياء أن ~~يقول قط في أمر: ليت كان كذا، حتى قال بعض أصحاب النبي (ص): (خدمت رسول ~~الله (ص) عشر سنين، فما قال لي لشئ فعلته: لما فعلت، ولا لشئ لم أفعله لم ~~لم تفعله، ولا قال في شئ كان: # ليته لم يكن، ولا في شئ لم يكن: ليته كان، وكان إذا خاصمني مخاصم من ~~أهله، يقول: دعوه، لو قضى شئ لكان). وروي: (أن آدم (ع) كان بعض أولاده ~~الصغار يصعدون على بدنه وينزلون، ويجعل أحدهم رجليه على أضلاعه كهيئة ~~الدرج، فيصعد إلى رأسه، ثم ينزل على أضلاعه كذلك وهو مطرق إلى الأرض لا ~~ينطق، ولا يرفع رأسه، فقال له بعض ولده: # يا أبت! أما ترى ما يصنع هذا بك؟ لو نهيته عن هذا، فقال: يا بني! # أني رأيت ما لم تروا، وعلمت ما لم تعلموا، أني تحركت حركة واحدة فأهبطت ~~من دار الكرامة إلى دار الهوان، ومن دار الشقاء، فأخاف أن أتحرك حركة أخرى ~~فيصيبني ما لا أعلم) (9). # فصل الرضا - فضيلة الرضا - رضا الله - رد إنكار تحقق الرضا - هل يناقض ~~الدعاء ونحوه الرضا - طريق تحصيل الرضا - التسليم. # ضد السخط (الرضا)، وهو ترك الاعتراض والسخط باطنا وظاهرا قولا وفعلا، وهو ~~من ثمرات المحبة ولوازمها، إذ المحب يستحسن كلما يصدر عن محبوبه، وصاحب ~~الرضا يستوي عنده الفقر والغنا، والراحة والعناء، والبقاء والفناء، والعز ~~والذل، والصحة والمرض، والموت والحياة ولا يرجح بعضها على ms704 بعض، ولا يثقل شئ ~~منها على طبعه، إذ يرى صدور الكل من الله - سبحانه -، وقد رسخ حبه في قلبه، ~~بحيث يحب أفعاله ويرجح على مراده مراده - تعالى -، فيرضى لكل ما يكون ويرد، ~~وروي: (أن واحدا من أرباب الرضا عمر سبعين سنة، ولم يقل # PageV03P162 # في هذه المدة لشئ كان: ليته لم يكن، ولا لشئ لم يكن: ليته كان). # وقيل لبعضهم: (ما وجدت من آثار الرضا في نفسك؟ فقال: ما في رائحة من ~~الرضا، ومع ذلك لو جعلني الله جسرا على جهنم، وعبر علي الأولون والآخرون من ~~الخلائق ودخلوا الجنة، ثم يلقوني في النار، وملأ بي جهنم لأحببت ذلك من ~~حكمه، ورضيت به من قسمه، ولم يختلج ببالي أنه لما كان كذا، وليت لم يكن ~~كذا، ولم هذا حظي وذاك حظهم)). وصاحب الرضا في روح وراحة وسرور وبهجة، لأنه ~~يشاهد كل شئ بعين الرضا وينظر في كل شئ إلى نور الرحمة الإلهية، وسر الحكمة ~~الأزلية فكأن كل شئ حصل على وفق مراده وهواه. وفائدة الرضا، عاجلا، فراغ ~~القلب للعبادة والراحة من الهموم، وآجلا، رضوان الله والنجاة من غضبه - ~~تعالى -. # فصل فضيلة الرضا الرضا بالقضاء أفضل مقامات الدين وأشرف منازل المقربين، ~~وهو باب الله الأعظم من دخله دخل الجنة. قال الله - سبحانه -: # (رضي الله عنهم ورضوا عنه) (10) وعن النبي (ص): (أنه سئل طائفة من ~~أصحابه: ما أنتم؟ فقالوا: # مؤمنون، فقال: ما علامة إيمانكم؟ فقالوا: نصبر على البلاء ونشكر عند ~~الرخاء ونرضى بمواقع القضاء فقال: مؤمنون ورب الكعبة!)، وفي خبر آخر، قال: ~~(حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء). # وقال (ص): (إذا أحب الله عبدا ابتلاه، فإن صبر اجتباه، فإن رضي اصطفاه). ~~وقال (ص): (أعطوا الله الرضا من قلوبكم، تظفروا بثواب فقركم). وقال (ص): ~~(إذا كان يوم القيامة، أنبت الله - تعالى - لطائفة من أمتي أجنحة، فيطيرون ~~من قبورهم إلى الجنان، يسرحون فيها، ويتنعمون فيها كيف شاؤوا، فتقول لهم ~~الملائكة: هل رأيتم الحساب؟ فيقولون # PageV03P163 # ما رأينا حسابا، فنقول لهم: هل جزتم الصراط؟ فيقولون: ما ms705 رأينا صراطا، ~~فتقول لهم: هل رأيتم جهنم؟ فيقولون: ما رأينا شيئا، فتقول الملائكة: من أمة ~~من أنتم؟ فيقولون: من أمة محمد (ص)، فتقول: # ناشدناكم الله! حدثونا ما كانت أعمالكم في الدنيا فيقولون: خصلتان كانتا ~~فينا، فبلغنا الله هذه المنزلة بفضل رحمته، فيقولون: وما هما؟ # فيقولون: كنا إذا خلونا نستحي أن نعصيه، ونرضى باليسير مما قسم لنا، ~~فتقول الملائكة: يحق لكم هذا). وقال الصادق (ع): (أن الله بعدله وحكمته ~~وعلمه، جعل الروح والفرح في اليقين والرضا عن الله - تعالى - وجعل الهم ~~والحزن في الشك والسخط). وروي: (أن موسى (ع) قال: يا رب! دلني على أمر فيه ~~رضاك. فقال - تعالى -: إن رضاي في رضاك بقضائي). وروي: (أن بني إسرائيل ~~قالوا له (ع): سل لنا ربك أمرا إذا نحن فعلناه يرضى عنا، فقال موسى (ع): ~~إلهي! قد سمعت ما قالوا، فقال: يا موسى! قل لهم يرضون عني حتى أرضى عنهم) ~~(11). # وقال سيد الساجدين (ع): (الصبر والرضا رأس طاعة الله، ومن صبر ورضي عن ~~الله فيما قضى عليه فيما أحب أو كره، لم يقض الله - عز وجل - له فيما أحب ~~أو كره إلا ما هو خير له). وقال - صلوات الله عليه -: # (الزهد عشرة أجزاء، أعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع، وأعلى درجة الورع ~~أدنى درجة اليقين، وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا). # وقال الباقر (ع): (أحق خلق الله أن يسلم لما قضى الله - عز وجل -، من عرف ~~الله - عز وجل - ومن رضي بالقضاء، أتى عليه القضاء وعظم الله أجره). وقال ~~الصادق (ع): (أعلم الناس بالله أرضاهم بقضاء الله). # وقال (ع): (قال الله - عز وجل -: عبدي المؤمن، لا أصرفه في شئ إلا جعلته ~~خيرا له، فليرض بقضائي، وليصبر على بلائي وليشكر نعمائي اكتبه يا محمد من ~~الصديقين عندي). وقال (ع): (عجبت للمرء المسلم لا يقضي الله - عز وجل - له ~~قضاء إلا كان خيرا له، أن قرض بالمقاريض كان خيرا له، وأن ملك مشارق الأرض ~~ومغاربها كان خيرا له). وقال (ع): # PageV03P164 # (إن فيما أوحى الله - عز ms706 وجل - إلى موسى بن عمران (ع): يا موسى ابن ~~عمران! ما خلقت خلقا أحب إلي من عبدي المؤمن، وأني إنما أبتليه لما هو خير ~~له، وأعافيه لم هو خير له، وأزوي عنه لما هو خير له، وأنا أعلم بما يصلح ~~عليه عبد، فليصبر على بلائي، وليشكر نعمائي، وليرض بقضائي، اكتبه في ~~الصديقين عندي، إذا عمل برضاي وأطاع أمري). # وقيل له (ع): بأي شئ يعلم المؤمن أنه مؤمن؟ قال: (بالتسليم لله، والرضا ~~فيما ورد عليه من سرور أو سخط). وقال الكاظم (ع) (ينبغي لمن غفل عن الله، ~~ألا يستبطئه في رزقه، ولا يتهمه في قضائه) (12). # وصل رضاء الله قد ظهر من بعض الأخبار المذكورة: أن رضا الله - سبحانه - ~~من العبد يتوقف على رضا العبد عنه - تعالى -، فمن فوائد رضا العبد بقضاء ~~الله وثمراته رضا الله - سبحانه - عنه، وهو أعظم السعادات في الدارين، وليس ~~في الجنة نعيم فوقه، كما قال - سبحانه -: # (ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر) (13) وفي الحديث: (أن ~~الله يتجلى للمؤمنين في الجنة، فيقول لهم: سلوني فيقولون: رضاك يا ربنا!)، ~~فسؤالهم الرضا بعد التجلي، يدل على أنه أفضل كل شئ. وورد في تفسير قوله - ~~تعالى -: (ولدينا مزيد): # أنه يؤتى لأهل الجنة في وقت المزيد ثلاث تحف من عند رب العالمين ليس في ~~الجنان مثلها: # إحداها هداية الله، ليس عندهم في الجنان مثلها، وذلك قوله تعالى: # (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) (14) والثانية: السلام عليهم من ~~ربهم فتزيد ذلك على الهداية، وهو # PageV03P165 # قوله - تعالى -: # (سلام قولا من رب رحيم) (15) والثالثة: يقول الله - تعالى -: (إني عنكم ~~راض)، وهو أفضل من الهدية والتسليم، وذلك قوله - تعالى -: # (ورضوان من الله أكبر) (16): # أي من النعيم الذي هم فيه. # ومعنى رضا الله عن العبد قريب من معنى حبه له، إلا أنه في الآخرة سبب ~~لدوام النظر والتجلي في غاية ما يتصور من اللقاء والمشاهدة. ولهذا ليست ~~رتبة في الجنة فوقه. ويروه أهل الجنة أقصى الأماني، وغاية الغايات فصل رد ~~إنكار ms707 تحقق الرضا من الناس من أنكر إمكان تحقق الرضا في أنواع البلاء وفيما ~~يخالف الهوى، وقال المتمكن فيهما: هو الصبر دون الرضا، وهو إنما أتى من ~~ناحية إنكار المحبة، إذ بعد ثبوت إمكان الحب لله واستغراق الهم به لا يخفى ~~إيجابه للرضا بأفعال المحبوب. وذلك يكون من وجهين: # أحدهما - أن يوجب الاستغراق في الحب إبطال الاحساس بالألم، حتى يجري عليه ~~المؤلم ولا يحس به، وتصيبه جراحة ولا يدرك المها. ولا تستبعدن ذلك، فإن ~~المحارب عند خوضه في الحرب، وعند شدة غضبه أو خوفه، قد تصيبه جراحة وهو لا ~~يحس بها فإذا رأى الدم استدل به على الجراحة، بل الذي يعدو في شغل مهم قد ~~تصيبه شوكة في قدمه، ولا يحس بألمها لشغل قلبه. والسر: أنا القلب إذا صار ~~مستغرقا بأمر من الأمور، لم يدرك ما عداه. فالعشق المستغرق الهم بمشاهدة ~~المعشوق أو بحبه قد يصيبه ما كان يتألم به أو يغتم، لولا عشقه، ولا يدرك ~~ألمه وغمه لاستيلاء الحب على قلبه، وهذا إذا أصابه من غير حبيبه، فكيف إذا ~~أصابه من حبيبه. # PageV03P166 # ولا ريب في أن حب الله - تعالى - أشد من كل حب، وشغل القلب به أعظم ~~الشواغل، إذ جمال الحضرة الربوبية وجلالها لا يقاس به جمال، فمن ينكشف له ~~شئ منها، فقد يبهره بحيث يدهش ويخشى عليه، ولا يحس بما يجري عليه. # وثانيهما - - ألا يبلغ الاستغراق في الحب بحيث لا يحس بالألم ولا يدركه، ~~ولكن يكون راضيا به، بل راغبا فيه، مريدا له بعقله، وإن كان كارها له ~~بطبعه، كالذي يلتمس من الفصاد الفصد والحجامة، فإنه يدرك ألمه، إلا أنه راض ~~به وراغب فيه. فالمحب الخالص لله إذا أصابته بلية من الله، وكان على يقين ~~بأن ثوابها الذي ادخر له فوق ما فاته، رضي بها ورغب فيها، وأحبها وشكر الله ~~عليها. هذا إن كان نظره إلى الثواب والأجر الذي يجازى به على ابتلائه ~~بالمصائب والبلايا، وربما غلب الحب بحيث يكون حظ المحب ولذته وابتهاجه في ~~مراد حبيبه ورضاه لا ms708 لمعنى آخر فيكون مراد حبيبه ورضاه محبوبا عنده مطلوبا، ~~وكل ذلك مشاهد محسوس في حب الخلق، فضلا عن حب الخالق والجمال الأزلي الأبدي ~~الذي لا منتهى لكماله المدرك بعين البصيرة التي لا يعتريها الغلط والخطأ، ~~فإن القلوب إذا وقفت بين جماله وجلاله، فإذا لاحظوا جلاله هابوا، وإذا ~~لاحظوا جماله تاهوا ويشهد بذلك حكايات المحبين، على ما هو في الكتب مسطورة، ~~وفي الألسنة والأفواه مذكور. فإن للحب عجائب من لم يذق طعمها لا يعرفها. # وقد روينا: أن أهل مصر مكثوا أربعة أشهر لم يكن لهم غذاء إلا النظر إلى ~~وجه يوسف الصديق (ع)، كانوا إذا جاعوا نظروا إلى وجهه، فشغلهم جماله عن ~~الاحساس بألم الجوع. بل في القرآن ما هو أبلغ من ذلك، وهو قطع النسوة ~~أيديهن لاستهتارهن بملاحظة جماله، حتى ما أحسسن بذلك. وروي (أن عيسى (ع) مر ~~برجل أعمى وأبرص، مقعد مفلوج، وقد تناثر لحمه من الجذام، وهو يقول: الحمد ~~لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيرا من الناس فقال عيسى: يا هذا! أي شئ من ~~البلاء تراه مصروفا عنك؟ فقال: يا روح الله! أنا خير ممن لم يجعل الله في ~~قلبه ما جعل في قلبي من معرفة، فقال: # صدقت! هات يدك، فناوله يده، فإذا هو أحسن الناس وجها، وأفضلهم ~~PageV03P167 # هيئة، قد أذهب الله عنه ما كان به، وصحب عيسى وتعبد به). # فصل هل يناقض الدعاء ونحوه الرضا إعلم أن الدعاء غير مناقض للرضا، وكذلك ~~كراهية المعاصي، ومقت أهلها، وحسم أسبابها، والسعي في إزالتها بالأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، والخروج من بلد ظهرت فيه المعاصي. وقد زعمت ~~طائفة من أهل البطالة والغرور: إن جميع ذلك يخالف الرضا. إذ كل ما يقصد رده ~~بالدعاء وأنواع المعاصي والفجور والكفر من قضاء الله وقدره، فيجب للمؤمن أن ~~يرضى به. وقد رأوا السكوت على المنكرات مقاما من مقامات الرضا، وسموه حسن ~~الخلق، وهذا جهل بالتأويل، وغفلة من أسرار الشريعة ودقائقها. # أما الدعاء، فلا ريب في أنا قد تعبدنا به، وقد كثرت أدعية الأنبياء ms709 ~~والأئمة، وكانوا على أعلى مقامات الرضا، وتظاهرت الآيات وتواترت الأخبار في ~~الأمر بالدعاء وفوائده وعظم مدحه، وأثنى الله - سبحانه - على عباده ~~الداعين، حيث قال: # (ويدعوننا رغبا ورهبا) (17). وقال (أدعوني أستجب لكم) (17). # وقال: (أجيب دعوة الداع إذا دعان) (19). # وهو يوجب صفاء الباطن، وخشوع القلب، ورقة النظر، وتنور النفس وتجليها. ~~وقد جعله الله - تعالى - مفتاحا للكشف، وسببا لتواتر مزايا اللطف والاحسان. ~~وهو أقوى الأسباب لإفاضة الخيرات والبركات من المبادي العالية. # فإن قيل: ما يرد على العبد من المكاره والبلايا يكون بقضاء الله وقدره، ~~والآيات والأخبار ناطقة بالرضا بقضاء الله مطلقا، فالتشمر لرده في الدعاء ~~يناقض الرضا. # قلنا أن الله - سبحانه - بعظيم حكمته، أوجد الأشياء على التسبيب # PageV03P168 # والترتيب بينهما فربط المسببات بالأسباب، ورتب بعضها على بعض، وجعل بعضها ~~سببا وواسطة لبعض آخر، وهو مسبب الأسباب. والقدر عبارة عن حصول الموجودات ~~في الخارج من أسبابها المعينة بحسب أوقاتها، مطابقة لما في القضاء، والقضاء ~~عبارة عن ثبوت صور جميع الأشياء في العالم العقلي على الوجه الكلي، مطابقة ~~لما في العناية الإلهية المسماة بالعناية الأولى والعناية عبارة عن إحاطة ~~علم الله - تعالى - بالكل على ما هو عليه إحاطة تامة فنسبة القضاء إلى ~~العناية كنسبة القدر إلى القضاء. ثم، من جملة الأسباب لبعض الأمور الدعاء ~~والتصدق وأمثالهما. فكما أن شرب الماء سبب رتبه مسبب الأسباب لإزالة العطش، ~~ولو لم يشربه لكان عطشه باقيا إلى أن يؤدي إلى هلاكه، وشرب المسهل سبب لدفع ~~الأخلاط الردية، ولو لم يشربه لبقيت على حالها، وهكذا في سائر الأسباب، ~~وكذلك الدعاء سبب رتبه الله - تعالى - لدفع البلايا ورفعها، ولو لم يدع ~~لنزل البلاء ولم يندفع. # فلو قيل: لو كان في علم الله - تعالى - وفي قضائه السابق، أن زيدا - مثلا ~~- يدعو الله، أو يتصدق، عند ابتلائه ببلية كذا، وتندفع به بليته لدعاء أو ~~تصدق، ودفع بليته، ولو كان فيهما أنه لا يدعو الله ولا يتصدق ويبتلي بتلك ~~البلية، لم يدع الله ولم يتصدق، ولم تندفع عنه البلية. والحاصل: إن كل ما ~~تعلقت به ms710 العناية الكلية والقضاء الأزلي يحصل مقتضاه في الخارج وعالم ~~التقدير، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر فأي فائدة في سعي العبد واجتهاده قلنا: ~~هذه من جملة شبهات الجبرية على كون العبد مجبورا في فعله ونفي الاختيار ~~عنه، ولا مدخلية لها بكون الدعاء غير مناقض للرضا، وكونه من جملة الأسباب ~~المرتبة منه - تعالى - لحصول مسبباتها، كالتزويج لتحصيل الولد، والأكل ~~والشرب لدفع الجوع والعطش، ولبس الثياب لدفع الحر والبرد، وغير ذلك. ثم ~~الجواب من الشبهة المذكورة وأمثالها مذكور في موضوعها. # وأما إنكار المعاصي وكراهتها، والفرار من أهلها ومن البلد الذي شاعت فيه، ~~فقد تعبد الله به عباده وذمهم على الرضا بها، فقال: PageV03P169 # (ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها) (20). وقال: (رضوا بأن يكونوا مع ~~الخوالف وطبع الله على قلوبهم) (21) وفي بعض الأخبار: (من شهد منكرا ورضي ~~به فكأنه قد فعله). # وفي آخر: (لو أن عبدا قتل بالمشرق ورضي بقتله آخر بالمغرب، كان شريكا في ~~قتله). وفي آخر: (أن العبد ليغيب عن المنكر ويكون عليه مثل وزر صاحبه)، قيل ~~وكيف ذلك؟ قال (فيبلغه فيرضى به). # وأما بعض الكفار والفجار والفساق، ومقتهم والانكار عليهم، فما ورد فيه من ~~شواهد الكتاب والسنة أكثر من أن يحصى. قال الله سبحانه: # (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء) (22). وقال: ((يا أيها الذين آمنوا ~~لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) (23). # وفي الخبر: (إن الله أخذ الميثاق على كل مؤمن أن يبغض كل منافق). # وقال (ص): (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله). وقد تقدمت ~~جملة من شواهد هذا في باب الحب في الله والبغض في الله. # فإن قيل: المعاصي إن لم تكن بقضاء الله وقدره فهو محال وقادح في التوحيد، ~~وإن كانت بقضاء الله مطلقا فكراهتها ومقتها كراهة لقضاء الله. # والآيات والأخبار مصرحة بوجوب الرضا بقضاء الله مطلقا، وذلك تناقض، فكيف ~~السبيل إلى الجمع؟ وأنى يأتي الجمع بين الرضا والكراهة في شئ واحد؟ # قلنا: المقرر عند بعض الحكماء: أن الشرور الواقعة في العالم، من المعاصي ~~وغيرها، راجعة إلى الإعدام دون الموجودات، ms711 فلا تكون مراده له - تعالى -، ~~ولا داخلة في قضائه، وعند بعضهم أنها داخله في قضائه بالعرض لا بالذات، ولا ~~ضيرة في كراهة ما ليس في قضاء الله - تعالى - بالذات. وعند بعضهم: أنها ~~شرور قليلة باعثة لخيرات كثيرة. وعلى هذا # PageV03P170 # فينبغي أن تكون مكروهة من حيث ذاتها، وبهذه الحيثية لا تكون من قضاء الله ~~والرضا به، وفرضه من خبث كونها باعثة لخيرات كثيرة. والتحقيق: # أن الأوصاف الثلاثة ثابتة للشرور الواقعة في العالم، أعني أنها راجعة إلى ~~الإعدام وداخلة في قضائه - تعالى - بالعرض، وشرور قليلة باعثة لخيرات ~~كثيرة. وعلى هذا فوجه الجمع أظهر. ثم لأبي حامد الغزالي هنا وجه جمع آخر، ~~لا يروي الغليل ولا يشفي العليل. # فإن قيل: بعض أهل المعاصي ومقتهم موقوف على ثبوت الاختيار لهم وتمكنهم من ~~تركها، وإثبات ذلك مشكل. # قلنا: لا إشكال فيه، إذ البديهة قاضية بثبوت نوع اختيار للعباد في ~~أفعالهم، لا سيما فيما يتعلق به التكليف والخوض في هذه المسألة مما لا ~~ينبغي. فالأولى فيها السكوت، والتأدب بآداب الشرع، والرجوع إلى ما ورد من ~~العترة الطاهرة. وما يمكن أن يقال فيها قد ذكرناه في كتابنا المسمى ب‍ ~~(جامع الأفكار). # فصل طريق تحصيل الرضا الطريق إلى تحصيل الرضا، أن يعلم أن ما قضى الله - ~~سبحانه - له هو الأصلح بحاله، وإن لم يبلغ فهمه إلى سيره فيه. مع أن السخط ~~والكراهة لا يفيد شيئا ولا يتبدل به القضاء. فإن ما قدر يكون، وما لم يقدر ~~لم يكن، وحسرة الماضي وتدبير الآتي يذهبان بتركه الوقت بلا فائدة، وتبقى ~~تبعة السخط عليه. فينبغي أن يدهشه الحب لخالقه عن الاحساس بالألم، كما ~~للعاشق، وأن يهون عليه العلم بعظم التعب والعناء - كما للمريض والتاجر ~~المتحملين شدة الحجامة والسفر - فيفوض أمره إلى الله، إن الله بصير ~~بالعباد. # تتميم التسليم إعلم أن التسليم، ويسمى تفويضا أيضا، قريب من الرضا، بل هو ~~فوق الرضا، لأنه عبارة عن ترك الإعراض في الأمور الواردة عليه، وحوالتها ~~PageV03P171 # بأسرها إلى الله، مع قطع تعلقه عليها بالكلية، بمعنى ألا ms712 يكون طبعه ~~متعلقا بشئ منها. فهو فوق الرضا، إذ في مرتبة الرضا كلما يفعل الله به ~~يوافق طبعه، فالطبع ملحوظ ومنظور له، وفي مرتبة التسليم يجعل الطبع ~~وموافقته ومخالفته كلها موكلة إلى الله - سبحانه -، وفوق مرتبة التوكل ~~أيضا، إذ التوكل - كما يأتي - عبارة عن الاعتماد في أموره على الله، فهو ~~بمنزلة توكيل الله في أموره، وكأنه يجعل الله - تعالى - بمثابة وكيله، ~~فيكون تعلقه بأموره باقيا، وفي مرتبة التسليم بقطع العلاقة من الأمور ~~المتعلقة به بالكلية ومنها: # الحزن وهو التحسر والتألم، لفقد محبوب، أو فوت مطلوب. وهو أيضا، ~~كالاعتراض والانكار، ومترتب على الكراهة للمقدرات الإلهية. # والفرق: إن الكراهة في الاعتراض أشد من الكراهة في الحزن، كما أن ضد ~~الكراهة - أعني الحب في ضدهما - بعكس ذلك، أي ظهوره في السرور الذي ضد ~~الحزن أشد من ظهوره في الرضا الذي هو ضد الاعتراض. # فإن الرضا هو منع النفس في الواردات من الجزع مع عدم كراهة وفرح، والسرور ~~هو منعها فيها عن الجزع مع الابتهاج والانبساط. فالسرور فوق الرضا في ~~الشرافة، كما أن الحزن تحت الاعتراض في الخسة والرذالة، وسبب الحزن وشدة ~~الرغبة في المشتهيات الطبيعية، والميل إلى مقتضيات قوتي الغضب والشهوة، ~~وتوقع البقاء للأمور الجسمانية. وعلاجه: أن يعلم أن ما في عالم الكون ~~والفساد من: الحيوان، والنبات، والجماد، والعروض، والأموال، في معرض الفناء ~~والزوال، وليس فيها ما يقبل البقاء وما يبقى ويدوم هو الأمور العقلية، ~~والكمالات النفسية المتعالية عن حيطة الزمان وحوزة المكان وتصرف الأضداد ~~وتطرق الفساد. وإذا تيقن بذلك زالت عن نفسه الخيالات الفاسدة، والأماني ~~الباطلة. فلا يتعلق قلبه بالأسباب الدنيوية، ويتوجه بشراشره إلى تحصيل ~~الكمالات العقلية، والسعادات الحقيقية الموجبة للاتصال بالجواهر النورية ~~الباقية، والمجاورة للأنوار القادسة الثابتة، فيصل إلى مقام البهجة ~~والسرور، ولا تلحقه أحزان PageV03P172 # عالم الزور، كما أشير إليه في الكتاب الإلهي بقوله: # (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (24) وفي أخبار داود ~~(ع): (يا داود! ما لأوليائي والهم بالدنيا؟ إن الهم يذهب حلاوة مناجاتي من ~~قلوبهم، ms713 إن محبي من أوليائي أن يكونوا روحانيين لا يغتمون). والحاصل: أن حب ~~الفانيات والتعلق بما من شأنه الفوات خلاف مقتضى العقل، وحرام على العاقل ~~أن يفرح بوجود الأمور الفانية، أو يحزن بزوالها. ولقد قال سيد الأوصياء - ~~عليه آلاف التحية والثناء -: (ما لعلي وزينة الدنيا؟ وكيف أفرح بلذة تفنى، ~~ونعيم لا يبقى؟!). # بل ينبغي أن يرضي نفسه بالموجود، ولا يغتم بالمفقود، ويكون راضيا بما يرد ~~عليه من خير وشر. وقد ورد في الآثار: (إن الله - تعالى - بحكمته وجلاله جعل ~~الروح والفرح في الرضا واليقين)، ومن رضي بالموجود ولا يحزن بالمفقود، فقد ~~فاز بأمن بلا فزع، وسرور بلا جزع، وفرح بلا حسرة، ويقين بلا حيرة، وما ~~لطالب السعادة أن يكون أدون حالا من سائر طبقات الناس، فإن كل حزب بما ~~لديهم فرحون، كالتاجر بالتجارة، والزارع بالزراعة، بل الشاطر بالشطارة، ~~والقواد بالقيادة، مع أن ما هو السبب والموجب المفرح في الواقع ونفس الأمر ~~ليس إلا لأهل السعادة والكمال وما لغيرهم محض التوهم ومجرد الخيال. فينبغي ~~لطالب السعادة أن يكون فرحانا بما عنده من الكمالات الحقيقية والسعادات ~~الأبدية، ولا يحزن على فقد الزخارف الدنيوية، والحطام الطبيعية، ويتذكر ما ~~خاطب الله به نبيه (ص): # (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم ~~فيه ورزق ربك خير وأبقى) (25) ومن تصفح فرق الناس، يجد أن كل فرقة منهم ~~فرحهم بشئ من الأشياء، وبه اهتزازهم وقوامهم ونظام أمرهم. فالصبيان فرحهم ~~باللعب وتهيئة أسبابه، وهو في غاية القبح والركاكة عند من جاوز مرتبتهم. ~~والبالغون # PageV03P173 # حد الرجولة، بعضهم فرحان بالدرهم والدينار، وبعضهم بالضياع والعقار وأخر ~~بالاتباع والانصهار، وفرقة بالنسوان والأولاد، وطائفة بالحرف والصنايع، ~~وبعضهم بالحسب والنسب، والآخر بالجاه والمنصب، وبعضهم بالقوة الجسمانية، ~~وأخر بالجمال الصوري، وطائفة بالكمالات الدنيوية: # كالخط والشعر، وحسن الصوت، والطب، والعلوم الغريبة، وغير ذلك، حتى ينتهي ~~إلى من لا يفرح إلا بالكمالات النفسية والرياسات المعنوية وهم أيضا ~~مختلفون، فبعضهم غاية فرحه بالعبادة والمناجاة، وآخر بمعرفة حقائق الأشياء، ~~حتى يصل إلى من ليس ms714 فرحه إلا بالأنس بحضرة الربوبية، والاستغراق في لجة ~~أنواره، وسائر المراتب عنده فيئ زائل وخيال باطل. ولا ريب في أن العاقل ~~يعلم أن ما ينبغي أن يفرح ويبتهج به حصول هذه المرتبة وسائر الأمور، كسراب ~~بقيعة يحسبه الضمآن ماء. فلا ينبغي للعاقل أن يحزن بفقدها ويفرح بوجودها. ~~ثم من تأمل، يجد أن الحزن ليس أمرا وجوديا لازما، بل هو أمر اختياري يحدثه ~~الشخص في نفسه بسوء اختياره. إذ كلما يفقد من شخص ويحزن لأجله ليس موجودا ~~لكثير من الناس، بل ربما لم يملكوه في مدة عمرهم أصلا، ومع ذلك لا تجدهم ~~محزونين على هدمه، بل فرحون راضون، ولو كان الحزن لازما لفقد هذا الأمر، ~~لكان كل من فقده محزونا، وليس كذلك. وأيضا كل حزن يعرض لأجل مصيبته يزول ~~بعد زمان ويتبدل بالسرور، ولو كان الحزن لأجلها أمر ضروريا لازما لما زال ~~أصلا. # ثم العجب من العاقل أن يحزن من فقد الأمور الدنيوية، مع أنه يعلم أن ~~الدنيا دار فناء، وزخارفها متنقلة بين الناس، ولا يمكن بقاؤها لأحد، وجميع ~~الأسباب الدنيوية ودائع الله ينتقل إلى الناس على سبيل التبادل والتناوب. ~~ومثلها مثل شمامة تدار في مجلس بين أهله على التناوب، يتمتع بها في كل لحظة ~~واحد منهم، ثم يعطيها غيره. فطامع البقاء للحطام الدنيوية كمن طمع في ملكية ~~الشمامة واختصاصها به إذا وصلت إليه نوبة الاستمتاع، وذا استردت منه عرض له ~~الحزن والخجلة. وما المال والأهلون إلا ودائع، ولا بد يوما أن ترد الودائع. ~~فلا ينبغي للعاقل أن PageV03P174 # يغتم ويحزن لأجل رد الوديعة، كيف والحزن بردها كفران للنعمة؟ إذ أقل ~~مراتب الشكر أن ترد الوديعة إلى صاحبها على طيب النفس، لا سيما إذا استرد ~~الأخس - أعني الخبائث الدنيوية - وبقي الأشرف - أعني النفس وكمالاتها ~~العلمية والعملية -، فينبغي لكل عاقل ألا يعلق قلبه بالأمور الفانية، حتى ~~لا يحزن بفقدها. قال سقراط: (إني لم أحزن قط، إذ ما أحببت قط شيئا حتى أحزن ~~بفوته، ومن سره ألا يرى ما يسوؤه، فلا يتخذ شيئا يخاف ms715 له فقدا). # ومنها: # عدم الاعتماد أو ضعفه في أموره على الله، والوثوق بالوسائط، والنظر إليها ~~فيها. # وسببه: إما ضعف اليقين أو ضعف القلب، أو كلاهما. فهو من رذائل الإيمان، ~~بل هو من شعب الشرك. ولذا ورد في ذمة من الآيات والأخبار ما ورد، قال الله ~~- سبحانه -: # (إن الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم) (26) وقال: (إن الذين تعبدون ~~من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه) (27) ~~وقال: (ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون) (28) وفي ~~أخبار داود (ع): (ما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي عرفت ذلك من نيته، ~~إلا قطعت أسباب السماوات من يديه، وأسخطت الأرض من تحته، ولم أبال بأي واد ~~هلك). وقال رسول الله (ص): من اغتر بالعبيد أذله الله). وقيل (مكتوب في ~~التوراة: ملعون من ثقته بإنسان مثله). فينبغي للمؤمن أن يتخلى عنه باكتساب ~~ضده، أعني التوكل، كما يأتي. # وصل التوكل - فضيلة التوكل - درجات للتوكل - السعي لا ينافي التوكل - ~~الأسباب التي لا ينافي السعي إليها التوكل - اعقل وتوكل - درجات # PageV03P175 # في التوكل تفنيد زعم طريق تحصيل التوكل. # * * * التوكل اعتماد القلب في جميع الأمور على الله وبعبارة أخرى: # حوالة العبد جميع أموره على الله، وبعبارة أخرى: هو التبري من كل حول ~~وقوة، والاعتماد على حول الله وقوته. وهو موقوف على أن يعتقد اعتقاد جازما ~~بأنه لا فاعل إلا الله، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله وأن له تمام العلم ~~والقدرة على كفاية العباد، ثم تمام العطف والعناية والرحمة بجملة العباد ~~والآحاد، وأنه ليس وراء منتهى قدرته قدرة، ولا وراء منتهى علمه علم، ولا ~~وراء منتهى عنايته عناية. فمن اعتقد ذلك اتكل قلبه لا محالة على الله وحده، ~~ولم يلتفت إلى غيره، ولا إلى نفسه أصلا. ومن لم يجد ذلك من نفسه، فسببه إما ~~ضعف اليقين، أو ضعف القلب، ومرضه باستيلاء الجبن عليه وانزعاجه بسبب ~~الأوهام الغالبة عليه. فإن القلب الضعيف ينزعج تبعا للوهم، وطاعة له من غير ~~نقصان في اليقين، كانزعاجه ms716 أن يبيت مع ميت في قبر أو فراش، مع يقينه بأنه ~~جماد في الحال لا يتصور منه أضرار، فلا ينبغي أن يخاف منه ويفر عنه، كما لا ~~يفر من سائر الجمادات. # وكذا من كان ضعيف القلب وتناول العسل - مثلا -، فشبه العسل بين يديه ~~بالعذرة، فربما نفر طبعه لضعف قلبه وتعذر عليه أن يتناوله، مع يقينه بأنه ~~عسل ولا مدخلية للعذر فيه. فالتوكل لا يتم إلا بقوة اليقين وقوة القلب ~~جميعا، إذ بهما يحصل سكون القلب وطمأنينته. فالسكون في القلب شئ آخر، ~~واليقين شئ آخر. فكم من يقين لا طمأنينة معه، كما قال تعالى: # (أو لم تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي) (29). # فالتمس أن يشاهد إحياء الميت بعينه ليثبت اليقين في خياله، فإن النفس ~~تتبع الخيال وتطمئن به، ولا تطمئن باليقين في ابتداء أمره إلى أن تبلغ درجة ~~النفس المطمئنة، وذلك لا يكون في البداية. وكم من مطمئن لا يقين له، كأرباب ~~الملل والمذاهب الباطلة. فإن اليهودي مطمئن القلب إلى تهوده، وكذا ~~النصراني، ولا يقين لهما أصلا، وإنما يتبعون الظن وما # PageV03P176 # تهوى الأنفس. وإذا توقف التوكل على اليقين وقوة القلب، وارتفع بضعف ~~أحدهما، يظهر أن التوكل من الفضائل المتعلقة بقوتي العاقلة الغضبية معا، ~~وضده - أعني عدم التوكل - من رذائل أحدهما أو كليهما. ثم، إنك قد عرفت في ~~باب التوحيد، أن عماد التوكل وما يبتني عليه، هو المرتبة الثالثة من ~~التوحيد، وهي أن ينكشف للعبد بإشراق نور الحق، بأنه لا فاعل إلا هو، وإن ما ~~عداه من الأسباب والوسائط مسخرات مقهورات تحت قدرته الأزلية. فطالب التوكل ~~يلزم عليه أن يحصل هذه المرتبة من التوحيد ليحصل له التوكل. وقد عرفت - ~~أيضا - أن المرتبة الثانية منه - أعني التوحيد الاعتقادي - إذا قويت ربما ~~أورثت حال التوكل، إلا أن التوكل كما ينبغي موقوف على المرتبة الثالثة منه. # فصل فضيلة التوكل التوكل منزل من منازل السالكين ومقام من مقامات ~~الموحدين، بل هو أفضل درجات الموقنين. ولذا ورد في مدحه وفضله وفي الترغيب ~~فيه ما ورد من الكتاب ms717 والسنة، قال الله - تعالى -: # (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) (30) وقال: (وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون) (31). وقال: (إن الله يحب المتوكلين) (32). وقال: (ومن يتوكل على ~~الله فهو حسبه) (33). وقال: # (ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم) (34): # أي عزيز لا يذل من استجار به، فلا يضع من لاذ بجنابه، وحكيم لا يقصر عن ~~تدبير من توكل على تدبيره. وقال رسول الله (ص): (من انقطع إلى الله، كفاه ~~الله كل مؤنة، ورزقه من حيث لا يحتسب. ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله ~~إليها). وقال (ص): (من سره أن يكون # PageV03P177 # أغنى الناس، فليكن بما عند الله أوثق منه بما في يده). وقال (ص): (لو ~~أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقتم كما ترزق الطيور تغدو خماصا وتروح ~~بطانا). وعن علي بن الحسين - عليهما السلام - قال: (خرجت حتى انتهيت إلى ~~هذا الحائط، فاتكأت عليه، فإذا رجل عليه ثوبان أبيضان ينظر في تجاه وجهي، ~~ثم قال: يا علي بن الحسين! ما لي أراك كئيبا حزينا؟ # أعلى الدنيا؟ فرزق الله حاضر للبر والفاجر. قلت: ما على هذا أحزنت، وإنه ~~لكما تقول. قال: فعلى الآخرة؟ فوعد صادق يحكم فيه ملك قاهر قادر. قلت: ما ~~على هذا أحزن، وإنه لكما تقول. فقال: مم حزنك؟ # قلت مما نتخوف من فتنة ابن الزبير وما فيه للناس. قال: فضحك، ثم قال: # يا علي بن الحسين! هل رأيت أحدا دعا الله فلم يجبه؟ قلت: لا! قال: فهل ~~رأيت أحدا توكل على الله فلم يكفه؟ قلت: لا! قال: فهل رأيت أحدا سأل الله ~~فلم يعطه؟ قلت: لا!... ثم غاب عني)، ولعل الرجل كان هو الخضر - على نبينا ~~وعليه السلام - وقال الصادق (ع): (أوحى الله إلى داود: ما اعتصم بي عبد من ~~عبادي دون أحد من خلقي، عرفت ذلك من نيته، ثم تكيده السماوات والأرض ومن ~~فيهن، إلا جعلت له المخرج من بينهن). وقال (ع): (إن الغنى والعز يجولان، ~~فإذا ظفرا بموضع التوكل أوطنا) وقال (ع): (من أعطى ثلاثا لا يمنع ثلاثا: من ~~أعطى ms718 الدعاء أعطى الإجابة، ومن أعطى الشكر أعطى الزيادة، ومن أعطى التوكل ~~أعطى الكفاية ثم قال: أتلوت كتاب الله - عز وجل - (ومن يتوكل على الله فهو ~~حسبه) وقال: (ولئن شكرتم لأزيدنكم)، وقال: (ادعوني استجب لكم)؟) وقال (ع): ~~(إيما عبد أقبل قبل ما يحب الله - تعالى - أقبل الله قبل ما يحب ومن اعتصم ~~بالله عصمه الله، ومن أقبل الله قبله وعصمه، لم يبالي لو سقطت السماء على ~~الأرض، أو كانت نازلة نزلت على أهل الأرض فتشملهم بلية، كان في حزب الله ~~بالتقوى من كل بلية، أليس - تعالى - يقول: (إن المتقين في مقام أمين)؟). ~~وقال (ع) (إن الله - تعالى - يقول: وعزتي وجلالي ومجدي وارتفاعي على عرشي! ~~لأقطعن أمل كل مؤمل من الناس في غيري باليأس، ولأكسونه ثوب المذلة عند ~~الناس، ولأنحينه من قربي PageV03P178 # ولأبعدنه من وصلي، أيؤمل غيري في الشدائد والشدائد بيدي؟ ويرجو غيري؟ ~~ويقرع بالفكر باب غيري، وبيدي مفاتيح الأبواب وهي مغلقة؟ # وبابي مفتوح لمن دعاني، فمن ذا الذي أملني لنوائبه فقطعته دونها، ومن ذا ~~الذي رجاني لعظيمة فقطعت رجاءه مني؟ جعلت آمال عبادي عندي محفوظة، فلم ~~يرضوا بحفظي، وملأت سماواتي ممن لا يمل من تسبيحي، وأمرتهم ألا يغلقوا ~~الأبواب بيني وبين عبادي، فلم يثقوا بقولي، ألم يعلم من طرقته نائبة من ~~نوائبي أنه لا يملك كشفها أحد غيري إلا من بعد أذني؟ # فما لي أراه لاهيا عني؟ أعطيته بجودي ما لم يسألني، ثم انتزعته عنه فلم ~~يسألني رده، وسأل غيري، أفتراني أبدأ بالعطاء قبل المسألة؟ ثم أسأل فلا ~~أجيب سائلي؟ أبخيل أنا فيبخلني عبدي؟ أوليس الجود والكرم لي؟ # أوليس العفو والرحمة بيدي؟ أولست أنا محل الآمال؟ فمن يقطعها دوني؟ # أفلا يخشى المؤملون أن يؤملوا غيري؟ فلو أن أهل سماواتي وأهل أرضي أملوا ~~جميعا، ثم أعطيت كل واحد منهم مثلما أمل الجميع، ما انتقص من ملكي مثل عضو ~~ذرة، وكيف ينقص ملك أنا قيمه؟ فيا بؤسا للقانطين من رحمتي! ويا بؤسا لمن ~~عصاني ولم يراقبني! (35) فصل درجات التوكل للتوكل في الضعف والقوة ms719 ثلاث ~~درجات: # الأول - أن يكون حاله في حق الله والثقة بعنايته وكفالته كحاله بالثقة ~~بالوكيل، وهذه أضعف الدرجات ويكثر وقوعها ويدوم مدة مديدة، ولا ينافي أصل ~~التدبير والاختيار بل ربما زاول كثيرا من التدبيرات بسعيه واختياره. نعم ~~ينافي بعض التدبير، كالتوكل على وكيله في الخصومة، فإنه يترك تدبيره من غير ~~جهة الوكيل، ولكن لا يترك التدبير الذي أشار إليه # PageV03P179 # وكيله، ولا التدبير الذي عرفه من عادته وسنته دون تصريح إشارته. # الثانية - أن تكون حاله مع الله كحال الطفل مع أمه، فإنه لا يعرف غيرها، ~~ولا يفزع إلا إليها، ولا يعتمد إلا عليها. فإن رآها تعلق في كل حال بذيلها، ~~وإن ورد عليه أمر في غيبتها كان أول سابق لسانه يا أماه!. # والفرق بين هذا وسابقه، إن هذا متوكل قد فنى في موكله عن توكله، أي ليس ~~يلتفت قلبه إلى التوكل، بل التفاته إنما هو إلى المتوكل عليه فقط، فلا مجال ~~في قلبه لغير المتوكل عليه. وأما الأول فتوكل بالكسب والتكلف، وليس فانيا ~~عن توكله، أي له التفات إلى توكله، وذلك شغل صارف عن ملاحظة المتوكل عليه ~~وحده. وهذا أقل وقوعا ودواما من الأول إذ حصوله إنما هو للخواص، وغاية ~~دوامه أن يدوم يوما أو يومين، وينافي التدبيرات، إلا تدبير الفزع إلى الله ~~بالدعاء والابتهال، كتدبير الطفل في التعلق بأمه فقط. # الثالثة - وهي أعلى الدرجات، أن يكون بين يدي الله في حركاته وسكناته مثل ~~الميت بين يدي الغاسل، بأن يرى نفسه ميتا، وتحركه القدرة الأزلية كما يحرك ~~الغاسل الميت. وهو الذي قويت نفسه، ونال الدرجة الثالثة من التوحيد. والفرق ~~بينه وبين الثاني، أن الثاني لا يترك الدعاء والتضرع، كما إن الصبي يفزع ~~إلى أمه، ويصيح ويتعلق بذيلها، ويعدو خلفها، وهذا ربما يترك الدعاء والسؤال ~~ثقة بكرمه وعنايته، فهذا مثال صبي علم أنه لم يرض بأمه، فالأم تطلبه، وإن ~~لم يتعلق بذيلها فهي تحمله، وإن لم يسأل اللبن فهي تسقيه. ومن هذا القسم ~~توكل إبراهيم الخليل (ع) لما وضع في المنجنيق ليرمى ms720 به إلى النار، وأشار ~~إليه روح الأمين بسؤال النجاة والاستخلاص من الله سبحانه - فقال: (حسبي من ~~سؤالي علمه بحالي). وهذا نادر الوقوع، عزيز الوجود، فهو مرتبة الصديقين، ~~وإذا وجد فدوامه لا يزيد على صفرة الوجل، أو حمرة الخجل، وهو ينافي ~~التدبيرات ما دام باقيا، إذ يكون صاحبه كالمبهوت. ثم، توكل العبد على الله ~~قد يكون في جميع أموره، وقد يكون في بعضها. وتختلف درجات ذلك بحسب كثرة ~~الأمور المتوكل فيها وقلتها. وقال الكاظم (ع) في قوله PageV03P180 # عز وجل -: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) 36 التوكل على الله درجات، منها ~~أن تتوكل على الله في أمورك كلها فما فعل بك كنت عنه راضيا، تعلم أنه لا ~~يألوك خيرا وفضلا، وتعلم أن الحكم في ذلك له، فتوكل على الله بتفويض ذلك ~~إليه، وثق به فيها وفي غيرها. # ولعل سائر درجات التوكل أن يتوكل على الله في بعض أموره دون بعض، وتعدد ~~الدرجات حينئذ بحسب كثرة الأمور المتوكل فيها وقلتها. # فصل السعي لا ينافي التوكل إعلم أن الأمور الواردة على العباد إما أن ~~تكون خارجة عن قدرة العباد ووسعهم، بمعنى أنه لا تكون لها أسباب ظاهرة ~~قطعية أو ظنية لجلبها أو دفعها أو تكون لها أسباب جالبة لها أو دافعة ~~إياها، إلا أن العبد لا يتمكن منها. # فمقتضى التوكل فيها ترك السعي بالتمحلات والتدبيرات الخفية، وجوالتها على ~~رب الأرباب، ولو دبر في تغييرها بالتمحلات والتكلفات، لكان خارجا عن التوكل ~~رأسا، أو لا تكون خارجة عن قدرتهم، بمعنى أن لها أسبابا قطعية أو ظنية يمكن ~~للعبد أن يحصلها ويتوصل بها إلى جلبها أو دفعها. فالسعي في مثلها لا ينافي ~~التوكل، بعد أن يكون وثوقه واعتماده بالله دون الأسباب. فمن ظن أن معنى ~~التوكل ترك الكسب بالبدن، وترك التدبير بالعقل رأسا، والسقوط على الأرض ~~كالخرقة الملقاة، فقد أبعد عن الحق، لأن ذلك محرم في الشرع الأقدس، فإن ~~الشارع كلف الإنسان بطلب الرزق بالأسباب التي هداه الله إليها، من زراعة، ~~أو تجارة، أو صناعة، أو ms721 غير ذلك مما أحله الله، وبإبقاء النسل بالتزويج، ~~وكلفه بأن يدفع عن نفسه الأشياء المؤذية بالتوسل إلى الأسباب المعينة ~~لدفعها. وكما أن العبادات أمور أمر الله - تعالى - عباده بالسعي فيها، ~~ليحصل لهم بها التقرب إليه والسعادات في دار الآخرة، فكذلك طلب الحلال ودفع ~~الضرر والألم عن النفس والأهل والعيال أمور أمرهم الله - تعالى - ليحصل لهم # PageV03P181 # بها التوسل إلى العبادات وما يؤدي إلى التقرب والسعادة. ولكنه - سبحانه - ~~كلفهم أيضا بالا يثقوا إلا به، ولا يعتمدوا على الأسباب. كما إنه - سبحانه ~~- كلفهم بالا يتكلوا على أعمالهم الحسنة، بل على فضله ورحمته. فمعنى التوكل ~~المأمور به في الشريعة: اعتماد القلب على الله في الأمور كلها، وانقطاعه ~~عما سواه. ولا ينافيه تحصيل الأسباب إذا لم يسكن إليها، وكان سكونه إلى ~~الله - سبحانه - دونها مجوزا في نفسه أن يؤتيه الله مطلوبه من حيث لا ~~يحتسب، دون هذه الأسباب التي حصلها، وأن يقطع الله هذه الأسباب عن ~~مسبباتها. # فصل الأسباب التي لا ينافي السعي إليها التوكل الأسباب التي لا ينافي ~~تحصيلها ومزاولتها للتوكل، هي الأسباب القطعية أو الظنية، وهي التي يقطع أو ~~يظن بارتباط المسببات بها بتقدير الله ومشيته ارتباطا مطردا لا يتخلف عنها، ~~سواء كانت لجلب نفع أو لدفع ضر منتظر أو لإزالة آفة واقعة، وذلك كمد اليد ~~إلى الطعام للوصول إلى فيه، وحمل الزاد للسفر، واتخاذ البضاعة للتجارة، ~~والوقاع لحصول الأولاد، وأخذ السلاح للعدو، والادخار لتجدد الاضطرار، ~~والتداوي لإزالة المرض، والتحرز عن النوم في ممر السيل ومسكن السباع وتحت ~~الحائط المائل، وغلق الباب، وعقل البعير، وترك الطريق الذي يقطع أو يظن ~~وجود السارقين أو السباع الضارة فيه... وقس عليها غيرها. # وأما الأسباب الموهومة، كالرقية، والطيرة، والاستقصاء في دقائق التدبير، ~~وإبداء التمحلات لأجل التبديل والتغيير، فيبطل بها التوكل، لأن أمثال ذلك ~~ليست بأسباب عند العقلاء، وليست مما أمر الله - تعالى - بها، بل ورد النهي ~~عنها، على أن المأمور به الإجمال في الطلب وعدم الاستقصاء قال رسول الله ~~(ص): (إلا أن الروح الأمين نفت في روعي: ms722 # أنه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله - تعالى - وأجملوا في ~~طلب). وقال (ص): (ما أجمل في الطلب من ركب البحر). # وقال الصادق (ع): (ليكن طلب المعيشة فوق كسب المضيع، ودون طلب ~~PageV03P182 # الحريص، الراضي بدنياه، المطمئن إليها، ولكن أنزل نفسك من ذلك بمنزلة ~~المنصف المتعفف، ترفع نفسك عن منزلة الواهن الضعيف، وتكتسب ما لا بد منه، ~~إن الذين أعطوا المال ثم لم يشكروا لا مال لهم). وقال (ع): (إذا فتحت بابك، ~~وبسطت بساطك، فقد قضيت ما عليك). # فصل اعقل وتوكل إعلم أن التوكل لا يبطل بالأسباب المقطوعة والمظنونة، مع ~~أن الله قادر على إعطاء المطلوب بدون ذلك، لأن الله - سبحانه - ربط ~~المسببات بالأسباب، وأبى أن يجري الأشياء إلا بالأسباب. ولذا لما أهمل ~~الأعرابي بعيره، وقال: توكلت على الله، قال له النبي (ص): اعقلها وتوكل) ~~وقال الصادق (ع): أوجب الله لعباده أن يطلبوا منه مقاصدهم بالأسباب التي ~~سببها لذلك وأمرهم بذلك) وقال الله تعالى: # (خذو حذركم (37). وقال في كيفية صلاة الخوف: (وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم) ~~28 وقال: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قود ومن رباط الخيل) 39. وقال لموسى: ~~(فاسر بعبادي ليلا) 40 والتحصين بالليل اختفاء عن أعين الأعداء دفعا للضرر. # وفي الإسرائيليات: إن موسى بن عمران (ع) اعتل بعلة، فدخل عليه بنو ~~إسرائيل، فعرفوا علته، فقالوا له: لو تداويت بكذا لبرئت، فقال لا أتداوى ~~حتى يعافني الله من غير دواء. فطالت علته، فأوحى الله إليه: # وعزتي وجلالي! لا أبرؤك حتى تتداوى بما ذكروه لك. فقال لهم داووني بما ~~ذكرتم فداووه فبرئ. فأوجس في نفسه من ذلك فأوحى الله تعالى إليه: أردت أن ~~تبطل حكمتي بتوكلك على، فمن أودع العقاقير منافع الأشياء غيري؟) وروي: (أن ~~زاهدا من الزهاد، فارق الأمصار وأقام في سفح جبل، فقال لا أسأل شيئا حتى ~~يأتيني ربي برزقي. فقعد سبعا، فكاد # PageV03P183 # يموت ولم يأته رزق، فقال: يا رب! إن أحييتني فأتني برزقي الذي قسمت لي، ~~وإلا فاقبضني إليك. فأوحى الله تعالى إليه: وعزتي وجلالي لا أرزقك حتى تدخل ms723 ~~الأمصار، وتقعد بين الناس. فدخل المصر فأقام، فجاء هذا بطعام، وهذا بشراب، ~~فأكل وشرب فأوجس في نفسه ذلك، فأوحى الله له: أردت أن تذهب حكمتي بزهدك في ~~الدنيا: أما علمت أني أرزق عبدي بأيدي عبادي أحب إلي من أن أرزقه بيد قدرتي ~~لا) فصل درجات الناس في التوكل إعلم أن درجات الناس - كما عرفت - في التوكل ~~مختلفة، بحسب تفاوت مراتبهم في قوة اليقين وضعفه، وفي قوة التوحيد وضعفه: # فمنهم: من كمل إيمانه ويقينه، بحيث سقط وثوقه عن الأسباب بالكلية، وتوجه ~~بشراشره إلى الواحد الحق، ولا يرى مؤثرا إلا هو، وليس نظره إلى غيره أصلا، ~~وقلبه مطمئن ساكن بعنايته بحيث لا يختلج بباله احتمال أن يكله ربه إلى ~~غيره، ولا يعتري نفسه اضطراب أصلا. فلا بأس لمثله أن يعرض عن الأسباب ~~المقطوعة أو المظنونة بالكلية، لأن الله سبحانه يحفظه ويحرسه ويصلح أموره، ~~ويرزقه من حيث لا يحتسب، سواء حصل الأسباب أم لا، وسواء كسب أم لم يكتسب، ~~إلا أنه ربما لم يترك السبب والكسب ويتبع أمر الله فيه، إلا أنه ليس وثوقه ~~إلا بالله دون السبب والكسب. وما ورد من حكايات بعض الكمل من الأولياء، من ~~أنهم يسافرون في البوادي التي لا يطرقها الناس بغير زاد ثقة بالله، ويصل ~~إليهم الرزق، أو لا يحترزون من السباع الضارة، أو يغلظون القول بالنسبة إلى ~~أهل الاقتدار من الملوك والسلاطين من دون خوف ومبالاة، اعتمادا على الله، ~~والله - سبحانه - ينجيهم منهم، كانوا منهم أي من الكاملين في التوكل. قال ~~الصادق (ع): # (أبى الله - عز وجل - أن يجعل أرزاق المؤمنين إلا من حيث لا يحتسبون) ~~وإنما خصه بالمؤمنين، لأن كمال الإيمان يقتضي ألا يثق صاحبه بالأسباب وأن ~~يتوكل على الله - عز وجل وحده. وكمال الإيمان إنما يكون PageV03P184 # لصاحب العلم المكنون من الأنبياء والأولياء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ~~. ومنهم: من لم يبلغ قوة إيمانه ويقينه حدا تغيب عن نظره الأسباب والوسائط، ~~ويكون مقصور الالتفات إلى جانب الحق. فهذا هو الذي لا ينبغي له أن ms724 يعرض عن ~~الأسباب ويتركها، لأن مثله ليس له المظنة التي توصله إلى المقصد بدون ~~الوسائط: أعني قوة التوكل على الله واليقين به سبحانه فصل تفنيد زعم بعض ~~الناس زعم: أن حق التوكل أن يكتفي بالأسباب الخفية عن الأسباب الجلية، كأن ~~يسافر في البوادي التي لا يطرقها الناس بغير زاد بعد أن راض نفسه على جوع ~~الأسبوع وما يقاربه، بحيث يصبر عنه من غير ضيق قلب، واضطراب نفس، وتشويش ~~خاطر وفتور في ذكر الله، وبعد أن يكون بحيث يقوى على التقوت بالحشيش وما ~~يتفق له، وأن يوطن نفسه على أنه مات جوعا كان خيرا له في الآخرة وكأن يجلس ~~في مسجد أو بيته ويترك الكسب، ويتفرغ للعبادة والفكر والذكر، واستغراق وقته ~~بها، بحيث لا يستشرف نفسه إلى الناس في انتظاره ومن يدخل فيحمل إليه شيئا، ~~بل يكون قوي القلب في الصبر والاتكال على الله. وهذا محض الخطأ، إذ من جاهد ~~نفسه وراضها بحيث يصبر على جوع الأسبوع، ويمكنه التقوت بالحشيش، صارت ~~الأسباب له جليه فإن عدم الحاجة أحد الغنائين. ثم إن كان اعتماده - حينئذ - ~~على صبره وتمكنه من التقوت بالحشيش، فأين التوكل؟ وإن كان وثوقه بالله وحده ~~فليقم في بلده مع الأسباب، كما أمر الله به في الشرع. وأما توطين نفسه ~~باختياره على الموت، فممنوع عقلا، ومحرم شرعا. قال الله - سبحانه -: # (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) # PageV03P185 # وأما الجالس في بيته التارك لكسبه، يعبد الله من دون طلب ، فهو أيضا قد ~~ترك متابعة أمر الله. قال الصادق (ع): (إن من يقوته أشد عبادة منه) وربما ~~يكون مثله كلا على الناس، فإن حاله ينادي بالبؤس واليأس، بل هو ضرب على ~~تواطن الناس وتعرض للذل. وبالجملة لا مدخل لخفاء الأسباب وجلائها في ~~التوكل، بعد ما تقرر أن معناه الثقة بالله وحده لا بالأسباب، فسواء وجود ~~الأسباب وفقدها وجلاؤها وخفاؤها. # فصل طريق تحصيل التوكل الطريق إلى تحصيل التوكل - بعد تقوية التوحيد ~~والاعتقاد، بأن الأمور بأسرها مستندة إليه سبحانه، وليس لغيره مدخلية فيها ~~- أن يتذكر الآيات ms725 والأخبار المذكورة الدالة على فضيلته ومدحه، وكونه باعث ~~النجاة والكفاية، ثم يتذكر أن الله - سبحانه - خلقه بعد أن لم يكن موجودا ~~وأوجده من كتم العدم، وهيأ له ما يحتاج إليه، وهو أرأف بعباده من الوالدة ~~بولدها، وقد ضمن بكفايته من توكل عليه، فيستحيل أن يضيعه بعد ذلك ولا يكفيه ~~مؤنته، ولا يوصل إليه ما يحتاج، ولا يدفع عنه ما يؤذيه، لتقدسه من العجز ~~والنقص والخلف والسهو. وينبغي أن يتذكر الحكايات التي فيها عجائب صنع الله ~~في وصول الأرزاق إلى صاحبها وفي دفع البلايا والأسواء عن بعض عبيده، ~~والحكايات التي فيه عجائب قهر الله في إهلاك أموال الأغنياء وإذلال ~~الأقوياء، وكم من عبد ليس له مال وبضاعة ويرزقه الله بسهولة، وكم من ذي مال ~~وثروة هلكت بضاعته أو سرقت وصار محتاجا، وكم من قوي صاحب كثرة وعدة وسطوة ~~صار عاجزا ذليلا بل سبب ظاهر، وكم من ذليل عاجز صار قويا واستولى على الكل. # ومن تأمل في ذلك، يعلم أن الأمور بيد الله فيلزم الاعتماد عليه والثقة ~~به. والمناط أن يعلم أن الأمور لو كانت بقدرة الله - سبحانه - من غير ~~مدخلية للأسباب والوسائط فيها، فعدم التوكل عليه - سبحانه - والثقة بغيره ~~غاية الجهل، وإن كانت لغيره - سبحانه من الوسائط والأسباب مدخلية، فالتوكل ~~من جملة أسباب الكفاية وإنجاح الأمور، إذ السمع PageV03P186 # والتجربة شاهدان بأن من توكل عليه وانقطع إليه كفاه الله كل مؤنه. فكما ~~أن شرب الماء سبب لإزالة العطش، وأكل الطعام سبب لدفع الجوع، فكذا التوكل ~~سبب رتبه مسبب الأسباب لإنجاح المقاصد وكفاية الأمور. وعلامة حصول التوكل، ~~ألا يضطرب قلبه، ولا يبطل سكونه بفقد أسباب نفسه وحدوث أسباب ضره. فلو سرقت ~~بضاعته، أو خسرت تجارته، أو تعوق أمر من أموره، كان راضيا به، ولم تبطل ~~طمأنينته، ولم تضطرب نفسه، بل كان حال قلبه في السكون قبله وبعده واحدا. ~~فإن من لم يسكن إلى شئ لم يضطرب بفقده، ومن اضطر لفقد شئ فقد سكن إليه ~~واطمأن به. # ومنها: # الكفران وضده الشكر الشكر - فضيلة الشكر ms726 - الشكر نعمة يجب شكرها - ~~المدارك لتمييز محاب الله عن مكارهه - أقسام النعم واللذات - الأكل - لا ~~فائدة في الغذاء ما لم يكن بشهوة وميل - عجائب المأكولات - حاجة تحضير ~~الطعام إلى آلاف الأسباب - تسخير الله التجار لجلب الطعام - نعم الله في ~~خلق الملائكة للانسان - الأسباب الصارفة للشكر - طريق تحصيل الشكر - الصحة ~~خير من السقم. # * * * وبعد ما تعرف حقيقة الشكر، وكونه متعلقا بأي القوى، تعرف بالمقايسة ~~حقيقة الكفران وكونه من رذائل القوى. # فنقول: الشكر هو عرفان النعمة من المنعم، والفرح به، والعمل بموجب الفرح ~~بإضمار الخير، والتحميد للمنعم، واستعمال النعمة في طاعته. # أما المعرفة، فبأن تعرف أن النعم كلها من الله، وأنه هو المنعم، والوسائط ~~مسخرات من جهته. ولو أنعم عليك أحد، فهو الذي سخره لك، وألقى في قلبه من ~~الاعتقادات والإرادات ما صار به مضطرا إلى الايصال إليك، فمن عرف ذلك، حصل ~~أحد أركان الشكر لله، وربما كان مجرد ذلك شكرا، وهو الشكر بالقلب. كما روي: ~~(أن موسى قال في مناجاته: إلهي PageV03P187 # خلقت آدم بيدك، وأسكنته جنتك، وزوجته حواء أمتك، فكيف شكرك؟ # فقال: علم أن ذلك مني، فكانت معرفته شكرا). # ثم هذه المعرفة فوق التقديس وفوق بعض مراتب التوحيد، وهما داخلان فيها. ~~إذ التقديس تنزيهه - سبحانه - عن صفات النقص، والتوحيد قصر المقدس عليه، ~~والاعتراف بعدم مقدس سواه وهذه المعرفة هي اليقين بأن كل ما في العالم ~~موجود منه، والكل نعمة منه، فينطوي فيه مع التقديس والتوحيد كمال القدرة ~~والانفراد بالفعل، ولذلك قال رسول الله (ص): (من قال: سبحانه الله، فله عشر ~~حسنات، ومن قال: لا إله إلا الله، فله عشرون حسنة ومن قال: الحمد لله، فله ~~ثلاثون حسنة). # فسبحان الله: كلمة تدل على التقديس، ولا إله إلا الله: كلمة تدل على ~~التوحيد، والحمد لله: كلمة تدل على معرفة النعم من الواحد الحق. ولا تظنن ~~أن هذه الحسنات بإزاء تحريك اللسان بهذه الكلمات من غير عقد القلب ~~بمعانيها، بل هي بإزاء الاعتقاد بمعانيها التي هي المعارف المعدودة من ~~أبواب الإيمان واليقين. وأما الفرح ms727 بالمنعم، مع هيئة الخضوع والتواضع، فهو ~~أيضا من أركان الشكر. بل كما أن المعرفة شكر قلبي برأسه، فهو أيضا في نفسه ~~شكر بالقلب، وإنما يكون شكرا إذا كان فرحه بالمنعم أو بالنعمة لا من حيث ~~أنه نعمة ومال ينتفع به ويلتذ منه في الدنيا، بل من حيث أنه يقدر بها على ~~التوصل إلى القرب من المنعم والنزول في جواره، والنظر إلى وجهه على الدوام. ~~وأمارته ألا يفرح من الدنيا إلا بما هو مزرعة الآخرة ومعينة عليها، ويحزن ~~بكل نعمة تلهيه عن ذكر الله وتصده عن سبيله، لأنه ليس يريد النعمة لذاتها، ~~بل من حيث أنها توصله إلى مجاورة المنعم وقربه ولقائه. وأما العمل بموجب ~~الفرح الحاصل من معرفة المنعم، هو القيام بما هو مقصود المنعم ومحبوبه، وهو ~~يتعلق بالقلب واللسان والجوارح. أما المتعلق بالقلب فقصده الخير وإضماره ~~لكافة الخلق. وأما المتعلق باللسان فإظهار الشكر لله من تحميدات الدالة ~~عليه. وأما المتعلم بالجوارح، فاستعمال نعم الله في طاعته ولتوقي من ~~الاستعانة بها على معصيته حتى أن من جملة شكر العينين أن يستر كل عيب يراه ~~من مسلم، ومن جملة شكر الأذنين PageV03P188 # أن يستر كل عيب يسمعه من مسلم، فيدخل هذا وأمثاله في جملة شكر نعمة هذه ~~الأعضاء بل قيل: من كفر نعمة العين ولم يستعملها فيما خلقت لأجله كفر نعمة ~~الشمس أيضا، إذ الأبصار إنما يتم بها، وإنما خلقتها ليبصر بهما ما ينفعه في ~~دينه ودنياه، ويقي بهما ما يضره فيهما. بل المراد من خلق السماء والأرض ~~وخلق الدنيا وأسبابها أن يستعين بها على الوصول إلى الله ولا وصول إليه إلا ~~بمحبته والأنس به في الدنيا، والتجافي عن الدنيا وغرورها ولذاتها وعلائقها، ~~ولا أنس إلا بدوام الذكر ولا محبة إلا بالمعرفة الحاصلة بدوام الفكر، ولا ~~يمكن الذكر والفكر إلا ببقاء البدن، ولا يبقى البدن إلا بالأرض والماء ~~والهواء والنار، ولا يتم ذلك إلا بخلق الأرض والسماء وخلق سائر الأشياء ~~وكل، ذلك لأجل البدن. والبدن مطية النفس. والنفس الراجعة إلى الله هي ms728 ~~المطمئنة بطول العبادة والمعرفة. فكل من استعمل شيئا بغير طاعة الله فقد ~~كفر نعمة الله في جميع الأسباب التي لا بد منها لإقدامه على تلك المعصية. ~~وإذا عرفت حقيقة الشكر، تعرف بالمقايسة حقيقة الكفران، فإنه عبارة عن الجهل ~~بكون النعم من الله، أو عدم الفرح بالمنعم والنعمة من حيث إيصالها إلى ~~القرب منه، أو ترك استعمال النعمة فيما يحبه المنعم، أو استعمالها في ما ~~يكرهه. # ثم، بما ذكرناه، وإن ظهر أن حقيقة الشكر ملتئمة من الأمور الثلاثة، إلا ~~أنه قد يطلق الشكر على كل واحد أيضا، كما قال الصادق (ع): # (شكر كل نعمة، وإن عظمت، أن تحمد الله)، وقال (ع): (شكر النعم اجتناب ~~المحارم، وتمام الشكر قول الرجل: الحمد لله رب العالمين). # وسئل عنه (ع): (هل للشكر حد إذا فعله العبد كان شاكرا؟ قال: نعم! # قيل: ما هو؟ قال: يحمد الله على كل نعمة عليه في أهل ومال، وإن كان فيما ~~أنعم عليه في ماله حق أداه. ومنه قوله - جل وعز -: # (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين (42). ومنه قوله تعالى (رب ~~أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين) (43). وقوله: (رب أدخلني # PageV03P189 # مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) (44) وقال - ~~(ع): (كان رسول الله (ص) إذا ورد عليه أمر يسره، قال: # الحمد لله على هذه النعمة. وإذا ورد عليه أمر يغتم به، قال: الحمل لله ~~على كل حال). وقال (ع). (إذا أصبحت وأمسيت، فقل عشر مرات: اللهم ما أصبحت ~~بي من نعمة أو عافية في دين أو دنيا، فمنك وحدك لا شريك لك لك الحمد ولك ~~الشكر بها علي يا رب، حتى ترضى وبعد الرضا. فإنك إذا قلت ذلك، كنت قد أديت ~~شكر ما أنعم الله به عليك في ذلك اليوم وفي تلك الليلة). وفي رواية: (كان ~~نوح (ع) يقول ذلك إذا أصبح، فسمي بذلك عبدا شكورا). وقال (ع): (إذا ذكر ~~أحدكم نعمة الله، فليضع خده على التراب شكرا لله، فإن كان راكبا فلينزل ~~وليضع ms729 خده على التراب وإن لم يكن يقدر على النزول للشهرة فليضع خده على ~~قربوسه (45)، وإن لم يقدر فليضع خده على كفه، ثم ليحمد الله على ما أنعم ~~عليه). وروي: # (أن الصادق (ع) قد ضاعت دابته، فقال: لئن ردها الله علي لأشكرن الله حق ~~شكره) قال الرواي: فما لبث أن أتي بها، فقال: (الحمد لله). # فقال قائل له جعلت فداك! أليس قلت لأشكرن الله حق شكره؟ فقال أبو عبد ~~الله (ع) (ألم تسمعني قلت: الحمد لله؟) (46). ثم الشكر باللسان لإظهار ~~الرضا من الله، ولذا أمر به. وقد كان السلف يتسائلون بينهم، ونيتهم استخراج ~~الشكر لله، ليؤجر كل واحد من الشاكر والسائل. وقد روي: (أن رسول الله (ص) ~~قال لرجل: كيف أصبحت؟ فقال: بخير. # فأعاد عليه السؤال فأعاد عليه الجواب، فأعاد السؤال ثالثة، فقال: بخير، ~~أحمد الله وأشكره. فقال (ص): هذا الذي أردت منك) (تنبيه) لا ريب في أن ~~الجزء الأول من الشكر - أعني معرفة النعم من الله - من متعلقات العاقلة ~~وفضائلها. والثاني - أعني الفرح للنفس - # PageV03P190 # إن كان من النعم العقلية الروحانية، يكون متعلقا بالعاقلة أيضا، وإن كان ~~لأجل وصول نعمة الغلبة والاستيلاء - مثلا - على عدو ظالم، يكون متعلقا ~~بالقوة الغضبية، وإن كان من نعمة المال والأولاد، يكون متعلقا بالقوة ~~الشهوية. والجزء الثالث - أعني العمل بمقتضى الفرح الحاصل من معرفة المنعم ~~- فهو من ثمرات الحب للمنعم والخوف من زوال نعمته. وبهذا يظهر: أن الشكر ~~والكفران من متعلقات القوى الثلاث، الأول من فضائلها إذا امتزجت وتسالمت، ~~والثاني من رذائلها. # فصل فضيلة الشكر الشكر أفضل منازل الأبرار، وعمدة زاد المسافرين إلى عالم ~~الأنوار، وهو موجب لدفع البلاء وازدياد النعماء. وقد ورد به الترغيب ~~الشديد، وجعله الله سببا للمزيد. قال الله - سبحانه -: # (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم) (47). وقال: (لئن شكرتم ~~لأزيدنكم) (48) وقال: فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون) (49). وقال ~~(وسنجزي الشاكرين)) 50 ولكونه غاية الفضائل والمقامات، ليس لكل سالك أن يصل ~~إليه، بل ليس الوصول إليه إلا لأوحدي من كمل السالكين. ولذا قال ms730 الله رب ~~العالمين: # (وقليل من عبادي الشكور) 51 وكفى به شرفا وفضلا، أنه خلق من أخلاق ~~الربوبية، كما قال الله - سبحانه -: (والله شكور حليم) 1. وهو فاتحة كلام ~~أهل الجنة وخاتمته، كما قال الله - تعالى -: (وقالوا الحمد # PageV03P191 # لله الذي صدقنا وعده) (3). وقال: (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) ~~3 وقال رسول الله (ص): (الطاعم الشاكر، له من الأجر كأجر الصائم المحتسب. ~~والمعافى الشاكر، له من الأجر كأجر المبتلى الصابر. والمعطى الشاكر، له من ~~الأجر كأجر المحروم القانع). وقال (ص): (إن للنعم أوابد كأوابد الوحش، ~~فقيدوها بالشكر). وقال (ص): (ينادي مناد يوم القيامة: ليقوم الحمادون! ~~فيقوم زمرة. فينصب لهم لواء فيدخلون الجنة) فقيل: من الحمادون؟ فقال: ~~(الذين يشكرون الله على كل حال) وقال السجاد (ع): (إن الله - سبحانه - يحب ~~كل عبد حزين، ويحب كل عبد شكور). وقال الباقر (ع): (كان رسول الله (ص) عند ~~عائشة ليلتها، فقالت: يا رسول الله! لم تتعب نفسك وقد غفر لك الله ما تقدم ~~من ذنبك وما تأخر؟ فقال: يا عائشة! ألا أكون عبدا شكورا؟... # قال: وكان يقوم على أطراف أصابع رجليه، فأنزل الله - تعالى -: طه! # ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى). وقال الصادق (ع): (ما أنعم الله على عبد ~~من نعمة فعرفها بقلبه وحمد الله ظاهرا بلسانه، فتم كلامه، حتى يؤمر له ~~بالمزيد). وقال (ع): ((ثلاث لا يضر معهن شئ): الدعاء عند الكرب، والاستغفار ~~عند الذنب، والشكر عند النعمة) (4). وقال (ع): (في كل نفس من أنفاسك شكر ~~لازم لك، بل ألف أو أكثر، وأدنى الشكر رؤية النعمة من الله - تعالى - من ~~غير علة يتعلق القلب بها دون الله - عز وجل - أو الرضا بما أعطى، وألا ~~تعصيه بنعمته وتخالفه بشئ من أمره ونهيه بسبب نعمته. فكن لله عبدا شاكرا ~~على كل حال، تجد الله ربا كريما على كل حال، ولو كان عند الله - تعالى - ~~عبادة تعبد بها عباده المخلصون أفضل من الشكر على كل حال، لأطلق لفظة منهم ~~على جميع الخلق بها، فلما لم يكن أفضل منها، ms731 خصها من بين العبادات، وخص ~~أربابها، فقال: # PageV03P192 # (وقليل من عبادي الشكور). وتمام الشكر الاعتراف بلسان السر، خاضعا لله ~~بالعجز عن بلوغ أدنى شكره، لأن التوفيق للشكر نعمة حادثة يجب الشكر عليها، ~~وهي أعظم قدرا وأعز وجودا من النعمة التي من أجلها وفقت له، فليزمك على كل ~~شكر شكر أعظم منه، إلى ما لا نهاية له، مستغرقا في نعمه، قاصرا عاجزا عن ~~درك غاية شكره، وأنى يلحق العبد شكر نعمة الله، ومتى يلحق صنيعه بصنيعه، ~~والعبد الضعيف لا قوة له أبدا إلا بالله - عز وجل - والله غني عن طاعة ~~العبد قوي على مزيد النعم على الأبد، فكن لله عبدا شاكرا على هذا الأصل، ~~ترى العجب (5) ثم كما إن الشكر من المنجيات الموصلة إلى سعادة الأبد وزيادة ~~النعمة في الدنيا، فضده أعني الكفران - من المهلكات المؤدية إلى شقاوة ~~السرمد وعقوبة الدنيا وسلب النعم. قال الله - سبحانه -: # (فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف) 6. وقال تعالى (إن ~~الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) 7 وقال الصادق (ع) إشكر من ~~أنعم عليك. وانعم على من شكرك، فإنه لا زوال للنعماء إذا شكرت، ولا بقاء ~~لها إذا كفرت. الشكر زيادة في النعم وأمان من الغير، أي من التغيير). فصل ~~الشكر نعمة يجب شكرها لما كانت حقيقة الشكر عبارة عن عرفان كل النعم من ~~الله مع صرفها في جهة محبة الله، فالشكر على كل نعمة على أن تعرف كونها من ~~الله وتصرفها في جهة محبته. ولا ريب في أن هذه المعرفة والصرف أيضا نعمة من ~~الله، إذ جميع ما يتعاطاه باختيارنا نعمة من الله، لأن جوارحنا، وقدرتنا، ~~وإرادتنا، ودواعينا، وإفاضة المعارف علينا، وسائر الأمور التي هي أسباب ~~حركاتنا، بل نفس حركاتنا، من الله. وعلى هذا، فالشكر على كل نعمة # PageV03P193 # نعمة أخرى من الله يحتاج إلى شكر آخر. وهو أن يعرف أن هذا الشكر أيضا ~~نعمة من الله - سبحانه - فيفرح به ويعمل بمقتضى فرحه. وهذه المعرفة والفرح ~~تحتاج إلى شكر آخر. وهكذا فلا ms732 بد من الشكر في كل حال، وليس يمكن أن تنتهي ~~سلسلة الشكر إلى ما لا يحتاج إلى شكر. # فغاية شكر العبد أن يعرف عجزه عن أداء حق شكره - تعالى - إذ عرفان عجزه ~~مسبب عن عرفان جميع النعم، حتى شكره من الله وهذا غاية ما يمكن للعبد. ~~ويشهد بذلك ما روي: (أن الله - عز وجل - أوحى إلى موسى (ع): يا موسى! ~~اشكرني حق شكري. فقال: يا رب! كيف أشكرك حق شكرك وليس من شكر أشكرك به إلا ~~وأنت أنعمت به علي؟ قال: # يا موسى! الآن شكرتني، حيث علمت أن ذلك مني) وكذلك أوحى ذلك إلى داود، ~~فقال: (يا رب! كيف أشكرك وأنا لا أستطيع أن أشكرك إلا بنعمة ثانية من ~~نعمك). وفي لفظ آخر: (وشكري لك نعمة أخرى منك ويوجب علي الشكر لك، فقال: ~~إذا عرفت هذا فقد شكرتني). وفي خبر آخر: (إذا عرفت أن النعم مني، رضيت عنك ~~بذلك شكرا). وروي: # (أن السجاد (ع) كان إذا قرأ هذه الآية (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) ~~يقول: سبحان من لم يجعل في أحد من معرفة نعمه إلا المعرفة بالتقصير عن ~~معرفتها!) كما لم يجعل في أحد من معرفة إدراكه أكثر من العلم أن لا يدركه ~~فشكره - تعالى - معرفة العارفين بالتقصير عن معرفة شكره، فجعل معرفتهم ~~بالتقصير شكرا، كما علم علم العارفين بأنهم لا يدركونه، فجعله إيمانا علما ~~منه أنه قد وسع العباد فلا يتجاوز ذلك فإن شيئا من خلقه لا يبلغ مدى ~~عبادته، فكيف يبلغ مدى عبادته من لا مدى له ولا كيف؟ تعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا. وقال أبو الحسن (ع): (من حمد الله على النعمة فقد شكره، وكان ~~الحمد لله أفضل من تلك النعمة (8) يعني أنه نعمة فوق تلك النعمة، يستدعي ~~شكرا آخر. # PageV03P194 # فصل المدرك لتمييز محاب الله عن مكارهه لما عرفت أن الشكر عبارة عن ~~استعمال نعم الله فيما يحبه، والكفران عبارة عن نقيض ذلك - أعني ترك ~~استعمالها فيه أ استعمالها فيما يكرهه - فلا بد من معرفة ms733 ما يحبه وما ~~يكرهه، وتمييز محابه عن مكارهه، حتى يتمكن من أداء الشكر وترك الكفران، ~~لتوقفهما على معرفتهما وتمييزها. وهذا التمييز والتعريف له مدركان: # أحدهما - الشرع، فإنه كشف عن جميع ما يحبه وما يكرهه، عبر عن الأول ~~بالواجبات والمندوبات، وعن الثاني بالمحرمات والمكروهات. # فمعرفة ذلك موقوفة على معرفة جميع أحكام الشرع في أفعال العباد، فمن لم ~~يطلع على حكم الشرع في جميع أفعاله، ولم يمكنه القيام بحق الشكر. # وثانيهما - العقل والنظر بعين الاعتبار، فإن العقل متمكن - في الجملة - ~~من أن يدرك بعض وجوه الحكم في بعض الموجودات. فإن الله سبحانه ما خلق شيئا ~~في العالم إلا وفيه حكم كثيرة، وتحت كل حكمه مقصود ومصلحة وهذا المقصود ~~والمصلحة هو محبوب الله تعالى. فمن أستعمل كل شئ على النحو الذي يؤدي إلى ~~المقاصد المطلوبة وعلى الجهة التي خلق لها فقد شكر نعم الله تعالى، وإن ~~استعمل شيئا على النحو الذي لم يؤد إلى المقصود منه أو في جهة غير الجهة ~~التي خلق لها، فقد كفر نعمة الله). # ثم العقل لا يتمكن من معرفة كل حكمة مطلوبة من كل شئ، إذ الحكم المقصودة ~~من الأشياء، إما جلية أو خفية. أما الجلية: كحكمة حصول الليل والنهار في ~~وجود الشمس، وحكمة انتشار الناس وسكونهم في وجود الليل والنهار، وحكمة ~~انشقاق الأرض بأنواع النبات في وجود الغيم ونزول الأمطار وحكمة الأبصار في ~~العين، والبطش في اليد، والمشي في الرجل، وحصول الأولاد، وبقاء النسل في ~~الآت التناسل وخلق الشهوة، وحكمة المضغ والطحن في خلق الأسنان وأمثال ذلك. ~~وأما الحكم الخفية: كالحكم التي في خلق الكواكب السيارة والثابتة، واختصاص ~~كل منها بقدر معين وموضع خاص، والحكم التي في بعض الأعضاء الباطنية ~~للحيوان، من PageV03P195 # الأمعاء والمرارة والكلية وأحاد العروق والأعصاب والعضلات، وما فيها من ~~التجاويف والالتفاف والاشتباك والانحراف والدقة والغلظة وغير ذلك. # فهذه الحكم وأمثالها لا يعرفها كل أحد، ومن يعرف منها شيئا فلا يعرف إلا ~~قدرا يسيرا. فإن جميع أجزاء العالم، سماءه وكواكبه، وما فيها من الأوضاع ~~والحركة ms734 والاختصاصات، وعناصره من كثرة النار والهواء والماء والأرض، وما ~~فيها من البحار والجبال والرياح، والمعدن والنبات والحيوان، لا تخلو ذرة من ~~ذراته من حكم كثيرة من عشرة إلى ألف أو أكثر، وقليل منها جلية، وأكثرها ~~دقيقة خفية، وبعضها متوسطة في الجلاء والخفاء، يعرفها المتفكرون في خلق ~~السماوات والأرض، وأكثر الحكم الدقيقة مما لا يعرفها غير خالقها وموجودها. ~~ثم ما عدا الإنسان من الأشياء المجردة والمادية، الروحانية والجسمانية، ~~جارية على وفق الحكمة، ومستعملة ذواتها وأجزاؤها وما يتعلق بها على الوجه ~~الذي هو مقتضى المصلحة المقصودة منها وأما الإنسان فلكونه محل الاختيار ~~ومجراه فقد يجري ويستعمل الأشياء التي يتمكن من استعمالها على خلاف ذلك، ~~فيكون كافرا بنعمة الله سبحانه. # فمن ضرب غيره بيده فقد كفر نعمة الله في اليد، إذ خلقت له اليد ليدفع بها ~~عن نفسه ما يؤذيه، ويأخذ ما ينفعه، لا ليهلك به غيره. ومن نظر إلى وجه غير ~~المحرم فقد كفر نعمة العين، لأنها خلقت ليبصر بها ما ينفعه في دينه ودنياه، ~~ويتقي بها ما يضره فيهما. ومن أدخر الدراهم والدنانير وحبسهما فقد كفر نعمة ~~الله فيهما، لأنهما حجران لا منفعة ولا عوض في أعيانهما، وإنما خلقهما الله ~~تعالى ليكونا حاكمين يحصل بهما التعديل والمساواة والتقدير بين سائر ~~الأموال من الأعيان المتناثرة المتباعدة، فهما عزيزان في أنفسهما. ولا غرض ~~في أعينهما. ونسبتهما إلى سائر الأموال نسبة واحدة. فمن ملكهما فكأنه ملك، ~~كل شئ لا كمن ملك ثوبا، فإنه لا يملك إلا الثوب. فإن أحتاج إلى طعام ربما ~~لم يرغب صاحب الطعام في الثوب، إذ لا غرض له في ذاته، بخلاف النقدين، ~~فإنهما من حيث الصورة كأنهما ليسا بشئ، ومن حيث المعنى كإنهما كل الشئ. ~~والأشياء إنما تستوي نسبتها إلى المختلفات - إذا لم يكن لها صورة خاصة ~~تقيدها PageV03P196 # بخصوصها - كالمرآة لا لون لها وتحكي كل لون، وكالحرف لا معنى لها في ~~نفسها بل تظهر لها المعاني في غيرها، وكذلك النقدان، لا غرض فيهما مع ~~كونهما وسيلة إلى كل غرض. فالحكمة ms735 في خلقهما أن يحكما بين الأموال بالعدل، ~~وتعرف بهما المقادير المختلفة، وتقوم بهما الأشياء المتباينة، ويحصل التوسل ~~بهما إلى سائر الأموال. فيلزم إطلاقهما لتداولهما الأيدي، وتحصل بهما ~~التسوية في تبادل الأعيان والمنافع المتخالفة، فمن ادخرهما وحبسهما فقد ~~ظلمهما، وأبطل الحكمة فيهما، وكفر نعمة الله فيهما، وكان كمن حبس حاكم ~~المسلمين في سجن، ومن لم يدخرهما ولم يتصرف أزيد مما يحصل به التوصل إلى ما ~~يحتاج، وأنفق الزائد في سبيل الله، فهو الذي استعملهما على وفق الحكمة وشكر ~~نعمة الله فيهما. ولما عجز أكثر الناس عن قراءة الأسطر الإلهية المكتوبة ~~على صفحاتها في فائدتهما وحكمتهما بخط إلهي لا حرف فيه ولا صوت، أخبرهم ~~الله عن ذلك بقوله: # (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب ~~أليم) 9 وبما ذكرنا من وجه الحكمة فيهما، يظهر أن من أتخذ الأواني منهما ~~فقد كفر نعمة الله فيهما أيضا، وكذا من عاملة معاملة الربا فيهما فقد كفر ~~النعمة وظلم، لأنها أنما خلقا لغيرهما لا لأنفسهما، إذ لا غرض في عينيهما، ~~فإذا أتجر في عينهما فقد اتخذهما مقصودا لأنفسهما على خلاف وضع الحكمة، ~~وكذلك الحكمة في خلق الأطعمة أن يتغذى بها فلا ينبغي أن تصرف عن جهتها ~~وتقيد في الأيدي، بل اللازم أن تخرج عن يد المستغني عنها إلى المحتاج. ولذا ~~ورد في الشرع حرمة الاحتكار والمنع عن معاملة الربا في الأطعمة، لأن ذلك ~~يوجب صرفها عن الحكمة المقصودة منها. وإذا عرفت ذلك، فقس عليه جميع أفعالك ~~وأعمالك وحركاتك وسكناتك، فإن كل فعل يصدر منك أما شكر أو كفران لا يتصور ~~أن ينفك عنهما، مثلا لو استنجيت باليمين، فقد كفرت نعمة اليدين، إذ خلق ~~الله اليدين وجعل # PageV03P197 # إحداهما أقوى، واستحق الأقوى لرجحانه التفضيل، وتفضيل الناقص عليه عدول ~~عن العدل، وهذا التفضيل إنما يتصور بأن تصرف الأقوى في الأفعال الشريفة، ~~كأخذ المصحف وأكل الطعام، وتصرف الأضعف في الأعمال الخسيسة، كإزالة ~~النجاسة، فمن خالف ذلك فقد عدل عن العدل وأبطل الحكمة وكفر النعمة، وكذلك ~~إذا ms736 لبست خفك فابتدأت باليسرى فقد ظلمت، لأن الخف وقاية للرجل، فللرجل فيه ~~حظ، والبداءة في الحظوظ ينبغي أن تكون بالأشرف، وهو العدل والعمل على وفق ~~الحكمة، فخلافه ظلم وكفران. # وكذلك إن استقبلت القبلة عند قضاء الحاجة، فقد كفرت نعمة الله في خلق ~~الجهات وخلق سعة العالم، لأنه خلق الجهات متعددة متسعة، وشرف بعضها بأن وضع ~~فيه بيته، فينبغي استقباله بالأفعال الشريفة، كالصلاة والجلوس للذكر ~~والاغتسال والوضوء دون الأفعال الخسيسة، كقضاء الحاجة ورمي البزاق، فمن قضى ~~حاجته أو رمى بزاقه إلى جهة القبلة فقد ظلمها وكفر نعمة الله. وكذلك من كسر ~~غصنا من شجرة من غير حاجة مهمة، ومن غير غرض صحيح، فقد كفر نعمة الله في ~~خلق الأشجار وفي خلق اليد. أما اليد فلأنها لم تخلق للعبث، بل للطاعة ~~المعينة عليها. وأما الشجر، فلأن الله تعالى خلقه، وخلق له العروق وساق ~~إليه الماء، وخلق فيه قوة الاغتذاء والنماء ليبلغ منتهى نشوه فينتفع به ~~عباده، فكسره قبل منتهى نشوه لأعلى وجه ينتفع به عباده، مخالفة المقصود ~~الحكمة وعدول عن العدالة. نعم أن كان له غرض صحيح في كسره فله ذلك. إذ ~~الشجر والحيوان جعلا فداءين لأغراض الإنسان، فإنهما جميعا فانيان هالكان. # فإفناء الأخس في بقاء الأشرف مدة ما أقرب إلى العدل من تضييعهما جميعا. # وإليه الإشارة بقوله تعالى: # (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا) 10 ثم هذه الأفعال المتصفة ~~بالكفران، بعضها يوجب نقصان القرب وانحطاط المنزلة، وبعضها يخرج بالكلية عن ~~حدود القرب إلى عالم البعد # PageV03P198 # الذي هو أفق الشياطين. ولذلك يوصف بعضها - في لسان الفقه - بالكراهة ~~وبعضها بالحضر. وقد سومح في الفقه حيث جعل فيه بعض هذه المكاره مكروهة غير ~~محضورة، مع أن جميعها عدول عن العدل، وكفران للنعمة، ونقصان عن الدرجة ~~المبلغة إلى القرب، لأن الخطاب به إنما هو إلى العوام الذين تقرب درجتهم من ~~درجة الأنعام، وقد انغمسوا في ظلمات أعظم من أن تظهر أمثال هذه الظلمات ~~بالإضافة إليها. فإن المعاصي كلها ظلمات، إلا أن بعضها ms737 فوق بعض، فيتمحق ~~بعضها في جنب البعض. ولذا ترى أن السيد يعاتب عبده إذا استعمل سكينه بغير ~~أذنه، ولكن لو قتل، بهذا السكين أعز أولاده لم يبق لاستعمال السكين بغير ~~أذنه حكم ونكاية في نفسه. ولذا جميع هذه المكاره موصوفة عند أرباب القلوب ~~بالحضر، ولا يتسامحون في شئ مما راعاه الأنبياء والأولياء من الآداب. حتى ~~نقل: # (أن بعضهم جمع أكرارا من الحنطة يتصدق بها، فسئل عن سببه فقال: # لبست المداس مرة فابتدأت بالرجل اليسرى سهوا، فأريد أن أكفره بالصدقة). # فصل أقسام النعم واللذات إعلم أن النعمة عبارة عن كل خير ولذة وسعادة، بل ~~كل مطلوب ومؤثر. وهي تنقسم إلى مؤثر لذاته لا لغيره، أي تكون غاية مطلوبة ~~لذاتها ليس فوقها غاية أخرى، وهي مخصوصة بسعادة الآخرة التي لا انقضاء لها، ~~أعني لذة النظر إلى وجه الله، وسعادة لقائه، وسائر لذات الجنة، من البقاء ~~الذي لا فناء له، والسرور الذي لا غم فيه، والعلم الذي لا جهل معه، الغنى ~~الذي لا فقر بعده وغير ذلك. فإنها لا تطلب ليتوصل بها إلى غاية أخرى مقصودة ~~وراءها، بل تطلب لذاتها، وهذه هي النعمة الحقيقية واللذة الواقعية، ولذلك ~~قال رسول الله (ص): (لا عيش إلا عيش الآخرة)، وغالب هذه النعمة والسعادة ~~وأقواها وأشرفها هي اللذة والبهجة المرضية العقلية دون الجسمانية - كما لا ~~يخفى -، فيختص بإدراكها العقل، ولاحظ للسمع والبصر والشم والبطن والفرج ~~فيها. وإلى ما يقصد لغيره، أي تكون مطلوبة لأجل الغاية المطلوبة لذاتها ~~ووسيلة إليها، سواء أكانت مقصودة PageV03P199 # لذاتها أيضا أم لا. وهي تنقسم إلى أربعة أقسام: # القسم الأول - وهو الأقرب الأخص: الفضائل النفسية المذكورة في هذا ~~الكتاب، ويجمعها العلم والعفة والشجاعة والعدالة، وهذه مع كونها لذيذة في ~~نفسها، تكون وسيلة إلى النعمة التي هي غاية الغايات بلا توسط وسيلة أخرى. ~~ولذلك قلنا: هي أقرب الوسائل وأخصها. وأشرفها العلم وأشرف أفراد العلم: ~~العلم بالله وصفاته وملائكته ورسله، وأحوال النشأة الآخرة، وسائر أفعاله، ~~وعلم المعاملة الراجع إلى علم الأخلاق، إذ هو الذي يؤدي إلى ms738 السعادة ~~الحقيقية بلا توسط شئ آخر، وسائر العلوم إنما هي مقصودة من حيث كونها وسائل ~~إلى هذا العلم، وهذه الفضائل لذيذة في الدنيا والآخرة نافعة فيهما، أي تؤدي ~~إلى الراحة فيهما، وجميلة على الإطلاق، أي تستحسن في جميع الأحوال. ضدها - ~~أعني الجهل والأخلاق السيئة - ضارة مؤلمة في الدارين، قبيحة على الإطلاق. ~~وسائر الصفاة ليست جامعة لهذه الأوصاف. فإن أكل لذائذ الأطعمة وطيباتها ~~يوجب اللذة والنفع، أي حصول الراحة في الحال، ولكنه ضار في المال، وترك ~~الشهوات بعكس ذلك. # ثم لذة المعرفة وفضائل الأخلاق دائمة لازمة لا تزول أبدا، لا في الدنيا ~~ولا في الآخرة، وعقلية يختص بإدراكها العقل دون سائر الحواس. وأما غيرها من ~~اللذات، فبعضها مما يشترك فيه الإنسان وبعض الحيوانات، كلذة الرئاسة ~~والغلبة والاستيلاء، وهذه اللذة موجودة في الأسد والنمر وبعض أخر من ~~الحيوانات وبعضها مما يشترك فيه الإنسان وسائر الحيوانات، كلذة البطن ~~والفرج وهي أخس اللذات ولذلك اشترك فيها كلما ما دب ودرج، حتى الديدان ~~والحشرات. فمن جاوز هذه اللذة، تشبثت به لذة الغلبة والاستيلاء، فإن جاوزها ~~أيضا ارتقى إلى اللذة العقلية، فصار أقرب اللذات عليه لذة المعرفة، لا سيما ~~لذة معرفة الله ومعرفة صفاته وأفعاله. وهذه مرتبة الصديقين، ولا ينال ~~تمامها إلا بخروج حب الرئاسة من القلب، وآخر ما يخرج من رؤس الصديقين حب ~~الرئاسة والجاه، ولذلك قمعها بالكلية، بحيث لا يقع بها الاحساس قط، يشبه أن ~~يكون PageV03P200 # خارجا عن مقدرة البشر. نعم ربما غلبت لذة المعرفة في أحوال، بحيث لا يقع ~~معها الاحساس بلذة الجاه والرئاسة، إلا أن ذلك لا يدوم، بل تعتريه الفترات، ~~فتعود إلى الحالة البشرية. وعلى هذا تنقسم القلوب إلى أربعة أقسام: لا يحب ~~إلا الله، ولا يستريح إلا إليه، وليس فرحه إلا بزيادة المعرفة والفكر فيه، ~~ولا يسكن إلا بحبه وأنسه، وقلب: أغلب أحواله الأنس بالله والتلذذ بمعرفته ~~والفكر فيه، ولكن في بعض الأوقات والأحوال يعتريه الرجوع إلى أوصاف ~~البشرية. وقلب: أغلب أحواله التلذذ بالجاه والرئاسة والمال وسائر الشهوات ~~البدنية، وفي ms739 بعض الأوقات يتلذذ بالعلم والمعرفة وحب الله والأنس به. وقلب: ~~لا يدري ما لذة المعرفة وما معنى الأنس بالله، وإنما لذته بالرئاسات ~~والشهوات. والأول - أن كان ممكنا في الوجود فهو في غاية الندور. والثاني - ~~أيضا نادر. والسر في ندور هذين القسمين: أن من انحصرت لذاته بمعرفة الله ~~وحبه وأنسه، أو غلب عليه ذلك، فهو من ملوك الآخرة، والملوك هم الأقلون ولا ~~يكثرون فكما لا يكون الفائق في الملك والاستيلاء في الدنيا إلا نادرا، ~~وأكثر الناس دونهم، فكذا في ملك الآخرة فإن الدنيا مرآة الآخرة. إذ الدنيا ~~عالم الشهادة وفي الآخرة عالم الغيب، وعالم الشهادة تابع لعالم الغيب، كما ~~إن الصورة في المرآة تابعة لصورة الناظر في المرآة، وهي وإن كانت الثانية ~~في رتبة الوجود، إلا أنها في أمر الرؤية أولى، لأنك ترى صورتك في المرآة ~~أولا، ثم ترى نفسك، فتعرف بالصورة القائمة بالمرآة صورتك التي هي قائمة بك ~~ثانيا على سبيل المحاكاة، فانقلب التابع في الوجود متبوعا في حق الرؤيا ~~والمعرفة، وانقلب المتأخر متقدما. وهذا النوع من الانعكاس والانتكاس ضرورة ~~هذا العالم. وكذا عالم الملك والشهادة يحاكي عالم الغيب والملكوت، فمن ~~الناس من لا ينظر في مرآة عالم الشهادة إلا بنظر الاعتبار، فلا ينظر في شئ ~~من عالم الملك إلا ويعبر به إلى عالم الملكوت، فيسمى عبوره عبرة، وقد أمر ~~الخلق به، فقيل: # (فاعتبروا يا أولي الأبصار) 11 # PageV03P201 # ومنهم من عميت بصيرته، فلم يعتبر، فاحتبس في عالم الملك والشهادة وستفتح ~~إلى حبسه له أبواب جهنم. وأما الثالث - فأكثر وجودا منه. # وأما الرابع - فدار الدنيا طافحة به، لقصور أكثر الناس عن إدراك لذة ~~العلم، إما لعدم الذوق، إذ من لم يعرف ولم يشتق، إذ الشوق فرع الذوق وذلك ~~إما لقصور فطرتهم وعدم اتصافهم بعد بالصفة التي بها يستلذ العلم، كالطفل ~~الرضيع الذي لا يدرك لذة العسل، ولا يستلذ إلا باللبن، فهؤلاء ممن يحيي ~~باطنه بعد كالطفل. وإما لمرض قلوبهم أو موتها بسبب أتباع الشهوات، كالمريض ~~الذي لا يدرك لذة الشكر، أو ms740 الميت الذي سقط عنه الإدراك، وهؤلاء كالمرضى أو ~~الأموات بسبب اتباع الشهوات. # القسم الثاني - الفضائل البدنية: وهي أربعة: الصحة، والقوة، وطول العمر، ~~والجمال. # الثالث - النعم الخارجة المضيفة بالبدن: وهي: المال، والجاه، والأهل، ~~وكرم العشيرة. # الرابع - الأسباب التي تناسب وجه الفضائل النفسية، ويعبر عنها بالنعم ~~التوفيقية: وهي هداية الله، ورشدة، وتسديده، وتأييده وهذه الجملة مما يتوقف ~~بعضها على بعض، إلى أن ينتهي إلى السعادة التي هي مطلوبة لذاتها. والتوقف ~~إما على سبيل اللزوم والضرورة، كتوقف سعادة الآخرة على الفضائل النفسية ~~والبدنية، وتوقف الفضائل النفسية على صحة البدن، أو على سبيل النفع ~~والإعانة، كتوقف الفضائل النفسية والبدنية على النعم الخارجة. ووجه كونها ~~معينة نافعة في تحصيل العلم وتهذيب الأخلاق وصحة البدن ظاهر. وإعانة الجمال ~~في كسب الفضائل النفسية والبدنية مبني على أن القبيح مذموم، والطباع عنه ~~نافرة، فحاجات الجميل إلى الإجابة أقرب، وجاهه في الصدور أوسع. وأيضا ~~الغالب دلالة الجمال على فضيلة النفس، لأن نور النفس إذا تم إشراقه تأدى ~~إلى البدن. ولذلك عول أصحاب الفراسة في معرفة مكارم النفس على هيئات البدن. ~~ثم إنا لا نعني بالجمال ما يحرك الشهوة، فإن ذلك أنوثة، بل