######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010662 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: السياغي #META# 010.AuthorNAME :: السياغي ، الحسين بن أحمد (المتوفى : 1221هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1221 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تحفة المشتاق إلى شرح أبيات المولى اسحق #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب متنوعة #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: تحفة المشتاق إلى شرح أبيات المولى اسحق #META# 030.LibURI :: JK_010662 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # مقدمة المؤلف # اعلم أن الذي بلغ إليه فهمي ووصل إليه نهاية علمي، أن مراد المولى قدس ~~الله سره بذلك هو الروح المعبر عنه بالنفس الناطقة، ولنتعرض في هذه المقدمة ~~لثلاثة فصول: الأول: في ذكر الاختلاف في جواز التكلم فيها وعدمه. # والثاني: ما قيل في ماهيتها. # والثالث: في بقاها بعد الموت واستقلالها، وأن الأرواح هل خلقت قبل ~~الأجساد أو لا. # الفصل الأول # في ذكر الإختلاف في جواز التكلم فيها وعدمه. # قال الله تعالى: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أتيتم من ~~العلم إلا قليلا) اختلف أهل التفسير في معناها، فقيل هو سؤال عن حقيقة ~~الروح، وجوابه إنه مما استأثر الله بعلمه، وهو الذي صدى صاحب (الكشاف) ونقل ~~عن أبي بريدة لقد مضى النبي صلى الله عليه وسلم وما يعلم الروح، قال ابن ~~حجر في تخريجه ذكره الواحدي في الوسيط عن عبد الله بن بريدة، ولم يسق ~~إسناده وإليه ذهب تاج الدين السبكي في (جمع الجوامع) قال: وحقيقة الروح لم ~~يتكلم عليها محمد صلى الله عليه وسلم وآله وسلم فنمسك عنها. قال شارحه ~~البدر الزركشي في (تشنيف المسامع) وهذه طريقة المحتاطين كالجنيد رضي الله ~~عنه. فإنه قال: الروح شيء استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، ~~فلا تجوز العبارة عنه بأكثر من موجود لقوله تعالى: (قل الروح من أمر ربي) ~~وعلى ذلك جرى خلق من أئمة التفسير كالثعالبي وابن عطية، وكذلك الشيخ شهاب ~~الدين السهروردي في كتابه (عوارف المعارف) فإنه قال: الكلام في الروح صعب ~~المرام والإمساك عن ذلك دليل ذوي الأحلام، وقد عظم الله سبحانه شأن الروح ~~وسجل على الخلق بقلة العلم، فقال: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) ثم ~~استدل بحديث ابن عباس أنها قالت اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم: أخبرنا ~~ما الروح وكيف يعذب الروح التي في الجسد وإنما الروح من أمر الله. ولم يكن ~~نزل إليه شيء فلم يجبهم. فأتاه جبريل بهذه الآية. قال: وحيث أمسك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ms01 عن الإخبار عن الروح وما هيته بإذن الله ووحيه وهو صلى ~~الله عليه وسلم معدن العلم وينبوع الحكمة، كيف يسوغ لغيره الخوض فيه ~~والإشارة إليه لا جرم لما تقاضت النفس الإنسانية المتطلعة إلى الفضول ~~المسفوفة إلى العقول المتحركة بوصفها إلى كل ما أمر بالسكون فيه والمتسورة ~~بحرصها إلى كل تحقيق وتمويه، وأطلقت عنان النظر في مسارح الفكر وخاضت غمرات ~~معرفة ماهية الروح، تاهت في التيه وتنوعت آراؤها فيه، ولم يوجد الاختلاف ~~بين أرباب النقل والعقل في شيء كالإخلاف في ماهية الروح ولو لزمت النفوس ~~حدها معترفة بعجزها، كان ذلك أجدر بها وأولى كلامه وقد جنح فيه إلى أن ~~الأولى عدم التعرض للكلام فيه لا المنع مطلقا لما سننقله عنه إن شاء الله ~~من بيان مختارة فيه على جهة التأويل لا التفسير. فإنه قال: لا يسوغ التفسير ~~إلا نقلا، وأما التأويل فتمد العقول إليه الباع الطويل. وحكى الطيبي عن ~~الإمام فخر الدين بن الخطيب: أن المختار إنهم سألوه عن الروح وأنه صلى الله ~~عليه وآله وسلم أجاب على أحسن وجه بقوله: الروح من أمر ربي، أي موجود محدث ~~بأمر الله وتكوينه وتأثيره إفادة الحياة للجسد ولا يلزم من عدم العلم ~~بحقيقته المخصوصة نفيه فإن أكثر حقائق الأشياء ماهيتها مجهولة ولم يلزم من ~~كونها مجهولة نفيها. وتبعه البيضاوي فقال: إنه إشارة إلى أن الروح مما لا ~~يمكن معرفة ذاته إلا بعوارض تميزه عما يلتبس فلذلك اقتصر على هذا الجواب ~~كما اقتصر موسى عليه السلام في جواب وما رب العالمين بذكر بعض صفاته. # قال المحقق سراج الدين بعد إيراده لكلام القاضي: ومن طلب الحق بالمجاهدة ~~يلوح له ما يحتذيه منارا إلى عالم المشاهدة وقد أجاب المتكلمون على ماهية ~~الروح عن الأولين المتمسكين في المنع بظاهر الآية بوجوه، أحدها: إن اليهود ~~كانوا قد قالوا إن أجاب عنها فليس بنبي، وإن لم يجب فهو صادق، فلم يجب لأن ~~الله لم يأذن فيه ولا أنزل عليه بيانه في وقته تأكيدا لمعجزته وتصديقا لما ~~تقدم من وصفه ms02 في كتبهم لا لأنه لا يمكن الكلام فيه. PageV01P001 ثانيها: ~~إنهم سألوا صلى الله عليه وسلم سؤال تعجيز وتغليط إذا كان الروح يقال ~~بالاشتراك على روح الإنسان وجبريل وملك آخر يقال له الروح، وصنف من ~~الملائكة والقرآن وعيسى بن مريم كما أشار إليها صاحب (الكشاف) في تفسير ~~الأية، فقصد اليهود أن يسألوه فبأي شيء أجابهم، قالوا: لسنا نريد هذا فجاء ~~الجواب كسؤالهم مجملا، فإن أمر ربي يصدق على كل واحد من مسميات الروح، وذكر ~~مثل هذا الوجه الزركشي في (البحر المتوسط قال: وهكذا ذكر صاحب الافتتاح في ~~خلق الإنسان إذ قد دلت قواطع الشرع على تعيينها، فقد يحمل المستدل لفظا ~~احتياطا لنفسه في ميدان النظر بحيث إذا توجه سؤال المعترض على أحد معنيي ~~اللفظ تخلص عنه بتعيين كلامه بالمعنى الآخر. # ثالثها: ما ذهب إليه علماء الطريقة أن المراد بقوله تعالى: (من أمر ربي) ~~كون الروح من عالم الأمر، وهو عالم الغيب وعالم الملكوت ومقابله عالم الخلق ~~الذي هو عالم الشهادة، وعالم الملك، وحملوا قوله تعالى: ألا له الخلق ~~والأمر على العالمين المذكورين، وأراد بعالم الأمر عالم المجردات لأنها ~~وجدت بمجرد الأمر الذي هو قول كن ومقابله الجسمانيات، وقد بالغ الشيخ ~~العارف بالله أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه في نصرة هذا الوجه. فقال: من ~~ظن أن علم الروح وغيره مما ذكر ومما لم يذكر لم يحط به الخاصة من العلماء ~~أهل البدء الأعلى فقد وقع في عظيمين، تجهيل أوليا الله إذ وصفهم بالقصور عن ~~ذلك وظن بربه أنه منعهم وكيف يجوز أن يظن على مخصوص ويسري به التكذيب إلى ~~القدرة والشرع، بقوله عن اليهود أو عن العرب على الخلاف (ويسألونك عن الروح ~~قل الروح من أمر ربي) فما الدليل لك فيها على جهل الصديقين وأهل خاصة الله ~~العلياء والكشف عن هذا، إن السؤال يقع بهل وكيف ولم ومن فهل يقع السؤال به ~~عن الشيء أموجود هو أو معدوم وقد عرفنا وجوده من قبل، ولولا ذلك ما قال ~~(ويسألونك عن الروح) فثبت ms03 إنهم عرفوا وجوده فبطل هذا وليس فيه سؤال عن ~~الحال كيف هو ولا سؤال عن العلة لم كذا وكذا. ولو كان سؤالهم عن هذين لما ~~قنعوا بقوله (قل الروح من أمر ربي) الآية المراد منه وحاصله أن المقدار ~~الذي ينبغي أن يطلب من يتعرف الروح إنما هو عالمه ومن أين هو، فأوجب الشيخ ~~معرفة مثل هذا عن الروح، وهي كون الحياة والحركة والعقل مثلا تابعا لها، لا ~~معرفة حقيقتها ولكنه لا يتمشى على تقدير صحة حديث ابن عباس المتقدم، إذ هو ~~صريح في السؤال عن الماهية لا من أين هو. # الفصل الثاني # في حقيقة الروح وما قيل فيها # إعلم أن الخلاف في ذلك واسع جدا، كما تقدمت إشارة إليه فزعمت طائفة من ~~قدماء الفلاسفة أن النفس التي هي عبارة عن الروح أمر كلي عام، وإنه يفيض ~~على الأجسام فيض الشمس على ما يقع شعاعها عليه، فيعطي كل مادة قدر ~~استحقاقها، وإنها ليست حالة بالأجسام وإنما هي مؤثرة فيها لضرب من المناسبة ~~كما يفعل المغناطيس في الحديد وليس أحدهما حالا في الآخر، وإنها لا تزال ~~مؤثرة في الجسم ما دام مستعدا لقبول الآثر، وإنها لا تزال مؤثرة في الجسم ~~ما دام مستعدا لقبول الأثر، فإذا أفسد استعداده بطل فعلها فيه كما يبطل فعل ~~المغناطيس في الحديد عند فساد الحديد وتغيره وهذا مبني على قدم النفس، وعدم ~~تناهيها، وقد تكفل علم الكلام ببطلانه. PageV01P002 وحكي عنهم في ترتيب ~~الموجودات تفصيل وهو أن الصادر الأول عن الذات الواجب الوجود عقل له ~~اعتبارات ثلاثة: وجوده في نفسه، ووجوبه بالغير، وإمكانه لذاته فيصدر عنه ~~بكل اعتبار أمر. فباعتبار وجوده يصدر عقل، وباعتبار وجوبه بالغير يصدر نفس، ~~وباعتبار إمكانه يصدر جسم، وهو الفلك الأول وهو فلك الأفلاك المشتمل على ~~جميع ما عداه من الأفلاك، وهو المسمى عند الحكماء بالفلك الأطلس، لأنه غير ~~مكوكب ويسمى بالعرش المجيد في لسان الشرع، وتحته فلك الثوابت وهو الكرسي، ~~ثم فلك زحل، ثم فلك المريخ، ثم فلك الشمس، ثم فلك الزهرة، ثم ms04 فلك عطارد، ثم ~~فلك القمر وهو سماء الدنيا، لأنه أقرب إلينا من سائر الأفلاك. ويصدر من ~~العقل الثاني، عقل ثالث، ونفس ثانية، وفلك ثان، وهكذا إلى العقل العاشر ~~الذي هو في مرتبة التاسع من الأفلاك، وهو فلك القمر، ويسمى العقل الفعال ~~المؤثر في هيولا العالم السفلي، المفيض للصور والأعراض على العناصر البسيطة ~~وعلى المركبات منها بسبب ما يحصل لها من الاستعدادات المسببة عن الحركات ~~الفلكية، والاتصالات الكوكبية، وأوضاعها، وأسند في تلك الاعتبارات الثلاثة ~~في كل فلك الأشرف إلى الأشرف، والأخس إلى الأخس، ولهم على ما يدعونه إمارات ~~ظنية، لم يكن عليها إثارة من علم الشريعة. # وقد جعل السيد الشريف قدس سره الأرواح تنقسم إلى ثلاثة: فقال في ~~تعريفاته: الروح الإنساني هو اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان الراكبة ~~على الروح الحيواني، نازل من عالم الأمر، تعجز العقول عن إدراكها كنهها، ~~وذلك الروح قد تكون مجردة، وقد تكون منطبعة في البدن والروح الحيواني جسم ~~لطيف منبعه تجويف القلب الإنساني، وينتشر بواسطة العروق الضوارب إلى سائر ~~أجزاء البدن، والروح