######OpenITI# #META# bkid: 37109 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: سكب الأدب على لامية العرب ¶ لسليمان بك بن عبد الله بك الشاوي ت 1209ه ... 1794 م ¶ دراسة وتحقيق ¶ رسالة تقدم بها: مهند مجيد برع العبيدي ¶ الى مجلس كلية التربية في جامعة تكريت ¶ وهي جزء من متطلبات نيل شهادة الماجستير في اللغة العربية وآدابها ¶ بإشراف: الأستاذ المساعد الدكتور شهاب احمد إبراهيم ¶ 1426ه ... 2005م ¶ مصدر الكتاب: ملفات ( word) رفعها (مختار الديرة) في موضوعه (الجزء الثالث من بحوث مهمة جدا) - ملتقى أهل الحديث ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# auth: سليمان بك الشاوي #META# Lng: سليمان بك الشاوي #META# max: 586 #META# bk: سكب الأدب على لامية العرب #META# authinf: سليمان بك بن عبد الله بك الشاوي ت 1209ه ... 1794 م #META# مصدر الكتاب: ملفات ( word) رفعها (مختار الديرة) في موضوعه (الجزء الثالث من بحوث مهمة جدا) - ملتقى أهل الحديث #META# ndata: سكب ا6EFCFC45- بغداد. #META# bkord: 11230 #META# archive: 25 #META# رسالة تقدم بها: مهند مجيد برع العبيدي #META# الكتاب: سكب الأدب على لامية العرب #META# بإشراف: الأستاذ المساعد الدكتور شهاب احمد إبراهيم #META# authno: 4056 #META# ad: 1209 #META# idx: 1 #META# comp: 1 #META# higrid: 1209 #META# cat: النحو والصرف - مرقم آليا #META# iso: سكب الادب علي لاميه العرب #META# digitization_comments: 1426ه ... 2005م #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# ### | CHECK [القسم الثاني: القسم المحقق] # [مقدمة المؤلف] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي أدب من اختاره بأدبه (1)،ووفق للحسنى من أراد سعادته في ~~عادته ودأبه, وشرح صدر من انقاد لأوامره بموسى الحكمة، وميز من تخلق بطاعته ~~بالإجلال بين أفذاذ الأمة، وأشهد أن لا اله إلا الله الواحد في ذاته، ~~المنزه عن الشبيه والنظير في أسمائه وصفاته وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ~~ورسوله، المنزل عليه قرآن في أعلى درجات الفصاحة، المعجز من تحدى بآية منه ~~لذوي البلاغة والرجاحة، المبين لنا من الشريعة رمزا أو سرا، القائل: ((إن ~~من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحرا)) (2)، أفصح من نطق بالضاد (3)، وأصدق ~~من تكلم لإرشاد العباد، (- صلى الله عليه وسلم -) وشرف وكرم، ما لهجت العرب ~~بكذا وكيت، وما فاهت بقصيدة أو بيت، وعلى آله وأصحابه الذين فازوا من ~~الفصاحة بالقدح المعلى (4)، وحازوا من مكارم الأخلاق ما هو الأجدى والأولى، ~~أما بعد: # فيقول أضعف أفراد الإنسان، وأحوجهم إلى لطف الكريم المنان، الفقير سليمان ~~ابن الأكرم الأمجد عبدا لله بك ابن المرحوم شاوي بك العبيدي الحميري: لما ~~كانت القصيدة الموسومة بلامية العرب للشنفرى خالد بن ثابت الأزدي (5) من ~~غرر القصائد (1و) على الاطلاق، وأهداها إلى طريقة الكرماء بالاتفاق، وكيف ~~لا؟! وقد قال سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه -: "علموا أولادكم لامية ~~العرب فإنها تعلمهم مكارم الأخلاق (6) لهج بها أهل الأدب، وجنح إلى حفظها ~~من له محبة بآثار العرب. وقد كانت محتاجة إلى شرح يبين مغازيها ويوضح ~~معانيها، ويبين رموز فوائدها، ويكشف عن وجوه خرا ئدها (7)،ويرفع عنها حجب ~~الدقة والإغلاق، ويفتح لطالبيها من معاقل مبانيها الأبواب والأغلاق، وقد ~~كان يخطر بالبال الفاتر، ويجول في الفكر القاصر، أني أشرحها شرحا يذلل ~~صعابها، ويفتح للطالبين أبوابها، ثم أحجم عن ذلك لعلمي أن بضاعتي PageV01P086 ~~مزجاة (1) كاسدة، وأن صناعتي لا تقوم بأعباء هذه الفائدة، حتى اجتمعت ذات ~~يوم من أيام البطالة مع شيخي الكبير الشهير، العالم العلامة النحرير، شيح ~~العراق بالاتفاق، وملجأ أهل الخلاف والوفاق، الشيخ عبد الرحمن ms001 ابن الشيخ ~~عبدالله الشهير بالسويدي (2)، فتحاسينا معه كؤؤس الأدب (3)،حتى انجر معه ~~البحث إلى لامية العرب، فأمرني بشرحها، وأمره واجب الامتثال، ولاسيما وقد ~~(4) وافق ما كان يتردد بين فكري والخيال، فجاء بعون الله شرحا لم ينسج على ~~منواله، ولم يستطع المتحدي أن يحذو على مثاله (1ظ) مع انه أول ما سبكته في ~~بيادق (5) التأليف، وأفرغته في قوالب الترصيف، وسميته:"سكب الأدب على لامية ~~العرب". والله أسأل أن يروي بريه قوما عطاشا لورد زلاله، ويزيد أرواحهم ~~انتعاشا بمطالعة مثاله، وهانا أشرع بالمقصود، مستعينا بالرب المعبود، ~~فأقول: قال الشنفرى: [من الطويل] # 1 - أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل # اللغة: # أقيموا: مأخوذ من الإقامة ضد الاعوجاج كما هو ظاهر البيت. # صدور: جمع صدر، وهو أعلى مقدم كل شيء، وكل ما واجهك (و) من السهم والقناة ~~من وسطه إلى مستدقه لأنه المقدم إذا رمي به (6).وهو مذكر (7) أما تأنيثه في ~~ما ورد في بيت الأعشى (8): [من الطويل] كما شرقت صدر القناة من الدم (9) # ،فانه لإضافته إلى المؤنث، وأظن لا تخفى عليك هذه القاعدة. PageV01P087 # المطي: بفتح الميم والطاء المهملة جمع مطية، الدابة، سميت بذلك لأنها تمطو ~~في سيرها، أي تمد، ويجوز تذكيرها وتأنيثها (1). # القوم: كرهط لا واحد له من لفظه، وقد قيل: انه موضوع للنساء والرجال، ~~والأصح أنه للرجال فقط (2) بدليل قوله تعالى: {لا يسخر قوم من قوم ... } ~~إلى آخر الآية (3)،وقول الشاعر (4): [من الطويل] أقوم آل حصن أم نساء (5). # وسوى: كغير، وفيها لغات: سوى كرضى، وسوى كهدى، وسواء كبناء (6). # أميل: (2و) قيل: أفعل بمعنى فاعل أي عادل، إذ الميل بمعنى العدول ~~(7)،ويجوز أن يكون باقيا على بابه (8). # الإعراب: # أقيموا: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو ضمير الفاعل. # وبني: منادى حذف منه حرف النداء، وعلامة نصبه الياء لأنه ملحق بجمع ~~التصحيح وحذفت نونه لأنه مضاف، ويجوز نصبه على الاختصاص، وهو عندنا كما قال ~~ابن مالك (9): [من الرجز] # الاختصاص كنداء دون يا ... كأيها الفتى بإثر ارجونيا (10) # مضاف إلى أمي، وهي مضافة إلى ms002 الياء، وعلامة الجر كسرة مقدرة على ما قبل ~~الياء لأن الياء تستدعي انكسار ما قبلها، فقدرت كسرة الإعراب لئلا يلزم ~~اجتماع كسرتين. PageV01P088 # صدور: مفعوله، مضاف إلى مطي الذي هو مضاف إلى ضمير المخاطبين الذي هو ~~الكاف، وهو كمطلق الضمير من الوضع للموضع له الخاص، والقرينة فيه الخطاب. # فاني: الفاء للتعليل، وان من الحروف الناسخة لحكم المبتدأ والخبر، تنصب ~~(الأول) على أنه اسمها، وترفع الثاني على أنه خبرها. # إلى قوم: جار ومجرور متعلق بخبر إن الآتي. # سواكم: بدل من قوم، ويصح جعله أن يكون صفة (1)،ولا يضر إضافتها إلى ضمير ~~المخاطبين لأن هذه الإضافة لا تفيدها تعريفا كغير، لشدة إبهامها، ما لم تقع ~~بين معرفتين متضادتين، كقولك: عجبت من الحركة غير السكون. وهي عند سيبويه ~~(2) ظرف لا يتصرف (3)،والأصح في خلافه، حيث ورد (2ظ) في كلام العرب، كقول ~~الشاعر (4): [من الكامل] # وإذا تباع كريمة أو تشترى ... فسواك بائعها وأنت المشتري (5) # لأميل: هذه اللام تسمى اللام المزحلقة (6) بالقاف والفاء، زحلقت من إن ~~إلى خبرها، خشية اجتماع أداتي تأكيد، لأن (إن) للتأكيد واللام أيضا، وتسمى ~~المؤكدة، وأميل خبر إن. # المعنى: # بادروا باذوي الأرحام إلى الرحيل والسفر، وكونوا بعد اليوم من الأعداء ~~على حذر، فانه لا يطمئن لكم بعدي بال، ولا تدرك لكم الآمال، وقد كنت بينكم، ~~سيفكم القاطع، والدرع المانع، حميت لكم الذمار، وأكسبتكم الافتخار، وأظن ~~حين نأت بيني وبينكم الدار، وتسمع أعداؤكم ماكان من بعد المزار، يقلبون ~~إليكم أحداق الأخذ والانتهاب ويعظم PageV01P089 ~~لفقدي عندكم المصاب، وأما أنا فلست بعد اليوم معكم بالمقيم، واخترت التوحش ~~عنكم وإني به عن الحادثات سليم، ورغبت في الميل إلى غيركم من الأقوام، ولذ ~~لي التغرب في الوغال والآجام، لما شاهدت من عدم مراعاة صلة الرحم وانغماسكم ~~في الجفوة والغلظة والهظم، وما هذا شان يرتاح له اللبيب، وصدوره مني لهو ~~العجب العجيب (1)،واني كما قال بشار بن برد (2): [من المتقارب] # إذا ما قلتني بلدة أو قليتها ... خرجت مع البازي علي سواد (3) ... (3و) # مع أنها مع ذوي القربى أحق ms003 بالفراق، وموجبة لبعد التلاق، قال ابن مقرب (4): # [من الطويل] # خليلي عن دار الهوان فقوضا ... خيامي وزما لارتحال النجائب (5) # وله أيضا: (6) ... [من الطويل] # وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند # شعرا (7): [من البسيط] # شرق وغرب تجد من غادر بدلا فالأرض من تربة والناس من رجل # قال أبو الطيب (8): [من المنسرح] # في سعة الخافقين مضطرب ... وفي بلاد من أختها بدل (9) PageV01P090 ~~تتمة: # إنما حذف صلة أفعل التفضيل، لدرج البيت، أي أميل من غيري (1)،ويحتمل أن ~~يكون لتعميم أصناف المفضل عليه بحيث لا يختص بصنف دون آخر، أو لتذهب نفس السامع # إلى أي معنى أرادت (2). وأقيموا: أما كناية (3) عن الارتحال كما تقدم، ~~وأما للتحريض على القتال (4)،كما قال الشاعر (5): [من الطويل] # أقيموا صدور الخيل للبيض والقنا ... بيوم يشيب الطفل وهو رضيع # واختصاص الإقامة بالصدر، لأن قوة سير الدابة بصدرها (6)،فان قلت: في ~~البيت تكرار الإضافات، وهو مخل بالفصاحة كم صرح به بعضهم (7)،قلت: الأصح ~~خلاف ذلك لأنه ورد في الكتاب العزيز الذي أفحم ببلاغته العرب العرباء من ~~مضاغة الشيح والقيصوم (8)،كقوله تعالى {مثل دأب قوم نوح ... } (9) قال: (3ظ): # 2 - فقد حمت الحاجات والليل مقمر ... وشدت لطيات مطايا وأرحل # اللغة: # حمت: قدرت. # والحاجات: جمع حاجة كالحوجاء، وتحوج: طلبها، جمعه: حاج وحاجات وحوائج غير ~~قياسي أو مولد، كأنهم جمعوا حائجة، وما في صدري حوجاء ولا لوجاء ولا حويجاء ~~ولا لويجاء أي لا حاجة (10). PageV01P091 # والليل: والليلة من مغرب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق أو الشمس، جمع ليال، ~~وليلة ليلاء شديدة الطول (1)،وهي التي يقول في حقها الشاعر (2): [من ~~الكامل] # وتذكري أجياد وردي في الضحى ... وتهجدي في الليلة الليلاء # مقمر: مأخوذ من أقمر ليلنا إذا أضاء، والليل مقمر أي مضيء، إذا كان فيه ~~القمر (3). # والقمر اسم لكوكب نير انفرد في السماء الدنيا، ولذا سميت فلك القمر، وقد ~~يغلب على الشمس فيقال: القمران (4)،ويراد به الشمس والقمر، فان قلت: لم لا ~~يجوز العكس؟ قلت: جواز الأول لشرفية المذكر على المؤنث، بخلاف الثاني. # وشدت: بضم الشين ms004 المعجمة من الشد أي قويت وأوثقت، وبالفتح الحملة في ~~الحرب (5). # الطيات: جمع طية بكسر الطاء النية. قال الخليل (6):الطية تكون منزلا ~~ومنتوى، تقول: طية بعيدة أي شاسعة، ومضى لطيته أي لنيته التي انتواها ~~(7)،ويستقيم هاهنا كلا المعنيين (8)،ويجوز كون الطية للنوع من قولهم: طوى ~~الحديث إذا كتمته، وجعل الطية بمعنى الحاجة لاتصافها بالكتمان (9) كما ذكره ~~الجلال (4و) السيوطي (10) مأخوذ مما ذكرنا. # المطايا: وقد تقدم تفسيره في البيت السابق. PageV01P092 # وفيما يحكى عن ابن المطرز الشاعر (1) أنه مر وفي رجله نعل بالية بالشريف ~~المرتضى (2) وأمر بإحضاره، وقال له: أنشدنا أبياتك البائية المشهورة، ~~فانشده إياها، فلما انتهى إلى قوله: [من الطويل] # فان لم تبلغني إليك ركائبي ... فلا وردت ماء ولا رعت العشبا (3) # أشار إلى نعليه، وقال: هذه كانت ركائبك؟ فأطرق (ابن المطرز ساعة (4)) ثم ~~قال: لما عادت هبات (5) سيدنا إلى مثل قوله: [من الخفيف] # وخذا النوم من عيوني فاني ... قد خلعت الكرى على العشاق (6) # عادت ركائبي إلى مثل ما ترى، لأنك خلعت ما لم تملك على من لم يقبل، فخجل ~~الشريف، وأكرمه لذلك بما يليق به (7). # الأرحل: بفتح الهمزة وسكون الراء وضم الحاء المهملتين جمع رحل: ما يستصحب ~~من الأثاث، والرحل أيضا رحل البعير، وهو أصغر من القتب، والمعنيان جائزان ~~فيما نحن فيه. PageV01P093 # الإعراب: # الفاء علة لما تضمنه البيت السابق من مصارمة قومه والعزلة عنهم، وقد ~~(1):حرف تحقيق، ويكون اسما بمعنى حسب وكاف كقولك: قد زيد درهم، وتأتي اسم ~~فعل بمعنى يكفي، كقول الشاعر: (2) [من الرجز] # قدني من نصر الخبيبين قدي (3) # وقد يحذف الفعل بعدها كقول الشاعر (4): [من الكامل] # لما تزل برحالنا وكأن قد (5) # حمت: فعل ماض مبني للمجهول، وتاؤه للتأنيث، وكسرت لالتقاء الساكنين. # والحاجات: نائب فاعل. # والواو: حرف عطف، والجملة الاسمية معطوفة على الفعلية قبلها، وتخالف ~~الجملتين لا ضرر فيه (6). # والليل: مبتدأ، وخبره [4ظ] مقمر، ويجوز أن يكون الواو للحال (7)،وقد ادعى ~~السويدي _رحمه الله تعالى _أن الفضل للمتقدم (8)،وليس كذلك، إذ توافق ~~الجملتين في العطف أولى من التخالف، وما أوله غير ms005 مراد، فتأمل. PageV01P094 # وشدت: معطوفة على حمت. # لطيات: متعلق بها، ونائب فاعل هو المطايا. # وأرحل: معطوف على المطايا، وما بين سيبويه والخليل خلاف مشهور في تعليل ~~المطايا كالخطايا (1). # المعنى: مراده تحصيل الإياس لقومه من الإقامة، وتولعهم بالتأسف والندامة، ~~وتحريض نفسه على الأسفار، والوقف على الطلول، متمثلا بقول الشاعر (2): [من ~~البسيط] # يوما بحزوى ويوما بالعقيق وبال ... عذيب يوما ويوما بالخليصاء (3) # وما ذاك إلا أن ما يحتاج إليه المسافر تم وتيسر، والليل مضيء يتأنس به ~~ولا يتعسر، ويهدي لمعالم الطريق، ولا يحتاج في ارائه إلى رفيق، وبأن ~~المطايا في الأسفار قد زملت اقتابها (4)،وشدت أحلاسها (5) وأكوارها (6)،وما ~~يستصحبه المسافر من الأرحل قد حضرت، ولا ثمة مانع للإعتذار، فلعمري لقد صدق ~~بما قال، وعن الصواب ما حال، فإنه إذا كان الأمر كما ذكر ففيم الإقامة في ~~نادي قوم لا يراعون ذمامه، ولا يرعون له ذمة، ولا يعبأون ويشاهدون له حرمة، ~~ولا يرتضي المكث بدار الهوان، فتى عرضه عن الذل يصان [5و] وقال ابن مقرب ~~(7): ... [من الرمل] # خلياني من وطاء أو وساد ... لا أرى النوم على الشوك القتاد # وارحلا من قبل أن لا ترحلا ... فالبلايا كل وقت في ازدياد # واتركاني من أباطيل المنى ... فهو بحر ليس يروى منه صادي # وابذلا في العز مجهودكما ... لا يلام المرء بعد الاجتهاد PageV01P095 ~~إنما تدرك غايات المنى ... بمسير أو طعان أو جلاد # تتمة (1): # جاء بطيات بصيغة الجمع تنبيها على أنه لا يعييه التنقل، بل كلما ناله ما ~~يريبه تركه إلى ما سواه، ولا يحصل له مقر إلا بمكان يظفر به العز، كما قال ~~أبو فراس الحمداني (2) # : [من الطويل] # ونحن أناس لا توسط بيننا ... لنا الصدر دون العالمين أو القبر # تهون علينا بالمعالي نفوسنا ... ومن يطلب الحسناء لا يغله المهر (3) # وقول أبي تمام (4): [من البسيط] # ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلان عير الحي والوتد # هذا على الخسف مربوط برمته وذا يشج فلا يرثي له أحد (5) # تكملة: # ليس مراد الشاعر ذم عشيرته وأنه لا عز فيهم، لكن شكا من جفوتهم ms006 له مع ~~كونه من أركانهم التي شدت بها أبنية مجدهم، كقول ابن قلاقس الشاعر (6): [من ~~الطويل] # ولست ترى في محكم الذكر سورة ... تقوم مقام الحمد والكل قرآن (7) PageV01P096 ~~وهذا ذهب إلى قول أئمتنا (1) إن الفاتحة لا بد منها في كل ركعة مستدلين ~~بقوله -عليه الصلاة والسلام-:"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " وفي لفظ:" لمن ~~لم يقرأ الفاتحة " (2)،فان قلت: لم سميت بالسبع المثاني؟ قلت: لأنها تثنى ~~في كل صلاة (3)،وأما أبو حنيفة (4) -رحمه الله تعالى - فاستدل على عدم ~~فرضية الفاتحة بقوله تعالى: {فاقرأوا ما تيسر من القرآن} (5)،فعلى هذا لا ~~يحسن ما تقدم من معنى البيت، فتدبر. # وقد قال في مضمون ذلك أبو الغنائم محمد بن المعلم شعرا (6): ... [من ~~الكامل] # سر طالبا غاياتهاإما ترى ... فوق الثريا أو ترى تحت الثرى # لا تخلدن إلى المقام فإنما ... سير الهلال قضى له أن يقمرا # لا تبك دارا فالفتى من إن دعا ... دمعا عصاه، وإن دعاه دما جرى (7) # وفي ما ذكرنا إشعار بان الله -تعالى -لم يجمع منافع الدنيا في أرض، بل ~~فرقها وأحوج بعضها إلى بعض. وقد قيل: إن المسافر يجمع العجائب، ويكسب ~~التجارب، ويجلب المكاسب. والأسفار مما تزيد علما بقدرة الله تعالى وحكمته، ~~وتدعو إلى شكر نعمته، وليس بينك وبين بلد نسب، فخير البلاد ما حملك (8). # 3 - ... وفي الأرض منأى للكريم عن الإذى ... وفيها لمن خاف القلى متحول # اللغة: # المنأى: بفتح الميم مصدر ميمي، وعليه اقتصر ابن هشام في شرحه بانت سعاد ~~(9)،ويجوز أن يكون اسم مكان من: نأيته، ونأيت عنه أي: بعدت، ((والمنتأى ~~الموضع البعيد)) (10). PageV01P097 # الكريم: مأخوذ من الكرم، وهو محركة ضد اللؤم، كرم كرامة وكرما وكرمة ~~محركتين، فهو كريم وكريمة وكرمة بالكسر، ومكرم ومكرمة، وكرام كغراب ورمان ~~ورمانة، يجمع على كرماء وكرام وكرائم، ويا مكرمان للكريم الواسع الخلق، ~~وكارمه [فكرمه] يكرمه كنصره غلبه فيه، وأكرمه وكرمه عظمه ونزهه، والكريم ~~الصفوح، ورجل مكرام مكرم للناس، وله علي كرامة أي: عزازة (1). # الأذى: بفتح الهمزة مقصورا المكروه، يقال: آذاه يؤذيه أذى، خافه يخافه ~~خوفا، وهو ms007 ضد الأمن وضد الشجاعة، إنما هو الجبن. # القلى: بالكسر البغض، وأما بالفتح فبالمد، يقال: فلان يقليه قلى وقلاء، ~~ويقلاه لغة طييء (2)،قال شاعرهم (3): [من الهزج] # أيا من لست أقلاه ... ولا في البعد أنساه # لك الله على ذاك ... لك الله لك الله # ويجوز أن يكون مصدر المعلوم والمجهول (4). # متحول: مصدر على صيغة اسم المفعول، ((وهو التنقل من موضع إلى موضع، ~~والاسم الحول)) (5)،ومنه قوله تعالى: {لا يبغون عنها حولا} (6) وصيغة ~~المصدر والزمان والمكان واسم المفعول من المزيد واحد، كذا قيل، فتأمل (7). # وقد رأيت في شرح السويدي (8) منقولا عن السيوطي لشرحه لبانت [6ظ] ~~سعاد:"متعزل " مكان "متحول " وهو قريب منه من جهة المعنى. PageV01P098 # الإعراب: # الواو عاطفة، والأظهر أن تكون للاستئناف، وفي الأرض: متعلق بمحذوف وجوبا ~~خبر مقدم. # ومنأى: مبتدأ مؤخر. # للكريم: متعلق به، ومثله من الأذى. # وفيها: الواو عاطفة، خبر مقدم. # لمن: اسم موصول. # وخاف: صلته. # القلى: مفعول. والجار والمجرور متعلق بمتحول الذي هو المبتدأ. # المعنى: # إن الكريم بعيد عن الهوان والقلى، إذ الأرض عريضة الأرجاء، واسعة الفلا، ~~وفيها تحول وتنقل لمن خشي أن يبغض أحدا، وتنزه عن أن يبغضه أحد، تالله لقد ~~أصاب وحقق، وبالصدق توشح وتمنطق، حيث إن الأرض تقوم مقام غيرها وبها يرتاح، ~~وربما يقع بجيران مكان جيرانه ويحصل له بقربهم الفلاح، والعاقل لا يسعه ~~المكث بين ظهراني قوم لا يراعون ذمامه (1)،ويرتاح للهوان والأذى ويطلب ~~الإقامة. وبعد هناء العيش والعز يمل ويبغض، بل شأنه التشبث بأذيال الهجرة ~~والارتحال، وليس عن ترك الأوطان مجال، لكرامة نفسه ولذكاء غرسه (2)،ولذا ~~عبر بالكريم عن المرء، قال أبو فراس (3): [من البسيط] # من كان مثلي فالدنيا له وطن ... وكل قوم غدا فيهم عشائره (4) # وقال ابن مقرب (5): [من البسيط] # آليت أنفك عن حل ومرتحل ... أو أن تقول لي الأيام خذ ودع # لا صاحبتني نفس لا تبلغني ... مراتب العز لو في ناظر السبع # لأركبن من الأهوال أعظمها ... هولا وما يحفظ الرحمن لم يضع PageV01P099 ~~أأقبل النقص (1) وألآباء منجبة ... والبيت في المجد ذو مرأى ومستمع # وقال مصعب الصقلي ms008 (2): [من الطويل] # إذا كان أصلي من تراب فكلها ... بلادي، وكل العالمين أقاربي (3) # وقال المتلمس (4): [من البسيط] # إن الهوان حمار الدار يألفه ... والحر ينكره والفيل والأسد # وقال أبو تمام (5): ... [من البسيط] # لا يمنعنك خفض العيش في دعة ... نزوع نفس إلى أهل وأوطان # تلقى بكل بلاد إن حللت بها ... أرضا بأرض وجيرانا بجيران # وقال أبو الطيب (6): [من الخفيف] # فآطلب العز في لظى وذر الذل ... ولو كان في جنان الخلود PageV01P100 ~~تتمة: # من أمثال العرب:"رهبوت خير من رحموت " (1)،معناه أن ترهب خير من أن ترحم، ~~وهذا من دأب الكرماء قديما وحديثا، وأما اللئيم الدنى، فهو عبد بطنه، يطلب ~~الأكلة ولو صفع وزجر ودفع، فما أحقه بقول الشاعر (2): [من البسيط] # دع المكارم لا تنهض لبغيتها ... وآقعد فانك أنت الطاعم (7ظ) الكاسي (3) # وقول الطغرائي (4): [من البسيط] # ودع غمار العلى للمقدمين على ... ركوبها وآقتنع منهن بالبلل (5) # تكملة: # أجواد الجاهلية الذين انتهى إليهم الجود ثلاثة نفر: حاتم بن عبدالله ~~الطائي، وهرم بن سنان المري، وكعب [بن مامة] الايادي. ولكن المضروب به ~~المثل: حاتم وحده، ومن خصاله إذا اشتد البرد وكلب الشتاء أمر غلامه فأوقد ~~نارا في يفاع الأرض، لينظر إليها من ضل عن الطريق ليلا فيبادر إليها، وكان ~~ينشد لغلامه (6): [من الرجز] # أوقد فان الليل ليل قر ... والريح يا موقد ريح صر # عسى يرى نارك من يمر ... إن جلبت ضيفا فأنت حر # وأما هرم بن سنان، فهو صاحب زهير، الذي يقول في حقه (7): [من الطويل] # تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله # هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله # فلو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بها فليتق الله سائله PageV01P101 ~~وأما كعب بن مامة الأيادي، فلم يأت عنه إلا ما ذكر عنه من إيثاره رفيقه ~~السعدي (1) بالماء على نفسه، حتى مات عطشا، وأحيا السعدي، وناهيك بهذا ~~الكرم الذي ما سبق إليه. # وأما أجواد الإسلام فأحد عشر رجلا في عصر واحد بعضهم قريب من بعض. أما ~~أجواد الحجاز فثلاثة (2):عبيدا لله (3) بن ms009 (8و) العباس -رضي الله عنهما ~~-،وعبدالله بن جعفر (4)،وسعيد بن العاص (5) -رضي الله عنهم -.وأجواد أهل ~~البصرة خمسة متعاصرون أيضا: عبدا لله بن عامر (6)،وعبيدالله بن أبي بكرة (- ~~رضي الله عنه -) -مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-،ومسلم بن زيادة ~~(7)،وعبيدالله بن معمر القرشي (8)،وطلحة الطلحات، وهو ابن عبدالله بن خلف ~~الخزاعي (9).وأجواد أهل الكوفة ثلاثة متعاصرون: عتاب بن ورقاء الرياحي ~~(11)، وابن خارجة (11)، وعكرمة الفياض (12).ووددنا أن نذكر بعض خصالهم، لكن ~~تركنا ذلك خشية الإطالة. PageV01P102 # 4 - ... لعمرك ما بالأرض ضيق على أمرئ ... سرى راغبا أو راهبا وهو يعقل # اللغة: # لعمرك: بالفتح وبالضم وبالضمتين: الحياة، إلا أنه في القسم لا يكون إلا ~~مفتوحا كما هنا (1). # والضيق: مفتوحا ومكسورا مصدر ضاق الشيء يضيق، نقيض السعة، والضيق بالفتح ~~جمع ضيقة، وهي: الفقر وسوء الحال (2)،وأضاقه وضيقه فهو ضيق وضيق وضائق، ~~والضيق وهو: الشك في القلب، ويكسر، وما ضاق عنه صدرك، والمضيق: ما ضاق من ~~الأماكن والأمور، ومنزل للقمر، وطريق بين الطائف وحنين، وعين قرب عيذاب، ~~وضاق يضيق: بخل، وأضاق: ذهب ماله، وضايقه: عاسره، وخرق طبيب (3) تستضيق به ~~المرأة (4).والأولان جائزان في هذه المقامة. # والامرؤ: الإنسان أو الرجل، فان جئت بهمزة (8ظ) وصل كما هنا كان فيه ثلاث ~~لغات: فتح الراء على كل حال كما حكاه الفراء (5) (6)،وضمها على كل حال، ~~وموافقة حركة الآخر على كل حال، أما تبعا لآخره كما يقول البصريون، ~~واستقلالا كما يقول الكوفيون، تقول: هذا امرؤ، ورأيت امرأ، ومررت بامرئ ~~(7)،ولاجمع له من لفظه، وهذه امرأة بالفتح لا غير. # سرى: بفتح السين من السرى بضمها مقصورا، وهو سير عامة الليل (8). PageV01P103 # راغبا: نعت إما من رغبت في الشيء إذا أردته، أو من رغبت عنه إذا لم ترده ~~(1)،وكلا المعنيين محتمل في هذه اللفظة. # راهبا: نعت من رهب بالكسر، يرهب رهبا، ورهبا بالضم، ورهبا بالتحريك إذا ~~خاف (2)،والاسم الرهبى ويضم، وترهبه توعده، والمرهوب: الأسد، والراهب: ~~الناقة المهزولة، والجمل العالي، والرهبة: الرهبانية، قد يكون واحدا، جمع ~~رهبانين ورهابنة ورهبانون، (ولا رهبانية في الإسلام)، ms010 هي الاختصاء واعتناق ~~السلاسل ولبس المسوح وترك اللحم ونحوها (3). # يعقل: بالفتح من العقل، وهو كما قال المجد اللغوي (4):العلم بصفات ~~الأشياء من حيث الحسن والقبح والكمال والنقصان أو من حيث الإطلاع على خير ~~الخيرين، وشر الشرين، أو مطلق لامور، أو اسم لقوة بها يكون التمييز بين ~~الأولين (5). والحق أنه نور روحاني به تدرك النفوس العلوم الضرورية أو ~~النظرية، وابتداء وجوده عند اختناس الولد (6)، ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل ~~عند البلوغ، وجمعه عقول، عقل يعقل عقلا ومعقولا وعقل، فهو عاقل، وقد عقل ~~كفرح، وتعاقلوا دم فلان عقلوه بينهم، ودمه (7) معقلة بالضم على قوم [غرم] ~~(8) عليهم، والمعقلة الدية نفسها، واعتقل رمحه: جعله بين ركابه وساقه، ~~والشاة وضع رجليها بين ساقه وفخذه فحلبها، والعقال: زكاة PageV01P104 ~~عام (1) من الإبل والغنم، ومنه قول أبي بكر-رضي الله عنه-: (لو منعوني ~~عقالا) (2). # الإعراب: # لعمرك: اللام موطئة للقسم، وعمرك: مبتدأ مضاف إلى كاف الخطاب، وخبره ~~محذوف وجوبا تقديره: قسمي، وهذا أحد المواطن التي يحذف فيها الخبر وجوبا، ~~وقد أشار إليها ابن مالك بقوله (3): [من الرجز] # وبعد لولا غالبا حذف الخبر ... حتم، وفي نص يمين ذا استقر # وبعد واو عينت مفهوم مع ... كمثل كل صانع وما صنع # وقبل حال لا يكون خبرا ... عن الذي خبره قد أضمرا # ما: نافية. # في الأرض: متعلق بمحذوف وجوبا، خبر مقدم. # وضيق: مبتدأ مؤخر، وسوغ الإبتداء به مع كونه نكرة (4) تقديم الخبر عليه، ~~ووقوعه بعد النفي، وعمله في محل على امرئ، لأن الجار والمجرور متعلق به. # سرى: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على امرىء، والجملة نعت له، إذ الجمل لها ~~حالان: إن وقعت بعد معرفة يكون محلها نصبا على أنها حال، وإن وقعت بعد نكرة ~~تكون نعتا لما قبلها، وإنما لم يعكس لاشتراط تعريف صاحب (9ظ) الحال، مع أن ~~احتياج النكرة إلى الوصف أشد من احتياجها إلى الحال. PageV01P105 # راغبا أو راهبا: حالان من ضمير امرىء الذي في سرى، أو منه، لتخصيصه بالوصف ~~وبالجملة، والأول أظهر فتأمل. [من الرجز] # والحال وصف، فضلة منتصب، ms011 ... مفهم في حال كفردا أذهب # قاله ابن مالك في ألفيته (1)، وفيه كلام محل بسطه كتب النحو (2). # وهو: الواو للحال، وليست بواجبة الذكر في مثل هذا التركيب، لتقدم الحال ~~المفردة، وهو مسوغ لترك الواو عن الجملة الإسمية إذا وقعت حالا، كقوله (3): ~~[من السريع] # الله يبقيك لنا سالما ... برداك تعظيم وتبجيل (4) # والضمير الذي بعده مبتدأ، وجملة يعقل هو الخبر. # والكبرى: إما حال من امرىء لتخصيصه بالصفة أو من ضميره، وعلى كليهما تكون ~~مترادفة، أو أنها من ضمير راغبا أو راهبا، فتكون متداخلة، والترجيح إليك، ~~فعليك به والسلام عليك (5). # المعنى: # لقد أبدع الشنفرى وأملح وأفصح وأوضح، حيث جرد من نفسه شخصا عذله عن ~~الأسفار، وأنكر عليه ترك الأوطان والديار، وإن الاغتراب اكتئاب، والغربة ~~كربة ومصاب، والنائي عن أهله وعشيرته يكون ذليلا، ولو كان موشحا بالإمارة ~~أو ملكا جليلا، والمرء في نادي قومه مرتاح، وفي العزلة عنهم لا يرى الفلاح، ~~وإذا تذكر الأوطان [10و] تضيق عليه الأراضي، وإن ملك الدنيا، فهو ليس براض. ~~فعند ذلك نصب نفسه للجواب، ولم يعبأ بالعتاب، مقسما وطالبا للعزلة ~~والإنتقال، ومحققا وراغبا لقوله في ميدان الهجرة وقطع الآمال: PageV01P106 # وحياتك ما في الأرض ضيق على بشر ... سرى وهو يميز بين الخير والشر (1) # سواء كان طالبا لما يرومه من المأرب، كادراك علا أو جلبا للمأدب، أو ~~خائفا من أن يجر عليه جريرة، أو راغبا عن اجتراح كبيرة، وما سلك الإ طريق ~~ذوي النفوس الأبية، والهمم الرفيعة المرضية، قال ابن مقرب (2): # قم فاشدد العيس للترحال معتزما ... وارم الفجاج فإن الخطب قد نقما # ولا تلتفت إلى أهل ولا وطن ... فالحر يرحل عن دار الأذى كرما # كم رحلة أورثت عزا يدين له ... شوس الرجال وكم أبدت له نعما # فكم إقامة مغرور له جلبت ... ضيقا، وساقت إلى ساحاتها النقما # فاسمع ولا تلغ ما أنشأت من حكم ... فذو الحجا لم يزل يستنبط الحكما # إن المنية عيد عند ذي حسب ... ولا الدنية هان الأمر أو عظما # لا يقبل الضيم إلا عاجز ضرع ... إذا لقى الشر يغلي قدره ms012 وجما # وقال الأرجاني (3): [من الكامل] # وأخو الليالي ما يزال مراوحا ... ما بين أدهم خيلها والأشهب # فالأرض لي كرة أواصل ضربها ... وصوالجي أيدي المطايا اللعب (4) # وقال الآخر (5): [من الكامل] # حاولت أن ألقى الزمان بطبعه ... لولا الوفاء وشيمة لا تنقل # في الأرض متسع لنفس حرة ... إن تنب منزلة رعاها منزل # وقال الطغرائي (6): [من البسيط] # إن العلى حدثتني، وهي صادقة فيما تحدث إن العز في النقل PageV01P107 ~~وليس هذا التجريد هو المعبر عنه عند أرباب البلاغة، وهو أن يبالغ في صفة ~~فيدعي أنه حصل من موصفها موصوف آخر حقيق بتلك الصفة، كقولك: رأيت من فلان ~~أسدا يصول، والصائل إنما هو نفسه، وكقوله (1): [من الطويل] # وشوهاء تعدو بي إلى صارخ الوغى ... بمستلئم مثل البعير المرحل # بل المراد به هو ما عند الشعراء، وهو أن يجرد الشاعر من نفسه شخصا يسأله، ~~يعذله، أو يلومه ونحو ذلك، أو يفنده، وأكثرهم على تجريد اثنين، فالأول كقول ~~أبي فراس (2): [من الطويل] # أراك عصي الدمع شيمتك الصبر ... أما للهوى نهي عليك ولا أمر # وكقول أبي نواس (3): [من البسيط] # دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء # وكقول بعض شعراء المشارقة: (11و) [من الوافر] # علام وفيم ظلما تلحياني ... دعاني لا أبا لكما دعاني (4) # تتمة: # أتى بالقسم المدلول عليه باللام، لكونه فرض الشخص المجرد منكرا عليه كما ~~هو مقتضى المقام، فإن قلت: لم عبر بسرى دون سار؟ قلت: لكونه من وظائف ~~الليل، فإذا كان متأهبا للسفر في الليل فمن باب أولى أن يكون بالنهار (5). # تنبيه: # يحتمل أن يكون صلة راغبا: في أو عن، وعلى الأول يكون المعنى: لا ضيق عليه ~~إذا سرى لأمر ما يريده، وعلى الثاني: يكون لا ضيق عليه إذا سرى تاركا أو PageV01P108 ~~كارها لأمر ما، وحذفه لذهاب نفس السامع إلى ما شاءت منهما (1)، كحذف الجار ~~والمجرور في قوله تعالى: {وترغبون أن تنكحوهن} (2)، وقيد السرى بالرغبة ~~والرهبة، لأن العاقل لا يرتكب مشقة الأسفار إلا لأحد هاتين، إذ السفر لا عن ~~قصد مما يعد سفها وعبثا، بل يسمى ms013 من كان بهذه الصفة: راكب التعاسيف (3)، ~~ولا يجوز له قصر الصلاة وجمعها عند أصحابنا الشافعية (4) سقى عهودهم صيب ~~الرحمة. # تكملة: # يكفي الهجرة فخرا ما ورد عن ابن عباس (5) -رضي الله عنهما-: (موت الغريب ~~شهادة) (6)، وأقول:" هذا مما يؤكد مشقة الغربة لأن رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم-[أدخله في جملة الشهداء (7)، كالقتيل في سبيل الله تعالى، ~~والمبطون، والمطعون، والغريق، والميت عشقا، والميتة طلقا، والمراد أن لكل ~~من هؤلاء أجره، وليس يجري عليهم أحكامه: من عدم الغسل والصلاة عليه، وإنما ~~هذا في حق من مات بقتال الكفار، أو أصابه سلاح مسلم خطأ، أو عاد عليه ~~سلاحه، أو سقط عن فرسه ميتا، أو رمحته دابته، فمات، أو وجد قتيلا عند ~~انكشاف الحرب ولم يعلم سبب قتله، سواء كان عليه أثر دم أم لا (8). # أما إذا مات حتف أنفه، أو بقتال الكفار بعده، أو من البغاة: فقولان في ~~مذهب الشافعي- رضي الله عنه - فإن جرح في الحرب وبقيت فيه بعد انقضاء الحرب ~~حياة مستقرة، فقولان أظهرهما أنه ليس بشهيد، وقيل: إن مات عن قريب: فقولان، ~~وإن بقي أياما، فليس بشهيد قطعا. PageV01P109 # أما إذا انقضت الحرب، وفيه حركة مذبوح، فشهيد بلا خلاف، وله من الحكم ما ~~تقدم، لقوله -صلى الله عليه وسلم -: (زملوهم في ثيابهم) (1)، الحديث، ولا ~~يصلى عليهم، لأنهم مقطوع لهم في الجنة، ولقوله تعالى: {ولا تحسبن الذين ~~قتلوا في سبيل الله .. } (2) الآية. # فإن قيل: الأنبياء - صلوات الله تعالى عليهم -مقطوع لهم بالجنة، وقد صلي ~~على النبي -صلى الله عليه وسلم -، ولأن النبي - صلى لله عليه وسلم - صلى ~~[12ظ] على حمزة - رضي الله عنه - سبعين مرة يوم أحد، كلما قدم إليه ميت صلى ~~عليه معه (3)، وما أحسن قول القائل في الموسوس (4): # وبارد النية عنينها ... يكرر الرعدة والهزه # مكبرا سبعين في مرة ... كأنما صلى على حمزه (5) # وبه قالت الحنفية (6)، مستشهدين بصلاة حمزة (7). # ويجاب عن الأول: بأنه يجوز أن توجد بعض المزايا في المفضول، ولم توجد في ~~الفاضل. # وعن الثاني: بأن صلاته على حمزة، إن سلمت، فهي ms014 واقعة حال فعلية، فلا ~~تعارض ما ثبت نصا من عدم الصلاة على الشهيد. # والمسألة محل بسطها كتب الأصول فلتراجع (8). PageV01P110 # وقد قال أصحاب أبي حنيفة -رحمه الله -: إن الولد الصغير إذا قتل في الحرب ~~يغسل، وكذا الباغي يمنع الصلاة عليه، مستدلين بإيجاب علي - رضي الله عنه - ~~محاربتهم (1). # وأما عندنا (2): فإن القاتل والمقتول في حرب علي ومعاوية - رضي الله ~~عنهما - في الجنة، لأن كلا منهما اجتهد، فأصاب الأول وأخطأ الثاني، ~~والمجتهد إن أصاب له أجران، وإن أخطأ له اجر واحد (3). # وخالفوهم في الجنب أيضا، إذ الشهادة لا تزيل الجنابة. # وقال أئمتنا: إنما الغسل لأداء الفرض، ولا فرض. # فالشهيد بالشروط المذكورة أعلى رتب الشهادة، واشترط أصحابنا (4) في الميت ~~عشقا أمرين: العفة والكتمان، لقوله - صلى الله عليه وسلم - (من عشق [12ظ] ~~فعف فكتم فمات مات شهيدا) (5)، وقال الشاعر (6): # خليلي هل خبرتما أو سمعتما ... بأن قتيل الغانيات شهيد (7) # وما أحلى قول ابن رواحة الحموي (8): # لاموا عليك وما دروا ... أن الهوى سبب السعاده # إن كان وصلا فالمنى ... أو كان هجرا فالشهاده (9) PageV01P111 ~~وقد استدل بهذا الحديث للمسألة المذكورة الإمام النووي في بعض مؤلفاته ~~الفقهية (1)، وأعترض عليه الصلاح الصفدي (2): بأن الحديث معلول لا يصح ~~الإحتجاج به، وخبط في شرحه لامية العجم (3)، وأساء مع ذلك البحر المفعم، ~~حتى أنكر عليه الجهال، وصار ضحكة للأطفال. والذي يخطر في البال أن الإمام ~~النووي لما حرم النظر إلى الأمرد الجميل، حقد عليه هذا النبيل، حيث أبطل ~~صناعته، وإلا فالإمام النووي كلامه حجة، والحديث البالغ الغاية في الضعف ~~إذا سطره النووي بقرطاسه، ارتقى إلى درجة الصحة، إذ هو منه يسأل، لا عنه ~~يسأل. ... # 5 - ... ولي دونكم، أهلون سيد عملس ... وأرقط زهلول وعرفاء جيأل # اللغة: # دون: بالضم نقيض فوق، ويكون ظرفا، وبمعنى أمام، ووراء، وفوق ضد (4)، ~~وبمعنى غير (5) كما هنا، قيل: ومنه (ليس فيما دون خمس أواق صدقة) (6) أي: ~~في غير خمس أواق، قيل: ومنه الحديث: (أجاز الخلع [13و] دون عقاص رأسها) (7) ~~أي: بما سوى رأسها، إذ معناه بكل شيء إلا عقاص رأسها، وبمعنى ms015 الشريف ~~والخسيس ضد، وبمعنى الوعيد والأمر (8). # أهلون: جمع أهل، وأهل الرجل: عشيرته وأقرباؤه (9). PageV01P112 # السيد: بكسر السين المهملة وسكون المثناة التحتية آخر الحروف دال مهملة: ~~الذئب، والجمع: السيدان، والأنثى سيدة، وربما سمي به الأسد (1)، والداهية، ~~وبالتحريك: القليل من الشعر، وماله سبد ولا لبد (2) محركتان أي: لا قليل ~~ولا كثير، وكصرد العانة، وثوب يسد به الحوض لئلا يتكدر الماء، وبالفتح حلق ~~الشعر (3). # العملس: بالسين المهملة، والميم واللام المشددة المفتوحات، قال أبو عمرو ~~(4): هو القوي على السير السريع، وأنشد (5): [من الطويل] # عملس أسفار إذا اسقبلت له ... سموم كحر النار لم يتلثم # والعملس: أيضا الذئب، أما قولهم: هو أبر من العملس (6)، فهو اسم رجل كان ~~يحج بأمه على ظهره، وكلب الصيد، والعملوسة بالضم: القوس الشديدة السريعة ~~السهم، والعملسة: السرعة (7). # والأرقط: بهمزة مفتوحة، وراء مهملة ساكنة، وقاف مفتوحة، وآخر الحروف طاء ~~مهملة: النمر، ومن الغنم الأبلق (8)، ولقب حميد بن مالك الشاعر، لآثار كانت ~~بوجهه، والرقطاء: الفتنة، ولقب الهلالية التي كانت فيها قصة المغيرة (9)، ~~والمبرقشة (10) من الدجاج، والكثيرة الزيت من الثريد، وعبدالله بن الأريقط ~~دليل رسول الله - صلى الله [13ظ] عليه وسلم-، في الهجرة، وترقط ثوبه: ترشش ~~عليه نقط مداد أو شبهه (11). PageV01P113 # الزهلول: بضم الزاء، وسكون الهاء: الأملس، وجبل، والزهل: التباعد عن الشر، ~~وبالتحريك امليلاس وبياض، وزهل كفرح، والزاهل: المطمئن القلب (1). # العرفاء: بفتح العين، وسكون الراء المهملتين، وبالفاء: الضبع، سميت بذلك ~~لكثرة شعر رقبتها (2). # والجيأل: بفتح الجيم، وسكون المثناة التحتية، وفتح الهمزة، آخر الحروف ~~لام: اسم للضبع , وجيألت الجرح: غثيته , وقال الجوهري (3): من غير أداة ~~التعريف (4) , قال الراجز (5): ... [من الرجز] # قد زوجوني جيألا فيها حدب ... دقيقة الرفغين ضخماء الركب # قال الكسائي (6): هي جيألة، وقال أبو علي النحوي (7): ربما قالوا: جيلة ~~للتخفيف , ويتركون الياء غير معلة , لأن الهمزة وإن كانت ملغاة في اللفظ , ~~فهي مراعاة في النية , ومعاملة معاملة المثبتة غير المحذوفة , فلم يقلبوا ~~الياء كما قلبوها في ناب ونحوه , لأن الياء في نية سكون (8). # الإعراب: # ولي: الواو عاطفة , ولي خبر مقدم. PageV01P114 # ودون: حال من أهلون على ms016 رأي من يجوز مجيئه من المبتدأ (1) , وعلى هذا قوله ~~تعالى: {هذا بعلي شيخا ... } (2) , ولا يضر إضافتها إلى ضمير المخاطبين ~~لأنها بمعنى غير , فحكمها حكمها. # أهلون: مبتدأ معرب إعراب جمع المذكر السالم , لأنه ملحق به. # سيد: بدل من أهلون , بدل مفصل من مجمل. # عملس: إما صفة لسيد أو بدل على اختلاف معناه [14] # وأرقط: معطوف على سيد. # وزهلول: نعته. # وعرفاء: إما معطوف على أرقط أو على سيد , على الخلاف المشهور في العطف ~~على المتعدد (3). # وجيأل: بدل من عرفاء , ولا يصح كونه عطف بيان , لما قال ابن هشام (4): ~~انه معرفة , وعرفاء نكرة , وهذا يشكل قاعدة النحويين حيث قالوا: كل ما جاز ~~أن يكون بدلا , جاز أن يكون عطف بيان (5) , ويجاب باستثنائه , كما استشهدوا ~~بقول ... الشاعر (6): [من الوافر] # أنا ابن التارك البكري بشر ... عليه الطير ترقبه وقوعا (7) # حيث إنه لا يجوز أن يكون بشر بدلا من البكري , لأن شرط البدل أن يصح ~~حلوله محل المبدل منه , وههنا لا يستقيم ذلك , لأنه يلزم إضافة الوصف ~~المقرون بالألف واللام إلى ما هو خال عنها , كما بين سبب منعه في كتب النحو. PageV01P115 # المعنى: # بعد أن حث نفسه، ورغبها في التحول والتنزه عن نادي قومه , والتنقل , ~~التفت إليهم مخاطبا وقائلا بالصواب: ولي غيركم أهالن متعددة لا يروعني ~~بينهم المصاب , الذئب السريع القوي على السير , والنمر الأملس , والضبع , ~~الألى لا تمكث على الضير , ولا تظنوني إذا فارقتكم لا أجد عشيرة وأصحاب , ~~بل إن لي من الوحوش والأناسي قرابات متعددة وأحباب (1). # وكان مراد الناظم من الإبتداء إلى ما يتوصل إلى الانتهاء إعلام قومه أنه ~~غير محتاج إليهم , ولا إلى غيرهم من الناس , في الإعانة , والإغاثة , ~~والمأكول , والمشروب , واللباس , فبين لهم أنه يخالط الوحوش [14ظ] ويصبر ~~على الجوع , والحر , والبرد , وإذا ظمىء يسبق القطا الكدري إلى الورد , ومع ~~ذلك لا يترك غاراته ويرتاح , إلى غير ذلك من الصفات في المساء والصباح (2). # تنبيه: # في التعبير بلفظ الملحق بالجمع , للإشعار بأن كل نوع أهل على حدة , وخص ~~هذه الأنواع الثلاثة دون ما سواها ms017 من الوحوش: كابن آوى , والثعلب , لأنها ~~مما لا تليق بالمخالطة , هكذا ذكر السويدي -رحمه الله تعالى - في شرحه (3) ~~, وتعليله بالمخالطة فيه نظر , فتدبر. # وأما ما فوقها , كالأسد , فلا يظن به التجاء إلى من هو أقوى منه , فيكون ~~هاربا من ذل إلى ذل , ومن ضيم إلى ضيم , فيقع مما فر منه , ولأن الأسد لا ~~يألف أحدا , لزعمه أن ليس له كفء , هذا على تقدير أن لا يكون معنى السيد ~~الأسد , وأما إذا أريد به الأسد كما هو أحد معنييه , فلا يحتاج إلى ~~التأويل. وفي البيت إشعار بأنه لم يجد خيرا من قومه فيوألفهم , فلذلك اختار ~~الوحوش , وموالفتها أمر ممكن بالواقع , ويحتمل أنه نفر من نوع الإنسان , إذ ~~كل واحد من غير قومه يجوز عليه ما جاز على قومه. PageV01P116 # قال أبو الطيب (1): [من الوافر] # وصرت أشك فيمن أصطفيه ... لعلمي أنه بعض الأنام # وآنف من أخي لأبي وأمي ... إذا أنا لم أجده من الكرام # أرى الأجداد يغلبها كثيرا ... على الأخلاق أولاد اللئام # وقال الأرجاني (2): [15و] [من الطويل] # أسفت على عمر تصرم ضائعا ... وجدت بدمع يستهل هتون # وآنسني بعدي عن الناس جانبا ... وإن هم على أحداقهم حملوني # ولما غدا عيبا على جفن ناظري ... لقاء الورى من صاحب وخدين # ألفت الفلا مستوطنا ظهر ناقتي ... تلف سهول دائما وحزون # وما سرت إلا في الهواجر وحدها ... كراهة ظلي أن يكون قريني # تكملة: (3) # ربما ألجأ الشنفرى إلى التغرب مع الوحوش عدم فائدة التشبث بالأسباب , سوى ~~سد الرمق مع تذكر هادم اللذات , كما قال الشاعر: [من الوافر] # فلا تبعد فكل فتى سيأتي ... عليه الموت يطرق أو يغادي # ومما اتفق أن الرشيد (4) لما أمر مسرورا الخادم بقتل جعفر البرمكي (5) , ~~دخل عليه وأبو زكار (6) يغني بهذا البيت. PageV01P117 # وقال الآخر بهذا المعنى (1): [من البسيط] # لا طيب للعيش ما دامت منغصة ... لذاته بادكار الموت والهرم # فإذا كان الأمر كذلك , فأي بضاعة ترتجى مع مخالطة أبناء الدنيا والحاجة ~~إليهم , وفيه سعة عن ذلك ,مع علو همته وزكاء نفسه , ولا يرتضي ذلك إلا من ~~كان ms018 منهم , وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه ورضي ~~الله عنه - في حقها (2): # وما هي إلا جيفة مستحيلة ... عليها كلاب همهن اجتذابها [15ظ] # فائدة: # من خصائص علي (كرم الله وجهه) (3) , والحكمة في ذلك أنه ما سجد لصنم منذ ~~ولدته أمه , ولكن ذكر العلامة ابن حجر المكي (4) أن ذلك يقال لأبي بكر - ~~رضي الله عنه - أيضا لهذه الحكمة (5). # وكان ثالث ثلاثة في أول الإسلام , وهم: رسول الله - صلى الله عليه وسلم , ~~وخديجة بنت خويلد - رضي الله تعالى عنها - , وعلي بن أبي طالب - رضي الله ~~عنه - , # وفي ذلك قال علي - كرم الله وجهه - (6): [من الوافر] # سبقتكم إلى الإسلام طرا ... غلاما ما بلغت أوان حلمي # 6 - ... هم الأهل لامستودع السر ذائع ... لديهم ولا الجاني بما جر يخذل PageV01P118 ~~اللغة: # المستودع: اسم مفعول , أو مصدر من ((استودعته وديعة إذا استحفظته إياها)) ~~(1) , والمستودع في شعر العباس (2) - رضي الله عنه - , المكان الذي جعل فيه ~~آدم وحواء - صلوات الله تعالى على نبينا وعليهما - , في الجنة أو الرحم , ~~ووادعهم (3): صالحهم , وتوادعا: تصالحا: وتودعه: صانه في ميدع , وفلانا ~~ابتذله في حاجته ضد (4) , وتودع مني مجهولا: سلم علي , وقوله - (- صلى الله ~~عليه وسلم -) - (5): (إذا رأيت أمتي تهاب الظالم , أن تقول إنك ظالم , فقد ~~تودع منهم) , أي: أستريح منهم وخذلوا , وخلي بينهم وبين المعاصي , فتحفظ ~~منهم وتوقي كما يتوقى شرار الناس (6). # السر (7): [16و] هو الذي يكتم , جمعه أسرار كأنصار وأطهار , والسريرة ~~مثله , والجمع السرائر كحرائر , ويطلق أيضا على: الجماع , والذكر , والنكاح ~~, والإفصاح , والزنا , وفرج المرأة , ومستهل الشهر , وآخره , ووسطه , ~~والأصل , والأرض الكريمة , وجوف كل شيء ولبه , ومحض النسب وأفضله. # ذائع: نعت من ((ذاع الخبر يذيع ذيعا وذيوعا ذيعوعة وذيعانا , انتشر , ~~والمذياع: بالكسر من لا يكتم السر , وأذاع سره: أفشاه وأظهره , أو نادى به ~~في الناس والإبل , أو القوم بما في الحوض شربوا ما فيه، وبمالي ذهبوا به (8))). # لدى: بمعنى عند , وتفارق لدن من جهة: أن لدى تستعمل استعمال عند مطلقا , ~~نحو: ... {لدى الحناجر ... } (9) , { ... لدى الباب ... } (10) , { ... وما ~~كنت لديهم ms019 إذ يختصمون} (11) ولدن لا تكون إلآ إذا كان المحل محل ابتداء ~~غاية , نحو: جئت من لدنه , وقد اجتمعت لدن PageV01P119 ~~وعند في قوله تعالى: { ... آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما} (1) ~~, ولو جيء بعند فيهما , أو بلدن فيهما , لصح , ولكن ترك للتكرار , وتفارق ~~لدن أيضا من وجه آخر , وهو أن لدن لا تكون إلا فضلة , بخلاف لدى وعند , ~~بدليل: { ... ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون ... } (2) , { ... ~~وعندنا كتاب حفيظ} (3) , ومن وجه آخر أيضا وهو أن جر لدن بمن أكثر من نصبها ~~, حتى أنها لم تجئ في التنزيل منصوبة , وجر عند كثير , وجر لدى ممتنع , ~~وأيضا أن لدى وعند معربان , ولدن مبنية في لغة الأكثرين , إلأ أن قيسا ~~يعربونها (4) , وبلغتهم جاءت [16ظ] قراءة (من لدن) (5) , بضم الدال وكسر ~~النون , وأيضا أن لدن قد تضاف إلى الجملة , كقوله (6): # لدن شبت حتى شاب سود الذوائب (7) # وأيضا أن لدن قد لا تضاف , وذلك أنهم حكوا في غدوة الواقعة بعدها: الجر ~~بالإضافة , والنصب على التمييز , والرفع بإضمار كان تامة (8) , وهذا غاية ~~ما قيل في الفرق بين لدى ولدن وعند , فخذه وكن من الشاكرين. # بقي شيء , وهو أن عند أمكن من لدى , من وجهين: أحدهما أنها تكون ظرفا ~~للأعيان والمعاني , تقول: هذا القول عندي صواب , وعند فلان علم , ويمتنع ~~ذلك في لدى , ذكره ابن الشجري (9) في أماليه ومبرمان (10) في حواشيه (11) ~~,وثانيهما انك تقول: عندي PageV01P120 ~~مال , وإن كان غائبا , ولا تقول لدي مال إلا إذا كان حاضرا , قاله الحريري ~~(1) وأبو هلال العسكري (2) وابن الشجري (3) , واتصاله بالمضمرات كاتصال على ~~فتقلب ألفه ياء. # اللدة: كعدة الترب جمع لدات , ذكره المجد اللغوي (4). # الجاني: نعت من ((جنى الذنب يجنيه جناية جره إليه (5))). # جر: بفتح الجيم من الجريرة , وهي الذنب والجناية , يقال: ((جر عليه جريرة ~~, أي جنى عليه جناية (6))). # يخذل: بضم المثناة التحتية , وسكون الخاء المعجمة , وفتح الذال المعجمة , ~~مضارع ((خذل خذلانا إذا تركت نصرته)) , ((فهو خاذل وخذلة كهمزة , والظبية ~~وغيرها تخلفت (7) عن صواحبها وانفردت , والظبية أقامت على ولدها فلم تلحق , ~~كأخذلت ms020 [17و] وتخاذلت , فهي: خاذل وخذول ومخذل , والخذول: الفرس التي إذا ~~ضربها المخاض لم تبرح من مكانها , وتخاذلت رجلاه: ضعفتا , والقوم تدبروا , ~~والخاذل: المنهزم , وأخذل ولد الوحشية وجد أمه تخذله (8) (9))). # الإعراب: # هم: ضمير منفصل في محل رفع على أنه مبتدأ. # والأهل: هو الخبر , والألف واللام فيه للكمال , كقولك: زيد الرجل , أي: ~~الجامع لجميع محاسن الرجال , أي هم الأهل الكاملون. PageV01P121 # لا: نافية للوحدة , لا للجنس , وأما النافية للجنس فهي تعمل عمل إن: تنصب ~~الاسم وترفع الخبر , كقولك: لا حول ولا قوة , ويجوز فيها في حال التكرار ~~خمسة أوجه , فلتراجع في كتب النحو (1). # مستودع: مبتدأ مضاف إلى السر (2) إضافة لفظية , وسميت لفظية لأنها لاتكسب ~~المضاف تعريفا ولا تخصيصا , بل تخفيفا بحذف التنوين , فمرجعها إلى اللفظ ~~فتدبر (3). # وهي: أما من إضافة الصفة إلى الموصوف , والتقدير: سر مستودع , أو من ~~إضافة المصدر إلى مفعوله. # وذائع: خبره. # لديهم: ظرف مكان منصوب على الظرفية متعلق بذائع. # ولا: الواو عاطفة (4) ,كقول حسان في حق الزبير - رضي الله عنهما- (5): ~~[من الطويل] # وما مثله فيهم ولا كان قبله ... وليس يكون الدهر ما دام يذبل # وتكون الواو أيضا: للإستئناف , كقوله تعالى: {ألم تر إلى الذين خرجوا من ~~ديارهم وهم ألوف حذر الموت ... } (6) , وللإبتداء , كقول الشاعر (7): [17ظ] ~~[من الرجز] # الله أنجاك بكفي مسلمت ... من بعد ما وبعد ما وبعد مت (8) # وللمصاحبة , كقولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن , وتشرب اللبن , وتشرب ~~اللبن , وللقسم , كقول الشاعر: [من الطويل] # فوالله لولا النار والخوف والحيا ... لعانقتها بين الحطيم وزمزم (9) PageV01P122 ~~لا: نافية. # والجاني: مبتدأ. # بما جر: جار ومجرور , وما: أما موصول اسمي بمعنى الذي , وجملة جر من ~~الفعل والفاعل المستتر صلة له , والعائد محذوف , والتقدير: بالذي جره , ~~وأما حرفية, وهي وما بعدها في تأويل مصدر مجرور بالباء , وعلى كلا ~~التقديرين متعلق بيخذل , والباء للسببية , وتأتي للإستعانة , والإلصاق , ~~والتعدية (1). # ويخذل: فعل مضارع مبني للمجهول، وعلامة الفعل إذا كان مبنيا للمجهول في ~~الماضي ضم الأول وكسر ما قبل الآخر , والضمير المستتر جوازا نائب فاعل , ~~والإستتار أما جوازا أو وجوبا , فالأول: ms021 ما يصح حلول الظاهر محله ويكون ~~خالفا له , والثاني: هو الذي لايخلفه الظاهر , كقولك: اضرب , والجملة في ~~محل رفع على أنها خبر المبتدأ. # تتمة: # حذف الفاعل وإقامة المفعول مقامه لإغراض: أما للخوف عليه , أو منه , أو ~~لغير ذلك (2) , وإن لم يوجد المفعول به , فيجوز نيابة الجار والمجرور , ~~والظرف , والمصدر , مناب الفاعل (3) , قال ابن مالك (4): [من الرجز] # ولا ينوب بعض هذي إن وجد ... في اللفظ مفعول به وقد يرد # وذهب بعضهم (5): إلى جواز نيابة الظرف , والجار والمجرور مع وجود المفعول ~~به , فليراجع في كتب النحو , وقد أشار إليه الناظم بقوله: وقد يرد. # المعنى: # إن هؤلاء الوحوش في الأهلية كاملون , وعن ما يسوء من الحوادث وإظهارها ~~مأمونون , لا يفشون مكنون ما أسر إليهم , ولا تترك نصرة الجاني بسبب جريرته ~~لديهم , والمطلوب الأهم الأعظم من القربى هذان الوصفان , إذ بهما تتم ~~الألفة وتنتظم , ويحسن جمع شمل PageV01P123 ~~الأحباب والخلان , ويقوى ركن الدفاع , ويكمل الإجتماع , فأراد الشاعر تفضيل ~~هذه الوحوش على قومه بهذين الوصفين , وإظهار ما دعاه إلى الوحوش , وفيه ~~إدماج لذمهم , وان السر لديهم غير مكتوم , وإن الجاني في ناديهم من النصرة ~~محروم , وهذا عيب عظيم إذا كان من الأجانب , فكيف صدوره عن الأقارب؟! # تكميل: # في البيت من محاسن البديع التعريض , وهو أنه هنا عرض بذم قومه , حيث مدح ~~هؤلاء الوحوش في حال مخاطبته قومه , بأنهم الأهل أي: لا أنتم حافظون ~~الأسرار , لا أنتم الجاني بينهم غير مخذول , أي: لا أنتم , ويستفاد منه أن ~~الشنفرى قد جنت عليه قومه جناية لم تجنها قوم بحيث ألجأته تلك الجناية إلى ~~التعريض بذمهم , بل إلى هجر بني آدم كلهم , وإلا فالشنفرى لما فيه من علو ~~الهمة [18ظ] لايرتكب هذا من غير سبب قوي , إذ من كان في صفاته لا يرضى أن ~~ينتقص عشيرته , وينسب إليهم هذه الأوصاف دون غيرهم من أحياء العرب (1) , ~~ومما يناسب ما ذكرنا قول ابن مقرب (2): [من البسيط] # وإن تغاضيت عن قومي فعن كرم ... مني وما ذنب كل الناس يغتفر # فما شأن اللبيب ذم ms022 عشيرته , إذ بهم ينال العز والشرف , وما السيف بلا ~~ساعد , والمرء بعشيرته , ومما ورد في ذلك أن حمير الأكبر (3) لما أوصى ابنه ~~هميسع بحفظ القرابة , وحسن السيرة , أوصاه بعشيرته كثيرا , ومن بعض ذلك ~~قوله (4): # وعمك وابن العم دونك بعده يرد الأعادي الكاشحين ويدفع # وليس عقاب الطير يوما وإن بها تذل وتنقاد البغاث وتخضع # تولي إلى وكر سوى وكرها الذي تؤب إليه للمبيت وترجع PageV01P124 ~~تتمة: # فإن قلت: كيف تتصور النصرة من الوحوش , وما معنى مناصرتهم له؟ # قلت: المراد عدم المؤاخذة بما جناه من إطلاق اللازم على الملزوم مجاز ~~مرسل وعلاقته اللازمية والملزومية , وسمي مرسلا لإطلاقه إذ لم يقيد بشيء ~~(1) , وهو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له لعلاقة مانعة عن إرادة ~~المعنى الموضوع له (2) , فإن كانت علاقته المشابهة: فاستعارة , وإلا فمجاز ~~مرسل , وعلاقته تنقسم إلى خمسة وعشرين مسطورة في علم المعاني (3) , وآخر ~~مجاز عقلي , وهو إسناد الفعل أو ما هو في معناه إلى [19و] غير ما هو له (4) ~~, كقولك: أنبت الربيع البقل , فإن الموحد يعلم أن المنبت للربيع في الحقيقة ~~هو الله تعالى , فإثبات الإنبات للربيع مجاز عقلي. # ويمكن حمل اللفظ على حقيقته كما يشاهد من مناصرة بعض الحيوانات لأهلها ~~كالكلب والفيل , فلا يبعد تصور المناصرة من هذه الوحوش لكثرة اختلاطه , ~~وحسن معاشرته لهم , فصار كأنه واحد منهم (5) , والأول أرجح. PageV01P125 # تكملة: # ذم بعض الناس أمه لكونها لاتكتم سرا بقوله (1): [من الوافر] # أغربالا إذا استودعت سرا ... وكانونا على المتحدثينا (2) # وقال بعض الشعراء (3): [من الطويل] # ولا أكتم الأسرار لكن أنمها ... ولا أترك الأسرار تغلي على قلبي # فإن قليل العقل من بات ليله ... تقلبه الأسرار جنبا إلى جنب (4) # ولله در مسكين الدارمي (5) حيث يقول (6): [من الطويل] # وفتيان صدق لست مطلع بعضهم ... على سر بعض غير أني جماعها # لكل امرىء شعب من القلب فارغ ... وموضع نجوى لا يرام إطلاعها # يظلون شتى في البلاد وسرهم ... إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها # ومما ورد في حفظ السر , قوله - صلاة الله وسلامه عليه -: (استعينوا على قضاء PageV01P126 ~~حوائجكم بالكتمان) (1) , وقد ms023 ورد في المثل: (الأسرار عند الأحرار) (2) , ~~ولا ينبغي للرجل أن يضع سره إلا لمن هو موضع للسر , ولوكان يرجو فيه [19ظ] ~~مودة , وفي هذا المعنى قال بعضهم شعرا (3): [من الكامل] # احذر عدوك مرة (4) ... وأحذر صديقك ألف مره # فلربما يكن العد ... وفيكون أدرى بالمضره # وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - (5): # أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون عدوك يوما ما # وأبغض عدوك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما # وقال المجنون (6): [من الطويل] # ولا تجعلي بيني وبينك ثالثا ... فكل حديث جاوز اثنين شائع (7) # وناهيك أيها الناظر عن ضيق الصدر بكتمان السر , فإنه من سوء العمل. ونوع من # الهبل , يؤدي إلى الفشل. # 7 - ... وكل أبي باسل غير أنني ... إذا عرضت أولى الطرائد أبسل PageV01P127 ~~اللغة: # أبي: بفتح الهمزة , فموحدة تحتية , بعدها مثناة تحتية مشددة , مأخوذ من ~~الإباء , وهو الامتناع (1) , يقال: أبى يأبى بالفتح في الماضي والمضارع , ~~وهذا مخالف للقاعدة الصرفية , لأنه يشترط عند أهل الصرف لمثل هذا أن تكون ~~عينه أو لامه حرف حلق , وهو عندهم شاذ (2) , وحروف الحلق ستة: الهمزة ~~والهاء والعين والحاء والغين والخاء , مثل: سأل يسأل , ويشترط للفتح ما ذكر ~~, ولا يلزم من وجوده وجود الفتح , إذ لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط , ~~كدخل يدخل بضم [20و] العين في المضارع , فإن قلت: كيف تقولون بشذوذه , وقد ~~ورد في الكتاب العزيز , قوله: {ويأبى الله إلا أن يتم نوره} (3) , قلت: ~~الشاذ على ثلاثة أقسام (4): الأول: ما كان مخالفا للقياس دون الإستعمال , ~~والثاني: بعكسه , وكلاهما مأخوذ به , والثالث: ما خالف القياس والإستعمال , ~~وما ورد في الكتاب العزيز ليس من هذا القسم. # وقيل: الأبي: الحمي الأنف الذي لا يقيم على الضيم (5). # الباسل: بموحدة مفتوحة , وكسر السين المهملة , وصف من ((البسالة , وهي ~~الشجاعة , وقد بسل بالضم , وقوم بسل مثل: بازل وبزل , والمباسلة: المصاولة ~~في الحرب , وأصله من البسل , وهو الحرام (6))) , فكأن حراما أن يناله ~~الرجال , ويطلق على ((الحلال ضد (7) , والرجل الكريه (8) المنظر كالبسيل , ~~وتبسل: عبس غضبا أو شجاعة , والباسل: ms024 الأسد جمعه بسلاء , وقد بسل ككرم , ~~ومن القول الكريه (9) الشديد (10))). PageV01P128 # عرضت: بفتح العين , والراء المهملة , والضاد المعجمة: ظهرت (1). # أولى: بضم الهمزة تأنيث الأولى (2). # الطرائد: بطاء , فراء مهملتين مفتوحتين , فألف , فهمزة مكسورة , آخر ~~الحروف دال: جمع طريدة , وهي ((ما طردت من صيد وغيره (3))). # الإعراب: # الواو: حرف عطف. # وكل: مبتدأ , وسوغ الابتداء بها العموم , كقولك: كل يموت. وحصر بعضهم (4) ~~جميع المسوغات في نوعين , فقال: إن عمت أو خصت. # أو أن المسوغ لها كونها مضافة معنى على ما قيل إن تنوينها للعوض. وقد ~~قسموا تنوين العوض [20ظ] إلى ثلاثة أقسام (5): إما عن مفرد , أو عن جملة ~~,أو عن حرف , الأول مثل: كل [قائم (6)] , والثالث مثل: غواش , والثاني مثل ~~قوله تعالى ... : {وأنتم حينئذ تنظرون} (7) , وتفصيلها في كتب النحو. # أبي: خبر كل. # باسل: خبر بعد خبر , وقد ورد تعدد الأخبار (8) , كقوله تعالى: {وهو ~~الغفور الودود ... } (9). # وغير: منصوب على الحالية. PageV01P129 # إنني: حرف من الحروف المشبهة بالفعل في الوضع , تنصب الإسم وترفع الخبر , ~~الياء: اسمها. # إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان. # عرضت: فعل ماض , والتاء علامة التأنيث. # أولى: فاعل عرضت , وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف منع من ظهوره التعذر ~~, لأنها خلقها الله لم تقبل الحركة , مضاف إلى الطرائد , والجملة محلها ~~الجر بإضافة إذا إليها , كما قال ابن مالك (1): [من الرجز] # وألزموا إذا إضافة إلى ... جمل الأفعال كهن إذا اعتلى # وجواب إذا محذوف أغنى عنه ما دل عليه. # أبسل: خبر إن , وعلامة رفعه ضم آخره. # المعنى: # وكل واحد من هذه الوحوش ممتنع بقوته , حمي الأنف لا يقيم على ضيم مرتاحا ~~لإهانته , ولايناله مكروه من احد , وإن عظمت الخطوب , وهو مع ذلك بطل شجاع ~~, مصاول في الحروب. # لكنني أبسل منها وأشجع , حين أوائل الصيد وأبدع , إذ كنت أجرى جنانا , ~~وأعدى في السرعة والحمل , وما صدر ذلك عني إلا عن تفضل وعقل. # ولقد صدق بما ادعاه [21و] وأصاب , لأنه كان من العدائين , من أولي ~~الألباب , فلذلك ضرب في حقه المثل , فقيل: أعدى من الشنفرى (2) في إدراك الأمل. # تتمة: # ما ms025 ذكر من باب جلب المنفعة لنفسه , كقول القائل: فلان عالم لكنني أعلم ~~منه , إذ أثبت للوحوش البسالة , وأثبت له الزيادة عليهم , إذ الزيادة في ~~الخصال الحميدة على الموجود فيه خصال حميدة أكمل. PageV01P130 # وأما التفضيل على الناقص , فهو في الحقيقة نقص , كما قال الشاعر (1): [من ~~الطويل] # ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل هذا السيف خير من العصا # وقيل أيضا شعرا (2): [من الطويل] # إذا أنت فضلت امرءا ذا نباهة ... على ناقص كان المديح من الذم # وما ادعاه الشنفرى واقع , حيث إن حالة بهذه الأوصاف , ليس كحال ما ذكر من ~~الحيوان , مع وجود زيادة العقل فيه , والعلم بما يضره وينفعه , ووقوعه ~~بالمهالك , والحيوانات لا إدراك لها بذلك , وصدور البسالة عنها , لا عن عقل ~~, ولذا أنها عند تيقن الموت تنقطع عن الأكل والشرب. # تكملة: # قوله: (غير إنني) استثناء منقطع معناه الإستدراك , ويجوز أن يكون متصلا ~~نظرا إلى المعنى , وكل منقطع , فهو من جهة المعنى متصل , فكأنه قال: لا أحد ~~يسأل فيهم غيري , كقراءة بعضهم (3): ( ... فشربوا منه إلاقليل) (4) , ~~والإستثناء هو: إخراج بإلا أو بإحدى أخواتها , وهي: غير , [21ظ] وسوى مثلثة ~~,وخلا ,وعدا , وحاشا , وليس , ولا يكون (5). # وينقسم إلى: متصل ومنقطع , فالأول إذا كان المستثنى من جنس المستثنى منه ~~, كقام القوم إلا زيدا , والثاني: إذا كان من غير جنسه , كقام القوم إلا ~~حمارا , كذا قالوا , وفيه نظر , صرح به العلامة العصامي (6) في شرح القطر ~~(7) لابن هشام. PageV01P131 # فائدة: # من حسن مكارم الشاعر أنه أقر بالبسالة لهذه الوحوش , وما هذا دأب كل من ~~رافق رفيقا , وقد قال - صلوات الله وسلامه عليه -: (الرفيق ثم الطريق) (1) ~~, وقال عمرو بن سعيد بن سلم (2) شعرا: [من الرجز] # إن أخا الهيجاء من يسعى معك ... ومن يضر نفسه لينفعك # ومن إذا ريب زمان صدعك ... فرق من جميعه ليجمعك # وإن غدوت ظالما غدا معك (3) # قال الأبيات بحضرة المأمون (4) , فأعطاه لذلك خمسين ألف دينار (5). قال ~~بعض العلماء (6): ما فهم المأمون من البيت الأخير إلا ما فسره رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم - [في تمام ms026 حديثه المتقدم (7) , وأما الجبن فأمر مذموم ~~, قال - صلى الله عليه وسلم -]: (لا تتمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموه , ~~فاثبتوا - وفي رواية فاصبروا - واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) (8) , ~~وفي كتاب أبي بكر (- رضي الله عنه -) إلى خالد (- رضي الله عنه -): (احرص ~~على الموت توهب لك الحياة) (9) PageV01P132 ~~, وقال عمر - رضي الله عنه -: (الجرأة والجبن غرائز يضعهما الله حيث شاء , ~~فالجبان يفر عن أهله وولده , والجريء [22و] يقاتل عمن لا يؤبه به) (1).ووقع ~~في أبي فراس الحارث ابن حمدان نصل سهم أقام في بدنه ثلاثين شهرا حتى خرج, ~~فقال شعرا: (2) [من الطويل] # فلا تصفن الحرب عندي فإنها ... طعامي مذ بعت الصبا وشرابي # وقد عرفت وقع المسامير مهجتي وشقق عن زرق النصول إهابي # ولججت في حلو الزمان ومره ... فأنفقت من عمري بغير حساب # وقال أيضا (3): [من المديد] # وليس الفتى من حير الخطب صبره ... ولكنه من حار في صبره الخطب # استطراد: # نقل أصحاب التواريخ أنه كان ملوك يلقبون بالخمارين , واشتهر عنهم أنه من ~~دخل سجنهم الغالب عليه أنه لا ينجو من القتل , فاتفق أن وزيرا من وزرائهم ~~كان مسجونا , فأتي برجل عليه دين لبعض ,فرأى الوزير محبوسا , مطوقا بالحديد ~~من يديه ورجليه لا يستطيع إمساك شيء , وفي خدمته غلام له يأتيه بقدح الشراب ~~, فيشرب ويغني , فهو في لهو وطرب , فتعجب الرجل , وبقي متفكرا في أمر ~~الوزير [22ظ] وما هذا اللهو في مثل هذا المكان , وعلى هذه الحالة التي رآه ~~عليها؟! # فعند ذلك التفت الوزير إليه , وقال: يا رجل مالي أراك متفكرا؟ # فقال: كيف لا تأخذني دهشة من فعلك , وهناء عيشك - مع ما أراه من حالك - , ~~فقال له: عندي لك ما هو أعجب مما رأيت , قبل دخولك خرج من عندي خادم الملك ~~يخبرني أنه غداة غد بعد صلاة الظهر - يقتلك الملك - , فقال الرجل: وما هذه ~~الحالة مع تيقنك بإنصرام الأجل؟! واني حبست على كذا وكذا من الدنانير , لا ~~أرقب قتلا , وقد ضاقت علي الأرض بما رحبت , فعند ذلك أمر الوزير غلامه , ~~فدفع للرجل ما حبس عليه ms027 من الدنانير , وقال له: يا هذا (اليوم خمر وغد أمر ~~(4)) وما يدريك ماذا تنسجه يد القدرة إلى غد , فخرج الرجل من PageV01P133 ~~السجن , فبكر في اليوم الثاني لينظر ما يصنع بصاحبه , فلما وصل إلى باب ~~السجن رأى رجلا يطرق الباب , وينادي لمن بالسجن: من يعطني شيئا , وأنا ~~أطلقه من السجن , فسئل عن السبب , فقال: إن الملك باكر بشرب الخمر مع ~~ندمائه , فأخذ أحدهم السكر , فضرب الملك , فقتله , فأطلق الوزير وإذا صاحبه ~~في الباب , فقال: يا هذا لو أني لم أجعل الصبر ترسا للنائبات , واضجر منذ ~~جلست , ما ذقت لذة الحياة. ولقد أحسن الشنفرى في قوله فيما يأتي: ولا الصبر ~~إن لم ينفع الشكو أجمل. # 8 - ... وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل # اللغة: # مدت: بضم الميم , وتشديد الدال المهملة , من المد , وهو بسط اليد , ~~والمد: ((السيل , وإرتفاع النهار , والإستمداد من الدواة , وكثرة الماء , ~~والبسط , وطموح البصر إلى الشيء (1))). # الأيدي: جمع اليد , وهي الجارحة. # الزاد: ((طعام يتخذ للسفر , تقول: زودت الرجل فتزود , والمزودة ما يجعل ~~فيها الزاد (2))). # الأجشع: بهمزة مفتوحة , فجيم ساكنة , فشين معجمة مفتوحة , آخر الحروف عين ~~مهملة , من الجشع بفتحتين , وهو ((أشد الحرص وأسوأه , وهو أن تأخذ نصيبك ~~وتطمع في نصيب غيرك (3))) , ((تقول منه: جشع بالكسر , وتجشع مثله , وهو رجل ~~جشع , وقوم جشعون (4) , ومجاشع بن دارم أبو قبيلة من تميم (5) , وابن مسعود ~~السلمي صحابي (6) , وتجاشعا الماء تضايقا عليه وتعاطشا , والتجشع: التحرص (7))). PageV01P134 # الإعراب: # وإن: الواو حرف شرط جازم يجزم فعلين , الأول يسمى شرطا , والثاني جوابا , ~~وتجزم المضارع لفظا , لأنه معرب لمشابهته الإسم في اعتوار معان تركيبية لا ~~يميزها إلا الإعراب , كقولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن , وتشرب اللبن , ~~وتشرب اللبن , والماضي محلا كما هنا. # مد: فعل ماض مبني للمجهول , والتاء علامة التأنيث حركت بالكسر لإلتقاء ~~الساكنين, ونائب فاعله الأيدي , وهو مرفوع بضمة مقدرة على الياء , إذ في ~~مثل هذا تقدر حركتين: الضمة والكسرة , والفتحة تظهر عليه , للثقل ثمة , ~~ولعدمه هاهنا , وهذا البحث مذكور في موضعه [23ظ] ms028 تفصيلا (1) , وقد ورد شاذا ~~(2) قولهم: (أعط القوس باريها) (3). # إلى الزاد: متعلق بمد. # لم: حرف نفي وجزم. # أكن: المجزوم به , واسمها مستتر وجوبا تقديره أنا , لأنها مضارع كان ~~الناقصة التي ترفع [الإسم] وتنصب الخبر. # بأعجلهم: خبر أكن , والباء زائدة , وبهذا البيت استشهد النحاة على زيادة ~~الباء في خبر الكون المنفي (4). # إذ: ظرف لما مضى من الزمان. # أجشع: مضاف إلى القوم , مبتدأ. # وأعجل: هذا هو الخبر. وجملة: لم أكن , جواب الشرط محلها الجزم. # استطراد: # تكون إن شرطية كما هنا , وتكون نافية , كقولهم: (إن يقولوا إلا شططا) (5) , PageV01P135 ~~ويشترط لها وقوع إلا بعدها أو لما , كقولهم: (إن لما يذوقوا عذاب) (1) , ~~وتأتي زائدة , كقول الشاعر (2): # بني غدانة ما إن أنتم ذهب ... ولا صريف ولكن أنتم الخزف # المعنى: # بعد تفضيل نفسه بالشجاعة في التلاق , وشرع في ذكر ما جمعه زيادة عليهم من ~~مكارم الأخلاق , من إيثار المروءة والكرم عن تفضل , وحسن المعاشرة عن رغبة ~~وتأمل , إذا مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بالأعجل من الآكلين , إذ ذاك آية ~~الجشع , وشدة الحرص على الأكل ,وتأباه طباع الكاملين. # ولقد صدق الشنفرى وأفصح , وللطرق ذلل وأوضح , فإن هذه من الخصال الرديئة ~~المذمومة , فالائق بمن كرمت نفسه أن يتعهد الأوصاف المحمودة الموسومة , ~~فيتخلق بها , ويزايل النعوت القبيحة ولا يندم , وما بين ذوي المجد إن نطق ~~فلا يتعلثم , ولا سيما ما يتعلق بالأكل , فإن محموده محمود في الغاية , ~~ومذمومه مذموم بلا نهاية , قال بعض (3) الشعراء مخاطبا زوجته: [من الكامل] PageV01P136 ~~لا تجزعي إن منفسا أهلكته ... فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي # وإذا أتوك إخوتي فدعيهم ... يتعللوا بالعيش أو يلهو معي # لا تطرديهم عن فراشي إنهم لابد يوما إن سيخلو مضجعي (1) # وقال الآخر (2): [من الطويل] # أبا ابنة عبدالله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد # إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلا فإني لست آكله وحدي # قصيا كريما أو قريبا فإنني ... أخاف مذمات الآحاديث من بعدي # وإني لعبد الضيف ما دام نازلا ... وما لي خلال غيرها شيمة العبد # تكميل: # مما ورد في إكرام ms029 الضيف إن من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , ~~مروا بحي من أحياء العرب فلم يضيفوهم , فأتوا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - , واغتابوا ذلك الحي , فقال بعض الحاضرين , لا تغتابوا , فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: (ليست غيبة فإن لهم حقا عليهم) (3) , وقال ~~الله تعالى: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ... } (4) , ~~قال المفسرون (5): إن المراد بالمظلوم هنا الضيف. # وقد نزلت الآية الآتية في حق رجل من الأنصار اسمه: ثابت بن قيس (6) , كان عنده PageV01P137 ~~ضيف , فقدم الطعام له وجلسا , فأطفأ الأنصاري السراج , وبقي يمد يده [و] لا ~~يأخذ شيئا من الطعام , وهو في حاجة الأكل , حرصا على إكرام ضيفه , وانه لا ~~يشاركه في الأكل , وهي قوله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ~~... } (1) , ومما ورد مثل ذلك في معنى قوله تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه ~~مسكينا ويتيما وأسيرا} (2) , انه لما مرض الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي ~~الله عنهما - , فنذر علي وأمه فاطمة - رضي الله عنهما - , وجارية لها تسمى ~~فضة , إن شفي الحسين - رضي الله تعالى عنه - , يصوموا ثلاثة أيام , فشافاه ~~الله تعالى , فصاموا , فذهب علي - رضي الله عنه - إلى ذمي كان [25و] يبيع ~~شعيرا , فاستقرض منه ثلاث صاعات شعير , فأتى بها , فطحن وعجن وخبز ثلاث قرص ~~, فصاموا , ففي أول يوم جاء مسكين , ودق على الباب , فقال: يا آل بيت محمد ~~-صلى الله عليه وسلم - , مسكين جاء يطلب زادا , فأمر علي - رضي الله عنه - ~~, أن يعطى له ما كان من الخبز , وفي الليلة الثانية جاء يتيم , فكان كما ~~تقدم في الأول , والثالثة جاء أسير , فأعطوه ما صنع لإفطارهم , فبقوا ثلاثة ~~أيام طيا! (3) # تتمة: # الضمير في أعجلهم يعود بحسب ظاهر السياق , والسياق إلى الوحوش لأنه كان ~~اتخذهم أهلا , لا يبعد أنه كان يأكل معهم لشدة اختلاطه بهم , وكان يتأخر في ~~مد اليد عنهم ترفعا لنفسه عن التجشع المذموم , ومما يدل على ذلك ما زعم ~~الفرزدق (4) إن الذئب رأى ناره , فأتاه وأكل معه , وأنشد ms030 لذلك: ... [من ~~الطويل] PageV01P138 ~~وأطلس عسال وما كان صاحبا ... دعوت لناري موهنا فأتاني # فلما أتى قلت: ادن دونك إنني ... وإياك في زادي لمشتركأن # تعش فإن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان (1) # وما ذكرنا من مراد الشنفرى يشعر بعلو همته , وأنه يراقب مراعاة مكارم ~~الأخلاق مع من لا يعيب , فكيف مع أبناء جنسه؟! # وهذا ليس شأن كل كريم ونجيب , ويمكن على بعد أن يريد به أبناء جنسه قبل ~~مرافقة الوحوش , ويكون الضمير [25ظ] راجعا إلى ما يدل على عموم الأيدي. # استطراد: # أطلق بعض أشراف العرب (2) من سجن الخليفة (3) بالشام , وأهله في العراق , ~~فمر بعجوز فاستضافها , فأضافته , فعند الإنصراف التفت إلى غلام معه , فقال: ~~كم عندك من الدنانير؟ # فقال الغلام: مئة دينار , قال: ادفعها إلى العجوز , فعند ذلك قال له ~~الغلام: يا مولاي , أنها لا تعرفك , ويرضيها اليسير من ذلك , ومزارنا بعيد ~~, ولا يبقى معنا شيء , فأن أمرتني أن أعطيها شيء من هذه الدنانير وأبقي ~~شيئا , قال: يا هذا , أعطها الجميع , فإن لم تعرفني هذه العجوز , فأنا أعرف ~~نفسي , فأرسل لها الجميع (4). # ومما شاهدنا في زمننا من ذوي المروءة والبسالة والنجدة , وال في بغداد ~~يدعى بالوزير سليمان باشا (5) , ومن بعض مناقبه أنه جاءه رجل من الرقة (6) ~~, وعليه ديون كثيرة , وكان من ذوي البيوت , فأمر له بإيفاء ديونه , وأجزل ~~له العطاء. PageV01P139 # وخصاله جمة لا تحصى , إلا أننا ذكرنا هذه إعلاما بذهاب المروءة , وكساد ~~سوقها , وعدم الإعتناء والرغبة بذوي الحسب والنسب. ولنا في حقه أشعار كثيرة ~~أحببنا أن نذكر بعضا هاهنا , إشعارا بما كان فيه من الخصال الحميدة , ومن ~~ذلك ما أنشدناه في غزوة إلى طرف الخابور , وهي أصعب ما تكون من الغزوات , ~~وحكم في العراق برا وبحرا مدة من الدهر , مطاعا , مقداما لا تروعه الأعداء ~~كثرت [26و] أو قلت , ولم يعهد في مدة حكومته إفشال كتيبة من الكتائب التي ~~يرسلها , فضلا عن أن تكون مصاحبة له , قولنا: [من الطويل] # أبى المجد عن كل الورى ما سوى فتى ... كريم السجايا حاز كل ms031 فضيلة # أخا الطعن سل عنه الفوارس والقنا ... إذا غمرات الموت يوما تجلت # له الحلم دأب والسخاء سجية ... كسحبة غيث قد علت فاستهلت # هو البطل الضرغام في حومة الوغى ... هو الكاسر المقدام في كل وقعة # سمي كل من سمى وزيرا مفخما ... لعمري لا يصغي لرأي مذلة # يشار إليه بالأكف إذا بدا ... إلى حومة الهيجاء والبيض سلت # فلا مثله يأتي وقبله أتى ... من الروم ذو فخر وجود ورفعة # كذا الجود فيه قد على وهو أهله ... فطوبى لمن أوصافه فيه حلت # بستة أيام من الجسر قد وطء ... ديارا , سواه لم يطأها بسطوة # أتى بجنود لا يرى قبلا لها ... فوارس لا يخشون سطو المنية # على أشقياء قد بغوا قبل أن رأوا ... خطوب المنايا شرعا قد أظلت # فويل لهم من بطشة ثم ويلهم ... أعزتهم اضحوا بأسوأ ذلة # فعاداته من قبل ذا الطعن في العدا ... وعادات من عاداه شرب المنية (1) # بصيرتهم أضحت خرابا وديرهم ... قد اهتز مما نال من عظم وطأة # غنائمهم أمست بقيد جنوده ... وخابورهم قد خاب يا سوء همة [26ظ] # يجب لقد جبت لرعب قلوبهم ... وغاض لهم مما لقوا ماء دخنة # كذا بجباب البسوا بعد عزهم ... لدى بعدهم خوفا جباب المذلة # فكم وقعة بين الورى شهدت له ... وأعيت سجاياه اللبيب وجلت PageV01P140 ~~أحصنه بالله من شر حاسد ... وأدعو له بالمصطفى خير عترة # وبالآل والأصحاب تأييد ملكه ... بطول بقاء وافتخار وعزة # جسرت على مدحي له بقصيدة ... لعمري, هل أحصيت بعض سجية؟! # سليمأن خذها قد أتتك هدية ... وما هي إلا مثل إهداء نملة (1) # فليس مرادي منك فيها جوائزا ... ولا راغبا في نظمها لعطية # ولكن ثناء واقعيا ومدحة ... لقد وجبت قدما على كل نسمة # فنرجو قبولا منك يا صاحب الندا ... لتفخر بالازمان كل قصيدة # فلازلت غوثا للصريخ وناصرا ولازلت ركنا حارسا للشريعة # وحيث جرى ذكر هذا الهمام , الذي جمع من المكارم أعلاها , وحاز من المفاخم ~~أسناها وأغلاها , أحببت أن أطرز تأليفي هذا بذكر نبذة من مآثره الجميلة , ~~وأوشيه بذكر جملة من مناقبه الجليلة , وهي مني بمنزلة أنة المصدور ms032 (2) , ~~ونفثة المقهور , علما مني بأن الزمان الخوان قد بخل بمثله , واسترد ما ~~أبداه من جميل فضله , لقول أبي الطيب (3): [من المديد] # أبدا تسترد ما تهب الدنيا ... فيا ليت جودها كان بخلا # شيم الغانيات فيها فلا ... أدري لذا أنث اسمها أم لا # مشيرا إلى قول الشاعر (4): [من الطويل] # إذا ماطلت حسناء أوفت بعهدها ... ومن عهدها أن لا يدوم لها عهد # فوا لهفا عليه , فقد كان ركنا من أركان الدولة العثمانية فتهدم , وسيفا ~~من سيوف PageV01P141 ~~الصولة الخاقانية (1) فتفلل وتثلم , ويا أسفاه على فقده , ويا طول حزناه ~~على بعده , وكيف لا؟! وقد قال بعض مادحيه (2): [من الوافر] # لقد أرضت شمائلك الليالي ... فكان سواد مفرقها شبابا # وعدلك أورث الأيام نورا ... لذاك تداولن منك اقترابا # ولو نطق الزمان بما يراه ... لألف في مناقبكم كتابا # لقد فقت الملوك الصيد فخرا ... فديتك لن تداهن أو تحابي # وردت بمنهل الأفضال عذبا ... وغيرك وارد وشلا وصابا (3) # وصرت على سنام المجد حقا ... وغيرك لم ينل منه الركابا # وما رست الحروب فكل حرب عوان أنتجت منك العجابا # كأنك إن تسر فردا جموع ... تعاف الأسد عند لقاك غابا # وتنحاز القبائل عنك خوفا ... جميعا لا نمير ولا كلابا # فنقول: كان المرحوم المبرور في بداية أمره كتخدا (4) المرحوم المبرور ~~أحمد باشا (5) نجل المرحوم حسن باشا (6) , فبعد أن مات أحمد باشا المذكور ~~[27ظ] ضوعفت له PageV01P142 ~~الأجور , بلغ السلطان (1) أخبار هذا الكريم المرحوم , فصيره وزيرا من جملة ~~الوزراء , وولاه البصرة , فتوجه إليها في تمام الحادي والستين بعد المئة ~~والألف , فدخلها. # فسار مع أهلها السيرة الحسنة , وأجراهم على عوائد بره المستحسنة , فاتفق ~~أن صار ذلك العام في البصرة , الجدب والقحط , فحصل لأهلها فاقة وضيق معيشة ~~, فخرج الوزير المذكور - رحمه الله - من البصرة , ترفيها لأهلها , وشفقة ~~عليهم , كي يبقى ما ينفقه على نفسه , وعلى جنوده , لهم , وهو يقضي السنة من ~~خارج , فلم يزل تنقله الهمة, وهو يشتري من أهل القرى والمزارع ما يحتاجه ~~بنقود الدراهم , ويسير مع الضعفاء بسيرة الأكارم , حتى وصل إلى حلة ابن ~~دبيس (2) , فوجدها رخية ms033 , كثيرة الغلات , وافرة الخيرات , فأقام في نواحيها ~~ينتظر زوال اللأواء عن البصرة , حتى يرجع إليها , إذ هي كما قدمنا دار ~~إقامته , ومنفذ حكومته. # فوشى به بعض أهل النفاق , وقاصدي البغضاء والشقاق , عند والي بغداد (3) , ~~بما تنهد من بهتانه الجبال , وتنفطر من تزويره الأكباد , فثارت بين ~~الوزيرين فتنة عظيمة يعض من عاقبتها كل عاقل على يديه , ويغص من غائلتها كل ~~كامل بريقه والماء لديه , وكان مع الوزير المرحوم إذ ذاك من العساكر نحو من ~~سبعمئة فارس , قد تعودت في الحروب نهب الأرواح [28ظ] وتعوضت عن الصياح في ~~الكفاح , الطعن بالرماح , والفلق بالفيالق بالبيض الصفاح , مع أن الوزير ~~الكبير يغني وحده عن الجحافل , ويقوم مقام الألوف , من الصفوف , في إصابة ~~المقاتل , من كل مقاتل. # وحشد وزير بغداد الجنود من جميع الأطراف , ووعدهم الوعود المقتضية للهلاك ~~والتلاف , وجمع من بطون العشائر , ما لا تحيط بجمعه الأقلام والمحابر , ~~فسارت إليه PageV01P143 ~~من بغداد كتائب كثيرة , وجموع غزيرة , لم يسر بها ذو القرنين (1) , ولا سمع ~~بمثلها ذو الرياستين (2) , أمم من بطون مختلفة , وعشائر من أظهر مختلفة , ~~أعراب وعرب # وعجم وكرد وغير ذلك مما لا يعلم عددهم إلا خالقهم , فعبروا الفرات , ~~واتوا إليه من جميع الجهات , فكان ما مع الوزير من السلاهب (3) , كربع عشر ~~ثمن كتيبة من هاتيك الكتائب , ولكن النصر بيد الله يؤتيه من يشاء , فحف ~~الله جمع الوزير بالنصر , وقرن بهم الغلبة والقهر , وفرق في مثل ساعة أو ~~أقل تلك الجموع , تفريق الريح السحائب , وترك أكثر أولئك الفرسان نهبة ~~للسمر القواضب , وهذه نصرة لم يتفق مثلها إلا لنبينا -صلى الله عليه وسلم - ~~, في بدر ولأحزاب , ولم نسمع بمثلها لملك في مصنف أو كتاب , وعن هذه الوقعة ~~بعض شعرائه الفصحاء (4) ,ومداحه من العرب , يقول من قصيدة طويلة: [28 ظ] ~~[من السريع] # أما ترى المغوار في وقعة ال ... أحزاب كم جدل فرسانا # إذ بصرة الفيحاء قد أجدبت ... وكان فيها الشهم سلطانا # فرام أن يخرج أجناده ... منها إلى أكناف بغدانا (5) # لكي يخفف الجدب عنها وكي ... يشمل منه اللطف ms034 سكانا # فسار بالجحفل عن قطرها ... متخذ الحلة أوطانا # وحيثما خيم في دوها ... قد حصلت دون القرى شانا # واستر أهلوها بمن زارهم ... إذ امنوا ظلما وعدوانا PageV01P144 ~~لكن في بغداد مذ شاع ذا ... حازت أهالي البغي أحزانا # فاجتمعوا عند مليك لهم ... وارتكبوا غدرا وكفرانا # واجمعوا أن مليك الورى ... حاد عن الدولة عصيانا # وانه مال إلى غدرنا ... وانه جاء لينكانا # فعند ذا قرر مفتيهم ... بحربه جهلا وخذلانا # جهز جيش الجور واليهم ... مجمعا عجما وعربانا # وحاولوا أن يبلغوا مأربا ... من فارس العصر سليمانا # لكنهم خابوا لما شاهدوا ... منه رحاة الحرب طحانا # إذ قام كالقسور (1) من غيله (2) ... تحفه الأشبال فرسانا # وجرد الأبيض من جفنه ... واعتقل الأسمر طعانا ... [29و] # واقتحم الحرب كليث الوغى ... صادف بعض الصيد غرثانا # أحمى وطيس الحرب حتى غدا ... له قتام الجو دخانا # حتى إذا قابل جمعا لهم ... ولوا وقالوا انه جانا # فرقهم أيدي سبأ (3) في الفلا ... وقد قرى نسرا وسرحانا # وغنم الوزير المذكور العسكر بما فيه , إلا أنه من على رئيس السرية , ~~فأرسله إلى مرسله - الوالي في بغداد - معززا مكرما , كما هو شأن الملوك ~~الكرام إذا قدروا عفوا. # وبقي في الحلة قاطنا , حتى ذهبت الرسل إلى الدولة العلية , من كل ناحية , ~~وبلغت السلطان جميل آثاره , وحميد أخباره , فاختاره واليا على بغداد (4) , ~~وفي هذا المعنى يقول شاعره المتقدم: [من السريع] PageV01P145 ~~مذ بلغ الخنكار (1) أخباره ... ولاه للرأفة بغدانا # حيث رآه باسلا فاتكا ... يردي العدا فرسا وعربانا # ذا نجدة غوث صريخ أخا ... الجودة حسانا وحسانا # بعد العنى نال لذيذ العلا ... واغتنم الراحة تعبانا # فسار متوجها إلى بغداد , وتباشرت بقدومه الضعفاء من الأرامل والأيتام , ~~لما يعلمونه من عظيم الرأفة , وشفقته على الخاص والعام , ودخلها وقد لبست ~~لقدومه أثواب الأفراح , بعد أن كانت في زي محدة وزال عنها نكد الأتراح , ~~وقد كانت قبل في أنكاد متعددة [29ظ] وصارت بالسرور والهنا , محفوفة من هنا ~~وهنا , وفرح أهلها , مذ جاء بعلها ,وزينت لقدومه الأسواق , وقام عندليب ~~الأفراح يغرد على ساق , وسار بأهلها سيرة الشيخين: أحمد والحسن , ونفى عنهم ~~كل ms035 غين بخلقه المستحسن , وشمل بلطفه جميع من فيها , وعم إحسانه في ظاهرها ~~وخافيها , وجدد أساس العدل والإنصاف , وهدم قواعد الجور والإعتساف , ونام ~~أهلها بأيامه رغدا , حيث امنوا من جميع الجهات نكدا. # ومن جملة عدله أنه مدة حكومته في بغداد لم يسفك دما بغير وجه شرعي , ولم ~~يأخذ من أحد درهما واحدا إلا قرضا , وعاشت في أيامه أناس كثيرة على أنعامه ~~وإكرامه , وعمرت بيوت غزيرة , على عطاياه حيث كانت كثيرة , ولم يبق في ~~بغداد صوفي أو طالب علم إلا وفد شمله ألطافه , وعمه إسعافه , وكان -رحمه ~~الله - مع ما له من الهيبة والجلالة , صغير النفس جدا ,كثير التواضع , ~~وكانت له عبادات حسنة لا يشك احد في أنها مقبولة , وكانت له مع نفسه ~~محاسبات ومعاتبات , وكان يتألم إذا سمع بأحد من أهل البيوت في فاقة , حتى ~~يعطيه ما يدفع فاقته , ولم يزل هذا دأبه - رحمه الله - حتى اشتاق جوار ربه ~~, فمضى وطعم الموت في فيه أحلى من الشهد , حيث أنفق عمره في طاعة إنفاقا , ~~وطنبت النحوسة على بغداد [30و] وكثر بعده الجور. والفساد , وانقلب فرحها ~~حزنا عميما , وصار عيشها هشيما , ومصابها عظيما , وخطبها PageV01P146 ~~جسيما , وفي ذلك يقول بعض شعراءه الأماجد (1) يرثيه من قصيدة طويلة: [من ~~المتقارب] # إلى الله أشكو من مصاب الورى ... فزند الزمان فيهم وري # وقد حل خطب جسيم عظيم ... يزعزع رضوى (2) ويوهي حرا (3) # فيا دهر قد نلت ما ترتجي ... ظفرت لعمري بكنز الورى # وفيها يقول: # فهلا سواه فداء أخذت ... من الصيد ألفا ولن تعجزا # فمن للأرامل من بعده ... ومن للضيوف , ومن للقرا # ومن للوفود , ومن للنقود ... ومن للغني إذا أعسرا # ومن للسيوف ورغم الأنوف ... ومن يورد الأمر أن أصدرا # ومن لصروف تحل العنا ... ومن لمخوف يحل العرى # ومن لانتظام أمور العراق ... ورفع الشقاق ونفع الورى # ومن ذا يقيم لسد الثغور ... وحفظ البلاد وحصن القرى # ومن يبسط العدل بين الأنام ... ومن يقبض الجور والمنكرا # فهيهات أن يحتذى حذوه ... وقد فاق هارون بل قيصرا # وفيها يقول: [30ظ] # عليه تشحب وجه العلى ... وعين ms036 المراتب لن تصبرا # فحق علينا نشق القلوب ... مكان الجيوب وان تضجرا # فقد قبح الصبر والاتسا ... ومن ذا يطيق لأن يصبرا # ويا مهجة القلب ذوبي أسا ويا قلب آن أن تفطرا # ويا ظلمة الليل لا تبرحي ... فقد غيب الفجر تحت الثرى # وهو أحق بقول أبي الطيب من غيره , حيث يقول (4): [من الكامل] PageV01P147 ~~ما كنت أحسب قبل نعشك أن أرى ... رضوى على أيدي الرجال تسير # ما كنت آمل قبل دفنك في الثرى ... أن الكواكب في التراب تغور # وقد رثيته بقولي: [من الوافر] # دع العبرات تنسكب انسكابا ... ونار الحرب تلتهب التهابا # سأبكي كلما هبت شمال ... مدامع كلما ذكروا مصابا # اتطفي زفرتي ويلذ عيشي ... وتاج المجد قد سكن الترابا # ألا تب الزمان بما أصابت ... يداه , وليس يدري من أصابا # أيرجى بعد ذا منه وفاء ... لعمرك , وهل يحري جوابا # أيحلو للمعالي طيب عيش ... وسيف المجد قد فقد النصابا # سليمان الزمان ثوى فصارت عتاة الأنس لم تخش العقابا ... [31و] # لنأيك أضحت الأيام سودا ... كما هتكت لرفعتك النقابا # رعاك الله كم جندلت ليثا ... وحسنت المناصب والنصابا # وسهلت المعالي حيث ظنت ... بأن طروقا ليست صعابا # فمن للمجد بعدك حاتمي ... له باتت منازله خرابا # ومن لأرامل خافت كانت ... لهن على سما الجوزا قبابا # ومن يرجى لرد السبي إذ ما ... بشالك بعد فقدك ناب نابا # أأخشى بعد نأيك من رزاء ... وأسعى بعد فقدك لاكتسابا # همام أعظم الوزراء حلما ... وأكرمهم ندا وأحد نابا # وليس يرى له نطق بجهل ... ولا سفه سوى إن قال صابا # ولاعيب سوى حلم وجود ... وضرب منه ليث الغاب هابا # سنفقده إذا ما ناب دهر ... كبدر في ظلام الليل غابا # لقد فخرت مكارمه افتخارا ... كما فاقت مصيبته مصابا # أعيني أبكياه بكل يوم ... فما الخنساء منك أجل نابا # أما وقباب مكة والمصلى ... لأنعاه الزمان ولا أعابا # أعبدالله صبرا ليس يبقى ... الزمان به كريما ما أصابا # ولا جزعا فكل فتى سيلقى ... رز الأيام عدوا أو إيابا PageV01P148 ~~لقد بكت السماء عليه دهرا ... وبشرت الرياض به الترابا [31ظ] # جزاه آلهنا برضى وعفو ms037 ... وأدخله من الفردوس بابا # له نادى أولو التأريخ آه ... فكم قلب سليمان أذابا (1) # 9 - ... وما ذاك إلا بسطة عن تفضل ... عليهم وكان الأفضل المتفضل # اللغة: # البسطة: بفتح الموحدة , وسكون السين , وقد تبدل صادا: السعة (2). # التفضل: مصدر تفضل عليه إذا أحسن , ((والمتفضل أيضا الذي يدعي الفضل على ~~أقرانه (3))) , ومنه قوله تعالى: { ... يريد أن يتفضل عليكم ... (4)} , ~~والأفضل: هو الزائد في الفضل لأنه من أفعل التفضيل , والفضيلة: المبرء (5) ~~من النقص. # الإعراب: # الواو: عاطفة على لم أكن , وما نافية. # وذاك: اسم إشارة محله رفع على الإبتداء , والكاف حرف خطاب. # إلا: أداة حصر. # وبسطة: خبر المبتدأ. # عن تفضل: جار ومجرور متعلق به. # عليهم: متعلق بمتفضل. # وكان: الواو واو الحال , وقد مقدرة , وكان فعل ماض ناقص. # الأفضل: بالنصب خبر مقدم. # والمتفضل: بالرفع اسمها مؤخر. PageV01P149 # المعنى: # ليس تأخر يدي عن خوف وذل , وإنما هي سعة ناشئة عن إحسان وتفضل , علما مني ~~بأن المتفضل أفضل على الأكلة وأكمل , وإن عفة النفس عن الخصال المذمومة ~~أكرم وأجمل , وإني لذلك حري قدير , وفي إدراك المزايا الحسنة بصير خبير , ~~وأنهر نفسي عن صدور ما يخل بالمروءة , ولو لم أعب , وأحرضها على إدراك ما ~~يقتضيها من السؤدد [32و] علو النسب , وقد قال الشاعر (1): [من الطويل] # حنانيك عني إنما عفة الفتى ... إذا مال عن لذاته وهو قادر # تكملة: # من الطباع الغريزية الممدوحة ما نقل عن الأصمعي (2) , قال: قصدت في بعض ~~الأيام رجلا كريما أغشاه لكرمه , فوجدت على بابه بوابا , فمنعني من الدخول ~~إليه , ثم قال الحاجب: يا أصمعي , ما أوقفني على بابه لأمنع مثلك إلا لرثة ~~حاله وقصور يده , فكتبت له رقعة أقول فيها: ... [من الوافر] # إذا كان الكريم له حجاب ... فما فضل الكريم على اللئيم # ثم قلت له: أوصل رقعتي إليه , ففعل , فعاد بالرقعة , ورقعة معها مكتوب ~~فيها ... شعرا: [من الوافر] # إذا كان الكريم قليل مال ... تحجب بالحجاب عن الغريم # ومع الرقعة صرة فيها خمسمئة دينار , قلت: والله لأتحفن المأمون (3) بهذا ~~الخبر , فلما رآني قال: من أين يل أصمعي؟ قلت: من عند ms038 رجل أكرم الأجياد ما ~~حاشا أمير المؤمنين , قال: ومن هو؟ فدفعت إليه الرقعة , فلما رأى الصرة , ~~قال: هذه من بيت PageV01P150 ~~مالي؟! ولابد من الرجل , قلت: والله , ياأمير المؤمنين إني أستحي أن أروعه ~~برسلك , فقال لبعض خواصه: امض مع الأصمعي , فإذا رآك الرجل فقل له: أجب ~~أمير المؤمنين - من غير إزعاج - , فلما أحضر الرجل , قال المأمون: أما أنت ~~الذي وقفت بالأمس وشكوت رقة [32ظ] حالك , وأن الزمان قد أناخ بكلكله عليك , ~~ودفعنا إليك هذه الصرة لتصلح بها ما بدالك , فقصدك الأصمعي ببيت واحد ~~فدفعتها إليه؟! قال: نعم يا أمير المؤمنين , والله ما كذبت فيما شكوته إليك ~~, فقال المأمون: لله أنت! فما ولدت العرب أكرم منك , ثم بالغ في إكرامه , ~~وجعله من خواصه (1). # وقد نقل عن حاتم الطائي أنه أخذ إبله غزو من بعض العرب , فطلبها مع ~~عشيرته , فلما لحقوا الغزو أخذوا من أيديهم الإبل , فلحق حاتم رئيس السرية ~~, فالتفت وإذ هو يرى حاتم من خلفه قد قارب طعنه , فقال يا حاتم: اعطني ~~رمحك! فقال حاتم: خذه , وناوله الرمح! # فقال له رفقاؤه: يا حاتم كيف تعطي عدوك رمحك في مثل هذا الموطن؟! # قال: يا هؤلاء ما جواب من يقول أعطني (2)! # وما ذكرنا من ذكر هذين القضيتين إشعار بأن الشنفرى ليس فيه من مكارم ~~الأخلاق تخلق منه , بل غريزة , إذ لو كانت غير غريزة لم يتكلفها مع مرافقة ~~الحيوانات لأنه لا موجب للتكلف , إذ ليست مدركة. # ومما يناسب هذا المقام أن الأصمعي مر بكناس يكنس كنيفا وهو رافع صوته , ~~وهو يتغنى بهذه الأبيات (3): [من الوافر] PageV01P151 ~~أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر # وخلوني لمعترك المنايا ... وقد شرعت أسنتها انحري # أجرر في الساجد كل يوم ... فيا لله مظلمتي وصبري # كأني لم أكن فيهم وسيطا ... ولم تك نسبتي في آل عمرو # فقال له: أما سداد الثغر فلا علم لنا كيف أنت فبه , وأما سداد الكنف ~~فمعلوم , فأعرض عنه مليا , ثم أقبل عليه , وأنشد شعرا: # وأكرم نفسي إنني إن أهنتها ... وحقك لم تكرم على أحد ms039 بعدي # فقال له: وأي كرامة حصل له منك , وما يكون من الإهانة أكثر من أهنتها , ~~فقال: بلى , والله من الهوان ما هو أعظم مما رأيت , فقال له: ما يكون ذلك؟ ~~قال: الحاجة إليك أو إلى مثلك , فاستحى منه وانصرف (1). # وقال البوصيري (2) شعرا: # والنفس كالطفل إن تهمله شب على ... حب الرضاع , وإن تفطمه ينفطم (3) # 10 - ... وإني كفاني فقد من ليس جازيا ... بنعمى ولا في قربه متعلل # اللغة: # ((فقده يفقده فقدا وفقدانا وفقودا: عدمه , فهو فقيد ومفقود , وأفقده الله ~~إياه , والفاقد التي مات زوجها أو ولدها أو المزوجة بعد موت زوجها , وبقرة ~~أخذ سبع ولدها (3) , وافقده وفقده: طلبه عند غيبته , ومات غير فقيد ولا ~~حميد , ومات غير مفقود: غير مكترث PageV01P152 ~~لفقدانه , ونفاقدوا: فقد بعضهم بعضا (1))). # جازيا: وصف من ((الجزاء , وهو المكافأة على الشيء (2))) خيرا كان أو شرا ~~, كقول الشاعر (3): [من البسيط] # جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فعل كما جوزي سنمار ... [33ظ] # وسنمار: اسم لرجل عمل قصرا للمنذر (4) , فعند تمامه أتى به ورماه من ~~أعلاه , حتى أنه لا يعمل لأحد من الملوك مثله. # النعمى: بنون مضمومة , فعين مهملة ساكنة , آخر الحروف ألف مقصورة , وإن ~~فتحت النون مددت وقلت: النعماء , وهي النعمة والصنيعة , والمنة , وما أنعم ~~عليك (5) # والتقريب: ضرب من العدو أو أن يرفع يديه معا ويضعهما معا , أو أن تقول: ~~حياك الله وقرب دارك (6). # المتعلل: بميم مضمومة , فمثناة فوقية , فعين مهملة , فلام مفتوحات , آخر ~~الحروف لام: اسم مفعول من ((تعلل به , أي تلهى (7))) أو مصدر منه. PageV01P153 # الإعراب: # الواو: للإستئناف , كقولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن , أي: لا تأكل ~~السمك , ولك شرب اللبن. # وإني: إن من الحروف المشبهة بالفعل وضعا , لكون وضع الفعل على ثلاثة ~~حروف: حرف يبتدأ , وحرف يوقف عليه , والثالث واسطة , وهذا لا ينافي قولهم: ~~الأصل في كل كلمة أن تكون على ثلاثة أحرف (1) فتدبر، تنصب الإسم وترفع ~~الخبر , الياء اسمها. كفاني: فعل ماض , ويجوز دخول الباء على فاعلها , ~~كقوله تعالى: {كفى بالله شهيدا ... (2)} , والنون للوقاية , لأنها تقي ~~الفعل عن ms040 الكسر , إذ الياء تستدعي انكسار ما قبلها , والكسر لا يدخل ~~الأفعال كما ذكر في موضعه مفصلا (3) , والياء محله النصب على أنه مفعول أول. # فقد: مفعول ثان مضاف إلى من , وهو بمعنى الذي اسم موصول. # وليس: من الأفعال الناقصة [34و] وتسميتها ناقصة لسلب دلالتها على الحدث ~~كذا قيل (4). والصحيح أن نقصانها لعدم اكتفائها بالمرفوع , وإلا فأفعال هذا ~~الباب كلها دالة عليه إلا ليس , بل وليس أيضا كما نص عليه الرضي (5) , ~~فإنها دالة على الحدث , الذي هو الإنتفاء , واسمها ضمير عائد على من , وقد ~~يقدم خبرها على اسمها , كقول PageV01P154 ~~السمؤال بن عادياء اليهودي (1): [من الطويل] # تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها: إن الكرام قليل # وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل # سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم ... فليس سواء عالم وجهول (2) # جازيا: خبرها , والجملة لا محل لها من الإعراب. # بنعمى: متعلق بجاز. # ولا: الواو حرف عطف , ولا: نافية. # في قربه: خبر مقدم متعلق بمحذوف مضاف إلى ضمير , وضمير الغائب. # متعلل: مبتدأ مؤخر , والجملة معطوفة على: ليس جازيا , فمحلها محلها. # المعنى: # لقد كفاني فقد من ليس يجازي بالإحسان , وعدم موالفة من أن فارقته لست منه ~~في أمان , وليس في القرب منه ما يتهنى به ويحمد , ولا يطلب منه الوفاء ~~ويقصد , ولعمري أن الشنفرى معذور في البعد عن من بهذا النعت اشتهر , وليس ~~بغباء به وأصله إن غاب أو حضر , كيف ومن كان في دنيء الصفات , لا يخلو عن ~~فلتات وهفوات. وقد قال بعض ذوي العلم والحكمة: (لسانك حصانك , إن هنته هانك ~~, وإن صنته صانك (3)) PageV01P155 ~~, وقالت [34ظ] العرب: (المرء بأصغريه: قلبه ولسانه (1)) , ولله در جميل (2) ~~[إذ] يقول: [من الطويل] # لحى الله من لا ينفع الود عنده ... ومن حبله لمن مد غير متين # ومن هو إن تحدث له العين نظرة ... تفيض لها اشئان كل قرين # ومن هو ذو لونين ليس بدائم ... على خلق خوان كل أمين (3) # فللائق للعاقل الطالب المحاورات , أن يتجنب قربا عن مثل هذا في المسامرات ~~, كيف والإنسان يحتاج إلى من ms041 يفشي سره إليه , ولو بشكاية إلى بعض الإخوان , يد # فع بها غمه , ويخفف كربه وهمه , كما قيل (4): [من الطويل] # ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة ... يواسيك (5) أو يسليك أو يتوجع # ومثل هذا أقل الأصدقاء , وأدنى الأوداء , ولم يحصل الشنفرى على مثله في ~~العشيرة والأصهار , إذ شرط من يتلهى في قربه كتم الأسرار , ومثل هذا الخائن ~~الغدار لا نفع في مصاحبته , ولو تطاولت بمرافقه الأعمار , لا لشكاية , ولا ~~ضجر , ولا لجلب خير ودفع شر , فما أحقه بقول الشاعر (6): [من الطويل] PageV01P156 ~~إذا كنت لا علم لديك تفيدنا ... ولا أنت ذو دين فنرجوك للدين # ولا أنت ممن يرتجى لكريهة ... عملنا مثالا مثل شخصك من طين # ولا لوم على الصلاح الصفدي حيث بخل بالطين , ولم يضيعه في تمثال هذا , ~~وغير قوافي البيتين , فقال (1): [35و] ... [من الطويل] # إذا كنت لا علم لديك تفيدنا ... ولا أنت ذو جود فنرجوك للقرا # ولا أنت ممن يرتجى لكريهة ... عملنا مثالا مثل شخصك من خرا # تكملة: # إذا كان الصديق الوفي معدوما , والخليل الشفيق لا وجود له , وكان الشنفرى ~~على هذه الهمة والنجدة والصولة , وكان مجفوا في عشيرته , وأحد يشتكي إليه , ~~ولا خل وفي يجنح إليه , فمرافقته للوحوش أسلم وأغنم , وفيه راحة للقلب ~~والبدن , واستراحة عن الأكدار والحزن , لا يوالف أحدا , ولا يعتمد على ~~مخلوق , كقول الطغرائي (2): [من البسيط] # وإنما رجل الدنيا وواحدها ... من لا يعول في الدنيا على رجل # وقد قال - عليه أفضل الصلاة والسلام: ((الوفاء شعبة من شعب الإيمان (3))) ~~وقال (من لا وفاء له لا إيمان له (4)) , وأختلف في حال الصداقة , فبعضهم ~~ذهب إلى أنه لا وجود للخل الوفي , لقول الشاعر (5): [من الرجز] PageV01P157 ~~ثلاثة ليس لها وجود ... الغول والعنقاء والخل الوفي # وبعضهم أثبته , فقال (1): [من الطويل] # ثلاثة أحسنها العتيق ... الخل والحمام والصديق # وقال الشاعر (2): [من الطويل] # صديق صديقي داخل في صداقتي ... صديق عدوي ليس لي بصديق # ومما يقرب من الشنفرى في علو الهمة ابن مقرب , حيث يقول (3): [من الوافر] # فمثلي من يقيم صفا الأعادي ... ويستدعى إلى نوب الزمان ms042 # إذا يومي أظل فما أبالي ... بسيف كان حتفي أم سنان # فلا يتوهم السفهاء أني ... أحن إلى غوان أو مغاني # وقال أيضا (4): [من الطويل] # ومن لم يفارق منزل الضيم لم يزل ... يروح ويغدو موجع القلب باكيا # ومن يثو في دار الهوان يعش بها ... أخا مضض لا يبرح الدهر شاكيا # غرمت يميني أن أقمت على القلا ... نعم , وتليها عن قريب شماليا PageV01P158 ~~11 - ... ثلاثة أصحاب فؤاد مشيع ... وأبيض إصليت وصفراء عيطل # اللغة: # الفؤاد: ((القلب , مذكر (1) , أو هو ما يتعلق بالمريء من كبد ورئة , ~~وجمعه أفئدة , والفواد بالفتح والواو غريب , وفئد: كعني شكاه أو وجع فؤاده ~~, والفئيد: النار , والمشوي , والجبان , كالمفؤد فيهما , وافتادوا: أوقدوا ~~نارا , والتفؤد: التحرق والتوقد (2))). # مشيع: على صيغة اسم المفعول , كمعظم: الشجاع , كأنه شيع بغيره أو بقوة ~~قلبه , والعجول , ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المشيعة في ~~الأضاحي (3) , بالفتح أي: التي تحتاج إلى من يشيعها أي يتليها الغنم أي ~~لضعفها , وبالكسر: وهي التي تشبع الغنم أي: تتليها لعجفها , وشايعه: والاه ~~, وبإبله صاح ودعاها ,وفلانا تابعه على أمر , والمشايع: الملاحق , وتشيع: ~~ادعى دعوة الشيعة , وهما متشايعان في دار [36و] ومتشاعان: شريكان , وهو شيع ~~نساء بالكسر أي: يشتهيهن ويخالطهن (4). # الأبيض: ((ضد الأسود , جمعه بيض , أصله بيض بالضم أبدلوه بالكسر لتصحيح ~~الياء (5))) , وعلة ذلك تقدمت عليك فيما سبق , ((والسيف , والفضة , وكوكب ~~في حاشية المجرة , و[الرجل (6)] النقي العرض , وجبل بمكة , وقصر للأكاسرة ~~كان من العجائب # إلى أن نقضه المكتفي (7) , وبنى بشرفاته أساس التاج , وبأساسه شرفاته , ~~فتعجب من PageV01P159 ~~هذا الإنتقال (1) , والأبيضان (2): اللبن والماء , والموت الأبيض: الفجأة (3))). # إصليت: الإصليت بهمزة مكسورة , فصاد مهملة ساكنة , فلام مكسورة , فمثناة ~~تحتية ساكنة , آخر الحروف فمثناة فوقية: هو السيف الصقيل الماضي , ويجوز أن ~~يكون بمعنى مصلت , وأصلت السيف إذا جرده من غمده فهو: مصلت (4). # الصفراء: بالصاد المهملة والفاء , هي القوس (5) من نبع (6). # العيطل: بعين مهملة مفتوحة , فمثناة تحتية ساكنة , فطاء مفتوحة , آخر ~~الحروف لام: هي ((الطويلة العنق في حسن جسم , أو كل ما طال عنقه (7) , فهو: ~~عيطل (8))). # الإعراب: # ثلاثة: ms043 فاعل كفى في البيت الأول , وألحق التاء في ثلاثة مع أنه مضاف إلى ~~مذكر , لأن العدد حكمه من الثلاثة الىلعشرة , يذكر مع المؤنث , ويؤنث مع ~~المذكر , كقولك: رأيت أربع نساء , وأربعة رجال , كما هو مذكور في موضعه (9) ~~, مضاف إلى أصحاب. فؤاد: بدل من ثلاثة , بدل [36ظ] مفصل من مجمل , ويجوز ~~كونه خبر PageV01P160 ~~مبتدأ محذوف. # مشيع: نعته , وتنكير فؤاد للتعظيم. # وأبيض: معطوف على فؤاد. # إصليت: نعته. # وصفراء: معطوف. # وعيطل: نعته. # المعنى: # قد تعوضت على مؤالفة القصي والقريب , والخل والحبيب , بثلاثة فيها يحصل ~~العز والشرف , واغتني عن التحف والظرف , فؤاد قوي متين , وجنة في النائبات ~~حصين , لا تريبه الصائب , ولا تميته النوائب , وسيف فاتك بتار , أسرع من أخ ~~شقيق نضار , وقوس سريع في إيصال السهم مناها , قد حاز في فنونه أقصاها ~~ومنتهاها. # أما إثبات القلب في مواطن الحروب , فممدوح في الجد , وعدمه مذموم بلا حد ~~, قال بعض الشعراء يهجو الحجاج الثقفي (1) , وهو عمران بن حطان (2) مفتي ~~الخوارج (3): [من الكامل] # أسد علي وفي الحروب نعامة ... فتخاء تنفر من صفير الصافر # لم لا برزت إلى غزالة في الوغى إذ كان قلبك في جناحي طائر (4) PageV01P161 ~~وغزالة هذه امرأة شيبوب (1) , كانت من الخوارج , قيل: إنها دخلت إلى مسجد ~~الكوفة , وكان معها سبعون فارسا , وقرأت سورة البقرة في صلاة الصبح في أول ~~ركعة , وآل عمران في الركعة الثانية , والحجاج هرب من البلد مع جنوده ~~وعساكره , وكان عدد جنوده ثلاثين [37و] ألف فارس , فلم يطق أن يبقى معها ~~خوفا منها. # ونقل بعض أصحاب التواريخ إن رجلا من أشراف العرب افتقر , وكانت عنده ~~جارية حسناء , فأتى من الحجاز إلى العراق ليبيعها , فأخذها منه الحجاج بثمن ~~كثير , فبقيت عنده مدة , فتمرض يوما , ودخل عليه من أقربائه شاب حسن المنظر ~~, وهي عنده , فتأمل , فإذا الشاب والجارية يتسارقان النظر بعضهم بعضا , ~~فعند ذلك أوهب الغلام الجارية , وأخذ بيدها , وخرج فبقيت عنده ثلاثة أيام , ~~وانهزمت في الليلة الثالثة , فأخبر الحجاج , وأرسل من يأتيه بها , فوجدها ~~بعض غلمانه وأتى بها , واستنطقها عن حالها , وما ms044 السبب في انهزامها , ~~فقالت: أنا قي الأصل أمة فلان من العرب , فاحتاج إلى بيعي , فأتى بي من ~~الحجاز , وإذا في الطريق أسد , وهو في حالة رؤيته الأسد , كان جالسا مني ~~مجلس الرجل من المرأة , فقام عني , فوثب على الأسد , وقتله , وعاد ليس ~~مرعوبا , وقضى حاجته , وأنت أوهبتني لابن عمك , فبينما هو في حالة الجماع , ~~إذ سقطت من السقف فأرة , فأغمي عليه , فأتيت بالماء ورشيت على وجهه , فلم ~~يستفق , فقلت في نفسي: لو مات , لقال الحجاج: قتلته الجارية , فهربت خوفا ~~منك , فاستحى الحجاج من ذلك , وأرجعها إلى مولاها , والتمس منها أن لا تذكر ~~هذا الخبر لأحد (2). # تكملة: # عبر عن هذه الثلاثة بالأصحاب , لشدة الملازمة , إذ لا تنفك عنه في حالة , ~~بخلاف الأهل فإنهم أهل وإن بعدوا أو فارقوا. PageV01P162 # قال عبدا لله باشا بن الكوبرلي (1): [من الطويل] # يعانق مفتوق الغرارين مصلتا ... ويأبى عناق البيض , وهو يرام (2) # وقال أبو الطيب شعرا (3): [من البسيط] # الخيل والليل والبيداء تعرفني ... والسيف والرمح والقرطاس والقلم # وقد أشار بكفاية هذه الثلاثة إلى أنه غير مفتقر إلى الوحوش اللاتي اتخذها ~~أهلا , وربما يذب عنها ريب ما يريبها , وغير محتاج إلى نصرتها , ودفع الأذى ~~عنه , وإنما اختارهم على قومه , بل على أبناء جنسه لانسيتهم , ودفع الوحشة ~~الناشئة عن الانفراد , وقدم الفؤاد , لأنه الركن الأعظم في ذلك. # وفي البيت الأول التضمين (4) , لأن الثلاثة فاعل كفى , وهو عيب من عيوب ~~الشعر , كالإقواء (5) والإيطاء (6) , وذكر بعضهم (7) أنه ليس بعيب , لأنه ~~ورد كثيرا في أشعار العرب الفصحاء , وأقبحها الإقواء. PageV01P163 # استطراد: # لابن مقرب (1): [من البسيط] # أميم لا تنكري حلي ومرتحلي ... إن الفتى من لم يزل كلا على ابل # وسائلي وارد الركبان عن خبري ... ينبئك أني عين الماجد البطل # ا أشرب الماء ما لم يصف مورده ... ولا أقول لمعوج الوصال صل # كلفيني مقاما بين أظهركم ... وليس يبدو فرند (2) السيف في الخلل [38] # ا دامت البيض في الأجفان مغمدة ... فما يبين لها في الهام من عمل # اويتكم جاهدا لو أن دائكم ... مما يداوى بغير البيض والأسل # وقال الآخر ms045 (3): [من الكامل] # لسنا إذا كرمت أوائلنا ... يوما على الأحساب نتكل # نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا # وقال الآخر (4): [من البسيط] # حسبي من الدهر أن الدهر ينتج لي ... بكر الخطوب وأني عاقر الأمل # دعني أمادي زماني في تقلبه ... فهل سمعت بظل غير منتقل # وكلما راح جهما رحت مبتسما ... والبدر يزداد إشراقا مع الطفل # فلا يروعنك إطراقي لحادثة ... فالليث مكنه في الغيل للغيل # فما تأطر عطف الرمح من خور ... فيه , ولا احمر صفح السيف من خجل # لا غرو إن عطلت من خيلها همي ... فهل يعير جيد الظبي بالعطل # ويلاه , هل أنال السيف باريها ... وقلد الغضب جيد الفارس البطل PageV01P164 ~~ولما أراد المعتصم (1) فتح عمورية (2) , أشار عليه أهل التنجيم , أن تأن ~~هذه السنة , فلن تفتح فيها عمورية على يديك , فخالفهم , وركب إليها وفتحها ~~, فمدحه بعض شعرائه ... بقوله (3): [من البسيط] # السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب [38ظ] # والسعد في شهب الارماح لامعة ... بين الخميسين لا بالسبعة الشهب # (وأخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيفا , وكان مكتوبا على أحد ~~صفحتيه شعرا (4): [من البسيط] # في الجبن عار وفي الإقبال مكرمة ... والمرء بالجبن لا ينجو من القدر # وقال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام إليه رجال , فأمسكه عنهم , من ~~جملتهم: علي - رضي الله عنه - , قام ليأخذه , فقال: اجلس , وعمر - رضي الله ~~تعالى عنه - , فأعرض عنه , والزبير - رضي الله عنه - , وطلبه ثلاث مرات , ~~كل ذلك ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرض عنه , حتى قام إليه أبو ~~دجانة (5) - رضي الله عنه - , وقال: ما حقه يا رسول الله؟ # قال: أن تضرب به في [وجه] (6) العدو حتى ينحني , قال: أنا آخذه بحقه , ~~فدفعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وكان رجلا شجاعا يختال عند الحرب ~~أي: يمشي مشية المتكبر , وحين رآه - صلى الله عليه وسلم - , يتبختر بين ~~الصفين , قال: إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن , أي: لأن ~~فيها دليلا على عدم الاكتراث بالعدو. PageV01P165 # وعند اصطفاف القوم نادى أبو سفيان ms046 بن حرب: يا معشر الأنصار خلوا بيننا وبين ~~بني عمنا , وننصرف عنكم , فشتموه أقبح شتم , ولعنوه أشد اللعن) (1) (وفي ~~(2) رواية: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , إذا لقي العدو قال: ~~اللهم بك أصاول وبك أحاول) أي: أطالب.) # (وقاتل أبو دجانة [39و] حتى أمعن , فعن الزبير قال: وجدت -أي غضبت في ~~نفسي - , حين سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , السيف أي: الذي قال ~~فيه: من يأخذه بحقه ثلاث مرات , وأنا ابن عمته فمنعنيه , وأعطاه أبا دجانة ~~, فقلت: والله لأنظرن ما يصنع , فاتبعته , فأخذ عصابة حمراء أخرجها من ساق ~~حقه , وكان مكتوبا على أحد طرفيها: (نصر من الله وفتح قريب) (3) , وفي ~~طرفها الآخر: الجبانة في الحرب عار , ومن فر لم ينج من النار , فعصب بها ~~رأسه , وقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت , أي: لأنهم كانوا ~~يقولون ذلك إذا تعصب بها , فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله , أي: وكان إذا كل ~~ذلك السيف يشحذه , أي: يحده بالحجارة , ولم يزل يضرب به العدو حتى انحنى ~~وصار كأنه منجل , وكان رجل من المشركين لا يدع لنا جريحا إلا ذفف عليه أي: ~~أسرع قتله , فدعوت الله أن يجمع بينه وبين أبي دجانة , فالتقيا فاختلفا ~~ضربتين , فضرب المشرك أبا دجانة , فاتقى بدرقته , فعضت الدرقة على السيف , ~~وضربه أبا دجانة فقتله , ثم رأيته حمل بالسيف على رأس هند أي: بنت عتبة زوج ~~أبي سفيان , وقيل غيرها , ثم رد السيف عنها , قال أبو دجانة: رأيت إنسانا ~~يحمس الناس حمسا شديدا أي: يشجعهم , وبالشين المعجمة: يوقد الحرب ويثيرها , ~~فعمدت إليه , فلما حملت عليه السيف ولول أي: دعا بالويل أي: قال: يا ويلاه ~~, فعلمت [39ظ] أنه امرأة , فأكرمت سيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , ~~أن أضرب به امرأة. " (4) PageV01P166 ~~وقد قال أبو إسحاق بن خفاجة (1) في حق السيف (2): [من البسيط] # همم ترائت لو أن الموت صافحها ... لذل أو ذل منها وهو ظمآن # فكأن يخلق مهرا والدماء بها ... فلا تقل هي أنصاب وأوثان # موتى فإن خلقت أكفانها علمت ... أن ms047 الدروع على الأبطال أكفان # نفسي فداؤك لا كفؤ ولاثمن ... ولو غدا المشتري منها وكيوان # والتبر قد وزنوه بالحديد فما ... ساوى , ولكن مقادير وأوزان # 12 - إذا زل عنها السهم أنت كأنها مرزأة ثكلى ترن وتعول # اللغة: # زل: خرج بسرعة , ((وقوس زلاء يزل السهم عنها لسرعة (3) خروجه , وزل عمره: ~~ذهب , وفلان زليلا وزلولا: مر سريعا , والدراهم زلولا: أنصبت أو نقصت وزنا ~~, يقال: درهم زال , وأزال إليه من حقه شيئا: أعطاه , وأزال إليه نعمة: ~~أسداها , والزلة: الصنيعة ويضم , والعرس , والخطيئة , والسقطة , واسم لما ~~تحمل من مائدة صديقك أو رفيقك (4))) , وهو المراد هنا (5). # السهم: واحد السهام , والحظ , جمع: سهمان , وسهمة بضمهما , والقدح يقارع ~~به , جمع: سهام , وجائز البيت , ومقدار ستة أذرع في معاملات الناس ~~ومساحاتهم , وحجر على باب بيته , شيء ليصاد به الأسد , فإذا دخله وقع فسده ~~, وقبيلة في قريش وفي باهلة (6). # أنت: بفتح الهمزة , والنون المشددة , من الأنين , وهو التأوه (7). # المرزئة: بضم الميم , وفتح الراء والزاء , بعدها همزة مفتوحة , آخر ~~الحروف هاء تأنيث، اسم مفعول مأخوذ من ((الرزء , وهو المصيبة)) (8). PageV01P167 # ثكلى: بمثلثة مفتوحة , فكاف ساكنة مقصورا: الفاقدة ولدها , ((وكذلك الثكل ~~بالتحريك (1))). # ترن: أي تصوت (2). # تعول: بضم تاء المضارعة, وسكون العين المهملة , وكسر الواو: من الإعوال , ~~والعول والعولة: رفع الصوت بالبكاء , وكذلك العويل , تقول منه: أعول , وفي ~~الحديث: (المعول عليه يعذب) (3) , وأعولت القوس: صوتت , وهو المراد هنا (4) ~~, قال الشاعر (5): [من الطويل] # فيا رب هل إلا بك النصر يرتجى ... عليهم؟ وهل إلا عليك المعول # وهذا من شواهد النحو في باب الإستثناء فليراجع (6). # الإعراب: # إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان , وهي ملازمة للإضافة إلى جمل الأفعال , ~~لقول ابن مالك (7): [من الرجز] # وألزموا إذا إضافة إلى ... جمل الأفعال كهن إذا اعتلى # وبعضهم (8) ادعى إضافتها إلى جمل الأسماء أيضا , وأستدل بقوله تعالى: ~~{إذا السماء انشقت} (9) , على أن السماء مبتدأ , وجملة انشقت هو الخبر , ~~ورد بأن السماء فاعل بفعل محذوف فسره المذكور , والتقدير: إذا انشقت السماء انشقت. # زل: فعل ماض. # عنها: متعلق به. PageV01P168 # السهم: فاعل. # أنت: أن فعل ماض ms048 , والتاء علامة التأنيث , جواب إذا , وفاعله ضمير يعود ~~على القوس. # كأنها: كأن من الحروف المشبهة بالفعل , الهاء اسمها , مرزئة خبرها , ~~ويجوز تخفيف كأن فيبقى عملها استصحابا للأصل , قال ابن مالك (1): [من الرجز] # وخففت كأن أيضا فنوي ... منصوبها وثابتا أيضا روي # وقال الشاعر (2): [من الطويل] # ويوما توافينا بوجه مقسم ... كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم (3) # يروى: برفع ظبية على أنها خبر كأن واسمها مستتر , والتقدير: كأنها ظبية , ~~ويروى: بالنصب على أنه اسمها والخبر محذوف , والتقدير: كأن مكانها ظبية , ~~ويروى: بجر ظبية على أن الأصل كظبية , وزيدت إن بين الكاف ومجرورة , ~~وعليهن: فجملة تعطو صفة لظبية لأنها نكرة , والموفاة: الإتيان , والمقسم: ~~المحسن من القسامة , يقال: قسيم الوجه , ومقسم الوجه أي: حسنه , وتعطو: ~~تناول , وعداه بإلى لتضمنه معنى تميل , والوارق: اسم فاعل من أورق الشجر , ~~ويروى: ناظر السلم , والسلم بفتحتين شجر له شوك. # وتفارق إن في أنها حالة كونها مخففة من الثقيلة محذوفة الاسم , وإذا كان ~~الخبر جملة اسمية لا يحتاج إلى فاصل , كقول الشاعر (4): [من الهزج] # ووجه مشرق اللون ... كأن ثدياه حقان # فثدياه: مبتدأ , وحقان هو الخبر , والجملة خبر كأن , واسمها [41و] محذوف ~~ضمير الشأن أي: كأنه , وهذا البيت رواه سيبويه هكذا (5) ورواه غيره: وصدر ~~مشرق النحر PageV01P169 ~~, والمعنى على الأول: رب وجه يلوح لونه وثديا صاحبه كحقين من الإستدارة. # ثكلى: خبر ثان. # ترن: فعل مضارع , فاعله يعود إلى ثكلى. # وتعول: فعل مضارع معطوف على ترن , وعود ضمير الفعلين إلى الثكلى أولى من ~~عوده إلى القوس , وإن صح وصفها بالرن والإعوال لئلا يلزم التكرار في قوله: ~~هتوف , فيما يأتي كذا قيل (1). والصواب: عوده إلى القوس , فيكون ارتباط هذا ~~البيت بالبيت الثاني أتم , ولا تكرار كما توهم , بل في الأول انتشار تنبو ~~عنه سليقة الناظم الأزدي , على أن الأنسب أن يكون وصفا للقوس كما لا يخفى. # المعنى: # لما عد القوس من جملة أصحابه , ورغب فيها عن رفقة أحبابه , تعرض لوصفها ~~الذاتي والعرضي فقال , وإبداء ما احتوته من محاسن الخصال , أن هذه القوس ~~إذا جاوزها ms049 السهم كأنها امرأة مصابة نائحة فاقدة ولدها باكية صائحة. # استطراد: # دخل بعض الشعراء على الفضل بن يحيى البرمكي (2) , وامتدحه ببيت من الشعر: # لما رأيت الناس شدوا رحالهم ... إلى بحرك الطامي أتيت بجرتي # وبيده جرة , فأمر بإملائها من النقدين , فقال بعض أهل مجلسه: لو اختبرت ~~هذا الشاعر بشيء من الشعر , لأنه ربما كان سارقا هذا البيت من قول بعض ~~الشعراء , فأمر [41ظ] بإحضاره , وأخذ بيده قوسا وسهما , وقال: قل في حقهما ~~شيئا وإلا ضربتك , فأنشأ ارتجالا: [من الطويل] # وقوسك قوس الجود والوتر والندى ... وسهمك سهم اليسر أضرب بها عسري # أيا لومة لاموك يا فضل بالعطا ... فمن ذا الذي ينهى السحاب عن القطر؟! PageV01P170 # سئل بعض الكاملين في ذلك الزمان عن سبب قتل البرامكة (1) , فأجاب بهذين ~~البيتين (2): [من الطويل] # ألا إن سيفا برمكيا مهندا ... أصيب بسيف هاشمي مهند # فقل للمطايا بعد فضل تعطلي ... وقل للرزايا يا كل يوم تجددي # استطراد: # مما اشتهر في أحياء العرب بنو ثعل (3) برمي السهم , وهم الذين عناهم امرؤ ~~القيس (4) بقوله (5): [من المديد] ... رب رام من بني ثعل ... مخرج كفيه من ستره # وقال الطغرائي (6): # إني أريد طروق الحي من إضم ... وقد حماه رماة من بني ثعل # وقد أكثر الشعراء من نسب حسن الرمي إليهم , قال ابن قلاقس (7): [من ~~الوافر] # وحي من كنانة قد رموني ... بما حوت الكنانة من سهام # إذا انتقلوا وما ثعل أبوهم ... رموك بكل رامية ورامي # ومن هذه القبيلة عمرو بن المسيح (8) الثعلي , قدم على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - PageV01P171 ~~, في وفد العرب , فأسلم وهو ابن مئة وخمسين , وكان أرمى العرب بالسهام. ~~وأمرؤ (1) القيس قد عنى بالبيت المتقدم هذا الصحابي (2) - رضي الله عنه - , ~~وهذا من جملة ما استشهد به ابن قتيبة (3) في كتاب " الشعر والشعراء (4) " ~~على قرب زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - , من زمن امرىء القيس , وأنه كان ~~قبله بأربعين سنة , وقد قال - صلى الله عليه وسلم - , يوم غزوة حنين لسعد ~~بن أبي وقاص - رضي الله عنه -: (ارم فداك أبي وأمي (5)) , ولم يرد أنه ~~قالها لغيره ms050 قبل هذا اليوم. # ومما ذكر في بعض التواريخ (6) أن بعض الملوك أراد السفر , فذكر له ~~المنجمون أن القمر في العقرب (7) , فبينما هم يتحدثون بذلك إذ دخل على ~~الملك غلام له , حسن المنظر , لين الأعطاف , متقلدا قوسا , فقال وزيره - ~~وهو جالس مع الملك -: تهيأ للركوب , فإن القمر في هذه الساعة خرج من العقرب ~~, ودخل القوس , متفائلا برؤية الغلام على تلك الحالة , فركبوا وظفروا ~~بالعدو , ونهبوا غنائم لا تعد ولا تحصى. # 13 - هتوف من الملس المتون يزينها رصائع قد نيطت إليها ومحمل # اللغة: # الهتوف: بهاء مفتوحة , فمثناة فوقية مضمومة , فواو ساكنة , آخر الحروف ~~فاء: صيغة مبالغة من ((الهتف, وهو التصوت , يقال: هتفت الحمامة تهتف هتفا , ~~وهتف به PageV01P172 ~~هتافا أي: صاح , وقوس هتافة وهتفى ذات صوت (1))). # الملس: بضم الميم وسكون اللام , آخر الحروف [42 ظ] سين مهملة: جمع أملس # من ((الملاسة , وهي الملوسة ضد الخشونة (2))). # المتون: بميم , فمثناة فوقية مضمومتين جمع المتن , وهو ((من الأرض ما صلب ~~وارتفع , ومتن الظهر: مكتنف الصلب عن يمين وشمال عصب ولحم , ومتن السهم: ما ~~دون الريش منه إلى وسطه (3))). # وفي نسخة: عطوف (4) من الملس الجياد , العطوف: صيغة مبالغة من العطف , ~~وهو: الميل , ((والمعطوفة (5): قوس عربية تعطف سيتها [عليها] عطفا شديدا (6))). # والسية: جانب القوس , فالعطوف أما لعطف جانبها , أو كأنها ناقة عطوف تعطف ~~على ولدها , ولا ريب أن القوس تعطف على النبال. # الجياد: بكسر الجيم جمع جيد , وهو ضد الرديء (7). # يزينها: بفتح المثناة التحتية من ((الزين ضد الشين (8))) # والرصائع: براء , فصاد مفتوحتين , فألف , فهمزة مكسورة ,آخر الحروف عين ~~مهملة: جمع رصيعة , وهي حلي يحلى بها (9). # نيطت: بنون مكسورة , فمثناة تحتية ساكنة , فطاء مهملة , أي: علقت (10). PageV01P173 # المحمل: بميم مكسورة , فحاء مهملة ساكنة , فميم ثانية مفتوحة: ((علاقة ~~السيف (1))). # الإعراب: # هتوف: خبر مبتدأ محذوف تقديره: هي هتوف , كقوله تعالى: {سلام قوم منكرون ~~(2)} , كما وضح في موضعه. # من الملس: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ثان , ويصح أن يكون حالا من ضمير ~~هتوف , مضاف إلى متون , وصح إضافة ما فيه ال (3) , لأنها غير ms051 محضة (4) , ~~وهي هنا أما من إضافة الوصف [43] إلى فاعله , أو من إضافة الصفة إلى ~~الموصوف , والأول أظهر. # يزينها: فعل مضارع , ومفعول رصائع هذا هو الفاعل. # قد: حرف تحقيق. # ونيطت: فعل ماض مبني للمجهول , والتاء للتأنيث , ونائب الفاعل ضمير يعود ~~إلى رصائع , وإعلال نيط كقيل في اللغات الثلاث (5). # إليها: جار ومجرور متعلق بنيطت على تضمينه معنى الضم. # ومحمل: معطوف على رصائع. # المعنى: # كثيرة التصويت في حال نفاذ السهم منها , وجوانبها مما يلي ظهرها المرتفعة ~~عنها خشنة غير ناعمة , حائزة في حد ذاتها الأوصاف المستحسنة , وهذا مما ~~يزيد القوس حسنا , لأن تصويتها ناشىء عن لينها , وهو وصف حسن , كما أن ~~ملوسة ظهرها PageV01P174 ~~وارتفاعها أمر مستحسن , لأن الرامي لا يتألم , ويقوى إمساكه لها مما نالته ~~من ارتفاع ظهرها , ولها محاسن جمة منها: الحلق , والعلاقة التي تعلق بها في ~~الأمور المهمة. # تكملة: # إقتصر على السيف والقوس من آلات السلاح دون غيرهما، أما لبيان الواقع، أو ~~أنه إذ ذاك راجل، لأن الغالب عليه المشي على قدميه لأنه كما ذكرنا من ~~العدائين، وكان حمل هذه عليه أسهل من غيرها كالرمح، وأطنب في وصف القوس دون ~~السيف، لأنه الأنفع له إذ يمكنه المدافعة بها وهو يمشي، بل وهو يعدو، أو ~~لأنه يدفع العدو ويقاتله على بعد بخلاف السيف. # استطراد: # من كلام البديع الهمداني (1): " حكمت علماء الأمة , واتفق قول [43ظ] ~~الأئمة على أن سيوف الحق أربعة , وسائرها للناس: سيف رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في المشركين , وسيف أبي بكر - رضي الله عنه - في المرتدين , ~~وسيف علي - رضي الله عنه - في الباغين , وسيف القصاص في المسلمين (2) " # " وأما قولهم: سيف الله خالد بن الوليد , وذلك أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - سماه به لحسن آثاره في الإسلام , وشجاعته , وكان صلى الله عليه ~~وسلم - إذا نظر إليه والى عكرمة بن أبي جهل , قرأ قوله تعالى: { ... يخرج ~~الحي من الميت ... (3)} , لأنهما من خيار المسلمين وأبواهما أعدى عدو لله ~~ورسوله (4) , ولما أتهم خالد بن الوليد بقتل مالك بن نويرة (5) -على إسلامه ms052 ~~- دعاه أبو بكر - رضي الله عنه - فقال له PageV01P175 ~~: إنما قتلته لتتزوج حليلته , لكونه تزوج امرأته بعده , فقال له: يا خليفة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتشهد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- سماني بسيف الله؟ فقال: اللهم نعم. فقال: أيقتل سيف الله المسلم؟! , ~~فقال: لا , وصرفه إلى حيث جاء (1) " وقال ابن نباتة (2) في حق أولاد ممدوحه ~~, وكان أحدهما اسمه خالد ... شعرا (3): [من الكامل] # أولاد مولانا بهم تزهو المحافل والمشاهد ... مثل السيوف مهيبة , لكن سيف ~~الله خالد # وقال الطغرائي (4): [من الطويل] # وما السيف لولا الرمح إلا حديدة ... وما الرمح إلا خوطة تتأود [44و] # وقال أيضا (5): [من الكامل] # والحر مفتقر إلى عز القنا ... فقر الحسام إلى يمين الفارس # وقال أيضا (6): [من البسيط] # فما احتمى جانب لم يحمه ملك ... ولا مضى صارم لم يمضه بطل # 14 - ولست بمهياف يعشي سوامه مجدعة سقبانها وهي بهل # اللغة: # المهياف: بكسر الميم , وسكون الهاء: هو سريع العطش , ورجل هيفان أي: ~~عطشان , والمهياف أيضا الناقة التي تعطش سريعا (7). PageV01P176 # يعشي: أي يرعاها ليلا , والعواشي الإبل والغنم التي ترعى ليلا (1). # والسوام: بفتح السين المهملة , الإبل الراعية , ومثله السائمة , واسامها ~~رعاها (2) , وهي التي تجب فيها الزكاة , وحكمها في الإبل في كل خمسة شاة ~~إلى أن تبلغ خمسا وعشرين , فإذا بلغت ذلك أعطي زكاتها بنت لبون , وبقية ~~النصب مبسوطة في كتب الفقه (3). # مجدعة: بصيغة اسم المفعول المضاعف أي: المقطوعة الأذنين , ومن جدعته أمه ~~إذا أساءت غذائه , أو من الجدع , وهو: الحبس والسجن لكنه ضعف للمبالغة (4). # السقبان: بضم السين المهملة , وسكون القاف جمع سقب بالفتح , وهو: ولد ~~الناقة (5). # البهل: بضم الموحدة , وفتح الهاء المشددة جمع باهل , وهي الناقة التي لا ~~صرار عليها أو عرانة (6) أو سمة (7). # الأعراب: # الواو: للإستئناف [44ظ] # ولست: ليس واسمها. # بمهياف: خبر ليس , والباء زائدة. # يعشي: فعل مضارع من التعشية , وفاعله يعود إلى المهياف. # سوامه: منصوب على أنه مفعول به , مضاف الىضمير الغائب. # مجدعة: حال من سوامه , وهي صفة جرت على غير من هي له. # سقبانها: مرفوع على ms053 أنه نائب فاعل. PageV01P177 # مجدعة: مضاف إلى ضمير المؤنثة الغائبة. # وهي: الواو للحال , وهي: مبتدأ. # بهل: خبر , والجملة محلها النصب على أنها حال. # المعنى: # بعد ما فرغ من وصف القوس بما يليق , والسيف بما هو حقيق , أخذ في وصف ~~نفسه بالمروءة والشجاعة في التلاق , وعلو الهمة ومكارم الأخلاق , فقال: إني ~~لست بسريع العطش , إذ هي كناية الجبان , لأنه لذعره وقلقه تعروه حرارة ~~فيكون من شدة الظمأ حيران أي: إني لست بجبان يرعى إبله بليل من خوفه , ~~وأولادها مقطوعة الأذنين رغما عن أنفه وان الناس لا تهابه فتجدع أولاد إبله ~~تكسبه عارها , إذابله لا صرار على أخلافها , وكل من رآها يحل صرارها ~~فيحلبها , وهو بلا صرار دائما , ولا لصاحبها نصير , وأنها لا عران (1) لها ~~وهو إمارة على أنه ذليل حقير , صعلوك يرتاح للنوائب ولو عظم المصاب. # بخلاف ذات العران , إذ اشتهر كون ربها عظيم النجدة , مهاب , وتخشى الناس ~~صولته , ولا علامة على إبله تنظر , خوفا من عرفان وسمه [45و] فتؤخذ إبله ~~لعدم حذر الناس منه والمبالاة به إن غاب أو حضر , فهو يدعها بلا سمة لتذهب ~~نفس رائيها إلى أنه ليس فيها مثال , لأنها إبل بعض الشجعان واو بالإحتمال , ~~وفي هذا البيت احتمالات كثيرة لم تذكر , وما أبديناه هو الأولى فتدبر. # مما يناسب هذا المقام قول قريط (2) من بلعنبر, يعير قومه بتخاذلهم عن ~~نصره , وقد أغارت عليه بني شيبان , واستاقت إبله , بقوله (3): [من البسيط] # لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا PageV01P178 ~~إذا لقام بنصري معشر خشن ... لدى الحفيظة إن ذو لوثة لانا # قوم إذ الشر أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات ووحدانا # لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا # لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا # وقال الوزير الفتح [بن (1)] محمد بن عبيدالله (2) القيسي (3): [من ~~الطويل] # ذروني أجب شرق البلاد وغربها ... لأشفي نفسي أو أموت بداء # فلست ككلب [السوء (4)] يرضيه مربض وعظم ولكني عقاب سماء [45 ms054 ظ] # تحوم لكيما تدرك الخصب حومها ... أمام أمامي أو وراء ورائي (5) # وكنت إذا ما بلدة لي تنكرت ... شددت إلى أخرى مطي إبائي (6) # وسرت ولا ألوي على متعذر ... وصممت لا أصغي إلى النصحاء # كشمس تبدت للعيون (7) بمشرق ... صباحا , وفي غرب أصيل مساء # وما أحسن قول ابن مقرب (8) مفتخرا: [من الطويل] # قليل الكرى ماض على الهول مقدم ... على الليل والبيداء والحر والبرد PageV01P179 ~~عدمت فؤدا لا يبيت وهمه ... كرم المساعي وارتقاء إلى المجد # لعمرك ما دعد بهمي وإن دنت ... ولا لي بهند من غرام ولا وجد # ولكن وجدي للعلا وصبابتي ... بعارفة أسدي ومكرمة أجدي # أبى الله لي أن أحل بمنزل ... بأرض بها تعدو الكلاب على الأسد # ألم تعلمي أن العتو نباهة ... وأن الرضى بالذل من شيمة الوغد # أأرضى بم يرضي الدنيء وصارمي ... حسام وعزمي عزم ذو لبدة ورد # لأمضي على الأيام عزم ابن حرة ... يفدى بآباء الرجال ولا يفدي # فإن أدرك الأمر الذي أنا طالب ... فيا جد مستجد ويا سعد مستعدي # وإن أخترم من دون ما أنا آمل ... فيا خيبة الراجي ويا ضيعة الوفد # وإني من قوم يبين لطفلهم ... لدى الحدس عنوان السيادة في المجد # استطراد: # لما قتل كليبا (1) جساس (2) بقي أخوه مهلهل (3) ينوح عليه [46و] ويرثيه , ~~ويتوعدهم بأشعاره حتى أيس (4) منه قومه , وقالوا إنه زير النساء , وسخرت ~~منه بكر , وقالوا: إنما مهلهل نائحة ما عنده خير ولا شر , وهمت آل مرة ~~بالرجوع إلى الحمى , واستحقروه , وبلغ ذلك كليبا (5) , فانتبه للحرب , وشمر ~~ذراعيه , وتوسط نادي قومه , وآلى على نفسه أن لا يقرب النساء , ولا يشم ~~الطيب , ولا يشرب الخمر ,ولا يلهو حتى يقتل بكل عضو من كليب رجلا من بني ~~بكر بن وائل , ويقتل بشسع نعله (6) , ما PageV01P180 ~~دام له قوة ينكأ بها عدوا , فقال له أكابر قومه على جهة الإستخبار: إنا نرى ~~أن لا تعجل بالحرب , وأرسل إلى إخواننا , فبالله ما تجدع (1) بحرب قومك إلا ~~أنفك , ولا تقطع إلا كفك! قال مهلهل: قطعها الله كفا , وجدعه الله أنفا (2) ~~, لا تحدث نساء وائل أني ms055 أكلت لكليب ثمنا , ولا أخذت له دية (3). # وكليب هذا اسمه: وائل بن ربيعة , وسمي بذلك بعد عقد لواء نزار وربيعة ~~عليه , لأنه عظم في نفسه , واشتهر في العرب , وقبض على نواصيها , وأخذ بثأر ~~أبيه من قحطان في خزازى (4) وغيرها , ولم تهزم له راية في الجاهلية , فلما ~~استحكم رأيه , بلغ منه أنه صار يجير على الدهر فلا تخفر له ذمة , ولا يتحدث ~~أحد - وهو جالس - إلا أن يتحدث , وكان يجير الجراد , ويقول: صيد كذا وكذا ~~في جواري فلا يصاد ذلك الصيد , وكان قد اتخذ جرو كلب , وكان يكتفه ثم يقذفه ~~في الحمى , وفي الروضة [46ظ] المخصبة التي تعجبه , فيحميها ولا تقرب , ~~ويجعله إلى جانب البئر , فلا يشرب ذلك الماء , وبه سمي كليبا , فإنما كان ~~الناس يسمون الحمى المرعي والماء هذا لكليب , فيقال: نعم , هذا حمى كليب , ~~فبقي على ذلك الشرف والسؤدد حتى قتله جساس بسب شارف من الإبل , وقصتها ~~طويلة (5) تركناها خشية الإطناب المخل. # قال الشاعر (6): [من الطويل] # وجارة جساس ابأنا بنابها ... كليبا غلت ناب كليب بواؤها PageV01P181 ~~15 - ولا جباء أكهى مرب بعرسه يطالعها في شأنه كيف يفعل # اللغة: # الجبأ: بضم الجيم , وتشديد الباء الموحدة المفتوحة , آخر الحروف همزة: ~~((الجبان , قال الشاعر (1): [من الطويل] # فما أنا من ريب الزمان بجبأ ... ولا أنا من سيب الإله بيائس # ونوع من السهام , وبالمد امرأة لا يروعك منظرها كالجبأة , وكورة بخوزستان ~~, وبالنهروان (2) , وبهيت , وبيعقوبا (3))). # الأكهى: بفتح , وسكون الكاف مقصورا , ((الأكلف الوجه , والأبخر , والجبان (4))). # المرب: بالفتح , يقال: ((فلان مرب أي مجمع يرب الناس ويجمعهم , ومكان مرب ~~أي مجمع (5))). # العرس: بكسر العين , وسكون الراء المهملة , هي ((امرأة الرجل (6))). # يطالعها: أي يظهرها ويطلعها على أمره (7). # في شأنه: أي أمره كما في نسخة (8). # الإعراب: # الواو عاطفة , ولا نافية. # وجبأ: يجوز فيه: النصب , والرفع , والجر (9) , الأول على محل ما قبله في ~~البيت , PageV01P182 ~~والجر على اللفظ ,والرفع [47و] على أنه خبر مبتدأ محذوف. # أكهى: نعت له. # ومرب: نعت ثان. # بعرسه: جار ومجرور متعلق به , مضاف إلى ضمير الغائب. # يطالعها: فعل مضارع ms056 , والفاعل مستتر راجع الىعرسه , والهاء مفعول به راجع ~~إلى عرسه , والجملة نعت ثالث أو حال. # في شأنه: جار ومجرور مضاف إلى الضمير المتعلق بيطالع. # كيف: مفعول مقدم وجوبا لإستحقاق الإستفهام الصدارة (1) , كقوله تعالى: ~~{كيف تكفرون بالله} (2) , كذا قيل , والصواب أنه حال , وكذا كل كيف وقعت ~~قبل فعل وفاعل , كقولك: كيف تفعل , كيف تقول. # يفعل: فعل مضارع , فاعله مستتر فيه تقديره هو. # المعنى (3): # يقول: لست بخائف ذعر شديد الخوف , يتغير وجهه ويصير به كلف , ويفزع , ~~ويجمع الناس بزوجته , ولا يغار عليها , وإذا أراد أمر أطلعها عليه , ~~وشاورها كيف يصنع , وهذه الصفات متقاربة في المعنى إذ عدم الغيرة , ومشاورة ~~الرجل زوجته في كل أموره مادة الجبن أو علامته , وشقاء العمر وندامته. # أراد أني شجاع جسور لا يتغير وجهي في الحروب , واشتباك القنا , ومقارعة ~~السيوف , وتمادي الكروب , بل يتهلل وجهي فرحا وسرورا , ومسرة وحبورا , ولا ~~أجمع الناس على زوجتي , وعليها أغار , ولا أشاورها في أمري كيف أفعل , إذ ~~ذاك ليس من فعل الأخيار , ولعمري ما ذكره [47ظ] الشنفرى من الأوصاف الكاملة ~~المحمودة # في الأفعال , لأن الجبن مذموم , وعدم الغيرة نوع من الدياثة (4) , وناهيك ~~فيهما من PageV01P183 ~~الإنفعال , وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أن الله تبارك ~~وتعالى خلق الفردوس وغرسها بيده وقال: وعزتي وجلالي لا يدخلها الديوث ولا ~~مدمن الخمر (1)) # وحده بعضهم (2): " من رأى محرما مع أقاربه أو زوجته , وأقرها عليه , ولم ~~يغضب " , والنفوس الأبية تأبى ذلك , ما ذلك؟! وما هو أدنى من ذلك؟! حتى أن ~~بعض الأجلاء كان يغار من السواك , قال شعرا (3): [من الكامل] # منيت يا عود الأراك بثغرها ... ما تخشى يا عود الأراك أراكا # لو كان غيرك يا أراك قتلته ... ما دار في ثغر الحبيب سواكا # بل أن بعضهم كان يغار من نفسه , وقال ابن الخياط (4) يصف نفسه بالغيرة: ~~[من الطويل] # أغار إذا آنست في الحي أنة ... حذارا عليه أن تكون لحبه (5) # وقال الآخر: [من الطويل (6)] # وسرب ظباء مشرقات شموسه ... على حلة عد النجوم بدورها # تمانع عما في الكناس ms057 أسودها ... وتحرس ما يأوي القصور صقورها # تغار من الطيف الملم حماتها ... وبغضب من كر النسيم غيورها # إذا ما رأى في النوم طيفا يزورها ... توهمه في النوم ضيفا يزورها PageV01P184 ~~وقال ابن نفادة (1): [48و] ... [من السريع] # قد حجبوا البيض ببيض الكفاح (2) ومنعوا السمر بسمر الرماح # وأطنبوا أصاف أسجافهم (3) فما يرى شمس الصباح الصباح # غاروا من النكباء تسري بهم ... لو قدروا سدوا مهب الرياح # وقد غار بعضهم على محبوبه مع قطع النظر عمن يكسبه عارا , قال مجنون ليلى: # [من الطويل] # أغار على ليلى لأني أحبها ... أغار على شيء يعز على قلبي (4) # وقال الآخر (5): [من الطويل] # أغار على أعطافها من ثيابها ... إذا لبستها فوق جسم منعم # أحسد أقداحا يقبلن ثغرها ... إذا وضعتها موضع اللثم بالفم # وقال الآخر (6): [من الرمل] # خلق السيف لرأس خلت النخوة منه ... إن زيدا لغيور والنبي أغير منه # وقد روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت (7): " لو أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يسعه كتم شيء مما أنزل عليه , لكتم قوله تعالى: {فلما ~~قضى زيد منها وطرا زوجناكها} (8) , وكانت تفخر زينب زوج رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - على أزواجه , تقول لهن: أيكن زوجها الله لرسوله - صلى ~~الله عليه وسلم -. PageV01P185 # وأما مشاورة النساء فقد نهى عنها ذوو العقول الصحيحة , والألباب الرجيحة , ~~قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: " شاوروهن وخالفوهن " (1) , وقال ~~الشاعر (2): ... [48 ظ] ... [من الطويل] # إذا كان أمر الناس عند عجوزهم ... فلا بد أن يلقون كل ثبور # وقد قال بعض من يقتدى به: " من أطاع عرسه , فقد أضاع نفسه " (3) # وقال ابن مقرب (4): [من الكامل] # أدنى الفوارس من يغير المغنم ... فاجعل مغارك للمكارم تكرم # وتوق أمر الغانيات فإنه ... أمر إذا خالفته لم تندم # واستزر بالبيض الحسان فلا يكن لك غير همة صارم أو لهذم # وقال الآخر (5): [من الكامل] # دع ذكرهن فما لهن وفاء ... ريح الصبا وعهودهن سواء # وما أحسن قول ابن مقرب (6): [من الطويل] # صداق المعالي مشرقي وذابل ... وسانية ترعف وأجرد صاهل # ونص القلاص القود تحذى كأنها ... نعام بأعلى ms058 قلة الدو جافل # فيا خاطب العلياء لا تحسبنها ... حديث العذارى أنشأته المغازل # وتوليتهن الأمور أقبح من ذلك , وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: (لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة) (7) , فإن قلت: إذا كانت مشورة النساء ~~ليست من دأب الكاملين , فما قولك في مشورة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لخديجة - رضي الله عنها - في بدء الوحي , حين ذهبت إلى ورقة بن نوفل (8) ~~, وهو أكمل الكاملين؟ PageV01P186 # قلت: أولا - لا نسلم مشورته لها , بل الثابت [49و] أن ذلك إخبار منه - صلى ~~الله عليه وسلم -حين أبصرته مصفار اللون , فسألته عن حاله , ولئن سلمنا ذلك ~~, فربما يكون لعدم وجود من يستشيره - صلى الله عليه وسلم - سوى خديجة , ~~وبحسب البشرية لا بد للإنسان من مشورة غيره. # 16 - ولا خرق هيق كأن فؤاده يظل به المكاء يعلو ويسفل # اللغة: # الخرق: بفتح الخاء المعجمة , وكسر الراء المهملة , وصف من الخرق بفتحتين ~~, وهو ((الدهش من الخوف , أو أن يبهت (1) فاتحا عينيه ينظر , والخرق أيضا ~~الأحمق , ومن لا يحسن الصنيعة , أو أن يفرق الغزال فيعجز عن النهوض , أو ~~الطائر فلا يقدر على الطيران , وخرقاء امرأة سوداء (2) كانت تقم مسجد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - , وامرأة من بني البكاء (3) شبب بها ذو الرمة ~~, ومن الغنم التي في أذنها خرق , ومن النوق التي لا تتعاهد مواضع قوائمها , ~~والتخريق التمزيق , وكثرة الكذب , والتخرق: خلق الكذب (4))). # هيق (5): بفتح الهاء , وسكون المثناة التحتية , هو ((الظليم (6) , ~~والأهيق: الطويل العنق (7))). # المكاء: بضم الميم , وتشديد الكاف ممدودا: طائر يصفر ويصوت كثيرا , وجمعه ~~المكاكي (8) ومنه قوله تعالى: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ~~... (9)}. PageV01P187 # الإعراب: # ولا: الواو عاطفة , ولا: نافية. # خرق: معطوف على ما قبله , فيجوز فيه [49ظ] الوجه الذي جاز في جبأ. # هيق: نعت له. # كأن: حرف تشبيه من أخوات إن. # فؤاده: اسمها مضاف إلى الضمير. # يظل: بفتح المثناة التحتية , والظاء المشالة , مضارع ظل من أخوات كان , ~~وهي ثلاثة عشر , وحكمهن في التصرف وعدمه , ثلاثة أقسام (1): ما يتصرف تصرفا ~~تاما , وما ms059 لا يتصرف بحال , وما يتصرف تصرفا ناقصا , الثالث: زال أخواتها ~~الثلاثة: برح , وفتىء , وانفك , فإنها لا يستعمل منها أمر , فشرط عملها ~~النفي , وهو لا يدخل على الأمر , ولا مصدر , لعدم دلالتها على الحدث , ~~خلافا للكوفيين (2) , ودام عند المتقدمين (3) فإنهم اشترطوا لها مضارعا وهو ~~يدوم , والثاني: هو ليس بالإتفاق , لأنها وضعت وضع الحروف في عدم فهم ~~معناها من غير ذكر متعلقها , وذهب المتأخرون (4) إلى جعل دام مثلها , ~~وعللوا ذلك في وقوعها صلة لما الظرفية , وكل فعل وقع كذلك التزم مضيه , قال ~~أبو حيان (5): " أما يدوم , ودام , ودائم , ودوام , فمن تصرفات التامة " ~~والأصح ما تقدم فيها , والأول: وهو ما بقي من هذه الأفعال بناء على أن لها ~~مصادر , فلتراجع في كتب النحو. # به: جار ومجرور متعلق بيعلو أو يسفل على التنازع , وحده أن يتقدم عاملان ~~أو أكثر , ويتأخر معمول أو أكثر , ويكون كل من ذلك العوامل صالحا للعمل في ~~ذلك المعمول فتأمل. # المكاء: اسم يظل , وجملة يعلو محلها [50و] النصب على أنها خبرها. # ويسفل: مضارع سفل , معطوف على يعلو فمحله محله. PageV01P188 # المعنى: # ولست بدهش ذي حيرة , ولا ذاهب عقلي من الخوف والذهل , كالظليم كبير ~~الصورة , قليل الجدة , هياب الأجل , إذ الشاهين (1) أصغر منه جثة , وأعظم ~~منه همة , أو أن المعنى: لست بدقيق طويل , إذ الغالب على من بهذه الحلية إن ~~يكون حقيرا ذليلا , ويعتريه من كثرة الخوف الذعر , عن مصافحة البيض والسمر ~~, بحيث يسمع لفؤاده تصويت لما يلحقه من الخوف والحذر , حتى كأن به مكاء ~~يعلو أو يسفل , وعندها ييأس من المفر. # وقد ادعى النحرير السويدي (2) في شرحه لهذا البيت , أنه على المعنى الأول ~~فيه تشبيه بليغ , وفيه نظر إذ المشبه والمشبه به موجود اللهم إلا أن يقال ~~إنه من سهو القلم , وإلا فهو مع جلالة قدره يعبد عن مظان السهو في هذا الفن. # ولعمري لقد صدق الشنفرى , فإن الخائف المذعور يسمع لقلبه أزيز وتصويت ~~كتصويت المكاء , وهذا من لا يسوى تأسفا عليه ولا بكاء. # قال ابن مقرب (3): # أنا أقدم الخلان فارض ms060 نصيحتي ... إن الفضيلة للحسام الأقدم # ما أحسن ما يقول ابن إسحاق في حق المستعين (4) بالله بن هود: [من الطويل] # بوجه ابن هود كلما أعرض الورى ... صحيفة إقبال لها البشر عنوان # فتى المجد في برديه بدر وضيغم ... وبحر وقوس ذو الهضاب وثهلان [50] # من النفر الشم الذين أكفهم ... غيوث ولكن الخواطر ميزان # ليث شرا ما زال منهم لدى الوغى ... هزبر بيمناه من السمر ثعبان # وهل فوق ما قد شاد مقتدر لهم ... ومؤتمن بالله لقياه إيمان (5) # ومن الدلالة على أن ثبات القلب , وعدم الذهول عما في الضمير من إمارات ~~الشجاعة , قول عنترة العبسي (6): [من الكامل] PageV01P189 ~~ولقد ذكرتك والرماح نواهل ... مني وبيض الهند تقطر من دمي # فوددت تقبيل السيوف لأنها ... لمعت كبارق ثغرك المتبسم (1) # وما أحسن قول ابن الساعاتي (2): [من الكامل] # يهوى قوام الرمح وهو مهفهف ... والسيف في وجناته توريد # فكأنما سمر الرماح معاطف ... والهام فوق صدورهن نهود # وقال أبو عبد الله بن عثمان الأندلسي (3): [من الكامل] # أنى أراع لهم وبين جوانحي ... شوق يهون خطبهم فيهون # أو هل يهاب ضرابهم وطعانهم ... صب بألحاظ اليون ضعين # فكأنما بيض الصفاح جداول ... وكأنما سمر الرماح غصون # استطراد: # " عن عبدالله بن الزبير - رضي الله تعالى عنه - قال: كنت يوم الأحزاب أنا ~~وعمرو بن أبي سلمة (4) مع النساء في أطم حسان بن ثابت -رضي الله عنه - أي ~~وكان حسان مع النساء ومن جملتهن صفية بنت [51و] عبد المطلب , واتفق أن ~~يهوديا جعل يطوف بذلك الحصن , فقالت صفية لحسان: ما آمن هذا (5) اليهودي ~~يدلهم علينا فيأتون إلينا , فانزل واقتله , فقال حسان: يا ابنة عبد المطلب ~~قد عرفت ما أنا بصاحب هذا , قالت فلما أيست منه أخذت عمودا , ونزلت , وفتحت ~~باب الحصن , وأتيته من خلفه , فضربته بالعمود حتى قتلته , وصعدت إلى الحصن ~~, فقلت: يا حسان انزل إليه فاسلبه , فإنه لم يمنعني سلبه إلا أنه رجل , ~~فقال: يا ابنة عبد المطلب ما لي بسلبه حاجة " (6) # وهذا يدل على ما قيل: إن حسان بن ثابت كان من أجبن الناس كما تقدم , هكذا ~~ذكر ms061 في "سيرة الحلبي " (7) , والصواب عدم اعتقاد ذلك , إذ الثابت أن حسان ~~كان مريضا إذ ذاك (8) , فالظاهر أنها دسيسة من بعض الفرق , لأن الجبن ~~بالنسبة إلى الشيمة العربية لا PageV01P190 ~~أشنع منه شيء , مع أنه كان يهجو قريشا , وغيرهم من العرب , ولم يسمع أن ~~أحدا هجاه في كونه جبانا , والذي يحقق ما ذكرناه أن حسان رثى عثمان بن عفان ~~- رضي الله عنه - في قصائد متعددة , منها قوله (1): [من الكامل] # ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحا وقرآنا # لتسمعن وشيكا في ديارهم ... الله أكبر يا ثارات عثمانا # وادعى بأنه أخوه حيث خاوى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين ~~والأنصار (2) فليتأمل. # ومنها قوله (3): [من الكامل] # أتركتم غزو الدروب وجئتم ... لقتال قوم عند قبر محمد # فلبئس هدي الصالحين هديتم ... ولبئس فعل الجاهل المتعمد # إن تقبلوا نجعل قرى سرواتكم ولمثل أمر إمامكم لم يهتد # وكأن أصحاب النبي عشية ... بدن تنحر عند باب المسجد # فابك أبا عمرو لحسن بلائه ... أمسى مقيما في بقيع الغرقد # 17 - ولا خالف دارية متغزل يروح ويغدو داهنا يتكحل # اللغة: # الخالف: بالخاء المعجمة , ((الغير نجيب الذي لا خير فيه , يقال: فلان ~~خالف أهل بيته إذا كان كذلك , والخالف أيضا الأحمق كالخالفة فيهما , وما ~~أدري أي خالفة هو مصروفة وممنوعة , وأي الخوالف هو , وأي خالفة أي: الناس , ~~والخوالف: النساء , قال تعالى: ( ... مع الخوالف) (4) , والخالفة الأمة ~~الباقية بعد الأمة السالفة , والذي يقعد بعدك , قال الله تعالى: ( ... مع ~~الخالفين) (5) (6))). PageV01P191 # الدارية: بالدال المهملة , وكسر الراء , وتشديد المثناة التحتية هي: العطار ~~منسوب إلى دارين بلد بالبحرين بها سوق يحمل المسك من الهند إليه , والدارية ~~أيضا الملازمة بيتها (1). # المتغزل: اسم فاعل من ((تغزل إذا تكلف الغزل , والغزل اسم من المغازلة , ~~وهي محادثة النساء ومراودتهن (2))). # يروح: من الرواح نقيض الصباح , وهو اسم [52و] للوقت من زوال الشمس إلى ~~الليل (3) , كقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لو اتكلتم على الله حق الاتكال ~~, لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا) (4). # يغدو: من ((الغدو نقيض الرواح (5))). # الداهن: وصف من دهن ms062 رأسه إذا طلاه بالدهن (6). # الإعراب: # ولا: الواو عاطفة , ولا نافية. # خالف: معطوف على ما قبله , ويجوز فيه الوجوه المتقدمة. # ودارية ومتغزل: نعت بعد نعت. # يروح: فعل مضارع , وفاعله مستتر فيه. # ويغدو: مثله معطوف عليه. # داهنا: حال تنازع فيه العاملان المتقدمان , فعند البصريين الأولى إعمال ~~الثاني لقربه , وعند الكوفيين الأول لسبقه كما هو مذكور في موضعه (7). # يتكحل: فعل مضارع , وفاعله مستتر فيه , والجملة حال مترادفة أو متداخلة. PageV01P192 # المعنى: # ولست معدوم النجائب , لا خير فيه وأحمق , ملازما بيته , مرتاحا إلى ~~الهوان كأنه عطار لشدة ميله إلى محادثة النساء والتغزل , يمسي ويصبح داهنا ~~رأسه , مكحلا عينيه , ولعمري أن التجرد عن هذه الأوصاف من دأب العقلاء ~~الكرام , ذوي الهمم العوالي والإحتشام , يأخذون من الطيب والنساء ما لا ~~يشغلهم عن طلب المجد والرفعة , ولا يجعلون ذلك ديدنا يرتاح عليه وصنعة , ~~فلا يرد على هذا ما ورد في قوله - صلى الله عليه وسلم -: (حببب إلي من ~~دنياكم: الطيب والنساء وقرة عيني الصلاة) (1) , ورد الإسراف في [52ظ] الطيب ~~, إذ كل شيء يجاوز حده ينقلب إلى ضده , وقد قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: (خير الأمور أوساطها) (2) , فالمذموم من اتخاذ التدهين والطيب ~~ومجالسة النساء , إنما هو الإنهماك المفرط بحيث يذهل عما عداها. # وقال عقيل بن علفة المري (3): ... [من الوافر] # ولست بسائل جارات بيتي ... أغياب رجالك أم شهود # ولست بصادر عن بيت جاري صدور العير غيره الورود # ولا ملق لذي الودعات سوطي ... الأعبه وربته أريد (4) # على أن العاقل اللبيب لا يرضى لنفسه بمحادثة النساء في ما لا يتعلق ~~بمصلحة , ولا يأتمنهن على سر , وقد ذمهن الأخطل (5) حيث قال (6): [من ~~الكامل] # ما إن رأيت كمكرهن إذا جرى ... فينا ولا كحبالهن حبالا # المهديات لمن هوين مسبة ... والمجتنات لمن قلين مقالا # يرعين عهدك , ما رأينك شاهدا ... وإذا مذلت يصرن عنك مذالا # وإذا وعدنك نائلا , أخلفنه ... ووجدت عند عداتهن مطالا # وإذا دعونك عمهن , فإنه ... نسب يزيدك عندهن خبالا PageV01P193 ~~ومنه قول ابن السراج (1) شعرا: ... [من الكامل] # حلفت لنا إن لا تخون عهودنا ... فكأنما ms063 حلفت لنا أن لا تفي (2) [53و] # وقول الآخر (3): [من الخفيف] # كل أنثى وإن بدا لك منها ... آية الحب حبها خيتعور (4) # بل بعضهن يبخلن بالعهد فضلا عن الوفاء , فيقنع به الصب المولع بالغشاء , ~~ولا يتفضلن عليه بوعد مقرون بلعل وعسى , فلا يبرح يتردد إليهن في كل صباح ~~ومساء , لكي يحسنوا إليه بوعد عارض عن حلية الوفاء , مستبعد عن مظان الأداء ~~, من ذلك ما قال سلطان العاشقين ابن الفارض (5): [من الطويل] # إن لم يكن وصل لديك فعد به ... أملي، وماطل إن وعدت ولا تفي (6) # وقال أيضا: [من الطويل] # عديني بوصل وأمطلي بنجازه ... فعندي إذا صح الهوى حسن المطل (7) # وقال الشاعر (8): [من الطويل] # دعاني الغواني عمهن وخلتني لي اسم فلا أدعى به وهو أول PageV01P194 ~~وقال الآخر (1): [من الطويل] # فإن تسألاني عن نساء ... خبير بأحوال النساء طبيب # إذا شاب رأس المرء أو قل ماله ... فليس له من حبهن نصيب # استطراد: # مما ورد في وفاء النساء، ذكر أصحاب التواريخ (2) أن موسى الهادي (3) كان ~~مغرما بجارية له تسمى غادر، فبينما هو عند ندمائه، وهي عنده بكى بكاء ~~شديدا، فقيل له: ما أبكاك يا أمير المؤمنين؟ لا بكت [53ظ] لك عين، قال: وقع ~~في نفسي أني أموت، ويلي أخي # هارون الأمر من بعدي، فيتزوج جاريتي غادر، فقال له ندمائه: يكفيك الله يا ~~أمير المؤمنين، إصرف هذا عن قلبك، فزاد في بكائه، فقالت له جاريته غادر: ~~سألتك الله يا أمير المؤمنين ألا ما قتلتني، لتريح نفسك من هذا الخاطر، ~~فدعا بأخيه هارون الرشيد وعرفه ذلك، فجعل يقول له: بل جعلني الله فداك، ~~فحلفه بالطلاق والحج والعتق لما يملك، وإستوثق منه بالإيمان منه، ومنها ~~كذلك، أنه لا يتزوجها بعد موته، فلم يأت شهر حتى مات الهادي، وولي هارون ~~الخلافة، فلم يلبث أن دعا غادرا وطلب زواجها، فأجابته لذلك، فبينما هي ~~نائمة يوما على ركبتيه، إذ رأت مولاها موسى الهادي في النوم، وهو يقول هذه ~~الأبيات (4): [من المجزوء الكامل] # أخلفت عهدي بعدما ... جاورت سكان المقابر # ونسيتني وحنثت في ... أيمانك الزور ms064 الفواجر # ونكحت غادرة أخي ... صدق الذي سماك غادر # لا يهنك الإلف الجديد ... ولا تعداك الدوائر PageV01P195 ~~ولحقت بي قبل الصباح ... وصرت حيث غدوت صائر # فإنتبهت مرعوبة، وأنشدت الأبيات وقالت: والله يا أمير المؤمنين لكأنها ~~مكتوبة بين عيني، وجعل يسكنها، وهي تضطرب في يده [54و] حتى ماتت. # وما أحسن قول ابن مقرب (1): [من الكامل] # يا جفوني طلقي عني الكرى ... إنما طيب الكرى بعد السهاد # ما الذي يقعدني عن همتي ... والمنايا رائحات وغواد [ي] (2) # لأقيمن لأبناء الوغى ... سوق إقدام وطعن وجلاد # لا يطيب العز ما لم تجنه ... باللدان السمر والبيض الحداد # ما اعتذاري والوغى تعرفني ... والعوالي والمواضي والهواد [ي] (3) # قد تساوى في مضاء صارمي ... وسناني ولساني وفؤاد [ي] (4) # فارم بي ما شئت وأعلم أنني ... ليث غاب وشهاب ذو اتقاد # لست بالترعية الغمر ولا ... واهن العزم ولا كاب الزناد # 18 - ولست بعل شره قبل خيره ألف إذا ما رعته اهتاج أعزل اللغة: # العل: ((الرجل المسن , والصغير الجثة شبيه بالقراد (5))) , ((والعل أيضا ~~من يزور النساء كثيرا (6))) , وكلا المعنيين جائز هنا. # الألف: بالهمزة واللام المفتوحتين , والفاء المشددة آخر الحروف: ((الرجل ~~الغبي بطيء الكلام إذا تحدث ملأ لسانه فمه , والثقيل البطيء (7))) , ~~وكلاهما جائز هنا. PageV01P196 # رعته: من ((الروع , وهو الفزع (1))). # وفي نسخة: هجته , والمعنى واحد (2) , اهتاج يهيج هيجا وهيجانا [54ظ] ~~وهياجا , واهتاج وتهيج أي: ثار , وهاجه غيره يتعدى ولا يتعدى , وهيجه ~~وهايجه بمعنى (3))). # والأعزل: ((الذي لا سلاح معه , وقوم عزل وعزلان وعزل (4) بالتشديد , وسمي ~~أحد السماكين أعزل , كأنه لا سلاح له كما كان مع الرامح (5))) أو لأنه إذا ~~طلع لا يكون في أيامه ريح ولا برد , والأعزل أيضا الرمل المنفرد المنقطع , ~~وسحاب لا مطر فيه (6) , وجميع المعاني محتملة هنا والفضل للمتقدم. # الإعراب: # ولست: الواو عاطفة , وليس واسمها. # بعل: خبرها , والباء زائدة. # شره: مبتدأ مضاف إلى ضمير الغائب. # قبل: منصوب على الظرفية متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. # ألف: بالفتح أما نيابة عن الكسرة صفة لعل , أو علامة نصب على أنه حال من ~~عل لوصفه بالجملة. # إذا: ظرف لما يستقبل من ms065 الزمان. # رعته: فعل ماض , وفاعله ومفعوله. # اهتاج: فعل ماض جواب إذا. # أعزل: فاعله على طريقة التجريد (7) , بأن بالغ في وصفه بقلة الحزم حتى ~~جرد منه أعزل , وقيل في إعرابه (8) غير ذلك , وهو ضعيف. PageV01P197 # المعنى: # ولست بالرجل المسن القصير الجثة , مذموم الخصال , يشبه القراد , وهذا غير ~~محمود في الرجال , وما ذكره كناية عن بطء الحركة والثوران في الخطوب , وأنه ~~سريع الإقدام في التنادي والحروب , أو أن المعنى: لم أكن ممن يكثر مجالسة ~~النساء , يقصد مغازلتهن مؤملا الوفاء إذ الغالب على من هذه هجيراه قلة ~~الحزم , وهو بمعزل عن الإقدام [55و] وشدة العزم , ولم أكن غبيا بطء الكلام ~~, كالثور يملأ لسانه فمه , بل إني فصيح الكلام , عذب المنطق , جيد البديهة ~~, ووافق نطقه فمه , ولقد صدق الشنفرى بما ادعاه , ونسج الكلام وأوعاه , لأن ~~من كان نظمه هذه القصيدة فهو بمعزل عن العي والفهاهة , مستجمع لجميع محاسن ~~أصحاب النباهة , ولست أيضا بالثقيل الذي إذا أفزعه أمر ثار بغير سلاح , ~~وصار من دهشته لا يفرق بين الصباح والمصباح , إذ مثل هذه الحركة تنافي ~~الحزم والهمم , وصاحبها يظلم , فينبغي للعاقل التجرد عنها , وإن آمن من ~~النائبات وتحكم , إذ ربما يدهمه الخطب , فلا يستطيع له تلاق , ويكون في ~~إدراك رده حيرانا دهشا مما لا يطاق , ولله در القائل (1): [من الطويل] # ولكن من لم يلق أمرا ينوبه ... بعدته (2) ينزل به وهو أعزل # وقال البوصيري في مدح أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم: # كأنهم في ظهور الخيل نبت ربا ... من شدة الحزم لا من شدة الحزم (3) # وقال زهير بن [أبي (4)] سلمى (5): [من الطويل] # ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم , ومن لا يتقي الشتم يشتم # وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (خير الناس رجل ماسك بعنان ~~فرسه كلما سمع هيعة طار إليها (6)) إلى آخر الحديث. PageV01P198 # وما أحسن [55ظ] قول ابن مقرب (1): [من الطويل] # وإني لأزكى القوم لو تعلمونه ... نصابا ولو كانت (2) كريما نصابها # وأبعدها في غاية (3) المجد غاية ... وفيئا (4) إذا ما امتد للمجد قابها # وأفصحها يوم ms066 الخطاب (5) مقالة ... إذا فصحاء القوم أكدى خطابها # وقال أيضا (6): [من البسيط] # لي النباهة طبع قد عرفت به ... وكل معنى من الألفاظ مخترع # وقال الاخر (7): [من الطويل] # فان لساني شهدة يشتفى بها ... وهو على من صبه الله علقم # وقال زهير (8): [من الطويل] # لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم # استطراد: # كان في زمن الجاهلية يجعلون كالمنبر في الموسم لقس بن ساعدة فيخطب لهم، ~~لأنه كان أفصح العرب لسانا (9) وقيل: هو أول من نطق بكلمة بعد في خطبه ~~(10)، والفصاحة معتبرة عندهم. وسحبان (11) يضرب به المثل في الفصاحة مثل ~~حاتم في الكرم، ويكفي العرب بذلك فخرا بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~فيهم، ونزول PageV01P199 ~~القرآن على ألسنتهم، -وقوله صلى الله عليه- ((إن الله خلق الخلق فاختار ~~منهم العرب واختار من العرب قريشا، واختار من قريش بني هاشم [56و] واختارني ~~من بني هاشم (1)) إلى اخر الحديث. # وزعم الكلبي (2) عن أبيه (3) عن أبي صالح (4) عن ابن عباس قال: قدم وفد ~~بني تميم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وفيهم: الزبرقان بن بدر (5) ~~وعطارد بن حاجب (6)، وقيس بن عاصم بن الحارث (7) ونعيم بن يزيد (8) وعمرو ~~بن الأهتم (9) وكان فيهم: عيينة بن حصن الفزاري (10)، وكان يكون في كل ~~سورة، فقال قائلهم: جئناك يا محمد بخطيبنا وشاعرنا منا , فأمروا عطارد , ~~فخطب وقال: الحمد لله الذي له الفضل علينا , الذي جعلنا ملوكا , وأعطانا ~~شرفا ومالا , وجعلنا أكثر أهل المشرق أموالا وسادة , وأكثرهم عددا , ~~وأيسرهم عدة. من مثلنا أو يلينا؟! رؤساء الناس وأفضلهم , فمكن يفاخرنا , ~~فليعدد مثل ما عددنا , وإنا لو شئنا لأكثرنا , فأتوا بقول أفضل من قولنا , ~~أو أمر أفضل من أمرنا , ثم جلس وقام الزبرقان , وأنشد شعره وقصيدته التي ~~يقول فيها (11): [من البسيط] # نحن الملوك فلا حي يفاخرنا ... فينا الملوك وفينا السادة الرفع (12) PageV01P200 ~~حتى فرغ منها , فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لثابت بن قيس بن ~~شماس الأنصاري: قم فاخطبهم , فقام ثابت وقال: الحمد لله الذي له السموات ~~والأرض خلقة قضى فيها أمره ms067 , ووسع كل شيء علمه , فلم يكن شيء قط إلا من ~~فضله , ثم كان من قدره أن جعلنا ملوكا [56ظ] وأصطفى لنا من خير خلقه رسولا ~~, أكرمنا أبا , وأحسننا رأيا , وأصدقنا حديثا , وأنزل عليه كتابه , وائتمنه ~~على خلقه , وكان خيرة الله من عباده , ثم دعانا إلى الإيمان , فآمن به ~~المهاجرون من ذوي رحمه ,أصبح الناس وجوها , وأفضل الناس فعلا , فكنا أول من ~~أجاب واستجاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنحن أنصار الله ووزراء ~~رسوله , نقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله , فمن آمن بالله ورسوله ~~منع ماله ودمه , ومن كفر بالله ورسوله جاهدناه بالله , وكان قتله علينا يسيرا. # أقول قولي هذا واستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات إن الله كان غفورا رحيما ~~, ثم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسل إلى حسان بن ثابت , فقيل: قد ~~جاء وفد بني تميم بخطيب وشاعر ,وقد دعاك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لذلك حتى تجيب شاعرهم , فقال حسان: أقبلت نحو رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وأنا لا أدري ما يقول شاعرهم , وأنا مهييء أبياتا قبل أن أقبل إليهم ~~ماشيا نحو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقول (1): [من الطويل] # منعنا رسول الله إذ حل وسطنا ... على أنف راض من معد وراغم # منعناه لما حل وسط بيوتنا ... بأسيافنا من كل باغ وظالم # فلما انتهى قال شاعرهم ما قال , فأجابه حسان بقصيدة يقول: [57و] في بعضها ~~في مدح الصحابة - رضي الله عنهم (2): [من البسيط] # قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا # لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم ... عند الوقاع ولا يوهون ما رقعوا PageV01P201 ~~أعفة ذكرت في الوحي عفتهم ... لا يطمعون ولا يدنيهم الطمع # أكرم بقوم رسول الله شيعتهم ... إذا تفرقت الأهواء والشيع # فتفرق الناس وهم يقولون: ما بلغنا هذا الرجل , ما خطيبنا كخطيبه , ولا ~~شاعرنا كشاعره , فلما أراد القوم الخروج أعطاهم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وكساهم ,وقد وكان تخلف عمرو بن الأهتم (1) في ركابهم , وكان قيس بن ~~عاصم ms068 يبغضه , فقال: قد كان في ركابنا غلام حدث , فأراد أن يزري به , فأعطاه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل ما أعطى القوم , فقال عمرو بن الأهتم ~~(2) حين بلغه قول قيس بن عاصم , يهجوه (3): [من البسيط] # ظللت مفترشا هلباك تشتمني ... عند الرسول فلم تصدق ولم تصب # إن تبغضونا فإن العجم أصلكم ... والعجم لا تملك البغضا على العرب (4) # فائدة: # قد ورد أن بعض الصحابة قال لرسول الله - صلى اله عليه وسلم - إذا خرجت من ~~بيننا , فظهر الأرض خير أم بطنها؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~(إذا كانت أمراؤكم أخياركم وأغنياؤكم اسخيائكم وأمركم شورى بينكم [57ظ] ~~فظهر الأرض خير من بطنها , وإن كانت أمراؤكم أشراركم وأغنيائكم بخلائكم ~~أمركم شورى بين نسائكم فبطن الأرض خير من ظهرها (5)). # وقال الناظم: # 19 - ولست بمحيار الظلام إذا انتحت ... هدى الهوجل العسيف يهماء هوجل PageV01P202 ~~اللغة: # محيار: بكسر الميم , وسكون الحاء المهملة مبالغة حائر , كمعطار ومنحار , ~~قال ابن مالك (1): [من الرجز] # فعال أو مفعال أو فعول ... في كثرة عن فاعل بديل # فالأول كقوله تعالى: ( ... علام الغيوب (2)) , وقوله تعالى: ( ... فعال ~~لما يريد (3)) , والثاني كقولهم: " إنه لمنحار بوائكها " والثالث # كقول الشاعر (4): [من الطويل] # ضروب بنصل السيف سوق سمانها ... إذا عدموا زادا فإنك عاقر # وتفصيلها مذكور في موضعه من كتب النحو (5). # انتحت: من الإنتحاء , وهو والنحو بمعنى القصد هنا , وانتحيت لفلان عرضت ~~له , وأنحيت على حلقة السكين أي عرضت (6). # الهدى: بضم الهاء مقصورا الرشاد والدلالة , وقد يكون بمعنى ارائة الطريق ~~دون الإيصال إلى المطلوب (7) , كقوله تعالى: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا ~~العمى على الهدى (8)}. # الهوجل: بفتح الهاء , وسكون الواو: الأحمق , والذليل , والبطيء الثقيل (9). # العسيف: بكسر العين والسين المهملتين مبالغة عاسف , والعسف: الأخذ على ~~غير الطريق , وكذلك التعسف والإعتساف (10). PageV01P203 # اليهماء: بفتح المثناة التحتية , وسكون الهاء ممدودا [58و] ((الفلاة التي ~~لا يهتدى فيها الطريق , قال ابن السكيت (1): الأيهمان عند أهل البادية: ~~السيل والجمل الصؤول يتعوذ منهما , وهما الأعميان , وعند أهل الأمصار: ~~السيل والحريق (2) , قال أبو عبيدة (3): وإنما سمي أيهم لأنه ليس مما ms069 ~~يستطاع دفعه , ولا ينطق فيكلم أو يستعتب , ولهذا قيل للفلاة التي لا يهتدى ~~فيها الطريق هيماء , وللبر أيهم)). # قال الأعشى (4): [من المتقارب] # وهيماء بالليل غطشى الفلا ... ة يؤنسني صوت فيادها (5) # والفياد (6) ((ذكر البوم)). # الهوجل الثاني: ((الفلاة التي لا أعلام فيها , قال الأصمعي: الهوجل الأرض ~~تأخذ (7) مرة هكذا , ومرة هكذا (8) , وقال جندل (9): [من الرجز] # والآل في كل مراد هوجل (10) # كأنه بالصحصحان الأنجل # قطن سخام بأيادي غزل (11) PageV01P204 ~~الإعراب: # [ولست (1)]: الواو عاطفة , ولست: ليس [و] اسمها (2). # بمحيار: خبر , والباء زائدة مضافة إلى الظلام , من الإضافة إلى الظرف أو السبب. # إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان. # انتحت: فعل ماض , والتاء للتأنيث. # هدى: مفعول به مقدم , مضاف إلى الهوجل. # العسيف: نعت له. # هيماء: فاعل انتحت. # وهوجل: نعته. # المعنى: # ولست ممن يتحير , ولم يهد إلى السبيل في الظلام , إذا عرضت الفلاة ~~الطامسة الأعلام , لعدم رشاد الأهوج الذي يأخذ على غير الطريق , ويجمع ~~أسباب الإضلال: ظلمة الليل , والفلاة , وعدم ارائة الطريق. # ومراد الناظم: أني خريت (3) حاذق لا أضل عن الطريق , وأطلب الأخبار [58ظ] ~~وإن كان مجهول الإعلام , لما عانيت من الأسفار , وتعاطيت جوب الفيافي ~~والقفار. تكملة: # إن قيل: دخول حرف النفي على محيار يفيد نفي المبالغة , ولا يلزم منه نفي ~~أصل الحيرة , قلت (4): قد تأتي صيغة المبالغة ولا تراد , ويراد منها اصل ~~الفعل , ويحتمل أن المبالغة بعد دخول النفي , لا نفي المبالغة , ومنه قوله ~~تعالى: { ... وما ربك بظلام للعبيد (5)} , على أحد الوجهين. وثانيهما: أن ~~صيغة فعال تأتي للنسبة بمعنى ذي كذا، # أي: ليس بذي ظلم , ومنه قول امرىء القيس (6): [من الطويل] PageV01P205 ~~وليس بذي سيف فتقتلني به ... وليس بذي رمح وليس بنبال # وقال امرؤ (1) القيس (2): [من الطويل] # وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي # وقال الطغرائي (3): ... [من البسيط] # تنام عيني وعين النجم ساهرة ... وتستحيل وصبغ الليل لم يحل # وقال ابن نباتة (4): [من الطويل] # وخطة ضيم قد أبيت وليلة ... سريت فكان المجد ما أنا صانع # هتكت دجاها والنجوم كأنها ... عيون لها ثوب السماء براقع (5) # وقال أبو طالب ms070 (6): ... [من الكامل] # ولقد ذكرتك والظلام كأنه ... يوم النوى وفؤاد من لم يعشق [59و] # رجع: وصف نفسه بكونه غير متحير في الظلام , لأن الليل محل الأكدار , ~~وأجمع للذهن من النهار , لأنه أما أن يكون خائفا أو طالبا , فإذا كان في ~~النهار , ربما يشتغل ذهنه في غير ما كان بصدده , والليل مجمع الهموم , مكثر ~~التوحش , خصوصا في مثل ما وصف من الفلاة. # ومما يناسب ما ذكرنا أن سلطان العاشقين ابن الفارض قال (7): [من الكامل] # يا ليل طل يا شوق دم ... إني على الحالين صابر PageV01P206 ~~وقول الآخر (1): [من الوافر] # ألا يا ليل طلت علي حتى ... كأنك قد خلقت بلا صباح # وما أحسن قول شهاب (2): [من الطويل] # وليل نجوم القذف فيها كأنها ... تصول علينا بالمهندة السمر # ركبت به موج المطايا وخضت في ... بحار المنايا طالبا درة الخدر # فعانقت منها جؤذر القصر آمنا ... وصافحت منها بالجنا دمية القصر # وبتنا وزند الليث مني مطوق ... لها ويمين الظبي قد وشحت خصري (3) # وقال مجنون ليلى (4): [من الطويل] # لقد ثبتت في القلب منك محبة ... كما ثبتت بالراحتين الأصابع # نهاري نهار الناس حتى إذا بدا ... لي الليل ضمتني إليك المضاجع # أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ... ويجمعني والهم والليل جامع [59ظ] # وقالت أم عقيل بن أبي طالب , وهي تلاعب ولدها وترقصه (5): [من الرجز] # أنت تكون ماجد نبيل ... إذا تهب شمال بليل # وأستشهد بهذا البيت في النحو على زيادة كان في لفظ المضارع , وهو من باب ~~التفاؤل الحسن , كقول بعض نساء العرب أيضا , تخاطب ولدها (6): [من مجزوء الرجز] PageV01P207 ~~قم قائما قم قائما ... صادفت عبدا نائما # وعشراء رائما ... [وأمة مراغما (1)] # وقول الآخر (2): [من الطويل] # ووادكما الخنساء قفرا قطعته ... ولكن به عينان تجري على صخر # استطراد: # والخنساء هذه صحابية , وهي بنت عمرو بن الشريد بن رباح بن يقظة (3) بن ~~عصية بن خفاف بن امرىء القيس بن بهثة (4) بن سليم , قدمت على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - مع قومها من بني سليم , فأسلمت معهم , فذكروا أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كان يستنشدها , ويعجبه ms071 شعرها , وكانت تنشد , ~~وهو يقول: هيه يا خناس , ويومىء بيده - صلى الله عليه وسلم - , قالوا: ~~وكانت الخنساء تقول في أول أمرها البيتين والثلاثة حتى قتل أخواها: معاوية ~~بن عمرو , وهو أخوها لأبيها وأمها قتله هاشم وزيد المريان , وصخر أخوها ~~لأبيها , وكان أحبهما إليها , لأنه كان حليما جوادا محبوبا في العشيرة , ~~وكان غزا بني أسد , فطعنه أبو ثور الأسدي , فمرض قريبا من حول ثم مات [60و] ~~فلما قتل أخوها , أكثرت من قول الشعر , فمن قولها في صخر أخيها (5): [من ~~المتقارب] # أعيني جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندا # ألا تبكيان الجريء الجميل ... ألا تبكيان الفتى السيدا # طويل النجاد عظيم الرماد ... ساد عشيرته أمردا # ومن قولها أيضا في صخر أخيها (6): ... [من البسيط] # وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار PageV01P208 ~~وأجمع أهل العلم بالشعر أنه لم تكن امرأة قط قبلها ولا بعدها أشعر منها , ~~وقالوا: اسم الخنساء تماضر , ذكر الزبير بن بكار عن محمد بن الحسن المخزومي ~~(1) عن عبد الرحمن بن عبدالله عن أبيه عن أبي وجرة عن أبيه , قال: حضرت ~~الخنساء بنت عمرو السلمية حرب القادسية , ومعها بنوها: أربعة رجال , فقالت ~~لهم: يا بني إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين , والله الذي لا إله إلا ~~هو إنكم لبنو رجل واحد , كما إنكم بنو امرأة واحدة , ما خنت أباكم , ولا ~~فضحت خالكم , ولا هجنت نسبكم , ولقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب ~~الجزيل في حرب الكافرين , واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية , ~~يقول الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا ~~الله لعلكم تفلحون (2)} , فإذا أصبحتم غدا سالمين - إن شاء الله تعالى - ~~فاغدوا على قتال عدوكم مستنصرين [60ظ] فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها , ~~واضطرمت لظى على سياقها , وجللت نارا على أوراقها , فتيمموا وطيسها , ~~وجالدوا رئيسها , عند خميسها (3) , تظفروا بالمغنم والكرامة , في دار الخلد ~~والمقامة , فخرج بنوها قابلين لنصحها , عازمين على قولها , فلما أضاء لهم ~~الصبح , حمل أكبرهم , وأنشأ يقول: [من الرجز] # يا إخوتي ms072 إن العجوز الناصحه ... قد نصحت إذ دعتنا البارحه # مقالة ذات بيان واضحه ... فباكروا الحرب الضروس الكالحه # وإنما تلقون عند الصائحه ... من آل ساسان كلابا نابحه # قد أيقنوا منكم بوقع الجائحه ... وأنتم بين حياة صالحه # أو ميتة تورث غنما رابحه # فتقدم , فقاتل حتى قتل , ثم حمل الثاني , وهو يقول: [من الرجز] # إن العجوز ذات حزم وجلد ... والنظر الأوفق والرأي الأسد # قد أمرتنا بالسداد والرشد ... نصيحة منها وبرا بالولد PageV01P209 ~~فباكروا الحرب حماة في العدد ... إما لفوز بارد على الكبد # فقاتل حتى استشهد , ثم حمل الثالث , وهو يقول: [من الرجز] # والله لا نعصي العجوز حرفا ... قد أمرتنا حربا وعطفا [61و] # نصحا وبرا صادقا ولطفا ... فبادروا الحرب الضروس زحفا # حتى تلفوا آل كسرى لفا ... أو تكشفوهم عن حماكم كشفا # فقاتل حتى استشهد , ثم حمل الرابع , وهو يقول: [من الرجز] # لست للخنسا ولا للأخزم ... ولا لعمرو ذي السناء الأقدم # إن لم أرد في الجيش جيش الأعجم ماض على هول زمان خضرم # إما لفوز عاجل ومغنم ... أو لوفاة في السبيل الأكرم # فقاتل حتى قتل - رحمة الله عليه وعلى إخوته - فبلغها الخبر , فقالت: ~~الحمد لله الذي شرفني بقتلهم , وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته ~~, وكان عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - يعطي الخنساء أرزاق أولادها ~~الأربعة لكل واحد مئتي درهم حتى قبض " (1) # وقال الناظم: # 20 - إذا الأمغر الصوان لاقى مناسمي تطاير منه قادح ومفلل # اللغة: # الأمغر: بالغين المعجمة المفتوحة , والراء: هو ما كان بلون المغرة , وهو ~~طين أحمر # , والممغر: بفتح الغين المصبوغ بها , والأمغر أيضا الأحمر الشعر , والجلد على PageV01P210 ~~لونها , ومن الخيل نحو من الأشقر , وهو الذي شقرته تعلوها مغرة أي كدرة (1) ~~, والمراد هنا الحجار الأحمر , ويروى: الأمعز بالعين المهملة , والزاي , ~~وهو الصخر الصلب (2) , وهو الأنسب بمقام التمدح [61ظ] وإن كان السويدي (رح) ~~وقع شرحه على الأمغر (3) فوافقته أدبا , وإنما كان رواية أمعز بالعين ~~المهملة أنسب , لأن الأمغر بالغين المعجمة , والراء المهملة لا قوة فيه ~~غالبا فلم يحصل فيه مزية على غيره , بل ms073 ولا نار فيه فلا يتم وصفه بتطاير ~~القادح والمفلل منه , فافهم. # الصوان: بفتح الصاد , وتشديد الواو: ضرب من الحجارة شديد الواحدة صوانة ~~(4) , ويجوز هنا ضم الصاد على أنه جمع صوانة بفتحها إلا أنه يحتاج إلى ~~تأويل في إفراد الضمير والصفة. # المناسم: بفتح الميم جمع منسم , بفتح الميم , وسكون النون , وكسر السين ~~المهملة: خف البعير (5) , أو باطن كل قدم , كقوله (6): # توعدني بالسجن والأداهم ... رجلي فرجلي شثنة المناسم (7) # وعلى الأول فيه استعارة أو مجاز مرسل , كالمشفر , وعلى الثاني حقيقة. # تطاير: أي تفرق (8). # القادح: الحجر الذي يوري النار (9). PageV01P211 # المفلل: اسم مفعول من فله فانفل أي كسره فتكسر (1) , فهو من باب المطاوعة , ~~وهو قبول الأثر. # الإعراب: # إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان. # الأمغر: فاعل بفعل محذوف دل عليه المذكور (2) , وجوز الكوفيون أن يكون ~~مبتدأ , وإختلاف البصريين والكوفيين مذكور في كتب النحو في إعراب قوله ~~تعالى: {إذا السماء انشقت (3)} , فليراجع (4). # الصوان: نعت له. # لاقى: فعل ماض من الملاقاة , وفاعله يعود إلى الصوان. # مناسمي: مفعول به مضاف إلى ياء المتكلم. # تطاير: فعل [62و] ماض جواب إذا. # منه: جار ومجرور متعلق به. # قادح: فاعل. # ومفلل: معطوف عليه. # المعنى: # وصف نفسه بالجلادة على السير , وإدمانه عليه من غير ضر وضير , فقال: إذا ~~لاقى قدمي الحجر الشديد الأحمر تفرق وأورى النار , وتكسر , وما ذلك إلا ~~لشدة وطئه , وسرعة مشيه , وعدم المبالاة بما لاقى قدمه من وطء الأحجار , ~~ومعاناة الفيافي والقفار. # تكملة: # لقد بالغ في شدة الوطء في سيره على الأرض , إذ الصوانة شديدة في نفسها , ~~والأمغر أشد , فتطاير الحجر الذي يقدح النار يدل على صلابة المنسم , وشدة ~~الوطء , وكونه PageV01P212 ~~أصلب من الصوان قال تعالى: {فالموريات قدحا (1)} , فلا يكون لمنسمه هذه ~~القوة إلا إذا كان السير شنشنة له وعادة , ولا ريب أن من يديم المشي حافيا ~~تتصلب قدماه فلا يؤثر فيهما حجر ولا مدر ولا شوك ولا غير ذلك , لكن دون ما ~~وصف قدميه , إذ لم يسمع أن قدما فلل صخرا بوطئه , قال الشاعر (2) يصف جوابا ~~أخا أسفار بأن قدميه ms074 لا يؤثر فيهما لسع الحيات وغيرها: [من الرجز] # قد سالم الحيات منه القدما ... الأفعوان والشجاع الشجعما # والروية المشهورة لهذا البيت بنصب الحيات , فيكون (القدما) فاعلا مرفوعا ~~بالألف مثنى , قدم حذفت نونه للضرورة , ويكون الأفعوان والشجاع بالنصب بدلا ~~من الحيات , بدل بعض من كل أو مفصل من مجمل , ورواية [62ظ] سيبويه في كتابه ~~(3) رفع الحيات , حيث قال فيه: وروايتنا بالرفع , فيشكل عليها نصب الأفعوان ~~والشجاع , ويزال الإشكال بأن فاعل تأتي للمشاركة فتقتضي معمولين أحدهما ~~فاعل صريحا مفعول ضمنا كالحيات , وثانيهما بالعكس كالقدم , فأبدل الأفعوان ~~والشجاع من الحيات بإعتبار جهة المفعولية لا الفاعلية , وهذه القاعدة محل ~~يشطها كتب التصريف فلتراجع ثمة. # وللسويدي - رحمه الله - في هذا البيت مع بعض الشيعة (4) قصة عجيبة قد ~~استوعبها في الرحلة المكية فلتراجع (5) , فإني لم أذكرها لطولها. # ولا تستغرب ذلك إذ ثمرة المداومة تجعل للحبل تأثيرا في الحجر الصم , ~~ويروى عن PageV01P213 ~~الأزهري خالد (1) أنه قرأ فلم يحصل شيئا , فرجع من مصر إلى أهله , فمر في طريقه # بحجر على شفة بئر قد أثر فيه مرور الحبل , فأنشد: [من السريع] # اطلب ولا تضجر من مطلب ... فآفة الطالب أن يضجرا # أما ترى الحبل بتكراره ... في الصخرة الصماء قد أثرا (2) # ورجع , ففتح الله عليه , ولعمري أن بيت الشنفرى أبلغ من قول بعضهم (3) ~~يصف ناقته شعرا: [من البسيط] # تنفي يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدراهيم تنقاد الصياريف # ومن قول كعب بن زهير: [من البسيط] # سمر العجايات يتركن الحصا زيما ... لم يقهن رؤوس الأكم تنعيل (4) [63و] # استطراد: # قال العسكري (5): نيران العرب بضع عشرة نارا , نار القرى توقد للأضياف ~~ليهتدي الطارقون إلى المنزل , ونار الاستمطار كانوا إذا احتبس المطر جمعوا ~~البقر وعقدوا في أذنابها وعراقيبها السلع والعشر وصعدوا بها الجبال وأوقدوا ~~فيها النار زاعمين أن ذلك من أسباب المطر , ونار التحالف كانوا يعقدون ~~حلفهم عندها ويزعمون أن من نقض # العهد منع خيرها , ونار الطرد كانوا يوقدون خلف من يمضي ولا يشتهون رجوعه , PageV01P214 ~~ونار الأهبة للحرب كانوا إذا أرادوا حربا أوقدوا نارا على جبل ms075 ليبلغ الخبر ~~أصحابهم فيأتوهم , ونار الصيد توقد للظباء لتعشى إذا نظرت إليها , ونار ~~الأسد كانوا يوقدونها إذا خافوا الأسد , وهو إذا رأى النار استهالها وفزع ~~منها , ونار السليم توقد للملدوغ والمجروح , ولمن عضه الكلب لئلا يناموا ~~فيشتد الأمر بهم , ونار الفداء كانوا إذا سبوا قبيلة خرجت إليهم السادة ~~للفداء والإستيهاب فكرهوا أن يعرضوا النساء نهارا فيفتضحن , أو في الظلمة ~~فيخفى قدر ما يحسبون لأنفسهم من الصفايا , ونار الوسم يقال: ما نارك أي ما ~~سمة إبلك , وإنما يسأل عن ذلك لأنهم يعرفون ميسم كل قوم وكلام إبلهم , ونار ~~الحرتين كانت في بلاد عبس تخرج من الأرض فتؤذي من مر بها , والنار التي ~~توقد بمزدلفة حتى يراها من دفع من عرفة [63ظ] وأول من أوقدها قصي بن كلاب , ~~ونار الحباحب - وهي التي أشار إليها الشنفرى - , وكل نار لا أصل لها مثل ما ~~ينقدح بين نعال الدواب (1) , وكالبرق فإنه دخان مشتعل لما فيه من الدهنية , ~~فإن الأبخرة الصاعدة قلما تخلو عن الدهنية , فإذا اشتعل ذلك البخار بالحركة ~~العنيفة المقتضية للحرارة كان برقا وينطفىء بسرعة , وصاعقة إذا كان غليظا ~~ولا ينطفىء حتى يصل إلى الأرض , فإذا وصل إليها فربما صار لطيفا ينفذ في ~~المتخلل ولا يحرقه , ويذيب الأجسام المندمجة فيذيب الذهب والفضة المصرة ~~مثلا ولا يحرقها إلا ما احترق من الذوب , وربما كان كثيفا غليظا جدا فيحرق ~~كل شيء أصابه , وكثيرا ما يقع على الجبل فيدكه دكا , والنار المستعملة ~~عندنا فهي جوهر لطيف مضيء حار محرق (2) , والنور ضوءها , واشتقاقها من نار ~~ينور إذا نفر , لأن فيها حركة واضطرابا , وليست هذه أحد العناصر الأربعة ~~(3) كما قد يتوهم , بل هي مركبة منها , وأما النار PageV01P215 ~~الطبيعية فهي أحد البسائط العنصرية , وهي حارة يابسة , والعنصر في اللغة ~~العربية الأصل كالأسطقس في اللغة اليونانية (1) , والعناصر طبقات سبع على ~~الأصح من الأقوال أعلاها الطبقة النارية الصرفة فمحدبها مماس لمحدب فلك ~~القمر , ومركز العناصر الأربعة مختلفة , فمركز النار والهواء العلو , ~~فالنار والهواء يطلبان العلو , ومركز الأرض والماء السفل , فهما يطلبان ~~السفل ms076 , لأنك إذا نكست الشعلة إلى أسفل انقلب إلى فوق , وإذا ملئت [64و] ~~الزق هواء وقسرته على المكث في الماء , ورفعت القاسر طلب جهة الفوق , وعلى ~~الماء , وإذا تحيلت على صعود الماء إلى فوق بالفوارات (2) والزرافات (3) ~~بلغ غاية الرفع ثم أخذ بالهبوط , وإذا حذفت الحجر إلى فوق بلغ غايته ثم ~~تصوب منحدرا , وهذا الترتيب الذي ذكرناه هو الصحيح , وقد ورد أقوال كثيرة ~~غير ذلك مبسوطة في موضعها من علم الطبيعي , والكلام فيه يطول , وهو مستقصى ~~في أماكنه من كتب الحكمة (4). # استطراد: # مما يشبه خوارق العادة من تكسر الصوان عند ملاقاة منسمه , ما ذكره أصحاب ~~التواريخ أن زرقاء اليمامة , وهي امرأة من جديس (5) يضرب بها المثل في حدة ~~النظر (6) , قيل إنها: كانت ترى من مسيرة ثلاثة أيام , روي أنها أبصرت ~~حماما طائرا في جو السماء , فقالت: [من مجزوء الرجز] # ليت الحمام ليه ... أو نصفه قديه # إلى حمامتيه ... تم الحمام ميه (7) # فاتفق أن الحمام وقع في مضيق جبل , فعد فإذا هو ست وستون كما قالت , ~~وأشار إلى هذه القضية بعض من غبر (8) حيث قال: [من البسيط] PageV01P216 ~~واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام سراع وارد الثمد # قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد # فحسبوه فألفوه كما نطقت ... تسعا وتسعين لم ينقص ولم يزد (1) # ولي على هذا البيت الأخير كلام , ليس هذا محل بسطه يدرك بالتأمل [64ظ] ~~الصادق (2) إن شاء الله تعالى , ومما يحكى أيضا أن بعض الأكابر (3) لما ~~أراد غزو قومها من حيث لم تشعر به , حمل مع كل فارس أمامه شجرة من شجر ~~البادية تستر الفرس والفارس , وابتدأ بهذا العمل من مسيرة ثلاثة أيام حيث ~~علم أنها تبصر من تلك المسافة , فأخبرت قومها أنها ترى شجرا يسير على وجه ~~الأرض قادما عليهم , فلم يصدقوها حتى دهمتهم الغارة , فسكتت الزرقاء , وجيء ~~بها إلى أمير تلك السرية , فأمر بقلع عينيها , فلما قلعت أخرج من تحتها ~~جراب كحل بخلق الله جلت قدرته. # واليمامة (4) هذه محل مشهور في الجاهلية في قرب ms077 صنعاء اليمن , وقد ذكرها ~~مجنون ليلى (5) في شعره فقال: [من الطويل] # ولو أن واش باليمامة داره ... وداري بأعلى حضرموت اهتدا ليا (6) # قال الناظم: # 21 - أديم مطال الجوع حتى أميته وأضرب عنه الذكر صفحا فإذهل PageV01P217 ~~اللغة: # المطال: بكسر الميم المطل , وهو التسويف بالمدة والدين , كالإمتطال (1) ~~والمماطلة , وهو مطول ومطال , ومد الحبل والحديد , وسبكه وطبعه وصوغه بيضة (2). # وأضرب عنه الذكر صفحا: أي أصرف نفسي عنه , قال تعالى: {أفنضرب عنكم الذكر ~~صفحا ... (3)} , وحقيقته في الراكب إذا أراد أن يصرف دابته ضربها ليعدلها , ~~فاستعمل الضرب موضع الصرف فتأمل. # والصفح: [65و] الإعراض هاهنا (4). # الذهل: مضارع ذهل كمنع ذهلا وذهولا تركه على عهد أو نسيه لشغل , أو هو ~~السلو وطيب النفس عن الإلف. # الذهلول (5): بالضم الفرس الجواد , وبلا واو ذهل بن شيبان قبيلة منها ~~يحيى الحافظ والإمام أحمد على الصحيح , وفيه لغة أخرى بالكسر (6). # الإعراب: # أديم: فعل مضارع , وفاعله مستتر فيه وجوبا. # مطال: مفعول به مضاف إلى الجوع. # حتى: بمعنى إلى أو كي. # أميته: منصوب بأن مضمرة بعد حتى عند البصريين , وبحتى عند الكوفيين (7) , ~~وتأتي حتى عاطفة , وحرف ابتداء , كما هو مذكور في موضعه من كتب النحو (8) , فتجوز PageV01P218 ~~الثلاثة في نحو قوله شعرا (1): [من الكامل] # ألقى الصحيفة كي يخفف رحله ... والزاد حتى نعله ألقاها # والهاء (2): مفعول به , والفاعل ضمير المتكلم. # وأضرب: فعل مضارع معطوف على أديم , وفاعله أيضا مستتر كما تقدم. # عنه: جار ومجرور متعلق بأضرب , ويجوز غير ذلك. # الذكر: مفعول به. # صفحا: أما مفعول مطلق أي: أصفح صفحا , أو لأجل الصفح , أو حال , وجوز ~~البيضاوي (3) في تفسيره (4) لقوله تعالى: {أفنضرب عنكم الذكر صفحا ... (5)} ~~, ما تقدم من الإحتمالات , ويمكن جعله ظرفا , تأمل. # فأذهل: الفاء عاطفة , وجملة أذهل مثل أضرب. # المعنى: # أديم مماطلة الجوع من غير ذلة خضوع , وأواعد نفسي بسوف أبلغك الأمل ~~واتصبر , ولم يزل حالي بها كذلك حتى أميت الجوع وأعدمه [65ظ] ولا أتضجر , ~~واترك ذكره إعراضا فأنساه وأغفل عنه ولا أجد له ألما ويمسني ضررمنه , وهذا ~~ما ذكره التحرير السويدي في شرحه , والذي يظهر ms078 لنا أنه لما كان الأكل لا ~~يزال ينفك عنه لمقتضى البشرية , وانه لو تركه دفعة ربما لا يطيق على ذلك , ~~فيكون مماطلته لنفسه حتى أمات الجوع عما هو معتاده , وأنه ترك منه شيئا ~~فشيئا خشية الحاجة إلى غير همته , وأن يكون مدامنا عليه , ولعمري لقد بالغ ~~في صبره على الجوع بحيث أن ما ادعاه خارجا PageV01P219 ~~عن مقدرة البشر , لكن لا يخفى أن للبلغاء مقامات خطابية وقضايا شعرية ~~يسكبونها في قالب الإمكان , فيتلقاها كل من نظر إليها بالقبول والعرفان , ~~ومما يناسب ما ادعاه قول # الشاعر (1): [من الوافر] # أبت لي عفتي أبى بلائي ... أخذي الحمد بالثمن الربيح (2) # وإمساكي عن المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح (3) # وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي # لأدفع عن مكارم صالحات ... وأحمي بعد عن عرض صحيح # وقوله - صلى الله عليه وسلم: (تموت الحرة ولا تأكل بثدييها (4)) , فإن ~~قلت: إذا كان من العدائين , ويسبق القطا إلى الورد , ومقدام شجاع , فما ~~الذي يحوجه إلى بقائه جائعا , قلت: من شدة توحشه عن أبناء جنسه , وموالفته ~~للفيافي والقفار قد ترمي به الأقطار في صحراء لا أحد فيها , وتعظم [66و] ~~نفسه أنه لأجل أكله خوفا من جوع يقصد مسافة بعيدة حتى يأخذ ما يقيته , أو ~~أنه يأتي به الطريق إلى بعض أحياء العرب فيراهم كراما تأبى نفس الكريم ~~تصديقهم , أو انه قد يتفق إيثار الذئاب على نفسه فيما يوجد عنده المأكول ~~عفة منه , أو أنه يمكنه التسلية لنفسه بخلافها لأنها ليست ذات عقل. PageV01P220 # استطراد: # قال البوصيري في مدحه - صلى الله عليه وسلم -: [من البسيط] # ومن شد من سغب أحشائه وطوى ... تحت الحجارة كشحا مترف الأدم (1) # وراودته الجبال الشم من ذهب ... عن نفسه فأراها أيما شمم # وأكدت زهده فيها ضرورته ... إن الضرورة لا تعدو على العصم # وما أحسن قول أبي فراس: [من مجزوء الكامل] # ونهيت نفسي فانتهت ... وزجرت قلبي فانزجر (2) # فائدة: # لو لم يكن الشنفرى في ذاته متمكن من السؤدد , وفرعه زاكي الأصل لما أمكنه ~~مماطلة الجوع , وإدراك الملكة بحيث يقدر على ms079 إماتته , لأن ما كل من طلب ~~شيئا ناله , والذي يؤيد هذا ما ورد من وصية قصي (3) بن حارثة بن عمرو بن ~~عامر , وهو أبو خزاعة , حيث قال: يا بني إن الرائد لا يكذب أهله , والعالم ~~لا يستحسن جهله , وإن الحكم زرع في القلوب , ومثله كمثل الحب والأرض , مهما ~~زرع في أرض سبخاء أضنت بنابته , ولم يرج حصاده , هذا ولتعلموا أن الطبيب لا ~~يقتله [66ظ] إلا الطبيب. ووصيته طويلة اقتصرنا على ما يناسب ما أردناه (4) ~~, فالواجب على من كان من ذوي الهمم العلية , السعي والجهد في طلب ما يزيد ~~في شرفه , ويبعد عنه داعي الاحتياج إلى الغير , إن وصل مناه , أو لم يصل , ~~قال الشاعر - وقيل القائل أبو بكر الصديق رضي الله عنه: [من البسيط] # العجز عن درك الإدراك إدراك ... والبحث عن كنه ذات الله إشراك (5) PageV01P221 ~~وقال الآخر (1): [من الكامل] # وعلي أن أسعى ولي ... م ... س علي إدراك النجاح (2) # قال الشنفرى: # 22 - وأستف ترب الأرض كيلا يرى له علي من الطول امرو متطول # اللغة: # استف: مضارع من الإستفاف , يقال: سففت الدابة بالكسر ومثله استففته إذا ~~أخذته غير ملتوت وكذلك السويق , وكل دواء يؤخذ غير معجون فهو سفوف بفتح ~~السين كصبور , والسفساف: الرديء من كل شيء , والأمر الحقير , ومن الدقيق ما ~~يرتفع من غباره عند النخل , ومن الشعير رديئه , وما دق من التراب , ~~والمسفسفة الريح التي تثيره وتجريه فوق الأرض , وأسف تتبع مداق الأمور (3). # الترب: والتربة والترباء والترباء والترباء والتيرب والتيراب والتورب ~~والتريب والتريب بمعنى التراب ويجمع على أتربة وتربان , ولم يسمع لسائرها ~~بجمع , والترباء الأرض , وترب كفرح كثر ترابه وصار في يده التراب , وأترب ~~قل ماله [67و] وكثر ضد (4) , وفي (5) المثل: " تربت يداك (6) ". # الطول: بفتح الطاء المهملة , وسكون الواو: المن , وتطول عليهم: امتن , ~~وما هو بطائل للدون الخسيس , المتطول: اسم فاعل من تطول إذا من (7). PageV01P222 # الإعراب: # واستف: الواو عاطفة , واستف فعل مضارع معطوف على أديم , وفاعله ضمير ~~المتكلم المستتر. # ترب: مفعول به. # كيلا: كي حرف نصب مصدري , ولا نافية. # ويرى: فعل ms080 مضارع منصوب بكي. # استطراد: # المضارع له بعد كي ثلاث حالات من حيث النصب , إن ذكرت اللام في اللفظ فهو ~~منصوب بها , وإن نويت أيضا كذلك , وإن لم تذكر ولا تنوى فكي: حرف جر وتعليل ~~والمضارع منصوب بأن مضمرة بعدها كما هو مسطور في كتب النحو (1). # له: جار ومجرور متعلق بيرى , وكذا من الطول. ومن فيه للتبعيض , ويجوز ~~تعلقه بمتطول الذي هو صفة فاعل يرى الذي هو امرؤ , والمعنى: متطول ببعض الطول. # المعنى: # هذا البيت فيه جواب عن سوأل مقدر كأنه قال: كيف تديم مطال الجوع مع أنك ~~بشر , والبشر لا بد له مما يقيته؟! فقال: آكل التراب غير ملتوت بالماء ~~وغيره , وأتجنب الأوطان لكي لا يرى علي إنسان متفضل بعض الإحسان , ولله در ~~الزمخشري (2) حيث يقول: # " طعم الآلاء أحلى من المن ... وهي أمر من الآلاء عند المن " (3) PageV01P223 ~~تكملة: # هذا منه مبالغة أخرى فإن الإعتياض بالتراب من الطعام [67ظ] مخالف للعادة ~~, وخارق لها , نعم , وقع مثل ذلك كثيرا لبعض الأولياء العارفين على سبيل ~~الكرامة بأن يجعل الله فيه اقتياتا وطعاما كالأقوات المألوفة , كما وقع ~~لسيدنا موسى بن جعفر الصادق - رضي الله تعالى عنهما - وذلك حين ذهب إلى ~~الحج في بعض السنين , حدث بذلك عنه شقيق البلخي (1) قال: خرجت مع قافلة ~~الحاج إلى مكة , وفي القافلة غلام يمشي متجنبا عن الطريق , فلما نزل الحجاج ~~للإستراحة قريب الغروب أبصر ذلك الغلام قد جلس منفردا على كثيب من كثبان ~~تلك الأرض , فقلت في نفسي: أذهب إلى هذا وأعنفه على فعله حيث غر بنفسه , ~~والطريق بعيد , وأقوم بحوائجه , فلما قدمت عليه أبصري في يده إداوة , وهو ~~يأخذ من ذلك الرمل ويضع فيها فلما فرغ من ذلك شرب منها , فقلت في نفسي: لعل ~~هذا مجنون , لكن قلت أولا أطلب منه أولا أن يسقيني مما في هذه إلاداوة فإن ~~كان فيها رمل ممزوج بمائها , فهو كما ظننت , فقلت: اسقني مما في يدك ~~فناولني الأداوة , فشربت ما فيها أجمع , فإذا فيها سويق ملتوت , فعرفت أن ~~الغلام من الكاملين ms081 , فقمت مفارقا له , ولم أفه له بشيء , فلما أصبحنا ~~وسارت القافلة سار ذلك الغلام على عادته , وبقيت متندما على ظني فيه ما لا ~~ينبغي حتى حملني الندم على أن نزلت من راحلتي للإعتذار منه فأدركته على ~~شفير بئر قد صعد إليه ماؤها [68و] حتى ملأ أداوته ونزل الماء إلى مستقره , ~~فلما أبصرني قبل أن أفوه بشيء تلا قوله تعالى: {وإني لغفار لمن تاب وآمن ~~وعمل صالحا ... (2)} , فقبلت يده , واستعفيته فقال: قد عفونا عنك يا شقيق , ~~فلما قربنا من المدينة رأيت أهلها قد خرجوا لاستقباله وهم بين باك , ومقبل ~~قدميه , فسألت عته حينئذ رفقاءنا فقالوا: هذا الإمام موسى الكاظم , وهذه ~~العبيد والخيام والمحامل التي تسير معنا هي ملكه , لكنه أحب الحج ماشيا , ~~فجئت إليه , وقبلت يديه , وقد تبسم في وجهي ولله الحمد (3). PageV01P224 # وقال الشعراني (1): كنت إذا لم أجد قوتا حلالا , استف التراب فأجد له دسومة ~~كاللحم (2) , ويمكن أنه كان ذلك الإدعاء منه على طريق فرض الاحتياج , وأنه ~~لو احتاج إلى الأكل وما أمكنه إماتة الجوع يستقيت بالتراب خشية الحاجة إلى ~~أحد , ولذا قال بعض الكاملين: السوأل ذل , ولو أين الطريق (3) " , وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اليد العليا خير من اليد السفلى (4)) , ~~وأنه لما كان التراب ليس يقتات به عادة كان كأنه لم يأكل شيئا. # استطراد: # قال أبو فراس مفتخرا شعرا (5): [من الكامل] # وأخو ملمات يسدد فعله ... همم مثقفة وعزم محصد # خرق إذا اقتحم الغبار رأيته ... كالسيف إلا أنه لا يغمد # وأنا الذي علم الأنام بأنه ... لم ينمه إلا كريم سيد [68ظ] # والفخر يقسم أننا أربابه ... دون البرية والمكارم تشهد # والمجد يوجد عندنا بإقامة ... والعار والفحشاء ما لا يوجد PageV01P225 ~~وقال ابن مقرب (1): [من البسيط] # إذا نطقت فلا لغو ولا هذر ... وإن سكت فلا عي ولا حصر # فمن يقوم مقامي يوم معضلة ... لاسمع يبقى لرائيها ولا بصر # ومن يسد مكاني يوم ملحمة ... إذا الغزالة وارى نورها القتر # إني امرئ إن كشرت الناب عن غضب ... لا الخط تمنع من بأسي ولا هجر ms082 # قيل: كان في أيام سليمان بن عبد الملك رجل يقال له خزيمة بن بشر , من بني ~~أسد مشهور بالمروءة والكرم , وكانت نعمته وافرة , فلم يزل على تلك الحال ~~حتى احتاج إلى إخوانه الذين كان يتفضل عليهم فواسوه حياء , ثم ملوه , فلما ~~لاح له تغيرهم , أتى امرأته وكانت ابنة عمه , وقال لها: يا ابنة العم قد ~~رأيت من إخواني تغيرا , وقد عزمت على لزوم بيتي إلى أن يأتيني الموت , ثم ~~أغلق بابه عليه , وأقام يتقوت بما عنده من القوت حتى نفذ ما عنده , وبقي ~~حائرا في حاله , وكان في تلك الأيام عكرمة الفياض واليا على الجزيرة - ~~فبينما هو في مجلسه وعنده جماعة من أهل البلد جرى ذكر خزيمة بن بشر , فقال ~~عكرمة: ما حاله؟ قالوا: صار في أسوأ الأحوال , وقد أغلق بابه , ولزم بيته , ~~فقال عكرمة الفياض - وسبب تسميته بالفياض [69و] أنه كان مفرطا في الكرم -: ~~فما وجد مساويا ولا كافيا؟ قالوا: لا , فأمسك عن ذلك , ولما كان الليل عمد ~~إلى أربعة الآف دينار , فجعلها في كيس واحد , ثم أمر بإسراج دابته , وخرج ~~سرا من أهله , فركب ومعه غلام واحد يحمل المال , ثم سار حتى وقف بباب خزيمة ~~, فأخذ الكيس من الغلام ثم أبعده عنه , وتقدم إلى الباب فطرقه بنفسه , فخرج ~~إليه خزيمة , فقال له: أصلح بهذا شأنك وأعطاه الكيس , فتناوله فرآه ثقيلا , ~~فوضعه , وقبض على لجام الدابة , وقال من أنت؟ فأجابه: إنني ما جئتك في هذا ~~الوقت وأنا أريد أن تعرفني , فقال خزيمة: ما أقبلك أو تخبرني من أنت , قال: ~~أنا جابر عثرات الكرام , قال: زدني , قال: لا , ثم مضى , ودخل على امرأته ~~بالكيس , فقال لها: أبشري فقد جاء الله بالفرج , فلو كان في هذا الكيس ~~فلوسا لكانت كثيرة , قومي PageV01P226 ~~فأسرجي , فقالت: لا سبيل إلى السراج , فبات إلى الصباح , فرجع عكرمة الفياض ~~إلى منزله , فوجد امرأته قد افتقدته , وسئلت عنه , فأخبرت بركوبه منفردا , ~~فارتابت وشقت جيبها ولطمت خدها , فلما رآها على تلك الحالة , قال: ما دهاك ~~يا ابنة العم؟! قالت: ms083 سوء فعلك بابنة عمك , أمير الجزيرة خرج بعد هدأة من ~~الليل منفردا عن غلمانه , في سر من أهله , إلا لزوجة أو سرية! قال: لقد علم ~~الله أنه لا لواحد منها , فقالت: فأخبرني فيم خروجك؟ قال: يا هذه لم أخرج ~~في [69ظ] هذا الوقت وأنا أريد أن يعلم بي إلا الله , قالت: لا بد أن تعلمني ~~, قال: فأكتميه إذا , قالت أفعل , فأخبرها بالقصة من أولها إلى آخرها , قم ~~قال لها: أتحبين أن أحلف لك؟ قالت: لا , قد سكن قلبي , ثم أصبح خزيمة فأصلح ~~شأنه , فتجهز للرواح إلى سليمان بن عبد الملك بفلسطين , فلما وقف ببابه دخل ~~الحاجب فأخبره مكانه , وكان مشهورا بالمروءة , وكان الخليفة به عارفا , ~~فأذن له , فلما دخل وسلم عليه بالخلافة , قال له: ما الذي أبطأك عنا؟ قال: ~~سوء الحال يا أمير المؤمنين , قال: فما منعك من النهضة؟ قال: الضعف , قال ~~له: من أنهضك؟ قال: لم أشعر بعد هدأة من الليل إلا ورجل يطرق بابي , وكان ~~معه كيت وكيت , قال: هل عرفته؟ قال: لا والله , وما كان لي من أخباره لي ~~إلا أنه قال: أنا جابر عثرات الكرام , فتلهف سليمان على معرفته , وقال: لو ~~عرفناه لأعناه على مروءته , ثم قال: علي بدواة وقرطاس , فأتي به , فعقد ~~لخزيمة لواء الجزيرة وعزل عكرمة , وأمره بالتوجه إلى الجزيرة , فخرج متوجها ~~إليه من فلما قرب , خرج عكرمة وأهل البلد للقائه , فسلما عليه , وسار حتى ~~دخلا البلد , فنزل خزيمة في دار الأمارة , فأمر بحساب عكرمة ففضل عليه مال ~~كثير , فطالبه بالمال , فقال: ما لي إلى شيء منه سبيل , فأمر بحبسه ,فبعث ~~يطالبه مرة ثانية , فأجابه: إني لست ممن يصون ماله بعرضه , فاصنع ما شئت , ~~فأمر به , فكبل بالحديد , وأضر به ذلك , فبلغ ذلك ابنة عمه [70و] فجزعت ~~عليه ثم دعت مولاة لها ذات عقل , فقالت: امضي الساعة إلى باب الأمير , ~~قولي: عندي نصيحة , فإذا دخلت عليه قولي له: ما كان هذا جزاء جابر عثرات ~~الكرام منك في مكافأتك له بالضيق والحبس والحديد , ففعلت ذلك ms084 , فلما سمع ~~قولها , قال: واسوءتاه , أجابر عثرات الكرام غريمي؟ قالت: نعم , فأمر من ~~وقته بدابة فأسرجت وركب إلى وجوه أهل البلد , فجمعهم , وسار بهم إلى باب ~~السجن , ففتحه , ودخل ورأى عكرمة في قاع الحبس متغيرا قد أضناه الضرر PageV01P227 ~~, فلما نظر إلى خزيمة والناس , أحشمه ذلك , فنكص رأسه , فأقبل خزيمة حتى ~~أكب على رأسه فقبله , فرفع رأسه إليه , فقال: ما أعقب هذا منك؟ قال: كريم ~~فعلك , وسوء مكافأتي , قال: يغفر الله لنا ذلك , ثم أمر بفك القيود , وأن ~~توضع في رجليه , فقال له عكرمة: ماذا تريد؟! قال: أن ينالني من الضرر ما ~~نالك , قال: أقسمت عليك بالله انك لم تفعل , فخرجا جميعا حتى وصلا دار ~~خزيمة , فودعه عكرمة , وأراد الإنصراف فلم يمكنه ذلك , قال: ما تريد؟ قال ~~أغير حالك , وحيائي من ابنة عمك أشد من حيائي منك , فأمر بالحمام فأخليت , ~~ودخلا جميعا , فخلع عليه , وحمل معه مالا كثيرا , وسار معه إلى داره , ~~واستأذنه بالاعتذار إليه , وتندم على ما كان من حبسه له , فسأله أن يسير ~~معه إلى أمير المؤمنين , وهو يومئذ مقيم بالرملة , فأنعم له بذلك [70ظ] ~~فسارا جميعا حتى قدما على سليمان بن عبد الملك , فدخل الحاجب فأخبره بقدوم ~~خزيمة بن بشر فراعه ذلك وقال: والي الجزيرة قدم علينا بغير إذننا مع قرب ~~العهد به ما هذا إلا لحادث ضيم , فلما دخل عليه , قال ما وراءك يا خزيمة - ~~قبل أن يسلم عليه - قال: خيرا يا أمير المؤمنين , قال: فما أقدمك؟ قال: ~~ظفرت بجابر عثرات الكرام , فأحببت أن أسرك به لما رأيت من شوقك إلى رؤيته , ~~قال: ومن هو؟ قال: عكرمة الفياض , فأذن له بالدخول , فدخل وسلم عليه ~~بالخلافة , ورحب به وأدناه من مجلسه , وقال: يا عكرمة , كان خيره لك وبالا ~~عليه , ثم قال له: أكتب حوائجك وما تختاره في رقعة , فكتبها , فقضيت على ~~الفور , ثم أمر له بعشرة الآف دينار مع ما أضيف إليها من التحف والظرف , ~~ودعا بدواة وقرطاس , وعقد له على الجزيرة أرمينية أذربيجان , وقال له: أمر ~~خزيمة ms085 إليك: أن شئت أبقيته , وان شئت عزلته , قال: بل اردده إلى عمله يا ~~أمير المؤمنين , ثم انصرفا جميعا , فلم ير إلا طاعتهما لسليمان بن عبد ~~الملك مدة خلافته (1). " PageV01P228 # قال الشنفرى: # 23 ... ولولا اجتناب الذأم لم يلف مشرب يعاش به إلا لدي ومأكل # اللغة: # الإجتناب: مصدر اجتنبت الشيء، أي تجنبت وابتعدت عنه (1). # الذأم: بهمزة وبدونها هو ((والذيم: العيب، وفي المثل: ((لا تعدم الحسناء ~~ذاما (2))) [71و] تقول منه: ذمته أذيمه ذيما وذأما وذأمته وذممته كله بمعنى ~~واحد عن الأخفش (3)، فهو مذيم على النقص ومذيوم على التمام، ومذءوم إذا ~~همزت، ومذموم من المضاعف (4))). # يلف: بضم المثناة التحتية، وسكون اللام، آخر الحروف فاء مفتوحة من الإلف، ~~تقول: ((ألفيت الشيء بمعنى وجدته (5))). # المشرب: بفتح الميم، وسكون الشين المعجمة، وفتح الراء المهملة: هو هاهنا: ~~الماء (6) ((والمشرب أيضا: الوجه الذي يشرب منه، ويكون موضعا، ويكون مصدرا (7))). PageV01P229 # يعاش: بضم حرف المضارعة من ((العيش (1))) وهو ((الحياة (2))). # المأكل: ((مصدر ميمي بمعنى الأكل، ويجوز أن يراد به آسم المفعول بمعنى ~~المأكول (3))) # إلاعراب: # ولولا: الواو عاطفة، ولولا: حرف امتناع لوجود، أربع حالات: أحداهما أن ~~تدخل على جملتين اسمية وفعلية لربط (4) امتناع الثانية بوجود الأولى، نحو: ~~((لولا زيد لأكرمتك أي: لولا زيد موجود لأكرمتك، وأما قوله -صلى الله عليه ~~وسلم-: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة (5)))، ~~فالتقدير: لولا مخافة أن أشق لأمرتهم أمر إيجاب، وإلا لانعكس معناه، إذ ~~الممتنع المشقة، والموجود (6) الأمر. # وهل (7) المرفوع بعد لولا فاعل بفعل محذوف، أوبها لنيابتها عنه، أو بها ~~أصالة، أو مرفوع على أنه مبتدأ لا خبر، ما عليه المحققون من البصريين، ~~خلافا لزاعمي غيره، وأختلف في كون الخبر كونا مقيدا أو مطلقا، وفي وجوب ~~حذفه، ولحن جماعة ممن أطلق وجوب الحذف المعري (8) في وصف سيف (9): [71ظ] ~~[من الوافر] # يذيب الرعب منه كل عضب ... فلولا الغمد يمسكه لسالا PageV01P230 ~~وليس بجيد لاحتمال كون جملة يمسكه خبرا فتأمل. # الثاني: أن تكون للتحضيض والعرض فتختص بالمضارع، أو ما هو في تأويله ~~كقوله تعالى: {لولا تستغفرون الله ... } (1)، { ... لولا ms086 أخرتني إلى أجل ~~قريب} (2) والفرق بينهما أن الأول طلب بإزعاج وحث، والثاني بلين ورفق. # الثالث: أن تكون للتوبيخ والتنديم فتختص بالماضي، كقوله تعالى: {لولا ~~جاءوا عليه بأربعة شهداء ... } (3)، {فلولا نصرهم الذين ... } (4). # الرابع: الإستفهام، نحو: {لولا أخرتني إلى أجل قريب} (5) {لولا أنزل عليه ~~ملك ... } (6)، قاله الهروي (7): وأكثرهم لا يذكره، والظاهر أن الأولى ~~للعرض، والثانية مثل: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء ... } (8) الى أن قال ~~قد تكون نافية بمنزلة لم وجعل منه: {فلولا كانت قرية آمنت ... } (9) إلى ~~آخر الآية. PageV01P231 # قال ابن هشام (1): الظاهر أنها بمعنى التوبيخ، أي: فهلا كانت قرية واحدة من ~~القرى المهلكة تابت عن الكفر قبل مجيء العذاب فنفعها ذلك، وهو تفسير الأخفش ~~والكسائي (2)، ويؤيده قراءة أبي (3) وعبدالله (4): {فهلا ... } (5) ويلزم ~~من هذا النفي، لأن التوبيخ في معناه، ويقتضي عدم الوقوع (6). وبحث لولا ~~يطول قد يفضي إلى الملل إلا أننا ذكرنا أشياء منه لاشتهار الخلاف فيها، ~~وتفصيل ذلك مبسوط في موضعه من كتب النحو (7). # الإعراب: # اجتناب: مبتدأ، خبره محذوف وجوبا، مضاف إلى الذأم. # لم يلف: [72و] لم: حرف نفي وجزم، ويلف: فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه ~~حذف الألف. # مشرب: نائب فاعل، وهو المفعول الأول. # يعاش: فعل مضارع مبني للمجهول. # به: جار ومجرور، ونائب الفاعل والجملة محلها النصب على أنها مفعول ثان ليلف. # إلا: أداة استثناء، والمستثنى أعم الأمكنة. # لدي: ظرف مكان مضاف الى ياء المتكلم، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا ليلف، ~~وجملة يعاش به صفة لمشرب. # ومأكل: معطوف على مشرب. PageV01P232 # المعنى: # ولولا إبعاد نفسي، وتجنبها عن العيوب والفشل، لما وجد مشرب يعاش به إلا ~~لدي ومأكل، لأني قادر على جمعه وعرفانه، وتنقيح خرائد حسانه، ومنع الناس ~~منه بلا ضجر، والتمتع به من غير ضرر، والإفاقة مما تعين على ذلك وبه تشعر، ~~وعلو الهمة توضحه وعنه تخبر. # قال امرؤ القيس بن حجر الكندي (1): [من الطويل] # ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال # ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقل يدرك المجد المؤثل أمثالي # ويروى: وقد (2)، وفي البيت الأول كلام ms087 من حيث الإعراب مذكور في باب ~~الاشتغال في كتب النحو فليراجع (3). # وهذا من دأب الكاملين الذين يجودون بأرواحهم خشية إن لايذكر عنهم دناءة ~~ومذلة، وقد شاهدت مما يناسب المقام من رفعة اللئام، وانحطاط الكرام، وظهور ~~الجور [74ظ] بدولته، واختفاء العدل بذلته، ما اتفق في بغداد عام السادس ~~والسبعين، وهو أن الوزير الكبير والدستور المشير سليمان باشا رحمه الله لما ~~اشتاق الى لقائه وقربه، طمع في بغداد كل وضيع، ورغب فيها كل ذي عيب فضيع، ~~فمما اتفق أن رجلا من خدام مولانا المرحوم، من أقبح الناس اعتقادا، وأكثرهم ~~ركونا إلي الرذائل واستنادا، يقال له: علي أغا (4)، وكان أعجميا فارسيا ~~وكان المرحوم جاعله عاملا على الحسكة (5) PageV01P233 ~~، يجبي خراجها، ويعمر فجاجها، فلما توفي المرحوم المبرور ضوعفت له الأجور، ~~أرسل نجابا إلى حلب، واستنجد ببعض أكابرها، فأرسل كتبه إلى الدولة العلية - ~~لا زالت على ممر الأيام محروسة محمية - تتضمن كتبه وصفه بالعدل والشجاعة ~~الكاملة، والرأي والتدبير الصائب، حتى أن المرحوم كان يستنير برأيه، ~~ويستشيره في كل المهمات، لحسن سيره في الكمال، وجريه - ومع هذا أقر للرجال ~~بأموال عظيمة، ووعدهم بمواعيد جسيمة، ووعد بل أعطى من شهد له ثمة على صدق ~~المقال، وانه لا يعرف الزور والمحال، ولم يدر إن شره كل يوم يزداد، وان ~~عتوه وجوره قد جاوز الحد في الفساد، شعر (1): ... [من الخفيف] # فهو كالصل من بنات الأفاعي ... كلما طال عمره زاد شرا # فولوه بغداد، وقدمت عليه الرسل من الدولة يسرعون، وجاءه أهل البشائر من ~~العشائر من كل حدب [73و] ينسلون، فاستعظم ذلك أهل بغداد، وأكثروا على ~~المرحوم البكاء والتعداد؛ لعلمهم بأفعاله القبيحة الفضيعة، ومكائد جوره ~~الشنيعة، فعزموا على عدم إدخاله بغداد، وأنهم يبقوه في الحسكة يقاسي ~~الانكاد، ويرسلون إلى الدولة العلية يخبرونهم بأمره، ويغرونهم على من حسن ~~عندهم سيرته بغدره ومكره، وانه عجمي لا يصلح للوزارة، ودني لا تناسبه هذه ~~الإمارة، لكنهم لعظم إطاعتهم للدولة، وأنهم يمتثلون لمراسيمهم، وان ولو ~~عليهم خارجا عن الملة، قالوا: لعله تحسن سيرته كما حسنت سيرة الخصيب ms088 (2) ~~حين ولاه الرشيد مصر، وكان دنيء الأصل، وضيع القدر، فحسنت صفاته، وكرمت ~~سماته، وقصده الشعراء من الأماكن القاصية، ووفد عليه الوفود من الأقطار ~~النائية، حتى قصده أبو نواس مع من قصده من الشعراء، ومدحه وبالغ في الإطراء ~~بقصيدة مطلعها: [من الكامل] # أنت الخصيب، وهذه مصر، ... فتشاكلا فكلاكما بحر (3) # فقال أهل بغداد لعل هذه الرفعة تهذب أخلاقه، وتحسن خلافه ووفاقه، فخرج ~~إليه عساكر المرحوم المبرور، وقابلوه بالترحاب، وفتحوا بوجهه من بغداد ~~الأبواب PageV01P234 ~~،فعاملوه معاملتهم مع المرحوم، وجروا معه على القواعد والمرسوم، وبقي أياما ~~قلائل على حالة حسنة، وسيرة مستحسنة، ثم بدت لهم جنادعه (1) وظهرت لديهم ~~مكائده [73ظ] ومخادعه، فصبروا وقالوا: لعله يرتدع، ويزجره عقله؛ فيسير ~~بسيرة من قبله، ولم يبتدع، لكن الينكجرية (2) لم يصبروا على جوره؛ حيث ~~اطلعوا على غدره ومكره، فقاموا عليه بأجمعهم، وحاصوا، ويحر الدلاص المسرد ~~(3) غاصوا، وأخرجوه من بغداد: مذموما، مدحورا مغلوبا، مقهورا. # وعبر الى الجانب الغربي من بغداد؛ فآواه وجوه أهل ذلك الجانب، وجبروا ~~كسره جبر الأقارب للأقارب، وأنزلوه في بستان الباشا (4)؛ معززا مكرما، ~~مبجلا محترما، راجين أنه يحفظ هذه الضيعة ولا يضيعها، وانه يحمد هذه الخلة ~~ولا يهملها ويدعمها، وكذلك فعلت معه جنود المرحوم، فخرج معه من كان معه في ~~البلد، ولم يتخلف عن تبيعته بعد إخراجه منهم أحد، وسعى الجميع في الصلح ~~بينه وبين الينكجرية، فأعيد إلى البلد، وزال عنه النكد، ثم أن طبيعته ~~طالبته بالانتقام، فبطش بعد دخوله في الينكجرية بطشة جبار، وسامهم سوم ~~العبيد - وهم أحرار، وخنق أكثر رؤوسهم، وهرب الباقون، والناس في أفعاله ~~ساهون، واستمال قلوب جنود المرحوم بمكره فأقطعهم القرى والضياع، ولم يكن ~~معه منهم إلا القليل من الأتباع، ولما خلى جوه، قوي عزمه، وتصلب حزمه، ظلم ~~على (5) أهل بغداد ظلما لم يسمع بمثله في البلاد، فنهب أموال التجار من ~~الحجرات [74و] وصب عليهم أنواع البليات، PageV01P235 ~~حتى منعهم الأرغاس (1) وأوقعهم في الإفلاس، وأكثر فيهم الوسواس ثم كر على ~~طلاب العلم بالإنتقام، فسلط عيهم أوباش (2) الناس، فولاهم المدارس ~~والجوامع، وجعل بيدهم الأوقاف، ms089 فمنعوا الطلبة الذين لهم حق في مدرسة أو ~~جامع أو وقف، وكثر ظلمه، وتزايد وازداد جوره وتصاعد، وأرسل أعداء الدين ~~المارقين من الإسلام - الطائفة الخبيثة الخسيسة الملعونة الأعجام فراسل زند ~~كريم خان (3) وإسماعيل خان وسارت بينه وبينهم الرسل حتى اشتهرت خيانته، ~~وظهرت جنايته، فقام عليه جمع من أهل بغداد، من علماء، وسادات، وينكجرية، ~~ووجوه عساكر المرحوم سليمان باشا، وضبطوا عليه القلعة وضاربوه بالاطواب ~~(4)، ولم يبق منهم إلا خدامه، فمن كان من أهل السنة والجماعة من أولئك ~~الخدام، هرب من الصراي (5)، وجاء إلى جمع الإسلام، ولم يبق معه إلا القليل ~~من أولاد الأعاجم، ونسل الطغاة الطغام، فلما أحس بالبوار، وتيقن بالنحوسة ~~والإدبار، خرج قبل الفجر من تلك الليلة من مكانه في زي قبيح، وعقل طائش غير ~~رجيح، واختفى في بعض بيوت الرافضة (6) فدخل المسلمون دار الحكومة يقدمهم ~~العمران: كتخدا المرحوم عبد الله أغا، وكتخدا المرحوم أيضا عمر أغا، فضبط ~~مكانه، ومسك أعوان ذلك اللئيم وأخدانه (7)، وجعل عمر اغا PageV01P236 ~~قائمقام بإتفاق [74ظ] الخاص والعام، وزال الكدر من البين، واستجيبت دعوته - ~~صلى الله عليه وسلم -: ((اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين)) (1). # وضبط الليث الجسور عبدالله أغا مكان كتخدا هذا الرجس، وزال بمقامه كل ~~النحس ثم ثاني ليلة هذه الواقعة، ظفروا به مستترا في زي امرأة، فقبضوا ~~عليه، وذهبوا ليحبسوه في القلعة حتى يأتي أمر الدولة العلية فيه، وقد انخلع ~~قلبه من شدة الخوف، فلما دخلوا به القلعة وقع ميتا، وكفى الله المسلمين ~~شره، فعرض أخبار هذه الوقعة رؤساء بغداد على الدولة العلية يرجون منهم أن ~~يجعلوا الليث المقدام والشجاع الهمام عمر اغا واليا على بغداد والبصرة، حتى ~~ترجع الدنيا إلى أيام المرحوم المبرور سليمان باشا، ولم يجئ الخبر إلى ~~الآن، فالله اسأل إن يحقق هذا الرجا، ويريحنا من صولة الأوباش أولاد الزنا، ~~ومما قلت في هذه الوقعة شعرا: ... [من البسيط] # عمرت في نصر دين الحق يا عمر ... وفاز فيك التقى والعفو والظفر # أورثت في دولة الإسلام مفتخرا ... وزلت كربا به الأرجاس تنتصر # ونلت بالأبيض ms090 الهندي منزلة ... حفت بمجد به الزوراء تفتخر # أمسيت كالليث والأشبال ضارية ... حول الكناس لروم العز تبتكر # ألبست خصمك حلي الغانيات وما ... أنجاه منك علوم الرمل (2) والزبر # ظن النجاة بغير البيض مكمنها ... وما درى سلفا ما الصارم الذكر [75و] # وخال أن الردى بالذل مندفع ... وأن ذا المكر لايصطده القدر # كأنه عمرو لما رام يدفعها ... وأنه برداء السوء متزر # لادر درك كيف الجبن تحسنه ... وهل لغيرك بعد اليوم يشتهر # يا ليت موتك قبل الأربعاء أتى ... وأنت للعز والإقبال منتظر PageV01P237 ~~ألق السلاح فلا بيض ولا سمر ... لديك، فآعطف إلى ما كنت تفتكر # والدهر قد فاق من صدع ومن سكر ... وصار عن ذي العلى والمجد يختبر # الطاعنين بسمر الخط أفئدة ... الأبطال يوم الوغى والحرب تستعر # دانت لديهم ملوك جل نائلهم ... لم يبق من بعدهم للروم مفتخر # فهم أسود الشرى سل من يحاربهم ... عن موطن فيه للفرسان مصطبر # ينبئك أن ليوث الغاب ترهبهم ... في كل معترك إذ قل منتصر # لاسيما البطل الفارق حين غدا ... بالنصر يرهب لا يبقي ولا يذر # فالحمد لله هذي نصرة حمدت ... لها، غدا فوق كيوان السماء أثر # عناصر الدنيا وافتنا مؤرخة ... وقمت بالعدل والإحسان يا عمر # قال الشنفرى: # 24 ... ولكن نفسا مرة لاتقيم بي على الضيم إلا ريثما أتحول # اللغة: # النفس: ((الروح، ومنه: خرجت نفسه، والدم مالا نفس له سائلة لا ينجس ~~[الماء] (1)، والجسد، والعين، يقال: نفسته بنفس [75ظ] أي: أصبته بعين، ~~ونافس عاين، وبمعنى عند، قال الله تعالى: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في ~~نفسك ... } (2))) أي ما عندي وما عندك ما أو ما حقيقتي وحقيقتك، والعظمة ~~والعزة والهمة والألفة والإرادة والعقوبة، قيل ومنه: {ويحذركم الله نفسه ~~... } (3)، وبالتحريك واحد الأنفاس، والسعة والفسحة في الأمر، والجرعة، ~~وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((ولا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن وأجد ~~نفس ربكم من قبل اليمن)) (4)، وبالتحريك واحد الأنفاس، PageV01P238 ~~اسم وضع موضع المصدر الحقيقي من نفس تنفيسا ونفسا أي: فرج تفريجا، والمعنى: ~~أنها تفرج الكرب وتنشر الغيث، وتذهب الجدب، وقوله - صلى الله ms091 عليه وسلم -: ~~((من قبل اليمن)) المراد: ما تيسر له -صلى الله عليه وسلم - ((من أهل ~~المدينة وهم يمانون من النصرة والإيواء)) (1) # حرة: بضم الحاء المهملة وتشديد الراء هي ((الكريمة، يقال: ناقة حرة، ~~وسحابة حرة إذا كانت كثيرة المطر.)) (2) # الريث: ((الإبطاء كالتريث، والمقدار، وما أراثك ما أبطأك والترييث: ~~التليين والإعياء، وهو ريث ككيس: بطيء، ومريث العينين بطيء النظر، واستراث ~~استبطأ، والريث بن غطفان أبو حي)) (3) من العرب. أتحول مشتق من التحول، وهو ~~التنقل من مكان إلى غيره (4) كقول بعضهم: ... [من المديد] # حولوا عنا كنيستكم ... يابني حمالة الحطب (5) # لطيفة: # دخل بعض نساء الأعراب الحاضرة، وهي من أهل لغة من يكسر أحرف المضارعة ~~[76و] فسألها بعض أهل الأدب بقوله: أتكتنون؟ - أي: لكم كنية تعرفون بها -، ~~قالت: بلى، نكتني، فكسرت النون، فقال: لو كان كما زعمت لاغتسلت أنا، فعرفت ~~أنه أراد بسوء له مكيدتها، فقالت له: أتحسن العروض؟ فقال: بلى، فقالت له: ~~كيف تقطيع: حولوا عنا كنيستكم البيت. # فقال: حولوا عن فاعلاتن ناكني فاعلن، فقالت له : من ذا من ذا، فأخجلته (6). PageV01P239 # قال بعض أهل الأدب (1): هذه القصة مصنوعة إذ لا خبرة للعرب بالعروض انتهى. ~~وهو الظاهر. # الإعراب: # الواو: للإبتداء، ولكن: حرف استدراك تنصب الأول وترفع الخبر، من أخوات إن. # نفسا: اسمها وعلامة نصبها فتح اخرها. # حرة: صفة لنفس. # لا: نافية. # تقيم: فعل مضارع ضم فيه تاء المضارعة من أقام، وفاعله ضمير عائد على اسم ~~لكن، والجملة محلها رفع على أنها خبرها. # بي: جار وجرور متعلق بتقيم، وكذا على الذأم، وفي نسخة على الضيم (2). # إلا: أداة حصر، والمستثنى أعم الأوقات، وحروف الإستثناء عشرة: إلا، وغير، ~~وسوى مع لغاتها المتقدمة (3)، وخلا، وعدا، وحاشا، وليس، ولا يكون، وتفصيلها ~~مذكور في موضعه من كتب النحو فليراجع (4). # وريث: أما مفعول مطلق بأن يراد بلا تقييم: لا تبطيء، أو مفعول فيه. # وما: مصدرية ظرفية. # وأتحول: فعل مضارع، وفاعلها ضمير عائد إلى المتكلم، وما بعدها في تأويل ~~مصدر مجرور بالمضاف، فإن قلت: [76] إن المصدرية تعمل في لفظ المضارع وتنصبه ~~وما ليس ms092 كذلك مع أن كلاهما حرف مصدري، وفي التأويل به على السواء، قلت: لما ~~أن (إن) أثرت في قلب زمانه إلى الاستقبال، ولم تبقه محتملا له، ولا للحال ~~كما هو شأن المضارع، عملت في لفظه، و(ما) ليس كذلك فلم تعمل فيه شيئا. # المعنى: # ولكن نفسي تصونني عن الإقامة في دار ينالني فيها ضيم إلا مقدار ما أتحول ~~عنها، وما أحسن الشنفرى في ما ادعاه، وأتقنه وأوعاه، لأن الكريم لا يرضى ~~التوطن بدار الذل، والإقامة في مكان يعاب عليه فيه ويمل، ولله در ابن مقرب حيث PageV01P240 ~~يقول (1): [من الطويل] # دع الدار بالبحرين تعفى رسومها ... وسقها وإن لم يبق إلا نسوعها # وخل أحاديث المطامع والمنى ... ألا إنما أشقى الرجال طموعها # ولا تحسدا فيها رجالا بشبعها ... فخير لهم من ذلك الشبع جوعها # ولابد للمنحني على الزاد وحده ... إذا ما امتلأ من هوعة سيهوعها (2) # فبع بالعلا دار المهانة والأذى ... فما الربح المغبوط إلا بيوعها # ولا تتكل فخرا ولوما وذلة ... على قولهم نعي الرجال صروعها # وقال أيضا (3): [من الطويل] # فلا تشك أحداث الليلي إلي امرىء ... فذا الناس إما حاسد أو معاند # وعد عن الماء الذي ليس ورده ... بصاف فما تعمى عليك الموارد [77و] # فإن وطن ساءتك أخلاق أهله ... فدعه فما يفضي على الضيم ماجد (4) # وبت حبال الوصل ممن توده ... إذا لم يرد كل الذي أنت وارد # ولا ترهب الخطب الجليل بهوله ... فطعم المنايا كيف ماذقن واحد # وقل لليالي كيف ما شئت فاصنعي ... فإن على الأقدار تأتي المكائد # وقد ربما يجزى (5) على الصد والقلا ... أب وأخ والمرء ممن يساعد # وقال عبد بن قيس بن خفاف (6): [من الكامل] PageV01P241 ~~واترك محل السوء لا تنزل به ... وإذا نبا بك منزل فتحول (1) # وقال سعد بن ناشب من بني مازن (2): [من الطويل] # سأغسل عني العار بالسيف جالبا ... علي قضاء الله ما كان جالبا (3) # استطراد: # ذكر في بعض الكتب المعتبرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~((العباد عباد الله، والبلاد بلاد الله، فأينما وجدت الخير فأقم واتق ~~الله)) (4). # البحتري (5): # ما أنصفت بغداد ms093 حين توحشت ... لنزيلها، وهي المحل الآنس # الشريف الرضي في بغداد (6): # مالي لا أرغب في بلدة ... يكثر فيها الدهر حسادي # ما الرزق في الكرخ مقيما ولا ... طوق العلى في جيد بغداد # وله (7): PageV01P242 # أبغداد مالي فيك نهلة شارب ... من العيش إلا والخطوب مزاجها # القاضي عبد الوهاب المالكي (1): [من البسيط] # بغداد دار لأهل المال طيبة ... وللمفاليس دار العكس والضيق # أقمت فيها مضاعا بين ساكنها ... كأنني مصحف في بيت زنديق (2) # ألغزي (3): ... [من البسيط] # مالي وللمكث في الزوراء تجحف بي ... من ألقح (4) العجز لم يفرح بما نتجا (5) # التهامي (6): ... [من البسيط] # كيف المقام بأرض لا يخاف بها ... ولا يرجى شبا رمحي ولا قلمي (7) # ابن شرف القيرواني (8): [من البسيط] PageV01P243 ~~وصير الأرض دارا والورى رجلا ... حتى ترى مقبلا في الناس مقبولا (1) # غيره (2): ... [من البسيط] # شرق وغرب تجد من غادر بدلا ... فالأرض من تربة والناس من رجل # أبو فراس الحمداني (3): [من البسيط] # من كان مثلي فالدنيا له وطن ... وكل قوم غدا فيهم عشائره # وما تمد له الأطناب في بلد ... إلا تضعضع باديه وحاضره # أبو الطيب (4): [من المنسرح] # إذا صديق نكرت جانبه ... لم تعيني في فراقه الحيل # أبو تمام (5): [78و] [من الوافر] # وما ربع القطيعة لي بربع ... ولا نادي الأذى مني بنادي # الصفدي (6): [من السريع] # تبا لها من بلدة لا أرى ... فيها مقامي واضح النهج # لأنها في وجه سكانها ... وأهلها تبصق بالثلج # أبو الطيب (7): [من الطويل] # غني عن الأوطان لا يستفزني ... إلى بلد سافرت عنه إياب # أبو الطيب (8): [من الطويل] # أخو همم رحالة لا تزال في ... نوى تقطع البيداء أو أقطع العمرا # ومن كان عزمي بين جنبيه حثه ... وخيل طول الأرض في عينه شبرا PageV01P244 ~~أخرى في كثرة الأسفار (1): [من البسيط] # كريشة في مهب الريح ساقطة ... لا تستقر على حال من القلق # القاضي عبد الوهاب (2): [من المنسرح] # أطال بين الديار ترحالي ... قصور مالي وطول (3) آمالي # إن بت (4) في بلدة مشيت إلى ... أخرى فما تستقر أجمالي # كأنني فكرة الموسوس ما ... تبقى مدى ساعة على حال # الأرجاني (5): ... [من الكامل] # وأخو الليالي ما يزال ms094 مراوحا ... ما بين أدهم خيلها والأشهب [78ظ] # فالأرض لي كرة أواصل ضربها ... وصو لجي أيدي المطايا اللعب # رجع: # النفس عند أهل التصوف (6): القلب يصير بحسب أطواره وأحواله أنفسا، ~~فبإعتبار ميله إلى الشهوات وأرادته لها يقال له: النفس الأمارة، وبإعتبار ~~ندامته على صدور ما لا يرضى يقال له: النفس المطمئنة، ولما ثبت عندهم أن ~~حالات القلب سبع جعلوا الأنفس كذلك (7)، هذا هو المشهور فيما بينهم، ~~وأنهاها بعض الأكابر إلى إحدى عشرة نفسا (8)، وبناها على حديث أم زرع (9) ~~المشهور فيما بينهم، وقد أستوعبها السيوطي في PageV01P245 ~~كتابه المحاضرات (1) فلتراجع. # وعند الحكماء تنقسم إلى: نباتية، وحيوانية، وإنسانية، أما النباتية فهي ~~قوة عديمة الشعور عند الأكثر، يصدر عنها حركات النبات في الأقطار المسماة ~~نموا، وأفعال مختلفة بآلات مختلفة ضرورة أن الواحد لا يصدر عنه أفاعيل ~~مختلفة، وهي كمال أول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يتولد ويزيد ويتغذى فقط، ~~ولها قوة غاذية، وهي التي تحيل جسما آخر إلى مشاكلة الجسم الذي هي، فتلصق ~~بدل ما يتحلل عنه بالحرارة، وهي التي تزيد في الجسم الذي فيه زيادة، وفي ~~أقطاره طولا وعرضا وعمقا إلى أن يبلغ كمال النشوء على تناسب طبيعي، وقوة ~~مولدة وهي التي تأحذ من الجسم الذي هي فيه، وتجعله مادة ومبدأ [76و] لمثله، ~~وتقف النامية عن الفعل حين كان كمال النشو، وتبقى الغاذية إلى أن تعجز، ~~فيعرض الموت. # وللغاذية خوادم أربع، وهي: الجاذبة، والماسكة، والهاضمة، والدافعة للثقل. # وأما الحيوانية: فهي كمال أول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يدرك الجزئيات ~~الجسمانية، ويتحرك بالأداة، ولها أيضا بإعتبار ما يخصها من الآثار: قوة ~~مدركة، وقوة محركة، أما المدركة فهي: أمذضا في الظاهر، وأما في الباطن، أما ~~التي في الظاهر فخمس: السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس. # وأما التي في الباطن فخمس أيضا: الحس المشترك، والخيال، والوهم، ~~والحافظة، والمتصرفة. # وأما المحركة فتنقسم الى: باعثة وفاعلة، أما الباعثة: فهي القوة التي إذا ~~ارتسم في الخيال صورة مطلوبة أو مهروبة عنها حملت القوة. # أما الفعلة على التحريك فإن حملتها على ms095 تحريك يطلب به الأشياء المتخيلة ~~لحصول اللذة يسمى قوة شهوانية، وان حملت على تحريك بدفع الشيء المتخيل طلبا ~~للغلبة يسمى قوة غضبية، وأما الفاعلة: فهي التي تعد العضلات بقبضها وبسطها ~~وتشنجها وإرخائها على التحرك، وأما الإنسانية فهي مختصة بالنفس الناطقة، ~~وهي كمال أول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يدرك الأمور الكلية والجزئية ~~المجردة، ويفعل الأفعال الفكرية والحدسية. ولها أيضا بإعتبار ما يخضها من ~~الآثار قوة عاقلة يدرك بها التصورات PageV01P246 ~~والتصديقات، وتسمى العقل النظري والقوة النظرية، وقوة عاملة تحرك بدن ~~الإنسان # إلى الأفعال الجزئية بالفكر والرؤية أو بالحدس على مقتضى أداء واعتقادات ~~تخصها، وتسمى العقل [79ظ] العملي والقوة العملية، والصحيح عندهم أن النفس ~~الناطقة حادثة مع حدوث الأبدان كما ذهب إليه آرسطو (1)، ومشى عليه الشيخ ~~الرئيس (2)، وعلى هذا أيضا أئمة المسلمين، من أراد تمام الإطلاع فعليه ~~بمراجعة المطولات (3). # قال الشنفرى: # 25 ... وأطوي على الخمص الحوايا كما انطوت خيوطة ماري تغار وتفتل # اللغة: أطوي من الطي ضد النشر، أو من طواه إذا أخفاه (4)، والظاهر أنه ~~المراد فيما نحن فيه (5) # الخمص: الجوع، ((والخمصة: الجوعة، وبطن من الأرض صغير لين الموطىء، ~~والمخمصة: المجاعة، وقد خمصه الجوع خمصا ومخمصة وخمص البطن مثلثة المييم: ~~خلا، والمخمص كمنزل: اسم طريق، وخميص الحشى: ضامر البطن، وهم خماص: جياع، ~~والخميصة: كساء أسود مربع له علمان (6)))، والمراد به هاهنا: الجوع، ~~((يقال: ليس للبطنة خير من خمصة تتبعها (7)، [والمخمصة: المجاعة (8)]، وهو ~~مصدر مثل المغضبة والمعتبة (9))). PageV01P247 # الحوايا: جمع حوية بفتح الحاء، وتشديد المثناة التحتية، وكسر الواو: ~~الأمعاء (1) الخيوطة: بالضم جمع خيط، وهو السلك (2). # الماري (3): بالراء المكسورة والمثناة التحتية المشددة: ((كساء صغير له ~~خيوط مرسلة، وإزار الساقي من الصوف المخطط (4))). # تغار: أي تفتل فتلا شديدا (5). # الإعراب: # الواو: عاطفة. # وأطوي: فعل مضارع معطوف على ما قبله، وفاعله ضمير المتكلم. # على الخمص: جار ومجرور متعلق به. # الحوايا: مفعوله، وشرطه أن يقع عليه فعل الفاعل عبارة حتى يدخل في قولك: ~~ما ضربت زيدا، تأمل. # كما: الكاف [80و] صفة مصدر محذوف، وما: مصدرية، والتقدير: انطوء # مثل ms096 انطواء، وتكون في غير هذا المحل: موصولة، ونافية، وعاملة عمل ليس ~~وتسمى حجازية، واستفهامية، ونكرة عامة بمعنى شيء، وتفصيل ذلك مذكور في ~~موضعه فليراجع (6). # نطوت: فعل ماض والتاء علامة التأنيث، وما وصلتها محلها الجر بالكاف كما ~~أولناه فتذكر. # خيوطه: فاعل انطوى مضاف إلى ماري. # وتغار: فعل مضارع مبني للمجهول، وفاعله ضمير يعود الى خيوطة PageV01P248 ~~وتفتل: معطوفة عليه، وحكمها حكمها أي: تغار تلك الخيوطة وتفتل أيضا. # المعنى: # وأطوي أمعائي على الجوع فأخفيه، فتطوى مثل انطواء الخيوطة المفتولة من ~~هذا الكساء المعروف، وأقتات صبرا لم يكن من الناس من به موصوف. # ((وفي كلامه مبالغة في دقة أمعائه، وما بذاك بسهل حتى كأنها خيوطة ~~مفتولة أشد الفتل، وهو في ذاته دقيق، فإذا كان مفتولا إزداد خفاؤه ولا يرى ~~له مطيق، وهذه الحالة لا تكون إلا إذا كانت خالية من الطعام، موالفة ~~للفيافي والآجام، وفيه مبالغة أخرى في إخفاء الجوع، لأن باطن المفتول مخفي ~~فإذا فتل صار أخفى (1) # تكميل: # كون الكاف صفة مصدر محذوف، فليس هو مصدر للمذكور، بل لمطاوعة المصدر ~~فكأنه قال: أطوي أمعائي فتنطوي انطواء كما ذكرنا، والمطاوعة قبول الأثر ~~[80ظ] كقولك: كسرته فانكسر أي: قبل الكسر، كما هو مذكور في كتب التصريف. # استطراد: # ومن أعجب أمور الدنيا، ومعاملتها لذوي المجد ونفرتها عنهم، حتى أن هذا ~~النجيب يصف أمعائه بأنها كالخيوط المغارة المفتولة من شدة الصبر على الجوع، ~~ونظير هذا أن الطغرائي كان منشئا للسلطان محمد (2)، وصاحب ديوان الطغرا ~~(3)، وله يد في الكيمياء وحل رموزها، ومع هذا يقول (4): [من البسيط] # أريد بسطة كف أستعين بها ... على أداء حقوق للعلى قبلي # والظاهر على ما نقل أصحاب التواريخ عنه (5)، ((أنه كان يعرفها علما لا ~~عملا أو علما أو علما وعملا، ولكن الأيام ما ساعدته على التمكن من عملها ~~حتى يبرزها من PageV01P249 ~~القوة (1) إلى الفعل، لأنه قال (2): [من الطويل] # ومن أعجب (3) الأشياء أني واقف ... على الكنز من يظفر به فهو مبخوت # وإن كنوز الأرض شرقا ومغربا ... مقاليدها عندي ويعجزني القوت # ولولا ملوك الجور أصبحت والحصا ms097 ... بكفي إذا مسته در وياقوت (4))) # وقال الآخر (5): [من الوافر] # أليس من العجائب أن مثلي ... يرى ما هان مختفيا عليه # وتؤمل باسمه الدنيا جميعا ... وما من ذاك شيء في يديه (6) # وقال أمرؤ القيس (7): [من الوافر] # لقد طوفت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب [81و] # وقال الزمخشري (8): [من الطويل] # شكوت الى الأيام سوء صنيعها ... فمن عجبي شاك تشكى إلى مشكي # فما زادت الأيام إلا شكاية ... وما زالت الأيام تشكى ولا تشكي # وقال أيضا: ... [من الطويل] # وأخرني دهري وقدم معشرا ... لأنهم لا يعلمون وأعلم # فمذ أفلح الجهال أعلم أنني ... أنا الميم والأيام أفلح أعلم PageV01P250 ~~وأفلح هنا مشقوق الشفة السفلى، وأعلم مشقوق الشفة العليا، فإذا كانت الأيام ~~كذلك فلا يمكن نطقها به، وهذه كناية عن عدم صفو الأيام مع ذوي العلم. وقد ~~قال زين العابدين (1) علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى ~~عنهم أجمعين: [من الطويل] # عتبت على الدنيا فقلت إلى متى ... أكابد فقرا بأسه ليس ينجلي # فقالت: نعم يا ابن الحسين رميتكم ... بسهم عناد حين طلقتني علي (2) # وفيه إشارة إلى ما ثبت أن عليا - رضي الله عنه- خاطبها يوما، هو مخيل أن ~~لها شخصا، حين دخل على بيت المال، وكان ملآنا: يا دنيا غري غيري أني طلقتك ~~ثلاثا لا رجعة لي فيك، فأنفق جميع ما في بيت المال على مستحقيه، وكنسه ونام ~~فيه (3). # وقيل: إنها خيلت لعيسى _ على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام _ في صورة ~~كلب وإذا جبهتها، وذنبها (81ظ) مهلوسان، والدم يقطر منهما، فقال لها: ما ~~هذه الحالة؟ قالت يا رسول الله إذا مررت على مثلك لطمني على جبهتي، ولم ~~يعتن بي، وإذا مررت على احد أبنائي أسرع إلي فأهرب منه، فلم تظفر كفه إلا ~~بذنبي، فانزعه من يده بعنف، فصار حالها إلى ماترى، فانا بين لاطم وماسك. # ولله در الصفدي (4) حيث يقول: [من الطويل] # وقائلة فيما اجتهادك للعلى ... وقد رقدت للحظ منك عيون # فقلت لها والله مالي حاجة ... لتحصيل دنيا فالأمور تهون # ولكن حقوقا للعلى ms098 قد ترتبت ... على ذمتي مفروضة وديون # فلو وجدت كفي لبرئة ساحتي ... وكنت أريك الجود كيف يكون PageV01P251 ~~وقال الفاضل العلامة السويدي (1) (رح) من أبيات مضمنا البيت الأخير: ... ~~[من الطويل] # ولامت سليمى حيث قالت أقاعدا ... وقد نال سؤلا شاني وشموت # فقلت لها كفى فما ذي ملامة ... وحسبي من الدنيا الدنية قوت # (وما تنفع الآمال والعلم والحجا ... وصاحبها عند الكمال يموت) (2) # وقال الوزير سهل (3): [من الطويل] # ولكنما أبكي بعين سخينة ... على حدث تبكي له أمثالي # وما الفضل إلا أن تجود بنائل ... وإلا لقاء الخل ذي الخلق العالي # فوا حسرتي حتى متى أنا موجع ... بفقد خليل أو تعذر أفضالي [82و] # فراق خليل لا يقوم به الأسى ... وخلة حر لا يقوم بها مالي (4) # وقال الشنفرى: # 26 ... وأغدو على القوت الزهيد كما غدا أزل تهاداه التنائف أطحل # اللغة: # أغدو: بالغين المعجمة ضد الرواح. # القوت: بضم القاف الاسم من ((قات أهله يقوتهم قوتا وقياتة، وهو ما يقوم ~~به بدن الإنسان من الطعام، يقال: ما عنده قوت ليلة، وقيت ليلة، فلما كسرت ~~القاف صارت الواو ياء، وقته فاقتات، كما تقول: رزقته فارتزق، وهو في قائت ~~من العيش، أي في كفاية، واستقاته: سأله القوت، وفلان يتقوت بكذا، وأقتت ~~لنارك قيتة أي: PageV01P252 # أطعمها الحطب، قال ذو الرمة (1)، شعرا: ... [من الطويل] # فقلت له (2) ارفعها إليك وأحيها ... بروحك واقتته لها قيتة قدرا (3))) # الزهيد بفتح الزاء ((القليل)) يقال رجل زهيد الأكل، وواد زهيد: قليل ~~الاخذ للماء (4)، ويقال: خذ زهد ما يكفيك، أي: قدر ما يكفيك، وفلان يزدهد ~~(5) عطاء فلان، أي: يعده زهيدا قليلا، وأرض زهاد أي: لا تسيل عن مطر كثير، ~~والمزهد: القليل المال، وفي الحديث: ((أفضل الناس مؤمن مزهد (6))) وقال ~~الأعشى (7): ... [من المتقارب] # فلن يطلبوا سرها للغنى ... ولن يتركوها لإزهادها # الأزل: بفتح الهمزة والزاء: الذئب الأرسح، وهو خفيف الوركين [82ظ] وكل ~~ذئب أزل، فهي صفة لازمة، كما يقال للضبع: عرجاء (8)، وفي المثل: ((هو اسمع ~~من الذئب الأزل)) (9) # تهاداه: من ((التهادي: وهو إن يهدي بعضهم إلى بعض)) (10). # التنائف: بفتح المثناة الفوقية والنون جمع ms099 تنوفة، وهي ((المفازة، أو ~~الأرض الواسعة البعيدة الأطراف، أو الفلاة التي لا ماء فيها ولا أنيس، وإن ~~كانت معشبة)) (11) ((وكذلك التنوفية، كما قالوا: دو ودوية لأنها أرض مثلها PageV01P253 ~~فنسب (1) إليها)) قال ابن أحمر (2): [من السريع] # كم دون ليلى من تنوفية ... لماعة تنذر فيها النذر (3) # الأطحل: بفتح الهمزة، وسكون الطاء المهملة من ((الطلحة، وهي لون بين ~~الغبرة والبياض، ورماد أطحل، وشراب أطحل، إذا لم يكن صافيا (4)))، ((وذئب ~~أطحل وشاة طحلاء (5)))، ((ويقال: فرس أخضر أطحل، للذي يعلو خضرته قليل صفرة (6))) # الإعراب: # وأغدو: الواو عاطفة، وأغدو: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ~~الواو للإستثقال، وفاعله ضمير المتكلم. # على القوت: جار ومجرور متعلق به. # الزهيد: نعت له. # كما: الكاف صفة مصدر محذوف، وما مصدرية، والتقدير: أغدو غدوا مثل غدو الأزل. # غدا: فعل ماض. # والأزل: فاعل غدا، والجملة مع ما في تأويل مصدر مجرور بالكاف كما في قوله ~~(7) [من الخفيف] # جلبوها مثل المها تتهادى ... بين خمس كواعب أتراب [83و] # ثم قالوا: تحبها قلت بهرا ... عدد الرمل والحصى والتراب # تهاداه: فعل ومفعوله، وأصله تتهاداه فخففت إحدى التآئين، ويجوز كونه فعلا ماضيا PageV01P254 ~~وحينئذ لا حذف (1) # التنائف: فاعله. # وأطحل: صفة لأزل. # المعنى (2): # أذهب وأغدو على القوت القليل، في حالة طلب الأمر الجليل، ذهابا مثل ذهاب ~~الذئب الأرسح الذي تتقاذفه الفلوات، وهو يسير، وتترامى به المفاوز البعيدة ~~التي لا ماء فيها ولا أنيس، وذلك عنده يسير. # تكميل (3): # النكتة في اختياره التشبيه بالأزل دون غيره من الذئاب، لأنه أصبر على ~~الجوع حتى أنه ليقتات بالنسيم، وأما اختيار الغدو على الرواح، فهو لضيق ~~المعاش فيه، لأن الليل يعقبه بخلاف الغدو فإنه يعقبه العشي، وكلاهما من ~~النهار لكونهما طرفاه، والمعاش ميسر في النهار عادة دون الليل. واختار وصف ~~ما شبه نفسه به من الذئاب الأزل دون غيرها من أوصاف الذئب للمناسبة بينهما ~~فتأمل. والمراد من تهادي التنائف إياه، أن الفلوات لسعتها وعرض أرجائها ~~تأخذ به تارة يمينا، وتارة شمالا، وتارة خلفا، وتارة أماما، فكأنها تعطيه ~~هدية بعضها لبعض (4)، ويقرب من ms100 هذا المعنى قول شيخنا (5) من أبيات: ... [من ~~البسيط] # (كأنما هو من حل ومرتحل) ... أكل السباسب تلقيه وتبلعه # وهذا معنى قولهم ترامت به الفلوات [83ظ] والأقطار، وتقاذفته المهامة ~~والقفار)). # وفي الكلام استعارة تبعية (6)، وهي تجري في المشتقات تبعا لجريانها في ~~المصادر، PageV01P255 ~~كقوله تعالى: {ذق إنك أنت العزيز الكريم ... } (1)،حيث استعيرت العزة للذلة ~~على طريق الاستهزاء والسخرية، واشتق من الأول العزيز، ومن الثاني الذليل، ~~واستعير الأول للثاني استعارة مصرحة، وسبب جعلها تبعية في المشتقات، لكونها ~~مشتملة على النسبة، وهي غير مستقلة، وما اشتمل على غير المستقل، غير مستقل. # وقال السيد (2) - قدس الله سره:- ((فإن قلت: هل تجري في نسب الأفعال تبعا ~~على قياس الحروف، قلت: لا، لأن مطلق النسبة لم تشتهر بمعنى يصح لأن يجعل ~~وجه الشبه في الاستعارة بخلاف متعلقات الحروف فإن لها أنواع مخصوصة لها ~~أحوال مشهورة، واعلم أن التعبير عن الماضي بالمضارع وعكسه من باب الاستعارة ~~بأن يشبه غير الحاصل في تحقق الوقوع به، ويشبه الماضي بالحاضر في كونه نصب ~~العين واجب المشاهدة، ثم يستعار لفظ أحدها للآخر، فعلى هذا تكون الاستعارة ~~في الفعل على قسمين: أحدهما أنه يشبه الضرب الشديد مثلا: بالقتل، ويستعار ~~له اسمه ثم يشتق منه قتل بمعنى ضرب ضربا شديدا، والثاني أن يشبه في ~~المستقبل بالضرب في الماضي في تحقق الوقوع فيستعمل فيه ضرب، فيكون المعنى ~~المصدري اعني: الضرب موجودا في كل واحد من المشبه والمشبه به [84و] لكنه ~~قيد في كل واحد منها بقيد مغاير قيد الآخر؛ فصح التشبيه لذلك انتهى كلامه (3). # قال الفاضل الرومي (4): وفيه بحث، ولم نذكر إيراده والجواب عنه خشية ~~الإطناب المخل إذ لا طائل تحته، ولعصام أيضا في ترجيح كلام العضد (5) PageV01P256 ~~على أن الاستعارة يجوز جريانها في نسب الأفعال على كلام السيد خرافات لا ~~يقول بها عاقل فضلا عن فاضل قد بسطها مع ردها شيخنا في شرح رسالة والده في ~~الاستعارات (1)، واستدل عضد الملة والدين على جريانها بالنسبة: بهزم الأمير ~~الجند (2)، وذلك مردود بأنه إن كان مسوقا مساق الدليل فعليه منع ms101 ظاهر، وما ~~ذكره عصام من تأييد كلام العلامة فلا يلتفت إليه. # تنبيه: # قال الخطيب (3): أنكر السكاكي (4) التبعية بردها الى المكنية في: نطقت ~~الحال، أن الحال مشبهة بالرجل، وأن إثبات النطق تخييل، وليس كما ادعاه، إذ ~~السكاكي جوز ذلك، ولا يلزم من تجويزه الرد الى المكنية، وقد رد السكاكي ~~أيضا في جواز الرد بما في موضعه فليرجع (5). # قال الشنفرى: # 27 ... غدا طاويا يستعرض الريح هافيا يخوت بإذناب الشعاب ويعسل PageV01P257 ~~اللغة: # طاويا: اسم فاعل من ((طوى بالكسر ويطوى طوى (1) فهو طاو وطيان (2))) وهو ~~الذي لم يأكل شيئا ((والطوى بالفتح: الجوع)) (3). # يستعرض: أي يتصدى لمقابلة الريح، والاستعراض التصدي، كقول لبيد وكيل تبع ~~[84ظ] ربيعة، يرثى كليب بن ربيعة (4): # إني أرى كليبا يستعرض صفحته الملوك # هافيا: اسم فاعل من الهفا، وهو الجوع، يقال: رجل هاف أي جائع، والهفو ~~أيضا الإسراع (5)، والثاني أليق بهذا الكلام للزوم الأول التكرار (6). # يخوت: مضارع ((خات البازي واختات انقض على الصيد، كأنخات، والرجل ماله ~~تنقصه كتخوته، والخائتة: العقاب إذا اتخاتت، والخوات دوي جناح العقاب أو ~~صوت الرعد والسيل، وبالتشديد الرجل الجري، والذي يأكل كل ساعة ولا يكثر، ~~وخات الرجل نقص عهده وأخلف وعده، واختات الشاة ختلها فسرقها (7))) وقيل: ~~بالحاء المهملة فيكون من حات الطائر يحوت أي: حام حول الشيء (8). # الأذناب: بفتح الهمزة وسكون الذال المعجمة جمع ذنب: مؤخر الشيء، يقال: ~~((ذنب الفرس والبعير (9)، وذنابهما (10))) والمراد هنا: الطرف (11). PageV01P258 # الشعاب: جمع شعب: ((والتفريق، والإصلاح، والإفساد، والصدع، والتعرق، ~~والقبيلة العظيمة، والجبل، والبعد، والبعيد، وبطن من همدان، وبالكسر: ~~الطريق في الجبل، ومسيل الماء في بطن الأرض، أو ما انفرج بين الجبلين، وسمة ~~للإبل، وهو مشعوب)) (1). # يغسل: بفتح أوله وكسر ثالثه مضارع ((عسل الذئب عسلا وعسلانا إذا أعنق (2) ~~وأسرع)) (3). # الإعراب:- # غدا: فعل ماض، وفاعله يعود الى الأزل. # طاويا: حال من الضمير. # يستعرض: فعل مضارع مرفوع لتجرده عن [85و] الناصب والجازم، وعلامة رفعه ضم ~~آخره، وفاعله ضمير الأزل. # الريح: مفعول به، والجملة كالمفسرة، ولا يصح كونها حالا لوجوب تجريد ~~الجملة الحالية عن علم الاستقبال (4)، ويمكن جعل السن ms102 لمجرد التأكيد، خالية ~~عن الاستقبال فيصح جعلها حالا ثانية (5). # وهافيا: حال ثالث، فتكون مترادفة، ويجوز جعلها حالا من الضمير الذي في ~~الفعل قبلها فتكون متداخلة (6). # يخوت: فعل مضارع، وفاعله ضمير الأزل، والجملة حال رابعة على الأول، ~~وثالثة، وثانية، على تخالف الاعتبارات المتقدمة، ويجب في مثل هذا الحال ~~ربطها بالضمير دون الواو، وتفصيله مذكور في موضعه من كتب النحو فليراجع (7). PageV01P259 # بأذناب: جار ومجرور متعلق بالفعل الذي قبله مضاف الى الشعاب. # ويعسل: مضارع معطوف على ما قبله وحكمه حكمه. # المعنى: # إن وصف هذا الذئب الذي شبه عدوه بعدوه على القوت القليل في حالة صبره على ~~الجوع ومشابهة فعله، فقال: هذا الذئب الأزل وقت العدو طاويا لم يأكل شيئا ~~يتصدى حالة جوعه لمعارضة الريح، ولم يبق ثاويا لأنه كما قيل يقتات بالنسيم ~~(1)، فيجي ويسرع في شعب الجبال طالبا في أكله بلوغ الآمال. # تتمة: # فيما ذكر إشعار في ترجيح صبره على الجوع، على صبر هذا الذئب، لأنه قد ~~يقتات ويتسلى عن الأكل بالنسيم، وأنه لا يقتات سوى إماتة الجوع، ومع [85ظ] ~~أن الذئب لا يكفيه ذلك الاقتيات، بل يسرع في أطراف الشعاب طالبا الشيء ~~يأكله والشنفرى لخلافه في ذلك إذ لا تسلية له عن الجوع إلا المماطلة ~~للإماتة كما تقدم، ومع ذلك لا يتقبل الإسراع في السير في طرق الجبال لأجل ~~الأكل (2). # استطرد: # ((يسمى الخاطف، والسيد، وذؤالة، والسرحان، والعملس، والسلق والانثى سلقة، ~~والسمام، وكنيته: أبو مذقة، لان لونه كذلك، قال الشاعر (3): ... [من الرجز] # حتى إذا جن الظلام واختلط ... جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط # ومن كناه الشهيرة: أبو جعدة، قال عبيد بن الأبرص (4) للمنذر بن ماء ~~السماء ملك الحيرة حيث أراد قتله: [من المتقارب] PageV01P260 ~~وقالوا هي الخمر تكنى الطلا ... كما الذئب يكنى أبا جعدة (1) # ضربه مثلا (2): أي تظهر لي الإكرام وأنت تريد قتلي، كما أن الذئب، وان ~~كانت كنيته حسنة فإن فعله قبيح، وكذلك الخمر وإن سميت طلاء وحسن اسمها فان ~~عملها وفعلها قبيح، والجعدة في اللغة: الشاة، وقيل نبتة طيبة الرائحة تنبت ~~في ms103 الربيع، وتجف سريعا، وسئل عبد الله بن الزبير (3) -رضي الله عنهما- عن ~~المتعة فقال: الذئب يكنى أبا جعدة (4) فتأمل)) (5). # ((ومن أسمائه الشهيرة: أوبس مصفرا ككميت، قال الهذلي (6): [من الرجز] # يا ليت شعري ما الذي عنك عمم ... ما فعل اليوم أويس في الغنم # ومن أوصافه: الغبش، وهو لون كلون الرماد، يقال: ذئب أغبش وذئبة [86و] غبشاء. # وقد روى الإمام أحمد (7)، وأبو يعلى الموصلي (8) وعبد الباقي بن قانع (9): PageV01P261 # أن الأعشى الشاعر المازني الحرمازي (1)، واسمه عبد الله بن الأعور (2) كانت ~~عنده امرأة يقال لها: معاذة، فخرج في شهر رجب يمير أهله من هجر (3) فهربت ~~امرأته ناشزا عليه فعادت برجل منهم [يقال له] (4): مطرف بن نهصل (5) بن كعب ~~بن قميح بن دلف بن أهصم بن عبد الله بن الحرماز، فجعلها خلف ظهره، فلما قدم ~~لم يجدها في بيته، وأخبر بخبرها، فطلب[ها] منه، فلم يدفعها إليه، وكان مطرف ~~أعز منه في قومه، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فعاذ به وانشأ يقول ~~(6): [من الرجز] # يا سيد الناس وديان العرب ... أشكو إليك ذربة من الذرب # كالذئبة الغبشاء في ظل السرب ... خرجت أبغيها الطعام في رحب # فخلفتني نزاع وهرب ... وقذفتني بين عيص مؤتشب # أخلفت العهد ولطن بالذنب ... وهن شر غالب لمن غلب # فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ((وهن شر غالب لمن غلب)) (7)، وكنى عن ~~فسادها وخيانتها بالذربة، وأصله من ذرب المعدة، وهو فسادها وقيل: أراد ~~سلاطة لسانها، وفساد منطقها، يقال: ذرب لسانه إذا كان حاد اللسان، أي: لا ~~يبالي بما يقول. # وكان الأعشى المذكور شكا [إلى] (8) النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأته ~~وماصنعت وأنها عند رجل منهم يقال له: مطرف، فكتب إليه - صلى الله عليه وسلم -: PageV01P262 # بأن انظر امرأة هذا معاذة، فأدفعها إليه، فأتاه [86ظ] بكتابه (- صلى الله ~~عليه وسلم -) فقرأه عليه، فقال لها يامعاذة: هذا كتاب رسول الله (- صلى ~~الله عليه وسلم -) فيك، وأنا دافعك إليه، فقالت: خذ لي العهد والميثاق وذمة ~~النبي (- صلى الله عليه وسلم -) إن لا يعاقبني فيما صنعت، فأخذ لها ذلك، ~~ودفعها ms104 مطرف إليه، فأنشأ يقول (1): ... [من الطويل] # فوالله ما حبي معاذة بالذي ... يغيره الواشي ولا قدم العهد # ولا سوء ما جاءت به إذ أزلها ... غواة رجال إذ يناجونها بعدي # وقال الزمخشرى في تفسيره قوله تعالى { ... إن كيدكن عظيم} (2) استعظم كيد ~~النساء، لأنه وان كان في الرجال الا أن النساء ألطف كيدا، وأنفذ حيلة، ولهن ~~في ذلك رفق، وبذلك يغلبن الرجال، ومنه قوله تعالى {ومن شر النفاثات في ~~العقد} (3) وعن بعض العلماء (4) أنه قال ((أنا أخاف من النساء أكثر مما ~~أخاف من الشيطان، لآن الله تعالى قال: {إن كيد الشيطان كان ضعيفا} (5) وقال ~~في النساء { ... إن كيدكن عظيم} (6) # وفيه تأمل لاحتمال إن يكون ضعف كيد الشيطان لكونه ليس من الجنس بخلافهن، ~~ولذلك اتخذهن حبائل كما قيل (7)، ولكون كيده خاصا بدليل قوله تعالى {إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان ... } بخلاف كيدهن فانه عظيم. # قال الشنفرى: # 28 ... فلما لواه القوت من حيث أمه ... دعا فأجابته نظائر نحل PageV01P263 ~~اللغة: # لواه: من اللي أي: فتله وثناه (1)، ولوى الرجل رأسه، وألوى [87و] برأسه ~~أماله وأعرض (2). # أمه: قصده كائتمه وأممه، والتيمم التوضؤ بالتراب أبدلت همزته ميما، وأصله ~~التأمم، والمئم: بكسر الميم الدليل والهادي، والجمل يقدم الجمال (3). # دعا: أي نادى (4). # فأجابته: أي ساعفته على ندائه. # نظائر (5): جمع نظير، وهو ((المثل، والنظرة: العيب، والهيئة، وسوء ~~الهيئة، وشحوب في الوجه، والطائف من الجن)) (6). # نحل: بضم النون، وفتح الحاء المهملة المشددة جمع ناحل، كركع جمع راكع، من ~~النحول (7). # الإعراب: # فلما: الفاء تفريعية، لما حرف بمعنى حين، وليس باسم، بل هو مفيد معنى حين ~~على ما صححه ابن هشام في شرحه للقطر (8). # لواه: فعل ماض، ومفعول به. # القوت: فاعل. PageV01P264 # من حيث: جار ومجرور متعلق بلوى، ويجوز فيها تسع لغات: بتثليث الثاء مع ~~الياء، والواو والألف، بل عشرة لغات إن ثبتت: حاثت (1)، ولم يرد إضافتها ~~إلى مفرد إلا شاذا، كقول الشاعر (2): ... [من الرجز] # أما ترى حيث سهيل طالعا ... نجما يضئ كالهلال لامعا # أمه: فعل ماض، وفاعله الضمير المستتر. # دعا: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر ms105 تقديره: هو. # فأجابته: الفاء عاطفة وأجاب فعل ماض، والتاء الساكنة علامة التأنيث، ~~والضمير البارز مفعوله. # ونظائر: فاعله. # ونحل: صفة الفاعل. # المعنى: # لما أعرض عنه القوت من الجهة التي قصده فيها، وأعياه التوصل ناداها، وما ~~ذكره كناية عن عدم الوصول [87ظ] إليه، واستشعار بعدم الحصول لديه، فعند ذلك ~~عوى داعيا الذئاب ليساعدوه (3)، وهذه عادة الذئاب إذا عوى واحد من كد الجوع ~~له، يجتمعون عليه لينصروه، فيقف بعضهم عند بعض، ويستديرون كالحلقة، فمن ولى ~~منهم حالة استدارتهم، وثب الجميع عليه، فيأكلوه (4). # تنبيه: # ما ذكره يفيد حسن صبره، وأنه أقدر على الجوع من الذئب، لأنه إذا لم يجد ~~القوت عيل صبره، واستغاث بأمثاله بطلب المساعدة على عجزه عن إدراك ما يقتات ~~به، ولو بالشكاية والتأسي (5). PageV01P265 # استطراد: # ((من غريب أمر الذئب انه متى وطئ ورق العنصل (1)، مات من ساعته، ومن عظيم ~~عداوته للغنم ما ذكر انه إذا اجتمع جلد شاة مع جلد ذئب تمعط جلد الشاة (2)، ~~وإذا عرض للإنسان، وخاف العجز عنه عوى مثل عوائه لطلب المساعفة المتقدمة، ~~فتسمعه الذئاب، فتقبل الى الانسان إقبالا واحدا، وهم سواء في الحرص على ~~أكله، فان أدمى الإنسان واحدا منهم، وثب الباقون على المدمي فمزقوه وتركوا ~~الإنسان، وقد قال بعض الشعراء يعاتب صديقا له، وكان قد اعان عليه في أمر ~~نزل به (3): [من الطويل] # وكنت كذئب السوء لما رأى دما ... بصاحبه يوما أحال على الدم # ومما ذكره ابن خلكان في تأريخه (4) في باب عمر بن أبي ربيعة المخزومي، ~~أنه بينما هو يطوف بالبيت، إذ رأى امرأة تطوف أيضا، فأعجبته [88و] وكان ~~مغرما في حب النساء، فسأل عنها، فقيل له: من أهل البصرة، فكلمها مرارا، فلم ~~تلتفت إليه، وقالت: إليك عني، فإنك في حرم الله تعالى، وفي موضع عظيم ~~الحرمة، فلما ألح عليها، ومنعها من الطواف، أتت محرما لها، وقالت له: تعال ~~معي أرني المناسك، فحضر معها، فلما رآه عمر عدل عنها، فتمثلت بشعر الزبرقان ~~بن بدر السعدي (5): ... [من البسيط] # تعدو الذئاب على من لا كلاب له ... وتتقي مربض ms106 المستأسد الضاري # فبلغ خبرها المنصور (6)، فقال: ((وددت أنه لم تبق فتاة في خدرها الا ~~سمعته))، وكانت ولادة عمر بن أبي ربيعة في الليلة التي قتل فيها عمر بن ~~الخطاب (- رضي الله عنه -) فكان الحسن البصري (7) يقول -إذا جرى ذكر ~~ولادته-: أي حق رفع وأي باطل وضع)) وغزا في البحر فأحرقت السفينة التي ~~فيها، فأحترق (8). PageV01P266 # وخبر أشعاره، وحسن معاشرته للنساء كثيرة، وأردنا أن نذكر طرفا من شعره، ~~فمنه هذه القصيدة التي يقول فيها (1): ... [من الكامل] # نعق الغراب ببين ذات الدملج ... ليت الغراب ببينها لم يزعج # نعق الغراب ودق عظم جناحه ... وذرت به الارياح بحر السمهج # ما زلت اتبعهم لا سمع حدوهم ... حتى دخلت على ربيبة هودج # نظرت إلي بعين ريم أكحل ... عمدا وردت عنك دعوة عوهج # فنظرت منها حسن صورة وجهها ... وبدت علي كما الغزال الادعج (2) # فسمعت رنه حجلها ووشاحها (3) ... وبريمها وسوارها والدملج [88ظ] # فظلت في أمر الهوى تحيزا ... من حر نار بالحشا متوهج # وله في رملة أخت عبد الملك بن مروان (4): [من الطويل] # بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها، وأما عبد شمس وهاشم # وله أيضا فيها (5): [من الطويل] # ولولا مخاف الناس والعار والحيا ... لعانقتها بين الحطيم وزمزم # فائدة: # الأسد والذئب يختلفان في الجوع والصبر عليه، وان كان صبرهما لا يوجد في ~~غيرهما من الحيوانات، فالأسد شديد النهم حريص- ومع ذلك يحتمل إن يبقى أياما ~~لا يأكل شيئا -، والذئب وان كان أقفر منزلا، واقل خصبا وأكثر كدا، وقد ~~يكتفي بالنسيم إذا لم يجد ما يقتات به، الا انه لا يصبر ذلك الصبر -كما ~~تقدم ذكره-، ولا يعود الى فريسة شبع منها مرة بخلاف الذئب (6). PageV01P267 # ((ومن عجيب أمور الذئب إذا نام غمض إحدى عينيه حتى تقضي وطرها من النوم، ~~فيغمض الأخرى، ويفتح الأولى، قال حميد (1) شعرا: [من الطويل] # ونمت كنوم الذئب عن ذي حفيظة ... أكلت عظاما دونه وهو جائع # ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع (2) # وهو أكثر الحيوان عواء إذا كان مرسلا، فإذا أخذ وضرب بالعصي والسيوف حتى ~~يتقطع، ولم ms107 يسمع له صوت الى إن يموت، وفيه من قوة حاسة الشم، قيل: إنه يدرك ~~المشموم من مقدار فرسخ (3)، وأكثر [ما] يتعرض للغنم في الصبح، فيتوقع [89و] ~~فترة الكلب ونومه وكلاله، لآنه يظل طول ليلة حارسا لا ينام)) (4) # قال الشنفرى: # 29 ... مهللة شيب الوجوه كأنها ... قداح بكفي ياسر تتقلقل # اللغة: # مهللة ((أي دقيقة الخلق كأنها أهلت في الدقة، ومثل ذلك يعد من الغريب)) ~~(5)، كما في بيت العجاج (6): [من الرجز] # أزمان أبدت واضحا مفلجا ... أغر براقا وطرفا أبرجا # ومقلة وحاجبا مزحجا ... وفاحما ومرسنا ومسرجا # الوحشي الغير المأنوس الاستعمال ((وذلك أن التفعيل يجيء بمعنى النسبة الى ~~أصله ك ((المتمم)) و((المنزر)) أي: المنسوب الى تميم، والى نزار، فالمهللة ~~بمعنى المنسوب الى الهلال بالمشابهة، وهو اسم مفعول من هللته بمعنى نسبته ~~الى الهلال، كالمتمم والمنزر من تممته ونزرته، بمعنى النسبة هذا توجيه ~~التخري، وأما توجيه البعد عن الاستعمال فلأنه لا يتبادر من نسبته الى ~~الهلال بالمشابهة، وهو اسم مفعول PageV01P268 ~~من هللته بمعنى نسبته الى الهلال، كالمتمم والمنزر من تممته ونزرته، بمعنى ~~النسبة هذا توجيه التخريج، وإما توجيه البعد عن الاستعمال فلأنه لا يتبادر ~~من نسبته الى الهلال معنى مشابهته له، وأيضا الغالب الشائع أن يكون المنسوب ~~إليه مصدرا ثلاثيا لهذا الفصل، ككفرته وفسقته، أي: نسبته الى الفسق والكفر، ~~وهنا ليس كذلك)) (1). # وقيل في بيت العجاج: أن ((مسرجا)) ليست نسبة الى السيف السريحي، بل هو ~~اسم مفعول من سرج الله وجهه، أي: حسنه وبهجه، وفيه كلام طويل محله المطولات (2). # شيب: ((بالكسر سير السوط، جبل [89ظ] وحكاية أصوات مشافر الإبل، والشيب ~~أيضا جمع أشيب)) (3) وهو المبيض الرأس، وظاهر أن المراد المعنى الأخير ها هنا. # القداح: جمع قدح بكسر فسكون، السهم أن يراش وينصل ويجمع على أقدح ~~وأقاديح، والقدح بفتح القاف والدال آنية تروي الرجلين (4). # ياسر: وهو اللاعب بقداح الميسر، وقد تياسروا وأيسروا (5). # تتقلقل: بتائين مفتوحتين وقافين كذلك، أي: تتحرك وتضطرب (6)، وفي نسخة ~~مهللة شيب كأن وجوها قداح، والأول أولى كما يظهر بالتأمل (7) # الإعراب: # مهللة: بالرفع أما نعت ms108 ثان أو خبر مبتدأ محذوف، وبالنصب على الحال من ~~النكرة لوصفها (8)، فجواز الوصفية والحال، نظير جملة ((يحمل أسفارا)) من ~~قوله تعالى { ... كمثل الحمار يحمل أسفارا} (9). PageV01P269 # بكفي: جار ومجرور وعلامة جره الياء، والنون محذوفة للإضافة إلى ياسر. # يتقلقل: فعل مضارع مرفوع، والجملة محلها الرفع على أنها صفة. # المعنى: # إن هذه الذئاب كالأهلة في النحول والضمور، قاصرة على إدراك الصوت بالسعي ~~والنشور، ووصفها ببياض الوجوه: إما على المجاز عن التلأليء من الفرح ~~والسرور لظنها أن الذئب إنما دعاهن لفريسة يحصل بصيدها لهن [90و] الحبور، ~~فتأتي متحركة مضطربة مسرعة كأنها في يد لاعب ينازعها، وذلك السرور والحبور ~~لما في البيت السابق استطرناه في المنشور، ويحتمل تشبيهها بالقداح لنحولهن ~~ودقتهن من المجاع، فيكون تأكيدا لما قبله (1)، وليس فيه نزاع، فتأمل كلا ~~الاحتمالين لئلا تقع منه في حين ومين (2). # استطراد: # روى البيهقي (3) في شعبه (4) عن الأصمعي، قال: دخلت البادية فإذا أنا ~~بعجوز بين يديها شاة مقتولة وجرو ذئب مقع، فنظرت إليها، فقالت: أتدري ما ~~هذا؟ قلت: لا قالت: هذا جرو ذئب أخذناه، وأدخلنا بيتنا، فلما كبر قتل ~~شاتنا، فقد قلت في ذلك شعرا، قلت لها: ما هو؟ فأنشدته: [من الوافر] # بقرت شويهتي وفجعت قوما ... وأنت لشاتنا ولد ربيب # غذيت بدرها وربيت فينا ... فمن أنباك أن أباك ذيب # إذا كإن الطباع طباع سوء ... فليس بنافع فيها الأديب # وهو إذا طمع الإنسان فيه خافه، وإذا خافه الإنسان طمع فيه، ويقطع العظم ~~بلسانه ويبريه، ويقال: عوى الذئب، كما يقال: عوى الكلب. PageV01P270 # وقال الشاعر (1): [من الطويل] # عوى الذئب فستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوت إنسان فكدت أطير (2) # وقال الآخر (3): [من الخفيف] # ليت شعري كيف الخلاص من الناس ... وقد أصبحوا ذئاب اعتداء ... [90ظ] # قلت لهم لما بلاهم صدق خبري ... رضي الله عن أبي الدرداء # أشار الى قول أبي الدرداء (4) (- رضي الله عنه -): ((أياكم ومعاشرة الناس ~~فإنهم ما ركبوا قلب امرئ الا غيروه، ولا جوادا الا عقروه، ولا بعيرا الا ~~أدبروه)) (5). # فائدة: # روى السهيلي (6) عن عروة (7) في حديث مسند أنه لما ولد ms109 عبد الله بن ~~الزبير (- رضي الله عنه -) نظر إليه رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -)، ~~فقال: ((هو هو)) فلما سمعت بذلك أمه أسماء (رضي الله عنها) أمسكت عن ~~رضاعته، فقال لها رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -): ((أرضعيه ولو بماء ~~عينيك، كبش بين ذئاب، وذئاب عليها ثياب، ليمنعن البيت، أو ليقتلن دونه)) (8). PageV01P271 # ((وروى ابن ماجة (1) والترمذي (2)، وقال ((حسن صحيح)) عن كعب بن مالك (3) ~~(- رضي الله عنه -) قال: إن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) قال: ((ما ~~ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم فأفسد لها من حرص الرجل على المال والشرف ~~(4) لدينه)) وقد نص الله تعالى على ذم ذلك الحرص بقوله تعالى {ولتجدنهم ~~أحرص الناس على حياة ... } (5)، وروى ابن عدي (6) عن عمرو بن خليف (7) عن ~~ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: إن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) قال: ~~... ((دخلت الجنة فرأيت فيها ذئبا، فقلت: أذئب في الجنة، قال: أكلت ابن ~~شرطي)) قال ابن عباس (- رضي الله عنه -) هذا وإنما أكل ابن شرطي، فلو أكله ~~رفع في عليين (8)))، ثم رأيته (9) كذلك في ((تأريخ نيسابور)) (10) للحاكم ~~في ترجمة شيخه علي بن محمد بن إسماعيل الطوسي (11)، وهو حديث ضعيف (12))). PageV01P272 # أعلم انه قد جاء حديث قصة الذئب في عدة طرق: من حديث أبي هريرة (1)، وأنس ~~(2)، وابن عمرو (3)، وأبي سعيد الخدري (4)، فأما حديث أبي سعيد فرواه ~~الإمام أحمد بإسناد جيد، ولفظه ((قال: عدا الذئب على شاة فأخذها، فطلبه ~~الراعي فأنتزعها منه، فأقصى الذئب على ذنبه، وقال: ألا تتقي الله تنزع مني ~~رزقا ساقه الله إلي، فقال الراعي: يا عجبا ذئب مقع على ذنبه يكلمني بكلام ~~الإنس، فقال: الا أخبرك بأعجب من ذلك، محمد بيثرب يخبر الناس بأنباء ما ~~سبق، قال: فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة فزواها الى زاوية من ~~زواياها، ثم أتى رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) فأخبره، فأمر رسول ~~الله (- صلى الله عليه وسلم -) فنودي بالصلاة جامعة، ثم خرج، فقال ~~للأعرابي: أخبرهم فأخبرهم)) (5). # وأما حديث ابن عمرو فأخرجه ابن سعد (6)، والبيهقي (7)، وأما حديث ms110 انس ~~فأخرجه أبو نعيم (8) في الدلائل (9)، وأما حديث أبي هريرة فرواه سعيد بن PageV01P273 ~~منصور (1) في سننه (2)، قال: ((جاء الذئب فأقعى بين يدي رسول الله (- صلى ~~الله عليه وسلم -) وجعل يبصبص بذنبه، فقال رسول الله (- صلى الله عليه وسلم ~~-) ((هذا وفد الذئاب جاء يسألكم أن تجعلوا له من أموالكم شيئا، قالوا: ~~والله لا نفعل، وأخذ رجل من القوم حجرا رماه به، فأدبر الذئب وله عواء، ~~فقال رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -): الذئب وما الذئب)). # قال الشنفرى: [91ظ] # 30 ... أو الخشرم المبعوث حثحث دبره ... محابيض أرساهن سام معسل # اللغة:- # الخشرم: بفتح الخاء، وسكون الشين المعجمة: أمير النحل، وهو المراد هنا ~~(3)، و((الخشرم الدبر والزنابير، قال الأصمعي: لا واحد له من لفظه، وربما ~~سمي الزنابير خشرما، قال: [من الكامل] # كسوام دبر الخشرم المتثور)) (4) # المبعوث: اسم مفعول من الابعاث، وهو الإرسال أي: مرسل (5). # حثحث: بحائين مهملتين ومثلثتين أي: حض (6)، يقال: ((حثه على الشيء ~~واستحثه عليه، فاحتث، وحثثه تحثيثا وحثحثه بمعنى (7))). # الدبر: بفتح الدال المهملة، وسكون الموحدة التحتية: جماعة النحل ويجمع ~~على دبور (8). PageV01P274 # محابيض: بفتح الميم، والحاء المهملة، فألف موحدة مكسورة، فمثناه تحتية، آخر ~~الحروف ضاد معجمة، جمع محبض بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الباء، وهو عود ~~يشتار به العسل وتطرد به الدبر (1)، والقياس جمعه على محابض كمساجد، لكنها ~~أشبعت الكسرة فنشأت الياء، أو أنه جمع محابض، فإن صح فهو لغة في محبض (2)، ~~كدرهم لغة في كدرهام، كقوله (3): [من البسيط] # تنفي يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدراهيم (4) تنقاد الصياريف # أرساهن: فعل ماض من أرسيت الشيء إذا ثبته، ويجوز جعله أسم تفضيل والاول ~~أولى (5)، تأمل. # سام: الوصف من سما يسمو، إذا ارتفع (6)، فهو منقوص كفتى، كما نقل من رآه ~~مضبوطا في عدة نسخ بكسرتين تحت الميم (7)، ويوافقه كون أرساهن فعل ماض، ~~ويجوز أن كونه تاما بمعنى الخيزران (8)، والأول للأول، والثاني [92و] ~~للثاني، وعدم الجدوى في كون أحد أعواد المشتار خيزرانا يؤيد الأولوية ~~المتقدمة (9). # معسل: بضم الميم، وفتح العين المهملة، وكسر السين المهملة المشددة: اسم ~~فاعل من ms111 عسل الطعام بتشديد السين إذا خلطه بالعسل، والمراد هنا العاسل ~~(10)، وهو الذي يأخذ العسل من خلية النحل (11)، ومن إطلاق المقيد على ~~المطلق كالمشفر لشفة الإنسان (12). PageV01P275 # الإعراب: # أو الخشرم: أو حرف عطف تأتي للتخيير، والإباحة، كقولك: جالس الحسن أو ابن ~~سيرين، وكقولك: تزوج هندا أو أختها، وتأتي للشك والتشكيك، ولغيرها، كما هو ~~مسطور في موضعه من كتب النحو (1). # والخشرم: معطوف على القداح، وهو مرفوع بالضمة. # المبعوث: نعته. # حثحث: فعل ماض. # دبره: مفعول به، مضاف إلى الهاء. # محابيض: فاعل، والجملة حال بتقدير قد (2)، وذلك لتقرب الجملة الماضوية من ~~زمن الحال، وفي هذا كلام مستوعب في مطولات على النحو ولشيخ شيخنا السويدي ~~(رحمه الله) تحقيق في معنى هذا التقريب، وتركته خشية الإطناب والإسهاب. # أرساهن: فعل ماض ومفعول على المعنى الأول، أو مبتدأ، أو مضاف إليه على ~~الثاني (3). # سام: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، أو خبر ~~مرفوع بضمة ظاهرة فتذكر (4). # معسل: نعت لسام، والجملة على كلا التقديرين محلها الرفع صفة لمحابيض (5). # المعنى: # إن هذه الذئاب في سرعتها، وانضمام بعضها الى بعض في المسعى كأنها أمير ~~النحل [92؟] الذي أرسل، وأفلت من الخلية إلى المرعى / والحال أن النحل التي ~~هي جماعته وأتباعه، حركتهن أعواد يشار بها العسل، أثبتهن لذلك مشتار مرتفع ~~يخشى منع قطع الأمل، كما هو الحال من يأخذ العسل من الخلايا فإنه يرتفع ~~لإخراجه من داخل الزوايا، ويحرك بها النحل لتخرج الى مرعاها، ولتظفر بذلك ~~في مناها (5). PageV01P276 # تكميل (1): # وجه وصف الذئاب بالخشرم مع أنها جمع وهو مفرد، عدم إرادة خروجه وحده الى ~~المرعى، إذ من عادة ملوك النحل أنها لا تخرج الا مع جميع النحل كما قال ~~الدميري (2)، فيكون المراد هو وجنوده، ولا يجوز جعل الخشرم بمعنى جماعة ~~النحل كما هو أحد معانيه، لان قوله حثحثت دبره يأبى ذلك، خشية لزوم إضافة ~~الشيء الى نفسه، يعرف بالتأمل، فإن قلت: هل لهذا الترديد من فائدة؟ قلت: ~~نعم، لاختلاف وجه الشبه بين المشبه بهما، فوجه الشبه بالقداح، هو النحول ~~والضمور، وبالخشرم هو ms112 السرعة والتضام. # فائدة: # قال تعالى {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما ~~يعرشون} (3)، الإيحاء إلى النحل إلهامها، والقذف في روعها، وتعليمها على ~~وجه هو أعلم به، لا سبيل لأحد على الوقوف عليه، إذ في إجادتها في صفتها ~~وبناء بيوتها بالأشكال المسدسة التي يعجز عنها الماهر بالهندسة في صنعتها، ~~ولطفها في تدبر أمرها وإصابتها فيما يصلحها، دلائل بينة شاهدة على أن الله ~~تعالى [93و] أودعها علما بذلك، وفطنها، كما أولى أهل العقول عقولهم، وقد ~~قرأ يحيى بن وثاب (4): { ... إلى النحل ... } (5) بفتحتين، وهو مذكر ~~كالنحل، وتأنيثه على المعنى، و{أن اتخذي} أن هنا المفسرة، لأن الإيحاء فيه ~~معنى القول، {بيوتا} بضم الباء جمع بيت بفتحها، وقرأ بكسر الباء (6) ~~و{يعرشون} بكسر الراء وضمها (7) في كل شجر، وكل ما يعرش، ولا في كل مكان ، PageV01P277 ~~{ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ~~ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} (1)، {من كل الثمرات} ~~إحاطة بالثمرات التي تجرسها النحل، وتعتاد أكلها، أي: ابني البيوت ثم كلي ~~من كل ثمرة تشتهينها فإذا أكلتها {فاسلكي سبل ربك} أي: الطرق التي ألهمك ~~وأفهمك في عمل العسل، أو فأسلكي ما أكلت في سبل ربك، أي: في مسالكه التي ~~يحيل فيها بقدرته النور المر عسلا من أجوافك، ومنافذ مآكلك، أو (2) إذا ~~أكلت الثمار في المواضع البعيدة من بيوتك، فأسلكي الى بيوتك راجعة سبل ربك، ~~ولا تتوعر عليك، ولا تضلين فيها، فقد بلغني أنها ربما أجدب عليها ما حولها، ~~فتسافر الى البلد البعيد في طلب النجعة (3) [93ظ] أو أراد بقوله {ثم كلي} ~~ثم اقصدي أكل الثمرات فاسلكي في طلبها في مظانها سبل ربك {ذللا} جمع ذلول، ~~وهي حال من السبل، لان الله ذللها ووطأها وسهلها، كقوله ... {هو الذي جعل ~~لكم الأرض ذلولا} (4) أو من الضمير في {فاسلكي} أي: وأنت منقادة [لما أمر ~~تابعة غير ممتنعة] (5)، {شراب} يريد العسل، لأنه مما يشرب، {مختلف ألوانه} ~~منه أبيض، وأصفر، وأحمر، وأسود، {فيه ms113 شفاء للناس} لأنه من جملة الاشفية ~~والأدوية المشهورة النافعة، وقل معجون من المعاجين لم يذكر الأطباء فيه ~~العسل، وليس الغرض انه شفاء لكل مريض، كما أن كل دواء كذلك، وتنكيره: إما ~~لتعظيم الشفاء الذي فيه، أو لان فيه بعض الشفاء، وكلاهما متحمل (6))). # ((وعن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) أن رجلا جاء إليه، فقال: إن أخي ~~يشتكي بطنه، فقال: أسقه العسل، فذهب، ثم رجع، فقال: قد سقيته فما نفع، ~~فقال: اذهب واسقه عسلا، فقد صدق الله، وكذب بطن أخيك، فسقاه فشفاه الله، ~~فبرئ كأنما نشط من عقال بعير (7))). PageV01P278 # ويروى انه اشتكى عدم استقرار الطعام في بطن أخيه، والسبب في ذلك أن البلغم ~~ملأ شراسيف (1) معدته، فلذلك لا يستقر فيها طعام، فلما شرب العسل، قلع ~~البلغم لأنه حريف، فاستقر الطعام بعد ذلك. # ((وعن عبد الله بن مسعود: ((العسل شفاء من كل داء، والقران شفاء لما في ~~الصدور فعليكم بالشفائين: القران والعسل)) (2) ومن بدع تأويلات الرافضة أن ~~المراد بالنحل: علي (- رضي الله عنه -) [94و] وقومه (3))). # ولنا أن نقول: المراد بالنحل أبو بكر والصحابة (رضي الله عنهم) .. # ((وعن بعضهم، انه قال عند المهدي: إنما النحل بنو هاشم، يخرج من بطونهم ~~العلم، فقال رجل: جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطونهم، فضحك المهدي، ~~وحدث به المنصور، فاتخذوه أضحوكة من أضاحيكهم (4))). # قال الشنفرى: # 31 ... مهرتة فوه كأن شدوقها ... شقوق عصي كالحات وبسل # اللغة: # مهرتة: بميم مضمومة، فهاء مفتوحة، فراء مهملة مشددة مفتوحة: واسعة ~~الأشداق ((والهريت: الواسع الشدقين، وأسد أهرت بين الهرت، وهو مهروت الفم، ~~وكلاب مهرتة الأشداق، وربما قالوا للمرأة المقضاة: هريت (5))). # فوه: بغاء مضمومة، فواو ساكنة، آخر الحروف هاء، جمع أفواه من ((الفوه ~~بالتحريك سعة الفم، ورجل أفواه، وامرأة فوهاء، بينا الفوه، ويقال: الفوه ~~خروج الثنايا العليا وطولها (6))). # والثاني أولى للزوم التكرار على الأول إلا أن يحمل على التأكيد (7). PageV01P279 # الشدوق: بشين معجمة، فدال مهملة مضمومتين، جمع شدق بالكسر، ويفتح، وهو جانب ~~الفم، ((والشدق بالتحريك: سعة الشدق، يقال: خطيب أشدق بين الشدق، والمتشدق ~~الذي يكون ms114 شدقه للتفصح)) (1). # عصي: بعين، فصاد مهملتين مكسورتين جمع عصا (2). # كالحات: من ((الكلوح، وهو (3) تكشر في عبوس (4))). # بسل: بموحدة مضمومة، فسين مهملة [94ظ] مفتوحة مشددة جمع باسل، وصف من بسل ~~بسولا إذا عبس غضبا (5). # الإعراب: # مهرتة فوه: صفتان للذئاب، فحكمها حكم الأوصاف السابقة (6). # كأن: حرف تشبيه من أخوات إن: تنصب الإسم، وترفع الخبر. # شدوقها: اسمها منصوب وعلامة نصبه فتح آخره، وهو مضاف الى الهاء، والهاء ~~محله الجر بإضافته إليه. # شقوق: مرفوع على أنه خبرها، وعلامة رفعه الضمة، مضاف إلى عصي. # كالحات وبسل:: صفتان للذئاب أيضا، فحكمها حكم من تقدم. # المعنى: # إن هذه الذئاب واسعة الأشداق، كريهة التلاق والأفواه، تكشر عن أسنانها ~~معبسة مغضبة، كأن شدوقها لسعتها وطولها شقوق العصي، وعلى الجثث مواضبة (7). # تكميل: # قوله: فوه، من قبيل التأكيد لمهرتة على المعنى الأول كما قدمنا، من قبيل ~~التأسيس على المعنى الثاني، وهو الأولى، وعطف البسل على كالحات من عطف ~~المتغايرين، لأن الأول تكشر مع عبوس، والثاني عبوس مع غضب (8). PageV01P280 # فائدة: ((قال ابن عبد البر (1) وغيره: كلم الذئب ثلاثة من الصحابة (رضي ~~الله عنهم): رافع ابن عميرة (2)، وسلمة بن الاكوع (3)، وأهبان بن أوس ~~الاسلمي (4) قال: ولذلك تقول العرب: هو كذئب اهبان (5) يتعجبون منه، وذلك ~~انه كان في غنم له، فشد الذئب على شاة منها، فصاح به اهبان، فأقعى الذئب ~~قال: أتنزع مني رزقا رزقنيه الله تعالى [95و] وقال اهبان: ما سمعت ولا رأيت ~~أعجب من هذا ذئب يتكلم، فقال الذئب: أتعجب من هذا ورسول الله (- صلى الله ~~عليه وسلم -) بين هذه النخلات، وأومن بذنبه الى المدينة يحدث ما كان وما ~~يكون، ويدعو الى الله تعالى وعبادته، ولا تجيبونه، وقال اهبان: فجئت رسول ~~الله (- صلى الله عليه وسلم -) وأخبرته بالقصة، وأسلمت، فقال رسول الله (- ~~صلى الله عليه وسلم -): ((حدث به الناس)). # قال عبد الله بن داود السجستاني الحافظ فيقال لاهبان: مكلم الذئب ~~ولأولاده: أولاد مكلم الذئب، ومحمد بن الأشعث الخزاعي من أولاده واتفق مثل ~~ذلك لرافع بن عميرة، وسلمة بن الاكوع)) (6). PageV01P281 # ((وفي الصحيحين (1) عن ms115 أبي هريرة (- رضي الله عنه -) قال: أن رسول الله (- ~~صلى الله عليه وسلم -) قال: كانت امرأتان معهما ابنهما إذ جاء الذئب فذهب ~~بابن احدهما فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت، قالت الأخرى: إنما ~~ذهب بابنك أنت، فتحاكمتا الى نبي الله داود عليه الصلاة والسلام فقضى به ~~للكبرى، فخرجتا الى سليمان بن داود عليهما السلام فأخبرتاه بذلك، فقال ~~أتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: يرحمك الله، لا هو ابنها فقضى به ~~للصغرى. # قال أبو هريرة (- رضي الله عنه -): ما سمعت السكين قط الا يومئذ وما كنا ~~نقول الا المدية)). # ((وأستدل بهذا الحديث أن المراة تستلحق اللقيط، وأنه يلحقها لأنها أحد ~~الأبوين، ونقله صاحب التقريب (2) عن ابن سريج (3)، والأصح أنه لا يلحقها ~~إذا استلحقته لامكان إقامة البينة على [95ظ] الولادة بطريق المشاهدة، بخلاف ~~الرجل، وفي وجه ثالث تلحق الخلية دون المزوجة لتعذر الإلحاق لها دونه، وإذا ~~قلنا يلحقها بالإلحاق، وكان لها زوج لم تلحقه في الأصح، وليس المراد ~~بالزواج من هي في عصمته بل كونها فراشا لشخص، لو ثبت نسبة اللقط بالبينة ~~لحق صاحب الفراش سواء كانت في العصمة، في العدة على أن أخذ هذا الحكم من ~~هذه القصة مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا، وفيه تفصيل محله الكتب ~~الأصولية (4). PageV01P282 # وروى أحمد (1) والطبراني (2) بإسناد جيد أن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) ~~قال: ((الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ القاصية إياكم والشعاب وعليكم ~~بالعامة والجماعة والمساجد)). # وفي تاريخ ابن النجار (3) عن وهب (4) قال: ((بينما امرأة من بني إسرائيل ~~على ساحل البحر تغسل ثيابها، وصبي لها يدب بين يديها، إذ جاء سائل فأعطته ~~لقمة من رغيف كان معها، فما كان بأسرع من أن جاء ذئب فالتقم الصبي، فجعلت ~~تعدو خلفه، وهي تقول: يا ذئب ابني يا ذئب ابني، فبعث الله تعالى ملكا انتزع ~~الصبي من فم الذئب، ورمى به إليها، وقال لقمة بلقمة))، وهو في الحلية (5) ~~عن مالك بن دينار (6)، قال: ((أخذ السبع صبيا لامرأة، فتصدقت بلقمة، فألقاه ~~السبع، فنوديت لقمة ms116 بلقمة)). # وقال الشنفرى: # 32 ... فضج وضجت بالبراح كأنه ... وإياه نوح فوق علياء ثكل # اللغة: # صج: بفتح الضاد المعجمة، والجيم المشددة من الضجيج، قال ((أبو عبيد (7): ~~أضج القوم إضجاجا (8))). PageV01P283 # البراح: بفتح الموحدة: ((المتسع من الأرض، لا زرع فيه ولا شجر (1))). # نوح: بنون مفتوحة، فواو ساكنة، آخر الحروف حاء مهملة: نوائح، يقال ... : ~~((ناحت المرأة تنوح نوحا ونياحا، والاسم: النياحة، ونساء نوح وأنواح ونوح ~~ونوائح ونائحات))، والتناوح: ((التقابل، ويقال: الجبلان يتناوحان، ومنه ~~سميت النوائح، لان بعضهن يقابل بعضا (2))). # العلياء: بعين مهملة مفتوحة، فلام ساكنة ((رأس الجبل))، والمكان العالي، ~~وكل ما علا من كل شيء (3))). # الثكل: بضم المثلثة، وتشديد الكاف المفتوحة جمع ثاكل، وقد تقدم معناه ~~فتذكر (4). # الإعراب: # فضج: الفاء عاطفة، وضج: فعل ماض معطوف على أجابته، والفاعل ضمير يعود الى الأزل. # وضجت: الواو عاطفة، وضج فعل ماض، والتاء الساكنة علامة التأنيث، فاعله ~~ضمير يعود إلى نظائر (5). # بالبراح: جار ومجرور، وتنازع فيه الفعلان، فأعمل الثاني على رأي البصريين ~~(6)، والكوفيون يعملون الأول، قال ابن مالك (7): [من الرجز] # إن عاملان اقتضيا في اسم عمل ... قبل فللواحد منهما العمل # والثان أولى عند أهل البصرة ... واختار عكسا غيرهم ذا أسر # فأعمل البصريون للقرب، والكوفيون للسبق، فلكل وجهة. # والباء مستعار لفظها لفي تبعا لمتعلقها (8)، كقوله تعالى: {ولقد نصركم ~~الله ببدر ... } (9) PageV01P284 ~~كأنها: كأن واسمها. # وإياه: ضمير نصب معطوف على اسمها. # نوح: بالرفع [96ظ] خبرها. # فوق: ظرف منصوب على الظرفية متعلق بمحذوف وجوبا على أنه صفة نوح، مضاف ~~إلى علياء. # وعلياء: مجرور بالفتحة، لمنعه من الصرف، وعلة ذلك ألف التأنيث الممدودة ~~(1)، وهي نائبة مناب العلتين، لان التأنيث علة، ولزومه نزل علة أخرى، وهذه ~~عبارة شيخنا في مؤلفاته النحوية (2)، وهي أصح من قول غيره: فنزل لزومه ~~منزلة تأنيث آخر فتدبر. # ثكل: صفة ثانية له. # المعنى: # يقول: لما أجابت الأزل نظائره بالضجر ضج وصاح في ذلك المتسع الاقفر، وضجت ~~هي أيضا، فكأن الجميع نوائح، فوق مكان عال، مهزيات في أولادهن صوائح (3). # وفي هذا البيت إشعار بأنه أصبر منهم على الجوع والمسير، لأنهن لعدم ms117 الصبر ~~أخذن في العواء الكثير حتى كأنهن نساء ثكل ينحن على أولادهن، وهن نحل (4). # تنبيه: # عبر بضج دون أضج لأنه هو المناسب في هذا المقام، إذ الضجيج لا يكون الا ~~إذا جزع من شيء وغلب، بخلاف الاضجاج (5)، كما مر فتذكر (6). PageV01P285 # استطراد: # قيل لما جاء إخوة يوسف بالقميص وعليه دم، قال لهم يعقوب (- عليه السلام ~~-): أتوني بالذئب الذي أكل ولدي يوسف، قالوا: نعم نأتيك به، فذهبوا من عند ~~أبيهم، فصطادوا ذئبا، وكسروا يديه ورجليه، وجروه بحبل بين يدي والدهم، فلما ~~مثلوا بين يديه، قال (- عليه السلام -): بئس ما فعلت أيها الذئب أكلت حبيبي ~~ومؤنسي وما رحمت صغر سنه، ولا التفت [97و] إلي على كبر سني، فانطق الله ~~الذئب فقال: السلام عليك يا نبي الله، إن لحوم الأنبياء علينا حرام، وأنا ~~بريء مما قد قالوا، قال: فعند ذلك نكسوا رؤوسهم، فقال (عليه الصلاة ~~والسلام): أيها الذئب، من أين أنت؟ قال: أنا غريب من أرض مصر، وجئت في طلب ~~أخ لي فارقني، فدخلت ديار الشام، فوجدت الذئاب فاخبروني انه اصطاده ملك على ~~أن يذبحه غدا، ولي سبعة عشر يوما ما ذقت شيئا من الطعام حزنا عليه، وهذه ~~القصة ما رأيناها في الكتب المعتبرة، وإنما نقلها محمد بن أبي العباس أحمد ~~المقري (1)، واعترف بعدم المعرفة بناقلها، وقد ورد ما يقربها من الصحة، وهو ~~قوله (- صلى الله عليه وسلم -): ((حدثوا عن البحر ولا حرج وعن بني إسرائيل ~~ولا حرج)) (2) وربما يعين على صحة ذلك قوله تعالى { ... بل سولت لكم أنفسكم ~~أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} (3). # قال الشنفرى: # 33 ... وأغضى وأغضت واتسى واتست به ... مراميل عزاها وعزته مرمل PageV01P286 ~~اللغة: # أغضى من ((الإغضاء وهو إدناء الجفون، وعلى الشيء سكت، والليل أظلم، أو ~~ألبس (1) في كل شيء كغضا يغضو فيهما، وعنه طرفه سده أو صده، والغضيانة ~~الجماعة من الإبل الكرام، وشيء غاض حسن الغضو [جام حافر] (2) ورجل غاض، وقد ~~غضا (3))) والمراد الأول. # واتسى: بتشديد المثناة المفتوحة [97ظ] أي اتخذها إسوة وقدوة (4). # مراميل: جمع مرمل على ms118 غير قياس (5) وقياسه أرامل وأراملة، يقال: أرملوا ~~القوم تعذر زادهم، وأرملوا الحب طولوه، والسهم تلطخ بالدم، والمرأة صارت ~~أرملة كرملت، ورجل أرمل وامرأة أرملة محتاجة أو مسكينة (6). # عزاها: بعين مهملة، وزاء مشددة من التعزية وهي التسلية. # الإعراب: # وأغضى: الواو عاطفة، وأغضى فعل ماض، وفاعله ضمير يرجع الى الأزل. # وأغضت: الواو حرف عطف، وأغضى فعل ماض، والتاء علامة التأنيث، وفاعله ضمير ~~يعود الى نظائر (7). # وأتسى: الواو عاطفة، وأتسى فعل ماض، وفاعله ضمير يعود الى الأزل. # وأتست: فعل ماض، والتاء علامة التأنيث، والفاعل ضمير يعود الى نظائر (8). # وبه: جار ومجرور متعلق بما قبله، ومتعلق الأول محذوف على رأي البصريين (9)، # كقولك: ضربني وضربت زيدا، واحتج الكوفيون بأنه يلزم عليهم الإضمار قبل ~~الذكر، وابن مالك أشار بترجيح مذهبهم في البيت المتقدم فتدبر (10). PageV01P287 # مراميل: خبر مبتدأ محذوف. # عزاها: فعل ماض، والهاء محله النصب على انه مفعول، والفاعل الضمير ~~المستتر عائد الى المراميل قبله. # مرمل: فاعل (عزاها) وقد تنازع فيه الفعلان، فالأول يطلبه على أن، يكون ~~فاعلا والثاني يطلبه على أن يكون مفعولا، فاعمل الأول على اختيار الكوفيين ~~(1) , واضمر في الثاني مفعوله على حد قولنا: ((ضربني وضربته زيد (2)))، وفي ~~نسخة ((مرسل)) ولا معنى له (3)، والأول هو الصواب. # تنبيه [98و] # قال السويدي: ((إن الأزل ونظائره أغضوا جفونهم مطرقين (4)))، وحق معنى ~~البيت ما ذكرناه، إذ فيه تنبيه على أن الإغضاء صدر أولا من الأزل لا من ~~النظائر، ولا من الكل دفعة واحدة، فالترتيب مستفاد من معونة المقام، وكون ~~الواو لمطلق الجمع لا ينافيه، فان الشافعي (- رضي الله عنه -) أخذ الترتيب ~~من آية الوضوء، مع وقوع العطف فيها بالواو، لأن الله تعالى لما وسط الممسوح ~~بين المغسولات علم أن الترتيب مقصود، لان العرب لا تفصل بين المتجانسين الا ~~لغرض، وتوهم بعض أهل العلم من هذا أن الشافعي يقول بان الواو للترتيب (5)، ~~فإن قلت: من أين يعلم أن الإغضاء مرتب؟ قلت: لأنه لما دعاهن وأسرعن، ~~واجابته جئن ناظرين إليه، كما هو عادة من يجيب أحدا يأتي إليه، وهو ينظر ~~إلى ms119 وجهه يتطلع إلى سبب ندائه، فلما أقبلت عليه، وأغضى هو، أغضين معه، ~~واتسى بهن في الصبر على الجوع، واتسين به أيضا. # المعنى: # إن الأزل ترك الصياح، وأعياه القوت، وليس له فلاح، واقتدى بهم، واقتدوا ~~به، متعكرين لفناء الزاد، وهم غرثى جياع، ولا ينفع فيها الضجيج والنزاع، ~~فسلاهم وسلوه بذلك، ولم يختاروا الا التأسي هنالك. PageV01P288 # وفي هذا البيت إشعار بأنه لا يحتاج الى من يأتسي به، ويسليه عن الجوع، لأنه ~~أماته، فتساوى عنده اليقظة والهجوع (1). # فائدة: # ((وقد وصفته العرب بأوصاف مختلفة فقالوا: أغدر [98ظ] من ذئب، واختل، ~~وأخبث، وأخون، وأحول، وأعتى، وأعوى، وأظلم، وأجرئ، وأكسب، وأجوع، وأنشط، ~~وأوقح، وأجسر، وايقظ، وأعق، وألأم، وقالوا: أخوك أم الذئب، وقالوا: أخف ~~رأسا من الذئب، لنومه بإحدى مقلتيه (2))) كما ذكرته فتذكر (3). # ويقال في: ((الدعاء على العدو: رماه الله بداء الذئب -أي الجوع- وقالوا ~~أيضا: من استرعى الذئب الغنم فقد ظلم (4))) وهذا الظلم محتمل للغنم، ومحتمل ~~للذئب، على معنى انه كلفه ما ليس من طبعه (5)، والأول أوجه، وقيل: أول من ~~قال ذلك: أكثم بن صيفي (6)، والصحيح أن قائله عمر (7) (- رضي الله عنه -) ~~في قصة سارية بن حصن (8) في غزوته الى نهاوند، وكان عمر - رضي الله عنه - ~~يخطب بالمدينة يوم الجمعة، وسارية في نهاوند، فقال في خطبته: يا سارية ~~الجبل الجبل من استرعى الذئب فقد ظلم، فالتفت الناس بعضهم إلى بعض، فلم يفهموا PageV01P289 ~~مراده، فلما قضى صلاته، قال له علي - كرم الله وجهه -: ما هذا الذي قلته؟! ~~قال: أو سمعت؟ قال: نعم، أنا وكل أهل المسجد، قال -رضي الله عنه-: وقع في ~~خلدي أن المشركين هزموا إخواننا، وركبوا أكتافهم، ويمرون بجبل فإن عدلوا ~~إليه، قاتلوا من وجه واحد وظفروا، وإن جاوزوه هلكوا، فخرج مني هذا الكلام، ~~فبعد شهر جاء البشير فذكر أنهم سمعوا ذلك اليوم، وتلك الساعة حين جاوزوا ~~الجبل صوتا يشبه صوت عمر -رضي الله عنه- يقول: يا سارية الجبل الجبل، ~~فعدلوا إليه، ففتح الله تعالى عليهم (1). # ((ذكر في [99و] تهذيب الأسماء واللغات (2)، وطبقات ابن سعد (3)، وأسد ~~الغابة ms120 (4)، وتجريد الصحابة (5)، انه: سارية بن زنيم بن عمرو (6) بن ~~عبدالله بن جابر (7))). # وأنشد بعض الشعراء في معنى هذا المثل (8): [من الوافر] # وراعي الشاء يحمي الذئب عنها ... فكيف إذا الرعاء لها ذئاب # فائدة أخرى: # قيل: ((كان يحيى بن معاذ الرازي (9)، يقول لعلماء زمانه: يا أصحاب العلم ~~قصوركم قيصرية، وبيوتكم كسروية، وأبوابكم طالوتية، وأخفافكم جالوتية، ~~ومراكبكم قارونية PageV01P290 ~~، وأوانيكم فرعونية، وموائدكم جاهلية، ومذاهبكم سلطانية، فأين المحمدية؟! ~~(1)، فإذا كان في ذلك الزمان مع قرب العهد، وغلبة الحرص على العلم قيل في ~~حق العلماء -وهم الأخيار- فما ظنك في أهل زماننا، وربما صدق على الكثير ~~منهم قوله تعالى ... {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} (2)، ~~قلت: هذا من باب تنزيل الشيء منزلة عدمه، ونظيره قوله تعالى {وما رميت إذ ~~رميت ولكن الله رمى} (3) خلافا لمن اعتبر التغاير بين العلمين والزمنين، ~~كما ذكر مفصلا في المطول (4)، وللفاضل الرومي (5) في تأويله كلام لطيف ~~تتلقاه الطباع السليمة بالقبول، فليراجع. # قال الشنفرى: # 34 ... شكا وشكت ثم أرعوى بعد وارعوت ... وللصبر إن لم ينفع الشكو أجمل # اللغة: # شكا: من ((شكا أمره إلى الله شكوى وينون وشكاوة [99ظ] وشكية وشكاية - ~~بالكسر-، وتشكى واشتكى وتشاكوا: شكا بعضهم إلى بعض، والشكو والشكاة ~~والشكاء: المرض، والشكي كفني: المشكو والموجع، ومن يمرض أقل مرض، وفلانا ~~زاده أذى وشكاية، وأزال شكايته ضد (6)، وهو يشكى بكذا يتهم به، والشكوة ~~وعاء من أدم للماء واللبن (7)))، والمراد هنا الأول ارعوى: ((الرعو ~~والرعوة، ويثلثان، والرعوى ويضم، والإرعواء، والرعيا بالضم: النزوع عن ~~الجهل، وحسن الرجوع عنه)) (8)، ((الرعي -بالكسر - الكلأ جمع أرعاء، وبالفتح ~~المصدر، والمرعى: الرعي، [والمصدر] (9) PageV01P291 ~~والموضع كالمرعاة، والراعي: كل من ولي أمر قوم جمع رعاة، ورعيان، ورعاء، ~~ويكسر (1) والراعي كل من ولي الأمر ومنه قوله (- صلى الله عليه وسلم -) (كل ~~راع مسؤول عن رعيته))) الصبر: من ((صبره يصبره: حبسه، وصبر الإنسان وغيره ~~على القتل أن يحبس ويرمى حتى يموت، وقد قتله صبرا، وصبره عليه، ورجل صبور ~~ومصبور للقتل، ويمين الصبر: التي يمسكك الحكم عليها حتى تحلف، أو التي ms121 تلزم ~~ويجبر عليها حالفها، وصبر الرجل: لزمه، والمصبورة: اليمين، والصبر: نقيض ~~الجزع-وهو المراد هنا- صبر يصبر فهو صابر وصبير وصبور، وتصبر، واصطبر، ~~واصبر، و[أصبره] (2) أمره بالصبر، كصبره، وجعل له صبرا، وصبر به كنصر ~~[صبرا] (3) وصبارة (4))). # أجمل: اسم تفضيل من ((الجمال، وهو الحسن في الخلق والخلق من جمل ككرم، ~~فهو جميل كأمير، والجملاء: الجميلة، والتامة الجسم من كل حيوان، وجمالك أن ~~[لا] (5) تفعل كذا [100و] إغراء، أي: الزم الأجمل ولا تفعل ذلك (6))). # الإعراب: # شكا: فعل ماض، وفاعله يرجع إلى الأزل. # وشكت: معطوف عليه، والتاء الساكنة علامة التأنيث، وفاعله يعود إلى نظائر (7). # ثم: حرف عطف، ومعناها الترتيب والتراخي. # ارعوى: فعل ماض، وفاعله ضمير الغائب المستتر. # وارعوت: معطوف على ارعوى، وفاعله مستترا أيضا. # وللصبر: مبتدأ. # أن: حرف شرط. # لم: حرف نفي وجزم. PageV01P292 # ينفع: فعل الشرط كقوله تعالى {فإن لم تفعلوا} (1)، بتأويل: أن تركتم الفعل ~~فإن جازمة محل الجملة على معنى أن عدم النفع (2). # الشكوى: فاعل ينفع. # أجمل: خبر المبتدأ. # المعنى: # شكى الأزل للذئاب، وشكت هي له عظيم المصاب، وذلك بإظهار كلما عنده من سوء ~~الحال، إما بما أنبأ حالهم عنها، أو عواء مخصوص يدل على الشكوى، ويشعر ~~بالمال، ثم رجع عن الشكوى، وهم أيضا رجعوا، واستهانوا مضيض السخب والطوى، ~~وتصبروا، لأن إذا لم تنفع الشكوى أجمل، ولإدراك ما يحاولوه أحسن وأكمل (3). # تكميل: # التعبير بأفعل التفضيل إشارة الى أن الشكاية قد تكون نافعة لأنها تقلل ~~الغم، وتخفف الهم، وان لم تكن عن [100ظ] الصبر مانعة، قال البحتري (4): [من ~~الخفيف] # قف مشوقا او مسعدا أو حزينا ... أو معينا أو عاذرا (5) او عذولا # وقال ابن شرف القيرواني (6): ... [من الطويل] # أعني بأطماع كذوب على النوى ... إذا لم تقاتل يا جبان فشجع # وعلى كل حال ترك الشكاية بالحر هو المختار، ومعاناة الصبر لانتظار الفرج ~~من سجايا الأحرار. PageV01P293 # قال إبراهيم بن كنيف النبهاني (1): [من الطويل] # تعز فإن الصبر بالحر أجمل ... وليس على ريب الزمان معول # فلو كان يغني أن يرى المرء جازعا ... لحادثة أو كان يغني التذلل # لكان التعزي عند ms122 كل مصيبة ... ونائبة بالحر أولى وأجمل # إلى أن قال: # وقينا بحسن الصبر منا نفوسنا ... فصحت لنا الأعراض والناس هزل (2) # وروي عنه (عليه الصلاة والسلام) انه قال: ((انتظار الفرج بالصبر عبادة)) ~~(3)، وروي عنه أيضا: ((إن الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله)) (4)، ~~وقال علي (كرم الله وجهه): ((القناعة سيف لا ينبو، والصبر مطية لا تكبو، ~~وأفضل العدة الصبر على الشدة)) (5) وسئل (رضي الله عنه): أي شيء اقرب إلى ~~الكفر؟ قال: ... ((ذو فاقة لا صبر له)) (6)، وقال شعرا في التلويح الى هذا ~~المعنى (7): [من الطويل] # فلم أر بعد الدين خيرا من الغنى ... ولم أر بعد الكفر شرا من الفقر # وقال الحارث بن أسد المحاسبي (8): ((لكل شيء جوهر، وجوهر العقل الصبر)) ~~وفي المشتهر من كلامهم: ((الصبر [مر] (9) لا يتجرعه إلا الحر)) (10). PageV01P294 # استطراد: (1) # أول من قتل صبرا في الإسلام (2) خبيب بن عدي الأنصاري الأوسي من بني ~~جحجبى بن كلفة ابن عمرو بن عوف، شهد بدرا، وأسر يوم الرجيع (3) في السرية ~~التي خرج فيها: مرثد بن أبي مرثد (4)، وعاصم بن ثابت (5)، وخالد بن البكير ~~(6)، في سبعة نفر (7)، فقتلوا، وذلك في سنة ثلاث، وأسر خبيب، وزيد بن ~~الدثنة (8)، فانطلق المشركون بهما إلى مكة فباعوهما، فاشترى خبيبا بنو ~~الحارث بن عامر بن نوفل، وكان خبيب قد قتل الحارث بن عامر يوم بدر، كذا قال ~~معمر (9) عن ابن شهاب أن بني الحارث بن عامر بن نوفل ابتاعوا خبيبا من حجير ~~بن أبي إهاب التميمي حليف لهم، وكان حجير أخا للحارث بن العامر لامه ~~فأبتاعه لعقبة بن الحارث ليقتله (10) بأبيه. # وقال ابن شهاب: فمكث خبيب عندهم أسيرا حتى إذا أجمعوا على قتله استعار ~~موسى من إحدى بنات الحارث، ليستحد بها، فأعارته، قالت: فغفلت عن صبي لي، ~~ودرج إليه حتى PageV01P295 ~~أتاه، قالت: فأخذه فوضعه على فخذه، فلما رأيته، فزعت فزعا عرفه في -والموس ~~في يده- فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل -إن شاء الله- قال: فكانت ~~تقول: ما رأيت أسيرا خير من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة ~~يومئذ ms123 من حديقة، وأنه لموثق بالحديد، وما كان إلا رزقا أتاه الله به. # قال: ثم [101ظ] خرجوا به من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين، ثم ~~قال: لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت. # قال: فكان أول من صلى ركعتين عند القتل هو، ثم قال: اللهم أحصهم عددا، ثم ~~قال شعرا: [من الطويل] # ولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي جنب كان في الله مصرعي # وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع # قال: ثم قام إليه عقبة بن الحارث، فقتله، هذا كله فيما ذكره ابن شهاب عن ~~عمرو بن [أبي] سفيان الثقفي عن أبي هريرة. # وذكر ابن إسحاق (1) قال: وقال خبيب حين صلبه: # لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمع # وقد قربوا أبناءهم ونساءهم ... وقربت من جذع طويل ممنع # إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي ... وما جمع الأحزاب لي عند مصرعي # فذو العرش، صبرني على ما أصابني ... فقد بضعوا (2) لحمي وقد ضل مطمعي # وقد عرضوا بالكفر والموت دونه ... وقد ذرفت عيناي من غير مدمع # وما بي حذار الموت، إني لميت ... ولكن حذاري حر نار تلفع # ولست بمبد للعدو تخشعا ... ولا جزعا إني إلى الله مرجعي PageV01P296 ~~وصلب بالتنعيم (1) -رضي الله عنه- وكان الذي تولى صلبه: عقبة بن الحارث، ~~وأبو هبيرة العبدري، ما ذكر من الركعتين نحو ما ذكر ابن شهاب [102و] قال: ~~وقال عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن حزم: هو أول من سن الركعتين عند القتل. # وذكر الزبيري (2) قال ح إسماعيل بن أبي أويس (3) قال ح إسماعيل عن ~~إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة عن ابن شهاب: أن عقبة بن الحارث بن ~~نوفل اشترى خبيبا بن عدي [من] (4) بني النجار، وكان خبيب قد قتل أباه يوم ~~بدر، قال: واشترك في ابتياع خبيب فيما زعموا: أبو إهاب بن عزيز، وعكرمة بن ~~أبي جهل، والأخنس بن شريق، وعبيدة بن حكيم، وأمية بن أبي عتبة، وبنو ~~الحضرمي، وصفوان بن أمية بن خلف، ms124 وهم أبناء من قتل من المشركين يوم بدر. # وتطعمه، وقال لها: إذا أرادوا قتلي فآذنيني، فلما أرادوا قتله آذنته، ~~فقال لها: أبغيني حديدة أستحد بها، فأعطته موس، فقال لها -وهو يمزح- قد ~~أمكن الله منكم، فقالت: ما كان هذا ظني بك، فطرح الموسى، وقال: إنما كنت ~~مازحا. وروى عمر بن أمية الضمري (5) قال: بعثني رسول الله (- صلى الله عليه ~~وسلم -) إلى خبيب بن عدي، لأنزله من الخشبة، فصعدت خشبته ليلا فقطعت عنه، ~~وألقيته، فسمعت وجبة خلفي، فالتفت فلم أر شيئا. # روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار (6) عن جابر (7): أنه سمعه يقول: ~~الذي قتل خبيبا: أبو سروعة عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل)). PageV01P297 # وقد قال حسان بن ثابت -رضي الله تعالى عنه-[102ظ] (1): [من البسيط] # يا عين جودي بدمع منك منسكب ... وابكي خبيبا مع الغادين لم يؤب # صقرا توسط في الأنصار منصبه ... حلو السجية محضا غير مؤتشب # قد هاج عيني على علات عبرتها ... إذ قيل نص إلى جذع من الخشب # ياأيها الراكب الغادي لطيته ... أبلغ لديك وعيدا ليس بالكذب # ياابني فكيهة إن الحرب قد لقحت ... يحلو بها الصاب إذ عنت لمحتلب (2) # فيها أسود بني النجار يقدمهم ... شهب الأسنة في معصوصب لجب # وأما حجر بن عدي (3)، ويكنى أبا عبد الرحمن الكوفي (- رضي الله عنه -) كل ~~من فضلاء الصحابة، وكان على كندة يوم صفين، وعلى الميسرة يوم النهروان، ~~ولما ولى معاوية (- رضي الله عنه -) زيادا العراق وما والاها، وأظهر من ~~الغلظة، وسوء السيرة [ما أظهر) (4) خلعه حجر، ولم يخلع معاوية (5)،وتابعه ~~جماعة من أصحاب علي (- رضي الله عنه -) وخطأه يوما في تأخير الصلاة هو ~~وأصحابه، فكتب به وأصحابه إلى معاوية، فأمره أن يبعث إليه مع وائل بن حجر ~~الحضرمي في اثني عشر رجلا -كلهم في الحديد- فقتل معاوية منهم ستة، واستحيا ~~ستة، وكان حجر ممن قتل، فبلغ ما صنع زياد (6) بهم أم المؤمنين عائشة- رضي ~~الله عنها- فبعثت إلى معاوية عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: الله الله في ~~حجر وأصحابه، فوجده قد قتل هو ms125 وخمسة من أصحابه، فقال لمعاوية: أين عزب عنك ~~حلم أبي سفيان في حجر وأصحابه؟! ألا حبستهم [103و] بالسجون، وعرضتهم ~~للطاعون، قال: حين غاب عني مثلك من قومي، قال: والله لأتعد لك العرب بعد ~~ذلك حلما [بعدها] أبدا، ولا رأيا، قتلت قوما بعث بهم اسارى إليك من ~~المسلمين، وقدم معاوية المدينة، فدخل على عائشة -رضي الله عنها- فكان أول ~~ما بدأته به قتل حجر [في PageV01P298 ~~كلام طويل جرى بينهما) (1) قال لها: دعيني وحجر، نلتقي غدا عند ربنا. # والموضع الذي قثل فيه مع أصحابه يعرف بمرج عذراء (2) ولما قدم به إلى ~~معاوية، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال معاوية: أو أمير ~~المؤمنين أنا؟! اضربوا عنقه، فلما قدم لذلك قال: دعوني أصلي ركعتين، ~~فصلاهما خفيفتين، ثم قال: لولا تظنون في الخوف من القتل لأطلتهما، والله ~~لأن كانت صلاتي لم تنفعني فيما مضى، ما هما نافعتان الآن، ثم قال لمن حضر ~~من أهله: لا تطلقوا عني حديدا، ولا تغسلوا عني دما، فإني ملاق معاوية على ~~الجادة، وكان مستجاب الدعوة. # ونقل ابن عبد البر (3) حديثا يروى عن مسروق الأجدع (4)، قال: سمعت عائشة ~~-رضي الله عنها- تقول: أما والله لو علم معاوية أن عند أهل الكوفة منعة ما ~~اجترئ أن يأخذ حجرا وأصحابه من بينهم، حتى يقتلهم بالشام، ولكن ابن آكلة ~~الأكباد علم أنه قد ذهب الناس، والله إن كانوا لجمجمة العرب عزا وفقها، ~~ولله در لبيد حيث يقول (5) [من الكامل] # ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب # لا ينفعون ولا يرجى خيرهم ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغب # فائدة: # قال الله تعالى: {وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ~~ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ... } (6) الآية. قال في ~~الكشاف (7): ((إنما تأنى وتثبت في إجابة الملك، وقدم PageV01P299 ~~سوأل النسوة، لتظهر براءة ساحاته عما قذف به، وسجن فيه، لئلا يتسلق به ~~الحاسدون إلى تقبيح أمره عنده، ويجعلوه سلما إلى حط منزلته لديه، ولئلا ~~يقولوا ما خلد في السجن سبع سنين إلا ms126 لأمر عظيم، وجرم كبير، حق به أن يسجن ~~ن ويعذب، ويستكف شره، وفيه دليل على أن الاجتهاد في نفي التهم واجب وجوب ~~اتقاء الوقوف في مواقفها، قال عليه الصلاة والسلام: ((من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم)) (1). ومنه قال رسول الله (- صلى الله ~~عليه وسلم -) للمارين به في معتكفه -وعنده بعض نساءه- هي فلانة (2)، اتقاء ~~للتهمة. وقد ورد التصريح بها في رواية البخاري (3) من أنها: صفية بنت حيي. # وعن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) أنه قال: ((عجبت من يوسف وكرمه، ~~وصبره، والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان، لو كنت مكانه ما ~~أخبرتهم حتى اشترط إن يخرجوني، ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول، فقال: ارجع ~~إلى ربك، ولو كنت مكانه، ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة، وبادرتهم ~~[104ظ] الباب، ولما ابتغيت لهم العذر، إن كان لحليما ذا أناة (4) انتهى. # نقل الطيبي (5) عن ((شرح السنة)) (6) أنه (- صلى الله عليه وسلم -): ~~((وصف يوسف بالأناة والصبر، حيث لم يبادر إلى الخروج حين جاءه رسول الملك، ~~فعل المذنب، حتى يعفى عنه -مع طول لبثه في السجن-بل قال: {ارجع إلى ربك ~~فاسأله ما بال النسوة} (7)، أراد أن يقيم PageV01P300 ~~الحجة في حبسه إياه ظلما، فقال (- صلى الله عليه وسلم -) على سبيل التواضع، ~~لا أنه كان منه مبادرة وعجلة لو كان مكان يوسف، إذ التواضع لا يصغر كبيرا، ~~ولا يضع رفيعا، ولا يبطل لذي حق حقه، ولكنه يوجب لصاحبه فضلا، ويكسبه ~~اجلالا وقدرا، انتهى كلامه. # ومما سنح على الخاطر أن الصبر على الكيفية التي أبداها المصطفى أكمل من ~~الصبر على الكيفية التي أبداها الصديق يوسف، إذ الصبر مع التشبث بأسباب ~~النجاة أتم كمالا، فلو كان رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) مكانه لطلب ~~الخروج من السجن بالدعاء، وذلك منه أعظم سببا، وليس منافيا للصبر بدليل ~~قوله تعالى في حق أيوب (- عليه السلام -) {إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه ~~أواب} (1)، مع أنه (- عليه السلام -) قال: {أني مسني الضر وأنت أرحم ~~الراحمين} (2)، فإن قيل: ms127 مدحه لصبره بقوله (- صلى الله عليه وسلم -): ((إن ~~كان لحليما ذا أناة)) (3)، قد ينافي ما ذكر، قلت: لا منافاة إذ غاية ذلك ~~أنه أثبت الغاية القصوى في الحلم والأناة، وهي صفة مدح لكن لا يلزم من ذلك ~~أن [104ظ] لا يكون غيرها أمدح، إذ خير الأمور التوسط بين الإفراط والتفريط، فتدبر. # قال الشنفرى: # 35 ... وفاء وفاءت بادرات وكلها ... على نكص مما يكاتم مجمل # اللغة: # فاء: من الفيء، وهو الرجوع، يقال ((فاء يفيء فيئا، إذا رجع)) (4). # بادرات: من البدور، وهو الإسراع، يقال: ((بدرت إلى الشيء أبدر بدرا ~~وبدورا، أي أسرعت، وكذلك بادرت إليه، وتبادر القوم: تسارعوا، وابتدروا ~~السلاح: تسارعوا الى أخذه، وليلة البدر أربع عشرة (5)، وسمي بدرا لمبادرته ~~الشمس بالطلوع، وكأنه يعجلها المغيب)) (6) وفي نسخة باديات (7)، من بدا ~~يبدو بدوا إذا ظهر، أو من ((بدا القوم إذا خرجوا إلى PageV01P301 ~~باديتهم)) (1)، والفضل للمتقدم. # النكص: من ((نكص عن الأمر نكصا ونكوصا: تكأكأ عنه وأحجم، وعلى عقبيه رجع ~~عما كان عليه من خير)) (2)، فهو خاص بالرجوع عن الخير، وقد وهم الجوهري ~~بإدعاء إطلاقه، أو كونه في الشر، وذلك بإدعاء الندور، والمنكص: المنتحى أو ~~الرجوع (3). # يكاتم: من المكاتمة، وهو أن يسأل كتم سره، يقال: كاتمي سره، إذا سألني أن ~~أكتمه (4). # مجمل: من ((أجمل في الطلب: اتأد واعتدل فلم يفرط)) (5). # الإعراب: # وفاء: الواو عاطفة، وفاء فعل ماض، والفاعل ضمير راجع الى الأزل. # وفاءت: معطوف على فاء، والتاء علامة التأنيث، والفاعل يعود الى النظائر (6). # بادرات: حال من ضمير فاءت منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة [105و] على خلاف ~~الأصل كما هو مذكور تفصيله في كتب النحو (7)، والحال الذي من فاعل فاء ~~محذوف، والتقدير: فاء بادر أو فاءت بادرة، ويجوز جعله حالا من الاثنين، وهو ~~الأظهر (8). # على نكص: جار ومجرور متعلق بمجمل في آخر البيت. # مما: جار ومجرور، وما موصولة، وجملة يكاتم هي الصلة، وهو فعل مضارع، ~~وفاعله ضمير يعود الى كل، والعائد محذوف، إذ التقدير: كاتمه، والجار ~~والمجرور متعلق بما تحلق به الذي قبله، ومن: للسببية، ويصح جعلها ms128 للتبعيض، ~~والأول أظهر. # مجمل: خبر، والجملة محلها النصب على أنها حال من فاعل بادرات، وهي حال ~~متداخلة، ويجوز كونها مترادفة (9). كما بينا لك الفرق فيما تقدم فتذكر. # المعنى: PageV01P302 # رجع الأزل مسرعا من غير توان وخشوع، ونظائره مسرعات، كل واحد منها متأن ~~معتدل في الرجوع لئلا يعلم كنه حاله، ويطلع على آماله، فالمبادرة إلى ~~السرعة خشية توهم الجزع، وعدم إفراطه في السرعة خوفا من يظن به طمع (1)، ~~ورجوع كل منها مسرعات حذرا من أن يأكله الباقون، لما كانت من بعض خصالهن، ~~وما هم لها مجتمعون، ولا منافاة بين بادرات ومجمل حين إرادة الإسراع الغرير ~~الشديد من الأول، وذلك بالإتحاد أكمل (2). # تكميل: # جواب النحرير السويدي في شرحه عما قيل: ما السبب في تقديم وصف الأزل في ~~هذه الأبيات على نظائره بقوله ((قلت: للإشعار بأن الذئاب من قبل المدد ~~[105ظ] المعين، فاللائق بها أن تكون تابعة له في كل حكم وأمر)) (3) وأقول: ~~هذا يؤيد ما أوردته في شرح قوله: وأغضى وأغضت إلى آخره، فتذكر (4). # استطراد: # قال البخاري ((أخبرنا شعيب (5) عن الزهري (6) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ~~(7) أن أبا هريرة (- رضي الله عنه -) قال سمعت رسول الله (- صلى الله عليه ~~وسلم -) يقول: بينما راع في غنمه إذ عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة فطلبه ~~الراعي فالتفت إليه الذئب فقال من لها يوم السبع يوم ليس لها راع غيري، ~~وبينما رجل يسوق بقرة قد حمل عليها فالتفتت إليه فكلمته فقالت إني لم أخلق ~~لهذا ولكني خلقت للحرث، فقال الناس سبحان الله، فقال رسول الله (- صلى الله ~~عليه وسلم -) آمنت بذلك أنا وأبو بكر وعمر -رضي الله عنهما-)) (8). PageV01P303 # وفي هذا الحديث برهان قطعي على تفضيل سيدنا أبي بكر الصديق، وسيدنا عمر ~~-رضي الله عنهما-، إذ تخصيصهما رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) ~~بالإيمان بما ذكر -مع عدم وجودهما في المجلس، كما هو ثابت في الصحيح- ومع ~~وجود غيرهما من الصحابة، صريح في ذلك. # وحين جرى ذكر هذين الهمامين وددنا أن نطرز هذا المصنف ببيان بعض ~~مناقبهما، ms129 وما ورد في حقهما عن رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) إظهارا ~~لما كفر به غلاة المارقين، واتقانا لما سمحت به أنظار المتقنين. # أما أبو بكر فاسمه عبد الله بن أبي قحافة (1)، الصديق (- رضي الله عنه -) ~~كان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، سماه رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) ~~عبد الله، هذا قول أهل النسب، الزبيري وغيره، وأسم أبيه أبي (2) قحافة ~~عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، واسم أمه سلمى، قال ~~محمد بن سلام (3) قلت لابن دأب (4): من أم أبي بكر الصديق (- رضي الله عنه ~~-) فقال: أم الخير. قال أبو عمر (5): ((لا يختلفون أن أبا بكر شهد بدرا مع ~~مهاجرته مع رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) من مكة إلى المدينة، وأنه ~~لم يكن رفيقه من أصحابه في هجرته غيره، وهو كان مؤنسه في الغار إلى أن خرج ~~معه مهاجرا، وهو أول من أسلم من الرجال في قول طائفة من أهل العلم بالسير ~~والخبر، وهو أول من صلى مع رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) فيما ذكر ~~وأولئك (6). # وكان يقال له: عتيق، واختلف العلماء في المعنى الذي قيل له عتيق فقال ~~الليث بن سعد (7) PageV01P304 ~~وجماعة: وإنما قيل له عتيق لجماله وعتاقتة وجهه. وقال مصعب الزبيري (1) ~~وطائفة من أهل النسب: إنما سمي أبو بكر عتيقا لأن رسول الله (- صلى الله ~~عليه وسلم -) قال: ((من سره أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى هذا ~~(2)))؛ فسمي عتيقا بذلك. # حدثني خلف قاسم قال: ح أبو الميمون البجلي قال ح أبو زرعة الدمشقي وح أبو ~~الوارث بن سفيان، واللفظ له وحديثه أتم، قال: دنا سعيد بن منصور قال دنا ~~صالح بن موسى قال اخبرنا موسى بن إسحاق عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم ~~المؤمنين -رضي الله عنها-[106ظ] أنها قالت إني لفي بيت رسول الله (- صلى ~~الله عليه وسلم -) وأصحابه بالفناء وبيني وبينهم الستر إذ أقبل أبو بكر (- ~~رضي الله عنه -) فقال رسول الله (- صلى الله عليه ms130 وسلم -): ((من سره أن ~~ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى هذا)) قالت: وان اسمه الذي سماه به أهله ~~عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو. # وحدثني خلف بن قاسم قال دنا احمد بن محبوب قال دنا محمد بن عبدوس قال دنا ~~دنا أبو بكر بن أبي شيبة قال دنا شيخ لنا قال دنا خالد عن الشعبي قال: سألت ~~ابن عباس أي الناس كان أول إسلاما، فقال: أما سمعت قول حسان بن ثابت (3): ~~[من البسيط] # إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا # خير البرية أنقاها وأعدلها ... بعد النبي وأوفاها بما حملا # والثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدق الرسلا # ويروى أن رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) قال لحسان: ((هل قلت في أبي ~~بكر شيئا))؟ قال نعم، وأنشده هذه الأبيات وفيها بيت رابع: [من البسيط] # وثاني أثنين في الغار المنيف وقد ... طاف العدو به إذ صعدوا الجبلا # فسر النبي (- صلى الله عليه وسلم -) بذلك، وقال: ((أحسنت يا حسان)). وقد ~~روي قيها بيت ... خامس، وهو: ... [من البسيط] # وكان حب رسول الله قد علموا ... خير البرية لم يعدل به رجلا PageV01P305 ~~وروى شعبة (1) عن عمرو بن مرة (2) عن إبراهيم النخعي (3) قال: أبو بكر أول ~~من أسلم. # وأختلف في مكث رسول الله [107و] (- صلى الله عليه وسلم -) في الغار، ~~فقيل: مكث ثلاثا. يروى ذلك عن مجاهد (4). # وقد روي في حديث مرسل (5) أن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) قال ((مكثت ~~مع صاحبي في الغار بضعة عشر يوما مالنا طعام إلا ثمر البرير)) يعني ~~الأراك-، وهذا غير صحيح عند أهل العلم بالحديث والأكثر على ما قاله مجاهد، ~~والله أعلم. # وروى الجريري (6) عن أبي نضرة (7) قال: قال أبو بكر لعلي -رضي الله ~~عنهما-: أنا أسلمت قبلك -في حديث ذكره- فلم ينكر عليه (8). # والصحيح ما ذكرناه في شرح بيت من الأبيات المتقدمة فتذكر. # ومما قيل في أبي بكر (- رضي الله عنه -) قول أبي هيثم بن التيهإن (9) ~~-فيما ذكروا- شعرا: [من الطويل] PageV01P306 ~~وإني لأرجو ms131 أن يقوم بأمرنا ... ويحفظه الصديق والمرء من عدي # أولاك خيار الحي فهربن مالك ... وأنصار هذا الدين من كل معتدي # وقال فيه أبو محجن الثقفي (1): [من الطويل] # وسميت صديقا وكل مهاجر ... سواك يسمى بأسمه غير منكر # سبقت إلى الاسلام والله شاهد ... وكنت جلسا بالعريش المشهر # وبالغار إذ سميت بالغار صاحبا ... وكنت رفيقا للنبي المطهر # وسمي الصديق لمبادرته إلى تصديق رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) في ~~كل ما جاء به، وقيل: بل قيل له الصديق لتصديقه له في خبر الإسراء. وقد ~~ذكرنا الخبر بذلك في غير هذا الموضع. # وكان في الجاهلية وجيها [107] رئيسا من رؤساء قريش، وإليه كانت الاشناق ~~في الجاهلية، والأشناق الديات كان إذا حمل شيئا قالت قريش صدقوه وأمضوا ~~حمالته وحمالة من قام معه أبو بكر، وان احتملها غيره خذلوه ولم يصدقوه. # وأسلم على يد أبي بكر: الزبير وعثمان وطلحة وعبد الرحمن بن عوف. روى ~~سفيان بن عيينة (2) عن هشام بن عروة (3) عن أبيه قال: ((أسلم أبو بكر وله ~~أربعون ألف أنفقها كلها على رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) وفي سبيل ~~الله)) (4). # وقال رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -): ((ما نفعني مال ما نفعني مال ~~أبي بكر)) (5). # وأعتق أبو بكر سبعة كانوا يعذبون في سبيل الله منهم: بلال وعامر بن فهيرة (6). PageV01P307 # وفي حديث التخيير (1) قال علي (- رضي الله عنه -): فكان رسول الله هو ~~المخير، وكان أبو بكر أعلمنا به. # وقال رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -): ((دعو لي صاحبي فإنكم قلتم ~~كذبت وقال لي صدقت (2). وقال رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) في تكليم ~~البقرة والذئب، وما بيناه من اختصاص كمال اليقين فقد تقدم فتذكر (3). # وقال عمرو بن العاص ((يا رسول الله من أحب إليك؟ قال: عائشة. قلت: من ~~الرجال؟ قال أبوها.)) (4). # وروى مالك عن سالم بن أبي النضر (5) عن عبيد بن حنين (6) عن أبي سعيد ~~الخدري قال: قال رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -): ((إن من امن الناس ~~علي في صحبته وماله أبو بكر، لو كنت متخذا ms132 خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ~~ولكن أخوة الإسلام، وقال: سدوا كل خوخة في المسجد [108و] إلا خوخة أبي بكر ~~(- رضي الله عنه -) (7). # روى سفيان بن عيينة عن الوليد عن ابن تدرس (8) عن أسماء بنت أبي بكر ~~الصديق أنهم قالوا لها: ما أشد ما رأيت المشركين بلغوا من رسول الله (- صلى ~~الله عليه وسلم -)؟ فقال: كان المشركون قعودا في المسجد الحرام فتذاكروا ~~رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) وما يقول في آلهتهم، فينا هم كذلك إذ ~~دخل رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) المسجد فقاموا إليه، وكان إذا ~~سألوه عن شيء صدقهم، فقالوا: ألست تقول PageV01P308 ~~في آلهتنا كذا وكذا؟ قال بلى، قالت فتشبثوا به بأجمعهم فأتى الصريخ أبا بكر ~~فقيل له: أدرك صاحبك، فخرج أبو بكر حتى دخل المسجد فوجد رسول الله (- صلى ~~الله عليه وسلم -) والناس مجتمعون عليه، فقال: ويلكم، أتقتلون رجلا أن يقول ~~ربي الله؟! وقد جاءكم بالبينات من ربكم، قال: فلهوا عن رسول الله (- صلى ~~الله عليه وسلم -) وأقبلوا على أبي بكر (- رضي الله عنه -) يضربونه، قالت: ~~فرجع إلينا فجعل لا يمس شيئا من غدائره إلا جاء معه، وهو يقول: تباركت يا ~~ذا الجلال والإكرام)) (1) وروينا من وجوه عن أبي أمامة الباهلي (2) قال: ~~حدثني عمرو بن عبسة (3) قال: ((أتيتت رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) ~~وهو نازل بعكاظ فقلت: يا رسول الله من اتبعك على هذا الأمر؟ قال: حر وعبد: ~~أبو بكر وبلال، قال فأسلمت عند ذلك وذكر الحديث)) (4) اخبرني احمد بن قاسم ~~بن عبد الرحمن التاهرتي (5) البزار قال: حدثنا قاسم بن اصبغ (6) قال: حدثني ~~الحارث بن أبي أسامة (7) ومحمد [108ظ] ابن إسماعيل الترمذي قال: حدثنا عفان ~~(8) قال دنا همام (9) قال دنا PageV01P309 ~~ثابت (1) عن أنس أن أبا بكر الصديق (- رضي الله عنه -) حدثه قال: قلت للنبي ~~(- صلى الله عليه وسلم -) ونحن في الغار لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا ~~تحت قدميه فقال: ((يا أبا بكر: ما ظنك بأثنين الله ثالثهما)) (2) # وروينا أن رجلا من أبناء رسول الله ms133 (- صلى الله عليه وسلم -) قال في مجلس ~~فيه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (3) -: والله ما كان لرسول الله (- ~~صلى الله عليه وسلم -) إلا وعلي معه فيه، فقال القاسم: يا أخي لا تحلف، ~~قال: هلم، قال: بلى، ما لا تروه. قال الله تعالى: {ثاني اثنين إذ هما في ~~الغار} (4) واستخلفه رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) على أمته بعده بما ~~أظهر من الدلائل البينة على صحة ذلك، وبالتعريض الذي يقوم مقام التصريح، ~~ولم يصرح بذلك، لأنه لم يؤمر فيه بشي، وكان لا يضع شيئا في دين الله إلا ~~بوحي، والخلافة ركن من أركان الدين. # ومن الدليل الواضح على ما قلنا ما حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن ~~سفيان قالا دنا قاسم بن أصبغ قال دنا احمد بن زهير (5) قال دنا منصور بن ~~مسلمة الخز اعي (6) واخبرنا احمد بن عبدالله قال دنا الميمون بن حمزة ~~الحسيني بمصر دنا الطحاوي (7) عن المزني (8) قال دنا الشافعي # قال دنا إبراهيم بن سعد (9) عن أبيه عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه ~~قال: أتت الى رسول PageV01P310 ~~الله (- صلى الله عليه وسلم -) امرأة تسأله عن شي، فأمرها أن [109و] ترجع ~~إليه فقالت يا رسول الله: أرأيت إن جئت ولم أجدك -تعني الموت- فقال رسول ~~الله (- صلى الله عليه وسلم -):-إن لم تجديني فأتي أبا بكر)) (1) قال ~~الشافعي (2): في الحديث دليل على أن الخليفة بعد رسول الله (- صلى الله ~~عليه وسلم -) أبو بكر الصديق (- رضي الله عنه -) وروى الزهري عن عبد الملك ~~بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن زمعة بن الأسود (3) قال: ~~كنت عند رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) وهو عليل، فدعاه بلال الى ~~الصلاة، فقال لتأمر من يصلي بالناس قال: فخرجت فإذا عمر في الناس، وكان أبو ~~بكر غائبا، فقلت: قم يا عمر فصل بالناس، فقام عمر (- رضي الله عنه -) فلما ~~كبر سمع رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) صوته وكان مجهرا، فقال رسول ~~الله (- صلى الله ms134 عليه وسلم -) ((فأين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون ~~(4))) فبعث إلى أبي بكر، فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة، فصلى بالناس طول ~~علته حتى مات (- صلى الله عليه وسلم -) وهذا أيضا فيه دلالة على ذلك. حدثنا ~~سعيد بن نصر قال دنا قاسم بن أصبغ قال دنا إسماعيل بن إسحاق القاضي (5) قال ~~دنا محمد بن كثير قال دنا سفيان بن سعيد (6) عن عبد الملك بن عمير (7) عن ~~مولى لربعي بن حراش (8). PageV01P311 # ح أبو بكر بن محمد بن أبي العوام قال: ح أبي أحمد بن يزيد بن أبي العوام ~~قال: دنا محمد بن يزيد الواسطي قال دنا إسماعيل بن أبي خالد (1) عن زر (2) ~~عن عبد الله بن مسعود قال: كان رجوع الأنصار يوم سقيفة بني ساعدة بكلام ~~قاله عمر بن الخطاب (- رضي الله عنه -): ((نشدتكم الله هل تعلمون أن رسول ~~الله (- صلى الله عليه وسلم -) أمر أبا بكر أن يصلي بالناس؟ قالوا: اللهم ~~نعم، قال: فأيكم تطيب نفسه أن يزيله عن مقام أقامه فيه رسول الله (- صلى ~~الله عليه وسلم -) فقالوا: ((كلنا لا تطيب نفسه، ونحن نستغفر الله)) (3). # وروى إسرائيل عن أبي إسحاق عن إبراهيم النخعي عن عبد الرحمن بن يزيد قال: ~~قال عبد الله بن مسعود: ((اجعلوا إمامكم خيركم فإن رسول الله (- صلى الله ~~عليه وسلم -) جعل إماما خيرنا بعده)) (4). # وروى الحسن البصري عن قيس بن عباد قال: قال علي بن أبي طالب (- رضي الله ~~عنه -): أن رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) مرض ليالي وأياما ينادي ~~بالصلاة: مروا أبا بكر يصلي بالناس، فلما قبض رسول الله (- صلى الله عليه ~~وسلم -) نظرت فإذا الصلاة علم الإسلام وقوام الدين فرضينا لدنيانا من رضي ~~[110و] رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) لديننا فبايعنا أبا بكر (5). # وقد ذكر هذا الخبر، وكثيرا مثله في معناه عند قول رسول الله (- صلى الله ~~عليه وسلم -): ((مروا أبا بكر يصلي بالناس)) في التمهيد (6) والحمد لله. # وكان أبو بكر (- رضي الله عنه -) يقول: أنا خليفة رسول الله (- صلى ms135 الله ~~عليه وسلم -) وكذلك كان يدعى: يا خليفة رسول الله، وكان يدعي عمر خليفة أبي ~~بكر صدرا من خلافته حتى تسمى بأمير المؤمنين لقصة سنذكرها في بابه أن شاء ~~الله تعالى. PageV01P312 # قرأت على أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن حكم أن محمد بن معاوية اخبرهم ~~قال دنا الفضل بن الحباب الجمحي (1) قال دنا أبو الوليد الطيالسي (2) قال ~~دنا نافع بن عمر الجمحي (3) عن أبي مليكة (4) قال: قال رجل لأبي بكر يا ~~خليفة الله، قال: لست بخليفة الله، ولكن خليفة رسول الله (- صلى الله عليه ~~وسلم -) وأنا راض بذلك (5). # حدثنا خلف بن قاسم وعلي بن إبراهيم قال دنا الحسن بن رشيق (6) دنا علي بن ~~سعيد ابن بشير دنا أبو كريب دنا عبيد بن حسين الصيدلاني دنا مسعر بن كدام ~~(7) عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة عن علي قال: خير هذه الأمة ~~بعد نبيها أبو بكر وعمر (8). PageV01P313 # وروى محمد بن الحنفية (1) وعبد خير (2) وأبو جحيفة (3) عن علي مثله. # وكان علي (- رضي الله عنه -) يقول: سبق رسول الله (- صلى الله عليه وسلم ~~-)، وثنى أبو بكر، وثلث عمر، ثم خبطتنا فتنة يعفو الله فيها عمن يشاء (4). # وقال عبد خير سمعت عليا [110ظ] يقول: رحم الله أبا بكر كان أول من جمع ما ~~بين اللوحين (5). # وروينا عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب من وجوه انه قال: ولينا أبا بكر ~~فخير خليفة ارحمه وأحناه علينا (6). # قال مسروق: حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة (7). # وكان أبو بكر (- رضي الله عنه -) رجلا نحيفا خفيف العارضين أجنأ (8) لا ~~يستمسك أزرته، تسترخي عند حقويه، معروق الوجه (9) غائر العينين ناتئ ~~الجبهة) عاري الاشاجع (10) PageV01P314 ~~، هكذا وصفته ابنته عائشة (1). # بويع له بالخلافة في اليوم الذي مات فيه رسول الله (- صلى الله عليه وسلم ~~-) في سقيفة بني ساعدة، ثم بويع البيعة العامة يوم الثلاثاء من غد ذلك ~~اليوم، وتخلف عن بيعته سعد بن عبادة وطائفة من الخزرج وفرقة من قريش، وقيل: ~~انه تخلف عنه من ms136 قريش علي والزبير وطلحة وخالد بن سعيد بن العاص ثم بايعوا ~~بعد (2). # وقد قيل: إن عليا لم يبايعه الا بعد موت فاطمة (رضي الله عنها) ثم لم يزل ~~سامعا له يثني عليه ويفضله (3). # حدثنا أحمد بن محمد بن أحمد قال دنا احمد بن الفضل بن العباس قال دنا ~~محمد بن جرير قال دنا محمد بن احمد قال دنا سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق عن ~~عبد الله بن أبي بكر أن خالد بن سعيد بن العاص قدم من اليمن بعد وفاة ~~الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) فتربص ببيعته لأبي بكر شهرين وكان يقول: ~~قد امرني رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) ولم يعزلني ثم بايع أبا بكر، ~~فلما بعث أبو بكر الجنود الى الشام كان أول من [111و] بعث على ربع منها ~~خالد بن سعيد فلم يزل به حتى عزله، وامر يزيد بن أبي سفيان (4)، وكان عمر ~~(- رضي الله عنه -) قد اضطفن عليه تأخره عن بيعة أبي بكر (- رضي الله عنه ~~-) (5). # أخبرنا محمد بن عبد الملك قال دنا ابن الأعرابي (6) قال دنا الحسن بن محمد PageV01P315 ~~الزعفراني (1) قال دنا يزيد بن هارون (2) وأبو قطن وأبو عباد ويعقوب الحفري ~~واللفظ ليزيد قالوا دنا محمد بن طلحة عن أبي عبيدة بن الحكم عن الحكم بن ~~حجل (3) قال: قال علي (- رضي الله عنه -):لا يفضلني أحد على أبي بكر الا ~~جلدته حد المفتري (4). # حدثنا خلف بن قاسم حدثنا عبد الله بن عمر (5)، دنا أحمد بن محمد بن ~~الحجاج دنا يحيى بن سليمان دنا إسماعيل بن علية (6) دنا أيوب النحتياني (7) ~~عن محمد بن سيرين (8) قال: لما بويع أبو بكر أبطأ علي (- رضي الله عنه -) ~~عن بيعته وجلس في بيته، قال: فبعث إليه أبو بكر ما أبطأك؟ أكرهت إمارتي؟ ~~قال: ما كرهت إمارتك ولكني آليت أن لا أرتدي ردائي الا الى صلاة حتى أجمع ~~القرآن، قال ابن سيرين: فبلغني انه كتبه على تنزيله، ولو أصيب ذلك الكتاب ~~لوجد فيه علم كثير (9). PageV01P316 # وذكر عبد الرزاق (1) عن معمر ms137 (2) عن أيوب بن عكرمة (3) قال: لما بويع لأبي ~~بكر تخلف علي (- رضي الله عنه -) عن بيعته، وجلس في بيته، فلقيه عمر فقال: ~~تخلفت عن بيعة أبي بكر، فقال: إني آليت بيمين حيث قبض رسول الله (- صلى ~~الله عليه وسلم -) لا ارتدي برداء الا إلى الصلاة المكتوبة حتى أجمع القرآن ~~فاني خشيت أن ينفلت، ثم خرج فبايعه (4). # وقد ذكرنا جمع علي (- رضي الله عنه -) للقرآن في بابه أيضا من غير [111ظ] ~~هذا الوجه، والحمد لله. # ذكر [ابن] (5) المبارك عن مالك بن مغول (6) عن ابن ابجر (7) قال: لما ~~بويع لأبي بكر جاء أبو سفيان بن حرب الى علي (- رضي الله عنه -) فقال: ~~غلبكم على هذا الأمر أذل بيت في قريش، أما والله لاملأنها خيلا ورجالا، ~~قال: فقال علي (- رضي الله عنه -) مازلت عدوا للإسلام وأهله إنا رأينا أبا ~~بكر لها أهلا وهذا الخبر مما رواه عبد الرزاق عن ابن مبارك (8) حدثنا محمد ~~بن إبراهيم دنا محمد بن أحمد دنا محمد بن أيوب دنا محمد بن عمرو البزار PageV01P317 ~~دنا احمد بن يحيى دنا محمد بن بشير دنا عبيد الله بن عمر (1) عن زيد بن ~~أسلم (2) عن أبيه: أن عليا والزبير كانا حين بويع لأبي بكر يدخلان على ~~فاطمة (رضي الله عنها) ويشاورانها، ويتراجعون في أمرهم، فبلغ ذلك عمر (- ~~رضي الله عنه -) فدخل عليها فقال: يا بنت رسول الله والله ما كان من الخلق ~~أحدا أحب ألينا من أبيك، وما احد أحب إلينا منك، وقد بلغني أن هؤلاء نفر ~~يدخلون عليك، ولئن بلغني لافعلن ولافعلن ثم خرج، وجاءوها فقالت لهم: أن عمر ~~قد جاءني وحلف لئن عدتم ليفعلن، وأيم الله ليفين بها، فانظروا أمركم ولا ~~ترجعوا، فانصرفوا فلم يرجعوا حت بايعوا لأبي بكر (- رضي الله عنه -) (3). # وحدثنا احمد بن محمد بن المفضل دنا محمد بن جرير (4) دنا محمد بن حميد ~~دنا مسلمة (5) عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر إن خالد بن سعيد (6) ~~لما قدم اليمن بعد وفاة رسول الله (- صلى الله ms138 عليه وسلم -) تربص ببيعته ~~شهرين، ولقي علي بن أبي طالب وعثمان PageV01P318 ~~بن عفان (رضي الله عنهما) فقال: يا بني عبد مناف [112و] أقد طبتم نفسا عن ~~أمركم يليه غيركم، فأما أبو بكر فلم يحفل بها، وأما عمر فامتعظها عليه، ~~فلما بعث أبو بكر خالد بن سعيد أميرا على ربع من أرباع الشام وكان أول من ~~استعمل عليها، فجعل عمر يقول له: اتؤمره وقد قال ما قال؟! فلم يزل بأبي بكر ~~حتى عزله، وولى يزيد بن أبي سفيان وقال ابن أبي عزة القرشي الجمحي (1): [من ~~الكامل] # شكرا لمن هو بالثناء خليق ... ذهب اللجاج وبويع الصديق # من بعد ما دحضت بسعد فعلة ... ورجا رجاء دونه العيوق # جاءت به الأنصار عاصب رأسه ... فأتاهم الصديق والفاروق # وأبو عبيدة والذين إليهم ... نفس المؤمل للبقاء تتوق # كنا نقول لها علي والرضا ... عمر وأولاهم بذاك عتيق # فدعت قريش باسمه فأجابها ... إن المنوه باسمه الموثوق (2) # أخبرنا خلف بن قاسم قال: دنا الحسن بن رشيق قال: دنا أبو بشير الدولابي ~~(3) دنا إبراهيم دنا الحميدي (4) يقال دنا سفيان (5) الوليد بن كثير من ابن ~~صياد عن سعيد بن المسيب قال: لما قبض رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) ~~قال أبو أبي بكر (- رضي الله عنه -): أمر جلل! فمن ولي PageV01P319 ~~بعده؟ قالوا: ابنك، قال: فهل رضيت بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة؟ قالوا: ~~نعم قال: لا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منعه الله (1). # ومكث أبو بكر في خلافته سنتين وثلاثة اشهر واثني عشر يوما فقام بقتال أهل ~~الردة، وظهر من فضل رأيه في ذلك [112ظ] وشدته مع لينه مالم يحسب، فاظهر ~~الله به دينه، وقتل على يديه وببركته كل من ارتد عن دين الله، حتى ظهر أمر ~~الله وهم كافرون. # واختلف في السبب الذي مرض فيه، فذكر الواقدي (2): انه اغتسل في يوم بارد ~~فحم، ومرض خمسة عشر يوما. # وقال الزبير بكار (3): وكان به طرف من السل. # وروي عن سلام بن أبي مطيع: أنه سم، والله اعلم. # واختلف أيضا في حين ms139 وفاته، فقال ابن إسحاق: توفي يوم الجمعة لسبع ليال من ~~جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، وقال غيره من أهل السير: انه مات يوم الاثنين، ~~وقيل ليلة الثلاثاء، وقيل عشي الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة هذا قول ~~أكثرهم. # وأوصى أن تغسله أسماء بنت عميس زوجته، فغسلته، وصلى عليه عمر بن الخطاب، ~~ونزل في قبره عمر وعثمان وطلحة وعبد الله بن أبي بكر، ودفن ليلا في بيت ~~عائشة مع النبي (- صلى الله عليه وسلم -) ولا يختلفون أن سنه انتهت إلى حين ~~وفاته ثلاثا وستين الا فيما لا يصح، وانه استوفى بخلافته بعد رسول الله (- ~~صلى الله عليه وسلم -) -سن رسول الله- (- صلى الله عليه وسلم -). PageV01P320 # وكان نقش خاتمه: نعم القادر الله (1) فيما ذكر الزبير بن بكار، وقال غيره ~~كان نقش خاتمه: عبد ذليل لرب جليل (2). # وروى سفيان بن حسين (3) عن الزهري قال: سألني عبد الملك بن مروان (4) ~~قال: رأيت هذه الأبيات التي تروى عن أبي بكر، فقلت لم يقلها حدثني عروة عن ~~عائشة أن أبا بكر لم يقل بيت شعري في الإسلام حتى مات، وانه كان قد حرم ~~الخمر في الجاهلية هو وعثمان [113و] (رضي الله عنهما) (5). # وأما عمر (- رضي الله عنه -) فهو ابن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى ابن ~~رباح بن عبد الله ابن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب القرشي العدوي (- رضي الله ~~عنه -) أبو حفص، وأمه حنتمة بنت هاشم (6) بن المغيرة بن عمر بن مخزوم. # وقد قالت طائفة في أم عمر: حنتمة بنت هاشم (7) بن المغيرة، ومن قال ذلك ~~فقد اخطأ، لو كانت كذلك لكانت أخت أبي جهل بن هشام والحارث بن هشام بن ~~المغيرة، وليس كذلك إنما هي بنت عمهما لان هشام بن المغيرة وهاشم بن ~~المغيرة [أخوان، فهاشم والد حنتمة أم عمر، وهشام والد الحارث وأبي جهل] (8) ~~وهاشم بن المغيرة هذا كان جد عمر لأمه كان يقال له ذو الرمحين. PageV01P321 # ولد عمر (- رضي الله عنه -) بعد الفيل بثلاث عشر سنة. # وروى أسامة (1) بن زيد أسلم ms140 عن أبيه عن جده قال: سمعت عمر (- رضي الله ~~عنه -) يقول: ولدت بعد الفجار الأعظم بأربع سنين. # قال الزبير بن بكار: كان عمر بن الخطاب من أشرف قريش، وإليه كانت السفارة ~~في الجاهلية، وذلك أن قريشا كانت إذا وقعت بينهم حرب أو بينهم وبين غيرهم ~~بعثوه سفيرا. # وإن نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر بعثوه منافرا ومفاخرا ورضو به. قال أبو ~~عمر: ثم أسلم بعد رجال سبقوه. # روى ابن معين (2) عن ابن إدريس عن حصين (3) عن هلال بن يساف (4) قال اسلم ~~عمر بن الخطاب (- رضي الله عنه -) بعد أربعين رجلا وإحدى عشرة أمراة. # قال أبو عمر: فكان إسلامه عزا ظهر به الإسلام بدعوة النبي (- صلى الله ~~عليه وسلم -) وهاجر مع المهاجرين الأولين، وشهد بدرا وبيعة الرضوان وكل ~~مشهد شهده رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) وتوفي وهو عنه راض [113ظ] ~~وولي الخلافة بعد أبي بكر (رضي الله عنهما) بويع له بها يوم مات أبو بكر ~~باستخلافه سنة ثلاث، فسار بأحسن سيرة، وانزل نفسه من مال الله بمنزلة رجل ~~من الناس، وفتح الله له المدائن والشام والعراق ومصر. # ودون الدواوين في العطاء، ورتب الناس فيه على سوابقهم. # وكان لا يخاف في الله لومة لائم، وهو الذي نور شهر الصوم بصلاة الاشفاع ~~فيه، وأرخ التاريخ من الهجرة الذي بأيدي الناس الى اليوم. # وهو أول من تسمى بأمير المؤمنين لقصة نذكرها هنا -أن شاء الله-. # وهو أول من اتخذ الدرة، وكان نقش خاتمه: كفى بالموت واعظا يا عمر. PageV01P322 # وكان آدم شديد الأمة، طوالا، كث اللحية، أصلع، أعسر أيسر، يخضب بالحناء ~~بحتا (1). قال أبو عمر: الأكثر أنهما (رضي الله عنهما) كانا يخضبان. # وقد روي عن مجاهد -إن صح- أن عمر كان لا يغير شيبه هكذا (وصفه زر ابن ~~حبيش وغيره: انه كان آدم شديد الأدمة، وهو الأكثر عند أهل العلم بأيام ~~الناس وسيرهم وأخبارهم). # ووصفه أبو رجاء العطاردي (2) -وكان مفصلا-فقال كان عمر بن الخطاب (- رضي ~~الله عنه -) طويلا جسيما، أصلع شديد الصلع، أبيض، شديد حمرة العينين، ms141 وفي ~~عارضيه خفة، سلبته كثيرة الشعر في أطرافها صهبة. # وقد ذكر الواقدي من حديث عاصم بن عبيد الله بن عمر عن أبيه قال: إنما ~~جاءتنا الأدمة من قبل أخوالي بني مظعون، كان أحدنا لا يتزوج لشهوته الا ~~لطلب الولد، وعاصم بن عبيد الله لا يحتج بحديثه ولا بحديث الواقدي وزعم ~~[114و] الواقدي: أن سمرة عمر وأدمته من أكل الزيت عام الرمادة، وهذا منكر ~~من القول، وأصح ما في هذا الباب -والله اعلم- حديث سفيان الثوري عن سماك عن ~~هلال بن عبد الله: رأيت عمر بن الخطاب رجلا أدما كأنه من رجال سدوس في ~~رجليه روح. # ومن حديث ابن عمر أن رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) ضرب صدر عمر بن ~~الخطاب -حين اسلم- ثلاث مرات ويقول: ((اللهم أخرج ما في صدره من غل وأبدله ~~إيمانا)) (3) يقوله ثلاث مرات. # ومن حديث ابن عمر أيضا قال قال رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -): ((أن ~~الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه)) (4). PageV01P323 # وروى سعد بن إبراهيم (5) عن أبي سلمة (6) عن عائشة قالت: قال رسول الله (- ~~صلى الله عليه وسلم -): ((قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في هذه ~~الأمة أحد فعمر بن الخطاب)) (7) ورواه أبو داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد ~~(8) عن أبيه عن أبي سلمة عن أبي هريرة مثله. PageV01P324 # وروى ابن المبارك عن يونس (1) عن ابن شهاب عن سالم (2) وحمزة (3) ابني عبد ~~الله بن عمر عن ابن عمر قال: قال رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -): ~~((بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت حتى رأيت الري يخرج من أظفاري ثم ~~أعطيت فضلي عمر قالوا [114ظ] فما أوليت ذلك يا رسول الله قال: العلم)) (4). # ورواه معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه قال كنا نحدث أن رسول الله (- صلى ~~الله عليه وسلم -) قال: ((بينا أنا نائم أتيت بقدح فشربت فذكر مثله سواء)). # وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر أن رسول الله (- صلى الله ~~عليه وسلم -) قال: ((دخلت الجنة فرأيت فيها ms142 دارا أو قال قصرا وسمعت فيها ~~ضوضأة فقلت لمن هذا؟ فقالوا لرجل من قريش، فظنت أني أنا هو فقلت من هو: ~~فقيل عمر بن الخطاب، فلولا غيرتك يا أبا حفص لدخلته فبكى عمر فقال أعليك ~~يغار أو قال أغار يا رسول الله)) (5). PageV01P325 # وروى الطيالسي أبو داود (1) عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن أبي سلمة عن أبي ~~هريرة قال: قال رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -): ((رأيتني في المنام ~~والناس يعرضون علي عليهم قمص منها الى كذا ومنها الى كذا, ومر عمر بن ~~الخطاب (- رضي الله عنه -) يجر قميصه فقيل يا رسول الله ما أولت قال ~~الدين)) (1) هكذا رواه إبراهيم بن سعد فيما حدث به الطيالسي. # وأخبرنا خلف بن القاسم قال حدثنا الحسن بن حجاج الزيات الطبراني قال ~~حدثنا الحسن بن محمد المدني قال حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكر قال حدثنا ~~الليث بن سعد قال حدثنا ابن الهادي عن إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ~~ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل بن أبي بكر عن أبي سعيد الخدري انه رأى النبي ~~(- صلى الله عليه وسلم -) يقول: ((بينا أنا نائم والناس يعرضون علي وعليهم ~~[115و] قمص فمنها ما يبلغ الى الثدي ومنها ما دون ذلك وعرض علي عمر بن ~~الخطاب وعليه قميص يجره قال فما أولت ذلك يا رسول الله: قال: الدين)). # وقال علي خير الناس بعد رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) أبو بكر ~~وعمر، وقال (- رضي الله عنه -): ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر. # وروى أبو معاوية (2) عن الأعمش (3) عن أبي صالح عن مالك الدار قال: أصاب ~~الناس قحط في زمان عمر (- رضي الله عنه -) فجاء رجل الى قبر النبي (- صلى ~~الله عليه وسلم -) فقال: يا رسول الله استسق لامتك فإنهم قد هلكوا قال: ~~فأتاه رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) في المنام فقالت ائت عمر فمره ~~يستسقي للناس فإنهم سيسقون، وقل له عليك الكيس الكيس، فأتى الرجل عمر ~~فأخبره قال: ms143 فبكى عمر (- رضي الله عنه -) وقال: يا رب ما آلو الا ما عجزت عنه. . PageV01P326 # قال ابن مسعود: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر (1). # وقال حذيفة (2): كان علم الناس كلهم قد دس في حجر مع علم عمر ولقد كانوا ~~يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم، ولمجلس كنت أجلسه مع عمر أوثق في نفسي من ~~عمل سنة. # وذكر عبد الرزاق عن معمر قال: لو أن رجلا قال عمر أفضل من أبي بكر ما ~~عنفته، وكذلك لو قال علي عندي أفضل من أبي بكر وعمر (رضي الله عنهما) لم ~~أعنفه، إذا ذكر فضل الشيخين واحبهما وأثنى عليهما بما هما أهله، فذكرت ذلك ~~لوكيع (3) فأعجبه واشتهاه. # قال أبو عمر: يدل على أن أبا بكر أفضل من عمر (رضي الله عنهما) [115ظ] ~~سبقه الى الإسلام، وماروي عن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) انه قال: رأيت ~~في المنام أني وزنت بأمتي فرجحت، ثم وزن أبو بكر فرجح)) (4) وفي هذا بيان ~~واضح في فضله. # وقال عمر: ما سابقت أبا بكر الى خير قط الا سبقني إليه، ولوددت أني شعرة ~~في صدر أبي بكر. # وذكر سيف بن عمرو (5) عن عبيدة بن مغيث (6) عن إبراهيم النخعي قال: أول ~~من ولى أبو بكر شيئا من أمور المسلمين، عمر بن الخطاب ولاه القضاء، فكان ~~أول قاض في الإسلام، فقضى بين الناس بالحق، وولى عبد الله بن مسعود لعس ~~المدينة. PageV01P327 # وأما القصة التي ذكرت في تسمية عمر نفسه بأمير المؤمنين فذكر الزبير قال: ~~قال عمر: كان أبو بكر يقال له: خليفة رسول الله فلو قيل له: خليفة خليفة ~~رسول الله، يطول هذا، فقال له المغيرة بن شعبة: أنت أميرنا ونحن المؤمنون ~~فأنت أمير المؤمنين، فقال: فذاك. # حدثني خلف بن القاسم قال حدثنا أبو أحمد الحسين بن جعفر بن إبراهيم قال ~~حدثنا زكريا بن يحيى بن أيوب بن باد العلاف قال حدثنا عمرو بن خالد قال ~~حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن موسى بن عقبة (1) عن الزهري أن عمر بن عبد ~~العزيز سئل ms144 أبا بكر سليمان بن أبي خيثمة لأي شيء كان أبو بكر يكتب من خليفة ~~رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -)؟ وكان عمر يكتب من خليفة أبي بكر؟ ومن ~~أول من كتب عبد الله أمير المؤمنين؟ # فقال: حدثتني الشفاء (2) وكانت من المهاجرات الأول أن عمر بن الخطاب كتب ~~الى عامل [116و] العراق [أن ابعث إلي برجلين جلدين نبيلين أسألهما عن ~~العراق وأهله فبعث إليه عامل العراق] (3) لبيد بن ربيعة العامري، وعدي بن ~~حاتم الطائي، فلما قدما المدينة أناخا راحلتيهما بفناء المسجد، ثم دخلا ~~المسجد فإذا هما بعمرو بن العاص, فقالا له: استأذن لنا على أمير المؤمنين ~~عمر، فقال عمرو: وأنتما والله أصبتما اسمه نحن المؤمنون وهو أميرنا، فوثب ~~عمرو فدخل على عمر فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: ما بدا لك في ~~هذا الاسم؟ أن الله يعلم ليحزنني ما قلت، قال: إن لبيد بن ربيعة وعدي بن ~~حاتم (4) قدما فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد, ثم دخلا المسجد ثم قالا: ~~استأذن لنا يا عمرو على أمير المؤمنين، فهما والله أصابا اسمك أنت الأمير ~~ونحن المؤمنون، قال: فجرى الكتاب من يومئذ قال يعقوب: وكانت الشفاء جدة ~~أمير المؤمنين أبي بكر (- رضي الله عنه -). PageV01P328 # وروينا من وجوه أن عمر بن الخطاب (- رضي الله عنه -) كان يرمي الجمرة فأتاه ~~حجر فوقع على صلعته فأدماه، وثم رجل من بني لهب فقال: أشعر يا أمير ~~المؤمنين, لا يحج بعدها، قال ثم جاء الى الجمرة الثانية فصاح رجل فقال: لا ~~يحج أمير المؤمنين [بعد] عامة هذا فقتل عمر (- رضي الله عنه -) بعد رجوعه ~~من الحج. # قال محمد بن حبيب (1): لهب مكسور اللام قبيلة من قبائل الازد يعرف فيها ~~القيافة والزجر. # قال أبو عمر: وقتل عمر بن الخطاب (- رضي الله عنه -) سنة ثلاث وعشرين في ~~ذي الحجة طعنه أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة لثلاث بقين من ذي ~~الحجة هكذا قال الواقدي وغيره. # قال الزبير: لأربع ليال [116ظ] بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وروى ~~سعيد عن ms145 قتادة عن سالم بن أبي الجعد عم معد بن أبي طلحة اليعمري قال: قتل ~~عمر يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، فكانت ~~خلافته سنين وستة أشهر. # قال أبو نعيم: قتل عمر بن الخطاب (- رضي الله عنه -) يوم الأربعاء لأربع ~~ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وكانت خلافته عشر سنين ونصفا. # أخبرنا عبد الوارث قال دنا القاسم دنا محمد بن عبد السلام (2) دنا ابن ~~أبي عمر دنا سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد (3) قال: سمعت سعيد بن المسيب ~~يقول: قتل أبو لؤلؤة عمر بن الخطاب (- رضي الله عنه -) وطعن معه اثنا عشر ~~رجلا فمات منهم ستة (رضي الله PageV01P329 ~~عنهم) فمال عليه رجل من أهل العراق قد لبس برنسا (1) ثم برك عليه، فلما رأى ~~أنه لا يستطيع أن يتحرك جاد بنفسه فقتلها. # ومن أحسن شيء يروى في مقتل عمر (- رضي الله عنه -) وأصحه ما حدثنا خلف بن ~~قاسم بن سهل قال دنا محمد بن القاسم بن شعبان قال حدثنا أحمد بن شعيب ~~النسائي (2) قال: حدثنا احمد بن سليمان (3) قال حدثنا عبيد الله بن موسى ~~(4) قال دنا إسرائيل (5) عن ابن إسحاق عن عمرو بن ميمون (6) قال: شهدت عمر ~~يوم طعن وما منعني أن أكون في الصف المتقدم الا هيبة، وكان رجلا مهيبا فكنت ~~في الصف الذي يليه [117و] فأقبل عمر فعرض له أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن ~~شعبة فناجى عمر قبل أن تستوي الصفوف ثم طعنه ثلاث طعنات، فسمعت عمر وهو ~~يقول: دونكم الكلب فانه قد قتلني، وماج الناس، وأسرعوا إليه فجرح ثلاثة عشر ~~رجلا، فانكفأ عليه رجل من خلفه فاحتضنه وحمل عمر، فماج الناس بعضهم في بعض ~~حتى قال قائل: الصلاة عباد الله, طلعت الشمس, فقدموا عبد الرحمن بن عوف ~~فصلى بنا بأقصر سورتين في القرآن {إذا جاء نصر الله} (7) و{انا أعطيناك ~~الكوثر} (8). وأحتمل عمر ودخل الناس عليه فقال: يا عبد الله بن PageV01P330 ~~عباس أخرج فناد في الناس أعن ملأ منكم هذا؟، فخرج ابن ms146 عباس وقال: أيها ~~الناس أن أمير المؤمنين يقول: أعن ملأ منكم هذا؟ فقالوا: معاذ الله ما ~~علمنا ولا اطلعنا، فقال: ادعوا إلي الطبيب، فدعي فقال: أي الشراب أحب إليك؟ ~~قال: النبيذ، فسقي نبيذا فخرج من بعض طعناته، فقال الناس هذا دم، هذا صديد، ~~فقال: اسقوني لبنا فسقي لبنا فخرج من الطعنة، فقال الطبيب: لا أرى أن تمسي ~~فما كنت فاعلا فافعل وذكر تمام الخبر في الشورى ,وتقديمه لصهيب في الصلاة ~~,وقوله في علي: إن ولوها الاجلح سلك بهم الطريق المستقيم -يعني عليا- وقوله ~~في عثمان وغيره، فقال له ابن عمر: ما يمنعك أن تقدم عليا؟ قال: أكره أن ~~أتحملها حيا وميتا. # وذكر الواقدي قال: أخبرني نافع (1) عن أبي نعيم عن عامر بن عبد الله بن ~~الزبير عن أبيه قال: غدوت مع عمر بن الخطاب الى السوق وهو متكئ على يدي ~~فلقيه [117ظ] أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة فقال: الا تكلم مولاي يضع عني ~~من خراجي؟ قال: كم خراجك؟ قال: دينار؛ قال: لا أرى أن أفعل، وانك لعامل ~~محسن، وما هذا بكثير، ثم قال له عمر: الا تعمل لي رحا؟ قال: بلى؛ فلما ولى ~~قال أبو لؤلؤة: لأعملن لك رحى يتحدث الناس بها ما بين المشرق والمغرب، قال: ~~فوقع في نفسي قوله، فلما كان في النداء لصلاة الصبح وخرج عمر إلى الناس ~~يؤذنهم للصلاة، قال الزبير: وأنا في مصلاي وقد اضطجع له عدو الله أبو لؤلؤة ~~فضربه بالسكين ست طعنات: إحداهن من تحت سرته من قبله، فصاح عبد الرحمن بن ~~عوف قتل والله أمير المؤمنين فمن يقوم يصلي بالناس، فتقدم عبد الرحمن فصلى ~~بالناس وقرأ في الركعتين {قل هو الله أحد} (2) و{قل يا أيها الكافرون} (3) ~~واحتملوا عمر فادخلوه بمنزله فقال لابنه عبد الله اخرج فانظر من قتلني، ~~قال: فخرج عبد الله بن عمر فقال: من قتل أمير المؤمنين؟ فقالوا: أبو لؤلؤة ~~غلام المغيرة بن شعبة، فرجع فاخبر عمر فقال: الحمد لله الذي لم يجعل قتلي ~~بيد رجل يحاججني بلا إله الا ms147 الله، ثم قال: انظروا عبد الرحمن بن عوف، فذكر ~~الخبر في الشورى بتمامه. PageV01P331 # دنا خلف بن قاسم دنا الحسن بن رشيق دنا الدولابي دنا محمد بن حميد (1) دنا ~~علي عن مجاهد (2) قال: أختلف علينا في شأن أبي لؤلؤة، فقال بعضهم: كان ~~نصرانيا، فحدثنا أبو سنان عن أبي إسحاق الهمداني عن عمرو بن ميمون الاودي ~~قال: كان أبو لؤلؤة ازرق نصرانيا، وقال غيره، كان نصرانيا وجأه [117و] ~~بسكين له طرفان، فلما جرح عمر جرح معه ثلاثة عشر رجلا في المسجد، فلما أخذ ~~قتل نفسه. # وأختلف في سن عمر (- رضي الله عنه -) حيث توفي روي ذلك من وجوه: عن ~~معاوية (3)، ومن قول الشعبي (4)، وروى عبيد الله بن مر عن نافع (5) عن ابن ~~عمر قال: قد توفي PageV01P332 ~~عمر وهو ابن بضع وخمسين سنة، وقال أحمد بن حنبل عن هشيم (1) عن علي ابن زيد ~~عن سالم بن عبد الله: أن عمر قبض وهو ابن بضع وخمسين سنة، وقال الزهري: ~~توفي (- رضي الله عنه -) وهو ابن أربع وخمسين سنة، وقال قتادة (2): توفي: ~~وهو ابن اثنين وخمسين سنة وقيل مات وهو ابن ستين سنة، وقيل مات وهو ابن ~~ثلاث وستين. # حدثنا عبد بن محمد حدثنا إسماعيل بن محمد الصفار دنا إسماعيل بن إسحاق ~~دنا علي بن المديني (3) قال حدثنا حسين بن علي الجعفي (4) عن زائدة بن ~~قدامة (5). PageV01P333 # عن عبد الملك بن عمير (1) قال حدثني أبو بردة (2) وأخي عن عوف بن مالك ~~الاشجعي: انه رأى في المنام كأن الناس قد جمعوا فإذا فيهم رجل فوقهم ثلاث ~~أذرع قال: فقلت من هذا؟ قالوا: عمر، قلت: لم؟ قالوا: لان فيه ثلاث خصال: ~~لأنه لا يخاف في الله لومة لائم، وأنه خليفة مستخلف، وشهيد مستشهد، قال: ~~فأتى أبا بكر فقصها عليه، فأرسل إلى عمر فدعاه ليبشره، قال: فجاء عمر، ~~فقال: أقصص رؤياك، قال: فلما بلغت خليفة مستخلف زبرني عمر فانتهرني وقال: ~~اسكت، تقول هذا وأبو بكر حي، قال فلما كان بعدي ولي عمر مررت بالشام وهو ~~على المنبر [117ظ] قال: ms148 فدعاني وقال: اقصص رؤياك فقصصتها، فلما قلت: انه لا ~~يخاف في الله لومة لائم، قال: أني لأرجو أن يجعلني الله كذلك، فلما: قلت: ~~خليفة مستخلف، قال: قد استخلفني الله، فله أن يعينني على ما ولاني، فلما أن ~~ذكرت شهيد مستشهد، أنى لي الشهادة وأنا بين أظهركم، تغزون ولا أغزو، ثم ~~قال: يأتي بها الله أن شاء الله. # أخبرنا سعيد بن سيد بن سعيد (4) دنا عبد الله بن محمد بن علي دنا احمد بن ~~خالد (5) دنا أبو يعقوب الديري دنا عبد الرزاق بن معمر عن الزبير عن سالم عن ابن PageV01P334 ~~عمر أن النبي (- صلى الله عليه وسلم -): رأى على عمر قميصا أبيض فقال ~~((أجديد قميصك هذا أم عسل؟ قال: بل غسيل، قال: البس جديدا، وعش حميدا، ومت ~~شهيدا، ويرزقك الله قرة عين في الدنيا والآخرة، قال: وإياك يا رسول الله (1). # وروى معمر عن الزهري قال: صلى عمر على أبي بكر حين مات، وصلى صهيب على عمر. # وروي عن عمر انه قال في انصرافه من حجته التي لم يحج بعدها: الحمد لله ~~ولا اله الا الالله يعطي من يشاء ما يشاء، لقد كنت في هذا الوادي-يعني ~~ضجنان-أرعى إبلا للخطاب، وكان فظا غليظا يتعبني إذا عملت، ويضربني إذا ~~قصرت، وقد أصبحت وأمسيت، وليس بيني وبين الله احد أخشاه ثم تمثل (2): [من ~~البسيط] # لا شيء مما ترى تبقى بشاشته ... يبقى الإله ويودي المال والولد # لم تغن عن هرمز يوما خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا [119و] # ولا سليمان إذ تجري الرياح له ... والإنس والجن فيما بينها برد # أين الملوك التي كانوا لعزتها ... من كل أوب إليها وافد يفد # حوض هنالك مورود بلا كذب ... لا بد من وردها يوما كما وردوا # وروينا عن عمر (- رضي الله عنه -) انه قال حين احتضر ورأسه في حجر ابنه ~~عبد الله (رضي الله عنهما) (3): [من الطويل] # ظلوم لنفسي غير أني مسلم ... أصلي الصلاة كلها وأصوم # حدثنا عبد الوارث دنا قاسم دنا جعفر بن محمد الصائغ دنا سليمان بن ms149 داود ~~الهاشمي دنا إبراهيم بن سفيان الزهري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله ~~بن أبي ربيعة (4) عن أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق (- رضي الله عنه -) أن ~~عائشة حدثتها أن عمر (- رضي الله عنه -) أذن PageV01P335 ~~لا زواج النبي (- صلى الله عليه وسلم -) أن يحججن في آخر حجة حجها عمر، ~~قالت: فلما ارتحل من الحصبة (1)، أقبل رجل متلثم فقال: وأنا اسمع: أين كان ~~منزل أمير المؤمنين؟ فقال قائل وأنا اسمع: هذا كان منزله، فأناخ في منزل ~~عمر ثم رفع عقيرته ... يتغنى: ... [من الطويل] # عليك سلام من أمير وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممزق # فمن يجر أو يركب جناحي نعامة ... ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق # قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... بوائج في أكمامها لم تفتق # قالت عائشة: فقلت لبعض أهلي: اعلموا لي من هذا الرجل؟ فذهبوا فلم يجدوا ~~في مناخه أحدا، قالت عائشة: فو الله أني لأحسبه من الجن، فلما قتل عمر ~~[119ظ] (- رضي الله عنه -) نحل الناس هذه الأبيات للشماخ بن ضرار (2) ~~ولأخيه مزرد (3) كانوا أخوة ثلاثة كلهم شاعر. # وروى مسعر عن عبد الملك بن عمير عن رجل عن عروة عن عائشة قالت: ناحت الجن ~~على عمر (- رضي الله عنه -) قبل أن يقتل بثلاث فقالت: [من الطويل] # أبعد قتيل بالمدينة اظلمت ... له الأرض تهتز العضاة بأسوق # جزى الله خيرامن امام وباركت ... يد الله في ذاك الاديم الممزق # قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... بوائق في أكمامها لم تقق # وما كنت أخشى أن تكون وفاته ... بكفي سبنتي أزرق العين مطرق # ويورى: بكفي سبنت، والسبنت والسبنتي النمر والجرى وقد يمد السبنتاء، ~~والمطرق: الحنق، قال المتلمس (4): ... [من الطويل] # فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ... مساغا لنابيه الشجاع لصمما (5) # ويروى لعمر بن الخطاب (- رضي الله عنه -) (6): PageV01P336 # نعت نفسها الدنيا إلينا فاهرعت ... ونادت الا جد الرحيل وودعت # على الناس الدنيا إلى برزخ البلا ... وساقت بنا سوقا حثيثا فاسرعت # على الناس بالتسليم والصبر والرضا ... فما ضاقت الأحوال الا توسعت # وكم من منى للنفس قد ظفرت بها ms150 ... وحنت إلى ما فوقها وتطلعت # سلام على أهل القبور أحبتي ... وان أخلقت أسبابهم وتقطعت [120و] # فما موت الأحياء الا ليبعثوا ... والا لتجزى كل نفس بما سعت # أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال دنا أبو بكر محمد بن ~~بكر قال: دنا أبو داود قال دنا محمد بن سلمة المرادي المصري قال دنا ابن ~~وهب قال حدثني عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر (- رضي الله عنه -) ~~قال: نظر رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) الى عمر وأبي جهل، وهما ~~يتناجيان، فقال: اللهم أعز الإسلام بأحبهما إليك، قال عمر بن محمد فحدثني ~~أبي محمد بن زيد قال: فلما كان من الغد تقلد عمر السيف ثم خرج لطلب رسول ~~الله (- صلى الله عليه وسلم -) فلقى رجلا من المسلمين فقال: يا ابن الخطاب ~~أين تريد؟ قال: أريد هذا الذي صبى وخالف دين قومه يعني رسول الله (- صلى ~~الله عليه وسلم -) فقال الرجل: بئس المشي مشيت، وأراد أن يصرفه عن رسول ~~الله (- صلى الله عليه وسلم -) فقال له عمر: لو اعلم انك صبأت لبدأت بك، ~~قال اتبعد أني وتذهب إلى محمد وقد صبأت أختك، ففزع لذلك فزعا شديدا وذهب ~~الى الدار حتى أتاها، فسمع صوت القرآن يقرؤه خباب ابن الأرت عند زوجها ~~فستأذن عمر، فاختبأ خباب، ودخل عمر فقال: ما هذه الهينمة؟ فقالوا: لا شيء، ~~فجعل يماريهم ويمارونه حتى غضب فقام الى زوجها ليضربه، فقامت وأخذت بحجرته ~~وقالت: هو الذي تكره أشهد أن لا إله الا الله وأشهد أن محمد رسول الله، ~~فسقط في يد عمر، فقال: أين الكتاب الذي كنتم تقرؤن، وعاهد [120ظ] أن لا ~~يضره حتى يرده، وكان قارئا، قالت: إنك رجل جنب ولا يمسه الا طاهر فأغتسل، ~~فذهب فأغتسل، فدفع إليه الصحيفة فيها {طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} ~~(1)، ثم قال: أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أن محمد رسول الله، فكبر، وخرج ~~خباب يكبر، فقال عمر أين رسول الله (- صلى الله عليه ms151 وسلم -) فقال: في دار ~~بني فلان أسفل من الصفا، فخرج حتى دق الباب، ورسول الله في بيت من دار ~~العباس التي في آخر الصفا، فجاء رجل الى رسول الله (- صلى الله عليه وسلم ~~-) فقال: يا رسول الله هلكنا قال: وما ذاك؟ قال: هذا ابن خطاب يستأذن، قال ~~حمزة: افتحوا له الباب، فان يكن الله يرد به PageV01P337 ~~خيرا فذاك، والا كفيتموه، فخرج رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) فقال: ~~ما أراك متهيئا يا ابن الخطاب # حتى يصنع الله بك ما صنع بالوليد وفلان وفلان فضحك فضرب رسول الله (- صلى ~~الله عليه وسلم -) صدره وقال: اللهم أهده، قال عمر: اشهد أن لا اله الا ~~الله واشهد أن محمدا رسول الله، فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها من وراء الدار ~~قال عمر: يا رسول الله كنت مظهرا للشرك واستخفى الإسلام، كلا والذي نفسي ~~بيده، فخرج حتى مر برجلين صاحبي أحاديث فقالا: حياك إلهك يا ابن الخطاب، ~~قال عمر: حياني الهي، الهي غير إلهيكما، فطرحا أرديتهما، وخرجا يشتدان ~~يقولان: صبا ابن الخطاب، فطفق الناس يضربونه بالحجارة والتراب، وكان رجلا ~~قويا [121ظ] فلا يزيد الرجل صكة الا درءه حتى صار في داره فاعز الله ~~الإسلام من حينئذ. # وروي إسلام عمر (- رضي الله عنه -) من وجوه قد جمعها أبو داود السجستاني ~~وغيره (1) كلها متقاربة المعاني، وان اختلفت ألفاظها. # قال الشنفرى: # 36 ... وتشرب أسآري القطا الكدر بعدما ... سرت قربا أحناؤها تتصلصل # الاسئار: جمع سؤر هو البقية في الإناء والفضلة ((يقال: إذا شربت فأسر، أي ~~ابق شيئا من الشراب في قعر الإناء، والنعت منه سأر على غير القياس لان ~~قياسه مسئر، ونظيره أجبره فهو جبار)) (2) ومنه قوله (- صلى الله عليه وسلم ~~-): ((سؤر المؤمن شفاء)) (3). # القطا: طائر معروف. # الكدر: بضم فسكون جمع أكدر، وهو الذي في لونه كدرة، والكدري ضرب من القطا ~~إذ هو ثلاثة أنواع: كدري، وجوني وغطاط، فالكدري: الغبر الألوان، الرقش ~~الظهور والبطون الصفر الحلوق. # وهو ألطف من الجوني فكأنه نسبه الى معظم القطا هو كدر (4). PageV01P338 # والجوني: سود ms152 البطون والأجنحة طوال الأرجل والأعناق، لطاف لا تجتمع أسرابا، ~~أكثر ما تكون ثلاثا أو أثنين (1). # والغطاطا ما عداهما (2). # القرب: بقاف فراء مهملة مفتوحتين الاسم من ((قربت أقرب قرابة مثل: كتبت ~~أكتب كتابة، إذا سرت إلى الماء، وبينك وبينه ليلة، قال الأصمعي: قلت ~~لأعرابي ما القرب؟ قال: سير ليل لورد الغد، قلت: ما الطلق (3)؟ قال: سير ~~الليل لورد الغب (4)، يقال: قرب بصباص وذلك أن القوم يسيمون الإبل، وهم في ~~ذلك يسيرون [121ظ] نحو الماء، فإذا بقيت بينهم وبين الماء عشية عجلوا نحوه، ~~فتلك الليلة ليلة القرب)) (5). # احناؤها: جمع الحنو، وهو كل ما فيه اعوجاج من البدن)) (6) وغيره. # تتصلصل: بتائين مفتوحتين أي تصون، وهو مضاعف صل من الرباعي وهو أن يكون ~~فاؤه من جنس واحد ((يصل صليلا " صوت، كصلصل صلصلة ومصلصلا، واللحام امتد ~~صوته، فإن توهم ترجيع صوت قيل: صلصل (7) وتصلصل، وصل البيض يصل صليلا سمع ~~له طنين عند القراع)) كقول الشاعر (8): # وصليلها بالهام نغمة مزمر PageV01P339 ~~وفي ((المسمار صليلا: ضرب، فاكره أن يدخل في الشيء، والإبل صليلا يبست ~~أمعاؤها من العطش فسمع لها صوت عند الشرب، والسقاء صليلا يبس، واللحم صلولا ~~أنتن، ومصلصل (1)، مصوت، والصلصال الطين الحر خلط بالرمل أو الطين ما لم ~~يجعل خزفا، وصلصل أوعد وتهدد وقتل سيد العسكر، والرعد صفا صوته، والكلمة ~~أخرجها متخذ لقا (2)، والصلصلة والصلصل بقية الماء في الغدير، ومن الدهن ~~والزيت، وكهدهد ناصية الفرس، ويجوز فتحه، أو بياض في شعر الفرس، والقدح ~~والصفير منه وطائر، والراعي الحانق (3)، وفيما نحن الفضل للسابق. # الإعراب:- # وتشرب: الواو عاطفة، وتشرب: فعل مضارع معطوف على أغدو، والأبيات التي ~~بينها اعتراض، وهو قد يكون بأكثر من ذلك، وقد يكون بين مفردين أو بين ~~جملتين [122و] أو بين مفرد وجملة كقولك: علي وإن لم يحمل السلاح شجاع، ~~والثاني كقول الشاعر (4): ... [من الطويل] # فإن تزجراني يا ابن عثمان أنزجر ... وإن تمنعاني أحم عرضا ممنعا (5) PageV01P340 ~~والثالث كقولك: زيد والله يضربك. # اسأري: مفعول به مضاف الى ياء المتكلم. # القطا: فاعل. # الكدر: نعته. # بعد: ظرف زمان منصوب على ms153 الظرفية بتسرب. # وما: موصول حرفي. # سرت: فعل ماض، والتاء الساكنة علامة التأنيث، وفاعله ضمير يعود الى ~~القطا، والموصول الحرفي وصلته محلها الجر بإضافة بعد إليه بعد تأويله ~~بالمصدر. # قربا: قيل حال من فاعل سرت (1)، ولعله بعد التأويل بحذف المضاف أي ذات ~~قرب (2). وادعى السويدي أولوية المفعول المطلق، وجعله بالتأويل أيضا نوعا ~~منه (3)، والأوجه عندي أن يكون مفعولا لأجله مع خلوه عن شوب التأويل، فتأمل. # احناؤها: مبتدأ مضاف إلى الضمير. # تنصلصل: فعل وفاعله ضمير يعود الى الاحناء، والجملة الصغرى محلها رفع على ~~أنها خبر المبتدأ، والكبرى محلها نصب عل أنها ال من فاعل سرت. # وبهذا البيت استشهد النحاة على مجيء الجملة الاسمية حالا مع خلوها عن ~~الواو كما هو مذكور في موضعه من كتب النحو فليرجع (4). # المعنى: # يقول: إني أسبق القطا إلى الماء فارد قبلها، وأستريح فتأتي فتشرب فضلاتي ~~بعد أن وجدت في السرى في الليل المبيح شديدة الظما كثيرة الولع جوانبها ~~لجفافها، وعدم رطوبتها تصوت [122ظ] كالصلصال لعظم ما نلها في أدراك الأمل (5). PageV01P341 # تكميل: # قصد الشنفرى انه أعدى من القطا حيث إنه يسبقها إلى الماء فتأتي بعده ~~فتشرب فضلته، ومع ذلك أنها عطاشى في غاية الحاجة الى الماء بحيث أنهن سرن ~~من الليل لأجل الورد، ومن الواضح انه ((من طبع القطا أنها إذا أرادت الورود ~~ارتفعت من افاحيصها أسرابا لا متفرقة، فتقطع الى حيث طلوع الشمس مسيرة سبع ~~مراحل فحين تقع على الماء، فتشرب نهلا)) (1) قال أبو زياد الكلابي (2) ((أن ~~القطا تطلب الماء من مسيرة عشرين ليلة وفوقها ودونها)) (3)، فادعاؤه سبقها ~~بالعدو وربما ينكره الطبع كيف؟! وقد عدوا (4) من الغريب البعيد ما حكاه ~~الواحدي (5) في شرحه لديوان المتنبي في قوله: [من الكامل] # وإذا المكارم والصوارم والقنا ... وبنات أعوج كل شيء يجمع # أن أعوج فحل كريم كان لبني هلال بن عامر، وانه قيل لصاحبه: ما رأيت من ~~شدة عدوه؟ فقال: ظللت في بادية وأنا راكبه ورأيت سرب قطا يقصد الماء فتبعته ~~وأنا أغض من لجامه حتى توافينا الماء دفعة انتهى (6). PageV01P342 # وهذه ms154 الخيل من نسله التي يقول فيها الشاعر (1): [من الوافر] # تركنا في الحضيض بنات عوج ... عواكف قد خضعن الى النسور # ولقد أرى أن ما دعاه الشنفرى أغرب وأعجب من ذلك؛ إذ الخيل من طبعها العدو ~~والصبر على الاين والتعب، فالمبالغة فيها أهون من [123و] المبالغة في ~~الإنسان (2). # تنبيه: # قال السويدي في شرحه لهذه الأبيات ((بعدما وصف نفسه بقوته وجلادته على ~~الصبر {و} على الجوع، أخذ في وصف نفسه بشدة عدوه)) (3)، أقول: ليت شعري هذه ~~البعدية من أين أخذها اللهم الا أن يقال أراد البعدية في الذكر فتدبر. # وقال أيضا: ((لا يذهب عليك أن المراد من القطا هنا مطلق القطا لا النوع ~~المخصوص بالكدري، ووصفها بالكدري باعتباره اللون الأغلب)) (4). # أقول: كون المراد منه ذلك النوع المخصوص أقرب؛ إذ هو أمدح لان هذا النوع ~~لما فيه من خفه الجناح اشد طيرانا من بقية أنواعه فلا يستقيم ما ذكره الا ~~أن يجاب عنه على بعد بان الرواية إنما جاءت كذلك، فكان اللائق أن ينبه على ~~ذلك خشية ظن الظنون. # استطراد: # توصف القطا بالهداية، والعرب تضرب بها المثل (5) وذلك لأنها تبيض في ~~القفر وتسقي أولادها من البعد في الليل والنهار فتجيء في الليلة المظلمة ~~وفي حواصلها الماء فإذا صارت قبالة أولادها صاحت قطا قطا، فلم تستدل بعلم ~~ولا أشارة ولا شجر PageV01P343 ~~فسبحان من هداها لذلك! قال الشاعر (1): [من الكامل] # فالناس أهدى في القبيح من القطا ... وأضل في الحسنى من الغربان # وقال عنترة العبسي (2) شعرا: [من الطويل] # وأنت التي كلفتني دلج (3) السرى ... وجون القطا بالجهلتين جثوم (4) # وقال مزاحم العقيلي (4) في القطا وفرخها شعرا: [من الطويل] [123ظ] # فلما دعته بالقطاة أجابها ... بمثل الذي قالت له لم يبدل (5) # وأنشد ياقوت في معجم البلدان لأبي العنبس (6) شعرا: [من الخفيف] # كم مريض قد عاش بعد إياس ... بعد موت الطبيب والعواد # قد يصاد القطا فتنجو سليما ... ويحل القضاء بالصياد (7) PageV01P344 ~~نقل بعض أصحاب التواريخ (1) أنه كان بين أبي الفضل المعروف بابن القطان ~~الشاعر المشهور البغدادي (2) وبين الحيص بيص (3) شيء، فقال الحيص بيص ms155 ~~للوزير (4): ... يا مولاي هذا الرجل يؤذيني، قال، وكيف؟ قال: يشير إلى قول ~~الشاعر (5) في تميم: [من الطويل] # تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلت # أرى الليل يجلوه النهار ولا أرى ... خصال المخازي عن تميم تجلت # ولو أن برغوثا على ظهر قملة ... يكر على صفي تميم لولت (6) # قال الشنفرى: # 37 ... هممت وهمت وابتدرنا وأسدلت ... وشمر مني فارط متممل # اللغة: # هممت من الهم وهو القصد والإرادة وتهمم الشيء طلبه (7). PageV01P345 # ابتدرت: بادرت ((مبادرة وبدرا، وابتدره وبدر غيره (1) إليه: عاجله، وبدره ~~الأمر وإليه: عجل (إليه) (2)،واستبقنا (3) البدرى، أي: مبادرين، والبادرة ~~ما يبدر من حدتك (4) في الغضب من قول أو فعل، وشباة السيف، والبديهة، وورق ~~الحواءة (5) وأول ما يتفطر من النبات، وأجود الورس وأحدثه، واللحمة بين ~~[124و] المنكب والعنق)) (6). # وأسدلت: ((سدل الشعر يسدله ويسدله، وأسدله: أرخاه وأرسله، وشعر منسدل ~~(مسترخي) (7) مسترسل، والسدل: بالضم والكسر: الستر جمعه: اسدال وسدول ~~واسدل، وبالكسر: السمط من الدر يطول الى الصدر، وبالتحريك: الميل، وذكر ~~أسدل: مائل جمعه: ككتب، وسدل ثوبه يسدله: شقه (8)، وفي البلاد ذهب، وكأمير ~~شيء يعرض في شقة الخباء، وستر حجاب (9) المرأة)) (10). # شمر: يشمر ((وانشمر وتشمر مرجادا أو مختالا، وتشمر للأمر تهيأ ومشمر ~~كمحدث ماض في الأمور مجرب، والشمر تقليص الشيء كالتشمير، وصرام النحل، وشمر ~~الثوب تشميرا (11): رفعه وفي الأمر خف والسفينة أرسلها، والشمرة بالهاء ~~مشية الرجل الفاسد (12). PageV01P346 # فارط: بفاء مفتوحة فراء مهملة مكسورة آخر الحروف طاء مهملة وصف من ... ~~((فرطت القوم أفرطهم فرطا، أي: سبقهم الى الماء، وأنا فارط والجمع: فراط ~~(1) وفراط القطا متقدماتها الى الوادي والماء)) (2). # متمهل: بكسر الهاء وصف من ((تمهل في أمره، اتأد)) (3) وتأنى. # الإعراب: # هممت: هم فعل ماض، والتاء ضمير الفاعل، وهمت الواو حرف عطف معطوف على ما ~~قبله والتاء الساكنة علامة التأنيث فعل ماض والتاء ضمير الفاعل. # وأسدلت: أسدل فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل ضمير القطا. # وشمر: الواو حرف عطف وشمر فعل ماض. # مني: جار ومجرور متعلق به [124ظ]. # متمتهل: نعت لفارط. # المعنى: # قصدت ورد الماء وأردت وصوله ms156 قبل القطا، وهن أيضا أسرعن بالعدو في طلبه ~~فرطا وأرخت أجنحتها للطيران في إدراك المنال وشمر عن ساقيه وخف في العدو ~~رجل مني سابق متأن من غير استعجال (4). # تنبيه: # ((في هذا البيت مبالغة في الإغراق (5) والغلو في شدة سرعة عدوه من وجهين: ~~أحدهما: التجريد (6) وهو انه بالغ في عدوه بحيث كأنه جرد منه مثله ... ~~كقوله (7): [من الطويل] # وشوهاء تعدو بي الى صارخ الوغى ... بمستلئم مثل البعير المرحل PageV01P347 ~~وثانيهما: سبقه للقطا مع سرعة طيرانها وشدة ظمأها وهو غير مجد في العدو بل ~~كان متوانيا فيه متمهلا. # تنبيه آخر: # في تقديم همه على همها إشعار بأن القطا قصدت مسابقته الى الورود وقد ~~سبقها قصدها ذلك ففيه مبالغة في شدة عدوه إذ من قصد المسابقة في شيء بذل ~~جهده فيه بخلاف من يتفق له من غير قصد، وقد خلا عن هذا المعنى شرح السويدي ~~فخذه وكن من الشاكرين. # فائدة: # نظير ذلك في المبالغة قول الطغرائي (1) يصف خيلا: [من الكامل] # سبقت حوافرها النواظر فاستوى ... سبق الى غايتها وظعون # لولا ترامي الغائبين لا قسم الرا ... ؤون أن حراكها تسكين # وتكاد تشبهها البروق لو أنها ... لم يعتقلها أعين وظنون [125و # والبيت الأول مأخوذ من قول أبي الطيب المتنبي (2): [من المنسرح] # يقلبهم وجه كل سابحة ... أربعها قبل طرفها تصل # قيل إن أبا الحارث الثعلبي (3) قال عند سماع هذا البيت: ((كأن عينيها في ~~استها)) (4) وللصفي الحلي (5): ... [من الكامل] PageV01P348 ~~وأغر تبري الاهاب مورد ... سبط الأديم محجل ببياض # أخشى عليه أن يصاب بأسهمي ... مما يسابقها إلى الاغراض (1) # وله (2): ... [من البسيط] # وأدهم يقق (3) التحجيل ذي مرح ... يميس من عجبه كالشارب الثمل # مضمر مشرف (4) الأذنين تحسبه ... موكلا باستراق السمع عن زحل # ركبت منه مطاليل تسير به ... كواكب تلحق المحمول بالحمل # إذا رميت سهامي فوق صهوته ... مرت بهاديه وانحطت عن الكفل # وقال أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي يمدح أبا الفضل سعد الدولة أبا ~~المعالي (5) بن سيف الدولة فمنه قوله: [من الوافر] # يكاد سباق حجرته ليغني ... عف الأقدار صوانا وابتذالا # نشأن مع ms157 النعام بكل واد ... فقد ألفت نتائجها الرئالا # ولما لم يسابقهن شيء ... من الحيوان سابقت الظلالا # ترى أعطافها ترمي حميما ... كأجنحة البزاة رمت نسالا [125ظ] # وقد ذابت بنار الحقد منها ... شكائمها فمازجت الروالا # يذقن بني العصاة اليتم صرفا ... ويتركن الجاذر والسخالا # فما يرمين بالآجال إجلا ... ويرمين المقانب والرعالا # يغادرن الكواعب حاسرات ... تنال من العداة من استنالا # يغالين المدارع والمدارى ... ويرخصن المناصل والنضالا # يمل بها السباسب والمرامي ... فتى لم تحش همته ملالا (6) # وقال ابن مقرب (7): [من الرمل] PageV01P349 ~~أين عزمي أنا المانعها ... يوم تأتي مشرئبات الهوادي # تعثر العقبان في عثيرها ... وتظل الشمس منها في حداد # حاملات للوغى كل فتى ... محصد النجدة مسترخي النجاد # استطراد: # العرب تصف القطا بحسن المشي، وتشبه مشي النساء الخفرات بمشيها ومن أحسن ~~ما قيل في ذلك قول هند بنت عتبة (رضي الله عنها) زوج أبي سفيان (- رضي الله ~~عنه -) في يوم أحد، وهي إذ ذاك قبل إسلامها تحرض المشركين بشعرها (1): [من الرجز] # نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق # مشي القطا النواتق ... أن تقبلوا نعانق # أو تدبروا نفارق # الى آخر الرجز، وتمامه مذكور في سيرة الحلبي (2) في غزوة أحد. # ونقل عن يحيى بن عبد الملك الهديري (3) قال: صليت ليلة وراء الضحاك بن ~~عثمان الحزامي (4) [126و] في مسجد رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) وأنا ~~متقنع فذكر الضحاك وأصحابه قول هند ابنة عتبة (رضي الله عنها) يوم أحد: نحن ~~بنات طارق ... ، ثم قالوا: ما الطارق؟ فقلت: النجم، فالتفت الضحاك وقال: ~~كيف ذلك؟! قلت: لقوله تعالى PageV01P350 ~~: {والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب ... } (1)، فكأنها ~~قالت: نحن بنات النجم؛ فقال: أحسنت. # ومرادها بالقطا النواتق: الكثيرة الأولاد، قال الجوهري: ((نتقت المرأة ~~إذا كثرت أولادها فهي ناتق ومنتاق)) (2). # ومن هذا الحديث الذي رواه ابن ماجه أن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) ~~قال: ((عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها وأنتق أرحاما وأرضى باليسير)) (3). # قال الشنفرى: # 38 ... فوليت عنها وهي تكبو لعقره ... يباشره منها ذقون وحوصل # اللغة:- # وليت: من التولية، أي: أدبرت وأعرضت46). # وتكبو: مضارع ((كبا كبوا وكبوا: ms158 انكب على وجهه، والزند لم يور كأكبى)) (5) 0 # قال ابن مقرب (6): [من البسيط] # الى متى في طلاب العز تنتظر ... بأي عذر إلى العلياء نعتذر # لا الزند كاب ولا الآباء مقرفة ... ولا بباعي عن باع العلى قصر PageV01P351 ~~((والجمر (1): ارتفع، واسم الكل: الكبوة، والكوز صب ما فيه، والنبت ذوى ~~والغبار علا، وككساء عود البخور أو ضرب منه، وتكبى على المجمرة: أكب عليها ~~بثوبه (2)، كاكتبى، وأكبى وجهه: غيره، والكبوة: العثرة، والوقفة منك لرجل ~~[126ظ] عند الشيء الذي تكرهه، والهيثم بن كابي [محدث، وهو كابي] (3) ~~الرماد: عظيمه)) (4). # العقر: بالضم ((مؤخر الحوض أو مقام الشارب (5) منه، ومعظم النار ومجتمعها ~~ووسط الدار وأصلها وتفتح والطعمة وخيار الكلأ كعقاره، وأحسن أبيات القصيدة ~~واستبراء المرأة لتنظر أبكرا أم غير بكر، وفي النخلة أن يكشط ليفها ويؤخذ ~~جذبها، والسحاب الأبيض أو غيم ينشأ من قبل العين (6) فيغشى عين الشمس وما ~~حواليها أو ينشأ في عرض السماء فيمر ولكن تسمع رعده من بعيد، والبناء ~~المرتفع، وكل أبيض)) (7). # يباشره: من المباشرة يقال: ((باشر الأمر إذا وليه بنفسه، والمرأة جامعها ~~أو صارا في ثوب واحد فباشرت بشرته بشرتها)) (8). # الذقون: جمع ذقن وهو ((مجتمع اللحيين من أسفلهما (9) ويكسر مذكر جمع ~~أذقان [مثقل] (10) استعان بذقنه)) (11).يضرب مثلا لمن استعان بأذل منه، ~~وأصله البعير PageV01P352 ~~الحوصل: ((والحوصلة وتشدد لامها من الطير كالمعدة للإنسان، والحوصلة أسفل ~~البطن الى العانة من كل شي، ومن الحوض مستقر الماء في أقصاه كالحوصل، ~~والمحوصل: من يخرج أسفله (3) من قبل سرته كالحبلى، والحوصل: شاة عظم من ~~بطنها ما (4) فوق سرتها)) (5). # الإعراب: # فوليت: الفاء عاطفة، وولى: فعل ماض والتاء ضمير الفاعل، والجملة معطوفة ~~على جملة محذوفة، والتقدير: شربت فوليت. [127و]. # وهي: الواو للحال، وهي: مبتدأ. # تكبو: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير يعود إلى القطا، والجملة الصغرى ~~محلها الرفع على الخبرية للمبتدأ، والكبرى النصب على الحال من ضمير عنها. # لعقره: اللام حرف جر، وعقر اسم مجرور بالام مضاف إلى الضمير، والجار ~~والمجرور متعلق بتكبو، واللام بمعنى في أو على (6) فاختر لنفسك ايهما شئت. # يباشرها: ms159 فعل مضارع ومفعول، منها: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال مقدم. # والذقون: فاعل يباشر، وهو صاحب الحال. # وحوصل: معطوف عليه. # المعنى: # يقول: بعدما شربت ورويت طبت نفسا من الماء، وعنه ألويت، وتباعدت PageV01P353 ~~عنها لأنظر ما تصنع من شدة الظمأ، وفرط الجزع، والحال أنها دفعت على وجوهها ~~في مؤخر المنهل، وعيل صبرها عن مقدمه الى أن تصل، ولم تكتف بإدخال مناقرها ~~الماء، وتكاد قبله تهلك من الجزع في طلبه، ((بل أدخلت فكها وحواصلها كما هو ~~شأن الصادي الذي تناهى ظمؤه)) (1) وبولغ في وصفه، ولذلك قال: يباشره منها ~~ذقون وحوصل .. واخبر بأنه أقوى جلدا في العدو منها وعلى الظمأ أصبر. # تكميل: # قوله: يباشره منها ذقون وحوصل فيه مجاز عقلي من باب الإسناد إلى الآلة ~~والذقون والحواصل آلة المباشرة للمنهل المدلول عليه بذكر تشرب في البيت ~~المتقدم لأ سأري كما قال بعض شارحي (2) [127ظ] هذه القصيدة إذ السئور ~~البقية من كل شيء فلا دلالة على خصوص في تشرب فتأمل. # ونظير هذا قوله تعالى: {حتى توارت بالحجاب} (3) فإن الضمير من توارت يعود ~~الى الشمس المدلول عليها بذكر العشي السابق، وفي عود الضمير على المتقدم ~~لفظا ومعنى وحكما كلام طويل الذيل ومديد السيل محله كتب البيان فليراجع (4). # وفي جمع الذقون وإفراد الحواصل نكتة وهي أن الطائر إذا شرب عن ظمأ ادخل ~~كل ذقنه في الماء وطرف المتقدم من حوصله فجمع الذقن باعتبار الأجزاء أي كل ~~جزء منه باشر الماء بخلاف الحوصل. # استطراد: # ((حكم القطا الحل بالإجماع، وعند الرافعي (5) والأصحاب (6) في كتاب الحج (7) PageV01P354 ~~أنهم أوجبوا على المحرم إذا قتل قطاة شاة، وان كان لا مثل له من النعم ~~لأنها عدوها من الحمام، وقد عدها الجوهري أيضا منه (1)، والمشهور خلافه)) (2). # وفي المثل قيل: ((أنسب من قطاة)) (3)، وهو من النسبة، وذلك أنها إذا صوتت ~~فإنها تنتسب لأنها تصوت باسم نفسها فتقول: قطا قطا. # وقالوا: ((لو ترك القطا ليلا لناما)) (4)، وذلك أن عمر بن مارية نزل على ~~قوم من مراد فطرقوه ليلة فأشاروا القطا ليلا من أماكنها فرأت امرأة منهم ms160 ~~القطا فايقضت زوجها وقالت: إنها هذا القطا [128و] لو ترك القطا ليلا لناما، ~~يضرب لمن حمل على مكروه من غير إرادته، وقيل: قالته اسمها حذام لما رأت ~~القطا ليلا فقالت: [من الوافر] # الا يا قومنا ارتحلوا وسيروا ... فلو ترك القطا ليلا لناما # فلم يلتفتوا الى قولها؛ فصبحتهم الغارة فقام رجل منهم فقال: [من الوافر] # إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام (5) # يضرب هذا البيت لمن هو مجرب بالصدق، وحذام مبني على الكسر مع وقوعه فاعلا ~~في موضعين كما هو مذكور في موضعه من كتب النحو (6). # ولهذه الخصوصية في قطع المسافة البعيدة تمنى بعض الشعراء (7) إعارة جناحه ~~حتى يصل الى محبوبه دون غيره، حيث قال (8): [الطويل] PageV01P355 ~~أسرب القطا هل من يعير جناحه ... لعلي إلى من قد هويت أطير # وهذا البيت فيه شاهدان: احدهما أن (من) الغالب أن يكون لذوي العقول وقد ~~ورد مجيئها لغيرهم كما هنا. # والثاني: تنزيل القطا منزلة من يعقل وندائه، والقرينة فيه كون الإعارة ~~والاستعارة من وظائف ذوي العقول، ونظيره قوله تعالى: {يا أرض أبلعي ماءك ~~ويا سماء أقلعي ... } (1) وذكر في شرح ذلك صاحب الكشاف (انه نادى الأرض ~~والسماء بما ينادى به الحيوان المميز على لفظ التخصيص والإقبال عليهما ~~بالخطاب من بين سائر المخلوقات، وهو قوله: {يا أرض أبلعي ماءك ويا سماء ~~أقلعي ... }، ثم يؤمر بما يؤمر به أهل التمييز والعقل في قوله {ابلعي ماءك} ~~و{أقلعي} [128ظ] من الدلالة على الاقتدار العظيم، وان السموات والأرض وهذه ~~الأجرام العظام منقادة لتكوينه فيها ما يشاء غيره ممتنعة عليه، كأنها عقلاء ~~مميزون قد عرفوا عظمته وجلالته وثوابه وعقابه وقدرته على كل مقدور، وتبينوا ~~تحتم طاعته عليهم وانقيادهم له، وهم يهابون ويفزعون من التوقف دون الامتثال ~~له، والنزول على مشيئته على الفور من غير ريث، فكما يرد عليهم أمره كان ~~مأمور به مفعولا لاحس وإبطاء.،والبلع: عبارة عن النشف.، والإقلاع: ~~الإمساك.، يقال: اقلع المطر وأقلعت الحمى {وغيض الماء} من غاضه إذا نقصه ~~{وقضي الأمر} ونجز ما وعد الله به نوحا من ms161 هلاك قومه {واستو} واستقرت ~~السفينة {على الجودي} وهو جبل بالموصل وقيل بعدا} يقال: بعد بعدا أو بعدا، ~~إذا أرادوا البعد البعيد من حيث الهلاك والموت ونحو ذلك، ولذلك اختص بدعاء السوء. # ومجيء أخباره على الفعل المبني للدلالة على الجلال والكبرياء، وان تلك ~~الأمور العظام لا تكون الا بفعل [فاعل] قادر، وتكوين مكون قاهر، وان فاعلها ~~فاعل واحد لا يشارك في أفعاله، فلا يذهب الوهم الى أن يقول غيره: يا أرض ~~ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي، ولا أن يقضي ذلك الأمر الهائل غيره، ولا أن ~~تستوي السفينة على متن الجودي وتستقر عليه [129و] الا بتسويته وإقراره، ~~ولما ذكرنا من المعاني والنكت استفصح علماء البيان هذه الآية ورقصوا لها ~~رؤوسهم، لا لتجانس الكلمتين وهما قوله PageV01P356 ~~{ابلعي} و{أقلعي} وذلك وإن كان لا يخلي الكلام من تحسين، فهو كغير الملتفت ~~إليه بإزاء تلك المحاسن التي هي اللب وما عداها قشور)) (1). # قال الشنفرى: # 39 ... كأن وغاها حجرتيه وحوله ... أضاميم من سفر القبائل نزل # اللغة: # الوغى: ((كالفتى وكالرمى الصوت والجلبة، ووغية (2) من خير نبذة منه)) (3) ~~وسميت الحرب بذلك كقوله (4): [من الطويل] # أخا الطعن سل عنه الصوارم في الوغا ... إذا غمرات الموت فيها تجلت # لما فيها من الصوت والجلبة (5). # الاضاميم: ((جمع إضمامة وهي الجماعة، يقال للفرس: سباق الاضاميم)) (6). # السفر: جمع لمسافر كصحب وصاحب ويقال ((رجل سفر وقوم سفر وسافرة وأسفار ~~وسفار ذوو (7) سفر لضد الحضر، والسافر المسافر لا فعل له، والقليل اللحم من ~~الخيل، وبهاء أمه من الروم كأنه لبعدهم وتوغلهم في المغرب، ومنه الحديث: PageV01P357 # ((لولا أصوات السافرة لسمعتم وجبة الشمس)) (1) والمسفر الكثير الأسفار، ~~والقوي على السفر)) (2). # القبائل: جمع قبيلة، وهي ((الزوج والجماعة من الثلاثة فصاعدا من أقوام ~~شتى، ((قد يكونون)) (3) [في القاموس] من نجر واحد، وربما [129و] كانوا بني ~~أب واحد)) (4). # نزل: جمع نازل ((والنزول الحلول يقال نزلهم ونزل بهم وعليهم ينزل منزلا ~~ونزلا حل ونزله (5) ((نزله)) [في القاموس] تنزيلا وأنزله ومنزلا كمجمل ~~وتنزل حل في مهلة (6) والنزل بضمتين المنزل وما هيئ للضيف أن ينزل كالنزل)) ms162 (7). # الإعراب: # كأن: حرف من المشبهة بالفعل تنصب الاسم وترفع الخبر، ومعناها التشبيه كما ~~تقدم حكمها. # وغاها: اسمها مضاف الى الضمير. # حجرتيه: منصوب على الظرفية المكانية. # وحوله: معطوف عليه من قبيل عطف المتقاربين أو المتماثلتين. # اضاميم: مرفوع على انه خبر كان. # من سفر: جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لا ضاميم. # نزل: صفة بعد صفة. # المعنى: # كأن أصوات القطا وجلبتها حول المنهل، أصوات جماعات القبائل في ناحيته PageV01P358 ~~نزل (1). # قال بعضهم: ((مقتضى التشبيه بالاضاميم القبايل أن المراد من القطا أصناف ~~لاصنف واحد)) (2). # أقول: فيه أن التشبيه إنما يدل على الكثرة فقط لا على تعدد الأصناف فلا ~~ينافي ما حققناه سابقا أن المراد نوع القطا. # وقوله: توافين لا يؤيده أيضا كما هو ظاهر، فليت شعري ما الذي دعا هذا ~~القائل الى هذا الوجه مع بعد ما قلناه عن مظان التهم، فإن قلت موافاتهن من ~~شتى الى المنهل، وقوله، هممت ينافي المسابقة إذ الهم منها مع همه ليس من ~~جهة واحدة [130و] فقط، والمسابقة لا تتصور مع اختلاف الجهة. # قلت: لا يبعد أن يكون قوله: كأن وغاها ... البيت، لإثبات أن هذا المنهل ~~مما تعرفه القطا، ويقصدنه كم كل جهة، وأن القطا الذي سبقهن إليه عارفات به، ~~وبجهته، مهتديات إليه، مع ذلك قد سبقتهن ففيه مبالغة في شدة عدوه؛ إذ السير ~~مع معرفة القصد ليس كالسير مع عدمها، فخذ هذا وكن من الشاكرين. # تنبيه (3): # تشبيه أصوات القطا بأصوات القبائل النازلين حول المنهل يقتضي مكت القطا ~~حول الماء بعد وروده؟ وهو كذلك لأنها حيث وقوعها عليه تشرب نهلاكما تقدم ~~بيان فتقيم عليه متشاغلة مقدار ساعتين أو أكثر ثم تعود إليها ثانيا، وهو ~~العلل (5). # استطراد: # قد قال بعض الشعراء يصف عدو جواد، ويبالغ فيه شعرا (6): [من الكامل] # قد كاد يخرج سرعة من ظله ... لو كان يرغب في فراق حبيبي PageV01P359 ~~وقد استشهد النحويون بهذا البيت على معنى لو وانه ما رغب فلم يخرج ... وقول ~~آخر (1): [من الوافر] # يذيب الرعب منه كل عضب ... فلولا الغمد يمسكه لسالا # وتفصيله مذكور في ms163 كتب النحو فليراجع. # وهذه مبالغة عظيمة في وصف هذا السيف، مثله في إثبات الفريص للموت في قول ~~الآخر (2): [من الكامل] # أسد دم الأسد الهزبر خضابه ... [130ظ] ... ليث فريص الموت منه يرعد # حيث شبه الموت بالرجل، وخيل له بالفريص، ورشحه بإثبات الرعد. # قال الشنفرى: # 40 ... توافين من شتى إليه فضمها ... كما ضم إذواد الأصاريم منهل # اللغة: # توافين: تتاممن (3)، ((وتوافى القوم: تتاموا (4)، والوفاء: الطول، يقال: ~~[مات] (5) فلان وأنت بوفاء، أي: بطول عمر، تدعوا له بذلك، [والوافي] (6) ~~درهم وأربعة دوانيق)) (7). # شتى: بشين مفتوحة، وبمثناة فوقية مشددة، آخر الحروف ألف مقصورة: جمع ~~شتيت، كمرضى ومريض، أي متفرق (8). # ضمها: من ((الضم، وهو قبض شيء الى شيء وقد ضمه فانضم إليه وتضام وضامه ~~واضطم الشي جمعه الى نفسه، وكغراب ماضم به شيء الى شيء، والضم والضمام ~~بكسرهما الداهية الشديدة، قال صاحب القاموس: وكأنه تصحيف والصواب PageV01P360 ~~بالصاد، والاضمامة بالكسر الجماعة، وكصبور كل واد يسلك (1) بين أكمتين ~~طويلتين، والضمضم: الغضبان والأسد الغضبان وضمضم شجع قلبه، وعلى المال أخذه ~~كله، والأسد صوت، والضمة الحلبة (2) في الرهان، وفرس سباق الاضاميم أي ~~جماعات الخيل واضطم عليه اشتمل)) (3). # أذواد: جمع ((ذود، السوق والطرد والدفع كالذياد، وهو ذائد من ذود وذادة ~~وثلاثة أبعرة الى العشرة أو خمس عشرة (4) [131و] أو عشرين أو ثلاثين أو ما ~~بين الثنتين (5) والتسع ولا يكون الا من الإناث، وهو واحد وجمع أو جمع لا ~~واحد له، أو واحد، وقولهم ((الذود الى الذ! ود ابل)) (6)، يدل على أنها في ~~موضع اثنتين (7)، لان الثنتين الى الثنتين جمع، كمنبر اللسان ومعلف (8) ~~الدابة، ومن الثور قرنه، والذائد فرس من نسل الحرون، والرجل الحامي الحقيقة ~~(9) كالذواد، ولقب امرئ القيس (10) ... لقوله: [من المتقارب] # أذود القوافي عني ذيادا (11) ... ذياد غلام غوي جرادا # والمذاذ المرتفع، وأذودته (12) أعنته على ذياد أهله)) (13). PageV01P361 # ونقل بعضهم رواية في البيت أنها ازواد (1) بالزاء، والصحيح ما بيناه. # الأصاريم: بفتح الهمزة والصاد المهملة جمع صرم بكسر فسكون وهي ... ~~((الجماعة ويجمع على أصرم وأصارم وصرمان بالضم)) (2). # منهل: ((هو عين ماء ترده الإبل في المراعي، ms164 وتسمى المنازل التي في ~~المفاوز على طرق السفار مناهل؛ لأن فيها ماء، والناهلة المختلفة [الى ~~المنهل] (3)، والناهل من الأضداد (4) ويقال على العطشان والريان)) (5). # الإعراب: # توافين: فعل ماض ونون الإناث ضمير الفاعل. # من شيء: جار ومجرور متعلق به أيضا. # فضمها: الفاء عاطفة، ضم فعل ماض ومفعول الضمير، والفاعل ضمير يعود [131ظ] ~~الى الماء، ويجوز جعل فاعله آخر البيت كما لا يخفى على من تضلع علم النحو. # كما: الكاف صفة مصدر محذوف وما مصدرية. # ضم: فعل ماض، وفاعله منهل آخر البيت، أو ضمير مستتر عائد إليه، وان تأخر ~~باللفظ فإنه متقدم في الرتبة فتذكر. # والموصول الحرفي وصلته في محل جر بإضافة الكاف إليه. # أذواد: مضاف إلى الأصاريم. # المعنى: # إن هذه القطا تتامهن الى هذا الماء من أماكن متفرقة، وتعدد جهات، فضمها ~~واشتمل عليها، كما ضم المنهل إبل الجماعات (6) PageV01P362 ~~استطراد: # ما أحسن قول كعب بن زهير (- رضي الله عنه -) حيث قال في وصف محبوبته ... ~~شعرا (1): [من البسيط] # تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كأنه منهل بالراح معلول # وهذا ممن أهدر دمه (- صلى الله عليه وسلم -) في الحل والحرام، وهو ابن ~~زهير بن أبي سلمى بضم السين بن رباح بن قرط بن حارثة المزني. # وزهير هذا هو الذي أثنى على هرم بن سنان الذي أشار الابوصيري إليه بقوله ~~شعرا (2): [من البسيط] # ولم أرد زهرة الدنيا التي اقتطفت ... يدا زهير بما أثنى على هرم # وله الميمية من المعلقات التي أولها (3): [من الطويل] # أمن أم أوفى دمنة لم تكلم ... بحومانة الدراج فالمتثلم # وكان كعب وأبوه من فصحاء العرب وبلغائهم. # روي أن كعبا وشقيقه بجير على وزن زهير خرجا الى ابرق العزاف (4) فقال ~~بجير لكعب: اثبت في الغنم حتى أتي هذا الرجل (يعني رسول الله (- صلى الله ~~عليه وسلم -)) فاسمع كلامه، واعرف ما عنده، فأقام كعب، ومضى بجير فأتى ~~النبي (- صلى الله عليه وسلم -) وسمع كلامه، وآمن به، وذلك أن زهير كان ~~يجالس أهل الكتاب، وسمع منهم انه قد حان مبعثه (- صلى الله عليه وسلم -) ~~ورأى ذات ms165 ليلة في المنام انه قد مد بسبب من السماء، فأراد أن يتناوله فمد ~~يده فقام، فأوله بالنبي (- صلى الله عليه وسلم -) وانه هو الذي يبعث في آخر ~~الزمان، انه لا يدركه؛ فأخبر بنيه بذلك ووصاهم بالإسلام أن أدركوه، ثم لما ~~بلغ كعبا إسلام أخيه بجير، أغضبه ... ذلك فقال (5): ... [من الطويل] # الا ابلغا عني بجيرا ارسالة ... فهل لك فيما أنت ويحك هل لكا # سقاك بها المأمون كأسا روية ... فأنهلك المأمون منها وعلكا # ففارقت أسباب الهدى وتبعته ... الىي شيء ويب غيك دلكا PageV01P363 ~~على مذهب لم تلف اما ولا أبا ... عليه ولم تعرف عليه أخا لكا # فلما أرسل هذه الأبيات المتقدمة إلى أخيه أخبر بها رسول الله (- صلى الله ~~عليه وسلم -) فلما سمع سقاك بها المأمون؛ قال: ((مأمون والله)) ولما سمع ~~قوله: على مذهب لم تلف اما ولا أبا قال ((أجل لم يلف أباه [132ظ] ولا أمه)) ~~ثم أن رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) قال لأصحابه (رضي الله عنهم) ~~((من لقي منكم كعب بن زهير فليقتله)) فكتب إليه أخوه بجير هذه الأبيات (1): ~~[من الطويل] # فمن مبلغ كعبا فهل لك في اللنني ... تلوم عليها باطلا وهي أحزم # الى الله لا العزى ولا اللات وحده ... فتنجو إذا كان النجاء وتسلم # لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت ... من الله الا طاهر القلب مسلم # وكتب بعد هذه الأبيات: أن رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) قد أهدر ~~دمه، وأنه قد قتل رجلا بمكة كان يهجوه، وان من بقي من شعراء قريش كابن ~~الزبعري وهبيرة بن وهب [أي] قد هربوا (2) الى كل ناحية، وما أحسبك ناجيا، ~~فإن كان ذلك في نفسك حاجة، فطر إليه، فإنه يقبل من أتاه تائبا ولا يطالبه ~~بما تقدم الإسلام. # فلما بلغه كتاب أخيه أتى الى قبيلة مزينة لتجيره من رسول الله (- صلى ~~الله عليه وسلم -) فأبت ذلك؛ فضاقت عليه الأرض، وأشفق على نفسه، وأرجف به ~~من هو عدوه فقال: هو مقتول؛ فنظم هذه القصيدة يمدح رسول الله (- صلى الله ~~عليه وسلم -) ويذكر ms166 فيها خوفه وإرجاف الوشاة به، خرج حتى قدم المدينة، فنزل ~~على رجل من جهينة بينهما تعارف فأتى به المسجد، ثم أشار الى رسول الله (- ~~صلى الله عليه وسلم -) بالصفة التي وصفه [به] الناس، وكان مجلس رسول الله ~~(- صلى الله عليه وسلم -) من أصحابه مثل موضع المائدة من القوم، يتحلقون ~~عليه حلقة [133و] ثم حلقة، فيقبل تارة على هؤلاء فيكلمهم، وأخرى على هؤلاء ~~ويحدثهم، فقام إليه حتى جلس بين يديه، فوضع يده في يده، ثم قال: يا رسول ~~الله، إن كعب بن زهير قد جاء ليستأ من منك تائبا مسلما، فهل أنت قابل منه ~~أن أنا جئتك به؟ قال: نعم، قال هو يا رسول الله، وأنشد القصيدة، ويروى (2) ~~انه لما وصل الى البيت، وهو قوله: ... [من البسيط] # إن الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف الهند مسلول # خلع (- صلى الله عليه وسلم -) بردته الشريفة عليه؛ فسميت هذه القصيدة: ~~بالبردة وقال له: قل من سيوف الله مسلول (4). PageV01P364 # استطراد: # لما كان تشبيب القصائد بذكر الأحبة والشكاية منهم وتذكار المنازل والربوع ~~ونحو ذلك كالسنة المؤكدة عند الشعراء ناسب لكعب أن يصدر مدح رسول الله (- ~~صلى الله عليه وسلم -) بالتغزل بذكر بعض وصف معشوقته، وقال النابغة (1): ~~[من الطويل] # كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب # وقال امرؤ القيس بن حجر الكندي (2): [من الطويل] # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل # كذلك بين الشنفرى كيفية حاله في سيره، وذكر المنازل والمناهل، وما يوافيه ~~في أسفاره. # وقال الشنفرى: # [133ظ] ... 