نعني به البراءة ~~عن العيوب والنقص والزيادة، وارتفاع القامة على الاستقامة، مع الاعتدال ~~PageV03P202 # في اللحم، وتناسب الأعضاء، وتناسب خلقة الوجه، بحيث لا تنبو الطباع عن ~~النظر إليه. وأما احتياج الفضائل الخلقية والجسمية والخارجية إلى النعم ~~التوقيفية، فلأن المراد بالتوقيفية هو التآلف بين إرادة العبد وبين قضاء ~~الله وقدره، بشرط كون المراد والمقضى سعادة. وبعبارة أخرى: # هو توجيه الأسباب نحو المطلوب. # وأما الهداية، فلها مراتب: أولاها: الهداية العامة، وهي إراءة طريق الخير ~~وتعريفه. وثانيتها: الخاصة، وهي الإفاضات المتتالية الواردة من الله على ~~بعض عبيده، نظرا إلى مجاهدتهم. وثالثتها: الهداية المطلقة، وهي النور الذي ~~يشرق في عالم النبوة والولاية فيهتدى بهما إلى ما لا يهتدى إليه بالعقل. ~~وتوقف تحصيل كل خير وفضيلة، كائنا ما كان، على مساعدة القضاء والقدر، وعلى ~~العلم بطريق الخير، ظاهر. # وأما الرشد، فالمراد به العناية ms741 الإلهية، التي تعين الإنسان عند توجهه ~~إلى مقاصده، فيقويه على ما فيه صلاحه، ويفتره عما فيه فساده، ويكون ذلك من ~~الباطن. وبعبارة أخرى: هو هداية باعثة إلى جهة السعادة محركة إليها. وقد ~~ظهر احتياج تحصيل الخير والسعادة إليه من مفهومه. # وأما التسديد، فهو توجيه حركاته إلى صوب المطلوب وتيسرها عليه، ليصل إليه ~~في أسرع وقت. فالهداية محض التعريف، والرشد هو تنبيه الداعية لتستيقظ ~~وتتحرك، والتسديد إعانة ونصرة بتحريك الأعضاء إلى صوب الصواب والسداد. وقد ~~ظهر وجه كون التسديد معينا في طلب الخير أيضا من حاق معناه. # وأما التأييد، فإنه جامع للكل، بل هو عبارة عن تقوية أمره بالبصيرة فكأنه ~~من داخل، وبقوة البطش ومساعدة الأسباب من خارج. وتقرب منه العصمة، وهي ~~عبارة عن وجود إلهي يسنح في الباطن يقوى به الإنسان على تحري الخير وتجنب ~~الشر، حتى يصير كمانع باطني غير محسوس يمنع عن الشر. وهو المراد من برهان ~~الرب في قوله تعالى: # (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) (12) # PageV03P203 # تنبيه إعلم أن النعم الأخروية، التي هي الغايات المطلوبة لذواتها، ~~وتفاصيلها وأسبابها وما يتوقف وجودها عليه، إلى أن ينتهي إلى مسبب الأسباب، ~~مما لا يمكن دركها، والعقول البشرية قاصرة عن درك قليلها فضلا عن كثيرها. # وأما الوسائل الأربعة من النعم التي انقسم كل منها أيضا إلى أربعة أقسام، ~~وصار مجموعها ستة عشر قسما، فيستدعي كل قسم من الستة عشر أسبابا، وتلك ~~الأسباب أسبابا، حتى تنتهي بالآخرة إلى مسبب الأسباب وموجود الكل. والمتفكر ~~يعلم، أن كلا منها يتوقف على نعم وأسباب أخرى متسلسلة خارجة عن حد الاحصاء. ~~فإن نعمة الصحة التي من النعم الواقعة في المرتبة المتأخرة تتوقف على أسباب ~~ونعم من جملتها نعمة الأكل، فإن إحصاءها وإن لم يكن ممكنا، إلا أنا نشير ~~إلى بعضها على سبيل التلويح دون الاستقصاء، لتقاس عليها البواقي. فنقول: # نعمة الأكل تتوقف على إدراك الغذاء وأسبابه، وعلى شهوة الطعام وميله ~~وإرادته وأسبابه، وعلى القدرة إلى تحصيله وأسبابه، وعلى وجود أصل الغذاء ~~المأكول ms742 وتكونه، وعلى إصلاحه بعد وجوده وتكونه، وعلى الأسباب الموصلة له ~~إلى كل إنسان أو كان بعيدا عنه، وعلى أسباب الطحن والجذب والهضم والدفع ~~وسائر الأفعال الباطنة إلى أن يصير جزء للبدن، وعلى الملائكة الموكلين على ~~فعل من الأفعال المذكورة. فها هي نذكرها إجمالا وتلويحا في فصول: # فصل الأكل الأكل يتوقف أولا على إدراك الغذاء المأكول رؤية ولمسا ~~واستشماما وذوقا، إذ ما لم يبصره لم يمكنه تمييزه وطلبه، وما لم يلامسه لم ~~يتمكن من درك بعض أوصافه اللازمة في الأكل، وما لم يشمه لم يتشخص ما يكرهه ~~رائحته عما تطيب رائحته، وربما توقف تحصيله على استشمام رائحته من بعد، لا ~~سيما لبعض الحيوانات، وما لم يذقه لم يدرك أنه موافق أو مخالف له، وبذلك ~~ظهر توقفه على خلق الحواس المدركة الظاهرة، فخلقها الله PageV03P204 # سبحانه. ثم، الأسباب التي يتوقف عليها خلق هذه الحواس مما لا تتناهى، فلا ~~نتعرض لبيانها. وبعد إدراك الغذاء - على ما ذكر - لا بد له من قوة أخرى ~~يعرف بها كون الغذاء الذي ذاقه سابقا ورآه مرة أخرى موافقا أو مخالفا، وهذه ~~القوة هي الحس المشترك، الذي يتأدى إليه جميع المحسوسات ويجتمع فيه، فإنك ~~إذا أكلت شيئا أصفر مثلا فوجدته مرا مخالفا لك فتركته فإذا رأيته مرة أخرى ~~فلا تعرف أنه مر ما لم تذقه، لولا الحس المشترك، إذ العين تبصر الصفرة ولا ~~تدرك المرارة، والذوق يدرك المرارة ولا يدرك الصفرة، فلا بد من حاكم يجتمع ~~عنده الصفرة والمرارة جميعا، حتى إذا أدرك الصفرة حكم بأنه مر، فيمتنع عن ~~تناوله ثانيا. وهذه القوة - أعني الحس المشترك - يتوقف خلقه على أسباب ونعم ~~لا يمكن إحصاؤها، فلتذرها على سنابلها. # ثم الإدراك بالحواس الظاهرة والحس المشترك، مما تشترك فيه سائر ~~الحيوانات، ولو انحصر إدراك الإنسان أيضا به لكان ناقصا. إذ البهيمة تأكل ~~ما تستلذ به في الحال ويضرها في ثاني الحال، فتمرض وتموت، إذ ليس لها إلا ~~الإحساس بالحاضر، وأما إدراك العواقب فليس لها إليه سبيل. # فيتوقف تمييز صلاح العواقب وفسادها على ms743 قوة أخرى. فخلق الله للانسان ~~العقل، به يدرك مضرة الأطعمة ومنفعتها في المآكل، وبه يدرك كيفية طبخ ~~الأطعمة وتركيبها وأعداد أسبابها، فينتفع بعقله في الأكل الذي هو سبب صحته ~~وهو أخس فوائد العقل وأقل الحكم فيه، إذ الحكم والفوائد المترتبة عليه أكثر ~~من أن تحصى، وأعظم الحكم فيه معرفة الله ومعرفة صفاته وأفعاله. والعقل ~~بمنزلة السلطان في مملكة البدن، والحواس الخمس كالجواسيس وأصحاب الأخبار ~~والموكلين بنواحي المملكة، وقد وكل كل واحدة منها بأمر خاص. فواحدة بأخبار ~~الألوان، وأخرى بأخبار الأصوات وأخرى بأخبار الروائح، وأخرى بأخبار الطعون، ~~وأخرى بأخبار الحر والبرد والخشونة والملاسة واللين والصلابة. فهذه ~~الجواسيس يقتنصون الأخبار من أقطار المملكة، ويسلمونها إلى الحس المشترك، ~~وهو قاعد في مقدمة الدماغ، مثل صاحب الكتب والقصص على باب الملك، يجمع ~~PageV03P205 # القصص والكتب الواردة من نواحي العالم، ويأخذها ويسلمها إلى العقل الذي ~~هو السلطان مختومة، إذ ليس له إلا أخذها وحفظها، وأما معرفة حقائق ما فيها ~~فليس إليه. ولكن إذا صادف القلب العاقل الذي هو الأمير والملك سلم، لأنها ~~آتية إليه مختومة، فيفتشها الملك ويطلع على أسرار المملكة، ويحكم فيها ~~بأحكام عجيبة لا يمكن استقصاؤها. وبحسب ما يلوح له من الأحكام والمصالح ~~يحرك الجنود - أعني الأعضاء - في الطلب أو الهرب أو إتمام التدبيرات التي ~~تعن له. ثم عجائب حكم العقل والأسباب التي يتوقف خلقه عليها ليس دركها في ~~مقدرة البشر، وهذه ما يتوقف عليه الأكل من الإدراكات وأسبابها. # فصل لا فائدة في الغذاء ما لم يكن بشهوة وميل إذا أدرك الغذاء، لم يفد ~~فائدة ما لم تكن شهوة له وميل وشوق إليه. # إذ لولا الميل إليه لكان إدراكه بأي حس وقوة فرضا معطلا. ألا ترى أن ~~المريض يرى الطعام ويدرك أنه أنفع الأشياء له، وقد سقطت شهوته، فلا ~~يتناوله، فيبقى البصر والإدراك معطلا في حقه؟ فيتوقف الأكل على ميل إلى ~~الموافق، ويسمى شهوة، ونفرة عن المخالف، ويسمى كراهة. فخلق الله شهوة ~~الطعام وسلطها على الإنسان كالمتقاضي الذي يضطره إلى التناول، وهذه الشهوة ~~لو ms744 لم تسكن بعد أخذ قدر الحاجة لأسرفت وأهلكت نفسه، فخلق الله الكراهة عند ~~الشبع لترك الأكل بها، ولم يجعلها كالزرع الذي لا يزال يجتذب الماء إذا ~~أنصب في أسافله حتى يفسد، ولذلك يحتاج إلى آدمي يقدر غذاءه بقدر الحاجة، ~~فيسقيه مرة ويقطع عنه الماء أخرى. ثم مجرد الميل والشهوة لا يكفي، ما لم ~~تنبعث الداعية إلى تناول الغذاء، فخلق الله تعالى له الإرادة أعني انبعاث ~~النفس إلى تناوله. وربما حصل الاحتياج إلى قوة الغضب أيضا ليندفع عن نفسه ~~المؤذي وما يضاده ويخالفه، ومن أراد أن يأخذ منه ما حصله من الغذاء. ثم لكل ~~واحد من الشهوة، والكراهة، والإرادة، والغضب، أسباب لا يمكن إحصاؤها. ثم ~~بعد أدراك الغذاء وميله وشهوته وإرادته، لا يفيد شيئا من ذلك ما لم يتحقق ~~الطلب والأخذ بالفعل بآلاتهما. فكم من زمن شائق إلى شئ بعيد منه مدرك له ~~مائل PageV03P206 # إليه مريد له، لا يمكنه أن يمشي إليه لفقد رجله، أو لا يمكنه أن يتناوله ~~لفقد يده أو لفلج أو عذر فيهما. فلا بد من آلات للحركة، وقدرة في تلك ~~الآلات على الحركة، لتكون حركتها بمقتضى الشهوة طلبا فلذلك خلق الله تعالى ~~لك الأعضاء التي تنظر إلى ظاهرها ولا تعرف أسرارها. فمنها ما هو آلة للطلب، ~~كالرجل للانسان، والجناح للطير، والقوائم للدواب. # ومنها ما هو آلة لدفع المؤذي والمانع من طلب الغذاء، كالقرن لبعض ~~الحيوانات، والأنياب لبعض أخر منها، والمخلب لبعض آخر منها، والأسلحة ~~للانسان القائمة مقام هذه الآلة. ومنها ما هو آلة للأخذ والتناول، فاليدين ~~للانسان. ثم لهذه الأعضاء أسباب وحكم خارجة عن الحد والحصر، وقد تقدم قليل ~~من حكمها وعجائبها في باب التفكر. # فصل عجائب المأكولات عمدة ما يتوقف عليه الأكل وأصله ومناطه، هي الأغذية ~~والأطعمة المأكولة، ولله تعالى في خلقها عجائب كثيرة لا تحصى، وأسباب ~~متوالية لا تتناهى. والأغذية والأدوية من الأطعمة لم يبلغ عددها من الكثرة ~~حدا يمكن إحصاؤها وحصرها، فضلا عن بيان عجائبها وأسبابها. فنحن نترك ~~الجميع، ونأخذ من جملتها حبة من ms745 الحنطة، ونبين بعض أسبابها وحكمها ~~وعجائبها. فنقول: # قد خلق الله في حبة الحنطة من القوى ما يتغذى به كما خلق فيك، فإن النبات ~~إنما يفارقك في الحس والحركة دون الاغتذاء، لأنه يتغذى بالماء. # ولا تتعرض لذكر آلات النبات في اجتذاب الغذاء إلى نفسه، بل نشير إلى لمعة ~~من كيفية اغتذاء الحبة. فنقول: # أن الحبة لا تغتذي بكل شئ، بل يتوقف اغتذاؤها على أرض فيها ماء. ولا بد ~~أن تكون أرضها رخوة متخلخلة بتغلغل الهواء إليها، فلو تركتها في أرض ندية ~~صلبة متراكمة لم تنبت لفقد الهواء. ثم الهواء لا يتحرك إليها بنفسه، فلا بد ~~من حصول أسباب الريح حتى تحرك الهواء وتضربه وينفذ فيها بقهر وعنف، وإليه ~~الإشارة بقوله تعالى: PageV03P207 # (وأرسلنا الرياح لواقح) 13 وإلقاحها إنما هو إيقاعها الازدواج بين الهواء ~~والماء والأرض. ثم لا يكفي ذلك في إنباته في برد مفرط، فيحتاج إلى حرارة ~~الصيف والربيع. # فهذه أربعة أسباب، فإن الماء لا بد أن ينساق إلى أرض الزراعة من البحار ~~والشطوط والأنهار والعيون والسواقي، فانظر كيف خلق الله جميع ذلك. # ثم الأرض ربما تكون مرتفعة لا ترتفع إليها مياه العيون والقنوات، فخلق ~~الله الغيوم، وهي سحب ثقال حاملات للماء، وسلط عليها الرياح لتسويقها بإذنه ~~إلى أقطار العالم من المرتفعات والمنخفضات، وترسلها مدرارا على الأراضي في ~~وقت الربيع والخريف على حسب الحاجة، ثم خلق الجبال حافظة للمياه تنفجر منها ~~العيون تدريجا على قدر الحاجة، ولو خرجت دفعة لغرقت البلاد، وهلك الزرع ~~والمواشي. ونعم الله تعالى وعجائب صنعه وحكمته في السحاب والبحار والجبال ~~والأمطار لا يمكن إحصاؤها. وأما الحرارة، فإنها لا يمكن أن تحصل في الماء ~~والأرض، لكونهما باردين. # فخلق الله الشمس، وسخرها، وجعلها - مع بعدها عن الأرض - مسخنة لها في وقت ~~دون وقت، ليحصل الحر عند الحاجة إليه، والبرد عند الافتقار إليه، وهذه أخس ~~حكم الشمس، والحكم فيها أكثر من أن تحصى. ثم النبات إذا أرتفع على الأرض ~~كان في الفواكه انعقاد وصلابة، فتفتقر إلى رطوبة تنضجها، فخلق الله القمر، ms746 ~~وجعل من خاصيته الترطيب، كما يظهر لك ذلك إذا كشفت رأسك له في الليل، فإنه ~~تغلب على رأسك الرطوبة المعبر عنها ب‍ (الزكام)، فهو بترطيبه ينضج الفواكه ~~ويرطبها، ويصبغها بتقدير الخالق الحكيم. وهذا أيضا أخس فوائد القمر وحكمه، ~~وما فيه من الحكم والفوائد لا مطمع في استقصائه، بل كل كوكب في السماء فقد ~~سخر لفوائد كثيرة لا تفي القوى البشرية بإحصائها. وكما أنه ليس في أعضاء ~~البدن عضو لا فائدة فيه، فكذلك ليس عضو من أعضاء بدن العالم لا تكون فيه ~~فائدة أو فوائد كثيرة. والعالم كله كشخص واحد، وآحاد أجسامه # PageV03P208 # كالأعضاء له، وهي متفاوتة تفاوت أعضاء البدن، وشرح ذلك ليس في مقدرة ~~البشر وكلها مسخرات لله سبحانه، وآثار من قدرته الكاملة، ورشحات من أبحر ~~عظمته الباهرة، وليست في أنفسها إلا أعدام صرفة. # فأرباب القلوب العارفون بالله المحبون له، إذا نظروا إلى ملكوت السماوات ~~والأرض، والآفاق والأنفس، والحيوانات والنباتات، لا ينظرون إليها إلا من ~~حيث أنها آثار قدرة ربهم، ورشحات صفاته، ويكون تفكرهم وسعيهم في العثور على ~~عجائبها وحكمها، وابتهاجهم وشغفهم لأجل ذلك. كما أن من أحب عالما لم يزل ~~مشغوفا بطلب تصانيفه، فيزداد بمزيد الوقوف على عجائب علمه حبا له. فكذلك ~~الأمر في عجائب صنع الله، فإن العالم كله من تصنيفه تعالى، بل جميع ~~المصنفين أيضا من تصنيفه الذي صنفه بواسطة قلوب عباده. فإن تعجبت من تصنيف، ~~فلا تتعجب من المصنف، بل من الذي سخر المصنف لتأليفه بما أنعم عليه من ~~هدايته وتسديده وتعريفه. # كما إذا رأيت لعب المشعوذ (14) يترقص ويتحرك حركات موزونة متناسبة، فلا ~~تتعجب من اللعب، فإنها خرق محركة لا متحركة، ولكن تعجب من حذق المشعوذ ~~المحرك لها بروابط دقيقة عن الأبصار. وقد ظهر أن غذاء النبات لا يتم إلا ~~بالماء والهواء والشمس والقمر والكواكب، ولا يتم ذلك إلا بالأفلاك التي هي ~~مركوزة فيها، ولا تتم الأفلاك إلا بحركاتها، ولا تتم حركاتها إلا بملائكة ~~سماوية يحركونها، وكذلك تتسلسل الأسباب إلى أن تنتهي إلى مسبب الأسباب ~~وغاية الكل، ms747 وليس لنا سبيل إلى إدراك تفاصيلها واستنباط عجائب حكمها ودقائق ~~مصالحها. # فصل حاجة تحضير الطعام إلى آلاف الأسباب ثم ما ينبت من الأرض من النبات، ~~وما يحصل من الحيوانات، لا يمكن أن تقضم وتؤكل كذلك، بل لا بد في كل واحد ~~من إصلاح وطبخ وتركيب وتنظيف، بإلقاء البعض وإبقاء البعض، إلى غير ذلك من ~~الأعمال التي لا تحصى، وكل من الأطعمة يتوقف إصلاحها على أمور خاصة كثيرة، # PageV03P209 # واستقصاء ذلك في كل طعام طويل. فلنأخذ رغيفا واحدا، وننظر إلى بعض ما ~~يحتاج إليه حتى يستدير ويصلح للأكل، إذ بيان جميع ما يحتاج إليه حتى يستدير ~~الرغيف الواحد ليس ممكنا، فنقول: # أول ما يتوقف عليه هذا الرغيف الأرض، ثم القاء البذر فيها، ثم الثور الذي ~~يثير الأرض مع آلته، كالفدان وغير ذلك، ثم تنقية الأرض من الحشائش، والتعهد ~~بسقي الماء إلى أن يعقد الحب ويبدو صلاحه، ثم الحصاد، ثم الفرك، ثم التنقية ~~والتصفية، ثم الطحن، ثم العجن، ثم الخبز. فتأمل عدد هذه الأفعال، واستحضر ~~سائر الأفعال التي لم نذكرها، ثم تذكر عدد الأشخاص القائمين بها، وعدد ~~الآلات التي يحتاج إليها. من الحديد والخشب والحجر وغيرها. وانظر إلى أعمال ~~الصناع في إصلاح آلات الحراثة والتصفية والطحن والخبز من تجارة وحدادة ~~وغيرهما، واحتياج كل منها إلى آلات كثيرة. ثم انظر كيف ألف الله سبحانه بين ~~قلوب هؤلاء الصناع المصلحين، وسلط عليهم الأنس والمحبة، حتى ائتلفوا ~~واجتمعوا وبنوا المدن والبلاد، ورتبوا المساكن والدور متجاورة متقاربة، ~~وبنوا الأسواق والخانات وسائر أصناف البقاع، ولو تفرقت آراؤهم، وتنافرت ~~طباعهم تنافر طباع الوحوش، لتبددوا وتباعدوا، ولم ينتفع بعضهم ببعض. # ثم لما كان في جبلة الإنسان الغيظ والعداوة، والحسد والمنافسة، والانحراف ~~عن الحق، ربما زالت المحبة بين البعض لأعراض، فيزدحمون عليها، ويتنافسون ~~فيها، وربما أدى إلى التنافر والتقابل. فبعث الله الأنبياء بالشرائع ~~والقوانين ليرجعوا إليها عند التنازع، فيرتفع نزاعهم. ثم بعث الله العلماء ~~الذين هم ورثة الأنبياء لحفظ هذه الشرائع والعلم بها. وبعث الله السلاطين ~~حتى يقيموا الناس قهرا عليها ms748 لو أرادوا التخلف عنها، فسلط الله السلاطين ~~أولى القوة والعدة على الناس، وألقى رعبهم في قلوبهم، وألهمهم إصلاح ~~العبادة، بأن رتبوا الرؤساء والقضاة والحكام والسجن والأسواق واضطروا الخلق ~~إلى قانون الشرع والعدل، وألزموهم التآلف والتعاون، ومنعوهم عن التفرق ~~والتباغض فإصلاح الرعايا والصناع بالسلاطين، وإصلاح السلاطين بالعلماء، ~~وإصلاح العلماء بالأنبياء، وإصلاح الأنبياء بالملائكة PageV03P210 # وإصلاح الملائكة بعضهم ببعض إلى أن ينتهي إلى حضرة الربوبية، التي هي ~~ينبوع كل نظام، ومطلع كل حسن وجمال، ومنشأ كل ترتيب وتأليف وقد ظهر مما ~~ذكر: إن من فتش يعلم أن رغيفا واحدا لا يستدير بحيث يصلح للأكل ما لم يعمل ~~عليه آلاف ألوف من الملائكة وصناع الإنس. # فصل تسخير الله التجار لجلب الطعام ثم جميع الأطعمة لما لم يمكن أن يوجد ~~في كل مكان وبلد، إذ لكل واحد شروط مخصوصة لأجلها، لا يمكن إلا أن يوجد في ~~بعض الأماكن دون بعض، والناس منتشرون على وجه الأرض، وقد يبعد عنهم بعض ما ~~يحتاجون إليه من الأطعمة، بحيث تحول بينهم وبينها البراري والبحار، فسخر ~~الله - تعالى - التجار، وسلط عليهم حرص المال وشره الربح حتى يقاسوا ~~الشدائد، ويركبوا الأخطار في قطع المفاوز وركوب البحار فيحملون الأطعمة ~~وأنواع الحوائج من الشرق إلى الغرب ومن الغرب إلى الشرق. # فانظر كيف علمهم الله صناعة السفن وكيفية الركوب فيها، وكيف خلق ~~الحيوانات وسخرها للحمل والركوب في البوادي والجبال من الجمال وكيفية قطعها ~~البراري والمراحل تحت الأعباء الثقيلة وصبرها على الجوع والعطش، ومن الخيل ~~وكيفية سرعته سيرها وحركتها، ومن الحمار وصبره على التعب وانظر كيف خلق ~~الله ما يحتاج إليه السفن وهذه الحيوانات من الأسباب والغذاء، وينتهي إلى ~~حد لا يمكن تحديده. # فصل نعم الله في خلق الملائكة للانسان ثم مجرد وجود الغذاء وحضوره ~~وإصلاحه لا يفيد فائدة ما لم يؤكل ويصير جزء للبدن. وهذا موقوف على أعمال ~~كثيرة، محتاجة إلى أسباب كثيرة، من الطحن، والجذب، والهضم المعدي والكبدي، ~~وغير ذلك من الأفعال التي يحتاج كل منه إلى أسباب كثيرة. وقد أشرنا إلى ~~لمعة ms749 من كيفية ذلك في باب التفكر، فرجع إليه. وهنا تشير إلى أنموذج من نعمة ~~الله في خلق الملائكة. فنقول: PageV03P211 # أن كثرة الملائكة لم تبلغ حدا يمكن تصوره تفصيلا أو أجمالا. ولهم طبقات ~~وأصناف: منها: طبقات الملائكة الأرضية. ومنها الملائكة السماوية. ومنها: ~~حملة العرش العظيم ومنها: المسلسلون. ومنها: # المهيمنون.. وغير ذلك مما لم نسمع اسمهم ورسمهم، ولا يحيط بهم إلا الله - ~~سبحانه - فكل صنع من صنائع الله في الأرض والسماء لا يخلو عن ملك أو ملائكة ~~موكلين به. فانظر كيف وكلهم الله بك فيما يرجع إلى الأكل والاغتذاء الذي ~~كلامنا فيه، دون ما يجاوز، وذلك من صنائع الله وأفعاله، ومن الوحي إلى ~~الأنبياء والهداية والإرشاد وغيرها، فإن استقصاء ذلك ليس من مقدورات البشر. ~~فنقول: إن كل جزء من أجزاء بدنك، بل من أجزاء النبات، لا يغتذي إلا بأن ~~يوكل به سبعة من الملائكة، هم أقل الأعداد إلى عشرة إلى مائة، إلى أكثر من ~~ذلك بمراتب. # بيان ذلك: إن معنى الاغتذاء: أن يقوم جزء من الغذاء مقام جزء تلف من ~~بدنك. وهذا موقوف على حركات وتغيرات واستحالات للغذاء، حتى يصير جزء للبدن ~~كالجذب والهضم وصيرورته لحما وعظما. ومعلوم أن الغذاء والدم واللحم أجسام ~~ليست لها قدرة ومعرفة واختيار حتى تتحرك وتتغير بأنفسها، ومجرد الطبع لا ~~يكفي في ترددها في أطوارها، كما أن البر بنفسه لا يصير طحينا وعجينا وخبزا ~~مطبوخا إلا بصناع، والصناع في الباطن هم الملائكة، كما أن الصناع في الظاهر ~~هم أهل البلد. فالغذاء، بعد وضعه في الفم إلى أن يصير دما لا بد له من صناع ~~من الملائكة، ولا تتعرض لهم ولبيان عددهم، ونقول: بعد صيرورته دما إلى أن ~~يصير جزء للبدن، ويتوقف على سبعة من الملائكة، إذ لا بد من ملك يجذب الدم ~~إلى جوار اللحم والعظم إذ الدم لا يتحرك بنفسه، ولا بد من ملك آخر يمسك ~~الغذاء في جواره، ولا بد من ثالث يخلع عنه صورة الدم، ومن رابع يكسوه صورة ~~اللحم والعظم والعرق، ومن خامس ms750 يدفع الفضل الزائد من الحاجة، ومن سادس يلصق ~~ما اكتسب صفة اللحم باللحم، وما اكتسب صفة العظم بالعظم، وما اكتسب صفة ~~العرق بالعرق حتى لا يكون منفصلا، ولا بد من سابع يراعي المقادير في ~~الالصاق، فيلحق بالمستدير على ما لا يبطل استدارته، وبالعريض PageV03P212 # على ما لا يبطل عرضه، وبالمجوف على ما لا يبطل تجويفه، وهكذا... # ويراعى في الالصاق لكل عضو ما يليق به ويحتاج إليه. فلو جمع لأنف الصبي - ~~مثلا - من الغذاء ما يجمع على فخذه، لكبر أنفه، وبطل تجويفه وتشوهت صورته، ~~بل ينبغي أن يسوق إلى الأجفان مع رقتها، وإلى الأفخاذ مع غلظتها، وإلى ~~الحدقة مع صفائها، وإلى العظم مع صلابته، ما يليق بكل واحد منها من حيث ~~القدر والشكل، ويراعي العدل في القسمة والتقسيط وإلا بطلت الصورة، وتشوهت ~~الخلقة، ورق بعض المواقع وضعف البعض فمراعاة هذه الهندسة مفوضة إلى ملك من ~~الملائكة. وإياك وأن تظن أن الدم بطبعه يهندس شكل نفسه، فإن من أحال هذه ~~الأمور إلى الطبع جاهل ولا يدري ما يقول. فإن أراد من الطبع قوة عديمة ~~الشعور ويقول: أن كل فعل من هذه الأفعال موكول إلى قوة لا شعور لها، فنقول ~~ذلك أدل على عظمة الله وحكمته وقدرته، إذ لا ريب في أن ما لا شعور له ليس ~~له في نفسه أن يفعل فعلا ما، فضلا عن أن يفعل أفعالا متقنة محكمة مشتملة ~~على الحكم الدقيقة، والمصالح الجليلة والخفية. فتكون هذه شروطا ناقصة ~~لإيجاد الله - سبحانه - هذه الأفعال بلا واسطة أو بواسطة عدد هذه القوى من ~~الملائكة. وعلى أي تقدير، لا بد من سبعة أشخاص من مخلوق الله سبحانه - ~~مسخرين في باطنك، موكلين بهذه الأفعال قد شغلوا بك وأنت في النوم تستريح، ~~وفي الغفلة تتردد، وهم يصلحون الغذاء في باطنك ولا خبر لك منهم، وكذلك في ~~كل جزء من أجزائك التي لا تتجزأ، حتى يفتقر بعض الأجزاء - كالعين والقلب - ~~إلى أكثر من مائة ملك. ثم الملائكة الأرضية مددهم من الملائكة السماوية على ~~ترتيب معلوم، لا ms751 يحيط بكنهه إلا الله، ومدد الملائكة السماوية من حملة ~~العرش، والمنعم على جميعهم بالتأييد والتسديد والهداية المهيمن القدوس، ~~المنفرد بالملك والملكوت والعزة والجبروت. ومن أراد أن يعلم - إجمالا - ~~كثرة الملائكة الموكلين بالسماوات والأرضين، وأجراء النبات والحيوانات، ~~والسحب والهواء والبحار والجبال والأمطار وغير ذلك، فليرجع في ذلك إلى ~~الأخبار الواردة من الحجج - عليهم السلام -. ثم لا بد أن يفرض كل فعل من ~~الأفعال السبعة المذكورة PageV03P213 # إلى ملك من الملائكة، ويكون الموكل به ملكا واحدا على حدة، ولا يمكن أن ~~يفوض جميعها إلى ملك واحد، كما لا يمكن أن يتولى إنسانا واحدا سبعة أعمال ~~في الحنطة، كالطحن وتمييز النخالة، ودفع الفضلة عنه، وصب الماء عليه، ~~والعجن، وقطعها كسرات مدورة، وترقيقها رغفانا عريضة، وإلصاقها بالتنور. إذ ~~الملك وحداني الصفة ليس فيه خلط وتركيب من المتضادات. فلا يكون لكل واحد ~~منهم إلا فعل واحد، كما أشير إليه بقوله - تعالى -: # (وما منا إلا له مقام معلوم) 15 ولذلك، ليس بينهم تحاسد وتنافس. ومثالهم ~~في تعيين مرتبة كل واحد منهم وعدم مزاحمة الآخرين له مثال الحواس الخمس، ~~وليس كالانسان الذي يتولى بنفسه أمورا مختلفة، وسبب ذلك اختلاف صفاته ~~ودواعيه، فإنه لما لم يكن وحداني الصفة لم يكن وحداني الفعل، ولذلك ترى أنه ~~يطيع الله تارة ويعصيه أخرى. وذلك غير موجود في الملائكة، فإنهم مجبولون ~~على الطاعة لم تتصور في حقهم معصية، ولكل منهم طاعة خاصة معينة. # فالراكع منهم راكع أبدا، والساجد منهم ساجد دائما، والقائم منهم قائم ~~أبدا، لا اختلاف في أفعالهم ولا فتور، ولكل واحد منهم مقام معلوم. # وإذ قد ظهر لك عدد ما يحتاج إليه بعض أفعال مجرد الاغتذاء من الملائكة ~~الأرضية المستمدين من الملائكة السماوية، فقس عليه سائر أفعال الاغتذاء، ~~وسائر أفعالك الباطنة والظاهرة، فإن بيان ذلك ليس ممكنا. ثم قس على ذلك ~~إجمالا جملة صنائع الله وأفعاله الواقعة في عالمي الجبروت والملكوت، وعالم ~~الملك والشهادة، فسماواته وأرضه وما بينهما وما تحتهما وما فوقهما فإن ~~أعداء الملائكة الموكلين بها غير متناهية، كيف ومجامع ms752 طبقات الملائكة وقد ~~ظهر مما عرف من توقف كل نعمة على نعم كثيرة متسلسلة، إلى أن ينتهي إلى ~~الله، واتصال البعض بالبعض ووقوع الارتباط والترتب # PageV03P214 # بينهما: إن من كفر نعمة الله فقد كفر كل نعمة في الوجود، فمن نظر إلى غير ~~محرم - مثلا - فقد كفر، ففتح العين نعمة الله في الأجفان، ولا تقوم الأجفان ~~إلا بالعين، ولا العين إلا بالرأس، ولا الرأس إلا بجميع البدن، ولا البدن ~~إلا بالغذاء، ولا الغذاء إلا بالماء والأرض والهواء والمطر والغيم والشمس ~~والقمر وسائر الكواكب، ولا يقوم شئ من ذلك إلا بالسماوات ولا السماوات إلا ~~بالملائكة. فإن الكل كالشئ الواحد، يرتبط البعض منه بالبعض ارتباط أعضاء ~~البدن بعضها ببعض. فإذا قد كفر كل نعمة في الوجود، من ابتداء الثرى إلى ~~منتهى الثريا. وحينئذ لا يبقى جماد ولا نبات ولا حيوان، ولا ماء ولا هواء، ~~ولا كوكب ولا فلك ولا ملك، إلا يلعنه. ولذلك ورد في الأخبار: (أن البقعة ~~التي يجتمع فيها الناس، إما تلعنهم إذا تفرقوا، أو تستغفر لهم). وكذلك ورد: ~~(إن الملائكة يلعنون العصاة). وورد: (أن العالم يستغفر له كل شئ، حتى الحوت ~~في البحر). وأمثال هذه الأخبار الدالة على ما يفيد المراد خارجة بطرفه عن ~~الاحصاء، وكل ذلك إشارة إلى أن العاصي بتطريفة واحدة يجني على جميع الملك ~~والملكوت. # ثم جميع ما ذكرناه إنما يتعلق بجزء من المطعم، فاعتبر ما سواه. ثم تأمل ~~هل يمكن أن يخرج أحد عن عهدة الشكر؟ كيف ولله في كل طرفة على كل عبد من ~~عبيده نعم كثيرة خارجة عن الاحصاء؟ فإن في كل نفس ينبسط وينقبض نعمتين، إذ ~~بانبساطه يخرج الدخان المحترق من القلب، ولو لم يخرج لهلك، وبانقباضه يجتمع ~~روح الهواء إلى القلب، ولو لم يدخل نسيم الهواء فيه لا نقطع قلبه وهلك. ولم ~~كان اليوم والليلة أربعا وعشرين ساعة وفي كل ساعة يوجد ألف نفس تخمينا، ~~وإذا اعتبرت ذلك وقست عليه سائر النعم، يكون عليك في كل يوم وليلة آلاف ~~ألوف نعمة في كل ms753 جزء من أجزاء بدنك، بل في كل جزء من أجزاء العالم، وكيف ~~يمكن إحصاء ذلك ولذلك قال الله - تعالى -: # (وأن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) 16 # PageV03P215 # وورد: (أن من لم يعرف نعمة الله إلا في مطعمه ومشربه، فقد قل علمه وحضر ~~عذابه). فالبصير لا تقع عينه في العالم على شئ، ولا يلم خاطره بموجود إلا ~~ويتحقق أن الله فيه نعمة عليه. ولذلك قال موسى بن عمران: (إلهي! كيف أشكرك ~~ولك علي في كل شعرة من جسدي نعمتان: # أن لينت أصلها، وإن طمست رأسها). # فصل الأسباب الصارفة للشكر إعلم أن السبب الصارف لأكثر الخلق عن الشكر، ~~إما قصور معرفتهم بأن النعم كلها من الله - سبحانه -، أو قصور معرفتهم ~~وإحاطتهم بصنوف النعم وآحادها، أو جهلهم بحقيقة الشكر وكونه استعمال النعمة ~~في إتمام الحكمة التي أريدت بها، وظنهم أن حقيقة الشكر مجرد أن يقولوا ~~بلسانهم: # الحمد لله، أو الشكر لله، أو الغفلة الناشئة عن غلبة الشهوة واستيلاء ~~الشيطان، بحيث لا يتنبهون للقيام بالشكر، كما في سائر الفضائل والطاعات أو ~~عدم احتسابهم للجهل ما يعم الخلق ويشملهم في جميع الأحوال من النعم نعمة. ~~ولذلك لا يشكرون على جملة من النعم، لكونها عامة للخلق، مبذولة لهم في جميع ~~الحالات. فلا يرى كل واحد لنفسه اختصاصا بها، فلا يعدها نعمة. وتأكد ذلك ~~بالفهم واعتيادهم بها، فلا يتصورون خلاف ذلك، ويظنون إن كل إنسان يلزم أن ~~يكون على هذه الأحوال. فلذلك تراهم لا يشكرون الله على روح الهواء، ووفور ~~الماء، وصحة البصر والسمع وأمثال ذلك. ولو أخذ يمحقهم، حتى انقطع عنهم ~~الهواء، وحبسوا في بيت حمام فيه هواء حار، أو بئر فيها هواء تقبل رطوبة ~~الماء، ماتوا. فإن ابتلى واحد بشئ من ذلك، ثم نجى منه، ربما قدر ذلك نعمة ~~وشكر لله عليه. وكذا البصير، إذا عميت عينه، ثم أعيد عليه بصره، عده نعمة ~~وشكره، ولو لم يبتل بالعمى وكان بصيرا دائما كان غافلا عن الشكر. # وهذا غاية الجهل، إذ شكرهم صار موقوفا على أن تسلب منهم ms754 النعمة ثم ترد ~~عليهم في بعض الأحوال، مع أن النعمة في جميع الأحوال أولى بالشكر. ~~PageV03P216 # فلما كانت رحمة الله واسعة قد عمت الخلق في جميع أحوالهم لم يعدها ~~الجاهلون نعمة. ومثلهم كمثل العبد السوء الذي لو لم يضرب بطر وترك الشكر، ~~وإذا ضرب في غالب الأحوال ترك ساعة شكر المولى على ذلك. ومن تأمل يعلم أن ~~نعمة الله عليه في شربة ماء عند عطشه أعظم من ملك الأرض كلها. كما نقل: (أن ~~بعض العلماء دخل على بعض الخلفاء، وفي يده كوز ماء يشربه، فقال له: عظني. ~~فقال: لو لم تعط هذه الشربة إلا ببذل أموالك وملكك كله، ولو لم تعطه بقيت ~~عطشانا، فهل تعطه؟ قال: نعم! # قال: فكيف تفرح بملكك لا يساوي شربة ماء!) هذا مع أن كل عبد لو أمعن ~~النظر في حاله، لرأى من الله نعمة أو نعما كثيرة تخصه لا يشاركه فيها أحد، ~~أو يشاركه يسير الناس، إما في العقل، أو في الخلق، أو في الورع والتقوى، أو ~~الدين أو في صورته وشخصه، أو أهله وولده أو مسكنه وبلده، أو رفاقه وأقاربه، ~~أو عزه وجاهه، أو طول عمره وصحة جسمه، أو غير ذلك من محابه. بل نقول: لو ~~كان أحد لا يكون مخصوصا بشئ من ذلك، فلا ريب في أنه يعتقد في نفسه اختصاصه ~~ومزيته في بعض هذه على سائر الخلق. فإن أكثر الناس يعتقدون كونهم اعقل ~~الناس، أو أحسن أخلاقا منهم، مع أن الأمر ليس كذلك ولذلك لا يشكون من نقصان ~~العقل كما يشكون من قلة المال، ولا يسألون الله أن يعطيهم العقل كما يسألون ~~منه زيادة المال ويرى من غير عيوبا يكرهها وأخلاق يذمها، ولا يرى ذلك من ~~نفسه. # وبالجملة: كل أحد يقدر في نفسه من المحاب وصفة الكمال ما لا يراه في ~~غيره، وإن لم يكن مطابقا للواقع. ولذلك لو خير بأن يسلب منه ماله ويعطي ما ~~خصص به غيره، لكان لا يرضى به. بل التأمل يعطي أن كل واحد من أكثر الناس لا ms755 ~~يرضى أن يكون في جميع الصفات والأفعال والدين والدنيا مثل شخص آخر من الناس ~~كائنا من كان، بل لو وكل إليه الاختيار وقيل له: أنت مخير في صيرورتك مثل ~~من شئت وأردت من أفراد الناس لم يخير إلا نفسه. وإلى هذا أشار الله - ~~سبحانه - بقوله: # ج / 3 PageV03P217 # (كل حزب بما لديهم فرحون) 17 وإذا كان الأمر هكذا، فأنى له لا يشكر الله ~~على ذلك مع قطع النظر عن النعم العامة؟ ولو لم يكن لشخص من نعم الله إلا ~~الأمن والصحة والقوة لعظمت النعمة في حقه، ولم يخرج عن عهدة الشكر. قال ~~رسول الله (ص): # (من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، وعنده قوت يومه، فكأنما خيرت له ~~الدنيا بحذافيرها). ومهما فتشت الناس، لوجدتهم يشكون عن أمور وراء هذه ~~الثلاث، مع أنها وبال عليهم. بل لو لم تكن للانسان نعمة سوى الإيمان الذي ~~به وصوله إلى النعيم المقيم والملك العظيم، لكان جديرا به أن يستعظم النعمة ~~ويصرف في الشكر عمره. بل ينبغي للعاقل ألا يفرح إلا بالمعرفة واليقين ~~والإيمان. ونحن نعلم من العلماء من لو سلم إليه جميع ما دخل تحت ملوك الأرض ~~من الشرق إلى الغرب، من أموال وأتباع، وأنصار وبلدان وممالك، بدلا عن عشر ~~عشير من علمه لم يأخذه، لرجائه أن نعمة العلم تفضي به إلى قرب الله - تعالى ~~- بالآخرة. بل لو سلم إليه جميع ذلك عوضا عن لذة العلم في الدنيا، مع نيله ~~في الآخرة إلى ما يرجوه، لم يأخذه ولم يرض به، لعله بأن لذة العلم دائمة لا ~~تنقطع، وثابتة لا تسرق ولا تغصب، وصافية لا كدورة فيها بخلاف لذات الدنيا. # فصل طريق تحصيل الشكر الطريق إلى تحصيل الشكر أمور: # الأول - المعرفة والتفكر في صنائعه - تعالى -، وضروب نعمه الظاهرة ~~والباطنة والعامة والخاصة. # الثاني - النظر إلى الأدنى في الدنيا وإلى الأعلى في الدين. # الثالث - أن يحضر المقابر، ويتذكر أن أحب الأشياء إلى الموتى وأهم سؤالهم ~~ودعواهم من الله أن يردوا إلى الدنيا، ويتحملوا ضروب الرياضات ومشاق ~~العبادات ms756 في الدنيا، ليتخلصوا في الآخرة من العذاب، # PageV03P218 # أو يزيد ثوابهم وترفع درجاتهم. فليقدر نفسه منهم مع إجابة دعوته ورده إلى ~~الدنيا، فليصرف بقية عمره فيما يشتهي أهل القبور العودة لأجله. # الرابع - أن يتذكر بعض ما ورد عليه في بعض أيام عمره من المصائب العظيمة ~~والأمراض الصعبة التي ظن هلاك نفسه بها، فليتصور أنه هلك بها ويغتنم الآن ~~حياته وماله من النعم، فليشكر الله على ذلك، ولا يتألم ولا يحزن من بعض ما ~~يرد عليه مما ينافي طبعه. # الخامس - أن يشكر في كل مصيبة وبلية من مصائب الدنيا من حيث إنه لم تصبه ~~مصيبة أكبر منها، وإنه لم تصبه مصيبة في الدين. ولذلك قال عيسى (ع) في ~~دعائه: (اللهم لا تجعل مصيبتي في ديني!). وقال رجل لبعض العرفاء: (دخل اللص ~~في بيتي وأخذ متاعي)، فقال له: (اشكر الله لو كان الشيطان يدخل بدله في ~~قلبك ويفسد توحيدك، ماذا كنت تصنع؟). # ومن حيث أن كل مصيبة إنما هي عقوبة لذنب صدر منه، فإذا حلت به هذه ~~العقوبة حصلت له النجاة من عقوبة الآخرة، كما قال رسول الله (ص): # (إن العبد إذا أذنب ذنبا فإصابته شدة أو بلاء في الدنيا، فالله أكرم من ~~أن يعذبه ثانيا). وقد ورد هذا المعنى بطرق متعددة من أئمتنا - عليهم السلام ~~- أيضا، فليشكر الله على تعجيل عقوبته وعدم تأخيرها إلى الآخرة. # ومن حيث أن هذه المصيبة كانت مكتوبة آتية إليه البتة، فقد أتيت وفرغ ~~منها. ومن حيث أن ثوابها أكثر منها وخير له، لما يأتي في باب الصبر من عظم ~~مثوبات الابتلاء بالمصائب في الدنيا ومن حيث أنها تنقص في القلب حب الدنيا ~~والركون إليها، وتشوق إلى الآخرة وإلى لقاء الله سبحانه. # إذ لا ريب في أن من آتاه النعم في الدنيا على وفق المراد، من غير امتزاج ~~ببلاء ومصيبة، يورث طمأنينة القلب إلى الدنيا وأنسا بها، حتى تصير كالجنة ~~في حقه، فيعظم بلاؤه عند الموت بسبب مفارقته، وإذا كثرت عليه المصائب انزعج ~~قلبه عن الدنيا ولم يأنس ms757 بها، وصارت الدنيا سجنا عليه وكانت نجاته منها ~~كالخلاص من السجن. ولذلك قال رسول الله (ص): # (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) فمحن الدنيا ومصائبها ورياضاتها توجب ~~انزعاج النفس عنها، والتفاتها إلى عالمها الأصلي، وتشوقها إلى PageV03P219 # الخروج عنها إليه ورغبتها إلى لقاء الله وما أعد في دار الآخرة لأهلها. # فإن قلت: غاية ما يتصور في البلاء أن يصبر عليه، وأما الشكر عليه فغير ~~متصور، إذ الشكر إنما يستدعي نعمة وفرحا، والبلاء مصيبة وألم فكيف يشكر ~~عليه؟ وعلى هذا ينبغي ألا يجتمع الصبر والشكر على شئ واحد، إذ الصبر يستدعي ~~بلاء وألما، والشكر يستدعي نعمة وفرحا، فهما متضادان غير مجتمعين، فكيف ~~حكمتم باجتماعهما في المصائب والبلايا الدنيوية؟ # قلنا: كل واحد من النعمة والبلاء ينقسم إلى مطلق ومقيد. فالنعمة المطلقة ~~كسعادة الآخرة والعلم والإيمان والأخلاق الحسنة في الدنيا، والنعمة المقيدة ~~في الدنيا - أي ما هو نعمة وصلاح من وجه وبلاء وفساد من وجه - كالمال الذي ~~يصلح الدين من وجه، ويفسده من وجه. والبلاء المطلق، كشقاوة الآخرة والكفر ~~والجهل والأخلاق السيئة والمعاصي في الدنيا، والبلاء المقيد، كمصائب ~~الدنيا، من الفقر والخوف والمرض وسائر أقسام المحن والمصائب، فإنها وإن ~~كانت بلاء في الدنيا، ولكنها نعم في الآخرة. وعنه التحقيق لا تخلو عن تكفير ~~الخطيئة، أو رياضة النفس، أو زيادة التجرد أو رفع الدرجة. فالنعمة المطلقة ~~بإزائها الشكر المطلق، ولا معنى لاجتماع الصبر معه، والصبر الذي يجتمع معه ~~لا ينافيه، كما يأتي. والبلاء المطلق لم يؤمر بالصبر عليه، إذ لا معنى ~~للصبر على الكفر والمعصية، بل يجب عدم الصبر عليه والسعي في تركه. وأما ~~البلاء المقيد، فهو الذي يجتمع فيه الصبر والشكر، وليس اجتماعهما من جهة ~~واحدة حتى يلزم اجتماع الضدين، بل الصبر من حيث إيجابه الاغتمام والألم في ~~الدنيا، والشكر من حيث أدائه إلى سعادة الآخرة وغيرها مما ذكر. # ثم لو لم يصبر على جهة شريفة، ولم يشكر على جهة خيرية، صار بلاء مطلقا ~~لزم تركه بالرجوع إلى الصبر والشكر. وأما النعمة المقيدة، كالمال والثروة، ms758 ~~فإن أدت إلى إصلاح الدين كانت نعمة مطلقة يجب عليها الشكر، ولم يكن محلا ~~للصبر، وإن أدت إلى فساده كانت بلاء مطلقا واجب الترك، وإن أدت إلى بلاء ~~الدنيا، كأن يصير ماله سببا لهلاك أولاده، وفساد مزاجه ويصير فوته باعثا ~~لابتلائه ببعض المصائب الدنيوية، كان حكمه حكم البلاء PageV03P220 # المقيد ثم يأتي في باب الصبر: إن الصبر قد يكون على الطاعة وعلى المعصية، ~~وفيهما يتحقق الشكر والصبر، إذ الشكر - كما عرفت - هو - عرفان النعمة من ~~الله والفرح به، وصرف النعمة إلى ما هو المقصود منها بالحكمة، والصبر - كما ~~يأتي - وهو ثبات باعث الدين، أعني العقل النظري، في مقابلة باعث الهوى، ~~أعني القوة الشهوية. ولا ريب في أنه في أداء الطاعة وترك المعصية يتحقق ~~الثبات المذكور، إذ هو صرف النعمة إلى ما هو المقصود، إذ باعث الدين إنما ~~خلق لحكمة دفع باعث الهوى، وقد صرفه إلى مقصود الحكمة. وأنت خبير بأنه وأن ~~تحقق الشكر والصبر في هذه الطاعة وترك هذه المعصية، إلا أن ما تصبر عليه هو ~~هذه الطاعة وترك هذه المعصية، إذ الصبر إنما هو عليهما، وأما الشكر فعلى ~~باعث الدين أعني العقل الباعث لهذه الطاعة وترك هذه المعصية، فالمشكور عليه ~~هو باعث الدين دون نفس الطاعة وترك المعصية، فاختلف فيهما الصبر والشكر في ~~المتعلق، أي ما يصبر عليه وما يشكر عليه، واتحدا في فعل الصبر والشكر إذ ~~فعل الصبر هو الثبات والمقاومة، وهو عين الطاعة وترك المعصية، وفعل الشكر ~~هو صرف النعمة في مقصود الحكمة، وهو أيضا عين الطاعة وترك المعصية. ويمكن ~~أن يقال: إن من فعل هذه الطاعة، وترك هذه المعصية عرف كونهما من الله وفرح ~~به، ويعمل طاعة أخرى شكرا له. وعلى هذا فيتحد متعلقا الشكر والصبر في هذه ~~الطاعة وترك هذه المعصية، أعني المشكور عليه وما يصبر عليه، إذ هما نفس هذه ~~الطاعة وترك هذه المعصية بعينها، ويختلف فعلاهما. إذ فعل الصبر هو هذه ~~الطاعة وترك هذه المعصية، وفعل الشكر تحميد أو طاعة أخرى. # فصل الصحة خير ms759 من السقم لا تظنن مما قرع سمعك من فضيلة البلاء وأدائه إلى ~~سعادة الأبد أنه خير من العافية في الدنيا، بل مع ذلك كله العافية في ~~الدنيا خير من البلاء والمصيبة فيها فإياك أن تسأل من الله البلايا ~~والمصائب في الدنيا، فإن رسول الله (ص) كان يستعذ في دعائه من بلاء الدنيا ~~ومن بلاء الآخرة، وكان يقول هو PageV03P221 # والأنبياء والأوصياء - عليهم السلام -: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي ~~الآخرة حسنة)، وكانوا يستعيذون من شماتة الأعداء وسوء القضاء. # وقال (ص): (سلوا الله العافية، فما أعطي عبد أفضل من العافية إلا ~~اليقين)، وأشار باليقين إلى عافية القلب من الجهل والشك، وهو أعلى وأشرف من ~~عافية البدن، وقال (ص) في دعائه: (والعافية أحب إلي). # وبالجملة: هذا أظهر من أن يحتاج إلى الاستشهاد. إذ البلاء إنما يصير نعمة ~~بالإضافة إلى ما هو أكثر منه في الدنيا والآخرة، وبالإضافة إلى ما يرجى من ~~الثواب في الآخرة، ومن حيث يوجب تجرد النفس وانقطاعها من الدنيا وميلها إلى ~~الآخرة. فينبغي أن يسأل تمام النعمة في الدنيا، والثواب في الآخرة على شكر ~~المنعم، والتجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، فإنه قادر على ~~إعطاء الكل، وما نقل عن بعض العارفين، من سؤالهم المصائب والبلاء، كما قال ~~بعضهم: (أود أن أكون جسرا على النار يعبر علي الخلق كلهم فينجون، وأكون أنا ~~في النار) وقال سمنون المحب ( (وليس لي في سواك حب فكيفما شئت فاختبرني) ~~فمبناه على غلبة الحب، بحيث يظن المحب بنفسه أنه يحب البلاء. ومثل ذلك حالة ~~تعتريه وليس لها حقيقة. فإن من شرب كأس المحبة سكر، ومن سكر توسع في ~~الكلام، ولما زال سكره علم أن ما غلب عليه كانت حالة لا حقيقة. فما تسمعه ~~من هذا القبيل فهو كلام العشاق الذين أفرط حبهم، وكلام العشاق يستلذ سماعه ~~ولا يعول عليه. وقد روي: (أن فاختة كان يراودها زوجها فتمنعه، فقال: ما ~~الذي يمنعك عني، ولو أردت أن أقلب لك ملك سليمان ظهرا لبطن لفعلته لأجلك؟ ~~فسمع ms760 ذلك سليمان (ع)، فطلبه وعاتبه في ذلك فقال: يا نبي الله كلام العشاق ~~لا يحكى). ونقل: (أن سمنون المحب بعد ما قال البيت المذكور، ابتلى بمرض ~~الحصر، فكان يصيح ويجزع ويسأل الله العافية، ويظهر الندامة مما قال، ويدور ~~على أبواب المكاتب، ويقول للصبيان: ادعوا لعمكم الكذاب). والحاصل: أن ~~صيرورة البلاء أحب عند بعض المحبين من العافية، لاستشعارهم رضا المحبوب ~~لأجله، وكون رضاه عندهم أحب وألذ من العافية إنما يكون في غليان الحب، فلا ~~يثبت ولا يدوم. ومع ذلك كله، فأعلم أن الظاهر من بعض الأخبار الآتية ~~PageV03P222 # في باب الصبر: أن في الجنان درجات عالية لا يبلغها أحد إلا بالمصائب ~~الدنيوية والصبر والشكر عليها، ويؤيده ابتلاء أكابر النوع، من الأنبياء ~~والأولياء بالمصائب العظيمة في الدنيا، وما ورد من أن أعظم البلاء موكل ~~بالأنبياء ثم بالأولياء، ثم بالأمثل فالأمثل في درجات العلاء والولاء. وعلى ~~هذا فالظاهر اختلاف أصلحية كل من البلاء والعافية باختلاف مراتب الناس. فمن ~~كان قوي النفس صابرا شاكرا في البلاء، ولم يصده عن الذكر والفكر والحضور ~~والأنس والطاعات والاقبال عليها، ولم يصر باعثا لنقصان الحب لله، فالبلاء ~~في حقه أفضل في بعض الأوقات، إذ بإزائه في الآخرة من عوالي الدرجات ما لا ~~يبلغ بدونه. ومن كان له ضعف نفس يوجب ابتلائه بالمصائب جزعا أو كفرانا، أو ~~منعه شئ مما ذكر، فالعافية أصلح في حقه، وربما كان البلاء مما منعه من ~~الوصول إلى المراتب العظيمة، فلا ريب في أن العافية وعدم هذا البلاء أفضل ~~وأعلى منه. فإن البصير الذي توسل بعينيه إلى النظر إلى عجائب صنع الله، ~~وتوصل به إلى معرفة الله، وتمكن لأجل العينين إلى مطالعة العلوم وتصنيف ~~الكتب الكثيرة من أنواع العلوم، وتبقى آثاره العلمية على مر الدهور، وينتفع ~~من علومه الناس أبدا، وربما بلغ لأجل العينين إلى غاية درجات المعرفة ~~والقرب والحب والأنس والاستغراق، ولولا وجود العينين له لم يبلغ إلى شئ من ~~ذلك، فلا ريب في أن وجود البصر لمثله أفضل وأصلح من عدمه، ولولا ذلك ms761 لكان ~~رتبة شعيب مثلا - وقد كان ضريرا من بين الأنبياء - فوق رتبة موسى وإبراهيم ~~وغيرهما - عليهم السلام - لأنه صبر على فقد البصر، وموسى لم يصبر عليه، ~~ولكان الكمال في أن يسلب الإنسان الأطراف كلها ويترك كلحم على وضم. وهذا ~~باطل، فإن كل واحد من الأعضاء آلة في الدين، فيفوت بفواتها ركن من الدين. # ويدل على ذلك ما ورد في عدة من الأخبار: (أن كل ما يرد على المؤمن من ~~البلاء أو عافية أو نعمة أو بلية، فهو خير له وأصلح في حقه) وما ورد في بعض ~~الأحاديث القدسية: (أن بعض عبادي لا يصلحه إلا الفقر والمرض، فأعطيته ذلك، ~~وبعضهم لا يصلحه إلا الغنى والصحة، فأعطيته ذلك). وبذلك يجمع بين أخبار ~~العافية وأخبار البلاء. PageV03P223 # الجزع ومنها: # وهو إطلاق دواعي الهوى، من الاسترسال في رفع الصوت، وضرب الخدود، وشق ~~الجيوب، أو ضيق الصدر والتبرم والتضجر. وهو وأن كان من نتائج ضعف النفس ~~وصغرها الذي من رذائل القوة الغضبية فقط، إلا أنه لما كان ضده الصبر، وله ~~أقسام بعضها من متعلقات القوة الشهوية - كما يأتي - فلذلك لم نذكره في ~~متعلقات قوة الغضب فقط، بل ذكرناه هنا. ثم الجزع في المصائب من المهلكات، ~~لأنه في الحقيقة إنكار لقضاء الله، وإكراه لحكمه، وسخط على فعله. ولذا قال ~~رسول الله (ص): # (الجزع عند البلاء تمام المحنة) وقال (ص): (أن عظم الجزاء مع عظم البلاء ~~وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط). وفي ~~الخبر القدسي: (من لم يرض بقضائي، ولم يشكر على نعمائي، ولم يصبر على ~~بلائي، فليطلب ربا سواي). وروي: # (أن زكريا لما هرب من الكفار، واختفى في الشجرة، وعرفوا ذلك، جاؤوا ~~بالمنشار فنشرت الشجرة حتى بلغ المنشار رأس زكريا، فأن أنة، فأوحى الله ~~إليه: يا زكريا! لئن صعدت منك أنة ثانية لأمحونك من ديوان النبوة! # فعض زكريا (ع) على أصبعه حتى قطع شطرين) وبالجملة: العاقل يعلم أن الجزع ~~في المصائب لا فائدة فيه، إذ ما قدر يكون، والجزع ms762 لا يرده. # ولا ريب في أنه يترك الجزع بعد مضي مدة، فليتركه أولا حتى لا يضيع أجره. ~~وقد نقل: (أنه مات ابن لبعض الأكابر، فعزاه مجوسي، وقال له: ينبغي للعاقل ~~أن يفعل اليوم ما يفعله الجاهل بعد خمسة أيام. فقال: # اكتبوه عنه). وقال الصادق (ع): الصبر يظهر ما في بواطن العباد من النور ~~والصفاء، والجزع يظهر ما في بواطنهم من الظلمة والوحشة. # والصبر يدعيه كل أحد وما يثبت عنده إلا المخبتون، والجزع ينكره كل أحد ~~وهو أبين على المنافقين، لأن نزول المحنة والمصيبة يخبر عن الصادق والكاذب. ~~وتفسير الصبر ما يستمر مذاقه، وما كان عن اضطراب لا يسمى صبرا. وتفسير ~~الجزع اضطراب القلب وتحزن الشخص، وتغير اللون PageV03P224 # والحال. وكل نازلة خلت أوائلها من الاخبات والإنابة والتضرع إلى الله ~~فصاحبها جزوع غير صابر. والصبر ما أوله مر وآخره حلو، من دخله من أواخره ~~فقد دخل، ومن دخله من أوائله فقد خرج، ومن عرف قدر الصبر لا يصبر عما منه ~~الصبر، وقال الله تعالى في قصة موسى والخضر عليهما السلام: # فكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا، فمن صبر كرها، ولم يشك إلى الخلق، ولم ~~يجزع بهتك ستره، فهو من العام ونصيبه ما قال الله غز وجل: # وبشر الصابرين: أي بالجنة والمغفرة. ومن استقبل البلاء بالرحب، وصبر على ~~سكينة ووقار، فهو من الخاص، ونصيبه ما قال الله عز وجل: أن الله مع ~~الصابرين) (18). # فصل الصبر - مراتب الصبر - أقسام الصبر - فضيلة الصبر - الصبر على السراء ~~- اختلاف مراتب الصبر في الثواب - طريق تحصيل الصبر - التلازم بين الصبر ~~والشكر - القانون الكلي في معرفة الفضائل - تفضيل الصبر - على الشكر. # * * * ضد الجزع (الصبر)، وهو ثبات النفس وعدم اضطرابها في الشدائد ~~والمصائب، بأن تقاوم معها، بحيث لا تخرجها عن سعة الصدر وما كانت عليه قبل ~~ذلك من السرور والطمأنينة، فيحبس لسانه عن الشكوى، وأعضائه عن الحركات ~~الغير متعارفة. وهذا هو الصبر على المكروه، وضده الجزع. # وله أقسام أخر لها أسماء خاصة تعد فضائل أخر: كالصبر في الحروب، ms763 وهو من ~~أنواع الشجاعة، وضده الجبن والصبر في كظم الغيظ، وهو الحلم، وضده الغضب. ~~والصبر على المشاق، كالعبادة، وضده الفسق، أي الخروج عن العبادات الشرعية. ~~والصبر على شهوة البطن والفرج من قبائح اللذات، وهي العفة، وإليه أشير في ~~قوله سبحانه: # PageV03P225 # (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى) 19 ~~وضده الشره. والصبر عن فضول العيش، وهو الزهد، وضده الحرص. والصبر في كتمان ~~السر، وضده الإذاعة، والأولان، كالصبر على المكروه من فضائل قوة الغضب. ~~والرابع، من نتائج المحبة والخشية. # والبواقي، من فضائل قوة الشهوة كما يأتي. وفي ذلك: أن من عد الصبر مطلقا ~~من فضائل القوة الشهوية أو القوة الغضبية إنما أراد به بعض أقسامه. # ويظهر من ذلك: أن أكثر أخلاق الإيمان داخل في الصبر. ولذلك لما سئل رسول ~~الله (ص) عن الإيمان، قال: (هو الصبر، لأنه أكثر أعماله وأشرفها)، كما قال: ~~(الحج عزم). وقد عرف مطلق الصبر بأنه مقاومة النفس مع الهوى، وبعبارة أخرى: ~~إنه ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الهوى. والمراد بباعث الدين هو العقل ~~النظري الهادي إلى طريق الخير والصلاح، والعقل العملي المنفذ لأحكامه ~~المؤدية إلى الفوز والفلاح. والمراد بباعث الهوى هو قوة الشهوة الخارجة عن ~~طاعة العقل، والقتال دائما بين الباعثين قائم، والحرب بينهما أبدا سجال ~~(20)، وقلب العبد معركته، ومدد باعث الدين من الملائكة الناظرين لحزب الله، ~~ومدد باعث الهوى من الشياطين الناصرين لأعداء الله، فإن ثبت باعث الدين ~~بأمداد الملائكة حتى قهر باعث الهوى واستمر على مخالفته، غلب حزب الله ~~والتحق بالصابرين، وإن تحاول وضعف حتى سلب باعث الهوى بأمداد الشياطين ولم ~~يصبر على دفعه، التحق بأتباع الشياطين. وعمدة ما يثبت به باعث الدين هي قوة ~~المعرفة، أي اليقين لكون الهوى عدوا قاطعا لطريق الوصول إلى الله مضادا ~~لأسباب السعادات في الدنيا والآخرة. ثم باعث الدين إما يقهر داعي الهوى ~~بالكلية، بحيث لا تبقى له قوة المنازعة، فيدوم الصبر، وتستقر النفس في مقام ~~الاطمينان، وتنادي من وراء سرادقات الجمال بخطاب: ms764 (يا أيتها النفس # PageV03P226 # المطمئنة! ارجعي إلى ربك راضية مرضية)، فتدخل في زمرة الصديقين السابقين، ~~وتنسلك في سلك عباده الصالحين، أو يغلب داعي الهوى وينقهر باعث الدين، بحيث ~~لا تبقى له قوة المنازعة، وييأس عن المجاهدة والمقاومة، فتسلم نفسه الشريفة ~~الملكوتية التي هي سر الله ووديعته إلى حزب الشيطان. # ومثله مثل من أخذ أعز أولاده المتصف بجميع الكمالات، ويسلمه إلى الكفار ~~من أعدائه، فيقتلونه لديه، ويحرقونه بين يديه، بل هو أسوأ حالا منه بمراتب ~~كما لا يخفى. إذ لا يكون لأحدهما الغلبة التامة، بل يكون بينهما تنازع ~~وتجاذب، فتارة يغلب هذا، وتارة يغلب ذاك، فتكون النفس في مقام المجاهدة إلى ~~أن يغلب أحد الباعثين، فتدخل في حزب الله أو حزب الشيطان. ثم غلبت أحد ~~الباعثين على الآخر إما أن تكون في جميع مقتضياته أو بعضها، وتخرج من ~~القسمين ثلاثة أحوال: # الأولى - أن يغلب باعث الدين على جميع الشهوات في جميع الأوقات. # الثانية - أن يغلب عليه الجميع في الجميع. # الثالثة - أن يغلب على بعض دون بعض في الجميع، أو يغلب عليها كلا أو بعضا ~~دون بعض. # وقد أشير إلى أهل الحالة الأولى في الكتاب الإلهي بقوله تعالى: # (يا أيتها النفس المطمئنة... إلى آخر الآية) 21 وإلى الثانية بقوله: # (ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) 22 وإلى الثالثة ~~بقوله: (خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم) 23 فصل مراتب ~~الصبر الصبر على المكروه ومشاق العبادات وعن ترك الشهوات، أن كان بيسر ~~وسهولة فهو الصبر حقيقة، وأن كان بتكلف وتعب فهو التصبر مجازا. وإذا أدام ~~التقوى وقوى التصديق بما في العاقبة من الحسنى، # PageV03P227 # تيسر الصبر ولم يكن له تعب ومشقة، كما قال الله سبحانه: # (فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى) 24 ومتى تيسر الصبر ~~وصار ملكة راسخة أورث مقام الرضا، وإذا أدام مقام الرضا أورث مقام المحبة. ~~وكما أن مقام المحبة أعلى من مقام الرضا، فكذلك مقام الرضا أعلى من مقام ~~الصبر. ولذلك قال رسول ms765 الله (ص): # (أعبد الله على الرضا، فإن لم تستطع ففي الصبر على ما تكره خير كثير). # قال بعض العارفين: (أهل الصبر على ثلاث مقامات: الأول: ترك الشكوى، وهذه ~~درجة التائبين. الثاني: الرضا بالمقدر، وهذه درجة الزاهدين. الثالث: المحبة ~~لما يصنع به مولاه، وهذه درجة الصديقين). # وكأن هذا الانقسام مخصوص بالصبر على المكروه بالمصائب والمحن. # ثم باعث الصبر إما إظهار الثبات وطمأنينة القلب عند الناس، ليكون عندهم ~~مريضا، كما نقل عن معاوية: أنه أظهر البشاشة، وترك الشكوى في مرض موته ~~وقال: # وتجلدي للشامتين أريهم * أني لريب الدهر لا أتزعزع وهذا صبر العوام، وهم ~~الذين يعملون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، أو توقع ~~الثواب ونيل الدرجات الرفيعة في دار الآخرة، وهذا صبر الزهاد والمتقين، ~~وإليه إشارة بقوله تعالى: # (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) 25 أو الالتذاذ والابتهاج بورود ~~المكروه من الله سبحانه. إذ كل ما يريد من المحبوب محبوب، والمحب يشتاق إلى ~~التفات محبوبه، ويرتاح به، وإن كان ما يؤذيه ابتلاء وامتحانا له، وهذا صبر ~~العارفين، وإليه الإشارة بقوله تعالى: # (وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا أنا لله وإنا إليه راجعون ~~أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة) 26 # PageV03P228 # وقد ورد: أن الإمام محمد بن علي الباقر عليهما السلام قال لجابر ابن عبد ~~الله الأنصاري - وقد اكتنفته علل وأسقام، وغلبه ضعف الهرم -: # (كيف تجد حالك؟) قال: أنا في حال الفقر أحب إلي من الغنى، والمرض أحب إلي ~~من الصحة، والموت أحب إلي من الحياة. فقال الإمام (ع): # (أما نحن أهل البيت فما يرد علينا من الله من الفقر والغنى والمرض والصحة ~~والموت والحياة، فهو أحب إلينا). فقام جابر، وقبل بين عينيه، وقال: صدق ~~رسول الله (ص) حيث قال لي: (يا جابر! ستدرك واحدا من أولادي أسمه اسمي، ~~يبقر العلوم بقرا). # تذنيب أقسام الصبر الصبر باعتبار حكمه ينقسم إلى الأقسام الخمسة، فالصبر ~~عن الشهوات المحرمة وعلى مشاق العبادات الواجبة فرض، وعلى بعض المكاره ~~وأداء المندوبات نفل، وعلى الأذية ms766 التي يحرم تحملها حرام، كالصبر على قطع ~~يده، أو يد ولده، أو قصد حريمه بشهوة محضورة، وعلى أذى تناله بجهة مكروهة ~~في الشرع. وبذلك يظهر أن كل صبر ليس محمودا، بل بعض أنواعه ممدوح، وبعض ~~أنواعه مذموم، والشرع محكم، فما حسنه حسن، وما قبحه قبيح. # فصل فضيلة الصبر الصبر منزل من منازل السالكين، ومقام من مقامات ~~الموحدين. وبه ينسلك العبد في سلك المقربين، ويصل إلى جوار رب العالمين. ~~وقد أضاف الله أكثر الدرجات والخيرات إليه، وذكره في نيف وسبعين موضعا من ~~القرآن. ووصف الله الصابرين بأوصاف، فقال عز من قائل: # (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا) 27 وقال: (وتمت كلمة ربك ~~الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا) 28 وقال: (ولنجزين الذين # PageV03P229 # صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون 29 وقال: (أولئك يؤتون أجرهم مرتين ~~بما صبروا 30. فما من فضيلة إلا وأجرها بتقدير وحساب إلا الصبر، ولذا قال: ~~(إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) 32. ووعد الصابرين بأنه معهم، فقال: ~~(واصبروا أن الله مع الصابرين) 32 وعلق النصرة على الصبر، فقال: (بلا أن ~~تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ~~مسومين) 33 وجمع للصابرين الصلوات والرحمة والهدى، فقال: (أولئك عليهم ~~صلوات من ربهم فرحمة وأولئك هم المهتدون) 34 والآيات الواردة في مقام الصبر ~~خارجة عن حد الاستقصاء، والأخبار المادحة له أكثر من أن تحصى. قال رسول ~~الله (ص): (الصبر نصف الإيمان). وقال (ص): (من أقل ما أوتيتم اليقين ~~وعزيمته الصبر، ومن أعطى حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام ~~النهار، ولئن تصبروا على مثل ما أنتم عليه أحب إلي من أن يوافيني كل امرئ ~~منكم بمثل عمل جميعكم، ولكني أخاف أن تفتح عليكم الدنيا بعدي فينكر بعضكم ~~بعضا، وينكركم أهل السماء عند ذلك، فمن صبر واحتسب ظفر بكمال ثوابه)... ثم ~~قرأ قوله تعالى: # (ما عندكم ينفذ وما عند الله باق) 35 وقال (ص): (الصبر كنز من كنوز ~~الجنة). وقال (ص): # (أفضل الأعمال ما أكرهت ms767 عليه النفوس). ولا ريب في أن الصبر مما تكرهه ~~النفوس، ولذا قيل: (الصبر صبر). وقال (ص): (في الصبر على تكره خير كثير). ~~وقال (ص): (الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا جسد لمن لا رأس ~~له، ولا أيمان لمن لا صبر له). # وسئل (ص) عن الإيمان، فقال: (الصبر والسماحة). وقال (ص): # PageV03P230 # (ما تجرع عبد قط جرعتين، أحب إلى الله من جرعة غيض ردها بحلم، وجرعة ~~مصيبة يصبر الرجل لها، ولا قطرت بقطرة أحب إلى الله تعالى من قطرة دم أريقت ~~في سبيل الله، وقطرة دمع في سواد الليل وهو ساجد ولا يراه إلا الله، وما ~~خطا عبد خطوتين أحب إلى الله تعالى من خطوة إلى الصلاة الفريضة، وخطوة إلى ~~صلة الرحم). وروي: (أنه تعالى أوحى إلى داود (ع): يا داود! تخلق بأخلاقي، ~~وأن من أخلاقي أني أنا الصبور). # وروي: (أن المسيح قال للحواريين: إنكم لا تدركون ما تحبون إلا بصبركم على ~~ما تكرهون) (36). وقال (ص): (ما من عبد مؤمن أصيب بمصيبة فقال كما أمره ~~الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأعقبني خيرا منها، ~~إلا وفعل الله ذلك). وقال (ص): # (قال الله عز وجل: إذا وجهت إلى عبد من عبيدي مصيبة في بدنه أو ماله أو ~~ولده، ثم استقبل ذلك بصبر جميل، استحييت منه أن أنصب له ميزانا وأنشر له ~~ديوانا) (37). وقال (ص): (الصبر ثلاثة: صبر عند المصيبة، وصبر على الطاعة، ~~وصبر عن المعصية. فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ~~ثلاث مائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض، ومن ~~صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجة، ما بين الدرجة إلى درجة كما بين ~~تخوم الأرض إلى العرش، ومن صبر على المعصية كتب الله له ستمائة درجة، ما ~~بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش). وقال (ص): ~~(سيأتي على الناس زمان لا ينال الملك فيه إلا بالقتل والتجبر، ولا الغني ~~إلا بالغصب ms768 والبخل، ولا المحبة إلا باستخراج الدين واتباع الهوى، فمن أدرك ~~ذلك الزمان فصبر على الفقر وهو يقدر على الغنى، وصبر على البغضة وهو يقدر ~~على المحبة، وصبر على الذل وهو يقدر على العز، آتاه الله ثواب خمسين صديقا ~~ممن صدق بي) (38). وقال (ص): (أن الله تعالى قال لجبرائيل: # ما جزاء من سلبت كريمته؟ فقال: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا. # PageV03P231 # قال: جزاؤه الخلود في داري، والنظر إلى وجهي). وقال (ص) لرجل قال له: ذهب ~~مالي وسقم جسمي: لا خير في عبد لا يذهب ماله ولا بسقم جسمه، أن الله إذا ~~أحب عبدا ابتلاه، وإذا ابتلاه صبره). وقال (ص): # (إن الرجل يكون له الدرجة عند الله تعالى لا يبلغها بعمل حتى يبتلي ببلاء ~~في جسمه فيبلغها بذلك). وقال (ص): (إذا أراد الله بعبد خيرا، وأراد أن ~~يصافيه، صب عليه البلاء صبا وثجه عليه ثجا، فإذا وعاه، قالت الملائكة صوت ~~معروف، وإذا دعاه ثانيا: فقال: يا رب! قال الله تعالى: لبيك عبدي وسعديك! ~~ألا تسألني شيئا إلا أعطيتك، أو رفعت لك ما هو خير، وادخرت لك عندي ما هو ~~أفضل منه. فإذا كان يوم القيامة جيئ بأهل الأعمال فوزنوا أعمالهم بالميزان، ~~أهل الصلاة والصيام والصدقة والحج، ثم يؤتى بأهل البلاء، فلا ينصب لهم ~~ميزان، ولا ينشر لهم ديوان، يصب عليهم الأجر صبا كما كان يصب عليهم البلاء ~~صبا، فيود أهل العافية في الدنيا لو أنهم كانت تقرض أجسادهم بالمقاريض لم ~~يرون ما يذهب به أهل البلاء من الثواب، فذلك قوله تعالى: إنما يوفى ~~الصابرون أجرهم بغير حساب). وقال (ص): إذا رأيتم الرجل يعطيه الله ما يحب، ~~وهو مقيم على معصيته، فاعلموا أن ذلك استدراج)... ثم قرأ قوله تعالى: # (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ) 39 يعني: لما تركوا ما ~~أمروا به فتحنا عليهم أبواب الخيرات حتى إذا فرحوا بما أوتوا - أي بما ~~أعطوا من الخير - أخذناهم بغتة. وروي: # (أن نبيا من الأنبياء شكى إلى ربه، فقال: يا ms769 رب، العبد المؤمن يطيعك ~~ويجتنب معاصيك تزوي عنه الدنيا وتعرضه للبلاء، ويكون العبد الكافر لا يطيعك ~~ويجتري على معاصيك تزوي عنه البلاء وتبسط له الدنيا! فأوحى الله تعالى ~~إليه: إن العباد إلي والبلاء لي، وكل يسبح بحمدي. فيكون المؤمن عليه من ~~الذنوب، فأزوي عنه الدنيا وأعرض له البلاء فيكون كفارة # PageV03P232 # لذنوبه حتى يلقاني، فأجزيه بحسناته، ويكون الكافر له من الحسنات، فأبسط ~~له في الرزق وأزوي عنه البلاء فأجزيه بحسناته في الدنيا حتى يلقاني فأجزيه ~~بسيئاته وعن أبي عبد الله (ع) قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال ~~الله عز وجل: إني جعلت الدنيا بين عبادي قرضا، فمن أقرضني منها قرضا أعطيته ~~بكل واحدة منهن عشرا إلى سبعمائة ضعف وما شئت من ذلك، ومن لم يقرضني منه ~~قرضا فأخذت منه شيئا قسرا، أعطيته ثلاث خصال لو أعطيت واحدة منهن ملائكتي ~~لرضوا بها مني. قال: # ثم تلا أبو عبد الله (ع) قوله عز وجل (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا أنا ~~لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم)، فهذه واحدة من ثلاث ~~خصال، (ورحمة) اثنتان، (فأولئك هم المهتدون) ثلاث. ثم قال أبو عبد الله ~~(ع): هذا لمن أخذ الله منه شيئا قسرا). وقال أمير المؤمنين (ع): (بني ~~الإيمان على أربعة دعائم: اليقين، والصبر، والجهاد، والعدل). وقال أمير ~~المؤمنين (ع) (الصبر صبران: صبر عند المصيبة حسن جميل، وأحسن من ذلك الصبر ~~عندما حرم الله عز وجل عليك) وقال علي (ع): (الصبر وحسن الخلق والبر والحلم ~~من أخلاق الأنبياء). وقال أمير المؤمنين (ع): ((أيما رجل حبسه السلطان ظلما ~~فمات، فهو شهيد، وإن ضربه فمات، فهو شهيد) 41). وقال أمير المؤمنين (ع): ~~(من إجلال الله ومعرفة حقه ألا تشكو وجعك، ولا تذكر مصيبتك). وقال أمير ~~المؤمنين (ع) (ألا أخبركم بأرجى آية في كتاب الله؟) قالوا: بلا! فقرأ ~~عليهم: # (وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير) 42 فالمصائب في ~~الدنيا بكسب الأوزار، فإذا عافاه الله في الدنيا فالله أكرم من أن ms770 يعذبه ~~ثانيا، وأن عفا عنه في الدنيا فالله أكرم من أن يعذبه يوم القيامة). وقال ~~الباقر (ع): (الجنة محفوفة بالمكاره والصبر، فمن # PageV03P233 # صبر على المكاره في الدنيا دخل الجنة. وجهنم محفوفة باللذات والشهوات فمن ~~أعطى نفسه لذتها وشهوتها دخل النار). وقال (ع): (مروءة الصبر في حال الفاقة ~~والحاجة والتعفف والغنى، أكثر من مروءة الإعطاء) (43) وقال (ع): (لما حضرت ~~أبي علي بن الحسين عليهما السلام الوفاة، ضمني إلى صدره، ثم قال: يا بني! ~~أوصيك بما أوصاني به أبي حين حضرته الوفاة، وبما ذكر أن أباه أوصاه به، ~~قال: يا بني أصبر على الحق وأن كان مرا). وقال الصادق (ع): (إذا دخل المؤمن ~~قبره، كانت الصلاة عن يمينه، والزكاة عن يساره، والبر مطل عليه، ويتنحى ~~الصبر ناحيته. فإذا دخل عليه الملكان اللذان يليان مساءلته، قال الصبر ~~للصلاة والزكاة والبر: دونكم صاحبكم، فإن عجزتم عنه فأنا دونه). وقال (ع): ~~(إذا كان يوم القيامة، يقوم عنق من الناس، فيأتون باب الجنة، فيضربونه، ~~فيقال لهم: من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل الصبر، فيقال لهم: على ما صبرتم؟ ~~فيقولون: كنا نصبر على طاعة الله ونصبر عن معاصي الله، فيقول الله تعالى: ~~صدقوا! ادخلوهم الجنة. وهو قول الله تعالى: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير ~~حساب). وقال (ع): # (من ابتلى من المؤمنين ببلاء فصبر عليه، كان له مثل أجر ألف شهيد). # وقال (ع): (إن الله عز وجل أنعم على قوم فلم يشكروا، فصارت عليهم وبالا، ~~وأبتلي قوما بالمصائب فصبروا، فصارت عليهم نعمة) وقال عليه السلام: (من لا ~~يعد الصبر لنوائب الدهر يعجز). وقال (ع): # (أن من صبر صبر قليلا، وأن من جزع جزع قليلا... ثم قال: عليك بالصبر في ~~جميع أمورك، فإن الله عز وجل بعث محمدا (ص) فأمره بالصبر والرفق، فقال: # (واصبروا على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا) 44 وقال أبو الحسن (ع) لبعض ~~أصحابه: (أن تصبر تغتبط، وإلا # PageV03P234 # تصبر يقدر الله مقاديره، راضيا كنت أم كارها) (45). والأخبار في فضيلة ~~الصبر على البلاء وعظم ثوابه وأجر ه أكثر ms771 من أن تحصى. ولذلك كان الأتقياء ~~والأكابر محبين طالبين له، حتى نقل: (أن واحدا منهم دخل على ابن مريض له، ~~فقال: يا بني! لئن تكن في ميزاني أحب إلي من أن أكون في ميزانك. فقال: يا ~~أبة! لئن يكن ما تحب أحب إلي من أن يكون ما أحب). وقال بعضهم: (ذهبت عيني ~~منذ ثلاثين سنة، ما علم به أحد). # فصل الصبر على السراء كل ما يلقى العبد في الدنيا، وما يوافق هواه، أو لا ~~يوافقه، بل يكرهه، وهو في كل منهما محتاج إلى الصبر. إذ ما يوافق هواه، ~~كالصحة الجسمية، واتساع الأسباب الدنيوية، ونيل الجاه والمال، وكثرة ~~الأولاد والأتباع، لو لم يصبر عليه، ولم يضبط نفسه عن الانهماك فيه ~~والاغترار به، أدركه الطغيان والبطر. (فإن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى). # وقال بعض الأكابر: (البلاء يصبر عليه المؤمن، والعوافي لا يصبر عليه إلا ~~الصديق). وقال بعض العرفاء: (الصبر على العافية أشد من الصبر على البلاء). ~~ولذ لما توسعت الدنيا على الصحابة وزال عنهم ضيق المعاش، قالوا: (ابتلينا ~~بفتنة الضراء فصبرنا، وابتلينا بفتنة السراء فلا نقدر على الصبر عليها). ~~ومن هنا قال الله سبحانه: # (يا أيها الذين آمنوا لا تلهيكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله) 46. ~~وقال (إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم) 47. # ومعنى الصبر على متاع الدنيا: ألا يركن إليه، ويعلم أنه مستودع عنده، وعن ~~قريب يسترجع عنه، فلا ينهمك في التنعم والتلذذ، ولا يتفاخر # PageV03P235 # به على فاقده من إخوانه المؤمنين، ويرعى حقوق الله في ماله بالإنفاق، وفي ~~بدنه ببذل المعونة للخلق، وفي منصبه بإعانة المظلومين، وكذلك في سائر ما ~~أنعم الله به. # والسر في كون الصبر عليها أشد من الصبر على البلاء: أنه ليس مجبورا على ~~ترك ملاذ الدنيا، بل له القدرة والتمكن على التمتع بها، بخلاف البلاء، فإنه ~~مجبور عليه، ولا يقدر على دفعه، فالصبر عليه أسهل. # ولذا ترى أن الجائع إذا لم يقدر على الطعام أقدر على الصبر منه إذا قدر ~~عليه. # وأما ما لا يوافق هواه وطبعه، ms772 فله ثلاثة أقسام: # الأول - ما يكون مقدورا للعبد، كالطاعات والمعاصي. أما الطاعة، فالصبر ~~عليها شديد، لأن النفس بطبعها تنفر عنها، وتشتهي التقهر والربوبية كما يأتي ~~وجهه، ومع ذلك يثقل عليها بعض العبادات باعتبار الكسل، وبعضها باعتبار ~~البخل، وبعضها باعتبارهما، كالحج والجهاد، فلا تخلو طاعة من اعتبار يشق على ~~النفس أن تصبر عليه، ومع ذلك يحتاج المطيع فيها إلى الصبر في حالات ثلاثة ~~تتضاعف لأجلها الصعوبة، إذ يحتاج إليها قبل العمل في تصحيح النية والاخلاص، ~~وتطهيرها عن شوائب الرياء، وفي حالة العمل لئلا يغفل عن الله في أثنائه، ~~ولا يخل بشئ من وظائفه وآدابه، ويستمر على ذلك إلى الفراغ وبعد الفراغ عنه، ~~لئلا يتطرق إليه العجب، ولا يظهر رياء وسمعة. والنهي عن إبطال العمل وعن ~~إبطال الصدقات بالمن والأذى أمر بهذا القسم من الصبر. وأما المعاصي، فلكون ~~جميعها مما تشتهيها النفس. فصبرها عليها شديد، وعلى المألوفة المعتادة أشد، ~~إذ العادة كالطبيعة الخامسة، ولذا ترى أن كل معصية شاعت وتكررت ثقل ~~استنكارها، فإن الاستبعاد في مثل لبس الحرير أكثر من الاستبعاد في أطلاق ~~اللسان طول النهار في أعراض الناس، مع أن الغيبة أشد من الزنا، كما نطقت به ~~الأخبار. فإذا انضافت العادة إلى الشهوة، ظهر جندان من جنود الشيطان على ~~جند الله، فيصعب تركها. # ثم المعصية أن كانت مما يسهل فعلها، كان الصبر عنها أشد، كمعاصي ~~PageV03P236 # اللسان من الغيبة والكذب، ولو كانت مع ذلك مشتملة على تمام ما تقتضيه ~~جبلة النفس من الاستعلاء والربوبية، كالكلمات التي توجب نفي الغير، والقدح ~~فيه، والثناء على ذاتها تصريحا أو تعريضا، كان الصبر عنا أشد. # إذ مثل ذلك - مع كونه مما تيسر فعله وصار مألوفا معتادا - انضافت إليه ~~شهوتان للنفس فيه: إحداهما نفي الكمال من غيرها، وأخراهما إثباته لذاتها. ~~وميل النفس إلى مثل تلك المعصية في غاية الكمال، إذ به يتم ما تقتضيه ~~جبلتها من التفوق والعلو، فصبرها عنها في غاية الصعوبة. وقد ظهر مما ذكر: ~~أن أكثر ما شاع وذاع من المعاصي إنما يصدر من ms773 اللسان. # فينبغي من كل أحد أن يجتهد في حفظ لسانه بتقديم التروي على كلام يريد أن ~~يتكلم به، فإن لم يكن معصية تكلم به، وإلا تركه، ولو لم يقدر على ذلك، وكان ~~لسانه خارجا عن إطاعته في المحاورات وجبت عليه العزلة والانفراد، وتركه ~~التكلم مع الناس، حتى تحصل له ملكة الاقتدار على حفظه. ثم صعوبة الصبر ~~وسهولته لما كانت تختلف في آحاد المعاصي باختلاف داعية تلك المعاصي قوة ~~وضعفا، فينبغي لكل طالب السعادة أن يعلم أن داعية نفسه إلى أي معصية أشد، ~~فيكون سعيه في تركها أكثر. ثم حركة الخواطر باختلاج الوساوس أيسر بكثير من ~~حركة اللسان بقبائح الكلمات، فلا يمكن الصبر عنها أصلا، إلا بأن يغلب على ~~القلب هم آخر في الدين يستغرفه، كمن أصبح وهمومه هم واحد. وأكثر جولان ~~الخاطر إنما يكون في فائت لا تدارك له، أو في مستقبل لا بد وأن يحصل منه ما ~~هو مقدور. # وكيف كان، فهو تصور باطل، وتضييع وقت. إذ آلة استكمال العبد قلبه، فإذا ~~غفل القلب في لحظة من ذكر يستفيد به أنسا بالله، أو فكر يستفيد به معرفة ~~بالله، ويستفيد بالمعرفة حب الله، فهو مغبون. # الثاني - ما ليس حصوله مقدورا للعبد، ولكنه يقدر على دفعه بالتشفي، كما ~~لو أوذي بفعل أو قول، أو جني عليه في نفسه أو ماله، فإن حصول الأذية ~~والجناية وإن لم يرتبط باختياره، إلا أنه يقدر على التشفي من المؤذي أو ~~الجاني بالانتقام منه، والصبر على ذلك بترك المكافات. # وهو قد يكون واجبا، وقد يكون فضيلة، وهو أعلى مراتب الصبر. PageV03P237 # ولأجل ذلك خاطب الله نبيه (ص) بقوله: # (واصبروا كما صبر أولو العزم من الرسل) 48 وبقوله: (فاصبر على ما يقولون ~~واهجرهم هجرا جميلا) 49. وبقوله: (ودع أذاهم وتوكل على الله 50 وقال: ~~(ولتسمعن من الذين أوتو الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن ~~تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور) 51. وقال (وأن عاقبتم فعاقبوا بمثل ~~ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) 52 وقال ms774 رسول الله (ص) (صل من ~~قطعك، واعط من حرمك، واعف عمن ظلمك) وروي: (أنه (ص) قسم مرة مالا، فقال بعض ~~الأعراب من المسلمين: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله! فأخبر به رسول الله، ~~فاحمرت وجنتاه ثم قال: رحم الله أخي موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر، ~~الثالث - ما ليس مقدورا للعبد مطلقا، كالمصائب والنوائب. والصبر عليه شديد ~~في غاية الصعوبة، ولا ينال إلا ببضاعة الصديقين، والوصول إليه يتوقف على ~~اليقين التام. ولذا قال النبي (ص): (أسألك من اليقين ما يهون علي مصائب ~~الدنيا). وقد تقدم بعض الأخبار الواردة في فضيلة هذا القسم من الصبر. وقال ~~(ص): (قال الله: إذا ابتليت عبدي ببلائي فصبر، ولم يشكني إلى عواده، أبدلته ~~لحما خيرا من لحمه، ودما خيرا من دمه، فإن أبرأته أبرأته ولا ذنب له، وأن ~~توفيته فإلى رحمتي). وقال صلى الله عليه وسلم: (من إجلال الله ومعرفة حقه: ~~ألا تشكو وجعك، ولا تذكر مصيبتك). وقال (ص): (من ابتلي فصبر، وأعطي فشكر، ~~وظلم فغفر أولئك لهم الأمن وهم مهتدون). وقال (ص): (أن الله - تعالى قال ~~لجبرائيل: ما جزاء من سلبت كريمته؟ فقال: سبحانك!! لا علم لنا إلا ما ~~علمتنا. قال: جزاؤه الخلود في داري والنظر إلى وجهي). وقال داود (ع): (يا ~~رب! ما جزاء الحزين يصبر على المصائب ابتغاء مرضاتك؟ # PageV03P238 # قال: جزاؤه أن ألبسه الأمان، لا أنزعه عنه أبدا). وقال لابنه سليمان (ع) ~~(يستدل على تقوى المؤمن بثلاث: حسن التوكل في ما لم ينل، وحسن الرضا فيما ~~قد نال، وحسن الصبر فيما قد فات). وروي: (أن من ابتلي بموت ثلاثة أولاد. لم ~~يرد على النار أصلا). # تذنيب اختلاف مراتب الصبر في الثواب لما كان الصبر على العافية بمعنى ترك ~~الشهوات المحرمة وعدم الانهماك فيها فهو راجع إلى الصبر عن المعصية. وعلى ~~هذا فأقسام الصبر ثلاثة: # الصبر على المصائب والنوائب، والصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية. # ثم ما تقدم من الخبر النبوي صريح في كون الأول أقل ثوابا، والآخر أكثر ~~ثوابا، والوسط ms775 وسطا بينهما. وربما ظهر من بعض الأخبار: كون الأول أكثر ~~ثوابا. وأبو حامد الغزالي رجح الأول أولا، وبه صرح بعض المتأخرين من ~~أصحابنا للخير النبوي، ثم رجح الثاني ثانيا محتجا بما روي عن ابن عباس أنه ~~قال: (الصبر في القرآن على ثلاثة أوجه: صبر على أداء فرائض الله - تعالى - ~~فله ثلاثمائة درجة، وصبر عن محارم الله تعالى - وله ستمائة درجة، وصبر على ~~المصيبة عند الصدمة الأولى، فله تسعمائة درجة). وبأن كل مؤمن يقدر على ~~الصبر عن المحارم، وأما الصبر على بلاء الله فلا يقدر عليه إلا ببضاعة ~~الصديقين، لكونه شديدا على النفس. # وعندي: أن القول بكون أحدهما أكثر ثوابا على الإطلاق غير صحيح إذ القول ~~بأن الصبر عن كلمة كذب أو لبس ثوب من الحرير لحظة، أكثر ثوابا من الصبر على ~~موت كثير من أعز الأولاد بعيد، وكذا القول بأن الصبر على فقد درهم أكثر ~~ثوابا من كف النفس عن كبائر المعاصي، وفطامها عن ألذ اللذات والشهوات مع ~~القدرة عليها أبعد، فالصواب: التفضيل بأن كل صبر من أي قسم كان من الثلاثة ~~إذا كان على النفس أشد وأشق فثوابه أكثر مما كان أسهل وأيسر، كائنا ما كان، ~~لما ثبت وتقرر أن أفضل الأعمال أحمزها، وبه يحصل الجمع والتلاؤم بين ~~الأخبار. PageV03P239 # فصل طريق تحصيل الصبر الطريق إلى تحصيل الصبر: تقوية باعث الدين، وتضعيف ~~باعث الهوى والأول: إنما يكون بأمور: # الأول - أن يكثر فكرته فيما ورد من فضل الصبر وحسن عواقبه في الدنيا ~~والآخرة، وأن يعلم أن ثواب الصبر على المصيبة أكثر مما فات، وإنه بسبب ذلك ~~مغبوط بالمصيبة، إذ فاته ما لا يبقى معه إلا مدة الحياة في الدنيا، وحصل له ~~ما يبقى بعد موته أبد الدهر، فيجازى على المدة القصيرة الفانية بالمدة ~~الطويلة الخالدة، وعلى الغاية القريبة الزائلة بالغاية المديدة الباقية. ~~ومن أسلم خسيسا في نفيس، فلا ينبغي أن يحزن بفوات الخسيس في الحال. # الثاني - أن يتذكر قلة قدرة الشدة الدنيوية ووقتها واستخلاصه عنها عن ~~قريب، مع بقاء الأجر على ms776 الصبر عليها. # الثالث - أن يعلم أن الجزع قبيح مضر بالدين والدنيا، ولا يفيد ثمرة إلا ~~حبط الثواب وجلب العقاب، كما قال أمير المؤمنين (ع): (أن صبرت جرت عليك ~~المقادير وأنت مأجور، وإن جزعت جرت عليك المقادير وأنت مأزور الرابع - أن ~~يعود مصارعة هذا الباعث باعث الهوى تدريجا حتى يدرك لذة الظفر بها فيتجرى ~~عليها، ويقوى متنه في مصارعتها. فإن الاعتياد والممارسة للأعمال الشاقة ~~يؤكد القوى التي تصدر منها تلك الأعمال. ولذا تزيد قوة الممارسين للأعمال ~~الشاقة - كالحمالين والفلاحين - على قوة التاركين لها فمن عود نفسه مخالفة ~~الهوى غلبه مهما شاء وأراد. # وأما الثاني: أعني تضعيف الهوى، إنما يكون بالمجاهدة والرياضة، من الصوم ~~والجوع وقطع الأسباب المهيجة لشهوة من النظر إلى مظانها وتخيلها، وبالتسلية ~~بالمباح من الجنس الذي يشتهيه بشرط ألا يخرج عن القدر المشروع. PageV03P240 # تتميم أن قيل: الصبر في المصائب إن كان المراد به ألا تكون في نفسه كراهة ~~المعصية، فذلك داخل تحت الاختيار، إذ الإنسان مضطر إلى الكراهة، فبماذا ~~ينال درجة الصبر في المصائب؟ # قلت: من كان عارفا بالله وبأسرار حكمته وقضائه وقدره، بأن يعلم يقينا بأن ~~كل أمر صدر من الله وأبتلي به عباده من ضيق أو سعة، وكل أمر مرهوب أو مرغوب ~~على وفق الحكمة والمصلحة بالذات، وما عرض من ذلك ممن يعده شرطا، فأمر عرضي ~~لا يمكن نزع الخير المقصود منه، وإن ذلك إذا كان متيقنا له، استعدت نفسه ~~للصبر ومقاومة الهوى في الغم والحزن، وطابت بقضائه وقدره، وتوسع صدره ~~بمواقع حكمه، وأيقن بأن قضاءه لم يجر إلا بالخيرة. وقد أشار إلى ذلك أمير ~~المؤمنين (ع) بقوله: (اطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصبر وحسن اليقين). ~~ومن بلغ بهذه الدرجة، يتلذذ وبكل ما يرد عليه. ومثله يتمتع بثروة لا تنفد، ~~ويتأيد بعز لا يفقد، فيسرح في ملك الأبد، ويعرج إلى قضاء السرمد. هذا مع أن ~~العبد إنما يخرج عن مقام الصابرين بالجزع، وشق الجيوب، وضرب الخدود، ~~والمبالغة بالشكوى، وإظهار الكآبة، وتغيير العادة في الملبس والمطعم ~~ونحوها، وهذه ms777 الأمور داخلة تحت اختياره، فينبغي أن يجتنب عنها، ويظهر الرضا ~~بقضاء، ويبقى مستمرا على عادته، ويعتقد أن ذلك كان وديعة فاسترجعت، ولا ~~يخرجه عن حد الصابرين توجع القلب وجريان الدمع، لأن ذلك مقتضى البشرية. لما ~~مات إبراهيم ولد النبي (ص) فاضت عيناه بالدمع، فقيل له: أما نهيتنا عن هذا؟ ~~قال: (هذه رحمة، إنما يرحم الله من عباده الرحماء). وقال أيضا (ص): (العين ~~تدمع والقلب يحزن، ولا يقول ما يسخط الرب). بل ذلك لا يخرج عن مقام الرضا ~~أيضا، فإن المقدم على الفصد والحجامة راض به، مع أنه متألم بسببه لا محالة. ~~نعم، من كمال الصبر كتمان المصائب، لما ورد من أن كتمان المصائب والأوجاع ~~والصدقة من كنوز البر. وقد ورد المدح في كثير من الأخبار على عدم الشكاية ~~من الأمراض والمصائب. وقال الباقر (ع) (الصبر الجميل، صبر ليس به شكوى إلى ~~الناس). وفي بعض الأخبار: PageV03P241 # (أن الشكاية أن تقول: ابتليت بما لم يبتل به أحد، وأصابني ما لم يصب ~~أحدا، وليس الشكوى أن تقول سهرت البارحة، وحميت اليوم، ونحو ذلك). وقال ~~الصادق (ع): (من اشتكى ليلة، فقبلها بقبولها، وأدى إلى الله شكرها، كانت ~~كعبادة ستين سنة)، قيل له: ما قبولها؟ قال: # (يصبر عليها ولا يخبر بما كان فيها، فإذا أصبح حمد الله على ما كان). # تتميم التلازم بين الصبر والشكر إعلم أنه اختلف في أفضلية كل من الصبر ~~والشكر على الآخر، فرجح كلا منهما على الآخر طائفة. والظاهر أنه لا ترجيح ~~لأحدهما على الآخر، لأنهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر. إذ الصبر على ~~الطاعة وعلى المعصية هو عين الشكر، لكون أداء الطاعة وترك المعصية شكرا، ~~كما مر في باب الشكر. والصبر على الشدائد والمصائب يستلزم الشكر، لما مر من ~~أن الشدائد والمصائب الدنيوية تتضمن نعما، فالصبر على هذه الشدائد يستلزم ~~الشكر على تلك النعم ولأن الصبر على المصائب هو حبس النفس عن الجزع تعظيما ~~لله سبحانه -. وهذا هو الشكر بعينه، لأنه تعظيم لله يمنع عن العصيان، ~~والشاكر يمنع نفسه ms778 عن الكفران مع ميل النفس إليه، وهذا هو عين الصبر عن ~~المعصية. وأيضا، توفيق الصبر والعصمة من الجزع نعمة يشكر عليها الصابر، فكل ~~صبر يستلزم الشكر، وبالعكس. # وبالجملة: لا ريب في استلزام كل من الصبر والشكر للآخر، فإن اجتماعهما في ~~الطاعة وترك المعصية، بل اتحادهما فيهما، أمر ظاهر، كما تقدم. وفي البلاء ~~المقيد الدنيوي، إذا حصل فيه الصبر، فلا ريب في عدم انفكاكه عن تصور النعم ~~اللازمة له، ومن الثواب الأخروي، وحصول الانزعاج عن الدنيا والرغبة إلى ~~الآخرة، فيشكر على ذلك. فهو لا ينفك عن الشكر، لأنه يعرف هذه النعم من ~~الله، كما يعرف البلاء أيضا من الله فيفرح بالنعم، ويعمل بمقتضى فرحه من ~~التحميد وغيره. وفي النعمة المقيدة مثل المال، إذا توسل به إلى تحصيل ~~الدين، فلا ريب في أنه كما تحقق فيه الشكر تحقق فيه الصبر أيضا. إذ في ~~إنفاق المال وبذله في تحصيل الدين PageV03P242 # حبس النفس عما تحبه وتميل إليه، وثبات باعث الدين في مقابلة باعث الهوى. ~~وفي البلاء المطلق، كالكفر والجهل، لا معنى لتحقق الشكر أو الصبر فيه، وفي ~~النعمة المطلقة كسعادة الآخرة والعلم وحسن الأخلاق، كما يتحقق فيها الشكر ~~يتحقق فيها الصبر أيضا. إذ تحصيل السعادة، والعلم، والأخلاق الفاضلة، ~~والابقاء عليها، لا ينفك عن مقاومته مع الهوى ومنع النفس عما تميل إليه. مع ~~أن الشكر عليهما يستلزم منع النفس عن الكفر وهو الصبر على المعصية. حتى أن ~~شكر العينين بالنظر إلى عجائب صنع الله يستلزم الصبر عن الغفلة والنوم، ~~والنظر إلى ما تميل إليه النفس من النظر إلى غير المحارم وأمثال ذلك. # فإن قيل: استلزام كل من الصبر والشكر للآخر مما لا ريب فيه، إلا أن ~~الكلام في أنه إذا لم يتحقق الاتحاد بينهما في فعل، كما في فعل الطاعة وترك ~~المعصية لكونهما متحدين فيهما، بل تحقق الاستلزام الموجب لتحقق جهتين، فأي ~~الجهتين أفضل؟ مثل أن يبتلى أحد بمصيبة دنيوية، فصبر عليها، بمعنى أنه عرف ~~إنها من الله وحبس نفسه عن الجزع والاضطراب، وشكر عليها ms779 أيضا، بمعنى أنه ~~عرف أن النعم اللازمة لها من الثواب الأخروي وغيرها من الله، وفرح بها، ~~وعمل بمقتضى فرحه من التحميد أو طاعة أخرى، فهل الأفضل حينئذ جهة الصبر، أو ~~جهة الشكر؟ # قلنا: التأمل يعطي: أن كل صبر هو شكر بعينه، وبالعكس. فلا تتحقق بينهما ~~جهتان مختلفتان حتى يتصور الترجيح بينهما. فإن الصبر على البلاء إنما هو ~~حبس النفس عن الجزع تعظيما لله. وهذا هو عين الشكر إذ كل طاعة لله - سبحانه ~~- شكر، وفي الشكر على النعم المطلقة منع النفس عن الكفران، وهو عين الصبر ~~عن المعصية. # فإن قلت: فعلى هذا، يجتمع الصبر والشكر في محل واحد بجهة واحدة، وقد تقدم ~~أنهما متضادان، إذ الصبر يستدعي ألما، والشكر يستدعي فرحا، وقد ذكرت أن ~~اجتماع الصبر والشكر في محل واحد إنما يكون من جهتين متغايرتين لا من جهة ~~واحدة. # قلنا: امتناع الاتحاد فيهما إنما هو في الصبر والشكر على ما هو كان ~~PageV03P243 # نعمة وبلاء بعينه، فإنه لا يمكن أن يكون الصبر على موت ولد - أعني حبس ~~النفس عن الجزع - هو عين الشكر على النعمة إذ موت الولد بعينه ليس نعمة بل ~~هو مستلزم للنعمة. فالشكر على اللازم، والصبر على الملزوم. فاختلفت جهتا ~~الصبر والشكر، فلا اتحاد . وما ذكرنا من الاتحاد إنما هو الشكر والصبر على ~~النعمة وترك المعصية، أو على البلاء والطاعة. # وندعي أن من وصلت إليه نعمة، فشكر عليها بعرفانها من الله، ففرح بها وعمل ~~بمقتضى الفرح، من التحميد أو طاعة أخرى، كان هذا الشكر عين الصبر عن ~~المعصية هي الكفران، أو على الطاعة التي هي التحميد وغيره. # كذا من ابتلي ببلية، فصبر عليها بحبس نفسه عن الجزع، فهذا الصبر. # عين الشكر بأداء الطاعة التي هي تعظيم الله بكف النفس عن الجزع، أو عن ~~المعصية التي هي الجزع والاضطراب. وهذا الاتحاد والعينية يطرد في كل صبر ~~وشكر، ولا يتحقق شكر لا يكون عن الصبر من هذا الوجه، وبالعكس. # وليس بينهما تضاد وتغاير أصلا، واستلزم واختلاف الجهة إنما هو في 56 ms780 ~~الصبر على البلاء والشكر على ما يستلزمه من النعم، ولا يمكن هنا اتحادهما ~~لتضادهما، وفي هذه الصورة يكون كل من الصبر والشكر المتميزين عن الآخر ~~باختلاف الجهة عين الآخر، من حيث ملاحظة الاعتبار السابق فلا يمكن الترجيح ~~في هذه الصورة مع اختلاف الجهة أيضا. # فإن قيل عرفان النعم من الله داخل في حقيقة الشكر، وليس داخلا في الصبر، ~~فينبغي أن يكون الشكر لذلك أفضل من الصبر. # قلنا: في الشق الأول من صورة العينية والاتحاد، يكون عرفان النعمة داخلا ~~في الصبر وفي الشق الثاني منهما، وفي صورة الاستلزام، يدخل عرفان البلاء من ~~الله في الصبر. فكما أن الشاكر يرى نعمة العينين من الله، فكذا الصابر يرى ~~العمى من الله، فهما في المعرفة متساويان. ثم جميع ما ذكر في الفرق بين ~~الصبر والشكر إنما إذا كانت حقيقة الصبر حبس النفس عن الشكوى في البلاء مع ~~الكراهة والتألم (1)، وعلى هذا يكون # PageV03P244 # الرضا فوقه، لو قطع النظر عن كون الصبر شكرا أيضا، ويكون الشكر فوق ~~الرضا، إذ الصبر مع التألم والرضا يمكن بما لا ألم فيه ولا فرح، والشكر لا ~~يمكن إلا على محبوب يفرح به، ولو لم يعتبر في مفهوم الصبر الكراهة والتألم، ~~لصار الرضا والشكر في بعض درجاته، إذ يمكن أن يصل حال العبد في الحب مرتبة ~~لا يتألم من البلاء أو يفرح به، لأنه يراه من محبوبه. وحينئذ، فترك الشكوى ~~في البلاء مع الكراهة صبر، وبدونها رضا، ومع الفرح به شكر. # تنبيه القانون الكلي في معرفة الفضائل إعلم أن المعيار والقانون الكلي في ~~معرفة فضائل الأعمال والأحوال وترجيح بعضها على بعض عند أرباب القلوب: أن ~~العمل كلما كان أكثر تأثيرا في إصلاح القلب وتصفيته وتطهيره عن شوائب ~~الدنيا، وأشد إعدادا له لمعرفة الله وانكشاف جلاله في ذاته وصفائه وأفعاله، ~~كان أفضل. وعلى هذا القانون، لولا الاتحاد والعينية والتلازم بينهما، لكان ~~اللازم أن يوازن بين كل درجة درجة من درجات الصبر والشكر وترجيح أحدهما، إذ ~~لكل منهما درجات مختلفة في تنوير القلب ms781 وتصفيته، وسبب الاختلاف أسباب: # منها - الاختلاف بين أقسام النعم وأقسام البلاء. # ومنها - اختلاف مراتب المعرفة والفرح المأخوذين في الشكر، واختلاف الطاعة ~~التي تفعل في كل منهما صعوبة وسهولة. فربما كان بعض درجات الصبر أشد تنويرا ~~وأكثر إصلاحا للقلب من بعض درجات الشكر، وربما كان الأمر بعكس ذلك في بعض ~~آخر من درجاتهما. فإن الأعمال والأحوال المندرجة تحت كل منهما كثيرة، ~~وباختلافها - كثرة وقلة - تختلف درجاتهما. # فمن الأمور والأحوال التي تندرج تحت الشكر: حياء العبد من تتابع نعم الله ~~عليه، ومعرفته بتقصيره عن الشكر، واعتذاره من قلة الشكر، واعترافه بأن ~~النعم ابتداء من الله - تعالى - من غير استحقاقه لها، وعلمه بأن الشكر أيضا ~~نعمة من نعمه ومواهبه، وحسن تواضعه بالنعم، والتذلل، وقلة اعتراضه، وحسن ~~أدبه بين يدي المنعم وتلقي النعم بحسن القبول، واستعظام PageV03P245 # صغيرها، وشكر الوسائط، لقوله (ص): (من لم يشكر الناس لم يشكر الله). وقال ~~السجاد (ع): (أشكركم لله أشكركم للناس). وقال (ع): (يقول الله - تعالى - ~~لعبد من عبيده يوم القيامة: أشكرت فلانا؟ فيقول: بل شكرتك يا رب! فيقول: ~~لما تشكرني إذ لم تشكره). وقال الصادق (ع): # (اشكر من أنعم عليك وانعم على من شكرك). ولا ريب في أنه كلما ازدادت هذه ~~الأحوال في الشكر، وطال زمانه، ازداد فضله. وقد نقل: # ) أن رجلا (كان يهوى ابنة عم له، وهي أيضا تهواه، فاتفقا مزاوجتهما فقال ~~الرجل ليلة الزفاف لها: تعالي حتى نحيي هذه الليلة شكرا لله على ما جمعنا، ~~فقالت: نعم! فصليا تلك الليلة بأسرها، ولم يتفرغ أحدهما إلى صاحبه. فلما ~~كانت الليلة الثانية، قالا مثل ذلك، فصليا طول الليل... # فهكذا يفعلان في ثمانين سنة، وبقيا على تلك الحالة في ثمانين سنة في كل ~~ليلة، من دون رجوع لأحدهما ومن دون اتفاق مضاجعة بينهما، فضلا عن شئ آخر). ~~ولا يخفى أن هذا الشكر أفضل مراتب من صبرهما على بلاء العزوبة لو لم يحصل ~~بينهما الجمع والوصول. # تتميم تفضيل الصبر على الشكر إعلم أن الظاهر من بعض الأخبار: أن الصبر ~~أفضل وأكثر ms782 ثوابا من الشكر. كما روي: (أنه يؤتى يوم القيامة بأشكر أهل ~~الأرض، فيجزيه الله جزاء الشاكرين. ويؤتى بأصبر أهل الأرض، فقال له: أترضى ~~أن نجزيك كما جزينا هذا الشاكر؟ فيقول: نعم يا رب! فيقول الله تعالى: # كلا! أنعمت عليه فشكر، وابتليتك فصبرت، لأضعفن عليك الأجر عليه! # فيعطى أضعاف جزاء الشاكرين). وكقوله (ع): (الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم ~~الصابر). وهذا يدل على أفضلية الصبر من الشكر، لأن المشبه به أعلى رتبة من ~~المشبه. وكقول الباقر (ع): (مروءة الصبر في حال الحاجة والفاقة والتعفف ~~والغنى، أكثر من مروءة الإعطاء). ويؤيد ذلك قوله تعالى: (إنما يوفي ~~الصابرون أجرهم بغير حساب). وينبغي أن يرتكب في أمثال هذه الأخبار تقييدان: ~~PageV03P246 # أحدهما - التقييد ببعض المراتب، بأن يقال: المراد أن بعض مراتب الصبر ~~أفضل من بعض مراتب الشكر. وهذا مما لا ريب فيه، فإن من سلب أعز أولاده ~~وابتلي بالفقر والمرض، ومع ذلك صبر ولم يجزع، فهو أفضل البتة ممن أعطي مالا ~~كثيرا فقال: شكرا لله، الحمد لله، من دون إبداء عمل آخر من الطاعات لا وليس ~~المراد أن كل ما يسمى صبرا أفضل من كل درجة من درجات الشكر. إذ البديهة ~~حاكمة بأن الشكر على نعمة بالاشتغال بالطاعة والعبادات، وترك المعاصي سنين ~~كثيرة متتالية، من دون فتور، أفضل وأعلى رتبة من منع النفس عن الجزع لأجل ~~عشرة دراهم سرقت منه. # وثانيهما - التقييد بخروجها على ما هو الظاهر عند جمهور الناس من ~~الانفكاك بين الصبر والشكر. فإن الجمهور لا يفهمون من حبس النفس عن الجزع ~~عند الابتلاء ببلية إلا الصبر، ولا يلتفتون إلى أن هذا الحبس نوع عبادة ~~حصلت تعظيما لله، وهو عين الشكر. وكذا لا يفهمون من إظهار التحميد ~~والاشتغال بالصلاة عند وصول نعمة إلا الشكر، ولا يلتفتون إلى أن هذا العمل ~~عين منع النفس عن الكفران، وهو الشكر بعينه. # ومنها: # الفسق وهو الخروج عن طاعة المبدأ الحقيقي وعبادته. وضده الطاعة، وهي ~~تمجيد المبدأ والتخضع له بأداء ضروب العبادات المقررة في الشريعة. وعمدة ~~العبادات الموظفة في الشريعة ms783 هي: الطهارة، والصلاة، والذكر، والدعاء، ~~وتلاوة القرآن، والصوم، والحج، وزيارة النبي (ص) والأئمة عليهم السلام: ~~والجهاد في سبيل الله، وأداء المعروف، الشامل للزكاة، والخمس، والصدقة ~~المندوبة، وغيرها. والأخير - أعني أداء المعروف بأقسامه - قد تقدم. والجهاد ~~في هذا الزمان ساقط. فنشير إلى بعض الأسرار والدقائق والآداب الباطنة ~~المتعلقة بالبواقي، في مقاصد وخاتمة. وأما آدابها وأحكامها وشرائطها ~~الظاهرة، فهي مذكورة في الفقهيات. # المقصد الأول الطهارة - حقيقة الطهارة - ما ينبغي للمؤمن في الطهارة - ~~إزالة PageV03P247 # الأوساخ - آداب الحمام - السر في إزالة الأوساخ. # إعلم أن الطهارة والنظافة أهم الأمور للعباد. إذ الطهارة الظاهرة وسيلة ~~إلى حصول الطهارة الباطنة، وما لم تحصل الأولى لم تحصل الثانية. # ولذا ورد في مدحها ما ورد، قال الله سبحانه: # (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين) (2). وقال: # (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم) (3). # وقال رسول الله (ص): (بني الدين على النظافة). وقال (ص): # (الطهور نصف الإيمان). وقال (ص): (مفتاح الصلاة الطهور). # وقال (ص): بئس للعبد القاذورة). وقال (ص): ((من اتخذ ثوبا فلينظفه). وقال ~~أمير المؤمنين (ع): (النظيف من الثياب يذهب الهم والحزن، وهو طهور للصلاة). # ثم للطهارة أربع مراتب: # الأولى - تطهير الظاهر من الأحداث والأخباث والفضلات. # الثانية - تطهير الجوارح من الجرائم والآثام والتبعات. # الثالثة - تطهير القلب من مساوي الأخلاق ورذائلها. # الرابعة - تطهير السر عما سوى الله تعالى، وهي تطهير الأنبياء والصديقين. ~~والطهارة في كل مرتبة نصف العمل الذي فيها، إذ الغاية القصوى في عمل السر ~~أن ينكشف له جلال الله وعظمته، وتحصل له المعرفة التامة، والحب والأنس. ولا ~~يمكن حصول ذلك ما لم يرتحل عن ما سوى الله، ولذلك قال الله تعالى: # (قل الله ثم ذرهم) 4. فإن الله وغيره لا يجتمعان في قلب واحد: # (وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) (5). # فتطهير السر عما سوى الله نصف عمله، والنصف الآخر شروق نور # PageV03P248 # الحق فيه. والغاية القصوى في عمل القلب عمارته بالأخلاق المحمودة، ~~والعقائد الحقة المشروعة. ولا يتصف بها ما لم ينظف عن نقائضها، من ms784 الأخلاق ~~المذمومة، والعقائد الفاسدة. فتطهيرها عنها أحد الشطرين، والشطر الآخر ~~تحليته بالفضائل والعقائد الحقة. # وأما عمل الجوارح، فالمقصود منه عمارتها بالطاعات. ولا يمكن ذلك ما لم ~~يطهر عن المعاصي والمناهي. فهذا التطهير نصف عملها، ونصفه الآخر عمارتها ~~بالطاعات. وقس على ذلك الحال في المرتبة الأولى. وإلى ذلك الإشارة بقول ~~النبي (ص): (الطهور نصف الإيمان). فإن المراد: أن تطهير الظاهر، والجوارح، ~~والقلب، والسر، من النجاسات والمعاصي ورذائل الأخلاق وما سوى الله نصف ~~الإيمان، ونصفه الآخر عمارتها بالنظافة والطاعات ومعالي الأخلاق، ~~والاستغراق في شهود جمال الحق وجلاله. ولا تظنن أن مراده (ص) إن مجرد تطهير ~~الظاهر عن النجاسات بإضافة الماء نصف الإيمان، مع تلوث الجوارح بأخباث ~~المعاصي، وتنجس القلب بأقذار مساوي الأخلاق، وتشوش السر وتكدره بما سوى ~~الله. # فالمراد التطهير في المراتب الأربع، التي هي من مقامات الدين، وهي مرتبة ~~يتوقف بعضها على بعض، ولا يمكن أن ينال العبد ما هو الفوق، ما لم يتجاوز ما ~~دونه، فلا يصل إلى طهارة السر مما سوى الله، وعمارته بمعرفة الله، وانكشاف ~~جلاله وعظمته، ما لم يفرغ عن طهارة القلب عن الأخلاق المذمومة، وتحليته ~~بالملكات المحمودة. ولا يصل إلى ذلك ما لم يفرغ عن طهارة الجوارح من ~~المعاصي وعمارتها بالطاعات. ولا يصل إلى ذلك ما لم يفرغ عن إزالة الخبث ~~والحدث عن الظاهر، وعمارته بالنظافة والنزاهة. # فصل حقيقة الطهارة طهارة الظاهر، إما عن الخبث، أو عن الحدث، أو عن فضلات ~~البدن، وما يتعلق بها من الأحكام الظاهرة الواجبة والمحرمة والمندوبة ~~والمكروهة، مستقصاة في كتب الفقه. # وأما الآداب الباطنة لطهارة الخبث وإزالته عند التخلي لقضاء الحاجة، ~~PageV03P249 # أن يتذكر عنده نقصه وحاجته، وخبث باطنه، وخسة حاله، وما يشتمل عليه من ~~الأقذار، وكونه حامل النجاسات، ويتذكر باستراحة نفسه عند إخراجها، وسكون ~~قلبه عن دنسها، وفراغه للعبادات والمناجاة، وأن الأخلاق الذميمة التي في ~~باطنها نجاسات باطنة، وأقذار كامنة، لتستريح نفسها عند إخراجها، ويطمئن ~~قلبه من إزالة دنسها، وعند إخراجها يصلح للوقوف على بساط الخدمة، ويتأهل ~~للقرب والوصول إلى حريم ms785 العزة. # فكما يسعى أخراج النجاسات الظاهرة لاستراحة البدن مدة قليلة في الدنيا، ~~فينبغي أن يجتهد أيضا في إخراج الأقذار الباطنة، والنجاسات الداخلة الغائضة ~~(6) في الأعماق، المفسدة على الإطلاق، لتستريح الروح والبدن في الدنيا ~~والآخرة أبد الآباد. قال الصادق (ع): (إنما سمي المستراح مستراحا لاستراحة ~~النفس من أثقال النجاسات، واستفراغ الأقذار والكسافات فيها. والمؤمن يعتبر ~~عندها أن الخالص من حطام الدنيا كذلك تصير عاقبته، فيستريح بالعدول عنها ~~وتركها، ويفرغ نفسه وقلبه عن شغلها، ويستنكف عن جمعها وأخذها استنكافه عن ~~النجاسة والغائط والقذر، ويتفكر في نفسه المكرمة في حال كيف تصير ذليلة في ~~حال، ويعلم أن التمسك بالقناعة والتقوى يورث له راحة الدارين. فإن الراحة ~~في هوان الدنيا، والفراغ من التمتع بها، وفي إزالة النجاسة من الحرام ~~والشبهة. # فيغلق عن نفسه باب الكبر بعد معرفته إياها، ويفر من الذنوب، ويفتح باب ~~التواضع والندم والحياء، ويجتهد في أداء أوامره واجتناب نواهيه، طلبا لحسن ~~المآب، وطيب الزلفى. ويسجن نفسه في سجن الخوف والصبر والكف عن الشهوات، إلى ~~أن يتصل بأمان الله تعالى في دار القرار، ويذوق طعم رضاه، فإن المعلول على ~~ذلك، وما عداه فلا شئ) (7). # وينبغي أن يتأمل في أن ما دفع عنه من الغائط والقذر هو ما كان يشتهيه، ~~ويحترص في طلبه من لذائذ الأطعمة وكلما كانت ألذ عفونتها أشد، فما # PageV03P250 # كانت عاقبة ذلك، فليحذر من أن يأخذه من غير حله، فيعذب أبد الآباد لأجله ~~فصل ما ينبغي للمؤمن في الطهارة ينبغي لكل مؤمن أن يستحضر عند اشتغاله ~~بالطهارة عن الحدث: أن تكليفه بها للدخول في العبادات والمناجاة مع خالق ~~البريات إنما هو لكون أعضائه التي أمر بغسلها مباشرة للأمور الدنيوية، ~~منهمكة في الكدورات الطبيعية، فخرجت عن أهلية القيام بين يدي الله سبحانه، ~~والاشتغال بعبادته. فالأمر بغسلها، لتتطهر عن هذه الكدورات، فيتأهل ~~للمناجاة. # ولا ريب في أن مجرد غسلها لا يطهرها عن الأدناس الدنيوية والكدورات ~~الجسمانية، ما لم يطهر قلبه عن الأخلاق الذميمة، والعلائق الدنيوية، ما لم ~~يعزم على الرجوع إلى الله، ms786 والانقطاع عن الدنيا وشهواتها. فينبغي أن يكون ~~قلبه عند الطهارة مطهرا عن ذمائم الصفات وخبائث الشهوات، جازما على فطام ~~الأعضاء التي هي أتباعه وخدامه عن شهوات الدنيا، لتسري نوريته وطهارته إلى ~~تلك الأعضاء، ثم أمر في الوضوء أولا: بغسل الوجه، الذي هو مجمع أكثر الحواس ~~الظاهرة، التي هي أعظم الأسباب الباعثة على مطالب الدنيا، ليتوجه ويقبل ~~بوجه للقلب على الله، وهو خال من تلك الأدناس، وثانيا: بغسل اليدين، له ~~مباشرتهما أكثر الأمور الدنيوية والمشتهيات الطبيعية المانعة من الإقبال ~~على الآخرة، وثالثا: بمسح الرجلين، للتوصل بهما إلى أكثر المطالب الدنيوية، ~~والمقاصد الطبيعية. فأمر بتطهير جميعهما ليسوغ له الدخول بها في العبادات ~~والاقبال عليها. وأمر في الغسل بغسل جميع البشرة، لأن أدنى حالات الإنسان ~~وأشدها تعلقا بالملكات الشهوية حالة الوقاع، ولجميع بدنه مدخل في تلك ~~الحالة. ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (تحت كل شعرة جنابة) فحيث ~~كان جميع بدنه بعيدا عن المرتبة العلية، منغمسا في اللذات الدنية، كان غسله ~~أجمع من أهم المطالب الشرعية، ليتأهل لمقابلة الجهة الشريفة، والدخول في ~~العبادة المنيفة. # وأمر في التيمم بمسح الأعضاء بالتراب، عند تعذر غسلها بالماء، وضعا لتلك ~~PageV03P251 # الأعضاء الرئيسة، وهضما لها بملاقاتها أثر التربة الخسيسة. # ثم لما كان القلب هو الرئيس الأعظم لهذه الجوارح والأعضاء، والمستخدم لها ~~في تلك الأمور المبعدة عن جنابه تعالى، وهو الموضع لنظر الله سبحانه، كما ~~قال (ص): (إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم)، فله من ذلك ~~الحظ الأوفر والنصيب الأكمل. فيكون الاشتغال بتطهيره من الرذائل والتوجهات ~~المانعة من درك الفضائل أولى من تطهير الأعضاء الظاهرة عند اللبيب العاقل. ~~وإذا لم يمكن تطهيره من الأخلاق الرذيلة، وتحليته بالأوصاف الجميلة، لرسوخه ~~على حب الدنيا الدنية، فليقمه في مقام الهضم والإزراء، ويسقيه بسياط الذل ~~والاغضاء. كما إنه عند تعذر غسل الأعضاء بالماء يهضمها ويذللها بالوضع على ~~التراب، عسى أن يرحم ربه تواضعه وانكساره، فيهبه نفحة من نفحات نوره ~~اللامع، فإنه عند المنكسرة قلوبهم، كما ورد في ms787 الأثر، فترق من هذه الإشارات ~~ونحوها إلى ما يوجب لك الإقبال، ويتدارك سالف الإهمال. # ثم ما ذكر من السر في الطهارة، يمكن استنباطه - مع زيادة - من كلام ~~مولانا الصادق (ع) في (مصباح الشريعة)، حيث قال: (إذا أردت الطهارة ~~والوضوء، فتقدم إلى الماء تقدمك إلى رحمة الله، فإن الله تعالى قد جعل ~~الماء مفتاح قربته ومناجاته، ودليلا إلى بساط خدمته، وكما أن رحمة الله ~~تطهر ذنوب العباد كذلك النجاسات الظاهرة يطهرها الماء لا غيره، قال الله ~~تعالى: # (وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا) ~~(8). وقال الله - تعالى -: (وجعلنا من الماء كل شئ حي أفلا يؤمنون) (9). # فكما أحيى به كل شئ من نعيم الدنيا، كذلك برحمته وفضله جعل حياة القلوب ~~بالطاعات. وتفكر في صفاء الماء ورقته، وطهره وبركته، ولطيف امتزاجه بكل شئ. ~~واستعمله في تطهير الأعضاء التي أمرك الله # PageV03P252 # بتطهيرها، وتعبدك بآدابها في فرائضه وسنته فإن تحت كل واحدة منها فوائد ~~كثيرة، فإذا استعملتها بالحرمة انفجرت لك عيون فوائده عن قريب. # ثم عاشر خلق الله تعالى كامتزاج الماء بالأشياء، يؤدي كل شئ حقه، ولا ~~يتغير عن معناه، معتبرا لقول الرسول (ص): (مثل المؤمن الخالص كمثل الماء). ~~ولتكن صفوتك مع الله تعالى في جميع طاعاتك كصفوة الماء حين أنزله من السماء ~~وسماه طهورا، وطهر قلبك بالتقوى واليقين عند طهارة جوارحك بالماء) (10) ومن ~~الأسرار الواردة في الطهارة وتخصيص بعض الأعضاء بالتطهير في الوضوء، ما ~~أشار إليه مولانا الرضا (ع) بقوله: (إنما أمر بالوضوء ليكون العبد طاهرا ~~إذا قام بين يدي الجبار عند مناجاته إياه مطيعا له، فيما أمره، نقيا من ~~الأدناس والنجاسة، مع ما فيه من ذهاب الكسل، وطرد النعاس، وتزكية الفؤاد ~~للقيام بين يدي الجبار. وإنما وجب ذلك على الوجه واليدين والرأس والرجلين، ~~لأن العبد إذا قام بين يدي الجبار، فإنما ينكشف من جوارحه ويظهر ما يحب فيه ~~الوضوء، وذلك أنه بوجهه يسجد ويخضع، وبيده يسأل ويرغب ويرهب ويتبتل، وبرأسه ~~يستقبل في ركوعه وسجوده، وبرجليه يقوم ويقعد. ms788 وأمر بالغسل من الجنابة دون ~~الخلاء، لأن الجنابة من نفس الإنسان، وهو شئ يخرج من جميع جسده والخلاء ليس ~~هو من نفس الإنسان، إنما هو غذاء يدخل من باب ويخرج من باب) (11) # PageV03P253 # فصل في إزالة الأوساخ ينبغي لكل مؤمن أن يطهر بدنه من فضلاته ودرنه ~~وأوساخه، كشعر الرأس بالحلق، وشعر الأنف والشارب وما طال من اللحية بالقبض، ~~وشعر الإبط والعانة وسائر الأعضاء بالنورة، وكأظافر اليدين والرجلين ~~بالقلم، وما يجتمع من الوسخ والقمل في شعر الرأس واللحية بالغسل والتسريح ~~بالمشط، وما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذنين بالمسح ومثله، وما يجتمع منه ~~على الأسنان وأطراف اللسان بالسواك والمضمضة، وما يجتمع في الأنف من ~~الرطوبات الملتصقة بالاستنشاق، وما يجتمع من الوسخ تحت الأظافر بالطعام ~~والغسل، وما يجتمع من الدرن على جميع بدنه، وترشيح العرق وغبار الطريق ~~بالدخول في الحمام تنبيه آداب الحمام ينبغي لمن يدخل الحمام، أن يتذكر ~~بحرارته حر النار، ويقدر نفسه محبوسا في البيت ساعة، ويقيسه إلى جهنم، ~~ويستعيذ بالله منها. قال الصادق (ع): (فإذا دخلت البيت الثالث، فقل: نعوذ ~~بالله من النار ونسأله الجنة. وترددها إلى وقت خروجك من البيت الحار) وقال ~~أمير المؤمنين (ع): نعم البيت الحمام، يذهب بالدرن، وتذكر فيه النار). # وفيه إشارة إلى أنه ينبغي للعاقل ألا يغفل عن ذكر الآخرة في لحظة، فإنها ~~مقره ومستقره. فيكون له في كل ما يراه، من ماء أو نار أو غيرهما، عبرة ~~وموعظة. فإن المرء ينظر في كل شئ بحسب همته. فالبزاز إذا دخل دار معمورة ~~مفروشة ينظر إلى الفرش ويتأمل في قيمتها. والحائك إذا دخلها ينظر إلى ~~الثياب ويتأمل في كيفية نسجها، والنجار إذا دخلها ينظر إلى أبوابها ~~وشبابيكها ويتأمل في كيفية نجرها وتركيبها، والبناء إذا دخلها ينظر إلى ~~الحيطان والسقف وكيفية بنائها وأحكامها واستقامتها. فكذلك سالك طريق ~~الآخرة، لا ينظر إلى شئ إلا وتكون له موعظة وعبرة من PageV03P254 # الآخرة، فإن نظر إلى ظلمة تذكر ظلمة اللحد، وإن نظر إلى نار تذكر نار ~~جهنم، وإن نظر إلى حية ms789 تذكر أفاعي جهنم، وإن سمع صوتا هائلا تذكر نفخة ~~الصور، وإن نظر إلى صورة قبيحة تذكر صورة النكيرين والزبانية، وإن رأى ~~المحاسبة بين قوم تذكر محاسبة الآخرة، وإن سمع كلمة رد أو قبول تذكر ما ~~ينكشف له في آخر أمره بعد الحساب من الرد والقبول، وإن رأى شيئا حسنا تذكر ~~نعيم الجنة... إلى غير ذلك. # تتميم السر في إزالة الأوساخ السر في إزالة الأوساخ المذكورة عن البدن ~~ظاهر، فإنها توجب تنوير القلب، وانشراح الصدر، وطرد الشيطان. إذ هي كسافات ~~مانعة عن النورية والتجرد، فتشمئز منها الملائكة، ويرغب إليها الشياطين. ~~ومن تأمل في الأحكام والآداب التي جاء بها رسول الله (ص)، وكانت له بصيرة ~~ناقدة، يعلم أن شيئا منها لا يخلو عن حكمة، حتى أن ما صدر عنه في الآداب ~~والحركات والأفعال والأقوال، من ترتيب خاص، أو تخصيص بعدد معين، أو ابتداء ~~من موضع خاص، أو بواحد معين من الأشياء المتماثلة، يتضمن حكما أو حكمة ~~البتة. مثال ذلك: أنه (ص) كان يكتحل في عينه اليمنى ثلاثا وفي عينه اليسرى ~~اثنين، والسر في هذا الترتيب وهذا التخصيص: أن اليمنى أشرف العينين فبدأ ~~بها، وتفاوته بين العينين لتكون الجملة وترا، فإن للوتر فضلا على الزوج، ~~لأن الله وتر يحب الوتر، فلا ينبغي أن يخلو فعل العبد عن مناسبة لوصف من ~~أوصاف الرب، وإنما لم يقتصر على الثلاث وهو وتر، لأن اليسرى حين إذ لا ~~تخصها إلا واحدة، والغالب أن الواحدة لا تستوعب أصول الأجفان بالكحل، وإنما ~~خصص اليمين بالزيادة لأن التفضل لا بد منه للإيثار، واليمين أفضل، فهو ~~بالزيادة أحق، وإنما اقتصر على الاثنين لليسرى مع كونه زوجا، إذ الزوجية في ~~أحداهما لازمة ضرورية، إذ لو جعل لكل واحد وترا لكان المجموع زوجا إذ الوتر ~~مع الوتر زوج، ورعاية الإيثار في مجموع الفعل وهو في حكم الخصلة الواحدة ~~أحب من رعايته في الآحاد. مثال آخر. روى الجمهور PageV03P255 # في تقليم الأظافر: (أن رسول الله (ص كان يبدأ) عند تقليم أظافره الشريفة ~~بمسبحة اليمنى، ويختم ms790 بإبهام اليمنى، بأن يبتدأ من مسبحتها إلى خنصرها، ثم ~~يبتدأ من خنصر اليسرى إلى إبهام اليمنى). وفي طريقنا روايتان: إحداهما أن ~~يبدأ بخنصر اليمنى ويختم بخنصر اليسرى. # وأخراهما بعكس ذلك، وهي أشهر. فالسر على رواية الجمهور - كما قيل - أن ~~اليد اليمنى أشرف من اليسرى فيبتدأ بها، ثم على اليمنى خمسة أصابع والمسبحة ~~أشرفها فيبتدأ بها، ثم ينبغي بما يبتدأ بما على يمينها لكون اليمنى أشرف، ~~ولذا استحب في الشرع وضع الطهور وغيره على اليمنى. ولا ريب في أنه إذا وضعت ~~الكف على الأرض فيمين مسبحة اليمنى هي الوسطى، ووضع ظهر اليد على الأرض وإن ~~اقتضى كون الإبهام هو اليمنى، إلا أن الاعتبار الأول أولى، إذ اليد إذا ~~تركت بطبعها كانت الكف مائلة إلى جهة الأرض، لأن جهة حركة اليد اليمنى إلى ~~جهة اليسرى، واليسرى إلى جهة اليمنى، واستتمام حركة كل منها في جهة بجعل ~~الكف على الأرض وظهرها عاليا، وإذا كانت الكف مائلة إلى جهة الأرض فاعتبار ~~ما يقتضيه الطبع أولى، فتكون يمين المسبحة هي الوسطى. # ثم إذا وضعت الكف على الكف، صارت الأصابع في حكم حلقة دائرة، فيقتضي ~~ترتيب الدور الذهاب من يمين المسبحة إلى أن يعود إلى المسبحة، فتقع البداءة ~~بخنصر اليسرى والختم بإبهامها، ويبقى إبهام اليمنى، وإنما قدرت الكف موضوعة ~~على الكف حتى تصير الأصابع كأشخاص في حلقة ليظهر ترتيبها، وتقدير ذلك أولى ~~من تقدير وضع الكف على ظهر الكف، فإن ذلك لا يقتضيه الطبع. # هذا، وأما السر على الرواية الأولى من طريقنا، فكأنه اعتبار الأصابع ~~العشرة في حكم صنف واحد ثابت على الأرض والابتداء باليمين، فاكتفى بما يرى ~~بالنظر الجليل مع ترك اليد بطبعها. وأما الرواية الثانية، فلعل السر فيها ~~تحصيل التيامن في كل إصبع بعد الأولى مع الترتيب فيها، ووضع اليدين على ما ~~يقتضيه الطبع. هذا، وأما أصابع الرجل، فلم نعثر على خبر يدل على كيفية ~~الابتداء والترتيب فيها، فينبغي اعتبار أحد الطريقين PageV03P256 # المرويين عندنا فيها، ولعل اعتبار الأولى لأظهرية سرها أولى، وينبغي أن ~~يكون ms791 تقليم أظافرها بعد تقليم أظافر اليدين أن وقعا في وقت واحد، إذ اليد ~~أشرف من الرجل. وقس على ما ذكر سائر ما ورد من الآداب والتخصيصات، فإنه لا ~~يخلو شئ منها على سر حكمي، وإن كانت عقولنا قاصرة عن أدراك أكثرها. # المقصد الثاني الصلاة - حقيقة الصلاة - حضور القلب - دفع إشكال - شرائط ~~الصلاة - طريق تحصيل المعاني الباطنة - أسرار الصلاة - الوقت - آداب الصلاة ~~- آداب المصلي - الاستقبال - القيام - التكبيرات - النية - تكبيرة الاحرام ~~- دعاء الاستفتاح - الاستعاذة - الركوع - السجود - التشهد - التسليم - ~~إفاضة الأنوار على المصلي على قدر صفائه - ما ينبغي في إمام الجماعة - ما ~~ينبغي في صلاة الجمعة والعيدين - ما ينبغي لمؤمن عند ظهور الآيات. # إعلم أن الصلاة معجون سماوي وتركب إلهي، ركبت من أجزاء كثيرة مختلفة، ~~متفاوتة في الفضل والاهتمام بها. فبعضها بمنزلة الروح، وبعضها بمثابة ~~الأعضاء الرئيسة، وبعضها بمنزلة سائر الأعضاء. # وتوضيح ذلك: إن الإنسان - مثلا - لما كان حقيقة مركبة من أجزاء معينة، ~~فهو لا يكون إنسانا موجودا كاملا إلا بمعنى باطن هو الروح، وأعضاء محسوسة ~~بعضها في جوفه وبعضها في ظاهرة. وهذه الأعضاء متفاوتة المراتب، إذ بعضها ~~مما ينعدم الإنسان بعدمه وتزول الحياة بزواله، كالقلب والدماغ والكبد ~~والمعدة وأمثالها، وبعضها وإن لم ينعدم بعدمه أصل الحياة، إلا أنه ترتفع به ~~تمامية الإنسان ويصير ناقصا، كاليد والرجل والعين وأمثالها، وبعضها يفوت ~~بفواته الحسن، كالحاجبين واللحية والأهداب وأمثالها، وبعضها يفوت بفواته ~~كمال الحسن لا أصله، كاستقواس الحاجبين وتناسب الخلقة، وسواد شعر اللحية، ~~وامتزاج البياض بالحمرة، وأمثال ذلك. وكذلك الصلاة حقيقة مركبة، وصورة ~~صورها الشرع من أمور متفاوتة، وتعبدنا باكتسابها. فروحها: النية، والقربة، ~~وحضور القلب، PageV03P257 # والاخلاص. وأعمالها الأركانية: من تكبيرة الاحرام، والركوع، والسجود، ~~والقيام، بمنزلة الأعضاء الرئيسية، فتفوت بفواتها الصلاة على الإطلاق، ولا ~~يمكن تحققها وصحتها بدونها. وسائر الأعمال الواجبة: من الفتحة، والسور، وإذ ~~كان الركوع، والسجدتين، والطمأنينة فيها، وفي رفع الرأس عنها، والتشهد، ~~والتسليم، وغير ذلك من الأعمال الواجبة التي تبطل الصلاة بتركها عمدا لا ~~سهوا، بمنزلة اليدين والرجلين وآلات التناسل وغير ذلك، مما ms792 قد تفوت الحياة ~~بزوالها وقد لا تفوت به، والأعمال المسنونة والهيئات المندوبة، والآداب ~~المستحبة: من القنوت، ودعاء الافتتاح، وغير تكبير الاحرام من التكبيرات ~~والتعوذ عن زائد قدر الواجب في التشهد والتسليم من الأذكار، وغير ذلك مما ~~لا تبطل الصلاة بتركها عمدا أو سهوا، ولكن تخرج بها عن الحسن والكمال ~~وزيادة الأجر والثواب، فهي بمنزلة، الحاجبين واستقواسهما واللحية والأهداب ~~وتناسب الخلقة وغير ذلك مما يفوت بعضها الحسن والجمال وبفوات بعض كمالها، ~~ويصير الشخص بسببه مشوه الخلقة مذموما غير مرغوب فيه. # وإذا عرفت ذلك: فاعلم - يا حبيبي - أن صلاتك قربة وتحفة تتقرب بها إلى ~~حضرة ملك الملوك، كوصيفة يهديها طالب القرب والجاه من السلاطين إليهم. وهذه ~~التحفة تعرض على الله ثم ترد إليك في يوم العرض الأكبر، فإليك الخيرة في ~~تحسين صورتها أو تقبيحها، فمن أداها على النحو المأمور به، بأعمالها ~~الواجبة والمندوبة، وشرائطها الظاهرة والباطنة، مع الإخلاص، وحضور القلب، ~~كان كمن أهدى عبدا صحيحا سويا شابا جميلا عاقلا كاملا إلى ملك من الملوك. ~~ومن اقتصر على أعمالها الظاهرة، وغفل من الحضور والتوجه والقربة والاخلاص، ~~كان كمن أهدى عبدا ميتا بلا روح إلى ملك من الملوك. ومن ترك عمدا شيئا من ~~واجباته، كان كمن أهدى عبدا مقتولا إليه. ومن اقتصر على أقل ما يجزي كان ~~كمن أهدى إليه عبد حي أعمى، أو أصم، أو أبكم، أو مقطوع الأطراف، أو هرما، ~~أو قبيح المنظر، أو مجروح الأعضاء، أو أمثال ذلك. فتنبه أيها الغافل، وتأمل ~~في أنك إذا أهديت تحفة إلى ملك من ملوك الدنيا، بل إلى من دونه بمراتب ~~كثيرة، PageV03P258 # من الأمراء والحكام، كيف تجتهد وتسعى في تجويدها وتحسينها ليقبلها، فما ~~بالك أيها المغرور تغفل وتتساهل من تحسين هديتك وتحفتك إلى ملك الملوك الذي ~~منه بدؤك وإليه عودك؟! وقد ورد: أن كل صلاة لا يتم الإنسان ركوعها وسجودها ~~فهي الخصم الأول على صاحبها يوم العرض الأكبر، وتقول (ضيعك الله كما ~~ضيعتني!) فصل حقيقة الصلاة لا بحث لنا عما يتعلق بظاهرها من الأجزاء ~~والشرائط ms793 والأحكام، إذ بيانها على عهدة الفقه فالنشر إلى المعاني الباطنة ~~التي بها تتم حياتها، وإلى الأسرار والآداب الخفية الباطنة المتعلقة ~~بأجزائها وشرائطها الظاهرة، لتكون ملحوظة للعبد عن فعلها. # فنقول: المعاني الباطنة التي هي روح الصلاة وحقيقتها، سبعة: # الأول - الإخلاص والقربى، وخلوها من شوائب الرياء. وقد تقدم تفصيل القول ~~في ذلك. # الثاني - حضور القلب: وهو أن يفرغ القلب من غير ما هو ملابس له ومتكلم ~~به، حتى يكون العلم مقرونا بما يفعله وما يقوله، من غير جريان الفكر في ~~غيرها. فمهما انصرف الفكر عن غير ما هو فيه، وكان في قلبه ذكر لما هو فيه ~~من غير غفلة عنه، فقد حصل حضور القلب. ثم حضور القلب قد يعبر عنه بالاقبال ~~على الصلاة والتوجه، وقد يعبر عنه بالخشوع بالقلب فإن الخشوع في الصلاة ~~خشوعان: خشوع القلب: وهو أن يتفرغ لجمع الهمة لها، والإعراض عما سواه، بحيث ~~لا يكون في قلبه غير المعبود. # وخشوع بالجوارح: وهو أن يغض بصره، ولا يلتفت، ولا يعبث، ولا يتثائب، ولا ~~يتمطى، ولا يفرقع أصابعه وبالجملة: لا يتحرك لغير الصلاة ولا يفعل شيئا من ~~المكروهات، وربما عبر ذلك بالخضوع. # الثالث - التفهم لمعنى الكلام: وهو أمر وراء حضور القلب. فربما يكون ~~القلب حاضرا مع اللفظ، ولا يكون حاضرا مع معناه فالمراد بالتفهم هو اشتمال ~~القلب على العلم بمعنى اللفظ. وهذا مقام يتفاوت PageV03P259 # فيه الناس، إذ ليس يشترك الناس في تفهم معاني القرآن والتسبيحات، فكم من ~~معان لطيفة يفهمها بعض المصلين في أثناء الصلاة ولم يكن قد خطر بقلبه قبل ~~ذلك ولا يفهمها غيره. ومن هذا الوجه كانت الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، ~~فإنها تفهم أمورا تمنع تلك الأمور عن الفحشاء والمنكر لا محالة. # الرابع - العظيم: وهو أمر وراء حضور القلب والتفهم. إذ الرجل ربما يخاطب ~~غيره، وهو حاضر القلب فيه، ومتفهم لمعناه، ولا يكون معظما له. # الخامس - الهيبة: وهي زائدة على التعظيم لأنها عبارة عن خوف منشأه ~~التعظيم، لأن من لا يخاف لا يسمى هائبا. ثم كل خوف لا ms794 يسمى مهابة، بل ~~الهيبة خوف مصدره الاجلال. # السادس - الرجاء: ولا ريب في كونه زائدا عما ذكر. فكم من رجل يعظم ملكا ~~من الملوك، ويهابه ويخاف سطوته، ولا يرجو بره وإحسانه، والعبد ينبغي أن ~~يكون راجيا بصلاته ثواب الله، كما أنه خائف بتقصيره عقابه السابع - الحياء: ~~ومستنده استشعار تقصير وتوهم ذنب، وهو زائد على التعظيم والخوف والرجاء، ~~لتصورها من غير حياء، حيث لا يكون توهم وتقصير ارتكاب ذنب. # فصل حضور القلب إعلم أن كون الأمور المذكورة روح الصلاة وحقيقتها، ~~والمقصود الأصلي منها، أمر ظاهر. إذ الغرض الأصلي من العبادات والطاعات هي ~~تصفية النفس وتصقيلها، فكل عمل يكون أشد تأثيرا فيهما يكون أفضل. ولا ريب ~~في أن المقتضي لصفاء النفس وتجردها وتصقيلها عن الكدورات من الصلاة ليس إلا ~~الأمور المذكورة، وليس لنفس الحركات الظاهرة كثير مدخلية فيها، وكيف لا ~~يكون حضور القلب والخشوع روح الصلاة ولا يتوقف كمال الصلاة عليه، مع أن ~~المصلي في صلاته ودعائه مناج ربه؟ ولا شك أن الكلام مع الغفلة ليس بمناجاة، ~~وأيضا الكلام إعراب عما في الضمير، ولا يأتي الإعراب عما في الضمير إلا ~~بحضور القلب، فأي سؤال في قوله: (اهدنا السراط PageV03P260 # المستقيم) إذا كان القلب غافلا؟ ولا شك أيضا أن المقصود من القراءة ~~والأذكار الثناء والحمد والتضرع والدعاء، والمخاطب هو الله - تعالى -، فإذا ~~كان قلب العبد محجوبا عنه بحجاب الغفلة، ولا يراه ولا يشاهده، بل كان غافلا ~~عن المخاطب، ويحرك لسانه بحكم العادة، فما أبعد هذا المقصود بالصلاة التي ~~شرعت لتصقيل القلب، وتجديد ذكر الله، ورسوخ عقد الإيمان بها. هذا حكم ~~القراءة والذكر. وأما الركوع والسجود، فالمقصود منهما التعظيم قطعا، ~~والتعظيم كيف يجتمع مع الغفلة، وإذا خرج عن كونه تعظيما لم يبق إلا مجرد ~~حركة الظهر والرأس وليس فيه المشقة ما يقصد الامتحان به، كما في أفعال الحج ~~وإعطاء المال في الزكاة، وإمساك النفس عن الشهوات في الصوم. فكيف يجعل مجرد ~~هذه الحركة مع خفتها وسهولتها عماد الدين، والفاصل بين الكفر والإسلام، ~~وتقدم على سائر العبادات، ms795 ويجب القتل بسبب تركها على الخصوص، ولكون الحضور ~~والخشوع والخشية عمدة ما يقصد به من الصلاة تظاهرت الآيات والأخبار على ~~الترغيب عليها وفضيلتها ومدح أهلها وعلى ذم الغفلة والتفكر في أمور الدنيا ~~والوساوس الباطلة عند الاشتغال بالصلاة، وقد تظاهرت الأخبار أيضا بأن ~~الأنبياء والأوصياء وأكابر الأولياء كانوا عند اشتغالهم في الصلاة في غاية ~~الإقبال والخشوع والخوف. قال الله - سبحانه -: # (الذين هم في صلاتهم خاشعون) (12). وقال: (وأقم الصلاة لذكري) (13). ~~والغفلة تضاد الذكر، فمن كان غافلا في صلاته لا يكون مقيما للصلاة لذكره. ~~وقال: (ولا تكن من الغافلين) (14). وقال: (فويل للمصلين، الذين هم عن ~~صلاتهم ساهون) (15)، ذمهم على الغفلة عنها مع كونهم مصلين، لا لأنهم سهوا ~~عنها وتركوها. وقال: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) ~~16. # PageV03P261 # قيل المراد: سكارى من كثرة الهم، قيل: من حب الدنيا، ولو حمل على ظاهره ~~ففيه تنبيه على سكر الدنيا، إذ بين فيه العلة، وقال: حتى تعلموا ما تقولون. ~~وكم من مصل لم يشرب الخمر وهو لا يعلم ما يقول في صلاته وقال رسول الله (ص) ~~(من صلى ركعتين، لم يحدث فيهما نفسه بشئ من الدنيا، غفر له ما تقدم من ~~ذنبه). وقال (ص): (إذا صليت صلاة فريضة، فصل لوقتها صلاة مودع يخاف ألا ~~يعود فيها). وقال (ص): (لا ينظر الله إلى صلاة لا يحضر الرجل فيها قلبه مع ~~بدنه). وقال (ص): (إنما فرضت الصلاة، وأمر بالحج والطواف، وأشعرت المناسك، ~~لإقامة ذكر الله، فإذا لم يكن في قلبك للمذكور الذي هو المقصود والمبتغى ~~عظمة ولا هيبة، فما قيمة ذكرك،!). # وعن أبي عبد الله (ع) قال: (قال الله - تبارك وتعالى -: إنما أقبل الصلاة ~~ممن تواضع لعظمتي، ويكف نفسه عن الشهوات من أجلي، ويقطع نهاره بذكري، ولا ~~يتعاظم على خلقي ويطعم الجائع، ويكسو العاري، ويرحم المصاب، ويؤوي الغريب، ~~فذلك يشرق نوره مثل الشمس، أجعل له في الظلمات نورا، وفي الجهالة علما، ~~أكلأه بعزتي، وأستحفظه بملائكتي يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه. فمثل ذلك ~~عندي كمثل جنات الفردوس لا تيبس ms796 ثمارها، ولا تتغير عن حالها) (17). وفي ~~أخبار موسى: (يا موسى، إذا ذكرتني فاذكرني وأنت تبغض أعضاءك، وكن عند ذكري ~~خاشعا مطمئنا. وإذا ذكرتني فاجعل لسانك من وراء قلبك. وإذا قمت بين يدي فقم ~~قيام العبد الذليل، وناجني بقلب وجل ولسان صادق). وأوحى إليه (ع): - (قل ~~لعصاة أمتك: لا تذكروني، فإني آليت على نفسي أن من ذكرني ذكرته، وإذا ~~ذكروني ذكرتهم باللعنة). وفي بعض الأحاديث القدسية: (ليس كل مصل أتقبل ~~صلاته، إنما أقبل صلاة من تواضع لعظمتي، ولم يتكبر على عبادي، وأطعم الفقير ~~الجائع لوجهي). وقال أمير المؤمنين: (طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء، ~~ولم يشتغل # PageV03P262 # قلبه بما تراه عيناه، ولم ينس ذكر الله بما تسمع أذناه، ولم يحزن صدره ~~بما أعطي غيره). وقال (ع): (لا تجتمع الرغبة والرهبة في قلب إلا وجبت له ~~الجنة، فإذا صليت، فأقبل بقلبك على الله - عز وجل -، فإنه ليس من عبد مؤمن ~~يقبل بقلبه على الله - عز وجل - في صلاته ودعائه، إلا أقبل عليه بقلوب ~~المؤمنين، وأيده مع مودتهم إياه بالجنة). وقال الباقر (ع): (إن العبد ليرفع ~~له من صلاته نصفها وثلثها وربعها وخمسها، فما يرفع له إلا ما أقبل عليه ~~بقلبه، وإنما أمروا بالنوافل ليتم لهم ما نقصوا من الفريضة). وروي: (أن ~~إبراهيم الخليل كان يسمع تأويله على حد ميل، وكان يسمع له في صلاته أزيز ~~كأزيز المرجل) (18). وكذلك كان يسمع من صدر سيدنا رسول الله (ص) مثل ذلك. ~~وقال بعض أزواجه: # (كان النبي (ص) يحدثنا ونحدثه، فإذا حضرت الصلاة، فكأنه لم يعرفنا ولم ~~نعرفه). وكان أمير المؤمنين (ع) إذا أخذ في الوضوء، يتغير وجهه من خيفة ~~الله. وكان (ع) إذا حضر وقت الصلاة يتزلزل ويتلون، فقيل له: # مالك يا أمير المؤمنين؟ فيقول: (جاء وقت أمانة عرضها الله على السماوات ~~والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان). وروي: # (أنه وقع نصل في رجله (ع)، فلم يمكن أحدا من إخراجه. فقالت فاطمة - عليها ~~السلام -: أخرجوه في حال صلاته، فإنه لا يحس حينئذ بما ms797 يجري عليه. فأخرج ~~وهو في صلاته، فلم يحس به أصلا). وكانت الصديقة فاطمة - عليها السلام) تنهج ~~(19) في الصلاة من خيفة الله. وكان الحسن ابن علي - عليهما السلام - إذا ~~فرغ من وضوءه، تغير لونه، فقيل له في ذلك، فقال: (حق على من أرادا أن يدخل ~~على ذي العرش أن يتغير لونه). وكان الإمام علي بن الحسين - عليهما السلام - ~~إذا توضأ أصفر لونه، فيقال له: ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء؟ فيقول: (أني ~~أريد الوقوف بين يدي ملك عظيم). وقال أبو حمزة الثمالي: (رأيته يصلي، فسقط ~~رداؤه عن منكبه، فتركه حتى فرغ من صلاته، فسألته عن ذلك، # PageV03P263 # فقال: ويحك! أتدري بين يدي من كنت؟ شغلني والله ذلك عن هذا! # أتعلم أنه لا يقبل من صلاة العبد إلا ما أقبل عليه. فقلت له: يا ابن رسول ~~الله، هلكنا إذا. قال: كلا! إن الله يتم ذلك بالنوافل). وروي: أنه (ع) إذا ~~قام إلى الصلاة تغير لونه، وإذا سجد لم يرفع رأسه حتى يرفض عرقا). # وروي: (أنه (ع) كان إذا قام إلى الصلاة كأنه ساق شجرة، لا يتحرك منه إلا ~~ما حركت الريح منه). وسئل مولانا الصادق (ع) عن حالة لحقته في الصلاة حتى ~~خر مغشيا عليه، فقال: (ما زلت أكرر آيات القرآن حتى بلغت إلى حال كأنني ~~سمعتها مشافهة ممن أنزلها) (20). قيل: وكان لسان الإمام (ع) في تلك الحال ~~كشجرة طور حين قالت: (أني أنا الله). وسئل بعض الأكابر عن صلاته، فقال: ~~((إذا جاءت الصلاة، أسبغت الوضوء وأتيت الموضع الذي أريد الصلاة فيه، فأقعد ~~فيه حتى تجتمع جوارحي، ثم أقوم إلى الصلاة فأجعل الكعبة بين حاجبي، والصراط ~~تحت قدمي والجنة عن يميني، والنار عن شمالي، وملك الموت ورائي، وأظنها آخر ~~صلاتي، ثم أقوم بين الرجاء والخوف وأكبر تكبيرا بتحنن، وأقرأ القرآن ~~بترتيل، وأركع ركوعا بتواضع، وأسجد سجودا بتخشع، وأقعد على الورك اليسرى، ~~وأفرش ظهر قدميها، وأنصب القدم اليمنى على الإبهام وأتبعها الإخلاص، ثم لا ~~أدري أقبلت مني أم لا!). # ثم، على ما عرفت من ms798 كيفية صلاة الأنبياء والأولياء مع مشاهدة كيفية صلاتك ~~وصلاة الناس، تعلم: أن الناس ينقسمون في صلاتهم: إلى غافل يتم صلاته ولا ~~يحضر قلبه في لحظة. وإلى من يغفل في بعض صلاته ويحضر قلبه في بعض منها، ~~وهذا تختلف حاله بحسب قلة كل من الحضور والغفلة وكثرتهما، وزيادة أحدهما ~~على الآخر، فله مراتب غير متناهية. # وإلى من يتم صلاته ولا يغيب قلبه لحظة، بل يكون حاضر القلب في جميع صلاته ~~وربما كان مستوعب الهم بها، بحيث لا يحس بما يجري بين يديه كما لم يحس ~~مولانا أمير المؤمنين (ع) بإخراج النصل من رجله الشريفة. # PageV03P264 # وبعضهم حضر الجماعة مدة، ولم يعرف قط من على يمينه ويساره. وكان وجيب ~~الخليل يسمع على ميلين. وكان جماعة تصفر وجوههم، وترتعد فرائضهم عند ~~الصلاة. وكل ذلك غير مستبعد، فإن إضعافه مشاهدة في هم الدنيا وخوف ملوك ~~الدنيا، مع ضعفهم وعجزهم، وخساسة الحظوظ الحاصلة منهم. وحتى يدخل الرجل على ~~ملك أو وزير، ويحدثه بمهم ويخرج، ولو سئل عمن كان على حواليه، وعن ثوب ~~الملك، لكان غير قادر على الإخبار عنه، لاشتغال همه به عن ثوبه وعن ~~الحاضرين حوله: # (ولكل درجات مما عملوا) (21). # فحظ كل واحد من صلاته بقدر خوفه وخشوعه وتعظيمه. فإن موضع نظر الله ~~القلوب، دون ظاهر الحركات. ولذا قال بعض الصحابة: (يحشر الناس يوم القيامة ~~على مثال هيئتهم في الصلاة، من الطمأنينة والهدوء، ومن وجود النعم واللذة ~~والبهجة بها) فالمحفوظ حال القلب لا حال الشخص. # ولذا قيل (من صفات القلوب تصاغ الصور في دار الآخرة، ولا ينجو: # (إلا من أتى الله بقلب سليم)) (22) تنبيه دفع إشكال إن قيل: المستفاد من ~~الظواهر المذكورة، أن صلاة الغافل ليست مقبولة إلا بقدر ما أقبل عليه منها، ~~والفقهاء لم يشترطوا إلا حضور القلب عند النية والتكبير، فكيف التوفيق؟ # قلنا: فرق بين القبول والإجزاء، فإن المقبول من العبادة ما يقرب العبد ~~إلى الله ويترتب عليه الثواب في الآخرة، والمجزي منها ما يسقط التكليف عن ~~العبد، وإن لم يترتب عليه ثواب ms799 ولم يقربه إلى الله. والناس مختلفون في تحمل ~~التكليف، فإن التكليف إنما هو بقدر الوسع والطاقة، فلا يمكن أن يكلف الجميع ~~بإحضار القلب في جميع الصلاة، إذ لا يقدر على ذلك إلا الأقلون. وإذ لم يمكن ~~اشتراط الإستيعاب الضرورية فلا # PageV03P265 # مرد له إلا أن يشترط ما ينطلق عليه الاسم، ولو في اللحظة الواحدة، وأولى ~~اللحظات به لحظة التكبير والتوجه، فاقتصر على التكليف بذلك. ونحن - مع ذلك ~~- نرجو ألا يكون حال الغافل في جميع صلاته مثل حال التارك بالكلية، فإنه ~~على الجملة أقدم على الفعل ظاهرا، واحضر القلب لحظة، وكيف لا والذي صلى مع ~~الحدث ناسيا صلاته باطلة عند الله، ولكن له أجر ما بحسب فعله وعلى قدر ~~قصوره وعذره؟ والحاصل: أن الإقبال والحضور هو روح الصلاة، وإن أقل ما يبقى ~~به الروح الحضور عند التكبير، فالنقصان منه هلاك، وبقدر الزيادة عليه تنبسط ~~الروح في أجزاء الصلاة، وكم من حي لا حراك فيه قريب من الميت، فصلاة الغافل ~~في جميعها، إلا عند التكبير، حي لا حراك فيه. # فصل شرائط الصلاة إعلم أن للمعاني الباطنة المذكورة أسبابا لا تتحقق ~~بدونها. # أما حضور القلب: فسببه الاهتمام. # فإن قلت: كل واحد تابع لهمه، فلا يحضر إلا فيما يهمه، ومهما أهمه أمر حضر ~~فيه قلبه، شاء أو لم يشأ، فهو مجبول عليه مسخر فيه، والقلب إذا لم يحضر في ~~الصلاة لم يكن متعطلا، بل كان حاضرا فيما يهمه من أمور الدنيا. فلا حيلة ~~ولا علاج لإحضار القلب في الصلاة إلا بصرف الهمة إليها، والهمة لا تنصرف ~~إليها ما لم يتيقن أن الآخرة خير وأبقى، وإن الصلاة وسيلة إليها. وإذا أضيف ~~إلى هذا العالم بحقارة الدنيا ومهانتها، حصل من مجموع ذلك حضور القلب في ~~الصلاة. ولكون الباعث والسبب لإحضار القلب في أمر إنما هو الاهتمام ~~والاعتناء بشأنه، ترى قلبك يحضر إذا حضرت بين يدي ملك من ملوك الدنيا، بل ~~بين يدي بعض الأكابر ممن لا يقدر على نفعك وضرك. فإذا كان لا يحضر قلبك عند ~~المناجاة ms800 مع ملك الملوك الذي بيده الملك والملكوت، والنفع والضر، فلا تضنن ~~أن له سببا سوى ضعف الإيمان واليقين. فينبغي حينئذ السعي في تقوية اليقين ~~والإيمان. # وأما التفهم: فسببه - بعد حضور القلب - أدمان الفكر، وصرف PageV03P266 # الذهن إلى إدراك المعنى. وعلاجه ما هو علاج إحضار القلب، مع الإقبال على ~~الفكر، والتشمر لرفع الخواطر الشاغلة بقطع موادها، أعني النزوع عن الأسباب ~~التي تنجذب الخواطر إليها. وما لم تنقطع تلك المواد لا تنصرف عنها الخواطر. ~~فإن من أحب شيئا أو أبغض شيئا أو خاف من شئ، أكثر ذكره. فذكر المحبوب ~~والمبغوض والمخوف يهجم على القلب بالضرورة. # ولذا ترى أن من أحب غير الله أو كان قلبه مشغولا بعداوة أحد أو بالخوف ~~عنه، لا تصفو له صلاة عن الخواطر. # وأما التعظيم: فهو حالة للقلب يتولد من معرفتين: إحداهما: معرفة جلال ~~الله وعظمته، فإن من لا يعتقد عظمته لا تذعن النفس لتعظيمه، وهذه المعرفة ~~حقارة النفس وخستها وذلتها، وكونها عبدا مسخرا مربوبا لا يقدر شيئا من ~~النفع والضر وتتولد من المعرفتين الاستكانة والانكسار والخشوع لله، فيعبر ~~عنه بالتعظيم، وما لم تمتزج معرفة حقارة النفس بمعرفة جلال الرب لا تنتظم ~~حالة التعظيم والخشوع، فإن المستغني عن غيره الآمن على نفسه، يجوز أن يعرف ~~من غيره صفات العظمة والجلال، ونعوت القدرة والكمال، ولا يكون خاشعا معظما ~~له، لأن معرفة حاجة النفس وحقارتها لم تقترن إليه. # وأما الهيبة والخوف: فحالة للنفس تتولد من المعرفة بقدرة الله تعالى ~~وسطوته ونفوذ مشيته فيه، مع قلة المبالاة به، وأنه لو أهلك الأولين ~~والآخرين لم تنقص من ملكه ذرة، مع تذكر ما جرى على الأنبياء والأولياء من ~~المصائب وأنواع البلاء مع القدرة على الدفع. وكلما زاد العلم بالله وبصفاته ~~وأفعاله زادت الخشية والهيبة. # وأما الرجاء: فسببها معرفة لطف الله تعالى وكرمه وعميم أنعامه ولطائف ~~صنعه، ومعرفة صدقه في وعده الجنة بالصلاة. فإذا حصل اليقين بوعده والمعرفة ~~بلطفه، انبعث منها الرجاء. # وأما الحياء: فسببه استشعار التقصير بالعبادة، وعلمه بالعجز عن القيام ~~بعظيم حق الله، ms801 ويقوى ذلك بمعرفة عيوب النفس وآفاتها، وقلة إخلاصها وخبث ~~باطنها، وميلها إلى الحظ العاجل في جميع أفعالها، مع PageV03P267 # العلم بجميع ما يقتضيه جلال الله وعظمته، والعلم بأنه مطلع على السرائر ~~وخطرات القلب، وإن دقت وخفيت. وهذه المعارف إذا حصلت يقينا، انبعثت منها - ~~بضرورة - حالة تسمى بالحياء. # فصل طريق تحصيل المعاني الباطنة إعلم أن العلاج في تحصيل المعاني الباطنة ~~المذكورة، أعني الحضور والتفهم والتعظيم والهيبة والرجاء والحياء، هو تحصيل ~~أسباب هذه المعاني، وقد عرفت أسبابها. وطريق العلاج في تحصيل هذه الأسباب ~~إنما يتم بأمرين: # الأول - معرفة الله، ومعرفة جلاله وعظمته واستناد الكل إليه، ومعرفة كونه ~~عالما بذرات العالم وبسرائر العباد. ويلزم أن تكون هذه المعرفة يقينية، ~~ليترتب عليها الأثر. إذ ما لم يحصل اليقين بأمر، لا يحصل التشمر في طلبه ~~والهرب عنه. وهذه المعرفة هي المعبر عنها بالإيمان. ولا ريب في كونها موجبة ~~لحصول المعاني المذكورة وأسبابها. إذ المؤمن يكون البتة حاضر القلب مع ربه ~~عند مناجاته، وتفهما لما يسأله عنه، معظما له، وخائفا منه، وراجيا منه، ~~ومستحييا من تقصيره. # الثاني - فراغ القلب، وخلوه من مشاغل الدنيا. فإن انفكاك المؤمن العارف، ~~المتيقن بالله وبجلاله وعظمته، وباطلاعه عليه من المعاني المذكورة في ~~صلاته، لا سبب له إلا تفرق الفكر، وتقسم الخاطر، وغيبة القلب عن المناجاة، ~~والغفلة عن الصلاة، ولا تلهي عن الصلاة إلا الخواطر الردية الشاغلة. ~~فالدواء في إحضار القلب هو دفع كل تلك الخواطر، ولا يدفع الشئ إلا بدفع ~~سببه. # وسبب توارد الخواطر، إما أن يكون أمرا خارجا، أو أمرا في ذاته باطنا. # والأول: ما يظهر للبصر، أو يقرع على السمع. فإن ذلك قد يختطف الهم حتى ~~يتبعه، ويتصرف فيه ثم ينجر منه الفكر إلى غيره، ويتسلسل فيكون الإبصار أو ~~الاستماع سببا للافتكار، ثم يصير بعض تلك الأفكار سببا للبعض. ومن قويت ~~رتبته وعلت همته، لم يلهه ما يجري PageV03P268 # على حواسه. ولكن الضعيف لا بد وأن يتفرق فيه فكره. فعلاجه: قطع هذه ~~الأسباب، بأن يغض بصره، أو يصلي في بيت مظلم، ms802 ولا يترك بين يديه ما يشغل ~~حسه، ويقرب من حائط عند صلاته، حتى لا تتسع مسافة بصره، ويتحرز من الصلاة ~~على الشوارع، وفي المواضع المنقوشة المصبوغة، والعمارات العالية المرتفعة. ~~ولذلك كان المتعبدون يصلون في بيت مظلم صغير، سعته بقدر السجود، ليكون أجمع ~~للهم. والأقوياء كانوا يحضرون المساجد، ويغضون البصر، ولا يجاوزونه موضع ~~السجود، كما ورد الأمر به، ويرون كمال الصلاة في ألا يعرفوا من على يمينهم ~~وشمالهم. # وأما الثاني: أعني الأسباب الباطنة، فهي أشد. فإن من تفرقت همومه وتشعبت ~~خواطره في أودية الدنيا لم ينحصر فكره في فن واحد، بل لا يزال يطير من جانب ~~إلى جانب. وغض البصر لا يغنيه، فإن ما وقع في القلب من قبل كاف للشغل. فهذا ~~علاجه: أن يرد نفسه قهرا إلى فهم ما يقرؤه، ويشغلها به عن غيره، ويعينه على ~~ذلك أن يستعد له قبل التحريم، بأن يجدد على نفسه ذكر الآخرة، وخطر المقام ~~بين يدي الله تعالى، وهول المطلع، ويفرغ قلبه قبل التحريم بالصلاة عما يهمه ~~من أمر الدنيا، فلا يترك لنفسه شغلا يلتفت إليه خاطره، فهذا طريق تسكين ~~الأفكار فإن لم تسكن أفكاره بهذا الدواء المسكن، فلا ينجيه إلا المسهل الذي ~~يقمع مادة الداء من أعماق العروق، وهو أن ينظر في الأمور الشاغلة الصارفة ~~له عن إحضار القلب. ولا ريب في أنها تعود إلى مهماته، وهي إنما صارت مهمة ~~لأجل شهواته، فليعاقب نفسه بالنزوع عن تلك الشهوات وقطع تلك العلائق. # فكل ما يشغله عن صلاته فهو ضد دينه، وجند إبليس عدوه، فإمساكه أضر عليه ~~من إخراجه، فيتخلص عنه بإخراجه. وهذا هو الدواء القامع لمادة العلة، ولا ~~يغني غيره. فإن ما ذكر من التلطف بالتسكين والرد إلى فهم الذكر، إنما ينفع ~~في الشهوات الضعيفة والهم الذي لا يشغل إلا حواشي القلب. وأما الشهوة ~~القوية المرهقة، فلا ينفع معها التسكين، بل لا تزال تجاذبها وتجاذبك، ثم ~~تغلبك وتقضي جميع صلاتك في شغل المجاذبة. # ومثاله مثال رجل تحت شجرة أراد أن يصفو له فكره، فكانت ms803 أصوات PageV03P269 # العصافير تشوش عليه، فلم يزل يطيرها بخشبة هي في يده ويعود إلى فكره، ~~فتعود العصافير، فيعود إلى السفير بالخشبة، فقيل له: إن هذا سير الواني ولا ~~يتقطع، فإن أردت الخلاص فأقطع الشجرة. فكذلك شجرة الشهوة، إذا استعملت ~~وتفرعت أغصانها، إنجذبت إليها الأفكار انجذاب العصافير إلى الأشجار، ~~وانجذاب الذباب إلى الأقذار، والشغل يطول في دفعها. فإن الذباب كلما ذب آب، ~~ولأجله سمي ذبابا، وكذلك الخواطر. وهذه الشهوات كثيرة قلما يخلوا العبد ~~منها، ويجمعها أصل واحد، وهو حب الدنيا، وذلك رأس كل خطيئة، وأساس كل ~~نقصان، ومنبع كل فساد. # ومن انطوى باطنه على حب الدنيا حتى مال إلى شئ منها لا يتزود منها ~~ويستعين بها على الآخرة، فلا يطمعن في أن تصفو له لذة المناجاة في الصلاة. # فإن من فرح بالدنيا فلا يفرح بالله وبمناجاته، وهمة الرجل مع قرة عينه، ~~فإن كانت قرة عينه في الدنيا انصرف همه لا محالة إليها. ولكن - مع هذا - لا ~~ينبغي أن تترك المجاهدة، ورد القلب إلى الصلاة، وتقليل الأسباب الشاغلة، ~~فهذا هو الدواء، ولمرارته استبشعته الطباع، وبقيت العلة مزمنة، وصار الداء ~~عضالا. حتى أن الأكابر اجتهدوا أن يصلوا ركعتين لا يحدثون أنفسهم فيهما ~~بأمور الدنيا، فعجزوا عنه. فإذا لا مطمع فيه لأمثالنا، ويا ليت سلم لنا من ~~الصلاة ثلثها أو ربعها من الوساوس، لنكون ممن خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا. # وعلى الجملة: فهمة الدنيا وهمت الآخرة في القلب مثل الماء الذي يصب في ~~قدح فيه خل، فبقدر ما يدخل فيه الماء يخرج منه الخل لا محالة، ولا يجتمعان. ~~ثم جميع ما ذكر إنما هو في الخواطر المتعلقة بالأمور المهمة من الدنيا، حتى ~~إذا خرجت هذه الأمور من القلب، خرجت منه هذه الخواطر أيضا. وقد تكون ~~الخواطر من مجرد الوساوس الباطنة والخيالات الفاسدة، من دون تعلقها بشغل ~~وعمل دنيوي يكون لها، ومن دون اختيار للعبد في خطورها وعدم خطورها، والأمر ~~فيها أصعب، وإن كان لقلع حب الدنيا وشهواتها عن القلب مدخلية عظيمة في ~~زوالها أيضا، إذ ms804 مادة هذه الوساوس أيضا، إما حب المال وحب الجاه، أو حب ~~غيرهما من الأمور الشهوية PageV03P270 # الدنيوية. وقد تقدم تفصيل القول فيها وفي طريق علاجها في بحث الوساوس. # فصل أسرار الصلاة في تحصيل كل واحد من شروط الصلاة وأفعالها وأركانها ~~أسرار وتنبيهات، فينبغي للمؤمن المريد للآخرة ألا يغفل عنها، فها هي ~~نذكرها: # أما الأذان: فإذا سمعت نداء المؤذن، فأخطر في قلبك هول النداء يوم ~~القيامة، وتشمر بباطنك وظاهرك للإجابة والمسارعة، فإن المسارعين إلى هذا ~~النداء هم الذين ينادون باللطف يوم العرض الأكبر، فأعرض قلبك على هذا ~~النداء، فإن وجدته مملوءا بالفرح والاستبشار، مشحونا بالرغبة إلى الابتداء، ~~فاعلم أنه يأتيك النداء بالبشرى والفوز يوم القضاء، ولذلك قال سيد ~~الأنبياء: (أرحنا يا بلال!) أي أرحنا بها وبالنداء إليها، إذا كانت قرة ~~عينه فيها. واعتبر بفصول الأذان وكلماته كيف افتتحت بالله واختتمت بالله، ~~واعتبر بذلك أن الله جل جلاله هو الأول والآخر والظاهر والباطن، ووطن قلبك ~~بتعظيمه عند سماع التكبير، واستحقر الدنيا وما فيها لئلا تكون كاذبا في ~~تكبيرك، وأنف عن خاطرك كل معبود سواه بسماع التهليل. # وأحضر النبي (ص)، وتأدب بين يديه، وأشهد له بالرسالة مخلصا، وصل عليه ~~وآله وحرك نفسك، واسع بقلبك وقالبك عند الدعاء إلى الصلاة، وما يوجب ~~الفلاح، وما هو خير الأعمال وأفضلها. وجدد عهدك بعد ذلك بتكبير الله ~~وتعظيمه، واختمه بذلك كما افتتحت به، واجعل مبدءك منه، وعودك إليه، وقوامك ~~به، واعتمادك على حوله وقوته. فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # فصل الوقت وإذا دخل الوقت، استحضر أنه ميقات جعله الله لك، لتقوم فيه ~~بخدمته، وتتأمل للمثول في حضرته، والفوز بطاعته، وليظهر على قلبك السرور، ~~وعلى وجهك البهجة عند دخوله، لكونه سببا لقربك ووسيلة إلى فوزك. فاستعد له ~~بالطهارة والنظافة، ولبس الثياب الصالحة للمناجاة، PageV03P271 # كما تتأهب عند القدوم على ملك من ملوك الدنيا، وتلقاه بالسكينة والوقار ~~والخوف والرجاء، واستحضر عظمة الله وجلاله، وعدم تناهي قدرته وكماله ونقصان ~~قدرك ومرتبتك، وعدم قابليتك للقيام بخدمته، وقصورك عن أداء ms805 وظائف طاعته. # فصل آداب الصلاة إذا أتيت بالطهارة في مكانك، وهو ظرفك الأبعد، ثم في ~~ثيابك، وهو غلافك الأقرب، ثم في بشرتك، وهي قشرك الأدنى، فلا تفعل عن لبك ~~وذاتك، وهو قلبك، فطهره بالتوبة والندم على ما فرط، وتصميم العزم على الترك ~~في المستقبل، فطهر بها باطنك، فإنه موضع نظر ربك. # ثم إذا سترت مقابح بدنك عن أبصار الخلق باللباس، فأخطر بالك فضائح سرك ~~التي لا يطلع عليها إلا ربك، وطالب نفسك بسترها، وتحقق أنه لا يستر عن عين ~~الله ساتر، وإنما يكفرها الخوف والندم والحياء، فتستفيد بإظهارها في قلبك ~~انبعاث جنود الخوف والندم والحياء من مكامنها، فتذل به نفسك، ويستكين تحت ~~الخجلة قلبك، وتقوم بين يدي الله تعالى قيام العبد المجرم المسئ الآبق، ~~الذي ندم فرجع إلى مولاه، ناكسا رأسه من الخوف والحياء. قال الصادق (ع): ~~(أزين اللباس للمؤمن لباس التقوى، وأنعمه الإيمان، قال الله تعالى: # (ولباس التقوى ذلك خير) (23) وأما اللباس الظاهر، فنعمة من الله تعالى ~~تستر بها عورات بني آدم، وهي كرامة أكرم الله بها ذرية آدم ما لم يكرم بها ~~غيره، وهي للمؤمنين آلة لأداء ما افترض الله عليهم. وخير لباسك ما لا يشغلك ~~عن الله عز وجل، بل يقربك من ذكره وشكره وطاعته، ولا يحملك على العجب ~~والرياء والتزين والتفاخر والخيلاء، فإنها من آفات الدين، ومورثة للقسوة في ~~القلب. # فإذا لبست ثوبك، فأذكر ستر الله عليك ذنوبك برحمته، والبس باطنك بالصدق ~~كما البست ظاهرك بثوبك، وليكن باطنك من الصدق في ستر # PageV03P272 # الهيبة، وظاهرك في ستر الطاعة. واعتبر بفضل الله، حيث خلق أسباب اللباس ~~ليستر بها العورات الظاهرة، وفتح أبواب التوبة والإنابة والإغاثة ليستر بها ~~عورات الباطن من الذنوب وأخلاق السوء. ولا تفضح أحدا حيث ستر الله عليك ما ~~أعظم منه. واشتغل بعيب نفسك واصفح عما لا يعنيك حاله وأمره. واحذر أن يفنى ~~عمرك بعمل غيرك، ويتجر برأس مالك غيرك وتهلك نفسك، فإن نسيان الذنوب من ~~أعظم عقوبة الله في العاجل، وأوفر أسباب العقوبة في الآجل. ms806 وما دام العبد ~~منشغلا بطاعة الله تعالى، ومعرفة عيوب نفسه، وترك ما يشين في دين الله عز ~~وجل، فهو بمعزل عن الآفات، خائض في بحر رحمة الله عز وجل، يفوز بجواهر ~~الفوائد من الحكمة والبيان. وما دام ناسيا لذنوبه، جاهلا بعيوبه، راجعا إلى ~~حوله وقوته، لا يفلح إذا أبدا) (24). # فصل آداب المصلي إذا أتيت مصلاك، فاستحضر فيه أنك كأن بين يدي ملك ~~الملوك، تريد مناجاته، والتضرع إليه، والتماس رضاه، ونظره إليك بعين ~~الرحمة. # فاختر مكانا يصلح، كالمساجد الشريفة، والمشاهد المطهرة، مع الإمكان. # فإنه تعالى جعل تلك المواضع محلا لإجابته، وموضع تزول فيوضاته ورحمته، ~~على مثال حضرة الملوك، الذين يجعلونها وسيلة لنيل المقاصد والمطالب. # فأدخلها بالسكينة والوقار، ومراقبا للخشوع والانكسار. قال الصادق (ع): # (إذا بلغت باب المسجد، فاعلم أنك قد قصدت باب ملك عظيم، لا يطأ بساطه إلا ~~المطهرون، ولا يؤذن لمجالسته إلا الصديقون، فهب القدوم إلى بساط هيبة ~~الملك، فإنك على خطر عظيم إن غفلت، فاعلم أنه قادر على ما يشاء من العدل ~~والفضل معك وبك. فإن عطف عليك برحمته وفضله، قبل منك يسير الطاعة، وأجزل لك ~~عليها ثوابا كثيرا. وإن طالبك باستحقاقه الصدق والاخلاص عدلا بك، حجبك ورد ~~طاعتك وإن كثرت. وهو فعال لما يريد. واعترف بعجزك وتقصيرك وانكسارك وفقرك ~~بين يديه، فإنك قد # PageV03P273 # توجهت للعبادة له، والمؤانسة به. وأعرض أسرارك عليه، ولتعلم أنه لا تخفى ~~عليه أسرار الخلائق أجمعين وعلانيتهم. وكن كأفقر عباده بين يديه. # واخل قلبك عن كل شاغل يحجبك عن ربك، فإنه لا يقبل إلا الأطهر والأخلص. # وأنظر من أي ديوان يخرج اسمك، فإن ذقت حلاوة مناجاته ولذيذ مخاطباته، ~~وشربت بكأس رحمته وكراماته من حسن إقباله عليك وأجابته، فقد صلحت لخدمته ~~فادخل فلك الإذن والأمان، وإلا فقف وقوف من قد انقطع عنه الحيل، وقصر عنه ~~الأمل، وقضى عليه الأجل. فإن علم الله عز وجل من قلبك صدق الالتجاء إليه ~~نظر إليك بعين الرأفة والرحمة والعطف، ووفقك لما تحب وترضى، فإنه كريم يحب ~~الكرامة لعباده المضطرين إليه، ms807 المقيمين على بابه لطلب مرضاته. قال الله ~~تعالى: # (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء) (25) (26) فصل الاستقبال وأما ~~الاستقبال، فهو صرف لظاهر وجهك عن سائر الجهات إلى جهة بيت الله. وهذا ~~إشارة إلى أنه ينبغي أن يصرف وجه القلب عن سائر الأشياء إلى الله، فإن ~~الأعمال الظاهرة تحريكات للبواطن على ما يناسبها، فضبط الجوارح وتسكينها ~~بالاثبات في جهة واحدة، لأجل ألا تبقى على القلب، لأنها إذا توجهت إلى جهات ~~متعددة يتبعها القلب بالتوجه إلى أشياء متعددة، فأمر الله بصرفها إلى شطر ~~بيته، ليتذكر القلب صاحبه، ويتوجه إليه، ويثبت على ذلك كما تثبت الأعضاء ~~على جهة واحدة. قال رسول الله (ص): (إن الله تعالى مقبل على المصلي ما لم ~~يلتفت)، وهذا الالتفات يشمل التفات القلب أيضا، فكما يجب حراسة الرأس ~~والعين عن الالتفات إلى الجهات، فكذلك يجب حراسة السر عن الالتفات إلى غير ~~الله وغير الصلاة، فإن التفت إلى غير الله وغير الصلاة، فذكره بأطلاع الله ~~عليه، وقبح غفلة المناجي عمن يناجيه وعما يقول له حين المناجاة، لا سيما ~~إذا كان # PageV03P274 # من يناجيه ملك الملوك. والزم قلبك الخشوع، فإن الخلاص عن الالتفات ظاهرا ~~وباطنا ثمرة الخشوع، ومهما خشع الباطن خشع الظاهر، ولذا قال رسول الله (ص) ~~وقد رأى مصليا يعبث بلحيته: (أما هذا، لو خشع قلبه لخشعت جوارحه، فإن ~~الرعية بحكم الراعي). وفي الدعاء: (اللهم أصلح الراعي والرعية)، وهو القلب ~~والجوارح. # وبالجملة: ينبغي لكل مؤمن صرف وجهه إلى بيت الله للصلاة، أن يصرف وجه ~~قلبه إلى صاحب البيت، وكما لا يتوجه الوجه إلى جهة البيت إلا بالصرف عن ~~غيرها، فكذلك لا ينصرف وجه القلب إلى الله إلا بالتفرغ عما سوى الله، وقد ~~قال رسول الله (ص): (إذا قام العبد إلى صلاته، وكان هواه وقلبه إلى الله، ~~انصرف كيوم ولدته أمه). وقال (ص): # (أما يخاف الذي يحول وجهه في الصلاة أن يحول الله وجهه وجه حمار؟!) قيل: ~~هذا نهي عن الالتفات عن الله، وملاحظة عظمته في حال الصلاة، فإن الملتفت ~~يمينا وشمالا ms808 غافل عن الله وعن مطالعة أنوار كبريائه، ومن كان كذلك فيوشك ~~أن تدوم تلك الغفلة عليه، فيتحول وجه قلبه كوجه قلب الحمار في قلة عقله ~~للأمور العلوية وعدم فهمه للمعارف. وقال الصادق (ع) (إذا استقبلت القبلة، ~~فآيس من الدنيا وما فيها، والخلق وما هم فيه، واستفرغ قلبك من كل شاغل ~~يشغلك عن الله - تعالى -، وعاين بسرك عظمة الله - عز وجل -، واذكر وقوفك ~~بين يديه، قال الله - تعالى -: # (هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق) (27). # وقف على قدم الخوف والرجاء) (28). # فصل القيام وأما القيام، فهو مثول بالشخص والقلب بين يدي الله - سبحانه - ~~فليكن رأسك الذي هو أرفع أعضائك مطوقا متطأطأ متنكسا، تنبيها للقلب على ~~لزوم التواضع والتذلل والانكسار، والتبري عن التكبير والترؤس. # PageV03P275 # وينبغي أن تتذكر هاهنا خطر المقام بين يدي الله في هول المطلع عند التعرض ~~للسؤال، وتذكر في الحال أنك قائم بين يدي الله وهو مطلع عليك، فليكن قيامك ~~بين يديه على ما يليق بعظمته وجلاله، وأن كنت تعجز عن معرفة كنه جلاله، فلا ~~تجعل مالك الملك والملكوت أنزل من بعض ملوك عصرك، فقم بين يديه قيامك بين ~~يدي ملك زمانك، بل قدر في دوام قيامك في صلاتك أنك ملحوظ بعين كالئة من رجل ~~صالح من أهلك، أو ممن ترغب أن يعرفك بالصلاح، فإنه تهد عند ذلك أطرافك، ~~وتخشع جوارحك ويسكن جميع أجزائك، خيفة أن ينسبك ذلك العاجز المسكين إلى قلة ~~الخشوع. وبالجملة الخضوع والخشوع والاستحياء والانفعال، يقتضيها الطبع بين ~~يدي من يعظم من أبناء الدنيا، فكيف لا يقتضيها بين يدي ملك الملوك عند من ~~يعرفه؟ # فمن يكون بين يدي غير الله خاشعا، ولا يكون بين يدي الله كذلك، فذلك ~~لقصور معرفته عن جلال الله وعن اطلاعه على سره وضميره، وعدم تدبره في قوله ~~- تعالى -: # (الذي يراك حين تقوم، وتقلبك في الساجدين) (29). # فتبا لمن يدعي معرفة الله والعلم بعظمته وجلاله وحبه والخشية منه، ومع ~~ذلك يستحي من أحد عبيده المساكين الذي لا يقدر على نفع ولا ms809 ضر، ولا يستحي ~~من الله، ويخشى الناس، ولا يخشاه! # فصل التكبيرات وأما التوجه بالتكبيرات، فينبغي أن تستحضر عندك عظمة الله ~~وجلاله وصغر نفسك وذلتها في جنب عظمته، وقصورك عن القيام بوظائف خدمته. # وإذا قلت: (اللهم أنك أنت الملك الحق) فتذكر عظيم ملكه، وعموم قدرته ~~واستيلاءه على جميع العوالم، ثم ارجع على نفسك بالذل والانكسار. # وإذا قلت: (لبيك وسعديك! والخير في يديك، والشر ليس إليك)، مثل نفسك بين ~~يديه، وتيقن أنه أقرب منك من نفسك، يسمع نداءك، ويجيب دعاءك، وإن خير ~~الدنيا والآخرة بيده لا بيد غيره، وإنه خير محض # PageV03P276 # منزه عن الشر. وإذا قلت: (عبدك وابن عبديك، منك وبك ولك وإليك) فقد ~~اعترفت له بالعبودية، وبأنه ربك وخالقك ومالكك، وموجدك ومخترعك وأنت أثره ~~وفعله ومنه وجودك، وبه قوامك، وله ملكك، وإليه معادك فأنت منه، فلا يتركك ~~ويرحمك، فألق نفسك الضعيفة العاجزة بين يديه، وكل أمورك في الدنيا والآخرة ~~إليه، ولا تعتمد في مقاصدك إلا عليه فأحضر في ذهنك في هذه الفقرات وغيرها ~~من الكلمات التي ينطق بها لسانك أمثال هذه الحقائق، وترق منها إلى ما يفتح ~~عليك من الأسرار والدقائق، واحفظ نفسك عن الوقوع في أودية الوساوس والهوى، ~~فتلق الفيض من العالم الأعلى. # فصل النية وأما النية، فحقيقتها القصد إلى الفعل، امتثالا لأمر الله، ~~وطلبا لتقربه ورجاء لثوابه، وخوفا من عقابه. فينبغي أن تجتهد في خلوصها ألا ~~يشوبها غرض دنيوي فتفسد، وحقيقة الإخلاص وما يتعلق بها قد تقدمت مفصلة في ~~محلها. وينبغي أن تتذكر هاهنا عظيم لطفه ومنته عليك، حيث أذنك في المناجاة ~~مع سوء أدبك وكثرة جنايتك، وعظم في نفسك قدر مناجاته. # وانظر من تناجي، وكيف تناجي، وبماذا تناجي، وعند هذا ينبغي أن يعرق جبينك ~~من الخجلة، وترتعد فرائصك من الهيبة، ويصفر وجهك من الخوف والخشية. # فصل تكبيرة الاحرام وإذا كبرت تكبيرة الاحرام، تذكر أن معناها: أنه - ~~تعالى - أكبر من أن يوصف أو أكبر من كل شئ، أو أكبر من أن يدرك بالحواس، أو ~~يقاس بالناس. فانتقل منه إلى ms810 غاية عظمته وجلاله، واستناد ما سواه إليه، ~~بالإيجاد والاختراع والإخراج من كتم العدم. وينبغي أن تكون على يقين بذلك، ~~حتى لا يكذب لسانك قلبك، فإن كان في قلبك شئ هو أكبر من الله - تعالى - ~~عندك، فالله يشهد أنك كاذب، وإن كان الكلام صدقا، كما PageV03P277 # شهد على المنافقين في قولهم: أن النبي رسول الله. وإن كان هواك أغلب عليك ~~من أمر الله - تعالى - وأنت أطوع له منك لله ولأمره فقد اتخذته إلهك ~~وكبرته، فيوشك، أن يكون قولك (الله أكبر) كلاما باللسان المجرد وقد تخلف ~~القلب عن مساعدته، وما أعظم الخطر في ذلك، لولا التوبة والاستغفار وحسن ~~الظن بكرمه - تعالى - وعفوه. قال الصادق (ع): # فإذا كبرت فاستصغر ما بين السماوات العلا والثرى دون كبريائه، فإن الله - ~~تعالى - إذا اطلع على قلب العبد وهو يكبر، وفي قلبه عارض عن حقيقة تكبيره، ~~قال: يا كذاب أتخدعني؟! وعزتي وجلالي! لأحرمنك حلاوة ذكري، ولأحجبنك عن ~~قربي والمسرة بمناجاتي!) (30) فاعتبر أنت قلبك حين صلاتك، فإن كنت تجد ~~حلاوتها وفي نفسك سرورها وبهجتها وقلبك مسرور بمناجاته، وملتذ بمخاطباته، ~~فاعلم أنه - تعالى - قد صدقك في تكبيرك، وإن سلبت لذة المناجاة، وحرمت ~~حلاوة العبادة، فاعلم أنه تعالى كذبك في تكبيرك، وطردك عن بابه، وأبعدك عن ~~جنابه، فابك على نفسك بكاء الثكلى، وبادر إلى العلاج قبل أن تدركك الحسرة ~~العظمى. # فصل دعاء الاستفتاح وأما دعاء الاستفتاح، فأول كلماته: (وجهت وجهي للذي ~~فطر السماوات والأرض)، ومعلوم أن المراد بالوجه هنا وجه القلب دون الوجه ~~الظاهر، لأن الله سبحانه منزه عن الأمكنة والجهات حتى توجه إليه الوجه ~~الظاهر. فأنت تدعي في هذا الكلام أن قلبك متوجه إلى فاطر السماوات والأرض، ~~فإياك أن يكون أول مفاتحتك للمناجاة بالكذب والاختلاق، إذ لو كان قلبك ~~متوجها إلى أمانيه، وهمه في البيت والسوق أو واقعا في أودية الوساوس، أو ~~كان غافلا، لم يكن مقبلا على الله متوجها إليه، وكنت كاذبا في أول مخاطبتك ~~مع ربك. فأجتهد أن ينصرف قلبك عما سواه، وتقبل عليه في هذا الوقت، وإن ms811 عجزت ~~عنه على الدوام، لئلا تكون كاذبا في أول كلامك. وإذا قلت: (حنيفا مسلما)، ~~فأخطر # PageV03P278 # ببالك أن المسلم هو الذي سلم المسلمون من يده ولسانه، فإن لم تكن موصوفا ~~بهذا الوصف، كنت كاذبا فأجتهد أن تعزم عليه في الاستقبال، وأن تندم على ما ~~سبق من الأحوال. وإذا قلت: (وما أنا من المشركين، فأخطر ببالك الشرك الخفي، ~~وكونه داخلا في الشرك، لإطلاق الشرك على القليل والكثير. فلو قصدت بجزء من ~~عبادتك غير الله، من مدح الناس وطلب المنزلة في قلوبهم، كنت مشركا كاذبا في ~~هذا الكلام. فأنف هذا الشرك عن نفسك، واستشعر الخجلة في قلبك، بأن وصفت ~~نفسك بوصف ليست متصفة به في الواقع. وإذا قلت: (محياي ومماتي في الله رب ~~العالمين)، فاعلم أن هذا حال عبد مفقود لنفسه، موجود لسيده، فإن عن ذاته ~~باق بربه، لا يرى لذاته من حيث هي قدرة وقوة، بل يعلم حياته وبقاءه من الله ~~- تعالى -، ولا تكون حركاته وسكناته إلا لله تعالى. فالقائل بهذا الكلام، ~~إذا رأى لنفسه من حيث هي قدرة وأثرا، أو صدر عنه فعل: # من الرضا، أو الغضب، أو القيام، أو القعود، أو الرغبة في الحياة، أو ~~الرهبة من الموت لأمور الدنيا، كان كاذبا. # فصل الاستعاذة فإذا قلت: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) ينبغي أن تعلم ~~أن الشيطان أعدى عدوك، مترصد لصرف قلبك عن الله، حسدا لك على مناجاتك مع ~~الله وسجودك له مع أنه لعن وطرد عن مقام القرب بترك السجدة. وينبغي ألا ~~تكون استعاذتك بالله منه بمجرد القول، لتكون مثل من قصده سبع أو عدو ~~ليفترسه أو يقتله، فقال: أعوذ منك بهذا الحصن الحصين، وهو ثابت على مكانه، ~~فإن ذلك لا يفيده ولا ينفعه ما لم يتحرك ويدخل الحصن فكذلك مجرد الاستعاذة ~~لا ينفعه ما لم يترك ما يحب الشيطان، وما لم يأت بما يحبه الله. فمن اتبع ~~الشهوات التي هي محاب الشيطان ومكاره الرحمن لا يغنيه مجرد القول، فليقترن ~~قوله بالعزم على التعوذ بحصن الله عن شر الشيطان، وحصنه ms812 (لا إله إلا الله)، ~~إذ قال: (لا إله إلا الله حصني، ومن دخل حصني أمن من عذابي). والدخول في ~~حصن (لا إله إلا الله) ليس أيضا PageV03P279 # بمجرد التكلم به، بل الإذعان القلبي واليقين القطعي بأن كل معبود سواه ~~باطل، وكل شئ منه وله وبه وإليه، ولا مؤثر في الوجود إلا هو. فالمتحصن ~~للتوحيد من لا معبود له سوى الله، وأما من اتخذ إلهه هواه، فهو في ميدان ~~الشيطان لا في حصن الله. ومن مكائد اللعين أن يشغلك في الصلاة بفكر الآخرة ~~وتدبير فعل الخيرات، لتمنع من الحضور وفهم ما تقرأ، فاعلم أن كل ما يشغلك ~~عن الإقبال إلى الله وعن فهم معاني القرآن والأذكار، فهو وساوس، إذ حركة ~~اللسان غير مقصودة، بل المقصود المعاني. وإذا قلت: (بسم الله الرحمن ~~الرحيم)، فانو به التبرك لابتدائك بقراءة كلام الله، والمراد بالاسم هنا ~~المسمى، فمعناه: إن كل الأشياء والأمور بالله، فيترتب عليه انحصار (الحمد ~~لله)، إذ المراد بالحمد الشكر، والشكر إنما يكون على النعم، فإذا كانت ~~النعم بأسرها من الله فيكون منحصرا به، فمن يرى نعمة من غير الله أو يقصد ~~غيره سبحانه بشكر لا من حيث أنه مسخر من الله، ففي تسميته وتحميده نقصان ~~بقدر التفاته إلى غير الله سبحانه. # وإذا قلت: (الرحمن الرحيم)، فأحضر في قلبك أنواع لطفه، وضروب إحسانه، ~~لتتضح لك رحمته، فينبعث بها رجاؤك. وإذا قلت: (مالك يوم الدين)، فاستشعر من ~~قلبك التعظيم والخوف، أما العظمة فلأنه لا ملك إلا هو، وأما الخوف فلهول ~~يوم الجزاء والحساب الذي هو مالكه. ثم جدد الإخلاص بقولك: (إياك نعبد). ~~وجدد العجز والافتقار والتبري من الحول والقوة بقولك: (وإياك نستعين)، ~~وتحقق أنه ما تيسرت طاعتك إلا بإعانته وأن له المنة، إذ وفقك لطاعته، ~~واستخدمك لعبادته، وجعلك أهلا لمناجاته ولو حرمك التوفيق لكنت من المطرودين ~~مع الشيطان الرجيم، واستحضر أن الإعانة لا تكون إلا منه، ولا يقدر غيره أن ~~يعين أحدا، فأخرج عن قلبك الوسائل والأسباب إلا من حيث أنها مسخرة منه ~~تعالى. وإذا ms813 قلت: # (إهدنا السراط المستقيم)، فاعلم أنه طلب لأهم حاجاتك، وهي الهداية إلى ~~النهج الحق الذي يسوقك إلى جوار الله، ويفضي بك إلى مرضاته ويوصلك إلى ~~مجاورة من أنعم الله عليهم نعمة الهداية من الأنبياء والصديقين والشهداء ~~والصالحين، دون الذين غضب الله عليهم من الكفار والزائفين PageV03P280 # من اليهود والنصارى والصابئين. وإذا تلوت (الفاتحة) كذلك، فيشبه أن تكون ~~ممن قال الله فيهم بما أخبر عنه النبي (ص): (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ~~نصفين، نصفها لي، ونصفها لعبدي. يقول العبد: الحمد لله رب العالمين، فيقول ~~الله عز وجل -: حمدني عبدي وأثنى علي. # وهو معنى قوله: سمع الله لمن حمده...) إلى آخر الحديث. فإن لم يكن لك من ~~صلاتك حظ سوى التذاذك بذكر الله في جلاله وعظمته، فناهيك به غنيمة، فكيف ما ~~ترجوه من ثوابه وفضله. وكذلك ينبغي أن تفهم وتخرج الحقائق مما تقرأه من ~~السورة، فلا تفعل عن أمره ونهيه، ووعده ووعيده، ومواعظه وأخبار أنبيائه، ~~وذكر مننه وإحسانه، فكل واحد حق: # فحق الأمر والنهي العزم، وحق الوعد الرجاء، وحق الوعيد الخوف، وحق ~~الموعظة الاتعاظ، وحق أخبار الأنبياء الاعتبار، وحق ذكر المنة الشكر، وتكون ~~هذه المعاني بحسب درجات الفهم، ويكون الفهم على حسب العلم وصفاء القلب، ~~ودرجات ذلك لا تنحصر. والصلاة مفتاح القلوب، فيها تنكشف أسرار الكلمات. ~~فهذا حق القراءة، وهو أيضا حق الأذكار والتسبيحات. واعلم أن الناس في ~~القراءة ثلاثة: بعضهم يتحرك لسانه وقلبه غافل. وبعضهم يتحرك لسانه وقلبه ~~يتبع اللسان، فيسمع ويفهم منه كأنه يسمعه من غيره، وهو درجة أصحاب اليمين. ~~وبعضهم يسبق قلبه إلى المعاني أولا، ثم يخدم اللسان قلبه ويترجمه، وفرق بين ~~أن يكون اللسان ترجمان القلب أو يكون معلم القلب، والمقربون ألسنتهم ترجمان ~~تتبع القلب. ثم ينبغي أن تراعي الهيئة في القراءة، فترتل، ولا تسرد ولا ~~تعجل، فإن ذلك أيسر للتأمل، وتفرق بين نعمائه في آية الرحمة والعذاب والوعد ~~والوعيد، والتمجيد والتعظيم، كان بعضهم إذا مر بمثل قوله: # (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله) (31). # يغض ms814 صوته، كالمستحي عن أن يذكره بكل شئ وروي: (أنه يقال يوم القيامة ~~لصاحب القرآن: اقرأ وأرق، فكلما قرأ آية صعد درجة). # PageV03P281 # فصل الركوع وأما الركوع، فينبغي أن تجدد عنه ذكر كبرياء الله، وترفع بذلك ~~معظما له منبها على غاية عظمته وارتفاعه، وكونه أرفع من أن تصل إليه أيدي ~~العقول والأوهام، ومستجيرا بعفوه من عقابه، وتستأنف بهويك للركوع ذلا ~~وتواضعا وتجهد في ترقيق قلبك وتجديد خشوعك، وتستشعر ذلك وعزه، وضعفك وقوته، ~~وعجزك وقدرته، واتضاعك وعلوه، وتستعين على تقرير ذلك في قلبك بلسانك، ~~فتسبحه وتشهد له بالعظمة، وإنه أعظم من كل عظيم، وتكرر ذلك في قلبك لتترسخ ~~عظمته وجلاله، ثم ترفع عن ركوعك راجيا أنه راحم ذلك، وتؤكد الرجاء في نفسك ~~بقولك: (سمع الله لمن حمد): أي أجاب الله لمن شكره، وتتبع ذلك بالشكر ~~المتقاضي للمزيد، فتقول: (الحمد لله رب العالمين)، ثم تزيد في التذلل ~~والخشوع وتعظيم ربك وإجلاله، فتقول: (أهل الكبرياء والعظمة والجود ~~والجبروت). روي (الصدوق) - رضوان الله عليه - عن أمير المؤمنين (ع): (أنه ~~سئل عن معنى مد العنق في الركوع، فقال (ع): # تأويله: آمنت بك ولو ضربت عنقي). وقال الصادق (ع): (لا يركع عبد لله ~~ركوعا على الحقيقة، إلا زينه الله بنور بهائه، وأظله في ظل كبريائه وكساه ~~كسوة أصفيائه. والركوع أول، والسجود ثان. فمن أتى بمعنى الأول صلح للثاني. ~~وفي الركوع أدب، وفي السجود قرب، ومن لا يحسن الأدب لا يصلح للقرب. فاركع ~~ركوع خاشع لله عز وجل بقلبه، متذلل وجل تحت سلطانه، خافض له بجوارحه خفض ~~خائف حزن على ما يفوته من فائدة الراكعين) (1). وحكي: (أن ربيع بن خيثم، ~~كان يسهر بالليل إلى الفجر في ركعة واحدة، فإذا هو أصبح، فزفر وقال: آه! ~~سبق المخلصون وقطع بنا). واستوف ركوعك باستواء ظهرك، وانحط عن همتك في # PageV03P282 # القيام بخدمته إلا بتأييده وعونه، وفر بقلبك من وساوس الشيطان وخداعه ~~ومكائده، فإن الله يرفع عباده بقدر تواضعهم له، ويهديهم إلى أصول التواضع ~~والخشوع بقدر اطلاع عظمته على سرائرهم. # فصل السجود وإذا هويت ms815 إلى السجود، جدد على قلبك غاية الذل والعجز ~~والانكسار إذ السجود أعلى درجات الاستكانة، فمكن أعز أعضائك وهو الوجه، ~~لأذل الأشياء، وهو التراب، ولا تجعل بينهما حاجزا، بل اسجد على الأرض لأنه ~~أجلب للخضوع، وأدل على الذل. فإذا وضعت نفسك موضع الذل وألقيتها على ~~التراب، فاعلم أنك وضعتها موضعها، ورددت الفرع إلى أصله، فإنك من التراب ~~خلقت، وإليه رددت. فعند هذا جدد على قلبك عظمة الله، وقل: (سبحان ربي ~~الأعلى وبحمده) وأكده بالتكرار إذ المرة الواحدة ضعيفة الآثار، فإن رق ~~قلبك، وطهر لبك، فليصدق رجائك في رحمة ربك، فإن رحمته تتسارع إلى موضع الذل ~~والضعف، لا إلى محل التكبر والبطر. فارفع رأسك مكبرا ومستغفرا من ذنوبك، ~~وسائلا حاجتك، ثم أكد التواضع بالتكرار، وعد إلى السجود ثانية كذلك. وسئل ~~مولانا أمير المؤمنين (ع) عن معنى السجدة الأولى، قال: # (تأويلها: اللهم إنك منها خلقتنا): يعني من الأرض، وتأويل رفع رأسك: ~~(ومنها أخرجتنا)، والسجدة الثانية: (وإليها تعيدنا، ورفع رأسك: (ومنها ~~تخرجنا تارة أخرى). وقال مولانا الصادق (ع): # (ما خسر والله - تعالى - قط من أتى بحقيقة السجود، ولو كان في العمر مرة ~~واحدة، وما أفلح من خلا بربه في مثل ذلك الحال شبيها بمخادع نفسه، غافل لاه ~~عما أعد الله تعالى للساجدين من أنس العاجل وراحة الآجل، ولا بعد عن الله ~~تعالى أبدا من أحسن تقربه في السجود، ولا قرب إليه أبدا من أساء أدبه، وضيع ~~حرمته بتعليق قلبه بسواه في حال سجوده فاسجد سجود متواضع لله ذليل، علم أنه ~~خلق من تراب يطأه الخلق، وإنه ركب من نطفة يستقذرها كل أحد، وكون ولم يكن، ~~وقد جعل الله PageV03P283 # معنى السجود سبب التقرب إليه بالقلب والسر والروح، فمن قرب منه بعد من ~~غيره، ألا ترى في الظاهر أنه لا يستوي حال السجود إلا بالتواري عن جميع ~~الأشياء، والاحتجاب عن كل ما تراه العيون؟ كذلك أراد الله تعالى أمر ~~الباطن. فمن كان قلبه متعلقا في صلاته بشئ دون الله تعالى، فهو قريب من ذلك ~~الشئ، بعيد ms816 عن حقيقة ما أراد الله منه في صلاته. # قال الله تعالى: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) وقال رسول الله (ص): ~~(قال الله عز وجل: ما أطلع على قلب عبد فأعلم فيه حب الإخلاص لطاعتي لوجهي ~~وابتغاء مرضاتي، إلا توليت تقويمه وسياسته، ومن اشتغل في صلاته بغيري فهو ~~من المستهزئين بنفسه، واسمه مكتوب في ديوان الخاسرين ) (33). # فصل التشهد إذا جلست للتشهد - بعد هذه الأفعال الدقيقة والأسرار العميقة، ~~المشتملة على الأخطار الجسيمة - فاستشعر الخوف التام والرهبة والوجل ~~والحياء، أن يكون جميع ما سلف منك غير واقع على وجهه، ولا محصلا لوظائفه ~~وشرائطه، ولا مكتوبا في ديوان القبول. فاجعل يدك صفرا من فوائدها، وارجع ~~إلى مبدأ الأمر، وأصل الدين، أعني كلمة التوحيد وحصن الله الذي من دخله كان ~~آمنا، فاستمسك به إن لم تكن لك وسيلة غيره، فاشهد لربك بالوحدانية، واحضر ~~رسوله الكريم ونبيه العظيم ببالك واشهد له بالعبودية والرسالة وصل عليه ~~وآله، مجددا عهد الله بإعادة كلمتي الشهادة، متعرضا بهما لتأسيس مراتب ~~العبادة، فإنهما أول الرسائل وأساس الفواضل، ومتوسلا إلى رسول الله بالصلاة ~~عليه، مترقبا بذلك عشرا من صلاته (ص) عليك - كما ورد في الخبر -، ولو وصل ~~إليك منها واحدة أفلحت أبدا. قال الصادق (ع): (التشهد ثناء على الله. فكن ~~عبدا له في السر، خاضعا له في الفعل، كما إنك عبد له في القول والدعوى. # PageV03P284 # وصل صدق لسانك بصفاء صدق سرك، فإنه خلقك عبدا، وأمرك أن تعبده بقلبك ~~ولسانك وجوارحك، وإن تحقق عبوديتك له وربوبيته لك وتعلم أن نواصي الخلق ~~بيده، فليس لهم نفس ولا لحظة إلا بقدرته ومشيته وهم عاجزون عن إتيان أقل شئ ~~في مملكته إلا بإذنه وإرادته. قال الله عز وجل: # (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحانه الله وتعالى عما ~~يشركون) (34). # فكن لله عبدا شاكرا بالقول والدعوة، وصل صدق لسانك بصفاء سرك، فإنه خلقك ~~فعز وجل أن تكون إرادة ومشية لأحد إلا بسابق إرادته ومشيته، فاستعمل ~~العبودية في الرضا بحكمته، وبالعبادة في ms817 أداء أوامره وقد أمرك بالصلاة على ~~حبيبه محمد (ص)، فأوصل صلاته بصلاته، وطاعته بطاعته، وشهادته بشهادته، ~~وانظر ألا تفوتك بركات معرفة حرمته فتحرم عن فائدة صلاته، وأمره بالاستغفار ~~لك، والشفاعة فيك، إن أتيت بالواجب في الأمر والنهي والسنن والآداب، ~~والتعلم الجليل مرتبته عند الله عز وجل) (35). # فصل التسليم وإذا فرغت عن التشهد، فاحضر بحضرة سيد المرسلين، والملائكة ~~المقربين، وبقية أنبياء الله وأئمته - عليهم السلام - والحفظة لك من ~~الملائكة المحصين لأعمالك، وأحضرهم جميعا في بالك. فسلم أولا على نبيك الذي ~~هو أفضل الكل، وواسطة هدايتك وإيمانك، بقولك: ((السلام عليك أيها النبي ~~ورحمة الله وبركاته). ثم توجه إلى الجميع، وسلم عليهم بقولك: # (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته). ولا تطلق لسانك بصيغة الخطاب من غير ~~حضور المخاطب في ذهنك، فتكون من العابثين واللاعبين، وكيف تسمع الخطاب لمن ~~لا يقصد، لولا فضل الله في اجتزائه بذلك عن أصل الواجب وإن كان بعيدا عن ~~درجات القبول، منحطا عن أوج القرب والوصول. وإن # PageV03P285 # كنت إماما لقوم، فاقصدهم بالسلام من تقدم من المقصودين، وليقصدوا هم الرد ~~عليك أيضا، وإذا فعلتم ذلك فقد أديتم وظيفة السلام، واستحققتم من الله مزيد ~~الاكرام. قال الصادق (ع): (معنى التسليم في دبر كل صلاة: الأمان، أي من أتى ~~أمر الله وسنة نبيه (ص) خاضعا خاشعا منه، فله الأمان من بلاء الدنيا ~~والبراءة من عذاب الآخرة. والسلام اسم من أسماء الله تعالى أودعه خلقه، ~~ليستعملوا معناه في المعاملات والأمانات والانصافات وتصديق مصاحبتهم فيما ~~بينهم، وصحة معاشرتهم. فإن أردت أن تضع السلام موضعه، وتؤدي معناه، فاتق ~~الله ليسلم منك دينك وقلبك وعقلك ألا تدنسها بظلمة المعاصي، ولتسلم منك ~~حفظتك ألا تبرمهم وتملهم وتوحشهم منك بسوء معاملتك معهم، ثم مع صديقك، ثم ~~مع عدوك فإن من لم يسلم منه هو الأقرب إليه فالعبد أولى، ومن لا يضع السلام ~~مواضعه هذه فلا سلام ولا إسلام ولا تسليم، وكان كاذبا في سلامه وأن أفشاه ~~في الخلق) (36). # فصل إفاضة الأنوار على المصلي على قدر صفاته إعلم أن تخليص ms818 الصلاة عن ~~الآفات، وإخلاصها لوجه الله، وأدائها بالشروط الباطنة المذكورة، من الحضور ~~والخشوع، والتعظيم، والهيبة، والحياء: سبب لحصول أنوار في القلب، تكون تلك ~~الأنوار مفاتيح للعلوم الباطنة، وإنما يفيض منه على كل مصل على قدرة صفائه ~~من كدورات الدنيا ويختلف ذلك بالقلة والكثرة، والقوة والضعف، والجلاء ~~والخفاء، ويختلف أيضا بما ينكشف من العلوم فينكشف لبعضهم من صفات الله ~~وجلاله، ولبعضهم من عجائب أفعاله، ولبعضهم من دقائق علوم المعاملة، ولبعضهم ~~غير ذلك، وأولى بالظهور والإضافة لكل شخص ما يهمه ويكون في طلبه وإلى ما ~~ذكرناه من ترتب الإفاضات العلوية على الصلاة الخالصة لوجه الله المؤداة ~~بالشروط المذكورة، أشار النبي (ص) بقوله: (إن العبد إذا قام في الصلاة، رفع ~~الله الحجاب بينه وبين عبده، وواجهه بوجهه وقامت الملائكة # PageV03P286 # من لدن منكبيه إلى الهواء، يصلون بصلاته ويؤمنون على دعائه، وإن المصلي ~~لينشر عليه البر من أعنان السماء إلى مفرق رأسه، ويناديه مناد: لو علم ~~المصلي من يناجي ما التفت. وإن أبواب السماء تفتح للمصلين، وإن الله يباهي ~~ملائكته بصدق المصلي). فإن رفع الحجاب وفتح أبواب السماء كناية عن إفاضة ~~العلوم الباطنة عليه. وورد في التوراة: (يا ابن آدم، لا تعجز أن تقوم بين ~~يدي مصليا باكيا، فأنا الله الذي اقتربت من قلبك، وبالغيب رأيت نوري) وورد: ~~(أن العبد إذا صلى ركعتين، عجبت منه عشرة صفوف من الملائكة، كل صف منهم ~~عشرة آلاف، وباهى الله به مئة ألف). # وذلك لأن العبد جمع في الصلاة بين القيام والقعود، والركوع والسجود، ~~والذكر باللسان، وغير ذلك. وليس لملك من الملائكة هذا القسم من العبادة ~~الجامعة بين الكل، بل هذه الأفعال موزعة عليهم، فبعضهم قائمون لا يركعون ~~إلى يوم القيامة، وبعضهم ساجدون لا يرفعون إلى يوم القيامة، وهكذا الراكعون ~~والقاعدون، فإن ما أعطي الملائكة من القرب والرتبة لازم لهم، مستمر على ~~حالة واحدة، لا تزيد ولا تنقص، وليس لهم مرتبة الترقي من درجة إلى أخرى، ~~وباب المزيد مسدود عليهم، ولذلك قالوا: (وما منا إلا له مقام معلوم)، بخلاف ms819 ~~الإنسان، فإن له الترقي في الدرجات، والتقلب في أطوار الكمالات، ومفتاح ~~مزيد الدرجات هي الصلاة، قال الله سبحانه: # (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون) فمدحهم بعد الإيمان بصلاة ~~مخصوصة، وهي المقرونة بالخشوع، ثم ختم أوصاف المفلحين بالصلاة أيضا، فقال ~~في آخرها: # (والذين هم على صلاتهم يحافظون)، ثم قال في ثمرة تلك الصفات: # (أولئك هم الوارثون، الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون) (37). # فوصفهم في بالفلاح أولا، وبوارثة الفردوس آخرا. فالمصلون هم ورثة الفردوس ~~وورثة الفردوس هم المشاهدون لنور الله بقربه ودنوه بالقلب. # وكل عاقل يعلم أن مجرد حركة اللسان والجوارح مع غفلة القلب، لا تنتهي ~~درجته إلى هذا الحد. # PageV03P287 # فصل ما ينبغي في إمام الجماعة ينبغي لإمام الجماعة: أن يختص من بين القوم ~~بمزيد صفاء القلب. # وإقباله إلى الله، والخشوع والتعظيم، وغير ذلك من الشرائط الباطنة، لأنه ~~القدرة والجاذب لنفوس الجماعة إلى الله، فما أقبح به أن يكون قلبه غافلا عن ~~الله، أو واقعا في أودية الوساوس الباطلة في الصلاة، ويكون بعض من اقتدى به ~~من القوم خاشعا حاضر القلب معظما لله سبحانه، وما أشنع به أن يكون التفات ~~قلبه إلى من ورائه من الناس الذين لا يقدرون على شئ من النفع والضر أكثر من ~~التفات قلبه إلى مالك الملك المحيط بالكل، الذي حدث بمجرد إرادته العوالم ~~العلوية والسفلية والملك والملكوت، أو لا يستحي من علام الغيوب أن ينصب ~~نفسه قدوة لأمة سيد الرسل (ص)، ويحمل محل رسول الله (ص) وأوصيائه الراشدين ~~- عليهم السلام - وينوب عنهم، ويكون تغير قلبه وتأثر نفسه عن ضعفاء العوام ~~الذين اقتدوا به أشد من أفعاله وتأثره من عظمة الله وجلاله؟! أو لا يخجل ~~عند الله من تفاوت حاله بكثرة المأمومين وقلتهم؟ فينبغي لكل إمام قوم أن ~~يمتحن نفسه، فإن لم تكن له هذه الصفات الخبيثة فليؤم، وإلا فليترك ولا يهلك ~~نفسه، ويعرف ذلك بأن يكون فرحه بإمامة نفسه كفرحه بإمامة غيره من أمثاله ~~وأقرانه بل إن كان قصده وفرحه بمجرد إقامة السنة، وإحياء رسوم ms820 الملة، ~~فينبغي أن يكون فرحه بإمامة غيره ممن هو مرضي والاهتمام به أكثر من إمامة ~~نفسه لحصول المقصود مع السلامة عن الغوائل المحتملة، ينبغي - أيضا - ألا ~~يكون باعثه ومحركه إلى المسجد لإمامة القوم إلا القربة ورجاء الثواب، فلو ~~كان في بعض زوايا قلبه باعث خفي من الشهرة والمنزلة في القلوب، أو الوصول ~~إلى ما ينتظم به معاشه، فله الويل والثبور، ويكون ممن ظل وأظل وهلك وأهلك! # فصل ما ينبغي في صلاة الجمعة والعيدين ينبغي للحاضر إلى صلاة الجمعة ~~والعيدين: أن يستحضر أن هذه الأيام أيام شريفة عظيمة، وأعياد مباركة كريمة، ~~قد خص الله بها هذه الأمة، PageV03P288 # وجعلها أوقاتا شريفة، لعباده ليقربهم من جواره، ويبعدهم من عذابه وناره ~~وحثهم فيها على الإقبال بصالح الأعمال، وتلافي ما فرط منهم في بقية الأيام ~~والشهور من الإهمال. فلا جرم وجب الاهتمام بصلاتها زيادة على سائر الصلوات ~~من التهيؤ والاستعداد للقاء الله، والوقوف بين يديه، والمثول في حضرته، ~~والفوز بمخاطبته. فليجتهد بعد الاتيان بالوظائف الظاهرة، من التنظيف ~~والتطييب، والتعمم وحلق الرأس، وقص الشارب والأظفار وغير ذلك من السنن في ~~تخليص النية، وإحضار القلب، وإكثار الخشوع والابتهال إلى الله تعالى في ~~صلاته وينبغي أن يحضر قلبه في العيدين من قسمة الجوائز وتفرقة الرحمة، ~~وإضافة المواهب فيها على من قبل صومه وقربانه وقام بوظائفهما، فليكبر في ~~صلاتهما وقبلها وبعدها في قبول أعماله والعفو عن تقصيراته، وليستشعر الخجلة ~~والحياء من خسران الرد، وخذلان الطرد، فتخسر صفقته، وتظهر بعد ذلك حسرته، ~~فيفوز الفائزون، ويسبق السابقون، وينجو المخلصون، وهو يكون من الخائبين ~~الخاسرين. # فصل ما ينبغي للمؤمن عند ظهور الآيات إذا ظهرت الآيات، من الكسوف والخسوف ~~والزلازل وغيرها، ينبغي لكل مؤمن من أن يستحضر عندها أهوال الآخرة ~~وزلازلها، وتكور الشمس والقمر وظلمة القيامة، ووجل الخلائق، وخوفهم من ~~الأخذ والنكال والعقوبة والاستيصال، فيكثر في صلاتها من الدعاء والابتهال ~~بمزيد الخضوع والخشوع والهيبة والخوف في النجاة من تلك الشدائد ورد النور ~~بعد الظلمة والمسامحة على الهفوة، وينبغي أن يكون منكسر النفس، مطرق ms821 الرأس، ~~مستحيا من التقصير، مستشعرا بقلبه عظمة الله وجلاله. وبالجملة: حصول الخوف ~~والخشية، والمبادرة إلى التضرع والابتهال، وأداء الصلاة بالاقبال والخشوع ~~عند ظهور الآيات، من شعار أهل الإيمان. قال سيد الساجدين عليه السلام: (لا ~~يفرغ للآيتين ولا يرهب، إلا من كان من شيعتنا، فإن كان ذلك منهما، فافزعوا ~~إلى الله وراجعوه). وقال الرضا (ع) (إنما جعلت للكسوف صلاة لأنه من آيات ~~الله تعالى، ولا يدري ألرحمة ظهرت PageV03P289 # أم لعذاب فأحب النبي (ص) أن يفزع أمته إلى خالقه وراحمه عند ذلك ليصرف ~~عنهم شرها، ويقيهم مكروها، كما صرف عن قوم يونس (ع) حين تضرعوا إلى الله ~~تعالى). المقصد الثالث الذكر - فضيلة الأذكار - الدعاء إعلم أنه ينبغي لكل ~~مؤمن أن يكثر من الذكر والدعاء، لا سيما عقيب الصلاة المفروضة. وقد ورد في ~~فضائلها من الآيات والأخبار ما يمكن إحصاؤه ولاشتهارها لا حاجة إلى ذكرها ~~هنا. # فصل الذكر أما الذكر فالنافع منه هو الذكر على الدوام، أو في أكثر ~~الأوقات، مع حضور القلب، وفراغ البال، والوجه الكلي إلى الخالق المتعال، ~~حتى يتمكن المذكور في القلب، ويتجلى عظمته الباهرة عليه، وينشرح الصدر ~~بشروق نوره عليه، وهو غاية ثمرة العبادات، وللذكر أول وآخر، فأوله يوجب ~~الأنس والحب، وآخره يوجبه الأنس والحب، والمطلوب منه ذلك الحب والأنس. فإن ~~العبد في بداءة الأمر يكون متكلفا بصرف قلبه ولسانه عن الوساس والفضول إلى ~~ذكر الله، فإن وفق للمداومة أنس به وانغرس في قلبه حب المذكور، ومن أحب ~~شيئا أكثر ذكره، ومن أكثر ذكر شئ، وإن كان تكلفا، أحبه. ومن هنا قال بعضهم: ~~(كاءدت القرآن عشرين سنة ثم تنعمت به عشرين سنة) ولا تصدر النعم من الأنس ~~والحب، ولا يصدر الأنس والحب إلا من المداومة على المكاءدة والتكلف مدة ~~طويلة، حتى يصير التكلف طبعا. وكيف يستبعد هذا وقد يتكلف الإنسان تناول ~~طعام يستبشعه أولا، ويكائد أكله، ويواضب عليه، فيصير موافقا لطبعه حتى لا ~~يصبر عنه؟ # فالنفس تصير معتادة متحملة لما تكفلت: (هي النفس ما عودتها تتعود) ثم إذا ~~حصل ms822 الأنس بذكر الله انقطع عن غير الله، وما سوى الله يفارقه عند الموت، ~~ولا يبقى إلا ذكر الله، فإن كان قد أنس به تتمتع به وتلذذ بانقطاع العوائق ~~الصارفة عنه، إذ ضرورات الحاجات في الحياة تصد عنه PageV03P290 # ذكر الله ولا يبقى بعد الموت عائق، فكأنه خلى بينه وبين محبوبه، فعظمت ~~غبطته، وتخلص من السجن الذي كان ممنوعا فيه عما به أنسه، وهذا الأنس يتلذذ ~~به العبد بعد موته إلى أن ينزل في جوار الله، ويترقى من الذكر إلى اللقاء، ~~قال الصادق (ع): (من كان ذاكرا لله على الحقيقة فهو مطيع، ومن كان غافلا ~~عنه فهو عاص، والطاعة علامة الهداية، والمعصية علامة الضلالة، وأصلها من ~~الذكر والغفلة، فأجعل قلبك قبلة للسانك، ولا تحركه إلا بإشارة القلب، ~~وموافقة العقل، ورضا الإيمان، فإن الله تعالى عالم بسرك وجهرك، وكن كالنازع ~~روحه، أو كالواقف في العرض الأكبر، غير شاغل نفسك عما عناك مما كلفك به ربك ~~في أمره ونهيه ووعده ووعيده، ولا تشغلها بدون ما كلفك به ربك. واغسل قلبك ~~بماء الحزن، وأجعل ذكر الله تعالى من أجل ذكره تعالى إياك، فإنه ذكرك وهو ~~غني عنك، فذكره لك أجل وأشهى وأثنى وأتم من ذكرك له وأسبق، ومعرفتك بذكره ~~لك تورثك الخشوع والاستحياء والانكسار، ويتولد من ذلك رؤية كرمه وفضله ~~السابق، وتصغر عن ذلك طاعتك وإن كثرت في جنب منته، وتخلص لوجهه، ورؤيتك ~~ذكرك له، يورثك الرياء والعجب والسفه والغلظة في خلقه، واستكثار الطاعة ~~ونسيان فضله وكرمه، ولا تزداد بذلك من الله تعالى إلا بعدا، ولا تستجلب به ~~على مضي الأيام إلا وحشة. والذكر ذكران: ذكر خالص بموافقة القلب، وذكر صارف ~~لك ينفي ذكر غيره، كما قال رسول الله (ص): (أنا لا أحصي ثناء عليك، أنت كما ~~أثنيت على نفسك). فرسول الله (ص) لم يجعل لذكره الله عز وجل مقدارا عند ~~علمه بحقيقة سابقة ذكر الله عز وجل من قبل ذكره، ومن دونه أولى، فمن أراد ~~أن يذكر الله تعالى، فليعلم أنه ما لم يذكر ms823 الله العبد بالتوفيق لذكره، لا ~~يقدر العبد على ذكره) (38). # PageV03P291 # تتميم فضيلة الأذكار الأذكار كثيرة، كالتهليل، والتسبيح، والتحميد، ~~والتكبير، والحوقلة والتسبيحات الأربع، وأسماء الله الحسنى، وغير ذلك، وقد ~~وردت في فضيلة كل منها أخبار كثيرة، والمواظبة على كل منها توجب صفاء النفس ~~وانشراح الصدر، وكلما كانت أدل على غاية العظمة والجلال والعزة والكمال، ~~فهي أفضل. ولذا صرحوا بأن أفضل الأذكار التهليل، لدلالته على توحده في ~~الألوهية، واستناد الكل إليه. وربما كان بعض أسماء الله تعالى في مرتبته ~~أدل، والعارف السالك إلى الله يعلم: أنه قد ينبعث في القلب من عظمة الله ~~وجلاله وشدة كبريائه وكماله ما لا يمكن التعبير عنه بأسم. # فصل الدعاء وأما الدعاء، فهو مخ العبادة، ولذا ورد في فضله ما ورد من ~~الآيات والأخبار، ولا حاجة إلى ذكرها لاشتهارها. والأدعية المأثورة كثيرة ~~مذكورة في كتب الدعوات، ولا يتصور مطلب من مطالب الدنيا والآخرة إلا وقد ~~وردت به أدعية، فمن أراد شيئا منها فيأخذ من مواضعها. # ومما ينبغي لكل داع، أن يراعي شرائط وآدابا في الدعاء، حتى يستجاب له، ~~ويصل إلى فائدته، وتحصل لنفسه نورانية، وهي أن يترصد لدعائه الأوقات ~~الشريفة، والأحوال الشريفة، والأماكن المتبركة المشرفة، وأن يدعو متطهرا، ~~مستقبل القلبة، رافعا يديه بحيث يرى باطن إبطيه، وأن يخفض صوته بين الجهر ~~والاخفات، ولا يتكلف السجع في الدعاء ويكون في غاية التضرع والخشوع ~~والرهبة، وأن يجزم ويتيقن إجابة دعائه، ويصدق رجاءه فيه، وأن يلح في ~~الدعاء، ويكرره ثلاثا، ويفتح الدعاء بذكر الله وتمجيده، ولا يبتدئ بالسؤال، ~~وأن يتوب، ويرد مظالم العباد، ويقبل على الله بكنه الهمة، وهو السبب القريب ~~للإجابة، وأن يكون مطعمه وملبسه من الحلال، وهو أيضا من عمدة الشرائط، وأن ~~يسمي حاجته، PageV03P292 # ويعم في الدعاء، ويبكي عنده، وهو أيضا سيد الآداب وأن يتقدم في الدعاء ~~قبل الحاجة إليه، وألا يعتمد في حوائجه على غير الله تعالى، قال الصادق ~~(ع): (إحفظ أدب الدعاء، وانظر من تدعو، وكيف تدعو، ولماذا تدعو، وحقق عظمة ~~الله وكبرياءه، وعاين بقلبك علمه بما ms824 في ضميرك، واطلاعه على سرك وما تكن ~~فيه من الحق والباطل، وأعرف طرق نجاتك وهلاكك، كيلا تدعو الله بشئ عسى فيه ~~هلاكك وأنت تظن أن فيه نجاتك قال الله تعالى: # (ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا) (39). # وتفكر ماذا تسأل، ولماذا تسأل. والدعاء استجابة الكل منك للحق، وتذويب ~~المهجة في مشاهدة الرب، وترك الاختيار جميعا، وتسليم الأمور كلها - ظاهرها ~~وباطنها - إلى الله تعالى، فإن لم تأت بشرط الدعاء فلا تنتظر الإجابة، فإنه ~~يعلم السر وأخفى، فلعلك تدعوه بشئ قد علم من سرك خلاف ذلك. واعلم أن لو لم ~~يكن الله أمرنا بالدعاء، لكنا إذا أخلصنا الدعاء، تفضل علينا بالإجابة، ~~فكيف وقد ضمن ذلك لمن أتى بشرائط الدعاء وسئل رسول الله (ص) عن اسم الله ~~الأعظم فقال: (كل اسم من أسماء الله أعظم). ففرغ قلبك من كل ما سواه، وادعه ~~بأي اسم شئت، فليس في الحقيقة لله اسم دون، بل هو الله الواحد القهار. وقال ~~النبي (ص): # (إن الله لا يستجيب الدعاء من قلب لاه). فإذا أتيت بما ذكرت لك من شرائط ~~الدعاء، وأخلصت سرك لوجهه، فأبشر بإحدى ثلاث: إما أن يعجل لك بما سألت، ~~وإما أن يدخر لك بما هو أفضل منه، وإما أن يصرف عنك من البلاء ما لو أرسله ~~عليك لهلكت) (40). وسئل من الصادق (ع): # ما لنا ندعوا ولا يستجيب لنا؟ فقال: (لأنكم تدعون من لا تعرفونه، وتسألون ~~من لا تفهمونه، فالاضطرار عين الدين، وكثرة الدعاء مع العمى عن الله من ~~علامة الخذلان، لأن من لم يعرف ذلة نفسه وقلبه وسره تحت # PageV03P293 # قدرة الله، حكم على الله بالسؤال، وظن أن سؤاله دعاء، والحكم على الله من ~~الجرأة على الله تعالى). # المقصد الرابع تلاوة القرآن إعلم أنه لا حد لثواب تلاوة القرآن، والأخبار ~~الواردة في عظم أجره ووفور ثوابه لا تحصى كثرة، وكيف لا يعظم أجره وهو كلام ~~الله، حامله روح الأمين إلى سيد المرسلين، فتأمل أن الكلام الصادر من الله ~~بلا واسطة إذا كان من حيث اللفظ ms825 معجزة لغاية فصاحته، ومن حيث المعنى متضمنا ~~لأصول حقائق المعارف والمواعظ والأحكام، ومخبرا عن دقائق صنع الله، وعن ~~مغيبات الأحوال والقصص الواقعة في سوالف القرون والأعوام، كيف يكون تأثيره ~~للقلوب وتصفيته للنفوس؟ وبالجملة: العقل والنقل والتجربة ، شواهد متظاهرة ~~على عظم ثواب تلاوة القرآن، والأخبار الواردة فيه مشهورة، فلا حاجة إلى ~~ذكرها، فلنشر إلى بعض ما يتعلق بالتلاوة من الآداب الظاهرة والباطنة. # أما الآداب الظاهرة، فالوضوء، والوقوف على هيئة الأدب، والطمأنينة إما ~~قائما أو جالسا، مستقبل القلبة، مطرقا رأسه، غير متربع ولا متكأ. # والترتيب والبكاء، والجهر المتوسط لو أمن من الرياء. وإلا فالسر أفضل، ~~وتحسين القراءة وتنزيهها، ومراعاة حق الآيات، فإذا مر بآية السجود سجد، ~~وإذا مر بآية العذاب استعاذ منه بالله، وإذا مر بآية الرحمة ونعيم الجنة ~~سئل الله تعالى أن يرزقه، وإذا مر بآية تسبيح أو تكبير سبح وكبر، وإذا مر ~~بآية دعاء أو استغفار دعا واستغفر، وافتتاح القراءة بقوله: (أعوذ بالله ~~السميع العليم من من الشيطان الرجيم)، وأن يقول عند الفراغ من كل سورة: ~~(صدق الله العلي العظيم وبلغ رسوله الكريم، اللهم أنفعنا به وبارك لنا فيه، ~~والحمد لله رب العالمين). # وأما الآداب والأعمال الباطنة: # فمنها - فهم عظمة الكلام وعلوه، وفضل الله تعالى ولطفه بخلقه، في ~~PageV03P294 # نزوله عن عرش جلاله إلى درجة أفهام خلقه: فلينظر كيف لطف بخلقه في إيصال ~~معاني كلامه الذي هو صفة قائمة بذاته إلى أفهام خلقه، وكيف تجلت لهم تلك ~~الصفة في طي حروف وأصوات هي صفات البشر، إذ يعجز البشر عن الوصول إلى فهم ~~صفات الله إلا بوسيلة صفات نفسه، ولولا استتار كنه جمال كلامه بكسوة ~~الحروف، لما ثبت لسماع كلامه عرش ولا ثرى، ولا شئ بينهما، من عظمة سلطانه ~~وسبحات نوره، ولولا تثبيت الله موسى (ع) لما أطاق سماع كلامه، كما لم يطق ~~الجبل مبادي تجلية حيث صار دكا، ولا يمكن تفهيم عظمة الكلام إلا بأمثلة على ~~حد فهم الخلق، ولهذا عبر عنه بعض العارفين، فقال: (إن كل حرف من كلام الله ms826 ~~في اللوح أعظم من جبل قاف، وإن الملائكة لو اجتمعت على الحرف الواحد أن ~~ينقلوه ما أطاقوه، حتى يأتي إسرافيل، وهو ملك اللوح، فيرفعه. فنقله بأذن ~~الله ورحمته، لا بقوته وطاقته). وإيصال معاني الكلام مع علو درجته إلى فهم ~~الإنسان مع قصور رتبته، تشابه من درجة تصويت الإنسان البهائم والطيور. فإن ~~الإنسان لما أراد تفهيم بعض الدواب والطيور ما يريد من إقبالها وإدبارها ~~وتقديمها وتأخيرها، وكان تمييزها قاصرا عن فهم كلامه الصادر عن عقله مع ~~حسنه وترتيبه وبديع نظمه، فينزل إلى درجة تمييز البهائم، ويوصل مقاصده ~~إليها بأصوات لائقة بها، من النفير والصفير والأصوات القريبة من أصواتها، ~~يطيقون حملها. وكذلك الناس، لما كانوا عاجزين عن حمل كلام الله بكنه وكمال ~~صفاته، فتنزل من عرش العظمة والجلال إلى درجة إفهامه، فتجلى في مظاهر ~~الأصوات والحروف، وقد يشرف الصوت لأجل الحكمة المحبوة فيه. فكما أن بدن ~~البشر يكرم ويعزز لمكان الروح، فكذلك أصوات الكلام تشرف للحكمة التي فيها. # والكلام عالي المنزلة، رفيع الدرجة، قاهر السلطان، نافذ الحكم في الحق ~~والباطل، وهو القاضي العادل، يأمر وينهى، ولا طاقة للباطل أن يقوم قدام ~~كلام الحكمة، فلا يستطيع الظل أن يقوم قدام شعاع الشمس، ولا طاقة للناس أن ~~ينفذوا غور الحكمة، كما لا طاقة لهم أن ينفذوا بأبصارهم ضوء عين الشمس، ~~ولكنهم ينالون منها ما تقدم به أبصارهم ويستدلون به على PageV03P295 # حوائجهم. فالكلام كالملك المحجوب الغائب وجهه، المشاهد أمره، فهو مفتاح ~~الخزائن النفيسة، وشراب الحياة الذي من شرب منه لم يمت، ودواء الأسقام الذي ~~من سقي منه لم يسقم. # ومنها - تعظيم المتكلم: فينبغي للقارئ عند الابتداء بالتلاوة، أن يحضر في ~~قلبه عظمة المتكلم، ويعلم أنه ليس من كلام البشر، بل هو كلام خالق الشمس ~~والقمر، وفي تلاوة كلامه غاية الخطر، إذ كما لا ينبغي أن تمس جلده وورقه ~~وحروفه البشرة المستقذرة بخبث أو حدث، فكذلك لا ينبغي أن تقرؤه الألسنة ~~المستخبثة بقبائح الكلمات، وألا تحوم حول معناه القلوب المكدرة برذائل ~~الأخلاق والصفات، فكما أنه لا ms827 يصلح لمس ظاهر خطه كل يد، بل هو محروس عن ~~ظاهر بشرة اللامس، إلا إذا كان متطهرا، فكذلك لا يصلح لتلاوة حروفه كل ~~لسان، ولا لنيل معانيه كل قلب، بل باطن معناه لعلوه وجلاله محجوب عن باطن ~~القلوب، إلا إذا كانت منقطعة عن كل رجس، مستنيرة بنور التعظيم والتوقير. ~~وبالجملة: ينبغي ألا يترك عند التلاوة تعظيم المتكلم له، ليتحقق تعظيم ~~الكلام أيضا، إذ تعظيم الكلام بتعظيم المتكلم، ولو لم تحضره عظمة المتكلم ~~لغفلة قلبه، فليرجع إلى التفكر في صفاته وأفعاله، ويستحضر أن المتكلم هو ~~الذي أوجد وأظهر بمجرد أرادته كل ما يشاهده ويسمعه، من العرش والكرسي ~~والسماوات والأرضين، وما فيها وما تحتها وما فوقها، وأنه الخالق والرازق ~~للجميع، والكل في قبضة قدرته مسخر أسير، ومردد بين فضله ورحمته، وبين نقمته ~~وسطوته، وجميع ذلك لا نسبة له إلى عوالم المجردات. فالتفكر في أمثال ذلك ~~يوجب استشعار القلب لعظمة المتكلم والكلام. ولمثل هذا التعظيم كان بعضهم ~~إذا نشر المصحف للتلاوة غشي عليه، ويقول: (هو كلام ربي، هو كلام ربي!). # ومنها - الخضوع والرقة: قال الصادق (ع): (من قرأ القرآن، ولم يخضع ولم ~~يرق قلبه، ولا ينشئ حزنا ووجلا في سره، فقد استهان بعظيم شأن الله تعالى، ~~وخسر خسرانا مبينا، فقارئ القرآن محتاج إلى ثلاثة أشياء: قلب خاشع، وبدن ~~فارغ، وموضع خال. فإذا خشع لله قلبه فر PageV03P296 # منه الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: # (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) (41). # فإذا تفرغ نفسه من الأسباب، تجرد قلبه للقراءة فلا يعرضه عارض فيحرمه ~~بركة نور القرآن وفوائده. فإذا اتخذ مجلسا خاليا، واعتزل عن الخلق بعد أن ~~أتى بالخصلتين: خضوع القلب وفراغ البدن، استأنس روحه وسره بالله عز وجل، ~~ووجود حلاوة مخاطبات الله عز وجل عباده الصالحين، وعليم لطفه بهم ومقام ~~اختصاصه لهم، بفنون كراماته، وبدائع إشاراته، فإن شرب كأسا من هذا المشرب ~~حين إذ، لا يختار على ذلك الحال حالا، ولا على ذلك الوقت وقتا، بل يؤثره ~~على كل طاعة وعبادة، لأن فيه المناجاة ms828 مع الرب بل واسطة. فانظر كيف تقرأ ~~كتاب ربك ومنشور ولايتك، وكيف تجيب أوامره ونواهيه، وكيف تمثل حدوده: # (وإنه لكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من ~~حكيم حميد) (42). # فرتله ترتيلا، وقف عند وعده ووعيده، وتفكر في أمثاله ومواعظه، واحذر أن ~~تقع من إقامتك حروفه في إضاعة حدوده) (43). # ومنها - حضور القلب، وترك حديث النفس: وهو يترتب على التعظيم، فإن من ~~يعظم شيئا، كلاما كان أو غيره، يستبشر ويستأنس به، ولا يغفل عنه. ولا ريب ~~في أن القرآن يشتمل على ما يستأنس به القلب، وتفوح به النفس، أن كان التالي ~~أهلا له. # ومنها - التدبر: وهو زائد على حضور القلب، إذ التالي ربما لم يتفكر في ~~غير القرآن، ولكنه اقتصر على سماعه من نفسه، ومن دون تدبر فيه. والمقصود من ~~تلاوة القرآن التدبر فيه في الباطن، قال الله سبحانه: # (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) (44). # PageV03P297 # وقال أمير المؤمنين (ع): (لا خير في عبادة لا فقه فيها، ولا في قراءة لا ~~تدبر فيها). وإذا لم يتمكن من التدبر إلا بالترديد،، فليردد. # ولذلك كان الأكابر كثيرا ما يكررون بعض الآيات مرات كثيرة للتدبر فيها، ~~وربما يقفون عند آية مدة مديدة، وقال بعضهم: (لي في كل جمعة ختمة، وفي كل ~~شهر ختمة، وفي كل سنة ختمة، ولي ختمة منذ ثلاثين ما فرغت منها بعد!)، وذلك ~~بحسب درجات تدبره وتفتيشه. # ومنها - التفهم: وهو أن يستوضح من كل آية ما يليق بها، إذ القرآن يشتمل ~~على ذكر صفاته تعالى، وذكر أفعاله، وذكر الجنة والنار، وأحوال النشأة ~~الآخرة، وذكر أحوال أنبيائه، وأحوال المكذبين، وأنهم كيف أهلكوا، وذكر ~~أحكامه وأوامره ونواهيه وغير ذلك. فإن مر بآيات صفاته تعالى، كقوله: # (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) (45). وكقوله تعالى: (الملك القدوس ~~السلام...) إلى آخر الآية (46) وغير ذلك. # فليتأمل في معاني هذه الأسماء والصفات، لتنكشف له أسرارها المكنونة ~~تحتها، ولا تنكشف هذه الأسرار إلا للمؤيدين في فهم كتاب الله. # قال أمير المؤمنين (ع): (ما أسر إلي ms829 رسول الله (ص) شيئا كتمه عن الناس، ~~إلا أن يؤتي الله عز وجل عبدا فهما في كتابه). وإن مر بآيات الأفعال، أي ~~الآيات الحاكية عن خلقه السماوات والأرض، وما فيهما من الملائكة والكواكب ~~والجبال والحيوان والنبات، وما بينهما من السحب والغيوم والرياح والأمطار ~~وغير ذلك، فليفهم التالي منها عظمة الله وجلاله. # إذ الفعل يدل على الفاعل، فعظمته تدل على عظمته. وينبغي أن يشهد في الفعل ~~الفاعل دون الفعل، إذ من عرف الحق رآه في كل شئ، إذ كل شئ منه وبه وإليه ~~وله، فهو الكل في وحده، ومن لا يراه في كل ما يراه فكأنه ما عرفه، ومن عرفه ~~عرف أن كل شئ ما خلا الله باطل، وأن كل شئ هالك إلا وجهه، وإن اعتبر من حيث ~~هو، إذ مع قطع النظر عن الواجب # PageV03P298 # وإيجاده، لا ذات ولا وجود، بل محض العدم وعدم المحض. فذات كل شئ ووجوده ~~وثباته وبقاؤه بالله العلي العظيم. فإذا قرأ التالي آية تدل على شئ من ~~عجائب صنعه وغرائب فعله، فليتأمل في تلك العجائب، ثم يترقى منها إلى أعجب ~~العجائب، وهي الصفة التي صدرت منها هذه الأعاجيب. # وإذا سمع وصف الجنة والنار وسائر أحوال الآخرة، فليتذكر أن ما في هذا ~~العالم من النعم والنقم لا نسبة له إلى ما في عالم الآخرة، فلينتقل من ذلك ~~إلى عظمة الله تعالى، وينقطع إليه باطنا، ليخلصه من عقوبات تلك النشأة، ~~ويوصله إلى نعيمها ولذاتها. وإذا سمع أحوال الأنبياء عليهم السلام، من ~~تكذيبهم وضربهم وقتلهم، فليفهم منه صفة الاستغناء لله تعالى من الرسل ~~والمرسل إليهم، وأنه لو أهلك جميعهم لا يؤثر في ملكه وإذا سمع نصرتهم في ~~الأمر، فليفهم قدرة الله وإرادته لنصرته لنصرة الحق. وأما أحوال المكذبين ~~وما جرى عليهم من العقوبات وضروب النكال، فليستشعر الخوف من سطوته ونقمته، ~~ويعتبر في نفسه، ويعلم أنه غفل وأساء الأدب، واغتر بما أمهل، فربما تدركه ~~النقمة. وكذلك إذا سمع الوعد والوعيد والأمر والتهديد، فلا يمكن استقصاء ما ~~يفهم من القرآن، لأنه ms830 لا نهاية له، إذ (لا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) ~~(قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي) ~~(47). # ولكل عبد منه بقدر استعداده ومقدار فهمه وصفاء نفسه. # ومنها - التخلي عن موانع الفهم: وهي التقليد والتعصب لمذهب، فإن ذلك ~~بمنزلة حجاب لمرآة النفس يمنعها عن انعكاس غير معتقدها فيها، والجمود على ~~تفسير ظاهر، ظانا أن غيره تفسير بالرأي لا يجوز ارتكابه، وصرف الهمة والفهم ~~إلى تحقيق الحروف وما يتعلق بها من الأمور المتداولة بين القراء، فإن قصر ~~التأمل على ذلك مانع من انكشاف المعاني، والاصرار على الذنوب الظاهرة ~~والباطنة، ومتابعة الشهوات المظلمة للقلب الموجبة للحرمان عن انكشاف ~~الأسرار والحقائق فيه، وإشراق المعارف الحقة عليه. # PageV03P299 # قال رسول الله (ص): - (إذا عظمت أمتي الدينار والدرهم تنزع منها هيبة ~~الإسلام، وإذا تركوا الأمر بالمعروف، حرموا بركة الوحي). وقد شرط الله ~~تعالى الإنابة في الفهم والتذكر، قال الله تعالى: # (تبصرة وذكرى لكل عبد منيب) (48). وقال تعالى: (وما يتذكر إلا من ينيب) ~~(49). وقال تعالى: (إنما يتذكر أولو الألباب) (50). # ومنها - التخصيص: وهو أن يقدر أنه المقصود بكل خطاب في القرآن من الأمر ~~والنهي والوعد والوعيد، حتى أنه لو سمع قصص الأولين يجزم بأن المقصود ~~الاعتبار دون مجرد الحكاية والتشمر. فما من قصة في القرآن إلا وسياقها ~~الفائدة في حق النبي وأمته، ولذلك قال سبحانه: # (ما نثبت به فؤادك) (51). # فإن القرآن جميعه هدى وشفاء ورحمة، ونور وموعظة وبصائر للعالمين فكل أحد ~~إذا قرأه ينبغي أن تكون قراءة العبد كتاب مولاه الذي كتب إليه ليتأمله ~~ويعمل بمقتضاه. قال بعض الأكابر: (هذا القرآن رسائل أتتنا من قبل ربنا عز ~~وجل بعهوده، فنتدبرها في الصلوات، ونقف في الخلوات، وننفذها في الطاعات ~~بالسنن المتبعات). # ومنها - التأثر: وهو أن يتأثر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات، ~~فيكون له بحسب كل فهم حال: من الخوف، والحزن والوجل، والوجد، والفرح، ~~والارتياح، والرجاء، والقبض، والانبساط فإذا سمع الوعيد فليضطرب قلبه، ~~ويتضائل من الخوف كأنه يموت، وإن سمع وسعه ms831 الرحمة ووعد المغفرة، فليفرح ~~ويستبشر كأنه يطير من الابتهاج، وإذا سمع وصف الجنة، فلينبعث باطنه شوقا ~~إليها وإذا سمع وصف النار، فلترتعد فرائصه خوفا منها، وإذا سمع صفات الله ~~وأسماءه ونعوت جلاله، فليتطأطأ خضوعا لجلاله واستشعارا لعظمته وكبريائه، ~~وإذا سمع ذكر الكفار ما يستحيل على الله من اتخاذ الولد وأمثاله، فليغض ~~صوته وينكسر في باطنه حياء من # PageV03P300 # قبح مقالتهم.. وقس على ذلك غيره من الآيات المختلفة. ومهما تمت المعرفة ~~كانت الخشية أغلب الأحوال على القلب، إذ التضيق غالب على آيات القرآن إذ لا ~~ترى ذكر المغفرة والرحمة إلا مقرونا بشروط يقصر الأكثرون عن نيلها، ولذلك ~~كان في الخائفين من يصير مغشيا عليه عند استماع آيات الوعيد، ومنهم من مات ~~بمجرد استماعها. وبالجملة: المقصود الأصلي من القرآن، استجلاب هذه الأحوال ~~إلى القلب والعمل به وإلا فالمؤنة بتحريك اللسان بحروفه خفيفة. وحق تلاوة ~~القرآن أن يشترك فيها اللسان والعقل والقلب فحظ اللسان تصحيح الحروف ~~بالترتيل، وحظ العقل إدراك المعاني، وحظ القلب الاتعاض والتأثر بالحالات ~~المذكورة. فاللسان واعظ القلب، والعقل مترجم، والقلب متعظ. # ومنها - الترقي: وهو أن يترقى إلى أن يسمع الكلام من الله تعالى لا من ~~نفسه. فدرجات القراءة ثلاث: الأولى: وهي أدناها، أن يقدر العبد أنه يقرؤه ~~على الله تعالى واقفا بين يديه، وهو ناظر إليه ومستمع منه، فتكون حاله - ~~على هذا التقدير - التملق والسؤال والتضرع والابتهال. # الثانية: أن يشهد بقلبه، كأن ربه يخاطبه باللطافة، ويناجيه بإحسانه ~~وإنعامه فمقامه الهيبة والحياء والتعظيم والاصغاء. الثالثة: أن يرى في ~~الكلام المتكلم، وفي الكلمات الصفات، فلا ينظر إلى نفسه وإلى تلاوته، ولا ~~إلى تعلق الإنعام به من حيث أنه منعم عليه، بل يكون مقصود الهم على التكلم ~~موقوف الفكر عليه. كأنه مستغرق بمشاهدة المتكلم من غيره. وهذه درجة ~~المقربين والصديقين، وما قبله من درجات أصحاب اليمين وما خرج من ذلك فهو ~~درجات الغافلين. وقد أخبر عن الدرجة العليا سيد الشهداء - أرواحنا فداه - ~~حيث قال (ع): (الذي تجلى لعباده في كتابه بل في كل شئ، ms832 وأراهم نفسه في ~~خاطبه، بل في كل نور). وأشار إليها الإمام أبو عبد الله الصادق عليه السلام ~~حيث قال: (والله لقد تجلى الله عز وجل بخلقه في كلامه! ولكن لا يبصرون). ~~وروي: (أنه لحقته حالة في الصلاة، حتى خر مغشيا عليه، فلما سرى عنه، قيل له ~~في ذلك، فقال (ع): ما زلت أردد الآية على قلبي، حتى سمعتها من المتكلم بها، ~~فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته). وفي مثل PageV03P301 # هذه الدرجة تشتد البهجة، وتعظم الحلاوة واللذة. ولذلك قال بعض الحكماء ~~(كنت أقرأ القرآن، فلا أجد له حلاوة، حتى تلوته كأني أسمعه عن رسول الله ~~(ص) يتلوه على أصحابه، ثم رفعت إلى مقام فوقه، فكنت اتلوه كأني أسمعه من ~~جبرئيل يلقيه على رسول الله (ص) فعندها وجدت لذة ونعيما لا أصبر عنه) وقال ~~حذيفة: (لو طهرت القلوب، لم تشبع من قراءة القرآن) وذلك لأنها بالطهارة ~~تترقى إلى مشاهدة المتكلم في الكلام، بل التوحيد الخالص للعبد، ألا يرى في ~~كل شئ إلا الله، إذ لو رأى غيره، لا من حيث أنه منه وله وبه وإليه، كان ~~مشركا بالشرك الخفي. # ومنها - التبري: وهو أن يتبرى من حوله وقوته، ولا يلتفت إلى نفسه بعين ~~الرضا والتزكية. فإذا قرأ آيات الوعد ومدح الأخيار، فلا يشهد نفسه ولا ~~يدخلها في زمرتهم، بل يشهد أهل الصدق واليقين، ويتشوق إلى أن يلحقه الله ~~بهم. وإذا قرأ آيات المقت والوعيد، وذم العصاة والمقصرين شهد نفسه هناك، ~~وقدر أنه المخاطب خوفا وإشفاقا. وإلى هذا أشار مولانا أمير المؤمنين (ع)، ~~حيث قال في وصف المتقين: (وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع ~~قلوبهم، وظنوا أن زفير جهنم في آذانهم) فإذا رأى القارئ نفسه بصورة التقصير ~~في القراءة كانت رؤيته سبب قربه. فإن من شهد البعد في القرب، لطف له ~~بالخوف، حتى يسوقه إلى درجة أخرى في القرب وراءها، ومن شهد القرب في البعد ~~مكر به بالأمن الذي يفيضه إلى درجة أخرى في البعد أسفل مما هو فيه. ومهما ~~كان مشاهدا نفسه ms833 بعين الرضا، صار محجوبا بنفسه. فإذا جاوز حد الالتفات إلى ~~نفسه، ولم يشاهد إلا الله تعالى في قراءته، وكشف له سر الملكوت بحسب ~~أحواله، فحيث يتلو آيات الرحمة والرجاء، ويغلب على حاله الاستبشار، وتنكشف ~~له صورة الجنة، فيشاهدها كأنه يراها عيانا، وأن غلب عليه الخوف، كوشف ~~بالنار، حتى يرى أنواع عذابها، وذلك لأن كلام الله عز وجل يشتمل على السهل ~~اللطيف، والشديد العسوف، والمرجو والمخوف، وذلك بحسب أوصافه، إذ منها ~~الرحمة واللطف. # ومنه - القهر والبطش والانتقام: فبحسب مشاهدة الكلمات والصفات ~~PageV03P302 # ينقلب القلب في اختلاف الحالات، وبحسب كل حالة منها يستعد للمكاشفة بأمر ~~يناسب تلك الحالة، ويمتنع أن يكون حال المستمع واحدا والمسموع مختلفا، إذ ~~فيه كلام راض وكلام غضبان، وكلام منعم، وكلام منتقم، وكلام جبار متكبر لا ~~يبالي، وكلام منان متعطف لا يهمل. # المقصد الخامس الصوم إعلم أن الصوم أجره عظيم، وثوابه جسيم، وما يدل على ~~فضله من الآيات والأخبار أكثر من أن تحصى، وهي معروفة مشهورة فلا حاجة إلى ~~ذكرها، فلنشر إلى ما يتعلق به من الأمور الباطنة: # فصل ما ينبغي للصائم ينبغي للصائم أن يغض بصره عن كل ما يحرم النظر إليه، ~~أو يكرهه، أو يشغل القلب ويلهيه عن ذكر الله تعالى، ويحفظ اللسان عن جميع ~~آفاته المتقدمة، ويكف السمع عن كل ما يحرم أو يكره استماعه، ويكف بطنه عن ~~الحرام والشبهات، ويكف سائر جوارحه عن المكاره. وقد ورد في اشتراط جميع ذلك ~~في الصوم في ترتب كمال الثواب عليه أخبار كثيرة. وينبغي أيضا ألا يستكثر من ~~الحلال وقت الافطار بحيث يمتلئ، إذ ما من وعاء أبغض إلى الله عز وجل من بطن ~~ملئ من حلال، كيف والسر في شرع الصوم قهر عدو الله وكسر الشهوة والهوى، ~~لتتقوى النفس على التقوى، وترتقي من حضيض وحظوظ النفس البهيمية إلى ذروة ~~التشبيه بالملائكة الروحانية، وكيف يحصل ذلك إذا تدارك الصائم عند الافطار ~~ما فاته ضحوة نهاره، لا سيما إذا زيد عليه في ألوان الطعام، كما استمرت ~~العادات في هذه الأعصار، ms834 وربما يؤكل من الأطعمة في شهر رمضان ما لا يؤكل في ~~عدة شهور. ولا ريب في أن المعدة إذا خليت من ضحوة النهار إلى العشاء، حتى ~~هاجت شهوتها وقويت رغبتها، ثم أطعمت من اللذات، وأشبعت من ألوان المطاعم، ~~وجمع ما كان يأكل ضحوة إلى ما يأكل ليلا، وأكل جميع في الليل مرة أو مرتين ~~أو أكثر زادت لذتها، وتضاعفت قوتها، وابعث من الشهوات ما عساها كانت راكدة ~~PageV03P303 # لو تركت على عادتها، فلا يحصل ما هو المقصود من الصوم، أعني تضعيف القوى ~~الشهوية التي هي وسائل الشيطان، فلا بد من التقليل، وهو أن يأكل في مجموع ~~الليلة أكلته التي كان يأكلها كل ليلة لو لم يصم، من دون ضم مما يأكل في ~~النهار إليه، حتى ينتفع بصومه. والحاصل: إن روح الصوم وسره والغرض الأصلي ~~منه: التخلق بخلق من أخلاق الله تعالى، أعني الصمدية والاقتداء بالملائكة ~~في الكف عن الشهوات بقدر الإمكان وهذا إنما يحصل بتقليل الأكل عما يأكله في ~~غير وقت الصوم، فلا جدوى لمجرد تأخير أكله وجمع أكلتين عند العشاء، ثم لو ~~جعل سر الصوم ما يظهر من بعض الظواهر من إدراك الأغنياء ألم الجوع ~~والانتقال منه إلى شدة حال الفقراء، فيبعثهم ذلك على مواساتهم بالأموال ~~والأقوات، فهو أيضا لا يتم بدون التقليل في الأكل. # فصل ما ينبغي للصائم عند الافطار ينبغي لكل صائم أن يكون قلبه بعد ~~الافطار مضطربا، معلقا بين الخوف والرجاء، إذ ليس يدري أيقبل صومه فهو من ~~المقربين أو يرد عليه فهو من الممقوتين، وليكن الحال كذلك في آخر كل عبادة ~~يفرغ منها. روي: (أن الإمام أبا محمد الحسن المجتبى (ع) مر بقوم يوم العيد، ~~وهم يضحكون، فقال (ع) إن الله تعالى جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه، يستبقون ~~فيه لطاعته، فسبق أقوام ففازوا، وتخلف أقوام فخابوا، فالعجب كل العجب ~~للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه المسارعون وخاب فيه المبطلون، أما ~~والله لو كشف الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانه، والمسئ عن إساءته!)