الأعظم الذي هو الروح الإنساني مظهر الذات الإلهية من ~~حيث ربوبيتها، لذلك لا يمكن أن يحوم حولها حائم، ولا يروم وصلها رايم، ولا ~~يعلم كنهها إلا الله، ولا ينال هذه البغية سواه، وهو العقل الأول، والحقيقة ~~المحمدية، والنفس الواحدة، والحقيقة الإسمائية، وهو أول موجود خلقه الله ~~على صورته، وهو الخليفة الأكبر، وهو الجوهر النوراني جوهريته مظهر الذات، ~~نورانيته مظهر علمها ويسمى باعتبار الجوهرية نفسا واحدة وباعتبار النورانية ~~عقلا أولا، فكما أن له في العالم الكبير مظاهر وأسماء من العقل الأول ~~والقلم الأعلى والنور والنفس الكلية واللوح المحفوظ، وغير ذلك له في العالم ~~الصغير مظاهر وأسماء بحسب ظهوراته ومراتبه في اصطلاح أهل الله وغيرهم، وهي ~~السر والخفي والروح والقلب، والكلمة، والروح، والفؤاد، والصدر، والعقل، ~~والنفس وهذا ما عليه أهل الطريقة ومستندهم في أكثر ذلك هو الكشف. وذهب قوم ~~إلى أنه عرض لأنه لو كان جوهرا، والجواهر، والجواهر متساوية الأقدام في ~~الجوهرهية، للزم أن يكون للروح ms05 روح آخر وهو فاسد، وذلك لأن الأخبار الواردة ~~فيه من العروج والهبوط والتردد في البرزخ ينفي كونه عرضا، لأن العرض لا ~~يوصف بأوصاف، إذ الوصف معنى، والمعنى لا يقوم بالمعنى كما تقرر في موضعه ~~وما ذكره من اللازم الممنوع. # وذهبت طائفة إلى أنه جوهر، فرد متحيز فزعموا أنه خلاف الحياة القائمة ~~بالجسم الحيواني وأنه حامل للصفات المعنوية وهو فاسد أيضا لأن الجوهر الفرد ~~هو الجزء الذي لا يتجزأ لصغره لا كسرا ولا قطعا ولا هما ولا فرضا، وصدور ~~المعاني الخارقة للعقول عن مثل ذلك مستحيل. PageV01P003 ومنهم من ذهب إلى ~~أنه جسم لطيف في البدن، سار فيه سريان ماء الورد في الورد، والنار في ~~الفحم، قابل للزوال، عامل لصفات الكمال من العقل والفهم، وهو اختيار الإمام ~~يحيى، وحكاه الإمام المهدي في مقدمات البحر عن النظام وابن الأخشيد من ~~المعتزلة، وعليه اعتمد عامة المتكلمين من أهل السنة، وذهب إليه ابن الخطيب ~~ونقحه في تفسيره الكبير، فقال ما لفظه: قالوا لا يجوز أن يكون الإنسان ~~عبارة عن هذا الهيكل المحسوس، لأن أجزاءه أبدا في النمو والذبول، والزيادة ~~والنقصان، والاستكمال والذوبان، ولا شك أن الإنسان من حيث هو هو أمر باق من ~~أول عمره إلى آخره، والهيكل المحسوس غير باق، فالمشار إليه عند كل أحد ~~بقوله إنما وجب أن يكون مغايرا لهذا الهيكل. ثم اختلفوا عند ذلك في الذي ~~يشير إليه كل أحد بقوله: إنا وجب أن يكون مغايرا لهذا الهيكل ثم اختلفوا ~~عند ذلك في الذي يشير إليه كل أحد بقوله أنا أبشر هو، والأقوال كثيرة، إلا ~~أن أسدها تخليصا أنها أجزاء جسمانية سارية في هذا الهيكل سريان النار في ~~الفحم، والدهن في السمسم، وماء الورد في الورد. ثم المحققون منهم قالوا: إن ~~الأجسام التي هي باقية من أول العمر إلى آخره أجسام مخالفة بالماهية. ~~والحقيقة التي منها اتلفت هذا الهيكل وتلك الأجسام فيه مدركة لذاتها، فإذا ~~خالطت هذا الهيكل وتلك الأجسام فيه مدركة لذاها، فإذا خالطت هذا البدن ~~وصارت سارية في الهيكل ms06 سريان النار في الفحم، فصار هذا الهيكل أبدا في ~~الذوبان، والتحلل، إلا أن تلك الأجزاء بحالها وإنما لا يعرض لها التحلل، ~~لأنها مخالفة في الماهية بهذا الأجسام القابلة. فإذا فسد هذا القالب، ~~انفصلت تلك الأجسام اللطيفة النورانية إلى عالم السموات والعرش، إن كانت من ~~جملة الأشقياء كلامه. # وقال الإمام القرطبي في تذكرته: إن الروح جسم لطيف متشابك الأجسام ~~المحسوسة يجذب ويخرج وفي أكفانه يلف، وبه إلى السماء يعرج، لا يموت ولا ~~يفنى، وهو مما له أول وليس له آخر، هو بعينين ويدين وإنه ذو روح طيب وخبيث، ~~وهذه صفة الأجسام لا صفة الاعراض، وهذا غاية البيان ولا عطر بعد عروس. وقد ~~اختلف الناس في الروح اختلافا كثيرا، أصح ما قيل فيه، ما ذكرناه لك وهو ~~مذهب أهل السنة، إنه جسم، ثم قال: وكل من يقول عن الروح يموت ويفنى فهو ~~ملحد، وكذا من يقول بالتناسخ كلامه. PageV01P004 وذهب حجة الإسلام الغزالي ~~وغيره من المحققين، ولعله إن شاء الله أشبه بالصواب إلى أنه جوهر محدث قائم ~~بنفسه، غير متحيز، وأنه ليس داخل الجسم، ولا خارج عنه، وليس متصلا به، ولا ~~منفصلا عنه، وذلك لعدم التحيز الذي هو شرط الكون في الجهات. وتحقيق ذلك ~~يتوقف على إيراد ما ذكره في الرسالة اللدنية وإن وقع إطناب فهو مغتفر في ~~جنب ما تعرض له من نفائش الفوائد، فقال: اعلم أن الإنسان من شيئين مختلفين، ~~أحدهما: الجسم المظلم الكثيف الداخل تحت الكون والفساد وهو المركب الترابي ~~الذي لا يتم أمره إلا بغيره، والآخر: هو النفس وهو الجوهر الفرد المنير ~~الفاعل المحرك المتمم للآلات والأجسام، والله تعالى ركب الجسد من أجزاء ~~الغذاء ورباه بأجزاء الدماء، ومهد قاعدته وسوى أركانه، وعين أطرافه، وميز ~~قواه، وأظهر جوهر النفس من أمره الواحد الكامل المكمل المقيد، ولا أعني ~~بالنفس القوة الطالبة للغذاء ولا القوة المحركة للشهوة والغضب، ولا القوة ~~الساكنة في القلب المولدة للحياة المنفذة للحس والحركة من القلب إلى جميع ~~الأعضاء، فإن هذه القوة تسمى روحا حيوانيا والحس والحركة والشهوة ms07 والغضب من ~~جنده، وتلك القوة الطالبة للغذاء الساكنة في الكبد بالتصرف بالغذاء، يقال ~~لها روحا طبيعيا، والهضم والدفع من صفاتها، والقوة المصورة والمولدة ~~والنامية وباقي القوة المتصورة كلها خدام للنفس والجسد، والجسد خادم الروح ~~الحيواني لأنه يقبل القوى عنه، ويعمل بحسب تحريكه، وإنما أعني بالنفس، ذلك ~~الجوهر الكامل الفرد الذي ليس من شأنه إلا التذكر والتحفظ والتفكر والتمييز ~~والروية، ويقبل جميع العلوم، ولا يمل عن قبول الصور المجردة المعراة عن ~~المواد، وهذا الجوهر رئيس الأرواح وأمير القوى، والكل يخدمونه ويمتثلون ~~أمرهن والنفس أعني هذا الجوهر عند كل قول اسم خاص، فالحكماء يسمون هذا ~~الجوهر عند كل قول اسم خاص، فالحكماء يسمون هذا الجوهر النفس الناطقة، ~~والقرآن يسميه النفس المطمئنة والروح الأمري، والمتصوفة تسميه الروح، وتارة ~~تسمية القلب، والخلاف في الأسامي والمعنى واحد لا خلاف فيه، والروح عندنا ~~والمطمئنة كلها أسامي للنفس الناطقة، والنفس الناطقة هي الجوهر الحي الفعال ~~المدرك، وحيث ما نقول الروح المطلق، أو القلب، فإنما نعني به هذا الجوهر. ~~والمتصوفة يسمون هذا الروح الحيواني نفسا، والشرع ورد بذلك فقال: أعدي عدو ~~لك نفسك، وأطلق الشارع اسم النفس، بل أكدها بالإضافة فقال: نفسك التي بين ~~جنبيك، وإنما أشار بهذه اللطيفة إلى القوة الشهوانية والغضبية فإنهما ~~ينبعثان عن القلب الواقف الواقع بين الجندين، فإذا عرفت فرق الأسامي، فاعلم ~~أن القائلين يعبرون عن هذا الجوهر النفيس بعبارات مختلفة، ويرون فيها آراء ~~متفاوتة. # والمتكلمون المعروفون بعلم الجدل يعدون النفس جسما، ويقولون هو جسم لطيف، ~~بإزاء هذا الجسم الكثيف، ولا يرون الفرق بين الروح والجسد غلا باللطافة ~~والكثافة، وبعضهم يعد الروح عرضا، وبعض الأطباء يميل إلى هذا القول، وبعضهم ~~يرى الدم روحان وكلهم قنعوا بقصور نظرهم على تخيلهم وما طلبوا. PageV01P005 ~~القسم الثالث: فاعلم أنت أن القسمة ثلاث: الجسم، والعرض، والجوهر الفرد. ~~فالروح الحيواني جسم لطيف كأنه سراج مشتعل موضوع في زجاجة القلبن أعني ~~الشكل الصنوبري المعلق بالصدر والحياة هو ضوء السراج، والدم دهنه، والحس ~~والحركة نوره، والشهوة حرارته، والغضب دخانه، والقوة الطالبة للغذاء ms08 ~~الساكنة في الكبد خادمه وحارسه ووكيله. وهذا الروح يوجد عند جميع الحيوانات ~~لأنه مشترك بين البهائم وسائر الحيوانات. وهذا الروح لا يهتدي إلى العلم، ~~ولا يعرف طريق المصنوع، ولا حق الصانع، وإنما هو خادم أسير يموت بموت البدن ~~ولو يزيد دم الدهن ينطفي ذلك السراج بزيادة الحرارة أو ينقص ينطفي بزيادة ~~البرودة، وانطفاؤه سبب موت البدن وليس خطاب الباري سبحانه ولا تكليف الشارع ~~على هذا الروح، لأن البهائم وسائر الحيوانات غير مكلفين، ولا مخاطبين ~~بأحكام الشرع، والإنسان إنما يكلف ويخاطب لأجل معنى آخر وجد عنده زائدا، ~~خاصا وذلك المعنى هو النفس الناطقة والروح المطمئنة، وهذا الروح ليس بجسم ~~ولا عرض، ولا يقبل الفساد، ولا يضمحل ولا يفنى، ولا يموت، بل يفارق البدن ~~وينتظر العود إليه في يوم القيامة كما ورد به الشرع، وقد صح في العلوم ~~الحكمية بالبراهين القاطعة، والدلائل الواضحة الساطعة، أن الروح الناطق ليس ~~بجسم، ولا عرض بل هو جوهر ثابت دائم غير فاسد، ونحن نستغني عن تكرير ~~البرهان وتعديد الدلائل لأنها مفروغة مذكورة. ومن أراد تصحيحها فليرجع إلى ~~الكتب اللائقة بذلك الفن. فأما في طريقتنا، فلا نبالي بالبرهان، فالمعول ~~على العيان، ونعتمد على رؤية الإيمان. ثم أورد حجة الإسلام بعض الأدلة ~~والحجج وساق على هذا النمط العجيب حتى قال: وإذا كان الروح من أمر الباري ~~سبحانه فيكون في البدن كالغريب، ويكون وجهه إلى أصله، وإنما يقبل على البدن ~~رعاية لصلاحه، لا لضرورة ذاته، وإذا كان وجهه إلى أصله ينال الفوائد من ~~جانب الأصل أكثر ما ينال من جهة الشخص، إذ هو قوي ولم يتدنس بأدناس ~~الطبيعة، وإذا علمت أن الروح جوهر فرد، وعلمت أن الجسم لا بد له من المكان، ~~والعرض لا يبقى إلا بالجوهر، فاعلم أن الجوهر لا يحل بمحل، ولا يسكن بمكان، ~~وليس البدن مكان الروح، ومركب النفس، والروح بذاته غير متصل بأجزاء البدن، ~~ولا منفصل بل هو مقبل على البدن ومقيد له، ومفيض عليه. ما أردت نقله من ~~كلامه رحمه الله وقد تعقب من ms09 وجهين: أحدهما أن قوله غير داخل في الجسم ولا ~~خارج عنه، ولا متصل ولا منفصل، يلزم منه خلو الشيء عن الشيء وضده، وأجيب إن ~~الشيء يجوز أن يخلو عن الضدين إذا كان كل واحد منهما مشروطا بشرط فإنه إذا ~~انعدم الشرط، عدم المشروط لا محالة كما يقال في الجماد إنه لا عالم ولا ~~جاهل، لأن الشرط المصحح لقيام العلم أو ضده في لجسم هو الحياة، وقد انتفت ~~في الجماد فكذلك شرط