41 ... فعبت غشاشا ثم مرت كأنها ... مع الصبح ركب من أحاظة مجفل # اللغة: # عب: من العب، وهو ((شرب الماء أو الجرع (3) أو تتابعه، والكرع)) وفي ~~الحديث: ((الكباد من العب)) (4)، والحمام تشرب الماء عبا كما تعب الدواب ~~((وبالضم الردن، والعباب كغراب الخوصة، ومعظم السيل وارتفاعه وكثرته أو ~~موجه، وأول الشيء، وبنو العباب ككتان من العرب سموا بذلك لأنهم خالطوا فارس ~~حتى عبت خيلهم في الفرات، واليعبوب الفرس السريع الطويل والاعب الفقير (5) ~~والغليظ الأنف، ms167 وقولهم: إذا أصابت الظباء الماء فلا عباب، وان لم تصبه فلا ~~أباب (6)، أي أن وجدته لم تعب، وان لم تجده لم تتهيأ لطلبه ولشربه)) (7). PageV01P365 # غشاشا: على عجلة، يقال: ((لقيته غشاشا بالكسر والفتح على عجلة أو عند ~~مغيربان (1) الشمس، أوليلا، وهو بالكسر وحده أول الظلمة وآخرها، وشرب غشاش ~~(2) بالكسر قليل أو عجل أو غير مري، وجاءوا مغاشين للصبح (3) مبادرين، ~~واغتشه ضد استنصحه أو ظن (4) به الغش)) (5) ومنه الحديث: ((من غشنا ليس ~~منا)) (6). # الركب: ((أصحاب الإبل في السفر (7) ((اسم جمع، وهم العشرة فصاعدا وقد ~~يقال للخيل)) (8) خلافا لمن ادعى اختصاصه بالإبل (9)، جمعه ((اركب وركوب ~~والاركوب بالضم أكثر من الركب)) (10) قال الشاعر (11): # أزف الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد # أحاظة: بضم الهمزة وقد يقال وحاضة بالواو وهو ((أبو قبيلة من حمير وإليه ~~ينسب مخلاف أحاضة)) وكذا ذكره المجد اللغوي (12). # مجفل: من ((أجفل الظليم [134و] إذا أسرع وذهب في الأرض)) (13). PageV01P366 # الإعراب: # فعبت: الفاء عاطفة، وعب فعل ماض، والتاء علامة التأنيث، والفاعل مستتر ~~راجع إلى القطا. # غشاشا: إما نصب على الظرفية، أو على الحالية على اختلاف معانيه (1). ~~والثاني أحق بالمقام. # ثم: حرف عطف. # مرت: فعل ماض، والتاء للتأنيث، والفاعل ضمير يعود الى القطا أيضا. # كأنها: كأن حرف من الحروف المشبهة بالفعل، والهاء اسمها. # مع: ظرف منصوب عليها متعلق بمحذوف حال من الركب مقدم عليه، مضاف إلى الصبح. # وركب: خبر كأن. # من احاظة: جار ومجرور , ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث اللفظي متعلق ~~بمحذوف صفة ركب. # مجفل: صفة بعد صفة. # المعنى: # يقول: بعدما وليت وتركتها تكبو لعقر المنهل في عجلة تشرب، مرت علي مسرعة ~~إما ليلا أو في الظلمة مسرعة في الهرب كأنها ركب من احاظة قد أفزعه واجفله ~~أمر عظيم أو خطب لا يرتاح عليه جسيم، فقول بعض الشراح: ((ثم مرن متفرقة الى ~~أماكنها ومفاحصها)) (2) غير موجه إذ التفرق لا يفهم من البيت، بل هو مناف ~~للمرور عليه، فإن قيل: توافين من شتى البيت المتقدم يدل عليه، لا نسلم ذلك ~~ولان سلمنا فما ms168 يدل عليه بعد مرور ولا معه. # قال السويدي في شرحه: ((فإنه أدمج في هذا البيت ذم أحاظة حيث عرض بجنبها ~~تجفل غير مجتمعة بل متفرقة، فبعضها يأخذ يمينا وبعضها شمالا، ولا يكون PageV01P367 ~~ذلك الا لنهاية [134ظ] الخوف)) (1). يقال: إما للتعريض بذم احاظة فمسلم، ~~واما كونها إذا أجفلت الخ، فمن الطراز الأول. # تكميل: # تركب الشعراء الألفاظ مع حسن تأدية هذه التشبيهات تكاد أن تكون سحرا، ~~فلله در القائل في وصف الحساد (2): [من البسيط] # بليت منهم بأجلاف سواسية ... قد صعدوا بزمام اللؤم وانحدروا # خزر العيون إذا أبصارهم نظرت ... شخصي فلا زال عنهم ذلك الخزر # وقال أيضا (3): [من البسيط] # الا فسل أيهم يغني عنأي إذا ... نار العدو تعالى فوقها الشرر # ومن يقوم مقامي يوم معضلة ... لا سمع يبقى لرائيها ولا بصر # أمضى من السيف عزما حين تبصرهم ... مثل الحداة إذا ما بلها المطر # تجري الجياد وان رثت أجلتها ... ولا يغرك جل تحته دبر # أني امرؤ أن كشرت الناب عن غضب ... لا الخط تمنع من بأسي ولا هجر # فلا يغرنهم حلم عرفت به ... قد تخرج النار فيما يقرع الحجر # وقال القيرواني (4) في وصف المحبوب: [من الوافر] # أقول وقد حيا بكأس ... لها من مسك مقلته ختام # أمن خديك تعصر قال كلا ... متى عصرت من الورد المدام (5) PageV01P368 ~~وقال شهاب من قصيدة طويلة أولها (1): [من الطويل] # خفرت بسيف الغنج ذمة مغفري ... وفرت برمح القد درع تصبري # وجلت لنا من تحت مسكة خالها ... كافور فجر شق ليل العنبر # إلى أن قال (2): [من الطويل] # وتنهدت جزعا فاثر كفها ... في صدرها فنظرت ما لم انظر # أقلام مرجان كتبن بعنبر ... بصحيفة البلور خمسة أسطر # وقال بشار بن برد (3): [من الطويل] # كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه # قال الشنفرى: # 42 ... وآلف وجه الأرض عند افتراشها ... بأهدأ تنبيه سناسن قحل # اللغة: # آلف: بهمزتين مفتوحتين فساكنة وقد تخفف الثانية بقلبها الفا من الالفة. # الافتراش: مصدر افتراش الشيء إذا وطئه ((وذراعيه بسطهما على الأرض، ~~وفلانا (4) غلبه وصرعه، وعرضه استباحه بالوقيعة فيه، والشيء ms169 انبسط، وأثره ~~قفاه، ولسانه تكلم كيف شاء، والمال اغتصبه)) (5) # بأهدأ: بهمزة مفتوحة فهاء ساكنة فدال مهملة آخر الحروف همزة من هدئ بكسر ~~الدال فهو أهدأ إذا احدودب (6) وهدأه الكبر والاهدأ أيضا المنكب، درم (7) ~~أعلاه، واسترخى حمله، والأهدأ اسم تفضيل من هدأ بفتح الدال هدأ وهدوأ إذا ~~اسكن (8)، والمعاني كلها محتملة. PageV01P369 # تنيبه: بضم المثناة الفوقية وسكون النون وكسر الموحدة من أنيبت الشيء عني، ~~أي دفعته عن نفسي (1) [135ظ]. # السناس: جمع سنس وهي حروف فقار الظهر كالسن والسنسنة ورأس عظام الصدر أو ~~أطراف الضلع الذي في الصدر (2). # فحل: بضم القاف وفتح الحاء المهملة المفتوحة المشددة جمع قاحل الوصف من ~~((قحل الشيء بفتح الحاء يقحل بضمها قحولا يبس جلده على عظمه كتقحل وأقحلته، ~~والمقتحل الرجل اليابس الجلد السييء الحال، وقحل الشيخ كفرح فهو قحل بالفتح ~~وككتف، وقاحله لازمه، كغراب داء في الغنم)) (3). # الإعراب: # وآلف: معطوف إما على اعدو أو على تشرب، وفاعله ضمير المتكلم. # وجه: مفعول به مضاف إلى الأرض. # عند: منصوب على الظرفية مضاف إلى افتراشها، والمصدر مضاف إلى الضمير الذي ~~هو مفعوله وفاعله محذوف أي، عند افتراشي إياها. # بأهدأ: جار ومجرور وهو ممنوع من الصرف متعلق إما بآلف أو بافتراش. # تنيبه: فع لمضارع مع مفعوله، والفاعل سناسن. # وقحل: صفة للفاعل. # المعنى: # بعدما فرغ من وصف نفسه بشدة عدوه وكمال عزمه أخذ يصف نفسه بالصبر على ~~المشاق والعيش الخشن، وحسن حزمه، فقال: إني لآلف وجه الأرض عند افتراشي ~~لها، وبذلك ارتاح ولا احتاج الى الفراش بل إنما افترشها وأطؤها وأرى ذلك من ~~النجاح بكاهل ورم من كثرة التعب أو بظهر أحدب مقوسا من شدة السغب، تدفعه عن ~~وجه الأرض في المنام رؤوس فقار ظهري التي لا رطوبة من الضرام [136و] PageV01P370 ~~وهذه مبالغة عظيمة تكاد أن تخرج عن طوق البشر (1)، الا أن يؤول بما أول في ~~سن التراب في البيت المتقدم هناك. # ومنشأ صبره على سوء الحال، خشية الاحتياج إلى طلب النوال من الأنذال. # استطراد: # ما أحسن قول ابن مقرب فيما يقرب من ms170 هذا: ... [من الطويل] # وقائلة والعيس تحدج للنوى ... ودمع الجوى قد جال في الخد جائله # عليك بصبر واحتساب فإنما ... يفوت الثنا من راح والصبر خاذله # ولا ترم بالأهوال نفسا عزيزة ... فذا الدهر قد أودى وقامت زلازله # فقلت لها والعين سكرى بزفرة ... ارددها والصدر جم بلابله # أبالموت مثلي ترهبين وبالنوى ... وعاجله عندي سواء وآجله # وللموت أحيا من حياة ببلدة ... تري الحر فيها العين من لا يشاكله # وما غربة عن دار ذل بغربة ... لوان الفتى أكدى وعشت مآكله (1) # وله أيضا (2): [من الطويل] # ورب غريم ناعم وابن بلدة ... تبكيه قبل الموت فيها ثواكله # وإن مقامي يا ابنة العم للقلا ... ولضيم لا العجز الذي لا أزايله # فلا بد لي من وقفة قبل رحلة ... أذيل بها دمعي فينهل وابله # وقال أبو فراس الحمداني (3): [من الطويل] # أراك عصي الدمع شيمتك الصبر ... أما الهوى نهي عليك ولا أمر ... [136ظ] # نعم أنا مشتاق وعندي لوعة ... ولكن مثلي لا يذاع له سر # إذا الليل واراني بسطت يد الهوى ... واذللت دمعا من خلائقه الكبر # وله (4): # تهون علينا في المعالي نفوسنا ... ومن يخطب الحسناء لا يغله المهر # ونحن أناس لا توسط بيننا ... لنا الصدر دون العالمين أو القبر PageV01P371 ~~ولله در القائل (1): [من السريع] # قد كنت قبل الهم في همة ... يأكل من لحمي السقنقور # دعاني الهم بلا همة ... فالهم للهمة كافور # قال الشنفرى: # 43 ... وأعدل منحوض كأن فصوصه كعاب دحاها لاعب فهي مثل # اللغة: # المنحوض: بميم مفتوحة فنون ساكنة فحاء مهملة مضمومة آخر الحروف ضاد معجمة ~~هو هنا من نحض المبني للمفعول ((أي لحمه)) (2). # الفصوص: بفاء مفتوحة فصادان مهملتان بينهما واو مثلث الفاء، وهو هنا ... ~~((كل ملتقى عظمين)) (3). # الكعاب: بكسر الكاف جمع كعب، وهو هنا ((الذي يلعب به)) (4). # دحاها: بدال [فحاء] (5) مهملتين مفتوحتين من الدحو وهو البسط، و((يقال: ~~اللاعب بالجوز: أبعد المدى وأدحه، أي أرمه)) (6). # مثل: بضم الميم وتشديد الثاء المثلثة المفتوحة جمع ماثل نعت من ((مثل ~~[137و] بين يديه مثولا، أي انتصب قائما)) (7) كقوله تعالى: {فتمثل لها بشرا ~~سويا} (8). # الإعراب: # وأعدل: الواو ms171 عطف، وأعدل معطوف على أهدأ الا أنه مجرور بالكسرة لإضافته PageV01P372 ~~الى منحوض، قال بن مالك في الألفية (1): [من الرجز] # وجر بالفتحة ما لا ينصرف ... ما لم يصف أويك بعد أل ردف # وإضافته إلى منحوض من إضافة الصفة إلى الموصوف، والأصل منحوض اعدل. # كان: من الحروف المشبهة بالفعل. # فصوص: اسمها مضاف إلى الضمير. # كعاب: خبرها. # دحاها: دحى فعل ماض، والهاء ومحلة النصب على المفعولية. # ولاعب: فاعله، والجملة محلها الرفع على انه نعت لكعاب لأنه نكرة فالجملة ~~بعده صفة. # فهي: الفاء للتفريع، والنتيجة وهي مبتدأ. # ومثل: هو الخبر. # المعنى: # يقول: وافترشها أيضا بمستقيم من اللحم الذاهب الذي كان ملتفا، عظيمة كعاب ~~لاعب لصلابتها على الرمي والتناول، قوتها على الدحي والتناول. # تكميل: # ما أحسن قول أبي فراس في حاله سجنه عند الإفرنج حيث يقول (2): [من ~~الطويل] # [137] ... أقول وقد ناحت بقربي حمامة ... أي جارتي هل بات حالك حالي # معاذ الهوى ما ذقت طارقة النوى ... وما خطرت منك الهموم ببال # لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة ... ولكن دمعي بالحوادث غالي # أيا جارتي ما أنصف الدهر بيننا ... تعالي أقاسمك الهموم تعالي # وقد غلطه النحويون (3) في كسر لام تعالي، والصواب الفتح، قال تعالى: {قل ~~تعالين امتعكن واسرحكن سراحا جميلا} (4) وقال بعضهم (5): إنه مما لا يناسب ~~في حقه الغلط، PageV01P373 ~~وربما يكون من بعض اللغات كسر اللام بل ثبت انه لغة أهل العالية. # قال الشنفرى: # 44 ... فإن تبتئس بالشنفرى أم قسطل ... لما اغتبطت بالشنفرى قبل أطول # اللغة: # تبتئس: من ((البأس، العذاب: والشدة في الحرب، بؤس ككرم بأسا فهو بئيس ~~شجاع، وبئس كسمع بؤسا وبؤسا وبأسا (1) وبؤسى وبئيسى: اشتدت حاجته، والبأساء ~~والابؤس الداهية، ومنه ((عسى الغوير ابؤسا)) (2)، أي داهية، والبيأس كفيعل: ~~الشديد (3)، والأسد، وعذاب بئس وبئيس كأمير، وبيأس كجيال: شديد)) (4) وبئس ~~رجلا زيد فعل ماض لا يتصرف والفاعل محذوف ورجلا تمييز وزيد إما خبر مبتدأ ~~محذوف أو مبتدأ والجملة خبر والتقدير: بئس الرجل رجلا هو زيد ((وبنات بئس ~~الدواهي والمبتئس الكاره الحزين)) وهو المراد فيها نحن بصدده ((والتباؤس ~~التفاقر وان ms172 يرى تخشع الفقراء إخباتا)) (4). # الشنفرى: بشين معجمة مفتوحة [138] فنون ساكنة ففاء فراء مفتوحتين آخر ~~الحروف ألف مقصورة لقب الناظم لهذه القصيدة. # وفي شواهد العيني (5) أن اسمه عمرو بن براق، والصحيح أن عمرو بن براق كان ~~هو وتأبط شرا، رفيقين حين غزوا الجبل وسنذكر قصتهم في ما يأتي، وان اسمه ~~ثابت بن جابر فوافق اسمه اسم تأبط شرا واسم أبيه اسم أبيه. # سنذكر سبب تسميته بتأبط شرا نص عليه الجلال السيوطي في شواهد المغني (6). PageV01P374 # وحكى السويدي (1) في تلقيبه بالشنفرى حكاية تدور على الالسنة قيل لا صحة ~~لها، ولا مانع للصحة وما ذكر منع مجرد لا دليل عليه، وما المانع من صحة ذلك؟! # أم قسطل: هي الداهية، والقسطل والقسطال والقسطلان بفتحهن: الغبار ~~والقسطلانية قوس قزح، وحمرة الشفق، وثوب منسوب الى عامل أو والي قسطلة (2)، ~~وقسطلة الجمل هديره)) (3). # اغتبطت: بغين معجمة فمثناة فوقية فموحدة تحتية مفتوحتين مطاوع غبطته ... ~~((والغبطة حسن الحال والمسرة وان تتمنى مثل حال المغبوط من غير أن تريد ~~زوالها عنه)) (4). فإذا أردتها كان حسدا او العياذ بالله من ذلك، ولا مانع ~~من الأول. # أطول: أما بمعنى طويل أو على بابه. # الإعراب: # فإن: الفاء عاطفة، وان شرطية. # تبتئس: بالجزم فعل شرط. # بالشنفرى: جار ومجرور متعلق به، أم فاعل الفعل المتقدم مضاف الى قسطل. # لما: اللام لتأكيد، وما موصولة [138ظ] مبتدأ. PageV01P375 # واغتبطت: فعل ماض والتاء علامة التأنيث ساكنة، والفاعل ضمير أم قسطل، ~~والجملة صلة الموصول، فلا محل لها من الإعراب وعله ذلك مبين في كتب النحو ~~فليراجع (1). # بالشنفرى: جار ومجرور متعلق باغتبط وهو قائم مقام العائد كقوله: [الطويل] # وأنت الذي في رحمة الله أطمع (2). # قبل: مبني محله النصب على الظرفية، وعلة بنائه قد تقدم. # أطول: خبر ما الموصولة. # وجواب إن يحتمل أن يكون جملة: لما اغتبطت، على تقدير الفاء ... مقوله ~~(3): [من البسيط] # من يفعل الحسنات الله يشكرها. # ويحتمل أن يكون محذوفا، والتقدير: فلا ضرر ولا عيب، ويحتمل كون اللام ~~موطئة للقسم محذوف، والجملة جواب القسم، والمجموع جواب إن, # المعنى: # فإن تحزن الداهية ms173 وتشكو بسبب رقة الشنفرى رقة عليه من سوء الحال وتواتر ~~المشاق، فالذي كان له من السرور وحسن الحال قبل ذلك أطول وأكثر مما رأت من ~~الإشفاق، فطالما أبصرت ما اعتراه من حسن البلاء، وعظم ظفره بالأعداء (4). PageV01P376 # تكميل: # في البيت التفات من المتكلم إلى الغيبة على رأي السكاكي (1) وغيره، وفيه ~~مبالغة عظيمة أيضا حيث إنه لشدة صبره وقوه جلده وعدم اكتراثه بالخطوب يسلى ~~الداهية التي حزنت لأجله رحمة وشفقة عليه، ويسهل الأمر الصعب عليها، ويجوز ~~أن يريد بام قسطل [139ظ] الحرب (2)، ويكون حزنها عليه لما أنها فقدته في ~~الوقائع، وعدمته في اشتباك القتال في المعامع، فأجاب بالذي كانت الحرب ~~تغتبط عليه قبل ذلك أكثر وأطول وذلك لأنه سريع الإقدام لا يعرف الفر ولا ~~الإحجام، له حسن جلادة في الحروب لاسيما إذا زاغت الأبصار وبلغت الحناجر ~~القلوب، واتى بالاسم الظاهر وكرره لأنه كان فتاكا عداء واشتهر باللقب، ~~فذكره يفيد ذلك صراحة ويغني السامع عن تعجرفه (3). # استطراد: # مما يضاهي صبر الشنفرى على الوقائع في الحروب قول عنترة العبسي في ~~المعلقة حيث يقول: [الكامل] # ولقد شفى نفسي وابرأ سقمها ... قول الفوارس ويك عنتره أقدم # ولقد ذكرتك والسيوف نواهل ... مني وبيض الهند تقطر من دمي # فوددت تقبيل السيوف لأنها ... لمعت كبارق ثغرك المتبسم (4) # وقال أبو فراس (5): [من الطويل] # فقال اصيحابي: الفرار أو الردى ... فقلت: هما أمران، أحلاهما مر # وقال غيره (6): [من الطويل] PageV01P377 ~~تقول ابنتي إن انطلاقك واحدا ... إلى الحرب يوما تاركي لا أباليا (1) # وقال أبو الطيب (2): [من الوفر] # سلو عن سيرتي فرسي ورمحي ... وسيفي والهلمقة الدهاقا / [139ظ] # وقال أبو فراس أيضا (3): [من الطويل] # منعت حمى قومي وسدت عشيرتي ... وقلدت أهلي عز هذا القلائد # خلائق لا يوجدن في كل ماجد، ... ولكنها في الاكرمين الاماجد # رجع: # ذكر أن الشنفرى كان كثير الغارات والسرقة من بعض الأحياء فاتفق انه قدم ~~على حي هو ورفيقاه اللذين تقدم ذكرهما معه، وهما ليسا مثله في شدة العدو ~~فأحس بهم ذلك الحي فقصدوهم، فتحصن الشنفرى ورفيقاه بجبل بالقرب منهم له ~~طريق واحد، ms174 فلايمكن أولئك الصعود عليهم خوفا من رميهم بالنبال، فمسك أهل ~~الفريق عليهم الماء، وقالوا، إذا عب عليهم الظمأ نزلوا فاحتال بهم الشنفرى، ~~وقال لصاحباه أنا انزل لهم متضالعا موهما فيهم أن رجلي فيها شيء فيطمعون في ~~القبض علي فيطمعون في القبض علي فلم أزل أبعدهم حتى يتسع لكم النزول الى ~~الماء والورد منه، والرجوع الى أمكنتكم وأنا بعدكم أسرع إلى الماء وأرد ~~وأوافيكم في القنة، فنزل إليهم متضالعا تضالع الذئب فطمعوا فيه فلم يزالوا ~~ينتقلون في طلبه حتى أبعدهم عن الماء فنزل صاحباه فوردوا الماء ورجعوا الى ~~القنة ثم كر هو راجعا فورد أيضا، وصعد، فايسوا أهل ذلك الحي من الشنفرى ~~وصاحبيه وخلوا سبيلهم (4). # وأما سبب تسمية رفيقه تأبط شرا [140و] قيل: انه تأبط سيفا فخرج من بيته PageV01P378 ~~فجاء أصحابه فسألوا أمه عنه، فقالت لهم: تأبط شرا وخرج، وقيل: رؤي آخذا حية ~~تحت إبطه فقيل: تأبط شرا واسمه العلم عمرو كما تقدم، وقيل غير ذلك. # تكميل: # لقد وصف الشنفرى نفسه فيما يدل عليه السياق، والسباق صفة عالية دقيقة هي ~~من أعلى ذي المرؤات حيث لا تهدم دعائم صبره البأساء ولا تطيش حلمه السراء، ~~ولقد كان لرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) من هذه الصفة الحظ الذي لا ~~يجارى والنصيب الذي لا يمارى، ولقد أحسن البوصيري في مدحه بذلك حيث قال ~~(1): [من الخفيف] # لا تحل البأساء منه عرى الصبر ... ولا تستخف السراء # ومما ينتظم في سلك ذلك قول أبي محجن (2): [من البسيط] # قد أركب الهول مسدولا عساكره ... وأكتم السر فيه ضربة العنق # ويعسر المرء حينا وهو ذو كرم ... وقد يثوب الغنا للفاجر الحمق # سيكثر المال يوما بعد قلته ... ويكتسي العود بعد اليبس بالورق (3) # فقال هدبة بن خشرم (4) حين أريد قتله: [من الطويل] # ولست بمفرح إذا الدهر سرني ... ولا جازع من صرفه المتقلب (5) # وقال متمم بن نويرة يرثي أخاه مالكا حين قتله خالد بن الوليد (- رضي الله ~~عنه -) حيث ... يقول (6): [140ظ] ... [من الطويل] # ولست إذا ما أحدث الدهر نكبة ... ورزء بزوار القرائب ms175 أخضعا # ولا فرحا إن كنت يوما بغبطة ... ولاجزعا إن ناب دهر فأضلعا # وقال أبو الطيب (7): [من الطويل] # يهون على مثلي إذا رام حاجة ... وقوع العوالي دونها والقواضب PageV01P379 ~~وقال أبو العلاء المعري (1): [من الطويل] # وأغدو ولو أن الصباح صوارم ... واسري ولو أن الظلام جحافل # وقد سار ذكري في البلاد فمن لهم ... باخفاء شمس ضوئها متكامل # يهم الليالي بعض ما انا مضمر ... ويثقل رضوى دون ما أنا حامل # وإني إن كنت الأخير زمانه ... لات بما لم تستطعه الأوائل # أعندي وقد مارست كل خفية ... يصدق واش أو يخيب سائل # لدى موطن يشتاقه كل سيد ... ويقصر عن إدراكه المتناول # ولي منطق لم يرض لي كنه منزلي ... على أنني فوق السماكين نازل # وطال اغترابي في الزمان وصرفه ... فلست أبالي من تغول الغوائل # ينافس يومي في امسي تشرفا ... وتحسد اسحاري علي الاصائل # فلو بان عضدي ما تأسف منكبي ... ولو مات زندي ما بكته الانامل # إذا وصف الطائي بالبخل مادر ... وعير قسا بالفهاهة باقل # وقال السها للشمس انت خفية ... وقال الدجى يا صبح لونك حائل [141] # وطاولت الأرض السماء سفاهة ... وفاخرت الشهب الحصى والجنادل # فيا موت زر إن الحياة ذميمة ... ويا نفس جدي إن دهرك هازل # وقد اغتدى والليل يبكي تأسفا ... على نفسه والنجم في الغرب مائل # بريح أعيرت حافرا من زبرجد ... لها التبر جسم واللجين خلاخل # وليلان حال بالكواكب جوزه ... وأخر من حلي الكواكب عاطل # كان دجاه الهجر والصبح موعد ... بوصل وضوء الفجر حب مماطل # قطعت به بحرا يعب عبابه ... وليس له الا التبلج ساحل # ويؤنسني في قلب كل مخوفة ... حليف سرى لم تصف منه الشمائل PageV01P380 ~~وقال أبو طالب المأموني (1): ... [من الطويل] # إذا طما لج المنى بين أضلعي ... تعسفت لجا من دجى الليل طاميا # وأمسى شجا في ثغرة الليل رائحا ... وأضحى قذى في مقلة الصبح غاديا (2) # وقد أطنبنا في مضمار هذا البحث، لما قيل: من أحب شيئا أكثر من ذكره، إذ ~~هو بحث يرتاح لسماعه كل لبيب، وأحب الى طالبه من تقبيل ثغر الحبيب لاسيما ~~إذا كان ms176 من أربابه وطلابه إلا انه لا يدرك الا ببذل النفوس والمهج، وليس ~~على من قتل فيما دونه حرج، وقد قال بعضهم: ودون اجتباء النحل ما جنت النحل، ~~وقال آخر: مهر الملاح بذل الأرواح. PageV01P381 # قال الشنفرى: ... [141ظ] # 45 - طريد جنايات تياسرن لحمه عقيرته لأيها حم أول # اللغة: # الطريد: ((من الطرد، ويحرك، وهو الإبعاد، والطريدان: الليل والنهار، ~~والطريدة: ما طردت من صيد وغيره، وما يسرق من الإبل)) (1) # جنايات: كحكايات جمع جناية: الذنب، ومصدر: ((جنى عيه يجنيه جناية)) (2). # تياسرن: أي اقتسمن لحمه اقتسام أهل الميسر، وهم الذين يلعبون بالقداح، ~~((والميسر أيضا الجزور التي كانوا يتقامرون عليها، كانوا إذا أرادوا أن ~~ييسروا (3) اشتروا جزورا نسيئة (4)، ونحروه قبل أن ييسروا، وقسموا لحمه ~~ثمانية وعشرين قسما أو عشرة أقسام فإذا خرج واحد واحد باسم رجل رجل ظهر فوز ~~من خرج لهم ذوات الأنصباء، وضمن (5) من خرج له الغفل، والميسر أيضا: النرد ~~أو كل قمار)) (6). # عقيرته: العقيرة هنا الساق المقطوعة (7). # حم: الأمر بالضم حما قضي وقدر، والحمام بالكسر: الموت وقضاؤه، وبالفتح ~~مخفف الميم: طائر (8)، ومشددها الديماس يذكر ويؤنث (9)، جمع حمامات، وفي ~~القاموس المحيط: ((لا يقال طاب حمامك وإنما يقال ك طابت حمتك بالكسر)) (10) ~~انتهى. وكتب عليه بعض الأفاضل (11): من لازم طيب الحمام طيب العرق، فالدعاء ~~به دعاء بذلك، فما وجه المنع.؟! PageV01P382 # وليت شعري هل كان هذا الفاضل يعلم أن اللغة لأثبت بالعقل ولا بالقياس، أم ~~كان لا يعلمها. # أول: [142و] وهو ضد الآخر، وقد يجيء بمعنى غير المسبوق بمثله كما قالوا ~~في تفسير قوله تعالى: {لأول الحشر} (1) (2) قاله السعدي (3) وأصله أوأل أو ~~ووأل، فعلى الأول قلبت الهمزة واوا ثم أدغمت، وعلى الثاني قدمت الهمزة ~~للفاء وأدغمت الواو في الواو على الأقرب، ثم منع الصرف للصفة ووزن الفعل، ~~تقول: لقيته عاما أول من هذا العام (4). # الإعراب: # طريد: خبر مبتدأ محذوف، أي هو مضاف الى جنايات، وهي مجرورة بالمضاف على ~~الأصح من أقوال ثلاثة محلها كتب النحو. # تياسرن: فعل مضارع مبني على السكون لإتصاله بنون النسوة، ونون ضمير فاعل، ms177 ~~والجملة صفة للمضاف إليه لوقوعها بعد نكرة مع السلامة من الموانع. # ولحمه: مفعول من المضاف إليه. # عقيرته: مبتدأ ومضاف إليه. # لأيما: جار ومجرور متعلق بمحذوف على أنه الخبر، والجملة مستأنفة. # وأول: ظرف مبني على الضم، لحذف المضاف إليه ونية معناه. # المعنى: # إن الشنفرى لكثرة عزماته، ووفور وثباته وثباته، صدر منه جنايات في مواطن ~~كثيرة، فهي طالبة له، وهو مبعد عنها، قد تقاسمن لحمه اقتسام أهل الميسر لحم ~~جزوره، فساقه المقطوعة هو للمقدر أول منها، وفي تخصيص العقيرة لكونها PageV01P383 ~~حصة أول جناية طلبته فأدركته، إشعار بكثرة عدوه، وأنه لا يقتص منه الا بعد ~~إبطال [142ظ] تلك السرعة، وأنها تكون بتلك القطعة. # وفي قوله: عقيرته لا يها الخ مجاز عقلي (1) عند الخطيب بناء على أن ~~المسند هو المتعلق وهو فعل أو اسم بمعناه (2)، وعند السكاكيمطلقا بناء على ~~إعطاء الظرف حكم الجملة وحقيقة عقيرته لصاحبها أي المجني عليه، كما أن قوله ~~تياسرن لحمه مجازا في الإثبات، ويحتمل التشبيه فيهما، والاستعارة غير ~~خافية، وإنما لم يقل حمت بناء على أن الفاعل المجازي التأنيث إذا كان ضميرا ~~مستترا وجبت تاء التأنيث لان الفاعل ضمير أي وهو مذكر باعتبار اللفظ. # تكميل: # يحتمل أن يكون قول الشنفرى عقيرته الخ من باب التعجيز أي فليأخذ عقيرتي ~~من قدر أولا من جناياتي أن قدر على ذلك، فتكون الجملة خبرية اللفظ فقط. # ويحتمل أنه لسعة عقله عالم بأنه يدرك إذ لابد لكل بداية من نهاية، ولكل ~~دولة من ميلة، وان الإنسان وان نال بقوته العنان لابد له أن يضعف فيطمع فيه ~~الضعيف، ويخرف ويعد عقله السخيف، انشد حجر بن عمر بن آكل المرار لنفسه ... ~~شعرا (3): [من المنسرح] # من يأمن اليوم أو يعيش غدا ... أم من يرجى خلوده أبدا # ينفذ ما نحن فيه عن كثب ... في من قد مضى ومن نفدا # حدث عن آكل المرار أبي ... عمرو وعمرو مضى وماخلدا [143] # بأنه قد رأى ثمانية ... قد ملكوا الأرض كلها عددا # وشاهدين الخليل يتلو على ... جرهم وحيا منزلا وهدى PageV01P384 ~~وقد رأى من رأى ms178 زهير ومن ... أخبره أنه رأى لبدا (1) # والمرء لقمان إن سمعت به ... شاهده وهو يحمل اللبدا # نهل ترى من اولاي كلهم ... فيمن عليها مخلدا أحدا # وهي طويلة (2) اقتصرت منها على محل الاستشهاد. # وفي كتاب ((دمنة وكليلة)) ما معناه (3) أنه قيل: (4) كان في أجمة من آجام ~~أرض الهند فيل، وكان في طريقه التي يذهب فيها الى ورده مفحص قنبرة (5) فمر ~~عليها ذات يوم وقد باضت فيه، فقامت إليه وقالت: أيها الفيل العظيم ارحم ~~ضعفي وصغر جثتي، شكرا لله تعالى على قوتك وكبر ذاتك، وتنح عن بيضي لا تطأه ~~أقدامك الجسام، فتحرمني لذل المنام، فلم يصغ الى قولها، وعن بيضها ما عدل، ~~وجار عليها ظلما وما عدل، وكسر بيضها تحت أخفافه، لاحتقاره بها وإخفافه، ~~فشرعت القنبرة تدبر في أخذ الثأر من ذلك الجبار فمما ظهر لها في أخذها ~~الثأر أن ذهبت إلى العظيم من الأطيار، وشكت حالها إليهن والتمست منهن أن ~~يذهبن معها الى ذلك الفيل الغشوم، ويقفن على الرأس منه والخرطوم، ويشغلنه ~~بالكثرة فيتركن أعينه بمناقيرها كالحفرة، فذهبن معها، وهي مسرعة [143ط] ~~أمامهن حتى أتت بهن إليه فوقفن منقضات عليه، فلم يتفرقن عنه حتى سال على ~~خديه إنسان عيونه، وسدت دون موقيه طرق شؤونه، وتركنه في الفلاة هائما، ~~متأملا في هذا القضاء والقدر، فأدركه الظمأ وهام، ومنعه العطش المقام، ~~والقنبرة تراقبه على البعد، وتنظر فعله في الهزل والجد، متفكرة في إتمام ~~الحيلة، ولم تقنع منه بهذه النكاية الجليلة، بل رامت مع ذلك قطع أنفاسه، ~~وإعدام سائر حواسته وإحساسه، فقرب في بعد في القفار من بئر واسعة الدائرة، ~~بعيدة القرار PageV01P385 ~~الضفادع امه، وعليها من البعوض عمه، فذهبت مسرعة الى الضفادع فالتمست منهن، ~~وفيها من أن يذهبن الى جانب البئر المقابل لجانب جهة الفيل، ويكثرن فيه ~~النقيق والصياح والعويل، فرحمت الضفادع بكاها، وأجابتها الى مناها، غير ~~عالمة بمغزاها، وبمن يقدم وراها، فلما سمع الفيل نقيق الضفادع، علم بوجود ~~الماء فقصد الجهة وهو مسارع، حتى قدم البئر ووقع فيه وتردى، وانتصب خرطومه ~~وامتدا، وشرع يجود ms179 بنفسه، ويروم خلاص نفسه، يود [144و] الخلاص، ولات حين ~~مناص، فلما ايست القنبرة من سلامته، نزلت إليه لتميته من ندامته، فوقفت على ~~رأسه وأخبرته بما صار وما كان؛ فزهقت روحه وهو عاض على اللسان. # قال الشنفرى: # 46 - تنام إذا ما نام يقظى عيونها ... سراعا إلى مكروهه تتغلغل # اللغة: # يقظى: من ((اليقظة محركة نقيض النوم وقد يقظ ككرم وفرح يقاظة ويقظا محركة ~~وقد استقيظ، ورجل يقظ كندس وكتف ويقظان كسكران جمع أيقاظ، وهي يقظى كمرضى ~~جمع يقاظى، واستيقظ الخلخال والحلي (1) صوت (2))). PageV01P386 # التقلقل: ((التحرك وقلقل صوت والشيء قلقلة وقلقالا بالكسر ويفتح حركة او ~~(2) بالفتح الاسم، وحروف القلقة: قطب جد (2))). # الإعراب: # تنام: فعل مضارع مرفوع بالتجرد وعلامة الرفع الضمة وفاعله ضمير مستتر ~~جوازا عائد الى الجنايات قبله، والجملة دليل جواب إذا وهي ظرف لما يستقبل ~~من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه، وماصلة. # ونام: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر جوازا عائد الى الشنفرى. # ويقظى: صفة مشبهة منصوبة بالفتحة المقدرة على الألف. # عيونها: مرفوع على الفاعلية بالضمة الظاهرة أو مجرور بالإضافة أو منصوب ~~على التشبيه بالمفعول به، والفاعل ضمير مستتر عائد الى الجنايات. # سراعا: حال من الضمير [144ظ] في تتقلقل مقدمة عليه لكون العامل فعلا ~~فتكون متداخلة معه أو من الضمير في يقظى على وجهي الجر والنصب فتكون ~~متداخلة معه أو من الضمير في عيونها مطلقا. # وإلى مكروهه: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بسراعا أو بتقلقل عليه ~~وتقلقل: فعل مضارع من الرباعي المضاعف مرفوع بالتجرد، والفاعل ضمير ~~الجنايات والجملة حال من الضمير في يقظى على الوجهين المذكورين أو من ~~عيونها مطلقا. # المعنى: # إن الجنايات إذا نام الطريد تنام هي ولكن عيونها يقظى تتحرك هي مسرعة الى ~~إيقاع المكروه به حيث فرصة منه، وكون عيونها يقظى حالة نومها إنما هو ~~لانتهاز فرصة من هذا الطريد لا للاتقاء من شيء كنوم الذئب في قول الشاعر: ~~[من الطويل] # ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى الأعادي فهو يقظان هاجع (3) PageV01P387 ~~فإن قيل: هذه الشرطية تنافي كون الجنايات طالبة له وهو مطلوبها، ms180 إذ المطلوب ~~لا ينام وطالبه موجود والطالب كذلك. # قلنا: يحتمل الجواب وجوها منها: إن المراد ينام هذا الطريد في مأمنه بحيث ~~لا يقدر على الوصول إليه قي وقت النوم، وهي تنام أيضا في مواضعها في ذلك ~~الوقت ولكن عوينها لشدة ما فيها من حرارة الطلب التي منعتها عن الهجود ~~فنومها إذا صوري لا حقيقي [145و] ومنها أن الجنايات لما لازمت هذا الطريد ~~طالبة الفرصة منه وهو لا يمكنها من ذلك استرقت طباعه بمقتضى الملازمة فإذا ~~نام نامت وإذا قام قامت ولكن عيونها في كل حال يقظى وهي متحركة مسرعة الى ~~إيقاع المكروه به، وهذا نظير ما قيل: أن أهل النار تصير لهم طباع نارية ~~بحيث يتلذذون فيها، فإذا اخرجوا منها تألموا فيريدون الرجوع إليها، وقد دس ~~هذا المعنى على الشيخ الاكبر (1) في الفتوحات (2) بعض الملاحدة، مع أن هذا ~~عن الشيخ بمراحل، وكيف وقد أخبر الله عن حالهم حيث قال: {كلما نضجت جلودهم ~~بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما} (3)، وقد نبه ~~على هذه الدسيسة، وأنها ليست من كلام الشيخ الأكبر سيدنا عبد الوهاب ~~الشعراني في كتابه الكبريت الأحمر في علوم الشيخ الأكبر (4)، ومنها أن هذا ~~الكلام مجاز تمثيلي والمقصود الملازمة التامة. # قال: # 47 - وإلف هموم ما تزال تعوده ... عيادا كحمى الربع بل هي أثقل # اللغة: # الإلف: بكسر الهمزة ((الأليف جمع الاف وجمع الأليف والألوف الكثير الالفة ~~جمع ألف ككتب، والإلف والالفة بكسرهما المرأة تألفها وتألفك، والألف بالفتح ~~من العدد مذكر ولو أنث باعتبار الدراهم لجاز ويجمع على ألوف والالف بالمد، PageV01P388 ~~وألفه [145ط] يألفه أعطاه ألفا)) (1). # الهموم: ((جمع هم وهو الحزن، والهموم أيضا الناقة الحسنة (2) المشي، ~~والهموم بالضم الأسد كالهمهيم بالكسر والهمهام والهمهوم أيضا الحمار المردد ~~نهيقه في صدره)) (3). # تعوده: مضارع عاد من العود، وهو زيارة المريض والرجوع، وهاهنا فائدة ~~غريبة لم أجدها في كلام أحد من النحاة واللغويين قال الشيخ إبراهيم بن علي ~~بن العجيل (4) 0رحمه الله- في كتابه الموسوم ب ((المذاكرة)) (5):اعلم أن ~~لفظ عاد لها ستة ms181 أمكنة: تكون اسما وتكون فعلا تاما وتكون فعلا ناقصا وتكون ~~بمعنى أن، وتكون بمعنى حرف الاستفهام وتكون جواب الجملة المتضمنة معنى ~~النفي مبينة على الكسر متصلة بالمضمرات فالأول لتكون اسما متمكنا جاريا ~~بتصاريف الإعراب كما قال سبحانه {وعادا وثمودا} (6) فنصبه بإضمار اذكر. # الثالث: أن تكون فعلا ناقصا مفتقر الى الخبر بمنزلة كان بشرط ن يتقدمها ~~حرف عطف، وعليه قول حسان ((- رضي الله عنه -: ... [من الكامل] # ولقد صبوت بها وعاد شبابها ... غضا وعاد مزارها مستظرفا (7) # أي وكان شبابها. # الرابع: أن تكون حرفا عاملا نصبا بمنزلة أن مبنيا على أصل الحرفية محركا ~~لالتقاء الساكنين بالكسر على الأصل [146و] بشرط أن يتقدمها جملة فعلية وحرف ~~عطف كقولك: رقدت وعاد أباك ساهرا، أي وان أباك. # الخامسة: أن تكون حرف استفهام بمنزلة هل مبني على الكسر للعللة المذكورة ~~آنفا مفتقر الى الجواب كقولك: عاد أبوك مقيم، مثل: هل أبوك مقيم؟ # السادس: أن تكون جوابا بمعنى الجملة المتضمنة معنى بلم أو بها فقط مبينة ~~على الكسر أيضا، وهذا إذا اتصلت بالمضمرات يقول المستفهم: هل صليت؟ فتقول: PageV01P389 # عادني، أي إنني ما صليت، وبعض الحجازيين يحذف نون الوقاية فيقول: عادي، ~~واللغتان فصيحتان إذا كان عاد هنا بمعنى إن إذ لا يمتنع أن تقول إني وإنني ~~هذا إذا اتصلت بعاد يا النفس خاصة، فإن اتصلت بغيرها من المضمرات كقول ~~المجيب لمن سأله عن شيء: عاده أو عادها، وكذلك في المضمرات فإثبات نون ~~الوقاية ممتنع تشبيها بان. # فصل: وربما فاه بها المستفهم والمجيب، يقول المستفهم: عاد خرج زيد، فيقول ~~المجيب: عاده، أي انه لم يخرج او أنه ما خرج (1).انتهى. # حمى الربع: بكسر الراء ((هي أن تأخذ يوما وتدع [يومين] ثم تجيء في ~~الرابع)) مأخوذة من ربع الإبل إذا ((حبست عن الماء ثلاثة أيام أو أربعة أو ~~ثلاث ليال ووردت في الرابع، يقال: ربع زيد كعني وأربع بالضم فهو مربوع ~~ومربع (2))). # أثقل: ((من الثقل كعنب ضد الخفة، يقال ثقل ككرم ثقلا فهو ثقيل [146ظ] ~~وثقال الناس وثقلاؤهم من تكره صحبته)) ms182 (3). # الإعراب: # والف: الواو عاطفة والف معطوف على طريد، والمعطوف على الخبر خبر فهو ~~مرفوع بالضمة الظاهرة مضاف الى هموم، وهو مجرور بالمضاف وعلامة جره الكسرة ~~الظاهرة في آخره. # لاتزال: لا نافية، تزال فعل مضارع زال الناقصة مرفوع للتجرد وعلامة الرفع ~~الضمة في آخره، واسمها ضمير مستتر جوازا عائد الى الهموم. # تعوده: فعل مضارع مرفوع للتجرد بالضمة الظاهرة في آخره، وفاعله ضمير ~~مستتر فيه جوازا عائد الى الهموم أيضا، والهاء ضمير المفعول به محله النصب، ~~والجملة محل نصب خبر تزال أي: عائدة. # عيادا: مفعول مطلق منصوب يتعوده كضربته ضربا كضرب زيد مبين للنوع PageV01P390 ~~أن جعل الجار والمجرور بعده صفة له ومؤكدة إن جعل حالا من الضمير مستتر في تعوده. # بل: حرف إضراب. # وهي: مبتدأ # وأثقل: خبره. # المعنى: # بعد أن وصف نفسه بأنه طريد الجنايات المذكورة شرع يصف نفسه بأنه موالف ~~هموم لا تزال تعوده لمرضه أو تمارضه من طرد الجنايات إياه أو ترجع إليه غبت ~~مفارقتها إياه كحمى الربع. # تكميل: جمع الهموم في مقابلة الجنايات فيقتضي انقسام الآحاد على الآحاد ~~بأن يكون كل هم في مقابلة جناية , فإن قيل: من أين يعلم أن الهموم المذكورة ~~غب الجنايات والواو لمطلق الجمع؟! # قلت: من استعمال العرب في تعدادهم أشياء يقدمون منها ألأول فالأول والأهم ~~فألاهم , وهذا أحد [147و] أدلة الترتيب عند الشافعية فهما" من آية الوضوء , ~~ثانيها: إن العرب إذا غايرت بين المتجانسات أرادت الترتيب فلما توسط ~~الممسوح بين المغسولات فهم الترتيب من ذلك لا أن الواو عند الشافعي للترتيب ~~كما توهم بعضهم كابن هشام في مغنيه (1) على أنه لو قال بإفادتها إياه لكان ~~قوله حجة (2) - رضي الله عنه - كما هو من أكابر المجتهدين , من أكابر أهل ~~اللغة المتبحرين , كما هو معلوم لدى الممارسين. # والشافعي هو محمد بن إدريس بن عباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد ~~بن عبد يزيد بن ثابت (3) بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف , ولله در الشيخ ~~عبد الباسط البلقيني (4) - رحمه الله تعالى - حيث قال: [من ms183 الوافر] # عليك بنسبة للشافعي ... إمام المسلمين الشاف عيني # هو البحر البسيط بكل علم ... محمد بن إدريس العلي PageV01P391 ~~فعباس بن عثمان المبدي ... فشافع سابع شبه النبي # كذاك عبيد يزيد ينمي ... لهاشم بن مطلب البهي # فعبد مناف السامي فخارا" ... بخاتم الأنبياء الهاشمي (1) # وله أيضا (2): ... [من الوافر] # عليك بنسبة الحبر الإمام ... محمد بن إدريس الهمام # فعباس بن عثمان المعلي ... فشافع سائب الزاكي المقام [147ظ] # كذاك عبيد عبد يزيد يسمو ... بهاشم بن مطلب الحسام # فعبد مناف السامي فخارا" ... بخير المرسلين على الأنام # قال: # 48 - إذا وردت أصدرتها ثم إنها ... تثوب فتأتي من تحيت ومن عل # اللغة: # وردت: من الورود ((وهو الأشراف على الماء وغيره, دخله أو لم يدخله , ~~كالتورد والاستيراد (3))) # أصدرتها: أي أرجعتها من الصدر بالكسر ((وهو الرجوع والاسم بالتحريك ومنه ~~طواف الصدر)) (4). # تثوب: أي ترجع من ثاب ثوبا وثؤوبا رجع كثوب تثويبا (5). # تحيت: مصغر تحت نقيض فوق، والتخوت الارذال السفلة (6). # ومن عل: أي من فوق. PageV01P392 # إذا: ظرف لما يستقبل الى آخر ما تقدم. # ورد: فعل ماض فعل الشرط والتاء علامة التأنيث، والفاعل ضمير مستتر جوازا ~~يرجع الى العموم. # اصدر: فعل ماض جواب الشرط والتاء ضمير فاعل، والهاء ضمير الفمعول به. # ثم: حرف عطف. # إن: حرف من الحروف المشبهة بالفعل، الهاء اسمها محله النصب. # تثوب: فعل مضارع مرفوع للتجرد بالضمة الظاهرة، وفاعله ضمير مستتر فيه ~~جوازا يرجع الى الهموم قبله، والجملة في محل رفع خبر أن، وان وما بعدها ~~معطوف على جملة إذا وما بعدها نظير ما قاله بعض المحققين في قوله تعالى: ~~{إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} (1)، من أن يستأخرون عطف ~~على جاء أجلهم، فإن قيل: [148و] لا يحسن العطف هنا حسنة في الآية لأن ما ~~نحن فيه من باب عطف الجملة الاسمية على الفعلية وهو غير مستحسن لان التناسب ~~بين المتعاطفات مطلوب عند أهل الفصاحة، أجيب: أما أولا فالمقصود من التنظير ~~عطف الحملية على الشرطية، وإما ثانيا فلأن المصحح عند علماء البلاغة أن ~~الاسمية التي خبرها ظرفية الا أن ms184 هذه هي فعلية تقديرا بناء على أن المرجح ~~عندهم أن الظرف مقدر معه الفعل فتنبه. # فتأتي الفاء عاطفة، وتأتي فعل مضارع مرفوع للتجرد بالضمة المقدرة على ~~الياء المانع من ظهورها الاستثقال، وفاعله ضمير الهموم مستتر فيه جوازا، ~~والجملة معطوف على جملة تثوب عطف المفصل على المجمل كقولهم: توضأ فغسل وجهه ~~ويديه ومسح رأسه وغسل رجليه لبيان كيفية ثوابها وحذف صلة تثوب أي علي إما ~~لان القصد بيان أصل الفعل كقولهم: فلان يعطي ويمنع وإما للعلم به. PageV01P393 # من تحيت: من حرف جر، وتحيت اسم مجرور محلا بناء على أنه كقبل وبعد فلما حذف ~~المضاف منه ونوي معناه بني على الضم وهو الرواية ولا يعارضه التصغير الذي ~~هو من خواص الأسماء كالإضافة لأنه فيه ليس قصديا بل لدرج البيت. # ومن عل: معطوف عليه وحكمه حكمه، والجار والمجرور متعلق باتى يقال: من عل ~~بالكسر، والضم فالأول على حذفه ونية لفظه، والثاني على حذفه ونية معناه ~~[148ظ] كقوله (1): [من الطويل] # مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل # والتزم فيه ابن هشام الجر بمن وقطعه عن الإضافة ورد على الجوهري وابن ~~مالك في تجويزهما إضافته مستدلين بقوله: ارمض من تحت وأضحى من عله، بأن ~~الهاء فيه للسكت لأنه مبني ولا وجه لبنائه لو كان مضافا والمعنى: أن تصيبه ~~الرمضاء من تحته وحر الشمس من فوقه ه. # المعنى: إن هذه الهموم ترد علي فإذا أشرفت أرجعها وادفعها بما اقدر عليه ~~ثم تغلبني فتكر علي راجعة فتأتيني من فوقي ومن تحتي. # تكيمل: # إنما خص هاتين الجهتين بالذكر دون غيرهما إما لانهما لا يتبدلان كما برهن ~~عليه في الحكمة فإذا دهمته الهموم منهما لا يقدر على دفعها إذ كلما تحرك ~~على الغبراء فهي تحته وكلما سار تحت الخضراء فهي فوقه فإذا جاءته الهموم من ~~قبلهما أصابته ولابد بخلاف اليمين والشمال والامام والوراء أو لان التحت ~~بجهة وطأه والفوق جهة غطاه فلما صارت السناسن سرير الحافة والنجوم نقش ~~لحافه، تذكر قومه وأهله وثروته وفضله ولم ms185 يزل الشيء يذكر بمثله، ويدرك ~~بادراك ما هو كشكله فتسترسل له الفكر فتكثر منه الهموم والكدر، ولعمري لقد ~~ذل اليعفور بعد شماسه (2)، واستوحش المخمور غب إيناسه، ولله دره فإنه مع ~~هذا مولى الصبر، لا يعجز عن الكر والفر كما صرح به في البيت آلاتي، وفي هذا ~~البيت من محاسن البديع الالتفات من الغيبة الى التكلم. PageV01P394 # قال: # 49 - واني لمولى الصبر أجتاب بزه ... على مثل قلب السمع، والحزم أفعل # اللغة: # المولى: له معان كثيرة المناسب للبيت منها الصاحب والحليف والمحب والتابع ~~(1)، والأنسب مفوض إليك فعليك باستخراجه والسلام عليك. # استطراد: # قضية كلام المجد اللغوي أن المطر يسمى وليا (2) بالتخفيف وكلام البحتري ~~وغيره يقتضي أنه بالتشديد قال: [من الطويل] # مضى منك وسمي فجد بوليه ... وعودت من نعماك فضل فواله # ويمكن أن يقال إنما شدد لأجل الشعر، على أنه لو قال: فجد لي بوليه، لوافق ~~قضية كلام المجد فتدبر. # الصبر ((نقيض الجزع يقال: صبر يصبر صبرا، فهو صابر وصبير وصبور وتصبر ~~واصطبر وأصبره أمره بالصبر كصبره)) (3). # اجتاب: أي ألبس، يقال: ((اجتاب القميص)) إذا لبسه)) (4). # البز: ((الثياب)) (5). # السمع ((بكسر السين المهملة، ولد الذئب من الضبع، ويزعمون أنه لا يموت ~~حتف أنفه كالحية، أسرع من الطير، ووثبته تزيد على ثلاثين ذراعا)) (6) أجرأ ~~من الأسد الورد. # الحزم: ((ضبط الأمر والأخذ فيه البثقة، كالحزمة والحزمة، حزم ككرم فهو ~~حازم وحزيم)) (7). PageV01P395 # الإعراب: # واني: الواو للاستئناف أو الحال، وان حرف من الحروف المشبهة بالفعل، ~~الياء اسمها محله النصب. # لمولى: اللام لام المزحلقة، مولى خبر أن مرفوع بالضمة المقدرة لأنه اسم ~~مقصور مضاف إلى الصبر. # والصبر: مجرور بالمضاف [149ظ] والجملة لا محل لها من الإعراب على الأول ~~ومحلها النصب على الثاني. # اجتاب: فعل مضارع مرفوع للتجرد بالضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر وجوبا ~~تقديره: أنا. # بزه: مفعول به منصوب ومضاف إليه، والجملة في محل النصب على الحال. # من ضمير المتكلم أو مستأنفة استئنافا بيانيا. # على مثل: جار ومجرور متعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير في اجتاب ~~متداخلة على الأول، وغير متداخلة ms186 على الثاني، مضاف إلى قلب وهو مضاف الى ~~السمع والمضاف إليه مجرور بالمضاف وعلامة جره الكسرة. # والحزم: الواو عاطفة، الحزم مفعول مقدم للدلالة على القصر القلبي أو ~~الافرادي أو التعييني. # وأفعل: فعل مضارع مرفوع للتجرد، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا بتقدير أنا، ~~والجملة معطوفة على جملة اجتاب بزه؛ فهي في محل نصب على أحد التقديرين ~~السابقين. # المعنى: # بعد أن وصف نفسه بأنه طريد جنايات وأسير مصائب ومحنات، وأن الهموم قد ~~ساورته، والاكدار قد حاورته، وصف نفسه مع ذلك بأنه مولى الصبر وحليفه ~~واليفه، وأنه في حالة هو فيها كقلب السمع في الثبات، وأنه لا يفعل إلا ~~الحزم في هذه الآفات، فلله دره من رجل لا تطيش عقله الخطوب، ولاتنهنه ~~الاكدار والكروب، فالبيت كله سيق للاحتراز والاحتراس كما أن قوله: والحزم ~~أفعل، كذلك عند الحذاق من الناس. PageV01P396 # تكميل: # في قوله: على مثل قلب السمع، {مثل دأب قوم نوح} (1)، من تتابع الإضافات. # والأصح أنه غير مخل بالفصاحة، وفي قوله: أجتاب بزه، استعارة مصرحة تبعية، ~~واستعارة مصرحة أصلية واستعارة مكنية تبعية لدى المحققين من أهل الدراية. # استطراد: # أصيب رجل من قريش بمصيبة فجزع جزعا شديدا، وأتته جماعة من قريش تعزيه ~~فاطرق ساعة ثم قال: [من الطويل] # وما أنا بالمخصوص ممن رأيته ... ولكن أتتني نوبتي في النوائب # ثم أقبل علينا وقال: والله ما منكم أحد إلا وقد رأيتني اعزيه عن مصيبته ~~وما أنا إلا كأحدكم، فما برحنا حتى رأينا العزاء في وجهه. # وذكر ابن خارجة الفزاري بالحلم والصبر والعقل فأراد قوم من أهل الشام ~~امتحانه فكتبوا على لسان بعض أهله: أن ولديك قد توفيا، فأخذ الكتاب وهو ~~محتب (2) فقرأه ووضعه ولم يحل حبوته، ولم يتبين ذلك فيه، فقيل له: ما في ~~هذا الكتاب؟ فقال: خبرت أن ابني نزلا منزلا سبقاني إليه وأنا لابد نازله ~~بعدهما، قالوا: ليس في هذا شيء وإنما أردنا أن ننظر كيف صبرك، قال: أن لم ~~يكن فسيكون. # قال: # 50 - وإما تريني كابنة الرمل ضاحيا ... على رقة أحفى ولا اتنعل # اللغة: ms187 # ابنة الرمل: حية توجد فيه مؤذية جدا، وأصل ابنة ابن فألحقت الهاء ~~للتأنيث، ((والرمل: معروف واحدته (3) رملة، وبها سميت أم حبيبة (4) زوج ~~النبي (- صلى الله عليه وسلم -)، ويجمع على رمال وأرمل)) (5). PageV01P397 # وفي كتاب ((الأسماء والصفات)) (1) من أسماء [150ظ] الرمال وصفاتها: الصريمة ~~والصرائم، والخميلة والخمائل، والجوع والجرعا (2)، والشقيقة والشقائق، ~~والحقف والأحقاف، والدهاس، والمذلول والهذاليل، والنهابير (3) والوعث، ~~والجماهير، والظفرة، والمواعس، والعقدة، والنقا، واللوى، والدعص، والعاقد ~~(4)، والقوز، والهائل والأهيل، والعاقر، والعقنقل، والبطحاء، والوعساء، ~~والميثاء، والعواتك، والكثيب، وفي كتاب الأصمعي (5) في صفتها أيضا: ~~اليناهير (6)،والتياهير، والامل، واللبيب (7)،والعداب، والإسناد والسند ~~(8)،والسقط والمسقط، والسلاسل، والخل (9) والاواعس، والجراثيم، والأهداف، ~~والمرادى كحبارى، والرغام، والهيام (10) # استطراد:- # ((قال أبو علي: الأرامل المساكين من النساء والرجال، ويقال لهم أيضا إن ~~لم يكن فيهم نساء، ويقال: امرأة أرملة وكذا نسوة أرملة والأرملة التي مات ~~زوجها ورجل أرمل ذهب زاده، قال القتيبي: لو أوصى بمال للأرامل أعطى الرجال، ~~ورد بأن الحكم الشرعي لا يحمل على الشذوذ كما لو قال: ثلث مالي للرجال لم تعط PageV01P398 ~~النساء وإن كان يقال للمرأة رجلة او للغلمان لم تعط الأنثى وإن كان يقال ~~لها علامة)) (1) انتهى. # ولك أن تفرق بأن لفظ الأرامل يتناول الصيغتين مثل اراقم وأرقم بخلاف لفظ ~~الرجال والغلمان فلا يتناول الأنثى وإن كان يقال للواحدة رجلة وغلامة لأنه ~~لا يصح أن يكون [151و] جمعا لأنهما إنما يجمعان بالألف والتاء نحو: مسلمة ~~ومسلمات. # ضاحيا: أي بارزا للشمس ((وأ رض مضحاة لا تكاد تغيب عنها الشمس)) (2) # الرقة: لها معان متعددة المناسب منها هنا: الأرض التي نضب عنها الماء ~~(3)، لأنها التي يصعب المشي عليها بلا نعل. # استطراد: # قال صاحب ((العناية في شرح الهداية)) (4) في أول الكلام على الكفارة ... ~~: ((واعترض على (المص) (5) أنه لم يسمع عن أئمة اللغة: رقه حتى يشتق منه: ~~المرقوق، وإنما رق إذا صار رقيقا، أي عبدا، وأجيب: بأن الأزهري (6) حكى عن ~~ابن السكيت (7) أنه جاء: عبد مرقوق، وكلاهما ثقة)) (8). # أحفى: من الحفاء، وهو ((رقة القدم والخف والحافر، والمشي بلا خف ولا ~~نعل)) (9) وهو المراد هنا، ms188 ويجوز كلاهما عندنا معاشر الشافعية (10). PageV01P399 # انتعل: أي ألبس النعل، وهو ((ما وقيت به القدم من ألأرض كالنعلة مؤنثة جمع ~~نعال)) (1) # الإعراب: # وإما: الواو استئنافية على الأظهر أن أداة شرط جازم تجزم فعلين الأول فعل ~~الشرط والثاني جوابه، وما زائدة. # ترني: فعل الشرط مجزوم بحذف الألف لأنه فعل مضارع معتل الآخر بالألف، ~~والياء ضمير الفاعل والنون للوقاية والياء الأخيرة ضمير المفعول به إن جعلت ~~الرؤية بصرية وهو الظاهر، وضمير المفعول الأول أن جعلت علمية. # كابنة الرمل: الكاف حرف تشبيه وجر، وابنة الرمل مجرور بالكاف ومضاف إليه ~~والجار والمجرور متعلق بمحذوف على أنه حال: إما من ضمير المتكلم قبله ~~[151ظ] او من الضمير في ضاحيا وقدم لأن العامل مشتق كالفعل يسوغ تقديم ~~الحال عليه كما يسوغ على الفعل نفسه فتكون حالا متداخلة وإما مفعول ثاني ~~لتريني على تقدير كونها علمية. # وضاحيا: إما حال من الضمير المستقر في الظرف قبله على الوجه الأول او من ~~الياء على الثاني، وإما مفعول ثاني لرأي الجار والمجرور حال من ضميره مقدم ~~عليه كما مر وجهه. # وعلى رقة: جار ومجرور متعلق بضاحيا أي بارزا للشمس فوق رقة أو بأحفى. # وأحفى: فعل مضارع مرفوع للتجرد بضمة مقدرة على الألف، والفاعل ضمير مستتر ~~فيه وجوبا تقديره: انا. # ولا أتنعل: الواو عاطفة، أتنعل فعل مضارع مرفوع للتجرد بضمة ظاهرة في ~~آخره، والفاعل ضمير المتكلم المستتر وجوبا، والجملة معطوف على الجملة. # أحفى، وجواب الشرط يأتي في قوله: فلا جزع اه. # المعنى: # بعد أن ذكر أنه طريد جنايات وأليف هموم، وأنه في ذلك كله مولى الصبر على ~~الهموم خاطب أم قسطل حيث كانت مبتئسة عليه لكونه أحد أعوانها والمعظم من PageV01P400 ~~أركانها فقال لها: فان تريني كحية الرمل باديا للشمس لالباس ادفع به الحر ~~والقر ولا سلاح استعين به في الكر والفر، ولا نعل تقي مناسمي خشونة الرقة، ~~ولا مساعد عن محبة ومقة فلا جزع إلى آخره ما يأتي. # تكميل:- # في تشبيه نفسه بابنة الرمل إشارة إلى ما يقال: فلان كالأرقم وفي [152و] ~~أنيابه ms189 السم ناقع. # قال: # 51 - وأعدم أحيانا وأغنى وإنها ... ينال الغنى ذو بغية المتفضل # اللغة:- # وأعدم: من ((العدم بالضم الفقدان، وغلب على فقدان المال)) (1). # قال العلامة ابن الكمال (2) في شرحه على الهداية (3) عند قوله: ((ولا ~~ينعدم به)) ما نصه: ((واعلم أن الانعدام وإن كان من الألفاظ المحدثة، فإن ~~أهل اللغة لم يجوزوا عدمته فانعدم، فإن علمته بمعنى لم أجد، وحقيقته تعود ~~الى قولك فات، وليس له مطاوع، كذا عدمت إذ ليس فيه إحداث فعل)). # وذكر في المفصل (4): ((ولا يقع -يعني الفعل- حيث لا علاج ولا تأثير، ~~ولهذا كان قولهم انعدم خطأ)). # إلا أنه لما شاع استعماله في الكتب، صار استعماله أولى من غيره، لأنه ~~أقرب الى الفهم، ولهذا قيل: ((الخطأ المستعمل أولى من الصواب المهجور)). PageV01P401 # أحيانا: جمع حين، وهو هنا ((الوقت المبهم يصلح لجميع الازمان طال أو قصر ~~يكون سنة ... أو سنتين أو ستة أشهر أو شهرين أو كل غدوة وعشية .. وقوله ~~تعالى ... {فتول عنهم حتى حين ... } (1)، أي: حتى تنقضي المدة التي أمهلوها (2))). # استطراد: # نقل عن ابن يعيش (3): ((إنما يسمى المغني مغنيا لأنه يغن صوته أي: يجعل ~~فيه غنة، والأصل مغنن (4) بثلاث [152ظ] نونات، فأبدلت الأخيرة ياء تخفيفا، ~~يقال: غناه بالشعر وتغنى به)) (5). # البغية: ما أبتغي، يقال: ((بغيته أبغيه بغاء وبغى وبغية بالضم وبغية ~~بالكسر: طلبته، .. والبغي الأمة أو الحرة الفاجرة)) (6) التي تبغي الرجال، ~~وهو فعول عند المبرد (7) أي بمعنى الفاعل وأصله بغوي فأدغمت الواو في ~~الياء، وقال ابن جني (8): هي فعيل، ولو كانت فعول لقيل: بغو مثل: فلان نهو ~~عن المنكر، ورد ما قال ابن جني بأن نهو شاذ مخالف للقياس (9). PageV01P402 # المتفضل: من ((الفضل ضد النقص)) (1)، وقولهم: ((فضلا عن كذا)) مصدر منصوب ~~بفعل محذوف أبدا يتوسط بين الأدنى والأعلى للتنبيه بنفي الأدنى واستبعاده ~~على نفي الأعلى واستحالته، فيقع بعد نفي صريح أو ضمني، كما في قولك: تقاصرت ~~الهمم عن ظواهر العلوم فضلا عن دقائقها، أي: لم تبلغ (2). # الإعراب: # واعدم: الواو حرف عطف، واعدم فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر وجوبا تقديره: ~~انا، والجملة ms190 معطوفة على جملة الشرط قبلها. # أحيانا: ظرف منصوب على الظرفية. # وأغنى: مضارع مرفوع بالضمة على الألف للتجرد، والفاعل ضمير أيضا، والجملة ~~معطوفة على الجملة قبلها. # وإنما: الواو للاستئناف، إنما أداة حصر. # ينال الغنى: فعل مضارع ومفعول. # ذو: فاعل ينال مرفوع بالواو لكونه من الأسماء الخمسة مضاف إلى البغية، ~~وهي مجرورة [153و] بالمضاف وعلامة الجر كسره في آخره. # والمتفضل: صفة بعد صفة إذ ذو بتقدير موصوف أي رجل ذو بغية، وهكذا يقدر في ~~جميع مواد استعمالها لكن لما شاع حذف هذا الموصوف تسامح المعربون فأعطوها ~~أحكام موصوفها فتنبه. # المعنى: # إني أعدم أحيانا وأغنى أحيانا فليس العدم باقيا ولا الغنى باقيا فلا يأس ~~مع البؤس، ولا بطر مع الغنى لعلمي بزوال كل منهما وأعقاب الآخر إياه وإنما ~~ينال الغنى صاحب بغية متفضل لا نقص عنده، وفي تقديمه العدم على الغنى إشعار ~~بتقديمه في الوضع إذ يولد الإنسان ولم يكن عنده شيء حتى يضرب به المثل ~~ويقال: هو أفلس من PageV01P403 ~~ابن يوم (1)، ولعمري أن شنشنة الشنفرى أحسن الشنشنات، وعادته أحسن العادات، ~~وقد كان لرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) الحظ الأوفى، قال الأبوصيري ~~(2): ... [من الخفيف] # لا تحل البأساء منه عرى الصبر ... ولا تستخفه السراء # تكميل: # في قوله: وإما الخ إشارة الى أن الفقر لا فخر فيه وإنما الفخر في الغنى ~~لأنه إنما يكون بمباشرة الأسباب بخلاف الفقر، جعلنا الله من السعداء في ~~الدنيا والآخرة، وفي قوله: وأغنى، إكتفاء أي: أحيانا كقوله تعالى {) يأكل ~~مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون} (3)، أي منه. # 52 - فلا جزع من خلة متكشف ... ولا مرح تحت الغنى يتخيل / [153ظ] # اللغة: # ((الجزع محرك نقيض الصبر، وقد جزع كفرح جزعا وجزوعا فهو جازع وجزع ككتف)) (4). # الخلة: الحاجة والفقر والخصاصة، وفي المثل: ((الخلة تدعو إلى السلة)) (5) ~~أي إلى السرقة، وما أخلك الله ما أحوجك، والاخل الأفقر (6)، وبألف بعد ~~الخاء أخت أمك والخال أخوها، وقد أنشد أبو العباس ثعلب (7) في بعض أماليه ~~(8) في موارد استعمال لفظ الخال فقال: [من الطويل] # تعرفت أطلالا شجونك ms191 بالخال ... وعيش زمان كان في العصر الخالي (9) PageV01P404 ~~ليالي ريعان الشباب مسلط ... علي بعصيان الإمارة والخال (1) # وإذ أنا خدن للغوي أخي الصبا ... وللغزل المريح ذي اللهو والخال (2) # وللخود تصطاد الرجال بفاحم ... وخد أسيل كالوذيلة ذي خال (3) # إذا سكنت ربعا رئمت رباعها ... كما رئم الميثاء ذو الريبة الخالي # المراد بالخال هنا الرجل الغريب وأصل الميثاء: الأرض السهلة، وسميت بذلك ~~المرأة اللينة الخلق، قال الأعشى (4): # لميثاء دار قد تعفت طلولها # ويقال: رئم بفتح الراء وكسر الهمزة إذا أحب، فمعنى البيت: أي أحب ما تحب، ~~فإذا أحبت ربعا أحببته كما يحب الغريب المرأة اللينة الخلق ثم قال: # ويقتادني منها رخيم دلالها ... كما اقتاد مهرا حين يألفه الخالي # وهو الذي يخليه، اي: يلقى اللجام في فيه، ثم قال: [154و] # زمان أفدي من يراح إلى الصبا ... بعمي، من فرط الصبابة، والخال (5) # ولاأرتدي إلا المرءة حلة ... إذا ضن بعض القوم بالعصب والخال (6) # وقد علمت أني وإن دنت للصبا ... إذا القوم كاعوا، لست بالرعش الخالي (7) # وإن أنا أبصرت المحول ببلدة ... تنكبتها وآشتمت خالا على خال (8) # فحالف بحلفي كل حلف مهذب ... وإلا تحالفني فخال إذا خال (9) # فاني حليف للسماحة والندى ... كما احتلفت عبس وذبيان بالخال (10) # وثالثنا في الحلف، كل مهند ... لما ريم من صم العظام به خال (11) # ألم بربع الدار بان أنيسه ... على رغم أنف اللهو قفرا بذي خال (12) PageV01P405 ~~(13) الخال: الحبل الأسود. # خلا منهم من حيث لم تخل مهجتي ... ولم يخل من نؤ [ي] وأورق كالخال (1) # وكم جللت أيدي النوى وصروفها ... على الزمن الخالي المحبين بالخال (2) # وهي طويلة جدا. (3) # متكشف: أي مفتضح، من كشفته الكواشف فضحته. # المرح: والمريح كسكين الأشر البطر، يقال: مرح كفرح اشر وبطر يتخيل أي ~~يتكبر ويعجب بنفسه. # الإعراب: # فلا جزع: الفاء رابطة للجواب، ولا نافية، جزع خبر مبتدأ محذوف، أي: لا ~~أنا اجزع، والجملة في محل جزم على أنها جواب أن في البيت السابق. # من خلة: جار ومجرور متعلق بجزم. # متكشف: خبر بعد خبر. # ولامرح: الواو حرف عطف، والجملة [154ظ] معطوفة على الجملة قبلها. # تحت: ms192 ظرف مكان منصوب على الظرفية بمرح او يتخيل مقدم عليه مضاف الى الغنى. # يتخيل: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا ~~تقديره: هو، والجملة إما حال من ضمير مرح او خبر بعد خبر. # المعنى: # قد علم مما تقدم، وفي قوله: تحت الغنى استعارة مكنية تتبعها استعارة ~~تخييلية. # قال: # 53 - ولا تزدهي الأطماع حلمي ولا أرى ... سؤولا بأعقاب الأحاديث ينمل # اللغة: # الإزدهاء: ((الإستخفاف كالزهو)) (4). # الأطماع: جمع طمع، وهو الحرص على الشيء (5). PageV01P406 # حلمي: ((الحلم بالكسر الأناة والعقل جمع أحلام وحلوم، ومنه: {أم تأمرهم ~~أحلامهم} (1))) (2)، قيل: لم يبعث نبي بالحلم غير إبراهيم وإسماعيل لعزته (3). # المسؤول: فعول من السوأل معروف، ويقال: سأل كذا وعن كذا بمعنى عنه (4). # الأعقاب: جمع عقب، وهو آخر كل شيء كالعاقبة (5)، وعقيب لغة قليلة فيه ~~(6)، واعلم أن الفقهاء يستعملون عقب بالياء، فيقولون: عقيب الفرض، عقيب ~~الصلاة، والمشهور عقب بحذف الياء (7)، ذكره أبو البقاء بن الضياء (8) في ~~البحر العميق (9) في الفصل الثاني من الباب السابع في الإحرام من كتابه ~~المذكور. # الأحاديث: جمع حديث، وهو الخبر قاله المجد اللغوي (10)،أقول: الخبر اعم ~~في اصطلاح المحدثين لتناوله [155و] ماروي عن النبي (- صلى الله عليه وسلم ~~-) وغيره أو هما غيران، لاختصاص الحديث بالمروي عنه (- صلى الله عليه وسلم ~~-)، والخبر بما روي عن غيره؛ ولهذا قيل لمن يشتغل بالأخبار النبوية محدث ~~ولمن يشتغل بالأخبار إخباري (12)، وذكر في شرح الحماسة (13): رجل حدث أي ~~شاب، فان ذكرت السن قلت حديث السن، فأحفظ هذا فإنه مما يغلط فيه كثير ممن ~~يدعي الفصاحة، والحدوث تكون الشيء بعد أن لم يكن، وأحدثه الله فحدث أي: ~~وقع، والحدث والحدثى والحادثة بمعنى، واستحدثت خيرا أي وجدت. PageV01P407 # ينمل: أي يكذب، يقال: ((نمل كنصر وعلم كذب، والنمل معروف واحدته نملة، وقد ~~تضم الميم)) (1) وقد تضم النون وبهما قرأ (2): {قالت نملة يا أيها النمل ~~ادخلوا ... } (3)، وقال الزمخشري: ((الأصل النمل بوزن الرجل والنمل بالفتح ~~مخفف عنه، كما في قولهم السبع والسبع انتهى)) (4). ((ونملة سليمان - عليه ~~السلام - أنثى لقوله تعالى {قالت}، لا لقوله: {نملة}، ms193 لأن التاء للوحدة لا ~~للتأنيث)) (5). # الإعراب: # الواو عاطفة، ولا نافية. # وتزدهي: فعل مضارع مرفوع للتجرد بضمة مقدرة على الياء. # الأطماع: فاعل، وهو مرفوع بضمة ظاهرة. # حلمي: مفعول به منصوب بفتحة مقدرة على الآخر منع من ظهورها اشتغال المحل ~~بكسرة المناسبة، مضاف إلى الياء، وهي محلها الجر بالمضاف، والجملة معطوفة ~~على [155ظ] جملة قوله: فلا جزع الخ على الأرجح. # ولا أرى: الواو عاطفة أيضا، ولا نافية، وأرى: فعل مضارع مبني للمجهول ~~مرفوع بضمة مقدرة على الألف، وفيه ضمير نائب الفاعل، أي: ولايعتقدني أحد. # سؤولا: مفعول ثان. # وبأعقاب الأحاديث: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق ب نمل، وهو مضارع مرفوع ~~للتجرد بضمة ظاهرة، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو، والجملة صفة سؤولا. # المعنى: # إن الأطماع التي من شأنها تستخف بصاحبها لا تستخف حلمي، ولا العدم يوهي ~~عزمي فيراني الناس سؤولا يكذب بأعقاب أحاديثه، ومن كان بتلك الصفة من ~~السائلين PageV01P408 ~~، كان من أقبح المساكين؛ إذ كذبه لا يخلو إما لوصفه المسؤول بما هو ليس ~~أهله، وأما لإظهاره الفاقة بالكلية، وهو بخلاف ذلك، وكلاهما مذموم، بل ورد ~~في الثاني من الوعيد الدال على أن هذا السائل يحشر يوم القيامة ووجهه عظم ~~ولا لحم فيه. # ويروى: ينحل مضارع مبني للمجهول من النحلة وهي العطاء، وعليه يكون ~~المعنى: ولا يراني أحد أعطى بأعقاب أحاديثي لان السؤال ذل ولو أين الطريق، ~~بل هو ليس من دأب عالي الهمة، وذلك ترى عالي الهمة يركب المشاق، ويغدو على ~~القوت الزهيد، ولا يرتكب السوأل من أقاربه فضلا عن الاباعد، بل يكثر التنقل ~~والأسفار والوغول في البوادي، ولو قدر على [156و] أن يحصل بالسوأل ألف دينار، # قال ابن عنين: [من الكامل] # فإلى متى أنا بالسفار أضيع ال (م) ... أيام بين الشد والإيضاع # بينا أصبح بالسلام محلة ... حتى أمسي أهلها بوداع (1) # وقال غيره: (2) [من الكامل] # ومشتت العزمات لا يأوي إلى ... سكن ولا أهل ولا جيران # ألف النوى حتى كأن رحيله ... للبين رحلته إلى الأوطان # وقال ابن عنين: [من الكامل] # فحتام لانفك في ms194 ظهر سبسب ... أهجر أو في بطن دوية قفر # أشقق قلب الشرق حتى كأنني ... أفتش في سودائه عن سنا الفجر (3) PageV01P409 ~~وقال الجزار: (1) [من الكامل] # والأرض قد ثقلت عليها وطأتي ... إذ عمها الإدبار والإقبال # حتى م امسحها فلولا أن لي ... عينين قال الناس ذا الدجال (2) # وقال الغرناطي أبو الحسين (3): [من الكامل] # يا ليت شعري والأماني كلها ... برق يغرك أو سراب يلمع # هل تربعن ركائبي في بلدة ... أم هكذا خلقت تحب وتوضع # في كل يوم منزل وأحبة ... كالظل يلبس في المقيل ويخلع # وقال ابن زريق البغدادي (4) من قصيدة: [156ظ] 0من البسيط # تأبى المطالب إلا أن تجشمه ... للرزق كدحا وكم ممن يودعه # كأنما هو من حل ومرتحل ... موكل بفضاء الأرض يذرعه (5) PageV01P410 ~~قال الشنفرى: # 54 - وليلة نحس يصطلي القوس ربها ... وأقطعه اللاتي بها يتنبل # اللغة: # الليلة: مؤنث الليل، وهو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر أو الشمس. (1) # النحس: ((الريح الباردة)) (2) # يصطلي: أي يستدفىء، ويقال: ((صلى عصاه على النار، وتصلاها لوح)) بها ~~عليها، وصلى اللحم يصليه صليا شواه أو ألقاه في النار للإحراق كأصلاه، وصلى ~~يده بالنار سخنها (3))) (4). # القوس: ((معلوم، وقد تذكر)) (5)، قال الجوهري: فمن أنث صغرها على قويسة ~~ومن ذكر قال: قويس وجمعها قسي وأصله قووس لأنه فعول إلأ أنهم قدموا اللام ~~فصار قسو وعلى فلوع ثم قلبوا الواو ياء وكسروا القاف كما في عصي والنسبة ~~إليها قسوي بردها الى الأصل (6)، ((وذو القوس حاجب بن زرارة اتى كسرى في ~~جدب أصابهم بدعوة النبي - صلى الله عليه وسلم- يستأذنه لقومه أن يصيروا في ~~ناحية من بلاده حتى يحيوا - أي يرزقوا الحيا - أي المطر، فقال: إنكم معاشر ~~العرب غدر وحرص؛ فإن أذنت لكم أفسدتم البلاد، وأغرتم على العباد، قال حاجب: ~~إني ضامن للملك أن لايفعلوا، قال فمن لي بأن تفي، قال: أرهنك قوسي؛ فضحك من ~~حوله، فقال كسرى / [157و] ما كان ليسلمها أبدا؛ فقبلها منه وأذنله، ثم ~~احيوا بدعوته -صلى الله عليه وسلم PageV01P411 ~~وقد مات حاجب، فارتحل عطارد ابنه إلى كسرى فطلب قوس أبيه، فردها عليه وكساه ~~حلة ms195 فلما رجع أهداها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- فلم يقبلها، فباعها ~~من يهودي بأربعة الآف درهم، وذو القوس أيضا سنان بن عامر لأنه رهن قوسه على ~~ألف بعير في الحارث بن ظالم عند النعمان الأكبر،)) (1) ولبعض الشيبانيين ~~يخاطب قومه مفتخرا بهم: (2) # [من الطويل] # إذا افتخرت يوما تميم بقوسها ... وزادت على ما وطدت من مناقب # فأنتم بذي قار أمالت سيوفكم ... عروش الذين استرهنوا قوس حاجب # يريد عروش كسرى وأصحابه، وقصة ذي قار مشهورة (3)،ولولا الإطالة لذكرتها ~~عن آخرها. # ربها: أي مالكها وصاحبها. (4) # وأقطعه: الأقطع جمع قطيع كأمير، وهو القضيب الذي تبرى منه السهام أو جمع ~~قطع بالكسر، وهو نصل صغير عريض أو الردىء من السهام. (5) # الإعراب: # وليلة: الواو واو رب، وليلة مجرورة لفظا بها منصوبة محلا بدعست ولا يجوز ~~الرفع محلا على انه مبتدأ؛ لخلو الجملة بعدها عن الرابطة كرب رجل كريم ~~لقيت، ولو وجد الرابط جاز الرفع والنصب بفعل محذوف يفسره المذكور، نظير: ~~زيدا رأيته، مضاف الى نحس، وهو مجرور بالمضاف وعلامة جره الكسرة في اخره، ~~وجملة يصطلي القوس ربها، صفة ليلة أوحال [157ظ] منها لتخصيصها بالإضافة، ~~والعائد في الاحتمالين مقدر أي فيها. # واقطعه: الواو عاطفة، واقطعه عطف على القوس. PageV01P412 # اللاتي: اسم موصول محله النصب صفة أقطع. # بها: جار ومجرور متعلق بيتنبل، وهو فعل مضارع مرفوع للتجرد، والفاعل ضمير ~~مستتر جوازا فيه تقديرا، هو والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. # قال: # 55 - دعست على غطشى وبطشى وصحبتي ... سعار وإرزيز ووجر وأفكل # اللغة: # دعست: من ((الدعس كالمنع شدة الوطء (1))) # وغطشى: ظلمة من الليل (2). # والبطش: الأخذ بالعنف والسطوة كأبطشه، الأخذ الشديد، والبأس (3)،والكل ~~محتمل هنا. # السعار: ((كغراب الجوع)) (4) # الأريز: ((الصقيع، والآرزة الليلة الباردة)) (5) # الوجر: الإشفاق، يقال: ((وجر منه كفرح أشفق فهو وجر)) (6) # الأفكل: ((الرعدة)) (7) # الإعراب: # دعست: فعل وفاعل. # على غطشى: جار ومجرور متعلق بدعست. # وبطشي: معطوف على غطشى. PageV01P413 # وصحبتي: الواو للحال، وصحبتي مبتدأ ومضاف إليه. # سعار: خبره، والبقية معطوفة عليه، والجملة في محل نصب على الحال من التاء ~~في دعست. ms196 # المعنى: # في مثل هذه الليلة ذات الريح الباردة التي فيها لبردها يصطلي القوس ~~صاحبها ويصطلي أيضا ما يتنبل فيه مع غلاء القوس عند العرب كما علمته آنفا، ~~شددت وطئي على ظلمة من الليل وأخذت بعنف وسطوة، والحال أن مصاحبي الجوع ~~والصقيع والإشفاق والرعدة، المقتضي كل منها خمود نار الهمة. # تكميل: # ويحتمل في على أن تكون على بابها، ويكون شبه ظلمة الليل بالأرض مبالغة في ~~اعتكارها، وخيل الوطء عليه، فالاستعارة مكنية تتبعها استعارة تخييلية، ~~ويحتمل أن يكون اللام نظير قوله تعالى { ... ولتكبروا الله على ما هداكم ~~... } (1) أي شددت وطئي لأجل تهيء أسبابه من ظلمة الليل والسطوة مع ما معي ~~من مقتضيات الجبن: من الجوع وما عطف عليه. # قال الشنفرى: # 56 - فأيمت نسوانا وأيتمت إلدة ... وعدت كما أبدأت والليل أليل # اللغة: # أيمت: أرملت، و((الأيامى: الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء، وأصلها ~~أيائم فقلبت، لأن الواحد رجل أيم، سواء كان تزوج من قبل أم لم يتزوج. ~~وامرأة أيم أيضا، بكرا كانت او ثيبا. وقد آمت المرأة من زوجها تئيم أيما ~~وأيوما وأيمة. وفي PageV01P414 ~~الحديث: ((انه كان يتعوذ من الأيمة)) (1) وتأيمت المرأة وتأيم الرجل زمانا، ~~إذا مكث # لا يتزوج. قال يزيد بن الحكم الثقفي (2): [من مجزوء الكامل] # كل امرىء ستئيم من ... ه العرس أو منها يئيم (3) # وقال آخر: [من الوفر] # نجوت بقوف نفسك غير أني ... إخال بأن سييتم أو تئيم (4) # أي: ييتم ابنك وتئيم امرأتك. # وقال يعقوب: سمعت رجلا [158ظ] من العرب يقول: أي يكونن على الأيم نصيبي، ~~يقول: ما يقع بيدي بعد ترك التزوج أي امرأة صالحة أو غير ذلك. وأيمه الله ~~تأيما. وقولهم: ماله آم وعام: أي هلكت امرأته وماشيته، حتى يئيم ويعيم. ~~فعيمان إلى اللبن، وأيمان إلى النساء. # والحرب مأيمة، أي تقتل الرجال فتدع النساء بلا أزواج. وقد أأمتها وأنا ~~أئيمها، مثال أعمتها وأنا أعيمها. والأيم: الحية. قال ابن السكيت: أصله أيم ~~فخفف، مثل: لين ولين، وهين وهين. وأنشد لأبي كبير (5): [من الكامل] # إلا عواسر كالمراط معيدة ... بالليل مورد أيم ms197 متغضف (6) PageV01P415 ~~والجمع أيوم، والإيام: الدخان، والجمع أيم. # وآم الرجل إياما، إذا دخن على النحل لتخرج من الخلية فيأخذ ما فيها من العسل. # قال أبو ذؤيب (1): [من الطويل] # فلما جلاها بالإيام تحيزت ... ثبات عليها ذلها واكتئابها (2))) # النسوان: ((والنسوة: جمع امرأة من غير لفظها، وتصغير نسوة: نسية، ويقال: ~~نسيات، وهو تصغير الجمع (3))). # وأيتمت: من الييتم ((في الناس من قبل الأب، وفي البهائم من قبل الأم، ~~ويقال: أيتمت المرأة فهي موتم، أي صار أولادها أيتاما. وجمع اليتيم أيتام ~~ويتامى، نظيره فهو يتيم، يقال: درة يتيمة (4))). والظاهر انه لما لم يمكن ~~وجد أخ لليتيم لفقد أبيه، والأخ قيل: للدرة العزيزة النظير: يتيمة. [159و] ~~والإلدة: الأولاد جمع ولد كولدة بالضم (5) # ((وعاد إليه يعود عودة وعودا: رجع. وفي المثل: ((العود أحمد (6))) # وقال الشاعر (7): [من الطويل] # جزينا بني شيبان أمس بقرضهم ... وجئنا بمثل البدء والعود أحمد PageV01P416 ~~وأبديت: أما من البداية، أو من ((بدا القوم بدوا إذا خرجوا إلى باديتهم)) ~~(1) وليل أليل: شديد الظلمة، قال الفرزدق (2): # والليل مختلط الغياطل أليل # الإعراب: # الفاء للتعقيب أو للتفريع، وايمت: فعل وفاعل، والجملة عطف على دعست. # نسوانا: مفعول، وكذا وايتمت. # والكاف حرف تشبيه وجر، وما مصدرية. # أبدأت: فعل وفاعل مؤول بمصدر محذوف مجرور بالكاف صفة لمصدر محذوف أي عودا ~~كابدائي، والواو واو الحال. # والليل: مبتدأ، خبره أليل. والجملة في موضع نصب على الحالية من فاعل عاد. # المعنى: # انه بعد ما وصف الليلة بالظلام والبرد والمطر والرعد وأنها لا يخرج فيها ~~الا الأبطال الفوارس والليوث العوابس الذين لا يروعهم خوض الأهوال، ولا ~~ينهنهم احتمال قرب الآجال، وانه دعسها مقتحما لج الاخطار، متجنبا عن صحبة ~~الاوهام والافكار، ذكر انه ايم النساء من الرجال، وايتم الالدة الاطفال، ~~وفعله ذلك اما لاخذ ثأر او لنهب مال، وعاد مسرعا اثر بدايته، والليل على ~~أوله لا نهايته. # ولعمري هذا أمر لا يرتكبه مثله [159ظ] من الرجال، ولا يقتحمه الا من ~~شنشنته ركوب الاخطار والاهوال. # انما آتي بالفاء دون ثم اشارة الى ان فعله هذا كان عقيب العس من ms198 غير ~~مهلة، وذكر المفعول به في الشطرين لافادة التكثير. PageV01P417 # 57 - وأصبح عني بالغميصاء جالسا ... فريقان مسؤول وآخر يسأل # 58 - وقالوا: لقد هرت بليل كلابنا ... فقلنا: أذئب عس أم عس فرعل # اللغة: # أصبح: ههنا بمعنى صار لإتصاف اسمها بخبرها في الصباح، والصباح نقيض ~~المساء وكذلك الصبحة تقول منه اصبح الرجل وصبحه الله وصبحته أي قلت له: عم ~~صباحا، وصبحته أي اتيته صباحا (1)، ولا يراد بالتشديد هاهنا التكثير. # والغميصاء: اسم مكان (2) # والجالس: خلاف القائم، وقيل: القعود ما كان عن قيام، والجلوس ما كان عن ~~اضطجاع (3). # والفريق: ((طائفة من الناس أكثر من الفرقة)) (4). # وهر الكلب يهر هريرا أي: صاح بلا نباح، قال الشاعر يصف شدة البرد (5): ~~[من الطويل] # إذا كبد النجم السماء بشتوة ... على حين هر الكلب والثلج خاشف # والهر: السنور، والجمع هررة كقرد وقردة. والانثى هرة، وجمعها هرات، ورأس ~~هر موضع، وهر اسم امرأة. والهر: اسم من قولك: هررته هرا، أي كرهته. وفي ~~المثل: ((فلان لا يعرف هرا من بر (6))) أي لا يعرف من يكرهه ممن يبره. ~~[160و] وقيل الهر في هذا المثل: دعاء الغنم، والبر سوقها. # الكلاب: جمع كلب حيوان معروف، وربما وصف به فقيل: امرأة كلبة وقد يجمع ~~على أكلب وأكالب جمعه (7). PageV01P418 # قال ابن سيده (1): ((وقد قالوا في جمع كلب كلابات، والكلبة أنثى الكلاب ~~وجمعها كلبات ولا تكسر)) (2) # والذئب: معروف. # ((وعس يعس عسا وعسا أي: طاف بالليل، وفي المثل: ((كلب عس خير من كلب ربض ~~(3))) (4). # والفرعل: كقنفذ ((ولد الضبع، وفي المثل: ((أغزل من فرعل (5))) وهو من ~~الغزل والمراودة)) (6) # الإعراب: # الواو: للعطف. # وأصبح: فعل ماض ناقص. # عني: جار ومجرور بمسؤول أو يسأل. # بالغميصاء: خبر أصبح مقدم. # وفريقان: اسمها مؤخر. # ومسؤول: صفة لموصوف محذوف أي: فريق مسؤول بدل من فريقان، بدل مفصل من مجمل. # وآخر: معطوف عليه # ويسأل: فعل وفاعل صفة لآخر، وقالوا: فعل وفاعل معطوف على البيت قبله. # لقد: اللام موطئة للقسم، وقد للتحقيق لدخولها على الماضي، أعني قوله: هرت ~~المقترن بتاء التأنيث. PageV01P419 # بليل: متعلق به. # كلابنا: فاعله، مضاف الى الضمير. ms199 # فقلت: الفاء للتعقيب العطف، وقلت: فعل وفاعل معطوف على قالوا. [أذئب]: ~~والهمزة للاستفهام، وذئب مبتدأ، وجملة عس خبر. # أم: حرف عطف معادل للهمزة ولا يقع بعد هل. # عس فرعل: فعل وفاعل. # المعنى: # لما ذكر الشنفرى طروقه [160ظ] في الليل، لإخفاء المكائد والويل، ولا بد ~~للطارق من هرير الكلاب إذا بدا، ومن عدوها عليه إذا عدا، ذكر أنه لما بدا: ~~[من الكامل] # كسرى الصباح فوق صهوة أشقر ... وسطا الضياء على الظلام بخنجر (1) # وتناثر نور ذكاء وتبدد، فكأنه على أديم الأرض قراضة عسجد، واجتمع الناس ~~في الغميصاء للحديث إذ جرى البحث في السوأل عن هذا الأمر الحديث، فسأل ~~بعضهم بعضا عن سبب الهرير، إذ لا يكون ذلك إلا عن أمر خطير، فأراد أن يخفى ~~أمره، ويكتم سره، حتى صار سائلا لا علم له بذلك، لئلا ينسب إليه سلوك تلك ~~المسالك، فقال يا قوم: أذئب عس الليلة على الغنم أم ولد ضبع على الحلة هجم، ~~لأن عادة الكلاب الهرير على الضباع والذئاب. # وفي هذا البيت من المحسنات البديعية: تجاهل العارف (2). # تكميل: # إنما صير الشنفرى نفسه سائلا كي لا يظن صدور هذا الأمر منه لعلمه أنهم لا ~~يتهمون سواه، ولا يعنون بذلك أحد إلا إياه لأنه الأجرأ والأشجع والأقوى ~~والأمنع. # استطراد: # ((الذئب يهمز ولا يهمز، والأنثى ذئبة وجمع القلة أذؤب والكثرة ذئاب، ~~ويسمى السيد كما مر وذؤالة [161و] والسرحان والعملس والسلق والأنثى سلقة ~~والسمسام وكنيته أبو مذقة. PageV01P420 # لأن لونه كذلك، ومن كناه أبو جعدة، وأبو ثمامة، وأبو جاعد، وأبو سلعامة، ~~وأبو العطلس، وأبو كاسب، وأبو سبلة. ومن أسمائه الشهيرة: أويس ككميت ولحيف، ~~ومن أوصافه الغبش، وهو لون كلون الرماد.)) (1) # ((والأسد والذئب يختلفان في الجوع والصبر عليه، فالأسد شديد النهم حريص ~~رغيب شره - ومع ذلك يحتمل أن يبقى أياما لا يأكل شيئا، والذئب وإن كان أقفر ~~منزلا، وأقل خصبا، وأكثر كدا، إذا لم يجد شيئا اكتفى بالنسيم فيقتات منه، ~~وجوفه يذيب العظم المصمت، ولا يذيب نوى التمر، ولا يجود الالتحام عند ~~السفاد إلا في الكلب ms200 والذئب، ومتى التحم الذئب والذئبة وهجم عليهما هاجم ~~قتلهما كيف شاء إلا أنهما لا يكادان يوجدان كذلك لأنهما إذا أرادا السفاد ~~توخيا موضعا لا يطاؤه الإنس خوفا على نفسهما، ويسفد مضطجعا على الأرض.)) (2) # فائدة: # روى البيهقي عن عبدالله بن زيد قال: سألت أبا هريرة عن ولد الضبع، فقال ~~ذاك الفرعل فيه نعجة من الغنم، والذي يراد من هذا الحديث في قوله نعجة من ~~الغنم حلة، يقول: إنها حلال بمنزلة الغنم كذا قيل، والصواب أن النعجة جزأه ~~إذا قتله محرم (3) والجمع الفراعل قال الكميت (4): [من الطويل] # ويسمع أصوات الفراعل حوله ... يعاوين أولاد الذئاب الهقالسا (5) PageV01P421 ~~فائدة أخرى: # ((في الكلب من جملة طباعه: [161ظ] الحراسة، وحب الجيف، ويكرم أهل الوجاهة ~~من الناس، والنباح على الأسود منهم، ومن طباعه: البصبصة، والترضي والتودد ~~إلى الناس بحيث إذا دعي بعد الطرد والضرب، اقبل، وإذا لاعبه ربه، عضه العض ~~الذي لا يؤلم، ويقبل التأديب والتعليم وبينه وبين الضبع عداوة شديدة، وذلك ~~انه إذا كان في مكان مرتفع، ووطئت الضبع ظلة في القمر، رمى بنفسه إليها ~~مخذولا فتأكله. وفي كتاب ((فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب)) (1) عن ~~عمر بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قتيلا، فقال: ما شأنه؟ فقالوا: انه وثب على غنم بني زهرة، فأخذ منها شاة، ~~فوثب عليه كلب الماشية فقتله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~((قتل نفسه، وأضاع دينه، وعصى ربه، وخان أخاه، وكان الكلب خيرا منه (2))). ~~وكان للحارث بن صعصعة ندماء لا يفارقهم، وكان شديد المحبة لهم، فخرج في بعض ~~متنزهاته ومعه ندماؤه، فتخلف منهم واحد، فدخل على زوجته فأكلا وشربا، ثم ~~اضطجعا، فوثب الكلب عليهما، فقتلهما، فلما رجع الحارث إلى منزله، وجدهما ~~قتيلين، فعرف الأمر، وأنشأ يقول: [من الطويل] PageV01P422 ~~وما زال يرعى ذمتي ويحوطني ... ويحفظ عرسي والخليل يخون # فيا عجبا للخل يهتك حرمتي ... ويا عجبا للكلب كيف يصون)) (1) [162و] # قال الشنفرى: # 59 - فلم تك إلا نبأة ثم هومت ... فقلنا: قطاة ريع أم ms201 ريع أجدل # اللغة: # النبأة: بفتح النون، وسكون الموحدة، الصوت الخفي أو أصوات الكلاب (2) # هومت: من ((التهوم، وهوهزالرأس من النعاس)) (3) # ريع: بكسر الراء من ((الروع، وهو الفزع، والروع بالضم: القلب، أو هو موضع ~~الفزع منه، او سوداه، والذهن، والعقل، ومنه الحديث: ((أفرخ روعك، من أدرك ~~إفاضتنا [هذه] (4) فقد أدرك- يعني الحج)) (5) # أي خرج (6) الفزع من قلبك، ويروى: روعك، أو هي الرواية فقط. أي زال (7) ~~عنك ما ترتاع له وتخاف، وذهب عنك وانكشف، كأنه مأخوذ من خروج الفرخ من ~~البيضة، وفي حديث معاوية - رضي الله عنه - إلى زياد: ((ليفرخ روعك (8))) ~~بالضم أي: أخرج الروع من روعك، يقال: أفرخت البيضة إذا خرج الفرخ من (9) ~~موضع الفزع، وهو الروع بالضم، يقال: أفرخ روعك على الأمر أي: السكن وأمن، ~~والأروع: من يعجبك بحسنه وجهارة منظره أو بشجاعته كالرائع (10))). (11) PageV01P423 ~~الأجدل: بهمزة مفتوحة، وبالجيم، ((الصقر)) (1) وهو من الصفات التي غلبت (2) ~~عليها الإسمية (3)، وأصله من الجدل، وهو الشدة (4)،والأكثر على أنه مصروف ~~كأخيل (5). # الإعراب: # فلم: الفاء عاطفة، ولم: حرف نفي وجزم. # تك: فعل مضارع مجزوم [162ظ] بلم وعلامة جزمه السكون: واصله تكون، فسكنت ~~النون، فحذفت الواو لإلتقاء الساكنين، ثم النون تخفيفا، وهي تامة، والتامة ~~على الأصح هي المكتفية بالمرفوع على المنصوب. # إلا: أداة حصر. # نبأة: فاعله. # ثم: حرف عطف. # هومت: فعل ماض، والتاء علامة التأنيث، والفاعل ضمير الغائبة. # فقلنا: الفاء عاطفة، قال: فعل ماض، ويصح جعل الفاء فصيحة. # قطاة: مبتدأ. # ريع: فعل ماض مبني للمجهول، وإعلاله مشهور، ونائب الفاعل ضمير راجع الى ~~القطاة، وتذكير الفعل لأن التاء في القطاة للوحدة وليست للتأنيث. # أم: حرف عطف. # ريع: فعل ماضي مبني للمجهول. # اجدل: نائب الفاعل. # المعنى: # فلم تكن إلا أصوات خفية وهومت الكلاب وهزت رأسها من النعاس ولكن قد عظم PageV01P424 ~~المصاب، فقلنا كلنا: أقطاة افزع أم صقر إذ حصل لهذا الصوت الخفي مما جرى من الأمر. # تكميل: # ((يمكن أن يكون المراد بالصوت الخفي صوت أهل الحي الذين غزاهم وفعل بهم ~~ما فعل، ويمكن التهويم من النبأة حينئذ على طريق المجاز، ويحتمل ms202 أن يراد به ~~صوت مجيئه إلى حي أهله)) (1) هكذا ذكر بعض الشراح، والأخير غير مناسب لما ~~تقدم من توحشه عن أهله وغيرهم من أبناء جنسه، فليتأمل. # وقد كان يسمع لعدوه هفيف الطير، فهرت الكلاب، ثم هومت [163و] وإنما وافق ~~القوم بقولهم: قطاة ريع أم ريع لأجدل للإلباس عليهم، ويكون من قبيل التفسير ~~لقوله: وقالوا لقد هرت)) (2) والله اعلم. # ولقد أحسن ابن خفاجة كل الإحسان حيث قال (3): [من الطويل] # لقد جبت دون الحي كل تنوفة ... تحوم بها نسر السماء على وكر # وخضت ظلام الليل أسود فحمة ... ودست عرين الليث ينظر من جمر # وجئت ديار الحي والليل مطرق ... منمنم ثوب الأفق بالأنجم الزهر # أشيم بها برق الحديد وربما ... عثرت بأطراف المثقفة السمر # فلم ألق إلا صعدة فوق لأمة ... فقلت قضيب قد أظل على نهر # ولاشمت إلا غرة فوق أشقر ... فقلت حباب مستدير على خمر # فسرت وقلب البرق يخفق غيرة ... هناك وعين النجم تنظر عن شزر # قال الشنفرى: # 60 - فلو كان من جن لأبرح طارقا ... ولو كان إنسانا ما كها الإنس تفعل PageV01P425 ~~اللغة: # أبرح: مضارع ((برح مكانه بالكسر: زال (1) عنه، وصار في البراح)) (2) # طارقا: بالنصب من الطروق، وهو الإتيان بالليل، وأطرق: سكنت ولم يتكلم. ~~وأرخى عينيه ينظر الى الأرض، وأطرق فلان فحله: أعاره ليضربه في إبله، وإلى ~~اللهو مال، والليل عليه ركب بعضه بعضا، وإلابل تبع بعضها بعضا، وأطرقا على ~~لفظ أمر الاثنين (3):اسم بلد، ومنه قول الشاعر (4): [163ظ] على أطرقا ~~باليات الخيام # ولا أطرق الله عليه: أي لا صير له ما ينكبه، وطرقت القطاة خاصة حان خروج ~~بيضها، والناقة بولدها [إذا] (5) نشب، ولم يسهل خروجه، وأطرقت الإبل ~~كافتعلت ذهب بعضها في أثر كتطارقت، وتفرقت على الطرق)) (6) # الإعراب: # فان: الفاء للتفصيل، وان: حرف شرط، وتك: فعل الشرط مجزوم، واسمه ضمير ~~راجع الى النبأة والفعلة المفهومة من المقام. # من جن: جار ومجرور متعلق بمحذوف وجوبا خبرتك. # لا برح: اللام موطئة للقسم، وابرح: فعل مضارع مرفوع للتجرد عن الناصب ~~والجازم، والفاعل ضمير المتكلم. # طارقا: حال ms203 من ضمير ابرح. # وان تك: الواو عاطفة، وان شرطية، تك: مجزومة على أنها فعل الشرط، واسمها ~~ضمير راجع الى احد الاحتمالين السابقين. PageV01P426 # وإنسا: منصوب بنزع الخافض، والتقدير، من إنسان، وهذا سماعي في غير إن وان ~~وكي، قال ابن مالك: [من الرجز] # نقلا، وفي أن وأن يطرد ... مع أمن لبس: كعجبت أن يدوا (1) # والتقدير: من أن يدوا أي: يعطوا الدية (2). # ماكها: ((ما نافية، والكاف حرف تشبيه، والضمير محله الجر بالكاف، وبه ~~استدل النحاة (3) على دخول الكاف على الضمير شذوذا (4)))، وبقول الآخر (5): ~~[من الكامل] # خلى الذنابات شمالا كثبا ... وأم اوعال كها أو أقربا # الإنس: مبتدأ. # تفعل: فعل مضارع، وفاعله يعود الى الإنس، والجملة خبر [164و] ((وأنثه ~~بتأويل الطائفة والجماعة)) (6) # المعنى: # انه أراد التعمية عليهم، فقال: إن كانت هذه الفعلة من الجن لازيلن عن ~~مكاني وأصير (7) في البر الواسع، إذ لا طاقة لي بتلك الموانع وإن تك هذه ~~الفعلة من الإنس فما تفعل الإنس مثلها إذ هي فعلة تعجز عنها قوة الإنس،، ~~ولا قدرة لها عليها. PageV01P427 # استطراد: # الجن عند الحكماء أجسام روحانية لطيفة لا تقبل التشكل (1)، وزعم بعض من ~~لا دراية له منهم أنها لا تدخل بدن الإنسان، ولا غيره من الأبدان، إذ على ~~تقديره يلزم تداخل الأجسام، وهو محال عند أولئك الأقوام. وذلك خطأ من ~~قائله، لأن تداخل الأجسام عندهم محال إذا فرض جسم في جسم من غير ازدياد ~~للجسم الذي هو محل ولا انضغاط لاجزإه، وتحقق ذلك غير معلوم إذ الجني لو ~~تلبس في إنسان فإزداد بدنه مقدار عرض تبنة مثلا لم يكن محالا عندهم، لكن ~~لما لم يشعر هذا القائل بهذه الزيادة حكى بمحالية التداخل، وهو عن الحق ~~بمراحل (2). # استطراد آخر: # قد أبهم - صلى الله عليه وسلم - على المشركين إذ سألوه نحن أم أنت على ~~هدى؟ {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} (3) مع انه متحقق عنده أنه ~~على هدى، والمشركون على ضلال. # واستشهدوا على مجيء أو للتشكيك بهذه الآية (4) # فالعلم الجزم بأحد الطرفين، وإدراك الطرف الراجح، والوهم ms204 بخلافه، والشك ~~مساواة الطرفين، والتشكيك: إيقاع الخصم في الشك، وعند المنطقيين: العلم ~~إدراك أن النسبة واقعة او ليست واقعة، وقد يراد به الإدراك مطلقا، فيكون ~~[164ظ] أعم من اليقين، وتفصيل ذلك مذكور في مطولات المنطق (5). # فإن قلت كيف جاز له - صلى الله عليه وسلم - إبهام الواقع مع انه مأمور ~~بالتبليغ، وإظهار الصواب فكان ينبغي أن يبين لهم انه على حق، وما جاء به ~~صواب وغيره باطل، أعم من أن يقروا بذلك أولا، فقد قال الله تبارك وتعالى: ~~{اصدع بما تؤمر.} (5) PageV01P428 ~~، قلت: لعل ذلك كان منه أدعى الى انقيادهم، وقد تحقق عنده أن السائلين ليس ~~مرادهم إظهار الحق والإيمان بما جاء به، وكان -صلى الله عيه وسلم - حليما ~~رؤوفا لا يكسر خاطر أحد، وقد ذكره الله في كتابه العزيز بتلك الخصلة وقال: ~~{وإنك لعلى خلق عظيم ... } (1) وقال - صلى الله عليه وسلم - ((أفضل الأعمال ~~جبر الخواطر)) (2). # فأراد أن يوهم عليهم، ولا يفاجئهم بما هم عليه من الضلال، خلافا لما ذهب ~~إليه الشيعة من إثبات التقية (3) للأنبياء، وأنهم يروون حديثا لا اصل له بل ~~هو افتراء من عند أنفسهم ((أنه من لا تقية له لاايمان له)) (4)، وأن رضاء ~~علي - رضي الله عنه - بخلافة الصحابة الراشدين -رضي الله عنهم - كانت تقية ~~منه، وحاشا ثم حاشا، بل ذلك إنما ضلال منهم حيث ينسبون الجبن لأبي الحسن - ~~رضي الله تعالى عنهم - وما كان ذلك إلا لعلمه بأحقية الخلافة لمن قبله من ~~الصحابة، وكيف لا؟! وقد شمر عن ذراعيه بعد ذلك، وانه لو كان ممن يرتكب ~~التقية لارتكبها هنالك فتبا لهم ولما اعتقدوه من الضلال، وخيبة لما هم عليه ~~من الآمال. # قال الشنفرى: [165و] # 61 - ويوم من الشعرى يذوب لعابه ... أفاعيه في رمضائه تتململ # اللغة: # الشعرى: بكسر الشين المعجمة وسكون العين المهملة مقصورا ((الكوكب الذي ~~يطلع بعد الجوزاء، وطلوعه في شدة الحر، وهما شعريان: العبور التي في ~~الجوزاء، والشعرى الغميصاء التي في الذراع، وتزعم العرب أنهما أختا سهيل)) (5) PageV01P429 ~~وسمتهما بذلك لما اشتهر من ((أحاديثهم أن الشعرى قطعت ms205 المجرى فسميت عبورا، ~~وبكت الأخرى على أثرها حتى غمصت)) (1) وثبت عن بعض العرب أنه كان يعبدها (2). # يذوب: مضارع من الذوب، وهو ضد الجمد (3) ، قال الشاعر (4): [من الوافر] # يذيب الرعب منه كل عضب ... فلولا الغمد يمسكه لسالا # اللعاب: بضم اللام، والمراد هنا ((لعاب الشمس، وهو ما يرى في شدة الحر ~~مثل نسج العنكبوت)) (5) كأنه ينحدر من السماء، وذلك إذا قام قائم الظهيرة)) (6). # الأفاعي: بفتح الهمزة جمع أفعى، هو ((حية خبيثة)) (7) قال الشاعر (8): ~~[من الرجز] # قد سالم الحيات مني القدما ... الافعوان والشجاع الشجعما # وسالم من باب فاعل، هو أن يكون احدهما فاعلا صريحا مفعولا ضمنا والآخر ~~بالعكس. # الرمضاء: الارض الشديدة الحرارة، والرمض شدة وقع الشمس على الرمل وغيره، ~~وقد رمض يومنا بالكسر يرمض رمضا أشتد حره وسمي شهر الصوم رمضان، لان تسميته ~~وافقت شدة الحر (9). # تململ: [165ظ] أي: تتقلب ولا تستقر مكانها (10). PageV01P430 # الإعراب: # [ويوم]: الواو رب، وهي هنا للتكثير (1)، والأكثر معناها التقليل (2)، لكن ~~التحقيق أنها للتكثير كثيرا وللتقليل قليلا (3)، ويوم مجرور بها ولا تجر ~~غير النكرة، كقول الشاعر (4): [من الكامل] # وقصيدة تأتي الملوك غريبة ... قد قلتها ليقال من ذا قالها # وجرها الضمير نادر، كقولهم: ربه رجلا. # من الشعرى: جار ومجرور متعلق بمحذوف على أنه نعت ليوم، لأنه بعد المعارف ~~أحوال، وبعد النكرات صفات. # يذوب: فعل مضارع. # لعابه: فاعل يذوب، مضاف الى الهاء، والجملة: إما صفة ثانية، أو حال ~~لتخصيص النكرة بالصفة مثله في قوله تعالى: { ... كمثل الحمار يحمل أسفارا} ~~(5).فإذا اعتبروا وجود الألف واللام، وهي معرفة كانت جملة: يحمل أسفارا ~~حالا، وإذا اعتبروا أنها للجنس، وأنها في معنى النكرة كانت الجملة صفة. # أفاعيه: مبتدأ مضاف الى ضمير الغائب. # في رمضانه: جار ومجرور مضاف الى الضمير متعلق بتململ وهو فعل مضارع، ~~وفاعله ضمير يعود على الأفاعي، والجملة الفعلية خبر المبتدأ، والجملة حال ~~من ضمير يوم مجردة عن الواو اكتفاء بربط الضمير. PageV01P431 # المعنى: # بعدما فرغ من وصف نفسه بالصبر على شدة البرد أخذ في وصفه بالصبر على شدة ~~الحر، أي كثيرا ما صادفت في ms206 سفري يوما شديد الحر، وأفاعيه من حر أرضه ~~ووهجها تتقلب، وليس لها مستقر، وأمل كأنها في ملة من شدة [166و] حر الرمل ~~والتراب تتململ، وذلك أي: أن حادي القوم قال لهم: قبلوا وناموا في الظهيرة ~~الى أن يسكن حر الهواء، وتكسر سورة الرمضاء إذ لا طاقة لكم في المسير في ~~هذا الحر الشديد، والزفير الغفير، وأن الجنادب التي شط لها المزار، وتأوي ~~الى كل موحش قاتم الأعماق من القفار، فتضرب الحصى بأجنحتهن، وتدفع بعضها عن ~~بعضهن، فانه موقت ارتفاع النهار الذي هو محل الهجير والتهاب نائرة الحر ~~والزفير الكثير. # قال الشنفرى: # 62 - نصبت له وجهي ولاكن دونه ... ولا ستر إلا الاتحمي المرعبل # اللغة: # نصبت: أي أقمت، يقال: ((نصبت الشئ إذا أقمته)) (1). # ((الكن: بالكسر وقاء كل شيء وستره كالكنة والكنان بكسرهما (2)، والبيت)) ~~... قال الشاعر (3): [من البسيط] # كيس وكن وكانون وكأس طلا ... مع الكباب وكس ناعم وكسا (4) PageV01P432 ~~((جمعه: أكنان وأكنة وكنة كلإنا وكنونا، وأكنه: ستره، وأستكن: أستتر، ~~والكنة بالضم: جناح يخرج من حائط أو سقيفة فوق باب الدار أو ظلة هنالك أو ~~مخدع أو رق في البيت)) (1). # الأتحمي: بفتح الهمزة، وسكون المثناة الفوقية، وفتح الحاء المهملة، وكسر ~~الميم، آخر الحروف مثناة تحتية مشددة: ((ضرب من البرود)) (2). # المرعبل: بضم الميم، وفتح الراء، وسكون العين المهملة، وفتح الموحدة: ~~المخرق، يقال: ثوب مرعبل إذا كان مخرقا، وقد يقال: جاء فلان في رعابيل أي: ~~في أطمار وأخلاق (3). PageV01P433 # الإعراب: # نصبت: فعل ماض، والتاء ضمير الفاعل. # له: جار ومجرور متعلق بنصبت. # وحهي: مفعول، وعلامة نصبة الفتحة فتحة مقدرة على ما قبل الياء منع من ~~ظهورها حركة المناسبة، وذلك لان الياء تستدعي انكساء ما قبلها مضاف الى ~~ضمير المتكلم. # ولا: الواو للحال، ولا نافية للجنس تعمل عمل إن. # كن: اسمها مبني معها على الفتح. # دونه: ظرف منصوب على الظرفية مضاف الى الضمير متعلق بمحذوف إما خبر لا أو ~~صفة لاسمها، والخبر يكون محذوفا تقديره الا إلا تحمي، حذف للدلالة الثاني عليه. # ولا: الواو عاطفة، ولا أيضا عاملة عمل أن. ms207 # وستر: اسمها مبني معها على الفتح. # إلا: أداة حصر. # الا تحمي: [167و] خبرها. # المرعبل: نعت له. # المعنى: # يقول: قد نصبت وجهي في ذلك اليوم المتقدم وصفه، ولم يكن هناك ستر أتوقى ~~به مما لا قيته من شدة الحر الا البرد الا تحمي البالي المخرق. # استطرد: # قال بعض ذوي العلم بالحكمة: بتعدد الحاجات يكون الهم، وقال رسول الله (- ~~صلى الله عليه وسلم -): ((أشد بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الامثل ~~فالأمثل)) (1).، ولله در ابن مقرب حيث يقول (2): [من الطويل] PageV01P434 ~~أفي كل يوم للخطوب أصالي ... إلا ما لأحداث الزمان ومالي # تفجعني في كل حين تمر بي ... بأنفس مال أو باشرف آل # إذا قلت جلي بعض همي أبت له ... نوائب أمضى من حدود نصال # وهل يقطع الشكل الجواد الوفا ... ولو جال في الآراء كل محال # ولا ذنب لي الا حجا وبراعة ... ومجد وبيت في ربيعة عالي # وميلي الى أهل التواضع والعلي ... بود وبعضي الأسفل المتعالي # ولو شئت قد كنت المداد لأنني ... أصول بأيد في الأنام طوال # وما أحسن قول النحرير السويدي (1) (رحمه الله) في مدح الوزير المرحوم ~~أحمد باشا ابن المرحوم حسن باشا تغمدهما الله بغفرانه واسكنهما بحبوحة ~~جناته، ... حيث قال (2): ... [167ظ] [من الرمل] # ما سمعنا غارة ملحاحة ... في سموم دونه في الحر جمر # يوم لا تضحى حرابيه ضحى ... بل غدت موتى لها الفئران قبر # هان لفح الريح في مطلوبه ... والرئيس الحر لا يثنيه حر # غير بدع كونها ((نزاعة ... للشوى)) من بعدما عم شر # مستحيل في سموم عادة ... غارة فيها على الأعداء نصر # وهي طويلة، وذلك حيث سار من بغداد في يوم وليلة طالبا الأعراب بني قشعم، ~~فأدركهم في هذه المدة القليلة، فوق مكان يقال له شفاثى (3) بأربع فراسخ ~~بموضع يسمى بالرحالية (4) مع أنهم في مكامنهم، عند بغداد نحو ثمان مراحل ~~(5) أو تسعة للراكب المجد، وكانت الوقعة في شدة الحر من PageV01P435 ~~تموز، فأخذهم عزيز مقتدر، واصرف في تلك الغزوة على عساكره مقدار خمسمائة ~~كيس، ولما جمعت الغنائم أوهبها لأخت شيخهم، كرما منه، فيالها من ms208 همة يعجز ~~عنها ذوو الهمم العلية من الوزراء، ويا لها من مكرمة يعجز عنها سخاء حاتم ~~في وقت الرخاء، وما أحسن ما نظم النحرير والعلم الشهير السيد عبد الله ~~أفندي فخري (1) زاده في مدح الوزير المشار إليه، وذك تلك الغزوة من الإشارة ~~إلى اسم القبيلة واسم الأمير الذي هو رئيسهم (2)، حيث يقول من قصيدة طويلة ~~أعطاه جائزتها ألف ... دينار: [168و] [من الطويل] # عقاب الوغى لما بدا طار صقرهم ... ((إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم)) (3) # قال الشنفرى: # 63 - وضاف إذا ما هبت الريح طيرت ... لبائد من أعطافه ما ترحل # اللغة:- # ضاف: النعت من ((الضفو (4)، وهو السبوغ، يقال: ضفا الماء إذا كثر ورجل ~~ضافي الرأس أي: كثير شعر الرأس)) (5) # لبائد: جمع لبدة - بالكسر والضم - على غير قياس، والقياس: لبد، وهو ((كل ~~شعر وصوف متلبد)) (6)،ومنة لبدة الأسد: للشعر الذي على عاتقه، قال الشاعر ~~(7): [من الطويل] # لدى أسد شاكي السلاح مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم PageV01P436 ~~الأعطاف: جمع عطف بالكسر وهو الجانب (1). # ترحل: بفتح المثناة الفوقية على بنائه للمعلوم أي تتنقل، وبضمها على بناء ~~المجهول من قولهم: رحلت فلانا إذا اظعنته وأرسلته، ويجوز أن يكون من بناء ~~المعلوم بطريق المطاوعة كرحلته فترحل. # الإعراب: # وضاف: الواو حرف عطف، وضاف معطوف على الا تحمي. # الاتحمي: مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين نظير قول ~~المجنون (2): [من الطويل] # ولو أن واش باليمامة داره ... وداري بأعلى حضرموت اهتدي ليا # إذا: ظرف لما يستقبل من الزمان. # وما: زائدة. # هبت: هب فعل ماض، للتأنيث. # والريح: فاعل. # طيرت: فعل ماضي جواب إذا، والتاء [168ظ] مثلها في ما قبلها، والفاعل ضمير ~~يعود الى الريح. # لبائد: مفعول به. # من أعطافه: جار ومجرور مضاف إلى الضمير، والجار والمجرور متعلق بالفعل بعده. # ما: اسم موصول، بدل من لبائد. # وترحل: فعل مضارع بحذف احد التائين، والفاعل ضمير يعود على لبائد، ~~والجملة صلة الموصول. # استطراد: # قيل: ((إن بيوت الشعر تشتمل على أربعة مقاصد: مدح، وهجاء، وفخر وتشبيب PageV01P437 ~~،وقد كان جرير فحل شعراء الإسلام في الأربعة، فالفخر ms209 في قوله في ... ~~عشيرته: [من الوافر] # إذا غضبت علي بنو تميم ... طننت الناس كلهم غضابا [169و] # والمدح قوله: ... [من الوافر] # ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح # والهجاء قوله: [من الوافر] # فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا # والتشبيب قوله: [من البسيط] # إن العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا ثم لا يحيين قتلانا # يتركن ذا الصبر حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركانا (1))) # ((قال أبو عبيدة (2) التقى جرير والفرزدق بمنى، وهما حاجان، فقال الفرزدق ~~لجرير شعرا (3): # فإنك لاق بالمنازل من منى ... فخارا فأخبرني بما أنت فاخر # فقال جرير: بلبيك اللهم لبيك، قال أبو عبيدة: وأصحابنا يستحسنون هذا ~~الجواب من جرير، ويعجبون به (4))) # قال الشنفرى: # 64 - بعيد بمس الدهن والفلي عهده ... له غبش عاف عن الغسل محول # اللغة: المس: اللمس مصدر ((مسسته (5))). # الفلي: بفتح الفاء، وسكون اللام مصدر فلى رأسه بحثه من القمل (6). # العهد: له معان كثيرة، ولكن المناسب شيئان: المعرفة والالتقاء، ومن الأول ~~قولهم: عهدي بموضع كذا (7). PageV01P438 # الغبش: بغين معجمه، وباء موحدة مفتوحتين: بقية {169 ظ} من الليل، ويقال: # ظلمة آخر الليل (1)، والمراد هنا شدة سواده. # عاف: النعت من ((عفا الشعر والنبت وغيرهما، ومنه قوله تعالى: {حتى عفوا} ~~(2)، والعافي: الطويل الشعر)) (3)،وكلاهما جائزان هنا. # محول: بضم الميم وسكون الحاء المهملة، وكسر الواو: النعت من ((أحول ~~الصبي، إذا أتى عليه حول)). # الإعراب: # بعيد: إما صفة لضاف، او خبر مبتدأ محذوف على حد الاستثناف البياني. # يمس: جار ومجرور مضاف الى الدهن من إضافة المصدر للفاعل او المفعول. # عهده: فاعل ببعيد لكونه صفة مشبهة مضاف الى ضمير الغائب، ويجوز أن يتعلق ~~به الظرف وقدم عليه. # والفلي: معطوف على مس، وهو الظاهر، ويجوز عطفه على الدهن بتأويل. # له: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم. # غبش: مبتدأ مؤخر، والجملة صفة أخرى. # عاف: صفة بعد صفة وقد تقدم إعراب نظيره، وإعلال الجميع إعلال قاض فتذكر. # عن الغسل: جار ومجرور، متعلق بمحول، وهو أيضا صفة أخرى وصح تعليق الجار ~~والمجرور ms210 به لما فيه من معنى المجاوزة. # المعنى: # يقول: أن هذا الشعر بعيد عهده عن مس الدهن، والبحث عن قملة، وانه لعدم ~~غسله حولا كاملا، قد تلبد ولزق بعضه ببعض مما وافاه من عدم تعهده إياه ~~بالدهن والتسريح والغسل. PageV01P439 # استطراد: # قال أبو فراس حين كان في {170 و} السجن عند ملك الروم، وقد أعيت به ~~الجراحة، وقد كتب به الى والدته يقول (1): {الطويل} # مصابي جليل والعزاء جميل ... وعلمي (2) بان الله سوف يديل # واني في هذا الصباح لصالح ... ولكن خطبي دائما لجليل (3) # تطول بي الساعات وهي قصيرة ... وفي كل دهر لا يسرك طول! # تناساني الأصحاب إلا عصابة (4) ... ستحلق بالأخرى، غدا او تحول! # ومن ذا الذي يبقى على العهد أنهم ... وان كثروا دعواهم، لقليل! # وليس زماني وحده لي غادر ... ولا صاحبي دون الرجال ملول (5) # تصفحت أقوال الرجال فلم يكن ... الي غبير شاك للزمان وصول (6) # أكل خليل هكذا غير منصف ... وكل زمان بالكرام بخيل! # نعم دعت الدنيا لى الغدر دعوة ... أجاب إليها عالم، وجهول # وقبلي كان الغدر في الناس شيمة ... وذم زمان واستلام خليل (7) # فيا أمي لا تعدمي الصبر انه ... الى الخير والنهج القويم (8) رسول # ويا أمتا لا تحبطي (9) الأجر انه ... على قدر الصبر الجميل جميل # ويا أمتا صبرا فكل فكل ملمة ... تجلى على علاتها وتزول (10) # أما لك في ذات النطاقين أسوة ... ، بمكة، والحرب العوان تجول PageV01P440 ~~قال الشنفرى: [170ظ] # 65 - وخرق كظهر الترس قفر قطفته ... بعاملتين ظهره ليس يعمل # اللغة: # الخرق: بفتح الخاء، وسكون الراء المهملة ((الفقر أو الأرض الواسعة تنخرق ~~فيها الرياح والجمع خروق)) (1) # الترس: بضم المثناة الفوقية، وسكون الراء، المجن ((وجمعه ترسة وأتراس ~~وتروس، قال (2) يعقوب: ولاتقل أترسة)) (3). # القفر: بفتح القاف، وسكون الفاء ((مفازة لانبات فيها ولا ماء والجمع ~~قفار)) (4) قال الشاعر، ويروى للجن: [من الرجز] # وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر (5) # الإعراب: # وفرق: الواو واو رب، وخرق مجرور برب، والمراد هنا التكثير. # كظهر: جار ومجرور مضاف الى الترس. # قفر: نعت لخرق. # قطعته: فعل ماض [170و] وفاعله ومفعوله. # بعاملتين: ms211 جار ومجرور متعلق بالفعل الذي قبله. # ظهره: مبتدأ مضاف الى ضمير الغائب. PageV01P441 # ليس: فعل ماض على الأصح (1) خلافا لمن زعم حرفيتها (2)، من أخوات كان ترفع ~~الاسم وتنصب الخبر، واسمها مستتر فيها، وجملة يعمل من الفعل ونائب الفاعل ~~في محل نصب خبر ليس، واسمها وخبرها في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الكبرى ~~بأسرها: إما صفة لخرق أو حال منه باعتبار وصفه بما تقدم. # المعنى: # بعد أن فرغ من وصف نفسه بالصبر على مشاق السهول أخذ في وصف نفسه بترقيه ~~على الجبال وموانسة وحوشها له، والنزول في أرض فقر لا نبات فيها ولا ماء ~~كأنها المجن ملساء قطعتها برجلي والحال إن ظهر تلك الأرض ليس بواضح ولا ~~مسلوك وتفسير عاملتين بالرجلين هو الأولى والأنسب للمقام إذ لا مدح في قطع ~~الخرق بالجمال، وذلك بعيد عن الإفهام، على أن الشنفرى كان عداء، فيكون على ~~التفسير الأول صفة مؤكدة، وعلى الثاني مخصصة وتخصيصنا بالأولوية والأنسبية ~~لا مكان أن يكون توحشه عن أبناء جنسه فقط. # استطراد: # قال أبو فراس (3): [من الكامل] # غيري تغيره فعال الجافي ... ويحول عن شيم الكرام الوافي ... [171ظ] # لا يرتضي ودا إذا هو لم يدم ... عند الجفاء، وقلة الإنصاف # إن الغني هو الغني بنفسه، ... ولو أنه عاري المناكب حافي # ما كل ما فوق البسيطة كافيا ... فإذا قنعت فكل شيء كافي # لا أقتني لضرورة دهري عدا ... خل كان صروفه إخلافي (4) # شيم عرفت بهن، مذ أنا يافع ... ولقد عرفت بمثلها أسلافي PageV01P442 ~~وقال أيضا (1): [من البسيط] # ما كنت بالربع قبل اليوم وقافا ... ولا لدار عفتها الريح وصافا # حتى تولى الخليط المستقل بهم ... كانوا وكنا اخلاء والآفا # فمن يجير معنى القلب مكتئبا ... سلت عليه جفون البين اسيافا # إني لمن معشر ماضيهم جارهم ... وما رأى عندهم بؤسا ومخافا # من كل مشتمل بالصبر مدرع ... ما خاف قط ولا وانى ولاضافا # إذا ظللت بنصل السيف منصلتا ... فما أبالي أزاد الدهر أم جافا # وقال أيضا يفتخر (2): [من الطويل] # إباء إباء البكر غير مذلل ... وعزم كحد السيف غير مفلل ... [172و] # وأغضى ms212 على الأمر الذي لا أريده ... ولما يقم بالرمح أمري ومنصلي # عزوف أنوف ليس يخشى من الردى ... جرى متى يعزم على الأمر يفعل # شديد على طي المنازل صبره ... إذا هو لم ينزل بأكرم منزل # بكل محلاة الرجال بضيفهم، ... وكل معلاة الرجال بأجدل # لعوب برجليها إذا هي أقبلت ... قريبة حاج المديح المتعجل # كأن أعالي رأسها وسنامها ... منارة قسيس، وقبالة هيكل # سريت بها من ساحل البحر اغتدي ... على كفر طاب صوبها لم يجول # وقدمت نذري أن يقولوا غدرتنا ... وأقبلت لم أرهق ولم أتحيل # إلى أن قال: [من الطويل] # وعدت كريم البطش والصفو ظافرا ... كما عدت عن يوم أغر محجل # ومن كان أضحى بالدنائة راضيا ... فاني عن الأمر الدني بمعزل (3) PageV01P443 ~~قال الشنفرى: # 66 - فألحقت أولاه بأخراه موفيا ... على قنة أفعي مرارا وأمثل # اللغة:- # موفيا: نعت من ((أوفى على الشيء أي: أشرف)) (1). # القنة: بضم القاف، وتشديد النون المفتوحة: ((أعلى الجبل، كالقلة والجمع ~~قنان، كمبرمة وبرام، وقنن وقنات (2))) (3). # أقعي: بهمزة مضمومة، وقاف ساكنة، فعين مهملة مكسورة: من الاقعاء، وهو ~~((أن يلصق الرجل أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويتساند الى ظهره (4))). # أمثل: إما مضارع ((مثل بين يديه مثولا أي: انتصب قائما، ومنه قيل: لمنارة ~~المسرجة [172ظ] (5))) او مضارع ((مثل إذا لطى بالأرض وهو من الأضداد (6))). # الأعراب: # [ألحقت]: الفاء عاطفة، وألحق: فعل ماض، والتاء ضمير فاعل. # اولاه: مفعول به منصوب بفتحة مقدرة على الألف، مضاف الى الهاء. # باخره: جار ومجرور بكسرة مقدرة على الألف، مضاف الى الهاء متعلق بالفعل ~~الذي قبله. # موفيا: حال من الفاعل. # على قنة: جار ومجرور متعلق بالحال. # اقعي: فعل مضارع من الاقعاء، وفاعله ضمير ضمير المتكلم مستتر فيه وجوبا. # مرارا: منصوب على الظرفية. # وأمثل: فعل مضارع معطوف على ما قبله، وفاعله ضمير المتكلم المستتر فيه. PageV01P444 # المعنى: # يقول: فألحقت أولى تلك الأرض المقتدم باخراها مشرفا على أعلى الجبل، ~~فتارة اقعي حال صعودي وتارة انتصب حالة وقوفي على مكان مستو أو انه يقعي ~~وينتصب لتشرف المارة وغيرها كما هو شأن ربيئة القوم. # تكميل: # قوله: ألحقت أولى الأرض باخرها، ms213 كناية عن سرعة سيره، وعدم مكثه في مكان ~~يقال: فلان تتقاذفه الفياضي والقفار، وترمي به في المهامه في الاقطار، ولقد ~~بالغ في وصف نفسه على تلك الحال، وأبدع في حسن تأدية المقال، وقد قال الله ~~تعالى في كتابه العزيز: {ألم تر أنهم في كل واد يهيمون - وأنهم يقولون ما ~~لا يفعلون} (1) [173و] # استطراد: # ((قال أصحاب التواريخ (2) لما ولي عمر بن عبد العزيز زمام الخلافة، وفد ~~الشعراء إليه، وأقلموا ببابه أياما لا يؤذن لهم، فبينما هم، كذلك إذ مر بهم ~~رجاء بن حيوة، وكان جليس عمر، فلما رآه جرير داخلا، قام إليه وأنشد: [من ~~البسيط] # يا أيها الرجل المرخي عمامته ... هذا زمانك فاستأذن لنا عمرا # فدخل، فلم يذكر له شيئا، ثم مر بهم عدي بن أرطأة، فقال جرير أبياتا ~~آخرها: [من البسيط] # لا تنس حاجتنا لقيت مغفرة ... قد طال مكثي عن أهلي وعن وطني # قال: فدخل على عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، الشعراء ببابك، وسهامهم ~~مسمومة، وأقوالهم نافذة، قال ويحك، يا عدي! مالي وللشعراء؟! قال له عدي:- ~~أعز الله الأمير -، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امتدح وأعطى، ولك ~~في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة، امتدحه العباس بن مرداس، ~~فأعطاه حلة، فقطع بها لسانه، قال: أو تروي من قوله شيئا؟ قال: نعم، فانشد ~~... قوله (3): [من الطويل] # رأيتك يا خير البرية كلها ... نشرت كتابا جاء بالحق معلما PageV01P445 ~~شرعت لنا دين الهدى بعد صدنا ... عن الحق حتى أصبح الحق مظلما # ونورت بالبرهان أمرا مدشنا ... وأطفأت بالإسلام نارا تضرما ... [173ظ] # فمن مبلغ عني النبي محمدا ... وكل امرىء يجزى بما كان قدما # أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجه ... وكان قديما ركنه قد تهدما # قال عمر ((- رضي الله عنهم -: ويلك يا عدي! من في الباب منهم؟ قال عمر بن ~~أبي ربيعة، قال: أليس الذي يقول: [من الخفيف] # ثم نبهتها فمدت كعابا ... طفلة ما تبين رجع الكلام # ساعة ثم إنها بعد قالت: ... ويلتا قد عجلت يا ابن الكرام # فلو كان عدو الله إذ فجر كتم ms214 على نفسه لكان استر له، لا يدخل علي والله ~~أبدا، فمن بالباب سواه؟، قال: الفرزدق، قال: أليس الذي يقول: [من الطويل] # هما دلتاني من ثمانين قامة ... كما انقض باز أقتم الرأس كاسره # فلما استوت رجلاي في الأرض قالتا: ... أحي؟ فيرجى أم قتيل نحاذره! # لا يدخل علي، فمن سواه بالباب؟ قال:: الأخطل، قال: هو الذي قال: [من ~~الوافر] # ولست بصائم رمضان طوعا ... ولست بآكل لحم الأضاحي # ولست بزاجر جملا بكورا ... إلى بطحاء مكة للنجاح # ولست بزائر بيتا عتيقا ... بمكة أبتغي فيه صلاحي # ولست بقائم كالعير أدعو ... قبيل الصبح حي على الفلاح # ولكن سأشربها بكورا ... وأسجد عند منبلج الصباح ... [173ظ] # فقال: والله ليدخل علي، وهو كافر أبدا، فمن بالباب؟ قال الأحوص، قال: ~~أوليس الذي هو يقول: [من المنسرح] # الله بيني وبين سيدها ... يفر مني بها وأتبعه # فما هو بدون من ذكرت، فمن هاهنا؟ قال جميل، قال هو الذي يقول: [من ~~الطويل] # ألاليتنا نحيا جميعا وإن أمت ... يوافق في الموتى ضريحي ضريحها # فلو كان عدو الله تمنى لقاءها في الدنيا، فيعمل بعد ذلك عملا صالحا لكان ~~أصلح له، والله ليدخل أبدا. فمن سواه؟ قال: جرير، قال: إما انه يقول: [من ~~الكامل] # طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... حين الزيارة فارجعي بسلام PageV01P446 ~~فان كان ولابد، فهو الذي يدخل، فلما مثل بين يديه، قال يا جرير اتق الله ~~ولا تقل إلا حقا، فأنشد من قصيدته المشهورة: [من البسيط] # إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجو من المطر # جاء الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى ربه موسى على قدر # هذي الأرامل قد قضيت حاجاتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر # الخير ما دمت حيا لا نفاد له ... بوركت يا عمر الخيرات يا عمر # ويروى البيت الثاني: او كانت، فقال: يا جرير ما أرى فيما هاهنا [174ظ] لك ~~حقا! قال بلى، يل أمير المؤمنين، إني ابن سبيل ومنقطع، فأعطاه من طيب ماله ~~مائة درهم، قال: ويحك يا جرير، لقد ولينا هذا الأمر وما نملك إلا ms215 ثلاثمائة ~~درهم: فمائة أخذها عبد الله، ومائة أخذتها أم عبد الله، يا غلام أعطيه ~~المائة الباقية، فأخذها جرير وقال: والله لهي أحب إلي مما اكتسبته، ثم خرج، ~~فقال له الشعراء: ما وراءك؟ قال: ما يسؤكم (ما يسوءكم)،خرجت من عند خليفة ~~يعطي الفقراء، ويمنع الشعراء، وإني عليه راض، ثم انشد يقول: # رأيت رقى الشيطان لا تستفزه ... وقد كان شيطاني من الجن راقيا # قال الشنفرى: # 67 - ترود الأراوي الصحم حولي كأنها ... عذارى عليهن الملاء المذيل # اللغة: # ترود: من ((راد الشيء إذا جاء وذهب (1))). # الأراوي: بفتح الهمزة، والراء المهملة، هي الوعل من الثلاثة الى العشرة (2). # الصحم: بضم الصاد، وسكون الحاء جمع أصحم، وهو ((الأسود الذي يضرب إلى (3) ~~الصفرة (4))). PageV01P447 # الثاني ياء مكسورة جمع عذراء، وهي البكر (1) # الملاء: بضم الميم جمع ملاءة، وهي الريطة غير ذات لفقين كلها نسج واحد ~~وقطعة واحدة (2))). # المذيل: ((كمعظم، طويل الذيل (3))). # الإعراب: # ترود: فعل مضارع، وفاعله الأراوي. # الصحم: نعت له. # حولي: ظرف مكان مضاف إلى ياء المتكلم، معمول لترود. # كأنها: كأن حرف من الحروف المشبهة بالفعل، ومعناها التشبيه، الهاء اسمها، ~~والعذارى هو خبرها. # عليهن: جار ومجرور متعلق بمحذوف، خبر مقدم. # الملاء: مبتدأ مؤخر، والجملة محلها الرفع نعت للعذارى، ويجوز جعل الملاء ~~فاعلا بالظرف لاعتماده على موصوف. # المعنى: # يقول: إن الوعول تجيء وتذهب حولي يتبخترن فيها. # تكميل: # قد قررنا أن الملاء جمع ملاءة فكيف يصح وصفه بالمذيل وهو مفرد؟! # والجواب إن نافية للجنس، وهي تبطل معنى الجمعية كما نص عليه في موضعه ~~فليراجع. # استطراد: # الشعر عند المنطقيين قول مؤلف من أقوال تنبسط منها النفس أو تنقبض (4)، ~~كقولهم: الخمر ياقوته سيالة، والعسل مرة مهوعة. PageV01P448 # فللشعراء ميادين ينسون بها المشقة والتعب، ولهم ألفاظ تكاد أن تكون سحرا ~~يغذون النفس بها عن الشغب، إلا ترى تشبيه الناظم مشي الوعول بمشي الأبكار ~~الحسان اللاتي لم يطمثهن انس ولا جان. # قيل: إنه مر [175ظ] علي بن الحسين بن علي - رضي الله تعالى عنهم - في بعض ~~طرق المدينة على جارية حسناء واقفة على باب دارها وبيدها سبحة، ms216 فقال: فاتكة ~~ناسكة، فقالت: [من الكامل] # غر حسان ما هممن بريبة ... كظباء مكة صيدهن حرام # وقال الشاعر (1): ... [من الطويل] # وزندان لو لم يمسكا بدمالج ... لسالا من الأكمام سيل الجداول # وقال أبو الطيب (2): [من البسيط] # أفدى ظباء فلاة ما عرفن بها ... مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب # ولا برزن من الحمام مائلة ... أوراكهن صقيلات العراقيب # وقال أبو العلاء المعري من قصيدة طويلة (3): [من البسيط] # أبعد حول تناجي الشوق ناجية ... هلا ونحن على شعر من الشعر # كم بات حولك من ريم وجارية ... يستحدثناك حسن الدل والحور # ورب صاحب وشي من جأذرها ... وكان يرفل في ثوب من الوبر # فالحسن يظهر في شيئين رونقه ... بيت من الشعر أو بيت من الشعر # وما أحسن ما قال شهاب في هذا المعنى (4): [من الطويل] # تلوح فتستدعي الفراش وتبسم ... فيفتر ثغر الصبح والليل مظلم # وتبدي ثناياها لنا كنز جوهر ... فترصدها في فرعها وهو أرقم ... [176و] # وتقضي فيمسي السحر في غمد فتنة ... وترنو فيضحي مصلتا وهو مخذم # إما وحباب وهو ثغر مفلج ... وجامد خمر وهو خد معندم PageV01P449 ~~ومرأة بلور صفت وهي غرة ... وانبوب در وهو ساق مجذوم (1) # لصنوان مسموم السهام ولحظها ... ومبسمها والجوهر الفرد توأم # وقامتها والسمهري وإنها ... لأعدل منه وهو في الفتك أظلم # هي البدر في الإشراق لولا حجالها ... وشمس الضحى لولا السجاف المخيم # وبيض الدمى لولا البراقع والحيا ... وظبي الحمى لولا الثوى والتكلم # مهاة لديها السمر في حرم الهوى ... تحل دماء الصيد والبيض تحرم # فكم حولها ليث بحلة أرقم ... يطوف وكم خشف بعينه ضيم # تحامى حماها وآحذر الموت دونها ... فليس الحمى إلا الحمام المرخم # وما الموت (2) إلا أن يكون مزاره ... عزيزا إليه لا يجوز آلتوهم # وقال أيضا، وانظر إلى حسن هذا القسم (3): [من الطويل] # أما ومواضي مقلتيها آلفواصل ... لتشبيهها بالبدر تحصيل حاصل # وياقوت فيها إن جوهر جسمها ... هو الماء إلا أنه غير سائل # وورد محياها النظر لقدها ... هو الرمح إلا أنه غير ذابل # من العين إلا أنها في كناسها ... تظللها أسد الشرى بالمنائل # كعاب تحد الحتف في أي ms217 ناظر ... من الفنج إذ ترنو بمقلة خاذل ... [176ظ] # ذكاء حكتها الشمس وهي أسنة ... وقامت لديها نيرات المشاعل # تظن رغاء الرعد زفرة مدنف ... فترشقه حراسها بالمعاسل # وقضبان بلور بدت في خواتم ... وأعمدة من فضة في خلاخل # فما آختال ظبي قبلها في مدارع ... ولا مال غصن يانع في غلائل # وقال أيضا: (4) [من الطويل] # روت عن تراقيها آلعقود عنن النحر ... محاسن ترويها النجوم عن الفجر # وحدثنا عن خالها مسك صدغها ... حديثا رواه الليل عن كلفة البدر # وركب منها الثغر أفراد جملة ... حكاها فم الإبريق عن حبب الخمر PageV01P450 ~~وأردنا أن نرخي عنان القلم في هذا المضمار، وننشر محاسن ربات الجمال، إلا ~~أنه خشينا التطويل، وإفضائه إلى ما ليس إليه تعويل. # قال الشنفرى: # 68 - ويركدن بالآصال حولي كأنني ... من العصم أوفي ينتحي الكيح أعقل # اللغة: # يركدن: من ((الركود، وهو السكون)) (1)، ((وكل ثابت في مكان فهو راكد)) (2) # الآصال: بمد الهمزة جمع ((أصيل، وهو الوقت بعد العصر الى المغرب، ويجمع ~~على أصل وأصائك وأصلان، مثل: بعير (3) وبعران)) (4) # العصم: بضم العين، وسكون الصاد المهملتين: جمع ((أعصم، وهو من الظباء ~~والوعول الذي في ذراعيه بياض. قاله الأصمعي [177و] وقال أبو عبيدة: الأعصم ~~الذي بإحدى يديه بياض، والإسم العصمة، والوعول (كلها) (5) عصم)) (6) # أوفى: ((أشرف)) (7). # انتحى: من الإنتحاء، وهو الإعتماد والميل في كل وجه، والإنتحاء أيضا ~~الإعتماد على الجانب الأيسر (8). # الكيح: بفتح الكاف، وسكون المثناة التحتية، آخر الحروف حاء مهملة: عرض ~~الجبل، وما قابلك منه وعلا من السسفح، والكاح مثله (9). # أعقل: هو أما من قولهم)) بعير أعقل وناقة عقلاء بينة العقل، وهو التواء ~~في رجل البعير واتساع كثير)) (10) PageV01P451 ~~أو بمعنى عاقل، وهو الوعل، قال الجوهري)) عقل الوعل، امتنع (1) في الجبل ~~العالي، يعقل عقولا، وبه سمي الوعل عاقلا)) (2) # الإعراب: # ويركدن: الواو عاطفة، ويركدن فعل مضارع مبني على السكون، وفاعله ضمير ~~النسوة. # بالآصال: جار ومجرور متعلق بيركدن، وكذلك حولي. # كأنني: كان واسمها. # من العصم: من حرف جر، ومعناها التبيين متعلق بمحذوف حال من اعقل وتقديم ~~المبين على المبين شائع ذائع. # أوفى: فعل ماضي ms218 وفاعله ضمير يعود الى اعقل آخر البيت والإضمار قبل الذكر ~~لفظا لا رتبة جائز شائع. # ينتحي: فعل مضارع والفاعل ضمير يعود الى اعقل. # الكيح: مفعول به. # اعقل: خبر كان. # المعنى: # يقول بعد موانسة الوحش له، والالفة معها، إذا كان وقت الأصيل سكن حولي ~~فكأنني وعل في رجليه [177ظ] التواء، أشرف يعتمد عرض الجبل فتأنس بي، ولم ~~ينفرن عني، ظانين أني من نوعهن، وهي اشد في الإيناس مبالغة، لأن وقت ~~الأصيل، هو وقت مقرهن وموضعهن للنوم فيما يتعهدنه من شعب الجبال وشعثها. # تكميل: # لا يخفى على أن من استقرأ أبيات هذه القصيدة اللامية أن الشنفرى كان ~~متوحشا يألف الوحوش وتألفه، وأنه جواب قفار من الجبل والسهل، فذكر أولا ~~قطعة السهول وموالفته لوحوشها وأنه زاد عليها في طباعها، وانه لذلك إلف ~~وحوش الجبال مثل وحش السهل، وانه مرة في الجبال، ومرة في السهل، وانه ليس له PageV01P452 ~~مكان مقر، ولا يبتغي عن صروف الزمان مفر. # وهذا آخر ما قصدنا إيراده في حل المعاني وفك المباني، واسأل الله تعالى ~~الهداية ظاهرا وباطنا، وانه كما ختم كتابي بالشهادة ن أن يجعل خاتمة عمري ~~بمحبته ورضاه، وعاقبة أمري ما يستوجب كمال السعادة السرمدية يوم لقاه، ~~واحمد لله رب العالمين دائما بدوام نعمه، مستمرا باستمرار لطفه وكرمه، أولا ~~وآخرا ظاهرا وباطنا، والصلاة والسلام الاتمان الاكملان على الرسول المبعوث ~~من بني عدنان وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه النجباء البررة الغر ~~الميامين وعلى التابعين وتابعي التابعين [178و] بإحسان إلى يوم الدين، ما ~~ترنمت البلابل في الحدائق، وتزينت الرياض بالأزهار والشقائق. # قال الشارح المحقق غفر الله ذنوبه وستر عيوبه، وقد كان إتمام هذا الشرح ~~يوم التاسع والعشرين من شهر ربيع الثاني سنة الثامنة والسبعين بعد المائة ~~والألف (1) [178ظ]. PageV01P453 # تقاريض الكتاب PageV01P454 ~~الحمد لله أقول وبالله التوفيق # أطلقت جواد نظري في سطور هذه الطروس , وأطلت زمام فكري في أوصاف شمائل ~~هذه العروس , فرأيتها يتيمة سطع بريقها على صفحات العقول , ونديمة طفح ~~رحيقها فأغنت عن الشمول , وكريمة طلع من غرتها قمر البيان , ونظمت ms219 في سلكها ~~نجوم الدب عوضا عن الجمان , وعلقت في جيدها نوادر العرب بدلا عن المرجان , ~~ونشرت على مقاصيرها خلع القريض , وامتد سرادق سبكها على أديمها الطويل ~~العريض , فأصبح لسان حالها يقول: أنا الصحيح وما سواي المريض: # لمن هذي السراحين ... يميسن السراحيب # سراحيب عليهن ... من الحسن أعاريب # أعاريب غدوا بالسفح ... يحمون الرعابيب # رعابيب عليهن ... من الوشي جلابيب # بها ما شئت من حسن ... ومن طيب على طيب # فسحرت بمعانيها عقول أهل المعاني والبديع , وأسكرت برضاب مبانيها كل شريف ~~ووضيع , فغدوت أجول في ميدان أخبارها [179و] بعقل مستور , ولب مغمور , وصرت ~~أتجاذب أشعارها بغير شعور , فهي حديقة تأنقت رياضها , وتدفقت جداولها ~~وحياضها , وراق للنواظر صلصالها ورضراضها , فكأن الشاعر عناها , وبكلامه ~~البديع نحاها: # بدا الزهر فراقتك البساتين ... وقد شدت على العود البساتين # جلا الروض ندا القطر ... بأنواع الأزاهير علينا والرياحين # فلذلك أنشأت أقول بلسان طليق , ولب حريق: # رمتني سمرة الوراق حتى ... علاجي قد خفى عن كل راقي # كأن رقومها أشكال سحر ... حلال لم يزل في العقل راقي # إليها ينظر الأعمى جهارا ... ويسمعها الأصم على الوفاق # شجاني عندليب الروض منها ... وهيج نار قلبي واشتياقي # ونادمني لسان الحال عنها ... بطيبي كلامه بعد العناق PageV01P455 ~~فطيب شقيقها قد شق قلبي ... وماء رحيقها للصب ساقي # شممت ورودها وقبضت منها ... عقود الدر من فوق التراقي # كريمة جهليذ ندب نجيب ... سليل المجد مرفوع الرواق # له قلم كحد السيف ماض ... ويزري بالمهندة الرقاق # توقد ذهنه فجلا ظلاما ... بفضل لا يزال الدهر باقي [179ظ] # شكى القرطاس نار ذكاه حتى ... غدا متيقنا بالاحتراق # يقول السكب أن السبك ثوبي ... وأن الخير في أهل العراق # ونظم القطر قال مقال صدق ... حجول الفضل قي قدمي وساقي # فدونك مليحة تغني عن السلاف والراح , وقينة تغني بمزامير الأفراح , ~~وبديعة عن يحكي بديعها تلخيص المفتاح , وبليغة تقول لنديمها حي على الفلاح ~~, وتأمل في محاسن الوجوه الصباح , فكأن حروفها عيون الجراد في البطاح , ~~وكلماتها أجسام نفخت فيها الأرواح , وسطورها جنود الزنج إذا صفت للكفاح , ~~وطروسها ورق أذيب على صفاح الألواح , ومعانيها ms220 عقار تلعب بالأشباح ~~,ومنثورها نثار تساقط على عبير , ومنظومها جمان نظم في سمط في سمط من ~~الحرير , وفواصلها فواصل الياقوت على المرجان , وأسجاعها أصوات ساجعات ~~الألحان , فهي كغيداء طمحت إليها الأحداق , أو سبيكة عسجد أفرغت على أديم ~~الأوراق , أو خريدة حدرت اللثام عن ثغورها , وكشفت بشفق البيان عن براقع ~~ديجورها , وتجلت في [180و] سماء التهذيب بأعلى قصورها , وعذب لفؤاد الصادي ~~رشف الطويل من بحورها , ومد مديد قريضها على كل بسيط وافر , وكملت محاسن ~~منثورها في الهزج , خاليا عن الرجز القاصر , وسابقت في الرمل كل سريع منسرح ~~القتب , وضارعت في الخفة كل مجتث ومقتضب , وأدركت كل متقارب وبعيد , ولبست ~~من برود السبك والترتيب كل منزع مفيد , فلو سمع بها سحبان وهو رميم العظام ~~لأحياه سحابها بعد تلك الأمور العظام , ولو مر تاليها بقس بن ساعدة , لطلب ~~في معارضتها من كل أحد المساعدة , ولو اتصلت بامرىء القيس أو لبيد , لأقرا ~~بأنها خارجة عن طوق العبيد , ولو علم بها النابغة وربيع , لتحققا أنه قد ~~يكون من البلاغة الربيع , كيف لا؟! وهي من فم الأديب النجيب والمصقع الغريب ~~, الذوابة المنحدرة من قحطان , والنتيجة المسلسلة من عدنان , رئيس أساطين ~~الشعراء , وملك سلاطين البلغاء , ناشر أعلام PageV01P456 ~~الجود على العلماء , والباذل بدر النقود على الفقراء , من كرع حياض العلوم ~~, ولم [[180ظ] تنبت عوارضه , وسدد في سلوكه هذا الطريق ولم تخش عوارضه , ~~الذي طار صيته قبل التمييز , وفاق صفاء ذهنه على الذهب الأبريز , الذي قلت فيه: # فسل واستخبر الأقطار عنه ... تجده مهذبا في كل فن # وسلني عنه إن الصدق دأبي ... فمنه الفضل والتعداد مني # مولانا الأكرم سليمان بك بن عبدا لله بك شاوي زاده , زاد الله في رفعته , ~~وأدام أيام سعادته , وجعله من العلماء العاملين بمحمد وآله الميامين آمين # أنشأه بقريحته , وكسره في صحيفته العبد الأقل حسين بن علي العشاري ~~الشافعي حامدا مصليا مسلما] (1). PageV01P457 # [يا فياض # بخ بخ يا للعجب العجاب , قد ذهب هذا التأليف بالألباب لم يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة إلا أحصاها , ولا خريدة تليد ولا طارف ms221 إلا استقصاها , فسرحت طرف فكري ~~في روضة المناظر , ونزهت طرف التأمل في حدائق زهره العاطر , ومشيت في أرواح ~~خمائله الأدبية على الأحداق , ونظرت بلحظ التخييل إلى ثمرات عباراته ~~اللائحة من كمائم الأوراق , فعطر الحواس لما شمت عبق زهر منثوره , وأطربني ~~سجع حمائم همزاته من فوق أغصان ألفات سطوره , وأعترتني نشوة الراح من كؤوس ~~ألفاظها المترعة بخمرة المعاني لما رشفها السمع من أكف مخدرات أبكارها ~~الأغاني: # فكم أهدى إلى الأسماع معنى ... كأن نسيمه شرق براح # ولفظا ناهبا حلي الأغاني ... وأهدى السحر للحدق الملاح # فرأيته سماء أدب طلعت في بروج البيان شموس أبياته المشرقة , وبرقت عليه ~~سحائب الأذهان , فوجوه أهل الحدائق إليه محدقة , حيث بدت كواكب بدائع ~~اللطائف في مطالع المعارف , من ليالي سطوره مؤتلفة: # به اللفظ كأس والمعاني مدامة ... وما ذاق منه نشوة غير عارف # وقام يساقي في زجاجات لفظه ... حميا حجاه من أيادي الصحائف # فياله من مؤلف دخل في حد] (1) الإعجاز , وشرح بينه وبين من ناظره من ~~البلاغة حجاز , قد باهى بسناه القمر في ليالي السحر , وضاهى بلئاليه درر ~~البحور, في نحور الحور ,وهو بيت القصيد , وقلادة الجيد , ولطرف الدهر حور , ~~ولجيده عقد ترصع بالدرر , ولكأسه ختام , ولدر حبابه نظام , هبت" نفحة ~~الريحانة" (2) من أزهاره العبقرية , ولمعت" قلائد العقيان " (3) من صدور ~~سطوره المضيئة , فما " "الدمية" (4) إلا من خدام PageV01P458 ~~هذا القصر المشيد , ولا " السلافة " (1) إلا من عصير عناقيد كرم أدبه ~~المورد , ولا " نزهة " (2) الرحبي و" شمامته " (3) إلا من عبير روض هذا ~~الزهر , ولا " اليتيمة الدهر " (4) إلا من عيال هذا البدر , ولا " الأطواق ~~" (5) و" الأطباق " (6) إلا من روضه الزاهر , ولا " مروج الذهب " (7) , و" ~~ربيع الأبرار " (8) ألا من معدن سحائب صوبه الباهر , فما رآه منيم الفصاحة ~~إلا نسي ذكر حبيب , واستأنس من سجع هذا المطوق باللحن العجيب , ورشف من هذا ~~القطر النباتي ما رشحت به قصبات أقلامه , وأطفأ من هجير الجهل ما يزال به ~~صدى أوامه , ولعمري أنه فاق كل مؤلف , وبرع في فنه كل مصنف , وهذه ألفاظه , ~~والفضل عليها شاهد عدل لا ms222 تجرح شهادته , ولا تنكر على سائر التصانيف ~~الأدبية سيادته , وهذا ميدان البلاغة فليطلق أعنة الأقلام [181و] من أنكر ~~هذا المقال , وليجري بخيول الأفكار في مضيق هذا المجال , الذي أحجمت عنه ~~فكر ذوي الألباب , ووقفت دونه أفهام أهل الصواب , كيف لا؟! ولم يسبق قبله ~~في الميدان , ولم يشق عن كمائم أفنائه ناطق , ولم يجتن من ثمر أغصان ~~أبياتها الجياد , ولعمري أنها أصعب من خرط القتاد , فالله در مؤلفه أنه قد ~~نصب حبائل فكره فاقتنص شوارد غزلان المعاني , وأسس فيه من بيوت النظم ماهو ~~بالرجاحة محكم المباني , وهو منش أتى في معجزات البلاغة , وذلك في فترة من ~~الأدب , فلم يقدر أحد أن يبلغ بلاغه , آنس من جانب طور الأدب نار الفصاحة , ~~وضرب بعصا قلمه بحر البلاغة , فانفلق عن در الرجاحة , فياله من قلم إذا ~~تأملت ما خطه , رأيت كل سطر خطه فلكا مدارا , يمج على صباح الطروس ليلا من ~~المدد قد تكوكب من المعاني واستنارا , فعين الله عليه من كاتب تود الأيام ~~إذا كتب أن تكون له صفائح , والليالي أن تكون مدادا PageV01P459 ~~لمخدرات تلك القرائح , بمعان كلطافة الاقحوان على غدير الزلال أو حدائق ورد ~~تفتح في نسيم الشمال , أو رياض ملاعب الحور العين , أو مطاف الولدان بكأس ~~من معين , # أو رشح فرائد خدود الحسان , أو نثر الئالي في عقود الجمان: [181ظ] # فطن له ذهن إذا حققته ... أبصرت نور الله في مشكاته # يقفو ظهور الكائنات بحدسه ... فيرى وجوه الغيب في مرآته # عيسى الزمان طبيب أمراض العلا ... محيي رفاة الجود بعد وفاته # لله كم في علمه من درة ... مخزونة سكنت بلج فراته # يوحي الكلام إلى جماد يراعه ... سرا فيفصح عن بديع لغاته # والسحر يعلم إنما هاروته ... قلم تنكس في قليب دواته # واني لأقسم من سواد مداده بالليل إذا غسق , ومن صبح معانيه بالفجر إذا ~~انفلق , ومن فيض قريحته بالبحر إذا زخر , ومن منثور سجعه بعقد الثريا إذا ~~انتثر , لهو الفريد الذي تختم بالأدب قبل خلع التمائم , ولبس ثوب الفضل قبل ~~لبس العمائم , بخصال كالئالي ms223 انتظمت بسلك المحامد , وتنافست عليها من البيض ~~الحسان قلائد # وخصال تودهن الغواني ... بدلا من عقودها وحلاها # عزر كالجمان مستحسنات ... جل باري النجوم كيف براها # لو حوت بعضها سجايا الليالي ... بدلت غدرها بحسن وفاها # هذا وأنا أقول قول من دقق طرف فكره في خفيات الأمر الخطير , وانكشفت له ~~المعاني فقال لهل العقل لقد سقطت [182و] على الخبير , إن هذا المؤلف قد حاز ~~قصب السبق في ميدان البلاغة , وفاق أقرانه بحسن السبك والصياغة , وقنص ~~بجوارح ذهنه طائر المعاني الغرر , وقال له الفضل: لقد جئت يا موسى على قدر ~~, فالله يبقيه لأهل الأدب قدوة , لأرباب المعالي ذروة , آمين قاله وانشأه ~~أبو البركات الأبي محمد الرضي المدرس [182ظ] PageV01P460 ~~بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي جعل روضة الأدب جنة جارية الأنهار فلا تزال ريا , وزين ~~سماء فصاحة العرب بنجوم ذات أنوار يتوصل إلى الاقتباس منها بذكر لبنى وريا ~~, أحمده حمدا يفضي إلى الإطناب مطول بيانه , وأشكره شكرا يؤدي إلى الإسهاب ~~طول تبيانه , وأشهد أنه بالهدى أرسل عبده , وأصلي وأسلم على سيدنا محمد ~~الذي صفاته أحرى بإرسال المثل , وذاته أجدر بالتأديب وبالتهذيب في القول ~~والعمل , وعلى آله الذين شربوا من حميا الفصاحة الكأس الأصفى , وأصحابه ~~الذين حازوا من النباهة والسماحة الحظ الأضفى , ما صدع خطيب البيان على ~~منبر اليراعة , وصدح عندليب التبيان على أفنان البلاغة والبراعة أما بعد: # فقد سرحت طرف الطرف في رياض هذا الكتاب , وملأت الكأس للنظر من حياضه ~~التي أترعت بصواب الصواب , وأجلت الفكر في مضمار سطور [183و] طروسه , ~~واستنشقت عبير السداد من مجامر ند عروسه , ونظرت إليه بعين نقاد, وركبت إلى ~~مشاهدة أعيان عينه مطية الإنتقاد, وقلبت الحدق الى زرابي تحريراته التي ~~نسجتها يد اليراعة, ونشرت إستبرق تقريراته التي على منوال البراعة, فوجدته ~~بحرا ما سفينة الراغب فيه إلا زورقا صغيرا, ودرا ما قلائد العقيان (1) منه ~~إلا خزفا حقيرا, ومنهلا عذبا ما رشف الضرب (2) لديه إلا صبرا, ولؤلؤا رطبا ~~ما ديوان لسان العرب (3) عنده إلا شيئا امرا , وخمرا قرقفا ما السلافة ms224 (4) ~~إلا من غسالة دنانه, ودرا مصدفا ما اليتيمة (5) إلا سقط جمانه, ونورا تحجبت ~~بدور معانيه في ليالي السواد, وسكبت سبائك مبانيه بقوالب الصواب والسداد, ~~يأخذ بالعقول اخذ السحر , ففي كل بيت منه روض إلى المنى ,وفي كل سطر منه ~~عقد من الدر قد حاكت له أيدي البيان الحلل البديعية, وسقته شآبيب التبيان ~~كؤوس المعاني الأدبية , تميل إليه العقول فكأن السحر في PageV01P461 ~~إنشائه, وتتوق إليه نفوس الفحول لرشف سلافة صهبائه, فاستجله نظما كأن عروضه ~~زهر الربا ورويه كروائه , واستحله نثرا فان اضائه الدر النضيد البعض من ~~لألائه [183ظ] فكأن الفصاحة أبدت أنجمها في ظلمة حبره, والبديع وسم نور ~~أزهاره بلؤلؤ قطره , ونفوس معانيه بدت بجسوم من لؤلؤ منظوم , وعروس مبانيه ~~أخجلت ببريقها وبريقها ابنة العنقود: # يا لهذا الكتاب من بنت فكر ... يبتغي البدر أن يكون أخاها # قد ترقت حسنا ورقت كلاما ... فاسترقت قلوبنا في رقاها # صاغها عسجدا ورصع درا ... في حشاها وبالحرير كساها # أصبحت بيننا اليتيمة تدعى ... متع الله بالحياة أباها # جملة من كواكب كالثريا ... وقعت في كلامه فحكاها # تتمنى أن تكون مداده الليالي البيض , وتهوى الثريا أن تكون نثارا لنظم ~~ذلك القريض , ويود أن يكون يراعه بنان البيان في صفائح أسرار البلاغة, وأنى ~~له ذلك وقد سبكت معانيه في قالب حد الإعجاز فليس له أن يبلغ بلاغه , فلا ~~غرو أنه لمعالم التنزيل مفتاح , ولدقائق التأويل إيضاح , ولا بدع أنه كشاف ~~لرموز لامية العرب, وكشفا لكنوز رشف الضرب ,تنادي بسببه قصيدة الشنفرى ~~لقصيدة الوزير الطغرائي: أطرق كرا (1) , وأيم الله أنه قد سار بين الفصحاء ~~مثلا [184و]: # هذي القصيدة من ذا الشرح قد ظهرت ... كأنه لمعانيها الدقاق جلا # لما خفى فهمها عن عين فكرتنا ... قال ابن شاوي لها مهلا أنا ابن جلا # فلو أبصر تسويداته السويدي لجعله لشرحه سواد السواد , ولو نظر أصداف ~~دراريه الصفدي لعلم أنه من الفهاهة في أصفاد , ولو أبصره النظام (2) لأعترف ~~بوجود الجوهر الفرد , ولو نظره ابن العميد (3) لجعله عمادا لبلاغته وتعمد ~~,ينشد المتأمل فيه والناظر, PageV01P462 ~~كم ترك ms225 الأول للآخر , بلغ حد الإعجاز حتى صار علما لعلم البلاغة غير مستعار ~~, وسلما للهداية فهو علم في رأسه نار, موارده شافية من علل تصريف الأفكار , ~~ومصادره كافية عن اشتقاق أفعال الأنظار , وقد عذب منهل وروده وصفا: # لا يدرك الواصف المطري خصائصه ... وإن يكن سابقا في كل ما وصفا # فياله من شرح قد غردت أطيار الفصاحة على خمائل أفنانه ,وخطبت شحارير ~~البلاغة على منابر أغصانه , تركع لبلاغته فصحاء عدنان , وتخضع لفصاحته ~~بلغاء قحطان , فيا الله يا للعجب العجاب, ولله دره من كتاب , يسحر بمعانيه ~~العقول والألباب ,فهو من بنات الأفكار التي لم ينتجهن إلا ناظمه [184ظ] ~~وخرائد الأنظار التي لم يرصع قلائدهن إلا ساجمه وناظم أرقمه ,ها هو شاهد ~~عدل ينادي المنكرين , الذين تراهم عن الحق مارقين , ((فاتوا بسورة من مثله ~~وأدعوا شهدائكم من دون الله إن كنتم صادقين)) ,وكيف لا وقد أوحاه إلى ~~اليراع, من نبع ضيضىء الفصاحة, وشنف بأسجاعه الأسماع من نبغ من دوحة الشرف ~~والرجاحة: # سمح لمن طلب الإفادة باسط ... ببنانه وبيانه كنزين # ما مد راحته وجاء بعلمه ... إلا التقطنا لؤلؤ البحرين # لو بالبلاغة للنبوة يدعى ... لغدا وما قرآنه بعضين # من معشر لهم على كل الورى ... شرف النجوم على حصى الأرضين # الباسل الذي تكون من ندى وشجاعة , فلذا جوانبه تلين وتصعب , والفاضل الذي ~~در عليه ضئر الكرم والبراعة ,فلذا انشائده تفيد وتطرب ,ذو النسب الذي لو ~~لبست حليته الليالي لقامت لهن الحرباء تترقب , والحسب الذي لو حاز الفجر ~~بعض ضيائه لما وجد أبدا غيهب: # عدل له صفة الزمان إذا قضى ... بالسيف يخفض من يشاء وينصب # يقضي بصرف الجمع عامل رمحه ... ولديه يبنى المجد ماض معرب [185و] # بحر إذا سئل النوال فدره ... يطفو ودر البحر فيه يرسب # فطن لفكرته بكل بديعة ... لف ونشر في العلوم مرتب PageV01P463 ~~يصفر وجه التبر خيفة بذله ... فيكاد جامده يسيل فيذهب # ويوع قلب الطود شدة بأسه ... فيكاد راسخه يزول فيهرب # لو كان شمسا لم يسعه مشرق ... ولضاق عن كتم الشعاع المغرب # أو حاز وجه الدهر ms226 أدنى بأسه ... ما بان فيه للخطوب تقطب # الفطن الذي تنور قلبه من ذهنه فضياؤه بضميره يتشعشع , فكأن عين الشمس ~~كانت له ضئرا تسقيه من لبن الصباح وترضع , ذو خصال عربية تودهن الغواني ~~بدلا من عقودها وحلاها , وسجايا حاتمية لو حوت بعضها الليالي لبدلت غدرها ~~بحسن وفاها , ونفس قدسية قد نهاها عن الأرجاس نهاها , وصفات زكية تهتدي ~~الخلائق في الجدب بنور سناها , عين أعيان الزمان , إنسان العين بل عين ~~الإنسان , الذي عن كل ذميمة سلمان مولانا الأكرم سليمان بك بن عبدالله بك ~~شاوي زاده أتاهم الله الحسنى وزيادة ,لا برح السعد خادما بركابه , ولا برح ~~المجد مقصورا على أعتابه آمين قاله بلسانه وواساه بجنانه أبو المحامد شهاب ~~الدين أحمد بن عبدالله السويدي عفى الله عنهما آمين. [185ظ] PageV01P464 ms227