، أي كان ~~سرور المقبول يشغله ms835 عن اللعب، وحسرة المردود تسد عليه باب الضحك فصل درجات ~~الصوم للصوم ثلاث درجات: # الأولى - صوم العموم: وهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة، وهذا لا يفيد ~~أزيد من سقوط القضاء والاستخلاص من العذاب. PageV03P304 # الثانية - صوم الخصوص: وهو الكف المذكور، مع كف البصر والسمع واللسان ~~واليد والرجل وسائر الجوارح عن المعاصي، وعلى هذا الصوم تترتب المثوبات ~~الموعودة من صاحب الشرع. # الثالثة - صوم خصوص الخصوص -: وهو الكفان المذكوران، مع صوم القلب عن ~~الهمم الدنية، والأخلاق الردية، والأفكار الدنيوية، وكفه عما سواه بالكلية، ~~ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر في ما سوى الله واليوم الآخر، وحاصل هذا ~~الصوم إقبال بكنه الهمة على الله، وانصراف عن غير الله وتلبس بمعنى قوله ~~تعالى: (قل الله ثم ذرهم)، وهذا درجة الأنبياء والصديقين والمقربين، ويترتب ~~عليه الوصول إلى المشاهدة واللقاء، والفوز بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ~~ولا خطر على قلب أحد. وإلى هذا الصوم أشار مولانا الصادق (ع) حيث قال: (قال ~~النبي (ص): الصوم جنة. أي ستر من آفات الدنيا وحجاب من عذاب الآخرة، فإذا ~~صمت فانو بصومك كف النفس عن الشهوات، وقطع الهمة عن خطرات الشياطين، وأنزل ~~نفسك منزلة المرضى، ولا تشتهي طعاما ولا شرابا، وتوقع في كل لحظة شفاءك من ~~مرض الذنوب، وطهر باطنك من كل كدر وغفلة وظلمة يقطعك عن معنى الإخلاص لوجه ~~الله قال رسول الله (ص): قال الله تعالى: الصوم لي وأنا أجزي به. والصوم ~~يميت مراد النفس وشهوة الطبع، وفيه صفاء القلب، وطهارة الجوارح، وعمارة ~~الظاهر والباطن، والشكر على النعم والاحسان إلى الفقراء، وزيادة التضرع ~~والخشوع والبكاء، وحبل الالتجاء إلى الله، وسبب انكسار الهمة. تخفيف ~~الحساب، وتضعيف الحسنات، وفيه من الفوائد ما لا يحصى ولا يعد، وكفى بما ~~ذكرناه لمن عقله ووفق لاستعماله) (52) تتمم من صام شهر رمضان إخلاصا لله ~~وتقربا إليه، وطهر باطنه من ذمائم الأخلاق، وكف ظاهره عن المعاصي والآثام، ~~وأجتنب، عن الحرام، ولم يأكل إلا الحلال، ولم يفرط في الأكل، وواظب على ~~جملة من النوافل ms836 # PageV03P305 # والأدعية وسائر الآداب المسنونة فيه، استحق للمغفرة والخلاص عن عذاب ~~الآخرة، بمقتضى الأخبار المتواترة. ثم إن كل من العوام، حصل له من صفاء ~~النفس ما يوجب استجابة دعوته، وإن كان من أهل المعرفة، فعسى الشيطان لا ~~يحوم على قلبه، فينكشف له شئ من الملكوت، وسيما في ليلة القدر، إذ هي ~~الليلة التي تنكشف فيها الأسرار، وتفيض القلوب الطاهرة الأنوار، والمناط ~~والعمدة في نيل ذلك تقليل الأكل بحيث يحسن ألم الجوع، إذ من جعل بين قلبه ~~وبين صدره مخلاة من الطعام، فهو محجوب عن عوالم الأنوار، ويستحيل أن ينكشف ~~له شئ من الأسرار. # المقصد السادس الحج إعلم أن الحج أعظم أركان الدين، وعمدة ما يقرب العبد ~~إلى رب العالمين، وهو أهم التكاليف الإلهية وأثقلها، وأصعب العبادات ~~البدنية وأفضلها، وأعظم بعبادة ينعدم بفقدها الدين، ويساوي تاركها اليهود ~~والنصارى في الخسران المبين. والأخبار التي وردت في فضيلته وفي ذم تاركه ~~كثيرة مذكورة في كتب الأخبار، والأحكام والشرائط الظاهرة له على عهدة ~~الفقهاء، فلنشر إلى الأسرار الخفية، والأعمال الدقيقة والآداب الباطنة، ~~التي يبحث عنها أرباب القلوب: # فصل الغرض من إيجاد الإنسان إعلم أن الغرض الأصلي من إيجاد الإنسان معرفة ~~الله والوصول إلى حبه والأنس به، والوصول إليه بالحب والأنس يتوقف على صفاء ~~النفس وتجردها. فكلما صارت النفس أصفى وأشد تجردا، كان أنسها وحبها بالله ~~أشد وأكثر. وصفاء النفس وتجردها موقوف على التنزه عن الشهوات والكف عن ~~اللذات، والانقطاع عن الحطام الدنيوية، وتحريك الجوارح وإيقاعها لأجله في ~~الأعمال الشاقة، والتجرد لذكره وتوجيه القلب إليه. # ولذلك شرعت العبادات المشتملة على هذه الأمور إذ بعضها إنفاق المال ~~وبذله، الموجب للانقطاع عن الحطام الدنيوية، كالزكاة والخمس والصدقات ~~PageV03P306 # وبعضها الكف عن الشهوات واللذات، كالصوم، وبعضها التجرد لذكر الله وتوجيه ~~القلب إليه، وارتكاب تحريك الأعضاء وتعبها، كالصلاة، والحج من بينها مشتمل ~~على جميع هذه الأمور مع الزيادة، إذ فيه هجران أوطان، وإتعاب أبدان، وإنفاق ~~أموال، وانقطاع آمال، وتحمل مشاق. وتجديد ميثاق، وحضور مشاعر، وشهود شعائر، ~~ويتحقق في أعماله التجرد لذكر ms837 الله، والإقبال عليه بضروب الطاعات ~~والعبادات، مع كون أعماله أمورا لا تأنس بها النفوس، ولا تهتدي إلى معانيها ~~العقول، كرمي الجمار بالأحجار، والتردد بين الصفا والمروة على سبيل ~~التكرار، إذ بمثل هذه الأعمال يظهر كمال الرق والعبودية، فإن سائر العبادات ~~أعمال وأفعال يظهر وجهها للعقل، فللنفس إليها ميل، وللطبع بها أنس. # وأما بعض أعمال الحج، كرمي الجمار وترددات السعي، فلاحظ للنفس ولا أنس ~~للطبع فيها ولا اهتداء للعقل إلى معانيها، فلا يكون الإقدام عليها إلا ~~لمجرد الأمر وقصد الامتثال له من حيث أنه أمر واجب الاتباع، ففيها عزل ~~العقل عن تصرفه، وصرف النفس والطبع عن محل أنسه، فإن كل ما أدرك العقل ~~معناه مال الطبع إليه ميلا ما، فيكون ذلك الميل معينا للامتثال، فلا يظهر ~~به كمال الرق والانقياد ولذلك قال النبي (ص) في الحج على الخصوص: (لبيك ~~بحجة حقا وتعبدا ورقا!)، ولم يقل ذلك في غيره من العبادات. فمثل هذه ~~العبادات - أي ما لم يهتد العقل إلى معناه ووجه - أبلغ أنواع العبادات في ~~تزكية النفوس وصرفها عن مقتضي الطبع والبغي إلى الاسترقاق، فتتعجب بعض ~~الناس من هذه الأفعال العجيبة مصدره الجهل بأسرار التعبدات، وهذا هو السر ~~في وضع الحج، مع دلالة كل عمل من أعماله على بعض أحوال الآخرة، أو في بعض ~~أسرار أخر - كما يأتي - ما فيه من اجتماع أهل العالم في موضع تكرر فيه نزول ~~الوحي، وهبوط جبرئيل وغيره من الملائكة المقربين على رسوله المكرم، ومن ~~قبله على خليله المعظم - عليهما أفضل الصلاة - بل لا يزال مرجعا ومنزلا ~~لجميع الأنبياء، من آدم إلى خاتم، ومهبطا للوحي، ومحلا لنزول طوائف ~~الملائكة. وقد تولد فيه سيد الرسل (ص) وتوطأت أكثر PageV03P307 # مواضعه قدمه الشريفة وأقدام سائر الأنبياء، ولذلك سمي ب‍ (البيت العتيق) ~~وقد شرفه الله تعالى بالإضافة إلى نفسه، ونصبه مقصدا لعباده، وجعل ما ~~حواليه حرما لبيته، وتفخيما لأمره وجعل عرفات كالميدان على فناء حرمه، وأكد ~~حرمة الموضع بتحريم صيده، وقطع شجره، ووضعه على مثال حضرة الملوك، فقصده ~~الزوار من ms838 كل فج عميق، ومن كل أوب سحيق، شعثاء غبراء، متواضعين لرب البيت، ~~ومستكنين له، خضوعا لجلاله، واستكانة لعزته وعظمته، مع الاعتراف بتنزهه عن ~~أن يحومه بيت أو يكتنفه بلد. # ولا ريب في أن الاجتماع في مثل هذا الموضع، مع ما فيه من حصول الموالفة ~~والمصاحبة، ومجاورة الأبدال والأوتاد والأخيار المجتمعين من أقطار البلاد، ~~وتظاهر الهمم، وتعاون النفوس على التضرع والابتهال والدعاء الموجب لسرعة ~~الإجابة بذكر النبي (ص) وإجلاله ونزول الوحي عليه، وغاية سعيه واهتمامه في ~~إعلاء كلمة الله ونشر أحكام دينه، فتحصل الرقة للقلب، والصفاء للنفس. ثم ~~لكون الحج أعظم التكليفات لهذه الأمة، جعل بمنزلة الرهبانية في الملل ~~السالفة، فإن الأمم الماضية إذا أرادوا العمل لأصعب التكاليف وأشقها على ~~النفس، انفردوا عن الخلق، وانحازوا إلى قلل الجبال، وآثروا التوحش عن الخلق ~~بطلب الأنس بالله، والتجرد له في جميع الحركات والسكنات، فتركوا اللذات ~~الحاضرة، وألزموا أنفسهم الرياضات الشاقة، طمعا في الآخرة وقد أثنى الله ~~عليهم في كتابه، وقال : (ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون) ~~(53) وقال تعالى (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان ~~الله) (54). # ولما اندرس ذلك، وأقبل الخلق على أتباع الشهوات، وهجروا التجرد لعبادة ~~الله تعالى، وفروا عنها، بعث الله تعالى من سرة البطحاء محمد (ص)، لإحياء ~~طريق الآخرة، وتجديد سنة المرسلين في سلوكها، فمسألة أهل الملل من ~~الرهبانية والسياحة في دينه فقال (ص): (أبدلنا بالرهبانية الجهاد، # PageV03P308 # والتكبير على كل شرف - يعني الحج -، وأبدلنا بالسياحة الصوم). # فأنعم الله على هذه الأمة، بأن جعل الحج رهبانية لهم، فهو بإزاء أعظم ~~التكاليف والطاعات في الملل السابقة. # فصل ما ينبغي في الحاج ينبغي للحاج، عند توجهه إلى الحج، مراعاة أمور: # الأول - أن يجرد نيته لله، بحيث لا يشوبها شئ من الأغراض الدنيوية، ولا ~~يكون باعثه على التوجه إلى الحج إلا امتثال أمر الله ونيل ثوابه، ~~والاستخلاص من عذابه، فليحذر كل الحذر أن يكون له باعث آخر، مكنون في بعض ~~زوايا قلبه، كالرياء والحذر عن ذم الناس وتفسيقهم لولا يحج، أو ms839 الخوف من ~~الفقر وتلف أموالهم لو ترك الحج، لما اشتهر من أن (تارك الحج يبتلى بالفقر ~~والإدبار)، أو قصد التجارة أو شغل آخر، فإن كل ذلك يخرج العمل من الإخلاص، ~~ويحجبه عن الفائدة وترتب الثواب الموعود، وما أجهل من تحمل الأعمال الشاقة ~~التي يمكن أن تحصل بها سعادة الأبد، لأجل خيالات فاسدة لا يترتب عليها سوى ~~الخسران فائدة فيجتهد كل الجهد أن يجعل عزمه خالصا لوجه الله، بعيدا عن ~~شوائب الرياء والسمعة ويتيقن أنه لا يقبل من قصده وعمله إلا الخالص، وأن من ~~أفحش الفواحش أن يقصد بيت الملك وحرمه والمقصود غيره، فليصحح في نفسه ~~العزم، وتصحيحه بإخلاصه باجتناب كل ما فيه رياء وسمعة. # الثاني - أن يتوب إلى الله تعالى توبة خالصة، ويرد المظالم، ويقطع علاقة ~~قلبه عن الالتفات إلى ما وراءه، ليكون متوجها إلى الله بوجه قلبه، ويقدر ~~أنه لا يعود، وليكتب وصيته لأهله وأولاده، ويتهيأ لسفر الآخرة، فإن ذلك بين ~~يديه على قرب، وما تقدمه من هذا السفر تهيئة لأسباب ذلك السفر، فهو المستقر ~~وإليه المصير. فلا ينبغي أن يغفل عن ذلك عند الاستعداد لهذا، فليتذكر عند ~~قطعه العلائق لسفر الحج قطع العلائق لسفر الآخرة. # الثالث - أن يعظم في نفسه قدر البيت وقدر رب البيت، ويعلم أنه ترك الأهل ~~والأوطان، وفارق الأحبة والبلدان، للعزم على أمر رفيع شأنه، PageV03P309 # خطير أمره: أعني زيارة بيت الله الذي جعل مثابة للناس، فسفره هذا لا ~~يضاهي أسفار الدنيا. فليحضر في قلبه ماذا يريد، وأين يتوجه، وزيارة من ~~يقصد، وإنه متوجه إلى زيارة ملك الملوك في زمرة الزائرين إليه، الذين نودوا ~~فأجابوا، وشوقوا فاشتاقوا، ودعوا فقطعوا العلائق. وفارقوا الخلائق، وأقبلوا ~~على بيت الله الرفيع قدره والعظيم شأنه، تسليا بلقاء البيت عن لقاء صاحبه، ~~إلى أن يرزقوا منتهى مناهم، ويسعدوا بالنظر إلى مولاهم، فليحضر في قلبه عظم ~~السفر، وعظمة البيت، وجلالة رب البيت، ويخرج معظما لها، ناويا إن لم يصل ~~وأدركته المنية في الطريق لقي الله وافدا إليه بمقتضى وعده. # الرابع - أن يخلي نفسه ms840 عن كل ما يشغل القلب، ويفرق الهم في الطريق، أو ~~المقصود، من معاملة أو مثلها، حتى يكون الهم مجردا لله، والقلب مطمئنا ~~منصرفا إلى ذكر الله وتعظيم شعائره، متذكرا عند كل حركة وسكون أمرا أخرويا ~~يناسبه. # الخامس - أن يكون زاده حلالا، ويوسع فيه ويطيبه، ولا يغتم ببذله وإنفاقه، ~~بل كان طيب النفس به، إذ أنفاق المال في طريق الحج نفقة في سبيل الله، ~~والدرهم منه بسبعمائة درهم، قال رسول الله (ص): # (من شرف الرجل أن يطيب زاده إذا خرج في سفر). وكان السجاد (ع) إذا سافر ~~إلى الحج، يتزود من أطيب الزاد، من اللوز والسكر والسويق المحمض والمحلى. ~~وقال الصادق (ع): (إذا سافرتم، فاتخذوا سفرة وتنوقوا فيها). وفي رواية: ~~(إنه يكره ذلك في زيارة الحسين (ع). # نعم ينبغي أن يكون الإنفاق على الاقتصاد من دون تقتير ولا إسراف، والمراد ~~بالإسراف التنعم بأطائب الأطعمة، والترفة بصرف أنواعها على ما هو عادة ~~المترفين، وأما كثرة البذل على المستحقين، فلا إسراف فيه، إذ لا خير في ~~السرف، ولا سرف في الخير. وينبغي - أيضا - أن يكون له طيب النفس فيما أصابه ~~من خسران ومصيبة في مال وبدن، لأن ذلك من دلائل قبول حجه، فإن ذهاب المال ~~في طريق الحج يعد الدرهم منه سبعمائة في سبيل الله، فالمصيبة في طريق الحج ~~بمثابة الشدائد في طريق الجهاد، فله بكل PageV03P310 # أذى أحتمله وخسران أصابه ثواب، فلا يضيع منه شئ عند الله. # السادس - أن يستحسن خلقه، ويطيب كلامه، ويكثر تواضعه، ويجتنب سوء الخلق ~~والغلظة في الكلام، والرفث والفسوق والجدال، والرفث اسم جامع لكل فحش ولغو ~~وخنى، والفسوق اسم جامع لكل خروج عن طاعة الله، والجدال هو المبالغة في ~~الخصومة والمماراة بما يورث الضغائن، ويفرق الهم ويناقض حسن الخلق. قال ~~رسول الله (ص): (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) فقيل: يا رسول الله، ~~ما بر الحج؟ قال: (طيب الكلام وإطعام الطعام). فلا ينبغي أن يكون كثير ~~الاعتراض على رفيقه وجماله، وعلى غيرهما من أصحابه، بل يلين جانبه، ويخفض ms841 ~~جناحه للسائرين إلى بيت الله، ويلزم حسن الخلق، وليس حسن الخلق مجرد كف ~~الأذى، بل احتمال الأذى، وقيل: سمي السفر سفرا، لأنه يسفر عن أخلاق الرجال. # السابع - أن يكون أشعث أغبر، غير متزين ولا مائل إلى أسباب التفاخر ~~والتكاثر، فيكتب في المتكبرين ويخرج عن حزب الضعفاء والمساكين، ويمشي أن ~~قدر خصوصا بين المشاعر. وفي الخبر: (ما عبد الله بشئ أفضل من المشي). ~~وينبغي ألا يكون الباعث للمشي تقليل النفقة، بل التعب والرياضة في سبيل ~~الله، ولو كان القصد تقليل النفقة مع اليسار، فالركوب أفضل. وكذا الركوب ~~أفضل لمن ضعف بالمشي، وساء خلقه، وقصر في العمل، ففي الخبر: (تركبون أحب ~~إلي، فإن ذلك أقوى على الدعاء والعبادة). وكان الحسين بن علي عليهما السلام ~~يمشي وتساق معه المحامل والرحال. وإذا حضرت الراحلة ليركبها، فليشكر الله ~~تعالى بقلبه على تسخيره له الدواب، للتحمل عنه الأذى، وتخف عنه المشقة. ~~وينبغي أن يرفق بها، فلا يحملها ما لا تطيق. # فصل الميقات إذا خرج عن وطنه، ودخل إلى البادية، متوجها إلى الميقات، ~~وشاهد العقبات، فليتذكر فيها ما بين الخروج من الدنيا بالموت إلى الميقات ~~يوم القيامة، وما بينهما من الأهوال والمطالبات، وليتذكر من هول قطاع ~~الطريق PageV03P311 # هو منكر ونكير، ومن سباع البوادي وحياتها وعقاربها حيات القبر وأفاعيها ~~وعقاربها وديدانها، ومن انفراده عن أهله وأقاربه وحشة القبر ووحدته وكربته، ~~وليكن في هذه المخاوف في أعماله وأقواله متزودا لمخاوف القبر. # فصل ما ينبغي في الميقات إذا دخل الميقات، ولبس ثوبي الاحرام، فليتذكر ~~عند لبسها لبس الكفن ولفه فيه، وأنه سيلقى الله ملفوفا في ثياب الكفن لا ~~محالة، فكما لا يلقى بيت الله إلا بهيئة وزي يخالف عادته، فكذلك لا يلقى ~~الله بعد الموت إلا في زي يخالف زي الدنيا وهذا الثوب قريب من ذلك الثوب، ~~إذ ليس مخيطا، كما أن الكفن أيضا ليس مخيطا. وإذا أحرم وتلبى، فليعلم أن ~~الاحرام والتلبية إجابة نداء الله، فليرج أن يكون مقبولا، وليخش أن يكون ~~مردودا، فيقال: لا لبيك ولا سعديك! فليكن ms842 بين الخوف والرجاء مترددا، وعن ~~حوله وقوته متبرأ، وعلى فضل الله وكرمه متكلا. فإن وقت التلبية هو بداية ~~الأمر، وهو محل الخطر. وقد روي: (أن علي بن الحسين - عليهما السلام - لما ~~أحرم، واستوت به راحلته، أصفر لونه وانتقص، ووقعت عليه الرعدة، ولم يستطع ~~أن يلبي. فقيل له: لم لا تلبي؟ فقال: أخشى أن يقول ربي: لا لبيك ولا سعديك! ~~فلما لبى غشي عليه وسقط من راحلته، فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجه) ~~فليتذكر الملبي عند رفع الأصوات في الميقات خائفا راجيا، أنه إجابة لنداء ~~الله تعالى: إذ قال تعالى: # (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا) (55). # ويتذكر من هذا النداء نداء الخلق بنفخ الصور، وحشرهم من القبور وازدحامهم ~~في عرصات القيامة لنداء الله، فمنقسمين إلى مقربين ومبعدين، ومقبولين ~~ومرددين في أول الأمر بين الخوف والرجاء، مثل تردد الحاج في الميقات، حيث ~~لا يدرون أيتيسر لهم إتمام الحج وقبوله أم لا. # PageV03P312 # فصل ما ينبغي عند دخول مكة ينبغي أن يتذكر عند دخوله مكة: إنه قد انتهى ~~إلى حرم من دخله كان آمنا، وليرج عنده أن يأمن بدخوله من عقاب الله، ~~وليضطرب قلبه من ألا يكون أهلا للقرب والقبول فيكون بدخول الحرم خائبا ~~مستحقا لمقت، وليكن رجاؤه في جميع الأوقات غالبا، إذ شرف البيت عظيم، ورب ~~البيت كريم، والرحمة واسعة، والفيوضات نازلة، وحق الزائر منظور، واللائذ ~~المستجير غير مردود. وإذا وقع البصر على البيت، فليحضر في قلبه عظمته، ~~ويقدر كأنه مشاهد لرب البيت لشدة تعظيمه، وليرج أن يرزقه لقاءه كما رزقه ~~لقاء بيته، وليشكر الله على تبليغه إياه إلى بيته، وإلحاقه إياه بزمرة ~~الوافدين إليه، ويتذكر عند ذلك إيصال الخلائق إلى جهة الجنة آمنين لدخولها ~~كافة، ثم انقسامهم إلى مأذونين في الدخول ومصروفين عنها، انقسام الحاج إلى ~~مقبولين ومردودين. # فصل ما ينبغي عند الطواف . وينبغي عند الطواف أن يمتلئ قلبه من التعظيم ~~والمحبة والخوف والرجاء ويعلم أنه في الطواف متشبه بالملائكة المقربين ~~الطائفين حول العرش، وليعلم أن المقصود طواف قلبه بذكر رب ms843 البيت، دون مجرد ~~طواف جسمه بالبيت فليبتدأ الذكر به ويختم به، كما يبتدأ الطواف من البيت ~~ويختم بالبيت فروح الطواف وحقيقته هو طواف القلب بحضرة الربوبية، والبيت ~~مثال ظاهر في عالم الشهادة لتلك الحضرة التي لا تشاهد بالبصر، وهو عالم ~~الغيب وعالم الملك والشهادة، مدرجة إلى عالم الغيب والملكوت لمن فتح له ~~الباب وما ورد من البيت المعمور في السماوات بإزاء الكعبة، وأن طواف ~~الملائكة بها كطواف الإنس بهذا البيت، ربما كان إشارة إلى ما ذكرناه من ~~المماثلة، ولما قصرت رتبة الأكثرين عن مثل ذلك الطواف، أمروا بالتشبه بهم ~~بقدر الإمكان، ووعدوا بأن من تشبه بقوم فهو منهم. PageV03P313 # فصل ما ينبغي عند استلام الحجر ينبغي أن يتذكر عند استلام الحجر الأسود، ~~أنه بمنزلة يمين الله في أرضه، وفيه مواثيق العباد. قال رسول الله (ص): ~~(استلموا الركن، فإنه يمين الله في خلقه، يصافح بها خلقه مصافحة العبد أو ~~الدخيل، ويشهد لمن استلمه بالموافاة) ومراده (ص) بالركن: الحجر الأسود لأنه ~~موضوع فيه، وإنما شبه باليمين لأنه واسطة بين الله وبين عباده في النيل ~~والوصول والتحبب والرضا، كاليمين حين التصافح. وقال الصادق (ع) (إن الله ~~تبارك وتعالى لما أخذ مواثيق العباد، أمر الحجر فالتقمها، فلذلك يقال: ~~أمانتي أديتها، وميثاقي عاهدته، لتشهد لي بالموافاة). وقال (ع) (الركن ~~اليماني باب من أبواب الجنة لم يغلقه الله منذ فتحه). وقال (ع) (الركن ~~اليماني بابنا الذي يدخل منه الجنة، وفيه نهر من الجنة تلقى فيه أعمال ~~العباد)، قيل: إنما شبه بباب الجنة لأن استلامه وسيلة إلى وصولها وبالنهر، ~~لأنه تغسل به الذنوب ثم لتكن النية في الاستلام والالتصاق بالمستجار، بل ~~المماسة لكل جزء من البيت، طلب القرب حبا وشوقا للبيت ولرب البيت، وتمسكا ~~وتبركا بالمماسة ورجاء للتحصن عن النار في كل جزء لا في البيت، ولتكن نيته ~~في التعلق بأستار البيت الالحاح في طلب المغفرة وسؤال الأمان، كالمقصر ~~المتعلق بثياب من قصر في حقه، المتضرع إليه في عفوه عنه المظهر له أنه لا ~~ملجأ منه إلا إليه، ms844 ولا مفزع إلا عفوه وكرمه، وإنه لا يفارق ذيله حتى يعفو ~~عنه، ويعطيه الأمان في المستقبل. # فصل السعي السعي بين الصفا والمروة في فناء البيت يضاهي تردد العبد بفناء ~~دار الملك جائيا وذاهبا مرة بعد أخرى، إظهار للخلوص في الخدمة، ورجاء ~~للملاحظة بعين الرحمة، كالذي دخل على الملك وخرج، وهو لا يدري ما الذي يقضي ~~به الملك في حقه من قبول أو رد، فلا يزال يتردد على فناء الدار مرة بعد ~~PageV03P314 # أخرى، ويرجو أن يرحمه في الثانية إن لم يرحمه في الأولى، وليتذكر عند ~~تردده التردد بين الكفتين، ناظرا إلى الرجحان والنقصان، مرددا بين العذاب ~~والغفران. # فصل ما ينبغي عند الوقوف بعرفات وأما الوقوف بعرفات، فليتذكر بما يرى من ~~ازدحام الخلق، وارتفاع الأصوات، واختلاف اللغات، واتباع الفرق أئمتهم في ~~التردد على المشاعر عرصات يوم القيامة وأهوالها، وانتشار الخلائق فيها ~~حيارى، واجتماع الأمم مع الأنبياء والأئمة، واقتفاء كل أمة نبيهم، وطمعهم ~~في شفاعته لهم وتحيرهم في ذلك الصعيد الواحد بين الرد والقبول. وإذا تذكر ~~ذلك، فليتضرع إلى الله تعالى ويبتهل إليه، ليقبل حجه ويحشره في زمرة ~~الفائزين المرحومين وينبغي أن يحقق رجاءه إذ اليوم شرف والموقف عظيم ~~والنفوس من أقطار الأرض فيه مجتمعة، والقلوب إلى الله سبحانه منقطعة والهمم ~~على الدعاء والسؤال متظاهرة، وبواطن العباد على التضرع والابتهال متعاونة، ~~وأيديهم إلى حضرة الربوبية مرتفعة، وأبصارهم إلى باب فيضه شاخصة، وأعناقهم ~~إلى عظيم لطفه وبره ممتدة، ولا يمكن أن يخلو الموقف عن الأخبار والصالحين ~~وأرباب القلوب والمتقين، بل الظاهر حضور طبقات الأبدال وأوتاد الأرض فيه، ~~فلا تستبعدن أن تصل الرحمة من ذي الجلال بواسطة القلوب العزيزة والنفوس ~~القادسة الشريفة، إلى كافة الخليقة ولا تظنن أنه يخيب آمال الجميع، ويضيع ~~سعيهم ولا يرحم غربتهم وانقطاعهم عن الأهل والأوطان فإن بحر الرحمة أوسع من ~~أن يظن به في مثل هذه الحالة، ولذا ورد: أنه من أعظم الذنوب أن يحضر عرفات ~~ويظن أن الله لم يغفر له. # فصل المشعر وإذا فاض من عرفات ودخل المشعر، ms845 فليتذكر عند دخوله فيه: إن ~~الله سبحانه قد أذن له في الدخول حرمه بعد أن كان خارجا عنه، إذ المشعر من ~~PageV03P315 # جملة الحرم، وعرفات خارجة عنه، فليتفاءل من دخول الحرم بعد خروجه عنه، ~~بأن الله سبحانه قربه إليه وكساه خلع القبول، وأجاره وآمنه من العذاب ~~والعبد وجعله من أهل الجنة والقرب. # فصل ما ينبغي عند الرمي والذبح وإذ ورد منى، وتوجه إلى رمي الجمار، ~~فليقصد به الانقياد والامتثال، إظهارا للرق والعبودية، وتشبيها بالخليل ~~الجليل (ع)، حيث عرض له إبليس اللعين في هذا الموضع ليفسد حجه، فأمره الله ~~تعالى أن يرميه بالحجارة طردا له وقطعا لأصله. وينبغي أن يقصد أنه يرمي ~~الحصا إلى وجه الشيطان، ويقصم به ظهره، ويرغم به أنفه، إذ امتثال أمر الله ~~تعالى تعظيما له يقصم ظهر اللعين ويرغم به أنفه. وإذا ذبح الهدي، فليستحضر ~~أن الذبح إشارة إلى أنه بسبب الحج قد غلب وعلى الشيطان والنفس الأمارة ~~وقتلهما، وبذلك استحق الرحمة والغفران، ولذا ورد أنه: يعتق بكل جزء من ~~الهدي جزء منه النار. فليجتهد في التوبة والرجوع عما كان عليه قبل ذلك من ~~الأعمال القبيحة، حتى يصير حاله أحسن من سابقه، ليصدق عليه إذلاله الشيطان ~~والنفس الأمارة في الجملة، ولا يكون في عمله من الكاذبين. ولذلك ورد: # أن علامة قبول الحج: أن يصير حاله بعد الحج: أحسن مما كان عليه قبله. # وفي الخبر: أن علامة قبول الحج ترك ما كان عليه من المعاصي، وأن يستبدل ~~بإخوانه البطالين إخوانا صالحين، وبمجالس اللهو والغفلة مجالس الذكر ~~واليقظة. # تتميم أسرار الحج قد ورد عن مولانا الصادق (ع) خبر يتضمن عمدة أسرار الحج ~~ودقائقه فلنذكره تيمنا بكلماته الشريفة: # قال (ع): (إذا أردت الحج، فجرد قلبك لله عز وجل، من قبل عزمك، من كل شغل ~~شاغل وحجب كل حاجب، وفوض أمورك كلها إلى PageV03P316 # خالقك، وتوكل عليه في جميع ما يظهر من حركاتك وسكناتك، وسلم لقضائه وحكمه ~~وقدره، وودع الدنيا والراحة والخلق، وأخرج من حقوق يلزمك من جهة المخلوقين، ~~ولا تعتمد على زادك ms846 وراحلتك وأصحابك وقوتك وشبابك ومالك، مخافة أن يصير ذلك ~~عدوا ووبالا، فإن من ادعى رضا الله، واعتمد على شئ ما سواه، صيره عليه عدوا ~~ووبالا، ليعلم أنه ليس له قوة ولا حيلة ولا لأحد إلا بعصمة الله تعالى ~~وتوفيقه، واستعد استعداد من لا يرجو الرجوع، وأحسن الصحبة، وراع أوقات ~~فرائض الله تعالى وسنن نبيه (ص)، وما يجب عليك من الأدب، والاحتمال، ~~والصبر، والشكر، والشفقة، والسخاوة، وإيثار الزاد على دوام الأوقات، ثم ~~أغسل بماء التوبة الخالصة ذنوبك، والبس كسوة الصدق والصفاء والخضوع ~~والخشوع، وأحرم من كل شئ يمنعك عن ذكر الله عز وجل ويحجبك عن طاعته، ولب ~~بمعنى إجابة صافية خالصة زاكية لله عز وجل في دعوتك له، متمسكا بالعروة ~~الوثقى، وطف بقلبك مع الملائكة حول العرش كطوافك مع المسلمين بنفسك حول ~~البيت. وهرول هرولة فرا من هواك، وتبرأ من جميع حولك وقوتك، واخرج من غفلتك ~~وزلاتك بخروجك إلى منى، ولا تتمن ما لا يحل لك ولا تستحقه، واعترف بالخطأ ~~بالعرفات، وجدد عهدك عند الله تعالى بوحدانيته، وتقرب إليه، واتقه بمزدلفة، ~~واصعد بروحك إلى الملأ الأعلى بصعودك على الجبل، واذبح حنجرة الهوى والطمع ~~عند الذبيحة، وارم الشهوات والخساسة والدناءة والأفعال الذميمة عند رمي ~~الجمرات، وأحلق العيوب الظاهرة والباطنة بحلق شعرك، وأدخل في أمان الله ~~وكنفه وستره وكلاءته من متابعة مرادك بدخول الحرم، وزر البيت متحققا لتعظيم ~~صاحبه ومعرفته وجلاله، واستلم الحجر رضى بقسمته وخضوعا لعظمته، وودع ما ~~سواه بطواف الوداع، وصف روحك وسرك للقاء الله تعالى يوم تلقاه بوقوفك على ~~الصفا، وكن ذا مرة من الله بفناء أوصافك عند المروة، واستقم على شروط حجتك، ~~ووفاء عهدك الذي عاهدت ربك، وأوجبت له إلى يوم القيامة، وأعلم بأن الله لم ~~يفترض الحج، ولم يخصه من جميع الطاعات بالإضافة إلى نفسه بقوله تعالى: ~~PageV03P317 # (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) (56). # ولا شرع نبيه (ص) سنة في خلال المناسك على ترتيب ما شرعه، إلا للاستعداد ~~والإشارة إلى الموت والقبر والبعث والقيامة، وفضل بيان ms847 السبق من دخول الجنة ~~أهلها ودخول النار أهلها، بمشاهدة مناسك الحج من أولها إلى آخرها، لأولي ~~الألباب وأولي النهى) (57). # خاتمة زيارة المشاهد في الإشارة إلى بعض الأمور الباطنة المتعلقة بزيارة ~~المشاهد. # إعلم أن النفوس القوية القدسية، لا سيما نفوس الأنبياء والأئمة - عليهم ~~السلام -، إذا نفضوا أبدانهم الشريفة، وتجردوا عنها، وصعدوا إلى عالم ~~التجرد، وكانوا في غاية الإحاطة والاستيلاء على هذا العالم، فأمور هذا ~~العالم عندهم ظاهرة منكشفة، ولهم القوة والتمكن على التأثير والتصرف في ~~مواد هذا العالم، فكل من يحضر مقابرهم لزيارتهم يطلعون عليه، لا سيما ~~ومقابرهم مشاهد أرواحهم المقدسة العلية، ومحال حضور أشباحهم البرزخية ~~النورية، فإنهم هناك يشهدون. # (بل أحياء عند ربهم يرزقون) (58). # وبما آتاهم الله من فضله فرحون. فلهم تمام العلم والاطلاع بزائري قبورهم، ~~وحاضري مراقدهم، وما يصدر عنهم من السؤال والتوسل والاستشفاع والتضرع، فتهب ~~عليهم نسمات ألطافهم، وتفيض عليهم من رشحات أنوارهم، ويشفعون إلى الله في ~~قضاء حوائجهم، وإنجاح مقاصدهم، وغفران ذنوبهم، وكشف كروبهم. فهذا هو السر ~~في تأكد استحباب زيارة النبي والأئمة - عليهم السلام - مع ما فيه من صلتهم ~~وبرهم وإجابتهم، وإدخال السرور عليهم، وتجديد عهد ولايتهم. وإحياء أمرهم، ~~وإعلاء كلمتهم، وتبكيت أعدائهم. وكل واحد من هذه الأمور مما لا يخفى عظيم ~~أجره وجزيل ثوابه. وكيف لا تكون زيارتهم أقرب القربات، وأشرف الطاعات # PageV03P318 # مع أن زيادة المؤمن - من جهة كونه مؤمنا فحسب - عظيم الأجر جزيل الثواب، ~~وقد ورد به الحث والتوكيد والترغيب الشديد من الشريعة الطاهرة، ولذلك كثر ~~تردد الأحياء إلى قبور أمواتهم للزيارة، وتعارف ذلك بينهم، حتى صارت لهم ~~سنة طبيعية، وأيضا قد ثبت وتقرر جلالة قدر المؤمن عند الله، وثواب صلته ~~وبره وإدخال السرور عليه. وإذا كان الحال في المؤمن من حيث أنه مؤمن فما ~~ظنك بمن عصمه الله من الخطأ، وطهره من الرجس، وبعثه الله إلى الخلائق ~~أجمعين، وجعله حجة على العالمين، وارتضاه إماما للمؤمنين، وقدوة للمسلمين، ~~ولأجله خلق السماوات والأرضين، وجعله صراطه وسبيله، وعينه ودليله، وبابه ~~الذي يؤتى منه ونوره الذي يستضاء ms848 به، وأمينه على بلاده، وحبله المتصل بينه ~~وبين عباده، من رسل وأنبياء وأئمة وأولياء. # ثم، الأخبار الواردة في فضيلة زيارة النبي والأئمة - عليهم السلام - مما ~~لا تحصى كثرة. قال رسول الله (ص): (من زار قبري بعد موتي. # كان كمن هاجر إلي في حياتي، فإن لم تستطيعوا فابعثوا إلي بالسلام، فإنه ~~يبلغني) وقال (ص) لأمير المؤمنين (ع): (يا أبا الحسن، إن الله تعالى جعل ~~قبرك وقبر ولدك بقاعا من بقاع الجنة، وعرصة من عرصاتها، وإن الله جعل قلوب ~~نجباء من خلقه وصفوة من عباده، تحن إليكم، وتحتمل المذلة والأذى فيكم، ~~فيعمرون قبوركم، ويكثرون زيارتها، تقربا منهم إلى الله، ومودة منهم لرسوله، ~~أولئك يا علي المخصوصون بشفاعتي، والواردون حوضي، وهم زواري وجيراني غدا في ~~الجنة. يا علي، من عمر قبورهم وتعاهدها، فكأنما أعان سليمان بن داود على ~~بناء بيت المقدس، ومن زار قبوركم عدل ذلك سبعين حجة بعد حجة الإسلام، وخرج ~~من ذنوبه حتى يرجع من زيارتكم كيوم ولدته أمه. فأبشر، وبشر، أولياءك ومحبيك ~~من النعيم وقرة العين، بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ~~ولكن حثالة من الناس يعيرون زوار قبوركم، كما تعير الزانية بزناها، أولئك ~~شرار أمتي، لا تنالهم شفاعتي، ولا يردون PageV03P319 # حوضي) (59). وقال الصادق (ع): (لو أن أحدكم حج دهره، ثم لم يزر الحسين بن ~~علي - عليهما السلام -، لكان تاركا حقا من حقوق رسول الله (ص). لأن حق ~~الحسين (ع) فريضة من الله واجبة على كل مسلم). وقال الرضا (ع): (إن لكل ~~إمام عهدا في عنق أوليائه وشيعته، وإن من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء ~~زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبة في زيارتهم، وتصديقا بما رغبوا فيه، كان ~~أئمته شفعاءه يوم القيامة). # والأخبار في فضل زيارة النبي والأئمة المعصومين، لا سيما زيارة سيد ~~الشهداء وأبي الحسن الرضا - عليهم أفضل التحية والثناء -، وفضل زيارتهما ~~على الحج والعمرة والجهاد، أكثر من أن تحصى وهي مذكورة في كتب المزار ~~لأصحابنا فلا حاجة إلى إيرادها هنا. # فصل ما ينبغي ms849 للزائر عند دخول المدينة المنورة وإذا عرفت فضل زيارتهم ~~وسرها، وعظم قدرهم وجلالة شأنهم، فينبغي أن تكثر التواضع والتخضع والانكسار ~~عن الدخول في بلادهم، ومراقدهم المنورة، ومشاهدهم المكرمة، وتستحضر في قلبك ~~عظمتهم وجلالهم، وتعرف عظيم حقهم، وغاية جدهم وسعيهم في إرشاد الناس وإعلاء ~~كلمة الله. # فإذا قربت المدينة المنورة، ووقع بصرك على حيطانها، تذكر أنها البلدة ~~التي اختارها الله لنبيه (ص) وجعل إليها هجرته، وأنها البلدة التي فيها شرع ~~فرائض ربه وسننه، وجاهد عدوه، وأظهر بها دينه، ولم يزل قاطنا بها إلى أن ~~توفاه الله، وجعل تربته فيها. # ثم مثل في نفسك أقدام رسول الله (ص) عند تردداتك فيها، وتذكر أنه ما من ~~موضع قدم تطأه إلا وهو موضع قدمه العزيز، فلا تضع قدمك عليه إلا على سكينة ~~ووجل، وكن متذكرا لمشيه وتخطيه في سككها، وتصور سكينته ووقاره، وخشوعه ~~وتواضعه لعظمة ربه، وما استودع الله في قلبه من عظيم معرفته ورفعة ذكره، ~~حتى قرنه بذكر نفسه، وأنزل عليه كلامه العزيز، وأهبط عليه روح الأمين وسائر ~~ملائكته المقربين، وأحبط # PageV03P320 # عمل من هتك حرمته، ولو برفع صوته فوق صوته. ثم تذكر ما من الله به على ~~الذين أدركوا صحبته، وسعدوا بمشاهدته واستماع كلامه، وأعظم تأسفك على ما ~~فاتك من صحبته، وتضرع إلى الله ألا تفوتك صحبته في الآخرة، ولتعظم رجائك في ~~ذلك، بعد أن رزقك الله الإيمان، وأشخصك من أرضك لأجل زيارته، محبة له، ~~وتشوقا إليه. # ثم إذا دخلت مسجده، فتذكر أن أول موضع أقيمت فيه فرائض الله تلك العرصة، ~~وأنها تضمنت أفضل خلق الله حيا وميتا، فارج الله غاية الرجاء أن يرحمك ~~بدخولك إياه خاشعا معظما، وما أجدر ذلك المكان بأن يستدعي الخشوع من قلب كل ~~مؤمن. # ثم إذا أتيته للزيارة، فينبغي أن تقف بين يديه خاضعا خاشعا خائفا، وتزوره ~~ميتا كما تزوره حيا، ولا تقرب من قبره إلا كما تقرب من شخصه الكريم لو كان ~~حيا، إذ لا فرق بين ميته وحيه، ولو وجدت التفرقة في قلبك لما كنت مؤمنا، ms850 ~~ولتعلم أنه عالم بحضورك وقيامك وزيارتك، وإنه يبلغه سلامك وصلواتك. فمثل ~~صورته الكريمة في خيالك، جالسا على سرير العظمة بحذائك، وأحضر عظيم رتبته ~~في قلبك، وقد ورد أن الله تعالى وكل بقبره ملكا يبلغه سلام من سلم عليه من ~~أمته. وهذا في حق من لم يحضر قبره، فكيف بمن فارق الأهل والوطن، وقطع ~~البوادي شوقا إلى لقائه، واكتفى وقنع بمشاهدته مشهده المنور، إذ فاتته ~~مشاهدة طلعته البهية، وغرته الكريمة. وقد قال (ص)،: (من صلى علي مرة، صليت ~~عليه عشرا). فهذا جزاؤه عليه في الصلاة عليه بلسانه، فكيف بالحضور لزيارته ~~ببدنه؟ # وإذا فرغت من زيارته،، فأت المنبر وامسحه بيدك، وخذ برمانتيه، وامسح بهما ~~وجهك وعينيك، وتضرع إلى الله، وابتهل إليه، واسأل حاجتك. وتوهم صعود النبي ~~(ص) المنبر، ومثل في قلبك طلعته البهية، قائما على المنبر، وقد أحدق به ~~المسلمون من المهاجرين والأنصار، وهو يحمد الله بأفصح الكلمات واللغات، ~~ويحث الناس على طاعة الله. واسأل الله ألا يفرق في القيامة بينه وبينك، ~~ويجعلك في جواره، ويعطيك منزلا PageV03P321 # في قرب داره. # فصل ما ينبغي للزائر عند دخول النجف وكربلاء وإذا دخلت أرض النجف لزيارة ~~أمير المؤمنين وسيد الوصيين (ع)، تذكر أنها وادي السلام، ومجمع أرواح ~~المؤمنين، وقد شرفها الله وجعلها أشرف البقاع، وجنة المؤمنين. فما من مؤمن ~~خالص إلا وبعد الموت يأتي روحه إليها، ويتنعم فيها مع سائر المؤمنين، إلى ~~أن يدخلوا دار كرامته العظمى في القيامة الكبرى. وقد أكد شرافتها وعظم ~~قدرتها، بأن جعلها مدفن وصي رسوله، بعد أن كانت مدفن آدم أبي البشر، ونوح ~~شيخ المرسلين - عليهما السلام -. فأسأل الله أن يأتي بروحك إليها، ويدخلك ~~في زمرة المؤمنين، ويجعلها محل دفنك، لتنالك شفاعة مولاك (ع)، ولا يحشرك مع ~~الكفار والعصاة في وادي برهوت. # وإذا أتيت لزيارته، تذكر عظيم مرتبته عند الله وعند رسوله، وراع الآداب ~~التي ذكرناها في زيارة رسول الله (ص). # وإذا أردت أرض كربلاء، لزيارة سيد الشهداء (ع)، فتذكر أن هذه الأرض هي ~~التي قتل فيها سبط الرسول وأولاده ms851 وأقاربه وأجناده، وأسرت فيها أهاليه وأهل ~~بيته، فجدد الحزن على قلبك، وأدخلها أشعث أغبر، منكسر الحال، محزون القلب، ~~كئيبا حزينا باكيا، وأحضر في قلبك حرمة هذه الأرض وشرافتها، فإنها الأرض ~~التي في تربتها شفاء، ولا يرد فيها الدعاء، وقد يجعلها الله يوم القيامة ~~أرفع بقاع الجنة، فتردد فيها على سكينة ووجل. # ثم إذا دخلت الحائر للزيارة، ووقع بصرك على ضريحه المنور، ثم على ضريح ~~أصحابه المستشهدين معه، المجتمعين في موضع واحد في جواره، فمثل في قلبك ~~أشخاصهم، وتذكر وقائعهم وما جرى عليهم من البلايا والمحن واحضر في نفسك أبا ~~عبد الله الحسين (ع) واقفا في عرصة كربلاء، ويأتي أصحابه واحدا واحدا ~~يستأذن منهم للجهاد، قائلا: السلام عليك يا أبا عبد الله وهو يأذن له، ~~ويلقي نفسه في الميدان على الجم الغفير، فيقتل في سبيله، PageV03P322 # وإذا أيس من حياته، ينادي بأعلى صوته: أدركني يا أبا عبد الله! هو (ع) ~~يسرع إليه كالصقر المنقض، ويأخذ جثته من الميدان،، ويلحقه بسائر إخوانه ~~الشهداء. فمثل في نفسك أمثال ذلك، وجدد عليهم الحزن والبكاء، وتمن كونك ~~معهم في تلك العرصة، وقل: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما! # ثم راع الآداب الباطنة لزيارته (ع) وقس على ذلك زيارة كل واحد من الأئمة ~~- عليهم السلام -، فإنه ينبغي لك أن تستحضر، عند حضورك كل واحد منهم، وجلال ~~شأنه، وعظمة قدرته، وعظيم حقه، وتتذكر ما يناسب حاله، وما جرى عليه، ثم ~~تستشعر في قلبك ما يترتب عليه، من التعظيم، والاجلال، والخوف *، والحزن، ~~والفرح، وأمثال ذلك. # هذا آخر كتاب (جامع السعادات)، والحمد لله على إتمامه، وأسأل الله أن ~~يجعلنا من العاملين به، وينفع به جميع عباده السالكين إليه. وقد وقع الفراغ ~~من جمعه وتأليفه، في سلخ شهر ذي القعدة الحرام سنة ستة وتسعين ومائة بعد ~~الألف من الهجرة النبوية، على مهاجرها ألف ألف سلام وتحية. # هذا آخر ما كتبه المصنف (قدس سره)# PageV03P323 ms852