الدخول والخروج، والاتصال والانفصال، هو التحيز وإذا ~~لم يكن الجوهر متحيزا لا يتصف بشيء من ذلك. PageV01P006 ثانيهما: لزوم ~~التناقض بأنه جعله من عالم الأمر لا من عالم الخلق محتجا بقوله تعالى (قل ~~الروح من أمر ربي) وإذا لم يكن مخلوقا، لم يكن محدثا، وقد قال إنه جوهر ~~محدث، وأجيب: إن مراده ليس نفي كونه مخلوقا بل اصطلح على تسمية كل ما صدر ~~عن الله تعالى بلا واسطة غير الأمر العزيز بعالم الأمر وعلى تسمية كل ما ~~صدر عنه تعالى عن سبب متقدم من غير خطابه بالأمر الذي هو الكلمة بعالم ~~الخلق، قال الله تعالى (ألا له الخلق والأمر) فإذا لا مشاححة في ذلك ثم إن ~~الدليل العقلي في كونه جوهرا قائم وذلك أنه قد علم مما مر أن الإنسان يباين ~~سائر الحيوانات، بمعنى زائد على الحيوانية يكون به إدراك المعاني الكلية ~~المجردة عن المادة، وبه سميت النفس الناطقة، أي المدركة من غير تعلم ولا ~~طلب بل يجدها الإنسان حاصلة في ذهنه، ومعلوم له منذ أول نشوئه، وكأنها ~~مولودة معه ولا يدري مع ذلك كيف حصلت ولا من أين حصلت، وذلك مثل أن ~~النقيضين لا يجمتعان والكل أعظم من جزئه ونحوهما، ولا بد لهذه المعاني من ~~حامل لها، فإما أن يكون جسما أو عرضا أو شيئا ليس بجسم ولا عرض، ومحال كونه ~~عرضا إذا العرض لا يحمل شيئا ومحال أيضا أن يكون جسما، لأن الجسم منقسم ~~والمعاني الكلية غير منقسمة أصلا، إذ لو انقسمت لم تخل أن تكون لأجزائها ~~كلها ms10 معنا أولا، ومحال أيضا أن يكون للكل معنى غير موجود في شيء من ~~الأجزاء، أو يقول قائل: إن ذلك المعنى يكون للكل عند إجتماع الأجزاء بعد أن ~~لم يكن لها فليس إذ المعنى الموجود منقسم ولا هو لا حق للأجزاء عند ~~اجتماعها والله أعلم. # وظاهر عبارة الشيخ شهاب الدين في (عورف المعارف) مائل إلى هذا المذهب ~~ولفظه بعد أن ألم بشيء مما ذكره حجة الإسلام أن الروح الإنساني العلوي لما ~~ورد على هذا الروح الحيواني باين أرواح الحيوانات واكتسب صفة أخرى، فصارت ~~نفسا محلا للنطق والإلهام. PageV01P007 قال الله تعالى: (ونفس وما سواها ~~فألهمها فجورها وتقواها) فتسويتها بورود الروح الإنساني عليها، واقتطاعها ~~من جنس أرواح الحيوانات وتكونت النفس بتكوين الله من الروح العلوي وصار ~~تكون النفس التي هي الروح الحيواني من الآدمي من الروح العلوي في عالم ~~الأمر، كتكوين جواء من آدم في عالم الخلق إذ صار بينهما من التألف والتعاشق ~~كما بين آدم وحواء، وصار كل واحد منهما يذوق الموت بمفارقة صاحبه. قال الله ~~تعالى: (وجعل منها زوجها ليسكن إليها) فسكن آدم إلى حواء وسكن الروح ~~الحيواني الإنساني العلوي إلى الروح الحيواني وصيره نفسا وتكون من سكون ~~الروح إلى النفس القلب وأعني بهذا القلب، اللطيفة التي محلها المضغة ~~اللحمية من عالم الخلق، وهذه اللطيفة من عالم الأمر وكان تكون القلب من ~~الروح والنفس في عالم الأمر، كتكون الذرية من أدم وحواء في عالم الخلق، ~~ولولا المساكنة بين الزوجين اللذين أحدهما النفس ما تكون القلب، فمن القلوب ~~قلب متطلع إلى الأب الذي هو الروح العلوي ميال إليه وهو القلب المؤيد الذي ~~ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما رواه حذيفة قال: القلوب أربعة: ~~قلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن،، وقلب أسود منكوس فذلك قلب ~~الكافر، وقلب مربوط على غلافه فذلك قلب المنافق، وقلب مصفح فيه إيمان ونفاق ~~فمثل الإيمان فيه مثل البقلة يمدها الماء الطيب ومثل النفاق كمثل القرحة ~~يمدها القيح الصديد، فأي المادتين غلبت عليه حكم ms11 له بها، والقلب المنكوس ~~ميال إلى الأم التي هي النفس الأمارة بالسوء، ومن القلوب، قلب متردد من ~~ميله إليهما ويحسب ماجا القلب يكون حكمه من السعادة أو الشقاوة، والعقل ~~جوهر الروح العلوي ولسانه والدال عليه وتدبيره للقلب المؤيد والنفس ~~المطمئنة، تدبير الوالد للولد البار، والزوجة الصالحة، وتدبيره للقلب ~~المنكوس تدربير الوالد للولد العاق، والزوجة السيئة الخلق، فالروح العلوي ~~يهم بالارتقاء إلى مولاه شوقا وحلوا وتنزها عن الأكوان التي منها القلب ~~والنفس. فإذا التقى الروح يحنو القلب إليه حنو الولد الحسن البار إلى ~~الوالد، وتحنو النفس إلى القلب الذي هو الولد حنو الوالدة الحنية إلى ~~ولدها، وإذا حنت النفس ارتقت من الأرض وانزوت عروقها الضاربة في العالم ~~السفلي وانطوى هواها وانحسمت مادته، وزهدت في الدنيا، وتجافت عن دار ~~الغرور، وأنابت إلى دار الخلود، وقد تخلد النفس التي هي الأم إلى الأرض ~~بوضعها الجبلي لكونها من الروح الحيواني المحبس ومستندها في كونها إلى ~~الطبايع التي هي أركان العالم السفلي. # قال تعالى: (ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه) فإذا ~~سكنت النفس التي هي الأم إلى الأرض انجذب إليها القلب المنكوس انجذاب الولد ~~الميال إلى الوالدة المعوج الناقصة، وينجذب الروح إلى الولد الذي هو القلب ~~بما حمل عليه انجذاب الوالد إلى والده، فعند ذلك يتخلف عن حقيقة القيام بحق ~~مولاه وفي هذين الانجذابين تظهر حكم السعادة والشقاوة، ذلك تقدير العزيز ~~العليم، كلامه قدس روحه. # وقد وصف الله عزوجل النفس في كتابه العزيز بثلاثة أوصاف: الأمارة وهي ~~التي تميل إلى الطبيعة البدنية تأمر باللذات والشهوات الحسية وتجذب القلب ~~إلى الجهة السفلية فهي مأوى الشرور ومنبع الأخلاق الذميمة. واللوامة: وهي ~~التي تنورت بنور القلب قدر ما تنبهت به من سنة الغفلة كل ما صدرت منها سنة ~~بحكم جبلتها الطمأنينة أخذت تلوم نفسها وتنوب عنها. والمطمئنة: وهي التي ~~يمر تنورها بنور القلب حتى انخلعت عن صفاتها الذميمة وتخلقت بالأخلاق ~~الحميدة. # الفصل الثالث # في بقائها بعد الموت وتجردها مستقلة # وما في ذلك من الخلاف ms12 # زعمت طائفة أن لا وجود للنفس بعد الموت، ولا للبدن، وهؤلاء هم الملحدة ~~وليس لهم على ما يدعون برهان متبع، ولا قول مستمع، غلا ما نقلوه عن ابن ~~عباس أنه سئل فقيل له: أين تذهب الأرواح عند مفارقة الأبدان؟ فقال: أين ~~يذهب ضوء المصباح عند فني الأدهان؟ قيل له: فأين تذهب الجسوم إذا بليت؟ ~~قال: أين يذهب لحمها إذا مرضت؟ وفي إقامة البراهين القاطعة على صحة ما ذهب ~~إليه طوائف المسلمين بيان لفساد دعواه؟ وذهب الجمهور إلى أنها باقية وأن ~~موتها عبارة عن انتقالها من الجسد إلى عالم الملكوت. PageV01P008 قال ~~الإمام المهدي أحمد بن يحيى عليه السلام في كتابه (غايات الأفكار) ويدل على ~~هذا القول ظاهر سمعية كثيرة، وأن النفوس تخرج بالموت وأنها مقبوضة وأنه ~~يصعد أو يهبط بها، قال تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء) وأخباره صلى الله عليه وسلم وآله وسلم أن أرواح الشهداء في أجواف ~~طيور خضر تأوي إلى سدرة المنتهى. وقوله صلى الله عليه وسلم في ما أخرجه ~~الشريف السيلقي: رفرف روحه فوق النعش وهو ينادي: يا أهلي ويا ولدي. وقوله ~~صلى الله عليه وسلم يوم بدر في أهل ليب: ما أنتم بأسمع منهم. قال عليه ~~السلام وهكذا الصور الموجودة من الأنبياء ليلة المعراج، لكن قال هل ملك ~~الموت يقبض تلك الجملة حية أم ميتة ويحتمل والأقرب الأول ومن الأدلة ~~القرآنية قوله تعالى: (ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك) الآية، وقوله ~~تعالى: (كل نفس ذائقة الموت) والذائق لا بد أن يبقى بعد المذق. وقوله ~~تعالى: (كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق) الآية وهو نص في بقاء الأرواح ~~وشوقها إلى الله يومئذ.وقوله تعالى: (فلولا إذا بلغت الحلقوم) وقوله تعالى: ~~(يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي) والقول لا يصح إلا من حي. ومن السنة ~~النبوية ما جاء من أنه إذا ورد على الأموات ميت من الأحياء التقوا وتحدثوا ~~وتساءلوا وأن الله تعالى وكل بها ملائكة تعرض عليها أعمال الأحياء حتى ms13 ~~عرضوا على الأموات ما يعاقب به الأحياء في الدنيا من أجل الذنوب كان عذرا ~~لله ظاهرا عند الأموات فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله تعالى. وفي ~~الخبر عنه صلى الله عليه وآله تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس على الله ~~وعلى الأنبياء والآباء والأمهات، ويوم الجمعة فيفرحون بحسناتهم وتزداد ~~وجوههم وتشرف به فاتقوا الله ولا تؤذوا موتاكم. وفي خبر آخر إن أعمالكم ~~تعرض على عشائركم وأقاربكم من الموتى فإن كان حسنا استبشروا به، وإن كان ~~غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا. # قال بدر الدين الزركشي في (تشنيف السامع) وقد دل من جهة العقل أن النفس ~~بمثابة الساكن في دار، وإذا خرجت الدار لم يلزم موت الساكن فيها وهذا معلوم ~~بالضرورة وإنما جاءت الشبهة من الاعتقاد أنها سارية في البدن، فسبق حينئذ ~~الوهم إلى موتها بموت البدن. ونحن نقول: إنما هي جوهر مجرد ليس بينها وبين ~~الجسد مناسبة إلا من جهة الخير وذلك لا يقتضي عدم الجوهر ولا تغير حاله، ~~ولأنها لو ماتت بموت البدن لضعفت بضعفه واختلت باختلاله، واللازم منتف ~~والملزوم مثله ولم يخالف فيه إلا الفلاسفة بناء على إنكارهم المعاد ~~الجسماني، ومن اعترف بالمعاد لزمه القول ببقاء النفس. # قال الإمام في (المعالم): وطريقنا فيه إطباق الأنبياء عليه ونجري معهم ~~بالإقناعات العقلية، فإن عندهم الرياضة الشديدة تلوح للنفس الأنوار وينكشف ~~لهم بالعيان مع أنه يضعف البدن جدا، وكل ما كان ضعف البدن أكد كانت قوة ~~النفس أكمل فوجب عقلا بقاؤها بعد فناء البدن انتهى. # قلت: وإلى ذلك أشار البختي بقوله: # مااستقامت قنات رأيي إلا ... بعد أن قوس المشيب قناتي # ومن الأدلة العقلية أيضا على قيام النفس بذاتها، أنها تنتقل من تصور صورة ~~ما معقولة إلى أخرى، فلا يخلو فيه أن يكون ذلك للنفس أو للجسم أو لهما ~~جميعا، ولا يجوز أن يكون ذلك للجسم لأن الصورة إذا حلت في الجسم انفعل ~~بحلولها فيه وقد بين أن الجسم بذاته لا يلبس صورة ويخلع أخرى، إذ الشيء ms14 ~~الواحد لا يكون فاعلا ومنفعلا في حال واحد، ولا اتصاله أيضا بالشركة مع ~~غيره لتلك العلة، فإذا بقي القسم الثالث وهو أنه فعل للنفس فقط، فإذا كانت ~~النفس تستغني في إدراك مدركاتها عن الجسد فهي إذا قائمة بذاتها والله أعلم. ~~PageV01P009 ويبقى الكلام: في كون الأرواح هل هي مخلوقة قبل الأجسام أم ~~مقارنة لاستعداد محلها بالقبول، فالذي ذهب إليه حجة الإسلام الغزالي وبعض ~~المتكلمين أنها حادثة مع الجسد واحتجوا بدليل عقلي وهو أنه لو كانت النفس ~~قبل الجسد لكانت أما واحدة أو متكثرة ومحال كثرتها، إذ الكثرة مفتقرة إلى ~~تغاير، وإذا فرضت النفس مجردة قبل الجسد فلا عوارض لتغاريرها، ومحال أيضا ~~أن تكون واحدة فهي متصلة بأبدان كثيرة، إذ الاتصال والانفصال من صفات سمات ~~المقادير وقد بطل كونها جسما وثبت كونها جوهرا مجردا بالدلائل السابقة، ~~ولأنه يلزم أيضا أن تكون معلومات الأشخاص الإنسانية واحدة لأن النفس التي ~~يحصل بها العلوم واحدة وليس كذلك، لعلمنا ضرورة أن ما يعلمه زيد يجوز أن ~~يجهله عمرو مثلا، فهي إذا حادثة مع الجسد عند اعتداله من واحب الصور ويمكن ~~أن يجاب عنه أنا نختار كونها متكثرة بخلق الله عزوجل ولا محذور في افتقارها ~~إلى التغاير، قولكم: وإذا فرضت النفس مجردة قبل الجسد فلا عوارض لتغايرها ~~ممنوع وسنده أنه لم لا تكون متغايرة بعوارض أيسرها أن هذه غير تلك ولا يقدح ~~في تجرها إذ المراد به التجرد عن تلبسها بالهيكل الكثيف لا عدم التعلق به ~~تعلق التدبير وإلا لم يصح تسميتها مجردة بعد التعلق وهو خلاف المطلوب، ~~ونقيض ما صرحوا به في تعليقها، وذهب آخرون إلى تقدم الأرواح على الأجسام ~~واحتجوا بالظواهر السمعية منها قوله تعالى (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ~~ظهورهم ذرياتهم) الآية. # قال في (جامع البيان(: اعلم أن الأحاديث الصحاح دالة على أن الله تعالى ~~استخرج ذرية آدم من صلبه وميز بين أهل الجنة والنار، وأما الإشهاد عليهم ~~هنالك بأنه ربهم، ففي حديثين موقوفين على ابن عباس وابن عمر رضي الله ~~عنهما، ms15 كما حققه الثقات من المحدثين ووافقهما أكثر السلف كأبي بن كعب ~~ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والسدي وغيرهم انتهى. # والخطاب بقوله تعالى: (ألست بربكم) ليس إلا لموجود والأصل الحقيقة ~~والعدول إلى غيرها مفتقر إلى دليل، كيف والدليل قائم على الأصل، ومنها قوله ~~صلى الله عليه وسلم: إن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام، وقوله صلى ~~الله عليه وسلم: (أنا أول الأنبياء وآخرهم بعثا). وقوله صلى الله عليه ~~وسلم: (كنت نبيا وآدم بين الماء والطين)، وفي رواية (وآدم منحل في طينته) ~~وقوله صلى الله عليه وسلم: (الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما ~~تناكر منها اختلف). وفي الباب أحاديث وآثار قاضية بهذا المعنى فلا تعويل ~~على غيره. وأما الاعتضاد بدليل عقلي، فالحق ما ذكره بعض المحققين أن وجود ~~النفس قبل البدن لم يحصل بذلك برهان عقلي، إلا أن سببها موجود قبل البدن ~~وهي أشرف من البدن، فيكون وجودها قبل البدن وهي المخاطبة بالأمر والنهي وهي ~~عالمة بجميع المعقولات بالقوة وتستفيض المعاني وتفيضها بمجرد الصفاء ~~واللطافة لكن لما تسربلت بسربال الجثمان، وانحصرت في حيز البشر، واحتجبت ~~بحجب الحواس، تعذر عليها استفاضتها إلا بالسمع، وإضافتها إلا بالقول، فجعل ~~الله سآيات السمع والقول في البدن لئلا تنقطع مواد العلم من حول النفوس، ~~فيعبر العالم بلسانه عن المعاني المعلومة في نفسه للمتعلم المستمع، فتلج ~~العبارة في أذنه، فيتصل عالمها ونظمها بالفكرة وصورتها بالحافظة ومعانيها ~~المجردة عن الموارد بالنفس حتى قال: ثم إن غالب النفوس ما دامت في هيكلها ~~البشري لا يقدر على حفظ جميع ما يلقى إليها من القول، ولا ما تنتجه من ~~بيانه فكرها، فألهمها الله صفة الكتابة ليكون لها عونا في حفظ ما تريد ~~حفظه، وليكن ذخيرة للأخلاق من الأسلاف وينتقل العلم من قرن إلى قرن ومن أهل ~~إلى أهل إلى أن يقضي الله أمرا هو فاعله. فكلما حصلت من العلوم حملتها ~~أشكال الحروف وقيدتها بالكتابة في بطون الدفاتر، لأن الحروف أشكال وأمثلة ~~وحقائق، فأشكالها هو المرقوم المدرك بالبصر، وأمثلتها ms16 هو القول المدرك ~~بالسمع وحقائقها هو صورة مجردة عن تلك الأمثلة، والأشكال مخزونة في الحافظة ~~والذاكرة، تصورها فتعين لكل حرف صورة تخصها، والأشكال والأمثلة حكاية تلك ~~الصورة الروحانية لاعينها، انتهى كلامه. وإن تعدا سياق البحث فلا يخلو عن ~~إفادة ولبعض علماء الطريقة في هذا المقام نفس طويل، اقتصرنا منه على ما ~~نصه: PageV01P010 اعلم بأن كل روح من الأرواح الإنسانية قبل التعلق ~~بالأجساد كان من المقربين في حضرة رب العباد، لا يزال الرب يسقيه بكاسات ~~الشراب السلسبيلي شرابا طهورا، ويملأ صدره بالمزاج الزنجبيلي لذة وسرورا ~~على أيدي سواقي أسمائه وصفاته في مجلس الحضرة الإلهية وذاته فطورا يسكره ~~شراب تجليات الجمال وطورا يطربه حسن النغمات، ألست بربكم المتعال، فمرة ~~يصبح في مشاهدة جمال الذات هائما، وأخرى يمسي لحق جواب الله قائما سالما عن ~~الأتراح بذي سلم السلامة والأفراح مزدحما في جيرانه من الأرواح، مجتنيا ~~ثمار روضة الوصال، ناظرا إلى نضارة رياحين الكمال، ومتشمما شمائم أزهار ~~الحدائق، ومتنسما نسائم أنوار الدقائق، مستطلعا طوالع شوارق الهداية ~~ومستلمعا لوامع بوارق العناية، ولما ورد الأمر الإلهي بالهبوط عن تلك ~~الحضرة العليا إلى محل طوارق الآفات والبلايا ما كان يرضي بمفارقة الوطن ~~المألوف، وما كان يتحمل مباعدة المشغوف وكان يقول لجيرانه: # أحن وما فارقتكم غير ليلة ... فكيف إذا سار المطي بنا شهرا # نعم إذا كان الشخص في وطنه مرفه الحال، وفي منزله فارغ البال، لا يميل ~~إلى المسافرة، ولا يرضى بمقاساة الشدايد والمجاهدة، سيما إذا كان ما إليه ~~السفر فاسد الهوى غير عذب الماء إلى غير ذلك من موجبات النفرة وأسباب ~~الدهشة، فأطلعه الله على بعض حكم هذا السفر الشاسع، وألهمه أسرار قطع ذوي ~~هو لرسالة المراسي واسع، ثم نبأه عن سر المعية بقوله وهو معكم أينما كنتم، ~~وأزال عنه توهم المفارقة بإشارة فأينما تولوا فثم وجه الله ومع هذا وهو ~~متوحش عن مفارقة الوطن كارها وصاله إلى بلقع البدن كما أخبر عنه الرئيس ~~بقوله: # هبطت إليك من المحل الأرفع ... ورقاء ذات تعزز وتمنع # محجوبة عن كل ms17 مقلة عارف ... وهي التي سفرت ولم تتبرقع # وصلت على كره إليك وربما ... كرهت فراقك وهي ذات تفجع # وهاهنا نمسك عنان القلم لما أردنا من تقديمه ونعود إلى المقصود المرجو من ~~فضل اله سبحانه حسن تفهمه وتفهيمه فنقول: قال المولى العلامة بل الله بوابل ~~الرضوان زمامه: # هديه وافت إلى صنعاء اليمن ... تخص أرباب العلوم والفطن # الهدية في اللغة ما يتحف به جمعها هدايا، ووافت: وافت من الموافاة بمعنى ~~الوصول، وصنعاء اليمن: مدينة معروفة والإضافة فيها من إضافة العلم إلى صفته ~~معنى مع بقاء تعريفه كما اختاره نجم الأئمة إذ لا منع من اجتماع تعريفين، ~~العلمية والإضافة، كما اجتمعا في نداء الأعلام ووصفها باليمن للتوضيح إن لم ~~يكن موجودا إلا هي كما في مضر الحمراء، وإنما الشاء، وزيد الخيل أو للتخصيص ~~إذا شاركها غيرها كما قيل إن ثمة بلدة في أرض الشام تسمى صنعاء وجاز ~~الإبتداء بالنكرة هنا لحصول الفائدة التي هي مناط الجواز، كما ذهب غليه ~~المحققون من النجاة، كقولهم: كوكب انقضت ساعة والجملة من قوله وافت خبرها. ~~ويجوز أن تكون هدية خبر. # لمبتدأ محذوف أي هذه هدية والجملة صفة، وقوله تخص يحتمل أن يكون حالا من ~~ضمير الفاعل في وافت أو صفة أخرى لهدية، وأرباب العلوم: الذين لهم اختصاص ~~وملابسة لها حتى كأنها ملك لهم يتصرفون فيها كتصرف المالك بملكه وهي مبني ~~على جواز إطلاق الرب على غير الله تعالى مع تقيده بالمضاف وفي القاموس: رب ~~كل شيء مالكه ومستحقه أو صاحبه. # والفطن: جمع فطنة بالكسر وهي الحذق. # وتصطفي من بينهم فلانا ... لا زال في عين العلى إنسانا # تصطفي: مأخوذ من الصفو وهو الخير، معطوف على تخص بكلا واجهية، وفلانا: من ~~أسماء الكنايات عن الأناسي، وكذا فلانة يستعمل فيها مجرا عن آلة التعريف ~~وبهما كناية عن البهائم، يقال: ركبت الفلان، وحلبت الفلانة، وقوله لا زال ~~إلى آخره جملة دعائية لا محل لها من الإعراب: # ترفل في مطارف الحسناء ... قد قلدت منطقة الجوزاء PageV01P011 ترفل: ~~مضارع رف، كنصر وفرح، وأرفل: جر ذيله ms18 وتبختر، وامرأة رفلة، كفرحة تجر ذيلها ~~جرا حسنا، كذا في القاموس، ومطارف: جمع مطرف وهو رداء من خز مربع ذو أعلام، ~~ومنطقة الجوزاء: نجوم صغار حول الجوزاء يقال لها نطاق الجوزاء، والمنطقة ~~كمكنسة وما يتنطق به. قال في النهاية هو أن تلبس المرأة ثوبها ثم تشد وسطها ~~بشيء وترفع وسط ثوبها وترسله على الأسفل إذ معانات الأشغال لئلا يكثر في ~~ذيلها: # يزعجها الشوق إلى ذاك الحمى ... شوق أخي الوجد إلى رشف اللماء # زعجه: كمنعه أقلعه من مكانه، كأزعجه والزعج محركة القلق كذا في القاموس، ~~والوجد: أحد مراتب الحب. قال في (النهاية) وجدت بفلانة وجدا إذا أحببتها ~~حبا شديدا يعني أن الوجد أقلقها إلى اشتياق موافات ذلك الحمى وهو صنعاء ~~كاشتياق المحب أخي الوجد إلى رشف لما محبوبه، واللماء: مقصور سمرة الشفتين: # تطلب للرقة من فؤادها ... تحرير حكم الرق من مدادها # الرقة: مأخوذة من الرق وهو الضعف، ومنه رقة القلب كذا في التعريفات، ~~ويطلق الرق على المملوك والكاغد، والتحرير: الاعتاق ويطلق على المصدر من ~~الكتابة أيضا ومعناه ظاهر أن الهدية في موافاتها لذلك الحمى طالبة لأجل رقة ~~فؤادها الذي هو عبارة عن صفاقة كاغدها تحرير حكم الرق الذي يكتب فيه من ~~ودادها، والمراد كتابة جوابها ويحتمل البيت أيضا أنها في حال اشتياقها إلى ~~ذلك الحمى عانية في رق العبودية، فهي لأجل رقة اشتياقها إلى ذلك الحمى ~~عانية في رق العبودية، فهي لأجل رقة فؤادها تطلب الإعتاق لحكم الرق في ~~ودادها الذي هو كناية عن العبودية. ومن في قوله من فؤادها للبيان، ومن ~~الثانية متعلقة بتحرير، والمعنى في هذا الوجه على التشبيه كان المعنى ~~المطلوب محبوس في سجن الألفاظ، مقيد بقيود الكتابة، فهي تطلب لأجل رقته ~~تخليصه من ذلك الأسر، وتحريره من حكم الرق بإيضاح معناه وبيان مغزاه: # فإن خلت من صفحة الرقيم ... فقد سرت شوقا مع النسيم # الرقيم: فعيل بمعنى مفعول، يعني إذا تجردت عن صفحة الرقيم أي جانبه وهو ~~على المعنى الأول في البيت الذي قبله خلوها عن تحرير رقها ms19 وفقدها لما طلبته ~~من تحرير جوازها، وإنها مع ذلك قد سرت مع النسيم شوقا إلى تحصيل مرامها ~~وشفاء أوامها، وعلى المعنى الثاني إنها إذا انخلصت من ذلك الوثاق وانفصلت ~~عن قود الاسترقاق، فقد ظفرت من ذلك الوثاق وانفصلت عن قود الاسترقاق، فقد ~~ظفرت بمطلبها، وعثرت على مأربها، وقد سرت من فرط الاشتياق والارتياح مع ~~نسيم الأرواح. # واعلم أن الناظم قدس الله روحه وتابع عليه فتوحه قد أشار في ديباجة ~~الأبيات إلى المراد من السؤال وهو على طريق براعة الإستهلال، وأتى بما يؤذن ~~بالمقصود منها على نهج التوجيه والإجمال، وذلك أن قوله هدية وافت يصح أن ~~يراد بها النفس الناطقة التي هي الروح الإنساني على طريقة الإستعارة ~~المصرحة أو التشبيه البليغ، ومعنى موافاتها إلى أرباب العلوم، توجهها إليهم ~~لكشف جلباب إبهامها وإزالة ما أشكل من إعجامها، ثم عدد أوصافا على طريقة ~~التجريد بما يناسب المشبه هو قوله: ترفل إلى آخره، فإنها لتعلقها بالبدن أو ~~امتزاجها به على رأي البعض، يصح أن توصف بالرفول في مطارف الحسناء والتقلد ~~باللآلىء التي هي كمناطق الجوزاء، وقوله: يزعجها الشوق إلى آخره، معنى ~~بطريق الإشارة وإن لم يدل عليه صريح العبارة أن الله تعالى لما خلقها قبل ~~الأجساد بألفي عام كما وردت به الأخبار وأسكنها حظيرة قدسه وحكاها بلطائف ~~أنسه حتى إذا شاء الله عزوجل أمضى ما سبق في علمه الشامل في اتصالها بمعالم ~~الأبدان، وتحليلها بحلية الجثمان وفارقه وطنها الأصلي ومعهدها الأولي، ~~اشتقات إلى الرجوع إليه، واشتد ولعها بالحنين إليه والنزوع إلى الأوطان ~~جبلة ثابتة بطبع الإنسان، قال ابن الرومي: # وجب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب هنالك # إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبا فيها فحنوا لذلك PageV01P012 ~~وقوله: تطلب للرقة إلى آخره، معناه لما اتصلت بالجسم صارت أسيرة في وثاقه ~~فهي تطلب تحريرها وفكها من قيود استرقاقه، وقوله: فإن خلت إلى آخره الضمير ~~للنفس على جعلها كالكلمات المنقشة على صفحات الأوراق وهو اصطلاح متعارف بين ~~أول الأذواق. # قال السيد الشريف في تعريفاته: إنها سميت الأعيان ms20 كلمات تشبيها بالكلمات ~~اللفظية الواقعة على النفس الإنساني بحسب الخارج، وأيضا كما تدل الكلمات ~~على المعاني العقلية، كذلك تدل أعيان الموجودات على موجدها وأسمائه وصفاته ~~وجميع كمالاته الثابتة له بحسب ذاته ومراتبه، وأيا كل منها موجود بكلمة كن، ~~فإطلاق الكلمة عليها إطلاق إسم السبب على المسبب انتهى. # وقد يعبر عن الحقائق البسيطة بالحروف أيضا عند مشايخ الصوفية، وجعلها بعض ~~متكلميهم ثمانية أنواع، فقال: اعلم أن الحروف على ثمانية أطوار، حروف ~~حقيقية وهي أعيان الأسماء والصفات، قلت وهي التي ذكرها صاحب التعريفات ~~وحروف عاليات وهي ذوات معلومات العلم الإلهي المعبر عنها بالأعيان الثابتات ~~بالعلم الإلهي، قلت وهي التي أشار إليها بعضهم بقوله: # كنا حروف عاليات لم نقل ... متعلقات في ذرا أعلا القلل # وحروف روحية وهي الأرواح النورية التي أخبر الله بها هذا الوجود كما أظهر ~~الكلمات بالحروف الملفوظة، وحروف صورية، وهي جوانح هذا العلم العلوي وجوارح ~~الإنسان بالحكم الجزئي، وحروف معنوية وهي حركات الأشياء وسكناتها، ينشا ~~منها حروف تتركب من تلك الحروف كلمات مناسبة لحال ذلك المتحرك كالإنسان في ~~حال قيامه، يتركب منه صورة ألف وفي حال منامه صورة الباء، إلى غير ذلك حتى ~~أنه يتصرف صاحب هذا العلم بحركات جسمية كما يتصرف بالحروف إن كان عارفا ~~بكيفية التصرف بها، وحروف حسية، وهي ما شوهد رقما وكتابة، وحروف لفظية وهي ~~تتشكل في الهوى من قرع الريح الخارجة من الحلق على مخارج الحروف # فللنسيم معها اتصال ... ليس لها عن روضها انفصال # قد عرفت مما ذكر آنفا إشارة الناظم قدس سره في صدر السؤال إلى المقصود ~~منه في ظن براعة الاستهلال، وإن كان ظاهر السياق في تعديد أوصاف الهدية إلى ~~قوله: ما إسم سمي إلى آخره ونحن نمشي على طريقة توضيح المعنى المقصود من ~~النظم فنقول: الفاء في قوله فللنسيم، للتفريع على السابق من قوله: فقد سرت ~~إلى آخره، يعني لما شابهت النسيم في سرعة مسراها كان لها بها اتصال ومناسبة ~~حال تعلقها بالبدن، كما يقود إليه المعنى، وذلك أن النفس التي يعبر ms21 عنها ~~بالروح الحيواني من لازمه التنفس وهو استنشاق الهواء إلى الجوف بواسطة ~~الرئة الممدة للقلب بالترويح، ومنه الحديث (لا تسبوا الريح فإنها من نفس ~~الرحمن) يريد أنها تفرج الكرب وتشىء السحاب، وتنشر الغيث، وتذهب الجدب، ~~وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن)قال في ~~النهاية: عنى به الأنصار لأن الله نفس بهم الكرب عن المؤمنين وهم ثمانون ~~لأنهم من الأزد وهو مستعار من نفس الهوى الذي يرده التنفس إلى الجوف فيبرده ~~من حرارته أو يعدله أو من نفس الريح الذي نتنسمه فيتروح إليه أو من الروضة ~~وهو طيب روائحها فينقرج به عنه انتهى. # وأيضا فالروح والروح مرجعهما في (الاشتقاق) إلى مادة قال في القاموس: ~~الروح بالضم ما به حياة الأنفس وبالفتح الراحة والرحمة ونسيم الريح جمعه ~~أرواح وأرياح ورياح. # وهاهنا أمر ينبغي معرفته وهو أنه سبق لك مرارا أن المراد من الأبيات ~~النفس الناطقة، ولكن الناظم قدس سره نزل الوصف تارة على الروح الإنسانية ~~وأخرى على الروح الحيوانية كما في هذا البيت ولا حرج في ذلك بعد فهم المراد ~~إذ مرجعهما جملة الإنسان: # كم مرة قد استمدت عرفها ... وخلفت زهر الرياض خلفها # يعني أن النسيم لما بينها وبين النفس من المناسبة والاتصال حتى صار سببا ~~لبقائها في البدن باستنشاقها لم تزل تحمل إلى أهل الذوق والمحبة من أسرارها ~~أطايب التحف، ونفائس الطرف، فهي تستمد من عرفها العبق مجاوزة زهر الرياض، ~~وإن كان ذا منظر أنق. وقد أكثر الشعراء من وصف الريح بترويح المشوق ~~وتنفيسها عل كل قلب بالجوا مطروق كقوله: # أيا جبلي نعمان بالله خليا ... نسيم الصبا يخلص إلي نسيمها PageV01P013 ~~أجد بردها أو تشف مني حرارة ... على كبد لم يبق إلا صميمها # فإن الصبا ريح إذا ما تنفست ... على قلب محزون تجلى همومها # وكقول الشريف الرضي رحمه الله من قصيدة: # أو ما شممت بذي الأبارق نفحة ... خلصت إلى كبد الفتى المشتاق # فجنى نسيم الريح من نجد له ... حرق الحشا وتحلب الآماق # وعرفها يدل كل عارف ms22 ... إن فقدت من مودع الصحائف # العرف: الريح الطيبة، ويدل: من الدلالة بمعنى الهداية والإرشاد، ووصف ~~روائح الطيب بالدلالة معنى شائع بين الأدباء كقول ابن حجة: # وضاع شذاكم بين سلع وحاجر ... فكان دليل الظاعنين إليكم # والمراد بالعرف ها هنا ما يظهر من آثارها ويلوح من أسرارها تشبيها له ~~بالروائح الطيبة وإطلاقه عليه من الإستعارة المصرحة وذكر الدلالة ترشيح، ~~وقوله: إن فقدت إلى آخره يعني لا تستقل بالدلالة إلا بعد التجرد عن الأبدان ~~الشبيهة بالصحائف المستودع فيها وأما قبله فالدلالة إنما تصدر عن الجملة ~~الإنسانية بكمالها ومن ذلك ما ذكره بعض العلماء في سياق ذكر من يتوسل به ~~ويتبرك من الأنبياء والأولياء ما لفظه فثبت بذلك أنهم بعد وفاتهم لا تنقطع ~~آثارهم عن هذا العالم بل يحصل للمستمدين أتم خير وأكمل نفع، وأيضا تواترت ~~الأخبار وتكاثرت الآثار أنهم بعد مفارقتهم للدنيا يرشدون الطالبين ويمدون ~~المستمدين وأورد في معنى ما ذكره حكايات تدل على ذلك تركت إيرادها في هذه ~~النبذة. # وإن أتت في رقها محررة ... فهي لما قد خلقت ميسرة # قوله: وإن أتت معطوف على قوله: فإن خلت أي إن أتت النفس محررة في رقها ~~الذي هو عبارة عن بدنها، أي تعلق هذه حتى صدر عنها إثارة فهي ميسرة لما ~~خلقت له. # قال العلامة أبو السعود في تفسير قوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن ~~تقويم) ذكر بعض العارفين أن النفس الإنسانية مجردة ليست حالا بالبدن ولا ~~خارجا عنه متعلقة به تعلق التدبير والتصرف يستعمله كيفما شاءت فإذا أرادت ~~فعلا من الأفاعيل الجسمانية تلقيه إلى ما في القلب من الروح الحيواني الذي ~~هو أعدل الأرواح وأصفاها وأقربها منه وأقواها مناسبة إلى عالم المجردات ~~إلقاء روحانياي، وهو يلقيه بواسطة ما في الشرايين من الأرواح إلى الدماغ ~~الذي هو منبت الأعصاب التي فيها القوى المحركة للإنسان، فعند ذلك يتحرك من ~~الأعضاء ما يليق بذلك الفعل من مباديه القريبة والبعيدة، فيصدر عليه ذلك، ~~فهذه الطريقة وفي البيت تضمين للحديث عند مسلم من رواية جابر رضي الله ms23 عنه ~~قال: جاء سراقة بن جعشم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن فيم العمل اليوم فيما جفت به الأقلام ~~وجرت به المقادير أم فيما يستقبل؟ قال: فيما جفت به الأقلام وجرت به ~~المقادير. قال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له وكل عامل ~~بعمله. ومعناه على مذهب أهل العدل أن العبد ميسر لما خلق له من الطاعة ~~والعبادة لا حائل بينه وبينها فهو بمنزلة قوله: لا عذر لكم في هذا يسقط به ~~عليكم الأمر والنهي فأما آمركم بالعمل لتمكنكم وتيسركم منه فالحجة قائمة ~~عليكم بذلك. وقوله صلى الله عليه وسلم: كل عامل بعمله معناه ما علمه الله ~~سبحانه فهو كما هو لكن ذلك لا بدافع التمكن، بل بجامعه فلا تعلة بذلك هكذا ~~ذكره العلم الشامخ. # أولا فإن طبعها لطيف ... تسيل من رقتها الحروف # يعني: أولا تأتي محررة في رقها ومتعلقة ببدنها، بل تجردت مستقلة بذاتها ~~فإن طبعها حينئذ لطيف إذ هي من عالم الأمر والمراد أنها في نهاية اللطف ~~والرقة عند كمال تجردها وكذا قال بعض العارفين في معنى النفس هي لطيفة ~~ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسماني تعلق وتلك اللطيفة هي حقيقة ~~الإنسان وهو المدرك العالم العارف من الإنسان وهو المخاطب والمطالب ~~والمعاتب. # وقوله: تسيل إلى آخره يعني أنها تكاد لرقة ذاتها ولطف طبعها وصفاء جوهرها ~~تسيل منها الحروف الدالة عليها فهو جار مجرى التمثيل كما يقال فلان يسيل ~~طبعه رقة. PageV01P014 ما إسم سمى عن خاطر الأوهام ... وند عن غير ذوي ~~الإلمام # هذا شرع في تركيب السؤال على وجه الألغاز والإجمال، وحقيقة اللغز لغة على ~~ما ذكره في القاموس، ميلك بالشيء عن وجهه بالضم والألغوزة ما يعني به والغز ~~كلامه وفيه عمى مراده، وقال الشريف في تعريفاته: اللغز مثل المعمى إلا أنه ~~يجيء على طريقة السؤال كقول الحريري في الخمر: # وما شيء إذا فسدا ... تحول غيه رشدا # وقال بعض المحققين في حواشي شرح المفتاح: الألغاز والتعمية ms24 يطلق على قصد ~~الدلالة بالألفاظ دلالة عقلية بالغة في مراكز الخفي بحيث يصعب الانتقال منه ~~إلى تلك المدلولات العقلية. وهذا أوان الشروع في تفسير الأبيات مستعينين ~~بالله عزوجل، فتقول قوله سمى أي ارتفع وخاطر الأوهام يحتمل أن تكون ~~الإضافية بيانية وأن يكون استعارة بالكناية، شبه الأوهام بذي الخاطر تشبيها ~~مضمرا وأثبت من أمور لوازمه الخاطر والمعنى أن الأفهام قصرت عن إدراك ~~حقيقته، ومعرفة هويته وهو كذلك كما تقدمت الإشارة غليه في المقدمة حتى ~~تفرقت فيه المذاهب، وتباينت الآراء، ولم يعثر على فص الأمر وحقيقة الواقع ~~إلا البعض اليسير المشار إليه بقوله: وند عن غير ذوي الإلمام، أي أهل القرب ~~من الله والصفوة من عباده وندى من ند البعير، يند ندا إذا شرد ونفر. # قد وسع العالم طرا صدره ... وفاض في بر وبحر بره # يعني أن الروح الذي هو الحقيقة الإنسانية قد وسع صدره جميع العالم كما ~~وسعت المرأة صور ما قابلها وهو المعنى الذي أراده الشاعر بقوله: # وتحسب أنك خلق ضعيف ... وفيك انطوى العالم الأكبر # قال بعض العارفين: لما كان الإنسان حقيقة جامعة بحقائق العالم لطيفة ~~وكثيفة قد جمع في تركيبه جميع معاني الموجودات من البسائط والمركبات لأنه ~~مركب من جسد غليظ جسمان ومن نفس بسطية روحانية، فمن أجل هذا سمي الإنسان ~~عالما صغيرا، والعالم إنسانا كبيرا فإذا عزم على معرفة الموجودات ابتدأ ~~بمعرفة نفسه التي أقرب الأشياء إليه، ثم بعد ذلك سائر الأشياء: قلت: وإليه ~~يشير الحديث في قوله صلى الله عليه وسلم: من عرف نفسه عرف ربه، وتفصيل ذلك ~~منوط في موضعه، ويحتمل أن يكون معنى البيت أنه لإحاطته بالعلوم والمعارف قد ~~وسع صدره علم حقائق الموجودات، وهو معنى ما تقدم ذكره في المقدمة من أن ~~النفس عالمة لجميع المعقولات بالقوة فتستفيض المعاني وتفيضها بمجرد الصفاء ~~الخ. ومعنى فيضان بره في البر والبحر أنه لما كان مظهرا للخلافة الإلهية ~~التي ذكرها الله عزوجل في كتابه الكريم بقوله: (إني جاعل في الأرض خليفة) ~~ترتب على ذلك ظهور نعم الله ms25 على عباده بما أكرمهم من أنواع الإحسان وحباهم ~~بأصناف البر والامتنان غير منقطع عنهم، في كل زمان ومكان، والإضافة في بره ~~من إضافة المصدر إلى مفعوله ويحتمل أن الروح الإنساني لما كان من شأنه ~~إفاضة أنواع الخيرات وطبعه الميل إلى الباقيات الصالحات وصف بكونه مفيضا ~~لبره بالبر والبحر إذ هو لباب القشر وخلاصة السر. # ينظر بالعين إلى إنسانها ... ويطبق الطرف على أجفانها # قد علمت مما سبق أن النفس لما تعلقت بالبدن وعبر عنها كل أحد بقوله: إنا ~~سقط عليها أنها إذا نظرت بالعين التي هي آلة تدرك بها حقائق المبصرات أدركت ~~حينئذ من جملة ذلك إنسانها الذي هو هيكلها أو إنسان عينها على حذف مضامين ~~أي إنسان عين جنسها، ثم وصفها بكونها تطبق الطرف الذي هو العين على ~~أجفانها، فالضمير يعود إلى الطرف يطلق على معنى واحد وهو قوة مركبة في ~~العصبتين اللتين تلتقيان فتفترقان إلى العينين. # تصيخ بالأذن إلى صماخها ... وتخرج البيضة من فراخها PageV01P015 تصيخ من ~~الإصاخة وهو الإستماع والإصغاء، يقال: أصاخ وأساخ بمنعى واحد ذكره في ~~(معالم السنن) ولم يذكره الجوهري في السين، والصماخ بالكسر خرق الأذن ويطلق ~~على الأذن نفسها، كذا في القاموس، قال في (النهاية) وقد يقال بالسين أيضا ~~وهو آلة السمع الذي هو القوة المركبة في العصب المفروش على طاهر الصماخين ~~يدرك بها الأصوات، والمراد أنها تميل مستمعة بأذنها إلى ما ألقي في صماخها ~~من الكلمات المسموعة لتفرغه إلى خزانة الحس المشترك لأن الحواس الخمس ~~الظاهرة خدم وأعوان له يرفع كل منها ما جعل آلة له آلية، والإصاخة بالأذن ~~وغن كان حقها في الظاهر أن يكون إلى الكلمات لكنها لما كان الإدراك بواسطة ~~السماخ الذي هو محل القوة، علق الإصاخة به، وقوله: ويخرج البيضة إلى آخره، ~~الفرخ ولد الطائر، ومعنى إخراجها سلبها عن الفراخ وتجردها منه إذ هو أمر ~~نسبي، فكما يقال: خرج الفرخ من البيضة، يصرح أن يقال: خرجت البيضة من الفرخ ~~إذا خلت من الفرخ، ويحتمل أيضا أن الفرخ إذا قوي وبلغ إمكان ms26 أن يبيض صح ~~إخراج البيضة منه وتسميته فراخا حينئذ مجازا مرسلا علاقته الكون، ويعود ~~الضمير إلى البيضة باعتبار جنسها ويحتمل أيضا أن يكون المعنى على القلب ~~لغرض المبالغة في حصول الأثر والأصل ويخرج الفراخ من البيضة مثل عرضت ~~الناقة على الحوض، والوجه الأول أقرب والمعنى أن الفرخة البيضة إذا بلغ ~~حالة الإستعداد لقبول الروح تأثر عنه الأفعال التي منها الخروج والحركة. # ؟فائدة: قال بعض الحكماء: البيضة صارت رطبة لغلبة الماء ونقصان والهواء ~~والنار الطبيعة للأرض، فصفرة البيض تشبه طبيعة الهواء، وبياضها تشبه طبيعة ~~الماء، ولذلك يطير الطائر، والمادة الترابية أقل ولذلك لم يخلق له الأسنان ~~والأضراس والفرخ من البياض والصفرة غذائه. # يحول في الخال ما استقبل ... وينثني منخفضا إذا اعتلى # قد علمت أن الروح هو الجوهر المجرد عن المادة، فإذا استقبل أمرا يحول ~~إليه في حالته تلك بلا عائق يعوقه عن مراده من مكان ولا زمان، إذ لا يفتقر ~~إلى ذلك كما في الأجسام الكثيفة المحتاجة في حركتها إلى مسافة تقطعها، ~~وزمان تتمهل فيه، وشاهد ذلك أن الإنسان في نومه تجول نفسه بعالم الملكوت ~~حتى تشاهد عجائبه، ويضرب لها الأمثال التي هي عبارة عن أمور تصادفها في ~~اليقظة من خير أو شر وهي الرؤيا التي ورد بها صحيح الأخبار، ووضع لها علم ~~التعبير، فإذا استيقظ عادت إليه كلمح البصر، وهو معنى قوله: وينثني منخفضا ~~إذا اعتلى، ومن ذلك خروج روح المؤمن عند الموت وصعودها إلى سدرة المنتهى، ~~ثم تعود إلى الميت فتدرج في أكفانه، وفي بعض الأخبار، ترفرف عليه وتشاهد من ~~حضرها وتسمع كلامه حتى يدفن الميت، فيجيء بها لسؤال منكر ونكير كما حقق ذلك ~~مبسوطا في تذكرة القرطبي، ومن ذلك النفوس المقدسة المصفاة عن شوائب الكدورة ~~قد يحصل لها هذا المقام في اليقظة. قال الغزالي في (مشكاة الأنوار): العقل ~~الذي هو عبارة عن الروح يستوي عنده القريب والبعيد، بل يعرج في طرفة عين ~~إلى أعلى السموات رقيا وينزل في لحظة إلى تخوم الأرض هويا، بل إذا حقت ~~الحقائق انكشف ms27 أنه منزه عن أن يحوم بجنبان قدسه معاني القرب والبعد فإنه ~~أنموذج من نور الله # سكونه تحرك للفعل ... ففعله الشيء بغير شغل # يريد أن سكونه في البدن سبب لتحركه وظهور آثاره على الوجه الذي نقلناه ~~آنفا عن تفسير أبي السعود فراجعه، ففعله الشيء إذا رام بلا تجشم مشقة، ولا ~~مزاولة شغل، إذ هو يلقيه إلى ما في القلب من الروح الحيواني وهو يلقيه إلى ~~الدماغ بالوسائط وعند ذلك تتحرك الأعضاء لفعل ذلك المراد كما مر بيانه، ~~وقوله: سكونه مبني على ما ذهب إليه جمهور المتكلمين من أهل السنة ومنهم ~~الإمام يحيى وابن الخطيب في مفاتيح الغيب كما مر تحقيقه في المقدمات ويصح ~~أن يراد به التعلق كما ذهب إليه الغزالي ومن معه فسمي سكونا على طريقة ~~الإستعارة المصرحة. # الجسم منه الروح من سواه ... لطافة ولفظه معناه PageV01P016 الجسم مبتدأ ~~ومن للبيان، والضمير يعود إلى الإنسان المفهوم من السياق، والروح مبتدأ ثان ~~ومن سواه خبر عنه ولطافة تمييز، والجملة من قوله الروح إلى آخره خبر عن ~~الجسم، والمعنى أن الجسم الذي هو الشخص الروح المتعلق به حاصل من غيره، وهو ~~عالم الأمر من حيث اللطافة والتجرد عن المواد والتمييز للمضاف، أعني سواه ~~لعدم تعرفه بالإضافة بحسب ظاهر اللفظ، وإن كان المعنى فيه معلوما، وقوله: ~~ولفظه معناه إشارة ما ذكر في علم اللطيف أن للعقل في إدراكه حالتين، إما أن ~~يدرك مثال صورة الشيء، أو مثال حقيقته، فالأول ما يكون محسوسا فيرتسم في ~~القوة الباصرة وحينئذ تعتوره المقولات كالأين والوضع والكم والكيف فيناله ~~الحس من حيث هو مغمور في هذه العوارض التي تلحقه بسبب المادة، والثاني هو ~~المتجرد عن الشوائب المادية والمنزهة عن العوارض الجسمانية وهو المعقول ~~لذاته ومن أمثلته الروح فإنه ليس محسوسا حتى يناله الحس بعوارضه لنميزه بها ~~عما يشاركه، بل هو معقول محض ومعنى صرف وهو المراد بقوله ولفظه معناه. # ميت ومنه توجد الحياة ... حي وعنه يصدر الممات # حقيقة الحياة كما في (الكشاف) ما يصح بوجوده الإحساس، وقيل: ما يوجب ms28 كون ~~الشيء حيا وهو الذي يصح منه أن يعلم ويقدر، والموت عدم ذلك فيه ومثله في ~~التعريفات والمعتبر في حقيقة الموت، تقدم الحياة، إذ هو صفة وجودية مضادة ~~لها، وقد يصح إطلاقه على ما لم يتصف في حياة على جهة المجاز، وعليه يحمل ~~قوله ميت أي أنه قبل خلقه عدم محض حتى أحدثه الله فصدرت عنه الحياة في ~~البدن. وأما ما ذكره صاحب (الكشاف) في تفسير قوله تعالى: (كيف تكفرون بالله ~~وكنتم أمواتا) الاية من صحة كونه حقيقة أو مجازا حيث قال: فإن قلت كيف لهم ~~أموات في حال كونهم جمادا وإنما يقال ميت في ما يصح فيه الحياة من البنى، ~~قلت: بل يقال ذلك لعادم الحياة كقوله (بلدة ميتا) وآية لهم الأرض الميتة، ~~أموات غير أحياء، ويجوز أن يكون استعارة لاجتماعهما في أن لا روح ولا إحساس ~~فمبني على وجود الموصوف في الخارج وهو غير ما هنا ويحتمل أيضا أنه قبل ~~تعلقه بالبدن وبعد خلقه ساكن لا يصدر عنه أثر فهو حينئذ ميت حقيقة كما يشعر ~~به عبارة القاموس في قوله: ومات سكن ونام وبلي، ومعنى قوله: حي إلى آخره، ~~أي أنه بعد ظهور حياته وتصرفه في البدن يصدر عنه بعد ذلك الممات المحتوم ~~على العباد. # فكم أصاب ميتا فأحيى ... وكم أمات من يريد وحيا # يعين أنه كثيرا ما أصاب الميت بتعلقه به عن أمر الله فيحييه، ووصفه ~~بالموت قبل أن ينفخ فيه الروح إما حقيقة أو استعارة كما ذكره صاحب (الكشاف) ~~فيما نقلناه عنه آنفا، أو القضايا الواقعة كمعجزات عيسى عليه السلام، ~~والوحي في اللغة، الإشارة والكتابة والمكتوب والرسالة والإلهام والكلام ~~الخفي، وكلما ألقيته إلى غيرك ذكره في القاموس فالمعنى حينئذ وكم أمات من ~~يريد أن يصدر عنه ما ناسب حاله من تلك المعاني وهو كناية عن إرادة الحياة، ~~وكأنه قال: كم أمات من يريد الحياة بمفارقته بعد أن كان مصاحبا له. # في ساعة يفترس الأبطالا ... كأنه يسرح الآجال # الإفتراس: الاصطياد وفرس الأسد فريسته، يفرسها، دق عنقها، والأبطال ms29 جمع ~~بطل محركة وهو الرجل الشجاع، سمي به لأنه يبطل جراحته أو لأنها تبطل عنده ~~دماء الأقران، والمعنى أنه عند حياة الجسم به يفترس الأبطال عند مباشرته ~~للقتال ومصابرته للنزال حتى كأنه لما يصدر عنه من إتلاف النفوس يصرف ~~الآجال. # فإن أمات بطلا أحياه ... كان عيسى سره حباه # يريد: إذا افترس بطلا فأماته أحياه بخروج روحه لأن النفس إذا انفصلت من ~~البدن صادفت الحياة الأبدية، فسعدت بالاستعداد لقبول فيض العقل الفعال، ~~وأنست بالإتصال به على الدوام، وانقطعت حاجتها عن النظر إلى البدن ومقتضى ~~الحواس بعد أن كان يجاذبها ويشغلها ويمنعها عن الإتصال، فإذا انحط عنها شغل ~~البدن بالموت ارتفع الحجاب، وزال المانع. وقوله: كأن عيسى إلى آخره، يشير ~~إلى ماخصه الله تعالى من إحياء الموتى، بإذنه عزوجل، فكأن المفترس أعطاه ~~عيسى عليه السلام سره من الأحياء حيث صار البطل بموته إلى الحياة الكاملة. ~~PageV01P017 والحرف منه منتف في الرسم ... والفعل منه ثابت للإسم # قد عرفت في تفسير قوله آنفا وغن خلت من صفحة الرقيم أنه يعبر بالحرف في ~~اصطلاح القوم من الحقائق البسيطة، وأن بعض متكلميهم أنهى الحروف إلى ثمانية ~~أقسام، وجعل منها الحروف الروحية، وهي الأرواح النورية، فيكون المعنى أن ~~حقيقة الروح المعبر عنها بالحرف اصطلاحا منتف في ظاهر الرسم وهو البدن ~~المشبه بالصحيفة فليس المدرك إلا إثارة وهو معنى قوله والفعل منه ثابت في ~~الإسم، أي أفعاله الظاهرة ثابتة بإسمه مدركة في الحواس. # إن زالت العين رأى حال العمى ... حتى يرى في أرضه ما في السماء # المراد بالعين هنا ذات الشيء كما هو أحد معانيها، ومعنى زوالها، فناها عن ~~نفسها واستهلاكها في الله تعالى على ما ذكره علماء الطريقة. قال المحقق ~~الشريف في تعريفاته: الفناء، سقوط الأوصاف المذمومة، كما أن البقاء وجود ~~الأوصاف المحمودة، والفناء فناءان: أحدهما ما ذكرنا وهو بكثرة الرياضات، ~~والثاني عدم الإحساس بعالم الملك والملكوت، وهو الإستغراق في عظمة الباري ~~ومشاهدة الحق. # قال الشيخ شهاب الدين السهروردي: وإشارات الشيوخ في الإستغراق والفناء ~~كلها عايدة إلى تحقيق ms30 مقام المحبة باستيلاء بنور اليقين وخلاصة الفكر على ~~القلب. وقوله رأى حال العمى، يريد به ما ورد في حديث الجامع عن أبي رزين ~~قال: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: كان في عماء تحته ~~هواء وفوقه هو. قال في (النهاية) هو بالفتح والمد، السحاب قال أبو عبيد: لا ~~ندري كيف كان ذلك العماء. وفي رواية في عمى بالقصر ومعناه ليس معه شيء، ~~وقيل: أمر لا يدركه عقول بني آدم ولا يبلغ كنهه الوصف، ولا بد من قولهس: ~~أين كان ربنا من مضاف محذوف كما حذف في قوله تعالى (يوم يأتي ربك) فيكون ~~التقدير أين كان عرش ربنا ويدل عليه قوله تعالى وكان عرشه على الماء. قال ~~الأزهري: نحن نؤمن به ولا نكيفه بصفة أي يجري اللفظ على ما جاء عليه من غير ~~تأويل وهذه الطريفة يريدون به المرتبة الأحدية والمعنى في البيت أنه عند ~~زوال العين بالفناء تضمحل الأكوان في شهوده حتى يتحقق قوله: كان الله ولم ~~يكن معه شيء وهو الآن على ما كان عليه. وقوله: حتى يرى في أرضه أي يرى ~~ويدرك وهو في أرضه ما في السماء فلا يغيب عنه شيء من الحقائق لتجرده عن ~~جميع الأسباب والعلائق. # أفلاكه تدور بالأفلاك ... وفلكه يسيح بالأملاك # الأفلاك: جمع فلك، محركة مدار النجوم، والفلك بالضم: السفينة. يريد أن ~~أفلاكه التي هي عبارة عن أجساده على طريق الإستعارة تشبيها بأفلاك النجوم ~~التي هي ظرف لما تعلق بها، تدور بدوران الأفلاك السماوية إذا الزمان كما ~~قيل مقدار حركة الفلك،والمراد أنها لا تزال حادثة متعاقبة مدة دوران حركة ~~الفلك، والمراد أنها لا تزال حادثة متعاقبة مدة دوران الأفلاك إلى انقطاع ~~عمر الدنيا. وقوله: وفلكه إلى آخره استعار الفلك لهذا النوع الإنساني ~~ورشجها بذكر السبح، ومعناه لما كانت الملائكة الكرام موكلين بحفظه كاتبين ~~بخيره وشره كان فلكه سابحا في بحر زمانه بمصاحبة الأملاك. # وها هنا يحسبه الظمآن ... ماء فلا يسعده البيان # فإن تقل ما هو فعذب النهر ... وغص لدر ms31 سره في البحر # يعني أن الأوصاف التي ذكرها رحمه الله من قوله: إن زالت العين إلى آخره، ~~وقوله: وفلكه يسبح إلى آخره، ربما أشعرت بأن المراد منها الماء وهو لا ~~يسعده البيان بسائر الأوصاف التي هي عنه بمعزل ثم عاد إلى سرد الأوصاف ~~فقال: فإن تقل ما هو يعني إن سألت ما حقيقته فأفزع إلى النهر وعذبه حتى ~~تعلم ما هو ذلك لأن الماء محل حياة أرواح الحيوانات البحرية كما أن الأرض ~~محل حياة الحيوانات البرية وكذلك الكلام على قوله: وغص لدر سره إلى آخره. # فإنه والنار قد تعاشقا ... وقلبه لقلبها قد وافقا # قال في (الكشاف): النار جوهر لطيف مضىء بحار محرق، والنور ضؤوها وضوء كل ~~نير، وهو نقيض الظلمة، واشتقاقها من نار ينور إذا نفر لأن فيها حركة ~~واضطرابا والنور مشتق منها PageV01P018 إذا عرفت هذا فالروح الإنساني يسمى ~~نورا وهو أولى باسم النور كما حققه حجة الإسلام في كتابه (مشكاة الأنوار) ~~قال فيه بعد أن ذكر ما في نور الباصرة من أنواع النقصان ما لفظه: فإن كان ~~في الأعيان عين منزهة عن هذه النقائص كلها فليت شعري هل هي أولى باسم النور ~~أو لا، فاعلم أن في قلب الإنسان عين هذه صفة كمالها وهي التي يعبر عنها ~~تارة بالعقل وتارة بالروح، وتارة بالنفس الإنساني، إلى أن قال: فنعني به ~~المعنى الذي يتميز به العاقل عن الطفل الرضيع وعن البهيمة والمجنون، ~~ولنسميه عقلا متابعة للجمهور في الاصطلاح فنقول: العقل أولى بأن يسمى نورا ~~من العين الباصرة لرفعه قدره عن النقائص إلى آخر كلامه، فيكون المعنى حينئذ ~~أن الروح الذي سبقت له هذه الأوصاف هو والنار قد تعاشقا، أي اتفقا في أشرف ~~وصفيهما وهو النورية وإن كان الروح أولى به منها. وقوله: وقلبه لقلبها قد ~~وافق يريد بالقلب وسط كلمتهما، وتوافقهما: اتحادهما من الإشتقاق فإن عين كل ~~منهما واوا إذ أصل نارا نورا تحركت الواو وانفتح ما قبلها وقلبت ألفا. # وهو إذا جن الظلام الداجي ... شعشع شمس الراح في الزجاج # واستقبل ms32 الليل بصفو الراح ... حتى ينير فلق الصباح # جن الظلام واجنة إذا ستره، ودجى الليل: شدة ظلمته، وشعشع الشراب بالماء ~~إذا خلطه، وشمس الراح من باب لجين الماء، والراح: الخمر، وفلق الصباح ~~بالتحريك: ضؤوه وإنارته، والفلق: الصبح نفسه. والمعنى أنه حين أن يجن ~~الظلام وتأتي على الأنفس نوبة المنام، يتجرد عن الموانع الجسمانية ويتصل ~~بالعوالم الروحانية، فحينئذ يشعشع شمس راح الأفراح في زجاج المسرة ~~والإرتياح بما يشاهده من عالم الأرواح. قال بعض العارفين: لما كان الإنسان ~~أخذ شبها من الملكية والبهيمية فكان للنفس نظرا إلى عالم الخلق وبهذه ~~اللطيفة أشرف على عالم الغيب إذا صدقت الرؤيا بأن النفس في تلك الحالة تبقى ~~فارغة عن شغل الحواس لتستعد للإتصال بالجواهر العقلية التي فيها نفس ~~الموجودات المعبر عنها في الشرع باللوح المحفوظ وهذا يختلف باختلاف صفاء ~~النفس وكدورتها كالنفوس الصافية عن كدورات الذنوب يقوي إدراكها وينطبع في ~~مرآتها جميع ما قابلته من عالم المثال بخلاف العكس. # وكأسه من راحه مصور ... وراحه م، كأسه متصر. # لما ذكر الناظم قدس سره من أوصافه أنه إذا جن الظلام شعشع شمس الراح ~~بالزجاج عقبه بما يصرف المعنى عن ظاهره وأنه ليس بهذا الراح المعروف في ~~الزجاج المعهود بل هو نوع غريب ونمط عجيب، وذلك أن كاسه مصور من راحه، ~~وراحه معتصر من كأسه، والمعنى أنه من صفاء جوهره ورقة عنصره لا يفتقر في ~~إدراكه الأشياء إلى آلات وأدوات بل يشاهد الأمور العجيبة الشأن والمعاني ~~التي لا يحيط بها البيان بذاته وجوهره لا غير. # حياته عند حلول رمسه ... وليله وقت طلوع شمسه # الرمس: القبر، استعير لمضجع الرجل عند نومه بجامع المشابهة، فإن النوم ~~أخو الموت. وفي قوله تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها) الآية ما يدل ~~على ذلك، وكذا ما جاء من الأدعية المأثورة عند النوم أن يقول الرجل: اللهم ~~إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين، ~~وعند الإستيقاظ: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور. والمعنى ~~أن حياته الكاملة في تجرده ms33 عن الإشتغال بالحواس وذلك عند سكون مضجعه الشبيه ~~بحلول رمسه، وقوله: وليله إلى آخره، يعني أنه عند تطلع الشمس ويرجع الروح ~~إلى هيكلها يحجبها الحواس بما يشغلها عن استقلالها بالتصرف في عالم الملكوت ~~فكأنها داخلة في ظلمة كثيفة كظلمة الليل، ثم قرر هذا المعنى ورشحه بقوله: # ظلمته تنير في غيهبها ... وشمسه تطلع من مغربها # يعني أن ظلمته الداجية منير صاحبها ومطروقها في غيهبها على الإسناد ~~المجازي، والمراد أن الروح تنير بتجردها وفراغها من شواغل الحواس الظاهرة ~~والباطنة وذلك عند النوم في ظلمة الليل، ومعنى طلوع شمسه أنها بعروجها عند ~~النوم طالعة في آفاق الملكوت من محل غروبها أي غيبتها عن جسمها واستقلالها ~~عنه وإطلاق الشمس عليه استعارة ولفظ مغربها ترشيح. PageV01P019 البدر منه ~~غالب في الشمس ... ويومه الحاضر عين الأمس # لما وصف الناظم قدس سره أن نهاره التي تطلع فيه شمسه ويظهر فيه إنارته هو ~~الليل الذي جعله الله وقتا للمنام رشحه ووصفه بأن بدره الذي هو عبارة عن ~~هيكله وشخصه غارب في الشمس، ومعنى غروبه بها، سكون حركاته وسقوط قواه بعارض ~~النوم، فقد استعار البدر للشخص كما استعار الشمس للروح ورشحها بقوله غارب ~~على طريقة الإستعارة أيضا، إذ فيه تشبيه جمود الجوارح وعدم إحساسها عند ~~النوم مع كمال تجرد الروح باستهلاك ضوء البدر في نور الشمس وفي قوله: يومه ~~الحاضر إشارة إلى أنه غير مختلف باختلاف الزمان كما في الأبدان المعتورة ~~بالزيادة والنقصان وما يشاهد من تفاوت الأشخاص في مراتب الإدراك فلكمال ~~الإستعناد ونقصانه والله سبحانه أعلم. # إذا رأى مستبصرا فقد عشى ... أو حار في طريقه فقد مشى # يريد أنه حين تعلقه بالبدن وافتقاره في إدراك الحقائق إلى الحواس إذا رأى ~~في حال طلبه الإستبصار بأمر فقد عشي أي ضعف إدراكه لأنه لا يتوصل إلى ~~مطلوبه إلا في استعانة الحاسة البصرية وقد تخونه في إدراكها، كما يقال: ~~البصر كالظن يخطىء ويصيب ثم غنه لا يدرك إلا الأمور الظاهرية القريبة مع ~~انتفاء الموانع وسلامة الآلات. وقوله: أو حار أي أو تحير ms34 في طريقه بأن تعلق ~~بالبدن وفارق ما كان عليه من التجرد فقد ظهرت آثاره ومشى حينئذ. # إن أدرك الأشياء بالنهار ... ظاهرة بينة الآثار # شكى إلى الله ذهاب النور ... من عينه شكاية الضرير # قد تقدم في تفسير البيت السابق ما يرشد إلى معنى ما أراده الناظم ها هنا، ~~فهو أن الروح إذا بالبدن وظهرت فيه أفعاله واحتجب بحجب الحواس، وأدرك بها ~~الأشياء في النهار ظاهرة منارها بينة آثارها على مقتضى ما تعطيه قواها ~~ويبلغ إليه مداها فزع إلى الله سبحانه بالشكوى لذهاب نور بصره باستيلاء ~~النوم عليه، وقوله شكاية الضرير قد تقدم في تفسير البيت السابق ما يرشد إلى ~~معنى ما أراده الناظم ها هنا، فهو أن الروح إذا تعلق بالبدن وظهرت فيه ~~أفعاله واحتجب بحجب الحواس، وأدرك بها الأشياء في النهار ظاهرة منارها بينة ~~آثارها على مقتضى ما تعطيه قواها ويبلغ إليه مداها فزع إلى الله سبحانه ~~بالشكوة لذهاب نور بصره باستيلاء النوم عليه، وقوله شكاية الضرير: أي شكاية ~~الأعمى لفقدان نور بصره. # عكس شهور غيره شهوره ... تكمل في أولها بدوره # قوله: عكس شهور غيره خبر مقدم عن مبتدأ مؤخر هو قوله شهوره، والمعنى أن ~~شهوره معاكسة لشهور غيره في أن بدوره تكمل في أولها وكمال غيرها في أواسطها ~~كما جرت به العادة المألوفة، وقد عرفت مما تقدم أن المراد بالبدور هياكل ~~الأرواح، ونعني بالشهور هنا مدة العمر، والمعنى أن الجسم في حال استكمال ~~قوته وريعان شبابه وهو ابتداء عمره المعتد به إذ نفوس الأطفال ومن لم يبلغ ~~سن التمييز غير متأهلة لقبول الفيض الإلهي قد عاكس شهور غيره من حيث أن ~~كمالها في أوساطها وهو في أولها، والأولية في هذا المقام إضافية بالنسبة ~~إلى ما بعده من الانتقال إلى ضعف الكبر والشيخوخة ثم رشح هذا البيت بقوله: # ونقصها لتمه علامة ... حتى يرى أحقر من قلامة # يعني أن نقصان بدوره التي هي عبارة عن هياكله علامة بتمامه وبلوغه الغاية ~~في الكمال والإستقامة، كما قيل ما استقامت قناة رأي البيت ولا ms35 تزال بدوره ~~في نقصان حتى ترى أحقر من قلامه مبالغة في شدة الهرم والبلوغ إلى أرذل ~~العمر وهو استعمال متداول في ألسنة البلغاء عند المبالغة بالتشبيه، وليس ~~المراد بتمامه أنه كان ناقصا لما عرفت في المقدمة أن كماله بكمال الإستعداد ~~لقبوله. # يمشي إلى قدامه إذا نكص ... ويستبين زائدا إذا نقص # يريد أن من شأنه إذا نكص راجعا إلى وطنه الأول أن يمشي إلى قدامه لتوجهه ~~نحوه، وقوله: ويستبين إلى آخره، أي يظهر كمال قوته وزيادة استدراكه إذا نقص ~~بعدم تعلقه بالبدن. # يسبق في مسيره كل الورى ... إذا مشى مقهقرا إلى الورى PageV01P020 قوله: ~~إذا مشى ظرف ليسبق والمراد أنه إذا انفصل من عالم الأرواح واتصل بعالم ~~الأشباح كان في سرعة المصير إليها بحيث لا يسبقه أحد من الورى لأنه للطاقة ~~جوهره وحدوثه من عالم أمره، لا يحتاج إلى مسافة يقطعها ولا زمن يمر عليه ~~وإنما جعله مقهقرا إلى الورى لأنه حال انفصاله ووجهه نحو ما انفصل عنه وهو ~~معنى ما أشار إليه الغزالي كما سبق في المقدمة حيث قال: فيكون وجهه إلى ~~أصله وإنما يقبل على البدن رعاية لصلاحه لا لضرورة ذاته، وإذا كان وجهه إلى ~~أصله ينال الفوائد من جانب الأصل أكثر مما ينال من جهة الشخص فكان عند ~~اتصاله بمتعلقه راجعها إلى الورى ثم أوضح ذلك بقوله: # فأعجب له يأتي كلمح الطرف ... مستبقا ومشيه للخلف # يريد أنه مما يتعجب من أمره إذ يأتي إلى هيكله كلمح البصر مستبقا أي ~~سابقا غيره والحال أنه في سبقه يمشي إلى خلفه واستبق ها هنا بمعنى سبق. # إن رام أن يرقى إلى العلو ... فإنه يسمو إلى الدنو # يحتمل وجهين: أحدهما أنه إذا أراد الرجوع إلى ما كان عليه قبل التعلق وهو ~~جهة العلو ومستقر عالم الملكوت، فقد سما إلى الدنو من حيث أن الغالب على ~~النفوس البشرية بعد تلبسها بهياكلها الكثيفة يتكدر صفاها بسبب ما تلوثت به ~~من دواعي الشهوات والإخلاد إلى اللذات فإذا انفصلت من التعلق راجعة إلى ~~العلو فقد سمت إلى ms36 الدنو، أي دنو حالها عما كانت عليه، ثانيهما أنه إذا رام ~~أن يبقى إلى العلو بما يحصل له من الصفاء كما في نفوس الخاصة، فإنه يسمو ~~إلى الدنو من عالم المجردات أي القرب منها والله أعلم. # وإن رقى واجتنب التنكيسا ... صادف في طريقها انكيسا # يعني وإن رقى إلى ذلك العالم، واجتنب ما يوجب تنكيسه، أي إرجاعه إلى ما ~~كان عليه من المشاق عند تعلقه بهيكله، ومعنى إرجاعه بقاه على الحالة التي ~~صادفها من المحن وتعب الحياة بسبب تفريطها بالقيام بالواجبات، وعدم تجنب ~~المنهيات، فقد صادف انكيسا في طريقها، والانكيس كما جاء في القاموس، شكل من ~~أشكال الرمل على صورة وهم يعبرون به عن النحوس، والمراد هنا نحوسه بما ~~يحمله من أعباء التكاليف وتجشم مشاق الدنيا، وإن كانت عند المخلصين من أجل ~~السعادات إذ بها يتوصلون إلى ما يزلفهم إلى الله وينيلهم النعيم السرمد. # قد أحكم الرمي فما يخطي الشعر ... لكن يعود سهمه إلى الوتر # وقوسه الحاجب لا المسمى ... والعين منه سهمه المعمى # يعني أنه بعد تلبسه بالبدن قد أحكم الرمي بسهم عينيه وهو معنى شائع ~~الإستعمال بين الأدباء في تشبيههم نظر الأعين برمي السهام، فقد استعار هنا ~~الرمي للنظر ورشحها بقوله: فما تخطى الشعر، وهو كناية عن الإصابة في ~~الإدراك، وبقوله: لكن يعود سهمه إلى الوتر، وفي لفظ السهم استعارة أيضا عن ~~العين كما فسره بها فيما بعد، ومعنى عوده إلى الوتر، رجوع الطرف بعد حصول ~~الإدراك وأوضح الاستعارة بذكر المشبه به في تركيب آخر بأن قوسه هو الحاجب ~~لا المسى المعروف حقيقة وأن سهمه المعمى باستعارته هو عينه. # سواده يخجل وجه النور ... ونوره أخفى من الديجور # قال في (القاموس): السواد: الشخص ومن القلب حبته فإذا كان معناه شخصه ~~فالمراد أن ذاته وحقيقته تخجل وجه النور لما عرفت أنه النور الكامل وأن ~~سائر الأنوار بالنسبة غليه ناقصة بمراتب كما أوضحه الغزالي في (مشكاة ~~الأنوار) ومع ذلك فنوره أخفى من الديجور إما لعدم تشكله للناظرين حتى ~~يعرفوه بأوضافه الظاهرة، أو لأنها ms37 حارت الأفكار في إدراك ماهيته كما أشير ~~إليه بالمقدمة، وإذا كان معناه حبة القلب، فهو اللطيفة النورية المتعلقة ~~بها ويكون معناه كما ذكر. # يطير من غير جناح في السماء ... يسبح كل ساعة في غير ماء # أي أنه يجول طائرا في ملكوت الله تعالى كما يجول الطائر، لكن بلا جناح، ~~ومعناه أنه يدرك العوالم العلوية إما بطريقة الكشف، أو بتوقيفه م العلوم ~~الشرعية، وكذلك معنى قوله يسبح إلى آخره. # يمد ثوب ستره على الملا ... وشأنه كشف الستور والملا PageV01P021 الملاء ~~الأول بفتح الميم يطلق على معان شتى، والمراد منها جماعة الناس، والثاني ~~بالضم جمع ملائه وهي الريطة من الثياب، والمعنى أن من أوصافه أن يمد على ~~الملأ ثوب ستره أي الأبدان الساترة له حتى لا يظهر منه إلا آثاره فيها ~~تشبيها لها بالثياب الساترة لما فيها. ثم قال: وشأنه أي حاله بعد انبساط ~~ثوب ستره كشف الستور والملا لأنه من جملة أفعاله وتأثيراته وفي البيت ~~الجناس المحرف. # ويكتسي الثوب اليماني جسمه ... في كل حين والتعري حكمه # يعني أنه بعد تلبسه بالبدن، يصدق عليه أن جسمه يكتسي الثوب اليماني في كل ~~حين إذ جعله الله ريشا لمواراة سوأته ولباس التقوى، وحينئذ فالتعري حكمه أي ~~شأنه إذ لا بد من التعري عند أن تدعو إليه الحاجة. # إن لبس الستر تبدت عورته ... وإن تعرى تتوارى سوأته # هذا المعنى راجع إلى قوله: يمد ثوب ستره على الملأ، والمعنى أنه بعد ~~تعلقه بالجسم وتستره به يصدق عليه أنه ذو عورة باعتبار متعلقه وإن تعرى عن ~~لبس الستر الذي هو الجسم بأن تجرد عنه، تتوارى سوأته أي عورته إذ لم يتصف ~~بعورة ولا عدمها لعدم تعلقه بما يستلزم ذلك. # هذا فمن طابق كل معنى ... حتى رآه خارجا وذهنا # فحسبه قد أدرك العلوم ... وحصل المنطوق والمفهوم # وحاز بالعلامة الشيرازي ... وحاز محصول الإمام الرازي # وفاق في الحكمة جالينوسا ... وفي علوم الفقه بطليموسا # وكان في معرفة اليونان ... مرجحا في كفة الميزان # ويغفر الله لنا ما كتب ... من كل ما خالف نهج ms38 الأدبا # هذا آخر ما أورده الناظم قدس سره، والمعنى من هذه الأبيات واضح لا يفتقر ~~إلى بيان، والله المستعان، وعليه الإعتماد، وبه التكلان، والحمد لله رب ~~العالمين. PageV01P022 ms39